معالم الإيمان في تفسير القرآن – الجزء- 102

المقدمــــــــة
الحمد لله الذي جعل الحمد مفتاحاً لذكره، وجعل آية البحث ذكراً له ودعوة ومناسبة للذكر، وجزاء على الذكر لما تدل عليه ذاتاً ودلالة ومفهوماً من ترتب محو الذنوب على الذكر والإستغفار، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.
لقد إشتق الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إسمين في القرآن من الحمد(أحمد، ومحمد) تعرفه بهما الأمم السابقة واللاحقة والخلائق يوم الحشر وجاء على لسان عيسى عليه السلام في التنزيل[وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ]( ).
ولو دار الأمر في تعيين اسم النبي على لسان عيسى بين أمرين:
الأول:علم الله بأن النبي محمداً سوف يسميه أهله أحمد.
الثاني:تسمية أحمد من عند الله عز وجل إبتداء ولطفاً.
فالصحيح هو الثاني , وهو الذي يدل عليه تقدم زمان البشارة النبوية , وآية البحث والنصوص.
ليكون الحمد الصبغة التي يتصف بها المسلمون , وتفضل الله عز وجل وجعلهم يقيمون على الحمد , ويكرره كل واحد منهم ذكراً كان أو أنثى على نحو الوجوب العبادي والجزئية من عمود الدين وهي الصلاة، ليرث المسلمون الأنبياء بأبهى فعل، وسبيل تقرب إلى الله وهو الحمد له سبحانه، وبخصوص الآية أعلاه، ورد عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن الله قال : يا عيسى ابن مريم إني باعث بعدك أمة إن أصابهم ما يحبون حمدوا وشكروا ، وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا ، ولا حلم ولا علم , قال : يا رب كيف يكون هذا لهم ، ولا حلم ولا علم ؟ قال : أعطيهم من حلمي وعلمي( ).
أي في زمان يبتعد الناس فيه عن خصال الحلم والعلم لينفرد المسلمون بفضل من الله بالهداية إلى سبل الرشاد وآداب الحلم وسنن العلم، التي تتجلى بمضامين آية البحث وفزعهم لذكر الله والإستغفار عند إرتكاب معصية أو ظلم النفس , وهو من عمومات قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
لتأتي آية البحث شاهداً على رحمة ونعمة الله عز وجل على المسلمين بالإستعانة بالذكر واللجوء إلى العلم الذي يتجلى بادراك قانون كلي وهو أن الذكر والإستغفار بلغة للبث الدائم في الجنة التي [عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ]( ).
ترى ما هي النسبة بين الذكر والحمد، الجواب هي العموم والخصوص المطلق فكل حمد لله هو ذكر له سبحانه، والذكر أعم , ومن الإعجاز في آية البحث أنها جاءت بصيغة الإطلاق في أمور:
الأول:فعل الفاحشة , إذ ورد لفظ(الفاحشة) في الآية بصيغة النكرة، وهو مصدر ضد المعرفة , تقول نكرت الشئ نكرة ونكراً إذ جهلته , ولم يتبين لك، ثم جعل في الإصطلاح للاسم الذي لايخص شيئاً بعينه فتقول فاحشة بصيغة المنكرة ونكرة، كما تقول هذا الاسم معرفة والمعرفة , والنكرة في سياق النفي تفيد العموم.
فلم تقل الآية (إذ فعلوا الفاحشة) وإرادة فرد مخصوص منها، والإقامة عليه، ولكن جاءت الآية بصيغة التنكير للدلالة على البينونة بين المؤمنين وبين الفواحش، وأنهم لا يرتكبون إحداها إلا عرضاً وخطأ.
فجاءت آية البحث لطرد الغفلة عن المسلمين والمسلمات وبما يفيد التحذير من الفواحش مطلقاً.
الثاني: إرادة عموم المسلمين في إحتمال فعل الفاحشة , مع ندرة صدورها منهم , لقوله تعالى[وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً] فلم تقل الآية (وإذا فعلوا الفواحش).
ولم يرد التبعيض والتخصيص والإستثناء في الآية , فلم تقل الآية (والذين يفعلون الفاحشة منهم) بينما ورد التبعيض مثلاً في قوله تعالى[مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ]( ).
وفي لغة العموم هذه رحمة إضافية من عند الله، ودعوة للمسلمين لإطلاق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من جهات:
الأولى:جهة الصدور , وصدوره من الكبير والصغير، والرجل والمرأة، والغني والفقير، ورب من هو أدنى تجده ينهى من هو أكبر منه عن الفاحشة، أو يأمره بالذكر والإستغفار، ويهديه إلى التدارك، وليس من حد وتعيين لمراتب التعلم والإكتساب عند المسلمين .
وبالإسناد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكرونه ، فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة( ).
الثانية:موضوع الأمر والنهي، وتعدده ليشمل العبادات والمعاملات والأحكام، وعالم القول والفعل.
الثالثة: مصاديق وكيفية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعدم حصرها بفعل مخصوص.
عن أبي سعيد الخدري قال :قال رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَنْ رَأَى مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ ( ).
الرابعة:الأطراف والجهات التي يتوجه إليها كل من الأمر والنهي، وسيأتي بيان مزيد في التفسير لإشراقات من أسرار لغة العموم هذه.
الثالث: الإطلاق من جهة الجمع بين فعل الفاحشة وظلم النفس، وليس فيه ذم للمؤمنين بالعرض، إنما جاءت الآية لبيان سعة رحمة الله بأجيال المسلمين، والنفع العظيم المتجدد في الدنيا والآخرة لذكر الله والإستغفار.
ويمكن إستنباط قانون كلي وهو إذا جاءت الآية بمعاني الرحمة الإلهية فانها لا تدل على التوبيخ والذم والتعريض بالمسلمين سواء بالدلالة المطابقية أو التضمنية أو الإلتزامية، والقرآن خال من التعارض والتضاد، وقد جاءت آياته بالثناء على المسلمين وإكرامهم وبشارتهم , قال تعالى[وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ]( ).
لينال المسلمون مرتبة[خَيْرَ أُمَّةٍ] بالتقوى والخشية من الله، وباللجوء إلى سلاح الذكر وحرز الإستغفار، ويكونوا أسوة حسنة للناس، وحجة عليهم في السعي الحثيث نحو الخلود في النعيم بقطار آية البحث المصاحب للمسلم في ليلة ونهاره، فلا تفارقه آية البحث التي تؤكد أيضاَ أن المسلم يجتهد في عدم مغادرتها ومضامينها القدسية , وتدل عليه صيغة الجملة الخبرية التي إبتدأت به الآية الكريمة، وعدم المغادرة هذا بمدد ولطف من الله عز وجل مما يستلزم الشكر له تعالى على نعمة آية البحث , من جهات:
الأولى:نزول آية البحث على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثانية: أوان نزول الآية في المدينة المنورة عند إتساع رقعة حكم الإسلام, وكثرة الذين يدخلون فيه , وقيام المسلمين بالغزو لتتلقاهم آية البحث بشارة وباعثاً على السكينة، وبلغة إلى الخلود في النعيم .
والآية مدنية من وجوه:
الأول:سورة آل عمران كلها مدنية , عن ابن عباس و قتادة و مجاهد وجميع المفسرين , عدد آيها مائتان إلا آية شامي و مائتان في الباقين ( ).
الثاني:ورد في أسباب النزول أنها نزلت في نبهان التمار ( )، كما سيأتي بيانه في باب أسباب النزول.
الثالثة:سلامة آية البحث من التحريف، وحفظها من التبديل والتغيير إلى يوم القيامة , وكل الكنوز في الدنيا تتعرض للتلف والضياع والإنفاق إلا كنوز القرآن ومنها آية البحث ودلالاتها , وهو من عمومات قوله تعالى[نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون]( ).
الرابعة:تلاوة المسلمين لآية البحث، وتلقي مضامينها بالقبول والعمل، وليس من فترة بين نزول الآية والعمل بها، ولا إنقطاع لعمل المسلمين والمسلمات بها، وهو مستمر إلى يوم القيامة.
الخامسة:مجئ آية البحث بالنص الجلي الخالي من الإجمال والترديد، الأمر الذي ترشح عنه إنتفاء الإختلاف بين المسلمين وعلمائهم في تفسير وتأويل الآية , لأنها تدعو كل مسلم ومسلمة إلى اللجوء إليها ذكر الله والإستغفار عند الوقوع في فخ الغواية.
السادسة: ما تدل عليه الآية بالدلالة التضمنية من الوعد الكريم من الله عز وجل بهداية المسلمين إلى سبل الإستغفار، وهي بلحاظ آية البحث من جهات:
الأولى:تلاوة الآية والإنصات لها، قال تعالى[وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ]( ).
الثانية:التدبر في معاني الآية الكريمة.
الثالثة:بعث المسلمين ليكونوا دائماً أهل هذه الآية.
الرابعة:تعاهد المسلمين العمل بأحكام آية البحث، وهو من أسرار سلامة القرآن من التحريف، لأن هذا العمل توثيق متوارث لمنطوق ورسم الآيات بين أجيال المسلمين.
الخامسة:رسوخ حقيقة في أذهان المسلمين , وهي لزوم اللجوء إلى الذكر والإستغفار عند فعل الفاحشة أو ظلم النفس، وتطرد تجليات هذه الحقيقة اليأس والقنوط من نفوس المسلمين، وهو الذي يدل عليه مفهوم قوله تعالى[وَلاَ تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ]( ).
وورد في الخبر عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل: ما الكبائر؟ فقال : الشرك بالله ، واليأس من روح الله ، والأمن من مكر الله( ).
وفي الحديث أعلاه قيل: (وقد ذكرنا غير مرة أن ما يأتي في القرآن من الوعيد لأهل الكفر على أعمال لهم مرادٌ منه أيضاً تحذير المسلمين مما يشبه تلك الأعمال بقدر اقتراب شبهه( ).
ولا دليل على هذا التحذير الذي قد يرد في طول التوبيخ إتحدت جهة الخطاب أو إختلفت.
والأصل أن التوبيخ الوارد في القرآن للكفار يدل في مفهومه على الثناء على المسلمين وبعثهم على تعاهد الإقامة في منازل الإيمان لإشارات ودلالات التضاد المطلق , وقد يجتمع هذا التعاهد وتلك الإقامة المباركة في موضوع واحد كما في آية البحث فهي جامعة مانعة , جامعة لخصال التقوى, ومانعة من التفريط واليأس والقنوط.
لقد أكرم الله المسلمين بأن أخبرهم بسنن الأمم السالفة، وبيّن لهم إستحقاق الكفار للذم والوعيد، وهذا البيان شاهد على أهلية المسلمين للخلاقة في الأرض لأنها وديعة عندهم يتخذون منها موعظة وعبرة، وزاجراً للناس عن الإقامة على الكفر، ومناسبة لترغيبهم بالذكر والإستغفار، وتذوق حلاوة الإقامة عليها، فاذ تنتهي لذة المعصية في أوانها, وتخلف وراءها تبعات دنيوية وأخروية، وخاصة وعامة ، فان كلاً من ذكر الله والإستغفار باب للرزق الكريم، وخزينة للثواب المتجدد والمضاعف .
وفيه مسألتان:
الأولى: لا تترشح هذه المضاعفة من خصوص تكرار الذكر والإستغفار بل تأتي فضلاً من الله عز وجل بنماء السالف منها.
الثانية: لا تنحصر هذه المضاعفة بمدة بقاء المسلم في الدنيا، بل تتصل وتستمر إلى يوم القيامة.
ليكون من معاني قوله تعالى[إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( )، في رد الله عز وجل على الملائكة حينما إحتجوا على جعل آدم خليفة في الأرض أمور:
الأول: بقاء إثم الفساد في الأرض على حاله إن لم يهجم عليه الإستغفار والتوبة.
الثاني: إستدامة أجر الذكر والإستغفار , مع إزدياد ونماء متصل فيه إلى يوم القيامة .
وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد وتصديق ذلك في كتاب الله عز و جل[أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ]( )، ويَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ.
الثالث:صيرورة الفساد في الأرض على قسمين:
الأول:ما تكون عاقبته الخلود في الجحيم، وهو الذي يرتكبه الكفار.
الثاني: ما ينسخ ويمحى، وهو الذي يأتيه المسلم عرضاً، فيتدارك أمره بالذكر والإستغفار، فيتفضل الله عز وجل بالعفو والمغفرة .
ليكون المدار في الخلافة ليس على فساد طائفة من الناس أصروا على العناد والكفر كما أصر إبليس من بين الملائكة على الإستكبار والجحود، بل المدار على الإيمان والذكر والإستغفار , وأن الله عز وجل يبعث النبي محمدا صلى الله عليه وآله وسلم لتتعاهد أمته أسمى معاني الذكر والإستغفار .
وإذا كان فعل الفاحشة أمراً عرضياً طارئاً على المسلمين فان إقامتهم على التقوى وتعاهدهم للفرائض أبهى معاني الخلافة , وهو شاهد على إستحقاقهم لها.
وبالإسناد عن الزهري . قال : سمعت علي بن الحسين عليهما السلام يقول:آيات القرآن خزائن فكلما فتحت خزينة ينبغي لك أن تنظر ما فيها( ).
وآية البحث خزينة ينهل منها المسلمون أسباب الهداية ويقتبسون منها سنن الرشاد، ومن يرتكب ذنباً منهم يهرع إلى آية البحث ليجدها في إستقباله تأخذ بيده صوب سبل النجاة، وإن لم يسع إليها على نحو التعيين فهي حاضرة عنده منطوقاً ومضموناً في صلاة الفريضة وميادين العمل، وعند الإبتلاء والإفتتان.
الرابع:الإطلاق في المعاصي والتعدي بالجمع بين الفاحشة وظلم النفس ليشمل الصغائر والكبائر، فان قلت إن أم الكبائر الشرك بالله، والجواب إن المسلمين منزهون عن كبائر الشرك والضلالة وهو الذي تدل عليه أية البحث لمجيئها بوصف حال المتقين الذين هيئ الله عز وجل لهم الجنة.
لتدل الآية في منطوقها على وجود حد من جهة العلو للفاحشة التي يرتكبها المسلم، وعدم وجوده في جهة الأدنى والأقل، وجاءت الآيات بتحريم الجنة على المشركين , قال تعالى[إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ]( ).
الخامس:عدم الحصر والتعيين في موضوعات ذكر الله عز وجل فيشمل وجوهاً:
الأول:الذكر سراً وعلانية، وجهراً وإخفاتاً.
الثاني:ذكر وعد الله ووعيده.
الثالث:تلاوة القرآن بقصد القرآنية , وأنه نازل من عند الله أو مطلقاً من غير إستحضار هذا القصد لأنه مرتكز في الوجود الذهني عند كل مسلم ومسلمة , قال تعالى[وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ]( ).
ومن إعجاز القرآن أن الآية أعلاه وردت في سورة القمر أربع مرات( )، ولم ترد في غيرها من سور القرآن.
الرابع: أداء الصلاة والوظائف العبادية الأخرى، ففي حج البيت الحرام ينادي وفد الحاج مجتمعين ومتفرقين: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك).
الخامس:ذكر نعم وآلاء الله على الناس جميعاً وعلى المسلمين خاصة وعلى الأفراد منهم.
السادس:إستحضار عالم النشور وأهوال الحساب.
السابع: التكبير والتهليل والتسبيح.
الثامن:الإستغفار ذاته ذكر لله فقول (استغفر الله واتوب اليه) ذكر في منطوقه ومفهومه، وتدل آية البحث على أنه حاجة للمسلمين والمسلمات، ومن الآيات إنتفاء الإستكبار على نحو الموجبة الكلية عند المسلم في موضوع الإستغفار لذا أثنى الله على المسلمين في آية البحث بالشهادة لهم بالإمتناع عن الإصرار على الذنوب والمعاصي.
وتتضمن آية البحث الدلالة على الأمن والسلامة من عذاب النار لمن يعمل بها، لما ورد في آيات الوعيد من الإخبار عن إعداد النار للكفار قال تعالى[لاَ يَصْلاَهَا إِلاَّ الأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى]( )، والصلي هو التسخن والألم بقرب النار أو مباشرتها، وهو أدنى وأقل من الحرق، وفيه إعجاز لأن أهل النار لا يموتون من شدة لهيبها , فمن يبادر إلى الذكر والإستغفار عند فعل الفاحشة ينفي عن نفسه التكذيب والتولي والإعراض، وان وردت في تأويل الآية أعلاه وجوه:
الأول:لا يصلى النار صلي خلود إلا الإشقى، فمن الذين يدخلون النار يخرجون منها بالشفاعة ونحوها.
الثاني:المراد نار مخصوصة.
الثالث:تعلق الآية بأسباب النزول وان المقصود هو أبو جهل وأمية بن خلف.
الرابع:لا يدخل النار إلا الكفار، ونسب هذا القول إلى المرجئة مع ذمهم عليه قال الثعالبي: ومن هنا ضَلَّتْ المُرْجِئَةُ؛ لأنها أخَذَتْ نَفْيَ الصَّلْيِ مُطْلَقاً( ).
ولكن هذا المعنى ظاهر بنص الآية وبالجمع بينها وبين آية البحث، وهو ملك للمسلمين ومن مصاديق التأويل أو أعم من أن ينحصر بقول فرقة لا وجود لها في هذا الزمان، ويدل في مفهومه على البشارة والرحمة للمسلمين, إلا أن يراد من التكذيب والتولي معنى أعم , فلابد من بيانه بلحاظ آيات القرآن الأخرى والسنة النبوية.
ويأتي الذكر في الإسلام من وجوه:
الأول:إستحباب ذكر الله مطلقاً، من غير تقييد لفعل وشرط مخصوص وهو الذي يسمى الماهية بشرط لا شئ، فيؤتى بالذكر من غير أن يكون في البين ذنب ومعصية.
الثاني:الذكر موضوع قائم بذاته، وله غاياته من الأجر والثواب والإحتراز من الظلم والتعدي وفعل الفاحشة، أي الماهية لا بشرط أي التي تكون بلحاظ ألا يكون معه شئ وجوداً أو عدماً.
الثالث:الإتيان بالذكر والإستغفار عقب فعل المعصية وظلم النفس، وهو المسمى بالماهية بشرط شئ .
من غير تعارض بين هذه الوجوه للحسن الذاتي لكل من الذكر والإستغفار.
التاسع:إستغفار المسلمين على نحو العموم المجموعي، ليكون الإستغفار هو السمة التي يعرفون بها من بين أهل الأرض، ويتجلى العموم المجموعي بأدائهم الصلاة جماعة وما فيها من معاني الإستغفار وسؤال العفو والمغفرة ورجاء نزول شآبيب الرحمة من عند الله.
العاشر:مع مجئ الآية بخصوص فعل فاحشة أو ظلم النفس فان إستغفار المسلمين جاء على نحو العموم الإستغراقي لكل الذنوب التي صدرت منهم، وفيه دليل على تفقه المسلمين في الدين باتخاذ القضية الشخصية والذنب الفردي مناسبة ووسيلة للهجوم على الذنوب جميعها وإستئصال أثرها.
وهل في الآية تلقين وتعليم للمسلمين , الجواب نعم، وهو من اللطف الإلهي بهدايتهم إلى الإستغفار بالمعنى الأعم من الذنوب، كالذي يصاب ببلاء ومصيبة فيتخذ منها وسيلة لبذل الوسع والإجتهاد ليحقق النجاح والفلاح , بتقريب وهو أن فعل الفاحشة مصيبة ليكون من تفسير آية البحث وما فيها من الذكر قوله تعالى[الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ] ( )، فالإسترجاع ذكر ولجوء إلى الله عز وجل، لتتجلى في آية البحث مدرسة الصبر بلباس التقوى.
الحادي عشر:البشارة والوعد الكريم بتفضل الله بمغفرة الذنوب من غير تقييد بنوع أو مرتبة من الذنوب ومن غير إستثناء في الذنوب التي يغفرها الله للمتقين، قال تعالى[إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا]( ).
والمتعارف أن قوله تعالى[إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ]( )، مقيد للإطلاق الوارد في الآية أعلاه ولكن الجمع بين الآيتين ممكن ولا تصل النوبة إلى الإطلاق والتقييد للتباين في الموضوع، فالإطلاق في مغفرة الذنوب للتائبين أما الآية أعلاه فهي خاصة بالذين يموتون على الشرك والإصرار على المعصية.
فلو كان هناك مشرك ودخل الإسلام , فالإجماع على قبول توبته ويستدل عليه أيضاَ بالحديث الوارد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: الإسلام يجّب ما قبله( ).
ولو دار الأمر بين الإطلاق والتقييد في ماهية الذنوب في قوله تعالى[وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ] فالأصل أصالة الإطلاق وإنتفاء التقييد خصوصاً وأن الآية جاءت من باب الوعد والتحدي وبيان عظيم قدرة وسلطان الله عز وجل، وتقدم في الجزء الأول من هذا السفر ذكر حديث مائة رحمة وأن الله عز وجل أخر منها تسعاً وتسعين ليرحم عباده يوم القيامة( ).
الثانية عشرة:تنزه المسلمين عن الإقامة على المعاصي والسيئات، ويحتمل الإصرار في المقام وجهين:
الأول: إنه من الكلي المتواطئ الذي يكون على مراتب متساوية في درجة الإصرار والعناد والإقامة على الذنوب.
الثاني:إنه من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً.
والصحيح هو الثاني للتباين بين الأشخاص والمواضيع، وجاءت الآية بنفي وجوه ومراتب الإصرار على الذنوب عن المسلمين في عالم القول والفعل، وليس من إصرار مع الذكر والإستغفار.
الثالثة عشرة:إختتام الآية بالثناء على المسلمين بنعتهم بالعلم والمعرفة والتحصيل بقوله تعالى[وَهُمْ يَعْلَمُونَ] وبصيغة الجملة الحالية بارادة والإطلاق وتعدد مصاديق هذا العلم الذي يتغشى المسلمين على نحو العموم الإستغراقي، ويدل على إنتفاء الجهالة والغفلة عنهم مجتمعين ومتفرقين.
ولقد جاء هذا الجزء وهو الثاني بعد المائة من(معالم الإيمان في تفسير القرآن) تتمة لتفسير آية[وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ] ( )، من سورة آل عمران.
وهل لآية البحث من موضوعية في بلوغ المسلمين مراتب العمل بأحكامها ونيلهم مرتبة العلم المجموعي العام للأمة، الجواب نعم فهي مدرسة الذكر والإستغفار، وسبيل النجاة من شرنقة الذنوب وآثارها النفسية من الكآبة والحزن، ووسيلة للسعي في مرضاة الله بشوق وسكينة قال تعالى[أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ]( ).
لقد أراد الله عز وجل للمسلمين بآية البحث السياحة بين رياض الذكر وجنان الإستغفار، لتكون أيام الحياة الدنيا ولياليها ذات بهجة تملأ النفوس بالغبطة وتفتح أمامهم الأمل بالخلود بجنة النعيم الذي لا زوال له.
وقد تقدم في الجزء الأول(عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كل كلام لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أجذم)( )، وفيه دعوة للمسلمين لإبتداء الكلام بذكر الله ليكون كفارة لما تقدم من الذنوب وواقية من الإبتلاء وإستحواذ النفس الغضبية والشهوية على المسلم عند كلامه.
ونستغفر الله ونتوب إليه إنه هو الغفور الرحيم , وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأمر أصحابه بالإستغفار , ويحرص على ذكر الإستغفار في بداية خطبته .
(وعن ابن مسعود: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا تشهد قال الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا من يهدي الله فهو المهتد ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصيهما فإنه لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيء)( ).
وجاءت آية البحث بصيغة البيان والنص الجامع المانع، الجامع لأمور:
الأول: الحال التي تستلزم التدارك والإنابة.
الثاني: كيفية التدارك والإنابة.
الثالث: سهولة ويسر التدارك وتقومه بالتلفظ سراً أو علانية.
الرابع: إمتناع الآية عن إختلاف العلماء في تأويلها , ويمكن تأسيس قانون كلي مستقرأ من آيات القرآن وهو أن الآيات التي تتضمن أحكاماً ووظائف عامة تشمل كل مسلم ومسلمة تكون جلية واضحة وخالية من الإجمال، وتقود العلماء إلى الإجماع عليها، كما أن المسلمين يعرفون مضامينها وما يجب عليهم العمل وفق أحكامها، وهو من عمومات إختتام الآية بقوله تعالى(وهم يعلمون) الذي يتضمن الثناء على المسلمين وبيان حالهم والشهادة لهم بالإنقياد لأوامر الله عز وجل.
ومن بديع صنع الله عز وجل أن جعل للممكنات حداً أعلى من الكمال وحداً أدنى للنقص وبينهما مراتب متفاوتة قوة وضعفاً، وليس لأي فرد منها الثبات على حال , لأن من خصائص الممكن التغير والتبدل في الحال .
وإختص الله الإنسان بأن جعله يسعى في أيام حياته إلى مراتب الكمال، وكلما إرتقى إلى منزلة يسعى إلى الأعلى منها بجد وإجتهاد وشوق، مقرون بالعناء والشقاء ومن أسرار تفضل الله على الإنسان بالفعل نعمة عظيمة جعلت الملائكة تسجد لآدم إقراراً بعظيم قدرة الله وحكمته وحسن صنعه، قال تعالى[ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا]( ).
وتدل نعمة العقل على أن النفس الإنسانية مخلوقة على الصلاح والنقاء في فطرتها مستعدة لتحصيل العلوم والتزود بالمعارف , وإتخاذها سلاحاً في سبل الإرتقاء فليس من فصل بين العقل والنفس في الأثر والتأثير في فعل الإنسان وقد تداهمها الشرور وأسباب الكدورات الظلمانية، وضروب الإبتلاء.
فجاءت آية البحث لنجاة المؤمن على نحو الخصوص والتعيين من تلك الشرور والآثام وأضرارها لتكون متممة للعقل ولتأكيد حاجة الإنسان إلى التنزيل.
وتكون فيه السكينة والغبطة والفلاح في الآخرة , قال الله تعالى في الثناء على المتقين[أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ]( ).

حرر في النجف الأشرف
5رجب1433هــ

تفسير(إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً)( )
إشتقاق الفاحشة من فحش يفحش، أي تجاوز الحد في قول وفعل القبيح.
وجاءت الآية بصيغة التنكير لبيان العموم في القبائح والأفعال المذمومة التي تتجاوز الحد في الفساد، وقد ورد قوله تعالى[قُلْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ]( )، بصيغة المفرد ليفيد الألف واللام في لفظ الفحشاء أعلاه الجنس والإستغراق أي أن الله منزه عن الأمر بالفواحش.
والألف واللام في(الفواحش) للجنس التي تدخل على الجنس مطلقاً دون حصر بفرد مخصوص من أفراده، وتنقسم إلى قسمين:
الأول: لام تعريف الحقيقة، وهي التي لا تأتي(كل) بدلاً عنها.
الثاني: لام الإستغراق , وتكون على قسمين:
الأول: التي تستغرق أفراد الجنس كلها وتخلفها كل حقيقةً كما في قول[الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ]( )، فالحمد كله لله عز وجل، وربوبيته تعالى مطلقة لكل الخلائق وهي منقادة له بالعبودية.
الثاني: لام الكمالية، وتستغرق جميع خصائص الأفراد تجاوزاً، وهي التي تتضمن معاني الكمال في مصحوبها منصوباً على الحال أو التمييز نحو أنت الكريم جوداً، وجاء القرآن بالزجر عن الفواحش مطلقاً قال تعالى[قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ ما ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ]( ).
ترى لماذا جاءت آية البحث بصيغة المفرد ولم تقل(والذين إذا فعلوا فواحش) الجواب من وجوه:
الأول: إرادة ندرة صدور الفعل القبيح من المسلمين.
الثاني: عدم تهاون أو تسويف المسلمين بالتوبة والإنابة فحالما يفعل أحدهم سيئة يبادر هو والمؤمنون إلى الذكر والإستغفار.
الثالث: بيان الآية لتفضيل المسلمين ونيلهم مرتبة[خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( )، من جهات:
الأولى: تأديب آية البحث للمسلمين.
الثانية: إتصاف المسلمين بالتقوى , وإتخاذها لباساً ومتاعاً ووقاء , قال تعالى[وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى]( ).
الثالثة: لجوء المسلمين إلى الذكر، وسؤال العفو من الله حال فعل السيئة وهو الذي تدل عليه صيغة الجملة الشرطية وأن الذكر متعقب لفعل الفاحشة، ويأتي الإستغفار بعده من غير تراخ.
الرابع: تآزر المسلمين في التخلص من فعل الفرد من الفاحشة وتبعاته، وهو من عمومات قوله تعالى[وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ]( ).
الخامس: تسليم المسلمين بالمعاد الذي يستقرأ من لجوئهم إلى الإستغفار , ودلالة هذا اللجوء على الإقرار بيوم الحساب وحضور السيئات أوزاراً ووبالاً على أصحابها الذين تخلفوا عن التوبة .
وفي ذم الكفار قال تعالى[قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ]( )، لتصير الآثام والذنوب أثقالاً , وهل هذا الثقل خاص بيوم القيامة، الجواب إنه أعم ، من وجوه:
الأول: أصالة الإطلاق، وشمول أعباء أوزار الذنوب العوالم الطولية المختلفة الحياة الدنيا، عالم البرزخ، الحشر والنشور، يوم الحساب , حال الجزاء وخلود الكفار في النار , وسلامة أصحاب هذه الآية منها.
الثاني: إثبات شيء لشيء لا يدل على نفيه عن غيره , فإخبار الآية أعلاه عن أعباء الأثقال يوم القيامة لا يمنع من حقيقة حملهم لها من حين التلبس فيها.
الثالث: لقد جعل الله عز وجل الإنسان يدرك بالفطرة أعباء فعل السيئات، وهو من بركات نفخ الروح في آدم وظهور منافعه في الذرية المتعاقبة، فجاءت بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتثبيت هذه الحقيقة في النفوس والمجتمعات إلى يوم القيامة، وهو من عمومات قوله تعالى[وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا]( ).
وفي وصف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أنه لم يكن فاحشاً ولا متفحشاً)( )، وفي نهج وسيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم دعوة للمسلمين للإقتداء به، وفيه مسائل:
الأولى: هذا الإقتداء من مصاديق قوله تعالى[وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا]( ).
الثانية: من اللطف الإلهي بالمسلمين ندبهم لتعلم الفضائل من رسول الله والإقتداء بسيرته.
الثالثة: في الآية أعلاه دعوة للمسلمين لحفظ وتوثيق سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإستحضارها في أداء العبادات والمناسك في المعاملات والأحكام , وهو من وجوه تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الأنبياء السابقين، وتفضيل المسلمين على أهل الملل السابقة من وجوه:
الأول: تأكيد حقيقة وهي أن سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من عند الله عز وجل.
الثاني: الآية أعلاه تفسير لقوله تعالى[وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى]( ).
الثالث: تقيد المسلمين بأحكام السنة النبوية , وتلقيها على أنها حجة وتشريع، وهو من عمومات قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
الرابعة: منع الخلاف والشقاق بين المسلمين، وبين علمائهم خاصة، لتجلي الحق وسبل الهدى بسنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وحضورها عندهم بالتواتر والتوارث، وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم(خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُم)( ).
الخامسة: منهم من حصر الإقتداء في الآية بموضوع مخصوص كما ورد عن ابن عمر أن الأسوة(في جوع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعن السدي: مواساة عند القتال)( ).
ولكن الآية أعم موضوعاً ودلالة، وقد إستدل بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسه، فقد ورد عن أبي أمامة الباهلي أنه قال: جاء ثعلبة بن حاطب الأنصاري إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا , فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويحك يا ثعلبة قليل تؤدّي شكره خير من كثير لا تطيقه ثم أتاه بعد ذلك فقال: يا رسول الله أدع الله أن يرزقني مالا
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم و{لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}، والذي نفسي بيده لو أردت أن تصير الجبال معي ذهباً وفضة لصارت ثم أتاه بعد ذلك فقال : يارسول الله أدع الله أن يرزقني مالاً، والذي بعثك بالحق لئن رزقني الله مالاً لأعطينّ كلّ ذي حق حقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم أرزق ثعلبة مالاً…..) الحديث( ).
ومن الإعجاز في آية الأسوة أنها تبين ماهية مواضيع وأحكام الأسوة وغاياتها الحميدة لقوله تعالى[لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا]( ).
وتقدير الآية: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فله في رسول الله أسوة حسنة) أو عليه أن يتخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أسوة، ليدل في منطوقه على الوعد الكريم للمسلمين بالثواب العظيم، ويدل في مفهومه على الوعيد التخويف للذين يعرضون عن سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ويمتنعون عن إتباعه في الإقرار بالوحدانية لله عز وجل وطاعته سبحانه، ومحاكاته في أفعاله، والعمل بسنته القولية، وفيه دعوة للمسلمين للتفقه في الدين من جهات:
الأولى: معرفة الآيات التي تذكر سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سواء في حال السلم أو الحرب، وفي الأحكام والآداب والأخلاق الكريمة وغيرها.
الثانية: التدبر في الأوامر والنواهي القرآنية التي جاءت بصيغة الخطاب الخاص للنبي محمد مثل(قل) الذي جاء في القرآن ثلاثمائة وإثنتين وثلاثين مرة، وقد ورد في آية واحدة خمس مرات، قال تعالى[قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلْ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ]( ).
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منقطعاً إلى ذكر الله في قوله وعمله وفي باب مختصات النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما يدل على هذا الإنقطاع وتعاهده لمقدماته ومقومات ديمومته ووراثة المسلمين له، وهو من الإعجاز في سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنها بتوفيق ولطف ومدد من الله عز وجل كما في وجوب تهجد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الليل لقوله تعالى[وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ]( )، ليتغشى ذكر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لله عز وجل ساعات الليل والنهار، وكذا في صيام الوصال وهو صيام يومين والليلة التي بينهما، وثلاثة أيام والليلتين اللتين بينهما فهو خاص بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقد نهى الأمة عنه.
ونهى النبي عن صوم الوصال (قال: لا تواصلوا، قالوا: يا رسول الله، إنك تواصل، فقال: إني لست مثلكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني)( ).
ومبيت النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عند الله عز وجل أعم من موضوع الأكل والشرب وإنما هما رشحة من رشحاته، لأن المبيت يعني الإقامة على الذكر والتسبيح والتهليل كسكن الملائكة في السماء، وإتخاذهم التسبيح والذكر غذاء.
وليتحلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بخصال أهل الجنة وهو في الدنيا فيكون ذكر الله عنده ملكة ثابتة وإلهاماً ,فيتلقى المسلمون بركات منهاج أهل السماء بالتبعية والإلحاق، (وعن جابر في وصف أهل الجنة يلهمون التسبيح والتهليل كما يلهمون النفس)( ).
والإقتداء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ذكر الله عز وجل أعم من أن ينحصر بالمواظبة الدائمة على الذكر، فيشمل مصاديق طاعة الله والرسول فقد(روي عن النبي صلى الله عليه و سلم من أطاع الله فقد ذكر الله وإن أقل صلاته وصومه وصنيعه للخير , ومن عصى الله فقد نسي الله وإن كثر صلاته وصومه وصنيعه للخير)( ).
لقد كان ذكر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لله عز وجل ومواظبته على الإستغفار حرزاً وواقية للمسلمين، وباباً لمحو الذنوب عنهم وهو من مصاديق قوله تعالى[وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ]( ).
وإبتدأت آية البحث بحرف العطف (الواو) لإفادة التشريك، وليس الترتيب الذي يدل عليه حرف العطف (الفاء) و(ثم) ومع أن الأصل في العطف بالواو هو إرادة المغايرة في الصفات مع إتحاد الذات، كما في قوله تعالى[الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ]( )، فإن هذه الصفات لموصوف واحد , لذا يحتمل حال(المتقين) الذين أعدّ لهم الجنة وجوهاً:
الأول: كل صفة حسن للمتقين ذكرتها الآية السابقة تؤهل صاحبها لدخول الجنة، وهذه الصفات هي:
الأولى: الإنفاق في حال السراء والسعة.
الثانية: الإنفاق والبذل في حال العسر والشدة.
الثالثة: كظم الغيظ، وعدم إظهار الحنق.
الرابعة: العفو عن الناس.
الخامسة: الإحسان للذات والغير لإختتام الآية بالإخبار عن حب الله عز وجل على المحسنين، لقوله تعالى[الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ]( ).
الثاني: لزوم العمل بمضامين الآية أعلاه لمن يريد أن يكون من الذين هيئ وأصلح الله عز وجل لهم الجنة الواسعة.
الثالث: الجمع بين العمل بمضامين آية البحث والآية أعلاه.
الرابع: كفاية أي خصلة من خصال المتقين التي تذكرها آية البحث لدخول الجنة، وهي:
الأولى: ذكر الله عند إرتكاب المعصية.
الثانية: اللجوء إلى الإستغفار.
الثالثة: التنزه عن الإصرار على المعصية.
الخامس: كفاية إجتماع خصلة من الآية السابقة وخصلة من آية البحث.
السادس: الجمع بين صفات التقوى التي تتجلى في آيات القرآن، ومنها على نحو الخصوص الآية السابقة وآية البحث.
السابع: المطلوب جميع خصال التقوى ولكن الإجزاء يكون في العمل بمضامين الآية السابقة وآية البحث رحمة وتخفيفاً من عند الله فلا ينحصر دخول الجنة بأصحاب الكمالات الإنسانية وأرباب التقوى والخشية من الله في السر والعلانية بل يشمل بفضل الله الذين يكتفون بالعمل بمضامين آية البحث والآية السابقة لها.
والصحيح هو السادس أعلاه ويتجلى في مضامين هذه الآيات التي ذكرت أن إعداد الجنة للمتقين على نحو الحصر التعيين ثم بينّت صفات المتقين، ليكون قوله تعالى[أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ]( )، آية في الإرادة التكوينية بمجيء الآية السابقة وهذه الآية في بيان صفات الذين يدخلون الجنة.
وكأن التقوى في المقام صفة وخصلة مستقلة، وفيه دعوة للمسلمين والناس جميعاً لتحري معاني ومصاديق التقوى في القرآن والسنة النبوية مع لزوم تعاهد مضامين آية البحث والآية السابقة.
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لاَ يَبْلُغُ الْعَبْدُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ مَا لاَ بَأْسَ بِهِ حَذَرًا لِمَا بِهِ بَأْسٌ)( ).
وثبت في الفلسفة أن الضدين لا يجتمعان , وجاءت آية البحث باجتماع أمرين متضادين:
الأول: التقوى وخشية الله التي يتصف بها أهل هذه الآية لعطفها وبيانها لصفات الذين هيئ الله لهم الجنة جزاءً وثواباً , بقوله تعالى[وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ]( ).
الثاني:إخبار الآية عن تلبس المتقين بفعل الفاحشة أو ظلم النفس بعد ذكر الآية السابقة لصفات حسن يتحلون بها من الإنفاق وحبس الغضب, وإختيار العفو عن الناس مطلقاً من غير تقييد للعفو بحد أعلى للتجاوز أو بحصر العفو بالمؤمنين أو بشمول أهل الكتاب معهم , بل جاءت الآية بالعفو عن الناس جميعاً ليكون هذا العفو دعوة لهم للإسلام، ومناسبة للإقتداء بالمسلمين بالتنزه عن فعل الفواحش وعن ظلم النفس، فان قلت أخبرت آية البحث عن إرتكاب المسلمين لهذه الفواحش.
والجواب إبتدأت الآية بالشهادة لهم بالتقوى والخشية من الله، وجاءت الآية السابقة ببيان خصال حميدة يتصفون بها ثم ذكرت فعل الفاحشة وقيامهم بتعقبه بذكر الله والإستغفار وما فيه من الدليل على معرفتهم بالله وسعة رحمته , ومن غايات الآية إرشاد أجيال المسلمين لمسالك التوبة.
سبب النزول
وفي سبب نزول آية البحث ذكرت وجوه:
الأول: أتت نبهان التمار امرأة حسناء تبتاع منه تمرًا فقال لها إن هذا التمر ليس بجيد، وفي البيت أجود منه فذهب بها إلى بيته فضمّها إلى نفسه وقبَّلها , فقالت له: اتق الله فتركها وندم على ذلك فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وذكر ذلك له، فنزلت هذه الآية)( ).
الثاني: ذكر أن آية البحث نزلت في أبي مقبل الذي هوى امرأة ونال منها ما دون الزنا، وندم و(حين أقبل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد صدمه حائط، وإذا الدم يسيل على وجهه عقوبة لما فعل، فانتهى إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأذن بلال بالصلاة، صلاة الأولى، فسأل أبو مقبل النبي صلى الله عليه وسلم ما توبته، فلم يجبه، ودخل المسجد وصلى الأولى، ودخل أبو مقبل وصلى معه، فنزل جبريل، عليه السلام، بتوبته، {وَأَقِمِ الصلاة طَرَفَيِ النهار وَزُلَفاً مِّنَ الليل إِنَّ الحسنات} يعنى الصلوات الخمس{يُذْهِبْنَ السيئات}، يعنى الذنوب التي لم تختم بالنار، وليس عليه حد فى الزنا وما بين الحدين فهو اللمم، والصلوات الخمس تكفر هذه الذنوب، وكان ذنب أبى مقبل من هذه الذنوب
فلما صلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال لأبى مقبل: أما توضأت قبل أن تأتينا؟ قال: بلى، قال: أما شهدت معنا الصلاة؟، قال: بلى، قال: فإن الصلاة قد كفرت ذنبك، وقرأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذه الآية)( ).
الثالث: أن أنصارياً وثقفياً آخى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بينهما، (فخرج الثقفي مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه، فكان الأنصاري يتعهد أهل الثقفي، فجاء ذات يوم فأبصر المرأة قد اغتسلت وهي ناشرة شعرها، فدخل ولم يستأذن؛ فذهب ليلثمها فوضعت كفها على وجهها، فقبله ثم ندم، فأدبر راجعاً ، فقالت: سبحان الله خنت أمانتك، وعصيت ربك، ولم تصب حاجتك , فخرج يسيح في الجبال، ويتوب إلى الله من ذنبه .
فلما قدم الثقفي أخبرته المرأة بفعله، فخرج يطلبه حتى دل عليه، فندم على صنيعه فوافقه ساجداً يقول: ذنبي ذنبي، قد خنت أخي , فقال له: يا فلان إنطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاسأله عن ذنبك، لعل الله أن يجعل لك منه مخرجاً، فرجع إلى المدينة، فنزلت هذه الآية بتوبته، رواه أبو صالح، عن ابن عباس، وذكره مقاتل)( ).
ولعل موضوع هذه الوجوه واحد فنبهان التمار يكنى أبا مقبل وهو أنصاري , وتقدم في هامش المقدمة قول النبي لنبهان: إياك أن تكون امرأة غاز) ( ).
الرابع: إن المسلمين قالوا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: بنو إسرائيل أكرم على الله منا! كان أحدهم إذا أذنب، أصبحت كفارة ذنوبه مكتوبة في عتبة بابه ، فنزلت هذه الآية، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ألا أخبركم بخير من ذلك فقرأ هذه الآية، والتي قبلها، هذا قول عطاء .
ولا تعارض بين هذه الأسباب، وكلها من مصاديق الآية الكريمة لتمنع من تسرب اليأس إلى نفس المسلم، وهيامه على وجهه وإعراضه عن الناس بسبب قبح فعله، فلم تكتف الآية بالإخبار عن العفو عن المذنبين والوعد بالعفو عنهم، بل تضمنت الإخبار عن إرتقائهم لمرتبة (المتقين) وجاءتهم البشرى بالإقامة الدائمة في الجنة.
وإختلفوا هل هذه الآية نعت للمنفقين في السراء والضراء؟ أم لقوم آخرين؟ على قولين:
الأول: أنها نعت لهم، قاله الحسن البصري.
الثاني: أنها لصنف آخر.
وموضوع الآية أعم لأنها في مقام الثناء على المؤمنين وجذب الناس جميعاً لمنازل التقوى والصلاح.
والفاحشة: القبيحة وكل شيء جاوز قدره ، فهو فاحش وفي المراد بها هاهنا قولان.
أحدهما: إنها الزنى قاله جابر بن زيد، والسدي، ومقاتل.
والثاني: أنها كل كبيرة، قاله جماعة من المفسرين.
وإختلفوا في الظلم المذكور بعدها، فلم يفرق قوم بينه وبين الفاحشة، وقالوا: الظلم للنفس فاحشة أيضاً، وفرق آخرون، فقالوا: هو الصغائر.
ومن خصائص هذه الآيات الأربعة( )، مجيؤها بصيغة الإطلاق والعموم، من وجوه:
الوجه الأول: قوله تعالى[وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ]( )، وفيها مسائل:
الأولى: ماهية المسارعة وعدم تقييدها بزمان أو كيفية مخصوصة.
الثانية: توجه الأمر بالمسارعة إلى المغفرة إلى كل مسلم ومسلمة إلى يوم القيامة.
الثالثة:ليس من قيد أو شرط في نيل المغفرة من الله سبحانه.
الرابعة: إنعدام الواسطة في المغفرة بين المسلمين وبين الله عز وجل، فيسأل المسلم الله عز وجل المغفرة، وفيه دليل على عدم وجود مسافة أو برزخ أو حاجب لسؤال المغفرة.
فإن قلت تأمر الآية بالمبادرة إلى المغفرة وليس نيلها، والجواب تدل الآية في ظاهرها على الفوز بالمغفرة لجعلها غاية المسارعة.
الخامسة: لما تفضل الله عز وجل وندب المسلمين لإبتغاء الوسيلة إليه قال تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ]( )، جاء قوله تعالى(وسارعوا إلى مغفرة من ربكم) ليكون الذكر والإستغفار من مصاديق هذه الوسيلة، وكذا آية البحث والآية السابقة لها.
لماذا التنكير
وورد لفظ(فاحشة) في الآية بصيغة المفرد والتنكير لبيان سعة رحمة الله عز وجل بالمسلمين، إذ أن الفاحشة من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً تستقرأ من الكتاب والسنة، وقد ورد لفظ(الفاحشة) في القرآن ثلاث عشرة مرة , وهي على قسمين:
الأول: ما يخص فعلاً ممقوتاً على نحو التعيين كما في قوله تعالى[وَلاَ تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلاً]( ).
الثاني: اسم الجنس الذي يفيد الإستغراق كما في قوله تعالى في عدم خروج المطلقة من بيتها مدة العدة، قال تعالى[لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ]( )، وفيه منافع منها:
الأول: حفظ النسب، وإكرام وصيانة المرأة، ولأن المطلقة الرجعية ملحقة بالزوجة، ولإمكان رجوع الزوج بها أثناء العدة، فهو حق له كما تستحق هي السكن مدتها ولا تخرج إلا لضرورة أو حاجة ولو إتفق الزوجان على خروجها من بيتها مدة العدة جاز، وخالف مالك، وقال بعدم الجواز مطلقاً.
وأختلف في الفاحشة الواردة في الآية أعلاه على وجوه:
الأول: هو الزنا عن ابن عباس( ).
الثاني: تخرج المرأة لإقامة الحد عليها، عن ابن عباس , وهو من مصاديق الفاحشة وأشكل على هذا القول بأنه لو زنت لرجمت، ولكنه حد أيضاً ، وعن الإمام الرضا عليه السلام قال: أذاها لأهل زوجها وسوء خلقها.
الثالث: إنه النشوز، عن قتادة.
الرابع: خروج المطلقة من بيتها قبل إنقضاء العدة.
الخامس: إصابة الحد مطلقاً مثل حد السرقة، قال تعالى[وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا]( ).
السادس: الفاحشة المبينة السوء في الخلق.
وهل تشمل آية البحث ودعوتها إلى الذكر والإستغفار هذه الوجوه , الجواب نعم، ليكون من منافع وغايات الآية إصلاح أحوال المسلمين تهذيب النفوس وحفظ البيوت والشأن وستر المرأة.
إن إستحضار المسلم والمسلمة لذكر الله، واللجوء إلى الإستغفار سبب في سلامة الحياة الزوجية والتدارك بعد الطلاق بالرجوع إليه , وما جعل الله فيه من أسباب المودة والرحمة أو المفارقة عن إيمان وتقوى، قال تعالى[وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ]( ).
وتدل معاني الفاحشة في القرآن على الرحمة الواسعة النازلة في آية البحث، واللطف الإلهي الذي تتجلى دلالاته ومصاديقه غير المتناهية بصيغة اللفظ ولغة التنكير أو التعريف , ليكون باعثاً للعمل بمضامين الآية القرآنية.
فمن إعجاز القرآن أن ذات الآية مدد وعون للعمل بأحكامها كما في آية البحث وبعث تلاوتها وسماعها وإستحضارها في الوجود الذهني على الذكر والإستغفار والصلاح.
البلغة والغاية
ولم تذكر الآية خصوص البلغة بل ذكرت أيضاً الغاية الحميدة والفوز العظيم بالمغفرة، ترى لماذا لم تقل الآية (وسارعوا إلى الإستغفار) وتحصل موضوعها بالدعوة إلى الإستغفار.
الجواب من وجوه:
الأول: إرادة عموم الوسيلة، وعدم إنحصارها بموضوع وسبيل مخصوص.
الثاني: بيان قانون من جهات:
الأولى: كل فرد وموضوع من مواضيع آية البحث والآية السابقة بلغة للمغفرة، فالإنفاق في السراء مسارعة إلى المغفرة، وكذا الإنفاق في حال الشدة والضيق ، وإخفاء الحنق ولجم مبرز الغضب سبيل إليها، وكذا العفو عن الناس لما فيه من معاني الرحمة بالناس، وهل هذه الرحمة واسطة لنيل رحمة الله عز وجل.
الجواب نعم , بأن يأتي بها المؤمن خشية من الله وتقرباً إليه، وهي وسيلة مباركة للفوز بالعفو والمغفرة من الله عز وجل.
وقد ورد لفـظ (أرحم الراحمــين) في القرآن ســت مــرات صــفة لله عز وجل لوجوه:
الأول: سعة رحمة الله.
الثاني: إتصال رحمته سبحانه فليس من إنقطاع لأفرادها.
الثالث: تغشي رحمة الله الخلائق جميعاً على نحو الإطلاق الزماني والمكاني.
الرابع: رحمة الله للناس على نحو العموم الإستغراقي والمجموعي.
الخامس: كل إنسان يرحم غيره رجاء المعاوضة والبدل ولو بالثناء أو الجزاء الآجل، أما رحمة الله بالعباد فهي فضل منه تعالى , وهو سبحانه غير محتاج قال تعالى [فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ]( ).
السادس: تصيب رحمة الله من يستحقها والذي لا يستحقها.
السابع: رحمة الله تامة , وفيها الإجزاء والكفاية.
الثامن: تكون رحمة الله مقدمة للهداية والصلاح.
التاسع: تأتي رحمة الله إبتداء من غير سؤال من العبد، كما تأتي بالدعاء والمسألة، فإن قلت قد يسأل الإنسان غيره فيعطيه والجواب هذا من التراحم بين الناس، ولكن هذا العطاء محدود وهو قضية في واقعة، وإذا ألح السائل بالدعاء فإن الطرف الآخر يصيبه الملل والضجر ويكف يده، ولكن من رحمة الله أنه مع كثرة السؤال والدعاء تنزل شآبيب الرحمة.
العاشر: عدم نقص أو إنقطاع كنوز الرحمة الإلهية , قال تعالى[قُلْ لَوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنفَاقِ]( )، فالإنسان بطبعه وماهيته ورؤيته هلاك وموت الناس من حوله يظن أن الأشياء والأموال تفنى، وما يخرج من يده لا يعود فليجأ إلى الإمساك عن نفسه وعن الغير.
وجاءت آية البحث بصيغة الإطلاق والإلحاح في الذكر والإستغفار، فلم تجعل حداً أعلى للإستغفار لأنه باب للنهل من خزائن رحمة الله في النشأتين.
الثانية: تلمس المغفرة من آيات القرآن الأخرى التي تحث على سؤالها، والآيات التي تذكر خصال المتقين.
الثالثة: جعل المسلم يستحضر المغفرة وسبلها في قوله وعمله، وليله ونهاره.
الثالث: بيان عظيم فضل الله عز وجل على المسلمين بأن فتح لهم باب المغفرة وليس باب الإستغفار وحده.
الرابع: ذكر الله من أبهى مصاديق المسارعة إلى المغفرة لذا جاءت به آية البحث على نحو التعيين في ذاته مع الإجمال والتعدد في مصاديقه المتكثرة.
الخامس: تدعو الآية إلى الإستغفار بالدلالة التضمنية، وتقدير الآية: وسارعوا إلى مغفرة من ربكم بالإستغفار.
السادس: بعث المسلمين لعمل الصالحات , وإظهار معاني التقوى ومصاديق الهداية، قال تعالى[وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى]( ).
السابع: المسارعة إلى المغفرة أعم موضوعاً وحكماً من المسارعة إلى الإستغفار.
الثامن: جاءت آية البحث بلزوم المسارعة في الإستغفار وليس إلى الإستغفار.
التاسع: الإخبار السماوي بأن المغفرة مطلقاً بيد الله فلم يجعل بعضها بيد الملائكة أو الأنبياء، ولم يوكل مغفرة فريق من الناس إلى غيره، وفيه دلالة على أن القوة المطلقة لله عز وجل , وأن أمور الخلائق بيده سبحانه.
ولم تقل الآية (وسارعوا إلى مغفرة من الله) أو(سارعوا إلى مغفرة من الغفور) بل جاءت بصفة الربوبية المطلقة لله عز وجل، وفيه مسائل:
الأولى: يجب عبادة الله عز وجل وحده.
الثانية: تنزه المسلمين عن مفاهيم الشرك والضلالة.
الثالثة: دعوة المسلمين لتفويض أمورهم إلى الله، وإظهار حسن التوكل عليه سبحانه.
الرابعة: إقامة الحجة على الناس بلزوم المبادرة إلى الإستغفار والتوبة، وأن الله عز وجل يستجيب لهم في مسألتهم، قال تعالى[قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ]( ). وذكر أن إعرابياً جاء إلى عمرو بن عبيد فشكا إليه أن دابته سرقت وسأله أن يدعو الله ليردها إليه، فقال عمرو: اللهم إنها سرقت ولم ترد سرقتها، لأنك أنزه وأجل من أن تدبر هذا الخنا، فقال الإعرابي: ناشدتك الله يا هذا إلا ما كففت عني من دعائك هذا الخبيث، إن كانت سرقت ولم يرد سرقتها فقد يريد ردها ولا ترد، وهل الرب يقع في ملكه ما لا يشاؤه).
الخامسة: جعل المسلم مرضاة الله عز وجل مقصده وغايته , ومنتهى رجائه.
السادسة: تأكيد لزوم إنقياد المسلمين لأمر الله عز وجل.
السابعة: آية البحث من عمومات قوله تعالى[أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ]( )، فلما أظهر المسلمون الإخلاص في طاعة الله بتصديق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم والعمل بأحكام القرآن جاءت هذه الآية لكفايتهم تبعات الذنوب، ونجاتهم من هموم أوزارها وأعبائها فلا يعلم ما يزاح عنهم من الأثقال بالذكر إلا الله عز وجل.
الثامنة: الإستغفار من عمومات عبادة الله عز وجل، ومصاديق الإمتثال للخطاب التكليفي الوارد للناس جميعاً في قوله تعالى[يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ]( ).
التاسعة: التذكير برحمة الله التي تتغشى الناس جميعاً والمسلمين خاصة بصفة الربوبية المطلقة، قال تعالى[فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ]( ).
العاشرة: إرادة ذكر المؤمن في الملأ الأعلى وإستغفار الملائكة له، وشهادتهم لذكره لله وإستغفاره لذنوبه .
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن لأهل ذكر الله أربعاً . ينزل عليهم السكينة، وتغشاهم الرحمة، وتحف بهم الملائكة ، ويذكرهم الرب في ملأ عنده)( ).
وقيل مذكور في التوراة: أتانا الله من سيناء و أشرق من ساعير واستعلن من جبال فاران)( ) يعني طور سيناء: موضع مناجاة موسى، وساعير موضع عيسى، وفي فاران وجوه :
الأول: فاران هي مكة( ).
الثاني: ذكر أن فاران علم لجبل بعينه كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يناجي الله تعالى عليه، وهو قريب من مكة.
الثالث: هي جبال الحجاز( ).
و(جاء في الفصل التاسع من السفر الأول من التوراة أن هاجر لما غضبت عليها سارة تراءى لها ملك (من قبل) الله فقال لها يا هاجر أين تريدين ومن أين أقبلت؟ قالت: أهرب من سيدتي سارة فقال لها: ارجعي إلى سيدتك واخفضي لها فإن الله سيكثر زرعك وذريتك وستحبلين وتلدين ابناً وتسمينه إسماعيل من أجل أن الله سمع تبتلك وخشوعك وهو يكون عين الناس وتكون يده فوق الجميع ويد الجميع مبسوطة إليه بالخضوع وهو يشكر على رغم جميع إخوته)( ).
وتحقق مصداق وعد الملك ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفي التوراة أيضًا: أن الله أوحى إلى إبراهيم عليه السلام: قد أجبت دعاءك في إسماعيل، وباركت عليه، وسيلد اثني عشر عظيمًا، وأجعله لأمة عظيمة.
وفي بعض كتبهم: لقد تقطعت السماء من بهاء مُحمدٍ المحمود، وامتلأت الأرض من حمده، لأنه ظهر بخلاص أمته، وورد النص في الإنجيل: أن المسيح قال للحواريين: إني ذاهب عنكم، وسيأتيكم الفارقَليط، الذي لا يتكلم من قِبل نفسه، إنما يقول كما يقال له، والفارقليط بالعبرانية: اسم النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل معناه: الشافع المشفع)( ).
فصحيح أن بعض البشارات جاءت بإسماعيل إلا أنها وقعت على سيد ولد آدم وهو محمد صلى الله عليه وآله وسلم لذا إجتهد إبراهيم وإسماعيل بالدعاء له، قال تعالى[وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ]( )، لتكون آية البحث بلحاظ الآية أعلاه على وجوه:
الأول: إنها من رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والبشارة به , من وجوه:
الأول: آية البحث تنزيل من الله عز وجل.
الثاني: النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من العرب والمسلمين جميعاً.
الثالث: آية البحث من آيات الله التي تلاها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على المسلمين , ولا تنحصر مصاديق هذه التلاوة بقراءة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الآية على الصحابة حين نزولها، وأمره بتدوينها بل أنها تتلى في كل زمان وتتغشى هذه التلاوة أصقاع الأرض كلها.
الرابع: تتجلى أسمى معاني التزكية والتطهير في آية البحث لما فيها من البعث إلى الإستغفار، والسعي إلى اللبث الدائم في الجنة التي عرضها السموات والأرض.
الخامس: لقد قام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتعليم المسلمين كيفية الإستغفار، ودعاهم للمبادرة إليه، وإحتفظ المسلمون بالنصوص والأخبار الواردة عنه صلى الله عليه وآله وسلم التي تحث على الإستغفار والتوبة والإنابة، وكان هو نفسه الإمام في الإستغفار وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: إني ليغان( ) على قلبي فأستغفر الله في اليوم سبعين مرة.
وورد الحديث أيضاً على نحو الإطلاق من غير تقييده بالغين كسبب(عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة)( ).
وإجتهد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الإستغفار لأمته أشخاصاً وجماعات، وقد إستغفر للمنافقين أيضاً لأنهم نطقوا بالشهادتين وأظهروا الإسلام وإن أخفوا الكفر، إلى أن أنزل الله عز وجل[وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ]( ).
لتكون الآية أعلاه حرباً على النفاق، ودعوة للمنافقين للحرص على الفوز بإستغفار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لهم الذين لا يفوزون به إلا بالتبرأ من النفاق.
وتدل الآية في مفهومها على إكرام المسلمين، فصلاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الذي يموت من المسلمين بعدئذ شاهد نبوي على براءته من النفاق , وفيها مسائل:
الأولى: يرجو كل مسلم صلاة النبي عليه حين موته.
الثانية: إدراك المسلمين لقانون ثابت بأن النبي لا يصلي على المنافق.
الثالثة: صيرورة صلاة النبي على الميت زاجراً عن النفاق، وحرباً عليه، ولا ينحصر موضوعها بالميت بل يشمل التأديب عائلة الميت، ويشعرون بالسكينة ويطمئنون لحسن عاقبة ميتهم حينما يصلي عليه رسول الله، ذكراً كان الميت أو أنثى.
ومن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن معرفة المنافقين وتعيين أشخاصهم لم ينقطع بإنتقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى فكان حذيفة بن اليمان( ) وهو من كبار صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعرفهم، ويلقب(صاحب سر رسول الله)( ).
وكان عمر بن الخطاب يسأله عن المنافقين، وينظر إليه عند موت من مات منهم فإن لم يشهد جنازته لم يصل عليه.
وعن أبي أمامة بن سهل اشتكت امرأة بالعوالي مسكينة فكان النبي صلى الله عليه وسلم يسألهم عنها فقال إن ماتت فلا تدفنوها حتى أصلي عليها فتوفيت فجاؤوا بها إلى المدينة بعد العتمة فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نام فكرهوا أن يوقظوه فصلوا عليها ودفنوها ببقيع الغرقد فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم جاؤوا فسألهم عنها فقالوا قد دفنت يا رسول الله وقد جئناك فوجدناك نائما فكرهنا أن نوقظك فقال انطلقوا فانطلق يمشي ومشوا معه حتى أروه قبرها فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفوا وراءه فصلوا عليها)( ).
وفيه آية وهي إنفراد المسلمين بخصوصية ونعمة عظيمة تتغشى بركاتها الدنيا والآخرة وهي فوزهم بإستغفار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لهم أحياء وأمواتاً، وهو من عمومات قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ) .
وبالمسلمين يحفظ الله عز وجل الإستغفار وإستدامته في الأرض، وكذا العكس فبالإستغفار يُحفظ المسلمون , ويأمنون من البلاء العاجل والإستغفار هو غذاء وحاجة للروح والبدن، ومدد في عالم القول والفعل.
الرابعة: تتجلى منافع الآية أعلاه من سورة التوبة بإنحسار عدد المنافقين بين المسلمين والذي يظهر بالتبدل النوعي في الوقائع والإحداث، فإن قام عبد الله بن أبي سلول بإغراء ثلث جيش المسلمين وصدهم عن التوجه إلى معركة أحد وهم في منتصف الطريق وعددهم نحو ثلاثمائة، فإن معركة الخندق ومع الحصار الذي تعرض له المسلمون وأهل المدينة لم تجد فيها صوتاً مسموعاً للنفاق والمنافقين , ولكنه لم ينقطع وظهر في عودة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من تبوك لولا رحمة الله.
الخامسة: آية البحث من الكتاب المذكور في قوله تعالى[وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ]( ) لأن المراد منه القرآن , وفيه شاهد بأن وظيفة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا تنحصر بالتبليغ وتلاوة آيات القرآن على المسلمين بل تتضمن بيان مضامين القرآن وآياته القدسية.
