معالم الإيمان في تفسير القرآن – الجزء- 118

المقدمــة
الحمد لله الذي اختص بالأسماء الحسنى لنفسه , ولم يشركه في مصاديقها أحد، وجعلها نوع طريق لدعائه، ومناسبة لذكره على الألسن، وتنزيهاً للنفوس من درن الشرك , قال تعالى[ُقلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى] ( ).
الحمد لله على نعمه غير المتناهية العامة والخاصة وترشح فيوضات العامة على الأفراد ، وبركات الخاصة على العموم المجموعي والإستغراقي وأشهد أن لا إله إلا الله سبحانه وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
الحمد لله الذي أنزل القرآن وجعله[تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ] ( )، وصيره تذكرة سماوية حاضرة في كل زمان عند أولي الألباب وإماماً يقود الناس إلى سبل الفوز والنجاح.
الحمد لله الذي جعل أبواب رحمته مفتوحة للناس جميعاً وجعل الخلائق كلها عاجزة عن غلق أي واحد منها سواء على نحو السالبة الكلية أو الجزئية.
ويحتمل القرآن في هذا الباب وجوهاً:
الأول : قانون القرآن رحمة قائمة بذاتها، وقانون نزول الآية القرآنية باب للرحمة والمغفرة .
الثاني : قانون كل سورة من القرآن مدخل للرحمة النازلة من عند الله عز وجل.
الثالث : قانون تلاوة كل آية من القرآن رحمة .
الرابع : قانون كل آية من القرآن فيها وجوه متعددة من الرحمة، وأبواب مفتوحة على ذخائر رحمة الله، قال تعالى[أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ]( ).
والصحيح هو الأخير والوجوه الأخرى أعلاه في طوله لبيان قانون وهو أن مقاليد الأمور بيد الله وهو الذي يهب ويعطي من كنوز السموات والأرض.
ومن الإعجاز أن لفظ خزائن ورد ثمان مرات في القرآن كلها تتعلق بفضل الله وبديع خلقه وواسع رحمته، وأبى الله إلا أن يفتح خزائن الأرض للإنسان وهو من أسرار خلافته فيها، ففي يوسف عليه السلام ورد قوله تعالى[قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ]( )، لتكون موضوعية للحفظ والأمانة، وتفضل الله عز وجل وجعل درر القرآن عند المسلمين، وكل آية كنز لأمور:
الأول : قانون التفقه في الدين.
الثاني : قانون العلم والإرتقاء في المعارف الإلهية.
الثالث : قانون التبصر في أمور الدين والدنيا.
الرابع : قانون التهيئ وحمل المتاع إلى الآخرة، قال تعالى[وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى]( ).
الخامس : قانون تنمية ملكة الأخلاق الحميدة بالقرآن .
السادس : قانون كل قصة في القرآن ذخيرة للعلوم، ووعاء لنهل المواعظ والعبر.
السابع : قانون كل آية خزينة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الثامن : قانون آيات القرآن حدائق ناضرة في الإحتجاج وحرز من الجدال وأسباب الشك والريب.
لقد تفضل الله عز وجل ووهب النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين خزائن القرآن لتكون الثروة العظمى في الأرض وهو من مصاديق قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
بلحاظ مسائل في المقام منها:
الأولى : قانون لم ترزق أمة من الأمم مفاتيح علوم مثل خزائن ودلالات القرآن.
الثانية : قانون إنعدام الواسطة بين كل مسلم ومسلمة وبين كل علم من علوم القرآن.
فقد تلقى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الوحي والتنزيل ليكون المسلمون فيه شرعاً سواء ومن مصاديق قوله تعالى[قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ]( )، بيان إختصاص النبي بالوحي، وتلقيه ليكون رحمة وذخيرة وكنزاً قريباً من الناس جميعاً.
الثالثة : قانون ملازمة آيات القرآن للمسلمين في كل زمان ومكان، وسيأتي في هذا الجزء المبارك باب اسمه (مصطلح الصحابي) ( ).
لقد إنقضى زمان صحبة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ،ولم ينتفع منه إلا المسلمون الذين رأوه وسمعوا منه وهذه الصحبة نعمة وفيض من فيوضات النبوة .
وإذ أنعم الله عز وجل نعمة على أهل الأرض، فأبى الله عز وجل إلا أن تبقى آيات القرآن صاحباً وملازماً للمسلمين، ومعاشراً يضئ دروب الهداية والرشاد لهم، كل يوم عدة مرات.
الرابعة : قانون سلامة القرآن من التحريف والتغيير والتبديل، وبذل أجيال المسلمين الوسع لتعاهده وحفظه.
الخامسة : يتلو كل مسلم ومسلمة عدة مرات في اليوم قوله تعالى[اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]( )، ومن مصاديق الصراط القرآن , وكل آية منه صراط يهدي العبد إلى سبل الحق ويصرفه عن الرذائل.
وهذا الجزء هو الثامن عشر بعد المائة من سفر التفسير الجامع لذخائر العلم(معالم الإيمان في تفسير القرآن) والخالي من كدورة الطائفية والذم أو التعريض بأي طائفة من الناطقين بشهادة التوحيد، وهذا الجزء خاص بتفسير الآية السادسة والأربعين بعد المائة من سورة آل عمران وهي صاحب كريم للمسلمين وفيها من الخزائن والذخائر أمور:
الأول : دلالة الآية بالدلالة التضمنية على كثرة الأنبياء الذين سبقوا النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني : قانون بيان فضل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الأنبياء السابقين بأن تذكر نبواتهم في القرآن لتكون أجيال المسلمين شهوداً لهم في الدنيا والآخرة، وليس من شهادة كثرة وعدلاً وتجددها في كل زمان مثل هذه الشهادة المباركة.
الثالث : قانون وجود أمة مؤمنة مع كل نبي في زمانه , فلما جعل الله عز وجل عبادته وطاعة الناس له سبحانه علة خلقهم بقوله تعالى[وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( )، ولم يترك الناس وشأنهم ليدركوا هذا القانون بعقولهم وحواسهم، بل تفضل بأمور:
الأول : قانون بعث الأنبياء على نحو متعاقب، ومن الإعجاز وبيان التعاقب في المقام توارث النبوة والإيمان كما في قوله تعالى[أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ]( ).
الثاني : قانون توالي نزول الكتب السماوية ومصاحبة الوحي للأنبياء ليكون ثروة وتركة لأنصارهم وأتباعهم، وهو من أسرار قتال الصحابة معهم لدحر الكفر ومفاهيم الضلالة.
الثالث : قانون توارث البشارة السماوية بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهل آية البحث من هذه البشارة ،الجواب نعم، إذ تتعدد البشارات بنبوته وهي من اللامتناهي، وكل آية بشارة من جهات:
الأولى : قانون الإعجاز في منطوق وبلاغة الآية القرآنية.
الثانية : قانون تعدد معاني اللفظ القرآني.
الثالثة : قانون تأكيد الآية القرآنية لصدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، و قانون كل آية شاهد سماوي على رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولزوم إتباع الناس له في الفرائض والعبادات والسنن.
الرابعة : قانون بقاء الآية القرآنية سالمة من التحريف إلى يوم القيامة وهو من مصاديق قوله تعالى[إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون]( ).
الخامسة : قانون تجلي معاني الآية القرآنية بما يمنع من الترديد وأسباب الخلاف والفرقة في التفسير والتأويل.
السادسة : قانون كل قصة من قصص القرآن تتضمن البشارة بنصر الإسلام وعز المؤمنين، سواء تلك القصص التي تذكر الأنبياء ورسالاتهم وقيامهم بالتبليغ والدعوة إلى الله أو التي تبين هلاك الظالمين لأنها تدل بالدلالة التضمنية على ضعف ووهن الكفار، والمندوحة للمسلمين بأداء الفرائض وقيام دولة التوحيد ، ومنه آية البحث فهي بشارة من جهة :
قانون جهاد الأنبياء وأصحابهم و قانون سلامتهم من الضعف والوهن وتحليهم بالصبر في حال الحرب والسلم وهو نوع طريق لرمي الكفار بالضعف ،وجعلهم عاجزين عن تكرار اللقاء في ميادين القتال ، وهو الذي تجلى في المعارك الأولى للإسلام ، على نحو الترتيب التصاعدي في الإنحسار التام عن الزحف.
فقد جاء كفار قريش بنحو ألف مقاتل في معركة بدر، ثم عادوا وتوجهوا مرة أخرى نحو المدينة المنورة بعد أحد عشر شهراً بثلاثة آلاف مقاتل فكانت معركة أحد ،ثم جاءوا بعدها بعامين تقريباً بعشرة آلاف مقاتل في معركة الأحزاب ولكنهم لم يقاتلوا مع كثرتهم .
قال تعالى بخصوص هذه الواقعة ونزول الكفار حول الخندق الذي حفره المسلمون حول أطراف من المدينة المنورة [إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا] ( ).
لتأتي آية البحث لتمنع هذا الأضطراب ، وتمنع من إستقرار الخوف في نفوسهم , وتلك معجزة حسية وعقلية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
أي يجب إستقراء الإعجاز في أسرار عدم قتال الكفار يوم الأحزاب مع كثرتهم وما لحقهم من الخزي في المعارك السابقة والذي لم يكن صدفة وإتفاقاً بل كان نتيجة ورشحة لمعجزات النبوة من جهات:
الأولى : هزيمة الكفار يوم بدر وسقوط سبعين قتيلاً وسبعين أسيراً منهم مع أن عدد المسلمين ثلث عدد الكفار، أما المؤون والأسلحة والرواحل فان التفاوت فيها أكبر بكثير.
الثانية : عجز الكفار عن تحقيق النصر يوم أحد مع أنهم تهيؤوا وإستعدوا للمعركة من الأيام الأولى لهزيمتهم ببدر، ونهوا عن البكاء وإظهار الحزن على قتلاهم بمعركة بدر، كيلا تثبط العزائم .
قال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد قال: ناحت قريش على قتلاهم، ثم قالوا: لا تفعلوا يبلغ محمدا وأصحابه فيشمتوا بكم، ولا تبعثوا في أسراكم حتى تستأنسوا بهم لا يأرب عليكم محمد وأصحابه في الفداء] ( )أي خشوا أن يزيد المسلمون في مقدار الفدية والبدل عن كل أسير منهم .
وكان هذا المنع سبباً إضافياً للألم وكبت الحزن عند كبراء الضلالة من قريش , وإنطوائهم على الأسى . [وعن ابن إسْحَاقَ :وَكَانَ الْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطّلِبِ قَدْ أُصِيبَ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنْ وَلَدِهِ زَمَعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ ، وَعَقِيلُ بْنُ الْأَسْوَدِ وَالْحَارِثُ بْنُ زَمَعَةَ وَكَانَ يُحِبّ أَنْ يَبْكِيَ عَلَى بَنِيهِ فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إذْ سَمِعَ نَائِحَةً مِنْ اللّيْلِ فَقَالَ لِغُلَامِ لَهُ وَقَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ اُنْظُرْ هَلْ أُحِلّ النّحْبُ هَلْ بَكَتْ قُرَيْشٌ عَلَى قَتْلَاهَا ؟ لَعَلّي أَبْكِي عَلَى أَبِي حَكِيمَةَ يَعْنِي زَمَعَةَ فَإِنّ جَوْفِي قَدْ احْتَرَقَ .
قَالَ فَلَمّا رَجَعَ إلَيْهِ الْغُلَامُ قَالَ إنّمَا هِيَ امرأة تَبْكِي عَلَى بَعِيرٍ لَهَا أَضَلّتْهُ . قَالَ فَذَاكَ حِينَ يَقُولُ الْأَسْوَدُ
أَتَبْكِي أَنْ يَضِلّ لَهَا بَعِيرٌ … وَيَمْنَعُهَا مِنْ النّوْمِ السّهُودُ
فَلَا تَبْكِي عَلَى بَكْرٍ وَلَكِنْ … عَلَى بَدْرٍ تَقَاصَرَتْ الْجُدُودُ
عَلَى بَدْرٍ سَرَاةِ بَنِي هُصَيْصٍ … وَمَخْزُومٍ وَرَهْطِ أَبِي الْوَلِيدِ
وَبَكّي إنْ بَكّيْتِ عَلَى عَقِيلٍ … وَبَكّي حَارِثًا أَسَدَ الْأُسُودِ
وَبَكّيهِمْ وَلَا تَسَمِي جَمِيعًا … وَمَا لِأَبِي حَكِيمَةَ مِنْ نَدِيدِ
أَلَا قَدْ سَادَ بَعْدَهُمْ رِجَالٌ … وَلَوْلَا يَوْمُ بَدْرٍ لَمْ يَسُودُوا] ( ) .
ويدل الخبر على الإنضباط العام في مجتمع قريش ، فهم ليسوا بجاهلية أو جماعات متفرقة , وتنظيم وقوة العدو المقهور والمنهزم دليل على المعجزة النبوي .
الثالثة : كان عدد المسلمين يوم أحد نحو ربع عدد جيش المشركين، ولكن الملائكة حاضرون مدداً وعوناً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين.
الرابعة : دبيب الوهن والضعف والخوف إلى قلوب الكفار يوم الأحزاب.
لقد بينت آية البحث قانوناً كلياً يتعلق بالمؤمنين الذين صاحبوا الأنبياء من جهات :
الأولى : القتال مع نبي زمانهم، وقد قاتل المسلمون مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحوله وبين يديه وتحت لوائه.
الثانية : نيل مرتبة الربيين ودلالاتها من التقوى والسلامة من الآثام، بما يفيد تحليهم بالأخلاق الحميدة حتى في ميادين القتال.
الثالثة : عدم الوهن والضعف في لقاء الأعداء وتدل عليه الآيات المجاورة السابقة التي وردت بخصوص معركة أحد في سبب نزولها، كما في قوله تعالى[وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْن الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ…] ( ).
إذ جاءت الآية أعلاه للثناء على صحابة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في عشقهم للشهادة كوسيلة لتثبيت صرح الإسلام وطريق للإنتقال إلى النعيم الدائم والفوز بحياة الشهداء الأبدية.
وهل فيها تفضيل ورجحان لهم على أصحاب الأنبياء السابقين الذين قاتلوا مع الأنبياء من غير تمن للموت والشهادة، الجواب نعم .
والجود بالنفس في سبيل الله أقصى غاية الجود.
وأختتمت الآية بقانون من الإرادة التكوينية وهو حب الله للصابرين في سبل الإيمان ،لينفع المسلمون من وجوه :
الأول : بعث المسلمين على التحلي بالصبر.
الثاني : تنمية ملكة الصبر عند المسلمين.
الثالث : إعانة المسلمين لملاقاة الكفار في ميادين القتال.
الرابع : بيان وجوه التشابه في الخصال الحميدة وإتحاد السنخية بين المسلمين وأصحاب الأنبياء السابقين.
إذ بينت آية البحث جهاد أصحاب الأنبياء في سبيل الله، وتلقيهم الأذى وضروب الضرر بالإقدام والثبات في منازل الإيمان، والمناجاة بالصبر وتجديد الدعوة إلى الله،ليكونوا أسوة حسنة للمسلمين الذين أراد الله عز وجل لهم رفع لواء التوحيد في الأرض وإلى يوم القيامة، وهو من عمومات قوله تعالى[وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ]( ).
وهل في آية البحث دعوة للمسلمين لحسن الصلات مع أهل الكتاب لأنهم على نهج أصحاب الأنبياء ومن ذراريهم بالنسب وأتباعهم بالإعتقاد الذين تعاهدوا كلمة التوحيد بدمائهم وجعلوها تركة كريمة ومقدمة وبشارة ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الجواب نعم، وإن جاءت نبوته حجة على الناس بذاتها وبالبراهين الساطعة على نزول الآيات على صدره من عند الله وهي دعوة لهم للإسلام.
إذ تدل مضامين الآية القدسية وصيغة الخطاب وتوجهه للمسلمين وإختتامها بقانون حب الله للصابرين على إتصال حبل الجهاد في سبيل الله في تأريخ الإنسانية وتجدده في الأزمنة المختلفة.
لقد صاحبت النبوة وجود الإنسان في الأرض إذ كان آدم عليه السلام نبياً وهو أول من هبط إلى الأرض وتوارث أبناؤه النبوة وإقتران المعجزة بها رحمة من عند الله.
أما الجهاد والقتال فلم يكن مصاحباً وملازماً للنبوة، فالأنبياء على أقسام :
الأول : إنبياء لم يقاتلوا الكفار واكتفوا بالدعوة إلى الله عز وجل بالحكمة والموعظة الحسنة، فآدم عليه السلام لم يقاتل وكذا إسحق ويعقوب وغيرهم.
الثاني : أنبياء تحملوا الأذى في جنب الله من غير أن يشهروا السيوف ويقودوا أصحابهم إلى ميادين الوغى.
الثالث : أنبياء نالوا رتبة السلطنة وصاروا ملوكاً مثل داود وسليمان عليهما السلام.
الرابع : أنبياء كان الملك وأصحابه يرجعون إليهم في أمورهم.
الخامس : أنبياء جاهدوا بانفسهم، أو بأنفسهم وأهليهم، مثل إبراهيم عليه السلام الذي تلقى الأذى والحرق في النار لولا فضل الله , وأسكن شطراً من أهله [ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ] ( )، وإتصفوا بالصبر مع تجلي المعجزة , قال تعالى[وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا]( ).
السادس : أنبياء قاتلوا في سبيل الله وقاتل معهم أصحابهم.
والفرد الأخير هو مضمون آية البحث، ولكن خاتمتها جاءت مطلقة لتشمل جميع الأنبياء وأصحابهم وأنصارهم والتابعين لهم، وجميع المسلمين والمسلمات، وهو من بركات نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتوثيقها للوقائع والأحداث، وشهادة القرآن للأنبياء والمؤمنين، وإقامته البينة على الكفار الذين حاربوا الأنبياء وأصحابهم .
ومن أسرار هذا التعدد في منهاج الأنبياء صيرورة القتال في زمان بعضهم حاجة للدفاع وتثبيت سنن التقوى , لذا ورد في الآية التالية حكاية عن الربيين في دعائهم [وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا] ( )، وسيأتي الجزء التاسع عشر بعد المائة خاصاً بتفسير هذه الآية الكريمة إن شاء الله .
وقد أراد الله لهذه الآية أن تكون وثيقة سماوية , وشاهداً لتزكية منهاج الأنبياء وأصحابهم , وحكمة وموعظة تجذب الناس للإيمان ،وتدعو المسلمين لتعاهد سنن الصبر في أداء الفرائض والعبادات ،قال تعالى[الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ]( ).

حرر في 3/ 3/2015

قوله تعالى[وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ]الآية 146.

