معالم الإيمان الجزء 223

 

 

 المقدمــــــة

الحمد لله الأول قبل الإنشاء والآخر بعد فناء الأشياء ، والذي جعل الخلائق كلها تنقاد إلى ربوبيته ، وتفضل وخصّ الإنسان بنعمة فريدة من بينها بأن جعله [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ([1]) لتنقاد وتسخر له كثير من المخلوقات ، فيكون هذا التسخير مادة ومناسبة لشكره لله عز وجل على توالي النعم التي لا يقدر عليها غير الله عز وجل ، وهذه النعم على أقسام :

الأول : النعم الظاهرة .

الثاني : النعم الباطنة .

الثالث : النعم في الصحة والبدن .

الرابع : نعمة الحال والسعة في الرزق الكريم ، قال تعالى [وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ]([2]).

الخامس : نعمة الهداية والإيمان ، وهي من أعظم النعم .

السادس : نعمة التوفيق لأداء الفرائض والعبادات .

السابع : نعمة النبوة والتنزيل ، فصحيح أن عدد الأنبياء قليل جداً  بالنسبة لعدد الناس ، إذ أن عددهم (124) ألف نبي ولكن المليارات من الناس يتبعونهم ، وهو من بديع صنع الله وحكمته ، ومصداق خلافة الإنسان في الأرض ، فحتى على القول بأن المراد من الخليفة هو النبي ، وأن الأنبياء باقون بين الناس وفي الحياة الدنيا بالوحي الذي جاؤوا به ، وبأحكام الشريعة التي بعثوا بها ، فان اتباع الأنبياء في كل زمان وإلى يوم القيامة ، ومن الآيات سلامة القرآن من التحريف ليكون عضداً للنبوة ، وتثبيتاً للخلافة ، وواقية لها ، قال تعالى [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون]([3]).

الحمد لله ملئ السموات والأرض والنسيم والفضاء والذرات التي تسبح فيها وبينها ، الحمد لله في الليل والنهار وساعة الفجر ، وفي ساعة العمل وساعة الغفلة .

الحمد لله الذي أبى إلا أن يسبح له كل شئ في الوجود لا عن حاجة إلى الخلائق أو تسبيحها ، ولكن وجودها يتقوم بهذا التسبيح ، فهو رحمة للذي يسبح ولغيره .

 الحمد لله الذي يسبح له الملائكة جميعاً ، ولا يعلم عددهم إلا الله عز وجل .

الحمد لله الوهاب الذي يعطي ويهب ما يشاء ، وأيهما أكثر ما يعطيه الله عز وجل إبتداءً من غير سؤال أو ما يعطيه ويمنحه بالسؤال والدعاء .

المختار هو الأول ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا]([4]).

فاذا كان الناس يعجزون عن عدّ نعم الله ، فمن باب الأولوية القطعية أن دعاءهم لا يحيط بها ، وعلى فرض قيام الفرد أو الجماعة بعدّ شطر من نعم الله عليهم ، فهل هو من الدعاء والذكر والشكر لله تعالى ، الجواب نعم ، وهو من مصاديق قوله تعالى [فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ]([5]).

اللهم لك الحمد بعدد نجوم السماء مما تم اكتشافه وما لم يتم اكتشافه ، ولا يعلم عددها إلا أنت سبحانك .

الحمد لله الذي جعل الألسن لا تمل من حمده والثناء عليه ، وجعل الناس يقرون بأن الحمد لله سبحانه من أحسن القول .

أشهد أن لا إله إلا الله عز وجل وحده لا شريك له ، له الملك وبيده الخير ، وقد أحاط بكل شئ علماً ، لا تستعصي عليه مسألة ، وهو الغفور الحليم الذي لا يؤاخذ الإنسان بجريرة غيره ، ثم يرحم صاحب الجريرة فيعفو عنه إن شاء ، وصلى الله عز وجل على رسوله الكريم محمد وعلى آله الطيبين الذين أذهب الله عز وجل عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا .

الحمد لله على النعم المتوالية والتي لا تحصى سواء تلك التي تأتي للفرد أو الجماعة أو الأمة ، ومن السماء أو الأرض أو البحار .

ومن نعم الله عز وجل علينا صدور هذا الجزء ، وهو الثالث والعشرون بعد المائتين من تفسيري للقرآن (معالم الإيمان في تفسير القرآن ) وكله تأويل واستنباط وتأسيس لقوانين من مضامين الآية الكريمة في آية علمية بلحاظ منهجية مستحدثة تتضمن إلى جانب المقدمة الإعراب واللغة ، ثم إعجاز الآية الذاتي وإعجاز الآية الغيري ، ثم الآية سلاح ، ومفهوم الآية ، وإفاضات الآية ، والصلة بين أول وآخر الآية ، وأبواب التفسير الأخرى ، كما تتجلى في باب الفهرست.

وأقوم بالتأليف والمراجعة والتصحيح بمفردي والحمد لله ، واستغرق هذا الجزء لحين صدوره (18) يوماً بآية وفضل من عند الله عز وجل ، فله الحمد حمداً متصلاً كما ينبغي لجلال وجهه ، وبديع ملكه وعظيم مشيئته ، وسعة سلطانه.

الحمد لله الذي يعلم ما تخفي الصدور ، فيقرب البعيد من الخير ، ويبعد القريب من الشر ، ليس بينه وبين خلقه حجاب ، الحمد لله الذي جعل الإنسان [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ([6]) لبيان حبه تعالى للناس ، ورأفته بهم ، ولتتجلى للخلائق آيات خاصة من رحمته لم يفز بها نوع من الخلائق إلا البشر ، قال تعالى [وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً] ([7]).

ولم يرد لفظ [كَرَّمْنَا]في القرآن إلا في الآية أعلاه فهل يعني هذا إختصاص  الناس بالتكريم من بين الخلائق ، الجواب لا ، واثبات شي لشي لا يدل على نفيه عن غيره ، كل إكرام من عند الله عز وجل لجنس البشر من الخلائق نعمة على الخلائق كلها .

ولقد جاءت الأجزاء الثلاثة الأخيرة من هذا السِفر بقانون (النزاع المسلح بين القرآن والإرهاب ) في آية علمية في مسائل ابتلائية لبيان دعوة القرآن المتجددة للسلم المجتمعي والوئام والوفاق.

الحمد لله الذي جعل رضاه الأمل والطموح والغاية فله الحمد حتى يرضى ، وله الحمد على ما يترشح عن رضاه من النعم الدنيوية والأخروية ، الحمد لله نور السموات والأرض ، وهو واهب النور ومنزل النور ، وجاعله صراطاً مستقيماً ، وضياءً للصراط ، وعاقبة له ، وفي التنزيل [قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ]([8]).

لتكون تلاوة القرآن إنعكاساً للنور ، ونفاذه إلى شغاف القلوب ، ويكون جهاد العلماء في الغوص في أعماق التفسير والتأويل عوناً لتقريب أنوار القرآن إلى النفوس ، وجعلها تشع على الجوارح بالقول والعمل الصالح ، لما في التفسير من البيان والتذكير بذخائر القرآن ، وإظهار لطائف عرفانية منها.

اللهم اني أسالك الخير الظاهر والباطن واستدامة نعمة الأمن ، والسعة في الزرق ، والنماء في المال.

اللهم إني اسألك قلباً رحيماً ، وعقلاً حكيماً ، وتبصرة في عواقب الأمور .

الحمد لله الذي جعل الحياة الدنيا دار الصبر والإبتلاء وفضّل المؤمنين بالأجر على الصبر والرضا بقضاء الله عز وجل ، وانصراف البلاء ، فمن خصائص الصبر أنه أمر وجودي لا ينحصر نفعه بذاته إنما هو طريق للنفع وانكشاف الهم والغم ، لذا قال تعالى قبل آيتين من آية البحث [وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ]([9]).

واختص هذا الجزء المبارك من (معالم الإيمان) بتفسير الآية (188) من سورة آل عمران وهو قوله تعالى [لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ]([10])، والتي تبدأ بالخطاب الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع بيان وفضح سوء فعل المنافقين والكفار وايذائهم له في تبليغه الرسالة ، مع إنذارهم بالعذاب الأليم الذي ينتظرهم في الآخرة ، لذا سيأتي في هذا الجزء ذكر بعض مواطن الآخرة من النفخ في الصور والصحف ، والحشر والميزان ، والحوض ، والشفاعة وغيرها ثم دار الجزاء إما الجنة ، قال تعالى [وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لاَ رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ]([11]).

وهل آية البحث أعلاه من سورة آل عمران من آيات الإنذار بيوم القيامة والجمع ، الجواب نعم ، لذا أختتمت بقوله تعالى [وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ]([12]).

ومن إعجاز آيات الإنذار والوعيد أنها لم تذكر أسماء المنافقين إنما ذكرت الأفعال التي صدرت منهم لبيان المندوحة والسعة في توبتهم وإنابتهم ، نعم ذكر القرآن اسم أبي لهب عم النبي بصيغة الذم ، قال تعالى [تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ]([13])، أي خسر وخاب ، وأبو لهب هو عبد العزى بن عبد المطلب وهل يمكن له التوبة ، الجواب نعم ، ولكنه أصر على الجهالة والشقاوة ، وفيه إعجاز للقرآن ، وهل يمكن تقدير الآية : تبت يدا أبي لهب وتب إن لم يتب ، الجواب نعم.

وكأن آية البحث تقول للذين يفرحون بالمعصية توبوا إلى الله ، وأن أصل الفرح بالهداية والعمل الصالح ، وفي التنزيل [قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ]([14])، وكما يتم إحصاء آيات الأحكام فلابد من احصاء كل من :

الأول : آيات البشارة ، وهي على شعبتين :

الأولى : آيات البشارة في الدنيا ، مثل قوله تعالى [وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ]([15])، ومنها البشارة العامة للناس منها قوله تعالى [وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ]([16]).

الثانية : آيات البشارة في الآخرة وهي أضعاف آيات البشارة في الدنيا عدداً وموضوعاً وذخيرة ، منها قوله تعالى [وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ]([17]).

الثاني : آيات التقوى .

الثالثة : آيات الإنذار في القرآن .

الرابع : الآيات التي تخص القرآن، منها قوله تعالى [طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى]([18]) أي تجهد نفسك بالإجتهاد بالعبادة والمواظبة عليها (عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، إذا قام من الليل يربط نفسه بحبل؛ كي لا ينام فأنزل الله عليه { طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى }([19]))([20]).

وقيل (إنما سبب الآية أن قريشاً لما نظرت إلى عيش رسول صلى الله عليه وسلم وشظفه وكثرة عبادته قالت : إن محمداً مع ربه في شقاء فنزلت الآية رادة عليهم) ([21]).

وهل من صلة بين آية البحث والشقاء الذي تذكره الآية أعلاه ، الجواب نعم ، إذ لا ينحصر موضوعه بالمجاهدة في العبادة ، إذ يؤذي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه فرح الذين يكتمون البشارات ، ويعملون المعاصي ، ويحبون أن يثنى عليهم الناس بابتعادهم عن الحق والهدى .

فنزلت آية البحث لمنع ترتب حصول الشقاء والحزن عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم بسبب الكفر والنفاق عند طائفة من قومه ، ويدل عليه قوله تعالى [وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ]([22])([23]).

الخامس : آيات الكتاب ، والنسبة بينها وبين آيات القرآن عموم وخصوص مطلق ،وبين آيات القرآن عموم وخصوص مطلق ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ] ([24]).

ومن خصائص المواظبة على الحمد لله التنزه عن الفرح بالإثم والمعصية وعن رجاء المدح بما هو باطل .

وسيأتي في باب سياق الآيات موضوعية دعوة الآية قبل السابقة [وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا] ([25])([26]) بالتحلي بالصبر على مثل هذا الأذى من الكافرين والمنافقين .

إذ تضمنت آية البحث النهي عن الفرح بالمكر والحيلة ، واتخاذ الخداع منهاجاً في مواجهة النبوة والتنزيل ، فان الله عز وجل رغّب الناس بالفرح الذي يترشح عن الإيمان والعمل الصالح ، وإقتران رجاء حسن العاقبة معه ، وقال تعالى [قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ] ([27]).

الحمد لله الذي يرضى بالقليل على النعم الكثيرة ، ويعطي بذات القليل اللامتناهي من النعم ، لبيان قانون وهو أن فضل وجزاء الله عز وجل على الحمد يفوق حدّ التصور .

الحمد لله الذي جعل الحمد له وحده ، ونهى في آية البحث عن طلب الحمد للنفس بغير استحقاق ، وبالفعل الذي يخالف أوامره سبحانه ، لتدل الآية في مفهومها على جواز رجاء الحمد على الإيمان والتقوى ، وبما فيه تعظيم شعائر الله .

وهل يصح القول بجواز رجاء المدح على قول [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ]([28])، في الصلاة ، الجواب نعم بلحاظ أن هذا القول ومحله العبادي شاهد على التقوى .

لبيان قانون وهو تفضل الله بنجاة المؤمن بالطاعة من الإنذار والوعيد فذات الوقوف بين يدي الله عز وجل في الصلاة وكل آية من آيات سورة الفاتحة شاهد على التصديق بالنبوة الذي هو ضد فعل الذين تتضمن آية البحث ذمهم ، قال تعالى [ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ]([29]).

 

حرر في الخامس من محرم الحرام 1443

الموافق 14/8/2021


 

 

قوله تعالى[لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ]الآية 188

القراءة والإعراب

[لَا تَحْسَبَنَّ] فيها ثلاث قراءات :

الأولى : بفتح السين (لا تحسَبن ) وبه قرأ عاصم وحمزة والكسائي ، وهو المرسوم في المصاحف ، أي يتوجه الخطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وإلى الأمة بالإلحاق .

الثانية : بكسر السين (لا تحسِبن) أي إرادة عموم المخاطَبين .

الثالثة : بالياء بدل التاء (لا يحسبن ) (قرأه حميد بن كثير وأبو جعفر وشيبة ونافع وابن عامر وأبو عمرو) ([30])  إرادة الغائب من الذين ذكرتهم الآية ، لتحمل الآية صفة الإنذار.

الرابعة : (لا تحسبُن ) بضم الباء([31]) لإفادة المعنى الأعم وشمول الخطاب في الآية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين والمسلمات .

وكذا تتعدد القراءة في قوله تعالى [فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ] .

لا تحسبن : لا : ناهية جازمة .

تحسبن : فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد ، وهو في محل جزم بـ(لا) .

والفاعل ضمير مستتر تقديره (أنت) .

الذين : اسم موصول ، مفعول به , وقيل المفعول به الثاني محذوف .

يفرحون : فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة .

واو الجماعة : فاعل .

بما : الباء : حرف جر .

ما : اسم موصول مبني في محل جر متعلق بـ (يفرحون).

أتوا : فعل ماض مبني على الضم المقدر على الألف المحذوفة منعاً لإلتقاء الساكنين .

واو الجماعة : فاعل .

ويحبون : الواو حرف عطف .

يحبون : مثل يفرحون .

أن يحمدوا : فعل مضارع مبني للمجهول منصوب ، وعلامة نصبه حذف النون .

واو الجماعة : نائب فاعل .

بما : الباء: حرف جر ، ما : اسم موصول مبني في محل جر ، متعلق بـ (يحمدوا ) .

لم يفعلوا : لم : حرف نفي وقلب وجزم .

يفعلوا : فعل مضارع مجزوم ، وعلامة جزمه حذف النون .

واو الجماعة : فاعل.

فلا تحسبنهم : قيل الفاء زائدة لتحسين اللفظ ، ولكن الحرف القرآني له دلالات ومعان متجددة .

لا تحسبنهم : لا : ناهية جازمة .

تحسب : فعل مضارع مبني على الفتح في محل جزم .

النون : نون التوكيد ، والفاعل ضمير مستتر تقديره (أنت) والضمير (هم) مفعول به أول .

بمفازة : جار ومجرور متعلق بمحذوف في محل مفعول ثان لـ (تحسب) .

من العذاب : من حرف جر : العذاب اسم مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة تحت آخره ، متعلق بمحذوف صفة لمفازة .

ولهم : الواو : حرف استئناف .

اللام : حرف جر ، و(هم) ضمير في محل جر متعلق بمحذوف خبر مقدم.

عذاب : مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة على آخره .

أليم : صفة لعذاب مرفوع مثله .

المفازة : المنجاة (وفوّز الرَّجُلُ تفويزاً: رَكِبَ المفازة ومضى فيها، قال الشاعر:

لله درُّ رافعٍ أَنَّى اهْتَدَى

خِمساً إذا ماسارها الجيش بكَى

ما سارها مِنْ قَبله إنسٌ يُرَى

فوّز من قُراقِرٍ إلى سُوَى

ومنه يُقالُ لمن مات: فَوَّزَ، أي: صار في مَفازةٍ بين الدُّنيا والآخرة. ويقال: بل سُمِّيَتْ، تطيّراً من الفلاة وهي المَهلكة، كما قيل لِلّديغ: سليم)([32]).

والعذاب : وهو الإيجاع الشديد .

ويقال : عذب الرجل إذا ترك الأكل والشرب والنوم.

و(العذاب : العقوبة ، وقد عذّبته تعذيباً)([33]).

وفي قوله تعالى [إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا]([34])، أي ملازماً ومصاحباً ومنه سمي عشق المرأة غراماً ، ويقال فلان مغرم بكذا ويسمى الدائن الغريم لملازمته ، وعذاب جهنم ملازم للكافرين والظالمين ملازمة شديدة ليس فيها فترة ، وفي التنزيل [وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنْ الْعَذَابِ * قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ]([35]).

والعذاب : النكال .

سياق الآيات

الشعبة الأولى : صلة آية البحث بالآيات المجاورة على وجوه :

الوجه الأول : الصلة بين آية البحث والآية السابقة وهو قوله تعالى [وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ]([36])، وفيها مسائل :

المسألة الأولى : جاءت آية السياق وهي الآية السابقة بصيغة الجملة الخبرية وتضمنت وجوهاً :

الأول : تفضل الله سبحانه بأخذ الميثاق من طائفة من الناس.

الثاني : التقييد في الجهة التي أخذ الله منها الميثاق ، وهم أهل الكتاب .

والمراد من أهل الكتاب اليهود والنصارى ويلحق بهم المجوس ، واثبات شيء لشيء لا يدل على نفيه عن غيره ، فذكر آية السياق لميثاق أهل الكتاب لا يمنع من المواثيق التي أخذها الله عز وجل على الناس جميعاً.

وهل أخذ الله عز وجل الميثاق على أهل الكتاب دفعة وجملة ، المختار أن الله عز وجل أخذ الميثاق على كل واحد منهم بواسطة الأنبياء ، إلى جانب ميثاق عالم الذر ، ومضامين الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل فهي مواثيق متعددة يتلونها في اليوم والليلة.

والميثاق عهد وبيعة وإقرار من جهات :

الأولى : التسليم بالعبودية لله عز وجل وأنه تعالى رب العالمين .

الثانية : التصديق بالنبوة والتنزيل .

الثالثة : العمل باحكام الشرائع وسنن الحلال والحرام ، فمن الإعجاز في تسمية الرسول أنه يأتي بالأوامر والأحكام من عند الله عز وجل .

الرابعة : التنزه عن الظلم والإرهاب.

الخامسة : الإقرار بالبعث واليوم الآخر ، وعالم الحساب والجزاء .

الثالث : وجوب بيان الكتاب والبشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للناس جميعاً .

والنسبة بين الناس وأهل الكتاب عموم وخصوص مطلق ، فالناس أعم ، لتكون البشارات برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حاضرة متوارثة في مكة والمدينة والشام والحبشة والطائف ، حتى إذا بعث الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم تلقى الناس معجزاته بالقبول.

ومن أسرار الحياة الدنيا أنها دار التخفيف عن الناس وابتدأ هذا التخفيف في الجنة حيث خلق الله عز وجل آدم وعلمه الأسماء كلها ، وخلق حواء وأسكنهما في الجنة برهة من الزمن ليتعلما من الملائكة ويدركا إمكان العودة إلى الجنة واللبث الدائم فيها بالعمل الصالح والتوبة والإنابة ، وفي التنزيل [ُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ]([37]).

وهل الميثاق من الهدى الذي تذكره الآية أعلاه ، الجواب نعم ، لبيان النفع العظيم للميثاق على الناس .

ومن الهدى بعثة الأنبياء والكتب السماوية والقرآن ، ومن معاني وتقدير قوله تعالى [فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ]([38])بلحاظ آية البحث وآية السياق مسائل :

الأولى : ومن تبع هداي بالإقرار بالتوحيد فان هبوط آدم من الجنة وخلافته في الأرض لا يعني خروجه عن العبودية لله عز وجل.

الثانية : فمن تبع هداي في الأرض مثل اتباع الملائكة له في السماء .

الثالثة : فمن تبع هداي فلا يفرح بما أوتي من غير شكر الله عز وجل .

الرابعة : فمن تبع هداي الذي جاء به في الميثاق .

ترى ما هي النسبة بين الهدى الذي تذكره الآية أعلاه وبين الميثاق الذي ورد في آية السياق ، الجواب هو العموم والخصوص المطلق ، فالهدى أعم وأكثر وأعظم .

وكذا ذات النسبة بين الهدى وجميع المواثيق التي أخذها الله عز وجل على الناس ابتداء من عالم الذر ، لبيان فضل الله عز وجل في أن الهدى منه تعالى غير متناه ، ومنه إعانة الإنسان على التقيد بالميثاق والعمل بأحكامه.

فمن فضل الله عز وجل أنه لا يترك العبد وشأنه في العمل بالميثاق أو عدمه ، بل يقرب كل منهما إلى الآخر ، وهو أمر لا يقدر عليه إلا الله سبحانه ، فمثلاً لا ينشأ الميثاق في عالم الذر إلا الله عز وجل.

فان قلت هل يدل هذا على وجود مقدار من إحساس عند الناس في الميثاق في عالم الذر ، والإستجابة عند الميثاق ، الجواب نعم ، وهو من وجوه الصلة بين الله وكل فرد من مخلوقاته سواء كانت عندها قوة حساسة أو قوة نامية ، وهي الموجودة في الإنسان والحيوان والنبات ، إذ تلتقي بالنمو.

ويمتاز الحيوان بالحركة والإحساس ، والتكاثر المنفصل ، وينفرد الإنسان بانه عاقل ناطق مميز بين الحق والباطل ، يتلقى الهدى من الله عز وجل ، وأتاه الميثاق ، وأقام عليه الحجة بتلقيه من مقام العبودية لله ، وهي من أسمى مراتب المخلوق ، ويلتقي فيها الأنبياء والأئمة وعموم المسلمين ، وأهل الكتاب والناس جميعاً ، ومن الميثاق قوله تعالى [وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا] ([39]).

ليكون من معاني اتباع الهدى في الآية ، فمن تبع هداي من عبادي إلى يوم القيامة ، وهو من أسرار سلامة القرآن من التحريف لأنه يحفظ المواثيق التي بين الله عز وجل وبين الناس .

وهل قوله تعالى [فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ] ([40]) من هذه المواثيق أم لابد من ذكر الآية لحفظ العهد أو الميثاق أو مرادفه من الأمر ، والوصية من الله ، الجواب هو الأول ، لبيان أن القرآن كتاب الميثاق النازل من عند الله سبحانه.

وهل يشمل قوله تعالى [لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ]([41])، المسلمين أم أن الخطاب خاص بأهل الكتاب ، الجواب هو الأول ، وإن كان نظم الآية يدل على الثاني ، فذات تلاوة هذه الآية بيان ، ومن إعجاز القرآن أنه بيان للناس ، قال تعالى [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ]([42]).

الرابع : النهي عن كتمان وإخفاء الميثاق والإنذار من إخفاء البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .

لقد جاء الأمر من عند الله عز وجل إلى أهل الكتاب مركباً من أمرين :

الأول : عدم إخفاء الميثاق .

الثاني : بيان الميثاق للناس .

وهو من إعجاز القرآن وقد يظن أن النسبة بينهما التساوي ، ولكنها العموم والخصوص المطلق ، فعدم الإخفاء أعم ، والمراد لا تخفوا الميثاق عن الناس ، وفيما بينكم.

ومن معاني [وَلَا تَكْتُمُونَهُ] مسائل :

الأولى : لا يخفي علماء أهل الكتاب الميثاق عن عامة الناس .

الثانية : توجه الخطاب من الله إلى كل كتابي بعدم إخفاء الميثاق.

الثالثة : التحذير والإنذار من إخفاء الميثاق ، وعن عمد .

الرابعة : تفضل الله عز وجل بجعل الميثاق أمراً ظاهراً وبيناً لأهل الكتاب ، إذ يدل قوله تعالى [لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ] بالدلالة التضمنية على بيانه لأهل الكتاب وعلمهم به وإحاطتهم علماً ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .

ولا تنحصر هذه الإحاطة بالعلماء منهم بل هو تركة متوارثة لعموم أهل الكتاب ، وقد جعل الله عز وجل فترة بين عيسى عليه السلام والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نحو ستمائة سنة ليس فيها نبي أو رسول إلا البشارة ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لبيان الضبط والحفظ من عند الله للنبوة في إدعائها بين الناس ، فالذي يدعيها كذباً وزوراً يبتلى ، ويفضح بين الناس ، وتتساقط دعواه بسرعة لتكون مناسبة لتجدد الميثاق والتطلع إلى النبوة الخاتمة بمعجزاتها والشواهد القطعية التي تدل على صدق النبوة .

المسألة الثانية : تتضمن آية البحث النهي عن الفرح من غير عمل يستحق أن يترتب عليه هذا الفرح ، ومن معاني الصلة بين آية البحث وآية السياق ، تحقق الفرح ببيان الميثاق لما فيه من طاعة الله عز وجل ، وهو من مصاديق قوله تعالى [قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ]([43])، والسعي لهداية الناس لسبل الإيمان بالله عز وجل والنبوة والتنزيل ، إذ أن قوله تعالى [لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ]([44])، عهد ووظيفة عقائدية وتكليف لكل كتابي .

وهل انتقل هذا التكليف للمسلمين.

الجواب نعم ، فمن خصائص الحياة الدنيا الملازمة بين الإيمان وبيانه والدعوة إليه .

فكل مؤمن يجب أن يقوم ببيان حقائق التنزيل ووجوب طاعة الله ، ليكون الميثاق عنوان الإتحاد بين المسلمين وأهل الكتاب ، وهو من مصاديق قوله تعالى [قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ]([45]).

ومن الميثاق أن لا يرجو الإنسان الحمد والثناء عليه بما لم يفعله من وجوه الخير والصلاح والإحسان ، فمن هذا الرجاء والسعي إليه بذل المال من أجله وتقريب المرائي والمتزلف بسببه ، فهو عائق دون بيان الميثاق للناس ، وحاجب دون إلتفات الناس له والعمل بأحكامه .

لتكون آية البحث تبصرة ، قال تعالى [قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ]([46]).

فمن معاني صلة الجوار بيت الآيتين وتعقب آية البحث لآية الميثاق منع العوائق التي تحول دون حفظ وتوارث وإظهار الميثاق ، وكأن الآية تقول لا تفرحوا بعدم بيان الميثاق ، سواء عن قصد لإخفائه أو للإنشغال بأمور أخرى من متاع وزينة الدنيا ، ولكن الفرح والغبطة بالعمل بمضامين الميثاق وبيانه بلحاظ أن البيان من رشحات العمل بالميثاق ، وهو حجة في لزوم العمل به ، فمن يبين ويخبر عما جاء به الأنبياء من الصلاة والزكاة والصيام ونحوها من العبادات لابد أن يقوم بأدائها واتيانها ، وكذا من أظهر الميثاق واعلن البشارات النبوية برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عليه التصديق بها ، فلا يتوجه الحمد للذي يخفيها ويسترها ، ولا للذي يعلنها ويعرض عنها ويوالي مشركي قريش ، ففرحه بهذه الموالاة سبب لنزول البلاء والعذاب به .

المسألة الثالثة : من معاني الجمع بين الآيتين لزوم الشكر لله سبحانه على الميثاق والعهد من عند الله وتعاهد هذه العهد ، ومن مصاديق هذا التعاهد إعلانه وعدم إخفائه ، ليكون تركة للأجيال ، ولو كتمه بعضهم أو بعض الطوائف مع التحذير والإنذار من عند الله عز وجل [وَلَا تَكْتُمُونَهُ] ([47]) فان الله عز وجل يظهره ويبينه ، ولا يضر الذي يكتم الميثاق إلا نفسه ، لذا نزل القرآن بذكر وبيان وجوه الميثاق المتعددة .

وبيان الله عز وجل للميثاق متجدد في الأرض ، وليس من حصر لطرقه ووسائله وكيفيته ، وهو من الشواهد على عظيم قدرة الله عز وجل ، وأنه سبحانه [لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ] ([48]).

وأن هذا الملك ملك تدبير وإصلاح وإدامة وفق مشيئته تعالى .

لقد أخبرت آية البحث وبصيغة الذم عن الذين يفرحون بما رزقهم الله من غير الإنتفاع منه ، ولا أداء الشكر عليه ، وذكرت آية السياق بصيغة الذم أيضاً قيام طائفة من الناس بكتمان وإخفاء الميثاق ، وهذا الإخفاء جزء وفرع من تركهم له وراء ظهورهم .

لبيان وجوه :

الأول : موضوعية وعظيم شأن الميثاق .

الثاني : تذكير أهل الكتاب بالميثاق ، ودعوتهم لإستحضاره بدل تركه وراء ظهورهم ، وحضهم على إعلانه وبيانه استجابة لأمر الله عز وجل [لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ].

الثالث : الشكر لله عز وجل على بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لما فيها من حفظ المواثيق والعهود التي بين الله وبين الناس ، قال تعالى [وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ] ([49]) والمواثيق التي بين الناس أنفسهم ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ]([50]).

ومن الإعجاز في لغة القرآن أن كلاً من الثناء والذم فيه باعث للتدارك والعمل الصالح ، وهو من بديع صنع الله عز وجل في خلق الإنسان بأن يجتمع المتضادان في ذات الغاية الحميدة ، ليكون من معاني آية السياق وجوه:

الأول : الملازمة بين الميثاق وبيانه ، لذا أثنى الله عز وجل على الأنبياء لقيامهم ببيان رسالتهم وجهادهم في دعوة الناس إلى الإيمان مع العصمة في تبليغ الرسالة ، وشهد لهم الله عز وجل .

وفي الثناء على إبراهيم عليه السلام قال تعالى [وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى]([51]).

وقال تعالى [وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ* وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنْ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ]([52]) .

وقد ورد في هذه الآيات الثلاث أسماء ثمانية عشر نبياً باضافة إبراهيم عليه السلام لهم.

وقال تعالى [مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ]([53])، وقال تعالى [مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ]([54]).

وقد أثنى الله عز وجل على المؤمنين الذين يتبعون الأنبياء لأن هذا الإتباع بالميثاق وتعاهد له ، لذا قال تعالى [إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ] ([55])

وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم : يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام([56]).

المسالة الرابعة : ورد الاسم الموصول (الذين ) في كل من الآيتين ، والمختار أن النسبة بينهما هي العموم والخصوص من وجه ، فهناك مادة للإلتقاء وأخرى للإفتراق بينهما ، فلا يتوجه الذم في هذه الآية لأهل الكتاب كلهم .

ومن الإعجاز في آية البحث تعلقها بصفة وإجتماع خصلتين من وجدا عنده فان العذاب قريب منه ، وهما :

الأولى : الفرح بما فعل وأتى مما هو خلاف الواجب ، وفي قارون ونهي قومه له من الفرح بمعنى البطر والبغي والتفاخر بكثرة المال ، ورد في التنزيل [إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ]([57])، وهو لا يتعارض مع الفرح المحمود بفضل الله عز وجل ، كما ورد في التنزيل [قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ]([58]).

ومن العلماء من استدل في المقام بخصوص الفرح المحمود بقوله تعالى [فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ]([59]).

وهذه الآية في عالم البرزخ وتتعلق بشهداء معركة بدر ومعركة أحد ، وليس هو من الفرح في الدنيا .

الثانية : حب تلقي الثناء من غير فعل وموضوع يستحق الثناء .

وفي الآية دعوة للناس للتنزه عن هاتين الخصلتين .

ومن مصاديق هذا التنزه بيان الميثاق والعهد مع الله عز وجل للناس .

ومن الآيات قطع آية السياق بأخذ الله عز وجل الميثاق من أهل الكتاب  أي ليس لهم خيار الإقالة أو الإعتذار بالغفلة ونحوها ، فمن معاني أخذ الميثاق في الآية تذكير الله عز وجل به ، ومن وجوه هذا التذكير أمور :

الأول : بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتجديد الميثاق بهذه البعثة .

الثاني : آية السياق .

الثالث : تلاوة المسلمين والمسلمات لآية السياق في الصلاة كل يوم في مشارق الأرض ومغاربها .

المسألة الخامسة : من وجوه تقدير (لتبيننه) ، لقد أكرم الله عز وجل بأخذ الميثاق عليهم ، ثم تفضل وأكثر من المواثيق بينه وبينهم ، ومن خصائص الأخذ في قوله تعالى [وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ]([60])، شمول الناس جميعاً بهذا الميثاق ، إذ يتلقاه الناس بواسطة بيان وتبيان وشرح أهل الكتاب سواء تعلق هذا التباين والشرح والتفصيل بوجوب عبادة الله والتنزه عن الشرك ، ومفاهيم الضلالة وعبادة الأوثان ، أو بخصوص أنبياء أهل الكتاب مثل النبي موسى وزكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام ، أو نبوة إبراهيم والبشارات برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

وهل يكون بيان أهل الكتاب للناس في قوله تعالى [لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ] حجة على الناس أم لا ، لأن البيان لم يأت من الأنبياء.

الجواب هو الأول ، فبيان أهل الكتاب حجة لأنه حق وصدق وتكليف ، وفيه نفع عظيم وهداية للناس ، ويكون تقدير قوله تعالى [لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ]على وجوه :

الأول : يا أيها الذين آمنوا اوتوا الكتاب اشكروا الله على الميثاق قال تعالى [فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ]([61]).

الثاني : يا أيها الذين آمنو أوتوا الكتاب لتبينن الميثاق للناس شكراً لله عز وجل.

الثالث : يا أيها الذين آمنوا أتوا الكتاب بينوا الكتاب .

الرابع : يا أيها الذين آمنوا أوتوا الكتاب لتبيين الميثاق ففيه أجر عظيم .

الخامس : يا أيها الذين أوتوا الكتاب يجب بيان الميثاق ، بلحاظ أن اللام في (لتبينن) لام التكليف والوجوب .

السادس : يا أيها الذين آمنوا أوتوا الكتاب لا تكتموا الميثاق .

السابع : يا أيها الذين أوتوا الكتاب بينوا الميثاق ، فقد بينّه الله في القرآن.

وهل قول الله تعالى لآدم وحواء [وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ]([62])، من العهد والميثاق ، الجواب نعم ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ…]([63]).

والمختار أن النسبة بين العهد والوصية هو العموم والخصوص المطلق ، فالعهد أعم .

وهل يختص الإقتراب في الآية أعلاه بالأكل من الشجرة ، الجواب لا ، وهو من إعجاز الآية ، إذ يشمل كلاً من :

الأول : مقدمات الأكل من الشجرة .

الثاني : الإصغاء إلى إبليس في مكره وخداعه ، كما ورد في التنزيل [هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَ يَبْلَى] ([64]).

الثالث : الهّم بالأكل من الشجرة .

الرابع  : المناجاة بين آدم وحواء بالأكل من الشجرة .

الخامس : نسيان آدم لما في الأسماء التي علمه الله تعالى من وجوب التقيد بالعهد والوصية وعدم الإصغاء لإبليس .

السادس : إرادة الإقتراب والدنو من الشجرة بعد أن رغّب إبليس بالأكل منها سواء كانت شجرة الحنطة أو ما هو أعم ، وهو لا يتعارض مع إفادة الإقتراب لمعنى الأكل من الشجرة .

السابع : النهي عن قيام آدم وحواء بالأكل من الشجرة .

وهو من مصاديق النسيان في قوله تعالى [فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا] ([65]) فمن أفراد نسيان آدم في الآية أعلاه أنه نسي ما علّمه الله عز وجل النهي عن الأكل من الشجرة ، من ضمن الأسماء في قوله تعالى [وَعلم آدم الأَسْمَاءَ كُلَّهَا] ([66]) ليكون تعليم آدم للأسماء حجة عليه حين أكل من الشجرة ، وليتجلى للملائكة أن هبوطه للأرض لتركه التقيد بعهد الله والميثاق ، وهو من بدايات شهادة الملائكة له على الإنسان ليتولوا الشهادة على كل إنسان بتدوين أفعاله ، قال تعالى [مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ] ([67]).

الثامن : إتعاظ ذرية آدم من خطيئة الأكل من تلك الشجرة ومقدماتها ، ولزوم الإحتراز من إبليس وإغوائه ، وبلحاظ آية البحث فان آية الإقتراب من الشجرة دعوة لتسخير العلم في طاعة الله ، وجعل الحمد والثناء في العمل في مرضاته ، وفي التنزيل [أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ] ([68])([69])،

وعن عبد الله بن مسعود قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم إن الحافظين إذا نزلا على عبد أو أمة معهما كتاب مختوم فيكتبان ما يلفظه العبد أو الأمة فاذا أرادا أن ينهضا قال أحدهما للآخر فك الكتاب المختوم الذي معك فيفكه فاذا فيه ما كتب سواء فذلك قول ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) ([70]).

وهل كان على كل من آدم وحواء ملك قريب عندما كانا في الجنة ، أم أن الحكم خاص بأهل الأرض .

المختار هو الثاني ، فقد كلم الله عز وجل آدم قُبلاً من غير واسطة ، كما أن قوانين الجنة تختلف عن التكاليف العامة في الأرض ، والعلم عند الله .

المسألة السادسة : لقد ذكرت آية السياق أخذ الله الميثاق والعهد من أهل الكتاب ، وأمرهم ببيانه ، وهذا البيان للناس كافة ، وحذرهم الله من إخفائه وكتمان أحكام الشريعة والبشارات النبوية ، ولم تمتثل طائفة للأمر ، إنما فعلوا :

الأول : إخفاء وكتمان الميثاق ، ويدل بالدلالة التضمنية على عدم قيامهم ببيانه للناس ، وفيه إنذار لمشركي مكة في إخفاءهم معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن الناس ،(عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من كتم علماً عن أهله أُلجم يوم القيامة لجاماً من نار) ([71]).

الثاني : هجران الميثاق وعدم العمل به ،لقوله تعالى [فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ] ([72]) والنبذ : الترك والطرح والإعراض عن الشئ عن قصد .

الثالث : الرضا بمتاع قليل ، ونفع زائل من الدنيا (عَنِ الْحَسَنِ البصري في  قَوْلَهُ : وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلا ،  قَالَ: كَتَمُوا وَبَاعُوا فَلا يُبْدُونَ شَيْئاً إِلا بِثَمَنٍ)([73]).

ولكن معنى الآية أعم ، ويتجلى بعطف هذا الشراء على الكتمان ، والإعراض عن العهد والميثاق ، ومن معاني الجمع بين الآيتين النهي عن تحريف الكتاب ، وأخبار النبوة .

المسألة السابعة : توجه الخطاب في آية البحث إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم [لاَ تَحْسَبَنَّ] ومن غير أن تبدأ الآية بحرف عطف أو حرف استئناف .

 فهل يعني هذا إستقلال وإنفصال مضامين هذه الآية عن الآية أو الآيات التي قبلها سواء في الموضوع أو الحكم ، الجواب لا ، فمن خصائص سياق ونظم آيات القرآن الترابط الموضوعي بينها ، لذا جاء في هذا التفسير باب سياق الآيات وهو من أوسع أبواب تفسير الآية القرآنية وصلتها بالآيات المجاورة ، وفيه استقراء لمسائل واستنباط لقوانين مستحدثة تبين شذرات من خزائن وكنوز آيات القرآن.

تقدير [لاَ تَحْسَبَنَّ]

من معاني وتقدير (لا تحسبن) بلحاظ الآية السابقة ومصاديق الجمع بينه وبينها وجوه :

الأول : لا تحسبن أن الله لم يأخذ الميثاق على الذين أوتوا الكتب السماوية .

الثاني : لا تحسبن أن الكتاب الذي أنزل على الرسل السابقين لا يتضمن الميثاق .

الثالث : لا تحسبن أن الميثاق الذي أخذه الله على الذين أوتوا الكتاب مفقود ، فان الله عز وجل أنزل مضامينه في القرآن من مصاديق لغة العموم في قوله تعالى [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ] ([74]).

الرابع : يا أيها الذين آمنوا لا تحسبوا أن الله عز وجل يأخذ الميثاق على الذين من قبلكم بالبشارة برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

وهذا الحسبان والظن مدد وعون للمسلمين ، وفيه تثبيت للإيمان  في صدورهم .

الخامس : لا تحسبن الذين لم يبينوا الكتاب بمفازة من العذاب .

السادس : لا تحسبن خفاء الكتاب والبشارات وان كتمها الذين أوتوا الكتاب .

السابع : لا تحسبن وجود حاجة للذين كتموا الكتاب والتنزيل ، إنما هذا البيان نفع خاص لهم في النشأتين ، وإلا فان الله عز وجل يبينه بوسائل وطرق سماوية وملكوتية وأنسية متعددة .

الثامن : لا تحسبن الحاجة إلى الذين يكتمون الكتاب[فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ] ([75]) وقد ورد اسم [غَنِيٌّ] في القرآن اسماً لله عز وجل ثماني عشرة مرة ، ولم يرد فيها أنه [غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ] إلا في الآية أعلاه .

ومن إعجاز القرآن أن أغلب المسلمين يستحضر هذه الآية ومعناها ودلالاتها ، وهو من بيان الميثاق الذي أمر الله عز وجل الذين أوتوا الكتاب ببيانه ، فقد بينّه الله في القرآن ، ويسر للمسلمين حفظه  ، وجعله حاضراً في الوجود الذهني لأنه موافق للفطرة والجبلة التي جبل الله عز وجل عليها الناس .

وفي الواقع اليومي لأن الله عز وجل فرض على كل مسلم ومسلمة تلاوة القرآن خمس مرات في اليوم .

التاسع : يا أيها الذين آمنوا لا تحسبوا استثناء الذين أوتوا الكتاب عن رسالتك ، فلابد من شمولهم بالتبليغ ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدهَا عَلَى أَدْبَارِهَا…]([76]).

العاشر : يا أيها الذين آمنوا لا تحسبوا وتظنوا ترتب الضرر على استهزاء طائفة من الذين أوتوا الكتاب في آيات القرآن ، والفرائض العبادية التي جاء بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وتحويل القبلة إلى البيت الحرام بعد أن كانت إلى بيت المقدس ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ] ([77]).

وتدل الآية أعلاه على التفريق والفصل بين الذين أوتوا الكتاب وبين الكفار لإفادة واو العطف في [وَالْكُفَّارَ] المغايرة والتعدد ، فالكفار غير الذين أوتوا الكتاب ، كما يبين القرآن المغايرة بين الذين أوتوا الكتاب وبين المشركين ، قال تعالى [لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ] ([78])([79]).

لذا وردت آية السياق بالتخصيص في الذين يقومون بالبيان ، وبالعموم وشمول الناس جميعاً للذين يتلقونه .

اسم الجلالة في الآية

ذكرت الآية السابقة اسم الجلالة وأن الله عز وجل هو الذي أخذ ميثاق أصحاب الكتاب ، ولم تقل الآية (وإذ أخذ ربك) لبيان أنها قانون من الإرادة التكوينية يخاطب الناس جميعاً ، ويذكرّهم بالميثاق ، وينذر الذين أخفوا الميثاق من عذاب يوم القيامة ، ولم يرد في آية البحث اسم من أسماء الله الحسنى ، ولكن ذكر الله في الآية من جهات :

الأولى : لغة لخطاب فيها تدل أن الله عز وجل هو الذي يخاطب النبي ويخفف عنه وعن المسلمين بقوله تعالى [وَلاَ تَحْسَبَنَّ] وفيه دعوة للسلم والأمن ، وترك الإرهاب وتخويف الناس لأنها تبليغ وإخبار وإنذار .