ويحتمل التعليم في المقام وجوهاً:
الأول: تعليم الفرائض وكيفيتها وآدابها كما في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: صلوا كما رأيتموني أصلي)( ) وتعليم آيات الأحكام، ومعانيها ودلالاتها، وتفسيرها، وأختلف في عدد آيات الأحكام على وجوه:
الأول: إنها خمسمائة آية، وبه قال الغزالي وجماعة.
الثاني: إنها مائة وخمسون آية( ).
الثالث: معظم آيات القرآن لا تخلو من أحكام تتضمن آداباً حسنة وأخلاقاً جميلة.
وقد تكون الأحكام في آيات القرآن من اللامتناهي بلحاظ الجمع بين كل آيتين أو أكثر من القرآن وإستنباط مسائل تتضمن بيان الأحكام الشرعية، وإستدامة الصلاح في الأرض، وإعانة المسلمين للتفقه في الدين ومنع أسباب الخلاف بين الفقهاء، وطرد الجهالة والغرر.
فيجب أن يتغير العنوان وبدلاً من البحث في(آيات الأحكام) وما فيه من الحصر والتقييد لا بد أن يكون هناك بحث إسمه(الأحكام في آيات القرآن) أو يكون هذا العنوان موضوعاً مستقلاً في طول قانون آيات الأحكام .
ولا تخلو كل آية من القرآن من حكم في منطوقها أو مفهومها أو دلالتها وإن تعلق موضوعها بقصة وخبر من أخبار الأمم السالفة، وهو من عمومات الحسن في قوله تعالى[نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ]( ).فمن الحسن العرضي المترتب على هذه القصص إستنباط الدروس والمواعظ والأحكام منها.
ولم يرد لفظ (آيات الأحكام) في كلام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولا الصحابة وأهل البيت مما يدل على أنه مبحث مستحدث يقبل التوسعة والتضييق , وتكون السنة متممة لهذه الآيات.
فمن تلك الآيات ما يكون من الحكم فيها ظاهراً بيناً، لا يحتاج إلى تعضيد وتفسير من السنة النبوية كما في آيات المواريث مثل قوله تعالى[لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ]( )، وشطر من أحكام النكاح والطلاق والغنائم، ومنها ما جاء بيانها التفصيلي في السنة النبوية كما في الصلاة، فأصل الوجوب نص جلي في القرآن، لقوله تعالى[وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ]( ).
وجاءت السنة النبوية بالكيفية والتفصيل، قال الإمام الصادق عليه السلام: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نزلت عليه الصلاة ولم يسم لهم ثلاثة ولا أربعاً، حتى كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي فسر لهم ذلك).
فإن قلت إن ذات القرآن هو البيان والتبيان لقوله تعالى[وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( )، فكيف يكون البيان في السنة بمعنى لابد من إيجاد إصطلاح ومفهوم للرجوع للسنة النبوية غير البيان فتقول مثلاً: تفصيل شطر من الآيات بالسنة النبوية , والجواب الرجوع للسنة النبوية في تفصيل وتثبيت الأحكام من عمومات البيان الوارد في قوله تعالى[وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا]( ).
وجاءت آية البحث من النص الذي لا يحتمل وجهاً آخر من وجوه:
الأول: الآية خاصة بالمتقين الذين يخشون الله بالغيب.
الثاني: البشارة للمتقين بالجنة الواسعة.
الثالث: علم الله بأن المؤمن قد يرتكب المعصية، وقد يعتدي على نفسه ولا يعرف قدرها ويجلب لها الضرر بدل أن يدفعه عنها، فجاءت الآية بالعلاج الشافي وجلب المصلحة ودفع الضرر العرضي المستحدث من الذات، ومع أن فعل الفاحشة وظلم النفس عمل وهو نوع مفاعلة مع الآخرين، وإن كان قولاً قبيحاً أو فحشاً أو إفتراءً.
الرابع: من البيان في آية البحث أنها ذكرت متعلق الإستغفار بلغة العموم وهي الذنوب كلها , وليس فقط فعل الفاحشة وظلم النفس، قال تعالى[فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ]، وفيها رحمة بالمسلمين وحجة على الناس بأن يكون الطريق إلى الجنة معبداً ومضاءً بالبيان والإستغفار.
السادسة: اللجوء إلى الإستغفار عند المعصية من أبهى مصاديق الحكمة في قوله تعالى[وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ]( ).
وورد في معنى الحكمة في الآية أعلاه أنها السنة، ومن الحكمة التفقه في الدين والأخلاق الحميدة والقضاء وإدارة الأمور العامة، ومصارف بيت المال، ومسائل وأحكام الأمر بالمعروف والنهي المنكر التي هي سيالة من باب الطهارة إلى الديات، وتشمل مضامين آية البحث لأن أحكامها ومضامينها تحيط بأبواب الفقه من العبادات والمعاملات، فقد يظلم الإنسان نفسه بالتقصير في العبادة الواجبة، أو يعتدي على الآخرين وحقوقهم المادية كالأموال، والحقوق الإعتبارية كما في الغيبة والإنتقاص من الشأن والجاه.
فتأتي آية البحث للإستغفار، وهي مقدمة وطريق إلى التدارك في القول والفعل مع الناس، وإلتماس العفو منهم، وهو من المنافع الأخلاقية والإجتماعية.
التاسع: الترغيب بالعمل بمضامين آية البحث بذكر الجنة وأنها دار القرار والحياة فيها أبدية، قال تعالى[وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ]( )، والحيوان مصدر حي للمبالغة في الحياة، لإرادة الحياة الدائمة الباقية، وقد ورد ذات اللفظ في الحديث عن الإمام الباقر عليه السلام قال: قال رسول الله عليه وآله وسلم: يا عجباً كل العجب للمصدق بدار الحيوان، وهو يسعى لدار الغرور)( ).
فإن قلت ذكرت آية (وسارعوا)( )، سعة الجنة ولم تذكر الخلود فيها، والجواب من وجوه:
الأول: القرآن يفسر بعضه بعضاً، وقد جاءت آيات القرآن الأخرى ببيان صبغة الدوام والخلود في النعيم الذي تتصف به الجنة، وقد ورد لفظ(خالدين) ستاً وثلاثين مرة خاصاً بأهل الجنة.
الثاني: من إعجاز القرآن ذكر عرض الجنة وأنه السموات والأرض لتأكيد حقيقة وهي بيان اللامتناهي في إتساعها لعجز الناس عن الإحاطة بأبعاد وأطراف السماوات , فجاء وصف عرض الجنة للإخبار عن صيرورة الجنة بديلاً لهما أو أنهما باقيان ولكن بهيئة وموجودات الجنة التي لم تر نعمها عين ولم تسمع بها أذن .
وجاءت آية أخرى بكاف التشبيه [وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ]( )، لبيان عظيم قدرة الله وسعة سلطانه، ورحمته بالمؤمنين في دار الدنيا والآخرة، وهو من البديع في إحتجاج الملائكة على جعل الخلافة في الأرض للإنسان، والملائكة لا ينقطعون عن التسبيح كما ورد في التنزيل[أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ]( ).
فالسماء مسكن الملائكة الدائم لتكون مثوىً دائماً للخلفاء في الأرض بسلاح التقوى والذكر والإستغفار الذي جاءت به آية البحث.
والمراد من سفك الدماء في الآية أعلاه هو القتل بغير الحق، وأخرج عن ابن عباس في الآية أعلاه (أن الله قال: إن الله قال للملائكة: إني خالق بشراً، وإنهم متحاسدون فيقتل بعضهم بعضاً ويفسدون في الأرض)( )، وجاء ذكر الحسد لبيان أن القتل المذموم هو الذي يقع بغير حق، وحتى الذي يكون بالحق فإن فيه لوماً لمن يستحق أن يقع عليه القتل لتعديه وظلمه، فقد جاء القرآن بقتل المحارب، والقصاص، قال تعالى[وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ]( )، وجاءت السنة بقتل الزاني المحصن .
ولكن هذا القتل يشمله قوله تعالى (يفسد فيها) ليكون القصاص ونحوه من عمومات قوله تعالى[إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( )، بتفضل الله بإخبار الملائكة بأن الله عز وجل ينزل القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتسود شريعة الإسلام والحكم بالحق بما فيه إستئصال الفساد.
الثالث: جاء بيان سعة الجنة وأنها من اللامتناهي والإخبار عن الخلود فيها لطرد الخوف من نفوس المؤمنين من زوال النعيم أو حصول ما يكدر جفو سعادتهم وما ينغص عليهم لذتهم، وهو من عمومات قوله تعالى[ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ]( ).
الرابع: مجيء السنة بالإخبار عن خلود أهل الجنة في النعيم ، (وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يجاء بالموت يوم القيامة في صورة كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون ويقال: يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون ثم يذبح ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت)( ).
ويتجلى الإطلاق بخاتمة آية (وسارعوا) من وجوه:
الأول: المسارعة إلى الجنة، وعدم تقييدها أو تخصيصها بحال دون حال، فتقدير لغة العطف في الآية هو (وسارعوا إلى جنة عرضها السموات والأرض).
ترى لماذا إكتفت الآية بالعطف بالواو بخصوص الجنة ولم تقل(وسارعوا إلى جنة) , الجواب من جهات:
الأولى: بيان حقيقة وهي أن الجنة جزاء للمسارعة للمغفرة , وفعل الصالحات.
الثانية: بعد التخلية من الذنوب وتبعاتها تأتي التحلية بالإقامة في النعيم.
الثالثة: إنتفاع المسلم من الإستغفار في الدنيا والآخرة، بينما الجنة جزاء وثواب في الآخرة، وقد أخبرت الآيات بنزول العذاب بالكفار والظالمين في الدنيا، وقال تعالى في الذين ظلموا أنفسهم , وجحدوا النعم من سبأ[فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ]( ).
الرابعة: التداخل بين المغفرة والإقامة في الجنة , فمن أحرز المغفرة رجحت كفة حسناته وكان ثوابه الجنة.
الثاني: عموم هذه المسارعة وشمولها أجيال المسلمين والمسلمات إلى يوم القيامة.
الثالث: صفة الجنة وما فيها من معاني الإطلاق في الأشجار والثمار، ومصاديق النعيم، قال تعالى[وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ *لاَ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ]( )، وعن الإمام جعفر الصادق أنه سئل: من أين قالوا: إن أهل الجنة يأتي الرجل منهم إلى ثمرة يتناولها، فإذا أكلها عادت كهيئتها؟ قال: نعم ذلك على قياس السراج يأتي القابس فيقتبس منه فلا ينقص من ضوئه شيء , وقد إمتلأت الدنيا منه سرجا)( ).
الرابع: الإطلاق في سعة الجنة، وهو على قسمين:
الأول: يبلغ عرض الجنة السموات والأرض.
الثاني: ليس من حد أو منتهى لطول الجنة لأنها ذكرت الطرف الأقل وهو العرض بما يعجز الناس مجتمعين عن إحصائه (عن كريب قال: أرسلني ابن عباس إلى رجل من أهل الكتاب أسأله عن هذه الآية{جنة عرضها السماوات والأرض} فأخرج أسفار موسى، فجعل ينظر قال: سبع سموات وسبع أرضين تلفق كما تلفق الثياب بعضها إلى بعض، هذا عرضها؛ وأما طولها فلا يُقدر قدره إلا الله)( ).
الخامس: تفضل الله بتهيئة الجنة لعموم المتقين , وإن إختلفت أزمانهم وتباعدت أمصارهم , وتباينت مراتب التقوى عندهم إذ تدل آية البحث والآية السابقة على كون التقوى من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً إذ تضمنت الآية السابقة فعل الخيرات، أما آية البحث فجاءت بخصوص التدارك وإتخاذ سلاح الذكر والإستغفار لمحو السيئات، والإجهاز على الندب السوداء في القول والعمل فتمحوها.
العاشر: تدل البشارة بالجنة على قبول العمل الصالح والإستغفار, ويحتمل هذا القبول وجوهاً:
الأول: إنه خاص بالمتقين لقوله تعالى بخصوص الجنة التي (أعدت للمتقين).
الثاني: قبول العمل الصالح والإحسان من الناس جميعاً , وهو من رحمة الله في الأرض.
الثالث: إنه عام للمسلمين والمسلمات الذين صدّقوا بالنبوة، والصحيح هو الثالث، لتوجه لغة الخطاب في الآية للمسلمين، وعطفها على قوله تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً]( )، وهو لا يتعارض مع إرادة عموم المسلمين في الأمم السابقة لأن موضوع الآيات هو المتقون وخصالهم الحميدة.
ومن بديع نظم الآيات أنه لما جاءت الآية بقوله تعالى[وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] ( )، جاءت آية المسارعة بالإخبار بأن عاقبة المتقين هي الجنة، فيحتمل الفلاح الوارد في الآية أعلاه وجوهاً:
الأول: نسبة التساوي بين الفلاح والجنة، وأن المراد من الفلاح في الآية أعلاه هو الإقامة في الجنة.
الثاني: نسبة العموم والخصوص بين الفلاح والجنة وهو على شعبتين:
الأولى: الفلاح أعم من الجنة، ويشمل التوفيق في الدنيا.
الثانية: الفوز بالجنة أعم من الفلاح.
الثالث: موضوع الفلاح هو الحياة الدنيا (والفلاح لغة: البقاء على الخير) ( )، وقال الجوهري: الفلاح: الفوز والنجاة والبقاء) ( ).
الرابع: الفلاح نوع طريق ومقدمة لدخول الجنة.
والصحيح هي الشعبة الأولى من الوجه الثاني أعلاه ويدخل في طولها الوجه الرابع، والله عز وجل هو المنّان في الدنيا والآخرة، ومن الإعجاز أن من وجوه الترجي والتعليق في قوله تعالى أعلاه (لعلكم تفلحون) هو لزوم العمل بمضامين آية البحث من المبادرة إلى ذكر الله والإستغفار عند إرتكاب المعصية مع التنزه عن الإصرار على الذنب، وإجتناب الإقامة على المعاصي.
وفيه بيان لحقيقة وهي أن قيام المتقي بذكر الله والإستغفار عند فعل السيئة شرط لدخوله الجنة، وهذا المعنى لا يتعارض مع كون الذكر والإستغفار من مصاديق التقوى.
الوجه الثاني( ): جاءت الآية الكريمة[الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ……] بصيغة الإطلاق من جهات:
الأولى: إبتدات الآية بالاسم الموصول (الذين) وقيل أول من إستعمل إصطلاح الموصول هو المبرد(ت 285 هــ) وسماه الرماني(ت 346) بالاسم الناقص للإشارة إلى تقوم معناه بالصلة والبيان، ويعرف بأنه يفتقر إلى عائد وصلة وجملة ولا تكون طلبية أو إنشائية، لأن المراد من صلة الموصول بيان وتوضيح الموصول.
ويأتي الاسم الموصول بعد المعرفة ليكون صفة لها، كما في الآية الكريمة أعلاه، فحينما أخبرت الآية السابقة لها بأن الجنة التي يجب على المسلمين والمسلمات المسارعة إليها إنما أعدّها وأصلحها الله عز وجل دار مقام دائم للمتقين، فإبتدأت الآية أعلاه بالاسم الموصول ليكون نعتاً في معناه ودلالته إذ أن الاسم الموصول على قسمين:
الأول: ما كان نعتاً في معناه، لا يتعدى إلى غيره.
الثاني: ما كان مشتركاً بين معان متعددة , وإن إتحد اللفظ.
وجاء لفظ(الذين) في كل من آية البحث والآية السابقة لها نصاً وحصراً بالمتقين ليخرج الذين لا يخشون ولا يصدقون بمعجزات النبوة والتنزيل، وفي قوله تعالى[يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا]( )، والوفد جمع وافد، وجمع الوفد وفود وأوفاد والاسم الوِفادة-بالكسر- (قيل: الوفد الركبان المكرمون)( ).
ومن المجاز: الحاج وفد الله، وورد بالإسناد عن أبي معاذ (البصري) يقول: إن علياً كان ذات يوم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ هذه الآية { يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين إِلَى الرحمن وَفْداً} فقال: ما أظن الوفد إلا الركب يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم: وَالذي نفسي بيده، إِنهم إذا خرجوا من قبورهم يستقبلون أو يؤتون بنوق بيضٍ لها أَجنحة وعليها رحائل الذهب، شرك نعالهم نور يتلألأ، كل خطوة منها مد البصر، فينتهون إلى شجرةٍ ينبعُ من أصلها عينان فيشربون من إحداهما فتغسل ما في بطونهم في دنس، ويغتسلون من الأخرى فلا تشعث أبشارهم ولا أشعارهم بعدها أبداً، وتجري عليهم نضرة النعيم فينتهون أو فيأتون باب الجنة فإذا حلقة من ياقوت حمراء على صفائح الذهب.
فيضربون بالحلقة على الصفحة فيسمع لها طنين يا علي . فيبلغ كل حوراء أن زوجها قد أقبل فتبعث قيمها ليفتح له , فإذا رآه خر له (قال سلمة: أراه قال ساجداً) فيقول ارفع رأسك فإنما أنا قيمك وكلت بأمرك، فيتبعه ويقفوا أثره فتستخف الحوراء العجلة فتخرج من خيام الدر والياقوت حتى تعتنقه)( ).
وتتجلى المغفرة بآية البحث وما فيها من البعث إلى الذكر والإستغفار، وفيه آية بعدم وجود شرط إضافي على التقوى في الإصلاح لدخول الجنة.
الثانية: الإطلاق في الإنفاق والبذل بقوله تعالى(الذين ينفقون) ويتجلى الإطلاق من وجوه:
الأول: إنعدام القيد في الإنفاق.
الثاني: خلو الإنفاق من الشرط.
الثالث: التنجز وإنتفاء تعليق الإنفاق على أمر مخصوص.
الرابع: عدم تعيين حد أدنى للإنفاق ومقداره.
الخامس: العموم في الإنفاق، فالمتقون مجتمعون ومتفرقون يواظبون على الإنفاق والبذل والعطاء.
السادس: الإطلاق في أوان وزمان الإنفاق.
السابع: إنتفاء القيد والشرط في المنفق عليه، والجهة التي يصل إليها الإنفاق , فإن قلت جاء التقييد في آيات أخرى منها آية الصدقات، قال تعالى[إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا…..]( )، وتسمى هذه الآية أيضاً بآية الزكاة.
والجواب إن قوله تعالى[الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ…..] أعم في موضوعها، وعن الشعبي قال: حدثتني فاطمة بنت قيس: أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفي المال حق سوى الزكاة؟ قالت: فتلا علي{وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ})( ).
وفيه إشارة إلى أن الزكاة الواجبة لم تنسخ الصدقة المستحبة، فالزكاة هي النصيب الذي أوجبه الله عز وجل في مال مخصوص عندما يبلغ النصاب ويدفع لمستحقه، قال تعالى[وَآتَوْا الزَّكَاةَ]( )، أي أخرجوها وأعطوها لمستحقها , وجاء قوله تعالى[الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ] ليشمل المسلمين جميعاً، ويتخذ كل واحد منهم الإنفاق طريقاً إلى الجنة، وإن لم تتعلق الزكاة بماله.
ولم تذكر آية الزكاة (السائل) على نحو التعيين فقد جاءت النصوص على إعطائه وكراهية رده، وذكرت آية الصدقات المساكين بصيغة الجمع لعدم الجزع من تعدد المساكين وإن جاءوا دفعة واحدة، وعن فاطمة بنت الحسين عن أبيها عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “للسائل حق وإن جاء على فرس”)( ).
وهل يأتي السائل لمن يكون في حال سراء على نحو الخصوص أم يأتي حتى للذي يكون في شدة وعسر، فيكون من عمومات قوله تعالى [الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ]( ) .
الجواب هو الثاني خصوصاً وقد يسأل المحتاج من هو أشد حاجة منه، أو أن السائل ذو شأن وجاه وتكون مستلزمات أموره أكثر من المسؤول لموضوعية الشأن في المؤونة.
فجاءت الآية أعلاه لبيان صفات المتقين وأنهم يمدون يد المساعدة للغير حباً لله عز وجل، ورجاء نواله والفوز بالمقام الدائم في النعيم.
ويدخل في الإنفاق بر الوالدين وصلة الرحم , وقال عمرو بن الجموح : يا رسول الله كم ننفق، وعلى من ننفق، فنزل قوله تعالى[يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابن السَّبِيلِ])( ).
الثالثة: الإنفاق في حال السراء والرخاء وإقبال النعم، وحال السراء من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً، فجاءت الآية مطلقة لتشمل أفراد السراء والسعة بحدها الأدنى، والإطلاق في حدها الأعلى لأنه من مصاديق الرزق التي ليس لها حد في الكثرة والزيادة، قال تعالى[وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ]( ).
ومن خصائص الإنفاق صدوره من مقامات التقوى وإتيانه بقصد القربة إلى الله، لتكون منافعه أكثر من أن تحصى، وفيه منسأة في الأجل، وصرف لأنواع من البلاء، وعن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام قال: كان في بني إسرائيل رجل صالح وكانت لـه امرأة صالحة فرأى في النوم أن الله جعل لك في العمر كذا وكذا سنة وجعل نصفها في سعد وجعل النصف الآخر في ضيق فاختر لنفسك، أما النصف الأول وأما النصف الأخير؟ فقال الرجل أن لي زوجة صالحة وهي شريكتي في المعاش فأشاورها في ذلك وتعود إلي فأخبرك.
فلما أصبح الرجل قال لزوجته: رأيت في النوم كذا وكذا فقالت يا فلان اختر النصف الأول وتعجل العافية لعل الله تعالى سيرحمنا ويتم لنا النعمة. فلما كان في الليلة الثانية فقال: ما اخترت؟ فقال: اخترت النصف الأول. فقال: ذلك لك. فأقبلت الدنيا عليه من كل وجه. ولما ظهرت نعمته قالت لـه زوجته: قرابتك المحتاجون فصلهم وبرهم وجارك وأخوتك فلان وفلان فهبهم. فلما مضى نصف العمر وجاز حد الوقت رأى الرجل الذي رآه أولاً في النوم فقال: إن الله تعالى قد شكر ذلك ولك تمام عمرك سعة مثل ما مضى)( ).
لقد جعل الله تعالى الرؤيا مدرسة للهداية , وتأتي بصيغة البشارة والإنذار، فتكون تحذيراً من الغفلة، وتنبيهاً على لزوم الإستغفار من الذنوب والمعاصي، فإذا تضمنت الرؤيا تذكير المسلم بفعل سيئة فإن آية البحث حاضرة في الوجود الذهني، وفيها السلامة من آثار الذنوب، وكابوس الرؤيا المكروهة، وقد لا يأتي هذا التذكير في الرؤيا جلياً , ولكن موضوعية آية البحث في حياة المسلم تجعله يدرك تأويلها ويبادر إلى ذكر الله والإستغفار وإعادة حقوق الناس ، وفي التأريخ الإسلامي شواهد ووقائع في هذا الباب تفوق الإحصاء.
ويحتمل حال السراء المذكور في الآية (الذين ينفقون في السراء) وجوهاً:
الأول: إرادة المؤمنين الذين ينفقون في حال سراء وسعة.
الثاني: الذي يصل إليهم الإنفاق في حال سعة.
الثالث: التعدد في حال السراء وشمولها للمنفق والمنفق عليه.
الرابع: إرادة الحالة العامة للناس بأن يكونوا في بحبوحة من العيش.
والصحيح هو الأول، من غير أن تتعارض معه الوجوه الأخرى أعلاه , وتقدير الآية: الذين ينفقون وهم في السراء) ليأتي الإطلاق من وجوه:
الأول: حال السعة والرخاء عند المؤمنين، وهو من الشواهد على النعم العظيمة التي تفضل الله عز وجل بها على المسلمين.
الثاني: إعانة الناس جميعاً.
الثالث: عدم التقييد في كيفية الإنفاق وجهته.
الرابع: قيام المؤمنين مجتمعين ومتفرقين بالإنفاق.
الرابعة: صيرورة البذل والإنفاق في حال الضراء والشدة والعسر من صفات المؤمنين، وفيه أمور:
الأول: إنه من الشواهد على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وإنقياد المسلمين لما جاء به من عند الله سبحانه.
الثاني: عشق المسلمين للجنة وسعيهم الحثيث إليها.
الثالث: توارث أجيال المسلمين السجايا الحميدة، وهو من عمومات قوله تعالى[وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ]( ).
الرابع: دعوة الناس لدخول الإسلام لما فيه من التكافل الإجتماعي ومعاني الأخوة الإيمانية.
الخامس: تنزه المسلمين عن البخل وآثاره وأضراره على النفس والغير، فلقد أراد الله عز وجل للمسلم أن يكون داعياً إلى الله في قوله وعمله ومعاملاته وليس عباداته وحدها، ويبعث الإنفاق السكينة في النفس، والرضا عن الذات، والطمأنينة والسرور عند الغير.
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد من لدن ثدييهما إلى تراقيهما فأما المنفق فلا ينفق شيئاً إلا مادت على جلده حتى تجن بنانه وعفو أثره, وأما البخيل فلا يريد ينفق إلا لزمت كل حلقة موضعها، فهو يوسعها فلا تتسع)( ).
السادس: إدراك حقيقة وهي حتمية ظهور الإسلام، وإستدامة عز المؤمنين، ونجاتهم من أسباب الذل والضعف التي تصاحب الفقر والعوز والفاقة.
السابع: الإنفاق مجلبة للرزق، وتوسل إلى الله رجاء فضله، وإظهار للثقة بلطفه ورحمته وإعانته, وحال الضراء كالسراء من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً، وفي الإنفاق نماء للمال وسعة في الرزق.
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أنفق ينفق عليك( ).
ترى هل من برزخ بين حال السراء والضراء في قوله تعالى [الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ] لتكون فيه وجوه محتملة:
الأول: هناك حال برزخية لم تذكرها الآية يكون فيها عفو من الإنفاق.
الثاني: إلحاق هذه الحال بالسراء لأن الضراء عنوان للشدة والعسر.
الثالث: جعل هذه الحال من الضراء لمنافاتها مع معاني السعة والمندوحة والغنى التي تختص بها حال السراء.
الرابع: تلحق تلك الحال مرة بالسراء وأخرى بالضراء.
الخامس: تكون البرزخية في المقام مستقلة بذاتها , وقسيماً ثالثاً إلى جانب السراء والضراء، وفيه تخفيف عن المسلمين.
السادس: عدم ذكر حال البرزخ بين السراء والضراء لندرتها، ولا عبرة بالقليل النادر.
السابع: إنعدام حال البرزخ بين السراء والضراء بخصوص الإنفاق.
والصحيح هو الأخير، فإن الحد الأدنى والأخف من الضراء ملاصق ومجاور لأدنى وأقل حالات السراء، وفيه آية بمجيء القرآن بجوامع الكلم بأن يأتي اللفظ عاماً وشاملاً للأحوال المتباينة، ولا ينحصر موضوع الآية بالإعجاز البلاغي، بل يشمل الإعجاز العقائدي ومفاهيم تهذيب النفوس وإصلاح المجتمعات باللفظ القرآني الذي يتغشى الأحوال المتباينة مع إتحاده، فليس من إستثناء في الأحوال التي يجب أن يقوم بها المسلمون بالإنفاق، وهو من الشواهد على الإطلاق والعموم فيه لأنه طريق إلى الجنة.
فأراد الله عز وجل أن يغترف منه المسلمون الحسنات على كل حال، وهو من عمومات قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
ولقد تلقى المسلمون آية البحث بالتسليم بإرادة الإطلاق منها، ولزوم تعاهدهم للإنفاق في كل حال.
وروي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنه قال: لو أن رجلا أنفق ما في يديه في سبيل من سبل الله ما كان أحسن ولا وفق لقوله “ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين”يعني المقتصدين)( ).
وجاءت آية البحث بوجوب الإنفاق في حال الضراء والشدة والبأساء مع بيان الثواب العظيم عليه بالجنة والنعيم الدائم لبيان حقيقة وهي عدم معارضة معاني الإحسان بالعود مرة أخرى على المحتاج حتى وإن كان المنفق صار هو الآخر محتاجاً لأن الحاجة على مراتب كثيرة متباينة، ولأن الإنفاق من مقامات الضراء له أجر عظيم .
ومن مصاديق الإحسان الإنفاق في حال السراء والضراء مع حسن الظن بالله عز وجل بأنه يبدل حال الضراء إلى سراء وينسخ حال الحاجة والضيق إلى السعة والغنى، قال تعالى[وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ]( ).
ويحتمل موضوع (الضراء) الوارد في الآية وجوهاً:
الأول: إرادة حال المؤمنين الذين ينفقون في سبيل الله، وأنهم في حال من العسر والشدة.
الثاني: الحالة العامة للضراء كما في أيام المجاعة وإنتشار الفقر والفاقة، وسني القحط والجدب.
الثالث: تعلق حال الضراء والشدة بالمنفق عليهم دون المنفقين.
والصحيح هو الأول والثاني، ليكون للفظ(والضراء) معنيان خاص وعام، فالأول ما تعلق بحال المؤمنين من الشدة والعسر، والثاني ما يعلم الناس من أسباب البلاء والقحط.
وفيه نكتة وفق حال الضراء إذ يمسك فريق من أرباب الأموال عن المعروف خشية مجيء أيام أشد ضيراً وقسوة، وإن كان الإنفاق لا ينقص من أموالهم، وهم يرون الحاجة الشديدة تظهر على شطر من الناس، فجاءت آية البحث لتكون على وجوه:
الأول: إنها مدرسة في المناجاة في المعروف بين المسلمين، قال تعالى[وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى]( ).
الثاني: تحلي المسلمين بمكارم الأخلاق.
الثالث: إظهار المسلمين لأسمى معاني التوكل على الله، ودفع الإملاق بالصدقة.
الرابع: بالإنفاق في حال الضراء الخاصة والعامة دعوة للفقراء للصبر والتوجه إلى الله بالدعاء لنزول النعم.
الخامس: يساهم الإنفاق في حال الضراء في الحيلولة دون الفساد والإفساد، وهو من عمومات رد الله عز وجل على الملائكة عندما إحتجوا على جعل آدم خليفة في الأرض، وقوله تعالى[إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ).
فمع إبتلاء الناس بالضراء والشدة فإنهم يتحلون بالصبر، ويدركون أن إجتناب الفساد باب للرزق الكريم.
نعم إطلاق الإنفاق مبين بماهيته وحده الأعلى بالنهي عن التبذير والإسراف، قال تعالى[وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابن السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا]( ).
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال: كنا أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم نتحدث أن التبذير النفقة في غير حقه، وورد مثله عن ابن عباس)( ).
وأصل التبذير من بذر الحب ونثره في الأرض من غير قصد لموضع مخصوص للمفرد من الحب، وفي إجتناب التبذير مسائل:
الأولى: إنه شاهد على الحكمة والتدبر في صرف المال.
الثانية: أولوية الذات والعيال في القدر المتيقن من المؤونة.
الثالثة: تجدد إتصال الإنفاق في الصالحات، فإذا أنفق الإنسان ماله كله عجز عن مواصلة الإنفاق في الصالحات، لذا قال الله تعالى[وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا]( ).
وأخرج عن يسار بن الحكم قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بر( ) من العراق، وكان معطاء كريماً، فقسمه بين الناس، فبلغ ذلك قوماً من العرب، فقالوا: أنأتي النبي صلى الله عليه وسلم فنسأله؟ فوجدوه قد فرغ منه، فأنزل الله{ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} قال: محبوسة {ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً} يلومك الناس{محسوراً} ليس بيدك شيء)( ).
وعن ابن مسعود قال: جاء غلام إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إن أمي تسألك كذا وكذا؟ فقال: ما عندنا اليوم شيء قال: فتقول لك اكسني قميصك ، فخلع قميصه فدفع إليه، فجلس في البيت حاسراً فأنزل الله{ولا تجعل يدك مغلولة})( ).
ولا يتزاحم أو يتعارض الإنفاق مع العبادات والنوافل الأخرى، فكل له حكمه ودليله الخاص، وكل فرد منها من عمومات المسارعة في قوله تعالى[وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ]( )، ومن مصاديق السعي إلى الجنة الواسعة، وتؤدي العبادات إلى المبادرة إلى الإنفاق، وكذا العكس.
(وقال فقراء المهاجرين: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور( ) بالدرجات العُلَى والنعيم المقيم فقال:”وما ذاك؟” قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق! قال: “أفلا أعلمكم شيئًا إذا فعلتموه سبقتم من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من فعل مثل ما فعلتم؟ تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين” قال: فقالوا: يا رسول الله، سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا، ففعلوا مثله قال: “ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء”)( ).
وتصيب حال الضراء البر والفاجر , وهو من سنن الإبتلاء في الدنيا قال تعالى[سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً]( )، وجاءت آية البحث لتأكيد قانون ثابت وهو أن الأحوال المتباينة تكون كلها خيراً محضاً للمؤمن وللإسلام مطلقاً، فإذا كان الناس يتضررون من حال الضراء والبأساء فإن المسلم يواجهها بالإنفاق في سبيل الله وحبس الغضب، والمبادرة إلى العفو عن الناس رجاء العفو من عند الله في الدنيا والآخرة، وزوال أسباب الضير والضرر ودفع الآفات ومقدمات المهالك، وتكون حال الضراء على وجوه:
الأول: إستدامة حال الضراء.
الثاني: زيادة الشدة والضراء.
الثالث: حدوث وجوه مستحدثة من البلاء.
الرابع: التخفيف من مراتب الضراء.
الخامس: نسخ وتبديل حال الضراء وجعلها سراء وغبطة.
وجاءت آية البحث للحث على الوجه الأخير بالصبر على الوجوه الأخرى أعلاه ودفعها بالذكر والإستغفار والإنفاق في سبيل الله، وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: اثْنَتَانِ يَكْرَهُهُمَا ابن آدَمَ : الْمَوْتُ ، وَالْمَوْتُ خَيْرٌ لِلْمُؤْمِنِ مِنَ الْفِتْنَةِ ، وَيَكْرَهُ قِلَّةَ الْمَالِ ، وَقِلَّةُ الْمَالِ أَقُلُّ لِلْحِسَابِ)( ).
الخامسة: الإطلاق في كظم المسلمين غيظهم، وإمتناعهم عن إظهار الحنق والغضب والإنفعال، ويحتمل هذا الغيظ المكتوم وجوهاً:
الأول: إنه من مصاديق الحق.
الثاني: ليس من سبب شرعي لهذا الغيظ لذا تصف الآية المسلمين بأنهم يكظمونه ويكتمونه.
الثالث: القدر المتيقن من الغيظ في الآية الكريمة ما كان شخصياً في موضوعه.
والصحيح هو الأول، فلا تتعلق الآية بالحدة وسرعة الغضب والأمور الشخصية، بل تختص بالغيظ المترشح عن تلقي التعدي والظلم والتجاوز، وتدل عليه صيغة الجمع في الآية (والكاظمين الغيظ) والذي يدل بالدلالة التضمنية على حصول الغيظ عند الأمة بما هم مسلمون.
وفيه دلالة تفقه المسلمين وإدراكهم المنافع العظيمة لكظم الغيظ ومنها:
الأول: فيه مجلبة للمصلحة.
الثاني: دفع الأضرار التي تترتب على إظهار الغيظ.
الثالث: سلامة المسلمين مجتمعين ومتفرقين من حال الندم التي تعقب إظهار الغيظ في الأعم الأغلب.
الرابع: الأمن والسلامة والمنعة للمسلمين لأنهم يكفون عن إمضاء غيظهم مع القدرة عليه، ولو كانوا في حال إستضعاف لنعتوا بالصبر على تلقي الأذى، وإن كان كظم الغيظ من أنواع الصبر إلا أنه صبر من منازل العز والقدرة والقوة.
الخامس: إتخاذ المسلمين كظم الغيظ مغنماً وبلغة للثواب العظيم الذي تدل عليه هذه الآيات، وليس من حد أو تقييد موضوعي لكظم الغيظ عند المسلمين، وهو الذي تدل عليه الآية السابقة من وجوه:
الأول: أصالة الإطلاق.
الثاني: الحسن الذاتي والعرضي للصبر من منازل العز والمنعة.
الثالث: إرتقاء المسلمين لمراتب التنزه عن إمضاء الغيظ، ولما إتخذ الملائكة إفساد الناس في الأرض علة لإحتجاجهم على جعل آدم خليفة في الأرض[أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ]( )، جاء كظم المسلمين لغيظهم وعلى نحو متجدد ومتصل إلى يوم القيامة مصداقاً عملياً للرد على الملائكة وبيان أهلية المسلمين لوارثة الأرض، وتأكيداً بركات وإفاضات رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في إصلاح أهل الأرض.
السادسة: مجيء الإطلاق المركب والمتعدد في قوله تعالى [وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ] من جهات:
الأولى: إتخاذ المسلمين العفو لباساً وزينة لهم في الدنيا.
الثانية: تنمية ملكة العفو عن المسلمين وجعلها طريقاً ورجاء للفوز بالعفو من عند الله.
الثالثة: الإطلاق في موضوع وماهية العفو عند المسلمين فليس من حصر لموضوعه أو أفراده.
الرابعة: العموم في الجهة والجماعات والأفراد الذين يعفو عنهم المسلمون.
لقد جاء ذكر كظم الغيظ بذاته (والكاظمين الغيظ) من غير ذكر متعلقه لإفادة التنكير فيه العموم، ولبيان إمتلاك المسلمين ملكة الصبر وحبس الغضب والتنزه عن الإنتقام رغبة في الثواب من الله عز وجل .
وورد موضوع العفو بذكر متعلقه وهم الناس جميعاً، ولم يرد لفظ(العافين) بصيغة الجمع في القرآن إلا في الآية السابقة، ليمتاز المسلمون بلحاظ الآية السابقة بـأمور وخصال كريمة لا توجد عند غيرهم من الأمم , وهي:
الأول: البذل في حال السعة.
الثاني: الإنفاق في حال الشدة والضيق.
الثالث: الإمتناع الإختياري عن إمضاء الحنق والغيظ.
الرابع: العفو والتجاوز عن سيئات الناس عموماً.
الخامس: إتصاف المسلمين بالإحسان والإنعام على الآخرين وبما فيه النفع للناس، كما يحسن المسلمون بعضهم لبعض ليكون الإحسان والنفع الحسن الذي يصل إلى الغير صفة تميزهم عن غيرهم .
وتدعو الآية الناس لدخول الإسلام بلحاظ أن إتصاف الأمة مجتمعة ومتفرقة بالإحسان معجزة غيرية للقرآن، ومصداق لصدق نبوة محمد، لأن هذا الإحسان يأتي عن إكتساب ومنه ما يكون قهراً للنفس الغضبية، وإعراضاً عن الإنتقام وإستيفاء الحق، خصوصاً وأن العرب كانوا يتصفون بالثأر والسلب وغزو بعضهم بعضاً، فإجتمعوا تحت راية الإسلام وتخلوا عن العادات القبلية المذمومة، وقد تركوا ما هو أعظم وأكبر إثماً وهو الضلالة والكفر وعبادة الأوثان لينقادوا إلى أحكام القرآن ومنها مضامين الآية السابقة وآية البحث، قال تعالى[وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا]( ).
وليس من حصر لمصاديق الإحسان، وهل أداء العبادات كالصلاة والصيام إحسان للذات أم للذات والغير، الجواب هو الثاني، فصحيح أنه فعل وتكليف للذات , وقد لا تكون فيه مفاعلة مع الغير، إلا أن رشحات أدائه تعم الناس، وتتغشى الحياة الإجتماعية , وتنفذ إلى القلوب من وجوه :
الأول: عبادة المسلمين إعلان وإقرار بالتسليم بلزوم الخضوع والخشوع لله عز وجل.
الثاني: بيان المصداق العملي العام لقوله تعالى قبل ثلاث آيات [وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ]( ).
الثالث: التفسير العملي لماهية الحياة الدنيا وأنها مزرعة الآخرة.
الرابع: العبادة جهاد مع النفس وبلحاظ أنها إحسان للغير فإن عبادة المسلم جهاد مع نفسه ومع الآخرين لإصلاحهم وجذبهم للإيمان.
الخامس: أداء المسلم للصلاة والصيام ونحوهما من العبادات من أبهى مصاديق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن اللّه كتب الإحسان على كلّ شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة)( ).
والحديث معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في إصلاح صيغ وقواعد العقاب , ما لم تستطع مدارس حقوق الإنسان بلوغه والتأثير في الناس لإقراره والعمل به بينما جاء حديث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليصير قانوناً ثابتاً ومنهجاً دائماً للمسلمين حكومات وأفراداً وشمل الإحسان في سنن الإسلام البهائم أيضاً في العناية بها وإطعامها وفي كيفية ذبحها، وعن سالم عن أبيه قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحد الشفار وان توارى عن البهائم)( ).
ويشمل إحسان المسلمين الأجسام النامية مطلقاً كالأشجار والنباتات بلزوم سقيها وعدم إهمالها عمداً، وهذا الإحسان أعم في موضوعه لما فيه من حفظ المال من التلف ومنع الضرر العام.
لقد أراد الله عز وجل أن ترث الأرض أمة مؤمنة من أهل التقوى , تتخلى عن الرذائل والقبائح، وتتحلى بالإنقياد التام لأمر الله ورسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتكون عندها المحاسن والخلق الحميد سجية دائمة وملكة ثابتة وهو من عمومات قوله تعالى[فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ]( )، إذ تذّكر سيرة المسلمين الناس بلزوم طاعة الله والسعي للآخرة بفعل الصالحات.
وتحتمل الصلة بين خاتمتي الآيتين السابقتين[أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ]( ) و[وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ]( ) وجوهاً( ):
الأول: إعداد الجنة للمتقين أعم من الحب، فموضوع الجنة من حب الله ومن رحمته وعفوه ومغفرته للذنوب.
الثاني: حب الله هو الأعم وهو مفتاح كل خير في الدنيا والآخرة، فمن يحبه الله يجعله في سعادة وسعة وسرّاء، ويلطف به فيقربه إلى منازل الطاعة.
الثالث: التباين الموضوعي بين إعداد الجنة وحب الله.
الرابع: إعداد الجنة رشحة من رشحات حب الله ، وترجمان له.
الخامس: نسبة التساوي بين إعداد الله عز وجل الجنة , وحبه للمحسنين.
والصحيح هو الرابع، وليس من حد لمنافع حب الله عز وجل لعباده المؤمنين، وعن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لَيُؤْتَيَنَّ بِرِجَالٍ يَوْمَ القِيَامَةِ لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ، وَلاَ شُهَدَاءَ، يَغْبِطُهُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ؛ لِمَنَازِلِهِمْ مِنَ اللَّهِ؛ يَكُونُونَ على مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، قَالُوا: وَمَنْ هُمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: هُمُ الَّذِينَ يُحَبِّبُونَ اللَّهَ إلَى النَّاسِ، وَيُحَبِّبُونَ النَّاسَ إلَى اللَّهِ، وَيَمْشُونَ فِي الأَرْضِ نُصْحاً، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا يُحَبِّبُونَ اللَّهَ إلَى النَّاسِ، فَكَيْفَ يُحَبِّبُونَ النَّاسَ إلَى اللَّهِ؟! قَالَ: يَأْمُرُونَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَوْنَهُمْ عَنِ المُنْكَرِ، فَإذَا أَطَاعُوهُمْ، أَحَبَّهُمُ اللَّهُ تعالى)( ).
لقد جاءت الآية السابقة بالإطلاق في حب الله عز وجل للمحسنين، ولم ينحصر هذا الحب المبارك بموضوع مخصوص، ولم يقيد بقيد، وفيه ترغيب للمسلمين للمسارعة في الخيرات والسعي في السبل التي تجلب حب الله.
وجاء الإطلاق والعموم أيضاً في لفظ(المحسنين) فلم تشترط الآية صفات معينة لبلوغ مرتبة الإحسان، وفيه بيان لعظيم فضل الله عز وجل ولطفه بالمسلمين، وقبوله القليل وإعطائه العظيم والكثير.
الوجه الثالث: الإطلاق في آية البحث، وفيه مسائل:
الأولى: إرادة الجمع والعموم في إرتكاب المؤمنين الفاحشة والمعصية , ليكون فيه وجوه:
الأول: بعث السكينة في نفس المؤمن بأن الفاحشة لا تكون برزخاً بينه وبين الجنة ما دام يذكر الله ويستغفره.
الثاني: منع الفتنة والخلاف بين المسلمين بسبب فعل الفاحشة، وما تسببه من النفرة بين الذي يفعلها والذي يتنزه عنها.
الثالث: إستدامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين المسلمين، وتعاهد الرفق فيه . وعدم قطعه وترك توجيهه لبعض المسلمين , لأنهم إرتكبوا الفاحشة .
وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين)( ).
والأصل أن الحكم إذا كان معلقاً بصفة , وزالت تلك الصفة فإن الحكم يزول معها، لتبعية الحكم للموضوع، وإذا تبدل الموضوع تغير الحكم، وجاءت آية البحث بالإخبار عن وصف المتقين بقوله تعالى(والذين) وعدم زوال هذا الوصف بفعل الفاحشة وظلم النفس لأنهم يذكرون الله ويستغفرون لذنوبهم , ليختص المسلمون بصفة التقوى والخشية من الله في العلانية والسر، أما العلانية فيتجلى بأداء المسلمين الفرائض والعبادات، ومن الآيات في المقام أن أهم الفرائض وهي الصلاة يؤتى بها علانية , ومنها الإجهار في الأذان كمقدمة لها.
وهو من الإعجاز في تشريع الصلاة، فمع أن شطراً من الصلاة اليومية يؤتى بالقراءة فيها إخفاتاً , فإن الأذان لها جهري وبما يجعل الناس يسمعونه ويدركون أن آنات الزمان ملك لله عز وجل، وأنه سبحانه فرض عبادته في جزء يسير منها لإستدامة النعم، ولتكون مناسبة لذكره وسؤال المغفرة منه لا لحاجة منه تعالى لهذا الشكر، ولكنه مقدمة لدخول المؤمنين الجنة الواسعة.
وأصل الأذان هو الإعلام، قال تعالى[وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ]( )، ويكرر الأذان خمس مرات في اليوم بتكبير الله وتعظيمه والإقرار بالوحدانية والتصديق اليومي المتجدد بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وفيه مسائل:
الأولى: بيان الحاجة للإعلام عن نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثانية: لزوم مواظبة المسلمين على الجهاد بالقول والإعلان لتثبيت سنن صرح التوحيد في الأرض.
الثالثة: إستعداد المسلمين في الأجيال المتعاقبة والأزمان المتلاحقة لترسيخ معاني النبوة في النفوس وبين الناس.
الرابعة: للأذان دلالات خاصة في زمن العولمة.
الخامسة: إعلان الأذان ذاته إحتجاج إبتدائي، وواقية من الجدل.
السادسة: في الأذان تحد، ودعوة للتدبر بمعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وهو حرب على الشك والريب، والإجهار في الأذان شاهد على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وعدم الخشية من الناس من مضامينه , وكونه مقدمة للصلاة وما فيها من تثبيت معاني التوحيد وعبودية الناس لله عز وجل ، والإخبار عن رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للناس جميعاً.
السابعة: بيان قوة ومنعة وكثرة المسلمين.
الثامنة: الأذان واقية من فعل السيئات وإقتران المنكرات , ولمّا إحتجت الملائكة على جعل آدم خليفة في الأرض لأن الإنسان يفسد فيها رد الله عز وجل عليهم [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( )، فخروا لله سجداً، ومن علم الله عز وجل الإجهار بالأذان خمس مرات في اليوم ,ليكون حرباً على الفساد، وزجراً عن سفك الدماء.
التاسعة: تشريع الأذان تنزيه للنفوس من النفاق وتنكيل بأعداء الإسلام، وبعث لليأس والقنوط في نفوسهم .
وعن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ يُؤَذِّنُ قَالَ كَمَا يَقُولُ فَإِذَا قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَّ الَّذِينَ جَحَدُوا مُحَمَّدًا هُمْ الْكَاذِبُونَ( ).
العاشرة: في الأذان دعوة متجددة وملحة للصلاة وأدائها جماعة وأفراداً.
الحادية عشرة: لما جاءت آية البحث بالأمر للمسلمين باللجوء إلى ذكر الله والإستغفار فقد تفضل الله بتشريع الأذان ليكون بذاته وفصوله وأوانه ذكراً لله وتذكيراً بالذكر وحثاً على الإستغفار.
الثانية عشرة: صيرورة الأذان شعاراً يومياً دائماً للإسلام، وتشرع الدول نشيداً خاصاً بها، وتحرص على أن تكون له دلالات معينة، ولا تدل عليها الموسيقى والنشيد بحال من الأحوال، ويأتي الأذان بكلمات بينة ودلالات عقائدية تنفذ إلى شغاف القلوب، وتتبدل تلك الأناشيد، وتزول الحكومات وتنشطر الدول، أما الأذان فهو باق بفصوله وكلماته، يملأ الآفاق ويكون مناسبة لنزول الرحمة والبركة على الناس.
الثالثة عشرة: الأذان مناسبة متكررة خمس مرات في اليوم للتدبر في الخلق، وتذكير بوظائف العبد من التكاليف وأسباب الصلاح.
الرابعة عشرة: إنه عمل عبادي قائم بذاته في أوانه وفصوله , وهو نوع مقدمة للصلاة.
الخامسة عشرة: في الأذان دعوة للإبتعاد عن الإنغماس في ملذات الدنيا.
السادسة عشرة: تتجلى منافع الأذان بالعمل بمضامين آية البحث من وجوه:
الأول:الأذان تنمية لملكة التقوى التي جاءت بها آية البحث.
الثاني: يذّكر الأذان بيوم الحساب , وتفضل الله باعداد الجنة للمتقين.
الثالث : الأذان ذكر لله عز وجل، ويستحب للمسلم أن يردد كلمات الأذان حينما يسمعها , ليكون هذا الترديد من ذكر الله الوارد في آية البحث[ذَكَرُوا اللَّهَ] .
وبالإسناد عن أبي رافع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كَانَ إِذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ ، قَالَ مِثْلَ مَا يَقُولُ ، فَإِذَا قَالَ حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ ، قَالَ : لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ( ).
الرابع:الأذان إعلان عبادي لأوان الصلاة اليومية , ولزوم أدائها لتحات الذنوب بأداء الصلاة , وعن جابر قال: جاء ابن أم مكتوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إني مكفوف البصر ، ومنزلي شاسع، وأنا أسمع الآذان ، قال: فإن سمعت الأذان فائت ، ولو حبوا( ).
الخامس:ينفي الأذان عن المسلمين الإصرار على الذنوب.
السابعة عشرة:الأذان جهاد في سبيل الله، وحصانة من النفاق, وبرزخ دون الإصرار على الذنوب والمعاصي.
لقد أراد الله عز وجل للأذان تشريعاً وإجهاراً وتعاهداً أن يكون مقدمة ومناسبة للعمل بأحكام آية البحث، وتذكيراً بمضامينها القدسية، بالإضافة إلى حقيقة وهي التنزه عن فعل الفاحشة وظلم النفس، فصحيح أن آية البحث جاءت للحث على الذكر والإستغفار عند فعل الفاحشة، ولكنها تدل في مفهومها على لزوم التنزه عن الفاحشة والرذائل من وجوه:
الأول: وصف المسلمين بالمتقين، والأصل في خصال التقوى النفرة من الفواحش , قال تعالى[وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى * الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ]( ).
وأصل إشتقاق الفاحشة من الفحش وهو القول والفعل المذموم وذكر في معنى كبائر الإثم أنه الشرك، ولكن الآية تدل بالدلالة التضمنية على تنزه أصحابها من الشرك أصلاً للثناء عليهم من الله ووصفهم بالإحسان وبشارتهم بالجزاء والثواب العظيم.
ولم يرد لفظ(الكبائر) في القرآن بصيغة التعريف بالألف واللام، وورد ثلاث مرات في الثناء على المسلمين الذين يجتنبون كبائر الإثم وما نهوا عنه، والوعد الإلهي بمغفرة الصغائر، ولكن جاء في أحاديث مستفيضة من السنة النبوية، كما ورد لفظ أكبر الكبائر، في حديث أبي بكرة، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟”، قلنا: بلى يا رسول الله، قال: “الإشراك بالله، وعقوق الوالدين” وكان متكئا فجلس فقال: “ألا وشهادة الزور، ألا وقول الزور” فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت)( ).
ويمكن تقسيم الكبائر إلى أقسام:
الأول: الشرك بالله عز وجل , والمسلمون منزهون عن الشرك والضلالة.
الثاني:ما كان عاماً بين الناس من غير المسلمين مثل الربا، قال تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً]( ).
الثالث:الكبائر التي قد يقع فيها بعض المسلمين خطأ وتقصيراً، فجاءت آية البحث لخروجه سالماً منها بالذكر والإستغفار.
الرابع: ما كان خاصاً بالمسلمين إذ أنهم منزهون عن الشرك، ويدل عليه ما جاء عن أنس قال: ألا إن شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي، ثم تلا هذه الآية{إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم…})( ).
وجاءت آية البحث لتأكيد عصمة المسلمين من الشرك، ويصدح( ) بالأذان في كل صلاة لتأكيد هذه الحقيقة وليشهد أهل السموات والأرض بعصمة المسلمين من الشرك.
ومن الإعجاز في آية البحث وصيغ الإطلاق فيها أنها تنهى عن رمي المسلم العاصي والذي يرتكب المعصية بالكفر والإرتداد.
إن النطق بالشهادتين وأداء الفرائض عنوان للأخوة الإيمانية، وواقية من التبرأ العام والخاص منه لأن الآية جعلت ذكر الله والإستغفار وسيلة لتعاهد منازل التقوى والإصلاح، وفتح الله عز وجل باب التوبة واسعاً، ولم يجعل له شرطاً وإذا رمى بعضهم العاصي بالكفر فإن الآية تمنعه من الإنسلاخ عن الإسلام، ولا تجعله يقول ما ورد في المثل (أنا الغريق فما خوفي من البلل).
وقال المتنبي:
والهجر أقتل لي مما أراقبه … أنا الغريق فما خوفي من البلل( )
فالنجاة تكون بهجرة المسلم متحداً و متعدداً إلى الله عز وجل بإنابته وتوبته ولا يلتفت إلى الذين يرمونه بالكفر مما يدل على أن من وظائف آية البحث المنع من الإنسلاخ من الإسلام.
ومن إعجازها أنها تمنحه المنعة والوقاية من الضلالة والغواية، ومنهم من يرمي فرقاً عظيمة من المسلمين بالكفر لقول عدد من علمائها مثلاً بصفات لله لا توافق قول الفرقة الأخرى ونحوه من وجوه الإختلاف مع أن الجميع لا يريد بذكر صفات الله إلا الإجلال والتعظيم لمقام الربوبية , ولكن أداء المسلم لصلاة زاجر للغير عن رميه بالكفر.
وأخرج ابن حبان عن بريدة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: بكروا بالصلاة في يوم الغيم، فإنه من ترك الصلاة فقد كفر)( ).
وعن أم أيمن أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا تترك الصلاة متعمداً؛ فإنه من ترك الصلاة متعمداً فقد برئت منه ذمة الله)( ).
ويدل الحديثان في مفهوم المخالفة على أن أداء الصلاة نفي لمعاني الكفر عن المسلم، وأن آية البحث تفيد بأن الذكر والإستغفار من لوازم التقوى وشرائط الإيمان .
ومن آيات التكامل في التشريع برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم محاكاة وإتباع المسلمين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في صلاته , وهو من عمومات قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: صلوا كما رأيتموني أصلي)( ).
فلا أحد يعلم دلائل الإعجاز في هذا الحديث إلا بعد أن تبينت الحاجة إلى وحدة المسلمين ، فحتى لو كانوا منقسمين إلى فرق ومذاهب فيعجز المرء عن التمييز بينهم في كيفية أداء الصلاة، وكل فرقة منهم تقول بجواز صلاة الجماعة مع الفرق الأخرى.
وكما يلتقي المسلمون في أداء وكيفية وأوان الصلاة والزكاة والصيام في شهر رمضان ومناسك الحج، فأنهم يلتقون في العمل بمضامين آية البحث.
فجاءت هذه الآية والآية السابقة لها ببيان صفات المتقين، وتدعو المسلمين لجعلها سوراً جامعاً مانعاً، جامعاً للمسلمين تحت لواء نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ومانعاً من إنحلال وحدتهم، قال تعالى[وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ]( ).
ولما تفضل الله عز وجل[وَعلم آدم الأَسْمَاءَ كُلَّهَا]( )، وهو سبحانه إذا أنعم نعمة على أهل الأرض فهو أكرم من أن يرفعها، تفضل وجعل نعمة القرآن مبسوطة للناس جميعاً فكان وسوف يبقى[تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْ]( )، ولا بد أن الأسماء التي علّمها الله آدم في القرآن عامة , ومنها العلوم والصنائع ليبعث تعلمها على العمل والتدبر في أمور الدنيا، وكان بعض الأنبياء يعملون بالصنائع لتأكيد لزوم العمل والسعي في الكسب الحلال، ومما ورد في القرآن من الصنائع:
الأول: الخياطة: وردت الخياطة بخصوص آدم وحواء في قوله تعالى[وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ]( )، أي يلصقان عليهما من ورق التين، ويجتهدان في إلصاق الورق بعضه على بعض , كأنهما يتسابقان مع ما يتساقط منه.
والخصف هو أن تضم الشيء إلى الشيء وتشكه معه أو تلصقه به)( )، وقد يقال إن خصف ورق التين لا يدل على الخياطة , والجواب إنه سعي لستر العورة بالموجود والميسور، لذا تجد الناس في لباسهم على مراتب شتى ومن الأجيال والأمم السابقة ما كان يعتمد خوص النخيل ونحوه للستر واللباس .

وجاءت الآيات بتأكيد موضوعية اللباس، قال تعالى[يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ]( ).
وأخرج عن زيد بن علي في الآية { لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ } قال: لباس العامة{وريشاً} قال: لباس الزينة{ولباس التقوى} قال: الإِسلام)( )، وقيل نزلت الآية أعلاه في قوم من العرب كانوا يطوفون عراة تنزهاً من ثيابهم التي أذنبوا فيها)( )، وقال تعالى[يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ]( )، وبما أن الذكر والإستغفار من خصال التقوى فهما لباس متعدد ومركب للمسلم إذ يحيط بأركانه وجوارحه كل من الذكر والإستغفار ويكونا واقية له من العذاب , وهما من عمومات صبغة النزول في قوله تعالى[أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى]( )، لما في الذ كر والإستغفار من الخشية من الله، وتعاهد السمت الحسن وإتخاذهما وسيلة مباركة لدخول الجنة، وللإشارة إلى لزوم عدم الإنشغال بزينة الدنيا التي هي دار فناء وزوال .
وتبين آيات اللباس أنه حاجة للإنسان وأن آدم وحواء لم ينزلا إلى الأرض إلا وأدركا موضوعية الستر باللباس ,وورد ذكر حاجة الإنسان للباس بعد الأكل مباشرة , إذ أن آدم وحواء أكلا من الشجرة فإنكشفت لهما العورة، وكذا لباس التقوى والذكر والإستغفار فإنه مصاحب للمسلم وإلى حين مغادرته الحياة الدنيا، مع التباين في اللباس وهو أن لباس التقوى يصاحب المسلم ويدخل معه القبر ليكون نوراً يضيء له فسحة القبر ويطرد ظلمته.
الثاني: صنعة البناء , وورد في آيات عديدة منها قوله تعالى[وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابن لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ]( )، كما جاء الوضع بمعنى البناء في قوله تعالى[إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا]( )، إذ أن نعته بالبيت وأنه للناس عامة يدل على البناء , وجاءت النصوص بأن آدم بناه بإعانة من جبرئيل.
وفي الجمع بين الآيتين أعلاه مسائل:
الأولى: دعوة للناس إلى اللجوء إلى الإيمان .
الثانية: الإقرار العام بالتوحيد .
الثالثة: نبذ دعوة الكفر وإن كانت ظاهرة .
الرابعة : عجز فرعون وجنوده عن بناء صرح جدال ومغالطة . الخامسة : علو وإستدامة عمارة البيت الحرام إلى يوم القيامة , وإتخاذ المسلمين له موضعاً ومقاماً للذكر والإستغفار ، وقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: إن آدم سأل ربه فقال: يا رب أسألك من حج هذا البيت من ذريتي لا يشرك بك شيئاً أن تلحقه بي في الجنة , فقال الله تعالى: يا آدم من مات في الحرم لا يشرك بي شيئاً بعثته آمنا يوم القيامة)( ).
الثالث: النجارة، وقد ذكرت في القرآن بقوله تعالى[أَنْ اصْنَعْ الْفُلْكَ]( ).
وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال: كان آدم عليه السلام حراثاً، وكان إدريس خياطاً، وكان نوح نجاراً ، وكان هود تاجراً، وكان إبراهيم راعياً، وكان داود زراداً( )، وكان سليمان خوّاصاً، وكان موسى أجيراً، وكان عيسى سياحاً، وكان محمد صلى الله عليه وسلم شجاعاً جعل رزقه تحت رمحه)( ).
وفي رواية أخرى عنه قال لرجل عنده: أدن مني أحدثك عن الأنبياء المذكورين في كتاب الله أحدثك عن آدم كان حراثاً، وعن نوح كان نجاراً، وعن إدريس كان خياطاً، وعن داود كان زراداً، وعن موسى كان راعياً، وعن إبراهيم كان زراعاً عظيم الضيافة، وعن شعيب كان راعياً، وعن لوط كان زراعاً، وعن صالح كان تاجراً، وعن سليمان كان ولي الملك)( ).
وعن رسول الله عليه وآله وسلم: أدريس كان خياطاً)( )، وذكر أنه لا يدخل الأبرة ولا يخرجها إلا بذكر الله، وجاء إليه الشيطان يفتنه بفستق ، فقال له: هل يقدر ربك أن يجعل الدنيا في هذه الفُسْتقة؟ فقال له عليه السلام: (الله قادر على أن يدخل الدنيا كلها في سم هذه الإبرة، ونخس عينه)( ).
وذكر أن إدريس نظر في علم النجوم والحساب , وقيل هو جد أبي نوح، فهو نوح بن لامك بن متوشلخ بن أخنوخ، وأخنوخ هو إدريس، وسمى إدريس لكثرة دراسته لما أوحي إليه، وستأتي الرواية بعد صفحات عن أبي ذر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأن إدريس أول من خط بالقلم.
والخطاب في الآية أعلاه من سورة المؤمنون لنوح عليه السلام، وهو أبو البشر الثاني على ما ذكر، ويرد على هذا المعنى من وجوه:
الأول: إن نوحاً نبي من الخمسة أولى العزم أرسله الله إلى أمة , قال تعالى[وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ]( ).
الثاني: جاء في الآية أعلاه قوله تعالى[فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ]( )، ولفظ(أهلك) من عطف الخاص على العام.
الثالث: سفينة نوح آية في العالمين من جهة طولها وسعتها بلحاظ الزمان آنذاك وإنعدام المكننة والتقنية وكان أسفل السفينة كباقي السفن وأعلاها كالسقف، وهي من الداخل كالبيت لتكون معجزة متقدمة لهيئة سفن الركاب المتطورة التي تصنع في هذا الزمان.