الإعراب واللغة
قرأ الحسن : كأين : مقصوراً بغير همزة ولا تشديد( ) في مواضع هذا اللفظ من القرآن وعددها سبعة .
وقرأ بعضهم : كأين : ممدوداً بغير نون .
وما مرسوم في المصاحف هو كأين : مشدوداً على وزن [كعَيّن ] وهي لغة قريش ، ومشهور القراء .
وقال جرير :
وكائنْ ترى في الحيّ من ذي صداقةٍ …
وغيرانَ يدعو ويله منْ حذاريا ( ).
ومنهم من قرأ [قُتل معه] ونسبت هذه القراءة إلى قتادة وابن كثير ونافع وأبي عمرو ويعقوب ( ), والصحيح هو المرسوم في المصاحف (قاتل ) لعطف (فما وهنوا ) عليه ، ولان الله آتاهم ثواب الدنيا كما في الآية التالية .
وقرئ: وقتّل بالتشديد، والفاعل ربيون، والضمير الهاء العائد للنبي (معه ربيون) حال بمعنى قتل كائناً معه ربيون.
وهذا المعنى بعيد، فلا تفيد الآية معنى قتل النبي، نعم هو لا يصل إلى النفي التام لقتل نبي في معركة،وأن ورد هذا النفي عن سعيد بن جبير , قال : ما سمعنا بنبي قتل في القتال( ).
الواو : عاطفة وإستئنافية فهي عاطفة بلحاظ إتصال لغة الخطاب مع الآيات السابقة الذي إبتدأ بقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا] ( )وإتحاد موضوع الآية وهداية المسلمين لسنن التقوى في الحرب والسلم ،وهي إستئنافية بلحاظ بيان موضوع آخر يخص أصحاب الأنبياء والكاف للتشبيه .
أي : اسم كناية عن عدد في محل رفع مبتدأ أي أن الكلمة مركبة من كاف التشبيه وأي للكناية الإجمالية عن عدد ،مع إرادة التكثير ، قال تعالى [وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ] ( ).
من نبي : جار ومجرور تمييز.
قاتل : فعل ماض .
معه : ظرف مكان منصوب متعلق بـ[قاتل ]والضمير الهاء مضاف إليه .
ربيون : فاعل مرفوع وعلامة رفعة الواو لأنه جمع مذكر سالم .
كثير : صفة لـ [ربيون] مرفوع بالضمة لإتباع الصفة للموصوف في الإعراب .
فما وهنوا : الفاء حرف عطف .
ما : نافية .
وهنوا : فعل ماض مبني على الضم .
وجاء [كثير ] بصيغة الإفراد وعلى وزن (فعيل) مع أنه صفة للجمع لإستواء الإفراد والجمع فيه .
والواو من وهنوا : فاعل .
لما أصابهم : اللام حرف جر ، ما اسم موصول مبني في محل جر متعلق بـ وهنوا .
أصاب : فعل ماض ، والفاعل ضمير مستتر تقدير [هو] يعود لحال القتل والجراحات التي تعرض له الأنبياء وأصحابهم ، وسيأتي مزيد بيان في التفسير بأن هذا الإفراد في أصاب وعدم مجئ الآية بلفظ الجمع مثل أصابتهم من الشواهد على التخفيف من عند الله على المؤمنين فكأن المتعدد والكثير من الأذى واحد بلحاظ الغاية السامية من الجهاد والقتال وهو [فِي سَبِيلِ اللَّهِ].
والضمير [هم] في أصابهم في محل نصب مفعول به ويحتمل وجوهاً في عائديته.
الأول : إرادة الأنبياء الذين قاتلوا.
الثاني : المقصود عموم أصحاب الأنبياء سواء الذين قاتلوا أو لم يقاتلوا.
الثالث : المراد الصحابة الذين قاتلوا مع الأنبياء السابقين .
الرابع : العنوان الجامع وإرادة الأنبياء السابقين وجميع أصحابهم بلحاظ كفاية التصديق بالنبي في تحقيق عنوان [ فما وهنوا في سبيل الله ]وإن لم يشهروا سيفاً ويرابطوا في الثغور .
الخامس : المقصود الأنبياء الذين قاتلوا في سبيل الله وخصوص أصحابهم الذين قاتلوا معهم “
عن ابن مسعود : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : عجب ربنا من رجلين : رجل ثار عن وطائه ولحافه من بين حبه وأهله إلى صلاته رغبة فيما عندي وشفقة مما عندي ، ورجل غزا في سبيل الله فانهزم أصحابه فعلم ما عليه في الإنهزام وما له في الرجوع , فرجع حتى أهريق دمه .
فيقول الله لملائكته : انظروا إلى عبدي رجع رغبة فيما عندي، وشفقة مما عندي حتى أهريق دمه( ).
السادس : الأنبياء الذين قاتلوا في سبيل الله وجميع أصحابهم لجهات :
الأولى : الحاق الصحابة بالنبي في الثناء عليهم .
الثانية : كفاية استدامة إتباع النبي في تحقيق عدم الوهن .
الثالثة :بركات النبوة .
والمختار هو الرابع وإرادة النبي والربيين الذين قاتلوا معه وعموم الصحابة وعوائلهم ، ليكون من بين الذين قاتلوا مع النبي والذين لم يهنوا ولم يضعفوا من أصحابه عموم وخصوص مطلق ، فيشمل الثناء في آية البحث عموم صحابة النبي مع التباين الرتبي فالذين قاتلوا منهم أعظم رتبة ودرجة وأجراً.
وتقدير الآية : وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهن أصحابه وعوائلهم لما أصابهم في سبيل الله )
والربيون هم الذين قاتلوا وأصيبوا بالجراحات وسقط عدد منهم قتلى ، ولكن عموم الصحابة في حرز من الوهن لأنهم يدركون لزوم قتال الكفار ودحر مفاهيم الشرك والضلالة .
في سبيل : جار ومجرور متعلق باصابهم .
الله : لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور .
وما ضعفوا : الواو حرف عطف .
ما : نافية .
ضعفوا : فعل ماض مبني على الضم .
وما استكانوا: مثل ما وهنوا .
والله يحب الصابرين : الواو إستئنافية .
ولفظ الجلالة مبتدأ مرفوع بالضمة .
يحب : فعل مضارع مرفوع ، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى الله عز وجل .
الصابرين : مفعول به منصوب وعلامة نصبة الياء لأنه جمع مذكر سالم .
والربيون جمع ربيّ منسوب إلى الرب كما تقول الربانيون ، وقيل هو منسوب إلى الربة بكسر الراء وهي الجماعة( ) ، والأول هو الصحيح .
والرِّبَّي هو المتأله المنقطع إلى العبادة وطاعة الله والرباني يجمع على الربانيين، قال تعالى [لَوْلاَ يَنْهَاهُمْ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمْ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمْ السُّحْتَ] ( ) .
[وقال الأخفش : الربيون الذين يعبدون الرب ، وطعن فيه ثعلب ، وقال : كان يجب أن يقال : ربي ليكون منسوباً إلى الرب] ( ) ولا أصل لهذا الطعن .
ولعل النسبة بين ربانيين وربيين هي العموم والخصوص المطلق , فكل ربي هو رباني وليس العكس .
والنسبة بين كأين و[كم] للإستفهام عموم وخصوص من وجه , فمادة الإلتقاء أمور :
الأول :الإيهام .
الثاني : كل منهما يؤتى به للدلالة على الأعداد ، لذا يبحث في قواعد اللغة في باب العدد .
الثالث : الحاجة إلى التمييز والبناء .
الرابع : لزوم التعدي .
الخامس : إفادة التكثير في الغالب .
أما مادة الإفتراق فأمور :
الأول : التركيب في [كأين ] أما [كم] فهو اسم لعدد مبهم سواء في العدد أو الجنس أو المقدار ، وهو بسيط ، وخالف الكسائي والفراء وقالا بأنه مركب من كاف التشبيه وما الإستفهامية أي [كما] وحذفت الألف وسكنت الميم لكثرة الإستعمال .
الثاني : مجئ التمييز مع [كأين ] مجروراً بالحرف [من ]كما في قوله تعالى [وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا] ( ).
الثالث : ليس من ملازمة بين [كأين ] والإستفهام لا تفيد الإستفهام في الغالب .
الرابع : لا تقع كأين مجرورة .
الخامس : لا يقع خبر [كأين ] مفرداً .
السادس : [كم ] على قسمين :
الأول : إستفهامية .
الثاني : الخبرية .
وكل منهما يفتقر إلى تمييز، وقد يفيد [كم] في اللفظ القرآني التداخل والجمع بين معنى الإستفهام والخبر في ذات لفظ [كم] إلا مع الدليل أو القرينة على إرادة أحدهما على نحو الخصوص ومن أمثله الجمع [وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا] ( ).
والإستكانة أظهر وأشد حالات الخضوع , ويقال إستكان وهو إفتعال من سكن ، جاء التشديد لإرادة بيان حقيقة وهي صيرورة الخضوع والذل عن إرادة وقصد ، وهو الذي تنزه عنه أصحاب الأنبياء في ملاقاة ومواجهة المشركين , وقد تفضل الله عز وجل على المسلمين وأثنى عليهم بقوله [وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ] ( ) لتكون استكانتهم لله عز وجل ، ومنها جهادهم وصبرهم في مرضاة الله .
إبتدأت الآية بصيغة الإستفهام التقريري [وَكَأَيِّنْ] وهو اسم مركب من كاف التشبيه و[أَيِّ] المنونة ، واصلها كأيٌ ، ولكن التنوين فيها يكتب نوناً ،وغالباً ما تدخل [من] بعده ، ويفيد التعدد والكثرة الإجمالية وإن لم يكن تعيين للإفراد إنما المراد كثرة الجنس ، قال تعالى [وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ] ( ).
وقال الزجاج : ها هنا قراءتان رُبِّيُّون بضم الراء ، ورِبِّيّون بكسرها ، فأما بالضم فهي الجماعة الكثيرة عشرة آلاف ، وأما الرِّبّيُّون بالكسر العلماء الأتقياء] ( ) ولا دليل على هذا التفصيل في المعنى .
وقال الضحاك : الربية الواحدة ألف، وقال الكلبي : الربية الواحدة عشر ألف] ( ) وجمع الربية ربيات لشائبة التأنيث فيها .
والمتبادر إلى الذهن من معنى لفظ (ربيون ) جمع المذكر السالم ، وإفادة الكثرة , وإرادة الأمة المجتمعة على أمر واحد بصبغة التقوى [وقيل: هم الأتباع والربانيون الولاة، والربيون الرعية] ( ).
ولا دليل على هذا التقسيم ،إذ جاءت الآية في باب القتال ويشترك فيه أتباع الأنبياء من الملوك والولاة وعموم الرعية.
ويمكن القول أن النسبة بين الربانيين والربيين هي العموم والخصوص المطلق، فالربانيون أعم، ومنهم الفقهاء والقراء والذين يحكمون بالتنزيل، والآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر حسب الإستطاعة والميسور والذين يختارون العكوف على النسك والعبادة.
ولقد ورد لفظ الربانيين في القرآن ثلاث مرات قال تعالى[وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ]( )، ويمتاز الربيون بخصال:
الأولى : الإتصاف بذات صفات الربانيين.
الثانية : مصاحبة نبي الزمان وإتباعه.
الثالثة : القتال مع النبي وبين يديه، وبعد مغادرته الحياة الدنيا.
وفي الربيون أقوال ووجوه منها : الربيون : جمع الربية وهي الفرقة، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والربيع( ).
وقال ابن زيد : هم الأتباع ، وقال الثعلبي [والعرب تنسب الشيء إلى الشيء فيغير حركته كما يقول بصريٌّ منسوب إلى بصرة،
فكذلك ربيّون منسوب إلى الربّ] ( ).
وصحيح أن القرآن نزل عربياً وبلغة العرب ، إلا أن نسبة الربيين إلى الله من عنده تعالى ليكون من دلالاتها أن الله عز وجل إجتنابهم لنفسه في النسبة ، وضمهم إلى روضة القدس وهم من مصاديق قوله تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ).
فلا يجرأ أحد أن ينسب نفسه وجماعة إلى الله عز وجل ونسب أصحاب وأتباع الأنبياء الذين قاتلوا في سبيله وإنقطعوا إلى الدعاء والمسكنه كما في الآية التالية بالربيين ، وأنعم عليهم بأن رزقهم الأجر في النشأتين كما في ورد في الآية بعد التالية [فَآتَاهُمْ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ] ( ).
سياق الآيات
صلة هذه الآية بالآيات المجاورة التي سبقتها، وفيه وجوه :
الأول : صلة هذه الآية بالآية السابقة [وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ…..] ( ) وفيها مسائل :
الأولى : تقدير الجمع بين الآيتين على وجوه :
الأول : كأين من نبي قاتل معه ربيون كثير وما كان لنفس أن تموت إلا باذن الله .
الثاني : فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله .
الثالث: وما إستكانوا وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله .
الرابع : وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله والله يحب الصابرين .
الخامس : وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير [كِتَابًا مُؤَجَّلاً] بلحاظ حصول التأجيل في المعركة الواحدة ، وتجدده في معارك لاحقة أي أن الله عز وجل يحفظ النبي وأصحابه ليستمروا بالقتال في سبيله ، ولا يخدش فيه سقوط الشهداء منهم .
ومن الإعجاز في النبوة أن عدد الأنصار والأتباع في إزدياد متصل مع وقوع القتل فيهم ، وتجلى في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذ خرج من مكة إلى المدينة طلباً للسلامة والنجاة من بطش كفار قريش ، وهاجر معه عشرات من أهل بيته وأصحابه تباعاً ليخرجوا إلى معركة بدر في شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة وعددهم ثلاثمائة وثلاثة عشر نذروا أنفسهم في سبيل الله وكان عدد المهاجرين منهم ثلاثة وثمانين ، وعدد الأنصار من الأوس والخزرج مائتين وثلاثين ، وبلغ عدد الخزرج نحو ثلاثة أضعاف الأوس .
وكان لواء الخزرج بيد الحبّاب بن المنذر , وبعدها بأقل من سنة خرج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وألف من أصحابه للدفاع عن أنفسهم وعن الإسلام لما بلغهم قدوم قريش وغطفان بثلاثة آلاف مقاتل إلى معركة أحد.
وإنخزل رأس النفاق عبد الله بن أبي سلول بثلاثمائة منهم ، فلم يبق مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا سبعمائة ولكن الله عز وجل معهم ونزل الملائكة مدداً والقرآن سلاحاً لقوله تعالى [كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ] ( )،وتتجلى معاني الدفاع في هذه المعركة في قوله تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ] ( ) أي أن هذه المواقع ليست للهجوم والغزو بل للدفاع , وهو من الإعجاز في الآية أعلاه بأخبارها عن خروج النبي من بيته ، إذ أنه خرج يوم الجمعة , ويهيئ الأفراد والجماعات وتقسيم الجيش إلى المقدمة والقلب والميمنة والميسرة والمؤخرة .
وإختيار الرماة وأميرهم وهو عبد الله بن جبير والتوصيات الخاصة من النبي للأمراء وحاملي الرايات وغيرهم في معركة أحد [ سمي أحد أحدا لتوحده من بين تلك الجبال] ( ) .
وكأن تسميته أمارة عن وقوع معركة عليه تنفرد بخصوصية من بين معارك المسلمين والتأريخ مطلقاً فقد كانت فيصلاً في رجحان كفة الإسلام وعجز الكفار عن القتال بعدها ، ومن الدلائل إنفراد أحد بذكره في الحديث النبوي بصيغة الحب المتبادل [عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أحد جبل يحبنا ونحبه ، فإذا جئتموه فكلوا من شجره ، ولو من عضاهه( )]( ).
وكان خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد صلاة الجمعة بعد الصلاة إذ دخل بيته ولبس لامة الحرب وخرج على أصحابه ، وأصبح بالشعب يوم السبت للنصف من شوال من السنة الثالثة للهجرة[فجعل يصف أصحابه للقتال كأنما يقوم بهم القدح إن رأى صدراً خارجاً قال : تأخر] ( ).
وقد يتبادر إلى الذهن أن معنى القدح هو الإناء الذي يشرب به الماء ، ولكنه السهم أثناء إعداده وصنعه [ قال ابن منظور في السهم : أَوّل ما يُقْطَع ويُقْضَبُ يسمى قِطْعاً والجمع القُطُوعُ ثم يُبْرَى فيُسَمَّى بَرِيّاً وذلك قبل أَن يُقَوَّمَ فإِذا قُوِّمَ وأَنَى له أَن يُراشَ ويُنْصَلَ فهو القِدْحُ فإِذا رِيشَ ورُكِّبَ نَصْلُه فيه صار نَصْلاً( ).
وفي المعنى[يقوّم بهم القِدح ]نكتة وهي كأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يساوي ذات القدح وعود السهم ويجعله مستقيماً بأن يأمر الذي يتقدم على الصف بالتأخر ، وهل كان بيد النبي صلى الله عليه وآله وسلم قدِح أم ورد من باب البيان والمجاز ، الجواب هو الأول فقد كان بيده قدِح كالعصا يضعه بمحاذاة الصدور ليستقيم الصف .
ومع إستشهاد سبعين من الصحابة يوم أحد ، فقد كان عدد المسلمين في معركة الأحزاب ثلاثة آلاف.
السادس : فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله كتاباً مؤجلاً .
السابع : وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها .
الثامن : وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها .
التاسع : فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها .
العاشر : فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها .
الحادي عشر : وما ضعفوا وما استكانوا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها .
الثاني عشر : وما ضعفوا وما استكانوا ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها .
الثالث عشر : وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله والله يحب الصابرين .
الرابع عشر : كتاباً مؤجلاً والله يحب الصابرين .
الخامس عشر : ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها والله يحب الصابرين .
ليفيد الجمع بين الآيتين الترغيب بثواب الآخرة ، فصحيح أن ثواب الدنيا قريب من المؤمنين وهو من الجزاء العاجل مثل الغنيمة والجاه ، ولكن إختتام آية البحث بحب الله للصابرين يجعل النفوس تميل إلى ثواب الآخرة.
السادس عشر : وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير وسنجزي الشاكرين .
السابع عشر : فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وسنجزي الشاكرين .
الثامن عشر : وما ضعفوا وما استكانوا وسنجزي الشاكرين .
التاسع عشر : والله يحب الصابرين وسنجزي الشاكرين .
المسألة الثانية : أخبرت الآية السابقة عن شرطية إذن الله عز وجل بطرو الموت على أي إنسان ليكون من دلالاتها لزوم إستحضار ذكر الله عند ذكر الموت أو حدوث مصيبة الموت لقريب أو بعيد .
ويحتمل هذا الإستحضار وجوهاً:
الأول : إنه من الإسترجاع في قوله تعالى[الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ* أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ]( ).
الثاني : إنه ليس من الإسترجاع لأن القدر المتيقن من الإسترجاع الذي تدل عليه الآية أعلاه هو[إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ].
الثالث : إنه مقدمة للإسترجاع ومناسبة للتذكير به وإمتلاء النفس بالسكينة ونيل ثواب الإسترجاع.
والصحيح أنه ذكر لله ومقدمة للإسترجاع، وأخبرت الآية السابقة عن الموت كونه (كِتَابًا مُؤَجَّلاً) فهل إستحضار المؤمن ذكر الله والإسترجاع عند العلم بموت إنسان ما سبب لتأجيل الموت عنه، الجواب نعم، قد يكون سبباً للتأجيل بلحاظ أن هذا التأجيل من مصاديق رحمة الله التي ذكرتها الآية أعلاه، وإن لم يكن سبباً لتأجيل الموت فانه عنوان الهداية والعصمة من الضلالة والجحود في ساعة المصيبة التي تتصف بجذبها حواس الإنسان.
المسألة الثالثة : أخبرت الآية السابقة عن الموت من جهات :
الأولى : تعلق الموت بالنفس مع شمول الموت للبدن والأعضاء وفيه وجوه :
الأول : ذكر الجزاء وإرادة الكل ، كما في قوله تعالى [فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ] ( )فالإتيان بلفظ الرقبة من المجاز المرسل ،والمراد العبد المؤمن ، ولكن موضوع المجاز القرآني لا ينحصر بالبلاغة ، ففيه نكات كلامية ومسائل عقائدية بخصوص الآية إعلاه :
الأولى : الرقبة أهم عضو ظاهر من الإنسان .
الثانية : تدور الحياة مدار الرقبة ، فان قطعت الرقبة مات الإنسان ،وقطع غير الرقبة قد يموت معه الإنسان أو يبقى حياً .
الثالثة : دعوة المسلم لسلامة وحفظ رقبته .
الرابعة : دعوة الناس للتكامل ببديع خلق الإنسان وموضع الرقبة من البدن فقد جعلها الله عز وجل قاعدة ومركباً للرأس ، وتتألف من سبع خرزات مجوفات مستديرات متداخلات وكأنها خرزة واحدة ، وأقام الله سبحانه الرقبة على الظهر والصدر في آن واحد لتكون عظام الرقبة حلقة وصل بين عظام الرأس وعظم الظهر .
كما يطلق لفظ الظهر عنواناً للمركوب [قال ابن منظور : الرِّكابُ التي تحمل الأَثقال في السفر لحملها إِياها على ظُهُورها]( )، واليد عنوان للإنفاق والقوة ، كما في قوله تعالى [وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأَيْدِ] ( )، لإرادة القوة والقدرة والصبر وتبليغ الرسالة وكثرة الجنود .
وقد ذكر القرآن آية خلق الإبل في قوله تعالى [ أَفَلاَ يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ] ( ).
ومن أسباب نزول الآية أعلاه تعجب وإنبهار الكفار من وصف الجنة ونعيمها في القرآن ، فتفضل الله عز وجل ببيان من حياة العرب اليومية وهي الإبل والجمال وكيفية خلقها ، فكذا في العنق فان الله عز وجل ذكر الرقبة لبيان موضوعيتها في سلامة الإنسان .
الخامسة : تذكير المسلمين والناس بأن إنتقال الإنسان من رق العبودية إلى الحرية يجعل ديته تتضاعف أضعافاً مضاعفة ، ويكون فيه قصاص لمن إعتدى عليه ولو سيده السابق ، فديه العبد قيمته ، نعم إذا بلغت قيمة العبد دية الحر وجبت ولكن مع إنقاص عشرة دراهم لبيان أن الرقيق أدنى مرتبة من الحر .
وجاءت آية البحث لتأكيد أن النفس محل الإدراك وتلقي الأوامر والنواهي ، وإختيار الأفعال ، قال تعالى [وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ] ( ).
الثاني : إرادة معنى ذات الإنسان من النفس ، وشمولها للروح والبدن .
الثالث : لما كان الموت أمراً وجودياً فانه يتعلق بالنفس لبيان أنها تبقى في الحياة ولكنها تنتقل من عالم إلى آخر .
الرابع : إرادة الموعظة بلفظ النفس في الآية ودعوة الناس للإحتراز ،وإصلاح النفس ذاتاً وجوارحاً قولاً وفعلاً .
الخامس : البشارة والإنذار ، ولزوم الإستعداد للعالم الآخر، وتقدير الآية :وما كان لنفس أن تنتقل للآخرة إلا بإذن الله ، وإن قيل كيف يكون الأمر وجودياً كما في قوله تعالى [خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ] ( )
بينما يصبح الإنسان بالموت جثة هامدة تبدأ بالتحلل والتلاشي فوردت هذه الآية لتخبر بأن الموت يقع على النفس فينقلها إلى عالم الآخرة .
السادس : جاءت الآية السابقة قانوناً كلياً في مواضيع وإحكام متعددة وهي :
الأول : طرو الموت على الإنسان .
الثاني : لا ينزل الموت بالإنسان إلا بأمر ومشيئة من عند الله لقوله تعالى [كِتَابًا مُؤَجَّلاً]، وهذا اللفظ القرآني يعجز العلماء عن بيانه وتفصيله ومتعلقه من جهات محتملة :
الأولى : تأجيل ذات الموت .
الثانية : تعيين موت الإنسان منذ ودلاته ، ولكن وقوعه لا يكون إلا في الأجل المحدد ، قال تعالى [فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ] ( ).
الثالثة : الموت أمر حتمي ،ولكنه لا يحدد أوانه ولا يأتي على الإنسان إلا أن يشاء الله .
الرابعة : المراد من الكتاب المؤجل ذات الموت فهو بالنسبة للحي من الناس لم يكتب ما دام حياً ، أو أنه يكتب أثناء مدة حياته ، كما لو تهيأت له الأسباب بالتوبة والإنابة وفعل ما يدفع عنه الأجل من الصدقة وصلة الرحم ونحوهما من أسباب الصلاح .
عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : إن أهل البيت إذا تواصلوا أجرى الله عليهم الرزق ، وكانوا في كنف الرحمن عز وجل] ( ).
الخامسة : تعلق التأجيل بالإذن الإلهي ، فلا يستطيع ملك الموت الدنو من الإنسان وقبض روحه ما دام الإذن الإلهي لم يأت له ، وفي الثناء على الملائكة ، قال تعالى [لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ] ( ) .
وفيه بلحاظ آية السياق أن ملك الموت لا يتأخر أو يبطأ في قبض روح الإنسان عند نزول الأمر الإلهي لخصوص المؤمن والعبد الصالح ، ولا يقوم بتقديم الأجل بالنسبة للكافر أيضاً ، فليس هو أعدل أو أشفق أو أعلم بالمصلحة من الله عز وجل ، وهو من مصاديق خلافة الإنسان ورد الله عز وجل على الملائكة حينما إحتجوا على جعل خليفة في الأرض , فقال سبحانه [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ] ( ).
ليكون من علة الموت وتأجيله بكتاب وأوان مخصوص يتعلق بذات الإنسان وفعله من علم الله عز وجل وأسباب إستئصال الفساد والمنع من تفشي القتل بين الناس .
الثالث : بيان قانون وهو ان الإنسان طال عمره أو قصر فان الموت يأتيه , وفي حديث الإمام علي عليه السلام قال :
اشْدُدْ حَيازيمكَ للمَوْتِ فإن المَوْتَ لاقِيكا
ولا تجزع من الموت إذا حل بناديكا]( ).
(قوله « اشدد حيازيمك إلخ هذا بيت من الهزج مخزوم كما استشهد به العروضيون على ذلك) ( ) .
وحيازيم جمع الحيازم وهو الصدور ، وقبل أوسطه وما يضم عليه الحزام ، لإرادة الاستعداد للموت والتهيأ لعالم ما بعده وعدم الفزع والخوف منه لأمور :
الأول : الموت أمر حتم ، وحال واقع بالإنسان على نحو القطع ، فمع تباين الناس في المشارب والشأن والمال والجاه والنسب والعمر فانهم جميعاً يلتقون بالموت .
الثاني : من ضروب الإستعداد للموت العمل الصالح وبذل الوسع في طاعة الله ، والحرص على إداء الصلاة في أوقاتها وصيام شهر رمضان وأداء العبادات الأخرى .
الثالث : إذا جاء الموت فلا يقدر الإنسان على دفعه لأنه بأمر من عند الله ، ولا ينفع الإنسان الجزع والفزع وقد يجعلانه ينسى التوبة والإنابة ، قال تعالى [يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً] ( ).
فمن وجوه الإطمئنان في الآية أعلاه تلقي أمارات الموت وشواهد الإحتضار بالرضا والتسليم ، ترى ما هي الصلة بين العاجل والآجل وموضوع الموت اللذين ذكرتهما الآية السابقة ، الجواب من وجوه :
الأول : بيان أن الموت فيصل وفاصل بين ثواب الدنيا وثواب الآخرة ، وهذا الفصل من جهة إنقطاع ثواب الدنيا بالموت ، وإبتداء ثواب الآخرة به .
الثاني : سواء تمنى وأراد الإنسان ثواب الدنيا أو ثواب الآخرة فان الموت يأتيه ويقهره وينقله بطرفة عين إلى عالم الآخرة.
الثالث : التذكير بالموت وحلول الأجل باعث لإرادة ثواب الآخرة والتنزه عن اللهث وراء زينة الدنيا .
الرابع : تأخر ذكر ثواب الآخرة عن ذكر ثواب الدنيا كي ينفر الإنسان من النفع الدنيوي العاجل ويشتاق لثواب الدار الآخرة ويعمل له [عن أبي سعيد الخدري ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ألا أخبركم بأشقى الأشقياء ؟ قالوا : بلى يا رسول الله . قال : من اجتمع عليه فقر الدنيا وعذاب الآخرة] ( ) .
لتطرد آية البحث العذاب عن المؤمن في الآخرة ، وحتى لو كان فقيراً في الدنيا فان الغنى يترشح عليه من اليقين والقناعة والرضا بفضل الله بالهداية إلى كنز الإيمان .
المسألة الرابعة : لقد ذكرت آية السياق الموت وثواب الدنيا وثواب الآخرة ولم تذكر آية البحث أحدهما مع أنها جاءت متعقبة لها وحيث أن ترتيب سور وآيات القرآن توقيفي فلابد من صلة بيت الآيتين لأمارة حرف العطف [الواو] :
الأول : التشابه في موضوع الآيتين.
الثاني : إتحاد الحكم في الآيتين .
الثالث : التشابه والإتحاد في الموضوع والحكم .
ولا تعارض بين هذه الوجوه فهي مستقرأة من التداخل في موضوع الآيتين ، فأخبرت آية البحث عن قتال الأنبياء وأصحابهم في سبيل الله ليكون من معانيه بلحاظ الآية السابقة وجوه :
الأول : تدل مواصلة القتال على عدم طلب ثواب الدنيا والتنزه عن الإنشغال بملذاتها أو إختيار حال الدعة ورغد العيش.
الثاني : إدراك الأنبياء وأتباعهم للتباين بين إرادة ثواب الدنيا، والسعي لثواب الآخرة خاصة وأن الآية السابقة لم تقيد التخيير بين ثواب الدنيا والآخرة لخصوص المسلمين إنما وردت قانوناً عاما ومطلقاً ، وهو لا يتعارض مع طلب ما فيه عز الإيمان فلذا أختتمت آية البحث بالدعاء [وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ]( ) ليكون هذا الدعاء ومصداق الإمتثال له من ثواب الآخرة .
الثالث : يدل قوله تعالى :(لما اصابهم في سبيل الله )على أن الأنبياء وأصحابهم تحملوا الأذى من الكفار , وأنهم لم يختاروا ثواب وزينة الدنيا من جهات :
الأولى : خروج الأنبياء وأصحابهم إلى ميادين القتال .
الثانية : خوض المعارك ببسالة وشجاعة .
الثالثة : تعاهد مرتبة الثبات والعزيمة وعدم الوهن أو الضعف عند الإنكسار أو خسارة جولة في المعركة لذا تفضل الله وخاطب المسلمين بقوله تعالى [وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ] ( ).
الرابع : بيان التخفيف من عند الله على المسلمين ببركة نبوة محمد صلى الله عليه آله وسلم , فالمسلمون من الأمم السابقة لم يهنوا مع تلقيهم الضرر وأسباب الأذى من الكفار في ميادين القتال وفي حال السلم لقوله تعالى [فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ] ( ) .
أما المسلمون فقد أكرمهم الله عز وجل وأخبرهم بلزوم عدم الوهن بعد أن ضمن لهم مرتبة العلو والرفعة ، وهو من أسباب نصرهم على عدوهم .
الخامس : لقد قيدت آية السياق موت أي إنسان بأنه بإذن الله وبما يفيد الحصر والقطع ، وفيه شاهد بأن الملائكة لا يقبضون نفس إنسان إلا بإذن الله ، وهو من مصاديق ورشحات قوله تعالى [وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا] ( ).
بتقريب أن الله عز وجل أكرم آدم بسجود الملائكة له ، فتفضل ولم يجعل موت الإنسان بيد الملائكة أو أي من الخلائق ، وفي حصر موت الإنسان بإذن الله وجوه :
الأول : إنه رحمة غير مزجاة .
الثاني : في تعيين وحلول أوان موت الإنسان غلق للتوبة وإنقطاع لعالم العمل ، ولا يعلم المصلحة أو المفسدة الذاتية والغيرية بعمل العبد لو بقي حياً إلا الله عز وجل , فلا يستطيع الإنسان أن يحتج بأن امد الله في عمره لتاب وعمل صالحاً بل يأتي الموت للإنسان بحفظ حسناته والمنع من آثام مستحدثة , وهو من الإعجاز في التقييد في الآية السابقة [بإذن الله ] ليكون من معاني إذن الله في الآية وجوه :
أولاً : أمر الله عز وجل للملك بتأجيل قبض روح العبد .
ثانياً: إذن الله لملك الموت بقبض الروح .
ثالثاً : إذن الله باستدامة حياة الإنسان إلى حين موته فكل لحظة ودقيقة يقضيها الإنسان حياً على الأرض هو بإذن الله ، وهو الذي يتكفل رزقه وسلامته فيها .
ويكون من وجوه تقدير الآية السابقة : وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله في إستدامته حياً قبل الموت كتاباً مؤجلاً .
رابعاً : إذن الله باستحضار العبد للموت وإدراكه لقرب مغادرته الدنيا من دون عودة أو رجوع إليها .
خامساً : الإذن الإلهي بصيرورة ذرية للعبد الذي تتوفاه الملائكة والإذن بهدايتهم وإصلاحهم للإستغفار له ، وهل يشترط أن تكون هذه الذرية من صلبه مباشرة أم يجوز أن تكون من الأحفاد وأحفاد الأبناء .
الجواب هو الثاني ، وهو من أسرار بشارة الأنبياء السابقين بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لدخول الذراري والأحفاد في الإسلام ، ومجئ الثواب وشآبيب الرحمة لأبنائهم وهم في قبورهم بإذن الله .
سادساً : إذن الله بخصوص كيفية الموت أو القتل ، وفيه بعث للسكينة في نفوس المؤمنين الذين يجاهدون في سبيل الله , وفي التنزيل [قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا] ( ).
الثالث : إذن الله في موت أي إنسان من مصاديق الربوبية المطلقة لله عز وجل في الخلائق .
الرابع : لما كانت عله خلق الإنسان هي العبادة بقوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( ).
وكان إذن الله في موت أي إنسان أمراً خاصاً لموضوع عام وهو إستدامة العبادة ، فمنهم من يطيل الله في عمره لإقامة شعائر الله ومنهم من ينخرم عمره بإذن الله لمنفعته أو التخفيف عنه أو لصلاح الناس وأداء الفرائض .
لذا ورد في قوله تعالى [أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا] ( ) [قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله { ننقصها من أطرافها } قال : ذهاب العلماء] ( ).
الخامس :بيان حقيقة وهي أن موت أو قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا يكون إلا بإذن الله وفيه بعث لليأس في نفوس الكفار ، وإغاظة للمنافقين ،لأن المستقرأ من الآية هو بقاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حياً وإماماً إلى حين إتمام النبوة وتبليغ الرسالة .
ومن الشواهد على تفضيله على الأنبياء السابقين الوعد الكريم له وللمسلمين والناس جميعاً في قوله تعالى [ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ]وقوله تعالى[ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ] ( ) أي لا يموت أو يقتل إلا بعد أن يقيم حكم الله ويتعاهد سلامة القرآن من التحريف وسوء التأويل ومن الفتنة والإفتتان .
المسألة الخامسة : لما ذكرت الآية السابقة ثواب الدنيا وثواب الآخرة على نحو التعدد والتباين ، جاءت هذه الآية لترغيب المسلمين بثواب الآخرة , وهو من إعجاز القرآن بأن تأتي آية بوجهين أو أكثر بينهما من الخيارات والرغائب ثم تتعقبها آية تبين الوجه الذي على المسلمين إختياره والسعي في سبيله وهو من مصاديق قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( ) من وجوه :
الوجه الأول : إستجابة الله عز وجل للمسلمين بالهداية والرشاد .
الوجه الثاني : ذكرت الآية السابقة وجهين من الجزاء بقوله تعالى [وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا] ( ) فجاءت هذه الآية دعوة للمسلمين لإرادة ثواب الآخرة ، وهذه الدعوة من جهات:
الأولى : ذكر الأنبياء بالإخبار عن نهج عدد ليس بالقليل منهم ليكون تقدير الآية : إهدنا لما أراده الأنبياء والربانيون الذين قاتلوا معهم .
الثانية : يدل ثناء الله عز وجل على الأنبياء وأصحابهم على سلامة نهجهم في القتال تعظيماً لشعائر الله .
الثالثة : نعت الذين قاتلوا مع الأنبياء بأنهم ربيّون ، وفيه تزكية لعملهم ، وحث للمسلمين لإتباعهم في نهجهم ، والحصانة من الشك والريب في باب الجهاد .
الرابعة : تلمس الهداية ببيان آية البحث ماهية الجهاد ، وغاياته وأنه في سبيل الله ، وفيه زجر للمسلمين عن القتال حمية أو عصبية أو لأغراض الدنيا والمنافع الخاصة .
ومن الإعجاز أن القتال إذا كان لغاية غير وجه الله وطلب مرضاته يؤدي إلى الملل والسأم والتراخي والوهن والحزن ودبيب الإشاعات التي تبعث على الفزع والخوف لذا فمن رشحات قوله تعالى [فِي سَبِيلِ اللَّهِ] إنتفاء الضعف والوهن عند المجاهدين في زمن نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما تبعها وما بعدها ، ويكون تقديرها ما ورد قبل ثلاث آيات [وَلَقَدْ كُنْتُمْ َتَمَنَّوْن الْمَوْتَ في سبيل الله] .
ويفيد هذا التقييد المدح والمندوحة في تمني الموت مع ورود النهي عنه إذا كان المراد ذات الموت والخروج من الدنيا فقط ، بينما يتضمن قوله تعالى [وَلَقَدْ كُنْتُمْ َتَمَنَّوْن الْمَوْتَ] ( ) حب الحياة وعدم كرهها ولكنها حياة الإيمان والتقوى والعز والإباء الحياة التي ليس فيها موانع تحول دون أداء الواجبات العبادية [عن عمار بن ياسر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعو بهؤلاء الدعوات : اللهم بعلمك الغيب ، وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيراً لي ، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي ،
اللهم أسألك خشيتك في الغيب والشهادة ، وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا ، وأسألك القصد في الفقر والغنى ، وأسألك نعيماً لا يبيد وقرة عين لا تنقطع ، وأسألك الرضا بعد القضاء ، وأسألك برد العيش بعد الموت .
وأسألك لذة النظر إلى وجهك ، والشوق إلى لقائك ، في غير ضراء مضرة ، ولا فتنة مضلة . اللهم زينا بزينة الإِيمان ، واجعلنا هداة مهتدين] ( ).
الخامسة : إتباع ونصرة الأنبياء من الصراط المستقيم لذا ورد في سورة الفاتحة [صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ] ( ) أي النهج والصراط الذي كان عليه الأنبياء السابقون وأصحابهم في مرضاة الله عز وجل .
السادسة : جاءت آية البحث صريحة بتجلي معنى الجهاد في إتباع وصحبة الأنبياء ، فلم تقل الآية ( وكأين من نبي صاحبه أو نصره ربيون كثير ) وذكرت الآية القتال مع النبي ويتجلى الإيمان فيها من وجوه :
الأول : التصديق بالنبي ورسالته علة للقتال مع النبي , وهل يترشح وجوب الإيمان عن القتال المقدمة عن ذيها ، الجواب لا ، فالإيمان أمر وموضوع قائم بذاته، ويكون جزء من موضوع وسنخية القتال ، فلذا قيدته الآية بأنه [في سبيل الله].
الثاني : نعت المقاتلين مع النبي بأنهم [ربيون ] وهو من أسمى مراتب الإيمان لدلالته على العلم والفقاهة .
الثالث : الجمع بين أسمى مراتب الإيمان ، وأعلى درجات الجهاد [وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ] ( ).
وهل يحق للمسلمين أن يفتخروا ويشكروا الله عز وجل على نيلهم ذات مرتبة أصحاب الأنبياء , الجواب نعم ، وهو من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
الرابع : تعاهد سنن الصبر ، والتقيد بالأخلاق الحميدة التي تترشح عن الإيمان والتقوى ، وتصاحبهم هذه الأخلاق في ميادين القتال ، لذا كان قتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه مدرسة في الأخلاق السامية ، ونقضاً لما تتصف به معارك والغزو التي كانت تقع بين القبائل في الجزيرة من النهب والسلب والمباغتة بالإغارة والظلم والبغي والإجتهاد في طلب الثأر ولو بعد حين وحرق الخيام وتهديم العمران وهتك الحرمات والتفاخر به .
وخطف الأطفال وبيعهم بسوق النخاسة وترشح عنه وأد البنات ، ليأتي الإسلام بحرمته وقطع أسبابه ومقدماته ، قال تعالى [وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ] ( ).
فمن الإعجاز في الشريعة الإسلامية مجئ التحريم مع إعانة المسلمين والناس على الترك ، ويأتي الأمر من الله بفعل شئ مع المدد والعون على إتيانه ، والتخفيف عن المسلمين في الإمتثال .
وتغير موضوع الحرب في الإسلام وأخذ صبغة الجهاد والدفاع ، وبخصوص غزوة مؤته [ورد عن زيد بن أرقم قال : أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قَالَ: “أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللّهِ وَبِمَنْ مَعَكُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا” أَوْ قَالَ: “اُغْزُوا بِسْمِ اللّهِ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَقَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاَللّهِ لَا تَغْدِرُوا وَلَا تَغْلُوا وَلَا تَقْتُلُوا وَلَيَدًا،
وَإِذَا لَقِيت عَدُوّك مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إلَى إحْدَى ثَلَاثٍ فَأَيّتُهُنّ مَا أَجَابُوك إلَيْهَا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَاكْفُفْ عَنْهُمْ اُدْعُهُمْ إلَى الدّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ فَإِنْ فَعَلُوا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَاكْفُفْ عَنْهُمْ ثُمّ اُدْعُهُمْ إلَى التّحَوّلِ مِنْ دَارِهِمْ إلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ .
فَإِنْ فَعَلُوا فَأَخْبِرْهُمْ أَنّ لَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ وَإِنْ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ وَاخْتَارُوا دَارَهُمْ فَأَخْبِرْهُمْ أَنّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللّهِ وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْفَيْءِ وَلَا فِي الْقِسْمَةِ شَيْءٌ إلّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ أَبَوْا فَادْعُهُمْ إلَى إعْطَاءِ الْجِزْيَةِ .
فَإِنْ فَعَلُوا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَاكْفُفْ عَنْهُمْ فَإِنْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاَللّهِ وَقَاتِلْهُمْ وَإِنْ أَنْتَ حَاصَرْت أَهْلَ حِصْنٍ أَوْ مَدِينَةٍ فَأَرَادُوك أَنْ تَسْتَنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللّهِ فَلَا تَسْتَنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللّهِ وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِك، فَإِنّك لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللّهِ فِيهِمْ أَمْ لَا. وَإِنْ حَاصَرَتْ أَهْلَ حِصْنٍ أَوْ مَدِينَةٍ فَأَرَادُوك عَلَى أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمّةَ اللّهِ وَذِمّةَ رَسُولِهِ] ( ).
السابعة : من أسباب الهداية في آية البحث دعوة المسلمين لتلبية نداء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالدفاع وهو من مصاديق قوله تعالى [وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ] ( )ومن وجوه الرحمة في طاعة المسلمين لله ورسوله في ميادين القتال أمور:
الأول : الزحف إلى القتال أشد الأحوال على الإنسان , وإتباع وطاعة الرسول فيه شاهد على صدق الإيمان .
الثاني : تنمية ملكة طاعة المسلمين الأوامر والنواهي التي وردت في القرآن والسنة ، وهل يختص هذا الأمر بالذكور بلحاظ أن القتال موضوع عن النساء ،
الجواب لا ، لمشاركة المسلمات المسلمين في الندب للقتال وتلقي الأذى والضرر في سبيل الله فلذا جاءت خاتمة الآية بصيغة العموم [وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ] .
وتقديرها: والله يحب الصابرين والصابرات .
الثالث : من وجوه الرحمة بالقتال التخفيف عن المؤمنين بدفع الكفار ومنعهم من التعدي على ثغور المسلمين .
الرابع : تجلي المعجزات الدفاعية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومنها نزول الملائكة مدداً وعوناً لنصرته والمؤمنين ، وفي معركة بدر ورد قوله تعالى [فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِين] ( ) في مواجهة الكفار فلابد أن يخرج معه المؤمنون للقتال .
لذا لما طلب النبي المشورة في الخروج لقتال كفار قريش في معركة بدر [قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله امض لما أراك الله، فنحن معك، والله لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فو الذى بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد( ) لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا له] ( ).
الثامنة : نيل المسلمين مرتبة (الربيون ) عند القتال مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في سبيل الله ، ويدل عليه تغشي هذه الصفة لكل الذين قاتلوا مع الأنبياء الذين التقوا مع الكفار في ميادين القتال ، ويكون وفق القياس الإقتراني :
الكبرى : الذين يقاتلون مع الأنبياء ربيّون .
الصغرى : المسلمون قاتلوا مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
النتيجة : المسلمون ربيون .
التاسعة : البشارة للمسلمين بالكثرة وزيادة العدد ، فصحيح أن الكثرة في قوله تعالى [رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ] سور جامع للذين قاتلوا مع الأنبياء المتعاقبين إلا أنها بشارة لزيادة المسلمين المجاهدين وصيرورتهم الأكثر ، ومن الإعجاز تجلي هذه الحقيقة على نحو دفعي وتدريجي في أيام النبوة ومعارك الإسلام الأولى .
فكما نزل القرآن نجوماً ومتفرقاً مع تعاقب الليل والنهار وسني النبوة الشريفة فكذا حال المؤمنين في كثرتهم فأخذوا يزدادون مع كل نزول آية قرآنية ومع كل معركة من معارك الإسلام الأولى ، خاصة وأنهم لم يخسروا واحدة منها ، بما فيها معركة أحد ، فقد عاد فيها الكفار منكسرين أذلاء بعد قطع وهلاك طائفة منهم بقوله تعالى [فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ].
بينما رجع المسلمون من غير كلل أو ملل، وهو الذي تشير اليه آية البحث بقوله تعالى [فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ] ( )فصحيح أن الآية وردت بخصوص أصحاب الأنبياء ممن قاتل وجاهد معهم ولكنها تشمل المسلمين لوحدة الموضوع في تنقيح المناط .
العاشرة : من الهداية إلى الصراط المستقيم إرادة المسلمين والمسلمات لثواب الآخرة والسعي لحسن العاقبة لتكون هذه الإرادة بلغة للإخلاص في العبادة ، والسعي للبذل والتضحية في سبيل الله وورد في دعاء إبراهيم في التنزيل [وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ] ( ).
ومن الإعجاز في السنة النبوية مجئ الأدعية بمناجاة وتضرع الأنبياء [وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا توضأ العبد لصلاة مكتوبة فاسبغ الوضوء ثم خرج من باب داره يريد المسجد ، فقال حين يخرج : بسم الله الذي خلقني فهو يهدين . هداه الله للصواب والذي هو يطعمني ويسقين . أطعمه الله من طعام الجنة ، وسقاه من شراب الجنة ،
وإذا مرضت فهو يشفين . شفاه الله وجعل مرضه كفارة لذنوبه ، والذي يميتني ثم يحيين . أحياه الله حياة السعداء ، وأماته ميتة الشهداء ،
والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين . غفر الله خطاياه كلها وإن كانت أكثر من زبد البحر ، رب هب لي حكماً وألحقني بالصالحين . وهب الله له حكماً وألحقه بصالح من مضى وصالح من بقي ،
واجعل لي لسان صدق في الآخرين . كتب في ورقة بيضاء أن فلان بن فلان من الصادقين ، ثم وفقه الله بعد ذلك للصدق ، واجعلني من ورثة جنة النعيم . جعل الله له القصور والمنازل في الجنة] ( ) .
وبلحاظ علم الأصول هل يدل هذا الحديث على أن الوضوء واجب نفسي لما فيه من الثواب العظيم الجواب لا ،فالقدر المتيقن منه إستحباب الوضوء وهو نوع طريق ومقدمة للصلاة بقرينة ذكر المسجد في الحديث .
الحادية عشرة : من الصراط المستقيم في المقام الإيمان بأن الثواب من عند الله سواء الثواب الذي في الدنيا أو في الآخرة .
لأن هذا الإيمان نوع قصد وإختيار وعمل ولأن الآية السابقة معطوفة على الآيات السابقة وقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً] ( )فيكون تقديرها : يا أيها الذين آمنوا من يرد ثواب الآخرة منكم نؤته منها.
وليس من حصر للطرق والسبل التي يفوز بها الإنسان بثواب الآخرة الذي يتجلى بالأمن والسلامة في القبر ويوم النشور وعدم الخوف أو الفزع في مواطن يوم القيامة .
الثانية عشرة : إرادة الهداية والرشاد والتوفيق لعبور الصراط المستقيم في الآخرة ، وفي المرسل [عن الحسن قال : بلغني أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : « يحبس أهل الجنة بعد ما يجوزون الصراط حتى يؤخذ لبعضهم من بعض ظلاماتهم في الدنيا ، فيدخلون الجنة وليس في قلوب بعضهم على بعض غل] ( ) .
وهل في لفظ [يحبس] في الحديث أعلاه دعوة لهم للتعجيل بالعفو والمغفرة فيما بينهم بغية دخول الجنة شوقاً لها وعدم الإنتظار على بابها ، الجواب نعم ، إذا ورد دليل من الكتاب أو السنة يدل عليه لأن ظاهر الحديث هو أن الله عز وجل هو الذي يأخذ لهم الحق ولكن بصيغ اللطف والرحمة ، قال تعالى [وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ] ( ) .
وتحتمل مرتبة [ الربيون ] التي فاز بها المجاهدون من أصحاب الأنبياء وجوهاً :
الأول : إنها سبب لنفي الغل بينهم .
الثاني : سلامة أصحاب الأنبياء مطلقاً من الغل والحقد والكراهية .
الثالث : لا ملازمة بين مرتبة [ الربيون ] وبين إنتفاء الغل والتباغض والحسد .
الرابع : التفصيل فليس في صدورهم غل وبغض على إخوانهم الربيين خاصة .
الخامس : نعم يكون في صدورهم حقد وتباغض ، ولكنهم يتنزهون عنه وهم في الدنيا .
والصحيح هو الملازمة بين مرتبة الربيين والسلامة من الغل والحقد على المؤمنين ويكون الوجه الخامس أعلاه في طوله ، ووردت الآية أعلاه بخصوص أهل الجنة .
الثالثة عشرة : من الهداية إلى الصراط المستقيم تلاوة آية البحث ،وهل تدل التلاوة بالدلالة التضمنية أو الإلتزامية على الثناء على أصحاب الأنبياء الذين قاتلوا معهم سواء داخل المدن والقرى ، أم خرجوا معهم للغزو أو إختاروا المرابطة بأمر وإذن من نبي زمانهم .
الجواب نعم ، وهو من الهداية إلى الصراط المستقيم وأسرار ومنافع تلاوة المسلمين للقرآن فانقضى زمان هؤلاء الأنبياء الذين قاتلوا , ومنهم من لم يرد له ذكر بالاسم في القرآن أو السنة ، ومع هذا فان الثناء عليهم جميعاً متجدد في الأرض إلى يوم القيامة .
الوجه الثالث : يدل قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( ) في مفهومه على حرص المسلمين والمسلمات مجتمعين ومتفرقين على إجتناب طرق الضلالة والغواية
[عن جابر بن عبد الله قال : كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فخط خطاً هكذا أمامه فقال : هذا سبيل الله ، وخطين عن يمينه وخطين عن شماله وقال : هذا سبيل الشيطان . ثم وضع يده في الخط الأوسط وتلا { وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه . . . }]( )
ويبين الحديث أعلاه أن الصراط المستقيم متحد ، أما طرق الشيطان فهي أربعة تحيط به من الجوانب مما يدل على كثرة الإبتلاء والإفتتان في الدنيا وحضور الإغواء عند الإنسان ، ولكن أسباب الهداية جلية واضحة تتصف بالإستقامة ودلالة الكتاب والسنة عليها .
ومنها آية البحث التي تنمي ملكة التقوى عند المسلمين ، وهل يختص موضوعها بحال الحرب والقتال ، الجواب لا ، إذ تدعو الآية المسلمين إلى عدم الوهن في العبادات والتنزه عن الضعف والكسل في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسعي لإصلاح الذات والغير ، فما يتقوم بالسيف في حال الحرب ، يتقوم بالحكمة والبرهان في حال السلم [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ] ( ).
الرابع : ذكرت الآية السابقة الرسل الذين سبقوا بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على نحو العموم والإجمال ، وجاءت هذه الآية بأمور بخصوص الأنبياء والرسل :
الأول : ذكر شطر وطائفة من الأنبياء وهم الذين قاتل معهم أصحابهم من المؤمنين ويحتمل حال الشطر الثاني من الأنبياء وجوهاً :
الأول : أنبياء ورسل قاتلوا بأنفسهم وأهليهم .
الثاني : قاتلوا بأنفسهم على نحو الإنفراد .
الثالث :لم يقاتل الشطر الثاني من الأنبياء ، فلا ملازمة بين النبوة والقتال .
الرابع : قاتل الأنبياء الباقون مع صحابة على درجة أدنى من مرتبة [الربيون ].
الخامس : قاتل الأنبياء الآخرون ومعهم ربيون من أصحابهم ولكن عددهم قليل .
السادس : أصاب صحابة الأنبياء الآخرين الضعف والإستكانة والذل ، بخلاف الذين ذكروا في هذه الآية فانه لم يصبهم الضعف والذل والهوان .
السابع : تعدد أحوال الأنبياء وأصحابهم ، وعدم حصرهم بحال مخصوصة .
ولا تعارض بين هذه الوجوه وكلها من مفاهيم الآية الكريمة إلا بخصوص الوجه السادس أعلاه فلا دليل على إصابة أصحاب الأنبياء الذين لم يذكروا في آية البحث بالضعف والذل ، والأصل في المقام هو إستصحاب ذات خصال الحسن عند أصحاب الأنبياء الذين ذكرتهم الآية على عموم أصحاب الأنبياء الذين قاتلوا في سبيل وأن الآية من ذكر المثال والبيان .
ووردت الآية السابقة بصيغة التفصيل والتخيير في الثواب بين الدنيا والآخرة مع فضل الله عز وجل في رزق العباد منهما بقوله تعالى [وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ] وجاءت هذه الآية لبيان حال القدوة من المؤمنين من أصحاب الأنبياء إذ أنهم إختاروا ثواب الآخرة وجنة النعيم وفيه إرشاد وتعليم للمسلمين ،
فتأتي آية لبيان سعة فضل الله والتخيير بين زينة الدنيا الفانية ونعيم الدار الباقية ، لتجئ بعدها آية تهدي إلى إختيار اللبث في النعيم .
الصلة بين خاتمتي الآيتين
وفيها مسائل :
الأولى : بيان السعة والتعدد في وجوه رحمة الله عز وجل ، بكثرة الجزاء المقرون بالحب واللطف الذي يترشح عنه العفو والمغفرة .
الثانية : من إعجاز القرآن إختتام أكثر آياته بقانون وهو رحمة للمؤمنين والناس جميعاً ، كما في خاتمة آية السياق البحث مع إتصالها والتداخل الموضوعي بينهما ، وهو من اللطف الإلهي بتقريب الناس إلى منازل الإيمان وسبل الطاعة .
الثالثة : بين الجزاء المذكور في آية السياق [وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ] وبين الحب من عند الله في قوله تعالى [وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ] نسبة العموم والخصوص من وجه ، وبينهما مادة للإلتقاء وأخرى للإفتراق ، فمادة الإلتقاء من وجوه :
الأول : كل من الجزاء والحب في الآيتين من فضل الله وعظيم نعمته.
الثاني : الجزاء والحب من الله في الدنيا والآخرة ، وعدم تقييده أو حصرة بزمان دون آخر .
الثالث : يعطي الله عز وجل المؤمنين على نحو القضية الشخصية والعموم الإستغراقي والعموم المجموعي فكل مؤمن شاكر يجزيه الله بنعم ذاتية في البدن والعافية والرزق الكريم والعيال ، وكما يرزق الله الشاكرين كأفراد متحدين ، ويؤتيهم نعم عامة تتغشاهم كأمة واحدة بأجيالهم المتعاقبة .
الرابع : لا يقدر على مراتب الجزاء والحب من عند الله عز وجل إلا هو سبحانه , أما مادة الإفتراق فمن وجوه :
الأول : يتجلى الجزاء بالمحسوس والمعقول ، والحب من عند الله رأفة خاصة ، ولطف زائد ورحمة واسعة ، ومغفرة متجددة ، وليس هو كيفية نفسانية , لتنزه الخالق سبحانه عنها وعن أسباب التقييد .
الثاني : يتجلى الشكر باللسان واليد ، أما الصبر فأعم إذ تشترك الحواس وأعضاء البدن كلها بالصبر .
الثالث : دلالة جزاء الشاكرين على حب الله عز وجل لهم ، ورضاه عنهم ، ويحتمل حهات :
الأولى : كل شاكر هو صابر .
الثانية : الشكر من رشحات الصبر .
الثالثة: المطابقة والتشابه بين الشاكر والصابر .
الرابعة : الصبر مقدمة للشكر .
الخامسة : الشكر مقدمة للصبر وطريق إليه .
ولا تعارض بين هذه الجهات وكلها من فضل الله وأسباب الهداية والرشاد وتثبيت للمسلمين في منازل الإيمان ، وفوزهم بمراتب التقوى ودعوة لإكتسابهم المعارف الإلهية وهو من مصاديق قوله تعالى [ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ] ( ).
المسألة الخامسة :تدعو آية السياق المسلمين إلى الإقتداء بأصحاب الأنبياء السابقين بعدم الوهن والضعف ، لقد شاء الله أن يحمل المسلمون لواء التوحيد وحتى يوم القيامة ، ويتصدوا لأهل الجحود والكفر بالسيف مما يلزم الثبات في منازل القتال ليكونوا بعده في أمن ورغد عيش ، وهو الذي تجلى مع تعاقب سني البعثة النبوية من وجوه :
الأول : تزايد أعداد المسلمين ودخول الناس في الإسلام أفواجاً .
الثاني : نزول آيات أغلب الأحكام في المدينة المنورة ، ويكفي المسلمين العمل بها والإمتثال الحسن لها.
الثالث : تباعد المدة والفترة الزمنية بين كل معركتين مع الكفار .
الرابع : أخذ المسلمين زمام المبادرة في الهجوم والدفاع .
الخامس : لجوء الكفار إلى طلب الهدنة والصلح حيث تم صلح الحديبية في السنة السابعة للهجرة .
المسألة السادسة : لقد أنعم الله عز وجل على المسلمين الذين خرجوا سالمين من معركة أحد ، فلم يقعوا في الأسر بل عادوا يحيطون برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، صحيح أنه لم يكن نصراً مثل يوم بدر وما صاحبه من الغنائم وسوق أسرى المشركين إلى المدينة ، ولكن آية السياق تخبر بعدم هزيمة المسلمين وعدم إنكسارهم ، إذ تمنوا الموت فكتب الله عز وجل لهم العودة بسلام , وهو بذاته نصر بلطف ومدد من الله.
أما الشهداء السبعون الذين سقطوا يوم أحد فإنهم فازوا بالنعيم الأبدي ، لينالوا بفضل الله ذات المنزلة المؤمنين الذين تمنوا نيل الشهادة يوم أحد [عن سهل بن حنيف ، حدثه ، عن أبيه ، عن جده ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : من سأل الله الشهادة بصدق ، بلغه الله منازل الشهداء ، وإن مات على فراشه] ( ).
المسألة السابعة: يفيد الجمع بين آيتي البحث والآية السابقة لها طرد الجبن والفزع والخصال المذمومة عن المسلمين وقد تمثل سعد بن معاذ يوم الخندق ببيت شعر:
لَبِّث قليلا يُدْرِك الهيْجا حَمَل … ما أحسنَ الموتَ إذا حان الأجَلْ( )
والمراد من (حَمَل) هو حمل بن بدر الفزاري صاحب الغبراء وهو رجل شجاع كان يفزع للنصرة ويسرع في إقتحام جماعة العدو .
والحذر في القتال وغيره أمر محمود ، وهو يختلف عن الجبن , وهل الحذر من مصاديق أو أسباب الكتاب المؤجل ، الجواب نعم ،لأن الله عز وجل قال [خُذُوا حِذْرَكُمْ] ( ) إلا أن يختار المؤمن الشهادة ولقاء الله عز وجل نعم لا ملازمة بين إختيار وعشق الشهادة وبين تحققها بالقتل في ساحة المعركة .
ويدل على عدم الملازمة هذا قوله تعالى قبل أربع آيات [وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْن الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ]( ).
الثامنة : هل يمكن تقدير الجمع بين الآيتين على وجوه:
الأول : ومن يرد ثواب الدنيا لما أصابهم في سبيل الله نوته منها.
الثاني : ومن يرد ثواب الآخرة لما أصابهم في سبيل الله نؤته منها.
الثالث : ومن يرد ثواب الدنيا وثواب الآخرة لما أصابهم في سبيل الله نؤته منها.
الجواب نعم، وهو من فضل الله عز وجل على المسلمين، ولم يطلب الثواب بذاته ولذاته إنما هو جزاء على البذل والسعي والفداء في سبيل الله وبقصد القربة.
لقد تضمنت آية البحث تأديباً للمسلمين بأن يكون سعيهم وجهادهم في سبيل الله، وإرادة الإخلاص في طاعته، وهو وسيلة لتخفيف الأذى ومن مصاديق قوله تعالى[قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ]( ).
فصحيح أن الآية أعلاه جاءت لبيان معجزة لنجاة إبراهيم على نحو الخصوص إلا إنها شاهد على حضور أسباب نجاة المؤمن من الأذى وكيد الكفار مادام عمله في سبيل الله، وعلى فرض نزول العذاب به فانه لا يثني النبي وأصحابه عن مواصلة الجهاد وتحدي الكفار، لقهر الضلالة ومفاهيم الشرك، وقد قام المشركون بقتل عدد من أصحاب النبي في مرات متعددة فلم يدب الوهن والخوف والضعف إلى نفوسهم.
التاسعة : لقد جعل الله عز وجل الإنسان كائناً محتاجاً ولا تفارقه الحاجة في الدنيا والآخرة، وهو من الدلالات بأن الموت أمر وجودي وليس عدمياً، وصحيح أن الموت غير الإنسان إلا أن معناه يترشح على الإنسان عند موته لبيان قانون أنه ينتقل إلى عالم آخر، وحاجة الإنسان في الآخرة أكثر منها في الدنيا وليس من نسبة بينهما من جهات:
الأولى : قصر أيام الدنيا، أما الآخرة فهي عالم الخلود، قال تعالى[وإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ]( )، أي الحياة الدائمة والباقية وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا عجباً كل العجب للمصدق بدار الحيوان ، وهو يسعى لدار الغرور( ).
الثانية : الإبتلاء المتعدد والمتعاقب في الحياة الدنيا , وإنعدامه في الآخرة .
الثالثة :الدنيا دار عمل وإختبار، أما الآخرة فهي دار حساب وجزاء، لذا هناك تباين بين ثواب الدنيا وثواب الآخرة اللذين ذكرا في الآية السابقة، فثواب الدنيا يأتي مصاحباً للعمل من وجوه :
الأول : تقدم العمل على الثواب الذي يكون جزاء له.
الثاني : تقدم الثواب على عمل يترشح عنه عمل صالح يكون عليه الثواب , فيتقي المسلم الله ويجتهد في طاعته والدعاء فيرزقه مالاً ثواباً عاجلاً له فيسخره في سبيل الله فيأتي بعمل عبادي آخر يترشح عنه كحج بيت الله الحرام إذ أنه مشروط بالإستطاعة، قال تعالى[وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً]( ).
فتفضل الله عز وجل بالإستطاعة ثواباً على فعل الصالحات.
الثالث : الملازمة بين العمل والثواب في الدنيا , أما في الآخرة فليس من عمل للإنسان إنما هو الثواب وحده , وإذا كان ثواب الدنيا على الفعل في ذات الدنيا كوعاء زماني، فان ثواب الآخرة على ذات العمل الذي في الدنيا، ليكون من معاني آية السياق أمران:
الأول : الدنيا دار عمل وثواب.
الثاني : الآخرة دار ثواب وجزاء من غير عمل.
وهل يمكن أن يقال بوجود قسيم ثالث وهو الدنيا دار عمل بلا ثواب بلحاظ أن قوله تعالى [وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا] ( )يعني تعلق الثواب فيها بالإرادة والمسألة وإنقطاع ثواب الذي يسأله ويبغيه بانقضاء أيام الدنيا ، الجواب لا ،فان إثبات شيء لشيء لا يدل على نفيه عما عداه ، والله واسع كريم فالذي يؤتيه الله ثواب الدنيا يتفضل سبحانه ويؤتيه ثواب الآخرة.
عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار يجاء بالموت كأنه كبش أملح ، فيوقف بين الجنة والنار ، فيقال : يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ ، فيشرفون وينظرون ويقولون نعم هذا الموت وكلهم قد رآه ، ثم يقال يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ ، فيشرفون وينظرون ويقولون : نعم هذا الموت وكلهم قد رآه ، فيؤمر به فيذبح .
فيقال : يا أهل الجنة خلود بلا موت ، ويا أهل النار خلود بلا موت « ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : { وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة } وأشار بيده وقال : أهل الدنيا في غفلة] ( ) وفي الحديث مسائل :
الأولى : صيرورة الموت كأنه كبش ، وفيه دعوة للمسلمين لعدم الفزع أو الخوف في الدنيا من الموت ، وأنه رحمة بهم لأنه واسطة ومناسبة لإنتقالهم للعالم الآخر .
الثانية : هناك موقف بين الجنة والنار يطل عليه أهل الجنة وأهل النار في آن واحد ، وكل من موضعه وكأنه برزخ بينهما ، وهل فيه شاهد على أن عالم الآخرة أعم من الجنة والنار ،الجواب نعم .
الثالثة : ذبح الموت ككبش عنوان لعدم إنقطاع الحياة الآخرة بالموت، وهو بيان عملي لإرادة الله عز جل أن يرى الناس جميعاً ذبح الموت وفنائه لوجوه :
الأول :دفع الفزع والخوف عن أهل الجنان ، فلا يخطر على بال أحدهم الموت أو ان يكون موضوعاً للمناجاة بينهم .
الثاني : قطع أمل وأماني الكفار في عودتهم إلى الحياة الدنيا ، أو عالم آخر يكون وعاء للعمل أو سبباً للحياة والنجاة من النار .
الثالث : مجئ السنة النبوية بياناً وتفسيراً للقرآن مقترناً بعلوم من الغيب وعالم الآخرة ، لذا إختتم النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحديث بآية قرآنية لتكون شاهداً على صحة مضامين الحديث وما فيه من الوقائع , ثم أشار النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيده لتأكيد قبح الغفلة في الدنيا وعدم الإتعاظ من الموت , لتكون قراءة هذا الحديث أو سماعه مناسبة للتوبة والإنابة وتنزيه من الجهالة والغفلة .
الرابع : الإذن لأهل الجنة وأهل النار بالإشراف والإطلالة والنظر إلى خارج محل إقامتهم ، أما أهل الجنة فيشكرون الله عز وجل على النعم التي في الجنة إذ أنها لا تكون في ذات المكان الذي يطلون عليه ، وأما أهل النار فتزداد حسرتهم لعدم وجود ذات عذاب النار إلا في موضع إقامتهم في الجحيم .
وهل يتمنى أهل النار الذبح مثل كبش الموت ليتخلصوا من العذاب الجواب نعم ، ليكون ذبح الموت موضوعاً لحسرة إضافية للكفار لدلالته على الخلود وأنه ليس من حياة أخرى يكون الموت عاقبة لها ، وتقدير الآية السابقة كتاباً مؤجلاً في الدنيا .
ولما ضرب ابن ملجم علياً عليه السلام (أُدْخِلَ منزلَهُ ، فاعترته غشيةٌ ، ثم أفاقَ ، فَدَعَا أولادَهُ؛ الحَسَنَ ، والحُسَيْنَ ، ومحمَّداً ، فقال : أوصيكُمْ بتقْوَى اللَّهِ فِي الغَيْبِ والشهادةِ ، وكلمةِ الحقِّ في الرضَا والغَضَب ، والقَصْدِ في الغنى والفَقْر ، والعَدْلِ عَلَى الصديقِ والعَدُوِّ ، والعملِ في النشاطِ والكَسَل ، والرضا عن اللَّه في الشدَّة والرخَاءِ؛ يا بَنِيَّ ، ما شَرٌّ بعْدَهُ الجَنَّةُ بِشَرٍّ ، وَلاَ خَيْرٌ بَعْدَهُ النَّارُ بِخَيْرٍ ، وكلُّ نَعِيمٍ دُونَ الجَنَّةِ حَقِيرٌ ، وَكُلُّ بَلاَءٍ دُونَ النَّارِ عافيةٌ .
مَنْ أَبْصَرَ عَيْبَ نفسِهِ شُغِلَ عَنْ عَيْبِ غيره ، ومَنْ رَضِيَ بقَسْم اللَّهِ لم يَحْزَنْ على ما فاته ، ومَنْ سَلَّ سيْفَ بَغْيٍ قُتِلَ به ، ومَنْ حَفَر لأخيهِ بِئْراً وقَعَ فيها ، ومَنْ هَتَكَ حجابَ أخِيهِ ، كَشَفَ اللَّهُ عوراتِ بَنِيهِ ، ومَنْ نَسِيَ خطيئته ، استعظم خَطِيئَةَ غَيْره ، ومَنِ استغنى بعقله زَلَّ ، وَمَنْ تكبَّر على الناس ذَلَّ ، ومَنْ أُعْجِبَ برأْيه ضَلَّ . ومَنْ جالَسَ العلماء وُقِّرَ ، ومَنْ خَالَطَ الأَنْذَالَ احتقر ، ومَنْ دَخَل مَدَاخلَ السُّوء اتهم ، ومَنْ مَزَحَ استخف بِهِ ، ومَنْ أكْثَرَ مِنْ شيءٍ عُرِفَ به ، ومَنْ كثُر كلامه كَثُرَ خَطَؤُهُ ، ومن كثر خَطَؤُهُ قل حياؤه ، ومن قَلَّ حياؤه قَلَّ ورعُهُ ، ومَنْ قَلَّ وَرَعُهُ ماتَ قلبه ، ومَنْ مات قلبه دخَلَ النار ، يَا بَنِيَّ ، الأدَبُ خَيْرُ ميراثٍ ، وحُسْنُ الخُلُقِ خَيْرُ قَرِينٍ ، يا بَنِيَّ ، العافيةُ عَشَرَةُ أجزاءٍ : تسْعَةٌ منها في الصَّمْتِ إلاَّ عَنْ ذكر اللَّهِ ، وواحدٌ في ترك مُجَالَسَةِ السُّفَهاء ، يَا بَنِيَّ ، زِينَةُ الفَقْر الصَّبْرُ ، وزِينَةُ الغِنَى الشُّكْرُ ، يا بَنِيَّ ، لا شَرَفَ أعَزُّ من الإسلام ، وَلاَ كَرَمَ أعَزُّ من التقوى ، يا بَنِيَّ ، الحِرْصُ مفتاحُ البَغْيِ ، ومطيَّةُ النَّصَبِ ، طوبى لمن أخْلَصَ للَّه عَمَلَهُ وعِلْمَهُ ، وحُبَّهُ وَبُغْضَهُ ، وأَخْذَهُ وتَرْكَهُ ، وكَلاَمَهُ وَصَمْتَهُ ، وقَوْلَهُ وفِعْلَهُ( ).
العاشرة : ذكرت آية السياق الموت وأنه حق لا يستثنى منه أحد من الناس ، وتضمنت آية البحث الشهادة للأنبياء وأصحابهم بالجهاد في ميادين المعارك بالنص الصريح الذي لا يقبل التأويل [وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ] ( )
فاثبتت الآية تعدد الأنبياء الذي قاتلوا معهم بقصد القربة ولم يضعفوا في القتال [لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ].
لبيان تقديمهم الشهداء وأصابتهم بالجراحات ولكنهم لم يركنوا إلى الظالمين ولم يتوقفوا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفيه بلحاظ آية السياق مسائل :
الأولى : تسليم أصحاب الأنبياء بأن الموت حق .
الثانية : تنزيه أصحاب الأنبياء عن حب الدنيا ، أو الإغترار بها .
الثالثة : إرادة ثواب الآخرة ،إن إستحضار الجنة ونعيمها سبب لتخفيف الضرر الذي يلاقيه المؤمنون في جهادهم ، وهو من مصاديق قوله تعالى [لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى] ( )أي أن تطلع المؤمنون لفضل الله بالنعيم الدائم في الآخرة سبب لجعل الضرر الأليم عندهم أذىً يسيراً ، وهو من المدد النفسي لهم.
الحادية عشرة : قال تعالى في الآية السابقة [وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا] ويفيد الإطلاق الزماني ، وعدم تقييده بالزمان الحاضر والمستقبل أي خصوص المسلمين بل يشمل الزمن الحاضر واللاحق لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فيكون أصحاب وأتباع الأنبياء الذين ذكرتهم آية البحث ممن أراد ثواب الآخرة ، فهم في النعيم الدائم.
فان قلت جاءت الآية بصيغة المضارع [وَمَنْ يُرِدْ ] ولم تقل ( ومن أراد) والجواب من وجوه :
الأول : إن تقسيم الفعل إلى ماضي ومضارع وأمر مسألة إستقرائية وإلا فان الفعل قد يأتي بصيغة الماضي ويراد منه المضارع أو العكس يؤتى بالفعل الماضي ويراد منه المستقبل أو الإستمرار والإطلاق الزماني وورد التنزيل في الثناء على أصحاب الأنبياء والوعد لهم بالجنة والنعيم الدائم بصيغة الماضي ، قال تعالى [وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا] ( ).
الثاني : توجه مضامين الآية للمسلمين , وهي دعوة لهم للتفقه في سنن الشريعة .
الثالث : من خصائص بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بلحاظ هذه الآية والآية السابقة تغشي الرحمة لأهل الملل كافة ، ومجيؤه بالبشارة العامة.
فقوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا] ( )أي بشيراً حتى للمسلمين من الأجيال السابقة وإخبار الناس عن حسن إقامتهم في الآخرة ، وعدم ضياع أعمالهم ، وفيه سكينة لأبنائهم وذراريهم ، ودعوة لهم للإيمان , لأن القدر المتيقن من آية البحث هو إيمان الآباء ببعثة الأنبياء في الأزمنة السابقة .
وجاءت رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم متممة للنبوات ، ودعوة للناس كافة لدخول الإسلام وهذه البشارة من أسرار توارث الأنبياء وأتباعهم لأخبار نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنه نبي آخر الزمان ، ليكون هناك نوع صلة وتداخل بين النبوات وإن تباين الزمان وتعاقبت أشخاص الأنبياء ، فالسابق يبشر باللاحق ، واللاحق يشهد للسابق بالنبوة ولأصحابه بالجهاد في سبيل الله وإرادتهم ثواب الآخرة ورفضهم للدنيا وتركهم لرغد العيش وهجرانهم أيام الغزو والقتال والمرابطة طيب العيش مع العيال ، والحياة اليومية ولبس الثياب الجميلة ، مع حسن الحال في المطعم والمسكن والمنكح .
الثانية عشرة : أختتمت الآية السابقة بالبشارة العظمى [وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ] وهو وعد من الله يتغشى أيام الحياة الدنيا وعالم البرزخ ويوم القيامة ، وتدل نسبة الجزاء إلى الله عز وجل على حقيقة من وجوه:
الأول : لا يقدر على الجزاء يوم القيامة إلا الله عز وجل ، وهل الشفاعة يومئذ من الجزاء الجواب نعم ، وهي واسطة ونوع طريق للجزاء.
ومن إعجاز القرآن أن مادة [جزى] وردت لإفادة جزاء المؤمنين بالثواب الحسن وجزاء الكفار بالعذاب الأليم ، وبإستعمالها في القرآن في الثاني هو الأكثر لأنه نوع وعيد وتخويف ، ولأن جزاء المؤمنين ورد بصيغ متعددة كما في قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ] ( ).
ويدل الإخبار عن جزاء المؤمنين بالثواب الحسن في مفهومه على التخويف والوعيد للذين يتخلفون عن مقامات الإيمان.
كما يدل جزاء الكفار بالعذاب الأليم في مفهومه على سلامة المؤمنين منه ، لأن متعلق هذا الجزاء هو الكفر والجحود وقد عصم الله عز وجل المؤمنين منه.
ليكون قوله تعالى(وسنجزي الشاكرين) حسرة في نفوس الكافرين، ولا تختص هذه الحسرة بخصوص أيامهم في الحياة الدنيا بل هي مصاحبة لهم في النشأتين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: والذي نفسي بيده، إن الميت إذا وضع في قبره، إنه ليسمع خفق نعالهم حين يولون عنه، فإذا كان مؤمناً، كانت الصلاة عند رأسه والزكاة عن يمينه والصوم عن شماله.
وفعل الخيرات والمعروف والاحسان إلى الناس من قبل رجليه. فيؤتى من قبل رأسه، فتقول الصلاة: ليس قبلي مدخل. فيؤتى عن يمينه، فتقول الزكاة: ليس قبلي مدخل.
ويؤتى من قبل شماله، فيقول الصوم: ليس قبلي مدخل. ثم يؤتى من قبل رجليه، فيقول فعل الخيرات والمعروف والإِحسان إلى الناس: ليس قبلي مدخل فيقال له: اجلس. فيجلس وقد مثلت له الشمس قد قربت للغروب، فيقال: أخبرنا عما نسألك. فيقول: دعني حتى أصلي.
فيقال: إنك ستفعل، فأخبرنا عما نسألك. فيقول: عم تسألوني؟ فيقال له: ما تقول في هذا الرجل الذي كان فيكم؟ يعني النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: أشهد أنه رسول الله، جاءنا بالبينات من عند ربنا فصدقْنا واتبعْنا.
فيقال له: صدقت، على هذا حييت وعلى هذا مت وعليه تبعث إن شاء الله. ويفسح له في قبره مد بصره. فذلك قول الله { يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ }( ) ويقال: افتحوا له باباً إلى النار ، فيقال: هذا كان منزلك لو عصيت الله. فيزداد غبطة وسروراً، فيعاد الجسد إلى ما بدا منه من التراب ويجعل روحه في النسيم الطيب.
وأما الكافر، فيؤتى في قبره من قبل رأسه ، فلا يوجد شيء. فيؤتى من قبل رجليه، فلا يوجد شيء.
فيجلس خائفاً مرعوباً. فيقال له: ما تقول في هذا الرجل الذي كان فيكم، وما تشهد به؟ فلا يهتدي لاسمه. فيقال: محمد صلى الله عليه وسلم. فيقول : سمعت الناس يقولون شيئاً فقلت كما قالوا: فيقال له: صدقت. على هذا حييت وعليه مت وعليه تبعث إن شاء الله. ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه.
فذلك قوله تعالى{ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا}( ) فيقال: افتحوا له باباً إلى الجنة. فيفتح له باب إلى الجنة. فيقال: هذا كان منزلك وما أعد الله لك لو كنت أطعته، فيزداد حسرة وثبوراً. ثم يقال: افتحوا له باباً إلى النار فيفتح له بابٌ إليها فيقال له: هذا منزلك وما أعد الله لك، فيزداد حسرة وثبوراً)( ).
الثاني : وجود أمة شاكرة لله عز وجل على نعمه، وهذا الشكر من خصائص خلافة الإنسان في الأرض، ليكون الشكر لله من الأسماء في قوله تعالى[وَعلم آدم الأَسْمَاءَ كُلَّهَا]( )، فلم يهبط آدم وحواء إلى الأرض إلا وقد تعلما وجوب الشكر وكيفيته , أما أوانه فهو مطلق وكل ساعة من عمر الإنسان هي مناسبة للشكر لله وجريان كلمات وألفاظ الشكر على اللسان وما يترشح عنها من الطمأنينة والرضا والغبطة، ويحتمل الشكر لله وجوهاً:
الأول : إنه من مصاديق ثواب الدنيا بقوله تعالى[وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا].
الثاني : إنه من عالم الفعل وسنن الإختبار وسبب وطريق للثواب والجزاء.
الثالث : إرادة التفصيل، فمن كان يقصد بالشكر العمل وجني الحسنات وإدخار الصالحات يكتب له الشكر عملاً، ومن كان يرى أن الشكر فضل من عند الله يكتب له ثواباً في الدنيا.
والصحيح هو الأول والثاني.
وتقدير الآية: ومن يرد ثواب الدنيا بأن يكون شاكراً لله نؤته منها، بتنمية ملكة الشكر عنده لتتضمن خاتمة الآية معنى الجزاء على مسائل:
الأولى : الشكر الإبتدائي لله عز وجل.
الثانية : الجزاء على إرادة الثواب العاجل بالإقامة على تعاهد الشكر واللبث في مقاماته.
الثالثة : إستدامة شكر المسلمين لله، وملازمته للوجود الإنساني وإلى يوم القيامة، ويترشح عنه بلحاظ قوله تعالى[وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ]( ) دوام النعمة على المسلمين.
الثالث : بعث المسلمين والمسلمات على العمل الصالح ورجاء الجزاء من عند الله والإقبال على الصالحات بقصد القربة.
الرابع : حب المسلمين للجزاء من عند الله، وتلقي العاجل منه بالشكر لله، والآجل بالدعاء رجاء وثقة بفضل الله.
ومن أحاديث الصحابة والتابعين في المقام :
الأول : أخرج عن عبد الله بن مسعود قال : ما من نفس برة ولا فاجرة إلا والموت خير لها من الحياة، إن كان براً فقد قال الله {وما عند الله خير للأبرار}( ) وإن كان فاجراً فقد قال الله {ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً})( ).
الثاني : أخرج عن أبي الدرداء قال : ما من مؤمن إلا الموت خير له، وما من كافر إلا الموت خير له. فمن لم يصدقني فإن الله يقول {وما عند الله خير للأبرار} {ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين }.
الثالث : أخرج عن أبي برزة قال : ما أحد إلا والموت خير له من الحياة ، فالمؤمن يموت فيستريح، وأما الكافر فقد قال الله {ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير })( ).
الرابع : عن أبي أمامة قال : لا يَبْقَى أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ، إِلا مَنْ شَرَدَ عَلَى اللَّهِ كَمَا يَشْرُدُ الْبَعِيرُ السُّوءُ عَلَى أَهْلِهِ، فَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْنِي، فَإِنَّ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ” لا يَصْلاهَا إِلا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى ” ، يَقُولُ: لا يَصْلاهَا إِلا الْأَشْقَى، الَّذِي كَذَّبَ بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَوَلَّى عَنْهُ( ).
الثالثة عشرة : أختتمت آية السياق بقوله تعالى [وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ]ويكون الشاكرون بلحاظ آية البحث على أقسام :
الأول : شكر المسلمين لله ، وهو على وجوه منها :
الأول : شكر الله على نعمة نزول القرآن .
الثاني : شكر المسلمين مجتمعين ومتفرقين لله على الوعد الكريم بالجزاء الحسن.
الثالث : صيرورة المسلمين من الشاكرين.
الرابع : إنحلال الآية , وتقديرها بصيغة المفرد وسنجزي الشاكر .
الخامس :عدم ذهاب عمل المسلمين هباء , فلابد من جزاء على العمل الحسن.
ويحتمل الجزاء في الآية وجوهاً :
أولاً : أنه من ثواب الدنيا بقوله تعالى [وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا].
ثانياً : جزاء الشاكرين من ثواب الآخرة ،لأنه نوع بشارة بالإقامة في الجنة ، قال تعالى [إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا] ( ).
ثالثاً :إن الجزاء من ثواب الدنيا وثواب الآخرة .
رابعاً : العنوان الجامع للوجوه أعلاه مع فرد أضافي غير الذي يريده العبد من ثواب الدنيا والآخرة .
والصحيح هو الآخير وهو من أسرار مجئ الآية بحرف الإستقبال القريب [وَسَيَجْزِي] , وفي حديث الإسراء قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم [ثم صعدت إلى السماء السابعة، فإذا أنا بأبينا إبراهيم خليل الرحمن ساند ظهره إلى البيت المعمور كأحسن الرجال، قلت : يا جبريل، من هذا؟ .
قال : هذا أبوك خليل الرحمن ومعه نفر من قومه، فسلمت عليه فسلم عليّ، وإذا [أنا] بأمتي شطرين : شطر عليهم ثياب بيض كأنها القراطيس.
وشطر عليهم ثياب رُمْد”. قال : “فدخلت البيت المعمور ودخل معي الذين عليهم الثياب البيض، وحجب الآخرون الذين عليهم ثياب رمد، وهم على خير. فصليت أنا ومن معي في البيت المعمور، ثم خرجت أنا ومن معي”.
قال : والبيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون فيه إلى يوم القيامة”.
قال : “ثم دفعت لي سدرة المنتهى، فإذا كل ورقة منها تكاد أن تغطي هذه الأمة، وإذا فيها عين تجري يقال لها : سلسبيل، فينشق منها نهران، أحدهما : الكوثر، والآخر: يقال له : نهر الرحمة. فاغتسلت فيه، فغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر.
ثم إني دفعت إلي الجنة ، فاستقبلتني جارية، فقلت : لمن أنت يا جارية؟ فقالت لزيد بن حارثة، وإذا [أنا] بأنهار من [ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من] عسل مصفى، وإذا رمانها كأنه الدلاء عظمًا، وإذا أنا بطيرها كأنها بختيكم هذه”. فقال عندها صلى الله عليه وسلم : “إن الله تعالى قد أعد لعباده الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر]( ).
السادس : تفضل الله عز وجل بإخبار المسلمين عن أحوال الأمم السابقة وجهاد الأنبياء وأصحابهم في سبيل الله .
السابع : الثناء على المجاهدين من الأمم السابقة وتسميتهم الربيين، ونعتهم بالعلماء ، وفيه إشارة إلى ثباتهم في مواقع القتال وعدم الفرار عند الزحف .
ومن وجوه الشكر للمسلمين في الآية التشابه بين الربيين وبين المسلمين الذين يقاتلون مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم , فمثلاً يكون تقدير الآية : محمد رسول الله قاتل معه ربيون كثير) .
الثامن : شكر المسلمين على تنمية ملكة الجهاد عندهم بالإقتداء بالمؤمنين من الأمم السابقة ، فقد جاءت الآيات بالحث على إتباع نهج الأنبياء قال تعالى [فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ] ( ).
وجاءت هذه الآية دعوة سماوية للمسلمين للإقتداء بأصحاب الأنبياء من الأمم السابقة مع بيان خصالهم من البروز للموت دفاعاً عن الإسلام، وجذباً للناس لمنازل الإيمان وتحليهم بالصبر من غير استكانة أو وهن ليكون من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( )،بلحاظ هذا المعنى مسائل :
الأولى : تلقي التأديب وأسباب الهداية من عند الله عز وجل .
الثانية : تفضل الله بإخبار المسلمين عن أحوال إخوانهم من أهل الإيمان من أتباع الأنبياء .
الثالثة : لا ملازمة بين أيام النبوة والدعة في العيش ، فصحيح أن كل نبي عنده معجزة خارقة للعادة إلا أن نزول البلاء بالنبي وأصحابه وصبرهم في مرضاة الله معجزة أخرى، نعم تكون مدداً للمؤمنين وعوناً لهم في تثبيت الإيمان في صدورهم .
وقد تفضل الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بأن أنزل الملائكة لنصرتهم في معارك الإسلام الأولى ، وفيه تخفيف عنهم ، ومن الإعجاز ومصاديق عموم الرحمة في هذا المدد أنه لم ينزل خاصاً بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بل شمل أصحابه في ميدان المعركة بدليل قوله تعالى [إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُنْزَلِينَ]( ).
وتحتمل الآية أعلاه وجوهاً :
الأول : المدد بثلاثة آلاف ملك للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه مجتمعين.
الثاني : إستغناء النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن مدد الملائكة لأن الله عز وجل أكرمه فهو سبحانه الذي يكفيه أمر عدوه ، إنما المدد لخصوص المؤمنين قال تعالى [أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ] ( ).
الثالث : مجئ ملائكة آخرين مدداً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم غير الثلاثة آلاف .
والصحيح هو الأول ولا يتعارض معه الوجهان الآخران ، وفيه وجوه :
الأول : وحدة الموضوع في تنقيح المناط .
الثاني : المدد بالأصل للنبي ونصرته .
الثالث : الآية في مقام إخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمسلمين وبعث السكينة في نفوسهم .
الرابع : بيان معجزة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في ميدان القتال, حيث يكون المسلمون في حاجة لها خاصة مع كثرة جيوش العدو والكم الهائل في أسلحته ورواحله من الخيل والإبل ، والنقص الظاهر عند المسلمين في عددهم وأسلحتهم وقد تعرضوا لنكسة في الطريق إلى معركة أحد بانسحاب ثلث الجيش تقريباً بإيحاء من رأس النفاق عبد الله بن أبي سلول فانسحب ثلاثمائة مقاتل , ليرزق الله المؤمنين عشرة أضعاف عددهم من الملائكة ، وكل ملك له من القوة ما تفوق قوة جيش المشركين مجتمعين.
وحينما سأل جماعة من بني إسرائيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الرعد ما هو قال ملك من الملائكة موكل بالسحاب معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب حيث شاء الله قالوا فما هذا الصوت الذي يسمع قال زجره بالسحاب إذا زجره حتى ينتهي إلى حيث أمر قالوا صدقت( ).
وأخرج ابن عساكر عن معاوية بن قرة قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل : ما أحسن ما أثنى عليك ربك[ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ]( )، فما كانت قوتك وما كانت أمانتك؟ .
قال : أما قوّتي فإني بعثت إلى مدائن لوط وهي أربع مدائن ، وفي كل مدينة أربعمائة ألف مقاتل سوى الذراري فحملتهم من الأرض السفلى حتى سمع أهل السماء أصوات الدجاج ونباح الكلاب ، ثم هويت بهم فقتلتهم ، وأما أمانتي فلم أومر بشيء فعدوته إلى غيره ( ).
التاسع: إختتام آية البحث بقانون كلي وهو حب الله عز وجل للصابرين ، وهو شامل لكل المؤمنين من أهل التوحيد لبيان قانون وهو أن الله عز وجل يحب المسلمين من أيام آدم عليه السلام لعلمه تعالى بجهادهم وصبرهم لذا جاء بصيغة الماضي قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ) .
أي خير أمة في الزمن الماضي بحب الله لكم ، وفي الزمن الحاضر برفعكم لواء التوحيد وتعاهدكم لعلة خلق الإنسان وسر خلافته في الأرض وهي العبادة .
العاشر : شكر المسلمين لله عز وجل على ما أصابهم في سبيله من وقوع القتل بينهم سواء في معركة أحد أو ما بعدها بلحاظ مضمون آية البحث بالثناء على المؤمنين من الأمم السابقة لتلقيهم الأذى في مرضاة الله وجهادهم الكفار، أو بالصبر على الضراء وأداء التكاليف العبادية.
الثاني : صلة هذه الآية بقوله تعالى [وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ] ( )وفيه مسائل :
الأولى : تقدير الجمع بين الآيتين على وجوه :
الأول : وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير وما محمد إلا رسول .
الثاني : وما محمد إلا رسول قاتل معه ربيون كثير .
الثالث : وما محمد إلا رسول معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله .
الرابع : وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل والله يحب الصابرين .
الخامس :وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير أفئن مات محمد أو قتل انقلبتم على أعقابكم .
السادس :وما محمد إلى رسول قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله .
السابع : أفئن مات محمد أو قتل انقلبتم على أعقابكم والله يحب الصابرين.
الثامن : وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله أفئن مات محمد أو قتل انقلبتم على أعقابكم .
التاسع : وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير وسيجزي الله الشاكرين.
العاشر : فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وسيجزي الله الشاكرين .
الحادي عشر : وما ضعفوا وما استكانوا وسيجزي الله الشاكرين .
الثاني عشر : وسيجزي الله الشاكرين والله يحب الصابرين .
المسألة الثانية : تخبر آية السياق عن أمرين :
الأول : الشهادة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأنه رسول من عند الله.
الثاني : بعثة رسل كثيرين قبل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى [قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ] ( ).
فجاءت آية البحث لتبين حال الرسل السابقين وقيامهم بالجهاد في سبيل الله.
وبين الجهاد والقتال عموم وخصوص مطلق ، فقتال الأنبياء جهاد ، وليس كل جهاد هو قتال فقد يكون الجهاد باليد أو باللسان وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولكن القتال لا يكون إلى بآلته كالسيف ، فجاءت آية البحث لوجوه :
الأول : منع الجهالة والغرر والمغالطة ، فلا يقول الذين في قلوبهم مرض أن دعوة الأنبياء كانت باللسان وحده ، ويستدلون بنبوة عيسى عليه السلام مثلا ، لذا فمن إعجاز الآية لغة التبعيض والتعدد فيها , فليس كل الأنبياء قاتلوا في سبيل الله بل شطر منهم ،وحتى الأنبياء الذين قاتلوا في سبيله فان القتال لم يستوعب كل أيام حياتهم أو حياة أصحابهم مدة إيمانهم ، بل أخذ القتال جزءً يسيراً من مدة حياتهم وأيامهم الإيمانية ,
وهو من أسرار لفظ [ربيون] الوارد في الآية والذي يدل على ملازمتهم التقوى والإنقطاع إلى العبادة والتي تتجلى في أبهى صورها بأداء الصلاة والفرائض الأخرى وعذوبة ذكر الله ، وقد يفتر الكفار عن القتال ، فينشغل النبي بتبليغ الرسالة وأصحابه بالتفقه في الدين .
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير عن وهب بن منبه( )، قال: خلف بعد موسى في بني إسرائيل يوشع بن نون يقيم فيهم التوراة وأمر الله حتى قبضه الله ، ثم خلف فيهم كالب بن يوقنا يقيم فيهم التوراة وأمر الله حتى قبضه الله ، ثم خلف فيهم حزقيل بن بورى وهو ابن العجوز ، ثم أن الله قبض حزقيل وعظمت في بني إسرائيل الأحداث ونسوا ما كان من عهد الله إليهم حتى نصبوا الأوثان وعبدوها من دون الله ، فبعث إليهم إلياس بن نسي بن فنحاص بن العيزار بن هرون بن عمران نبياً.
وإنما كانت الأنبياء من بني إسرائيل بعد موسى يبعثون إليهم بتجديد ما نسوا من التوراة ، وكان إلياس مع ملك من ملوك بني إسرائيل يقال له أجان وكان يسمع منه ويصدقه ، فكان إلياس يقيم له أمره ، وكان سائر بني إسرائيل قد اتخذوا صنماً يعبدونه ، فجعل إلياس يدعوهم إلى الله وجعلوا لا يسمعون منه شيئاً إلا ما كان من ذلك الملك ، والملوك متفرقة بالشام كل ملك له ناحية منها يأكلها .
فقال ذلك الملك لإِلياس : ما أرى ما تدعو إليه إلا باطلاً ، أرى فلاناً وفلاناً – يعدد ملوك بني إسرائيل – قد عبدوا الأوثان ، وهم يأكلون ويشربون ويتنعمون ما ينقص من دنياهم ، فاسترجع إلياس وقام شعره( ) ثم رفضه وخرج عنه ، ففعل ذلك الملك فعل أصحابه وعبد الأوثان.
ثم خلف من بعده فيهم اليسع فكان فيهم ما شاء الله أن يكون ، ثم قبضه الله إليه وخلفت فيهم الخلوف وعظمت فيهم الخطايا وعندهم التابوت يتوارثونه كابراً عن كابر ، فيه السكينة وبقية مما ترك آل موسى وآل هرون ، وكان لا يلقاهم عدو فيقدمون التابوت ويرجعون به معهم إلا هزم الله ذلك العدو .
فلما عظمت أحداثهم وتركوا عهد الله إليهم ، نزل بهم عدو فخرجوا إليه وأخرجوا معهم التابوت كما كانوا يخرجونه ، ثم زحفوا به فقوتلوا حتى استلب من أيديهم ، فمرج أمرهم عليهم ووطئهم عدوهم حتى أصاب من أبنائهم ونسائهم ، وفيهم نبي لهم يقال له شمويل ، وهو الذي ذكره الله في قوله { ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم . . . }( ) الآية . فكلموه وقالوا { ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله } .
وإنما كان قوام بني اسرائيل الاجتماع على الملوك وطاعة الملوك أنبياءهم ، وكان الملك هو يسير بالجموع ،والنبي يقوم له بأمره ويأتيه بالخبر من ربه ، فإذا فعلوا ذلك صلح أمرهم ، فإذا عتت ملوكهم وتركوا أمر أنبيائهم فسد أمرهم ، فكانت الملوك إذا تابعتها الجماعة على الضلالة تركوا أمر الرسل ، ففريقاً يكذبون فلا يقبلون منه شيئاً وفريقاً يقتلون ، فلم يزل ذلك البلاء بهم حتى قالوا له { ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله } فقال لهم : إنه ليس عندكم وفاء ، ولا صدق ، ولا رغبة في الجهاد . فقالوا : إنا كنا نهاب الجهاد ونزهد فيه ، إنا كنا ممنوعين في بلادنا لا يطأها أحد فلا يظهر علينا عدو ، فأما إذا بلغ ذلك فإنه لابد من الجهاد ، فنطيع ربنا في جهاد عدونا ونمنع أبناءنا ونساءنا وذرارينا.
فلما قالوا له ذلك سأل الله شمويل أن يبعث لهم ملكاً . فقال الله له : انظر القرن الذي فيه الدهن في بيتك ، فإذا دخل عليك رجل فنش الدهن الذي في القرن – فهو ملك بني إسرائيل – فادهن رأسه منه وملكه عليهم ، فأقام ينتظر متى ذلك الرجل داخلاً عليه ، وكان طالوت رجلاً دبَّاغاً يعمل الأدم ، وكان من سبط بنيامين بن يعقوب ، وكان سبط بنيامين سبطاً لم يكن فيهم نبوة ولا ملك .
فخرج طالوت في ابتغاء دابة له أضلته ومعه غلام ، فمرا ببيت النبي عليه السلام فقال غلام طالوت لطالوت : لو دخلت بنا على هذا النبي فسألناه عن أمر دابتنا فيرشدنا ويدعو لنا فيها بخير . فقال طالوت : ما بما قلت من بأس فدخلا عليه .
فبينما هما عنده يذكران له شأن دابتهما ويسألانه أن يدعو لهما فيها إذ نش الدهن الذي في القرن ، فقام النبي عليه السلام فأخذه ، ثم قال لطالوت : قرب رأسك فقربه ، فدهنه منه ثم قال : أنت ملك بني إسرائيل الذي أمرني الله أن أملكك عليهم ، وكان اسم طالوت بالسريانية شاول بن قيس بن أشال بن ضرار بن يحرب بن أفيح بن أنس بنيامين بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم ، فجلس عنده، وقال الناس: ملك طالوت .
فأتت عظماء بني إسرائيل نبيهم فقالوا له : ما شأن طالوت تملك علينا ،وليس من بيت النبوة ولا المملكة ، قد عرفت أن النبوة والملك في آل لاوي وآل يهوذا؟! فقال لهم { إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم }( )
الثاني : الإحتجاج بسنة الأنبياء السابقين في بيان صحة نهج رسول الله في محاربة الكفار وإن كانوا من ذات القبيلة ،لأن الكفار هم الذين حملوا المسلمين على القتال إذ أرادوا قتلهم وأسرهم .
الثالث : في القتال أذى وضرر يلحق طرفي أو أطراف القتال , وهذا الضرر أعم من أن ينحصر بساحة المعركة ، ففي وقوع القتال والمعارك أمور :
الأول : تعطيل التجارات والمكاسب لإنشغال الناس بالنفير والقتال من جهات بلحاظ أفراد الزمان :
الأولى : مقدمات القتال والتجهيز له ومواصلة التدريب على فنون القتال .
الثانية : الزحف إلى ميدان المعركة والإقامة في مواضعه .
الثالثة : مزاولة القتال ومدته .
الرابعة : رشحات القتال وآثاره .
الخامسة : المرابطة من الثغور .
الثاني : سقوط قتلى من الطرفين وحصول جراحات إعاقة ، وتجلى هذا العموم بقوله تعالى [إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ] ( ).
ولا يختص موضوع الآية أعلاه بواقعة أحد أو خصوص المعارك بين المسلمين والكفار ، إذ تبين الأضرار التي تلحق طرفي أو أطراف القتال ، وإظهار المسلمين الصبر كما تدل عليه آية البحث بأن الإسلام لا يريد القتال لأن دعوته حق وصدق ، وخير محض ولكن الكفار هم الذين لا يرضون إلا بالقتال استكباراً وجحوداً للحق , لذا يكون الصبر أحد أظهر أسلحة المؤمنين لتحقيق النصر على الكفار ، ومع الصبر يترك كثير من الناس منازل الكفر , ويدخلون الإسلام لرؤية الآيات وتجلي المعجزات ، وتترشح عن سقوط القتلى مسائل منها :
الأولى : حصول حالات يتم باعداد تفوق أعداد الشهداء في الجملة ، واليتامى والأيتام : جمع يتيم ، وهو في الإصطلاح الصبي الذي فقد أباه ، قال تعالى [فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ] ( ).
الثانية : فقد عدد من النساء لأزواجهن وصيرورتهن أرامل مع موضوعية الزوج في حياة المرأة [ويقال للفقير الذي لا يقدر على شئ من رجل أو امرأة: أرملة، ولا يقال للمرأة التي لا زوج لها وهي موسورة: أرْملة] ( ) لأن معنى أرمل أي إفتقر من الرمل والتراب .
والأرملة في الإصطلاح هي التي مات زوجها يقال رمّلت المرأة من زوجها أي فقدت كاسبها ، وذهب زادها وإنقطعت نفقتها ، ولا يقال أرمل الرجل إلا نادراً لأن الرجل لا تنقطع مؤونته بفقد وموت زوجته .
الثالثة : تغشي الحزن والجزع المجتمع ، وإدراك الناس للخسارة التي لحقتهم بفقد ثلة من الرجال لذا ورد قوله تعالى [وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ] ( ).
الثالث : تلف المزروعات لعدم وجود من يزاول العناية بها يومياً وضياع الأموال ، وتوجه الإنفاق والبذل نحو ميادين القتال وشراء السلاح وتجهيز المقاتلين .
الرابع : إحتمال تغير الطباع ، وحدوث قطع للطريق وحالات نهب وسلب ، فجاءت آية البحث للإخبار عن تعاهد المسلمين الأخلاق الحميدة في القتال وما بعده من جهات :
الأول : القتال مع النبي ، وما دام النبي بين ظهراني المسلمين فانهم يعملون بأوامره ولا يأمر إلا بما هو حق وصلاح .
الثاني : نعت المسلمين في آية البحث بأنهم ربيّون ،وفيه تنزيه لهم من الرذائل وأخلاق السوء .
الثالث : الشهادة للمسلمين بعدم الوهن والضعف .
المسألة الثالثة : لقد ذكرت الآية قبل السابقة اسم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وشهدت له بأنه رسول ولم تقيد الرسالة بأنها من عند الله، فلم تقل الآية (وما محمد إلا رسول الله) .
والجواب من وجوه:
الأول : ذكرت ذات الآية قرينة وهي سبق الرسل لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقوله تعالى[قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ] ( )، لبيان إتحاد سنخية الرسالة مع تباين الأزمنة.
الثاني : يمكن تأسيس قانون وهو إذا ورد لفظ الرسول على نحو الإجمال والإطلاق من غير تقييد فانه ينصرف إلى أنه رسول الله.
الثالث : لقد أراد الله عز وجل بالإكتفاء بلفظ الرسول بيان أن القرآن كتاب نازل من عنده تعالى.
الرابع : يتضمن القرآن المطلق والمقيد، والمجمل والمبين، فاذا كان موضوع مجملاً في آية تجده في آية أخرى مبيناً، فجاءت آية قرآنية أخرى تتضمن الإخبار بأن النبي محمداً رسول الله، قال تعالى[مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ]( ).
وأخبرت آية البحث عن الأنبياء وقتالهم وأصحابهم في سبيل الله[وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ]( ) وبين الرسول والنبي عموم وخصوص مطلق، فكل رسول هو نبي وليس العكس، وفيه مسائل:
الأولى : بيان حقيقة وهي أن الأنبياء قاتلوا في سبيل الله، فمن باب الأولوية أن يقاتل الرسول في سبيل الله، لأن رسالته أعظم، ودعوته أوسع، إلا أن يشاء الله عز وجل.
وهل يمكن إستقراء مسألة من آية البحث وهي أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم قاتل في سبيل الله بصفة النبوة وليس الرسالة، خاصة وأن نوحاً وإبراهيم وعيسى رسل من الخمسة أولي العزم ولم يثبت أنهم قاتلوا،
الجواب لا دليل على هذا التقييد وإرادة الرسل خاصة وقد ذكرت الآية أعلاه إحتمال قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله تعالى[أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ]( )، وينصرف القتل إذا ورد مطلقاً إلى القتل في ميادين القتال ،قال تعالى[يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا]( ).
وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يذّكر في ميادين القتال وعند الإحتجاج والبيان بأنه رسول الله ، وحتى في صلح الحديبية قال (هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو.
فقال سهيل: لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك : فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اكتب: ” هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو، اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيهن الناس ويكف بعضهم عن بعض، على أنه من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه رده عليهم، ومن جاء قريشا ممن مع محمد لم يردوه عليه، وأن بيننا عيبة مكفوفة، وأنه لا إسلال ولا إغلال، وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه( ).
الثانية : إرادة تعدد وكثرة الأنبياء الذين قاتلوا في سبيل الله بلحاظ أن عدد الأنبياء هو مائة وأربعة وعشرون ألف نبي.
الثالثة : طرد الشك والريب عن نفوس المسلمين، فقد يقول بعض المنافقين : لو كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رسولاً من عند الله لماذا لا يفتح الله له من غير قتال، فجاءت آية البحث لبيان قانون من وجوه:
الأول : عدم التنافي بين النبوة والقتال.
الثاني : تعدي وظلم الكفار بقتالهم للأنبياء، ويكون وفق القياس الإقتراني:
الكبرى : الأنبياء يقاتلون الكفار.
الصغرى : محمد صلى الله عليه وآله وسلم نبي.
النتيجة : محمد صلى الله عليه وآله وسلم يقاتل الكفار.
الثالث : قتال الأنبياء وأنصارهم دفاع عن النفس، فمن وظائف النبي الرسالية:
أولاً : إظهار نبوته.
ثانياً : دعوة الناس إلى عبادة الله.
ثالثاً : تبليغ الناس بأحكام الحلال والحرام وجذبهم إلى الإيمان، قال تعالى في خطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم[ يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ]( ).
رابعاً : بيان النبي للمعجزة التي جاء بها من عند الله، وهي الشاهد السماوي على صدق دعواه والدليل على صدق إختياره القتال دفاعاً عن الإسلام.
والمعجزة هي الأمر الخارق للعادة، المقرون بالتحدي، السالم عن المعارضة، وهل من أثر لهذا البيان , الجواب نعم من جهات:
الأولى : دخول طائفة من الناس في الإسلام، وتطوعهم للدفاع عنه والقتال تحت لوائه.
الثانية : إنزجار شطر من الكفار عن التعدي على النبي.
الثالثة : إقامة الحجة على الكفار ، وبيان قبح إصرارهم على الجحود.
الرابعة : كل معجزة لأحد الأنبياء نعمة، وكنز سماوي في الأرض تنتفع منه الأجيال المتعاقبة، لذا ورد قوله تعالى[نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ]( )، لبيان أن توثيق القرآن لمعجزات الأنبياء ومنافعها من أحسن القصص لما فيها من ترغيب وجذب الناس على تباين مداركهم إلى منازل الهدى والإيمان.
الخامسة : بيان المعجزة النبوية معجزة أخرى، لما يجعل الله عز وجل من السعة والمندوحة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في الإعلان عن معجزته، وجعل الناس يصغون إليه ويتناقلون أخباره وخصائص معجزته.
السادسة : من أسرار وأسباب ما ذكرته آية البحث من عدم الوهن أو الإستكانة عند أصحاب الأنبياء رؤيتهم وإدراكهم لمعجزة النبوة وأنها حق من عند الله.
السابعة : معجزة النبي مدد له ولأصحابه وأتباعه في حال السلم والحرب، والسراء والضراء.
الثامنة : إرادة قصد القربة في قتال النبي وأصحابه لذا قيدت آية البحث تحملهم الأذى والضرر بأنه [فِي سَبِيلِ اللَّهِ].
المسألة الرابعة : ذكرت آية السياق الإنقلاب على الأعقاب من جهات :
الأولى : التحذير من الإنقلاب والإرتداد بعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : بيان القبح الذاتي للإنقلاب والرجوع عن مقامات الإيمان .
الثالثة : إضرار الإرتداد باصحابه ، وهو مجلبة للشر والأذى في النشأتين .
وقد ذكرت آية البحث عصمة أصحاب الأنبياء السابقين من الوهن والضعف فهل الوهن من الإنقلاب والإرتداد ، الجواب لا ،إنما يكون الوهن مع البقاء في منازل الهدى والإيمان ،ومع هذا تنزهوا عنه ، ليدل على سلامة المسلمين منه بدليل تفضيلهم في قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( )بتقريب أن المسلمين يتعاهدون الإيمان ، ولا يخرجون للناس إلا بأداء الفرائض والسنن والتنزه عن الإنقلاب والإرتداد .
المسألة الخامسة : تضمنت آية البحث الثناء على أصحاب الأنبياء السابقين والقتال معهم , والذي يدل بالدلالة المطابقية على التصديق بنبوتهم من وجوه :
الأول : إتباع النبي في الأمر والنهي .
الثاني : الإستجابة للنبي والمشاركة في القتال بما هو نبي ورسول من عند الله .
الثالث : تقييد الآية لقتال أصحاب الأنبياء بأنه في سبيل الله ، وفيه تزكية لهم ، ودعوة للمسلمين لعدم الإنقلاب أو الإرتداد .
إن ذكر جهاد أصحاب الأنبياء في آية البحث من مصاديق قوله تعالى [نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ] ( )بلحاظ أن من حسنها تثبيت المسلمين في منازل الإيمان ووقايتهم من الإنقلاب أو الإرتداد عند إنتقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى .
المسألة السادسة : بين بداية كل من آية البحث والسياق عموم وخصوص مطلق ، إذ ذكرت آية البحث الأنبياء على نحو التعدد والإجمال , أما آية السياق فذكرت خصوص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفيه دعوة للناس لدخول الإسلام وحب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإقرار له بالرسالة ، [وعن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أحيا سنتي فقد أحبني ، ومن أحبني كان معي في الجنة] ( )وبين حب المسلم للنبي وبين إحياء سنته عموم وخصوص مطلق ، فالحب هنا أعم ، وأحياء السنة أحد مصاديقه لبيان موضوعية حب المسلم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في نيل المرتبة السامية في الجنة .
المسألة السابعة : جاءت الآية السابقة بالترديد في الجزاء بين ثواب الدنيا وثواب الآخرة، وبيان حقيقة من جهات:
الأولى : التباين بين ثواب الدنيا والآخرة، ضيقاً وسعة، وقلة وكثرة، نعم ثواب الدنيا بذاته يكون عظيماً وواسعاً إذا لم يقارن بثواب الآخرة، قال تعالى[وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا]( ).
الثانية : الإخبار على أن الثواب مطلقاً بيد الله عز وجل، قال تعالى[فَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالْأُولَى]( )، وفيه ترغيب للناس بسؤال الحاجات من عند الله، لأن الطلب والسؤال يكون من المالك المتصرف.
الثالثة:إتصاف نعيم الدنيا بالزوال , لأن ذات الدنيا غير باقية.
وهل يمكن تفسير آية السياق بأن الطلب لذات الدنيا , ويكون تقدير الآية على وجهين:
الأول : ومن يرد ثواب سعيه للدنيا نؤته منها.
الثاني : ومن يرد ثواب سعيه للآخرة نؤته منها.
الجواب أما الأول فان سعي الإنسان للدنيا طلب لها بالذات، وأما الثاني فنعم لأن السعي للآخرة قربة إلى الله، ونزلت آيات القرآن بالثواب العظيم عليه،ومعنى الثواب هو الجزاء في الخير أو الشر , ولكن إستعماله في الخير والثواب أكثر وأعم، لأن الجزاء في الشر يأتي أحياناً بلفظ العقاب.
وأخبرت آية البحث عن جهاد عدد من الأنبياء في ميادين القتال ومعهم أصحابهم وانصارهم مع وصف حالهم من تحمل الأذى وتلقي الضرر دفاعاً عن الإسلام بينما جاءت آية السياق بذكر الثواب وعلى نحو متعدد من وجوه:
الأول : ثواب الدنيا.
الثاني : ثواب الآخرة.
الثالث : التخيير والسعة والإمكان في إختيار العبد الثواب.
الرابع : نعت المؤمنين بالشاكرين، وهو نوع جزاء لهم وثناء عليهم بقوله تعالى[وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ] ( )، وفيه حث للمسلمين لإلتماس سبل الشكر لله عز وجل.
الرابعة : إنعدام الواسطة بين العبد وثواب الله، فيأتي الثواب للعبد نازلاً من عند الله لا يحجبه مانع، ولا ينتظر الإذن من غير الله.
الخامسة : بيان قانون وهو عدم نفاذ أو إنقضاء أي نوع من أنواع الجزاء والثواب الدنيوي والأخروي، إذ وردت الآية السابقة بصيغة الإجمال، لبيان أن كلاً من خزائن الدنيا والآخرة أوسع وأعظم مما في التصور الذهني للناس.
وأخرج عن خيثمة قال : قيل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم إن شئت أعطيناك خزائن الأرض ومفاتيحها ما لم يعط نبي قبلك ، ولا يعطاه أحد بعدك ، ولا ينقصك ذلك مما لك عند الله شيئاً ، وإن شئت جمعتها لك في الآخرة , قال : اجمعها لي في الآخرة ، فأنزل الله { تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصوراً} ( ).
ومع كثرة وتتابع الغنائم التي تصل المدينة، والأنفال التي تكون بيد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فانه يقوم بتقسيمها بين المقاتلين إصلاحاً لحالهم وشكراً عاجلاً لهم في الدنيا على حسن بلائهم في الجهاد والصبر، وفيه آية بأن الذي يريد ثواب الآخرة، لا يحجب عنه ثواب الدنيا المحسوس والعاجل.
وعن عبادة بن الصامت قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فشهدت معه بدراً ، فالتقى الناس فهزم الله العدوّ ، فانطلقت طائفة في آثارهم منهزمون يقتلون ، واكبت طائفة على العسكر يحوزونه ويجمعونه ، وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصيب العدوّ منه غرة .
حتى إذا كان الليل وفاء الناس بعضهم إلى بعض قال الذين جمعوا الغنائم : نحن حويناها وجمعناها فليس لأحد فيها نصيب . وقال الذين خرجوا في طلب العدوّ : لستم بأحق بها منا ، نحن نفينا عنها العدو وهزمناهم .
وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لستم بأحق بها منا نحن أحدقنا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخفنا أن يصيب العدوّ منه غرة واشتغلنا به ، فنزلت { يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَنْفَالِ قُلْ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ } ( )فقسمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين المسلمين .
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أغار في أرض العدوّ نفل الربع ، وإذا أقبل راجعاً وكل الناس نفل الثلث ، وكان يكره الأنفال ويقول : ليرد قويُّ المسلمين على ضعيفهم( ).
فمع أن الأنفال لله والرسول، فلم يأخذها النبي صلى الله عليه وآله وسلم لنفسه ولأهل بيته وعياله ليؤسس قانوناً من السنة النبوية يكون ضياءً لأمراء المسلمين بلزوم التعفف والسخاء وعدم الإستحواذ على الأموال وإن كان فيها حق لهم.
وكان القادم والوافد إلى المدينة المنورة يدرك من أول وهلة مصداق النبوة، بصبغة التواضع في مسكن ومأكل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحياة وبيوت نسائه، فمع أن القرآن منحهن شرفاً لم ولن تنله غيرهن في تأريخ الإنسانية وهو الأمومة للمؤمنين بقوله تعالى[النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ]( ).
فانهن يسكن غرفاً صغيرةً سقفها من جريد النخل، وقد تمر عليهن الليلة والليلتان وليس من عشاء عندهن وعلى بعد بضعة أمتار وفي المسجد النبوي يوزع النبي الغنائم والأنفال والصدقات من الحبوب والأموال والأنعام من المواشي والإبل .
وأخرج ابن سعد عن عطاء الخراساني قال: أدركت حجر أزواج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من جريد النخل على أبوابها المسوح من شعر أسود فحضرت كتاب الوليد بن عبد الملك يقرأ يأمر بإدخال حجر أزواج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فما رأيت يوماً أكثر باكياً من ذلك اليوم ، فسمعت سعيد بن المسيب يقول يومئذ : والله لوددت أنهم تركوها على حالها ينشأ ناس من أهل المدينة ويقدم القادم من أهل الأفق فيرى ما اكتفى به رسول الله في حياته ، فيكون ذلك مما يزهد الناس في التكاثر والتفاخر فيها .
وقال يومئذ أبو أمامة بن سهل بن حنيف : ليتها تركت فلم تهدم حتى يقصر الناس عن البناء ويرون ما رضي الله لنبيه ومفاتيح خزائن الدنيا بيده( ).
وهل الإقتصاد والتواضع في البناء والمسكن الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من مصاديق قوله تعالى[لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ]( )، الجواب نعم إلا أنه لا يتعارض مع إنتفاع المسلمين من النعم هذا الزمان في المسكن والملبس، ولحاظ العرف العام، والتداخل بين الأمم وإمكان الجمع بين أمور:
الأول : التواضع والإقتصاد والتدبير.
الثاني : التنعم بالطيبات وسكن الدار الواسعة والإنتفاع من وسائل وآلات السعادة الشرعية الحديثة.
الثالث : الشكر لله عز وجل على هذه النعم.
الرابع : مواساة الفقراء، والتقيد بدفع الزكاة والحقوق الشرعية.
الخامس : تسخير النعم لتعظيم شعائر الله وأداء الفرائض والواجبات.
السادس : عدم الإنشغال بالدنيا عن طلب النعيم الدائم، والإمتثال لقوله تعالى في الآية السابقة[وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا]( ).
السابع : بيان فضل الله عز وجل على المسلمين بلحاظ أصحاب الأنبياء السابقين الذين قاتلوا معهم.
الثامن : إقتباس المسائل من صبر وزهد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واهل بيته وأصحابه وجهادهم في سبيل الله لإيجاد الأمن، وتيسير أسباب الرزق للمسلمين بفضل الله.
وهل التنعم بالمساكن والمراكب الفارهة، وأكل الطيبات مثل جواز لبس الحرير في الحرب والقتال بأن يكون هذا التنعم والإفراط فيه دعوة للناس لدخول الإسلام والترغيب فيه، الجواب لا دليل عليه.
لأن مسكن ولباس وطعام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شاهد على أولوية التواضع والزهد والمسكنة بقصد القربة إلى الله، وعن أبي سعيد قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : اللهم أحيني مسكينا وتوفني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين ، وإن أشقى الأشقياء من اجتمع عليه فقر الدنيا وعذاب الآخرة( ).
وكان داود عليه السلام يدخل المسجد، فينظر أغمض حلقة من بني إسرائيل، فيجلس إليهم ثم يقول: مسكيناً بين ظهراني مساكين( ).
المسألة الثامنة :ذكرت آية السياق موضوع مغادرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحياة الدنيا بلحاظ الكيفية بالترديد بين أمرين بين الموت أو القتل، وأخبرت آية البحث عن أمور :
الأول : بعثة أنبياء قبل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : قتال الأنبياء في سبيل الله .
الثالث : وجود أنصار وأعوان للأنبياء كانوا يقاتلون معهم وكانت خاتمة حياة الأنبياء السابقين إما الموت أو القتل بلحاظ أنهم يعلنون نبوتهم ويواجهون الكفار بالدعوة باللسان أو بالسيف ، ومع كل نبي أصحابه .
الرابع : ظاهر آية البحث أن أصحاب الأنبياء لم ينقلبوا على اعقابهم لنعتهم بأنهم (ربيون ) وفيه ترغيب للمسلمين بالثبات على الإيمان وعدم ترك منازله.
وتقدير الجمع بين الآيتين ( لم ينقلب الربيون على أعقابهم افائن مات محمد أو قتل انقلبتم على أعقابكم ).
المسألة التاسعة : بيان التضاد بين الإيمان والإنقلاب على الإعقاب لنعت أصحاب الأنبياء (الربيون ).
ويفيد الجمع بين الآيتين حقيقة وهي أن قتال المؤمنين في سبيل الله سبب لثباتهم على الإيمان ، وواقية من الإنقلاب ، وحرز من الإرتداد ، فلقد بذلوا أنفسهم ومهجهم طاعة لله ورسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتمنوا الموت وإختاروا الشهادة كما في قوله تعالى [وَلَقَدْ كُنْتُمْ تََمَنَّوْن الْمَوْتَ] ( )والذين يعودون من المعركة يرجعون بفضل من الله بلحاظ كثرة جيش الكفار وأسلحتهم وخيلهم بالقياس إلى قلة عدد المسلمين والنقص في أسلحتهم ، فكان مع جيش الكفار يوم بدر مائة فرس ، بينما مع المسلمين فرسان وقيل ثلاثة ، وأثر الخيل في سير المعركة والقتال معروف ، ومنه إشراف الراكب على الراجل في القتال .
ومن الإعجاز في قوله تعالى[وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ]( )، أن الجيوش ومع الإرتقاء العلمي والتقدم في صناعة الأسلحة التقنية والدبابات والصواريخ والطائرات تحتاج الخيول في بعض المعارك لبيان إستدامة أمثلة القرآن ومواضيع آياته.
وهل كان أصحاب الأنبياء الذين تذكرهم آية البحث يركبون الخيل ويستعملونها في المعارك , الجواب نعم ، إذ يقاتلون بسلاح زمانهم ويستعملون العصي وما تيسر من السيوف والرماح والخيل والبغال ,
وتقدير الجمع بين آية البحث والآية أعلاه : واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل وكأين من نبي قاتل معه ربيون أعدوا لهم ما استطاعوا من قوة ورباط الخيل ) وهو المستقرأ من قوله تعالى في آية البحث (فما وهنوا …).
كان المشركون في الطريق إلى بدر كأنهم في نزهة وسياحة ، مع وفرة في الطعام , أما النبي فانه كان يحرص على أداء الصلاة باصحابه في أوقاتها ، وهو أبهى طعام وأحسن زاد، ومن مصاديق قوله تعالى [وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى] ( )وكان يقول [نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي] ( ).
وتجلى مصداق هذه القوانين بمعركة بدر وإمتلأت نفوس الكفار بالرعب ، وجاء المسلمون بالغنائم إلى المدينة ومعهم الأسرى ليفتدوا أنفسهم بأموال عظيمة وفيه بيان للمآثر والنعمة على أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم من بين أصحاب الأنبياء ، فقد كان الربيون يقاتلون مع الأنبياء من غير غنائم وأموال وأرباح وفداء يدفعه الأسرى ، ومع هذا لم يدّب إلى نفوسهم الوهن أو الضعف , فمن باب الأولوية القطعية أن يعتصم المسلمون من الإنقلاب والإرتداد .
ومن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم إنتفاء موضوع الثأر أو اسباب العداوة على القتل في معارك الإسلام ، فمن قتل أخوه أو أبوه كافراً لا يؤاخذ قاتله المسلم على هذا الفعل ولا يغدر به ، أما لو حصل إنقلاب فان أسباب الثأر والعداوة تتجدد بين الناس لذا فأن التنزه عن الإرتداد حاجة للمسلمين وفيه إصلاح للمجتمعات [وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم قال : لما نزلت { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً } الآية . قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيوف ، فقالوا : ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وإنك رسول الله؟ قال : نعم . فقال بعض الناس : لا يكون هذا أبداً ، فأنزل الله { انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون ، وكذب به قومك وهو الحق } إلى قوله { وسوف تعلمون}]( ).
المسألة العاشرة : ذكرت كل من آية السياق والبحث اسم الجلالة مرتين، وكل من الآيتين أختتمت بذكر قانون كلي هو من فضل الله عز وجل الذي خصّ به المؤمنين لبيان أن رحمة الله عز وجل بالناس في الدنيا على قسمين:
الأول : الرحمة العامة التي تأتي للناس جميعاً، وتصيب المسلم والكافر، والبر والفاجر.
الثاني : الرحمة الخاصة للمؤمنين وأهل التقوى والصلاح.
وخاتمة كل من الآيتين رحمة خاصة بالمؤمنين، إذ أختتمت آية السياق بالوعد الكريم بالجزاء بالأحسن للشاكرين لله من العباد.
وأختتمت آية البحث بالإخبار عن حب الله عز وجل للصابرين والنسبة بين الشاكرين والصابرين هي العموم والخصوص من وجه، فهناك مادة للإلتقاء وأخرى للإفتراق، نعم يشكر المؤمن الله عز وجل في حال السراء والضراء، والرخاء والشدة.
المسالة الحادية عشرة : من معاني الشكر لله عز وجل في آية البحث بلحاظ خاتمة آية السياق أمور:
الأول : تلاوة المسلمين لآية البحث من مصاديق الشكر لله عز وجل.
الثاني : التصديق بالأنبياء السابقين.
الثالث : تلقي آيات القرآن بالقبول والرضا والعمل بمضامينها.
الرابع : الإجتهاد بالسعي لنيل مرتبة (ربيون) ودلالتها على التقوى والإخلاص في عبادة الله.
الخامس : تجلي شكر المسلمين لله بالقتال في سبيله ومحاكاة المؤمنين من الملل السابقة بالجهاد والبذل بقصد القربة إلى الله.
السادس : إجتناب المسلمين الوهن والضعف في حال الحرب والسلم.
السابع : عصمة المسلمين من الذل والهوان والوفاق مع الكفار.
ومن الإعجاز في شريعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم نزول القرآن والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لازال في مكة بالتضاد والتباين بين المؤمنين والكفار كما في قوله تعالى[قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ]( ).
المسألة الثانية عشرة : إبتدأت آية البحث بذكر الأنبياء السابقين وعلى نحو التعدد والإجمال والكثرة [وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ] بينما ذكرت آية السياق رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من جهات :
الأولى : تعيين اسم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالذات ، وفيه منع للجهالة والغرر ، وفضح لأهل الشك والريب ، وزجر عن المغالطة [قال ابن إسحاق : وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن شيخ من بني قريظة قال لي : هل تدري عمّ كان إسلام ثعلبة بن سعية و أسيد بن سعية و أسد بن عبيد ـ نفر من بني هدل إخوة بني قريظة كانوا معهم في جاهليتهم ثم كانوا ساداتهم في الإسلام ؟
قلت: لا، قال : فإن رجلا من اليهود من أرض الشام يقال له ابن الهيبان قدم علينا قبل الإسلام بسنين فحل بين أظهرنا لا والله ما رأينا رجلا قط لا يصلي الخمس أفضل منه
فأقام عندنا فكنا إذا قحط عنا المطر قلنا له : اخرج يا ابن الهيبان فاستسق لنا
فيقول : لا والله حتى تقدموا بين يدي مخرجكم صدقة فنقول له : كم ؟ فيقول : صاعا من تمر أو مدين من شعير
قال : فنخرجها ثم يخرج بنا إلى ظاهر حرتنا فيستسقى لنا فو الله ما يبرح مجلسه حتى يمر السحاب ويسقى قد فعل ذلك غيره مرة و لا مرتين و لا ثلاثا
قال : ثم حضرته الوفاة عندنا فلما عرف أنه ميت قال : يا معشر يهود ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع.
قال : قلنا أنت أعلم
قال : فإني إنما قدمت هذه البلدة أتوكف خروج نبي قد أظل زمانه هذه البلدة مهاجره فكنت أرجو أن يبعث فأتبعه وقد أظلكم زمانه فلا تسبقن إليه يا معشر يهود فإنه يبعث بسفك الدماء و سبي الذراري ممن خالفه فلا يمنعنكم ذلك منه
فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم وحاصر بني قريظة قال هؤلاء الفتية و كانوا شبابا أحداثا : يا بني قريظة و الله إنه للنبي الذي عهد إليكم فيه ابن الهيبان
قالوا : ليس به قالوا : بلى والله إنه لهو بصفته فنزلوا فأسلموا فأحرزوا دماءهم و أموالهم وأهليهم
قال ابن إسحاق : فهذا ما بلغنا عن أحبار يهود
قلت : وقد قدمنا في قدوم تبع اليماني و هو أبو كرب تبان أسعد إلى المدينة و محاصرته إياها و أنه خرج إليه ذانك الحبران من اليهود فقالا له : إنه لا سبيل لك عليها إنها مهاجر نبي يكون في آخر الزمان فثناه ذلك عنها] ( ).
الثانية : ذكرت الآية مغادرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحياة الدنيا بينما جاءت هذه الآية بذكر عدد الأنبياء [وَكَأَيِّنْ] وهي بمعنى (كم) من نبي لإفادة الكثرة والتعدد .
الثالثة : تضمنت السياق زجر المسلمين عن الإنقلاب والإرتداد، وتضمنت آية البحث في مفهومها حث المسلمين على الصبر في ميادين القتال، والتأسي بالمؤمنين من الأمم السالفة.
الثالث : صلة هذه الآية بقوله تعالى[وَلَقَدْ كُنْتُمْ تََمَنَّوْن الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ…] ( )، وفيها مسائل:
الأولى : تقدير الجمع بين الآيتين على وجوه( ):
الأول : ولقد كنتم تمنون الموت وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير.
الثاني : فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله ولقد كنتم تمنون الموت.
الثالث : ولقد كنتم تمنون الموت والله يحب الصابرين.
الرابع : فقد رأيتم الموت وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير.
الخامس : فقد رأيتموه وأنتم تنظرون والله يحب الصابرين.
الثانية : جاءت آية السياق خطاباً للمسلمين، وبياناً لحالهم في الإستعداد لمعركة أحد والقتال في مواجهة الكفار، أما آية البحث فتضمنت الإخبار عن حال أصحاب الأنبياء السابقين وجهادهم في سبيل الله، وإذ يلتقي المسلمون معهم في الدفاع عن النبوة والرسالة بالسيف فهل كان أصحاب الأنبياء يتمنون الموت كما تمناه المسلمون.
الجواب لا دليل عليه، إنما كانوا يتحملون أنواع الأذى في جنب الله لذا أختتمت آية البحث بأن الله يحب الصابرين في إشارة إلى صبرهم في البقاء في منازل الهدى والإيمان.
الثالثة : تبين آية البحث أن المسلمين تمنوا الموت والشهادة في سبيل الله، بينما تذكر آية البحث جهاد المؤمنين من الأمم السابقة ترى هل يعلم المسلمون بجهاد الأمم السابقة، أم أنهم علموا به في هذه الآية، الأقرب هو الأول، وأن علمهم بسنن المؤمنين من الأمم السابقة ترشح عن نزول آيات القرآن وعن السنة النبوية.
وجاءت الآية لتوثيق إخبار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن أحوال الأمم السابقة وبياناً تفصيلياً لجهاد الأنبياء وأصحابهم.
الرابعة : جاءت آية السياق بصيغة الخطاب وهو موجه للمسلمين والمسلمات، بينما وردت آية البحث بصيغة الجملة الخبرية.
ومن الإعجاز التداخل بين الصيغتين، وكل واحدة منهما تتضمن معنى الأخرى، إذ تتجلى معاني الإخبار بآية السياق ببيان حالهم بصيغة الماضي ولغة الخطاب في آية البحث خاصة وأنها في نظم آيات الخطاب للمسلمين، وتبدأ بحرف العطف (الواو) ومن أسرار لغة الخطاب في الآيتين بيان فضل الله عز وجل على المسلمين ولزوم شكرهم له سبحانه على أمور:
الأول : صرف الموت والقتل في ميدان معركة أحد عنهم، فان قلت تأتي معارك أخرى تنتظرهم.
والجواب هناك تباين بين وقائع معركة أحد وحال المسلمين فيها وبين المعارك اللاحقة، وأكبرها من جهة كثرة أعداد الجيوش معركة الخندق فمع مجئ الأحزاب بثلاثة أضعاف عددهم في معركة أحد إلا أنه لم يقع قتال ومجالدة بالسيوف بين الفريقين باستثناء مواجهات فردية أظهر الله فيها المسلمين بآية إعجازية ونزل قوله تعالى[وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ]( )، عندما قتل الإمام علي عليه السلام فارس قريش عمرو بن ود العامري.
ليكون من معاني مجئ آية السياق بصيغة الماضي[وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْن]( )، البشارة للمسلمين، ومن غاية هذه البشارة أمور:
الأول : بعث السكينة في نفوس المسلمين بعدم توالي المعارك التي يكون فيها الموت قريباً منهم.
الثاني : التخفيف عن المسلمين بقلة النفير للقتال.
الثالث : توجه المسلمين لإصلاح أنفسهم في أمور الدين والدنيا، والتفقه في أحكام الشريعة.
الرابع : إنتفاء المانع من دخول الناس في الإسلام، وعدم خشيتهم من الكفار عند الهجرة إلى المدينة المنورة، لذا ضاقت بهم أزقة المدينة وأستحدث موضع وموضوع وهو أهل الصفة( ).
المسألة الثانية عشرة : يقاتل المسلمون مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهم يحبون بقاءه بين ظهرانيهم ،لأنه النعمة العظمى ، وتترشح عن صحبته البركة وتلقي نزول آيات القرآن ، ويعمل المسلمون بالوحي في حلهم وترحالهم وينظرون إلى الطلعة البهية وهم شاكرون لله وهو من وجوه نيل المسلمين مرتبة الربيين ، وإخلاصهم في طاعة الله [عن الشعبي « أن رجلاً من الأنصار أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا رسول الله والله لأنت أحب إليَّ من نفسي وولدي وأهلي ومالي ، ولولا أني آتيك فأراك لظننت أني سأموت . وبكى الأنصاري فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ما أبكاك؟ فقال : ذكرت أنك ستموت ونموت فترفع مع النبيين ، ونحن إذا دخلنا الجنة كنا دونك . فلم يخبره النبي صلى الله عليه وسلم بشيء ، فأنزل الله على رسوله { ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم } إلى قوله { عليماً } فقال : أبشر يا أبا فلان] ( ).
الرابع : صلة هذه الآية بقوله تعالى [هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ]
وفيها مسائل :
الأولى : تقدير الجمع بين الآيتين على وجوه :
الأول : وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير هذا بيان للناس .
الثاني : فما وهنوا لما اصابهم في سبيل الله هذا بيان للناس .
الثالث : وما ضعفوا وما إستكانوا هذا بيان للناس .
الرابع : والله يحب الصابرين هذا بيان للناس .
الخامس : وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير هذا هدىً .
السادس : وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير موعظة للمتقين .
السابع : فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله هذا هدىً
الثامن : وما ضعفوا وما إستكانوا هذا هدىً وموعظة للمتقين
التاسع : والله يحب الصابرين هذا هدىً .
العاشر : والله يحب الصابرين موعظة للمتقين .
الثانية : ذكرت آية السياق أن القرآن بيان للناس جميعاً والآية إنحلالية أي أن كل آية في القرآن بيان وتفصيل للناس في أمور الدين والدنيا ، ومنها آية البحث التي جاءت بخصوص بعثة الأنبياء ،وفي جهة خطابها وجوه :
الأول : الآية بيان لصحابة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن طوائف من الناس فازوا بذات مرتبة صحبة الأنبياء وأنهم قاتلوا معهم مثلما تقاتلون أنتم مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يذكر أحياناً قصص الأنبياء والمؤمنين من الأمم السالفة للإتعاظ والإعتبار [عن صهيب قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى العصر همس ، فقيل له : إنك يا رسول الله إذا صليت العصر همست ، فقال : « إن نبياً من الأنبياء كان أعجب بأمته ، فقال : من يقوم لهؤلاء فأوحى الله إليه أن خيرهم بين أن ينتقم منهم ، وبين أن يسلط عليهم عدوهم ، فاختاروا النقمة ، فسلط عليهم الموت فمات منهم في يوم سبعون ألفاً .
قال : وكان إذا حدث بهذا الحديث الآخر قال : كان ملك من الملوك ، وكان لذلك الملك كاهن يكهن له ، فقال له ذلك الكاهن : انظروا إلى غلاماً فهماً أو قال : فطناً لقناً فأعلمه علمي هذا ، فإني أخاف أن أموت فينقطع هذا العلم منكم ، ولا يكون فيكم من يعلمه قال : فنظروا له على ما وصف ، فأمروه أن يحضر ذلك الكاهن ، وإن يختلف إليه ، فجعل الغلام يختلف إليه ، وكان على طريق الغلام راهب في صومعته ، فجعل الغلام يسأل الراهب كلما مر به ، فلم يزل به حتى أخبره ، فقال : إنما أعبد الله .
فجعل الغلام يمكث عند الراهب ويبطىء على الكاهن ، فأرسل الكاهن إلى أهل الغلام أنه لا يكاد يحضرني ، فأخبر الغلام الراهب بذلك ، فقال له الراهب : إذا قال لك : أين كنت؟ فقل : عند أهلي ، وإذا قال لك أهلك : أين كنت؟ فقل : عند الكاهن . فبينما الغلام على ذلك إذ مر بجماعة من الناس كثيرة قد حبستهم دابة يقال كانت أسداً ، فأخذ الغلام حجراً فقال : اللهم إن كان ما يقول الراهب حقاً فأسألك أن أقتل هذه الدابة ، وإن كان ما يقوله الكاهن حقاً فأسألك أن لا أقتلها ، ثم رمى فقتل الدابة فقال الناس : من قتلها؟ فقالوا : الغلام .
ففزع الناس وقالوا : قد علم هذا الغلام علماً لم يعلمه أحد ، فسمع أعمى فجاءه ، فقال له : إن أنت رددت بصري فلك كذا وكذا ، فقال الغلام : لا أريد منك هذا ولكن أرأيت إن رجع عليك بصرك أتؤمن بالذي رده عليك؟ قال : نعم ، فدعا الله فرد عليه بصره فآمن الأعمى فبلغ الملك أمرهم فبعث إليهم ، فأتى بهم فقال : لأقتلن كل واحد منكم قتلة لا أقتل بها صاحبه ، فأمر بالراهب والرجل الذي كان أعمى فوضع المنشار على مفرق أحدهما فقتله وقتل الآخر بقتلة أخرى ثم أمر بالغلام فقال : انطلقوا به إلى جبل كذا وكذا فألقوه من رأسه . فانطلقوا به إلى ذلك الجبل ، فلما انتهوا به إلى ذلك المكان الذي أرادوا أن يلقوه منه جعلوا يتهافتون من ذلك الجبل ويتردون حتى لم يبق منهم إلا الغلام ، ثم رجع الغلام فأمر الملك أن ينطلقوا به إلى البحر فيلقوه فيه ، فانطلق به إلى البحر ، فأغرق الله الذين كانوا معه ، وأنجاه الله . فقال الغلام للملك : إنك لا تقتلني إلا أن تصلبني وترميني وتقول : بسم الله رب الغلام ، فأمر به فصلب ثم رماه وقال : بسم الله رب الغلام ، فوضع الغلام يده على صدغه حين رمي ثم مات .
فقال الناس : لقد علم هذا الغلام علماً ما علمه أحد فإنا نؤمن برب هذا الغلام ، فقيل للملك : أجزعت أن خالفك ثلاثة فهذا العالم كلهم قد خالفوك؟
قال : فخدّ أخدوداً ثم ألقى فيها الحطب والنار ، ثم جمع الناس فقال : من رجع عن دينه تركناه ، ومن لم يرجع ألقيناه في هذه النار . فجعل يلقيهم في تلك الأخدود فقال : يقول الله : { قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود } حتى بلغ { العزيز الحميد }( )فأما الغلام فإنه دفن ثم أخرج] ( ) .
الثاني : إخبار أهل الكتاب بذكر حال آبائهم الذين نالوا صحبة الأنبياء والقتال معهم، ودعوتهم للتصديق برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وفي التنزيل[قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ]( ).
الثالث: في الآية إنذار للكفار بأن قتال أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليس أمراً طارئاً في حياة الناس ، فقد سبقت أجيال من المسلمين يقاتلون مع الأنبياء ويجتهدون في قهر الكفر وأسباب الضلالة .
الثالثة : من أسرار خلافة الإنسان في الأرض التوثيق السماوي لوقائع وأمور الحياة الدنيا ، ولولا التنزيل لما عرف الناس أحوال الأمم السابقة ، وتغلبت الأسطورة والمبالغة والتفريط والوهم والخيال والأهواء على الأخبار المتوارثة ودبّ الشك إليها.
فجاء القرآن بالبيان الناصع والدليل القاطع ، والإخبار الذي هو نعمة من عند الله ، فتفضل سبحانه فجعله سالماً من التحريف خالياً من الإطناب الممل .
وتأتي الآية القرآنية لتبين حقائق تأريخية تضئ للناس دروب الهداية وهو من مصاديق قوله تعالى [ هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ]( )، فكل كلمة من القرآن بيان.
الرابعة : أخبرت آية السياق بأن القرآن هدىً ، والآية إنحلالية وتقديرها أن كل آية هدىً للمسلمين والناس جميعاً ، ومن وجوه الهدى في آية البحث :
الأول : بيان ملاحم الجهاد للأنبياء وأصحابهم من الأمم السابقة .
الثاني : إتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين ذات نهج الأنبياء في الأمم السابقة .
الثالث : إدراك المسلمين لقانون الدفاع عن الإسلام .
الرابع : إغواء الشيطان لأهل الكفر والضلالة بمحاربة الأنبياء ، والخزي الذي يلحق الكفار ، قال تعالى [وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا]( ).
الخامس : هداية الناس إلى سبيل الإيمان ، ودعوتهم للتوبة والإنابة ، وفيه أمن وسلامة من القتال وموضوعه لعدم وجود طرف آخر من الكفار يعتدون على المسلمين .
السادس : تبعث الآية المسلمين لبلوغ مرتبة الربيين وتعاهدها ،فاذا كان كل نبي معه ربيون فمن باب الأولوية القطعية أن يكون المسلمون بمرتبة الربيين من وجوه :
الأول : وأخبرت آية البحث بأن الذين قاتلوا مع الأنبياء السابقين بمرتبة الربيين فهل يختص هذا النعت بهم وبحضور نبي زمانهم ، أم يشمل أنصاره من التابعين لزمانه لوحدة الموضوع في تنقيح المناط ، ولأن معنى المعية في قوله [قَاتَلَ مَعَهُ] أعم من المصاحبة في ذات المكان والزمان .
والصحيح هو الثاني ، لذا فان نيل أجيال المسلمين مرتبة [ الربيين] من باب الأولوية القطعية ، وهو من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ).
الثاني : اقد بلغ أصحاب الأنبياء السابقين مرتبة الربيين والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو سيد الأنبياء والمرسلين فلا بد أن يرتقي أصحابه وأتباعه لذات المرتبة .
الثالث : التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم سور الموجبة الكلية الجامع للمؤمنين من الأمم السابقة والمسلمين بلحاظ مسائل :
الأولى : لقد بشر الأنبياء وأعمهم بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وحثوا الناس على التصديق بها .
الثانية : تلقي المسلمين البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالقبول والتصديق .
الثالثة : تعاهد البشارة ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالدفاع والقتال .
الرابعة : صبر الأولين واللاحقين في البشارة والتصديق بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لذا أختتمت آية البحث بقوله تعالى [وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ].
السابع : تهدي آية البحث المسلمين إلى الإحتراز من الوهن والضعف وإلى الوقاية من الذل والإستكانة أمام العدو ، ومن ضروب هذه الإستكانة الرضا بالصلح الذي يتضمن شروطاً يحيلها الكفار بغير حق ، وما يضر المؤمنين في عباداتهم ومناسكهم ودعوتهم إلى الله.
الثامنة : صحيح أن خاتمة آية البحث تحث على الصبر وتندب المسلمين إليه ،إلا أن كل كلمة وجملة منها آية في الصبر ، وتدعوا إليه وتحث عليه بلسان المثل والذكرى والقصة والإخبار ولزوم المحاكاة للربيين لوحدة سنخية الإيمان بينهم وبين المسلمين .

