بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
العدد: 188
م/ جواز الصوم لمن سافر بعد الفجر
الحمد لله الذي أنعم علينا بصدور مائتين وستة وستين جزء من (معالم الإيمان في تفسير القرآن) في سورة البقرة وشطر من سورة آل عمران في آية علمية جهادية لم تطل على الأرض مثلها .
الحمد لله الذي جعل التكاليف رحمة وزلفة إليه وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.
ولقد ازداد سفر الناس في هذه الأيام وهو من النعم الإلهية بكثرة المركبات وتعددها فمنها البرية والجوية والبحرية، وإتصافها بالسرعة الفائقة , فتقاربت البلدان , وتشعبت المصالح، وتوسعت موارد الرزق وطلب المعيشة مما يقتضي التدبر في النصوص بما فيه التخفيف عن المؤمنين من غير خروج عن الكتاب والسنة، والمشهور جواز بقاء المكلف على صومه إن سافر بعد زوال الشمس وفيه نصوص بلحاظ ذهاب عامة النهار، ولكن وردت نصوص أخرى في طولها تفيد المعنى الأعم وجواز الصوم لمن سافر بعد طلوع الفجر منها:
الأول: في صحيحة رِفاعة قال : سألت أبا عبد الله الصادق عليه السلام عن الرجل يعرض له السفر في شهر رمضان حين يصبح ، قال : يتم صومه يومه ذلك والمراد من (حين يصبح) أي يطلع عليه الفجر وهو مقيم فنوى السفر بسبب أمر عارض ، قال تعالى [وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ]( ) أي أضاء وبدأ أوله ، وظاهر النص وجوب الصيام ولكنه يفيد الإستحباب بالجمع بينه وبين النصوص الأخرى .
الثاني: وفي الصحيح عن ابن أبي عمير ، عن رِفاعة قال : سألت الإمام الصادق عليه السلام عن الرجل يريد السفر في رمضان ، قال : إذا أصبح في بلده ثم خرج فان شاء صام وإن شاء أفطر( ).
ويفيد الخبر التخيير بين الصيام والسفر عند العزم على السفر في صباح يوم الصيام مطلقاً ، سواء نوى السفر من الليل أو عند الصباح , ورفاعة هو رِفاعة بن موسى الأسدي النخاس / كوفي ثقة مسكون إلى روايته ، له كتاب مّبوب في الفرائض ، ورد في إسناد نحو سبعين رواية عن الإمام الصادق والكاظم (ع) ولا يروي محمد بن أبي عمير إلا عن الثقة .
ورفاعة هذا غير رفاعة بن شداد الكوفي الفقيه القارئ الذي هو من خيار أصحاب الإمام علي بن أبي طالب ، وهو بجلي ومن الرهط الذين تولوا تجهيز أبي ذر عند وفاته غريباً وحيداً في الربذة في شهر ذي الحجة من سنة (32) للهجرة.
وحين سمع أبو ذر ببعثة النبي (ص) بعث أخاه إلى مكة ثم حضر والتقى النبي (ص) وأسلم ، وأمره النبي (ص) للعودة إلى قومه غفار في اليمن ودعوتهم للإسلام .
ثم التحق بالنبي محمد (ص) بعد معركة بدر وأحد ليلازمه في المعارك كلها ، وكان حامل لواء غفار يوم حنين ، وعندما سار النبي (ص) إلى تبوك تخلف أبو ذر بسبب إبطاء بعيره عليه ، فتركه وأخذ متاعه وجعله على ظهره وصار يعدو ماشياً خلف جيش المسلمين .
وأبو ذر الغفاري رابع أربعة دخل الإسلام ونُفي إلى الربذة أيام عثمان ، وحضر فيها أجله ولم يكن معه إلا امرأته وغلامه (فأوصاهما أن غسلاني وكفناني ثم ضعاني على قارعة الطريق فأول ركب يمر بكم فقولوا هذا أبو ذر صاحب رسول الله فأعينونا على دفنه فلما مات فعلا ذلك به
ثم وضعاه على قارعة الطريق فأقبل عبد الله بن مسعود ورهط من أهل العراق عمارا فلم يرعهم الا بجنازة على الطريق قد كادت الابل تطأها وقام إليهم الغلام فقال هذا أبو ذر صاحب رسول الله فأعينونا على دفنه قال فاستهل عبد الله بن مسعود يبكى ويقول صدق رسول الله تمشى وحدك وتموت وحدك وتبعث وحدك ثم نزل هو وأصحابه فواروه)( ).