وعن ابن عباس: طولها ثلاثمائة ذراع، وطولها في السماء ثلاثون ذراعاً، وعرضها خمسون ذراعاً)( ).
وقال الحسن: طولها ألف ومائتان ذراع، وعرضها ستمائة ذراع)( ).
قال تعالى[حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا]( )، أي فار التنور بالماء، كعلامة لنوح، وقيل لفظ التنور أعجمي فتكلمت به العرب فصار عربياً مثل الديباج، والتنور هو الذي يخبز فيه، ومن إعجاز القرآن أن ذات التنور إسماً ومسمى باق ومتعارف بين الناس إلى زماننا هذا، مع الإرتقاء في الصناعات الخدمية والمنزلية (وقيل كان هذا التنور لآدم، وقال الحسن: كان تنوراً من حجارة، وكان لحواء حتى صار لنوح عليه السلام)( ).
وعن الإمام علي عليه السلام قال: التنور من مسجد الكوفة من قبل أبواب كندة)( )، وقال الشعبي: في مسجد الكوفة عن يمين الداخل مما يلي باب كندة ( )، وقيل بالشام بموضع يقال له عين وردة، وقيل بالهند وذكرت أٌقوال أخرى في التنور منها:
الأول: إنه وجه الأرض , وأن العرب تسمي وجه الأرض تنور الأرض)( ).
الثاني: عن الإمام علي عليه وآله وسلم (وفار التنور) قال طلع الفجر قيل له: إذا طلع الفجر فأركب أنت وأصحابك)( ).
الثالث: إذا رأيت الماء يسيح على وجه الأرض فاركب أنت ومن إتبعك) ( ).
الرابع: إنه آخر مكان في دارك، قاله أبو الحجاج( ).
الخامس: إنه مثل ضربه الله لإشتداد الأمر كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: الآن حمي الوطيس، قاله ابن بحر( ).
وفي كنز العمال عن حبة القرني قال: جاء رجل إلى علي فقال: أني أريد بيت المقدس لأصلي فيه، فقال له علي: بع راحلتك وكل زادك وصل في هذا المسجد فإنه قد صلى فيه سبعون نبياً، ومنه فار التنور يعني مسجد الكوفة)( ).
الرابع: في قوله تعالى[وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ]( )، ذكرت وجوه:
الأول: كانوا ثمانين نفساً منهم نساؤهم عن ابن عباس، وبه قال قتادة وابن جريج ومحمد بن كعب القرظي)( ).
وفي رواية عن ابن عباس: أحدهم جرهم وهي القبيلة التي نزل عليها إسماعيل في البيت وتزوج منها مرتين)( ).
وعلى فرض أن عددهم ثمانون , فهناك مسألتان:
الأولى: ثمانون عدد كثير , ويدل عليه قوله تعالى بخصوص يوم حنين[لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ]( )، ولما عدّت المواطن كانت ثمانين موطناً، ترى لماذا وصفهم الله عز وجل بالقلة[وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ]( )، الجواب ورد لفظ القلة بلحاظ أمور:
الأول: طول مكث نوح قومه يدعوهم إلى الله , قال تعالى[فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا]( ).
الثاني: رؤية قوم نوح المعجزات تترى عليه، وفيها دعوة لهم للإيمان والتصديق بالإنذارات التي تتجلى بصنع السفينة.
الثالث: قيام نوح بصنع السفينة، وتلك السفينة معجزة بذاتها , وتدعو الناس للتدبر والإيمان والتدارك , لذا قال تعالى[وَاصْنَعْ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا]( ).
وتدل الآية على أفضلية المسلمين على الأمم السابقة، فقد آمنت طوائف من الناس بمعجزة القرآن , ودخلوا الإسلام أفواجاً.
الثاني: كانوا إثنين وسبعين نفساً، عن كعب الأجبار، وعن مقاتل كانوا إثنين وسبعين نفراً رجلاً وإمرأة.
الثالث: كانوا عشرة، سوى نسائهم، وهم نوح وبنوه سام وحام ويافث، وستة نفر آمنوا بنوح وأزواجهم جميعاً)( ).
الرابع: إنما كانوا نوح وبنوه الثلاثة سام، وحام، ويافث وكنائنه الأربعة نساء هؤلاء الثلاثة وامرأة يام، وقيل: بل امرأة نوح كانت معهم في السفينة، وقيل أنها زوجته المسلمة.
الخامس: كانوا تسعة وسبعين: زوجته المسلمة، وبنوه الثلاثة حام وسام ويافث ونساءهم، وإثنين وسبعين رجلاً وامرأة من غيرهم.
السادس: روي عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كانوا ثمانية أنفس: نوح وأهله، وبنوه الثلاثة، ونساؤهم)( ).
السابع: سبعة أنفس، وكان منهم بنوه الثلاثة سام وحام ويافث وثلاث كنائن لهم)( ).
الثامن: كانوا عشرة: خمسة رجال وخمس نسوة، عن محمد بن إسحاق( )، ولعله لم يرد في الأخبار أن نوحاً أبو البشر الثاني , وورد هذا المعنى عن التوراة.
قال القتبي: قرأت في التوراة: إن الله تعالى أوحى إليه أن إصنع الفلك، وليكن طولها ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسون ذراعاً، وارتفاعها ثلاثون ذراعاً، وليكن بابها في عرضها. وادخل أنت في الفلك، وامرأتك، وبنوك، ونساء بنيك، ومن كل زوجين من الحيوان ذكراناً وإناثاً، فإني منزل المطر على الأرض، أربعين يوماً وأربعين ليلة، فأتلف كل شيء خلقته على الأرض.
فأرسل الله تعالى ماء الطوفان على الأرض، في سنة ستمائة من عمر نوح ولبث في الماء مائة وخمسين يوماً، وعاش بعد الطوفان ثلاثمائة وخمسين سنة. وروي عن وهب بن منبه، أنه قال: مكث نوح ينجر السفينة مائة سنة، فلما فرغ من عملها أمره الله تعالى أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين ، فحمل فيها امرأته وبنيه ونساءهم)( )، نعم جاء قوله تعالى[وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنْ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ* وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ]( )، وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال: سام أبو العرب، وحام أبو الحبش، ويافث أبو الروم , وقال قوم: العجم والعرب أولاد سام بن نوح، والترك والصقالبة والخزر أولاد يافث بن نوح، والسودان أولاد حام بن نوح) ( ).
وليس من نجارة في تأريخ الإنسانية مثل سفينة نوح من جهات:
الأولى: طول مدة صناعة السفينة، وفيه وجوه:
الأول: عن ابن عباس قال: إتخذ نوح عليه السلام السفينة في سنتين)( ).
الثاني: (عن زيد بن أسلمة أن نوحاً عَلَيْهِ السَّلامُ مَكَثَ يَغْرِسُ الشَّجَرَ وَيَقْطَعُهَا وَيُيَبِّسُهَا، ثُمَّ مِائَةَ عَامٍ يَعْمَلُهَا)( ).
الثالث: طول السفينة لتكون معجزة حسية أثناء صناعتها وإعدادها، ودعوة للناس للتدبر في موضوعها والغايات منها وبما يتناسب وسعتها وطولها الفاحش .
وعن ابن عباس قال: قال الحواريون لعيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام : لو بعثت لنا رجلا شهد السفينة فيحدّثنا عنها، فانطلق بهم حتى انتهى إلى كثيب من تراب فأخذ كفّاً من ذلك التراب بكفّه قال: أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم .
قال: هذا كفن حام بن نوح ، فضرب الكثيب بعصاه وقال: قم بإذن الله، فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه وقد شاب، قال له عيسى: هكذا هلكت؟
قال : لا بل متُّ وأنا شاب , ولكنني ظننت أنها الساعة فمن ثَمّ شبت، قال: حدِّثْنا عن سفينة نوح .
قال: كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع، وكانت ثلاث طبقات، فطبقة فيها الدواب والوحش، وطبقة فيها الإنس، وطبقة فيها الطير، فلمّا كثرت فضلات الدواب أوحى الله تعالى إلى نوح أن اغمز ذنب الفيل، فغمز فوقع منه خنزير وخنزيرة فأقبلا على الروث، فلمّا وقع الفار بحوض السفينة وحبالها فقرضها، وذلك أن الفار ولدت في السفينة , فأوحى الله تعالى إلى نوح أن إضرب بين عيني الأسد فضرب فخرج من منخره سنور وهرّة فأقبلا على الفار.
فقال له عيسى: كيف علم نوح أن البلاد قد غرقت؟ قال: بعث الغراب يأتيه بالخبر فوجد جيفة فوقع عليها فدعا عليه بالخوف، فلذلك لا يألف البيوت، ثم بعث الحمامة , فجاءت بورق زيتون بمنقارها وطين برجلها فعلم أن البلاد قد غرقت قال: فطوّقها بالحمرة التي في عنقها ودعا لها أن تكون في قصر بأمان فمن ثم تألف البيوت.
قال: فقالوا: يا رسول الله ألا ننطلق به إلى أهلنا فيجلس معنا ويحدّثنا؟ قال: كيف يتبعكم من لا رزق له؟ فقال له: عد بإذن الله، قال: فعاد تراباً)( ).
فإن قلت إن السفن وحاملات الطائرات في هذا الزمان أكثر طولاً وسعة وإرتفاعاً من سفينة نوح ، والجواب صنعت سفينة نوح من الخشب، وليس مثلها من جنسها , بعمل يدوي وشخصي , نعم تمت صناعتها بمعونة من جبرئيل.
الرابع: مادة صنع السفينة شجرة واحدة، مع سعتها وطول مدة نجارتها , لتكون كل من المادة والمدة مناسبة للتدبر والتوبة والإنابة , والإصغاء إلى نوح والإستماع إلى الحجج والبراهين التي يتخذها وسيلة للدعوة إلى الله .
روي عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال : مكث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله، فأوحى الله عزّ وجلّ لما كان آخر زمانه وغرس شجرة (فعظمت وذهبت كلّ مذهب ثمّ قطعها) ويقطع ما يبس منها، ثمّ جعل يعمل سفينة ويمّر عليه قومه , فيسألونه فيقول: أعمل سفينة فيسخرون منه ويقولون : يعمل سفينة في البر فكيف تجري؟ فيقول: فسوف تعلمون .
فلّما فرغ منها وفار التنور وكثر الماء في السكك، خشيت أُمّ صبي عليه وكانت تحبّه حبّاً شديداً، فخرجت به إلى الجبل حتى بلغت ثلثه، فلمّا بلغها الماء خرجت حتى بلغت ثلثيه، فلمّا بلغها الماء خرجت حتى صعدت على الجبل , فلما بلغ الماء رقبته رفعته بيديها حتى ذهب بها الماء، فلو رحم الله أحداً منهم لرحم أُمّ الصبي)( ).
الخامس: صنع السفينة في اليابسة , وليس من ماء أو بحر قريب من موضع صناعتها، فمع طولها لا يمكن حملها على الدواب إلى البحر أو النهر البعيد، وقيل أن البرية آنذاك على إثنتي عشر ميلاً من مسجد الكوفة ولكن الماء جرى في سكك البلدة، وكان علماً وأمارة فيما بين الله عز وجل وبين نوح ليركب هو ومن آمن معه في السفينة.
السادس: إستهزاء أشراف قوم نوح به وهو يصنع السفينة ولم ينحصر هذا الإستهزاء بعدد قليل ، بل كان يصدر من الأعم الغالب منهم، قال تعالى[وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ]( ).
السابع: صنع الفلك بعناية ولطف من الله, وحينما قال الله له[اصْنَعْ الْفُلْكَ] قال: يَا رَبِّ، مَا أَنَا بِنَجَّارٍ، قَالَ: بَلَى، فَإِنَّ ذَلِكَ بِعَيْنِي، خُذِ الْقَادُومَ، فَجَعَلَتْ يَدُهُ لا تُخْطِئُ)( ).
لبيان إن صناعة السفينة آية ومعجزة حسية لنوح، وفيه دعوة إضافية للناس للتصديق بنبوته وإتباعه، ولكنهم كانوا يؤذونه أشد الأذى.
الثامن: إتخاذ نوح السفينة موضوعاً للإنذار والتخويف، وحجة على الكفار، فمن إستهزائهم وسخريتهم به الجدل في التنافي بين النبوة ومزاولة النجارة , وعن كعب الأحبار أنهم كانوا يقولون: هَذَا الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ قَدْ صَارَ نَجَّارًا، فَعَمِلَهَا أَرْبَعِينَ سَنَةً”)( ).
التاسع: إنحصار نجاة الناس بالركوب في هذه السفينة، لقد كان جهاد نوح في بناء السفينة بعد أن يأس من قومه , ولكن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم جاهد بالسيف إلى أن أدخل قومه في الإسلام ليكون أشراف وسادة قريش مع عامة المسلمين في الحقوق والواجبات، ويتقدم عليهم الصحابة الأوائل رتبة في الفضل.
ومن هؤلاء من كان عبداً مملوكاً أو إجيراً عند قريش وإستمرت دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم[بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ]( )،ليحمل لواءها المسلمون إلى يوم القيامة، ولم ينحتوا في الخشب الساج أو الجبال بل إتجهوا إلى النفوس لإصلاحها وجعلها منقادة لله عز وجل.
ويمكن القول أن بين نوح عليه السلام والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المقام عموماً وخصوصاً من وجه , فمادة الإلتقاء من وجوه:
الأول: دعوة كل منهما قومه إلى الإسلام بجد وإجتهاد.
الثاني: نيل مرتبة النبوة والرسالة وصفة الرسول من أولي العزم الخمسة.
الثالث: تلقي الأذى من قومهما، وكان نوح يضربه قومه حتى يغشى عليه، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما أوذي نبي مثل ما أوذيت)( ).
الرابع: الدعاء لقومهما، وكان نوح إذا أفاق من أذى قومه , قال (اللهم أهد قومي فإنهم لا يعلمون)( ).
وفي معركة أحد أدمى رجل من هذيل يقال له عبد الله بن قمية وجه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , فدعا عليه فكان حتفه أن سلط الله عليه تيساً فنطحه حتى قتله، وروي أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم كان يمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم أهد قومي فإنهم لا يعلمون) .
وقد دأب عدد كبير من الأنبياء على هذا الدعاء رحمة بالناس ورجاء إنقاذهم من براثن الجهالة وحبائل الضلالة.
وعن عبد الله بن مسعود قال: كأني أنظر إلى رسول الله يحكي نبياً من الأنبياء قد ضربه قومه وهو يمسح الدم عن جبينه ويقول: اللهم أغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)( ).
وجاء الحديث بصيغة التنكير وظاهره أن المراد نبي آخر غير نوح عليه السلام.
أما مادة الإفتراق , فمن وجوه:
الأول: طول عمر نوح، قال تعالى[فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمْ الطُّوفَانُ]( )، وعن ابن عباس أن نوحاً (عاش بعد الطوفان ستين سنة حتى كثر الناس وفشوا)( )، وكان عمر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حين إنتقل إلى الرفيق الأعلى ثلاثاً وستين سنة وفق التقويم الهجري أي أقل بسنتين من الحساب الميلادي الذي عليه أغلب الناس في معرفة التواريخ وتحديد الآجال في هذا الزمان.
وإستقرأ بعضهم عمر النبي من قوله تعالى[وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا]( )، لأن سورة المنافقون رأس ثلاث وستين سورة، وجاءت بعدها سورة التغابن للإشارة إلى ظهور التغابن، والقدر المتيقن من التغابن في المقام هو غبن أهل الجنة أهل النار أي إستنقاص عقولهم لإصرارهم على الكفر والجحود، قال تعالى[يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ]( ).
ولابد أن أوان مغادرة النبي موجود في القرآن لأن فيه[تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]، (وعن ابن عباس قال: لو ضاع علي عقال بعير لوجدته في كتاب الله)( ).
ولما نزلت سورة النصر [إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ]( )، كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكثر من قول: سبحانك اللهم وبحمدك اللهم أني أستغفرك وأتوب إليك)( )، وحينما سأل بعض الصحابة ابن عباس عن السورة أعلاه قال: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه الله بقربه إذا رأى النصر والفتح)( ).
الثاني: إلتجاء نوح للدعاء على الكافرين من قومه بعد اليأس من إيمانهم، كما ورد في التنزيل[لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا]( ).
أما النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فإنه إستمر بالدعاء لقومه وجاهد هو وأهل بيته وأصحابه لجذبهم للإسلام.
وقيل لم يمت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , وفي العرب رجل كافر , وإن عدد المسلمين عند موته مائة وأربعة عشر ألفاً، وكان مع النبي يوم فتح مكة عشرة آلاف، ومعه في معركة تبوك سبعون ألفاً.
الثالث: كثرة الناس والقبائل والأمم عند بعثة النبي محمد , وإنتشارهم في أقطار الأرض.
الرابع: جاءت معجزة نوح حسية تتجلى في صنع السفينة على اليابسة بعيداً عن الماء، إنذاراً من طوفان قريب , بينما كانت معجزة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عقلية وهي القرآن وآياته , وبقاؤها رسماً وتلاوة وموضوعاً وحكماً وكنزاً للإستنباط إلى يوم القيامة.
الخامس: تعاقب الأنبياء بعد نوح عليه السلام، وليس من نبي بعد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , الذي جاء بأسباب النجاة في النشأتين من وطأة الفواحش وأعباء ظلم النفس، وتتجلى النجاة بآية البحث وما فيها من ندب الأجيال المتعاقبة إلى ذكر الله والإستغفار.
السادس: لقد ركب نوح وأهله في السفينة إلى أن إستقرت على جبل بالموصل , قال تعالى[وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ]( )، وليس من كفار يؤذونه أو يحاربونه , بينما هاجر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وقلة من أصحابه إلى يثرب ليجد الأنصار من الآوس والخزرج في إستقباله وهم على إستعداد لنصرته , وليخوضوا أشرس المعارك مع الكفار في يوم بدر وأحد والخندق وغيرها، وينتقم الله عز وجل من الكفار بالإستئصال، قال تعالى[لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ]( ).
السابع: كان جبرئيل عليه السلام يصف كيفية العمل في السفينة , ونوح يعمل بها كمعجزة حسية , وقد نزل جبرئيل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالوحي وآيات القرآن، كمعجزة عقلية خالدة، كما نزل والملائكة لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر وأحد والخندق، ليتحقق النصر الحاسم للمسلمين ويبوء الكفار بالخيبة والخذلان، وهذه الخيبة من المصاديق العملية على أن نصر المسلمين مع قلتهم , ونقص مؤنهم وعدتهم شاهد على قانون كلي وهو ترتب أمور وبركات على نزول الملائكة وهي:
الأول: النصر الحاسم للمؤمنين , وهذا النصر مناسبة للتنزه عن الفواحش ومقدمة لإجتهاد المسلمين في الذكر والإستغفار شكراً لله على نعمة النصر.
الثاني: قلة الخسارة في طرف المسلمين، قال تعالى[أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُنْزَلِينَ]( ).
الثالث: وهن وكثرة خسائر الكفار.
الرابع: رؤية أفراد من الطرفين لآيات ودلالات تدل على وجود الملائكة وإشتراكهم في المعركة مدداً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين.
الخامس: بعث الخوف والفزع في قلوب الكفار الذين حضروا المعركة والذين من خلفهم.
السادس: هزيمة الكفار هزيمة قاسية تتضمن معاني الذل والهوان . وكأن فيها إشعاراً على قرب مغادرة النبي إلى الرفيق الأعلى .
السابع: تنمية ملكة العز عند المسلمين في أجيالهم المتعاقبة , إذ أن منافع وبركات المدد الملكوتي للمسلمين لا تنحصر بميدان المعركة، ولا أهل زمانها بل هي باقية متجددة[مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ]( )، ومنه إنجذاب المسلمين لمضامين آية البحث والعمل بأحكامها، فيبعث المدد الملكوتي وآثاره المسلمين والمسلمات إلى الشكر لله عز وجل، وهو من مصاديق ذكر الله، وفيه إقرار بأن القوة لله جميعاً، وأنه ناصر المؤمنين.
لقد جاء ذكر المهن المختلفة في القرآن دعوة للمسلمين للتدبر في أمور الحياة الدنيا وأسباب الكسب , وصيغ المعيشة والحياة السعيدة التي تكون طريقاً لأداء الفرائض، وهو من عمومات قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( )، إذ يأخذ المسلمون مبادئ وجنس الصنائع من التنزيل، فيقتدي الناس بهم .
فإن قلت إن الصنائع موجودة قبل الإسلام، ومنها ما هو مستحدث في بلاد غير المسلمين , أما الأول فإن القرآن يؤكد هذا السبق وعمل المسلمين منهجاً مستديماً ومتعارفاً عند الناس.
وأما الثاني فإن إقتباس المسلمين من الأمم الأخرى الصناعات المستحدثة لا يتعارض مع مضامين الآية أعلاه من وجوه:
الأول: المدار في التفضيل على التقوى وطاعة الله.
الثاني: تأخذ الأمم سنن الهداية من المسلمين.
الثالث: بتقوى وصلاح المسلمين يكون الإستقرار في الأرض، وهو وعاء وشبه ضرورة للصناعات الحديثة.
الرابع: الصناعات والتقنية الجديدة مما علمه الله الإنسان وهداه إليه فهو من فضل الله على الناس جميعاً، وقد جعل الله عز وجل الناس بالناس، والمؤمنون أولى بالنعم والإنتفاع الأمثل منها.
وتضمنت أول كلمات نزلت من السماء على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الأمر بالقراءة , وثناء الله على نفسه وبيان فضله العظيم على الناس , ولزوم الشكر بضروب العبادة عليه لأنه سبحانه[الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ]( ).
وهناك مسألتان:
الأولى: قيل أول من كتب بالقلم آدم عليه السلام.
الثانية: الكتابات كلها من وضعه، وكان قد كتبها في طين وطبخها، أي صار كالفخار ودفنه قبل موته بثلاثمائة سنة، وبعد الطوفان , وجد كل قوم كتاباً فتعلموه، وكانت إثني عشر كتاباً، فتعلموه بإلهام إلهي.
أما الأولى بأن أول من كتب بالقلم آدم فنعم فهو نبي رسول، وأما الثانية فتحتاج إلى دليل.
وقيل أول من كتب بالعربية إسماعيل، وقيل مرار بن مرة، وهو من أهل الأنبار، وعن الشعبي قال: سألنا المهاجرين من أين تعلمتم الكتابة؟ قالوا: من أهل الحيرة, وسألنا أهل الحيرة: من أين تعلمتم الكتابة؟ قالوا: من أهل الأنبار)( ).
ومنهم من إستدل بالآية أعلاه على أن الخط توقيفي كابن فارس , ولكن معنى الآية أعم إذ جعلت موضوعية للتعليم.
وجاءت الآية التي بعدها بالإطلاق والمندوحة في تعليم الإنسان , وأنه في إنتقال من حال إلى ما هو أرقى منه في باب العلم ، فيبين قوله تعالى[عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ]( )، على أن كل حال لاحق للإنسان والجماعات يفوق ما كانوا عليه من العلم في السابق سواء في باب الصناعات أو الزراعات أو الإكتشافات والعلوم الأخرى، ولو دار الأمر بين تجديد العلم الذي علّمه الله الإنسان وبين عدمه.
فالأصل هو الثاني، من وجوه:
الأول: تجدد التعلم مع تقادم الأجيال.
الثاني: من مصاديق تجدد التعليم إستنباط العلوم من القرآن في كل زمان، والقرآن المصدر الأول للعلوم ، وتقدير الآية على جهتين:
الأولى: وعلّم الله الإنسان بالقرآن ما لا يعلم.
الثانية: وعلم الله الإنسان ما لا يعلم من القرآن.
أما الأولى فإن آيات القرآن مادة وسلاح للتعلم وإكتساب العلوم، وأما الثانية فإن في القرآن كنوزاً وذخائر ينهل منها كل جيل من غير أن ينقص منها شيء , ليكون كل ما يستقرأ ميراثاً وملكاً للأجيال المتعاقبة.
الثالث: التعليــم من عند الله أعم من القلم , قال تعالى[وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ]( )، إنما القلــم أحد الأســباب والوســائط والنعم التي يتفضل بها الله عز وجل.
ونسب إلى المشهور أن أول من كتب بالحرف العربي أسلم بن سدرة، وعامر بن حدرة، ومرامر بن مرة، وهم من عرب طيء (تعلموه من كتاب الوحي لسيدنا هود عليه السلام، ثم علّموه أهل الأنبار، ومنهم إنتشرت الكتابة في العراق والحيرة وغيرها، فتعلمها بشر بن عبد الملك أخو أكيدر ابن عبد الملك صاحب دومة الجندل، وكانت له صحبة بحرب بن أمية فتعلم حرب منه، ثم سافر معه بشر إلى مكة فتزوج الصهباء بنت حرب أخت أبي سفيان. فتعلم منه جماعة من أهل مكة)( ).
وهود من الأنبياء العرب , فقد ورد (عن أبي ذر قلت يا رسول الله كم الأنبياء، فقال مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألفا , قلت يا رسول الله كم المرسلون منهم قال ثلاثمائة وثلاثة عشر وبقيتهم أنبياء، قلت كان آدم عليه السلام نبيا.
قال نعم كلمه الله وخلقه بيده يا أبا ذر أربعة من الأنبياء عرب : هود وصالح و شعيب ونبيك.
قلت يا رسول الله كم أنزل الله من كتاب قال مائة وأربعة كتب أنزل الله منها على آدم عليه السلام عشر صحف , وعلى شيث خمسين صحيفة , وعلى أخنوخ وهو إدريس ثلاثين صحيفة وهو أول من خط بالقلم , وعلى إبراهيم عشر صحائف والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان)( ).
ومن الشواهد على تعلم أهل الحجاز الخط من أهل الحيرة كتابتهم الربا في المصحف بالواو كما في قوله تعالى (الذين يأكلون الربوا)( )، لأن لغة أهل الحيرة (الربوا) فأخذت منهم قريش رسم الحروف على لغتهم، ومن مصاديق تفضيل المسلمين وخروجهم للناس إتخاذهم الكتابة وسيلة لتثبيت أحكام الشريعة، وآلة لتوثيق الوحي والتنزيل والسنة النبوية، وكان عدد من الصحابة يسمون (كتاب الوحي) وأرسل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رسائل إلى أكبر ملوك زمانه يدعوهم إلى الإسلام، وقد تقدم بيانه( ).
بحث بلاغي
من ضروب البديع: تأكيد المدح بما يشبه الذم (وقال ابن أبي الأصبع هو في غاية العزة في القرآن قال ولم أجد منه إلا آية واحدة وهي قوله قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله)( )، وإبتدأت آية البحث بالإخبار عن إرتكاب معصية، وهو أمر تنفرالنفوس من صاحبه، ولم تأت الآية بصيغة المفرد ولم تقل (والذين إذا فعل أحدهم فاحشة أو ظلم نفسه) .
وقد ورد لفظ (أحدهم) في القرآن سبع مرات، وورد بصيغة الخطاب (أحدكم) سبع مرات أيضاً، قال تعالى[وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ]( ).
وفي صيغة الجمع في آية البحث[وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً…]، وجوه:
الأول: لحاظ نظم الآيات ولغة الجمع التي إبتدأت قبل ست آيات بقوله تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً]( )، وجاءت الآيات التي بعدها معطوفة عليها، ومنها آية البحث.
الثاني: إرادة لغة العموم في المسلمين والمسلمات، وأن كل واحد منهم قد يرتكب الفاحشة.
الثالث: نفي الملازمة بين العصمة والتقوى، وهذا النفي رحمة بالمسلمين، لأنه باب للأجر والثواب بلحاظ أن تنزههم عن المعاصي، ولجوئهم إلى الذكر والإستغفار عصمة مكتسبة.
الرابع: جاءت الآية بصيغة الجمع، وهي إنحلالية، فالمراد أن كل واحد من المسلمين قد يرتكب الفاحشة بلحاظ قانون كلي وهو نسبة عمل المكلف إلى نفسه، وترتب الثواب أو العقاب عليه، قال تعالى[كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ]( ).
الخامس: مجيء الآية ضمن سياق الثناء على المسلمين، وهذا الثناء على شعبتين:
الأولى: إتصال وتعدد الثناء على المسلمين في هذه الآيات، وسبقه لآية البحث وتأخره عليها إذ جاءت الآية بذكر خصال المتقين، وصفات الحسن عندهم وما أعدّ الله عز وجل لهم من الثواب العظيم.
الثانية: الثناء على المسلمين في آية البحث بأنهم يذكرون الله ويسألونه غفران ذنوبهم , وهذا السؤال من مصاديق الذكر أيضاً فقول (أستغفر الله) ذكر الله عز وجل وسؤال وتوسل وإستغاثة من وزر الذنب المرتكب، وللوقاية من الوقوع بالمعصية مرة أخرى .
فإن قلت لا يدل الإستغفار على هذه الوقاية والقدر المتيقن منه هو سؤال العفو عما مضى من الذنوب ورجاء محوها، إلا أن تجمع بعد التوبة بقول المسلم (أستغفر الله وأتوب إليه) والجواب من جهات:
الأولى: الإستغفار إستجارة بالله عز وجل.
الثانية: في الإستغفار إعلان للندم، وهو واقية نفسية من العزم على ذات الفعل.
الثالثة: إستغفار المسلم شاهد على علمه بقبح الفاحشة، وهذا العلم نوع إحتراز من إرتكابها مرة أخرى، لذا أختتمت الآية بقوله تعالى(وهم يعلمون) ليكون من معانيه بيان إرتقاء المسلمين في سبل التنزه عن المعاصي، لذا ترى المسلم كلما تقادمت به الأيام والسنون إزداد إمتناعه عن الفواحش، وتجلى إبتعاده عن مواطن الريب والتهمة، مما يدل على موضوعية العلم والتفقه في الدين وتعضيد آية البحث لآيات القرآن الأخرى في هذا الإرتقاء والصلاح، وهو من عمومات قوله تعالى[إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ]( ).
وذكر أن تأكيد الذم بما يشبه الذم على قسمين:
الأول: الإستثناء من صفة ذم منفية فيأتي المدح بتقدير دخولها في إشارة للعزيمة في إجتنابها وقهرها , كما في قول النابغة
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم
بهن فلول من قراع الكتائب( )
ليكون مدحاً على مدح، بلحاظ أن فلول( ) وثلم السيوف من القتال ليس عيباً , وإن ظهرت الثلمة بالسيف فإنها كالشبهة البدوية التي تزول بأدنى تأمل، ويلاحظ مجيء البيت أعلاه بصيغة جمع الكثرة(سيوفهم) ولم يقل أسيافه، للإشارة بأنهم جميعاً ذوو بأس عند القتال، وعندما سأل عروة بن الزبير عبد الملك بن مروان أن يردّ عليه سيف أخيه عبد الله بن الزبير، أخرجه إليه من سيوف منتقاة، فأخذه عروة من بينها، فقال عبد الملك: بم عرفته؟ فقال: بقول النابغة وأنشده بيت الشعر أعلاه.
الثاني: إثبات صفة مدح لفرد أو جماعة أو لشيء مطلقاً وتعقبها بأداة إستثناء تأتي بعدها صفة مدح أخرى ومنه قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم(أنا أفصح العرب بيد أني من قريش)( )، وإن قيل بأن معنى (بيد) أي من أجل.
وجاءت آية البحث ببديع في هذا الباب إذ أن مدح المسلمين تقدم على الآية وعلى نحو متعدد في أفراده وعطفت الآية على هذه الأفراد ثم جاء فعل مذموم بذاته ولكن هذا الذم لا يلحق المؤمنين وإن فعلوه لأن مرتبة التقوى التي بلغوها حصانة من الذم عند الله عز وجل وعند الناس، وتؤكد الآية بأن هذه المرتبة سبب للفوز بالثواب العظيم بالإقامة الدائمة في نعيم الجنة.
ويمكن تأسيس باب جديد في علم البديع بلحاظ آية البحث وإسمه(فناء الذم في المدح) فمع ذكر الآية للفعل المذموم وعلى نحو الجمع، والتعدد بشموله لفعل الفاحشة وظلم النفس فإنه جاء في سياق مدح المسلمين والثناء عليهم وبيان الخصال الحميدة التي يتصفون بها على نحو البوت والدوام والملازمة بالإضافة إلى تداركهم الفعل المذموم بذكر الله والإستغفار مما يدل على تغير المضوع ليتعقبه تبدل الحكم قهراً وإنطباقاً فيمحى أثر الذنب ويأتي شهاب الذكر والإستغفار فيدك تبعات فعل الفاحشة وظلم النفس، لينبت زاهيا ثواب الذكر فيكون مع تقادم الأيام شجرة ذات أغصان لنمائها بفضل الله , وتبعث آية البحث الفطنة واليقظة والنباهة عند المسلمين، قال تعالى في الثناء عليه ووصف عباد الرحمن [وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا]( ).
فإذا قرئ على المسلمين القرآن أو ذكروا بلزوم إجتناب الفواحش، ووجوب المبادرة إلى الذكر والإستغفار وعند طروها إتعظوا وسمعوا بآذان داعية وبصيرة نافذة، وجاءت الآية أعلاه بصيغة نفي الضد لبيان كفاية صرف الطبيعة من التدبر فتتجلى معاني ومنافع الآيات بهيجة، وفيه تعريض بالكفار والجاحدين.
بحث نحوي
بُني حرف (الباء) على الكسر لعدم إمكان الإبتداء بالساكن، وللتفريق بينه وبين ما يكون إسماً , وأكثر إستعماله في الإلصاق أي إلصاق الفعل بالمفعول به وهو على قسمين:
الأول: الإلصاق الحسي مثل قوله تعالى[وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ]( )، قبضت المال بيدي أي ألصقتها به)، ومنهم من يطلق عليه الحقيقي.
الثاني: الإلصاق المعنوي مثل قوله تعالى[وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ]( )، مثل مررت بزيد) ومنهم من يسميه الإلصاق المجازي.
والباء حرف من حروف الهجاء، وله إثنا عشر معنى أحدها الإستعانة وهي الداخلة على آلة الفعل حقيقة كما في قوله تعالى[اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ]( )، أو مجازاً كما في بسم الله الرحمن الرحيم، وما فيه من تقدير محذوف أي باسم الله أقرأ بجعل اسم الله مقدماً على موضوع القراءة، بمعنى أبدأ باسم الله الرحمن الرحيم , فيكون(بسم الله) في موضع النصب على المفعول به، وهو الأقرب لقوله تعالى[اقْرَأْ بِاسم رَبِّكَ]( ).
والباء في قوله تعالى(علّم بالقلم)( ) للإستعانة، وتقدير الآية (وعلّم الله الإنسان بالقلم) وفيه مسائل:
الأولى: عائدية الباء لتعليم الله.
الثانية: عائدية الباء إلى تعلم الإنسان.
الثالثة: المعنى الأعم وأن الباء تعود لتعليم الله وتعلم الإنسان.
الرابعة: إرادة الإلصاق من الباء، والقدر المتيقن منها هو إلتصاق الفعل بالمفعول وهو التعلم.
ولا تعارض بين هذه الوجوه، وكلها من مصاديق الآية وفضل الله إلا أنه لا يصح بالنسبة للمسألة الأولى لفظ الإستعانة بالباء , وإن كان إصطلاحاً نحوياً لأن الله عز وجل منزه عن الحاجة والإستعانة بغيره، وكل الأشياء مستجيبة ومنقادة لمشيئته تعالى، قال تعالى[إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ]( )، فتكون باء الفضل والوسائط والرحمة الإلهية، كما في فعل الأمر فإنه يكون سؤالاً وتضرعاً إذا توجه من العبد إلى الله عز وجل.
وورد في التنزيل حكاية عن موسى عليه السلام[رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ]( ).
ويأتي هذا الزمان لتتجلى حقيقة وهي أن التعليم بالقلم يتغشى الصنائع كلها، فكل صنعة وحرفة أصبحت لها قواعدها ومدارسها، ويتلقى العاملون في الميادين المختلفة الدروس النظرية والعملية بالقلم والآلة , ويتبادلون الخبرات ويقتبسون من نظرائهم في الأمصار الأخرى المستحدث في إختصاصهم .
ويقترب الناس من التساوي في العلوم , ويبقى المائز للإيمان والتقوى وما يترشح عنها من توظيف هذه العلوم لأمور الدنيا والآخرة، فيتخذ المسلم العلوم وما إكتشف منها الإنسان وسيلة وسبباً للجوء إلى ذكر الله وسؤال العفو والمغفرة منها سبحانه ، وهو من خصال المتقين الذين يخشون الله عز وجل , ويتوجهون له بالشكر على نعمة العلوم.
ومن مصاديق الشكر في المقام التنزه عن فعل الفاحشة ومن ظلم النفس، لأن العلم حصانة للنفس وواقية من الزلات ومقدمات الهلكات , وتكون القضية الشخصية منه ذات رشحات عامة على المسلمين في باب الأسوة في الصلاح .
وإن إرتكب المسلم المعصية توجه له المسلمون بما آتاهم الله من العلم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجذبوه إلى الحال التي يحرصون على تعاهدها، وهي أداء الفرائض والواجبات العبادية بشرائطها، وهي أبهى معاني الذكر، وأظهروا خصائص التقوى من وجوه:
الأول: إتخاذ العلوم المكتسبة بلغة للإقامة الدائمة في الجنة الواسعة، قال تعالى[وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى]( ).
الثاني: الإنتفاع الأمثل من العلم، وعدم التفريط بهذه النعمة.
الثالث: السعي لتحصيل الإنزجار العام عن إتخاذ العلم وسيلة للتعدي وإرتكاب الفواحش، وكأن مضامين آية البحث علم قائم بذاته , وكل علم له موضوع خاص به , فموضوع علم النحو مثلاً بناء وإعراب الكلمة، وليس ذات الكلمة، وعلم المعاني وضروب البديع جمال اللفظ وعذوبته وفصاحته , والغرض من علم المنطق صيانة الذهن من الخطأ في التفكير.
والمشهور والمختار في علم الأصول هو تمايز العلوم بلحاظ الموضوعات، ومن خالف قال إن التمايز بينها بلحاظ الأغراض، فالغرض من علم النحو هو حفظ اللسان من الخطأ والزلل , ومن علم المعاني سلامة النطق من اللبس وعدم إبهام المعنى .
وموضوع آية البحث على شعبتين كبرى وصغرى، أما الكبرى فهي تجلي مفاهيم التقوى بالقول والعمل، وأما الصغرى فهي السلامة من تبعات الذنوب عند وقوعها.
ومسائل آية البحث كثيرة وإبتلائية تداهم المؤمنين في البيت والسوق والعمل , فيحصل التعدي وظلم النفس ثم يأتي التدارك، وليس من حصر لمصاديق هذا التدارك، ومنها آية البحث ذاتها، فتلاوتها سبيل مبارك لمحــو الســيئات , ومنها أداء الفــرائض والعـــبادات، فلذا جعل الله عز وجل الصلاة واجبة خمس مرات في اليوم، ليذّكر إتيانها بلحاظ الآية بأمور:
الأول: وجوب السعي لمراتب التقوى.
الثاني: التقوى أسمى المراتب، وهي واقية مما تميل إليه النفس بالطبع، وعن أنس قال: كان فتى من الأنصار يصلي الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لا يدع شيئاً من الفواحش إلاّ ركبه، فوصف لرسول الله عليه السلام حاله، فقال: إنّ صلاته تنهاه يوماً ما، فلم يلبث أن تاب وحسن حاله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألم أقل لكم إنّ صلاته تنهاه يوماً ما)( ).
وفي الحديث مسائل:
الأولى: لم يقم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الفتى الحد الشرعي.
الثانية: لم يمنعه النبي من حضور الصلاة إلا أن يتوب.
الثالثة: لم يبعث عليه النبي ويوبخه وينذره ويتوعده.
الرابعة: لم يحذّر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المؤمنين منه ومن فعله القبيح.
الخامسة: تكلم النبي بمعجزة من الوحي تتضمن التحدي والتطلع إلى البرهان الجلي في هداية الفتى ، قال صلى الله عليه وآله وسلم: إن صلاته تنهاه يوماً ما).
السادسة: لم يحدد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أواناً معينا أو مناسباً لتوبته وإلا أنزل به العقوبة، بل أخبر النبي عن حتمية توبته وجعل أوانها مجملاً غير مقيد بالقرب الزماني.
السابعة: لم يخش النبي صلى الله عليه وآله وسلم من تأثر المسلمين بفعله القبيح.
الثامنة: لم يطلق عليه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم صفة النفاق.
ويبين الحديث ذم المسلمين لفعل هذا الفتى الأنصاري وأنهم معصومون من محاكاته في آثامه وإرتكابه للفواحش، وهو من مصاديق إنطباق معاني التقوى على المسلمين.
التاسعة: في الآية نكتة وهي أن المسلمين سوف يصلحون أمورهم بأنفسهم عند إنتقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى جوار الله عز وجل، فيتوارثون الإستغفار ويتسابقون في الذكر وتعاهده قال تعالى[وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ]( ).
العاشرة: تأكيد إنتفاع المسلمين مجتمعين ومتفرقين من آية البحث، والصلاة من الذكر الوارد في آية البحث بقوله تعالى(ذكروا الله).
الحادية عشرة: في الحديث دعوة لأولي الحل والعقد من المسلمين بالصبر على الذي يشيع عنه فعل الفاحشة من غير دليل ودعوى ترفع إلى الحاكم عنه، ولكن القيام بأمره بالتوبة، ونهيه عن فعل الفاحشة لا ينقطع ولا يسقط عن المسلمين ولا يكفي فيه الكفائي من واجب الأمر والنهي في المقام لأن الإبتلاء له أضرار عامة , وإن كان مسألة شخصية وقضية عين.
لقد أراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيان مصداق جلي لقوله تعالى[إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ]( )، وتعدد وجوه هذا النهي من وجوه:
الأول: ما يأتي على نحو دفعي فإن التوبة والشروع بأداء الصلاة إنقطاع عن عالم المعصية.
الثاني: أداء الفرضين من الصلاة اليومية زاجر عن فعل السيئات فيما بينهما.
الثالث: العزم على أداء الصلاة كاف للإمتناع عن فعل السيئة، فحينما يدرك المسلم أن عليه أداء الصلاة عند طلوع الفجر فإنه يجعل ترك المعصية الليل كله مقدمة لأداء الصلاة .
الرابع: الشروع بالوضوء كمقدمة واجبة للصلاة، وباعث لتنزه النفس عن المعاصي لعمومات أن المتضادين لا يجتمعان في محل واحد، وذات الوضوء فعل مبارك في باب غفران الذنوب.
وعن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا توضأ الرجل المسلم خرجت ذنوبه من سمعه وبصره ويديه ورجليه ، فإن جلس جلس مغفوراً له)( ).
الخامس: أداء الصلاة ذكر وإستغفار قولي وعملي، ومن الآيات إبتداء الصلاة بتكبيرة الإحرام (الله أكبر) وهو أسمى معاني الذكر إذ يقترن بالخشوع وبقصد القربة والإمتثال لأمر الله، وسميت تكبيرة الإحرام لحرمة الإتيان معها بما يخرج المسلم من الصلاة كالكلام في أمور الدنيا والإلتفات ومخالفة الأفعال التوقيفية للصلاة لتأتي الصلاة بالذكر لله على نحو الوجوب والحتم.
فيختص المسلمون بصفة من بين أهل الأرض من الأولين والآخرين وهي ذكر كل مسلم ومسلمة لله عز وجل خمس مرات في اليوم ويكون الذكر في كل فرد منها متعدداً , وهو من خصال[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
وفيه شاهد بأن المطلوب في آية البحث الإكثار من الذكر، والإلحاح في الإستغفار والدعاء، لتبقى صفات ومعاني التقوى ثابتة ومتوارثة في الأرض.
ومن إعجاز القرآن وجود مصاديق للعمل بأحكام آياته في كل زمان وطبقة من الناس , ومنها آية البحث فالعاملون بمضامينها في كل آن من اللامتناهي لأن معانيها العملية تتغشى حال الصلاة والعبادة مطلقاً، وأمور المعاملات والصلاة بين الناس وإفرادهم حصة وموضوعية لذكر الله والخشية منه سبحانه بالغيب.
قانون(ظلم النفس)
جاء القرآن بالإخبار عن وجود الظلم في الأرض مع تنزيه مقام الربوبية عنه، قال تعالى [وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ]( )، وأخبر القرآن عن تعدد صيغ ظلم شطر من الأمم لأنفسهم , وتعقب نزول العذاب بهم نتيجة لهذا الظلم، قال تعالى[أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ]( )، فيعرف المسلمون وأهل الملل جميعاً أن قوم نوح أغرقهم الله عز وجل بالطوفان.
أما عاد وثمود فهم في بلاد العرب , وقد شهد آثارهم كثير من العرب في أسفارهم، وجاء هذا الزمان ليطلع الناس عبر وسائط الإعلام العام, والنقل السريع على مواقع بطش الله بالظالمين , وما حلّ بالأمم التي أطبقت على الجحود، ولم تستجب للإنذارات ولو على نحو الموجبة الجزئية.
ومن إعجاز القرآن إقتران بيانه لهلاك الظالمين بذكر الأنبياء وجهادهم في الدعوة إلى الله ومحاربة عبادة الأصنام، وما ذكر من الأمم الظالمة بالاسم قليل بالقياس إلى أسماء الأنبياء وكثرتهم.
وعن ابن عباس: أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم إذا ذكر شعيباً قال: ذاك خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه)( ).
والأنبياء المذكورون في القرآن باسم العلم ستة وعشرون نبيا وهم(محمد وآدم وإدريس ونوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وأيوب وذو الكفل وشعيب وموسى وهارون وداود وسليمان وعزير ويونس وزكريا ويحيى وإلياس واليسع وعيسى صلوات الله عليهم أجمعين)( ).
وقيل المذكور خمسة وعشرون( )، وقيل ثمانية وعشرون , ولعل الخلاف في بعض الأسماء فمنهم من يعده نبيا أو العكس كلقمان وذي الكفل .
وقال بعض الحكماء: يجب على المؤمن أن يعلم صبيانه ونساءه وخدمه أسماء الأنبياء الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه حتى يؤمنوا بهم ويصدقوا بجميعهم ولا يظنوا أن الواجب عليهم الإيمان بمحمد عليه السلام فقط لا غير فان الإيمان بجميع الأنبياء سواء ذكر إسمه في القرآن أو لم يذكر واجب على المكلف فمن ثبت تعينه بإسمه يجب الإيمان به تفصيلا , ومن لم يعرف إسمه يجب الإيمان به إجمالا)( ).
ولا دليل على هذا الوجوب، وقد بيّن القرآن والسنة الواجبات على نحو التعيين، ولا ملازمة بين عدم معرفة الأنبياء بأسمائهم وبين الإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وحده، وحال الأعم الأغلب من المسلمين وعدم الإلتفات إلى ضرورة تعلم أسماء الأنبياء المذكورين في القرآن , ومع هذا فإنهم يقرون بنبوتهم على نحو العموم المجموعي , ومنهم الأنبياء الذين لم يرد ذكرهم في القرآن، قال تعالى[وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ]( ).
وعن أبي ذر قلت: يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَأَيُّ الْأَنْبِيَاءِ كَانَ أَوَّلَ قَالَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ قُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَوَ نَبِيٌّ كَانَ آدَمُ قَالَ نَعَمْ نَبِيٌّ مُكَلَّمٌ خَلَقَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ ثُمَّ نَفَخَ فِيهِ رُوحَهُ ثُمَّ قَالَ لَهُ يَا آدَمُ قُبْلًا قَالَ
قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَمْ وَفَّى عِدَّةُ الْأَنْبِيَاءِ قَالَ مِائَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا الرُّسُلُ مِنْ ذَلِكَ ثَلَاثُ مِائَةٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ جَمًّا غَفِيرًا)( ).
وهذا الحديث مشهور عند المسلمين جميعاً، رواية وموضوعاً، وورد عن الإمام الباقر عليه السلام يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
وقيل عدد الأنبياء ثمانية آلاف نبي، وأستدل عليه بخبر ضعيف سنداً ودلالة فعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان فيمن خلا من إخواني من الأنبياء ثمانية آلاف نبي، ثم كان عيسى بن مريم، ثم كنت أنا بعده.
وجاء الحديث بصيغة التبعيض (من إخواني من الأنبياء) فهو في طول حديث أبي ذر وليس معارضا له .
وأخرج بسند ضعيف عن أنس قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد ثمانية آلاف من الأنبياء، منهم أربعة آلاف من بني إسرائيل)( )، وإلى جانب ضعف الحديث فإنه لم يرفع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ويمكن تأسيس قاعدة وهي : لو دار الأمر بين كثرة عدد الأنبياء وقلتهم فإن الأول هو الأرجح , لوجوه:
الأول: كثرة الأنبياء من مصاديق رحمة الله.
الثاني: تعدد البشارات والإنذارات للناس.
الثالث: وجود النص عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بكثرة الأنبياء، وشهرته شهرة عظيمة عند كل المسلمين.
الرابع: من الأنبياء من كان يبعث لقريته أو قبيلته أو أسرته، وفي يونس عليه السلام ,ورد قوله تعالى[وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ]( )، ولما سأل أبي بن كعب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى(وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ) قَالَ عِشْرُونَ أَلْفًا)( ).
وقد بعث الله النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم للناس جميعاً ولتثبيت ما جاء به الأنبياء السابقون كلهم، وفي نبوته إحياء لذكرهم وبيان ما لاقوه في سبيل الله، وهذا البيان زاجر للناس عن ركوب المعاصي والإصرار على الذنوب.
وجاءت آية البحث مدداً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في هداية وإصلاح الناس إذ أنها تضيء طريق التوبة وتبين قربها، وتكشف للناس السبيل للنجاة من ظلم النفس وتبعاته.
ويبين قوله تعالى[وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ] حقيقة وهي المغايرة بين إرتكاب الفاحشة وظلم النفس , وبينهما نسبة العموم والخصوص المطلق، فكل فعل للفاحشة هو ظلم للنفس وليس العكس، لذا يمكن القول أن العطف بينهما من عطف الخاص على العام، وأصل الفحش الخروج عن الحد، لذا قيل للمفرط في الطول فاحش الطول.
وفي معنى (الفاحشة ) في الآية أعلاه وردت أقوال:
الأول: الكبائر من المعاصي.
الثاني: الربا، وهو قول جابر بن زيد والسدي ومقاتل بن حيان)( ).
الثالث: نسب إلى السدي أن الفاحشة ها هنا الزنا)( )، وعن جابر بن زيد [وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً] قال: زنا القوم وربّ الكعبة)( ), ولكن موضوع الآية ومعنى الفاحشة أعم .
الرابع: فعل الفاحشة ما دون الزنا من قُبلة أو لمسة أو نظر فيما لا يحل.
الخامس: الفاحشة هو الفعل القبيح نسبه الثعلبي إلى القيل)( )، وليس هو التعدي بالقول.
السادس: كل فعل يستوجب به الحد في الدنيا) ( ).
السابع: الفاحشة ما إستوجب فاعلها النار.
الثامن: طوافهم بالبيت عراة عن زيد بن أسلم( )، ولكن الآية جاءت بخصوص المتقين.
التاسع: عن إبراهيم : ظلم النفس هو الفاحشة.
العاشر: الفاحشة التي فيها تبعة للمخلوقين.
الحادي عشر: ما تظوهر من المعاصي.
الثاني عشر: ما خفي من المعاصي.
وفي ظلم النفس وجوه:
الأول: الصغائر من المعاصي، قاله الأصم( ).
الثاني: ظلموا أنفسهم بالمعصية( ).
الثالث: ظلم النفس بالقول القبيح والسيء.
الرابع: ظلم النفس هو دون ما يستوجب إقامة الحد.
الخامس: ظلم النفس ما يستوجب الحساب والحبس، وليس دخول النار.
السادس: ظلموا أنفسهم: أصابوا ذنوباً عن مقاتل بن حيان( ).
السابع: ظلموا أنفسهم أي بمعصية، عن محمد بن إسحاق.
الثامن: ظلم النفس من الفاحشة، وهو لزيادة البيان، عن النخعي( ).
التاسع: ظلم النفس ما بين العبد وبين ربه.
العاشر: فعل أي ذنب كان.
الحادي عشر: التعدي والظلم الذي يخص الذات وليس الغير.
الثاني عشر: إنتقاص حقوق النفس، والتجاوز على الشأن والمقام بما فيه الأذى والجرح والغيبة.
وإذ تخبر آية البحث عن وقوع الظلم من المتقين لأنفسهم فمن باب الأولوية أن غيرهم يظلم نفسه ويظلم غيره , ولكن آية البحث تؤكد حقيقة وهي أن المؤمن يكّفر عن ظلمه لنفسه باللجوء إلى الذكر والإستغفار، لتكون دعوة سماوية للناس جميعاً للتوبة والإنابة والإقلاع عن الظلم، وهو من عمومات قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
فإن قلت يأتي ظلم النفس في وصف وذم الكفار , فهل هو بذات المرتبة من ظلم النفس المذكور في آية البحث , الجواب لا، من وجوه:
الأول: كأن معنى ظلم النفس في المقام من المشترك اللفظي، فظلم المسلم لنفسه على نحو عرضي زائل , ويأتي عليه الذكر والإستغفار، أما ظلم الكفار لأنفسهم فهو ضلالة وشرك , وذات الكفر ظلم للنفس.
الثاني: ترشح الآثام والمعاصي عن ظلم النفس بالكفر والجحود، بينما جاءت آية البحث بالإخبار عن لجوء المتقين إلى ذكر الله والإستغفار.
الثالث: إنغلاق باب المغفرة وأسباب الهداية عن الكفار الذين يظلمون أنفسهم، قال تعالى[إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا]( )، وجاءت آية البحث نوع هداية ورشاد وصلاح للمسلمين.
الرابع: يرحم المؤمنون أنفسهم بالذكر والإستغفار , فهم في سكينة وحال طمأنينة وتأتيهم البشارات من عند الله، ومنها آية البحث، وهي من عمومات قوله تعالى[أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ]( ).
أما الكفار فإنهم يظلمون أنفسهم بإتخاذهم الشيطان ولياً الذي لا يريد نصرتهم ولا يقدر عليها فهم في فزع وخوف دائم، قال تعالى[إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ]( ).
الخامس: يتناجى المسلمون بالتآزر والتعاون في مرضاة الله، وإصلاح أمورهم في الدين والدنيا، قال تعالى[وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى]( )، أما الكفار فإنهم يتناجون بالظلم والتعدي والإصرار على القبائح مع زجرهم وتخويفهم منها، قال تعالى في وصفهم وإنذارهم[وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ]( ).
السادس: إذا أقدم المسلم على ظلم نفسه، فإنه لا يصر ولا يقيم على هذا الظلم، وإن زُجر عنه فإنه ينزجر، أما الكفار فإنهم يرون محاكاة آبائهم بفعل الفاحشة وظلم النفس، وورد ذمهم في التنزيل بقوله تعالى[وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ).
السابع: ظلم الكفار لأنفسهم إضرار بالذات والغير، وحرب على النبوة والإيمان، قال تعالى[إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ]( )، أما ظلم المسلم لنفسه فيتعلق بالصغائر من الذنوب والهنات وهو يدرك قبح الفعل، وينوي عدم العودة إليه.
الثامن: هوية المسلم في النشأتين التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإتباعه، وهو يجتهد في طاعة الله وطاعته ولا يتعلق ظلمه بأصول الدين وأحكام الشريعة ، أما الكافر فإنه يظلم نفسه في الأصول والفروع، وجاءت الآيات بوصف الكفار بالظالمين، ويدل الإطلاق في هذا الوصف على وقوع ظلم الكفار على جهات :
الأولى : يظلم الكفار أنفسهم بمعنى أن الكافر يظلم نفسه بإختياره الكفر الذي يحبط العمل ويسوق إلى الخلود في النار، قال تعالى في ذم الكفار[ مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمْ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ]( ).
والنسبة بين هذا الظلم، وظلم المسلم لنفسه هي التباين ومنزلة بينه وبين العموم والخصوص من وجه، إذ يصدر ظلم الكافر من منازل الجحود , ويتصف ظلمه بالعناد والتعدي والإصرار على الضلالة، أما المسلم فإن ظلمه يقع على نفسه وفي الهنات والقصور والتقصير من غير أن يغادر مقامات التقوى السامية.
الثانية: ظلم الكفار بعضهم لبعض بالإغراء والجحود، والتحريض والقدوة في المعاصي، والقيام بالأمر بالمنكر والنهي عن المعروف.
الثالثة: ظلم الكافر للمؤمنين ولو بإعراضه عن دعوة الحق.
الرابعة: تكذيب الكافر للأنبياء، وإستخفافه بالتنزيل.
الخامسة: ظلم الكافر للمسلم، وإيذائه وإضراره له.
ويظلم الكفار غيرهم من المؤمنين والناس جميعاً، ومن هذا الظلم الجحود بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم من عند الله عز وجل.
التاسع: ظلم المسلم لنفسه مناسبة للمبادرة إلى ذكر الله في السر والعلانية، وموضوع للإستغفار وسؤال العفو من عنده تعالى , وكل من الذكر والإستغفار طريق إلى اللبث الدائم في النعيم.
أما ظلم الكافر لنفسه فيؤدي به إلى العذاب والخلود في الجحيم، قال تعالى[ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ]( )، ويفيد الجمع بين الآية أعلاه وآية البحث أن المراد بالظالمين الذين يدخلون النار هم الكفار بظلمهم لأنفسهم ولغيرهم وبإصرارهم على الكفر.
العاشر: حينما يظلم المسلم نفسه يفزع إلى الله رجاء عفوه ومغفرته وهو سبحانه[غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ]( )، أما الكافر فإنه يتمادى في ظلمه وغيه , ويكون تقادم الأيام عليه مناسبة لتراكم الذنوب والمعاصي، وعن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يرويه عن ربه “قال يا ابن آدم إنك ما دعوتَني ورَجُوتَني غفرت لك على ما كان فيك، ابن آدم إنّك إن تلقاني بِقُرَابِ( ) الأرض خَطَايا لقيتُكَ بِقُرَابها مغفرة بعد أن لا تُشرِكَ بي شيئا، ابن آدم إنّكَ إن تُذنبْ حتى تبلغَ ذنوبك عنانَ السماء ثم تستغفرني أغفرُ لك”)( ).
الحادي عشر: يأتي ظلم المؤمن لنفسه على نحو القضية الشخصية، والفعل النادر المخالف لنهجه وسيرته، فيستدرك بالذكر والإستغفار فيضيء الله صدره بنور الإيمان , ويفتح عليه أبواب الرزق ويدنيه من رحمته.
وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من لزم الإستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجاً ومن كل هم فرجاً)( ).
وفيه آية من فضل الله بعدم إختصاص أو إنحصار منافع الإستغفار بمحو الفاحشة وآثار ظلم النفس، بل يكون باباً للسعة وإنشراح الصدر ليقبل المسلم بعد الإستغفار على عباداته ووظائفه الحياتية برضا وشوق، وهي نعمة حرم الكافر نفسه منها، والإمتناع بالإختيار لا ينافي الإختيار، وظلم الكافر لنفسه إيذاء لها، وفيه زيادة لهمه، قال تعالى[وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ]( ).
الرابع عشر: لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار إمتحان وإبتلاء، والكافر في حال ظلم مستديم لنفسه، فقد إختار التعدي على الذات والغير بالكفر والجحود، لتدل آية البحث حسب مفهومها على توبيخ الكفار .
ويفيد ظاهر الآية الكريمة مسائل:
الأولى: التعدد والمغايرة بين فعل الفاحشة وظلم النفس.
الثانية: يكون حال المؤمن على وجوه:
الأول: السلامة من فعل الفاحشة والتنزه من ظلم النفس.
الثاني: إرتكاب الفاحشة والمعصية الكبيرة.
الثالث: الإقدام على ظلم النفس.
الرابع: الجمع بين فعل الفاحشة وظلم النفس.
فيأتي ذكر الله والإستغفار تثبيتاً وإستدامة للسلامة والتنزه من السيئات على الوجوه الثلاثة فيمحوها ويفتح صفحة جديدة من العمل مرتكزة على أمور:
الأول: ملكة مستديمة وهي التقوى، لأن موضوع آية البحث هو صفات المتقين.
الثاني: الفوز بمرتبة حب الله، قال تعالى [إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ]( )، ومن دلالات مواضع الآيات أن الآية أعلاه جاءت في سورة التوبة.
الثالث: الإقامة على ذكر الله والإستغفار.
الرابع: الإحتراز من فعل المعصية.
الثالثة: التباين الرتبي بين فعل الفاحشة، وظلم النفس، ففعل الفاحشة أشد قبحاً وتعدياً.
الرابعة: فعل الفاحشة من الموبقات المهلكة لولا مقامات التقوى, واللجوء إلى الذكر والإستغفار.
الخامسة: بين فعل الفاحشة وظلم النفس عموم وخصوص مطلق، فكل فعل فاحشة هو ظلم للنفس وليس العكس.
السادسة: كأن التباين بين الفاحشة وظلم الذات من تقسيم الذنوب إلى كبائر وصغائر، ولكنه في الآية يجعل موضوعية للغير في ماهية التعدي، فقد يكون فعل الفاحشة نوع مفاعلة بإشتراك طرفين أو أكثر فيه.
السابعة: تفصيل الذنوب في الآية الكريمة إلى قسمين فعل فاحشة, وظلم النفس رحمة بالمسلمين، ويتضمن إرادة الإطلاق في الذنوب التي يأتي عليها الذكر والإستغفار، وفيه دعوة للمسلمين لطرد اليأس والقنوط من النفوس .
وعن حذيفة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن رجلاً حضره الموت، فلما أيس من الحياة أوصى أهله: إذا أنا متّ فاجمعوا لي حَطَبا كثيرًا جزَلا ثم أوقدوا فيه نارًا، حتى إذا[أكلت] لحمي وخلَصت إلى عظمي فامتُحِشْتُ، فخذوها فدقوها فَذَروها في اليم ففعلوا، فجمعه الله إليه، فقال له: لم فعلت ذلك؟ قال: من خشيتك. فغفر الله له)( ).
وفي رواية أنه أمر بنيه أن يحرقوه ثم يسحقوه، ثم يَذْروا نصفه في البر ونصفه في البحر، في يوم رائح، أي: كثير الهواء -ففعلوا ذلك. فأمر الله البحر فجمع ما فيه، وأمر البر فجمع ما فيه، ثم قال له: كن فإذا هو رجل قائم. فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: مخافتك وأنت أعلم. فما تلافاه أن غفر له) ( ).
وفي الحديث مسائل:
الأولى: تأكيد حقيقة وهي أن البعث أمر حتمي.
الثانية: لزوم خشية الإنسان من الله عز وجل.
الثالثة: بيان فضل الله عز وجل على المسلمين بنزول آية البحث , وما تبعثه من الطمأنينة في الحياة الدنيا.
