معالم الإيمان في تفسير القرآن – الجزء- 134

المقـــدمـــــة
الحمد لله الذي حمد نفسه في القرآن والتوراة والإنجيل ليصاحب الحمد له سبحانه أهل الأرض في كل مكان، وآن من آنات زمانهم , الحمد لله الذي جعل حمدهم له يدخل معهم القبر واقية وأمناً من غير أن يغادر الدنيا حينما يفارقونها كرهاً.
الحمد لله عدد ما خطت وتخط الأقلام ليكون هذا الحمد شكراً له سبحانه على كل حرف كتب في اللوح المحفوظ ، وكل حرف كتبه الإنسان في مرضاة وطاعة الله وإستدراكاً وإستغفاراً عن كل حرف كتب في المعصية الذي يزول رسمه وأثره ولكن الحمد لله ناسخ له إلى يوم القيامة ، وهو من مصاديق [ يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ]( )، فيتفضل الله عز وجل بمحو ما كتب من ضروب السوء والقبائح , ويثبت الحمد له سبحانه في سجل العباد ليكون من مصاديق عبادة الناس له تعالى في الأرض، وسنخية شهادة الملائكة للناس ، وهو من وجوه التحدي في رد الله عز وجل على الملائكة [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( )، عندما إحتجوا على جعل آدم خليفة في الأرض [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ]( ) .
فمن علم الله في المقام وجوه :
الأول : عمارة الناس الأرض بالحمد لله والثناء عليه وتسبيحه والإقرار بالربوبية المطلقة له تعالى.
الثاني : إحياء قلوب العباد بالإستغفار، وصيغ الإنابة .
الثالث : تفقه المسلمين في الدين وتوقيهم من إزلال الشيطان الذي يقود إلى الفساد وسفك الدماء ، فان قلت قد ذكرت الآية السابقة هذا الإزلال وإصابة طائفة من المسلمين به بقوله تعالى[إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ]( )، والجواب من جهات:
الأولى : ورد هذا الإزلال والمسلمون يجاهدون لإستئصال الفساد في الأرض.
الثانية : بقاء الذين تولوا من المسلمين على مناهج الإيمان، والتقيد بأحكام الإسلام، ويدل عليه شمولهم بالنداء العام (يا أيها الذين آمنوا).
الثالثة : تتضمن الآية السابقة بياناً لأضرار الكفر والجحود وكيف أنه يسبب الإفساد لولا فضل الله عز وجل، إذ صار هجوم الذين كفروا على المسلمين مقدمة لإزلال الشيطان لهم بسبب شدة الهجوم لإقامة الحجة على الذين كفروا، وبيان فضل الله عز وجل على المسلمين والناس بدحر جيش الذين كفروا , وتنجز فتح مكة.
الرابع : المنافع العظيمة لإخبار الله اللمسلمين عن صد الذين كفروا والمنافقين عن الدفاع عن كلمة التوحيد فهذا الإخبار مقدمة لمحاربة الفساد، والمنع من سيادته في الأرض، وحينما زحف كفار قريش لقتال المسلمين في معركة أحد ,هل كانوا على إتفاق وترتيب مع الذين كفروا في المدينة بصد الأنصار عن القتال، الجواب لا يبعد هذا , وقد ذهب بعض المنافقين والفساق من المدينة بعد معركة بدر إلى مكة لتحريض قريش والله عز وجل يعلم ما يفعله الذين كفروا من المكر والدسائس ، فتفضل وأخبر رسوله الكريم والمسلمين والمسلمات بها للإحتراز منها.
وفي قوله تعالى [وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا] ( ) ذكر أن كعب بن الأشرف كان يحرض المشركين على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ويهجوهم وكعب بن الأشرف من قبيلة طئ وأحد بني نبهان ، وكانت أمة من بني النضير ، وأصابه الذهول حينما قدم البشير بنصر المسلمين في معركة بدر وقتل سادات ورؤساء من قريش مثل أبي جهل ،وهو رئيس جيش الذين كفروا يومئذ وأسمه عمرو بن هشام بن المغيرة من بني مخزوم ، وقتل معه أخوه العاص بن هشام بن المغيرة , وقتل عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة وإبنه الوليد , وحنظلة بن أبي سفيان والعاصي بن سعيد بن العاص ، وزمعة بن الأسود بن عبد المطلب وأمية بن خلف وإبنه علي بن أمية وغيرهم .
فخرج كعب بن الأشرف إلى مكة وحالف قريشاً عند أستار الكعبة على قتال المسلمين ، وحينما سألته قريش : أديننا أهدى أم دين محمد قال : دينكم .
وأخذ يطوف على بطون قريش ولكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يأمر حساناً بهجاء الذين يأوي إليهم كعب فطردوه.
قال ابن إسحاق (ثُمّ رَجَعَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ إلَى الْمَدِينَةِ فَشَبّبَ بِنِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ حَتّى آذَاهُمْ)( ).
وفي قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ..]( ) ورد عن الإمام علي عليه السلام أنه قال (يعني المنافقين في قولهم للمؤمنين عند الهزيمة : ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم)( ).
الخامس : الإعجاز في أثر آية البحث باستيلاء الحسرة على قلوب الذين كفروا , والذي يدل بالدلالة التضمنية على خيبتهم وخسرانهم، فكما خاب ورجع الذي كفروا من قريش بالأسى والحسرة من معركة أحد كما يدل عليه قوله تعالى[فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ]( )، فان المنافقين أصيبوا بالخيبة والإخفاق .
ولقد جاء الكتاب والسنة بالندب إلى الإستغفار والحث عليه، وبيان فضله , ومن الآيات إقتران اسم الرحيم مع الغفور في مواضع عديدة من القرآن كما في قوله تعالى[وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرْ اللَّهَ يَجِدْ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا]( )، إذ تتضمن الآية الوعد الكريم المتعدد من عند الله، فلا يقف الأمر والفضل الإلهي عند حد المغفرة حينما يستغفر العبد عن ذنوبه وسيئاته بل تتضمن الآية أعلاه الوعد بضروب من رحمة الله من جهات :
الأولى : نزول رحمة من عند الله ملازمة للإستغفار من العبد.
الثانية : تعقب الرحمة للإستغفار، وتحتمل ماهية هذه الرحمة وجوهاً :
أولاً : الرحمة المتجددة من ذات سنخية الرحمة التي تلازم الإستغفار.
ثانياً : إنها وجوه جديدة من الرحمة.
ثالثاً : الجامع المشترك للوجهين أعلاه.
والصحيح هو الأخير أعلاه، لأن الرحمة التي يتضمنها الوعد الكريم في خاتمة الآية أعلاه يتغشى العوالم الطولية الثلاث :
أولاً : أيام الحياة الدنيا.
ثانياً : مدة البرزخ والقبر، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يقول القبر للميت حين يوضع فيه ويحك يا ابن آدم ما غرك بي ، ألم تعلم أني بيت الفتنة ، وبيت الظلمة ، وبيت الوحدة ، وبيت الدود ، ما غرك بي إذ كنت تمر بي فدادا ، فإن كان مصلحا أجاب عنه مجيب القبر فيقول : أرأيت إن كان ممن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فيقول القبر : إني إذا أعود عليه خضرا ويعود جسده نورا ، يصعد بروحه إلى رب العالمين ( ).
ثالثاً : عالم الآخرة ، وما فيها من الأهوال.
لتتضمن الآية أعلاه الوعد الكريم من عند الله بما هو أعم وأعظم مما ورد في حديث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من المخرج والفرج والرزق من غير إحتساب , بالإضافة إلى أن الحديث مقيد بملازمة وتعاهد الإستغفار لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : من لزم الإستغفار ) , أما الآية أعلاه فلم تقيد الإستغفار بالتعدد والتكرار.
الثالثة : إدراك المسلم لمصاديق من الرحمة التي يتغشاه الله عز وجل بها وإمهاله له قبل أن يدركه الإستغفار .
الرابعة : ذات الآية أعلاه رحمة من عند الله عز وجل لما فيها من أمور :
أولاً : تقسيم الأعمال إلى قسمين :
الأول : عمل الخير والصلاح .
الثاني : عمل السوء وظلم النفس .
ثانياً : تنبيه وتحذير الناس من أعمال السوء .
ثالثاً : صحيح أن الآية أعلاه جاءت بصيغة الجملة الخبرية [ثُمَّ يَسْتَغْفِرْ اللَّهَ] ( ) إلا أنها تتضمن في دلالتها البعث على الإستغفار والترغيب فيه .
رابعاً : بعث النفرة في نفوس المسلمين والناس من عمل السوء , وإذا أجريت إحصائية في العالم لوجدت أن المؤمنين أقل الناس فعلاً للسيئات وإرتكاباً للمعاصي ، ولا عبرة بالقليل النادر .
الثالث : كل آية من القرآن وأثرها المبارك ونفعها في النشأتين من العلم الذي لا يحيط به إلا الله عز وجل.
ومنها آية البحث التي تخاطب المسلمين بصبغة الإيمان ( يا أيها الذين آمنوا) وفيه غاية الإكرام ويقوم الملائكة أنفسهم بالنزول بهذا النداء من عند الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليصاحب أيام الدنيا وحال التقوى التي يتصف بها المسلمون، وتلاوتهم وتعاهدهم لآية البحث كل يوم وإلى يوم القيامة سواء في الصلاة الواجبة أو المستحبة أو خارج الصلاة.
الرابع : كل آية من القرآن والتنزيل مطلقاً حرب على الفساد , وبرزخ دون سفك الدماء في الأرض.
الخامس : إتخاذ المسلمين آيات القرآن واقية من النفاق ومفاهيمه.
السادس : تفضل الله عز وجل ببعث الأنبياء وإنزال الكتب السماوية لمنع الفساد في الأرض، وحصانة الناس من القتل،
ومن إعجاز القرآن مجيؤه بالحكم بالقصاص والقتل لإستئصال ذات الفساد والقتل من الأرض، قال تعالى[وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ]( ) .
وفي هذا الحكم بعث لعدم الخوف من المفسدين أو التهديد بالقتل بالباطل، ودعوة سماوية للطمأنينة بأن الذي يقتل يقتص من قاتله، وفيه تنمية لملكة العدل في الأرض وإستدامة لأداء المسلمين للصلاة والأفعال العبادية بطمأنينة وبيان للتخفيف عنهم في الحياة الدنيا، فبعد أن كان الذين كفروا يهجمون بجيوش عظيمة يبلغ عدد أفرادها في كل مرة نحو ثلاثة أضعاف عدد جيش المسلمين لحملهم على ترك الإسلام سواء في معركة بدر في السنة الثانية للهجرة التي زحفوا في شهر رمضان منها بنحو ألف من الرجال أو معركة أحد في السنة الثالثة التي ساروا في شوال منها بثلاثة آلاف رجل، أو في معركة الخندق التي حضروا بها إلى أطراف المدينة وحواليها بعشرة آلاف رجل، وهو جيش لم تره الجزيرة منذ هجوم إبرهة وإرادته هدم الكعبة فاخزاه الله , قال تعالى[وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ]( ).
ترى لماذا لم يجعل الله الذين كفروا من قريش مثل أصحاب الفيل ليكونوا عبرة للناس، ويكون هلاكهم مقدمة لفتح مكة من حين السنة الثانية أو الثالثة للهجرة، ولم يقف الأمر عند رجوعهم بندم وحسرة من معركة أحد وما لحقهم من الخزي والهوان , كما قال تعالى[فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ]( )، أي أن الذين كفروا من قريش إختاروا الرجوع والعودة إلى مكة في نفس يوم المعركة بسبب الرعب الذي قذفه الله في قلوبهم، وثبات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ميدان المعركة، والصبر الذي تحلى به المسلمون وتفانيهم في القتال في سبيل الله.
الحمد لله الذي بعث محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رسولاً للناس جميعاً بالبشارة والإنذار المصاحبين للحياة الدنيا ، وتتجلى البشارة للمؤمنين في الآخرة بأبهى صورة ونعم خارقة للتصور الذهني , والإنذار للذين كفروا بالعذاب الأليم .
وتتضمن كل آية من آيات القرآن البشارة والإنذار في منطوقها أو مفهومها ، وقد أسسنا أبواباً جديدة في تفسير كل آية منها :
الأول : سياق الآيات .
الثاني : إعجاز الآية الذاتي .
الثالث : إعجاز الآية الغيري .
الرابع : الآية سلاح .
الخامس : مفهوم الآية .
السادس : الآية لطف .
السابع : إفاضات الآية .
الثامن : الصلة بين أول وآخر الآية .
التاسع : إكرام الآية للمسلمين .
العاشر : أسباب النزول.
الحادي عشر : من غايات الآية.
الثاني عشر : التفسير .
وبلحاظ منطوق ومفهوم الآية يمكن أن نؤسس باباً مستقلاً لكل من:
الأول :الآية بشارة ، وهو على شعبتين :
الأولى : بشارات الآية في الحياة الدنيا .
الثانية : بشارات الآية في الآخرة .
الثاني : الآية إنذار ، وهو على شعبتين :
الأولى : إنذارات الآية في الدنيا .
الثانية : إنذارات الآية في الآخرة .
اللهم صل على رسولك الكريم محمد وآله الطيبين ، والذي كان إذا إستيقظ من نومه قال : “الْحَمْدُ لله الَّذِي أحْيَانَا بَعْدَمَا أمَاتَنَا وإلَيْهِ النُّشُورُ) ( ).
لقد أراد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للمسلم أن يبدأ نهاره بالحمد لله ليكون فاتحة أعماله ، وقبساً من ضياء ينير له دروب الهداية والرشاد وفيضاً مباركاً يتغشى ساعات النهار ، وبهجة تملأ النفس والأركان بأن يكون المخاطَب هو الله عز وجل بجملة خبرية هي شهادة على الذات وللذات لتدخل السرور إلى أهل القبور لما فيها من تعاهد لمعالم الإيمان وسنن الهداية .
وفي قول الحمد لله لجوء إلى الله وإستجارة به تعالى ، ورجاء للمدد من فضله وإحسانه , ومن الآيات في دعاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وثنائه على الله بقوله (الْحَمْدُ لله الَّذِي أحْيَانَا بَعْدَمَا أمَاتَنَا).
مجئ الحمد والثناء أعلاه بصيغة الجمع (أحْيَانَا) لإفادة أنه يشكر الله عن نعمة دوام حياته وحياة المسلمين وكذا بالنسبة للمسلم حينما يأتي بهذا الثناء ، ليكون واقية من نزول البلاء ودفعاً للفتن .
ولما خاطبت آية البحث المسلمين بقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا] فان من مصاديق الإيمان تعاهدهم مجتمعين ومتفرقين قول الحمد لله ، وبه تتجلى حقيقة التنافي والتضاد بين المسلمين والذين كفروا إذ يفتتح المسلمون يومهم بقول (الحمد لله ) وفيه براءة من الشرك وحرب على الكفر ، وبعث للخوف واليأس في قلوب الذين كفروا ، ومن رشحات التنزيل نطق إمام الجماعة في كل فرض من الصلاة اليومية بقول (الحمد لله ) فيعم جميع المأمومين ثواب نطقها .
وكل فرد من أدعية وسيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حرز للمسلمين والمسلمات في القول أو الفعل .
سبحان الله بعدد مداد كلماته التي هي من اللامتناهي ، قال تعالى [قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا]( ).
سبحان الله في كل آن ومكان ، وليل أو نهار ، سبحان الله بعدد الخلائق بلحاظ أن كل فرد منها شاهد على بديع صنعه ، وعظيم قدرته وواسع سلطانه .
سبحان الله الذي يرزق من يشاء بغير حساب ، ذي المواهب الجزيلة ، وقد تفضل علينا بهذا الجزء من ( معالم الإيمان ) وهو الرابع والثلاثون بعد المائة ، وجاء خاصاً بتفسير الآية السادسة والخمسين بعد المائة من سورة آل عمران والتي تبدأ بقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ..] ( ).
إذ تبدأ الآية بالنداء للمسلمين بصفة الإيمان ، وهل تختص الآية بالذكور من المسلمين ، الجواب لا ، إنما جاء لفظ التذكير [الَّذِينَ آمَنُوا] لغلبة المذكر على المؤنث في لغة الخطاب وإرادة المقصود ، وقد قال المتنبي في رثاء أم أحد الأمراء :
فلو كان النساء كمثل هذي … لفضّلت النساء على الرجال
وما التأنيث لاسم الشمس عيبٌ … ولا التذكير فخرٌ للهلال( )
وهو كلام شاعر في مدح الملوك والتزلف إليهم , لا يصح الإستدلال به , نعم المدار على المسمى وليس الاسم , ووصف القرآن للمسلمين بصيغة الإيمان مطلق في الاسم والمسمى ، وهو من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( )، وتقدير آية البحث : يا أيها الذين آمنوا رجالاً ونساءً .
ولا تلحق المرأة الرجل بالإيمان ، إنما تكون بعرض واحد معه في التكليف والواجبات إلا ما خرج بالدليل مثل الجهاد وسقوط الصلاة عن المرأة أيام الحيض ، ويتوجه الخطاب في آية البحث إلى المرأة أيضاً بلزوم التنزه عن مشابهة الذين كفروا في صدّهم الناس عن الجهاد في سبيل الله لتكون آية البحث دعوة للمسلمين والمسلمات للعصمة عن النفاق .
لقد نصر الله عز وجل المسلمين بمعركة أحد نصراً عظيماً ، ومن فضل الله عز وجل عليهم عدم إنقطاع أسباب ومقدمات النصر إذ أنها تترى وتتجلى كل يوم ، فكل آية من القرآن تنزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هي نصر وفتح ومقدمة للنصر ، وهو من أسرار نزول القرآن نجوماً وعلى نحو دفعات وعدم نزوله دفعة واحدة ، ومنه معاني ودلالات أسباب نزول آيات القرآن لبيان حضور التنزيل والملائكة مع المسلمين في حال الحرب والسلم .
وتحتمل آية البحث وجوهاً :
الأول : آية البحث مقدمة للنصر في معارك الإسلام اللاحقة لنزولها.
الثاني : آية البحث تأكيد وتثبيت للنصر في المعارك السابقة لنزولها, وهي معركة بدر ومعركة أحد ، قال تعالى [وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا] ( ).
الثالث : آية البحث نصر للمسلمين قائم بذاته .
الرابع : لا صلة بين نزول آية البحث وموضوع النصر الذي يكون محله ميدان المعركة .
وبإستثناء الوجه الأخير أعلاه فان الوجوه الثلاثة الباقية من مصاديق ودلالات آية البحث.
لقد تقدم قبل سبع آيات ذات خطاب المسلمين بصفة الإيمان بقوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ] وبينهما نوع تساو من جهة الخطاب إذ يتوجه كل منهما إلى المسلمين والمسلمات ، وقد يختلف عدد المسلمين بلحاظ أوان نزول كل من الآيتين ، فيكون عددهم عند نزول الآية اللاحقة أكثر من عددهم عند نزول الآية السابقة ، ولكن العدد ذاته من جهة تلقي الخطاب بعد أوان النزول وإنتقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى ، لتوجه كل منهما إلى عموم المسلمين والمسلمات ، ولابد من تأسيس قانون وهو نظم وسياق آيات نداء الإيمان أي التي تتضمن قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ] وعددها تسع وثمانون آية .