الثانية : علم الله عز وجل بحال الفرح عند الناس ، وعلته وموضوعه وأثره وهو أمر لا يقدر عليه إلا الله عز وجل.

وهل في الآية إصلاح للحالة النفسية للناس ، الجواب نعم ، وفي التنزيل [وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى]([80])، والسر ما أخفاه الإنسان في نفسه ، ولم يظهر على جوارحه ولم ينطق به لسانه .

وعن الإمام الصادق عليه السلام (السر ما كتمته في نفسك، وأخفى ما خطر ببالك ثم أنسيته)([81]).

و(عن ابن عباس : السر ما علمته أنت ، وأخفى ما قذف الله في قلبك مما لم تعلمه)([82]).

وعن مجاهد : قال الوسوسة ، والسر العمل الذي تسرون من الناس، والآية أعم .

وعلم الله عز وجل في المقام ليس مجرداً بذاته ، بل هو طريق وعلة لأصلاح النفوس وأعمال الجوارح ، وكما يعلم الله حال الفرح عند الإنسان فانه يعم حال الكآبة والحزن ، لبيان أن الله عز جل حينما جعل الإنسان [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ([83])، فانه سبحانه يعلم ما يظهره وما يخفيه ليقربه إلى سبل الطاعة ، ويبعده عن المعصية.

ولذا نزلت آية البحث لبيان قانون وهو أن الفرح باعلان حقائق التنزيل وليس بإخفاءها .

وعن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : اطلع علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الباب الذي يدخل منه بنو شيبة ، فقال : أتضحكون ، ألا أراكم تضحكون ، أتضحكون ، ثم أدبر ، وكأن على رءوسنا الرخم ، حتى إذا كان عند الحجر جاء ، ثم رجع إلينا قهقرى.

فقال : جاءني جبريل ، عليه السلام ، فقال : يا محمد إن الله عز وجل يقول : لم تقنط عبادي من رحمتي ، نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم ، وأن عذابي هو العذاب الأليم([84]).

الثالثة : إحاطة الله علماً بما يفعل الناس ، بانزال آية البحث للإنذار والتخويف والوعيد .

الرابعة : إخبار آية البحث عن نزول العذاب بالذين يكتمون أسرار التنزيل والبشارات ليصدوا الناس عن الإيمان .

الخامسة : اختتام آية البحث بالتذكير بيوم القيامة ، وعالم الحساب والجزاء ، وبيان فرد من أفراد وأسباب العقاب بالعذاب الأليم ، ليكون من مفاهيم الآية وجوب السعي للنجاة من العذاب الأليم ، بالسعي لأسباب الثناء بالعمل الصالح.

فمن معاني الآية إقامة الحجة على الناس بأنهم يرغبون بالفطرة بتلقي الحمد والثناء ، وأن هذا الحمد لا يكون إلا على الفعل والعمل الصالح ، لذا فان الآية تبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات بالنجاة من العذاب الأليم ، قال تعالى [وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ]([85]).

المسألة الثامنة : لقد تضمنت آية السياق الأمر من الله عز وجل ببيان الميثاق للناس ، والذي يبينه يستحق الحمد لأنه امتثل للأمر الإلهي وقام بالبيان ، ولكن قوماً يحبون أن يحمدوا من غير أن يقوموا ببيان الميثاق ، وإعلان البشارة برسالة خاتم النبيين ، هذا الإعلان الذي يستحق الحمد والثناء لما فيه من سبل الهداية والرشاد للناس والإحتراز من سفك الدماء ، فلو علم عامة أهل الجزيرة بهذه البشارة لعجزت قريش عن تحشيدهم لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في معركة بدر وأحد والخندق.

ليكون من معاني الجمع بين الآيتين بعث أهل الكتاب وغيرهم من الناس على بيان فرائد الميثاق وبشارات النبوة والشهادة على إعجاز القرآن ، وما جرى على يد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من المعجزات الحسية في مكة أو المدينة مثل إنشقاق القمر أو حديث الإسراء ، وتكليم بعض الجمادات والشجر له وسلامها عليه.

و(عن أبي بن كعب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي إلى جذع إذ كان المسجد عريشا، وكان يخطب إلى ذلك الجذع، فقال رجل من أصحابه: يا رسول الله هل لك أن تجعل لك منبرا تقوم عليه يوم الجمعة حتى يراك وتسمع الناس خطبتك، قال: نعم، فصنع له ثلاث درجات، هي التي أعلى المنبر، فلما صنع وضعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم موضعه الذي هو فيه، فكان إذا بدأ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن يخطب عليه تجاوز الجذع الذي كان يخطب إليه أولا ثم أن الجذع خار حتى تصدع وانشق .

فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما سمع صوت الجذع مسحه بيده حتى سكن، ثم رجع إلى المنبر، وكان إذا صلى صلى إليه، فلما هدم المسجد أخذ ذلك الجذع أبي بن كعب فكان عنده حتى بلي فأكلته الأرض وعاد رفاتا)([86]).

المسألة التاسعة : لقد أختتمت آية السياق بذم الذين أخفوا مضامين الميثاق وامتنعوا عن إعلانها طمعاً بمتاع وحطام من الدنيا إذ قال تعالى [فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ]([87])، ليكون هذا الطمع وبالاً عليهم في النشأتين وأختتمت آية البحث بالوعيد بالعذاب الأليم في الآخرة للذين يفرحون بما أتوا من اتباع الهوى وإخفاء الحقائق.

ترى ما هي النسبة بين الذين جاءهم الوعيد في خاتمة هذه الآية ، وبين الذين ذكرتهم آية السياق ، والمختار أنها نسبة العموم والخصوص المطلق.

وأن الذين يتوجه إليهم الوعيد في آية البحث أعم من الذين ذكرتهم آية السياق لبيان قانون قرآني وهو عموم الوعيد على المعاصي والذنوب بما يؤدي إلى تهذيب النفوس والتوبة والإنابة.

لبيان قانون في الإنذار على نحو ترتيبي من وجوه :

الأول : تعيين الموضوع والجهة التي تنزل الآية بخصوصهم ، إذ ذكرت آية السياق موضوع الميثاق .

الثاني : الإخبار عن إقامة الحجة ، كما في آية السياق ، وأن الله عز وجل أخذ الميثاق على أهل الكتاب ، وبما يفيد تأكيد ثبوته ، وعدم إمكان إنكاره ، قال تعالى [وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا]([88]).

الثالث : بيان قانون وهو ترتب الواجب أو الحرمة على التكليف ، فقد أعطى الذين أوتوا الكتاب العهد والميثاق لله عز وجل بالتقيد بالميثاق ، والعمل بأحكامه .

الرابع : مجئ القرآن بالتكليف الجلي والصريح ، وهو من الحكم الذي لا يقبل الترديد والشك ، إذ أخبرت الآية عن أمر وهو وجوب بيان الميثاق لقوله تعالى [لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ].

المسألة العاشرة : اختصت آية السياق بذكر الذين يكتمون الميثاق بعد أن أخذه الله عز وجل عليهم ، ولم تذكر الذين بينوا الميثاق للناس ، ولم يخفوه.

والجواب قد جاءت آيات قرآنية أخرى بالثناء على الذين يتعاهدون الميثاق ، ويعملون بأحكامه ولا يخفون البشارات التي ورثوها بخصوص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فبشرهم الله عز وجل بالثواب واللبث الدائم في الجنة ، قال تعالى [الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلاَ يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ * وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ * وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ]([89])، والميثاق على وجوه:

الأول : الميثاق من جميع الناس كما في ميثاق عالم الذر عند خلق آدم وهل أخذ الميثاق من الناس جميعاً في الجنة بشارة الرحمة العامة لهم من الله ، الجواب نعم .

الثاني : ميثاق وعهد الأنبياء على نحو الخصوص ، وفي التنزيل [وَإِذْ أَخَذْنَا مِنْ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا]([90]).

الثالث : ميثاق الذين أوتوا الكتاب الذي اتبعوا الأنبياء السابقين وصدقوا برسالاتهم ، سواء كان هذا التصديق ببعض الأنبياء السابقين أو جميعهم .

وقد تلقى الذين أوتوا الكتاب ميثاق الأنبياء فهم حملة للمواثيق الثلاثة كلها ، وهل منها ميثاق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي تذكره الآية أعلاه من سورة الأحزاب أم أنهم لا يتحملونه إلا بعد دخولهم الإسلام.

الجواب هو الأول ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ]([91]).

المسألة الحادية عشرة : من معاني الجمع بين الآيتين الدعوة لعدم كتمان حقائق التنزيل ، وعدم الإفتخار والتباهي بهذا الإخفاء ، فهو بذاته إثم فكيف يكون التفاخر به ، ومن معانيه بعث المسلمين والذين أوتوا الكتاب والناس جميعاً على إستحضار الميثاق ، فاذا كانت طائفة قد جعلته وراء ظهورها وأعرضت عنه ، فان هذه الآية تتضمن مسائل :

الأولى : تأكيد وجود الميثاق ، وأن الله عز وجل أخذه على الناس .

الثانية : عدم الفرح باخفاء الميثاق .

الثالثة : تلاوة المسلمين آية السياق في الصلاة اليومية تذكير بالميثاق .

الرابعة : آية السياق مادة للإحتجاج على الذين يخفون الميثاق .

الخامسة : دعوة الناس جميعاً للسؤال عن الميثاق ومضامينه ، ومنه البشارات برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .

السادسة : بيان طريق مبارك للمدح والثناء وهو إعلان الميثاق الإلهي ، وعدم إخفائه ، وهل من الميثاق قول عيسى عليه السلام كما ورد في التنزيل [وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ…] ([92]) الجواب نعم .

المسألة الثانية عشرة : لو قام الذين أوتوا الكتاب ببيان حقائق التنزيل وأخبروا بما عند علمائهم من البشارات برسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقاموا بالمقارنة والجمع بين معجزاته ومعجزات الأنبياء السابقين لدخلوا وغيرهم الإسلام .

فمن فضل الله عز وجل عدم حصر التصديق بمن يبعثه من الأنبياء بطريق واحد ، بل هناك عدة طرق تدعو الناس للتصديق به ، ومن وجوه تفضيل النبي محمد أنه أكثر الأنبياء والرسل في الطرق والمعجزات التي تدعو الناس للتصديق برسالته ، منها المعجزات الحسية الكثيرة.

وقد ذكرنا في هذا التفسير معجزات حسية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ذكرت في كتب التفسير والسيرة والتأريخ واضفنا لها معجزات كثيرة في هذا السِفر المبارك في بيان الوجه الإعجازي في وقائع وأحداث تتعلق بالسنة القولية والفعلية يدرك الناس أمس واليوم وغداً أنها معجزة خارقة للعادة لا يقدر عليها إلا الله عز وجل .

وقد جمع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إنفراده بكثرة في المعجزات وإنفراده بمعجزات عقلية ، فكل آية من القرآن فريدة من السماء ومعجزة تتفرع عنها المعجزات إلى يوم القيامة .

ومن الإضرار الكتم وإخفاء حقائق التنزيل جعل المنافقين ونحوهم يفترون على أصحاب النبي ، قال تعالى [إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاَءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ]([93]).


 

قانون نبذ الإرهاب من إعجاز الآية السابقة

لقد أخبرت الآية السابقة وهو قوله تعالى [وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ] ([94])([95]) عن الميثاق بين الله عز وجل وأهل الكتاب لبيان الميثاق العام من الله مع الناس جميعاً ومما يدل عليه آية الميثاق [وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ]([96]).

فيجب أن يحرص كل انسان على حفظ ما بينه وبين الله عز وجل من الميثاق والعهد بالتحلي بتقوى الله .

ومن إعجاز الآية الغيري ذم الذين ينقضون الميثاق والعهد ، وبيان حقيقة وهي أن الإرهاب جزء من هذا النقض.

و(عن ابن عباس في قوله {وإذ أخذ ربك} الآية . قال : إن الله خلق آدم ثم أخرج ذريته من صلبه مثل الذر.

فقال لهم : من ربكم ، فقالوا : الله ربنا .

ثم أعادهم في صلبه حتى يولد كل من أخذ ميثاقه لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم إلى أن تقوم الساعة)([97]).

وهل يختلف ميثاق أهل الكتاب عن الميثاق العام الذي ورد ذكره في الآية أعلاه ، الجواب لا ، إنما هو في طوله ومعه بيان وتفصيل جاء على ألسنة الأنبياء مثل إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام.

لقد أراد الله عز وجل أن تكون الحياة الدنيا دار البيان ، ولم يهبط آدم إلى الأرض إلا بعد أن علمه الله عز وجل الأسماء ، قال تعالى [وَعلم آدم الأَسْمَاءَ كُلَّهَا]([98]).

ليكون هذا التعليم والأسماء مقدمة للبيان والإيضاح في الدنيا ومنه وجوب الإيمان ، وقبح الكفر والقتل والسرقة والزنا وضروب المعاصي .

ومن خصائص الإيمان أنه زاجر عن الظلم والتعدي ، لذا تحض آية البحث الذين اتبعوا الأنبياء السابقين ، وورثوا التوراة والإنجيل على عدم نصرة المشركين في حربهم ضد النبوة والقرآن.

الوجه الثاني : صلة آية البحث بالآية قبل السابقة [لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ]([99])،  وفيها مسائل :

المسألة الأولى : إبتدأت آية السياق بحرف اللام ، والخطاب إلى المسلمين والمسلمات بالإمتحان والإختبار بالأموال والأنفس بينما إبتدأت آية البحث بالخطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وكل من الآيتين لم يرد فيها اسم الجلالة أو أحد الأسماء الحسنى .

وكما ورد لفظ [الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ] في الآية السابقة ، فقد ورد أيضاً في الآية قبل السابقة لإرادة التحذير والإنذار ، وتقريبهم من منازل التصديق بنزول القرآن من عند الله ، ولمنعهم من نصرة كفار قريش في حربهم على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

ولا يعلم منافع هذه الآية بهذا الخصوص ومنها إعراض أهل الكتاب عن دعوة وتحريض قريش ضد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

لقد كان رجالات قريش يمنعون وفد الحاج من الإستماع إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وبعد الهجرة صاروا يطوفون على القبائل العربية لتحشيدهم لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .

ففي معركة أحد استأجر أبو سفيان ألفين من الرجال ، ليكون مجموع جيش المشركين ثلاثة آلاف ، وهو من الشواهد النادرة في تلك الأزمنة أن يكون المستأجرون أكثر من أرباب القضية والخصومة.

وهل توجهت قريش لملوك زمانهم مثل هرقل ملك الروم في الشام ، وكسرى ملك فارس ، والنجاشي ملك الحبشة وغيرهم للإستعانة بهم وبجيوشهم لقتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، المختار نعم .

وقد ورد في التأريخ لقاء أبي سفيان مع ملك الروم ، وذهابه إلى كسرى.

وبعثت قريش لإعادة الصحابة المهاجرين في الحبشة وفداً يتألف من :

الأول : عمرو بن العاص .

الثاني : عمارة بن الوليد .

ومعهما هدايا من أبي سفيان([100]) ورجالات قريش إلى النجاشي وحاشيته مع طلب تسليم الصحابة المهاجرين لهم.

وهناك مسألة وهي لو وافق النجاشي على تسليم الصحابة الى عمرو بن العاص ، وعمارة بن الوليد ، فانهما معرضان للقتل أو الطرد في الطريق من قبل الصحابة إذ كان عددهم ثلاثة وثمانين عدا النساء المؤمنات ، وهناك إحتمالات :

الأول : طلب عمرو بن العاص من النجاشي رجالاً يرافقونهم إلى مكة.

الثاني : استئجار عمرو بن العاص رجالاً لحراسة الصحابة لحين الوصول إلى مكة وإيذائهم في الطريق .

الثالث : الإمهال حتى عودة عمرو بن العاص برجال من قريش وأخذ الصحابة موثقين بالحبال .

الرابع : الإكتفاء بطرد وإخراج النجاشي الصحابة من الحبشة .

والمختار هو الثاني خاصة وأن السفر في أكثره في البحر.

المسألة الثانية : تبين آية السياق ما كان يلاقيه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من الأذى الشديد في الأموال والأنفس  ، ومنه دخولهم المعارك دفاعاً وسقوط القتلى والجرحى ، بينما تجد طائفة من الناس يفرحون بالتدليس وإخفاء البشارات والجدال بغير برهان ، ويبتكرون المعاذير للتخلف عن نصر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما في المنافقين .

ومن معاني الجمع بين آية البحث وآية السياق مواساة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، وإخبارهم بأن فرح الذين كفروا والمنافقين بما أتوا إنما هو أمر زائف يخلف لهم العقاب الأليم ، بينما يكون إبتلاء المؤمنين مناسبة للأجر والثواب .

المسألة الثالثة : ترى ما هي النسبة بين الإبتلاء الذي تذكره آية السياق والإبتلاء الذي ورد في قوله تعالى [وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ]([101]).

المختار أن النسبة هي العموم والخصوص المطلق ، فالآية أعلاه أعم موضوعاً وزماناً ومكاناً ، كما أخبرت الآية أعلاه عن مجئ الإبتلاء من عند الله عز وجل لبيان أن الأذى الذي يصل النبي وأهل بيته وأصحابه ، ما كان يصلهم من المشركين لولا الإذن من عند الله عز وجل ، قال تعالى [مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ] ([102]).

وذكرت آية البحث بصيغة الذم الذين يحبون أن يتوجه لهم الثناء على أمور لم يفعلوها منها :

الأول : يريدون تصديق الناس لهم في دعواهم الدفاع عن النبي والإسلام.

الثاني : في أخراج الزكاة والخمس.

الثالث : في الصلاح والتقوى ، وهم بعيدون عنها ، بينما يبتلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه بالأذى من المشركين ، ويصبرون عليه رجاء الأجر والثواب .

ولو تخلى المنافقون عن خبثهم ومكرهم ، وهجروا القعود عند قدوم جيش المشركين ، فهل فيه تخفيف عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في ميادين الدفاع ، الجواب نعم ، إلى جانب ما فيه من الصلاح واستقرار المجتمع ، ويدل على أذاهم ببعث الخوف والفزع والإرباك في المدينة ، قوله تعالى [لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً]([103]).

ولم يرد لفظ [الْمُرْجِفُونَ] في القرآن إلا في الآية أعلاه .

ترى ما هي النسبة بينه وبين المنافقين ، فيه وجوه محتملة :

الأول : نسبة التساوي ، وأن المنافقين هم المرجفون .

الثاني : نسبة العموم والخصوص المطلق وهو على شعبتين :

الأولى : المرجفون هم الأكثر والأعم .

الثانية : المنافقون أكثر من المرجفين .

الثالث : نسبة العموم والخصوص من وجه ، فهناك مادة للإلتقاء وأخرى للإفتراق بين المنافقين والمرجفين .

الرابع : نسبة التباين والإختلاف .

والمختار هو الشعبة الأولى من الوجه الثاني أعلاه ، خاصة وأن سكان المدينة كانوا خليطاً من المسلمين وطائفة من الذين أوتوا الكتاب والكفار.

وهل يشمل لفظ [الْمُرْجِفُونَ]بعض المؤمنين الذين ينساقون وراء الإشاعات ، ويرددون ما يقوله المنافقون أم أن خاتمة الآية تدل على عدم شمولهم لما فيها من الوعيد  .

الجواب فيه تفصيل إذ يشمل لفظ [الْمُرْجِفُونَ] كل من يقوم ببث الإشاعات المغرضة مثل قدوم جيش المشركين وعزمهم على اقتحام المدينة ، وأخبار قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ولكن الوعيد الوارد في خاتمة الآية أعلاه لا يشمل المؤمنين.

إنما جاءت الآية لزجر وإنذار المشركين ، وليلتفت المؤمنون لوجوب إجتناب محاكاة المنافقين ، وفي هذا الإجتناب تأديب لهم ، ودعوة لهم للتوبة ،والإقلاع عن النفاق بإصلاح النفوس .

المسألة الرابعة : لقد أختتمت آية البحث بالوعيد بالعذاب الأليم للذين ظلموا ويحمدون أن يثنى عليهم ، وفيه بلحاظ آية السياق عهد ووعد وعون للمسلمين للصبر ، وتحمل الأذى .

لذا أختتمت الآية بقوله تعالى[فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ] ([104]).

ترى لماذا اقترن الأمر بالتقوى مع الأمر بالصبر في الآية أعلاه ، الجواب من جهات :

الأول : وجوب عدم إنشغال النبي صلى الله عليه وآله وسلم بايذائه وأصحابه.

الثاني : عدم الرد على المشركين بالمثل لبيان مصداق عملي لقوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ([105]) .

الثالث : وجوب التقوى والخشية من الله عز وجل في القول والعمل .

الرابع : عطف الأمر بالتقوى على الأمر بالصبر بشارة للمسلمين في دفع ورد شرور الذين كفروا .

الخامس : الأمر بالصبر والتقوى مدد وعون من الله عز وجل .

المسألة الخامسة : أختتمت آية السياق بقوله تعالى [فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ] ([106])وفيه وعد كريم على العمل الصالح ، وهل الصبر المذكور في الآية منه ، الجواب نعم ، فهو أمر وجودي ، وفعل يكون على أقسام :

الأول : الكيفية النفسانية .

الثاني : حبس الجوارح عن الإنتقام والرد والبطش .

الثالث : الصبر العام من قبل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بعدم رد غزو مشركي قريش للمدينة المنورة بمثله ، وهو من أبهى مصاديق الصبر .

الرابع : في معاملة أسرى المشركين ، وعدم الثأر والإنتقام منهم ، وهل كان من أسرى المشركين يوم بدر ممن قتل بعض الصحابة يومئذ أو جرح بعضهم ، ومع هذا لم ينتقم منه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، الجواب نعم .

إنما تلقوا العناية واللطف ، وهو من الصبر الذي تذكره آية السياق ، ومن لطف الله عز وجل بالمسلمين تقريبهم إلى الصبر والتقوى ، وفي العناية في الأسرى ورد قوله تعالى [وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا]([107]).

وليس من تشريع في تأريخ الإنسانية بجعل مداراة أسير الحرب بمرتبة واحدة مع الرأفة باليتيم والإحسان إلى المسكين والفقير من ذوي القربى وأهل البلدة ، خاصة مع معرفة أسباب نزول الآية.

وعن الحسن البصري أن الآية (نزلت في علي وفاطمة وذلك أن علياً وفاطمة نذرا صوماً فقضياه ، وخبزت فاطمة ثلاثة أقراص من شعير ليفطر علّي على أحدها وتفطر هي على الآخر ، ويأكل الحسن والحسين الثالث ، فسألها مسكين فتصدقت عليه بأحدها ، ثم سألها يتيم فتصدقت عيله بالآخر ، ثم سألها أسير فتصدقت عليه بالثالث ، وباتوا طاوين)([108]).

خصوصاً مع التباين في موضوع الأسر ، فالأسير مشرك عابد للأوثان محارب للنبوة والتنزيل ، وسعى في الميدان لقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسقط بعض المهاجرين والأنصار شهداء ، إذ استشهد في معركة بدر أربعة عشر من الصحابة.

(وقال ابن عباس: كان أسراؤهم يومئذ مشركين. ويشهد لهذا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر أصحابه يوم بدر أن يكرموا الأسارى، فكانوا يقدمونهم على أنفسهم عند الغداء)([109]).

المسألة السادسة : لقد أختتمت آية السياق بالأمر للمسلمين بالصبر والتقيد بسنن التقوى ، وهل يختص هذا الأمر بخصوص مضامين آية السياق ، الجواب لا ، فهو عام ليكون من مصاديق بآيات القرآن الأخرى ، وأداء الفرائض والعبادات ، وفي ملاقاة المشركين في ميدان المعارك.

ومن الجمع بين الصبر والتقوى في المقام أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم كان لا يبدأ قتالاً إنما كان ينادي قولوا لا إله إلا الله تفلحوا.

ومن وجوه تقدير قوله تعالى [وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا]([110])، بلحاظ آية البحث وجوهاً :

الأول : وان تصبروا وتتقوا لا يضركم الذين يفرحون بما أتوا مما هو خلاف الحق .

الثاني : وإن تصبروا وتتقوا يلحق الخزي الذي يفرحون بما أتوا من المنافقين ونحوهم .

الثالث : وإن تصبروا وتتقوا يصيب الندم الذين يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا.

الرابع : وإن تصبروا وتتقوا فلكم الأجر والثواب ، و(عن صهيب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : عجباً لأمر المؤمن أمر المؤمن كله خير ، إن أصابته سراء شكر كان خيراً ، وإن أصابته ضراء صبر كان خيراً)([111]).

الخامس : وإن تصبروا وتتقوا فانكم من الذين يحبون أن يحمدوا بما فعلوا من واجبات الإيمان.

السادس : وإن تصبروا وتتقوا فانكم تقتدون بالأنبياء والرسل ، قال تعالى [أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ]([112]).

المسألة السابعة : لقد جعل الله عز وجل الصبر والخشية منه تعالى صفة للمؤمنين ، وتقدير آية السياق : يا أيها الذين آمنوا إن تصبروا وتتقوا.

لبيان وجوب الصبر في العبادات ، والصبر عن المعاصي ، وفيه دعوة للناس للهدى والصلاح ، ومنه الذين أكرمتهم آية البحث بالذكر للنهي عن الإستمرار بالتباهي بالإعراض عن دعوة الحق ، أو بالإحتجاج والجدال بالباطل ، فهذا النهي القرآني لطف من عند الله ولابد من وجود طائفة تتوب إلى الله عز وجل بسببه ، وفيه شواهد عديدة في احتجاج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع أهل الكتاب الذين في المدينة كما أن مضامين آية البحث لا تختص أو تنحصر بأيام التنزيل والنبوة فهي دعوة متجددة إلى يوم القيامة.

لذا فمن إعجاز الآية أنها لم تبين الفئة والطائفة المقصودة في الآية فلم تقل لاتحسبن الذين يفرحون بما أتوا من أهل الكتاب .

أو لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا من ذرية إبراهيم ومنهم قريش أو الذين [عِنْدَهُمْ التَّوْرَاةُ]([113])، أو الذين [َكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ]([114])، أو الذين [اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ]([115])، أو [َالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ]([116]).

وتبين آية السياق قانوناً وهو دعوة القرآن إلى السلم والموادعة بملاقاة المسلمين للأذى الكثير من المشركين بالصبر والخشية من الله ، ومن مصاديق التقوى في المقام التنزه عن التعدي ، وكل فرد من الصبر والتقوى واقية من الظلم للنفس والغير ، ومن معاني الصلة بين أول وآخر آية السياق وجوه :

الأول : يا أيها الذين آمنوا إن تصبروا على الإبتلاء في أموالكم.

الثاني : يا أيها الذين آمنوا سقوط الشهداء أسمى مراتب الصبر.

الثالث : يا أيها الذين آمنوا إن تصبروا سقوط الشهداء منكم في ميادين القتال ، وهل الجراحات الشديدة التي أصابت النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يوم معركة أحد من الإبتلاء بالنفوس الذي ذكرته آية السياق ، الجواب نعم.

 المسألة الثامنة : لقد أخبرت آية البحث عن وجود طائفة يخفون بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأحكام الشريعة والفرائض العبادية مما يدل على إضهارهم شدة العداوة ، والذي يشير بالدلالة الإلتزامية إلى رغبتهم بالإجهاز على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وقتلهم ، ومع هذا أختتمت آية السياق بقوله تعالى [وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ] ([117]).

فهل من الصبر والتقوى في الآية أعلاه الدعاء ، الجواب نعم ، وهل هو الدعاء على هذه الطائفة ذات النفاق بالإنتقام منهم أم باصلاحهم ، الجواب هو الثاني ، وهو من مصاديق قوله تعالى [ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ]([118]).

الوجه الثالث : صلة آية البحث بقوله تعالى [كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ] ([119]) .

المسألة الأولى : إبتدأت آية السياق بقانون من الإرادة التكوينية وهو مجئ الموت لكل نفس ، والنسبة بين النفوس والناس هو العموم والخصوص المطلق ، فالنفوس أعم ، وتشمل نفوس الملائكة والجن والشياطين .

ولا يختص القدر المتيقن من موضوع آية السياق بنفوس الناس لبيان أن الموت والحياة بيد الله عز وجل وحده ، قال تعالى [وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِيْنْ مِتَّ فَهُمْ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ]([120])وقال تعالى [وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِيْنْ مِتَّ فَهُمْ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ]([121]) وقال تعالى [كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ]([122]).

(عن ابن عباس {كل نفس ذائقة الموت} قال : لما نزلت قيل : يا رسول الله فما بال الملائكة.

فنزلت {كل شيء هالك إلا وجهه}([123]) فبين في هذه الآية فناء الملائكة والثقلين من الجن والانس وسائر عالم الله ، وبريته من الطير والوحش والسباع والأنعام ، وكل ذي روح أنه هالك ميت)([124]).

والتذكير بالموت أمر نافع للمؤمن والكافر ، والبر والفاجر ، ففيه دعوة للإنابة والصلاح ، إذ يجعل استحضار الموت الإنسان يتدبر في أعماله في الدنيا .

ومن إعجاز القرآن عدم إكتفائه بذكر الموت كعاقبة لحياة الإنسان في الدنيا فانه أمر ظاهر للوجدان ، ولكن القرآن ذكّر الناس بعالم الحساب والجزاء في آيات كثيرة ، وبيّن إنقسام الناس إلى شطرين بلحاظ أعمالهم في الدنيا ، فأما إلى الجنة ، وأما إلى النار بلحاظ عملهم في الحياة الدنيا ، إذ تقود طاعة الله إلى الجنة ويقود الشرك والمعاصي إلى النار ، قال تعالى [وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ] ([125]).

ولا تنفي آية السياق وجود حساب في القبر ، إذ أنها تتحدث عن وفاء الحساب يوم القيامة ، أما الحساب الإبتدائي في عالم البرزخ وفي القبر فيدل عليه الكتاب والسنة، منه قوله تعالى بخصوص آل فرعون [النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ]([126]) وقوله تعالى [وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ]([127]) وقوله تعالى [وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ]([128]).

وقد وردت نصوص عديدة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تتضمن الإخبار عن الحساب والعذاب في القبر.

(عن جابر بن عبد الله قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأتى على قبرين يعذب صاحباهما فقال : إنهما لا يعذبان في كبير ، وبكى ، أما أحدهما فكان يغتاب الناس ، وأما الآخر فكان لا يتأذى من البول فدعا بجريدة رطبة فكسرها ، ثم أمر بكل كسرة فغرست على قبر فقال : أما إنه سيهون من عذابهما ما كانا رطبتين) ([129]).

(عن جابر بن عبد الله قال :  كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فارتفعت ريح جيفة منتنة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أتدرون ما هذه الريح هذه ريح الذين يغتابون الناس) ([130]).

ويدل عليه قوله تعالى بخصوص شهداء أحد [فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ([131])* يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ]([132])([133]).

و(عن معاذ بن جبل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما عمل آدمي عملاً قط أنجى له من عذاب القبر من ذكر الله)([134]).

و(عن عبد الرحمن بن حمزة الأنصاري قال : خرج علينا رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم  ونحن في مسجد المدينة فقال : لقد رأيت البارحة عجباً، رأيت رجلاً من أُمتي قد بُسِطَ عليه عذاب القبر فجاء وضوؤه فاستنقذه من ذلك) ([135]).

لبيان فضل الله عز وجل بالإيمان بازاحة الخوف والفزع من عذاب القبر من نفوس المسلمين ، فذكر الله يصرفه ، وكذا الوضوء وقراءة سورة من القرآن هي (تبارك الملك ).

ومن معاني آية البحث إنذار الذين كفروا من أسباب ومقدمات عذاب البرزخ ، ومنه إتيان المعاصي ، وقول خلاف الحق ، وإرادة الثناء على الباطل وفعل المنكر .

لقد أراد الله عز وجل للحياة الدنيا أن تكون دار صلاح ،وبعث الأنبياء بالفرائض العبادية وسنن التقوى ، فليس للكفار الإعتراض عليه ، وجدالهم ، ولكن المشركين في الجزيرة قاموا بمحاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالسيف ، وعلى نحو متكرر ، ومن اللطف الإلهي هزيمتهم في معركة بدر ، لتكون زاجراً لهم عن تكرار القتال ، ولكنهم أصروا عليه ، وزادوا في الغي والغرور ، فبعد أن كان عددهم في معركة بدر ألف مقاتل ، وكان ميدان المعركة يبعد عن المدينة المنورة 150 كم.

زحف بعدها بثلاثة عشر شهراً أي في شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة ثلاثة آلاف رجل من المشركين من مكة وأطرافها ، متوجهين إلى المدينة حتى اطلوا وأشرفوا عليها ، ولم يبق بينهم وبين المسجد النبوي سوى (5) كم فكانت نتيجة تماديهم هذا وجوه :

الأول : عودة مشركي قريش من معركة أحد من غير تحقيق أي فرد من غاياتهم الخبيثة .

الثاني : غزو الرعب قلوب الذين كفروا .

لقد قاموا بغزو المدينة فرد الله عز وجل عليهم بان جعل الرعب ينفذ إلى شغاف قلوبهم ، قال تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ] ([136]).

وموضوع الآية أعلاه هو معركة أحد ، ولكن معناها أعم ، إذ دخل الرعب إلى قلوب المشركين ، ولم يغادرها لأصالة الإستدامة ([137]) إلا أن يدل دليل على زوال الرعب من قلوب الذين كفروا ، أو انقطاعه في حال السلم مثلاً .

فلو دار الأمر بين استدامة الأمر أو انقطاعه فالأصل الإستدامة إلا أن يدل دليل على الإنقطاع ، وهو غير أصالة الإطلاق التي يقابلها التقييد.

الثالث : الوعيد بالنار للذين يحاربون النبوة والتنزيل .

الرابع : سلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من القتل.

الخامس : إزدياد عدد الذين يدخلون الإسلام.

السادس : توالي نزول آيات القرآن التي تفضح الكافرين ، وتتضمن الإنذار والوعيد لهم ، ومنها آية البحث .

السابع : قيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بالخروج خلف جيش المشركين عندما بلغه عزمهم العودة للإغارة على المدينة مما حمل المشركين على التعجيل بالعودة خائبين إلى مكة وأكرم الله عز وجل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بنزول آيات بهذا الخصوص [الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ([138]) * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ([139]) * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ]([140])([141]).

ترى متى وأين ألقى الله عز وجل الرعب في قلوب المشركين ، الجواب لقد جاءت الآية بحرف السين للمستقبل القريب (سنلقي) ويحتمل وجوهاً :

الأول : نزول الرعب في قلوب المشركين في يوم بدر ، فان قلت نزلت الآية أعلاه في معركة أحد ، ووردت بصيغة المضارع القريب بلحاظ حرف السين في (سنلقي).

والجواب اثبات شيء لشيء لا يدل على نفيه عن غيره خاصة وأن موضوع وعلة القاء الرعب متحققة وهي إشراك الذين كفروا بالله ، لبيان قانون وهو أن هجوم المشركين في معركة بدر وأحد والخندق فرع الشرك بالله لذا فان الله عز وجل توعد النار على الشرك وهو مستثنى من موارد العفو والمغفرة لقوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا]([142]).

الثاني : نزول الرعب في قلوب المشركين يوم معركة أحد ، وقبل يوم القتال ، وهو المختار.

الثالث : الملازمة بين بدء القتال يوم معركة أحد ، ومجئ الرعب للذين كفروا ليكون الرعب سلاحاً ضد الذين كفروا وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ]([143]).

الرابع : التدريج في نفاذ الرعب إلى قلوب الذين كفروا قبل واثناء وبعد معركة أحد .

ولا تعارض بين هذه الوجوه ، ويمكن تقدير قوله تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ]([144])، قد ألقينا ونلقي وسنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب.

ترى هل من صلة بين الآية أعلاه ، وقوله تعالى [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ]([145])، الجواب نعم ، وفيه وجوه منها :

الأول : قتل طائفة من الذين كفروا في معركة أحد إذ فقدوا اثنين وعشرين من رجالهم في هذه المعركة ، وهل هذا القتل من مصاديق سفك الدماء في قوله تعالى حكاية عن الملائكة [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ] ([146])، الجواب لا ، لأن هذا القتل دفاع عن الإسلام والنبوة والتنزيل ، ولم يقصد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه قريشاً في مكة للقتال ، إنما أشرفوا على المدينة بخيلهم وخيلائهم.

ولم يكتفوا بهذا بل حينما وصل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى موضع معركة أحد ودعاهم إلى كلمة التوحيد أجابوه بالمناجزة والتقدم للمبارزة ، إذ تقدم أبو سعد بن أبي طلحة صاحب لواء المشركين ، وقال أن قاصم (من يبارز) ([147])، والقاصم أي القاطع.

فلم يبرز إليه أحد من المسلمين ليس خوفاً أو جبناً ، ولكن لإقامة الحجة على الذين كفروا ، ولأن قتله بعد إلحاحه بالتحدي وتعيير المسلمين أشد نكالاً به وبأصحابه ، وهو باعث للرعب في قلوبهم أي ليكون من معاني قوله تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ]([148])، أي سنلقي في قلوبهم الرعب باصرارهم على القتال والمبارزة بعد أن حضروا إلى أطراف المدينة غزاة معتدين ، ثم نادى مرة أخرى طالباً المبارزة وسط الميدان بين الصفين ، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ينظرون إليه ، ليوثق التأريخ إصرار الذين كفروا على القتال وقانون (لم يغز النبي محمد (ص) أحداً) والذي صدرت بخصوصه أربعة وعشرون جزء من هذا التفسير كما تقدم.

وعندما لم يبرز لأبي سعد بن أبي طلحة أحد من المسلمين إزداد تمادياً في الغي ونادى بأعلى صوته (يَا أَصْحَابَ مُحَمّدٍ زَعَمْتُمْ أَنّ قَتَلَاكُمْ فِي الْجَنّةِ وَأَنّ قَتَلَانَا فِي النّارِ كَذَبْتُمْ وَاَللّاتِي لَوْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ حَقّا لَخَرَجَ إلَيّ بَعْضُكُمْ فَخَرَجَ إلَيْهِ الإمام عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام ، فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ فَضَرَبَهُ عَلِيّ فَقَتَلَهُ)([149]).

الثاني : واقعة أحد باعث للرعب في قلوب الكفار والمشركين ممن اشترك في القتال ومن لم يحضره ليكون من معاني وتقدير قوله تعالى [يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ] يوم التقى الجمعان فاصاب الرعب جميع المشركين .

الثالث : كل فرد من أفراد آية (ليقطع) سبب لنفاذ الرعب واستقرار الرعب في قلوب المشركين ، سبباً ونتيجة من غير أن يلزم الدور بينهما ومنه :

الأولى : ليقطع طرفاً من الذين كفروا فينفذ الرعب إلى قلوب المشركين .

الثانية : سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب ليقطع طرفاً منهم باصابتهم بالوهن والفزع والخوار .

الثالثة : يكبت ويذل ويهين الله الذين حاربوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فتكون نتيجة هذا الكبت امتلاء نفوسهم بالخوف والرعب ، قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ]([150]).

الرابعة : تقدير الجمع بين الآيتين : سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب فينقلبوا خائبين.

لبيان أن قوله تعالى [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ]([151]) ([152])، يتجلى فيه قانون من الإرادة التكوينية وهو أن جمع اللفظ القرآني الواحد بين الوعد والحقيقة الواقعة كما في قوله تعالى [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا] من جهات :

الأولى : قانون الوعد بهلاك طائفة من الكفار الذين قاموا بغزو المدينة ، كما يتوعدون نحو سنة كاملة ويهددون بأنهم سيقتلون النبي محمداً ، ويبعثون الرسائل للمهاجرين بأن يعودوا إلى مكة نادمين ، وإلى الأنصار بلزوم التخلي عن نصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن إيواء المهاجرين ، حتى إذا ما نشبت معركة أحد فانها لم تستمر إلا ساعات من نهار يوم الأحد النصف من شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة ، ليكون قصر وقتها مع كثرة الإعداد وتهيئة مقدماتها من قبل المشركين معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في السنة الدفاعية .

الثانية : قانون تنجز الوعد الإلهي للنبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل نزول الآية ، ولتشمله آيات أخرى مكية بقطع طرف وهلاك طائفة من الذين كفروا ، وتؤكده السنة النبوية ، فحينما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مكة قبل الهجرة ، وكان المشركون يؤذونه توعدهم بالرد عليهم ، فمثلاً كان أبي بن خلف الجمحي يتوعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في مكة قبل الهجرة.

وكلما (يلقى رسول الله فيقول : عندي رمكة([153]) أعلفها كل يوم فرق ذرة أقتلك عليها .

قال رسول الله : بل أنا أقتلك إن شاء الله، فلما كان يوم أُحد ودنا منه تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث بن الصمة ثم استقبله فطعنه في عنقه وخدشه خدشة فتدهده عن فرسه وهو يخور كما يخور الثور ويقول : قتلني محمد،

 واحتمله أصحابه فقالوا : ليس عليك شيء، فقال : بلى، لو كانت هذه الطعنة بربيعة ومضر لقتلهم أليس قال لي : أقتلك إن شاء الله، فلو بزق عليَّ بعد هذه المقالة لقتلني. فما لبث إلاّ يوماً حتى مات بموضع يقال له صرف.

فقال حسان بن ثابت في ذلك :

لقد ورث الضلالة عن أبيه … أُبي حين بارزه الرسول

أتيت إليه تحمل رم عظم … وتوعده وأنت به جهول

يقول فكيف يحيى الله هذا … وهذا العظم عار ومستحيل

(وقد قتلت بنو النجار منكم … أمية إذا يغوث : يا عقيل

وتب ابنا ربيعة إذ أطاعا … أبا جهل لأمهما الهبول

وأفلت حارث لما شغلنا …بأسر القوم، أسرته فليل)

وقال حسان بن ثابت أيضاً :

ألا من مبلغ عني أُبيّا … فقد القيت في جوف السعير

تمنى بالضلالة من بعيد … وقول الكفر يرجع في غرور

فقد لاقتك طعنة ذي حفاظ …كريم الأصل ليس بذي فجور

له فضل على الأحياء طرّاً …إذا نابت مُلمّات الأمور)([154]).

ليكون قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا مشابهاً لقول داود عليه السلام لجالوت رأس الجبابرة ، الذي حينما نظر الى داود وقد برز له (يا فتى ، ارجع فإني أرحمك ان أقتلك . فقال داود : لا بل أنا أقتلك .

وأخرج الحجارة فوضعها في القذافة ، كلما رفع حجراً سماه فقال : هذا باسم أبي إبراهيم ، والثاني باسم أبي إسحق ، والثالث باسم أبي إسرائيل ، ثم أدار القذافة فعادت الأحجار حجراً واحداً ، ثم أرسله فصك به بين عيني جالوت فثقبت رأسه فقتله ، ثم لم تزل تقتل كل إنسان تصيبه تنفذ منه حتى لم يكن بحيالها أحد ، فهزموهم عند ذلك ، وقتل داود جالوت ورجع طالوت فأنكح داود ابنته ، وأجرى خاتمه في ملكه ، فمال الناس إلى داود وأحبوه)([155]).

الثالثة : تكرار القطع وتفشي القتل بين المشركين في ميدان المعركة .

