معالم الإيمان في تفسير القرآن – الجزء- 111

المقدمة
الحمد لله الذي هدانا ووفقنا لنعمة كتابة وتأليف مائة وعشرة أجزاء من(معالم الإيمان في تفسير القرآن) في تفسير سورة البقرة، وشطر من آل عمران، في آية علمية لم يشهد لها التأريخ مثيلاً، لتكون بفضل الله مناراً في العلم وصرحاً يظهر كنوزاً من القرآن، ويفتح آفاقاً من الإستدلال، ويبعث الشوق في النفوس للتدبر في معاني اللفظ القرآني، والمقاصد السامية منه، قال تعالى[وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ]( ).
الحمد لله الذي جعل هذا التفسير حجة في عدم الإكتفاء بالإيجاز في تفسير الآية القرآنية، ومحاكاة التفاسير السابقة مع الذخائر العلمية التي تضمنتها، ليبين هذا السفر الخالد أن كنوز القرآن من اللامتناهي، وأن من إعجاز القرآن الذاتي والغيري علوم تفسيره ومنها هذا الكنز الذي هو تأسيس لمدارس جامعة في ميادين العلم المختلفة منها الصلة بين كل آيتين من القرآن، العلم الذي تجلى في هذا التفسير ببهاء وإشراقات تجعل الأقلام والمؤسسات تغوص وإلى يوم القيامة في بحاره وما يترشح عنه، ويكون على وجوه:
الأول : الصلة بين الآيتين المتجاورتين.
الثاني : الصلة والدلالات المترشحة عن الجمع بين كل آيتين من السورة الواحدة.
الثالث : الصلة بين كل ثلاث آيات من السورة الواحدة.
الرابع : الصلة بين كل آيتين من القرآن.
الخامس : ما يتجلى من البيان في آية من القرآن يكون تفسيراً جامعاً لآيتين من القرآن.
السادس : الجمع بين كل آيتين من آيات الأحكام.
السابع : الجمع بين شطرين من آيتين من آيات القرآن.
وهذا الجمع متعدد بلحاظ تعدد الجمل في الآية القرآنية الواحدة, وإمكان تجزءتها بحسب إستقلال المعنى.
الثامن : الجمع بين آية قرآنية وشطر من آية أخرى.
التاسع : الجمع بين آخر الآية القرآنية وأول الآية التالية لها.
العاشر : الجمع بين أول كل آية وأول آية أخرى.
الحادي عشر : الجمع بين خاتمتي كل آيتين من القرآن.
الثاني عشر : الجمع بين أول آية قرآنية وخاتمة آية أخرى.
ومن خصائص هذا العلم تأكيد إنتفاء التعارض بين آيات القرآن، قال تعالى[وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا]( ).
وأفردت في هذا التفسير باباً للصلة بين كلمات وأجزاء الآية القرآنية الواحدة، وأسميته (الصلة بين أول وآخر الآية) وتجلت فيه علوم وأسرار لم تخطر على التصور الذهني ليكون والوجوه أعلاه مجتمعة ومتفرقة براهين متجددة في ذاتها وعلومها على صدق نزول القرآن من عند الله عز وجل.
الحمد لله الذي أكرم صاحب الكمالات الإنسانية النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بنزول القرآن وجعله شاهداً سماوياً متجدداً على تفضيله على الأنبياء السابقين، وكانت معجزاتهم حسية تنتهي بأوان وقوعها، ومعجزة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو القرآن عقلية تخاطب أولي الألباب , ويثبت القرآن بذاته إعجازه الذاتي والغيري ، وبه حفظت معجزات الأنبياء.
ومن خصائصه رشحات العلوم المستنبطة من المضامين القدسية لآياته، إذ جاء هذا الجزء والجزء التالي وهو الثاني عشر بعد المائة في تفسير آية واحدة من القرآن وهو قوله تعالى[إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ…]( ).
وجاء الشطر الأكبر من هذا الجزء الحادي عشر بعد المائة في ترجمة شهداء أحد مع تفصيل وبيان، وجاء الشطر الآخر منه في تفسير الآية الكريمة، وهو وجميع أجزاء هذا التفسير معروضة على موقعنا (WWW.MARJAIAA.COM).
لقد جاء الجزء السابق وهو العاشر بعد المائة في تفسير قوله تعالى[وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ]( )، والتي تتضمن مع قلة كلماتها نهيين وخبراً وأختتمت بجملة شرطية لتبدأ هذا الآية بذات صيغة الشرط ولكن فيما يخص حال الحرب والقتال مما يدل بالدلالة التضمنية على وقوع المعارك والقتال بين المسلمين والكفار.
ومن الإعجاز في الآية مجيؤها بلغة الشرط، وإرادة المسلمين جميعاً الجراحات والعلوم بالكفار وتسميتهم بالقوم بقوله تعالى[فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ] مما يدل بالدلالة التضمنية على زجر المسلمين عن القتال بينهم كما تمنع الآية المسلمين عن صيرورتهم مذاهب وطوائف يتنازعون بينهم، لأن هذا النزاع ضعف لهم وهو من مصاديق الوهن الذي نهت عنه الآية السابقة بقوله تعالى(ولا تهنوا) .
ويعلم الناس جميعاً على إختلاف مشاربهم ومداركهم أن الفرقة وحدها وهن وإنشغال عن العدو، ومناسبة لتجرئه وتعديه، قال تعالى[وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ]( )، ومن أظهر أسباب ذهاب الريح والدولة الإقتتال الداخلي وشيوع مفاهيم البغضاء التي تترشح عنها النفرة والكدورة أو العكس في الترشح.
وقد جعل الله عز وجل القرآن والسنة سور الموجبة التامة لوحدة المسلمين ومنع أسباب الوهن والضعف , ومنها الإختلاف والإنقسام، قال تعالى[وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا]( ).
ومن الإعجاز في آية البحث القانون الكلي الذي ينبسط على كل آنات الزمان[وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ] ليشمل أفراد الزمان المختلفة الماضي والحاضر والمستقبل، ويدل عليه إسم الإشارة للبعيد (تلك) وفيه دعوة للمسلمين والمسلمات للإتعاظ وإقتباس الدروس من تأريخ الأمم والدول والملوك والرؤساء وإتخاذه وسيلة لتعاهد أحكام الشريعة، والمساهمة في بناء صرح الإيمان وتثبيت أركان الدين بالحكمة وتعاهد الأخلاق الحميدة.
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار إمتحان وإختبار وإبتلاء ليميز الذين آمنوا وأصلحوا سرائرهم وعلانيتهم وإتخذوا من الدنيا مزرعة للآخرة.
ومن فضل الله عز وجل قيامي بكتابة أجزاء التفسير وتصحيحها ومراجعتها مرة، أو مرتين بأغلب الأحوال بنفسي ولا يساعدني إلا ولدان صغيران في التنضيد، نعم المدد والعون من عند الله جلي وظاهر في ثنايا هذا السِفر وأتطلع إلى دعائكم لنا ونحن بين ظهرانيكم وبعد مغادرة الدنيا التي تخبر آية البحث بأنها حق وصدق , ولبقاء هذا الكنز العلمي والقرآني نبراساً ومنهاجاً للعلماء، ولأن مجيء جيل بعد جيل رحمة ونعمة من مصاديق قوله تعالى[وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ]( ).

قوله تعالى[إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الذين آمنوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ]الآية 140 سورة آل عمران.
إفاضات الآية
لقد جعل الله عز وجل الدنيا مزرعة للآخرة، ومن خصائص الزرع النافع أنه يبعث في نفس صاحبه السكينة والرضا، ويجعل الأمل يصاحبه ويكبر مع نمو هذا الزرع، مع ما فيه من الأذى والشقاء والسهر , وما يستلزمه من الحرث والسقي والحراسة، وتآزر وتكاتف الأسرة والعمال مجتمعين ومتفرقين.
وتتقوم الزراعة الإيمانية في الدنيا بالتقوى والصلاح , وجاءت هذه الآية لتخبر عن حقيقة وهي أن من الأذى المصاحب للإيمان تلقي الجراحات من الكفار والمشركين، وتقدير الآية: إن يمسسكم قرح فاصبروا فقد مس القوم قرح مثله فوهنوا وضعفوا.
وفيه تباين من وجوه:
الأول : في صبر المؤمنين على الجراحات ثواب عظيم، وفي قرح الكفار زيادة في آثامهم لأنه ليس صبراً حقيقة بل هو مكابرة وعناد.
الثاني : شهداء المسلمين خالدون في النعيم وقتلى الكفار في نار الجحيم.
وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ما أحد يدخل الجنة فيحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء إلاّ الشهيد يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة ( ).
الثالث : تفضل الله عز وجل برزق المسلمين ثواب الشهادة وإن ماتوا على أفرشتهم، وعن سهل بن حنيف أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من سأل الله الشهادة بصدق بلَّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه.
وأخرج أحمد ومسلم عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من طلب الشهادة صادقاً أعطيها ولو لم تصبه ( ).
الرابع : تخفيف آلام الجراح وحر السيف عن المسلم الذي يقاتل في سبيل الله، وشدة وطأة الجراح على الكافر، وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ما يجد الشهيد من مس القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة ( ).
الخامس : إستبسال المسلمين بالقتال عند شهادة بعضهم أو إصابته بالجراحات، أما الكفار فانهم يلوذون بالهزيمة عند سقوط بعضهم قتلى.
السادس : المدد الإلهي للمسلمين بالثبات في منازل الصبر وبعث الفزع في قلوب الكفار، قال تعالى[سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ]( ).
السابع : صبر المسلمين على الأذى والجراحات دعوة للناس لدخول الإسلام، وصبر الكفار على الأذى من الإصرار على الباطل وهو سبب لنفرة الناس منهم، وكف أيديهم عن إعانتهم أو التحالف معهم.
وآية البحث شهادة للألفة بين المسلمين، ودليل على تعاهدهم لصلات الأخوة فيما بينهم، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم بمنزلة الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ( ).
وتذكر الآية المسلمين بقانون وهو أن الجرح الذي يمس أحدهم يصيبهم جميعاً، ويكون لهم أذى، ويدل على هذا المعنى مجئ الخطاب بصيغة الجمع بينما ذكرت القرح بصيغة المفرد والتنكير.
فشهادة أحد المسلمين أذى لهم جميعاً وكذا أي جراحة وكلوم تصيب بعضهم لذا جاءت المواساة لأجيالهم من عند الله بقوله تعالى[وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ] ( )، وفيه نكتة وهي أن ثواب جرح أو شهادة أحد المسلمين يتغشاهم جميعاً لأن الآية تدل على إصابتهم به [إِنْ يَمْسَسْكُمْ].
ومجئ الآية بلغة الجملة الشرطية ترغيب المسلمين بالدعاء لسلامة المسلمين من الجراحات ومحوها وهو من مصاديق قوله تعالى[يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ]( ).
وليس من حصر لصيغ هذا المحو، لذا ترى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدعو لقريش وغيرهم بالهداية والإيمان , وعن عبيد بن عمير قال: إن كان نوح ليضربه قومه حتى يغمى عليه ، ثم يفيق فيقول : اهد قومي فإنهم لا يعلمون.
قال عبد الله : لقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم « وهو يمسح الدم عن وجهه وهو يحكي نبياً من الأنبياء وهو يقول : اللهمَّ اهد قومي فإنهم لا يعلمون ( ).
لقد كان بعض المسلمين يحث النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم للدعاء على كفار قريش ونحوهم ممن يعتدون على المسلمين بالقتل والإبادة بغير حق وكان صلى الله عليه وآله وسلم يدعو إلى هدايتهم وصلاحهم.
وقد تجلت معاني الحكمة في الصبر بفتح مكة ودخول قريش في الإسلام، ولم يصر على الكفر إلا أفراد بعدد أصابع اليد إختاروا الفرار من مكة والأرجح أن فرارهم كان بسبب إيغالهم بدماء المسلمين وخشيتهم من الإنتقام، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يغفر لهم الجرم الذي فعلوه، وقد عاد بعضهم من منفاه الإختياري وأعلن إسلامه.
وعن سعد بن أبي وقاص قال: لما كان يوم فتح مكة أمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الناس إلا أربعة نفر وامرأتين ، وقال اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة ، عكرمة بن أبي جهل ، وعبد الله بن خطل ، ومقيس بن ضبابة ، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح ، فأما عبد الله بن خطل فأدرك وهو متعلق بأستار الكعبة فاستبق إليه سعيد بن حريث وعمار ، فسبق سعيد عماراً وكان أشب الرجلين فقتله ، وأما مقيس بن ضبابة فأدركه الناس في السوق فقتلوه ، وأما عكرمة فركب البحر فاصابتهم عاصفة , فقال أصحاب السفينة لأهل السفينة : اخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئاً . فقال عكرمة : لئن لم ينجني في البحر إلا الاخلاص ما ينجني في البر غيره ، اللهم إن لك عهداً إن أنت عافيتني مما أنا فيه إن آتى محمداً صلى الله عليه وسلم حتى أضع يدي في يده فلأجدنه عفوّاً كريماً . فجاء فأسلم .
وأما عبد الله بن سعد بن أبي سرح فإنه اختبأ عند عثمان ، فلما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم للبيعة جاء به حتى أوقفه على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله بايع عبد الله . قال : فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثاً كل ذلك يأبى فبايعه بعد الثلاث . ثم أقبل على أصحابه فقال : اما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله . قالوا : وما يدرينا يا رسول الله ما في نفسك ، ألا أومأت إلينا بعينك؟ قال : إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة أعين( ).
وتخبر آية البحث عن تداول الأيام بين الناس ومن الإعجاز أنها لم تخص ذكر الدول والحكومات وشؤون السلطنة بل جاءت بصفة الأيام وفيه مسائل:
الأولى : بيان قانون كلي في الإرادة التكوينية وهو أن الأيام ملك لله عز وجل وأنه جعلها متداولة بين الناس، ولكن هذا التداول ليس بيد الملائكة أو الناس أو فئة منهم، بل هي بيد الله سبحانه وحده لا يشاركه فيها أحد، وهو من مصاديق التوحيد وإنتفاء الشريك، وفيه أن الإقرار بالوحدانية ونبذ الشرك والضلالة طريق لنيل الأيام وتسخيرها للإنتفاع الذاتي الأمثل منها.
الثانية : جعل أيام الدنيا ذات بهجة في عيون المسلمين والمسلمات، يسعون فيها لتحقيق الرغائب، ويتخذونها بلغة لنيل السعادة في النشأتين.
الثالثة : تأكيد عدم قدرة الكفار على تداول الأيام، وتقلبات الزمان، وإذا تبدلت الريح والدولة تتقلب القلوب نحو الهداية والصلاح.
وعن أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ : يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ، آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ ، فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللهِ ، يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ( ).
وأخرج البخاري في تاريخه وابن جرير والطبراني عن سبرة بن فاتك قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم : قلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرب . فإذا شاء أقامه ، وإذا شاء أزاغه( ).
وقيل معناه تقلب القلوب بين حسن آثاره وآياته تبارك وتعالى وهذا صحيح، ولكن المعنى أعم إذ يشمل تبدلها نحو التوبة وسبل الهداية والعزم على إتيان الصالحات والمسارعة في الخيرات.
الرابعة : إرادة الدولة والحكم , والسلطنة والجاه والمال والشأن والغنى أو الفقر، وفيه دعوة للمسلمين للإجتهاد في الدعاء والسعي في مرضاة الله لنيل السعادات والأمن والظفر، وقال الكسائي : الدُّولة في المال يتداوله القوم بينهم، والدَّوْلة في الحرب، وقال عيسى بن عمر: يكونان جميعاً في المال والحرب سواء ( ).
والمختار أن قوله تعالى [وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ] مطلق في موضوعه مثلما هو عام في أفراد وأجناس الناس الذين يصيبهم فضل الله عز وجل فيشمل التداول وجوهاً:
الأول : الدولة والحكم أو القهر والأخذ من فوق.
الثاني : الشأن والرفعة.
الثالث: الغنى والمال أو الفقر والعوز.
الرابع : الصحة والعافية أو المرض والداء.
الخامس : الحياة والموت.
السادس : العز والجاه أو الذل والضعف.
السابع : الإيمان والتقوى أو الصدود عن الآيات ودعوة الحق.
الثامن : السلامة والأمن أو الخوف والفزع.
العاشر : إقبال الأيام أو إدبارها.
الحادي عشر : الرجاء أو اليأس، قال تعالى[لاَ يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ] ( ).
الثاني عشر : الحب والبغض بين الناس.
الثالث عشر : الخصب أو الجدب.
الرابع عشر : السعة والسراء أو الضيق والضراء.
الخامس عشر : الجماعة والألفة أو الوحدة والفرقة.
السادس عشر : النجاح والتوفيق في العمل والقصد، أو الفشل والخيبة.
السابع عشر : ملاقاة العفو والرأفة أو النحاسة والشدة.
الثامن عشر : البناء والإعمار أو الخراب.
التاسع عشر : حسن العاقبة أو سوء المنقلب، قال تعالى[قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ]( ).
العشرون : حال الفرج والفرح، أو الشدة والغم.
الحادي والعشرون : السعادة أو الحزن بلحاظ الأسباب والوقائع.
وجاءت آية البحث لدفع الهموم وإزاحة الكرب عن المسلمين، عَن أبي سَعِيد الخُدْرِيّ ، قال : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم المسجد ، فإذا هو برجل من الانصار يقال له : أبو أمامة فقال : يا أبا أمامة مالي أراك جالسا في المسجد في غير وقت صلاة ؟ قال : هموم لزمتني وديون يا رسول الله قال : أفلا أعلمك كلاما إذا قلته أذهب الله همك وقضى عنك دينك ؟ قال : قلت بلى يا رسول الله. قال : قل إذا أصبحت وإذا أمسيت : (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن ، وأعوذ بك من العجز والكسل ، وأعوذ بك من الجبن والبخل ، وأعوذ بك من غلبة الدين ، وقهر الرجال) قال : فقلت ذلك فأذهب الله همي وقضى عني ديني( ).
الآية لطف
مع أن القروح والجراحات أذى في الأبدان، والقتل مغادرة للروح للجسد فان الآية أخبرت عما يصيب المسلمين من الضرر والكلوم بصيغة اللطف وأسباب التأسي والإيثار والأسوة الحسنة، وهي برزخ دون التلاوم والتفريط والتكاسل.
وتمنع الآية من الجدال بين المسلمين في موضوع سقوط الشهداء والجراحات كماً وكيفاً، إذ جاءت بالمثلية والتشبيه بين ما يصيبهم ويصيب الكفار من جهات:
الأولى : الإتحاد اللفظي في كلمة (قرح) بخصوص ما يصيب المسلمين وما ينزل بالكفار.
الثانية : مس الجراحات وعدم بلوغها الأثر في ذات الهيئة والذات، فالجراحات لاتجعل المسلمين يشّكون في دينهم، كما أنها لم تزجر الكفار عن دفاعهم عن الباطل، وتحشيد الجيوش للهجوم على المدينة المنورة، بدليل مجئ الآية بالخطاب للمسلمين كأمة، ونعت الكفار بالقوم فهم مع جراحاتهم وكثرة قتلاهم في معركة بدر إذ فقدوا سبعين وأسر منهم سبعون، وقتلاهم في أحد إثنان وعشرون على قول فانهم لازالوا قوماً مجتمعين على أمر وهو الكفر والجحود.
الثالثة : تأكيد التشبيه بلفظ المثلية (قرح مثله) وفيه دعوة للمسلمين لعدم الوقوف عند مقدار وكم الخسارة عند الفريقين والمقارنة بينهما، فلا موضوعية للتباين الجزئي في المقام بل يكون الأصل هو الإيمان ووجوب الدفاع عن الإسلام والذب عن الرسول الكريم ليتم نزول آيات القرآن وتستقر أحكام الشريعة في النفوس والواقع اليومي للناس في العبادات والمعاملات، ولا ينخرم هذا الإطلاق بإرادة قتل سبعين من الكفار في معركة بدر وشهادة سبعين من المسلمين يوم أحد، ويتجلى اللطف الإلهي في المقام بأمور:
الأول : سبق إصابة الكفار بالقرح، والمسلمون في أمن منه.
الثاني : إذا أصاب المسلمين قرح إبتدائي ولأول مرة فان مثله يأتي للكفار ويكون تالياً وإضافة لما أصابهم من قبل.
ولو تكررت الجراحات على الكفار فهل يبقون بهيئة القوم المتحدين الجواب لا، بل يصبحون على وجوه:
الأول : يدخل شطر من الكفار الإسلام.
الثاني : إنصراف ومغادرة فريق من الكفار عنهم.
الثالث : يبقى فريق منهم في حال تدبر وتأمل للحال، وتتبع لآيات القرآن وذخائر الإعجاز فيه.
الرابع : الذين يبقون على الكفر , وتكون عاقبتهم الخزي والذل والهوان، قال تعالى[فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا]( ).
ولو بقي أبناء الذين كفروا من قريش ونحوهم ودخلوا الإسلام، فهل تشملهم عمومات الآية أعلاه، الجواب نعم لأن القطع والإستئصال يتعلق بذات أشخاص الظالمين لبقائهم على الظلم والجور.
والدابر : الخائب( ).
لذا قال تعالى في ذم كفار قريش عند إنتهاء معركة أحد [فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ]( ).
ولو جعل الله عز وجل قوله[وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ] آية مستقلة لكانت مدرسة في بديع صنع الله وعظيم قدرته وسلطانه ولأفردنا لها جزءً مستقلاً، ولكنها جاءت شطراً من آية البحث، وفيه مسائل:
الأولى : في الآية مواساة للمسلمين لما أصابهم يوم أحد.
الثانية : تطلع المسلمين لإشراقات الغد وما ينعم الله عز وجل عليهم في اليوم الجديد، وهو من أسرار مجئ الآية بالوحدة الزمانية الأيام.
الثالثة : الإخبار عن الملازمة بين تقلب الأيام بين الناس وعلته وموضوعاته وآثاره المترتبة بعلم الله عز وجل بالذين آمنوا وإتخاذ شهداء من المسلمين.
الرابعة : لا يعلم الإعجاز في تقسيم وترتب الآيات القرآنية إلا الله عز وجل , وهو مناسبة لإقتباس المواعظ وإستنباط الأحكام، وإستظهار الكنوز، وإستدامة إستقراء وإستخراج الذخائر من الآية القرآنية إلى يوم القيامة.
الخامسة : بيان حب الله عز وجل للمسلمين، وإصلاحهم لتلقي الأذى في سبيل الله بصبر ورضا ودوام الجهاد.
السادسة : منع المسلمين من الإنشغال بآلام الجراحات، والحسرة على الذين قتلوا منهم في المعركة، ولما تضمنت الآية السابقة النهي عن الوهن والحزن بقوله تعالى[وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا] ( )، جاءت هذه الآية مدداً لهم وبرزخاً دون الوهن والحزن على خسائرهم في المعركة بأن تنقلهم من مسّ القرح والكلوم إلى قانون كلي في الإرادة التكوينية وهو تصريف الأيام بين الناس .
فلم تجعل الآية الإخبار عن القتل والجراحات في سبيل الله آية مستقلة ليقف المسلمون عند أسباب الحزن، والله عز وجل ينهاهم عن هذا الوقوف في الآية السابقة.
فابتدأت الآية بذكر جراحات المسلمين ثم صار موضوعها لطفاً ومدداً متعدداً لهم من جهات:
الأولى :إخبار الآية عن إصابة المشركين بالجراحات، قبل أن يصاب المسلمون لتنخرم أسباب القوة والمنعة عند الكفار، ولا يكون لكثرتهم أثر جلي في المعركة وهو بشارة للمسلمين عند دخول المعركة.
الثانية : إخبار الآية عن تعاقب الأيام، وتصريفها بين الناس، وما فيه من الفرج بعد الشدة، والغبطة والفرح بعد الغم، وإقتران النصر بالسلامة بعد القروح.
الثالثة : إخبار الآية بأن كل طائفة أو أهل ملة أو أمة عرضة للنصر أو الهزيمة، لقانون (التداول) وفيه بعث لليقظة والحيطة في نفوس المسلمين ودخول المعركة بجد وفطنة وتدبير وصدق.
الرابعة : الشهادة من الله للمسلمين بالإيمان بقوله تعالى[وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الذين آمنوا].
الخامسة : الثناء على المسلمين باتخاذهم شهداء، وأن معرفتهم للأمور وأحوال الناس لا تقف عند الوجود الذهني لهم بل يتفضل الله عز وجل باكرامهم بالشهادة على الناس.
مفهوم الآية
وفي قوله تعالى[فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ] شهادة من الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين بأنهم مع ضعفهم وقلة عددهم والنقص الظاهر في أسلحتهم كماً وكيفاً إستطاعوا أن يصيبوا الكفار بأضرار وجراحات بالغة لا يستطيعون مغادرتها بالذات والأثر.
وتبين آية البحث قانوناً وهو أن الدنيا دار إبتلاء وأن إتخاذ الإيمان منهجاً وطريقاً لا يكون برزخاً دون الإبتلاء والأذى، فان قلت إن الأرض والسماء ملك لله عز وجل فلماذا لاينجو المؤمنون من الأذى والضرر ويسلمون من الكيد والمكر وآفة الحسد، الجواب في إبتلاء المؤمنين في الدنيا منافع عظيمة منها:
الأول : تأكيد ثبات المؤمنين في مقامات التقوى.
الثاني : الدعوة بالقول والفعل للكفار والمشركين إلى الإيمان.
الثالث : تحلي المسلمين بالصبر طاعة لله عز وجل، وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال: ومن صبر على القوت الشديد أسكنه الله الفردوس حيث شاء ( ).
الرابع : من مصاديق قوله تعالى[وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ]( )، بلحاظ آية البحث أمور :
الأول : تهيئ المسلمين لتلقي الجراحات في سبيل الله.
الثاني : تشرف المسلمين بتلقي الخطاب الإلهي على نحو العموم المجموعي بلحاظ إتحاد صيغته (ان يمسسكم) إذ ينبسط الخطاب على المسلمين جميعاً بعرض واحد فيشمل الذكور والنساء متحدين ومتفرقين، وفيه دعوة للمسلمين بدفع الأذى الذي يلحق أحدهم.
ومن الإعجاز في أحكام الإسلام تشريع صلاة الجماعة وبيان فضلها والثواب العظيم للذي يؤديها مع أخوته المؤمنين إماماً كان أو مأموماً ( وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: صَلاَةُ الرَّجُلِ فِى جَمَاعَةٍ تَفْضُلُ عَلَى صَلاَةِ الرَّجُلِ وَحْدَهُ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً ( ).
لتكون صلاة الجماعة وسيلة للتخفيف من وطأة الجراحة والخسارة والكلوم، ومناسبة للتعاون والتآزر في تخفيف أثرها وشدتها، وسبيلاً للوقاية منها، ودفع أفرادها اللاحقة.
وتتضمن آية البحث في مفهومها الإخبار عن وهن وضعف الكفار الذين يحاربون الإسلام ويأتون بالجيوش إلى ثغور المسلمين وإن بالغوا في كثرتهم وعدتهم وقوتهم بالتخويف والأشعار ودفوف وأهازيج النسوة لأن الجراحات أصابتهم، والخسارة لحقت بهم.
وتزجر الآية عن الركون إلى الدنيا وأيامها فهي في تبدل وتغيير ليس من واقية من إدبارها إلا التقوى والصلاح بلحاظ أنها مأمورة ومستجيبة لأمر الله عز وجل الذي خص نفسه بالمشيئة والسلطان على الأيام.
ترى هل يمكن أن تجفو الأيام الناس جميعاً، فتكون لا الى هؤلاء ولا إلى هؤلاء الجواب لا، فان الآية تفيد الحصر بأنها دائرة بين الناس ذاتهم وليس من سلطان لغيرهم عليهم، وهو من مصاديق قوله تعالى[وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( ) .
فمن خصائص خلافة الإنسان في الأرض دوران الأيام بين ذات جنس الناس إلى قيام الساعة وحتى الكوارث والآفات السماوية أو الأرضية فانها تحدث في موضع ومصر من الأرض دون الآخر، وترى شعباَ يطلع على أخبار الحرب والقتال في بلد آخر أو بين بلدين أو قبيلتين ثم لا تلبث الأيام حتى تكون ذات البلوى والمصيبة في بلده ويلحقه الأذى منها إلا أن يشاء الله عز وجل بفضله ولطفه.
لتكون الدولة بين الناس موعظة وعبرة ومناسبة للتوبة والإنابة والصلاح ونبذ الكفر والصدود عن الحق ومناسبة للدعاء وسؤال العافية.
وتبين الآية حقيقة وهي أن تقلبات الزمان سبب للكشف ومعرفة الكفار والجاحدين بانعم الله، وهو مفهوم قوله تعالى[وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الذين آمنوا] فالقتال بين المسلمين والكفار موضوع للعلم باعداء الحق والهدى وحجة عليهم في النشأتين، وكذا في تداول الأيام، فترى الكافر إذا تولى السلطنة وتهيئت له أسباب الفعل يغدر ويظلم ويعتدي على الحرمات، وإذا كانت الدولة للمؤمنين فانه يسعى في الضرر والأذى.
أن تنقل الناس في مراتب العز أو الذل في الحياة الدنيا مناسبة لفضح المنافقين الذين يظهرون الإيمان ويخفون الكفر، وتلك آية في فلسفة الإبتلاء في الحياة الدنيا، وليكون المنافقون بين أمرين:
الأول : التوبة وإختيار الإيمان وإصلاح السريرة.
الثاني : إنكشاف ضلالة وكفر المنافق ، قال تعالى[وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا]( )، وهل يكون هذان الأمران بعرض واحد ومسافة واحدة منه.
الجواب لا، فان الأول هو الأقرب،وتتدلى أماراته إليه ترغبه في الإيمان فاذا كان المنافقون أيام إنتصارات الإسلام الأولى على نحو الأفراد فان أكثرهم تابوا إلى الله.
ونفذ الإيمان إلى قلوبهم مع تعاقب أفراد الزمان، وهو من أسرار قوله تعالى[وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ]( )، بلحاظ قانون كلي وهو أن مداولة الأيام بين الناس رحمة بهم وسبيل للتوبة والصلاح وبرزخ دون الإقامة على الباطل، ويكون من مصاديق قوله تعالى[وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الذين آمنوا] وتابوا وأصلحوا، ويفضح الله المنافقين بقعودهم عن القتال والنصرة , قال تعالى[وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الذين آمنوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ]( ).
ومن خصائص تولي الأنبياء والصالحين شؤون الحكم، وإنحياز الأيام لأهل الإيمان والتقوى ترشح النفع والبركات على الناس جميعاً، وتلك آية في الحياة الدنيا وهو من مصاديق ملك الله عز وجل للأرض وقوله تعالى[وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ]( )، بتقريب وهو جذب الناس إلى منازل الإيمان والترغيب بالإسلام بتولي المؤمنين شؤون الرياسة والحكم بالعدل، وإدراك الناس بأن هذا الحكم ليس من عندهم بل هو من التنزيل، قال تعالى[وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ]( ).
لتدل الآية أعلاه في مفهومها على حقيقة وهي أن من حكم بما أنزله الله فأولئك هم المؤمنون، فإن قلت قد يأتي حكم الكافر بما يدركه العقل من حسن العدل وقبح الظلم، فيكون حكمه موافقاً لحكم التنزيل، والجواب هذا صحيح، ولكن البرهان لا يتعلق بالمفهوم فالأصل هو المنطوق كما أن الآية جاءت لبيان تعدد الحكم وسنخيته، فلا يستطيع الحكم بالعدل على نحو الإستدامة والإطلاق إلا الذي يرجع إلى التنزيل، ويحرص على عدم مخالفته سواء في باب الأحكام الجنائية أو العبادات أو المعاملات ومنها باب النكاح والطلاق والمواريث التي جاء القرآن ببيانها على نحو التفصيل وبما يمنع الإختلاف والخصومة والفتنة فيها.
إن قوله تعالى[وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ] مطلق ومجمل وجاءت مضامين هذه الآية والآية التالية لبيان رجحان كفة المؤمنين، كما في تقدم إصابة الكفار بالقروح، وخسارتهم لعدد من فرسانهم في معركة بدر، وكما في قوله تعالى[وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ] وما تدل عليه الآية التالية من تطهير وتزكية المؤمنين ومحق وذل وهوان الكافرين وإنحسار مفاهيم الشرك، ومجئ الآية التالية بصيغة التعليل[وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الذين آمنوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ] ( )، وسيأتي مزيد بيان بعد جزئين وفي باب سياق الآيات للآية التالية.
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من أصبح منكم آمناً في سربه. معافىً في بدنه، وعندهُ قوت يومهِ؛ فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها. وقيل : هو القناعة. قال النبي {صلى الله عليه وسلم} «ملوك أمتي القانع يوماً بيوم، فمن أوتي ذلك فلم يقبلهُ بقبوله ولم يصبر عليه شاكراً قصر عملهُ، وقل عقلهُ( ).
وفي قوله تعالى في خطاب لبني إسرائيل: وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا ( )، ورد عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: كانت بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم ودابة وامرأة كتب ملكاً ( ).
وفيه دعوة للناس للتدبر بالنعم الإلهية على الفرد والجماعة منهم والتسليم بالعجز عن إحصائها وجعله مناسبة للشكر لله عز وجل والثناء عليه سبحانه.
ولو جاءت النعمة وأسباب العز والملك للوالد أو الوالدة أو الإبن فهل تختص بصاحبها أم تشمل الولد والوالد والأخ، الجواب هو الثاني لما يترشح عن النعمة من النفع الأعم.
وفي الآية ترغيب بالقتال دفاعاً عن بيضة الإسلام، إذ كان الكفار يغزون المدينة لوأد الإسلام في سنواته الأولى، ويمنعون تتابع نزول القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتدبر الناس في آياته وعلى المعنى الأعم لقوله تعالى[وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ] فان موضوعها لا يختص بالشهداء من المسلمين الذين قتلوا في معارك الإسلام، بل يشمل موضوع الشهادة على الناس في أعمالهم في الدنيا والآخرة، وهو المختار لأن الآية جاءت بلفظ (يتخذ) وسيأتي مزيد بيان في باب التفسير.
ومن معاني الآية أن النسبة بين الذين آمنوا والشهداء من المسلمين هي العموم والخصوص المطلق لصيغة التبعيض في (ويتخذ منكم) وهل يحتمل إرادة المسلمين جميعاً الجواب نعم، بفضل ولطف من الله.
أسباب النزول
ذكر في تفسير الآية أن الله عز وجل أدال المسلمين من المشركين يوم بدر فقتلوا منهم سبعين.
وان المسلمين قالوا : أرنا يوماً كيوم بدر نقاتل فيه المشركين ونلتمس الشهادة، فلقوا المشركين يوم أحد فاتخذ الله منهم شهداء( ).
وتحتمل الآية في أوان نزولها بلحاظ ما أصاب المسلمين من الجراحات وجوهاً:
الأول : نزول الآية بعد سقوط الشهداء وإصابة المسلمين بالجراحات يوم أحد.
الثاني : إرادة التعليق والإخبار الغيبي عن قادم الأيام وأن المسلمين سيخوضون المعارك ويسقط منهم قتلى وتصيبهم الجراحات.
الثالث : إرادة المعنى الأعم وأن مضامين الآية الكريمة وإخبارها عن إصابة المسلمين بالقروح والكلوم.
والصحيح هو الأخير لإرادة الإطلاق، ولم يكن بعد معركة أحد كثرة في قتلى وجراحات المسلمين وهو من إعجاز لفظ(يمسسكم قرح) في آية البحث وتضمنه معنى البشارة المصاحبة للمواساة من السماء، إذ إنسحب المشركون من معركة الخندق، ثم جاء فتح مكة، والجواب صحيح أن إصابات المسلمين قد قلت وتضاءلت بعد معركة أحد كما أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ إلا أنها لم تنقطع تماماً فقد قُتل جمع من المسلمين غيلة في بئر معونة على رأس أربعة أشهر من أحد , وقتل أنس بن آوس الأشهلي شهيداً يوم الخندق، رماه خالد بن الوليد بسهم فقتله، وكان أنس قد شهد أحداً ولم يشهد بدراً.
وأستشهد في معركة الخندق سعد بن مُعاذ، وعبد الله بن سهل والطفيل بن النعمان وثعلبة بن غنمة، وكعب بن زيد أصابه سهم غرب( ) فقتله.
موضوع الآية
ويحتمل متعلق الآية بلحاظ أوانه وجوهاً:
الأول : تقدم جراحات المؤمنين على زمان نزول الآية من جهات:
الأولى : كثرة الكلوم والجراحات التي أصابت النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في وجهه ورأسه حتى نادى بعض المشركين بأنه صلى الله عليه وآله وسلم قد قتل، وكانت جروح النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم متعددة من جهات:
الأولى : قذف المشركون النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بالحجارة عن قرب وعلى نحو متوال حتى وقع على جنبه.
وهذه ليست المرة الأولى التي يرمى بها بالحجارة فقد أغرى به أهل ثقيف سفهاءهم وعبيدهم عندما ذهب إلى الطائف يدعوهم إلى الإسلام(وَكَانَ يَمْشِي بَيْنَ سِمَاطَيْنِ مِنْهُمْ فَكُلّمَا نَقَلُوا قَدَمًا، رَجَمُوا عَرَاقِيبَهُ بِالْحِجَارَةِ حَتّى اخْتَضَبَ نَعْلَاهُ بِالدّمَاءِ)( ).
وكان إذا أرهقته يقعد إلى الأرض فيساعدونه على القيام فإذا مشى قذفوه بالحجارة وهم يضحكون.
وقد تقدم ذكر إسلام عداس بسبب هذا الواقعة، وإذ كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحيداً يومئذ ليس معه إلا زيد بن حارثة يقيه بنفسه حتى شج في رأسه، فإنه في أحد يقف بين مئات المؤمنين بنبوته ويضحون في نصرة دعوته وحينما غشيه القوم قال صلى الله عليه وآله وسلم: من يشترى لنا نفسه، فتدافع الصحابة للقتال دونه.
الثاني : جرح شفتي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكان الذي أصابه هو عتبة بن أبي وقاص.
الثالث : إصابة وجنة( ) النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسال دمه الشريف على وجهه، ولم ينقطع إلا بعد المعالجة وبعد إنقضاء المعركة.
الثانية : سقوط سبعين من الشهداء من المسلمين في أمر لم يكن بالحسبان إذ إستصحبوا النصر المبين وقلة الجراحات في معركة بدر وكثرة الأسرى الذين وقعوا في أيديهم من كفار قريش، فجاءت آية البحث بصيغة المواساة البهية، والتذكير بما لاقاه الكفار من الخسارة في معركة بدر إذ بقوا يبكون قتلاهم شهراً كاملاً ثم إتجهوا إلى التدبير للثأر والإنتقال بحمية الجاهلية، أما المسلمون فقد أنعم الله عز وجل عليهم ونجاهم من هذا البكاء وما فيه من القعود بالنهي الوارد في الآية السابقة(ولا تهنو ولا تحزنوا)وبالتصريح في هذه الآية عن نزول مصيبة القروح والجراحات بالمسلمين، وفقدهم لأحبة مجاهدين.
الثالثة : تعرض جيش المسلمين للإنكسار آناً ما أثناء المعركة بسبب تقصير ومخالفة من الرماة، وتركهم مواضعهم مع تأكيد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتشديد عليهم بالبقاء فيها في كل الأحوال.
وهل هذا التقصير من الظلم الوارد في خاتمة الآية، الجواب لا، لأنه خطأ صادر من مقامات الإيمان، لذا لم يردد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكره، وخلافاً للقادة العسكريين والملوك الذين يحملون المقصرين مسؤولية الخسارة والهزيمة، ويسوقونهم إلى المحاكمة، فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يوجه اللوم الكثير إلى الرماة، ولم يحملهم المسؤولية خاصة وأن المسلمين لم يخسروا معركة أحد، نعم لم يحققوا فيها تلك المغانم المعنوية والمادية التي إكتسبوها في معركة بدر.
قوله تعالى[وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ]
جاء هذا الشطر من الآية معطوفاً على قوله تعالى[وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الذين آمنوا] وقد تقدم البيان بأن هذا الجزء من الآية ورد معطوفاً، فلم تقل الآية ليعلم الله الذين آمنوا، لتكون مداولة الأيام بين الناس علة لكشف المؤمنين وجهادهم وصبرهم في جنب الله عز وجل، ومن مصاديق حرف العطف (الواو) أعلاه أن الكشف عن أهل الإيمان أعم من أن يختص بتداول الأيام بين الناس، فيشمل بقاء ذات الحال والشأن، وإستدامة الحال على نحو الموجبة الجزئية، كما في أداء الصلاة اليومية المكتوبة.
فكل آن من الزمان مناسبة لعلم الله عز وجل بالذين آمنوا، وإتخاذ المسلمين شهداء على الناس، فاذا جاء وقت الصلاة صلى المؤمن الفريضة وعلم بمن صلى ممن حوله، ومن يصر على الجحود وعدم الإمتثال لأمر الله بالصلاة.
وهو من أسرار تشريع صلاة الجماعة وإقامة الحجة فيها على الناس خمس مرات كل يوم وفي مشارق الأرض ومغاربها، وليس من موضع في الأرض تغيب عنه هذه الحجة وموضوع الشهادة ببركة ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودماء شهداء أحد الذين نذكرهم بالثناء مع الترجمة الشخصية في هذا الجزء وهو من الإعجاز في مجيئها بلفظ العموم المركب من جهتين:
الأولى : لفظ الأيام، بلحاظ أن اليوم هو الوحدة الزمانية المستقلة إستقلالاًَ غير إرتباطي مع غيرها لما يفصل بين كل يوم وآخر من ليل مظلم تحل فيه السكينة , ويميل الناس فيه إلى الراحة والدعة، نعم إنه مناسبة للدعاء لصيرورة الريح والدولة للمسلمين، وتكون الأيام لهم ومعهم.
ويبين قوله تعالى[وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا] حقيقة وهي أن الأيام تمتلك القدرة على الإستجابة لأمر الله عز وجل في تداولها وتبدل أحوالها، وأنها ليست وعاء زمانياً جامداً، فهي تتقلب بين الناس بمشيئة الله عز وجل، وتستجيب له تعالى كما في السموات والأرض، قال تعالى[ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ] ( ).
فتتداول ذات الأيام بين الناس طائعة لأمر الله عز وجل، ليس لها الإمتناع، وهذا المعنى ينبسط على كل آن من آنات اليوم والليلة، وفيه دعوة للناس لطرد النحوسة وعدم بغض بعض الأيام أو التشاؤم منها، فكلها من ملك الله وتصريفها بأمره، ولا يعلم العبد رزقه فيها فكل يوم من أيام الحياة الدنيا وعاء لجلب المنفعة ودفع المفسدة، وكل يوم هو رحمة من عند الله عز وجل على الناس جميعاً، ومن خصائصه أنه يجلب الرزق معه.
وهل هذا الجلب سبب وأمر له موضوعية في تداول بين الناس وجزاء لها، الجواب لا ملازمة بين الأمرين، إنما الجزاء خاص بالناس لما في عملهم من الإختيار والإختبار والإبتلاء، وإجتماع العقل والشهوة عندهم والتضاد بينهما.
الثانية : العموم في لفظ (الناس) إذ تفيد الألف واللام العموم الإستغراقي، فليس من إنسان إلا وينال نصيبه من الدنيا، وينتفع من الأيام، ليجتمع في الآية الأمل والحذر، وإجتماع هذين الفردين، وحضورهما في كل يوم في الوجود الذهني وعالم الأفعال خاص بالمسلمين دون غيرهم من الناس.
وتلك آية في فضل الله عز وجل، ليكون بين الناس والمسلمين عموم وخصوص مطلق، فالناس يتقلبون في الأيام وتداولها وتعاقبها، أما المسلمون فانهم يجتهدون في أمور:
الأول : جعل الأيام والدولة لهم.
الثاني : يتنعم المسلمون فيها بالأمن والدعة والسلامة من الآفات وطوارق الحدثان.
الثالث : جعل كل يوم وليلة وعاء لعبادة الله، وفعل الصالحات.
وفي تفسير قوله تعالى[وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ] وجوه:
الأول : إرادة الشهداء الذين سقطوا قتلى في معركة أحد، وإليه ذهب أكثر المفسرين، وعن إبن عباس في الآية قال: إن المسلمين كانوا يسألون ربهم، اللهم : ربنا أرنا يوماً كيوم بدر ، نقاتل فيه المشركين ، ونبليك فيه خيراً ، ونلتمس فيه الشهادة فلقوا المشركين يوم أحد ، فاتخذ منهم شهداء( ).
الثاني : المقصود الشهداء الذين يقتلون في معارك المسلمين مطلقاً.
الثالث : موضوع الآية وسبب نزولها يوم أحد، وأخرج عن عكرمة قال: لما أبطأ على النساء الخبر خرجن يستخبرن فإذا رجلان مقتولان على دابة أو على بعير فقالت امرأة من الأنصار : من هذان؟ قالوا : فلان وفلان . أخوها وزوجها . أو زوجها وابنها ، فقالت : ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا : حي . . . قالت : فلا أبالي يتخذ الله من عباده الشهداء . ونزل القرآن على ما قالت { ويتخذ منكم شهداء } ( ).
والشهداء جمع شهيد، وفي معناه وجوه:
الأول : الذي قتل في سبيل الله سمي شهيداً لوجوه:
الأول : إنه حي عند الله، ولم يمت .
الثاني : لأنه يشهد ملكوت الله ويسبح في السموات.
الثالث : لأن الله عز وجل والملائكة يشهدون له بالجنة.
الرابع : تشهده ملائكة الرحمة، فلا تحضر عنده ملائكة العذاب.
الخامس : يترك الشهيد في عالم البرزخ إلى يوم يبعثون ويكون قبره روضة من رياض الجنة.
. ويمكن أن نضيف وجوهاً أخرى.
السادس :العفو عن الشهداء، فلا تشهد عليهم جوارحهم يوم القيامة، جزاء وثواباً من عند الله، قال تعالى[يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ]( ).
السابع : يشهد الشهداء على الذين قتلوهم ظلماً وجوراً، وتكون هذه الشهادة بلحاظ زمانها من جهات:
الأولى : شهادة الشهداء ساعة مغادرتهم الدنيا على الذين قتلوهم وهو من مصاديق خاتمة الآية[وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ] بتقدير يكون على وجوه:
الأول : والله لا يحب الظالمين الذين قتلوا المؤمنين في معركة أحد وغيرها.
الثاني : والله لا يحب الظالمين الذين أصابوا المؤمنين بالقروح والجراحات.
الثالث : والله لا يحب الظالمين الذين شهد عليهم الشهداء.
الثانية : تزكية الشهداء ساعة المغادرة للمؤمنين من الأحياء الذين قاتلوا معهم وإلى جانبهم قربة إلى الله، قال تعالى[فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا] ( ).
الثالثة : يشهد الشهداء ميدان المعركة عند مغادرة أرواحهم الأجساد ليشهدوا على القوم، ويشاركوا الملائكة في الشهادة، وهل يشاركونهم في القتال والمدد والإعانة للمؤمنين، الجواب لا دليل عليه، وينحصر المدد السماوي بالملائكة، لذا من إعجاز آية البحث أنها ذكرت الشهداء بصيغة المفعول (ويتخذ منكم) لبيان حقيقة وهي إكرام الله عز وجل للشهداء والرأفة بهم.
الرابعة : شهادة الشهداء على الذين قتلوهم يوم القيامة وأمام الخلائق كلها.
السابع : شهادة الشهداء بأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بلّغ الرسالة أحسن تبليغ.
الثامن : شهادة الشهداء لأنفسهم من جهات:
الأولى : إنهم من أهل التقوى والصلاح.
الثانية : كان قتلهم في سبيل الله.
الثالثة : الشهادة لأنفسهم باستحضارهم قصد القربة في قتالهم للمشركين.
التاسع : يشهد الشهداء توافد المؤمنين عليهم إلى الجنة .
العاشر : يشهد الشهداء لوح الشهداء الذين يقومون عليهم وتأريخ هذا القدوم وأوان مجئ أهليهم وإخوانهم إلى عالم البرزخ ليكونوا في إستقبالهم ويؤمنوا لهم السلامة من عذاب البرزخ.
ويقال أستشهد الرجل قتل شهيداً، وتَشهد طلب الشهادة( ).
ويقولون: المَلائكةُ قَواري اللَّهِ عز وجلَّ في الأرض: أي شُهَدَاءُ اللَهِ، مَأخُوذٌ من أنَهم يَقْرُوْنَ الناسَ فَيَتَتَبعُونَهُمْ ( ).
وقوله تعالى[وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ]( )، الشاهد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمشهود يوم القيامة .
وعن السدي في قوله تعالى[وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ]( )، إن الشهيد يؤتى بكتاب فيه من يقدم عليه من إخوانه وأهله يقال : يقدم عليك فلان يوم كذا وكذا ، يقدم عليك فلان يوم كذا وكذا . فيستبشر حين يقدم عليه كما يستبشر أهل الغائب بقدومه في الدنيا ( ).
والآية أعم فتشمل الذين يقتلون في سبيل الله وعلى ذات نهج الشهداء وفيه مواساة للشهداء وبشارة بأن طريق الشهادة حق، وأنه لن ينقطع بمغادرتهم الدنيا بل هناك أخوان لهم يجاهدون في سبيل الله في كل زمان.
وعن إبن زيد في الآية أعلاه : هذه الآية جمعت المؤمنين كلهم سوى الشهداء ، وقلما ذكر الله فضلاً ذكر به الأنبياء وثواباً أعطاهم إلا ذكر ما أعطى المؤمنين من بعدهم ( ).
ويأتي الشهداء جمعاً للشاهد، كما في قوله تعالى[وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ] ( ).
والشاهد والشهيد: والجمع شُهداءُ وشُهَّدٌ وشُهَّادٌ وأشْهادٌ وشُهودٌ، أنشد ثعلب:
كأني وإن كانتْ شُهوداً عَشِيرتي … إذَا غِبْتِ عَنِّي يَا عُثَيْمَ غَريبُ
أي إذا غبت عني لا أكلم عشيرتي، ولا آنس بهم حتى كأني غريب بسبب غيابك.
وشَهِدَ الأمر والمصر شَهادَةً، فهو شاهدٌ، من قوم شُهَّدٍ، حكاه سيبويه.
وصلاة الشاهدِ: صلاة المغرب، وقيل: صلاة الفجر، لأن المسافر يصليهما كالشاهد لا يقصر منهما، قال:
فَصَبَّحَتْ قَبلَ أذانِ الأوَّلِ
تَيْماءَ والصُّبْحُ كَسَيفِ الصَّيْقَلِ
قَبْلَ صَلاةِ الشَّاهِدِ المُستَعْجِلِ ( ).
ولا تعارض بين هذه الوجوه، وكلها من معاني الآية , ولا دليل على حصر معنى (الشهداء) في آية البحث بالذين قتلوا في معركة أحد وفي سبيل الله مطلقاً، بل هو من مصاديق تفسير الآية والمعنى الأعم لها هو الأنسب إذ تتعلق بالذين يتخذهم الله عز وجل شهداء على الناس ومنهم ذات المسلمين.
والقرآن يفسر بعضه بعضاً، وباستثناء آية البحث ورد لفظ الشهداء سبع عشرة مرة في القرآن ليس فيها ما يدل على إرادة الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله، وحتى قوله تعالى[وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ]( ) يحمل على المعنى الأعم، وعن إبن عباس أنه قال: النبيون الرسل { والشهداء } الذين يشهدون بالبلاغ ، ليس فيهم طعان ولا لعان( ).
وفي حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يالَيْتني غُودِرْت مع أصحاب نُحْص الجبل، أراد يا ليتني غُودِرْتُ شهيداً مع شهداء أُحُد.
وقال أبو عبيد: قال أبو عمرو: النُّحْصُ: أصلُ الجبل وسَفْحه( ).
وتقدير آية البحث على وجوه:
الأول : ويتخذ منكم شهداء في الحياة الدنيا، يكونون حجة على الناس في مصاديق التقوى والصلاح.
الثاني : ويتخذ منكم شهداء قتلوا في سبيل الله تعالى.
الثالث : ويتخذ منكم شهداء للمسلمين والمسلمات في الآخرة، بالشهادة لهم باقامة الصلاة وأداء الفرائض الأخرى، لذا جاء تشريع صلاة الجماعة في المساجد وأي بقعة من الأرض، وأداء فريضة الحج في موضع مخصوص من الأرض , قال تعالى[إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا]( ) .
ومن بركات البيت شهود المسلمين لوفد الحاج ليشهد بعضهم لبعض بأداء الفريضة , وتحتمل الشهادة في المقام جهات:
الأولى : شهادة الحاج للذين معه في قافلته.
الثانية : شهادة الحاج لمن يعرفهم من أهل محلته.
الثالثة : شهادة الحاج لكل من يعرفه من أهل بلدته أو غيرها.
الرابعة : شهادة الحاج للذين يلتقي بهم في الحج وعند أداء المناسك في عرفة أو مزدلفة أو عند البيت الحرام أو في منى.
الخامسة : شهادة الحاج لمن يراهم ولو لمرة واحدة في الحج وإن لم ترسخ صورهم في الذهن , قال تعالى[فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ]( ).
وكل هذه الجهات من مصاديق الآية الكريمة، والبركة والنماء والفضل الذين جعله الله في البيت الحرام.
الرابع : ويتخذ منكم شهداء للشهداء الذين قتلوا في سبيل الله عز وجل.
ومن أعجاز نظم الآيات مجئ هذه الآية بخصوص واقعة أحد وكثرة الشهداء الذين إنتقلوا إلى الرفيق الأعلى فيها، وهل يشهد الشهداء الجواب نعم، وتكون شهادتهم على وجوه:
الأول : شهادتهم لأنفسهم بأنهم قتلوا في سبيل الله، وهذا الوجه على شعبتين:
الأولى : شهادة الشهيد لإخوانه الشهداء الآخرين.
الثانية : شهادة الشهيد لنفسه بأنه قتُل بقصد القربة لله عز وجل وطاعة له سبحانه ولرسوله وهو من مصاديق قوله تعالى[وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ] ( )، فمن حياة الشهيد إخباره عن نفسه وموضوع قتله، فان قلت إن شهادة الإنسان لنفسه مردودة .
والجواب هذا في الحقوق والدعاوى في الدنيا، وليس في نواميس الآخرة، وعلم الله تعالى بصحة هذه الشهادة، وفيه إكرام خاص يوم القيامة للذين قتلوا في سبيل الله فبينما يكون الناس مشغولين بأنفسهم في مواطن الحساب ويأخذهم الفزع والخوف يقوم الشهداء بالإدلاء بالشهادة بسكينة وأمن وإفتخار، وهو من الرزق الكريم يوم القيامة وفضل الله عليهم ومصاديق قوله تعالى في وصف الشهداء[بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ* فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ]( )، وسلامة الشهداء من الفزع والحزن والخوف يوم القيامة الرزق الكريم , وفي التنزيل[قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا]( )، أي على أنفسكم واتباعكم( ).
الثاني : شهادة الشهداء للمؤمنين الذين دخلوا المعركة شوقاً للقاء الله، وتفانوا في القتال لإعلاء كلمة التوحيد.
الثالث : شهادة الشهداء لإخوانهم المؤمنين الذين أصابتهم جراحات وكلوم في المعركة، وهو من مصاديق آية البحث وتقديرها: وان يمسسكم قرح فان الشهداء يشهدون به عند الله.
الرابع : الشهادة على المنافقين الذين إمتنعوا عن القتال والذين يصدون عن الهدى.
الخامس : شهادة الشهداء على الأجيال اللاحقة بلحاظ أنهم [أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ] ( )، وإن قيد(عند ربهم) ليس مانعاً من إطلاعهم على أعمال الناس وبما يأذن به الله عز وجل لهم.
السادس : يشهد الشهداء بمعنى يرى ويعلم بحال وعاقبة الذين قتلوهم والمشاهدة: المعاينة، وشهده شهوداً أي حضره( ).
السابع : يرى الشهداء بفضل الله عز وجل منافع شهادتهم في تثبيت دعائم الدين ودفع الضرر والكيد عن المسلمين.
الثامن : الشهادة على الكفار الذين قتلوهم وجعلوا أرواحهم تفارق أجسادهم.
التاسع : الشهادة على الذين أعانوا الكفار وأمدوهم بالمال والسلاح وحرضوهم على قتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين.
العاشر : ويتخذ منكم شهداء على الذين أصروا على البقاء في منازل الكفر والجحود.
الحادي عشر : ويتخذ منكم شهداء للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر.
وقد ورد لفظ الشهداء في القرآن بما يدل على إرادة المؤمنين مطلقاً من غير تقييد بالقتل في سبيل الله , قال سبحانه[وَالذين آمنوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ] ( ).
وقيدت الآية نيل مرتبة الشهادة بالإيمان بالله ورسوله ليخرج المنافقون وأهل الشك والريب.
وإتخاذ الله عز وجل شهداء من المسلمين من مصاديق قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( )، فمن وجوه التفضيل في المقام التزكية من عند الله للمسلمين وبيان أهليتهم للشهادة على الناس .
ويتخذ فعل يتعدى لمفعولين، والأفعال المتعدية لمفعولين على قسمين بلحاظ ذات المفعول:
الأول : أصل المفعولين مبتدأ وخبر ,كما في قوله تعالى[هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا]( )، فالقول(النهار مبصر) جملة تامة في معناها.
الثاني : لا يصلح المفعولان أن يكون جملة إسمية تامة، مثل[وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ] ( )، وموسى مفعول به أول، والكتاب مفعول به ثان وقال السهيلي بالعكس أي أن الكتاب هو المفعول الأول، وموسى المفعول الثاني، فقول(موسى الكتاب) لايكون جملة تامة.
وآية البحث من القسم الأول ويستلزم هذا القول منا تضمين(يتخذ) معنى يتعدى إلى مفعولين وإن كان على نحو جهتي بلحاظ تعدد معاني اللفظ القرآني.
وإذا أنعم الله عز وجل بنعمة فانه سبحانه يجعلها عامة غير خاصة ويمكن تأسيس قانون وهو الأصل في النعم هو العموم إلا مع الدليل على التقييد والحصر ، وحتى هذا الحصر إنما يتضمن العموم بلحاظ تجدده الزماني والمكاني فتمر على المسلمين سنوات وعقود وأحقاب ليس فيها قتال مع عدو لهم.
وهو المستقرأ من تداول الأيام وتبدل الحكومات المستمر والمتعاقب، فتقف طاحونة الحرب، ورحى القتال، ولا عبرة بالجعجعة وتكديس الأسلحة، ومن أمثال العرب (أسمع جعجعة ولا أرى طحناً)( ).
وإن كان هذا المثل يضرب للجبان والمتردد الذي يوعد ولا يوقع وللبخيل الذي يعد ولا يفي ولكنه عام، وليس المدار على الأمثلة، إذ يتم تغليب الدول الحكمة والعقل، والتبصر بأضرار الحروب، ووجود قوانين دولية تمنع القتال والحروب وتزجر المعتدي، وتجلى في آيات القرآن ودعوته إلى الصلح والترغيب فيه كما في قوله تعالى[وَالصُّلْحُ خَيْرٌ]( )، وقوله تعالى[وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ]( ).
ترى لماذا يتخذ الله شهداء من المسلمين وهو القائل [وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا]( )، الجواب من وجوه :
الأول : بيان إكرام الله عز وجل للمسلمين بنيلهم مرتبة الشهادة على الناس .
الثاني : الشهادة على الناس من مصاديق قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
الثالث : إقامة الحجة على الناس من بين ظهرانيهم.
الرابع : ولما أنكرت الملائكة صيرورة الإنسان خليفة في الأرض إحتج الله عز وجل عليهم بقوله[إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( )، ليكون من خصائص الخلافة في الأرض شهادة المؤمنين على الناس.
الخامس : ترغيب الناس في الإسلام ورجاء بلوغ مرتبة الشهادة , وما فيها من التشريع ورفعه.
السادس : تزكية أفعال المسلمين بلحاظ الملازمة بين العدالة والشهادة.
السابع : بعث المسلمين على الإجتهاد بفعل الطاعات وعمل الصالحات خاصة وأن الآية وردت بصيغة التبعيض (ويتخذ منكم) وهو من مصاديق قوله تعالى[وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ]( ).
الثامن : حث المسلمين على الدعاء لنيل مرتبة الشهادة.
وهل الشهادة خاصة بأهل التقوى من الرجال لمجئ الخطاب بصيغة التذكير وورود الميم في(منكم) الجواب لا، إنما ورد الخطاب بالتذكير للأغلب والأظهر كما في قول القمران وإرادة الشمس والقمر، قال المتنبي:
وَمَا التأنيثُ لاسم الشمسِ عَيْبٌ … ولا التذكيرُ فخرٌ للهلال
فان قلت إن القتال لايجب على النساء وليس عليهن الجهاد , والقروح فرع دخول المعركة والإشتراك فيها، والجواب من وجوه:
الأول : المراد من القروح أعم من الجراحات والكلوم فتشمل القتال والمصيبة بفقد الأحبة.
الثاني : تحمل المرأة لأعباء الأسرة والمعيشة عند إصابة الرجل بالقروح والجراحات.
الثالث : تولي النساء العناية بالمصابين، وكانت فاطمة الزهراء عليها السلام وعدد من المؤمنات يعالجن الجرحى ويضمدن جراحاتهم، إذ تولت الزهراء علاج الجروح التي أصابت النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقامت بغسل سيفه وسيف الإمام علي عليه السلام من الدماء .
وفي الآية مسائل :
الأولى : ترغيب الناس بالإسلام.
الثانية : إخبار الناس بوجود شهود عليهم من البشر إلى جانب حضور الملائكة، قال تعالى[مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ] ( ).
الثالثة : دعوة الناس لمحاكاة المؤمنين والتصديق بالنبوات.
وجاءت الآية بالفعل المتعدي (ويتخذ) مما يدل على أن موضوعها أعم من القتل في سبيل الله سبحانه، لعائدية الإتخاذ لله عز وجل وحده بينما تكون موضوعية في القتل دفاعاً عن الإسلام لإختيار ذات المؤمن إبتداء من خروجه للمعركة وحمله السلاح وخروجه للمبارزة.
لذا تجلى الفضل الإلهي والثناء على المؤمنين في قوله تعالى[وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ]( )، وإرادة يوم أحد من الآية أعلاه ، وقال الحسن البصري : هو يوم بدر، وقال مقاتل: هو الأحزاب( ) .
والمشهور والمختار هو الأول، ويدل عليه أيضاً نظم الآيات , وفي الآية ثناء على الصحابة من وجوه:
الأول : تولي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تهيئة الصحابة لقتال المشركين، وعن مجاهد في الآية أعلاه قال: مشى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ على رجليه يبوّئ المؤمنين ( ).
الثاني : إستعداد الصحابة للقتال والقتل في سبيل الله.
الثالث : دلالة الآية في مفهومها على إمتثال الصحابة لأوامر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بخصوص إتخاذ مواقع القتال.
الرابع : مع مجئ القرآن بذكر الصحابة بلفظ المهاجرين والأنصار، كما في قوله تعالى[لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ]( )، فان هذه الآية ذكرتهم بصبغة الإيمان وفيه مسائل:
الأولى : تأكيد الأخوة الإيمانية بين الصحابة وأهل البيت.
الثانية : الزجر عن الإنقسام والطائفية في القتال، والمنع من حصر نصرة المهاجر بالمهاجرين والأنصاري بالأنصار.
الثالثة : الآية مصداق لقوله تعالى[إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ]( ).
الرابعة : بشارة المدد والنصر من عند الله للمؤمنين، قال تعالى[إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالذين آمنوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا]( ).
الخامسة : ترغيب المسلمين بالقتال.
وبين المسلمين والمؤمنين عموم وخصوص مطلق، فكل مؤمن هو مسلم وليس العكس، فجاءت الآية تزكية للذين خرجوا للقتال في معركة أحد ومواجهة خيل وخيلاء قريش وإصرارهم على البطش .
فقد جاءت قريش للمعركة وكأنهم في نزهة , لعلمهم بقلة عدد المسلمين والنقص في عدتهم وأسلحتهم، وحال الفقر التي تتغشاهم، ولم تصلهم أنباء شدة إيمان المسلمين أو وصلتهم ولكنهم لم يفقهوا موضوعيتها للغشاوة التي يخطها الكفر على أبصارهم .
أما في معركة أحد فقد جاءوا للثأر والإنتقام , وتجلى بأمور :
الأول : كثرة عدد جيش المشركين , إذ كانوا نحو ثلاثة آلاف.
الثاني : المناجاة بين رؤساء الضلالة والإستماع للمنافقين .
الثالث : التعاون مع أعداء الإسلام .
الرابع : طواف كبار مشركي قريش على القبائل وتحريضهم عالقبائل وتحريضهم على نصرتهم .
الخامس : ترغيب العبيد بالقتال والقتل كما في الوعد لوحشي بالعتق إن قتل علياً عليه السلام أو الحمزة بن عبد المطلب عم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
السادسة : نعت الذين خرجوا للقتال من الصحابة بالمؤمنين فضح للمنافقين والذين يمتنعون عن الخروج , قال تعالى[قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ]( )، وكان المنافقون يقولون لعامة المسلمين: ما محمد إلا أكلة رأس وهو هالك ومن معه فهلم إلينا ( ).
الخامس : إنعدام الكسل أو التكاسل أو التسويف عند الصحابة، فحينما خرج إليهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الصباح الباكر وجدهم حاضرين متهيئين لا يأبهون بكثرة العدو وعزمه على البطش والفتك ولكنهم في شوق إلى الهيجاء نسجوا معالم الإيمان فكان لهم لباساً وسلاحاً للمكافحة في الحرب، ففزعت ملائكة السماء لنصرتهم وكان لباس العز هو العلامة لهم ويكون تقدير الآية (إن يمسسكم قرح تنزل الملائكة لنصرتكم).
وفي قوله تعالى[لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ]( )، ورد عن الإمام الباقر عليه السلام قال: فرسول الله صلى الله عليه واله الشهيد علينا بما بلغنا عن الله عز وجل، ونحن الشهداء على الناس، فمن صدق صدقناه يوم القيامة، ومن كذب يوم القيامة كذبناه)( ).
علم المناسبة
من الإعجاز في آية البحث أن لفظ(قرح) ورد فيها مرتين من مجموع ثلاث مرات ورد فيها في القرآن , وفيه مسائل:
الأولى : هذه الآية مناسبة للتدبر بموضوع إصابة المسلمين بالجراحات عند دخول المعارك.
الثانية : تهيئة أذهان المسلمين لحقيقة مركبة من وجهين:
الأول : تعدي الكفار ونشوب المعارك بينهم وبين المسلمين.
الثاني : تستلزم سنخية القتال وقوع الجراحات عند طرفي القتال.
الثالثة : القروح والكلوم مقدمة لتحقيق النصر على الكفار.
الرابعة : ليس من ملازمة بين الإيمان والسلامة من الجراحات أو من القتل.
الخامسة : تقديم المسلمين الشهداء، وإصابتهم بالقروح طريق لتحقيق النصر.
السادسة : المنع من صيرورة الجراحات وسقوط القتلى من المسلمين سبباً للقنوط أو إستحواذ الحزن على النفوس.
السابعة : الخزي والفضح للمنافقين، وزجرهم عن تثبيط المؤمنين وصدهم عن الخروج إلى القتال، قال تعالى[يَاأَيُّهَا الذين آمنوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا]( ).
فيظن المنافقون أن الخروج للقتال سبب لإنخرام العمر وتقدم الأجل، فيصدون المؤمنين عن القتال، ويبثون في المدينة الإشاعات الخبيثة عند خروج المؤمنين للقتال، وإذا جاء خبر باستشهاد أو موت أحد المؤمنين في الغزو قال المنافقون لو بقي في المدينة ولم يخرج للغزو لما قتل أو مات.
إن إشاعات المنافقين سبب في إنتشار إشاعة قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد إذ أنه مناسبة لنشاط إبليس في هذا الباب، فقد لاتجد أثراً له إذا لم تكن هناك مقدمات من المنكرات من الكفار وأهل الشك والريب.
وفي الآية وعد للمسلمين بأن القروح والخسارة لن تصيبهم إلا على نحو المس وهو من مصاديق قوله تعالى[لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى] ( )، ونزلت الآية في معركة أحد وكان عدد الكفار الذين زحفوا لقتال المسلمين ثلاثة آلاف على المشهور والمختار، وجاءوا بعدها بأقل من سنتين في معركة الخندق بعشرة آلاف مقاتل، وقيل أثني عشر ألفاً، وقيل خمسة عشر ألفا وهو عدد كبير يبعث الرهبة في النفوس آنذاك لولا سلاح الإيمان , بالإضافة إلى دنوهم من المدينة وإقترابهم من أطرافها، ونزولهم على مشارفها وإحاطتهم بها في بلاء شديد على المؤمنين ولكن قوله تعالى[إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ] حرز سماوي في معركة الخندق لأنه يتضمن الإخبار عن سلامة المؤمنين من الهزيمة والإنكسار .
ولو لم يحفر المسلمون الخندق فهل يستطيع الكفار إقتحامها وسبي الذراري والنساء وقتل المؤمنين , الجواب لا، إذ ينعم الله عز وجل على المسلمين بحال وصيغة أخرى من الدفاع وصد المشركين خاصة وان الخندق لم يحط المدينة المنورة من جميع الجهات، لأن بعض الجهات كانت مملوءة بالنخيل ويصعب على العدو الدخول منها.
ولو دخل المشركون إلى المدينة لكانت حرب شوارع، وأهل المدينة أدرى بازقتها وحيطانها وبيوتها ولإنكسر المشركون وخسروا فرسانهم، إذ أنهم إعتادوا على المبارزة خاصة، ولقاتلهم الصبيان والنساء في الأزقة ومن على سطوح المنازل أيضاً .
وعندما قدم كفار قريش بجيوشهم وخيلهم إلى المدينة في السنة الثالثة للهجرة ونزلوا قريباً من جبل أحد.
اسْتَشَارَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وآله أَصْحَابَهُ أَيَخْرُجُ إلَيْهِمْ أَمْ يَمْكُثُ فِي الْمَدِينَةِ ؟ وَكَانَ رَأْيُهُ أَلّا يَخْرُجُوا مِنْ الْمَدِينَةِ وَأَنْ يَتَحَصّنُوا بِهَا فَإِنْ دَخَلُوهَا قَاتَلَهُمْ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَفْوَاهِ الْأَزِقّةِ وَالنّسَاءُ مِنْ فَوْقِ الْبُيُوتِ وَوَافَقَهُ عَلَى هَذَا الرّأْيِ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أُبَيّ وَكَانَ هُوَ الرّأْيَ فَبَادَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ فُضَلَاءِ الصّحَابَةِ مِمّنْ فَاتَهُ الْخُرُوجُ يَوْمَ بَدْرٍ وَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِالْخُرُوجِ وَأَلَحّوا عَلَيْهِ فِي ذَلِك وَأَشَارَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أُبَيّ بِالْمُقَامِ فِي الْمَدِينَةِ وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ بَعْضُ الصّحَابَةِ فَأَلَحّ أُولَئِكَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَنَهَضَ وَدَخَلَ بَيْتَهُ وَلَبِسَ لَامَتَهُ وَخَرَجَ عَلَيْهِمْ وَقَدْ انْثَنَى عَزْمُ أُولَئِكَ وَقَالُوا : أَكْرَهَنَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى الْخُرُوجِ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ إنْ أَحْبَبْتَ أَنْ تَمْكُثَ فِي الْمَدِينَةِ فَافْعَلْ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَا يَنْبَغِي لِنَبِيّ إذَا لَبِسَ لَامَتَهُ أَنْ يَضَعَهَا حَتّى يَحْكُمَ اللّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدُوّهِ( ).
وآية الخندق من مصاديق آية البحث إذ أشار بحفره سلمان الفارسي فامضاه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأمر به ليكون في مضمونه فرداً من السنة القولية والفعلية والتقريرية والدفاعية مجتمعة ومتفرقة، وفيه شاهد بأن الموضوع المتحد قد يكون من مصاديق كل فرد من أفراد السنة النبوية الأربعة أعلاه بحسب اللحاظ.
وكانت معركة الخندق أول مشهد يحضره سلمان مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو يومئذ حر ليس بعبد، فقال: يارسول الله إنا كنا بفارس إذا حوصرنا ضربنا خندقاً علينا، فعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون حتى أحكموه، وقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بخط الخندق , وبيان موضوعه وطوله وتحديد عرضه وعمقه , وقطع لكل عشرة من الصحابة أربعين ذراعاً، وإختلف المهاجرون والأنصار في سلمان الفارسي وكل فريق يريده معه لحسن سمته ومشورته ولأنه كان رجلاً قوياً فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلمته المشهورة: سلمان منا أهل البيت( ).
قال عمرو بن عوف: فكنت أنا وسلمان وحُذيفة بن اليمان والنعمان بن مقرن المزني، وستة من الأنصار، في أربعين ذراعا، فحفرنا تحت دوبار حتى بلغنا (2) الصرى، أخرج الله من بطن الخندق صخرة بيضاء مروة فكسرت حديدنا، وشقّت علينا، فقلنا: يا سلمان، ارق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخبره خبر هذه الصخرة، فإما أن نعدل عنها، فإن المعدل قريب، وإما أن يأمرنا فيها بأمره، فإنا لا نحبّ أن نجاوز خطه. فرقي سلمان حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ضارب عليه قبة تركية .
فقال: يا رسول الله بأبينا أنت وأمنا خرجت صخرة بيضاء من بطن الخندق مروة، فكسرت حديدنا، وشقَّت علينا حتى ما يجيء منها قليل ولا كثير، فمرنا فيها بأمرك، فإنا لا نحب أن نجاوز خطك، فهبط رسول الله صلى الله عليه وسلم مع سلمان في الخندق، ورقينا نحن التسعة على شفة الخندق، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم المعول من سلمان، فضرب الصخرة ضربة صدعها، وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتيها -يعني لابتي المدينة- حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح، وكبر المسلمون ثم ضربها رسول الله صلى الله عليه وسلم الثانية، فصدعها وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتيها، حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح، وكبر المسلمون، ثم ضربها وسول الله صلى الله عليه وسلم الثالثة فكسرها، وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتيها، حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح، ثم أخذ بيد سلمان فرقي، فقال سلمان: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد رأيت شيئا ما رأيته قطّ، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القوم، فقال: “هَلْ رأيْتُمْ ما يقُولُ سَلْمانُ؟” قَالُوا: نعم يا رسول الله بأبينا أنت وأمنا، وقد رأيناك تضرب، فيخرج برق كالموج، فرأيناك تكبر فنكبر، ولا نرى شيئا غير ذلك، قال: “صَدَقْتُمْ ضَرَبْتُ ضَرْبَتِي الأولى، فَبَرقَ الَّذِي رأيتم أضَاءَ لي مِنْهُ قُصُورُ الحِيرَة وَمَدَائِنُ كِسْرَى، كأنَّها أنْيابُ الكِلاب، فأخْبَرَنِي جَبْرَائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلَيْها، ثُمَّ ضَرَبْتُ ضَرْبَتي الثَّانيَةَ، فَبَرقَ الَّذِي رأيْتُمْ، أضَاءَ لي مِنْهُ قُصُورُ الحُمْر مِنْ أرْضِ الرُّومِ، كأنَّها أنْيابُ الكِلاب، وأخْبَرَنِي جَبْرائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلَيْها، ثُمَّ ضَرَبْتُ ضَرْبَتِي الثَّالِثَةَ، وَبَرَقَ مِنْها الَّذِي رأيْتُمْ، أضَاءَتْ لِي مِنْها قُصُورُ صَنْعاءَ، كأنَّها أنْيابُ الكلاب، وأخْبَرَنِي جَبْرائِيلُ عَلَيْه السَّلامُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلَيْها، فأبْشِرُوا” يُبَلِّغُهُمُ النَّصْر، “وأبْشرُوا” يُبَلِّغُهُمُ النَّصْر، “وأبْشِرُوا” يُبَلِّغُهُمُ النَّصْر؛ فاستبشر المسلمون، وقالوا: الحمد لله موعود صدق، بأن وعدنا النصر بعد الحصر، فطبقت الأحزاب، فقال المسلمون[هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ]( ) .
وقال المنافقون: ألا تعجبون يحدّثكم ويمنيكم ويعدكم الباطل، يخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى، وأنها تفتح لكم وأنتم تحفرون الخندق من الفرق، ولا تستطيعون أن تبرزوا( ).
وفي هذا الحديث دلالة على أمور:
الأول : مس الجراحات للمسلمين طريق للفتح.
الثاني : البشارة من عند الله بأن هذا المس لا يكون عائقاً أومانعاًَ من مواصلة المسلمين الجهاد والدفاع عن الإسلام.
وجاء لفظ القرح مرة أخري في قوله تعالى[الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ] ( )، ومن إعجاز القرآن في المقام وجوه:
الأول : إنحصار ورود لفظ(قرح) في آيتين من القرآن.
الثاني : ورد لفظ القرح في القرآن ثلاث مرات، كلها في سورة آل عمران.
الثالث : إتحاد موضوع القرح في الآيتين، وهو خصوص معركة أحد والجراحات التي أصابت المسلمين يومئذ .
الرابع : بين القرح الأول من سورة البحث وبين القرح في الآية أعلاه عموم وخصوص مطلق، إذ أن قوله تعالى[إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ] أعم فالمقصود منه سقوط سبعين شهيداً يوم أحد إلى جانب جرح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكسر أسنانه الأمامية والجراحات والكلوم التي أصابت الصحابة، أما الآية أعلاه[مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ] فالمقصود منه على قسمين:
الأول : الجراحات التي أصابت الصحابة الأحياء والذين لم يتأخروا عن الإستجابة لنداء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني : أثر سقوط القتلى من المؤمنين على نفوس الذين بقوا أحياء منهم.
فبعد أن إنسحب المشركون من معركة أحد راجعين إلى مكة، ندموا في الطريق وتناجوا بغزو المدينة المنورة ومحاولة استباحتها , فلما بلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ندب المسلمين إلى الخروج خلفهم لبعث الرعب في نفوسهم، وإشعارهم بأن القرح الذي أصاب المسلمين ليس برزخاً دون مواصلتهم الجهاد والقتال في سبيل الله، وتسمى كتيبة حمراء الأسد ويبعد الموضع عن المدينة ثمانية أميال، وأقام وأصحابه بها ثلاثة أيام هي الإثنين والثلاثاء والأربعاء ثم رجعوا إلى المدينة.
وعن إبن عباس قال: لما رجع المشركون عن أحد قالوا : لا محمداً قتلتم ، ولا الكواعب أردفتم . بئسما صنعتم ارجعوا . فسمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك ، فندب المسلمين فانتدبوا حتى بلغ حمراء الأسد؛ فقال المشركون : نرجع قابل . فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكانت تعد غزوة . فأنزل الله[الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ]( ).
وقد كان أبو سفيان قال للنبي صلى الله عليه وسلم : موعدكم موسم بدر حيث قتلتم أصحابنا ، فأما الجبان فرجع ، وأما الشجاع فأخذ أهبة القتال والتجارة . فأتوه فلم يجدوا به أحد وتسوقوا . فأنزل الله { فانقلبوا بنعمة من الله وفضل} ( ).
ولم يرد لفظ (يمسسكم) في القرآن إلا في آية البحث وجاء القرآن بتأكيد حقيقة وهي أن مسمى القروح ليس سوءً إنما هو تجارة مع الله، قال تعالى في الثناء على المؤمنين[فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ]( ).
أي لم يتعرضوا إلى أذى خسارة أو قتل وهزيمة، وإنكشف بطلان تخويف أبي سفيان وكبار مشركي مكة، ووافى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سوقاً كانت ببدر وابتاعوا.
وقيل نزلت الآية أعلاه بخصوص كتيبة بدر الصغرى ووقعت بعد معركة أحد، وكانت بدر متجراً وسوقاً موسمياً، فحينما إنسحب المشركون من معركة أحد خائبين أرادوا تغطية هزيمتهم والتستر عليها.
فنادى أبو سفيان مخاطباً النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين: موعدكم بدر حيث قتلتم أصحابنا أي أنه سوف ينتقم ويثأر لقتلاهم في معركة بدر التي جرت في شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة وقتل فيها سبعون من المشركين، ولم يعلم أن قوله تعالى[وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ]( )، يتضمن في دلالاته الوعد من الله عز وجل بعجز الكفار عن الثأر والإنتقام لأن الله عز وجل إذا أعطى يعطي بالأوفى والأتم.
لذا ليس من مصداق واقعي لإدعاء المشركين الثأر يوم أحد وأنه بيوم بدر، إذ نادى أبو سفيان: يوم بيوم بدر والحرب سجال ، إنكم ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني . ثم أخذ يرتجز : أعل هبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا تجيبونه؟ قالوا : يا رسول الله ما نقول؟ قال قولوا : الله أعلى وأجل . قال : إن لنا العزى ولا عزى لكم . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا تجيبونه؟ قالوا : يا رسول الله وما نقول؟ قال : قولوا الله مولانا ولا مولى لكم( ).
فهناك تباين بين نصر المسلمين التام يوم بدر، وعدم حصول نصر للكفار يوم أحد، وقول المشركين آخر ساعة من معركة أحد يوم بيوم بدر، كذب وزور.
ليكون خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه خلف المشركين في اليوم التالي لواقعة أحد وبلوغ المشركين نبأ الخروج مقدمة وزاجراً عن إقتحامهم المدينة المنورة.
إنما أرادوا به تعطية هزيمتهم وعجزهم عن تحقيق الغايات الخبيثة التي جاءوا من أجلها.
وتدل صيغة التخفيف ( يمسسكم )والإتحاد والتنكير في القرح على البشارة بسلامة المسلمين من تعدد أو كثرة القتلى في المعارك اللاحقة لمعركة أحد، ليفوز النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون بما يبعث السكينة في نفوسهم من عند الله وهو من مصاديق قوله تعالى[هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا]( )، ليأتي المدد للمسلمين في تمحيصهم وتزكيتهم كما في الآية التالية(ليمحص الله الذين آمنوا) ويمحق الكافرين من جهات نبينها في الجزء التاسع بعد المائة إن شاء الله في باب صلى هذه الآية بالآية السابقة.
قوله تعالى[وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الذين آمنوا]
يتبادر إلى الذهن أن اللام في ليعلم لام التعليل وإن مداولة الأيام بين الناس علة لكشف الحقائق وإظهار السرائر من جهات:
الأولى : تعيين أهل الإيمان والتقوى.
الثانية : فضح المنافقين وبيان قبح النفاق، والتباين بين الظاهر المعلن من الإيمان، والمستور الخفي من الكفر والجحود عندهم .
فان قيل كيف يستحيل إجتماع الضدين وهما يجتمعان في محل واحد عند ذات المنافق، والجواب هذه المقولة فلسفية ليس فيها كتاب أو سنة ودليل شرعي، ومع هذا فهناك إختلاف جهتي بين إعلان المنافق الإيمان وإسرار الكفر فيكون إختلافه في المحل بين ظاهر الإنسان وباطنه، وبين لسانه وقلبه ولأن الله عز وجل[يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ]( )، تفضل سبحانه بمدد إلى المسلمين باخبارهم بوجود جماعة المنافقين بين ظهرانيهم، وهم يقفون في صفوف الصلاة.
ولم يخطر على بالهم حال وضرر المنافقين لولا فضل الله ببيان حالهم والتحذير منهم.
ترى كيف وصفت الآية جميع الذين خرجوا للقتال يوم أحد بالمؤمنين [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ]( )، وقد إنسلخ في الطريق إلى أحد ثلاثمائة فرد منهم بتحريض من رأس النفاق عبد الله بن أبي بن سلول، يحتمل الجواب وجوهاً:
الأول : القدر المتيقن المراد من لفظ (المؤمنين) في الآية أعلاه هم الذين شاركوا في القتال فعلاً، ومنهم الشهداء والذين أصابتهم القروح.
الثاني : لقد كان جميع الذين حضروا للخروج إلى أحد مؤمنين ساعة التهيئة والإعداد للقتال.
الثالث : إرادة الأعم الغالب في الآية، وشمول الإستثناء والقلة معهم وإن لم يكونوا من ذات السنخية، كما في قوله تعالى[وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنْ الْجِنِّ]( ).
الرابع : جاءت الآية بالإطلاق والتقييد بقوله تعالى[تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ].
إذ تدل بالدلالة التضمنية على أن المؤمنين هم خصوص الذين يصلون إلى أحد ، ويشاركون في القتال.
ولا تعارض بين هذه الوجوه، وكلها من مصاديق الآية الكريمة وهو من إعجازها، فالتهيئ للقتال عام وشامل ، أما الذين يتخذون مواضعهم في ساحة المعركة فهم الذين شهدت لهم آيات أخرى والسنة النبوية والتأريخ .
وجاءت آيات القرآن للحث على نبذ النفاق، ودعوة للناس إلى التنزه عنه، ومنه آية البحث من وجوه:
الأول : الترغيب بالإيمان والندب إليه.
الثاني : إخبار الآية عن علم الله عز وجل بالناس وسرائرهم وعقائدهم ومقاصدهم، فقد يخرج أحدهم يقاتل مع المؤمنين لحمية وعصبية من أجل قومه أو قبيلته أو لرفع إسمه وأسماء آبائه أو لغرض الدنيا والإستيلاء على الغنائم.
فجاءت الآية لتزجر عن هذه النوايا وتدعو إلى إخلاص الإيمان، ولا ينحصر الأمر بحال الحرب فيشمل العبادات والمعاملات والأحكام والحال اليومية للناس، قال تعالى[وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ] ( ).
الثالث : الإنذار والوعيد للكفار فكما يعلم الله الذين آمنوا فيثيبهم فانه سبحانه يعلم الذين يقيمون على الكفر والجحود فيعاقبهم .
الرابع : الأمن والسلامة للذين آمنوا، فمن معاني ودلالات علم الله عز وجل بهم تغشي رحمته لهم، وإحاطتهم بفضله.
وتخبر آية البحث عن إختبار أهل الإيمان وتعرضهم للإبتلاء من جهات:
الأولى : إصابة المسلمين بالقرح والجراحات، وتقديم عدد منهم نفوسهم فداء في سبيل الله.
الثانية : سقوط القتلى من المشركين وكثرة الإصابات والكلوم فيهم بسبب جهاد المسلمين ودفاعهم عن حوزة الإسلام، إذ قامت قريش بالهجوم على المدينة المنورة فخرج لهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنون، فكانت معركة بدر في السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة.
الثالثة : تصريف الأيام بين الناس، فتكون الدولة مرة للمسلمين وأخرى للكفار , ويفوز المسلمون بالخصب والخير، وتأتي سنة مجاعة وعوز، والمؤمن يشكر الله عز وجل في حال النعمة وتواليها، ويتحلى بالصبر عند البلاء والأذى، وتقدير آية البحث على وجوه:
الأول : يمسسكم قرح ليعلم الله الذين آمنوا.
الثاني : فقد مس القوم قرح ليعلم الله الذين آمنوا.
الثالث : وتلك الأيام نداولها بين الناس ليعلم الله الذين آمنوا.
وتحتمل هذه الوجوه وجوها:
الأول : إرادة إجتماع وقوعها، ففي ذات الوقت يصاب المسلمون بالجراحات، وكذا الكفار , وتنقلب معها الحال ويتغير الشأن.
الثاني : إرادة إجتماع فردين منها، كما في معركة بدر فقد أصيب الكفار بالجراحات، وتبدل الزمان والدولة، قال تعالى[وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ]( ).
الثالث : حصول فرد واحد من هذه الوجوه، فقد تدول وتتبدل الحال والشأن من غير قتال وجراحات.
الرابع : عدم حصول أي فرد من هذه الوجوه الثلاثة، فليس من قتال وقتلى وجراحات، والأيام على حالها من جهة الشأن والدولة والسلطان، فان الله عز وجل يميز المؤمنين عن غيرهم.
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلاَمَهُ ، فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا ( ).
وفي الآية ترغيب للمسلمين بالصبر والتحلي بالأخلاق الفاضلة، وإجتناب التعدي والظلم، فمتى ما أدرك العبد أن مولاه يرقبه ويلحظ عمله فانه يجتهد في طاعته ويجتنب معصيته.
والآية إنحلالية وتقديرها بصيغة المفرد: وليعلم الله الذي آمن.
ومن أسرار صيغة الجمع في الآية أنها تدعو المسلمين إلى الأخوة الإيمانية , وتحثهم على التعاون والتآزر في سبل الإيمان وفعل الصالحات، وهو من مصاديق قوله تعالى[وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى]( ).
تقسيم معجزات النبي (ص) بلحاظ الموضوع
تقسم السنة النبوية الشريفة إلى أقسام:
الأول : السنة القولية وهي أقوال وأحاديث وخطب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني : السنة الفعلية: وهي أفعال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث : السنة التقريرية وهي ما أمضاه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من أفعال أصحابه وأهل بيته بما يدل أو سكت عنه بما يفيد الرضا بذات القول أو الفعل.
ويمكن أن يقسم هذا القسم إلى جهات:
الأولى : السنة العبادية، وهذه السنة تقسم إلى أقسام:
الأول : السنة النبوية في الصلاة وموضوعيتها، والحاجة إليها جلية لكل مسلم ومسلمة في كل زمان ومكان لقول النبي محمد صلى عليه وآله وسلم: صلوا كما رأيتموني أصلي)( ) وفيه تعاهد لوحدة المسلمين ونبذ للفرقة بينهم.
الثاني : السنة النبوية في الصيام.
الثالث : السنة النبوية في الحج.
الرابع : السنة في الزكاة.
الخامس : السنة في الخمس.
وتصلح هذه الوجوه لأن تكون أقساماً للسنة القولية بلحاظ أفراد السنة، وأن تكون للفرد الجامع لهما، كما في القراءة في الصلاة اليومية فأنها من السنة القولية والفعلية.
وأضفت أقساماً للسنة للبيان والتفصيل والفصل والتيسير على العلماء , وهي :
الرابع : السنة التدوينية، وهي الكتب والرسائل التي كتبها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان الفقهاء يذكرونها في السنة القولية.
الخامس : السنة الدفاعية، وهي سيرة وسنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المعارك والغزوات وفنون القتال.
السادس : السنة الحكمية , فيما يخص احكام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيما يخص فك الخصومات .
ومن أفراد السنة النبوية ما هو معجزة وبرهان قاطع على صدق نبوته.
ويمكن تقسيم معجزاته صلى الله عليه وآله وسلم بلحاظ الموضوع إلى أقسام منها:
الأول : المعجزات في العبادات وهذا القسم إنحلالي يتعدد بلحاظ ضروب العبادات فيكون باب للمعجزات في الصلاة وتشريعها وباب في الزكاة وأحكامها….وهكذا.
الثاني : المعجزات في المعاملات.
الثالث : معجزات في الأحكام والسنن.
الرابع : معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في أسباب نزول آيات القرآن.
الخامس : معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الدفاع عن الإسلام.
السادس : معجزاته في القتال وهي أقسام تتجلى في مقدمات القتال وميدان المعركة.
السابع : معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الحضر.
الثامن : معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في السفر والخروج في السرايا والغزوات.
التاسع : معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في أهل بيته.
العاشر : معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم داخل البيت ومع أزواجه.
الحادي عشر : معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع أصحابه.
الثاني عشر : معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في تفسيره للقرآن( ).
الثالث عشر : معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الوحي وتلقيه.
الرابع عشر : معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في صلته مع الملائكة.
الخامس عشر : معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الإسراء , قال تعالى[سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا]( ).
فجاءت الآية أعلاه بذكر الآيات بصيغة الجمع والتعدد لبيان كثرة المعجزات بلحاظ الإسراء وطي الأرض والعروج بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى السماء.
السادس عشر : معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المغيبات، وأخبار المستقبل والمصاديق التي تحققت منها إلى يومنا هذا.
السابع عشر : معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بخصوص عالم الملكوت.
الثامن عشر : معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما يتعلق بعالم البرزخ، والصلة والحديث مع الأموات.
التاسع عشر : معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الرؤيا وتأويلها.
العشرون : معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في بشارات الأنبياء به، وذكرهم لشطر من صفاته.
الحادي والعشرون : دراسة مقارنة بين معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم العقلية والحسية، ومعجزات الأنبياء السابقين الحسية.
الثاني والعشرون : الإعجاز في بشارات الأنبياء السابقين بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وفي وعيد سليمان عليه السلام للهدهد لغيابه كما ورد في التنزيل[لأَذْبَحَنَّهُ] ( ) وقصة وكيفية إسلام بلقيس تتجلى بركات البيت الحرام في رسالات الأنبياء وحياة الأمم، فحينما فرغ سليمان من بناه بيت المقدس أراد الذهاب إلى البيت الحرام لأداء الحج، فأعد العدة وتجهز وأصلح جنوده للسفر،واستصحب من الإنس والجنّ والشياطين والطيور والوحوش ما بلغ معسكره مائة فرسخ.
وأمر الريح الرخاء فحملتهم.
فلمّا وافى الحرم وأقام به ما شاء الله تعالى أن يقيم وكان ينحر كل يوم طول مقامه جملة خمسة آلاف ناقة ويذبح خمسة آلاف ثور وعشرين ألف شاة وقال لمن حضره من أشراف قومه : إنَّ هذا مكان يخرج منه نبيّ عربيّ صفته كذا وكذا،
يعطى النصر على جميع من ناواه،
وتبلغ هيبته مسيرة شهر بالقريب والبعيد عنده في الحق سواء لا تأخذه في الله لومة لائم.
قالوا : فبأي دين ندين يا نبي الله؟
قال : بدين الحنيفية فطوبى لمن أدركه وآمن به وصدقه.
قالوا : وكم بيننا وبين خروجه يا نبي الله؟
قال : زهاء ألف عام فليبلغ الشاهد منكم الغائب فإنه سيد الأنبياء وخاتم الرسل وإن إسمه محمد في زمر الأنبياء.
قال : فأقام بمكة حتى قضى نسكه ثم أحب أن (يسعى) إلى أرض اليمن فخرج من مكة صباحاً وسار نحو اليمن يوم نجم سهيل فوافى صنعاء وقت الزوال وذلك مسيرة شهر فرأى أرضاً وأزهر خضرتها وأحب النزول بها ليصلي ويتغدى فطلبوا الماء فلم يجدوا وكان الهدهد دليله على الماء.
كان يرى الماء من تحت الأرض كما يرى أحدكم كأسه بيده فينقر الأرض فيعرف موضع الماء وبُعده ثم يجيء الشياطين فيسلخونه كما يسلخ الإهاب ثم يستخرجون الماء ( ).
وقول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا( ).
لا يعني الحصر ولكنه بيان لما إختص به صلى الله عليه وآله وسلم من المعجزة العقلية التي تجذب الناس للإيمان إلى يوم القيامة، وتكون مادة وموضوعاً لتعاهد المسلمين لأحكام الشريعة، وغبطتهم بالإنتماء للإسلام، وتلاوة آيات القرآن على نحو الوجوب تارة والإستحباب تارة أخرى .
وفي الحديث إخبار عن كون الوحي والقرآن علة لدخول الناس أفواجاً في الإسلام بالإضافة إلى الإعجاز في الحديث أعلاه، وهو عدم تقييد موضوعه بكتاب الله القرآن بل جاء الحديث بلفظ الوحي وبينه وبين القرآن عموم وخصوص مطلق، فكل آية وكلمة من القرآن وحي، والوحي أعم فيشمل الحديث القدسي والسنة النبوية وما فيها من شواهد الإعجاز وهو من مصاديق قوله تعالى[وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى]( )، فما ذهب إليه أحدهم في تفسيره بأنه ليس من معجزة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا القرآن وإستدلاله بالحديث أعلاه لا أصل له وهو خلف.
الثاني والعشرون : تثبيت معجزات الأنبياء ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم معجزة له، فكثير من الأنبياء ومعجزاتهم لم تعرف إلا بالقرآن والسنة النبوية، ومن خصائص بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنها جعلت معجزات الأنبياء باقية إلى يوم القيامة لأنها تنقضي بإنقضاء أيامهم أو بساعة الواقعة كعصا موسى عليه السلام وإبراء عيسى للأكمه والأبرص وتعلم بها الأجيال بالإخبار، فجاء القرآن بالحق والصدق والخبر الذي يفيد القطع والجزم والباقي ما دامت السموات والأرض.
الثالث والعشرون : معجزة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في إنفراده بحفظ الله عز وجل للكتاب النازل عليه وهو القرآن، قال تعالى[إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون]( ).
الرابع والعشرون : معجزة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في فضح المنافقين، وجعل النفوس تنفر منهم ومن خصال النفاق، وإصلاح أكثر المنافقين بالمعجزة والتوبة.
الخامس والعشرون : معجزة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في عدم حصول إرتداد عند المسلمين.
السادس والعشرون : معجزات النبي في مشكلات المسائل.
السابع والعشرون : ماهية معجزة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذ أن التدبر فيها مقدمة للتسليم بها.
ومن أسرار معجزات الأنبياء سلامتها من المعارضة وهي حقيقة في ظاهرها وباطنها، وتتخلف الأوهام عن درك كنهها، وتفضح زيف تخيلات السحرة التي لا أصل لها.
الثامن والعشرون : أثر معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في دخول الناس الإسلام، ونجاتهم من إتباع أهواء الكفار.
التاسع والعشرون : ضروب إكرام المسلمين بسنخية معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم العقلية وتلقيهم لها بالقبول والتسليم مما يدل على حسن سمتهم، ورجحان عقولهم، وهو من مصاديق قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
الثلاثون : معجزة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بيان أسرار القدرة والخلق مما لا يعلم إلا بالوحي والتنزيل.
الحادي والثلاثون : معجزة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في دخول الإيمان بنبوته إلى القلوب دفعة وتدريجياًَ مع شدة إيذاء قريش، ويأتي القريب والقاصي يدخل الإسلام ويعلن إسلامه بين ظهراني رؤساء الضلالة والشرك.
وبالإسناد عن إبن عباس قال: لما بلغ أبا ذر مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قال لأخيه أنيس: اركب إلى هذا الوادي واعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه يأتيه الخبر من السماء واسمع من قوله ثم ائتني. فانطلق الأخ حتى قدم مكة وسمع من قوله ثم رجع الى أبي ذر فقال: رأيته يأمر بمكة بمكارم الأخلاق وسمعت منه كلاماً ما هو بالشعر فقال: ما شفيتني فيما أردت فتزود وحمل شنة له فيها ماء حتى قدم مكة فأتى المسجد فالتمس النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا يعرفه وكره أن يسأل عنه حتى أدركه الليل فاضطجع فرآه علي بن أبي طالب فقال: كأن الرجل غريب. قال نعم. قال: انطلق إلى المنزل فانطلقت معه لا يسألني عن شيء ولا أسأله قال فلما أصبحت من الغد رجعت إلى المسجد فبقيت يومي حتى أمسيت وسرت الى مضجعي فمر بي علي فقال: أما آن للرجل أن يعرف منزله فأقامه وذهب به ومعه وما يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء حتى إذا كان اليوم الثالث فعل مثل ذلك فأقامه علي معه ثم قال له: ألا تحدثني ما الذي أقدمك هذا البلد قال: إن أعطيتني عهداً وميثاقاً لترشدني فعلت ففعل فأخبره علي رضي الله عنه أنه نبي وأن ما جاء به حق وأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا أصبحت فاتبعني فإني إن رأيت شيئاً أخاف عليك قمت كأني أريق الماء فإن مضيت فاتبعني حتى تدخل معي مدخلي قال: فانطلقت أقفوه حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخلت معه وحييت رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحية الإسلام فقلت: السلام عليك يا رسول الله فكنت أول من حياه بتحية الإسلام. فقال: ” وعليك السلام من أنت؟ ” قلت رجل من بني غفار. فعرض علي الإسلام فأسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ارجع إلى قومك فأخبرهم واكتم أمرك عن أهل مكة فإني أخشاهم عليك ” . فقلت: والذي نفسي بيده لأصوتن بها بين ظهرانيهم.
فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلى صوته أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله فثار القوم إليه فضربوه حتى أضجعوه وأتى العباس فأكب عليه وقال: ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار وأن طريق تجارتكم إلى الشام عليهم وأنقذه منهم ثم عاد من الغد إلى مثلها وثاروا إليه فضربوه فأكب عليه العباس فأنقذه ثم لحق بقومه فكان هذا أول إسلام أبي ذر رضي الله تعالى عنه)( ).