وهذا القانون على شعبتين :
الأولى : سياق ومعاني نداء الإيمان وفق نظم آيات وسور القرآن , فأول آية وفق سياقه تضمنت هذا النداء هي [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا] ( ).
الثانية : سياق نداء الإيمان حسب زمان النزول ليجتهد العلماء في ترتيبه حسب أوان النزول بلحاظ أخبار وأحاديث أسباب النزول ومضامين الآيات التي جاءت بخصوصها والذخائر التي فيها، وهو من أسرار توثيق نزول آيات القرآن وحصرها زماناً ومكاناً .
ويدل ظاهر آية البحث على تعلق موضوع الآية بوقائع معركة أحد، ولا يكون عدم الدقة في تعيين أوان نزول كل آية من آيات نداء الإيمان مانعاً دون التدبر في معانيها والصلة بينها .
لقد أنعم الله عز وجل على المسلمين والمسلمات بصيرورة نداء [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ] مصاحباً لهم في حياتهم .
وهل يصاحب هذا النداء المسلم حين البلوغ بلحاظ أنه زمان التكليف , المختار أنه يصاحبه قبل هذا الأوان ، ليكون مصلحاً له ومقدمة للهداية والصلاح .
ومن الإعجاز دعوة هذا النداء لهم للعمل بمضامين الآية التي يرد فيها ، والآيات الأخرى من القرآن ، فإن قلت قد علمنا أنه دعوة للعمل بمضامين الآية التي تفتتح به فكيف يكون باعثاً للعمل بمضامين آيات القرآن الأخرى ، الجواب من وجوه :
الأول : ترشح وجوب التقيد بالأوامر والنواهي من صيغة الإيمان ، وتقدير النداء:يا أيها الذين آمنوا إعملوا بأحكام الإسلام وسنن الإيمان.
الثاني : النداء بصفة الإيمان يثبته في النفوس ، ويجعله ملكة ثابتة عند المسلمين ، قال تعالى [وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ] ( ).
الثالث : لفظ الذين آمنوا زاجر عن المعاصي ، وعن الإبتعاد عن سنخية الإيمان .
الرابع:حث المسلمين على شكر الله عز وجل بندائهم بصفة الإيمان.
الخامس : عطف أكثر آيات القرآن بعضها على بعض في آية عقائدية ودلالات إعجازية تترشح عنها العلوم وتفيض عنها الذخائر إلى يوم القيامة ، وهذا العطف والمسائل التي تتفرع عنه من كنوز القرآن التي تحث أجيال المسلمين والناس جميعاً على النهل منها وإلى يوم القيامة ، إنها شاهد على أن أسرار ومعجزات القرآن عقلية حقاً , وأنها لا تنفد أبداً .
لذا ترى القرآن يتحدى الناس بقوله تعالى [أَفَلاَ يَتَدَبَّرُون الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا]( ).
وهل في الآية أعلاه حث لعلماء المسلمين وترغيب لهم جميعاً بعلم التفسير ومفاهيم التأويل ، الجواب نعم ، ليكون هذا العلم مناراً ونبراساً ، وهو من مصاديق الهدى في قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]( )، بلحاظ أن هذا العلم يهدي إلى سبل الرشاد , وهو عون ومدد لبلوغ المراتب السامية في الجنان .
ومن معاني ودلالات مجئ النهي بعد صفة الإيمان [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا]( )، ترشح الأحكام التكليفية الخمسة على الإيمان وهي :
الأول : الوجوب , وهو ما ورد لزوم فعله في الكتاب والسنة على نحو الجزم والحتم ، وفي إتيانه الأجر والثواب , ولا يجوز تركه إختياراً ويؤثم من تركه , ويمكن تقسيم الواجب إلى أقسام :
أولاً : الواجب العبادي ، وهو على شعبتين :
الأولى : الواجب العبادي المطلق كالصلاة .
الثانية : الواجب العبادي المقيد كالحج , فهو مقيد بالإستطاعة ، قال تعالى [ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً] ( ).
ثانياً : الواجب في المعاملات كوجوب النفقة على الزوجة.
ثالثاً : الواجب في عالم الأفعال كفعل الصالحات , والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، قال تعالى [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ] ( ).
رابعاً : الواجب في الأحكام والحكم منها الحكم بالعدل ، قال تعالى [وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ] ( ).
الثاني : الندب والإستحباب وهو الذي ورد الحث على فعله في الكتاب والسنة وفي فعله الأجر والثواب ، ولا إثم على من تركه إختياراً.
الثالث : المباح وهو المشروع الجائز بذاته كشرب الماء وأكل الطيبات ويقابله المحظور .
الرابع : المكروه وهو ما يرجح تركه شرعاً , وفي تركه الثواب ولا إثم في فعله ، ومنهم من أضاف قسيماً آخر للمكروه وهو المكروه تحريماً وهو الذي يكون أقرب إلى الحرام ، كأنه برزخ بين الكراهة والحرام .
الخامس : الحرام وهو الذي يجب تركه , ويؤثم الإنسان على فعله.
وأما الجواز الذي لم يرد فيه نهي شرعي فهو عام يشمل الواجب والمندوب والمباح والمكروه .
لقد إبتدأت الآية التي إختص هذا الجزء من سفِر (معالم الإيمان) بتفسيرها بالنداء التشريفي [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ] ليدخل معها المسلم في رياض ناضرة ، وأبواب جنان مفتحة ، وكأن هذا النداء مقدمة وشاهد الغبطة في الدنيا , وبشارة النعيم في الآخرة .
ويقترن لفظ[الَّذِينَ آمَنُوا ] مع عمل الصالحات وإتيان الخيرات في آيات عديدة من القرآن ، قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ] ( ).
وقد يأتي لفظ [الَّذِينَ آمَنُوا] منفرداً بمعناه مع إقترانه بالثناء والبشارة ، قال تعالى [ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ] ( )، لذا فان أول آية البحث ثناء على المسلمين ، ومن إعجاز القرآن أنه يتضمن الثناء على المسلمين الذين يتلونه وبلغة الخطاب .
لقد وردت آيات القرآن بالفصل والتمييز بين الذين آمنوا والذين كفروا في الدنيا , وفي الآخرة فتضمنت آية البحث مصداقاً لهذا الفعل ومن الإعجاز أنه يأتي من وجوه :
الأول : نزول النهي من عند الله للمسلمين والمسلمات .
الثاني : بيان ماهية النهي من غير لبس أو ترديد .
الثالث : بعث النهي النازل من عند الله المسلمين على التفقه في الدين ، ومعرفة قانون , وهو لزوم عدم التشبه بالكفار في دعوتهم للباطل .
الرابع : تلقي المسلمين الأوامر والنواهي من عند الله بالقبول والإمتثال ، وفيه تنمية لملكة التقوى عندهم .
الخامس : إقامة الحجة على الذين كفروا وإسقاط ما في أيديهم .
ومن إعجاز القرآن أن الكلمات المعدودات منه تأديب وإرشاد لأجيال المسلمين إلى يوم القيامة بما تعجز عنه أي حكومة أو مؤسسات إصلاحية .
يتلو المسلمون هذه الكلمات كل يوم ، ويقتبسون منها المواعظ والحكم ، وهل هذه المواعظ متحدة أم متعددة وتوليدية , الجواب هو الثاني .
وتبين آية البحث موضوعاً وفعلاً قبيحاً يصدر عن الذين كفروا والمنافقين , وهو السعي في منع المسلمين الذين يخرجون للدفاع ويريدون الجهاد في سبيل الله ويسعون في الكسب والتجارة من الخروج والسفر ، وإذا قتلوا أو حصل لهم أمر أظهروا الشماتة , وإدعوا أنهم كانوا حريصين عليهم .
لقد سعى المنافقون لبيان أمر , وهو أن القعود عن القتال يدفع القتل ، وأن حضوره سبب للقتل , فجاءت آية البحث لتوثيق قولهم وفعلهم مقروناً بالذم لهم , وفيه دعوة للمسلمين للتسليم بمشيئة الله والرضا بقضائه .
ولم تنف آية البحث أن حضور الحرب قد يسبب القتل ، ولكنه أمر مكتوب على المسلمين خاصة وأنهم لم يبدأوا القتال سواء في معركة بدر أو أحد أو الخندق أو حنين , ولم يسعوا لأي من هذه المعارك ، فكان الذين كفروا هم الذين يقدمون مهاجمين غازين فيرجعون ليس بخفي حنين فقط كما يقال ، إنما يرجعون بالذل والهوان، قال تعالى [فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ] ( ).
ولم يكن إحتجاج الذين كفروا خاصاً بالقتال فيشمل حتى السفر للتجارة والكسب والسفر مطلقاً ، ومن وجوه تسمية السفر أن الإنسان يسفر أي يخرج عن بيته ويغادر المحلة والبلدة ، ويكون مكشوفاً في البرية، لقد نزلت آية البحث لتقطع أي سلطان للذين كفروا ولتفصل بينهم وبين الذين آمنوا في القول والعمل .
وهل تتضمن آية البحث جذب الناس للإيمان , الجواب نعم ، كما أنها دعوة للذين كفروا وللمنافقين للتوبة والإنابة والتسليم بأن الله عز وجل يعلم ما في قلوبهم وما يجري على ألسنتهم .
وهل في آية البحث ترغيب بالدفاع عن الإسلام والضرب في الأرض للتجارة والدعوة إلى الله عز وجل , الجواب نعم ، إذ تزيح الآية الموانع التي تحول دون السعي في مرضاة الله ، فكما إبتدأت آية البحث بنداء الإيمان , فقد إبتدأت به الآية التي تتضمن الحث على التمحيص والتبيين عند النفر في سبيل الله ، كما في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ] ( ).
وتدل الآية أعلاه بالدلالة التضمنية على صبر وسلامة المسلمين عند اللقاء وعلى أن حسن العاقبة لهم في النشأتين ، فاذا كان الذين كفروا يظهرون لؤم أخلاقهم وسوء ما تنطوي عليه نفوسهم عندما يسمعون باستشهاد عدد من المؤمنين في المعركة كمعركة أحد ، فقد جاءت آية البحث بالبشارة بالتخفيف عنهم .
فلم تمر الأيام حتى صار المسلمون يخرجون في سرايا الدعوة إلى الله سبحانه , ويدعون أهل القرى والمدن إلى الإسلام فيدخلون فيه أفواجاً .
ويفيد الجمع بين الآية أعلاه وآية البحث وجوب إعطاء الأولوية لحفظ النفوس وترغيب الناس بالإسلام وقبول ظاهر الإسلام وكفاية النطق بالشهادتين ، وعدم صيرورة الطمع في الأموال سبباً لإستباحه الدماء ، وهذا الوجوب من مصاديق قوله تعالى [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) في رد الله عز وجل على الملائكة حينما قالوا [قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ] ( ) فقد بعث الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لمنع الفساد ووقف سفك الدماء ، وبيان قبحه وضرره ولزوم إجتنابه وجاءت آية البحث حرباً على الفساد وأسباب صد المسلمين عن محاربة الفساد .
لقد أراد الله عز وجل أن تشتد ندامة وأسف الذين كفروا فأنزل آية البحث لتكون منافعها أكثر من أن تحصى لذا ورد اسم الإشارة للبعيد بقوله تعالى [لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ] ( ) وسيأتي في التفسير ذكر مصاديق متعددة لاسم الإشارة أعلاه .
وتبين خاتمة آية البحث أن المدار على العمل ولزوم تعاهد المسلمين للفرائض العبادية ، وعدم الإصغاء إلى قول الذين كفروا أو المنافقين , أو محاكاتهم في غيهم ، قال تعالى [وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ] ( ).
فكما تفصل وتميز الآية بين المؤمنين والكافرين في القول فأنها تفصل بينهم في العمل ، وهي بشارة لنيل المسلمين الأجر والثواب في الآخرة من جهات بلحاظ آية البحث , وهي :
الأولى : توجه النداء للمسلمين بصفة الإيمان ، وما فيه من الشهادة والوعد الكريم من عند الله عز وجل ، لبيان لطف الله عز وجل بالمسلمين بأن تبدأ الآية بصفة الإيمان , ويتعقبه النهي ليكون هذا النداء عوناً للمسلمين على الإمتثال وحسن التقيد بآداب النهي خاصة وأنه يتجدد كل يوم ، ويلاقي المسلمين في المسجد والسوق والبيت والعمل .
الثانية : تلقي المسلمين للنهي الوارد في آية البحث [لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا] وما يدل عليه من التفاني والتضاد بين المسلمين والكفار، ولم يحصل هذا التضاد إلا بإختيار المسلمين التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإتباعه وهو باب عظيم للأجر والثواب.
الثالثة : تلاوة المسلمين لآية البحث بصيغة القرآنية والتسليم بأنها نازلة من عند الله عز وجل .
الرابعة : تعاهد المسلمين لآية البحث وتوارثهم لهذا التعاهد والتلاوة جيلاً بعد آخر ، ومن إعجاز القرآن أن كل جيل يحس ّ وكأن الآية نزلت لهم خاصة لما تتضمنه من معاني الطراوة والحلاوة والإنطباق على الواقع اليومي للمسلمين والناس جميعاً ، وإن كان هناك تباين على نحو الموجبة أو السالبة الجزئية ، كما في حال المنافقين فعندما كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة المكرمة في بدايات الدعوة لم يكن هناك منافقون ، وحصل النفاق مع نشوء دولة الإسلام في المدينة .
ويمكن تأسيس علوم من جهات :
الأولى : باب التفسير بلحاظ تخصيص باب لكل جملة أو شطر من الآية الكريمة.
الثانية : القوانين المستقرأة من ذات الآية محل البحث .
الثالثة : علم المناسبة بلحاظ ذات اللفظ الوارد في آية البحث ومعانيه في آيات القرآن الأخرى.
الرابعة : البحث البلاغي.
الخامسة : ما أسسناه في الجزء قبل السابق وهو باب منافع الآية( ).
ويمكن تأسيس باب وقانون في كل آية يتضمن معاني ودلالات إكرام المسلمين المستقرأة من ذات الآية , وهو من ذخائر القرآن الظاهرة والمستترة في ثنايا كلماته وحروفه , قال تعالى [وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ]( ).

حرر في 6/2/2016
26 ربيع الآخر 1437 هــ
النجف الأشرف

قوله تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِ وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ] الآية 156 .

الأعراب واللغة
يا أيها الذين آمنوا : يا أداء نداء ، وأحرف النداء سبعة وهي :
الأول : (أ) .
الثاني : (أي ) للمنادى القريب .
الثالث : ( آ ) للمنادى البعيد .
الرابع : ( يا ) وتستعمل على نحو الإطلاق سواء كان المنادى قريباً أو بعيداً أو برزخاً متوسطاً بينهما , وقد تأتي للتحسر ، كما ورد في التنزيل للندب , حكاية عن يعقوب عليه السلام قال [يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ] ( ).
الخامس : هيا للمنادى البعيد .
السادس : أيا للمنادى البعيد.
السابع : وا , وهي للندب والتوجع .
أيها : منادى نكرة مقصودة مبني على الضم في محل نصب .
( ها ) حرف تنبيه .
الذين : اسم موصول مبني في محل نصب بدل من أيّ .
لا تكونوا : فعل مضارع ناقص مجزوم وعلامة جزمه حذف النون , والواو اسم كان .
كالذين : الكاف حرف جر .
الذين : اسم موصول في محل جر متعلق بمحذوف خبر تكون .
وقالوا لإخوانهم : الواو : حرف عطف ، قالوا فعل ماض ، والواو: فاعل .
لإخوانهم : اللام حرف جر ، إخوان : اسم مجرور بالكسرة الظاهرة تحت آخره ، وهو مضاف ، هم : ضمير مضاف إليه .
إذا : ظرف زمان للمستقبل يفيد الشرط من غير أن يكون جازماً ، بخلاف (إذا ) الفجائية التي تختص بالجملة الإسمية فهي جازمة .
ضربوا في الأرض : ضربوا : فعل ماض ، والواو : واو الجماعة .
في الأرض : جار ومجرور ومتعلق بضربوا .
أو كانوا غزى : أو : حرف عطف .
كانوا : فعل ماض ناقص مبني على الضم .
الواو : اسم كان .
غزى : خبر كان منصوب وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الألف.
لو كانوا عندنا : لو : أداء شرط غير جازمة ، وتفيد إمتناع الجواب لإمتناع الشرط .
كانوا : فعل ماض ناقص مبني على الضم : الواو اسم كان.
عندما : عند : ظرف مكان ، منصوب متعلق بمحذوف خبر كانوا .
وهو مضاف و(نا) ضمير مضاف إليه .
ما ماتوا : ما نافية ، ماتوا فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة .
واو الجماعة : ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل ، الألف علامة فارقة .
وما قتلوا : الواو حرف عطف .
ما : حرف نفي مبني على السكون لا محل له من الإعراب .
قتلوا : فعل ماض مبني للمجهول ، مبني على الضم .
الواو : نائب فاعل .
ليجعل الله ذلك : اللام للتعليل ، يجعل فعل مضارع منصوب بأن مقدرة بعد اللام .
الله : اسم الجلالة فاعل مرفوع .
ذلك : ذا : اسم إشارة مبني في محل نصب مفعول به أول .
الام : للبعد ، الكاف للخطاب .
حسرة في قلوبهم : حسرة: مفعول به ثان منصوب بالفتحة الظاهرة على آخره .
في قلوب : جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة حسرة .
(هم) : ضمير في محل مضاف إليه .
والله يحيي ويميت : الواو حرف إستئناف .
الله : لفظ الجلالة مبتدأ مرفوع .
يحيي : فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعة الضمة المقدرة على الياء, والفاعل ضمير مستتر تقديره هو .
ويميت : الواو حرف عطف .
يميت : فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعة الضمة الظاهرة على آخره.
والله بما تعملون بصير : الواو حرف إستئناف , واسم الجلالة مبتدأ مرفوع .
بما : الباء حرف جر ، ما : اسم موصول مبني في محل جر متعلق ببصير ، تعملون : فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون ، والواو : فاعل.
بصير : خبر المبتدأ مرفوع بالضمة على آخره .
ضربوا في الأرض أي سافروا وذهبوا خارج بلدهم ، مقتبس من الضرب بالأرجل لأن المسافر يضرب الأرض برجله لقطع المسافة ، وقال تعالى في الفقراء الذين يستحقون الصدقة [لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ] ( ) أي لا يستطيعون التصرف في الأرض والذهاب للتجارة وطلب الرزق ومعيشة العيال .
وغزى أي خرجوا إلى الملاقاة القتال , يقال غزا يغزو غزواً فهو غاز ، والجمع غزى وغزاة .