وجاء الحديث أعلاه مطلقاً بصفة العبودية التي تستغرق وتتغشى الناس جميعاً من غير تقييد بالتقوى وصبغة الإيمان بدليل ذكر التوبة , وهو باب مفتوح لكل إنسان من غير حصر بمرتبة من الذنوب إذ تشمل الكبائر والصغائر، والمتحد والمتعدد من المعاصي والسيئات والآثام، فكلمة واحدة تجري على اللسان (أستغفر الله وأتوب إليه) تأتي على الجبال من الذنوب فتمحوها على نحو دفعي، فلا يبقى لها رسم أو أثر( ).
ولقد إحتــجت الملائكة على جعــل آدم خليفة في الأرض , كمــا ورد في التنــزيل [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ]( )، ورد الله عـــز وجــل عليهـم [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( )، فلم يتضمن الرد الإلهي نفي قولهم أو تكذيبهم , ولكنه أكد قصورهم عن إدراك أسرار خلق آدم ونشر ذريته في الأرض , وتسخير ما في السموات والأرض لهم.
فصحيح أن الكافرين يفسدون في الأرض ويرتكبون المعاصي ويسفكون الدماء بغير حق، ولكن الله أبى إلا أن تكون في كل زمان أمة مؤمنة تؤمن بالله وتعمل الصالحات، وهو من علم الله الذي إحتج به على الملائكة، ومنه إشراقة بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتوارث المسلمين لمفاهيم الإيمان والتقوى، وإحرازهم ملكة إجتناب الفسوق والفجور.
وجاء قبل آيتين قوله تعالى[وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ]( )، فهل يكون المسلم الذي يرتكب السيئات ويسارع إلى الخيرات من الذين يخلطون بين فعل الصالحات والسيئات .
الجواب لا، لأن فعل الفاحشة ليس بمرتبة واحدة مع المسارعة إلى الخيرات، بل يأتي عرضاً وعلى نحو طارئ وخلاف منهج ذات المسلم بالتقوى والصلاح وفعل ما يقربه إلى رحمة الله ومقدمات دخول الجنة.
نعم ورد في أسباب نزول قوله تعالى[وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا]( )، عن ابن عباس قال: كانوا عشرة رهط تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، في معركو تبوك، فلما حضر رجوع رسول الله صلى الله عليه وسلم أوثق سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد، وكان ممر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا رجع في المسجد عليهم، فلما رآهم قال: من هؤلاء الموثقون أنفسهم؟
قالوا: هذا أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك يا رسول الله، أوثقوا أنفسهم وحلفوا أنهم لا يطلقهم أحد حتى يطلقهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويعذرهم. قال: وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله تعالى هو الذي يطلقهم رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين، فلما بلغهم ذلك قالوا: ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله هو الذي يطلقنا. فأنزل الله عز وجل{وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم} وعسى من الله واجبة وإنه هو التوّاب الرحيم .
فلما نزلت أرسل إليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأطلقهم وعذرهم، فجاؤوا بأموالهم فقالوا: يا رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها عنا واستغفر لنا. قال: ما أمرت أن آخذ أموالكم. فأنزل الله عز وجل {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم})( ).
وقدمت الآية أعلاه الإعتراف بالذنوب , وهم في حال تعاهد فعل الصالحات لذا فإن الخلط لم يكن بمعنى التساوي في الرتبة والموضوع والأثر أو الإستدامة في كل منهما , فقد طرأ التخلف عن الغزو بعد الإيمان بالله والتصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإتباعه ونصرته ونيل شرف حضور معركة بدر وأحد في مقاتلة الكفار .
وبعد هذا التخلف كان الندم والإنابة والتوبة , ولم يكن هذا الخلط من عموم المسلمين بل من نفر قليل وبضعة أفراد، مما يدل على ملازمة صفة التقوى للمسلمين على نحو العموم المجموعي، وهو من عمومات[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
ليكون تقدير الآية (وآخرون من المتقين إعترفوا بذنوبهم) فيجتمع الإعتراف بالذنب مع العمل الصالح , فيزاح الفعل السيء موضوعاً وأثراً، وعندما نزل قوله تعالى[فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا]( )، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ابشروا أتاكم اليسر، لن يغلب عسر يسرين)( ).
وصار اليسر في الآية إثنين متغايرين في الأفراد لأنه جاء نكرة تتضمن معاني الإجمال والإبهام.
أما العسر فإنه ورد معرفة بلام العهد الذي يعني إرادة فرد مخصوص معلوم عند المخاطبين , وإذا أعيدت المعرفة كانت الثانية عين الأولى كما لو قيل هذه الأيام غير الشتاء، الصيف غير الشتاء.
وقال الزمخشري: وهو –أي اليسر- في مصحف ابن مسعود مرة واحدة فإن قلت: فإذا ثبت في قراءته غير مكرر، فلم قال: والذي نفسي بيده، لو كان العسر في جحر لطلبه اليسر حتى يدخل عليه، إنه لن يغلب عسر يسرين؟ قلت : كأنه قصد باليسرين : ما في قوله:{يُسْراً} من معنى التفخيم، فتأوله بيسر الدارين، وذلك يسران في الحقيقة)( ).
ولكن لو تردد عند ذكر ابن مسعود لليسرين هل هو قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبشارته باليسرين، أم ما ذهب إليه الزمخشري من معنى التفخيم.
الجواب هو الأول، فمعنى التفخيم تأويل لا يقوى على معارضة حضور وإتباع الصحابي النص , ومعرفة عبد الله بن مسعود بالحديث، ولقصد التعدد إما أن يكون مستنبطاً من الآية القرآنية أو مستقرأ من السنة النبوية، وفيه نكتة وهي إقرار عبد الله بن مسعود بحديث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أعلاه يحتمل ترجيح وحصول ما قيل من إضافة أوحذف في المصحف المنسوب إليه أو أن الناس زادوا وأنقصوا منه بعض الكلمات خصوصاً وأنه كان أحياناً يجمع بين النص القرآني وبيانه وتفسيره لعموم الفائدة.
علم المناسبة
ورد لفظ (ظلموا) في القرآن ثلاثاً وأربعين مرة، منها ست مرات بالتقييد بظلم النفس[ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ] وهي على وجهين:
الأول: آيتان في المسلمين والثناء عليهم وبيان سبيل التدارك في أفعالهم.
الثاني: أربع آيات في ذم الكفار وتقبيح فعلهم، ليكون من إعجاز القرآن مجئ ذات اللفظ في المتضادين، ويتجلى التضاد في المعنى والقرائن والفعل الإضافي، فيلجأ المسلمون إلى الإستغفار عند ظلم النفس، بينما يصر الكفار على البقاء على الظلم والتعدي، وهذا البقاء على أقسام:
الأول:العودة إلى ذات المعصية وتكرارها.
الثاني: إتيان ضروب أخرى من الذنوب , وما فيه ظلم النفس.
الثالث:إهمال المعصية وعدم تعقبها بالإستغفار , فان قلت إن الإستغفار أمر سهل، وهو لفظ من كلمتين يجري على اللسان , والجواب لا يتقوم الإستغفار إلا بالإيمان بالله وقصد القربة، وهي نعمة وبلغة حجبها الكفار عن أنفسهم .
وجاءت آية البحث في سياق بيان صفات المتقين الذين هيئ الله عز وجل لهم الجنة الواسعة، قال تعالى[وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ] ( ).
والآية الثانية التي تتضمن الثناء على المسلمين بخصوص التدارك بالإستغفار قوله تعالى[وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا] ( ).
والآية وان جاءت بصيغة الجملة الخبرية إلا أنها تبعث المسلمين للجوء إلى النبي كي يستغفر لهم الله عز وجل، وهل تدل الآية على عدم كفاية الإستغفار الشخصي على الذنوب , الجواب لا.
إنما تتضمن الآية مسائل:
الأولى: بيان عظيم منزلة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عند الله عز وجل.
الثانية: حاجة المسلمين للإستغفار.
الثالثة: الآية من عمومات قوله تعالى[وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( )، وإنتفاع المسلمين الإنتفاع الأمثل من إستغفار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لهم.
الرابعة: الإخبار عما إختص به الذين فازوا باستغفار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لهم، على نحو القضية الشخصية.
الخامسة:تأكيد موضوعية الإستغفار في الإسلام.
السادسة: إستغفار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مقدمة في الدنيا لشفاعته لعموم المسلمين في الآخرة.
السابعة: لقد أكرم الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بالوحي والتنزيل، وجاءت هذه الآية لإكرام إضافي في باب الإستغفار والتوبة.
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من جاءني زائراً لم تنزعه حاجة إلا زيارتي كان حقاً علي أن أكون له شفيعاً يوم القيامة( ).
ولم تذكر الآية أعلاه فعل الفاحشة، إنما إختصت بظلم النفس ليكون بينها وبين آية البحث عموم وخصوص مطلق، وفيه إكرام لزمان النبوة والصحبة، بينما جاءت آية البحث لعموم المسلمين ولمنع الحرج ودفع القنوط واليأس عن قلوب المسلمين.
روى الإمام الصادق عن علي عليهما السلام قال : قدم علينا أمرؤ عندما دفنّا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثة أيام فرمى بنفسه على قبر النبي عليه الصلاة والسلام وحثا على رأسه من ترابه وقال : يا رسول الله قلت فسمعنا قولك ووعيت من الله فوعينا عنك، وكان فيما أنزل الله عليك {وَلَوْ أنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أنفُسَهُمْ جَاؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيما} فقد ظلمت نفسي فجئتك لتستغفر لي فنودي من القبر أنه قد غفر لك( ).
وقيل أن قوله تعالى[ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ] ( )، بالتحاكم إلى الطاغوت وتركهم التحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن الآية أعم .
ومما ذكر في باب أسباب النزول ما قاله أبو بكر الأصم: إن قوما من المنافقين اصطلحوا على كيد في حق الرسول صلى الله عليه وسلم ، ثم دخلوا عليه لأجل ذلك الغرض فأتاه جبريل عليه السلام فأخبره به ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: إن قوما دخلوا يريدون أمراً لا ينالونه، فليقوموا وليستغفروا الله حتى أستغفر لهم فلم يقوموا، فقال: ألا تقومون، فلم يفعلوا فقال صلى الله عليه وسلم: قم يا فلان قم يا فلان حتى عد أثنى عشر رجلا منهم ، فقاموا وقالوا: كنا عزمنا على ما قلت، ونحن نتوب إلى الله من ظلمنا أنفسنا فاستغفر لنا، فقال: الآن أخرجوا أنا كنت في بدء الأمر أقرب إلى الاستغفار: وكان الله أقرب إلى الإجابة أخرجوا عني( ).
بحث منطقي
الذاتي ما يقوم بذاته وجزئيته من الأصل , كالناطق للإنسان، وينقسم الذاتي إلى الجنس والنوع والفصل , فيقسم الجنس إلى أنواع , والأنواع إلى أصناف:
والعرضي: ما يلحق الذات بعد تقومها , ويقسم العرضي الى الخاصة والعرض العام.
واللوازم من توابع الذات , وسميت توابع الحدوث، وهي على أقسام:
الأول : اللازم البيني الذي يحضر تصوره بتصور ملزومه في الوجود الذهني من غير حاجة إلى توسط آخر .
الثاني : الوصف غير البيني وهو الذي يلحقه توسط غيره مثل معرفة نسبة الزوجية بين رجل وامرأة بتوسط عقد النكاح وأمارات الزوجية الظاهرة.
وقد يقسم العرضي إلى عرضي ذاتي وعرضي غير ذاتي , ويقسم إلى الخاصة والعرض العام . وقيل أن اللون كالبياض إن أخذ بشرط لا كان عرضاَ , وأن أخذ لا بشرط كان عرضياَ ولا دليل عليه .
والعرضي في مقابل الذاتي , والعرض في مقابل الجوهر , ولكن يرد العرض بمعنى العرضي , ويتعرض العرض للتغيير من غير أن يطرأ هذا التغيير على الجوهر والمحل , وقد يوجد العرض لشيء واحد بعينه وقد لا يوجد , وهو يتقوم بالموضوع كاللون بالنسبة للجدار والمركبة, والعرض ليس بجنس ولا فعل ولا خاصة ولا نوع .
ومن العرض العام ما يفارق الجوهر , ومنه غير مفارق الجوهر وكذا بالنسبة للفصل الذي يتميز به الذات عن غيره , فمنه ما يكون مفارقاَ كالمشي والجلوس , ومنه غير مفارق كلون البشرة .
والتقوى فصل وجزء من الماهية يفصل ويميز المسلمين عن غيرهم , ويقع الفصل في جواب أي شيء , لتكون التقوى جزءً مقوماَ لذات المسلم ينفصل به عن غيره , أما فعل الفاحشة فهو عرض مفارق سريع الزوال , وتدل آية البحث على مصاحبة ذكر الله والإستغفار للمسلم , وعدم إرادة أي منهم مغادرة صاحبه.
ونضيف مسألة في هذا الباب وهي أن العرض المفارق من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متباينة قوة وضعفاً , وهل لآية البحث موضوعية في جعل فعل الفاحشة عرضاً سريع الزوال , وتزيد في سرعة زواله, الجواب نعم , وتلك آية في الخلق وسنن الإرادة التكوينية في إكرام المسلمين , وعظيم فضل الله عليهم , وأسباب نجاتهم في الدنيا وعالم البرزخ ويوم القيامة.
قانون الملازمة بين الإستغفار والطمأنينة
من خصائص الإنسان تجاذب الرجاء والخوف لنفسه وأركانه، ويشمل موضوع هذا التجاذب أموراً:
الأول: الحياة الدنيا.
الثاني: عالم الآخرة.
الثالث: التداخل بين الدنيا والآخرة.
والرجاء هو التطلع إلى ما فيه الغبطة والسعادة وملائمة النفس، أما الخوف فهو ترقب المكروه وما فيه إنقباض النفس، قال تعالى[لاَ يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ]( ).
وفي جعل الذين ييأسون من روح الله هم المستثنى , ومجيء الآية أعلاه بصيغة المضارع دليل على أن أكثر الناس بعد بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يرجون رحمة الله، وسئل الإمام علي عليه السلام: ما أكبر الكبائر؟ فقال: الأمن لمكر الله، والإياس من روح الله، والقنوط من رحمة الله) ( ).
إنما إختص الكافرون باليأس من رحمة الله لجحودهم بالربوبية وإنكارهم التنزيل، وتكذيبهم بالنبوات، فجاء الإستثناء في الآية أعلاه دليلاً على الكثرة في المستثنى منه وهم الذين يرجون رحمة الله، فإن قلت مع إنقضاء أكثر من ألف وأربعمائة سنة على بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فإن الكافرين بنبوته أكثر من المسلمين، والجواب الأمور بخواتيمها وعموم الأجيال , وأن معنى القلة في المستثنى المفرغ في الآية أعلاه هو من الرجاء, لبيان تعلق النفس الإنسانية بفضل الله , ورجاء الناس من الملل المختلفة للطف الله تعالى بهم جميعاً.
إن لغة الإستثناء بشارة ورجاء، وحث للمسلمين لتعاهد الذكر والإستغفار عند إرتكاب المعصية , لسلامتهم من الكفر والضلالة.
وكل من الرجاء والخوف سبيل لتهذيب النفس الإنسانية، وهما من مقامات الإيمان أي من الأوصاف الثابتة التي تلازم المؤمن فلا تتحول عنه، وهو لا يريد التحول عنها لذا تفضل الله عز وجل بآية البحث ليتعاهد المسلم مرتبة الإيمان وما يصاحبها من الطمأنينة، التي هي ليست شرطاً للإيمان، إنما هي رشحة من رشحاته .
ويؤدي كل من الخوف والطمأنينة للترغيب بآية البحث ومضامينها القدسية ، قال تعالى[وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ]( )، لتكون البشارة بالإخبار بـأن جزاء الخوف السعادة المطلقة .
ويأتي ذكر الله والإستغفار في آية البحث ليكون من مصاديق كل من الخوف والرجاء في الآية أعلاه، وتلك آية في علوم القرآن , بأن يجتمع المتضادان في لفظ وموضوع متحد، فالخوف من الإثم والعقاب للفاحشة وظلم النفس سبب للذكر والإستغفار , وكل فرد منهما رجاء وأمل قائم بذاته.
واللجوء إلى الذكر والإستغفار عند فعل المعصية أعم من أن ينحصر بالخـــوف من العقاب بل يأتي بهما المســلم لحبــه لله عز وجل، وحرصه على طاعته وإجتناب مخالفة أوامره ورجائه بالفوز برضاه ومحبته.
لقد أراد الله عز وجل للحياة الدنيا أن تكون (دار الطمأنينة) ويدل عليه موضوع سكن الإنسان فيها وهو الخلافة، ولا بد أن يكون الذي في منازل الخلافة بحال من السكينة والأمن والرضا لذا سخّر الله الأشياء له ولحاجاته وسعادته قال تعالى[أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ]( ).
وحينما يرتكب المسلم الفاحشة يدرك قبح فعله , فيشعر بالندم والأسى والحسرة، لمنافاة فعله لمعاني الخلافة وما فيها من الإكرام والتشريف والعهد , فتأتي آية البحث لتمنعه من مغادرة مقامات الطمأنينة بأن تخبره بأمور:
الأول: إنه من أهل التقوى والخشية إذ أنها تبدأ بالاسم الموصول (الذين) والعائد إلى المتقين في قوله تعالى[وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ]( ).
الثاني: فعل المعصية مع قبحه لا يخرج المسلم عن منازل التقوى وصبغة السكينة بفضل من الله عز وجل، لأن الإيمان والتصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم حصانة دون هذا الخروج وآثاره وأضراره.
الثالث: لزوم تعاهد هذه الحصانة بذكر الله والإستغفار , ومن منافع الذكر والإستغفار في المقام أنهما مجتمعين ومتفرقين طريق إلى الجنة، قال تعالى في الثناء على المؤمن الذاكر[يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ]( )، لذا فإن ذكرهما معاً في الآية لطف من عند الله، ليأتي الإستغفار عن نية وقصد القربة إلى الله عز وجل.
وإذا كان الحذر خاصاً بالدار الآخرة فإن رجاء رحمة الله عام وشامل للدنيا والآخرة، ليكون مقدمة للأمن في الآخرة، فتفضل الله عز وجل وجعل آية البحث من رحمته في الدنيا والآخرة مما يدل على أن العبد حينما يرجو رحمة الله فإنه سبحانه تفضل وجعلها قريبة منه , قال تعالى[إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ]( ).
وقد أختتمت الآية السابقة لآية البحث بالثناء على المؤمنين ووصفهم بالمحسنين , ومن الرحمة بالناس جميعاً نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونزول آية البحث بالبعث على الذكر والإستغفار، وصيرورة كل واحد منهما وثيقة أمان يوم القيامة.
وورد في قوله تعالى[أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ]( )، أن المراد (هاهنا قلوب المؤمنون)( ).
ولكن الآية أعم إذ أنها تخبر عن قانون كلي يتغشى الحياة الإنسانية , فلما نفخ الله عز وجل من روحه في آدم عليه السلام فإنه سبحانه جعل خلق الإنسان يتقوم بالقلب وهو أمير الجوارح، وهذا القلب لا يسكن ويستقر إلا بعلامة وأثر وموضوع لهذا النفخ الذي يتجلى بذكر الله , ليكون عنواناً للصلة بين الله عز وجل والعبد، وصبغة للخلافة في الأرض.
وجاءت الآية بالمعنى الحقيقي للفظ (تطمئن) أي تسكن وبالمعنى المستعار وهو اليقين في مقابل الشك والريب وما فيه من الإضطراب، وهو من المواضيع التي ينطبق عليها إصطلاح المعنى الأعم الذي ذكرناه في البحوث البلاغية وأنه يجمع الحقيقة والمجاز في آن واحد.
وكما جاء الإطلاق في معنى لفظ (تطمئن) في الآية الكريمة، جاءت آية البحث بالإطلاق في لفظ(ذكروا الله) فيشمل وجوهاً:
الأول: ذكر الله باللسان جهراً.
الثاني: ذكر غضب الله وعقابه على فعل الفاحشة.
الثالث: ذكر الله في النفس من غير إظهار وجهر .
الرابع : ذكروا الله قولاً بأن قالوا: اللهم اغفر لنا ذنوبنا، فإن الله قد سهّل على هذه الأمة ما شدّد على بني إسرائيل، إذ كانوا إذا أذنب الواحد منهم أصبح مكتوباً على بابه من كفارة ذنبه: إجدع أنفك، إجدع أذنك ونحو ذلك، فجعل الإستغفار، وهذا قول ابن مسعود وعطاء بن أبي رباح)( ).
الخامس : التسليم بأن الله عز وجل يرى المسلمين وما يفعلون , وفي التنزيل[إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا]( ).
السادس : ذكروا أن الله عز وجل يغفر الذنوب للمتقين الذين يستغفرونه.
السايع : إن الله عز وجل هو الرؤوف الرحيم , وأنه سبحانه كريم قادر على المغفرة.
الثامن : تحميد وتقديس الله عز وجل.
التاسع : ذكر أوامر ونواهي الله عز وجل.
العاشر : الذكر بطريقة الإقتضاء بما ينفع من الأسباب والخشوع , والتوسل إلى الله للفوز بالمغفرة والأمن من العقاب.
الحادي عشر: ذكر فضل الله ونعمه، وأن فعل الفاحشة تخلف عن مواطن الشكر لله سبحانه.
الثاني عشر: حمل قوله تعالى (ذكروا الله) على ظاهره ودلالته، وأن القدر المتيقن منه هو إستحضار ذكر الله سواء في القلب أو اللسان، وصيرورة هذا الذكر مقدمة للإستغفار.
الثالث عشر: الفزع إلى الصلاة، والحرص على أدائها في أوقاتها, قال تعالى في الثناء على المسلمين[لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ]( ).
وذات الإستغفار نعمة عظيمة وهداية واضحة المعالم، وتبين آية البحث أن الإستغفار يأتي على الذنوب وإن كان متحداً.
الرابع عشر: ذكروا عبادتهم لله، ومرتبة التقوى التي بلغوها بفضل الله، فأدركوا أن الإستغفار هو الطريق للبقاء في تلك المنازل العالية.
الخامس عشر: ذكروا العرض الأكبر على الله عز وجل( ).
السادس عشر: تفكروا في أنفسهم أن الله سائلهم عنه، عن مقاتل والواقدي.
ويدل قوله تعالى (ذكروا الله) على زوال لذة الفاحشة، وظهور الندم على ظلم النفس، والإنقلاب إلى الإنشغال بذكر الله , ولا يعني هذا الذكر نسيان النفس بل إنها تفنى في رجاء مرضاة الله وسؤال المغفرة منه سبحانه، وهو من أسرار قوله تعالى[فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا]( )، فإن روح الإنسان تلجأ إلى بارئها عند مداهمة خطر وسبب للفزع والخوف، ومنه إدراك العقوبة الشديدة لفعل الفاحشة.
ولا تعارض بين أفراد الذكر :
الأول: ذكر الله في القلب.
الثاني: ذكر الله جهراً.
الثالث: ذكر الله في الملأ وبين الناس , لفظاً وتدويناً, لجهة معلومة ولغير معلومة عبر الفضاء والإعلام.
الأمر الذي يدل على حقيقة وهي أن مصاديق الآية الكريمة من اللامتناهي ، فمن إعجازها أنها جاءت مطلقة من غير تقييد بصيغة أو كيفية مخصوصة، وهذا الإطلاق من رحمة الله عز وجل.
وفي قوله تعالى[فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ] الفاء للدَلالة على أن ذكر الله تعالى متبع بالإستغفار، ليكون هذا الإستتباع من عمومات عدم تخلف المعلول عن علته، وشاهداً على تفقه المسلمين , وأن الآية ثناء عليهم ، وبيان حقيقة مركبة من جهتين:
الأولى: ذكر المسلمين لله عند فعل الفاحشة.
الثانية: عدم إكتفاء المسلمين بالذكر بل إنهم يقومون باللجوء إلى الإستغفار بعد الذكر، وذكر الله نجاة من إستحواذ النفس الشهوية، وإغواء الشيطان .
فكـأن معنى قوله تعالى (ذكروا الله) أي أفاقوا وإنتبهوا ورجعوا إلى رشدهم، وهو من أسرار إحرازهم ملكة التقوى لأنها تمنع صاحبها من الإقامة على المعاصي، لذا أثنى الله عز وجل على المؤمنين في ذات آية البحث بقوله تعالى[وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا]( ).
وهل يقال أن فعل المسلم الفاحشة وندمه عليه مناسبة لفتح خزائن الثواب , الجواب نعم، والأفضل منه الذكر إبتداء من غير سبق مباشر لفعل الفاحشة أو ظلم النفس، وإرادة الدوام عليه كملكة ثابتة.
لقد جعل الله ذكره مقدمة وطريقاً للجهاد فتحه الله للمؤمنين والمؤمنات عموماً، فإذ يسقط الجهاد عن المرأة، وتسقط بعض العبادات عن المكلفين عند عدم إجتماع شرائطها ومقدماتها، لإنتفاء المشروط بإنتفاء شرطه وقاعدة نفي الحرج في الدين , كما في فريضة الحج، وتقييدها بالإستطاعة ، قال تعالى[وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً]( )، فإن المبادرة إلى الذكر أمر ميسور لكل إنسان , ولا يمكن حجب أو منع المسلم عن ذكر الله والإستغفار ليكون علاج أدران المعصية سهلاً وقريباً وشافياً , وماحياً للندبة السوداء التي تتركها.
ومن الآيات أن ينتفع المسلم من ذكره لله إبتداء من غير فعل فاحشة في دفع آثار فعلها إن أقدم عليها، ليكون الذكر سابقاً لها ومتقدماً عليها، وعن أبي الدرداء قال رسول صلى الله عليه وآله وسلم: ألا أنبئكم بخير أعمالكم ، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا أعداءكم فتضربوا أعناقهم؟ قالوا: بلى , قال: ذكر الله)( ).
وقدمت الآية فعل الفاحشة على ظلم النفس، وفيه مسائل:
الأولى: تعدد أفراد ومصاديق الفاحشة.
الثانية: الفاحشة نوع مفاعلة فقد تقع بين طرفين كما في الزنا والربا.
الثالثة: الآية من عطف الخاص على العام.
الرابعة: إرادة الترتيب في التحذير والزجر عن إرتكاب المعاصي.
الخامسة: بيان القبح الذاتي والعرضي لفعل الفاحشة , وظلم النفس أيضاً قبيح، ولكن فعل الفاحشة أشد قبحاً، ولو تمت العقوبة وإقامة الحد عل مرتكب الفاحشة كما في قوله تعالى[الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ]( )، فعل يجب عليه الذكر والإستغفار أيضاً , الجواب نعم من وجوه:
الأول: أصالة الإطلاق في العمل بأحكام الآية، وعدم ورود مخصص من كتاب أو سنة.
الثاني: صحيح أن الذي يلقى العقوبة في الدنيا لا يعذب على ذات الفاحشة في الآخرة، إلا أن المقاصد السامية لآية البحث تتعلق بالجزاء الحسن، والثواب العظيم على مقامات الإيمان، وخصال التقوى، فلا تعارض بين العقاب في الدنيا الذي لا يسقطه الذكر والإستغفار، والثواب في الآخرة الذي يترتب عليها.
الثالث: جاءت الآية أعلاه خطاباً للحكام وأولي الأمر , أما آية البحث فجاءت بصيغة الجملة الخبرية وإرادة العموم الإستغراقي للمسلمين والمسلمات.
الرابع: قد ينجو مرتكب الفاحشة وأطرافها من العقاب في الدنيا لعدم قيام البينة، وللستر والرأفة من عند الله، ولكن الملائكة يحصون ما يفعل الإنسان قال تعالى[وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا]( )، أي مكتوباً في صحفهم، وهل يمكن تكرار ذات الفعل والجناية وما يسمى في قضاء الجنايات (كشف دلالة) .
الجواب نعم، لإقامة الحجة على الناس، وإفحام أهل الكفر والضلالة عند إنكارهم ما يرون في صحفهم، ولكن المؤمنين في سلامة وأمن من هذا الكشف المقروء والعملي لأنهم إستجاروا بالذكر والإستغفار من منازل الإيمان، وتلك نعمة تغبطهم عليها الخلائق يوم الحشر والحساب.
قوله تعالى[فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ]
الإستغفار طلب الستر للذنوب ، ومحو العقاب المترتب عليها بلحاظ أن الدنيا دار إمتحان وإبتلاء ,ويدل الإستغفار من الذنوب بالدلالة التضمنية على أمور:
الأول: الإقرار والإعتراف بإرتكاب خلاف الوظيفة الشرعية , قال تعالى[وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ]( ).
الثاني: إظهار الخضوع والخشوع لله عز وجل.
الثالث: التبرأ من الذنوب، والتنصل منها، وهذا التبرأ من خصال المتقين، وصحيح أن الإستغفار لفظ يجري على اللسان بالقول (أستغفر الله) إلا أنه صادر من النفس والجوارح والأركان, وكأن اللسان أخذ الوكالة منها، ونطق بالنيابة عنها جميعاً.
فمن خصائص خلافة الإنسان في الأرض لوم النفس على إرتكاب المعاصي، وهو من أسرار نفخ الروح فيه من الله عز وجل، وجاء تأكيد هذا المعنى بقوله تعالى[وَلاَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ]( ).
والنفس في الآية أعلاه اسم جنس، وذكرت فيها أقوال:
الأول: هي النفس الفاجرة الجشعة (اللوامة لصاحبها على ما فاته من سعي الدنيا وأعراضها)( ) عن ابن عباس.
الثاني: هي اسم الجنس للنفس الإنسانية ,لأنها تلوم على الخير والشر، عن ابن جبير.
الثالث: المراد نفس آدم , لأنها لم تزل اللائمة على فعله الذي أخرجه من الجنة) ( ) ولكن الآية أعم.
الرابع: النفس التي تلوم صاحبها في ترك الطاعة ونحوه (وعن الحسن البصري في هذه الآية: إن المؤمن -والله-ما نراه إلا يلوم نفسه: ما أردت بكلمتي؟ ما أردت بأكلتـي؟ ما أردت بحــديث نفسي؟ وإن الفاجر يمضي قُدُما ما يعاتب نفسـه)( ).
والآية في مقام الثناء على المؤمنين، ليكون لوم النفس مناسبة لذكر الله، وباعثاً للجوارح في سبل الصلاح , وأقســم الله عز وجل بهذه النفس بإعتبارها من بديع صنعه.
الخامس: إرادة حال النفوس يوم القيامة , فأهل الجنة يقولون لولا زدنا من الحسنات وأكثرنا من الذكر والإستغفار، وأهل النار يلومون أنفسهم على قبيح فعلهم الذي أدى بهم إلى سوء العاقبة .
ويتجلى هذا المعنى في سياق هذه الآية ومجيئها في سورة القيامة، وبيان أهوال البعث والحساب، وهو لا يتعارض مع الوجوه المذكورة أعلاه.
ويفيد الجمع بينها أن صفة اللوم في النفس الإنسانية نعمة وخصلة حسنة وإن جعلها الذين يتمادون في الكفر والضلالة في الشر، باللوم على عدم الإكثار منه, وهذا اللوم ليس صبغة دائمة لنفوس أهل الكفار , فلابد أن تتولى نفوسهم لومهم على التمادي في الكفر وإقتراف السيئات لذا فتح الله عز وجل لهم باب التوبة, وفيه تقريب إلى أصل وظيفة النفس الإنسانية في باب اللوم الذاتي، وهو إظهار الندم على تضييع فعل الصالحات والإستزادة منها، والحسرة على فعل السيئات والتمادي فيها.
ترى ما هي الصلة بين لوم الإنسان نفسه مطلقاً وإصرار إبليس على الجحود، الجواب هو التباين، ليكون لوم الإنسان نفسه على فعل القبيح على وجوه:
الأول: إنه حجة على إبليس وجنوده وتوبيخ لهم.
الثاني: أنه من الشواهد على موضوعية نفخ الروح في آدم، وتجلي منافع هذا النفخ في جنس الإنسان وعموم ذرية آدم عليه السلام بلوم النفس على القبيح، ومن فضل الله عز وجل على الإنسان أنه لم يتركه لمصاديق الرحمة السابقة ومنذ خلق آدم وسكنه في الجنة، وإن كانت تفوق الإحصاء , فأسباب الرحمة والمغفرة والجذب إلى الهداية وإصلاح النفس وعودتها لمنابع النفخ متصلة ومتجددة، ومنها آية البحث الي تصاحب المسلم في الحياة الدنيا، وتمد المسلم بأسباب التدارك والشفاء من أدران وتبعات الذنوب، كي تبقى الروح في سياحة في عالم الملكوت.
الثالث: لوم النفس حجة ذاتية عند الإنسان لتأكيد تعلقها بالعالم العلوي، ولزوم تنزه الإنسان من فعل الرذائل، وإرتكاب القبيح.
الرابع: النفس اللوامة مصداق يستغرق الناس جميعاً، ليكون حجة ذاتية على الإنسان إلى جانب العقل الذي هو رسول باطني.
الخامس: سيبقى لوم النفس برهاناً عملياً متجدداً كل يوم عند أهل الأرض , لقوله تعالى في الرد على الملائكة[إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( )، في الإحتجاج على جعل آدم خليفة في الأرض , فمن خصال الإنسان لوم الذات على ما فعل الفاحشة وظلم النفس، ليأتي هذا اللوم على الفساد في الأرض وظلم النفس.
السادس: من بديع صنع الله التكامل في خلق الإنسان جسداً وأعضاء وروحاً والتداخل بينها، فإذا فعلت الجوارح ذنباً بادرت الروح إلى اللوم وهذا اللوم وآثاره المباركة من عمومات قوله تعالى[وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ]( ).
إن نفس الإنسان واحدة، ولكن جاء القرآن بتعدد صفات النفس على وجوه:
الأول: النفس المطمئنة التي تغمرها السعادة لإلتزامها والجوارح جادة الهدى الإستقامة .
وعن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر، ولما يلحد، فجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجلسنا حوله، وكأن على رؤوسنا الطير , وفي يده عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه.
فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثا .
ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في إنقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مدّ البصر. ثم يجيء ملك الموت، ثم يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس المطمئنة، أخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان .
قال: فتخرج… تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، وإن كنتم ترون غير ذلك ، فيأخذها……)( ) الحديث.
ومعنى الطمأنينة في الدنيا إمتلاء نفس المؤمن باليقين في التوحيد والنبوة، وعصمتها من الشك والريب , فتجده يتنزه عن الإقتراب من الشبهات، ويمنع نفسه من الوقوع في الفواحش والسيئات، وإن زلت قدمه فإنه يبادر إلى ذكر الله والإستغفار فتسكن نفسه لذكر الله , والوعد بالثواب عليه بالجنة الواسعة.
وأما الطمأنينة في الآخرة فهي الإمتناع بفضل الله من الخوف عند الموت, ويوم البعث والحساب وهو موضوع نزول قوله تعالى[يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ *ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً]( ).
ولو دار الأمر بين إرادة إطمئنان النفس في الآخرة أم في الدنيا والآخرة, والجواب هو الثاني من وجوه:
الأول: أصالة الإطلاق.
الثاني: دلالة لفظ الآية أعلاه على العموم.
الثالث: سعة رحمة الله عز وجل في الدارين.
الرابع: في قوله تعالى(إرجعي) إشارة إلى إستدامة ووجود الرضا قبل مغادرة الدنيا، وإستصحابه عند الرجوع إلى الله ويوم ملكه المطلق , والإنتقال إلى عالم الآخرة.
ولم يرد لفظ (المطمئنة) بصيغة التعريف بالألف واللام في القرآن إلا في الآية أعلاه، وورد مرة واحدة من غير تعريف بقوله تعالى[وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ]( )، وفي هذه القرية وجوه وأقوال:
الأول: إنها مكة عن مجاهد، وقال قتادة: ذكر لنا أنها مكة)( )، قال ابن كثير: هذا مثل أريد به أهل مكة، فإنها كانت آمنة مطمئنة مستقرة يُتخطَّف الناس من حولها، ومن دخلها آمن لا يخاف)( ).
(وقيل إن هذه القرية هي مكة عن ابن عباس ومجاهد وقتادة عذبهم الله بالجوع سبع سنين حتى أكلوا القد والعلهز و هو الوبر يخلط بالدم و القراد , ثم يؤكل وهم مع ذلك خائفون وجلون من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من الإغارة على قوافلهم، وذلك حين دعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليهم , فقال اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعل عليهم سنين كسني يوسف)( ).
ولكن آيات القرآن جاءت بالأمن لمكة على نحو التعيين من بين كل أمصار الأرض وأقطارها، قال تعالى[وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا]( )، وبينت أولوية الأمن فيها مناهج وسنن المرسلين فتوجهوا بالدعاء إلى الله، كما في دعاء إبراهيم عليه السلام[رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ]( ), وسعوا إلى الحج, فما من نبي إلا وقد حج البيت، وتدل عليه لغة العموم في قوله تعالى[وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً]( )، والأخبار الواردة بكثرة عدد المرات التي حج بها آدم عليه السلام البيت، وعن الإمام الباقر عليه السلام إن سليمان عليه السلام قد حج البيت في الجن والانس والطير والرياح، وكسا البيت القباطي( ))( ).
ولابد من موضوعية للأمن في مكة في ظهور وإستدامة دولة الإسلام وتعظيم شعائر الله، وليس من حصر للمواضيع والمنافع المترتبة على الأمن في مكة، ومنها ولادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسلامته في نشأته وصباه ولحين بعثته وعدم بلوغ إيذاء الكفار له مرتبة القتل، وإن أرادوا أن يقتلوه , ولكن الله عز وجل أنجاه من كيدهم ومكرهم، لتكون هذه النجاة من مصاديق الأمن في مكة.
ولا يتعلق موضوع الآية بأهل مكة من وجوه:
الأول: لقد دخل فريق من أهل مكة الإسلام في بداية الدعوة , وكانوا النواة للدعوة ورواد الهجرة بدينهم , إذ أكرمهم الله وخصهم بنعت المهاجرين , والهجرة باب تشريف فتحه الله لبضع سنين ثم غلقه إلى يوم القيامة.
الثاني: جاء الثناء عليهم بلفظ المفرد المنصوب (مهاجراً)( )، وبصيغة جمع المؤنث[إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ]( )، وخمس مرات بصفة (المهاجرين).
الثالث: يدخل المؤمنون من أهل مكة في التابعين أيضاً في قوله تعالى[وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ]( ).
الرابع: جاء بعد آية القرية الآمنة المطمئنة ما يدل على نزول عذاب الإستئصال بتلك القرية، بقوله تعالى[وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ]( ).
ومكة وأهلها لم ينزل العذاب بهم بل جاءهم الفتح , لتفتح عليهم الدنيا كنوزها, والأمصار ذخائرها , فيتسابق الرجال والنساء من أقطار الأرض في بيع مدخراتهم ليأتوا[وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ]( ), ومع كثرة عدد وفد الحاج فإن وراء حضور كل واحد منهم الموسم قصة تتصف بالتسهيل والتخفيف .
لقد دخل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مكة في السنة الثامنة للهجرة ومعه عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار , ولما دخلها(وقفَ على بابِ الكعبةِ ثمَّ قالَ: لاَ إله إلا الله وَحْدَهُ لاَ شريكَ لَهُ صدقَ وعدَهُ ونصرَ عبدَهُ وهزمَ الأحزابَ وحدَهُ. ثمَّ قالَ: يا أهلَ مكةَ ما ترونَ أني فاعلٌ بكُم؟ قالُوا: خيراً أخٌ كريمٌ وابن أخٍ كريمٍ، قالَ: اذهبُوا فأنتُمْ الطلقاءُ)( ).
ولم يرد لفظ (المطمئنة) بصيغة التعريف بالألف واللام في القرآن إلا في الآية أعلاه، وورد مرة واحدة من غير تعريف بقوله تعالى[وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ]( ).
الثاني: البلدة هي يثرب، وأنها مدينة رسول الله.
الثالث: هي قرية قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعث الله عز وجل لهم نبياً، فكفروا بذلك النبي وقتلوه فعذبهم الله بعذاب الإستئصال( ).
والصحيح هو الثالث، لبيان حال الأمم السابقة، وما لاقته القرى الظالم أهلها من العذاب للجحود والتكذيب بالنبوة، وفيه إنذار لأهل مكة وغيرهم، ودعوة لهم للإتعاظ، ولزوم مقابلة النعم بالشكر لله في التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم والكف عن محاربة الإسلام، والتعدي على ثغور المسلمين .
وفي الصلة بين الآية أعلاه وآية البحث مسائل:
الأولى: بيان الحجة على الناس بإبتداء النعم من الله عز وجل على البر والفاجر.
الثانية: الجحود بالنعم سبب لنزول البلاء.
الثالثة: أخبرت الآية أعلاه عن توبيخ وإذلال الكفار، ونزول البلاء وأسباب الفقر والخوف فيهم.
وجاءت آية البحث بالثناء على المسلمين، وبشارتهم في النشأتين، وندبهم إلى تعاهد قيامهم بالذكر والإستغفار.
وتضمنت الآية أعلاه إعجازاً بلاغياً وهو تسمية الجوع والخوف لباساً لظهور أثرهما على البدن والهيئة والحال، بالهزال والفزع، ولأن كلاً من الجوع والخوف يكسيهم ويعمهم , كما يعم ويغطي اللباس البدن لبيان المعقول بلغة المحسوس.
وجاءت الآية بالإستعارة المتعددة في العروض واللباس، ونقل أن ابن الراوندي( )، أراد الطعن بالآية , فقال لابن الأعرابي الأديب: هل يذاق اللباس؟ قال ابن الأعرابي: لا باس ولا لباس يا أيها النسناس، هب أنك تشك أن محمداً ما كان نبياً أما كان عربياً)( ).
وتناقلت كتب التفسير والبلاغة هذا الخبر , وفيه مسائل:
الأولى: إثبات هذا الحوار يحتاج إلى دليل، لذا إحترز الرازي وإكتفى بقول: نقل في إشارة لضعف الخبر .
الثانية: ابن الراوندي مسلم نطق بالشهادتين , فيجب عليه أن يقر بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وليس له أن يشك بنبوته، ويحتج عليه بشكه.
الثالثة: لا عبرة بكلام فيه رائحة الكفر, إرادة الإحتجاج .
الرابعة: يجب بيان وجوه الإعجاز في وصف الجوع والخوف باللباس وأنه جاء عقوبة وتأديباً، وكذا الذي يشك ويفتري فإنه يبتلى بذات اللباس.
وفي الآية أعلاه دعوة للمسلمين والمسلمات وولاة الأمور والعلماء لتعاهد الأمن في المدن وبلوغه إلى القرى، إذ أن لفظ (القرية) في الآية تنبيه لأهل الحل والعقد بعدم الإكتفاء بالأمن في المدن , كما هو ظاهر في بعض الأمصار خصوصاً عند الفتن والقلاقل وقلة الأعوان والموارد، فلابد أن يتغشى القرى وإن كانت نائية وبعيدة عن المدن الكبرى الأمن مع تأمين السبل وتسهيل الأسفار.
ولا تنحصر العناية بالأطراف النائية والآفاق القاصية بالأمن فيلزم نشر معالم الدين والفقاهة، والمحافظة إلى إقامة الصلاة فيها، وهذه المحافظة مقدمة وسبب للأمن، وبعث الخشية في النفوس لأن ذكر الله عز وجل واقية من التعي، والإشتغال بالإستغفار بعث للأمن.
وجاءت المركبات ووسائل التقنية الحديثة لتوظيفها في بسط الأمن في عموم البلاد والأمصار الإسلامية ليكون مقدمة لتوجه المسلمين لأداء فرائضهم وعباداتهم ومناسكهم.
لقد جاء قوله تعالى(واستغفروا لذنوبهم) في آية البحث بصيغة الجمع، ولم يرد هذا اللفظ في القرآن إلا في هذه الآية الكريمة، وفيه وجوه:
الأول: إستغفار المسلمين على نحو العموم المجموعي للذنوب الصادرة منهم لا بمعنى إرتكابهم جميعاً للذنب، لتنزه المسلمين عن الإجتماع على ذنب أو ظلم للنفس، لعمومات ما ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في سلامة الأمة وعدم إجتماعها على ضرب من ضروب الضلالة.
أخرج أحمد والطبراني عن أبي نضرة الغفاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: سألت ربي أربعاً فأعطاني ثلاثاً ومنعني واحدة ، سألت الله أن لا يجمع أمتي على ضلالة فأعطانيها ، وسألت الله أن لا يظهر عليهم عدواً من غيرهم فأعطانيها ، وسألت الله أن لا يهلكهم بالسنين كما أهلك الأمم فأعطانيها ، وسألت الله أن لا يلبسهم شيعاً ويذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها( ).
بلحاظ المعنى الأعم للضلالة وهو ترك البلغة التي تؤدي إلى المطلوب وسلوك غيرها مما لا يوصل إلى الغاية والمطلوب، لتكون آية البحث من عمومات قوله تعالى[إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى]( )، أي أن الله سبحانه أنزل آية البحث لبيان طريق الهدى والنجاة بأمور:
الأول: إختيار التقوى عقيدة ومنهاجاً، ويدل عليه إبتداء الآية بالاسم الموصول معطوفاً على ما قبله , والتقدير : وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين الذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله).
الثاني: إرتكاب المؤمن الفاحشة لا يغلق عليه طريق الهدى، لأن الذِكر والإستغفار ماحيان لأثر هذا الفعل القبيح.
الثالث: تعاهد الصلاة والفرائض الأخرى هدى وصلاح محض، وهو سبيل النجاة.
الثاني: الإستغفار للذنوب التي إرتكبوها متفرقين، فالأمة تستغفر للفرد الواحد منهم.
الثالث: قيام كل جيل وطبقة من المسلمين بالإستغفار للذنوب التي أقدمت عليها الأجيال السابقة منهم، وفي التنزيل[رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ]( )، ويلحق به إستغفار المسلم لوالديه.
الرابع: تقدم المسلمين بالإستغفار للأجيال التي تأتي بعدهم من المؤمنين, لينفرد المسلمون بأن تتلقاهم مقدمات كريمة من الدعاء والإستغفار لهم قبل وحين ولوجهم الدنيا وما فيها من الإبتلاء.
وعن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم إغفر للأنصار ولأبناء الأنصار ولأزواج الأنصار ولذراري الأنصار , الأنصار كرشي وعيبتي ، ولو أن الناس أخذوا شعباً وأخذت الأنصار شعباً لأخذت شعب الأنصار، ولولا الهجرة كنت امرأ من الأنصار( ).
الخامس: إستغفار المسلم لذنوبه، ليكون معنى الآية إنحلالياً، والتقدير أن كل مسلم يستغفر لذنوبه، وكل مسلمة تستغفر لذنوبها، إذ وردت الآية بصيغة جمع المذكر لتغليب المذكر , والمراد المسلمون والمسلمات.
السادس: إستغفار المسلم للأمة.
لقد إحتجت الملائكة على جعل آدم خليفة في الأرض لما يقوم به الإنسان من الفساد في الأرض، وردّ الله عز وجل على هذا الإحتجاج بقوله تعالى[إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( )، ومن علم الله تعالى مبادرة المسلمين إلى الإستغفار من الذنوب وأسباب الظلم , وآية البحث تنزيل مبارك لهداية المسلمين والناس جميعاً للجوء إلى الإستغفار من الذنوب، لتكون والإستغفار موضوعاً وحكماً من رحمة الله بالمسلمين خاصة والناس عامة.
فإن قلت جاءت الآية لخصوص المتقين وبيان صفاتهم , ولكن الكفار منعوا أنفسهم من بركاتها.
والجواب من رحمة الله عز وجل بقاء باب التوبة مفتوحاً للناس جميعاً، أما بخصوص القضية الشخصية فانه لا ينغلق على العبد ما دامت روحه لم تغادر الجسد .
وأما بالنسبة للقضية النوعية فان التوبة مقبولة وإلى يوم القيامة، ولو إجتمعت الخلائق لإرادة غلق بابها طرفة عين أو أن تحجب أحداً من الناس عن الآيات الكونية ومعجزات النبوة والتدبر فيها لما إستطاعت، وهو من عمومات الآية أعلاه، وعلم الله الذي إحتج به على الملائكة.
وعن عبد الله بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل رجل عليه كساء وفي يده شيء قد إلتف عليه , فقال : يا رسول الله إني مررت بغيضة شجر، فسمعت فيها أصوات فراخ طائر فأخذتهن فوضعتهن في كسائي فجاءت أمهن فاستدارت على رأسي فكشفت لها عنهن فوقعت عليهن أمهن فلففتهن جميعاً في كسائي فهن معي ، فقال عليه الصلاة والسلام : ضعهن عنك فوضعتهن فأبت أمهن إلا لزومهن ، فقال عليه السلام : أتعجبون لرحمة أم الأفراخ بفراخها ، قالوا : نعم يا رسول الله ، فقال : والذي نفس محمد بيده أو قال فوالذي بعثني بالحق نبياً لله عز وجل أرحم بعباده من أم الأفراخ بفراخها، ارجع بهن حتى تضعهن من حيث أخذتهن وأمهن معهن فرجع بهن( ).
ولم يعلم الإنسان إمكان وصيغة الإستغفار عن الذنب، وموضوعيته في محو الذنوب وإزاحة تبعاتها , لولا إخبار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وحياً عن الله عز وجل , ونزول القرآن بأن الله سبحانه [يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا] ( )، وهو سبحانه يعلم أنه يرحم الناس بما يؤهلهم للخلافة في الأرض بالهداية إلى سبل التقوى، وإرشادهم إلى رياض الإستغفار وما فيه من البهجة والطمأنينة.
وتدل آية البحث على غنى الله عز وجل المطلق، وأنه سبحانه يمهل الناس على الذنوب لا عن حاجة منه تعالى إليهم أو إلى إستغفارهم بدليل إخبار الآية عن إعداد الجنة ثواباً وجزاء.
وقيل في الفلسفة يجوز أن تشترك المختلفات في لازم عام كاشتراك النباتات والأشجار الصغيرة والكبيرة في النباتية.
وجاءت آية البحث لتأكيد وجوب إشتراك الناس على إختلافهم في ذكر الله والإستغفار أي أن موضوعها أعم من أن تحيط به القواعد الفلسفية، وهذا الوجوب مرآة متجددة للإقرار بالعبودية لله عز وجل وتنزل معه شآبيب الرحمة من عند الله عليهم، وتكون مدداً لهم للمواظبة على الإستغفار وجعل نفوسهم تميل إليه، وهو من عمومات قوله تعالى[وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ]( ).
وتتضمن الآية الترتيب بين الذكر والإستغفار، وإذ أختلف في الصناعة النحوية في وظيفة واو العطف وهل تفيد الترتيب أو لا، فان آية البحث جاءت (بالفاء) للقطع بافادة الترتيب , وتقديم الذكر على الإستغفار، وفيه مسائل:
المسألة الأولى: لم تقدم الآية الإستغفار فلم تقل (استغفروا لذنوبهم فذكروا الله)، من وجوه:
الأول: تبين الآية حقيقة وهي الملازمة بين التقوى وذكر الله، وأن المؤمنين يلجأون إلى الذكر عند الفزع وفي المهمات.
الثاني: الآية تأديب للمسلمين ووسيلة سماوية لتعليمهم صيغ تدارك الذنوب بتقديم ذكر الله عز وجل.
الثالث:تأكيد إمامة القرآن للمسلمين، وإمامة المسلمين للناس جميعاً باللجوء إلى ذكر الله عند إرتكاب المعاصي، وإذا كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم[ َمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى] ( )، فان أمته تتلقى طرق النجاة من تبعات الذنوب من عند الله باللجوء إلى ذكر الله والإستغفار، وتقديم الذكر.
الرابع: مجئ الإستغفار عن قصد القربة وتضرع وخشوع لله عز وجل، قال تعالى[إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ]( ).
الخامس:إستحباب الإكثار من ذكر الله، فهو خير محض وعمل عبادي ذو إفاضات متعددة ومتتابعة، وعليه الكتاب والسنة، أما الكتاب فآيات كثيرة منها سبع آيات تنص على الذكر الكثير , منها ما ورد بخصوص التعقيب بعد صلاة الجمعة وعند التفرق في الأرض[وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ).
السادس : النسبة بين الذكر والإستغفار من جهة الموضوع هي العموم والخصوص المطلق، فيأتي الذكر مطلقاً عن ذنب أو بدون ذنب، ويتعلق الإستغفار بالذنب حادثاً كان في زمانه، أو مرت عليه أيام وسنون.
السابع: الثواب العظيم للذكر , والذي هو مركب من محو السيئات وزيادة الحسنات.
وعن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ما عمل آدمي عملا أنجى من العذاب من ذكر الله عز وجل، قيل : ولا الجهاد في سبيل الله، قال:ولا الجهاد في سبيل الله ، إلا أن تضرب بسيفك حتى ينقطع( ).
الثامن:يترشح عن ذكر الله إنطباقاً إدراك لزوم التبرأ من الذنوب , ونزع لباس المعصية , فذكر الله عز وجل يقود صاحبه إلى الإستغفار.
التاسع : يصاحب الذكر إمتلاء النفس بالخضوع والخشوع لله عز وجل وهو مناسبة للإقرار بالذنوب.
المسألة الثانية: لم تقف الآية عند ذكر الله وحده، بل ذكرت معه الإستغفار، فلم تقل الآية (ذكروا الله ومن يغفر الذنوب إلا الله) بل إنتقلت الآية من الذكر إلى الإستغفار، وفيه وجوه:
الأول:بيان موضوعية الإستغفار في العمل العبادي.
الثاني:ترتب الإستغفار على فعل السيئة , وكأنه من ترتب المعلول على علته.
الثالث: تعقب الإستغفار للذكر من غير فاصلة بينهما.
الرابع: حاجة المؤمن إلى الإستغفار مما يدل بالأولوية القطعية وفحوى الخطاب على حاجة الناس جميعاً له وللتوبة.
الثالث: يحتمل ذكر الله وجهين:
الأول: الذكر الواجب في الصلاة وحين أداء المناسك، قال تعالى[فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ]( ).
الثاني: الذكر المستحب، ومنه عند فعل السيئة ندماً وأسفاً وفزعاً إلى الله لقبح فعلها.
وآية البحث شاملة للوجهين معاً، وفيه تخفيف عن المسلمين ورحمة بهم، فان فاتهم الذكر المستحب فان الذكر الواجب أمر حتمي مثلما تشمل الذكر الجهري والخفي , ليكون كل فرد وضرب من الذكر مقدمة للإستغفار وتذكيراً به.
الرابع: يبين أول الآية الحاجة إلى الإستغفار لفعل الفاحشة أو ظلم النفس للتضاد بينه وبين حال التقوى التي عليها المسلم إذ تخبر الآية عن مضامين قدسية في خلق الإنسان وأسرار الخلافة في الأرض، وأن الذكر وحده لا يكفي المؤمن في بلوغ مراتب العفو عند إرتكاب المعصية والتعدي والجور، فلابد من التوبة عن ذات المعصية، والمبادرة إلى الإستغفار , وسؤال الله تعالى محو الذنوب والسيئات.
لقد بين تعقب الإستغفار للذكر في الآية الكريمة، وبعد التلبس بالجناية الذاتية أن ذكر الله لا يجتمع وحال التلبس بها، فجاء الإستغفار لطردها من النفس، وتبعاتها على الذات ، فقد أراد الله عز وجل للمسلم السعي المتصل إلى الجنة بالذكر السالم من الوجوه المعارضة له من فعل السوء والفحشاء، ويقترن به الإستغفار ليأتي على السيئة، فيبقى ذكر الله وحده الصادر من المؤمن ليس معه ضد أو نقيض أو شائبة تعد تنقص من ثوابه وأجره.
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لَا يَجْتَمِعُ الْإِيمَانُ وَالْكُفْرُ فِي قَلْبِ امْرِئٍ وَلَا يَجْتَمِعُ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ جَمِيعًا وَلَا تَجْتَمِعُ الْخِيَانَةُ وَالْأَمَانَةُ جَمِيعًا( ).
الخامس:موضوع آية البحث هو بيان صفات المتقين الذين أصلح الله عــز وجل لهم الجنة، وهيئها لهم قبل أن يخلقوا , وجاء القرآن[تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( )، ومنه الأسباب التي تنفي الجهالة والغرر في الوسائل والبلغة التي توصل إلى الجنة، والموانع التي تحول دون دخولها.
ومن إعجاز القرآن إقتران هذا البيان بكيفية التدارك وإصلاح الذات لمقامات التقوى الرفيعة بالجمع بين الذكر والإستغفار عند فعل السيئة وظلم النفس.
السادس: تقديم الذكر على الإستغفار تأكيد لقوله تعالى في ذات الآية [وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ]( )، ليكون ذكر الله سابقاً ومتأخراً عن الإستغفار ليجتمعا معه في الإنقضاض على الذنوب والمعاصي.
السابع: ذات الإستغفار ذكر لله هو الآخر.
فتقدير قوله تعالى[فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ] فاستغفروا الله لذنوبهم، وقالوا: نستغفر الله، وهو الذي يدل عليه إخبار الآية عن إنحصار مغفرة الذنوب بالله وحده.
ليكون عطف الإستغفار على الذكر من عطف الخاص على العام بلحاظ أن ذكر الله مطلق في موضوعه وأثره، أما الإستغفار فهو ذكر لله لمحو خصوص الذنب والمعصية.
الثامن: ذكر المؤمن لله متصل في زمانه، وهو مصاحب له، ودليل ظاهر على الإيمان والتقوى، وجاءت الآية بخصوص إرتكاب المعصية فبينت أن النجاة منها ومن أثرها يتقوم بأمرين:
الأول: تجديد العهد بذكر الله.
الثاني: اللجوء للإستغفار.
ليكون الذكر نوع مقدمة واجبة للإستغفار، وعوناً له في موضوعه الخاص وهو رجاء محو السيئة.
المسألة الثالثة: لم تكتف الآية بالإستغفار وحده بل تقدم ذكر الله، وفيه وجوه:
الأول: ذكر الله أصل كل فضيلة.
الثاني: في الذكر إخبار عن إتيان الواجبات وإجتناب ما نهى الله عنه.
الثالث:لقد أثنى الله عز وجل على الذين يواظبون على ذكره ووعدهم بالعفو والمغفرة , قال سبحانه[وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا] ( )
لتكون الإستجارة بالذكر عند فعل السيئة من الذكر الكثير، وفيه شاهد على عدم مغادرة المؤمن لذكر الله، ومن مصاديق الذكر تلاوة آيات القرآن، وفي الآية مسائل:
الأولى: لو إلتجأ المسلم عند فعله الفاحشة إلى تلاوة آية البحث فهل تعتبر هذه التلاوة من الذكر أم من الذكر والإستغفار، الجواب أنها من الذكر، وصحيح أن الآية تتضمن موضوع الإستغفار إلا أنها تندب إليه , وتدل على لزوم المبادرة إلى قول: أستغفر الله.
الثانية: لو تلا آية تتضمن سؤال المغفرة كما في قوله تعالى[رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا] ( ).
فهل يصدق عليه من الذكر والإستغفار , الجواب نعم، إذ أنه إبتدأ بذكر الله بصفة الربوبية المطلقة ثم سأل الله المغفرة.
الثالثة: لو كانت تلاوة المسلم الآية بقصد القرآنية , وليس الدعاء فهل يجزي , الجواب نعم ما دام يقصد سؤال العفو والمغفرة عما إرتكبه من الذنوب والمعاصي، وكذا لو ذكر حديثاً فيه رجاء المغفرة مثل قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم[رب اني ظلمت نفسي ظلماً كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت]( ).
ومع ورود مادة (غفر) في القرآن نحو مائتين وإحدى وعشرين مرة فليس فيها قول (استغفر الله) بصيغة التقرير والإخبار سواء بلغة المفرد أو الجمع (نستغفر الله) وهو من الإعجاز في مضامين آية البحث، وبعثها على الإستغفار.
الرابع: إقامة الحجة على الناس بوجود أمة من المتقين لا تغادر ذكر الله حتى عند فعل الفاحشة.
الخامس:بيان حقيقة وهي أن الذكر طريق إلى الجنة، وسبيل اللبث الدائم في النعيم، وأن الإستغفار وحده لا يجزي عن الذكر، وفيه نكتة وسنة راتبة وهي لزوم تعاهد المسلم للفرائض والعبادات بلحاظ تقوم الذكر بها , وفيه مسائل:
الأولى: إن الله عز وجل يحب أن يذكره العبد عند فعل المعصية لتتغشاه الرحمة والرأفة , لما في الذكر من معاني الإستجارة .
الثانية: مجيء الإستغفار عن قصد القربة.
الثالثة: ذكر العبد لله إقرار بأن الله يرى مكانه، ويعلم بما يفعل , وفي التنزيل[وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ]( ).
الرابعة: إقامة الحجة على الكفار، فإذا قالوا لمَ يتجاوز عن فعل المؤمن للفاحشة ونعاقب عليه أشد العذاب , يكون الجواب أن المؤمن يذكر الله، وليس من حصر لمنافع هذا الذكر في الدنيا والآخرة.
لقد جعل الله عز وجل العز مصاحباً لذكر الله , إكراماً منه تعالى للمؤمنين في الحياة الدنيا وترغيباً بالإسلام، وبياناً لمنافع التقوى على الإنسان وهو من عمومات قوله تعالى[وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ] ( )، وفي ذكر الله عند إرتكاب الفاحشة نباهة وحرص على عدم مغادرة منازل العز، وما فيها من الفخر والغبطة واللذة الدائمة المترشحة عن إحراز الأجر والثواب بالذكر والإستغفار.
وجاء القرآن بالحث على صحبة الذين يذكرون الله وإن كانوا فقراء، قال تعالى في خطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم[وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ] ( ).
وعن سلمان وخباب: فينا نزلت هذه الآية ، جاء الأقرعُ بنُ حابسٍ التميمي وعُيَيْنةُ بنُ حِصْنٍ الفزاريُّ وعباسُ بنُ مِرْداسٍ وذووهم من المؤلفة قلوبُهم فوجدوا النبي صلى الله عليه وسلم جالساً مع أناسٍ من ضعفاءِ المؤمنين ، فلما رأوهم حوله صلى الله عليه وسلم حقَروهم فأتَوْه عليه الصلاة والسلام فقالوا : يا رسول الله لو جلستَ في صدر المسجد ، ونفَيْتَ عنا هؤلاء وأرواحَ جبابهم فجالسناك وحادثناك وأخذنا عنك فقال صلى الله عليه وسلم : ” ما أنا بطارد المؤمنين ” قالوا : فإنا نحب أن تجعل لنا معك مجلساً تعرِفْ لنا به العربُ فضلَنا فإن وفودَ العرب تأتيك فنستحي أن ترانا مع هؤلاء الأعبُد ، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا ، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت قال صلى الله عليه وسلم: نعم قالوا : فاكتب لنا كتاباً فدعا بالصحيفة وبعليَ رضي الله تعالى عنه ليكتبَ ونحن قعود في ناحية ، فنزل جبريلُ عليه السلام بالآية ، فرمى عليه السلام بالصحيفة ودعانا فأتيناه وجلسنا عنده ، وكنا ندنو منه حتى تمَسَّ رُكَبُنا رُكبتَه ، وكان يقوم عنا إذا أراد القيام فنزلت [وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ] ( )، فترك القيام عنا إلى أن نقوم عنه وقال:الحمد لله الذي لم يُمتْني حتى أمرني أن أصبِرَ نفسي مع قومٍ من أمتي معكم المحيا ومعكم الممات( ).