(فلما حضرت أبا ذر الوفاة، وذلك في ذي الحجة سنة ثمان من إمارة عثمان، قال لابنته: استشرفي يا بنية هل ترين أحداً؟ قالت: لا، قال: فما جاءت ساعتي بعد، ثم أمرها، فذبحت شاةً، ثم قصبتها. ثم قال لها: إذا جاءك الذين يدفنونني فقولي لهم: إن أبا ذر يقسم عليكم ألا تركبوا حتى تأكلوا. فلما نضجت قدرها قال لها: انظري هل ترين أحداً؟ قالت: نعم، هؤلاء ركب مقبلون، قال: استقبلي بي الكعبة، ففعلت، وقال: بسم الله، وبالله، وعلى ملة رسول الله. ثم خرجت ابنته، فتلقتهم، وقالت: رحمكم الله، اشهدوا أبا ذر! قالوا: وأين هو؟ فأشارت لهم إليه، وقد مات، فادفنوه، فقالوا: نعم، ونعمة عين، لقد أكرمنا الله بذلك. وإذا ركب من أهل الكوفة فيهم عبد الله بن مسعود، فمالوا إليه، وابن مسعود يبكي ويقول: صدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يموت وحده، ويبعث وحده. فغسلوه، وكفنوه، وصلوا عليه، ودفنوه. فلما أرادوا أن يرتحلوا قالت لهم ابنته: إن أبا ذر يقرؤ عليكم السلام، وأقسم ألا تركبوا حتى تأكلوا. ففعلوا. وحملوهم حتى قدموا بهم مكة، ونعوه إلى عثمان، فضم ابنته إلى عياله وقال: يرحم الله أبا ذر.)( ).
وكان له ولد اسمه ذر وبنت ، وكان أدماً ، ضخماً ،جسيماً ، كث اللحية ، طويل زاهد ، يحب الفقراء .
الثالث: في خبر سماعة قال : قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : من أراد السفر في رمضان فطلع الفجر وهو في أهله فعليه صيام ذلك اليوم ، إذا سافر لا ينبغي له أن يفطر ذلك اليوم وحده(2) وسماعة بن مهران الحضرمي مولى عبد بن وائل بن حجر الحضرمي كان يتجر في القز نزل الكوفة محلة كندة وهو ثقة من رواة الحديث من الطبقة الخامسة ، وورد في إسناد (222) مورداً في الروايات ، روى عن الإمام الصادق والكاظم والرضا (ع)، وقال الصدوق إنه واقفي وتبعه الشيخ الطوسي .
والمشهور والمختار دلالة لفظ ينبغي على الإستحباب,ونفيه على الكراهة.
الرابع: في خبر سماعة قال : سألته عن الرجل ، كيف يصنع إذا أراد السفر ؟ قال : إذا طلع الفجر ولم يشخص فعليه صيام ذلك اليوم ، وإن خرج من أهله قبل طلوع الفجر فليفطر ولا صيام عليه(3).
الخامس: وفي صحيحة سليمان بن جعفر الجعفري عن الإمام الرضا عليه السلام: إذا أصبح في أهله فقد وجب عليه صيام ذلك اليوم إلا أن يدلج دُلجة) أي يسير وقت السحر وآخر الليل(4).وسليمان بن جعفر الجعفري ثقة ، وله كتاب .
وقد أعرض مشهور المتقدمين والمتأخرين عن هذه الأخبار، واحتار بعضهم في الإختلاف بين النصوص، ومنهم من حملها على التقية، ولكن الأمر أعم، ويبين الإعجاز في النصوص، وموافقتها للكتاب، ومناسبتها في اختلافها للتباين في أحوال الناس وما يطرأ عليهم , ومنه التقارب بين الأمصار وسهولة السفر، وكثرته، واتخاذه وسيلة لطلب الرزق، مع الحرص على الجمع بينه وبين الصيام، وهذا الحرص أصبح ظاهراً وأمراً ملحاً وسؤالاً إبتلائياً متكرراً.
السادس: في كتاب من لايحضره الفقيه للشيخ الصدوق سأل زكريا بن آدم أبا الحسن الرضا عليه السلام ” عن التقصير في كم يقصر الرجل إذا كان في ضياع أهل بيته وأمره جائز فيها يسير في الضياع يومين وليلتين وثلاثة أيام ولياليهن؟ فكتب: التقصير في مسيرة يوم وليلة) وهناك ملازمة بين التقصير في الصلاة والإفطار إلا ما دل الدليل على خلافه .