والحسرة الحزن المقرون بالندامة وشدة التلهف والأسى ، يقال : حسر على ، يحسر حًسًراً وحسرة فهو حسران والأنثى حسرى ، والمفعول محسور عليه ، وفي التنزيل [يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ] ( ) ويقال إستحسر فلان أي تعب وأصابه الإعياء .
وفي الثناء على الملائكة وإخلاصهم في العبادة قال الله تعالى [لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ] ( ).

سياق الآيات
في الصلة بين آية البحث والآية السابقة [إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ] ( ) مسائل :
المسألة الأولى : تقدير الجمع بين الآيتين : يا أيها الذين آمنوا إن الذين تولوا منكم ..) وفيه وجوه :
الوجه الأول : لقد أنعم الله عز وجل على الناس وجعل القرآن مصاحباً لهم في الحياة الدنيا ، وتترشح عن هذه الصحبة نعم عظيمة لا تعد ولا تحصى ، وهي مستمرة في ذاتها وإنشطارها وتجليها للناس ، يتعظ منها المسلمون ، ويتخذونها نوع طريق ، وسبيل رشاد ، وهو من أسرار تلاوتهم رجالاً ونساءً لقوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( ) عدة مرات في اليوم .
وصحيح أن الصراط في الآية أعلاه ورد بصيغة المفرد إلا أنه اسم جنس ، وليس من حصر لوجوهه ومصاديقه من جهات :
الأول : صراط الإيمان واليقين .
الثاني : صراط وطريق أداء العبادات وهو من جهات :
الأولى : كل فريضة صراط بذاتها .
الثانية : نية الفريضة وقصد القربة في أدائها صراط هدى ، وفي الحديث القدسي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال (يقول الله سبحانه، أنا خير شريك من أشرك معي شريكا في عمله فهو لشريكي دوني، لاني لا أقبل إلا ما أخلص لي.
وفي حديث آخر: إني أغني الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملا ثم أشرك فيه غيري، فأنا منه برئ، وهو للذي أشرك فيه دوني) ( ).
الثالثة : أداء الفرائض واقية من فعل السيئات , وحرز من الظلم والتعدي .
الرابعة : في الفريضة وأدائها تنمية لملكة التقوى عند المسلمين .
الخامسة : أداء الفرائض في أوقاتها وبشرائطها مناسبة للعفو , ورجاء المغفرة من عند الله .
وعن أنس بن مالك (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار عذب غمر على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات فماذا يبقين من درنه؟ قال : ودرنه إثمه) ( ) .
ومن فيوضات آية البحث التي إختص هذا الجزء بتفسيرها أنها ومع قلة كلماتها أختتمت بالعفو الخاص في ساعة الضيق وإرتكاب الخطأ وبالإخبار عن الإطلاق في صفات الله من المغفرة والرحمة وإمهال عامة العباد .
الثالث : كل فرد من الفرائض العبادية صراط مستقيم ، ففي اليوم الواحد يصلي المسلم خمس صلوات ، لتكون ضياء ينير له دروب الهداية ، وتطهيراً من دنس الذنوب ومتعلقات الدنيا وزينتها فتأتي الشهادة للمصلي من وجوه :
أولاً : مقدمة الطهارة وأفعال الوضوء ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ]( ).
ثانياً: شهادة الماء وقطراته التي يتوضأ بها المسلم .
ثالثاً : شهادة مكان الوضوء ، لذا ورد في الخبر أن محل الوضوء يكون في باب المسجد .
رابعاً : شهادة السواك للمسلم ، وهو عود من شجر الأراك ، ورد الخبر عند جميع المسلمين عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باستحبابه.
خامساً : شهادة المسجد أو موضع الصلاة مطلقاً للمسلم في صلاته, ففي كل مرة يصلي فيها المسلم في المسجد يعلم أنه يشهد له سواء كان محل صلاته الراتب كمسجد المحلة والسوق أو مسجد مرّ عليه في عمله وسفره وضربه في الأرض .
سادساً : شهادة أهل المسجد والذين يصلون الجماعة مع المسلم له، وهو من مصاديق شهادة الجيران والأقارب ، وما ورد بحق الكافر في الحديث (عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : إذا كان يوم القيامة عرف الكافر بعمله، فجحد وخاصم، فيقال له : هؤلاء جيرانك يشهدون. فيقول : كذبوا.
فيُقال : أهلك وعشيرتك. فيقول : كذبوا. فيُقال : احلفوا، فيحلفون. ثم يصمتهم الله عز وجل ويشهد عليهم ألسنتهم ثم يدخلهم النار) ( ) , ويعود الضمير في ( فيدخلهم ) إلى الكفار .
ليدل الحديث في مفهومه على أن الجيران وأهل المسجد يشهدون للمسلم بالتقوى والصلاح وتعاهده للصلاة .
سابعاً : شهادة موضع السجود ، وهل لهذه الشهادة من صلة بفتح العينين في السجود ، الجواب لا دليل عليه ، إذ أن موضع الصلاة يشهد يوم القيامة للمصلي مطلقاً.
ثامناً : شهادة أفعال الصلاة من القيام والركوع والسجود وحال الجلوس عند التشهد ونحوه .
تاسعاً : شهادة آنات الزمان للمصلي ، وهل تختص هذه الشهادات بيوم القيامة ، لتحضر للشهادة والشفاعة للمؤمن أم أنها تحضر له في الدنيا , وتكون واقية من المهالك ، وهو من فضل الله ، لذا ورد قوله تعالى في الآية السابقة [إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا] ( ) .
ليكون ثبات المؤمنين في الميدان كسباً وتضحية وحرزاً في النشـأتين .
وقد ورد في ذم الذين كفروا وسوء عاقبتهم في الآخرة قوله تعالى [الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ]( ) فهل تشهد عليهم أيديهم وأرجلهم أنهم لم يباشروا الوضوء وغسل الوجه واليدين ومسح الرأس والرجلين ، أو مسح الرأس وغسل الرجلين .
ولتدل الآية أعلاه في مفهومها على شهادة جوارح المسلم والمسلمة لهما بأداء الصلاة والمشي إلى صلاة الجمعة والجماعة ، وهو من البشارات التي تشع نوراً من ثنايا قوله تعالى [حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَة الْوُسْطَى]( ).
ولا تختص شهادة الأعضاء يوم القيامة بالذين كفروا ، إذ أنها مطلقة ، ولكن مع التباين والتضاد في موضوع الشهادة ، فتشهد أعضاء المسلم له بما يدخل البهجة والسرور إلى قلبه ، وأخرج أحمد ومسلم والنسائي وغيرهم عن أنس في قوله ({ اليوم نختم على أفواههم } ( ) قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فضحك حتى بدت نواجذه قال : أتدرون ممن ضحكت؟ قلنا : لا يا رسول الله قال : من مخاطبة العبد ربه فيقول : يا رب ألم تجرني من الظلم؟ فيقول : بلى . فيقول : إني لا أجيز عليَّ إلا شاهداً مني .
فيقول : كفى بنفسك عليك شهيداً ، وبالكرام الكاتبين شهوداً ، فيختم على فيه ويقال لأركانه : انطقي ، فتنطق بأعماله ، ثم يخلى بينه وبين الكلام ، فيقول بعداً لكن وسحقاً ، فعنكن كنت أناضل ) ( ).
وعن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : يلقى العبد ربه فيقول الله : أي فل( )، ألم أكرمك ، وأسودك ، وأزوجك ، وأسخر لك الخيل والابل ، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول : بلى أي رب فيقول : أفطنت أنك ملاقي؟ فيقول : لا . فيقول : فإني أنساك كما نسيتني .
ثم يلقى الثاني ، فيقول : مثل ذلك .
ثم يلقى الثالث فيقول له : مثل ذلك فيقول : آمنت بك ، وبكتابك، وبرسولك ، وصليت ، وصمت ، وتصدقت ، ويثني بخير ما استطاع ، فيقول : ألا نبعث شاهدنا عليك؟ فيفكر في نفسه من الذي يشهد عليَّ ، فيختم على فيه ، ويقال لفخذه : انطقي .
فتنطق فخذه ، ولحمه ، وعظامه . بعمله ما كان ذلك يعذر من نفسه ، وذلك بسخط الله عليه)( ).
والأحاديث في هذا الباب كثيرة ومتعددة ، وكل واحد منها موعظة بذاته ، ويبعث على الحيطة والحذر والتدارك والتسليم بوجود رقباء عليه مصاحبين له ، لا يملكون إخفاء الشهادة أو تحريفها .
وعن عقبة بن عامر قال (أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إن أول عظم من الإنسان يتكلم يوم يُختَم على الأفواه، فَخذُه من الرِّجل اليسرى)( ).
فمن الإعجاز في السنة النبوية العموم في الحديث أعلاه العموم , وعدم إختصاصه بالذين كفروا بل ورد بصفة الإنسان لبيان تغشي الحكم للناس جميعاً ، ليشهد للمؤمن من المسلمين والملل السابقة أعضاؤه في السعي إلى الصلاة وأدائها ، وهل تشهد له في مغادرة المسجد وأنه من فعل الحسنات .
الجواب نعم ، لذا ورد قوله تعالى [فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ] ( )، بلحاظ أنه من آنات الزمان والوقت الذي يقضيه المسلم في الصلاة في ذهابه وإيابه منها .
عاشراً : تلاوة المسلم لآيات القرآن في الصلاة ، فكل آية يتلوها تكون واقية له من عذاب البرزخ ، وتشهد له يوم القيامة ، فان قلت قد وردت النصوص المستفيضة بأن سورة الملك على نحو التعيين هي التي تشهد لقارئها في القبر .
إذ ورد عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سورة تبارك هي المانعة من عذاب القبر) ( ).
والجواب إن إثبات شيء لشيء لا يدل على نفيه عن غيره .
فقد تكون آيات وسور أخرى تمنع عن قارئها عذاب البرزخ ، كما أن نفع سورة الملك لا يختص أو ينحصر بعالم القبر , وظلمته وما فيه من الأهوال مع ضيق مساحته ، وأنه في باطن الأرض , وهذا الوصف وحده من أشد الأهوال التي لا تحيط بها العقول .
وعن إنس قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “سورة في القرآن خَاصَمت عن صاحبها حتى أدخلته الجنة: ” تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ) ( ).
الوجه الثاني : لقد إبتدأت آية البحث بالنداء التشريفي [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا]وفيه بلحاظ تعقبها للآية السابقة التي تتضمن موضوع تولي وفرار فريق من المسلمين مسائل :
الأولى : بعث السكينة في نفوس المسلمين ، بأن هذا التولي لن يسبب إنكسارهم .
الثانية : إخبار المسلمين بأن تولي وفرار فريق منهم لا يؤدي إلى إستدامة القتل فيهم , ووقوع الأسرى منهم بيد العدو ، قال تعالى [لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى] ( ) .
الثالثة : بشارة التخفيف عن المسلمين وفتح أبواب من فضل الله عز وجل , والجمع بين الآيتين من مصاديق قوله تعالى [فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا]( ).
وما ورد عن جابر بن عبد الله قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن ثلثمائة أو يزيدون ، علينا أبو عبيدة بن الجراح ، ليس معنا من الحمولة إلا ما نركب فزوّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم جرابين من تمر ، فقال بعضنا لبعض : قد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أين تريدون وقد علمتم ما معكم من الزاد ، فلو رجعتم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسألتموه أن يزوّدكم ، فرجعنا إليه ، فقال : إني قد عرفت الذي جئتم له ، ولو كان عندي غير الذي زوّدتكم لزوّدتكموه .
فانصرفنا ، ونزلت [فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا]( )، فأرسل نبي الله إلى بعضنا ، فدعاه ، فقال : أبشروا فإن الله قد أوحى إليّ { فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً } ولن يغلب عسر يسرين)( ).
الرابعة : بيان حقيقة ما لاقاه المسلمون الأوائل في بداية الإسلام .
الخامسة : الإخبار عن تعاهد المسلمين للإيمان ، ومنهم الذين فروا وإنهزموا من ميدان القتال بدليل نسبة الذين تولوا إلى المسلمين في الآية السابقة بقوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ].
ومن الإعجاز في الآية أعلاه أنها معطوفة على النداء بصفة الإيمان الوارد قبل سبع آيات بقوله تعالى [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ] ( ) كما تعقبها ذات النداء بصفة الإيمان في آية البحث .
وهل يصح تقدير الآية السابقة : يا أيها الذين آمنوا الذين تولوا يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبتم ولقد عفا الله عنكم ) .
الجواب نعم بلحاظ التبعيض في صيغة الخطاب في الآية السابقة ، ولكن الآية جاءت بالخطاب لجميع المسلمين والمسلمات , وفيه مسائل :
الأولى : إرادة عموم الفائدة ، ونفع المسلمين من مضامين الآية السابقة .
الثانية : بيان التكافل في الإسلام , وأن مسألة فرار بعضهم تتعلق بهم جميعاً.
الثالثة : دعوة المسلمين جميعاً للإحتراز من الفرار والهزيمة في القتال ، قال تعالى [وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ] ( ).
الرابعة : إخبار المسلمين بحقيقة , وهي أن الذين تولوا لم يخرجوا من ربقة الإيمان ، ولم يكونوا منافقين .
الخامسة : عطفت الآية السابقة على قوله تعالى [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ]( ).
ليكون من معاني تضمن الآية السابقة النسبة للمؤمنين سلامتهم من الإرتداد بهذا التولي والفرار .
السادسة : حصر موضوع تولي فريق من المسلمين في معركة أحد بين نداءين وخطابين بصيغة الإيمان ليتعاهد المسلمون الإيمان ويحترزوا من التولي في القتال.
وبين تعاهد الإيمان وعدم التولي عموم وخصوص مطلق في الموضوع والزمان وسنخية الفعل والأثر .
أما بالنسبة للموضوع فهو الإيمان لتعلقه بالعبادات وأدائها وقصد القربة والثبات على الهدى في الليل والنهار ، ومدار الحكم على الإنسان هو الإيمان ، والإيمان أصل والثبات في ميدان القتال فرع الإيمان.
وأما بالنسبة للزمان فان الإيمان مصاحب للإنسان في ليله ونهاره وحله وترحاله ، وأما الثبات في الميدان أو ضده من التولي فهو أمر خاص بميدان المعركة ، وأكثر المؤمنين لا يبتلون بمسألة القتال والثبات في الميدان ، وفيه تأكيد لفضل أهل البيت والصحابة الذين قاتلوا مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وأما بالنسبة لسنخية الفعل فان الإيمان إعتقاد في القلب ، وإما عدم التولي فانه مخصوص يتجلى بالإمتناع عن القتال وبالفرار منه، وأما بالنسبة للأثر فللإيمان آثار مباركة على ذات المؤمن وغيره ، كما تأتي منافعها له وهو في قبره بالإقتداء به ، وشهادة المؤمنين له ، وأما عدم التولي فجاءت آية البحث بالعفو عن المؤمنين .
الوجه الثالث : من معاني الجمع بين الآيتين بيان الصلة والتداخل بين أجيال المسلمين المتعاقبة وعدم الفصل بينها ، وهو من أسرار إستدامة بقاء الإسلام وشريعته إلى يوم القيامة ، فكل جيل وطبقة من المسلمين يسلمون بأن المسلمين الذين صاحبوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في معركة أحد وساروا تحت لوائه كان على وجوه :
الأولى : الذين ثبتوا في الميدان ولم يغادروا مواضعهم .
الثانية : الذين سقطوا يومئذ شهداء ، وإنتقلوا إلى الرفيق الأعلى وعددهم سبعون ( ).
الثالثة : الذين فروا وتولوا من ميدان المعركة ، وهم الذين ذكرتهم الآية السابقة .
ويدخل في طول هذه الفرق الرماة الذين تركوا مواضعهم على الجبل أثناء القتال طمعاً بالغنائم ، ولم نجعلهم قسيماً للطوائف الثلاثة أعلاه بلحاظ إنتمائهم لها ، فمنهم من أستشهد، ومنهم من ثبت في المقام ولعل منهم فرّ من المعركة ، كما خرج بالتخصيص المنافقون الذين إنسحبوا في الطريق .
وورد لفظ التبعيض [مِنْكُمْ] في قوله تعالى [الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ] وورد قبل آيتين في معركة أحد [يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ] لبيان أن نعمة النعاس نزلت على أفراد من المسلمين في يوم مخصوص وموضع معين ، وهو ميدان جبل أحد في اليوم الخامس عشر من شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة ليكون هذا النعاس نعمة على المسلمين جميعاً من جهات :
الأولى : ذات نعمة النعاس .
الثانية : أثر ورشحات نعمة النعاس .
الثالثة : تلاوة المسلمين لآية النعاس .
الرابعة : إتخاذ المسلمين لآية النعاس حجة ومادة في الإحتجاج .
الخامسة : إستقراء المسلمين المسائل والأحكام من آية النعاس .
السادسة : تطلع المسلمين إلى النعم التي تنزل من عند الله عند الشدائد والمحن ، قال تعالى [وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ] ( ).
الوجه الرابع : قيدت آية السياق التولي بأمور :
الأول : إخبار الآية عن خصوص الذين تولوا وفروا من المعركة ، لبيان الضرر الفادح الذي يترتب على هذا التولي ، والمسائل التي تستقرأ منه .
الثاني : تقييد صفة الذين تولوا وأنهم من المؤمنين , وهل تدل الآية على إن الذين كفروا لم يتولوا في معركة أحد .
الجواب لا ، فمن الإعجاز في هذه الآيات دلالة ولغة العطف فيها على تقدم نصر المسلمين في بداية المعركة ، كما قال تعالى [وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ] ( ).
ثم بينت الآية أعلاه حصول الفشل والجبن والتنازع والمعصية بين المسلمين في ذات ميدان المعركة للدلالة على ترشح التولي من قبل نفر من المؤمنين بسبب القصور والتقصير من المؤمنين ، وترك الرماة مواضعهم ، وليس بسبب قوة وبطش وبسالة الذين كفروا وإن كان فيهم فرسان وشجعان خذلهم الله وجعلهم عاجزين عن إظهار مهارات القتال ، ومن أظهرها يومئذ فانها صارت عليه وبالاً في الدنيا والآخرة ، إلا أن يتوب ، قال تعالى [إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا] ( ).
الثالث : تعيين التولي وأنه حدث في معركة أحد على نحو الخصوص بدليل قوله تعالى في الآية السابقة [يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ].
وهل يدل هذا المعنى على التباين بين حال المسلمين في معركة بدر وقوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ] ( ).
بينما ذكرت آية السياق التولي والفرار من قبل نفر من المسلمين , الجواب ليس من تباين وتضاد بين حال المسلمين في المعركتين ، ولكن نصر المسلمين في معركة بدر جاء على نحو الموجبة الكلية يوم المعركة وما بعده , أما نصر المسلمين في معركة أحد ، فتجلت شذرات منه في ميدان المعركة لتتوالى معاني النصر فيما بعد إنقضاء المعركة .