ومن منافع صحبة الذاكرين بلحاظ آية البحث مسائل:
الأولى: الأمر بالصلاح والنهي عن المعاصي، وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: مثل المؤمنين اذا التقيا مثل اليدين تغسل احداهما الاخرى) ( ).
الثانية: المناجاة بتعاهد التقوى وإتخاذ الصحبة وسيلة لتنمية ملكة الخشية من الله , وعن محمد بن عبد الله بن زيد قال: دخلنا على سفيان الثوري نعوده ومعنا سعيد بن حسان المخزومي فقال له سفيان: أعد عليَّ الحديث الذي كنت حدثتنيه عن أم صالح. قال: حدثتني أم صالح بنت صالح، عن صفية بنت شيبة ، عن أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلام ابن آدم كله عليه لا له إلا أمراً بمعروف أو نهياً عن منكر، أو ذكر الله عز وجل فقال محمد بن يزيد: ما أشد هذا الحديث! فقال سفيان: وما شدة هذا الحديث؟ إنما جاءت به امرأة عن امرأة، هذا في كتاب الله الذي أرسل به نبيكم صلى الله عليه وسلم، أما سمعت الله يقول {لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس} فهذا هو بعينه)( ).
الثالثة: الصحبة علم قائم بذاته، وهو نوع مفاعلة يكون فيه الطرف الآخر متحداً أو متعدداً وهو سبيل نجاة ، أو وقوع من الهاوية أو منزلة بين المنزلتين، فمنهم من يصحبك في الله ولله، ومنهم يصحب للدنيا، أو لنفعه الخاص، فجاءت آية البحث لبيان قوام الصحبة، وهو التناجي في إجتناب فعل المعصية أو ظلم النفس، والتآزر والتعاضد في الذكر والإستغفار.
الرابعة: الإحتراز من مجالس اللهو وطرو مقدمات الغفلة،(وقيل في وصف الحج المبرور: هو كفّ الأذى، واحتمال الأذى، وحسن الصحبة، وبذل الزاد)( ) والأولى في الحج المبرور هو العمل بمضامين آية البحث مقدمة للحج ورشحة لأدائه وتعاهد وفد الحاج الذين إنقطعوا للذكر بأدائهم المناسك، قال تعالى[فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ]( ).
وروي عن الحسن البصري أنه قال: إستغفارنا يحتاج إلى الإستغفار الكثير)( )، وروي أيضاً عن رابعة العدوية)( ).
ولكن الإستغفار نعمة عظيمة تستلزم الشكر لله على الهداية إليها والإرتقاء إلى مرتبة المستغفرين.
نعم ورد عن جابر بن عبد الله قال: دخل إعرابي مسجد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وقال : اللَّهمّ إنّي استغفرك وأتوب إليك، سريعاً وكبّر، فلما فرغ من صلاته قال له علي : يا هذا إنّ سرعة اللسان بالاستغفار توبة الكذّابين، وتوبتك تحتاج إلى توبة، قال: يا أمير المؤمنين وما التوبة؟ قال: اسم يقع على ستة معاني: على الماضي من الذنوب الندامة، ولتضييع الفرائض الإعادة، وردّ المظالم، وإذابة النفس في الطاعة كما أذبتها في المعصية، وإذاقة النفس مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية، والبكاء بدل كُلّ ضحك ضحكته)( ).
والنصوص بيان لأصدق مراتب التوبة، وجاءت آية البحث بالإستغفار، وهو من مصاديق التوبة ومقدمة لها، وبينه وبين التوبة عموم وخصوص مطلق، فكل توبة هي إستغفار وليس العكس , ولا يلزم الدور مع وظيفة الإستغفار كمقدمة للتوبة ومرآة لها.
علم المناسبة
ورد لفظ (ذنوبهم) عشر مرات في القرآن، جاء أغلبها في الوعيد للكفار وبيان ما نزل بهم من العذاب بسبب إصرارهم على المعصية، وإقامتهم على الذنوب وبقراءة في هذه الآيات العشرة تتجلى حقيقة وهي إختصاص المسلمين بالإستغفار.
ليكون الإستغفار نعمة وثروة إكتسبها المسلمون بالتصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، خصوصاً وأن الإستغفار من رشحات علم الغيب لدلالته على الإقرار بعالم الحساب والجزاء، فالذي يلجأ إلى الإستغفار عن الذنوب يعلم بأن الله عز وجل أحصاها ويحاسب عليها، وقد جاءت آيتان في بداية سورة البقرة بياناً لخصال للمتقين بالإضافة إلى آيات البحث بقوله تعالى[وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ]( )، وتكرر الإنفاق في سبيل الله في المقامين بالإضافة لورود الصلاة في أول سورة البقرة ومجئ ذكر الله في آية البحث .
وبين الذكر والصلاة عموم وخصوص مطلق، فالذكر أعم، ولكنه لا يتقوم إلا بالصلاة كواجب عبادي يومي، ومعراج المؤمن، وعن جابر بن عبد الله عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال : مفتاح الجنة الصلاة( )،
وتتضمن آية البحث التي تذكر المتقين الثناء عليهم والوعد الكريم بحسن المآب، وهي خالية من الوعيد والإنذار والتخويف.
ولم يرد لفظ (لذنوبهم) في القرآن إلا في آية البحث وفي إكرام المسلمين، وبيان المائز بينهم وبين الأمم السالفة من الكفار للدلالة على التبدل النوعي ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وإنذار الذين يصرون على الجحود والكفر، قال تعالى[فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ] ( )، وفيه وعيد للذين يعرضون عن حكم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الخصومات والحقوق، لأن هذا الحكم فرع الوحي لعمومات قوله تعالى [وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى]( ).
وتتجلى في الآية أعلاه من سورة النجم العقوبة العاجلة للذين يريدون حكماً غير الذي حكم به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتأتي العقوبة على جزء من الذنوب لكثرة وفداحة ذنوبهم، وتحقق مصداق هذا الإنذار بقصة بني قينقاع وبني النضير.
وهل ينحصر موضوع الآية أعلاه بآيات التنزيل والأشخاص والجماعات الذين أعرضوا عن حكمه , الجواب لا، لبقاء حكم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسنته القولية والفعلية إلى يوم القيامة بفضل من الله عز وجل ليتخذها المسلمون قوانين كلية في العبادات والمعاملات والأحكام , وفيها بيان وترجمان لآيات القرآن وهو الذي يدل عليه قوله تعالى قبل آيتين [وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ]( ).
وجاء القرآن في الوعيد للكفار بالإخبار عن تدوين الملائكة لذنوبهم، قولاً وفعلاً، قال تعالى[قُلْ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ]( )، أي الملائكة الحفظة الكرام يكتبون معاصي الكفار وإضرارهم بأنفسهم والناس، ولم يأت القرآن بإخبار المسلمين عن كتابة ذنوبهم ومعاصيهم، بل جاء بالوعد الكريم لهم بالعفو والمغفرة، ومنه آية البحث التي تدل في مفهومها على عدم كتابة الملائكة لذنوب المسلمين الذين يبادرون إلى ذكر الله والإستغفار، وما فيه من محو الذنوب والخطايا سواء قبل أن يكتبها الملائكة أو بعده، ومصاديق التباين بين المسلمين والكفار أن المسلمين يأتون يوم القيامة وليس من ذنوب ومعاصي كتبها الملائكة عليهم بينما يأتي الكفار ينؤون بالأثقال التي إحتطبوها بالذنوب والمعاصي.
قانون الأسماء الحسنى
جاء القرآن بالأسماء الحسنى لله عز وجل، وفيها من جهة العدد ومفهومه ومناسبة الموضوع والحكم دلالات عقائدية ومادة لإستنباط الأحكام والمسائل الشرعية .
وعن ابن عباس وابن عمر قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أن لله تسعة وتسعين أسماً مائة غير واحدة، ومن أحصاها دخل الجنة)( ).
وبالإسناد عن عن علي بن موسى الرضا، عن أبيه، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: إن لله عزوجل تسعة. وتسعين اسما، من دعا الله بها استجاب له، ومن أحصاها دخل الجنة)( ).
وتتضمن أسماء الله صفات الكمال والجلال التي إختص بها نفسه، وكلها أسماء حسنى تترشح عنها البركة والفيض مع القول بأن الاسم غير المسمى وأن واجب الوجود ليس مركباً، وهو واحد متحد وأسماؤه متعددة كثيرة، وفي التنزيل[وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا] ( ).
وأخرج الترمذي وابن حبان والبيهقي عن أبي هريرة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن لله تسعة وتسعين إسماً مائة إلا واحداً ، من أحصاها دخل الجنة ، إنه وتر يحب الوتر ، هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم ، الملك ، القدوس ، السلام ، المؤمن ، المهيمن ، العزيز ، الجبار ، المتكبر ، الخالق ، البارىء ، المصور ، الغفّار ، القهّار ، الوهّاب ، الرزّاق ، الفتّاح ، العليم ، القابض ، الباسط ، الخافض ، الرافع، المعز ، المذل ، السميع ، البصير ، الحكم ، العدل ، اللطيف ، الخبير ، الحليم، العظيم ، الغفور ، الشكور ، العلي ، الكبير ، الحفيظ ، المقيت ، الحسيب ، الجليل ، الكريم ، الرقيب ، المجيب ، الواسع ، الحكيم ، الودود، المجيد ، الباعث ، الشهيد ، الحق ، الوكيل ، القوي ، المتين ، الولي ، الحميد، المحصي ، المبدىء ، المعيد ، المحيي ، المميت ، الحي ، القيوم ، الواجد ، الماجد ، الواحد ، الأحد ، الصمد ، القادر ، المقتدر ، المقدم ، المؤخر ، الأول ، الآخر ، الظاهر ، الباطن ، البر ، التوّاب ، المنتقم ، العفو، الرؤوف ، مالك ، الملك ، ذو الجلال والإِكرام ، الوالي ، المتعال ، المقسط، الجامع ، الغني ، المغني ، المانع ، الضار ، النافع ، النور ، الهادي ، البديع، الباقي ، الوارث ، الرشيد ، الصبور)( ).
وأخرج أبو نعيم عن محمد بن جعفر قال:سألت أبي جعفر الصادق عليه السلام عن الأسماء والتسعة والتسعين التي من أحصاهادخل الجنة قال:هي في القرآن ففي الفاتحة خمسة أسماء . يا ألله ، يا رب ، يا رحمن ، يا رحيم، يا مالك.
وفي البقرة ثلاثة وثلاثون إسماً : يا محيط ، يا قدير ، يا عليم ، يا حكيم ، يا علي ، يا عظيم ، يا تواب ، يا بصير ، يا ولي ، يا واسع ، يا كافي ، يا رؤوف ، يا بديع ، يا شاكر ، يا واحد ، يا سميع ، يا قابض ، يا باسط ، يا حي ، يا قيوم ، يا غني ، يا حميد ، يا غفور ، يا حليم ، يا إله ، يا قريب ، يا مجيب ، يا عزيز ، يا نصير ، يا قوي ، يا شديد ، يا سريع ، يا خبير . وفي آل عمران : يا وهَّاب ، يا قائم ، يا صادق ، يا باعث ، يا منعم ، يا متفضل.
وفي النساء : يا رقيب ، يا حسيب ، يا شهيد ، يا مقيت ، يا وكيل ، يا علي ، يا كبير.
وفي الأنعام : يا فاطر ، يا قاهر ، يا لطيف ، يا برهان . وفي الأعراف : يا محيي ، يا مميت . وفي الأنفال : يا نعم المولى ، يا نعم النصير . وفي هود : يا حفيظ ، يا مجيد ، يا ودود ، يا فعال لما يريد . وفي الرعد : يا كبير ، يا متعال.
وفي إبراهيم : يا منَّان ، يا وارث . وفي الحجر : يا خلاق . وفي مريم : يا فرد . وفي طه : يا غفّار . وفي قد أفلح : يا كريم . وفي النور : يا حق ، يا مبين . وفي الفرقان : يا هادي . وفي سبأ : يا فتَّاح . وفي الزمر : يا عالم . وفي غافر : يا غافر ، يا قابل التوبة ، يا ذا الطول ، يا رفيع.
وفي الذاريات : يا رزاق ، يا ذا القوة ، يا متين . وفي الطور : يا بر . وفي اقتربت : يا مليك ، يا مقتدر . وفي الرحمن : يا ذا الجلال والإِكرام ، يا رب المشرقين ، يا رب المغربين ، يا باقي ، يا مهيمن.
وفي الحديد : يا أول ، يا آخر ، يا ظاهر ، يا باطن .
وفي الحشر : يا ملك ، يا قدوس ، يا سلام ، يا مؤمن ، يا مهيمن ، يا عزيز ، يا جبار ، يا متكبر ، يا خالق ، يا بارىء ، يا مصوّر.
وفي البروج : يا مبدىء ، يا معيد . وفي الفجر : يا وتر . وفي الإِخلاص: يا أحد ، يا صمد)( ).
ولكن المذكور في الرواية نحو مائة وأثني عشر إسماً ، وتفيد الأخبار أن أسماء الله عز وجل أكثر من مائة كما تدل عليه بعض النصوص، منه الحديث الوارد بالإسناد عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: مَا قَالَ عَبْدٌ قَطُّ ، إذَا أَصَابَهُ هَمٌّ أَوْ حُزْنُ : اللَّهُمَّ ، إني عَبْدُكَ وابن عَبْدِكَ وابن أَمَتِكَ ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسم هُوَ لَكَ؛ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ أنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ أَوِ استأثرت بهِ في عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ ، أَنْ تَجْعَلَ القُرْآنَ العَظِيمَ رَبِيعَ قَلْبِي ، وَنُورَ صَدْرِي ، وَجَلاَءَ حُزْنِي ، وَذَهَابَ هَمِّي ، إلاَّ أذْهَبَ اللَّهُ غَمَّه وَأبدَلَه مكَانَ حُزْنِهِ فَرَحَاً ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ : يَنْبَغي لَنَا أَنْ نَتَعَلَّمَ هَذِهِ الكَلِمَاتِ؟ قَالَ : أَجَلْ ، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهُنَّ أنْ يَتَعَلَّمَهُنَّ)( ).
وذكر ابن عربي أن بعضهم جمع من الكتاب والسنة من أسماء الله ألف اسم) ولم يثبت هذا القول عن ابن عربي، وذكر منها، متم نوره،خير
الوارثين،خير الماكرين،رابع ثلاثة، سادس خمسة، الطيب، المعلم.
وقيل بسماجة عدّ نحو رابع ثلاثة، وسادس خمسة من أسماء الله، لأنها وردت في القرآن من المجاز الواضح، ولا يجب الوقوف عند صورة ظاهرة من اللفظ.
ولكن ذكرها من الأسماء الحسنى جاء على نحو الإضافة للأسماء الواردة في النص التي هي تسعة وتسعون أسماً، بعد حصرها وإحصائها، وهو تحقيق حسن، مقتبس من القرآن، وكل لفظ فيه حجة وبرهان، وفيه تذكير بقانون ثابت وهو أن الله عز وجل مع المتجدد والمتعدد من الناس يحصي أعمالهم، وأن إحصاء أسمائه تعالى باب لنزول رحمته.
ولم يذكر القرطبي مسألة ألف أسم، وهو من تلامذة ابن عربي، في كتاب أحكام القرآن قال: فانتهت إلى ستة وأربعين ومائة) ( ).
وليس من قاعدة كلية لمفهوم العدد، إنما يعرف التحديد والحصر بذات العدد من القرائن المقالية والمالية كما سيأتي في عقوبة الزنا فلا يجوز التعدي في عدد الجلدات أو إنقاصها لأنها حكم( ) سماوي , وقد يأتي العدد للإشارة للكثرة والتعجيز والمثال وعظيم قدرة الله، كما في قوله تعالى[وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ]( )، فلو زاد على السبعة كان ذات الحكم , ولكن السبعة عنوان الكثرة، وتكفي للتحدي والإعجاز.
وحصر الأسماء الحسنى بتسعة وتسعين للبيان، والتخفيف عن المسلمين والإنتفاع من هذا العلم , ولتداخل بعض الأسماء غير المذكورة مع ما ذكر منها، ولفوز المسلمين بالثواب وهو من عمومات قوله تعالى[إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ]( ).
وورد في التنزيل[وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا] ( )، لتأكيد تبيان القرآن لكل شئ , وأختلف في معنى الإحصاء على وجوه:
الأول: الإحصاء القولي , وعدّ وجمع الأسماء .
الثاني: حفظها عن ظهر قلب.
الثالث: حفظها من التحريف والتبديل.
الرابع: التحلي بمعانيها من الخلق الحميد كالعفو والحلم والرحمة مع الناس، والخشية من الله عز وجل كما في اسم القاهر، الجبار، القوي , قال تعالى[أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا]( )، والتضرع إلى الله عز وجل بالمسألة والحاجة كالرزق والعافية، وهو من مصاديق قوله تعالى[فَادْعُوهُ بِهَا]( ).
الخامس: آمن بها وعمل بها.
والقدر المتيقن من معنى الإحصاء هو الأول، وأحصى الشئ:أحاط به، وفي التنزيل[وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا]( )، ويقال: بنو فلان عديد الحصى، إذ كانوا لا يحصون كثرة كما لا يحصى الحصى( ).
وبين الإحصاء والحفظ عموم وخصوص مطلق فكل حفظ هو إحصاء وليس العكس.
ولا يشترط في الإحصاء الحفظ عن ظهر قلب، ويكفي العد بالتدوين، والتلقين، والإعادة خلف الغير سواء كان شخصاً أو وسائط حاكية مقروءة أو مسموعة، وفي عدّ الأسماء الحسنى وإستحضارها في الوجود الذهني مصداق للوجوه المتقدمة، وفيه مسائل:
الأولى: إنه نوع إقرار وتسليم بالربوبية المطلقة لله عز وجل وأنه سبحانه[عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ]( ).
الثانية: الإيمان بالله عز وجل والتصديق بأسمائه وصفاته الحسنى.
الثالثة: تعاهد الأسماء الحسنى،و حفظها من التحريف والتبديل.
الرابعة: بعث السكينة في نفوس المسلمين عند ذكر الأسماء، قال تعالى[أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ]( ).
وهل تختص الطمأنينة بذكر اسم الجلالة على نحو التعيين، أم أنها تتحقق بذكر أي اسم من الأسماء الحسنى، الجواب هو الثاني.
الخامسة: إحصاء الأسماء الحسنى تفقه في الدين، وإرتقاء في المعارف الإلهية.
السادسة: الأسماء الحسنى مدرسة عقائدية ونعمة تستلزم الشكر لله، ومن مصاديقه إحصاؤها، وكل اسم منها علم مستقل قائم بذاته، وكذا تتغشى موضوعاته الحياة الدنيا والآخرة، وتستقرأ منه المسائل الفقهية والأخلاقية والإجتماعية وغيرها.
السابعة: إحصاء الأسماء الحسنى علم إختص الله عز وجل به المسلمين، وهو من عمومات قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( )، وذكر في أسباب نزول قوله تعالى[وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ] ( ).
أن أبَا جهلٍ سمع بعْضَ أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم يقرأ، فيذكُر اللَّه تعالَى في قراءته، وَمَرَّةَ يَذْكُر الرحمن، ونَحْوَ ذلك، فقال: محمَّدٌ يَزعم أنَّ إلإله واحِدٌ، وهو إِنما يعبدُ آلهةً كثيرةً)( ).
لبيان أن الله عز وجل واحد لا شريك له، وله أسماء كثيرة كلها حسنى مباركة وتدل على عظيم سلطانه وسعة رحمته ومن أسماء الله عز وجل ما يتعلق بالمغفرة ومحو الذنوب.
ومن مصاديق البيان في القرآن لزوم الإعراض عن الذين يتعدون أو يفرطون في باب الأسماء الحسنى لله عز وجل، قال تعالى[وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ]( )، أي إعرضوا عن قولهم وإفترائهم، وإتركوا جدالهم.
وأصل الإلحاد الميل عن القصد، أي أن المشركين مالوا بأسماء الله وأطلقوا معانيها على أوثانهم، ويصفون الله تعالى بما لا يليق بمقام الربوبية المطلقة.
وقال أهل المعاني: الإلحاد في أسماء الله تعالى يسميه بما لم يسمع به ولا ينطق به كتاب ولا دعا إليه رسول) ( ).
ولا دليل على هذا المعنى، وهو من التشديد، خصوصاً وأن الآية جاءت بصيغة الذم وأن الإعراض لم ينحصر بخصوص المقالة الباطلة في الميل عن أسماء الله، بل جاء مطلقاً عن ذات الذين يميلون بأسماء الله عز وجل عن الحق لدلالة الميل في أسماء الله على خبث السريرة، وفساد العقيدة وإخفاء العداوة للمسلمين، قال تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً]( ).
وجاءت الآية في ذم المشركين، وعن ابن عباس أنهم اشتقوا اللات من الله، والعزّى من العزيز، ومنات من المنَان)( ).
وقال الزمخشري وذلك أن يسموه بما لا يجوز عليه، كما سمعنا البدو( ) يقولون: يا أبا المكارم، يا أبين الوجه، يا نخي، أو أن يأبوا تسميته ببعض أسمائه الحسنى، نحو أن يقولوا: يا الله ولا تقولوا يا رحمن( ).
وصحيح أن لا يجوز تسمية الله عز وجل يا أبا المكارم، يا أبيض الوجه ونحوه، ولكن مثل هذه التسميات أجنبية عن الآية موضوعاً وحكماً، إذ جاءت الآية خطاباً للمسلمين يتضمن تحذيرهم من المشركين والكفار، كما أنها منطوقاً ومفهوماً توبيخ وإنذار للمشركين، وفي قوله تعالى[وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ] ( )، قال ابن عباس:يكذبون، وقال قتادة، يشركون( ).
أما ما نسبه الزمخشري إلى البدو من المؤمنين وتسميتهم لله عز وجل ابا المكارم، فيحتاج إلى بينة ودليل، وعلى فرض صدوره من أفراد منهم فانه لايجوز، وكذا لا يجوز نسبته إلى البدو وهم طائفة من المسلمين العرب( )، وليس له مصداق في هذا الزمان ولكن مصاديق الآية القرآنية باقية إلى يوم القيامة، وأطرافها هي:
الأول: المؤمنون المأمورون بالإعراض عن الذين يميلون بأسماء الله عن الحق والعدل.
الثاني: المشركون والكفار الذي يلحدون بأسماء الله عتواً وجهالة وإصراراً على الكفر.
الثالث: الميل في أسماء الله، وتملي الآية على المسلمين تعاهد أسماء الله عز وجل، وتفضح الكفار ومكرهم وجاء لفظ يلحدون مرة أخرى في القرآن بقوله تعالى[إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا]( )، أي يجحدون بالدلائل الكونية وآيات التوحيد، وصفات الله وأسمائه الحسنى ويكذبون ويطعنون بالآيات، ومنها آيات القرآن ومعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وليس من موضوع وردت فيه أسماء حسنى لله مثل المغفرة , ومنها مضامين آية البحث، فاسم الجلالة هو أم الأسماء الحسنى، ومن الآيات أنه ذكر في آية البحث مرتين وهما:
الأولى: خاصة وهي ذكر المسلمين والمسلمات بقوله تعالى[ذَكَرُوا اللَّهَ] لتشمل صيغة العموم في الآية وجوهاً.
الأول: العموم الإستغراقي لكل المسلمين في أجيالهم المتعاقبة إذ يحمل المسلمون لواء الذكر إلى يوم القيامة، وهو من مصاديق شكر المسلمين لله عز وجل على نعمة الخلق والهداية , قال تعالى[وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ]( ).
الثاني: العموم المجموعي للمسلمين باجتماعهم وإشتراكهم كافة بذكر الله وهل ذكر المسلمين لله عز وجل وتلاوتهم للقرآن في صلاة الجماعة من عمومات ذكرهم لله عقب فعل الفاحشة أو ظلم النفس , الجواب نعم، وهو من فضل الله عز وجل في جعل أداء العبادات كفارة للذنوب.
الثالث: الذكر الفردي، وقيام كل مسلم بذكر الله عز وجل على نحو الإستقلال والإتحاد مع غيره من المسلمين، ويتجلى الإشتراك في الذكر في العبادات مطلقاً، وفي الحج وأداء وفد الحاج التلبية بصوت جهوري واحد يظهر ويؤكد صبغة الخشوع التي تتصفه بها الأكوان، ليكون الحج مناسبة لذكر اله وغفران الذنوب.
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه) ( )، واسم الرحيم يدل على المغفرة أيضاَ فمن أبهى مصاديق الرحمة محو الذنوب والسيئات، وكذا اسم الرحمن.
ويدل اسم الملك على المغفرة لأن الأمور كلها بيده تعالى فهو الذي يحاسب عليها، والذي يتفضل بترك الحساب عن السيئات، وبمضاعفة الحسنات , ومن آيات الربوبية ومعاني الرحمة الإلهية أن أهل الأرض جميعاً يعلمون أن الله هو الغفور والغفار والعفو , وهو من أسرار الإمهال والرزق الكريم, قال تعالى[وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا]( ).
بحث بلاغي
الإنشاء هو الكلام الذي يتحقق مدلوله عند النطق به كالأمر والنهي، والدعاء والسؤال , والمدح والذم، وإبرام العقود كقول الزوجة أنكحتك نفسي، أو في البيوع: بعتك ونحوه مما يتوقف على القبول.
وتقسيم الكلام إلى إنشاء وإخبار تقسيم إستقرائي , وليس من فاصلة قاطعة تدل على الضدية والتنافر والتباين بينهما، للتداخل والتشابه أحياناً في المصداق، وقد يستعمل الإنشاء في معنى الخبر وبالعكس، وإختلف في التعجب هل هو من أفراد الخبر أم الإنشاء .
والمشهور والمختار أنه من جنس الخبر لأنه بيان وإخبار عن حال التعجب في النفس، والذين ذهبوا إلى القول بأنه إنشاء نظروا إلى جهة تعظيم موضوع التعجب في النفس
والإنشاء على قسمين :
الأول : الإنشاء الطلبي سواء كان المطلوب حاصلاَ ومتحققاَ, أو ممتنعاَ.
ومنه الأمر والنهي، والتحذير، النداء، الدعاء، الإستفهام، ومنه التمني الذي ليس له حد في عالم الإمكان ومحل التمني الوجود الذهني , ويتقوم بطلب أمر محبوب مع الظن ورجحان إستحالة تحققه، وبينه وبين الإمكان عموم وخصوص مطلق, ولفظ التمني هو ليت.
وقد وردت مادة (ليت)في القرآن ثلاث عشرة مرة , يتعلق أكثرها في حال الكفار يوم القيامة وتمنيهم فعل الصالحات في الحياة الدنيا , والإبتعاد عن أسباب العذاب في نار جهنم.
نعم ورد في قوله تعالى في صاحب يس[قِيلَ ادْخُلْ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ]( ) ، ومنه الترجي وهو طلب أمر محبوب ومرغوب فيه ويتوقع تحققه والظفر به ويأتي الترجي بكلمة (لعل) و(عسى) .
وبين التمني والترجي عموم وخصوص مطلق، فكل تمني هو ترجي وليس العكس.
الثاني : الإنشاء غير الطلبي، وهو إنشاء أمر أو صيغة أو عقد، والعفو والوصية، والإيقاع كالوقف والطلاق والتلبية في الحج، ومنه المدح والذم , وإجراء القسم.
وتمني صاحب يس من الإنشاء الطلبي , إذ أراد لقومه العلم بالثواب العظيم الذي فاز به , فتفضل الله وأخبر المسلمين بهذه الآيات عن الجنة وأن عرضها وحده يسع السماوات والأرض مع بقاء طولها ممدوداَ متسعاَ، والطول أكثر من العرض .
ولم تذكر آيات القرآن طول الجنةمع أنه البعد الأطول من العرض , لبيان اللامتناهي في سعة الجنة , فحتى لو إكتشف العلم الحديث الكواكب والأفلاك فأنهم يعجزون عن الإحاطة بمعشار سعة الجنة , لتكون النعم على المسلمين في المقام أكثر من الذي تمناه حبيب النجار لقومه, وليس لنفسه , رجاء هدايتهم , بينما جعل الله عز وجل هذا العلم عند المسلمين ذكوراَ وأناثاَ وعلى نحو العموم الإستغراقي .
وهل المسلمون من ذراري قوم حبيب النجار الذين تمنى لهم العلم بما رزقه الله من المنزلة العظيمة ودخول الجنة الواسعة.
الجواب : نعم من المسلمين من ذراريهم ويصدق عليهم أنهم من قومه, وصارت مدينته إنطاكية وأهلها مسلمين , وترى القرآن يخاطب الذراري بما فعل الآباء قال تعالى [وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمْ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ] ( ) , .
فمع تقدم وإنقضاء زمان موسى وفرعون جاء الخطاب لبني إسرائيل المعاصرين لنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونزول القرآن, وفيه نكتة وهي لولا تلك النجاة بفضل الله لما بقيت ذراري بني إسرائيل إلى أيام نزول القرآن .
وتحقق مصداق متعدد ومتعاقب لأمنية حبيب النجار , خاصة وأنه جاءهم من مدينته , ودعاهم للتصديق بالرسل الذين بعثهم عيسى عليه السلام إلى المدينة ولم يكتف بالدعوة بل أعلن إيمانه ودعاهم للإسلام ,كما ورد في التنزيل[إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ]( ).
وفيه آية في البلاغة أن ذات التمني قد يكون رجاء وأمراً واقعاً في زمان آخر، فيدعو النبي الله عز وجل ويتحقق مصداق دعائه ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , فقد ورد في التنزيل حكاية عن إبراهيم[رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ]( )، ويرجو حبيب النجار صيرورة أمنيته حقيقة وواقعاً في الحياة الدنيا , ومعلماً متصلاً بيوم القيامة لقانون ثابت وهو بقاء أحكام الشريعة الإسلامية , وعمل ملايين المؤمنين بها , وهم في إزدياد مطرد , وتعلم أجيال المسلمين من آيات القرآن المنزلة العظيمة التي فاز بها هذا المؤمن.
وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (سبّاق الأُمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين : علي بن أبي طالب، وصاحب آل يس، ومؤمن آل فرعون، فهم الصديقون وعلي أفضلهم)( ).
قالوا : فلما قُتل حبيب غضب الله له وعجّل لهم النقمة، فأمر جبرئيل عليه السلام فصاح بهم صيحة ماتوا عن آخرهم)( ).
ومن الإعجاز في القرآن أنه أخبر بالنص الجلي عن كتم مؤمن آل فرعون إيمانه ( ) وهو متقدم في زمانه على حبيب النجار الذي أعلن إسلامه ولقى الشهادة ,أما الإمام علي عليه السلام فإنه أظهر إيمانه وبات في فراش وتولى الخلافة الراشدة بفضل الله على المسلمين .
ليدل الحديث أعلاه على إستقرار الإيمان في الأرض وإنحسار الكفر ومفاهيم الشرك والضلالة ببركة بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم, ولم تمر الأيام حتى آمن قوم النبي , وهم أهل مكة ليكون تمني الفرد من مؤمني الأمم السابقة حقيقة وواقعاَ ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وأن صبغة التمني لذات الموضوع الذي يريده المؤمن لا تستمر , ليكون من مصاديق النماء في الكيف لرغائب المؤمنين التي تصبح في تعاقب الأيام وإشراقة نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بلغة للإرتقاء العقائدي وإنجذاب الناس للإسلام .
وتبعث آية البحث المسلمين إلى الذكر والإستغفار ليكون الأثر المترتب عليه فوزاَ بنعمة العفو والمغفرة , وهو من المائز بين المؤمنين والكفار ,فأوان تمني الكفار هو عالم الآخرة برجاء العودة إلى الدنيا , وفي التنزيل (قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا) ( ) أما المؤمنون فإنهم يفوزون بأسباب الرجاء والفوز في الدنيا , وينقطعون في الآخرة إلى الشكر لله , قال سبحانه[وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ]( ).
وصحيح أن التمني يتم على ما يجوز وما لا يجوز , ولكن تمني حبيب النجار تحقق واقعاَ ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلم قومه بما رزقه الله عز وجل من اللبث الدائم في الجنة,وهو من عمومات قوله (فَاقْصُصْ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) ( ) .
وفيه نكتة وهي من كرامة المؤمن عند الله أنه يجعل المستحيل من أمانيه ينبض بالحياة, وفيه توبيخ حاضر للكفار , ولتنتفع الأمم من إيمان حبيب النجار لما ورد في القرآن من ذكره والثناء عليه , ويكون أسوة وفرطاَ سابقاَ للمؤمنين الذين يفزعون إلى الذكر والإستغفار عنفعل فاحشة أو ظلمهم لأنفسهم .
ومن الشواهد والمصاديق الخارجية في المقام على كون المسلمين[خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( )، أمور:
الأول: علم المسلمين بما رزق الله عز وجل صاحب يس حبيب النجار.
الثاني: هداية المسلمين إلى الفوز بالمنزلة التي رزقها الله عز وجل لصاحب يس بلجوئهم إلى الذكر والإستغفار.
الثالث: نيل المسلمين مراتب الشهداء من الأمم السابقة بالتقوى والصلاح.
الرابع: كأن آية البحث من التحديث للمسلمين، لما فيها من كنوز العفو المغفرة، لتتدلى مفاتيح الرحمة , وتكون قريبة وحاضرة عند كل مسلم ومسلمة.
قوله تعالى[وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ]
الآية قانون كلي يتغشى الحياة الدنيا وعالم البرزخ وعرصات يوم القيامة , تفضل الله عز وجل بإخبار الناس عنه بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو من عمومات قوله تعالى[وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( )، فإن قلت كل الأنبياء جاءوا بهذا القانون , والجواب هذا صحيح , وفيه وجوه :
الأول : إنما بعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مصدقاً للأنبياء السابقين.
الثاني : مجيء الأنبياء على نحو التعاقب بهذا القانون رحمة من عند الله بالناس وحجة عليهم.
الثالث : بعثة كل نبي رحمة بالناس، ودعوة لهم للتصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم التي جاءت رحمة بالعالمين جميعاً، وفيها تأكيد وتثبيت لمعاني الرحمة في النبوات السابقة.
وجاءت آية البحث لتصديق النبوات السابقة , وإمضاء جهاد الأنبياء في دعوة أممهم للتوبة والإنابة والإتعاظ منه , قال تعالى[وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ]( ).
الرابع : مع مجيء الأنبياء ونزول الكتب السماوية بسنن التوحيد أصرت بعض الأمم للشرك والغلو بالأنبياء والصالحين وعبادة الأوثان، فجاءت نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لإنقاذهم , ومنع إتساع دائرة الشرك والضلالة .
وآية البحث مدرسة في الإنقاذ والصلاح لأهل الأرض , فصحيح أنها خاصة بالمتقين إلا أن التقوى قريبة من الناس جميعاً، تدعوهم بكرة وعشياً لها الآيات الكونية , وسبل الترغيب والترهيب في التنزيل، وجاءت آية البحث ترغيباً محضاَ خالياً من الوعيد والتخويف إلا في مفهومها.
الخامس : الآية أعلاه إنحلالية في موضوعها فكل آية من القرآن رحمة بالعالمين وعلى نحو المتعدد في الحال والمحل , وكل آية تتضمن وجوهاَ غير متناهية من الرحمة بلحاظ تغشي نفعها للأجيال المتعاقبة من الناس عامة والمسلمين خاصة , ومنها آية البحث إذ تعجز الخلائق عن إحصاء منافعها في الدنيا.
أما في الآخرة فان الأذهان وعالم التصور لا يحيطان بفضلها وبركاتها الأمر الذي يستلزم الشكر لله على نعمة آية البحث التي تبعث الطمأنينة في نفس المسلم والمسلمة وتجذبهما إلى الذكر والإستغفار وكل فرد منهما رحمة إضافية متجددة.
السادس : تتصف نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن النبوات السابقة من جهات:
الأولى: نزول القرآن جامعاً للأحكام.
الثانية: سلامة القرآن من التحريف والتبديل والتغيير، فما بين الدفتين هو الذي أنزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالثة: بقاء وثبات أحكام الشريعة الإسلامية إلى يوم القيامة.
الرابعة: تعاهد أمة محمد لسنن الأنبياء، وحفظ مواثيقهم، والتفقه في قصصهم وما لاقوه من الأذى في جنب الله، وكثير من الأنبياء لم تعرفهم الأجيال إلا بواسطة القرآن والمسلمين.
لقد إنتقم الله عز وجل من الطواغيت والأقوام التي عتت وإستكبرت كما في قوم نوح وقوم صالح , وفرعون ونمرود اللذين إدعا كل واحد منهما الربوبية، وفي التنزيل[وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي]( ) , فلم يردوا قوله مع تجلي البينات الباهرات بحضرتهم على يد موسى عليه السلام , فهلكوا مع فرعون في البحر الأحمر لتقريرهم لقوله وإتباعه في جحوده وإستكباره , والخروج معه لقتال موسى وبني إسرائيل.
ومن إعجاز القرآن أن أكثر الأسماء وردت فيه اسم (موسى)، إذ جاء ستاً وثلاثين ومائة مرة، وورد اسم فرعون أربعاً وسبعين مرة، وفيه بلحاظ آية البحث مسائل:
الأولى: تأكيد إكرام الله عز وجل لبني إسرائيل , قال تعالى لهم[وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ] ( ).
الثانية: تجلي مصداق تفضيل بني إسرائيل بعد بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بلزوم دخول الإسلام، والإقرار بنزول القرآن من عند الله، ليصير هذا التفضيل من أفراد قوله تعالى للمسلمين [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( )، إذ أن القرآن خال من التعارض وأسباب التزاحم، فلابد من الجمع بين التفضيل السابق لبني إسرائيل على أهل زمانهم , وأفضلية المسلمين اللاحقة بلحاظ أن رسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم للناس جميعاَ، وشريعته ناسخة للشرائع السابقة، فإنقطع بنزول الآية أعلاه كل تفضيل إلا ما دخل في (خير أمة) التي إنفردت بخصوصية وهي خروجها للناس بشعائر الله، وليس التفضيل الذاتي وحده.
وعند دخول بني إسرائيل الإسلام، فهل يبقى تفضيلهم أم ينسخ، الجواب إنه باق، ويشاركون فيه المؤمنين من غير أن تنقص هذه المشاركة من مقامات التفضيل شيئاً.
الثالثة: ترغيب بني إسرائيل والناس جميعاً بالإسلام.
الرابعة: تأكيد بيان القرآن لأحوال الأمم السابقة على نحو التفصيل الإجمالي الذي يطرد الغفلة، ويمنع من التحريف في قصص الأنبياء.
الخامسة: تأكيد إعجاز القرآن في إخباره عن الغيب وتأريخ الأمم السالفة.
السادسة: بيان خلو القرآن من الإختلاف في آياته وإن كان ذكر ذات القصة في مواضع وصيغ عديدة في القرآن.
السابعة: بعث الشوق في النفوس لتلاوة الآيات التي تذكر أخبار الأمم، والإصغاء لها.
الثامنة:بيان حقيقة وهي الإستغناء بالقرآن وقصصه عن الكتب التي طالتها يد التحريف والتبديل، ومنع طرو التحريف المستحدث عليها.
التاسعة: بعث المسلمين إلى ذكر الله والإستغفار، وفيهما نجاة من آثار الذنوب، ومن تولي الظالمين وقهر الطواغيت.
التاسعة: من رحمة الله بالناس بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونزول القرآن إنقطاع إدعاء الربوبية من الحكام الظالمين وإمتناع الناس عن الغلو بالأنبياء والصالحين .
وكان القبط قوماً مشركين يعبدون الكواكب والأصنام وجعلوا لها صوراً وقيل أعظم أصنامهم (فتاح) ويعبد بمدينة (مَنفيس) وهي عاصمة الفراعنة إذ كانت مصر تنقسم إلى مصر العليا وتعرف اليوم بالصعيد، وهي الجنوبية ومركزها طيوه، ومصر السفلى أي الشمالية، وعاصمتها مَنفيس وتغلب عليها العمالقة من الساميين من أبناء عم ثمود نحو سنة 1900ق.م وقيل غير هذا التأريخ , ويطلق عليهم في تأريخ مصر الرعاة الرحالين الهكصوص .
وقد بنى العمالقة البيت الحرام، ولما إنهدم بنته جرهم، وبنى إبراهيم وإسماعيل البيت الحرام (ثم انهدم فبنته جرهم ، ثم انهدم فبنته قريش ، فلما أرادوا أن يضعوا الحجر تشاحنوا في وضعه فقالوا : أول من يخرج من هذا الباب فهو يضعه ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل باب بني شيبة ، فأمر بثوب فبسط ، فأخذ الحجر فوضعه في وسطه ، وأمر من كل فخذ من أفخاذ قريش رجلاً يأخذ بناحية الثوب فرفعوه ، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده فوضعه في موضعه)( )، وقيل في أيام العمالقة كانت نبوة يوسف عليهم السلام وجرت وقائع قصته.
وسورة يوسف هي السورة الوحيدة في القرآن التي جاءت بخصوص قصة أحد الأنبياء مع أن عدد آياتها هو مائة وإحدى عشرة آية وهو عدد غير قليل.
وكان يُنظر إلى فرعون بأنه ابن الآلهة، مثل إله الشمس وإله الموت وإله الحكمة، وهو القيم على الدين، وطاعته طاعة للآلهة والأصنام، لذا توعد موسى وبني إسرائيل بالإستئصال , وفي التنزيل[يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ]( ).
وكانت بداية إقامة بني إسرائيل في مصر من أيام يوسف عليه السلام, وتوليه إدارة شؤون الحكم في مصر السفلى، وكانت سيرتهم حسنة ولم يؤذوا الفراعنة والأقباط إلا أنهم تعاهدوا ديانة التوحيد، ولم يعبدوا آلهة المصريين، ولم يسلموا بإلوهية فرعون بعد تغلب المصريين على حكم العمالقة وإخراجهم من مصر زمان العائلة التاسعة عشرة منهم وبعد وقوع معارك عديدة ، وساء ظن الأقباط بالإسرائيلين ، وأخذوا يكلفونهم بالأعمال الشاقة ، ويسخرونهم للخدمة في الزراعات والبناء , وفي سبب غضب فرعون على العبرانيين، وسعيه لإجتثاثهم وجوه :
الأول : خشي فرعون كيد العبرانيين وصيرورتهم أعواناً لأعدائه.
الثاني : إطلع فرعون على مساعدة العبرانيين (لأبناء نسبهم من العمالقة والعرب , فكان يأمر بقتل أبنائهم وسبي نسائهم وتسخير كبارهم) .
الثالث : إخبار الكهنة لفرعون بزوال ملكه على يد فتىً من بني إسرائيل، وكان للرؤيا أيام الفراعنة موضوعية خاصة، فقد أنشأت في مصر أيام الفراعنة مكاتب خاصة في المعابد لتأويل الرؤيا، وذكر أنه أكتشفت إحدى اللوحات (أمام غرفة في أحد هذه المعابد تعود إلى سنة 3000 ق.م. أو نحوه مكتوب فيها (أني أفسر الأحلام ولدي إذن من الآلهة بأن أقوم بذلك حظ سعيد، إن المفسر هو كريتي الأصل).
وعن ورقة محفوظة في متحف القاهرة النص الآتي: إذا ولدت قطة (أي المرأة تحلم بذلك أثناء حملها) فسيكون لها العديد من الأولاد. وإذا ولدت كلباً فسيكون لها ولد. وقالوا بعملية مخططة للرقود كتوطئة للحلم والرؤيا. وكان المفسر يشرف على الزائر في معابد السيرابيم المخصصة للأحلام فيطلب منه أن يأخذ قطعة من الكتان الأبيض وان يكتب عليها أسماء خمسة من أوثانهم. ثم يلفها في فتيلة ويضعها في سراج ويشعل طرفها البارز. ويحدد لـه كلام يكرر سبع مرات ثم يطفىء السراج وينام وإذا لم يأته الحلم وما فيه من إجابة على مسألته فعليه إن يكرر العملية مع زيادة في البذل والجهد، وقد يضطر بعضهم لإرسال وكيل عنه ليحلم نيابة عنه.
وقد ذكروا أن حلماً (لتيموس) 450ق.م. وهو أحد الفراعنة قد نقش على صدر أبي الهول. وقالوا أن لقدماء المصريين ملكاً للأحلام هو (بس) نقشوا صورته على وسائدهم)( ).
وجاء القرآن بفضح عجز الملأ من قوم فرعون وأرباب تفسير الأحلام عن تأويل رؤيا الملك , كما ورد في التنزيل[وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَاي]( )، (وإعترف مقدموهم صاغرين بافتقارهم لقواعد كلية في تفسير الأحلام تساهم في إستنباط منهج موضوعي في التأويل والتعبير , وورد في التنزيل حكاية عنهم [قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ]( )، الأمر الذي يضفي ظلالاً من الشك على ما ذكر من وجود قواعد تنظيم عند الفراعنة في موضوع الرؤيا .
لقد جاء كل نبي بمعجزة تتعلق بزمانه والموضوع الذي يعتني به قومه ليكون حجة عليهم.
وكانت رؤيا الملك في سورة يوسف من بين الآيات الدالة على حاجتهم إلى التوحيد والتبصرة والعلوم الطبيعية والروحية ضمن إطار العبودية الخالصة لله عز وجل)( ).
وهذه الرؤيا إنذار للملك وقومه , وفيه بالدلالة التضمنية الإخبار عن قحط ومجاعة تتغشى الناس على نحو العموم الإستغراقي , وبشارة النجاة منها بلزوم التدبير والإدخار، وكم من مملكة باد أهلها من حبس السماء بركاتها , فتعذر عليهم شراء رغيف الخبز بشبر من تبر .
فكانت المعجزة ليوسف عليه السلام في تفسير رؤيا الملك , وبيان كيفية الخروج بسلام من المجاعة، وقيامه بتولي وتصريف شؤون المملكة، ولم يمتنع يوسف عن تأويل الرؤيا لآل فرعون لأنهم قوم كافرون ، ولم يكتف بذكر شطر من تأويل رؤيا الملك وعلى نحو الموجبة الجزئية.
ولم يشترط لتأويلها إخراجه من السجن خصوصاً وأنه سُجن ظلماً وجوراً، بل فسرها كاملة , وهو من أخلاق النبوة والسخاء مع الناس جميعاً بلسان الرحمة [وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ]( ).
ومن الإعجاز في سورة يوسف وموضوع الرؤيا فيها أنها تجمع بين رؤيا النبي يوسف،ورؤيا الملك، أما رؤيا يوسف فيتجلى صدقها بكونها جزءً من النبوة وبشارات الوحي، وأما رؤيا الملك فهو كافر فكيف تكون رؤياه صادقة .
الجواب من وجوه :
الأول : لقد جعل الله عز وجل الرؤيا رحمة مزجاة منه تعالى، وصلة بينه وبين روح العبد.
الثاني : الرؤيا الصادقة من عمومات رحمة الله في الدنيا للناس جميعاً.
الثالث : من معاني ودلالات الرؤيا أنها إنذار وتخويف، وكم من إنسان إتعظ من رؤياه وتاب إلى الله توبة نصوحاً.
الرابع : إخبار الملك عن رؤياه وإقراره بموضوعيتها، وإظهاره العجز عن تأويلها شاهد على ضعفه وحاجته.
ومن الشواهد في هذا الباب رؤيا كسرى في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وإنبساط دولة الإسلام، ومنام عاتكة عمة النبي قبل إسلامها , ومن قبل رؤيا بختنصر التي فسرها له النبي دانيال بزوال ملكه.
وتفرق الحضارة البابلية والسومرية بين أحلام الملوك , ومن كان في مرتبتهم وقريباً منهم وبين أحلام عامة الناس، وإعتبروا الأولى منها تنبيهاً ورسالة لمنفعة الأمة والتحذير من البلاء.
وأما الثانية فتتعلق بالحاجة الشخصية لصاحب الرؤيا أو أنها من أفعال الشياطين.
وقد وثّق القرآن رؤيا فرعون وما فيها من الإنذار والتحذير، وكأن يوسف على موعد معهم , وأنه محجوز في سجون مصر لغرض تأويل هذه الرؤيا، وما بعدها من الأحداث.
وهل يمكن القول لو كان يوسف طليقاً لغادر مصر ليعود إلى أرض فلسطين ويلتقي بأبيه النبي يعقوب، وأن سجنه كان حاجة ومقدمة لنجاة أهل مصر من المجاعة وتوليه شؤون الحكم، الجواب لا، من وجوه :
الأول : جاءت البشارة بتولي يوسف الحكم وهو ما زال صبياً كما ورد في التنزيل حكاية عنه [إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ]( ), ورؤيا الأنبياء وحي.
الثاني : يوسف عليه السلام نبي لا يفعل إلا ما يأمره الله، فلا يغادر مصر إلا حيث يشاء الله عز وجل.
الثالث : قد أوّل يوسف رؤيا صاحبيه في السجن، ووقعت الأحداث كما أوّلها لهما، ولو كان يوسف عليه السلام خارج السجن لشاع أمره وصلاحه وتأويله الرؤيا, وقصدوه ولو كان بأرض فلسطين.
ومنهم من نسب القول برؤيا فرعون بزوال ملكه على يد فتىً من بني إسرائيل وهو موسى إلى القصاصين، ولكن هذه الرؤيا وتأويلها أمر ممكن وواقع , وهي من رؤيا الإنذار والتحدي لمن أصرّ على الجحود , وفي إخباره الملأ من قومه وأرباب التأويل برؤياه توبيخ وتحذير , ودعوة لهم للإتعاظ , وتأكيد الصلة بين عالم الغيب والواقع اليومي للناس , وهذه الصلة وسط ومادة للإيمان.
فإن قلت جاءت رؤيا الملك أيام يوسف بالإنذار المقترن بسبيل النجاة ، فكيف تأتي رؤيا فرعون موسى بزوال ملكه، وتكون هذه الرؤيا سبباً لعذاب بني إسرائيل , والجواب من وجوه:
الأول : كان فرعون جباراً إدّعى الربوبية، كما ورد في التنزيل حكاية عنه[أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى]( )، فإستحق الإنذار والوعيد بالرؤيا.
الثاني : لم تغلق الرؤيا على فرعون باب التوبة بدليل دعوة موسى وهارون له لدخول الإسلام، ولو آمن بالله والنبوة لبقي في ملكه وعرشه.
الثالث : لقد تمادى فرعون في تعذيب بني إسرائيل لأنهم حافظوا على التوحيد، وتعاهدوا عبادة الله، كما ورد في التنزيل خطاباً من الله لموسى وهارون وبني لإسرائيل بواسطتهما [وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ]( ) .
وعن (الفصل الرابع من سفر الخروج: إن الله أمر موسى أن يخرج ببني إسرائيل إلى البادية ليعملوا عيد الفصح ثلاثة أيام وأن ذلك أولُ ما سأله موسى من فرعون، وأن فرعون منعهم من ذلك، وأن موسى كرر طلب ذلك من فرعون كلّ ذلك يمنعه)( ).
الرابع : إستياء كهنة آل فرعون من بني إسرائيل لأنهم على ديانة التوحيد التي تفضح ضلالتهم وجهالتهم.
قال الشاعر :
ألا كُلُّ شيء مَا خَلا اللهَ باطلُ … وكُلٌّ نَعِيمٍ لا مَحَالةَ زائل( )
الخامس : إدراك فرعون والملأ من قومه إنتشار مفاهيم التوحيد بين الأقباط، وأن بني إسرائيل في عبادتهم الله دعاة صامتون يجذبون الناس إلى الهدى والإيمان، ويدل عليه وقوع الإيمان عند بعض آل فرعون كما ورد في التنزيل[وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ ]( )، وأختلف في أسمه، قيل أسمه حبي، وقيل شمعان، حزقيل، خربيل، حزبيل( ).
فإن قلت كيف يصدق عليه كتمه إيمانه وهو يشهد بأن موسى جاء[بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ] أي أنه يقر ويعترف بمعجزات موسى عليه السلام، وينفي بمفهوم كلامه ربوبية فرعون.
والجواب يتجلى كتمان الإيمان من وجوه :
الأول : أنه لم يجهر بإيمانه قبل هذا الجدال.
الثاني : نعت موسى بأنه رجل[أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً]( ) ولم يقل نبياً رسولاً مع أن موسى قال في إحتجاجه على فرعون[إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ]( ), وكأن هناك ملازمة بين الإيمان والرجولة.
الثالث : عدول مؤمن آل فرعون إلى التورية والتقية ولغة السبر والتقسيم بقوله[وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ]( ).
الرابع : من أظهر مصاديق كتمان الإيمان إخفاؤه بالزمن المتقدم على إحتجاجه , وتقدير الآية: وقال رجل مؤمن من آل فرعون كان يكتم إيمانه).
لقد جاء قوله تعالى في آية البحث [وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ] مطلقاً لضروب الذنوب إلا أن يرد دليل وإستثناء منفصل، كما في قوله تعالى[إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ]( ).
ليكون في الآية خطاب ودعوة للناس جميعاً للتوبة والإنابة، وإجتناب اليأس والقنوط، فمع أن موضوع الآية هو وقوع المؤمنين في الزلة والخطـأ ولجوئهم إلى الإستغفار فقد جاءت الآية بقانون كلي يتغشى الناس جميعاً على نحو العموم الإستغراقي، ويشمل الذنوب على نحو العموم المجموعي، إذ تأتي المغفرة والعفو على الذنوب كلها.
وتخبر الآية عن قدرة الله على المغفرة وإمكان وقوعها، والطريق إلى الفوز بها، فلم تقل الآية بالملازمة بين الإيمان ومغفرة الذنوب فلابد من ذكر الله والإستغفار معه، وقد تقدم قانون (الملازمة بين الإستغفار والطمأنينة)( ) , ليكون الذكر والإستغفار سعياً مخصوصاً وجهاداً مع النفس ورجاءً لفضل الله.
ومن معاني الآية الكريمة الثناء على المؤمنين لأنهم علموا بأن الله وحده هو الذي يغفر الذنوب وأنه سبحانه لم يفوض هذا الأمر إلى ملك مقرب أو نبي مرسل، لذا مدح الله المسلمين ووصفهم بأنهم[خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
وتدل الآية بالدلالة التضمنية على أن أفعال الناس في عالم الحساب والجزاء على قسمين:
الأول : عمل صالح.
الثاني : معصية وذنب.
أما الأول ففيه الثواب والنماء، وأما الثاني فإنه قبيح متزلزل غير ثابت يمحوه الإستغفار من منازل الإيمان والتقوى , ولا يستقر إلا بالموت على الجحود والإصرار على الكفر، قال تعالى[وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا]( ).
ويفيد الجمع بين الآية أعلاه وآية البحث أن المسلمين يتصفون باللجوء إلى ذكر الله والإستغفار , ويؤدي المسلم الصلاة في اليوم خمس مرات لتأتي على ذنوب اليوم والليلة، وهو من فلسفة وجوب الصلاة في كل حال، وقد تساوى في الآية أعلاه الذي يموت على الكفر والذي يتوب منه ساعة الموت، وقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله يقبل توبة العبد ما لم يُغرغِرُ)( ) أي تصل روحه حلقومه في طريقها لمغادرة الجسد، وفيه بيان وتفسير لسعة التوبة وإمتداد وقتها وعدم إنقطاعه إلا عند الغرغرة( ).
والتقسيم أعلاه للأفعال إلى الصالح والمعصية لا يمنع من وجود فعـل مباح، فكما يتفضل الله عز وجل بالعفو عن الذنوب ومحوها , فإنه سبحانه يثيب المؤمنين على الصالحات، وهو الذي يدل عليه منطوق آية البحث لأنها جاءت في باب الإخبار عن الثواب العظيم للمؤمنين.
وقال الغزالي : التوبة عبارة عن معنى ينتظم ويلتئم من ثلاثة أمور مُرتبة : علم وحال وفعل , فالعلم الأول والحال الثانى والفعل الثالث والأول موجب للثانى والثانى موجب للثالث إيجابا اقتضاه إطراد سنة الله فى الملك والملكوت ( ).
والتفصيل في ماهية وكيفية التوبة أمر حسن، ولكن مضامين آية البحث تتضمن أموراً:
الأول : جاءت الآية بسيطة خالية من التركيب والترديد واللبس.
الثاني : في الآية بيان لحال المسلمين ومبادرتهم إلى التوبة.
الثالث : بدأت الآية بالثناء على المسلمين , وأنهم إرتقوا إلى مراتب التقوى، وهذه المرتبة ذاتها علم وحال وفعل فهي تفقه في الدين ومعرفة لواجبات العبودية، وتلبس بالهداية والإيمان.
الرابع : تعقب ذكر الله لفعل الفاحشة، مما يدل على أن الذكر حاضر في الوجود الذهني , ولكن غلبة النفس الشهوية علّقت آناً ما سلطانه على الجوارح، وصيرت غشاوة على البصر سرعان ما يطردها الذكر إلى غير رجعة .
فمن خصائص الذكر وأبواب الرحمة فيه أنه يتعقب الفاحشة وليس العكس، فان قلت قد يذكر المسلم الله عز وجل ويستغفر عن ذنب إرتكبه ولكنه يعود إلى فعل ذات الذنب أو ذنب آخر متحد معه في الجنس ومختلف معه في الموضوع، مما يدل على الدور بينهما، والجواب ليس من دور في المقام فان الإستغفار محو وغلق لحال من التعدي وظلم النفس، أما التلبس بذنب آخر فهو موضوع مستقل ومستحدث يأتي الذكر والإستغفار أيضاً لمحو آثاره .
وليس في عالم العلاج أن يأتي دواء يصلح لكل الأمراض علاجاً ووقاية إلا الذكر والإستغفار , من جهات:
الأولى : الأمن والعقاب.
الثانية : التسليم بقبح المعاصي وفعل السيئات.
الثالثة : التوقي من إرتكاب الذنوب.
الرابعة : سلامة النفس من أعباء الهم والحزن التي تترشح عن فعل الذنوب , فمتى ما علم المسلم بأن الذكر والإستغفار سبيل العفو فإنه يفرح ويغبط.
الخامسة : حسن الإستعداد للموت، وعدم الخوف والخشية مما بعده من أهوال الحساب.
الخامس : تبين الآية أن المسلم يعلم ضرر الذنوب قبل فعلها، فان أخطأ وزل باتيانها فانه يرجع إلى علمه بقبحها، فيستغفر الله, ويسأله العفو, [إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ]( ).
السادس : تتضمن آية البحث الإخبار بأن حال المسلم هي التقوى، وان فعل الذنب والمعصية أمر عرضي طارئ عليه.
السابع : من مصاديق العلم في الآية أمور:
الأول : الخشية من الله، وهو من معاني التقوى.
الثاني : العلم بأن الله أعد للمتقين جنة عرضها السموات والأرض.
الثالث : النفع العظيم بالمسارعة إلى التوبة.
الرابع : العلم بالعلاج الناجح لفعل الفاحشة وظلم النفس، وهو ذكر الله والإستغفار.
الخامس : العلم بأن الذنوب تُغفر وتمحى , ولا يغفرها إلا الله.
السادس : التنزه عن الإقامة والإصرار على الذنوب علم قائم بذاته.
السابع : من إعجاز الآية إختتامها بالشهادة للمتقين بالعلم بقوله تعالى[وَهُمْ يَعْلَمُونَ].
لقد ذكرت الآية أركاناً ثلاثة تتقوم بها التوبة، وهي:
الأول : ذكر الله.
الثاني : الإستغفار.
الثالث : عدم الإصرار على الذنب.
قانون (القرآن شاهد)
ومن إعجاز القرآن أن الشهادة فيه أعم من موضوعاتها من جهتين :
الأولى : شهادة القرآن بالمدح والثناء, وفيها مسائل:
الأولى : بيان الحسن الذاتي للفعل الذي يتعلق به المدح والثناء.
الثانية : إكرام الذين يأتون الصالحات طاعة لله عز وجل.
الثالثة : دعوة النــاس لإتيان العمل الحســن والفوز بالثــناء مــن الله عــز وجل، قال تعالى [وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ]( ).
الرابعة : الوعد الكريم من الله عز وجل للمؤمنين على إتيان الصالحات, والمبادرة الى الخيرات [لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ]( ).
وتتجلى الصلة بين الآية أعلاه وآية البحث وجوه من علة إختصاص المؤمنين بالعفو والمغفرة من عند الله كما في آية البحث, منها:
الأول : إنه جزاء لإيمانهم بالله.
الثاني : التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم والتنزيل إحسان محض بالعمل والإمتثال.
الثالث : إتيان الفرائض والواجبات العبادية وعملهم الصالحات.
فإن قلت لم تذكر آية البحث هذا التفصيل, والجواب: أنها ذكرته بأن إبتدأت بوصفهم بالمتقين بقوله تعالى (والذين) عطفاً على قوله تعالى [وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ]( ).
الخامسة : بعث الناس للإقتداء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم, وفعله كله حسن لأنه من الوحي (عن عبد الرحمن بن يزيد قال: لقي عبد الله بن مسعود رجلا محرماً وعليه ثيابه، فقال: انزع عنك. فقال الرجل: اتقرأ عليّ بهذا آية من كتاب الله؟ قال: نعم ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم فانتهوا)( ).
الخامسة : ترغيب الناس بالفعل الحسن وعمل الصالحات.
السادسة : إقامة الحجة على الذين يعرضون عن فعل الصالحات, ويصرون على الجحود والعناد.
السابعة : طرد الغفلة عن الناس بالفصل بين العمل الصالح والقبيح, وبيان التفصيل بالمصاديق بما يناسب المدارك المتباينة للناس، وأسباب الحجب والغشاوة, وتتضمن شهادة القرآن لغة المثل والقصص, والموعظة, قال تعالى[وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ]( ).
الثامنة : تجلي ضابطة كلية للتمييز بين الناس بلحاظ الحسن والقبح في الأفعال, وجاء قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ) للشهادة بالملازمة بين المسلمين والفعل الحسن, ولمنع الجهالة والضرر, وإبطال جدال أهل الشك والريب, وفضح مغالطتهم.
كما في إحتجاج إبراهيم عليه السلام على نمرود الذي إدّعى القدرة على الإحياء والإماتة , وفي التنزيل [قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ]( ).
ومن إعجاز القرآن وسلطانه العالمي في باب الأقوال والدعوى أنك لا تسمع بعد نزوله من يقول أنه يحيي ويميت, أو من يدّعي الربوبية كما إدعاها فرعون, ليكون من أسماء وصفات القرآن أنه مسكت الجبارين, وفاضح الطواغيت, والبرزخ دون الطغيان.
وفيه عون للمسلمين للدعوة إلى الله, في المنطوق والمفهوم معاً.