وحمل الفقهاء المراد من المسير يوم وليلة على ثمانية فراسخ، ولكنه أعم , ويدل على السعة في حكم المسافر في هذا الزمان خصوصاً مع إنتفاء العناء والمشقة في السفر وطي الأرض، ووجود الشوق للبقاء على الصيام , الذي هو عبادة بدنية ملاكها الصبر , وغلبة روح الإرادة , وقهر الشهوات واللذات.
وللسعة والمندوحة في آيات الصيام في القرآن وللنصوص أعلاه، وقاعدة نفي الحرج في الدين.
وللسعة والتخفيف للذي يسافر بعد الفجر يكون مقيماً بلحاظ طلوع الفجر وهو مقيم ، ويكون مسافراً لمغادرته محل إقامته بعد الفجر ، وهذا التخفيف من مصاديق قوله تعالى [يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ]( ) وقوله تعالى [وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ]( ).
نفتي بما يلي :
جواز صيام المكلف إذا غادر بيته أو محل إقامته مسافراً بعد طلوع الفجر وله أن يفطر مع القضاء, والصيام هو الأولى حسب مقتضي النصوص أعلاه، ويجوز له صيام اليوم التالي إذا وصل إلى بلده أو محل إقامته قبل زوال الشمس أي قبل أذان الظهر.
وصحح أن الإفطار في السفر عزيمة وليس رخصة إلا أن الذي يسافر بعد الفجر يصدق عليه أنه مقيم وأنه مسافر، فيكون في سعة وتخيير إن شاء صام وان شاء أفطر ، والصيام أولى, وهو الذي تدل عليه النصوص أعلاه وكذا الذي يصل أهله قبل الزوال والله واسع كريم.
وجاء تفسير آيات الصيام الأربعة في الأجزاء (31-32-33 ) من تفسيري للقرآن (معالم الإيمان في تفسير القرآن ( ), لنوظف علم التفسير في التيسير والتخفيف ، وقد أصدرت في سنة 1425 فتوى العصر في عدم شمول السيارة والطائرة بحرمة التظليل.
أما مسألة الصيام في السفر فهي عامة البلوى، وأدلتها ظاهرة.
واتفقت المذاهب الأربعة بأن المقيم الصائم إذا أراد السفر وفارق البنيان قبل الفجر فله أفطار يومه ذلك ، على القول بأن الإفطار في السفر رخصة واختلفوا إذا سافر بعد الفجر هل يفطر يومه على قولين :
الأول : لا يباح له الفطر ذلك اليوم وبه قال الحنفية والمالكية والشافعية وفي رواية عن أحمد بن حنبل .
الثاني : يباح له الفطر ذلك اليوم ، وبه قال الحنابلة في المذهب ، والمزني من الشافعية .
وليس من تعارض بين فتوانا بالصيام لمن سافر بعد الفجر وبين أقوال الفقهاء المتقدمين والمتأخرين للتباين في الموضوع، فهم ناظرون إلى السفر على الدابة والسير على الأقدام تحت الشمس , أما المعصوم فهو ناظر إلى التباين في الحال، وللفقيه في هذا الزمان أن يأخذ بما يناسب الحال والزمان مما يوافق الكتاب والسنة، وإذا تغير الموضوع تبدل الحكم مع العمل لمن شاء الإفطار في السفر بقول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم : إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه)( ).
ومن النصوص التي وردت بالإفطار لمن سافر قبل الزوال
(عن صحيحة محمد بن مسلم ، عن أبي عبدالله ( عليه السلام ) قال : إذا سافر الرجل في شهر رمضان فخرج بعد نصف النهار فعليه صيام ذلك اليوم ، ويعتد به من شهر رمضان . . . الحديث .
ورواه الصدوق بإسناده عن العلاء مثله .) .
وفي الصحيح عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن حماد ، عن الحلبي ، عن أبي عبدالله ( عليه السلام ) أنه سئل عن الرجل يخرج من بيته يريد السفر وهو صائم ؟
قال : فقال : إن خرج من قبل أن ينتصف النهار فليفطر وليقض ذلك اليوم ، وإن خرج بعد الزوال فليتم يومه)( ).
وفيه شاهد على الإعجاز في الشريعة السمحاء وملائمتها لكل الأحوال، قال تعالى بخصوص الصيام والسفر أو المرض فيه [يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ] ( )، لتكون هذه الفتوى والعمل بها وسيلة للفوز بإتمام عدة الصيام وجعل المؤمن مخيراً بين الصيام والإفطار يوم السفر في مسألة إبتلائية عامة في هذا الزمان، فمن المؤمنين من يحتاج السفر ليوم واحد وعلى نحو متكرر، أو أنه يصل في مساء ذات اليوم إلى محل إقامته, والعلم عند الله.
حرر في النجف الأشرف
21/رمضان/ 1431