الرابعة : هل يصح لفظ الطرف في قوله تعالى [لِيَقْطَعَ طَرَفًا] على المنفرد من رؤساء الذين كفروا ، كما في قتل الإمام علي عليه السلام لعمرو بن ود العامري ، الجواب نعم ، إذ أن معنى الطرف هو القطعة ، والجانب (وكل مختار طرف)([156]).

(وأَطرافُ الرجلِ أَخوالُه وأَعمامه ، وكلُّ قَرِيبٍ له مَحْرَمٍ ، والعرب تقول لا يُدْرَي أَيُّ طَرَفَيْه أَطولُ ومعناه لا يُدْري أَيُّ والدَيْه أَشرف قال هكذا قاله الفراء.

ويقال لا يُدرى أَنَسَبُ أَبيه أَفضل أَم نسَبُ أُمّه.

وقال أَبو الهيثم يقال للرجل ما يَدرِي فلان أَيُّ طَرَفَيْه أَطولُ أَي أَيُّ نصفَيه أَطول أَلطَّرَفُ الأَسفل من الطَّرَف الأَعلى فالنصف الأَسفلُ طَرَف والأَعْلى طرَف والخَصْرُ ما بين مُنْقَطع الضُّلُوع إلى أَطراف الوَرِكَيْنِ وذلك نصف البدن والسّوْءةُ بينهما كأَنه جاهل لا يَدْرِي أَيُّ طَرَفَيْ نفسِه أَطولُ ابن سيده ما يَدْرِي أَي طرفيه أَطول يعني بذلك نسَبه من قِبَل أَبيه وأُمه.

وقيل طرَفاه لِسانُه وفَرجُه وقيل اسْتُه وفمُه لا يَدرِي أَيُّهما أَعفُّ ويُقَوِّيه قول الراجز :

لو لم يُهَوْذِلْ طَرَفاهُ لَنَجَمْ  …  في صَدْرِه مَثْلُ قَفا الكَبْشُ الأَجَمّ.

يقول لولا أَنه سَلَحَ وقاء لقامَ في صَدْرِه من الطعام الذي أَكل ما هو أَغْلظُ وأَضْخَمُ من قَفا الكَبْشِ الأَجَم)([157]).

وهل في صلح الحديبية قطع لطرف من الذين كفروا ، أما أن القدر المتيقن من الآية الكريمة هو خصوص الكفار الذين يسقطون في ميدان المعركة ، الجواب هو الأول.

لتشمل الآية الكريمة معنى أعم من المعنى اللغوي لذات اللفظ ، ففي الصلح انحسر نفوذ قريش وأصابهم الكبت والوهن ، وأظهر الذين ناصروهم في حربهم على النبوة والتنزيل الندامة ، وهو من مصاديق قوله تعالى بخصوص صلح الحديبية [إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا]([158]).

الخامسة : من أبهى معاني الوعد الإلهي بقطع طرف الكفار وتحققه في الواقع دخول أفواج من الناس وقبائل وأهل قرى كاملة الإسلام بعد صلح الحديبية لبيان أن قطع الطرف من الذين كفروا من عمومات قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]([159])، وأن القرآن خال من التعارض أو التزاحم بين آياته ومضامينها القدسية.

وهل من مصاديق قوله تعالى [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا]([160])، محاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للإرهاب والقتل بدون حق ، الجواب نعم .

وحينما احتجت الملائكة على جعل الإنسان [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]([161])، بأنه يفسد في الأرض ويسفك الدماء ، أخبرهم الله عز وجل بالقول [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]([162])، فمن علم الله عز وجل قطع دابر الإرهاب ببعثة الأنبياء ، واستئصاله برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فان قيل هناك إرهاب باسم عقيدة التوحيد.

فالجواب الإسلام والقرآن والنبوة براء من هذا الإرهاب ، وهو عرض زائل وفعل محدود ذو أثر قليل سرعان ما يزول ، وتبقى الفرائض العبادية.

وقد صدرت أجزاء من هذا التفسير بخصوص حرب القرآن على الإرهاب على شعبتين :

الأولى : الأجزاء الخاصة بقانون (التضاد بين القرآن والإرهاب) وقد صدرت بخصوصه الأجزاء :

* الجزء التاسع والسبعون بعد المائة .

* الجزء الثمانون بعد المائة .

* الجزء الثالث والثمانون بعد المائة .

* الجزء الحادي والتسعون بعد المائة .

*الجزء الرابع والتسعون بعد المائة .

*الجزء الخامس والتسعون بعد المائة .

*الجزء الثامن والتسعون بعد المائة .

*الجزء السادس بعد المائتين .

*الجزء السابع بعد المائتين .

*الجزء السادس عشر بعد المائتين .

الثانية : الأجزاء التي اختصت بقانون (النزاع المسلح بين القرآن والإرهاب) وقد صدرت بخصوصه أجزاء من هذا التفسير وهي :

*الجزء العشرون بعد المائتين .

* الجزء الحادي والعشرون بعد المائتين .

* الجزء الثاني والعشرون بعد المائتين .

الرابع : لقد بدأت معركة أحد بقول حامل لواء المشركين للمسلمين تزعمون أن قتلاكم في الجنة وقتلانا في النار ، فقد انتهت بتأكيد هذا القانون على لسان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

فحينما أراد أبو سفيان وجيشه الإنسحاب من معركة أحد نادى لنا العزى ولا عزى لكم ، يتفاخر بالأوثان ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه قولوا : الله مولانا ، ولا مولى لكم.

فقال أبو سفيان : (يوم بيوم بدر) ([163]).

ليظهر أنهم انتصروا في معركة أحد وهو نوع مغالطة وزور ، إذ رجعوا إلى مكة بالرعب والفزع ، ثم قال أبو سفيان : يوم لنا ويوم علينا ، ويوم نساء ويوم نسر، حنظلة بحنظلة، وفلان بفلان([164]).

ولم يكن يوم معركة أحد نصراً للمشركين فقد كان نصراً آخر للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذ اعترفت قريش بأن النبوة والإسلام حقيقة قائمة وأن المسلمين ندَُ لهم .

وأجابه رسوله الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا سواء ، أما قتلانا فاحياء يرزقون ، وقتلاكم في النار يعذبون([165]).

وفي هذا القول مسائل :

الأولى : إنه من مصاديق إلقاء الرعب في قلوب الذين كفروا ، إذ أن القاء الرعب أعم من أن يأتي مباشرة بأمر من الله له لينفذ إلى قلوب المشركين ، إنما تكون أفراد منه بالأسباب والعلل الظاهرة ليبقى موعظة للأجيال ليكون كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعلاه من مصاديق لحوق الكبت والحسرة يومئذ بجيش المشركين بقوله تعالى [أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ]([166]).

الثانية : مواساة الأنصار وقبيلة الأوس والخزرج لسقوط الشهداء منهم في معركة أحد.

وعن ابن إسحاق (شهداء أحد وتعدادهم بأسمائهم وأسماء آبائهم على قبائلهم كما جرت عادته.

فذكر من المهاجرين أربعة: حمزة ومصعب بن عمير و عبدالله بن جحش وشماس ابن عثمان ، ومن الانصار إلى تمام خمسة وستين رجلا.

واستدرك عليه ابن هشام خمسة أخرى فصاروا سبعين على قول ابن هشام)([167]).

وعن ابن عباس أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الشهداء على بارق نهر بباب الجنة في قبة خضراء يأتيهم فيها رزقهم بكرة وعشياً([168]).

الثالثة : إخبار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن قانون وعلم من علوم الغيب بأن الشهداء الذين قتلوا وهم يدافعون عن النبي والتنزيل وأهل المدينة في الجنة يرزقون ، وأن الكفار المعندين في النار ، وأخباره هذا مرآة وتفسير للقرآن.

الرابعة : هل يدل هذا الحديث على عالم البرزخ الحياة فيه أم أن القدر المتيقن منه يوم القيامة ، المختار هو الأول ، فكما قال الله تعالى في آل فرعون [النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا]([169])، وأن المراد حالهم في عالم البرزخ فكذا يجعل الله عز وجل المؤمنين في نعيم مدة أيام البرزخ ، نعم جاء حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصاً وفيه تذكير بعالم الحساب والجزاء .

الخامسة : الثناء على أهل البيت والصحابة الذين حضروا معركة أحد ، وتحملوا الأذى وأصابتهم الجراحات ، وفيه بلحاظ آية البحث دعوة للذين يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا أن يتخذوا منهاج الحق ويظهروا البشارات النبوية كي يحمدوا بما يفعلوا ويقولوا الصدق ، ويشكر لهم الناس هذا القول لما فيه من النفع الخاص والعام .

السادسة : لقد أراد الله عز وجل أن يرجع المشركون إلى مكة خائبين ، ومن مصاديق هذه الخيبة توديعهم لساحة المعركة بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهم ، ومعناه على وجوه :

الأول : قتلى المشركين السبعين في معركة بدر في النار ، ليكون من الإعجاز في قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التذكير يوم معركة أحد تحد بوقائع معركة بدر ، وفيه بعث للكبت والخيبة والوهن في قلوب جيش المشركين ، ومنع من إدعائهم النصر والغلبة

الثاني : بيان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لقانون وهو قتلى المشركين في معركة أحد وعددهم إثنان وعشرون في النار .

الثالث : إخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم [وَمَا ينطق عن الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى] ([170]) بأن قتلى المشركين في المعارك اللاحقة في النار ، لزجرهم عن تجديد الهجوم على المدينة ، ومن هؤلاء عمرو بن ود العامري الذي قتله الإمام علي عليه السلام في معركة الخندق ، ونزل قوله تعالى [وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ]([171]).

الرابع : زجر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن الإرهاب وعن الغزو وسفك الدماء ، فليس لقريش وفق الشريعة والأعراف السائدة آنذاك والقانون الدولي في هذا الزمان جمع الجيوش ، وغزو المدينة المنورة وإرادة قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .

إن هجوم قريش في معركة بدر وأحد والخندق خلاف السلم ، وحماية حقوق الإنسان ، لذا جاءت آية البحث بصدهم عن تكرار الهجوم بحضّ أهل الكتب السماوية السابقة بالكشف عن البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإظهار ما توارثه علماء أهل الكتاب بهذا الخصوص ، وفيه دعوة للناس جميعاً للتصديق بمعجزاته العقلية والحسية ، والإمتناع عن نصرة قريش في إرهابها .

وهل الذي يظهر البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الذين يستحقون الحمد بهذا الإظهار والإقرار ، الجواب نعم .

الخامس : حينما يخبر المشركون أهل مكة بفقد المقتولين في الميدان يقترن معه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم قتلاكم في النار .

وإن قلت كيف يكون قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هذا من مصاديق إرادة الله في المقام ، ومصداقاً لقوله تعالى [فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ]([172])، والجواب أن قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الوحي ، ومن مصاديق قوله تعالى [وَمَا ينطق عن الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى]([173]).

السابعة : إنذار الذين كفروا من العودة إلى ميدان القتال مرة أخرى ، فقد ثبت في الوجود الذهني عند  كل واحد منهم أنه لو قتل فان طريقه إلى النار ، لذا حينما همّوا من وسط الطريق من معركة أحد بالرجوع للإغارة على المدينة سرعان ما تراجعوا عن هذا الهمّ وانصرفوا نحو مكة لبيان أن قوله تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ]([174])، حاجة للمسلمين والناس جميعاً ، وحرزاً من سفك الدماء ، وهو من عمومات قوله تعالى [لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى]([175])، بتقريب أن المشركين لو أعادوا الكرة والهجوم على المدينة مع شدة جراحات النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وكثرة الإشاعات وأسباب الإخافة في المدينة لصار ضرر على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .

 فمنع الله عز وجل هذا الضرر وصرف المشركين عن نية وفكرة الرجوع للإغارة على المدينة ، وكان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في جهاد في المقام فحينما سمعوا بعزم المشركين العودة للهجوم على المدينة خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم في طلبهم ومعه مائتان ونيف من أصحابه حتى وصلوا إلى حمراء الأسد ، وأقام فيها ثلاث ليال .

فسمع المشركون بنبأ خروجه فأسرعوا العودة إلى المدينة ونزل قوله تعالى ونزلت آيات في الثناء على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين والأنصار الذين خرجوا معه ، وتخليد جهادهم هذا إذ قال تعالى [الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ]([176]).

ولم يهاجر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة إلا بعد أن بقيت آيات وسور القرآن في مكة تعانق جبالها ، وتنادي بالذات في أوديتها ، لتكون على جهات :

الأولى : هذه الآيات والسور ثروة وكنز .

الثانية : كل سورة من السور المكية دعوة إلى الهدى والإيمان .

الثالثة : السور المكية حجة للذين أسلموا وحضّ لهم للبقاء والثبات على الإيمان .

الرابعة : من خصائص السور المكية وإتصافها بالقصر ، دعوتها الناس للإيمان ، وإخبارها أنها نازلة من السماء ، وتزجر عن الشرك ومفاهيم الضلالة .

وهل كانت هذه السور تحذر المشركين من الخروج إلى معركة أحد ، الجواب نعم ، ومنها قوله تعالى [وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ]([177])، ومنها مثلاً [فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه]([178]).

ليتجلى هذا التضاد في معركة أحد ، ويحمل الذين كفروا أوزارهم على ظهورهم في الدنيا والآخرة .

ومضامين سورة قريش إنذار وتوبيخ للذين كفروا لأنهم قابلوا النعم الإلهية بالجحود وإنكار النبوة ، وتبين السورة أن الله عز وجل رزقهم الأموال والنعم لتكون وسيلة لعبادة الله ، وصيرورتهم أسوة في اتباع نهج أبيهم إبراهيم عليه السلام في مسالك التوحيد ، وبعث لهم النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لتستمر عليهم النعم والأمن داخل مكة وفي طرق القوافل والتي تبلغ مئات الكيلو مترات في عمق الجزيرة ورمالها المتحركة والقبائل التي لا تتورع من سلب ونهب الشاة والإناء الصغير فكيف بمن يرون قوافل قريش وكل واحدة تتألف من ألف بعير أو أكثر أو أقل محملة بالبضائع ، ومع هذا يمسكون أيديهم وخيلهم عنها ، وهو من مصاديق قوله تعالى بخصوص نعمه على قريش [الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ]([179]).

ولكن رؤساء قريش حاربوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعادت جيوشهم بالخيبة والخسران ، ليكون من معاني قوله تعالى [فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ]([180])، خيبة قريش في ميدان القتال وفي تعطيل تجاراتهم ، وانفاقهم الأموال الطائلة على الجيوش الغازية للمدينة ، قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ]([181]).

لقد كانت قريش تهدد وتتوعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من حين وصول فلول قريش من معركة بدر منهزمين.

وكانوا يبعثون الرسائل مع المعتمرين ووفد الحاج الى المدينة بأنهم سيقومون بأمور :

الأول : الثأر من هزيمتهم في معركة بدر .

الثاني : اقتحام المدينة المنورة بجيوش جرارة .

الثالث : قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .

وكان الإمام علي عليه السلام فارس بدر ، وأرادت قريش قتله وقتل حمزة بن عبد المطلب.

الرابع : إعلان قريش استعدادها  للقتال ، وتهيئة مقدماته ، وجعل أخبار طوافها وتحريضها للقبائل تصل إلى المدينة شعراً ونثراً (فَخَرَجَ أَبُو عَزّةَ فِي تِهَامَةَ ، وَيَدْعُو بَنِي كِنَانَةَ وَيَقُولُ

إيهًا بَنِي عَبْدِ مَنَاةَ الرّزّام … أَنْتُمْ حُمَاةٌ وَأَبُوكُمْ حَامْ

لَا تَعِدُونِي نَصْرَكُمْ بَعْدَ الْعَامِ … لَا تُسَلّمُونِي لَا يَحِلّ إسْلَامْ

وَخَرَجَ مُسَافِعُ بْنُ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحٍ إلَى بَنِي مَالِكِ بْنِ كِنَانَةَ ، يُحَرّضُهُمْ وَيَدْعُوهُمْ إلَى حَرْبِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ

يَا مَالِ مَالِ الْحَسَبِ الْمُقَدّمِ … أَنْشُدُ ذَا الْقُرْبَى وَذَا التّذَمّمِ

مِنْ كَانَ ذَا رُحْمٍ وَمَنْ لَمْ يَرْحَمْ … الْحِلْفَ وَسْطَ الْبَلَدِ الْمُحَرّمِ

عِنْدَ حَطِيمِ الْكَعْبَةِ الْمُعَظّمِ ) ([182]).

وكان وحشي بن حرب غلاماً لجبير بن مطعم ، وكان عمه طعيمة بن عدي قد قتل يوم بدر ، فلما سارت جيوش المشركين إلى معركة أحد .

 (وَدَعَا جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ غُلَامًا لَهُ حَبَشِيّا يُقَالُ لَهُ وَحْشِيّ ، يَقْذِفُ بِحَرْبَةِ لَهُ قَذْفَ الْحَبَشَةِ ، قَلّمَا يُخْطِئُ بِهَا ، فَقَالَ لَهُ اُخْرُجْ مَعَ النّاسِ فَإِنْ أَنْتَ قَتَلْت حَمْزَةَ عَمّ مُحَمّدٍ بِعَمّي طُعَيْمَةَ بْنِ عَدِيّ ، فَأَنْتَ عَتِيقٌ) ([183]).

وكانت هند بنت عتبة تحرض وحشي في الطريق كلما مرّ عليها (أو مرت به تقول: ويها أبا دسمة اشف واشتف)([184]).

لتكون آية البحث من آيات إصلاح مجتمع المدينة عامة للدفاع وعدم الخرق من قبل المشركين بحضها أهلها على الشهادة لنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنها حق وصدق ، وفيها دعوة لأهلها للذّب عنها وصدّ المشركين ، وأن الذي يريد أن يثنى عليه ويحمد يقوم بوظيفته في الدفاع عن النفس والعرض والمال ، وآية البحث ونحوها دعوة للمنافقين للعزوف عن النفاق والتخلص من خبث الباطن والسريرة .

المسألة الثانية : النسبة بين أول آية السياق وموضوع آية البحث عموم وخصوص مطلق ، إذ أخبرت آية السياق عن نزول الموت بِكل إنسان وهو من سنن الإرادة التكوينية .

بينما أخبرت آية البحث عن قوم فرحوا بنبذ الكتاب وإخفاء البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وشراء ثمن قليل بهذا النبذ والإخفاء لبيان أنهم سيموتون ويقفون للحساب بين يدي الله ، وذكرت آية البحث ما يلقون من العذاب الأليم .

وسواء إتخذ الإنسان الإيمان منهاجاً أو ركب جادة الضلالة فانه لابد أن يغادر الحياة الدنيا ، ويأتي الله بقوم وجيل جديد ، والله سبحانه هو الذي يتعاهد الإيمان في الأرض ، ولا يبقى بخصوص الأجيال السابقة إلا الثناء لأهل الإيمان ، والذم للذين كفروا ، وقد تأتي الآية بذكر قوم والمراد العلماء أو الرؤساء أو الوجهاء منهم وهو أحد معاني آية البحث كما أنها تشمل المنافقين ، ليتعظ الناس ، ويلجأون إلى المعجزات والواقع ، وما في تأريخ الأنبياء من البشارات والإنذارات .

ومن إعجاز القرآن عدم ذكره العقاب الأخروي الأليم إلا بعد بيانه لقبائح الأعمال التي يستحق صاحبها هذا العقاب ، وفيه دعوة للناس لأمور:

الأول : التحلي بالإيمان ، ونبذ الشرك بالله ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا] ([185]) .

الثاني : التصديق بالنبوات ، والتدبر بالمعجزات التي جاء بها الأنبياء.

الثالث : الإخبار عن الحق واتباعه .

الرابع : التنزه عن النفاق ومفاهيم الضلالة .

الخامس : الإمتناع عن كتمان صفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونهي الذي يكتمها عن الفرح والغبطة بهذا الكتمان والإخفاء ، قال تعالى [وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ]([186]).

المسألة الثالثة : من إعجاز القرآن أن كل آية منه هدى وإصلاح ، وحرب على الكفر والنفاق ، ومنه آية البحث.

و(عن أبي سعيد الخدري أن رجالا من المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانوا إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإذا قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اعتذروا إليه وحلفوا، وأحبوا أن يُحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت [لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا]([187]))([188]).

ولم يكن هناك منافقون قبل معركة بدر ، ولكن عندما أظهر الله عز وجل الإسلام بقوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]([189])، جمع قوم بين إعلان الإيمان وإخفاء الكفر نفوسهم ، وفيما بينهم .

فتراهم يحضرون صلاة الجماعة خلف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ،ويخرجون في سرايا وكتائب الدفاع ولكنهم يضمرون الشك بالنبوة وينتظرون مجئ الأذى والضرر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ويرجفون في المدينة ، ويحرضون إخوانهم في النسب والقرابة من الأوس والخزرج على عدم الخروج إلى ميادين القتال ، وأراد المنافقون التغطية على سوء فعلهم ، وما يضمرون من سوء السريرة فاظهروا الفرح بما يفعلون فجاء القرآن لفضحهم وزجرهم عن النفاق.

وهل انتفعوا من الذم والفضح الوارد في آية البحث ، الجواب نعم ، فلا يعلم عدد الذين تابوا وهجروا النفاق بسبب هذه الآية والآيات التي تذم النفاق إلا الله عز وجل وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]([190])، فمن رحمة الله عز وجل بالناس توبة الكافر ، وتوبة وصلاح المنافق ، وصيرورة سريرته موافقة لعلانيته.

المسألة الرابعة : جاءت آية السياق بقانون [وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ]([191])، وتحتمل جهة الخطاب في الآية وجوهاً :

الأول : إرادة خصوص الصحابة .

الثاني : المراد عموم المؤمنين والمؤمنات إلى يوم القيامة.

الثالث : مواساة الصحابة بقتلاهم الذين سقطوا في معركة بدر وأحد.

الرابع : المراد الناس جميعاً.

والمختار هو الثاني أعلاه ، ويدل عليه قوله تعالى [فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا]([192])، إذ ورد لفظ الأجور في القرآن بصيغة الثناء والمدح ، ويلحق به الوجه الثالث بصيغة العموم في الآية أعلاه وأنها تشمل الأموات والأحياء من المسلمين الذين عملوا الصالحات من أيام أبينا آدم إلى يوم القيامة ، وفيه بلحاظ آية البحث ترغيب للذين أوتوا الكتاب وغيرهم لبيان الحق ، والكشف عن البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واجتناب الإمتناع عن إعلانها ، وموالاة ونصرة الذين يكتمون هذه البشارات .

إذ يصرف هذا الإجتناب كثيراً من الوقائع والحروب وسفك الدماء ، ويجعل الناس يحترزون ويمتنعون عن نصرة كفار قريش كيلا يلحقهم الخزي في النشأتين.

لقد خاطبت آية البحث النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم [لاَ تَحْسَبَنَّ] وفيه مواساة له وللمسلمين ، وكشف لقبح فعل المنافقين والذين كفروا وانكروا رسالته ، فهم يتنعمون في الدنيا ولكن العذاب الأليم ينتظرهم ، وفي إمهالهم وتركهم من غير عقاب في أيام من الدنيا بشارة ظهور ونصر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حتى مع عداء الكفار والمنافقين له.

لقد تضمنت آية السياق وعداً كريماً من عند الله بوفاء الأجور والثواب يوم القيامة ، وجاءت الآية بصيغة الجمع (أجوركم) وتحتمل وجوهاً :

الأول : الآية انحلالية ، وتقديرها في الخطاب للمنفرد وإنما توفى أجرك يوم القيامة ، كما في قوله تعالى [بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ]([193]).

الثاني : إرادة صيغة الجمع في أجور كل واحد من المؤمنين والمؤمنات ، ويكون تقدير الآية : فانما توفى أجورك يوم القيامة .

ولا تعارض بين الوجهين بلحاظ أن صيغة المفرد (أجرك) يراد منه (الجنس) ومن خصائص الأجر من عند الله أنه أضعاف الفعل ، لقوله تعالى [مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا]([194]).

وهل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين أجر في الأذى الذي يلاقونه من المشركين بخصوص مضامين آية البحث ، الجواب نعم ، فيأتي الأجر والثواب للمسلمين من وجوه :

الأول : الصبر على سماع الأذى من المشركين ، وحال التبختر والزهد التي هم فيها.

الثاني : التحلي بالصبر في ملاقاة أذى المشركين .

الثالث : الثبات على الإيمان مع تلقي الأذى .

الرابع : تلاوة آيات القرآن في الصلاة وخارجها.

وكما أن القرآن نزل على نحو التدريج والتوالي مدة ثلاث وعشرين سنة من حين بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى أوان مغادرته الحياة الدنيا إلى الرفيق الأعلى ، فان الناس لم يدخلوا الإسلام دفعة واحدة ، ولم يحدث في تأريخ البشر أن استجاب الناس جميعاً لنبي أو رسول من الرسل.

فان قلت حتى في آدم الذي ليس في الأرض يومئذ إلا أولاده وأحفاده ، الجواب نعم ، إذ يدل قول هابيل [إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ]([195])، في مفهومه على أن قابيل ليس من المتقين بدليل أنه قام بقتل أخيه ظلماً.

المسألة الخامسة : ابتدأت آية السياق بالإخبار عن اختتام حياة كل انسان بالموت على نحو الحتم والقطع ، ومن إعجاز القرآن والسنة النبوية عدم تحديد متوسط لعمر الإنسان أو حد أعلى له.

بل جاءت النصوص عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بطول عمر بعض الأنبياء كما في آدم عليه السلام وأنه عاش تسعمائة وستين سنة ، وبعد أن أهدى من عمره لداود النبي أربعين سنة ، ولكن ورد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : كان عمر آدم ألف سنة ، وكان عمر داود ستين سنة . فقال آدم : أي رب ، زده من عمري أربعين سنة . فأكمل لآدم ألف سنة وأكمل لداود مائة سنة([196]).

وهذا الخبر من مصاديق عالم الذر والوقائع التي حدثت فيه إلى جانب العهد والميثاق الذي أخذه الله سبحانه يومئذ على الناس .

وهل فيه إشارة إلى ما يأتي به العلم الحديث ، والإرتقاء في الطب والتكنولوجيا باطالة عمر الإنسان ، وباصلاح أعضائه وبدنه بما يجعل عمره ضعف ما هو عليه الآن ، الجواب نعم ، إن شاء الله عز وجل.

وبينت آية السياق الأهم في حياة الإنسان وأنه ليس طول العمر إنما التدبر والسعي للنجاة من العذاب الأليم الذي ذكرته آية البحث ، لذا قال تعالى في آية السياق [فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ]([197])، وفيه ثناء على الصحابة الذين قتلوا في معركة بدر وأحد ومواساة لأهليهم بأنهم وإن إنخرم عمرهم وانقطعت أيامهم في الدنيا إلا أنهم فازوا بالتنحية عن النار ، والنجاة منها .

وهل يتضمن قوله تعالى [فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ]([198])، الإستثناء من عموم قوله تعالى [وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا]([199])، الجواب لا ، لدلالة الآية أعلاه على نجاة الذين اتقوا بقوله تعالى [ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا]([200])، مما يدل على ورود عموم المتقين إلى النار ، ولكنهم لا يدخلونها وقيل يدخلونها وهي خامدة ، وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام (في قوله [وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا] ([201])، قال: أما تسمع الرجل يقول: وردنا ماء بني فلان ، فهو الورود ولم يدخل)([202]) ، أي الإشراف عليها من غير دخولها ، ويدل عليه حديث الإسراء الطويل ، ورؤية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للنار وشدة لهيب حرها ، إذ ورد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال (ثمّ جاوزنا فمررنا بملك آخر ما رأيت من الملائكة خلقاً مثله عابس الوجه كريه المنظر شديد البطش ظاهر الغضب،

 فلما نظر رغبت منه شيئاً وسألته فقلت : يا جبرئيل من هذا؟

 فإني رعبت منه رعباً شديداً قال : فلا تعجب أن ترعب منه كلنا بمنزلتك في الرعب منه،

 هذا مالك خازن النار لم يتبسم قط ولم يزل منذ ولاّه الله عزّ وجلّ جهنم يزداد كل يوم غضباً وغيظاً على أعداء الله عزّ وجلّ وأهل معصيته لينتقم منهم،

 قلت : ادنني منه. فأدناني منه فسلم عليه جبرئيل فلم يرفع رأسه فقال جبرئيل : يا مالك هذا محمد رسول العرب فنظر اليَّ وحياني وبشرني بالخير. فقلت : مُذّ كم أنت واقف على جهنم؟

 فقال : مذ خلقت حتّى الآن وكذلك إلى أن تقوم الساعة فقلت : يا جبرئيل مره ليرني طرفاً من النار فأمره ففعل فخرج منه لهب ساطع أسود معه دخان مكدر مظلم إمتلأ منه الآفاق فرأيت هولا عظيماً وأمراً فظيعاً أعجز عن صفته لكم فغشيّ عليَّ وكاد يذهب نَفسي ، فضمّني جبرئيل وأمر أن يرد النار فرّدها) ([203]).

وعن عقبة بن عامر قال : قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أول خصمين يوم القيامة جاران .

وأخرج البزار عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يجاء بالأمير الجائر فتخاصمه الرعية ([204]).

لقد جمعت آية السياق بين أمور :

الأول : مجئ الموت لكل إنسان ، وفيه توطئة وإخبار عن موت أو قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ،ومن إعجاز القرآن مجئ أكثر من آية في الموضوع المتحد وذات الآية تتضمن مواضيع متعددة.

إذ وردت آيات بهذا الخصوص منها قوله تعالى [وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ] ([205]).

وهل كانت جراحات النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم معركة أحد من هذه التوطئة ، الجواب نعم ، فكما أن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عقلية وحسية فكذا الشواهد التي تتعلق بشخصه كنبي رسول من عند الله عز وجل .

الثاني : تحقق الجزاء والثواب على الأعمال ، ولابد أن يكون هذا الجزاء جلياً ، وقد وعد الله عز وجل أن يكون الثواب على العمل الصالح أضعافاً مضاعفة ، وهو الذي يتحقق في عالم الآخرة.

الثالث : من الثواب الذي يتفضل به الله عز وجل زحزحة وإبعاد العبد عن النار ، وقد تقدم أنه لم يرد لفظ [زُحْزِحَ]في القرآن إلا في آية السياق .

الرابع : دخول المؤمنين الجنة ، فلا يتركهم الله عز وجل بين الجنة والنار ، ومن فضل الله تعالى أنه يعطي بالأتم والأوفى ، فيبعد المؤمنين عن النار ، ويدخلهم الجنة ، وليس من فترة بين الأمرين .     

لبيان قانون من عالم الآخرة وهو تعدد مواطن الحساب ، ومراحل النجاة ، وأما المؤمن فينجو أولاً من النار ، ويطمئن لسلامته من الدخول فيها ، وأن الملائكة الذين يسوقون الكفار من أمامه وعن يمينه وشماله لن يأتوا لأخذه معهم ، وهذه السلامة من أعظم النعم ، وهي من مصاديق قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ]([206])، إذ يزول الخوف بالبشارة بالزحزحة من النار، ولابد من علامة فاصلة في ساحات الحساب تجعل المؤمن يطمئن لزحزحته عن النار مثل ثقل كفة الصالحات ، ورجحانها على كفة السيئات ، قال تعالى [وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ]([207]).

المسألة السادسة : لقد أخبرت آية البحث عن شدة العذاب الذي يلقاه الذين نبذوا أخبار وبشارات النبوة وراء ظهورهم ، ويفرحون بعدائهم للنبوة والتنزيل ، وأخبرت آية السياق عن إمكان النجاة من النار ، بقوله تعالى [فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ]([208])، لبيان قانون وهو لا ينجو الإنسان من النار إلا بفضل الله عز وجل من جهات :

الأولى : الهداية إلى الإيمان ، وفي التنزيل [وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ]([209])، لذا يتلو كل مسلم ومسلمة سبع عشرة مرة في الصلاة الواجبة [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]([210]).

الثانية : مضاعفة الله عز جل لحسنات العبد ، وجعلها تنمو وتزداد مع تقادم الأيام والسنين ، ومع إقتباس الناس منه واقتدائهم به .

الثالثة : أداء الفرائض والعبادات بقصد القربة إلى الله عز وجل ، قال تعالى [وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ]([211]).

الرابعة : الإمتناع عن إرتكاب المعاصي والسيئات ، إذ أنها طريق إلى النار ، وبرزخ دون دخول الجنة.

الخامسة : التحلي بالتقوى والخشية من عند الله عز وجل.

المسألة السابعة : لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار الزحزحة عن النار ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]([212])، فان قلت هل بشارة الزحزحة من النار مختصة بالبعثة النبوية وما بعدها ، الجواب لا، لقانون وهو كل بعثة نبي لطف وهبة عامة للناس للزحزحة والإبعاد من النار.

وفيه دعوة للناس لحب الأنبياء وتصديقهم واجتناب تكذيبهم أو الإفتراء عليهم ، لا سيما وأن كل نبي يأتي بمعجزة تدل على أنه مبعوث من عند الله لزحزحة الناس من النار ، ومنعهم من الفرح بما يفعلون خلاف الحق ومن رجاء الحمد بما لم يفعلوا ، لبيان قانون وهو إزالة آية البحث العوائق دون الزحزحة من النار .

ليتجلى قانون وهو (لاتحسبن) رحمة من عند الله بالناس ، ليجاهد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون في دفع ورفع الأسباب التي تمنع زحزحة الناس من النار ، خاصة وأن هذه الأسباب ذاتية تتعلق بالناس وأفعالهم .

ولم يرد لفظ (فقد فاز) في القرآن إلا مرتين ، إحداهما في آية السياق ، والأخرى قوله تعالى [وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا]([213]).

ومن إعجاز القرآن ما يدل عليه الجمع بين الآيتين في بيان طريق النجاة والزحزحة عن النار بطاعة الله ورسوله ، وتأكيد مضامين آية البحث بأن الذين يرغبون بأن يحمدوا باعراضهم عن التصديق بمعجزات النبوة ، وعزوفهم عن الأوامر والنواهي الإلهية يحرمون من نعمة الزحزحة من النار ، قال تعالى [فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ النَّارِ]([214]).

وتدل الآية أعلاه على كون (ويل) كلمة وعيد وعذاب ونزول الشر وهو مصدر ، ليس له فعل وهو لا يتعارض مع إفادتها معنى آخر محسوساً ، من وجوه :

الأول : عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ويل وادٍ في حهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يبلغ قعر([215]).

الثاني : عن عثمان بن عفان عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :الويل جبل في النار([216]).

الثالث : عن سعد بن أبي وقاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن في النار حجراً يقال لها ويل يصعد عليه العرفاء وينزلون فيه([217]).

الرابع : عن الإمام علي عليه السلام : الويح والويل بابان . فأما الويح فباب رحمة ، وأما الويل فباب عذاب([218]).

الخامس : عن عبد الله بن مسعود قال : ويل وادٍ في جهنم يسيل من صديد أهل النار([219]).

والصديد القيح المنتن ، والدم .

ومن معاني الجمع بين آية البحث وآية السياق صرف الناس عن المعاصي التي تقود صاحبها إلى العذاب الأليم في الآخرة ومنها ما ذكرته آية البحث باخفاء البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتعضيد الذين يحاربونه ، وبالفرح يهنوا الإخفاء ونحوه.

المسألة الثامنة : ابتدأت آية السياق بذكر قوانين من الإرادة التكوينية منها العام  :

الأول : قانون كل نفس ذائقة الموت.

الثاني : قانون الوعد بوفاء الأجر والثواب .

الثالث : أوان الوفاء على شعبتين :

الأولى : في الدنيا .

الثانية : في الآخرة ، وفيها الجزاء الأبدي ، قال تعالى [وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ] ([220]).

والمراد من (يوم القيامة) في الآية أعم من دخول المؤمنين الجنة ، إذ يبدأ وفاء الأجور من حيث البعث من القبور ، ويصاحب المؤمنين في مواطن الحساب وعند الحوض والميزان والعبور على الصراط ، لذا تضمنت الآية بعد ذكر وفاء الأجور يوم القيامة جملة شرطية [فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ]([221]).

والجملة الشرطية مركبة من جملتين بينهما نوع ملازمة وتعاقب إذ أنهما مسبوقتان بأداة شرط ولا يتم معنى الأولى إلا بالثانية .

وتسمى الجملة الأولى جملة الشرط ، والثانية جملة جواب الشرط ، ترى لماذا جاءت الجملة بصيغة الماضي ، ولم تقل فمن يزحزح عن النار، الجواب من وجوه :

الأول :  الآية حكم.

الثاني : شمول الآية الناس جميعاً من أيام أبينا آدم ، قال تعالى [قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ]([222]).

المسألة التاسعة : لقد ابتدأت آية البحث بالخطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع الوعيد للكفار والمنافقين ولا ينحصر هذا الوعيد بذكر نار جهنم إنما أخبرت الآية عن العذاب الأليم الذي ينتظرهم وفيه مسائل :

الأولى : إنه زيادة في التخويف والوعيد.

الثانية : فيه وزجر عن إرتكاب المعاصي والإقامة عليها.

الثالثة : إنه دعوة إلى الهداية والصلاح.

وابتدأت آية السياق بالإخبار عن عاقبة كل إنسان في الدنيا وهو الموت .

ومن إعجاز القرآن عدم وقوفه عند ذكر الموت إذ ذكرت آية السياق يوم القيامة ووفاء الأجور والثواب للمؤمنين يومئذ مما يدل على التكامل في لغة البشارة والإنذار في القرآن ، وإقامة الحجة على الناس ، وهدايتهم إلى سبل الرشاد والفلاح .

لقد أراد الله عز وجل لقريش وغيرهم التصديق برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فانزل عليه آيات القرآن وهي معجزة عقلية وجرت على يديه معجزات حسية متعددة ، ولكن قريشاً حاربوه وجهزوا عليه الجيوش ، وقام قوم بالسخرية والإستهزاء بالنبوة ، وكان المنافقون إذا خرج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في كتيبة تخلف أكثرهم عنه ، وأظهروا الإعراض أو الإنشغال بأمورهم.

حتى إذا خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم أشاعوا تعرضه وأصحابه للمخاطر والقتل ، ويكون وقع هذه الإشاعات شديداً على أسر وعوائل الأنصار.

ثم إذا ما عاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه سالمين جاء المنافقون يعتذرون منه ، وهل يقبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم اعتذارهم ، الجواب نعم ، وهو من مصاديق قوله تعالى [هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ]([223]).

أي يسمع ما يقال له ، ويظهر التصديق بالإعتذار وإن كان كذباً ، ومن أسباب نزول الآية أعلاه أن رهطاً من المنافقين اجتمعوا وأراد بعضهم أن يقع بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويفتري عليه ، فنهاه بعضهم مع الإختلاف في علة هذا النهي ، إذ قال بعضهم : إنا نخاف أن يبلغ محمداً ما تفترون عليه فيأتيهم الذم والتوبيخ منه ومن الصحابة ولكنهم أجابوا بأن محمداً أُذن نحلف له ونتبرأ من الإفتراء فيصدق بنا فنزلت الآية.

وجاءت الآية أعلاه بصيغة التبعيض بحرف الجر (من) في [وَمِنْهُمْ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ]([224])، لذا ذكر أن الآية (نزلت في حزام بن خالد،

 والجلاس بن سويد،

 وإياس بن قيس،

 ومخشي بن خويلد،

 وسمّاك بن يزيد،

 وعبيد بن هلال ورفاعة بن المقداد،

 وعبيدة بن مالك،

 ورفاعة بن زيد،

 كانوا يؤذون النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويقولون ما لا ينبغي .

 فقال بعضهم : لا تفعلوا مايقولون فيقع بنا .

 فقال الجلاس : بل نقول ماشئنا .

 ثم نأتيه فيصدقنا بما نقول : فإنّما محمد أذن سامعة فأنزل الله هذه الآية.

وقال محمد بن إسحاق عن يسار وغيره نزلت في رجل من المنافقين يقال له : نهشل بن الحرث، وكان حاسر الرأس أحمر العينين أسفح الخدين مشوّه الخلقة، وهو الذي قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: من أراد أن ينظر الى الشيطان فلينظر إلى نهشل بن الحرث)([225]).

الثالث : قرب الجزاء ، إذ يبدأ جزاء الإنسان من حين مفارقته الدنيا ودخوله القبر ، قال تعالى [إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا] ([226]) وكل ما هو آت قريب .

(عن أبي سعيد الخدري قال : قيل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ما أطول هذا اليوم؟

 فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : والذي نفسي بيده إنّه ليخفف على المؤمنين حتّى يكون أخف عليهم من صلاة مكتوبة تصليها في الدنيا.

وقال إبراهيم التيمي : ما قدر ذلك اليوم على المؤمن إلاّ كما بين الظهر والعصر) ([227]) .

المسألة العاشرة : ابتدأت آية السياق بما ينفي الخلود في الدنيا عن الأنبياء ، ويمنع من الإرتداد عند وفاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وجاءت آيات أخرى صريحة المعنى ، قال تعالى [وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ] ([228]) .

لقطع الطريق على المنافقين والكفار الذين كانوا ينتظرون وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لإظهار ما يخفون من الكفر ، ويطعنون بالنبوة ويقولون لو كان نبياً ما مات ، وهذا عيسى عليه السلام لم يمت ، وهل يشمله قوله تعالى [كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ] ([229]) الجواب نعم .

وتبعث الآية السكينة في قلوب المسلمين بأن الذين يفترون على النبوة والتنزيل سيأتيهم الموت وتشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم ، وهل هذه الشهادة من مصاديق العذاب في قوله تعالى [فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ] ([230]) الجواب نعم .

وهل آية البحث من هذا العذاب أم أن القدر المتيقن هو إخبارها عن العذاب الأليم ، المختار هو الأول  لما فيها من أمور :

الأول : توجه الخطاب من الله عز وجل إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بدفع الظن بنجاة الكفار من النار .

الثاني : نفي الظن غير المعتبر والذي لا يصح التعويل عليه ، ليحل بدله ببركة آية البحث الحجة والبرهان في ذات الموضوع ، سواء كانت الحجة موافقة للظن والأمارة أو غير موافقة ، وجاءت في الآية من الأخير للنهي عن الظن بأن المنافقين والكفار ينجون من العذاب الأليم .

الثالث : إخبار آية البحث عن ظلم الذين كفروا لأنفسهم بسوء إختيارهم الضلالة ، ومن أفرادها حبس وكتمان البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن وجوه تقدير الآية : يا أيها النبي لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا من إنكار النبوة والمعجزات وكتمان البشارات برسالتك .

الشعبة الثانية : صلة آية البحث بالآية المجاورة التالية ، وهو قوله تعالى [وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] ([231]) وفيه مسائل :

المسألة الأولى : آية السياق وثيقة سماوية وقانون ثابت في كل زمان ، فالله عز وجل خالق كل شئ ورازقه ، ومدبره ، ومن مصاديق دعوة الملائكة والإنس والجن لعبادة الله أن كل خلق خلقه الله عز وجل بأحسن هيئة وصورة وإستدامة في الوجود والحركة ، إلى الأجل الذي يريده الله.

وهل هذا الأجل ثابت لا يقبل التغيير والتبديل ، الجواب لا ، لقوله تعالى [يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ] ([232]) والله عز وجل يعلم الأجل بالأصل ، وتعيين أوانه ، والذي يقبل التغيير والذي يطرأ عليه التغيير وأسباب هذا التغيير .

ومن لطف الله عز وجل تقريب التغيير أو عدمه بالنسبة لأجل الإنسان بما ينفعه في النشأتين ،ويحجب عنه العذاب أو شدته ، ومنه آية البحث فهي رحمة عامة للناس ودعوة لإصلاح الإنسان لأجله ، وبما ينفعه بعد الأجل .