ومن الآيات أن هذه المعاني تتجلى في كل يوم من أيام الحياة الدنيا وإلى يوم القيامة ، وكأن تقدير قوله تعالى أعلاه على وجوه :
أولاً : ولقد نصركم الله أول نصر ببدر وأنتم أذلة.
ثانياً : ولقد جعل الله عز وجل نصركم ببدر نصراً مبيناً .
ثالثا : ولقد نصركم الله ببدر وسينصركم بالمعارك اللاحقة .
رابعاً : ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة وسينصركم بأحد.
خامساً : ولقد نصركم الله ببدر فلا تولوا الأدبار يوم يلتقي الجمعان .
سادساً : ولقد نصركم الله ببدر ويصدقكم وعده في المعارك اللاحقة , ويحتمل تعيين التولي والفرار الذي تذكره الآية السابقة بخصوص معركة أحد وجوهاً :
أولاً : حصول التولي والفرار قبل بدء معركة أحد .
ثانياً : حدوث التولي عند إبتداء القتال بين المسلمين والذين كفروا.
ثالثاً : لم يفر ويتول نفر من المؤمنين إلا بعد أن نزل الرماة المسلمون من الجبل .
رابعاً : حدث التولي من نفر من المؤمنين عندما جاءت خيالة الذين كفروا من خلف المسلمين وإستمر القتل فيهم .
خامساً : حدوث التولي قبل أن يقوم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بنداء المسلمين الذين إنسحبوا من المعركة بقوله تعالى [وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ] ( ).
سادساً : وقوع التولي من نفر من المؤمنين بعد إنقضاء المعركة خاصة وأنها إبتدأت بعد طلوع الشمس من اليوم الخامس عشر من شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة , وإنتهت في نهار ذات اليوم قبل الغروب .
والمختار هو رابعاً أعلاه .
الوجه الخامس : هل يصح تقدير الجمع بين الآيتين : يا أيها الذين آمنوا الذين تولوا يوم التقى الجمعان ) الجواب نعم ، ولكن الآية وردت خطاباً للذين ثبتوا في الميدان لبيان أن المدار وصدق الإيمان على الثبات في ميدان القتال ولقاء الذين كفروا ، وليس من برزخ في معارك الإسلام الأولى بين النصر والهزيمة ، فنصر المسلمين في أي معركة بناء لصرح الإيمان , لتصير الهزيمة نكسة فادحة لذا تفضل الله عز وجل ووقى المسلمين الهزيمة في أي معركة من معارك الإسلام الأولى ، ليكون إعجازها على وجوه :
أولاً : توجه النداء من عند الله عز وجل إلى الذين فروا من الميدان بصبغة الإيمان بقوله تعالى [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ] وفيه ترغيب وحث على العودة إلى الميدان وإلى جوار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في قتاله الأعداء , ليكون هذا الجوار مرآة ومقدمة لجواره في الجنة العالية .
قال تعالى [وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا] ( ).
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال (كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنّة إذا اتقى الله سبحانه)( ).
وعن ربيعة بن كعب الأسلمي قال (كنت أبيت عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فآتيه بوضوئه وحاجته فقال لي : « سل . . . فقلت : يا رسول الله أسالك مرافقتك في الجنة . قال : أو غير ذلك؟ قلت : هو ذاك . قال : فأعني على نفسك بكثرة السجود)( ).
ثانياً : توجه النداء من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للذين فروا من معركة أحد بالعودة إلى الميدان , ومن إعجاز القرآن توثيقه لهذا النداء والدعوة بقوله تعالى [وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ].
ثالثاً : صبر نفر من أهل البيت والصحابة مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ميدان المعركة دعوة فعلية للذين فروا بلزوم تعضيدهم ومؤازرتهم في دفع الذين كفروا عن الملة والنفوس .
المسألة الثانية : تقدير الجمع بين الآيتين : يا أيها الذين آمنوا الذين تولوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم…) وفيه وجوه :
الوجه الأول : تدل آية السياق على تقسيم المسلمين إلى قسمين :
الأول : المسلمون الذين ثبتوا في ميدان المعركة يوم أحد .
الثاني : المسلمون الذين فروا من ميدان المعركة .
ولا يتعارض هذا التقسيم مع التقسيم الذي تضمنته الآية قبل السابقة وهو :
الأول : طائفة من المؤمنين تغشاهم النعاس .
الثاني : طائفة من المؤمنين شغلتهم أنفسهم .
وهذا التعدد من التقسيم والتجاور بينهما في الآيات القرآنية من إعجاز القرآن ، والبيان العقائدي لوقائع معركة أحد بما يجعلها مدرسة للأجيال وموعظة لأهل الإيمان ، وهو من مصاديق قوله تعالى [هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ] ( ).
إن ذات التولي أمر قبيح , وسبب للوهن والضعف في أوان حدوثه وما بعده من الآنات ، ولا يختص قبحه بالذي يفر وينهزم فقد يضر حتى الذي يقاتل في المعركة ، ومع هذا نزل العفو من عند الله عز وجل عن الذين تولوا .
ولم يحتج الذين ثبتوا في الميدان على تلقي الذين تولوا العفو من عند الله عز وجل ، وهو من مصاديق الإيمان ، وشاهد على بلوغ المسلمين مراتب عالية في التفقه في الدين والإقرار بأن الله عز وجل هو العفو وهو الذي يهب العفو ، وهذا الإقرار مقدمة لقبول الذي يدخل في الإسلام من الذين كفروا وإن كان قاتلاً للأب أو الابن من ذوي المؤمنين ، وعدم مؤاخذته أو البطش به .
وورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : الإسلام يجب ما قبله والتوبة تجب ما قبلها ) .
الوجه الثاني : قد وصفت آية البحث مواجهة المسلمين مع الذين كفروا في معركة أحد بأنهم [جمعان] وفيه بيان لحقيقة وهي أن الطرفين بعرض واحد من جهة السعي لتحقيق النصر والغلبة مع أن النسبة بينهما هي التضاد ، فليس من تناف وتضاد أشد من الذي يكون السيف سيلان الدماء هي الفيصل فيه .
وفي الآية تقدير على وجوه :
الأول : يوم إلتقى الجمعان ، جمع مؤمن ، وجمع كافر .
الثاني : يوم التقى الجمعان جمع بإمامة ورئاسة النبي محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وجمع خليط من الذين كفروا .
الثالث : يوم التقى الجمعان جمع يدافع عن النبوة والتنزيل وجمع يريد أن يقتل النبي محمداً صلى الله تعالى عليه وآله وسلم .
الرابع : يوم إلتقى الجمعان في ثاني معركة بين الذين آمنوا والذين كفروا.
الخامس : يوم التقى الجمعان في ميدان معركة أحد .
السادس : يوم إلتقى الجمعان والمؤمنون فرحون بما آتاهم الله عز وجل، أما الذين كفروا ففي حزن وحسرة .
السابع : يوم إلتقى الجمعان , جمع يعشقون الشهادة وهم المؤمنون وفريق يملأ قلوبهم الخوف وهم الذين كفروا .
الثامن : يوم إلتقى الجمعان بإذن الله , وسيأتي بعد آيات قوله تعالى [وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ] ( ).
لبيان الرخصة والإذن من عند الله عز وجل بوقوع القتلى والشهداء من المؤمنين في معركة أحد ، والذي يدل بالدلالة التضمنية على إذن الله في وقوع ذات المعركة .
والنسبة بين العلم والإذن هي العموم والخصوص المطلق ، فالإذن فرع العلم ، ويتضمن معنى الإمضاء والرضا منه تعالى ، وفيه غاية المواساة للمسلمين ، وحث لهم على الصبر وترك التولي والفرار .
التاسع : يوم إلتقى الجمعان مقدمة للجزاء يوم القيامة ، فيثاب المؤمنون ويعذب الذين كفروا ، وقد وردت مادة الجمع بخصوص يوم القيامة كما في قوله تعالى [يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ] ( )وقال تعالى [وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ]( ) لإرادة إجتماع الأجيال المتعددة والمتباينة من الناس ، وأجناسهم المختلفة يوم القيامة .
قال الشاعر :
ثم التقينا ولنا غايةٌ … من بين، جَمْع غيرِ جُمّاعِ
وكل شيء تجمَّعَ وانضمَّ بعضُه إلى بعض فهو جُمّاع ( ).
لتكون واقعة أحد من الإنذارات الفعلية ليوم الجمع , فيأتي الإنذار بآيات القرآن وتلاوتها والدعوة إلى الله والتخويف من عذابه يوم القيامة ، ولكن الكافرين أصروا على الجحود وسيرّوا الجيوش لمحاربة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين , فكانت واقعة أحد إنذاراً فعلياً بأشد ضروب الفعل وهو لمعان السيوف والكر والفر .
ولما إحتج الملائكة على جعل الإنسان خليفة في الأرض وإرادة تخلفه عن شرائط هذه الخلافة لأنه [يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ] ( )، أجابهم الله عز وجل بأنه يعلم ما لا يعلمون من أسرار وعاقبة خلافة الإنسان في الأرض ، فيهبط آدم خليفة في الأرض ، وتبين للملائكة أن الفساد يأتي من جهة إغواء ووسوسة إبليس الذي كان مع الملائكة عابداً ساجداً ، صلى ركعتين بستة آلاف سنة من أيام الدنيا .
ليكون إغواء وإزلال إبليس حاضراً يوم معركة أحد ، ويكون الناس في قوله تعالى [يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ]على وجوه:
أولاً : المؤمنون الذين إعتصموا من إغواء إبليس وثبتوا في ميدان المعركة يقاتلون إلى جانب النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ثانياً : المسلمون الذين فروا من ميدان المعركة بسبب إزلال الشيطان لهم لإنشغالهم بالدنيا وسعيهم إلى المكاسب وجمع الغنائم في ميدان المعركة .
ليدل قوله تعالى [اسْتَزَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا] على قانون وهو عجز الشيطان على النفاذ إلى المؤمنين والتأثير عليهم إلا الذي يختار زينة الدنيا ومباهجها ، وهل نفوذ الشيطان لهم مطلق في أثره وإستحواذه , الجواب لا ، إنما هو عرض طارئ سرعان ما يزول ويتلاشى ، وتدل عليه آية السياق من جهات :
الأولى : ذكر آية السياق لموضوع التولي ، إذ يتقدم هذا الذكر بإصلاح المؤمنين ومنعهم من تكرار التولي ، وتقدير آية السياق : إن الذين تولوا يوم إلتقى الجمعان لن يتولوا بعده هم ولا غيرهم ).
لقد ذكر القرآن الجمعين بخصوص ملاحقة ومطاردة فرعون لبني إسرائيل وكان معهم موسى عليه السلام في قوله تعالى [فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ] ( )أي صار كل من أحد الجمعين يرى الجمع الآخر فيفرح آل فرعون بأنهم صاروا قريبين من بني إسرائيل للإنتقام منهم خاصة وأنهم أقل عدداً وعزلاً عن السلاح كما ورد في التنزيل [إِنَّ هَؤُلاَءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ]( ).
أما بنو إسرائيل فقد أصابهم الخوف والفزع من دنو فرعون وجيشه منهم .
وعن ابن عباس قال : إن الله أوحى إلى موسى : أن أسر بعبادي . وكان بنو إسرائيل استعاروا من قوم فرعون حلياً وثياباً . إن لنا عيداً نخرج إليه فخرج بهم موسى ليلاً وهم ستمائة ألف وثلاثة آلاف ونيف . فذلك قول فرعون { إن هؤلاء لشرذمة قليلون } وخرج فرعون ومقدمته خمسمائة ألف سوى الجنبين والقلب ، فلما انتهى موسى إلى البحر أقبل يوشع بن نون على فرسه ، فمشى على الماء ، واقتحم غيره بخيولهم فوثبوا في الماء ، وخرج فرعون في طلبهم حين أصبح وبعدما طلعت الشمس ، فذلك قوله { فأتبعوهم مشرقين ، فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون } فدعا موسى ربه فغشيتهم ضبابة حالت بينهم وبينه وقيل له : اضرب بعصاك البحر . ففعل { فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم }( )يعني الجبل . فانفلق منه اثنا عشر طريقاً , فقالوا : انا نخاف أن توحل فيه الخيل . فدعا موسى ربه فهبت عليهم الصبا , فجف ، فقالوا : انا نخاف أن يغرق منا ولا نشعر ، فقال بعصاه فنقب الماء فجعل بينهم كوى حتى يرى بعضهم بعضاً ، ثم دخلوا حتى جاوزوا البحر .
وأقبل فرعون حتى انتهى إلى الموضع الذي عبر منه موسى وطرقه على حالها فقال له أدلاؤه : إن موسى قد سحر البحر حتى صار كما ترى ، وهو قوله { واترك البحر رهواً }( ) يعني كما هو . فخذ ههنا حتى نلحقهم وهو مسيرة ثلاثة أيام في البحر.
وكان فرعون يومئذ على حصان ، فأقبل جبريل على فرس أنثى في ثلاثة وثلاثين من الملائكة ، ففرقوا الناس وتقدم جبريل فسار بين يدي فرعون وتبعه فرعون ، وصاحت الملائكة في الناس : الحقوا الملك . حتى إذا دخل آخرهم ولم يخرج أولهم؛ التقى البحر عليهم فغرقوا . فسمع بنو إسرائيل وجبة البحر حين التقى فقالوا : ما هذا؟ قال موسى : غرق فرعون وأصحابه . فرجعوا ينظرون فألقاهم البحر على الساحل) ( ).
بينما ذكرت الآية السابقة حال المسلمين ، الذين كفروا بصفة الإلتقاء وليس فقط الترائي .
ومن الإعجاز أن قوله تعالى [الْتَقَى الْجَمْعَانِ]( ) ورد ثلاث مرات في القرآن كلها بخصوص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجيش الإسلام من جهة وجيش الذين كفروا من جهة أخرى .
الثانية : توجه الآية بالخطاب إلى المسلمين جميعاً وعلى القول بالتخصيص والتعيين في الخطاب فانها توجهت إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين الذين ثبتوا معه في ميدان المعركة ، وتقدير الآية : يا أيها النبي والمؤمنون الذين ثبتوا معه في الميدان إن الذين تولوا منكم ) والمختار إرادة عموم المسلمين والمسلمات .
الثالثة : قاعدة الإشتراك بين المؤمنين بلفظ الجمع ممن ثبت في الميدان أو الذين فروا منه ، ويدل القيد في قوله تعالى [يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ] على طرو فرار نفر من المؤمنين بعد اللقاء ، ليخُرج قوله تعالى أعلاه المنافقين من مضامين الآية لأنها تتضمن الإخبار عن الفرار البشارة بنزول العفو عن الذين فروا .
الرابعة : مجئ العفو من عند الله والذين فروا ، وكأنه إيذان بعدم تكرار الفرار منهم ، لأن الآية حرب على إرادة مكاسب الدنيا ، والسعي للغنائم وتقديمها وجعلها الأهم والغاية في الخروج للقتال إلى جوار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وعلى فرض تكرار الفرار من المؤمن , هل يتكرر العفو من عند الله ، الجواب نعم لبيان الآية لحقيقة وهي علة العفو هو الإيمان .
ثالثاً : الذين فشلوا وجبنوا وتنازعوا وعصوا ومنهم الذين تركوا مواضعهم على جبل الرماة مع تأكيد النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليهم بعدم تركها ، قال تعالى [حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ] ( ).
رابعاً : الذين إنسحبوا مع رأس النفاق في وسط الطريق إلى أحد ، بعد خروجهم من المدينة إلى معركة أحد ، بعد أن نفث رأس النفاق عبد الله بن أبي سلول وأظهر المغالطة والمكر وقال (والله ما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا) ( ) ليبعث في نفوس جيش المسلمين الفزع والخوف , فكأنه يبين لهم مسائل :
الأولى : وقوع القتال بين المسلمين والذين كفروا على نحو الحتم والقطع ، ولعله كان على صلة مع الذين كفروا لا أقل كان يتلقى أخبارهم ويسمع وعيدهم .
الثانية : المسلمون هم الأقل في المعركة , وسيكون رجحان ميزان القوى لطرف الذين كفروا .
الثالثة : إصرار كفار قريش على الإنتقام والبطش .
الرابعة : ليس من أمر وخطب يستحق القتل مع القطع بحدوثه .
الخامسة : حصول إبادة بين المسلمين .
السادسة : إرادة قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإصابة الدعوة الإسلامية بالضعف .
ولم يعلم رأس النفاق بفضل الله ونزول الملائكة لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين , وتفضل الله ببعث الرعب والفزع في قلوب الذين كفروا ، قال تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ] ( ).
خامساً : جمع الذين كفروا وعددهم ثلاثة آلاف جاءوا لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين ، ولم يكونوا متحدين بل من خصائص ومعاني الرعب الذي يلقيه الله في قلوبهم الخلاف والخصومة بينهم ، وهو من أسرار وعلل إسراعهم في العودة إلى مكة بقوله تعالى [فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ]( ).
العاشر : ورد في آية السياق اللفظ [جمعان] وهو مثنى جمع , وجمع وجميع ومجموع وجماعة نظائر , ولم تأت الآية بلفظ جماع لأنه يعني أقواماً مختلفة ومتفاوتة ، لذا يتضمن قوله تعالى [الْتَقَى الْجَمْعَانِ]مسائل :
الأولى : الشهادة للمسلمين بأنهم أمة واحدة وجمع متجانس , والجامع بينهم الإيمان ، والإخلاص في طاعة الله والعزم على التفاني في سبيله تعالى .
الثانية : إستعداد المسلمين مجتمعين ومتفرقين على ملاقاة الذين كفروا في ميدان القتال من الدلائل على صدق إيمانهم وأنهم خرجوا إلى معركة أحد وهم يعلمون أن الذين كفروا أكثر منهم عدداً وعدة .
الثالثة : بيان مسألة وهي أن جمع الذين كفروا أجهدهم السفر وقطع مسافة خمسمائة كيلو متر بين مكة والمدينة بينما سار المسلمون نحو سبعة كيلو مترات , وهو من وجوه الحجة على الذين كفروا .
الحادي عشر : يدل قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ]على حقيقة وهي أن الحرب سجال فقد تكون الجولة للعدو أو يحدث فرار من المؤمنين كما في معركة أحد ، فيجب ألا يؤدي إلى القنوط أو اليأس .
الثاني عشر : لقد أخبرت آية البحث عن تولي طائفة من المسلمين يوم معركة أحد بزلة سببها الشيطان لإنذار المسلمين منه في حال الحرب والسلم ، وأن دخول المسلم الإسلام لم يغلق عند باب الإفتتان بإغواء الشيطان ، فمن أسرار الإبتلاء في الحياة الدنيا تجدد وإغواء الشيطان ، ومداهمته للناس , ومنه آية البحث ، وتقدير الآية على وجهين :
الأول : يوم إلتقى الجمعان ، جمع الذين كفروا بإغواء وفتنة من الشيطان ، وإصرار منهم على إتباع خطواته ومحاكاته في جحوده .