إعجاز الآية
تبين الآية قانوناً متجدداً في الأرض وهو أن شطراً من الأنبياء قاتلوا بأنفسهم الكفار ، وفيه بيان وتفسير لحال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإتحاد سنخية النبوة ، فقد يقول بعضهم كيف يقاتل النبي قومه ،خاصة بعد سقوط عدد من كبراء قريش صرعى في معركة بدر مثل أبي جهل عمرو بن هشام بن المغيرة وأمية بن خلف ، والحارث بن الحضرمي، وزمعة بن الأسود ومنبه بن الحجاج .
وكان أكثر القتلى من بني مخزوم ومنهم أبو جهل، ثم من بني أمية كعقبة بن أبي معيط وعتبة بن ربيعة، فجاءت آية البحث لبيان أن الأنبياء قاتلوا في سبيل الله ، وإن وردت قصص وأخبار الأنبياء بعدم خروجهم لميادين القتال وتحشيد الجيوش مثل إبراهيم عليه السلام فانه لا يعني أن الأنبياء جميعاً لم يقاتلوا ، فكان إبراهيم يجاهد بنفسه وعياله ليترك لأجيال المسلمين صفحات من الجهاد لذا أثنى الله عز وجل عليه بقوله تعالى [إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ] ( ) .
ومن وجوه تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الأنبياء السابقين أنه كان أمة بنفسه في حال الحرب والسلم ، والحضر والسفر من وجوه :
الأول : دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الله بما يفوق دعوة الأنبياء السابقين [قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم « ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة] ( ).
الثاني : جهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه وأهل بيته ، ومصاحبة هذا الجهاد للبعثة النبوية فما أن أعلن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نبوته بأمر من عند الله حتى بدأت ضروب الأذى عليه مقرونة بالسخرية والتحذير للناس من إتباعه .
الثالث : إعراض النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن العروض الكثيرة التي جعلتها قريش له ليكف عن إظهار نبوته.
الرابع : الصبر على تلقي الأذى الذي صدر من قريش أزاء شخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه الأوائل الذين دخلوا الإسلام سراً وعلانية حتى قتل بعضهم فمثلاً كان عمار وأمه سمية وبلال وصهيب والمقداد وبلال من الأوائل الذين أظهروا الإسلام، فأخذهم المشركون فألبسوهم أدرع الحديد وصهروهم في الشمس، فما منهم من أحد إلا وقد آتاهم على ما أرادوا، إلا بلالا فإنه هانت عليه نفسه في الله تعالى، وهان على قومه فأخذوه فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول: أحد أحد( ).
الخامس : مصاحبة الوحي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في حله وترحاله، وفي أموره الخاصة والعامة، ومسائل الدنيا والآخرة ويتجلى بصيغة الإطلاق في قوله تعالى[وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى]( ).
السادس : توالي نزول آيات القرآن على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليكون من أسرار نزولها نجوماً وعلى فترات متعاقبة بيان الإعجاز في هيئة وحال النبي ساعة التنزيل إذ يتصبب عرقاً في اليوم الشديد البرد ثم يتلو الآيات التي أنزلت عليه، وهذا التعرض من شدة وطأة الوحي وكأنه معجزة صغرى تكون مقدمة للإعجاز في مضامين الآيات النازلة من عند الله، وأول ساعة لهن في الأرض بعد مغادرة السماء.
من أسرار إبتداء الآية بصيغة التعدد والدلالة على الكثرة بقوله تعالى [وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ] موضوع الجهاد والقتال وحاجته للرجال، وسمي الجيش خميساً لأنه يتألف من مقدمة وميمنة وقلب وميسرة ومؤخرة لبيان حقيقة وهي أن لجوء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للدفاع وإستعمال السيف لم يكن إبتداء في نهج الأنبياء أو أنه أمر نادر وقليل في حياة وسيرة الأنبياء وأصحابهم، فمع القلة والندرة قد يقول المنافقون وأهل الشك والريب أنه لا عبرة بالقليل والنادر وأن منهاج العمل لا يبتنى على فعل القليل والأمر النادر والشاذ ، بل أخبرت الآية عن كثرة الأنبياء الذين قاتلوا في سبيل الله .
ذكرت الآية قتال الأنبياء وأصحابهم معهم ، ولأن الآية جاءت من باب المثال والعبرة والموعظة للمسلمين ، ففيها مسائل :
الأولى : دعوة المسلمين للتهيأ لقتال الكفار وتوطين النفس على الجهاد .
الثانية : زجر المنافقين ، ورد شبهات أهل الريب والشك ، فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أول نبي قاتل هو وأصحابه في سبيل الله .
الثالثة : بعث الشوق في نفوس المسلمين لملاقاة الأعداء دفاعاً عن الإسلام ، قال تعالى [كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ] ( ).
الرابعة : لزوم تقييد قتال المسلمين بأنه في سبيل الله ، وفيه تزكية للمسلمين من حب الدنيا وزينتها .
الخامسة : وجوب البقاء في مقامات التقوى عند ملاقاة الأعداء ، وترك الجزع وأسباب الشك والوهن ، ويتجلى هذا الوجوب في نعت أصحاب الأنبياء وهم يقاتلون بأنهم (ربيون).
وفيه تأديب للمسلمين بأن لا يخرجوا عن سنن الإيمان في القتال ، لذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوصي أمراء السرايا وعامة المجاهدين بأمور :
الأول : تقييد الغزو والدفاع بأنه لله وباسم الله .
الثاني : الحث على تقوى الله .
الثالث : العناية بالمسلمين الذين معه ، ورعايتهم وعدم التشديد عليهم .
الرابع : عدم خروج السرايا للقتال إلا بأمر خاص من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الخامس : حصر القتال بأنه مع الكفار ، وعدم تقييد الأمر بالقتل ، بل تخيير الكفار والرضا منهم بدخول الإسلام بالنطق بالشهادتين ليفوزوا بالفلاح، ويكون لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين , ويدل لفظ قاتلوا معه على إصرار الكفار على العناد والتحدي .
عن سليمان بن بُرَيْدة، عن أبيه: بُرَيْدة بن الحُصَيب الأسلمي، رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا بعث أميرا على سرية أو جيش، أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا.
وقال : “اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال أو : خلال فأيتهن ما أجابوك إليها فاقبل منهم، وكُفَّ عنهم : ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأعلمهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين.
وأن عليهم ما على المهاجرين. فإن أبوا واختاروا دارهم فأعلمهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة نصيب، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية.
فإن أجابوا فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله ثم قاتلهم] ( ).
بينما ذكرت آية البحث حال أصحاب الأنبياء باجتهادهم في القتال والجهاد في سبيل الله ، وفيه شاهد على إرتقاء المسلمين في مراتب المعرفة الإلهية ، وحرصهم على الدعوة إلى الله والإنذار قبل بدء القتال .
السادسة : إكرام أصحاب الأنبياء السابقين بذكر التعدد في خصال الحسن التي يتصفون بها ومنها تلقي الأذى في جنب الله وإصابتهم بالجراحات في سبيل الله .
وأخبرت الآية عن الوقاية الذاتية والأمن من الوهن والضعف ، وهو نوع إعجاز ، إذ أن القتال وطول مدته ووقوع الخسائر في النفوس والأموال تبعث على السأم والضجر والميل إلى الدعة وإجتناب تجدد القتال ، ولكن الآية توثق سلامة أصحاب الأنبياء من هذه الأعراض لأنهم ربيون يتصفون بالإخلاص في إيمانهم.
عن عبد الله بن مسعود، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “يا ابن مسعود”. قلت: لبيك يا رسول الله. قال: “هل علمت أن بني إسرائيل افترقوا على ثنتين وسبعين فرقة؟ لم ينج منها إلا ثلاث فرق، قامت بين الملوك والجبابرة بعد عيسى ابن مريم عليه السلام، فدعت إلى دين الله ودين عيسى ابن مريم، فقاتلت الجبابرة فقُتلت فصبرت ونجت.
ثم قامت طائفة أخرى لم يكن لها قوة بالقتال، فقامت بين الملوك والجبابرة فدعوا إلى دين الله ودين عيسى ابن مريم، فقتلت وقطعت بالمناشير وحرقت بالنيران، فصبرت ونجت.
ثم قامت طائفة أخرى لم يكن لها قوة بالقتال ولم تطق القيام بالقسط، فلحقت بالجبال فتعبدت وترهبت، وهم الذين ذكرهم الله، عز وجل: { وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ }( ).
ومن إعجاز الآية إختتامها بقانون كلي وهو حب الله عز وجل للصابرين في الجهاد وأداء العبادات والمناسك ، لبيان أن الإخبار عن جهاد الأنبياء وأصحابهم موعظة للمسلمين ، وبشارة بحب الله لهم لأنهم يقاتلون مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في سبيل الله .
وحصر بعض المفسرين موضوع الآية بالمثل وتذكير المسلمين بخصوص معركة أحد ولكن موضوعها أعم إذ أنها تبين جهاد الأنبياء وأصحابهم ليقتبس المسلمون منها الدروس ويبذلوا الوسع في ملاقاة العدو، ويزدادوا إيماناً، قال تعالى[ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ]( ).
وقيل في الآية تعريض بالمسلمين لفرار فريق منهم في معركة أحد، ولا دليل عليه، لأن وجوه الإلتقاء بين أصحاب الأنبياء وأصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كثيرة منها:
الأول : ملاقاة الكفار في ميادين القتال.
الثاني : التقوى والصلاح.
الثالث : الثناء من الله على المسلمين.
الرابع : طاعة المسلمين لله ورسوله.
الخامس : مبادرة المسلمين للخروج إلى ميادين القتال.
ويمتاز المسلمون بأمور :
الأول : التصديق بنبوة الأنبياء جميعا .
الثاني : التسليم بوجود صحابة للأنبياء يقاتلون معهم .
الثالث : القتال مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في حياته وبعد رحيله إلى دار الخلد .
السادس : حث المسلمين على عدم الوهن والخوف والوجل والفزع، مع إكرامهم وإعانتهم بالمدد برزقهم مرتبة العلو بقوله تعالى[وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ]( )، وفيها بيان لما يتصف به المسلمون من الإكرام الإضافي بأنهم الأعلى في القتال وأسباب الغلبة .
وجاءت الآية أعلاه بالنهي عن الوهن والحزن، فهل إمتثال المسلمين، وعصموا أنفسهم من الوهن والحزن، الجواب نعم، إذ أقبلوا على القتال بشوق , وصبروا في ميادينه وتمنوا الفوز بالشهادة بعد أن إختاروا الهجرة والنصرة , قال تعالى[الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ]( ).
ووصفت آية البحث أصحاب الأنبياء الذين قاتلوا معهم بأنهم (ربيون) ويتجلى فوز المسلمين بهذا النعت بحسن السمت في الواقع اليومي وتقيدهم بالعبادات ومحاكاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سنته الشريفة.
وعن تويلة بنت أسلم قالت : صليت الظهر أو العصر في مسجد بني حارثة ، فاستقبلنا مسجد ايلياء فصلينا سجدتين ثم جاءنا من يخبرنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد استقبل البيت الحرام ، فتحوّل الرجال مكان النساء ، والنساء مكان الرجال ، فصلينا السجدتين الباقيتين ، ونحن مستقبلوا البيت الحرام .
فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فقال : أولئك قوم آمنوا بالغيب.
وأخرج سفيان بن عيينة وسعيد بن منصور وأحمد بن منيع في مسنده وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف والحاكم وصححه وابن مردويه عن الحرث بن قيس أنه قال لابن مسعود : عند الله يحتسب ما سبقتمونا به يا أصحاب محمد من رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال ابن مسعود : عند الله يحتسب إيمانكم بمحمد صلى الله عليه وسلم ولم تروه! إن أمر محمد كان بيِّناً لمن رآه . والذي لا إله غيره . ما آمن أحد أفضل من إيمان بغيب . ثم قرأ { الم ذلك الكتاب لا ريب فيه }( ) إلى قوله { المفلحون } ( ).
وفي تصديق أهل البيت وصحابة النبي بمضامين آية البحث وقتال أصحاب الأنبياء معهم في سبيل الله شاهد آخر على تصديق أجيالهم المتعاقبة ذكوراً وأناثاً بالغيب.
ويمكن أن نسمى هذه الآية آية [وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ]ولم يرد هذا اللفظ في القرآن إلا في هذه الآية , وكذا بالنسبة لكل من.
الأول : لفظ [قَاتَلَ مَعَهُ].
الثاني : لفظ [رِبِّيُّونَ].
الثالث : لفظ [لِمَا أَصَابَهُمْ].
الرابع : لفظ [وَمَا ضَعُفُوا].
الخامس : لفظ [وما استكانوا].
ويدل هذا التعدد في التفرد بالفاظ معينة على الخصوصية العقائدية لهذا الآية والدلالات الكلامية فيها ، وعظيم منزلة أصحاب الأنبياء السابقين في بناء صرح الإيمان وحملهم البشارة ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .

الآية سلاح
لقد تضمنت الآية السابقة الإخبار عن كون الفضل كله بيد الله عز وجل ، وأن هذا الفضل لا يختص بزمان أو عالم معين بل ينعم به الله على الناس في الدنيا والآخرة ، فيأتي للناس جميعاً في الدنيا ، وينهل منه البر الفاجر والمؤمن والكافر.
أما في الآخرة فانه خاص بالذين آمنوا وعملوا الصالحات والنسبة بين الفضل الإلهي والثواب هي العموم والخصوص المطلق ، فالثواب أخص ، إذ يأتي الفضل إبتداء.
أما الثواب فهو الجزاء لذا فان المؤمن الذي يريد ثواب الآخرة بقوله تعالى في الآية السابقة [وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا]لا ينتقص من حظه في الدنيا.
ليكون تقدير الآية أعلاه ( ومن يرد ثواب الآخرة نؤته ثواب الدنيا أيضا).
فجاءت آية البحث لبعث السكينة في نفوس المسلمين بأن الجهاد والصبر والثبات في منازل الإيمان بعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باب لنيل اللبث الدائم في الجنان ، من غير أن ينقص من نصيبهم في الدنيا.
قد أراد الله عز وجل للإسلام أن يكون الديانة الباقية إلى يوم القيامة ، فلذا جاءت آية البحث بالحث على عدم الوهن أو الضعف في ملاقاة الأعداء .
وهل في الآية تنبيه وتحذير من حروب الردة وأن الكفار والمنافقين سيحاولون بعد وفاة النبي الإجهاز على الإسلام ، الجواب نعم ، لذا سار المسلمون لقتال المرتدين وتفريق صفوفهم وحملهم على العودة إلى الإسلام، وحروب القضاء على الردة آية في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وشاهد بامتثال المسلمين لأمر الله عز وجل بعدم الإنقلاب في قوله تعالى قبل آيتين[وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ]( ).
ومن معاني تسمية الإنسان أنه يأنس بغيره، ومن وجوه الإنس في المقام إقتباس المسلمين الدروس من الأنبياء السابقين وجهاد أصحابهم في سبيل الله، ليكون طريق المسلمين إلى بدر وأحد والخندق مضاءً بالنور الذي يشع من وجود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أمامهم وبين ظهرانيهم، وبما تبينه آية البحث بقتال الأنبياء السابقين وأصحابهم.
ومن مصاديق السلاح والمدد في قوله تعالى[قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ] وجوه:
الأول : مع بعثة كل نبي يجعل الله عز وجل أمة تصدق به وتتبعه، وفيه أن الآيات والمعجزات تترى على الناس إلى أن يؤمن فريق منهم ولا يقف الأمر عند الإيمان بل يحملون معه السلاح من غير تفريط بسنن التقوى.
الثاني : كثرة المؤمنين الذين يخرجون مع كل نبي للقتال.
وتدل الآية على حقيقة وهي أن الأنبياء الذين لم يقاتلوا لم يعجزوا عن إيجاد أمة تقاتل معهم، فأي نبي يأمره الله بالقتال تكون هناك طائفة تتصف بالتقوى تقاتل معه، ليكونوا دعاة إلى نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسبيل هداية لأصحاب بالقتال معه، وعدم الإلتفات إلى صدود وصدّ المنافقين ، ووعيد وزحف الجاحدين بالجيوش، وجاءت الآية بصيغة الحملة الخبرية , وتقدير لغة الخطاب فيها للمسلمين : وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير، فقاتلوا مع النبي محمد وكونوا ربيين وأنتم كثير .
وهل يدل قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( )، على أن المؤمنين المقاتلين مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أكثر من الذين قاتلوا مع أي نبي من الأنبياء السابقين , الجواب نعم، بالإضافة إلى أن كثرتهم كانت قليلة في ملاقاة الجيوش العظيمة للكفار ولكن الله عز وجل أمدهم بالملائكة للنصرة وجعلهم يظهرون في عين العدو أضعاف عددهم الحقيقي، قال تعالى[وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذْ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْْْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً]( ).
وبخصوص معركة بدر ورد عن ابن مسعود أنه قال: لقد قللوا في أعيينا يوم بدر حتى قلت لرجل إلى جنبي : تراهم سبعين؟ قال : لا ، بل مائة ، حتى أخذنا رجلاً منهم فسألناه؟ قال : كنا ألفاً( ).
مفهوم الآية
في الآية بلحاظ المفهوم مسائل منها :
المسألة الأولى : النبوة رئاسة في أمور الدين والدنيا، والحكم بين الناس في مسائل الحلال والحرام والمعاملات والعقود ، ويتصف هذا الحكم والقضاء بأمور :
الأمر الأول : إنه شطر الإعجاز في النبوة ، قال تعالى في خطاب لداود النبي [َيادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعْ الْهَوَى] ( ) .
وجاءت آيات عديدة بالأمر للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالحكم بين الناس وبين أهل الكتاب بما أنزل الله عليه كما في قوله تعالى [وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ] ( ).
بين الحكم بالحق في الآية التي تخص داود عليه السلام وبين الحكم بما أنزل الله في الآية أعلاه عموم وخصوص مطلق ، فكل حكم أنزله الله هو حكم واقعي ومطابق للصدق والعدل ، وليس كل حكم بالحق هو تنزيل لبيان تفضيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم, والدعوة للعمل بسنته في الأحكام والقضاء .
وجاءت آية البحث لتبين أن حياة الأنبياء ليست كلها رغداً ولكنه لا يعني أنها شقاء وبؤس ، بل هي جهاد بالنفوس وليس بالنفس وحدها بمعنى أن كل مؤمن يجاهد بنفسه.
إذ يجاهد النبي من وجوه :
الأول :جهاد النبي بنفسه وبذل حياته ومهجته في سبيل الله ، وهو المستقرأ من الكتاب والسنة , ومنه قوله تعالى في آية البحث [قَاتَلَ مَعَهُ].
وتقدير آية البحث وكم من نبي قاتل وقاتل معه ربيون .
الثاني : جهاد النبي بأهل بيته وأزواجه لمشاركتهم إياه في الجهاد ، ولتعريضهم للأذى والضرر ، كما سيأتي في باب شعب ابي طالب( ) .
الثالث : مجاهدة النبي للنفوس الأمارة بالسوء ، والتي تغلب فيها الشهوة والنفع الدنيوي الخاص .
الرابع : جهاد النبي بأصحابه في سبيل الله، فيجاهد المؤمنون بأنفسهم وأهليهم أما النبي فهو يجاهد بهم ويدفع عنهم ، وهو من أسرار الإمامة العامة .
ويحتمل الحديث [ما أوذي نبي مثل ما أوذيت قط] ( )في موضوعه وجوهاً :
الأول : إرادة الأذى الذي يصيب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على نحو الخصوص والتعيين .
الثاني : شمول أهل البيت بقوله صلى الله عليه وآله وسلم : كما أوذيت.
الثالث : الأذى الذي يلقاه الصحابة هو أذى للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً ،قَالَ ابن إسْحَاقَ : وَحَدّثَنِي حَكِيمُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ قُلْت لِعَبْدِ اللّهِ بْنِ عَبّاسٍ : أَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَبْلُغُونَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ الْعَذَابِ مَا قَالَ نَعَمْ وَاَللّهِ إنْ كَانُوا لَيَضْرِبُونَ أَحَدَهُمْ وَيُجِيعُونَهُ وَيُعَطّشُونَهُ حَتّى مَا يَقْدِرَ أَنْ يَسْتَوِيَ جَالِسًا مِنْ شِدّةِ الضّرّ الّذِي نَزَلَ بِهِ حَتّى يُعْطِيَهُمْ مَا سَأَلُوهُ مِنْ الْفِتْنَةِ حَتّى يَقُولُوا لَهُ آللّاتِي وَالْعُزّى إلَهَك مِنْ دُونِ اللّهِ ؟ فَيَقُولُ نَعَمْ حَتّى إنّ الْجُعَلَ لَيَمُرّ بِهِمْ فَيَقُولُونَ لَهُ أَهَذَا الْجُعَلُ إلَهَك مِنْ دُونِ اللّهِ ؟ فَيَقُولُ نَعَمْ افْتِدَاءً مِنْهُمْ مِمّا يَبْلُغُونَ مِنْ جَهْدِهِ( ).
الرابع: كل أذى يلقاه مسلم في الأجيال المتعاقبة هو في حقيقته أذى للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً .
وباستثناء الوجه الرابع فان الوجوه الثلاثة أعلاه داخلة في عموم الحديث خاصة وأنه ورد بصيغة الماضي [مثل ما أوذيت] ليخرج الأذى اللاحق .
الأمر الثاني : إنه تأسيس لحكم الله في الأرض ، ومرآة للتقوى ، والتي لا تختص بالأفعال العبادية للمكلف ، فتعلق التقوى بالحكم من جهات :
الأولى : تحلي الحاكم بالتقوى والخشية من الله عز وجل ، وتتجلى بالحكم والعدل والإنصاف ، والأنبياء أئمة الناس بالعدل وهم رواد مدرسة العدالة وما بعثوا إلا للعدل وبالعدل .
الثانية : إنصاف حكم وقضاء النبي بأنه بالوحي ومن عند الله ، وكان جبرئيل ينزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في بيان الأحكام وحتى عند الخصومات ، وأحياناً يقترن مجئ الحكم بنزول آيات قرآنية ليكون موضوعية لكل من :
الأول : سبب النزول .
الثاني : مضامين الآية موضوع للإستنباط .
الثالث : في كل آية حكم يستقرأ منها يتصف بالبقاء والأثر والعمل به إلى يوم القيامة .
وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال : كان الظهار في الجاهلية يحرم النساء فكان أوّل من ظاهر في الإِسلام أوس بن الصامت ، وكانت امرأته خولة بنت خويلد ، وكان الرجل ضعيفاً ، وكانت المرأة جلدة ، فلما تكلم بالظّهار .
قال : لا أراك إلا قد حرمت عليّ فانطلقي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلك تبتغي شيئاً يردّك عليّ فانطلقت ، وجلس ينتظرها ، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم وماشطة تمشط رأسه ، فقالت : يا رسول الله إن أوس بن الصامت من قد علمت من ضعف رأيه وعجز مقدرته ، وقد ظاهر مني فابتغ لي يا رسول الله شيئاً إليه.
قال : يا خويلة , ما أمرنا بشيء في أمرك وأن نؤمر فسأخبرك .
فبينا ماشطته قد فرغت من شق رأسه وأخذت في الشق الآخر أنزل الله عز وجل .
وكان إذا أنزل عليه الوحي تربد لذلك وجهه حتى يجد بردة فإذا سرّي عنه عاد وجهه أبيض كالقلب ، ثم تكلم بما أمر به ، فقالت ماشطته : يا خويلة إني لأظنه الآن في شأنك فأخذها أفكل .
ثم قالت : اللهم بك أعوذ أن تنزل فيّ إلا خيراً فإني لم أبغ من رسولك إلا خيراً فلما سرّي عنه قال : يا خويلة قد أنزل الله فيك وفي صاحبك فقرأ { قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله }( ) إلى قوله : { فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا } فقالت : والله يا رسول الله ما له خادم غيري ولا لي خادم غيره ، قال : { فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين } قالت : والله إنه إذا لم يأكل في اليوم مرتين يسدر بصره .
قال : { فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً } قالت : والله ما لنا في اليوم إلا وقية ، قال : فمريه فلينطلق إلى فلان فليأخذ منه شطر وسق من تمر فليتصدق به على ستين مسكيناً وليراجعك] ( ).
الثالثة : حكم أي نبي من الأنبياء تأسيس لعلم يبقى في الأرض إلى يوم القيامة ، وهو من فيوضات النبوة ومانع من الفتنة والإفتتان في القضاء .
الرابعة : حكم الأنبياء دعوة لتفقه الناس ، ومناسبة لاستحضار حكم الوقائع والحوادث في أذهان الناس ، وإرادة كيفية تصريف الأمور ، فحتى لو جاء حكم النبي بفك خصومة فانه تأديب للناس وإرشاد لسبل الحق والصلاح بما يمنع من كثرة تكرار هذه الخصومات أو الرجوع فيها إلى الحكام والقضاة .
الخامسة : وحدة سنخية حكم الأنبياء لشرف وإتحاد جهة الصدور وهو الوحي والتنزيل .
السادسة : حكم الأنبياء زاجر عن إرتكاب السيئات وعن التعدي فقوله تعالى [وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ] ( )مانع من كثرة وقوع القتل ظلماً وتعدياً ، لأن الذي يهّم بالقتل يخشى القصاص فيجتنب قتل الآخر ، فيكون ذات حكم القصاص وقربه من التنفيذ سبباً لسلامة القاتل والمقتول ، والمراد من الحياة في الآية أعلاه أعم فيشمل وجوهاً :
الأول : وحدة الروح والبدن وجريان النفس .
الثاني : الإيمان والصلاح .
الثالث : التفقه في الدين .
الرابع : إستدامة الأخوة الإيمانية بين المسلمين , وحسن الصلات بين الناس جميعاً .
ولما قال تعالى [وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ] ( )جاءت آية البحث لتنمية ملكة العزة عند المسلمين بإخبارهم بسبق إخوانهم من أصحاب الأنبياء بالقتال في سبيل الله ، وأن نهجهم ليس هو الأول في تأريخ النبوة بل سبقهم الكثير من أصحاب الأنبياء .
الأمر الثالث : الحكم بالأمر الواقعي وليس الظاهري ، فقد لا يكون الحكم الظاهري مطابقاً للواقع وذات الحادثة كما في الحكم وفق البينة وهو حكم ظاهري وربما شهد الشاهدان العدلان خلاف الواقع من غير عمد ، ولكن لشبهة في الحال والمقال ، وبعد نفاذ حكم الحاكم يتبين خطأ البينة ، ويغرمان الضرر أو الدية لأنهما صارا سبباً للحكم ، أما بالنسبة لحكم الأنبياء فهو موافق للواقع ، وكاشف للسر ، فهو نعمة على الناس ، ومن مصاديق قوله تعالى في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ).
الأمر الرابع : حكم الأنبياء باعث للسكينة في النفوس ، وبرزخ دون الغبن والظنة ،ودافع للشك والوهم للملازمة بينه وبين الحق ، ليكون علة ومناسبة لتوجه الناس نحو أداء العبادات من غير إنشغال بالفتن والمكائد وأسباب الكدورة .
والنبوة نعمة عظمى على أهل الأرض ، ولما إحتجت الملائكة على جعل خليفة في الأرض [قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ] ( )ردّ الله عز وجل عليهم [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( )ومن علمه تعالى في المقام أمور :
الأول : بعث الأنبياء والرسل .
الثاني : ملازمة النبوة لأول ساعة يهبط بها الإنسان إلى الأرض ،فمن أسار خلافة آدم وإكرامه مسائل :
الأولى : خلق آدم في السماء وليس في الأرض .
الثانية : النفخ من روح الله في آدم .
الثالثة : لم يخلق آدم في رحم امرأة .
الرابعة : ليس لآدم أب .
الخامسة : تلقي آدم التعليم من عند الله من غير واسطة ملك أو رسول ، وفي التنزيل [وَعلم آدم الأَسْمَاءَ كُلَّهَا] ( ).
السادسة : نيل آدم مرتبة النبوة والرسالة ،ويحتمل أوان فوزه بهذه المرتبة السامية وجوهاً :
الأول : نال آدم مرتبة النبوة ساعة النفخ من روح الله فيه .
الثاني : نالها قبل سجود الملائكة له .
الثالث: مجئ الوحي والنبوة بعد سجود الملائكة له .
الرابع : بعد تعلم آدم عليه السلام الأسماء من عند الله سبحانه ليكون نبياً عندما علّمها الملائكة كما في قوله تعالى [وَعلم آدم الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ] ( ).
الخامس : التباين الرتبي بين نيل آدم درجة النبوة ثم الإرتقاء الى مرتبة الرسالة .
السادس : صار آدم نبياً عند هبوطه إلى الأرض .
والمختار هو الأخير ليجمع آدم بين الخلافة والنبوة , ولتكون النبوة سلاحاً له ولحواء من إغواء إبليس في الأرض من أول ساعة نزل فيها الأرض ، وفيه وجوه :
الأول : هل يمكن تأسيس قاعدة وهي أن آدم لو كان نبياً وهو في الجنة لعصم من وسوسة إبليس ولما أكل من الشجرة .
الثاني : موضوع الأكل من الشجرة أجنبي عن مسألة العصمة .
الثالث : أكل آدم وحواء من الشجرة كان بمشيئة الله .
الرابع : الأكل من الشجرة مقدمة لمقام الخلافة والهبوط في الأرض .
الخامس : حتى على القول بعصمة الأنبياء وهو المشهور والمختار ، فهذه العصمة خاصة بالأرض .
السادس :إختلاف نواميس السماء عن نواميس الأرض .
السابع : هناك قواعد للعصمة تتغشى سكنة السماء إلا أن يشاء الله ، فما زال آدم وحواء في السماء فهم في كنف العصمة والوقاية بفضل الله ولا يضر بهذه القاعدة معصية إبليس وعدم سجوده لآدم لأنه خلاف الأصل والقواعد لأهل السماء لذا إستحق العذاب الأليم .
ولا دليل على وجود القاعدة التي ذكرناها في الوجه الأول أعلاه ، ونواميس السماء متعددة منها ما هو خاص بسكانها وهم الملائكة ، ومنها ما يتعلق بسكنة السماء من غير الملائكة ، والملائكة أعم واعظم وأوسع ، لذا فإبليس عصى أمر السجود لآدم لأنه لم يكن من سكنة السماء أصلاً. وعن الدر المنثور[أخرج ابن جرير وابن المنذر ، عن ابن عباس قال : إن إبليس كان من أشرف الملائكة وأكرمهم قبيلة وكان خازناً على الجنان ، وكان له سلطان السماء الدنيا] ( ) .
وذكر السيوطي في ذات الصفحة [عن ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن قتادة في قوله : { إلا إبليس كان من الجن } قال : كان من قبيل من الملائكة يقال لهم الجن ، وكان ابن عباس يقول : لو لم يكن من الملائكة ، لم يؤمر بالسجود ، وكان على خزانة السماء الدنيا] ( ).
وإذ وردت الأخبار المتعددة عن ابن عباس بأنه من الملائكة فان قول الحسن البصري : قاتل الله أقواماً يزعمون إِنَّ إبليس كَانَ مِنْ ملائكة الله، والله تَعَالَى يَقُولُ: كَانَ مِنَ الجِنّ( ) تجرأ وأمر ليس مناسباً ، وهو محاولة لغلق باب التحقيق والبيان .
المسألة الثانية ( ): بيان الكثرة المتعددة في ذات الصبغة المباركة في الأرض من وجوه :
الأول : كثرة الأنبياء الذين قاتلوا ،ويدل بالدلالة التضمنية على أن مجموع عدد الأنبياء اكثر من الذين ذكرتهم آية البحث ممن قاتلوا في سبيل الله سبحانه.
ويمكن تقسيم حال الأنبياء في موضوع القتال تقسيماً إستقرائياً إلى :
الأول : الأنبياء الذين قاتلوا في سبيل الله .
الثاني : الأنبياء الذين تلقوا الأذى والظلم ولكنهم لم يقاتلوا ولم يحملوا لواء أو يشهروا سيفاً .
الثالث : الأنبياء الذين قتلوا ظلماً .
وهل يدل قوله تعالى [وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ] ( )على قتل بعض الأنبياء في ميادين القتال بلحاظ أن الآية نزلت بخصوص واقعة أحد وإقتراب الكفار من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإصابته بالكلوم بسبب رميهم له بالحجارة ، الجواب لا ، من جهات :
الأولى : ورد موضوع القتل في الآية أعلاه من باب الترديد والإخبار بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عرضة للقتل حاله كحال باقي المؤمنين ، وهو من مصاديق قوله تعالى [قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ] ( ) بتقريب أن الوحي ليس واقية من القتل .
وفي التنزيل في ذم قوم من الأمم السابقة [فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ]( ).
الثانية : قد يقال أن الآية أعلاه تثبت قتل الأنبياء وعلى نحو التعدد والكثرة وإحتمال أن بعضهم قتل في ميدان المعركة ،والجواب لا ، لإتحاد النسبة والعلة في الجملة بين المخاطبين بالآية أعلاه والأنبياء الذين قتلوا .
الثالثة : قد ثبت أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم يُقتل لا في ميدان المعركة ولا غيلة نعم دسّ له السم فترشح ضرره وفتكه بعد حين كما تقدم في الجزء الثاني عشر بعد المائة من هذا التفسير .
وذكر ابن لهيعة عن أبي الاسود، عن عروة، وكذلك موسى بن عقبة عن الزهري قالوا: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر وقتل منهم من قتل، أهدت زينب بنت الحارث اليهودية وهي ابنة أخي مرحب لصفية شاة مصلية وسمتها، وأكثرت في الكتف والذراع، لأنه بلغها أنه أحب أعضاء الشاة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على صفية ومعه بشر بن البراء بن معرور، وهو أحد بني سلمة، فقدمت إليهم الشاة المصلية، فتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتف وانتهش منها، وتناول بشر عظما فانتهش منه، فلما استرط رسول الله صلى الله عليه وسلم لقمته استرط بشر بن البراء ما في فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ” ارفعوا أيديكم فإن كتف هذه الشاة يخبرني أني نعيت فيها ” .
فقال بشر بن البراء: والذي أكرمك لقد وجدت ذلك في أكلتي التي أكلت، فما منعني أن ألفظها إلا أني أعظمتك أن أبغضك طعامك، فلما أسغت ما في فيك لم أرغب بنفسي عن نفسك ورجوت أن لا تكون استرطتها وفيها نعي.
فلم يقم بشر من مكانه حتى عاد لونه كالطيلسان وماطله وجعه حتى كان لا يتحول حتى يحول.
وعن الزهري: قال جابر: واحتجم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ، حجمه مولى بني بياضة بالقرن والشفرة، وبقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده ثلاث سنين حتى كان وجعه الذي توفي فيه فقال: ” ما زلت أجد من الاكلة التي أكلت من الشاة يوم خيبر عدادا حتى كان هذا أوان انقطاع أبهري .
فتوفى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شهيدا] ( ).
الرابع : الأنبياء الذين قاتلوا بأنفسهم وبمفردهم من غير وجود أصحاب وأتباع كما لو لم يمهله الكفار أو أن الذين آمنوا معه لم يقاتلوا ، أو لم يطلب منهم هو القتال لإختصاص جلب المصلحة ودفع المفسدة بفدائه وتضحيته .
الثاني : كثرة الأنبياء الذين قاتلوا الكفار وهو الذي تدل عليه آية البحث بقوله تعالى [وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ]وهذه الكثرة رحمة من عند الله بالناس ، وشاهد على أن الله عز وجل لا يرضى باشاعة مفاهيم الكفر ، وسيادة الظلم والعدوان والتجبر في الأرض ، وكانت معجزة كل نبي بحسب الغالب على أهل زمانه كأحياء عيسى غليه السلام الموتى في زمانه .
أما معجزة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فهي حاضرة في كل زمان ومكان إذ تخاطب العقول وليس الحواس وحدها ، فأخبرت عن قتال الأنبياء وأصحابهم في سبيل الله وعدم إستحواذ أسباب الضعف وأعراض الوهن عليهم .
وفيه دعوة للمسلمين بمواصلة الجهاد وعدم الركون إلى الراحة والمعاملات اليومية وما فيها من السكينة ،وعدم التعرض للمهالك الطارئة لتبقى معجزة وأمارة شاهدة على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بما فيها من الإنجذاب للدفاع عن الإسلام ،وزجر الكفار عن التعدي والظلم ومحاربة الذين يعظمون شعائر الله ، فصحيح أن الآية جاءت بالثناء على الأنبياء وأصحابهم ،إلا أنها موعظة وضياء للمسلمين في سبيل الرشاد .
المسألة الثالثة: قد يظن شطر من الناس إقتران النبوة بالسراء والغنى وحياة الدعة وإحاطة الأصحاب والأتباع حول النبي وتسابقهم في خدمته ، فجاءت آية البحث لتبين أن حياة الأنبياء جهاد وضراء ومدافعة للكفر والكفار وإقتتال وقتل ، إن الدنيا دار إبتلاء وإمتحان لم ينج منه الأنبياء إذ تتضمن الآية الإخبار عن حقيقة وهي ان الأنبياء عاشوا أشد ضروب الإبتلاء ، وقاسوا المحن والمصائب التي تأتيهم بأشخاصهم وأبدانهم وما يلحق أصحابهم من القتل والجرح ، ويدل قوله تعالى [إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنْ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ] ( ).
وهل هذه الآية من الرجاء المذكور أعلاه ،الجواب نعم ، من جهات :
الأولى : إنها من الذكر الحسن للأنبياء وأصحابهم في الحياة الدنيا .
الثانية : يرجو المؤمنون بلحاظ آية البحث أموراً :
الأول : التصديق بالرسالة ومعجزات النبوة .
الثاني : صحبة النبي في الحضر والسفر وفي السلم والحرب , ويترشح عن هذه الصحبة الطمأنينة والأمن بسلامة النبي من هؤلاء الصحابة أي أنهم لا يغدرون به ولا يكيدون له مع إنفرادهم معه في الليل أو النهار .
الثالث : الجهاد بالنفس وهجران الأهل وترك الأموال بإختيار الخروج مع النبي لسوح القتال ، ومن القواعد الثابتة التضاد بين الخروج للقتال والثقة بالعودة إلى الأهل والأحبة والمال ، فكل من يخرج للقتال يتوقع بظن معتبر أنه لا يرجع ولا يعود إلى أهله ، لذا تكثر الوصية وكتابتها بخصوص أوان القتال ونشوب المعارك .
الرابع : رجاء النصر والغلبة على الكفار ، وهو وفق القياس الإقتراني:
الكبرى : الفئة التي تقاتل مع النبي تنتصر .
الصغرى : الصحابة فئة تقاتل مع النبي .
النتيجة : الصحابة تنتصر .
ويحتمل إنتصار الصحابة على جهات :
الأولى : عندما يكون النبي معهم في سوح القتال .
الثانية : خروج الصحابة بأمر النبي ، كما في السرايا والغزوات التي كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعقد لها لواء ويبعثها في نواحي المدينة وأطراف الجزيرة .
الثالثة : في حال حياة النبي مطلقاً سواء كان معهم في القتال أو أمرهم به أو تركهم وشأنهم .
الرابعة : فيما بعد حياة النبي وعند مغادرته إلى الرفيق الأعلى وبإستثناء الجهة الثالثة أعلاه ،فان الجهات الأخرى من مصاديق آية البحث .
الخامس : إحراز حب الله ونيل النعم التي تترشح عنه وهو من البشارات بإختتام آية البحث بقوله تعالى [وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ].
السادس : الأجر والثواب والفوز بالنعيم على الإيمان والصحبة المباركة للنبي والقتال في سبيل الله .
الثالثة : تلاوة المسلمين والمسلمات وإلى يوم القيامة هذه الآية ،وما فيها من الثناء على الأنبياء وأصحابهم من وجوه :
الأول : كثرة الأنبياء الذين قاتلوا في سبيل الله مما يدل على شجاعة الأنبياء وعدم خشيتهم إلا من الله عز وجل وبسالة أصحابهم وإقتباسهم الشجاعة وفنون الفروسية من الأنبياء ومزاولة القتال بفضل ولطف من عند الله ، فمع الإيمان تكون القوة والإقدام والتضحية ، وهو الذي يتجلى في قوله تعالى [وَلَقَدْ كُنْتُمْ تََمَنَّوْن الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ] ( )فتمني الموت شاهد على البطولة والتضحية وإرادة خصوص الشهادة في سبيل الله منه دليل على بلوغ الصحابة أعلى مراتب الإيمان فجزاهم الله في الدنيا صرف الموت والقتل في سبيله عنهم ، ليكتب لهم اجرهم وهم أحياء.
الثاني : مبادرة المؤمنين إلى الخروج مع النبي للقتال وفوزهم بنيل مراتب :
الأولى : نيل مرتبة صحبة الأنبياء ولأن لفظ الصحابة عام ويكون من التضاد ، كما في قوله [يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ] ( ) , أكدت آية البحث أن قتالهم مع النبي أي بما هو نبي مبعوث وليس لأمور النسب أو الحمية ونحوها.
الثانية : بلوغ صحابة الأنبياء مراتب الربيين وما تتضمنه من معنى الإخلاص في العبادة .
الثالثة :جاءت آية البحث ببيان الوجه المبارك والصفحة المشرقة للصحبة المذكورة فيها ، وهي أسمى معاني الإخلاص في الصحبة لأنها تتضمن القتال في سبيل الله ، والدفاع عن النبي ولتكون [َكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا] ( ) فلم يذكر لفظ الصحابة والأصحاب في آية البحث ، ولكنها تتضمن هذا المعنى بأبهى صيغة وهي الفداء والقتال مع النبي .
الرابعة : من الإعجاز في الآية أنها لم تقل (والذين قاتلوا دونه ) بل قالت (قاتلوا معه) للتباين بين اللفظين ، ولو قالت يقاتلون دونه لإنصرف الذهن إلى معنى دفاع الصحابة عن النبي ، وأنه لم يقاتل ، ولم يبارز الكفار بل كان الصحابة يحيطون به وهو في مأمن من السيوف والرماح والنبال .
فجاء قوله تعالى [قَاتَلَ مَعَهُ]لبيان جهاد الأنبياء وأنهم كانوا يشاركون بالقتال ويكونون هم الأئمة والقادة فيه ، ومن الدلائل الواضحة في المقام أن معارك الإسلام الأولى كلها كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو القائد والإمام لتأسيس مدرسة الدفاع في الإسلام وبيان الضوابط العقائدية والإنسانية التي تحكمها ، وفيه إكرام للأنبياء فاذ مدحت الآية أصحابهم فانها لم تبخسهم حقهم بل ذكرت جهادهم ، وتضمنت المدح لهم أكثر من المدح لصحابتهم لأنها قالت [قَاتَلَ مَعَهُ] وفيه مسائل :
الأولى : الأصل هو قتال الأنبياء في سبيل الله .
الثانية : إن القيادة والرياسة في القتال للأنبياء أنفسهم ، للإطلاق في مرتبة الإمامة التي نالوها بفضل من عند الله .
الثالثة : جاء قتال الأنبياء بأمر من عند الله لأن الآية ذكرتهم بصفة النبوة .
الثالث : من وجوه الثناء على الأنبياء وأصحابهم بيان إتحاد السنخية بين صحابة الأنبياء وبين أهل البيت والصحابة الذين قاتلوا في سبيل الله.
الرابع : شهادة القرآن والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأصحاب الأنبياء بالجهاد في سبيل الله ، قال تعالى [وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا] ( ).
المسألة الرابعة :الإنذار للكفار في الحياة الدنيا ، لقد جاءت آيات القرآن بالوعيد للكفار بالعذاب الأليم ، والخلود في الجحيم ، وكما يلحق الكفار الخزي والذل والهوان في الآخرة فان آية البحث أخبرت عن إلحاق الخزي بهم في الحياة الدنيا ، قال تعالى [لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لاَ يُنْصَرُونَ] ( )ويتجلى هذا الخزي من وجوه:
الأول : الإخبار بأن الكفار يحاربون النبي المبعوث من عند الله ، فقوله تعالى [وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ]ذم وتوبيخ للكفار بأنهم يخالفون التكليف الشرعي وعلة خلق الإنسان وتوالي النعم عليهم لقوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( ).
ولم يكتف الكفار بالإمتناع عن العبادة بل قاموا بقتال الذين بعثهم الله رحمة لهم ولجذبهم لسبل الهداية والرشاد وإيذاء أنصارهم وأتباعهم .
الثاني : دلالة مفهوم قتال الأنبياء وأصحابهم على عناد وإصرار الكفار على الجحود .
الثالث : إخبار الآية عن بلوغ الصحابة مرتبة [ربيون ] حجة على الكفار للزوم الإقتباس منهم ، والتدبر في أسرار كثرتهم مع إختيار القتال مع الأنبياء وعدم الوهن أو الضعف لأنها أمور تدل على تجليات الحق والصدق في دعوة الأنبياء .
الرابع : بيان التضاد في العقيدة والمبدأ بين المؤمنين والكفار ، وكأنه سبب ومقدمة لوقوع القتال بينهم ،فاجتهد الأنبياء في إصلاح أصحابهم حتى وصلوا مرتبة الربيون وأصر الكفار على الجحود وأقاموا على المعاصي ودافعوا عن ميل النفس الشهوية وحب الفساد بالسيف والتعرض للقتل والجراحات وتعطيل التجارات .
الخامس : تدل الآية بالدلالة التضمنية على أن عاقبة الكفار هي خسارة المعارك التي يخوضونها ،وإصابتهم بالهزيمة من جهات :
الأولى : قتالهم وملاقاتهم للنبي الذي بعثه الله عز وجل رحمة للناس .
الثانية :إنتفاء الموضوع الذي يقاتل من أجله الكفار .
الثالثة : أصحاب الأنبياء زبر الحديد ، أشداء على الكفار ، يجتهدون في نصرة نبي زمانهم ، ويبشرون ببعثة سيد المرسلين [عن العرباض بن سارية قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إني عند الله في أم الكتاب لخاتم النبيين ، وإن آدم لمنجدل في طينته ، وسأنبئكم بأول ذلك دعوة أبي إبراهيم ، وبشارة عيسى بي ، ورؤيا أمي التي رأت ، وكذلك أمهات النبيين يَرَيْن ] ( ).
الآية لطف
تضمنت الآية إكرام الأنبياء وأصحابهم الذين قاتلوا معهم ، وهذا الإكرام من وجوه :
الأول : الشهادة للأنبياء بالنبوة وأن الله عز وجل هو الذي بعثهم للناس ، قال تعالى [كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ] ( ).
الثاني : بقاء هذه الشهادة في الدنيا إلى يوم القيامة لأن القرآن هو الكتاب الخالد والحاضر بين الناس إلى يوم ينفخ في الصور ، وهذه الشهادة وإستدامة بقائها بين الناس قريبة منهم يتلونها وينصتون لها كل يوم من الدلائل على حاجة الناس للقرآن وسلامته من التحريف في كل زمان ، وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون] ( ).
وأخبرت آيات القرآن بأن وظيفة الأنبياء هي البشارة والإنذار ،وليس من حصر لوجوه ومصاديق البشارة والإنذار هذه ، ومنها مضامين آية البحث التي تتضمن البشارة للمؤمنين ، والإنذار للكفار والذين يحاربون النبوة بأن المؤمنين لا يهنون ولا يفترون عن القتال في سبيل الله ، ولا يرضون بالذل والمهادنة مع الكفار .
وورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: لا شخص أحب إليه العذر من الله ولذلك بعث الرسل مبشرين ومنذرين ، ولا شخص أحب إليه المدح من الله ولذلك وعد الجنة ] ( ).
وجاءت آية البحث بموضوع آخر وهو القتال , لذا فمن الإعجاز في آية البحث مجيؤها بلغة التبعيض وأن الأنبياء الذين قاتلوا هم طائفة وفريق من الأنبياء وليس جميعهم مما يدل على أن قتالهم كان ضرورة وحاجة، ودفاعاً عن النفس .
وأختتمت الآية بقوله تعالى [وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ]( ) وتدل على هذا المعنى سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الدفاعية ، إذ كانت دعوته إلى الله على مراتب :
الأولى :دعوة أهل البيت .
الثانية : إخبار المقربين منه مع بيان المعجزات والآيات التي تشهد على صدق نبوته ، من غير إحتراز شديد من الكفار والظالمين الذين كانوا يحيطون به .
الثالثة : أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه بالهجرة إلى الحبشة .
الرابعة : هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى مدينة الطائف في شهر شوال سنة عشرة للبعثة النبوية ، وسيأتي مزيد كلام .
الخامسة : هجرة النبي إلى المدينة المنورة .
السادسة : قيام النبي ببناء صرح الدولة ، وتثبيت أركان الحكم بما أنزل الله ،قال تعالى [فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ] ( ) .