 وقد أخبر الله عز وجل بامتناع الشريك له ، وليس له زوجة أو ولد فهو المنفرد بالربوبية ، وليس من الخلق إلا وهو ممكن الوجود ، ويحتاج لرحمة الله في خلقه وبقائه ، واختص الإنسان بأمور:

الأول : نفخ الله عز وجل من روحه في آدم .

الثاني : خلق آدم أبي البشر وحواء أمهم في الجنة ، ولبثهما فيها برهة من الزمن .

الثالث : خلافة الإنسان في الأرض ، فمع منزلة الملائكة وأنهم عقول بلا شهوة ، وعظيم خلقهم من جهة الطول والعرض وكثرة الأجنحة وسرعة الحركة ، فأنهم لم ينالوا مرتبة الخلافة في السماء ولا في الأرض ، ولا في الفضاء الذي بينهما .

 وهو من مصاديق قوله تعالى [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ] ([233]) وإن كان معنى هذه الآية أعم كما بيناه في الأجزاء السابقة، وأن مراد الملائكة التضرع إلى الله عز وجل في جعل عمل الناس كله يتصف بالصلاح والتقوى .

لقد أراد الملائكة أن يكون عمل الناس في الأرض مرآة لتسبيحهم وإنقطاعهم للذكر.

الرابعة : فضل الله عز وجل بتوالي بعث الأنبياء  وانزال الكتب السماوية ، فان قيل قد انقطع الوحي وانزال الكتب منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة من حين انتقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى.

والجواب هذا صحيح ، ولكن القرآن بقى وثيقة النبوة ، والداعي السماوي إلى الله ، فهو كلامه الذي لا يأتيه التحريف أو التبديل ، قال تعالى [لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ] ([234]).

وكل آية من القرآن رحمة ودعوة للناس للإيمان والصلاح  ، ونبذ الكفر ومفاهيم الضلالة ، ومنه آية البحث ، وكذا كل معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رحمة للناس جميعاً والمسلمين خاصة .

الخامسة : جهاد الأنبياء والمؤمنين في سبيل الله ، وتعاهد الفرائض العبادية ، وهدم مفاهيم الكفر ، وإزاحة عبادة الأوثان عن الأذهان والمجتمعات .

السادسة : لقد جعل الله سبحانه الحياة الدنيا الوعاء المكاني والزماني لعمل الصالحات وجني الحسنات ، والإتصاف بالأخلاق الحسنى .

السابعة : حضور المشيئة الإلهية في نصرة الحق ، والذب عن أهل الإيمان ، وفي دحر الباطل من يوم هبوط آدم إلى الأرض ، وإلى أوان النفخ في الصور ، وفي التنزيل [إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ] ([235]).

وهل يختص هذا الدفاع بصرف غوائل وكيد الكفار ، الجواب لا ، لأصالة الإطلاق فيشمل دفع أذى المسلمين بعضهم عن بعض حتى داخل بيوتهم وأسرهم ، لذا جاء القرآن بالتأكيد على بر الوالدين والعناية بهم  ، وعلى لزوم حسن تربية الأبناء ووراثتهم الصلاة والفرائض العبادية ، ومن معاني (يدافع) صرف الآفات والنوازل ، وهل منه رفع المرض تدريجياً أم دفعة فقط ، الجواب هو الأول .

لذا ورد على لسان إبراهيم عليه السلام في التنزيل [وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ] ([236]).

الثامنة : حشر الناس في عالم البرزخ والقبر إلى حين البعث والنشور ، ومنهم من يكون قبره روضة من رياض الجنة ، ومنهم من يكون قبره حفرة من حفر النيران .

المسألة الثانية : لقد ورد ذكر اسم الجلالة في آية السياق مرتين ، ويفيد موضوع كل واحدة منهما الإطلاق في عظيم صنع الله عز وجل ، وأنه على كل شئ قدير ، مما يدل بالدلالة التضمنية على خضوع الأشياء كلها له سبحانه .

ومن عظيم خلق الله عز وجل خلقه السموات والأرض وتعاهده لها ، ولا يقدر على حفظها وانظمتها الخارقة للعقول إلا الله عز وجل ، قال تعالى [لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلاَ اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ]([237]).

وقد أودعها الله عز وجل خزائن وكنوزاً ، وجعل الملائكة حفظة من غير أن يتعارض هذا الحفظ مع إنقطاعهم إلى التسبيح والذكر .

واسم الجلالة اسم لله عز وجل ولم يسم به غيره ، وهو الخالق والمعبود ، وقيل هو الإسم الأعظم ، قال تعالى [وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ]([238])، وذكر اسم الجلالة في القرآن (2699) مرة.

وذكرت البسملة في القرآن (114) مرة ، وتبدأ بها كل سورة من القرآن باستثناء سورة التوبة ، وقد تفضل الله عز وجل وذكر البسملة في سورة النمل لبيان جزئيتها من القرآن ، قال تعالى [إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِاِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ]([239]).

ومنع الإختلاف بين المسلمين بهذا الخصوص لما في هذا الإختلاف من الحرمان من منافع عظيمة للبسملة والإنشغال عند التدبر في معانيها ودلالاتها .

المسألة الثالثة : أخبرت آية البحث عن العذاب الأليم الذي يلقاه الذين يؤذون النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم سراً وعلانية ، وفضحت ما يخفون من العداوة للرسالة السماوية والكتاب النازل من عند الله ، وكيف يأتي لهم العذاب وهم منعمون في الدنيا.

فنزلت الآية التالية لتخبر بأن السموات والأرض كلها لله عز وجل ، وهو يفعل ما يشاء لا تستعصي عليه مسألة ، ومنها نشور الناس وجمعهم في أرض الحشر يوم القيامة ، ونزول العذاب بالكافرين والذين يؤذون شخص النبي بغير حق ، وإن كان الذين يفرحون بما أتوا من الباطل يطمعون بالمنافع والربح من وراء هذا الفرح فقد قطعت آية السياق هذا الطمع إذ اخبرت بأن مقاليد الأموركلها بيد الله عز وجل ، وهو الذي يرزق الناس ، وفي التنزيل [وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ]([240])، أي بما يفوق العدّ والحساب.

وعن(ابن عباس : يعني كثيراً بغير فوت ولا (هنداز) لأن كل ما دخل عليه الحساب فهو قليل)([241]).

ولكن لا ملازمة بين ما يحسب وبين القليل ، فقد يكون الذي يحسب ويحصى كثيراً لبيان أن رزق الله عز وجل أكثر من الكثير وهناك معاني أخرى لقوله تعالى [بِغَيْرِ حِسَابٍ] منها بغير تبعة ولا يحاسب في الآخرة ، ولا يقال لم أعطيت هذا.

ليكون من أسرار مجئ آية السياق وما فيها من الإخبار عن الملكية المطلقة لله عز وجل للسموات والأرض احتمال التضييق في الرزق والمنافع على الذين كفروا والمنافقين ، بلحاظ معاني الإنذار في آية البحث . 

وهل من هذا الملك منع إستدامة الفرح عندهم أم أن المراد هو الملك المادي الحسي وحده ، الجواب هو الأول ، ليكون من معاني الآية الإنذار والوعيد لهم ، وقد تحقق هذا المنع وبسرعة بفضل الله .

فقد أصاب الذين كفروا الحزن عندما انتصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في معركة بدر، ونشأت طائفة المنافقين ، ولكنهم عندما وقعت معركة أحد صاروا يرجفون في المدينة وينتظرون هجوماً عاماً من قريش على المدينة المنورة لإستئصال الإسلام .

 وتبادلوا الرسائل مع كبار رجالات قريش ، ومنهم من ذهب إلى مكة بذريعة العمرة أو التجارة واتصل بقريش وأظهر انكاره لنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وأنشد الأشعار في التحريض عليه وربما كان يقول في المدينة أنه الرسول الذي بشر به الأنبياء السابقين ليكون اتصالهم هذا من معاني آية البحث فهم يفرحون بما أتوا وأخبروا به قريش من إنكار النبوة ، ويحبون أن يحمدوا على إظهارهم التصديق بالنبوة وهم في المدينة حينما رأوا انتصارات النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، وازدياد عدد المسلمين والمسلمات ، وتنامي الهجرة ، وكثرة الصحابة الذين قدموا من مكة ومن القرى ويسكنون الصفّة بجوار المسجد ، ويحضرون الصلوات الخمس ، وهم مستعدون للدفاع عن النبوة والتنزيل .

وهل هو من مصاديق قوله تعالى [وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ] ([242])أم أن الآية تتعلق ببني اسرائيل ونجاتهم من فرعون وجنوده أم لم يحن أوانها ، وأنها تخص ايام الإمام المهدي من آل محمد .

المختار هو الأول ، وموضوعها لا ينحصر بالإمام عليه السلام .

المسألة الرابعة : لقد أخبرت آية السياق بقوله تعالى [وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ] ([243]) عن قوانين منها :

الأول : قانون الله خالق السموات والأرض .

الثاني : قانون لا يقدر على خلق السموات والأرض إلا الله .

الثالث : إرادة الإطلاق في ملك الله عز وجل ، وأنه سبحانه يملك ما بين السموات والأرض من الفضاء والهواء ، وفي آية أخرى قال تعالى [تَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا] ([244]).

وتبارك أي تقدس وتعالى ، وتوالت نعمه ، وخيره ، وهل تدل الآية أعلاه على وجود نعم ورزق وخير في الفضاء الذي بين السماء والأرض .

المختار نعم ، وهو الذي سيظهره الإرتقاء التقني والصناعي الحديث والتطور في الإختراع والإكتشافات المتعاقبة .

الرابع : قانون قدرة الله على كل شئ إيجاداً ، وتبديلاً ، وإعداماً، واستحداثاً ، وعند موت الإنسان وكيف أن الله عز وجل من جديد للحساب والجزاء .

المسألة الخامسة : في آية السياق وبلحاظ آية البحث البشارة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين بتغيير حال الذين يخفون العداوة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والقرآن ما لا يظهرون نحو التوبة ، وأن الله عز وجل قادر على تبديل سرائرهم إلى حال حسن ، لذا أمرت الآية قبل السابقة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بالصبر والخشية من الله ، وقال سبحانه [وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ] ([245]) .

وقلوب العباد بيد الله عز وجل ، وهل هو من ملكه للسموات والأرض أم أنه بدليل وحكم آخر ، الجواب لا تعارض بين الأمرين ، إذ أن ملك الله عز وجل للأشياء ، وعامة الخلائق ملك تصرف وتدبير ، ومنه القلوب ، بما يثبت عقيدة التوحيد في الأرض ، ومثلاً دخل المغول غزاة إلى البلاد الإسلامية ، فما لبث أمراؤهم حتى دخلوا الإسلام ، ولا يعلم الذين تابوا من المنافقين والذين تذكرهم آية البحث إلا الله عز وجل ,

(عن النّواس بين سمعان سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : الميزان بيد الرحمن . يرفع أقواماً ويضع آخرين إلى يوم القيامة ، وقلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن . إذا شاء أقامه ، وإذا شاء أزاغه ، وكان يقول : يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) ([246]).

ومن معاني الجمع بين آية البحث وآية السياق استدامة العز للمؤمنين ، ولا يلقى الكافرون إلا الوهن والضعف ، قال تعالى [ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَى لَهُمْ]([247]).

المسألة السادسة : من معاني بيان آية السياق الإطلاق والعموم في ملك الله  عز وجل ، والإخبار عن عجز الذين كفروا عن التغيير والتبديل في الخلق ، وفي مسار الحياة الدنيا ، فقد أرادها الله عز وجل أن تكون وعاء ومحلاً لعبادته من غير ممانعة أو مدافعة من أحد ، لأن كل شئ ملك لله عز وجل .

ومن خصائص هذه الملكية الإنقياد التام لله عز وجل ، وهذا الإنقياد لصالح الناس جميعاً طوعاً أو قهراً ، وجعل مفاهيم الكفر والضلالة عند حدّ لا تتجاوزه ، وهو من مصاديق رد الله عز وجل على الملائكة [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]([248]) لإعانة المؤمنين في إزاحة مفاهيم الكفر عن الأرض ، وقد ورد في قوله تعالى [فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ] ([249]) للدلالة على خضوع وإنقياد المخلوقات لله عز وجل .

فجاءت آية البحث لهداية الذين يفرحون بإخفاء حقائق التنزيل التأريخية إلى إظهارها حسب ما تم توارثها ، وما ورد في الكتب السماوية السابقة ، ولإنذارهم وزجرهم عن محاربة النبوة والتنزيل .

المسألة السابعة : من معاني الربوبية المطلقة لله عز وجل إنتفاء الشريك والولد له سبحانه ، وإنعدام سلطان غيره في الوجود .

ليكون من معاني آية البحث رجاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم الفضل من عند الله تعالى بدخول الناس في الإسلام ، وحصر الذين يفرحون بخلاف التنزيل بأفراد وجماعات قليلة ، ويكون نزول وتلاوة آية البحث سبباً لتوبتهم . 

لقد أخبرت الآية التالية عن قانون شمول ملك الله لكل شئ في الوجود ، وأختتمت بقوله تعالى [وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] فهو القادر على أن يخلق سماوات وأرضين وعوالم أخرى ، وهو القادر على إزالة السموات والأرض وما فيها من غير أن ينقص من ملكه سبحانه شئ ، وهو الغني عن العالمين ، وفي التنزيل [وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ]([250]).

لبيان فقر وحاجة الناس مجتمعين ومتفرقين ، وفيه إنذار للذين كفروا مطلقاً ، وللذين ذكرتهم آية البحث ، وهل تختص الآية أعلاه بالتهديد والوعيد لفناء وهلاك الناس جميعاً ، الجواب لا ، إنما تشمل المعنى الخاص بهلاك الكفار أو طائفة منهم والموعظة للناس جميعاً لما فيه إصلاح المجتمعات ، ومنع غلبة مفاهيم الكفر، وهو من مصاديق قوله تعالى [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ]([251]).

وكل فرد من الأفراد الثلاثة التي تذكرها الآية أعلاه باعث للوهن والضعف في صفوف الذين كفروا .

ومن ملك الله عز وجل بعثه الأنبياء والمرسلين ، والوحي إليهم ، ونزول الكتب السماوية ، وإطلاعه على القلوب وما يدور في الخلد ، ولا ينحصر ملك الله في المقام بهذا الإطلاع إنما يقلب الله عز وجل القلوب بما فيه الرحمة والرفق بأصحابها والناس جميعاً ، وفي التنزيل [قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ * قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ]([252]).

وقال الإمام علي عليه السلام : عرفت الله سبحانه بفسخ العزائم وحل العقود([253]).

وتدل آيات القرآن على الملازمة بين ملكية الله المطلقة لكل شئ ووجوب عبادته ، ولا تختص هذه العبادة بالناس بل تشمل الخلائق كلها ، وفي التنزيل [وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ]([254]) لتكون العبادة الصفة العامة للخلائق ، وفيه زجر عن الشرك ، ومنع من التعدي على النبوة باخفاء البشارات بها .

وهل بشارة الأنبياء السابقين بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من ملك الله أم أن القدر المتيقن من الملك هو المحسوسات وليس المعقولات.

الجواب هو الأول ، وهو من الخصوصيات التي ينفرد بها سلطان وملك الله عز وجل ، فهو ليس مثل الملك والإستيلاء الحسي كما في الذي بين الناس ، هذا يملك داراً وهذا يملك بستاناً ، وهذا مصنعاً ، فهؤلاء وما يملكون جميعاً من ملك الله عز وجل ، وكذا فان بشارات النبوة ملك لله سبحانه ، لبيان قانون وهو : من ملك الله الوحي الذي يذكر في قوله تعالى [وَمَا ينطق عن الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى] ([255]).

لبيان مسألة فيما يخص آية البحث ، وهو فرح الذين كفروا والمنافقين بانكار وإخفاء البشارات من الخروج عن ملك الله ، والجحود فيه ، لذا أختتمت الآية بالوعيد لهم بالعذاب الأليم في الآخرة .

المسألة الثامنة : من معاني الجمع بين الآيتين تأديب المسلمين والناس جميعاً بالتفقه في المعارف والتسليم بأن الموجودات والخلائق كلها من صنع الله ، وتمت بمشيئته ، وفيه دعوة إلى عبادته والإنقطاع لذكره ، والسعي في مرضاته ، ومنه رجاء الحمد بالفعل الحسن ، وما يقرب العبد إلى الله تعالى ، وهذا الرجاء ليس من الرياء لسبق قصد القربة وموضوعيته في إتيان الفعل ، لبيان أن رجاء الحمد بالفعل المذموم قبيح ، إذ أن هذا الفعل يعرض صاحبه للعقاب الأليم في الآخرة .

ومن مصاديق ملك الله عز وجل للسموات والأرض الآيات الكونية التي تطلع على الناس كل يوم لتكون دعوة للإيمان ، وتذكيراً بوجوب عبادة الله ، ودليلاً لطريق الرزق الكريم بالهدى والإيمان.

لذا جاءت آية البحث لإنذار الذين كفروا فيما يخص أيام حياتهم الدنيا وفي الآخرة لذا تكرر فيها ذكر العذاب من جهتين :

الأولى : عدم نجاة الكفار من العذاب بقوله تعالى [فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ]([256]).

الثانية : القطع بنزول العذاب بهم ، وبيان شدته لقوله تعالى [وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ]([257]).

لبيان قانون وهو تحقق الفرح عند الأمن من النار ، والسلامة من شدة عذابها ، وتأتي آية عائدية ملك السموات والأرض لله عز وجل دعوة للناس للجوء إلى النبوة والتنزيل.

فقد جاء الأنبياء بتأكيد عالم الآخرة ، والتصديق به من أصول الدين ، وعقيدة التوحيد ، والملة التي جاء بها إبراهيم عليه السلام وعليها المسلمون والنصارى واليهود.

من مواطن الآخرة

تسبق علامات الساعة الصغرى أهوال يوم القيامة ، ومن هذه العلامات بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وموته وقد ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم (بعثت أنا والساعة كهاتين ، وأشار بالسبابة والوسطى)([258])، ومنها انشقاق القمر.

قال ابن عباس (لما أنزل الله تعالى [اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ]([259])، قال الكفار بعضهم لبعض : إن هذا يزعم (أن) يوم القيامة قد قرب فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعملون حتى ننظر ماهو كائن ، فلما رأوا أنه لا ينزل شيء.

قالوا : ما نرى شيئاً ، فأنزل الله تعالى [اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ]([260])الآية.

فأشفقوا وانتظروا قرب الساعة، فلما إمتدت الأيام قالوا : يا محمّد ما نرى شيئاً مما تخوّفنا به فأنزل الله [أَتَى أَمْرُ اللَّهِ]([261])، فوثب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورفع الناس رؤوسهم فنزلت [فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ] ([262])، فاطمأنوا فلما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار بأصبعيه إن كادت لتسبقني)([263]).

ومنها كثرة الأموال واستغناء اغلب الناس عن (الصدقة).

ومنها سيادة الأمن كما في ضبط القوانين الوضعية للمعاملات والسلوك العام ، ومنها شيوع الربا ، وقد وردت أحاديث متعددة عن أشراط الساعة منها ما ورد عن عمرو بن تغلب قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن من أشراط الساعة أن يفيض المال ، ويكثر الجهل ، وتظهر الفتن ، وتفشو التجارة) ([264]).

ويمكن تقسيم علامات يوم القيامة إلى قسمين :

الأول : العلامات الأرضية ، ومنها ظهور الإمام المهدي عليه السلام ، وفتنة المسيح الدجال ، ونزول عيسى عليه السلام ، وهو الذي يقتل الدجال.

ويأجوج ومأجوج .

ومنها تسيير الجبال ثم اختفاؤها ، قال تعالى [وَسُيِّرَتْ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا]([265])، ومنها إنبعاث الناس من القبور ، وخروج خزائن وكنوز الأرض وما مدفون فيها ، قال تعالى [وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ]([266])، لبيان النعم الإلهية على الناس للناس في هذه الأزمنة ، ومعجزة تتجلى بقانون وهو : كل ما اجتهدتم باخراج الذهب والنفط والمعادن الأخرى من الأرض فان الأرض يوم القيامة تلقي خزائن كثيرة ، وهو من مصاديق قوله تعالى [فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ]([267]).

الثاني: العلامات السماوية ، ومنها تكوير الشمس ، وخسوف القمر .   

ثم  يبعث الناس جميعاً ليوم النشور ، والوقوف الطويل في عرصات يوم القيامة للحساب ، ومن هذه المواطن وأحوال يوم القيامة وجوه :

الأول : التبدلات والأهوال والإضمحلال الذي يحدث لكثير من الأكوان قبل يوم القيامة منها :

الأولى : تصدع وإنشقاق السماء وحركتها وهي تموج وتشرف على الإنهيار ، قال تعالى [فَإِذَا انشَقَّتْ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ]([268]).

الثانية : تبدل الأرض ، وقرب طيها والسماء طياً ، قال تعالى [يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ]([269]) .

الثالثة : تفجير البحار (عن أبيّ بن كعب قال : ست آيات قبل يوم القيامة بينما الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس ، فبينما هم كذلك إذا وقعت الجبال على وجه الأرض ، فتحركت واضطربت واختلطت ففزعت الجن إلى الإِنس والإِنس إلى الجن ، واختلط الدواب والطير والوحش فماجوا بعضهم في بعض { وإذا الوحوش حشرت } قال : اختلطت {وإذا العشار عطلت}([270]) أهملها أهلها {وإذا البحار سجرت}([271]) قال : الجن والإِنس نحن نأتيكم بالخبر فانطلقوا إلى البحر فإذا هي نار تأجج ، فبينما هم كذلك إذا انصدعت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة وإلى السماء السابعة ، فبينما هم كذلك إذ جاءتهم ريح فأماتتهم) ([272]).

الرابعة : تكوير وإضمحلال الشمس ، قال تعالى [إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ] ([273]).

الثاني : النفخ في الصور مرتين ، وكل واحدة تتعقبها أهوال بالصعق في الأولى ، والقيام والترقب في نفخة الصور الثانية ، قال تعالى [وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ] ([274]).

وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الآية أعلاه (فاكون أوّل من يرفع رأسه ، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش ، فلا أدري أرفع رأسه قبلي أو كان ممن استثنى الله عز وجل) ([275]).

 و(عن أنس قال :  قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم { ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله } قالوا : يا رسول الله من هؤلاء الذين استثنى الله .

قال جبريل ، وميكائيل ، وملك الموت ، وإسرافيل ، وحملة العرش . فإذا قبض الله أرواح الخلائق قال لملك الموت : من بقي .

 وهو أعلم فيقول : رب سبحانك ، رب تعاليت ذا الجلال والاكرام بقي جبريل ، وميكائيل ، واسرافيل ، وملك الموت .

 فيقول : خذ نفس ميكائيل . فيقع كالطود العظيم . فيقول : يا ملك الموت من بقي.

 فيقول سبحانك رب : ذا الجلال والاكرام بقي جبريل وملك الموت . فيقول مت يا ملك الموت ، فيموت فيقول يا جبريل من بقي فيقول : سبحانك يا ذا الجلال والاكرام بقي جبريل وهو من الله بالمكان الذي هو به .

فيقول : يا جبريل ما بد من موتك . فيقع ساجداً يخفق بجناحيه يقول : سبحانك رب تباركت وتعاليت ذا الجلال والاكرام.

أنت الباقي وجبريل الميت الفاني ، ويأخذ روحه في الخفقة التي يخفق فيها ، فيقع على حيز من فضل خلقه على خلق ميكائيل كفضل الطود العظيم) ([276]).

الثالث : حال الفزع العام ، قال تعالى [وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ] ([277]) وحتى الذي يستثنى من الفزع والخوف يأتي طائعاً خاشعاً لله عز وجل .

الرابع : القيام ووقوف الناس في المحشر ، يتعارف الناس بعضهم على بعض ، قال تعالى [وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنْ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ] ([278]) وهل هذا التعارف على نحو القضية الشخصية والاسم وصلة القربى والجوار ، الجواب إنه أعم ، فهو تعارف بالأعمال وإحسان بعضهم لبعض ، والصلات الإيمانية بينهم والتعارف بين الابن وأبيه ، بل وآبائه كالسابع والثامن، ومعرفة المظلوم للظالم ، واستبشاره بأنه يقتص ويأخذ حقه منه في المحشر حيث كل إنسان يحتاج إلى الحسنات.

ومن عمومات التعارف الذي تذكره الآية أعلاه قوله تعالى [إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوْا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمْ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمْ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ] ([279]) لتكون آية البحث تذكيراً للتابع والمتبوع في بعقوبة إخفاء بشارات النبوة ، والذي يحب أن يحمد ويثنى عليه بما يفعل ، والذي يقوم بالثناء عليه .

ليكون من إعجاز آية البحث إدراك الناس بالفطرة التي جبلهم  الله عليها أن فاعل الحرام والسيئة لا يستحق الثناء ، فان قلت إن كان شخص أو جماعة اثنوا على الظالم وفاعل السيئة تقية وخشية بطشه فهل يشملهم العقاب ، الجواب لا ، وكل ما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر ، لذا فمن إعجاز الآية عدم ذكرها للذين يقومون بهذا الثناء ، إنما أختصت بالذين يحبون تلقي الثناء بغير استحقاق .

ويبين القرآن أن مادة (تبع ) لا تنحصر بالذين كفروا وعتابهم يوم القيامة  ، فتشمل المدح والبشارة للذين اتبعوا أهل الإيمان ، وركبوا جادة الصلاح والفلاح ، قال تعالى [وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ] ([280]).

الخامس : النشر والحشر .

السادس : شد حرارة الشمس .

السابع : عبور الصراط أو عدمه بلحاظ الأعمال في الدنيا ، وهل ينفع المسلم يومئذ تلاوته لقوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ([281])  الجواب نعم ، وهناك مسألة وهي هل يختص هذا النفع بالهداية إلى فعل الصالحات ، وبواسطتها يعبر المؤمن الصراط ، ويمشي عليه إلى ساحل الأمان ، أم أنه يشمل عبور الصراط بالأصل ، الجواب كلا الوجهين صحيح ، ويجتمعان عند الصراط ليجتازه المؤمن بأكثر من وسيلة مبارك وسلاح .

ويكون من معاني الآية أعلاه : أهدنا عبور الصراط المستقيم .

و(عن أُبيّ بن كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:  أول من يدعى يوم القيامة أنا فأقوم فألبي ، ثم يؤذن لي في السجود فأسجد له سجدة يرضى بها عني ، ثم يؤذن لي فأرفع رأسي فأدعو بدعاء يرضى به عني ، فقلنا يا رسول الله كيف تعرف أمتك يوم القيامة .

 قال : يعرفون غراً محجّلين من أثر الطهور فيردون علي الحوض ما بين عدن إلى عمان بصرى ، أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل وأبرد من الثلج وأطيب ريحاً من المسك ، فيه من الآنية عدد نجوم السماء ، من ورده فشرب منه لم يظمأ بعده أبداً ، ومن صرف عنه لم يرو بعده أبداً ، ثم يعرض الناس على الصراط.

فيمر أوائلهم كالبرق ، ثم يمرون كالريح ، ثم يمرون كالطير([282]) ، ثم يمرون كأجاويد الخيل والركاب ، وعلى كل حال وهي الأعمال.

والملائكة جانبي الصراط يقولون رب سلم سلم ، فسالم ناج ، ومخدوش ناج ، ومرتبك في النار ، وجهنم تقول هل من مزيد حتى يضع فيها رب العالمين ما شاء الله أن يضع فتقبض وتغرغر كما تغرغر المزادة الجديدة إذا ملئت وتقول قط قط) ([283]).

السابع : الميزان : الميزان لغة الآلة التي توزن بها الأشياء ، وتساوي الكفتين أو رجحان إحداهما ، قال تعالى [وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ]([284])، أما في الإصطلاح فهو مادة وزن الأعمال يوم القيامة ومن لفظ الميزان في القرآن ، بخصوص موازين العدل والمكيل في الحياة الدنيا ، وتكرر لفظ الميزان في ثلاث آيات متتالية [وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ]([285]).

وهل فيه تذكير بميزان الآخرة ، ولزوم الإستعداد له بالإستقامة.

الجواب نعم ، وقد وردت الإشارة إلى ميزان الآخرة بآيات منها قوله تعالى [وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ]([286]).

والميزان في الآخرة حق ، والإجماع على أن له كفتين ولساناً بما يدرك بالحس وتشاهده الخلائق ، وهو المستقرأ من نصوص عديدة.

و(عن عائشة سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: خلق الله كفتي الميزان مثل السماء والأرض .

 فقالت الملائكة : يا ربنا من تزن بهذا، قال : أزن به من شئت . وخلق الله الصراط كحد السيف ، فقالت الملائكة : يا ربنا من تجيز على هذا ، قال : أجيز عليه من شئت)([287]).

عن أنس قال : سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يشفع لي يوم القيامة فقال : أنا فاعل .

قلت : يا رسول الله أين أطلبك.

قال : أطلبني أول ما تطلبني على الصراط .

قلت : فإن لم ألقك على الصراط ، قال : فاطلبني عند الميزان .

قلت : فإن لم ألقك عند الميزان ، قال : فاطلبني عند الحوض ، فإني لا أخطىء هذه الثلاثة مواطن ([288]).

وفي قوله تعالى [وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ]([289])، ورد عن ابن عباس أنه قال :له لسان وكفتان يوزن ، فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم ومنازلهم في الجنة بما كانوا بآياتنا يظلمون([290]).

و(عن حذيفة قال : صاحب الموازين يوم القيامة جبريل عليه السلام ، يرد بعضهم على بعض فيؤخذ من حسنات الظالم فترد على المظلوم ، فإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات المظلوم فردت على الظالم)([291]).

ومنهم من أنكر الهيئة الحسية للميزان .

و(عن مجاهد : أنه استعارة للعدل)([292]).

وبه قال الشيخ المفيد([293]).

والمشهور شهرة عظيمة والذي أدعى عليه الإجماع هو أن الميزان يوم القيامة حسي وعلى نحو الحقيقة ، وهو المختار ، والخلاف صغروي ، فمن المتسالم عليه وجود ميزان بالحق للأعمال يوم القيامة ، وفيه مسائل :

الأولى : دعوة المسلمين والناس جميعاً للإجتهاد في الصالحات.

الثانية : إحراز الحسنات التي تثقل كفة الميزان.

الثالثة : إجتناب السيئات التي تجعله خفيفاً وما يترتب عليه من سوء العاقبة ، قال تعالى [ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ]([294]).

وهل ما ورد في آية البحث من فرح الإنسان بما يأتي به من إنكار النبوة ، وإخفاء البشارات بالرسالة الخاتمة ، مما يخفف كفة الميزان أم أن الفرح كيفية نفسانية لا يؤاخذ عليها.

المختار هو الأول فذات الفرح بمحاربة النبوة والتنزيل أو الصدود عنها خفة في الميزان وكذا ترجل هذا الفرح لفعل ومبرز في الخارج ، وهو من أسرار مجئ الآية بصيغة الجمع (يفرحون) لإجتماعهم على هذا الفرح باللمز والغمز والقول والفعل.

وهل من معاني آية البحث التذكير بالحوض والميزان ، الجواب نعم.

ومن منافع هذا التذكير توبة طائفة من الذين يخفون البشارات ، والذين يريدون الثناء عليهم لفعل صالح لم يقوموا به ، ومنها إجتناب الناس الخصلتين اللتين ذكرتهما آية البحث وقيامهم بالنهي عنهما ، وكشف القبح الذاتي لهما ، وما يترتب عليهما من الضرر العام.

الثامن : الحوض : وهو لغة الموضع الصغير لتجمع الماء ، وفي الإصطلاح هو حوض مبارك للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يوم القيامة ، وهو مجمع عظيم للماء يرده المؤمنون والمؤمنات.

وقد وردت نصوص عديدة عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن حوضه يوم القيامة ، وفيه بعث للأمل والرجاء ، والعمل الصالح ، فمن خصائص الإيمان الجمع بين الرجاء والعمل.

و(عن زيد بن أرقم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إني لكم فرط وإنكم واردون عليّ الحوض ، فانظروا تخلفوني في الثقلين قيل : وما الثقلان يا رسول الله.

 قال : الأكبر كتاب الله عز وجل . سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم ، فتمسكوا به لن تزالوا ولا تضلوا.

والأصغر عترتي وأنهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض ، وسألت لهما ذاك ربي فلا تقدموهما لتهلكوا ، ولا تعلموهما فإنهما أعلم منكم) ([295]).

والفرط هو السابق والمتقدم ، لبيان أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يبشر بالحوض وما فيه من الأمن قبل وصول المؤمنين.

وأن العمل بالقرآن ومودة واتباع أهل البيت طريق النجاة لأنهم على الحوض للشفاعة ، قال تعالى [قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى]([296]).

وهل المراد من الحوض هو نفسه حوض الكوثر ، الجواب لا ، فالمراد من حوض الكوثر هو نهر الكوثر في الجنة بعد دخول المؤمنين الذين عملوا الصالحات الجنة.

(وصفته على ما جاء في الأخبار أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصف حوض الكوثر فقال : حصباؤه الياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر والدر والمرجان وحمأتهُ المسك الأذفر وترابه الكافور ، وماءه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل وأبرد من الثلج .

يخرج : من أصل السدرة عرضه وطوله ما بين المشرق والمغرب ، حافتاه الزعفران وقباب الدر والمرجان ، من دخله أمن من الغرق ، ولا يشرب منه أحد فيظمأ ، ولا يتوضأ منه أحد فيشعث ، فيه طيور أعناقها كأعناق الجزر)([297]).

وذكر أن الكوثر نهر في الجنة يخرج من الحوض ، وقيل أن الكوثر هو الحوض بعينه ، ولكن حوض رسول الله عند النشور وفي مواطن الحساب وللتباين الموضوعي بين النهر والحوض.

وورد ذكر للحوض في حديث الإسراء.

ومن ألقاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (صاحب الحوض والكوثر)([298]).

و(صاحب الحوض المورود والشفاعة)([299]).

والحوض من أرض ومواطن المحشر ، والكوثر نهر عظيم في الجنة.

وفي حديث الإمام موسى بن جعفر عن آبائه عليهم السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله أنا سيد من خلق الله، وأنا خير من جبرئيل وإسرافيل، وحملة العرش، وجميع الملائكة المقربين ، وأنبياء الله المرسلين، وأنا صاحب الشفاعة والحوض الشريف،وأنا وعلي أبوا هذه الامة ([300]).

والإجماع على وجود الحوض وأنه حق ، ولا عبرة بانكار بعض المعتزلة ونحوهم ، وقد وردت نصوص وأحاديث نبوية عديدة فيه ، وفي وصفه وسعته وطوله وأنه مسيرة شهر لبيان إمكان وصول أجيال المؤمنين المتعاقبة على كثرتهم له ، وخصائصه وعذوبة مائه وكيف أنه يأتي من الجنة .

وعن قتادة (ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول:”والذي نفس محمد بيده، ليردنّ على الحوض ممن صحبني أقوامٌ، حتى إذا رُفعوا إليّ ورأيتهم، اختُلِجوا دوني، فلأقولن : ربّ أصحابي أصحابي فليقالنّ : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)([301]).

وقد ورد هذا الحديث بطرق متعددة.

وهل يحتاج الإنسان مطلقاً الحوض عند المحشر أم أن شطراً من الناس يحتاجون إليه ، الجواب هو الأول ، لطول يوم الحساب ، وشدة الحر ، وحال الخوف والفزع.

لبيان أن الحوض رحمة من الله عز وجل يوم القيامة ، وهو من الأفراد التسعة والتسعين التي ورد ذكرها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ قال (إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة ، فأمسك عنده تسعة وتسعين رحمة وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة . فلو يعلم الكافر كل الذي عند الله من رحمته ، لم ييأس من الرحمة . ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب ، لم يأمن من النار)([302]).

وهل يحرم من السقاية من الحوض الذين نزلت آية البحث بذمهم من الذين يفرحون بشرائهم الدنيا وزينتها ، وإخفائهم الحق ، وستر ما يرتكبون من المعاصي والتحريض على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والتنزيل .

الجواب نعم.

ليكون من معاني أحاديث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن الحوض وجوه :

الأول : الإخبار عن علم من علوم الغيب.

الثاني : الكشف عن الحوض كحقيقة ورحمة يوم القيامة.

الثالث : الطمأنينة في نفوس المؤمنين وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ]([303]).

الرابع : نفاذ الخوف والفزع في قلوب الذين كفروا ، وإدراكهم لفقرهم وفاقتهم.

فهذا الفرح الذي أخبرت عنه الآية قصير مدته ، سريع زواله ، وعند الحوض تتغشاهم الكآبة والحزن.

فنزلت آية البحث للتدارك والإرتواء من حوض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

التاسع : الحساب : الحساب لغة هو العد والإحصاء أما في الإصطلاح فهو وقوف الناس جميعاً بين يدي الله يوم القيامة من المحاسبة للحساب على أعمالهم في الدنيا سواء كانت خيراً أو شراً ، بالقول أو الفعل إلا من شاء الله عز وجل استثناءه من الحساب ، والحساب من أهوال يوم القيامة ، كما أنه مقدمة للجزاء.

وجاءت آيات في الحساب الأخروي ، منها قوله تعالى [فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا]([304])، ولا يقع الحساب للناس إلا بعد طول وقوفهم في المحشر مما يزيد من حال الهلع والخوف إلا من رحم الله عز وجل وأول أمة تبدأ الحساب هم أمة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا]([305]).

وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة)([306]).

ومن فضل الله وسعة رحمته يوم القيامة قيامه بنفسه بمحاسبة الناس ، قال تعالى [إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ]([307])، ولا يوكل الله عز وجل الحساب أو شطر وجزء منه إلى الملائكة أو الأنبياء ، قال تعالى [مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ]([308]).

ومن الآيات دلالة هيئة الإنسان في المحشر على كيفية وسنخية حسابه إذ قال تعالى [فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا]([309]).

ولابد عند إحصاء آيات الحساب من وضع قواعد معينة لضبط وتحديد هذه الآيات ، والنسبة بين آيات الوعيد وآيات الحساب هو العموم والخصوص المطلق ، فالوعيد أعم في ألفاظه وموضوعه وزمانه فمثلاً قوله تعالى [يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ]([310])، من الوعيد وليس من الحساب ، ومنه [فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاَقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي يُوعَدُونَ]([311]).

من آيات الحساب

الأولى : [يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ]([312]).

الثانية : [لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ]([313]).

وتشمل هذه الآية موضوع الحساب والجزاء .

الثالثة : [وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا* اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا]([314]).

الرابعة : [يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً]([315]).

الخامسة ، السادسة ، السابعة : [وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا * وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا * وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا]([316]).

الثامنة : [إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى]([317])، والحساب مقدمة للجزاء لإقامة الله سبحانه الحجة على الناس مع بيان سعة رحمته حتى بالنسبة للذين يدخلون النار ، في تقريبهم من سبل الهدى ، وإمهالهم وتذكيرهم ، ودعوتهم للتوبة والإنابة ، ومنه آية البحث ، وهل تحضر هذه الآية يوم القيامة وتكون شاهداً ، الجواب نعم ، من وجوه :

الأول : آية البحث شاهد للمؤمنين الذين يتلونها ويكثرون من تلاوتها خاصة في الصلاة اليومية.

الثاني : تشهد الآية على الذين يفرحون بما أتوا من الباطل والإفتراء والنفاق .

الثالث : تحضر آية البحث يوم القيامة لتشهد للذين يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا من وجوه الخير .

الرابع : تشهد آية البحث يوم القيامة للذين استمعوا لها واتعظوا منها ، قال تعالى [وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ]([318])، وتشهد للمؤمن في قراءته واستماعه لها ، ولو كان المؤمن مأموماً في صلاة الجماعة ، فهل يكون قارئاً أم مستمعاً ، المختار أنه قارئ في الصلاة الإخفاتية لأن القراءة وظيفة الإمام وهو تابع له ، وقارئ ومستمع في الصلوات الجهرية ، مثل صلاة الصبح والمغرب والعشاء .

التاسعة : [اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ]([319]).

العاشرة : [أَلاَ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ]([320]).

الحادية عشرة : [فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا]([321]).

وهل من صلة بين فرح الكفار والمنافقين بما أتوا كما في آية البحث ، وبين السرور الذي تذكره الآية أعلاه ، الجواب نعم ، لبيان إعجاز القرآن بأن فرحهم متصل ويصاحبهم حتى عند العودة إلى البيوت مما يدل على تحريض أهليهم وأبنائهم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والتنزيل ، لذا نزلت آية البحث لإنذار الأهل والأبناء من إتباع المنافقين والكفار في عداوتهم للنبوة والقرآن ، وتجد كثيراً من الأبناء دخلوا الإسلام وصاروا من خيرة الصحابة مع أن آبائهم من رؤساء الكفر ، ومنهم :

الأول : أبو حذيفة مهشم بن عتبة بن ربيعة .

الثاني : زوجته سهلة بنت سهيل بن عمرو اللذان هاجرا إلى الحبشة بدينهما ، وفراراً من أبيهما .

الثالث : الوليد بن الوليد بن المغيرة .

الرابع : سلمة بن هشام أخو أبي جهل.

الخامس : حنظلة بن أبي عامر ، وهو من الأنصار ، واستشهد يوم أحد وهو غسيل الملائكة.

وكذا لابد من إحصاء آيات النفخ والصعق مثل قوله تعالى [وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ]([322])ومنه [وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ]([323]) مع ذكر بعض الأحاديث النبوية بخصوص كل منهما .

الثانية عشرة : قوله تعالى [فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ *فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ]([324]).

لبيان سوء عاقبة الذين تخف موازينهم ، فيكون أمارة وطريقاً إلى النار ، فحالما ترى الخلائق خفة كفة الصالحات لشخص عند حسابه يعلمون أنه يساق إلى النار ، إلا أن تدركه الشفاعة بفضل من الله  ، وهل هناك علامات للشفاعة قبل تحققها حتى عند الميزان ، خاصة وأن الآيات أعلاه تفيد العموم ، المختار نعم ، فان الله عز وجل يلقي في قلوب الناس موضوعية الشفاعة ، وعلامات الأشخاص الذين ينالونها .

 وهل يقوم الملائكة بالبشارة لهم بهذه الشفاعة عند حلول أوانها ، المختار نعم ، وفيه ترغيب للناس جميعاً لإجتناب ما تتضمن آية البحث ذمه من سوء الفعل ، وان كان على نحو الكتمان مثل إخفاء البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومصاديق الرحمة الدنيوية والأخروية في رسالته.

سنخية الإبتلاء

لقد ذكرت آية السياق مسائل :

الأولى : إبتلاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بنقص أموالهم سواء قبل الهجرة أو بعدها ، وبخصوص المهاجرين أم الأنصار.

فصحيح أن البركة صاحبت النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عند هجرته إلى المدينة إلا أن غزوات المشركين على المدينة في معركة أحد والخندق وغيرها شغلتهم عن الزراعة ومزاولة التجارة والكسب ، وحتى الزروع والنخيل التي كانت للأنصار فان المشركين كانوا يبعثون سرايا حول المدينة لقطع النخيل وحرق المزروعات .

 وفي معركة أحد عندما قدمت جيوش المشركين نحو المدينة ، وصارت عند سفح جبل أحد سرحوا خيولهم وإبلهم في زروع المدينة ، ولم تكن هذه الخيل والإبل قليلة ، إذ كان عدد أفراد الجيش ثلاثة آلاف أغلبهم جاءوا ركباناً ، وقد خرج بعض المزارعين من أهل المدينة لتفقد زروعهم كعادتهم ، أو لشدة حرقتهم ولهفهم على زراعاتهم ، فقام المشركون برميهم بالنبال والسهام ، مما زاد في ألمهم، فلجأوا إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأخبروه واشتكوا عنده ، ولعله من أسباب تعجيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الخروج للقاء المشركين عند جبل أحد .