نعم يختلف ذات المصداق والفرد في تلقي المدح والذم, قال تعالى [أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا]( ) أي كان كافراً فهداه الله للإيمان, وتبين الآية أعلاه أن الكفر بإختيار العبد, أما الهداية فهي بفضل الله عز وجل, ومن النور الذي جعله الله عز وجل للمسلم إشراقات آية البحث عليه, وعمله بأحكامها, وكل من الذكر والإستغفار حياة ومادة متجددة للحياة ونهوض وأمل وجدّة.
ومن مصاديق إنتفاء التفريط في القرآن مجيء آية البحث بسبيل محو السيئات وإصلاحها للنفوس, إذ ينتقل الإنسان من منازل الكفر التي يلازمها التوبيخ والذم إلى مقامات الإيمان فيتبدل الموضوع, ويتلقى ساعة نطقه بالشهادتين آيات المدح والثناء.
وهل لآيات الذم والتوبيخ من أثر وموضوعية في إنتقاله الى الإيمان.
الجواب نعم، وهو من بديع إعجاز شهادة القرآن على الناس, وعلى عالم الأفعال, لقد أنعم الله عز وجل على المؤمنين بالمدد الملكوتي في معارك الإسلام الأولى , قال تعالى بخصوص معركة بدر[إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ]( ) فلما أيقن المسلمون أن القتال واقع بينهم وبين كفار قريش الذين يزيدون عليهم بالرجال والسلاح والمؤون, سألوا الغوث والعون والنصر من الله عز وجل فتفضل بإجابتهم بزيادة عددهم بالملائكة .
وكان عدد المشركين ألفاً, فبعث الله عز وجل ذات العدد من الملائكة متتابعين, وفي ترادف وتتابع الملائكة للقتال نكتة وهي كفاية الملك الواحد منهم لتحقيق النصر من جهات:
الأولى : النصر والغلبة على المشركين.
الثانية : نزول الملائكة قبل بدء المعركة, وعلم المسلمين بحضورهم لبعث السكينة في نفوسهم، ولإطلاق البشارة من الله لهم فتتغشى أوان ما قبل المعركة وأثناءها وبعدها إلى يوم القيامة.
الثالثة : دعوة المسلمين لسؤال الزيادة من الملائكة وكأن المدد الملكوتي جسر لا ينقطع, وتحقق النصر للمسلمين بمعركة بدر في آية حسية تدل على الآية الفعلية بنزول الملائكة.
وقد أنعم الله عز وجل على المسلمين بآية البحث مدداً دائماً ومتجدداً لمحاربة أعداء النفس من الشهوة المحرمة والغواية والشره والشح والشيطان وأسباب الظلم للذات والغير, والنجاة من آثارها وتبعاتها الظاهرة والخفية, والدنيوية والآخروية, والآثار الدنيوية للذنوب أعم من أن تكون عاجلة وحالة.
ومن الآيات أن الذم خاص بالكفار والجاحدين من الأمم السابقة, والذين عاصروا أيام نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونزول القرآن لتكون مجتمعة ومتفرقة شاهداً سماوياً على كل زمان سابق ولاحق لعداوة الظالمين للإسلام[وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمْ السُّفَهَاءُ]( ).
وليس من شهادة على التاريخ والأمم مثل شهادة القرآن وتوثيقه للوقائع وأحوال الأمم بلسان صدق, وعصمته من التحريف والتبديل, قال تعالى [مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ]( ) أي من سبل هداية الناس, وإصلاحهم للفلاح في الدارين, وملائمة أحكام وأخبار القرآن لكل زمان ومكان, ومنها آية البحث التي تتضمن الشهادة للمسلمين بأنهم المتقون الذين يعمرون الأرض بذكر الله, ويتعاهدون حياة نفوسهم بالإستغفار.
الثانية: شهادة القرآن بالذم والتقبيح، وفيه وجوه:
الأول: ذم الذين يختارون الكفر والضلالة.
الثاني: تقبيح الإصرار على المعاصي، وأسباب العناد.
الثالث: الشــهادة على الطــواغيت والظــالمين بالجور والعتو , والإخبار عن بطش الله عز وجل بهم، فتارة ينقطع السلطان بالموت، ولكن القرآن جاء بنزول العذاب العاجل بالجبارين والذين حاربوا الإسلام، وآذوا الأنبياء وأتباعهم، قال تعالى[وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ]( ).
الرابع: بيان خصال المنافقين والمخادعين وإنذارهم قال تعالى[يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ]( ).
الخامس: الإنذار من الوقوع بأسباب الهلكة، والتحذير من مقدماته.
السادس: بيان ضياع وخسارة الأموال التي تنفق في اللهو والمعصية.
السابع: الإنذار بقرب الساعة وأوان الحساب , وليس من حصر للإنذارات القرآنية والآيات الكونية التي تدعو الناس لنبذ الشرك، وقد تفضل الله وجعل وظيفة الأنبياء هي البشارة والإنذار، قال تعالى[فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ]( ).
وآية البحث من مصاديق (القرآن شاهد) من وجوه :
الأول : بيان صفات المتقين في كل زمان وتأكيد العلقة والصلة بين المسلمين والمؤمنين من الأمم السالفة، وهي أشرف الصلات، وأسمى معاني الأخوة لأنها متقومة بالتقوى والخشية من الله عز وجل.
الثاني : شهادة القرآن أعم من أن تنحصر بالحياة الدنيا، وأفراد الزمان الطولية، إذ أنها تشمل عالم الآخرة .
فجاءت الآية بالشهادة على تفضل الله عز وجل بتهيئة الجنة للمتقين، وكشف حقيقة وهي إنعدام الملازمة بين الإقامة في الجنة والعصمة سواء العصمة الهبة أو المكتسبة، فيدخل الجنة الذي ذكر الله وإستغفر من فعل الفاحشة وظلم النفس، ولا نقول أنه يدخل الجنة من إرتكب الفاحشة ولجأ إلى الذكر والإستغفار، وإن كان المعنى واحداً، ولكنه لبيان دخول المؤمن الذاكر لله الجنة , وليس من أثر لما إرتكبه من المعصية، فصفحته ناصعة البياض زاخرة بالأجر والثواب .
فان قلت قد ورد في التنزيل[عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ] ( ) , فوردت الآية بصيغة الإطلاق في الأقوال والأفعال، والجواب تدل آية البحث وآيات أخرى كثيرة على تقييد لغة الإطلاق التي جاءت بها الآية أعلاه وأن المسلم يعلم ما قدّم وآخر من الصالحات والمناسك، ومنها الذكر والإستغفار، قال تعالى[لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ]( ).
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود في الآية أعلاه قال: ما قدمت من خير وأخرت من سنة صالحة يعمل بها بعده ، فإن له مثل أجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً أو سنة سيئة يعمل بها بعده ، فإن عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيئاً)( ).
ومن الناس من يقيم على الفواحش، ويدعو إليها آخرين ويعملون بسنته ثم يتوب إلى الله، ولكن الذين أغواهم يبقون على الآثام، وحتى لو تابوا إلى الله فانه سبب إغوائهم، فهل يلحقه من ذنوبهم شئ، الجواب لا، فان التوبة ماحية للذنب وتبعاته ومنها إغواء الآخرين وأمرهم بالمنكر ونهيهم عن المعروف.
وفي الحديث : الإسلام يجّب ما قبله ( )، وهذا المحو من شهادة القرآن على التأريخ وبيان لنواميس وسنن الثواب في الدنيا والآخرة وهو من الإعجاز في آية البحث، وما فيها من سبل النجاة من فعل الفاحشة وظلم النفس ليجتمع الأمران بفعل واحد كما لو فعل المسلم فاحشة وإكتسبها منه شخص آخر، أو آخرون فهذا الإكتساب من مصاديق ظلم النفس، أو أنه كان الطرف المبادر إلى فعل الفاحشة التي تستلزم الفاحشة، وقام بترغيب وإغواء الطرف الأخر حتى شاركه التلبس بها، ثم تاب هو ولم يتب الآخر، فإن الذكر والإستغفار يأتيان على فعل الفاحشة وظلم النفس فيكون القرآن شاهداً على صروف الزمان، وأحوال الإنسان.
ومن الإعجاز في القرآن أنه لا يقف عند الشهادة المجردة فهو الإمام وسبيل الهدى والرشاد، فتأتي شهادته للصلاح والرشاد وهو من قوانين الخلافة في الأرض، وإحتجاج الله عز وجل على الملائكة في جعل آدم خليفة في الأرض وقوله تعالى[إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( )، بأن جعل التنزيل شاهداً على الناس.
وتجلى الإطلاق والتمام في باب الشهادة السماوية بنزول القرآن [كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ] وما فيه من علوم الغيب , قال تعالى[أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ] ( ).

قوله تعالى[وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا]
يقال أصر على الأمر:أي عزم، وأصرّ يعدو:أسرع .
وصري وأصري أي عزيمة وجد، والإصرار: قيل الإنقضاض وهو أيضاً الإستيلاء والإستبداد)( ).
ورجل صرور وصرارة: لم يحج بعد( ).
وقيل من المجاز أصر على الذنب أي أقام عليه، وتتقوم الإقامة على الذنب بإجتماع أمرين:
الأول : ترك التوبة.
الثاني : العزم على إتيان الفاحشة مرة أخرى.
ومن الإعجاز في آية البحث أنها تجمع بين الذِكر والإستغفار والإمتناع عن الإصرار على المعاصي، بلحاظ أن الإقامة عليها ضد الذكر والإستغفار، وفيه بيان لحقيقة وهي أن المسلمين منزهون عن الجمع بين العمل الصالح والفعل السيء، وهذا التنزه من أسباب ديمومة الحياة الإنسانية في الأرض ونزول البركات فينتفع منها البر والفاجر .
وفي أهل الكتاب ورد قوله تعالى[وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ] ( )، أي لأرسلت عليهم السماء بالمطر، وأخرجت لهم الأرض كنوزها، وهل يشمل قوله تعالى[لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ] المعنى الأعم بالإنتفاع من الصعود إلى السماء، وبلوغ بعض الأفلاك الجواب نعم ، وهو الذي تتجلى مقدماته في هذا الزمان , بصعود الإنسان إلى الكواكب الأخرى .
وأخرج عن مجاهد في قوله تعالى[وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ] أي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وما أنزل عليه( ).
لتتضمن الآية أعلاه البشارة للمسلمين بأن ينتفعوا من السماء وثرواتها النازلة والمستخرجة بسلطان العلم ، ومن تحت أرجلهم والشواهد عليه أكثر من أن تحصى سواء بلحاظ أيام التنزيل إذ كان المسلمون في عوز وفاقة فاقبلت عليهم الغنائم والبركات مع الإيمان وإقامة الشعائر , قال تعالى[تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ] ( ).أو في النعم والنماء في الأزمنة اللاحقة .
ومثلما أن الماء أقوى قوة في الممكنات فيأكل الحديد وغيره فإن الماء النازل من السماء هوأعظم ثروة في الكائنات, لذا أثنى الله على نفسه لتفضله بنعمة الأمطار وإحياء الأرض بها, قال تعالى [وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ]( ).
وجاءت آية البحث لإستدامة هذه النعمة بذكر الله , ورجاء عفوه ومغفرته , فإن قلت إن أكثر الناس لا يذكرون الله ويستغفرونه.
والجواب من بركات نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم الفيض المترشح على أهل الأرض من عمل المسلمين بآية البحث في كل زمان , ولو سأل المسلمون الله عز وجل حصر منافع وبركات ذكرهم وإستغفارهم بهم وبأمصارهم , الجواب ليس من حصر وتقييد في المقام لأن عمل المسلمين هذا من عمومات رحمة الله بالناس جميعاً ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وبالإسناد عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن الله ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه البلاء، ثم قرأ ابن عمر{ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض})( ).
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله يدفع العذاب بمن يصلي من أمتي عمن لا يصلي وبمن يزكي عمن لا يزكي وبمن يصوم عمن لا يصوم وبمن يحج عمن لا يحج وبمن يجاهد عمن لا يجاهد ولو اجتمعوا على ترك هذه الأشياء ما أنظرهم الله طرفة عين ثم تلا رسول الله صلى الله عليه و سلم: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض})( ).
وتتجلى النعم بلحاظ هذا الزمان, ومنها ما أخرجته أرض التنزيل من كنوز النفط والمعادن، وما يأتي في قادم الأيام لعموم أمصار المسلمين كما في البشارة في قوله تعالى في سورة يوسف[اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ]( )، وما فيها من البشارة للثروات والذخائر في أرض مصر من النفط والذهب والزراعات وغيرها، والتي تؤكدها الدراسات والإكتشافات عما في باطن الأرض من الكنوز والمعادن , لتكون هناك حاجة لإنشاء وزارة خاصة بالأرض , لكثرة وتعدد الخيرات والثروات التي تستخرج منها.
قال قتادة : إياكم والإصرار ، فإنما هلك المصرون الماضون قدماً, لا تنهاهم مخافة الله عن حرام حرمه الله عليهم ، ولا يتوبون من ذنب أصابوه حتى أتاهم الموت وهم على ذلك( ).
ولكن الآية تتضمن الشهادة للمسلمين بالتقوى , والعصمة من الإصرار على الذنوب، ولم يموتوا إلا على التوبة والإنابة، وذكر الإصرار في القرآن بصيغة الذم، وكله في غير المسلمين كما سيأتي في باب(علم المناسبة)( ) ولم يرد نفيه إلا في هذه الآية، وفي سياق الثناء على المسلمين.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن قال : إتيان الذنب عمداً إصرار حتى يتوب( ).
ولكن هناك تباين في الفترة بين إتيان الذنب وتسويف التوبة من جهة وبين الإقامة عليه إصراراً وعناداً من جهة أخرى.
فان قلت : ظاهر الآية الكريمة لا يدل على هذا التباين لأنها تثني على المسلمين لمبادرتهم إلى الذكر والإستغفار وإنعدام الفترة عندهم بين إرتكاب الفاحشة وبين التوبة، والجواب فيه بيان للفرد الأمثل للإستغفار الذي عليه المسلمون , ونزل القرآن عربياً، ومعنى الإصرار على الذنب الإقامة عليه، وفي قوله تعالى[وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ]( ).
قال السدي : الإصرار السكوت وترك الاستغفار( )، وصحيح أن هذا السكوت إثم ومعصية وتخلف عن الوظيفة العبادية إلا أنه لا يصل إلى مرتبة الإصرار التي هي أشد معصية، وهذا التباين بينهما رحمة من عند الله عز وجل بأن نفى عن المسلمين المرتبة الأشد ذات صبغة العناد والإقامة على المعصية مع أن أول الآية ينفي عنهم هذا السكوت لأنهم يبادرون إلى الذكر والإستغفار.
ويأتي ذكر الله سبحانه على اللسان وفي القلب، وليس من حصر لموضوعه فيشمل التهليل والتسبيح والتحميد والتكبير، وذكر وعد الله ووعيده.
وعن أبي سعيد الخدري : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي العبادة أفضل درجة عند الله يوم القيامة؟ قال : الذاكرون الله كثيراً , قلت يا رسول الله : ومن الغازي في سبيل الله؟ قال : لو ضرب بسيفه في الكفار والمشركين حتى ينكسر دماً لكان الذاكرون الله أفضل منه درجة( ).
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: سبق المفردون (قالُوا : وَمَا المُفَرِّدُونَ ، يَا رَسُولَ اللّهِ؟ قَالَ : الذَّاكِرُونَ اللّهَ كَثِيراً والذَّاكِرَاتُ”رواه مسلم ، واللفظ له والترمذيُّ ، وعنده : قَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ ، وَمَا المُفَرِّدُونَ؟ قَالَ: المُسْتَهْتِرُونَ فِي ذِكْرِ اللّهِ ، يَضَعُ الذِّكْرُ عَنْهُمْ أَثْقَالَهُمْ فَيَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِفَافاً( ).
وجاءت آية البحث لبيان مرتبة الكمال التي عليها المتقون في اللجوء إلى الذكر والإستغفار.
ويحتمل الذكر في الآية الكريمة وجوهاً:
الأول : إنه نوع طريق للإستغفار.
الثاني : الذكر موضوع مطلوب بذاته عند فعل الفاحشة.
الثالث : المعنى الأعم الجامع للوجهين أعلاه.
والصحيح هو الثالث، فلم تعطف الآية الإستغفار على الذكر بحرف العطف الواو (ذَكَرُوا اللَّهَ واسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ) بل جعلت الإستغفار متعقباً للذكر ومجتمعاً معه بالترتب على فعل الفاحشة وظلم النفس، ولا يصدق هذا الترتب إلا من منازل التقوى،والتفقه في الدين , ومعرفة الحاجة إلى الإستغفار عند الزلل .
والمتقون وحدهم هم الذين يلجأون إلى الجمع بين الذكر والإستغفار عند إتيان الفاحشة.
وقد تقدم القول بأن الواو في (ومن يغفر) إستئنافية، وإرادة معنى الحال منها ( )، أي بتقدير (فاستغفروا الله قائلين ومن يغفر الذنوب إلا الله) لا يتعارض معه إنما جاء قوله تعالى[وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ] قانوناً كلياً يتقوم ويستديم به الوجود الإنساني في الأرض، وأيهما موجود قبل الآخر هذا القانون أم الإنسان الجواب هو الأول، فكما هيئ الله عز وجل الجنة للمتقين قبل خلق أدم فكذا تفضل وجعل هذا القانون نبراساً وسبيل نجاة , وطريقاً للناس إلى الجنة قبل أن يخلقوا , وفيه نكتة وهي عدم بقاء إثم سيئة على المؤمن إذا إرتكبها , لأن قانون العفو متقدم عليها.
ويقر ويسلم المسلمون بأن الذنوب لا يغفرها إلا الله , وهذا الإقرار من مصاديق التقوى وإظهار معاني العبودية والخضوع لله عز وجل، وعن الأسود بن سريع: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتي بأسير فقال : اللهمُ إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “عَرَفَ الْحقَّ لأهْلِهِ( ).
ليكون الحديث أعلاه من عمومات قوله صلى الله عليه وآله وسلم: أدّبني ربّي فأحسن تأديبي( )، وإرشاداً للمسلمين للتوجه إلى الله بالتوبة والإنابة والإنقطاع للعبادة، وإجتناب الغلو.
وهل الإصرار على المعصية ضد الإستغفار، الجواب هذا الإصرار ضد الإقلاع والتوبة عن المعاصي ، والإستغفار أمر إضافي تعبدي غير الإقلاع عن المعصية، وان كان في طوله، لتكون خصال المتقين على وجوه:
الأول : ذكر الله عند فعل الفاحشة وظلم النفس.
الثاني : مبادرة المسلمين إلى الإستغفار لعلمهم بأن الذنوب لا يغفرها إلا الله عز وجل.
الثالث : إجتناب الإصرار على فعل الفاحشة.
ومن خصائص الإستغفار قطع ونفي الإصرار، وورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار) ( )، مما يدل على أن الإصرار على المعصية باب لزيادة الآثام ومضاعفة العذاب، فالمعصية الصغيرة تكون فاحشة كبيرة بالنسبة للذي يصر عليها ويستكبر عن الذكر والإستغفار.
ولما إحتجت الملائكة على جعل آدم خليفة في الأرض رد الله عز وجل عليهم بقوله [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ).
فالتجأ الملائكة إلى التسبيح المقرون بالإعتذار[قَالُوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا]( )، لبيان حقيقة وهي أن أسباب أهلية الإنسان للخلافة في الأرض غير متناهية، وتتجلى في آية البحث وحدها وجوه عديدة منها :
الأول : وجود أمة تخشى الله بالغيب، وتتصف بالإتحاد في النهج العبادي.
الثاني : تفضل الله بقبول العمل مع التقوى، قال تعالى[إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ]( ).
الثالث : تتجلى مصاديق التقوى بأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإلى يوم القيامة، فمن علم الله عز وجل أن التقوى لا تغادر الدنيا.
الرابع : التقوى عمارة للأرض، وباب للرزق الكريم ، ومن علم الله عز وجل أن المسلم لا يخرج من الدنيا إلا بالذكر والإستغفار وإن عصى وأذنب .
وإذا كان الفساد ندبة سوداء في الأرض فان التوبة زينة لها، وإضاءة للأكوان، والضياء يغلب على الظلمة عند إجتماعهما, والتوبة إشراقة تطل على القلوب المنكسرة فتملأها رجاء وطمعاً برحمة الله في النشأتين.
لقد جعل الله عز وجل نفس المؤمن تشتاق إلى الذكر وتلتذ بالإستغفار، ولا يهنأ له عيش إلا بأداء الفرائض وتعاهد العبادات، وهو من عمومات قوله تعالى[أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ]( )، ليكون المسلم إماماً للناس في سبل الهدى ، ويبقى في عطش دائم للإستغفار يتلذذ باللجوء إليه , ويصبح الإرتواء عند الجزاء والثواب يوم القيامة .
وعن سهل بن سعد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال: إِنِّى فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ ، مَنْ مَرَّ عَلَىَّ شَرِبَ ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا( ).
الخامس : بين الفساد وفعل الفاحشة عموم وخصوص مطلق, وجاء قول الله تعالى[الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ]( )، بصيغة المضارع لبيان التجدد والتكرار في الإفساد , ولزوم الإحتراز منه.
السادس : عدم صدق الفساد في الأرض على فعل المسلم الفاحشة لأنه يبادر إلى ذكر الله والإستغفار، وقد جعل الله عز وجل هذه المبادرة من الصلاح والتقوى، ومن معاني التقوى التحرز بطاعة الله، والإمتناع عن الوقوع في المعاصي.
السابع : تفقه المسلمين في الدين، وقيامهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , لتنزيه الأرض من الفساد والقتل بغير الحق , وجعل النفوس مطلقاً تنفر منه.
ومن الآيات أن الذكر والإستغفار لا يسقطان الحد والتعزير في الدنيا على من يثبتان عليه أمام الحاكم بالبينة أو الإقرار , ولكنهما وسيلة للنجاة من تبعات المعصية في الدنيا والآخرة، نعم فيها إحتراز من تكرار المعصية، فغالباً ما ينجو الإنسان من الحد والعقاب الشرعي للستر من عند الله، وتعذر تحقق شرائط الحد ومقدمات العقوبة، خصوصاً مع التغليظ في الشهادة والإثبات، كما في حد الزنا إذ يستلزم شهادة أربعة رجال، رأوا الميل في المكحلة، لتكون النجاة من الحد من علم الله تعالى الذي إحتج به على الملائكة من جهات:
الأولى : إنها رحمة من الله التي تصيب البر والفاجر في الدنيا.
الثانية : السلامة من الحد في الدنيا لا تسقط العقوبة في الآخرة التي هي أشد إن لم يتعقب الجناية الإستغفار , قال تعالى[وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى]( ).
الثالثة : الستر والسلامة من الحد باب للإجتهاد بذكر الله والشكر له سبحانه على هذه النعمة، ومن معاني الشكر في المقام الإستغفار والعزم على عدم العودة إلى المعصية والذي يدل بالدلالة التضمنية على التنزه عن الإصرار على المعاصي.
الرابعة : آية البحث حث على ذكر الله ، ولجوء إلى الإستغفار، وستر للنفس عند الزلل , فكأن الآية جاءت من باب إسقاط الحد والعقوبة في الدنيا والآخرة، ولتكون أماناً في الدارين، ومن عمومات قوله تعالى[إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ] ( ).
الثامن : ذكر الله علة ديمومة الحياة الإنسانية في الأرض ليكون وفق القياس الإقتراني:
الكبرى : يواظب المسلم على ذكر الله.
الصغرى : ذكر الله سبب دوام الحياة.
النتيجة : مواظبة المسلم على الذكر سبب دوام الحياة.
ولا يعني هذا أن الذكر علة تامة لدوام الحياة، لأن الأكوان كلها إنما تبقى وتستديم بمشيئة الله وهو الذي يتعاهدها والناس والخلائق جميعاً في وجودها وأرزاقها، وهو من علم الله الذي إحتج به على الملائكة ويدل بالدلالة التضمنية على أن الذين يفسدون في الأرض لن يفلتوا من العقاب الشديد، قال تعالى[لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ]( ).
فجميع الممكنات حاضرة عند الله، ليس بينها تفاوت أو تزاحم في القرب والبعد، وليس من حاجز بين المفسدين وعذابهم في الدنيا، لتكون مضامين آية البحث مفسرة بالحديث الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي( ).
التاسع : من علم الله عز وجل أنه جعل الإستغفار ماحياً لذنوب المتقين، وأنهم لا يكتفون بالإستغفار بل يقومون بدعوة الناس إليه، وهو من عمومات قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ]( ).
وإقترن بعث الأنبياء ونزول الكتب السماوية بتوالي الأحقاب، مع إتصال الإستغفار، فان إنقطعت النبوة فان الإستغفار دائم غير منقطع في الأرض , وهو من أبهى ميراث النبوة وكنوزها التي لا تنفد ببركة نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وآية البحث فان تخلفت الأمم الأخرى عن الإستغفار فان أمته تملأ الأرض بقول (استغفر الله) وبما يتغشى آنات الليل والنهار، فليس من ساعة أو دقيقة إلا وفيها أفراد وجماعات وأمة من المسلمين تذكر الله وتستغفره وهو الذي يتجلى بلحاظ أمور:
الأول : تعيين أوقات الصلوات اليومية الخمسة وثبوتها بالكتاب والسنة، مع التباين في الأوقات بين الأمصار المختلفة، لتكون الآيات الكونية عوناً للناس في طاعة الله وملأ الأرض بالتسبيح والتهليل والإستغفار، وهو من مفاهيم قوله تعالى[وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ] ( )، وتوظيف الإختلاف في مطالع وغروب الشمس في العبادات والذكر .
وتتجلى في الجمع بين الآية أعلاه وقوله تعالى[وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ]( ) أسرار نظام الأجرام السماوية وجريانها ومقارها بأن يكون في كل أوان هناك وقت فضيلة لإحدى الصلوات الخمس ، ووقت أداء الصلاة من الواجب الموسع الذي تكون مدته أوسع وأعم من الوقت الذي يستغرقه أداء الصلاة وكأنه من الواجب التخييري المحصور في زمان أدائه، ويدل عليه قوله تعالى[أَقِمْ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ]( ).
وقيل : واختلفوا في جواز الامر بشئ في وقت يزيد عليه ويطلق عليه الواجب الموسع والحق وقوعه وفاقا لاكثر المحققين لامكانه عقلا ووقوعه شرعا أما جوازه عقلا فلانه لا مانع منه( ) .
لقد جاء القرآن والسنة القطعية والمتواترة بوقوعه شرعاَ، ومنهما تستقرأ القواعد، ويصدر العلماء في فتاواهم وأقوالهم وان كان في علم الأصول والكلام، والعقل في المقام منقاد للكتاب والسنة، وشاهد على الإعجاز في الأحكام وعدم تعارضها مع الواقع وخلوها من التشديد أو التكليف بما لا يطاق .
العاشر : من علم الله عز وجل هو أنه يغفر ذنوب من يشاء من عباده ففعل الفاحشة ينقضي بأوانه ولكن تبعاته تبقى فيأتي الإستغفار ليدكها ويمحوها.
الحادي عشر : من إعجاز الآية أن الذكر والإستغفار مترتبان على فعل الفاحشة عند أهل الإيمان الذين يخشون الله بالغيب ويعلمون أنهم يقفون بين يديه للحساب وأن أفعالهم حاضرة عنده تعالى، وأن الإستغفار سبب لمحوها وعدم حضورها عند نشر الصحف للحساب، قال تعالى[وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا]( ).
لقد فزعت الملائكة من الفساد في الأرض، وكان سبب إنكارها خلافة آدم فجاءت آية البحث مقدمة وسبيلاً لإحياء ذكر الله في الأرض، وفيه بيان لحقيقة وهي أن الأصل هو نفرة الإنسان من فعل الفاحشة والفساد في الأرض، وهو من أسرار نفخ الروح فيه، وأمر الله عز وجل بالسجود لآدم , قال تعالى[فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ]( ).
لقد أذعنت الملائكة لأمر الله عز وجل بالسجود لآدم مما يدل على تسليمها بأهليته للخلافة في الأرض، وإستكبر إبليس، فكان خزياً وعذاباً له.
لقد إحتج الملائكة بافساد الإنسان مطلقاً في الأرض وإشاعته القتل بغير الحق ولم يذكروا آدم بالذات خصوصاَ وانه نبي منزه عن المعاصي ثم إستجابوا لأمر الله، ولجأوا إلى التسبيح والتقديس، أما إبليس فانه عصى وإستكبر وجاء إحتجاجه بعد إمتناعه عن طاعة أمر الله بالسجود لآدم ليتجلى في آية البحث التباين بين حسن سمت المؤمنين وبين إبليس ومعصيته.
وقد تفضل الله عز وجل على الملائكة ببرهان[وَعلم آدم الأَسْمَاءَ كُلَّهَا] ( )، فأقروا وأذعنوا حين أخبرهم آدم بالأسماء التي يجهلون، وكان إبليس في زمرة الملائكة ومن جماعتهم ولكنه إنفرد بالمعصية في رفض السجود، فتفضل الله ببرهان إضافي وأخبره بأنه خلق آدم بيده قال تعالى[قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَاسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنْ الْعَالِينَ]( ).
ولكن إبليس لم يتعظ وإحتج بأفضلية خلقه من النار , وخلق آدم من الطين مع أن أصل النار والشجر من الطين، ليكون عناد وإستكبار إبليس إستحقاقه الخروج من الجنة، ونزول اللعنة به, وبُعده عن رحمة الله بقوله تعالى عند إمتناعه عن السجود لآدم فاخرج منها [وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ]( ).
وفيه أن هبوط إبليس وإغوائه الإنسان بالفساد في الأرض والقتل بغير حق من علم الله عز وجل الذي إحتج به على الملائكة، وفيه نكتة وهي أن إبليس سبب في هذا الفساد، ومع هذا يتجه المؤمنون إلى الذكر والإستغفار بما يسقط في يدي إبليس، ويجعل وسوسته وإغوائه يذهبان هباء.
وهل آية البحث واقية من إغواء إبليس الجواب نعم، فان كلاً من الذكر والإستغفار حرز من الوقوع في المعصية، وحاجب دون العودة إلى مستنقع الفاحشة.
وأخرج عن رجل من المهاجرين يقال له الأغر قال : سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: يا أيها الناس استغفروا الله وتوبوا إليه فإني استغفر الله وأتوب إليه في كل يوم مائة مرة( ).
ويتضمن الحديث إرشاد المسلمين إلى التوبة مع الإستغفار بصيغة الأمر والأسوة الحسنة , فان قلت جاءت آية البحث بالذكر والإستغفار ولم تذكر التوبة , والجواب من وجوه:
الأول : تتصف آيات القرآن بأن بعضها يبين ويتمم بعضها الآخر, وهو من عمومات قوله تعالى[وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( )، بلحاظ أن آيات القرآن أصل أفراد البيان , وجاءت بلزوم التوبة والندب إليها، والثناء على التوابين , قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا]( ).
الثاني : تضمنت آية البحث بيان صفات المتقين، وكيف أنهم يهرعون إلى ذكر الله عند فعل الفاحشة، ولا يرقى العبد إلى مرتبة التقوى إلا بالتوبة والإنابة، ولا تنخرم هذه الصفة بارتكاب المعصية, ولكنها تملي على العبد المبادرة إلى الذكر وسؤال الله العفو والمغفرة.
الثالث : من معاني ودلالات آية البحث الشهادة للمؤمنين بالتنزه عن الإقامة على المعاصي، وأخبرت عن عدم إصرارهم على فعل الفاحشة أو ظلم النفس.
الرابع : أختتمت آية البحث بالثناء على المؤمنين بوصفهم بالعلم بقوله تعالى[وَهُمْ يَعْلَمُونَ] ليكون العلم آلة الفزع إلى الإستغفار والتوبة، ومادة الصلاح والتقوى والسعي إلى اللبث في النعيم الدائم الذي جاءت هذه الآية بالإخبار عن إعداده للمتقين.
لقد تغير وجه التأريخ وعالم الأفعال ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن صار في كل زمان أمة لا يصر أفرادها على فعل المعصية، ويمتاز عدم الإصرار هذا بأمور:
الأول : صدور عدم الإصرار عن منازل محبة الله، والخشية منه تعالى.
الثاني :إدراك المسلمين للتنافي بين الفوز بالخلود في النعيم والإصرار على المعاصي.
الثالث : تاكيد قانون مصاحب لنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهو إمامة المسلمين للناس في التنزه عن الإقامة على المعاصي، وهذا القانون مقيم في الأرض لا تستطيع النفس الشهوية أن تزحزحه من موضعه بين الناس وفي عالم الأفعال، ليكون كل مسلم داعياً إلى الله، وحجة على غيره في الميل إلى الصالحات، قال تعالى[قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ]( ).
الرابع : عدم الإصرار على المعاصي أمر وجودي وليس عدمياً، فهو إرادة وقصد وعزم وفعل يتقوم بعصمة النفس وإمساك الجوارح والأركان عن مخالطة المعصية وإرتكاب الذنب.
الفعل مطلق وشامل للعمل الصالح والقبيح كل فرد منهما يصدق عليه أنه فعل، ولكن القرائن المقالية والحالية تدل على إرادة خصوص المعاصي والذنوب، من جهات :
الأولى : نفي الإصرار والإقامة على الفعل المنهي عنه شرعاَ.
الثانية : عدم الإصرار أمر وجودي.
الثالثة : ذكر الآية لفعل مخصوص وهو فعل الفاحشة.
الرابعة : إرادة الإصرار والعزم على الإقامة بصيغة العناد.
الخامسة : يتضمن قوله تعالى[وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا] لغة العموم في شموله لفعل الفاحشة وظلم النفس، وهو من بلاغة القرآن ودلالات عدم تكرر اللفظ فيه، فلم تقل الآية: ولم يصروا على فعل الفاحشة وظلم النفس).
وفيه نكتة وهي منع الجدال والخصومة في تعيين وحصر أفراد الذنوب التي يتنزه المسلمون عن الإصرار عليها، فلا يأتي من يجادل ويقول: بأن الفعل الفلاني وإن كان ذنباً إلا أنه ليس فاحشة أو ظلماً للنفس فلا مانع من الإقامة والإصرار عليه وإن القدر المتيقن من الآية هو فعل الفواحش أو ظلم النفس , وفي التنزيل[وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ]( )، فجاءت الآية لدفع هذا الجدل والمغالطة، وتأكيد لزوم إجتناب ما فيه إثم .
لذا أختتمت الآية بقوله تعالى(وهم يعلمون) أي يعلم المسلمون ماهية المعاصي التي يجب إجتنابها وحرمة الإقامة عليها، ولمّا أنكرت الملائكة صيرورة آدم خليفة في الأرض وذكروا علة هذا الإنكار وهو تدنيس الإنسان للأرض بالفساد وسفك الدماء، فتفضل الله بأن علّم آدم الأسماء وجعل هذا التعليم حجة على الملائكة وإبطالاً لإحتجاجهم، قال تعالى[وَعلم آدم الأَسْمَاءَ كُلَّهَاثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ]( )، وتأتي آية البحث لتكون من مصاديق هذا التعليم من وجوه :
الأول : يعلم المسلمون القبح الذاتي للذنوب والمعاصي.
الثاني : تنزه المسلمين عن الإصرار على الذنوب وهذا التنزه عن علم تتوارثه أجيالهم جيلاً بعد جيل.
الثالث : صدور المسلمين عن القرآن , وتأكيده على حرمة الفساد وسفك الدماء.
الرابع : يمتنع المسلمون عن الإقامة على الذنوب مطلقاً وإن كانت صغيرة، فمن باب الأولوية القطعية أنهم يجتنبون الفساد في الأرض وسفك الدماء.
الخامس : تجلي التباين بين المسلمين والكفار , فإذا إرتكب الكافر فعلاً متصفاً بالشناعة وتنفر منه النفوس لم يظهروا الندم , قال تعالى في ذمهم والإخبار عن إصرارهم عليه[وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا]( ).
السادس : إقتداء المسلمين بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع حرصهم على التقيد بآداب وأحكام السنة القولية، وإجتناب الذنوب التي تتفرع عنها ذنوب وقبائح أخرى قد تكون أشد منها , فمثلاً جاءت النصوص بالإخبار عن كون الخمر أم الكبائر (أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمرو. أنه سئل عن الخمر فقال : سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : هي أكبر الكبائر، وأم الفواحش، من شرب الخمر ترك الصلاة، ووقع على أمه وخالته وعمته)( ).
السابع : من معاني التقوى الإتقاء من الفواحش وظلم النفس، قال تعالى[إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا]( )، أي إجتنبوا الفواحش والذنوب وظلم النفس، وقد فاز المسلمون بمرتبة التقوى والسلامة من الإقامة على الرذيلة.
وكما يتعلق قوله تعالى (وهم يعلمون) بمضامين الآية التي سبقته، فله مقدراً محذوفاً، وهو على وجوه :
الأول : وهم يعلمون أن الإصرار على الذنوب برزخ دون الوصول إلى النعيم الدائم.
الثاني : وهم يعلمون أنهم[خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( )، وعلم المسلمون هذا من مصاديق التفضيل ومعاني(خير) ومن خروجهم للناس.
الثالث : يعلم المسلمون وجوب مسارعتهم إلى أسباب العفو والمغفرة من الله، لقوله تعالى قبل آيتين[وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ].
الرابع : لقد جاءت هذه الآيات ليعلم المسلمون أن الله عز وجل أصلح لهم الجنة لخشيتهم منه سبحانه، وأنه ليس من حد لسعة وأنه ليس من برزخ بين الجنة والنار, قال تعالى[فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ]( ).
الخامس : لزوم العمل والسعي, وإتخاذ الصالحات بلغة لدخول الجنة. ليتصف المسلمون بالجمع بين العلم والعمل, وتلك آية في بديع خلق الإنسان , وأحقته للخلافة في الأرض .
عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ جَالِسًا وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ قَالَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ مَا مِنْكُمْ مِنْ نَفْسٍ إِلَّا وَقَدْ عُلِمَ مَنْزِلُهَا مِنْ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ قَالَ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلِمَ نَعْمَلُ قَالَ اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ)( ).
السادس : يعلم المسلمون بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , وهو واقية من الإصرار على الذنوب , فإن قلت هل يصر بعض المسلمين على إرتكاب الفاحشة, الجواب: جاءت آية البحث بنفي هذا الإصرار للغة الإخبار والقطع بقوله تعالى [وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ]( ).
ولم : حرف جزم مبني على السكون ينفي الفعل المضارع ويقلبه ماضياَ, لتفيد الآية معنى القطع والشهادة للمسلمين بأنهم يتنزهون عن الإقامة على المعاصي, وهذا التنزه إنحلالي فهو شخصي ونوعي, فلا يصر المسلم على الذنب.
ولم تذكر آية البحث المسلمين على نحو التعيين, بل ذكرت المتقين والنسبة بين المسلمين والمتقين هي العموم والخصوص المطلق وهو على وجهين :
الأول : المتقون هم الأعم لإرادة الأجيال المتعاقبة منهم من أبينا آدم وإلى يوم القيامة.
الثاني : المسلمون هم الأعم, بلحاظ أن التقوى أخص من النطق بالشهادتين.
ولا تعارض بين الوجهين, وتتجلى التقوى في عالم الإعتقاد والأفعال, فتارة تكون إيماناَ راسخاَ في القلب, وأخرى تظهر على الجوارح والأركان بإتيان الطاعات, وإجتناب السيئات, المقرون بالخوف والخشية من الله.
ومن الإعجاز أن القرآن إبتدأ ببيان صفات المتقين إذ جاءت سورة الفاتحة التي إبتدأت بالبسملة وما فيها من معاني التسليم والتوكل على الله.
ثم الحمد لله بلغة الإطلاق في كل نعمة خاصة أو عامة, ظاهرة أو باطنة ثم تمجيد مقام الربوبية من منازل الخضوع والعبودية، وإظهار أسمى معاني التقوى بقوله تعالى[إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ]( ).
ومن الإعجاز في شريعة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تلاوة سورة الفاتحة أكثر من عشر مرات في الصلاة اليومية على نحو الوجوب العيني على كل مسلم ومسلمة لترسيخ معاني التقوى في النفوس, وجعلها ملكة ثابتة, وهذه التلاوة اليومية تأديب للمسلمين وتفقه في الدين( ), وسعي إلى الخلود في الجنة التي أبى الله إلا أن يكون [عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ]( ).
ثم جاءت سورة البقرة والتي إبتدأت بصفات المتقين في آية إعجازية في نظم سور القرآن وسياق آياته قال تعالى [الم* ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ]( ) ليكون الجمع بين الآية أعلاه وهذه الآيات (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين أعد الله لهم جنة عرضها السماوات والأرض.
وذكرت أول آيات سورة البقرة خصال المتقين فتكون مرتكزاَ ومنهاجاَ في عمل المسلمين وهي :
الاولى : الإيمان بعلم الغيب والتسليم بقصور الخلائق عن الإحاطة به, وهو مما إختص الله عز وجل به نفسه, قال تعالى[عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدً]( ).
الثانية : إقامة الصلاة, وتعاهد المسلمين لما جاء به الأنبياء والتنزيل، قال تعالى [وَأَقِمْ الصَّلاَةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ]( ).
الثالثة : الإنفاق في سبيل الله, وأداء الصدقات الواجبة لقوله تعالى [وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ]( ).
الرابعة : التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم, والتسليم بأن القرآن كتاب نازل من عند الله عز وجل, والتصديق بجميع الكتب السماوية السابقة أيضاَ, وإختص المسلمون بهذا التصديق ليفوزوا بمرتبة المتقين , قال تعالى[وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ]( ).
الخامسة : الإقرار بأن يوم القيامة حق وصدق لقوله تعالى في وصف المتقين [وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ]
وتجتمع هذه الصفات في المسلمين الذين آمنوا بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وهو وفق القياس الإقتراني :
الكبرى : المتقون هم العاملون بالآية الرابعة والخامسة من سورة البقرة.
الصغرى : المسلمون عاملون بالآية الرابعة والخامسة من سورة البقرة.
النتيجة : المسلمون هم المتقون.
وجاءت الآية الخامسة من سورة البقرة بالثناء على أهل التقوى وبشارتهم بالفلاح والنجاح , لقوله تعالى [وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ] ( ) لتأتي الآية أعلاه بالوعد الكريم بالأقامة الدائمة في الجنة للمسلمين الذين صدًقوا بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وآية البحث واقية يومية متجددة من وساوس الشيطان وعداوته المستمرة للإنسان , قال تعالى[إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ]( ).
علم المناسبة
وردت مادة (صرر) بمعنى أقام أربع مرات في القرآن جاءت واحدة بصيغة المدح ونفي الإصرار وهي خاصة بالمؤمنين الذين يخشون الله في السر أو العلانية , فإذا فعلوا فاحشة في السر ولم يطلع عليها أحد من الناس لجؤوا إلى ذكر الله والإستغفار بالعلانية , وبينهم وبين الله عز وجل أيضاً , ومن الآيات ليس من أحد يسأل المسلم إذا إستغفر الله لم إستغفرت ؟ وما الذي فعلته مما يستلزم الذكر والإستغفار, فيدرك الناس جميعاً محبوبية الذكر والإستغفار في كل حال.
وفيه مندوحة وزيادة في ستر الله عز وجل للعباد , ومناسبة لأن ينسى المسلم ذنوبه التي إستغفر الله منها, فلا يقيم على لوم نفسه لإرتكابه فعلاً مذموماً .
وجاء لفظ (أصر) ثلاث مرات في ذم إصرار الكفار على الجحود، مرة بصيغة المفرد، وإثنتين بصيغة الجمع، قال تعالى في ذم الكافر[يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا] ( )، أي يبقى على كفره كأنه لم يسمع الآيات في عدم الإتعاظ والإعتبار منها.
وقال ابن جريج:نزلت هذه الآية في النضر بن الحارث، ولكن موضوع الآية أعم، والمدار على عموم اللفظ وإرادة جنس الكفار , وليس سبب النزول.
وجاء ذم الإصرار الجماعي المتعدد من قبل الكفار، وفي لغة الجمع رسالة تنبيه للمسلمين بأن إقامة الكفار على الجحود وإصرارهم على الإستكبار إنما هو عناد وغفلة.
ويبين القرآن حقيقة وهي أن إصرار الكفار جاء بعد قيام الحجة عليهم وبلوغ الآيات لهم، قال تعالى في وصف صدود الكفار من قوم نوح[وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا]( )، أي أقاموا على الكفر مع دعوة نوح لهم للإيمان.
وعن قتادة قال : بلغنا أنهم كانوا يذهب الرجل بابنه إلى نوح، فيقول لابنه: احذر هذا لا يغوينك، فأراني قد ذهب بي أبي إليه وأنا مثلك، فحذرني كما حذّرتك( ).
وورد قوله تعالى[وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ]( )، في ذم الكفار الذين كانوا مترفين وفي بحبوحة من العيش، ومع هذا يقيمون على الذنب العظيم، ولا يمتنعون عن الفاحشة.
وقال عبد الله : قلت يارسول الله أي الذنب أعظم، قال : أن تدعو لله نداً وهو خلقك) ( ).
وفي بيان الإصرار من الأمم السابقة على الشرك وإعراضهم عن دعوة الحق مواساة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، وبيان فضل الله في دخول الناس الإسلام، قال تعالى[وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا]( ).
وليكون عدم إصرار المسلمين على فعل الفاحشة وظلم النفس دعوة يومية متجددة للناس للإقلاع عن الإصرار ومفاهيم الشرك والضلالة، وتدل الإقامة على المعاصي على غياب البصيرة، وتعطيل الوظائف التي تترشح عن سنخية العقل والتدبر التي خصّ الله عز وجل بها الإنسان، وتلف الأموال والجاه وسط ظلمة حالكة، وشر محض، وفزع دائم وحسرة لفوات أسباب العز وضياع أيام العمر.

بحث بلاغي في (الجملة الإعتراضية)
وتسمى أيضاً(الجملة المعترضة) وقد تقدم في باب الإعراب واللغة أن الواو في (ومن يغفر الذنوب إلا الله) إستئنافية وقيل أنها حالية أو إعتراضية( ).
لقد جاء قوله تعالى أعلاه جملة إعتراضية وهي التي تعترض بين لفظين أو موضوعين متلازمين المبتدأ والخبر في الغالب ، والفعل والفاعل، والفعل والمفعول، والشرط وجوابه، والمعطوف والمعطوف عليه , والصفة والموصوف، وحرف الجر ومتعلقه، والقسم وجوابه، والحال وصاحبها، والبدل والمبدل منه ,وجملة الدعاء .
وتتعدد أغراض الجملة الإعتراضية بحسب سياق الكلام والمقاصد منها، والجملة الإعتراضية أعم من أن تكون بين شيئين متلازمين فتكون بين جزئين يطلب أحدهما الآخر.
ومن الجمل الإعتراضية قوله تعالى(إن فرعون) في قوله تعالى[فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ * وَقَالَتْ امرأة فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ]( ).
ومن الشعر(وسعد مشتمل) في قول الشاعر:
أَورَدَها سَعْدٌ وسَعْدٌ مُشْتَمِل ما هكذا يا سعد تُورَدُ الإِبل( )
وقد توضع الجملة الإعتراضية في غير موضعها، كما لو جيء بها في وسط الكلام وموضعها في آخره، وقد يكون موضعها في الوسط فيأتي بها في آخر الكلام , والجملة الإعتراضية من بين الجمل التي لا محل لها من الإعراب، وهي:
الأولى : الجملة الإعتراضية.
الثانية : الجملة الإبتدائية، وهي التي تأتي في أول الكلام.
الثالثة : الجملة التي تأتي بعد إنتهاء كلام سابق، ولكنها تسمى جملة إستئنافية.
الرابعة : جملة صلة الموصول، وهي أكثر الجمل التي ليس لها محل من الإعراب في الكلام العربي كما في جملة (إشتروا) في قوله تعالى[أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى]( ).
الخامسة : الجملة التفسيرية التي تفسر ما قبلها من الكلام.
السادسة : جملة جواب القسم.
السابعة : جواب الشرط سواء كان جازماً أو غير جازم مقترناً بالفاء.
الثامنة : الجملة المعطوفة على جملة لا محل لها من الإعراب.
وقد توضع الجملة الإعتراضية بين قوسين، أو شرطتين أو علامتين، ولكنها لم تأت في آية البحث إلا ضمنها , للدلالة على تداخل معناها ومضامينها مع معاني الآية الكريمة.
وجاء قوله تعالى[وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ] بصيغة الإستفهام والتقرير وتقديره (ولا يغفر الذنوب إلا الله )وهو إعتراض بين متعاطفين وذي الحال والحال، وفيه رحمة بالناس جميعاً من وجوه:
الأول : طرد الجهالة والغرر عن الناس.
الثاني : الزجر عن عبادة غير الله، وتعليق الأمل بالمغفرة بغير الله وإن كان ملكاً مقرباً، أو نبياً رسولاً، وهذا المعنى لا يتعارض مع الشفاعة لأنها نوع طريق إلى مغفرة الذنوب , ولكنها ليس واسطة قائمة بذاتها، بدليل أن الثناء في آية البحث جاء على المتقين لأنهم يستغفرون الله عز وجل، وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إمام المتقين في الإستغفار والإكثار منه , وهو المعصوم من الخطأ . وعن مسروق عن عائشة (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ فِي آخِرِ أَمْرِهِ مِنْ قَوْلِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ قَالَتْ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لِي أَرَاكَ تُكْثِرُ مِنْ قَوْلِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ قَالَ إِنَّ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ كَانَ أَخْبَرَنِي أَنِّي سَأَرَى عَلَامَةً فِي أُمَّتِي وَأَمَرَنِي إِذَا رَأَيْتُهَا أَنْ أُسَبِّحَ بِحَمْدِهِ وَأَسْتَغْفِرَهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا فَقَدْ رَأَيْتُهَا
{إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا})( ).
وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يدعو الناس للإستغفار ويحثهم عليه، ويأمرهم به على نحو متكرر ويبين ترجيحه على الحد والعقوبة , وعن (أبي المنذر مولى أبي ذر عن أبي أمية المخزومى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بلص اعترف اعترافا ولم يوجد معه متاع فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أخالك سرقت قال بلى قال اذهبوا به فاقطعوه ثم جاؤوا به فقطعوه ثم جاؤوا به فقال له قل أستغفر الله وأتوب إليه , فقال أستغفر الله وأتوب إليه , قال اللهم تب عليه)( ).
ومن منافع الجملة الإعتراضية في الآية الكريمة أمور:
الأول : إنتقال ذهن القارئ والمستمع إلى قانون كلي ضمن الجملة المترابطة (وسمّى قدامة الجملة الإعتراضية إلتفاتاً)( ).
بلحاظ أن الإلتفات هو الإتيان بجملة لا محل لها من الإعراب بين كلامين متصلين لنكتة كالتوكيد ودفع الإبهام.
والمشهور في علم البيان أن الإلتفات في الإصطلاح هو الإنتقال في أحوال الكلام كما في الإنتقال من صيغة المخاطب إلى الغائب، ومن منافعه جذب الأسماع، والإنتباه، إلى جانب ما في الإنتقال إلى موضوع جديد من اللذة، ومن أمثلته قوله تعالى[وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاَةَ]( )، ومنهم من عرّف الإلتفات بذكر الشيء وإتمام الكلام فيه ثم العودة لذكره إلتفاتا إليه( )، وقد تقدم الكلام عن الإلتفات( ).
الثاني : عدم تضييع الوقت أو التسويف بتأخير الإستغفار أو رجاء المغفرة من غير الله.
الثالث : المبادرة إلى سؤال المغفرة من عند الله عز وجل.
بحث أصولي
تكون الجملة على قسمين:
الأول : جملة إنشائية , ومنها صيغة الأمر والبعث على الفعل والتحريك كما في قوله تعالى[أَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ]( ).
الثاني : الجملة الخبرية، كما في قوله تعالى[فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ]( )، ومع ثبوت خروجها عن موضوع الإخبار لما تتضمنه من البعث وصريح الطلب ، ففيها وجوه:
الأول : حمل الجملة الخبرية على الوجوب ما دامت تحمل صفة الطلب والبعث.
الثاني : إرادة الندب والإستحباب.
الثالث : التوقف لعدم وجود مرجح، والقائل بظهور الوجوب في الجملة الخبرية إنما على نحو المجاز، ومنهم من إجتنب ذكر المجاز في المقام لإعتبار بعضهم أنه من الكذب أو القول بإنتفائه في القرآن،وليس بتام .
فظهور الوجوب في الجملة الخبرية بمعناها الحقيقي وهو الإخبار عن ثبوت النسبة بين طرفيها ولكن القصد مختلف، فهي ليست بقصد الإعلام والإخبار فقط بل بداعي البعث والتحريك، والإعلام نحو توكيد على الوقوع.
فالجملة الخبرية تأتي لإخبار المخاطب بإرادة الفعل وعدم الأذى في تركه وأن المخبر عالم بموضوعها ولا يريد مخالفة مضمونها.
وكأن الأمر في الجملة الخبرية جاء على نحو الإخبار والقطع بتحصيله خارجاً , ليصبح إستعمال الجملة الخبرية الواقعة في مقام الطلب على نحو الحقيقة وهو الإخبار مع تضمنها الأمر، فلا تعارض بين إجتماع الإخبار والطلب في الجملة الخبرية.
وتقسيم الجملة إلى إخبارية وإنشائية تقسيم إستقرائي مع إمكان تداخلهما في المضمون والغاية في بعض الإحيان , فالتقسيم الإستقرائي في القضايا والمواضيع لا يعني بالضرورة التغاير والتنافر بين الأقسام ولا يدل على المطابقة بين تعريفه ومصاديقه.
وقيل أن الجملة الخبرية تدل على البعث بنحو آكد من الإنشائية بإعتبار تضمنها للإخبار عن وقوع مضمون الطلب والإمتثال , بإعتبار أن الجملة الخبرية تثبت الوقوع والنسبة بخلاف الأمر والجملة الإنشائية فإن الوقوع يتوقف على إمتثال المأمور.
ولكن ترجيح الجملة الخبرية على الإنشائية في المقام ليس قاعدة كلية , إذ أن الأمر يفهم من الجملة الخبرية أحياناً بالواسطة فيحتاج إلى مؤونة زائدة وليس مباشرة كما في الإنشائية، وما كان بلا مؤونة زائدة أفضل مما كان بمؤونة زائدة مع إتحاد الغرض ثم إن الجملة الخبرية لا تحقق أكثر من الذي تحققه الإنشائية في البعث والتحريك وعليه العقل والوجدان، وقد تحتاج إلى البيان.
ومن خصائص الجملة الخبرية التي تكون قياساتها معها أن العقل لا يصدق بها بمجرد تصور طرفيها كالأوليات فلا بد من وسط ولكنه لا يحتاج إلى كثير طلب وفكر فمجرد أن يدرك الذهن أن الغاية من الجملة الخبرية ليس الإعلام والإخبار فقط بل هو الطلب والبعث والتحريك يحضر توظيفه والسعي للإمتثال إليه، لذا جاءت آية البحث بصيغة الجملة الخبرية , لتكون صيغتها على وجوه:
الأول : إنها بعث إضافي للمسلمين للعمل بمضامينها وفيوضاتها من الذكر والإستغفار.
الثاني : بيان حقيقة وهي أن الدنيا دار إمتحان وإختبار وبلاء، وأن الإيمان واجب، ومن شرائطه الذكر والإستغفار، وهو وفق القياس الإقتراني :
الكبرى : الإيمان واجب.
الصغرى : الذكر والإستغفار من خصال الإيمان.
النتيجة : الذكر والإستغفار واجب.
الثالث : إقامة الحجة على الناس بتفضيل المسلمين، وذكر الآية لعلل وأفراد من هذا التفضيل , وهي التقوى والمبادرة إلى الذكر والإستغفار عند إرتكاب المعصية.
الرابع : ترغيب الناس بالإسلام، ودعوتهم للتنقل بين الذكر والإستغفار , ومن إعجاز الآية أنها تجمع بينهما مما يعني أن لفظ التنقل هنا إستقرائي للبيان وإلا فإن من إعجاز الآية بيان قدرة المسلم الجمع بين الذكر والإستغفار عند فعل المعصية وظلم النفس ومطلقاً.
أما بالنسبة للجملة الإنشائية فهي في الطلب والبعث من الأوليات إذ يصدق بها العقل لذاتها من غير مؤونة زائدة أو سبب خارجي، فيحكم عليها بذاتها بصدق الطلب والبعث فيها على نحو القطع بمضمون القضية.
وينقسم اللفظ في إصطلاح علم المنطق إلى قسمين :
الأول : المفرد وهو على شعبتين :
الأولى : اللفظ الذي لا جزء له مثل الباء في قولك: وصلت بالسيارة .
الثانية : اللفظ الذي له جزء إلا أن جزءه لا يدل على جزء المعنى مثل القاف في كلمة القلم ، وعبد في عبد الله لأنه جزء من اسم الشخص .
فالمنطقي ينظر إلى إتحاد المعنى. أما النحوي فيعتبر(عبد) هنا مفرداً بلحاظ البناء والإعراب، فكلمة (عبد) اسم له إعراب مستقل وهو الإضافة.
الثاني : وهو المركب أي اللفظ الذي له جزء يدل على جزء معناه مثل (الصلاة عبادة) فكل من الصلاة والعبادة جزء من معنى مركب، ويكون المركب تارة ناقصاً، وهو الذي يبقى السامع ينتظر تتمة الكلام سواء بالخبر أو جواب الشرط أو المفعول أو المضاف إليه أو الاسم المجرور , كما في الحديث عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم(الصيام جنة من النار)( )، فإن قلت: الصيام جنة من ……) وسكتّ , فإن السامع ينتظر الإخبار عن الاسم المجرور وهو النار ليتم المعنى.
وتارة يكون المركب تاماً وهو الذي تكون النسبة قائمة بين أجزائه، وتنقسم إلى قسمين:
الأول : ما إذا كان له حقيقة ثابتة في ذاته بغض النظر عن اللفظ، وكيفية حكايته أو كشفه لهذه النسبة كما لو أخبرت عن حصول شيء أو عودة الحاج أو رؤية الهلال , فهذه الجملة خبرية تسمى أيضاً الخبر، والقضية، والقول، وهو أعم من ثبوت النسبة بين الطرفين فقد تخبر عن صدق ووقوع الفعل وقد لا تطابق الواقع.
الثاني : ما لا يكون للنسبة التامة حقيقة ثابتة، واللفظ هو الذي يحقق النسبة وتظهر بقصد المتكلم وليس من حقيقة ثابتة توصف بصدق الكلام أو كذبه بل هو إنشاء ينشأ معناه باللفظ الذي يتعلق بالموضوع وتلقي المخاطب له سواء كان على نحو الطلب والمنع أو التمني أو الوعيد.
فالطلب بالجملة الخبرية لا يلزم الكذب وإن إدعاه جماعة بسبب عدم وقوع المطلوب أي أنه يخبر عليه في الجملة الخبرية في مقام الطلب ولكن لم يؤت بالفعل خارجاً فيستلزم الكذب، والله تعالى منزه عن القبيح.
وحينما تقول : زيد كثير الرماد) وليس من رماد مع الكرم في هذه الأيام ووسائل الطهي الحديثة ، فهذا ليس بكذب، ولكنه كناية لأن مدار الصدق والكذب على الكرم وإقراء الضيف فيأتي المجاز والإستعارة لتقريب المعنى، فيكون الكلام كذبا إذا لم يكن زيد كريماً، ومع أن الإشكال ليس في محله للتسالم بأن إرادة البعث ليست متعلقاً للصدق والكذب، ولكن المثل من القياس، مع الفارق خصوصاً وأن مبحث الخبر والإنشاء مستقل وأجنبي عن الكنايات والمجاز، فلا يحشر معها.
أما القول بأن الجملة الخبرية أكبر وأبلغ في مقام الطلب , فهو ليس مطلقاً بل الغالب والأمر هو الأكثر وضوحاً ودلالة على الطلب والبعث.
وأستدل على إفادة الجملة الخبرية الوجوب بمقدمات الحكمة وهي أن المتكلم في مقام بيان المراد وليس الإخبار عن أمر إجمالي يحتاج إلى توضيح إضافي آخر، وعدم وجود قرينة حالية أو مقالية أو قدر متيقن في مقام التخاطب، ومع إجتماع هذه المقدمات فإن الجملة الخبرية تحمل على الوجوب.
وفيه أن الدلالة بمقدمات الحكمة تصلح في باب الإطلاق والتقييد، وإذا أردنا الإستدلال بها على الوجوب فيمكن أيضاً الإستدلال بها على غيره لأن النقاش في الكبرى , وهو إحراز أن المتكلم يريد البيان والتوضيح والجملة خبرية وليس إنشائية بالإضافة إلى ما تقدم في كون الجملة الخبرية أبلغ في مقام التأكيد فإنه يحتاج إلى مقدمة وهي إثبات أنه يقصد البعث وليس الإعلام فقط كما أنه لا يصل إلى مقام الترجيح على الإنشاء ، وورد في علوم القرآن باب الجملة الخبرية تكون أبلغ في التعبير والبيان ولكن أمر البعث والتحريك مختلف.
نعم ما في الإخبار من إشارة إلى وقوع المطلوب على نحو التحقيق والحصول باعث على التحريك والبعث ولكنه يحتاج إلى واسطة وهي أن الإعلام يدل على شدة الطلب وغالباً ما تستلزم الجملة الخبرية إحالة التوضيح إلى مقام آخر لأنها بالأصل تفيد الإعلام والإخبار.
ويمكن الإستدلال بأصالة الظهور على إفادة الوجوب من الجملة الخبرية بعد ثبوت إستعمالها في الأوامر بصيغة الخبر وعدم وجود دليل على حصر الأمر بالجملة الإنشائية بالإضافة إلى الإستعانة بالقرائن المقالية والحالية كما في الصناعة الفقهية بالجمع بين النصوص والإستدلال على إفادة الوجوب والندب من الجملة الخبرية أو الإنشائية من التنزيل والنصوص الأخرى والسنة الفعلية والتقريرية.
فقد تدل كلمة (ينبغي) على الوجوب أو الندب بحسب اللحاظ والقرائن والمتبادر ، ولكن لو جاءت مجردة ولم يكن نص آخر بصدد موضوعها أو قرينة ، فتحمل على الندب .
فالأرجح حمل الجملة الخبرية على الوجوب بحجية الظهور مع عدم وجود المانع , ويتضاءل النزاع في مباحث علوم القرآن لأدنى مما هو صغروي , للغة البيان في القرآن وتعضيد آياته بعضها لبعض , ومن مصاديق التعضيد تجلي صيغة الحكم التكليفي بما يمنع الجهالة والغرر.
قانون جديد في إعجاز القرآن
ويمكن تقسيم إعجاز القرآن إلى قسمين:
الأول : الإعجاز في المنطوق والمرسوم والمدلول الظاهر للفظ القرآني، قال تعالى[إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ]( ).