إفاضات الآية
لقد أراد الله عز وجل للآية القرآنية أن تكون حديقة ناضرة بالعلم زاخرة بتجليات الإعجاز لنهل منها المسلمون ما ينير لهم دروب التقوى وسبل الصلاح .
وتتضمن الآية المدح والثناء على المسلمين لقرينة لفظ ( ربيون ] الذي يدل على أن الذين صدقوا بالأنبياء وجاهدوا معهم بالسيف علماء ربانيون ، وتدعو الآية لإستقراء معجزات الأنبياء .
ومدحت الآية الذين قاتلوا من أصحاب الأنبياء في سبيل الله , فهل يشمل المدح والثناء الذين قتلوا منهم ، الجواب نعم ،إذ أنهم المثال الأفضل للذين قاتلوا ولم يضعفوا ولم يهنوا ، فيكون المقصود بالمدح في الآية على وجوه :
الأول : الذين قاتلوا مع الأنبياء وقاتلوا في سوح المعارك أي مثل الشهداء السبعين الذين لحقوا بهم في معركة أحد .ومنهم حمزة بن عبد المطلب عم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ( ).
الثاني : الذين قاتلوا مع الأنبياء وكتب الله لهم السلامة من القتل في ميادين القتال .
الثالث : الذين إشتركوا بالقتال وأصيبوا بالجراحات .
الرابع : المؤمنون الذين وقعوا أسرى بيد الكفار ، فما استكانوا أو ذلوا لهم .
الخامس : أنصار الأنبياء من التابعين ممن لم يدرك نبي زمانه في حياته فآمن بنبوته وقاتل باسم شريعته تحت لواء التوحيد بلحاظ أن المعية في المقام لا تعني الملازمة الشخصية بل المعية في المبدأ والإيمان والغايات الحميدة ، والقتال على نهج النبي ورسالته .
وقيل في عام (617) م هجمت جيوش كسرى أبرويز الثاني لتضم بلاد الشام ومصر وتزحف على حصون الدولة الرومانية تسقطها بالتعاقب .
وفي سنوات معدودات وصلوا إلى الأنطاكية ، وهمّ هرقل بالهرب من القسطنطينية ولكن كبير الأساقفة اقنعه بالبقاء وطلبوا الصلح مع الفرس مع التنازل فيه وفي بضع سنوات أعاد الرومان تنظيم صفوفهم وترك هرقل مجونه ، وزحفوا ليستعيدوا البلدات التي أخذت منهم ويكون مصداقاً ومعجزة لإخبار القرآن بقوله تعالى [غُلِبَتْ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ* فِي بِضْعِ سِنِينَ] ( ).
ويبعث وصف أصحاب الأنبياء السابقين (ربيون ) المسلمين على التفقه في الدين ، ويبين أن القتال في سبيل الله لا يتعارض مع طلب العلم ومعرفة أحكام الحلال والحرام ، وتعليم الناس أصول وفروع الدين ويدل عليه عدم إصابتهم بالوهن أو الضعف أو الإستكانة لإفادة عصمتهم من هذه الأدران معنى التقوى وزيادة الإيمان .
وتنمي الآية ملكة حب الجهاد عند المسلمين ، وتنفي الوحشة في مسالكه فقد كان منهاج الصالحين الذين قاتلوا عن وعي وإدراك للحاجة للقتال مع الأنبياء في سبيل الله، إذ يدل قوله تعالى ( ربيون ) على أنهم لم يقاتلوا عصبية أو حماساً أو طمعاً بالغنائم والجاه والشأن والسلطان بل قاتلوا ، إيماناً وطاعة لله عز وجل ولأنبيائه لذا ورد قوله تعالى [وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ] ( ).

الصلة بين أول وآخر الآية
إبتدأت الآية بحرف العطف الواو في دلالة على صلتها بالآية أو الآيات السابقة لها في الموضوع أو الحكم أو هما معاً ،لقد جاءت الآية السابقة بقوانين كلية تدل على أن مقاليد أمور الناس في النشأتين بيد الله وأنه ما من شيء يحصل للناس مجتمعين ومتفرقين إلا بمشيئة الله ، وذكرت منها الآية السابقة أموراً :
الأول : ملازمة الموت للحياة في الدنيا ، فما أن يخلق الإنسان ويولد حتى يكون الموت قريباً منه إلا أنه كتاب مؤجل بفضل الله ، فكما أن الولادة باذن الله فكذا الموت ، ولم تذكر الآية السابقة الذي يؤجل الكتاب .
والجواب هو الله عز وجل ولا يقدر عليه غيره سبحانه ، وهو من فضل الله في مصاديق خلافة الإنسان في الأرض .
فمع أن ملك الموت هو الذي يقبض الأرواح ولكنه لا يملك القدرة على تأجيل الآجال ساعة واحدة ، قال تعالى [اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا] ( ).
الثاني : ليس من مالك للثواب إلا الله عز وجل سواء ثواب الدنيا أو ثواب الآخرة ، وهو من مصاديق ملك الله عز وجل المطلق ،إذ أن الثواب عطاء وهبة من كنوز وخزائن الدنيا والآخرة ، ولا يقدر على التصرف فيها والهبة منها إلا الله عز وجل .
الثالث :من وجوه الإختيار في الدنيا إرادة الإنسان لثواب الدنيا أو ثواب الآخرة .
الرابع : بيان لطف الله عز وجل بالعباد وفضله على الناس ،فحيث الأرادة من الإنسان يأتي الثواب ، ولم تقل الآية السابقة ( ومن يسأل ثواب الدنيا) بل قالت ( ومن يرد ثواب الدنيا )وكذا بالنسبة لثواب الآخرة .
وبين الإرادة والسؤال عموم وخصوص مطلق ،إذ أن الإرادة أعم من السؤال لبيان حقيقة وهي أن الله عز وجل [يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ] ( )فحالما يريد الإنسان أمراً فان الله عز وجل يتفضل بتهيئته وإحضاره وإنجازه ، وهل يقيد الإنجاز والفضل بما إذا أراده الإنسان ثواباً على عمل أم مطلقاً .
الجواب هو الثاني فالقدر المتيقن من إرادة الثواب هو ذات الشئ والغاية من غير شرطية إرادة الثواب ، وفيه نكتة أن الله عز وجل جعل لكل عمل ثواباً مخصوصاً ويزيد عن فضله ، فهذا الذي يريده العبد من الزيادة في ذات الثواب المكتوب أو من جنس آخر يلحق به بلطف وفضل من عند الله عز وجل .
الخامس : إن الله عز وجل إذا أعطى يعطي بالأوفى والأتم ومنه الإطلاق في الثواب من جهات :
الأولى : الإستغراق الزماني وإرادة أيام الحياة الدنيا ،وهل يختص الثواب بحياة المريد ،الجواب لا ، فهو أعم فقد يأتي الثواب في الولد وجوداً وعملاً وعاقبة .
الثانية : شمول النشأتين بالثواب ، إذ يأتي في الدنيا ويأتي في الآخرة [وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى] ( ) وجاءت الآية السابقة بالتخيير بين ثواب الدنيا والآخرة وهل يصح سؤالهما معاً ، الجواب نعم لذا أختتمت الآية السابقة بقوله تعالى [وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ]كما جاءت الآية بعد التالية بتأكيد هذا الجمع للذين أخلصوا في سنن العبادة وجاهدوا مع الأنبياء بالسيف والربيين الذين هم موضوع هذه الآية بقوله تعالى [فَآتَاهُمْ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ] ( ).
الثالثة : الإطلاق الموضوعي فليس من حصر لموضوع الفضل الإلهي والثواب لمن أراده سواء في أمور الدين أو الدنيا ، وصرف النوائب والكدورات ، ومنه إطالة العمر ،لذا تقدم في ذات الآية السابقة قوله تعالى كون الموت [كِتَابًا مُؤَجَّلاً] ( ) .
ليكون من معانيه جهات :
الأولى : كتاباً مؤجلاً لمن يريد إطالة عمره في الدنيا .
الثانية : كتاباً مؤجلاً لمن يريد ثواب الآخرة بالإستزادة من فعل الصالحات وجني الحسنات .
الثالثة : كتاباً مؤجلاً لمن يريد النعيم بالدنيا كفضل وفيض من عند الله سبحانه .
الرابعة : كتاباً مؤجلاً لمن يدعو الله عز وجل باستدامة التأجيل في كتابه ، والفرق بين هذه الجهة والجهة الأولى أعلاه بلحاظ المتعلق .
وهو هنا ذات الكفار مع التسليم بأن تأجيل الكتاب أو نفاذه في أوانه أو تقديم زمانه أمور بيد الله عز وجل .
لقد إبتدأت الآية بصيغة التشبيه والإستفهام التقريري [َكَأَيِّنْ]لبيان الكثرة والتعدد في الأنبياء الذين قاتلوا في سبيل الله ومعهم أصحابهم جند مجندة في طاعة الله , ونعتتهم الآية بأنهم ربيّون لبيان إخلاصهم وصدق إيمانهم وأن القتال لم يشغلهم عن ذكر الله وأداء الفرائض والعبادات .
وتنفي الآية الرهبانية ومفهوم التصوف عنهم مع زهدهم بالحياة الدنيا وإعراضهم عن زينتها بطلبهم الآخرة وخروجهم للقتال ، ليكون لفظ (ربيون ) جامعاً لأمور :
الأول : التقوى والصلاح .
الثانية : التقيد التام بالفرائض والطاعات .
الثالث: أداء العبادات والفرائض على أتم وجه .
الرابع : قتال الكفار ومحاربة الشرك والضلالة ..
الخامس : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي وظيفة الأنبياء والأولياء والصالحين .
السادس : التعاون والتآزر في فعل الخيرات وهو المستقرأ من الجمع بين أمور :
الأول :صحبة الأنبياء .
الثاني :القتال في سبيل الله .
الثالث : نعت (ربيون ) ونسبتهم إلى الله عز وجل رب العالمين .
الرابع : وصف أصحاب الأنبياء بأنهم [كَثِيرٌ] إذ أن التعاون وسيلة لجلب الكثرة وهو بذاته يفيد الكثرة ، قال تعالى [وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى] ( ).
السابع : التوكل على الله ، وتفويض الأمور له سبحانه ، وهو من مصاديق الخروج للقتال مع النبي والسلامة من الوهن والضعف .
الثامن : التنزه عن الإستكانة والذل للكفار والظالمين إذ إختار أصحاب الأنبياء الذل والخشوع لله عز وجل وهو من معاني ودلالات لفظ (ربيون ).
عن مسروق : في قول الله تعالى : { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ }( ) .
قال : مخرجه أن يعلم أن الله يرزقه و هو يعطيه و هو يمنعه
{ و من يتوكل على الله فهو حسبه }
قال : ليس من توكل على الله تعالى كفاه يعني ليس كل من توكل عليه كفاه إلا أنه من توكل على الله يكفر عنه من سيئاته و يعظم له أجرا { إن الله بالغ أمره } في من توكل على الله و من لم يتوكل { قد جعل الله لكل شيء قدرا } قال أجلا] ( ).
ولا أصل لهذا التقييد والحصر أما بالنسبة لآية التقوى أعلاه فالعلم بأن الرزق بيد الله عز وجل وانه سبحانه هو الذي يعطي ويمنع، أما بالنسبة للتوكل على الله فان الآية صريحة بالكفاية ، ولو دار الأمر بين الإطلاق والتقييد موضوع التوكل فان الأصل هو الإطلاق ومنه محو الذنوب والتجاوز عن السيئات ثم أن القرآن يفسر بعضه بعضاً ، قال تعالى [أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ] ( ).
وتؤسس آية البحث قاعدة الإشتراك بين الأنبياء وأصحابهم في القتال والجامع المشترك من جهات :
الأولى : طاعة الله عز وجل ، وتثبيت معالم الإسلام في الأرض .
الثانية : إزاحة الكفر ومفاهيم الشرك عن المجتمعات والقلوب .
الثالثة : السلامة من الضعف والفرقة والفتنة ، بلحاظ أن الفرقة والشقاق على وجوه :
الأول : إنها مقدمة لدفع الضعف والوهن .
الثاني: ترتب الفرقة على الوهن والضعف وكأنها من المقدمة التي تترشح عن ذيها ولكنه قياس مع الفارق .
الثالث : مصاحبة الفرقة للوهن والضعف ،لذا ورد قوله تعالى في خطاب للمسلمين [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا] ( ).
لقد ذكرت آية البحث صفات كريمة لأصحاب الأنبياء السابقين من وجوه :
الأول : النعت بصفة ( ربيون ) جمع ربّي وهو العابد المتأله العارف بالله وبصدق نبوة الأنبياء , ويؤمن بالمعجزات التي هي دلائل من عند الله سبحانه .
وعن كميل بن زياد قال أخذ علي بن أبي طالب عليه السلام بيدي فأخرجني إلى الجبانة فلما أصحر تنفس الصعداء ثم قال يا كميل بن زياد إن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها فاحفظ ما أقول لك : الناس ثلاثة عالم رباني ومتعلم على سبيل نجاة وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجأوا إلى ركن وثيق .
يا كميل العلم خير من المال ، والعلم يحرسك وأنت تحرس المال والمال تنقصه النفقة ، والعلم يزكو بالإنفاق ، وصنيع المال يزول بزواله . يا كميل معرفة العلم زين يزان به يكتسب به الإنسان الطاعة في حياته ، وجميل الأحدوثة بعد وفاته ، والعلم حاكم ، والمال محكوم عليه .
الثاني : الكثرة في عدد المؤمنين الذين يقاتلون مع النبي ، وهل تدل الآية على إنعدام وجود المنافقين في حياة الأنبياء السابقين ، الجواب لا ، فان إثبات شيء لشيء لا يدل على نفي ما عداه .
الثالث : وقوع الخسارة وسقوط الشهداء من المؤمنين وتعرضهم للجراحات والإصابات .
الرابع : سلامة أصحاب الأنبياء من الضعف والذل والإستكانة للعدو .
الخامس : فوز أصحاب الأنبياء بمرتبة الصابرين ، ونيل حب الله لهم وفضله عليهم.
من غايات الآية
في الآية مسائل :
الأولى :بيان التساوي في سنخية خاتمة عمر الأنبياء مع عموم الناس ، فكلهم يغادرون الدنيا بالموت أو القتل ، إذ ذكرت الآية الأنبياء السابقين ، وليس من نبي أيام نزول القرآن إلا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى [قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ] ( ) .
الثانية : الثناء على المسلمين لأنهم إقتدوا بالأنبياء وأصحابهم في جهادهم في سبيل الله .
الثالثة : دعوة المسلمين لتعاهد سنن الأنبياء في القتال والدفاع عن الإسلام .
الرابعة : جذب الناس لمقامان التسليم بصحة فعل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالدفاع والقتال ، ولا يتعارض هذا القتال مع قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( )لأنه في سبيل الله ولغرض جذب الناس لمنازل الهدى والإيمان .
الخامسة : بيان قانون كلي وهو عدم التعارض بين الإيمان والقتال في سبيل الله .
السادسة : الشهادة من السماء للمؤمنين من الأمم السابقة بأنهم أخلصوا لله في إيمانهم وجهادهم ، ومن رحمة الله ببعثة نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن هذه الشهادة حاضرة بين الناس إلى يوم القيامة لبقاء القرآن سالماً من التحريف والضياع .
وهل كان أصحاب الأنبياء يعلمون أن ذكرهم بالمدح والثناء سيبقى إلى يوم القيامة بفضل الله وبركة نزول القرآن ، الأقرب نعم ، وهو من أسرار توارث الأنبياء وأتباعهم لنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتطلعهم ليوم بعثته وورد في الإنجيل [ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الأب روح الحق الذي من عند الأب ينبثق فهو يشهد لي . وتشهدون أنتم أيضا لأنكم معي من الابتداء ” .
وفي إنجيل ( يوحنا 16 : 7- 11) : ” لكني أقول لكم الحق إنه خير لكم أن أنطلق . لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي . ولكن إن ذهبت أرسله إليكم .
ومتى جاء ذاك يبكت العالم على خطية وعلى بر وعلى دينونة . أما على خطية فلأنهم لا يؤمنون بي وأما على بر فلأني ذاهب إلى أبي ولا ترونني أيضا . وأما على دينونة فلأن رئيس هذا العالم قد دين ” . وفي إنجيل ( يوحنا 16 : 12- 14) : ” إن لي أمورًا كثيرة أيضا لأقول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن . وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية ذاك يمجدني “( )]( ).
السابعة : دعوة المسلمين للصبر وتحمل الأذى في ملاقاة الكفار .
الثامنة : أخبرت آية البحث عن عدم وهن أو ضعف أو ذل أصحاب الأنبياء عند مغادرة الأنبياء إلى الرفيق الأعلى ،وفيه تأكيد لحث المسلمين على الثبات في منازل الإيمان عند التحاق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بركبهم في عالم الآخرة لتكون الآية من فضل الله عز وجل على المسلمين بأن ينهاهم عن الإنقلاب والإرتداد وتأتي بعدها آية تؤكد هذا المعنى وترغبّهم بصيغة المثال بعدم الإنقلاب أو الإرتداد .
التاسعة : تبين الآية قدرة المسلمين على البقاء في منازل الإيمان وعدم الإرتداد بعد إنتقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى لأن المؤمنين من الأمم السابقة حافظوا على إيمانهم وعزهم وعلو شأنهم بين الأمم بعد وفاة الأنبياء الذين يتبعونهم .
العاشرة :تزكية فعل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالإخبار بأن القتال في سبيل الله أمر موجود في الأرض قبل بعثته.
الحادي عشرة : دعوة المسلمين للشهادة لأصحاب الأنبياء بمضامين آية البحث من قتالهم في سبيل الله وعدم وهنهم أو ضعفهم لما لحقهم في سبيل الله وإنتفاء الذل والهوان عندهم مع الأذى الذي لاقوه [وأخرج أحمد وغيره عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (يدعى نوح يوم القيامة فيقال له : هل بلغت؟ فيقول : نعم . فيدعو قومه فيقال لهم : هل بلغكم؟ فيقولون : ما أتانا من نذير وما أتانا من أحد . فيقال لنوح : من يشهد لك؟ فيقول : محمد وأمته ، فذلك قوله { وكذلك جعلناكم أمة وسطاً } قال : والوسط العدل ، فتدعون فتشهدون له بالبلاغ وأشهد عليكم .
وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والنسائي وابن ماجة والبيهقي في البعث والنشور عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم « يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل والنبي ومعه الرجلان وأكثر من ذلك ، فيدعى قومه فيقال لهم : هل بلغكم هذا؟ فيقولون : لا . فيقال له : هل بلغت قومك؟ فيقول نعم . فيقال له : من يشهد لك؟ فيقول : محمد وأمته . فيدعى محمد وأمته . فيقال لهم : هل بلغ هذا قومه؟ فيقولون : نعم . فيقال : وما علمكم؟ فيقولون : جاءنا نبينا فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا . فذلك قوله { وكذلك جعلناكم أمة وسطاً } قال : عدلاً { لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً }]( ) .
وهل من موضوعية لآية البحث بشهادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين للأنبياء والمؤمنين من قولهم ، الجواب نعم ، وهو من منافع الإعجاز في آيات القرآن ، وحضور مضامينها في الدنيا والآخرة.
الثاني عشرة : بيان قانون كلي وهو أن القتال يجب أن يكون في سبيل الله ، فان قلت في القتال دم وجراحات وسقوط قتلى والجواب نعم ، هذا صحيح إلا أن الكفار هم الذين يتحملون الوزر بالنسبة للطرفين لأنهم أصروا على الكفر ، [وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ] ( ).
ليكون من أسباب إتمام الشريعة وبلوغ الإسلام مشارق ومغارب الأرض ملاقاة الكفار بالسيف .
التفسير
قوله تعالى [وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ]
إبتدأت الآية بحرف العطف (الواو) وفيه نكتة , وهي إتصال موضوع هذه الآية بالآيات السابقة ، وكذا الآيات الثلاثة التي سبقت هذه الآية كلها بدأت بحرف العطف (الواو ) فبعد صيغة الخطاب للمسلمين في الآية قبل السابقة جاءت هذه الآية من باب ذكر المثال الأمثل ، والأسوة الحسنة بصحابة الأنبياء السابقين الذين بذلوا الوسع في الجهاد والدفاع عن التوحيد والنبوة ، وكتب الله للمسلمين أن يكونوا ورثتهم وحملة لواء الإيمان وإلى يوم القيامة .
وهل يكون هؤلاء أسوة للمسلمين ،أم أن الأسوة ملاك خاص ، وفرد مختص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم لقوله تعالى [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ] ( ) .
الجواب هو الأول ، وقد جاء القرآن بدعوة المسلمين لإتخاذ ابراهيم والذين معه أسوة في كيفية مواجهتهم لقومهم من الكفار بالتبرء منهم ومن الأوثان التي يعبدون ، وأظهر إبراهيم وأصحابه العداوة لهم مما يدل على وجود أصحاب وأنصار له يجهرون بإنكار الكفر والجحود.
وهل تشمل آية البحث أصحاب الأنبياء الذين كانوا مستعدين للقتال أم أن القدر المتيقن إرادة الذين قاتلوا مع الأنبياء .
الجواب هو الأول ، خاصة وأنها ذكرت عدم الوهن أو الذل والإستعداد للقتال من مصاديق عدم الوهن أو الذل.
لقد إحتج الملائكة على جعل الإنسان خليفة في الأرض لأنه يشيع الفساد والقتل , كما ورد في التنزيل [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ] ( ), وفيه وجوه :
الأول : كل من الفساد وسفك الدماء أفراد مستقلة غير إرتباطية .
الثاني : الفساد في الأرض مقدمة لسفك الدماء ، كما لو حصل شرب خمر فأدى إلى القتل وسفك الدماء .
الثالث: سفك الدماء هو المقدمة للفساد في الأرض .
الرابع : إنه من عطف الخاص على العام فسفك الدماء من مصاديق الفساد في الأرض ، وجاء ذكره على نحو الخصوص لبيان هول الجناية فيه والعذاب الأليم بسببه ، قال تعالى [ْ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا] ( ) وإثبات شيء لشيء لا ينفي ما عداه ، ويدل إحتجاج الملائكة على حرمة القتل مطلقاً إلا ما ورد الدليل به .
وهل من القتل المذموم القصاص وقتل الكفار في الدفاع عن بيضة الإسلام , الجواب لا .
وفي قتل المشركين يوم بدر وأحد مسائل :
الأولى : كان المسلمون في حال دفاع عن النفس ، ومن الدلائل التأريخية الثابتة أن المشركين هم الذين زحفوا من مكة وقطعوا نحو خمسمائة كيلوا متراً لغرض القتال ، وعندما إلتقى الصفان كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يرجو إمتناعهم عن القتال ويُشهد المسلمين على رجائه هذا .
قال ابن اسحق وقد ارتحلت قريش حين اصبحت فأقبلت فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم تصوب من العقنقل وهو الكثيب الذى جاءوا منه إلى الوادي قال اللهم هذه قريش قد اقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك اللهم فنصرك الذى وعدتني اللهم احنهم الغداة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأى عتبة بن ربيعة في القوم على جمل له احمر ان يك في احد من القوم خير فعند صاحب الجمل الاحمر ان يطيعوه يرشدوا] ( ).
لقد أظهر عتبة بن ربيعة بحكمة أنه يريد الحيلولة دون القتال ولكن سوء العاقبة كان يلاحقه وإستحوذ عليه طغيان الكفر [فقال: وهو ينهى عن القتال : يا قوم اعصبوها برأسي وقولوا: جبن عتبة بن ربيعة.
وقد علمتم أنى لست بأجبنكم.
فسمع بذلك أبو جهل فقال: أنت تقول ذلك، والله لو غيرك يقوله لاعضضته، قد ملأت رئتك جوفك رعبا.
فقال : إياى تعير يا مصفر استه ؟ ستعلم اليوم أينا الجبان.
فبرز عتبة وأخوه شيبة وابنه الوليد حمية] ( ).
لقد شاء الله أن يبعث الخصومة الشديدة بين رؤساء الكفر والضلالة على نحو دفعي ليكون إنذاراً لهم ولعموم جيش الكفار وليغادروا الدنيا بالخزي المتعدد , وهل كانت هذه الخصومة من أسباب لجوء عامة جيشهم للهزيمة يوم بدر الجواب نعم .
وكان عتبة يقول : يا قوم أطيعوني في هؤلاء القوم فانكم إن فعلتم لن يزال ذلك في قلوبهم ، ينظر كل رجل إلى قاتل أخيه وقاتل أبيه ، وخلوا بين محمد وبين العرب ، ولكن قريشاً أصروا على القتال وإستخفوا بالمسلمين من جهات :
الأولى : قلة عدد المسلمين في معركة بدر .
الثانية : النقص في عدة وأسلحة ورواحل المسلمين .
الثالثة : قلة الخيل عند المسلمين ، ومنهم من لم يزاول القتال لذا قال أبو جهل في إحتجاجه ورده على عتبة ودعوته لإجتناب القتال : [وَاَللّهِ لَا نَرْجِعُ حَتّى يَحْكُمَ اللّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مُحَمّدٍ وَمَا بِعُتْبَةَ مَا قَالَ وَلَكِنّهُ قَدْ رَأَى أَنّ مُحَمّدًا وَأَصْحَابَهُ أَكَلَةُ جَزُورٍ وَفِيهِمْ ابْنُهُ فَقَدْ تَخَوّفَكُمْ عَلَيْهِ] ( ).
أراد أبو جهل أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة يقف مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر , والذي أستشهد فيما بعد يوم اليمامة, وهي إحدى معارك الردة , ووقعت في السنة الحادية عشرة للهجرة .
وإبتدأت آية البحث بكاف التشبيه في [َكَأَيِّنْ] ويحتمل متعلق التشبيه وجوهاً :
الأول : إرادة الأنبياء السابقين على نحو العموم الإستغراقي .
الثاني : المقصود الأنبياء الذين قاتلوا في سبيل الله وأصحابهم الربيون.
الثالث : إرادة أصحاب الأنبياء الذين قاتلوا معهم .
والمختار هو الثاني.
ويحتمل وجهين :
الأول : حال الأنبياء في القتال من المشبه .
الثاني : حال الأنبياء من المشبه به .
والصحيح هو الثاني ، ترى من هو المشبه ، الجواب إرادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الذين قاتلوا معه ليتوجه الخطاب إلى المسلمين والمسلمات جميعاً وإلى يوم القيامة بلحاظ الآية على قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً] ( ) .
ويكون تقدير الآية : النبي محمد كأين من نبي معه ربيون كثير ) وفيه بشارة زيادة أفواج المسلمين قبل أن يغادر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى , وبشارة سلامة الإسلام من ضرر ردة وتعدي بعضهم لأهلية المسلمين للدفاع عنه .
ويحتمل هذا التشبيه بالكاف في ( كأين ) من جهة الموضوع وجوهاً :
الأول : إنحصار التشبيه بآية البحث .
الثاني : إشتراك الآية التالية بذات موضوع التشبيه فيكون تقديرها (وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا إغفر لنا ذنوبنا ) .
الثالث : شمول التشبيه للآية بعد التالية التي تذكر الثواب العظيم في الدنيا والآخرة للربيين من أصحاب الأنبياء أيضاً في لغة التشبيه لوحدة سياق الآيات وإتحاد موضوعها .
والصحيح هو الأخير ، وهو من أسرار العطف في خطابات القرآن ، وتعدد مصاديقه فيشمل النداء وعطف الأمر والنهي والخبر والإستفهام عليه , وبشارة نيل المسلمين ذات مرتبة الربيين .
وتلك آية في إرتقاء المسلمين في المعارف الإلهية وإحاطتهم علماً بأحوال الأمم السابقة وإقتباس المواعظ من سنن الأنبيال السابقين وأصحابهم .
آيات الإذن
يمكن أن نسمي الآيات التي يتعلق موضوعها بإذن الله (آيات الإذن ) وبيان مواضيعها والمسائل التي تترشح عنها أو تقتبس منها ، والأحكام التي تستنبط منها ، كما يمكن تقسيمها تقسيماً إستقرائياً على وجوه :
الأول : الآيات التي تأتي بموضوع خاص وسبب نزول ويراد منها المعنى العام ، وهل يمكن جعل قسيم مستقل بآيات الإذن الخاصة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما في الآية السابقة وصرف معنى قوله تعالى [وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ]( )، للنبي محمد صلى الله عليه آله وسلم أي يكون تقدير الآية ( وما كان لنفس محمد أن تموت إلا بإذن الله ) .
الجواب لا دليل عليه إذ ذكرت الآية السابقة بصيغة التشريف والإكرام إنتقاله إلى الرفيق الأعلى ثم ذكرت قانوناً كلياً بقوله تعالى [وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ]( ) لإفادة العموم الإستغراقي لجميع الناس من آدم عليه السلام إلى أوان النفخ في الصور .
ومن مصاديق إحتجاج الملائكة [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ] ( )أن أول حال إنعدام الحياة وقبض الروح كان بالقتل وليس بالموت ،إذ قتل قابيل ابن آدم أخاه هابيل بغير حق ، وكان من وجوه رد الله سبحانه على الملائكة [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( )صيرورة هذا القتل على وجوه :
الأول : فيه موعظة وعبرة للناس .
الثاني : إنه عن القتل.
الثالث : إنه مناسبة لتفقه الناس في الأحكام بقوله تعالى [وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ] ( ).
وهذه الحياة لا تختص بمعنى ديمومة الحياة وحدها بل تشمل الإيمان وسلامة الدين وإنحسار الكفر والمنع من إستحواذ الظالمين على مقاليد الحكم ، قال تعالى [أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ] ( )أي صار بعد الجحود مؤمناً مهتدياً.
الثاني : الإذن للملائكة في الفعل والقول والوحي للأنبياء كما في قوله تعالى [قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ] ( ).
الثالث : إرادة الإذن الخاص بالإنبياء لأنهم قادة الأمم وأئمة الهدى ، وهو على شعبتين :
الأولى : ما كان خاصاً بأحد الأنبياء لإرادة البيان والتشريف والإكرام ، كما ورد في التنزيل بخصوص عيسى بن مريم [وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ] ( ).
الثانية : ما يشمل الأنبياء والرسل لبيان فضل الله عز وجل عليهم وعلى الناس وانهم لم يأتوا بالوحي والأحكام إلا من عند الله ، قال تعالى [وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ] ( ).
الرابع : ما يتعلق بعالم الجن ، فاذا كان الإنسان لا يموت إلا بإذن الله ، فقد وردت آية تبين أن الجن لا يعلمون أنهم يسخرون للنبي إلا بأذن الله بقوله تعالى بخصوص النبي سليمان بن داود [وَمِنْ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ]( ).
الخامس : الإذن الإلهي بالوقائع والأحداث وعواقب الأمور وتجلي معاني الإعجاز فيها ، وفي خواتيم الأعمال ، قال تعالى [كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ] ( ).
السادس : الإذن الإلهي الخاص بالمسلمين في حال السلم والقتال ، وبخصوص خسارة المسلمين يوم أحد وسقوط عدد منهم شهداء وإصابة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبعض المؤمنين بالجراحات ، قال تعالى [وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ] ( )ليكون فيه مواساة للمؤمنين ومنع للجزع والقنوط ودفع لشماتة المنافقين , وليصبح ما تعرض له المسلمون يوم أحد موعظة للمقاتلين والغزاة ودرساً لأجيال المسلمين وشاهداً بأن المسلمين أصيبوا بما أصيب به أصحاب الأنبياء السابقين.
السابع : الإذن الإلهي فيما يخص عالم الآخرة ، وما يتعلق بالشفاعة التي لا تتم إلا باذن الله ،والشفاعة غير قبولها سواء على نحو الموجبة الكلية أو على نحو الموجبة الجزئية في الكم أو الكيف أو عدد الأشخاص أو الأفعال ، ليكون الإذن في المقام على وجوه :
الأول : الإذن بالشفاعة وإمكان قيام النبي أو الملك أو الولي برجاء الشفاعة مع تقييدها برضا الله عز وجل بخصوص موضوعها ومتعلقها .
الثاني : قبول الشفاعة من عند الله .
الثالث : تفضل الله بالأمر بمضامين الشفاعة أو شطر منها ، أو الإستجابة للشفيع , ولكن في غير موضوع الشفاعة مع زيادة من عند الله عز وجل .
وهل موضوعات الشفاعة في آيات القرآن من باب الحصر والتعيين أم أنها من باب المثال الأمثل.
الجواب هو الثاني فلا يتم أمر أو فعل إلا باذن الله من غير أن يتعارض مع قانون الإختيار والإختبار في الدنيا ، وتدل عليه آية البحث بقتال الأنبياء الذي لا يتم إلا باذن الله ، فلذا ورد نعت الربيين الذين يقاتلون معهم بأنهم [كَثِير].
فلأنهم مؤمنون أتقياء فقد خرجوا للقتال تحت لواء النبي لعلمهم بأن الأنبياء لا يلجأون إلى القتال إلا بأمر الله عز وجل , وفيه تخفيف عن المسلمين ودعوة لهم للإستجابة لأوامره في الدفاع والغزو، قال تعالى[مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ]( ).
ومن الآيات في المقام أن المسلمين والناس جميعاً يرون أسباب ومقدمات المعارك التي خاضها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون فكانت دفاعاً عن النفوس والأعراض والإسلام إذ أصر الكفار على إرادة المدينة المنورة واستباحتها , وقتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
وتبين آية البحث سراً من أسرار سلامة أصحاب الأنبياء من الوهن والضعف والإستكانة والذل وهو علمهم بأن النبي لم يقاتل بنفسه ولم يخرجهم للقتال إلا باذن الله لهم [وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا]( ).
وورد لفظ [إذن] تسعاً وثلاثين مرة في القرآن ، وكلها تتعلق بإذن الله عز وجل وفي أمور الدين والدنيا باستثناء إثنتين واحدة بخصوص الوحي للأنبياء ، والأخرى في نكاح المؤمنات باذن أربابهن ومواليهن مع دفع أجوهن بقوله تعالى [وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ] ( )للدلالة على موضوعية الاذن في الحياة العامة بين الناس وفق أحكام الشريعة والولاية ولبيان المنزلة الرفيعة للمرأة المسلمة من الحرائر وحقها وموضوعية إذنها في زواجها.
ومن الآيات إنقطاع ملك اليمين ومسألة الإماء في الواقع بين المسلمين ولا عبرة بالقليل النادر لتبقى مصاديق الإذن السبعة والثلاثون الأخرى كلها لله عز وجل .