ومن بركة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن الإبتلاء بالمال لم يدم كثيراً ، فمثلاً في معركة بدر أسر المسلمون سبعين من المشركين ، وغنموا كثيراً من الإبل والخيل والأسلحة ، ثم قاموا بتلقي البدل والعوض عن أغلب الأسرى ، وكل اسير يدفع أربعة آلاف درهم فضة أي أربعمائة دينار ، وكل دينار مثقال ذهب عيار ثماني عشرة حبة ، فيكون عوض كل أسير من أجل فكه من الأسر نحو سبعين ألف دولار في عملة هذا الزمان بلحاظ أن الدينار الذهبي نحو أربعة غرامات على اختلاف في مقداره ، وكان هذا المبلغ يدفع للذي قام بتأسير الأسير ، أي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يأخذ منه شيئاً .

وما صاحب النصر في معركة بدر من الأمل والغبطة والعز والرضا بفضل الله عز وجل أعظم ، وهل هذه الأمور من مصاديق النصر في قوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ] ([325]) أم أن القدر المتيقن من الآية هو النصر في ميدان المعركة ، الجواب هو الأول ، ويعطي الله عز وجل بالأوفى والأتم والأكمل .

ومن معاني الإبتلاء في الأموال جمعها وكثرتها والإنشغال بها ، ولزوم إخراج الزكاة والحقوق الشرعية منها .

 فقوله تعالى [لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ] ([326])يجمع بين المتضادين لما فيه الرحمة والأجر والثواب العظيم ، وهو من أسرار القرآن وتعدد معاني اللفظ القرآني.

فجاءت الآية دعوة سماوية للمسلمين للثبات في منازل الإيمان في حال الرخاء أو الشدة والسراء أو الضراء .

ولتهيئة أذهان المسلمين لما يلاقون من الأذى ومن تعدي المشركين وإصرارهم على القتال ، ومنه البشارة بتوالي الصحابة لشؤون الحكم والإمارة والقضاء ، فلابد من النزاهة وحسن السمت والصلاح .

إن استحضار المسلمين بعد فتح مكة لحال العوز والأذى الذي كانوا عليه ، واضطهاد وحرب كفار قريش عليهم مناسبة للشكر لله عز وجل ، لذا فان قوله تعالى [لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ] ([327]) دعوة لأجيال المسلمين لمعرفة معجزات النبي  محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الانتقال السريع له ولأصحابه من حال الذل والعوز إلى حال العز والحكم ، ومجئ الأموال إلى المدينة ،وهل حال المدينة المنورة في هذا الزمان ورغبة كل مسلم بزيارتها والسلام على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من معجزاته ، الجواب نعم .

الثانية : إبتلاء المسلمين بالنفوس بالحروب والإقتتال مع المشركين ، ففي معركة بدر قُتل أربعة عشر من الصحابة ، وفي معركة أحد سقط سبعون شهيداً ، ونزل قوله تعالى [وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لاَ تَشْعُرُونَ]([328]).

وقيل الإبتلاء (بالأمراض والأوجاع والقتل) ([329]).

ولكن الأمراض والأوجاع تأتي للمؤمنين  كعامة الناس والبشر وينالهم من المحو وصرف الأذى في المقام ما هو ظاهر للعيان ، ومدرك بالعقول ، وهو من عمومات قوله تعالى [يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ] ([330]) ، إنما الحال الأمور الطارئة التي تنزل عليهم كمسلمين وأظهرها وقوع المعارك بينهم وبين المشركين .

 ولم يتعرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه قبل الهجرة في مكة إلى القتال والمبارزة بالسيوف ، كما أن أهل المدينة لم يعهدوا مجئ آلاف الأفراد من قريش لقتالهم في معركة أحد والخندق، ولم يكن هناك سبيل للصلح والتراضي للتضاد بين الإيمان والكفر ، ولأن المشركين زحفوا من أجل القتال والقتل .

وهل من الإبتلاء بالنفوس توعد المشركين قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونزول قوله تعالى [وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ..] ([331]).

الجواب نعم لأن الإبتلاء أعم من تحقق المصداق الخارجي ، فيشمل التهديد والحيطة والحذر .

وجاءت آية السياق لبعث المسلمين على الصبر والثبات ، وعدم اليأس أو القنوط ، والإستعداد لتلقي مصيبة القتل والخسارة بالصبر والتقوى ، ويمنع غلبة النفاق وصوته في المجتمعات ، قال تعالى [الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ] ([332]).

لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار الإبتلاء والإمتحان ، ولا يسلم منه الأنبياء ولا الصالحون والمؤمنون ، إنما هو سنة الحياة الدنيا ، نعم يفوز الأنبياء وعموم المؤمنين بالأجر والثواب ، قال تعالى [وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ]([333]).

الثالثة : إبتلاء المسلمين بالأموال والأنفس في آن واحد سواء في واقعة مخصوصة كما في حال المرابطة فانها بذل للجهد والمال والنفوس ،وتعطيل للأعمال ومفارقة للأهل والعيال ، أو في عدة وقائع في آن واحد ، منها ما يتعلق بالنفوس ومنها ما يتعلق بالمال .

الرابعة : سماع النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة أذى كثيراً من طائفة من الذين أوتوا الكتاب ، ومن إعجاز نظم الآيات ورود آية السياق بتقييد الذين أوتوا الكتاب بأنهم قبل المسلمين ، وقبل نزول القرآن بينما لم يرد هذا القيد في الآية السابقة .

ويحتمل الإبتلاء في مجيئه وجوهاً :

الأول :مجئ الإبتلاء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه على نحو دفعي .

الثاني: مجئ الإبتلاء على نحو التدريج .

الثالث : العنوان الجامع للوجهين أعلاه .

والمختار هو الأخير لأصالة الإطلاق ، ولبيان صبر وجهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين والأنصار ، وتحملهم الأذى من الذين كفروا ، فمع الخسارة في النفوس وسقوط الشهداء، ونقص الأموال يأتي أذى من طائفة من أهل الكتاب ، وأذى كثير من المشركين .

وجاءت آية البحث بالوعيد على هذا الأذى ، وعلى قيام المشركين بالهجوم على المدينة والإبتداء بالقتال .       

قانون (نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ)

ومن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إعراض ملوك الزمان عن نصرة كفار قريش ، وهل كان هذا الإعراض من أسباب رضا وإمضاء قريش لصلح الحديبية ، الجواب نعم .

(وعن النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال : نصرت بالرّعب، يسير بين يديّ مسيرة شهر) ([334]).

وفي هذا الحديث شاهد بان النبي محمداً لم يغز أحداً ، ولم يطلب القتال ، ولكن الذين ينوون غزو المدينة وقتاله يصابون بالفزع والرعب.

ومن الإعجاز أن الحديث لم يرد بخصوص النصر بالرعب وحده ، بل ورد في سياق نعمة متعددة اختص الله عز وجل بها النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم  (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أُعْطِيتُ مَا لَمْ يُعْطَ أَحَدٌ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هُوَ قَالَ نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ وَأُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْأَرْضِ وَسُمِّيتُ أَحْمَدَ وَجُعِلَ التُّرَابُ لِي طَهُورًا وَجُعِلَتْ أُمَّتِي خَيْرَ الْأُمَمِ) ([335]).

من خصائص الأنبياء التفرد بخصال حميدة تفرق جهود البشر ، فيأتي النبي بمعجزة لو اجتمع خلق كثير لتعذر عليهم الإتيان بها ، إلى جانب المعجزة التي هي أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي .

وقد بعث الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بين قوم كافرين يعبدون الأوثان ، وجاء هو بالصلاة خمس مرات في اليوم والزكاة والصيام والحج والخمس وإقامة الحدود ، قال تعالى [النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ] ([336]) .

وأدرك كبراء المشركين صبغة التساوي بين الناس التي جاء بها الإسلام ، وأن عبيدهم سيصبحون بعد حين أحراراً ، وقد يكونون أئمة وقادة لهم ، وهو الذي تحقق واقعاً .

فقد كانت قريش تتدارس أخبار الأمم والتأريخ ، وتستقرأ منه الدروس ، ولكنها لم تتخذه عبرة وموعظة بل أصروا على الكفر باستثناء الذين دخلوا الإسلام ، وهم عدد غير قليل من أهل البيت وأهل مكة وغيرهم ، فمثلاً هاجر ثلاثة وثمانون رجلاً وتسع عشرة امرأة من مسلمي مكة إلى الحبشة لإحراز سلامة دينهم ، وهي معجزة غيرية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .

ولقد أخبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن المدد والعون الإلهي له بسلاح الرعب والفزع ، وقد ورد لفظ [ الرعب] أربع مرات في القرآن ، وكل واحدة منها تخبر عن إلقاء الرعب من عند الله عز وجل في قلوب الذين يحاربون النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وهي :

الأولى : قال تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ]([337]).

الثانية : قال تعالى [إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلاَئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ]([338]).

الثالثة : قال تعالى [وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا]([339]).

لبيان قانون الزجر عن نصرة ومظاهرة الذين كفروا في حربهم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم لذا جاءت الآية السابقة بترغيب الذين أوتوا الكتاب باعلان الميثاق وعدم كتمان البشارات بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم الواردة في الكتب السماوية وعلى ألسنة الأنبياء السابقين .

الرابعة : قال تعالى [هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنْ اللَّهِ فَأَتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الأَبْصَارِ]([340]).

وهل لسلاح الرعب موضوعية في إمتناع ملوك الأرض من محاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، الجواب نعم ، ومن مصاديقه وجوه :

الأول : الرعب كيفية نفسانية وحال يجعل الفرد والجماعة يتصفون بها ، والرعب من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة ، ويكون سببه على جهات :

الأولى : سبب يستحق الرعب .

الثانية : زيادة أهوال أسباب ومقدمات الرعب .

الثالثة : سبب الرعب أدنى منه .

الرابعة : الوهم والظن غير المعتبر .

والرعب الذي ورد في الحديث النبوي (نصرت بالرعب ) من الجهة الأولى والثانية أعلاه .

الثاني :مقدار وكم وكيف الرعب الذي يلقيه الله في القلب ولا يقدر عليه إلا هو سبحانه .

الثالث : هذا الرعب من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ([341]) لما فيه من منع من الحروب والمعارك المتكررة بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمشركين ، وكثرة القتلى والجرحى فيها .

الرابع : من معاني هذا الرعب إمتناع الدول العظمى عن التوغل في أرض الجزيرة العربية ، وخشية عطش الجنود فيها ، وتعرضهم للنهب والسلب من قبل أفراد القبائل .

ومن خصائص العربي الإنتقام والثأر والغدر بمن يغزو أرضه .

ومن الإعجاز في النصر بالرعب خلوه من سفك الدماء ، لذا فهو من مصاديق إحتجاج الله عز وجل على الملائكة [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ([342]) بعد قولهم [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ]([343])  يوم أخبرهم بأنه يجعل [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ([344]).

لبيان أن الرعب آلة نصر الأنبياء ، ومن أسباب إزاحة مفاهيم الشرك والفساد في الأرض من غير أن يكون فيه قتال وقتل .

ومع أن الشرك أم الكبائر ، فان النسبة بين الفساد وبينه هو العموم والخصوص المطلق ، فالشرك من الفساد من غير أن يلزم الدور بينهما ، وتتفرع عند أفراد كثيرة من الفساد ، لذا قال الملائكة [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا]([345])، شامل للشرك ، ولم يرد لفظ [يُفْسِدُ] و[يَسْفِكُ] و[نُقَدِّسُ] في القرآن إلا في الآية أعلاه .

وهل يأتي سلاح الرعب على الشرك ، فيصيب المشركين بالفزع لإختيارهم الشرك ، الجواب نعم ، ليكون تقدير قوله النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ( نصرت بالرعب) على وجوه :

الأول : نصرت بالرعب ليتوب الناس .

الثاني : نصرت بالرعب لينحسر الشرك .

الثالث : نصرت بالرعب لمنع شيوع الفساد .

الرابع : نصرت بالرعب ليصبح المؤمنون في أمن وسلام .

الخامس : نصرت بالرعب فلا تصل النوبة إلى غزو المشركين .

السادس : نصرت بالرعب ليتدبر الناس في الآيات ويدخلوا الإسلام .

السابع : نصرت بالرعب لتثبيت معالم الإيمان في الأرض إلى يوم القيامة .

وهو من مصاديق قوله تعالى [إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ *ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا*فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا] ([346]) .

ومن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المقام إخباره بانفراده بالخصال والمعجزات الرسالية الكريمة التي وردت في الحديث المتقدم فلم تجد في القرآن وفي الكتب السماوية السابقة وقصص الأنبياء ما يدل على نيل أحد الأنبياء إجتماع المعجزات التي وردت في الحديث ، إنما هي خاصة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهي :

الأولى : النصر بالرعب ، وفي رواية جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (نصرت بالرعب مسيرة شهر)([347]).

الثانية : إعطاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مفاتيح الأرض .

الثالثة : تسمية أحمد ودلالته في معاني الثناء على الله عز وجل .

الرابعة : صيرورة التراب طهارة للنبي والمسلمين بالتيمم به عند فقد الماء ، قال تعالى [فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا] ([348]).

الخامس : جعل أمة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خير الأمم .    

بحث أصولي مستحدث: لام التكليف

اللام هو الحرف الثالث والعشرون من الحروف الأبجدية ، ومخرجه من طرف اللسان .

وتتعدد معاني (اللام) حسب موقعها في الجملة ، وفيه وجوه :

الأول : إنها موطئة للقسم أي أن الله سبحانه أخذ عليهم عهداً بالبيان .

الثاني : اللام لام التعليل ، وأن الله عز وجل أخذ الميثاق من الذين أوتوا الكتاب لبيانه للناس ، وهو لا يتعارض مع وجوب تقيد الذين أوتوا الكتاب بالميثاق ، ليكون بيانه للناس قولياً وفعلياً .

لام التعليل ، وهي التي تأتي (كي) بدلاً عنها ، وهي على مذهب أكثر الكوفيين ناصبة بتقدير حرف نصب بعدها تقديره (أن ) وهي عند البصريين جارة.

كما في اللام في [لِتَعْلَمُوا] في قوله تعالى [هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ]([349])وقوله تعالى [الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ]([350]).

الثالث : المراد لام التكليف ، وهو إصطلاح أصولي جديد هنا أعم من المعنى النحوي للحروف والكلمات ، بلحاظ مضمون ودلالة الآية القرآنية ، لقانون وهو أن معنى الحرف والكلمة القرآنية أعم من القواعد النحوية والكلامية والأصولية .

وهو من إعجاز القرآن إذ أن هذه القواعد وضعية من تأسيس واستقراء العلماء ، وهي لا يصل إلى كنه ودلالة القرآن .

وقد تقدم بيان أقسام اللام إذ أنها على وجوه منها :

الأول : لام الملك ، وهي التي تدخل بين ذاتين بما يستقرأ منه الملك ، وتتصل هذه اللام بالمالك وليس بالمملوك ،كما في قوله تعالى [وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ] ([351]).

الثاني : لام شبه الملك مثل العلف للحيوان ، وهذه اللام قريبة من لام الإستحقاق ، ومنهم من جعلها مع لام الإستحقاق .

الثالث : لام الإختصاص وهي التي تدخل بين اثنين ، ولكنها لا تفيد الملك إنما تفيد النسبة ، كما في تكرار لام الإختصاص في قوله تعالى [خَاشِعِينَ لِلَّهِ] ([352]) وقول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (الولد للفراش وللعاهر الحجر) إذ ورد عن السدي (في قولهتعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء . . . }([353]) الآية .

 قال : غضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوماً من الأيام فقام خطيباً ، فقال : سلوني فإنكم لا تسألوني عن شيء إلا أنبأتكم به ، فقام إليه رجل من قريش من بني سهم يقال له عبدالله بن حذافة – وكان يطعن فيه – فقال : يا رسول الله ، من أبي؟

قال : أبوك فلان ، فدعاه لأبيه ، فقام إليه عمر فقبل رجله ، وقال : يا رسول الله ، رضينا بالله رباً ، وبك نبياً ، وبالقرآن إماماً ، فاعف عنا عفا الله عنك ، فلم يزل به حتى رضي ، فيومئذ قال : الولد للفراش وللعاهر الحجر ، وأنزل عليه {قد سألها قوم من قبلكم}([354]))([355]).

الرابع : لام الإستحقاق وهي التي تقع بين اسم ذات واسم معنى كما في قوله تعالى [الْحَمْدُ لِلَّهِ]فالحمد اسم معنى ، واسم الجلالة اسم ذات .

الخامس : لام العاقبة وتسمى لام الصيرورة ولام الماّل ، وجاءت مكررة في قوله تعالى [لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ]([356]).

السادس : لام التبيين وتسمى البينة وهي التي تأتي بعد اسم الفعل مثل قوله تعالى [هَيْتَ لَكَ] ([357])وتتعلق اللام بفعل مقدر تقديره أعني .

السابع : تكون اللام بمعنى (إلى) لانتهاء الغاية كما في قوله تعالى [وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً] ([358]).

الثامن : لام التوكيد : وهي اللام الزائدة ، فهي لتوكيد الكلام ، وقد تقع بين الإرادة والأمر ، كما في قوله تعالى [وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ] ([359]) وكما في قوله تعالى [إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَار] ([360]) وغيرها من معاني اللام .

وقد (أحصى الخليل بن أحمد عدد اللامات، فبلغت إحدى و أربعين لاما؟ نعدها عدا و هي: لام القسم، لام جواب القسم، لام الأمر، لام جواب الأمر، لام الوعد، لام الوعيد، لام التوكيد، لام العماد، لام الجحد، لام كي، لام إن الخفيفة، لام الغاية، لام الترجي، لام التمني، لام التحذير، لام المدح، لام الذم، لام كما، لام المنقول، لام الجزاء، لام الشفاعة، لام الاستغاثة، لام الجرّ، لام الصفة، لام الأصل، لام المعرفة، لام التكثير، لام الابتداء، لام التفضيل، لام ليس، لام النفي، لام غير، لام التبرئة، لام الصلة، لام النهي، لام الدعاء، لام الاستحقاق، لام الإلحاق، لام الفصاحة) ([361]).

وتنقسم اللام من جهة العمل إلى قسمين :

الأول : اللام العاملة .

الثاني : اللام غير العاملة مثل لام الإبتداء ، واللام المزحلقة ، واللام الفارقة ، وهي الواقعة بعد (أن المخففة ) مثل [وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ] ([362]) ومنها اللام الواقعة في جواب القسم .

وتنقسم اللام العاملة إلى ثلاثة أقسام :

الأول : اللام العاملة للجر ، ومنها لام الجحود ، كما في قوله تعالى [وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ]([363]).

الثاني : اللام العاملة للنصب .

الثالث : اللام العاملة للجزم (اللام الموضوعة للطلب، وحركتها الكسر، وسُليم تفتحها، وإسكانا بعد الفاء والواو أكثر من تحريكها، نحو (ليستجيبوا لي وليؤمنوا بي)([364]).

وقد تسكن بعد ثمَّ نحو (ثمَّ ليقضوا) في قراءة الكوفييْن وقالون والبزي، وفي ذلك رد على من قال: إنه خاص بالشعر. ولا فرق في اقتضاء اللام الطلبية للجزم بين كونِ الطلب أمراً، نحو (ليُنفقْ ذو سعةٍ)([365]) أو دعاء نحو (ليقضِ علينا ربُّكَ) ([366]) ، أو التماساً كقولك لمن يساويك ليفعلْ فلانٌ كذا إذا لم ترد الاستعلاء عليه، وكذا لو أخرجت عن الطلب الى غيره، كالتي يراد بها وبمصحوبها الخبر نحو (مَن كانَ في الضّلالةِ فليمدُدْ لهُ الرّحمنُ مدّاً) ([367]) ، (اتّبعوا سبيلنا ولْنحملْ خطاياكم) ([368]) أي فيمد ونحمل، أو التهديد نحو (ومَن شاءَ فليكفرْ)وهذا هو معنى الأمر في (اعملوا ما شئتم))([369]).

ويمكن إنشاء اسم وتقسيم جديد لحرف اللام وفق مباحث علم الأصول وهو لام التكليف ، وإن وافق التقسيمات النحوية المتقدمة ، خاصة وأن العلماء أجهدوا أنفسهم في هذه التقسيمات ، وأكثروا من التوسعة والتفريع فيها ، ولام التكليف هنا إصطلاح شرعي يتعلق بالأوامر والنواهي ، وهي بلحاظ الأحكام التكليفية على أقسام :

الأول : لام الوجوب التي يستقرأ منها القطع والوجوب ومنه اللام في قوله تعالى [وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ] ([370]) ومنه قوله تعالى [لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ] ([371]).

الثاني : لام الإستحباب الذي يفيد ذكرها الندب للإستحباب مثل اللام في[لِتَبْتَغُوا] كما في قوله تعالى  [رَبُّكُمْ الَّذِي يُزْجِي لَكُمْ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ] ([372])، لتحضر صلاة العيد .

الثالث : لام الإباحة كما في قوله تعالى [وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ] ([373]) وقوله تعالى [اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ] ([374]). مثل: لألبس الثوب الجديد  .

الرابع : لام الكراهة مثل : لأصلي بثوب واحد .

الخامس : لام الحرمة كما في اللام في قوله تعالى [إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ] ([375]) ، ومنه قوله تعالى [وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ] ([376]) فهذا الجدال حرام وكذا قوله تعالى [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا]([377]).

السادس : لام الجزاء ، وهي التي تترتب على أداء التكاليف ، قال تعالى [وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ] ([378]).

ومنه في آية البحث حرف الجر اللام في قوله تعالى [وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] ولا بأس في كتابة رسالة دكتوراه عن اللام في القرآن وفق علم الأصول بعد بيان معناها النحوي ومنه استعراض لامات القرآن ، والمختار أن لام الوجوب هي أكثر لامات القرآن.

وما ورد في الآية السابقة [لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ] يفيد الوجوب .  


 

قانون بيان الميثاق مقدمة للإيمان

أختتمت آية السياق بالإخبار عن قبح فعل الذين يخفون الميثاق ، وأن هذا الإخفاء لا يعود عليهم إلا بالضرر ، ومن إعجاز الآية توجه فعل الذم (بئس) إلى الذين يشترون ويكسبون من إخفاء الميثاق والبشارات.

وهو من بديع الإحتجاج إذ توجه لهم اللوم بالبرهان الإني ، فيدل قليل يربحون على قبيح فعلهم ، وضلالتهم ومخالفتهم للأوامر الإلهية ، لذا جاء الأمر من الله عز وجل بوجوب بيان الميثاق .

أما خاتمة آية البحث فقد أكدت وجود عذاب أليم في الآخرة ، وأن هذا العذاب يشمل الذين يخفون الآيات وأفراد الميثاق الذي أخذه الله عز وجل على الناس ، إذ أن هذا الميثاق خير محض وهو سبيل صلاح وطريق الفوز باللبث الدائم في النعيم في الآخرة .

وهل يشتكي رهط وشطر من الناس يوم القيامة على الذين أخفوا الميثاق ، ولم يعلنوه ، ويقولون لو كان هؤلاء أعلنوا الميثاق لآمنا ، الجواب نعم.

ولكن حجتهم لا تقبل لوجود آيات كثيرة كانت تدعوهم في الدنيا إلى الإيمان وأداء الفرائض العبادية ، لذا كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حينما بعثه الله عز وجل لم يقف عند إظهار الذين أوتوا الكتاب الميثاق والبشارات به ، بل جاء بالمعجزات العقلية والحسية التي تدل على نبوته ، وتؤكد صدق بعثته من عند الله عز وجل .

وكل آية من القرآن معجزة عقلية ومنها عقلية حسية ، كما في الإسراء والمعراج ، قال تعالى [سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ]([379]).

وهل يعني هذا أن إظهار الذين أوتوا الكتاب الميثاق أمر زائد ، الجواب لا ، ففيه نفع خاص وعام ، نفع خاص للذين يعلنون الميثاق ، ونفع عام لهداية الناس ، ومنع رؤساء الكفر من تسيير الجيوش لقتال طائفة من سكانها خصوصاً اليهود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .

وهل كان من أسباب إختيار المدينة (يثرب ) رجاء إظهار الميثاق وما كانوا يعلنونه من البشارات بخصوص نبي آخر الزمان ، الجواب نعم ، وهو من أسباب دخول الأنصار في بيعة العقبة الإسلام ، فحينما دعاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الإسلام وتلا عليهم القرآن في العقبة في منى أيام موسم الحج في السنة الحادية عشرة للبعثة النبوية ، إذ كان يهود المدينة يبشرون بنبي آخر زمان ، ويتوعدونهم به إذا حدثت وقائع وخصومات ومعارك بينهم .

فحينما التقى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بوفد الخزرج يومئذ سألهم من أنتم .

قالوا : نفر من الخزرج .

وأراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يتأكد من محل سكناهم وانتمائهم وولائهم ، فقال أمن موالي يهود([380]).

قالوا نعم ، أي أن اليهود كانوا معهم ، وكانت بينهم مواثيق وعهود ، ويدل هذا السؤال على إقتراب الخزرج من أهل الكتاب ، وأنهم ليسوا من الذين أطبق عليهم الشرك وعبادة الأوثان .

فلم يقل لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أهل يثرب ، ولم يرجع بهم إلى نسبهم من اليمن ، بل عرّفهم بصيغة إيمان لتأكيد الحاجة لبيان أهل الكتاب الميثاق الذي أخذه الله عز وجل عليهم ، قال تعالى [وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ] ([381]).

فالخزرج والأوس من الناس الذين ذكرتهم الآية السابقة ، وهذا البيان تأكيد للإيمان الذاتي ، ومقدمة لإيمان الغير .

وكان عدد وفد الخزرج ستة نفر وقد تقدم ذكر أسمائهم ([382])  ليس فيهم من الأوس أحد ، خاصة وأن تبعات وبقايا حرب بُعاث لا زالت بينهم ومنها النفرة ، وخشية الغدر والوقيعة ، ولم يكن هؤلاء النفر أول من دعاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الإسلام من أهل يثرب ، فقد سبقهم أفراد إذ كان الأوس والخزرج يحجون البيت الحرام مع باقي قبائل العرب .

فمثلاً (كَانَ سُوِيدُ بْنُ الصّامِتِ مِنْ الْأَوْسِ قَدْ قَدِمَ مَكّةَ فَدَعَاهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ فَلَمْ يُبْعِدْ وَلَمْ يُجِبْ حَتّى قَدِمَ أَنَسُ بْنُ رَافِعٍ أَبُو الحيسر فِي فِتْيَةٍ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ يَطْلُبُونَ الْحِلْفَ فَدَعَاهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ إلَى الْإِسْلَامِ فَقَالَ إيَاسُ بْنُ مُعَاذٍ وَكَانَ شَابّا حَدَثًا : يَا قَوْمِ هَذَا وَاَللّهِ خَيْرٌ مِمّا جِئْنَا لَهُ فَضَرَبَهُ أَبُو الحيسر وَانْتَهَرَهُ فَسَكَتَ ثُمّ لَمْ يَتِمّ لَهُمْ الْحِلْفَ فَانْصَرَفُوا إلَى الْمَدِينَةِ) ([383]) .

فقال لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أفلا تجلسون أكلمكم.

قالوا : بلى .

لقد علموا أنه يريد أن يحدثهم عن أمر ذي شأن ، ويتعلق بهم ويخصهم ، لبيان أن تعريف النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهم بأنهم من موالي اليهود مقدمة لإستجابتهم بالإضاقة إلى الطلعة البهية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وحضور الوحي معه .

عند سؤاله لهم ودعوته ليكلمهم من الوحي ، وهو أنسب للإلتفات والتدبر في الأمر ، وإمكان الجدال والإحتجاج والسؤال فيه ، وفيه شاهد بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يخشى من السؤال وطلب البينة التي تدل على صدق نبوته .

فسأل الوفد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من أنت .

فجاء جوابه على قسمين :

الأول :  بيان الإنتساب ، وهل ذكر آباءه كلهم في هذا الإنتساب ، المختار لا ، إنما ذكره اسمه واسم ابيه واسم جده بما يكفي للتعريف ، وقد خطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوماً في المدينة بعد الهجرة وذكر أسماء آبائه مع عظيم المنزلة التي رزقهم الله عز وجل ، إذ ورد (عن أنس قال : خطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار .

 وما افترق الناس فرقتين إلا جعلني الله في خيرهما ، فأخرجت من بين أبوي فلم يصبني شيء من عهد الجاهلية ، وخرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم ، حتى انتهيت إلى أبي وأمي ، فأنا خيركم نفساً وخيركم أباً) ([384]).

الثاني : إخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم الخزرج بأنه نبي آخر الزمان ، فجلسوا معه ، وصاروا ينصتون إليه ، فدعاهم إلى التوحيد ، وعبادة الله وحده ، وعرض عليهم الإسلام ، ومنه الصلاة اليومية ، وأداء الحج ، ولم تكن الزكاة والصيام قد فرضا بعد ، إذ أنهما فرضا في السنة الثانية للهجرة.

ثم تلا عليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم آيات وسوراً من القرآن ، وكانت السور المكية تتصف بالقصر ولغة الإنذار والوعيد ، وهي سهلة الحفظ ، لتكون الهدية والتحفة التي ينقلها هذا الوفد إلى المدينة يثرب .

 كما كان أفراد القبائل وأهل مكة ينقلونها إلى الناس ، فحينما قالت الآية السابقة للذين أوتوا الكتاب [لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ] وقصرّت طائفة في البيان قام الناس من مسلمين وغيرهم بجانب من البيان بنقل سور وآيات القرآن إلى عامة الناس .

لقد تلقى هؤلاء النفر ما ذكر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لهؤلاء النفر بالقبول ، واستصحبوا ما كان اليهود يتحدثون به عن نبي آخر زمان ، فاطمأنت قلوبهم ، وصاروا يصغون بانتباه وتلهف لما يقوله النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وتأملوا شمائل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأحواله فقال بعضهم لبعض (تَعْلَمُونَ وَاَللّهِ يَا قَوْمِ أَنّ هَذَا الّذِي تَوَعّدَكُمْ بِهِ يَهُودُ فَلَا يَسْبِقُنّكُمْ إلَيْهِ) ([385]).

ولم يكن وفد الخزرج هو أول وفد يحدثهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بل كان يجدد الإتصال مع وفود الحاج على مداخل مكة وفي منى لتحذر الناس من اللقاء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإستماع له .

ويدل هذا اللقاء على وجود ساعة غفلة عند قريش ، يتصل بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأفراد من وفد الحاج ، وهو من فضل الله تعالى ، ومن مقدمات بعثته التي تفضل الله عز وجل بها جعل اشهر الحج حُرُماً ، قال تعالى [إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ]([386])، وسيأتي قانون (الأشهر الحرم مقدمة لبعثة النبي محمد) (قانون الأشهر الحرم شاهد على استغناء النبي(ص) عن الغزو).

يدخلون مكة للعمرة أو التجارة أو زيارة الأرحام كوسيلة لترغيبهم بالإسلام وإخبارهم بما هو حق وصدق ، وكذا يبينه لوفود القبائل التي تأتي للحج إذ يعرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم نفسه عليهم ، ومنهم :

الأول : بَنُو عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَة .

الثاني : َمُحَارِبُ بْنُ حصفة .

الثالث: َفَزَارَةُ .

الرابع : َغَسّانُ .

الخامس : َمُرّةُ .

السادس : َحَنِيفَةُ .

السابع : َسُلَيْمٌ .

الثامن : َعَبْسُ .

التاسع : َبَنُو النّضْر ِ.

العاشر : َبَنُو الْبَكّاءِ .

الحادي عشر : َكِنْدَةُ .

الثاني عشر : َكَلْبٌ .

الثالث عشر : َالْحَارِثُ بْنُ كَعْبٍ .

الرابع عشر : َعُذْرَةُ  .

الخامس عشر : َالْحَضَارِمَةُ .

فَلَمْ يَسْتَجِبْ مِنْهُمْ أَحَدٌ) ([387]).

وكان هؤلاء النفر من وجهاء أهل يثرب ، فأخبروا النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بأنهم يرجعون إلى قومهم ويذكرون لهم دعوته للإسلام ، وبعثته ونبوته ، وأنهم يرجون الإستجابة منهم ، كما أخبروه بوجود خصومة بين الأوس والخزرج ، ومن الآيات إدراكهم لقانون وهو وقوع الصلح بينهم بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو الذي حصل .

وزاد الله عز وجل عليهم من فضله بما يفوق التصور الذهني ، فلا يعلم هؤلاء الوفد بأن القرآن سيخلدهم في الدنيا والآخرة بلغة الثناء والمدح .

وهل كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يعلم هذا الخلود يوم التقى بهم لعمومات قوله تعالى [وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ] ([388]) وقوله تعالى [لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ]([389]).

المختار أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعلم إجمالاً المنزلة الرفيعة التي ينالها السابقون للتصديق برسالته ، وكان يبين هذا الأمر لقريش ، ويذكر منزلتهم في الجنة ، ومنه حديث عبادة بن الصامت أدناه ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا]([390]) ومن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم شيوع الإسلام في المدينة بعد عودة هؤلاء النفر الستة إليها من جهات :

الأولى : عدم دبيب الشك إلى نفوس هؤلاء النفر بعد مفارقتهم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو بعد مغادرتهم مكة .

الثانية : إعراض هذا الوفد عن إفتراء قريش على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والقرآن ، لبيان قانون وهو إنجذاب الذين يلتقون مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الهدى والإيمان .

الثالثة :  نشر خبر لقاء الوفد مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بلغة التصديق بنبوته .

الرابعة : تلاوة آيات القرآن في منتديات ومجالس وأسواق المدينة.

الخامسة : عدم صدور الشكوك والإفتراء من يهود المدينة ، بخلاف ما كانت قريش تقوم به .

السادسة : تلقي شطر من أهل المدينة الدعوة إلى الإسلام بالرضا والقبول .

السابعة : دخول آيات القرآن وأخبار نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى كل بيت من بيوت المدينة .

وفي السنة التالية في موسم الحج في السنة الثانية عشرة للبعثة النبوية الشريفة قدم وفد من الأوس والخزرج وعددهم اثنا عشر رجلاً ، وقد تقدم ذكر أسمائهم([391]).

وقال عبادة بن الصامت فيما بعد (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وآله على بيعة النساء، وذلك قبل أن تفرض الحرب: على أن لا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتى ببهتان نفترينه من بين ايدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف، فان وفيتم فلكم الجنة وان غشيتم من ذلك شيئا فأمركم إلى الله عز وجل، ان شاء عذب وان شاء غفر) ([392])([393]).

النسبة بين أهل الكتاب والذين أوتوا الكتاب

قد يتبادر إلى الذهن أن النسبة بينهما هي التساوي ، والقصد من كل من الاسمين ذات المصداق والمسمى ، ولكن من إعجاز القرآن وجود فرق على نحو الموجبة الجزئية بين الاسمين .

وورد أحد الاسمين دون الآخر من جهات :

الأولى : موضوع الآية الكريمة التي يرد فيها هذا الاسم .

الثانية : دلالة الاسم .

الثالثة : صلة الآية بالآيات المجاورة ، وغالباً ما يأتي لفظ [أُوتُوا الْكِتَابَ] للإنذار .

والمختار أن النسبة بينهما العموم والخصوص المطلق ، وأن الذين أوتوا الكتاب أعم زماناً وكتاباً ، قال تعالى [وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنْ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا] ([394]) .

ويدل عليه بيان القرآن لطول الأمد ، قال تعالى [أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ] ([395]) أي طول المدة وإنشغالهم بالملذات واقبالهم على الدنيا ، وطول الفترة بين البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبين تحقيق المصداق ببعثته صلى الله عليه وآله وسلم إذ كانت فترة خالية من الرسل بين عيسى عليه السلام والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نحو ستمائة سنة .

والنسبة بين لفظ (أتى ) ولفظ (جاء )العموم والخصوص المطلق ، إذ يدل الإتيان على تحقق الوقوع والتلقي والإستسلام ، أما جاء فانه إخبار عن الوصول كما في قوله تعالى [إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمْ الْفَتْحُ] ([396]) وقد يرد أحدهما محل الآخر .      

قانون إقامة الصلاة في كل دقيقة

من الإعجاز في أوقات الصلاة ارتباطها بالآيات الكونية كطلوع الفجر ، وزوال الشمس وأوان الغروب ، فلا تمر دقيقة على الأرض إلا ويكون هناك :

الأول : من يرفع الأذان لحلول وقته .

الثاني : من يقيم للصلاة .

الثالث : من يصلي صلاة الصبح لطلوع الفجر.

الرابع : من يصلي صلاة الظهر لحلول الزوال في بلدته أو قريته في ذات الوقت الذي يصلي فيه شخص وجماعة آخرون صلاة الصبح .

الخامس : من يصلي صلاة العصر .

السادس : من يصلي صلاة المغرب .

السابع : من يصلي صلاة العشاء .

وكل فرد من الوجوه أعلاه تكون الصلاة القائمة في تلك الدقيقة جماعة أو فرادى.

وهو من الإعجاز في دوران الأرض وسير الشمس والقمر ، والتباين في الأوقات ، وآنات الليل والنهار بين بقاع الأرض  بتسخيرها للعبادة والذكر إلى جانب النفع العام منها ، وكذا بالنسبة لإقامة الصلاة في البحار بواسطة البحارة ، وفي الجو في الطائرات ونحوها .

وسيأتي يوم قريب تؤدى الصلاة في الفضاء والكواكب السماوية الأخرى ، وهل هذه الصلاة من خلافة الإنسان في الأرض ، الجواب منها ومما علم الله عز وجل الإنسان من العلوم وما زاد عليه من فضله وإحسانه ، ففي كل دقيقة من دقائق الليل والنهار هناك من يؤدي الصلاة في جهة وبقعة من الأرض ، وهو من أسرار وتقسيم الصلاة على الفرائض الخمسة ، وجعل وقت مخصوص لكل صلاة ، وهل هذه الصلاة وكيفيتها الزمانية من الميثاق الذي أخذه الله عز وجل على الناس ، الجواب نعم .

وإن لم يأت بلفظ الميثاق ، فيتوجه إلى المسلمين في مشارق ومغارب الأرض قوله تعالى [وَأَقِمْ الصَّلاَةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ] ([397]) لبيان أن تعيين أوقات الصلاة من الميثاق الذي أخذه الله عز وجل على المسلمين ، ومن قبل أخذ الله عز وجل ميثاق الصلاة على أهل الكتاب , قال تعالى [وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ] ([398])  فجاء الوحي في أول الآية بصيغة التثنية بينما ورد الأمر بالصلاة بصيغة الجمع [أَقِيمُوا].

ومن الميثاق أمر الأنبياء لأهليهم باقامة الصلاة ، قال تعالى [وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا]([399])، ثم تضمن القرآن الذم والتبكيت لذرية الأنبياء والمؤمنين التي تركت الصلاة ، قال تعالى [فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا]([400])، ويدل قوله تعالى [وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا]([401])، على شمول ذرية غير الأنبياء من المؤمنين والصالحين في الآية الأخيرة.

وكذا بالنسبة للنصارى ، كما ورد حكاية عن عيسى عليه السلام في التنزيل [وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنت وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلاَمُ عَلَيَّيَ وْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا]([402]) .

لبيان تعدد الميثاق ، وأن من ميثاق عيسى عليه السلام البر بوالدته ،وهو من إعجاز القرآن إذ ورد بالبر بالوالدين ، فبينت الآية خصوص البر بالوالدة لأن عيسى ليس له أب .

وهل تتضمن الآية الإشارة في هذا الزمان وما بعده إلى الإستنساخ البشري ، ونشوء الجنين من غير أب ، الأقرب نعم ، لبيان وجوب عدم خروجه عن الضوابط الشرعية .

لقد أراد الله عز وجل من إقامة أهل الأرض الصلاة في كل دقيقة تمر عليها علة لإستدامة الحياة ، وتوالي نزول الرزق على الناس ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ([403]فلابد أن تكون هناك عبادة لله في الأرض ، لبيان قانون وهو أن قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]([404]).

أي وما أرسلناك إلا ليصلي المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها فتستديم الحياة ، إذ تكون هذه الصلاة رحمة بالعالمين ، لذا نزل القرآن بالتأكيد على الصلاة ووجوبها في تثبيت الصلاة وتعليم المسلمين كيفية أدائها.

ومن أهم صيغ التعليم هذا أداء النبي صلى الله عليه وآله وسلم الصلاة خمس مرات جماعة ، ولم يوكل إمامة الصلاة إلى أهل البيت والصحابة .

وعن أبي حازم أنه كان يرى سهل بن سعد (يقدم فتيانا من فتيان قومه فيصلون به ، فقلت : أنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولك من الفضل والسابقة تقدم هؤلاء الصبيان ، فيصلون بك أفلا تتقدم وتصلي لقومك .

فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، قال :  إن الإمام ضامن ، فإن أتم كان له ولهم ، وإن نقص كان عليه ولا عليهم ، فلا أريد أن أتحمل ذلك) ([405]).

والضمان هنا بمعنى التعاهد وحفظ أمانة الأداء ، وإتقان الصلاة ، وكفالة بعض أجزاء الصلاة مثل التلاوة ، إذ تجب على الإمام ولا تجب على المأموم .

ومن الإعجاز في الأذان أنه مقدمة للصلاة ، ودعوة للإنقطاع فيها إلى الله عز وجل ، والتخلي عن الدنيا وزينتها ، وهو لواء سلام يجهر به ، فبدل أن يرفع المسلم هذا اللواء يعلن بالأذان أنه ضد الإرهاب ، وأنه يمتنع عن ترويع الناس ، إنما يدعوهم بالأذان إلى الإطمئنان له ، والإلتجاء إلى الذكر .

وهل الأذان من الميثاق الذي تذكره الآية السابقة ، الجواب إنه من الميثاق بمعناه الأعم ، وذات الأذان ميثاق وعهد ، وقد ورد عن النبي ما فيه ثناء على المؤذن  إذ قال عليه السلام (الإمام ضامن ، والمؤذن مؤتمن ، اللهم أرشد الأئمة ، واغفر للمؤذنين) ([406]).

ومن خصائص كل من الأذان والصلاة وجوه :

الأول : التذكير بالميثاق .

الثانية : وجوب العمل بالميثاق .

الثالث : ذات الصلاة امتثال للميثاق ، وهل الأذان كذلك ، الجواب نعم .

وهل تنطبق القاعدة الأصولية وجوب المقدمة لوجوب ذيها على رفع الأذان قبل عند حلول وقت الصلاة ، كأذان الظهر ، الجواب لا ، إنما وردت النصوص بخصوصه وهو مستحب ، نعم من مصاديق القاعدة أعلاه وجوب الوضوء لقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ] ([407]).           

أقسام ميثاق النبوة

من وظائف الأنبياء أمور :

الأول : تلقي الميثاق بالقبول والرضا .

الثاني : إظهار الميثاق ، وتكرار إعلانه .

الثالث : بيان بنود وتفاصيل الميثاق للناس .

الرابع : تأديب الأنصار والأتباع على العمل بالميثاق .

الخامس : تلقي الأذى في سبيل الله بصبر، وفيه الثواب العظيم ، قال تعالى [فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ] ([408]) ، ويأتي الثواب على كل من :

الأول : تحمل أعباء الميثاق .

الثاني : الصبر على الأذى في سبيل الله .

وهل كانت معارك الإسلام الدفاعية في بدر وأحد والخندق وحنين من الأذى في سبيل الله ، الجواب نعم ، لذا كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا يبدأ قتالاً ، ولا يرضى لأصحابه الإبتداء بالقتال أو الرمي ، إنما كان ينادي بين الصفين (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا).