الثاني : جمع المؤمنين الذين إختاروا سبيل الهدى والرشاد وإتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن الآيات في المقام تسمية المسلمين الذين حضروا معركة أحد بالجمع وما يتضمنه من معاني التجانس لبيان حقيقة وهي أن تولي طائفة منهم لم يخرجهم عن الجميع المتحد بدليل النسبة في قوله تعالى [تَوَلَّوْا مِنْكُمْ] .
وكأن الآية تخبر عن رجوعهم للجمع بلحاظ أن الفرد الذي يخرج من الجمع لابد وأن يرجع إليه , وليس من مأوى للمسلمين إلا الجهاد .
لقد خرج المسلمون من معركة بدر وأحد , وهم جمع وأمة متحدة على الهدى , ومواجهة ظلم كفار قريش وسعيهم لحمل المسلمين على الإرتداد بالسيف والقتل والحصار ، الأمر الذي يدل على عجزهم عن الإحتجاج وإقامة البرهان على عبادتهم الأوثان ، وهناك مسائل :
الأولى : هل نفع الكفار السيف يومئذ في منع الناس من دخول الإسلام .
الثانية : لو إختار الذين كفروا سبيل الترغيب والترهيب والجدال والمغالطة بدل القتال الذي خسروه , فهل ينفع هذا السبيل في منع مدّ الإسلام .
الثالثة : هل تعجل الذين كفروا باللجوء إلى السلاح والمبارزة والقتال .
أما الأولى فلم ينفع السيف وإرادة القتال الذين كفروا ، وكان تجهيزهم الجيوش لمحاربة الإسلام وبالاً وعاراً عليهم وألحق بهم الخزي بين الناس ، وصار سبباً لدخول الناس الإسلام ، وتلك معجزة في الدعوة النبوية ، خاصة وأن كفار قريش لم يكتفوا بالقتال فقد سبقه وصاحبه تشويه وإفتراء ضد شخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ورميه بالسحر والجنون ونحوه , ولكن آيات القرآن كانت ناطقة بالبرهان وكشف كذبهم وبطلان مغالطتهم .
وعن ابن عباس قال (إن الوليد بن المغيرة صنع لقريش طعاما، فلما أكلوا. قال: ما تقولون في هذا الرجل؟
فقال بعضهم: ساحر. وقال بعضهم ليس بساحر. وقال بعضهم: كاهن. وقال بعضهم: ليس بكاهن. وقال بعضهم: شاعر. وقال بعضهم ليس بشاعر.
وقال بعضهم: [بل] سحر يُؤثر. فأجمع رأيهم على أنه سحر يؤثر. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم فحزنَ وقَنعَ رأسه، وتَدَثَّر، فأنزل الله { يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ }( )( ).
لتكون الآيات أعلاه دعوة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لبذل الوسع في الجهاد في سبيل الله وتحمل الأذى في الدعوة إلى الله ، وهي إشعار بوقوع الحرب والقتال بين المسلمين والذين كفروا ، وهل الآيات أعلاه مقدمة لهجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , الجواب لا دليل عليه .
وأما المسألة الثانية أعلاه , فالجواب بالنفي أيضاً ، فقد أراد الله عز وجل إظهار الحق وإقامة صرح دولة الشريعة التي تثبت عبادة الله في الأرض وإلى يوم القيامة ، ولم يكن رجالات قريش غافلين عن صيغ الترغيب والترهيب فقد بذلوا الوسع فيها وعرضوا على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الرئاسة عليهم ، وقاموا بحصار بني هاشم في شعب أبي طالب وأدركوا أن هذا الصيغ لم تجلب لهم إلا الحنق والغيظ بسبب إنتشار الإسلام وتوالي نزول آيات القرآن وإنجذاب الناس إليها داخل وخارج مكة .
أما الثالثة , فالجواب نعم , فقد أخطأ الذين كفروا وتعجلوا باستعمال السلاح , ليدركوا أن اللجوء إليه لن ينفعهم ، فقد كانت معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قاهرة مانعة ، قاهرة للقوم الكافرين ، مانعة من البرزخ الذي يحول دون دخول الناس الإسلام .
ومن الإعجاز في المقام أن كل آية من القرآن حجة وبرهان مستقل بذاته في دعوة الناس للإسلام .
لقد لجأ الذين كفروا لإستعمال السلاح بسبب إصرارهم على الجحود والعناد , وفيه دلالة على أن الضلالة تقود إلى إرتكاب الظلم والجناية على النفس , وإضاعة الأموال والأعمار بالباطل .
وأخبرت الآية السابقة عن كون كل من المسلمين والذين كفروا جمعاً ، وهو أعظم نصر للإسلام في حينه بلحاظ ما يدل عليه من بلوغ المسلمين إلى مرتبة ملاقاة الذين كفروا مع رجحان كفة المسلمين حال اللقاء لقوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ]( ).
لقد إختار الذين كفروا القتال ليكون بداية نهاية صرح سلطانهم وهدم عروشهم ، وليكون الذل الذي تذكره الآية أعلاه قد إنتقل إلى الذين كفروا وأصبح ملازماً لهم ، فيكون من تقدير قوله تعالى [يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ] صيرورة جمع في صعود ونصر وغلبة وهم المسلمون , وجمع ذل وهوان وإنحسار وهم الذين كفروا .
الثالث عشر : تقدير الآية يوم إلتقى الجمعان , وهما :
أولاً : جمع المسلمين ويتصف بأمور :
الأول : إمامة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للجمع، فلا يفعلون إلا ما هو بالوحي .
الثاني : مصاحبة التنزيل لجمع المسلمين .
الثالث : نزول الملائكة لنصرة المسلمين .
الرابع : تفاني المسلمين في القتال ، قال تعالى في خطاب للمسلمين بخصوص معركة أحد [وَلَقَدْ كُنْتُمْ تََمَنَّوْن الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ] ( ).
الخامس : إرادة المسلمين قصد القربة في القتال .
السادس : إتصاف المسلمين بالأخوة بينهم ، وهذه الأخوة على وجهين :
الأول : الأخوة العامة التي تفضل الله عز وجل بها على المسلمين كما في قوله تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ]( ).
الثاني : الأخوة الخاصة إذ آخى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين كل أثنين من المهاجرين والأنصار ، ولا تختص هذه الأخوة بأن يكون المهاجر أخاً للأنصاري ، فقد تكون الأخوة بين إثنين من المهاجرين أو إثنين من الأنصار ، إذ تتقوم هذه الأخوة بالوحي ، ولتكون مقدمة ومرآة للأخوة العامة وتنمية ملكتها ، كما أن الأخوة العامة نوع طريق وتعاهد للأخوة الخاصة .
السابع : سلامة جمع المسلمين من الإرتداد ، لذا إبتدأت هذه الآيات بالإنذار والزجر عن طاعة الذين كفروا بقوله تعالى [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ].
الثامن : بلوغ المسلمين مرتبة اليقين بأن الذي يقتل منهم في المعركة يكتب له الله الخلود في النعيم ، وعن رسول الله صلى اله عليه وآله وسلم : انتدب الله لمن خرج مجاهدا في سبيله لا يخرجه الا ايمان بي وتصديق برسولي فهو علي ضامن ان ادخله الجنة أو أرجعه إلى بيته الذى خرج منه نائلا ما نال من اجر وغنيمة – وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما من مكلوم يكلم في الله الا جاء يوم القيامة وكلمه يدمى اللون لون دم والريح ريح مسك) ( ).
التاسع : تجلي توالي دخول الناس الإسلام ، وكل يوم تأتي إلى المدينة المنورة وفود من الأفراد والقبائل , وهم على أقسام :
أولاً : الذين يأتون للإطلاع على أحكام الإسلام ومعرفة معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن قرب .
ثانياً : الذين يسلمون في مدنهم وقراهم , فيدخلون المدينة مهاجرين.
ثالثاً : الذين تبعثهم قبائلهم لتقصي الحقائق ، ومعرفة كنه وأسرار النبوة , وكنوز التنزيل .
رابعاً : الذين يفدون إلى المدينة لمعرفة صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولا يلبثون إلا أياماً معدودة حتى يدخلوا الإسلام .
خامساً : المندوبون من المسلمين في ناحيتهم الذين يأتون لتعلم أحكام الدين وأفعال الصلاة والصيام والزكاة والفرائض الأخرى ، فيصلّون أياماً خلف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حتى إذا ما أتقنوا الصلاة وحفظوا آيات وسور من القرآن رجعوا إلى قومهم بزاد الدنيا والآخرة .
العاشر : سلامة جمع المسلمين من الحزن والأسى على الخسارة التي تلحق بهم لأنها في عين الله عز وجل ، قال تعالى [لِكَيْلاَ تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ] ( ).
الحادي عشر : إنعدام الذين يصدون المسلمين عن الجهاد في سبيل الله وهو الذي تدل عليه آية البحث ومجيؤها بصيغة الفعل المضارع .
الثاني عشر : تغشي العفو من عند الله المسلمين في ميدان المعركة .
الثالث عشر : خروج المسلمين إلى القتال بصيغة الإيمان بالله ورسوله وكتبه وملائكته , مع الوثوق بالنصر والغلبة من عند الله، وهو الذي يدل عليه قوله تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ] ( ).
الرابع عشر : قلة عدد ومؤن جيش المسلمين ، ولكن كفتهم هي الأرجح , فقد جعل الله عز وجل الملائكة معهم مدداً وعوناً .
الخامس عشر : رجوع ثلث جيش المسلمين وسط الطريق إلى معركة أحد ، بسبب خذلان رأس النفاق عبد الله بن أبي سلول.
السادس عشر : ترتب الأجر والثواب للمسلمين على خروجهم للقتال ووقوفهم في ملاقاة جيش الذين كفروا ، قال تعالى [فَآتَاهُمْ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ] ( ).
ثانياً : جمع الذين كفروا ، والذي يتصف بأمور :
الأول : الإصرار على الكفر والضلالة .
الثاني : الزحف وقطع مسافة خمسمائة كيلو متر من أجل محاربة الله ورسوله .
الثالث : تعدد مشارب الذين كفروا .
الرابع : إمتلاء نفوس الذين كفروا بالخوف والرعب لقوله تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ] ( ).
الخامس : كثرة الخلاف والخصومة بين الذين كفروا , قال تعالى [تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى] ( ).
السادس : عدم حصول رئاسة بينة وظاهرة في جيش المشركين وإن وردت بعض الأخبار بأن أبا سفيان بن حرب هو رئيسهم ، ، إنما كانت كل قبيلة لها رئيسها مثل قبيلة غطفان ، والأحابيش وغيرهم ، بينما كان المسلمون متحدين تحت لواء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
السابع : إدراك الذين كفروا بطلان الغايات التي جاءوا من أجلها وإرادتهم قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإكرام المؤمنين على ترك الإسلام .
الثامن : من الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم سلطان المعجزات التي جاء بها على القلوب فيكون تلقي وقبول الناس لها على نحو الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً .
فمن الناس من دخل الإيمان في قلبه وإستولى على جوانحه وحواسه ، ومنهم من تلقاها بالتدبر ، ومنهم من كان إيمانه على نحو الموجبة الجزئية بما فيهم شطر من الذين خرجوا من مكة لقتال المسلمين في معركة أحد ، قال تعالى [وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ] ( ).
وعن قتادة في الآية أعلاه قال (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ” ، قَالَ :”جَحَدُوا بِهَا بَعْدَمَا اسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ)( ).
وعن السدي أنه (من التقديم والتأخير)( ).
وهذا المعنى صحيح إلا أنه لا يتعارض مع مضامين نص الآية أعلاه ودلالتها ، ويمكن تأسيس قانون وهو أن التقديم والتأخير في القرآن على فرض وقوعه ليس بديلاً عن النص ونظم الآية والمعنى الظاهر منها ، ويتعلق موضوع الآية أعلاه بصدود وكفر آل فرعون بمعجزات موسى عليه السلام , وتفيد الآية في دلالتها الترتيبية بين شطريها وهما الجحود واليقين وجوهاً :
الأول : حدوث الجحود من آل فرعون بعد أن رأوا آيات موسى عليه السلام .
وعن ابن عباس في آيات موسى عليه السلام قال (التسع آيات : يد موسى ، وعصاه ، والطوفان ، والجراد ، والقمل ، والضفادع ، والدم، والسنين في بواديهم ومواشيهم ، ونقص من الثمرات في أمصارهم)( ).
الثاني : صدور الجحود من آل فرعون بمعجزات موسى إبتداء وحباً بالسلطان وزينة الدنيا ، وتيقنت أنفسهم من صدق المعجزات بعد هذا الجحود ، ولكنهم أصروا عليه ، وأخذهم الزهو والعناد .
الثالث : الإقتران والملازمة بين الجحود بالمعجزات واليقين بسنخيتها وأنهما أمور خارقة لقدرات البشر ومجئ الواو في [وَاسْتَيْقَنَتْهَا] للحال لبيان قانون وهو الملازمة بين المعجزة ويقين وتسليم الناس بها ، فاذا كان آل فرعون قد تيقنوا من معجزات موسى عليه السلام فان باقي الناس يؤمنون بمعجزات الأنبياء من باب الأولوية القطعية لأن فرعون إدعى الربوبية , وكان قومه مطيعين وتابعين له ، وفي التنزيل حكاية عنه [فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى] ( ).
وتتصف معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأنها حسية بينما كانت معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عقلية، وإذا جرت على يد موسى تسع آيات ، فكل آية من القرآن البالغة ستة آلاف ومائتين وست وثلاثين آية معجزة قائمة بذاتها ، وهي معجزة بصلتها مع كل آية من آيات القرآن الأخرى ، وجاء القرآن ليذكر الناس بلزوم عدم الجحود بها مع الإستيقان منها ، وهو من وجوه تفضيل نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم على النبوات الأخرى .
إن قصص الأنبياء ذكرى وموعظة للناس بما يفيد التدارك ولزوم ترشح الإيمان عن اليقين والإقرار بالمعجزات ، وفي الثناء على القرآن , قال تعالى[إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ]( ).
وورد قوله تعالى [وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ] ( ).
المسألة الثالثة : تقدير الجمع بين الآيتين : يا أيها الذين آمنوا إن الذين تولوا منكم يوم إلتقى الجمعان إنما إستزلهم الشيطان ) وفيه وجوه:
الوجه الأول : بدأت آية البحث بالنداء بصفة الإيمان الذي يتضمن في معانيه فخراً وعزاً للمسلمين والمسلمات إلى يوم القيامة .
وجاءت آية السياق بخصوص فريق منهم إنهزموا منهم في ميدان القتال , وهل يعني هذا الحصر في جهة الخطاب أنه يأتي زمان على الناس ليس فيه إلا المؤمنون .
الجواب لا دليل عليه ، إنما يفيد هذا التعدد في النداء وإتحاد الموضوع أو العناية من عند الله بالمسلمين حقيقة وهي إكرام الله عز وجل للمسلمين وبيان أن القرآن نزل لصلاحهم وإصلاحهم وتنمية ملكة الإيمان عندهم .
وقد وردت آيات أخرى بالنداء لبني إسرائيل وأهل الكتاب مطلقاً تتضمن الحجة والبيان .
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار إمتحان وإختبار ، ومن وجوه الإمتحان إفتتان شطر من الناس ببعضهم وإنقيادهم لإغواء الشيطان وعصمة المؤمنين من إتباع خطواته ، لتكون عاقبتهم الخلود في النعيم .
وجاءت هذه الآيات لبيان الوقائع التي خاضها المسلمون ومصاحبة فضل الله عز وجل لهم ، ببركة وجود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين ظهرانيهم .
وقد لقى أشد ضروب الأذى من أجل إنقاذهم من الضلالة ولدحر الكفر ومفاهيمه في الأرض ، فوقعت معركة بدر وكان المسلمون فيها مقبلين غير مدبرين ، ليس فيهم من فرّ أو إنهزم ، وإستخفوا بكفار قريش حينما إنهزموا ، ولم يعلموا ما لهم من سلطان وشأن في مكة وما حولها وقد سمى الله عز وجل مكة [أُمَّ الْقُرَى] ( ) .
وعندما عاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم من معركة بدر قام وسط الطريق إلى المدينة بتوزيع الغنائم ، حتى إذا كان بالروحاء والتي تبعد عن المدينة المنورة عشرة كيلو مترات لقيه المسلمون يباركون له هذا الفتح، فقال لهم سلمة بن سلامة (مَا الّذِي لَقِينَا إلّا عَجَائِزَ صُلْعًا كَالْبُدْنِ الْمُعَقّلَةِ فَنَحَرْنَاهَا ، فَتَبَسّمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ثُمّ قَالَ أَيْ ابن أَخِي ، أُولَئِكَ الْمَلَأُ) ( ) والملأ هم الوجهاء والرؤساء .
فسخر رجال قريش جاههم وأموالهم لحشد الناس ضد الإسلام والنبوة في سابقة لم ولن تحدث في التأريخ إذ يخرج النبي من قومه هارباً برسالته فاراً بأصحابه وأهل بيته ليلحق الكفار به ويقطعون مسافة نحو خمسمائة كيلو متر لقتاله ، وتقدير أول آية السياق ( يا أيها الذين آمنوا إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان ) ويحتمل وجوهاً :
الأول :فيه فخر وعز للمسلمين للملازمة بين النداء بالإيمان وبين معنى الفخر والعز .
الثاني : التفصيل ،ففيه فخر للذين ثبتوا في ميدان القتال وتعريض وتبكيت للذين فروا من الميدان منهم ، بلحاظ لزوم الملازمة بين الإيمان والصبر عند القتال والدفاع ، قال الكميت بن زيد
إذا لم يكن إلا الأسنة مركب .. فما رأي للمضطر إلا ركوبها( )
والأسنة جمع سنان وهو نصل الرمح ورأسه الحاد .
الثالث : الإطلاق في الثناء والمدح للمسلمين وإن كان فريق منهم قد إختار الفرار من الميدان .
والصحيح هو الثالث أعلاه لوجوه :
الأول : أصالة التبادر في عظيم فضل الله عز وجل على المسلمين .
الثاني : مخاطبة آية البحث المسلمين بصبغة الإيمان .
الثالث : نسبة آية السياق الذين تولوا إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت والمؤمنين الذين ثبتوا معه .
ترى لماذا لم تخاطب آية السياق النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وتقول : إن الذين تولوا من أصحابك ).
الجواب من جهات :
الأولى : إرادة إكرام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : مجئ نظم الآيات بالخطاب للمسلمين .
الثالثة : شكر الله عز وجل للمسلمين لأنهم جاهدوا في سبيله وخرجوا للقتال .
الرابعة : تنمية ملكة تلقي المسلمين الخطاب الإلهي بالقبول والتدبر والعمل ، وفي التنزيل [وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ]( ).