علم المناسبة
ورد لفظ [كَأَيِّنْ]سبع مرات في القرآن ، وكلها جاءت بصيغة الإستفهام لتتضمن مسائل:
الأولى : البرهان على آيات الله وكثرتها في الأرض والسموات، قال تعالى[وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ]( )، وهل في الآية أعلاه إخبار عن صعود الإنسان في الفضاء لقوله تعالى[يَمُرُّونَ عَلَيْهَا] الجواب نعم.
الثانية : بيان عظيم قدرة الله ، وسعة سلطانه.
الثالثة : بعث الفزع والخوف في قلوب الكفار .
الرابعة : الإنذار والوعيد للظالمين والكافرين .
الخامسة : تأكيد قانون من الإرادة التكوينية , وهو بطش الله عز وجل بالقوم والقرى التي تكفر بأنعم الله ، وتصر على الإمتناع عن شكر الله باللسان واليد ، قال تعالى [وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ] ( ).
ومن أسرار لفظ [كَأَيِّنْ] في القرآن أن أربعة منه وردت بقوله تعالى [كَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ] بخصوص نزول العذاب العاجل بالكفار مجتمعين ومنها ما يتضمن الإنذار الصريح لكفار قريش ، قال سبحانه [وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ] ( ).
ليفيد الجمع بين الآيتين أموراً :
الأول : أن الله عز وجل يعذب الكفار بآيات كونية كالصاعقة والزلزلة والحجارة التي تنزل من السماء ، وبأيدي أصحاب الأنبياء والمؤمنين .
الثاني : إشعار قريش بضعفهم ووهنهم.
الثالث : نعت كفار قريش ومن والاهم بانهم أهل قرية، لإنذارهم وضعف شأنهم وتقليل عددهم في أعين المسلمين والناس , وهو من المعنى الأعم لدلالات قوله تعالى[وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذْ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً]( ) وتسمية مدينة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في قوله تعالى[يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ]( )، ولقد صارت يثرب مدينة في التنزيل ببركة نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فاراد المنافقون إتخاذ هذه النعمة وسيلة للإضرار بالمؤمنين فخسروا النشأتين.
الرابع : الإخبار عن هلاك أمم من الكفار على أيدي أصحاب الأنبياء ، وإذ كانت آية البحث من مصاديق قوله تعالى [نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ] ( )فان الآية أعلاه من سورة محمد تحتمل وجوهاً :
أولاً : إنها من أحسن القصص .
ثانياً : ليست من القصص القرآنية .
ثالثاً : إنها من قصص البطش والوعيد ، والقدر المتيقن من الحسن الذاتي للقصص هو سنن الأنبياء وظفر المؤمنين وحياة الرغد والنعيم .
والصحيح هو الأول لأمور :
الأول : أصالة الإطلاق .
الثاني : الآية من الوحي المنزل من عند الله .
الثالث : إنها من حسن قصص القرآن الإنذار والوعيد ، وما فيه من الزجر عن المعاصي والسيئات .
قوله تعالى [قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ]
تدل الآية في مفهومها على تنزه المؤمنين في الأزمنة السابقة من المعاصي وفعل السيئات من جهات :
الأولى : تصديقهم بالنبوة وإتباعهم لنبي زمانهم ، ولو تردد الأمر في التصديق بين كونه صرف الطبيعة والمسمى أم أنه عام في القول والفعل فالصحيح هو الثاني لتدل الآية على تقيد أصحاب الأنبياء بعمل الصالحات وإجتنابهم لما نهى الله عز وجل عنه ، ليكون نواة للأمة التي تتلقى نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالتصديق .
فلم يكن لفظ وفعل الصلاة والصيام والزكاة والخمس أموراً مجهولة ومبهمة عند الناس بل كانت من ميراث الأنبياء وبها وردت آيات القرآن كما في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ] ( ).
ولم يصدر إستفهام أو إستغراب من المسلمين أو أهل الكتاب بخصوص قوله تعالى [مِنْ قَبْلِكُمْ] خاصة وأنها حجة على المليين من الأمم السابقة ، وتذكير باتحاد سنخية النبوة وأن الذي جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا يتباين مع ما جاء به الأنبياء في باب العبادات إلا أن الإختلاف في الحكم والكيف بلحاظ تجلي التمام في التكليف برسالته .
ومن معاني آية البحث حث المسلمين على التقيد بأداء العبادات حتى في أوقات الجهاد .
ويحتمل الذين قاتلوا مع الأنبياء من جهة الإتحاد والتعدد وجوهاً :
الأول : إرادة قوم مخصوصين من المؤمنين قاتلوا مع عدد من الأنبياء الذين ذكرتهم آية البحث .
الثاني : الإتحاد والتعدد في أصحاب الأنبياء , فمنهم من قاتل مع أكثر من نبي من الأنبياء الذين أشارت إليهم الآية , ومنهم من قاتل مع أحد الأنبياء بلحاظ التعاقب الزماني في بعث الأنبياء ، وحتى مع الإتحاد الزماني فهناك إختلاف مكاني في موضع وبلد بعثة النبي خاصة وأنه ليس من وسائط سريعة وإنتقال الكثير في السكن من بلد إلى آخر ، وقد حدث الإنتقال الكثير والدفعي في هجرة أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الحبشة مع بعد المسافة ومشقة السفر وخطورة الطريق والأضرار المحتملة بالإقامة بين أهل ملة أخرى.
ثم جاءت الهجرة إلى المدينة النبوية لتبين معجزة حسية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في عدد وأشخاص المهاجرين وكيفية هجرتهم وإشتراك النساء في الهجرة من عوائل المهاجرين , والمؤمنات اللائي جئن بمفردهن وبسلامة دينهن .
وخرجت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وحدها من مكة مهاجرة إلى الله ورسوله ، قال ابن سعد [أسلمت بمكة وبايعت قبل الهجرة، وهي أول من هاجر من النساء بعد أن هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة. ولم نعلم قرشية خرجت من بين أبويها مسلمة مهاجرة إلى الله ورسوله إلا أم كلثوم بنت عقبة، خرجت من مكة وحدها وصاحبت رجلا من خزاعة حتى قدمت المدينة في الهدنة هدنة الحديبية .
فخرج في أثرها أخواها الوليد وعمارة ابنا عقبة فقدما المدينة من الغد يوم قدمت فقالا: يا محمد فِ لنا بشرطنا وما عاهدتنا عليه. وقالت أم كلثوم: يا رسول الله أنا امرأة وحال النساء إلى الضعفاء ما قد علمت، فتردني إلى الكفار يفتنوني في ديني ولا صبر لي؟ فقبض الله العهد في النساء في صلح الحديبية وأنزل فيهن المحنة وحكم في ذلك بحكم رضوه كلهم. وفي أم كلثوم نزل: [فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ] ( ).
فامتحنها رسول الله وامتحن النساء بعدها يقول: والله ما أخرجكن إلا حب الله ورسوله والإسلام وما خرجتن لزوج ولا مال. فإذا قلن ذلك تركن وحبسن فلم يرددن إلى أهليهن. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للوليد وعمارة ابني عقبة: قد نقض الله العهد في النساء بما قد علمتماه فانصرفا.
ولم يكن لأم كلثوم بنت عقبة بمكة زوج، فلما قدمت المدينة تزوجها زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي فولدت له، وقتل عنها يوم مؤتة، فتزوجها الزبير بن العوام بن خويلد فولدت له زينب.
أخبرنا يزيد بن هارون عن عمرو بن ميمون عن أبيه قال : كانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط تحت الزبير بن العوام، وكانت فيه شدة على النساء وكانت له كارهة ،فكانت تسأله الطلاق فيأبى عليها حتى ضربها الطلق وهو لا يعلم، فألحت عليه وهو يتوضأ للصلاة فطلقها تطليقة ثم خرجت فوضعت فأدركه إنسان من أهله فأخبره أنها قد وضعت، فقال : خدعتني خدعها الله! فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك له فقال: سبق فيها كتاب الله فاخطبها. قال : لا ترجع إلي أبدا.
قال محمد بن عمر: ثم تزوجها عبد الرحمن بن عوف فولدت له إبراهيم وحميدا، ومات عنها عبد الرحمن فتزوجها عمرو بن العاص فماتت عنده] ( ).
الثالث : نزلت الآية بصيغة السبر والتقسيم وتقدير الآية : وكأين كل نبي من الأنبياء الذين قاتلوا قاتل معه ربيون مؤمنون بالله والنبوة .
وبين صحابة النبي وبين الذين قاتلوا معه عموم وخصوص مطلق ، فالصحابة أعم ،فلذا نعتت آية البحث الذين قاتلوا مع الأنبياء بوصف المدح والثناء والإكرام [رِبِّيُّونَ]ليكون من المقاصد السامية للآية الكريمة الثناء على صحابة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذين خرجوا معه للقتال في معركة بدر وأحد وغيرهما .
وهل يصدق لفظ [رِبِّيُّونَ] على أهل بيت النبي وأصحابه الذين قاتلوا معه الجواب نعم , لأن الملاك هو التقوى والجهاد مع النبي.
وتتضمن آية البحث الثناء على صحابة الأنبياء من جهة تعاهدهم لسلامة النبي وعصمتهم من الغدر به أو الإجهاز عليه في حال اليقظة أو المنام أو في حال السلم أو الحرب إذ يتضمن قوله تعالى [قَاتَلَ مَعَهُ] الإخبار عن إنفراد الصحابة بالنبي وإحاطتهم به وهم مدججون بالسلاح وبأيديهم السيوف والرماح ولكن أحداً منهم لم يعتدي عليه، ولم يحمله مسؤولية ضرر أو خطأ حدث في المعركة خاصة وان أخلاق الحرب أمر مختلف ويصعب معه على الإنسان السيطرة على لسانه وجوارحه ويصبح ساعتئذ حاد المزاج قليل التأني سريع البطش، لا يتدبر بالعواقب، ومع هذا فأن أصحاب النبي يقاتلون مع النبي وبين يديه ويتمنون الشهادة تحت لوائه ، وهو ما جعلهم يستحقون صفة(ربيين) وإشتراك الصحابة معهم .
وهو سبب لبعث الفزع والخوف في قلوب الكفار وكأن أصحاب الأنبياء يمنعون الكفار من وصول أيديهم إلى النبي إلا أن يشاء الله في إقامة الحجة على الناس .
وعن عبد الله بن مسعود قال: لقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم « وهو يمسح الدم عن وجهه وهو يحكي نبياً من الأنبياء وهو يقول : اللهمَّ اهد قومي فإنهم لا يعلمون( ).
من أسرار النبوة مصاحبة المعجزة للنبي ، فما من نبي إلا ومعه معجزة خارقة للعادة مقرونة بالتحدي سالمة عن المعارضة ، ويحتمل القتال المذكور في الآية وجوهاً:
الأول : ملازمة القتال للنبي ، فما من نبي إلا وقاتل الكفار .
الثاني : كان ربيون كثير مع كل نبي .
الثالث : مع كل نبي ربيون من غير كثرة في عددهم .
الرابع : ليس من ملازمة بين النبوة والقتال .
والصحيح هو الرابع , وهو الذي تدل عليه آية البحث بلحاظ صيغة التشبيه والمثال فيها بقوله تعالى [وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ]وتقدير الآية : كثير من الأنبياء قاتلوا الكفر ومعهم ربيون كثير في القتال ضد الكفر والكافرين.
ليكون من وجوه تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بلوغ أهل بيته وأصحابه مرتبة الربيين وقتالهم معه وكذا التابعين في التصدي للردة والإرتداد وفي الخروج للفتوحات .
ويحتمل متعلق لفظ [كَثِيرٌ] وجوهاً :
الأول : المراد من الكثرة في العدد مجموع الذين قاتلوا مع كل الأنبياء عدا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : مجموع الذين قاتلوا مع الأنبياء بما فيهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : إرادة الكثرة العددية في أصحاب كل نبي.
والصحيح هو الثالث , وهو المستقرأ من الآية الكريمة ، وصحيح أن أصحاب شطر من الأنبياء قاتلوا معهم وليس كلهم ، ولكن تستقرأ الكثرة واللامتناهي من عدد المقاتلين من جهتين :
الأولى : عدد الأنبياء هو مائة وأربعة وعشرون ألف نبي .
الثانية : وردت الآية بقوله تعالى [وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ]ولو كان الذين قاتلوا من عدد الأنبياء أعلاه نصفهم ، وكل واحد معه كثير من الصحابة تتجلى أرقام الكثرة والزيادة والأعداد المضاعفة من المجاهدين.
وعن سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: أشد الناس بلاء الأنبياء ، ثم العلماء ، ثم الأمثل فالأمثل( )، وتحتمل منزلة الربيين الذين تذكرهم آية البحث بلحاظ الحديث أعلاه وجوهاً:
الأول : إنهم من العلماء.
الثاني : إنهم من الفريق الأمثل الأعلى.
الثالث : إنهم من الأمثل الأدنى.
والصحيح هو الأول، أنهم جمعوا بين التصديق بالأنبياء والقتال معهم، والإنقطاع إلى الدعاء والتضرع إلى الله.
وهذه الآية تأديب للمسلمين ، وإصلاح لهم في مسالك الجهاد والعلم، وتعليم لدروس الإحتراز وسنن التقوى بما يؤدي إلى النجاة في النشأتين ، وتلك آية في قصص القرآن ، إذ تجعل الآية المسلمين يسعون للإرتقاء إلى مرتبة الربيين ويتحلون بكمالات الهدى ، وهو من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ) من جهات :
الأولى : جذب المسلمين إلى مراتب التقوى .
الثانية : جعل المسلمين يرتقون في سلم المعارف الإلهية، والخشية من الله، قال تعالى[إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ]( ).
الثالثة : تعلم المسلمين الدروس والمواعظ من خاصة وسادة الأمة كما في آية البحث التي تختص بأمور :
الأول : قتال الأنبياء في سبيل الله .
الثاني : كثرة الأنبياء الذين قاتلوا في سبيل الله .
الثالث : التشريف لأصحاب الأنبياء بالشهادة لهم بأنهم ربيون .
الرابع : كثرة المجاهدين مع كل نبي من الأنبياء .
الخامس : عصمة صحابة الأنبياء من القبائح والكدورات بسلامتهم من الوهن والضعف .
الرابعة :شهادة المسلمين لأصحاب الأنبياء باخلاصهم في طاعة الله .
الخامسة : تحلي أجيال المسلمين بالخصال الحميدة التي يتصف بها الربيون من أصحاب الأنبياء .
السادسة : إستحضار المسلمين لذكر الله عند المصيبة والإبتلاء سواء في ميدان القتال أو مطلقاً ، وشهادة القرآن لهم بنيل مرتبة الصابرين وحبه لهم بهذا الإستحضار .
السابعة : لقد أنعم الله سبحانه على أصحاب الأنبياء الذين قاتلوا معهم فرزقهم مرتبة (الربيون) وشهد لهم سبحانه في القرآن بصدق الإيمان وبلوغ أسمى منازل التقوى لتبقى حاضرة بين الناس إلى يوم القيامة ، وهو من أسرار سلامة القرآن من التحريف والتغيير والتبديل ، وفي الآية دعوة للمسلمين لنيل أسمى درجات الرفعة الإيمانية.
ترى هل من موضوعية للفظ [كَثِيرٌ] في المقام ، الجواب نعم ، من وجوه :
الأول : بيان نفع وسلطان النبوة بين الناس .
الثاني : إرتقاء أصحاب الأنبياء في مراتب الإيمان وبلوغهم درجة الإخلاص في طاعة الله ، والإحسان للذات والغير .
الثالث : كثرة المؤمنين مع كل نبي لوحدة الموضوع في تنقيح المناط ، فمن الأنبياء من قاتل معه ربيون فلا بد من وجود ربيين مع كل نبي وإن لم يقاتلوا ، وتكون النسبة بخصوص صحابة الأنبياء على وجوه :
الأول : بين صحابة النبي والربيين منهم عموم وخصوص مطلق ، فالصحابة أعم .
الثاني : بين الصحابة وبين الذين يقاتلون في سبيل الله منهم عموم وخصوص مطلق أيضاً فالربيون أعم وأكثر من الذين يلبون نداء النبوة بالقتال .
الثالث :بين عموم الذين يقاتلون مع النبي وبين الذين يقاتلون في سبيل الله منهم عموم وخصوص مطلق على فرض وجود الذين يقاتلون لأمور دنيوية ورغائب شخصية [قال ابن إسحاق : وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال : كان فينا رجل لا يدرى من هو يقال له قزمان، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا ذكر : ” إنه لمن أهل النار “.
قال : فلما كان يوم أحد قاتل قتالا شديدا، فقتل هو وحده ثمانية أو سبعة من المشركين، وكان ذا بأس، فأثبتته الجراحة، فاحتمل إلى دار بنى ظفر.
قال : فجعل رجال من المسلمين يقولون له: والله لقد أبليت اليوم يا قزمان فأبشر.
قال: بماذا أبشر ! فوالله إن قاتلت إلا عن أحساب قومي، ولولا ذلك ما قاتلت ! قال: فلما اشتدت عليه جراحته أخذ سهما من كنانته فقتل به نفسه] ( )، ولا دليل على الفرض بوجود أناس مع الأنبياء يقاتلون لأغراض الدنيا والشهرة والرياء , وقتال قزمان مع المسلمين لا يفيد هذا المعنى من وجوه :
الأولى : إنه فرد نادر , والأمور لا تقاس على القليل النادر .
الثانية : لا دليل على الإستصحاب القهقري وقياس حالة قزمان النادرة على حياة وصحابة الأنبياء السابقين .
الثالثة : لم يحصل قتال قزمان إلا في غزوة خيبر في شهر محرم من السنة السابعة للهجرة على قول ابن إسحاق , وقال الزهري إنها في شهر محرم من السنة السادسة .
الرابعة : واقعة قزمان تأديب وإرشاد للناس جميعاً وحجة عليهم ، ودعوة لجعل القتال خالصاً لوجه الله .
الخامسة : بيان معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في السنة الدفاعية، وعلمه بنوايا المقاتلين.
السادسة : بيان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لحال قزمان وخلو نيته من قصد القربة تزكية لصحابة النبي الآخرين الذين يقاتلون في الميدان.
السابعة : الأصل في آية البحث الإطلاق في قتال الربيين . وهل يحتمل أن الآية ذكرتهم ولم تذكر من إشترك معهم بالقتال من هو أدنى مرتبة منهم بالإيمان.
الجواب لا ، وهذا النفي المستقرأ من آية البحث بشارة الثناء على المسلمين ونيلهم مرتبة [الربيون] بقتالهم مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ويكون تقدير الآية ( محمد نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا ….] الآية .
الرابع : الآية من مصاديق قوله تعالى [وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ] ( )فيكون مع النبي الصحابة الذين يلاقون الكفار بالسيوف ويذبون عن الإسلام بالنفوس والأموال .
فهم وإن تعدد ذكرهم بالتقسيم إلى مهاجرين وأنصار يلتقون في الفوز بدرجة (الربيين) لإتحاد الموضوع مع صحابة الأنبياء الذين قاتلوا معهم .
ومن الآيات أن آية البحث لم تطلق عليهم تسمية الأصحاب مع ورود هذا اللفظ في القرآن سبعاً وسبعين مرة جاء أكثرها في ذكر أصحاب الجنة وأصحاب النار، وليس فيها نسبة الأصحاب إلى نبي من الأنبياء، إنما يرد لفظ (قوم) وهو أعم من الصحبة كما في قوله تعالى[وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ]( )، [كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ]( ) .
وكما أن النسبة بين قوم النبي وأصحابه هي العموم والخصوص المطلق فان النسبة بين صحابة النبي والربيين هي العموم والخصوص المطلق، نعم لا يشترط بنيل هذه الرتبة القتال وهو ظاهر آية البحث.
الخامس :البشارة للمسلمين بزيادة وكثرة عددهم ، وهل كثرة المسلمين كالكثرة المذكورة في آية البحث بقوله تعالى [رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ]الجواب بل هي أكثر أضعافاً مضاعفة من جهات :
الأولى : البيان في قوله تعالى [إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ*ورايت الناس يدخلون في دين الله افواجاً] ( )، والأفواج جمع فوج [الفَوْجُ: الجماعة من الناس] ( ) ، إلا أن معنى الكثرة في لفظ الفوج مستقرأ من الآية اعلاه .
الثانية : البيان الواقعي وتوافد وفود القبائل إلى المدينة لدخول الإسلام إلى أن بلغ عدد المسلمين في هذا الزمان أكثر من مليار مسلم كلهم منقطعون إلى مرضاة الله وعشاق للسنة النبوية الشريفة .
الثالثة : ما ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: ما من الانبياء نبي إلا اعطي ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي فأرجو ان أكون اكثرهم تابعا ( ).
من مصاديق المثل في لفظ [رِبِّيُّونَ] حث المسلمين على الجمع بين سنن التقوى وبين الجهاد عند الحاجة إليه بمعنى أن الربانية والإخلاص في العبادة ليس برزخاً دون المبادرة إلى النفير والمرابطة إذا طال تهديد العدو بعض أمصار الإسلام , وكذا فان النفير والجهاد ليس سبباً للترك المنهي عنه لسنن التقوى .
وتقدير لفظ [رِبِّيُّونَ] في الآية على وجوه :
الأول : ربيون كثير في التوكل على الله.
الثاني : ربيون كثير في مبادرتهم للقتال مع النبي .
الثالث : ربيون كثير بتعاهد الصلاة والصيام والفرائض العبادية ، وفي التنزيل حكاية عن عيسى عليه السلام وثنائه على الله عز وجل وغبطته بالتكليف [وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنت وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا] ( )، والوصية هنا لعيسى عليه السلام ولأصحابه وأنصاره وأتباعه .
وهل هو من مصاديق لفظ [رِبِّيُّونَ] أم أنه مقيد بالقتال مع النبي، وعيسى عليه السلام لم يخرج بجيش لقتال الكفار .
الجواب هو الأول، لأن لفظ (ربيون) أعم من القتال، وتقدير آية البحث: وكأين من نبي ربيون فقاتلوا معه ، أي أن صفة القتال غير صفة (الربيين)وهي قسيم لها.
الرابع : ربيون بثباتهم في منازل الإيمان وعدم إستكانتهم أو ذلهم للكفار .
الخامس :ربيون باختيارهم حب الله لهم بتحليهم بالصبر وإتخاذه بلغة في القتال وغيره وغاية بذاته ، ومن الإعجاز في الآية صيرورة إجتماع صفة الربيين مع الكثرة مادة لبلوغ مقامات الصبر خاصة ان المقصود من خاتمة الآية لزوم إستدامة البقاء في منازل الصبر .
وهناك مسائل :
الأولى :وهل من الربيين الذين تذكرهم الآية صاحب نبيا لم يقاتل واخر قاتل في سبيل الله ، أم أن الذي يصاحب نبياً بالقتال لا يصاحب غيره لم يقاتل الكفار.
الجواب هو الأول خاصة مع كثرة الأنبياء المتعاقبين ، وبعثة أكثر من نبي في زمان واحد ، فمن خصائص الربيين وخصال التقوى التي يتصفون بها أنهم يقاتلون مع النبي حيث يأمرهم الله ويأمرهم النبي ، ويصبرون مع الذي يكتفي بالدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة، كما أن القتال مع النبي زاجر للكفار إلى حين، فيأتي نبي آخر وقد أصاب الكفار القنوط والوهن فليس من قتال [وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ]( ).
الثانية : هل تختص الآية بمن قاتل مع النبي ، أم يصدق القتال مع الملك والأمير والقائد الذي يأمره النبي بالقتال أو يعمل بإذن النبي ، والصحيح هو الثاني ، فقوله تعالى [قَاتَلَ مَعَهُ]أعم من كون نبي الزمان يزاول القتال بنفسه ويقود الجيوش ضد الكفار .
فمثلاً كان بعض ملوك بني إسرائيل يرجعون لأنبيائهم بخصوص إعلان الحرب والقتال ليكون من معاني (قاتل معه) وجوهاً :
الأول : قاتلوا بأمر النبي .
الثاني : قاتلوا بإذن وحكم النبي .
الثالث: قاتلوا مع الملك الذي يأخذ أوامره من النبي .
الرابع : قاتلوا على مبادئ وشريعة نبي زمانهم .
الخامس : قاتلوا مع شخص النبي الذي يصاحبهم في ميادين القتال .
الثالثة : يكون قوله تعالى [ربيون ] ضابطة كلية تمنع الشطط والخروج عن أحكام الشريعة ، فحتى لو كان قتال الربيين بأنفسهم وبعيداً عن نبي زمانهم فإنهم يستحضرون التقوى وسنن الهداية والرشاد في جهادهم ودفاعهم وحسن سمتهم مع الناس والرأفة بالجريح ، ومعاملة الأسير بلطف ، قال تعالى [وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا] ( ).
الرابعة : يكون النعت بالكثرة في قوله تعالى [ربيون كثير ] لبيان المنعة والتآزر بين المؤمنين في قتالهم ومناجاتهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، قال تعالى [وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى] ( )ولبيان حقيقة وهي أن الذي أصابهم بقوله تعالى [فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ] ( ) ليس برزخاً دون دخول الناس الإسلام وإزدياد عدد المؤمنين .
يمكن تقسيم أصحاب الأنبياء بلحاظ آية البحث إلى :
الأول : أصحاب الأنبياء الذين قاتلوا معهم .
الثاني : الصحابة الذين لم يقاتلوا مع الأنبياء ، وهؤلاء على شعب :
الأولى : القاعدون عن عذر ، قال تعالى [لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ] ( ) [عن ابن عباس أنه قال { لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر( )، عن بدر والخارجين إلى بدر لما نزلت غزوة بدر قال عبد الله بن جحش ، وابن أم مكتوم : انا أعميان يا رسول الله فهل لنا رخصة؟ فنزلت { لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر } ( ) .
وفضل الله المجاهدين على القاعدين درجة ، فهؤلاء القاعدون غير أولي الضرر { فضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً } درجات منه على القاعدين من المؤمنين غير أولي الضرر( ).
الثانية : الذين إنقطعوا إلى العبادة، وإنشغلوا باصلاح أنفسهم، وعن أبي سعيد الخدري قال: المؤمنون في الدنيا على ثلاثة أجزاء : الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ، والذي أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم ، ثم الذي إذا أشرف على طمع تركه لله ( ).
الثالثة : أصحاب الأنبياء الذين لم يقاتلوا أي أن ذات الأنبياء لم يقاتلوا ولم يقودوا الجيوش ضد الكفار ، وكذا أصحابهم لم يرفعوا السيوف .
الرابعة : الصحابة الذين إختاروا الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة وإن كان الأنبياء وشطر من أصحابهم يقاتلون بالسيوف .
الخامسة : الصحابة الذين رحلوا في البلدان وكانوا رسلاً للنبي في الدعوة إلى الله وبيان معجزته .
السادسة: الصحابة الذين قعدوا عن القتال من غير عذر .
وتجتمع خصال حسنة لأصحاب الأنبياء الذين ذكرتهم الآية من جهات :
الأولى : نيل مرتبة [الربيين] ولم ترد هذه الصفة في القرآن لغيرهم أو لهم في غير هذه الآية .
الثانية: صحبة الأنبياء .
الثالثة : القتال مع الأنبياء وبين عموم الصحبة عموم وخصوص مطلق ، فقد يصحب فريق من الناس النبي ويصدقون بمعجزته ويدعون الناس للإيمان برسالته ، ولكن عندما يدعون إلى القتال ينكصون ويمتنعون , ليكون من إعجاز الآية الإبتداء بذكر القتال مع النبي لبيان إختيارهم أشد ضروب الأذى في سبيل الله ، ودلالته على صدق الإيمان والإقرار بالجزاء في اليوم الآخر.
الرابعة : عدم الوهن والضعف في القتال وحال السلم .
الخامسة : المنعه والتماسك والتآزر في مرضاه الله وعدم الضعف سواء في طلب العدو أو في أداء العبادات وقد تجلى عدم الضعف هذا بأبهى حلة عند المسلمين إذ نزل فرض الصيام والزكاة في السنة الثانية للهجرة التي وقعت فيها معركة بدر ، ليكون من خصائص [خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( )الجمع بين القتال وأداء العبادات بأكمل وجه .
وهناك مسألة من وجوه :
الأول :نال أصحاب الأنبياء درجة [ الربيين] قبل القتال .
الثاني : نالوها أثناء القتال مع النبي لتحمل الأذى الشديد في ميادين الوغى.
الثالث :فازوا بهذه الدرجة بعد صدق الإيمان والإمتحان بالقتال مع النبي .
والمختار هو الأول لدلالة الآية على ملازمة صفة الربيين لهم أثناء القتال إبتداء وإستدامة .
ويحتمل نيلهم مرتبة الربيين من جهة أفراد الزمان وجوهاً :
الأول : بعد بعثة نبي زمانهم نال أصحابه مرتبة الربيين.
الثاني : توارث أتباع الأنبياء والرسل سنن الإيمان ، فما بعث أحد الأنبياء إلا على أمة من الربيين.
الثالث : إجتماع توارث الإيمان مع بعثة نبي الزمان لصيرورة أمة بمرتبة [ الربيين].
الرابع : القدر المتيقن من الآية هو الملازمة بين بعثة النبي الذي يقاتل في سبيل الله وبين بلوغ أصحابه مرتبة [ الربيين].
الخامس : شطر من أصحاب النبي نالوا مرتبة الربيين قبل بعثته , وآخرون نالوها بعد بعثته.
ولا تعارض بين هذه الوجوه ، وكلها من مصاديق الآية الكريمة وسعة فضل الله عز وجل ورحمة بالمؤمنين والناس .
ويحتمل معنى الكثرة في قوله ( ربيون كثير ) وجوهاً :
الأول : إرادة مجموع أصحاب الأنبياء أي مع كل نبي جماعة صغيرة من الربيين ، ليكون المجموع كثيراً .
الثاني : بعض الأنبياء مع كل واحد منهم ربيون كثير ، وبعضهم مع كل واحد منهم ربيون قليل .
الثالث : المقصود مع كل نبي ربيون كثير .
والصحيح هو الثالث ، ويتجلى هذا المعنى في آية البحث إذ أنها لم تقل (قاتل معهم ) بل خصت المعية بالنبي الواحد منهم , ليخرج النبي الذي لم يقاتل معه إلا ربيون قليل أو أنه لم يقاتل .
لم يرد لفظ ربيون في القرآن إلا في هذه الآية مع خصال حسنة جلية وظاهرة تخصهم في الآية وهي القتال مع النبي والإقدام وعدم دبيب الخوف من العدو ولمعان السيوف إلى قلوبهم .
وورد لفظ [ربيون] في الآية الكريمة للدلالة على صفات حسن أخرى وهي :
الأولى : نيل مرتبة العلم والإرتقاء في سبل المعرفة ، وتقدير الآية : قاتل معه علماء ربانيون .
الثانية : بيان حال التقوى التي يتصف بها أصحاب الأنبياء وتقدير الآية : قاتل معه ربيون كأنهم شهداء وهم في الحياة الدنيا.
الثالثة : الإخبار عن إجتهاد أصحاب الأنبياء لبلوغ درجات الزهد وقهر النفس الشهوية ، وتقدير الآية قاتل معه علماء زهاد .
الرابعة : كثرة المقاتلين العلماء تحت لواء كل نبي قاتل في سبيل الله .
وفي الآية إكرام لصحابة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لإتحاد سنخية الصحبة والقتال في سبيل الله التي تجمعهم مع أصحاب الأنبياء السابقين ، وهي دعوة لهم لبذل الوسع في التفقه في الدين.
وورد لفظ [قَاتَلَ ] في القرآن مرتين إحداهما بقوله تعالى [لاَ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى] ( ).
وفيه بيان للتباين على نحو الموجبة الجزئية بين أهل البيت والصحابة الذين أنفقوا أموالهم وقاتلوا قبل فتح مكة وبين الذين أنفقوا وقاتلوا بعده.
وهل تشمل الآية أعلاه أم المؤمنين خديجة بنت خويلد والذين أنفقوا من أموالهم من الرجال والنساء , أم لابد من إجتماع أمرين الإنفاق والقتال.
الجواب هو الأول ، ليختص بلفظ [قاتل ] في القرآن طائفتان :
الأولى : الأنبياء والربيون من أصحابهم .
الثانية : أهل البيت وأصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل الفتح لبيان حقيقة وهي أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه أشادوا صرحاً للإسلام كالذي بناه الأنبياء السابقون وأصحابهم وهو من مصاديق البشارة به من قبل الأنبياء السابقين لأن نبوته تثبيت لجهادهم وتوثيق لإيمان أتباعهم وحسن سمتهم .
فمن إعجاز القرآن أن يكون نظم اللفظ القرآني وموضعه من الآية وموضوعه مدرسة لإقتباس الدروس والأحكام منه .
وإذا كان أصحاب الأنبياء يلتقون مع صحابة النبي بالقتال فان المسلمين يمتازون بأمور منها :
الأول : القتال مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو سيد الأنبياء والمرسلين ودينه ظاهر على الجميع .
الثاني : إتصاف المسلمين بالجمع بين الإنفاق والقتال .
الثالث: تقسيم المسلمين إلى قسمين :
الأول : الذين أنفقوا وقاتلوا قبل الفتح .
الثاني : الذين أنفقوا وقاتلوا بعد الفتح .
الرابع : بيان الثواب العظيم للمسلمين على الجهاد والإنفاق، وإنقطعت أيام الأنبياء ، ولكن نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم باقية بأحكامها إلى يوم القيامة .
الخامس : ترغيب أجيال المسلمين بالإنفاق في سبيل الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وورد لفظ [قَاتِلْ] بصيغة الأمر خطاباً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم [فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ] ( )لبيان عظيم منزلة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنه أمة في القتال وبجهاده وقتاله يتم الفتح وتقام دولة الإسلام .
وإذ ورد ذكر قتال أصحاب الأنبياء بمعية الأنبياء بقوله تعالى [وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ]فقد ذكرت الآية أعلاه قتال المسلمين على نحو الإستقلال وفيه مرتبة وعلو شأن لهم وإن كان قتالهم مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ولتتضمن الآية تزكية عمل وإنفاق وقتال الذين إختاروا القتال إبتداءً ودفاعاً كما في أبي جندل وأبي بصير وأصحابهم بعد صلح الحديبية وما عاهد عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قريشاً , ولكن فتية مؤمنين من قريش خرجوا من مكة وتعاهدوا دينهم وتصدوا لتجارة قريش [وَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ أَتَاهُ أَبُو بِصَيْرٍ – وَهُوَ عُتْبَةُ بْنُ أُسَيْدِ بْنِ جَارِيَةَ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ – مُسْلِمًا ، قَدْ انْفَلَتَ مِنْ قَوْمِهِ فَسَارَ عَلَى قَدَمَيْهِ سَعْيًا ، فَكَتَبَ الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ ، وَأَزْهَرُ بْنُ عَبْدِ عَوْفٍ الزّهْرِيّ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كِتَابًا ، وَبَعَثَا رَجُلًا مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ ، اسْتَأْجَرَاهُ بِبَكْرٍ ابن لَبُونٍ – وَهُوَ خُنَيْسُ بْنُ جَابِرٍ – وَخَرَجَ مَعَ الْعَامِرِيّ مَوْلًى لَهُ يُقَالُ لَهُ كَوْثَرُ وَحَمَلَا خُنَيْسُ بْنُ جَابِرٍ عَلَى بَعِيرٍ وَكَتَبَا يَذْكُرَانِ الصّلْحَ بَيْنَهُمْ وَأَنْ يَرُدّ إلَيْهِمْ أَبَا بِصَيْرٍ فَلَمّا قَدِمَا عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِمَا بَعْدَ أَبِي بِصَيْرٍ بِثَلَاثَةِ أَيّامٍ فَقَالَ خُنَيْسٌ يَا مُحَمّدُ هَذَا كِتَابٌ.
فَدَعَا رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُبَيّ بْنَ كَعْبٍ ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ فَإِذَا فِيهِ قَدْ عَرَفْت مَا شَارَطْنَاكَ عَلَيْهِ وَأَشْهَدْنَا بَيْنَنَا وَبَيْنَك ، مِنْ رَدّ مَنْ قَدِمَ عَلَيْك مِنْ أَصْحَابِنَا ، فَابْعَثْ إلَيْنَا بِصَاحِبِنَا.
فَأَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا بِصَيْرٍ أَنْ يَرْجِعَ مَعَهُمْ وَدَفَعَهُ إلَيْهِمَا ، فَقَالَ أَبُو بِصَيْرٍ : يَا رَسُولَ اللّهِ تَرُدّنِي إلَى الْمُشْرِكِينَ يَفْتِنُونَنِي فِي دِينِي ؟
فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا أَبَا بِصَيْرٍ إنّا قَدْ أَعْطَيْنَا هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ مَا قَدْ عَلِمْت ، وَلَا يَصْلُحُ لَنَا فِي دِينِنَا الْغَدْرُ وَإِنّ اللّهَ جَاعِلٌ لَك وَلِمَنْ مَعَك مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا .
قَالَ أَبُو بِصَيْرٍ : يَا رَسُولَ اللّهِ تَرُدّنِي إلَى الْمُشْرِكِينَ ؟ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْطَلِقْ يَا أَبَا بِصَيْرٍ فَإِنّ اللّهَ سَيَجْعَلُ لَك مَخْرَجًا فَدَفَعَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْعَامِرِيّ وَصَاحِبِهِ فَخَرَجَ مَعَهُمَا.
وَجَعَلَ الْمُسْلِمُونَ يُسِرّونَ إلَى أَبِي بِصَيْرٍ يَا أَبَا بِصَيْرٍ أَبْشِرْ فَإِنّ اللّهَ جَاعِلٌ لَك مَخْرَجًا ، وَالرّجُلُ يَكُونُ خَيْرًا مِنْ أَلْفِ رَجُلٍ فَافْعَلْ وَافْعَلْ يَأْمُرُونَهُ بِاَلّذِينَ مَعَهُ . فَخَرَجُوا حَتّى كَانُوا بِذِي الْحُلَيْفَةِ – انْتَهَوْا إلَيْهَا عِنْدَ صَلَاةِ الظّهْرِ – فَدَخَلَ أَبُو بِصَيْرٍ مَسْجِدَ ذِي الْحُلَيْفَةِ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ صَلَاةَ الْمُسَافِرِ وَمَعَهُ زَادٌ لَهُ يَحْمِلُهُ مِنْ تَمْرٍ فَمَالَ إلَى أَصْلِ جِدَارِ الْمَسْجِدِ فَوَضَعَ زَادَهُ فَجَعَلَ يَتَغَدّى.
وَقَالَ لِصَاحِبَيْهِ اُدْنُوَا فَكُلَا فَقَالَا : لَا حَاجَةَ لَنَا فِي طَعَامِك . فَقَالَ وَلَكِنْ لَوْ دَعَوْتُمُونِي إلَى طَعَامِكُمْ لَأَجَبْتُكُمْ وَأَكَلْت مَعَكُمْ . فَاسْتَحْيِيَا فَدَنَوْا وَوَضَعَا أَيْدِيَهُمَا فِي التّمْرِ مَعَهُ وَقَدّمَا سُفْرَةً لَهُمَا فِيهَا كِسْرٌ فَأَكَلُوا جَمِيعًا ، وَآنَسَهُمْ وَعَلّقَ الْعَامِرِيّ بِسَيْفِهِ عَلَى حَجَرٍ فِي الْجِدَارِ فَقَالَ أَبُو بِصَيْرٍ لِلْعَامِرِيّ يَا أَخَا بَنِي عَامِرٍ مَا اسْمُك ؟ فَقَالَ خُنَيْسٌ . قَالَ ابن مَنْ ؟ قَالَ ابن جَابِرٍ . فَقَالَ يَا أَبَا جَابِرٍ أَصَارِمٌ سَيْفَك هَذَا ؟ قَالَ نَعَمْ . قَالَ نَاوِلْنِيهِ أَنْظُرْ إلَيْهِ إنْ شِئْت ، فَنَاوَلَهُ الْعَامِرِيّ وَكَانَ أَقْرَبَ إلَى السّيْفِ مِنْ أَبِي بِصَيْرٍ .
فَأَخَذَ أَبُو بِصَيْرٍ بِقَائِمِ السّيْفِ وَالْعَامِرِيّ مُمْسِكٌ بِالْجَفْنِ فَعَلَاهُ بِهِ حَتّى بَرَدَ وَخَرَجَ كَوْثَرُ هَارِبًا يَعْدُو نَحْوَ الْمَدِينَةِ.
وَخَرَجَ أَبُو بِصَيْرٍ فِي أَثْرِهِ فَأَعْجَزَهُ حَتّى سَبَقَهُ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ أَبُو بِصَيْرٍ : وَاَللّهِ لَوْ أَدْرَكْته لَأَسْلَكْته طَرِيقَ صَاحِبِهِ فَبَيْنَا رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ فِي أَصْحَابِهِ بَعْدَ الْعَصْرِ إذْ طَلَعَ الْمَوْلَى يَعْدُو .
فَلَمّا رَآهُ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ هَذَا رَجُلٌ قَدْ رَأَى ذُعْرًا فَأَقْبَلَ حَتّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيْحَك ، مَا لَك ؟ قَالَ قَتَلَ صَاحِبُكُمْ صَاحِبِي ، وَأَفْلَتْ مِنْهُ وَلَمْ أَكَدْ وَكَانَ الّذِي حَبَسَ أَبَا بِصَيْرٍ احْتِمَالُ سَلَبِهِمَا عَلَى بَعِيرِهِمَا ، فَلَمْ يَبْرَحْ مَكَانَهُ قَائِمًا حَتّى طَلَعَ أَبُو بِصَيْرٍ ، فَأَنَاخَ الْبَعِيرَ بِبَابِ الْمَسْجِدِ فَدَخَلَ مُتَوَشّحًا بِالسّيْفِ – سَيْفِ الْعَامِرِيّ – فَوَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَقَالَ لِرَسُولِ اللّهِ وَفَتْ ذِمّتُك وَأَدّى اللّهُ عَنْك ، وَقَدْ أَسَلّمْتنِي بِيَدِ الْعَدُوّ وَقَدْ امْتَنَعْت بِدِينِي مِنْ أَنْ أُفْتَنَ وَتَبَغّيْتَ بِي أَنْ أَكْذِبَ بِالْحَقّ . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيْلُ أُمّهِ مِحَشّ حَرْبٍ لَوْ كَانَ مَعَهُ رِجَالٌ
وَجَاءَ أَبُو بِصَيْرٍ بِسَلَبِ الْعَامِرِيّ خُنَيْسِ بْنِ جَابِرٍ وَرَحْلِهِ وَسَيْفِهِ فَقَالَ خَمّسْهُ يَا رَسُولَ اللّهِ .
فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنّي إذَا خَمّسْته رَأَوْنِي لَمْ أُوَفّ لَهُمْ بِاَلّذِي عَاهَدْتهمْ عَلَيْهِ وَلَكِنْ شَأْنُك بِسَلَبِ صَاحِبِك وَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِكَوْثَرَ تَرْجِعُ بِهِ إلَى أَصْحَابِك . فَقَالَ يَا مُحَمّدُ قَدْ أَهَمّنِي نَفْسِي ، مَا لِي بِهِ قُوّةٌ وَلَا يَدَانِ .
فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بِصَيْرٍ اذْهَبْ حَيْثُ شِئْت فَخَرَجَ أَبُو بِصَيْرٍ حَتّى أَتَى الْعِيصَ ، فَنَزَلَ مِنْهُ نَاحِيَةً عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ عَلَى طَرِيقِ عِيرِ قُرَيْشٍ إلَى الشّامِ .
قَالَ أَبُو بِصَيْرٍ : فَخَرَجْت وَمَا مَعِي مِنْ الزّادِ إلّا كَفّ مِنْ تَمْرٍ فَأَكَلْتهَا ثَلَاثَةَ أَيّامٍ وَكُنْت آتِي السّاحِلَ فَأُصِيبُ حِيتَانًا قَدْ أَلْقَاهَا الْبَحْرُ فَآكُلُهَا . وَبَلَغَ الْمُسْلِمِينَ الّذِينَ قَدْ حُبِسُوا بِمَكّةَ ، وَأَرَادُوا أَنْ يَلْحَقُوا بِرَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلُ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بِصَيْرٍ « وَيْلُ أُمّهِ مِحَشّ حَرْبٍ لَوْ كَانَ لَهُ رِجَالٌ ، فَجَعَلُوا يَتَسَلّلُونَ إلَى أَبِي بِصَيْرٍ . وَكَانَ الّذِي كَتَبَ بِمَا قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْمُسْلِمِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فَلَمّا جَاءَهُمْ كِتَابُ عُمَرَ فَأَخْبَرَهُمْ أَنّهُ بِالسّاحِلِ عَلَى طَرِيقِ عِيرِ قُرَيْشٍ ، فَلَمّا وَرَدَ عَلَيْهِمْ كِتَابُ عُمَرَ جَعَلُوا يُتَسَلّلُونَ رَجُلًا رَجُلًا حَتّى انْتَهَوْا إلَى أَبِي بِصَيْرٍ فَاجْتَمَعُوا عِنْدَهُ قَرِيبٌ مِنْ سَبْعِينَ رَجُلًا .
فَكَانُوا قَدْ ضَيّقُوا عَلَى قُرَيْشٍ ، لَا يَظْفَرُونَ بِأَحَدٍ مِنْهُمْ إلّا قَتَلُوهُ وَلَا تَمُرّ عِيرٌ إلّا اقْتَطَعُوهَا ، حَتّى أَحْرَقُوا قُرَيْشًا ، لَقَدْ مَرّ رَكْبٌ يُرِيدُونَ الشّامَ مَعَهُمْ ثَلَاثُونَ بَعِيرًا ، وَكَانَ هَذَا آخِرُ مَا اقْتَطَعُوا ، لَقَدْ أَصَابَ كُلّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَا قِيمَتُهُ ثَلَاثُونَ دِينَارًا .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ ابْعَثُوا بِالْخُمُسِ إلَى رَسُولِ اللّهِ .
فَقَالَ أَبُو بِصَيْرٍ : لَا يَقْبَلُهُ رَسُولُ اللّهِ قَدْ جِئْت بِسَلَبِ الْعَامِرِيّ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهُ وَقَالَ إنّي إذَا فَعَلْت هَذَا لَمْ أَفِ لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ
وَكَانُوا قَدْ أَمّرُوا عَلَيْهِمْ أَبَا بِصَيْرٍ فَكَانَ يُصَلّي بِهِمْ وَيُفَرّضُهُمْ وَيُجَمّعُهُمْ وَهُمْ سَامِعُونَ لَهُ مُطِيعُونَ .
فَلَمّا بَلَغَ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو قَتْلُ أَبِي بِصَيْرٍ لِلْعَامِرِيّ اشْتَدّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَقَالَ وَاَللّهِ مَا صَالَحْنَا مُحَمّدًا عَلَى هَذَا .
قَالَتْ قُرَيْشٌ : قَدْ بَرِئَ مُحَمّدٌ مِنْهُ قَدْ أَمْكَنَ صَاحِبُكُمْ فَقَتَلَهُ بِالطّرِيقِ فَمَا عَلَى مُحَمّدٍ فِي هَذَا ؟
فَقَالَ سُهَيْلٌ : قَدْ وَاَللّهِ عَرَفْت أَنّ مُحَمّدًا قَدْ أَوْفَى ، وَمَا أُوتِينَا إلّا مِنْ قِبَلِ الرّسُولَيْنِ . قَالَ فَأَسْنَدَ ظَهْرَهُ إلَى الْكَعْبَةِ وَقَالَ وَاَللّهِ لَا أُؤَخّرُ ظَهْرِي حَتّى يُودَى هَذَا الرّجُلُ .
قَالَ أَبُو سُفْيَانَ إنّ هَذَا لَهُوَ السّفَهُ وَاَللّهِ لَا يُودَى ثَلَاثًا . وَأَنّى قُرَيْشٌ تَدِيهِ وَإِنّمَا بَعَثَتْهُ بَنُو زُهْرَةَ ؟ فَقَالَ سُهَيْلٌ : قَدْ وَاَللّهِ صَدَقْت ، مَا دِيَتُهُ إلّا عَلَى بَنِي زُهْرَةَ وَهُمْ بَعَثُوهُ وَلَا يُخْرِجُ دِيَتَهُ غَيْرُهُمْ قَصْرَةً لِأَنّ الْقَاتِلَ مِنْهُمْ فَهُمْ أَوْلَى مِنْ عَقْلِهِ .
فَقَالَ الْأَخْنَسُ وَاَللّهِ لَا نَدِيهِ مَا قَتَلْنَا وَلَا أَمَرْنَا بِقَتْلِهِ قَتَلَهُ رَجُلٌ مُخَالِفٌ لِدِينِنَا مُتّبِعٌ لِمُحَمّدٍ فَأَرْسَلُوا إلَى مُحَمّدٍ يَدِيهِ . قَالَ أَبُو سُفْيَانَ لَا ، مَا عَلَى مُحَمّدٍ دِيَةٌ وَلَا غُرْمٌ قَدْ بَرِئَ مُحَمّدٌ مَا كَانَ عَلَى مُحَمّدٍ أَكْثَرُ مِمّا صَنَعَ لَقَدْ أَمْكَنَ الرّسُولَيْنِ مِنْهُ فَقَالَ الْأَخْنَسُ إنْ وَدَتْهُ قُرَيْشٌ كُلّهَا كَانَتْ زُهْرَةُ بَطْنًا مِنْ قُرَيْشٍ تَدِيهِ مَعَهُمْ وَإِنْ لَمْ تَدِهِ قُرَيْشٌ فَلَا نَدِيهِ أَبَدًا . فَلَمْ تَخْرُجْ لَهُ دِيَةٌ حَتّى قَدِمَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَام الْفَتْحِ . فَقَالَ مَوْهَبُ بْنُ رِيَاحٍ ، فِيمَا قَالَ سُهَيْلٌ فِي بَنِي زُهْرَةَ ، وَمَا أَرَادَ أَنْ يُغَرّمَهُمْ مِنْ الدّيَةِ
أَتَانِي عَنْ سُهَيْلٍ ذَرْوُ قَوْلٍ
ليُوقظَني وَمَا بي منْ رُقَاد
فَإنْ كُنْتَ الْعتَابَ تُريدُ منّي
فَمَا بَيْني وَبَيْنَكَ منَ بعَاد
مَتَى تَغْمزْ قَنَاتي لاَ تَجدْني
ضَعيفَ الرّأْي في الْكُرَب الشّدَاد
يُسَامي الْأَكْرَمينَ بعزّ قَوْم
هُمُ الرّأْسُ الْمُقَدّمُ في الْعبَاد
أَنْشَدَنِيهَا عَبْدُ اللّهِ بْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَسَمِعْتهمْ يَثْبُتُونَهَا .
فَلَمّا بَلَغَ أَبُو بِصَيْرٍ مِنْ قُرَيْشٍ مَا بَلَغَ مِنْ الْغَيْظِ بَعَثَتْ قُرَيْشٌ رَجُلًا ، وَكَتَبَتْ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ كِتَابًا يَسْأَلُونَهُ بِأَرْحَامِهِمْ أَلّا تُدْخِلَ أَبَا بِصَيْرٍ وَأَصْحَابَهُ فَلَا حَاجَةَ لَنَا بِهِمْ.
وَكَتَبَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى أَبِي بِصَيْرٍ أَنْ يَقْدَمَ بِأَصْحَابِهِ مَعَهُ فَجَاءَهُ الْكِتَابُ وَهُوَ يَمُوتُ فَجَعَلَ يَقْرَأُ وَهُوَ يَمُوتُ فَمَاتَ وَهُوَ فِي يَدَيْهِ فَقَبَرَهُ أَصْحَابُهُ هُنَاكَ وَصَلّوْا عَلَيْهِ وَبَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا ، وَأَقْبَلَ أَصْحَابُهُ إلَى الْمَدِينَةِ وَهُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا ، فِيهِمْ الْوَلِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ . فَلَمّا دَخَلَ الْحَرّةَ عَثَرَ فَانْقَطَعَتْ إصْبَعُهُ فَرَبَطَهَا وَهُوَ يَقُولُ
هَلْ أَنْتِ إلّا إصْبَعٌ دَمِيَتْ
وَفِي سَبِيلِ اللّهِ مَا لَقِيت
فَدَخَلَ الْمَدِينَةَ فَمَاتَ بِهَا . فَقَالَتْ أُمّ سَلَمَةَ يَا رَسُولَ اللّهِ ائْذَنْ لِي أَبْكِي عَلَى الْوَلِيدِ . قَالَ ابْكِي عَلَيْهِ قَالَ فَجَمَعَتْ النّسَاءَ وَصَنَعَتْ لَهُنّ طَعَامًا ، فَكَانَ مِمّا ظَهَرَ مِنْ بُكَائِهَا.
يَا عَيْنُ فَابْكِي لِلْوَلِيدِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَهْ
مِثْلُ الْوَلِيدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَبِي الْوَلِيدِ كَفَى الْعَشِيرَهْ
فَحَدّثَنِي ابن أَبِي الزّنَادِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ لَمّا سَمِعَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْدَادَ الْوَلِيدِ قَالَ مَا اتّخَذُوا الْوَلِيدَ إلّا حَنَانًا] ( ).