ترى هل يدرك الفلاح الذي ذكرتهم آية البحث بصيغة الذم وكيف يدركهم ، الجواب نعم بالتوبة ، وكشف بشارات الأنبياء برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والتدبر باعجاز القرآن ، وفعل الواجب وترك الحرام .

وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (ما من إنسان يتوب إلى الله عز وجل قبل أن تغرغر نفسه في شدقه إلا قبل الله توبته) ([409]).

وهل يختص الأجر والثواب على تحمل الميثاق والصبر عليه ، والعمل بمضامينه في عالم الآخرة ، الجواب لا ، إنما يشمل الأجر والثواب وتوالي النعم ، والوجاهة والعز في الدنيا .

لقد أخبرت آية البحث عن عدم نجاة الذين كفروا وجحدوا من العذاب في الدنيا والآخرة ، فمن باب الأولوية مسارعة الثواب للمؤمنين حملة الميثاق ، ويكون إخلاصهم وتقواهم سبباً لتوبة أهل آية البحث .

 وهو دعوة لأصحاب الأنبياء واتباعهم بالثبات على الميثاق ، والإجهار به ، إلا أن يكون هذا الإجهار معارضاً بأحكام التقية من الذين كفروا .

السادس : تجلي الميثاق في قول وعمل النبي والرسول ، وتأتي المعجزة لتعضد الميثاق ، وتدعو الناس للتمسك به .

السابع : تبليغ الأنبياء الناس بالميثاق ، وحب الله عز وجل لمن يعمل بالميثاق .

من نعم الله عز وجل على أهل الأرض فضله بالنبوة  ، ونزول الوحي على مائة وأربعة وعشرين ألف نبي ورسول ، وهذا الفضل متجدد شاء الله عز وجل أن يبقيه مستديماً وتوليدياً برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو من أسرار نزول القرآن بالشهادة من عند الله بالنبوة والتنزيل ، وتفضل الله عز وجل وذكر قصص خمسة وعشرين نبياً .

وكل قصة تتضمن الدلالة على الميثاق من جهات :

الأولى : الميثاق بين الله والأنبياء ، وفي التنزيل [وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ]([410])  .

الثانية : الميثاق بين الله والناس بواسطة الأنبياء ، قال تعالى [أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لاَ يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ] ([411]) .

الثالثة : الميثاق بين الأنبياء وبين أتباعهم لذا جاءت صفة (أهل الكتاب ) وللميثاق موضوعية فيها .

الرابعة : الميثاق والمعاهدة بين النبي وأهل الكتاب كما في معاهدات النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع يهود المدينة

الخامس: الميثاق والعهد بين اتباع الأنبياء وهو على قسمين :

الأول : الميثاق بين أهل الملة الواحدة كاليهود والنصارى والمسلمين .

الثاني : الميثاق بين أهل الملل المتعددة .

لذا جاء القرآن بالتأكيد على حفظ المواثيق والعهود .

الخامسة : العهد والميثاق بين النبي والمشركين ، وتجلى في السنة القولية والفعلية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من وجوه :

الأول : صبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أذى المشركين في مكة قبل الهجرة .

الثاني : موادعة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الطوائف وقبائل من المشركين حول المدينة .

وفي كتيبة ودان (قال ابن إسحق فوادعته فيها بنو ضمرة وكان الذى وادعه منهم عليهم مخشى بن عمرو الضمرى وكان سيدهم في زمانه ذلك ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة ولم يلق كيدا) ([412]).

ولا دليل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أراد الغزو في خروجه في كتيبة ودان هذه والتي تسمى أيضاً الأبواء .

الثالث : معاهدة وصلح النبي مع عامة الناس ، وقد أجرى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الصلح مع المشركين في الحديبية ، ووصفه الله عز وجل بأنه فتح ، إذ قال تعالى [إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا* لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا* وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا] ([413]).

ومن الدلائل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقصد قريشاً في كتيبة ودان ، إلا عند توجهه إلى مكة لفتحها بعد أن نقض المشركون ميثاق صلح الحديبية ، بينما كانت كتيبة ودان في شهر صفر من السنة الثانية للهجرة ، أي قبل معركة بدر بسبعة شهور ، وكانت الغاية منها على وجوه :

الأول : الدعوة إلى الله عز وجل.

الثاني : استكشاف ما حول المدينة من الطرق .

الثالث : تنبيه وإنذار القبائل المحيطة بالمدينة من إعانة قريش ، إذا قاموا بالهجوم على المدينة ، وغزوها .

الرابع : إقامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الصلاة على أفواه ومداخل القرى ، وفيه مسائل :

الأولى : بيان صبغة السلم التي جاء بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

الثانية : عرض الإسلام وأحكامه ، لتكون كتائب النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مصاديق قوله تعالى [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ]([414]).

الثالثة : ترغيب الناس بأداء الفرائض .

الرابعة : إنصات الناس لقراءة القرآن وسماعهم للأذان وما تدل عليه فصوله ، وابتداؤها بتكرار التكبير ثم الشهادة بالتوحيد ثم التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، لبيان قانون الأذان شاهد على السلم والأمن .

وهل من صلة بين تكرار كل فصل من فصول الأذان وبين تكرار [لاَ تَحْسَبَنَّ] في آية البحث ، الجواب نعم ، إذ يطرد كل منهما وتكراره الغفلة والجهالة عن الناس .

الخامسة : تقريب الناس إلى منازل الإيمان ، ومن منافع هذا التقريب بعثهم على الإعراض والعزوف عن نصرة مشركي قريش ، وهو الذي تجلى في تعاقب الأحداث ، وخارطة المعارك بينهم وبين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .

آيات معركة الأحزاب

بعد أن قام المشركون بالهجوم والإصرار على القتال في معركة بدر في شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة ، وبعد أن غزا المدينة ثلاثة آلاف من المشركين في شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة ووقعت معركة أحد عند مشارفها ، وبعد أن قام عشرة آلاف من المشركين بغزو المدينة في شهر شوال من السنة الخامسة للهجرة في معركة الأحزاب ، وتسمى أيضاً معركة الخندق ، تلك المعركة التي سمّاها الله عز وجل الأحزاب ، وبيان أن المشركين هم الغزاة، وأن المسلمين كانوا في حصار وخوف لولا فضل الله في آيات عديدة من القرآن ، ومع هذا يسميها المفسرون والعلماء بأنها غزوة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وتبين آيات معركة الأحزاب أن المشركين هم الغزاة ، ومن هذه الآيات :

الأولى: قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا] ([415]).

الثانية: قوله تعالى [إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ]([416]).

الثالثة : قوله تعالى [هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا]([417]).

الرابعة : قوله تعالى [وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا]([418]).

الخامسة : قوله تعالى [وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا]([419]).

السادسة : قوله تعالى [وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلاَّ يَسِيرًا]([420]).

السابعة : قوله تعالى [وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولاً] ([421]).

الثامنة : قوله تعالى [قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمْ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنْ الْمَوْتِ أَوْ الْقَتْلِ وَإِذًا لاَ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً]([422]).

التاسعة : قوله تعالى [قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنْ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا]([423]).

العاشرة : قوله تعالى [قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلاَ يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً]([424]).

الحادية عشرة : قوله تعالى [أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا]([425]).

الثانية عشرة : قوله تعالى [يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلاَّ قَلِيلاً]([426]).

الثالثة عشرة : قوله تعالى [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا]([427]).

الرابعة عشرة : قوله تعالى [وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا]([428]).

الخامسة عشرة : قوله تعالى [مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً]([429]).

السادسة عشرة : قوله تعالى [لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا]([430]).

السابعة عشرة : قوله تعالى [وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا]([431]).

قريش والميثاق

لقد كانت قريش أهل تجارة يرحلون إلى الشام حيث النصارى ،وإلى اليمن حيث المجوس ، وإلى يثرب حيث اليهود من بين سكان تلك الأمصار ، وقد وثّق القرآن هذه الرحلات بسورة مكية كاملة ، قال تعالى [لِإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ* فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ] ([432]).

ومن إعجاز هذه السورة أنها وثيقة سماوية تأريخية تبين منزلة وشأن قريش بين الأمم ، وأنهم على معرفة بأحوال الناس والملل السائدة ، ويعلمون شيوع عقيدة التوحيد والنبوة ، ويتفرع عن هذا الشيوع حديث أهل العلم والسياسة عن نبوة آخر زمان ، وحلول أوانها وتجلي علاماتها .

 ومع هذا فان قريشاً تعكف على عبادة الأوثان ، وتجد هذا التباين في أغلب الأزمنة ، لذا نزل القرآن بذم المشركين لإصرارهم على الإقامة على ما كان عليه آباؤهم من عبادة الأوثان ، والإعراض عن الرسالة السماوية ، كما ورد في التنزيل [بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ *وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ]([433]).

ولم تقف قريش عند الكفر بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بل جهزوا الجيوش لمحاربته وقتاله ، ولم ينفعهم إختلاطهم مع النصارى واليهود ، ولم يتدبروا في معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ولم يستحضر وقد ورد في التوراة البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأوصافه التي تذكرمن قبل أهل الكتاب .

(42: 1 هو ذا عبدي الذي اعضده مختاري الذي سرت به نفسي وضعت روحي عليه فيخرج الحق للامم

42: 2 لا يصيح و لا يرفع و لا يسمع في الشارع صوته

42: 3 قصبة مرضوضة لا يقصف و فتيلة خامدة لا يطفئ الى الامان يخرج الحق

42: 4 لا يكل و لا ينكسر حتى يضع الحق في الارض و تنتظر الجزائر شريعته

42: 5 هكذا يقول الله الرب خالق السماوات و ناشرها باسط الارض و نتائجها معطي الشعب عليها نسمة و الساكنين فيها روحا

42: 6 انا الرب قد دعوتك بالبر فامسك بيدك و احفظك و اجعلك عهدا للشعب و نورا للامم

42: 7 لتفتح عيون العمي لتخرج من الحبس الماسورين من بيت السجن الجالسين في الظلمة

42: 8 انا الرب هذا اسمي و مجدي لا اعطيه لاخر و لا تسبيحي للمنحوتات).

ومعنى (لا اعطيه لاخر) بيان بأن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاتم النبيين ، وفيه إنذار للمشركين لأن المراد من المنحوتات الأصنام .

ولا يرفع النبي صلى الله عليه وآله وسلم صوته ، وفيه بيان لحسن خلق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو مصداق لقوله تعالى [وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ]([434])، وفيه إشارة إلى رحمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمساكين والضعفاء ، وكان يقرب المؤمن وان كان فقيراً ، وفيه شاهد على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يغز أحداً .

وفي سفر صفنيا (3: 9 لاني حينئذ احول الشعوب الى شفة نقية ليدعوا كلهم باسم الرب ليعبدوه بكتف واحدة) ([435]).

 لبيان تعاهد المسلمين لسنن التوحيد إلى يوم القيامة.  

 وللبيان والإنصاف أن رهطاً من قريش دخلوا الإسلام وصدّقوا بمعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لذا حينما برز ثلاثة من رجالات قريش للمناجزة بين الصفين يوم بدر وهم عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة وابنه الوليد بن عتبة ، وبرز لهم ثلاثة من شباب الأنصار ، لم يرضوا بهم ، وقالوا (مَا لَنَا بِكُمْ مِنْ حَاجَةٍ . ثُمّ نَادَى مُنَادِيهِمْ يَا مُحَمّدُ أَخْرِجْ إلَيْنَا أَكْفَاءَنَا مِنْ قَوْمِنَا)([436]) .

وفي رواية : أكفاءنا من بني عمنا .

وفي رواية (وقالوا: يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قريش، فتطاولت الانصار لمبارزتهم، فدفعهم النبي صلى الله عليه وآله ،وأمر علياً وحمزة وعبيدة بالمبارزة) ([437]).

ليجتمع على الكفار أسباب سرعة الهلاك من جهات :

الأولى : الكفر والإجهار به .

الثانية : الجحود برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .

الثالثة : تجهيز الجيوش والزحف لمحاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع إنتفاء السبب لهذا الزحف ، إذ جعلوا نبأ تعرض النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لقافلة أبي سفيان سبباً للنفير والخروج من مكة.

ولكن أبا سفيان أرسل لهم رسولاً آخر يخبرهم بسلامة القافلة وتوجهها نحو مكة ، وطلب منهم أن يرجعوا لإنتفاء سبب الخروج ، ولكن بعض قادتهم أصروا على التوجه نحو ماء بدر .

الرابعة : المناجزة والبروز والتبختر بين الصفين ، وأشهار السيوف وطلب المبارزة ، ولم تكن سيوف رجالات قريش صدئة أو بالية ، بل كانوا يختارون أحدّ السيوف وأمتن الدروع ، وأسمك الخوذ ، وصحيح أن مدة النفير إلى معركة بدر كانت ثلاثة أيام وهي مدة قليلة إلا أنها كافية لاعدادهم الأسلحة .

وكان الحدادون ينشطون في تلك الأيام ، وهل يؤثم هؤلاء الذين أصلحوا سيوف ودروع قريش لمحاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، الجواب نعم ، لأنه من الإعانة على الإثم ، وهو حرب على الله ورسوله .

ولو كان الحداد مسلماً ويخفي اسلامه بين مشركي قريش فهل يؤثم أيضاً ، الجواب نعم ، لوحدة الموضوع في تنقيح المناط ، ، قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا] ([438]).

وتبين الآية أعلاه مصداقاً للملكية المطلقة لله عز وجل للأرض والسماء ، بأنه لو أراد أحدهم الهجرة يسر الله له السبيل.

فان قلت قد قامت قريش بحبس نفر من الصحابة أرادوا الهجرة وتعذيبهم وفرض الإقامة الجبرية على بعضهم مثل الوليد بن الوليد ، وعياش بن ربيعة ، وهشام بن العاص .

والجواب هؤلاء الصحابة لم يساعدوا قريشاً في هجومهم وقتالهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بل كان عبئاً ثقيلاً على قريش ، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدعو لهم على نحو خاص ويدعو لعامة المؤمنين المستضعفين بالنجاة ، كما قام بارسال بعض الصحابة لإنقاذهم .

(فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم خبر بئر معزنة، جاء معها من ليلةٍ واحدةٍ مصابهم ومصاب مرثد بن أبي مرثد، وبعث محمد بن مسلمة .

فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم يقول: هذا عمل أبي براء، قد كنت لهذا كارهاً. ودعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم على قتلتهم بعد الركعة من الصبح، في صبح تلك الليلة التي جاءه الخبر .

فلما قال: سمع الله لمن حمده!

 قال: اللهم اشدد وطأتك على مضرا .

اللهم عليك ببني لحيان وزعبٍ ورعل وذكوان وعصية، فإنهم عصوا الله ورسوله .

اللهم عليك ببني لحيان وعضل والقارة، اللهم، أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن ابن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين .

غفارٌ غفر الله لها، وأسلم سالمها الله! ثم سجد.

فقال ذلك خمس عشرة، ويقال أربعين يوماً، حتى نزلت هذه الآية [لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ]([439])) ([440]).

قانون الهجرة تثبيت للفرائض العبادية

لقد جاء الحضّ على الهجرة من وجوه :

الأول : الإقتداء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في هجرته ، وهو من عمومات قوله تعالى [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا]([441]).

الثاني : الترغيب بالهجرة لحسن إيواء واستضافة الأنصار للمهاجرين .

الثالث : ملاقاة المسلم والمسلمة المشقة في أداء الصلاة والفرائض العبادية الأخرى في مكة ، والسعة والمندوحة في أدائها في المدينة.

لقد كان المسلمون في مكة يؤدون الصلاة قبل هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبعدها أما بالنسبة لفريضة الصيام فانها فرضت في السنة الثانية للهجرة في المدينة ، هل يلزم الصيام المسلمين الذين في مكة والذي لم يهاجروا بعد سواء من أهل مكة أو غيرها من المدن أو القرى ،  الجواب نعم .

 وهو من الإعجاز في إبتداء آيات الصيام بنداء الإيمان [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ]([442])، إذ يدل هذا النداء على إرادة عموم المسلمين والمسلمات .

ولو صام المسلمون في مكة فقد يجدون مشقة وأذى من الكفار بينما يصوم المهاجرون والأنصار في المدينة بغبطة ورضا ، لبيان قانون منافع الهجرة ، وفيه شاهد على حاجة النبي وأهل بيته وأصحابه وأجيال المسلمين للهجرة النبوية المباركة .

الرابع : الفوز بالثواب العظيم عند إختيار الهجرة ، ونزول آيات القرآن التي تبعث على الهجرة والصبر عليها ، قال تعالى [لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ]([443]).

قانون إزاحة عوائق الهجرة

لقد تفضل الله في إزاحة العوائق عن الهجرة ، وقد بذل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم جهوداً مضنية لإعانة أصحابه على الهجرة ، ومن الآيات أن الأنصار لم يظهروا كدورة أو ضيقاً من كثرة توافد المهاجرين إلى المدينة مع قلة الموارد فيها ، وكان أكثر المهاجرين شبه عاطلين إذ أنهم لا يحسنون العمل بالفلاحة ، بينما يعتمد أهل المدينة على الزراعة ويقومون بالحرث والسقي والعناية بالنخيل .

 وإلى هذا الزمان ينفرد أناس قلائل بالصعود إلى النخيل وتلقيحها ثم جني الرطب والتمر منها ، ويكون الذي يصعد النخيل حاذقاً حذراً ، ومعه حبل غليظ يجمع بينه وبين جذع النخلة ليصعد عليه النخل ، ويسمى الكَرّ -بفتح الكاف- والجمع كرُور.

و(الكَرُّ: الحبل الغليظ، وهو أيضاً حبل يصعد به على النخل، قال أبو الوازع :

فإن يك حاذقاً بالكَرِّ يغنم … بيانع معوها أثر الرقي)([444]).

ويسمى هذا الحبل الحلفة ويسمى المصعاد .

قال الصاحب بن عباد (والمِصْعَادُ: الكُر يُصْعَدُ به النخْلُ)([445]).

فالتجأ أكثر المهاجرين العزاب إلى الصفّة وهي ظلة من جريد النخل ، أمر بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بجوار المسجد من جهة الركن الشمالي الشرقي ، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتفقد أهل الصفة ، ويجالسهم ، ويجيب على اسئلتهم ويأتي لهم بما يكون عنده من الطعام ، كما يقوم عدد من الأنصار بأخذ جماعة منهم إلى بيوتهم للغذاء أو العشاء ، ويأتون بأقناء الرطب فتعلق بالمسجد النبوي ليأكلوا منها ، ورغّب الله عز وجل باكرامهم واطعامهم ، قال تعالى [لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ]([446])،

ومن الإعجاز في بناء هذه الظلّة أمور :

الأول : حضور المهاجرين الصلوات الخمس مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم .

الثاني : توجه أهل الصّفة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم  بالسؤال ، وتفقهم في الدين .

الرابع: تعلم أهل الصّفة تعليم بعضهم بعضاَ ، والتعليم عند الأنصار .

الخامس :واستعداد أهل الصفّة للخروج للدفاع ، في الحال عند سماع نبأ قيام المشركين بغزو المدينة فلا يلزم الذهاب إلى بيوتهم وما يستغرق الذهاب والنداء والمجئ من وقت  .

وهل مؤاخاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين المهاجرين والأنصار بعد وصوله إلى المدينة من أسباب إزاحة العوائق عن الهجرة ، الجواب نعم ، لما فيه من الترغيب بالهجرة من داخل المدينة ، ومحل المأوى ، فلا يشيع الذين كفروا زوراً بأن المهاجرين في حال بؤس وفقر وجوع في المدينة .

ومع إزدياد أعداد المهاجرين إلى المدينة ، وضيق  أزقتها بهم فان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يلجأ إلى افتعال المعارك والحروب والإستيلاء على الغنائم ، إنما كان سلاحه أداء الصلاة خمس مرات في اليوم ، والحرص على تفقه أصحابه في الدين ، والتسليم بإن الله هو [الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ] ([447]) .

ومن الإعجاز أن الكلمات أعلاه آية مستقلة فهي قانون من الإرادة التكوينية ، ولم يرد اسم [الْمَتِينُ] في القرآن إلا في الآية أعلاه .

إعجاز الآية الذاتي

مع قلة كلمات آية البحث فقد وردت فيها واو الجماعة خمس مرات ، واسم موصول ، والضمير (هم) ، وهل كلها لطائفة واحدة من الناس تتصف بالفرح بما فعلوا خلاف الحق ، وحبهم للثناء عليهم من غير استحقاق ، أم يشترك معهم من يتصف ببعض هذه الصفات المذمومة .

المختار هو الثاني ، وهو من إحاطة كلمات القرآن المحدودة باللا محدود من الوقائع والأحداث .

تبين الآية قانوناً وهو حب الإنسان لأن يثنى عليه ، وهل هو من مصاديق قوله تعالى [وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ]([448])، المختار نعم ، فأراد الله عز وجل للناس أن يتلقوا الثناء على الفعل الحسن ، والذي يكون الأجر والثواب عليه أعظم من الثناء في الدنيا ، كما أنه واقية من النار لذا جاء قبل ثلاث آيات قوله تعالى [فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ]([449]).

وردت في آية البحث كلمات لم ترد في غيرها من آيات القرآن، وهي :

الأولى : أتوا .

الثانية : يحمدوا .

الثالثة : تحسبنهم .

الرابعة : مفازة .

لقد أكرم الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بأن يخاطه في موضوع وحكم موجع للناس جميعاً ، وفي أمور الدين الدنيا ، مع نجاة المؤمنين من صبغة الذم فيها.

فمن إعجاز آية البحث بيانها لبعض خصال الكافرين والمنافقين .

ويمكن تسمية آية البحث آية (بمفازة).


 

إعجاز الآية الغيري

في آية البحث تأديب للمسلمين والناس جميعاً ، للبعث على فعل الصالحات ، وجعلها طريقاً للمدح والثناء ، وهذا المدح مقدمة للأجر والثواب في الآخرة ليحجب كل من المدح في الدنيا والثواب في الآخرة عن الذين يحبون أن[َيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا]([450]).

وتدل الآية بالدلالة الإلتزامية على تمتع الذين كفروا بالنعم في الدنيا وأنهم ينكرون الحق ويخفون البشارات برسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولم يبطش بهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يعرضهم على السيف ، ولكن هذه الآية تضمنت الوعيد لهم بالعذاب الأليم في الآخرة لتنفذ الكآبة إلى نفوسهم.

وتصاحبهم الدعوة إلى التوبة والصلاح ، وفي فرحهم بما أتوا وانكارهم النبوة ونزول القرآن أذى للنبي وأصحابه ، فيأتي ذكر الله واقامة الصلاة خمس مرات في اليوم لبعث السكينة في نفوس المسلمين ، وبشارة الثواب والأجر .

وهو من اللطف الإلهي ، فلا يختص الأجر بما يفعله المسلم ، إنما يشمل تلقيه الأذى الجسدي والنفسي ليكون من معاني الآية السابقة [وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا]([451])، أي يأتيكم الأجر والثواب بالصبر والخشية من الله ، ومن مصاديق الرحمة التي نزل بها القرآن قانون بيان القرآن لقبيح فعل المشركين ومنع النبي والمسلمين من الإنتقام منهم أو الإضرار بهم ، إذ أن يدل الأمر من الله عز وجل للنبي بالصبر في مفهومه على عدم الإضرار بهم.

ومن فضل الله في توجيه وتعيين ظن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بما يوافق الواقع ، ليختار القول السديد ، والفعل الصحيح.

وفيه بعث لليأس في قلوب الكفار والمنافقين ، فهم حتى لو لجأوا إلى الكذب والتدليس فان الله عز وجل قد أمدّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بآية البحث بما يعصمهم من أضرار هذا الكذب .

ليكون من إعجاز القرآن النفاذ إلى عالم الظن وترجيح أحد الوجوه بما يمنع من الوهم ، ويطرد الغفلة .

ومن إعجاز الآية تفرع المنهاج القويم والفعل السليم عن الظن الحسن الذي يكون بلطف وهداية من الله عز وجل ، وهل يختص موضوع الآية بالظن الذي نهت عنه آية البحث ، الجواب لا ، فمن إعجاز الآية بيانها لقانون وهو فضل الله في إصلاح ظن المسلمين في الطوائف والملل ، وفي سلوك الأشخاص ، ومنه قوله تعالى [وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ] ([452]).

ومن الإعجاز في بيان آية البحث الزجر عن قيام الذين ذكرتهم الآية نصرة قريش في حربها مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، إذ تكشف لهم أن الله عز وجل عالم بما يخفون في أنفسهم من المكر والخبث ، وهو سبحانه يقوم بإظهاره وفضحه ، مما يدل بالأولوية القطعية على بيان الله عز وجل لما يقومون به من الكيد للنبوة والتنزيل .

لتكون آية البحث باعثاً للحسرة في قلوب الذين كفروا بدل الفرح بغير حق ، وفيه دعوة لهم للتوبة والإنابة  .

ومن خصائص كشف التنزيل لما في النفوس من المقاصد والنوايا والميل والرغائب مسائل :

الأولى : تأكيد نزول القرآن من عند الله عز وجل ، وفي التنزيل [وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ]([453])، ويدرك كلإنسان أنه لا يعلم ما في قلبه إلا الله عز وجل .

الثانية : التنزه عن النوايا السيئة .

الثالثة : تفقه المسلمين في المعارف الإلهية ، ومعرفة أعدائهم والحذر منهم.

الرابعة : جذب الناس إلى حب الله والنبوة ، والإصغاء لتلاوة القرآن والتدبر في الحقائق التي يظهرها للناس ، والتي لا تختص بما في النفوس .

الآية سلاح

تدل الآية على أن الله عز وجل يعلم ما تخفي الصدور ، ومنه غبطة وفرح المنافقين والكفار بما عندهم ، وبصدودهم عن البعثة النبوية ، ومن معاني قوله تعالى [الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا] ([454]) أن الذين يحاربون النبي صلى الله عليه وآله وسلم يغبط بعضهم الآخر ، ويفرح بما يفعل صاحبه لتعدد معاني صيغة الجمع في [يَفْرَحُونَ].

وإذا اجتمعوا فأنهم يتناجون بما يؤذي النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين فنزلت آية البحث تخاطب النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ولتجعل الفرح يغادر المنافقين والكفار عند إيذائهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم .

لقد كان هذا الفرح عوناً للكفار والمنافقين في تماديهم في إيذاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، فنزلت آية البحث لقطع هذا العون ، ولبعث الحزن والأسى في صفوف الكفار والمنافقين مما يخفف وطأة أذاهم ، وهو من الشواهد على أن آية البحث سلاح للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين .

 ليكون من الإعجاز في تلاوة القرآن في الصلاة على نحو الوجوب كون هذه التلاوة سلاحاً لمنع المشركين من الفرح بغير حق .

ومن إعجاز الآية القرآنية تعدد المنافع منها بالنسبة للمسلمين وغيرهم ، وإفادتها الإصلاح والرشاد ، وآية البحث لطف وتنبيه وإنذار ومنع من طلب الثناء بغير استحقاق .

ولا تمنع آية البحث من الفرح والغبطة ، ولكنها تبعث الناس ليكون الفرح في مرضاة الله . 

مفهوم الآية

من إعجاز القرآن تنميته لملكة الأخلاق الحميدة، فهذه الأخلاق كنز متوارث عند الناس من أيام أبينا آدم عليه السلام ، ولكنها من الكلي المشكك بخصوص الأفراد والطوائف والمجتمعات والأزمنة ، وحال السراء والضراء ، فقد تتسع أحياناً وقد تضيق ، ولكنها لا تندثر أو تزول إذ يتعاهدها الله عز وجل بوجوه كثيرة منها بعثة الأنبياء ، وإنزال الكتب السماوية ، وسيادة سلطان العدل والإنصاف ، وقيام المؤمنين وغيرهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، قال تعالى [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ]([455]).

وإدراك الناس للحسن الذاتي للأخلاق الحميدة ، وقبح الأخلاق المذمومة .

ومن معاني آية البحث دعوتها للأخلاق الحسنة ، وجعل الذي يريد الفرح والبهجة بما يفعل إختيار التقوى ، وعدم إتباع الهوى والجحود بالنبوة.

ومن يريد الحمد والثناء فلابد أن يكون في طاعة الله، وأداء الفرائض والوفاء بالعهود والتصديق بالنبوة والمعجزات في والتنزه عن التعدي والظلم ، قال تعالى [إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ]([456]).

وهل يمكن تقدير الآية بما يتضمن الثناء على الذين يحبون أن يحمدوا بما يفعلون من الخير والعمل الصالح ، أم أن الآية تنهى عن حب الحمد في الحق ، مثلما هي تنهى عن حب الحمد على الباطل .

المختار هو الأول ، وهل حب الحمد على فعل الخير مباح أو مستحب أو واجب أم هو جامع لها ، والجواب تارة  يكون مباحاً وأخرى يكون مستحباً أو واجباً، مع لحاظ حرمة الرياء والتزلف للغير .

وهل يختص حب الثناء على فعل الخير ، إذا كان بقصد القربة وإرادة وجه الله في الفعل ، والتوبة إليه .

وإذا لم يكن بقصد القربة فلا يلزم حب الحمد عليه ، الجواب لا يشترط في هذا الحب قصد القربة ، إنما هو كيفية نفسانية ، نعم ذات فعل الخير منه ما يشترط فيه قصد القربة كأداء الفرائض العبادية .

ومن مفاهيم آية البحث دعوة المسلمين لإستقامة الظن بما يجعلهم في حيطة وحذر من الذين كفروا والمنافقين ، قال تعالى [وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ] ([457]).

وفي الآية نهي عن الإطمئنان للمنافقين إذ يخذلون النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في ساعة الشدة وعند الحاجة لهم ، وهو الذي تجلى في معركة الخندق إذ كانوا يعتذرون من المرابطة خلف الخندق بحجج واهية منها أن بيوتهم مكشوفة ، ويخشون عليها وعلى عوائلهم ، وفي التنزيل [يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا] ([458]).

ترى لماذا لم يرد لفظ [عَوْرَةٌ] في القرآن إلا في الآية أعلاه ، ولمرتين ، المختار بيان معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهي ليس من خوف أو خشية على بيوته وبيوت المسلمين من الذين كفروا إلا بخصوص إدعاء لا أصل له ، في أشد أحوال المسلمين بهجوم عشرة آلاف من المشركين على المدينة ومحاصرتها وإرادة اقتحامها وقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد استمر الحصار نحو عشرين يوماً .

وقد جاءت بعض الليالي والساعات أثناء الحصار وليس مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا نحو ثلاثمائة من أصحابه .

وليكون تقدير الآية : إن بيوتنا عورة وما بيوت المسلمين بعورة ، ومن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يأذن للمنافقين وغيرهم من الصحابة ممن يستأذنه بالمغادرة إلى أهله مع قلة الذين معه وكثرة خيل ورجال العدو ، وإحتمال مداهمتهم له في كل ساعة.

ليكون انصراف المنافقين من غير حاجة لمغادرة الخندق ومفارقة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو في أشد الأحوال من مصاديق آية البحث ، وشمول المنافقين بالآية وأنهم يفرحون بالإعتذار للإنصراف من غير حاجة له ، ويحبون أن يحمدوا بالدفاع ونصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أيام الحصار في الخندق ، وإنما كانوا في الحقيقة يريدون الفرار خشية وقوع هجوم المشركين .

ومن الآيات أن هذا الهجوم قد وقع ولكن على نحو السالبة الجزئية ، إذ اقتحم جماعة من فرسان وشجعان العرب الخندق بخيلهم ، فلاقوا الخزي وهل يصدق على عمرو بن ود العامري أنه طرف من المشركين حينما قتله الإمام علي عليه السلام يوم الخندق ، وأن قتله من مصاديق قوله تعالى [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ]([459])، أم أن المراد من الطرف الجماعة من الكفار أو خصوص معركة أحد وأن قتل عمرو بن ود العامري نزل فيه قوله تعالى [وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ]([460])، الجواب يشمل موضوع الآيتين هذا القتل لبيان منافعه للإسلام والمسلمين إلى يوم القيامة.

وهل هذا القتل من مصاديق قوله تعالى [وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ]([461])، أم أن الآية أعلاه خاصة بنصر الروم على كسرى وجنوده ، المختار هو الأول ، ففرح المؤمنين والمؤمنات في كل زمان بهذا القتل متصل ومتجدد ، وقد يرد اشكال بأن الآية ذكرت النصر وليس قضية في واقعة ، والجواب لقد كان هذا القتل نصراً ومقدمة للنصر وعن عبد الله بن مسعود (أنه كان يقرأ هذا الحرف [وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ]([462])، بعلي بن أبي طالب)([463]).

ولن عمرو بن ود العامري من فرسان العرب ، وألح وأكثر من التحدي للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بالمبارزة لبيان قانون وهو أن الذي يلح بالعداوة للنبوة والتنزيل يلحقه الخزي العاجل ، لذا نزلت آية البحث للتحذير والإنذار من الإقامة على معاداة النبوة ولو بالإنكار .

لقد استمر حصار الخندق لأكثر من عشرين ليلة ، وكان هناك رمي بالسهام والحجارة.

ولم يكن قادة جيش المشركين في جمود ، إنما كانوا يسعون لطريق وثغرة للهجوم والقتال.

فاجتمع رؤساء قريش وعدد من قادة القبائل الذين معهم ومنهم (رؤساء غطفان: عيينة بن حصن، والحارث بن عوف، ومسعود بن رخيل – بالخاء المعجمة والتصغير – وأسلم الثلاثة بعد ذلك.

ومن بني أسد رؤوسهم، وتركوا الرجال خلوفا فجعلوا يطوفون بالخندق يطلبون مضيقا) ([464]).

وصاروا يطوفون حول الخندق وينظرون هل من مكان ضيق يمكن إختراقه من قبل خيلهم حتى وجدوا مكاناً مناسباً للعبور ، فأمروا عدداً من الفرسان بالعبور، فصاروا يضربون الخيل ، ويكرهونها على الإقتحام ، وكأنها لا تريد العبور ولكنهم لا يدركون لغة الإنذار التي تظهر على الإنسان والحيوان والجمال ، قال تعالى [سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ] ([465]).

فعبر الخندق كل من :

الأول : عمرو بن ود العامري .

الثاني : عكرمة بن أبي جهل .

الثالث : نوفل بن عبد الله .

الرابع : ضرار بن الخطاب .

الخامس : هبيرة بن أبي وهب .

ثم التفتوا إلى أبي سفيان وقالوا له (ألا تعبر : قد عبرتم ، فان احتجتم لنا عبرنا )([466]).

ويبين جواب أبي سفيان هذا علة وسبب عدم عبور الكثير من أفراد جيش المشركين ، وهو من أسرار بعث الخوف والرعب في قلوبهم ، سواء الذين بدأوا وأرادوا أبا سفيان معهم ، أو أبو سفيان وأصحابه الذين لم يعبروا الخندق .

الآية لطف

من أسماء الله عز وجل [اللَّطِيفُ] فهو الذي يحسن اليهم في الظاهر وما هو غير ظاهر للحواس ، إذ يشمل لطفه الخلائق كلها ، وخص الإنسان باللطف من قبل أن يخلق بأن هيئ له رزقه في الدنيا ، وجعله [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ([467]) .

وجعل العبادة والصلاة اليومية وسائر الفرائض عزاً وفخراً له بين الخلائق وطريقاً للبث الدائم في الجنة ، ويدل قوله تعالى [وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوْ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ]([468]).

ومن معاني اقتران اسم الخبير باللطيف أن الله المنافع التي تأتي للذي ينال اللطف وغيره.

فيأتي اللطف من الله للفرد فتنتفع منه الجماعة ، ويتغشى اللطف الجماعة فينتفع منه الفرد .

ومن الإعجاز العقلي للآية القرآنية أنها لطف بالناس إلى يوم القيامة .

إن علم الله عز وجل بما يقوله الناس وما يخفون في نفوسهم رحمة بهم ، فجاءت آية البحث للإخبار عن كيفية نفسانية قبيحة لابد من تركها وهي الفرح بالجحود بالنبوة ، وإنكار المعجزات الظاهرة والجلية .

وأختتمت الآية بالتخويف والوعيد ، وهذا الوعيد من اللطف الإلهي ، وبركة نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن معاني اقتران اسم الخبير باللطيف قانون الإنذار والوعيد الوارد في آية البحث لمنفعة الناس جميعاً.

إفاضات الآية

لقد تفضل الله عز وجل وأنزل القرآن بكلماته وحروفه ، وأخبر بأنه كلامه أنزله على الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم بواسطة الروح الأمين لبيان سلامة القرآن من التحريف إلى يوم القيامة ، فكما يحفظ الله السموات والأرض كل لحظة ، وتسير الشمس والقمر بانتظام.

قال تعالى [وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ] ([469]) فكذا فان الله عز وجل يحفظ كلامه من التحريف والتغيير والتبديل ، وهذا الحفظ مطلوب بذاته ، وهو طريق لهداية الناس إلى سبل الإيمان ، ولبقاء الصلة اليومية المتصلة بين الله وبين الناس بالكتاب المنزل ، لذا جعل الله عز وجل تلاوة القرآن في الصلاة اليومية واجباً عينياً على كل مسلم ومسلمة .

ولا يختص حفظ الله عز وجل للقرآن بكلماته ورسمه إنما يشمل تفسيره وتأويله ، فيفضح الله عز وجل التفسير الذي هو خلاف النص والإجتهاد الذي لا أصل له ، كما يحفظ الله القرآن بآياته التي تتضمن الثناء على الذين آمنوا ، والذم للذين كفروا وللمنافقين ، ومنه آية البحث التي إبتدأت بالخطاب التشريفي إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بخصوص ظنه ومعرفته بالناس ، بما يجعله يقوم بالتبليغ بأفضل كيفية.

وهل لآية البحث موضوعية وأثر في السنة النبوية والخطب التي يلقيها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر ، المختار نعم ، فهذه الخطب فرع المضامين القدسية لآيات القرآن .

وقد يبطش السلطان والحاكم بالمناوئين له ، ويقوم برميهم بالسجون ، وسوق التهم لهم ، وإحضار الشهود الذين يشهدون على إضرارهم بالأمن العام ، أو بالتعدي على شخصه والـتآمر ، ولكن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن عنده سجن ، ولا يحتاج إليه ، إنما تنزل الآية القرآنية فتمنع من إستدامة الإعوجاج ، وتصلح الأحوال ، ومن يتخلف في مواقع الشرك والكفر تلاحقه الآية حتى إذا مات بأجله جاءت ذرية له ليس بينها وبين التنزيل ومعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم برزخ .

فمثلاً درة بنت أبي لهب بن عبد المطلب ، كانت من السابقين في الهجرة من مكة إلى المدينة رجاء سلامة دينها مع أنها نشأت في بيئة شديدة العداوة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وأمها أروى بنت حرب (أم جميل) ولم يمنعها من الإيمان والهجرة ذم القرآن لأبيها وأمها ، وإختصاص سورة من القرآن بهذا الذم ، قال تعالى [تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ* مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ] ([470]) .

وقد قام أخواها عتبة وعتيبة ابنا أبي لهب بطلاق بنتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عداوة له وللتنزيل ليكون أذاهم وقرب الفرج والظفر من معاني قوله تعالى [طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى]([471]) .

وكانت درة قد تزوجت قبل الهجرة (تزوجها الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف بن قصي فولدت له الوليد وأبا الحسن وأسلم ثم قتل يوم بدر كافراً فخلف عليها دحية بن خليفة الكلبي) ([472]).

 (وعن عمار بن ياسر قالوا: قدمت درة بنت أبي لهب المدينة مهاجرة فنزلت في دار رافع بن المعلى فقال لها نسوة من بني زريق: أنت ابنة أبي لهب الذي يقول الله له (تبت يدا أبي لهب)([473])، فما تغني عنك هجرتك.

 فأتت درة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكرت ذلك له فقال: اجلسي ثم صلى بالناس الظهر. وجلس على المنبر ساعة ثم قال : أيها الناس ما لي أوذى في أهلي.

فو الله إن شفاعتي لتنال قرابتي حتى ان صداء وحكماً وسلهباً لتنالها يوم القيامة([474]).

وأخرج بن منده من طريق يزيد بن عبد الملك النوفلي وهو واه عن سعيد المقبري عن أبي هريرة أن سبيعة بنت أبي لهب جاءت الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: إن الناس يصيحون بي ويقولون: إني ابنة حطب النار.

 فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو مغضب شديد الغضب فقال : ما بال أقوام يؤذونني في نسبي وذوي رحمي.

 ألا ومن آذى نسبي وذوي رحمي فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله) ([475]).

ومن إفاضات آية البحث بعث السكينة في نفس النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين ، فقد بينت الآية فعلاً سيئاً مركباً من الذين كفروا والمنافقين وهو على شعبتين :

الأولى : الفرح بجلبهم الأذى للإسلام والتنزيل .

الثانية : حب الحمد والثناء على أفعال لم يؤدوها .

وتبين الآية حب الله عز وجل للمسلمين بالتخفيف عنهم من شرور الذين كفروا ، وقطع الطريق على المنافقين في إيذائهم لهم .


 

الآية بشارة

لقد ابتدأت آية البحث بالخطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم [لاَ تَحْسَبَنَّ] ثم أعادت ذات الكلمة مرة ثانية فيما يتعلق بسوء عاقبة الذين كفروا والمنافقين .

وهل الإخبار عن نزول العذاب الأليم بالذين كفروا بشارة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المختار لا ، لقوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ([476])نعم تكون الآية بشارة لبعثها الناس على التوبة والصلاح .

ومن البشارات في الآية أنها باب لتفقه الناس في الدين ، ومعرفة الأذى الذي لاقاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه ، وكيف أن الله عز وجل صرفه بآية واحدة من القرآن لإصلاح ظن المسلمين ، فمهما حاول الكفار والمنافقون إخفاء نواياهم السيئة ، فقد أظهرها وكشفها الله عز وجل ، ولن يضروا المسلمين حتى في ظنونهم .

لقد كان المسلمون قلة بين مجتمع الكفار ، وحتى حينما هاجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة فان قريشاً كانت تقوم بتجهيز الجيوش لمحاربته.

فأراد الله عز وجل التخفيف عنه وعن المهاجرين والأنصار بالإخبار عن قانون وهو عدم نجاة الذين كفروا والمنافقين من العذاب الأخروي.

مما يدل في مفهومه على نجاة المؤمنين من هذا العذاب للتضاد بينهم وبين الذين كفروا.

فالمؤمنون يفرحون بما يفعلون من أداء الفرائض ، قال تعالى [فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا] ([477]).

فمن إعجاز القرآن أن يتلو آية الإنسان الإنذار والوعيد ، فيؤمن بها ، ويتصور شدة العذاب وتطمئن نفسه إلى نجاته من هذا العذاب خاصة وأن آية البحث تذكر خصالاً للذين يستمعونه ، وهذه الخصال ممتنعة عن المؤمنين ، ومنافيه للخلق الحميد الذين يتصفون به ، لذا قال تعالى [وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ]([478]).

الآية رحمة

لقد أكرم الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بلخطاب والنهي عن الظن بنجاة وسلامة الذين كفروا والمنافقين ، وهل يدل قوله تعالى [وَلاَ تَحْسَبَنَّ]على أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم كان يظن هذه السلامة فنهاه الله عز وجل عن هذا الظن ، المختار لا.

وهل هذا الخطاب رحمة ، الجواب نعم من جهات :

الأولى : إنه رحمة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ووسيلة على تفضيله على الأنبياء السابقين .

الثانية : الآية رحمة بأهل البيت والصحابة ، وفيها تعيين لنوع الصلة مع عامة الناس .