بحث بلاغي
من ضروب الإطناب (التعليل) بأن تذكر العلة والسبب للموضوع أو الحكم أو الأثر، ومن منافع التعليل التقرير والإمضاء وجذب الأسماع.
وهذه المعاني جلية في التعليل في القرآن بالإضافة إلى أمور يختص بها التعليل القرآني منها:
الأول : البيان والوضوح.
الثاني : منع الجهالة والغرر.
الثالث : التأكيد بالبرهان على قانون إختصاص الله عز وجل بالأسماء الحسنى .
ومن إعجاز القرآن أن تجد لكل إسم وصفة لله عز وجل تعليلاً وتفسيراً يدل عليها ويتعلق بالخلق وعالم الإنشاء، قال تعالى[وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ]( ) .
وبلحاظ الآية أعلاه فان الله عز وجل هو الخالق ذو القوة، من جهات:
الأول : تفضل الله بخلق جنس الجن.
الثاني : قدرة الله عز وجل بخلق الناس وعمارتهم الأرض.
الثالث : أمر الله سبحانه بخلافة الإنسان في الأرض من غير معارض أو منافس أو مزاحم .
الرابع : إستجابة الخلائق لمشيئة الله بالخلق.
الخامس : بيان علة الخلق وهي العبادة، وإقتران العلة بالخلق، فلم يخلق الجن والأنس إلا والأمر بالعبادة مصاحب لهم، وهو من الشواهد على أخذ الميثاق على الناس في عالم الذر، قال تعالى[وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى]( ).
ومن أظهر حروف التعليل اللام والذي ورد في هذه الآية، وجاءت العلة في آية البحث متعددة من جهات :
الأول : علم الله بالذين آمنوا.
الثاني : إتخاذ الله شهداء من المسلمين.
الثالث : تمحيص وتطهير المؤمنين.
الرابع : محق ونقصان الكفار وضعف همتهم، وذهاب دولتهم.
أما المعلول فيحتمل وجوهاً :
الأول : إتحاد المعلول , والمقصود تداول وتصريف الأيام بين الناس.
الثاني : تعدد المعلول وهو على جهات:
الأولى : إصابة المسلمين بالقروح والجراحات.
الثانية : نزول الخسارة وسقوط القتلى من المشركين , كما في معركة بدر , وفي كل معركة خاضوها ضد الإسلام .
الثالثة : تصريف ومداولة الأيام بين الناس.
الثالث : إرادة الوجوه المذكورة في آية البحث مع ضروب الإبتلاء والإمتحان الأخرى في الحياة الدنيا.
والصحيح هو الثاني والثالث بدليل مجئ التعليل معطوفاً على المعلول ( وليعلم الله) فان لم يصب جيلاً أو طائفة من المسلمين القرح والجراحات تأتي لهم صنوف أخرى لتمحيصهم وتطهيرهم من النفاق وأهله .

قوله تعالى[وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ]
جاء هذا القانون خاتمة لهذه الآية الكريمة لبيان أن الذين يحاربون الإسلام ويجهزون الجيوش لقتال المسلمين ظالمون، وظلمهم هذا متعدد من وجوه:
الأول : ظلم الكفار لأنفسهم بأختيارهم الجحود بالآيات والمعجزات.
الثاني : ظلم الكفار للمسلمين وتعديهم عليهم وسعيهم لقتلهم، وبذل الوسع في إيذائهم.
الثالث : ظلم الكفار للناس جميعاً لصدهم عن سبيل الله، وخلط الأمور عليهم.
الرابع : ظلم الكفار لأينائهم وذراريهم بتركهم الكفر ميراثاً وغشاوة على أبصارهم.
ومن الإعجاز في الآية لغة العموم في طرفي التضاد الإيمان والكفر، فكما أخبرت الآية أن الله يعلم الذين آمنوا، بصيغ اللإختبار والإمتحان فانه تعالى لا يحب الظالمين مجتمعين ومتفرقين سواء الذين يحاربون الذين آمنوا أو الذين لا يحاربونهم ولكنهم يصرون على الكفر والجحود ويمتنعون عن الإيمان بالآيات والبراهين القاطعة التي تدل على صدق النبوة والتنزيل، قال تعالى[وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الظَّالِمُونَ]( ).
ومن أسرار عطف خاتمة الآية على مضامينها القدسية الأخرى مسائل:
الأولى : إن يمسسكم قرح والله لا يحب الظالمين، ليكون من معاني الجمع بين أول وآخر الآية وجوه:
الأول : الدلالة التضمنية للآية بأن الجراحات والكلوم التي تصيب المسلمين تأتيهم من الكفار.
الثاني : يبوء بوزر وإثم القروح والجراحات التي تلحق المؤمنين من جهة الكفار الذين يعتدون عليهم في ميادين القتال، والذين يحرضونهم ويؤازرونهم على قتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، والذين يمدونهم بالسلاح والعتاد.
الثالث : إبتدأت الآية بأداة الشرط (أن يمسسكم) ويفيد الجمع بين أولها وآخرها أن جواب الشرط هو بغض الله عز وجل للظالمين لأنهم السبب والمباشر لإصابة المسلمين بالجراحات.
ويكون تقدير الجميع بينهما على وجوه:
الأول : يمسسكم قرح فأعلموا بأن الله عز وجل لا يحب الذين إعتدوا عليكم.
الثاني : إن يمسسكم قرح فأنه يأتي من جهة الظالمين فأحذرهم.
الثالث : إن يمسسكم قرح فليس بنصر للظالمين الكفار لأن الله عز وجل لا يحبهم، ومن لا يحبه الله عز وجل بجعل الأيام تداول عليه ولا تدول له.
الرابع : إن يمسسكم قرح فإن الله لا يحب الظالمين فيجعلهم في قروح وكلوم دائمة.
الخامس : إن يمسسكم قرح فلكم الأجر والثواب، والله لا يحب الظالمين فليس لهم إلا الإثم وسوء العذاب.
السادس : إن يمسسكم قرح فالله لا يحب الظالمين) وهو من الجزء العاجل للمؤمنين والعقاب العاجل والآجل للظالمين.
السابع : إن يمسسكم قرح فإن الله يحبكم، والله لا يحب الظالمين.
الثانية : مس القوم قرح مثله والله لا يحب الظالمين، وفيه وجوه:
الأول : من ضروب ومصاديق بغض الله للظالمين سقوط سبعين قتيل منهم يوم بدر وأسر المسلمين لسبعين منهم، ووقوع متاعهم غنيمة بيد المسلمين فالله سبحانه لا يحب الظالمين قبل إصابة المسلمين بالقروح والجراحات وبعدها.
الثاني : فقد مس القوم قرح لأنهم ظالمون والله لا يحب الظالمين.
الثالث : القطع والجزم بنزول البلاء بالكفار وتلقيهم الخسارة وسقوط القتلى والجرحى منهم لأن الله لا يحب الظالمين.
الرابع : قد مس القوم قرح فهم ظالمون والله لا يحب الظالمين لتبين خاتمة الآية التباين في حكم وأثر وعاقبة القرح مع إتحاد جنسه فذات الجراحات تصيب المؤمنين والكفار، وهي فخر وعز للمؤمنين لأن الله عز وجل يحبهم، قال تعالى[إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ]( )، وهي خزي وعار للظالمين لأن الله عز وجل لا يحبهم .
الخامس : قد مس القوم قرح قبل أن يمسكم لأن الله لا يحب الظالمين.
الثالثة : وتلك الأيام نداولها بين الناس والله لا يحب الظالمين، وفي خاتمة آية البحث مواساة للمسلمين، ودعوة لهم للصبر على الخسارة التي تلقوها في معركة أحد، وتعدد جروح النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكثرة القتلى والجرحى من المؤمنين، بأن يصبر المسلمون لقضاء الله، والتذكير بأن عذابه للكافرين أمر حتم لأن الله عز وجل لا يحب الكافرين، وقد تأكد ظلمهم بتعديهم على المؤمنين، والجمع بين أول وآخر الآية من مصاديق قوله تعالى[وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ]( ).
ترى لماذا لم تأت الآية بلغة الضمير (وهو لا يحب الظالمين) كما في قوله تعالى[فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ]( )، وورد لفظ(الله والله) ثلاثاً وعشرين مرة في القرآن.
والجواب: لقد أخبرت الآية عن ثلاثة قوانين بينها عطف وإتصال:
الأول : علم الله عز وجل بالذين آمنوا عند الإبتلاء ورد إسم الجلالة و(ليعلم الله) لبيان أن تداول وتصريف الأيام بيده سبحانه , ولا يقدر عليه أحد غيره تعالى على نحو العموم الإستغراقي، فلا ينفع التدبير في جلب السعادة وإقبال الأيام ولا القعود في حصول النحوسة، وقد يشكر الإنسان الصابر الله عز وجل على صبره وقناعته حينما يرى من سعي للّي الأيام وجعلها تضحك له أصابه البؤس وحلّ به الشقاء.
وهذا المعنى من مصاديق قوله تعالى(نداولها) ونسبة مداولة الأيام إلى الله عز وجل على نحو العموم وعدم وجود إستثناء متصل أو منفصل في المقام , وهل تمنع الآية من السعي الجواب لا .
وجاءت الآيات بالحث على العمل الصالح والكسب والتحصيل، قال تعالى[فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ]( ).
وليس من فترة بين قضاء الصلاة والسعي لطلب الرزق والمعاش، ويفيد الجمع بين مداولة الأيام وعدم حب الله عز وجل للظالمين عدم الملازمة بين إجتهاد الكفار في السعي والكسب وبين إقبال الأيام والدنيا عليهم.
وهل يصح أن يكون تقدير الآية: وتلك الدنيا نداولها بين الناس، الجواب لا، وتحتمل النسبة بين إصطلاح الأيام الوارد في الآية وبين الدنيا وجوهاً:
الأول : نسبة التساوي، وأن المراد من الأيام في الآية هي الدنيا وإقبالها.
الثاني : نسبة العموم والخصوص المطلق، وهو على شعبتين:
الأولى : الأيام أخص من الدنيا وشطر منها، بلحاظ كبرى كلية وهي أن المراد من الأيام السجال في الحرب.
الثانية : الدنيا أخص والمراد من الأيام أعم وتشمل الأحوال المتعددة، وعن الإمام علي عليه السلام: الدنيا دول، فاطلب حظك منها بأجمل الطلب( ).
الثالث : نسبة العموم والخصوص من وجه، وبينها مادة للإلتقاء وأخرى للإفتراق.
الرابع : نسبة التباين فليس بينها من صلة.
والصحيح هو الشعبة الثانية من الوجه الثاني فلفظ (الأيام) الوارد في الآية أخص لأنه يتعلق بحال الفرد والجماعة فيها من جهة العز والذل والحكم والشأن أو عدمهما، والغنى والفقر، والسعادة والنحوسة، والصحة والمرض، أما المراد من الدنيا فالمراد البهجة والزينة والمال وضدها في مقابل الآخرة .
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من أحب دنياه أضر بآخرته ( ).
وقد وردت نصوص عديدة في ذم الدنيا، بينما يتضمن قوله تعالى[وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ] بيان فضل الله عز وجل في هبة الأيام وإنبساطها وثنيها لشطر من الناس، وهل يمكن القول أنها تستجيب لهم، الجواب لا، إذ تفيد الآية حصر مداولة وتصريف الأيام بيد الله عز وجل ولا يقدر على أي فرد منه ملك مقرب أو نبي مرسل، وهو من مصاديق تعيين وظيفة خلافة الإنسان في الأرض من عند الله وحده وجهل الملائكة بالأمر إلى أن تفضل الله عز وجل بأخبارهم، قال تعالى[وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( ).
ليكون من معاني قوله تعالى[وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ] ذم الكفار الذين يريدون جذب الأيام لهم وجعلها تنقاد لأهوائهم وتصطبع بشهواتهم، ولكنها لن تكون خالية من ذكر الله عز وجل، لتتضمن خاتمة الآية أموراً:
الأول : ذم الكفار.
الثاني : نعت الكفار بأنهم ظالمون.
الثالث : الإخبار عن عدم حب الله عز وجل للظالمين.
الرابع : الإنذار للكفار والذين يصرون على الجحود بقانون ملك الله عز وجل للأيام، فكما قال تعالى[وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ]( )، فقد أخبرت هذه الآية بأن الأيام ملك لله عز وجل.
الخامس : بعث اليأس والقنوط في نفوس الكفار من عودة الدولة لهم.
ومن الإعجاز في المقام أن تداول وتصريف الأيام قد يأتي دفعة واحدة أو تدريجياً.
فقد إنسلخت أيام قريش بالتدريج وبما فيه صيرورتهم عرضة للذل والهوان، وإبتدأ هذا الإنسلاخ من معركة بدر إذ إنتصر المسلمون وإنهزم المشركون بما لم يكن بالحسبان لذا سماه الله عز وجل[يَوْمَ الْفُرْقَانِ]( )، لتفريقه بين أيام الشرك المنقرضة وأيام الإيمان القادمة، ويكون من مصاديق نسبة تداول الأيام إلى الله ونزول الملائكة وتغيير الدولة والريح وجعلها للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين، وهذا النزول من عمومات قوله تعالى[وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ].
وعن إبن شهاب في حديث معركة بدر وما جرى صبيحتها: وقال أبو جهل : اللهم انصر خير الدينين , اللهم ديننا القديم ودين محمد الحديث, ونكص الشيطان على عقبيه حين رأى الملائكة عليهم السلام وتبرأ من نصرة أصحابه وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ملء كفه من الحصباء فرمى بها وجوه المشركين .
فجعل الله تلك الحصباء عظيما شأنها لم يترك من المشركين رجلا إلا ملأت عينيه والملائكة عليهم السلام يقتلونهم ويأسرونهم ويجدون النفر كل رجل منهم مكبا على وجهه لا يدري أن يتوجه يعالج التراب ينزعه من عينيه ورجعت قريش إلى مكة منهزمين مغلوبين وأذل الله بوقعة بدر رقاب المشركين والمنافقين( ).
وتؤسس خاتمة آية البحث لعلوم كلامية من جهات:
الأولى : حب الله للعبد مرتبة سامية.
الثانية : كيفية إرتقاء الإنسان لمرتبة حب الله.
الثالثة : معرفة الموانع التي تحول دون فوز الفرد والجماعة بحب الله ومن أظهرها الظلم والتعدي.
الرابعة : موضوعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في التنزه عن الظلم.
الخامسة : المغانم العظيمة لحب الله عز وجل للعبد في الحياة الدنيا.
السادسة : الأثر المترشح على الأهل والجيران والذرية بحب الله للعبد، وما تنزل من البركة مع حب الله.
السابعة : حب الله واقية من الضرر والكيد والمكر، وهو من مصاديق قوله تعالى[يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ]( ).
وتقدير الآية بلحاظ المقام: ويمحو الله بحبه ما يشاء ويثبت بحبه ما يشاء.
وتبين الآية التضاد بين الذين آمنوا وبين الكفار، إذ أخبرت عن علم الله عز وجل بالذين آمنوا لإثابتهم وما فيه ترغيب الناس بالإيمان، وتضمنت بعث النفرة في النفوس من الظلم ومقدماته والتعاون فيه.
ولما أخبرت الآية عن تفضل الله عز وجل على المسلمين باتخاذهم شهداء على الناس جميعاً أختتمت بقوله تعالى [وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ] لهداية المسلمين إلى كيفية الشهادة بصيغ المنطوق والمفهوم، أما المنطوق فيتضمن الشهادة على الظالمين بقبح فعلهم، وأما المفهوم فهو الشهادة للمؤمنين بالصبر والمرابطة لدفع الظلم عن أنفسهم وعن الناس.
وقد ورد لفظ يحب في القرآن سبع عشرة مرة، ولفظ(لايحب) خمساً وعشرين مرة.
كلها في الله عز وجل وحبه للمتقين المحسنين، وبغضه للظالمين، وجاءت آية واحدة فقط تتعلق بذات الفعل بقوله تعالى[لاَ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ]( )، وفيه دلالة وإرشاد بأن المسلمين يشهدون على الذي يجهز بالسوء من القول، باستثناء المظلوم الذي يتجاوز في كلامه بخصوص الموضوع الذي ظلم فيه.
وجاءت الآية بصيغة الجمع(الظالمين) وهو إنحلالي , وتقدير الآية بإرادة المنفرد : والله لا الظالم .
وتبين الآية موضوعية حب أو بغض الله للعبد بلحاظ فعله، وفي الآية ثناء على المسلمين لإيمانهم ومعرفتهم بسبل إحراز حب الله عز وجل لهم بفضله ولطفه، كما في قوله تعالى[لِيَجْزِيَ الذين آمنوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ]( ).
من وجوه الظلم
وتقدير خاتمة الآية على وجوه:
الأول : والله لا يحب المعتدين.
الثاني : والله لا يحب الظالمين الذين يصرون على الظلم والتعدي.
الثالث : والله لا يجب الظالمين الذين يحاربون الإسلام.
الرابع : والله لا يحب الظالمين الذين يصدون الناس عن الهدى.
الخامس : والله لا يحب الظالمين لكفرهم وجحودهم، قال تعالى[وَالْكَافِرُونَ هُمْ الظَّالِمُونَ]( ).
السادس : والله لا يحب الظالمين الذين يسعون لجعل الأيام دولة لهم.
السابع : والله لا يحب الظالمين الذين يدعون إلى الظلم، ويتعاونون عليه، قال تعالى[وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ] ( ).
الثامن : والله لا يحب الظالمين الذين لا يهتدون إلى سبل التوبة والإنابة.
التاسع : والله لا يحب الظالمين الذين لا يحكمون بما أنزل الله.
العاشر : الله لا يحب الظالمين الذين يقولون الكافرين.
الحادي عشر : والله لايحب الظالمين الذين يفترون على الله الكذب.
الثاني عشر : الله لا يحب الظالمين الذين يتعدون حدود الله.
الثالث عشر : والله لايحب الظالمين الذين قتلوا على الكفر والجحود.
الرابع عشر : الله لا يحب الظالمين الذين أصابوا المسلمين بالقروح والجراحات.
الخامس عشر : والله لا يحب الظالمين الذين إستحوذت عليهم الغفلة، وإمتنعوا عن الواجبات العبادية.
ويدل قوله تعالى[إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ] بالدلالة التضمنية على نوع مفاعلة ومبارزة وقتال بين المؤمنين والكفار، وحصول القروح للمؤمنين بسيوف ورماح الكفار، لذا إنتقم الله عز وجل من الظالمين وثأر للمسلمين في الحال ونصرهم في ميدان المعركة بقوله سبحانه[وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى] ( ).
ليكون هذا الرمي بلحاظ آية البحث على وجوه :
الأول : إنه مدد للمسلمين.
الثاني : بيان المائز بين المؤمنين والكفار في سوح القتال، ورجحان كفة المؤمنين على نحو الإطلاق.
الثالث : إنذار الكفار من الإقامة على الظلم والتعدي.
الرابع : بيان قانون ثابت وهو أنه لو دار الأمر عند الكفار بين مواصلة القتال أو الإنسحاب، من ميدان المعركة فالإنسحاب والهزيمة هو الأولى لهم وإلا فان الفناء ينتظرهم , وسوء المنقلب والنار هي عاقبتهم.
ومن الإعجاز أن كل معركة بين المسلمين والكفار تنتهي بانسحاب وهزيمة الكفار سواء في بدر أو أحد أو الخندق وفي معركة أحد وهي سبب نزول آية البحث ولما رجع المؤمنون إلى القتال وإلتحقوا بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وثلة من أهل بيته وأصحابه الذين لم يغادروا مواضعهم وسط المعركة وإشتد القتال، وصرف الله عز وجل آثار ثغرة الجبل وترك أغلب الرماة لموضعهم الذي جعلهم فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حمى الوطيس وتجلت مصاديق قوله تعالى[وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى] أيقن الكفار أنهم عاجرون عن تحقيق الغلبة ونسوا عزمهم على الثأر وإصرارهم على قتل النبي محمد صلى الله وآله وسلم وأصحابه، فصار همهم هو الإنسحاب والنكوص فانكفأوا، فخشي المسلمون أن يكون هذا الإنسحاب وسيلة وخدعة للإغارة على المدينة المنورة وأخذ الذراري والإستيلاء على الأموال ومنها مادفعها الكفار فداء لأسرى بدر.
فبادر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال لعلي عليه السلام مع كثرة جراحاته، أخرج في آثار القوم اُخْرُجْ فِي آثَارِ الْقَوْمِ فَانْظُرْ مَاذَا يَصْنَعُونَ وَمَاذَا يُرِيدُونَ فَإِنْ هُمْ جَنّبُوا الْخَيْلَ وَامْتَطَوْا الْإِبِلَ فَإِنّهُمْ يُرِيدُونَ مَكّةَ وَإِنْ رَكِبُوا الْخَيْلَ وَسَاقُوا الْإِبِلَ فَإِنّهُمْ يُرِيدُونَ الْمَدِينَةَ فَوَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ أَرَادُوهَا لَأَسِيرَنّ إلَيْهِمْ ثُمّ لَأُنَاجِزَنّهُمْ فِيهَا قَالَ عَلِيّ : فَخَرَجْتُ فِي آثَارِهِمْ أَنْظُرُ مَاذَا يَصْنَعُونَ فَجَنّبُوا الْخَيْلَ وَامْتَطَوْا الْإِبِلَ وَوَجّهُوا إلَى مَكّةَ وَلَمّا عَزَمُوا عَلَى الرّجُوعِ إلَى مَكّةَ أَشْرَفَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَبُو سُفْيَانَ ثُمّ نَادَاهُمْ مَوْعِدُكُمْ الْمَوْسِمُ بِبَدْرٍ فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ” قُولُوا : نَعَمْ قَدْ فَعَلْنَا ” قَالَ أَبُو سُفْيَانَ ” فَذَلِكُمْ الْمَوْعِدُ ” ثُمّ انْصَرَفَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فَلَمّا كَانَ فِي بَعْضِ الطّرِيقِ تَلَاوَمُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ لَمْ تَصْنَعُوا شَيْئًا أَصَبْتُمْ شَوْكَتَهُمْ وَحْدَهُمْ ثُمّ تَرَكْتُمُوهُمْ وَقَدْ بَقِيَ مِنْهُمْ رُءُوسٌ يَجْمَعُونَ لَكُمْ فَارْجِعُوا حَتّى نَسْتَأْصِلَ شَأْفَتَهُمْ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَنَادَى فِي النّاسِ وَنَدَبَهُمْ إلَى الْمَسِيرِ إلَى لِقَاءِ عَدُوّهِمْ وَقَالَ ” لَا يَخْرُجْ مَعَنَا إلّا مَنْ شَهِدَ الْقِتَالَ( ).
ومن إعجاز القرآن بيان الآية القرآنية لأثر وموضوع الأمر أو النهي أو الحكم من الله في آية أخرى، وهذا العلم لم يستقرأ بعد من القرآن.
ومن التفسير العملي لقوله تعالى[[وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى]( )، تجلي رشحات قوله تعالى [أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا] ( )، من جهات:
الأولى : نصرة الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثانية : إصابة الرمية الهدف على نحو الدقة العقلية.
الثالثة : إتحاد الرمية وتعدد الإصابة عند الكفار، في كل مرة يكون فيها الرمي.
الرابعة : عجز الكفار عن الرد عن الرمية التي تأتي من عند الله.
الخامسة : هذه الرمية من مصاديق قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: نصرت بالرعب مسيرة شهر( ) .
وهل الرعب الذي يصيب الكفار من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجنده الإسلام على مرتبة واحدة في القريب والبعيد من الكفار أي الذي يكون على مسيرة شهر هل يكون خوفه والفزع الذي يملأ نفسه بذات الدرجة والمرتبة التي تصيب الذي يكون على مسيرة يوم واحد أو الذي يكون في ساحة المعركة الجواب لا، إنما يكون الرعب على مراتب فتكون أشد وطأة على الكافر كلماً دنا من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو إقتربت منه كتائب الإسلام الدفراء( )، لذا كان كفار قريش بفزع شديد يوم أحد، ولم يتذوقوا طعم إنكشاف المسلمين لهم إذ جال بعدها المؤمنون جولة وكروا على قريش بفضل رمي الله عز وجل على يد نبيه الكريم الذي أراد الله ببعثته إظهار الحق , ليبعث هذا الكر اليأس في نفوس الكفار . وفيه دلالة بامتناع المؤمنين عن الهزيمة والإنكسار , وإذ أسر سبعون من كفار قريش يوم بدر فليس من أسرى رجع بهم الكفار إلى مكة , ليشهد الناس بأنه ليس من نصر أو غلبة لكفار قريش .
عن ابن الأعرابي انه ذكر عن كعب انه قال: : اسماء النبي صلى الله عليه في الكتب السالفة: محمد، واحمد، والمتوكل والمختار، وحمياطا، ومعناه حامي الحُرَم، وفارِقْلِيطا أي يفرق بين الحق والباطل ( ).
ولشدة الرعب الذي يتغشى الكفار موضوعية في تعجيلهم بالهزيمة وترك ميدان المعركة ومن مصاديقه أن المسلمين إنكشفوا، فتتعدد ضروب تبكيت الكفار وطردهم من ميدان المعركة وزجرهم عن الهمّ بالتعدي على المسلمين مرة أخرى.