معنى [كَثِيرٌ] في قوله [رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ]
ذكرت الآية طائفة من أصحاب الأنبياء يتصفون بخصال حسنة وردت في القرآن لأمور :
الأول : بيان معجزة عقلية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعلم من الغيب عن أحوال الأنبياء وأصحابهم ، قال تعالى [تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ] ( ).
الثاني : الآية مصداق لقوله [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ] ( ) فمن وجوه البيان ذكر الأنبياء وفضل الله عز وجل بإيجاد أصحاب لهم يتصفون بالإخلاص والتقوى .
الثالث : بيان كثرة عدد المؤمنين في كل زمان وفيه بعث للسكينة في نفوس المسلمين من ضرر الكفار وشرور الأعداء .
الرابع :ترغيب المسلمين بدعوة الناس للإسلام لكثرة أصحاب الأنبياء السابقين , وتحتمل الكثرة في المقام وجوهاً :
الأول : مجموع أصحاب الأنبياء كثيرون .
الثاني : كثروة أصحاب كل نبي .
الثالث : كثرة أصحاب كل نبي من الأنبياء الذين قاتلوا في سبيل الله لبيان فضل الله تعالى بحاجة النبي في القتال إلى السواد والكثرة ، أما النبي الذي لم يقاتل فقد يكون له أصحاب كثيرون وقد لا يكون .
ولبيان حقيقة وهي من خصائص الربانيين جذب للناس للإيمان .
والصحيح هو الثاني وهو من رحمة الله عز وجل .
ترى كم هو العدد المستقرأ من معنى الكثرة في قوله تعالى [رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ]الجواب إن لفظ كثير من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة كثرة وقلة .
[عن الربيع: أن رجلاً قال يوم حنين : لن نغلب من قلة . فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فأنزل الله عز وجل[وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ]( )، قال الربيع : وكانوا اثني عشر ألفاً ، منهم ألفان من أهل مكة ] ( ) وفيه وجوه :
الأول : إرادة مسمى الكثرة في العدد ،وعن محمد بن عمير قال : كان المتوكل قد إعتل علة شديدة فنذر ان عافاه الله ان يتصدق بدنانير كثيرة او قال بدراهم كثيرة فعوفي، فجمع العلماء فسألهم عن ذلك فاختلفوا عليه، قال احدهم عشرة آلاف وقال بعضهم مائة الف فلما اختلفوا قال له عبادة ابعث إلى ابن عمك على بن محمد بن على الرضا عليهم السلام فاسأله فبعث اليه فسأله فقال الكثير ثمانون، فقالوا له رد اليه الرسول فقل من اين قلت ذلك؟ فقال من قوله تعالى لرسوله ” لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ” وكانت المواطن ثمانين موطنا] ( ).
الثاني : إرادة الكثرة في مقابل الكفار وكثرتهم لبيان المائز الذي يتصف به أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، إذ كان عددهم في كل معركة من معارك الإسلام الأولى نحو ثلث جيش الكفار ، مع إجتهاد اهل البيت والصحابة على تقوى الله فاذ نال أصحاب الأنبياء مرتبة الربيين بشهادة آية البحث فمن باب الأولوية أن ينال المؤمنين ذات المرتبة ، ويدل في مفهومه على مسائل :
الأولى : ذم المنافقين وتقبيح أفعالهم وقعودهم عن نصرة النبي .
الثانية : بيان خصلة حميدة إضافية عند المؤمنين من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهي أنهم لم ينصتوا للمنافقين الذين كانوا يثبطون عزائمهم ويحثونهم على القعود وعدم الخروج لملاقاة العدو ، فلا دليل على وجود منافقين في أيام الأنبياء السابقين أو أن لهم أثراً كبيراً في أمور القتال وحال الحرب والسلم .
الثالثة : بعث اليأس في نفوس الكفار من إرتداد المؤمنين فان جاءت الآية قبل السابقة بالتحذير من الإنقلاب والإرتداد عند إنتقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى بقوله تعالى [أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ] ( )فنيل المسلمين لمرتبة الربيين وأسمى درجات التقوى شاهد على سلامتهم في الوظائف العبادية عند موته , وهو من أسرار بقاء الإسلام شريعة لأهل الأرض إلى يوم القيامة .
الثالث : فيوضات البركة من عند الله بأن الله يجعل عدد أصحاب النبي مع قلته وكأنه كثير بما يعادل جيش الكفار أو إصابة الكفار بالنقص بان يبدو مساوياً لعدد المسلمين مع أنه في الواقع أضعاف عدد المسلمين ،وهو الذي تجلى في معركة بدر بقوله تعالى [ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ] ( )وأختلف في الفئة المخاطَبة بالرؤية في الآية أعلاه على قولين :
الأول : تفضل الله عز وجل وجعل المسلمين يرون المشركين بعدد المسلمين فكان عدد المسلمين ثلاثمائة وثلاثة عشر ، أما المشركون فهم ثلاثة أضعاف هذا العدد , وتفضل الله عز وجل وجعل المسلمين ينظرون إلى المشركين وكأنهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً .
الثاني : لقد كان عدد المشركين نحو ألف رجل فأبى الله عز وجل أن يستخفوا بالنبي وصحابتهم من جهة العدد وقلة السلاح فجعل الله الكفار يحسبون أن المسلمين أيضاً كأنهم نحو ألف مقاتل .
والمختار هو إجتماع الوجهين معاً وعدم التعارض بينهما ،أي نذكر هنا وجعاً ثالثاً قسيماً للقولين أعلاه ، والآية تحتمل هذا التأويل وفيه زيادة في إعجاز الآية الكريمة , فالمسلمون يرون الكفار وكأنهم بمقدار عدد المسلمين أنفسهم ، ويرى الكفار المسلمين وكأنهم ألف مقاتل .
وجاءت آية البحث والآية أعلاه لنفي معنى القلة عن أعداد المسلمين في المعارك ، وإن كانوا اقل كثيراً عن عدد الكفار , ليكون تقدير آية البحث على وجوه :
الأول : وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير بعددهم .
الثاني :ربيون كثير بتقواهم وإخلاصهم في طاعة الله والنبي .
الثالث : ربيون كثير ببسالتهم وجهادهم .
الرابع : ربيون كثير في عين العدو .
الخامس : ربيون كثير بعدم وهنهم أو خوفهم من العدو الكافر .
السادس : ربيون كثير لأنهم أصحاب نبي , فصفة الكثرة تترشح عن صحبة النبي .
والأصل أن لفظ الكثرة يحمل على الحقيقة ،وإن كان متبايناً في ذاته بحسب الحال والزمان والمكان لكن يصدق عليه الكثرة مع كل نبي ، وفي أي زمان ووقت من أيام بعثة النبي والأحوال المتباينة له والأصحاب ، ولا تتعارض معه الوجوه الأخرى أعلاه التي تتضمن معنى التأويل وبيان الفضل الإلهي ، فقوله تعالى [ ربيون كثير ]أي أعداد كثيرة من المؤمنين تستطيع أن تدافع عن الإسلام والنبوة ويتعذر على الكفار الإجهاز عليهم فأبى الله إلا أن تبقى كلمة التوحيد في الأرض بالنبوة والربيين في كل زمان .
وهل يمكن تقدير الآية : وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير وغير ربيين ، بلحاظ أن من المقاتلين مع النبي من هو أدنى مرتبة من الإيمان والصلاح .
الجواب لا دليل عليه والأصل أن القتال مع النبي سبب لنيل مرتبة الربيين , وهو من فضل الله وزيادة الأجر ونماء الثواب على العمل العبادي مع تقادم الأيام ، فحينما نزل القرآن يكون أصحاب الأنبياء الذين قاتلوا معهم قد تفضل الله بمضاعفة أجرهم .
نعمة الإبل وخلقها
لقد تقدم ذكر خلق الإبل كآية ومعجزة من عند الله ، وفيه دعوة للناس للتدبر في أسرار خلقها وما تتصف به من المزايا ودلائل الإبداع في الخلق والتكوين ، وكأن علم التفسير يبين الإعجاز في مظهر الإبل من حيث طولها وعلوها خلاف الأنعام الأخرى ، فتبرك عن طواعية حتى يركبها الإنسان وتوضع عليها الأحمال لبيان فضل الله في تسخيرها للإنسان ، وإنقياد الإبل للكبير والصغير حتى أن فأرة مسكت بزمام ناقة وأخذت تجرها إلى غارها فانقادت لها الناقة إلى فم الغار ، كما أولى المفسرون عناية بهيئة البعير كاذناه ومنخراه وعيناه وقوائمه وسنانه وتحمله العطش .
ومن دلائل الإعجاز أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جعل للإبل حكماً خاصاً في حال اللقطة، عن زيد بن خالد الجهني قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسأله عن اللقطة فقال : إعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها قال : فضالة الغنم يا رسول الله ؟ قال : لك أو لأخيك أو للذئب قال : فضالة الإبل ؟ قال : مالك ولها معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها( )( ).
لبيان أنها تهتدي إلى الماء وتشربه وإلى الشجر فتأكل منه ، وتقوى على الوصول إليها لطول رقبتها التي تجعل رأسها الصغير بعيداً بنحو مترين عن سطح الأرض تتوقى من حبات الرمال التي تهب في الصحراء ، والإبل تكتفي بالقليل وترعى من كل ما تجد أمامها من الشوك والشجر.
والمراد من حذائها أي أخفافها فهي تقوى على السير وقطع الصحراء إلى أن يصل إليها مالكها وتتصف أرجلها بالحركة والإلتواء لإجتناب الغوص في الرمال , وفيها منافع كثيرة من اللبن واللحم والوبر والشعر ونقل الإنسان عبر الصحراء.
وهل لها موضوعية في تجارة قريش وقوله تعالى [لِإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ] ( )الجواب نعم ، إذ كانت الإبل وحدها تستطيع قطع الجزيرة وما بين اليمن والشام من المفاوز والبراري والصحارى ففازت قريش بهذه النعمة.
ليشمل التذكير بالآية أعلاه نعمة الإبل كوسائط للنقل ، ولم يشكر كفار قريش الله عز وجل على هذه النعمة بل سخروها لمحاربة الإسلام والنبوة التي إنبعثت من بين ظهرانيهم ومن أرحامهم وقبائلهم مقرونة بالمعجزة والبرهان القاطع الذي لم يتخلف عنها من الأيام الأولى لبعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإعلانه لنبوته.
وخرجت قريش بإبل كثيرة يوم بدر وكأنهم جاءوا للمعركة بتلك الإبل التي تستعمل في رحلة الشتاء والصيف وهو من الإصرار بالفعل على الجحود بالنعمة ومقدمة لزوالها، قال تعالى [إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ]( )، وكانوا ينحرون منها كل يوم بين تسعة إلى عشرة لإطعام المقاتلين وعددهم نحو الف من المشركين بعد أن كانوا الفاً وثلاثمائة رجع شطر منهم في الطريق وأغلبهم من القبائل التي حول مكة ، ولم يرد أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ذبحوا من الإبل في طريقهم إلى بدر مع حاجة المقاتلين إلى الغذاء، وكان عدد إبل المسلمين يوم المعركة سبعين بعيراً.
فكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم والإمام علي عليه السلام ومرثد بن أبي مرثد الغنوي يتعاقبون على ركوب بعير.
وكان حمزة بن عبد المطلب وزيد بن حارثة , وأبو كبشة وأنس موليا رسول الله يعتقبون بعيراً.
وكان أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف يعتقبون بعيراً .
ومع المسلمين فرسان فلم يركب النبي صلى الله عليه وآله وسلم الفرس ، ولم ينفرد ببعير ، ولم يرض أن يركب بغير نوبته، وهو من خصائص الإمامة والقيادة بالمساواة مع الجنود في تحمل الأذى والصبر وفيه بعث لهم للتفاني والإخلاص والتضحية .
( قال ابن هشام : ومع المشركين مئة فرس ) ( ).
ليكون نسبة المسلمين كل مائة وستين تقريباً بفرس بينما المشركون كل خمسة بفرس ، مع أثر وموضوعية كثرة الخيل في ميدان المعركة وأخذ زمام المبادرة فيها.
ولكن الله عز جل أنعم على المسلمين بانقطاع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الدعاء ونزول الملائكة لنصرتهم .
قال تعالى بخصوص واقعة بدر [إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ] ( )ويأتي العلم الحديث ليبين آيات في خلق الإبل ،فتنفرد الإبل بالسنام ليبين العلم أن الدهون تتجمع فيه وحواليه لتصل إلى نحو مائة كيلو غرام ، ويتحول هذا الدهن عند العطش إلى ماء وطاقة ، ويكون سبباً لتحمل الإبل العطش والجوع من غير أن يحدث عيب وداء فيها، نعم يفقد البعير من وزنه بهذه الحالة .
أما الحيوانات الأخرى فان تحلل وذوبان الدهون يسبب لها المرض . وكشفت دراسة طبية صدرت هذا اليوم( ) من جامعة واشنطن إمكان علاج مرض السرطان من أجساد مضادة تستخلص من الإبل تكون قاتلة لخلايا الأورام، وأن هذه الأجسام أفضل من الأجسام المضادة البشرية والحيوانية الأخرى.
ومن الإعجاز أن الناقة من معجزات الأنبياء ، إذ كانت ناقة نبي الله صالح معجزة في ذاتها [عن جابر بن عبد الله : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما نزل الحجر قام فخطب الناس فقال : يا أيها الناس لا تسألوا نبيكم عن الآيات ، فإن قوم صالح سألوا نبيهم أن يبعث إليهم آية فبعث الله إليهم الناقة .
فكانت ترد من هذا الفج فتشرب ماءهم يوم وردها ، ويحتلبون من لبنها مثل الذي كانوا يأخذون من مائها يوم غبها وتصدر من هذا الفج ، فعتوا عن أمر ربهم فعقروها فوعدهم الله العذاب بعد ثلاثة أيام ، وكان وعداً من الله غير مكذوب .
ثم جاءتهم الصيحة فأهلك الله من كان منهم تحت مشارق الأرض ومغاربها إلا رجلاً كان في حرم الله ، فمنعه حرم الله من عذاب الله . فقيل : يا رسول الله من هو؟ قال : أبو رغال . فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه( ).
فكذا قريش فانهم عتوا عن أمر ربهم وجحدوا بالنبوة وسخروا الإبل والأموال والأنعام التي ذللها الله عز وجل لهم لمحاربة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فجاءهم العذاب الشديد في معارك الإسلام والخزي عند أجيال المسلمين المتعاقبة.
وكانت ناقة النبي صلى الله عليه وآله وسلم تسمى [القصواء ].
وفي حليب الإبل منافع طبية كثيرة وهي غنية بالكالسيوم والحديد وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالتداوي بأبوالها ، وقال بعض الأطباء في هذا الزمان أن هذه الأبوال سبب للمرض وفي هذا التزاحم والتعارض مسائل :
الأولى : ورد الحديث بشرب حليب وبول الإبل معاً [عن أنس بن مالك أن رهطا من عكل وعرينة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله ، إنا أناس من أهل ضرع ولم نكن من أهل ريف فاستوخمنا المدينة فأمر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بزود وزاد ، فأمرهم أن يخرجوا فيها فيشربوا من أبوالها وألبانها ، فانطلقوا حتى إذا كانوا في ناحية الحرة قتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واستاقوا الزود وكفروا بعد إسلامهم .
فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في طلبهم ، فأمر بهم فقطع أيديهم وأرجلهم ، وسمر أعينهم وتركهم في ناحية الحرة ، حتى ماتوا وهم كذلك .
عن الامام جعفر الصادق عليه السلام قال : قدم على رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم قوم من بني ضبة مرضى ، فقال لهم رسول الله ( صلى الله عليه وآله : أقيموا عندي فاذا برئتم بعثتكم في سرية ، فقالوا : اخرجنا من المدينة ، فبعث بهم إلى إبل الصدقة يشربون من أبوالها ويأكلون من ألبانها ، فلما برأوا واشتدوا قتلوا ثلاثة ممن كان في الإبل ، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله الخبر ، فبعث إليهم عليا ( عليه السلام ) وهم في واد قد تحيروا ليس يقدرون أن يخرجوا منه ـ قريبا من أرض اليمن ـ فأسرهم وجاء بهم إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فنزلت هذه الآية ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ) فاختار رسول الله صلى الله عليه وآله ) القطع ، فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف( ).
قال قتادة : فذكر لنا أن هذه الآية نزلت فيهم ، يعني قوله [إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ]( )، وبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يحث في خطبته بعد ذلك على الصدقة وينهى عن المثلة( ).
وهل يحتمل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعلم بسوء عاقبة هؤلاء الوفد فأشار عليهم بشرب بول الابل ، الجواب هذا العلم ليس علة وسبباً لإرادة الإضرار بهم , ولعدم ثبوت الضرر بشرب بول الإبل، أنما أراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شفاءهم وسلامتهم.
الثانية : إرادة شرب القليل من البول لأن الكثرة تكون لشرب الحليب وعند التداخل بينهما ينتفي الضرر .
الثالثة : كانت أجسام العرب في الجزيرة تختلف عن حال أبدان الناس في هذه الأزمنة لإختلاف صيغ المعيشة والغذاء كما تجد الآن جلسة التربع على الأرض تضر بغضاريف الركبتين وينصح الأطباء باجتنابها خصوصاً لمن زاد عمره على الأربعين سنة ، مع أن العرب كانت تجلسها في البيوت والأسواق والمنتديات ( ) .
الرابعة : لا تزال الدراسات الطبية في بداياتها ، وربما يستخرج الأطباء علاجاً من أبوال الأبل باجراء تفاعلات وأخلاط عليه فيكون حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعوة للأطباء لإكتشاف ضروب الدواء .
الخامسة : إرادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بيان المنافع العظيمة للإبل في لبنها وغيره.
السادسة : الأضرار الجانبية موجودة أيضاً في المضادات والعلاجات الحديثة في هذا الزمان.
السابعة : يمكن أن يكون العلاج بالبول لحاجة في الأزمنة السابقة ، ولقابلية الأجسام على تحمل أخذ مقادير قليلة منه ، أما وقد تم إكتشاف الأدوية الحديثة فيقدم الأصلح والأنفع وهو العلاج الحديث، وقد يبقى الإنتفاع من أبوالها في الصحراء وعند الضرورة.
الثامنة : لو تعارض الخبر بالعلاج بأبوال الإبل مع إكتشافات العلم الحديث لأضرار شربها ، يقدم الثاني ويهجر شربها لموضوعية العلم وقول أهل الخبرة وهم أطباء الأبدان ، كما في تلقيح النخيل إذ مّر النبي [عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ :سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أَصْوَاتًا فَقَالَ مَا هَذَا قَالُوا يُلَقِّحُونَ النَّخْلَ فَقَالَ لَوْ تَرَكُوهُ فَلَمْ يُلَقِّحُوهُ لَصَلُحَ فَتَرَكُوهُ فَلَمْ يُلَقِّحُوهُ فَخَرَجَ شِيصًا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَكُمْ قَالُوا تَرَكُوهُ لِمَا قُلْتَ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاكُمْ فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِهِ فَإِذَا كَانَ مِنْ أَمْرِ دِينِكُمْ فَإِلَيَّ( ).
ومن الإعجاز أن ذكر الإبل في القرآن جاء بكيفية خلقها ولكنه يشمل ما يخرج منها وهو نعمة أخرى ، ولم يأت هذا الذكر بمفرده بل ورد معه ذكر خلق السماء والجبال والأرض بقوله تعالى [أَفَلاَ يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ* وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ] ( ).
وكما أن كلاً من هذه الآيات باقية تستقرأ منها ضروب الإعجاز في كل زمان ومع الإكتشافات العلمية ، فكذا بالنسبة للإبل ففي كل زمان تستبين حقائق وأسرار في خلق الإبل .
وإتخذت قريش الإبل للحرب على الإسلام فارجع الله تعالى كيدهم إلى نحورهم ، ليتخذ المسلمون من الإبل واسطة لنشر الإسلام والغزو في سبيل الله ، وعوناً لمحاكاة الأنبياء السابقين وأصحابهم في قوله تعالى [فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا] ( ).
مصطلح الصحابي
يقال صحبه يصحبه صُحبه وصحابة أي عاشره وصار قريباً منه والصحابة جمع صاحب وهو المعاشر والقرين، ومنه أشتق لفظ الصحابة للمسلمين الذين عاصروا أيام النبوة وإلتقوا بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وورد أغلب المرا ت التي ورد فيها لفظ أصحاب في القرآن بخصوص أهل الجنة والنعيم الذي يقيمون فيه ، وأصحاب النار والعذاب الأليم الذي ينتظرهم عنوان للوعد وللوعيد ، وفيه نكتة وهي أن الخلود الدائم في الآخرة ولذا جاء لفظ الصحبة في الغالب خاصاً بها ، وقد ورد هذا اللفظ ثلاث مرات في آية واحدة كما في قوله تعالى [لاَ يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ الْفَائِزُونَ] ( )ولا يشترط في المعنى اللغوي للصحبة طول المجالسة والأخوة وإتحاد سنخية الفعل ، فقد يصدق الصاحب على المعاشرة لأسبوع أو يوم أو ساعة من نهار .
أما في الإصطلاح بخصوص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ففيه وجوه :
الأول : الصحابة هم المهاجرون والأنصار [عن ابن عمر قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خالد بن الوليد إلى بني – أحسبه قال – جذيمة فدعاهم إلى الاسلام فلم يحسنوا أن يقولوا : أسلمنا.
فجعلوا يقولون : صبأنا صبأنا، وخالد يأخذ بهم أسرا وقتلا.
قال : ودفع إلى كل رجل منا أسيرا، حتى إذا أصبح يوما أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره.
قال ابن عمر: فقلت: والله لا أقتل أسيرى ولا يقتل أحد من أصحابي أسيره.
قال: فقدموا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكروا صنيع خالد فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورفع يديه : ” اللهم إنى أبرأ إليك مما صنع خالد ” مرتين.
ورواه البخاري والنسائي من حديث عبد الرزاق به نحوه.
قال ابن إسحاق: وقد قال لهم جحدم لما رأى ما يصنع خالد : يا بنى جذيمة ضاع الضرب، قد كنت حذرتكم مما وقعتم فيه.
قال ابن إسحاق : وقد كان بين خالد وبين عبدالرحمن بن عوف – فيما بلغني – كلام في ذلك، فقال له عبدالرحمن : عملت بأمر الجاهلية في الاسلام ؟ فقال : إنما ثأرت بأبيك.
فقال عبدالرحمن : كذبت قد قتلت قاتل أبى، ولكنك ثأرت لعمك الفاكه بن المغيرة.
حتى كان بينهما شر.
فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : ” مهلا يا خالد دع عنك أصحابي، فوالله لو كان لك أحد ذهبا ثم أنفقته في سبيل الله ما أدركت غدوة رجل من أصحابي ولا روحته “.
ثم ذكر ابن إسحاق قصة الفاكه بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم عم خالد ابن الوليد، في خروجه هو وعوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة، ومعه ابنه عبدالرحمن وعفان بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس ومعه ابنه عثمان، في تجارة إلى اليمن ورجوعهم ومعهم مال لرجل من بني جذيمة كان هلك باليمن، فحملوه إلى ورثته فادعاه رجل منهم يقال له خالد بن هشام ولقيهم بأرض بنى جذيمة فطلبه منهم [ قبل أن يصلوا إلى أهل الميت ] فأبوا عليه فقاتلهم فقاتلوه حتى قتل عوف والفاكه وأخذت أموالهما.
وقتل عبدالرحمن قاتل أبيه خالد بن هشام وفر منهم عفان ومعه ابنه عثمان إلى مكة، فهمت قريش بغزو بنى جذيمة، فبعث بنو جذيمة يعتذرون إليهم بأنه لم يكن عن ملأ منهم وودوا لهم القتيلين وأموالهما ووضعوا الحرب بينهم.
يعنى فلهذا قال خالد لعبد الرحمن: إنما ثأرت بأبيك، يعنى حين قتلته بنو جذيمة.
فأجابه بأنه قد أخذ ثأره وقتل قاتله، ورد عليه بأنه إنما ثأر بعمه الفاكه بن المغيرة حين قتلوه وأخذوا أمواله] ( ) فجاء الحديث بالتفصيل والتمييز وان خالداً لو أنفق ذهباً بقدر جبل أحد في سبيل الله لم يدرك خطوات بقصد الجهاد لمهاجر أو أنصاري .
الثاني : أصحاب النبي هم كل من أسلم وكان مسلماً يوم رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويلحق به الذي تتعذر عليه الرؤية لعارض كالأعمى مثل أم كلثوم .
الثالث :صحابة النبي هم الذين لقوه مؤمنين وماتوا على الإسلام، قال تعالى [فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ] ( )فيخرج به الكافر والكتابي ، ومؤمنوا أهل الكتاب الذين رأوه قبل البعثة وبعدها.
الرابع : الذين صاحبوا النبي وهم مؤمنون بسلامة وتنزه عن النفاق ولا يدخل فيه الذي رأى النبي من غير أن يدخل الإسلام ، وإن آمن بأنه سيبعث كما في بحيرا الراهب إذ خرج أبو طالب عم النبي إلى الشام تاجراً وهو من مصاديق قوله تعالى [لِإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ] ( ).
فلما أراد الشروع بالرحيل وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم صغيراً ويعيش في كفالته ، فأخذ بزمام ناقة أبي طالب وقال يا عم إلى من تكلني لا أب لي ولا أم [فرق له أبو طالب وقال : والله لاخرجن به معي ولا أفارقه ولا يفارقنى أبدا( )، فخرج به عمه أبو طالب سريعا حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام( ).
الخامس : المؤمن الذي سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وروى عنه .
وأختلف في دخول الجن من الذين آمنوا ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ورأوه وإستمعوا له كما في قوله تعالى حكاية عنهم [إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ] ( ).
لذا قال ابن حزم وقد نص الله تعالى على أن نفرا من الجن آمنوا وسمعوا القرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم صحابة وفضلاء فمن لهذا المدعي بالباطل باجماع أولئك( ).
وهذا القول من التشديد على النفس وعلى العلماء وعلى الأمة ولا يخلو من الحسد، ولا صلة بين إيمان الجن وبين الإجماع من جهات :
الأولى : عدم وجود نوع إتصال بين الإنس والمؤمنين من الجن بحيث يعلم المؤمنون قول الجن.
الثانية : لا دليل بأن للجن رأي وفتوى بخصوص المسائل العبادية والمعاملات وقد يكونون في مرتبة التلقي والقبول .
الثالثة : رجحان موافقة الجن لما يجمع عليه الإنس، وقد سخرهم الله عز وجل لسليمان عليه السلام ولم يرد في الأخبار أن لهم رأياً في الوقائع والأحداث.
الرابعة : المتبادر إلى الأذهان من لفظ الإجماع هو فتوى العلماء وقول الأمة وحينما يسمع المسلم وغيره قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( )يتبادر إلى ذهنه إرادة المسلمين من الإنس بدليل التقييد الوارد في الآية [أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ].
الخامسة : الذي يقيد الإجماع بقول الجن يريد من غير قصد غلق باب رحب للعلم والعمل على الأمة.
السادسة : القول بدخول الجن في مصطلح الصحابة خلاف المشهور والمختار .
السادس : الصحابي الذي حاز أحد النعوت التالية :
أولاً : طول مجالسته للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ثانياً : حفظ الرواية عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ثالثاً : من خرج مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
رابعاً : الذي أستشهد بين يدي الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
السابع : أختلف في صدق إنطباق لفظ الصحابي على المسلم الذي رأى النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وهو ميت قبل أن يدفن وهو الأمر الذي حصل لأبي ذويب الهذلي الشاعر وإسمه خويلد بن خالد وقال الكلبي وهو خويلد بن محرث .
(وذكر محمد بن إسحاق بن يسار قال حدثني أبو الآكام الهذلي عن الهرماس بن صعصعة الهذلي عن أبيه أن أبا ذؤيب الشاعر حدثه قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عليل فاستشعرت حزناً وبت بأطول ليلة لا ينجاب ديجورها ولا يطلع نورها فظللت أقاسي طولها حتى إذا كان قرب السحر أغفيت فهتف بي هاتف وهو يقول:
خطب أجل أناخ بالإسلام … بين النخيل ومعقد الآطام
قبض النبي محمد فعيوننا … تذري الدموع عليه بالتسجام
قال أبو ذؤيب : فوثبت من نومي فزعاً فنظرت إلى السماء فلم أر إلا سعد الذابح فتفاءلت به ذبحاً يقع في العرب. وعلمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قبض وهو ميت من علته فركبت ناقتي وسرت( ).
والصحيح أنه لم يدخل في الصحابة ، لأنها نوع مفاعلة وملازمة بين طرفين ، وبإستثناء الوجه الخامس الذي فيه تقييد فإن الوجوه أعلاه كلها من مصاديق الصحبة ,
وإن كان الحديث الوارد عن ابن عمر يرفعه والمذكور في الوجه الأول أعلاه له دلالات في المقام إذ يفيد الحصر إلا أن يرد دليل حاكم يدل على التوسعة في معنى الصحابة خاصة مع تقادم أيام البعثة النبوية وثبات الناس على الإسلام وملاقاتهم الكفار بشوق وصبر . ولعل من هذه الأدلة قوله تعالى[وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ).
لقد كان أصحاب الأنبياء يقاتلون معهم على تقواهم وإيمانهم بقوله تعالى [رِبِّيُّونَ]ومع كثرتهم لتكون حجة على المسلمين في لزوم الإخلاص في الجهاد والتفاني في طاعة الله لمحاربة المرتدين والمارقين بعد إنتقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى .
وهل كان قتال بعض الأنبياء على المرتدين بمعنى أنهم كانوا مسلمين وعند فقد نبي زمانهم إرتدوا عن الإسلام فيبعث الله نبياً لقتالهم، الجواب لا دليل عليه إلا أن يرد نص أو أمارة تؤكده ، وليس منه الإحتجاج والجدال في كيفية القتال وضروبه وأسبابه والغاية منه ،وكذا الخلافات والخصومات في الغارات .
بطون قريش
بعد سنتين من معركة أحد وفي السنة الخامسة للهجرة كانت واقعة الخندق ، وتسمى الأحزاب لتحالف الكفار ، إذ زحفت قريش وكنانة وسليم وقبائل غطفان وأهل تهامة، وكان رؤسائهم هم الأول أبو سفيان بن حرب على كنانة وهي على اقسام :
أولاً : قريش وهم بنو النضر بن كنانة والنضر هو قريش ، وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم [نحن بنو النضر بن كِنانة لا نَقْفُز أمّنا ولا ننتفي من أبينا] ( ) وتزوج النضر عائلة بنت عدوان بن عمرو بن قيس عيلان ، ومن بطون قريش :
1- بنو هاشم بن عبد مناف .
2- بنو عبد الدار بن قصي ومنهم بنو شيبة .
3- بنو المطلب بن عبد مناف .
4- بنو أسد بن عبد العزى .
5- بنو عبد شمس بن عبد مناف ومنهم بنو أمية .
6- بنو تيم بن مرة .
7- بنو عدي بن كعب .
8- بنو زهرة بن كلاب .
9- بنو مخزوم بن يقظة .
ثانيا : بنو عبد مناة بن كنانة ، وهو أكبر فروع كنانة وهم على فروع :
1- بنو بكر بن عبد مناة ، ومنهم بنو حمزة ، وبنو ليث بن بكر ، وبنو غفار .
2- بنو الحارث بن عبد مناة ، ويسمون الأحابيش ، نسبة إلى جبل حبشي بمكة إذ إجتمعوا عنده [فتحالفوا بالله : إنا ليد على غيرنا ما سجى ليل ووضح نهار وما رسا حبشي مكانه] ( ) أي عدم نقض الحلف ما دام هذا الجبل الذي هم يجتمعون في عند طرفه باقياً في مكانه لإرادة التأييد بالحلف ، ولم يعلموا أن الجرافات ونحوها تأتي عليه رحمة فيما بعد وتجعله أرضاً مستوية للعمارة والتوسعة والبناء حول البيت الحرام كما حصل في هذا الزمان.
وفيهم أقوال أخرى :
الأول : تعدد القبائل التي ينتسبون إليها .
الثاني : سمو الأحابيش لإسوداد وجوههم .
الثالث : أنهم مرتزقة من الحبشة ،وهو خلاف الحال قاله بعض المستشرقين وعارضه كثير منهم .
الرابع : إنهم خليط من العرب والحبشة والمرتزقة ، قاله أحد المعاصرين ، ولا دليل عليه ، إنما يكون مع كل قبيلة موالون وعبيد ،وخدم ، ويخرجون معهم للقتال وفاءً ودفاعاً عن النفس وطلباً للعتق وإرضاء لأسيادهم ، وعصبية وحمية وجهالة.
والصحيح أن الأحابيش بطن من كنانة ذات شأن غلب عليهم اسم موضع الحلف فلقد كان للأحابيش سيدهم وله كلام وشأن في إتخاذ القرار في الحرب والسلم ,وكان يذكر باسمه ونسبه ، وينصتون له ، ولا يعيرونه بأصله مثلاً ، مما يدل على أنه من كنانة ومن سادات القوم ، فمثلاً في يوم أحد [قال ابن إسحاق: وكان الحليس بن زبان أخو بنى الحارث بن عبد مناة – وهو يومئذ سيد الاحابيش – مر بأبى سفيان وهو يضرب في شدق حمزة بن عبدالمطلب بزج الرمح ويقول: ذق عقق ! فقال الحليس: يا بني كنانة، هذا سيد قريش يصنع بابن عمه ما ترون لحما ! فقال: ويحك اكتمها عني فإنها كانت زلة] ( ).
نعم نعتوه يوم الحديبية بأنه أعرابي عندما أنكر على قريش إرادتهم صدّ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه عن البيت الحرام ، وفي صلح الحديبية أرسلت قريش رئيس الأحابيش ينظر إلى النبي وأصحابه وهيئتهم وغايتهم .
قال ابن هشام [ثُمّ بَعَثُوا إلَيْهِ الْحُلَيْسَ بْنَ عَلْقَمَةَ أَوْ ابن زَبّانَ وَكَانَ يَوْمَئِذٍ سَيّدَ الْأَحَابِيشِ ، وَهُوَ أَحَدُ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ ؛ فَلَمّا رَآهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ إنّ هَذَا مِنْ قَوْمٍ يَتَأَلّهُونَ فَابْعَثُوا الْهَدْيَ فِي وَجْهِهِ حَتّى يَرَاهُ فَلَمّا رَأَى الْهَدْيَ يَسِيلُ عَلَيْهِ مِنْ عُرْضِ الْوَادِي فِي قَلَائِدِهِ وَقَدْ أَكَلَ أَوْبَارَهُ مِنْ طُولِ الْحَبْسِ عَنْ مَحِلّهِ رَجَعَ إلَى قُرَيْشٍ ، وَلَمْ يَصِلْ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إعْظَامًا لَمَا رَأَى ، فَقَالَ لَهُمْ ذَلِكَ .
فَقَالُوا لَهُ اجْلِسْ فَإِنّمَا أَنْتَ أَعْرَابِيّ لَا عِلْمَ لَك .
قَالَ ابن إسْحَاقَ : فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ : أَنّ الْحُلَيْسَ غَضِبَ عِنْدَ ذَلِكَ وَقَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ وَاَللّهِ مَا عَلَى هَذَا حَالَفْنَاكُمْ ، وَلَا عَلَى هَذَا عَاقَدْنَاكُمْ . أَيُصَدّ عَنْ بَيْتِ اللّهِ مَنْ جَاءَ مُعَظّمًا لَهُ وَاَلّذِي نَفْسُ الْحُلَيْسِ بِيَدِهِ لَتُخَلّنّ بَيْنَ مُحَمّدٍ وَبَيْنَ مَا جَاءَ لَهُ أَوْ لَأَنْفِرَن بِالْأَحَابِيشِ نَفْرَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ . فَقَالُوا لَهُ مَهْ كُفّ عَنّا يَا حُلَيْسُ حَتّى نَأْخُذَ لِأَنْفُسِنَا مَا نَرْضَى بِهِ] ( ).
فقابلهم بالغضب والتحدي مما جعلهم يتلطفون به ، خصوصاً وأنهم أهل تجارة لا قبل لهم بالعداوات التي تقطع طريق تجارتهم ليكون من معاني قوله تعالى [لِإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ] ( )تذكير قريش بحاجتهم إلى الأمن وسلامة الطرق القريبة من مكة والبعيدة عنها .
ويتفرع عنها لزوم إجتناب الحروب والقتال وصيرورة الناس أعداء لهم ، ولكنها عصبية الجاهلية ولعل هناك مصالح تجارية أكبر أدت إلى محاربتهم للإسلام في معركة بدر وأحد والخندق ،إذ كانوا الواسطة في التجارة بين الشرق والغرب ، فيأخذون تجارة الهند والصين وفارس إلى بلاد الروم وجلب البضائع والتجارات من بلاد الروم إلى الشرق بقطع الصحراء والجزيرة العربية بقوافل الإبل في رحلات متعاقبة لا يقدر على القيام بها إلا قريش لمنزلتهم عند الناس ولنسبتهم من إبراهيم الخليل وجوارهم البيت الحرام ، وحاجة القبائل للحج وعمارته والإجتماع في الموسم خاصة في الأشهر الحرم كل عام .
ومن بطون بني الحارث أي الأحابيش :
الأول : بنو عوف بن الحارث .
الثاني : عمرو بن الحارث ويقال لهم بنو الأحمر .
الثالث :بنو الرشد بن الحارث ، وكان إسمهم بنو غوي فسماهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بنو الرشد .
3- بنو مرة بن عبد مناة ومنهم بنو مدلج بن مرة وبنو شنوق بن مرة.
4- بنو عامر بن عبد مناة ، ومنهم بنو جذيمة بن عامر ، وبنو مساحق بن أقرم.
ثالثاً : بنو مالك بن كنانة ومنهم بنو الحارث بن تميم وبنو مخدج بن عامر .
رابعاً : بنو ملكان بن كنانة ولم تكن لهم فروع تذكر في أيام الجاهلية، وظهرت لهم فروع في الإسلام .
لقد فرق الإسلام بين أفراد القبيلة العربية الواحدة وصاروا ضدين ، والأصل في النبوة هو الوحدة والتعاون والتآزر ، ولكن الكفار أصروا على العناد والجحود ، ولم يكتفوا بهذا الإصرار بل دقوا طبول الحرب وقادوا الجيوش لقتال المسلمين.
قانون توارث البشارة
تبين الآية حقيقة وهي ان الدنيا دار إختبار ، ومن وجوهه إمتحان المؤمنين بإصرار الكفار على القتال ، وهذا الإصرار من مصاديق إحتجاج الملائكة على جعل آدم خليفة في الأرض كما ورد في التنزيل [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ] ( ) فمع أن الله سبحانه أخبرهم بجعل خليفة في الأرض فانهم لم يحتجوا على موضوع الخليفة وإختياره ، إنما بالأمر العرضي المصاحب لخلافة الإنسان في الأرض بأن يكون بعض بني آدم مفسدين، ويزاولون القتل بغير حق وهم الكفار ومنهم الذين يحاربون الأنبياء، فجاء الرد من عند الله [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) وفيه مسائل:
الأولى : توالي بعثة الأنبياء والذي يدل عليه قوله تعالى [وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ]( ).
الثانية : لجوء الأنبياء وأصحابهم للقتال لمنع الفساد في الأرض والقتل بغير حق , وإلا فان الله عز وجل منع على المسلمين الصيد في الحج بقوله تعالى[لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ]( )، لبيان وجوب إجتناب قتل الإنسان بغير حق، من باب الأولوية القطعية، وتأكيد قانون وهو شمول أحكام الشريعة في أمور الدين والدنيا وهو من مصاديق قوله تعالى[وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( ).
الثالثة : تقوم رسالة الأنبياء بالبشارة والإنذار .
وفي البشارة وجوه :
الأول :البشارة للذين آمنوا على حسن الإختيار والسمت .
الثاني : بيان الثواب العظيم الذي ينتظر الذين يقاتلون في سبيل الله .
الثالث : صرف القتال وأسبابه عن المؤمنين بظهورهم على الكفار لذا جاءت آية البحث بصيغة التبعيض من مجموع الأنبياء بقوله تعالى [وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ] فقد يعزم الكفار على القتال والمكر بالمؤمنين فيرد الله كيدهم إلى نحورهم ، ويشغلهم بأنفسهم ، قال تعالى [وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ] ( ).
الرابع : توارث أتباع الأنبياء لأنباء بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومحاربته للكفر ، وقهره للكفار ،وهو الذي تجلى في معركة بدر وأحد والخندق إلى أن تحقق فتح مكة من غير قتال يذكر .
عن ابن عباس قال : كان يهود أهل المدينة قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم إذا قاتلوا من يليهم من مشركي العرب من أسد ، وغطفان ، وجهينة ، وعذرة ، يستفتحون عليهم ويستنصرون ، يدعون عليهم باسم نبي الله فيقولون : اللهم ربنا انصرنا عليهم باسم نبيك وبكتابك الذي تنزل عليه ، الذي وعدتنا إنك باعثه في آخر الزمان( ).
الخامس : تلقي المؤمنين أخبار وقصص جهاد الأنبياء السابقين وأصحابهم في سبيل الله بالعمل على محاكاتهم، لذا فمن إعجاز القرآن بيان إشراقات من هذا الجهاد ، وذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم لضروب منه وإستشهاده ببذل الأنبياء وأصحابهم وأنصارهم أنفسهم في سبيل الله .
عن ابن عباس في قوله { أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى. . . } ( ) . قال : هذا حين رفعت التوراة واستخرج أهل الإِيمان ، وكانت الجبابرة قد أخرجتهم من ديارهم وأبنائهم ، فلما كتب عليهم القتال وذلك حين أتاهم التابوت قال : وكان من بني اسرائيل سبطان سبط نبوّة وسبط خلافة ، فلا تكون الخلافة إلا في سبط الخلافة ، ولا تكون النبوّة إلا في سبط النبوّة { فقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه } ( ) وليس من أحد السبطين ، لا من سبط النبوّة ولا من سبط الخلافة [قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ]( )، فأبوا أن يسلموا له الرياسة حتى قال لهم { إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم }( ).
وكان موسى حين ألقى الألواح تكسرت فرفع بعضها ، وجمع ما بقي فجعله في التابوت ، وكانت العمالقة قد سبت ذلك التابوت – والعمالقة فرقة من عاد كانوا بأريحا – فجاءت الملائكة بالتابوت تحمله بين السماء والأرض وهم ينظرون إليه حتى وضعته عند طالوت ، فلما رأوا ذلك قالوا : نعم ، فسلموا له وملكوه ، وكانت الأنبياء إذا حضروا قتالاً قدموا التابوت بين أيديهم . ويقولون : إن آدم نزل بذلك التابوت ، وبالركن ، وبعصا موسى من الجنة ، وبلغني أن التابوت وعصا موسى في بحيرة طبرية ، وأنهما يخرجان قبل يوم القيامة( )، وفي خبر أن المهدي من آل محمد يخرجها.
وهل من موضوعية للبشارة في ميادين القتال بين المسلمين والكفار ، الجواب نعم ، من وجوه :
الأول : البشارة للمؤمنين مدد وعون لهم في سوح المعارك .
الثاني : البشارة تيسير لمقدمات القتال وسبب لبعث المؤمنين للخروج إلى القتال ، كما يدل عليه قوله قبل ثلاث آيات [وَلَقَدْ كُنْتُمْ َتَمَنَّوْن الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ]( ).
ومن أسباب نزول الآية أعلاه شوق الصحابة الذين تخلفوا عن معركة بدر للقتال ومواجهة المشركين يوم أحد كما ورد [عن ابن عباس : كانوا يسألون الشهادة فلقوا المشركين يوم أحد فاتخذ منهم شهداء] ( )، وموضوع الآية وحال التمني أعم وتدل عليه آية البحث ومضامينها القدسية التي تبعث الشوق في نفوس المؤمنين للقتال في سبيل الله ودفاعاً عن الإسلام .
الثالث: ترجح البشارة كفة المسلمين ، وتجعلهم يبذلون الوسع لدفع شرور العدو الذي ليس عنده بشارة أو غاية عقلائية للقتال ، وهو من مصاديق نصرة الله عز وجل للمؤمنين .
الرابع : تدفع البشارة الوهن والضعف عن المؤمنين في القتال وتقيهم الإنكسار والهزيمة ، قال تعالى [إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا] ( )فمن ولاية الله عز وجل للمؤمنين مدّهم بالبشارة بالنصر والأجر.
وتتجلى هذه البشارة أحياناً بإخبار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن الفوز بالنصر للمؤمنين وخيبة الكفار .
وقد يذكر أسماء القتلى من كبار المشركين قبل وقوع المعركة ليكون معجزة حسية له .
وفي الطريق إلى معركة بدر كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يستشير أصحابه وعندما يجيبونه يسألهم مرة أخرى : أشيروا علي ؟ ففطن الأنصار أنه يريد أن يسمع جوابهم خصوصاً وأنهم بايعوه على حفظه والذب عنه وليس الخروج بهم إلى قتال قريش .
وفي بيعة العقبة قبل الهجرة عندما قدم وفد الأوس والخزرج التقى بهم النبي محمد صلى الله عليه آله وسلم وإبتدأ الحديث بتلاوة القرآن وذكر الله.
فَتَكَلّمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ . فَتَلَا الْقُرْآنَ وَدَعَا إلَى اللّهِ وَرَغّبَ فِي الْإِسْلَامِ ثُمّ قَال أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ تَمْنَعُونِي مِمّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ نِسَاءَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ . قَالَ فَأَخَذَ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ بِيَدِهِ ثُمّ قَالَ نَعَمْ وَاَلّذِي بَعَثَك بِالْحَقّ ( نَبِيّا ) لَنَمْنَعَنّك مِمّا نَمْنَعُ مِنْهُ أُزُرَنَا فَبَايِعْنَا يَا رَسُولَ اللّهِ فَنَحْنُ وَاَللّهِ أَبْنَاءُ الْحُرُوبِ وَأَهْلُ الْحَلْقَةِ وَرِثْنَاهَا كَابِرًا ( عَنْ كَابِرٍ ) فَاعْتَرَضَ الْقَوْلَ وَالْبَرَاءُ يُكَلّمُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التّيّهَانِ .
فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الرّجَالِ حِبَالًا ، وَإِنّا قَاطِعُوهَا – يَعْنِي الْيَهُودَ – فَهَلْ عَسَيْتَ إنْ نَحْنُ فَعَلْنَا ذَلِكَ ثُمّ أَظْهَرَك اللّهُ أَنْ تَرْجِعَ إلَى قَوْمِك وَتَدَعَنَا ؟ فَتَبَسّمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ ثُمّ قَالَ بَلْ الدّمَ الدّمَ وَالْهَدْمَ الْهَدْمَ أَنَا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مِنّي ، أُحَارِبُ مَنْ حَارَبْتُمْ وَأُسَالِمُ مَنْ سَالَمْتُمْ .
قَالَ ابن هِشَامٍ : وَقَالَ الْهَدْمَ الْهَدْمَ : ( يَعْنِي الْحُرْمَةَ ) أَيْ ذِمّتِي ذِمّتُكُمْ وَحُرْمَتِي حُرْمَتُكُمْ] ( ).
لذا حين خرج إلى بدر كان يكثر من الإستشارة ويرجو أن يسمع كلام الأنصار ، فاذا كانوا يؤيدون القتال وملاقاة الكفار ، فانه نسخ وإضافة لما جرى في بيعة العقبة وعهد جديد يترشح عن الحاجة للدفاع ، ثم انه في طول منع النبي والذب عن عوائلهم لأن كفار قريش جاءوا ليستأصلوهم .
[فقال رسول الله : أشيروا علي , فلما رأى سعد بن معاذ كثرة استشارة النبي أصحابه فيشيرون فيرجع إلى المشورة ظن سعد أنه يستنطق الأنصار شفقا أن لا يستحوذوا معه على ما يريد من أمره فقال سعد بن معاذ لعلك يا رسول الله تخشى أن لا تكون الأنصار يريدون مواساتك ولا يرونها حقا عليهم إلا بأن يروا عدوا في بيوتهم وأولادهم ونسائهم وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم.
يا رسول الله فاظعن حيث شئت وخذ من أموالنا ما شئت ثم أعطنا ما شئت وما أخذته منا أحب إلينا مما تركت وما ائتمرت من أمر فأمرنا بأمرك فيه تبع فو الله لو سرت حتى تبلغ البركة من ذي يمن لسرنا معك
فلما قال ذلك سعد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : سيروا على اسم الله فإني قد رأيت مصارع القوم فعمد لبدر] ( ) .
والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا ينطق إلا عن الوحي، فلما أظهروا التوكل على الله ونالوا مرتبة الربيين جاءت على لسانه البشارة بالنصر التي تجلت كفلق الصبح يوم بدر.
عن محمود بن لبيد قال: قال سعد: يا رسول الله، إنا قد خلفنا من قومنا قوماً ما نحن بأشد حباً لك منهم، ولا أطوع لك منهم، لهم رغبةٌ في الجهاد ونبةٌ، ولو ظنوا يا رسول الله أنك ملاقٍ عدوا ما تخلفوا، ولكن إنما ظنوا أنها العير. نبني لك عريشاً فتكون فيه ونعد لك رواحلك، ثم نلقى عدونا، فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا، وإن تكن الأخرى جلست على رواحلك فلحقت من وراءنا.
فقال له النبي صلى الله عليه وسلّم خيراً، وقال : أو يقضي الله خيراً من ذلك يا سعد.
قالوا : فلما فرغ سعد من المشورة، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم : سيروا على بركة الله، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين. والله، لكأني أنظر إلى مصارع القوم. قال : وأرانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم مصارعهم يومئذٍ، هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان، فما عدا كل رجلٍ مصرعه قال : فعلم القوم أنهم يلاقون القتال، وأن العير تفلت، ورجوا النصر لقول النبي صلى الله عليه وسلم]( ).
عن عكرمة قال : قال رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، يومئذ: اطلبوا أبا جهل، فطلبوه فلم يوجد فقال : اطلبوه فإن عهدي به وركبته محوزة، فطلبوه فوجدوه وركبته محوزة] ( ).
وكان عدد من الصحابة قد هابوا القتال في الطريق إلى بدر , وقالوا لم نستعد ولم نتهيأ للقتال ، وكان إخبار النبي صلى الله عليه وآله عن مصارع عدد من كبراء قريش إخباراً عن وقوع المعركة وتحقيق النصر للمؤمنين فيها ، وهو من علوم الغيب والبشارة التي تزيد المسلمين إيماناً ، وتحتمل هذه الزيادة في موضوعها وجوهاً :
الأول : خصوص الذين خرجوا لمعركة بدر ، وإزاحة أسباب الشك والخوف من نفوسهم .
الثاني : جميع الصحابة وأهل البيت وعوائلهم ممن بقي في المدينة ولم يخرج إلى معركة بدر .
الثالث : إرادة سكان المدينة المنورة من المهاجرين والأنصار واليهود .
الرابع :إنه حجة على الكفار ، وزجر لهم وإنذار من قتال المسلمين مرة أخرى ، وفي هذا الزجر درس للمؤمنين ، وزيادة في إيمانهم ، فان قلت لم يمض على معركة بدر عام واحد حتى زحف المشركون إلى معركة أحد وبثلاثة أضعاف عددهم في معركة بدر والجواب من وجوه :
الأول لولا أسباب الزجر المستقرأ من معركة بدر وكثرة قتلى المشركين ، لجاءوا بوقت ومدة أقل من أحد عشر شهراً وربما سارعوا للزحف لإنتزاع أسراهم ، بدل التأخر لهذا المدة في الإعداد للمعركة وجمع الجيوش وتهيئة العدة والعتاد .
الثاني : حضور المشركين إلى معركة أحد وهم في حال فزع وخوف لذا بادروا إلى الإنسحاب من المعركة حالما رأوا إشتداد القتال وعودة الصحابة إلى القتال بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
وقال علي عليه السلام: لما كان يوم أحد وجال الناس تلك الجولة أقبل أمية بن أبي حذيفة بن المغيرة، وهو دارع مقنع في الحديد، ما يرى منه إلا عيناه، وهو يقول: يومٌ بيوم بدر. فيعترض له رجلٌ من المسلمين فيقتله أمية. قال علي عليه السلام: وأصمد له فأضربه بالسيف على هامته وعليه بيضةٌ وتحت البيضة مغفر فنبا سيفي، وكنت رجلاً قصيراً. ويضربني بسيفه فأتقي بالدرقة، فلحج سيفه فأضربه، وكانت درعه مشمرة، فأقطع رجليه، ووقع فجعل يعالج سيفه حتى خلصه من الدرقة، وجعل يناوشني وهو باركٌ على ركبتيه، حتى نظرت إلى فتق تحت إبطه فأخش بالسيف فيه، فمال ومات وانصرفت عنه] ( ) .
ورأى المشركون إستعادة المسلمين الكرة والهجوم، وأخذهم زمام المبادرة في القتال ، وهو من عمومات ولاية الله في قوله تعالى [إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا] ( ).
لتكون عودة الصحابة للقتال بقوة بعد ثغرة جبل الرماة شاهداً على ولاية الله لهم جميعاً , ويكون تقدير الآية أعلاه (ولقد همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليكم ) بلحاظ مسائل :
الأولى : الطائفتان الذين همّوا بالجبن والضعف والإنسحاب هم بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس ، وكانوا الجناحين لجيش المسلمين مما يبين موضوعيتهما في القتال والأثر، والضرر البالغ عن إنسحابهم أو هزيمتهم.
الثانية : إن الله عز وجل يعطي بالأوفى والأتم ومنه ولايته للمسلمين جميعاً ، قال تعالى [اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ] ( ).
ومن مصاديق النور النفسي والجمعي في المقام الرجوع إلى وسط المعركة وملاقاة الكفار بالسيوف والرماح وكشف الغم عن عموم المؤمنين والمؤمنات بصد الكفار وإرجاعهم إلى مكة خائبين ، وكانت فاطمة الزهراء عليها السلام وصفية بنت عبد المطلب وعدد من المسلمات في مؤخرة جيش المسلمين .
عن ابن مسعود، قال: إن النساء كن يوم أحد خلف المسلمين يجهزن على جرحى المشركين، فلو حلفت يومئذ رجوت أن أبر أن ليس أحد منا يريد الدنيا حتى أنزل الله: ” منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة، ثم صرفكم عنهم ليبتليكم] ( ).
الثالثة : قد يكون ظهور الوهن والضعف على طائفة من المؤمنين سبباً لدبيبه إلى طوائف أخرى منهم خاصة مع شدة القتال وإنسحاب ثلث جيش المسلمين في الطريق إلى أحد ، وصيرورة جيش الكفار أربعة أضعاف جيش المسلمين ، فكانت ولاية الله يومئذ معجزة خارقة للعادة والأسباب في القتال لما فيها من عصمة المسلمين من الوهن والجبن والخور، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ]( )، بتقدير ( وأنتم الأعلون بولاية الله لكم) وليس من علو ورفعة أسمى شأناً من هذه الولاية وفيوضاتها في النشأتين .
وبعد أن عاد المؤمنون إلى مواقعهم وثبتوا فيها ،واشتد القتال [تَحَاجَزُوا وأَرَادَ أَبُو سُفْيَانَ الِانْصِرَافَ وَأَقْبَلَ يَسِيرُ عَلَى فَرَسٍ لَهُ حَوّاءُ أُنْثَى ، فَأَشْرَفَ عَلَى أَصْحَابِ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عُرْضِ الْجَبَلِ فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ اُعْلُ هُبَلُ ثُمّ يَصِيحُ أَيْنَ ابن أَبِي كَبْشَةَ ؟ أَيْنَ ابن أَبِي قُحَافَةَ ؟ أَيْنَ ابن الْخَطّابِ ؟ يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ] ( ).
وقوله هذا ( يوم بيوم بدر) ليس بتام وهو تدليس ومقدمة للإنهزام المغطى، ومقارنة وتكافؤ في النتائج بين معركة بدر وأحد في المقام مغالطة ومكر، من جهات :
الأولى : وقوع سبعين قتيلاً من المشركين ، وأسر المسلمين لسبعين آخرين منهم يوم بدر، وكانت العرب تتفاءل بالرقم سبعة ومضاعفاتها .
الثانية : كان قتلى المشركين يوم بدر من كبرائهم ورؤسائهم , إلى جانب الأمول التي تركوها وصارت غنائم للمسلمين .
الثالثة : كان عدد قتلى المسلمين يوم بدر أربعة عشر شهيداً ، أما قتلى المشركين يوم أحد فهو ثلاثة وعشرون رجلاً .
الرابعة : لم يقع أسرى المسلمين بيد المشركين في معركة بدر أو معركة أحد ، وتلك آية وفضل من عند الله عز وجل، وهو من أسرار ترك فداء وبدل الأسرى يوم بدر للمهاجرين والأنصار الذين أسروهم، لعلم النبي أنه لا يقع من المسلمين أسرى في أيدي المشركين يوم أحد ولا يحتاجون إلى الفداء من بيت المال.
الخامسة : كانت نهاية معركة بدر بهزيمة المشركين , وكانت خاتمة معركة أحد بانسحابهم من المعركة .
السادسة :عاد المشركون إلى مكة من معركة بدر بالحزن والذل والأسى وكأنها تلفظهم وتتبرأ منهم ، وعاد المسلمون إلى المدينة بالنصر والغنائم وكثرة الأسرى .
أما في معركة أحد فرجع المشركون إلى مكة بالخيبة وعدم تحقيق أي نفع أو غاية من الغايات الخبيثة التي جاءوا بجيش عرمرم من اجلها .
أما المسلمون فقد غادروا معركة بدر بالنصر والغلبة والأسرى والغنائم بين أيديهم وكان دخولهم إلى المدينة عيداً، وعادوا من معركة أحد بأمور :
الأول : بقاء دولة الإسلام ورسوخ أحكام الحلال والحرام .
الثاني : الفخر باستشهاد نفر من المؤمنين لأنهم صائرون إلى الجنة والنعيم المقيم، لذا أمر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد بالرد على أبي سفيان حينما قال (يوم بيوم ببدر) :
( لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار ) ( ).
الثالث : سلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من القتل , وكان المسلمون والناس يعلمون أنه أولى الغايات التي زحف المشركون من أجلها ، لذا عمت الغبطة والسكينة نفوس أهل المدينة رجالاً ونساءً عند عودة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من معركة أحد سالماً من القتل ، وزاد فيه ظهور الجراحات والدم على وجهه وسقوط أسنانه الأمامية وإشاعة قتله في المعركة.
وقد كانت النساء تبكي وتولول وهن يتلقين أسماء القتلى ودعوتهن للإحتساب والإسترجاع والصبر ، فجاءت إطلالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على أهل المدينة أعظم مواساة , وهو من الشواهد على صدق نبوته، وتلقي المسلمين رجالاً ونساءً لها بالقبول والرضا.
وعن إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن جحش عن أبيه عن حمنة بنت جحش أنه قيل لها : قتل أخوك أي عبد الله بن جحش( ) ، فقالت : رحمه الله ، إنا لله وإنا إليه راجعون ، ثم نعي لها أخاها وهو الحمزة بن عبد المطلب فاسترجعت.
ثم نعي لها زوجها مصعب بن عمير فصاحت وولولت ،فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ” إن زوج المرأة منها لبمكان ! ” لما رأى من تثبتها عند أخيها وخالها وصياحها على زوجها( ).
وبالإسناد عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقّاصٍ ، قَالَ مَرّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ بِامرأة مِنْ بَنِي دِينَارٍ ، وَقَدْ أُصِيبَ زَوْجُهَا وَأَخُوهَا وَأَبُوهَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ بِأُحُدٍ فَلَمّا نُعُوا لَهَا ، قَالَتْ فَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وأله وَسَلّمَ ؟ قَالُوا : خَيْرًا يَا أُمّ فُلَانٍ هُوَ بِحَمْدِ اللّهِ كَمَا تُحِبّينَ قَالَتْ أَرُونِيهِ حَتّى أَنْظُرَ إلَيْهِ ؟ قَالَ فَأُشِيرَ لَهَا إلَيْهِ حَتّى إذَا رَأَتْهُ قَالَتْ كُلّ مُصِيبَةٍ بَعْدَك جَلَلٌ تُرِيدُ صَغِيرَةً] ( ).
الرابع : نجاة المؤمنين الذين تمنوا القتل يومئذ ، لقوله تعالى قبل ثلاث آيات [وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْن الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ] ( ) .
إذ تدل لغة الخطاب في قوله تعالى [وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ] على سلامتهم من الموت والقتل بعد تمنيهم له ، وكأن الآية تدعوهم لبدء حياة وأماني جديدة تقتبس من بشارات النصر ، وبناء صرح الإسلام وصيرورته حقيقة .
وإخبار الآية عن نظرهم للموت عنوان السلامة , ومن البشارة المتوارثة بلحاظ تلاوة المسلمين لها ، وترشح الفضل الإلهي على أجيالهم نجاة المسلمين من القتل ، فان قلت قد وقع سبعون قتيلاً من المؤمنين في معركة أحد ، فكيف تكون سلامة المسلمين ، والجواب من وجوه :
الأول : تخاطب الآية أعلاه المسلمين الذين عادوا من معركة أحد والذين لم يخرجوا إليها.
الثاني : وقوع شهداء من المسلمين منعة وقوة للمسلمين لأنه باعث على الفداء والتضحية مع العلم بحسن العاقبة والخلود في النعيم.
الثالث : المراد بقاء دولة الإسلام لأن المشركين أرادوا من هجومهم بثلاثة آلاف مقاتل صيرورة المسلمين بين قتيل وأسير ، وكانوا يرغبون بأخذ المهاجرين من قريش أسرى لوجوه :
الأول : أهل البيت والمهاجرون نواة الدولة الإسلامية .
الثاني : إرادة قريش التشفي من المهاجرين .
الثالث : كانت قريش تضرب المسلمين الأوائل في مكة فأمرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالهجرة منها ، فارادت قريش إعادتهم لذات التعذيب إصراراً منها على الظلم .
الرابع : قيادة رجالات قريش من الصحابة للمعارك .
وبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم سرية بقيادة الحمزة وأخرى بقيادة عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب وكلاهما من أهل البيت وليس في السريتين أنصاري واحد .
وَكَانَ أَوّلُ لِوَاءٍ عَقَدَهُ رَسُو لُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ لِحَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ عَلَى رَأْسِ سَبْعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ مُهَاجَرِهِ وَكَانَ لِوَاءً أَبْيَضَ وَكَانَ حَامِلُهُ أَبُو مَرْثَدٍ كَنّازُ بْنُ الْحُصَيْنِ الْغَنَوِيّ حَلِيفَ حَمْزَةَ وَبَعَثَهُ فِي ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ خَاصّةً يَعْتَرِضُ عِيرًا لِقُرَيْشٍ جَاءَتْ مِنْ الشّامِ ، وَفِيهَا أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ فِي ثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ .
فَبَلَغُوا سَيْفَ الْبَحْرِ مِنْ نَاحِيَةِ الْعِيصِ ، فَالْتَقَوْا وَاصْطَفّوا لِلْقِتَالِ فَمَشَى مَجْدِي بْنُ عَمْرٍو الْجُهَنِي ، وَكَانَ حَلِيفًا لِلْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا ، بَيْنَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ حَتّى حَجَزَ بَيْنَهُمْ وَلَمْ يَقْتَتِلُوا.
ثُمّ بَعَثَ عُبَيْدَةَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ الْمُطّلِبِ فِي سَرِيّةٍ إلَى بَطْنِ رَابِغٍ فِي شَوّالٍ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ مِنْ الْهِجْرَةِ وَعَقَدَ لَهُ لِوَاءً أَبْيَضَ وَحَمَلَهُ مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ ، وَكَانُوا فِي سِتّينَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ لَيْسَ فِيهِمْ أَنْصَارِيّ فَلَقِيَ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْب ٍ ، وَهُوَ فِي مِائَتَيْنِ عَلَى بَطْنِ رَابِغٍ ، عَلَى عَشَرَةِ أَمْيَالٍ مِنْ الْجُحْفَةِ ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ الرّمْيُ وَلَمْ يَسُلّوا السّيُوفَ وَلَمْ يَصْطَفّوا لِلْقِتَالِ وَإِنّمَا كَانَتْ مُنَاوَشَةً وَكَانَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ فِيهِمْ وَهُوَ أَوّلُ مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللّه ثُمّ انْصَرَفَ الْفَرِيقَانِ عَلَى حَامِيَتِهِمْ .
قَالَ ابن إسْحَاقَ : وَكَانَ عَلَى الْقَوْمِ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْل ٍ ، وَقَدّمَ سَرِيّةَ عُبَيْدَةَ عَلَى سَرِيّةِ حَمْزَةَ] ( ).
ثم بعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سعد بن أبي وقاص إلى الجزاء وفي شهر ذي القعدة من ذات السنة التي هاجر فيها إلى المدينة وقبل أن تقع معركة بدر في عشرين راكباً .
وهو سعد بن ابي وقاص مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري وروي عنه أنه قال: أسلمت وأنا ابن تسع عشرة سنة. وروي عنه أنه قال: أسلمت قبل أن تفرض الصلوات( ).
ثم خرج النبي بنفسه إلى كتائب الأبواء بعد مرور نحو سنة على هجرته ، وحمل لواءه حمزة بن عبد المطلب ولونه أبيض وخرج في المهاجرين خاصة لبعث الفزع في قلوب قريش [يَعْتَرِضُ عِيرًا لِقُرَيْشٍ] ( )وإستخلف على المدينة سعد بن عبادة وهو من النقباء في بيعة العقبة قبل الإسلام ، وهو سيد الخزرج.
الخامس : إسلام الرجال والشباب من قريش حجة على كبراء المشركين منهم وسبب لإعراض القبائل عنهم .
السادس : أرادت قريش من إعادة المهاجرين الإنذار للمسلمين الآخرين في مكة .
إن إعلان كفار قريش إعادة المهاجرين مقيدين بالأصفاد إلى مكة هو وحده تخويف للمسلمين والمسلمات فيها ومحاولة لمنعهم من الهجرة .
وجاء توارث البشارة في معركة الخندق كما ورد عن سليمان بن صرد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال يوم أجلي وإنسحبت الأحزاب عنهم في معركة الخندق، الآن نغزوهم ولا يغزونا نسير إليهم( ).
ليكون هذا القول بشارة لأجيال المسلمين المتعاقبة ، وكذا بالنسبة لواقعة أحد فان جهاد المسلمين وعودة أكثرهم للقتال ليشاركوا من بقي مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الميدان بشارة إمتلاكهم ملكة الصبر.
قوله تعالى [فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ]
الوهن : الضعف ،ويأتي على وجوه :
الأول : الوهن في الرأي والتدبير .
الثاني : الوهن في الجسم ودبيب المرض فيه ، ويقال [مَوْهُون في جِسْمه] ( ).
الثالث: الوهن في العظم وظهور أمارات الشيخوخة على الإنسان [رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا] ( ).
الرابع : الوهن في الأمر , وهو الخلل والعيب فيه .
الخامس : الوهن في العمل , وهو الضعف والنقص فيه .
السادس : الوهن : العناء والمشقة في تحمل الأمر ، وفي التنزيل [حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ] ( ).
السابع : الوهن : الرجل القصير الغليظ .
الثامن : [نحو من نصف الليل أو بعد ساعة منه] ( ).
والمقصود في آية البحث هو الأول والثاني والرابع والخامس، ويحتمل موضوع الإصابة في الآية وجوهاً :
الأول : سقوط الشهداء من المسلمين .
الثاني : تعرض المؤمنين للجراحات ، وهل اصابت القروح والكلوم الأنبياء السابقين كما أصابت النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سواء في يوم أحد أو قبله ، الجواب نعم ، وهو الذي يدل عليه ظاهر الآية الكريمة من عموم الإصابة إلى جانب أن الجراحات أمر عرضي مصاحب لدخول المعارك لا يسلم منها إلا القليل من المقاتلين.
الثالث : الخسارة في المال وتعطيل التجارات ، وقلة الريع للإنشغال بالقتال وللإذى الذي يأتي من الكفار .
ومن إعجاز الآية إخبارها عن عدم وهن المسلمين في حالات :
الأولى : الإصابة بالجراحات.
الثانية : سقوط القتلى في القتال .
الثالثة : تحمل الأضرار المترشحة عن القتال ، وما يسببه من الإنفاق والبذل ، وذهاب الأموال للسلاح ونحوه.
ويحتمل عدم الوهن في الآية وجوهاً :
الأول : إرادة عدم وهن المقاتلين ، وهو القدر المتيقن من الآية .
الثاني : عموم صحابة النبي ممن خرج للقتال أم قعد عنه لعذر أو بدون عذر .
الثالث : إرادة عموم المسلمين والمسلمات جميعاً .
والصحيح هو الأخير ، بلحاظ نزول الأذى والضرر بهم جميعاً ، إذ تنزل بقتل أحد المسلمين المصيبة على أمه وأبيه وزوجته وأولاده ذكوراً وأناثاً وعلى غيرهم من المسلمين وهذا العموم في تلقي المصيبة من مصاديق قوله تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ] ( ).
وقيدت الآية إصابة أصحاب الأنبياء بأنها في سبيل الله ، وتحتمل وجوهاً :
الأول : ليس من إصابة أخرى لحقت أصحاب الأنبياء فما من خصومات أو غزو أو إقتتال غير جهاد الكفار .
الثاني : تعرض أصحاب الأنبياء إلى فتن وإبتلاء في أمور الحياة الدنيا ، ولكن موضوع الآية خاص بالجهاد والتضحية والفداء في سبيل الله ، فلم تذكر الآية أموراً أخرى .
الثالث : أصاب أصحاب الأنبياء الوهن والضعف بسبب الخصومات والضراء وأمور الدنيا، ولكن العصمة من الوهن خاصة بما لاقوه في سبيل الله.
والصحيح هو الأول ، فليس من إبتلاء وأذى تعرض له أصحاب الأنبياء إلا في قتالهم الكفار ، وفي حياة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه مرآة لهذا القانون فقد كانوا في حياة دعة ورغد عيش.
وما أن أظهر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نبوته بأمر من عند الله وصدّقه أولوا الألباب وأصحاب الفطنة حتى كشر رؤساء الكفر عن أنياب العداوة وأشهروا سيوف الضلالة ، وأرادوا الردة والإرتداد فقاتل المسلمون بشجاعة فريدة ، وأنزل الله الملائكة لنصرتهم ، ليغلق هذا النزول المبارك أسباب الوهن والضعف عنهم ، وإلى يوم القيامة فنزل الملائكة في ساعة من [يَوْمَ الْفُرْقَانِ] ( ) في معركة بدر لينتفع المسلمون من ضيائه في كل زمان ومكان، ويكون واقية من الوهن والضعف في أداء العبادات والفرائض .
وهل جاءت آية البحث لمنع دبيب الغرور لنفوس المسلمين ، وتجلي هذا المنع ببيان سبق اسم أمم كثيرة من ذوي الإخلاص في الإيمان بالجهاد وفي سبيل الله ، الجواب لا ، فليس من موضوع أو سبب لهذا الغرور لإرتقاء المسلمين في المعارف الإلهية ومجئ القرآن والسنة بإخبار الأنبياء وجهاد أصحابهم وأتباعهم في سبيل الله .
ترى كيف صار أصحاب الأنبياء منزهين عن الوهن والضعف, الجواب من وجوه :
الأول : وجود الأنبياء بين ظهرانيهم .
الثاني : رؤية الآيات الحسية للأنبياء وهي تترى عليهم بما يثبت الإيمان في صدورهم.
الثالث : من منافع بعثة الأنبياء تهذيب النفوس، وإصلاح المنطق ونقاء الأخلاق حتى في ميادين القتال، وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ان نبيا من الانبياء غزا بأصحابه فقال لا يتبعني رجل بنى دارا لم يسكنها أو تزوج امرأة لم يدخل بها أو له حاجة في الرجوع فلقي العدو عند غيبوبة الشمس .
فقال : اللهم إنها مأمورة وإني مأمور فاحبسها علي حتى تقضي بيني وبينهم .
فحبسها الله عليه ففتح عليه فجمعوا الغنائم فلم تأكلها النار , وكانوا إذا غنموا غنيمة بعث الله عليها النار فتأكلها فقال لهم نبيهم إنكم قد غللتم فليأتني من كل قبيلة رجل فليبايعوني فأتوه فبايعوه فلزقت يد رجلين منهم بيده .
فقال لهما إنكما قد غللتما قالا أجل غللنا صورة رأس بقرة من ذهب فجاءا بها فألقياها إلى الغنائم فبعث الله عليها النار فأكلتها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك إن الله أطعمنا الغنائم رحمة رحمنا بها وتخفيفا خففه عنا لما علم من ضعفنا( ).
الرابع : فوز الصحابة بمرتبة [ الربيين ] التي تفيد صدق الإيمان والسلامة من أدران الشرك ، وضروب الشك ومفاهيم الضلالة ، وتحتمل هذه المرتبة سعة وضيقاً وجوهاً :
الأول : إختصاص أصحاب الأنبياء بدرجة [ربيين] لموضوعية وجود النبي بين ظهرانيهم .
الثاني : إرادة خصوص الخصوص من الصحابة الذين يقاتلون مع الأنبياء على نحو التعيين .
الثالث : المقصود عموم صحابة الأنبياء .
الرابع : شمول الآية للصحابة المؤمنين والتابعين وتابعي التابعين ممن أخلص الإيمان .
والصحيح هو الأخير لوجوه :
الأول :أصالة العموم .
الثاني : موضوعية فضل الله عز وجل في إطلاق الثناء وإستحقاق الثواب بالمسمى وصرف الطبيعة من العمل الصالح .
الثالث : وحدة الموضوع في تنقيح المناط ، وإتحاد خصال الحسن بين أصحاب الأنبياء والتابعين من المؤمنين ، نعم هناك مسألة وهي إنفراد الصحابة بالقتال تحت لواء النبي، وتلقي الأوامر من غير واسطة متحدة أو متعددة في أزمة متعاقبة كما في أخذ التابعين أخبار وأحاديث النبي بواسطة الصحابة وتلقي تابعي التابعين لها بأكثر من واسطة وطبقة من رجال الحديث والسند.
ويفيد لفظ [مع] في(قاتل معه) في الآية المعنى الأعم من الصحبة وملازمة النبي , وهو على وجوه :
الأول : قاتل معه في ملته ربيون كثير ، لتشمل الآية كل من آمن بدعوته ، وجاهد في سبيل الله وجذب الناس للعمل بأحكام الشريعة التي جاء بها .
الثاني : قاتل معه في سبيل الله ، والمعية بالغاية الحميدة وهي في سبيل الله عز وجل ولو من التابعين للنبي في زمان لاحق لبعثته.
الثالث : من معاني [مع] إلى جانب المصاحبة إجتماع شيئين ، ووجه الإجتماع هو محاربة الكفار وإن تباين الزمان بين النبي المتبوع والجنود التابعين ، ويكون تقدير الآية ( وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير الكفار ) .
الرابع : إرادة أجيال التابعين للنبي الذين يقاتلون الكفار [عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « متى ألقى إخواني ؟ قالوا : يا رسول الله ، ألسنا إخوانك ؟ قال : « أنتم أصحابي ، وإخواني الذين آمنوا بي ، ولم يروني] ( ).
وتقدير قوله تعالى [فَمَا وَهَنُوا]على وجوه :
الأول : فما وهنوا في طلب العدو .
الثاني : فما وهنوا في نصرة نبي زمانهم .
الثالث : فما وهنوا في الدعوة إلى نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم والتصديق بنبوته ، وهذه الدعوة ملازمة لأصحاب الأنبياء فما من نبي إلا وجاءت على لسانه ، كما أنها نزلت في الكتب السماوية السابقة ، وتحتمل البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم جهات :
الأولى : إنها سبب لعدم الوهن , وتقدير الآية فما وهنوا لأنهم مبشرون بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وظهوره على الكفار ودحره لأفكار الضلالة وإماتته للبدعة .
الثانية : البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من رشحات عدم الوهن ، فلم يهنوا كي يتعاهدوا البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويتركوها وديعة عند الأجيال اللاحقة .
الثالثة : الملازمة بين البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعدم الوهن .
الرابع : فما وهنوا في إزاحة الناس عن مواطن الكفر والضلالة .
لقد إبتدأت الآية الكريمة بتأكيد:
وجود صحابة لكل نبي من الأنبياء السابقين، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( )بلحاظ أن الله عز وجل بعث الأنبياء ورزقهم المعجزات لتصديق الناس بهم ،وجعلهم يقبلون على العبادات ويؤتون الفرائض بشوق ورضا .
ويحتمل القتال في سبيل الله الذين تذكره آية البحث وجوهاً :
الأول : إنه مقدمة لعبادة الله .
الثاني : القتال في سبيل الله عبادة محضة وطاعة لله سبحانه.
الثالث : إنه أعم من العبادة ففيه إلا جانب العبادة مسائل :
الأولى : حفظ النفس .
الثانية : تعاهد الجماعة .
الثالثة : سلامة الأهل والمال .
الرابعة : إزاحة الباطل ودحر مفاهيم الكفر والظلالة .
الخامسة : منع الموانع التي تحول دون أداء الذراري للفرائض والعبادات .
السادسة : دوام الأمن والعز للمؤمنين، قال تعالى بالتحذير من ترك المدن تستباح[إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ]( ).
الرابع : القتال في سبيل الله أمر أجنبي عن العبادة .
الخامس : إنه رشحة وأثر لعبادة المؤمنين لله عز وجل ، والصحيح هو الأول والثاني والخامس لذا تفضل الله عز وجل وجمع في هذه الآية صفات مباركة في ذات الأمة والأفراد هي :
الأول : الإيمان .
الثاني : صحبة الأنبياء .
الثالث : تقييد هذه الصحبة بتصديق الأنبياء والإيمان بنبوتهم والمعجزات التي جاءوا بها .
وتذكر الآية فرداً خاصاً وهو إصابة أصحاب الأنبياء في سبيل الله من وجوه:
الأول : القتل وسقوط الشهداء، فان قلت يتعلق موضوع عدم الوهن عند الإصابة بالأحياء منهم وليس الشهداء وعموم الموتى.
والجواب هؤلاء الأحياء لم يهنوا عند سقوط إخوانهم في سبيل الله، بل إزدادوا إيماناً ويقيناً وتفانياً في سبيل الله، وخرج معهم أبناء الشهداء ليتموا المسيرة وهل خرجوا ليثأروا لآبائهم.
الجواب لا، إنما أرادوا قصد القربة، ويدل عليه قوله تعالى[فِي سَبِيلِ اللَّهِ] الذي هو نية وغاية إنحلالية تنبسط بعدد كل أصحاب الأنبياء.
الثاني : الذين أصابتهم الجروح والكلوم في القتال، فانهم لم يهنوا أو يضعفوا، ويتجلى عدم وهنهم من جهات:
الأولى : الخروج إلى ميادين الوغى مع ما فيهم من الجراحات .
الثانية : حث الجريح إخوانه المسلمين على الدفاع والجهاد وعدم الإستكانة أو الذل وعندما أشيع يوم أحد أن النبي قد قتل [مر رجل من المهاجرين يوم أحد على رجل من الانصار وهو يتشحط في دمه.
فقال له: يا فلان، أشعرت أن محمدا قد قتل، فقال الانصاري: إن كان محمد صلى الله عليه وسلم قد قتل فقد بلغ الرسالة فقاتلوا عن دينكم ! فنزل: ” وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ” الآية] ( ).
الثالثة: مزاولة المسلم للقتال حتى وهو جريح .
الرابعة : الثبات على الإيمان وإختيار الجهاد حتى مع الخسارة وإشاعتها ، وطلب الشهادة لأنها أسمى مصاديق عدم الوهن أو الضعف ويوم أحد وعندما انتشر خبر قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم [قال أنس بن النضر: يا قوم إن كان محمد قد قتل فإن رب محمد لم يقتل، فقاتلوا على ما قاتل عليه محمد صلى الله عليه وسلم، اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء.
ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل] ( ).
الخامسة : تعاهد الفرائض والعبادات .
السادسة : عدم الإصغاء إلى المنافقين وأهل الشماتة والريب.
السابعة : إظهار الرضا بأمر الله عز وجل ، ورجاء الثواب ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا] ( ).
الثالث : لقد صبر المؤمنون على إصابة أموالهم بالنقص والقلة وهلاك المزروعات وتعطيل التجارات بسبب الإنشغال بالقتال ومقدماته .
الرابع : عدم الوهن في المرابطة وحفظ الثغور والتدريب على السلاح ، فهذا التدريب من عمومات قوله تعالى [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ..] ( ).
الخامس : لما جعل الله عز وجل العبادة هي علة خلق الإنسان بقوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( )،فانه سبحانه رزق أصحاب الأنبياء والمؤمنين في كل زمان عدم الوهن في سنن الطاعة وأداء المناسك ، لذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم [صلوا كما رأيتموني أصلي] ( ).
ليكون من معاني الحديث أعلاه لزوم عدم الوهن أو الكسل في أداء الصلاة ، وجاء ذكر الصلاة هنا في باب الفرد الأعم والأظهر إذ تلحق بها العبادات الأخرى كالصوم والحج مع مجئ الأحاديث بهذا المعنى بخصوص كل عبادة وفرض ، كما في قوله صلى الله عليه وآله وسلم [خذوا عني مناسككم] ( ).
السادس : تلقي فقد الأحبة ، وسقوط الابن أو الأب أو الأخ شهيداً برجاء ثواب الآخرة والتطلع إلى النصر والغلبة على الكفار .
إذ أن الضمير [هم] في أصابهم على وجوه :
الأول : إرادة الأنبياء , وما لحقهم من الأذى وما أصابهم من الجراحات .
الثاني : الربيون الذين قاتلوا مع الأنبياء، وهذا المعنى هو المتبادر من نظم الآية ولقاعدة عودة الضمير إلى الاسم الذي سبقه إلا مع القرينة الصارفة ، ولكن دلالات اللفظ القرآني أعم من الإنحصار بهذه القاعدة ، ولا يتوقف التعدد في معاني الضمير في القرآن بحضور القرينة والأمارة ، وهو الذي يتجلى في آية البحث .
الثالث : عموم المسلمين من الأصحاب والأنصار والأتباع وعوائلهم [عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ : مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِى تَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى ] ( ).
وذكرت آية البحث موضوع وغاية قتال الأنبياء , ويكون تقدير قوله تعالى [فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ]على وجوه :
الأول : فما وهنوا لما أصاب نبي زمانهم في سبيل الله .
الثاني : فما وهنوا لما أصابهم أنفسهم في سبيل الله .
الثالث : فما وهن النبي لما أصابه في سبيل الله .
الرابع : فما وهن النبي لما أصاب أصحابه في سبيل الله .
الخامس : فما وهنوا لما أصاب الأنبياء السابقين لزمانهم وأصحابهم في سبيل الله .
السادس : فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله مما يكون نوع برزخ دون الدعوة إلى الله والبشارة بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وتحتاج العصمة من المتعدد من أسباب الوهن مرتبة سامية من الإيمان ، لذا تفضل الله عز وجل وجعلهم بمرتبة [ الربيون ] إذ يملأ الإيمان نفوسهم ويتعاهدون سنن التقوى في السراء والضراء ، ولم تذكر الآية ما أصابهم في أمورهم الخاصة مثل الأمراض.
وتبين الآية إنتفاء الوهن جملة وتفصيلاً عن اصحاب الأنبياء .
ولو دار الأمر بين إحتمال عصمة أصحاب الأنبياء من الوهن مطلقاً أم من شطر منه , فالصحيح هو الأول لوجوه :
الأول : أصالة الإطلاق ، وعدم الإنصراف إلى التقييد والجزئية إلا مع القرينة والأمارة الصارفة .
الثاني : أصالة الحقيقة وعدم السلب لعزيمة وإقدام أصحاب الأنبياء مع السلامة من الوهن إذ وردت الآية بقوله تعالى (فما وهنوا ) أي مطلقاً .
الثالث : موضوعية التبادر إذ يتبادر إلى الذهن أنهم لم يضعفوا عندما أصيبوا في القتال .
لقد أختتمت الآية بقوله تعالى [وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ]وكل فرد وموضوع من المضامين القدسية لهذه الآية هو من مصاديق الصبر الذي يجلب حب الله من جهات :
الأولى : بعثة النبي بين الناس دليل على حب الله عز وجل لأهل زمان النبوة جميعاً ، وهو من اللطف الإلهي بهم وبذراريهم فتلقاه أصحاب الأنبياء بالشكر لله وتجلى الشكر بالتصديق بالنبوة ، ولكن الذين يكفرون بالنبوة حجبوا عن أنفسهم هذه النعمة العظمى .
ولن يذهب حب الله سدى ، ولن يضيع فجاءت أجيال المسلمين لتفوز بذات الحب بتصديقهم بالأنبياء جميعاً.
الثانية : الخروج مع النبي لميادين القتال ، وتلقي السهام بصدودهم التي إمتلأت بالإيمان فترشح عنه الصبر والتحمل .
الثالثة : التقيد بسنن التقوى الذي يدل عليه لفظ [ ربيون]وما يفيده من تحليهم مجتمعين ومتفرقين بالصبر في طاعة الله وأداء الواجبات العبادية .
الرابعة :تحلي أصحاب الأنبياء بالبأس الشديد وعدم التخاذل والوهن عند ملاقاة الأعداء.
الخامسة : تحمل الجراحات وفقد الأحبة في جنب الله وهو من أسمى مصاديق الصبر .
والجواب يدخل فيما أصابهم في سبيل الله نقص الأموال والثمرات والإنشغال عن العناية بالمزروعات ، وهو من مصاديق الدفاع والصبر ، أما الأمور الخاصة فلا تكون سبباًً للوهن من باب الأولوية القطعية .
ومن إعجاز الآية موضوعية كل من صفة (الربيين) وصفة (كثير) في عدم الوهن من وجوه:
الأول : من خصائص الربيين الرضا بأمر الله والتسليم لقضائه.
الثاني : سعي الربيين لنيل مرتبة الشهادة في سبيل الله، فلا ينفذ الوهن إلى نفوسهم.
الثالث : من خصائص الربيين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , ومن أسمى مصاديق المعروف عدم الوهن أو الضعف في ملاقاة الأعداء وفي الفرائض والعبادات حتى بعد فقد نبيهم .
الرابع : كثرة المؤمنين سبب للمنعة ونوع قوة لهم، مما يدل على أن الأنبياء لم يغادروا الدنيا وإلا وقد تركوا من خلفهم أمة مؤمنة تجاهد في سبيل الله.
الخامس : قيام النبي بأداء رسالته على أتم وجه، بحيث قاتل معه أصحابه، وترك من بعده أمة مؤمنة تتصف ببلوغ مراتب الربيين.
السادس : أختتمت الآية بالإخبار عن حب الله للصابرين لتبين أن من خصائص الربيين الصبر وعدم ضعف القلوب أو وهن الأبدان ومع تعدد مضامين الآية فان كل فرد منها مصداق للصبر وندب إليه ، قال تعالى [وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ] ( ).
السابع : يكون موضوع الآية وفق القياس الإقتراني :
الكبرى : الربيون الكثير لم يهنوا.
الصغرى : أصحاب الأنبياء ربيون كثير.
النتيجة : أصحاب الأنبياء لم يهنوا.
وهل يصدق هذا القياس بقول (لن يهنوا) بلحاظ نيل المؤمنين مرتبة الربيين , الجواب نعم، لوحدة الموضوع في تنقيح المناط، وبلوغ المسلمين مراتب التقوى وصدق الإيمان والإخلاص في طاعة الله والرسول.
والمراد مما أصاب أصحاب الأنبياء سقوط القتلى منهم والجراحات والخسائر بالأموال والأنفس ولو قالت الآية [فما وهنوا لما أصابتهم ] لإرادة الكثرة في فاعل أصاب لصح ولكن صيغة الإفراد لها دلالات إعجازية منها :
الأول :الثناء على الصحابة بتحملهم الأذى .
الثاني : تلقي صحابة الأنبياء الأذى المتعدد وكأنه متحد , ولا يتعارض معه معنى الجنس لما يعود إليه الضمير .
الثالث : التخفيف من عند الله عز وجل عن المؤمنين بأن تكون الجراحات والخسائر المتعددة ذات أثر متحد .
الرابع : إنقطاع أصحاب الأنبياء إلى الله بالعبادة والدعاء بحيث يتلقون صنوف الأذى وكـأنها فرد واحد منها .
ويتجلى الإتحاد بلحاظ موضوع هذه الإصابات وهو [فِي سَبِيلِ اللَّهِ] فالمؤمنون ينظرون لكثرة الخسائر بأنها متحدة لأنها في سبيل الله وهي الغاية الحميدة التي يسعون فيها وإليها.
الخامس : مجئ الفاعل بصيغة الإفراد , والمفعول به بصيغة الجمع والكثرة [مَا أَصَابَهُمْ] رحمة وتخفيف إضافي من عند الله على أهل الإيمان بأنه ليس من أذى إلا فرداً واحداً متحداً يتوزع على الربيين الكثيرين فلا يصيب أحدهم إلا الشئ اليسير منه ،وهو من مصاديق قوله تعالى [لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى] ( ).
والنسبة بين عدم الوهن في القتال والدعوة إلى الله وبين مرتبة الربيين هي العموم والخصوص فليس الربيون وحدهم هم الذين لا يهنون ولا يضعفون عن القتال ، بل عموم المؤمنين بالنبوة ، وعلى هذا هل يمكن تقدير الآية : وكم من نبي قاتل معه ربيون كثير وغير ربيين، وأن غير الربيين على قسمين :
الأول : نظراء للربيين في عدم الوهن في القتال .
الثاني : الذين دبّ إليهم الوهن والضعف وهم على أقسام :
الأول :الذين أصابهم الوهن قبل وقوع القتال مع الكفار.
الثاني : الذين ضعفوا ووهنوا عند سقوط القتلى والجرحى من المؤمنين ، وحتى من الطرف الآخر من الكفار بلحاظ صلات القربى والنسب بينهم .
الثالث : الذين وهنوا وضعفوا عند موت نبي زمانهم الذي يقاتلون معه وإنقطاع المعجزة الحسية .
الرابع: الذي ضعفوا ومالوا إلى السلم مع رجحان كفة الكفار بالعدد والسلاح والمؤون.
ولا أصل لهذا التقسيم سواء الأول أو الثاني أعلاه إذ وردت الآية بنفي الوهن عن أصحاب الأنبياء مطلقاً من جهات :
الأولى : ذات الأشخاص وأصحاب الأنبياء جميعاً .
الثانية : أفراد الزمان الطولية ، ففي كل زمان يكون أصحاب الأنبياء في سلامة من الوهن والضعف.
الثالثة : وقاية وإحتراز أصحاب الأنبياء من الوهن في كل حال من أحوال الحرب والسلم ، والقتال والدعة , والحضر والسفر لأصالة الإطلاق في آية البحث ونفيها الوهن والضعف عنهم .
وفي سيرة أهل البيت واصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مرآة لهذا الكمال الإنساني والإيمان الخالي من شوائب الشك والضعف والريب والرياء .
علم المناسبة
ورد لفظ [في سبيل الله ] في مواطن كثيرة من القرآن ،أكثرها في الجهاد والبذل قربة إلى الله تعالى ،وفيه مسائل :
الأولى : ترغيب الناس بالجهاد .
الثانية : تفقه المسلمين في الدين .
الثالثة : الحرب على النفاق ، وبيان خسارة المنافقين الذين إختاروا القعود والإستهزاء والشماتة .
الرابعة: إنتفاء الأسى من صدور المؤمنين بخصوص الذين لم يخرجوا للجهاد من المنافقين ، قال تعالى [وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ * لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً] ( )ومن فضل الله على المسلمين والناس جميعاً أن موضوعات [ في سبيل الله ] كثيرة ومتشعبة ، والجهاد باب ومصداق منها وهو سنامها .
ولم تذكر آية البحث وقوع قتلى من الربيين ، ولكن مضمون الآية يدل عليه لأن القتال سبب لوقوع القتلى والجرحى من الطرفين المتحاربين وهو الذي يدل عليه قوله تعالى [فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ]إذ تدل الآية على فقدهم بعض الأصحاب ولحوق الخسارة بهم مثلما يخسر الكفار المحاربون مع الفارق وهو أن المؤمنين معهم النبي والوحي والتنزيل وقصد القربة .
وجاء قوله تعالى[وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ] ( )عامة تشمل أصحاب الأنبياء الذين قتلوا في سوح المعارك .
وهل يشمل قوله تعالى في خاتمة هذه الآية [والله يحب الصابرين ] الذين قتلوا صبراً من أصحاب الأنبياء والمسلمين والمسلمات ، الجواب نعم ، ومن الآيات أن أول قتيل في الإسلام هو امرأة وهي سمية أم عمار بن ياسر [عن مجاهد قال :أول شهيد كان في أول الاسلام استشهد: أم عمار سمية، طعنها أبو جهل بحربة في قلبها] ( ).
وهل تدل الآية على قتل بعض الأنبياء في المعارك مع الكفار الجواب لا ، ولكنها لا تنفيه بل تجعله أمراً محتملاً لأنها تثبت إشتراك الأنبياء بالقتال [عن سعيد بن جبير أنه كان يقول : ما سمعنا قط أن نبياً قتل في القتال] ( ) ولكن عدم السمع أعم من عدم الوجود فقد يكون الأمر موجوداً وحادثاً ولكن لم يسمع به.
وتنهى الآية بالدلالة التضمنية عن الصد عن سبيل الله وفعل الخيرات وأداء العبادات ، وهي إنذار للكفار بأن جحودهم وصدودهم سبب لحمل المؤمنين السيوف بوجوههم .
وفي الآية تجديد للوعد الكريم لأصحاب الأنبياء بالأجر والثواب ، فيموت المؤمن , ويكون ثوابه على وجوه :
الأول : حفظ المؤمن في ذريته ، وإصلاحهم للإيمان وسنن العبادة .
الثاني : التوسعة في قبر المؤمن وصيروته مرآة للجنة ، إذ وردعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : القبر روضة من رياض الجنة ، أو حفرة من حفر النار( ).
الثالث : اللبث الدائم في النعيم المقيم .
وجاءت آية البحث لتبين ثواباً آخر للأنبياء وأصحابهم من جهات :
الأولى : ذكر الأنبياء وأصحابهم في القرآن .
الثانية : إختصاص آية البحث بذكر ورع وتقوى أصحاب الأنبياء ، وجهادهم في سبيل الله ، وسلامتهم من الضعف والوهن والحزن .
الثالثة : تلاوة المسلمين في كل زمان لآية البحث ، وكأنها خلود في الدنيا لأصحاب الأنبياء ، ويتقوم بالثناء عليهم .
الرابعة : لقد بشر الأنبياء وأصحابهم بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ورسالته ، فجزاهم الله خيراً على لسان المسلمين بذكر جهادهم وبذلهم النفوس وإقدامهم في سبيل الله .
الخامسة : تبين هذه الآية قانوناً وهو مدح المجاهدين والربيين من أصحاب الأنبياء بالتنزيل وإستدامة هذا المدح إلى يوم القيامة وهو من أسرار بقاء القرآن سالماً من التحريف ، وتلاوة المسلمين له في الصلاة على نحو الوجوب العيني .
السادسة : هذه الآية وعد يلتقي فيه وفي الإنتفاع منه أصحاب الأنبياء السابقين وأهل بيت النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بالثناء عليهم لقتالهم وصبرهم في مرضاة الله .
عن ابن عمر قال : لما نزلت هذه الآية [ مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ]( ) ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : رب زد أمتي ، فنزلت : ( من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة ) قال : رب زد أمتي ، فنزلت : ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ( ).
بحث بلاغي
من ضروب البديع الإطراد وهو أن تذكر أسماء آباء الممدوح مرتبة على حكم ترتيبها في الولادة( )وأستدل عليه بقوله تعالى [وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ] ( ).
والأولى أن يكون عنوان الإطراد في الإصطلاح البلاغي للمعنى الأعم الذي لا يختص بالآباء بل يشمل المدح لصفات الحسن إذا إجتمعت في فرد أو أمة ، وقد يأتي بالإجمال كما في قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( )الذي تضمن الثناء من عند الله عز وجل على المسلمين ووصفهم بصفتين كل واحدة منهما لها مصاديق متكثرة في كل زمان وهما :
الأولى : المسلمون( خير أمة )بالذات وفي سنن التقوى وخصال الصلاح.
الثانية : المسلمون (خير أمة ) في دعوتهم إلى الله وجذب الناس إلى منازل الإيمان وإقامة الحجة عليهم .
وجاءت آية البحث بالتفصيل المطرد في ذكر خصال الحسن في أصحاب الأنبياء ،وهذا الإطراد على قسمين :
الأول : في حال الحرب والقتال .
الثاني : في حال السلم والرخاء .
فان قلت إن معنى قوله تعالى [فَمَا وَهَنُوا] ظاهر بخصوص الحرب والقتال ببذل الوسع في الجهاد ومسايفة الأعداء وعدم الفرار من الزحف خاصة وأن الآية تتعلق بالقتال تحت لواء الأنبياء ، فكيف يكون عدم الوهن في حال السلم والرخاء .
الجواب لو دار الأمر بين الإطلاق والتقييد فالأصل في علم الأصول هو الإطلاق وجاء قوله تعالى [فَمَا وَهَنُوا] مطلقاً يشمل أحوال أصحاب الأنبياء المختلفة ، وذكرت الآية سلامتهم من الوهن والضعف بسبب ما أصابهم في سبيل الله ليدل على سلامتهم من غيره من باب الأولوية القطعية أو وقايتهم منه بفضل الله عز وجل.
فكأن الآية تقول : من يتلقى الأذى في جنب الله والجهاد في سبيله يدفع عنه الله أسباب الإبتلاء والأذى الأخروي .
وفيه نكتة وهي إرادة العموم والخصوص في الآية الكريمة فان إصابة وأذى الربيين في سبيل الله واقية من الوهن فيما يلحقهم من الأذى والبلاء في أمور الدنيا والمعاملات .
وتقدير الآية بمعنى العموم والخصوص هذا على وجوه :
الأول : فما وهنوا في المكاسب لما أصابهم في سبيل الله .
الثاني : فما وهنوا في طلب الولد لما أصابهم في سبيل الله .
الثالث : فما وهنوا في العمارة والبناء لما أصابهم في سبيل الله.
الرابع : فما وهنوا في إقامة شعائر الله لما أصابهم في سبيل الله.
الخامس : فما وهنوا في أداء العبادات لما أصابهم في سبيل الله لأن أداءها باب لصرف البلاء ، ودفع الأضرار العرضية المترشحة عما أصابهم في سبيل الله .
السادس : فما وهنوا في التعاون والتآزر بينهم في أمور الدين والدنيا [عَن أَبِي مُوسَى قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا] ( ).
السابع : فما وهنوا في دعوة الناس إلى التوبة والإنابة والتصديق بمعجزات الأنبياء فمن فضل الله عز وجل عليهم حضور النبي بين ظهرانيهم وتجلي المعجزات الحسية أمامهم ، وهو من أسباب طرد الوهن عنهم .
الثامن : فما وهنوا في المرابطة في الثغور ، فقد ذكرت آية البحث القتال ولم تذكر المرابطة وفيه وجوه :
الأول : ليس من مرابطة لأصحاب الأنبياء إنما كان القتال كراً وفراً وينتهي بساحة المعركة .
الثاني : إن عدم وهن أو ضعف أصحاب الأنبياء سبب لرمي الكفار بالعجز عن مباغتة أنصار المؤمنين والإغارة عليهم .
الثالث : المرابطة فرع القتال ووجه من وجوهه.
والصحيح هو الثالث ، والمرابطة من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً ، وكثرة وقلة ، إلا أنها من مصاديق القتال في قوله تعالى [وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ].
لذا أختتمت الآية بالإخبار عن حب الله للصابرين ، ومن الإعجاز أن سورة آل عمران التي آية البحث منها تختتم بالجمع بين الرباط والصبر والبشارة بالفلاح في النداء للمسلمين بقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] ( ) وفيه بيان لتعدد ضروب جهاد أصحاب الأنبياء ودعوة المسلمين للإقتداء بهم .
قانون المثل بالسنة
من ذخائر القرآن لغة المثل والتشبيه فيه والموعظة والعبرة والدروس التي تقتبس منها ، قال تعالى [وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ] ( ).
ويحتمل ذكر أصحاب الأنبياء في آية البحث وجوهاً :
الأول : إنه من عمومات المثل ومصداق من الآية أعلاه .
الثاني : ذكر أصحاب الأنبياء أسمى من موضوع المثل ، وهو موضوع جهاد وسنة حسنة .
الثالث: نسبة التباين بين المثال وآية البحث .
الرابع : ورد ذكر المؤمنين من الأمم السابقة كقصة وشاهد تأريخي ، قال تعالى [يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ]( ).
والصحيح هو الأول والرابع , فلا تعارض بين السنة والسيرة وبين المثل خاصة وأن الآية أعلاه من سورة الإسراء تضمنت الإطلاق في لغة المثل وشمولها للأشياء والأمور كلها .
ليكون من إعجاز القرآن أنه كتاب سماوي جامع للامتناهي من الأمثلة وما من شئ إلا وله مثل في القرآن ، وبخصوص آية البحث يكون المثل فيها على وجوه :
الأول : بيان حياة الأنبياء السابقين الجهادية في ميادين القتال ، فمن إعجاز الآية أنها أخبرت عن قتال أصحاب الأنبياء ليدل بالدلالة المطابقية على قتال الأنبياء أنفسهم بدليل قوله تعالى [قَاتَلَ مَعَهُ] .
فلم تقل الآية (قاتل دونه ) أو قاتل نصرة له ، بل ذكرت المعية التي تفيد إشتراك ذات الأنبياء بالقتال ، وهو غاية الإمتحان والإبتلاء ،إذ يلزم الناس إكرام الذي يأتيه الوحي سواء برؤية الملك أو سماعه منه من غير رؤية ،أو الوحي في المنام ، مما يدل على أنه وحي .
والضابطة الكلية هي أن النبي لا يقاتل إلا بأمر الله عز وجل فجاء المثال في الآية لبيان صحة قتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للكفار , وأنه لم يقاتل إلا بأمر الله عز وجل .
فجاء المثال في الآية لبيان صحة قتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للكفار وانه بأمر من عند الله ، وهو مانع من أن تكون تفصيلات القتال من النبي نفسه ، كما حدث يوم بدر وفي مقدمات المعركة والإستعداد لها .
[قال ابن إسحاق: فحدثت عن رجال من بنى سلمة، أنهم ذكروا أن الحباب بن منذر بن الجموح قال: يا رسول الله أرأيت هذا المنزل، أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟
قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة.
قال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فامض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله، ثم نغور ما وراءه من القلب، ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” لقد أشرت بالرأي] ( ) وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : وهو الرأي والحرب والمكيدة لا ينفي الوحي الذي تجلى بالسنة التقريرية في إمضاء ما قاله الحباب .
الثاني : الإخبار عن الصيغة الجهادية والقدرة القتالية عند أصحاب الأنبياء ، نعم قد يكون منهم الشيخ والمسن والهرم ، ولكنهم يتصفون بالزحف إلى سوح القتال لمحاربة مفاهيم الضلالة ومنع الكفار من الإستحواذ على السلطان ومصدر القرار وعالم الأفعال والرغائب .
وقد يقال إن الآية لا تدل على هذا المعنى , فالقدر المتيقن منها هو صفة التقوى والإخلاص في العبادة بقوله تعالى [رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ] والجواب إن التنكير في سياق الإثبات يفيد الإطلاق بلحاظ سن وأعمار أصحاب الأنبياء .
ليفيد المثل في الآية الكريمة تحبيب القتال إلى نفوس الصحابة وعدم النفرة منه ، ومن خصائص هذه الآية أنها حرب على النفاق وأهل الشك والريب إذ كانوا يسعون لصد الصحابة عن الخروج للقتال ، ويظهرون الشماتة بمن قتل شهيداً في سبيل الله .
[وأخرج ابن جرير عن السدي قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد في ألف رجل وقد وعدهم الفتح إن صبروا ، فلما خرجوا رجع عبد الله بن أبي في ثلاثمائة ، فتبعهم أبو جابر السلمي يدعوهم ، فلما غلبوه وقالوا له : ما نعلم قتالاً ولئن أطعتنا لترجعن معنا . فذكر الله . فهو قولهم : ولئن أطعتنا لترجعن { الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا] ( ).
فمن الإعجاز في المثل القرآني أنه برهان قاطع في الإحتجاج وعون للمؤمنين في الوقاية من أسباب الشك التي يبثها أهل الفسق والنفاق .
الثالث : ذكر لفظ [ربيون ] في الآية مثال للجمع بين القتال في سوح المعارك وبين التقوى ليكون من معنى [ربيين] هو :
الأول : أصحاب الأنبياء مقاتلون في النهار , قائمون ساجدون في الليل .
الثاني : يقاتل الربيون وهم يتلون آيات التنزيل .
الثالث: العلم بأنهم يقاتلون بأمر الله وتحت لواء نبي فلا يخشون أن يقع عليهم الموت أو يقعون عليه .
الرابع : أصحاب الأنبياء يقاتلون وهم على بينة من أمرهم , ويقاتلون بأمر الحق وهم على الحق ومع الحق وغايتهم الحق فاستحقوا عدم مفارقة نعت [ الربيين] , لهم عن عمر بن الحكم ، عن أبيه ، قال : جاء النعمان بن مهص اليهودي فوقف على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع الناس ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « زيد بن حارثة أمير الناس ، فإن قتل زيد فجعفر بن أبي طالب ، فإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة ، فإن قتل عبد الله بن رواحة فليرتض المسلمون بينهم رجلا فليجعلوه عليهم .
فقال النعمان : أبا القاسم ، إن كنت نبيا فسميت من سميت قليلا أو كثيرا أصيبوا جميعا ، إن الأنبياء من بني إسرائيل كانوا إذا استعملوا الرجل على القوم فقالوا : إن أصيب فلان ففلان ، فلو سموا مائة أصيبوا جميعا . ثم جعل اليهودي يقول لزيد : اعهد فلا ترجع إلى محمد أبدا إن كان محمد نبيا . قال زيد : فأشهد أنه نبي صادق بار صلى الله عليه وسلم( ) .
والشاهد في الحديث كثرة أصحاب الأنبياء السابقين ووقوع القتل فيهم وهو من مصاديق قوله تعالى [ربيون كثير ] فهم يتلقون وصايا النبي بالقبول والرضا وأن زيداً علم أنه لن يرجع من مؤتة فقد قتل الأمراء الثلاثة .
الخامس : قتال الربيين دعوة للكفار لدخول الإسلام وإتباع الأنبياء فذكر الله لا يغادرون ألسنتهم ، وقصد القربة لا يغيب عنهم .
السادس : الأصل في لبس الحرير للرجال ، هو الحرمة ولكنة مباح في ميدان القتال على قول لقاعدة نفي الحرج في الدين ولوجوه :
الأول :إشعار الكفار بأن المسلمين برغد من العيش ونعيم ظاهر .
الثاني : لبس الحرير للتداوي وإزالة الحكة ونحوها ، ليتفرغ المؤمن للقتال .
الثالث : لبس الحرير نكاية بالعدو .
الرابع : بعث معنى الهيبة والشأن للمؤمن المقاتل .
الخامس : ترغيب الكفار بالإسلام .
السادس : بيان قانون التخفيف عن المؤمنين في ميدان المعركة .
السابع : لبس المؤمن الحرير أثناء القتال تذكير بما أمدّ الله له من النعيم في الآخرة .
الثامن :قد يبعث لبس الحرير على الخيلاء ،وهي محبوبة في ساحة المعركة .
نعم منهم من حصر جواز لبس الحرير في القتال في حال وقوعه بغتة على نحو مفاجئ إذا لم يجد غيره .
السابع : من دلالات تقييد أصحاب الأنبياء الذين يقاتلون معهم بالكثرة في العدد وجوهاً محتملة :
الأول :الكثرة بلحاظ الجمع بين أصحاب الأنبياء في الأزمنة المتعاقبة .
الثاني : إرادة كثرة عدد الصحابة مع كل نبي من الأنبياء السابقين .
الثالث : المقصود الكثرة بلحاظ عدد صحابة النبي والتابعين وتابعي التابعين.
والصحيح هو الثاني وهو ظاهر الآية لأنها وردت بصيغة الجمع والإفراد [قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ]فالذين قاتلوا كثير عددهم ، أما الذين كانت الكثرة معه فهو الواحد من الأنبياء لموضوعية ضمير المفرد في[مَعَهُ] .
السابع : بيان أثر المعجزة في الناس من جهات :
الأولى : الإيمان بالله عز وجل والنبوة ، قال تعالى [إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ] ( ).
الثانية : التفقه في الدين .
الثالثة : الخروج للقتال مع النبي ، وتحتمل الصلة بين التفقه في الدين والقتال مع النبي وجوهاً :
الأول : الإتحاد الزماني بين التفقه والقتال .
الثاني : سبق التفقه على القتال في سبيل الله .
الثالث : تقدم الخروج للقتال على التفقه في الدين .
والصحيح هو الثاني , ويكون الأول في طوله لذا قيدت الآية القتال بأنه في سبيل الله لأنه يدل بالدلالة التضمنية على التفقه في الدين ومعرفة لزوم الدفاع بنفسه .
الثامن : من أسرار المثل القرآني إتخاذه سنة حسنة , وهو بلحاظ آية البحث من جهات :
الأولى : إستحضار موضوع المثل القرآني بحسب اللحاظ ومناسبة الحال بل مطلقاً , فذكر أصحاب الأنبياء السابقين وإتصافهم بأنهم ربيون لا يختص بمناسبة للموضوع كذكر صحابة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ووجوه الشبه والإلتقاء بينهم بل تأتي إبتداءً .
ومن الإعجاز في المقام أن تلاوة آية البحث تذكير بموضوع صحابة الأنبياء بإشراقة ربانية جامعة للجهاد والتقوى .
الثانية : الإقتداء بصحابة الأنبياء , ويكون تقدير التشبيه في أول الآية : محمد رسول الله فقاتلوا معه كما قاتل ربيون كثير مع الأنبياء السابقين .
ومن الإعجاز عدم إنحصار موضوع الإقتداء بحال الحرب فلم تقل الآية قاتل معه ( مؤمنون ) أو (صحابة ) بل ذكرت الآية وصفاً ولفظاً لم يرد في القرآن إلا في هذه الآية وهو ( ربيون ) .
لتكون هذه الآية تشريفاً وإكراماً لأصحاب الأنبياء السابقين على نحو الخصوص كما وردت آيات عديدة بالثناء على أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المخلصين ومدحهم في آيات عديدة منها قوله تعالى [لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا] ( ) [مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا]( ).
وتتجلى في الآية أعلاه معاني الشبه في الحكم والوصف والموضوع بين صحابة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحاب الأنبياء الذين ذكرتهم آية البحث مع زيادة في مراتب الثناء على المؤمنين من وجوه :
الأول : المؤمنون مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حال السلم والحرب وإرادة المعنى الأعم للمعية بقوله تعالى [وَالَّذِينَ مَعَهُ] .
وينقسم الصحابة إلى قسمين :
الأول : المهاجرون .
الثاني :الأنصار .
وفيه وجوه :
الأول :تقدم أحد القسمين في المدح والثناء لا أقل بخصوص المعية للقسم الثاني .
الثاني : يلتقي المهاجرون والأنصار بالإيمان ثم يفترقان بخصوص الهجرة والنصرة ثم يلتقيان مرة أخرى بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : تساوي مرتبة الهجرة والنصرة في درجة الجهاد والثناء والأجر .
الرابع : درجة المهاجرين أعلى من الأنصار للسبق إلى الإيمان ، وتحمل عناء ومخاطر الهجرة , ولتركهم الأهل والمال والوطن .
الخامس : الأنصار أعلى مرتبة من المهاجرين لأنهم أووا ونصروا وتحملوا صد هجوم الكفار عليهم في معركة بدر وأحد والخندق .
والصحيح هو الثاني والثالث ، وقد آخى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين المهاجرين والأنصار ، وكان التوارث بينهم قبل نزول آية الأرحام ، قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ] ( ).
كان الأنصار والمهاجرون يدافعون عن :
الأول : النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأنهم عاهدوه على الدفاع عنه ، وكان عدد الأنصار في بيعة العقبة الثانية سبعين رجلاً وامرأتين [ قال ابن اسحاق: منهم أربعون من ذوي أسنانهم، وثلاثون من شبابهم.
قال: وأصغرهم أبو مسعود وجابر بن عبد الله.
قال كعب بن مالك: فلما اجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءنا ومعه العباس بن عبدالمطلب، وهو يومئذ على دين قومه إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له.
فلما جلس كان أول متكلم العباس بن عبدالمطلب فقال : يا معشر الخزرج قال : وكانت العرب إنما يسمون هذا الحي من الانصار الخزرج، خزرجها وأوسها إن محمدا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عزة من قومه ومنعة في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم فمن الآن فدعوه، فإنه في عزة ومنعة من قومه وبلده.
قال : فقلنا له : قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببت.
قال : فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلا القرآن ودعا إلى الله ورغب في الاسلام، قال : ” أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم “.
قال: فأخذ البراء بن معرور بيده وقال : نعم، فو الذى بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا ، فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أبناء الحروب ورثناها كابرا عن كابر ( ) ( ).
الثاني : دفاع الأنصار عن أنفسهم وعن المهاجرين .
الثالث : يدافع الأنصار عن أهليهم وأموالهم وبيوتهم .
الرابع : الدفاع عن الإسلام والتنزيل .
الخامس : دفاع المهاجرين عن الأنصار وأهليهم وهو من أسرار قوله تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ]( ).
وليس المقام مقام مقارنة وتفضيل ، فيأتي التساوي وزيادة الأجر والثواب بفضل ورحمة من عند الله ، قال تعالى [لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ] ( ).
مقارنة بين الحديث النبوي وكلام الصحابي والتابعي
أخرجت أحاديث عن الصحابة والتابعين في عاقبة الموت تبين في دراسة بالمقارنة المائز والتفصيل لأحاديث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكيف أنها لا تقبل الترديد أو الرد أو اللبس.
وتتجلى في هذه الأحاديث مجتمعة ومتفرقة مسائل :
الأولى : إستبانة الأحاديث النبوية ودلائل الوحي فيها من جهة البيان والتكامل.
الثانية : معاني الرحمة المطلقة التي تتصف بها الأحاديث النبوية، وتجلي الأمل في ثناياها.
الثالثة : بيان الحديث النبوي يقترب من معاني البيان القرآني وإن كان أقل منه مرتبة.
الرابعة : رجوع الصحابي في كلامه إلى القرآن والسنة ، وهو أيضاً أمر حسن، أما حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهو مرآة للقرآن وأحيانا ٍيستشهد به في ختام حديثه.
الخامسة : الحديث النبوي المصدر الثاني للتشريع , وهو من الوحي
وليس من قانون يستقرأ من الجمع بين آيات القرآن يفيد بأن حلول أوان الموت والتعجيل خير للمؤمن والكافر، فقد يكون العكس، فالمؤمن يضاعف في حسناته، ويكثر من فعل الصالحات وإقتداء الناس به، أما الكافر فكل يوم يمر عليه هو مناسبة له للتوبة والإنابة إذ أن الآيات والبراهين التي تدعوه إلى الإيمان لاتنقطع عنه وهو من مصاديق قوله تعالى[سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ]( )، ولو تتبعت أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم لوجدتها بياناً للقرآن وتأكيداً لمضامينه.
ويستقرأ من قوله تعالى[كِتَابًا مُؤَجَّلاً] أن أوان الموت مؤجل عن الناس جميعاً نعمة من عند الله سواء كان الإنسان براً أو فاجراً، ويمكن تسمية الحياة الدنيا (دار التأجيل)، ويصاحب هذا التأجيل الإمهال، مع التقريب إلى مراتب الطاعة.
ومن الإعجاز في خلق الإنسان أنه كلما تقدم في العمر كان أقرب إلى التوبة، وأكثر إصغاءً للموعظة.
ومن يصر على الكفر ورد ذمه في قوله تعالى[إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ]( )، أي أنهم لم ينتفعوا من مصاديق قوله تعالى[كِتَابًا مُؤَجَّلاً].
وهذه المقارنة والمسائل أعلاه لا تمنع من إتخاذ أحاديث أهل البيت والصحابة والتابعين وثائق ودلائل للإيمان والهدى خاصة وأنها تتضمن الإستدلال بالقرآن وصادرة ممن عاصر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسمع منه أو تلقى من الصحابة , لكن المقارنة هنا جاءت هنا لبيان التباين الرتبي بين حديث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وغيره من المسلمين.
وهل يمكن القول أن النسبة والرتبة بين آيات القرآن وبين أحاديث النبي هي ذات الرتبة والدرجة بين أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبين أقوال الصحابة والتابعين , الجواب لا، فان الدرجة والمسافة بين الحديث النبوي وغيره أكد وأوسع بينونة من النسبة والدرجة بين الآية القرآنية وبين الحديث النبوي لموضوعية الوحي فيه، وإنعدامه في حديث الصحابي ، قال تعالى[وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى]( ).
ففي القرآن وحي، وفي السنة النبوية القولية وحي، وليس في حديث الصحابي وحي , إلا أنه من كنوز الأمة , وتتلمس فيه الإستقراء من القرآن والسنة.
ولا بد من إستحضار فضل الله عز وجل بالإكتفاء بالقرآن والسنة الشريفة في باب العبادات والمعاملات والأحكام.
قوله تعالى [وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا]
[بالإسناد عن خباب قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا ألا تدعو الله لنا الا تستنصر الله لنا قال فجلس محمارا وجهه .
قال : والله ان من كان قبلكم ليؤخذ الرجل فيحفر له الحفرة فيوضع المنشار على رأسه فيشق باثنتين ما يصرفه عن دينه ، أو يمشط بامشاط الحديد ما بين عصبه ولحمه ما يصرفه عن دينه وليتمن الله هذا الامر حتى يسير الراكب منكم من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى الا الله أو الذئب على غنمه ولكنكم تعجلون] ( ) وفي الحديث معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بلحاظ آية البحث من وجوه :
الأول : بيان النبي صلى الله عليه وآله وسلم على نحو تفصيلي للأذى الشديد والعذاب الأليم الذي تعرض له أصحاب الأنبياء السابقين .
الثاني : صبر اصحاب الأنبياء في طاعة الله ، وعدم تركهم لمقامات الإيمان .
الثالث: الإخبار عن جهاد الأنبياء السابقين في وجود امة مؤمنة تتبع كل نبي منهم .
الرابع : من مصاديق قوله تعالى [قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ] الأذى والعذاب الذي يلقاه المؤمنون من الكفار .
الخامس : التخفيف عن المسلمين في ضروب العذاب ، كماً وكيفاً وزماناً ومكاناً ، فكانت مدة البعثة النبوية ثلاثاً وعشرين سنة لم تتم إلا وقد صرف الله شر الكفار وجعل المسلمين أمراء وسادة وقادة ، وهو من مصاديق قوله تعالى [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي] ( ).
ليكون من إكمال الدين وتمام النعمة على المسلمين حياة العز والرفعة التي صاروا إليها برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونزول القرآن والمدد الملكوتي في معارك القتال ، هذا المدد الذي صار برزخاً دون إضرار الكفار بالمؤمنين .
واكد المفسرون على أن المراد بقوله تعالى[فَمَا وَهَنُوا] أي بعد موت نبيهم ومغادرته إلى الرفيق الأعلى بلحاظ نظم الآيات ومجئ الآية قبل السابقة بالتحذير والإنذار من الإنقلاب بقوله تعالى [وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ] ( )ولكن الآية أعم في موضوعها ودلالاتها .
ومن معانيها أنهم لم يهنوا ولم يضعفوا أثناء قتالهم مع الأنبياء وهل فيه تفضيل لهم بلحاظ أن طائفتين من المسلمين همّتا بالجبن والخور بقوله تعالى [إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا] ( ) الجواب ليس من تفضيل للتباين في السنخية بين الهم والفعل ، فالمسلمون لم يضعفوا ولم يهنوا لما اصابهم في سبيل الله ، بل كانوا يتمنون الموت والشهادة في سبيل الله عز وجل .
ترى لماذا لم تجمع الآية بين النفي الثلاثي فيها فلم تقل : فما وهنوا وما ضعفوا وما إستكانوا في سبيل الله ، الجواب النسبة بين النفي الثاني والأول هي العموم والخصوص المطلق ، فيتعلق عدم الوهن بحال القتال والحرب ، أما عدم الضعف والسلامة من الذل والإستكانة فموضوعه أعم ويتعلق بحال الحر ب والسلم والدعوة إلى الله ، ويكون تقدير الآية على وجوه :