الثالثة : تسلح المسلمين بآية البحث في الإحتجاج والجدال بما يمنع من المراءاة والكذب على المسلمين .

الرابعة : منع الناس من العادات المذمومة والتي تتعارض مع آداب التنزيل ، فما ذكرته آية البحث من باب المثال الذي تنفر منه النفوس ، فأراد الله عز وجل إزاحته ومحوه ، وإزالة آثاره .

ومن معاني الرحمة التي جاء بها القرآن المساواة بين الناس ، ومنع الظلم ، والعقوبة .

ومن الإعجاز أن عقوبة القصاص في القتل العمد ليست قطعية إنما يجوز الإنتقال فيها إلى الدية ، أو العفو برضا ولي المجني عليه ، قال تعالى [وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى]([479])، لتمنع هذه العقوبة والتخويف بها من شيوع القتل ، وتكون من مصاديق رد الله عز وجل على الملائكة ، حينما احتجوا على جعل الإنسان [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ([480])، بأنه يفسد في الأرض ويقتل بغير حق .

وهل من معاني الرحمة في آية البحث أنها تمنع من القتل ، الجواب نعم لأن ما فيها من الوعيد زاجر للكفار عن التمادي في الكفر ، ودعوة للمسلمين للصبر ورجاء الثواب من عند الله عز وجل في الدنيا والآخرة ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]([481]).

الآية إنذار

لقد جعل الله عز وجل القرآن كتاب البشارة والإنذار ، وقد تجمع الآية الواحدة الأمرين ، ويكون هذا الجمع على صيغ متعددة منها :

الأولى : جمع الآية القرآنية الواحدة للبشارة والإنذار ، منها [قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ]([482]).

ومن إعجاز هذه الآية مجيؤها بالنداء العام للناس وأجيالهم المتعاقبة الى يوم القيامة.

الثانية : مجئ الآية بالبشارة ، وتارة تأتي البشارة بخصوص الدنيا وتارة بخصوص الآخرة وهو الأكثر ، وتارة للفرد الجامع لهما ، كما في قوله تعالى [وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ]([483]).

الثالثة : تضمن الآية للإنذار لتدل في مفهومها على البشارة للذي يكون بمأمن من فعل السيئات.

وجاءت آية البحث بالبشارة والإنذار ، البشارة للنبي والمؤمنين بالنجاة من الظن الذي لا أصل له مثل إحتمال نجاة الذين تذكرهم آية البحث بصيغة الذم والتوبيخ والتبكيت مع إقامتهم على قبيح الفعل الذي تذكره من الفرح باخفاء بشارات النبوة والصدود عن المعجزات وإرادة مدحهم على هذا الفعل.

ترى كيف يكون ويترتب هذا الظن ، الجواب تظن طائفة من المسلمين أن الفرح بانكار النبوة وإخفاء البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا يترتب عليه عقوبة أخروية شديدة لسعة رحمة الله عز وجل .

فنزلت آية البحث لتخبر عن شدة العذاب على هذا الفرح ، وان كان كيفية نفسانية لأنه فرع المعصية والإستكبار على الحق والتنزيل .   

ومن معاني الإنذار في آية البحث خطاب الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيها بما يفضح الكفار والمنافقين ويكشف عيوبهم ، وتحذر الآية المسلمين منهم .


 

الصلة بين أول وآخر الآية

إبتدأت آية البحث بحرف النهي (لا) ويتعلق بالظن ، وفيه نكتة وهي منع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين من الظن الذي لا أصل له والطمأنينة والركون إلى الذين يفرحون بكتمان حقائق التنزيل والبشارات ، وعدم اتخاذهم أولياء وبطانة ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ]([484])([485]).

ثم ذكرت الآية الذين تحذر من الظن بحسن نيتهم وفعلهم بخصلتين :

الأولى : الفرح والبهجة والرضا باخفاء كنوز وميراث النبوة .

الثانية : طلب الثناء على فعل حسن لم يأتوا به ، فمنهم من يدعي العلم ويضل الناس باخفاء حقائق التنزيل ، ومنهم المنافقون الذين لا يخرجون في السرايا ويريدون أن يثنى عليهم بادعاء خروجهم أو بذريعة الإنتفاع منهم وهم في المدينة لتمنع الآية من إثارتهم الفتنة ، أو حدوث الإفتتان بسببهم.

وهل من معاني قوله تعالى [َيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا]([486])، سعيهم لنيل نصيب من الغنائم بغير حق ، الجواب نعم .

ويحتمل استحقاق العذاب بلحاظ الخصلتين أعلاه وجوهاً :

الأول : لابد من الجمع بين الخصلتين أعلاه لتنجز استحقاق العذاب الأليم .

الثاني : تكفي خصلة واحدة لتحقق العذاب .

الثالث : قلة العذاب والتخفيف منه لمن يتصف بخصلة واحدة منها.

الرابع : تفيد الآية إرادة قوم على نحو التعيين وأنهم قد جمعوا بين الخصلتين .

والمختار هو الأول ، لأصالة الرحمة من عند الله للناس جميعاً .

ويدل عليه الضمير (هم) في فلا تحسبنهم إذ يفيد في ظاهره إرادة قوم جمعوا بين الخصلتين .

ثم أعادت الآية قوله تعالى [فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ] وقيل أنه تأكيد والفاء زائدة وهذا التأكيد معروف في لغة العرب ، ولكن معنى ودلالة اللفظ القرآني أعم من التوكيد.

ولم يرد لفظ [تَحْسَبَنَّهُمْ] في القرآن إلا في آية البحث ، ووردت الآية خطاباً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويلحق به المسلمون ، وهل يلحق بهم الناس ، الجواب نعم .

وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن يعمر (فلا يحسبنهم) يعني أنفسهم([487]).

ولكن توجه لغة الخطاب إلى الذين يفرحون بما يفعلوا لا يستقيم لغة ، والنسبة إلى يحيى بن يعمر وهو من علماء اللغة يحتاج إلى تحقيق.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد أنه قرأ (فلا يحسبنهم) على الجماع بكسر السين ورفع الباء([488]).

ولكن يلزم الفاعل.

وقال ابن عطية المحاربي : ولم تقع (يحسبن) على شيء ، وقد تجيء هذه الأفعال لغواً لا في حكم الجمل المفيدة نحو قول الشاعر : (الطويل)

وما خلت أبقى بيننا من مودة … عراض المذاكي المسنفات القلائصا([489]).

وليس في القرآن من حرف أو كلمة إلا ولها معنى ودلالة ، وموضع في الإعراب.

وكما تكرر لفظ (تحسبن) في آية البحث فقد تكرر فيها لفظ العذاب بقوله تعالى [فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ]([490])، وتحتمل الصلة بين لفظي (العذاب) وجوهاً :

الأول : التساوي ، والمراد معنى واحد وهو عذاب النار .

الثاني : نسبة العموم والخصوص المطلق ، وهي على شعبتين :

الأولى : العذاب الأليم أعم .

الثانية : العذاب الذي ورد مطلقاً هو الأعم .

الثالث : نسبة العموم والخصوص من وجه ، وأن هناك مادة للإلتقاء وأخرى للإفتراق بينهما .

الرابع : التباين وأن كل عذاب منهما يختلف عن الآخر سواء في موضوعه أو أوانه.

والمختار هو الشعبة الأولى من الوجه الثاني .

من غايات الآية

في الآية مسائل :

الأولى : بيان عظيم منزلة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عند الله ، إذ تطلع الملائكة على قوله تعالى [لاَ تَحْسَبَنَّ] وما فيه من الإكرام للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتوجيه ظنه بما يوافق الإرادة الإلهية ، ومنه نزول العذاب الأليم بالذين يخفون البشارات بنبوته ، ويفرحون بهذا الإخفاء .

الثانية : دعوة الناس للتدبر بقوله تعالى [لاَ تَحْسَبَنَّ]وما فيه من اللطف الإلهي بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .

الثالثة : نفاذ آيات القرآن إلى الظن والحالة النفسية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بما يفيد صلاح النفوس .

الرابعة : بعث الذين ورثوا البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى إعلانها ودعوة الذين رأوا معجزات النبوة تجري على يديه بيانها ، وإظهار التصديق بها ، والفرح بها ، وباظهارها ، وفيه ذم للذين يفرحون باخفائها ، وحجة عليهم وشاهد على الإثم في هذا الفرح .

الخامسة : دلالة الآية على عدم ترتب الأثر والضرر على الفرح بكتمان بشارات النبوة .

السادسة : بيان قانون وهو قبح الفرح باتيان الإثم والمعصية .

السابعة : نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بذكر قبائح أعدائه.

الثامنة : دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة إلى تلاوة آية البحث فهذه التلاوة بذاتها ذم للذين كفروا والمنافقين ، وزجر عن الفرح باتيان ما يخالف الشريعة .

التاسعة : بعث الفزع في نفوس الذين كفروا والمنافقين لسوء ما يفعلون .

العاشرة : إقامة الحجة في الدنيا والآخرة على الذين نزلت الآية بذمهم ، فقد لا يظن بعضهم أن فرحهم بما أتوا من إخفاء البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا يستوجب العذاب الأليم في الآخرة ، كما في الذين [َقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُل أَاتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ([491]) .

الحادية عشرة : إختتام الآية بالوعيد للذين كفروا ، والتذكير بعالم الجزاء في الآخرة .

الثانية عشرة : حضّ المسلمين على الثبات في منازل الإيمان ، والبشارة لهم بالنجاة من العذاب يوم القيامة ، قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ]([492]).

والضمير الهاء في (عنها) من الآية أعلاه يعود إلى النار.

الثالثة عشرة : إنذار الذين يظهرون التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم كذباً ولكنهم حين يجتمعون يظهرون الفرح لأنه صدّق بما يقولون .

الرابعة عشرة : بيان قانون وهو علم الله عز وجل بما تخفي الصدور والنوايا ، وفي التنزيل [يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ]([493]).

الخامسة عشرة : تأكيد قانون وهو أن دار الآخرة دار حساب وجزاء ، ينكشف الناس في المحشر وليس معهم إلا عملهم في الدنيا فليس في الآخرة من عمل.

السادسة عشرة : الدعوة إلى الله عز وجل ، والترغيب بالإيمان.

السابعة عشرة : تأكيد قانون وهو أن النبي محمداً منذر ، قال تعالى [إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ]([494]).

الثامنة عشرة : قانون تعيين قواعد المدح والثناء والتي تتقوم بالإيمان والعمل الصالح وليس بالرغبة وحدها .

التاسعة عشرة : تبعث الآية على الجمع بين العمل الصالح وبين إرادة المدح والثناء ، وتحذر المسلمين والناس من المدح بغير استحقاق ، وفي التنزيل [وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ]([495]).

أسباب النزول

وفيه وجوه وأقوال :

الأول : (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: “أَنَّ رِجَالا مِنَ الْمُنَافِقِينَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، كَانُوا إِذَا خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ إِلَى الْغَزْوِ، وَتَخَلَّفُوا عَنْهُ، وَفَرِحُوا بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ , فَإِذَا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ اعْتَذَرُوا إِلَيْهِ، وَحَلَفُوا، وَأَحَبُّوا أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ:  ” لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا) ([496]).

الثاني : (عن رافع بن خديج([497]) : أنه كان هو وزيد بن ثابت عند مروان وهو يومئذ على المدينة فقال مروان لرافع : في أي شيء أُنزلت هذه الآية : {لا تحسبن الذين يفرحون بما أوتوا}.

 فقال رافع : أنزلت في أناس من المنافقين كانوا إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سفر تخلفوا عنهم) ([498]).

الثالث : (عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا يَعْنِي : فَنْحَاصُ وَأَشْيَعُ وَأَشْبَاهُهُمَا مِنَ الأَحْبَارِ) ([499]).

الرابع : (مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ قَالَ: “كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رِجَالٌ عُبَّادٌ فُقَهَاءُ، فَأَدْخَلَتْهُمُ الْمُلُوكُ، فَرَخَصُوا لَهُمْ وَأَعْطُوهُمْ، فَخَرَجُوا وَهُمْ فَرِحُونَ بِمَا أَخَذْتِ الْمُلُوكُ مِنْ قَوْلِهِمْ، وَمَا أُعْطُوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا)([500]) وهو مصاديق الآية ، إذ يدل نظم الآية على إرادة الأمر الحضوري للوقائع التي تشير إليها الآية ، وإفادة الإنتفاع الأمثل من مضامين الآية القرآنية في الوقائع اللاحقة .

الخامس : عن الحسن البصري (دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فدعاهم إلى الإسلام فصبروا على دينهم فخرجوا إلى الناس فقالوا لهم ما صنعتم مع محمد فقالوا آمنا به ووافقناه فقال الله لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا يقول فرحوا بما في أيديهم حين لم يوافقوا محمدا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب أي بمنجاة) ([501]).

السادس : عن ابن عباس (لئن كان كل امرئ منَّا فَرح بما أتَى  وأحب أن يحمد بما لم يفعل معَذَّبًا ، لنُعَذبن أجمعون.

فقال ابن عباس: وما لكم وهذه.

إنما نزلت هذه في أهل الكتاب، ثم تلا ابن عباس {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} وتلا ابن عباس{لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا}([502]) الآية.

 وقال ابن عباس: سألهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن شيء، فكتموه وأخبروه بغيره، فخرجوا قد أرَوْه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم ما سألهم عنه)([503]).

السابع : (قال قتادة ومقاتل: أتت يهود خيبر نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: نحن نعرفك ونصدقك وإنا على رأيكم ونحن لكم ردء، وليس ذلك في قلوبهم فلما خرجوا قال لهم المسلمون: ما صنعتم.

 قالوا: عرفناه وصدقناه فقال لهم المسلمون: أحسنتم هكذا فافعلوا فحمدوهم ودعوا لهم فأنزل الله تعالى هذه الآية) ([504]) .

الثامن : (عن أبي عبيدة([505]) قال جاء رجل إلى عبد الله([506]) فقال إن كعبا الحبر يقرئك السلام ويخبرك ان هذه الآية ليست فيكم لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا الآية قال عبد الله نزلت هذه الآية وكعب كان يهوديا) ([507]).

التاسع : كان جماعة من المنافقين يقولون للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لو خرجت إلى الدفاع خرجنا معك ، فاذا خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم أوجدوا المعاذير للتخلف عنه ، ويفرحون بهذا التخلف والإحتيال .

وهل منه إنخزال ونكوص رأس النفاق عبد الله بن أبي بن أبي سلول ومعه ثلاثمائة من أهل الريب والنفاق من وسط الطريق إلى معركة أحد .

الجواب نعم فهؤلاء فرحوا بعودتهم ، وكان عبد الله بن أبي يحرضهم على الرجوع إلى المدينة بقوله :

 (والله ما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا) ([508]).

ولم يبق مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ سوى سبعمائة من المهاجرين والأنصار.

ونسب إلى الزهري (أنهم بقوا في أربعمائة مقاتل)([509]).

والصحيح هو الأول .

والمختار أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يخرج إلى غزو سواء لقصد بلدة أو مدينة ، ولم يبدأ قتالاً ، وقد صدرت أجزاء من هذا التفسير خاصة بقانون لم يغز النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحداً في آية علمية وكشف للحقائق بالدليل والبرهان .

العاشر : أخرج عن محمد بن ثابت (أن ثابت بن قيس قال : يا رسول الله لقد خشيت أن أكون قد هلكت قال : لمَ . . . ؟

 قال : نهانا الله أن نحب أن نحمد بما لم نفعل ، وأجدني أحب الحمد . ونهانا عن الخيلاء ، وأجدني أحب الجمال .

 ونهانا أن نرفع صوتنا فوق صوتك ، وأنا رجل جهير الصوت .

 فقال : يا ثابت ألا ترضى أن تعيش حميداً ، وتقتل شهيداً ، وتدخل الجنة .

فعاش حميداً ، وقتل شهيداً ، يوم مسيلمة الكذاب) ([510]).

الحادي عشر : (عن ابن زيد في الآية قال : هؤلاء المنافقون يقولون للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لو قد خرجت لخرجنا معك ، فإذا خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم تخلفوا وكذبوا ، ويفرحون بذلك ، ويرون أنها حيلة احتالوا بها)([511]).

الثاني عشر : عن (عكرمة عن ابن عباس في الآية قال : يعني فنحاص ، وأشيع ، وأشباههما من الأحبار الذين يفرحون بما يصيبون من الدنيا على ما زينوا للناس من الضلالة { ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا } أن يقول لهم الناس علماء وليسوا بأهل علم ، لم يحملوهم على هدى ولا خير ، ويحبون أن يقول لهم الناس قد فعلوا) ([512]).

الثالث عشر : عن (ابن عباس : سألهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره ، فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه ، واستحمدوا بذلك إليه ، وفرحوا بما أتوا من كتمان ما سألهم عنه ) ([513]).

الرابع عشر  : (عن السدي في الآية قال : كتموا اسم محمد ففرحوا بذلك حين اجتمعوا عليه ، وكانوا يزكون أنفسهم فيقولون : نحن أهل الصيام ، وأهل الصلاة ، وأهل الزكاة ، ونحن على دين إبراهيم . فأنزل الله فيهم { لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا } من كتمان محمد { ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا } أحبوا أن تحمدهم العرب بما يزكون به أنفسهم وليسوا كذلك) ([514]).

الخامس عشر : (عن محمد بن كعب القرظي قال : كان في بني إسرائيل رجال عباد فقهاء ، فأدخلتهم الملوك فرخصوا لهم وأعطوهم ، فخرجوا وهم فرحون بما أخذت الملوك من قولهم وما أعطوا . فأنزل الله {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا}([515]))([516]).

وهو بعيد لنزول الآية بصيغة المضارع [وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا]([517]) وليس في المدينة ملوك يدخل عليهم اليهود وغيرهم ، ومن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم تفضل الله عز وجل بتهيئة مقدمات نبوته وهجرته ، بأنه ليس من ملك في مكة أو المدينة ، واحتمال أخذ ملوك الروم وفارس لقولهم ثم تفاخرهم بهذا الأخذ ضعيف.

ولا يلحق الحكم والإدارة فيها ملكاً من ملوك الأرض كهرقل وكسرى والمقوقس والنجاشي ، أو بعض الأمراء والملوك في الجزيرة العربية منهم:

الأول :المنذر بن ساوى أمير البحرين أي الإحساء والقطيف .

الثاني : هوذه الحنفي أمير اليمامة .

الثالث : الحارث الغساني أمير الغساسنة .

الرابع : ملوك عمان ، وآنذاك هما حبقر وقيل جيفر ، و(عبد) ابنا الجلندي من الأزد .

(والجلندي لقب لكل من ملك منهم عُمان) ([518]).

لتمر الأيام سريعاً ، ويوجه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد صلح الحديبية رسائل إلى ملوك زمانه يدعوهم إلى الإسلام . 

السادس عشر : (وقال ابن عباس أيضاً : إن الآية نزلت في قوم سألهم النبي عليه السلام عن شيء فكتموه الحق وقالوا له غير ذلك ، ففرحوا بما فعلوا وأحبوا أن يحمدوا بما أجابوا ، وظنوا أن ذلك قد قنع به واعتقدت صحته)([519]).

التفسير

إبتدأت آية البحث بالنهي بقوله تعالى [لاَ تَحْسَبَنَّ]ومعناه لا تظن ، وتعد أولئك يسلمون من العذاب الأليم يوم القيامة .

ترى ما هي النسبة بين الذين [أُوتُوا الْكِتَابَ] الذين تذكرهم الآية السابقة والذين يفرحون بما أتوا ، المختار هو نسبة العموم والخصوص المطلق ، ونسبة التباين ، لأن الذين يفرحون بما أتوا أعم من أن ينتسبوا إلى طائفة أو مذهب مخصوص .

 فجاءت آية البحث مطلقة في تحذيرها ، كما أنها ذكرت الذين يريدون الثناء عليهم في أمور لم يفعلوها ، وهذه الخصلة موجودة في كل زمان ، وإن كانت من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً ، ولكن تعلقها بأمر النبوة يجعلها ذات ضرر فادح فنزلت آية البحث للبيان والإنذار.

وقد يزيد منها وجود المرائين والمتزلفين إلى ذي الشأن والسلطان وينسبون له أو لآبائه وأسلافه ما لم يكن عندهم من الخصال الحميدة.

فأخبرت آية البحث بأن هذه الزيادة لا موضوعية لها يوم القيامة ، إنما المدار على العمل ، قال تعالى [الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ] ([520]).

وهل من معاني الآية أعلاه الختم على أفواه أولئك المتزلفين والمنافقين وتحسين الحاشية للفعل القبيح بخصوص الذي يقف للحساب ، الجواب نعم.

فقد يحصل التلاوم بينهم ، ويذمهم ذو الشأن لأنهم عكسوا له صورة غير الواقع ، ولم يقوموا بكشف الحقائق ، فيردون عليه أنهم كانوا يرجون نواله ويخشون بطشه ، وهو صورة من مصاديق البراءة يوم القيامة في قوله تعالى [إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوْا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمْ الأَسْبَابُ* وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمْ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ]([521])وقوله تعالى [قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمْ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلاَءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ]([522]).

ليكون من معاني الآية التحذير من الرياء الضار ، ولزوم إجتنابه ، والحيطة والحذر من تلقيه .

وأثنى رجل منهم على الإمام علي عليه السلام فرد عليه (أنا دون

ما تقول وفوق ما تظن في نفسك) ([523]).

وقال الزمخشري وغيره (ويجوز أن يكون شاملاً لكل من يأتي بحسنة فيفرح بها فرح إعجاب . ويحب أن يحمده الناس ويثنوا عليه بالديانة والزهد وبما ليس فيه) ([524])([525]).

ولكن الآية وردت بصيغة الذم المتعدد بلحاظ حرف العطف بين الأفعال المذمومة ، وإرادة تلقي الثناء من الغير بدون استحقاق ، مثل الذي لا يفي بالعهد ويريد أن يقال له أنه حافظ للعهد والميثاق سواء مع الله عز وجل أو مع الناس .

وكذا بالنسبة للذي يخفي ويكتم الحق ، ويريد أن يقال له إنه أمين وأظهر الحق ، وفَضَحَ الباطل ، أو الذي يمتنع عن الصدق ويريد أن يوصف بالصادق ، لأن إرادة الكذب هذه تجلب الضرر في النشأتين على صاحبها وعلى غيره ، لذا فان آية البحث رحمة عامة بالناس .

قوله تعالى [لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا]

الحمد لله الذي خاطب النبي محمداً في آية البحث بقوله تعالى [لَا تَحْسَبَنَّ] وفيه هدىً وتعليم ، قال تعالى [وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ]([526])، ليكون من تعليم الله عز وجل للمسلمين كشف خفايا نفوس الكفار والمنافقين ، وهذا الكشف على وجوه :

الأول : إنه سلاح بيد النبي وأصحابه لأخذ الحيطة والحذر من الذين يخفون كفرهم .

الثاني : دعوة الناس لإصلاح السرائر .

الثالث : تأكيد نزول القرآن من عند الله ، إذ يدرك كل إنسان وإلى يومنا هذا أنه لا يعلم ما تخفي النفوس إلا الله عز وجل.

الرابع : التوبيخ والإنذار للذين يفرحون بانكارهم للنبوة ، وتجهيزهم الجيوش لمحاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والقرآن.

وتحتمل الآية وجهين :

الأول : يفرحون بما أتوا أي بما فعلوا من إخفاء الميثاق وعدم بيانه وإظهاره للناس سواء المكتوب منه أو المروي والمتوارث .

لبيان أن كتمان البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أمر وجودي ، وفعل ، فيفرح الذي يخفيها لهذا الإخفاء والكتمان ، فنزلت الآية لفضحه ، وقطع فرحه ، وإصابته بالحزن ، إذ أن العقل يدرك قبح إخفاء الحقائق .

الثاني : يفرحون بما أوتوا([527])، من أسرار التنزيل والنعم.

والصحيح هو الأول ، وهو المرسوم في المصاحف وتدل عليه أسباب النزول.

ثم أن القرآن نزل بصدق وتأكيد نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لبيان قانون من وجوه :

الأول : قانون عدم الإنتفاع من كتمان الحق والتنزيل .

الثاني : قانون ترتب الضرر والإثم على كتمان الحق.

الثالث : نزول القرآن ومجئ المعجزات الحسية على يد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بحيث يستغني الناس عن بيان الذين يكتمون هذا البيان.

الرابع : توبة طائفة من أهل الكتاب وغيرهم بالكشف عن الميثاق وبيان البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهل لآية البحث موضوعية بهذه التوبة ، الجواب نعم ، وهو من مصاديق تضمن آيات الإنذار والوعيد الرحمة والفضل من الله عز وجل.

في الآية مسائل :

الأولى : ينفرد الله عز وجل وحده بالعلم بما آتى ويؤتي الناس ، وفرحهم وحزنهم .

الثانية : تارة يكون الفرح ظاهراً على الجوارح ، وأخرى هو كيفية نفسانية لا يعلم بها إلا الله عز وجل ، والمقصود من قوله [يَفْرَحُونَ]الوجهان معاً .

الثالثة : يشمل الفرح القضية الشخصية ، والمنفرد ، ويشمل الجماعة بما أتوا من إخفاء الحق ، وكتمان التنزيل والفرائض التي جاء بها الأنبياء والرسل السابقون ، والإتفاق على هذا الكتمان بلحاظ أن كلاً من هذا الكتمان والإتفاق عليه أمر وجودي.

الرابعة : صدور الفعل الذي يدل على الفرح والبطر ، وفي التنزيل [إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ] ([528]) وقيل نزلت الآية في المنافقين إذ فرحوا بقعودهم عن الجهاد ([529])  .

وهو أحد مصاديق الآية الكريمة بل تشمل الآية المنافقين الذين يخرجون إلى سوح الدفاع ، ثم يقفون في الساقة ومؤخرة الجيش ثم يدّعون القتال والمبارزة ، ويطالبون نصيبهم من الغنائم والمكاسب ، ولا يرضون بما يعطون ، ويتطلعون إلى مدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين لهم.

ولكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعلم بالوحي والواقع أنهم لم يشتركوا في الدفاع ، ومع هذا لم يوجه لهم اللوم والذم ، ولم يطردهم عندما يطلبون سهامهم من الغنائم ، ولم يفضحهم ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ]([530]).

وهل الأشعار التي كان المشركون يلقونها في شتم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفي التحريض على قتاله من الذي يفرح به المشركون مما ذكر في آية البحث.

الجواب نعم ، فهم يتفاخرون بهذه القصائد ، ويتخذون منها مادة لحشد الأعوان والأنصار لقتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

فاخبرت آية البحث بأن عاقبة هذه الأشعار والفرح بها عذاب أليم في الآخرة.

لقد ابتدأت الآية السابقة بحرف الإستئناف الواو، قال تعالى [وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ] ([531]).

كما ابتدأت به الآية التالية [وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] ([532]) .

وجاءت آية البحث من غير ان تبدأ بالحرف الواو سواء كان معناه العطف أو الإستئناف أو هما معاً ، ومع هذا فان نظم الآيات يدل على العز والمنزلة الرفيعة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وأن الله عز وجل أكرمه ببيان خفايا نفوس أعدائه ، وكذا الذين يظهرون المودة له كذباً وزوراً ، وفيه تقوية لقلبه ومواساة له ، وتنقية لمجتمع الصحابة ، ومنع من الفتنة والإفتتان بينهم.

وهل آية البحث من مقدمات دخول النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة معارك الإسلام عن جبهة متماسكة ، الجواب نعم.

لقد ابتدأت آية البحث بالحرف (لا) وهي أداء نهي وجزم .

وهل يمتثل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنون لمضامين الآية القرآنية من حين نزولها ، الجواب نعم ، لبيان قانون وهو إستجابةالرسول لأمر الله فورية ، إذ يكون تقدير الآية على وجوه :

الأول : ولا تحسبن يا رسول الله .

الثاني : يا نبي الله لا تحسبن .

الثالث : ولا تحسبن يا محمد .

الرابع : يا أيها الذين آمنوا لا تحسبوا .

وتتعلق الإستجابة الفورية لآية البحث بوجوه :

الأول : الكيفية النفسانية ، بعصمة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين من الظن بأن الذين يفرحون بالمعصية ويريدون الثناء على ما لم يفعلوا من نصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينجون من العذاب الأليم .

الثاني : الإقرار بأن الله عز وجل يعلم ما في الصدور ، والسعي لحسن الظن ، وتعاهد سلامة العقيدة.

الثالث : الخشية من الله بالغيب .

الرابع : الحيطة والإحتراز من العذاب الأليم في الآخرة وأسبابه.

لقد أقام الله عز وجل الحجة على الناس وهم في عالم الذر ، وقبل أن يهبط آدم إلى الأرض [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ([533]) قال تعالى [وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ] ([534]).

فان قلت لم تتضمن آية العهد الميثاق أعلاه أو شرط الربوبية لله عز وجل ، والجواب في الآية مسائل :

الأولى :إرادة الربوبية المطلقة لله عز وجل .

الثانية : بيان قانون وهو أن الإقرار بربوبية الله عز وجل برزخ دون إتخاذ الشريك .

الثالثة : الآية حرز من عبادة الأوثان ، وحتى لو شذّ إنسان ومال إلى تقديس الأوثان ، فان الميثاق يلاحقه بالفطرة والسجايا.

وتنهى الآية في مفهومها عن تزكية النفس بغير حق ، قال تعالى [أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلْ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً] ([535]) .

ولم يرد لفظ [يُزَكُّونَ] إلا في الآية أعلاه لبيان قبح رجاء المدح والثناء بغير حق . 

ومن الإعجاز في الآية مجيؤها بالاسم الموصول (ما) في (يفرحون بما) ويقع على المفرد والمثنى والجمع ، والمراد هو الجمع وتعدد النعم التي جاءتهم بفضل من عند الله عز وجل ، منها الكتب السماوية السابقة ، وفضل الله عز وجل في إيمانهم بالأنبياء السابقين ، والنجاة من القوم الظالمين ، كما في نجاة بني إسرائيل من فرعون ، ونعمة الأمن والنعم الشخصية .

وهل امتناع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن محاربة أهل الكتاب من النعم التي يفرحون بها ، الجواب نعم ، وإن كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا يبدأ قتالاً حتى مع المشركين ، ولا يغزو بلدة أو قرية ، ولكن كانت المعارك تقع في الواقع بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبين غزاة المدينة من قريش وحلفائها ، وكان يهود المدينة في مأمن ، وحرز حتى أن بعض أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الطريق إلى معركة أحد سأله أن يستدعي حلفاءهم من اليهود لنصرتهم .

و(عَنْ الزّهْرِيّ : أَنّ الْأَنْصَارَ يَوْمَ أُحُدٍ ، قَالُوا لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَا رَسُولَ اللّهِ أَلَا نَسْتَعِينُ بِحُلَفَائِنَا مِنْ يَهُودَ ؟ فَقَالَ لَا حَاجَةَ لَنَا فِيهِمْ)([536]).

وتبين الآية قانوناً وهو شمول العذاب الأليم في الآخرة لأقوام وجماعات يفرحون بانكار حقائق التنزيل واستحقاقهم العذاب لذات الإنكار ولما فيه من إيذاء للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين ، ومنع الناس من دخول الإسلام ، كما أن كفار قريش يفرحون بهذا الفرح لما فيه من مقاصد خبيثة وأضرار على المسلمين والدعوة إلى الله.

ولا يختص موضوع الآية وما فيها من الإنذار بالذين يخفون البشارات برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إنما يشمل الذي يكتمون معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من وجوه :

الأول : الذي رأى معجزة حسية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأدرك أنها معجزة ولكنه تعمد إخفاءها ، حسداً أو خشية من كفار قريش ، أو جحوداً.

الثاني : الذي أدرك أن القرآن كلام نازل من عند الله ، وأنه قدم كلام البشر ، وليس هو بالشعر ، ولا يختص هذا الإدراك باساطين البلاغة ، بل هو حجة على الذين يبين لهم هذا القانون وان لم يكونوا من أهل البلاغة أو ليسوا من أهل العربية والفصل بين أسرار بلاغة القرآن الإعجازية وأقوال البشر .

وهذا العموم في لزوم التصديق بالمعجزات بالشواهد وسؤال أهل الخبرة من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ]([537]).

وقد نزل ذات اللفظ (لا تحسبن) خطاباً ومواساة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودعوة له والمسلمين بالصبر على أذى الكفار ، إذ قال تعالى [وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ]([538]).

قانون توثيق القرآن للهجرة

لقد كان إيمان طائفة من أهل البيت وقريش وأهل مكة بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل الهجرة معجزة له ثم كانت هجرة ثلاثة وثمانين رجلاً وتسع عشرة امرأة من الصحابة إلى الحبشة معجزة أخرى أغاظت قريشاً ، فأظهروا المكر والعداوة.

وكان توالي نزول آيات القرآن ومضامينها من الوعيد والتخويف للذين كفروا وذمها لعبادة الأوثان معجزة أخرى للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لسعوا في قتله ، وفي التنزيل [وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ]([539]).

فجاءت هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة معجزة أخرى من جهات :

الأولى : النجاة من القتل ليلة الهجرة .

الثانية : وقوع هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأمر من الله عز وجل ، إذ نزل جبرئيل بالأمر وليس ثمة فترة بين النزول وتنجز الهجرة في ذات الليلة وهو من أسباب كتمان أمر الهجرة ، وفيه حجة على الذين كفروا إذ أرادوا قتله في تلك الليلة ، فلا يقول بعضهم مادفع محمداً للهجرة كان بيننا معززاً مكرماً ، ولا يستطيعون مؤاخذته بأنه ترك بلد إبراهيم الخليل ، وجوار البيت الحرام ، وذهب إلى يثرب .

و(عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج من مكة أما والله اني لأخرج وإني لأعلم أنكِ أحب البلاد إلى الله وأكرمها على الله ، ولولا أن أهلكِ أخرجوني منك ما خرجت)([540]).

و(عن ابن عباس قال : كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمكة ، ثم أمر بالهجرة فأنزل الله تعالى [وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا] ([541]))([542]).

الثالثة : توثيق القرآن لطريق الهجرة وملاحقة قريش للنبي لإرادة قتله ، قال تعالى [إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ]([543])، وقد وردت آيات عديدة في هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وما فيها من الأجر والثواب ، وفي السنة القولية والفعلية شواهد إعجازية في المقام.

لقد تضمنت آية البحث تشريعاً بخصوص عالم الآخرة ، وهو بيان وجه من وجوه الظلم التي تستحق العذاب الأليم ، وهو الفرح بكتمان البشارات والوديعة العقائدية، وإرادة تلقي الحمد على أمور حسنة لم يتم فعلها ، وهذا الظلم من الكلي المشكك في ضرره على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين وعامة الناس ، قال تعالى [وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ] ([544]).

قانون عذاب الكافر في الدنيا

قد وردت آيات بخصوص عذاب الدنيا للذين تمادوا في الغي وإشاعة الفساد ، كما في قوله تعالى [فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ]([545]) وقوله تعالى [وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ]([546]).

والمختار جمع آية البحث بين العذاب الدنيوي والعذاب الأخروي ، وإن لم أجد هذا القول عند علماء التفسير ، ومن الآيات التي تجمع بينهما قوله تعالى [وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ] ([547]) .

والمراد من العذاب الأدنى البلاء في الدنيا ، وعن عبادة بن الصامت أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الآية أعلاه ، قال (هي المصائب والاسقام والانصاب عذاب للمسرف في الدنيا دون عذاب الآخرة قلت : يا رسول الله فما هي لنا .

قال : زكاة وطهور) ([548]).

وهل قوله تعالى [لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ] في الآية أعلاه يشمل الذين ذكرتهم آية البحث ، الجواب نعم ، فيأتيهم العذاب في الدنيا عسى أن يتوبوا ويعلنوا البشارات بالرسالة الخاتمة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ويمتنعوا عن النفاق والتخلف عن الواجبات ، وهو من أسرار تكرار [لَا تَحْسَبَنَّ].

وتقدير الآية : لا تحسبن الذين يفرحون بما لم يفعلوا بمفازة من العذاب الأدنى ، ولهم العذاب الأليم العذاب الأكبر في الآخرة.

ومن عذاب الدنيا التي تشير إليه آية البحث بقوله تعالى [بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ] ([549])الخزي كما في قوله تعالى [ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ] ([550])وقد يقال وردت الآية أعلاه بخصوص الذين يحاربون الله ورسوله ، ويسعون في الأرض فساداً.

والجواب تتعدد أسباب وضروب الخزي في الدنيا للكافرين والجاحدين.

وهل هذه الصفات والتسميات لمسمى واحد من العذاب الأخروي للكافرين والظالمين ، أي أن عذاباً واحداً يصدق عليه أنه عذاب أليم ، وعذاب مهين، وعذاب غليظ ونحوه .

المختار لا ، فان كل صفة للعذاب تبين معنى ونوعاً من العذاب غير الآخر ، كما في قوله تعالى [ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ]([551]) ومنها ما يكون شاملاً للجميع ، كالعذاب الأليم ، فكل عذاب في الآخرة هو أليم في ذاته ووقعه على الكافر .

لذا أختتمت آية البحث بقوله تعالى [وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ]لبيان شدة عذابهم وعدم نجاتهم لا من عذاب الدنيا ، ولا من عذاب الآخرة .

ومن اللطف والرحمة الإلهية بالناس جميعاً أن جعل العذاب الدنيوي والفتنة أمارة وتذكيراً بالعذاب الأخروي ، ودعوة عملية للإحتراز والنجاة منه بالتوبة والإنابة.


 

علم المناسبة

لم يرد لفظ (أتوا) في القرآن إلا في آية البحث ، مع كثرة ورود مادة (أتى) ومشتقاتها في القرآن ، وفيه شاهد على موضوعية هذه الآية ، ولزوم التدبر في مضامينها القدسية .

وورد لفظ [أُوتُوا] في القرآن اثنتين وثلاثين مرة وأكثرها في الذين [أُوتُوا الْكِتَابَ] ثم الذين أوتوا العلم  ، منها قوله تعالى [وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلاَ يُلَقَّاهَا إِلاَّ الصَّابِرُونَ] ([552])  ، ومنها قوله تعالى [قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ] ([553]) ولم يرد لفظ [الْخِزْيَ]في القرآن إلا في الآية أعلاه .

لبيان أن الإيمان والعمل الصالح هو الذي يحق للإنسان أن يفرح به ، وليس المكر والحيلة .

لتكون الآية أعلاه وقاية من النفاق والفرح بغير الحق ، ومن هذه الآية ما يتعلق موضوعها بعالم الآخرة ، ومادة الإحتجاج يومئذ ، قال تعالى [وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ]([554]).

لتذكير الذين يحبون الثناء عليهم من غير أن يفعلوا ما يستحق هذا الثناء بوجوب الإيمان ، وإتخاذ نهج الأنبياء في الصلاح والتقوى ، قال تعالى [أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ]([555]).

ترى ما هي النسبة بين الذين أوتوا العلم وبين الذين أوتوا الكتاب ، الجواب هو العموم والخصوص المطلق ، فالذين أوتوا العلم أعم وأكثر ، ويتعاهدون الإيمان .

وجاءت آية بالجمع بين العلم والإيمان ، قال تعالى [وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ] ([556]).

من منافع هذا الجمع الأمن وحضور العلم في الآخرة ، وصيرورتهم يحتجون على الذين كفروا ، وفيه دعوة للإيمان والصلاح لكل من :

الأول : الذين أوتوا العلم .

الثاني : الذين أوتوا الكتاب .

الثالث : الذين أوتوا نصيباً من الكتاب ، كما في قوله تعالى [أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ]([557]).

وهل الرغبة والسعي لنيل الثناء على ما لم يتم من فعل الصالحات من الضلالة التي تذكرها الآية أعلاه ، الجواب نعم .

الرابع : الذين أوتوا النعم في المال والبدن والولد والجاه .


 

من وجوه تقدير الآية

لقد تكرر لفظ [لاَ تَحْسَبَنَّ] وقيل هذا التكرار للتوكيد ، وهو معروف في لغة العرب ، وهذا صحيح ، ولكن معناه في القرآن  أعم من المفهوم اللغوي ، وهناك حذف ، وتقدير الآية [لاَ تَحْسَبَنَّ] على وجوه :

الأول : لا تحسبن الله غافلاً عن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ، والقرآن يفسر بعضه بعضاً ، فهذا المعنى من مصاديق قوله تعالى [وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ] ([558]).

الثاني : لا تحسبن الله لا يفضح الذين يفرحون بما أتوا من الباطل .

الثالث : لا تحسبن الناس لا يعلمون بسوء فعل الذين يفرحون بما أتوا من القبيح وإنكار التنزيل .

الرابع : لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا يضرونكم ، وهو من مصاديق قوله تعالى [لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى] ([559]).

الخامس : يا أيها الذين آمنوا لا تحسبوا الذين يفرحون بإيذائكم على هدى ، إنما هم في ضلال .

السادس : لا تحسبن النعم تستديم على الذين يفرحوا بما أتوا من الإصرار على إخفاء البشارات النبوية ، وهو من مصاديق قوله تعالى [لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ] ([560]).

السابع : لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا متحدين أو على وئام بل هم مختلفون فيما بينهم ، قال تعالى [تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى]([561]).

الثامن : لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا لا يعلمون بضلالتهم ، لذا فان العذاب ينزل بهم بعد إقامة الحجة عليهم .

التاسع : لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا يكون لهم عز في الدنيا أو الآخرة ، قال تعالى [وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ  ]([562]).

العاشر : لا يحسبن الذين يفرحون بما أتوا أنهم يحسنون صنعاً .

الحادي عشر : لا يحسبن الذين يفرحون بما أتوا أن الله لا يخبرك والمؤمنين بسوء سريرتهم .

الثاني عشر : لا يحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا والمهاجرين والأنصار لا تعلمون بقبيح فعلهم .

الثالث عشر : لا يحسبن الناس أن الله لا يعلم ما في القلوب ويثيب على النوايا الحسنة ، ويؤاخذ على المقاصد الخبيثة .

الرابع عشر : لا يحسبن الذين يفرحون بما أتوا أنهم يستمرون بأفعالهم ، فالكفر في الجزيرة وغيرها لا يستديم ، قال تعالى [بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ] ([563])ولم يرد لفظ [زَاهِقٌ] في القرآن إلا في الآية أعلاه.

الخامس عشر : لا يحسبن الذين يفرحون بما أتوا أن فرحهم لا ينقطع .

السادس عشر : لا تحسبن أن التوبة لا تدرك الذين يفرحون بما أتوا .

السابع عشر : لا تحسبن أن الله لا يظهر البشارات بنبوتك التي يخفيها الذين يفرحون بما أتوا .

السابع عشر : لا تحسبن أن الذين يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا يمنعون إنتشار وسعة الإسلام .

الثامن عشر : لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا خلاف الوظيفة الشرعية أن الناس يتبعونهم ، لبيان النفع العظيم للمعجزة النبوية ، فهي تحارب أعداء التوحيد والتنزيل ، وتمنع الناس من الإنصياع لهم.

قانون من الفطرة الإعراض عن الكفار

من معاني الآية التالية في نظم القرآن [وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] ([564]) أن الأرض دار العبادة والذكر لله عز وجل ، ولا يلقى فيها الكفار إلا الخزي وعزوف الناس عنهم ، وإن أظهروا الخشية والتقية من ذوي الجاه والسلطان منهم ، وتعجل هذه التقية بزوال سلطانهم ، ليكون من معاني [إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً]([565]) حجة على الكافرين ، وإنذاراً بنزوله بهم، وهو من مصاديق آية البحث [فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ] ([566])  فان لم يأتهم اليوم يحل بساحتهم غداً .