مواضيع عدم حب الله للظالمين
تبين خاتمة الآية أن الله عز وجل يحب ويكره، وأنه سبحانه لا يحب الظالمين، وعدم حبه سبحانه ليس كيفية نفسانية إذ تتنزه الذات الإلهية عن التبدل والتغير ولكن الحب أو عدم الحب هذا نوع حكم.
وفي الآية توبيخ للذين يقيمون على الكفر ويسعون للأمرة والسلطنة والحكم بغير ما أنزل الله، فمن خصائص ملك الله للسموات والأرض بغضه للذين يكفرون بآياته، ويأبون التصديق بالذين يبعثهم أنبياء لأهل الأرض، مع تفضله سبحانه بأن جعل هؤلاء الأنبياء من ذات جنس البشر، وورد في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله تعالى[قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ]( ).
وجاء القرآن بالإخبار عن حب الله للمؤمنين بحسن إختيارهم وسمتهم كما في قوله تعالى[وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ]( )، [إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ]( )، [وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ]( ).
ولكن القرآن لم يأت بالإخبار عن كره الله لذات الكفار لأن الله عز وجل أكرم الإنسان وجعله خليفة في الأرض، وفضّله على كثير من خلقه، بل بالصفة المذمومة كالظلم الذي هو قبيح ذاتاً , وسوء الفعل كما في قوله تعالى[وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ]( ).
ويتعلق موضوع الآية أعلاه بخروج المنافقين مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كتيبة تبوك لأنهم لم يهيؤا الزاد والماء والراحلة للسفر، وتوفير حاجات الأهل مع الإمكان، خصوصاً مع بعد السفر وشدة الحر أوان الخروج، فلم تخبر الآية عن كره الله عز وجل لذات المنافقين، وهناك مسألتان:
الأولى : دلالة حب الله للمؤمنين المحسنين في مفهومه على بغضه سبحانه للكفار وهو من مصاديق قوله تعالى[قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ]( ).
الثانية : إنتفاء الوسط والبرزخ بين حب الله وبغضه , فما دام الله عز وجل لا يحب الظالمين فانه يبغضهم ويكرههم والجواب لا دليل على إنتفاء الوسط بين حب الله وبغضه، فان قوله تعالى والله لا يحب الظالمين، لايعني بالضرورة أنه سبحانه يبغض ويكره الظالمين مطلقاً على نحو الدوام والسالبة الكلية، والقدر المتيقن منها هو أن الظالمين محجوبون عن مرتبة حب الله ، وهذا الحجب مترشح عن أفعالهم، فحالما تزول أسباب الظلم ويتوبون إلى الله فانه سبحانه يتوب عليهم , فخاتمة الآية دعوة للهروب من الظلم والسعي للوقاية من بغض الله , وبذل الوسع للأمن من الضلالة , قال تعالى[وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ]( ).
وورد بغض الله عز وجل للكفار بالحديث النبوي، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ يَا جِبْرِيلُ إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ قَالَ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا قَالَ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ , فَقَالَ يَا جِبْرِيلُ إِنِّي أُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضْهُ قَالَ فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضُوهُ قَالَ فَيُبْغِضُهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِي الْأَرْضِ ( ).
وليس من تعارض بين بغض الله للظالم وعدم حبه له، والسنة النبوية بيان للقرآن، والقرآن لم ينف البغض والكره من الله لذات الظالم بل تفضل وذكر عدم حبه، وفيه بعث للنفرة من الظلم، ودعوة الناس جميعاً لإجتنابه والتنزه عنه , ليكون تداول الأيام بين الناس كمؤمنين وتصريفها بين أشخاصهم مع بقاء سيادة أحكام الإسلام في الأرض , ومن مصاديق عدم حب الله للظالمين وجوه:
الأول : إنذار الظالمين.
الثاني : الوعيد للكافرين.
الثالث : إخبار المؤمنين بأن الظالمين عرضة للعقاب الإلهي في أي ساعة من أيام حياتهم [قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ]( ).
الرابع : سوء عاقبة الظالمين .
وبين هذا الوجه والوجه السابق عموم وخصوص مطلق، فسوء العاقبة أعم.
فمن العذاب ما يكون محصوراً بوقت مخصوص، ومنها ما يأتي البدل والعوض عنه سواء بعد توبة الظالم أو من دون توبته برحمة من عند الله وإستدراجاً له ولعمومات قوله تعالى[وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ] لذا ترى شطراً من الناس بعد زوال سلطان الظالم يخشى عودته، وتنتشر الإشاعات عن قصد أو من دون قصد بأسباب , وقرب هذه العودة .
وجاءت الآية أعلاه بالإخبار عن هلاك الظالمين لقطع دابر الظن برجوع أيام الظالمين، ولبعث الناس على الإتعاظ وأخذ العبرة من زوال الظالمين باجتناب الظلم الخاص والعام، إذ أن عدم حب الله للظالمين لايختص بشؤون الحكم والإمارة والسلطنة بل يشمل الأمور الشخصية في ميادين العمل والمعاملات والإفتاء بغير الحق.
وهل تشمل الآية تارك الصلاة والمقصر في الفرائض العبادية أم أن القدر المتيقن من الآية هو خصوص الظلم في الحكم وما فيه نوع مفاعلة بين طرفين أحدهما الذي يقع عليه ظلم الظالم بلحاظ تقييد الآية بموضوع تداول الأيام .
الجواب هو الثاني , ومن قوانين خواتيم آيات القرآن العموم والإطلاق فيما تتضمنه من القوانين، وتكون موضوعاً لإستنباط الأحكام منها وأغلب هذه الخواتيم قابلة لتقدير محذوف في آخرها بما يفيد التعدد الموضوعي والحكم .
نعم الذي تمر عليه الأيام وهو تارك للصلاة، وتتعاقب السنون وهو يسوف أداء فريضة الحج مع تهيئ أسباب الإستطاعة فهو ظالم لنفسه ويكون تقدير الآية على فرض العموم ، والله لايحب الظالمين لأنفسهم.
الخامس : زجر الناس عن الظلم والإقتباس من الظالمين ومحاكاتهم بظلم الأدنى.
السادس : تأديب الناس بأنه إذا دالت الأيام لكم فلا تظلموا الناس.
السابع : نفرة الناس من الظلم، وإجتناب إعانة الظالمين.
الثامن : إنذار الذين يعملون في إعانة الظالم في ظلمه، وهذا العمل ظلم بذاته وسبيل إلى الظلم، فلولا أعوان قريش من الأحابيش وأفراد القبائل لما إستطاعوا أن يغزوا المسلمين في المدينة، وأن يقطعوا هذه البراري الشاسعة بين مكة والمدينة للحرب ومحاولة صد الحق، ومنع الدعوة إلى الله.
فجاءت هذه الآية لتبكيت قريش وحلفائهم بالإخبار بأن تداول الأيام بين الناس حق، وأن زمان الجاهلية وسلطان الوثنية على النفوس قد إنقطع وإنتهى , وتقدير الآية : وتلك الأيام نداولها بين الناس.
فتبدل دولة الكفر بدولة الإيمان قال تعالى[َقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا] ( )، وفي الآية أعلاه دلالة على أن تعاقب الدول والأيام بين أهل الإيمان والكفار لايكون بمرتبة واحدة.
فان العدل والإنصاف يتعقب الظلم ويطرده من منازله ولايستطيع الظلم أن يقهر العدل ويحل محله.
وعن إبن عباس قال: دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكة وحول البيت ثلثمائة وستون صنماً فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكبت لوجهها وقال[جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا]( ).
وأخرج الطبراني في الصغير وابن مردويه والبيهقي في الدلائل ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : « دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وعلى الكعبة ثلثمائة وستون صنماً ، فشد لهم إبليس أقدامها بالرصاص ، فجاء ومعه قضيب فجعل يهوي به إلى كل صنم منها فيخرّ لوجهه فيقول : { جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً } حتى مر عليها كلها( ).
ليكون كسر هذه الأصنام عنواناً وشاهداً لأمور:
الأول : إنتهاء عبادة الأوثان، وتقديس الأصنام في الأرض إلى يوم القيامة.
الثاني : زوال حكم الجاهلية، وإنقضاء دولة الكفار فيكون قوله تعالى[وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ] عيداً إيمانياً متجدداً.
الثالث : إبتداء أيام الله ونشوء دولة الإسلام، وبعث السكينة في النفوس لإقامة العدل.
وكان الأنبياء يقدمون إلى مكة لحج البيت الحرام، ويخبرون الناس عن منزلة البيت الحرام، ويبشرون ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويحثون الناس على التصديق بنبوته، لتكون هذه البشارات مقدمة لتصديق أهل المدينة المنورة والناس بنبوته.
وذكر أن نبي الله سليمان لما فرغ من بناء بيت المقدس عزم على الخروج الى أرض الحرم، فتجهز للمسير واستصحب من الإنس والجنّ والشياطين والطيور والوحوش ما بلغ معسكره مائة فرسخ، وأمر الريح الرخاء فحملتهم، فلمّا وافى الحرم وأقام به ماشاء الله تعالى أن يقيم وكان ينحر كل يوم طول مقامه جملة خمسة آلاف ناقة ويذبح خمسة آلاف ثور وعشرين ألف شاة وقال لمن حضره من أشراف قومه : إنَّ هذا مكان يخرج منه نبيّ عربيّ صفته كذا وكذا، يعطى النصر على جميع من ناواه، وتبلغ هيبته مسيرة شهر بالقريب والبعيد عنده في الحق سواء لا تأخذه في الله لومة لائم.
قالوا : فبأي دين ندين يا نبي الله؟
قال : بدين الحنيفية فطوبى لمن أدركه وآمن به وصدقه.
قالوا : وكم بيننا وبين خروجه يا نبي الله؟
قال : زهاء ألف عام فليبلغ الشاهد منكم الغائب فإنه سيد الأنبياء وخاتم الرسل وإن إسمه محمد في زمر الأنبياء.
قال : فأقام بمكة حتى قضى نسكه ثم أحب أن (يسعى) إلى أرض اليمن فخرج من مكة صباحاً وسار نحو اليمن يوم نجم سهيل فوافى صنعاء وقت الزوال وذلك مسيرة شهر فرأى أرضاً وأزهر خضرتها وأحب النزول بها ليصلي ويتغدى فطلبوا الماء فلم يجدوا وكان الهدهد دليله على الماء، كان يرى الماء من تحت الأرض كما يرى أحدكم كأسه بيده فينقر الأرض فيعرف موضع الماء وبُعده ثم يجيء الشياطين فيسلخونه كما يسلخ الإهاب ثم يستخرجون الماء( ).
الرابع : إقامة الحجة على الناس بزوال سلطان الطواغيت , ولزوم دخول الإسلام وأداء الفرائض وهو من مصاديق تسمية مكة أم القرى، قال تعالى[وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا] ( )، وفيه هذه التسمية بلحاظ آية البحث مسائل:
الأولى : كسر الأصنام في مكة بداية لكسرها , وإندثار عبادتها وتقديسها في الأمصار.
الثانية : بيان موضوعية فتح مكة في إنتشار الإسلام، والقضاء على أسباب الغفلة والجهالة.
الثالثة : بداية سلطان دولة الإسلام، وإنقضاء تعذيب الكفار للمسلمين بلحاظ الأذى الذي الذي كان يلقاه أوائل الصحابة من كفار قريش.
الرابعة : بفتح مكة خرج الكفر منها فلا يعود إليها أبداً فمن معاني أم القرى أنها لا تستبدل الهدى الذي يتغشى أوديتها وبطاحها , وتصدير اويشع من البيت الحرام على جبالها وضواحيها بما يحجب ضده من الضلالة، ويتضمن قوله تعالى[وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا] بيان وتفسير لمداولة الأيام من جهات:
الأولى : حتمية بزوغ شمس الإيمان.
الثانية : تأكيد دحر الكفر، وإصابة رؤساء الضلالة بالخيبة والخسران.
الثالثة : بيان قانون كلي في الإرادة التكوينية وهو أن دولة الكفر والجحود لن تعود بذاتها وسلطانها وهو من الدلالات لنعت الآية الباطل بأنه زهوق وهالك .
ومن مصاديق إندثار الكفر بلحاظ آية البحث أمور:
الأول : إصابة الكفار بالجراحات سبب لجزعهم.
الثاني : الخسارة المتكررة للكفار، وإدراكهم والناس جميعاً أن هذه الخسارة خلاف الأصل وما يترتب على الأسباب ورجحان كفتهم بالعدة والعدد وكثرة الفرسان الشجعان.
الثالث : إستبانة قاعدة ترتب المعلول على علته في ميادين القتال وأن موضوعها لا يتعلق بكثرة الجنود والعتاد والعدة بل بالإيمان والصبر والمدد من عند الله , قال تعالى[أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ]( ).
الرابع : رؤية الكفار لإقدام المؤمنين في ميدان المعركة، والتدبر في أسرار شوقهم إلى لقاء الله.
الخامس : سلامة المؤمنين من الوهن والضعف والحزن عند إصابتهم بالجراحات، وإدراك الكفار لحقيقة وهي ثبات المؤمنين في منازل الهدى.
ومن دلالات تصريف الأيام بين الناس وإخبارها عن مداولة الأيام بين الناس وجوه :
الأول : إنه كنز من المعارف تترشح عنه العلوم في كل زمان ومكان.
الثاني : إنه مناسبة لمعرفة قانون إنقضاء آجال الأمم السالفة إجمالاً ، فليس من طائفة سادت ولم تبد.
ومن الإعجاز في الآية أن تصريف وتداول الأيام جاء بخصوص الناس , وليس الملل والنحل، لبيان أن الإسلام باق في الأرض بأحكامه وقواعده وسننه، إنما التغيير يكون في الناس، وللإيمان موضوعية في آجال الأمم، من جهة إطالة أيام المؤمنين، وإنخرام أيام وسلطان الظالمين، وهو من مصاديق خاتمة الآية , ليكون تقديرها على وجوه:
الأول : والله لا يحب الظالمين , فيطيل أيام وحكم المؤمنين.
الثاني : والله لا يحب الظالمين فيقطع أيامهم.
وأخرج ابن اسحق والبخاري في تاريخه وابن جرير بسند ضعيف عن ابن عباس عن جابر بن عبد الله قال « مر أبو ياسر بن أخطب في رجال من يهود برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو فاتحة سورة البقرة[الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ]( ).
فأتاه أخوه حيي بن أخطب في رجال من اليهود فقال : تعلمون والله لقد سمعت محمداً يتلو فيما أنزل عليه { الم ذلك الكتاب } فقالوا أنت سمعته؟ قال : نعم فمشى حيي في أولئك النفر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا محمد ألم تذكر أنك تتلو فيما أنزل عليك { الم ذلك الكتاب } ؟ قال : بلى . قالوا : قد جاءك بهذا جبريل من عند الله؟ قال : نعم .
قالوا : لقد بعث الله قبلك أنبياء ، ما نعلمه بين لنبي لهم ما مدة ملكه ، وما أجل أمته غيرك فقال حيي بن أخطب : وأقبل على من كان معه الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، فهذه احدى وسبعون سنة . أفتدخلون في دين نبي إنما مدة ملكه وأجل أمته إحدى وسبعون سنة!
ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد هل مع هذا غيره؟ قال : نعم . قال : ما ذاك؟ قال { المص } قال : هذه أثقل وأطول . الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، والصاد تسعون ، فهذه مائة واحدى وستون سنة .
هل مع هذا يا محمد غيره؟ قال : نعم . قال : ماذا؟ قال { الر } قال : هذه أثقل وأطول . الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والراء مائتان ، فهذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة .
فهل مع هذا غيره؟ قال : نعم [المر]( ) ، قال فهذه أثقل وأطول . الألف واحدة ، واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، والراء مائتان ، فهذه إحدى وسبعون سنة ومائتان ثم قال : لقد لبس علينا أمرك يا محمد حتى ما ندري أقليلاً أُعطيت ، أم كثيراً! ثم قاموا فقال أبو ياسر لأخيه حيي ومن معه من الأحبار : ما يدريكم لعله قد جمع هذا لمحمد كله . إحدى وسبعون ، وإحدى وستون ، ومائة ، وإحدى وثلاثون ومائتان ، وإحدى وسبعون ومائتان ، فذلك سبعمائة وأربع وثلاثون . فقالوا : لقد تشابه علينا أمره . فيزعمون أن هذه الآيات نزلت فيهم[هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ]( ).
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال : إن اليهود كانوا يجدون محمداً وأمته ، إن محمداً مبعوث ولا يدرون ما مدة أمة محمد . فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم وأنزل { الم } قالوا : قد كنا نعلم أن هذه الأمة مبعوثة ، وكنا لا ندري كم مدتها ، فإن كان محمد صادقاً فهو نبي هذه الأمة قد بين لنا كم مدة محمد ، لأن { الم } في حساب جملنا إحدى وسبعون سنة ، فما نصنع بدين إنما هو واحد وسبعون سنة؟
فلما نزلت { الر } وكانت في حساب جملهم مائتي سنة وواحداً وثلاثين سنة قالوا : هذا الآن مائتان وواحد وثلاثون سنة وواحدة وسبعون . قيل ثم أنزل { المر } فكان في حساب جملهم مائتي سنة وواحدة وسبعين سنة في نحو هذا من صدور السور فقالوا : قد التبس علينا أمره ( ).
وقد وردت آيات توثق هلاك الظالمين وزوال ممالك ودول ومجئ دول أخرى وليس من حصر لتصريف الأيام بين الناس فقد تزول دولة كبيرة لتحل بدلها دول صغيرة، أو بالعكس تجتمع الدول الصغيرة بدولة كبيرة أو تنشأ الدولة من حال فرقة وتشتت وما يسمى بنظام الغاب، فوجود السلطان رحمة بالناس وحفظ للنفوس ونماء للحال وتنظيم للمعايش والمكاسب وهو مناسبة لأداء الفرائض العبادية والتفقه في الدين , والتدبر في آيات الله , ومعجزات الأنبياء.
ومن أسرار خلافة الإنسان في الأرض أن إنعدام النظام وعدم وجود السلطان ليس برزخاً دون أداء الفرائض العبادية والإنقطاع إلى الله عز وجل بالدعاء والمسألة، وهو من مصاديق قوله تعالى[وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ]( )، أي أن الثقلين مأموران بالعبادة في كل الأحوال العامة والخاصة، ليكون تداول الأيام بين الناس على وجوه:
الأول : إنه سبب للإجتهاد في العبادة.
الثاني : شكر العباد لله على نعمة النظام وما يترشح عنها من الأمن والسلامة.
الثالث : التضرع إلى الله لمحو الغفلة في أيام الحياة الدنيا.
الرابع : السؤال لصرف الفتن والفساد وأسباب الخراب.
الخامس : إتخاذ الناس لتداول الأيام مناسبة للإيمان بلحاظ أنه بيان متجدد لعظيم قدرة الله.
السادس : إتخاذ قانون التداول موضوعاً للرجاء ومن الأقوال في المقام بشر المريض بالفشاء والصحة، والغريب بالعودة، وإذا إشتد الحبل انقطع أي إزداد الضرر والحرج عندها ينتظر الإنسان زوال الضراء، وبشر الليل بصبح ينجلي.
وهذه الأقوال مستقرأة من قوله تعالى[أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ] ( )، ومع أن هذه الآية إشراقة يشع منها الأمل، ويخالط معها الرجاء أعضاء البدن كأشعة أنوار الصباح وإزاحته للظلمة من على رؤوس الجبال وبطون الأودية لتفتح الأزهار وإقتران الفجر بالصلاة الواجبة والشروع بالعمل المستمر والكسب..
فانها جاءت بلغة الوعيد لقوم لوط الذين أصروا على فعل الفاحشة، إلا أن الإستفهام في الآية (أليس) أعم من صبغة الإنكار، وفيها مسائل:
الأولى : إستفهام إنكاري لخصوص قوم لوط.
الثانية : الوعيد للكفار والجاحدين، وهذا الإستفهام من مصاديق خاتمة آية البحث [وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ].
الثالثة : البشارة للمؤمنين بقرب إنجلاء وإنحسار الظلم، فليس للظلم كلابيب أو أضراس قاطعة يعض بها الزمن العضوض، فلابد أن تطرده الأيام , وهذا الطرد من بعض الله للظلم وعدم حبه للظالمين قال الأخطل:
ضجّوا من الحرب إذ عضّت غواربهم .
وقيس عيلان من أخلاقها الضجر( ).
وورد إسم (الله( عز وجل مرتين في هذه الآية على نحو ظاهر وصريح:
الأول : وليعلم الله الذين آمنوا.
الثاني : والله لا يحب الظالمين.
وورد بالإضمار والمعنى ليكون تقدير الآية على وجوه:
الأول : إن يمسسكم قرح باذن الله.
الثاني : فقد مس القوم قرح مثله عقوبة من الله.
الثالث : وتلك الأيام يداولها الله بين الناس.
الرابع : ويتخذ الله منكم شهداء.
ومن خصائص آية البحث أنها إبتدأت بصيغة مركبة من جهتين:
الأول : صيغة الشرط.
الثاني : لغة الخطاب الموجه للمسلمين على نحو الحصر(ان يمسسكم قرح) لتأكيد علم الله عز وجل لما يلاقون من الأذى في سبيله، وهو من عمو مات قوله تعالى[وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ] ( )، من جهتين:
الأولى : وردت الآية أعلاه بالخطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمقصود الأمة بطاعتها لله ورسوله.
الثانية : الآية من مصاديق قانون إذا أنعم الله عز وجل على أهل الأرض بنعمة فانه أكرم من أن يرفعها، لذا فان المؤمنين بعين الله وحفظه ولطفه، فهو سبحانه يراهم وهم يجاهدون في سبيله ويمدهم بملائكة السماء لحصر الضرر بأمرين:
الأول : القرح والجراحات والخسارة القليلة بالنسبة لمجموع عدد المسلمين، وتفضل الله بسرعة تعويضهم بالعدد بدخول الأفواج من الناس والقبائل الإسلام، وبكثرة الإنجاب وتغشي البركة لهذا الإنجاب بالعدد والعدة بتهيئة السلاح والغنائم والزكوات للمسلمين.
الثاني : تلقي الجراحات وعدم تعديها عن مرتبة المس، وما تدل عليه من خفة الوطأة وسرعة زوال الأثر بفضل من عند الله.
وبعد إفتتاج الآية بلغة الخطاب إنتقلت في موضوعاتها إلى صيغة الجملة الخبرية فبينت أن الأيام دول يصرفها الله سبحانه بين الناس لتحذير المسلمين من تعدي الظالمين الذي تشير إليه خاتمة الآية وبيان المفسدة في تولي الكفار, قوله تعالى[وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ]( ).
ترى ما هي الصلة بين آية البحث وقوله تعالى[مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا] ( )، الجواب هي العموم والخصوص من وجه، فمادة الإلتقاء من وجوه:
الأول : تدل كل من الآيتين على عظيم قدرة الله عز وجل.
الثاني : تبين كل من الآيتين أن الدنيا دار إمتحان وإختبار.
الثالث : في نسخ الآيات وتصريف الأيام نفع عام للأجيال، وهما مجتمعين ومتفرقين مناسبة للتدبر والإتعاظ.
الرابع : جذب الناس لمنازل الإيمان برؤية الآيات والمعجزات وتصريف الأيام.
الخامس : دعوة المسلمين والمسلمات للإنتفاع الأمثل من نسخ الآيات ومن تصريف الأيام.
السادس : نسخ الآيات تبديل فيها ومجئ آية محل أية أخرى، وكذا بالنسبة لأحوال الناس في الأيام.
السابع : إنعدام الفترة بين كل من الناسخ والمنسوخ، وبين أفراد الزمان وتصريفها بين الناس.
الثامن : كل من الآيتين برزخ دون دبيب اليأس إلى نفوس المسلمين.
التاسع : لقوله تعالى[يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ]( )، موضوعية في كل من الآيتين ومصاديقهما.
العاشر : كل من الآيتين مناسبة للدعاء والتضرع إلى الله عز وجل بجلب المصلحة ودفع المفسدة.
الحادي عشر : كل من نسخ الآيات وتصريف الأيام مناسبة لثواب المؤمنين وعذاب الكافرين لذا قال الله تعالى في الآية التالية[وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الذين آمنوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ]( ).
أما مادة الإفتراق فمن وجوه:
الأول : الإطلاق بخصوص الآيات ومجيؤها بخصوص آيات القرآن وتبديل أحكام الآيات بما فيه التخفيف عن المؤمنين، أما تصريف الأيام فيتعلق بالشأن والسلطان وأحوال الناس.
الثاني : مجئ النسخ في الأحكام، أما تداول الأيام فيتعلق بالناس وأحوالهم في الدنيا.
الثالث : ليس في نسخ الآيات ضرر على المسلمين، أما تصريف الأيام فقد يجلب للمسلمين القروح والكلوم.
الرابع : في نسخ الآيات تأتي آية ثانية بدل الأولى أما تصريف الأيام فقد يحصل ذات الأمر بفضل الله عز وجل وقد تأتي أيام فيها أذى وضرر على المؤمنين.
الخامس : عدم الملازمة بين النسخ وتصريف الأيام، فقد يتوالى نسخ الآيات مع بقاء الأيام والريح والدولة لطائفة ما، وقد يتعاقب ويتعدد تصريف الأيام بين الناس مع بقاء ذات الآيات، هذا بلحاظ المعنى الأعم للآيات ونسخه وأنها لاتختص بآيات القرآن، والا فان النسخ في القرآن إنقطع بانتقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى، لذا قيل أن سورة المائدة وهي أخر سور القرآن نزولاً خالية من المنسوخ.
قانون(نصر المسلمين يوم أحد)
لقد أنعم الله عز وجل على أهل الأرض عامة والمسلمين خاصة بغلبتهم وظفرهم يوم بدر، وإنتزاعهم مقامات العز مع حال الضعف التي يتصفون بها وقلة عددهم من بين الناس، في مقابل كثرة العدو من المشركين يومئذ، ونقص السلاح والمؤون التي عندهم سواء في حياة الحضر والمدينة، أو التي حملوها معهم إلى المعركة، وكانوا لا يأكلون إلا وجبة قليلة في الجملة في اليوم والليلة قد لا تتعدى بضع ثمرات.
وهناك قاعدة تقول: الجيوش تزحف على بطونها) .
ولكن هذه القاعدة تنخرم عند أهل الإيمان فقد خرج المؤمنون يوم بدر وبطونهم خاوية، وتظهر معاني الجوع على وجوههم، من دون أن تؤثر سلباً على أدائهم وبذلهم الوسع في الجهاد لتقبل الدنيا بالنصر والغنائم وأسر سبعين من المشركين، دفع أكثرهم الفداء إلى الذين أسرّوهم وتكون واقعة بدر معجزة تأريخية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبداية لتغيير تأريخ الإنسانية بما يكفل إستدامة الحرب على الكفر وإنحساره وتجلي إفاضات الإيمان وحاجة الناس إليه وإلى أمة مؤمنة تتصف بالعز والشأن وتكون لها دولة وحكم، وهو من مصاديق قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
نعم لم يكن النصر يوم أحد مثله يوم بدر من جهة عدد قتلى وأسرى المشركين، ومن جهة وقوع القتلى والشهداء بين المسلمين , وهو من مصاديق قوله تعالى في آية البحث[إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ]
لتدل هذه الآية على عدم الملازمة بين الإصابة بالقروح والجراحات وبين الخسارة في المعركة، وتقدير الآية: إن يمسسكم قرح وأنتم الأعلون) فتنزل الجراحات بالمسلمين ويخسرون معركة ويفقدون رجالاً منهم في ميادين القتال ولكنهم باقون في مرتبة الأعلى والأقوى والأرجح في كفة القتال ويستقرأ نصر المسلمين يوم أحد بلحاظ أسباب نزول آية البحث , وبشارة بقاء المسلمين في مرتبة (الأعلون) لثباتهم على الإيمان، وصبرهم في جنب الله.
قال أحمد: حدثنا سليمان بن داود، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه، عن عبيد الله، عن إبن عباس أنه قال: ما نصر الله في موطن كما نصر يوم أحد، قال: فأنكرنا ذلك).
ولا وجه للإنكار، وإن كان المتسالم هو عدم تحقيق المسلمين النصر يوم أحد وأن الغلبة كانت لكفار قريش ومن معهم في جولة من المعركة, فإلتجأ إبن عباس إلى القرآن في الإستدلال والإحتجاج (فقال: بينى وبين من أنكر ذلك كتاب الله: إن الله يقول في يوم أحد: “ولقد صدقكم الله وعده إذا تحسونهم بإذنه” يقول ابن عباس: والحس القتل “حتى إذا فشلتم” إلى قوله “ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين” وإنما عنى بهذا الرماة وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أقامهم في موضع على الجبل لمنع تسلل العدو من خلفهم , والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يعلم مكر ودهاء وصبر قريش.
فلما غنم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأسباحوا عسكر المشركين أكب الرماة جميعا، فدخلوا في العسكر ينهبون، وقد التقت صفوف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم هكذا، وشبك بين أصابع يديه، والتبسوا.
فلما أخل الرماة تلك الخلة التي كانوا فيها دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فضرب بعضهم بعضا، فالتبسوا وقتل من المسلمين ناس كثير، وقد كان لرسول الله وأصحابه أول النهار، حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة، وجال المسلمون جولة نحو الجبل ولم يبلغوا حيث يقول الناس الغار، إنما كانت تحت المهراس.
وصاح الشيطان: قتل محمد، فلم يشك فيه أنه حق، فما زلنا كذلك ما نشك أنه حق حتى طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين السعدين نعرفه بتكفيه إذا مشى قال: ففرحنا كأنه لم يصبنا ما أصابنا.
قال: فرقى نحونا وهو يقول: اشتد غضب الله على قوم دموا وجه رسول الله ويقول مرة أخرى: اللهم إنه ليس لهم أن يعلونا حتى انتهى إلينا)( ).
ولم ينسحب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من ميدان المعركة إلا بعد أن تأكد من هروب قريش وعدم إرادتهم غزو المدينة، وهذا التأكد لم يأت بالإستقراء بل جاء بالسنة الفعلية التي هي جزء من الوحي إذ أمر الإمام علي عليه السلام باللحوق بهم وتتبع أثرهم، وهناك مسائل:
الأولى : إنكشاف عدد من المسلمين، وطمع العدو بهم.
الثانية : إقتراب أفراد من العدو من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقيامهم برميه، فدث( ) بالحجارة حتى وقع لشقه وشج في وجهه وسال الدم منه، وكلمت شفته، وكسرت رباعيته أي أسنانه الأربعة التي بين الثنية والناب إثنتين في الفك الأعلى وإثنتين في الفك الأسفل.
وعن أبي سعيد الخدري أَنّ عُتْبَة بْنَ أَبِي وَقّاصٍ رَمَى رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَوْمئِذٍ فَكَسَرَ رَبَاعِيَتَهُ الْيُمْنَى السّفْلَى ، وَجَرَحَ شَفَتَهُ السّفْلَى ، وَأَنّ عَبْدَ اللّهِ بْنَ شِهَابٍ الزّهْرِيّ شَجّهُ فِي جَبْهَتِهِ وَأَنّ ابْنَ قَمِئَةَ جَرَحَ وَجْنَتَهُ فَدَخَلَتْ حَلْقَتَانِ مِنْ حَلَقِ الْمِغْفَرِ وَجْنَتَهُ وَوَقَعَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي حُفْرَةٍ مِنْ الْحُفَرِ الّتِي عَمِلَ أَبُو عَامِرٍ لِيَقَعَ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ فَأَخَذَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِيَدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَرَفَعَهُ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللّهِ حَتّى اسْتَوَى قَائِمًا)( ).
الثالثة : ترك عدد من المسلمين لساحة المعركة، ومن الآيات عودة أكثرهم للقتال والدفاع عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإزاحة المشركين عن مواضعهم.
لقد أمرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالبقاء في مواضعهم مطلقاً في حال الغلبة أو الخسارة , فتأوله بعض الرماة وقالوا لم يرد رسول الله هذا، وقد أذل الله المشركين وهزمهم، فادخلوا العسكر فانتهبوا مع إخوانكم. فلما اختلفوا خطبهم أميرهم عبد الله بن جبير وكان يومئذٍ معلماً بثياب بيض كالضابط الذي يحمل رتبة يعرف بها , فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم أمر بطاعة الله وطاعة رسول صلى الله عليه وسلّم، وألا يخالف لرسول الله أمرٌ فعصوا وانطلقوا، فلم يبق من الرماة مع أميرهم عبد الله بن جبير إلا نفير ما يبلغون العشرة، فيهم الحارث بن أنس بن رافع، يقول: يا قوم، اذكروا عهد نبيكم إليكم، وأطيعوا أميركم. قال: فأبوا وذهبوا إلى عسكر المشركين ينتهبون، وخلوا الجبل وجعلوا ينتهبون، وانتقضت صفوف المشركين واستدارت رجالهم، وحالت الريح، وكانت أول النهار إلى أن رجعوا صباً، فصارت دبوراً حيث المشركون، بينا المسلمون قد شغلوا بالنهب والغنائم.
وريح الصبا كناية على الإقبال وزحف جيش المسلمين وتسمى ريح الصّبا: الريح القبول، وتقابلها الدّبور كناية عن إدبار المسلمين، ولكن لم يكن هذا الإدبار تاماً ومستوعباً لجيش المسلمين، إنما كان على نحو السالبة الجزئية، وهل هو من مصاديق قوله تعالى[ إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا] ( )، الجواب لا، لأن الهم هو أول القصد وإرادة العزم على الفعل، فلم يفشلوا ويجبنوا.
قال نسطاس مولى صفوان بن أمية، وكان أسلم فحسن إسلامه: كنت مملوكاً فكنت فيمن خلف في العسكر، ولم يقاتل يومئذٍ مملوكٌ إلا وحشى، وصواب غلام بني عبد الدار. قال أبو سفيان: يا معشر قريش، خلفوا غلمانكم على متاعكم يكونون هم الذين يقومون على رحالكم. فجمعنا بعضها إلى بعض، وعقلنا الإبل، وانطلق القوم على تعبيتهم ميمنةً وميسرةً، وألبسنا الرحال الأنطاع. ودنا القوم بعضهم إلى بعض، فاقتتلوا ساعة ثم إذا أصحابنا منهزمون.
فدخل أصحاب محمد عسكرنا ونحن في الرحال، فأحدقوا بنا، فكنت فيمن أسروا. وانتهبوا العسكر أقبح انتهاب، حتى إن رجلاً منهم قال: أين مال صفوان بن أمية؟ فقلت: ما حمل إلا نفقة، هي في الرحل. فخرج يسوقني حتى أخرجتها من العيبة خمسين ومائة مثقال.
وقد ولي أصحابنا وأيسنا منهم، وانحاش النساء، فهن في حجرهن سلمٌ لمن أرادهن. وصار النهب في أيدي الرجال، فإنا لعلى ما نحن عليه من الاستسلام إلى أن نظرت إلى الجبل، فإذا الخيل مقبلة فدخلوا العسكر فلم يكن أحدٌ يردهم، قد ضيعت الثغور التي كان بها الرماة وجاءوا إلى النهب والرماة ينتهبون، وأنا أنظر إليهم متأبطي قسيهم وجعابهم، كل رجل منهم في يديه أو حضنه شيءٌ قد أخذه.
فلما دخلت خيلنا دخلت على قومٍ غارين آمنين، فوضعوا فيهم السيوف فقتلوا فيهم قتلاً ذريعاً.
وتفرق المسلمون في كل وجهٍ، وتركوا ما انتهبوا وأجلوا عن عسكرنا، فرجعنا متاعنا بعد فما فقدنا منه شيئاً، وخلوا أسرانا، ووجدنا الذهب في المعرك. ولقد رأيت رجلاً من المسلمين ضم صفوان بن أمية إليه ضمة ظننت أنه سيموت حتى أدركته به رمقٌ، فوجأته بخنجر معي فوق، فسألت عنه بعد فقيل: رجلٌ من بني ساعدة. ثم هداني الله عز وجل بعد للإسلام)( ).
وقتل من كفار قريش يومئذ اثنان وعشرون رجلاً: فيهم من بني عبد الدار: طلحة، وأبو سعيد، وعثمان، بنو أبي طلحة واسم أبي طلحة: عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار.
ومسافع، وجلاس، والحارث، وكلاب، بنو طلحة بن أبي طلحة المذكور وأرطاة بن عبد شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار.
وابن عمه: أبو يزيد بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار.
وابن عمهما: القاسط بن شريح بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار وصؤاب مولى أبي طلحة.
ومن بني أسد بن عبد العزى: عبد الله بن حميد بن زهير بن الحارث بن أسد، قتله علي عليه السلام.
ومن بني زهرة بن كلاب: أبو الحكم بن الأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي، حليف لهم، قتله علي.وسباع بن عبد العزى الخزاعي، حليف لهم.
ومن بني مخزوم: هشام بن أبي أمية بن المغيرة، أخو أم سلمة أم المؤمنين والوليد بن العاصي بن هشام بن المغيرة وأبو أمية بن أبي حذيفة بن المغيرة وخالد بن الأعلم، حليف لهم.
ومن بني عامر بن لؤي: عبيدة بن جابر وشيبة بن مالك بن المضرب رجلان).
ومن بني جمح: أبو عزة الشاعر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أسّره يوم بدر، ثم منّ عليه وأطلقه بغير فداء، وأخذ عليه أن لا يعين عليه، فنقض العهد، فأسر يوم أحد، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فضرب عنقه صبراً، وقال له: والله لا تمسح عارضيك بمكة وتقول: خدعت محمداً مرتين، وأبي بن خلف رجلان( ).
(وكان أبى بن خلف أخو بنى جمح قد حلف وهو بمكة ليقتلن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فلما بلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم حلفته قال: بل أنا أقتله إن شاء الله.
فلما كان يوم أحد أقبل أبى في الحديد مقنعا وهو يقول: لا نجوت إن نجا محمد.
فحمل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد قتله، فاستقبله مصعب بن عمير أخو بنى عبد الدار يقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه، فقتل مصعب بن عمير، وأبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ترقوة أبى بن خلف من فرجة بين سابغة الدرع والبيضة فطعنه فيها بالحربة فوقع إلى الارض عن فرسه، ولم يخرج من طعنته دم.
فأتاه أصحابه فاحتملوه وهو يخور خوار الثور فقالوا له: ما أجزعك ! إنما هو خدش.
فذكر لهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أقتل أبيا، ثم قال: والذى نفسي بيده، لو كان هذا الذى بى بأهل ذى المجاز لماتوا أجمعون)( ) (قال الواقدي: وكان ابن عمر يقول: مات أبى بن خلف ببطن رابغ، فإنى لأسير ببطن رابغ بعد هوى من الليل إذا أنا بنار تأججت، فهبتها وإذا برجل يخرج منها بسلسلة يجذبها يهيجه العطش، فإذا رجل يقول: لا تسقه، فإنه قتيل رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا أبى بن خلف)( ).
لقد جعل الله عز وجل القرآن وثيقة سماوية تبين سنن الأنبياء، وتحكي قصص الأمم السابقة، وتثبت تأريخ بدايات الإسلام وأسرار إنتشار دعوته والإعجاز في النصر المتعدد والمتتابع الذي صاحب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , لتبقى الآيات القرآنية الخاصة بمعركة أحد شاهداً على هذا النصر، وبياناً للخلل والثغرة التي أحدثها عدم تقييد الرماة بأوامره التي جاءت جلية واضحة , ونصاً لا يقبل تعدد التأويل، لذا حينما همّ عدد من الرماة النزول من الجبل والمشاركة بجمع الغنائم بحجة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يأمرهم بالبقاء إن تحقق النصر والغلبة للمسلمين.
لقد خطبهم أميرهم عبد الله بن جبير وحثهم على عدم معصية الرسول ولكنهم أبو وأصروا على الذهاب إلى معسكر المشركين لنهبه.
ليقتبس المسلمون منه المواعظ، وتنكشف لهم الأضرار التي تترشح عن مخالفة أوامره، قال تعالى[وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ]( ).
وعن الواقدي: قالوا: ما ظفر الله نبيه في موطن قط ما ظفره وأصحابه يوم أحد، حتى عصوا الرسول وتنازعوا في الأمر. لقد قتل أصحاب اللواء وانكشف المشركون منهزمين، لا يلوون، ونساؤهم يدعون بالويل بعد ضرب الدفاف والفرح حيث التقينا)( ).
ومن أسرار الإمامة والنبوة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يختص أمير الرماة بوصاياه، بل خاطبهم جميعاً وبعرض واحد: احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا نغنم فلا تشركونا( ).
وفيه شاهد على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كفل لهم سهامهم من الغنيمة وخفّف عنهم، وقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لجعفر بن أبي طالب في معركة بدر بسهم وإن لم يشهدها، ثم أن خالداً كان يأتيهم من قبل السفح فيرده الرماة، وكان يكرر الفعل وفي كل مرة يرمونه بالسهام، وكأنه إنذار وتذكير بلزوم التقيد بأوامر النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وحينما نزلوا للغنائم كان خالد وأصحابه في مكانهم مما يدل على بقاء الخطر والحاجة إلى الإحتراز.
وقد كسرت رجل خوات بن جبير في الطريق إلى معركة بدر، فأرجعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وضرب له بسهمه، كما أعطى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لورثة الشهداء سهامهم من الغنائم.
وكان رسول الله قد بعث قبل أن يخرج من المدينة إلى بدر – طلحة بن عبد الله وسعيد بن زيد إلى طريق الشام يتجسسان الأخبار ثم رجعا إلى المدينة فقدما لها يوم وقعة بدر فضرب لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمهما وأجرهما)( ).
وتدل وقائع معركة أحد التي هي سبب لنزول آية البحث على حقيقة وهي أن المداولة بين الناس لأفراد الزمان أعم من أن تنحصر بالأيام فتشمل الساعات وأجزاء اليوم، فبعد ساعة من القتال الشديد بين الفريقين، إنهزم المشركون، وولوا الأدبار، وإنشغل فريق من المسلمين بجمع الغنائم، وركنوا إلى النصر والغلبة، ونزل الرماة من الجبل ليس للقتال ولكن لجمع الغنائم والنهب، فدخلت خيل المشركين بقيادة خالد بن الوليد من ثغر الجبل فأخذوا يقتلون المسلمين .
نعم هذه المداولة ليست على نحو كلي ومطبق، إذ بقي المسلمون في حال العز والرفعة والمنعة فقدموا الشهداء ولكنهم لم يخسروا دولتهم.
وعن جعفر بن محمد عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعا يوم أحد فقال: يا صريخ المكروبين ومجيب المضطرين وكاشف الكرب العظيم اكشف كربي وهمي وغمي فإنك ترى حالي وحال أصحابي ” .
قال: فصرف الله عدوه وغزا صلى الله عليه وآله وسلم أحداً على فرسه السكب كان اشتراه من أعرابي من بني فزارة بالمدينة وكان اسمه عند الأعرابي المضرس، وهو أول فرس ملكه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأول غزاة غزا عليه أحداً، وكان طلق اليمين له سبحة وسابق عليه فسبق فعرج به رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقال: فرس سكب أي كثير الجري، ثم إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قاتل المشركين يوم أحد ( ).
ولجبل أحد شأن في تأريخ الأرض، وعن أنس بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لما تجلى الله لجبل طور سيناء تشظى منه شظايا، فنزلت بمكة ثلاثة؛ حراء وقديد وثور، وبالمدينة أحد وعير وورقان ” . وعنه أيضاً قال: ” صار لعظمة الله ستة أجبل، فوقعت ثلاثة بالمدينة: أحد وورقان ورضوى، ووقعت ثلاثة بمكة ثور وثبير وحراء ( ).
ويقع جبل أحد شمالي المدينة المنورة، وهو أقرب الجبال إليها ويبعد عن المسجد النبوي نحو خمسة كيلو متراً.
وجبل عير يقابله ويقع في قبلة المدينة وتكون المدينة بينهما.
وجبل ورقان قرب شعب علي، ما بين الشعب والروحاء إلى القبلة.
وسمي جبل أحد لتوحده وإنفراده من بين الجبال التي في تلك المنطقة، وإنقطاعه عن الجبال الأخرى.
وعند قدوم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من كتيبة تبوك ودنا من المدينة خرج الناس لتلقيه رجالاً ونساء وهم ينشدون:
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ما دعا لله داع.
وقال بعضهم أنشد هذا الشعر عند قدومه من مكة في بداية الهجرة، ولكن ثنيات الوداع من ناحية الشام، وتقع على طريقه.
فَلَمّا أَشْرَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ قَالَ هَذِهِ طَابَةُ وَهَذَا أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبّنَا وَنُحِبّهُ( ).
وعن السائب بن يزيد قال: أذكر أنى خرجت مع الصبيان نتلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ثنية الوداع مقدمه من غزوة تبوك( ).
وفي معنى حب جبل أحد وجوه:
الأول : يحمل الكلام العربي على ظاهره وإرادة ذات الحب والميل النفسي.
الثاني : بيان حقيقة وهي أن الجبال تسبه لله، وتحب أهل الإيمان، قال تعالى[وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ]( ).
الثالث : المراد أهل جبل أحد، بالإتيان بالمضاف إليه وحذف المضاف كما في قوله تعالى[وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا]( ).
الرابع : ذكر معركة أحد، وجريان دماء المسلمين شهداء في سبيل الله على جبل أحد، وهزيمة الكفار يومئذ، وعجزهم عن القتال بعدها.
الخامس : ذكر أجيال المسلمين المتعاقبة لمعركة أحد.
السادس : شوق المسلمين في كل زمان لزيارة جبل أحد.
السابع : نزول الآيات المتعددة الخاصة في سبب النزول بواقعة أحد، ومنها آية البحث.
ولا تعارض بين هذه الوجوه وكلها من مصاديق الحديث.
وعن طريق أبي عبس بن جبر عن رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ أُحُدٌ يُحِبّنَا وَنُحِبّهُ وَهُوَ عَلَى بَابِ الْجَنّةِ قَالَ وَعَيْرٌ يَبْغُضُنَا وَنَبْغُضُهُ وَهُوَ عَلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ النّارِ وَيُقَوّيهِ قَوْلُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبّ مَعَ قَوْلِهِ يُحِبّنَا وَنُحِبّهُ فَتَنَاسَبَتْ هَذِهِ الْآثَارُ وَشَدّ بَعْضُهَا بَعْضًا ( ).
أول مبارزة يوم أحد
من القواعد التي صارت ثابتة عند المسلمين أنهم لا يبدأون القتال لنهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنه , مع أنهم أصحاب حق، فالسلاح والقتال ليس علاجاً لكل شئ، بالإضافة إلى تجلي ممعجزات الرسالة وأسرار التنزيل بما يغني عن السلاح مع التدبر والتمحيص ولجوء الناس للفصل بين الحق والباطل، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد: لايقاتلن أحد منكم حتى نأمره بالقتال( ).
ولجأت قريش يوم أحد إلى الحيلة والمكر، إذ أرسل أبو سفيان إلى الأنصار يقول: خلوا بيننا وبين إبن عمنا، أي النبي , فننصرف عنكم، فلا حاجة بنا إلى قتال، فاجابوه بما يكره , ولم يلجأوا إلى مثلها في معركة بدر لغرورهم , وفيه شاهد على فزعهم وخوفهم من المؤمنين وتآزرهم .
ثم قدّموا أبو عامر الراهب طمعاً باستمالة الأوس , لأنه كان كبيرهم وما أن عرّف نفسه وقال: يا معشر الأوس، أنا أبو عامر، حتى سمع الجيشان شتمهم له ونعته بالفاسق، هذا النعت الذي وصفه به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , فأخذ يرميهم بالحجار ة.
ورأت قريش يوم بدر أن المسلمين لم يبدأوا القتال، وفي يوم أحد أول من خرج للمبارزة من الفريقين طلحة بن عثمان حامل لواء المشركين وطلب المبارزة , فلم يجبه أحد من المسلمين لإقامة الحجة على الكفار وأخذ يطلبها وقال: يا معشر أصحاب محمد أنكم تزعمون أن الله يعجلنا بسيوفكم إلى النار ويعجلكم بسيوفنا إلى الجنة .
فهل منكم أحد يعجله الله بسيفي إلى الجنة أو يعجلنى بسيفه إلى النار فقام إليه علي بن أبى طالب عليه السلام , فقال والذى نفسي بيده لا أفارقك حتى أعجلك بسيفي إلى النار أو تعجلنى بسيفك إلى الجنة فضربه علي فقطع رجله فسقط فانكشفت عورته , فقال أنشدك الله والرحم يا ابن عم فتركه فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال لعلى أصحابه ما منعك أن تجهز عليه قال إن إبن عمى ناشدنى حين انكشفت عورته فاستحييت منه)( ).
شهداء أحد
أول معركة خاض غمارها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون هي معركة بدر في شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة النبوية، وقد ذكر الله عز وجل هذه المعركة بالإسم في القرآن , قال تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ]( ).
لبيان قانون وهو أن النصر مصاحب للمسلمين في أيام الحياة الدنيا، فجاء يوم بدر والمسلمون في حال ذلة وضعف، مما يدل بالأولوية القطعية على نصرهم في كل الأحوال لأنهم انتقلوا بهذا النصر إلى مراتب من القوة والإقدام والغنى والسعة ورجاء فضل الله عز وجل، وإذا أنعم الله عز وجل بنعمة فانه أكرم من أن يرفعها، فلما جاء نصر المؤمنين مع الذلة فانه يأتيهم معها ومع العز والقوة أيضاً من باب الأولوية بفضل الله.
ثم جاءت معركة أحد في يوم السبت السابع من شهر شوال في السنة الثالثة للهجرة الموافق للثالث والعشرين من شهر آذار 625م، ولم يرد ذكر إسم معركة (أحد) بالإسم في القرآن، ولكنها موضوع وسبب النزول لآيات عديدة منها آية البحث والآية السابقة قوله تعالى[وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا]( ).
قال إبن عباس: انهزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، فبينما هم كذلك إذ أقبل خالد بن الوليد بخيل المشركين يريد أن يعلو عليهم الجبل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم لا يعلون علينا، اللهم لا قوة لنا إلا بك، اللهم ليس يعبدك بهذه البلدة غير هؤلاء النفر، فأنزل الله تعالى هذه الآيات، وثاب نفر من المسلمين رماة، فصعدوا الجبل ورموا خيل المشركين حتى هزموهم، فذلك قوله (وَأَنتُم الأَعلونَ).
قوله (إِن يَمسَسكُم قَرحٌ) الآية. قال راشد بن سعد: لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كئيباً حزيناً يوم أحد، جعلت المرأة تجيء بزوجها وابنها مقتولين وهي تلدم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أهكذا يفعل برسولك؟ فأنزل الله تعالى (إِن يَمسَسكُم قَرحٌ) الآية.
قال عطية العوفي: لما كان يوم أحد انهزم الناس، فقال بعض الناس: قد أصيب محمد فأعطوهم بأيديكم، فإنما هم إخوانكم، وقال بعضهم: إن كان محمد قد أصيب ألا ما تمضون على ما مضى عليه نبيكم حتى تلحقوا به فأنزل الله تعالى في ذلك[وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ] إلى[وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا] ( )، لقتل نبيهم – إلى قوله[فَآتَاهُمْ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا]( ).
والمختار عدم صدق وقوع الهزيمة بالمسلمين، ولكن الحرب سجال فيوم لك ويوم عليك، وجاء البيان الجلي بقوله تعالى في آية البحث[وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ] ولم ينكسر المسلمون يوم أحد بل بقوا بدولتهم في المدينة المنورة وذات العز الذي يتنعمون به، ولم تنقطع وفود القبائل التي تأتي لتعلن إسلامها ومن خلفهم أهلوهم وأبناء عمومتهم، بينما يتخلى الناس عن نصرة قريش لتجلي ظلمها وتعديها بدون حق.
نعم لاقى المسلمون خسارة كبيرة في هذه المعركة وهو أمر ظاهر من جهات:
الأولى : كثرة عدد الكفار، فبينما كان عددهم تسعمائة وخمسين في معركة بدر زحفوا بثلاثة آلاف مقاتل.
الثانية : إحتراز الكفار وإستعدادهم للقتال وأخذهم الدروس والعبر من معركة بدر التي دخلوها وكأنهم في نزهة إستخفافاً بالمسلمين وقلة عددهم.
الثالثة : قلة عدد المسلمين في معركة أحد إذ كانوا نحو سبعمائة مقاتل، بينما بلغ عدد جيوش الكفار ثلاثة آلاف.
الرابعة : الوفرة في عدة ومؤونة جيوش الكفار إذ كان عندهم مائتا فرس وسبعمائة درع، والظعن خمس عشرة إمرأة(وكان المسلمون مائة دارع ولم يكن من الخيل غير فرسين، فرس لرسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، وفرس لأبي بردة بن نيار ( ).
وأختلف في إسم أبي بردة على أقوال:
الأول :هانئ بن نيار، وهو المشهور.
الثاني : هانئ بن عمرو، عن إبن إسحاق.
الثالث : الحارث بن عمرو وهو خال البراء بن عازب.
وشهد أبو بردة العقبة الثانية مع السبعين من الأنصار وشهد بدراً وأحداً وسائر المشاهد , وكانت معه راية بني حارثة في غزوة الفتح وشهد مع علي عليه السلام حروبه كلها، وقتل أبو بردة يوم أحد جابر بن سفيان حليف لبني مخزوم من طيّ.
قال جميل بن زياد النخعي: قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: يا سبحان الله، ما أزهد كثيراً من الناس في خير! عجباً لرجل يجيئه أخوه المسلم في الحاجة، فلا يرى نفسه للخير أهلاً، فلو كان لا يرجو ثواباً، ولا يخشى عذاباً لكان ينبغي أن يسارع في مكارم الأخلاق، فإنها تدل على سبيل النجاح. فقام إليه رجل وقال: فداك أبي وأمي يا أمير المؤمنين، أسمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، وما هو خير منه، لما أتي بسبايا طيىء، وقعت جارية حمراء لعساء ذلفاء عيطاء شمّاء الأنف، معتدلة القامة والهامة، درماء الكعبين، خدلّجة الساقين، لفّاء الفخذين، خميصة الخصرين، ضامرة الكشحين، مصقولة المتنين، قال: فلما رأيتها أعجبت بها وقلت: لأطلبن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يجعلها في قبتي فلما تكلمت أنسيت جمالها لما رأيت من فصاحتها، فقالت: يا محمد، إن رأيت أن تخلي عنا ولا تشمت بي أحياء العرب، فإني ابنة سيّد قومي، وإن أبي كان يحمي الذّمار، ويفك العاني، ويشبع الجائع، ويكسو العاري، ويقري الضيف، ويطعم الطعام ويفشي السلام، ولم يردّ طالب حاجة قط، أنا ابنة حاتم طيىء. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يا جارية، هذه صفة المؤمنين حقاً، لو كان أبوك مسلماً لترحمنا عليه، خلّوا عنها، فإن أباها كان يحبّ مكارم الأخلاق، والله يحب مكارم الأخلاق.
فقام أبو بردة بن نيار فقال: يا رسول الله، والله يحب مكارم الأخلاق؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لا يدخلن الجنة أحد إلا بحسن الخلق( ).
وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: يا أبا بردة، لا يدخل الجنة أحد إلا بحسن الخلق.
الخامسة : حرص المشركون على تنظيم أنفسهم، فجعلوا خالد بن الوليد على ميمنتهم، وعكرمة بن أبي جهل على ميسرتهم، ووضعوا اللواء مع بني عبد الدار (فقال لهم أبو سفيان: إنما يؤتى الناس من قبل راياتهم، فإما أن تكفونا وإما أن تخلوا بيننا وبين اللواء، يحرضهم بذلك. فقالوا: ستعلم إذا التقينا كيف نصنع، وذلك أراد( ).
وخرجت قريش إلى أحد وهم في حال فزع وخوف مع كثرتهم وتصاهل خيلهم وبريق أسلحتهم ( عن هشام بن عاصم الأسلمي قال: لما خرجت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد ، فنزلوا بالأبواء ، قالت هند بنت عتبة لأبي سفيان بن حرب : لو بحثتم قبر آمنة أم محمد ، فإنه بالأبواء ، فإن أسر أحد منكم افتديتم به كل إنسان بإرب( )، من آرابها فذكر ذلك أبو سفيان لقريش ، وقال : إن هندا قالت كذا وكذا ، وهو الرأي ، فقالت قريش : لا تفتح علينا هذا الباب ، إذا تبحث بنو بكر موتانا . وأنشد لابن هرمة : إذا الناس غطوني تغطيت عنهم وإن بحثوا عني ففيهم مباحث وإن بحثوا بيري بحثت بيارهم ألا فانظروا ماذا تثير البحايث( ).
السادس : تحشيد قريش للقبائل، وإغراءها والأفراد منها بالأموال والبذل والكفالة.
السابع : خروج النساء مع المشركين إلى أحد لبعث الحماس في نفوسهم للقتال، والذب عن الظعينة.
وكانت مواساة آية البحث للمسلمين وما تبعثه من السكينة في نفوسهم أثر مبارك في طرد آثار الخسارة ,
وإنصرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من معركة أحد، فصلى المغرب في المدينة مع شدة جراحاته وكان يتكأ عند خروجه إلى الصلاة على إثنين من أصحابه ثم خرج فصلى بالمسلمين العشاء(وشمت إبن أبي والمنافقون بما نيل من رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم في نفسه وأصحابه، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لن ينالوا منا مثل هذا اليوم حتى نستلم الركن.
وبكت نساء الأنصار على قتلاهم فسمع ذلك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: لكن حمزة لا بواكي له. فجاء نساء الأنصار إلى باب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فبكين على حمزة فدعا لهن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأمرهن بالانصراف؛ فهن إلى اليوم إذا مات الميت من الأنصار بدأ النساء فبكين على حمزة ثم بكين على ميتهن)( ).
وعن إبن عباس عن رسول الله صلى الله علهي وآله وسلم: الشهداء على بارق نهر بباب الجنة في قبة خضراء، يخرج إليهم رزقهم من الجنة غدوة وعشية)( ).
وفي قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لن ينالوا منا مثل هذا اليوم…) مسائل:
الأولى : مواساة المؤمنين وأسرهم.
الثانية : بيان فضل الشهداء وتضحيتهم بالنفس وما فيه من زجر للكفار عن إعادة التعدي على ثغر الإسلام المدينة.
الثالثة : الرد على المنافقين وإبطال أثر شماتتهم، قال تعالى[وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمْ الأَنَامِلَ مِنْ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ]( ).
الرابعة : التحدي والإعجاز في إخبار النبي من وجوه:
الأول : وصول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى مكة وأداء المناسك.
ومن الإعجاز أن الحديث جاء بصيغة الجمع(حتى نستلم الركن) أي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، ومن الآيات في سنن الإسلام أن القتال تنقيح من النفاق، وخوض المسلم القتال له شاهد على براءته منه وتدل واقعة أحد على حقيقة وهي أن المنافقين ينسحبون من المعركة ويتجنبون القتال من جهات:
الأولى : حال التهيئ للمعركة بإيجادهم الأعذار الواهية لعدم الخروج ، لذا ورد قوله تعالى[وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ]( )، ليكون في الآية تزكية لهم وشهادة بايمانهم.
الثانية : الإنسحاب في الطريق كما في رجوع ثلث جيش المسلمين في الطريق إلى معركة أحد بتحريض من عبد الله بن أبي سلول.
الثالثة : النكوص عن القتال.
الرابعة : الحث على الصلح المهين من غير حاجة إليه، قال تعالى[فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ]( ).
الثاني : عدم تكرار حدوث القروح والجراحات التي حصلت للمسلمين في معركة أحد.
الثالث : سلامة المسلمين من الإنهزام أثناء المعركة.
الرابع : إدراك المسلمين للحاجة إلى طاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعدم مخالفته، بالإتعاظ من إنسحاب الرماة من الجبل طلباً للغنيمة مع تأكيد النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليهم بالبقاء في مواضعهم حتى إنتهاء المعركة.
فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلّم من دفن أصحابه دعا بفرسه فركبه، وخرج المسلمون حوله عامتهم جرحت، ولا مثل لبني سلمة وبني عبد الأشهل، ومعه أربعة عشرة امرأة، فلما كانوا بأصل الحرة قال: اصطفوا فنثني على الله! فاصطف الناس صفين خلفهم النساء، ثم دعا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم:اللهم، لك الحمد كله! اللهم، لا قابض لما بسطت، ولا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا هادي لمن أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا مقرب لما باعدت، ولا مباعد لما قربت! اللهم إني أسألك من بركتك ورحمتك وفضلك وعافيتك! اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول! اللهم إني أسألك الأمن يوم الخوف والغناء يوم الفاقة، عائذاً بك اللهم من شر ما أعطيتنا وشر ما منعت منا! اللهم توفنا مسلمين! اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين! اللهم عذب كفره أهل الكتاب الذين يكذبون رسولك ويصدون عن سبيلك! اللهم أنزل عليهم رجسك وعذابك! إله الحق! آمين! وأقبل حتى نزل ببني حارثة يميناُ حتى طلع على بني عبد الأشهل وهم يبكون على قتلاهم، فقال: لكن حمزة لا بواكي له.
فخرج النساء ينظرون إلى سلامة رسول الله صلى الله عليه وسلّم فكانت أم عامر الأشهلية تقول: قيل لنا قد أقبل النبي صلى الله عليه وسلّم ونحن في النوح على قتلانا، فخرجنا فنظرت إليه فإذا عليه الدرع كما هي، فنظرت إليه فقلت: كل مصية بعدك جللٌ.
وخرجت أم سعد بن معاذ وهي كبشة بنت عبيد بن معاوية بن بلحارث بن الخزرج تعدو نحو رسول الله صلى الله عليه وسلّم ورسول الله صلى الله عليه وسلّم واقفٌ على فرسه، وسعد بن معاذ آخذٌ بعنان فرسه، فقال سعد: يا رسول الله، أمي! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: مرحباً بها! فدنت حتى تأملت رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقالت: أما إذ رأيتك سالماً، فقد أشوت المصيبة. فعزاها رسول الله صلى الله عليه وسلّم بعمرو بن معاذ ابنها، ثم قال: يا أم سعد، أبشري وبشري أهليهم أن قتلاهم قد ترافقوا في الجنة جميعاً وهم اثنا عشر رجلاً وقد شفعوا في أهليهم. قالت: رضينا يا رسول الله، ومن يبكي عليهم بعد هذا؟ ثم قالت: ادع يا رسول الله لمن خلفوا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: اللهم أذهب حزن قلوبهم واجبر مصيبتهم، وأحسن الخلف على من خلفوا.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: خل أبا عمرو الدابة. فخلى الفرس وتبعه الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: يا أبا عمرو، إن الجراح في أهل دارك فاشيةٌ، وليس فيهم مجروحٌ إلا يأتي يوم القيامة جرحه كأغزر ما كان، اللون لون دمٍ والريح ريح مسك، فمن كان مجروحاً فليقر في داره وليداو جرحه، ولا يبلغ معي بيتي عزمةً مني. فنادى فيهم سعدٌ: عزمة رسول الله صلى الله عليه وسلّم ألا يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلّم جريحٌ من بني عبد الأشهل، فتخلف كل مجروح، فباتوا يوقدون النيران ويداوون الجراح، وإن فيهم لثلاثين جريحاً ( ).
وعدد شهداء أحد سبعون، أربعة من المهاجرين هم:
1- حمزة بن عبد المطلب.
2- مصعب بن عمير.
3- عثمان بن شماس.
4- عبد الله بن جحش.
وباقي الشهداء من الأنصار، وقال قتادة: عن أنس: قتل من الانصار يوم أحد سبعون، ويوم بئر معونة سبعون ويوم اليمامة سبعون.
وعلى فرض أن قتلى الأنصار سبعون يوم أحد فيكون المجموع أربعة وسبعين باضافة حمزة عم النبي والثلاثة الآخرين من المهاجرين , وهو خلاف المشهور.
إلا أن يكون المراد هو مجموع القتلى، غلب لفظ الأنصار في المقام لكثرة قتلاهم.
وكان أنس بن مالك يقول: يا رب، سبعين من الأنصار يوم بئر معونة. وفي رواية قارب سبعين , وكان أبو سعيد الخدري يقول: قُتل من الأنصار في مواطن سبعين، سبعين، يوم أحد سبعون، ويوم بئر معونة سبعون، ويوم اليمامة سبعون، ويوم جسر أبي عبيدة سبعون)( ).وقال مالك: عن يحيى بن سعيد الانصاري، عن سعيد بن المسيب، قتل من الانصار يوم أحد ويوم اليمامة سبعون، ويوم جسر أبى عبيدة سبعون وهكذا قال عكرمة وعروة والزهرى ومحمد بن إسحاق في قتلى أحد، ويشهد له قوله تعالى ” أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم: أنى هذا” يعنى أنهم قتلوا يوم بدر سبعين وأسروا سبعين.
وعن ابن إسحاق: قتل من الانصار – لعله من المسلمين – يوم أحد خمسة وستون، أربعة من المهاجرين: حمزة وعبدالله بن جحش ومصعب بن عمير وشماس بن عثمان والباقون من الانصار.
وسرد أسماءهم على قبائلهم، وقد استدرك عليه ابن هشام زيادة خمسة آخرين، فصاروا سبعين.
وعن عروة : كان الشهداء يوم أحد أربعة، أو قال سبعة وأربعين.
وقال موسى بن عقبة : تسعة وأربعون وقتل من المشركين يومئذ ستة عشر رجلا , وقال عروة: تسعة عشر , وقال ابن إسحاق : اثنان وعشرون.
وقال الربيع عن الشافعي: ولم يؤسر من المشركين سوى أبى عزة الجمحى، وقد كان في الاسارى يوم بدر، فمنّ عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلا فدية واشترط عليه الا يقاتله، فلما أسر يوم أحد قال: يا محمد امنن علي لبناتي، وأعاهد ألا أقاتلك، وفي رواية: وأعطيك عهداً ألا أعود لمثل ما فعلت.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا أدعك تمسح عارضيك بمكة وتقول: خدعت محمدا مرتين ثم أمر به فضربت عنقه، وذكر بعضهم أنه يومئذ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين)( ).
وعن إبن عباس قال: نزلت هذه الآية في حمزة وأصحابه { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون } .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي الضحى في قوله { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً } قال : نزلت في قتلى أحد ، استشهد منهم سبعون رجلاً : أربعة من المهاجرين : حمزة بن عبد المطلب من بني هاشم ، ومصعب بن عمير من بني عبد الدار ، وعثمان بن شماس من بني مخزوم ، وعبد الله بن جحش من بني أسد. وسائرهم من الأنصار)( ).
وشهداء أحد هم
1- حمزة بن عبد المطلب بن هاشم
حمزة بن عبد المطلب بن هاشم، أسد الله وأسد رسوله وهو إبن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، وأمه هاله بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة، وهو عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان يكنى أبا عمارة، وأبا يعلى (وكان ليعلى بن حمزة أولاد، عمارة والفضل والزبير وعقيل ومحمد، درجوا فلم يبق لحمزة بن عبد المطلب ولد ولا عقب( ).
وأم حمزة هي هالة بنت وهيب بن عبد مناف بن زهرة والتي أنجب منها عبد المطلب الحمزة والمقوم وحجلاً وصفية , وأم الحمزة إبنة عم أم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وذكر أنه كان لحمزة خمسة أولاد لصلبه وماتوا ولم يعقبوا إلا يعلى وحده فأنه ولد وله خمسة رجال لصلبه وماتوا ولم يعقبوا.
(ولحمزة ابنة تسمى أم الفضل وابنة تسمى فاطمة , ومن الناس من يعدهما واحدة , وفاطمة هذه إحدى الفواطم التى قال النبي عليه السلام لعلي وقد بعث الله حلة تشقها خمرا بين الفواطم وهن فاطمة بنت أسد أم علي , وفاطمة بنت محمد زوجه عليه السلام وفاطمة ابنة حمزة هذه وفاطمة ابنة عتبة)( ).
ولم يكن حمزة بالطويل ولا بالقصير وهو أكبر من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأربع سنين، وعن إبن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : حمزة بن عبد المطلب أخي من الرضاعة( ).
وأختلف في أعمام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقيل عشرة وقيل اثنا عشر ومن جعلهم اثني عشر جعل عبد الله أباه ثالث عشر من بني عبد المطلب وهم:
1- أبو طالب واسمه عبد مناف.
2- الحارث وكان أكبر ولد عبد المطلب.
3- الزبير.
4- عبد الكعبة.
5- حمزة.
6- العباس.
7- المقوم.
8- حجل واسمه المغيرة.
9- ضرار.
10- قثم.
11- أبو لهب وإسمه عبد العزى.
12- الغيداق فهؤلاء اثنا عشر رجلا كلهم بنو عبد المطلب.
13- عبد الله أبو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثالث عشر هكذا ذكرهم جماعة من أهل العلم بالنسب ومنهم ابن كيسان وغيره( ).
وأول ما إرتضع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من لبن ثويبة مولاة أبي لهب مع إبن لها يسمى مسروح قبل أن تقدم حليمة السعدية، وكانت ثويبة أرضعت حمزة بن عبد المطلب، وأرضعت بعده أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلها وهو بمكة، وخديجة تكرمها وطلبت من أبي لهب أن تشتريها منه لتعتقها، فأبى، وبعد هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة أعتقها أبو لهب.
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يبعث إليها بصلة وكسوة، حتى جاءه خبرها أنها قد توفيت سنة سبع، مرجعه من خيبر، فقال: ما فعل ابنها مسروح؟ فقيل: مات قبلها ولم يبق من قرابتها أحد( ).
وعن إبن أسحاق ان ثويبة لم تدرك الإسلام( ).
وعن إبن أبي مليكة قال: كان حمزة بن عبد المطلب رضيع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أرضعتهما امرأة من العرب، كان حمزة مسترضعاً له عند قوم من بني سعد بن بكر، وكانت أم حمزة قد أرضعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوماً وهو عند أمه حليمة( ).
عن الإمام الصادق عليه السلام قال: إن عليا عليه السلام ذكر لرسول الله صلى الله عليه وآله ابنة حمزة فقال: أما علمت أنها ابنة أخي من الرضاعة ( ).
وكان الحمزة صاحب صيد ونحوه، وأسلم في السنة السادسة من البعثة النبوية، وكان لإسلامه وقع وأثر في مكة ومنتدياتها , وسبباً في تبدل الأحوال داخل مكة بظهور الدعوة وتزايد دخول الناس الإسلام وعن محمد بن كعب القرظي قال: حدثت أن عتبة بن ربيعة وكان سيدا قال يوما وهو جالس في نادي قريش والنبي صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحده يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا , لعله يقبل بضعها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا وذلك حين أسلم حمزة ورأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكثرون ويزيدون)( ).
وبدل أن تقابل قريش إسلام حمزة وأفواج من الناس بالتفكر والتدبر بمعجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإنهم فرضوا الحصار على بني هاشم.
ولما هاجر حمزة إلى المدينة نزل على كلثوم بن الهدم، وقال عاصم بن عمر بن قتادة: نزل على سعد بن خيثمة ( ).
وكان الحمزة صاحب أول لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة آمراً لسرية من ثلاثين راكباً حتى بلغوا سيف البحر يريدون إعتراض عير لقريش قادمة من الشام ومنحدرة إلى مكة، وفيها أبو جهل، فانصرف ولم يكن بينهم قتال، وشارك الحمزة في معركة بدر، وكان معلماً بريشة نعامة وهو من الإمتثال لأوامر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومحاكاة للملائكة، وعن محمود بن لبيد( ) أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن الملائكة قد سومت فسوموا. فأعلموا بالصوف في مغافرهم وقلانسهم.
أخبرنا الواقدي قال: وحدثني موسى بن محمد، عن أبيه، قال: كان أربعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم يعلمون في الزحوف: حمزة بن عبد المطلب معلم يوم بدر بريشة نعامة، وكان علي عليه السلام معلماً بصوفة بيضاء، وكان الزبير معلماً بعصابة صفراء. وكان الزبير يحدث: إن الملائكة نزلت يوم بدر على خيلٍ بلق، عليها عمائم صفر. فكان على الزبير يومئذٍ عصابة صفراء، وكان أبو دجانة يعلم بعصابة حمراء( ).
وعندما وقع أمية بن خلف في الأسر يوم بدر سأل عبد الرحمن بن عوف الذي أسرّه وأبنه: من الرجل منكم المعلم بريشة نعامة في صدره قال قلت ذاك حمزة بن عبدالمطلب قال ذاك الذى فعل بنا الأفاعيل)( ).
وفيه دلالة على بذل حمزة الوسع في القتال يوم بدر، وقال حمزة يوم بدر شعراً:
أَلَمْ تَرَ أَمْرًا كَانَ مِنْ عَجْبِ الدّهْر ِ … وَلِلْحَيْنِ أَسِبَابٌ مُبَيّنَةُ الْأَمْرِ
وَمَا ذَاكَ إلّا أَنّ قَوْمًا أَفَادَهُمْ … فَحَانُوا تَوَاصٍ بِالْعُقُوقِ وَبِالْكُفْرِ
عَشِيّةَ رَاحُوا نَحْوَ بَدْرٍ بِجَمْعِهِمْ … فَكَانُوا رُهُونًا لِلرّكِيّةِ مِنْ بَدْرِ
وَكُنّا طَلَبْنَا الْعِيرَ لَمْ نَبْغِ غَيْرَهَا … فَسَارُوا إلَيْنَا فَالْتَقَيْنَا عَلَى قَدْرِ
فَلَمّا الْتَقَيْنَا لَمْ تَكُنْ مَثْنَوِيّةٌ … لَنَا غَيْرَ طَعْنٍ بِالْمُثَقّفَةِ السّمْرِ
وَضَرْبٍ بِبِيضٍ يَخْتَلِي الْهَامَ حَدّهَا … مُشْهِرَةُ الْأَلْوَانِ بَيّنَةُ الْأُثُرِ
وَنَحْنُ تَرَكْنَا عُتْبَة الْغَيّ ثَاوِيًا … وَشَيْبَةَ فِي الْقَتْلَى تَجْرَجَمُ فِي الْجَفْرِ
وَعَمْرٌو ثَوَى فِيمَنْ ثَوَى مِنْ حُمَاتِهِمْ.. فَشُقّتْ جُيُوبُ النّائِحَاتِ عَلَى عَمْرِو
جُيُوبُ نِسَاءٍ مِنْ لُؤَيّ بْنِ غَالِبٍ … كِرَامٍ تَفَرّعْنَ الذّوَائِبَ مِنْ فِهْرِ
أُولَئِكَ قَوْمٌ قُتّلُوا فِي ضَلَالِهِمْ … وَخَلّوْا لِوَاءً غَيْرَ مُحْتَضَرِ النّصْرُ
لِوَاءُ ضَلَالٍ قَادَ إبْلِيسُ أَهْلَهُ … فَخَاسَ بِهِمْ إنّ الْخَبِيثَ إلَى غَدْرِ
وَقَالَ لَهُمْ إذْ عَايَنَ الْأَمْرَ وَاضِحًا … بَرِئْت إلَيْكُمْ مَا بِي الْيَوْمَ مِنْ صَبْرِ
فَإِنّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ وَإِنّنِي … أَخَافُ عِقَابَ اللّهِ وَاَللّهُ ذُو قَسْرِ
فَقَدّمَهُمْ لِلْحَيْنِ حَتّى تَوَرّطُوا … وَكَانَ بِمَا لَمْ يَخْبُرْ الْقَوْمُ ذَا خُبْرِ
فَكَانُوا غَدَاةَ الْبِئْرِ أَلْفًا وَجَمْعُنَا … ثَلَاثُ مِئِينٍ كَالْمُسْدَمَةِ الزّهْرِ
وَفِينَا جُنُودُ اللّهِ حَيْنَ يُمِدّنَا … بِهِمْ فِي مَقَامٍ ثُمّ مُسْتَوْضَحِ الذّكْرِ
فَشَدّ بِهِمْ جِبْرِيلُ تَحْتَ لِوَائِنَا … لَدَى مَأْزِقٍ فِيهِ مَنَايَاهُمْ تَجْرِي
فقال الْحَارِثُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ :
أَلَا يَا لِقَوْمِي لِلصّبَابَةِ وَالْهَجْرِ … وَلِلْحُزْنِ مِنّي وَالْحَرَارَةِ فِي الصّدْرِ
وَلِلدّمْعِ مِنْ عَيْنَيّ جُودَا كَأَنّهُ … فَرِيدٌ هَوَى مِنْ سِلْك نَاظِمه يَجْرِي
عَلَى الْبَطَلِ الْحُلْوِ الشّمَائِلِ إذْ ثَوَى … رَهِينَ مَقَامٍ لِلرّكِيّةِ مِنْ بَدْرِ
فَلَا تَبْعُدْنَ يَا عَمْرُو مِنْ ذِي قُرَابَةٍ … وَمِنْ ذِي نِدَامٍ كَانَ ذَا خُلُقٍ غَمْرِ
فَإِنْ يَكُ قَوْمٌ صَادَفُوا مِنْك دَوْلَةً … فَلَا بُدّ لِلْأَيّامِ مِنْ دُوَلِ الدّهْرِ
فَقَدْ كُنْتَ فِي صَرْفِ الزّمَانِ الّذِي مَضَى … تُرِيهِمْ هَوَانًا مِنْك ذَا سُبُلٍ وَعْرِ
فَإِلّا أَمُتْ يَا عَمْرُو أَتْرُكْ ثَائِرًا … وَلَا أُبْقِ بُقْيَا فِي إخَاءٍ وَلَا صِهْرِ
وَأَقْطَعُ ظَهْرًا مِنْ رِجَالٍ بِمَعْشَرٍ … كِرَامٍ عَلَيْهِمْ مِثْلَ مَا قَطَعُوا ظَهْرِي
أَغَرّهُمْ مَا جَمّعُوا مِنْ وَشِيظَةٍ … وَنَحْنُ الصّمِيمُ فِي الْقَبَائِلِ مِنْ فِهْرِ
فِيَالَ لُؤَيّ ذَبّبُوا عَنْ حَرِيمِكُمْ … وَآلِهَةٍ لَا تَتْرُكُوهَا لِذِي الْفَخْرِ
تَوَارَثَهَا آبَاؤُكُمْ وَوَرِثْتُمْ … أَوَاسِيّهَا وَالْبَيْتَ ذَا السّقْفِ وَالسّتْرِ
فَمَا لِحَلِيمٍ قَدْ أَرَادَ هَلَاكَكُمْ … فَلَا تَعْذِرُوهُ آلَ غَالِبٍ مِنْ عُذْرٍ
وَجِدّوا لِمِنْ عَادَيْتُمْ وَتَوَازَرُوا … وَكُونُوا جَمِيعًا فِي التّأَسّي وَفِي الصّبْرِ
لَعَلّكُمْ أَنْ تَثْأَرُوا بِأَخِيكُمْ … وَلَا شَيْءَ إنّ لَمْ تَثْأَرُوا بِذَوِي عَمْرِو
بِمُطّرِدَاتِ فِي الْأَكُفّ كَأَنّهَا … وَمِيضٌ تُطِيرُ الْهَامَ بَيّنَةَ الْأُثْرِ
كَأَنّ مُدِبّ الذّرّ فَوْقَ مُتُونِهَا … إذَا جُرّدَتْ يَوْمًا لِأَعْدَائِهَا الْخُزْر
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : أَبْدَلْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَصِيدَةِ كَلِمَتَيْنِ مِمّا رَوَى ابْنُ إسْحَاقَ، وَهُمَا “الْفَخْر” فِي آخِرِ الْبَيْتِ وَ”فَمَا لِحَلِيمِ”، فِي أَوّلِ الْبَيْتِ لِأَنّهُ نَالَ فِيهِمَا مِنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ)( ).
وعندما قتل علي عليه السلام طلحة بن أبي طلحة صاحب لواء المشركين الذي نادى من يبارز، حمل لواء المشركين عثمان بن أبي طلحة فحمل عليه حمزة فقطع يده وكتفه حتى أنتهى إلى مؤتزره وبدا سحره( ) وحمل اللواء أبو سعيد بن أبي طلحة فرماه سعد بن أبي وقاص بسهم فأصاب حنجرته فقتله.
وهل قتل حمزة يوم أحد في أول المعركة عندما كان يسوق المشركين سوقاً، ويحتمل أوان إستشهاد الحمزة وجهين:
الأول : قتل الحمزة قبل نزول الرماة المسلمين من الجبل وإنكشاف المسلمين.
الثاني : قتل الحمزة بعد نزول الرماة من المسلمين ومجيء المشركين من خلف جيش المسلمين .
والظاهر هو أن الحمزة قتل قبل إنكشاف المسلمين.
وأخرج الحاكم وصححه عن جابر قال: فقد رسول الله صلى الله عليه وسلم حمزة حين فاء الناس من القتال فقال رجل : رأيته عند تلك الشجرات وهو يقول : أنا أسد الله وأسد رسوله ، اللهم ابرأ إليك مما جاء به هؤلاء؛ أبو سفيان وأصحابه ، وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء بانهزامهم . فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوه ، فلما رأى جثته بكى ، ولما رأى ما مثل به شهق ثم قال : ألا كفن؟ فقام رجل من الأنصار فرمى بثوب عليه ، ثم قام آخر فرمى بثوب عليه ، ثم قال جابر : هذا الثوب لأبيك وهذا لعمي ، ثم جيء بحمزة فصلى عليه ثم يجاء بالشهداء فتوضع إلى جانب حمزة فيصلي عليهم يرفع ويترك حمزة حتى صلى على الشهداء كلهم قال : فرجعت وأنا مثقل قد ترك أبي عليَّ ديناً وعيالاً ، فلما كان عند الليل أرسل إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا جابر إن الله أحيا أباك وكلمه قلت : وكلمه كلاماً! قال : قال له : تمن . . . . فقال : أتمنى أن ترد روحي وتنشئ خلقي كما كان ، وترجعني إلى نبيك فأقاتل في سبيلك فأقتل مرة أخرى . قال : إني قضيت أنهم لا يرجعون وقال : قال صلى الله عليه وسلم : سيد الشهداء عند الله يوم القيامة حمزة)( ).
كان حمزة بن عبد المطلب يقاتل بين يدي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم أحد بسيفين، ويقول: أنا أسد الله، وجعل يقبل ويدبر، فبينما هو كذلك إذ عثر عثرة فوقع على ظهره، وبصر به الأسود أي وحشي، قال أبو أسامة: فزرقه بحربة فقتله، وقال إسحاق بن يوسف: فطعنه الحبشي بحربة أو رمح فبقره.
قال: أخبرنا هوذة بن خليفة، قال أخبرنا عوف عن محمد، قال: بلغني أن هند بنت عتبة بن ربيعة جاءت في الأحزاب يوم أحد وكانت قد نذرت لئن قدرت على حمزة بن عبد المطلب لتأكلن من كبده؛ قال فلما كان حيث أصيب حمزة، ومثلوا بالقتلى وجاؤوا بحزة من كبد حمزة فأخذتها تمضغها لتأكلها فلم تستطع أن تبتلعها، فلفظتها، فبلغ ذلك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: إن الله قد حرم على النار أن تذوق من لحم حمزة شيئا أبدا. ثم قال محمد: وهذه شدائد على هند المسكينة( ).
وعلت هند على صخرة مشرفة فَصَرَخَتْ بِأَعْلَى صَوْتِهَا فَقَالَتْ
نَحْنُ جَزَيْنَاكُمْ بِيَوْمِ بَدْرٍ … وَالْحَرْبُ بَعْدَ الْحَرْبِ ذَاتِ سُعْرِ
مَا كَانَ عَنْ عُتْبَة لِي مِنْ صَبْرِ … وَلَا أَخِي وَعَمّهِ وَبَكْرِي
شَفَيْتُ نَفْسِي وَقَضَيْتُ نَذْرِي … شَفَيْتَ وَحْشِيّ غَلِيلَ صَدْرِي
فَشُكْرُ وَحْشِيّ عَلَيّ عُمْرِي … حَتّى تَرُمّ أَعْظُمِي فِي قَبْرِي
[ شِعْرُ هِنْدَ بِنْتِ أُثَاثَةَ فِي الرّدّ عَلَى هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَة ]
فَأَجَابَتْهَا الأماكن” هِنْدُ بِنْتُ أُثَاثَةَ بْنِ عَبّادِ بْنِ الْمُطّلِبِ فَقَالَتْ [ ص 92 ]
خَزِيت فِي بَدْرٍ وَبَعْدَ بَدْرٍ … يَا بِنْتَ وَقّاعٍ عَظِيمِ الْكُفْرِ
صَبّحَك اللّهُ غَدَاةَ الْفَجْرِ … مَلْهَاشِمَيّيْنِ الطّوَالِ الزّهْرِ
بِكُلّ قَطّاعٍ حُسَامٍ يَفْرِي … حَمْزَةُ لَيْثِيّ وَعَلِيّ صَقْرِيّ
إذْ رَامَ شَيْبٌ وَأَبُوك غَدْرِي … فَخَضّبَا مِنْهُ ضَوَاحِي النّحْرِ
وَنَذْرُك السّوءَ فَشَرّ نَذْرِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : تَرَكْنَا مِنْهَا ثَلَاثَةَ أَبْيَاتٍ أَقْذَعَتْ فِيهَا .
[ شِعْرُ لِهِنْدِ بِنْتِ عُتْبَة أَيْضًا ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَقَالَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَة أَيْضًا :
شَفَيْتُ مِنْ حَمْزَةَ نَفْسِي بِأُحُدٍ … حَتّى بَقَرْتُ بَطْنَهُ عَنْ الْكَبِدِ
أَذْهَبَ عَنّي ذَاكَ مَا كُنْتُ أَجِدُ … مِنْ لَذْعَةِ الْحُزْنِ الشّدِيدِ الْمُعْتَمِدِ
وَالْحَرْبُ تَعْلُوكُمْ بِشَؤْبُوب بَرِدٍ … تُقْدِمُ إقْدَامًا عَلَيْكُمْ كَالْأَسَدِ)( ).
وعن كعب بن مالك قال: أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال يوم أحد: من رأى مقتل حمزة؟ فقال رجل: أعزك الله، أنا رأيت مقتله. قال: فانطلق فأرناه. فخرج حتى وقف على حمزة، فرآه قد شق بطنه، وقد مثل به، فقال: يا رسول الله مثل به والله، فكره رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن ينظر إليه، ووقف بين ظهراني القتلى فقال: أنا شهيد على هؤلاء، لفوهم في دمائهم فإنه ليس من جريح يجرح في الله إلا جاء جرحه يوم القيامة يدمى، لونه لون الدم، وريحه ريح المسك، قدموا أكثرهم قرآنا فاجعلوه في اللحد( ).
وعن إبن عباس، قال: لما قتل حمزة يوم أحد أقبلت صفية تطلبه لا تدري ما صنع، قال فلقيت عليا والزبير، فقال علي للزبير: أذكر لأمك، قال الزبير: لا بل اذكر أنت لعمتك، قالت: ما فعل حمزة؟ قال فأرياها أنهما لا يدريان، فجاء النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: إني أخاف على عقلها، قال: فوضع يده على صدرها ودعا لها فاسترجعت وبكت، ثم جاء فقام عليه وقد مثل به، فقال: لولا جزع النساء لتركته حتى يحشر من حواصل الطير وبطون السباع، ثم أمر بالقتلى فجعل يصلي عليهم، فيضع تسعة وحمزة فيكبر عليهم سبعا ثم يرفعون ويترك حمزة، ثم يجاء بتسعة فيكبر عليهم حتى فرغ منهم ( )، وليس من موضوعية للتساوي بعدد الشهداء في كل مرة يصلي فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليهم، بل حسب الحال والمتيسر وستأتي في الصفحة التالية روايات أخرى.
ومع شدة المصيبة بقتل حمزة والشهداء فان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يخبر أصحابه بشرف المدينة والإقامة والسكن فيها، ويبشرهم بما ينتظر المسلمين من الرزق الكريم في الأمصار لتكون هذه البشارة من الشواهد على صدق نبوته، وفيها نوع مواساة لهم، وأمن لأبنائهم بتغير الحال وزوال شر مشركي قريش.
فقد ورد عن أبي أسيد الساعدي قال: أنا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على قبر حمزة، فجعلوا يجرون النمرة فتنكشف قدماه ويجرونها على قدميه فينكشف وجهه، فقال: رسول الله، صلى الله عليه وسلم، اجعلوها على وجهه واجعلوا على قدميه من هذا الشجر، قال فرفع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، رأسه فإذا أصحابه يبكون، فقال: ما يبكيكم؟ قيل: يا رسول الله لا نجد لعمك اليوم ثوبا واحدا يسعه، فقال: إنه يأتي على الناس زمان يخرجون إلى الأرياف فيصيبون فيها مطعما وملبسا ومركبا، أو قال: مراكب، فيكتبون إلى أهلهم: هلموا إلينا فإنكم بأرض جردية، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، لا يصبر على لأوائها وشدتها أحد إلا كانت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة.
قال: أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي، قال أخبرنا سليمان بن المغيرة، قال أخبرنا هشام بن عروة، قال: أقبلت صفية بنت عبد المطلب ومعها ثوبان تريد أن تكفن أخاها حمزة بن عبد المطلب فيهما، قال فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، للزبير بن العوام وهي أمه وهو ابنها: عليك المرأة، قال فاستقبلها ليردها، قالت:: هكذا لا أرض لك ولا أم لك، فانتهت إليه فإذا إلى جنبه رجل من الأنصار صريع فكفن حمزة في أوسع الثوبين وكفن الأنصاري في الآخر( ).
قالوا: فلما انصرف المشركون عن أحد أقبل المسلمون على أمواتهم، فكان حمزة بن عبد المطلب فيمن أتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلّم أولاً، صلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: رأيت الملائكة تغسله، لأن حمزة رضي الله عنه كان جنباً ذلك اليوم. ولم يغسل رسول الله صلى الله عليه وسلّم الشهداء، وقال: لفوهم بدمائهم وجراحهم، فإنه ليس أحدٌ يجرح في الله إلا جاء يوم القيامة بجرحه، لونه لون دمس، وريحه ريح مسك. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: ضعوهم، أنا الشهيد على هؤلاء يوم القيامة.
فكان حمزة أول من كبر عليه صلى الله عليه وسلّم . ثم جمع إليه الشهداء، فكان كلما أتى بشهيدٍ وضع إلى جنب حمزة بن عبد المطلب فصلى عليه وعلى الشهداء، حتى صلى عليه سبعين مرة لأن الشهداء سبعون. ويقال كان يؤتي بتسعة وحمزة عاشرهم فيصلي عليهم، ثم يرفع التسعة وحمزة مكانه، ويؤتي بتسعة آخرين فيوضعون إلى جنب فيصلي عليهم، حتى فعل ذلك سبع مرات. ويقال كبر عليهم تسعاً وسبعاً وخمساً، وكان طلحة بن عبيد الله، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، يقولون: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم على قتلى أحد.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: أنا على هؤلاء شهيدٌ. فقال أبو بكر: يا رسول الله، أليسوا إخواننا، أسلموا كما أسلمنا، وجاهدوا كما جاهدنا؟ قال: بلى، ولكن هؤلاء لم يأكلوا من أجورهم شيئاً، ولا أدري ما تحدثون بعدي. فبكى أبو بكر وقال: إنا لكائنون بعدك؟ وحدثني أسامة بن زيد، عن الزهري، عن أنس بن مالك، قال: لم يصل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلّم. وعن سعيد بن المسيب مثله.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم يومئذٍ للمسلمين: احفروا، وأوسعوا، وأحسنوا، وادفنوا الاثنين والثلاثة في القبر، وقدموا أكثرهم قرآناً. فكان المسلمون يقدمون أكثرهم قرآناً في القبر( ).
وبقي الصحابة يذكرون مسألة قصور كفن حمزة ويقتبسون منها الدروس في الشكر لله عز وجل على النعم التي انبسطت عليهم ببركة نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولتكون شاهداً متجدداً حاضراً عند المسلمين في كل زمان على صدق نبوته، ولما حضرت الوفاة عبد الرحمن بن عوف (بكى بكاء شديداً فسئل عن بكائه فقال: إن مصعب بن عمير كان خيراً مني توفى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن له ما يكفن فيه، وإن حمزة بن عبد المطلب كان خيراً مني لم نجد له كفناً وإني أخشى أن أكون ممن عجلت له طيباته في حياة الدنيا وأخشى أن أحتبس عن أصحابي بكثرة مالي( ).
وعن عطاء بن يسار أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مرّ على نساء بني عبد الأشهل لما فرغ من أحد فسمعهن يبكين على من استشهد منهم بأحد، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لكن حمزة لا بواكي له. فسمعها سعد بن معاذ فذهب إلى نساء بني عبد الأشهل فأمرهن أن يذهبن إلى باب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فيبكين على حمزة، فذهبن فبكين فسمع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بكاءهن، فقال: من هؤلاء؟ فقيل نساء الأنصار، فخرج إليهن فقال: ارجعن، لا بكاء بعد اليوم.
وقال عبد الملك بن عمرو في حديثه عن زهير بن محمد: وقال بارك الله عليكن وعلى أولادكن وعلى أولاد أولادكن، وقال عبد الله بن مسلمة في حديثه عن عبد العزيز بن محمد: رحمكن الله ورحم أولادكن وأولاد أولادكن( ).
وعن زياد بن المنذر عن أبي جعفر الباقر قال: كانت فاطمة تأتي قبر حمزة ترمه وتصلحه ( )، وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: عاشت فاطمة عليها السلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله خمسة وسبعين يوما، لم تر كاشرة ولا ضاحكة، تأتي قبور الشهداء في كل جمعة مرتين الأثنين والخميس، فتقول: هيهنا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وهيهنا كان المشركون.
وفي رواية أخرى: كانت تصلي هناك وتدعو حتى ماتت صلوات الله عليها وروي عن محمود بن لبيد قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله كانت فاطمة عليها السلام تأتي قبور الشهداء وتأتي قبر حمزة وتبكي هناك، فلما كان في بعض الأيام أتيت قبر حمزة فوجدتها تبكي هناك، فأمهلتها حتى سكنت، فأتيتها وسلمت عليها وقلت: يا سيدة النسوان قد والله قطعت أنياط قلبي من بكائك فقالت: يا ابا عمر، ويحق لي البكاء فلقد أصبته بخير الآباء رسول الله صلى الله عليه وآله واشوقاه إلى رسول الله ثم أنشات تقول:
إذا مات يوما ميت قل ذكره * وذكر أبي مذ مات والله اكثر.
وتزوج النعمان بن العجلان خولة بنت قيس الأنصارية بعد قتل زوجها حمزة بن عبد المطلب، وكان النعمان بن العجلان لسان الأنصار وشاعرهم. ويقال: إنه كان رجلاً أحمر قصيراً تزدريه العين. وكان سيداً وهو القائل:
فقل لقريش نحن أصحاب مكة … ويوم حنين والفوارس في بدر
وأصحاب أحد والنضير وخيبر … ونحن رجعنا من قريظة بالذكر
ويوم بأرض الشام إذ قيل جعفر … وزيد وعبد الله في علق يجري
وفي كل يوم ينكر الكلب أهله … نطاعــن فيـه بالمثقـفـة الســـمر
ونضرب في يوم العجاجة أرؤساً .. ببيض كأمثال البروق على الكفر
نصرنا وآوينا النبي ولم نخف … صروف الليالي والعظيم من الأمر
وقلنا لقوم هاجروا مرحباً بكم … وأهلاً وسهلاً قد أمنتم من الفقر
نقاسمكم أموالنا وديارنا … كقسمة أيسار الجزور على الشطر
ونكفيكم الأمر الذي تكرهونه … وكنا أناساً نذهب العسر باليسر
وكان خطاء ما أتينا وأنتم … صواباً كأنا لا نريش ولا نبري
وقلتم حرام نصب سعد ونصبكم … عتيق ابن عثمان حلال أبا بكر
وأهل أبو بكر لها خير قائم … وإن علياً كان أخلق للأمر
وكانا هوانا في علي وإنه … لأهل لها من حيث ندري ولا ندري
وهذا بحمد الله يشفي من العمى … ويفتح آذاناً ثقلن من الوقر ( ).
ودفن الحمزة مع إبن أخته عبد الله بن جحش في قبر واحد في سفح أحد في موضع الواقعة، وهو معلم ومزار إلى يومنا هذا.
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: حمزة سيد الشهداء، وروي خير الشهداء , ولولا ان تجد صفية لتركت دفنه حتى يحشر في بطون الطير والسباع( ).
ليكون في هذا الحديث مواساة للمؤمنين الذين لا يعثر على جثثهم في الحروب أو غيابت السجون ولذويهم، وقال إبن جريج: لم يمثل بأحد ما مثل بحمزة قطعت هند كبده و جدعت أنفه و قطعت أذنيه وبقرت بطنه فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما صنع بحمزة قال: ” لئن ظفرت بقريش لأمثلن بثلاثين منهم فأنزل الله عز وجلوَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ.
قال ابن اسحق وحدثني من لا اتهم عن مقسم مولى عبد الله بن الحارث عن ابن عباس قال أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحمزة فسجى ببرده ثم صلى عليه فكبر سبع تكبيرات ثم أتى بالقتلى يوضعون إلى جنب حمزة فصلى عليه وعليهم معهم حتى صلى عليهم ثنتين وسبعين صلاة( ).
وقتل حمزة وعمره تسع وخمسون سنة وعنده إلى جانب أولاده الذكور بنت إسمها فاطمة وقيل أمامة، وفي رواية إبن عباس أن إسمها عمارة، وهي بنته من زوجته زينب بنت عميس الخثعمية تزوجها عمر بن أبي سلمة ربيب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إبن زوجته أم سلمة، وهي التي إختصم فيها علي عليه السلام وجعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة.
ولما دخل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه مكة في عمرة القضاء وقضوا ثلاثة أيام حسب الكتاب والميثاق بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسهيل بن عمروا جاءت قريش لعلي عليه السلام فقالوا.
فقالوا: قل لصاحبك: اخرج عنا فقد مضى الاجل، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فتبعته ابنة حمزة تنادي: يا عم يا عم. فتناولها علي فأخذها بيدها وقال لفاطمة: دونك ابنة عمك. فحملتها، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر ، فقال علي: أنا أخذتها وهي ابنة عمي. وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي. فقضى بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم لخالتها وقال: ” الخالة بمنزلة الام ” وقال لعلي: ” أنت مني وأنا منك ” وقال لجعفر: ” أشبهت خلقي وخلقي ” وقال لزيد: ” أنت أخونا ومولانا ” قال علي: ألا تتزوج ابنة حمزة، قال: ” إنها ابنة أخي من الرضاعة “.
وقد روى الواقدي قصة ابنة حمزة فقال: حدثني ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس أن عمارة ابنة حمزة بن عبدالمطلب وأمها سلمى بنت عميس كانت بمكة.
فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم كلم علي بن أبي طالب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: علام نترك ابنة عمنا يتيمة بين ظهراني المشركين ؟ فلم ينه النبي صلى الله عليه وسلم عن إخراجها، فخرج بها، فتكلم زيد بن حارثة وكان وصي حمزة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد آخى بينهما حين آخى بين المهاجرين، فقال: أنا أحق بها، ابنة أخي، فلما سمع بذلك جعفر قال: الخالة والدة، وأنا أحق بها لمكان خالتها عندي أسماء بنت عميس.
وقال علي: ألا أراكم تختصمون ! هي ابنة عمي وأنا أخرجتها من بين أظهر المشركين، وليس لكم إليها سبب دوني، وأنا أحق بها منكم.
فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ” أنا أحكم بينكم، أما أنت يا زيد فمولى الله ومولى رسول الله، وأما أنت يا جعفر فتشبه خلقي وخلقي، وأنت يا جعفر أولى بها، تحتك خالتها ولا تنكح المرأة على خالتها ولا على عمتها ” فقضى بها لجعفر.
قال الواقدي: فلما قضى بها لجعفر قام جعفر فحجل حول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: “ما هذا يا جعفر؟” فقال: يا رسول الله كان النجاشي إذا أرضى أحدا قام فحجل حوله( ).
ولما زوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمامة بنت حمزة بن عبد المطلب لسلمة بن أبي سلمة أقبل على أصحابه فقال: تروني كافأته يشير النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى قيام سلمة بالعقد له على أمه أم سلمة وعاش سلمة إلى أيام عبد الملك بن مروان( ).
قال إبن إسحاق: وَقَالَتْ صَفِيّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ تَبْكِي أَخَاهَا حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ:
أَسَائِلَةٌ أَصْحَابَ أُحْدٍ مَخَافَةً … بَنَاتُ أَبِي مِنْ أَعْجَمَ وَخَبِيرِ
فَقَالَ الْخَبِيرُ أَنّ حَمْزَةَ قَدْ ثَوَى … وَزِيرُ رَسُولِ اللّهِ خَيْرُ وَزِيرِ
دَعَاهُ إلَهُ الْحَقّ ذُو الْعَرْشِ دَعْوَةً … إلَى جَنّةٍ يَحْيَا بِهَا وَسُرُورُ
فَذَلِكَ مَا كُنّا نُرْجِي وَنَرْتَجِي … لِحَمْزَةِ يَوْمَ الْحَشْرِ خَيْرُ مَصِيرِ
فَوَاَللّهِ لَا أَنْسَاك مَا هَبّتْ الصّبَا … بُكَاءً وَحُزْنًا مَحْضَرِي وَمَسِيرِي
عَلَى أَسَدِ اللّهِ الّذِي كَانَ مِدْرَهَا … يَذُودُ عَنْ الْإِسْلَامِ كُلّ كَفَوْرِ
فَيَا لَيْتَ شِلْوِي عِنْدَ ذَاكَ وَأَعْظُمِي … لَدَى أَضْبُعٍ تَعْتَادَنِي وَنُسُورِ
أَقُولُ وَقَدْ أَعْلَى النّعِيّ عَشِيرَتِي … جَزَى اللّهُ خَيْرًا مِنْ أَخٍ وَنَصِيرِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ قَوْلَهَا : بُكَاءً وَحُزْنًا مَحْضَرِي وَمَسِيرِي)( ).
وفي قتل حمزة روي عن الزهري عن عروة عن عبيد الله بن عدي بن الخيار أنهم غزوا الشام في زمن عثمان بن عفان فمروا بحمص بعد العصر فسألوا عن وحشي الذي قتل حمزة بن عبد المطلب يوم أحد ثم قدم إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأعلن إسلامه(فقالوا: لا تقدرون عليه، هو الآن يشرب الخمر حتى يصبح. فبتنا من أجله وإنا لثمانون رجلاً، فلما صلينا الصبح جئنا إلى منزله، فإذا شيخٌ كبيرٌ، قد طرحت له زربية قدر مجلسه، فقلنا له: أخبرنا عن قتل حمزة وعن مسيلمة، فكره ذلك وأعرض عنه، فقلنا له: ما بتنا هذه الليلة إلا من أجلك. فقال: إني كنت عبداً لجبير بن مطعم بن عدي.
فلما خرج الناس إلى أحد دعاني فقال: قد رأيت مقتل طعيمة بن عدي، قتله حمزة بن عبد المطلب يوم بدر، فلم تزل نساؤنا في حزنٍ شديدٍ إلى يومي هذا، فإن قتلت حمزة فأنت حر.
قال: فخرجت مع الناس ولي مزاريق، وكنت أمر بهند بنت عتبة فتقول: إيه أبا دسمة، اشف واشتف! فلما وردنا أحداً نظرت إلى حمزة يقدم الناس يهدهم هداً فرآني وأنا قد كمنت له تحت شجرة، فأقبل نحوي ويعترض له سباع الخزاعي، فأقبل إليه فقال: وأنت أيضاً يا ابن مقطعة البظور ممن يكثر علنيا هلم إلي! قال: وأقبل حمزة فاحتمله حتى رأيت برقان رجليه، ثم ضرب به الأرض ثم قتله. وأقبل نحوي سريعاً حتى يعترض له جرفٌ فيقع فيه، وأزرقه بمزراقي فيقع في ثنته حتى خرج من بين رجليه، فقتلته، وأمر بهند بنت عتبة فأعطتني حليها وثيابها
وأما مسيلمة، فإنا دخلنا حديقة الموت، فلما رأيته زرقته بالمزراق وضربه رجلٌ من الأنصار بالسيف، فربك أعلم أينا قتله إلا أني سمعت امرأة تصيح فوق الدير: قتله العبد الحبشي.
قال عبيد الله: فقلت: أتعرفني؟ قال: فأكر بصره علي، وقال: ابن عدي ولعاتكة بنت أبي العيص! قال: قلت: نعم. قال: أما والله ما لي بك عهدٌ بعد أن رفعتك إلى أمك في محفتها( ) التي ترضعك فيها، ونظرت إلى برقان قدميك حتى كأن الآن.
وكان في ساقي هند خدمتان من جزع ظفار، ومسكتان من ورق، وخواتم من ورق، كن في أصابع رجليها، فأعطتني ذلك.
وقاتل حمزة هو(وحشي بن حرب الحبشي من سودان مكة مولى لطعيمة بن عدي. ويقال: هو مولى جبير بن مطعم بن عدي كذا قال ابن إسحاق وأكثرهم قال يكنى أبا دسمة وهو الذي قتل حمزة بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وكان يومئذ وحشي كافراً استخفى له خلف حجر ثم رماه بحربة كانت معه وكان يرمي بها رمي الحبشة فلا يكاد يخطئ واستشهد حمزة حينئذ ثم أسلم وحشي بعد أخذ الطائف وشهد اليمامة ورمى مسيلمة بحربته التي قتل بها حمزة وزعم أنه أصابه وقتله.
وكان يقول: قتلت بحربتي هذه خير الناس وشر الناس حكى ذلك جعفر بن عمرو بن أمية الضمري عن وحشي. وفي خبره ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لوحشي حين أسلم: ” غيب وجهك عني يا وحشي لا أراك ” . وذكر ابن إسحاق عن سليمان بن يسار أنه قال سمعت ابن عمر يقول: سمعت قائلاً يقول يوم اليمامة قتله العبد الأسود. وقال موسى بن عقبة عن ابن شهاب مات وحشي بن حرب في الخمر فيما زعموا)( ).
وكانت صفيه بنت عبد المطلب تقول: رفعنا في الآطام ومعنا حسان بن ثابت ونحن في فارع، فجاء نفرٌ من اليهود يرمون الأطم، فقلت: عندك يا ابن الفريعة! فقال: لا والله، ما أستطيع، ما يمنعني أن أخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى أحد! ويصعد يهودي إلى الأطم فقلت: شد على يدي السيف، ثم برئت! ففعل. قالت: فضربت عنقه، ثم رميت برأسه إليهم، فلما رأوه انكشفوا. قالت: وإني في فارع أول النهار مشرفة على الأطم، فرأيت المزراق يزرق به، فقلت: أومن سلاحهم المزاريق؟ أفلا أراه هوى إلى أخي ولا أشعر. قالت: ثم خرجت آخر النهار حتى جئت رسول الله صلى الله عليه وسلّم.
وكانت تحدث تقول: كنت أعرف انكشاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم وأنا أعلم على الأطم، يرجع حسان إلى أقصى الأطم، فإذا رأى الدولة لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم أقبل حتى يقف على جدار الأطم. قالت: ولقد خرجت والسيف في يد، حتى إذا كنت في بني حارثة أدركت نسوة من الأنصار وأم أيمن معهن، فكان الجمز منا حتى انتهينا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وأصحابه أوزاعٌ، فأول من لقيت علي ابن أخي، فقال: ارجعي يا عمة فإن في الناس تكشفاً فقلت: رسول الله؟ فقال: صالحٌ بحمد الله! قلت: ادللني عليه حتى أراه. فأشار لي إليه إشارةً خفيةً من المشركين، فانتهيت إليه وبه الجراحة. قال: وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: ما فعل عمي؟ ما فعل عمي حمزة؟ فخرج الحارث بن الصمة فأبطأ، فخرج علي بن أبي طالب، وهو يرتجز ويقول:
يا رب إن الحارث بن الصمه … كان رفيقاً وبنا ذا ذمه
قد ضل في مهامهٍ مهمه … يلتمس الجنة فيما تمه
ووجد الإمام علي عليه السلام حمزة مقتولاً، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلّم فخرج النبي صلى الله عليه وسلّم يمشي حتى وقف عليه، فقال: ما وقفت موقفاً قط أغيظ إلي من هذا الموقف! فطلعت صفية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: يا زبير أغن عني أمك، وحمزة يحفر له. فقال: يا أمه، إن في الناس تكشفاً فارجعي. فقالت: ما أنا بفاعلة حتى أرى رسول الله صلى الله عليه وسلّم. فلما رأت رسول الله صلى الله عليه وسلّم قالت: يا رسول الله، أين ابن أمي حمزة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: هو في الناس. قالت: لا أرجع حتى أنظر إليه. قال الزبير: فجعلت أطدها( ) إلى الأرض حتى دفن حمزة. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: لولا أن يحزن ذلك نساءنا، لتركناه للعافية يعني السباع والطير حتى يحشر يوم القيامة من بطون السباع وحواصل الطير.
ونظر صفوان بن أمية إلى حمزة يومئذٍ وهو يهد الناس فقال: من هذا؟ قالوا: حمزة بن عبد المطلب. فقال: ما رأيت كاليوم رجلاً أسرع في قومه وكان يومئذٍ معلماً بريشة نسر. ويقال: لما أصيب حمزة جاءت صفية بنت عبد المطلب تطلبه، فحالت بينها وبينه الأنصار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: دعوها! فجلست عنده فجعلت إذا بكت بكى رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وإذا نشجت ينشج رسول الله صلى الله عليه وسلّم. وكانت فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلّم تبكي، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلّم إذا بكت بكى، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: لن أصاب بمثلك أبداً! ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: أبشرا! أتاني جبريل فأخبرني أن حمزة مكتوبٌ في أهل السموات السبع حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله.
وأراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم القصاص بالتمثيل بقتلى المشركين فنزل جبرئيل بخواتيم سورة النحل فامتنع النبي عن المثلة لتكون سنة فعلية ودفاعية يقتدي بها المسلمون وإلى يوم القيامة , إن إمتناع المسلمين عن التمثيل بالقتلى والموتى مطلقاً مدرسة أخلاقية مقتبسة من السنة النبوية التي هي تفسير للقرآن.
وجعل أبو قتادة يهم بالنيل من قريش، لما رأى من غم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم في قتل حمزة وما مثل به، كل ذلك يشير إليه النبي صلى الله عليه وسلّم أن اجلس ثلاثاً وكان قائماً فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم : أحتسبك عند الله.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: يا أبا قتادة، إن قريشاً أهل أمانةٍ، من بغاهم العواثر كبه الله لفيه( )، وعسى إن طالت بك مدةٌ أن تحقر عملك مع أعمالهم وفعالك مع فعالهم، لولا أن تبطر قريشٌ لأخبرتها بما لها عند الله. قال أبو قتادة: والله يا رسول الله، ما غضبت إلا لله ولرسوله حين نالوا منه ما نالوا! قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: صدقت، بئس القوم كانوا لنبيهم!
وقال عبد الله بن جحش: يا رسول الله، إن هؤلاء قد نزلوا حيث ترى، وقد سألت الله عز وجل ورسوله فقلت: اللهم إني أقسم عليك أن نلقى العدو غداً فيقتلونني ويبقرونني ويمثلون بي، فألقاك مقتولاً قد صنع هذا بي، فتقول: فيم صنع بك هذا! فأقول: فيك! وأنا أسألك أخرى: أن تلى تركتي من بعدي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: نعم. فخرج عبد الله وقاتل حتى قتل، ومثل به كل المثل ودفن، ودفن هو وحمزة في قبرٍ واحد. وولى تركته رسول الله صلى الله عليه وسلّم فاشترى لأمه مالاً بخيبر)( ).
وحينما بكت الزهراء عليها السلام لما حضر موت النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بكت فاطمة عليها السلام فلم يبك معها كما بكي يوم قتل حمزة، بل أمرها بالإسترجاع وقال لها: لا تبكي يا بنية! قولي إذا ما مت: إنا لله وإنا إليه راجعون! فإن لكل إنسان بها من كل مصيبة معوضة؛ قالت: ومنك يا رسول الله؟ قال: ومني)( ).
2- حنظلة بن أبي عامر
وهو حنظلة بن عبد عمرو بن صيفي الأنصاري الأوسي من بني عمرو بن عوف، وكان أبو عامر يعرف بالراهب في أيام الجاهلية، ولكنه وعبد الله بن أبي سلول حسدا النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لما آتاه الله عز وجل من النبوة وكان عبد الله بن أبي بن سلول رئيس قومه ويأمل أن يكون ملكاً على أهل يثرب قبل مجيء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فاختار إظهار الإيمان مع إضمار الكفر.
أما أبو عامر فخرج إلى مكة حانقاً ثم قدم مع قريش محارباً فسماه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا عامر الفاسق.
ولما تم فتح مكة في العشرين من شهر رمضان في السنة الثامنة للهجرة الموافق 10 كانون أول 630م هرب أبو عامر إلى بلاد الروم .
وكان أبو عامر رأس الأوس قبل الإسلام، وكان مترهباً، وقابل دعوة وهجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالجفاء والصدود، فدعا عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذهب إلى قريش يحفهم على قتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ووعدهم بأنه يجمع قومه من الأوس عند اللقاء، ولكن لما عرّف نفسه يوم أحد قال له الأوس: لا أنعم الله لك عينا يا فاسق، فقال: لقد أصاب قومي بعدي شر، وقاتل المسلمين قتالاً شديداً.
وحينما ذهب إلى قيصر أخبره أنه على دينه، وإستنصره على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأخذ يكتب للمنافقين في المدينة بالأماني والعودة، قال تعالى[يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا]( ).
ولم يعمر طويلاً إذ مات في السنة التالية وهي التاسعة للهجرة(وكان معه هناك كنانة بن عبد ياليل وعلقمة بن علاثة فاختصما في ميراثه إلى هرقل فدفعه إلى كنانة بن عبد ياليل وقال لعلقمة هما من أهل المدر وأنت من أهل الوبر)( ).
وقال إبن جريج: مثّل الكفار يوم أحد بقتلى المسلمين كلهم إلا حنظلة إبن الراهب لأن أبا عامر الراهب كان يومئذ مع أبي سفيان فتركوا حنظلة لذلك.
وعن الواقدي قالوا : وكان حنظلة بن أبي عامر تزوج جميلة بنت عبد الله بن أبي بن سلول، فأدخلت عليه في الليلة التي وقع في صباحها قتال أحد. وكان قد استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أن يبيت عندها فأذن له، مما يدل على أن المسلمين كانوا يتهيؤون لمعركة أحد قبل وقوعها وحالما ورد لهم خبر مجيء جيش قريش , ولعلهم كانوا يخشون مباغتة قريش لهم في المدينة.
ولما صلى الصبح غدا حنظلة يريد رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ولزمته جميلة فعاد فكان معها، فأجنب منها ثم أراد الخروج، وقد أرسلت قبل ذلك إلى أربعة من قومها فأشهدتهم أنه قد دخل بها، فقيل لها بعد: لم أشهدت عليه؟ قالت: رأيت كأن السماء فرجت فدخل فيها حنظلة ثم أطبقت، فقلت: هذه الشهادة! فأشهدت عليه أنه قد دخل بها. وعلقت بعبد الله بن حنظلة، ثم تزوجها ثابت بن قيس بعد فولدت له محمد بن ثابت بن قيس.
وأخذ حنظلة بن أبي عامر سلاحه، فلحق برسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم بأحد وهو يسوي الصفوف، قال : فلما انكشف المشركون اعترض حنظلة ابن أبي عامر لأبي سفيان بن حرب فضرب عرقوب فرسه , فاكتسعت الفرس، ووقع أبو سفيان إلى الأرض، فجعل يصيح: يا معشر قريش ، أنا أبو سفيان بن حرب ! وحنظلة يريد ذبحه بالسيف، فأسمع الصوت رجالاً لا يلتفتون إليه من الهزيمة حتى عاينه الأسود بن شعوب، فحمل على حنظلة بالرمح فأنفذه، فمشى حنظلة إليه بالرمح وقد أثبته، ثم ضربه الثانية فقتله. وهرب أبو سفيان يعدو على قدميه فلحق ببعض قريش، فنزل عن صدر فرسه وردف وراء أبي سفيان .
فلما قتل حنظلة مرّ عليه أبوه، وهو مقتولٌ إلى جنب حمزة بن عبد المطلب وعبد الله بن جحش، فقال: إن كنت لأحذرك هذا الرجل من قبل هذا المصرع، والله إن كنت لبراً بالوالد، شريف الخلق في حياتك، وإن مماتك لمع سراة أصحابك وأشرافهم. وإن جزى الله هذا القتيل لحمزة خيراً ، أو أحداً من أصحاب محمد، فجزاك الله خيراً.
ثم نادى: يا معشر قريش، حنظلة لا يمثل به وإن كان خالفني وخالفكم ، فلم يأل لنفسه فيما يرى خيراً. فمثل بالناس وترك , فلم يمثل به( ).
وعن إبن عباس قال: نظر رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى حنظلة الراهب وحمزة بن عبد المطلب تغسلهما الملائكة)( ).
وإسم إبن حنظلة عبد الله الذي ولد بعد إستشهاده , ويسمى إبن الغسيل نسبة إلى أبيه، وروي عنه في الترمذي.
وحنظلة بن أبي عامر قيل (قتله أبو سفيان بن حرب وقال: حنظلة بحنظلة يعني به حنظلة ابنه الذي قتل ببدر. وقيل: بل قتله شدّاد بن الأوس اللَّيثي. وقال مصعب الزُّبيريّ: بارز أبو سفيان حنظلة فصرعه حنظلة. فأتاه ابن شعوب وقد علاه، فأعانه حتى قتل حنظلة كما ورد في الصفحة السابقة , قال أبو سفيان: من الطويل
ولو شئت نجّتني كميتٌ طمرَّة … ولم أكمل النَّعماء لابن شعوب
وكان حنظلة قد ألمَّ بأهله حين خروجه إلى أحد، ثم هجم عليه الخروج في النَّفير فأنساه الغسل أو أعجله. فلما قتل شهيداً، أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الملائكة غسَّلته فسمِّي غسيل الملائكة. وعن هشام بن عروة عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لامرأة حنظلة: ما كان شأنه؟ قالت:كان جنباً وغسَّلت أحد شقَّي رأسه، فلما سمع الهيعة خرج، فقتل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد رأيت الملائكة تغسِّله. وكانت قتلته سنة ثلاث للهجرة)( ).
وقال إبن حبان(والتقى حنظلة بن أبى عامر وأبو سفيان فاستعلى حنظلة أبا سفيان بالسيف فلما رآى بن شعوب أن أبا سفيان قد علاه حنظلة بالسيف ضربه فقتله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان صاحبكم لتغسله الملائكة.
وخرج حمزة بن عبد المطلب فمر به سباع بن عبد العزى الخزاعي وكان يكنى أبا نيار فقال هلم يا إبن مقطعة البظور فالتقيا فضربه حمزة فقتله ثم جعل يرتجز ومعه سيفان إذ عثر دابته فسقط على قفاه وانكشف الدرع عن بطنه فانتزع وحشي حربته فهزها ورماها فبقر بها بدنه ثم أخذ حربته وتنحاه)( )، أي أن حنظلة قتل قبل قتل الحمزة والأول قتل بالمبارزة والثاني برميه الحربة.
ليكون من الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه أخبر عن تغسيل الملائكة له قبل أن يرجع إلى المدينة ويسأل زوجته ويتبين للناس علة غسل الملائكة له، وغسل الملائكة وإن كان خاصاً بحنظلة وفي رواية يشمل حمزة أيضاً إلا أن فيه إكراماً لجميع شهداء أحد بل كل المسلمين الذين خرجوا للقتال.
وزوجة حنظلة جميلة بنت أبي بن سلول رئيس الخزرج مما يدل على مكانة وشأن حنظلة بين أهل المدينة، ومنهم من قال أنها بنت عبد الله بن أبي سلول رأس النفاق الذي كان أهل المدينة ينوون تنصيبه ملكاً عليهم قبل مجيء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مهاجراً من مكة.
والأصح الأول فهي أخت عبد الله بن أبي لأبويه وتزوجها بعد إستشهاد حنظلة (ثابت بن قيس بن شماس فنشزت عليه فأرسل إليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ” يا جميلة ما كرهت من ثابت ؟ ” فقالت: والله ما كرهت منه شيئاً إلا دمامته. فقال لها: ” أتردين عليه حديقته؟ ” قالت: نعم. ففرق بينهما.
ورواية إبن عباس عنها أخرجها الطبري من طريق بن جرير عن عكرمة عن إبن عباس قال: أول خُلع كان في الإسلام أخت عبد الله بن أبي أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت… فذكر القصة.
قال أبو عمر: كناها سعيد بن المسيب أم جميل، وكانت قبل ثابت عند حنظلة بن أبي عامر غسيل الملائكة ثم تزوجها بعد ثابت مالك بن الدخشم ثم تزوجها بعده خبيب بن إساف)( ).
وولدت جميلة لحنظلة ولده عبد الله الذي يسمى إبن الغسيل نسبة إلى تغسيل الملائكة لأبيه، أما ثابت بن قيس فقد أستشهد باليمامة.
وروى عبد الله بن حنظلة عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يطوف بالبيت على ناقة لا ضرب ولا طرد( ) ولا إليك ( ).
وقد إنتقل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى وعمر عبد الله بن حنظلة سبع سنين وأغلب المصادر ذكرت الحديث عن قدامة بن عبد الله يرفعه وليس عن عبد الله بن حنظلة.
وبعد ولادة عبد الله بن حنظلة أحرم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ووصل إلى البيت الحرام ثلاث مرات:
الأولى : عمرة القضاء في شهر ذي القعدة في السنة السابعة للهجرة.
الثانية : فتح مكة في العشرين من شهر رمضان في السنة الثامنة للهجرة.
الثالثة : حجة الوداع في شهر ذي القعدة من السنة العاشرة للهجرة بعد أن أعلن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه سيحج بيت الله الحرام.
وقد خرج مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مائة ألف من المسلمين والمسلمات، والأرجح أن عبد الله بن حنظلة قد حضر حجة الوداع مع أمه، وكان عمره ست سنوات، والظاهر أنها كافية لإنطباع صورة طواف النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الوجود الذهني خاصة مع وثاقة عبد الله بن حنظلة.
ولعبد الله بن حنظلة صحبة، وروي عنه حديثان:
الأول : عن إبن أبي مليكة عن عبد الله بن حنظلة قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ستة وثلاثين زنية).
الثاني : عن أسماء بنت زيد بن الخطاب أن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر حدثهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(امر بالوضوء لكل صلاة طاهرا أو غير طاهر فلما شق ذلك عليه امر بالسواك لكل صلاة)( ). أي شق على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفي رواية فلما شق ذلك عليهم .
الثالث : ما ورد بخصوص إمامة الصلاة (ورد عن عبد الله بن يزيد الخطمي وكان اميرا على الكوفة قال اتينا قيس بن سعد بن عبادة في بيته فاذن بالصلاة فقلنا لقيس قم فصل لنا قال اني لم اكن لاصلي بقوم لم اكن عليهم اميرا فقال رجل ليس بدونه يقال له عبد الله بن حنظلة الغسيل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل احق بصدر دابته وبصدر فراشه واحق ان يؤم في رحله قال قيس عند ذلك لمولى له قم فصل لهم)( ).
وتحتمل الصلة بين واقعة أحد وصحبة عبد الله لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجوهاً:
الأول : إنه من بركات شهادة حنظلة يوم أحد.
الثاني : فيه رشحة من رشحات تغسيل الملائكة لحنظلة.
الثالث : موضوعية الأمر الجامع لشهادة حنظلة وتغسيل الملائكة له من جنابته لخصوص الوطئ الذي حملت فيه زوجته بابنه عبد الله.
الرابع : لا ملازمة أو صلة بين إستشهاد حنظلة يوم أحد وتغسيل الملائكة له وبين ولادة عبد الله.
والصحيح هو الوجه الثالث أعلاه، لتكون الفيوضات من الشهادة وتغسيل الملائكة على وجوه:
الأول : حمل زوجة حنظلة الليلة التي خرج في صباحها لمعركة أحد.
الثاني : صيرورة المولود ذكراً.
الثالث : عناية زوجة حنظلة والأهل بعبد الله، وتأهيله للصحبة وأسباب الفطنة فيه منذ نعومة أظفاره.
الرابع : إكرام النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأولاد الشهداء وسؤاله عنهم، وتقريبهم منه، وإقتداء أهل البيت والصحابة به، قال تعالى[لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ]( ).
الخامس : بيان عملي لمعجزة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهي سرعان ما يشب أولاد الشهداء ويتبوءوا مقاماتهم.
السادس : توارث أبناء عبد الله بن حنظلة رواية الحديث، وأخذ الفقهاء عنهم.
وذكر إبن حزم الأندلسي عبد الله بن حنظلة في باب (أصحاب الإثنين) أي الذين روى كل واحد منهم حديثين عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وكان حنظلة بن أبي عامر لما أراد الخروج إلى أحد وقع على امرأته جميلة بنت عبد الله بن أبي سلول فعلقت بعبد الله بن حنظلة في شوال على رأس اثنين وثلاثين شهرا من الهجرة. وقتل حنظلة بن أبي عامر يومئذ شهيدا فغسلته الملائكة فيقال لولده بنو غسيل الملائكة. وولدت جميلة عبد الله بن حنظلة بعد ذلك بتسعة أشهر فقبض رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو ابن سبع سنين)( ).
ومن الإعجاز أن حنظلة لم يغادر إلا بعد أن حملت إمرأته بعبد صالح يخلفه في مراتب التقوى، وأن يأخذ النسبة التشريفية لأبيه فيسمى الغسيل .
ولما ثار أهل المدينة المنورة في ليالي الحرة في السنة الثالثة والستين للهجرة فنقضوا بيعة يزيد لما كان عليه من سوء ولقتل الحسين بن علي عليه السلام وقاموا بطرد واليه المدينة عثمان بن محمد بن أبي سفيان ومن معه من بني أمية، أجمعوا أمرهم على عبد الله بن حنظلة وإختاروه أميراً فبايعهم على الموت.
وعن أيوب بن بشير المعامري أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج في سفر من أسفاره فلما مر بحرة زهرة وقف فاسترجع فساء ذلك من معه وظنوا أن ذلك من أمر سفرهم فقال عمر بن الخطاب يا رسول الله ما الذي رأيت فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم أما إن ذلك ليس من سفركم هذا قالوا فما هو يا رسول الله قال يقتل بهذه الحرة خيار أمتي بعد أصحابي هذا مرسل)( ).
وقال عبد الله قبيل وقعة الحرة : والله لو لم يكن معي أحد من الناس لأبليت لله فيه بلاء حسنا. فتواثب الناس يومئذ يبايعون من كل النواحي، وما كان لعبد الله بن حنظلة تلك الليالي مبيت إلا المسجد، وما كان يزيد على شربة من سويق يفطر عليها إلى مثلها من الغد يؤتى بها في المسجد، يصوم الدهر، وما رئي رافعا رأسه إلى السماء إخباتا.
فلما دنا أهل الشام من وادي القرى صلى عبد الله بن حنظلة بالناس الظهر ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنما خرجتم غضبا لدينكم فأبلوا لله بلاء حسنا ليوجب لكم به مغفرته ويحل به عليكم رضوانه، قد خبرني من نزل مع القوم السويداء وقد نزل القوم اليوم ذا خشب ومعهم مروان بن الحكم، والله إن شاء الله مخيبه بنقضه العهد والميثاق عند منبر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فتصايح الناس وجعلوا ينالون من مروان ويقولون: الوزغ بن الوزغ، وجعل بن حنظلة يهدئهم ويقول: أن الشتم ليس بشيء ولكن اصدقوهم اللقاء، والله ما صدق قوم قط إلا حازوا النصر بقدرة الله.
ثم رفع يديه إلى السماء واستقبل القبلة وقال: اللهم إنا بك واثقون، بك آمنا وعليك توكلنا وإليك ألجأنا ظهورنا، ثم نزل. وصبح القوم المدينة فقاتل أهل المدينة قتالا شديدا حتى كثرهم أهل الشام، ودخلوا المدينة من النواحي كلها.
فلبس عبد الله بن حنظلة يومئذ درعين وجعل يحض أصحابه على القتال، فجعلوا يقاتلون. وقتل الناس فما ترى إلا راية عبد الله بن حنظلة ممسكا بها مع عصابة من أصحابه، وحانت الظهر فقال لمولى له: احم لي ظهري حتى أصلي. فصلى الظهر أربعا متمكنا، فلما قضى صلاته قال له مولاه: والله يا أبا عبد الرحمن ما بقي أحد فعلام نقيم؟ ولواؤه قائم ما حوله خمسة. فقال: ويحك إنما خرجنا على أن نموت. ثم انصرف من الصلاة وبه جراحات كثيرة فتقلد السيف ونزع الدرع ولبس ساعدين من ديباج ثم حث الناس على القتال، وأهل المدينة كالأنعام الشرد وأهل الشام يقتلونهم في كل وجه.
فلما هزم الناس طرح الدرع وما عليه من سلاح , وجعل يقاتلهم وهو حاسر حتى قتلوه، ضربه رجل من أهل الشام ضربة بالسيف فقطع منكبيه حتى بدا سحره ووقع ميتا، فجعل مسرف يطوف على فرس له في القتلى ومعه مروان بن الحكم فمر على عبد الله بن حنظلة وهو ماد إصبعه السبابة فقال مروان: أما والله لئن نصبتها ميتا لطال ما نصبتها حيا.
ولما قتل عبد الله بن حنظلة لم يكن للناس مقام فانكشفوا في كل وجه. وكان الذي ولي قتل عبد الله بن حنظلة رجلان شرعا فيه جميعا، وحزا رأسه وانطلق به أحدهما إلى مسرف وهو يقول: رأس أمير القوم. فأومأ مسرف بالسجود وهو على دابته وقال: من أنت؟ قال: رجل من بني فزارة. قال: ما اسمك؟ قال: مالك. قال: فأنت وليت قتله وحز رأسه؟ قال: نعم. وجاء الآخر رجل من السكون من أهل حمص يقال له سعد بن الجون فقال: أصلح الله الأمير! نحن شرعنا فيه رمحينا فأنفذناه بهما ثم ضربناه بسيفينا حتى تثلما مما يلتقيان. قال الفزاري: باطل، قال السكوني فأحلفه بالطلاق والحرية فأبى أن يحلف، وحلف السكوني على ما قال، فقال مسرف: أمير المؤمنين يحكم في أمركما. فأبردهما فقدما على يزيد بقتل أهل الحرة وبقتل إبن حنظلة فأجازهما بجوائز عظيمة وجعلهما في شرف من الديوان ثم ردهما إلى الحصين بن نمير فقتلا في حصار ابن الزبير)( ).
وقتل مع عبد الله بن حنظلة أخوه لأمه محمد بن ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري، وكان ثابت قد قتل في اليمامة شهيداً وروى عنه إبنه محمد (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: “يا ثابت أما ترضى أن تعيش حميداً وتقتل شهيداً وتدخل الجنة”)( ).
وليس من حصر لمفاخر الأنصار والقرآن يثني عليهم، وحينما يتفاخرون بينهم يذكرون حنظلة بلحاظ أمور:
الأول : شهادة حنظلة في سبيل الله.
الثاني : ترك حنظلة عذوبة ليلة العرس، وخروجه خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أحد.
الثالث : تغسيل الملائكة لحنظلة عند استشهاده.
وعن أنس بن مالك وافتخر الحيّان من الأنصار، الأوس والخزرج فقالت الأوس: منّا غسيل الملائكة حنظلة بن الرّاهب، ومنا من اهتزَّ له عرش الرحمن سعد بن معاذ، ومنا من حمته الدَّبر عاصم بن ثابت، ومنا من أجيزت شهادته برجلين خزيمة بن ثابت. وقال الخزرجيون: منا أربعة جمعوا القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت وأبو زيد وأبيُّ بن كعب ومعاذ بن جبل( ).
3- مصعب بن عمير
مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي بن كلاب العبدري، يكنى أبا عبد الله، من الأوائل الذين دخلوا الإسلام، وأخفى إسلامه خوفاً من أمه وقومه، فعلم بإسلامه عثمان بن طلحة فأخبرهم فحبسوه إلى أن هرب مع من هاجر إلى الحبشة ثم رجع إلى مكة وهاجر إلى المدينة، وكان مصعب بن عمير أنعم غلام بمكة وأجودهم خلة مع أبويه.
وأخرج الترمذي عن علي عليه السلام قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مصعب بن عمير فبكى للذي كان فيه من النعمة ولما صار إليه ( )، أي لحال الفاقة التي أصابت مصعب بعد الهجرة.
ولما إنصرف الأنصار من العقبة الأولى وقيل الثانية بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم معهم مصعب بن عمير يقرئهم القرآن ويفقههم في الدين، وأسلم على يديه جمع منهم محمد بن مسلمة الأنصاري وعباد بن بشر وأسيد بن حضير، وسعد بن معاذ الذي أسلم بين العقبة الأولى والثانية (وشهد بدراً وأحداً والخندق ورمى يوم الخندق بسهم فعاش شهراً ثم انتفض جرحه فمات منه.
والذي رماه بالسهم حبان بن العرقة وقال: خذها وأنا ابن العرقة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” عرق الله وجهه في النار( ).
ليلحق الخزي بالكافر الظالم في الدنيا وعالم البرزخ ثم يلقى العذاب الأليم يوم القيامة .
وذكر إبن إسحاق أنه لما أسلم سعد بن معاذ (على يد مصعب بن عمير قال لبني عبد الأشهل: كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تسلموا فأسلموا فكان من أعظم الناس بركة في الإسلام ( ).
وكان مصعب يسمى القارئ المقرئ، ويقال إنه أول من جمع الجمعة بالمدينة قبل الهجرة( ).
آخى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين مصعب بن عمير وأبي أيوب الأنصاري , الأول مهاجر من قريش والثاني نزل عليه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ضيفاً في داره عند قدومه إلى المدينة، فاقام عنده حتى بنى بيوته ومسجده، والمراد من بيوته هي غرف أزواجه المطلة على المسجد.
وأخرج إبن أبي شيبه وإبن أبي عاصم (أن أبا أيوب حدثهم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نزل في بيته وكنت في الغرفة فأهريق ماء في الغرفة فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا نتتبع الماء شفقاً أن يخلص إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنزلت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا مشفق فسألته فانتقل إلى الغرفة قلت: يا رسول الله كنت ترسل إلي بالطعام فأنظر فأضع أصابعي حيث أرى أثر أصابعك حتى كان هذا الطعام قال: ” أجل إن فيه بصلاً فكرهت أن آكل من أجل الملك ( ).
وإستخلف علي عليه السلام أبا أيوب على المدينة لما خرج إلى العراق . وقال البراء: كان أول من قدم علينا من المهاجرين مصعب بن عمير أخو عبد الدار بن قصي، فقلت له: ما فعل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ قال: هو مكانه، وأصحابه على أثري، ثم أتانا بعده عمرو بن أم مكتوم أخو بني فهر، فقال: ما فعل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه؟ فقال: هم أولاء على أثري، ثم أتانا بعده عمار بن ياسر وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود وبلال، ثم أتانا بعده عمر بن الخطاب في عشرين راكباً، ثم أتانا بعدهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأبو بكر معه. قال البراء: فلم يقدم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المدينة حتى قرأت سوراً من المفصّل ثم خرجنا نتلقى العير فوجدناهم قد برزوا ( ).
ويدل الحديث على أن الأنصار في لهفة وشوق لمتابعة أخبار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وحرصهم الشديد عليه، ورغبتهم في مجيئه لهم، وكان مصعب يخبرهم بأن الصحابة يهاجرون بعده تباعاً، ويدل قوله (هو مكانه) على عدم علمه بأوان هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وذكر الواقدي عن إبراهيم بن محمد العبدي عن أبيه قال: كان مصعب ابن عمير فتى مكة شباباً وجمالاً وتيهاً، وكان أبواه يحبانه وكانت أمه تكسوه أحسن ما يكون من الثياب وكان أعطر أهل مكة يلبس الحضرمي من النعال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكره ويقول: ما رأيت بمكة أحسن لمة ولا أرق حلة ولا أنعم نعمة من مصعب بن عمير فبلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الإسلام في دار الأرقم فدخل فأسلم( ).
ولما ضرب إبن قمئة يد مصعب وقطعها كان مصعب يتلو قوله تعالى[قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ]( )، (وأخذ اللواء بيده اليسرى فضربها ابن قمئة فقطعها فجثا على اللواء فضمه بين عضديه إلى صدره ثم حمل عليه الثالثة فأنفذه ووقع مصعب وسقط اللواء، وذكر ابن سعد أن مصعباً حين قتل أخذ الراية ملك على صورته فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ” تقدم يا مصعب ” . فقال الملك لست بمصعب فعلم أنه ملك)( ).
ولما استشهد مصعب بن عمير يوم أحد لم يكن له إلا نمرة، عن خباب قال: كنا إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطينا رجليه خرج رأسه، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ” غطوا بها رأسه واجعلوا على رجليه من الإذحر “.
ولم يختلف أهل السير أن راية رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ويوم أحد كانت بيد مصعب بن عمير فلما قتل يوم أحد أخذها علي بن أبي طالب( ).
وإذ قُتل مصعب شهيداً مدافعاً عن شخص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فان أخاه أبا عزيز بن عمير قُتل في نفس اليوم كافراً، وكان قد أسر في معركة بدر، قال إبن أسحاق: وحدثني نبيه بن وهب، أخو بني عبد الحارث أن رسول الله حين أقبل بالأسارى يوم بدر ، فرقهم بين أصحابه، وقال: اسْتوصوا بالأسارى خيراً. قال: فكان أبو عزيز بن عمير بن هاشم، أخو مصعب بن عمير لأبيه وأمه، في الأسارى، فقال أبو عزيز: مرّ بي أخي مصعبُ بن عمير، ورجل من الأنصار يأسرني، فقال: شُد يديك به؛ فإن أمه ذات متاع؛ لعلها تفديه منك.
قال ابن إسحاق: فلما قال أخوه مصعب لأبي اليسر – وهو الذي أسره ما قال، قال له أبو عزيز: يا أخي، هذه وصاتك بي؟! فقال أخوه مصعب: إنه أخي دونك، قال فسألت أمه عن أغلى ما فدى به قرشي؟ فقيل لها: أربعة آلاف درهم، فبعثت بأربعة آلاف درهم ففدته بها ( ).
قال أبو عزيز عن حاله في الأسر عند المسلمين : وكنت في رهط من الأنصار، حتى أقبلوا بي من بدر، فكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم، خصوني بالخبز وأكلوا التمرة لوصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إياهم بنا، فما تقع في يد رجل كسرة من الخبز إلا نفحني بها. قال: فأستحيي فأردها عليه، فيردها علي ما يمسها.
قال ابن إسحاق: وكان أبو عزيز صاحبَ لواء المشركين بعد النضر بن الحارث.
وزوجة مصعب بن عمير حمنة بنت جحش أخت أم المؤمنين زينب بنت جحش، وأقبلت حمنة بنت جحش يوم أحد فأراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يخفف عنها المصاب بأن يواسيها وينعى لها الشهداء فقال لها: احتسبي فقالت: من يا رسول الله؟ قال: مصعب بن عمير” قالت: واحزناه، ويقال: إنها قالت: واعقراه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن للزوج من المرأة مكاناً ما هو لأحد( ).
وتزوجت حمنة بعده طلحة بن عبيد الله فولدت له محمداً وعمران وروى عنها إبنها عمران)( )، وقال أبو راشد بن حفص الزهري أدركت أربعة من أبناء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يسمى محمداً. ويكنى أبا القاسم محمد بن علي، ومحمد بن أبي بكر ومحمد بن طلحة ومحمد بن سعد بن أبي وقاص. وقتل محمد بن طلحة يوم الجمل مع أبيه وكان هواه مع علي بن أبي طالب عليه السلام ، وكان قد نهى عن قتله في ذلك اليوم وقال: إياكم وصاحب البرنس.
وروي أن علياً مر به وهو قتيل يوم الجمل فقال: هذا السجاد ورب الكعبة، هذا الذي قتله بره بأبيه يعني أن أباه أكرهه على الخروج في ذلك اليوم. وكان طلحة قد أمره أن يتقدم للقتال فتقدم، ونثل درعه بين رجليه، وقام عليها، وجعل كلما حمل عليه رجل، قال: نشدتك بحاميم( )، حتى شد عليه رجل فقتله، وأنشد يقول:
وأشعث قوامٍ بآيات ربه … قليل الأذى فيما ترى العين مسلم
ضممت إليه بالقناة قميصه … فخر صريعاً لليدين وللفم
على غير ذنبٍ غير أن ليس تابعاً … علياً، ومن لا يتبع الحق يظلم
يذكرني حا ميم والرمح شاجر … فهلا تلا حا ميم قبل التقدم).
أراد من(حم) سورة الشورى وقوله تعالى[قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى]، وكانت حمنة تستحاض هي وأختها أم حبيبة التي كانت عند عبد الرحمن بن عوف ومنهم من حصر الإستحاضة بأم حبيبة.
وأم زينب وحمنة بنت جحش أميمة بنت عبد المطلب عمة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
4- عبد الله بن عمرو بن حرام
من بني سلمة من الأنصار، يكنى أبا جابر كان من النقباء، وهم الذين حضروا بيعة العقبة الثانية في مكة وكانوا(اثني عشر رجلا سعد بن عبادة واسعد بن زرارة وأسعد بن الربيع وسعد بن خيثمة والمنذر بن عمرو وعبد الله بن رواحة والبراء بن معرور وأبي الهيثم بن التيهان وأسيد بن حضير وعبد الله بن عمرو بن حرام وعبادة بن الصامت ورافع بن مالك( ).
لقد كانت بيعة العقبة ثمرة جهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في دعوته إلى الله والتصديق بنبوته لسنوات متتالية في موسم الحج، فيتبع الناس في منازلهم، وفي اسواق العرب في الموسم مثل سوق عكاظ ومجنة، وفي مزدلفة وعرفة، وكان يدعو لأمور:
الأول : التصديق بنبوته.
الثاني : سؤال إيوائه ليخرج من مكة، ويسلم مما يلاقيه فيها من أذى قريش.
الثالث : نصرته في دعوته إلى الله عز وجل.
الرابع : تهيئة أسباب إبلاغ الرسالة، ليكون من معاني قوله تعالى[يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ]( )، إيجاد مقدمات هذا التبليغ، ودفع المانع منه، ولا يخدش بهذا المعنى أن الآية أعلاه مدنية ودعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم القبائل إلى إيوائه ونصرته كانت بمكة، لأن تبليغ الرسالة متجدد في كل يوم من أيام حياة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وعن جابر بن عبد الله قال: أنا وأبي وخالاي من أصحاب العقبة( )، والمقصود بالنقباء هم الذين تم إختيارهم من بين السبعين الذين حضروا بيعة العقبة الثانية.
وبعد إقرار البيعة بدأ عقدها بالمصافحة إذ قاموا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجلاً بعد آخر ليأخذ عليهم البيعة، ويقول بنو النجار أن أبا أمامة أسعد بن زرارة كان أول من ضرب على يد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويعطيهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بها الجنة، وتمت بيعة المرأتين اللتين كانتا معهم بالقول، ولم يصافحهما النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وحينما تمت البيعة طلب منهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلمم أن يختاروا اثني عشر نقيباً يكونوا رؤساء وأئمة لقومهم في العمل بأحكام البيعة فقال : أَخْرِجُوا إلَيّ مِنْكُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ، لِيَكُونُوا عَلَى قَوْمِهِمْ بِمَا فِيهِمْ . فَأَخْرَجُوا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ، تِسْعَةً مِنْ الْخَزْرَجِ ، وَثَلَاثَةً مِنْ الْأَوْسِ( ).
وروى أبو بكر بن مردويه: أن رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:”يا جابر، ألا أخبرك؟ ما كلم الله أحداً قط إلا من وراء حجاب، وإنه كلم أباك كفاحاً فقال: سلني أعطك، قال: أسألك أن أرد إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية، فقال الرب عز وجل: إنه سبق مني أنهمِ لا يرجعون إلى الدنيا، قال: أي رب، فأبلغ من ورائي”، فأنزل الله:”وَلا تحسَبَنَ الَذِينَ قُتِلوا في سبِيلِ الله أَمواتَاً بَل أحيَاءٌ….”)( ).
وقال إبن حزم: اصطبح عبد الله بن عمروا الخمر في صبيحة يوم أحد، ثم قتل آخره شهيداً، وذلك قبل أن تحرم الخمر( ).
وقال جابر بن عبد الله: اصطبح ناسٌ الخمر يوم أحد، منهم أبي، فقتلوا شهداء ( ).
ومن خصائص نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأسرار سلامته من القتل في معارك الإسلام الأولى أمور:
الأول : توالي تعاقب نزول آيات القرآن إلى أن تم نزول جميع آياته وسوره.
الثاني : حفظ المسلمين للقرآن في صدورهم وكتابته في المصاحف وجريد النخل ونحوها بما يفيد سلامته من التحريف والتبديل والتغيير وهو من مصاديق قوله تعالى[إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون]( ).
الثالث : تثبيت أحكام الشريعة في الأرض، وتنمية ملكة الفقاهة عند المسلمين، ومعرفتهم لأحكام الحلال والحرام وأصول الدين.
الرابع : عناية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأسر الشهداء، وإكرامه للمسلمين الأوائل , قال تعالى[وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ]( ).
وبعد أن أستشهد عبد الله بن حرام، سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوماً قائلاً: أتزوجت يا جابر؟ ” قال: نعم. قال: ” بِكراً أم ثيِّباً؟ ” قال: بل ثيباً، قال: ” فهلاّ بِكراً تُلاعِبُك؟ ” قلت: يارسول الله، إن لي أخوات، فخشيت أن تدخل بيني وبينهن. قال: ” فذاك إذن، إن المرأة تُنكح على دينها ومالها وجمالها، فعليك بذات الدين. تَرِبَتْ يداك( ).
فأمضى النبي صلى الله عليه وآله وسلم نكاحه من الثيب لإستدامة عنايته بأخواته، إذ كان أبوه أوصاه بهن.
وفي رواية: أستشهد أبي وترك بنات صغاراً، فكرهت أن أتزوج مثلهن، فقال: فاذا قدمت فالكيس الكيس.
ثم قال أتبيع جملك فقلت نعم فاشتراه منه بأوقية ثم قدم المدينة صلى الله عليه و سلم قال جابر فوجدته عند باب المسجد فقال الان قدمت قلت نعم قال فدع جملك وادخل المسجد فصل ركعتين فدخلت فصليت ركعتين ثم أمر بلالا أن يزن لي أوقية فوزن لي فأرجح في الميزان فانطلقت حتى إذا وليت فقال ادعوا لي جابرا قلت الآن يرد على الجمل وليس شيء أبغض إلى منه قال خذ جملك ولك ثمنه ( ).
والكيس خلاف الحمق، ويقال الرجل كيّس أي ظريف وصاحب عقل أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم منه التوقي والحكمة في الصلات داخل الأسرة، وأن لا يأخذه السبق وطول العزبة على الميل التام إلى زوجته وترك أخواته.
وفي الحديث تحذير من وطأ الزوجة في الحيض بلحاظ أنه مخالف للكيس والواجب الشرعي، قال تعالى[فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ]( ).
وقال عبد الله بن عمرو بن حرام : رَأَيْتُ فِي النّوْمِ قَبْلَ أُحُدٍ مُبَشّرَ بْنَ عَبْدِ الْمُنْذِرِ يَقُولُ لِي : أَنْتَ قَادِمٌ عَلَيْنَا فِي أَيّامٍ فَقُلْتُ وَأَيْنَ أَنْتَ ؟ فَقَالَ فِي الْجَنّةِ نَسْرَحُ فِيهَا كَيْفَ نَشَاءُ . قُلْت لَهُ أَلَمْ تُقْتَلْ يَوْمَ بَدْرٍ ؟ قَالَ بَلَى ثُمّ أُحْيِيت فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ هَذِهِ الشّهَادَةُ يَا أَبَا جَابِرٍ دُعَاؤُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِخَيْثَمَةَ بِالشّهَادَةِ وَقَالَ خَيْثَمَةُ أَبُو سَعْدٍ وَكَانَ ابْنُهُ اُسْتُشْهِدَ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي يَوْمِ بَدْرٍ : لَقَدْ أَخْطَأَتْنِي وَقْعَةُ بَدْرٍ وَكُنْتُ وَاَللّهِ عَلَيْهَا حَرِيصًا حَتّى سَاهَمْتُ ابْنِي فِي الْخُرُوجِ فَخَرَجَ سَهْمُهُ
فَرُزِقَ الشّهَادَةَ وَقَدْ رَأَيْتُ الْبَارِحَةَ ابْنِي فِي النّوْمِ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ يَسْرَحُ فِي ثِمَارِ الْجَنّةِ وَأَنْهَارِهَا وَيَقُولُ الْحَقْ بِنَا تُرَافِقْنَا فِي الْجَنّةِ فَقَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبّي حَقّا وَقَدْ وَاَللّهِ يَا رَسُولَ اللّهِ أَصْبَحْتُ مُشْتَاقًا إلَى مُرَافَقَتِهِ فِي الْجَنّةِ وَقَدْ كَبِرَتْ سِنّي وَرَقّ عَظْمِي وَأَحْبَبْتُ لِقَاءَ رَبّي فَادْعُ اللّهَ يَا رَسُولَ اللّهِ أَنْ يَرْزُقَنِي الشّهَادَةَ وَمُرَافَقَةَ سَعْدٍ فِي الْجَنّةِ فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِذَلِكَ فَقُتِلَ بِأُحُدٍ شَهِيدًا( ).
وكانت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلّم خرجت في نسوة يوم أحد تستروح الخبر ولم يضرب الحجاب يومئذٍ، حتى إذا كانت بمنقطع الحرة وهي هابطة من بني حارثة إلى الوادي، لقيت هند بنت عمرو بن حرام أخت عبد الله بن عمرو ابن حرام تسوق بعيراً لها، عليها زوجها عمرو بن الجموح، وابنها خلاد ابن عمرو، وأخوها عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر. فقالت عائشة: عندك الخبر، فما وراءك.
فقالت هند: خيراً، أما رسول الله فصالحٌ، وكل مصيبة بعده جلل( ). واتخذ الله من المؤمنين شهداء.
قالت: من هؤلاء؟ قالت : أخي، وابني خلاد، وزوجي عمرو بن الجموح. قالت: فأين تذهبين بهم؟ قالت: إلى المدينة أقبرهم فيها…حل! تزجر بعيرها، ثم برك بعيرها فقلت: لما عليه! قالت: ما ذاك به، لربما حمل ما يحمل البعيران، ولكني أراه لغير ذلك، فزجرته فقام، فلما وجهت به إلى المدينة برك، فوجهته راجعةً إلى أحد فأسرع. فرجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلّم فأخبرته بذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: فإن الجمل مأمور، هل قال شيئاً؟ قالت: إن عمراً لما وجه إلى أحد استقبل القبلة وقال: اللهم لا تردني إلى أهلي خزياً وارزقني الشهادة , قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: فلذلك الجمل لا يمضي! إن منكم يا معشر الأنصار من لو أقسم على الله لأبره، منهم عمرو بن الجموح. يا هند، ما زالت الملائكة مظلةً على أخيك من لدن قتل إلى الساعة ينظرون أين يدفن.
ثم مكث رسول الله صلى الله عليه وسلّم حتى قبرهم.
ثم قال: يا هند، قد ترافقوا في الجنة جميعاً، عمرو بن الجموح، وابنك خلاد، وأخوك عبد الله. قالت هند: يا رسول الله، ادع الله، عسى أن يجعلني معهم ( ).
عن عبد الرحمن بن عويم بن ساعدة، عن أبيه، قال: أتينا النبي صلى الله عليه وسلم فقيل: هو في منزل العباس ; فدخلنا عليه، فسلمنا وقلنا: متى نلتقي ؟ فقال العباس: إن معكم من قومكم من هو مخالف لكم، فأخفوا أمركم [حتى ينصدع هذا الحاج، ونلتقي نحن وأنتم، فنوضح لكم الامر، فتدخلون على أمر بين].
فواعدهم النبي صلى الله عليه وسلم ليلة النفر الآخر بأسفل العقبة، وأمرهم ألا ينبهوا نائما، ولا ينتظروا غائبا.
وعن معاذ بن رفاعة، قال: فخرجوا بعد هدأة يتسللون، وقد سبقهم إلى ذلك المكان معه عمه العباس وحده قال: فأول من تكلم هو، فقال: يا معشر الخزرج، قد دعوتم محمدا إلى ما دعوتموه، وهو من أعز الناس في عشيرته، يمنعه والله من كان منا على قوله ومن لم يكن، وقد أبي محمدا الناس كلهم غيركم ; فإن كنتم أهل قوة وجلد وبصر بالحرب، واستقلال بعداوة العرب قاطبة، فإنها سترميكم عن قوس واحدة، فارتؤوا رأيكم، وائتمروا أمركم ; فإن أحسن الحديث أصدقه.
فاسكتوا وتكلم عبد الله بن عمرو بن حرام، فقال: نحن أهل الحرب، ورثناها كابرا عن كابر.
نرمي بالنبل حتى تفنى، ثم نطاعن بالرماح حتى تكسر، ثم نمشي بالسيوف حتى يموت الاعجل منا قال: أنتم أصحاب حرب، هل فيكم دروع ؟ قالوا: نعم، شاملة وقال البراء بن معرور: قد سمعنا ما قلت، إنا والله لو كان في أنفسنا غير ما نقول لقلنا، ولكنا نريد الوفاء، والصدق، وبذل المهج دون رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فبايعهم النبي صلى الله عليه وسلم، والعباس آخذ بيده، يؤكد له البيعة)( ).
وشهد أبو جابر بدراً، وعن جابر بن عبد الله قال:أمر أبي بحريرة فصنعت، ثم أمرني فأتيت بها إلى إبن حرام وسعد بن عبادة.
وعند خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى معركة أحد ولما صاروا بالشؤط بين المدينة وأحد إنخزل عبد الله بن أبي سلول ثبدت الجيش بحجة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خالف رأيه بالبقاء في المدينة، فاتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام يعظهم ويذّكرهم بالله عز وجل ولزوم نصرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإعانة إخوانهم من الأنصار والمهاجرين، فاستعصوا عليه، وأصروا على الرجوع إلى المدينة، فقال لهم: أَبَعْدَكُمْ اللّهُ أَعْدَاءَ اللّهِ فَسَيُغْنِي اللّهُ عَنْكُمْ نَبِيّهُ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَذَكَرَ زِيَادٌ مُحَمّدَ بْنَ إسْحَاقَ عَنْ الزّهْرِيّ : أَنّ الْأَنْصَارَ يَوْمَ أُحُدٍ ، قَالُوا لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَا رَسُولَ اللّهِ أَلَا نَسْتَعِينُ بِحُلَفَائِنَا مِنْ يَهُودَ ؟ فَقَالَ لَا حَاجَةَ لَنَا فِيهِمْ ( ).
وَقَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ جَحْشٍ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ اللّهُمّ إنّي أُقْسِمُ عَلَيْكَ أَنْ أَلْقَى الْعَدُوّ غَدًا فَيَقْتُلُونِي ثُمّ يَبْقُرُوا بَطْنِي وَيَجْدَعُوا أَنْفِي وَأُذُنِي ثُمّ تَسْأَلُنِي : فِيمَ ذَلِكَ فَأَقُولُ فِيكَ وَكَانَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ أَعْرَجَ شَدِيدَ الْعَرَجِ وَكَانَ لَهُ أَرْبَعَةُ بَنِينَ شَبَابٌ يَغْزُونَ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذَا غَزَا فَلَمّا تَوَجّهَ إلَى أُحُدٍ أَرَادَ أَنْ يَتَوَجّهَ مَعَهُ فَقَالَ لَهُ بَنُوهُ إنّ اللّهَ قَدْ جَعَلَ لَك رُخْصَةً فَلَوْ قَعَدْتَ وَنَحْنُ نَكْفِيك وَقَدْ وَضَعَ اللّهُ عَنْكَ الْجِهَادَ . فَأَتَى عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّ بَنِيّ هَؤُلَاءِ يَمْنَعُونِي أَنْ أَخْرُجَ مَعَك وَوَاللّهِ إنّي لَأَرْجُو أَنْ أَسْتَشْهِدَ فَأَطَأَ بِعَرْجَتِي هَذِهِ فِي الْجَنّةِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمّا أَنْت فَقَدْ وَضَعَ اللّهُ عَنْكَ الْجِهَادَ وَقَالَ لِبَنِيهِ وَمَا َلَيْكُمْ أَنْ تَدَعُوهُ لَعَلّ اللّهَ عَزّ وَجَلّ أَنْ يَرْزُقَهُ الشّهَادَة فَخَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ( ).
وبعد معركة أحد خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم في اليوم الثاني , الأحد السادس عشر من شهر شوال متعقباً جيش الكفار لبعث الرهبة في نفوسهم، وتأكيد حقيقة تأريخية وهي أن المسلمين لم ينهزموا يومئذ، فاذن مؤذنه: أَنْ لَا يَخْرُجَنّ مَعَنَا أَحَدٌ إلّا أَحَدٌ حَضَرَ يَوْمَنَا بِالْأَمْسِ . فَكَلّمَهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّ أَبِي كَانَ خَلّفَنِي عَلَى أَخَوَاتٍ لِي سَبْعٍ وَقَالَ يَا بُنَيّ إنّهُ لَا يَنْبَغِي لِي وَلَا لَك أَنْ نَتْرُكَ هَؤُلَاءِ أُوثِرُكَ بِالْجِهَادِ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى نَفْسِي ، فَتَخَلّفْ عَلَى أَخَوَاتِك ، فَتَخَلّفْت عَلَيْهِنّ فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَخَرَجَ مَعَهُ ( ).
وعن إبن المنكدر قال: سمعت جابرا يقول : جيء بأبي يوم أحد إلى النبي صلى الله عليه و سلم وقد مثل به فوضع بين يديه فذهبت أكشف عن وجهه فنهاني قوم فسمعوا صوت صائحة فقيل : ابنة عمرو أو أخت عمرو فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ” فلا تبكي ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها( ).
وما عرف أبو جابر بعد إستشهاده إلا ببنانه أي أصابعه، وقيل أطرافها ودفن عبد الله بن عمروا بن حرام في قبر واحد مع عمرو بن الجموح بن زيد بن الحرام، وكان على أخته هند بنت عمروا بن حرام وكلاهما من بني سلمة من الأنصار، وكانت بينهما محبة، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ادْفِنُوا هَذَيْنَ الْمُتَحَابّيْنِ فِي الدّنْيَا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ ( ).
وأخرج إبن مندة عن طلحة بن عبيد الله قال: أردت مالي بالغابة فأدركني الليل فأويت إلى قبر عبد الله بن عمرو بن حرام فسمعت قراءة من القبر ما سمعت أحسن منها فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال ذاك عبد الله ألم تعلم ان الله قبض أرواحهم فجعلها في قناديل من زبرجد وياقوت ثم علقها وسط الجنة فإذا كان الليل ردت إليهم أرواحهم فلا تزال كذلك حتى إذا طلع الفجر ردت أرواحهم إلى مكانها الذي كانت فيه ( ).
وبعد مرور ست وأربعين سنة على معركة أحد حفر قبره، فرؤى أبو جابر ويده (عَلَى جُرْحِهِ كَمَا وَضَعَهَا حِينَ جُرِحَ فَأُمِيطَتْ يَدُهُ عَنْ جُرْحِهِ فَانْبَعَثَ الدّمُ فَرُدّتْ إلَى مَكَانِهَا فَسَكَنَ الدّمُ . وَقَالَ جَابِرٌ رَأَيْتُ أَبِي فِي حُفْرَتِهِ حِينَ حُفِرَ عَلَيْهِ كَأَنّهُ نَائِمٌ وَمَا تَغَيّرَ مِنْ حَالِهِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ . وَقِيلَ لَهُ أَفَرَأَيْتَ أَكْفَانَهُ ؟ فَقَالَ إنّمَا دُفِنَ فِي نَمِرَةٍ خُمّرَ وَجْهُهُ وَعَلَى رِجْلَيْهِ الْحَرْمَلُ فَوَجَدْنَا النّمِرَةَ كَمَا هِيَ وَالْحَرْمَلُ عَلَى رِجْلَيْهِ عَلَى هَيْئَتِهِ وَبَيْنَ ذَلِكَ سِتّ وَأَرْبَعُونَ سَنَة ( ).
قالوا وكان عبد الله بن عمرو بن حرام أول قتيل قتل من المسلمين يوم أحد، قتله سفيان بن عبد شمس أبو أبي الأعور السلمي، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الهزيمة وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ادفنوا عبد الله بن عمرو وعمرو بن الجموح في قبر واحد لما كان بينهما من الصفاء، وكان عبد الله بن عمرو رجلا أحمر أصلع ليس بالطويل، وكان عمرو بن الجموح رجلا طويلا فعرفا فدفنا في قبر واحد، وكان قبرهما مما يلي المسل( ) فدخله السيل فحفر عنهما وعليهما نمرتان وعبد الله قد أصابه جرح في وجهه فيده على جرحه فأميطت يده عن جرحه فانبعث الدم فردت يده إلى مكانها فسكن الدم.
قال جابر: فرأيت أبي في حفرته كأنه نائم , وما تغير من حاله قليل ولا كثير، فقيل له: فرأيت أكفانه؟ قال: إنما كفن في نمرة خمر بها وجهه وجعل على رجليه الحرمل فوجدنا النمرة كما هي والحرمل على رجليه على هيئته وبين ذلك ست وأربعون سنة. فشاورهم جابر في أن يطيب بمسك فأبى ذلك أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقالوا: لا تحدثوا فيهم شيئا. وحولا من ذلك المكان إلى مكان آخر وذلك أن القناة كانت تمر عليهما، وأخرجوا رطابا يتثنون.
أخبرنا عمرو بن الهيثم أبو قطن قال: أخبرنا هشام الدستوائي عن أبي الزبير عن جابر قال: صرخ بنا إلى قتلانا يوم أحد حين أجرى معاوية العين فأخرجناهم بعد أربعين سنة لينة أجسادهم تنثنى أطرافهم.
وعن جابر بن عبد الله قال: دفن مع أبي رجل في القبر فلم تطب نفسي حتى أخرجته فدفنته وحده.
وعنه أيضاً أن أباه قال له: إني أرجو أن أكون في أول من يصاب غدا فأوصيك ببنات عبد الله خيرا، فأصيب فجعلنا الإثنين في قبر واحد فدفنته مع آخر في قبر فلبثنا ستة أشهر، ثم إن نفسي لم تدعني حتى أدفنه وحده فاستخرجته من القبر فإذا الأرض لم تأكل شيئا منه إلا قليلا من شحمة أذنه( ).
روى جابر عن أبيه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتختم بيمينه.
5- عمرو بن الجموح
عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة الأنصاري السلمي من بني جشم بن الخزرج، شهد العقبة ثم شهد بدراً وقتل يوم أحد شهيداً، ودفن هو وعبد الله بن عمرو بن حرام في قبرٍ واحدٍ، وكانا صهرين , وكان عمرو بن الجموح أعرج فقيل له يوم أحد: والله ما عليك من حرج لأنك أعرج فأخذ سلاحه وولى وقال: والله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة. فلما ولى أقبل على القبلة وقال: اللهم ارزقني الشهادة، ولا تردني إلى أهلي خائباً، فلما قتل يوم أحد جاءت زوجته هند بنت عمرو بن حرام فحملته، وحملت أخاها عبد الله بن عمرو بن حرام على بعير، ودفنا جميعاً في قبرٍ واحدٍ كما تقدم.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” والذي نفسي بيده إن منكم لمن لو أقسم على الله لأبره، منهم عمرو بن الجموح. ولقد رأيته يطأ في الجنة بعرجته “.
وقيل: إن عمرو بن الجموح وابنه خلاد بن عمرو بن الجموح حملا جميعاً على المشركين حين انكشف المسلمون، فقتلا جميعاً. وذكره الغلابي، عن العباس بن بكار عن أبي بكر الهذلي عن الزهري والشعبي( ).
قال إبن إسحاق في المغازي : كان عمرو بن الجموح سيدا من سادات بني سلمة وشريفا من أشرافهم وكان قد اتخذ في داره صنما من خشب يعظمه فلما أسلم فتيان بني سلمة منهم ابنه معاذ ومعاذ بن جبل كانوا يدخلون على صنم عمرو فيطرحونه في بعض حفر بني سلمة فيغدو عمرو فيجده منكبا لوجهه في العذرة فيأخذه ويغسله ويطيبه ويقول: لو أعلم من صنع هذا بك لأخزيته ففعلوا ذلك مرارا ثم جاء بسيفه فعلقه عليه وقال: إن كان فيك خير فامتنع فلما أمسى أخذوا كلبا ميتا فربطوه في عنقه وأخذوا السيف فأصبح فوجده كذلك فأبصر رشده وأسلم وقال في ذلك أبياتا منها:
تالله لو كنت إلها لم تكن … أنت وكلب وسط بئر في قرن
وقال ابن الكلبي: كان عمرو بن الجموح آخر الأنصار إسلاما ( ).
ولعمرو من الولد: معاذ، خلاد، عبد الرحمن، هند.
قالوا: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر من الأنصار، فقال: ” من سيدكم ” ؟ فقالوا: الجد بن قيس على بخلٍ فيه. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ” وأي داءٍ أدوى من البخل؟ بل سيدكم الجعد الأبيض عمرو بن الجموح ” وقال شاعر الأنصار في ذلك:
وقال رسول الله والحق قوله … لمن قال منا: من تسمون سيدا
فقالوا له: جد بن قيسٍ على التي … نبخله فيها وإن كان أسودا
فتى ما تخطى خطوةً لدنيةٍ … ولا مد في يومٍ إلى سوءةٍ يدا
فسود عمرو بن الجموح لجوده … وحق لعمرو بالندى أن يسودا
إذا جاءه السؤال أذهب ماله … وقال: خذوه إنه عائد غدا
فلو كنت يا جد بن قيسٍ على التي…على مثلها عمرو لكنت مسودا.
وقيل لم يشترك عمرو بن الجموح في معركة بدر وذكر أن الجد بن قيس كان منافقاً، وعن إبن عباس انه نزل فيه قوله تعالى[وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلاَ تَفْتِنِّي]( )، ورواه ابن مردويه من حديث عائشة بسند ضعيف أيضاً , ومن حديث جابر بسند مبهم، وعن جابر أن الجد تخلف يوم الحديبية عن البيعة، أخرجه ابن عساكر من طريق الأعمش( ).
وفيه دلالة على الإعجاز في سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن أزاح المنافق عن رئاسة قوم كيلا يكون برزخاً دون صدق إيمانهم، وجاء الإعجاز الآخر بتفاني عمرو بن الجموح في طاعة الله ورسوله , واستشهاده يوم أحد مع أنه كان شيخاً كبيراً وأعرج، قال تعالى[لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ]( ).
وعن إبن عباس قال: كان عمرو بن الجموح شيخاً كبيراً أعرج. فذكر الحديث في شهوده أحداً قال: وكان معه غلام له يقال له سليم فقال له: ارجع إلى أهلك. فقال: وما عليك أن أصيب معك اليوم خيراً. فتقدم العبد فقاتل حتى قتل( ).
أولاد عمرو بن الجموح
قتل مخلد بن عمروا بن الجموح في معركة مؤتة ولا عقب له، وشهد معوذ ومعاذ وخلاد معركة بدر وأحد، ولم يذكر إبن إسحاق شهادة معوذ لمعركة بدر وليس لمعوذ أو خلاد عقب.
والمشهور أن عمرو بن مجموح شهد هو وأبناؤه معركة بدر وأحد، وقد قتل عمرو بن الجموح وأبناؤه معّوذ وخلاد وأبو أيمن يوم أحد شهداء.
أما معاذ بن عمرو والذي شهد العقبة وبدراً فهو الذي قطع رجل أبي جهل بن هشام وصرعه، فضرب إبنه عكرمة بن أبي جهل يد معاذ فطرحها.
عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه و سلم قال يوم بدر : ” من ينظر ما صنع أبو جهل ” فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد . وصح أيضا عن ابن مسعود أنه وجده يومئذ وبه رمق فأجهز عليه وأخذ سيفه وبه أجهز عليه فنفله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إياه , ولمعاذ ابن عفراء رواية عن النبي صلى الله عليه و سلم في النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر( ).
مات معاذ ابن عفراء في خلافة علي بن أبي طالب عليه السلام.
قال ابن إسحاق : حدثني ثور بن يزيد عن عكرمة عن ابن عباس وعبد الله بن أبي بكر قد حدثني بذلك أيضا قالا : قال معاذ بن عمرو بن الجموح أحد بني سلمة : سمعت القوم وأبو جهل في مثل الحرجة قال ابن هشام : الحرجة الشجر الملتف وهم يقولون : أبو الحكم لا يخلص إليه فلما سمعتها جعلته من شأني فصمدت نحوه فلما أمكنني حملت عليه فضربته ضربة أطنت قدمه بنصف ساقه فوالله ما شبهتها حين طاحت إلا بالنواة تطير من تحت مرضخة النوى . قال : وضربني ابنه عكرمة على عاتقي فطرح بيدي فتعلقت بجلدة من جنبي وأجهضني القتال عنه فلقد قاتلت عامة نهاري وإني لأسحبها خلفي فلما آذتني وضعت عليها قدمي ثم تمطيت بها حتى طرحتها .
قال ابن إسحاق : ثم عاش بعد ذلك حتى كان زمان عثمان . ثم قال : مر بأبي جهل وهو عقير معوذ ابن عفراء فضربه حتى أثبته فتركه وبه رمق وقاتل معوذ ابن عفراء حتى قتل يومئذ ومر عبد الله بن مسعود بأبي جهل فأجهز عليه وأخذ رأسه . هكذا ذكر ابن إسحاق هذا الخبر في السيرة من رواية ابن هشام عن زياد البكائي عن معاذ بن عمرو بن الجموح وذكره ابن إدريس عن ابن إسحاق لمعاذ ابن عفراء .
وفي حديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: نعم الرجل معاذ بن عمرو بن الجموح( )، ومات معاذ بن عمرو بن الجموح سنة إثنتين وثلاثين للهجرة.
وقد ذكر ابن سنجر عن موسى بن إسماعيل عن يوسف بن يعقوب الماجشون عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن جده قال : بينما أنا واقف في الصف يوم بدر فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما فتمنيت أن أكون بين أضلع منهما فغمزني أحدهما فقال : يا عم أتعرف أبا جهل قلت : نعم وما حاجتك إليه يا بن أخي قال : أنبئت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه و سلم والذي نفسي بيده لو رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يقتل الأعجل منا موت( ). قال : فعجبت وغمزني الآخر فقال مثلها فلم ألبث أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس فقلت : ألا تريان هذا صاحبكم الذي تسألان عنه فابتداره بأسيافهما فضرباه حتى قتلاه ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فأخبراه فقال : ” أيكم قتله فقال كل واحد منهما : أنا قتلته . فقال : ” هل مسحتما سيفيكما قالا : لا فنظر في السيفين فقال: ” كلاكما قتله وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح والآخر معاذ بن عفراء)( ).
وهند بنت عمرو بن الجموح ، تزوجها محيصة بن مسعود من بني حارثة فولدت له حراماً ودحية والربيع بني محيصة، أسلمت هند وبايعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإسم وأم هند بنت عمرو أيضاً هند، وهي هند بنت قيس بن القريم ويوم أحد حملت هند بنت عمرو عمة جابر بن عبدالله زوجها وأخاها وإبنها خلاد بعد قتلهم على بعير ثم أمرت بهم فردوا إلى أحد فدفنوا هناك.
6- خارجة بن زيد
خارجة بن زيد بن أبي زهير أخذته الرماة يوم أحد فجرح بضعة عشر جرحا فمر به صفوان بن أمية فعرفه فأجهز عليه ومثل به وقال هذا ممن أغرى بأبي علي يوم بدر – يعني أباه أمية بن خلف وكان أمية بن خلف الجمحي والد صفوان يكنى أبا علي بإبنه علي وقتل معه يوم بدر)( ).
وخارجة بن زيد من الخزرج وشهد بدراً، وتزوج إبنته حبيبة أبو بكر وقيل إسمها مليكة فمات عنها وهي حامل فولدت له بنت إسمها أم كلثوم تزوجها طلحة بن عبيد الله فولدت له زكريا وعائشة.
وشهد خارجة بن زيد بيعة العقبة، وواقعة بدر(وقال إبن الأثير: وكان خارجة هذا من كبار الصحابة وأعيانهم)( ).
ودفن خارجة بن زيد مع سعد بن الربيع(في قبر واحد فلما أجرى معاوية كظامه( ) نادى مناديه بالمدينة من كان له قتيل بأحد فليشهد فخرج الناس إلى قتلاهم فوجدوهم رطابا يتثنون وكان قبر سعد بن الربيع وخارجة بن زيد معتزلا فترك وسوي عليه التراب)( ).
وتزوج زيد بن خارجة بن زيد أنيسة بنت حبيب فولدت له عبد الله ومحمداً وأم كلثوم، وأسلمت وبايعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحجت معه وروي عن أنيسة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مؤذنان: بلال وإبن أم كلثوم، ولم يكن بين أذانيهما إلا أن ينزل هذا ويصعد هذا، وكنا نحبسه ونقول: كما أنت حتى نتسحر)( ).
ويعود الضمير الهاء في(نحبسه) لإبن أم مكتوم فقد ورد بالإسناد عنها قالت: كان بلال وابن ام مكتوم يؤذنان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن ام مكتوم وكنا نحبس ابن ام مكتوم عن الاذان فنقول كما انت حتى نتسحر ولم يكن بين اذانهما الا ان ينزل هذا ويصعد هذا)( ) .
7- سعد بن ربيع بن أبي زهير الأنصاري الخزرجي
أحد نقباء الأنصار، وشهد العقبة الأولى والثانية، وشهد بدراً، وقتل يوم أحد شهيداً، وهو نقيب بني الحارث بن الخزرج هو وعبد الله بن رواحة.
وآخى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينه وبين عبد الرحمن بن عوف الذي نقل عن سعد بن الربيع أنه قال له: إني أكثر الأنصار مالاً فاقاسمك نصف مالي( )، وفيه مسائل:
الأولى : لم يخرج سعد بن الربيع للقتال يوم بدر أو أحد طمعاً في مال، إنما أراد تعظيم شعائر الله وإعلاء كلمة التوحيد.
الثانية : تساوي المؤمنين في ميدان المعركة الغني والفقير، والنقيب وغيره.
الثالثة : وقوع الخلاف في تركة سعد بن الربيع، وإستحواذ عمه عليها، ورفع المسألة إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونزول القرآن به كما سيأتي.
ويوم بدر عندما دنا المشركون من المدينة قال رسول الله قوموا إلى جنة عرضها السموات والارض “.
قال يقول عمير بن الحمام الانصاري: يا رسول الله جنة عرضها السموات والارض.
قال: نعم.
قال: بخ بخ ؟ فقال رسول الله: ” ما يحملك على قول بخ بخ ؟ قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها.
قال: فإنك من أهلها.
قال: فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها حياة طويلة ! قال: فرمى ما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل رحمه الله( ).
ولما تزوج عبد الرحمن بن عوف بنت أبي الميسر، قال له سعد أولم ولو بشاة.
وأم سعد بن الربيع هزيلة بنت عمرو بن عتبة من الخزرج، ممن بايع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وبعد الربيع تزوج هزيلة خارجة بن زيد بن أبي زهير فولدت له زيداً بن خارجة الذي تكلم بعد موته أيام عثمان بن عفان.
وتزوج سعد بن الربيع عمرة بنت حزن بن زيد التي أسلمت وبايعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وقتل سعد بن الربيع يوم أحد وزوجته حامل، فولدت جميلة وتكنى أم سعد، وتزوجها زيد بن ثابت بن الضمان فولدت له سعداً وخارجة وسليمان ويحيى وإسماعيل وعثمان وأم زيد.
وفي المرسل أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد أن يلتمس سعد بن الربيع في القتلى (وقال من يأتيني بخبر سعد بن الربيع؟ فقال رجل: أنا، فذهب يطوف بين القتلى فوجده وبه رمق فقال له سعد بن الربيع: ما شأنك؟ فقال الرجل: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم لآتيه بخبرك. قال: فاذهب إليه فأقرأه مني السلام وأخبره أني قد طعنت اثنتي عشرة طعنة وأني قد أنفذت مقاتلي. وأخبر قومك أنهم لا عذر لهم عند الله إن قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وواحد منهم حي( ).
قتل مع سعد أخوه ودفنا في قبر واحد، كما روته إبنته جميلة بنت سعد التي أدركت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وروت عنه.
إن سؤال النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن سعد بن الربيع، وأمره بتفقده ومعرفة ما فعل من بين جيش المسلمين البالغ عددهم سبعمائة مقاتل يدل على ما له من المنزلة والشأن الرفيع، وإن تعدد سؤال النبي عن غيره , وفي هذا السؤال إعجاز لأن الجواب جاء على وجوه:
الأول : إدراك سعد بن الربيع وفيه رمق من الحياة.
الثاني : التوثيق التأريخي لجهاد الصحابة في سبيل الله.
الثالث : بيان بذل الصحابة الوسع في الدفاع عن الإسلام، وتلقي سعد بن الربيع اثنتي عشرة طعنة قبل أن يهوي إلى الأرض.
الرابع : وصية سعد بن الربيع للأنصار باستدامة الجهاد في سبيل الله.
الخامس : تفاني الأنصار في الذب عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن الشواهد على هذا التفاني يوم أحد أن أبا دجانة ترّس نفسه دون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فيتوالى النبل على ظهره وهو ينحني عليه ويحرص على عدم الحركة لتأمين سلامة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
السادس : مبادرة الأنصار للإستجابة لسؤال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في معرفة حال وشأن سعد.
وفي أوان سؤال النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن سعد بن الربيع وجوه :
الأول : سأل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن سعد بن الربيع قبل أن يلتمس عمه الحمزة في القتلى، أي أنه كان يعلم بأن حمزة قد قتل، وأراد أن يعلم حال سعد بن الربيع.
عن محمد بن إسحاق عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة المازنى أخى بني النجار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من رجل ينظر لي ما فعل سعد ابن الربيع وسعد أخو بنى الحارث بن الخزرج أفى الاحياء هو أم في الاموات فقال رجل من الانصار أنا أنظر لك يا رسول الله ما فعل فنظر فوجده جريحا في القتلى به رمق قال فقلت له ان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمرنى أن أنظر له أفى الاحياء أنت أم في الاموات قال فأنا في الاموات أبلغ رسول الله عنى السلام وقل له ان سعد بن الربيع يقول لك جزاك الله خير ما جرى نبى عن أمته وأبلغ عنى قومك السلام وقل لهم إن سعد بن الربيع يقول لكم إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم صلى الله عليه وسلم وفيكم عين تطرف ثم لم أبرح حتى مات فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته خبره وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني يلتمس حمزة بن عبد المطلب فوجده ببطن الوادي قد بقر بطنه عن كبده ومثل به فجدع أنفه وأذناه( ).
الثاني : حالما توقف نزف الدم عن وجه ورأس النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سأل عن سعد بن الربيع ، فلما إنصرف المشركون من أحد راجعين إلى مكة خرجت النساء إلى الصحابة لإعانتهم ومداواة الجرحى، فكانت فاطمة عليها السلام معهن، فلما رأت النبي صلى الله عليه وآله وسلم إعتنقته وجعلت تغسل الدم عن وجهه ورأسه وعلي عليه السلام يسكب الماء بالمجن، وهو يزداد، فأخذت قطعة من حصير فاشعلت فيها النار حتى صار رماداً وكمدته بها حتى لصق بالجرح واستمسك الدم، ثم أرسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم محمد بن سلمة فنادى في القتلى ياسعد بن الربيع، وكرر النداء فلم يسمع جواباً، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلني أنظر ما صنعت؟ فأجاب بصوتٍ ضعيف، فوجدته جريحَاً في القتلى وبه رمق، فقال سعد: أبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم مني السلامَ وقل له: يقول لك: جزاك الله عنا خَيرَ ما جزى نبيُّاً عن أمته، وأبلغْ قومك عنى السلام، وقل لهم: لا عذر لكم عند الله أن يخلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف، ثم مات( ).
الثالث : سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن سعد بن الربيع بعد أن إطمأن من مغادرة كفار قريش وإلتماسه حمزة بين القتلى ووقوفه عليه إذ أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الإمام علي عليه السلام بالخروج في أثر كفار قريش وقال له ( فان كانوا قد اجتنبوا الخيل وامتطوا الابل فانهم يريدون مكة وإن ركبوا الخيل وساقوا الابل فانهم يريدون المدينة والذي نفسي بيده لئن أرادوها لاسيرن إليهم فيها ثم لانجزتهم فخرج في آثارهم فأراهم قد اجتنبوا الخيل وامتطوا الابل ووجهوا إلى مكة فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره وفرغ الناس لقتلاهم وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتمس حمزة فوجده ببطن الوادي قد بقر بطنه عن كبده ومثل به فوقف عليه وقال لو لا أن تحزن صفية أن تكون سنة بعدي ما غيبته ولتركته حتى يكون في بطون السباع والطير ولئن أظهرني الله عليهم لامثلن فأنزل الله وان عاقبتم فعاقبوا الآية ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبحي ببردة.
ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم من رجل ينظر ما فعل سعد بن الربيع أفى الاحياء هو أم في الاموات.
واحتمل الناس قتلاهم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدفنوهم حيث صرعوا بدمائهم وأن لا يغسلوا ولا يصلى عليهم فكان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ويقول وأيهم أكثر أخذ للقرآن فإذا أشير إليه بأحدهما قدمه في اللحد وقال أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة( ).
الرابع : الإطلاق في ذكر السؤال وعدم تقييده بحال مخصوص(قال زيد بن ثابت: بَعَثَنِي رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَوْمَ أُحُدٍ أَطْلُبُ سَعْدَ بْنَ الرّبِيعِ فَقَالَ لِي : إنْ رَأَيْتَهُ فَأَقْرِئْهُ مِنّي السّلَامَ وَقُلْ لَهُ يَقُولُ لَكَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَيْفَ تَجِدُكَ ؟ قَالَ فَجَعَلْتُ أَطُوفُ بَيْنَ الْقَتْلَى فَأَتَيْته وَهُوَ بِآخِرِ رَمَقٍ وَفِيهِ سَبْعُونَ ضَرْبَةً مَا بَيْنَ طَعْنَةٍ بِرُمْحٍ وَضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ وَرَمْيَةٍ بِسَهْمٍ فَقُلْت : يَا سَعْدُ إنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السّلَامَ وَيَقُولُ لَك : أَخْبِرْنِي كَيْفَ تَجِدُكَ ؟ فَقَالَ وَعَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ السّلَامُ قُلْ لَهُ يَا رَسُولَ اللّهِ أَجِدُ رِيحَ الْجَنّةِ وَقُلْ لِقَوْمِيَ الْأَنْصَارِ : لَا عُذْرَ لَكُمْ عِنْدَ اللّهِ إنْ خُلِصَ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَفِيكُمْ عَيْنٌ تَطْرِفُ وَفَاضَتْ نَفْسُهُ مِنْ وَقْتِه)( ) .
وتلتقي هذه الأحاديث في تثبيت وصية سعد لقومه في آخر ساعة من حياته بالذب عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والقتال دونه والدفاع عن بيضة الإسلام فمع كثرة أمواله فانه لم يجعل لها موضوعية في وصيته فأكرمه الله بأن أنزل القرآن في حفظ ماله وتركته، وتركة المؤمنين وإلى يوم القيامة.
وورد ذكر سعد بن الربيع في أسباب نزول عدد من الآيات وهي:
الأولى : قوله عز وجل[الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ]( ) نزلت فى سعد بن الربيع بن عمرو ، من النقباء ، وفى امرأته حبيبة بنت زيد بن أبى زهير ، وهما من الأنصار من بنى الحارث بن الخزرج ، وذلك أنه لطم امرأته ، فأتت أهلها ، فانطلق أبوها معها إلى النبى صلى الله عليه وسلم ، فقال: أنكحته وأفرشته كريمتى فلطمها، فقال النبى صلى الله عليه وسلم : لتقتص من زوجها، فأتت مع زوجها لتقتص منه، ثم قال النبى صلى الله عليه وسلم: ارجعوا، هذا جبريل، عليه السلام ، قد أتانى ، وقد أنزل الله عز وجل [الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ]( )، يقول: مسلطون على النساء، {بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ}، وذلك أن الرجل له الفضل على امرأته فى الحق، {وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ }، يعنى وفضلوا بما ساق إليها من المهر ، فهم مسلطون في الأدب والأخذ على أيديهن ، فليس بين الرجل وبين امرأته قصاص إلا فى النفس والجراحة، فقال النبى صلى الله عليه وسلم عند ذلك: أردنا أمراً وأراد الله أمراً، والذى أراد الله خيراً)( ).
الثانية : في أولاد سعد بن الربيع نزل قوله تعالى[يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ]( )، ليبقى قانوناً وحكماً دائماً في الميراث إلى يوم القيامة يمنع من الخصومة والتعدي، ويبعث السكينة في النفوس بقسمة الميراث وفق قواعد سماوية خالية من الغبن والظلم.
وعن جابر بن عبدالله قال: جاءت امرأة بابنتين لها، فقالت: يا رسول الله هاتان بنتا ثابت بن قيس، أو قالت سعد بن الربيع، قتل معك يوم أحد، وقد استفاء عمهما مالهما وميراثهما، فلم يدع لهما مالا إلا أخذه، فما ترى يا رسول الله، فوالله ما ينكحان أبدا إلا ولهما مال، فقال: يقضي الله في ذلك، فنزلت سورة النساء وفيها – يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين – إلى آخر الآية، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ادع لي المرأة وصاحبها، فقال لعمهما: أعطهما الثلثين، وأعط أمهما الثمن، وما بقى فلك)( ).
أي يكون له الربع، وقيل أنه أبو سعد بن الربيع وليس عمه وذكر أن الآية نزلت بسبب جابر بن عبد الله عندما عاده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه لأن أهل الجاهلية كانوا لا يورثون إلا في حال ملاقاة العدو ولا يورثون البنات، وقال السدي نزلت بسبب بنات عبد الرحمن بن ثابت أخي حسان بن ثابت.
الثالثة : أخرج عن عبد الملك بن محمد بن حزم أن عمرة بنت حزم كانت تحت سعد بن الربيع فقتل عنها بأحد، وكان له منها ابنة، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم تطلب ميراث ابنتها، ففيها نزلت {ويستفتونك في النساء…})( ) .
وترك سعد إبنتين وزوجة .
8- النعمان بن مالك
بن ثعلبة بن دعد بن ثعلبة بن عثمان بن عمرو بن عون بن الخزرج، وجده ثعلبة بن دعد هو الذي يسمى قوقل إذ كان يقول للخائف الذي يأتي له: قوقل حيث شئت فإنك آمن.
فسمي بنو غنم وبنو سالم قواقلة، وبه يدعون في الديوان وقيل الذي شهد بدراً وقتل يوم أحد هو النعمان الأعرج بن مالك بن ثعلبة بن أصرم بن فهد بن ثعلبة بن غنم.
وقتل النعمان بن مالك القوقلي يوم بدر عويمر بن السائب بن عويمر مبارزة، وأسر النعمان عبد العزى بن مشنوء فسماه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عبد الرحمن.
وقد نزل بخصوص الإستعداد لمعركة أحد قوله تعالى[وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ]( )، وصعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم المنبر وكان رأى رؤيا( )،وقام بتأويلها لتأكيد حقيقة وهي أن رؤيا النبي وحي، ويتجلى بقوله تعالى في إبراهيم[يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى]( )، فلم يقل له إبنه أنها رؤيا ولا يترتب عليها أثر في الواقع العملي خاصة وأن فيها ذبح للولد، بل قال له(يا أبت أفعل).
وقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أشيروا عليّ , كان ممن تكلم النعمان بن مالك بن ثعلبة أخو بني سالم فقال (يا رسول الله، أنا أشهد أن البقر المذبح قتلى من أصحابك, وإني منهم ) ، أي بلحاظ تأويل الرؤيا(ورأيت بقراً تذبح).
(فلم تحرمنا الجنة؟ فو الذي لا إله إلا هو لأدخلنها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: بم؟ قال: إني أحب الله ورسوله ولا أفر يوم الزحف. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: صدقت! فاستشهد يومئذٍ.
وقال إياس بن أوس ابن عتيك: يا رسول الله، نحن بنو عبد الأشهل من البقر المذبح، نرجو يا رسول الله أن نذبح في القوم ويذبح فينا، فنصير إلى الجنة ويصيرون إلى النار، مع أني يا رسول الله لا أحب أن ترجع قريش إلى قومها فيقولون: حصرنا محمداً في صياصي يثرب وآطامها! فيكون هذا جرأة لقريش، وقد وطئوا سعفنا فإذا لم نذب عن عرضنا لم نزرع، وقد كنا يا رسول الله في جاهليتنا والعرب يأتوننا، ولا يطمعون بهذا منا حتى نخرج إليهم بأسيافنا حتى نذبهم عنا، فنحن اليوم أحق إذ أيدنا الله بك، وعرفنا مصيرنا، لا نحصر أنفسنا في بيوتنا.
وقام خيثمة أبو سعد بن خيثمة فقال يا رسول الله، إن قريشاً مكثت حولاً تجمع الجموع وتستجلب العرب في بواديها ومن تبعها من أحابيشها، ثم جاءونا قد قادوا الخيل وامتطوا الإبل حتى نزلوا بساحتنا فيحصروننا في بيوتنا وصياصينا، ثم يرجعون وافرين لم يكلموا، فيجرئهم ذلك علينا حتى يشنوا الغارات علينا، ويصيبوا أطرافنا، ويضعوا العيون والأرصاد علينا، مع ما قد صنعوا بحروثنا، ويجترىء علينا العرب حولنا حتى يطمعوا فينا إذا رأونا لم نخرج إليهم، فنذبهم عن جوارنا وعسى الله أن يظفرنا بهم فتلك عادة الله عندنا، أو تكون الأخرى فهي الشهادة.
لقد أخطأتني وقعة بدر وقد كنت عليها حريصاً، لقد بلغ من حرصي أن ساهمت ابني في الخروج , فخرج سهمه فرزق الشهادة، وقد كنت حريصاً على الشهادة. وقد رأيت ابني البارحة في النوم في أحسن صورة، يسرح في ثمار الجنة وأنهارها وهو يقول: الحق بنا ترافقنا في الجنة، فقد وجدت ما وعدني ربي حقاً! وقد والله يا رسول الله أصبحت مشتاقاً إلى مرافقته في الجنة، وقد كبرت سني، ورق عظمي، وأحببت لقاء ربي، فادع الله يا رسول الله أن يرزقني الشهادة ومرافقة سعد في الجنة. فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلّم بذلك، فقتل بأحد شهيداً.
وقالوا: قال أنس بن قتادة يا رسول الله، هي إحدى الحسنيين، إما الشهادة وإما الغنيمة والظفر في قتلهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: إني أخاف عليكم الهزيمة قالوا: فلما أبوا إلا الخروج صلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم الجمعة بالناس، ثم وعظ الناس وأمرهم بالجد والجهاد، وأخبرهم أن لهم النصر ما صبروا. ففرح الناس بذلك حيث أعلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلّم بالشخوص إلى عدوهم، وكره ذلك المخرج بشرٌ كثيرٌ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وأمرهم بالتهيؤ لعدوهم. ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم العصر بالناس، وقد حشد الناس وحضر أهل العوالي( )، ورفعوا النساء في الآطام)( ).
9- عبدة بن الحسحاس
بن عمرو بن زمزمة، وهو إبن عم المجذر بن زياد وأخوه لأنه شهد بدراً، وأسر قيس بن السائب يومئذ وقتل يوم أحد شهيداً على رأس إثنين وثلاثين شهراً من الهجرة وليس له عقب)( ).
وذكره إبن إسحاق بإسم عبادة بن الخشخاش، وأنه(دفن هو والمجذر بن زياد والنعمان بن مالك في قبر واحد. ذكره إبن إسحاق وأبو معشر في البدريين وسماه الواقدي عبدة وسماه أبو عمر عباد بالفتح والتشديد بغيرها، وقال فيه إبن منده العنبري وهو وهم منه فإنهم اتفقوا على أنه بلوي وأنه حليف بني سليم. وقد روى إبن منده من طريق يونس بن بكير عن إبن إسحاق وقتل يوم أحد من بني عوف بن الخزرج ثم من بني سالم عبادة بن الخشخاش قال إبن الأثير لعل إبن مندة رأى الخشخاش العنبري في الصحابة فظن أن هذا ولده وليس كذلك)( ).
10- عبد الله بن جحش بن رئاب
وهو من بني أسد بن خزيمة، وأخته زينب بنت جحش زوج النبي وأختها حمنة زوج مصعب بن عمير ولم يولد له منها ، ولما استشهد مصعب يوم أحد تزوجها طلحة بن عبيد الله، فولدت له محمد، وكانت تستحاض هي وأختها أم حبيبة بنت جحش، ومنهم من يسقط الهاء فيقول أم حبيب، وكانت عند عبد الرحمن بن عوف، وأخوه عبد بن جحش غلبت عليه كنيته أبو أحمد هاجر إلى الحبشة، وأم عبد الله إبن جحش وأخيه أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله , فعبد الله هو إبن عمة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وكان عبد الله هو الأخ الأكبر وإحتمل باهله وأخيه أبي أحمد بن جحش الشاعر الأعمى.
وزوجة أبي أحمد هذا الفارعة بنت أبي سفيان بن حرب ومات بعد وفاة أخته زينب بنت جحش زوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التي توفت سنة عشرين للهجرة وقيل سنة إحدى وعشرين، وحينما وقعت معركة أحد، لم تكن زينب بنت جحش عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ تزوجها في أول ذي القعدة سنة خمس من الهجرة وهي يومئذ بنت خمس وثلاثين سنة.
وكانت عند زيد بن حارثة وكان الناس يظنون أن زيداً إبن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من شدة حب النبي له.
فأراد الله عز وجل أمراً، فنزل قوله تعالى[َلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ] ( )، وعن أنس قال: جاء زيد بن حارثة رضي الله عنه يشكو زينب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : اتق الله وامسك عليك زوجك فنزلت[وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ] ( )، قال : أنس رضي الله عنه فلو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتماً شيئاً لكتم هذه الآية . فتزوّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما أولم على امرأة من نسائه ما أولم عليها . ذبح شاة[فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا]( )، فكانت تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تقول : زوّجكن أهاليكن ، وزوّجني الله من فوق سبع سموات ( ).
وعن أنس قال: لما انقضت عدة زينب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد « اذهب فاذكرها عليَّ فانطلق قال : فلما رأيتها عظمت في صدري ، فقلت : يا زينب أبشري أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرك قالت : ما أنا بصانعة شيئاً حتى أوامر ربي ، فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن ، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل عليها بغير إذن ، ولقد رأيتنا حين دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أطعمنا عليها الخبز واللحم ، فخرج الناس وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطعام ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم واتبعته ، فجعل يتبع حُجَرَ نسائه يسلم عليهن ويقلن : يا رسول الله كيف وجدت أهلك؟ فما أدري أنا أخبرته أن القوم قد خرجوا أو أخبر ، فانطلق حتى دخل البيت ، فذهبت ادخل معه ، فألقى الستر بيني وبينه ، فنزل الحجاب ووعظ القوم بما وعظوا به { لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم} ( ).
ولعبد الله بن جحش أخ آخر وهو عبيد الله بن جحش، مات بأرض الحبشة نصرانياً، وكانت تحته أم حبيبة بنت أبي سفيان، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , وزوجة عبد الله بن جحش زينب بنت خزيمة وكانت تسمى في الجاهلية أم المساكين ولما قتل عنها عبد الله يوم أحد، تزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سنة ثلاث للهجرة، ولم تلبث شهرين أو ثلاثة عنده وتوفيت( ).
ويكنى عبد الله بن جحش المجدع في الله للتمثيل به يوم أحد.
قال عثمان الجحشي عن أبيه: كان بنو غنم بن دودان أهل إسلامٍ، قد أوعبوا( )، في الهجرة إلى المدينة رجالهم ونساؤهم، فخرجوا جميعاً، وتركوا دورهم مغلقةً، فخرج عبد الله بن جحش، وأخوه أبو أحمد بن جحش، واسمه عبد، وعكاشة بن محصن، وأبو سنان بن محصن، وسنان بن أبي سنان، وشجاع بن وهب، وأخوه عقبة بن وهب، وأربد بن حميرة، ومعبد بن نباتة، وسعيد بن رقيش، ومحرز بن نضلة، وقيس بن جابر، وعمرو بن محصن بن مالك، ومالك بن عمرو، وصفوان بن عمرو، وثقاف بن عمرو، وربيعة بن أكثم، وزبير بن عبيد: فنزلوا جميعاً على مبشر بن عبد المنذر. وأم عبد الله بن جحش: أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي.
قال ابن ماكولا: وأما برة، باؤه مضمومة: برة بن رئاب، وهو جحش، والد عبد الله وأبي أحمد، وعبيد الله، وزينب، وحمنة بني جحش، كان اسم جحش في الجاهلية برة، ورد ذلك في حديث رواه مقسم، عن ابن عباس، عن زينب بنت جحش( ).
وعقد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في السنة الثانية في أول رجب لواء لعبد الله بن جحش إلى نخلة، وفيها قتل إبن الحضرمي لليلة بقيت من جمادي الآخرة، وقيل هي أول سرية في الإسلام، ولكن سرية حمزة هي الأولى إذ بعثه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في جمادى الأولى من السنة الأولى (فكان أول من غزا في سبيل الله وأول من عقدت له راية في الإسلام خرج في ثلاثين راكباً إلى سيف البحر فلقوا أبو جهل بن هشام في ثلاثمائة من قريش فحجز بينهم رجل من جهينة فافترقوا من غير قتال ثم بعث عبيدة بن الحارث في خمسين راكباً يعارض عيراً لقريش فلقوا جمعاً كثيراً فتراموا بالنبل ولم يكن بينهم مسايفة( ).
والذي قتل إبن الحضرمي هو واقد بن عبد الله التميمي الذي أسلم قبل دخول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دار الأرقم، وأخى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينه وبين بشر بن البراء بن معرور، والذي قتل ابن الحضرمي هو (واقد التميمي مع عبد الله بن جحش حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نخلة فلقي عمرو بن الحضرمي خارجا نحو العراق فقتله واقد التميمي فبعث المشركون أهل مكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم : إنكم تعظمون الشهر الحرام وتزعمون أن القتال فيه لا يصلح فما بال صاحبكم قتل صاحبنا فأنزل الله عز وجل[يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ]. وواقد هذا أول قاتل من المسلمين وعمرو بن الحضرمي أول قتيل من المشركين في الإسلام وشهد واقد بن عبد الله بدرا وأحدا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه و سلم( ).
وكان مع عبد الله بن جحش في سريته ثمانية من المهاجرين وهم سعد بن أبي وقاص الزهري، وعكاشة بن محصن الأسدي، وعتبة بن غزوان بن جابر السلمي، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة العبشمي، وسهيل بن بيضاء الحارثي، وعامر بن ربيعة الوائلي العنزي، وواقد بن عبد الله بن عبد مناف التميمي، وخالد بن البكير الليثي: كل اثنين منهم يعتقبان بعيراً ( ).
وليس معهم من الأنصار أحد، وكأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يهيئ أذهان المهاجرين إلى المبارزة في أول لقاء مع العدو وأنه يكون بين المهاجرين والكفار.
وكانت سرية عبد الله بن جحش فخراً لقومه، وكذا زواج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من زينب بنت جحش بأمر من عند الله، قال الشعبي: وقد أخذ العامري بيد الأسدي فهو لا يفارقه قال: فقلت له: يا أخا بني عامر إنه قد كانت لبني أسد ست خصال لا أعلمها كانت بحي من العرب: كانت امرأة زوجها الله عز وجل بنبيه صلى الله عليه وسلم من السماء، والسفير بينهما جبريل، أفكانت هذه لقومك؟ وكان أول لواء عقد في الإسلام لواء عبد الله بن جحش الأسدي، أفكانت هذه لقومك؟ وكان أول مغنم قسم في الإسلام مغنم عبد الله بن جحش، أفكانت هذه لقومك؟ وكان منهم رجل يمشي بين الناس مقنعاً، وهو من أهل الجنة عكاشة بن محصن الأسدي أخو بن غنم بن دودان، فكانت هذه لقومك؟ وكان أول من بايع بيعة الرضوان أبو سنان عبد الله بن وهب فقال: يا رسول الله ابسط يدك أبايعك قال: ” على ماذا؟ ” قال: على ما في نفسك. قال: ” وما في نفسي؟ ” قال: فتح أو شهادة. قال: نعم، فبايعه. قال: فجعل الناس يبايعونه ويقولون: على بيعة أبي سنان على بيعة أبي سنان. فكانت هذه لقومك؟ وكانوا سبع المهاجرين.
روى الشعبي قال: قال مروان لأيمن بن خريم يوم المرج يوم قتل الضحاك بن قيس: ألا تخرج فتقاتل معنا؟ قال: لا. إن أبي وعمي شهدا بدراً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعهدا إلي أن لا أقاتل رجلاً يشهد أن لا إله إلا الله. قال: ائتني ببراءة من النار فأنا معك، قال: اذهب فلا حاجة لنا فيك، فقال: من الوافر:
ولست بقاتلٍ رجلاً يصلي … على سلطان آخر من قريش
له سلطانه وعلي إثمي … معاذ الله من جهلٍ وطيش
أأقتل مسلماً في غير شيءٍ … فلست بنافعي ما عشت عيشي
قال الواقدي: حديث خريم بن فاتك أنه قال: إن أبي وعمي شهدا بدراً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما شهد أبوه ولا عمه بدراً وأنكر ذلك هو والعلماء وقالوا: أهل بدر أعرف من ذلك لا يستطاع الزيادة فيهم ولا النقصان( ).
وكتب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعبد الله كتاباً، وأمره ألا يقرأه إلا بعد مسير يومين، ثم يمضي لما أمره به، ولا يستكره أحداً من أصحابه، ولما سار عبد الله بن جحش يومين فتح الكتاب وقرأ: إذَا نَظَرْت فِي كِتَابِي هَذَا فَامْضِ حَتّى تَنْزِلَ نَخْلَةَ ، بَيْنَ مَكّةَ وَالطّائِفِ ، فَتَرَصّدْ بِهَا قُرَيْشًا وَتَعَلّمْ لَنَا مِنْ أَخْبَارِهِمْ ( ).
فلما نظر عبد الله في الكتاب قال سمع وطاعة ثم قال لاصحابه قد أمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أمضي إلى النخلة فأرصد بها قريشا حتى آتيه منهم بخبر وقد نهانى أن أستكره أحدا منكم فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق ومن كره ذلك فليرجع فأما أنا فماض لامر رسول الله صلى الله عليه وسلم فمضى معه أصحابه فلم يتخلف عنه منهم أحد وسلك على الحجاز.
حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع أضل سعد بن أبى وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما كانا يتعقبانه فتخلفا في طلبه ومضى عبد الله بن جحش وبقية أصحابه حتى نزل بنخلة فمرت به عير لقريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة من تجارة قريش فيها منهم عمرو بن الحضرمي وعثمان بن عبد الله ابن المغيرة وأخوه نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزوميان والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة فلما رآهم القوم هابوهم وقد نزلوا قريبا منهم فأشرف لهم عكاشة ابن محصن وقد كان حلق رأسه فلما رأوه أمنوا وقالوا عمار لا بأس عليكم منهم .
وتشاور القوم فيهم وذلك في آخر يوم من رجب فقال القوم والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن الحرم فليمتنعن به منكم ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام فتردد القوم وهابوا الاقدام عليهم ثم تشجعوا عليهم وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم وأخذ ما معهم فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو الحضرمي بسهم فقتله واستأسر عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان وأفلت نوفل بن عبد الله فأعجزهم وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير والاسيرين حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة.
وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش أن عبد الله ابن جحش قال لاصحابه إن لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما غنتم الخمس وذلك قبل أن يفرض الله من الغنائم الخمس فعزل لرسول الله صلى الله عليه وسلم خمس الغنيمة وقسم سائرها بين أصحابه فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام فوقف العير والاسيرين وأبى أن يأخذ من ذلك شيئا فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم سقط في أيدى القوم وظنوا أنهم قد هلكوا وعنفهم المسلمون فيما صنعوا وقال لهم صنعتم ما لم تؤمروا به وقاتلتم في الشهر الحرام ولم تؤمروا بقتال.
وقالت قريش قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام فسفكوا فيه الدم وأخذوا فيه الاموال وأسروا فيه الرجال .
فقال من يرد ذلك عليهم من المسلمين ممن كان بمكة إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان وقالت يهود تفاءل بذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله , عمرو عمرت الحرب
والحضرمى حضرت الحرب
وواقد بن عبد الله وقدت الحرب
فجعل الله عز وجل ذلك عليهم لا لهم فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم [يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ]( ).
فلما نزل القرآن بهذا الامر وفرج الله عن المسلمين ما كانوا فيه من الشفق قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العير والاسيرين وبعثت إليه قريش في فداء عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نفديكموهما حتى يقدم صاحبانا يعنى سعد بن أبى وقاص وعتبة بن غزوان فإنا نخشاكم عليهما فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم فقدم سعد وعتبة ففاداهما رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم فأما الحكم بن كيسان فأسلم فحسن إسلامه وأقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل يوم بئر معونة شهيدا( ).
وعن سعد بن أبي وقاص أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطبهم وقال: لأبعثن عليكم رجلاً ليس بخيركم، ولكنه أصبركم للجوع والعطش ” فبعث عبد الله بن جحش( ).
ويتصف عبد الله بن جحش بأنه أول من رفعت له راية في الإسلام، وأول من خمُس ماله( ).
وشهد عبد الله بن جحش معركة بدر، وأسر الوليد بن الوليد بن المغيرة أخا هشام وخالد بن الوليد، اللذين تقدما في فدائه(فتمنع عبد الله بن جحش حتى إفتداه بأربعة آلاف درهم فجعل خالد يزيد لا يبلغ ذلك فقال هشام لخالد إنه ليس بابن أمك والله لو أبى فيه إلا كذا وكذا لفعلت. ويقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن جحش: ” لا تقبل في فدائه إلا شكة أبيه الوليد ” . وكانت الشكة درعاً فضفاضة وسيفاً وبيضة فأبى خالد ذلك وأطاع لذلك هشام بن الوليد لأنه أخوه لأبيه وأمه فأقيمت الشكة بمائة دينار فطاعا بذلك وسلماها إلى عبد الله بن جحش. فلما افتداه أسلم فقيل له هلا أسلمت قبل أن تفتدى وأنت مع المسلمين فقال كرهت أن تظنوا بي أني جزعت من الأسار فحبسوه بمكة.
فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو له فيمن دعا له من مستضعفي المؤمنين بمكة ثم أفلت من إسارهم ولحق برسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد عمرة القضية، وكتب إلى أخيه خالد فوقع الإسلام في قلب خالد وكان سبب هجرته ( ).
ولعبد الله بن جحش ولد إسمه محمد ولد قبل هجرة النبي إلى المدينة بخمس سنين هاجر مع أبيه وعميه إلى أرض الحبشة، ثم هاجر مع أبيه إلى المدينة، وله صحبة وقد أوصى عبد الله بن جحش بابنه محمد هذا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاشترى له مالاً بخيبر، وأقطعه داراً بسوق الرقيق بالمدينة.
وروى عن محمد بن جحش قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم جَالِسًا بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ قَالَ : وَكُنَّا مَعَهُ جُلُوسًا قَالَ : فَرَفَعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَصَرَهُ قِبَلَ السَّمَاءِ ، ثُمَّ خَفَضَ بَصَرَهُ ، وَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى جَبْهَتِهِ ، ثُمَّ قَالَ : سُبْحَانَ اللهِ ، مَاذَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ التَّشْدِيدِ قَالَ : فَفَرَقْنَا وَصَمَتْنَا يَوْمَنَا وَلَيْلَتَنَا قَالَ : ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَقُلْتُ : مَا التَّشْدِيدُ ؟ فَقَالَ : فِي الدَّيْنِ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ عَاشَ مَا دَخَلَ الْجَنَّةَ حَتَّى يُقْضَى دَيْنُهُ ( ).
بالإسناد عن سعد بن أبي وقاص قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة جاءته جهينة فقالوا: إنك قد نزلت بين أظهرنا فأوثق حتى نأتيك وقومنا، فأوثق لهم، فأسلموا.
قال: فبعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في رجب ولا نكون مائة، وأمرنا أن نغير على حي من بنى كنانة إلى جنب جهينة، فأغرنا عليهم وكانوا كثيرا فلجأنا إلى جهينة فمنعونا وقالوا: لم تقاتلون في الشهر الحرام ؟ فقال بعضنا لبعض: ما ترون ؟ فقال بعضنا: نأتى نبى الله فنخبره، وقال قوم: لا بل نقيم ها هنا، وقلت أنا في أناس معي: لا بل نأتى عير قريش فنقطعها.
وكان الفئ إذ ذاك من أخذ شيئا فهو له، فانطلقنا إلى العير وانطلق أصحابنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبروه الخبر فقام غضبان محمر الوجه، فقال: ” أذهبتم من عندي جميعا ورجعتم متفرقين ! إنما أهلك من كان قبلكم الفرقة، لابعثن عليكم رجلا ليس بخيركم أصبركم على الجوع والعطش “.
فبعث علينا عبد الله بن جحش الاسدي، فكان أول أمير في الاسلام، وقد رواه البيهقى في الدلائل من حديث يحيى بن أبى زائدة، عن مجالد به نحوه، وزاد بعد قولهم لاصحابه: لم تقاتلون في الشهر الحرام ؟ فقالوا: نقاتل في الشهر الحرام من أخرجنا من البلد الحرام)( ).
وعن سعد بن أبي وقاص : أن عبد الله بن جحش قال له يوم أحد: ألا تأتي فندعوا الله، فجلسوا في ناحية، فدعا سعد، وقال: يا رب، إذا لقيت العدو غداً فلقني رجلاً شديداً بأسه، شديداً حرده، أقاتله فيك، ويقاتلني، ثم ارزقني عليه الظفر حتى أقتله، وآخذ سلبه، فأمن عبد الله بن جحش، ثم قال: اللهم ارزقني غداً رجلاً شديداً بأسه، شديداً حرده، أقاتله فيك ويقاتلني فيقتلني، ثم يأخذني فيجدع أنفي وأذني، فإذا لقيتك قلت: يا عبد الله، فيم جدع أنفك وأذنك؟ فأقول: فيك وفي رسولك، فتقول: صدقت. قال سعد: كانت دعوة عبد الله بن جحش خيراً من دعوتي لقد رأيته آخر النهار وإن أذنه وأنفه معلقان جميعاً في خيط .
وذكر الزبير في الموفقيات أن عبد الله بن جحش انقطع سيفه يوم أحد فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عرجون نخلة فصار في يده سيفاً يقال إن قائمته منه وكان يسمى العرجون ولم يزل يتناول حتى بيع من بغا التركي بمائتي دينار ويقولون: إنه قتله يوم أحد أبو الحكم بن الأخنس بن شريق الثقفي وهو يوم قتل ابن نيف وأربعين سنة( ).
وعن محمد بن عمر الواقدي عن أشياخه الذين روى عنهم قصة يوم أحد قال: وقال عبد الله بن جحش: يا رسول الله، هؤلاء القوم قد نزلوا حيث ترى، وقد سألت الله ورسوله فقلت: اللهم إني أقسم عليك أن نلقي العدو غداً فيقتلونني ويبقرونني ويمثلون بي، وألقاك مقتولاً قد صبغ هذا بي، فتقول فيم صنع بك هذا؟ فأقول: فيك! وأنا أسألك أجرى أن تلي تركتي من بعدي! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” نعم ” ، فخرج عبد الله حتى قتل ومثل به كل المثل، ودفن هو وحمزة في قبر واحد، وولي تركته رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشترى لابنه مالاً بخيبر( ).
ولما التقى عبد الله بن جحش يوم أحد هو وضرار بن الخطاب، فلما عرفه ضرار قال: إليك يا بن جحش – وكان ضرار قد آلى ألا يقتل مضرياً – فقال له عبد الله بن جحش: ما كان دمك – يا عدو الله – أعجب إلي منه الآن حين جمعت كفراً وعصبية، فنادى ضرار: يا معشر قريش، اكفوني ابن جحش، فانتظموه برماحهم ( ).
وإمترى مجلس من الأوس والخزرج أيّهم كان أحسن بلاءً يوم أحد، فمرّ بهم ضرار بن الخطاب فقالوا: هذا ضرار قد قاتلنا يومئذ، وهو عالم بما اختلفتما فيه، فأرسلوا إليه فتى منهم، فسأله: من كان أشجعَ يومَ أحدٍ: الأوس أم الخزرج؟ قال: لا، ما أدري ما أوسُكم من خزرجكم. ولكني زوجت يومئذ أحد عشر منكم من الحور العين ( ).
ولكن هذا القول من ضرار مغالطة وغرور، فصحيح أن الإسلام يجّب ما قبله إلا أن عليه في المقام المبادرة إلى الإستغفار، ومثله قوله لأبي بكر: نحن كنا خيراً لقريش منكم، نحن أدخلناهم الجنة، وأنتم أدخلتموهم النار ( ).
أراد أن الذي يقتله الكفار يدخل الجنة، وأن الذي يدخله المسلمون يدخل النار، ولكن دخول المسلم الجنة بعمله وصدق نيته وإخلاص عمله وتضحيته بنفسه في سبيل الله، ودخول الكافر الذي يقتل في المعركة النار بقبح سريرته، وإصراره على الكفر والضلالة وإرادته قتل المسلمين، ولا يختص دخول الناس بالكافر الذي يقتل في المعركة بل يشمل الذين يموتون على الكفر والضلالة، قال تعالى[وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ]( ).
أي أدخلوهم النار بقتلهم على الكفر، إنما قتلهم كفرهم وجحودهم وعصبيتهم على الضلالة.
ولم يُدخل الكفار الشهداء الجنة، بل أدخلهم الله بفضله وجزاءً لهم على تضحيتهم في سبيل الله، ولكن الكفار باؤوا باثمهم، قال تعالى[وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا]( ).
11-شماس بن عثمان بن الشريد
شماس بن عثمان بن الشريد بن هرمي بن عامر القرشي المخزومي
قال الزبير بن بكار : كان من أحسن الناس وجهاً.
وقال إبن أبي حاتم: من المهاجرين الأولين( ).وهو رابع أربعة من المهاجرين من بين السبعين الذين أستشهدوا يوم أحد .
وخال شماس هو عتبة بن ربيعة الذي قتل كافراً يوم بدر هو وأخوه شيبة وإبنه الوليد.
وعندما ألقي قتلى المشركين القليب(وتغير وجه ابى حذيفة بن عتبة عند طرح ابيه في القليب ففطن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له لعلك دخلك في شأن ابيك شئ فقال لا والله لكنى كنت اعرف من ابى رأيا وحلما وفضلا فكنت ارجو ان يهديه الله للاسلام فلما رأيت ما مات عليه اخذني ذلك قال فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير.
ومات يومئذ فتية من قريش على كفرهم ممن كان فتن على الاسلام فافتتن بعد اسلامه منهم من بنى اسد الحرث بن زمعة بن الاسود من بنى مخزوم ابو قيس بن الفاكه وابو قيس بن الوليد بن المغيرة.
ومن بنى جمح على بن امية بن خلف.
ومن بنى سهم العاصى بن منبه بن الحجاج فنزل فيهم[إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ]( ).
ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما في العسكر مما جمع الناس فجمع فاختلف المسلمون فيه فقال من جمعه هو لنا وقال الذين كانوا يقاتلون العدو ويطلبونه لولا نحن ما اصبتموه نحن شغلنا عنكم العدو فهو لنا وقال الذين كانوا يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد رأينا ان نقتل العدو حين منحنا الله اكنافهم ولقد رأينا ان نأخذ المتاع حين لم يكن له من يمنعه ولكنا خفنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كرة العدو فما انتم بأحق به منا فنزعه الله من ايديهم فجعله إلى رسول الله فقسمه في المسلمين عن بواء يقول عن السواء)( )،
ومن معجزات نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن القتيل من أعدائه يذكره أصحابه بسوء ولا يرثونه، إذ ذم أبو جهل عتبة قبل وبعد بعد مقتله(لما رأى إبليس ما فعل الملائكة بالمشركين يوم بدر أشفق أن يخلص إليه، فتشبث به الحارث بن هشام، وهو يظن أنه سراقة بن
مالك، فوكز في صدر الحارث ثم خرج هاربا حتى ألقى نفسه في البحر ورفع يديه فقال: اللهم إنى أسألك نظرتك إياي، وخاف أن يخلص القتل إليه.
وأقبل أبو جهل فقال يا معشر الناس لا يهولنكم خذلان سراقة بن مالك، فإنه كان على معياد من محمد، ولا يهولنكم قتل شيبة وعتبة والوليد فإنهم قد عجلوا، فو اللات والعزى لا نرجع حتى نفرقهم بالجبال، فلا ألفين رجلا منكم قتل رجلا، ولكن خذوهم أخذا حتى تعرفوهم سوء صنيعهم، من مفارقتهم إياكم ورغبتهم عن اللات والعزى ثم قال أبو جهل متمثلا:
ما تنقم الحرب الشموس منى * بازل عامين حديث سني
لمثل هذا ولدتني أمي)( ).
وكان أبو حذيفة طوالاً حسن الوجه أحول أثعل( )، ودعا أبو حذيفة أباه عتبة إلى البراز يوم بدر، قبل أن يقتله حمزة , فقالت أخته هند بنت عتبة بخصوص دعوته للمبارزة
فما شكرت أبا رباك من صغر … حتى شببت شباباً غير محجون
الأحول الأثعل المشؤوم طائره .. أبو حذيفة شر الناس في الدين( ).
ولكنه كان خير الناس في مبادرته إلى الإسلام، وجهاده في سبيل الله, وقد رزقه الله الهدى والعز في الدنيا والخلود في النعيم , وليبقى هذان البيتان شاهدين على صدق إيمان المسلمين , وما يلقونه من الأذى من أهل الجحود والصدود عن الحق .
وآخى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين أبي حذيفة بن عتبة وعباد بن بشر الذي نزل عليه أبو حذيفة ومولاه سالم عند القدوم إلى المدينة مهاجرَين .
وشهد عباد بن بشر بدراً وأحداً والمشاهد كلها وكان على حرس النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحضر إلى أن نزل قوله تعالى[وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ]( )، إستغنى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الحرس بفضل الله وإستشهد أبو حذيفة يوم اليمامة وعمره أربع وخمسون سنة بعد أن أبلى بلاء حسناً وكان عمره خمساً وأربعين سنة.
قال ابن هشام: وَاسْمُ شَمّاسٍ عُثْمَانُ وَإِنّمَا سُمّيَ شَمّاسًا ؛ لِأَنّ شَمّاسًا مِنْ الشّمّاسَةِ قَدِمَ مَكّةَ فِي الْجَاهِلِيّةِ وَكَانَ جَمِيلًا فَعَجِبَ النّاسُ مِنْ جَمَالِهِ فَقَالَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَكَانَ خَالَ شَمّاسٍ أَنَا آتِيكُمْ بِشَمّاسِ أَحْسَنَ مِنْهُ فَجَاءَ بِابْنِ أُخْتِهِ عُثْمَانَ بْنِ عُثْمَانَ ، فَسُمّيَ شَمّاسًا( ).
والشماس من رؤساء النصارى الذي يحلق وسط رأسه لازماً للبيعة، والجميع الشمامسة( ).
ولما هاجر شماس إلى المدينة نزل عند مبشر بن عبد المنذر حتى استشهد يوم أحد، وآخى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينه وبين حنظلة بن أبي عامر وفيه مسائل:
الأولى : إضافة أخوة بين المهاجرين والأنصار غير أخوة الإقامة في بيت واحد.
الثانية : إستشهاد كل من شماس وحنظلة يوم أحد بعد إخلاصهما في الجهاد.
ذكره موسى بن عقبة وإبن إسحاق وغيرهما فيمن شهد بدراً، وأستشهد بأحد.
وعن سعيد بن المسيب وعبد الرحمن بن سعيد بن يربوع قالا: شهد شماس بن عثمان بدرا وأحدا وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: ما وجدت لشماس بن عثمان شبيها إلا الجنة، يعني بما يقاتل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يومئذ، يعني يوم أحد. وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لا يرمي ببصره يمينا ولا شمالا إلا رأى شماسا في ذلك الوجه يذب بسيفه حتى غشي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فترس بنفسه دونه حتى قتل، فحمل إلى المدينة وبه رمق فأدخل على عائشة، فقالت أم سلمة: ابن عمي يدخل على غيري؟ فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: احملوه إلى أم سلمة، فحمل إليها فمات عندها، رحمه الله، فأمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن يرد إلى أحد فيدفن هناك كما هو في ثيابه التي مات فيها. وقد مكث يوما وليلة ولكنه لم يذق شيئا ولم يصل عليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولم يغسله. كان يوم قتل، رحمه الله، بن أربع وثلاثين سنة، وليس له عقب( ).
وموضوع التشبيه بينه وبين الجنة لحسن طلعته وسمته , ولما نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ردوا القتلى إلى مضاجعهم، كان شماس بن عثمان هو الوحيد الذي لم يدفن من الذين نقلوا إلى المدينة، فرد ودفن في مقبرة الشهداء.
ورثاه حسان بن ثابت والذي كان حاضراً واقعة أحد، ولم يشارك في القتال ، وهو شاعر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مما يدل على شأن وحسن سمت شماس، فعزا حسان أخته يوم قتله
أبقي حياءك في ستر وفي كرم … فإنما كان شماس من الناس
قد ذاق حمزة سيف الله فاصطبري.. كأساً رواء ككأس المرء شماس
وأنشدها الزبير لحسان من طريق يعقوب بن محمد الزهري ثم أنشدها لزوج أخته أبي سنان بن حريق ومن طريق الضحاك بن عثمان. فالله أعلم( ).
قال إبن أسحاق(وَقَالَتْ نُعْمُ امْرَأَةُ شَمّاسِ بْنِ عُثْمَانَ ، تَبْكِي شَمّاسًا، وَقد أُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ:
يَا عَيْنُ جُودِي بِفَيْضِ غَيْرِ إبْسَاسِ … عَلَى كَرِيمٍ مِنْ الْفِتْيَانِ أَبّاسِ
صَعْبِ الْبَدِيهَةِ مَيْمُونٍ نَقِيبَتُهُ … حَمّالِ أَلْوِيَةٍ رَكّابِ أَفْرَاسِ
أَقُولُ لَمّا أَتَى النّاعِي لَهُ جَزَعًا…أَوْدَى الْجُوَادُ وَأَوْدَى الْمُطْعِمُ الْكَاسِي
وَقُلْت لَمّا خَلَتْ مِنْهُ مَجَالِسُهُ … لَا يَبْعُدُ اللّهَ عَنّا قُرْبَ شَمّاسٍ)( ).
ونسب الزبير بن بكار الشعر إلى بنت حريث المخزومية وأن الذي أجابها هو أخوها أبو سنان بن حريث .
وفي سيرة إبن هشام: إن الشعر لنُعم وأن الذي أجابها هو أخوها أبو الحكم بن سعيد بن يربوع.
12- سهل بن قيس
سهل بن قيس بن أبي كعب بن القين بن كعب الأنصاري السلمي وأمه نائلة بنت سلامة الأشهلية(قال ابن سعد: بقي من عقب سهل هذا رجل وامرأة)( ).
وأخته سخطى بنت قيس بن أبي كعب لأمه وأبيه، وكل منهما من المبايعات، وتزوجها الحارث بن سراقة بن خنساء بن سنان، وكانت أمة(تزوجت عبد الله بن سمال بفتح أوله وتشديد الميم ثم لام بن عمرو بن عزية ثم تزوجت قيس بن كعب بن القين السلمي بفتح السين فولدت له سهل بن قيس الذي إستشهد بأحد)( ).
وأخته عميرة بنت قيس أسلمت وبايعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكذا أخته سخطى بنت قيس , وهو إبن عم كعب بن مالك.
ومن قبور الشهداء التي بقيت شاخصة ومعروفة عند أجيال المسلمين(قبر حمزة بن عبد المطلب، وهو في عدوة الوادي الشامية مما يلي الجبل، وقبر عبد الله بن حرام أَبي جابر، ومعه عمرو بن الجَمُوح، وقبر سهل بن قيس بن أَبي كعب بن القين بن كعب بن سواد، من بني سَلَمَة، وهو دُبُر قبر حمزة شاميه بينه وبين الجبل- قال: فأَما القبور التي في الحظار بالحجارة بين قبر حمزة وبين الجبل، فإنه بلغنا أَنها قبور أَعراب أُقْحِمُوا زمن خالد إِذ كان على المدينة، فماتوا هناك، فدفنهم سُؤَّالٌ كانوا يسأَلون عن قبور الشهداء، قال، وقال الواقدي: هم ماتوا زمن الرّمادة)( ).
دُفن سهل بن قيس إلى جانب حمزة، وقبره معروف في أحد فصار أبناؤه يسمون أبناء الضجيع فيقال: طالب بن حبيب بن سهل بن قيس، إذ بقي له عقب في المدينة رجل وإمرأة.
13- عمرو بن معاذ
عمرو بن معاذ بن النعمان الأنصاري الأشهلي من بني عبد الأشهل، روى عن جدته حواء بنت زيد بن السكن الأشهلية أنها سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: “ردوا السائل ولو بظلفٍ محرقٍ”)( )، شهد بدراً هو وأخوه سعد بن معاذ.
وآخى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينه وبين عمير بن أبي وقاص أخي سعد بن أبي وقاص .
وقتل عمرو يوم أحد وعمره إثنتان وثلاثون سنة وليس له عقب .
قتله ضرار بن الخطاب الذي أسلم يوم الفتح، ولما إختلف الأوس والخزرج فيمن كان أشجع يوم أحد، فسألوه عن ذلك فقال: لا أدري ما أوسكم من خزرجكم، ولكني زوجت يوم أحد منكم أحد عشر رجلاً من الحور العين)( ).
وتلك مغالطة منه كما تقدم، فلم يزوجهم هو بل أكرمهم الله عز وجل بسبب ظلم وتعدي كفار قريش، أما الحور العين فهن بإنتظار المؤمنين الذين قتلوا في معركة أحد أو ماتوا فيما بعد على الفراش، لقد أذاقهم الظالم مرارة السيف ومنع أكثرهم من الزواج وإنجاب الأولاد، لذا ترى في ترجمة عدد من شهداء أحد أنه مات ولم يعقب.
وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: لا تتمنوا لقاء العدو فإنكم لا تدرون لعلكم ستبلون بهم وسلوا الله العافية، فإذا جاءوكم يبرقون ويرجفون ويصيحون بالأرض، فالزموا الأرض جلوساً ثم قولوا : اللهم ربنا وربهم نواصينا ونواصيهم بيدك وإنما تقتلهم أنت، فإذا دنوا منكم فثوروا إليهم واعلموا أن الجنة تحت البارقة( ))( ).
ولم تكن الرايات قبل واقعة خيبر إنما كانت الألوية وفي معركة بدر دفع النبي صلى الله عليه وآله وسلم(اللواء إلى مصعب ابن عمير وكان ابيض وكان امام رسول الله صلى الله عليه وسلم رايتان سوداوان احداهما مع على بن ابى طالب والاخرى مع بعض الانصار، وقال ابن سعد كان لواء المهاجرين مع مصعب بن عمير ولواء الخزرج مع الحباب بن المنذر ولواء الاوس مع سعد بن معاذ كذا قال، والمعروف ان سعد بن معاذ كان يومئذ على حرس رسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش وان لواء المهاجرين كان بيد على)( ).
وسعى سعد بن معاذ في خطبة علي عليه السلام لفاطمة عليها السلام وكان عدد من الصحابة يأتون النبي صلى الله عليه وآله وسلم في خطبتها، ولا يذكرها أحد إلا صدّ عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلموا أنه ينتظر أمر الله عز وجل فيها، فلقي سعد بن معاذ علياً بن أبي طالب عليه السلام , فقال سعد: إني والله ما أرى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحجبها إلا عليك ، وقال: إني أعزم عليك لتفرجها عني، فإن لي في ذلك فرجاً، قال: أقول ماذا؟ قال: جئت خاطباً إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة بنت محمد ولما جاء للنبي وسأله قال: مرحباً كلمة ضعيفة ثم رجع علي إلى سعد فقال: قد فعلت الذي أمرتني به فلم يزد على أنه رحب بي كلمة ضعيفة، فقال سعد: أنكحك والذي بعثه بالحق، إنه لا خلف ولا كذب عنده، أعزم عليك لتأتينه فلتقولن يا نبي الله: تبنيني؟ فقال علي عليه السلام: هذه أشد علي من الأولى أو لا أقول: يا رسول الله: حاجتي؟ قال: قل كما أمرتك، فأنطلق علي فقال: يا رسول الله: تبنيني؟ قال: الليلة إن شاء الله، وفيه دلالة على إستحباب التعجيل بالنكاح.
أما سعد بن معاذ فقد رموه يوم الأحزاب فقطعوا أكحله فحسمه( ) رسول الله فأنتفخت يده ونزفه الدم.
وحكم في بني قريظة وأمضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حكمه، وعاش سعد شهراً بعد إصابته وأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بضرب فسطاط في المسجد لسعد بن معاذ وكان يعوده كل يوم، ثم إنتفض جرحه فمات منه.
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إهتز العرش لموت سعد بن معاذ وقال: لقد نزل من الملائكة في جنازة سعد بن معاذ سبعون ألفاً ما وطئوا الأرض قبل) ومن حديث أنس بن مالك قال: لما حملنا جنازة سعد بن معاذ قال المنافقون: ما أخف جنازته وكان رجلاً طوالاً ضخماً، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن الملائكة حملته)( ).
وعن إبن إسحاق قال: ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سلك في حرة بنى حارثة فذب فرس بذنبه فأصاب كلاب سيف واستله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يحب الفأل ولا يعتاف يا صاحب السيف شم سيفك فاني أرى السيوف ستستل اليوم ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاصحابه من رجل يخرج بنا على القوم من كثب – أي من قرب – من طريق لا يمر بنا عليهم فقال أبو خيثمة أخو بنى حارثة بن الحارث أنا يا رسول الله فنفذ به في حرة بنى حارثة وبين أموالهم حتى سلك في مال لمربع بن قيظى وكان رجلا منافقا ضرير البصر .
فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه من المسلمين قام يحثي في وجوههم التراب ويقول إن كنت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فانى لا أحل لك أن تدخل حائطي وقد ذكر لى أنه اخذ حفنة من تراب في يده ثم قال والله لو أعلم أنى لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها في وجهك فابتدره القوم ليقتلوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقتلوه فهذا الاعمى أعمى القلب أعمى البصر، وقد بدر إليه سعد بن زيد أخو بنى عبد الاشهل قبل نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربه بالقوس في رأسه فشجه ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل الشعب من أحد في عروة الوادي إلى الجبل فجعل ظهره وعسكره إلى أحد , وقال لا يقاتلن أحد حتى آمره بالقتال وقد سرحت قريش الظهر والكراع في زروع كانت بالصمغة من قناة للمسلمين فقال رجل من الانصار حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القتال أترعى زروع بنى قيلة ولما تضارب.
وتعبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتال وهو في سبعمائة رجل وأمر على الرماة عبدالله بن جبير أخا بنى عمرو بن عوف وهو معلم يومئذ بثياب بيض، والرماة خمسون رجلا فقال انضح الخيل عنا بالنبل لا يأتونا من خلفنا إن كانت لنا أو علينا فأثبت مكانك لا نؤتين من قبلك، وظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين درعين ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير أخى بنى عبد الدار.
وقال ابن عقبة وكان حامل لواء المهاجرين رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال أنا عاصم ان شاء الله لما معي فقال له طلحة هل لك يا عاصم في المبارزة قال نعم فبدره ذلك الرجل فضربه بالسيف على رأس طلحة حتى وقع السيف في لحيته فقتله فكان قتل صاحب لواء المشركين تصديقا لرؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم ” انى مردف كبشا ” , فلما صرع صاحب اللواء انتشر النبي صلى الله عليه وسلم واصحابه وصاروا كتائب متفرقة فجاسوا العدو ضربا حتى اجهضوهم عن أثقالهم وحملت خيل المشركين على المسلمين ثلاث مرات كل ذلك تنضح بالنبل فترجع مفلولة وحمل المسلمون على المشركين فنهكوهم قتلا.
وذكر ابن عائذ ان طلحة المذكور في هذا الخبر هو ابن عثمان اخو شيبة من بنى عبد الدار وكان بيده لواء المشركين يومئذ وان الرجل الذى كان بيده لواء المسلمين المهاجرين على بن أبى طالب، والذى قاله ابن هشام في هذه القصة قال ويقال ان أبا سعيد بن أبى طلحة خرج بين الصفين فنادى انا قاصم من يبارزني مرارا فلم يخرج إليه احد فقال يا اصحاب محمد زعمتم ان قتلاكم إلى الجنة وان قتلانا في النار كذبتم واللات لو تعلمون ذلك حقا لخرج إلى بعضكم فخرج إليه على بن أبى طالب فاختلفا ضربتين فقتله على رضى الله عنه)( ).وتقدم الخبر .
وكان عقد الألوية يوم أحد في المدينة عندما عبأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم المؤمنين للقتال(وقال إبن سعد: وعقد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثة ألوية لواء للأوس بيد أسيد بن الحضير , ولواء المهاجرين بيد على بن أبى طالب وقيل بيد مصعب بن عمير ولواء للخزرج بيد الحباب بن المنذر وقيل بيد سعد بن عبادة)( ).
ويحتمل المراد من البارقة في الحديث أعلاه وجهان:
الأول : إرادة القتل في سبيل الله، كما ورد في المرسل: أن رجلاً قال: يا رسول الله ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال : كفى ببارقة السيوف على رأسه)( ).
الثاني : المراد خوض المعارك دفاعاً عن الإسلام سواء قتل المؤمن أو لم يقتل.
الثالث : إرادة المؤمنين مطلقاً مع عزمهم على القتال والدفاع عن حدوث مقدماته.
ولا تعارض بين هذه الوجوه، فصحيح أن الآية تدل على إرادة القتال وخوض غماره، إلا أن فضل الله عز وجل أعم فيشمل المؤمنين مع قصد الدفاع عن الإسلام وإن لم يتحقق، فلذا يندب الحديث إلى الصبر والتريث وإمهال العدو إلى حين صدور التعدي منه.
ولما ركب كعب بن الأشرف في ستين من بني النضير وحالف قريشاً على قتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال له أبو سفيان: مرحبا بكم وأهلا أحب الناس إلينا من أعاننا على عداوة هذا الرجل وقتاله قاله له كعب فأخرج ستين رجلا من بطون قريش كلها وأنت فيهم يا أبا سفيان فلندخل نحن وأنتم بين أستار الكعبة فلنلصق أكبادنا بها ثم لنحلف بالله جميعا أن لا يخذل بعضنا بعضا ولتكون كلمتنا واحدة على هذا الرجل وأصحابه ما بقي منا ومنهم رجل ففعلوا ذلك وتخالفوا فرجع كعب على قتال محمد صلى الله عليه وآله سلم إلى المدينة فواعده أبو سفيان أن يأتيه العام المقبل فلما قدم كعب وأصحابه إلى المدينة نزل جبريل عليه السلام على نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره بخبر كعب وأبي سفيان والذي صنعوا وأمر جبريل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقتل كعب.
فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بني عبد الأشهل وهم حي من الأنصار من الأوس حلفاء النضير فقال ” يا معشر بني معبد الأشهل ألا ترون إلى حليفكم ما صنع ؟ ” قالوا : وما صنع يا رسول الله فأخبرهم رسول الله صلى الله عليه وآله سلم الخبر فقال ” اكفونيه يا بني عبد الأشهل فإن الله عز و جل قد أمرني بقتله فاقتلوه ” قالوا يا رسول الله نفعل ونطيع أمرك فإن فيهم أخاه من الرضاعة ومولاه في الحلف دوننا محمد بن مسلمة وهو لهم غير متهم ففعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك .
فانطلق خمسة رهط ثلاثة من بني عبد الأشهل أحدهم عمرو بن معاذ أخو سعد بن معاذ ومن بني حارثة ابن الحارث رجلان محمد بن مسلمة وأبو عبس بن جبر قالوا يا رسول الله ائذن لنا فلننل منك عند الرجل فأذن لهم فانطلقوا ليلا وقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الصلاة فأتوا كعبا وقد أخذ مضجعه فنادوه يا ابا الأشرف فسمع كعب الصوت فوثب وأخذت امرأته بجانب ثوبه فقالت إني لأرى حمرة الدم من هذا الصوت قبل أن يكون إنه لصوت مريب وأمر محمد بن مسلمة أصحابه فاختبأوا فضرب كعب يد امرأته فأرسلته وقال لها لو دعي ابن حرة لطعنة بليل أجاب فأشرف فنظر فقال من هذا فقال أخوك محمد ابن مسلمة قال لامرأته لا تخافي هذا أخي محمد بن مسلمة فقال كعب ورحب به ما حاجتك يا أخي قال أخذنا هذا الرجل بالصدقة ولا نجد ما نأكل فجئت لتقرضني وسقا من تمر وأرهنك به رهنا إلى أن يدرك ثمرنا فضحك كعب وقال أما والله إن كنت لأعلم أن أمرك وأمر أصحابه سيصير إلى ما أرى وما كنت أحب أن أراه.
ولقد كنت تعلم يا محمد أنك كنت من أكرم أهل البلد علي وأحبهم إلي ولقد كان الذي من أمرك وما على الأرض شئ كنت أمنعكه فأما إذ فعلت الذي فعلت فلست مصيبا عندي خيرا أبدا ما دمت على الذي أنت عليه ولقد علمت أنك لن تصيب من هذا الرجل أبدا إلا شرا فأتني برهن وثيق قال فخذ من أي تمر شئت قال عندي عجوة( ) يغيب فيها الضرس قال أي الرهن تريد يا ابا الأشرف قال تأتيني بامرأتك قال لم أكن لأرهنك امرأتي وأنت أشب أهل المدينة وأحسنهم وجها وأطيبهم ريحا وأكرمهم حسبا فتدركني الغيرة ولكن غير هذا قال فارهني ابنك قال محمد إني لأستحيي أن أعير بذلك أني رهنت ابني بوسق من تمر ولكن أرهنك درعي الفلانية قال أين هي قال هي هذه انزل فخذها فنزل.
وكان محمد قال لأصحابه لا يأتي أحد منكم حتى أؤذنه فنزل كعب فاعتنقه محمد وقال لا إله إلا الله فأقبلوا يسعون بأسيافهم ومحمد آخذ شعره فضربوه باسيافهم فقتلوه فصاح عدو الله عند أول ضربة صيحة فسمعتها امرأته فصاحت فأسمعت اليهود فتصايح اليهود وأخطأ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم برجل عمرو بن معاذ فقطعوها فألقى إليهم السيف وقال لا أحبسكم اقرئوا نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم مني السلام قالوا لا والله لننطلقن جميعا أو لنموتن جميعا فاحتملوا صاحبهم فأسرعوا به فاجتمع اليهود إلى امرأة كعب فأخبرتهم حيث توجهوا فطلبهم أعداء لله وأخطأوا الطريق وانطلق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله سلم يحملون صاحبهم فلما دخلوا بيوت المدينة كبروا فسمع رسول الله صلى الله عليه وآله سلم الصوت وهو يصلي فكبر وعلم أن أصحابه قد أفلحوا ونجحوا فأتوا نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبروه الخبر( ).
وروي بالإسناد عن بريدة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تفل على رجل عمرو بن معاذ الأنصاري حين قطعت حتى برأت( ).
وقيل أن الذي تفل النبي صلى الله عليه وآله وسلم على رجله هو عمرو بن معاذ بن الجموح الأنصاري.
والذي قتل عمرو بن معاذ هو ضرار بن الخطاب فارس قريش الذي حضر المشاهد كلها، وكان يحرض المشركين على القتال بشعره، وأسلم ضرار هذا يوم فتح مكة، وبقي يذكر بلاء الأنصار في القتال ويترحم عليهم.
14-عبد الله بن جبير بن النعمان
عبدالله بن جبير بن النعمان بن أمية بن أمرئ القيس الأنصاري من بني ثعلبة، شهد العقبة، وحضر معركة بدر، وأسر عبد الله بن جبير يوم بدر أبا العاص بن الربيع وهو زوج زينب بنت رسول الله، وقدم أخوه عمرو بن الربيع بفداء له مال دفعته إليه زينب بنت رسول الله منه قلادة لها كانت خديجة أمها قد أهدتها لها ليلة زفافها، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رقّ لها، وذكر خديجة وقال: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا الذى لها فافعلوا فقالوا نعم( ).
فلم يطمع عبد الله بن جبير بالمال خصوصاً وأن قلادة خديجة تشترى بأغلى الأثمان، وقد يشتريها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسه ليعيدها إلى زينب أو يهديها إلى فاطمة عليها السلام.
لقد هاجرت زينب بعد إطلاقه من الأسر مسلمة، وبقي هو على شركه، مع أنه إمتنع عن طلاقها حينما طلبت منه قريش طلاقها، ولكن الإسلام فرّق بينهما قهراً، قال تعالى بخصوص المؤمنات المهاجرات[فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنفَقُوا]( ).
وخرج بعدها أبو العاص بن الربيع في تجارة إلى الشام وهو مقيم على الكفر والضلالة، فلقيتهم سرية أميرها زيد بن حارثة فأسرت السرية الرجال ومعهم نحو مائة وسبعين من العير المحملة بالاحمال والبضائع.
وإستطاع أبو العاص أن يتسلل ليلاً إلى زينب بنت رسول الله ويدخل عليها، مما يدل على أن نظام الأسرى آنذاك لم يكن شديداً في شد الوثاق خاصة وأنهم كانوا في قافلة تجارة وليسوا محاربين، ويدل على التسامح فيه قوله تعالى[وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا]( )، والأسير لا يكون إلا كافراً، ويدل سبب نزول الآية أعلاه على أن الأسرى كانوا يتنقلون في المدينة المنورة، ويسألون أهل البيت والصحابة وأنهم لا يتعرضون للأذى أو الزجر أو التبكيت.
وبطرق متعددة عن إبن عباس في قوله تعالى[وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا]( ) قال : مرض الحسن والحسين فعادهما جدّهما محمد رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ومعه أبو بكر وعمر ذ وعادهما عامّة العرب فقالوا : يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك نذراً وكل نذر لا يكون له وفاء فليس بشيء. فقال علي ح : إن برأ ولداي مما بهما صمتُ ثلاثة أيام شكراً، وقالت فاطمة : إن برأ ولداي مما بهما صمت لله ثلاثة أيام شكراً ما لبس الغلامان العافية، وليس عند آل محمد قليل ولا كثير،
فانطلق علي عليه السلام إلى شمعون بن جابا الخيبري، وكان يهودياً فاستقرض منه ثلاثة أصوع من شعير، وفي حديث المزني عن ابن مهران الباهلي فانطلق إلى جار له من اليهود يعالج الصوف يقال له : شمعون بن جابا، فقال : هل لك أن تعطيني جزّة من الصوف تغزلها لك بنت محمد {صلى الله عليه وسلم} بثلاثة أصوع من الشعير قال : نعم،
فأعطاه فجاء بالسوق والشعير فأخبر فاطمة بذلك فقبلت وأطاعت قالوا : فقامت فاطمة عليها السلام إلى صاع فطحنته وأختبزت منه خمسة أقراص لكل واحد منهم قرصاً وصلى علي مع النبي (عليه السلام) المغرب .
ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه اذ أتاهم مسكين فوقف بالباب فقال : السلام عليكم أهل بيت محمد، مسكين من مساكين المسلمين،
أطعموني أطعمكم من موائد الجنة، فسمعه علي عليه السلام فأنشأ يقول:
فاطم ذات المجد واليقين يا ابنة خير الناس أجمعين
أما ترين البائس المسكين قد قام بالباب له حنين
يشكو إلى الله ويستكين يشكوا إلينا جائع حزين
كل امرء بكسبه رهين وفاعل الخيرات يستبين
موعدنا جنة عليين حرمها الله على الضنين
وللبخيل موقف مهين تهوى به النار إلى سجين
شرابه الحميم والغسلين من يفعل الخير يقم سمين
ويدخل الجنة أي حين
فأنشأت فاطمة :
أمرك عندي يا ابن عمّ طاعة ما بي من لؤم ولا وضاعه
غذيت من خبز له صناعة أطعمه ولا أبالي الساعه
أرجو إذ أشبعت ذا المجاعه أن ألحق الأخيار والجماعه
وأدخل الخلد ولي شفاعه
قال : فأعطوه الطعام ومكثوا يومهم وليلتهم لم يذوقوا شيئاً إلاّ الماء القراح، فلمّا كان اليوم الثاني قامت فاطمة إلى صاع فطحنته فاختبزته وصلّى علي مع النبي(عليه السلام)، ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه فأتاهم يتيم فوقف بالباب فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد،
يتيم من أولاد المهاجرين، استشهد والدي يوم العقبة، أطعموني أطعمكم الله على موائد الجنة فسمعه علي عليه السلام فأخذ يقول:
فاطم بنت السيد الكريم بنت نبي ليس بالزنيم
لقد أتى الله بذي اليتيم من يرحم اليوم يكن رحيم
موعده في جنّة النعيم قد حرّم الخلد على اللئيم
ألا يجوز الصراط المستقيم يزل في النار إلى الجحيم
فأنشأت فاطمة :
أطعمه اليوم ولا أبالي وأوثر الله على عيالي
أمسوا جياعاً وهم أشبالي أصغرهم يقتل في القتال
بكربلا يقتل باغتيال للقاتل الويل مع الوبال
تهوى به النار إلى سفال وفي يديه الغل والأغلال
كبوله زادت على الأكبال.
قال : فأعطوه الطعام ومكثوا يومين وليلتين لم يذوقوا شيئاً إلاّ الماء القراح .
فلمّا كان في اليوم الثالث قامت فاطمة خ إلى الصاع الباقي فطحنته واختبزته وصلى علي مع النبي (عليه السلام) ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه إذ أتاهم أسير فوقف بالباب فقال : السلام عليكم أهل بيت محمد، تأسرونا (وتشدوننا) ولا تطعمونا، أطعموني فإني أسير محمد أطعمكم الله على موائد الجنة، فسمعه علي فأنشأ يقول:
فاطم يا بنت النبي أحمد بنت نبي سيد مسوّد
هذا أسير للنبي المهتد مكبّلٌ في غلّه مقيّد
يشكو إلينا الجوع قد تمدد من يطعم اليوم يجده من غد
عند العلي الواحد الموحّد ما يزرع الزارع سوف يحصد
فأنشأت فاطمة تقول :
لم يبق مما جاء غير صاع قد ذهبت كفي مع الذراع
ابناي والله من الجياع يارب لا تتركهما ضياع
أبوهما للخير ذو اصطناع يصطنع المعروف بابتداع
عبل الذراعين طويل الباع وما على رأسي من قناع
إلاّ قناعاً نسجه انساع
قال : فاعطوه الطعام ومكثوا ثلاثة أيام ولياليها لم يذوقوا شيئاً إلاّ الماء القراح فلما أن كان في اليوم الرابع وقد قضوا نذرهم أخذ علي عايه السلام بيده اليمنى الحسن وبيده اليسرى الحسين وأقبل نحو رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهم يرتعشون كالفراخ من شدّة الجوع فلمّا نضر به النبي (عليه السلام) قال : يا أبا الحسن ما أشدّ ما يسؤني ما أرى بكم،
إنطلق إلى ابنتي فاطمة فانطلقوا إليها وهي في محرابها وقد لصق بطنها بظهرها من شدة الجوع وغارت عيناها.
فلما رأها النبي(عليه السلام) قال : واغوثاه بالله، أهل بيت محمد يموتون جوعاً فهبط جبرائيل عليه السلام فقال : يا محمد خذها، هنّأك الله في أهل بيتك قال: وما أخذنا يا جبرائيل فاقرأه[هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ]( )، إلى قوله [وَلاَ شُكُورًا]( )،إلى آخر السورة.
وعن قتادة بن مهران الباهلي في هذا الحديث : فوثب النبي(عليه السلام) حتى دخل على فاطمة فلما رأى ما بهم انكب عليهم يبكي، ثم قال: أنتم من منذ ثلاث فيما أرى وأنا غافل عنكم، فهبط جبرائيل (عليه السلام) بهذه الآيات {إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا عيناً يشرب بها عباد الله يفجّرونها تفجيرا} قال : هي عين في دار النبي (عليه السلام) تفجر إلى دور الأنبياء (عليهم السلام) والمؤمنين [يُوفُونَ بِالنَّذْرِ]( )، يعني علياً وفاطمة والحسن والحسين وجاريتهم فضة {ويخافون يوماً كان شرّه مستطيراً ويطعمون الطعام على حبّه} يقول على شهوتهم للطعام، وإيثارهم مسكيناً من مساكين المسلمين ويتيماً من يتامى المسلمين، وأسيراً من أسارى المشركين،
ويقولون إذا أطعموهم[إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا]( )، قال : والله ما قالوا لهم هذا بألسنتهم، لكنهم أضمروه في نفوسهم، فأخبر الله سبحانه بإضمارهم يقولون : لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً، فيتمنون علينا به ولكنا أعطيناكم لوجه الله وطلب ثوابه قال الله سبحانه : {فوقهم الله شرّ ذلك اليوم ولقاهم نضرة} في الوجوه {وَسُرُورًا} في القلوب {وَجَزَاهُم} بما صبروا {جَنَّةُ} يسكنونها {وَحَرِيرًا} يلبسونه ويفترشونهمُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلاَ زَمْهَرِيرًا.
فاستجار أبو العاص بزينب (فأجارته فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصبح وكبر الناس معه صرخت زينب أيها الناس إنى قد أجرت أبا العاص بن الربيع فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة أقبل عن الناس فقال هل سمعتم ما سمعت قالوا نعم قال أما والذى نفسي بيده ما علمت بشئ كان حتى سمعت منه ما سمعتم إنه يجير على المسلمين أدناهم ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل على ابنته زينب فقال أي بنية أكرمي مثواه ولا يخلص إليك فانك لاتحلين له فقالت إنه جاء في طلب ماله فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث إلى تلك السرية فاجتمعوا إليه فقال لهم إن هذا الرجل منا بحيث تعلمون وقد أصبتم له مالا وهو مما أفاء الله عليكم وأنا أحب أن تحسنوا
وتردوا الذى له إليه وإن أبيتم فأنتم أحق به قالوا يا رسول الله بل نرده عليه فردوا عليه ماله فلما قدم مكة أدى إلى كل ذى مال من قريش ماله الذى كان أبضع معه ثم قال يا معشر قريش هل بقى لاحد منكم مال لم يأخذه قالوا جزاك الله خيرا لقد وجدناك وفيا كريما قال فانى أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبد الله ورسوله والله ما منعنى من الاسلام إلا تخوف أن تظنوا بى أكل أموالكم فلما أداها الله إليكم أسلمت، ثم خرج حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلما وحسن إسلامه رضى الله عنه ورد رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته عليه ( ).
وأخو عبد الله بن جبير خوات بن جبير، خرج إلى بدر، وكان ردف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكسر في الروحاء وذكر إبن عقبة أن حجراً أصابه في رجله فورمت عليه) ( ).
فرده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وضرب له بسهمه.
وخوات شاعر يذب عن الإسلام بلسانه، وعندما إمتدح عباس بن مرداس أخو بني سليم رجال بني النضير:
لَوْ أَنّ أَهْلَ الدّارِ لَمْ يَتَصَدّعُوا … رَأَيْتَ خِلَالَ الدّارِ مَلْهًى وَمَلْعَبَا
فَإِنّك عَمْرِي هَلْ أُرِيك ظَعَائِنَا … سَلَكْنَ عَلَى رُكْنِ الشّطاة فَتَيْأَبَا
عَلَيْهِنّ عِينٌ مِنْ ظِبَاءٍ تَبّالَةٍ … أَوَانِسُ يُصْبِيَن الْحَلِيمَ الْمُجَرّبَا
إذَا جَاءَ بَاغِي الْخَيْرِ قُلْنَ فُجَاءَةً … لَهُ بِوُجُوهٍ كَالدّنَانِيرِ مَرْحَبَا
وَأَهْلًا فَلَا مَمْنُوعَ خَيْرٍ طَلَبْتَهُ … وَلَا أَنْتَ تَخْشَى عِنْدَنَا أَنْ تُؤَنّبَا
فَلَا تَحْسَبَنّي كُنْت مَوْلَى ابْنِ مِشْكَمٍ ..سَلَامٍ وَلَا مَوْلَى حُيَيّ بْنِ أَخْطَبَا
أَجَابَهُ خَوّاتُ بْنُ جُبَيْرٍ ، أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَقَالَ
تُبَكّي عَلَى قَتْلَى يَهُودَ وَقَدْ تَرَى… مِنْ الشّجْوِ لَوْ تَبْكِي أَحَبّ وَأَقْرَبَا
فَهَلّا عَلَى قَتْلَى بِبَطْنِ أُرَيْنِق … بَكَيْتَ وَلَمْ تُعْوِل مِنْ الشّجْوِ مُسْهِبَا
إذَا السّلْمُ دَارَتْ فِي صَدِيقٍ رَدَدْتَهَا.وَفِي الدّينِ صَدّادًا وَفِي الْحَرْبِ ثَعْلَبَا
عَمَدْتَ إلَى قَدْرٍ لِقَوْمِك تَبْتَغِي … لَهُمْ شَبَهًا كَيْمَا تَعِزّ وَتَغْلِبَا
فَإِنّك لَمّا أَنْ كَلِفْتَ تَمَدّحًا … لِمَنْ كَانَ عَيْبًا مَدْحُهُ وَتَكَذّبَا
رَحَلْتَ بِأَمْرٍ كُنْتَ أَهْلًا لِمِثْلِهِ … وَلَمْ تُلْفِ فِيهِمْ قَائِلًا لَك مَرْحَبَا
فَهَلّا إلَى قَوْمٍ مُلُوكٍ مَدَحْتَهُمْ … تَبَنّوْا مِنْ الْعَزّ الْمُؤَثّلِ مَنْصِبَا
إلَى مَعْشَرٍ صَارُوا مُلُوكًا وَكُرّمُوا.وَلَمْ يُلْفَ فِيهِمْ طَالِبُ الْعُرْفِ مُجْدِبَا
أُولَئِكَ أَحْرَى مِنْ يَهُودَ بِمِدْحَةٍ … تَرَاهُمْ وَفِيهِمْ عِزّةُ الْمَجْدِ تُرْتُبَا( ).
وأجابة العباس بن مرداس بشعر ثم رد على إبن مرداس عبد الله بن رواحة.
وحضر خوات بن جبير معركة أحد وقاتل، وشهد لجعال بن سراقة حينما أراد المسلمون قتله، إذ أتهموه بأنه هو الذي صرخ إن محمداً قد قتل، فشهد له خوات وأبو بردة بن نيار بأنه كان إلى جانبهما حين صاح الصائح، وان الصائح غيره.
وكان عبد الله بن جبير معلماً يوم أحد بثياب بيض، وفيه إعانة لأصحابه الرماة لمعرفة أميرهم، وعندما أصر أكثر الرماة على النزول من الجبل ومشاركة المسلمين الغنائم، قام عبد الله فيهم خطيباً فحمد الله وأثنى عليه وبيّن فضل الله في نصر المسلمين وهزيمة المشركين، وحثهم على طاعة الله ورسوله وتتجلى هذه الطاعة بالبقاء على الجبل وعدم ترك مواضعهم ولكنهم أصروا على النزول ولم يبق معه إلا أقل من عشرة من مجموع الرماة الخمسين.
ولما رأى خالد بن الوليد قلة الرماة على الجبل هجم بخيله وتبعه عكرمة بن أبي جهل بخيله (ورامى عبد الله بن جبير حتى فنيت نبله، ثم طاعن بالرمح حتى انكسر، ثم كسر جفن سيفه، فقاتلهم حتى قتل رضي الله عنه ( ).
15- الحارث بن أنس
الحارث بن أنس بن رافع الأنصاري الأشهلي.
ويسمى أبوه أنس أبا الحيسر، وكان (قد قدم مكة ومعه فتية من بني عبد الأشهل خمسة عشر رجلا فيهم إياس بن معاذ وأظهروا أنهم يريدون العمرة فنزلوا على عتبة بن ربيعة فأكرمهم وطلبوا إليه وإلى قريش أن يحالفوهم على قتال الخزرج فقالت قريش بعدت داركم منا متى يجيب داعينا صريخكم ومتى يجيب داعيكم صريخنا , وسمع بهم رسول الله صلى الله عليه و سلم فأتاهم فجلس إليهم فقال هل لكم إلى خير مما جئتم له قالوا وما ذاك قال أنا رسول الله بعثني الله إلى عباده أدعوهم إلى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا وقد نزل علي الكتاب فقال إياس بن معاذ وكان غلاما حدثا يا قوم هذا والله خير مما جئتم له فأخذ أبو الحيسر كفا من البطحاء فرمى بها وجهه ثم قال ما أشغلنا عن هذا ما قدم وفد إذاً على قوم بشر مما قدمنا به على قومنا إنا خرجنا نطلب حلف قريش على عدونا فنرجع بعداوة قريش مع عداوة الخزرج وعن محمد بن مسلمة وسلمة بن سلامة بن وقش وأبا الهيثم بن التيهان يقولون لم ينشب إياس حين رجع أن مات فلقد سمعناه يهلل حتى مات فكانوا يتحدثون أنه مات مسلما لما سمع من رسول الله صلى الله عليه و سلم قال محمد بن عمر وكان أبو الحيسر وأصحابه أول من لقي رسول الله صلى الله عليه و سلم من الأنصار ودعاهم إلى الإسلام وكان لقيه إياهم بذي المجاز( ).
وأم الحارث شريك بنت خالد بن خنيس الأنصارية الخزرجية، من المبايعات إذ بايعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وكان الحارث من الرماة يوم أحد، وعندما اكتسح المسلمون معسكر كفار قريش وأخذوا يجمعون الغنائم وإنكشف نساؤهم اللائي جاءوا بهن وإجتمعن في موضع واحد عرضة للسبي ولم تعد هند وصويحباتها الضرب على الدفوف.
قام أكثر الرماة بالنزول من الجبل ومشاركة أصحابهم الغنائم ومن بين المؤمنين الثمانية الذين بقوا على الجبل مع عبد الله بن جبير الحارث بن أنس بن رافع، الذي قاتل خالد وجنوده عند صعودهم إلى الجبل حتى قتل شهيداً.
وهل هو من مصاديق قوله تعالى[وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ]( )، الجواب نعم فقد ذبّ عن الإسلام وواجه المشركين، وأعطى درساً للمسلمين بلزوم عدم الإنجرار وراء المكاسب والغنائم عندما تتعارض مع طاعة الله ورسوله، ويعلم الرماة أنهم لا يحرمون من الغنائم وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يضرب لهم بسهم، ولكن الله عز وجل أراد الموعظة ويقظة المسلمين في المعارك اللاحقة ولبيان حقيقة وهي أن الذين إختاروا الشهادة كانوا على حق وليس عندهم إفراط أو تفريط.
16- عمارة بن زياد
عمارة بن زياد بن السكن الأنصاري الأوسي
لما غشي الكفار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من رجل يشري لنا نفسه فقام زياد بن السكن وقيل عمارة بن زياد في نفر خمسة من الأنصار فقاتلوا دون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلاً ثم رجلاً يقتلون دونه وكان آخرهم زياد أو عمارة فقاتل حتى أثبتته الجراحة، فجاءت فئة من المسلمين فدفعوا قريشاً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أدنوه مني فوسده قدمه فمات وخده على قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ونالت أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية شرف المساهمة في القتال يوم أحد بالدفاع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما إنسحب من أرض المعركة أكثر أصحابه، وبقيت الجراح التي أصيبت بها ظاهرة على بدنها , وهو من مصاديق قوله تعالى[إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ] وفيه دعوة للمسلمين بأن الجراح حتى إذا أصابت المؤمنات فيجب ألا تهنوا أو تحزنوا قالت أم عمارة ( خرجت أول النهار ومعي سقاء فيه ماء فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في أصحابه والريح والدولة للمسلمين فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجعلت أباشر القتال وأذب بالسيف وأرمي بالقوس حتى خلصت إلى الجراحة. قالت: فرأيت على عاتقها جرحاً له غور أجوف فذكر قصة إبن قميئة.
وأخرج بسند آخر إلى عمارة بن غزية أنها قتلت يومئذ فارساً من المشركين. ومن وجه آخر عن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ما إلتفت يوم أحدٍ يميناً ولا شمالاً إلا وأراها تقاتل دوني( ).
وفيه شهادة للمؤمنات وجهادهن يوم أحد، وبيان لحقيقة تأريخية وموعظة بأن مشركي قريش لو دخلوا المدينة من أطرافها يوم الخندق لقاتلتهم النساء والصبيان من فوق السطوح وفي الأزقة والدروب ولعجزوا عن تلمس طريق الهروب، وهو من مصاديق الوعد الإلهي في قوله تعالى[فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ]( ).
فأم عمارة إمرأة واحدة دخلت المعركة عرضاً وعن غير قصد لأنها كانت تحمل سقاء الماء، ولكنها رأت أن إشتراكها في القتال عند إنسحاب شطر من المسلمين واجباً عينياً، والظاهر أنها كانت تقاتل مع إبنها عمارة وتشترك معه بالدفاع عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليصيب الفزع الكفار بأن العقيدة والإيمان بالله ورسوله يبعث المسلمات على القتال في سبيل الله.
17- سلمة بن ثابت بن وَقْشْ الأنصاري الأشهلي
وقش بفتح الواو وسكون القاف والشين.
وأمه ليلى بنت اليمان وهي أخت حذيفة بن اليمان وهو غير سلمة بن سلامة بن وقش بن زغبة الذي شهد بيعة العقبة الثانية ومعركة بدر وكان مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الطريق إلى بدر إذ لقوا(رجلا من الاعراب، فسألوه عن الناس فلم يجدوا عنده خبرا، فقال له الناس، سلم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: أوفيكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالوا: نعم.
فسلم عليه، ثم قال: لئن كنت رسول الله فأخبرني عما في بطن ناقتي هذه، قال له سلمة بن سلامة بن وقش: لا تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل علي فأنا أخبرك عن ذلك، نزوت عليها ففي بطنها منك سخلة.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مه أفحشت على الرجل.
ثم أعرض عن سلمة)( )، ومات سلمة في المدينة سنة أربع وثلاثين.
وشهد سلمة بن ثابت معركة بدر.
وقتل هو وأخوه عمرو بن ثابت يوم أحد، وقتل معه يوم أحد أبوه ثابت بن وقش وعمه رفاعة بن وقش شهيدين مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وليس لسلمة بن ثابت عقب، وقد انقرض ولد وقش بن زغبة جميعا فلم يبق منهم أحد( ).
لقد إنقرض عقبهم، ولكن ذكرهم في الدنيا بقي خالداً إلى يوم القيامة زاخراً بالعز والمجد والفخر، يتلقى المسلمون أخبار جهادهم بالإكرام ويعلمون جميعاً أن ولد وقش ساهموا في بناء صرح الإسلام بدمائهم وأرواحهم.