الثاني : الإعجاز في المفهوم الذي يظهر بفحوى الخطاب، والمفهوم المقابل للمصداق مما يساهم في كشف الواقع الخارجي، فصحيح أن المنطوق هو الأصل في الإستدلال وإستنباط الحكم، إلا أن المفهوم والتصورات لها موضوعية في هذا الكشف وان كانت مترشحة من المنطوق، ومقتبسة من المصداق وهو تعدية الحكم من المنطوق إلى مسكوت عنه بالأولوية والقياس والمماثلة ونحوها، كما في حرمة الظلم والشتم والضرب المستقرأ من آية التأفيف بقوله تعالى[فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا]( ).
ولا أحد يعلم حال الأمة، وما يلحق الأخلاق العامة عند المسلمين والناس لولا آية البحث، وصيخ الذكر، وسنن الإستغفار التي هي من كنوز الرحمة في الأرض.
وتتفرع عن هذا التقسيم الإستقرائي لإعجاز القرآن مسائل كثيرة , ويستلزم تأسيس أبواب من العلم في إعجاز القرآن في المفهوم المترشح عن المنطوق , والذي ينقسم إلى شعبتين :
الأولى : إعجاز مفهوم الموافقة للفظ القرآني، وهو الموافق لمدلول اللفظ, كما في لزوم المبادرة إلى الذكر والإسستغفار مطلقاً حتى عند فعل الفاحشة لأن إثبات شيء لشيء لا يدل على نفيه عن غيره .
فلا تدل الآية على حصر ذكر المسلمين لله عند فعل الفاحشة , بل أنهم يذكرون الله على نحو الدوام في صلاتهم اليومية وغيرها وجوباً وندباً , قال تعالى (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا) ( ).
وتؤكد آية البحث مواظبة المسلمين على الذكر الكثير لأنها تصفهم بالمتقين , وهو وفق القياس الإقتراني:
الكبرى : المتقون يذكرون الله ذكراً كثيراً .
الصغرى : المسلمون هم المتقون .
النتيجة : المسلمون يذكرون الله ذكراً كثيراً.
الثانية : إعجاز مفهوم المخالفة للفظ القرآني أي المدلول المسكوت عنه المخالف للمنطوق , ويسمى دليل الخطاب ، ومن إعجاز القرآن أن المفهوم بشعبتيه لا يكون تاماً بلحاظ آية واحدة، فلابد من مصداق ونص في آيات القرآن الأخرى، وأن لا يتعارض هذا المفهوم مع منطوق آيات القرآن، ويكون تفسير القرآن بعضه لبعض ضابطة كلية في المقام.
وينبغي للذي يستقرأ مفهوم الآية بشعبتيه أو أحداهما أن يرجع إلى آيات القرآن التي تتعلق بذات الموضوع، وهو من إعجاز القرآن والتكامل في علومه , وعصمته من الخطأ في التأويل , نعم المفهوم بقسميه ليس بحجة, ولكن من إعجاز القرآن أن مدلول مفهوم آية قرآنية ظاهر في منطوق آية قرآنية أخرى، وقد قسّم مفهوم المخلفة في علم الأصول إلى عشرة أقسام متفاوتة في الإستبانة والوضوح وهي:
الأول : ذكر الاسم العام المقترن بصفة خاصة , فينتفي الحكم بانتفاء الصفة التي قيد بها الحكم , ومنه قوله تعالى[إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا]( )، فيدل المنطوق على لزوم التبين والتحري في خبر الفاسق، ويدل في مفهومه على عدم وجوب التبين والتحري عندما يأتي العدل بخبر.
ومنه قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الغنم السائمة زكاة( )، أي ان المعلوفة ليس فيها زكاة، وترتيب الحكم على الوصف أمارة على كونه علة الحكم.
الثاني : مفهوم الشرط أي إنتفاء الحكم عند إنعدام الشرط الذي تعلق عليه الحكم وهو يرجح إلى مفهوم الصفة، ويدل على ثبوت الحكم عند وجود الشرط، وقد يكون الحكم أعم من الشرط، وبالإسناد عن يعلي بن أمية، قلت لعمر بن الخطاب : فيم إقصار الناس الصلاة اليوم، وإنما قال الله تعالى[إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا]( )،فَقَدْ ذَهَبَ ذَاكَ الْيَوْمَ فَقَالَ عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ( ).
الثالث : مفهوم الغاية ويعني إنتفاء الحكم المذكور في المنطوق بعد الغاية الواردة فيه نصاً، كما في قوله تعالى[ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ]( )، فلا صيام بعد دخول الليل، وهو ليس بحجة أيضاَ، وإذا تعارض مع مفهوم الشرط فيقدم الثاني أي مفهوم الشرط.
الرابع : مفهوم اللقب : الذي ينتفي فيه الحكم عند إنتفاء اللقب، والمراد من اللقب في المقام هو تعليق الحكم على أسماء الذوات، وتعليق الحكم على أسماء الأعلام، ويلحظ بها أسماء الأجناس، كما في قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم : الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم : يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام( )، فيدل ذكره بالتخصيص على نفي الحكم عن غير يوسف عليه السلام، وقيل أن نفي الحكم عن غيره للقرينة وملازمة النبوة له ولآبائه، ومفهوم اللقب ليس بحجة، وهو أضعف المفاهيم العشرة، ومشهور الأصوليين لم يقل به.
الخامس : مفهوم الإستثناء:وهو إثبات ضد حكم المستثنى للمستثنى منه فاذا كان الأول وهو المستثنى منه مثبتاً فان الثاني نفي، وكذا العكس , فقوله تعالى[فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ]( )، يدل في مفهومه على أن إبليس لم يسجد .
وإعترف بهذا المفهوم أكثر الذين ينكرون المفهوم كالقاضي والغزالي أما الحنفية فاصروا على عدم حجة المفهوم مطلقاً، وأنه لا عمل للإستثناء في المنفي عن غيره.
السادس : مفهوم العدد : إذا جاء الحكم بخصوص عدد معين، فان الحكم ينتفي عن غيره من الأعداد الأخرى سواء كانت أكثر أو أقل منه، قال تعالى[الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ] ( )، وقد ورد خطاب الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المنافقين[إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ]( ).
عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لما نزلت هذه الآية أسمع ربي قد رخص لي فيهم ، فوالله لأستغفرن أكثر من سبعين مرة لعل الله أن يغفر لهم . فقال الله من شدة غضبه عليهم {سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين})( ).
والمشهور أنه لا حجة لمفهوم العدد، ولكن قد يأتي العدد لتحديد طرف الكثرة فلا يزيد عليها أو للتحديد من طرف القلة كما في تعيين المسافة الشرعية التي يقصر معها المكلف في صلاة السفر، وقد يجتمع الأمران كما في : أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة.
السابع : مفهوم الحصر، وهو إثبات الحكم لشئ، ونفيه عما سواء بذات الصيغة التي تم فيها إثبات الحكم، كما في قوله تعالى[لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ]( )، وقول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم:لا صلاة الا بطهور( )، وهو من مصاديق الإستثناء , ولكن معنى الحصر مستقرأ من المنطوق وليس المفهوم, فمعاني كلمة التوحيد حجة وبرهان جلي في المنطوق للناس جميعاً على مشاربهم ولغاتهم المختلفة.
الثامن : مفهوم المكان: كما في قوله تعالى [إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا]( )، ومفهومه أنه ليس من مكان آخر غير مكة وضع فيه أول بيت للناس.
التاسع : مفهوم الزمان:وهو إنتفاء الحكم في غير الزمان الذي جاء به الحكم، كما في قوله تعالى [الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ]( )، فلا يصح الحج في غيرها.
العاشر : مفهوم الحال: أي تقييد الحكم بحال مخصوص , كما في قوله تعالى[فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ]( )، فلا يكون السجود قبل نفخ الروح في آدم عليه السلام , ولم يذكر كثير من الأصوليين هذا المفهوم لأنه فرع مفهوم الصفة.
الحادي عشر : مفهوم العلة، وهو تعليق الحكم بعلة مخصوصة، كما في قوله تعالى[فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ]( )، فبينت الآية علة الرخصة في الإفطار في شهر رمضان بالمرض أو السفر.
وليس من قانون ثابت في مفهوم المخالفة، فكل آية قرآنية لها حكمها الخاص، في إستنباط مفاهيم متعددة منها في الموافقة والمخالفة ومن إعجاز القرآن أن ما يؤتى بحجته من مفهوم المخالفة لآية قرآنية إنما يثبت بمنطوق آية أو آيات قرآنية أخرى، فلا تكون موضوعية لمفهوم المخالفة في الحجة إلا من باب التعضيد والمؤازرة للمنطوق، وفيه أمور :
الأول : إعجاز القرآن، وتأكيد اللاتناهي في علومه.
الثاني : إنتفاء التعارض في القرآن حتى بين منطوق آية ومفهوم آية أخرى وهو من عمومات قوله تعالى[وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا]( ).
الثالث : تأكيد قانون التباين المطلق لكل شئ في القرآن، قال تعالى[وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( ).
الرابع : منع الفرقة والإختلاف بين المسلمين في التفسير والتأويل.
الخامس : الإطلاق في قانون (التفسير الذاتي) الذي أسسناه، وهو أن القرآن يفسر نفسه بنفسه، فتجد تفسير الآية القرآنية في آيات أخرى من القرآن، وهو آية إعجازية ينفرد بها القرآن من بين الكتب السماوية، ومن عمومات قوله تعالى[قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنْ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ]( )، بلحاظ التداخل والترابط والتفسير المتبادل بين آيات السورة، وبينها وبين آيات القرآن الأخرى، ومن مفاهيم المخالفة في آية البحث أمور :
الأول : خروج غير المتقين من مضامين الآية وما فيها من الرحمة الإلهية، وأسباب العفو والمغفرة، فقد يسمع الكافر الآية أو يقرأها، ويدرك ما فيها من كنوز المغفرة ولكنه يعلم حرمانه منها، لإفتقاره إلى الخشية من الله عز وجل عند وبعد فعل الفاحشة ومقدماتها.
الثاني : من لا يقصد القربة إلى الله عز وجل لا ينفعه الذكر والإستغفار، ويختص المسلمون بهذا القصد لأنه ملازم للإيمان.
الثالث : إن الله عز وجل يغفر للمسلم الذي لم يرتكب الفاحشة أو يظلم نفسه.
الرابع : مع الإستغفار يصبح المسلم منزهاً عن فعل الفاحشة، فلا يجوز ذمه وغيبته.
الخامس : من لا يذكر الله يكون من الخاسرين، ويبقى حاملاً أوزار ذنبه لتصاحبه في عالم البرزخ والآخرة.
السادس : البعث على ذكر الله والإستغفار حتى وإن لم يرتكب ذنباً , ولإحتمال أن المسلم فعل فاحشة أو ظلم نفسه ثم نسي هذا الفعل , أو أنه لا يعلم أو يظن بأن فعله قبيح ومعصية .
السابع : من خصال المسلمين عدم الإستكب عن عبادة الله عز وجل , فهم يبادرون إلى الذكر والإستغفار إقراراً بالعبودية لله عز وجل , ويحرصون على التقوى والخشية من الله عز وجل , وفي ذم الكفار , ورد قوله تعالى (وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ) ( ) وأخرج الحاكم عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال : بينما ابن عباس مع عمر وهو آخذ بيده فقال عمر : أرى القرآن قد ظهر في الناس؟ قلت : ما أحب ذلك يا أمير المؤمنين . قال : لم؟ قلت : لأنهم متى يقرأوا ينفروا ، ومتى نفروا يختلفوا ، ومتى ما يختلفوا يضرب بعضهم رقاب بعض . فقال عمر : إن كنت لأكتمها الناس( )، والقدر المتيقن من الناس في الحديث أعلاه هم المسلمون، وفي سند الحديث مسائل:
الأول : لم يرفع الحديث لابن عباس , ومع أنه عمّر طويلاً , وعاش إلى سنة ثمان وستين للهجرة وعمره سبعون سنة وقيل أكثر( )، فلم يرو الحديث عنه , وقد ذكر لمن سمعه وقائع وحوادث وقعت له أدنى من هذا الموضوع.
الثاني : لم يذكر الحديث عن آخر من الصحابة أو التابعين غير عبد الله بن عبيد وهو تابعي جليل، مات سنة ثلاث عشرة ومائة.
الثالث : وردت النصوص المتواترة والمستفيضة بخلافه منطوقاً, ومفهوماً, من وجوه :
الأول : إن الله عز وجل هو الذي أراد ظهور القرآن في الناس ، وهذا الظهور والإنتشار رحمة بالناس.
الثاني : إجماع المسلمين على لزوم ظهور القرآن بين الناس .
الثالث : ورود النصوص المستفيضة بإستحباب حفظ القرآن وتلاوة آياته.
الرابع : وجوب تلاوة آيات القرآن في الصلاة اليومية سبب لظهوره بين الناس طوعاً وقهراً وإنطباقاً.
ومن الإعجاز في المقام أن القراءة في أكثر الصلوات اليومية جهرية وهي صلاة الصبح , والمغرب، والعشاء، ليكون ظهور القرآن بين الناس عموماً وليس المسلمين وحدهم , وهو من عمومات قوله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا) ( ).
وتلاوة المسلم للقرآن في الصلاة بشارة لنفسه ولإخوانه المؤمنين , وإنذار للكفار , كما أن ذات الآية والسورة القرآنية التي يقرأها المسلم تتضمن البشارات والإنذارات في منطوقها ومفهومها .
الخامس : لقد جعل الله عز وجل الإنسان كائناً محتاجاً وهو محتاج إلى التنزيل تلاوة وسماعاً , وهذه الحاجة عامة ومطلقة , فتفضل الله عز وجل بإنزال القرآن وجعله قريباً من الناس جميعاً , ليكون ظهوره بينهم رحمة وقضاءً لحاجات الدين والدنيا .
السادس : الناس في القرآن شرع سواء , كل واحد ينهل منه ,فهو كالماء والكلأ , يتزود الناس من علومه من غير أن يكون بينهم وبينه حاجب، نعم ورد ابن عمر أنه قال:نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يسافر بالقرآن إلى أرض العد مخافة أن يناله العدو)( ).
بحث نحوي عقائدي
الإستفهام هو طلب الفهم، وسؤال التفصيل والبيان الذي يرفع الإبهام ويمنع من الترديد واللبس، وتعدد الأدوات التي يقع بها الإستفهام منها(الهمزة) و(هل) كما في قوله تعالى[هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ]( )، ويكون الإستفهام على وجوه وأقسام:
الأول : الإستفهام التقريري وهو الذي يجاب بــ (نعم) إذا أمن اللبس والترديد، أو يجاب بــ (بلى) مراعاة للفظ
قال جحدر بن ربيعة العكلي( ):
أليس الليل يجمع أم عمرو وإيانا فذاك لنا تدان
نعم وترى الهلال كما أراد ويعلوها النهار كما علاني
الثاني : الإستفهام الإنكاري، وفي التنزيل[قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا]( ).
الثالث : الإستفهام للتوبيخ
الرابع : الإستفهام المحصن أو المجرد الذي يراد منه البيان وبسط الكلام.
الخامس : الإستفهام للتعجب كما في قوله تعالى[أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ]( ).
ومن إعجاز القرآن أن تأتي أداة الإستفهام لأكثر من معنى مما ورد وفق الصناعة النحوية، فمثلاً قوله تعالى[أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ]( )، فيه إنكار لأنهم يمتنعون عن رجم شعيب لعزة ومكانة قومه بينما هو نبي الله، وفيه تحد وتوبيخ لهم لعدم إكرامه للنبوة والخشية من الله.
وفي الإستفهام في قوله تعالى[وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ]( )، وجوه:
الأول : تقرير وإمضاء موضوع وهو إمكان ووقوع المغفرة للذنوب وإن هذه المغفرة خاصة بالله عز وجل، ومن الآيات أن الذين إدعوا الربوبية من الطواغيت كنمرود وفرعون عاجزين عن ستر ذنوبهم .
وعن رافع بن خديج: قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا اجتمع إليه أصحابه فأراد أن ينهض قال : سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، عملت سوءا، وظلمت نفسي ، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت فقلنا : يا رسول الله هذه كلمات أحدثتهن؟ قال : أجل جاءني جبريل، فقال لي : يا محمد، هن كفارة المجالس)( ).
الثاني : الإستفهام الإنكاري على الذين يرجون غير الله ويعبدون سواه، فأولى حاجة للإنسان هي مغفرة ذنوبه، وجاءت الآية بالهداية إلى الفوز بها.
الثالث : توبيخ الذين يعرضون عن حقيقة إنحصار المغفرة بالله عز وجل بالإستفهام الذي يجعلهم عاجزين عن الإجابة، والرد وتلك آية في الإستفهام التوبيخي في القرآن، وشاهد بأن القرآن كلام الخالق إلى المخلوق , والمعبود إلى العبد بأن يأتي السؤال والتوبيخ وليس له رد إلا التسليم والإقرار والإذعان بالإضافة إلى أن الموضوع متعلق بالرحمة والفضل الإلهي , وبيان التجرأ والتعدي من فريق من الناس.
وهل من إنسان لا يحتاج المغفرة من الله.
الجواب كلا، وورد بخصوص صاحب الكمالات الإنسانية وسيد الأنبياء والرسل النبي محمد قوله تعالى[لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ]( ).
وقد قتادة : نزلت هذه الآية عند رجوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الحديبية)( ), وتعددت وإختلفت الأقوال في التفسير وعصمة الأنبياء بلحاظ التباين في المبنى، وهو على وجوه :
الأول : عصمة النبي قبل وبعد النبوة من الكبائر والصغائر والقبائح مطلقاً.
الثاني : عصمة النبي من الكبائر دون الصغائر.
الثالث : عصمة النبي من الكبائر قبل النبوة، ومنها دون الصغائر بعد النبوة.
الرابع : إنحصار عصمة النبي بعد النبوة دون ما قبلها.
وفي تأويل الآية ذكرت وجوه منها:
الأول : غفران ذنب أبيك آدم بأكله من الشجرة.
الثاني : مغفرة فعل قومك القبيح بصدهم لك ومنعك من الدخول عالم الحديبية، وأوانه قبل نزول الآية بسنتين.
الثالث : ليغفر لك ما تقدم من ذنب أمتك، وما تأخر منها بشفاعتك وأغلب الخطابات التي تأتي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إنما يراد بها الأمة بالتبعية والإلحاق، وجاءت الآية بنسبة المغفرة إلى الله عز وجل (ليغفر الله) ليكون من إعجاز الآية أن خطابات الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تأديب للمسلمين، ودعوة لهم للتفقه في الدين وإتخاذ الدنيا مزرعة للآخرة بذكر الله والإستغفار، وهو من عمومات قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( )، لتحلي المسلمين بمكارم الأخلاق، وتخليهم عن زخرف الدنيا، وصيرورتهم قدوة وحجة على الناس.
الرابع : الإستفهام بمعنى النفي لبيان عدم أهلية الخلائق كلها مجتمعة ومتفرقة لمغفرة الذنوب، وليس في الآية تعريض بأحد فالكل عبيد لله عز وجل ومحتاجون إلى رحمته، ولكن الآية جاءت للإخبار عن قانون كلي يحكم حياة الإنسان في الأرض إلى يوم القيامة، ويتغشى قوانين الحساب في الآخرة.
لقد إحتجت الملائكة على جعل آدم خليفة بسبب إفساد الإنسان في الأرض[قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ]( )، وجاءت آية البحث لتخبر عن سعة رحمة الله عز وجل وأنه سبحانه يغفر الذنوب، وتؤكد إنحصار المغفرة بيده تعالى، وهذا الحصر رحمة إضافية للذين يرتكبون الفواحش ويفسدون في الأرض وللناس جميعاً إذا إرتدوا لباس الإيمان.
وفي التبيان(كيف قال : “ومن يغفر الذنوب إلا الله” وقد يغفر بعضنا لبعض إساءته إليه؟ قلنا عنه جوابان : أحدهما أنه أراد بذلك غفران الكبائر العظام، لان الإساءة من بعضنا لبعض صغيرة بالإضافة إلى ما يستحق من جهته. والثاني أنه لا يغفر الذنب الذي يستحق عليه العقاب إلا الله تعالى)( )، ولكن الآية ذاتها تقطع مثل هذا القول والتساؤل من جهات :
الأولى : جاءت الآية في بيان صفات المتقين، ومن خصائصهم عدم الإساءة للغير، والمبادرة إلى الإعتذار منه في حال وقوع الإساءة كما أمر القرآن بكظم الغيظ، والعفو والمغفرة، وإن لم يكن في البين إعتذار، قال تعالى[وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ]( ).
الثانية : بينت الآية موضوع الذنب الذي يستلزم الإستغفار وهو فعل الفاحشة وظلم النفس.
الثالثة : قد يكون فعل الفاحشة نوع مفاعلة بين طرفين كما في الزنا وكلاهما ظالم لنفسه ولغيره.
الرابعة : من ظلم النفس التقصير في العبادات والفرائض.
الخامسة : جاء القرآن بالثناء على المؤمنين بتنزههم عن فعل الفواحش وبإختيارهم الحلم والتجاوز والعفو عندما يساء إليهم، قال تعالى[وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ]( )، وفي حديث عائشة: وما أنتقم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لنفسه شيء قط، إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم بها الله).
الخامسة : التباين بين الإساءة المذكورة أعلاه وبين الذنوب.
السادسة : في ذنب وإساءة العبد إلى غيره من الناس إثم ووزر، لا يغفر إلا عندما يعفو ويغفر المعتدى عليه، أو أن يشاء العفو , وعفو ومغفرة بعضنا لبعض إساءته نوع طريق ومقدمة لعفو الله، ومحو تبعات الذنب .
وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال : “الظلم ثلاثة، فظلم لا يغفره الله، وظلم يغفره الله، وظلم لا يتركه الله : فأما الظلم الذي لا يغفره الله فالشرك، وقال{إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}وأما الظلم الذي يغفره الله فظلم العباد لأنفسهم فيما بينهم وبين ربهم، وأما الظلم الذي لا يتركه فظلم العباد بعضهم بعضا، حتى يدين لبعضهم من بعض”)( ) .
فإذا أساء شخص لآخر كتبها الله عز وجل ذنباً وسيئة , ومغفرة صاحبه له أمر منفصل عن لزوم ذكر الله , والإستغفار الذي جاءت به آية البحث.
ومن إعجاز الآية أنها جاءت جامعة مانعة , فذكرت فعل الفاحشة وظلم النفس ليدخل فيه كل ذنب ومنه الذي يكون أزاء الناس فلم تخبر الآية عن موضوع العفو والمغفرة بين الناس، بل أمرت باللجوء إلى الذكر والإستغفار، وكما يكون عفو ومغفرة المظلوم والمعتدى عليه مقدمة لعفو الله فإن ذكر الله مقدمة لطلب العفو من الغير، وإدراك حقيقة وهي أن الله عز وجل لا تستعصي عليه مسألة وأنه سبحانه يغفر الذنوب كلها، إذ أن الآية بشارة ومن خصال البشارة في القرآن أنها جامعة مانعة، جامعة للدارين، ومانعة من طرو الكدورات الظلمانية.

قانون الخشوع
أبهى زينة في الأرض وزخرف للنفوس إظهار معاني الخشوع والخضوع لله عز وجل، وفي هذا الإظهار بركات من جهات :
الأولى : إنه مانع من التمادي في تهديد وتخويف الآخرين.
الثانية : تبعث الآية على الأخلاق الحميدة.
الثالثة : تنشر الآية معاني الصلاح بين الناس.
الرابعة : تجعل الآية الناس يدركون الحاجة إلى رحمة الله في النشأتين.
الخامسة : تهذيب المنطق وإصلاح النفوس، وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال: يقول الله تعالى : الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني منهما شيئاً قصمته( ).
السادسة : تنمية ملكة الذكر عند المسلم ذكراً كان أو أثنى، وصيرورته حاضراً في الوجود الذهني.
السابعة : إظهار الخشوع والخضوع لله في البيت والعمل والسوق، وفي الصلات الإجتماعية وعند إجراء المعاملات، قال تعالى في الثناء على المؤمنين[يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ]( ).
التاسعة : هذا الإظهار حرب على النفاق والخداع والمكر، قال تعالى[يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ]( )، فيأتي لجوء المسلمين إلى الذكر والإستغفار حجة على الكفار والمنافقين والمخادعين، وإعراضاَ عن خداعهم.
العاشرة : لقد خلق الله الإنسان لعبادته وعمارة الأرض بالذكر والإستغفار، قال تعالى[وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ]( )، وليكون إظهار الخشوع والخضوع لله عز وجل من مصاديق عبادة الله، وشاهداً على بلوغ المسلمين مرتبة العبودية لله عز وجل، ويتجلى شرف هذه المنزلة بقوله تعالى[سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى]( ).
وفي صيغة العبودية للنبي في الحضرة العلوية تأكيد للخضوع والخشوع لله عز وجل، وإجلال لمقامات الربوبية المطلقة، وليأتي الشكر من المسلمين جميعاً على نعمة الإسراء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من منازل العبودية تأسياً ومحاكاة للنبي وهو يتجلى بتلاوتهم كل يوم[الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ]( ).
الحادية عشرة : أصل الخشوع : السكون والتطامن.
وهو في الإصطلاح : الإقرار بالعبودية لله المقترن بالخشية في القلب وتجلي منافعها على الجوارح، قال تعالى[وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ]( )، وآية البحث سبب ومقدمة ومادة ومصداق للخشوع وزيادته في النفس وعلى الجوارح، لتكون وما يترتب عليها من الخشوع لله للنفرة من الفاحشة، وواقية من ظلم النفس، وإذا كانت الصلاة ومناجاة الله مناسبة الخشوع لله قال تعالى في الصلاة[وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ]( )، فان آية البحث وسيلة لجعل أوان إرتكاب الفاحشة أو الهّم بها مناسبة للتطامن والخشوع لله عز وجل فيلجأ المسلم إلى الذكر والإستغفار، وهذا الذكر سبب للخشوع من غير أن يستلزم الدور بينهما.
وبالإسناد عن أبي أدريس الخولاني قال : يرفع من هذه الأمة الخشوع حتى لا ترى خاشعاً) ( )، وابو مسلم الخولاني عبد الله بن ثوب تابعي قدم المدينة أيام أبي بكر، ثم انتقل إلى الشام.
ولم يرفع أبو مسلم الحديث وينسب مثل هذا الحديث إلى حذيفة إذ قال: أول ما تفقدون من دينكم الخشوع، وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة)( ).
وجاءت آية البحث لتبين الملازمة بين الوجود الإنساني في الأرض وبين الخشوع، لأنها تبقي أمة عظيمة وهم المسلمون يقيمون على ذكر الله والإستغفار عند فعل الفاحشة أو ظلم النفس، وهذه الإقامة من أبهى معاني الخشوع، وفي تراث المسلمين آيات من الخشوع لله عز وجل لا تسعها الكتب والمجلدات , والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إمام الخاشعين في سنته القولية والفعلية , لتكون سنته أسوة وقدوة يومية لأجيال المسلمين المتعاقبة .
وعن حذيفة قال : أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقلت يارسول الله : إن لي لساناً ذرباً على أهلي قد خشيت أن يدخلني النار، قال فاين أنت عن الإستغفار واني لأستغفر الله في كل يوم مائة مرة( )، وستبقى آية البحث مدداً للمسلمين لتعاهد خشوع القلوب حباً لله، وشوقاً للقائه، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا صلى يسمع لصوته أزيز كأزيز المرجل من البكاء)( ).
تفسير قوله تعالى[وَهُمْ يَعْلَمُونَ]
كما إبتدأت الآية بالثناء على المسلمين بنعتهم بالمتقين فانها أختتمت بمدحهم ووصفهم بالعلم وهو نوع إعجاز في مضمون الآية الكريمة إذ أن إكرام المسلمين يتسور فعل بعضهم الفاحشة وظلمه لنفسه، وهو أمر إختص الله به المسلمين من بين أهل الأرض، وهم المتقون الذين وردت آية البحث بيان فضل الله عليهم من وجوه :
الأول : مدح المسلمين.
الثاني : هداية المسلمين إلى سبل الرشاد.
الثالث : بعث المسلمين على المواظبة على الذكر والإستغفار.
الرابع : تأكيد إقرار وشهادة المسلمين بانحصار مغفرة الذنوب بالله عز وجل.
الخامس :سلامة المسلمين من داء الإصرار على المعاصي.
السادس :الإخبار عن بلوغ المسلمين مراتب العلم، وفي التنزيل[وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا]( ).
فالله عز وجل هو الذي يشهد للمسلمين بالعلم الذي يتجلى في آيات البحث بحسن السمت ومكارم الأخلاق , واللجوء إلى الله عز وجل من شرور النفس والكدورات الظلمانية.
وخاتمة آية البحث دعوة للناس لإتباع المسلمين والإقتداء بهم فقد جعل الله عز وجل الإنسان يميل بفطرته إلى العلم والكسب والتحصيل، وهو من رشحات وفروع تعليم الله عز وجل الأسماء لآدم عند الإحتجاج على الملائكة بأهليته للخلافة، كما ورد في التنزيل[وَعلم آدم الأَسْمَاءَ كُلَّهَاثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ]( )، وهل ينحصر تعلق خاتمة الآية بعدم الإصرار على الذنوب أم أن موضوعه أعم.
الجواب هو الثاني، وتقدير الآية على وجوه :
الوجه الأول : (والذين هم يعلمون ) وفيه مسائل :
الأولى : يعلم المسلمون أنهم المتقون الذي يخشون الله ويؤدون الفرائض والواجبات.
الثانية : يعلم المسلمون بأن المعاد حتم وأمر قطعي ثابت،ليترشح عن هذا العلم العمل المتصل والإستعداد للإقامة في الجنة الواسعة، وعن عبادة بن الصامت عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال: من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى ابن أمته ، وكلمته ألقاها إلى مريم ، وأن الجنة حق والنار حق ، وأن البعث حق أدخله الله من أي أبواب الجنة شاء ( ).
الثالثة : يعلمون أن الله تفضل باعداد الجنة للمتقين من الأولين والآخرين، وفي ولدي آدم الصلبيين ورد في التنزيل على لسان هابيل عندما همّ قابيل بقتله[إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ]( )، وفيه بلحاظ آية البحث أن الله عز وجل يتقبل من المسلمين ذكرهم له سبحانه وإستغفارهم من ذنوبهم، وإن كان المتقي من ولدي آدم قُتل وسفك دمه ظلماً ، فان المسلمين يملأون أقطار الأرض وبسنخية الإيمان ولباس التقوى ولهم دولهم وسلطانهم، وميادين العمل بأحكام القرآن والسنة .
وفيه آية في الملازمة بين بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وثبات الإيمان في الأرض، وعجز الكفار عن الإجهاز على أهل التقوى وإلى يوم القيامة.
الرابعة : جاءت آيات القرآن للحث على تعاهد المسلمين للأخوة الإيمانية، قال تعالى[وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ]( )، ليكون من علم المسلمين أن الذكر والإستغفار سبيل لغايات حميدة وأمور رشيدة منها:
الأول : التآلف بين المسلمين وفق أحكام الكتاب والسنة وتقدير الآية:لاتنازعوا وعندكم القرآن[تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( ).
الثاني : إتحاد العمل الصالح الصادر من المسلمين مجتمعين ومتفرقين حرز من الفرقة والخلاف بينهم، فلا غرابة أن تجد الخصومة بينهم سرعان ما تتلاشى وتزول.
الثالث : علم المسلمين ببلوغهم مرتبة المتقين مدد وضياء مصاحب لأجيالهم , وهو من عمومات قوله تعالى[خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
الرابع : لقد إقترن نهي المسلمين عن النزاع والخصومة في الآية أعلاه بوجوب طاعتهم لله ورسوله، لتأكيد حقيقة وهي أن الإقامة على سنن التقوى ومنها الذكر والإستغفار سبب للنصر والظفر وواقية دون الفشل وذهاب الدولة والنصر.
وأخرج عن قتادة في الآية قال: يقول : لا تختلفوا فتجبنوا ويذهب نصركم( ).
والريح : الدولة لوجه شبه للدولة بالريح , ولنفاذ الأمر والحكم والسلطان وكأنه كالريح يدخل إلى البيوت وتنصاع له النفوس.
ويقال : هبت رياح فلان إذا دالت له الدولة ونفذ أمره( )، وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: نُصرتُ بالصَّبا وأُهلكتْ عاد بالدبور( ).
الخامس : أكرم الله عز وجل المسلمين بأن خاطبهم بالأمر والنهي في آية واحدة وبما يجعل الأمر وهو طاعته ورسوله طريقاً لإجتناب ما نهى عنه وهذا الإجتناب من طاعة الله ورسوله وهو عون ومقدمة ومادة لتعاهد طاعة الله ورسوله لأنها أعم في موضوعها.
السادس : تضمنت آيات القرآن الإخبار عن إكرام الله للأنبياء على نحو العموم الإستغراقي وفيه تأديب للمسلمين، وهدايتهم لإتباع نهج الأنبياء في إخلاص العبودية لله، والفناء في طاعته، قال تعالى[أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ]( )، وفي ماهية دعوة الأنبياء يتعذر الفصل بين دعوتهم للتوحيد، وندبهم قومهم إلى الإستغفار، وفي نبي الله هود ورد قوله تعالى[قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزيِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ]( ) .
وجاءت آية البحث لتخبر عن قانون وهو مبادرة المسلمين أفراداً وجماعات وأمة إلى الإستغفار، وإقامتهم عليه، ولجوئهم إليه عند الزلل، فهم الذين حفظوا لواء الإستغفار , وقد سأل الأنبياء أممهم أن يستجيروا بالإستغفار فتلقت أمة محمد هذا السؤال كأمر، وتوارثت تعاهده مما يدل على فوزهم بما ذكرته الآية أعلاه من الوعد الإلهي الكريم وتجلى النعم العظيمة بكثرة در المطر ونزوله متتابعاً، وزيادة قوة المسلمين، ومضاعفة النسل على نحو إنحلالي متجدد.
فمن إعجاز القرآن أن تكون قصص الأنبياء وإنذارهم لقومهم مناسبة لبيان فضل المسلمين لإتباعهم السنن الأنبياء، وهو من الشواهد على تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الأنبياء السابقين، وفيه حجة وبرهان على صدق نزول القرآن من عند الله , وتأكيده بأن المسلمين {خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
ومنهم إبراهيم إذ نال مرتبة الخليل، وفي التنزيل[وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً]( )، وقيل أن معنى الخليل في اللغة:الفقير، لتتقوم أسمى مرتبة للإنسان بالفقر إلى الله، وكان إبراهيم منقطعاً في حاجته إلى الله، مخلصاً في طاعته.
وأخرج أحمد في الزهد وعبد بن حميد من طريق أبي هلال ، عن بكر بن عبدالله المزني قال : لما أرادوا أن يلقوا إبراهيم في النار ، جاءت عامة الخليقة فقالت : يا رب ، خليلك يلقى في النار فائذن لنا نطفئ عنه . قال : هو خليلي ليس لي في الأرض خليل غيره ، وأنا إلهه ليس له إله غيري ، فإن استغاثكم فأغيثوه ، وإلا فدعوه، قال : وجاء ملك القطر قال: يا رب ، خليلك يلقى في النار فائذن لي أن أطفئ عنه بالقطر. قال : هو خليلي ليس لي في الأرض خليل غيره ، وأنا إلهه ليس له إله غيري ، فإن استعان بك فأعنه وإلا فدعه. قال : فلما ألقي في النار دعا بدعاء نسيه أبو هلال فقال الله عز وجل [يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ] ( )، قال : فبردت في المشرق والمغرب فما أنضجت يومئذ كراعاً( ).
وتتطور الأسلحة في هذا الزمان وتكون أكثر فتكاً وأعم ضرراً، وتتسابق الدول في صنع القنابل النووية ومنهم من يقوم بالتهديد بها والتلويح باستخدامها , قال تعالى[وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ] ( ).
ترى هل في الآية أعلاه من سورة الأنبياء دعوة للدول والعلماء في هذا الزمان بصناعة سلاح واق للناس والدواب من القنابل النووية بحيث يطلق في الفضاء فيكون كالبالون الذي يحمي ويحفظ سائق السيارة عند الحوادث، الجواب نعم، وربما تعمل بعض الدول الكبرى الآن في تصنيعه , فقد جاء القرآن بمعجزات خاصة حدثت مصاديقها في هذه الأزمنة بالإكتساب العلمي، والإرتقاء التقني، كما في قوله تعالى في مريم[كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ] ( )، فكان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف والذي تحقق في هذا الزمان بالزراعة المغطاة ووسائط النقل السريعة، وأسباب الحفظ والخزن بدرجات حرارة مناسبة , وكذا بالنسبة لآية ولادة إسحاق مع تقدم إبراهيم وسارة في العمر , وفي قوله تعالى[قَالَتْ يَاوَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا]( )، كانت سارة بنت تسع وتسعين سنة وإبراهيم ابن مائة سنة واثنتي عشرة سنة ( ).
وكذا بالنسبة لولادة يحيى في أيام كبر وشيخوخة زكريا وزوجه، بمعجزة من الله عز وجل، ويرتقي علم الطب في هذا الزمان لمعالجة العقم وإمكان الإنجاب عن كبر، والله عز وجل إذا أنعم على أهل الأرض بنعمة فهو أكرم من أن يرفعها، فنعمة صيرورة النار برداً وسلاماً على إبراهيم وتغشي آية الإطفاء للنار في عموم الأرض إشارة إلى إمكان صناعة أسلحة واقية تأتي القنابل المهلكة لعامة الناس وهي في مستودعاتها وقبل إستعمالها، وأن هذه الصناعة سوف تكون بمقدور الدول والأمصار بما يبعث السكينة في نفوس العباد ويدعوهم إلى العمل بمضامين آية البحث لتبقى الحياة الدنيا دار الأمن والطمأنينة، وقد تقدم (قانون السكينة) ( ).
ومن خصال إبراهيم كثرة الدعاء , قال تعالى[إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ]( )، وأواه أي دعّاء، وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: الأوّاه : الخاشع المتضرع( ).
وقد جعل الله عز وجل المسلمين أمة ذاكرة مستغفرة تنزل عليها شآبيب الرحمة، ويعلم المسلمون أن الذكر والإستغفار من خصائص المتقين، وعلامات الخشية من الله بالغيب.
الخامسة :يعلم المسلمون أن الذكر والإستغفار خصلتان من خصال المتقين، فيحرصون على تعاهد كل فرد منهما مستقلاً بذاته ومنضماً إلى الآخر، لتبقى صفات المتقين ظاهرة لأهل الأرض والسماء بحسن سمت المسلمين وطاعتهم لله ورسوله وإتخاذهم العمل بحلال الله والكف عن محارمه بلغة لمرضاته.
السادسة : يعلم المسلمون أن وظائفهم لا تقف عند الذكر والإستغفار بل أنهم يبادرون إلى الإنفاق في حال الرخاء والشدة ويحبسون حنقهم، ويختارون العفو عن الناس عند التعدي عليهم، ومن صفات المتقين إدراك حقيقة وهي أن كل فرد من سجايا المتقين يأتون به حسنة تقربهم إلى الجنة، ليس التقريب الإنطباقي بتقادم الليل والنهار وانقضاء أيام من العمر إلى الأجل المسمى ولكنه التقريب باكتناز الصالحات وثقل كفة الحسنات.
السابعة :يعلم المسلمون أنهم يحملون لواء التقوى من بين الناس وإليهم جميعاً، وهو من عمومات قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( )، فالخير والتفضيل في الإرتقاء إلى مراتب التقوى وسلّم المعارف الإلهية ليخرجوا إلى الناس بآداب وسنن التقوى.
الثامنة : يعلم المسلمون بالملازمة بين التقوى والعلم، فالأمة التي تبلغ مراتب التقوى لابد أن تكون على مرتبة سامية من العلم والصلاح وهو وفق القياس الإقتراني:
الكبرى :المتقون هم أهل العلم.
الصغرى :المسلمون هم المتقون.
النتيجة :المسلمون هم أهل العلم.
التاسعة :يعلم المسلمون نجاتهم بالتقوى من العذاب الأليم يوم القيامة، وهو الذي يدل عليه مفهوم وفحوى الخطاب لتهيئة الجنة لهم، قال تعالى[وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ]( ).
الوجه الثاني :يكون تقدير الآية أيضاً(والذين إذا فعلوا فاحشة هم يعلمون) وفيه مسائل :
الأولى : يعلم المسلمون قبح الفاحشة ولزوم إجتنابها، ويدل عليه تعاهدهم للصلاة والواجبات العبادية , قال تعالى[إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ]( )، وكأن من مصاديق التعظيم والموضوعية لذكر الله في المقام هو أن المسلمين منزهون بالأصل من فعل الفاحشة، ولكن إن إرتكبها بعضهم فانه يلجأ لذكر الله كما تدل عليه آية البحث ليكون التفضيل في ذكر الله بلحاظ مجيئه على الذنب ومحوه فيبقى الأصل على حاله وهو تنزه المسلمين عن فعل الفاحشة، فلا ينخرم هذا القانون بارتكاب بعضهم للفاحشة لمحوها بذكر الله والإستغفار.
الثانية : يعلم المسلمون حرمة الفاحشة، وأن الله عز وجل نهى عنها , قال سبحانه[وَلاَ تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ]( )، وهذا العلم مقدمة للجوء إلى ذكر الله والإستغفار عند إرتكابها.
الثالثة : مجئ الآية بصيغة المفرد والتنكير (فعلوا فاحشة) يدل على إحتراز المسلمين بالعلم والمعرفة من إنتشار الفواحش بينهم، وجاءت آيات القرآن بالنهي عن إشاعة أخبارها، غيبة أو إفتراء، قال تعالى[إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ]( ).
وأخرج البخاري في الآدب والبيهقي في الشعب عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال : العامل الفاحشة ، والذي يشيع بها ، في الإِثم سواء( )، ليأتي الإستغفار على فعل الفاحشة والتسبيب بوقوعها، سواء كان السبب ذاته الذي إرتكب الفاحشة، أو غيره، وهذا التسبيب من مصاديق قوله تعالى[أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ] الوارد في آية البحث، فهو لم يفعل الفاحشة، ولكنه ظلم نفسه بحصول مقدماتها وأسبابها، لتأتي نعمة الإستغفار في آية البحث على الذنوب ووسائطها وتبعاتها، والله عز وجل إذا أعطى فانه يعطي بالأوفى والأتم، وهو من مصاديق إزالة الخوف والحزن عن نفوس المؤمنين، وعمومات قوله تعالى[إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ]( ).
الرابعة : قد يرتكب الإنسان المعصية وهو لا يلتفت إلى أنها مخالفة لوظيفته التي خلقه الله من أجلها وهي العبادة وجاء بضدها المنهي عنه بالنص وليس بمفهوم ودلالة الأمر بالشئ نهي عن ضده، قال تعالى[ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ] ( )، لإظهار الخشوع والخضوع لله عز وجل سواء بارادة الركوع والسجود في الصلاة لأنها أعظم أجزاء وأركان الصلاة، أو إرادة معنى الإنقياد والذل لمقام الربوبية لله عز وجل، وفيه دلالة بأن تسليم المؤمنين بالعبودية المطلقة لله عز وجل وأدائهم الفرائض علم قائم بذاته، وهو برزخ دون إرتكاب الفواحش والسيئات.
وتبين آية البحث إتصاف المسلمين بتعاهد وظائف العبودية، التي جاء القرآن بها كاملة وبلغة البيان والنص الجلي وجاءت السنة النبوية بما يمنع الإجمال والترديد فيها، قال تعالى[الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا]( ).
لتكون مضامين آية البحث والبعث على الذكر والإستغفار من كمال الدين، ومنه تمام النعمة في النشأتين، ومن سنن الإسلام التمييز بين الفعل الحسن والقبيح، وصيرورة الأول مقدمة لدخول الجنة الواسعة، وحاجة الثاني لإستحضار ذكر الله والمبادرة طوعاً ورغباً إلى الإستغفار وسؤال العفو من الله عز وجل، ليكون هذا الإستحضار واقية من إحضار ذات الفعل القبيح يوم القيامة، لمحوه بالذكر والإستغفار , وقد لا يكون المسلم الذاكر من الذين قال الله تعالى فيهم[وَلاَ يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ الْمُجْرِمُونَ]( ).
الخامسة : يمكن تقسيم الذين يأتون المعصية إلى قسمين:
الأول : الذين يفعلون الفاحشة عرضاَ وخلافاً لحالهم وشأنهم.
الثاني : الذين يفعلون الفاحشة عن ضلالة.
والمسلمون من القسم الأول بلحاظ إتخاذهم العلم وسيلة للجوء إلى الله والإستغفار.
السادسة : يعلم المسلمون وعلى نحو العموم المجموعي والإستغراقي أن آية البحث نعمة ورحمة لما فيها من أمور:
الأول : إنها بشارة دخول الذين يخشون الله بالغيب الجنة بمنطوق آية البحث والآيتين اللتين قبلها , وهذا الدخول وعد وعهد من الله أمام الخلائق التي تعلم مكان الجنة وموضوع وعلة إعدادها .
الثاني : الملازمة بين التقوى والإستغفار عند فعل الفاحشة.
الثالث : جذب الآية المسلمين لمنازل الذكر والإستغفار.
الرابع : الشهادة للمسلمين بالتبرأ من الذنوب، فمن يستغفر الله سبحانه منهم لا يعود للإقامة عليها.
فان قلت قد يفعل المسلم الذنب ويستغفر الله ثم يعود إليه والجواب هناك فرق بين الإقامة على الذنب والعودة إليه، وبينهما عموم وخصوص مطلق، فكل إقامة هي عودة وليس العكس، وآية البحث شهادة سماوية للمسلمين بالتنزه والنفرة من الإقامة على الذنوب.
السابعة : من علم المسلمين إستحضار سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهي المصدر الثاني للتشريع، وفيها أن فعل الفاحشة أمر يغفره الله عز وجل بالذكر والإستغفار.
وعن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : سمعت النبي صلى الله عليه و سلم يقول: ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية[يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ] ( )، إلى آخرها فقال رجل : يا رسول الله ومن أشرك ؟ فسكت النبي صلى الله عليه و سلم ثم قال: إلا ومن أشرك، إلا ومن أشرك إلا ومن أشرك( ).
الثامنة : إذا فعل المسلم فاحشة فهو يعلم بالحد والعقوبة العاجلة على فعلها، ولكنهم يسترون على أنفسهم ويلجأون إلى الإستغفار الذي جعله الله واقية من البلاء العاجل والعقاب الشديد الآجل، لتكون الدنيا (دار الإستغفار) وإنفرد المسلمون بالإنتفاع من هذه الصفة المباركة للدنيا التي تجعلها أكثر بهجة وبهاء.
التاسعة : يعلم كل مسلم قبح الفاحشة، وفعلها لا يعني الرضا بها، ولكنها غلبة النفس الشهوية الطارئة، ومن معاني ملكة الإيمان أن العلم بقبح الفاحشة على وجوه:
الأول : قبل إرتكابها، وهو الأمر الذي يجعل المسلم ينجو من كثير من الذنوب والسيئات من جهات:
الأولى : يهّم المسلم بالفاحشة ولا يفعلها.
الثانية : يسعى المسلم إلى فعل الفاحشة , ثم ينقطع وينصرف عنها بفضل الله ثم ملكة التقوى.
الثالثة :تعذر إجتماع مقدمات المعصية.
الرابعة :إمتناع الطرف الآخر من فعل الفاحشة التي تكون نوع مفاعلة بين إثنين أو أكثر.
الخامسة : رؤية الآيات التي تصرف المؤمن عن التلبس بالمعصية وفي يوسف عليه السلام ورد قوله تعالى[وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ]( ).
وفي خاتمة الآية أعلاه دلالة على أن رؤية البرهان وصرف السوء لا ينحصر بالأنبياء بل هو أعم ويشمل المتقين الذين أخلصوا الطاعة لله عز وجل على قراءة ابن كثير وابو عمرو وابن عامر بكسر اللام في المخلصين.
فصحيح أن الآية أعلاه جاءت بخصوص نبي الله يوسف عليه السلام إلا أنها مصداق لرحمة الله عز وجل في عباده، وآية تصاحب مصاديقها التقوى والأمن من سلطان الشيطان والغواية.
وقد تفضل الله عز وجل وأخبر بأن صرف الفاحشة لم يكن خاصاً بيوسف على نحو قضية عين بل هو أعم لقوله تعالى[إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ] ( ).
وقد أنعم الله عز وجل على المسلمين بقصص الأنبياء، وبيان حال الأمم السابقة بلسان الموعظة والبرهان ليكون تصديقهم بالقرآن من الشواهد على أنهم من عباد الله المخلصين.
السادسة :ذكر الله والخشية منه تعالى ومن عذابه الشديد.
السابعة : موضوعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الوقاية من السيئات وإرتكابها، سواء كان ذات المؤمن من هو الذي يتولى الأمر بالمعروف والنهي عن الفواحش، أو أنه كان يستمع ويتلقى الأوامر والنواهي.
الثامنة : أداء المؤمن للصلاة والفرائض برزخ دون فعل الفاحشة وهو من عمومات قوله تعالى[إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ] ( )، فلا دليل على حصر موضوعية أداء الفرائض بما بعد التلبس بالذنوب لأصالة الإطلاق فاداء الصلاة واقية وعلاج، وأمن من الذنوب ونجاة منها.
التاسعة : أداء عموم المؤمنين الصلاة والفرائض وما يترشح على الأفراد منهم من معاني التقوى والخشية من الله، وهو من عمومات الآية أعلاه بلحاظ أن نهي الصلاة عن الفحشاء لا يختص بمن يؤديها بل يشمل الذي يراه ويسمع أنه يصلي ويعلم منافع الصلاة على سلوكه وجوارحه وهو من أسرار جهر المسلمين بالصلاة اليومية الخمسة , وفي بني إسرائيل ورد قوله تعالى[وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً]( ).
وعن مجاهد في الآية أعلاه قال: كانوا لا يصلون إلا في البِيَع ، حتى خافوا من آل فرعون فأمروا أن يصلوا في بيوتهم( ).
وفيه آية في إكرام المسلمين وأدائهم الصلاة في المساجد بوعد كريم من الله قال سبحانه[فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ]( )، وإنتفاء الخوف من الطواغيت والظالمين.
لقد إنقضى عهد الطواغيت ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأخذ الظالمون أنفسهم يخافون من الصلاة وأثرها في النفوس، وهو من أسرار فرضها خمس مرات في اليوم، فلا يستطيع أحد أو جهة أن تعز ف عن موضوعية ومعاني ودلالات الصلاة.
الثاني: العلم بقبح الفاحشة عند إرتكابها، وفيه مسائل:
الأولى: إستحضار المسلم لسنن الحلال والحرام , وإدراك أن فعل الفاحشة من الثاني المنهي عنه.
الثانية: عل المسلم بالتضاد بين الإيمان وما يقوم به من فعل الفاحشة.
الثالثة: حصول موانع دون إتمام فعل الفاحشة.
الرابعة: تهيء أسباب الزجر عن المعاصي حتى عند إرتكابها، فمن فضل الله عز وجل أن آياته متصلة ليس لها إنقطاع أو فترة.
الخامسة: حضور آية البحث في الوجود الذهني للمسلم عند التلبس بالفاحشة.
السادسة: غلبة الشوق إلى الجنة التي[عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ]( )، على نفس المسلم وإن كان يفعل الفاحشة.
السابعة: موضوعية وإستدامة أثر ملكة النفرة من المعاصي التي تتولد في نفس المسلم من تلاوة آية البحث والآيات التي تنهى عن المعاصي مطلقاً، قال تعالى[وَلاَ تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ]( ).
الثامنة: تجلي شدة العذاب الذي أعده الله عز وجل لأهل المعاصي وهرب المسلم منه بالكف عن المعصية، والفزع إلى الذكر والإستغفار.
الثالث: علم المسلم بقبح الفاحشة بعد فعلها , وإلتفاته إلى حرمتها بعد إرتكابها، وفيه مسائل:
الأولى: صيرورة المسلم في حال من الندم على إرتكاب المعصية.
الثانية: إدراك المسلم لحقيقة وهي أنه أسمى وأرفع من التلبس بالذنوب.
الثالثة: تسليم المسلم بالإقرار بميثاق حرمة الفواحش الذي تفضل الله عز وجل وأخذه على المؤمنين في إجتناب الفواحش.
الرابعة: سلامة المسلم من حال القنوط واليأس من رحمة الله وهذه السلامة باعث للإجتهاد في طاعة الله، واللجوء إلى مخرج ومنجى من أعباء المعصية، ويتجلى بذكر الله والإستغفار.
ومن الآيات أن سبيل النجاة هذا أقرب شيء إلى الإنسان بل هو منه بالذات فهو فعل عضوي بآلة النطق وهو اللسان أو بالقلب والخاطر.
الخامسة: توجه المسلم إلى الدعاء والمسألة وطلب العفو والمغفرة، وفي التنزيل[قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا]( ).
السادسة: سعي المسلم في مسالك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لإصلاح النفوس والأفعال ليتعقب محو السيئة كتابة الملك الموكل به للحسنات.
الوجه الثالث : تقدير الآية ( والذين إذا ظلموا أنفسهم هم يعلمون) وفيه مسائل:
الأولى : تفقه المسلمين في الدين، ومعرفة المواطن التي هي ظلم النفس وتجاوز عليها.
الثانية : عدم بلوغ المتقين مرتبة العصمة المطلقة، فالذي يخشى الله قد يقع بمستنقع الإضرار بالنفس، فيلجأ إلى ملكة التقوى والخشية من الله بالمبادرة إلى الذكر والإستغفار.
الثالثة : يعلم المسلمون أن ظلم النفس معصية وذنب، وهذا العلم من رشحات التنزيل، وبركات نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهو مطلوب بذاته، ومرتبة في الفقاهة، ومقدمة لفعل الصالحات.
الرابعة : يدرك المسلمون إمكان التدارك في ظلم النفس , وان وقع فعلاً فان الله عز وجل يقيل العثرة، ويمحو الزلل والخطأ , وهو من عمومات قوله تعالى[يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ]( )، بلحاظ أن المحو يأتي في القضية الشخصية والنوعية.
وعن جابر بن عبد الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويكفر به الذنوب؟ قلنا : بلى يا رسول الله . قال : إسباغ الوضوء على المكاره ، وكثرة الخطا إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ، فذلكم الرباط( )، وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: إذا كان ليلة النصف من شعبان ، اطلع الله تعالى إلى خلقه( )، وفيه بيان لأوقات مباركة مخصوصة يجتهد فيها المسلم بالعبادة والدعاء والإستغفار للفور بالمغفرة، وجاء النص عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باستحباب صوم اليوم الخامس عشر من شعبان.
وذكرت لليلة النصف من شعبان أربعة أسماء (الليلة المباركة،ليلة البراءة، ليلة الصك، ليلة الرحمة) ( ) .
وتتضمن آية البحث البعث على الذكر والإستغفار حال فعل المعصية رجاء تعقبه بالمغفرة والعفو من الله.
الخامسة : يعلم كل مسلم أن ذكر الله والإستغفار هو السبيل للنجاة من تبعات ظلم النفس.
السادسة : حينما يظلم المسلم نفسه يعلم أنه من الأمة التي تتصف بالتقوى والخوف من الله , وأن الله رآه وعلم مكانه , فيستحي من الله سبحانه , وهل هذا الإستحياء كاف كمصداق للعمل بمضامين آية البحث والفوز بالمغفرة .
الجواب تؤكد آية البحث عدم كفايته فلابد من الذكر والإستغفار, وعدم الإبطاء والتسويف في الذكر والإستغفار، ويجد الذكر والإستغفار حاضرين عنده، لتخبر آية البحث بأن السلامة والأمن فيهما.
السابعة : يعلم المسلم أن أداء الصلاة مصداق لذكر الله الوارد في آية البحث وأنه طريق النجاة من ظلم النفس، وعن أبي بكر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ما من رجل يذنب ذنباً ثم يقوم فيذكر ذنبه ، فيتطهر ثم يصلي ركعتين ، ثم يستغفر الله من ذنبه ذلك إلا غفر الله له( ).
الثامنة : من خصال المتقي مصاحبة الندم له عند فعل الفاحشة أو ظلم النفس تلوم النفس صاحبها على فعل الفاحشة وظلم النفس فتجذبه إلى الذكر والإستغفار وتؤازرها وتسوقها آية البحث , ليكون شفاء من الندامة والحسرة وهذا اللوم من عمومات قوله تعالى[وَهُمْ يَعْلَمُونَ] الذي أختتمت به آية البحث.
التاسعة :تدل الآية بالدلالة التضمنية على حقيقة وهي من حق النفس على المسلم الذكر والإستغفار، وفيه إرشاد وتأديب له، وأنه حينما يسعى في الصالحات ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يعلم أن عليه الإعتناء بنفسه بوقايتها من المفاسد، وباللجوء إلى التدارك وذكر الله عز وجل والإستغفار، وليس فيهما مجتمعين ومتفرقين تشديد على النفس، وهو من الإعجاز والسماحة في الشريعة التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وعن عون بن أبي جحيفة قال: آخَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ سَلْمَانَ وَبَيْنَ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً ، فَقَالَ : مَا شَأْنُكِ مُتَبَذِّلَةً ؟ قَالَتْ : إِنَّ أَخَاكَ أَبَا الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا ، قَالَ : فَلَّمَا جَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ قَرَّبَ إِلَيْهِ طَعَامًا ، فَقَالَ : كُلْ فَإِنِّي صَائِمٌ ، قَالَ : مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ ، قَالَ : فَأَكَلَ ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لِيَقُومَ ، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ : نَمْ ، فَنَامَ ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ ، فَقَالَ لَهُ : نَمْ ، فَنَامَ ، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الصُّبْحِ ، قَالَ لَهُ سَلْمَانُ : قُمِ الآنَ ، فَقَامَا فَصَلَّيَا ، فَقَالَ : إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، وَلِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، وَلِضَيْفِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ ، فَأَتَيَا النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله سلم ، فَذَكَرَا ذَلِكَ ، فَقَالَ لَهُ : صَدَقَ سَلْمَانُ( ).
العاشرة : عندما يأتي المسلم بما فيه ظلم للنفس يستحضر حقيقة أنه من [خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( )، وأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم جاء بأحكام الإسلام التي تكون عصمة من الظلم للذات والغير، فيندم على ما فعل ويلجأ للإستغفار،، وهذا اللجوء من مصاديق الآية أعلاه.
الحادية عشرة : يعلم المسلمون شدة عذاب الكفار لظلمهم لأنفسهم بالجحود والضلالة وإرتكاب الموبقات، قال تعالى[وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ] ( ).
فيشكر المسلمون الله عز وجل على نعمة النجاة من ظلم الذات والإصرار على المعاصي، وهذه النعمة من عمومات قوله تعالى أعلاه[وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ] أي أن نفي الظلم عن الله ليس أمراً عدمياً بل هو أمر وجودي متجد وبأسباب الهداية والصلاح، ومنها آية البحث إذ أنها حجة وبرهان بأن الله لا يظلم العباد، ولم يتركهم وشأنهم، وحتى في حال فعل الفاحشة وظلم النفس فان الله تعالى يمدهم بسبل الخلاص من التبعات بما ليس فيه مشقة ولا إنفاق إنما هو ذكر وإستغفار باللسان ، وهناك مسألتان:
الأولى : جاءت الآية بصيغة الجملة الخبرية، وليس الأمر بالذكر والإستغفار.
الثانية : وردت الآية بخصوص خصال المتقين، وليس فيها ما يدل على إرادة عموم الناس، والدنيا(دار الرحمة) إذ تصيب الرحمة فيها البر والفاجر، فهل مضامين الآية من الرحمة الخاصة بالمسلمين على نحو الحصر والتعيين.
أما الأولى فان الآية بيان لصفات المؤمنين، وذكر لواجباتهم ووظائفهم العبادية، وتدل بالدلالة التضمنية على لزوم عمل المسلمين بما فيها من الأحكام والسنن، وأما الثانية فان الدعوة إلى الإسلام للناس جميعاً، قال تعالى[وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا]( )، لتكون آية البحث من أبهى وأعم البشارات التي جاءت بها نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فانها تتضمن أمورا ً:
الأول : التخفيف عن المسلمين بالإخبار عن عدم الملازمة بين العصمة وصدق التقوى والوجل من الله .
الثاني : بلوغ المسلمين مراتب التقوى والخشية من الله.
الثالث : تلاوة المسلمين للتنزيل، وهذه التلاوة من الذكر الوارد في آية البحث.
الرابع : محو الذنب والمعاصي.
الخامس : عدم وجود فترة بين فعل المعصية وسؤال العفو ومحوها وأثرها.
السادس : صيغة العموم والإطلاق في الآية الكريمة، فالضابطة الكلية في الرحمة الإلهية في الآية الكريمة هي التقوى والخشية من الله.
السابع : الصلاح العام المترشح عن الإستغفار الشخصي والنوعي، فينتفع المسلم من إستغفاره، وإستغفار غيره من المسلمين بالذات والأثر الذي يتجلى بمصاديق الصلاح في السلوك والسيرة.
الثامن : الوعد الكريم بدخول الجنة التي[عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ]( )، وهذا الوعد رحمة بالناس جميعاً وان كان متعلقة التقوى لأنه بعث للناس جميعاً للإيمان والتصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمعجزات العقلية والحسية التي جاء بها .
وهل فعل الفاحشة أو ظلم الإنسان لنفسه من جنس المصيبة في قوله تعالى[الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ]( )، الجواب القدر المتيقن من المصيبة نزولها في البدن أو الأهل أو المال أو الصاحب، وورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: أربعة في حديقة قدس الجنة : المعتصم بلا إله إلا الله لا يشك فيها ، ومن إذا عمل حسنة سرته وحمد الله عليها ، ومن إذا عمل سيئة ساءته واستغفر الله منها، ومن إذا أصابته مصيبة قال : إنا لله وإنا إليه راجعون( ) .
ليدل الحديث على التعدد وأن فعل السيئة غير المصيبة التي تنزل قهراً كمرض أو موت أو تلف مال، بالإضافة إلى مجئ آية البحث في بيان صفات المتقين بحيث لا يغادر المسلم منازل التقوى وان فعل الفاحشة لأنها عرض زائل لا إعتبار له مع ذكر المسلم لله عز وجل ومبادرته إلى الإستغفار، وتخلف المصيبة الحزن في النفس فيلجأ المسلم إلى الإسترجاع، أما فعل السيئة فتمحو أثرها المبادرة إلى الإستغفار , وما فيه من رجاء العفو وإعلان النفرة من المعصية المرتكبة والندم والعزم على عدم العودة إليها.
وعندما نزلت آية صدقة مناجاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمسك أغلب الصحابة عن المناجاة , ولم يعمل بها إلا الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام حتى نزلت الرخصة والنسخ بعدها بقوله تعالى[أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ] ( ).
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن علي قال : ما عمل بها أحد غيري حتى نسخت وما كانت إلا ساعة يعني آية النجوى( ).
وليس في آية البحث كفارة عن إرتكاب الذنوب، أو صدقة تسبق أو تعقب ظلم النفس بل يكفي المسلم ذكر الله والإستغفار، ولا ناسخ لآية البحث ومضامينها وكنوزها وفيه مسائل :
الأولى : إنه حجة على الناس .