فان قلت قد استمعت أكثر قبائل العرب في موسم الحج إلى قريش في إفترائها على النبي محمد ونعتها له بأنه ساحر ومجنون ، والجواب من جهات:

الأولى : لقد كانت وفود تلك القبائل تعرض عن دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهم للإسلام والإيواء وحمايته من أذى وبطش قريش قبل أن يهاجر ، ولكن هذا الإعراض لم يكن على نحو السالبة الكلية فقد كانت تلك الوفود تستمع للآيات ويتدبرون في معانيها ودلالاتها .

الثانية : رصد ومتابعة وفود القبائل لمعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحسية .

الثالثة : لم يكن إعراض القبائل عن دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن عدم التصديق برسالته ، لإنجذاب عامة الناس للمعجزة طوعاً وقهراً ، ولكن لتهديد قريش للقبائل ، وإكثارهم  من التحذير من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقد شارك في هذا التحذير أيام الموسم عمه أبو لهب .

وهل يتبادر إلى الإذهان إذا كان عمه صنو أبيه يجاهر بانكار نبوته فمن باب الأولوية إمتناع الناس عن التصديق بنبوته ، الجواب لا ، لأن الآية القرآنية سلاح ينفذ إلى شغاف القلوب ، والمعجزات النبوية تخالط العقل ، وتكون مصاحبة له ، وتدعوه للإيمان .

(وذكروا أنه كان إذا قدم على النبي (صلى الله عليه وآله) وفد ليعلموا علمه انطلقوا([567]) بأبي لهب إليهم وقالوا له: أخبر عن ابن أخيك، فكان يطعن بالنبي صلى الله عليه وآله ، وقال الباطل، وقال: إنا لم نزل نعالجه من الجنون، فيرجع القوم ولا يلقونه.

وعن طارق المحاربي: رأيت النبي صلى الله عليه وآله في سويقة ذي المجاز عليه حلة حمراء وهو يقول : يا أيها الناس قولوا لاإله إلا الله تفلحوا ” وأبو لهب يتبعه ويرميه بالحجارة وقد أدمى كعبه وعرقوبيه ، وهو يقول: يا أيها الناس لا تطيعوه فإنه كذاب)([568]).

الرابعة : لقد أنعم الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن جعل دار ومحل بعثته مكة المكرمة بجوار البيت الحرام ، فتفد الوفود كل موسم لأداء مناسك الحج ، ويأتي الأفراد والجماعات لأداء العمرة طيلة أيام السنة .

ومن بديع صنع الله عز وجل أن موسم الحج في أشهر حرم لا يجوز فيها القتال والغزو والثأر والسبي ، قال تعالى [إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ] ([569]).

الخامسة : لم تكن دعوة النبي القبائل للإسلام محصورة بسنة وموسم حج واحد ، بل هي تتكرر كل عام خاصة بعد السنة السابعة للهجرة.

وفي السنة العاشرة التقى بوفد الخزرج من أهل يثرب (المدينة) وعددهم ستة فاستمعوا له ، وجمعوا بين دعوته وبين البشارات بخاتم النبيين التي كان يتداولها يهود المدينة ، ثم تدبروا في معجزاته وصفاته ، ووجدوها موافقة لما ذكروا لتحرز مقدمات الهجرة .


 

بحث كلامي(لا تحسبن)

يحتمل الظن بنجاة الذين يضمرون العداوة للنبوة باخفاء حقائق التنزيل جهات :

الأولى : كان هذا الظن موجوداً عند النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واحتاج نزول الآية لإزالته .

الثانية : لم يكن هذا الظن موجوداً عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأراد الله عز وجل منعه من الدبيب إلى نفسه .

الثالثة : نزول الآية خطاباً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمراد الأمة .

والمختار وجود هذا الظن عند طائفة من المؤمنين فجاء التحذير العام فلفظ الخطاب (لاتحسبن) موجه إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو عام له وللأمة وعامة الناس في حكمه ودلالته ، ومنه مثلا [يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لاَ تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا]([570]).

فمن كان يظن أن أولئك الذين يفرحون بانكار المعجزات واخفاء البشارات ينجون من العذاب الأليم فان هذه الآية تنفي هذه النجاة ، وهي تمنع من حصول هذا الظن عند طوائف أخرى من المسلمين وغيرهم .

ومن إعجاز آية البحث المنع من الخلاف في مسألة كلامية وهي حدّ العذاب يوم القيامة ، وهل يشمل الفئات التي ذكرتها آية البحث ، وحال الكيفية النفسانية أم لا يشملها وينحصر العذاب بالشرك وبالهجوم المسلح على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمدينة ، الجواب هو الأول .

وفيه تخفيف عن المسلمين ومنع من اشتغال العلماء والمحدثين وعامة الناس بمسائل كلامية زائدة ، ومنها مثلاً فتنة خلق القرآن التي ابتدأت في أيام المأمون العباسي سنة 218 هجرية وما صاحبها من المحن ، وقيام بعض خلفاء العباسيين بامتحان القضاة والفقهاء وغيرهم بها واستحواذها على جانب من المناظرات وزجها بغير حق في المعتقدات.

وغيرها من الفتن وظهور القدرية والجبرية والمشبهة الذين شبهوا الله عز وجل بخلقه ، ويطلق عليهم اسم المجسمة لقولهم بأن الله جسم وأنه موجود في جهة ، وتمنع آية البحث من فتنة كلامية بين المسلمين في ذات موضوعها.

إذ أنها تنفي الظن بنجاة الذين يفرحون بانكار النبوة مما يدل بالأولوية القطعية على امتناع إعلان طائفة من المسلمين مثل هذا الظن ، ويأتي توالي تلاوتهم لآية البحث كل يوم برزخاً ومانعاً من هذا الظن وإعلانه مجتمعين ومتفرقين بخصوص طائفة من الذين يشملهم العذاب الأليم في الآخرة من مصاديق قوله تعالى [هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ]([571]).

فتنزل الآية القرآنية ليتلوها النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون ، وتكون تزكية وتنقية لهم ، وهي حكمة قاطعة للخصومة والإجتهاد خلاف النص حتى فيما يتعلق بمواطن وأهوال الآخرة ، ولا يختص هذا القطع بموضوعه إنما يشمل منافعه وغاياته الحميدة إذ أنه يبعث الفزع في قلوب الذين يؤذون رسول الله ، ويدعوهم كفاراً ومنافقين الى التوبة والإنابة .

وهل تمنع هذه الآية من الإجتهاد خلاف النص ، وأنها من مقدمات ومصاديق قوله تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ] ([572]).

 الجواب نعم ، فلا يجد الكافر بالتوحيد والرسالة ذريعة واعتذاراً بخلاف يقع بين علماء المسلمين في شموله بالعذاب أو لا عندما يفرح بكتمانه الحقائق وإنكاره المعجزات النبوية لإنتفاء هذا الخلاف .

لتدل الآية على قانون مستحدث من وجوه :

الأول : قانون إنقاذ الآية القرآنية العلماء من الخلاف والخصومة.

الثاني : قانون منع الآية القرآنية المسلمين من الإنشغال عن العبادة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

و(عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن هذا القرآن مأدبة الله تعالى فتعلموا من مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن هو حبل الله وهو النور المبين والشفاء النافع ، وعصمة من تمسك به ، ونجاة من تبعه، لا يعوج فيقوّم ولا يزيغ ، فيستعتب ولا تقضى عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرد، فاقرأوه فإن الله يأجركم على تلاوته بكل حرف عشر حسنات، أما أني لا أقول ( ألم ) حرف ولكن ألف ولام وميم ثلاثون حسنة)([573]).

لبيان قانون وهو كثرة منافع التلاوة ومنها :

الأول : قانون وحدة المسلمين .

الثاني : قانون منع الإختلاف بين المسلمين.

الثالث : قانون كثرة تلاوة الكلمة والآية القرآنية صلاح للمجتمعات.

الرابع : قانون التلاوة واقية من الفتن.

فان قلت تقدم الكلام في هذا المبحث عن حصول بعض الفتن ، ومن الفتن ردة بعض القبائل بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

والجواب لقد بقى أكثر المسلمين بعيدين عن هذه الفتن ، وهي تطرأ وتظهر وسرعان ما تزول ، إذ تحاصرها آيات القرآن.

فنزلت آية البحث لتخبر عن شدة العذاب على هذا الفرح بالباطل وإنكار النبوة ، وما فيه من الإضرار بالسلم المجتمعي لأنه فرع فعل المعصية والإستكبار على الحق والتنزيل ، وهل يقف هذا الفرح عند الكيفية النفسانية ، الجواب لا ، إنما يظهر على ألسنتهم ، فجاءت آية البحث بترتب العقاب الأليم عليه.

علم المناسبة

ورد لفظ (يفرحون) مرتين في القرآن ، إحداهما في آية البحث والأخرى في قوله تعالى [وَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآَبِ]([574]).

وفيه ثناء على اليهود والنصارى الذين يصدقون بنزول القرآن من عند الله ويقرون بموافقة صفات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لما ورد في التوراة والإنجيل من البشارة برسالته ، وصفاته .

وقد جاءت آيات عديدة بهذا المعنى منها [الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ]([575]).

ولم يرد لفظ (أجرهم مرتين) إلا في الآية أعلاه ، ولم يرد في القرآن ذات اللفظ بصيغة الخطاب (أجركم مرتين) نعم نزل القرآن بالبشارة بالحسنة بعشر أضعافها ، قال تعالى [مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ]([576]).

وفي الإنفاق في سبيل الله ورد قوله تعالى [مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ]([577]) ، وآيات أخرى في مضاعفة الأجر والثواب.

والمراد من الذين (يفرحون بما أنزل اليك) في الآية أعلاه وجوه :

الأول : أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم .

الثاني : الذين أسلموا من أهل الكتاب مثل عبد الله بن سلام وأصحابه ، (ومَنْ آمن من النصارى وهم ثمانون رجلاً : أربعون بنجرانَ ، وثمانيةٌ باليمن ، واثنانَ وثلاثون بالحبشة)([578]).

الثالث : مؤمنوا أهل الكتاب .

الرابع : اليهود والنصارى إذ فرحوا بنزول القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لما فيه من تصديق التوراة والإنجيل (وعن مجاهد ، والحسن البصري ، وقتادة : أن المراد بأهل الكتاب جميعهم يفرحون بما أنزل من القرآن ، إذ فيه تصديق كتبهم ، وثناء على أنبيائهم وأحبارهم ورهبانهم الذين هم على دين موسى وعيسى عليهما السلام)([579]).

والمختار هو عامة أهل الكتاب إلا من جحد وأنكر إذ كان أهل الكتاب يتطلعون إلى رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما أنه جاء بما فيه تصديق الذين عندهم من التوراة والإنجيل .

ومن إعجاز القرآن منعه توالي التحريف في الكتب السماوية السابقة ، ففيه أحكام الشريعة ، وقصص الأنبياء ، ومبدأ خلق الناس ، والمعاد ، والبعث على فعل الصالحات ، قال تعالى [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]([580]).

ويبين فرح أهل الكتاب قانوناً وهو لابد من وجود أمة تشاطر المسلمين الفرح بنزول القرآن ، ثم ينفرد المسلمون بالعمل بأحكامه فالنسبة بين الفرح وبين العمل بخصوص ذات موضوع الفرح عموم وخصوص مطلق ، فمن خصائص التنزيل أنه منهاج عمل سماوي يترتب عليه الجزاء يوم القيامة .

لذا أختتمت آية البحث بالوعيد ، للذين كذبوا بالتنزيل ويفرحون بهذا التكذيب ، ولو كان خفياً وبلغة الإشارة ، ومن خصائص هذا الوعيد وجوه:

الأول : نزول الوعيد من عند الله عز وجل .

الثاني : النص والبيان في نوع موضوع الوعيد وهو العذاب الأليم.

الثالث : مجئ آيات القرآن والسنة النبوية ببيان ضروب من شدة هذا العذاب .

ومنه ما يتعلق بموضوع الآية ، كما ورد (عن عدي بن حاتم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :  يؤتى يوم القيامة بناس بين الناس إلى الجنة ، حتى إذا دنوا منها استنشقوا رائحتها ونظروا إلى قصورها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها .

فيقولون : يا ربنا لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا من الثواب وما أعددت فيها لأوليائك كان أهون .

 قال : ذاك أردت بكم كنتم إذا خلوتم بارزتموني بالعظيم ، وإذا لقيتم الناس لقيتموهم مخبتين ولم تجلوني ، وتركتم للناس ولم تتركوا إلي ، فاليوم أذيقكم العذاب الأليم مع ما حرمتم من الثواب)([581]).

قوله تعالى [وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا]

من إعجاز آية البحث ذكرها صفة وكيفية نفسانية لا تختص بطائفة أو قوم دون غيرهم ، ولا بفعل مخصوص تلتقي عنده فئة من الناس ، إذ تفيد الآية التعدد من جهات :

الأولى : صيغة الجمع التي وردت فيها [يُحِبُّونَ] .

الثانية : تعدد الجماعات والطوائف التي تحب أن تحمد بما لم تفعل ، فتشمل فريقاً من الكافرين والمنافقين .

الثالثة : التعدد في ذات الفعل الذي يحبون ان يحمدوا عليه من وجوه :

الأول : طائفة تحب الثناء عليها بأنهم حفظة الشريعة وليسوا كذلك .

الثاني : طائفة تحب أن تحمد بصدّ الناس عن التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .

فان قلت هذا الصدّ فعل ، وانما ذكرت الآية عدم قيامهم بالفعل الذي يستحق الحمد.

والجواب المراد ما لم يفعلوا من إظهار البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وفي التنزيل [وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا] ([582])  أي أمرناهم بالعدل والإحسان ولكنهم ظلموا ونشروا المعاصي .

فهؤلاء الذين ذكرتهم آية البحث أمروا أن يفعلوا الخير ويعملوا الصالحات ، ولكنهم امتنعوا عنها ، ومع هذا أرادوا من الناس أن يثنوا عليهم ويمدحوهم ، فجاءت آية البحث من سخط الله عز وجل عليهم للقبح المركب لفعلهم ، فاختتمت الآية بما يفيد تلقيهم البلاء في الدنيا ، والعذاب الأليم في الآخرة .

ترى ماذا لو اكتفوا بفعل ما لم يؤمروا به ولم يفرحوا به ، فهل يأتيهم ذات العذاب .

الجواب نعم ، ليكون حبهم لإرتكابهم الباطل حجة عليهم ، وسبباً في زيادة عذابهم من غير أن يتعارض مع دعوة الآية في مفهومها لهم بالتوبة والإنابة .

إذ تأتي الآية على الطائفة والجماعة المارقة والكافرة والمنافقة ، فتكشف عيوبها وضلالتها ، وتشتتها ، وتدعوها للتوبة والإنابة ، فيستجيب أكثر أفرادها .

وهل يدل قوله تعالى [إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ *ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا] ([583]) على إنحصار مجئ هذه الأفواج بحال النصر العام للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتحقق صلح الحديبية أو فتح مكة.

الجواب إثبات شئ لشئ لا يدل على نفيه عن غيره ، وتحقق هذا الإنحصار ولغة الشرط في الآية أو أن دخول بعض الأفواج في الإسلام سبقت فتح مكة أو حتى صلح الحديبية يبينه تأريخ النبوة ووقائع الأحداث .

والفوج لغة ، الجماعة من الناس([584])والجمع أفواج  .

وظاهر الآية الكريمة والوقائع أن الأفواج ووفود القبائل توالت بعد صلح الحديبية ثم ازدادت أعدادهم وإسلام من خلفهم بعد فتح مكة حتى سميت السنة التاسعة للهجرة عام الوفود .

كما أن سورة النصر آخر سورة أنزلت من القرآن للإخبار عن هذه الوفود ، وفيها نعي لنفس النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وهل تختص مضامين السورة ومجئ الوفود بأيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أم أنها تشمل ما بعده.

الجواب هو الثاني ، لأصالة الإطلاق ، فان قلت قد تضمنت السورة قوله تعالى [فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا] ([585])بصيغة الخطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .

والجواب المراد الحاق الأمة أيضاً بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

والأفواج والشعوب التي دخلت الإسلام بعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أكثر من الذين دخلوا في أيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، لتكون السورة دعوة للمسلمين والمسلمات جميعاً للشكر لله عز وجل والإنقطاع للتسبيح والإستغفار ، وبيان قانون وهو أن الذين ذكرتهم آية البحث بالذم لم يضروا الإسلام .

وهل هذا التسبيح سلاح لمواجهة الذين يحاربون النبوة والقرآن بالإستهزاء والإفتراء والفرح بهذا الإستهزاء ، الجواب نعم لتأكيد قانون (لم يغز النبي (ص) أحداً).

وبيان قانون أن الله عز وجل يكفي النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم شر وكيد أعدائه بنزول الآية القرآنية ، كما في آية البحث.

ولآية البحث ومثيلاتها موضوعية في منع تحشيد قريش أكثر القبائل على النبي ، وفي تحييد كثير من أهل الكتاب الذين في المدينة أو في نجران أو في الشام .

وقد صدرت والحمد لله أجزاء من هذا السِفر خاصة بقانون (لم يغز النبي (ص) أحداً ) وهي :

الأول : الجزء التاسع والخمسون بعد المائة.

الثاني : الجزء الستون بعد المائة.

الثالث : الجزء الحادي والستون بعد المائة.

الرابع : الجزء الثالث والستون بعد المائة.

الخامس :الجزء الرابع والستون بعد المائة.

السادس : الجزء الخامس والستون بعد المائة.

السابع : الجزء السادس والستون بعد المائة.

الثامن : الجزء السابع والستون بعد المائة.

التاسع : الجزء التاسع والستون بعد المائة.

العاشر : الجزء الحادي والسبعون بعد المائة .

الحادي عشر : الجزء الثاني والسبعون بعد المائة .

الثاني عشر : الجزء الثالث والسبعون بعد المائة .

الثالث عشر : الجزء الخامس والسبعون بعد المائة.

الرابع عشر : الجزء السادس والسبعون بعد المائة.

الخامس عشر : الجزء السابع والسبعون بعد المائة .

السادس عشر : الجزء الثامن والسبعون بعد المائة .

السابع عشر : الجزء الثاني والثمانون بعد المائة .

الثامن عشر : الجزء الخامس والثمانون بعد المائة .

التاسع عشر : الجزء الثامن والثمانون بعد المائة.

العشرون : الجزء الثاني والتسعون بعد المائة .

الواحد والعشرون : الجزء المائتان .

الثاني والعشرون : الجزء الثامن بعد المائتين .

الثالث والعشرون : الجزء الثاني عشر بعد المائتين .

الرابع والعشرون : الجزء الثامن عشر بعد المائتين . 

وتتضمن آية البحث في مفهومها نهي المؤمنين عن موالاة الذين تذمهم الآية ، وهو من إعجاز القرآن بافادة لغة الذم لطائفة أو قوم وتحذير النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه والناس جميعاً منهم ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ *وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْقِلُونَ] ([586]).

فالذين يستهزئون بالنبوة والتنزيل يفرحون بجدالهم بالباطل ، فنزلت آية البحث بمنع المؤمنين من إتخاذهم أولياء ووليجة وخاصة، كما أنها تحذر من إخبارهم عن الجهة التي تتوجه لها سرايا الدفاع ، وإطلاعهم على أسرار المسلمين .

لقد جعل الله عز وجل نفس الإنسان مجبولة على الرغبة في تلقي المدح ، وهل هو من مصاديق نفخ الله من روحه في آدم ، إذ قال تعالى [وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ] ([587]) الجواب لا ، إنما هو من خلافة الإنسان في الأرض وقوله تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]([588]) ولأن الدنيا دار امتحان وإختبار .

ولأن الله عز وجل جعل الناس بالفطرة يميلون إلى فعل الخير وعمل الصالحات ، ورغبّهم بحب الحمد للذات ، ليكون مقدمة ونتيجة أيضاً للمواظبة على الإحسان للذات والغير ، والمبادرة إلى الإيمان ، والتسابق في الخيرات ، قال تعالى [وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ] ([589]).

وجاء القرآن بالفصل والتمييز بين رجاء الحمد على الإيمان وفعل الخير وبين الرجاء المذموم بطلب الثناء من الناس على إرتكاب المعصية وفعل السيئة .

وفي الآية نهي عن الرياء المركب ، وهذا إصطلاح مستحدث هنا أي يرائي الناس بما لم يفعل ، ويحب أن يحمدوه على هذا المراءاة .

لقد نزل القرآن لبناء صرح الأخلاق الحميدة إلى يوم القيامة .

وعن الإمام علي عليه السلام قال (قال رسول الله : عليكم بحسن الخُلق فإنّ حُسن الخُلق في الجنّة لا محالة ، وإياكم وسوء الخُلق فإنّ سوء الخُلق في النار لا محالة) ([590]).

وهل من معاني الحديث أعلاه أنه تفسير لآية البحث ، الجواب نعم ، إذ يحذر النبي صلى الله عليه وآله وسلم من العذاب الأليم يوم القيامة ، والذي يترتب على سوء الخلق ، ومنه إنكار حقائق التنزيل .

وصحيح أن الآية نزلت بخصوص الذين يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا إلا أنها تدل في مفهومها على وجوب إتيان الواجب الشرعي ، والعمل الصالح وإجتناب السيئات ، سواء تعقبه مدح من الناس أو لا ، خاصة وأن هناك صالحات لا يعلم بها إلا الله عز وجل.

لقد جعل الله عز وجل القرآن مدرسة المواعظ والتأديب والإصلاح لأمور الدين والدنيا ، ومنها قانون بعث آية البحث الناس على طلب الحمد والثناء على ما يقولون ويفعلون من الصدق والحق وسنن الإيمان.

و(عن أبي الدرداء قال : سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله قال : يا عيسى ابن مريم إني باعث بعدك أمة إن أصابهم ما يحبون حمدوا وشكروا ، وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا ، ولا حلم ولا علم . قال : يا رب كيف يكون هذا لهم ، ولا حلم ولا علم؟ قال : أعطيهم من حلمي وعلمي)([591]).


 

جراحات النبي (ص) في معركة أحد

المراد من الإبتلاء بالأنفس أعم من القتل ، فيشمل أيضاً :

الجراحات في معارك الدفاع عن بيضة الإسلام ، وكانت جراحات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في معركة أحد كثيرة ومتعددة وكانت حجارة المشركين تصل إليه ، أي من باب الأولوية أن سهامهم ونبالهم تصل إليه ، وإذا كان الغالب في تلقي السهام الموت خاصة القريبة مع قلة الصحابة الذين حول النبي ساعتئذ لبيان قانون نجاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في معركة أحد معجزة له .

(ورمى عبد الله بن قمية الحارثي رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر فكسر أنفه ورباعيته وشجّه في وجهه فأثقله ، وتفرّق عنه أصحابه ، فأقبل عبد الله بن قميه يريد قتل رسول الله فذب عنه مصعب بن عمير وهو صاحب راية رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر)([592]).

والمختار أن جراحات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم تأت من جهة عبد الله بن قمئة وحده بل تعدد المشركون الذين أرادوا قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، والذين اعتدوا عليه ، منهم :

الأول : عتبة بن أبي وقاص ، إذ رمى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكسر رباعيته اليمنى السفلى من أسنانه الأمامية ، وجرح شفته السفلى([593]).

الثاني : عبد الله بن شهاب الزهري ، شج النبي صلى الله عليه وآله وسلم في جبهته .

الثالث : عبد الله بن قمئة جرح وجنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فدخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته .

الرابع : وقوع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في حفرة من الحفر التي حفرها أبو عامر كمكيدة ليقع فيها الصحابة ، فأخذ الإمام علي عليه السلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيده([594]).

(وذكر قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وقع لشقه أغمي عليه ، فمر به سالم مولى أبي حذيفة فأجلسه ومسح الدم عن وجهه، فأفاق وهو يقول: كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى الله، فأنزل الله[لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ]([595])الآية)([596]).

الخامس : كسر الخوذة التي على رأس النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فبدل أن تكون واقية لرأس النبي من السيوف والحجارة تهشمت على رأسه الشريف .

السادس : استمرار سيلان نزيف الدم من وجه ورأس النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وكانت فاطمة عليها السلام تغسل الدم والإمام علي عليه السلام يسكب عليها الماء ، فلما رأت أن النزف يزداد ولا ينقطع أخذت قطعة حصير فأحرقتها ، ولما صارت رماداً ألصقته بالجرح فانقطع النزف([597]).

و(عن سهل بن سعد : أن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم جرح يوم أحد، وكسرت رباعيته([598])، وهشمت البيضة على رأسه، وانصرف المشركون ، فخرج النساء إلى الصحابة، فكانت فاطمة فيمن خرج، فلما لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتنقته، وجعلت تغسل جراحته وعلي يسكب الماء بالمجن فتزايد الدم، فلما رأت ذلك أخذت شيئا من حصير، فأحرقته بالنار حتى صار رمادا، فأخذت ذلك الرماد وكمدته حتى لصق بالجرج، فاستمسك الدم)([599]).

السابع : تقدم أبي بن خلف نحو النبي صلى الله عليه وآله وسلم لإرادة قتله إذ كان يهدد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالقتل وهو في مكة حتى إذا دنا من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ضربه بحربة أخذها من أحد الصحابة فخدشه وكان فيها هلاك أُبي كما سيأتي بيانه.

لقد كان المسلمون بحاجة إلى الصبر والتقوى يومئذ الصبر في ميدان المعركة وملاقاة الغزاة المشركين ، والصبر في عدم الإنتقام والبطش بعد كثرة قتل الصحابة وكان أكثرهم من الأنصار.

وهل يصح تقدير الآية : يا أيها النبي إن تصبر وتتقي فان ذلك من عزم الأمور ، الجواب نعم.

ونزل القرآن بالأمر إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالصبر ، قال تعالى [وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ]([600]).

وتتضمن الآية قبل السابقة [لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ]([601])، دعوة المسلمين للصبر على الجراحات التي أصابت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

ومن معاني الصبر في المقام أن هذه الجراحات على حجة الذين كفروا ، وفيها دعوة لأفراد القبائل بالإمتناع عن نصرة وتأييد قريش في قتالها لرسول الله وغزوها المتكرر للمدينة.

الثامن : إرادة أبي بن خلف قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ كان يتوعده بالقتل وهو في مكة وفي معركة أحد دنا من النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد.

قوله تعالى [فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ]

(وفي حرف عبد الله بن مسعود { لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ})([602]).

أي لم يكرر (تحسبنهم) في قراءته.

وعلى فرض صحة سند الحديث وجهة الصدور فان المدار على ما مرسوم في المصاحف .

لم يرد لفظ [وَلاَ تَحْسَبَنَّ] في القرآن إلا في آية البحث ، وجاء على نحو الترديد والتكرار ولقد تكرر العامل وهو (تحسبن) فهل المعمول واحد وهم الذين يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ، المختار لا ، إذ أنه أعم وهو من أسرار الترديد والتكرار في الآية ، وأن موضوعه لا ينحصر بالتأكيد وحده.

لم ينفرد القرآن بذكر ما ينتظر الكفار من العذاب الأليم يوم القيامة ، فقد جاءت به التوراة والإنجيل ، وحذر وأنذر منه الأنبياء السابقون ، وهذا الإنذار رسالة السماء إلى الأرض ، وحجة لله عز وجل على الناس في الدنيا والآخرة ، قال تعالى [وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ]([603]).

ولا يختص إنذار الأنبياء بخصوص عالم الآخرة وعذاب الكفار فيه ، إنما يشمل أمور الدنيا ، والإنذار من ذات الكفر وفعل العاصي ، وما يترتب عليها من الضرر الخاص والعام ، وهو من إعجاز خاتمة آية البحث بجمعها بين أمرين في موضوع متحد ، وهما :

الأول : حرمان الكفار من النجاة من العذاب ، لقوله تعالى [فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ]([604]).

الثاني : العذاب الأليم في الآخرة .

 وظاهر علماء التفسير اتحاد العذاب في الآية وتقديرها : لا تحسبنهم بمفازة من العذاب بل لهم عذاب أليم.

والمختار تعدد عذاب الكافرين ليشمل :

الأول : الأذى والضرر في الدنيا .

الثاني : العذاب الإبتدائي في القبر ، وعالم البرزخ ، وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من مات مريضا مات شهيدا ووقي فتاني القبر ، وغدي ، وريح عليه برزق من الجنة([605]).

والمراد من فتاني القبر : منكر ونكير .

ومعنى غذي وريح عليه أي أن رزقه يأتيه بكرة وعشياً .

الثالث : العذاب الشديد في الآخرة ، وبه اختتمت آية البحث بقوله تعالى [وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ]([606]).

إذ أن الواو في الآية أعلاه تفيد العطف والمغايرة والتعدد.

قد تبدو كلمة [ِمَفَازَةٍ] قريبة إلى الوجود الذهني ، ويظن القارئ للقرآن أنها لفظ متكرر في القرآن خصوصاً وأنها وردت في نفي نجاة الكافرين والمنافقين من العذاب بصيغة النفي.

فقد ترد في موضع آخر من القرآن بلغة الإنذار والوعيد ، وقد ترد بصيغة الإيجاب والأمن ، وأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات في مفازة من العذاب ، لتكون بشارة ووعداً كريماً ، ولكن هذه الكلمة لم ترد في القرآن إلا في آية البحث .

لبيان شدة العذاب على المعصية التي ذكرتها آية البحث ، وهي متعددة من وجهين :

الأول : الفرح باخفاء حقائق التنزيل .

الثاني : رجاء تلقي الثناء والحمد على عمل صالح لم يفعلوه مثل الإيمان والدفاع عن بيضة الإسلام ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وقد ورد في ذم المنافقين قوله تعالى [الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمْ الْفَاسِقُونَ]([607]).

وبلحاظ آية البحث فان المنافقين يفرحون بالبخل والشح ، والإمتناع عن الإنفاق في سبيل الله، يحبون أن يحمدوا على فعلهم المنكر ، وعلى نهيهم عن المعروف ، وفي التنزيل [َقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ] ([608])([609])([610]).

وهل نصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في معركة بدر يؤذي الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ، الجواب نعم ، وهو من مصاديق أنهم ليسوا [بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ]إذ أن هذا العذاب أعم من أن يختص بعالم الآخرة ، بل يشمل الحياة الدنيا ، وتقدير الآية : ولا تحسبنهم بمفازة من العذاب يوم التنزيل .

 لبيان تعدد مفاهيم قوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ..] ([611]) منها نزول العذاب بالكافرين والمنافقين الذين يفرحون بكتمان ميراث وبشارات النبوة ، والذين نافقوا وان لم يحاربوا النبي في معركة بدر ، ولم ينصروا قريشاً يومئذ ، ولكن نصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهزيمة المشركين صارت تؤذيهم ، وفيها بيان عملي بأن كتمانهم هذا لن يضر النبوة والتنزيل ، وأن الناس سيدخلون الإسلام من دون أن يلتفتوا إلى عداوتهم ،وهو من مصاديق قوله تعالى [إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ *ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا]([612]).

ومن وجوه تفسير القرآن بالقرآن الإنذار للذين كفروا والمنافقين بعد فرحهم بما في أيديهم من النعم ، ومقابلتهم النبوة والقرآن بالإنكار، قال تعالى [فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ] ([613]).

لقد كان وجود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة بركة متجددة لأهلها ، وهي تتضاعف على نحو دائم ، ويدل عليه الوجدان والوقائع ولغة الأرقام .

فقد انشئت المساجد في المدينة ، وأقيمت الصلاة ، ووردت الغنائم والهدايا إلى المدينة ، وصار أهلها تجاراً وكسبة بعد أن كان الغالب على مهنتهم وكسبهم الفلاحة وريعها المحدود.

لذا فان قوله تعالى [أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً]في الآية أعلاه من التفسير أعم لقوله تعالى [فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ].

أي العذاب الدنيوي ، ويكون مقدمة للعذاب الأليم في الآخرة ، مما يدل على أن ذكرهم هذه الآية بالذم والتوبيخ إنذار ورحمة ، ومن الرحمة في المقام اشعارهم بلزوم التدارك والإستغفار .  

تكرار [تَحْسَبَنَّ]

لقد جمعت آية البحث بين أمرين من عالم الفعل ليس لهما أصل وهما :

الأول : الفرح بفعل خلاف الواجب  .

الثاني : حب الإنسان لتلقي الثناء على فعل لم يأته ، مع إدراكه بأنه فعل صالح مرغوب بالفطرة .

وتكرر قوله تعالى [لَا تَحْسَبَنَّ] مرتين في الآية لأمور :

الأول : قانون الزجر عن التدليس والنفاق وإخفاء الحق .

الثاني : قانون فضح المنافقين وزجرهم عن قول خلاف الحق .

الثالث : قانون منع الإشاعات والإرجاف في المدينة .

الرابع : قانون تأكيد نفي الظن بنجاة الذين ظلموا من العذاب الأليم يوم القيامة .

الخامس : دعوة الناس للوفاء بالعهد والميثاق .

السادس : التذكير بالميثاق ، فمن خصائص الإعادة التوكيد والتنبيه ، قال تعالى [أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ] ([614]).

السابع : طرد الغفلة عن الناس .

ومن أسرار أخذ الله الميثاق من الناس على نحو متكرر ومتنوع حضور الميثاق في العبادات والمعاملات لقانون الميثاق أمر وجودي يومي عام .

الثامن : تكرار آيات الميثاق في الصلاة اليومية جماعة وفرادى ، وهو من الإعجاز في وجوبها على كل مسلم ومسلمة ، ولا يختص هذا التكرار  بالمسلمين لأن أهل الكتاب والكفار يسمعون تلاوة المسلمين وعمومات قانون الإستماع للقرآن موعظة.

التاسع : من معاني التكرار في الآية تعدد الموضوع الذي يترشح عنه هذا الظن، ومع أن عدد آيات القرآن (6236) فان تكرار اللفظ أو الجملة فيه قليل ، ولابد من إحصاء التكرار في القرآن ليتجلى الإعجاز فيه ، وفي دلالته ولغة الإنذار أو البشارة فيه .

بحث بلاغي

ورد لفظ [لَا تَحْسَبَنَّ] مكرراً في آية البحث ، والثاني منهما [فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ] مع إرادة ذات القوم الذين تتضمن الآية ذمهم ويسمى التكرار اللفظي بتكرار ذات اللفظ الأول ، ويدل بذات الاسم أو إذا كان التكرار بمرادفه ، ولكنه في علوم القرآن لا يدخل معه ، فكل لفظ وإن كان مرادفاً للأول فان له معنى آخر بلحاظ ذات اللفظ وموقعه في الآية.

والتكرار معروف في لغة العرب ، والتخاطب بينهم ويسمى أيضاً التكرير (وكَرَّرَهُ تَكْريراً وتَكْراراً وتَكِرَّةً، كتَحِلَّةٍ، وكَرْكَرَهُ أعادَهُ مَرَّةً بعدَ أُخْرَى)([615]).

ويراد منه البيان والتأكيد والإفهام ، ويأتي التكرار تارة لكلمة وأخرى للجملة ، ومن تكرار الجملة [كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ]([616]).

و(عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ رَدَّدَهَا ثَلَاثًا وَإِذَا أَتَى قَوْمًا فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثًا)([617]).

والمختار أن التكرار في القرآن أعم من معناه البلاغي ، واستعمال العرب له بلغة الخطاب ، فاذا تكرر اللفظ في الآية القرآنية فانه يحمل معنى آخر ، أو أن الجملة فيها حذف يلزم التقدير كما تقدم بيانه([618]).

ويدعو تكرار اللفظ القرآني في الآية الواحدة العلماء إلى الغوص في كنوز القرآن والسنة النبوية والصلة بين آيات القرآن وعلم المناسبة الذي استحدثناه في هذا السِفر المبارك في الربط بين معاني اللفظ الواحد في آيات القرآن ، وحتى إذا لم يتكرر اللفظ القرآني فان المنفرد منه له دلالات عديدة.

وصحيح أن الخطاب في آية البحث يتوجه إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا أن تقدير الآية على وجوه أخرى أيضاً منها:

الأول : يا أيها الذين آمنوا لا تحسبوا .

الثاني : يا أهل الكتاب لا تحسبوا .

الثالث : يا أيها الذين كفروا لا تحسبوا .

الرابع : يا أيها الناس لا تحسبوا .

وهل يصح تقدير الآية الآية : يا أيها الملائكة لا تحسبوا..) في الرد عليهم عندما احتجوا على جعل الإنسان [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]([619])، الجواب نعم.

وهل يصح تقدير الآية : يا معشر الجن لا تحسبوا ، المختار نعم ، قال تعالى [يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ]([620]).

قانون المنافع اليومية للميثاق

ومن الإعجاز أن منافع التذكير بالميثاق تتعلق بأمور :

الأول : تفضل الله عز وجل بأخذ الميثاق من الناس عامة ومن أهل الكتاب خاصة ، وعلى الأنبياء على نحو خصوص الخصوص .

الثاني : سمو الميثاق وحسنه الذاتي .

الثالث : العز والرفعة بالميثاق وتعاهده ، وقال تعالى [وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ  ] ([621]) ومن الإيمان التسليم بالميثاق والعمل بمضامينه .

الرابع : وجوه الإتحاد بين المسلمين وأهل الكتاب في العهد والميثاق وبواسطته ، قال تعالى في خطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم [قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ]([622]).

الخامس : الميثاق طريق الهداية إلى الإيمان والرشاد والإسلام .

السادس : الميثاق برهان وحجة في الدنيا والآخرة .

السابع : الأجر والثواب على العمل بالميثاق ، ومن إعجاز القرآن بقاء العمل بأحكامه وسلامته من التحريف إلى يوم القيامة ، لتبقى آيات الميثاق دعوة للناس للعمل بسننه ، وهو سبيل لأخذ الحائطة من الشيطان .

الثامن : الميثاق واقية من اتباع الهوى والضلالة .

التاسع : من مصاديق قوله تعالى [لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ]([623])  في الآية السابقة أن هذا البيان لو تم فربما كان زاجراً لقريش وحلفائها عن محاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وعن غزوهم المدينة.

قوله تعالى [وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ]

لقد أخبرت آية البحث عن العذاب الذي ينتظر الكفار ، وفيه دعوة للكفار للتوبة والإنابة ، فمن خصائص الإنسان حرصه على دفع الأذى عن نفسه سواء الأذى الكثير أو القليل ، وأخبرت آية البحث عن شدة العذاب الذي سوف يلقاه الكفار في الآخرة بسبب سوء فعلهم.

ترى ما هي النسبة بين العذاب الأليم الذي أختتمت به آية البحث وبين دخول النار ، قد يتبادر إلى الذهن أن النسبة هي التساوي بينهما ، والمختار أنها العموم والخصوص المطلق.

فان العذاب الأليم أعم وأكبر ويبدأ من عالم البرزخ ، وهل هذا العذاب من الكلي المتواطئ أو المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً.

الجواب هو الثاني بحسب الشرك والظلم والمعصية وأوان العذاب بالنسبة لذات الكافر .

و(عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : إن أدنى أهل النار عذابا يوم القيامة ينتعل بنعلين من نار ، يغلي دماغه من حرارة نعليه) ([624]).

وقد ورد وصف العذاب في الآخرة بأوصاف منها :

الأول : العذاب المهين ، قال تعالى [وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ] ([625]) .

الثاني : العذاب المقيم .

الثالث : العذاب الشديد ، قال تعالى [قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمْ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ] ([626]) .

الرابع : العذاب الغليظ ، قال تعالى [وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ]([627]).

الخامس : عذاب السعير .

السادس : عذاب الجحيم .

السابع : العذاب الأليم .

وهل هذه الأسماء لمسمى واحد ، وصنف واحد من العذاب ، الجواب لا ، إنما كل فرد منها صنف خاص من العذاب .

ونزلت آية البحث لإنذار الناس من العذاب الأخروي ، والتعاون للمنع من أسباب هذه العذاب.

وليس من حصر لضروب وصيغ العذاب الذي يلقاه الكفار ، والمنافقون يوم القيامة ، وقد نزل القرآن بذكر شطر منها ، وجاءت السنة النبوية بالبيان والتفصيل ، ومنه حديث الإسراء ، ورؤية النبي لأهل النار .

والمختار والمشهور شهرة عظيمة أن الجنة والنار مخلوقتان ، وهما موجودتان الآن.

وعن الإمام الباقر عليه السلام قال (إن رسول الله صلى الله عليه وآله حيث أسري به لم يمر بخلق من خلق الله إلا رأى منه ما يحب من البشر واللطف والسرور به، حتى مر بخلق من خلق الله فلم يلتفت إليه ولم يقل له شيئا فوجده قاطبا عابسا .

فقال : يا جبرئيل ما مررت بخلق من خلق الله إلا رأيت البشر واللطف والسرور منه إلا هذا، فمن هذا.

قال : هذا مالك خازن النار، هكذا خلقه ربه.

قال : فإني احب أن تطلب إليه أن يريني النار، فقال له جبرئيل عليه السلام: إن هذا محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وقد سألني أن أطلب إليك أن تريه النار.

 قال: فأخرج له عنقا منها فرآها فلما أبصرها لم يكن ضاحكا حتى قبضه الله عز وجل)([628]).

ومن أحوال المنافقين يوم القيامة ما ورد في قوله تعالى [يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمْ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ* فَالْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلاَ مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمْ النَّارُ هِيَ مَوْلاَكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ] ([629]).

لبيان قانون وهو عدم إنحصار العذاب الأليم الذي تذكره آية البحث بخصوص عالم الجزاء ودخولهم النار .

وبينما ذكرت الآيات أعلاه المنافقين والمنافقات فان آية أخرى جاءت بخصوص المنافقين بقوله تعالى [إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا] ([630]) .

ولم يرد لفظ [الدَّرْكِ] في القرآن إلا في الآية أعلاه ، ونستحدث مسألة وهي هل يختص العذاب في الإقامة بالدرك الأسفل من النار بالرجال من أهل النفاق دون النساء ، أم ورد ذكر المنافقين في الآية لتغليب المذكر ، وأن المنافقين والمنافقات في الدرك الأسفل من النار .

المختار هو الأول ، وأن اللبث في الدرك الأسفل من النار خاص بالرجال من أهل النفاق من النساء رأفة من الله عز وجل بالنساء ، خاصة وقد جعل شهادة الاثنتين منهن عن شهادة رجل واحد ، إلا أن يرد دليل من الكتاب والسنة على خلافه .

قانون إتحاد النعمة مع عمومها وتجددها

من معجزات نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم مجئ النعمة الخاصة لتشمل العام ، وكذا بالعكس مجئ النعمة العامة لتتغشى الفرد الواحد من غير أن يكون هناك دور بينهما ، وليس من حصر لكل فرد منهما.

وفي معركة أحد قام المشركون بغزو المدينة ، إذ تفاجئ النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بثلاثة آلاف مقاتل من المشركين على بعد (5)كم من المسجد الحرام ومسافة أقل بينهم وبين أطراف المدينة ، إذ كان المسجد في وسطها ، فاستشار النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه في الخروج إليهم ، أو في البقاء في المدينة لعمومات قوله تعالى [وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ]([631]).

وهل تتضمن الآية دعوة للذي يهم بالإرهاب أن يستشير الحكماء والعلماء وأهل الحل والعقد.

الجواب نعم ، ليمنعوه من هذا الفعل ، ويبينوا له قبحه الذاتي ، وضرره الخاص والعام.

لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار النعم ، فما أن يولد الإنسان حتى تتوالى عليه النعم ، ومن فضل الله جعله الإنسان يدرك أموراً :

الأول : قانون الحاجة الشخصية والعامة للنعم الإلهية.

الثاني : قانون لا يقدر على النعم التوالي إلا الله عز وجل ، وفي التنزيل [وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ]([632]).