18- عمرو بن ثابت
بن وقش بن زغبة بن زعوراء بن عبد الأشهل الأنصاري، وهو إبن أخت حذيفة بن اليمان، وأمه ليلى بنت اليمان، وهو أخو سلمة بن ثابت الذي تقدم ذكره، إذ إستشهدا معاً يوم أحد، ولكن عمرو بن ثابت لم يشترك في معركة بدر، ويعرف عمرو بن ثابت بالأُحيرم.
وكان يمتنع عن دخول الإسلام، ولا يرضى لقومه إقبالهم وإخلاصهم في سنن الإيمان، ومع هذا كانوا يحثونه على دخول الإسلام(فيقول: لو أعلم ما تقولون حقاً ما تأخرت عنه)( )، إلى أن جاء يوم أحد فملأ الله عز وجل قلبه إيماناً ولبس لامة القتال وخرج يذب عن الإسلام، وهو من مصاديق قوله تعالى[وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ]( ).
وعن إبن إسحاق عن البراء (أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل مقنع بالحديد فقال: يا رسول الله أقاتل أو أسلم قال: “اسلم ثم قاتل” فأسلم ثم قاتل)( ).
لقد هداه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الجنة من أوسع أبوابها وبيّن له وجوب الإسلام أولا، ولم يقل له (أسلم وقاتل) لإفادة الواو الجمع بين الأمرين، بل جاء الحديث بحرف العطف (ثم) الذي يفيد التراخي، لتأكيد أولوية الإسلام، وعدم الملازمة بينه وبين القتال وأن الله عز وجل هو الذي ينصر رسوله، قال تعالى[أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ]( ).
ومع حاجة المسلمين إلى الرجال وكثرة السواد وإنشغال النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأمور القتال فأنه إعتنى به وبدعوته إلى الإسلام، وأخذ عمرو سيفه وإشترك في القتال حتى أثبتته الجراحة، وجاء رجال من بني عبد الأشهل يلتمسون قتلاهم في المعركة فوجدوا عمروا بن ثابت بين الجرحى(أخبروني عن رجل دخل الجنة، ولم يصل لله عز وجل صلاة، فإذا لم يعرفه الناس يقول: ” أصيرم بني عبد الأشهل: عمرو بن ثابت بن وقش ” . وذلك أنه كان يأبى الإسلام، فلما كان يوم أحد بدا له في الإسلام فأسلم، ثم أخذ سيفه فأثبتته الجراح، فخرج رجال بني عبد الأشهل يتفقدون رجالهم في المعركة، فوجدوه في القتلى في آخر رمق.
فقالوا: هذا عمرو، فما جاء به؟ فسألوه: ما جاء بك يا عمرو؟ أحدباً على قومك أو رغبة في الإسلام؟ فقال: بل رغبة في الإسلام أسلمت، وقاتلت حتى أصابني ما ترون. فلم يبرحوا حتى مات، فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ” إنه لمن أهل الجنة”)( ).
وفي رواية أخرى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال عنه(عمل قليلاً وأجر كثيراً)( ).
والإسلام يجب ما قبله، فكيف بالشهادة في سبيل الله، وسمو مرتبتها وعظيم أجرها , فجاء الحكم من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن ثوابها الخلود في النعيم.
ويتصف بنو عبد الأشهل بإنعدام المنافق أو المنافقة فيهم، وكان عدد منهم حضر بيعة العقبة والسبب في مبادرتهم للإسلام أن رئيسهم سعد بن معاذ قال لقومه يوم أسلم: رجالكم ونساؤكم عليّ حرام إن لم تؤمنوا بالله ورسوله) وتأخر عمرو بن ثابت وكانت عاقبته خيراً.
بخلاف قزمان( ) الذي قاتل المشركين في معركة أحد حمية لقومه وقبيلته، وكان المسلمون يثنون عليه عند النبي محمد صلى الله فيجيبهم إنه في النار، فأستغربوا من الأمر(قال ابن هشام: وذكر عمر مولى عفرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر يوم أحد قاعدا من الجراح التى أصابته، وصلى المسلمون خلفه قعودا.
قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: كان فينا رجل أ؟؟ لا يدرى من هو يقال له قزمان، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا ذكر: “إنه لمن أهل النار”.
قال: فلما كان يوم أحد قاتل قتالا شديدا، فقتل هو وحده ثمانية أو سبعة من المشركين، وكان ذا بأس، فأثبتته الجراحة، فاحتمل إلى دار بنى ظفر.
قال: فجعل رجال من المسلمين يقولون له: والله لقد أبليت اليوم يا قزمان فأبشر، قال: بماذا أبشر! فوالله إن قاتلت إلا عن أحساب قومي، ولولا ذلك ما قاتلت ! قال: فلما اشتدت عليه جراحته أخذ سهما من كنانته فقتل به نفسه)( ).
ليكون من الإعجاز في السنة الدفاعية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإخبار عن كون قزمان في النار مع أنه قتل عدداً من المشركين وأظهر البسالة والشجاعة في ميدان المعركة.
ويحتمل سبب دخوله النار أموراً:
الأول : قتال قزمان عن أحساب قومه وليس دفاعاً عن الإسلام.
الثاني : عدم استحضار قزمان قصد القربة إلى الله في القتال ، ولو على نحو الإخطار.
الثالث : قتل قزمان لنفسه، وهو ظلم محض.
الرابع : عدم التسليم بالمعاد الذي هو أصل من أصول الدين، فحينما عاده المسلمون وقالوا له أبشر بالجنة، أجاب بصيغة الإستفهام الإنكاري (بماذا أبشر) وفيه تثبيط للعزائم.
ولا تعارض بين هذه الأمور، وكلها من مصاديق سلب التوفيق، وفيه دعوة للمسلمين إلى إخلاص النية في العمل العبادي ورجاء فضل الله قال تعالى[وَيَسْتَجِيبُ الذين آمنوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ]( ).
19- رفاعة بن وقش
رفاعة بن وقش بن زغبة بن زعوراء بن عبد الأشهل.
شهد أحداً وهو شيخ كبير، قتله خالد بن الوليد قبل أن يدخل خالد الإسلام وقتل معه شهيداً أخوه ثابت بن وقش، وإبناه سلمة وعمرو بن ثابت , وقد تقدمت ترجمتهما.
قال إبن سعد: وقد إنقرض ولد وقش بن رغبة جميعاً فلم يبق منهم أحد ( ).
وقيل أن رفاعة كان مع حسيل بن جابر اليمان أبي حذيفة في الأطام( )، مع النساء والصبيان، وأن أحدهما حث الآخر على القتال، وذكر أن أخاه ثابتاً بن وقش هو الذي كان مع اليمان.