الرابع : نسبة آية السياق التولي إلى المسبب وهو إزلال الشيطان .
الخامس : مجئ آية السياق بالإخبار عن عفو الله عز وجل عن الذين تولوا من المؤمنين .
وعندما نزل قوله تعالى [إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ..] ( ).
ورد عن جابر بن عبد الله أنه قال :نحن الطائفتان بنو حارثة وبنو سلمة ، وما نحب أنها لم تنزل لقول الله تعالى [وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا] وجابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام من بني سلمة من الأنصار شهد العقبة الثانية برفقة أبيه ، ذكر أنه من البدريين , وكان ينقل الماء يومئذ ثم شهد مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثمان عشرة كتيبة .
وعن جابر قال : غزا رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم بنفسه إحدى وعشرين غزوة شهدت منها معه تسع عشرة كتيبة . وكان من المكثرين الحفاظ للسنن وكف بصره في آخر عمره) ( ).
وقيل أن جابراً لم يشهد أحداً (وقال ابن الكلبي شهد أحدا وشهد صفين مع علي عليه السلام ) ( ).
وتوفى سنة أربع وسبعين , وقيل سنة ثمان وسبعين وعمره أربع وتسعون سنة .
وفي حديث جابر أعلاه مسائل :
الأولى : بيان وتعيين أسباب نزول الآية القرآنية .
الثانية : جواز إعتماد الخبر عن الصحابي بخصوص أسباب النزول مع عدم وجود الخبر أو القرينة المعارضة .
الثالثة : تفقه الصحابة في دلالات آيات القرآن ، وما فيها من العلوم والدلالات .
الرابعة : تأكيد إخبار الآية أعلاه عن الهمّ بالفشل إذ تؤكد الآية بالدلالة التضمنية على أن الطائفتين من الصحابة لم يفشلوا ولم يجبنوا بينما أخبرت آية لاحقة بحصول الفشل من المسلمين ونزلت كلا الآيتين بخصوص معركة أحد بقوله تعالى [حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ] .
ليفيد الجمع بين الآيتين التبعيض في الفشل والجبن وأنه لم يقع من قبل كل المؤمنين في ميدان المعركة ، وكأن جابر بن عبد الله يقول أننا خارجون بالتخصيص من قوله تعالى [حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ] وأننا لم نفشل ولم نجبن ، ليكون تقسيم المسلمين وفق الآية أعلاه على جهات :
الأولى : طائفة فشلوا وجبنوا حينما تغيرت الريح ، وصارت الجولة للذين كفروا في معركة أحد وكثر القتل بين المسلمين , وتحتمل الصلة بين التولي والذي توثقه آية السياق والفشل الذي تذكره آية السياق وجوهاً :
الأول : نسبة التساوي وأن الذين فشلوا هم أنفسهم الذين فشلوا وفروا من ميدان المعركة .
الثاني : نسبة العموم والخصوص من وجه فهناك مادة للإلتقاء وأخرى للإفتراق .
الثالث : نسبة العموم والخصوص المطلق ، وهو على شعبتين :
الأولى : الذين فشلوا وجبنوا أعم وأكثر من الذين فروا من ميدان المعركة .
الثانية : الذين فروا من ميدان المعركة هم الأكثر من الذين فشلوا .
والمختار هو الشعبة الأولى من الوجه الثالث أعلاه .
كما تحتمل النسبة بينهم وبين الذين ثبتوا في ميدان المعركة وجوهاً :
أولاً : الذين ثبتوا في ميدان معركة أحد أكثر من الذين فروا.
ثانياً : الذين ثبتوا أكثر من الذين فشلوا وجبنوا .
ثالثاً : الذين فشلوا وجبنوا أكثر من الذين ثبتوا في الميدان .
رابعاً : الذين تولوا وفروا أكثر من الذين ثبتوا في الميدان .
خامساً : الذين ثبتوا في الميدان أكثر من الذين فشلوا والذين تولوا مجتمعين .
سادساً : الذين فشلوا وجبنوا والذين تولوا أكثر من الذين ثبتوا في الميدان بصبر ومجاهدة .
والمختار هو الأخير أعلاه فلم يبق مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ميدان المعركة إلا نفر قليل من أهل البيت والصحابة ، وقد وردت بعض الأخبار بذكر أسمائهم .
الوجه الثاني : من معاني النداء جذب سمع المنادى وتهيئة ذهنه لأمر فتفضل الله عز جل ونادى المسلمين وجاء النداء بصفة الإيمان والشهادة لهم من عند الله ببلوغ مرتبة الهداية والإيمان ، ولو دار الأمر بين الإطلاق والتقييد فالأصل هو الإطلاق أي أن الله عز وجل يشهد للمسلمين بالإيمان من وجوه:
الأول : إيمان المسلمين بالله إلهاً واحداً .
الثاني : تسليم وإقرار المسلمين بإنتفاء الشريك والند لله عز وجل ، ليكون من معاني ودلالات قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ] بشارة المسلمين بقرب العفو والمغفرة منهم , قال تعالى [إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ] ( ).
ومن مصاديق فوز المسلمين بالمغفرة ذكر آية السياق لعفو الله عز وجل عن الذين تولوا وفروا من القتال مع بقاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الميدان وقلة الصاحب والمؤازر ، إذ وردت الأخبار بأن عدد الذين معه أحد عشر من أهل بيته وأصحابه .
وفي رواية ثلاثة عشر ويفيد رد الأخبار بعضها إلى بعض بأن عددهم أقل من عشرين ، ويدل نزول العفو عن الذين فروا وتولوا من الصحابة على شمول العفو لغيرهم من باب الأولوية القطعية .
الثالث : إيمان المسلمين بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمعجزات التي جاء بها .
الرابع : الإيمان بنزول القرآن من عند الله , ومن خصائص المسلمين في المقام أمور :
أولاً : التسليم بأن ما بين الدفتين قرآن .
ثانياً : العصمة من تغيير أو تبديل كلمات القرآن .
ثالثاً : تعاهد آيات القرآن رسماً وتلاوة وحفظاً وتفسيراً .
رابعاً : الإمتثال لأمر الله بوجوب قراءة القرآن في الصلاة اليومية على نحو الوجوب العيني لكل مسلم ومسلمة خمس مرات في اليوم ، ومن الإعجاز في الشريعة الإسلامية تكرار التلاوة في كل فريضة من الفرائض الخمسة .
الخامس : الإيمان بملائكة الله عز وجل وأن مسكنهم السماء وأنهم عباد مكرمون .
السادس : الإيمان بالأنبياء والمرسلين على نحو العموم الإستغراقي والمجموعي ، قال تعالى [قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا] ( ).
السابع : الإيمان باليوم الآخر والمعاد ووقوف الناس بين يدي الله للحساب ، وإجماع علماء المسلمين على أن الإيمان بالمعاد من أصول الدين وإن كان تقسيم مبادئ وأحكام الشريعة إلى أصول وفروع تقسيماً إستقرائياً .
ولما كان نداء [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] تشريفاً وإكراماً من عند الله للمسلمين والمسلمات فهل فيه بشارة الجزاء لهم ، الجواب نعم ، وليس من حصر لوجوه الجزاء , ويتفضل الله تعالى بمضاعفته من وجوه :
الأول : تلاوة المسلمين لآيات القرآن .
الثاني : ترتب الثواب الجزيل على تلاوة المسلم للآية القرآنية سواء في الصلاة أو خارجها ، لذا تفضل الله عز وجل وأثنى على القرآن ، قال تعالى [ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ] ( )أي أنه نعمة عظمى وخير محض وتترشح عنه البركة .
وعن عوف بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم « من قرأ حرفاً من القرآن كتب الله له به حسنة . لا أقول { بسم الله } ولكن باء ، وسين ، وميم ، ولا أقول { الم } ولكن الألف ، واللام ، والميم .
وأخرج عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من قرأ حرفاً من القرآن كتب الله له عشر حسنات : بالباء ، والتاء، والثاء ) ( ).
الثالث : تلقي المسلمين نداء [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] بالشكر لله عز وجل ، ومن مصاديق هذا الشكر تلاوتهم عدة مرات في اليوم لآية [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ] ( ) ومن وجوه جزاء الله عز وجل للمسلمين بلحاظ آيات البحث أمور .
أولاً : سلامة المسلمين من الفرار والتولي .
ثانياً : عصمة المسلمين من فعل القبائح التي يرتكبها الذين كفروا .
ثالثاً : زيادة إيمان المسلمين ، وفي الثناء على الذين يتحلون بصفة الإيمان منهم ، قال تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا] ( ).
رابعاً : عصمة المسلمين من محاكاة الذين كفروا .
خامساً : مناجاة المسلمين في الدفاع عن بيضة الإسلام والتفاني والإخلاص في طاعة الله .
سادساً : صرف شرور وكيد الشيطان عن المسلمين .
وتتضمن آية السياق في دلالتها أموراً :
الأول : حث المسلمين على الدعاء للسلامة من الشيطان وإغوائه.
الثاني : ترغيب المسلمين بالتفقه في الدين , ومعرفة كيفية التوقي من الغواية.
الثالث : ترغيب المسلمين بالدعاء والسؤال للعصمة من إتباع الشيطان .
الرابع : دعوة المسلمين والمسلمات في أجيالهم المتعاقبة إلى التدبر بوقائع اللقاء بين المسلمين والذين كفروا في معركة أحد .
الخامس : دعوة المسلمين للإجتهاد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للإحتراز من حبائل الشيطان .
السادس : لزوم تجلي مصاديق الأخوة الإيمانية بين المسلمين بالمناجاة بالإحتراز من الشيطان وإنقاذ الذين يفتتن به .
السابع : يدل نزول العفو من عند الله عن الذين تولوا عن القتال في ذات الآية على فتح باب العفو للمسلمين ، وهو من الفيوضات الإلهية المصاحبة لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ومن أسرار القرآن أنه يوثق قصص الأنبياء مع بيان جهادهم وتفانيهم في طاعة الله , ووجود أمة من الأتباع والأنصار لهم مع البشارة لهم بالغبطة والسعادة في الآخرة .
وذكر القرآن قصص الطواغيت والقوم الظالمين مع بيان جورهم وطغيانهم وما لحقهم من الفناء وأسباب الهلاك ، وما ينتظرهم من العقاب الأليم في الآخرة ، قال تعالى في آل فرعون [وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ] ( ).
وتتضمن الآية أعلاه صنوفاً من العذاب وهي :
الأول : هلاك آل فرعون وغرقهم في البحر الأحمر .
الثاني : نزول العذاب الإبتدائي بآل فرعون وهم في القبور، وهو الذي يسمى عذاب البرزخ ، وهذا المعنى مستقرأ من قوله تعالى [وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ] ( ).
الثالث : خلود آل فرعون في النار يوم القيامة ، ومن هذه الآيات إنذار الذين كفروا من قريش ومن والاهم ، ودعوة الناس لإجتناب محاربة الإسلام والجحود بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم , فليس في هذا الجحود إلا الهلاك , وسوء العاقبة , وقد جاءت آيات القرآن بدعوة الناس للسير في الأرض لمعرفة سوء عاقبة الذين كفروا , لقد تقدم قبل سبع آيات قوله تعالى[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ] ( ).
ثم جاءت آية البحث بذات صيغة الإيمان مما يدل على ثبات المسلمين في مقامات الإيمان , وفي الجمع بين نداء الإيمان في الآية أعلاه ونداء الإيمان في آية البحث وجوه :
الأول : من أسرار الجمع بين الآيتين إخبار القرآن عن عصمة المسلمين من طاعة الذين كفروا ، إذ جاءت الآية أعلاه بالنهي عن طاعتهم ، ووردت آية البحث بتأكيد إتصاف المسلمين بخصال الإيمان ، ليكون من إعجاز القرآن أن الله عز وجل ينهى المسلمين عن فعل ثم يخبر عن تقيدهم بمضامين ذات النهي ، فلو أطاع المسلمون الذين كفروا لما جاء الخطاب من عند الله لهم مرة ثانية بذات صفات الهدى والرشاد.
الثاني : من أشد ما يواجه الإنسان في الحياة الدنيا أمور :
أولاً : إختيار الكفر .
ثانياً : البقاء على الكفر , مع تجدد الدعوة للإيمان في كل دقيقة وساعة من ساعات عمر الإنسان .
ثالثاً : الإرتداد عن مقامات الهدى والإيمان ، فابتدأت آية البحث ببشارة المسلمين بسلامتهم من هذه الأمور .
الثالث : من أسرار نفخ الله عز وجل من روحه في آدم ودبيب الحياة في بدنه بسببها بعث النفرة في نفوس بن آدم من الكفر ومن إتباع الشيطان وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : (كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال لهم الجن خلقوا من نار السموم من بين الملائكة ، وكان اسمه الحارث ، فكان خازناً من خزان الجنة ، وخلقت الملائكة كلهم من نور غير ذلك الحي ، وخلقت الجن من مارج من نار . وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا التهبت ز
فأول من سكن الأرض الجن ، فأفسدوا فيها ، وسفكوا الدماء وقتلوا بعضهم بعضاً ، فبعث الله اليهم إبليس في جند من الملائكة فقتلهم حتى ألحقهم بجزائر البحور واطراف الجبال ، فلما فعل إبليس ذلك اغتر بنفسه وقال : قد صنعت شيئاً لم يصنعه أحد ، فاطلع الله على ذلك من قلبه ولم تطلع عليه الملائكة . فقال الله للملائكة { إني جاعل في الأرض خليفة }( ).
فقالت الملائكة { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء } ( )كما أفسدت الجن قال { إني أعلم ما لا تعلمون } يقول : إني قد اطلعت من قلب ابليس على ما لم تطلعوا عليه من كبره واغتراره .
ثم أمر بتربة آدم فرفعت ، فخلق الله آدم عليه السلام من طين { لازب } ( )، واللازب اللزج الطيب من { حمإ مسنون } منتن ، وإنما كان حمأ مسنوناً بعد التراب ، فخلق منه آدم بيده ، فمكث أربعين ليلة جسداً ملقى ، فكان ابليس يأتيه يضربه برجله ، فيصلصل فيصوت ثم يدخل من فيه ويخرج من دبره ، ويدخل من دبره ويخرج من فمه ، ثم يقول : لست شيئاً ، ولشيء ما خلقت! ولئن سلطت عليك لأهلكنك ، ولئن سلطت علي لأعصينك .
فلما نفخ الله فيه من روحه أتت النفخة من قبل رأسه ، فجعل لا يجري شيء منها في جسده إلا صار لحماً ودماً ، فلما انتهت النفخة إلى سرَّته نظر إلى جسده فأعجبه ما رأى من جسده ، فذهب لينهض فلم يقدر . فهو قول الله { خلق الإِنسان من عجل } .
فلما تممت النفخة في جسده عطس فقال { الحمد لله رب العالمين } ( )بإلهام من الله فقال الله له « يرحمك الله يا آدم ، ثم قال للملائكة الذين كانوا مع إبليس خاصة دون الملائكة الذين في السموات : { اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر }( ) لما حدث في نفسه من الكبر فقال : لا أسجد له ، وأنا خير منه ، وأكبر سناً ، وأقوى خلقاً، فأبلسه الله وآيسه من الخير كله ، وجعله شيطاناً رجيماً) ( ).
لقد أراد الله عز وجل التخفيف عن الناس فزين الإيمان في نفوسهم وحبب إليهم طاعته ، وتفضل وبينّ لهم أن طاعة الذين كفروا مجلبة للضرر في النشأتين ، وأنها تؤدي إلى الإرتداد والخسران المبين ، لبيان حقيقة وهي أن الكفار يبوؤون بإثمهم وإثم الذين يتبعوهم ويطيعونهم .
وتبين الآية أعلاه علة إستمرار مفاهيم الكفر في الأرض وأنها لم تنقل وتقم بالتوارث والقناعة والرضا ، إنما تتقوم بطاعة فريق من الناس لرؤساء الكفر كما في معركة بدر وأحد ، فان علة هاتين المعركتين ومعارك الإسلام الأولى قيام أفراد قلائل من رؤساء الكفر والضلالة بتحريض الناس وبذل الأموال ، والإنفاق بسخاء لتجنيد الناس وترغيبهم والعهد لهم بأداء ما عليهم من الديون من أجل الخروج لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابع : يبعث قوله تعالى [فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ] ( ) الحيطة والحذر في نفوس المسلمين من الركون للقوم الظالمين ، ومن طاعة الذين كفروا , وهو من ضروب طرو الغفلة عن المسلمين في قوله تعالى [نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الْغَافِلِينَ]( ).
وهل يتضمن الإنذار والتحذير من الإنقلاب بالخسارة الخوف والفزع في نفوس المسلمين من الإرتداد وما يترشح عنه من الخسارة , الجواب لا ، ويدل على إمتناع الخوف العام عند المسلمين بسبب الآية أعلاه وإن وردت بصيغة النهي المقترن بالإنذار بدليل إبتداء الآية بنداء الإيمان الذي هو حرز وأمن من الإرتداد وأسبابه وأضراره ، وإنتهاء الآيات المعطوفة على ذات النداء بخاتمة آية السياق [إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ]( ).
ومن مصاديق رحمة الله في المقام المدد الذي يتفضل به لحصانة المسلمين من النكوص والإرتداد الذي هو من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متعددة ومتفاوتة قوة وضعفاً .
وقيدت الآية ما يكون سبباً للإنقلاب على الإعقاب من ضروب الإرتداد بقوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ]( ).
وأختتمت آية البحث بالنداء [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ] لتأكيد سلامة المسلمين من الإرتداد ، وتلقيهم النهي عن طاعة الذين كفروا بالقبول والإمتثال ، والإمتناع عن طاعتهم ، وهو الأمر الذي ملأ قلوب الذين كفروا بالغيظ والحسد خاصة وان كثيراً من أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من المستضعفين والفقراء ، ومنهم من كان عبداً عند بعض رجالات قريش مثل بلال ، ولم يعلموا أن الله عز وجل يرفع الإنسان بالإيمان درجات ، قال سبحانه [وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ] ( ) .
فأرادت قريش قهر المسلمين وحملهم على طاعتهم , فكان النهي من عند الله عز وجل عن طاعة الكفار سلاحاً عند المسلمين من جهات:
الأولى : تفقه المسلمين في الدين , ومعرفة سبل إجتناب طاعة الذين كفروا .
الثانية : الفصل وإلى يوم القيامة بين المسلمين والذين كفروا إذ جاء قوله تعالى [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا] لبيان هذا الفصل في الاسم والمسمى وفي الصفات والأفعال ، وهو من الإعجاز في تسمية يوم معركة بدر يوم الفرقان بقوله تعالى [وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ] ( ).
وقد تقدم أن يوم معركة أحد هو يوم فرقان وفيصل بين الإيمان والكفر وإلى يوم القيامة .
الثالثة : بعث النفرة في نفوس المسلمين من الفعل الذي ينهى عنه الله عز وجل، ومن الإعجاز في المقام شمول النهي عن طاعة الذين كفروا في القول والعمل.