الثانية : فيه شاهد على غنى الله عز وجل عن الناس وعن عذابهم، قال تعالى[مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ]( ).
الثالثة : لم يجعل الله عز وجل شرطاً أوقيداً أومقدمات للإستغفار عند فعل الفاحشة وظلم النفس .
وتفضل الله سبحانه مرة أخرى ومنع البرزخ والحاجب بين العبد وبين الإستغفار.
وتدل آية البحث في مفهومها على هذا المنع لما فيها من معاني الأمر والندب إلى ذكر الله والإستغفار والوعد الكريم بقبول الإتيان بهما وجعله كفارة لفعل الفاحشة وظلم النفس، ولكن هذه الكفارة وقبولها أمر خاص بالمسلمين والمسلمات، ليكون ترغيباً بالإسلام، ودعوة للناس للسلامة من أثقال وأعباء الذنوب بدخول الإسلام لأنه واجب بالذات ولتوقف قبول الذكر والإستغفار على بالنطق بالشهادتين، بالإضافة إلى التحلي بخصال التقوى , ومنها قصد القربة إلى الله سبحانه.
وتدل آية البحث والآية السابقة لها على تداخل مصاديق التقوى وأن التقيد بشطر منها يؤدي إلى التقيد والعمل بالشطر الآخر، لذا جاءت الآية السابقة ببيان مبادرة المؤمنين إلى الإنفاق في حال الشدة والرخاء ويتضمن هذا الإنفاق ذكراً لله عز وجل بالنية لا أقل أن الإنفاق بقصد القربة إلى الله، وكذا بالنسبة لقوله تعالى[وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ] ( )، فان حبس المؤمن غضبه طاعة وحباً لله ورجاء مرضاته، وإظهاراً للأخلاق الحميدة التي يحث عليها القرآن , قال تعالى في الثناء على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم[وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ]( ) .
وإذ إجتمعت مكارم الأخلاق عند النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهو المعصوم عن الخطأ والزلل فهل يكون ذكر الله والإستغفار عند فعل الفاحشة من الخلق العظيم أم أنه أدنى مرتبة.
الجواب هو الأول لأن الخلق العظيم من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة وقد فاز النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأسماها وأعلاها مرتبة لتكون خصاله الكريمة من التقوى والخلق العظيم .
ويجتهد المسلمون في الإقتداء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والعمل بأحكام آيات القرآن، ومنها آية البحث، ولو كان غير الذكر والإستغفار ما هو أكبر منها عند إرتكاب السسيئة لذكرته الآية وأمرت المسلمين به لأن المسلمين [خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
لقد كان العرب قبل الإسلام يتباهون بالظلم ويعملون وفق قاعدة : من عزّ بزّ، ومن غلب إستلب) فكانت قسوة القلوب ظاهرة في طباعهم، والرحمة غائبة عن سلوكهم ونهجهم، وأداء الحق والوفاء بالأمانة قليلاً بينهم، فجاءت آية البحث للزجر عن ظلم النفس والذي يدل عليه لزوم التدارك بالذكر والإستغفار , وفيه مسائل:
الأولى : حرص المسلم على عدم العودة إلى ظلم النفس.
الثانية : إنشغال المسلم بالذكر والإستغفار تداركاً.
الثالثة : الإحساس باللذة والسكينة عند الإنقطاع إلى الذكر والإستغفار.
الرابعة : ترك ظلم الآخرين من باب الأولوية القطعية.
الثانية عشرة : المتعارف بين الناس والمتبادر أن الظلم هو التجاوز والتعدي الذي يقع على الغير، فهو نوع مفاعلة وهناك تعدد واثنينية بين الظالم والمظلوم، وجاء القرآن بآية في عالم السلوك والأخلاق تتصل بالعقائد وعالم الحساب في الدنيا والآخرة، بذكر وجوه الظلم وهي:
الأول : ظلم الإنسان للغير.
الثاني : ظلم الإنسان لنفسه.
الثالث : الفعل المتحد الذي يكون ظلماً للغير والذات , والأصل هو الأول أعلاه لذا جاءت الآية بالتقييد بتعلق الظلم بالنفس، كما في ترك الواجبات، وعن عبد الله بن مسعود ” لمّا نزلت[الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ]( )، شَقّ ذلك على المسلمين وقالوا : أيّنا لم يظلم نفسه ” فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ليس كما تَظُنّون إنَّما هو كما قال لقمان لابنه[إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ] ( ).
فالكفر إضرار بالنفس والغير، وحرب على الإسلام، وعداوة مع أهل الإيمان، وهو أشد أنواع الإفساد في الأرض، فجاءت نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم حرب على الشرك، ومنها آية البحث التي تتضمن هداية المسلمين للثبات في منازل الإيمان بذكر الله والإستغفار , وكل فرد منهما واقية من الظلم بانواعه، ودعوة للناس لإستئصال الكفر من النفوس والمجتمعات.
الرابع : تقدير الآية : ذكروا الله وهم يعلمون، وفيه مسائل:
الأولى : يعلم المسلمون أن ذكر الله واجب على العباد، وهو من مصاديق علة خلقهم وهي العبادة، فيجتهد المسلمون في ذكر وطاعة الله سبحانه.
الثانية : بيان موضوعية نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم في تهذيب النفوس وصلاح الإنسانية وعمارة الأرض بالذكر، بأن صار المسلمون أئمة الناس في الذكر والفلاح، قال تعالى[كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ] ( ).
ومن الإعجاز في الآية أعلاه تكرار لفظ يعلمكم، وصيرورة التعليم فيها على وجوه :
الأول : تعليم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين الكتاب النازل من السماء وما فيه من علم الغيب.
الثاني : تعليم الحكمة وهي أحكام الشريعة والسنة النبوية.
الثالث : سنن وآداب التقوى , وبالنسبة لآية البحث فانها آية وقطعة من الكتاب النازل من السماء على صدر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكل مضامينها من الحكمة لما فيها من التدارك بأسمى معانيه الذي يتقوم بالإعتذار أو بذل المال، أو التجاوز عن الطرف الآخر، أو إنحصار الأمر برضا المعتدى عليه , ويكون التدارك عند فعل الفاحشة أو ظلم النفس بالذكر والإستغفار ويعلم المسلمون أن هذا التدارك من خصال التقوى وهو وفق القياس الإقتراني:
الكبرى :المتقون هم الذين يتداركون ذنوبهم بالذكر والإستغفار.
الصغرى : المسلمون هم الذين يتداركون ذنوبهم بالذكر والإستغفار.
النتيجة : المسلمون هم المتقون.
وكان الناس في جهل وغفلة عن هذا القانون لإعراضهم لما جاء به الأنبياء السابقين، وصدورهم عن أحكام التنزيل، ومنهم من قتل الأنبياء الذين جاءوا لإنقاذهم من براثن الضلالة، قال تعالى[قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ]( )، فجاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالقرآن الذي يطرد الجهالة عن الناس، ويمنع من دبيب الغفلة إلى النفوس، وتدل عليه آية البحث لما فيها من الندب إلى ذكر الله والإستغفار حال ظلم النفس أو إرتكاب السيئة مع إنعدام الفترة بين الحالتين , وكأن فعل الفاحشة وظلم النفس لم يكن لزوال أثره في النفس وإنشغالها واللسان والجوارح بذكر الله والتقرب إليه بالإستغفار .
ويدل لجوء المسلم إلى ذكر الله على إنتقاله من حال إلى حال، لذا جاءت الآية بصيغة الفعل الماضي (فعلوا فاحشة) وذكر الله مصداق لإنقطاع فعل السيئة وعدم الإقامة عليه، وشاهد على تعاهد المسلمين لمنازل الخشية من الله بالغيب , قال تعالى[الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ]( ).
الرابع : جاءت آية البحث بالبشارة والإخبار عن قانون كلي وهو حسن عاقبة الذين يبادرون إلى ذكر الله عند فعل الفاحشة أو ظلم النفس، فاجتهدوا في المسارعة إليها، وهو من عمومات قوله تعالى قبل آيتين من آية البحث[وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ]( )، وهذا الإجتهاد من رشحات العلم الذي جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من عند الله، وهو وفق القياس الإقتراني :
الكبرى : الذين يذكرون الله ويستغفرون لذنوبهم يدخلون الجنة.
الصغرى : المسلمون يذكرون الله ويستغفرون لذنوبهم.
النتيجة : المسلمون يدخلون الجنة.
ليكون من معاني (وهم يعلمون) أن المسلمين يعلمون بأنهم يدخلون الجنة ويلحقون بالمتقين من الأمم السابقة، فهم في الدنيا يتلقون أخبارهم من التنزيل , قال تعالى[نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ]( ) .
أما في الآخرة فان الجنة محل إقامتهم جميعاً، فينعدم التعاقب الزماني بين الأجيال، كما يموت الموت، ويكون ذكر الله والإستغفار جواز العبور إلى دار النعيم , لذا جاءت الآية بذكر المتقين عموماً من الأمم السابقة وأهل الإسلام.
الوجه الرابع : من وجوه تقدير الآية بلحاظ خاتمتها: (ذكروا الله وهم يعلمون) وفيه مسائل:
الأولى : يعلم المسلمون أن ذكر الله عز وجل واجب على كل مكلف ذكراً كان أو أنثى، وهو من بركات نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وذات الذكر نعمة على الذاكرين، وهو من عمومات قوله تعالى[وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( )، إذ تتنزل أفراد النعم على الذاكرين وغيرهم أيضاَ لأن من خصائص النعم الإلهية تغشي أهلها والمستحقين لها ومن يتعلق بهم وغيره، ويتصل بهم، لتكون تلك النعم حجة عليه، وترغيباً له بالإسلام، وكأنه من مقدمات الشفاعة في الآخرة، وعن أبي سعيد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال: من أمتي من يشفع للرجل وأهل بيته فيدخلون الجنة بشفاعته( ).
وآية البحث نعمة من نعم الذكر , ومقدمة له وللفيض الإلهي الذي يترشح عن ذكر الله على صاحبه وغيره من الناس، وهذا الغير عام غير منحصر أو مقيد بصلة مخصوصة مع المسلم الذي يلجأ إلى الذكر والإستغفار فقد يشمل أهل القرية والبلدة والمصر، ويشمل الأولاد والأعقاب.
الثانية : يقوم المسلمون بذكر الله وهم يعلمون بأن هذا الذكر علة إرتقائهم لمنزلة[خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( )، فيكون علمهم هذا سبباً لإقامتهم على الذكر، وبرزخاً دون إصرارهم على الذنوب والمعاصي، فمن خصائص أهل العلم الإقبال بشوق على فعل الصالحات والعزوف عن السيئات.
ومن الشواهد على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم الملازمة بين معجزاته وبين العلم، ولم يتردد في تلقي الأسئلة من أهل الكتاب من الملل السابقة وغيرهم سواء في بداية الدعوة الإسلامية أم بعد ثبوت الشريعة الإسلامية، وتعدد الفتوحات، ودخول الناس في الإسلام قبائل وأفواجاً بعد توالي المعجزات، وقد ورد لفظ يسألونك في القرآن خمس عشرة مرة منها مايتعلق بعلم الغيب كقوله تعالى[يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا]( )، ووردت أكثر الأسئلة في الأحكام والتشريع، وفي هذه الآيات بلحاظ موضوع الذكر وجوه:
الأول : أسئلة المسلمين من عمومات الذكر لما فيها من التسليم بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني : تفقه المسلمين في الدين، وإتخاذهم سؤالهم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مقدمة ومناسبة للذكر والإستغفار.
الثالث : لقد نزل القرآن نجوماً وخلال مدة ثلاث وعشرين سنة، ومنه آيات السؤال هذه مما يدل بأن كل آية منها ترغيب للمسلمين وغيرهم بسؤال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فنزول قوله تعالى[يَسْأَلُونَكَ] وتضمن الآية للجواب من الله عز وجل دعوة للناس لسؤال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في أمور الدين والدنيا .
وهل من ثواب في المبادرة إلى سؤال النبي صلى الله عليه وآله وسلم الجواب نعم، مادام القصد النفع الخاص والعام، وحتى السؤال الشخصي فانه باب لإنتفاع أجيال المسلمين منه موضوعاً وحكماً.
الرابع : الإنتفاع الأمثل من وجود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين ظهراني المسلمين.
الخامس : توثيق السنة النبوية فليس كل الأسئلة الموجهة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واردة في القرآن.
السادس : آيات السؤال شاهد تأريخي لإنعدام الحاجب والبرزخ بين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والناس، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، وحتى الأسرى كان يتفقدهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كل يوم إذ كانوا في باب المسجد يرونه ويسمع كلامهم هو وأصحابه عند المرور بهم , ويؤذن لهم بالخروج من موضع الأسر للسؤال عن سنن وأحكام الإسلام وقضاء حاجاتهم , وقام أسرى معركة بدر بتعليم أبناء المسلمين القراءة والكتابة .
وعندما أصابت خيل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التي كانت مع علي بن أبي طالب عليه السلام إذ بعثه النبي إلى الغلس( )، يهزمه ويشن الغارات سبايا طيء وكان بينهم إبنة حاتم الطائي فجعلت ابنة حاتم في حظيرة بباب المسجد كانت السبايا يحبسن بها فمرّ بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقامت إليه وكانت امرأة جزلة .
فقالت يا رسول الله هلك الوالد وغاب الوافد فامنن على منّ الله عليك . قال : ومن وافدك . قالت عدي بن حاتم . قال : الفار من الله ورسوله . قالت : ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركني حتى إذا كان الغد مر بى وقد أيست فأشار إلى رجل من خلفه أن قومي إليه فكلميه . قالت : فقمت إليه فقلت يا رسول الله هلك الوالد وغاب الوافد فامنن على منّ الله عليك . قال : قد فعلت فلا تعجلي بخروج حتى تجدي من قومك من يكون لك ثقة حتى يبلغك إلى بلادك , ثم آذنينى .
قالت : فسألت عن الرجل الذى أشار إلي أن كلميه فقيل علي ابن أبى طالب , وأقمت حتى قدم ركب من بليَ أو قضاعة , وإنما أريد أن آتى أخى بالشأم، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فقلت : يا رسول الله قد قدم رهط من قومي لى فيهم ثقة وبلاغ فكساني رسول الله صلى الله عليه وسلم وحملنى وأعطاني نفقة فخرجت معهم حتى قدمت الشأم .
قال عدي فو الله إنى لقاعد في أهلى إذ نظرت إلى ظعينة تصوب إلى تؤمنا فقلت ابنة حاتم قال فإذا هي هي فلما وقفت على انسحلت تقول القاطع الظالم احتملت بأهلك وولدك وتركت بنية والدك وعورته .
قلت يا أخية لا تقولي الا خيرا فو الله ما لى عذر لقد صنعت ما ذكرت ثم نزلت فأقامت عندي فقلت لها وكانت امرأة حازمة ماذا ترين في أمر هذا الرجل .
قالت : أرى والله أن تلحق به سريعا فان يكن الرجل نبيا فالسابق إليه له فضيلة وإن يكن ملكا فلن تذل في عز اليمن وأنت أنت قلت والله إن هذا للرأى , فخرجتُ حتى أقدم على رسول الله المدينة فدخلت عليه وهو في مسجده
فسلمت عليه فقال من الرجل فقلت عدي بن حاتم فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فانطلق بى إلى بيته فو الله إنه لعامد بى إليه إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة فاستوقفته فوقف لها طويلا تكلمه في حاجتها , فقلت في نفسي والله ما هذا بملك ثم مضى رسول الله حتى دخل بيته فتناول وسادة من أدم محشوة ليفا فقذفها إلى فقال لى اجلس على هذه قال قلت لا بل أنت فاجلس عليها .قال : لا بل أنت .
فجلست وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالارض . قلت في نفسي :والله ما هذا بأمر ملك( ).
وعند وقوع الردة بعد إنتقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى لم يرتد من طيء رجل واحد) ( ).
لقد جاهد عدي بن حاتم لجمع قبائل طيء لقتال المرتدين (وسار عدي بن حاتم مع خالد بن الوليد إلى أهل الردة ، وقد انضم إلى عدي من طيئ ألف رجل، وكانت جديلة معترضة عن الإسلام ، وهم بطن من طيئ ، وكان عدي من الغوث ، فلما همت جديلة أن ترتد ونزلت ناحية ، جاءهم مكنف بن زيد الخيل الطائي ، فقال : أتريدون أن تكونوا سبة على قومكم، لم يرجع رجل واحد من طيئ ، وهذا أبو طريف معه ألف من طيئ ؟ فكسرهم . فلما نزل بزاخة .
قال خالد لعدي : يا أبا طريف ، ألا نسير إلى جديلة؟ فقال : يا أبا سليمان ، لا تفعل ، أقاتل معك بيدين أحب إليك أم بيد واحدة ؟ فقال خالد : بل بيدين . فقال عدي : فإن جديلة إحدى يدي . فكف خالد عنهم، فجاءهم عدي ، فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا ، فسار بهم إلى خالد، فلما رآهم خالد فزع ، وظن أنهم أتوا القتال ، فصاح في أصحابه بالسلاح ، فقيل له : إنما هي جديلة أتت تقاتل معك)( ).
وعن محمد بن سيرين قال: لما ارتد الناس على عهد أبي بكر ، جمع عدي بن حاتم قومه فقال لهم: هل لكم إلى أن تجمعوا صدقة أموالكم فآتي بها هذا الرجل ، فإن ظفر كنتم قد أخذتم بنصيبكم منه ، وإن لم يظفر فأنا ضامن لها أردها عليكم ؟ ، ففعلوا ، فأتى بها أبا بكر ( ).
السابع : دعوة الناس للإصغاء للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ووعي ما يجيب به عن الأسئلة، فقد يكون مصدر السؤال متحداً ولكن الأجيال المتعاقبة تنتفع من الجواب النبوي.
الثالثة : يعلم المسلمون أن الذكر الذي يواظبون عليه وسيلة مباركة لمحو السيئات والذنوب، ويدل في مفهومه على التسليم بعالم الحساب، وأن الله عز وجل يؤاخذ الناس بذنوبهم إلا الذين لجأوا وهم في الدنيا إلى ذكره وسؤال المغفرة منه تعالى، ليكون في خاتمة الآية ثناء مركب ومتعدد على المسلمين لأنهم يذكرون الله عز وجل ويواظبون على الإستغفار.
الرابعة : جاءت الآية بأمرين متلازمين:
الأول : تعقب ذكر الله للوقوع في الفاحشة أو ظلم النفس.
الثاني :إقتران الإستغفار بالذكر لبيان بلوغ المسلمين مرتبة من العلم والفقاهة جامعة مانعة، جامعة لصيغ الإرتقاء في سلّم الإيمان، ومانعة من الإرتداد العقائدي أو الأخلاقي، وفيها شاهد على أن المسلمين[خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( )، فهم يعلمون بأن ذكر الله علاج نافع في النشأتين، فليس من لفظ يجري على اللسان يكون واقية من تبعات الإقدام على فعل قبيح مثل التوقي والإحتراز بذكر الله.
الخامسة : جاء قوله تعالى[هم يعلمون] جملة حالية، إذ يعلم المسلمون حال ذكرهم لله عز وجل أنه نهاهم عن فعل الفاحشة وعن ظلم النفس قال تعالى[وَلاَ تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ] ( )، وتفضل بآية البحث ليحافظ المسلمون على هذا النهي بالإمتثال الأمثل له، باجتناب الفواحش في قادم الأيام.
وأخرج عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم : لا أحد أغير من الله ، من أجل ذلك حرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، ولا أحد أحب إليه المدح من الله من أجل ذلك مدح نفسه، ولا أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين( )، وفي ذكر الله عند إرتكاب الفاحشة أمور:
الأول : الإقرار بظلم النفس.
الثاني : التبرأ من سوء الفعل، وغلبة النفس الشهوية.
الثالث : تنمية ملكة التقوى , وتدل عليها آية البحث إذ أنها تذكر المتقين الذين قد يرتكبون الفاحشة , وكيف أنهم يبادرون إلى الذكر والإستغفار.
الرابع : التسليم بأن الله عز وجل يبغض فعل الفاحشة وظلم النفس.
الخامس : اللجوء إلى مدح الله عز وجل والثناء عليه بذكره وبيان حلمه وإمهاله وفتحه باب التوبة.
لقد خصّ الله عز وجل المسلمين بنعمة , فحينما يرتكب بعضهم معصية وذنباً لم يكتف سبحانه بالتجاوز عن سوء فعله ويمهله ويأمر الملائكة بالتأني والتريث في تدوين معصيته، بل تفضل بآية البحث وما تدل عليه في مفهومها من الوعد بالعفو والمغفرة عن الذنب بذكر الله تعالى.
السادسة : ذكر المسلمين لله من خصال التقوى، وفيه زجر للناس عن الشرك والضلالة، وفيه دعوة إلى الصلاح، وهو من عمومات قوله تعالى[وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ]( ).
وهل ذكر الله من الدعوة الصامتة إلى الله أم الدعوة الجهرية؟ الجواب هو الثاني، والأول في طوله , ليكون في هذا الذكر مغفرة للذنوب، وزيادة في الثواب والأجر، فان قلت إن التذكير بالله أعم من تحقق الإستجابة من قبل الآخرين، فليس هو من العلة والمعلول.
فمن الناس من يصر على الجحود ويقابل الذكر بالإستخفاف , قال تعالى[إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ]( )، والجواب من وجوه:
الأول : ليس من ملازمة بين الدعوة إلى الهدى والصلاح وبين إستجابة الغير متحداً كان أو متعدداً.
الثاني : يتعلق الثواب بقول وفعل المؤمن وإتيانه بقصد القربة إلى الله عز وجل .
الثالث : الإستجابة وترتب الأثر على الدعوة إلى الله أعم من أن تنحصر بالزمن الحال , وقوانين العلة والمعلول في الخيرات , وهي لبنة صلاح تضاف إلى أسباب الدعوة التي توجه للفرد والجماعة لجذبهم إلى مقامات الهدى.
فمن اللطف الإلهي بالمسلم صيرورة ذكره لله كفارة عن ظلمه لنفسه وترشح أبواب من الثواب عنه تتعدى القضية الشخصية، فان قلت إن الناس قد يقتبسون من المؤمن فعله للمعصية دون الذكر.
والجواب أن صبغة فعل المسلم هي التقوى والخشية من الله، فيدرك الناس أن فعلهم للفاحشة عرض زائل فلا يطمع الذي في قلبه مرض، لأن هذا الفعل خلاف معالم التقوى التي يراه الناس عليها، ثم يأتي الذكر والإستغفار إظهاراً للندامة، وصيغة للتدارك، وإمتثالاً لأمر الله عز وجل الذي تتضمنه آية البحث.
وهل يعلم المسلمون بإنتفاع الناس من ذكرهم لله , الجواب نعم، وهو من خصائص إمامتهم للناس في الصالحات، ليكون من مصاديق الآية، (ذكروا الله وهم يعلمون بالنفع العام لهذا الذكر .
وإذا كان إنتفاع الناس من ذكر المسلمين لله عز وجل في الدنيا بصرف البلاء والآفات، وبنزول الرزق، فان نفع المسلمين في المقام على وجوه:
الأول : النفع العام من الذكر العام الصادر من المسلمين جميعاً.
الثاني : النفع الخاص من الذكر العام.
الثالث : إنتفاع المسلمين من النفع المترشح على الناس بسبب ذكر المسلمين لله عز وجل.
وتلك آية في تعدد الفيض والبركة التوليدية التي تأتي من ذكر الله عز وجل، وما يشرق منها على النفوس.
السابعة : يذكر المسلمون الله عز وجل وهم يعلمون أن هذا الذكر تأكيد لصيغة التقوى ليحاصر فعل الفاحشة بابتداء الآية بالشهادة من الله بالتقوى لقوله تعالى[وَالَّذِينَ] معطوفاً على المتقين .
الثامنة : يعلم المسلمون لزوم تعقب الإستغفار لذكر الله، وكأن الذكر مقدمة للإستغفار وسؤال العفو والمغفرة، والإستغفار ذكر أيضاَ، إلا أنه مخصوص في موضوع العفو وطلب المغفرة لتدعو لهم الملائكة، وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة ، وغشيتهم الرحمة( ).
التاسعة : ليس من منزلة رفيعة لأحد أو جماعة عند الله وبين الناس أسمى من منزلة الذاكرين لله عز وجل، ليكون الذكر سبباً لتوالي النعم، ونزول البركات.
ويعلم المسلمون أنهم نالوا هذه المرتبة فهم يحرصون على ذكر الله مطلقاً وعند إرتكاب الفاحشة خاصة، ويعلمون بأن هذا الذكر برزخ دون الإبتلاء بنقص النعم أو زوال البركة.
العاشرة : يعلم المسلمون أن تعقب الفاحشة وظلم النفس بالذكر والإستغفار دليل على تسمية الذنب على نحو التعيين، فاذا ضيّع المسلم عبادة مخصوصة كما لو سوّف في أداء فريضة الحج مع تحقق الإستطاعة عنده لقوله تعالى[وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً]( )، فيقول : أستغفر الله من التسويف وتأخير أداء الحج , مع لزوم المبادرة إلى اداء مناسك الحج مع بقاء الإستطاعة بأدنى مراتبها.
نعم من الذنوب ما يكون الحق فيه مركباً ومتعدداً، وفيه حق الله وحق الناس، كما لو سرق من الغير فيقول: أستغفر الله من سرقتي من فلان، وعليه أيضاَ إعادة الحق والمال المسروق إلى أهله إلا مع الحرج والفتنة وخشية الضرر حتى في حال دسّه في ماله .
وجاءت آية البحث لتبين أموراً:
الأول : عدم الملازمة بين الذكر والإستغفار من جهة وبين سؤال العفو وطلب البراءة من المعتدى عليه، فقد يتأخر هذا الطلب، ولكن ذكر الله والإستغفار فوري، وهذه الفورية من خصال المتقين.
الثاني : تدل الآية في مفهومها على أولوية الذكر والإستغفار لأن فيها واقية من تكرار التعدي والظلم.
الثالث : قد يتعذر سؤال العفو، أو يكون فيه حرج شديد وأذى وإفتتان فلا يصح لقاعدة لا ضرر ولا ضرار في الإٍسلام، وقاعدة نفي الحرج في الدين، أما الذكر والإستغفار فوجوبهما مطلق، وهما عنوان الصلة بين العبد والمعبود.
الرابع : تدل آية البحث على الإجزاء بالذكر والإستغفار في محو الذنوب، وان تخلف المسلم عن سؤال العفو من الغير، وهو من معاني الربوبية المطلقة , وعمومات قوله تعالى[الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ]( )، فذكر الله يقود للحمد له سبحانه على نعمة غفران الذنوب وان كان فيها حق للعباد، وهو لا يتعارض مع خصال المسلمين الأخرى كما في الآية السابقة[وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ]( ).
ليكون المسلم دائباً على الذكر والإستغفار غافراً للناس الذين يعتدون عليه ويسيئون إليه وكل من الحالتين رجاء لرحمة الله، وسؤال لعفوه , قال تعالى[وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى]( ).
ومن التقوى إستحضار الوقوف بين يدي الله، وخشية سوء عاقبة فعل الفاحشة وظلم النفس، ليترتب عليه طوعاً وقهراً صيرورة المسلم رقيباً على أفعاله.
الحادية عشرة : يعلم المسلمون أن المؤمن الذي يخشى الله عز وجل قد يقع في مستنقع الرذيلة، وتغلب عليه الشهوة أو الغضب أو الطمع فيجب عليه المبادرة إلى ذكر الله، ويعلمون أن هذه المبادرة تعاهد لمنازل الإيمان وليس هي عودة لها , وآية البحث لا تتضمن مغادرة المؤمن منازل التقوى بفعل الفاحشة أو ظلم النفس، فضلاً من الله عز وجل وإن كان فعل الفاحشة ضد التقوى , ويتصف بأنه عرض سريع الزوال.
وفي المرسل عن الحسن : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول: لا يزني العبد حين يزني وهو مؤمن ، ولا ينتهب حين ينتهب وهو مؤمن ، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ، ولا يغل حين يغل وهو مؤمن، قيل : يا رسول الله ، والله إن كنا لنرى أنه يأتي ذلك وهو مؤمن ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا فعل شيئاً من ذلك نزع الإيمان من قلبه فإن تاب تاب الله عليه( ).
الثانية عشرة : يعلم المسلمون أن ذكر الله علم قائم بذاته، واللجوء إلى الذكر عند فعل الفاحشة من العلم والفقاهة، قال تعالى[إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ] ( ).
الثالثة عشرة : بلوغ المسلمين مراتب العلم من رحمة الله بهم وبالناس جميعاً، وآية البحث جامعة ودروس يومية متصلة يتلقاها كل مسلم ومسلمة في حياتهما وهي من عمومات قوله تعالى في إجابته لدعاء موسى[وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ]( ).
الرابعة عشرة : بعد فعل الفاحشة يلجأ المسلم إلى ذكر الله فيستحضر فضل الله بتهيئة الجنة للمتقين الذين يخشونه بالغيب.
الوجه الخامس : فاستغفروا لذنوبهم وهم يعلمون، وفيه مسائل:
الأولى : في الإستغفار أطراف وهي:
الأول : المسلم الذي يقول : أستغفر الله.
الثاني : موضوع الإستغفار، وهو الذنوب وإتيان الفواحش.
الثالث : التوجه إلى الله بالإستغفار، فحتى مع تتعدد الذنوب وجهة صدورها، فلا يتوجه المسلمون إلا لله في سؤال إستغفارها.
وهل تكون التوبة طرفاً رابعاً في المقام وأن صيغة الإستغفار هي: أستغفر الله ربي وأتوب إليه، الجواب القدر المتيقن من الآية هو الإستغفار وحده، من وجوه:
الأول : تدل عليه الآية بالدلالة الإلتزامية لأنها لم تجعل حداً للمرات التي يتعقب فيها الذكر والإستغفار فعل الفاحشة.
الثاني : جاءت الآية بصيغة المضارع الذي يدل عليه الظرف (إذا) وإرادة المستقبل فيه على نحو الغالب، ودخوله على الجملة الفعلية ومجئ الفعل في[إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً] ماضي اللفظ، مستقبل المعنى، وقد يراد منه الزمن الماضي , كما في قوله تعالى[وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا] ( ).
وجاءت الآية بالمعنى الأعم لبيانها لخصال المتقين من أيام أبينا آدم وإلى يوم القيامة، وقد ورد ذكر المتقين على لسان ابن آدم الصلبي هابيل كما في التنزيل[إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ]( ).
ليكــون من عمومات الآية أعــلاه أن المســلمين يعلــمون تفضــل الله عــز وجل بقبول إستغفارهم على ما أرتكبوه من الآثام، وأن(قانون القبول)هذا من مصاديق خلافة الإنسان في الأرض، وقول الله تعالى في الرد على الملائكة حينما إحتجوا على جعل آدم خليفة في الأرض[إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ). فمن علم الله عز وجل أن جعل المسلمين يعلمون بأنه يتقبل منهم عباداتهم ومناسكهم وإستغفارهم، ويتجاوز عن سيئاتهم.
الثالث : تدل الآية بالدلالة التضمنية على معرفة المسلمين بأحكام الحلال والحرام، وإتخاذهم هذه المعرفة سلاحاً ووسيلة للإستغفار من الذنوب عند إرتكابها.
الرابع : يعلم المسلمون أن الله عز وجل فتح لهم باب الإستغفار والتوبة، فلم يفرطوا في هذا الباب، ولم يسوفوا التوبة، إذ تدل الآية على مبادرتهم إلى الإستغفار، وهذه المبادرة من الشواهد على إرتقاء المسلمين لمراتب العلم المقرون والمترشح عن التقوى.
وهل تكون التقوى مجردة من العلم , الجواب لا، فذات التقوى علم وتحصيل وإرتقاء في الكسب، وتوظيف للعقل في مرضاة الله.
الخامس : يعلم المسلمون ذنوبهم التي يستغفرون منها، ويسألون الله العفو عنها، وهذا العلم واقية من الإقامة أو العودة إلى تلك الذنوب، لقد جعلت الآية المسلمين على علم بحقيقة وهي أن الإستغفار يجهز على تلك الذنوب وتبعاتها فيمحوها ولا يبقي لها أثراً.
السادس : يعلم المسلمون أن الإستغفار من الذنوب مائز يفصلهم عن أهل الملل الأخرى وفيه مسائل:
الأولى : إنه مصداق من مصاديق العز التي تفضل الله عز وجل بها عليهم، وهو من عمومات قوله تعالى[وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ]( )، إذ أن التخلص من أعباء الذنوب عز في النشأتين.
الثانية : الإستغفار مناسبة للإحتراز من الذنوب.
الثالثة : في الإستغفار بينونة وإنفصال عن الذين يصرون عليها.
الرابعة : بيان مصداق عملي للتضاد بين المؤمنين والكفار، وتجلي تصديق المسلمين باليوم الآخر باللجوء إلى الإستغفار.
الخامسة : ترغيب الناس بالإستغفار ولكنه لا يقبل من العبد إلا بقيد الإيمان، وورد توبيخ خزنة النار لأصحابها قوله تعالى[قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ] ( )، أي يضل ويغيب عنهم دعاؤهم إذا إحتاجوا إليه.
السابع : يعلم المسلمون أن من واجبهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويأتي الإستغفار مصداقاً لكل منهما، وسبيلاً للصلاح والهداية، فان قلت الإستغفار لفظ وقول بين المسلم وربه وكل من الأمر والنهي يتقومان بطرفين وموضوع للأمر والنهي.
والجواب بالإستغفار يكون المسلمون أسوة للناس في مسالك المعروف ودعاة إلى الهدى، والإستغفار مقدمة لإصغاء الناس لهم في الأمر والنهي، وقيل أصل الذنوب الدلاء جمع دلو وفي قصة يوسف عليه السلام، ورد في التنزيل[فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى]( )، وكان العرب يقتسمون ماء الآبار بالدلو، كل واحد منهم يملأ الدلو ويسمى النصيب، وقال الشاعر:
لَها ذَنُوبٌ ولَكُم ذَنُوبُ … فإِنْ أَبَيْتُم فَلَنا القَلِيبُ( )،
أي يعرض على الطرف الآخر التساوي في القسمة فان أبى فانهم يستولون على البئر كلها، ويحرمون الطرف الآخر منها، لبيان شجاعتهم وقوتهم وتحديهم.
وتتضمن آية البحث في مفهومها أموراً:
الأول : الدعوة إلى الإنصاف، ونشر معاني الرأفة.
الثاني : النهي عن ظلم النفس والغير.
الثالث : ذم وتوبيخ الذين يستهزئون بالمؤمنين الذين يلجأون إلى الذكر والإستغفار.
ومن منافع آية البحث أن كلاً من الذكر والإستغفار واقية من الإستكبار وحرب على الغرور والطغيان.
الثامن : عندما يذكر المسلمون الله يعلمون لزوم إقتران الذكر بالإستغفار، والتضرع إلى الله بالعفو عنهم، ومحو ما ارتكبوه من الذنوب، وفيه مناسبة للتخلي عن العرض الفاني، وعدم الطمع بما في أيدي الناس من النعم، إنما يلزم التوجه الى الله عز وجل والإلحاح بالدعاء بسؤال مثلها، فصحيح أن الإستغفار يتعلق بذنب قد إنقضى إلا أنه يفتح على العبد أبواب الرحمة، ويزيد من بصيرته :
التاسع : يعلم المسلمون أن الإستغفار إمتثالاً لأمر الله عز وجل فهو سبحانه الذي أمر به رحمة بالناس جميعاً لذا جاء الأنبياء بحث بأمر قومهم بالإستغفار من الذنوب لأن التقوى تتقوم به، فالإستغفار بعد الذنب شرط لدخول الجنة .
لتكون آية البحث حجة على الناس لبلوغهم بهذه الآية مرتبة العلم بموضوعية الإستغفار في الكسب والتحصيل لأمور الدين والدنيا.
الوجه السادس : ومن يغفر الذنوب إلا الله وهم يعلمون، وفيه مسائل:
الأولى : تبين آية البحث قانونين أحدهما عام والآخر خاص، أما العام فان غفران الذنوب أمر خاص بالله عز وجل، لا يقدر عليه غيره، ولم يفوضه الله لأحد من الخلائق، وليس من الناس من يغفر الله له ثم يجعله واسطة غفران الذنوب .
وأما الخاص فهو معرفة المسلمين بهذا القانون، وإنتفاعهم الأمثل منه باللجوء إلى الله عز وجل في سؤال المغفرة، وهو من عمومات قوله تعالى في خاتمة الآية (وهم يعلمون) ولتكون معرفة القانون من الإرادة التكوينية بقانون في الإرادة التشريعية، وكل واحد منهما يتصف بالثبات والدوام، ويمتلك بالذات والعرض خصائص ترغيب الناس بالإستغفار.
ومن الآيات في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم انه كان يكثر من الإستغفار وهو المعصوم من الزلل والخطأ ويتوارث المسلمون صيغ الإستغفار التي دأب عليها لبعثهم على الإستغفار وعدم الغفلة عنه،
ولما جاءت آية البحث بالذكر والإستغفار، فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيان لأفضل مصاديق الذكر مع إقتران بالإستغفار . قال : أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الإستغفار ثم قرأ[فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ]( )، وإجتهد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في تلقين المسلمين الإستغفار بصيغ متعددة كلها من مصاديق الوحي , منها ما قوله صلى الله عليه وآله وسلم: من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو وأتوب إليه، غفر له وإن كان قد فر من الزحف( ) .
ويمكن تأسيس علم جديد إسمه ( أدعية الإستغفار ) وما ورد في ثوابها في الدارين , ليكون منهاجاً وعوناً للمسلمين في عشقهم وحبهم لذكر الله وشوقهم للجنة واللبث الدائم فيها , وفيه شاهد على جهاد وإجتهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لبلوغ المسلمين مرتبة العلم بأن الله يغفر الذنوب جميعاً، وتعليمهم كيفية الإستغفار، ومنع الإختلاف بينهم في سبل الدعاء والإستغفار , وهو من عمومات قوله تعالى[وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا] ( ).
ومن الإعجاز في آية البحث أنها جمعت بين الذكر والإستغفار ليكون الذكر طاعة وتقرباً إلى الله، وتوسلاً إضافياً لستر الذنوب، فلم تحصر الآية المغفرة بالإستغفار بل أخبرت بأن الله عز وجل هو الذي يغفرها ويمحوها مما يدل على ان الذكر باب للمغفرة، وطريق للعفو ونزول الرحمة الإلهية، وسبيل إلى العلم والمعرفة، إذ أن العلوم المكتسبة من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً.
وجاءت آية البحث بالإخبار عن بلوغ المسلمين درجات من الكمال في العلم والمعرفة تتقوم بلحاظ آية البحث بأمور:
الأول : النطق بالشهادتين.
الثاني : واللجوء إلى الذكر والإستغفار عند إرتكاب الذنب.
الثالث : أداء الوظائف العبادية، والتقيد بشروطها وأدابها وسننها وأوقاتها.
الرابع : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ يتعاون المسلمون في التناهي عن الفواحش، ويتعاضدون في الذكر والإستغفار.
الخامس : الإقرار بأن الله وحده هو الذي يغفر الذنوب.
السادس : التنزه عن الإقامة على الذنوب والمعاصي، وقد ثبت في الفلسفة أن المتضادين لا يجتمعان، والمسلمون مواظبون على الذكر والإستغفار، والإصرار على المعاصي ضد خاص لهما، قال تعالى[إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ] ( )، وجاءت الآية بحرف الشرط (إذا) الذي يفيد إحتمال الوقوع وليس القطع به، وموضوع الآية ليس الوقوع ولكن بيان النجاة بسلاح التقوى من الفواحش وآثارها .
وعن مجاهد في قوله تعالى[إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا] قال: هم المؤمنون( )، ومس الشيطان هنا الميل إلى الشهوة المحرمة والهّم بالفاحشة وإظهار الغيظ، ومن معاني (تذكروا) في الآية أن المسلمين يتذكرون أمر الله ونهيه، وثوابه وعقابه.
الثانية : لما إحتجت الملائكة على جعل آدم خليفة في الأرض بسبب الإفساد الذي يصدر من شطر من ذريته، جاء الإحتجاج والجواب التأديبي من الله عز وجل[إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( )، وتجلت مصاديق يومية من علم الله في المقام بأن أمة عظيمة من أهل الأرض وهم المسلمون يعلمون أن الله عز وجل يغفر الذنوب، ويتجاوز عن السيئات، وهذا العلم حرب على الفساد والإلإساد في الأرض، خصوصاً وان إحتجاج الله عز وجل على الملائكة جاء بتعليم آدم الأسماء كلها، ليكون منها مضامين هذه الآية وأن الله عز وجل يغفر الذنوب جميعاً، فورث المسلمون هذا العلم من آدم بواسطة النبوة والتنزيل قال تعالى[وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ]( ).
الثالثة : يعلم المسلمون بوظائفهم العقائدية في إخبار الناس جميعاً عن قانون إختصاص الله بمغفرة الذنوب، وترغيبهم بالإستغفار، وهو من عمومات قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَر]( ).
الثالثة : جاء في سورة الفاتحة , قوله تعالى[إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ] ( )، ويقرأ كل مسلم ومسلمة هذه الآية في الصلوات اليومية الخمسة، وعلى نحو متكرر بشوق وتدبر، ليكون التسليم بأن الله عز وجلي يغفر الذنوب من مصاديق الإستعانة بالله في أمور الدين والدنيا.
الرابعة : يعلم المسلمون أن الإستغفار دأب الأنبياء السابقين، وأنه الرداء الذي تحلى به الأولياء والصالحون، وقد لازم الإستغفار الوجود الإنساني في الأرض فكان آدم عليه السلام أول من إجتهد في الإستغفار وتلقى الوعد من الله بالعفو والمغفرة , قال تعالى[فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ] ( ) .
وأخرج ابن المنذر عن الإمام محمد الباقر عليه السلام , قال: لما أصاب آدم الخطيئة عظم كربه، واشتد ندمه. فجاءه جبريل فقال: يا آدم هل أدلك على باب توبتك الذي يتوب الله عليك منه؟ قال بلى يا جبريل قال: قم في مقامك الذي تناجي فيه ربّك فمجده وامدح، فليس شيء أحب إلى الله من المدح قال: فأقول ماذا يا جبريل؟ قال: فقل لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير كله وهو على كل شيء قدير. ثم تبوء بخطيئتك فتقول: سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت. رب إني ظلمت نفسي وعملت السوء فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. اللهم إني أسألك بجاه محمد عبدك وكرامته عليك أن تغفر لي خطيئتي. قال: ففعل آدم .
فقال الله : يا آدم من علمك هذا؟ فقال: يا رب إنك لما نفخت فيّ الروح فقمت بشراً سوياً أسمع وأبصر وأعقل وأنظر رأيت على ساق عرشك مكتوباً بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له محمد رسول الله .
فلما لم أرّ على أثر إسمك اسم ملك مقرب، ولا نبي مرسل غير اسمه علمت أنه أكرم خلقك عليك. قال: صدقت. وقد تبت عليك وغفرت لك خطيئتك .
قال: فحمد آدم ربه وشكره وإنصرف بأعظم سرور، لم ينصرف به عبد من عند ربه. وكان لباس آدم النور قال الله{ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما} ثياب النور قال: فجاءته الملائكة أفواجاً تهنئه , يقولون : لتهنك توبة الله يا أبا محمد)( ).
ولقد إجتهد آدم في عبادة الله، وأدى مناسك الحج , وقام ببناء البيت بتوجيه وإعانة من جبرئيل عليه السلام وتضرع إلى الله بالدعاء والإستغفار وهو يعلم أن الذنوب لا يغفرها إلا هو سبحانه.
وعن بريدة عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال:لما أهبط الله آدم إلى الأرض طاف بالبيت سبعا، وصلى خلف المقام ركعتين، ثم قال: اللهم إنك تعلم سري وعلانيتي فاقبل معذرتي، وتعلم حاجتي فأعطني سؤلي، وتعلم ما عندي فاغفر ذنوبي، أسألك إيمانا يباشر قلبي، ويقينا صادقا حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا ما كتبت لي. قال فأوحى الله إليه إنك قد دعوتني بدعاء أستجيب لك فيه ولمن يدعوني به، وفرجت همومه وغمومه، ونزعت فقره من بين عينيه، وأجرت له من وراء كل تاجر زينة الدنيا وهي كلمات عهد وإن لم يزدها) ( ).
والحديث من أسرار ومنافع الوحي في السنة النبوية، إذ أنه يبين حقيقة وهي: إبلاغ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأجيال المسلمين ميراث النبوة منذ أبينا آدم، فنظن إنقطاع الأخبار في الأحقاب السالفة وليس من توثيق مرئي أو مسموع، ولكن الله أكرم المسلمين بقوله تعالى[الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي]( )، ليكون من تمام النعمة بيان قصص الأنبياء والسبل التي اتخذوها بلغة لمرضاة الله، وإحراز السبق إلى الجنة التي[عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ]( ).
ومن قصص الأنبياء ما جاء في القرآن، ومنها كنز الدعاء الوارد في الحديث أعلاه الذي يتضمن أنه ميراث وتركة مباركة لكل المسلمين، ليكون من عمومات قوله تعالى[اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]( )، إتباع نهج الأنبياء في الدعاء وسؤال العفو والمغفرة من الله، من باب الأولوية القطعية، فاذا كان النبي وأبو الأنبياء آدم عليه السلام يسأل الله العفو والمغفرة فيجب أن نسارع إلى ونلج في سؤال المغفرة، وهو الذي جاءت به آية البحث.
الخامسة : يعلم المسلمون أن الإستغفار هدم لصروح الكفر ومفاهيم الوثنية والضلالة في الأرض، فلم ينتشر الإسلام وتقوم دوله ويشمل سلطانه الأمصار في أقطار الأرض بالسيف، ولم يتصل ويدوم العمل بالشريعة الإسلامية منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة إلا بالحكمة والمعجزة والبينة وحسن سمت المسلمين في إنقطاعهم إلى الله عز وجل بالعبادة والدعاء، قال تعالى[ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ]( )، والسبيل في المقام الإسلام والهدى، ومن مصاديق السبيل اللجوء إلى الذكر والإستغفار عند فعل الفاحشة وهذا اللجوء من أبهى معاني الحكمة التي ذكرتها الآية أعلاه وبيان حقيقة وهي أن آية البحث رحمة تبعث للإرتقاء في سلم المعارف الإلهية .
وفي تعريف ووجوه الحكمة هي الكلام الذي يستبين صوابه، ويتجلى الصواب في العمل بآية البحث في الدنيا والآخرة، وليس من فترة بين الإستغفار وإدراك منافعه بالحسن والعقل، وجاءت الآية بلغة البرهان والخطابة والجدال لإصلاح النفوس، وجذب الناس لسبل النجاة في النشأتين.
وتتجلى معاني الصلاح وعدم الإقامة على التجاوز على الحدود في الإستغفار، إذ يدرك الناس جميعاً أن الإستغفار مانع من التمادي بالسيئات والذنوب، وحمل المسلمون لواء الإستغفار ليكون لهم حجاباً من تعدي القوم الظالمين، وفرداً من أفراد التقية منهم، وإجتناب شرهم , ودرساً في تأكيد العبودية لله عز وجل وعظيم نعمته بالعفو والمغفرة، ليكون الإستغفار من مصاديق علم المسلمين بأنه دعوة إلى الله، وإجهازاً على الكفر والضلالة.
السادسة : الإستغفار طلاء للنفوس بصبغة الإخلاص، وإستعانة بالله للنجاة من طوق المذلة التي تجلبها المعاصي، وعلم وتفقه في الدين أصلح له المسلمون ليفوز بحسن العاقبة في الآخرة، ويكون ترك الإستغفار حسرة في النشأتين، قال تعالى[كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ]( )، لتكرار الوعيد وما فيه من معاني التأكيد بلغة الغرب في مستقبل الأيام الذي تدل عليه السين , فلم تقل الآية (سوف يعلمون) ليعلم الكفار منافع الإستغفار وحرمانهم أنفسهم من هذه النعمة العظيمة التي جاءت بها آية البحث, والإمتناع بالإختيار لاينافي الإختيار.
ومن خصائص آية البحث أنها تجعل هذا الإمتناع من الأمر المتزلزل غير الثابت , فكما قام المسلمون بالغزو والفتح لمنفعة الناس وهدايتهم إلى الإستغفار من منازل الإيمان وبقصد القربة إلى الله، فان آية البحث تغزو القلوب فتخطفها( )، وتجذبها نحو الإستغفار وسنن الصلاح، لينهل الناس من قوله تعالى[وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ] في كل زمان وبالليل والنهار من غير تقييد لماهية الذنوب التي يغفرها الله، ولا الذين يشملهم العفو والمغفرة، وقد سأل الحواريون عيسى عليه السلام[هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنْ السَّمَاءِ]( ) .
وقد تفضل الله عز وجل وأنزل على المسلمين هذه الآية مائدة وغذاء روحياً وطعاماً جسدياً لما تبعه من الهمة في الصالحات، وتطرده من حال اليأس والقنوط، وهو من الدلائل على أن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عقلية وليست حسية، فمائدة آية البحث لم تحتص بزمان أو دون زمان، ولا جيل دون آخر، فهي منصوبة لكل إنسان وفي كل بيت وفي الأسواق يتقوم التزود منها بقول (استغفر الله) منحة ومنة ورحمة من الله عز وجل للمسلمين وذراريهم، ودعوة للأبناء للبر بآبائهم وأجدادهم بالإستغفار لهم، ولو كان الولد عاقاً لأبيه في حياته وإجتهد في الإستغفار له بعد وفاته فهل يكتب عند الله باراً به الجواب نعم، وإذا تغير الموضوع تبدل الحكم .
وكما يتفضل الله عز وجل يمحو الذنوب فانه يمحو صفة العقوق عن الذي يستغفر لوالديه وهو من عمومات قوله تعالى[يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ]( )، ليكون المحو في المقام مركباً ومتعدداً ويشمل ذنوب المستغفر والمستغفر له، وتأسيس لمفاهيم التوبة وتأديب للأبناء وإرشادهم للإقامة على الإستغفار.
الوجه السابع : ولم يصروا على مافعلوا وهم يعلمون) وهذا الوجه هو خاتمة الآية الكريمة، وفيه مسائل:
الأولى : تجمع الآية بين العلم والنفع المترتب عليه إذ أنه واقية وحرز من الإقامة على الذنوب والمعاصي، وتدل الآية بأن العلم طريق الصلاح، وفيه آية تدل على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذ أنها حرب على الجهالة والغفلة، مما يعني أن الإسلام دين العلم، وأن آيات القرآن جاءت خطاباً لأرباب العقول لذا وردت الآيات بالثناء على المؤمنين , قال تعالى[الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ] ( ).
الثانية : بعث المسلمين إلى طلب العلم، وإتخاذه سبيلاً للإقامة في الجنة، وفيه تأديب للناس بلزوم عدم توظيف العلم والتحصيل للضرر والإضرار وإرتكاب المعاصي، وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال: ما من قَوْمٍ يَجْتَمِعُونَ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَقْرَءُونَ وَيَتَعَلَّمُونَ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا حَفَّتْ بِهِمْ الْمَلَائِكَةُ وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَسْلُكُ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ بِهِ الْعِلْمَ إِلَّا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ وَمَنْ يُبْطِئُ بِهِ عَمَلُهُ لَا يُسْرِعُ بِهِ نَسَبُهُ) ( ).
الثالثة : في الآية شهادة للمسلمين بالإرتقاء إلى مراتب العلم، وعدم قصور الهمم، أو فتور الغرائم، فهم أمة أتخذت من العلم آلة وطريقاً للتصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والتدبر في المعجزات التي جاء بها، ومنها آية البحث وما فيها من الإعجاز الذاتي والغيري الذي هو على وجوه:
الأول : مجئ الآية في بيان صفات المؤمنين الذين أصلح الله لهم الجنة، وفيه مسائل :
الأولى : منع اللبس والترديد في صفات الذين يستحقون دخول الجنة من الناس.
الثانية : قيام الحساب والجزاء في الآخرة على الأعمال في الدنيا.
الثالثة : تأكيد معاني الرحمة والرأفة الإلهية في نبوة محمد لما تتضمنه من طرد للجهالة والغرر في علوم الدين والدنيا.
الرابعة : بيان مفاتيح العفو والمغفرة الإلهية، وقربها من متناول العبد، واليسر في إستعمالها، فليس في الأرض من هبة أعظم منها، ففي كل يوم يتجدد للمسلم إمتلاك مفتاح دخول الجنة بذكر الله والإستغفار من الذنوب ومن فضل الله أن معاودة الذنب لا تسلب عنه هذا المفتاح، إذ أنه يعلم بأن الذكر والإستغفار حرز وأمن من ضياعه , وهو من عمومات الخير والأفضل في قوله تعالى[مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ]( ).
الخامسة :دحض الجدل وأسباب الخصومة والفتنة من أهل الشك والريب، فلولا هذه الآية لقيل أن الذي يرتكب الفاحشة لا يدخل الجنة، وبينت الآية بالنص الجلي أن المؤمن قد يرتكب الفاحشة ويظلم نفسه، وأن هذا الفعل لا يأتي من المنفرد من المسلمين وحده بل قد يصدر من الجماعة والأمة منهم فلا يضرهم في دنياهم وآخرتهم ,لأن الله أنعم عليهم بسلاح الذكر والإستغفار.
السادسة : من الإعجاز الغيري للآية عمارة الأرض بذكر الله، وعلو لواء الإستغفار، ووجود أمة تتعاهده وتصرح به إلى يوم القيامة، وتسيح في رياضة بشوق ورغبة وسكينة.
السابعة : تأديب المسلمين على قانون عقائدي وأخلاقي وهو عدم الإصرار على المعاصي والذنوب ، وفيه بعث للنفرة في نفوسهم منها، وبرزخ دون السعي إليها، ومقدمة الحرام حرام، وترك المباح أهون من التلبس بالحرام.
وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)( ).
الثامنة : يعلم المسلمون أن الله يغفر الذنوب جميعاً، ويتجاوز عن سيئاتهم، إذ أنهم منقطعون إلى مناجاة الله، معلنون فقرهم وفاقتهم مغفرته، يستسقون من رحيق عفوه، الذي جعلته آية البحث متدلياً إلى فوق رؤوسهم، ولا يأنسون إلا بذكر الله، ولا يجتمع ذكره تعالى والإصرار على المعاصي في قلب من أخبرت آية البحث بأنه من الذين(هم يعلمون)، وعن الأسود بن قيس انه سمع جندباً قال : أبطأ جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال المشركون: وُدِّع محمد. فأنزل الله: { وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى )( ).
وجاءت آية البحث لتؤكد أن الله عز وجل يتعاهد المسلمين بأسباب الرحمة والعفو، وانه لا يتركهم والذنوب تأتي على أبدانهم، وتأكل حسناتهم، بل تفضل بآية البحث لسلامتهم وحصانة حسناتهم ونمائها، إذ يعلم المسلمون بأن منافع الذكر والإستغفار لا تنحصر بمحو الذنوب بل تشمل الثواب الإضافي على كل منهما، والنماء والزيادة فيه، فمن إعجاز القرآن أن الآية تأتي في موضوع، ولكن أحكامها وما تترشح عنها من البركات والمنافع أعم وأشمل.
التاسعة : يعلم المسلمون قبح الفاحشة وظلم النفس، فلم يصروا على إرتكابها، والعودة إليها، وهذا العلم مرتبة في الإيمان والصلاح، فلذا جاء ضمن وصف ونعت المتقين الذين يدخلون الجنة.
العاشرة : يعلم المسلمون بأن الإقامة على المعصية مانع من العبور على الصراط يوم القيامة، هذا العبور الذي يتوجه كل مسلم ومسلمة بسؤال الله عز وجل التوفيق إليه وفيه ومنه وعنه، عشر مرات في اليوم على نحو الوجوب العيني في القراءة في الصلاة اليومية بقول[اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]( )، وقد تقدم ذكر إثني عشر وجهاً في معنى الصراط وبيان معنى الإستقامة فيه( ).
لتكون آية البحث من مصاديق الصراط الذي ورد ذكره مرتين في سورة الفاتحة , من وجوه:
الأول : الآية من كتاب الله إذ أن القول بأن القرآن هو الصراط المستقيم إنحلالي ينبسط على كل آية من القرآن، ولتتضمن آية البحث الإنذار من التفريط في المعارف والكنوز التي جاءت بها، وورد نعت الصراط بالإستقامة ومعاني التقوى والصلاح , فقد ورد مرة بلغة الوعيد للكفار , قال تعالى[احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ] ( )، هنا على التهكم بهم، ولكن الآية جاءت بمعنى الدلالة على طريق جهنم، والتعريف به ليدخلوا إلى دار العقاب والجزاء .
وعن ابن عباس:أي دلوهم إلى طريق النار( )، وفيه عذاب إضافي للكفار فاي واحد من الناس لا يرغب بالذهاب طوعاً وإختياراً إلى النار بينما يختار الكفار الطريق إليها في الدنيا بفعل المعاصي والإصرار على الذنوب، لتكون الآية أعلاه تذكيراً وتوبيخاً لهم لإختيارهم المذموم، وجزاء عليه.
الثاني : مضامين آية البحث من دين الله الذي لا يقبل من العباد غيره، فلابد من تعقب ذكر الله والإستغفار للمعصية وظلم النفس، وهذا التعقب من الدلائل على التسليم بعالم الحساب , والمرور الآمن على الصراط الأخروي.
الثالث : من العلم الفزع والخوف من نار جهنم، وهو مناسبة للبعث للذكر والإستغفار، وواقية من الإقامة على الذنوب والإصرار عليها فمن يخاف من النار ويجتنب مقدمات ورودها هو من أهل العلم.
الرابع : قد تقدم في الجزء الأول من معاني الصراط سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونهج الأنبياء والمرسلين الذين حملوا راية التوحيد.
وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإمام في ذكر الله والإستغفار، ومن الإعجاز في المقام أن آيات القرآن جاءت بأمره على نحو الخصوص، والمسلمين بالتبعية والإلحاق بالذكر والإستغفار، قال تعالى[وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنْ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ] ( )، أي بحركة لسان القلب، وحضور ذكر الله في الوجود الذهني وما يسمى بلسان الحس،و(ودون الجهر من القول) أي بلغة الخشوع والخضوع.
والآية أعلاه مكية وكان الكفار يؤذون النبي محمداّ صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين، ويسبونهم حينما يسمعونهم يتلون آيات القرآن ويذكرون الله سبحانه.
روى عبد الله بن مسعود أنه قال: “بينما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم قائماً يصلي بمكة وأناس من قريش في حلقة، فيهم أبو جهل بن هشام، فقال: ما يمنع أحدكم ان يأتي الجزور التي نحرها آل فلان فيأخذ سلاها ثم يأتي به حتى اذا سجد وضعه على ظهره، قال عبد الله: فانبعث أشقى القوم وأنا أنظر إليه فجاء به حتى وضعه على ظهره، قال عبد الله: فلو كانت يومئذ منعة لمنعته، وجاءت فاطمة عليها السلام إليه وهي يومئذ صبية حتى أماطته عن ظهر ابيها ثم جاءت حتى قامت على رؤوسهم فاوسعتهم شتماً، قال: فوالله لقد رأيت بعضهم يضحك حتى انه ليطرح نفسه على صاحبه من الضحك، فلما سلّم النبي صلى الله عليه وآله وسلم اقبل على القوم فقال: اللهم عليك بفلان وفلان، فلما رأوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد دعا عليهم اسقط في أيديهم، فوالله الذي لا اله غيره ما سمى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ احداً الا وقد رأيته يوم بدر، وقد اخذ برجله يجر الى القليب مقتولاً( ).
وقيل إن الآية منسوخة فبعد الهجرة إلى المدينة جهر الصحابة بالصلاة والتكبير والذكر، ولا دليل على نسخ الآية إنما تبين صيغة وكيفية للذكر يتعاهدها المسلمون إلى يوم القيامة، ويدل على عدم النسخ آية البحث وما فيها من الإجزاء بمطلق الذكر والإستغفار سراً أو جهراً أو منزلة بين المنزلتين منهما.
الخامس : على القول بأن الصراط هو العبادة والثبات في مقامات البيان والسلامة من الإصرار على الذنوب والمعاصي كما قال الله تعالى[وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ] ( )، فان المسلمين يعلمون بأن قيامهم بذكر الله والإستغفار من العبادة والنهج المستقيم وهو الذي أخبرت به آية البحث باعتبار أنه صفة المتقين الذين سوف يقيمون في الجنة، لتكون هناك ملازمة بين الإقامة في النعيم الأخروي وبين عدم الإقامة على المعاصي، وهو وفق القياس الإقتراني :
الكبرى : الذين لا يصرون على الذنوب يقيمون في الجنة.
الصغرى : المسلمون لا يصرون على الذنوب.
النتيجة : المسلمون يقيمون في الجنة.
بحث بلاغي
الإطراد لغة التتابع والتوالي , يقال إطرد الجيش : إذا تتابعت فرقه, وإطرد الكلام أي جاء متسقاَ منتظماَ .
أما في الإصطلاح فهو الإتيان باسم الممدوح وغيره وأسماء آبائه على التعاقب بسبك حسن لتكون الأسماء مطردة كالماء الجاري , ومنه قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم : الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم( ).
ومنه قول دريد الصمة يرثي أخاه عبد الله , ويخبر عن الثأر له بقتل ذؤاب.

قتلنا بعبد الله خير لداته( ) … ذؤاب بن أسماء بن زيد بن قارب.( )
ولما سمع عبد الملك بن مروان القصيدة , قال عند هذا البيت : كاد يبلغ به آدم .
ولا تحسن مخالفة الإطراد , لا لنكتة وغاية مقصودة تكون هذه المخالفة إشارة وتنبيهاَ عليها .
لأن الإطراد مرآة للترتيب الواقعي , وما موجود في الذهن، وجاءت آية البحث من الإطراد الكريم في عالم الأفعال الحسنة، بأن يقوم المسلم بأفعال متتابعة تتصف بالحسن الذاتي والعرضي، وكل فرد منها مجلبة للنفع، ودافع للبلاء والضرر، إذ يبادر المسلم إلى ذكر الله، وينتقل إلى الإستغفار من غير فترة بين الذكر والإستغفار مع التسليم بأن الله هو الذي يغفر ذنوب العباد , وعزم وإتصاف المسلم والمسلمة بخصلة حميدة وهي عدم الإصرار على الذنوب , ويكون العلم والمعرفة وعاءً ومصاحباً لهذا الإطراد لقوله تعالى[وَهُمْ يَعْلَمُونَ] .
وتجعل آية البحث هذا الإطراد المبارك حاضراً في الوجود الذهني للمسلم وتلك آية في تأديب وتعليم القرآن للمسلمين.

مشاركة

Facebook
Twitter
Pinterest
LinkedIn

مواضيع ﺫات صلة