20- حسيل بن جابر بن عمرو
حُسيل بن جابر بن عمرو بن ربيعة بن جروة بن الحارث العبسي واليمان.
وجاءه لقب اليمان من جده جروة الذي أصاب دماً في قومه فهرب إلى المدينة وحالف بني عبد الأشهل فسماه قومه اليمان لأنه حالف اليمانية فلا يختص لقب اليمان بأبي حذيفة إنما يتعلق بجدهم جردة.
وتزوج حُسيل أمرأة من الأوس من بني عبد الأشهل إسمها الرباب بنت كعب بن عبد الأشهل.
وخرج حسيل وإبنه حذيفة (يريدان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل غزاة بدر فلقيهما المشركون فقالوا: إنكما تريدان محمداً، فقالا: ما نريد إلا المدينة، فأخذوا عليهما عهد الله وميثاقه أن لا يقاتلا مع محمد، فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه، وقالا: إن شئت قاتلنا معك، فقال: بل نفي بعهدهم ونستعين الله عليهم، وشهدا غزاة أحد، فالتقت سيوف المسلمين على حسيل وهم لا يعرفونه، فجعل حذيفة يقول: أبي أبي، فلم يفهموا حتى قتل، فتصدق حذيفة بدمه على المسلمين ( ).
وعن إبن عباس : إنّ الّذِي قَتَلَهُ مِنْهُمْ خَطَأً هُوَ عُتْبَةُ بْنُ مَسْعُودٍ أَخُو عَبْدِ اللّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَجَدّ عُبَيْدِ اللّهِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الْفَقِيهِ ذَكَرَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي التّفْسِيرِ وَعُتْبَةُ هُوَ أَوّلُ مَنْ سَمّى الْمُصْحَفَ مُصْحَفًا ، فِيمَا رَوَى ابْنُ وَهْبٍ فِي الْجَامِع( ).
أي أن حسيلاً خلف في المدينة لكبر سنه وعندما نشبت معركة أحد أخذ سيفه ليقاتل دفاعاً عن الإسلام والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وطلباً لمرضاة الله وقتل المشركون ثابت بن قيس.
وهذا من الشواهد والوقائع التي تبعث الفزع في قلوب الكفار وتزجرهم عن إقتحام المدينة فيخرج كبار السن ويقطعون المسافة بين المدينة وأحد ليقاتلوا دفاعاً عن الإسلام، فكيف إذا دخل الكفار المدينة فان قتالهم يكون من باب الأولوية القطعية، وكانت قريش ترصد أخبار المسلمين وتستعرض أحوالهم في حال الحرب والسلم لذا كان خروج الكبير من المسلمين للقتال، وإستبسال أم عمارة دون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زاجراً ومانعاً لقريش من دخول المدينة سواء في معركة الخندق أو قبلها أو بعدها، قال تعالى[وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ]( ).
وابنه حذيفة من كبار الصحابة وبعثه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم الخندق لينظر إلى قريش فجاءه بخبر إنسحابهم، وكان سر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان عمر بن الخطاب يسأله عن المنافقين.
21- صيفي بن قيظي
صيفي بن قيظي بن عمرو بن سهل بن مخرمة من عبد الأشهل.
قتل يوم أحد هو وأخوه لأبيه وأمه الحباب بن قيظي، وأمها الصعبة بنت التيهان أخت الهيثم بن التيهان والذي قتل صيفي هو ضرار بن الخطاب.
22- الحباب بن قيظي
الحباب بن قيظي بن عمرو بن سهل الأنصاري ثم الأشهلي.
شهد بدراً وتقدم أعلاه أنه استشهد في معركة أحد هو وأخوه لأمه وأبيه صيفي بن قيظي