الرابعة : بيان أضرار طاعة الذين كفروا , وتتعدد هذه الأضرار من وجوه :
أولاً : لحوق الضرر بذات الذي يطيع الكفار، وينصت إليهم، ويحاكيهم في أقوالهم وأفعالهم ذات صبغة الجحود وإنكار الإلوهية المطلقة لله، والإمتناع عن التصديق بالنبوة والتنزيل.
ثانياً : ما يلحق ذات الذين كفروا من الإثم بسبب إتباع الغير لهم، قال تعالى في ذمهم وإنذارهم [لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ]( ).
ثالثاً : ما يترشح من الضرر على الناس بسبب تغشي طاعة الذين كفروا في القبائح والمنكرات.
الخامسة : تنمية ملكة التقيد بالنواهي الواردة في القرآن والسنة عند المسلمين والمسلمات.
ومن غايات نهي المسلمين عن طاعة الذين كفروا أمور :
الأول : ثبات المسلمين في مقامات الإيمان.
الثاني : إنذار الذين كفروا بأن المسلمين سيدافعون بالسيوف والنفوس والأموال .
الثالث : دعوة الناس جميعاً إلى عدم طاعة الذين كفروا.
الرابع : صيرورة المسلمين أسوة وقدوة للناس في العصمة من طاعة الذين كفروا.
الخامس : بعث الخوف والرعب في قلوب الذين كفروا لإعراض الناس عنهم، إنما يقاتل رؤساء الكفر بالأعوان والجند والأتباع.
ليدل قوله تعالى[إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ]( )، في مفهومه على أمور:
الأول : قبح فعل الذين كفروا.
الثاني : ذم الذين كفروا لسوء إختيارهم.
الثالث : إنذار الناس من إغواء الناس.
الرابع : حث الناس على الإقتباس من المسلمين، وتعلم كيفية الصدود عن الذين كفروا.
الخامس : إرادة سلامة أهل الأرض من الحروب والقتال، ولما إحتجت الملائكة على تفضل الله بجعل آدم خليفة في الأرض بقولهم [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ]( )، أجابهم سبحانه بقوله [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( )، ليكون من علم الله عز وجل منع المسلمين من طاعة الذين كفروا وصدّ الناس عن إتباعهم في فسادهم , حتى إذا ما أراد الذين كفروا القتال دون الباطل إمتنع الناس عن نصرتهم، ونزل الملائكة لنصرة الذين آمنوا .
وتحتمل الآية القرآنية وجوهاً :
الأول : من آيات القرآن ما هي فيصل بين الإيمان والكفر ومنها ما لا صلة لها بموضوع الفصل والتمييز بينهما .
الثاني : كل آية قرآنية فيصل بين الإيمان والكفر .
الثالث : لا صلة لآيات القرآن بالفصل والفيصل بين المؤمنين والذين كفروا , بدليل أن آية البحث تخاطب المسلمين بصفة الإيمان ، وتتوجه آيات من القرآن إلى الذين كفروا بالذم والتوبيخ.
الرابع : القدر المتيقن من الفرقان بالنسبة للمسلمين هو أن القرآن كله فرقان بلحاظ العموم المجموعي لآياته، قال تعالى في الثناء على نفسه والإخبار عن عظيم منزلة القرآن [وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ] ( ) .
وعن ابن عباس قال : الفرقان جماع اسم التوراة والإنجيل والزبور والفرقان( ).
الخامس : قد جاء النص القرآني بأن يوم بدر (يوم الفرقان) إذ تقابل المسلمون بإمامة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع الذين كفروا في أول معركة في تأريخ الإسلام فاجتهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالدعاء وقال (اللهم انجز لي ما وعدتني ( ).
وعندما شارفت المعركة على الإنتهاء قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات المعنى : اللهم إن تقتل هذه العصابة لا تعبد( ).
وهذا الدعاء وثيقة رسالية تبين إنحصار الإيمان بالمدينة المنورة وإختصاص الدفاع عنه بالصحابة الذين حضروا معركة أحد تحت لواء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , والعصابة هم الجماعة من الناس المنتظمة في أمر .
وفي حديث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أعلاه بيان لحاجة الناس إلى الإسلام وسلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وطائفة من أصحابه يوم أحد لدوام الدعاء إلى عبادة الله ، وتستقرأ هذه الحاجة من قوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( ) ويحتمل المقصود من لفظ العصابة وجوهاً :
الأول : إرادة شخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتقدير الدعاء ( اللهم إن أُقتل وأنا خاتم النبيين والإسلام لمّا ينتشر بعد).
الثاني : إرادة النفر من أهل البيت والمهاجرين والأنصار الذين ثبتوا مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في الميدان .
الثالث : المقصود عموم الصحابة الذين قابلوا الذين كفروا في الميدان وشملهم لفظ الجمع في قوله تعالى [يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ] فهم الدعاة إلى الإسلام والذين يذبون عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإذا قتلوا لم يبق مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا الضعفاء والمستضعفين والنساء بل إن بعض المؤمنات كانت تشارك في القتال مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم كأم عمارة ، كما خرجت نسوة إلى ميدان المعركة لمداواة الجرحى ، وإذا قُتل الرجال سبيت النساء ، ومنعن من الصلاة والصوم ، وهو من الذخائر في دعاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ويعلم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه لا يغادر الحياة الدنيا حتى ينزل عليه القرآن كله ، لذا كان من آخر آيات القرآن نزولاً قوله تعالى [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا]( ).
والمختار إرادة الوجوه الثلاثة أعلاه كلها , فيدخل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الدعاء ، ورجاء نجاته وأهل بيته وأصحابه من القتل يوم معركة أحد خاصة عندما تحولت الريح وصارت الجولة للذين كفروا ، وهل لهذا الدعاء أثر حسي .
الجواب نعم ، فقد توقفت المعركة من غير علة ظاهرة ، وكأن الخيار بيد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتجدد القتال وهو الذي يدل عليه قوله تعالى [وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ] ( ) ليكون من مصاديق قوله تعالى [وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ] يدعوكم لإحتمال تجدد القتال والنظر في إعادة الكرة على الذين كفروا .
لقد ورد دعاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بصيغة الجملة الشرطية وفق الصناعة النحوية ، ولكنه ليس شرطاً ، إنما هو دعاء توسل ورجاء لحفظ الصحابة ولإلحاق الخزي بالذين كفروا [يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ].
وذات الدعاء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في يوم حنين (اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ أَنْ لَا تُعْبَدَ بَعْدَ الْيَوْمِ) ( ) ولم يترك صلى الله عليه وآله وسلم الشكر لله عز وجل إذ كان يقول يومئذ : اللهم لك الحمد ، وإليك المشتكى ، وأنت المستعان ، فقال جبريل : لقد لقنت الكلمات التي لقى الله تعالى موسى يوم فلق البحر ، وكان البحر أمامه وفرعون خلفه .
ومن الشواهد على إستجابة الله عز وجل لدعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد نزول الملائكة بقصد نصرة المؤمنين كما في قوله تعالى [إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُنْزَلِينَ] ( ) لبيان أن الله عز وجل أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إجابة دعوته ومنع القتل والغناء عن الوصول إلى ساحة أصحابه وأمره أن يبلغهم بنزول الملائكة لنصرتهم .
ويحتمل موضوع ومكان وزمان مدد الملائكة في الآية أعلاه وجوهاً:
الأول : إختصاص نصرة الملائكة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : نصرة الملائكة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أما نصرتهم للصحابة الذين معه فبالتبعية والإلحاق .
الثالث : إرادة نصرة الملائكة للمهاجرين والأنصار ، أما النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فان الله عز وجل هو الذي ينصره .
لذا ورد قوله تعالى [إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ] ( )ويمكن أن يقال أن ملائكة آخرين نزلوا لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم غير الذين حضروا لنصرة المؤمنين.
ومن الإعجاز في المقام مجئ الآية التالية للآية أعلاه بالإخبار عن كون عدد الملائكة يأتون لنصرتهم خمسة آلاف ملك ، وذكر الله صفتهم [مُسَوِّمِينَ] ( ) أي أنهم يحملون علامات تدل عليهم , وكأن علامات الملائكة الثلاثة آلاف الذين نزلوا لنصرة المؤمنين غير علامات الذين نزلوا لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولعل منهم من نزل بوظائف أخرى بذات المعنى والخصوص .
لذا ذكر لفظ [يمدكم] في قوله تعالى [يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ] ( )، ثم جاء في الآية أعلاه [يمددكم ربكم بخمسة آلاف .. ] لبيان التعدد والزيادة المتصلة .
الوجه الثالث : تقدير الجمع بين الآيتين (يا أيها الذين آمنوا إن الذين تولوا منكم يوم إلتقى جمعكم وجمع الذين كفروا )لبيان حقيقة وهي إتحاد سنخية الإيمان والإتصال والرحم والنسب بين المسلمين الصحابة وبين أجيال المسلمين المتعاقبة وإلى يوم القيامة ، وهو من عمومات قوله تعالى [ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ] ( ) بإرادة الأخوة الطولية بين الأجيال المتعاقبة والحي والميت منهم , والعرضية الظاهرة بالأخوة بين أفراد الجيل والطبقة الواحدة منهم .
ومن معاني هذا الجمع الإتصال الموضوعي المتجدد في كل زمان لأثر معركة أحد ، وحاجة أجيال المسلمين إلى النصر والسلامة من الهزيمة فيها ، وهو من أسرار مجئ آية السياق بصيغة الخطاب العام للمسلمين ، وإبتداء آية البحث بالنداء للمسلمين بصفة الإيمان .
الوجه الرابع : من غايات آية السياق الإنذار وتحذير المسلمين من إتباع خطوات الشيطان الذي يؤدي إلى الإنصات للنفس الشهوية والتعلق بزينة الدنيا ، وقلة الصبر ، لتبعث آية السياق المسلمين على التفقه في الدين والإحتراز من المعاصي والذنوب ،وعن الإمام علي بن الحسين عليه السلام قال (متفقه في الدين أشد على الشيطان من عبادة ألف عابد) ( ).
وجاءت الآية بصيغة الماضي [إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ] وكذا مسألة العفو عنهم ، ليكون مضمون الآية من قصص القرآن الخاصة بالمسلمين وجهادهم وصبرهم في سبيل الله .
المسألة الرابعة : تقدير الجمع بين الآيتين : يا أيها الذين آمنوا إن الذين تولوا منكم لقد عفا الله عنهم ) وفيه وجوه :
الوجه الأول : بيان قانون وهو أن القرآن مدرسة تأديب المسلمين والمسلمات ، فما أن يدخل الإنسان الإسلام أو يصل المسلمة والمسلمة سن البلوغ حتى يتوجه لهم الخطاب التأديبي اللطيف [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ] لإفادة حقيقة وهي شهادة الله عز وجل لهم بالإيمان ولزوم قيامهم بشكره سبحانه بالتقيد بأحكام الإيمان , ومنها الثبات في الميدان عند ملاقاة الأعداء .
ليكون من وجوه تقدير الجمع بين الآيتين : يا أيها الذين آمنوا أثبتوا في الميدان ولا تكونوا كأخوانكم الذين تولوا بسبب إستزلال الشيطان لهم .
لقد ورد لفظ [الَّذِينَ] مرة واحدة في آية السياق ، وورد مرتين في آية البحث يتعلق أحدهما بالمسلمين بقوله تعالى [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] لتكون النسبة بينهما هي العموم والخصوص المطلق ، فلفظ الذين آمنوا أعم وأكثر من قوله [الَّذِينَ تَوَلَّوْا]لتأكيد حقيقة تعبدية في الأرض وهي إنحسار التولي وقلة عدد أهله ومغادرتم الدنيا ، بينما يبقى المسلمون يتوارثون الإيمان في كل زمان ، وقد تنقبض نفس المسلم عندما يعلم أن طائفة من الصحابة تولوا وفروا من ميدان المعركة مع وجود النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيه ، ونصرة الملائكة لهم ، فلم تقتصر نصرتهم على شخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والنبوة والتنزيل ، بل نزلوا ليحفظوا أشخاص المسلمين بسلامة في دينهم ، لذا قيدت الآيات أوان نزولهم بتحلي المسلمين بالصبر والتقوى لقوله تعالى [بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ] ( ) .
وهل في الآية أعلاه تعريف للذين تولوا من المسلمين لأن الملائكة نازلون مدداً وناصرين لهم , الجواب تدل الآية أعلاه على لزوم الصبر في الميدان وعدم اللجوء إلى التولي والفرار ومن فضل الله أن تولي وفرار أكثر المسلمين يومئذ لم يمنع من نزول الملائكة بلحاظ ثبات نفر منهم مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكل فرد منهم أمة بالصبر والتقوى ، قال تعالى في الثناء على إبراهيم عليه السلام [إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ] ( ) وكان الإمام علي عليه السلام والصحابة الذين ثبتوا في الميدان كل فرد منهم أمة وإمام بالصبر والتقوى , وصار ثباتهم مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم مقدمة وسبباً مباركاً لنزول الملائكة لنصرتهم وإقامة صرح دولة الإسلام ، ومما يخفف الأمر ويهون الخطب عن الذين تولوا تضمن آية السياق نزول العفو من عند الله عز وجل عنهم ، لبيان قانون وهو مع نزول الملائكة والمدد ينزل العفو من عند الله وينزل النصر والغلبة على الأعداء ، وهو من مصاديق إن الله عز وجل يعطي بالأوفى والأتم .
فان قلت لم يتحقق نصر المسلمين في معركة أحد ، والجواب هناك أمارات تدل على هذا النصر منها :
الأول : سلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من القتل .
الثاني : نسبة الإنصراف وإنهاء القتال إلى المسلمين ، فلم تكن المبادرة بيد الذين كفروا ، قال تعالى [ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ].
الثالث : من معاني قوله تعالى [وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ]ما يفيد معنى النصر والغلبة للمسلمين من جهات :
الأولى : والرسول يدعوكم لمطاردة الذين كفروا , ليكون من معاني هذه الآية البشارة بهزيمة العدو ، إذ توقف القتال في نفس اليوم الذي بدأ به , وهو النصف من شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة هو هزيمة للذين كفروا
الثانية : والرسول يدعوكم للإنتفاع الأمثل من وجود الملائكة في ميدان المعركة مدداً وناصرين للنبوة والإسلام .
الثالثة : والرسول يدعوكم إلى الصبر في مواطن القتال وزجر الذين كفروا من العودة إلى الهجوم مرة أخرى ، وهل من موضوعية لقوله تعالى [وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ]ونداء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للصحابة بالرجوع إلى ميدان معركة أحد في بعث المسلمين للدفاع في معركة الخندق وزجر ومنع جيوش الأحزاب من غزو المدينة والدخول إلى أزقتها , الجواب نعم ، خاصة وأن الخندق الذي حفره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون لم يحط بأطراف المدينة كلها ، وآثاره باقية إلى يومنا هذا ، ليكون من معاني إعجاز الآية القرآنية أنها تأتي بخصوص معركة من معارك المسلمين ليبقى ويتجدد نفعها من وجوه :
أولاً : النفع من الآية القرآنية في معارك الإسلام اللاحقة .
ثانياً : إتخاذ المسلمين الآية القرآنية التي تخص القتال والحرب موعظة وعبرة .
ثالثاً : الآية القرآنية واقية من كثرة القتال والحرب ، وحتى إذا قامت المعركة فانها سرعان ما تنقضي .
رابعاً : الآية القرآنية التي تخص أمور المسلمين حرب على النفاق وفضح للمنافقين وبرزخ دون إظهارهم ما يبطنون من الجحود ومعاني الكفر ، وفي التنزيل [قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ] ( ).
خامساً : الآية القرآنية دعوة للمسلم والمهادنة وحث على الجدال والإحتجاج بالبرهان ومنه التدبر في معاني الآية ويشترك المسلم وغيره في هذا التدبر وكأن الآية القرآنية بديل وعوض عن ميدان المعركة .
المسألة الخامسة : تقدير الجمع بين الآيتين : يا أيها الذين آمنوا إن الله غفور حليم ) وفيه وجوه :
الوجه الأول : يتجلى في الجمع بين الآيتين تعدد قوانين الرحمة في الإرادة التكوينية , وهذه الرحمة على أقسام منها :
أولاً : شآبيب الرحمة التي تنزل على الأفراد والرحمة نوع مفاعلة إذ أنها تنزل من عند الله فتصيب العبد سواء بقابلية عند العبد أو بفضل إيتدائي من عند الله كما يدل عليه قوله تعالى[وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ] ( )، وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم : تعرضوا لرحمة الله بما أمركم به من طاعته .
ثانياً : الرحمة الخاصة التي تأتي للمسلمين ، ويدل عليها نداء وخطاب الله عز وجل لهم بصفة الإيمان ، فلم تقل آية البحث : يا أيها الذين أسلموا ، وليس في القرآن مثل هذا النداء مع ورود لفظ [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ] تسعاً وثمانين مرة ، لتدل هذه الكثرة العددية في مفهومها على أمور :
الأول : تأكيد إيمان المسلمين .
الثاني : وعد الله عز وجل بعدم إرتداد المسلمين .
الثالث : وجود أمة من المؤمنين بالله ونبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم في كل زمان ، مما يترشح عن هذا الإيمان التصديق بالقرآن واليوم الآخر .
الرابع : إستدامة نصر الله عز وجل للمسلمين ، قال تعالى [وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ] ( ).
وهل عفو الله عز وجل عن المؤمنين عامة وعن الذين تولوا منهم يوم معركة أحد خاصة من مصاديق النصر الذي تذكره الآية أعلاه ، الجواب نعم لإرادة الإطلاق في معاني النصر فيها ومنه النصر على الذين كفروا , والعصمة من إغواء الشيطان وعدم دبيب الخوف والفزع إلى نفوسهم .
ثالثاً : الرحمة العامة التي تأتي للناس جميعاً ، وهو الذي تدل عليه خاتمة آية البحث ، إذ وردت بصيغة الإطلاق .
ويمكن تقسيم الرحمة النازلة من عند الله تقسيمات أخرى عديدة بحسب اللحاظ والموضوع والحكم والأثر.
وهل قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] من رحمة الله عز وجل الجواب نعم، وتنطبق عليه الأقسام الثلاثة أعلاه لبيان نكتة وهي أن المسلم ينتفع من كل قسم منها على نحو مستقل ومتداخل مع القسمين الآخرين، ويمكن تأسيس قانون وهو كل كلمة وآية في القرآن رحمة من عند الله .
الوجه الثاني : إخبار المسلمين عن قانون وهو إن الله عز وجل يغفر ذنوب المسلمين وذنوب غيرهم إن تابوا وأنابوا وأصلحوا ، لبيان حقيقة وهي أن قتال الإنسان إلى جانب الذين كفروا ضد الإسلام لا يغلق باب التوبة عليه ، وفيه وجوه :
الأول : دعوة المسلمين للشكر لله عز وجل على فوزهم بمراتب الإيمان التي هي مقدمة وطريق وموضوع للمغفرة وجلب محبة الله .