الأول :فما وهنوا في ميادين القتال مع كثرة الجراح والكلوم التي أصابتهم .
الثاني : وما ضعفوا في مسائل :
الأولى : الدعوة إلى الله .
الثانية : إقامة شعائر الله .
الثالثة : البشارة برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والتطلع إلى أيام بعثته , وفي عيسى عليه السلام ورد في التنزيل [وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ] ( ).
الرابعة : وما ضعفوا في الإعداد للقاء الكفار ومواجهتهم في ميادين القتال .
الخامسة : وما ضعفوا عن المرابطة في الثغور وحراسة أنفسهم وأهليهم وأموالهم .
السادسة : وما ضعفوا في الدعاء ووجوه المسألة وبيان الحاجة لله عز وجل ،وستأتي الآية التالية لتخص دعاءهم وسؤالهم وتضرعهم إلى الله الذي يدل بالدلالة التضمنية على إنقطاعهم عن الناس ولجوئهم إلى الله عز وجل في رغائبهم وحاجاتهم .
السابعة : وما ضعفوا في سبل الأخوة الإيمانية والتعاضد والتعاون فيما بينهم .
الثامنة : وما ضعفوا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , فالقتال خاص بميدان المعركة ، أما الأمر والنهي فهو باب يشمل الحياة الخاصة والعامة .
التاسعة : وما ضعفوا في دعوة الناس للإسلام ، وبيان القبح الذاتي والعرضي للكفر وسوء عاقبته .
العاشرة : وما ضعفوا في جعل الفرائض العبادية تركة كريمة لأبنائهم وأحفادهم ليكونوا نواة لصرح الإيمان، ومن السابقين للتصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم عند بعثته ، وفيه أخبار عديدة .
وتقدير الآية على وجوه :
الأول : وما ضعفوا في إيمانهم .
الثاني : وما ضعفوا في الدعوة إليه .
الثالث : وما ضعفوا تعاهد صحبة النبي .
الرابع : وما ضعفوا عند إنتقال نبي زمانهم إلى الرفيق الأعلى ، وعدم الضعف هذا فيه جهات :
الأولى : إستمرارهم في القتال في سبيل الله كما كانوا يقاتلون مع النبي .
الثانية : عدم الضعف في أداء العبادات بعد فقد نبي زمانهم.
الثالثة : دعوة الناس للتصديق بالنبوة حتى بعد موت النبي ، ومن المدد الإلهي في المقام البشارة المتوارثة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فهي رفد وعون للتصديق بالأنبياء السابقين .
الخامس : وما ضعفوا عن مصاديق مرتبة الربيين وتعظيم شعائر الله ، وتدل عليه الآية الكريمة ، بقوله تعالى [رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ] لما فيه من الشهادة بمصاحبة هذه الصفة لهم في الحياة الدنيا , ولم يغادروا الدنيا إلا بها.
السادس :وما ضعفوا في يقينهم بصدق النبوة ودلائل الرسالة .
السابع : وما ضعفوا في مراتب التوكل على الله ،والثقة بما عنده سبحانه ، قال تعالى [وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ] ( ).
الثامن : وما ضعفوا في مراتب التنزه عن الدنيا ولذاتها .
التاسع : وما ضعفوا في طلب الكفار بعد فقد النبي .
العاشر : وما ضعفوا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
الحادي عشر : وما ضعفوا في فعل الخيرات وعمل الصالحات والإنفاق في سبيل الله .
الثاني عشر : وما ضعفوا في الدعاء والمسألة من عند الله عز وجل .
الثالث عشر : وما ضعفوا في الدعوة لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
بحث بلاغي
من ضروب البديع (حسن النسق ) وهو من محاسن الكلام بالإتيان بكلمات متتاليات تتصف بعطف بعضها على بعض مع تناسق بديع وإستقلال بالمعنى لكل جملة منها مع قلة كلماتها وخلوها مما فيه إستهجان أو عيب ، وتكون من مصاديق إذا إجتمعت إفترقت وإذا إفترقت إجتمعت .
ويأتي حسن النسق أيضاً في الشعر بالأبيات المتعاقبة منه ، ويـأتي بذات البيت الشعري .
ومن إعجاز القرآن مسألتان :
الأولى : مجئ هذه الآيات بالنسق والعطف بالواو ومن قبل ست عشرة آية بقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً] ( )وكل آية قانون ومدرسة قائمة بذاتها في موضوعها وأحكامها مع عطفها على ما قبلها وآية البحث من ذات العطف والنسق لأنها إبتدأت بحرف العطف الواو ، وإن كان موضوعها سيرة الصالحين من الأمم السابقة .
الثانية : إتصاف كلمات آية البحث بحسن النسق بأن كل كلمة تمتلك الإستقلال بالذات والمعنى والدلالة مع أن الأصل إتصالها وتداخلها الموضوعي مع كلمات الآية الأخرى .
ولأن الآية جاءت بصيغة المدح والثناء فقد وردت بصيغة الكثرة والجمع والعموم ، إذ تتكرر فيها واو الجماعة وجمع المذكر السالم .
لقد إبتدأت الآية بالقتال وهو الحال الأشد في الحياة الدنيا ، وفيه أذى شديد ، ويتصف بالقبح الذاتي والنهي التحريمي إلا أن يكون في سبيل الله فهو محبوب لعمومات إذ تغير الموضوع تبدل الحكم ، قال تعالى [كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ] ( ).
وجاء قتال الأنبياء مع أصحابهم في سبيل الله ، وهو الوجه المحبوب والذي فيه أجر وثواب , ويدل عليه أمران :
الأول :وقوع القتال مع الأنبياء الذين لا يختارون القتال إلا بالوحي ولمحاربة الكفر والضلالة .
الثاني : إتصاف المقاتلين بأنهم [ربيون ]مما يدل على أنهم لم يقاتلوا طمعاً بالدنيا ، ولا لإرادة الغنائم والمصالح الدنيوية بل إن قتالهم خالص لوجه الله وبقصد القربة لذا ورد التأكيد في قوله تعالى [لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ].
وتدل آية البحث على الثناء على المسلمين في قوله [وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْن الْمَوْتَ] ( )وإن ذهب أكثر المفسرين إلى القول بأنه عتاب وذم للمسلمين يوم أحد لأنهم إختاروا الفرار إنما هي مدح للمسلمين لأنهم تمنوا الموت والشهادة في قتالهم مع النبي وبقصد القربة .
وتقدير الآية أعلاه بلحاظ آية البحث [وَلَقَدْ كُنْتُمْ تََمَنَّوْن الْمَوْتَ][ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ].
وهل يصدق على فرار شطر من الصحابة من وسط المعركة يوم أحد ومن ثم رجوعهم إلى القتال حول النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبين يديه بأنه من مصاديق قوله تعالى[لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ]الجواب نعم ، بلحاظ أن الإصابة بالإبتلاء والأذى أعم من الجراحات والكلوم ، ويكون رجوعهم إلى المعركة من مصاديق قوله تعالى [فَمَا وَهَنُوا][ وَمَا ضَعُفُوا]والله سبحانه هو الذي يقيل العثرة ويمد المؤمنين بالقوة والمنعة وكان ثبات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ساحة الوغى مدداً وعوناً لهم .
مقدمة الواجب تفصيل وقسيم جديدان
لابد من ملازمة بين طلب الشيء وتحصيل مقدمته وهو من المسائل العقلية غير المستقلة، ويقع ايضاً طريقاً للحجة او في طريق الإعتذار لدى المولى فكما يكون من المسائل الأصولية فانه يكون أيضاً من المسائل الفقهية.
وقد تكون المقدمة شرطاً او قيداً او تكون جزءاً من الشيء كالنية في العبادة فالإستقبال شرط للصلاة وكذا النية ومنهم من جعل الجزء من الشيء مقدمة داخلية له، ولكن بين المقدمة وذيها تغاير زماني وإن إتحد الموضوع , وقد لا يتحد الزمان كما يأتي بخصوص المقدمة العقائدية التي نذكرها لأول مرة في علم الأصول.
كما نستحدث مسألة في هذا الباب ونقول بالتفكيك والتعدد في ذات المقدمة، فعندما تكون قبل الشروع بالفعل العبادي وشرطاً له تسمى مقدمة .
وعندما تكون جزء مستديماً ومصاحباً للفعل تكون شطراً منه وليس مقدمة له .
ويمكن بيانه لغة بالفرق بين المصدر واسم المصدر، فالمصدر يدل على الحدث كالتوضأ والتسليم، واسم المصدر يدل على الحال وثبوت الحدث والكيفية المترشحة عنه كالوضوء والسلام، فالتوضأ مقدمة الواجب، أما الوضوء كشرط وجزء في الصلاة فهو ليس مقدمة للواجب بل هو جزء من الواجب فيكون بالمعنى الأعم كالطهارة.
إذ تتصف المقدمة بأمور:
الأول : التقدم الزماني عن ذات الشيء.
الثاني : خروجها عن ذيها بخلاف الجزء فهو داخل في ذات الشيء.
الثالث : تعدد المقدمة لذات الشيء، كالطهارات الثلاث للصلاة.
إذ تصح المقدمة للصلاة بالوضوء أو الغسل أو التيمم، فلم يرد في الحديث لا صلاة إلا بوضوء وبين الطهارة والوضوء عموم وخصوص مطلق مع أن الوضوء اسم المصدر ويكون تقدير الحديث أعلاه على قسمين:
الأول : لا صلاة إلا بطهور مقدمة للصلاة بلحاظ المصدر وهو التوضأ.
الثاني : لا صلاة إلا بطهور كجزء من الصلاة , بلحاظ اسم المصدر الوضوء، فموضوع التوضأ والتطهر مقدمة للصلاة، أما الوضوء والطهارة فجزء من الصلاة , فإذا تغير الموضوع تبدل الحكم.
وتحتمل النسبة بين السبب والمسبب، وبين المقدمة وذيها وجوهاً:
الأول : التساوي، فالسبب بمنزلة المقدمة , والمسبّب-بالفتح- بمنزلة ذي المقدمة.
الثاني : العموم والخصوص المطلق، فبحث المقدمة أخص.
الثالث : نسبة العموم والخصوص من وجه، فهناك مادة للإلتقاء وأخرى للإفتراق بينهما.
الرابع : نسبة التباين.
والصحيح هو الثالث، ومنهم من أطلق على هذا الباب من العلم عناوين أخرى غير مقدمة الواجب منها:
الأول : مقدمة الواجب المطلق.
الثاني : ما لا يتم الواجب المطلق إلا به، كحضور العدد في صلاة الجمعة.
الثالث : المقدور الذي يتم به الواجب المطلق , كما في الزاد والراحلة وجوب الحج قال تعالى[وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً]( ).
وتنقسم المقدمة إلى قسمين:
الأول : مقدمة وجوب وهي التي تشتغل معها الذمة بأداء الواجب، شرطاً كانت أو قيداً أو سبباً، وأستدل عليه بدخول الوقت بالنسبة لوجوب الصلاة، ولكن القدر المتيقن من المقدمة وذيها ما يتعلق بأفعال العباد، ومنه المقدمة العقلية لقطع المسافة في الحج.
ومن الأمثلة المناسبة في المقام الإستطاعة وتوفر الزاد والراحلة في أشهر الحج وهي شوال وذو العقدة وذو الحجة , قال تعالى[الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ]( )، وتدخل معها الشرائط الوضعية كالجواز والتأشيرة ونحوها مادامت موجودة.
الثاني : مقدمة وجود وهي التي يتوقف عليها صحة وجود الفعل مثل الوضوء للصلاة . والعدد بالنسبة لصلاة الجمعة فأنه مقدمة لوجوب الصلاة، وعند الشافعية هو مقدمة لوجودها ووجوبها.
وتقسم المقدمة بلحاظ الماهية الى :
الأول : مقدمة شرعية.
الثاني : مقدمة عقلية ، كقطع المسافة لأداء الحج.
الثالث : مقدمة عادية.
والطهارات الثلاث مقدمات شرعية وهي ايضاً عقلية لقاعدة انتفاء المشروط بانتفاء شرطه , وللملازمة بين حكم العقل والشرع.
ويمكن أن نوسس قسيماً رابعاً لهذه الوجوه من المقدمة بحسب مضامين آية البحث وهو:
المقدمة العقائدية:
بلحاظ أن الأنبياء السابقين والربيين جاهدوا وبشروا بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكانت بشارتهم مقدمة لإشراقتها على الأرض، وتلقي شطر من الناس لها بالقبول.
ويمتاز هذا القسم من المقدمة بأنه قد يأتي شخص أو طائفة أو أمة بالمقدمة ويأتي بذي المقدمة نبي وأمة غيرهم، كما في آية البحث لإتحاد سنخية النبوة، وإيمان طائفة بنبوة كل نبي من الأنبياء وحملهم رسالة البشارة ببعثة النبي محمد وشمس الإسلام وإقامة شرع الله, إلى أن بعثه الله فصدقه المسلمون وهم غير الربيين.
والمطلوب هو ذو المقدمة واتيان المقدمة يكون بحسب ارادة ذيها كما هو المتعارف فما دامت المقدمة طريقاً للتوصل الى ذيها فلابد من السعي لتحصيلها وهو الغالب في الوقوع خارجاً
والمقدمة لغة وشرعاً ما يتمكن معها المكلف من اتيان ذيها اي ان لها موضوعية في الإمتثال لذيها ، لذا قيل باعتبار ترتيب ذي المقدمة خارجاً على المقدمــة في الوجـوب الترشــحي اي ان وجــوب ذي المــقــدمــة وان كان نفســياً الا انه يكــون غــيرياً بلحاظ كونه قيداً للمقدمة، وقد يكون كذلك بالمعنى الأعم كصلاة المغــرب تكون واجبــاً بالوجــوب الغيري لأنها شـرط لصلاة العشاء , ولكن لا شرطية في المقام إنما هو الترتيب .
والذي اطلق عليه اسم المقدمة الموصلة وقيل انه من الدور ولا مانع من الدور هنا للتداخل في العبادات فلا محذور منه، فالمقدمة تتوقف على ذيها، وذوها يتوقف عليها .
وفي المقدمة يمكن القول بانه يترشح الوجوب عليها من ذيها ولكن الطهارات الثلاث اعم، وقد يكون لها مع الوجوب الغيري وجوب نفسي لتوجه الخطاب باتيانها بالذات وقد يكـــون الأمر بها اصيلاً غير متولد عن الأمر بذيها، وتركها يستلزم العقاب.
وفي علم الأصول لا عقاب في ترك المقدمة الا ما كانت عين ذيها كالجزء منه وتكون مقدمة المندوب مندوبة اذ انها بنفس العرض الخاص بذيها وهناك شواهد على حصول الثواب بالمقدمة من غير مدخلية بحصول ذيها او عدمه، ومنه قوله تعالى [وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ] ( ) ، ومنه السعي في قضاء حاجة المؤمن وما فيه من الثواب وقد يكون واجباً، وليس له غاية كالوضوء الواجب بالنذر.
وهناك نصوص على الثواب والأجر على الوضوء ذاتاً، وان لم يكن مقدمة لغيره الا انه لا يدل على الوجوب، وترتب الثواب اعم من الوجوب وحده.
ومما يعتبر من البديهيات ان الوضوء شرط في صحة الصلاة، وفي صحة الطواف، وبالنسبة للصلاة وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : “لا صلاة الا بطهور”( ).
والطهور اسم شامل للطهارات الثلاث الوضوء , غسل الجنابة , التيمم , وان ورد بمعنى الماء اما بالنســبة للطواف فعليه الإجـماع ونصوص كثيرة منها صحيحة علي بن جعفر عن اخيه عليه السلام : “سألته عن رجل طاف ثم ذكر انه على غير وضوء قال : يقطع طوافه ولا يعتد به” .
ووجوبه سواء كان الطواف الواجب للحج او العمرة وان كانا مندوبين فبالشــروع بهما يجب اتمامهــما فيعيــد الوضــوء واجـباً، اما الطواف المستحب الذي لا يكون جزءاً من الحج فان الوضوء لا يجب فيه، نعم هو شرط في صحة صلاته، اما ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : “الطواف بالبيت صلاة” فانه على فرض صحة سنده فإن القدر المتيقن منه الحاقه بالعبادة من حيث الثواب والقدسية.
شعب ابي طالب
حين يسمع الإنسان بأن العرب كانوا في جاهلية قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنهم يئدون البنات ، ويتفاخرون بالغزو وإغارة بعضهم على بعض واشاعة القتل والنهب والسبي بينهم ونحوه من الأخلاق المذمومة شرعاً وعقلاً يتبادر إلى الذهن أن القانون والإنضباط العام معدوم عندهم ولكنه خلاف الواقع ، فحين بعث الله النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم أدركت قريش الضرر الذي يلحق تجارتها بين الشرق والغرب عبر الصحراء من جهات :
الأولى : دخول القبائل في الإسلام .
الثانية: إتحاد الأفراد والجماعات تحت لواء التوحيد .
الثالثة : صيرورة حكم الشريعة هو السائد في المجتمعات .
الرابعة : زوال الفوارق بين الناس فالجامع المشترك هو الإسلام ، يتساوى فيه الحر والعبد ، مع زيادة وهي أن مدار المرتبة والشرف على الإيمان والهدى ، قال تعالى [إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ] ( ).
الخامسة : صدور الناس عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الأمر والنهي والفعل والترك .
السادسة : تحريم الإسلام للخمر والربا والزنا ونحوه من الفواحش .
السابعة : لزوم تقييد الناس بأداء العبادات وإتيان الصلاة خمس مرات في اليوم ، ولما جاء وفد ثقيف وهم سكنة الطائف إلى المدينة يريدون البيعة ودخول الإسلام سألوا النبي أموراً :
الأول : ترك الطاغية وهي اللات لا تهدم ثلاث سنوات ، وغايتهم طلب السلامة من سفهائهم ونسائهم وأن يمهلوا هذه المدة ليدخل الإيمان في قلوبهم ويتناجون بالتبرأ منها وهدمها .
الثاني : عدم تولي كسر أصنامهم بأيديهم ، خشية الفتنة من بعض قومهم .
الثالث : إعفائهم من الصلاة [ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :أَمّا كَسْرُ أَوْثَانِكُمْ بِأَيْدِيكُمْ فَسَنُعْفِيكُمْ مِنْهُ وَأَمّا الصّلَاةُ فَإِنّهُ لَا خَيْرَ فِي دِينٍ لَا صَلَاةَ فِيهِ فَقَالُوا : يَا مُحَمّدُ فَسَنُؤْتِيكهَا ، وَإِنْ كَانَتْ دَنَاءَةً] ( ).
لقد أدركت قريش أن الإسلام وإنتشاره , ويأتي على تجارتها بين دولة الفرس والروم ، ويضعف من شأن رجلات قريش بين القبائل ، ويكون سبباً لظهور سيادة جديدة للتباين من الناس ، ومنهم العبيد والمستضعفون ولم يعلموا أن الإسلام خير لهم في الدنيا والآخرة ، فما لبثوا أن أصبح رجالات منهم أمراء وقواد بعد فتح البلدان .
لقد فرضت قريش الحصار على بني هاشم وعزلتهم عن الناس ، وأرادوا من أبي طالب الإمتثال لأوامرهم وتسليم النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهم ، أو منعه من الدعوة إلى الإسلام فلم ينالوا إلا الخيبة فكتبوا صحيفة وعقد بين أفخاذ قريش بمقاطعة بني هاشم وبين المطلب بالبيع والشراء والتزويج ، مع الإمتناع عن الإجتماع معهم على أمر يريدون زجر أبنائهم عن دخول الإسلام ، وأن كل واحد من رجال قريش يعتني بولده فيمنعهم من إتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكانت النتيجة أن أمن شطر من الأبناء والبنات بنبوته .
وختم الوثيقة أربعون رجلاً من كبار رؤساء قريش ، وعلقت في الكعبة ، وقيل نقلت إلى بيت أم أبي جهل للمنع من سرقتها في سنة سبعة من البعثة النبوية وقيل سنة ستة .
وأمر ابو طالب بني هاشم بالدخول إلى الشعب ومعهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للحفاظ عليه وتحمل الأذى من أجل سلامته من القتل ،وللإعلان بأنه وعشيرته لا يسلمونه لقريش ودخل معه بنو المطلب بن عبد مناف ، وتخلف عنهم أبو لهب وهو عم النبي فلم يدخل معهم الشعب ، وصار من المتعذر على بني هاشم الحصول على الطعام والأكل والشرب إلا بمشقة وبأسعار عالية وتعطلت تجارتهم إذ وضعت قريش الرقباء عليهم ، وأنفقت خديجة جميع أموالها وكانت في الشعب ، وكذا أنفق أبو طالب وأنفق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما عنده من المال .
وأضطر أهل البيت إلى أكل ورق الشجر ، وكانت أصوات صبيانهم تسمع وهم يتضرعون جوعاً وعطشاً , وقريش تسمعهم وتتعجب لصبرهم وإصرارهم على عدم تسليم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليقتلوه .
ولم يكن أحد يتوقع أن مكة وفي تلك الأزمنة وإنكشاف أوديتها على الصحراء تضع حصاراً معاشياً وإجتماعياً وإقتصادياً على أسرة وعشيرة منها ليشرف بعض أفرادها على الهلاك في شعب أبي طالب الذي إستمر نحو ثلاثة أعوام من السنة السابعة إلى السنة العاشرة للبعثة ولا يصل إليهم الطعام إلا سراً وفي الأشهر الحرام مع مضاعفة سعره عليهم .
وحمل حكيم بن حزام يوماً قمحاً إلى عمته خديجة بنت خويلد فتعرض له أبو جهل وأراد منعه ، فتدخل أبو البختري وجعله يتركه وشأنه .
وكان بنو هاشم لا يخرجون من الشعب إلا في الأشهر الحرم وهي أيام موسم الحج ، وفي شهر رجب وهو من الأشهر الحرم أيضاً ومناسبة للعمرة ، فيتبايعون مع الناس بأحوال شاقة إذ أن قريشاً ترغّب الناس بمقاطعتهم وتتوعد كل من يتعامل معهم بنهب أمواله ، ويحذرون من النكاح معهم .
وجاء النصر من عند الله فبعث حشرة الأرضة لتأكل الصحيفة التي كتبها وجوه قريش ولم يبق منها إلا اسم الله عز وجل ونزل جبرئيل عليه السلام وأخبر النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم فاطلع النبي ابا طالب بما آلت إليه الصحيفة من الحال وظهور المعجزة فيها .
[وقال ابن هشام وذكر بعض اهل العلم ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لابي طالب : يا عم ان ربى قد سلط الارضة على صحيفة قريش فلم تدع فيها اسما لله الا اثبتته ونفت منها القطيعة والظلم والبهتان قال أربك اخبرك بهذا قال نعم قال فوالله ما يدخل عليك احد ثم خرج إلى قريش فقال يا معشر قريش ان ابن اخى اخبرني وساق الخبر بمعنى ما ذكرناه.
وقال ابن اسحق وابن عقبة وغيرهما : وندم منهم قوم فقالوا هذا بغى منا على اخواننا وظلم لهم فكان اول من مشى في نقض الصحيفة هشام بن عمرو بن الحارث العامري وهو كان كاتب الصحيفة وابو البخترى العاص بن هشام ابن الحارث بن اسد بن عبدالعزى والمطعم بن عدي] ( ).
وإن ذكرت آية البحث قتال الأنبياء مع أصحابهم في سبيل الله ، فان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم إبتدأ بتلقي الأذى والحصار هو وأهل بيته من الكفار ممن يمت لهم بصلة الرحم حتى جعلوهم يشرفون على الهلاك ولم تمر سنوات حتى دخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين والأنصار مكة فاتحين لحملهم على الإسلام ، وهل إنتقم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من قريش الجواب لا، فقد أعطاهم يوم الفتح الأمان وعفا عنهم ولكن لم يرض لأحد منهم البقاء على الكفر والجحود.
وقد سبق الحصار الإنذار والوعيد من قريش مقروناً بالترغيب أحياناً، وجاءوا إلى أبي طالب،فَقَالُوا لَهُ يَا أَبَا طَالِبٍ إنّ لَك سِنّا وَشَرَفًا وَمَنْزِلَةً فِينَا ، وَإِنّا قَدْ اسْتَنْهَيْنَاكَ مِنْ ابن أَخِيك فَلَمْ تَنْهَهُ عَنّا ، وَإِنّا وَاَللّهِ لَا نَصْبِرُ عَلَى هَذَا مِنْ شَتْمِ آبَائِنَا ، وَتَسْفِيهِ أَحْلَامِنَا ، وَعَيْبِ آلِهَتِنَا ، حَتّى تَكُفّهُ عَنّا ، أَوْ نُنَازِلَهُ وَإِيّاكَ فِي ذَلِكَ حَتّى يَهْلِكَ أَحَدُ ، قَالُوا لَهُ . ( ثُمّ ) انْصَرَفُوا عَنْهُ فَعَظُمَ عَلَى أَبِي طَالِبٍ فِرَاقُ قَوْمِهِ وَعَدَاوَتُهُمْ وَلَمْ يَطِبْ نَفْسًا بِإِسْلَامِ رَسُول اللّه صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَهُمْ وَلَا خِذْلانِهِ( ).
عندها قال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قوله الخالد المعلوم عند المسلمين جميعاً : والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته.
ثم عرضت قريش على أبي طالب أن يعطوه عمارة بن الوليد بن المغيرة وهو من أجمل شباب قريش ليتخذه ولداً ويسلم إليهم النبي محمداً صلى الله عليه وآله سلم , ليقتلوه لأنه خالف دينهم وسفه أحلامهم وقبّح أفعالهم في تقديس الأوثان، فاستغرب هذا العرض وقال أتعطوني ولدكم لأربيه وأغذوه لكم وأعطيكم ولدي لتقتلوه ثم أظهر أبو طالب وبنو هاشم، عدا أبا لهب، الصبر والثبات، والمؤازرة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في دعوته الناس للإسلام.
وكان شعر أبي طالب بالمناسبة توثيق لتلك الأحداث والوقائع، فقال في ذم المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف والذين خذلوه من قريش:
أَلَاقُلْ لِعَمْرٍو وَالْوَلِيدِ وَمُطْعِمٍ … أَلَا لَيْتَ حَظّي مِنْ حِيَاطَتِكُمْ بَكْرُ
مِنْ الْخُورِ حَبْحَابٌ كَثِيرٌ رُغَاؤُهُ … يَرُشّ عَلَى السّاقَيْنِ مِنْ بَوْلِهِ قَطْرُ
تَخَلّفَ خَلْفَ الْوِرْدِ لَيْسَ بِلَاحِقِ … إذَا مَا عَلَا الْفَيْفَاءَ قِيلَ لَهُ وَبْرُ
أَرَى أَخَوَيْنَا مِنْ أَبِينَا وَأُمّنَا … إذَا سُئِلَا قَالَا إلَى غَيْرِنَا الْأَمْرُ
بَلَى لَهُمَا أَمْرٌ وَلَكِنْ تَجَرْجَمَا. كَمَا جُرْجِمَتْ مِنْ رَأْسِ ذِي عَلَقِ الصّخْرِ
أَخُصّ خُصُوصًا عَبْدَ شَمْسٍ وَنَوْفَلًا … هُمَا نَبَذَانَا مِثْلَ مَا يُنْبَذُ الْجَمْرُ
هُمَا أَغْمَزَا لِلْقَوْمِ فِي أَخَوَيْهِمَا … فَقَدْ أَصْبَحَا مِنْهُمْ أَكُفّهُمَا صِفْرُ
هُمَا أَشْرَكَا فِي الْمَجْدِ مَنْ لَا أَبَا لَهُ … مِنْ النّاسِ إلّا أَنْ يُرَسّ لَهُ ذِكْرُ
وَتَيْمٌ وَمَخْزُومٌ وَزُهْرَةُ مِنْهُمْ … وَكَانُوا لَنَا مَوْلًى إذَا بُغِيَ النّصْرُ
فَوَاَللّهِ لَا تَنْفَكّ مِنّا عَدَاوَةٌ … وَلَا مِنْهُمْ مَا كَانَ مِنْ نَسْلِنَا شَفْرُ
فَقَدْ سَفُهَتْ أَحْلَامُهُمْ وَعُقُولُهُمْ.وكانوا كَجَفْر بئس ما صنعت جَفْر( ).

وكانت مقدمات الحرب ظاهرة بين قريش وبني هاشم، لذا أخذ أبو طالب يشحذ قومه ويثني عليهم لصبرهم وجهدهم بحفظ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويذكر فضله ومنزلته ويشهد له بالنبوة والإصطفاء أمام الملأ وفيه تحد إضافي لقريش، ومن شعره:
إذَا اجْتَمَعَتْ يَوْمًا قُرَيْشٌ لِمَفْخَرٍ … فَعَبْدُ مَنَافٍ سِرّهَا وَصَمِيمُهَا
وَإِنْ حَصَلَتْ أَشْرَافُ عَبْدِ مَنَافِهَا … فَفِي هَاشِمٍ أَشْرَافُهَا وَقَدِيمُهَا
وَإِنْ فَخَرَتْ يَوْمًا فَإِنّ مُحَمّدًا … هُوَ الْمُصْطَفَى مَنْ سِرّهَا وَكَرِيمُهَا
تَدَاعَتْ قُرَيْشٌ غَثّهَا وَسَمِينُهَا … عَلَيْنَا فَلَمْ تَظْفَرْ وَطَاشَتْ حُلُومُهَا
وَكُنّا قَدِيمًا لَا نُقِرّ ظُلَامَةً … إذَا مَا ثَنَوْا صُعْرَ الْخُدُودِ نُقِيمُهَا
وَنَحْمِي حِمَاهَا كُلّ يَوْمٍ كَرِيهَةً … وَنَضْرِبُ عَنْ أَجْحَارِهَا مَنْ يَرُومُهَا
بِنَا انْتَعَشَ الْعُودُ الذّوَاءُ وَإِنّمَا … بِأَكْنَافِنَا تَنْدَى وَتَنْمَى أُرُومُهَا( ).