23- عباد بن سهل
عباد بن سهل بن مخرمة بن قلع الأنصاري الأشهلي.
قتل يوم أحد شهيداً قتله صفوان بن أمية الجمحي.
24- إياس بن أوس
إياس بن أوس بن عتيك بن عمرو بن عبد الأعلم ويقال إبن عبد الأعلم الأنصاري الأشهلي.
ورد ذكر إياس في تأويل رؤيا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند التهيء للقاء الكفار يوم أحد، إذ ذكر في الحديث رؤيا للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل معركة أحد، ومن خصائص رؤيا الأنبياء أنها من الوحي، ووردت بعدة وجوه متقاربة:
الأول : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: رأيت في المنام أنى أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة يثرب. ورأيت في رؤياي هذه أنى هززت سيفا فانقطع صدره، فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد، ثم هززته أخرى فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع المؤمنين، ورأيت فيها أيضا بقرا، والله خير، فإذا هم النفر من المؤمنين يوم أحد، وإذا الخير ما جاء الله به من الخير وثواب الصدق الذى أتانا بعد يوم بدر( ).
الثاني : عن إبن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لهم: قبل أن يلبس الأداة : إنى رأيت أنى في درع حصينة، فأولتها المدينة، وأنى مردف كبشا وأولته كبش الكتيبة، ورأيت أن سيفى ذا الفقار فل، فأولته فلا فيكم، ورأيت بقرا يذبح، فبقر، والله خير ( ).
الثالث : عن أنس مرفوعاً قال: رأيت فيما يرى النائم كأنى مردف كبشا، وكأن ضبة سيفى انكسرت، فأولت أنى أقتل كبش القوم، وأولت كسر ضبة سيفى قتل رجل من عترتي ( ).
وقيل أن الذي رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بسيفه من الكسر إنما هو الذي أصاب وجهه.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : أَنْشَدَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ لِلْحَجّاحِ بْنِ عِلَاطٍ السّلَمِيّ يَمْدَحُ ( أَبَا الْحَسَنِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ) عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ، وَيَذْكُرُ قَتْلَهُ طَلْحَةَ بْنَ أَبِي طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الدّارِ صَاحِبِ لِوَاءِ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ :
لِلّهِ أَيّ مُذَبّبٍ عَنْ حُرْمَةٍ … أَعْنِي ابْنَ فَاطِمَةَ الْمُعَمّ الْمُخْوِلا
سَبَقَتْ يَدَاكَ لَهُ بِعَاجِلِ طَعْنَةٍ … تَرَكَتْ طُلَيْحَةَ لِلْجَبِينِ مُجَدّلا
وَشَدَدْتَ شَدّةَ بَاسِلٍ فَكَشَفْتهمْ … بِالْجَرّ إذْ يَهْوُونَ أَخْوَلَ أَخْوَلا( )
وقال إبن أسحاق وغيره: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الرؤيا ليلة الجمعة، فلما أصبح جاء أصحابه، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم ذكر الرؤيا لهم وقال: إن رأيتم أن تقيموا بالمدينة ونجعل النساء والذرية في الآطام، فإن أقاموا أقاموا بشر مقام، وإن دخلوا علينا قاتلناهم في الازقة فنحن أعلم بها منهم، ورموا من فوق الصياصي والآطام، وكانوا قد شبكوا المدينة بالبنيان من كل ناحية فهي كالحصن، وكان هذا الذي ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم رأي الاكابر من المهاجرين والانصار، وكان عبد الله بن أبي يرى رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال جماعة من المسلمين غالبهم أحداث لم يشهدوا بدرا، وطلبوا الشهادة وأحبوا لقاء العدو، وأكرمهم الله تعالى بالشهادة يوم أحد: يا رسول الله اخرج بنا إلى أعدائنا، لا يرون أنا جبنا عنهم، فقال عبد الله بن أبي: يا رسول الله أقم بالمدينة ولا تخرج، فوالله ما خرجنا منها إلى عدو لنا قط إلا أصاب منا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فدعهم يا رسول الله، فإن أقاموا بشر مجلس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم، ورماهم الصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاءوا.
فقال حمزة بن عبد المطلب، وسعد بن عبادة، والنعمان بن مالك في طائفة من الانصار: إنا نخشى يا رسول الله أن يظن عدونا أنا كرهنا الخروج إليهم جبنا عن لقائهم، فيكون هذا جرأة منهم علينا، وقد كنت يوم بدر في ثلاثمائة رجل، فظفرك الله تعالى عليهم، ونحن اليوم بشر كثير، قد كنا نتمنى هذا اليوم وندعو الله تعالى به، فساقه الله تعالى إلينا في ساحتنا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لما يرى من إلحاحهم كاره، وقد لبسوا السلاح.
وقال إياس بن أوس بن عتيك، نحن بنو عبد الاشهل، إنا لنرجو أن نكون البقر المذبح.
وقال غيره: هي إحدى الحسنيين: الظفر أو الشهادة، والله لا تطمع العرب في أن تدخل علينا منازلنا.
وقال حمزة: والذي أنزل عليك الكتاب لا أطعم اليوم طعاما حتى أجالدهم بسيفي ( ).
والذي قتل إياس بن أوس هو ضرار بن الخطاب وروي أن أياس بن أوس قال: يا رسول الله، نحن بنو عبد الأشهل من البقر المذبح، نرجو يا رسول الله أن نذبح في القوم ويذبح فينا، فنصير إلى الجنة ويصيرون إلى النار، مع أني يا رسول الله لا أحب أن ترجع قريش إلى قومها فيقولون: حصرنا محمداً في صياصي يثرب وآطامها! فيكون هذا جرأة لقريش، وقد وطئوا سعفنا فإذا لم نذب عن عرضنا لم نزرع، وقد كنا يا رسول الله في جاهليتنا والعرب يأتوننا، ولا يطمعون بهذا منا حتى نخرج إليهم بأسيافنا حتى نذبهم عنا، فنحن اليوم أحق إذ أيدنا الله بك، وعرفنا مصيرنا، لا نحصر أنفسنا في بيوتنا( ).
قال إبن سحاق وإبن شهاب وغيرهما أنه استشهد يوم أحد وخالف الكلبي وقال استشهد في معركة الخندق، وأختلف في جده هل هو عبد الأعلى أم عبد الأعلم ، والمشهور والمختار هو الثاني.
25- عبيد بن التيهان
أختلف في نسبه على أقوال:
الأول : عبيد بن التيهان بن مالك بن عمرو بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن عمرو الأنصاري.
الثاني : عبيد وأخوه الهيثم بن التيهان من حلفاء بني عبد الأشهل، وليس من نفس الأنصار.
الثالث : هو أحد حلفاء بني زهرة .
والصحيح هو الأول، وسماه موسى بن عقبة وغيره عتيكاً.
وهو أحد السبعين الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليلة العقبة الثانية وشهد بدراً.
وآخى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينه وبين مسعود بن الربيع القارئ الذي أسلم بمكة قبل دخول النبي صلى الله عليه وآله وسلم دار الأرقم، ويسمى أولاد مسعود بن الربيع بني القارئ، وهم حلفاء بني زهرة بالمدينة ومات مسعود سنة ثلاثين.
وقتل عبيد بن التيهان يوم أحد شهيداً، قتله عكرمة بن أبي جهل وقيل قتل بصفين مع علي عليه السلام والأول أصح أي أنه قتل يوم أحد.
وله من الأولاد عبيد الله قتل يوم اليمامة شهيداً، وعباد، وأمهما الصعبة بنت رافع بن عدي الغساني، وأختهما الصعبة بنت التيهان أم الحباب وصيفي ولدي قيظي.
وقال إبن سعد: وقد إنقرضوا ولم يبق لعبيد بن التيهان عقب ( ).
26- أبو سفيان بن الحارث
ابو سفيان بن الحارث بن قيس بن زيد الأنصاري الأوسي.
تزوج الشموس بنت النعمان بن عامر بن مجمع وأمها سالمة بنت مطرف بن الحارث فولدت له وأسلمت الشموس وبايعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وذكر أن بنتل المنافق أخوه، وهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من أحب أن ينظر إلى الشيطان، فلينظر إلى نبتل وكان أدلم، ثائر الشعر، جسيماً، أحمر العينين، أسفع الخدين. وكان ينقل حديث النبي صلى الله عليه وسلم إلى المنافقين( ).
وعن إبن إسحاق قال: حدثني عمران بن سعد بن سهل بن حنيف، عن رجال من قومه من بني عمرو بن عوف قالوا : لما وجه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إِلى أحد وجه معه أَبو سفيان بن الحارث ورجل آخر من أَصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال ذلك الرجل: اللهم، لا تردني إِلى أَهلي وارزقني الشهادة مع رسولك.
وقال أَبو سفيان: اللهم ارزقني الجهاد مع رسولك، والمناصحة له، وردني إٍلى عيالي وصبيتي حتى تكفيهم بي فقتل أَبو سفيان بن الحارث، ورجع الآخر. فَذكر أمرهما لرسول الله صلى الله عليه وسلم،َ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” كَانَ أَبو سفيَانَ أَصدَق الرجلين نيةً( ).
وأصدق أفعل تفضيل أي كلاهما صادق النية ولكن الذي سأل الله الجهاد والعودة بسلام إلى أهله وأولاده الصغار فأستشهد ولم يرجع إليهم كان أقرب إلى الله وأكثر إخلاصاً في إيمانه، والله يكفيه أولاده وذريته.
وفي رواية قال: أقاتل ثم أرجع إلى بناتي؛ فلما رأى الدولة للمشركين، قال: اللهم إني لا أريد أن أرجع إلى بناتي. ولكني أريد أن أقتل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد صدق الله بقول أخلص له، وصدق في قوله( ).
شهد بدراً وقال البلاذري: كان يقال له أبو البنات فلما كان بأحد قال: أقاتل ثم أرجع إلى بناتي فلما انهزم المسلمون قال اللهم إني لا أريد أن أرجع إلى بناتي ولكن أريد أن أقتل في سبيلك فقتل فأثنى عليه النبي صلى الله عليه وسلم بذلك( ).
قتل يوم أحد، وقيل قتل يوم خيبر شهيداً.
27- أنيس بن قتادة
أنيس بن قتادة بن ربيعة بن خالد بن الحارث بن عبيد بن زيد الأوسي الأنصاري.
تزوج خنساء بنت خذام، ولما قتل يوم أحد زوجّها أبوها رجلاً من مزينة فكرهته وجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرد نكاحها فخطبها أبو لبابة فولدت له السائب مما يدل على موضوعية إذن ورضا المرأة الثيب في إختيار الزوج وأنها تملك أمرها.
وعن سعيد بن عبد الرحمن الجحشي قال: كانت إمرأة يقال لها خنساء بنت خذام تحث أنيس بن قتادة الأنصاري فقتل فزوجها أبوها رجلاً من مزينة فكرهته وجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرد نكاحه، فتزوجها أبو لبابة.
وفي رواية إبنها السائب عنها: قد تأيمت من رجل فزوجها أبوها من رجل من بني عمرو بن عوف وأنها خطبت إلى أبي لبابة بن عبد المنذر فارتفع شأنهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أباها يلحقها بهواها , فتزوجت أبا لبابة فهي والدة ولده السائب)( ).
وقد يكون لأنيس زوجتان , إذ ذكر أن زوجته هي جذامة بنت جندل من نساء بني غنم من أهل مكة حلفاء بني عبد شمس، أسلمت بمكة وبايعت وهاجرت إلى المدينة، وقيل التي تحته هي جُذامة بنت وهب، شهد أنيس بن قتادة بدراً، وقتل يوم أحد، قتله الأخنس بن شريق، وليس له عقب .
وقد روت جذامة بنت جندل الأسدية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أنها سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: لقد هممت أن أنهى عن الغيلة حتى ذكرت أن الروم وفارس يصنعون ذلك فلا يضر أولادهم.
قال مالك بن أنس: الغيلة أن يمس الرجل امرأته وهي ترضع)( ).