قوله تعالى [وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ]
يكون موضوع الصبر بلحاظ آية البحث على وجوه :
الأول : تلقي بعثة نبي الزمان بالقبول والتصديق , ومن أفراد وشرائط هذا الإيمان التصديق بالنبوات السابقة لها إبتداء ً من نبوة آدم عليه السلام والإقرار بالبشارة بالنبوة الخاتمة لسيد المرسلين محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : الخروج للقتال مع النبي ، ومن طبائع الإنسان أنه مجبول على العادة والحياة الراتبة والدعة في العيش ، وليس من السهولة أن ينتفض على واقعه ، وإن فعل فلا يجد ناصراً إلا القليل , وتكون هذه النصرة من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة شدة وضعفاً وبحسب الموضوع والحال ومنهم من يكتفي بنصرته بالقلب ومنهم من يستقرأ مقدار وكيفية النصرة بلحاظ ما يفعله الغير أزاءه وأكثر الناس يعرض عن دعوته ، ولا يهّم بنصرته وهذا الأمر عام حتى في النبوة في بداية أيامها ، ولولا أن تفضل الله عز وجل ورزق كل نبي معجزة مناسبة لعصره وأهل زمانه ، ويعتني بموضوعها أكثر أهل زمانه ممن يشاطره السكن في المصر وما حوله . ومما يتباهى به الخاصة، ويكون محل تعظيم العامة .
فمثلاً كان السحر شائعاً في قوم فرعون ، ويجعلون له موضوعية في المعاملات والحياة العامة وينشغلون به عن ذكر الله وجريان الأمور بأسبابها وفق قوانين الإرادة التكوينية والتشريعية ، فتفضل الله عز وجل وبعث موسى عليه السلام بمعجزة العصا لإبطال السحر وكشف البهتان ، ولجذب الناس لمنازل الإيمان والتقوى وبيان دليل حاضر بأن ما عدا وجه الله هو أمر زائف ، ولا ينحصر الإعجاز بنبوة موسى بذات العصا وإن كانت معجزة عظمى بل كانت المعجزات في نبوته على وجوه:
الأول : توجه موسى بدعوته إلى شخص فرعون بالذات طاغوت مصر الكبرى آنذاك الذي قال [أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى] ( ) وكذا بعثة النبي محمد صلى الله عليه آله وسلم فقد توجه بالقرآن إلى طواغيت زمانه من سادة قريش الذين لهم الشأن والسطوة في مكة وحواليها ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا] ( ).
وتكرر لفظ [أُمَّ الْقُرَى] مرتين في القرآن وبذات المعنى وموضوع إنذارها، ومن سلطان السحر على آل فرعون تأويل فرعون معجزة موسى عليه السلام بالسحر الغيري ، وبهتانه على موسى عليه السلام بأنه وقع تحت تأثير السحرة من حيث لا يعلم [فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا] ( )أي سحره السحرة لسحره فاصيب باختلاط العقل وما يشبه الجنون .
وبذا تغيب الحقائق عن الطواغيت ويصابون بالعمى عن رؤية التغيير الذي يحصل في النفوس والمجتمعات نحو الإيمان وإرادة الإصلاح ، ثم يريدون التدارك مع تقديم تنازل ومحاولة إصلاح الذات والفعل والقاء اللوم على الذي أدنى منهم في شؤون الحكم وإدارة البلاد , ولكن دون جدوى ، /لأن النبوة لا ذتقبل البرزخية والوسط بين الإيمان والكفر , وفي التنزيل [قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ] ( ).
ولو آمن فرعون بما جاء به موسى عليه السلام لبقي في عرشه وسلطانه ، وكذا كفار قريش فأنهم لو آمنوا برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمعجزات التي جاء بها لإتسع سلطانهم وعلا شأنهم ، وزادت أموالهم ، وكانوا عند عموم الناس هم أهل وعشيرة النبي والآيات التي وردت في قوله تعالى [وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ] ( )هي :
الأولى : يد موسى ، إذ كان آدم اللون مائل لونه إلى السمرة ، فيدخل يده تحت عضده ليخرجها من مدرعته ولها شعاع يضئ كشعاع الشمس لقوله تعالى [وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ] ( ).
الثانية : عصا موسى ،وهي المعجزة الباهرة التي تتحول بيد موسى إلى حية حقيقة ،وتمشي في الأرض بإذن الله ،وتبتلع ما يلقي سحرة فرعون من الحبال .
وإذا عطش موسى في الصحراء غرس عصاه فنبع الماء منها بإذن الله ، وحالما يرفعها ينقطع وينضب الماء وكل فعل لهذه العصا كان معجزة حسية قائمة بذاتها ، تفضل الله عز وجل ووثقها سماوياً وعقلياً في القرآن لذا فان آية العصا أعظم الآيات والمعجزات التي جاء بها النبي موسى عليه السلام من وجوه :
الأول : ذات معجزة العصا .
الثاني : موضوع معجزة العصا .
الثالث : الأثر الحسن والنفع من العصا .
الثالثة : إنحباس المطر عن آل فرعون ،ونقص ماء النيل ، وإصابتهم بالجدب والقحط ،وإستكبار فرعون عن التسليم بنبوة موسى عليه السلام والإنتفاع من معجزاته ،أما الملك في أيام يوسف عليه السلام فقد أرسل عليه بخصوص تأويل رؤياه ولما أدرك أن يوسف علم لدني وهو ينظر بنور الله وإستجاب لأمره كما ورد في التنزيل [اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ] ( ).
فصحيح أن يوسف عمل بالوزارة عند الملك الوليد بن الريان إلا أن الآية أعلاه تدل بالدلالة التضمنية على أن يوسف لم يسأل الملك هذه المرتبة ولكنه طلبها بلغة الأمر [اجْعَلْنِي] ثم بين ليأتي النفع للناس بواسطة الملك ، أو يأتي الضرر لهم جميعاً بواسطة جحود الملك كما في فرعون .
الرابعة : نقص الثمرات ، وقلة الريع والحاصل سواء من الأشجار المعمرة أو النباتات الحولية والفصلية ، وحتى النبات الذي يخرج فانه يصاب بالآفات والنقص ، لبيان قانون كلي للناس وهو أن الجحود بالمعجزات الباهرة سبب لقلة البركة وللإبتلاء بالجوع ويكون بخصوص كفار قريش وفق القياس الإقتراني :
الكبرى : الذين جحدوا بالمعجزات أصيبوا بالفاقة .
الصغرى : كفار قريش واهل مكة كفروا بمعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
النتيجة : كفار قريش أصيبوا بالفاقة .
وهذا الإبتلاء إستمر لسنين متتالية ، قال تعالى [وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ] ( ).
الخامسة : مجئ الطوفان الذي يهلك المزروعات والدواب ، وينغص الحياة ، ويهدم البيوت .
السادسة : هجوم أفواج الجراد , وكأنها جيوش غازية فلا تدع الإنسان يرى اللون الأخضر في الأرض وتأكل أبواب دورهم للإشارة إلى ضرب وشدة البلاء .
السابعة : الإبتلاء بالقمل ، جمع قملة , وهي حشرة معروفة وهي الدبا تعتاش على جسم على الإنسان وتؤذيه وتعيش بين جسده وثيابه .
الثامنة : كثرة الضفادع ، فتزحف لتقع على فرشهم وفي أطعمتهم .
التاسعة : الدم إذ سلط الله على آل فرعون الرعاف ، ويغترفون الماء فيكون دماً أحمر [عن قتادة قال : أرسل الله عليهم الدم فكانوا لا يغترفون من مائهم إلا دماً أحمر ، حتى لقد ذكر لنا أن فرعون كان يجمع بين الرجلين على الاناء الواحد القبطي والإِسرائيلي ، فيكون ما يلي الإِسرائيلي ماء وما يلي القبطي دماً] ( ).
[وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : { تسع آيات بينات } قال : يده وعصاه ولسانه والبحر والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم] ( ).
وبعد أن غلب موسى السحرة وتجلت معجزاته للناس مكث عشرين سنة يري آل فرعون وبني إسرائيل والناس في مصر الآيات ، لدعوتهم للإسلام ، ولكن آل فرعون أصروا على الكفر والجحود .
وتبين هذه الآيات الحسية سراً من أسرار قتال أصحاب الأنبياء معهم أنهم يقاتلون من جهات :
الأولى : القتال عن إيمان .
الثانية : القتال عن بصيرة من أمرهم .
الثالثة : ثبوت إقامة الحجة على الكفار لتوالي المعجزات والدلائل الباهرات على لزوم التصديق بالأنبياء .
الرابعة : كما جاء الأنبياء بالمعجزات والبينات التي تدل على أنهم رسل الله فان أمرهم بالقتال وخروجهم إلى ميادين لمعان السيف لم يتم إلا بمشيئة الله وأمره سبحانه لذا يكون من معاني قوله تعالى [فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ]أمور :
الأول : رؤية المعجزات تنمية لملكة الدفاع عند أصحاب الأنبياء وبرزخ دون دبيب الوهن والضعف إليهم مجتمعين ومتفرقين .
الثاني : إحتساب الإصابة في مرضاة الله وقربة إليه سبحانه .
الثالث : رجاء أصحاب الأنبياء الثواب من جهات :
الأولى : التصديق بالنبي ومعجزاته .
الثانية : الخروج مع النبي للقتال ومحاربة الكفار .
الثالثة : عدم الضعف أو الوهن في القتال .
الرابعة : تحمل الإصابات والجراحات في المعارك ليدل قوله تعالى [لِمَا أَصَابَهُمْ]على شدة القتال بين المسلمين والكفار .
الخامسة : معجزات الأنبياء سبب لسلامة أصحابهم من الضعف والذل والإستكانة للعدو .
وهل تدل الآية على تركهم للتقية وعلى نحو السالبة الكلية ، الجواب لا دليل عليه ، خاصة وأن التقية في حقيقتها نحو حرب على الكفر لأنها وقاية للنفس وصرف للهلاك عن المؤمن وإن حفّها بأجراء كلمة الكفر على اللسان أزاء التخويف والوعيد ، قال تعالى [إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً] ( ).
السادسة : التحلي بالصبر في طاعة الله ليصاب الكفار بالدهشة والرعب لما يرون من إنقطاع أصحاب الأنبياء إلى طاعة الله والإنصات إلى نبيه بما يأتيهم به ، وما يأمرهم بفعله ، وأشد الأوامر على الإنسان القتال ، فامتثلوا له ، وخرجوا غير مبالين بالعدو وبطشه .
وفي الآية نكتة وهي دعوة المسلمين والمسلمات في حال السلم والرخاء لشكر الله عز وجل على نعمة السراء والأمن ولزوم تجلي هذا الشكر بأداء الفرائض والعبادات وتهذيب النفوس وإصلاح المجتمعات .
وفيه تخلية وتجلية وتحلية ، تخلية عن الكفر ومفاهيم الضلالة لأن الآية تخبر عن توالي بعث الأنبياء في الأرض، ووجود أمة تعترف بنبي الزمان وتجاهد معه في سبيل الله ، وتجلية لمعجزات الأنبياء التي يدل عليها ثبات الصحابة في نصرة النبي وتحملهم شتى ضروب الأذى في سبيل الله .
وتحلية لخصال الإيمان وهو دليل على صحة إختيار المسلمين وسلامة نهجهم باتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مرضاة الله .
ومن وجوه البيان في آية البحث إختتامها بقانون وهو حب الله للصابرين ، وفيه تزكية لفعل أصحاب الأنبياء في جهادهم ومرابطتهم وملاقاتهم الأعداء ، وترغيب للمسلمين بالصبر والجهاد ، ولو صبر الكفار في ميادين القتال فهل يشملهم حب الله الوارد في آية البحث الجواب لا ويكون حجة عليهم ، وسبباً لنزول العذاب بهم ، إنما المراد الذين صبروا في مرضاة الله ، وهو الذي يدل عليه نظم آية البحث , ويكون تقدير الآية على وجوه :
الأول : والله يحب الصابرين في أداء الفرائض والواجبات .
الثاني : الله يحب الصابرين الذين يقاتلون مع النبي .
الثالث : والله يحب الصابرين [الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ] ( ).
الرابع : إن الله يحب الصابرين الذين يتلقون البشارة بالنعيم الدائم فيقبلون على السبيل المؤدي إليها وأداء التكاليف من غير ملل أو ضجر .
الخامس : إن الله يحب الصابرين الذين قاتلوا في معركة بدر وأحد وحنين وغيرها من معارك الإسلام ، وهل الخروج للمعركة من مصاديق الصبر كما في قوله تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ] ( ).
السادس : والله يحب الصابرين الذين لم يهنوا أو يضعفوا في قتالهم في سبيل الله .
السابع : والله يحب الصابرين الذين يلجأون إلى ذكر الله وقول إنا لله وإنا إليه راجعون عند المصائب والشدائد .
الثامن : والله يحب الصابرين الذين يقضون الليل والنهار في طاعته ويتسابقون في فعل الخيرات ويدعون إلى الخير ويجتنبون المعاصي والسيئات.
[أخرج ابن مردويه عن عبد الله بن مغفل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن عيسى ابن مريم عليه السلام قال : يا معشر الحواريين الصلاة جامعة ، فخرج الحواريون في هيئة العبادة قد تضمرت البطون ، وغارت العيون ، واصفرت الألوان ، فسار بهم عيسى عليه السلام إلى فلاة من الأرض ، فقام على رأس جرثومة .
فحمد الله وأثنى عليه ثم أنشأ يتلو عليهم آيات الله وحكمته فقال : يا معشر الحواريين اسمعوا ما أقول لكم . اني لأجد في كتاب الله المنزل الذي أنزل الله في الإِنجيل أشياء معلومة فاعملوا بها ، قالوا : يا روح الله وما هي؟ قال : خلق الليل لثلاث خصال ، وخلق النهار لسبع خصال ، فمن مضى عليه الليل والنهار وهو في غير هذه الخصال خاصمه الليل والنهار يوم القيامة فخصماه . خلق الليل لتسكن فيه العروق الفاترة التي أتعبتها في نهارك ، وتستغفر لذنبك الذي كسبته في النهار ثم لا تعود فيه ، وتقنت فيه قنوت الصابرين .
فثلث تنام ، وثلث تقوم ، وثلث تتضرع إلى ربك . فهذا ما خلق له الليل ، وخلق النهار لتؤدي فيه الصلاة المفروضة التي عنها تسأل وبها تُحاسَبْ وبر والديك ، وأن تضرب في الأرض تبتغي المعيشة معيشة يومك ، وأن تعود فيه ولياً لله تعالى كيما يتعهدكم الله برحمته ، وأن تشيعوا فيه جنازة كيما تنقلبوا مغفوراً لكم ، وأن تأمروا بمعروف وتنهوا عن منكر فهو ذروة الإِيمان وقوام الدين ، وأن تجاهد في سبيل الله تراحموا إبراهيم خليل الرحمن عليه الصلاة والسلام في قبته .
ومن مضى عليه الليل والنهار وهو في غير هذه الخصال خاصمه الليل والنهار يوم القيامة وهو عند مليك مقتدر] ( ).
لقد جاءت آية هذا الجزء بخصوص جهاد الأنبياء وأصحابهم وتحتمل خاتمة الآية وحب الله للصابرين وجوهاً :
الأول :إرادة حب الله لخصوص الأنبياء الذين قاتلوا .
الثاني: المقصود أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذين قاتلوا في معركة بدر وأحد وغيرهما من معارك المسلمين الأولى .
الثالث : تشمل الآية الذين يجاهدون في سبيل الله من أجيال المسلمين المتعاقبة .
الرابع : إرادة عموم الصابرين سواء في القتال أو أداء الواجبات العبادية أو فعل الصالحات قربة إلى الله تعالى .
والصحيح هو الأخير لأصالة الإطلاق ، وصدق عنوان الصبر على إتيان العبادات ، ودلالة آيات القرآن على العموم ، قال تعالى [وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ] ( ).
بين خاتمة الآية وأولها عموم وخصوص مطلق ،إذ أن الخاتمة أعم في الموضوع والحكم من جهات :
الأولى : شمول المسلمين بالثواب والأجر من عند الله لأنهم من الصابرين في مرضاة الله ، وهل يختص الثواب في المقام بالمجاهدين من المسلمين , الجواب لا ، لأصالة الإطلاق في متعلق الفضل الإلهي ،قال تعالى [َفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا] ( ).
الثانية : عدم إختصاص النفع الدنيوي والأخروي للإيمان بصحبة النبي والقتال في سبيل الله ، فكل فرد من مصاديق الإيمان هو رحمة وباب للأجر والنفع المتصل .
الثالثة : جاءت الآية بصيغة التذكير في متعلق الحب [الصابرين] ولكنه يشمل المسلمات إنما ورد التذكير للفرد الغالب .
ومن الإعجاز في الآية بيان موضوع الحب وهو الصبر ، وهو من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً .
فيصدق على المسمى والفرد القليل منه ، وقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار إمتحان وإبتلاء ليفوز المؤمن والمؤمنة بالثواب على الصبر ، ترى لماذا لم تقل الآية ( والله يحب الصابر) الجواب من وجوه :
الأول : يعطي الله عز وجل بالأعم والأوفى .
الثاني : ملائمة صيغة الجمع لموضوع الآية .
الثالث : بيان فضل الله عز وجل بكثرة الصابرين في كل زمان وجاءت الآية بصيغة الجمع من جهات :
الأولى : كثرة الأنبياء الذين قاتلوا من مجموع الأنبياء ،وكل نبي هو إمام في الصبر وأسوة حسنة لسالكي سبل الصبر وتلقي الأذى في جنب الله برضا ورجاء .
الثانية : تعدد صيغ وأفراد وأزمنة القتال بلحاظ كبرى كلية وهي تعاقب الأنبياء وبعثتهم في الأزمنة المتتالية ، فمع كل طبقة وجيل من الناس هناك نور نبوة ، فقوله تعالى [قَاتَلَ مَعَهُ] أي قاتل مع نبي في زمانه .
الثالثة :التباين المكاني في أمصار الأنبياء وبعثهم فمن فضل الله عز وجل أن الأنبياء لم يبعثوا إلى أمة مخصوصة أو في مصر معين بل يبعث النبي في الشام والعراق والجزيرة وعموم أسيا وأوربا وأفريقيا ، وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ) .
فمن خصائص الخلافة تغشيها للأرض وبلوغها للناس وإقامة الحجة عليهم وجذبهم إلى منازل الصبر والتقوى .
الرابعة : صيغة الجمع [ ربيون ] فمع كل نبي هناك عدد من المؤمنين المجاهدين الصابرين .
الخامسة : النص القرآني بالتعدد بصفة الكثرة [ربيون كثير] ليكون مجموع الصابرين كثرة الكثير .
السادسة : ترشح الصبر على أسر وعوائل المجاهدين مع النبي وتحملهم أذى الفراق ، وألم المصيبة بفقد المجاهد أو جرحه وإصابته بالكلوم .
السابعة :التعدد بصيغة عدم الوهن الذي تدل عليه واو الجماعة [فَمَا وَهَنُوا] فمن إعجاز القرآن الإخبار عن العموم في عصمة صحابة الأنبياء السابقين مع كثرتهم من الوهن والضعف ، وتدل آيات القرآن على تنزه صحابة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن الضعف والوهن ومن أدلته قوله تعالى [إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ] ( ).
الذي يدل على إنتفاء الفشل والجبن والخور عن المؤمنين من وجوه :
الأول : دلالة همّ طائفتين من المسلمين بالفشل والرغبة بالإنسحاب على تماسك وثبات الطوائف الأخرى من المؤمنين .
الثاني : تعلق الهّم بالفشل بخصوص طائفتين من الأنصار وسلامة جماعة المهاجرين مع كثرتهم من الهم بالفشل .
الثالث : نسبة التباين والتغاير بين الهم بالفعل وبين التلبس به والمدار على الثاني في الوصف وترتب الجزاء ، فقوله تعالى [هَمَّتْ طَائِفَتَانِ] لإفادة القصد القلبي والنية وإرادة الفشل دون الولوج فيه ، فيكون سالبة بإنتفاء الموضوع .
وتقدير الآية : ولقد همت طائفتان منكم أن تفشلا فلم ولن تفشلوا والله وليهما .
الرابع : موضوعية التبعيض في الآية فقوله تعالى [مِنْكُمْ] دليل على الإتحاد في الجهاد ومواصلة الجميع القتال من غير جبن أو خور .
الخامس : إخبار الآية بأن الله ولي المؤمنين جميعاً ،ومن خصائص هذه الولاية العون الإلهي للسلامة من الخور والجبن .
السادس : دلالة الآيات القرآنية الأخرى الخاصة في سبب نزولها بمعركة أحد منها [بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاَفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ] ( ).
السابع :تغشي الفزع والخوف لجيوش الكفار الذي يدل في مفهومه على الوهن والضعف الذي يلحق العدو ، لتنتفي معه علة الفشل والجبن عند المؤمنين لإنعدام الموضوع ، فلذا رجع المسلمون للاجتماع حول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الميدان وإعادة الكرة على جيش الكفار .
الثامن :ابتلى الله عز وجل جيش الكفار بالنقص وهلاك عدد من فرسانهم ، قال تعالى [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ] ( ).
الثامنة : إنتفاء الوهن جملة وتفصيلاً عن أصحاب الأنبياء وفيه رجحان لكفتهم , إذ يدب الوهن إلى قلوب الكفار مجتمعين ومتفرقين ، بينما يكون المسلمون في واقية وحرز منه , وهذا القانون مصاحب للحياة الدنيا.
بحث بلاغي
من وجوه البديع الأدماج ، وهو إرادة المتكلم موضوع ولكنه لا يأتي به صريحاً في كلامه بل يدمجه في معنى آخر لوجوه :
الأول : دلالة الغرض المعلن على المعنى المضمر فيه .
الثاني : المبالغة في الأول شاهد على الثاني , ويسمى الإدماج بالمبالغة .
الثالث : إيهام السامع بأنه لم يقصده ، قال المتنبي :
أُقَلِّبُ فيهِ أَجْفَانِي كأَنِّي أَعدُّ على الدَّهْرِ الذُّنُوبَا( )
فان البيت ورد بقصد وصف طول الليل إلى أنه يتضمن الشكاية .
والوجه الثالث يتنزه عنه القرآن , والأغراض المدمجة ذات الإعجاز والنفع في آية البحث أكثر من أن تحصى وهو من إعجاز اللفظ القرآني وإحاطة آيات القرآن باللامحدود من الوقائع والأحداث ، ومن هذه الأغراض :
الأول : لما أخبر الله عز وجل بأن في القرآن [أَحْسَنَ الْقَصَصِ] ( ) وبصيغة الجمع وإرادة الإطلاق أي في أي زمان ومكان تكون قصص القرآن هي الأحسن من جهات :
الأولى : ذات قصص القرآن .
الثانية : مواضيع قصص القرآن .
الثالثة : الأحكام السماوية الواردة في قصص القرآن .
الرابعة : المسائل المستنبطة من قصص القرآن .
الخامسة : الأسرار الكامنة في ذات قصص القرآن .
السادسة : الموعظة والعبرة في قصص القرآن .
السابعة : صبغة الوحي في قصص القرآن .
الثامنة : سلامة قصص القرآن من التحريف والتبديل والتغيير.
التاسعة : نزول أحسن القصص على خاتم المرسلين وسيد المرسلين محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
العاشرة : بيان حسن العاقبة لأهل الإيمان وسوء العاقبة وشدة العذاب للكافرين ،قال تعالى [قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ] ( )لبيان ان الشواهد الحسية والأمور الأرضية وأحوال الناس دلائل على صدق نزول القرآن وان قصصه أحسن القصص .
وآية البحث من أحسن القصص وهذا المعنى من الأغراض المدمجة في آية البحث ، إذ أن مضامين آية البحث قصة كاملة تستقرأ منها المواعظ وتقتبس منها معاني الجهاد التي تضئ للمسلمين دروب الهداية ، وتحول دون دبيب الكسل والوهن إلى نفوسهم .
الثاني : من الأغراض المدمجة في آية البحث بيان حال الضراء والشدة والجهاد التي صاحبت أجيال المسلمين في الأمم السابقة .
الثالث : الشكر والثناء على مؤمني الأمم السابقة.
الرابع : شكر المسلمين لله عز وجل على نعمة نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم والجهاد تحت لوائه .
الخامس : دعوة المسلمين للمقارنة بينهم وبين المؤمنين من الأمم السالفة ،وهذه المقارنة ليست من التباري ولكن لبيان فضل الله والإجتهاد في طاعته ، قال تعالى [وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ] ( ).
السادس : إرتقاء مؤمني الأمم السالفة في سبل التقوى وصيغ الفقاهة .
السابع : يمكن تسمية الحياة الدنيا بأنها (دار إكتساب المعارف) يتزود بها الإنسان بالعلوم العقلية والنقلية ، وتتقوم أيام حياته بما يأتي به الوحي من سبل الهداية والصلاح ، ومنه ذكر القرآن لقصص الأمم السابقة والصفحات المشرقة لأصحاب الأنبياء .
الثامن :هذه الآية وتلاوتها مدد للمسلمين في ميادين القتال وسبل دحر الكفار ، وهل من أغراض هذه الآية إصابة الكفار بالفزع حين سماع هذه الآية أم أن القدر المتيقن منها الإخبار .
الجواب هو الأول ، وهو من مصاديق البيان وورد [عن الإمام علي عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء ، فقلت : ما هو يا رسول الله ؟ قال : نصرت بالرعب ، وأعطيت مفاتيح الأرض ، وسميت أحمد وجعل لي التراب طهورا ، وجعلت أمتي خير الأمم] ( ).
قانون التحاور بين أهل الجنان
لقد جعل الله عز وجل الرؤيا حبلاً ممدوداً وموصلاً بين شآبيب رحمته وروح العبد لينتفع من بشارتها الفرد والجماعة، ويحذر الناس فيما يتعلق برؤيا الإنذارات , ويتوجهون إلى الدعاء لصرف البلاء الذي تكون الرؤيا إشارة إليه.
فمن أظهر معاني رؤيا المنام الصادقة أمور:
الأول : دعوة الإنسان للتوبة والتدارك.
الثاني : تنبيه الإنسان لما هو غافل عنه.
الثالث : تثبيت الإيمان في النفوس.
الرابع : بيان العلقة بين عالم الروح وعالم الجسد.
الخامس : شكر الله عز وجل على البشارة التي تأتي بها الرؤيا( وعن الإمام الباقر عليه السلام قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وآله في قول الله عز وجل ” لهم البشرى في الحيوة الدنيا ” قال: هي الرؤيا الحسنة يرى المؤمن فيبشر بها في دنياه( ).
وورد مثله عن عبادة بن الصامت قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قوله[لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا]( )، قال هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له.
وأخرج أحمد وابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي عن عبدالله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله { لهم البشرى في الحياة الدنيا } قال « الرؤيا الصالحة يبشر بها المؤمن ، وهي جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوّة ، فمن رأى ذلك فليخبر بها وادّاً ، ومن رأى سوى ذلك فإنما هو من الشيطان ليحزنه ، فلينفث عن يساره ثلاثاً وليسكت ولا يخبر بها أحداً( ).
وسيبقى ميدان الرؤيا وأسرارها ساحة وجنّة ينتفع بها الناس جميعاً من القرآن وما أعطاه للرؤيا من منزلة وجوهر وأحكام ودوام الانتفاع بها في الأحلام التي اثبت العلم الحديث ان الإنسان يرى في منامه ومنذ أيام ولادته الأولى وفي كل ليلة، وقالوا بان عُشر عمر الإنسان يقضيه في الرؤيا والأحلام وان الذي يعيش سبعين عاماً تأخذ الأحلام سبع سنوات من عمره وقد يكون هذا الرقم مبالغاً فيه , ولا يخلو من إفراط سيما وان للرؤيا خاصية غيبية وهي ان سلسلة من الأحداث وفصولاً متوالية تجري في ثوان معدودة.
ومع هذا تبقى الرؤيا عالماً يحتاج أهل الأرض ان ينهلوا منه ويتزودوا من علومه ويأخذوا منه، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كثير الرؤيا وما رأى رؤيا إلا وجاءت كفلق الصبح.
وبينما أنا أجتهد هذه الأيام في المراحل الأخيرة من كتابة وتصحيح ومراجعة الجزء الرابع عشر بعد المائة والتي أقوم بها بمفردي والحمد لله , وهو خاص بقوله تعالى[وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ].
رأيت هذه الليلة في المنام كأن المسلمين يوم القيامة يسألون الله أن يلتقوا الربيين من أصحاب الأنبياء فيستجيب الله عز وجل لهم، قال تعالى[لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ]( )، فيتحاورون معهم ويستحضرون مشاهد من جهادهم.
لتكون هذه الرؤيا نعمة من عند الله ، فله الحمد سبحانه فقمت من السرير في الحال , وكتبت هذا الفصل بإضافات على أصل الرؤيا , لبيان قانون ( التحاور بين أهل الجنان ) وأنهم يلتقون ويتحادثون مع التباعد بين أزمانهم في الحياة الدنيا.
ومن أسرار إنفراد أهل هذه الآية باللفظ (ربيون) أن المسلمين من سكنة الجنة يوم القيامة يقولون ربنا أرنا الربيين الذين كنا نذكرهم في الآية السادسة والأربعين بعد المائة من سورة آل عمران، فيتفضل الله عز وجل ويجمع بينهم وبين هؤلاء المسلمين الذين يخبرونهم عن تلاوة قصتهم وذكرهم بالصفة الكريمة في الصلاة وخارجها، وأنهم يجتهدون بمحاكاتهم والسير على منهاجهم، ثم يسألونهم عن أمور منها:
الأول : من هم الأنبياء الذين كانوا يقاتلون معهم، فهذا يقول كنت مع نبي الله فلان , وكان عددنا في المعركة التي وقعت في المكان الفلاني كذا، وفي أخرى كذا فتتبين أعدادهم وأسماء الأنبياء الذين قاتلوا معهم، والمسلمون يجيبون نعم هذا الاسم ورد في القرآن، ويقول بعض المسلمين قد زرناه في قصره في الجنة, ويتشوق آخرون لزيارته .
وآخرون من المسلمين يطلبون من الربيين الذين هم أنصاره مصاحبتهم لزيارته.
ويذكر الربيون اسم نبي آخر , فيقول المسلمون نعم ورد ذكره في السنة النبوية، ثم يذكر الربيون أسماء أنبياء , فيقول المسلمون لا علم لنا بهم في الدنيا , قال تعالى[وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ) ( ) ولقد آمنا بهم وصدقناهم على نحو العموم الإستغراقي, وقاتلتم أنتم معهم , وتعاهدنا نحن ذكرهم والتصديق بهم إلى يوم القيامة .
الثاني : كيف استحقوا مرتبة ربيين التي شرّفهم الله عز وجل بها من بين الناس جميعاً، فلم ترد إلا في آية البحث , للدلالة على إختصاصهم بصفة ومنزلة خاصة يوم القيامة . ويمكن تأسيس قانون من جهتين :
الأولى : ذكر طائفة من المؤمنين بلفظ وثناء خاص أمارة وبشارة على إنفرادهم مرتبة ورفعة معينة.
الثانية : نعت فريق من الكفار بلفظ وذم وتبكيت مخصوص دليل على إختصاصهم بعذاب من ضروب العقاب .
الثالث : هل يشمل هذا الوسام والفخر التابعين وأنصار الأنبياء الذين صدّقوا بهم من بعد مغادرتهم الدنيا.
الرابع : يسأل المسلمون الربيين عن سر فوزهم بالجمع بين التقوى والقتال.
الخامس : بيان حال الربيين أيام السلم ومع الأهل وفي المعاملات مع الناس.
السادس : نتائج كل معركة خاضها الأنبياء والربيون مع الكفار.
السابع : عدد الشهداء من الربيين الذين قتلوا في المعارك، وإذا كان بعض المقاتلين معلَمين باشارات واضحة في القتال، فهل يحملون ذات العلامات في الجنة .
الجواب نعم لأنها جواز عبور على الصراط، وآية يعرفون بها، ولابد أن للشهداء منهم علامات خاصة أسمى وأبهى.
ومرة أخرى الربيون هم الذين يسألون الله أن يجمعهم مع المسلمين والمسلمات الذين كانوا يتلون آية البحث وما فيها من ذكرهم كل يوم ليسألوهم عن موضوع نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي كانوا يتوارثون البشارة به , ويغبطون المسلمين على صحبته وإتباعه ويشكرونهم عن إحياء ذكرهم كل يوم من أيام الحياة الدنيا.
ومن الأمور التي يسألون عنها المسلمين:
الأول : جهاد سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وآله وسلم في سبيل الله، فيفاجئ الربيون بحقيقة وهي أن أجيال المسلمين والمسلمات المتعاقبة يعرفون أحوال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الحل والترحال والحرب والسلم وكأنهم عاشوا معه في الدنيا كما جمعهم الله عز وجل معه في الجنة الواسعة.
الثاني : يسألون الصحابة عن صبرهم وخروج عدد منهم مهاجرين إلى الحبشة ثم هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه إلى المدينة المنورة بعد هجرته إلى الطائف.
وهل يسألون عن الفرقة التي أصابت المسلمين بالمذاهب والله عز وجل يقول[وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا]( )، وما هي النتائج الحميدة لو لم تكن هناك مذاهب وفرق، الجواب هذا بعيد، ولكن المسلمين يبينون ما يدل على أن هذا الإختلاف صغروي لم يخرجهم عن طاعة الله والرسول والعمل بأحكام الشريعة والتمسك بالقرآن، ومضماميت آية الإعتصام أعلاه , وهو من مصاديق [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي]( ).
الثالث : يسأل الربيون المسلمين بماذا نلتم مرتبة[خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( )، هذه المرتبة التي تجعل الربيين يكرمون المسلمين في الآخرة .
وتحتمل الصلة بين الربيين والمسلمين في عالم البرزخ وجوهاً:
الأول : يتلقى الربيون المسلمين بالحفاوة والبشارة وأسباب بعث السكينة في نفوسهم.
الثاني : ينتظر الربيون قدوم المسلمين عليهم من غير أن يتحقق اللقاء بينهم في عالم البرزخ.
الثالث : ليس من لقاء بين الربيين والمسلمين في عالم البرزخ.
الرابع : تتلاقى الأرواح في عالم البرزخ وهو كالإجتماع الإبتدائي، ويختلف عن حلق الجنة والسكن في قصورها.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق مسلم بن جعفر البجلي قال: سمعت أبا معاذ البصري : أن علياً قال : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : والذي نفسي بيده ، إنهم إذا خرجوا من قبورهم يستقبلون بنوق لها أجنحة عليها رحال الذهب ، شرك نعالهم نور تلألأ ، كل خطوة منها مد البصر ، فينتهون إلى شجرة ، ينبع من أصلها عينان ، فيشربون من احداهما ، فيغسل ما في بطونهم من دنس ، ويغتسلون من الأخرى ، فلا تشعث أبشارهم ، ولا أشعارهم بعدها أبداً ، وتجري علي
فيأتون باب الجنة ، فإذا حلقة من ياقوتة حمراء على صفائح الذهب ، فيضربون بالحلقة على الصفحة ، فيسمع لها طنين فيبلغ كل حوراء : أن زوجها قد أقبل ، فتبعث قيمها فيفتح له ، فإذا رآه خر له ساجداً .
فيقول : ارفع رأسك إنما أنا قيمك وكلت بأمرك ، فيتبعه ويقفو أثره ، فتستخف الحوراء العجلة فتخرج من خيام الدر والياقوت حتى تعتنقه ثم تقول : أنت حبي وأنا حبك ، وأنا الخالدة التي لا أموت ، وأنا الناعمة التي لا أيأس ، وأنا الراضية التي لا أسخط ، وأنا المقيمة التي لا أظعن ، فيدخل بيتاً من أسه إلى سقفه مائة ألف ذراع ، بناؤه على جندل اللؤلؤ طرائق : أصفر وأحمر وأخضر ، ليس منها طريقة تشاكل صاحبتها ، في البيت سبعون سريراً ، على كل سرير سبعون حشية ، على كل حشية سبعون زوجة ، على كل زوجة سبعون حلة ، يرى مخ ساقها من باطن الحلل ، يقضي جماعها في مقدار ليلة من لياليكم هذه ، الأنهار من تحتهم تطرد : { أنهار من ماء غير آسن} قال : صاف لا كدر فيه ، { وأنهار من لبن لم يتغير طعمه } قال : لم يخرج من ضروع الماشية ، { وأنهار من خمر لذة للشاربين } قال : لم تعصرها الرجال بأقدامها ، { وأنهار من عسل مصفى } قال : لم يخرج من بطون النحل فيستحلي الثمار ، فإن شاء أكل قائماً وإن شاء أكل قاعداً ، وإن شاء أكل متكئاً . ثم تلا { ودانية عليهم ظلالها } الآية .
فيشتهي الطعام فيأتيه طير أبيض وربما قال : أخضر ، فترفع أجنحتها فيأكل من جنوبها أي الألوان شاء ، ثم يطير فيذهب فيدخل الملك فيقول : { سلام عليكم } { تلكم الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون }( ).
وهناك مسألتان :
الأولى : هل تختص لقاءات المسلمين بالربيين بعرصات وقصور الجنة , أم تشمل مواطن النشور والحساب والحوض والميزان والصراط , الجواب هو الثاني .
الثانية: هل يختص اللقاء بين الربيين والمسلمين في الآخرة بالمرة والمرتين , الجواب لا، إنما هو مرآة وثواب لعدد المرات التي كان الربيون يتلقون فيها البشارة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم بالقبول ويورثونها ويتركونها كنزاً إلى من بعدهم , ولعدد مرات قراءة المسلمين لآية البحث وتلقيهم جهاد الربيين بالتصديق والتأسي والمحاكاة , ويحتمل هذا اللقاء في سنخيته وجوهاً:
الأول : إنه من العمل الحسن.
الثاني : إنه من ثواب الله عز وجل في الآخرة.
الثالث : إنه فضل إضافي ونعمة من عند الله.
والصحيح هو الثاني والثالث، وليس من عمل في الآخرة , ولقد أراد الله فيه الحجة والبرهان .
ويسألهم المسلمون عن إنقطاعهم للدعاء ومصاديقه التي وردت في الآية التالية وإختصاص كلامهم وإنحصار قولهم بأمور عبادية مباركة :
الأول : سؤال العفو والمغفرة من عند الله ليسألهم المسلمون عن آثار ومنافع إستغفارهم لقوله تعالى [اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا] ( ).
الثاني : إظهار الربيين حال الخضوع والخشوع والمسكنة لله عز وجل ولم يكن الحوار بين المسلمين والربيين منحصراً بالسؤال والإستفهام والجواب بل كان يتضمن الثناء ومصاديق تعلم المسلمين منهم ، وإنتفاع الربيين من فيوضات البشارة ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذ كانت إستدامة الإيمان تتقوم بهذه البشارة فقد أثنى المسلمون على الربيين لإخبار آية البحث عن تنزههم عن الذل والإستكانة للكفار , بينما ذكرت الآية التالية خضوعهم ومسكنتهم لله , وإجتهادهم في الإستغفار والدعاء .
الثالث: سؤال المسلمين للربيين عن مصاديق ثباتهم في منازل الإيمان حتى بعد مغادرة نبي زمانهم ، مما يدل على بلوغهم مراتب اليقين .
الرابع: سؤال المسلمين للربيين عن إستجابة الله عز وجل لدعائهم [وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ] ( ) وهذا النصر متعدد ومنه نصر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الكفار , ويتحاورون في النفع العام من دعاء الربيين هذا من وجوه :

الأول : تحقق نصر الربيين على الكافرين بفضل الله .
الثاني : بيان النسبة بين مرتبة الربيين وبين إستجابة الدعاء .
الثالث : الصلة بين الدعاء بالنصر وبين قوله تعالى [وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ] بلحاظ أن هذا الدعاء وموضوعه من الصبر .
الرابع : إنتفاع الأجيال المتعاقبة من المؤمنين من دعاء الربيين ومنها أيام الفترة بين الرسل .
الخامس : النفع الذي جاء للمسلمين أيام بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما بعدها من دعاء الربيين [وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ]فتتجلى معاني شكر المسلمين لهم على دعائهم نفعه وأثره ، وهذا البقاء من أسرار توثيقه السماوي في القرآن وتلاوة المسلمين له .
ويتساءل المسلمون والربانيون عن أسرار مجئ آية البحث بخصوص جهاد الربيين بالسيف ، وقتالهم مع الأنبياء ، وثباتهم في ميادين القتال ، وعصمتهم من الوهن والضعف والذل للكفار حتى بعد مغادرة بني زمانهم الدنيا بينما جاءت الآية التالية بذكر قولهم ودعائهم وحده .
فعلماء التفسير لم ولن يستطيعوا بيان كنه هذا التقسيم ومجئ الآية بعد التالية بذكر الثواب وحده والشامل للنشأتين ، ليتفضل الله عز وجل ببيان أسرار نظم هذه الآيات وعلة هذا التقسيم ومنافعه ، ورشحات الفضل الإلهي فيه ، وبيان التخفيف عن المؤمنين فبعد القتال يأتي الدعاء ويدل في مفهومه على أمور :
الأول : عدم إستطاعة الكفار قهر المؤمنين أو إكراههم على ترك دينهم .
الثاني :سلامة أصحاب الأنبياء من الشك والريب الذي قد يأتي من إصرار الكفار على القتال .
الثالث: إقتران الدعاء مع القتال ، فصحيح أن هذه الآيات فصلت الفعل الجهادي عن الدعاء إلا أن زمانهم متحد ومتعدد ، فمع القتال يكون الدعاء ، وينقطع القتال ويهزم المشركون ولكن المؤمنين لا يفترون عن الدعاء وهو من أسرار مجئ الآية التالية خاصة بالدعاء .
وقد إجتهد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالدعاء يوم بدر ، وكذا في معارك الإسلام الأخرى ، وفي معركة الخندق ورد في المرسل [عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ ، قَالَ حُصِرَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ – وَأَصْحَابُهُ بِضْعَ عَشْرَةَ حَتّى خَلُصَ إلَى كُلّ امْرِئٍ مِنْهُمْ الْكَرْبُ وَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ اللّهُمّ إنّي أَنْشُدُك عَهْدَك وَوَعْدَك اللّهُمّ إنّك إنْ تَشَأْ لَا تُعْبَدُ فَبَيْنَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْحَالِ أَرْسَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ إلَى عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ وَإِلَى الْحَارِثِ بْنِ عَوْفٍ – وَلَمْ يَحْضُرْ الْخَنْدَقَ الْحَارِثُ بْنُ عَوْفٍ وَلَا قَوْمُهُ وَيُقَالُ حَضَرَهَا الْحَارِثُ بْنُ عَوْفٍ] ( ).
ومن الشواهد على عمومات قوله تعالى[فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ]( )، وشموله للوقائع والأحداث في دار الدنيا والآخرة أن المسلمين يسألون الربيين عمن قاتلهم من الكفار، فيطلون جميعاً على النار، ويرونهم بأشد العذاب، ويسأل الربيون المسلمين عن أقطاب الكفر والضلالة الذين آذوا رسول الله وحاربوا المسلمين فيخبرونهم باسماء أبي جهل وأمية بن خلف وبعض المنافقين مثل عبد الله بن أبي سلول وغيرهم، فيطلون مرة أخرى على النار ويرونهم بالعذاب الأليم .
فينادي المسلمون والربيون بصوت واحد[وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ]( ) وهذا اللقاء بين المسلمين والربيين من الحواريات الظنية ببركة الرؤيا الصالحة التي أنعم الله سبحانه عليّ بها , والتي يستلزم إثباتها الدليل والبرهان ولو على نحو الإجمال.
ومن فضل الله عز وجل على المسلمين أمور :
الأول : تعاقب أجيالهم في الحياة الدنيا وإلى يوم القيامة .
الثاني : مصاحبة القرآن للمسلمين في عباداتهم ومعاملاتهم فهي صحبة تفاعل وتلازم .
الثالث: تلاوة المسلمين لآية البحث كل يوم ،فلا يمر يوم إلا وعدد من المسلمين يتلو هذه الآية المباركة وجوباً ذاتياً أو عرضيا أو ندباً ، وهذه التلاوة من المنافع الدنيوي والآخروية للصلاة ،بأن تكون نوع صلة بين المسلمين والأمم السابقة ، ففيها الثناء على الموحدين منهم ، والذم للكفار والفاسقين .
وجاءت آية البحث لخاصة الموحدين وهم أصحاب الأنبياء الذين قاتلوا معهم بقصد القربة وفي سبيل الله وطلب مرضاته ليكون الحوار بخصوص آية البحث ليس فقط في عالم الآخرة بل يكون في الدنيا من جهات :
الأولى :سؤال المسلمين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن أحوال الربيين وعلو شأنهم ، والإنصات إلى السنة النبوية القولية بخصوص سيرتهم وحسن سمتهم .
الثانية : تدارس المسلمين فيما بينهم لآية البحث .
الثالثة : الحوار بين المسلمين عن صفات الربيين وخصالهم الحميدة .
الرابعة : إتخاذ المسلمين سيرة الربيين برهاناً في إبطال مغالطة أهل الشك والريب، وحجة في الإحتجاج على أهل الكتاب في لزوم إتباع سمتهم بعبادة الله وعدم الشرك.
الخامسة : إقتباس المسلمين مجتمعين ومتفرقين المواعظ والعبر من سيرة الربيين وإتخاذها موضوعاً لدعوة الناس للإسلام , قال تعالى[لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ]( ).
السادسة : الآية مواساة من عند الله عز وجل ومن الربيين للمسلمين عند سقوط الشهداء وتلقي الجراحات في المعارك وعند إيذاء الكفار لهم.
وهل يمكن القول أن من معاني وصفات (الربيين) مواساتهم المتقدمة زماناً للمسلمين على الخسارة والجراحات التي يتلقونها، فكما يقومون بنقل وتوارث البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فانهم يقومون بالإخبار عما يتلقاه المسلمون من الأذى فواسوا المسلمين بحسن خصالهم في حال الحرب والسلم، وإنقطاعهم إلى الدعاء .
الجواب لا دليل على هذا المعنى، ولكنه ليس برزخاً دون إتعاظ المسلمين من سيرتهم وإتخاذ هذه السيرة والمواعظ مواساة وسبيلاً للصبر، ليكون من معاني قوله تعالى[إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ] ( )، الإقرار برجوع الناس جميعاً إلى الله وأن الربيين في [مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ]( ).
تقدير خاتمة الآية
لقد أختتمت الآية القرآنية بقانون من الإرادة التكوينية تفضل الله عز وجل وأخبر المسلمين والمسلمات به وهو من مواضيع شهادتهم على الناس وفق مراتب الصبر والتقوى ، وتقدير الآية على وجوه :
الأول : والله يحب الصابرين الذين قاتلوا مع الأنبياء .
وجاءت الآية بصيغة المضارع [يحب ] مع أن أجيال صحابة الأنبياء إنقطعت وإنتقلوا إلى عالم الآخرة ، فلماذا لم تقل الآية [ والله أحب الصابرين ] والجواب من جهات :
الأولى : قد تقدم أن لفظ الصابرين أعم من المقاتلين مع الأنبياء ومن عموم المجاهدين .
الثانية : شمول الآية للمؤمنين الصابرين في كل زمان وإلى يوم القيامة .
الثالثة : إستدامة حب الله لأجيال الصابرين من الأولين والآخرين فيموت المؤمن الصابر المحتسب ولكن حب الله عز وجل له باق دائماً وأبداً.
وهل يختص حب الله للمؤمن بالعالم الذي هو فيه ، فاذا كان في الدنيا يكون حب الله له وأثره ونفعه بخصوص الدنيا ، وإذا إنتقل إلى الدار الآخرة يكون متعلق حب الله عز وجل له بخصوص عالم الآخرة ، الجواب لا ، فحب الله للمؤمن الصابر عام وشامل في النشأتين ولنفعه فيهما وهو من مصاديق قوله تعالى [فَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالْأُولَى] ( )بتقريب أن من ملك الله للنشأتين تغشي حبه للصابرين لأفراد الزمان المعلومة والمعدومة فيحب الله عز وجل العبد في الدنيا بما يجعله يجتاز الصراط بأمن في الآخرة ، ويحبه في الآخرة ويتفضل عليه بمحو سيئاته وبقبول شفاعته وهو من مصاديق [إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ] ( ).
الرابعة : ترغيب المسلمين والمسلمات بالصبر وندبهم إليه وجعلهم يتناجون بسنن الصبر ، ويأمرون بمصاديقه وينهون عن الجزع والفزع .
الثاني : والله يحب الصابرين الذين يقاتلون في سبيله ، فجاءت آية البحث من باب الإخبار والحث على ذات الفعل المبارك .
الثالث : والله يحب الصابرين الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابع : والله يحب الصابرين العاملين بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
الخامس : والله يحب الصابرين في مرضاة الله ويؤتون أعمالهم العبادية الواجبة والمندوبة ويتجنبون المحرمات بقصد القربة لله عز وجل بلحاظ أن هذا الإجتناب أمر وجودي من وجوه :
الأول : العزوف عن المعصية مع تهيئ مقدماتها ، كما في قوله تعالى [وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ] ( )فالمقدمة هنا همّ امرأة العزيز بالفاحشة ، فقابلها يوسف عليه السلام بالعصمة والصبر ليفوز بحب الله .
الثاني : إجتناب السعي إلى أسباب ومقدمات المعصية .
الثالث : الإمتناع عن البذل واللهث وراء المعصية والفساد .
وهل يصدق هذا الإجتناب على عدم وجود المعصية بالأصل الجواب نعم ، فمن العصمة إنتفاء المعصية , وهذا الإنتفاء رحمة وفضل من عند الله عز وجل .
السادس : والله يحب الصابرين الذين يرومون الأجر والثواب.
السابع: والله يحب الصابرين الربيين الذين يقاتلون في سبيل الله .
الثامن : والله يحب الصابرين الذين صدّقوا ببعثة الأنبياء ، بلحاظ أن هذا التصديق من وجوه الصبر .
التاسع : والله يحب الصابرين الذين إختاروا الإيمان بالله وملائكته ورسله.
العاشر : والله يحب الصابرين ليرزقهم الأجر والثواب على ما يصيبهم من الأذى والضرر [وعن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمه إلا كفر به من سيئاته] ( ).
العاشر : والله يحب الصابرين في حال السراء والضراء ويتجلى الصبر في المقام بتعاهد الفرائض والسنن ، وعدم نسيان ذكر الله.
الحادي عشر : والله يحب الصابرين الذين[يُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ] ( ).
الثاني عشر :والله يحب الصابرين الذين لا يغادرون مقامات الشكر في حال الشدة والرخاء .
الثالث عشر :والله يحب الصابرين [الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ] ( )[عن فاطمة بنت الحسين عن ابيها قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم : من أصيب بمصيبة فذكر مصيبته فأحدث استرجاعا وإن تقادم عهدها كتب الله له من الأجر مثله يوم أصيب ] ( ).
الرابع عشر : والله يحب الصابرين في الله ولله إذ يتقوم الصبر في مرضاة الله بحبه تعالى وهو من مصاديق قصد القربة [وقف رجل على الشبلي ، فقال : أي صبر أشد على الصابرين؟ فقال الصبر في الله تعالى ، فقال لا ، فقال : الصبر لله تعالى فقال لا فقال : الصبر مع الله تعالى ، قال : لا . قال : فايش؟ قال : الصبر عن الله تعالى ، فصرخ الشبلي صرخة كادت روحه تتلف] ( ).
الخامس عشر : والله يحب الصابرين [وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ]( )وتكون البشارة من جهات :
الأولى الإخبار عن حب الله للصابرين .
الثانية : علم الناس بعظيم منزلة الصابرين .
الثالثة : ترغيب الناس بالصبر .
الرابعة : بعث المسلمين للإجتهاد بالصبر للإغتراف من البشارة بلحاظ أن الصبر أمر وجودي وقصد وفعل وإن كان في الغالب كيفية نفسانية .
الخامسة : البشارة على ما يترشح عن الصبر من الفعل الذاتي والغيري .
السادسة : البشارة بالفضل الإلهي الذي يأتي مع حب الله للصابرين وبسببه وبواسطته ونتيجة عنه .
السابعة : البشارة بالتصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثامنة :البشارة بالثواب العظيم على تلاوة هذه الآية .
التاسعة : البشارة بالخروج للجهاد والمرابطة في سبيل الله .
السادس عشر : والله يحب الصابرين , وهو سبحانه [يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ] ( )بلحاظ أن كلاً من التوبة ومن التطهر من مصاديق الصبر ومن الإعجاز القرآني أن لفظي [التَّوَّابِينَ]و[الْمُتَطَهِّرِينَ] لم يردا في القرآن إلا في هذه الآية الكريمة وكأنه إشارة لمعنى وهو أن الصبر أعم في موضوعه وحكمه ونفعه وأثره .
السابع عشر : والله يحب الصابرين [الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ] ( )ويكون هذا التوكل بلحاظ الصبر من جهات :
الأولى : إتخاذ التوكل سبيلاً إلى الصبر .
الثاني : تقوم الصبر بالتوكل على الله .
الثالث : التوكل على الله مدد وعون للتوفيق في سبيل الصبر .
الرابع : الصبر مرآة للتوكل على الله ورشحة منه .
الخامس : يؤدي الصبر إلى حسن التوكل على الله .
الثامن عشر : والله يحب الصابرين , ولا يحب الظالمين والكافرين .
التاسع عشر :والله يحب الصابرين ولا يحب الفرحين [ إنّ الله لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ] ( ).
العشرون : والله يحب الصابرين ولا يحب الكافرين .
الحادي والعشرون: والله يحب الصابرين ولا يحب المعتدين .
الثاني والعشرون : والله يحب الصابرين ولا يحب المسرفين والخائنين .
الثالث والعشرون : والله يحب الصابرين و[لاَ يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ] ( ).
الرابع والعشرون :والله يحب الصابرين الذين عند الزحف لا يفرون , ومن الدفاع لا يملون ، وعند الشدائد لا يجزعون .
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا تتمنوا لقاء العدوّ وأسالوا الله العافية ، فإن لقيتموهم فاثبتوا واذكروا الله كثيراً ، فإذا جلبوا وصيحوا فعليكم بالصمت ( ).
بحث أخلاقي
لقد إبتدأت الآية بذكر أصحاب الأنبياء وجهادهم في سبيل الله ثم أختتمت بقانون يتغشى أهل الأرض وفي جميع أرجائها بمصاديق الرحمة واللطف بقيد الصبر في مرضاة الله .
لتبين الآية قانوناً وهو أن ذكر أصحاب الأنبياء في الآية يتضمن الوعد للمسلمين جميعاً ،وعدم إنحصاره بالذين يقاتلون في سبيل الله منهم ،وفيه مسائل :
الأولى : إكرام الله عز وجل للمسلمين باشتراكهم في الثواب في ذات الموضوع الذي يذكر به الأنبياء وأصحابهم .
الثانية : بيان فضل الله عز وجل على المسلمين بقبول العمل القليل منهم بالتلبس بالصبر في الفعل أو الترك بقصد القربة وبما فيه مرضاة الله .
الثالثة : إخبار المسلمين بأن من فاته الجهاد في سبيل الله مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سوح المعارك فعليه بالتحلي بالصبر في أداء العبادات والإقامة على ذكر الله لينال الأجر والثواب ،قال تعالى [وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ] ( ) وهل الخشوع من معاني ومصاديق لفظ [الربيون] الجواب نعم .
الرابعة : بيان أن الثواب من عند الله لا ينحصر بالعطاء والأجر بل يشمل الحب والرأفة من عند الله ، ومن خصائص الحب في المقام وجوه :
الأول : وصول الثواب للعبد على عبادته وفعله الخيرات كاملاً .
الثاني : تقريب العبد من عمل الصالحات .
الثالث : من معاني ومنافع حب الله للعبد صرفه وتنحيته عن فعل السيئات وإزاحتها ودفعها عنه ، كما يتجلى بخصوص يوسف النبي عليه السلام ،بقوله تعالى [لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ] ( ).
ليكون صرف السوء في الآية أعلاه من جهات :
الأولى : تنزيه يوسف عليه السلام عن المعصية .
الثانية : إبتعاد وصرف الفاحشة وضروب المعصية عن يوسف عليه السلام فهي لا تصل إليه .
الثالثة : إمتناع الطرف الآخر عن جذب المؤمن لمقدمات الفاحشة ، إذ أنها في الغالب نوع مفاعلة بين طرفين أو أكثر , وهل صرف السوء هذا من حب الله عز وجل للصابرين والمحسنين والربيين , الجواب نعم.
إن تعدد سبل سلامة ووقاية المؤمن من الفواحش والسيئات من مصاديق قوله تعالى [وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ] إذ يصبر المؤمن في أداء العبادات فيرزقه الله عز وجل الصبر عن المعصية طاعة له عز وجل ،ويمنعه من الوقوع في مستنقع الرذيلة .
ولما شاء الله أن يكون آدم خليفة في الأرض إحتج الملائكة بقولهم [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ] ( )لبيان قانون كلي وهو أن الملائكة يريدون من الإنسان مطلقاً كمال الأخلاق وتمام الإستقامة وهذا الإحتجاج رسالة أهل السماء للناس وأمانة في أعناقهم ، فتفضل الله عز وجل وبعث السكينة في نفوس الملائكة بقوله تعالى [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) .
فمن علمه تعالى حبه سبحانه للصابرين مطلقاً في مقامات القتال وميادينه و في حال السلم والرخاء ومن حبه تعالى لهم تقريبهم إلى منازل الهداية والتنزه عن الفساد وسفك الدماء .
وهل يشترط الفعل في تحقيق مصداق الصبر الجواب لا، فالإيمان بالله ورسله صبر ، والتقوى ملكة نفسانية وهي صبر وحرز وطريق للفوز بحب الله .
وقد يكون حب الله بالواسطة كما في حب المسلم لأهل البيت والصحابة [ورد عن سلمان المحمدي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « الحسن ، والحسين من أحبهما أحببته ، ومن أحببته أحبه الله ، ومن أحبه الله أدخله جنات النعيم ، ومن أبغضهما أو بغى عليهما أبغضته ، ومن أبغضته أبغضه الله ، ومن أبغضه الله أدخله نار جهنم ، وله عذاب مقيم] ( ).
و[عن الحارث بن زياد يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من أحب الأنصار أحبه الله يوم يلقاه ، ومن أبغض الأنصار أبغضه الله يوم يلقاه] ( ).
وفيه رحمة بالمسلمين للإرتقاء إلى مرتبة حب الله عز وجل بحب أوليائه وأحبائه ، وليس في الحديث ما يدل على شرط التحلي باخلاقهم لأنه عنوان إرتكازي ، إذ أن هذا الحب سبب لهداية الإنسان إلى الإقتداء بهم والعمل بسنتهم والتي تتقوم بالصبر في مرضاة الله وإذا كان أصحاب الأنبياء جاهدوا
قراءة المرأة في الصلاة تنطبق عليها الأحكام التكليفية الخمسة

الحمد لله الذي أنعم علينا بصدور مائة وأربعة عشر جزءً من (معالم الإيمان في تفسير القرآن) في آية علمية لم يشهد لها التأريخ مثيلاً، بفضل ولطف الله .
وبناء على الأسئلة الواردة من نخبة من الفضلاء في موضوع قراءة المرأة في الصلاة وطرو وشيوع حال تبادل الكلام بين الرجال والنساء في الدوائر والجامعات والأسواق والفضائيات طوعاً وإنطباقاً، فنجيب بما يلي :
الأول : الصلاة خير موضوع , ولما سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : عن أي العمل أحب إلى الله؟ قال : الصلاة على وقتها).
الثاني : القراءة واجب غير ركني فلو تركتها المصلية أو المصلي وتذكر بعد الركوع صحت صلاته وسجد سجدتي السهو ، ولو ترك الفاتحة والسورة او احدهما قبل الوصول الى حد الركوع رجع وتدارك . وكذا لو ترك الحمد وتذكر بعد الدخول في السورة رجع وأتى بها ثم بالسورة.
الثالث : الإقتداء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في كيفية القراءة , قال تعالى[لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ]، والسنة الفعلية والتقريرية والإجماع على القراءة بالجهر في صلاة المغرب والعشاء والصبح، والإخفات في صلاة الظهر والعصر، وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: صلوا كما رأيتموني أصلي) وقال (خذوا عني مناسككم).
الرابع : الأصل في الأحكام هو المساواة بين الرجل والمرأة إلا ماخرج بالدليل، وترد الخطابات التكليفية بصيغة الأمر أو الجملة الخبرية، قال تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ].
وهو عام وشامل للرجال والنساء لقاعدة الإشتراك , إنما ورد التذكير للفرد الغالب وصيغ المخاطبة وورد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنه قال: صلاة النهار عجماء
وصلاة الليل جهراً.
الخامس : يلحق بالقراءة القنوت ورجحان الجهر فيه، وفيه بعض الأخبار:القنوت جهار كله)، ومنهم من ذهب إلى أن قراءة المرأة بالإخفات مطلقاً في صلاتها اليومية كلها ولا دليل عليه وإستدل في المسالك بقول الإمام الصادق عليه السلام: ليس على النساء جهر) .
ولكن هذا الحديث مقيد بالإحرام للحج إذ وردت صحيحة أبي بصير عن الإمام الصادق عليه السلام قال: ليس على النساء جهر بالتلبية).
فالقدر المتيقن من الحديث أعلاه عدم وجوب الجهر بالتلبية على النساء، ولا صلة له بموضوع الصلاة.
وفي الروضة البهية قال: (ولا جهر على المرأة) وجوباً بل تتخير بينه وبين السر في مواضعه إذا لم يسمعها من يحرم إستماع صوتها والسر أفضل لها مطلقاً )، وقال السيد الأستاذ في تعليقته على اللمعة بهامشه على العبارة أعلاه: لا دليل على حرمة إستماع صوت النساء الأجنبيات إذا لم تكن هناك ريبة، أو خوف الوقوع في الفتنة فحكم الشارح بالتحريم مطلقاً لا وجه له.
ولكن كلام الشارح يتعلق بذات المصلية وصوتها , أما سماع الأجنبي لها عرضاً، أو تعمد سماعه فهو أمر آخر، وكل له تكليفه، والأفضلية التي ذكرها في الروضة أعم من التحريم , فالحكم بالأفضل لا يدل على حرمة المفضول.
ويستحب للمرأة إستحباباً مؤكداً أن تقرأ الفاتحة والسورة في صلاة المغرب والعشاء والصبح جهراً إلا مع وجود الأجنبي الذي يسمع صوتها فتخفض صوتها بما لا يسمعه، وكذا مع الإفتتان والريبة فتقرأ بالإخفات والقراءة الجهرية من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة، ولكنه لا يصل إلى درجة الصياح.
وفي رسالتنا العملية (الحجة) مسائل:
الأولى : إذا اختارت المرأة الجهر في القراءة الجهرية وسمعها من يحرم عليه الإستماع لصوتها فانها تؤثم مع العلم، ولكن صلاتها صحيحة.
الثانية : اذا أمت المرأة النساء تجهر بقدر ما تسمع المأمومات قراءتها مع اعتبار عدم سماع من يحرم استماعه لصوتها.
الثالثة : مناط الجهر في القراءة ظهور جوهر الصوت ورفعه على نحو تسمعه نفسها ومن كان بجانبها، ولا يجوز الصياح وما يشبهه، اما الإخفات فهو عدم اظهار جوهر
الصوت وان سمعها من كان قريباً منه.
وذهب أكثر الشافعية والحنابلة أن المرأة إن كانت خالية أو بحضرة نساء، أو بحضرة رجال محارم جهرت بالقراءة في الصلاة الجهرية دون جهر الرجال.
ويرى المالكية كراهة الجهر بالقراءة للمرأة في الصلاة، وأنه يجب عليها بحضور أجانب يخشى عليها من علو صوتها الفتنة سماع نفسها فقط.
ويرى الحنفية وعدد من الشافعية والحنابلة أن المرأة تسر مطلقاً في الصلاة الجهرية والإخفاتية.
قال ابن الهمام: لو قيل إذا جهرت بالقراءة في الصلاة فسدت كان متجهاً) ولا دليل عليه.
أما مع إثارة الشهوة والفتنة فيحرم عليها لأنه مقدمة للحرام وإعانة عليه خاصة إذا كان صوتها حسناً، كما يحرم على الرجل الإستماع مع هيجان الشهوة والإفتتان.
إن تقسيم كيفية القراءة في الصلاة اليومية من الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسنن التشريع فيها , وفيه مسائل:
الأولى : عند أوان صلاة الصبح وكذا وقت صلاة المغرب يتبادل ملائكة الليل والنهار الصعود والنزول إلى الأرض وتدوين أعمال بني آدم، قال تعالى[وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا]، ليكون المسلمون والمسلمات بادائهم الصلاة وتلاوتهم التنزيل على نحو الوجوب العيني سبباً لإدامة الحياة الإنسانية على الأرض ونزول البركات لقوله تعالى في علة الخلق[وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ].
الثانية : إتيان الصلاة الجهرية في أوقات سكينة وعدم إنشغال بالدنيا، فيقترن التدبر بالآيات ومضامينها القدسية بالتلاوة من قبل القارئ والسامع والمستمع.
الثالث : بيان عز الإسلام بالقراءة الجهرية، وفضل الله سبحانه على المسلمين في تلاوتهم للقرآن خشية منه تعالى , ومن غير خوف أو خشية من الناس وهو من مصاديق قوله تعالى[وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ].
الرابع : تلاوة الآيات والسور في صلاة الصبح والمغرب والعشاء جهراً حرب على النفاق , وزجر للمنافقين ودعوة لهم للإنابة وجعل ما يضمرون في الباطن مثل الذي يظهرون من الإيمان، ليكون المسلم والمسلمة أثناء الصلاة دعاة للهدى والصلاح وجنوداً , قال تعالى[وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ] ومن إعجاز القرآن أنه ذكر المنافقات بالذات في خمس مواطن كلها في الوعيد من العذاب الأليم الذي ينتظرهن والمنافقين الذين يقفون مع المؤمنين يؤدون الصلاة ولكنهم يخفون الكفر والجحود بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الخامس : دلالة القراءة الجهرية على طاعة المسلمين لله والرسول وهو باب لنزول رحمة الله عليهم في أمور معايشهم ودنياهم وآخرتهم , لذا قال تعالى[وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ].
السادس : القراءة الجهرية سبب للحرص على صحة القراءة وضبط الحركات ومناسبة لتصحيح القراءة والعناية بقواعد التلاوة، وكم من قارئ يتلو القرآن جهراً فيتبين لحنه وتتم هدايته إلى الصواب ليكون الجهر بالصلاة من مقدمات ومواضيع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسمع أعرابي إماما يقرأ : { وَلا تنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا َ } قرأها بفتح التاء ، فقال : ولا إن آمنوا أيضا – يقصد حرمة اللواط- فقيل له : إنه يلحن وليس هكذا يقرأ ؟ فقال : أخروه قبحه الله لا تجعلوه إماما , فإنه يحل ما حرم الله.
السابع : من الإعجاز في أوقات الصلاة أنها وفق آيات النظام الكوني الثابتة مع السعة والمندوحة في أدائها، ولا تمر دقيقة على الأرض على مدار اليوم والليلة إلا والأذان يصدح في موضع وقارة منها، والمسلمون يتلون القرآن، وهل فيه فضل للمسلمين على الناس في صرف البلاء العام عنهم , الجواب نعم، وهو من أسرار عدم الإضرار بالمساجد تأريخياً وبالذي يؤدي الصلاة أمام الناس، ولا عبرة بالقليل النادر.
والمختار أن المرأة مكلفة شرعاً وفي كل فرض يتوجه لها الخطاب الوجوبي بالتلاوة، فيكون جهر المرأة في صلاة الصبح والمغرب والعشاء على وجوه:
الأول : وجوب الجهر عند إمامة المرأة للنساء ، وعدم رجحان سماع الأجنبي، وجعله أدنى من جهر الرجل.
الثاني : الإستحباب المؤكد لجهر المرأة في القراءة عندما تكون بمأمن من سماع الأجنبي وأسباب الإفتتان، كما لو كانت في بيتها ومخدعها.
الثالث : الإباحة عند خشية طرو سماع الأجنبي أو الفتنة.
الرابع : كراهة الجهر عند إحتمال سماع الأجنبي، أو الإفتتان، وتشتد الكراهة عندما يكون صوتها رخيماً.
الخامس : حرمة الجهر بالعنوان الثانوي عند إجتماع سماع الأجنبي ورجحانه
حدوث الإفتتان لقاعدة سد ذرائع الفتنة والإفتتان، ولا يصح ترفيعها الصوت بذات غنج، وهو يختلف عن الخشوع والخضوع في القراءة، والعلم عند الله.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

م/ إستفتاء

آية الله الشيخ صالح الطائي” دام ظله”
هناك مقولة لا أعرف مصدرها أن الشخص الحسود يقال لا ينفع معه أي شيء وهو يعلم أنه يحسد وعينه ضارة جداً يقال يغسلونه غسل الميت ويذهب من عنده الحسد.
ما صحة هذه المقولة هل واردة عن معصوم أو حديث من الأئمة أو هذا من فقه العجائز؟
أفتونا مأجورين

فضيلة الشيخ الجليل
إمام وخطيب مسجد الإمام زين العابدين عليه السلام / بغداد / الشعلة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
العدد: 151/15
التاريخ: 10/ 2/2015

الحمد لله الذي جعل القرآن [تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ] ( ) في العبادات والمعاملات والأحكام وفي أمور الدنيا والآخرة , وصدر والحمد لله قبل يومين الجزء الثالث عشر بعد المائة من(معالم الإيمان في تفسير القرآن) في آية واحدة من القرآن [وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلاً].
وهل إصابة الإنسان بالحسد مما هو مكتوب عليه , الجواب نعم، ولكنه من مصاديق قوله تعالى[يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ و َيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ]( )، ومنه موضوع الحسد إذ ذكرت مادة (حسد)في القرآن خمس مرات ، وفيها مجتمعة ومتفرقة مسائل :
الأولى : إنها مناسبة للتفقه في الدين .
الثانية : كل آية منها تأديب للمسلمين وبعث للنفرة في نفوسهم من الحسد وورد[عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : أدبني ربي فأحسن تأديبي]( ).
الثالثة : إرتقاء المسلمين في المعارف الإلهية والتنزه عن الحسد وخبث الطبع والكدورات النفسية ، وقد أختتم القرآن بسورتي الفلق والناس , وذكر الحسد في سورة الفلق وإقترانه بقوله تعالى [ْوَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ]( )في ذات السورة مرتين , وفي آية واحدة بقوله تعالى [وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ]( ) لبيان الصلة والتداخل بين السحر والحسد ، والقبح الذاتي لكل منهما، والمراد من النفاثات هن الساحرات اللائي يعقدن عقدة ثم ينفثن فيها السحر ، وقيل المراد بنات لبيد بن الأعصم , والآية أعم في سبب نزولها ومعناها.
قال عنترة بن شداد :
فإنْ يَبْرَأْ فلم أَنْفُثْ عليه … وإن يُفْقَدْ فَحَقَّ له الفُقودُ( ).
والحسد إرادة زوال النعمة عن المحسود، وهل هو فعل إرادة وأمر وجودي أم أنه ليس بإرادي، وقد تحصل الوقائع المصاحبة له صدفة وإتفاقاً، الجواب هو الأول.
[عن زيد بن أسلم قال : سحر النبي صلى الله عليه وسلم رجلٌ من اليهود، فاشتكى لذلك أياما، قال: فجاءه جبريل فقال: إن رجلا من اليهود سحرك، عقد لك عُقَدًا في بئر كذا وكذا، فَأرْسِل إليها من يجيء بها. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًا عليه السلام , فاستخرجها، فجاء بها فحللها قال: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما نَشط من عقال)( ).
[عن عائشة قالت: كان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غلام يهودي يخدمه يقال له لبيد بن أعصم ، فلم تزل به يهود أي يحرضه بعضهم حتى سحر النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يذوب ولا يدري ما وجعه.
فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة نائم إذا أتاه ملكان فجلس أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه ، فقال الذي عند رأسه للذي عند رجليه : ما وجعه؟ قال : مطبوب. قال: من طبه؟ قال : لبيد بن أعصم.
قال: بم طبه؟ قال : بمشط وماشطة وجف طلعة ذكر بذي أروان وهي تحت راعوفة البئر.
فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غدا ومعه أصحابه إلى البئر فنزل رجل فاستخرج جف طلعة من تحت الراعوفة، فإذا فيها مشط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن مشاطة رأسه ، وإذا تمثال من شمع تمثال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا فيها أبر مغروزة ، وإذا وتر فيه إحدى عشرة عقدة، فأتاه جبريل بالمعوّذتين فقال: يا محمد{قل أعوذ برب الفلق}( ) وحل عقدة{من شر ما خلق} وحل عقدة حتى فرغ منها وحل العقد كلها وجعل لا ينزع إبرة إلا يجد لها ألماً ثم يجد بعد ذلك راحة.
فقيل: يا رسول الله لو قتلت اليهودي فقال: قد عافاني الله وما وراءه من عذاب الله أشد فأخرجه]( ).
وأشكل على الحديث من وجوه منها أن المعوذتين مكيتان أي نزلتا في مكة قبل الهجرة، وقصة لبيد بن الأعصم وقعت في المدينة بعد الهجرة، ووردت نصوص مستفيضة في ذم الحسد والحاسد، إلا أن الحديث والواقعة على فرض صحتها لا تتعارض مع العصمة، ولا موضوعية أو أثر لها على الوحي وتبليغه لأنها تتعلق بالوجع من غير تعيين ماهيته، ليتعظ المسلمون ويحذروا من الحسد ويتعلموا كيف يدفعونه وآثاره بآيات القرآن.
وبين الحسد والغبطة عموم وخصوص من وجه ، فمادة الإلتقاء هي النعمة التي عند المحسود والمغبوط ، ومادة الإفتراق أن الحسد تمني زوال نعمة الغير ، أما الغبطة فهي رجاء أن يكون عنده مثل ما عند المغبوط ، لذا [ورد عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال : إن المؤمن يغبط ولا يحسد والمنافق يحسد ولا يغبط]( ).
والنسبة بين الحسد والعين هي العموم والخصوص المطلق، إذ تصيب العين والعائن المعيون بعد النظر إليه، وهل يلزم النظر بالذات والمباشرة أم تكفي الصورة والوسائل المرئية , الجواب هو الثاني لإلحاق ما يرى بالتلفزيون ونحوه بالمعاينة .
أما الحسد فانه يقع سواء برؤية المحسود أو في حال غيبته , وتتعلق العين بحال المعيون عند النظر إليه ، ويشمل الحسد أفراد الزمان الثلاثة الماضي والحاضر والمستقبل ، ويصيب ذات الإنسان أو الأعيان والجواهر أو الأعراض الخاصة به وأثر الحسد أطول في مدته وأشد في ضرره في الغالب .
ولا ملازمة بين العين والبغض والعداوة , فقد تصيب عين الإنسان نفسه وأهل بيته وما يملك لأن أثر العين هنا يتقوم بالتعجب من الحال أو الملك.
وتدفع العين بأمور:
الأول : شكر الله على النعمة ، قال تعالى [لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ]( )، وتدل الآية أعلاه في مفهومها على أن الشكر واقية من الحسد الذي هو نقصان وأذى , وكأن صرف شر العين والحسد من مصاديق قوله تعالى[وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ]( ).
الثاني : إستحضار حقيقة وهي أن هذه النعم من عند الله .
الثالثة : قراءة المعوذتين وآيات القرآن .
الرابع : إخراج الصدقة .
الخامس : قول لا حول ولا قوة إلا بالله .
السادس : الصلاة على محمد وآل محمد .
السابع : الأدعية الخاصة بطرد العين .
والمشهور والمختار أن الأنبياء في مأمن وحرز من تأثير السحر، وتدل عليه آيات القرآن بخصوص موسى عليه السلام وسحَرة فرعون ،وإفتضاح زيف السحرة بمعجزة العصا ودخوله الإسلام ، وعدم ترتب أثر عليه ، إنما هو في البدن بأن كان حل العقدة سبباً بنشاط وحيوية مستحدثة مفاجئة عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم كأمارة على السلامة منه ، ولم يكن له سلطان أو تأثير على أقوال أو أفعال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
أما ما ذكر عن غسل الحاسد غسل الميت فلم أجد له أصلاً معتبراً ، بل من الحكايات والتشديد على النفس فلا يجوز فعله، ويحكى أن شاباً بهي الطلعة وذو خلق حميد ويتصف بالحسد بعينه وإجتهد في العلاج وذكر الله وصلى على النبي ولم ينتفع فأخذ الناس ينفرون منه ،ويتجنبون لقائه فقام أبناء عمومته بعلاجه بأن وضعوه على المغتسل ، وغسلُوه وكفنوه وصلوا عليه صلاة الميت وأنزلوه إلى القبر ثم أخرجوه , وكان شخص ماراً فوقف معهم في الصلاة على الميت، فغمزه الميت بعينه فأصيب بالفزع والرعب، وإلتفت إلى أخوته وعمومته فلم يجد عليهم سيماء الحزن , وقيل أنه بعد أيام رآى ذات الميت رآه فإزداد فزعه ولكنه ناداه وبين له الأمر وأن أبناء عمومته أرادوا صرف شر عينه.
وصحيح أن أثر الحاسد والعاين ينتهي بموتهما إلا أن القصة أعلاه غير تامة ولا دليل عليها من الشريعة ، وهي من الحرج الذي يتنافى مع الدين ، نعم وردت النصوص بأن يتوضأ الحاسد ويغتسل المحسود بالماء، قال ابن ماجة : حدثنا هشام بن عمار، حدثنا سفيان، عن الزهري، عن أبي أمامة ابن سهل بن حُنَيف قال : مر عامر بن ربيعة بسهل بن حُنَيف، وهو يغتسل، فقال : لم أر كاليوم ولا جلدَ مخبأة. فما لبث أن لُبِطَ به( )، فأتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له : أدرك سهلا صريعًا. قال : “من تتهمون به؟”. قالوا : عامر بن ربيعة. قال : “علام يقتل أحدكم أخاه؟ إذا رأى أحدكم من أخيه ما يُعجبه فَلْيَدعُ له بالبركة”.
ثُم دعا بماء فأمر عامرًا أن يتوضأ فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، وركبتيه، ودَاخِلة إزاره( )، وأمره أن يصب عليه]( ) أي أخذ ماء الوضوء فغسل وجهه ويديه به ظهر سهل بن حنيف وعنقه من الخلف .
والحديث مرسل ولم يرد عن أهل البيت والصحابة الذين أتوا بسهل بن حنيف يومئذ إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسألهم بصيغة الجمع : من تتهمون به؟.
كما لم يرد عن الصحابي سهل بن حنيف إنما ورد عن إبنه أبي امامة وإسمه أسعد بن سهل، الذي لم يقل حدثني أبي , ولد أبو أمامة هذا في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقبل أن يتوفى بعامين .
وظن بعضهم أن العاين هو الذي يغتسل إنما الغسل أو الوضوء للعاين أو الحاسد، ويصب المعين على نفسه منه، ومع الحرج يتلطف به من حيث لا يعلم، كدعوته للطعام والأخذ من ماء وضوئه أو سؤره مع تلاوة القرآن والذكر.
وقيل بالتفصيل فاذا لم تعرف العاين والحاسد تأخذ بالرقية الشرعية أما إذا عرفته فتأخذ ماء وضوئه وتغتسل به.
ولا دليل على هذا التفصيل إنما ينفع القرآن والذكر في كل الأحوال، ويكاد الناس يتسالمون في كل زمان على أثر الحسد , وأخذ الحائطة من العين الشريرة .
وكان الإغريق والرومان يتخذون البصاق لرفع شر العين، وقالوا: من الضروري البصق ثلاث مرات في صدر الشخص المصاب بسحر تلك العين، أي يكون البصاق على المحسود لإحتمال عدم معرفة الحاسد أو غيابه , وكانوا يكرهون مدح الغير لهم ولما يملكون، وكانوا يضيفون على المدح عبارة دفع عين الشر، وهذا المعنى موجود عند الإيطاليين إلى الآن.
وعن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , قال : من رأى شيئاً من ماله فأعجبه فقال : ما شاء الله لا قوة إلا بالله} لم يصب ذلك المال آفة أبداً ، وقرأوَلَوْلاَ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ.
وظن بعضهم أن المعين هو الذي يغتسل إنما الغسل أو الوضوء للعاين أو الحاسد، ويصب المعين على نفسه منه، ومع الحرج يتلطف به من حيث لا يعلم، كدعوته للطعام والأخذ من ماء وضوئه أو سؤره مع تلاوة القرآن والذكر.

مشاركة

Facebook
Twitter
Pinterest
LinkedIn

مواضيع ﺫات صلة