28 – خيثمة أبو سعد
هو خيثمة بن الحارث بن مالك بن كعب بن النماط بن غنم الأنصاري الأوسي، إشتهر خيثمة بكنيته(أبو سعد) لما لسعد إبنه من شأن في الإسلام فكان يسمى سعد الخير، ويكنى أبا عبد الله وهو من أهل بيعة العقبة، وقيل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نزل على سعد بن خيثمة عند هجرته إلى المدينة برواية إبنه عبد الله بن سعد , والأصح أنه نزل على كلثوم بن الهدم في بني عمرو بن عوف نعم كان يتحدث في منزل سعد بن خيثمة وكان يسمى منزل العزاب( ) وأقام عند بني عمرو بن عوف أربعة أيام الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وأسس مسجدهم.
فأدركته الجمعة في بني سالم فصلاها في بطن الوادي ثم نزل على أبي أيوب الأنصاري , وتقع دار سعد بن خيثمة مقابل مسجد قباء عند قبلته، وكذا دار كلثوم بن الهدم، وفي هذه الدور نزل النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل وصوله إلى المدينة، وكذا أهل بيته، وولدت أسماء عبد الله بن الزبير بقباء قبل وصولهم المدينة.
ونزل النبي صلى الله عليه وآله وسلم على كلثوم بن الهدم ويتحدث من منزل بن خيثمة، وكان يسمى منزل القرآن، ويسمى أيضاً منزل العزاب إذ كان عزباً لا أهل له، وكان العزاب من المهاجرين ينزلون عنده.
وذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما إستنهض أصحابه إلى عير قريش أسرعوا فقال خيثمة بن الحارث لابنه سعد: إنه لا بد لأحدنا أن يقيم فآثرني بالخروج وأقم أنت مع نسائنا أي أن الفضل والأجر والحسنى في الخروج مع النبي فأبى سعد وقال: لو كان غير الجنة لآثرتك به إني لأرجو الشهادة في وجهي هذا فاستهما فخرج سهم سعد فخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر فقتل. قال ابن هشام: كتب ابن إسحاق. سعد بن خيثمة في بني عمرو بن عوف وإنما هو من بني غنم بن السلم ولكنه ربما كانت دعوته فيهم فنسبه إليهم)( ).
ولخيثمة وإبنه سعد وحفيده عبد الله صحبة، وقال عبد الله أنه شهد العقبة وبدراً رديفاً لأبيه.
ولما إستشار النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه عند العزم على الخروج إلى أحد بعد أن رأى رؤيا مكروهة وأشار عبد الله بن أبي عليه بالبقاء في المدينة وتكلم آخرون.
وقاتل خيثمة أبي سعد هو هبيرة بن أبي وهب، وهبيرة هذا هو زوج أم هانئ بنت أبي طالب وإسمها هند وقيل فاختة ويدل على أن إسمها هند شعر زوجها هبيرة بن أبي وهب المخزومي يوم أحد , وكان مع المشركين إذ يذكر قومه مفتخراً
مَا بَالُ هَم عَمِيدٍ بَاتَ يَطْرُقُنِي … بِالْوُد من هِنْدَ إِذْ تَعْدُو عَوَادِيهَا
بَاتَتْ تُعَاتِبُنِي هِنْدٌ وَتَعْذِلُنِي … وَالحَربُ قَدْ شُغِلَت عَني مَوَالِيهَا
مَهْلاً فَلاَ تَعذِلِينِي؛ إِن مِنْ خُلُقِيمَا قَد عَلِمتِ، وَمَا إِنْ لَسْتُ أُخْفِيهَا
مُسَاعِف لِبَنِي كَعبٍ بِمَا كَلِفُوا … حَمّالُ عِبْء وأَثقَالٍ أُعَانِيهَا
وَقَدْ حَمَلْتُ سِلاَحِي فَوْقَ مُشتَرِفٍ … سَاطٍ سَبُوحٍ إِذَا يَجْرِي يُبَارِيهَا
كَأنهُ إِذْ جَرَى عَير بِفَدفَدَةِ … مُكَدم لاَحِقٌ بِالْعُونِ يَحْمِيهَا
مِن آلِ أَعْوَجَ يَرْتَاحُ الندىُ لَهُ … كَجِذْعِ شَعْرَاءَ مُسْتَعْلٍ مَرَاقِيهَا
أَعددتُهُ وَرُقَاقَ الحَدِّ مُنتَخَلاًَ … وَمَارِنَا لِخُطُوب قَدْ أُلاَقِيهَا
هَذَا وَبَيضَاءَ مِثلَ النهى مُحكَمَةً … لُطت عَلَيَّ فَمَا تَبدُو مَسَاوِيهَا
سُقنَا كِنَانَةَ من أَطرَافِ ذِي يَمَنٍ … عُرْضَ البِلاَدِ عَلَى مَا كَانَ يُزجِيهَا
قالَت كِنَانَةُ: أَنّى تَذهَبُونَ بنَا؟ … قُلنَا: النخِيلَ؛ فَأَموهَا وَمَنْ فِيهَا
نَحنُ الْفَوَارِسُ يَوَمَ الْجَر من أُحُدِ … هَابَتْ مَعَد، فَقُلنَا: نَخنُ نَأْتِيهَا
هَابُوا ضِرَاباً وَطَعناً صَادِقاً خَذِماً … مِمّا يَرَونَ وَقَد ضُمتْ قَوَاصِيهَا
ثُمتَ رُحْنَا كَأَنا عَارِضٌ بَرِد … وَقَامَ هَامُ بَنِي النجارِ يَبكِيهَا
كَأَن هَامَهُمُ عِنْدَ الوَغَى فِلَق … من قَيْضِ رُبد نَفَتْهُ عَنْ أَدَاحِيهَا
أَوْ حَنظَل زَعزَعَتْهُ الريحُ فِي غُصُنٍ … بَالِ تَعَاوَرُهُ مِنهَا سَوَافِيهَا
قَد نَبذُلُ الْمَالَ سَحّا لاَ حِسَابَ لَهُ … وَنَطعُنُ الْخَيلَ شَزْراً فِي مَآقِيهَا
وَلَيلَةٍ يَصْطَلِي بِالفَرثِ جَازِرُهَا … يَخْتَص بِالنقَرَى الْمُثرِينَ دَاعِيهَا
وَلَيْلَةٍ مِنْ جُمَادَى ذَاتِ أَندِيَةٍ … جَرْبَا جُمَادِيةِ قد بِتُ أَسرِيهَا
لاَ يَنْبَحُ الْكَلْبُ فِيهَا غَيْرَ وَاحِدةٍمِنَ الْقَرِيسِ وَلاَ تَسْرِي أَفَاعِيهَا
أَوْقَدْتُ فِيهَا لِذِي الضراءِ جاحمة … كَالْبَرقِ ذَاكِيَةَ الأَرْكانِ أَحْمِيهَا
أَورَثَنِي ذَاكُمُ عَمْرٌو وَوَالِدُهُ … مِنْ قَبلِهِ كَانَ بِالْمَثْنَى يُغَالِيهَا
كَانُوا يبَارُونَ أَنوَاءَ النجُومِ فَمَا … دَنّتْ عَنِ السورَةِ الْعلْيَا مَسَاعِيهَا
فأجابه حسان بن ثابت فقال: من البسيط:
سُقتُم كِنَانَةَ جَهلاً مِنْ سَفَاهَتِكُمٍ … إِلَى الرَسُولِ فَجُنْدُ الله مُخْزِيهَا
أَوْرَدتُمُوهَا حِيَاضَ المَوتِ ضاحِيَة … فَالنارُ مَوعِدُهَا وَالْقَتْلُ لاَقِيهَا
جَمَعتُمُوهُمْ أَحَابِيشاً بِلا حَسَب … أَئِمةَ الْكُفْرِ غَرتكُمْ طَوَاغِيهَا
أَلا اعتَبَرْتُم بِخَيْلِ الله إِذْ قَتَلَت … أَهلَ القَلِيبِ وَمَن أَلقَينَهُ فِيهَا؟!
كَمْ من أَسِيرٍ فَكَكنَاهُ بِلا ثَمَن … وَجَز نَاصِيَةِ كُناً مَوَالِيهَا( )
وولدت له أم هانئ ثلاثة أولاد جعدة وكان فقيهاً وولاه علي عليه السلام على خراسان، وهانئاً ويوسف، وقيل ولدت له أربعة والرابع إسمه عمر، وجعدة هو الذي يقول:
أنا من بني مخزوم إن كنت سائلاً … ومن هاشم أُمّي لخير قبيل
فمن ذا الّذي يبأى علّي بخاله … وخالي عليٌّ ذو النّدى وعقيل)( ).
ولما فتح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكة في السنة الثامنة للهجرة هرب هبيرة إلى نجران وقال حين فراره معتذراً نادماً:
(لعمرك ما وليت ظهري محمداً … وأصحابه جبناً ولا خيفة للقتل
ولكنني قلبت أمري فلم أجد … لسيفي غناء إن ضربت ولا نبلي
وقفت فلما خفت ضيعة موقفي ..رجعت لعود كالهزبر إلى الشبل)( ).
وهرب مع هبيرة إلى نجران عبد الله بن الزبعري الذي أرسل له حسان بن ثابت أبياتاً من الشعر قال:
لا تعدمن رجلاً أحلك بغضه … نجران في عيشٍ أحد لئيم
بليت قناتك في الحروب فألقيت … خمانةً خوفاء ذات وصوم
غضب الإله على الزبعري وابنه … وعذاب سوءٍ في الحياة مقيم( )
أي نسأل الله أن يديم نعمة وجود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي كان بغضك له سبب هروبك إلى نجران ذليلاً مهيناً.
فلما بلغ ابن الزبعري شعر حسان بن ثابت هذا تهيأ للخروج ، فقال له هبيرة بن أبي وهب : أين تريد ابن عم ؟ قال : أردت محمدا . قال : تريد أن تتبعه ؟ قال : إي والله . قال : يقول هبيرة : يا ليت أني كنت رافقت غيرك ، والله ما ظننت أنك تتبع محمدا أبدا . قال ابن الزبعري : فهو ذاك ، فعلى أي شيء نقيم مع بني الحارث بن كعب وأترك ابن عمي وخير الناس وأبر الناس ، ومع قومي وداري أحب إلي . فانحدر ابن الزبعري حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في أصحابه ، فلما نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : هذا ابن الزبعري ومعه وجه فيه نور الإسلام. فلما وقف عليه قال : السلام عليك أي رسول الله ، شهدت أن لا إله إلا الله ، وأنك عبده ورسوله ، والحمد لله الذي هداني للإسلام ، فقد عاديتك وأجلبت عليك ، وركبت الفرس والبعير ومشيت على قدمي في عداوتك ، ثم هربت منك إلى نجران وأنا أريد أن لا أقرب الإسلام أبدا ، ثم أرادني الله منه بخير فألقاه في قلبي وحببه إلي ، فذكرت ما كنت فيه من الضلالة واتباع ما لا ينفع ذا عقل من حجر يعبد ويذبح له ، لا يدري من عبده ولا من لا يعبده . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الحمد لله الذي هداك للإسلام ، أحمد الله أن الإسلام يحت ما كان قبله)( ).
(وقال حين أسلم :
يا رسول المليك إنّ لساني … راتقٌ ما فتقت إذ أنا بور
إذ أجاري الشيطان في سنن … الغيّ ومن مال ميله مثبور
آمن اللحم والعظام بما قلت … فنسي الشهيد أنت النذير
إن ما جئتنا به حق صدق … ساطعٌ نوره مضيءٌ منير
جئتنا باليقين والبرّ والصّد … ق وفي الصّدق واليقين سرور
أذهب الله ضلّة الجهل عنا … وأتانا الرّخاء والميسور
في أبيات له. وقال أيضاً: ” الكامل
منع الرّقاد بلابلٌ وهموم … والليل معتلج الرواق بهيم
مما أتاني أن أحمد لامني … فيه فبتّ كأنني محموم
يا خير من حملت على أوصالها … عيرانةٌ سرح اليدين عشوم
إني لمعتذر إليك من التي … أسديت إذ أنا في الضلال أهيم
أيام تأمرني بأغوى خطةٍ … سهمٌ وتأمرني بها مخزوم
وأمد أسباب الهوى ويقودني … أمر الغواة وأمرهم مشؤوم
فاليوم آمن بالنبي محمد … قلبي ومخطئ هذه محروم
مضت العداوة وانقضت أسبابها … وأتت أواصر بيننا وحلوم
فاغفر فداً لك والداي كلاهما … وارحم فإنك راحمٌ مرحوم
وعليك من سمة المليك علامة … نور أغرٌ وخاتمٌ مختوم
أعطاك بعد محبة برهانه … شرفاً وبرهان الإله عظيم
قد انقرض ولد ابن الزبعرى)( ).
أما أبو هبيرة فقد بقي في نجران ومات فيها مشركاً , مع أن زوجه أم هانئ كانت لها شفاعة يوم فتح مكة.
29- عبد الله بن سَلمِة
العجلاني البلوي ثم الأنصاري بن مالك بن الحارث بن عدي بن الجد بن العجلان بن ضبعة البلوي الأنصاري بالحلف، وكنيته أبو محمد، وقيل أبو الحارث وأمه أنيسة بنت عدي، ولعبد الله بن سلمة عقب.
وعندما هاجر عتبة بن غزوان وخباب مولى عتبة إلى المدينة نزلوا على عبد الله بن سلمة العجلاني، كما نزل عليه سويبط بن سعد عند هجرته من مكة إلى المدينة وكذا طليب بن عمير.
ونزل عثمان وقدامة وعبد الله بنو مظعون والسائب بن عثمان بن مظعون ومعمر بن الحارث حين هاجروا من مكة إلى المدينة على عبد الله بن سلمة العجلاني.
عن مجمع بن يعقوب عن أبيه قال: نزلوا على حزام بن وديعة قال محمد بن عمر: وآل مظعون ممن أوعب( ) في الخروج إلى الهجرة رجالهم ونساؤهم ولم يبق منهم بمكة أحد حتى غلقت دورهم.
وعن محمد بن عمر قال: أخبرنا معمر عن الزهري عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أم العلاء قالت نزل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، والمهاجرون معه المدينة في الهجرة فتشاحت الأنصار فيهم أن ينزلوهم في منازلهم حتى اقترعوا عليهم، فطار لنا عثمان بن مظعون على القرعة، تعني وقع في سهمنا)( ).
ونزل عليه عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف وأخوه الطفيل والحصين، ومسطح بن أبي أثاثة بن المطلب عند هجرتهم إلى المدينة.
وكان لعبيدة شأن ومنزلة عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان أكبر المسلمين الذين خرجوا إلى بدر حيث أصيب في مبارزته لشيبة بن ربيعة، كما تقدم في ترجمة حمزة بن عبد المطلب وتوفى بالصفراء عند رجوع المسلمين من بدر(إن النبى – صلى الله عليه وسلم – لما نزل بأصحابه هنالك قالوا: إنا نجد ريح مسك، فقال: “وما يمنعكم وها هنا قبر أبى معاوية”. قيل: كان عمره حين قُتل ثلاثًا وستين سنة، وكان مربوعًا حسن الوجه)( ).
ويوم بدر أسر عبد الله بن سلمة عُقبةَ بن أبي معيط.
وإسم أبي معيط أبان بن أبي عمرو، وإسم أبي عمرو ذكوان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف.
ولما أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقتل عُقبة قال فمن للصبية يا محمد قال: أأقتل من بين قريش صبراً، فغمزه عمر بن الخطاب في نسبه.
وروي أن النبي قَالَ حِينَئِذٍ إنّمَا أَنْتَ يَهُودِيّ مِنْ أَهْلِ صَفّورِيَةَ لِأَنّ الْأَمَةَ الّتِي وَلَدَتْ أَبَاهُ كَانَتْ لِيَهُودِيّ مِنْ أَهْلِ صَفّورِيَةَ ، وَاسْمُهَا : تَرَنِي( ).
فقتله عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح الأنصاري أخو بني عمرو بن عوف وكان عبد الله بن سلمة يقول:
أنا الذي يقال أصلي من بلي … أطعن بالصعدة حتى تنثني
ولا يرى مجذرا يفري فريي( ).
وقتل عبد الله بن سلمة العجلاني يوم أحد شهيداً (قتله عبد الله بن الزبعري فيما ذكر ابن إسحاق وغيره ( ).
وجاءت أم عبد الله بن سلمة أنيسة بنت عدي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا رسول الله إن ابني عبد الله بن سلمة وكان بدريا قتل يوم أحد أحببت أن أنقله فآنس بقربه فأذن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم في نقله فعدلته بالمجذر بن زياد على ناضح له في عباءة فمرت بهما فعجب لهما الناس.
وكان عبد الله ثقيلا جسيما وكان المجذر قليل اللحم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ” سوى ما بينهما عملهما( ).
وفيه إعجاز ودليل على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإكرام الشهداء، فمع التباين بين طرفي العدل والحمل على البعير فقد تعادلا خلافاً للمألوف فبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن المدار في الآخرة على العمل وكل منهما قتل في سبيل الله.
30- سبيع بن حاطب بن الحارث
سبيع بن الحارث بن هيشة الأنصاري الأوسي.
ومنهم من قال إسمه سبيق (وحكى ابن هشام فيه سويبق: بالتصغير( ).
شهد بدراً وقتل يوم أحد شهيداً.

31 – أوس بن أرقم
أوس بن أرقم بن زيد بن قيس.
وكان أوس من أوائل المسلمين الذين أقبلوا بعد التولية قال الواقدي: وكان عباس بن عبادة بن نضلة، وخارجة بن زيد بن أبي زهير، وأوس بن أرقم بن زيد، وعباس رافع صوته يقول: يا معشر المسلمين، الله ونبيكم! هذا الذي أصابكم بمعصية نبيكم، فيوعدكم النصر فما صبرتم، ثم نزع مغفره عن رأسه وخلع درعه فقال لخارجة بن زيد: هل لك في درعي ومغفري؟ قال خارجة: لا، أنا أريد الذي تريد. فخالطوا القوم جميعاً، وعباس يقول: ما عذرنا عند ربنا إن أصيب رسول الله ومنا عين تطرف؟ يقول خارجة: لا عذر لنا عند ربنا ولا حجة. فأما عباس فقتله سفيان بن عبد شمس السلمي، ولقد ضربه عباس ضربتين فجرحه جرحين عظيمين، فارتث يومئذٍ جريحاً فمكث جريحاً سنةً ثم استبل. وأخذت خارجة بن زيد الرماح فجرح بضعة عشر جرحاً، فمر به صفوان إبن أمية فعرفه فقال: هذا من أكابر أصحاب محمد وبه رمقٌ! فأجهز عليه. وقتل أوس بن أرقم.
وقال صفوان بن أمية: من رأى خبيب بن يساف؟ وهو يطلبه ولا يقدر عليه. ومثل يومئذٍ بخارجة وقال: هذا ممن أغرى بأبي يوم بدر( ).
أستشهد أوس يوم أحد، قتله صفوان بن أمية الذي قال يومئذ : الآن شفيت نفسي حين قتلت الأماثل من أصحاب محمد، قتلت ابن قوقل، وقتلت ابن أبي زهير: وقتلت أوس بن أرقم ( ).
ويدل وصف صفوان لمن قتلهم من المسلمين بأنهم الأماثل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الشأن والمنزلة التي يتمتع بها أوس وعلو وثبته في التقوى.
32- مالك بن سنان بن عبيد من الخزرج
وهو والد أبي سعيد الخدري الذي إسمه سعد بن مالك بن سنان، وغلبت عليه كنيته وإشتهر بها، وأم أبي سعيد الخدري هي أنيسة بنت أبي حارثة من بني عدي بن النجار، وأخو أبي سعيد لأمه قتادة بن النعمان وكان أبو سعيد الخدري من المكثرين للحديث.
وجاء لقب الخدري من جدهم الأبجر وهو خدرة بن عوف (وخدرة وخدارة أخوان بطنان من الأنصار فأبو مسعود الأنصاري من خدارة وأبو سعيد من خدرة وهما ابنا عوف بن الحارث بن الخزرج وكان يقال لسنان جد أبي سعيد الخدري الشهيد)( ).
ولمالك بن سنان زوجة أخرى هي حبيبة بنت عبد الله بن أبي بن سلول، ولد منها بنتاً إسمها فريعة بنت مالك شهدت بيعة الرضوان، ويقال لها الفارعة والفريعة، لها رواية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم روى النسائي بالإسناد(عن سعد بن إسحاق عن زينب بنت كعب عن الفارعة بنت مالك أن زوجها خرج في طلب أعلاج فقتلوه قال شعبة وابن جريج وكانت في دار قاصية فجاءت وجاء أخواها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له فرخص لها حتى إذا رجعت دعاها فقال اجلسي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله .
وعن سعد بن أبي إسحاق عن عمته زينب بنت كعب عن الفريعة بنت مالك أن زوجها تكارى علوجا ليعملوا له فقتلوه فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت إني لست في مسكن له ولا يجري علي منه رزق أفأنتقل إلى أهلي ويتاماي فأقوم عليهم قال افعلي ثم قال كيف قلت فأعادت عليه قولها قال اعتدي حيث بلغك الخبر)( ).
وعن عبد الرحمن إبن أبي سعيد عن أبيه قال: سمعت أبي مالك بن سنان يقول: جئت بنى عبد الاشهل يوما لاتحدث فيهم، ونحن يومئذ في هدنة من الحرب، فسمعت يوشع اليهودي يقول: أظل خروج نبي يقال له أحمد يخرج من الحرم.
فقال له خليفة بن ثعلبة الأشهلى، كالمستهزئ به: ما صفته ؟ فقال رجل ليس بالقصير ولا بالطويل، في عينيه حمرة، يلبس الشملة ويركب الحمار، سيفه على عاتقه وهذا البلد مهاجره قال: فرجعت إلى قومي بنى خدرة وأنا يومئذ أتعجب مما يقول يوشع، فأسمع رجلا منا يقول: ويوشع يقول هذا وحده؟! كل يهود يثرب يقولون هذا.
قال أبى مالك بن سنان: فخرجت حتى جئت بنى قريظة فأجد جمعا، فتذاكروا النبي صلى الله عليه وسلم.
فقال الزبير بن باطا: قد طلع الكوكب الاحمر الذى لم يطلع إلا لخروج نبى أو ظهوره، ولم يبق أحد إلا أحمد، وهذا مهاجره.
قال أبو سعيد: فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم أخبره أبى هذا الخبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لو أسلم الزبير لأسلم ذووه من رؤساء اليهود، إنما هم له تبع”)( ).
ولم يشهد أبو سعيد الخدري معركة أحد لصغره، وأولى مشاهده معركة الخندق، وقد أراد أبوه مالك بن سنان مشاركته في معركة أحد فعرض على رسول صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ وهو إبن ثلاث عشرة سنة قال أبو سعيد(فجعل أبي يأخذ بيدي ويقول: يا رسول الله إنه عبل( ) العظام والنبي صلى الله عليه وسلم يصعد في بصره ويصوبه)( ).
وقد واسى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه أبي سعيد بأبيه يوم أحد مع صغر سنه والذي أظهر الغبطة بسلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد مع مصيبته بأبيه، لأن قوام الإسلام وتوالي التنزيل بسلامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
(وكان أبو سعيد الخدري يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أصيب وجهه يوم أحد فدخلت الحلقتان من المغفر في وجنتيه، فلما نزعتا جعل الدم يسرب كما يسرب الشن، فجعل مالك بن سنان يملج الدم بفيه ثم إزدرده.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: من أحب أن ينظر إلى من خالط دمه دمي فلينظر إلى مالك بن سنان. فقيل لمالك: تشرب الدم؟ فقال: نعم، أشرب دم رسول الله صلى الله عليه وسلّم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: من مس دمه دمي، لم تصبه النار. قال أبو سعيد: فكنا ممن رد من الشيخين، لم نجز مع المقاتلة، فلما كان من النهار وبلغنا مصاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم وتفرق الناس عنه، جئت مع غلمان من بني خدرة نعترض لرسول الله صلى الله عليه وسلّم وننظر إلى سلامته فنرجع بذلك إلى أهلنا، فلقينا الناس منصرفين ببطن قناة، فلم يكن لنا همة إلا النبي صلى الله عليه وسلّم ننظر إليه، فلما نظر إلي قال: سعد بن مالك؟ قلت: نعم، بأبي وأمي! فدنوت منه فقبلت ركبته وهو على فرسه.
ثم قال: آجرك الله في أبيك! ثم نظرت إلى وجهه فإذا في وجنتيه موضع الدرهم في كل وجنة، وإذا شجةٌ في جبهته عند أصول الشعر، وإذا شفته السفلى تدمي، وإذا رباعيته اليمنى شظية، فإذا على جرحه شيءٌ أسود.
فسألت: ما هذا على وجهه؟ فقالوا: حصيرٌ محرقٌ.
وسألت: من دمي وجنتيه؟ فقيل: ابن قميئة.
فقلت: من شجه في جبهته؟ فقيل: ابن شهاب.
فقلت: من أصاب شفته؟ فقيل: عتبة.
فجعلت أعدو بين يديه حتى نزل ببابه، فما نزل إلا حملاً، وأرى ركبتيه مجحوشتين( )، يتكىء على السعدين سعد بن عبادة وسعد بن معاذ حتى دخل بيته. فلما غربت الشمس وأذن بلال بالصلاة خرج رسول الله صلى الله عليه وسلّم على مثل تلك الحال يتوكأ على السعدين، ثم انصرف إلى بيته، والناس في المسجد يوقدون النيران يكمدون بها الجراح. ثم أذن بلالٌ بالعشاء حين غاب الشفق، فلم يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلّم وجلس بلالٌ عند بابه حتى ذهب ثلث الليل ثم ناداه: الصلاة، يا رسول الله! فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلّم وقد كان نائماً. قال: فرمقته فإذا هو أخف في مشيته منه حين دخل بيته، فصليت معه العشاء ثم رجع إلى بيته، وقد صف له الرجال ما بين بيته إلى مصلاه، يمشي وحده حتى دخل، ورجعت إلى أهلي فخبرتهم بسلامة رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فحمدوا الله على ذلك وناموا، وكانت وجوه الخزرج والأوس في المسجد على باب النبي صلى الله عليه وسلم يحرسونه فرقاً من قريش أن تكر)( ).
وعن أبي سعيد قال: قتل أبي يوم أحد شهيداً وتركنا بغير مال فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله فحين رآني قال: “من استغنى أغناه الله ومن يستعف يعفه الله ” فرجعت)( ).
وعن أبي سعيد الخدري قال: أَمر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مَنْ نُقلَ من شهداء أُحد إِلى المدينة أَن يُدْفَنُوا حيث أدرِكُوا، فأُدْركَ أَبي مالكُ بن سنان عند أَصحاب العباء فَدُفن. ثم قال ابن أَبي فديك: فقبره في المسجد الذي عند أَصحاب العَبَاء في طرف الحناطين)( ).
وقال الواقدي(وكان الناس أو عامتهم قد حملوا قتلاهم إلى المدينة، فدفن ببقيع الجبل منهم عدةٌ، عند دار زيد بن ثابت اليوم بالسوق، سوق الظهر، ودفن ببني سلمة بعضهم، ودفن مالك بن سنان في موضع أصحاب العباء الذي عند دار نخلة.
ثم نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلّم: ردوا القتلى إلى مضاجعهم! وكان الناس قد دفنوا قتلاهم، فلم يرد أحدٌ إلا رجلاً واحداً أدركه المنادي ولم يدفن، وهو شماس بن عثمان المخزومي، كان حمل إلى المدينة وبه رمقٌ فأدخل على عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلّم، فقالت: أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلّم: ابن عمي يدخل على غيري! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: احملوه إلى أم سلمة. فحمل إليها فمات عندها، فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم أن ترده إلى أحد، فدفن هناك كما هو في ثيابه التي مات فيها، وكان قد مكث يوماً وليلة، ولكنه لم يذق شيئاً، ولم يصل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يغسله.
33- مالك بن إياس الأنصاري الخزرجي
ذكره موسى بن عقبة فيمن أستشهد بأحد، ولم يذكره إبن إسحاق وإستدركه إبن هشام، إذ قال إبن إسحاق: أن جميعا من أستشهد من المسلمين مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من المهاجرين والأنصار خمسة وستون رجلاً.
وإستدرك إبن هشام فذكر الخمسة الآخرين وكلهم من الأنصار، وهم:
الأول : مالك بن نُميلة من مزينة حليف الآوس.
الثاني : الحارث بن عدي بن خشرة من بني حطمة.
الثالث : مالك بن إياس الخزرجي.
الرابع : إياس بن عدي من بني النجار.
الخامس: عمرو بن إياس من بني سالم بن عوف( ).
34- عتبة بن ربيع
عتبة بن ربيع بن رافع بن عبيدة الأنصاري الخدري.
قتل يوم أحد شهيداً، قاله إبن إسحاق( ).
35- ثعلبة بن سعد بن مالك
ثعلبة بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة الخزرجي الساعدي.
استشهد يوم أحد.
في نسب شهداء أحد قال الواقدي : ومن بني ساعدة: ثعلبة بن سعد بن مالك بن خالد بن تميلة، وحارثة ابن عمرو، ونفث بن فورقبن البدي ثلاثة ( ).
36-حارثة بن عمرو
حارثة بن عمرو من بني ساعدة .
قتل يوم أحد شهيداً( ).
وقيل يحتمل أنه خارجة بن عمرو.
37-ثقف بن فروة
ثقف بن فروة بن البدن الأنصاري من بني ساعدة.
وأختلف في أسمه فقيل نقيب وقيل نفت، أستشهد يوم أحد.

38-ثابت بن وقش
عن محمود بن لبيد قال: فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد رفع حسيل بن جابر وهو اليمان أبو حذيفة بن اليمان وثابت بن وقش في الاطام( )، مع النساء والصبيان فقال أحدهما لصاحبه وهما شيخان كبيران لا أبالك ما ننتظر فوالله ان بقى لواحد منا من عمره إلا ظمء حمار انما نحن هامة اليوم أو غدا أفلا نأخذ أسيافنا ثم نلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم لعل الله يرزقنا شهادة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذا أسيافهما ثم خرجا حتى دخلا في الناس ولم يعلم بهما فأما ثابت بن وقش فقتله المشركون وأما حسيل بن جابر فاختلفت عليه أسياف المسلمين فقتلوه ولا يعرفونه فقال حذيفة أبى والله أبى قالوا والله ان عرفناه وصدقوا( ).
مما يدل على أن المسلمين كانوا في نسق وأنتظام بحيث تعرف كل طائفة أفرادها وأنه من العسير أن يدخل بينهم غيرهم، فجاء حسيل ودخل المعركة من غير تراخ وإمهال حتى يتأكدوا منه، ولكن حذيفة كان يعرفه ويراه وهو يقاتل.
وينفرد ثابت بخصوصية جهادية يوم أحد إذ قتل معه إبناه سلمة وعمرو وأخوه رفاعة، وجماعة من بني عبد الأشهل، وكان حسيل بن جابر أبو أمامة حليفاً لهم.
39- يزيد بن حاطب بن عمرو
يزيد بن حاطب بن عمروا بن أمية بن رافع الأنصاري الأشهلي، وقيل أنه من ظفر من الخزرج، وترجمه في الإصابة باسم زيد بن حاطب.
أصابته جراحة يوم أحد فأتي به إلى دار قومه وهو يموت، فاجتمع إليه أهل الدار، فجعل المسلمون من الرجال والنساء يقولون: أبشر يا إبن حاطب بالجنة، وكان أبوه حاطب حاضراً فنجم نفاقه , فقال بأي شئ تبشرونه أبجنة من حرمل غررتم والله هذا الغلام من نفسه وفجعتموني به( ).
قال الواقدي: شهد أحداً وجرح بها فرجع به قومه إلى أبيه , وكان أبوه منافقاً فجعل يقول لمن يبكي عليه: أنتم فعلتم به هذا غررتموه حتى خرج ذكر ذلك الواقدي في أثناء القصة ولم يذكره فيمن استشهد بأحد فلعله أفاق من جراحته.
وقرأت في حاشية جمهرة بن الكلبي: يزيد بن حاطب بزيادة ياء تحتانية مثناة في أوله فالله أعلم.
واعتذر عن ترك ذكر الواقدي له فيمن استشهد بأنه لم يستوعبهم( ).
40- ثابت بن عمرو
بن زيد بن عدي بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك إبن النجار شهد بدراً، والإجماع على أنه قتل شهيداً في أحد ولم يذكره إبن إسحاق في الذين شهدوا بدراً، وليس له عقب.
41- أوس بن ثابت
بن المنذر أخو حسان بن ثابت شاعر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأمه سخطى بنت حارثة بن لوذان بنت عم والدة أخيه حسان، قال إبن إسحاق: شهد العقبة وبدراً وأحداً، وقتل بها)( ).
وقال إبن عبد البر : الصحيح هو الأول.
وقال الواقدي: شهد آوس بدراً وأحد والخندق والمشاهد كلها)( ).
ورثاه في قصيدة أخوه حسان بن ثابت، وذكره بالإسم وأنه قتيل الشعب:
ألا أبلغ المستسمعينَ بوقعة تخفُّ لها شمطُ النساءِ القواعدُ
وظَنُّهُمُ بي أنّني لِعَشِيرَتي علَى أيِّ حالٍ كانَ حامٍ وَذائِدُ
فإنْ لَمْ أُحَقِّقْ ظَنَّهُمْ بِتَيَقُّنٍ فلا سقتِ الأوصالَ مني الرواعدُ
ويعلمُ أكفائي من الناسِ أنني أنا الفارِسُ الحَامي الذِّمارِ المُناجِدُ
وما وجدَ الأعداءُ فيّ غميزة ً وَلا طَافَ لي مِنهُمْ بوَحْشيَ صَائِدُ
وأن لم يَزَل لي منذُ أدرَكتُ كاشِحٌ عَدُوٌّ أُقَاسِيهِ، وآخَرُ حَاسِدُ
فَما مِنْهُمَا إلاّ وأنّي أكِيلُهُ بمِثْلٍ لَهُ مِثْلَينِ، أوْ أنا زَائِدُ
فإنْ تسألي الأقوامَ عني، فإنني إلى محتدٍ تنمي إليهِ المحاتدُ
أنا الزّائرُ الصّقرَ ابنَ سلْمى وَعِندَهُ أُبَيٌّ، وَنُعْمَانٌ، وعَمْروٌ، وَوَافِدُ
فأورثني مجداً، ومن يجنِ مثلها بِحَيثُ اجْتَنَاها يَنقلبْ وهْوَ حامِدُ
وَجَدّي خَطيبُ النّاس يَوْمَ سُميحة ٍوعمي ابنُ هندٍ مطعمُ الطيرِ خالدُ
ومِنّا قتيلُ الشِّعبِ أوْسُ بنُ ثابِتٍ شَهيداً، وأسنى الذِّكرَ مِنهُ المَشاهِدُ
ومنْ جدهُ الأدنى أبي، وابنُ أمه لأمّ أبي ذاكَ الشهيدُ المجاهدُ
وفي كلّ دارِ ربة ٍ خزرجية ٍ وَأوْسِيّة ٍ لي في ذُرَاهُنّ وَالِدُ
فما أحدٌ منا بمهدٍ لجارهِ أذاة ولا مُزْرٍ بهِ، وَهْوَ عَائِدُ
لأنّا نَرَى حَقَّ الجِوَارِ أمَانَة ً ويحفظهُ منا الكريمُ المعاهدُ
فَمَهْما أقُلْ مِمّا أُعَدِّدُ لمْ يَزَلْ عَلى صدْقِه مِنْ كلّ قَوْميَ شَاهِدُ
لِكُلّ أُنَاسٍ مِيسَمٌ يَعْرِفُونَهُ ومِيسَمُنا فينا القَوافي الأوابِدُ
متى ما نسمْ لا ينكرِ الناسُ وسمنا ونعرفْ بهِ المجهولَ ممنْ نكايدُ
تلوحُ بهِ تعشو إليهِ وسومنا كما لاحَ في سمرِ المتانِ المواردُ
فَيَشْفِينَ مَن لا يُسْتَطاعُ شِفاؤهُ ويبقينَ ما تبقى الجبالُ الخوالدُ
ويشقينَ منْ يغتالنا بعداوة ٍ وَيُسْعِدْنَ في الدّنيا بنا مَنْ نُساعد
إذا ما كَسَرْنا رُمحَ رَايَة ِ شَاعِرٍ يَجِيشُ بِنَا مَا عِنْدَنا فَتُعَاوِدُ
يكُونُ إذَ بَثّ الهِجَاءَ لِقَوْمِهِ وَلاَحَ شِهابٌ مِن سَنَا الحَرْبِ وَاقِدُ
كأشْقَى ثمودٍ إذْ تَعَطّى لِحَيْنِهِ عضيلة َ أمّ السقبِ، والسقبُ واردُ
فوَلّى ، فأوْفى عاقِلاً رَأسَ صَخرَة ً نمى فَرْعُها، واشتدّ منْها القوَاعِدُ
فقالَ: ألا فاستمتعوا في دياركمْ فقدْ جاءكمْ ذكرٌ لكمْ ومواعدُ
ثلاثة َ أيامٍ منَ الدهرِ لمْ يكنْ لهنّ بتصديقِ الذي قالَ رائدُ)( ).
والصحابي شداد بن آوس ليس بإبنه وإن ذهب إلى القول بإنه إبنه الكبراني وإبن منظور وغيرهما .
أخبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم شداداً أنه سيسكن وأبناءه الشام.
42- نوفل بن عبد الله
نوفل بن عبد الله بن ثعلبة بن نضلة بن مالك بن العجلان.
ومنهم من ينسبه نوفل بن عبد الله بن نضلة بن مالك وكان مالك هذا سيد الخزرج في زمانه.
شهد بدراً وقتل يوم أحد شهيداً( ).
وليس له عقب.
43- العباس بن عبادة
بن نضلة بن مالك بن العجلان الأنصاري الخزرجي شهد بيعة العقبة الثانية، (قال إبن إسحاق: كان ممن خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة، وشهد معه العقبتين، وقيل بل كان في النفر الستة الذين لقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فأسلموا قبل سائر الأنصار، وأقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بها حتى هاجر إلى المدينة، وكان يقال له مهاجري وأنصاري؛ قتل يوم أحد شهيداً، ولم يشهد بدراً، آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين عثمان بن مظعون)( ).
وعن كعب بن مالك قال: خرجنا إلى مكة ومعنا حجاج قومنا فذكر الحديث في قصة بيعة العقبة قال: فقال العباس بن عبادة بن نضلة يا معشر الخزرج هل تدرون علام تأخذون محمداً فإنكم تأخذونه على حرب الأحمر والأسود فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكتم أسلمتموه فمن الآن فاتركوه وإن صبرتم على ذلك فخذوه قال: فقلنا بل نأخذه على ذلك.
قال بن إسحاق فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر نحوه قال: فقال عاصم والله ما قال ذلك العباس إلا ليشد لرسول الله صلى الله عليه وسلم العقد قال: وقال عبد الله بن أبي بكر ما قال ذلك إلا لمحضر عبد الله بن أبي بن سلول قال: وأقام العباس بمكة حتى هاجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فهاجر وكان أنصارياً مهاجرياً واستشهد بأحد)( ).
وفي بيعة العقبة الثانية لما بايع الإثنان والسبعون من الأنصار النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن موسى أخذ من بني إسرائيل اثني عشر نقيباً فلا يجدن منكم أحد في نفسه أن يؤخذ غيره فإنما يختار لي جبريل، فلما تخيرهم قال للنقباء: أنتم كفلاء على غيركم ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم وأنا كفيل على قومي، قالوا: نعم .
والنقباء هم

نقباء الخزرج
1-أسعد بن زرارة
2ـ سعد بن الرَّبِيع بن عمرو .
3ـ عبد الله بن رواحة بن ثعلبة .
4ـ رافع بن مالك بن العَجْلان .
5ـ البراء بن مَعْرُور بن صَخْر .
6ـ عبد الله بن عمرو بن حَرَام .
7ـ عبادة بن الصامت بن قيس .
8 ـ سعد بن عبادة بن دُلَيْم .
9ـ المنذر بن عمرو بن خُنَيْس .
ونقباء الأوس
1ـ أُسَيْد بن حُضَيْر بن سِمَاك .
2ـ سعد بن خَيْثَمَة بن الحارث .
3ـ رفاعة بن عبد المنذر بن زبير ( ).
فلما بايع القوم وكملوا صاح الشيطان على العقبة بأبعد صوت سمع: يا أهل الأخاشب، هل لكم في محمد والصباة معه قد أجمعوا على حربكم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: انفضوا إلى رحالكم، فقال العباس بن عبادة بن نضلة: يا رسول الله والذي بعثك بالحق لئن أحببت لنميلن على أهل منًى بأسيافنا، وما أحد عليه سيف تلك الليلة غيره، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إنا لم نؤمر بذلك فانفضوا إلى رحالكم، فتفرقوا إلى رحالهم، فلما أصبح القوم غدت عليهم جلة قريش وأشرافهم حتى دخلوا شعب الأنصار
فقالوا: يا معشر الخزرج، إنه بلغنا أنكم لقيتم صاحبنا البارحة وواعدتموه أن تبايعوه على حربنا، وايم الله ما حي من العرب أبغض إلينا أن تنشب بيننا وبينه الحرب منكم، قال: فانبعث من كان هناك من الخزرج من المشركين يحلفون لهم بالله ما كان هذا وما علمنا، وجعل ابن أبي يقول: هذا باطل وما كان هذا وما كان قومي ليفتاتوا علي بمثل هذا، لو كنت بيثرب ما صنع هذا قومي حتى يؤامروني فلما رجعت قريش من عندهم رحل البراء ابن معرور فتقدم إلى بطن يأجج وتلاحق أصحابه من المسلمين، وجعلت قريش تطلبهم في كل وجه ولا تعدوا طرق المدينة، وحزبوا عليهم، فأدركوا سعد بن عبادة، فجعلوا يده إلى عنقه بنسعةٍ وجعلوا يضربونه ويجرون شعره، وكان ذا جمةٍ، حتى أدخلوه مكة، فجاءه مطعم بن عدي والحارث بن أمية بن عبد شمس فخلصاه من بين أيديهم، وأتمرت الأنصار حين فقدوا سعد بن عبادة أن يكروا إليه، فإذا سعد قد طلع عليهم، فرحل القوم جميعاً إلى المدينة)( ).
وتزوج ولده حمزة بن العباس بن عبادة بشرى بنت مليل بن وبرة فولدت له محمداً وحميراً وخديجة وكلثم بني حمزة، وكانت بشرى من المبايعات، إذ أنها أسلمت وبايعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وكان والدها مليل وبرة قد شهد بدراً وأحداً وقال إبن سعد (ليس له عقب)( ).
وللعباس بن عبادة صفة جهادية إذ كان(أنصارياً مهاجرياً) فلما رجع الأنصار بعد بيعة العقبة الثانية إلى المدينة بقي هو بمكة مع غلظة وشدة قريش، فأقام فيها حتى هاجر مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذات الصفة لذكوان بن عبد قيس التي ستأتي ترجمته.
إستشهد العباس بن عبادة يوم أحد.
وقتل المنذر بن عمرو بن خنيس شهيداً يوم بئر معونة ، إذ كان أمير السرية، ويوم بئر معونة وقع بعد معركة أحد بنحو أربعة أشهر والمنذر بن عمرو من الأنصار السبعين الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في العقبة، وهو أحد النقباء الإثني عشر، وكان يكتب بالعربية قبل الإسلام.
وشهد بدراً وكان على الميسرة يوم أحد، وقال إبن إسحاق: آخى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينه وبين أبي ذر الغفاري، وأنكره محمد بن عمر وقال (آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين أبي ذر الغفاري وكان محمد ابن عمر ينكر ذلك ويقول: آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه قبل بدر وأبو ذر يومئذ غائب عن المدينة، ولم يشهد بدراً ولا أحداً ولا الخندق، وإنما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك وقد قطعت بدر المواخاة)( ).
44- النعمان بن مالك
ويسمى النعمان الأعرج بن مالك بن ثعلبة بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم وقتل يوم أحد شهيدا وأمه عمرة بنت زياد بن عمرو بن زمزمة بن عمرو بن عمارة بن مالك من بني غضينة من بلي حليف لهم، وهي أخت المجذر بن ذياد، والذي يدعى قوقل هو النعمان بن مالك بن ثعلبة بن دعد بن فهر بن ثعلبة بن غنم الذي ذكره محمد بن عمر ولم يشهد ذلك بدرا وليس له عقب. وقد ذكر عبد الله بن محمد بن عمارة الأنصاري نسب النعمان بن مالك بن ثعلبة بن دعد ونسب النعمان الأعرج بن مالك بن ثعلبة بن أصرم في كتاب نسب الأنصار وذكر أولادهما وما ولدوا)( ) .
وفي تسمية(قوقل) مسائل:
الأولى : قال إبن الأثير إن النعمان الأعرج هو بن قوقل وأن مالك بن ثعلبة لقبه قوقل.
الثانية : ترجم البخاري النعمان بن قوقل، ثم قال: النعمان بن مالك ولم يسق له شيئاً)( )، ووقف النعمان بن مالك وقف عمرو بن الجموح بأحد، ذكر السدي: أن النعمان بن مالك الأنصاري قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حين خروجه إلى أحد ومشاورته عبد الله بن أبي بن سلول ولم يشاوره قبلها فقال النعمان بن مالك: والله يا رسول الله لأدخلن الجنة. فقال له: “بم”. فقال: بأني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وأني لا أفر من الزحف قال: “صدقت”. فقتل يومئذ)( ).
الثالثة : الذي يدعى قوقل هو النعمان بن مالك بن ثعلبة بن دعد بن فهر.
وهو غير نعيمان بن عمرو بن رفاعة بن الحارث بن سواد بن مالك بن غنم، أبو عمرو ممن شهد العقبة الآخرة شهد بدراً مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذكر أنه شهد المشاهد كلها مع رسول صلى الله عليه وآله وسلم، وكان مزاحاً مضحاكاً، وقال عقبة بن الحارث: أتي بالنعيمان أو ابن النعيمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجلده، ثم أتي به فجلده قال: مراراً أربعاً أو خمساً، يعني في شرب النبيذ، فقال رجل: اللهم العنه، ما أكثر ما يشرب! وأكثر ما يجلد! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تلعنه؛ فإنه يحب الله ورسوله)( ).
وبالإسناد عن أم سلمة: أن أبا بكر خرج تاجراً إلى بصرى ومعه نعيمان وسويبط بن حرملة وكلاهما بدري وكان سويبط على الزاد فجاءه نعيمان فقال: أطعمني فقال: لا حتى يجيء أبو بكر وكان نعيمان رجلاً مضحاكاً مزاحاً فقال: لأغيظنك فذهب إلى ناس جلبوا ظهراً فقال: ابتاعوا مني غلاماً عربياً فارهاً وهو ذو لسان ولعله يقول: أنا حر فإن كنتم تاركيه لذلك فدعوه لا تفسدوا علي غلامي. فقالوا: بل نبتاعه منك بعشرة قلائص فأقبل بها يسوقها وأقبل بالقوم حتى عقلها ثم قال: دونكم هو هذا فجاء القوم فقالوا: قد اشتريناك فقال سويبط: هو كاذب أنا رجل حر قالوا: قد أخبرنا خبرك فطرحوا الحبل في رقبته فذهبوا به وجاء أبو بكر فأخبر فذهب هو وأصحاب له فردوا القلائص وأخذوه فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من ذلك حولاً)( ).
وعن ربيعة بن عثمان قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فدخل المسجد وأناخ ناقته بفنائه فقال: بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لنعيمان بن عمرو الأنصاري وكان يقال له: النعيمان لو نحرتها فأكلناها فإنا قد قرمنا إلى اللحم ويغرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمنها قال: فنحرها النعيمان ثم خرج الأعرابي فرأى راحلته فصاح واعقراه يا محمد، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ” من فعل هذا ” ؟. قالوا: النعيمان. فاتبعه يسأل عنه فوجده في دار ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب قد اختفى في خندق وجعل عليه الجريد والسعف فأشار إليه رجل ورفع صوته يقول: ما رأيته يا رسول الله وأشار بإصبعه حيث هو فأخرجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تغير وجهه بالسعف الذي سقط عليه فقال له: ما حملك على ما صنعت قال: الذين دلوك علي يا رسول الله هم الذين أمروني قال فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح عن وجهه ويضحك. قال ” ثم غرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم)( ).
وكان نعيمان الأنصاري يدور في أسواق المدينة، فإذا دخل السوق طرفة من طرب أو فاكهة أو غير ذلك اشتراه، فأهداه النبي صلى الله عليه وسلم.
وكان فقيراً، فإذا كان من آخر النهار راح إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه صاحب الحق، فيقول؛ يا نبي الله، أعط هذا حقه من ثمن كذا وكذا، فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم: أو ما أهديته إلينا يا نعيمان؟ فيقول: والذي بعثك بالحق، ما معي قليل ولا كثير، ولقد رأيته فلم تطب نفسي أن أجوزه وأدعه، أو يشتريه أحد فيأكله قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: فيضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويأمر بدفع حق الرجل إليه.
كان مخرمو بن نوفل بن أهيب الزهري بالمدينة، وهو شيخ كبير أعمى، وكان قد بلغ مئة وخمس عشرة سنة، فقام يوماً في المسجد يريد أن يبول، فصاح به الناس، فأتاه نعيمان فتنحى به ناحية من المسجد، ثم قال: اجلس ههنا، فأجلسه يبول، فلما أجلسه وبال، ذهب وتركه، فصاح به الناس، فلما فرغ قال: من جاء بي، ويحكم إلى هذا الموضع؟ قالوا: نعيمان بن عمرو، قال: فعل الله به وفعل، أما إن لله علي إن ظفرت به أن أضربه بعصاتي هذه ضربة تبلغ منه ما بلغت.
فمكث ما شاء الله حتى نسي ذلك مخرمة، ثم أتاه يوماً وعثمان قائم يصلي في ناحية من المسجد، وكان عثمان إذا صلى لا يلتفت، فقال له: هل لك في نعيمان؟ قال: نعم، أين هو؟ دلني عليه، فأتى به حتى أوقفه على عثمان، فقال: دونك هذا هو، فجمع مخرمة يديه بعصاه فضرب عثمان فشجه.
فقيل له: إنما ضربت أمير المؤمنين عثمان، فاجتمع بنو زهرة في ذلك، فقال عثمان: دعوا نعيمان، لعن الله نعيمان)( ).
45- مجذر بن ذياد
وقتله أحد المسلمين وهو الحارث بن سويد بن الصامت غيلة وغدرا يوم أحد ، وكان من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نزول جبرئيل بعد إنتهاء معركة أحد وإخباره بالواقعة.
وكانت قصة مجذر بن ذياد أن حضير الكتائب جاء بني عمرو بن عوف فكلم سويد بن الصامت، وخوات بن جبير، وأبا لبابة بن عبد المنذر ويقال سهل بن حنيف فقال: تزوروني فأسقيكم من الشراب وأنحر لكم، وتقيمون عندي أياماً. قالوا: نحن نأتيك يوم كذا وكذا. فلما كان ذلك اليوم جاءوه فنحر لهم جزوراً وسقاهم الخمر، وأقاموا عنده ثلاثة أيام حتى تغير اللحم، وكان سويد يومئذٍ شيخاً كبيراً. فلما مضت الثلاثة الأيام، قالوا: ما نرانا إلا راجعين إلى أهلنا. فقال حضير: ما أحببتم! إن أحببتم فأقيموا وإن أحببتم فانصرفوا فخرج الفتيان بسويد يحملانه حملاً من الثمل، فمروا لاصقين بالحرة حتى كانوا قريباً من بني غصينة وهي وجاه بني سالم إلى مطلع الشمس. فجلس سويد وهو يبول، وهو ممتلي سكراً، فبصر به إنسان من الخزرج، فخرج حتى أتى المجذر بن ذياد فقال: هل لك في الغنيمة الباردة؟ قال: ما هي؟ قال: سويد! أعزل لا سلاح معه، ثملٌ! قال: فخرج المجذر ابن ذياد بالسيف صلتاً،
فلما رآه الفتيان وليا، وهما أعزلان لا سلاح معهما والعداوة بين الأوس والخزرج فانصرفا سريعين. وثبت الشيخ ولا حراك به، فوقف عليه مجذر بن ذياد، فقال: قد أمكن الله منك! فقال: ما تريد بي؟ قال: قتلك. قال: فارفع عن العظم واخفض عن الدماغ، وإذا رجعت إلى أمك فقل: إني قتلت سويد بن الصامت. وكان قتله هيج وقعة بعاث.
فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلّم المدينة أسلم الحارث بن سويد بن الصامت ومجذر بن ذياد، فشهدا بدراً فجعل الحارث يطلب مجذراً ليقتله بأبيه، فلا يقدر عليه يومئذٍ، فلما كان يوم أحد وجال المسلمون تلك الجولة أتاه الحارث من خلفه فضرب عنقه. فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى المدينة ثم خرج إلى حمراء الأسد، فلما رجع من حمراء الأسد أتاه جبريل عليه السلام فأخبره أن الحارث بن سويد قتل مجذراً غيلةً، وأمره بقتله. فركب رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى قباء في اليوم الذي أخبره جبريل، في يومٍ حارٍّ، وكان ذلك يوماً لا يركب فيه رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى قباء، إنما كانت الأيام التي يأتي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلّم قباء يوم السبت ويوم الاثنين.
فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلّم مسجد قباء صلى فيه ما شاء الله أن يصلي. وسمعت الأنصار فجاءت تسلم عليه، وأنكروا إتيانه في تلك الساعة وفي ذلك اليوم، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلّم يتحدث ويتصفح الناس حتى طلع الحارث بن سويد في ملحفة مورسة، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عويم بن ساعدة فقال له: قدم الحارث بن سويد إلى باب المسجد فاضرب عنقه بمجذر بن ذياد، فإنه قتله يوم أحد. فأخذه عويم فقال الحارث: دعني أكلم رسول الله! فأبى عويم عليه، فجابذه يريد كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلّم يريد أن يركب، ودعا بحماره على باب المسجد .
فجعل الحارث يقول: قد والله قتلته يا رسول الله. والله ما كان قتلي إياه رجوعاً عن الإسلام ولا ارتياباً فيه، ولكنه حمية الشيطان وأمرٌ وكلت فيه إلى نفسي. وإني أتوب إلى الله وإلى رسوله مما عملت، وأخرج ديته، وأصوم شهرين متتابعين، وأعتق رقبة، وأطعم ستين مسكيناً، إني أتوب إلى الله ورسوله! وجعل يمسك بركاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وبنو المجذر حضورٌ لا يقول لهم رسول الله صلى الله عليه وسلّم شيئاً حتى إذا استوعب كلامه قال: قدمه يا عويم فاضرب عنقه!
وركب رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وقدمه عويم على باب المسجد فضرب عنقه. ويقال: إن خبيب بن يساف، نظر إليه حين ضرب عنقه فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلّم فأخبره، فركب رسول الله صلى الله عليه وسلّم إليهم يفحص عن هذا الأمر. فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلّم على حماره فنزل عليه جبريل فخبره بذلك في مسيره، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلّم عويماً فضرب عنقه.
وذكر أن الحارث بن سويد بن الصامت كان منافقاً وأنه لم يقتل واحداً من المسلمين يوم أحد بل قتل إثنين وأنه هرب إلى مكة، إذ خرج يوم أحد مع المسلمين ولم يرجع مع الثلاثمائة الذين إنخزل بهم عبد الله بن أبي بن أبي سلول، فلما التقى المسلمون في القتال مع المشركين عدا على المجذر بن ذياد البلوي، وعلى قيس بن زيد أحد بني ضبيعة، فقتلهما، وفر إلى الكفار، وكان المجذر في الجاهلية قتل سويداً والد الحارث المذكور في بعض حروب الأوس والخزرج. ولحق الحارث بن سويد بمكة، فأقام هنالك، ثم إنه حينه الله تبارك وتعالى ، فانصرف إلى قومه، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء، فنهض عليه السلام إلى قباء في وقت لم يكن يأتيهم فيه، فخرج إليه الأنصار أهل قباء، في جملتهم الحارث بن سويد عليه ثوب مورس( ).
فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عويم بن ساعدة بأن يضرب عنق الحارث بن سويد. فقال الحارث: فيم يا رسول الله فقال: في قتلك المجذر بن ذياد يوم أحد غيلة. فما راجعه الحارث بكلمة. وضرب عويم عنقه، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يجلس. وقد روى أنه قال: يا رسول الله، والله ما قتلته شكاً في ديني، ولكني لما رأيته لم أملك نفسي، إذ ذكرت أنه قاتل أبي. ثم مد عنقه وقتل( ).
وقال حسان بن ثابت:
يا حار في سنةٍ من نوم أولكم … أم كنت ويلك مغتراً بجبريل
أم كيف بإبن زياد حين تقتله … تغرة في فضاء الأرض مجهول)( ).
46- عنترة مولى بني سلمة
عنترة مولى بني سلمة قتله يوم أحد نوفل بن معاوية الديلي وأستشهد معه مولاه سليمان بن عمرو بن حديدة الأنصاري الخزرجي الذي شهد العقبة وبدراً، ومنهم من سمّاه سليم بن عويمر، وسليم بن عامر وجعل(عنترة مولى الأنصار قتل يوم أحد شهيداً فجعله ابن هشام من بني سليم حليفاً للأنصار وجعله ابن عقبة وابن إسحاق مولى للأنصار)( ).
وقال إبن هشام: عنترة من بني سليم بن منصور ثم من بني ذكوان.

47- رفاعة بن عمرو
بن زيد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن سالم بن غنم بن عوف بن الخزرج الأنصاري السالمي شهد بيعة العقبة وشهد بدراً وقتل يوم أحد شهيداً يكنى أبا الوليد ويعرف بابن أبي الوليد، لأن جده زيد بن عمرو يكنى أبا الوليد)( ).
وعن عروة: رفاعة بن عمرو بن قيس بن ثعلبة وأم رفاعة بنت قيس بن مالك بن ثعلبة بن جشم بن مالك بن سالم الحبلى، وشهد رفاعة العقبة مع السبعين من الأنصار(وكان لرفاعة بن عمرو أولاد فأنقرضوا)( ).
48- خلاد بن عمرو بن الجموح
بن زيد بن حرام الأنصاري السلمي وشهد خلاد معركة بدر، هو وأبوه وأخوته معوذ ومعاذ وأبو أيمن وأستشهد خلاد يوم أحد، كما إستشهد في ذات المعركة أبو وأخوه أبو أيمن(وقيل إن أبا أيمن ولي عمرو بن الجموح ليس بإبنه)( ).
وقد حمل خلاد هو وأبوه معاً على المشركين ساعة إنكشاف المسلمين في صفحة مشرقة من الدفاع عن الإسلام فقتلا مقبلين ليس مدبرين.
وفيه دعوة عملية للمسلمين يومئذ للرجوع إلى ميدان المعركة والذب عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأظهر للمشركين أن الإسلام لن يهزم وأن عاقبة الكفار إلى الخسران، قال تعالى بخصوص معركة أحد[لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ]( ).
وقال الواقدي أن أم خلاد بن عمرو هي(هند بنت عمرو عمة جابر بن عبد الله وأنها حملت ابنها وزوجها وأخاها بعد قتلهم على بعير ثم أمرت بهم فردوا إلى أحد فدفنوا هناك)( ) وليس لخلاد عقب.
49- عبيد بن المعلى
بن لوذان بن حارثة بن زيد بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر وهو خدرة الأنصاري الخدري، ذكره ابن إسحاق فيمن استشهد بأحد) ( ).
وقال إبن عساكر: زيد بن عبيد بن المعلى بن لوذان بن حارثة بن زيد بن ثعلبة بن عدي بن مالك بن زيد مناة بن حبيب بن عبد حارثة ابن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج الأنصاري الخزرجي له ولأبيه عبيد صحبة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وشهد أبوه أحد واستشهد بها وشهد زيد يوم مؤتة من أرض البلقاء وقتل بها شهيدا قرأت على أبي غالب بن البنا عن أبي إسحاق البرمكي أنا أبو عمر بن حيوية أنا أحمد بن معروف أنا الحسين بن الفهم نا محمد بن سعد قال فولد عبيد بن المعلى عتبة وزيدا قتل يوم مؤتة شهيدا وخالدة وقبيسة وأمهم جميعا سحا بنت الأسود بن عباد بن عمرو بن سواد من بني سلمة)( ).
50- ذكوان بن عبد قيس
بن خلدة بن مخلد بن عامر بن زريق الأنصاري الزرقي شهد العقبة الأولى والثانية ثم خرج من المدينة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان معه بمكة وكان يقال له: مهاجري أنصاري، وشهد بدراً وقتل يوم أحد شهيداً قتله أبو الحكم بن الأخنس بن شريق فشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه على أبي الحكم بن الأخنس بن شريق وهو فارس، فضرب رجله بالسيف فقطعها من نصف الفخذ، ثم طرحه عن فرسه فذفف عليه.
وذكر الواقدي عن عبد الرحمن بن عبد العزيز عن خبيب بن عبد الرحمن الأنصاري قال: خرج أسعد بن زرارة وذكوان بن عبد قيس إلى مكة يتنافران إلى عتبة بن ربيعة فسمعا برسول الله صلى الله عليه وسلم فأتياه فعرض عليهما الإسلام وقرأ عليهما القرآن فأسلما ولم يقربا عتبة ورجعا إلى المدينة فكانا أول من قدم بالإسلام إلى المدينة)( )،
وروى عمر بن شبة في أخبار المدينة بإسناد له إلى أنس بن مالك أن سعد بن أبي وقاص اشترى من ذكوان بن عبد قيس بئر السقيا ببعيرين ومن طريق جابر نحوه وزاد أن أباه أوصاه أن يشتريها قال: فوجدت سعداً قد سبقني)( ).
وكان أكثر مياه المدينة مالحا , وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحب الماء العذب فيطلب له من بئر السقيا وهي واقعة بالحرة، وعن عائشة: أَن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُسْتَقَى له الماءُ العذبُ من بئر السُّقيَا- وقال هارون: من بيوت السقيا.
حدثنا محمد بن يحيى قال، أَخبرني عبد العزيز بن عمران، عن معاذ بن محمد الديناري، عن أَبي عتيق، عن جابر بن عبد الله رضي اللّه عنه قال: قال أَبي: يا بني إِنَا اعتُرِضْنَا هاهنا بالسقيا حتى قابلنا اليهود بحُسَيْكَة، فظفرنا بهم ونحن نرجو أَن نظفر، ثم عَرَضَنا النبيّ صلى الله عليه وسلم بها متوجّهًا إِلى بحر، فإن سَلِمْتُ ورجَعْتُ ابتعتها، وإِن قُتِلْتُ فلا تُفْلِتَنك، قال: فخرجت أَبتاعها، فوجدتها لذَكْوَان بن عبد قيس، ووجدت سعد بن أَبي وقَاص قد ابتاعها وسبق إِليها، وكان اسم الأَرض “الفلجان” واسم البئر “السقيا”.
قال: سأَلت عبد العزيز بن عمران: أَين حُسَيْكَة فقال: هي ناحية أَرض ابن ماقية، إِلى قصر ابن أَبي عمر والرامض، إِلى قصر ابن المشمعل إِلى أَداني الجرف كله. قال: وفيها يقول الشاعر:
صبحناهم بالسَّفْع يَوْم حُسَيْكَةٍ … صفائع بُصْرَى والرُدَينْية السَّمْرَا
فما قامَ منهمْ قائمٌ لِقِرَاعِنَا … ولا نَاهَبُونَا يوم نزجُرُهم زَجْرا
قال أَبو غسان، وأَخبرني عبد العزيز بن عمران، عن راشد بن حفص، عن أَبيه قال: كان اسم أَرض السُقْيَا الفُلْج، واسم بئرها السُقْيَا، وكانت لذَكْوَان بن عبد قيس الزُرَقي، فابتاعها منه سعد بن أَبي وقاص ببعيرين)( ).
وعن سهيل بن أبي صالح قال: لما خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى أحد قال: من ينتدب فقام رجل من بني زريق يقال له ذكوان بن عبد قيس أبو السبع فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ” من أحب أن ينظر إلى رجل يطأ بقدمه غدا خضرة الجنة فلينظر إلى هذا ” وذكر الحديث بطوله.
شهد ذكوان(العقبة الأولى والثانية ثم خرج من المدينة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان معه بمكة. فكان يقال له مهاجري أنصاري. شهد بدراً وقتل في يوم أحد شهيداً، قتله أبو الحكم بن الأخنس)( ).

51- عمرو بن قيس
بن زيد بن سواد بن مالك بن غنم الأنصاري النجاري، شهد بدراً في قول أبي معشر، ومحمد بن عمر الواقدي، وعبد الله بن محمد بن عمارة ولا خلاف في أنه قتل يوم أحد شهيداً هو وابنه قيس بن عمرو، يقال: إنه قتله نوفل بن معاوية الديلي.
واختلف في شهود ابنه قيس بن عمرو بدراً كالاختلاف في أبيه، وقالوا: جميعاً شهد أحداً وقتل يومئذ)( ).
52- قيس بن عمرو
بن قيس بن زيد بن سواد الأنصاري البخاري
أختلف في شهوده بدراً، وإستشهد هو وأبوه يوم أحد، وذكر بن سعد في ترجمة أم حرام بنت ملحان أخت أم سليم أنها تزوجت عمرو بن قيس فولدت له قيس فهو بن خالة أنس( ).
وقال: وليس له عقب، والعقب لأخيه عبد الله بن عمرو بن قيس، ويكنى عبد الله أبا أبي وبقية ولده ببيت المقدس بالشام ( ).
53- عامر بن مخلد
بن الحارث بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك بن النجار شهد بدراً وقُتل يوم أحد شهيداً)( )، وأمه عمارة بنت خنساء بن عبد بن عوف بن غنم من بني البخار، وأستشهد ولم يعقب.

54- أبو أسيرة بن الحارث
بن علقمة: ذكره الواقدي فيمن استشهد بأحد وأسند من طريق الحارث بن عبد الله بن كعب بن مالك قال: حدثني من نظر إلى أبي أسيرة بن الحارث بن علقمة ولقي أحد بني أبي عزيز فاختلفا ضربات كل ذلك يروغ أحدهما من صاحبه فنظرت إليهما كأنهما سبعان ضاريان ثم تعانقا فعلاه أبو أسيرة فذبحه كما تذبح الشاة فطعن خالد بن الوليد أبا أسيرة من خلفه فوقع أبو أسيرة ميتاً)( )، وكان خالد بن الوليد يومئذ على خيل المشركين.
وقيل إسمه أبو هبيرة، وهناك سعد آخر مولى لحاطب عاش بعد أحد.
وروي عن إسماعيل بن أبي خالد عن سعد مولى حاطب قال قلت: يا رسول الله، حاطب في النار؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لن يلج النار أحد شهد بدراً وبيعة الرضوان ” قال أبو نعيم: ولا أرى إسماعيل أدرك سعداً. والله أعلم)( ).
55- عمرو بن مطرف بن علقمة
وورد في إسمه قولان آخران:
الأول : عمرو بن مطرف بن عمرو من بني عمرو بن مبذول.
الثاني : مطرف بن عمرو بن علقمة( ).

56- أبو أيمن
مولى عمرو بن الجموح
الإجماع على قتله يوم أحد، وأختلف فيه على قولين:
الأول : إنه إبن عمرو بن الجموح الذي قتل يوم أحد هو وإبنه خلاد.
الثاني : هو مولى عمرو بن الجموح، وبه قال إبن إسحاق( ).
57- أنس بن النضر
أنس بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام الأنصاري البخاري.
وهو عم أنس بن مالك، غاب عن معركة بدر وحضر أحداً وأستشهد فيها، قتله سفيان بن عويف، وقال علي عليه السلام: لما كان يوم أحد وجال الناس تلك الجولة أقبل أمية بن أبي حذيفة بن المغيرة، وهو دارع مقنع في الحديد، ما يرى منه إلا عيناه، وهو يقول: يومٌ بيوم بدر. فيعترض له رجلٌ من المسلمين فيقتله أمية. قال علي عليه السلام: وأصمد له فأضربه بالسيف على هامته وعليه بيضةٌ وتحت البيضة مغفر فنبا سيفي، وكنت رجلاً قصيراً. ويضربني بسيفه فأتقي بالدرقة، فلحج سيفه فأضربه، وكانت درعه مشمرة، فأقطع رجليه، ووقع فجعل يعالج سيفه حتى خلصه من الدرقة، وجعل يناوشني وهو باركٌ على ركبتيه، حتى نظرت إلى فتق تحت إبطه فأخش بالسيف فيه، فمال ومات وانصرفت عنه.
وقال النبي صلى الله عليه وسلّم يومئذٍ: أنا ابن العواتك. وقال أيضاً: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب! وقالوا: أتينا عمر بن الخطاب في رهط من المسلمين قعوداً، ومر بهم أنس بن النضر بن ضمضم عم أنس بن مالك فقال: ما يقعدكم؟ قالوا: قتل رسول الله: قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه! ثم جالد بسيفه حتى قتل. فقال عمر بن الخطاب: إني لأرجو أن يبعثه الله أمةً وحده يوم القيامة. ووجد به سبعون ضربةً في وجهه، ما عرف حتى عرفت أخته حسن بنانه، ويقال حسن ثناياه)( ).
58- قيس بن مخلد
بن ثعلبة بن صخر بن حبيب بن الحارث الأنصاري المازني.
شهد بدراً وقتل يوم أحد شهيداً)( )، وكان له ولد هو ثعلبة وأمه زغيبة بنت أوس من بني البخار، وإنقرض ولده(قال إبن سعد: وليس له عقب)( ).
59- إياس بن عدي
الأنصاري البخاري
قتل يوم أحد شهيداً( ) وذكره إبن هشام.
60- سليم بن الحارث
إبن ثعلبة بن كعب بن عبد الأشهل بن حارثة، وأخوته هم النعمان والضحاك، وقطبة بني عبد عمرو لأمهم السميراء بنت قيس بن مالك وكان لسليم بن الحارث من الولد الحكم وعميرة وأمها سهيمة بنت هلال بن دارم.
وشهد سليم بن الحارث بدراً وأحداً، وإستشهد يوم أحد في شوال على رأس إثنين وثلاثين شهراً من الهجرة وله عقب.
وقيل أن سليم بن الحارث هذا عبد لبني دينار بن النجار)( )، وهذا القول ضعيف وفرّق إبن عبد البر بينه وبين سليم الأنصاري وكلاً منهما شهد بدراً وإستشهد بأحد ولم ينسب الثاني، وقيل إستشهد الأول ببدر، والثاني يوم الخندق والمشهور أنهما واحد.
61- أبو حبة بن عمرو بن ثابت
أخو سعد بن خيثمة لأمه
62- وهب بن قابوس المزني
أقبل وهب ومعه إبن أخيه الحارث بن عقبة بن قابوس بغنم لهما من جبل مزينة فوجدا المدينة خلوفا فسألا: أين الناس؟ فقالوا: بأحد، خرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقاتل المشركين من قريش فقالا: لا نسأل أثرا بعد عين.
فأسلما ثم خرجا حتى أتيا النبي، صلى الله عليه وسلم، بأحد فيجدان القوم يقتتلون والدولة لرسول الله وأصحابه، فأغاروا مع المسلمين في النهب، وجاءت الخيل من ورائهم خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل فاختلطوا فقاتلا أشد القتال، فانفرقت فرقة من المشركين.
فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: من لهذه الفرقة؟ فقال وهب بن قابوس: أنا يا رسول الله. فقام فرماهم بالنبل حتى انصرفوا ثم رجع، فانفرقت فرقة أخرى فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: من لهذه الكتيبة؟ فقال المزني: أنا يا رسول الله. فقام فذبها بالسيف حتى ولوا ثم رجع المزني، ثم طلعت كتيبة أخرى فقال: من يقوم لهؤلاء؟ فقال المزني: أنا يا رسول الله، فقال: قم وأبشر بالجنة.
فقام المزني مسرورا يقول: والله لا أقيل ولا استقيل. فقام فجعل يدخل فيهم فيضرب بالسيف حتى يخرج من أقصاهم ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، والمسلمون ينظرون إليه، ورسول الله يقول: اللهم ارحمه. ما زال كذلك وهم محدقون به حتى اشتملت عليه أسيافهم ورماحهم فقتلوه فوجد به يومئذ عشرون طعنة برمح كلها قد خلصت إلى مقتل، ومثل به يومئذ أقبح المثل.
ثم قام ابن أخيه الحارث بن عقبة فقاتل كنحو من قتاله حتى قتل، فوقف عليهما رسول الله وهما مقتولان فقال: رضي الله عنك فإني عنك راض، يعني وهبا، ثم قام على قدميه وقد ناله، عليه السلام، من الجراح ما ناله وإن القيام ليشق عليه فلم يزل قائما حتى وضع المزني في لحده عليه بردة)( ).
فأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه راض عن وهب لرضا الله عز وجل عنه لبلائه في القتال في سبيل الله ودفاعه عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
63- الحارث بن عقبة بن قابوس
إبن أخ وهب بن قابوس الذي تقدمت ترجمته في الصفحة السابقة إذ قدما معاً إلى المدينة يوم معركة أحد، وأستشهد في ذات اليوم، وبعد أن قتل وهب قام الحارث يقاتل بمثل قتاله.
64- الحارث بن عدي بن خرشة
بن أمية بن عامر بن خطمة الأنصاري الخطمي استشهد يوم أحد ذكره أبو عمر تبعا لابن الكلبي)( ).
وأخوه عمير بن عدي الخطمي، شهد أحداً وما بعدها من المشاهد، وكان ضعيف البصر، وحفظ طائفة من القرآن، وكان يؤم بني خطمة، وقال الواقدي وغيره: لم يشهد أحداً ولا الخندق لضعف بصره، ولكنه قديم الإسلام صحيح النية، وكان هو وخزيمة بن الثابت يكسران أصنام بني خطمة، وكان عمير قتل عصماء بنت مروان، وكانت تحض على الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم فوجأها عمير ابن عدي بسكين تحت ثديها فقتلها، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، وقال: إني لأتقي تبعة إخوتها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ” لا تخفهم ” . وقال الهجري: هي عصماء بنت مروان من بني عمرو بن عوف، قتلها عمير سنة اثنتين من الهجرة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” لا تنتطح فيها عنزان في دار بني خطمة “. وكان أول من أسلم منهم عمير بن عدي وهو الذي يدعى القاري)( ).
ومنهم من جعل قتله لعصماء سرية بذاتها , وفي ذكر سرايا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال إبن منظور: ثم سرية عصماء بنت مروان قتلها عمرو بن عدي من خرشة قتلها لخمس ليال بقين من رمضان على رأس تسعة عشر شهراً)( )، وكذا ذكره إبن سعد( ).
وكانت عصماء تحت رجل من بني حطمة ويقال له زيد بن زيد ومن شعر عصماء بنت مروان وهي تلوم قومها على طاعتهم لله ورسوله ونصرتهم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم:
بِاسْتِ بَنِي مَالِكٍ وَالنّبِيتِ … وَعَوْفٍ وَبِاسْتِ بَنِي الْخَزْرَجِ
أَطَعْتُمْ أَتَاوِيّ مِنْ غَيْرِكُمْ … فَلَا مِنْ مُرَادٍ وَلَا مَذْحِجِ
تَرْجُونَهُ بَعْدَ قَتْلِ الرّءُوس … كَمَا يُرْتَجَى مَرِقَ الْمُنْضِجِ
أَلَا أَنِفٌ يَبْتَغِي غِرّةً … فَيَقْطَعَ مِنْ أَمَلِ الْمُرْتَجِي
شِعْرُ حَسّانَ فِي الرّدّ عَلَيْهَا
قَالَ فَأَجَابَهَا حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ ، فَقَالَ
بَنُو وَائِلٍ وَبَنُو وَاقِفٍ … وَخَطْمَةَ دُونَ بَنِي الْخَزْرَجِ
مَتَى مَا دَعَتْ سَفَهًا وَيْحَهَا … بِعَوْلَتِهَا وَالْمَنَايَا تَجِي
فَهَزّتْ فَتًى مَاجِدًا عِرْقُهُ … كَرِيمَ الْمُدَاخِلِ وَالْمَخْرَجِ
فَضَرّجَهَا مِنْ نَجُعْ الْدِمَا … ءِ بَعْدَ الْهُدُوّ فَلَمْ يَحْرَجْ
خُرُوجُ الْخَطْمِيّ لِقَتْلِهَا
فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حِين بَلَغَهُ ذَلِكَ أَلَا آخِذٌ لِي مِنْ ابْنَةِ مَرْوَانَ ؟ فَسَمِعَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عُمَيْرُ بْنُ عَدِيّ الْخَطْمِيّ ، وَهُوَ عِنْدَهُ ؟ فَلَمّا أَمْسَى مِنْ تِلْكَ اللّيْلَةَ سَرَى عَلَيْهَا فِي بَيْتِهَا فَقَتَلَهَا ، ثُمّ أَصْبَحَ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّي قَدْ قَتَلْتهَا . فَقَالَ نَصَرْت اللّهَ وَرَسُولَهُ يَا عُمَيْرُ ، فَقَالَ هَلْ عَلَيّ شَيْءٌ مِنْ شَأْنِهَا يَا رَسُولَ اللّهِ ؟ فَقَالَ لَا يَنْتَطِحُ فِيهَا عَنْزَانِ
شَأْنُ بَنِي خَطْمَةَ
فَرَجَعَ عُمَيْرٌ إلَى قَوْمِهِ وَبَنُو خَطْمَةَ يَوْمئِذٍ كَثِيرٌ مَوْجُهُمْ فِي شَأْنِ بِنْتِ مَرْوَانَ وَلَهَا يَوْمئِذٍ بَنُونَ خَمْسَةُ رِجَالٍ فَلَمّا جَاءَهُمْ عُمَيْرُ بْنُ عَدِيّ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ يَا بَنِي خَطْمَةَ أَنَا قَتَلْت ابْنَةَ مَرْوَانَ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمّ لَا تُنْظِرُونَ . فَذَلِكَ الْيَوْمُ أَوّلُ مَا عَزّ الْإِسْلَامُ فِي دَارِ بَنِي خَطْمَةَ وَكَانَ يَسْتَخْفِي بِإِسْلَامِهِمْ فِيهِمْ مَنْ أَسْلَمَ)( ).
وكان أبوه عدي بن خرشة شاعراً، ومن شعره ولست برافع صوتي بسوء … على الكنات آخر ما حييت
وتوقد باليفاع الليل ناري … تحش ولا يحس لها خبوت
عدي بن الرعلاء الغساني والرعلاء أمه وهو القائل:
كم تركنا بالعين عين أباغ … من ملوك وسو قة ألقاء
فرقت بينهم وبين نعيم … ضربة من صفيحة نجلاء
ليس من مات فاستراح بميت … إنما الميت ميت الأحياء
إنما الميت من يعيش ذليلاً … كاسفاً باله قليل الرخاء
فأناس يمصصون ثماداً … وأناس حلوقهم في الماء
ربما ضربة بسيف صقيل … بين بصري وطعنة نجلاء
وغموس تضل فيها يد الآ … سي ويعيا طبيبها بالدواء
رفعوا راية الضراب وآلوا … ليذودن سائر البطحاء
فرفعن العقاب للطعن حتى … جرت الخيل بينهم بالدماء)( ).
65- سعد مولى حاطب بن أبي بلتعة
وهو سعد بن خولي بن سبرة من كلب من قضاعة أصابه سبي فصار إلى حاطب بن أبي بلتعة اللخمي حليف بني أسد شهد سعد بدراً وأستشهد يوم أحد، وفرض عمر لإبنه عبد الله بن سعد في الأنصار.
قال الواقدي في غزوة أحد: وكان رشيد مولى بني معاوية الفارسي، لقي رجلاً من المشركين من بني كنانة مقنعاً في الحديد يقول: أنا ابن عويف، فتعرض له سعد مولى حاطب فضربه ضربة جزله باثنتين، ويقبل عليه رشيد فيضربه على عاتقه فقطع الدرع حتى جزله باثنتين ويقول: أخذها وأنا الغلام الفارسي ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرى ذلك ويسمعه
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “هلا قلت: خذها، وأنا الغلام الأنصاري”! فتعرض له أخوه يعدو كأنه كلب قال: أنا ابن عويف ويضربه رشيد على رأسه وعليه المغفر ففلق رأسه، ويقول خذها وأنا الغلام الأنصاري، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أحسنت يا أبا عبد الله”، فكناه يومئذ، ولا ولد له)( ).

66- عثمان بن شماس
بن الشريد بن هرمي المخزومي(ذكره إبن إسحاق فيمن هاجر إلى المدينة مع مصعب بن الزبير، وقال الزبير بن بكار أستشهد بأحد)( ).
ولما أستشهد عثمان يوم أحد (قالت بنت حريث المخزومية وكأنها كانت زوجته:
يا عين جودي بدمع غير إبساس … وابكي رزية عثمان بن شماس
صعب البديهة ميمون نقيبته … حمال ألوية ركاب أفراس
غريب مريع إذا ما أزمة أزمت … يبري السهام ويبري قبة الراس
قد قلت لما أتوا ينعونه جزعاً .. أودى الجواد فأردى المطعم الكاسي
قال: فأجابها أخوها أبو سنان بن حريث:
اقني حياءك في ستر وفي خفر … فإنما كان عثمان من الناس
لا تقتلي النفس إن حانت منيته … في طاعة الله يوم الروع والباس
قد مات حمزة ليث الله فاصطبري .. . قد ذاق ما ذاق عثمان بن شماس)( ).
67- سليم بن عمرو بن حديدة
ويقال سليم بن عامر بن حديدة الأنصاري السلمي شهد العقبة , قتل يوم أحد شهيداً مع مولاه عنترة( ).
68- مالك بن نميلة
ونميلة أمه وإسم أبيه ثابت من مزينة، حليف بني أمية، له صحبة وشهد بدراً وأحداً وقتل يوم أحد شهيداً)( )، وبه قال إبن إسحاق برواية إبراهيم بن سعد ولم يذكره إبن هشام في روايته عن إبن إسحاق.
69- عمرو بن إياس
من بني سالم بن عوف
قتل يوم أحد شهيداً، لم يذكره إبن إسحاق.
70- حبيب بن زيد
بن تميم بن أسيد من بني بياضة من الأنصار روى إبن شاهين عن رجاله أنه قتل يوم أحد شهيداً وإستدركه أبو موسى( ).
وهو غير حبيب بن زيد بن عاصم بن عمرو بن عوف بن البخار الأنصاري الذي شهد أحداً أيضاً(هو وأخوه عبد الله بن زيد بن عاصم وأبوهما زيد بن عاصم , وكان حبيب بن زيد بن عاصم قد بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مسيلمة الكذاب باليمامة فكان مسيلمة إذا قال له أتشهد أن محمداً رسول الله قال نعم وإذا قال له أتشهد أني رسول الله قال أنا أصم لا أسمع فعل ذلك مراراً فقطعه مسيلمة عضواً عضواً ومات شهيداً رحمه الله)( ).
وأخوه عبد الله هو الذي قتل مسيلمة على قول جماعة وقيل إشترك في قتل مسيلمة وحشي بن حرب وعبد الله بن زيد، رماه وحشي بن حرب بالحربة، وضربه عبد الله بن زيد بالسيف، وقتل عبد الله بن زيد يوم الحرة عندما إجتاح جيش أهل الشام المدينة أيام يزيد بن معاوية.
من شعر الصحابة في معركة أحد
للشعر موضوعية في حياة العرب العامة، وفيه توثيق للوقائع وتحديد لتأريخها، وتعيين لأهلها، وفيه تهذيب للأخلاق بالثناء على أصحاب الصفات الحميدة والذم لأرباب السوء والذين يتصفون بالبخل أو الظلم ونحوه من الأخلاق المذمومة .
والشعر سلاح في المعركة لشحذ الهمم، والتذكير بالأمجاد، وتناقل الناس القصائد البليغة ذات الدلالة والمعاني والوزن وكان الشعر ديوان العرب، والشاهد في المناسبات إلى أن بعث الله عز وجل النبي محمداً وأنزل القرآن فانجذب الناس إلى آياته وبهرهم إعجازه وشغلهم عن الشعر وغاب عن العرب بعض الشعر.
(وقال أبو عمرو بن العلاء: ما انتهى إليكم ممّا قالت العربُ إلا قُلُّه، ولو جاءكم وافراً لجاءكم علمٌ وشعر كثير.
وعن حمَّاد الرَّاوية قال: أمر النعمانُ بن المُنذر فنُسِخت له أشعارُ العرب في الطُّنُوج وهي الكراريس، ثم دفَنها في قصره الأبيض؛ فلما كان المختار بن أبي عُبيد الثقفي، قيل له: إن تحت القَصْر كنزاً، فاحتَفَره فأخرج تلك الأشعار؛ فمن ثمَّ أهل الكوفة أعلمُ بالشعر من أهل البصرة)( ).
وكان الشعر حاضراً في معارك الإسلام الأولى وبقيت قصائد حسان إبن ثابت شاعر رسول الله خالدة، تبعث الغبطة في نفوس المؤمنين في كل زمان , وتجعل وقائع المعارك وإنتصارات المسلمين واضحة في الوجود الذهني.
قالت صفية بنت عبد المطلب في رثاء أخيها حمزة :
أَسَائِلَةً أَصْحَابَ أُحْدٍ مَخَافَةً … بَنَاتُ أَبِي مِنْ أَعْجَمٍ وَخَبِيرِ
فَقَالَ الْخَبِيرُ إنّ حَمْزَةَ قَدْ ثَوَى … وَزِيرُ رَسُولِ اللّهِ خَيْرُ وَزِيرِ
دَعَاهُ إلَهُ الْحَقّ ذُو الْعَرْشِ دَعْوَةً … إلَى جَنّةٍ يَحْيَا بِهَا وَسُرُورِ
فَذَلِكَ مَا كُنّا نُرَجّي وَنَرْتَجِي … لِحَمْزَةِ يَوْمَ الْحَشْرِ خَيْرِ مَصِيرِ
فَوَاَللّهِ لَا أَنْسَاك مَا هَبّتْ الصّبَا … بُكَاءً وَحُزْنًا مَحْضَرِي وَمَسِيرِي
عَلَى أَسَدِ اللّهِ الّذِي كَانَ مِدْرَهَا … يَذُودُ عَنْ الْإِسْلَامِ كُلّ كَفُورِ
فَيَا لَيْتَ شِلْوِي عِنْدَ ذَاكَ وَأَعْظُمِي … لَدَى أَضْبُعٍ تَعْتَادُنِي وَنُسُورِ
أَقُولُ وَقَدْ أَعْلَى النّعِيّ عَشِيرَتِي … جَزَى اللّهُ خَيْرًا مِنْ أَخٍ وَنَصِرْ ( ).
وقالت هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان عند الإنصراف من أحد، إذ كانت حاضرة معركة أحد , وتحرض على قتل علي عليه السلام والحمزة والمؤمنين في لمة من نساء المشركين:
رَجَعْتُ وَفِي نَفْسِي بَلَابِلُ جَمّةٌ… وَقَدْ فَاتَنِي بَعْضُ الّذِي كَانَ مَطْلَبِي
مِنْ أَصْحَابِ بَدْرٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ. بَنِي هَاشِمٍ مِنْهُمْ وَمِنْ أَهْلِ يَثْرِبِ
وَلَكِنّنِي قَدْ نِلْتُ شَيْئًا وَلَمْ يَكُنْ…كَمَا كُنْتُ أَرْجُو فِي مَسِيرِي وَمَرْكَبِي( ).
وقال حسان بن ثابت ينعى شهداء أحد، ويذكر حمزة وشجاعته على نحو التعيين:
يَا مَيّ قُومِي فَانْدُبِنْ … بِسُحَيْرَةٍ شَجْوَ النّوَائِحِ
كَالْحَامِلَاتِ الْوِقْرِ بِال … ثّقَلِ الْمُلِحّاتِ الدّوَالِحِ
الْمُعْوِلَاتُ الْحَامِشَا … تُ وُجُوهَ حُرّاتٍ صَحَائِحِ
وَكَأَنّ سَيْلَ دُمُوعِهَا الْ … أَنْصَابُ تُخْضَبُ بِالذّبَائِحِ
يَنْقُضْنَ أَشْعَارًا لَهُنّ … هُنَاكَ بَادِيَةً الْمَسَائِحِ
وَكَأَنّهَا أَذْنَابُ خَيْ … لٍ بِالضّحَى شُمْسٍ رَوَامِحِ
مِنْ بَيْنِ مَشْزُورٍ وَمَجْ … زُورٍ يُذَعْذَع بِالْبَوَارِحِ
يَبْكِينَ شَجْوًا مُسْلِبَا … تٍ كَدّحَتْهُنّ الكَوَادِح
وَلَقَدْ أَصَابَ قُلُوبَهَا … مَجْلٌ لَهُ جُلَبٌ قَوَارِحُ
إذْ أَقْصَدِ الْحِدْثَانَ مَنْ … كُنّا نُرَجّي إذْ نُشَايِحُ
أَصْحَابَ أُحْدٍ غَالَهُمْ … دَهْرٌ أَلَمّ لَهُ جَوَارِحُ
مَنْ كَانَ فَارِسَنَا وَحَا … مِينَا إذَا بُعِثَ الْمَسَالِحُ
يَا حَمْزَ لَا وَاَللّهِ لَا … أَنْسَاكَ مَا صُرّ اللّقَائِحُ
لِمُنَاخِ أَيْتَامٍ وَأَضْيـاف … وَأَرْمَلَةٍ تُلَامِحُ
وَلِمَا يَنُوبُ الدّهْرُ فِي … حَرْبٍ لِحَرْبٍ وَهْيَ لَاقِحُ
يَا فَارِسًا يَا مِدْرَهًا … يَا حَمْزَ قَدْ كُنْتَ الْمُصَامِحَ
عَنّا شَدِيدَاتِ الْخُطُو … بِ إذَا يَنُوبُ لَهُنّ فَادِحْ
ذَكّرْتنِي أَسَدَ الرّسُو … لِ وَذَاكَ مِدْرَهُنَا الْمُنَافِحْ
عَنّا وَكَانَ يُعَدّ إذْ … عُدّ الشّرِيفُونَ الْجَحَاجِحْ
يَعْلُو الْقَمَاقِمَ جَهْرَةً … سَبْطَ الْيَدَيْنِ أَغَرّ وَاضِحْ
لَا طَائِشٌ رَعِشٌ وَلَا … ذُو عِلّةٍ بِالْحِمْلِ آنِحْ
بَحْرٌ فَلَيْسَ يُغِبّ جَا … رًا مِنْهُ سَيْبٌ أَوْ مَنَادِحْ
أَوْدَى شَبَابُ أُولِي الْحَفَا … ئِظِ وَالثّقِيلُونَ الْمَرَاجِحْ
الْمُطْعِمُونَ إذَا الْمَشَا … تِي مَا يُصَفّفهُنّ نَاضِحْ
لَحْمَ الْجِلَادِ وَفَوْقَهُ … مِنْ شَحْمِهِ شُطَبٌ شَرَائِحْ
لِيُدَافِعُوا عَنْ جَارِهِمْ … مَا رَامَ ذُو الضّغْنِ الْمُكَاشِحْ
لَهْفِي لِشُبّانٍ رُزِئْ … نَاهُمْ كَأَنّهُمْ المَصَابِحْ
شُمّ ، بَطَارِقَةٌ غَطَا … رِفةٌ خَضَارِمَةٌ مَسَامِحْ
الْمُشْتَرُونَ الْحَمْدَ بِالْ … أَمْوَالِ إنّ الْحَمْدَ رَابِح
وَالْحَامِزُونَ بِلُجْمِهِمْ … يَوْمًا إذَا مَا صَاحَ صَائِح
مَنْ كَانَ يُرْمَى بِالنّوَا … قِرِ مِنْ زَمَانٍ غَيْرِ صَالِح
مَا إنْ تَزَالُ رِكَابُهُ … يَرْسِمْنَ فِي غُبْرٍ صَحاصَح
رَاحَتْ تَبَارَى وَهُوَ فِي … رَكْبٍ صُدُورُهُمْ رَوَاشِح
حَتّى تَئُوبَ لَهُ الْمَعَا … لِي لَيْسَ مِنْ فَوْزِ السّفائح
يَا حَمْزَ قَدْ أَوْحَدْتَنِي … كَالْعُودِ شَذّ بِهِ الكَوافِح
أَشْكُو إلَيْكَ وَفَوْقَك ال … تّرْبُ الْمُكَوّرُ وَالصّفَائِح
مِنْ جَنْدَلٍ نُلْقِيهِ فَوْ … قَك إذْ أَجَادَ الضّرْحَ ضَارِح
فِي وَاسِعٍ يَحْشُونَهُ … بِالتّرْبِ سَوّتْهُ الْمَمَاسِح
فَعَزَاؤُنَا أَنّا نَقُو … لُ وَقَوْلُنَا بَرْحٌ بَوَارِح
مَنْ كَانَ أَمْسَى وَهُوَ عَمّا … أَوْقَعَ الْحِدْثَانُ جَانِح
فَلْيَأْتِنَا فَلْتَبْكِ عَيْ … نَاهُ لِهَلْكَانَا النّوَافِح
الْقَائِلِينَ الْفَاعِلِينَ … ذَوِي السّمَاحَةِ وَالْمَمَادِح
مَنْ لَا يَزَالُ نَدَى يَدَيْ … هِ لَهُ طَوَالَ الدّهْرِ مَائِح)( ).
وقال حسان بن ثابت يرثي حمزة ويبين هول المصيبة بفقده:
أَتَعْرِفُ الدّارَ عَفَا رَسْمُهَا … بَعْدَكَ صَوْبُ الْمُسْبِلِ الْهَاطِلِ
بَيْنَ السّرادِيح فأُدْمانَةٍ … فَمَدْفَعُ الرّوْحَاءِ فِي حَائِلِ
سَاءَلْتُهَا عَنْ ذَاكَ فَاسْتَعْجَمَتْ … لَمْ تَدْرِ مَا مَرْجُوعَةُ السّائِلِ ؟
دَعْ عَنْك دَارًا قَدْ عَفَا رَسْمُهَا … وَابْكِ عَلَى حَمْزَةَ ذِي النّائِلِ
الْمَالِئِ الشّيزَى إذَا أَعْصَفَتْ … غَبْرَاءُ فِي ذِي الشّبِمِ الْمَاحِلِ
وَالتّارِكِ الْقِرْنَ لَدَى لِبْدَةٍ … يَعْثُرُ فِي ذِي الْخُرُصِ الذّابِلِ
وَاللّابِسِ الْخَيْلِ إذْ أَجْحَمَتْ … كَاللّيْثِ فِي غَابَتِهِ الْبَاسِلِ
أَبْيَضُ فِي الذّرْوَةِ مِنْ هَاشِمٍ … لَمْ يَمْرِ دُونَ الْحَقّ بِالْبَاطِلِ
مَالَ شَهِيدًا بَيْنَ أَسْيَافِكُمْ … شلّتْ يَدَا وَحْشِيّ مِنْ قَاتِل
أَيّ امْرِئِ غَادَرَ فِي أَلّةٍ … مَطْرُورَةِ مَارِنَةِ الْعَامِلِ
أَظْلَمَتْ الْأَرْضُ لِفِقْدَانِهِ … وَاسْوَدّ نُورُ الْقَمَرِ النّاصِلِ
صَلّى عَلَيْهِ اللّهُ فِي جَنّةٍ … عَالِيَةٍ مُكْرَمَةَ الدّاخِلِ
كُنّا نَرَى حَمْزَةَ حِرْزًا … لَنَا فِي كُلّ أَمْرٍ نَابَنَا نَازِلِ
وَكَانَ فِي الْإِسْلَامِ ذَا تُدْرَأٍ … يَكْفِيك فَقْدَ الْقَاعِدِ الْخَاذِلِ
لَا تَفْرَحِي يَا هِنْدُ وَاسْتَحْلِبِي … دَمْعًا وَأَذْرِي عَبْرَةَ الثّاكِلِ
وَابْكِي عَلَى عُتْبَةَ إذْ قَطّه … بِالسّيْفِ تَحْتَ الرّهْجِ الْجَائِلِ
إذَا خُرّ فِي مَشْيَخَةٍ مِنْكُمْ … مِنْ كُلّ عَاتٍ قَلْتُهُ جَاهِلِ
أَرْدَاهُمْ حَمْزَةُ فِي أُسْرَةٍ … يَمْشُونَ تَحْتَ الْحَلَقِ الْفَاضِلِ
غَدَاةَ جِبْرِيلَ وَزِيرٌ لَهُ … نِعْمَ وَزِيرُ الْفَارِسِ الْحَامِلِ)( ).
وقال عبد الله بن رواحة يرثي حمزة ويواسي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبني هاشم ويذكر بطولات الحمزة ويذكر كفار قريش بقتلاهم ببدر من رؤساء قريش:
بَكَتْ عَيْنِي وَحَقّ لَهَا بُكَاهَا … وَمَا يُغِني الْبُكَاءُ وَلَا الْعَوِيلُ
عَلَى أَسَدِ الْإِلَهِ غَدَاةَ قَالُوا … أَحَمْزَةُ ذَاكُمْ الرّجُلُ الْقَتِيلُ
أُصِيبَ الْمُسْلِمُونَ بِهِ جَمِيعًا … هُنَاكَ وَقَدْ أُصِيبَ بِهِ الرّسُولُ
أَبَا يَعْلِي لَك الْأَرْكَانُ هُدّتْ … وَأَنْتَ الْمَاجِدُ الْبَرّ الْوَصُولُ
عَلَيْك سَلَامُ رَبّك فِي جِنَانٍ … مُخَالِطُهَا نَعِيمٌ لَا يَزُولُ
أَلَا يَا هَاشِمَ الْأَخْيَارِ صَبْرًا … فَكُلّ فِعَالِكُمْ حَسَنٌ جَمِيلُ
رَسُولُ اللّهِ مُصْطَبِرٌ كَرِيمٌ … بِأَمْرِ اللّهِ يَنْطِقُ إذْ يَقُولُ
أَلَا مِنْ مُبْلِغٍ عَنّي لُؤَيّا … فَبَعْدَ الْيَوْمِ دَائِلَةٌ تَدُولُ
وَقَبْلَ الْيَوْمِ مَا عَرَفُوا وَذَاقُوا … وَقَائِعَنَا بِهَا يُشْفَى الْغَلِيلُ
نَسِيتُمْ ضَرْبنَا بِقَلِيبِ بَدْرٍ … غَدَاةَ أَتَاكُمْ الْمَوْتُ الْعَجِيلُ
غَدَاةً ثَوَى أَبُو جَهْلٍ صَرِيعًا … عَلَيْهِ الطّيْرُ حَائِمَةٌ تَجُولُ
وَعُتْبَةُ وَابْنُهُ خَرّا جَمِيعًا … وَشَيْبَةُ عَضّهُ السّيْفُ الصّقِيلُ
وَمَتْرَكُنَا أُمَيّةَ مُجْلَعِبّا … وَفِي حَيْزُومِهِ لَدْنٌ نَبِيلُ
وَهَامَ بَنِي رَبِيعَةَ سَائِلُوهَا … فَفِي أَسْيَافِنَا مِنْهَا فُلُولُ
أَلَا يَا هِنْدُ فَابْكِي لَا تَمَلّي … فَأَنْتِ الْوَالِهُ العَبْرَى الْهَبُولُ
أَلَا يَا هِنْدُ لَا تُبْدِي شِمَاتًا … بِحَمْزَةِ إنّ عِزّكُمْ ذَلِيلُ)( ).
وقال كعب بن مالك يبكي حمزة بن عبد المطلب , ويبين منزلته عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم لتأكيد هول المصيبة بفقده:
طَرَقَتْ هُمُومُك فَالرّقَادُ مَسَهّدُ … وَجَزِعَتْ أَنْ سُلِخَ الشّبَابُ الْأَغْيَدُ
وَدَعَتْ فُؤَادَك لِلْهَوَى ضَمْريّةٌ … فَهَوَاك غَوْرِيّ وَصَحْوك مُنْجِدُ
فَدَعْ التّمَادِيَ فِي الْغَوَايَةِ سَادِرًا … قَدْ كُنْتَ فِي طَلَبِ الْغَوَايَةِ تُفْنَدُ
وَلَقَدْ أَنّى لَك أَنْ تَنَاهَى طَائِعًا … أَوْ تَسْتَفِيقَ إذَا نَهَاك الْمُرْشِدُ
وَلَقَدْ هُدِدْتُ لِفَقْدِ حَمْزَةَ هَدّةً … ظَلّتْ بَنَاتُ الْجَوْفِ مِنْهَا تَرْعَدُ
وَلَوْ أَنّهُ فُجِعَتْ حِرَاءُ بِمِثْلِهِ … لَرَأَيْتُ رَاسِيَ صَخْرِهَا يَتَبَدّدُ
قَرْمٌ تَمَكّنَ فِي ذُؤَابَةِ هَاشِمٍ … حَيْثُ النّبُوّةُ وَالنّدَى والسّودَد
وَالْعَاقِرُ الْكُومَ الْجِلَاد إذَا غَدَتْ … رِيحٌ يَكَادُ الْمَاءُ مِنْهَا يَجْمُدُ
وَالتّارِكُ الْقِرْنَ الْكَمِيّ مُجَدّلًا … يَوْمَ الْكَرِيهَةِ وَالْقَنَا يَتَقَصّدُ
وَتَرَاهُ يَرْفُلُ فِي الْحَدِيدِ كَأَنّهُ … ذُو لِبْدَةٍ شَثْنُ الْبَرَاثِنِ أَرْبَدُ
عَمّ النّبِيّ مُحَمّدٍ وَصَفِيّهُ … وَرَدَ الْحِمَامَ فَطَابَ ذَاكَ الْمَوْرِدُ
وَأَتَى الْمَنِيّةَ مُعْلِمًا فِي أُسْرَةٍ … نَصَرُوا النّبِيّ وَمِنْهُمْ الْمُسْتَشْهَدُ
وَلَقَدْ إخَالُ بِذَاكَ هِنْدًا بُشّرَتْ … لَتُمِيت دَاخِلَ غُصّةٍ لَا تَبْرُدُ
مِمّا صَبّحْنَا بالعَقَنْقَل قَوْمَهَا … يَوْمًا تَغَيّبْ فِيهِ عَنْهَا الْأَسْعَدُ
وَبِبِئْرِ بَدْرٍ إذْ يَرُدّ وُجُوهَهُمْ … جِبْرِيلُ تَحْتَ لِوَائِنَا وَمُحَمّدُ
حَتّى رَأَيْتُ لَدَى النّبِيّ سَرَاتَهُمْ … قِسْمَيْنِ يَقْتُل مَنْ نَشَاءُ وَيَطْرُدُ
فَأَقَامَ بِالْعَطَنِ الْمُعَطّنِ مِنْهُمْ … سَبْعُونَ عُتْبَةُ مِنْهُمْ وَالْأَسْوَدُ
وَابْنُ الْمُغِيرَةِ قَدْ ضَرَبْنَا ضَرْبَةً … فَوْقَ الْوَرِيدِ لَهَا رَشّاشٌ مُزْبِدُ
وَأُمَيّةُ الْجُمَحِيّ قَوّمَ مَيْلَهُ … عَضْبٌ بِأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ مُهَنّدُ
فَأَتَاكَ فَلّ الْمُشْرِكِينَ كَأَنّهُمْ … وَالْخَيْلُ تَثْفِنُهُمْ نَعَامٌ شُرّدُ
شَتّانَ مَنْ هُوَ فِي جَهَنّمَ ثَاوِيًا … أَبَدًا وَمَنْ هُوَ فِي الْجِنَانِ مُخَلّدُ
صَفِيّةَ قُومِي وَلَا تَعْجِزِي … وَبَكّي النّسَاءَ عَلَى حَمْزَةِ
وَلَا تَسْأَمِي أَنْ تُطِيلِي اُلْبُكَا … عَلَى أَسَدِ اللّهِ فِي الْهِزّةِ
فَقَدْ كَانَ عِزّا لِأَيْتَامِنَا … وَلَيْثَ الْمَلَاحِمِ فِي الْبِزّةِ
يُرِيدُ بِذَاكَ رِضَا أَحْمَدٍ … وَرِضْوَانَ ذِي الْعَرْشِ وَالْعِزّةِ)( ).
وقال كعب بن مالك يصف حسن سمت المؤمنين يوم أحد، وشجاعتهم وقتالهم من غير وهن أو ضعف:
إنّكِ عَمْرَ أَبِيك الْكَرِ … يمِ أَنْ تَسْأَلِي عَنْكِ مَنْ يَجْتَدينا
فَإِنْ تَسْأَلِي ثَمّ لَا تُكْذَبِي … يُخْبِرُك مَنْ قَدْ سَأَلْتِ الْيَقِينَا
بِأَنّا لَيَالِي ذَاتِ الْعِظَا … مِ كُنّا ثِمَالًا لِمَنْ يَعْتَرِينَا
تَلُوذُ الْبُجُودُ بِأَذْرَائِنَا … مِنْ الضّرّ فِي أَزَمَاتِ السّنِينَا
بِجَدْوَى فُضُولٍ أُولِي وُجْدِنَا … وَبِالصّبْرِ وَالْبَذْلِ فِي الْمُعْدِمِينَا
وَأَبْقَتْ لَنَا جَلَمات الْحُرُو … بِ مِمّنْ نُوَازِي لَدُنْ أَنْ بُرِينَا
مَعَاطِنَ تَهْوِي إلَيْهَا الْحُقُو … قُ يَحْسِبُهَا مَنْ رَآهَا الْفَتِينَا
تُخَيّسُ فِيهَا عِتَاقُ الْجَمَا … لِ صُحْما دَوَاجِن حُمْرًا وُجُونَا
وَدُفّاعُ رَجْلٍ كَمَوْجِ الْفُرَا … تِ يَقْدُمُ جَأْوَاء جُولَا طَحُونَا
تَرَى لَوْنَهَا مِثْلَ لَوْنِ النّجُو … مِ رَجْرَاجَةً تُبْرِقُ النّاظِرِينَا
فَإِنْ كُنْتَ عَنْ شَأْنِنَا جَاهِلًا … فَسَلْ عَنْهُ ذَا الْعِلْمِ مِمّنْ يَلِينَا
بِنَا كَيْفَ نَفْعَلُ إنْ قَلّصَتْ … عَوَانًا ضَرُوسًا عَضُوضًا حَجُونَا
أَلَسْنَا نَشُدّ عَلَيْهَا الْعِصَا … بَ حَتّى تَدُرّ وَحَتّى تَلِينَا
وَيَوْمٌ لَهُ وَهَجٌ دَائِمٌ … شَدِيدُ التّهاوُل حَامِي الأرِينا
طَوِيلٌ شَدِيدُ أُوَارِ الْقِتَا … لِ تَنْفِي قَواحِزُهُ الْمُقْرِفِينَا
تَخَالُ الْكُمَاةَ بِأَعْرَاضِهِ … ثِمَالًا عَلَى لَذّةٍ مُنزفِينا
تَعاوَرُ أَيْمَانُهُمْ بَيْنَهُمْ … كُؤُوسَ الْمَنَايَا بِحَدّ الظّبِينَا
شَهِدْنَا ككُنّا أُولِي بَأْسِهِ … وَتَحْتَ العَماية وَالْمُعْلِمِينَا
بِخُرْسِ الْحَسِيسِ حِسَانٍ رِوَاءٍ … وَبُصْرِيّةٍ قَدْ أُجِمْنَ الجُفونا
فَمَا يَنْفَلِلْنَ وَمَا يَنْحَنِينَ … وَمَا يَنْتَهِينَ إذَا مَا نُهِينَا
كَبَرْقِ الْخَرِيفِ بِأَيْدِي الْكُمَاةِ … يُفَجّعْنَ بِالظّلّ هَامًا سُكُونَا
وَعَلّمْنَا الضّرْبَ آبَاؤُنَا … وَسَوْفَ نُعَلّمُ أَيْضًا بَنِينَا
جِلَادَ الْكُمَاةِ وَبَذْلَ التّلَا … دِ عَنْ جُلّ أَحْسَابِنَا مَا بَقِينَا
إذَا مَرّ قَرْنٌ كَفَى نَسْلُهُ … وَأَوْرَثَهُ بَعْدَهُ آخَرِينَا
نَشِبّ وَتَهْلِكُ آبَاؤُنَا … وَبَيْنَا نُرَبّي بَنِينَا فَنِينَا
سَأَلْتُ بِك ابْنَ الزّبَعْرَى فَلَمْ … أُنَبّأْك فِي الْقَوْمِ إلّا هَجِينَا
خَبِيثًا تُطِيفُ بِك الْمُنْدِيَاتُ … مُقِيمًا عَلَى اللّؤْمِ حِينًا فَحِينَا
تَبَجّسْت تَهْجُو رَسُولَ الْمَلِ … يكِ قَاتَلَك اللّهُ جِلْفًا لَعِينَا
تَقُولُ الْخَنَا ثُمّ تَرْمِي بِهِ … نَقِيّ الثّيَابِ تَقِيّا أَمِينَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : أَنْشَدَنِي بَيْتَهُ ” بِنَا كَيْفَ نَفْعَلُ ” ، وَالْبَيْتَ الّذِي يَلِيهِ وَالْبَيْتَ الثّالِثَ مِنْهُ وَصَدْرَ الرّابِعِ مِنْهُ وَقَوْلَهُ ” نَشِبّ وَتَهْلِكُ آبَاؤُنَا ” وَالْبَيْتَ الّذِي يَلِيهِ . وَالْبَيْتَ الثّالِثَ مِنْهُ أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ.
وقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ أَيْضًا ، فِي يَوْمِ أُحُدٍ :
سَائِلْ قُرَيْشًا غَدَاةَ السّفْحِ مِنْ أُحُدٍ … مَاذَا لَقِينَا وَمَا لَاقَوْا مِنْ الْهَرَبِ
كُنّا الْأُسُودَ وَكَانُوا النّمْرَ إذْ زَحَفُوا … مَا إنْ نُرَاقِب مِنْ آلٍ وَلَا نَسَبِ
فَكَمْ تَرَكْنَا بِهَا مِنْ سَيّدٍ بَطَلٍ … حَامِي الذّمَارَ كَرِيمِ الْجَدّ وَالْحَسَبِ
فِينَا الرّسُولُ شِهَابٌ ثُمّ يَتْبَعُهُ … نُورٌ مُضِىءٌ لَهُ فَضْلٌ عَلَى الشّهُبِ
الْحَقّ مَنْطِقُهُ وَالْعَدْلُ سِيرَتُهُ … فَمَنْ يُجِبْهُ إلَيْهِ يَنْجُ مِنْ تَبَبِ
نَجْدُ الْمُقَدّمِ مَاضِي الْهَمّ مُعْتَزِمٌ .حِينَ الْقُلُوبِ عَلَى رَجْفٍ مِنْ الرّعُبِ
يَمْضِي ويَذْمُرنا عَنْ غَيْرِ مَعْصِيَةٍ … كَأَنّهُ الْبَدْرُ لَمْ يُطْبَعْ عَلَى الْكَذِبِ
بَدَا لَنَا فَاتّبَعْنَاهُ نُصَدّقُهُ … وَكَذّبُوهُ فَكُنّا أَسْعَدَ الْعَرَبِ
جَالُوا وَجُلْنَا فَمَا فَاءُوا وَمَا رَجَعُوا … وَنَحْنُ نَثْفِنهم لَمْ نَأْلُ فِي الطّلَبِ
لَيْسَا سَوَاءً وَشَتّى بَيْنَ أَمْرِهِمَا .حِزْبُ الْإِلَهِ وَأَهْلِ الشّرْكِ وَالنّصُبِ)( ).
لقد كان شعر كعب بن مالك وحسان بن ثابت وغيرهم من الصحابة سلاحاً إضافياً لدحر الكفار، ووثيقة تؤكد أن المسلمين لم ينهزموا في أحد، وأن إفتخار قريش بخصوص معركة أحد لا أصل له، وتجانب للحقيقة.
وقال الإمام علي عليه السلام يوم أحد:
لَا هُمّ إنّ الْحَارِثَ( ) بْنَ الصّمّهْ … كَانَ وَفِيّا وَبِنَا ذَا ذِمّهْ
أَقْبَلَ فِي مَهَامَهٍ مُهِمّهْ … كَلِيلَةٍ ظَلْمَاءَ مُدْلَهِمّهْ
بَيْنَ سُيُوفٍ وَرِمَاحٍ جَمّهْ … يَبْغِي رَسُولَ اللّهِ فِيمَا ثَمّهْ)( ).
وكان المسلمون يرتجزون يوم أحد لبعث الهمم، وفيه دليل أن الخوف لم يتسرب إلى نفوسهم، وهو من مصاديق إستجابتهم لقوله تعالى[وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا] وإرتجز أبو زعنة بن عبد الله أخو بن جُشم بن الخزرج يوم أحد:
أَنَا أَبُو زَعْنَةَ يَعْدُو بِي الهُزَمْ … لَمْ تُمْنَعْ الْمَخْزَاةُ إلّا بِالْأَلَمْ
يَحْمِي الذّمَارَ خَزْرَجِيّ مِنْ جُشَمْ)( ).

كيفية دفن شهداء أحد
بالإسناد عن جابر بن عبد الله قال: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول: أيهم أكثر أخذا للقرآن ؟ فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد، وقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة. وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يصل عليهم ولم يغسلوا( ).
عن إبن عباس قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد، والجلود، وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم، ودفن الشهداء بثيابهم لا يختص بمعركة أحد بل أمر به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في معركة بدر , ووردت أخبار بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى على قتلى أحد منها ما ورد عن الإمام علي عليه السلام قال: لما كان يوم بدر فأصيب من أصيب من المسلمين أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بدفنهم في ثيابهم وأن ينزع عنهم الفراء، وصلى عليهم)( )، ومنها ما رواه أحمد بن حنبل باسناده عن أبي مالك( ).
وقال إبن حزم ولم يصل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على قتلى أحد حين دفنهم) ( ).
وعن الزهري عن جابر بن عبد الله أن رسول صلى الله عليه وآله وسلم لما خرج لدفن شهداء أحد قال: زملوهم بجراحهم فإني أنا الشهيد عليهم، ما من مسلم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة يسيل دما اللون لون الزعفران والريح ريح المسك.
قال جابر: وكفن أبي في نمرة واحدة وكان يقول، صلى الله عليه وسلم: أي هؤلاء كان أكثر أخذا للقرآن؟ فإذا أشير له إلى الرجل قال: قدموه في اللحد قبل صاحبه. قالوا: وكان عبد الله بن عمرو بن حرام أول قتيل قتل من المسلمين يوم أحد، قتله سفيان بن عبد شمس أبو أبي الأعور السلمي، فصلى عليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قبل الهزيمة وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ادفنوا عبد الله بن عمرو وعمرو بن الجموح في قبر واحد لما كان بينهما من الصفاء، وقال: ادفنوا هذين المتحابين في الدنيا في قبر واحد. قال وكان عبد الله بن عمرو رجلا أحمر أصلع ليس بالطويل، وكان عمرو بن الجموح رجلا طويلا فعرفا فدفنا في قبر واحد، وكان قبرهما مما يلي المسل فدخله السيل فحفر عنهما وعليهما نمرتان وعبد الله قد أصابه جرح في وجهه فيده على جرحه فأميطت يده عن جرحه فانبعث الدم فردت يده إلى مكانها فسكن الدم. قال جابر: فرأيت أبي في حفرته كأنه نائم وما تغير من حاله قليل ولا كثير، فقيل له: فرأيت أكفانه؟ قال: إنما كفن في نمرة خمر بها وجهه وجعل على رجليه الحرمل فوجدنا النمرة كما هي والحرمل على رجليه على هيئته وبين ذلك ست وأربعون سنة. فشاورهم جابر في أن يطيب بمسك فأبى ذلك أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقالوا: لا تحدثوا فيهم شيئا. وحولا من ذلك المكان إلى مكان آخر وذلك أن القناة كانت تمر عليهما، وأخرجوا رطابا يتثنون( ).
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يذكر شهداء أحد ويصلي ويترحم عليهم إلى أن إنتقل إلى الرفيق الأعلى، وعن عقبة بن عامر قال: آخر ما خطب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صلى على شهداء أحد ثم رقي المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إني لكم فرط وأنا عليكم شهيد، وأنا أنظر إلى حوضي الآن وأنا في مقامي هذا، وإني والله ما أخاف أن تشركوا بعدي، ولكني أريت أني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، فأخاف عليكم أن تنافسوا فيها ( ).
لقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم زملوهم بدمائهم وثيابهم) أي لفوهم فيها، يقال: تزمل بثوبه إذا التف فيه.
فصل قبور الشهداء
تعددت مواضع قبور شهداء أحد، لتكون أعلاماً منيرة تسع منها ضياء الهدى، وتكون أمارة وعلامة على قوله تعالى[وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ]( )، وغيّب عدد من قبورهم في الوادي وفي المدينة ونواحيها، ولكن بقيت بعض القبور معروفة عند المسلمين جيلاً بعد جيل منها قبر حمزة بن عبد المطلب وقبر عبد الله بن عمرو بن حرام وعمرو بن الجموح، وقبر سهيل بن قيس.
وعن هشام بن عامر الأنصاري قال: جاءت الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد فقالوا: يا رسول الله: أَصابَنَا قرْحٌ وجَهْد، فكيف تأْمر? فقال: احفروا وأَوسعوا واجعلوا الاثنين والثلاثة في القبر. قالوا: فأَيّهم نُقدِّم. قال: أَكثرهم قرآناً. قال: فقُدِّم أَبي عامرُ بين يدي اثنين أَو واحد من الأَنصار، وكل قُتل يومَ أُحُد)( ).
وقال الواقدي(وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ” لَيْتَ أَنّي غُودِرْت مَعَ أَصْحَابِ الْجَبَلِ ” وَكَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَأْتِيهِمْ بَيْنَ الْيَوْمَيْنِ وَالثّلَاثَةِ فَتَبْكِي عِنْدَهُمْ وَتَدْعُو وَكَانَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ يَذْهَبُ إلَى مَالِهِ بِالْغَابَةِ فَيَأْتِي مِنْ خَلْفِ قُبُورِ الشّهَدَاءِ فَيَقُولُ السّلَامُ عَلَيْكُمْ ثَلَاثًا، ثُمّ يُقْبِلُ عَلَى أَصْحَابِهِ فَيَقُولُ أَلَا تُسَلّمُونَ عَلَى قَوْمٍ يَرُدّونَ عَلَيْكُمْ السّلَامَ؟ لَا يُسَلّمُ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ إلّا رَدّوا عَلَيْهِ السّلَامَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ”
وَمَرّ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ فَوَقَفَ عَلَيْهِ وَدَعَا، وَقَرَأَ {رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدّلُوا تَبْدِيلًا} أَشْهَدُ أَنّ هَؤُلَاءِ شُهَدَاءُ عِنْدَ اللّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأْتُوهُمْ وَزُورُوهُمْ وَسَلّمُوا عَلَيْهِمْ وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُسَلّمُ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إلّا ردوا عليه.
وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ يَقِفُ عَلَى قَبْرِ حَمْزَةَ فَيَدْعُو وَيَقُولُ لِمَنْ مَعَهُ لَا يُسَلّمُ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ إلّا رَدّوا عَلَيْهِ السّلَامَ فَلَا تَدَعُوا السّلَامَ عَلَيْهِمْ وَزِيَارَتَهُمْ)( ).
وكانت فاطمة عليها السلام تزور قبر حمزة تتعاهده وتصلحه، وتجعل الحجارة عليه معلماً.
وقتل حمزة تحت الجبل الصغير الأحمر وهو جبل الرماة، فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فحمل حمزة إلى الربوة التي فيها قبره الآن وقيل كفنه في برده ودفن هو ومصعب بن عمير في قبر واحد.
ومنهم من قال أن حمزة دفن في قبر وحده.
وفي السنة التاسعة للهجرة قدم عروة بن مسعود الثقفي على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأعلن إسلامه(وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إنهم قاتلوك. فقال: أنا أحب إليهم من أبكارهم، ورجا أن يوافقوه لمنزلته فيهم، فلما رجع إلى الطائف صعد إلى علية له وأشرف منها عليهم وأظهر الإسلام ودعاهم إليهم، فرموه بالنبل، فأصابه سهم فقتله، فقيل له: ما ترى في دمك ؟ فقال: كرامةً أكرمني الله بها وشهادةً ساقها إلي، ليس في إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله، فادفنوني معهم. فلما مات دفنوه معهم. وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فيه: (إنّ مثَله في قومه كمثَل صاحب يس في قومه)( )، مما يدل على إتخاذ المسلمين شهداء أحد أسوة، وإمتلأت نفوسهم بحب الدفن معهم.
زيارة قبور شهداء أحد
السنة النبوية هي المصدر الثاني للتشريع بعد القرآن، وهي على أقسام:
الأول : السنة القولية.
الثاني : السنة الفعلية.
الثالث : السنة التقريرية، وقد أضفنا لها في هذا السفر أقساماً أخر وهي.
الرابع : السنة التدوينية وهي ما كتبه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للملوك وإلى أمراء السرايا والصحابة الذين أرسلهم إلى الأمصار وإلى بعض الأشخاص.
الخامس : السنة الدفاعية التي تتعلق بشؤون الحرب والقتال.
السادس :السنة الحكمية لبيان أحكام القضاء النبوية بين المتخاصمين, وفي الجنايات .
ومن السنة الفعلية والقولية أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم زار قبور الشهداء وقال: اللهم إن عبدك ونبيك يشهد أن هؤلاء شهداء وأنه من زارهم او سلم عليهم إلى يوم القيامة ردوا عليه( ).
وعن الإمام علي عليه السلام قال: أن المدينة حرم ما بين ثور الى عاير 1 فمن أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فإن عليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل)( ).
وأخرج الحاكم والبيهقي وإبن عساكر بسند فيه من يجهل عن سعيد بن المسيب قال دخلنا مقابر المدينة مع علي بن أبي طالب فنادى يا أهل القبور السلام عليكم ورحمة الله تخبرونا بأخباركم أم نخبركم قال فسمعنا صوتا وعليك السلام ورحمة الله وبركاته يا أمير المؤمنين أخبرنا عما كان بعدنا فقال علي أما أزواجكم فقد تزوجت وأما أموالكم فقد اقتسمت والأولاد فقد حشروا في زمرة اليتامى والبناء الذي شيدتم فقد سكنه أعداؤكم فهذه أخبار ما عندكم فما أخبار ما عندكم فأجابه ميت قد تحرقت الأكفان وانتثرت الشعور وتقطعت الجلود وسالت الأحداق على الخدود وسالت المناخر بالقيح والصديد وما قدمناه وجدناه وما خلفناه خسرناه ونحن مرتهنون بالأعمال( ).
وأختلف في الصلاة على شهداء أحد على أقوال:
الأول : أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحمزة فسجي ببرده، ثم صلى عليه فكبر سبع تكبيرات ثم اتى بالقتلى يوضعون إلى جنب حمزة فصلى عليه وعليهم معهم حتى صلى عليهم ثنتين وسبعين صلاة.
الثاني : عن إبن عباس : قَالَ أُتِىَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَوْمَ أُحُدٍ فَجَعَلَ يُصَلِّى عَلَى عَشَرَةٍ عَشَرَةٍ وَحَمْزَةُ هُوَ كَمَا هُوَ يُرْفَعُونَ وَهُوَ كَمَا هُوَ مَوْضُوعٌ ( ).
الثالث : لم يصل النبي صلى الله عليه وآله وسلم على شهداء أحد .
والصحيح أن النبي صلى عليهم .
والإجماع على دفن شهداء أحد بثيابهم مزملين( ) بدمائهم لم يغسلوا.
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يذكر شهداء أحد ويترحم عليهم ويصلي عليهم وإلى آخر أيامه في الدنيا، وعن عقبة بن عامر قال: آخر ما خطب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صلى على شهداء أحد ثم رقي المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إني لكم فرط وأنا عليكم شهيد، وأنا أنظر إلى حوضي الآن وأنا في مقامي هذا، وإني والله ما أخاف أن تشركوا بعدي، ولكني أريت أني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، فأخاف عليكم أن تنافسوا فيها( ).
وقوله (صلى على شهداء أحد) أي قال قبل إرتقائه المنبر اللهم صل على شهداء أحد.
وهو من مصاديق قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: زملوهم بجراحهم فإني أنا الشهيد عليهم ما من مسلم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة يسيل دما اللون لون الزعفران والريح ريح المسك( ).
علم المناسبة
ورد لفظ(الأيام) في القرآن سبعاً وعشرين مرة، ولم يرد لفظ (تلك الأيام) إلا في آية البحث، بما يفيد الإطلاق وإرادة أفراد الزمان الطولية الماضي والحاضر والمستقبل.
ومن الإعجاز في الآية أنها ذكرت الأيام باسم الإشارة للبعيد (تلك) ليكون جامعاً للقريب والبعيد منها، وفيه نكتة وهي تنبيه الناس بأن إذا رأيتم الدنيا مقبلة فلا تركنوا إليها،، فأبى الله إلا أن يصّرفها بين الناس فعليكم بطاعة الله.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ( ).
ولم تقل الآية : ونداول الأيام بين الناس) بل ذكرت الأيام بلغة الإشارة، ( وتلك الأيام ) هذا اللفظ الذي لم يرد في القرآن إلا مرة واحدة وفي هذه الآية , وفيه مسائل:
الأولى : بعث الناس للتدبر ببديع صنع الله بتقسيم أفراد الزمان إلى أيام , وهل تقسيمها إلى أسابيع وأشهر وسنوات منه، الجواب نعم، لذا جاءت الآية بصيغة جمع الأيام , ولأن هذا التقسيم إستقرائي يتعلق بذات الأيام وتعاقبها متشابهة لم يفرق بينها بلحاظ التقسيم الزماني إلا الهلال في إطلالته بعد تسعة وعشرين أو ثلاثين يوماً .
وقد تفضل الله عز وجل وذكر شهر رمضان على نحو الخصوص والتعيين في القرآن مع بيان فضل الله في هذا الشهر[شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ]( )، ليكون أصل تقسيم الزمان إلى شهور وسنين بلغة القرآن هو شهر رمضان وتكون بتسميته وضبطه معرفة الأشهر الحرم وأشهر وأوان الحج.
ويدل ورود لفظ الأيام في القرآن على عدم إنحصار معاني تداولها بالإقبال والإدبار، فيشمل النصر الإلهي للمؤمنين على نحو تتجلى فيه الآيات كما في قوله تعالى[وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]( )، وتتبين فيه صيغ بطش الله بالظالمين كما في عاد قوم هود، قال تعالى[وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ]( ).
وقيل أن هذه الأيام هي التي تأتي في أشد أيام الشتاء برداً، وتسمى أيام العجوز لأن عجوزاً من قوم عاد دخلت سرباً فتبعتها الريح حتى قتلتها في اليوم الثامن والأخير فانقطع العذاب، ولا دليل على الملازمة بين هذه التسمية وما وقع لقوم عاد، وقال فيه الأصمعي: ليس من كلام العرب في الجاهلية؛ إنما وُلِّد في الإسلام، قال في الصحاح: وهي خمسة أيام – أول يوم منها يسمى صِنّاً، وثاني يوم يسمى الصِّنَّبْر، وثالث يوم يسمى وَبْراً، والرابع مُطْفِئ الجَمْر، والخامس مُكْفِئُ الظّعْنِ. وقال أبو يحيى بن كُناسة: هي في نوء الصّرْفَة. وقال أبو الغيث: هي سبعةُ أيام؛ وأنشدَ لابن أحمر:
كُسِع الشّتاءُ بسَبْعَةٍ غُبْرِ … أيام شَهْلَتِنا من الشَّهْرِ
فإذا انْقَضَتْ أيامُها ومَضَتْ … صِنٌّ وصِنَّبْرٌ مع الوَبْرِ
وَبآمِرٍ وَأَخيه مُؤْتَمِرٍ … ومُعَلِّلٍ وبمُطْفئِ الجَمْرِ
ذهبَ الشتاءُ مُولّياً عَجِلاً … وأتَتْكَ واقدةٌ من الحرِّ
الثانية : بيان قانون كلي وهو أن مطلق أفراد الزمان ملك لله عز وجل، وكما يرى كل جيل أن زمانهم والشأن فيه بيد الله عز وجل، فكذا بالنسبة للأجيال السابقة واللاحقة وأيامهم.
وفي الآية تحد وإعجاز وقهر لأهل الإستكبار وإخبار عن عجزهم عن تغيير هذا القانون يوماً ما، لذا فمن أسرار هذه الآية مجيء إسم الإشارة بصيغة البعيد(تلك).
الثالثة : وردت الآية بصيغة العموم الإستغراقي بلفظ(الناس) لبعث الحيطة والحذر في نفوس المسلمين , والإخبار بأن الأيام قد تدور وتنصرف لصالح الكفار والظالمين في المعارك ونحوها، فيجب ألا يقنط المسلمون إنما الأمر والمشيئة بيد الله , وهو الذي يرجع الكرة والأيام إلى المسلمين .
وحينما إنكشف المسلمون في معركة أحد بقى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في موضعه في ميدان المعركة يقاتل مع نفر قليل من أصحابه وأهل بيته رجاء فضل الله بعودة الكرة والغلبة لهم، وسرعان ما عاد المؤمنون للقتال، ونزل الملائكة لنصرته وإشتد الأمر على الكفار فبادروا إلى الإنسحاب.
لذا فمن إعجاز الآية أن تصريف وتداول الأيام بين الناس يكون بالأسباب الظاهرة وبالمعجزة.
الرابعة : لم تقل الآية (وتلك الأيام نداولها بين بني آدم) لبيان أن آدم وحواء كان لهما نصيب من الأيام والشأن والدولة في الأرض وللإخبار عن شمول الآية لآخر الزمان , فحتى في حال وجود الإنسان بالإستنساخ ونحوه من صيغ الإرتقاء العلمي فإن الآية تشمله , وقانون مداولة الأيام بين الناس وإلى يوم القيامة أمر بيد الله عز وجل وحده قال تعالى[سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً]( ).

مشاركة

Facebook
Twitter
Pinterest
LinkedIn

مواضيع ﺫات صلة