الثاني : بيان سبق المسلمين لغيرهم في مسالك التوبة والمغفرة ، لذا يتلو المسلمون كل يوم سورة الفاتحة , ويسألون الله عز وجل أن يهديهم طريق الهدى وصراط الإستقامة والإيمان [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ] ( ).
الثالث : صيرورة كل مسلم داعية إلى مغفرة الله ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ]( ).
فيدعو المسلم إلى مغفرة الله عز وجل من جهات :
الأولى : يدعو المسلم نفسه إلى الفوز بمغفرة الله .
الثانية : يحث المسلم أهله وذويه إلى مغفرة الله .
الثالثة : ترغيب المسلم إخوته المسلمين والمسلمين بسبل مغفرة الله والمسارعة في عمل الصالحات وكيفية الفوز بالعفو عنه ، والذي قد يأتي إبتداءً وفضلاً من عند الله عز وجل ، كما في آية السياق وقوله تعالى [وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ].
الرابعة : يدعو المسلم الناس جميعاً إلى العفو والمغفرة من عند الله عز وجل ، وهو من مصاديق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
ومن الإعجاز الغيري للقرآن أن تلاوة كل آية من آياته دعوة للناس للعفو والمغفرة والتي تنحصر بدخول الإسلام ، ومنه أن الآية السابقة تتحدث عن لقاء الجمعين ، وسيلان الدماء بين المسلمين والذين كفروا، ومع هذا تعقبتها آية البحث بالإخبار عن كون الله عز وجل هو الغفور الحليم .
وعن أنس قال (سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: والذي نفسي بيده لو أخطأتم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض ثم استغفرتم لغفر لكم . والذي نفس محمد بيده لو لم تخطئوا لجاء الله بقوم يخطئون ، ثم يستغفرون فيغفر لهم) ( ).
ومن أسماء الله : الغفور ، الغفار ، الغافر .
وقد ورد لفظ [الغفور ] في القرآن إحدى وتسعين مرة ، بينما ورد لفظ [الغفار] خمس مرات ، وورد لفظ [غافر] مرة واحدة بقوله تعالى [غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ] ( ) وتسمى ذات السورة التي ذكر فيها سورة غافر , وقيل الغفار أبلغ ، ولكن كثرة ورود لفظ الغفور يدل على عظيم نفعه وأثره.
الوجه الثالث : لقد أختتمت آية السياق بقوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ] لبيان إقتران المغفرة مع حلم الله عز وجل ويكون من معاني هذا الإقتران وجوه :
الأول : إمهال الله عز وجل للعبد من الحلم ليكون هذا الإمهال مقدمة وترغيباً بالإستغفار ، فيتفضل الله عز وجل فيغفر له ، وعن أنس بن مالك قال ( قال ربكم : « عبدي إنك ما دعوتني ورجوتني فإني سأغفر لك على ما كان فيك ، ولو لقيتني بقراب الأرض خطايا لقيتك بقرابها مغفرة) ( ).
وبالإسناد عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: مَنْ لَزِمَ الاِسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا , وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ( ).
ومع رواية الحديث في كثير من أمهات كتب الحديث، فمنهم من رمى الحديث بالضعف لأن في طريقه الحكم بن مصعب المخزومي إذ قال بعض الرجاليين أنه مجهول كما عن الحافظ في التقريب ، مع أن الحاكم قال الحديث صحيح الإسناد .
ولا تصل النوبة للترديد بأحد رجالات السند , أو روايته عن طريق غير الطريق الذي يعتمده مذهب مخصوص من مذاهب المسلمين, إذا كان الحديث موافقاً لمنطوق الكتاب وله نظائر متعددة في السنة , ويخص رحمة الله وسعتها .
الثاني : الإخبار عن علم الله عز وجل بأفعال العبد ، وأنه يمهل الظالم حلماً منه تعالى ، وفي ذات الوقت يمد المؤمنين بأسباب المنعة ، ويكفيهم شر الظالمين ، كما حدث في معركة بدر وأحد ، إذ أصر الذين كفروا على الهجوم والقتال ، فامهلهم الله عز وجل ولم يستأصلهم وأمدّ المسلمين بجيش عظيم من الملائكة يغطي ما بين الخافقين ( )، قال تعالى [أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ] ( ) .
وهل إمهال المؤمن العاصي مثل إمهال الكافر , الجواب لا ، إذ يمهل الله الكافر ثم يأخذه أخذاً شديداً ، وقد يكون إمهال الكافرين على نحو الموجبة الجزئية ، كما في معركة بدر وأحد ، إذ سقط سبعون قتيلاً وأسر سبعون من الكفار ولحقهم الخزي ، وفي معركة أحد سقط منهم (إثنان وعشرون على رواية ابن إسحاق ) ( ).
ووقع أبو عزة الجمجي يومئذ أسيراً بيد المسلمين ، وكان من الأسرى يوم بدر ، فمنّ عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من غير فداء ولا عوض وإشترط عليه ألا يقاتله، فلما تم أسره يوم أحد , قال : يا محمد أمنن عليّ لبناتي ، وأعاهد ألا أقاتلك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :لا أدعك تمسح عارضيك بمكة وتقول : خدعت محمداً مرتين ، ثم أمر به فضربت عنقه، وذكر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال يومئذ (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين) ( ).
الثالث : من ملك الله عز وجل السموات والأرض وما فيها ، وقد تفضل الله عز وجل وجعل الإنسان خليفة في الأرض ، ومن فضله تعالى على الخليفة بعث السكينة في نفوس الناس وقيض لهم أسباب الطمأنينة في حياتهم ، وهو من حلم الله عز وجل عليهم مع كثرة الذنوب والمعاصي ، أما ما يرد من أسباب الخوف فهي أمور عرضية بما كسبت أيدي الناس ، كما تبين هذه الآيات علة إلقاء الخوف والرعب في قلوب الذين كفروا عندما زحفوا لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين من المهاجرين والأنصار ، قال تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ] ( ) .
(الرُّعْبُ والرُّعُبُ الفَزَع والخَوْفُ رَعَبَه يَرْعَبُه رُعْباً ورُعُباً فهو مَرْعُوبٌ ورَعِيبٌ أَفْزَعَه) ( ) وبين الرعب والخوف عموم وخصوص مطلق , فكل رعب هو خوف وليس كل خوف هو رعب إذ يفيد الرعب إقتران الفزع بالخوف .
المسألة السادسة : تقدير الجمع بين الآيتين : ولقد عفا الله عن المؤمنين ليجعل الله ذلك حسرة في قلوب الذين كفروا ) وفيه وجوه :
الوجه الأول : لقد تضمنت آية السياق الإخبار عن فرار طائفة من المسلمين يوم معركة أحد ، لتتعقبه البشارة من عند الله بالعفو عنهم ، ويبعث هذا العفو الإخبار عنه السكينة في نفوس المؤمنين والمؤمنات ليكون من مصاديق قوله تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ] ( ) من وجوه :
الأول : تلاوة المسلمين لآيات العفو والمغفرة من عند الله , وتلقيها بالرضا والشكر لله .
الثاني : غبطة وسعادة عموم المسلمين بفوز طائفة منهم بالعفو خاصة وأن الذين قاتلوا في معركة أحد لم يقاتلوا عن أنفسهم وأشخاصهم إنما قاتلوا دون قواعد الإسلام وذبوا عن الحرمات ، وأبوا إلا إعلاء كلمة التوحيد في الأرض إلى يوم القيامة ، وهو من أسرار ختم نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم للنبوات السابقة , وبقاء شريعته في كل زمان , ووصولها لكل مكان .
الثالث : من معاني الأخوة بين المسلمين رجاء كل واحد منهم فوز المسلم الآخر بالعفو من عند الله , وإنتفاء داء الحسد عنهم .
الرابع : تفقه المسلمين في الدين ، وتطلعهم لتوبة المسلم العاصي ، ورجاؤهم تجاوز الله عز وجل عن زلتهم وسيئاتهم وإمهالهم لحين الرجوع إلى طاعته .
الوجه الثاني : من وجوه حلم الله عز وجل أنه لا يعجل العقوبة ولا يحبس رزقه عن العباد بسبب ذنوبهم وظلمهم ، وتبين آية السياق حقيقة وهي أن حلم الله عز وجل على المؤمنين أعم وأعظم من جهات:
الأولى : نزول العفو عن المؤمنين .
الثانية : تعدد ضروب العفو , والذين ينزل عليهم العفو ويفوزون به .
الثالثة : توثيق العفو من عند الله عن المؤمنين بآيات القرآن ليصاحب أيام الحياة الدنيا من وجوه :
أولاً : ذات العفو .
ثانياً : موضوع العفو .
ثالثاً : تلاوة آية العفو .
رابعاً : رجاء المسلمين الفوز بذات العفو .
الرابعة : عدم تأخير العفو من عند الله عن التقصير والمعصية من المؤمن ، لذا فمن إعجاز آية السياق أنها لم تقل (ثم عفا الله عنهم) وما يفيده حرف العطف (ثم) من التراخي والإبطاء ، بل قالت [وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ]وكأن العفو مصاحب للتولي ليأتيهم نداء رسول الله اله عليه وآله وسلم بقوله تعالى [وَالرَّسُولُ صلى يَدْعُوكُمْ] وهم في مقامات العفو عنهم ، بلحاظ كبرى كلية وهي أن العفو إسقاط لأوزار على كاهل الإنسان ، لذا تفضل الله عز وجل بالحلم والإمهال للناس ليستقبلوا أيامهم باليسر والتمكين من فعل الصالحات ، وفيه حجة عليهم ، وهو من مصاديق قوله تعالى [فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ] ( ).
وهل يصح تقدير الجمع بين الآية السابقة وهذه الآية : ولقد عفا الله عنكم ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم ، الجواب نعم, وفيه مسألتان :
الأولى : الحياة الدنيا دار التخفيف عن الذين آمنوا .
الثانية : الحياة الدنيا دار الحسرة والندامة للذين كفروا .
فمن إعجاز القرآن مجئ آية السياق بالعفو عن المسلمين والتذكير بآية البحث التي تتضمن الإخبار عن تغشي الذين كفروا بالحسرة والندامة .
ومن رحمة الله عز وجل بالناس جميعاً إختتام آية السياق بأن الله غفور حليم ، وفيه ترغيب للناس جميعاً بالتوبة ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ]( ).
فليس بين العفو والحسرة إلا النطق بالشهادتين ، ومعه يمتنع الإنسان عن محاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين , ويتوجه لأداء الفرائض والعبادات .
الوجه الثالث : أخبرت آية السياق عن تولي طائفة من المسلمين ، وقد يكون هذا الأمر باباً للشماتة من قبل الذين كفروا ، والمناجاة بينهم بالإغارة على المسلمين وإغرائهم بهم ، بذريعة أنه حالما يهجمون على المسلمين يتفرقون أو يفر فريق منهم ، فجاءت آية البحث بأمور تقطع هذه الشماتة , وتمنع الذين كفروا من الإضرار بالمسلمين بسبب آيات القرآن ومنها :
الأول : خطاب آية البحث للمسلمين بصيغة الإيمان .
الثاني : توجه الخطاب في آية البحث لعموم المسلمين والمسلمات لندبهم للجهاد في سبيل الله , وتدارك فرار طائفة منهم برفد ميادين القتال كل بحسب قدرته ومقامه .
لذا قيدت آية السياق التولي بالنسبة والإضافة للمسلمين بقوله تعالى [تَوَلَّوْا مِنْكُمْ] قال تعالى [لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا]( ).
الثالث : إحتراز المسلمين من التشبه بالكفار.
الرابع : صدور المسلمين في أقوالهم وأفعالهم عن القرآن.
الخامس : غلبة الحسرة على الشماتة في قلوب الذين كفروا.
السادس : خروج المسلمين للدفاع من غير التفات لدعوة المنافقين والكافرين لهم بالقعود .
المسألة السابعة : تقدير الجمع بين الآيتين [إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ] ف[لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا]وفيه وجوه :
الوجه الأول : لقد بينت الآية السابقة وآية البحث أموراً :
أولاً : فرار جمع من المسلمين من ميدان المعركة , والذي يدل بالدلالة التضمنية على أمور :
الأول : وقوع القتال بين المسلمين والذين كفروا .
الثاني : شدة وضراوة القتال .
الثالث : سقوط شهداء من المسلمين والذي يكون سبباً لفرار بعض المسلمين .
الرابع : نسبة الفرار إلى الشيطان وإغوائه مع تضمن آية السياق بأن هذا الفرار زلة .
الخامس : تعقب العفو للفرار , وهذا التعقب خاص بالمؤمنين ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ] ( ) , أما الكافر فسواء قاتل أو تولى فان مصيره إلى النار إلا أن تدركه التوبة والإنابة .
السادس : بيان قانون وهو أن الله عز وجل غفور وحليم ، وهل تدل خاتمة آية السياق على معنى وهو إن توليتم في معركة أخرى غير معركة أحد هذه فان الله عز وجل يغفر لكم ، الجواب نعم ، فلم تختتم آية السياق بالتحذير والإنذار من تكرار التولي ، ولم تبين ضرره من جهات :
الأولى : ضرر التولي على ذات المسلم الفار في الدنيا والآخرة .
الثانية : فرار المسلم سبب لثغرة في صفوف المسلمين ، قد ينفذ منها العدو .
الثالثة : لقد ترك الرماة من المسلمين مواضعهم على الجبل مما سبب بمجئ المشركين من خلفهم وكثرة القتلى في صفوف المسلمين ، فكان هذا التولي باباً لخسارة أكثر بين صفوف المسلمين , ومناسبة لتجرأ الذين كفروا في مواصلة القتال والهجوم.
ثانياً : نسبة الذين تولوا من المسلمين لحرف التبعيض (من ) في قوله تعالى [تَوَلَّوْا مِنْكُمْ] وفيه تذكير بجهادهم في سبيل الله ، وإمتناعهم عن الإنصات لرأس النفاق عبد الله بن أبي بن أبي سلول ، أو الإفتتان بقوله (يا قوم علام نقتل أنفسنا ها هنا) ( )، ولو قالت الآية [إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ] ثم ذكرت الآية إستزلال الشيطان لهم ، لحمل أكثرهم المعنى على الذين كفروا ، ولقيل بأن الشيطان يستزل المؤمنين إنما هو جاء مع الذين كفروا ، ولأن الآية في مقام البيان والتأديب قيدت نسبة الذين تولوا , وذكرت أنهم من المؤمنين لقاعدة نفي الجهالة والضرر , وفيه وجوه :
الأول : منع الإختلاف بين المسلمين حول نسبة الذين تولوا وفروا من ميدان المعركة .
الثاني : إرادة قانون تفسير القرآن للقرآن ، وبيان حقيقة وهي أن اللفظ القرآني يوضح أمراً ويظهر سراً ، ويمنع خلافاً فيأتي حرف في القرآن كالباء والفاء والواو , ليكشف حقيقة ويبين مسألة .
وقال محمد بن كعب القرظي : مرَّ عمر بن الخطاب برجل يقرأ[وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ] ( )، فأخذ عمر بيده فقال: من أقرأك هذا؟ فقال: أبيُّ بن كعب. فقال: لا تفارقني حتى أذهب بك إليه.
فلما جاءه قال عمر: أنت أقرأت هذا هذه الآية هكذا؟ قال: نعم . قال : وسمعتَها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: نعم .
قال : لقد كنت أرى أنا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا، فقال أبيُّ: تصديق هذه الآية في أول سورة الجمعة: { وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }( ) وفي سورة الحشر: { وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ }( )، وفي الأنفال: { وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ }( )، إلى آخر الآية( ).
الثالث : منع الإختلاف بين المسلمين في تفسير وتأويل آيات القرآن وإرادة سلامته من سبل النزاع والخصومة التي تؤدي إلى عدم الإنتفاع الأمثل من الآية القرآنية ومضامينها القدسية .
الرابع : بيان حقيقة وهي أن المسلمين لم يثبتوا جميعاً في معركة أحد ، وهو من أسباب الخسارة وعدم تحقق النصر التام للإسلام يومئذ، فلو قيل لماذا لم ينتصر المسلمون في معركة أحد مثل إنتصارهم في معركة بدر ، يأتي الجواب بأن طائفة منهم إختاروا التولي والفرار ، وكأن آية السياق تقول للمسلمين : إن أردتم النصر في المعارك اللاحقة فلا تتولوا في القتال .
ثالثاً : توثيق معارك المسلمين مع الذين كفروا , وصيرورة المسلمين جمعاً عظيماً في مواجهة الذين كفروا .
الوجه الثاني : من أسرار الجمع بين الآيتين الحرب على الشيطان وحجب سلطانه عن الذين آمنوا ، وفضح وخزي الذين يتبعونه، فان تولي عدد من المؤمنين تم بازلال من الشيطان ، فهل الذين يصدون المسلمين عن الجهاد من إغواء الشيطان الجواب نعم ، بلحاظ أن الخروج للدفاع من أفضل القربات.
لقد أراد الله عز وجل أن لا تجتمع على المسلمين في آن واحد مسألتان :
الأولى : الفرار من ميدان القتال , كما في بيان الآية السابقة .
الثانية : صد ومنع المسلمين عن الخروج للقتال , كما في معاني آية البحث .
فان فرّ وتولى عدد منهم من القتال فان أضعافهم يهمون ويتناجون بالخروج للدفاع عن بيضة الإسلام ، فجاءت آية البحث للزجر عن منعهم من الخروج ، وهو من الإعجاز في نظم الآيات ، وقد يرجو الذين يصدون المسلمين عن القتال العفو عنهم كما وردت الآية السابقة بالعفو عن الذين تولوا فجاءت آية البحث بالنهي عن هذا الصد وبيان حقيقة وهي أن الذين كفروا يقومون بذات الصد ، ومنهم من جعل أعداء الإنسان ثلاثة بعرض واحد:
الأول : الشيطان .
الثاني : النفس .
الثالث : الهوى .
ولكنه قياس مع الفارق إذ أن عداوة الشيطان عدو للناس جميعاً ، قال تعالى [إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا] ( ).
وصحيح أن الآيات وردت بالتحذير من ميل النفس إلى الشهوات، قال تعالى [إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي]( ) فان بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم جاءت جاءت لتتغشي رحمة الله المسلمين والناس , وهي دعوة يومية متجددة كل يوم للناس جميعاً للهداية والرشاد , وجعلت النفس عوناً وعضداً لصاحبها في فعل الصالحات .
فمن إعجاز القرآن أنه يبين مزالق الشيطان كما في الآية السابقة وينهى عن محاكاة الذين يتبعون خطواته كما في آية البحث .
الوجه الثالث : لقد إجتهد كفار قريش في تحريض وحشد الناس والقبائل وأنفقوا أموالاً كثيرة من التي جاءتهم بفضل الله وبركة جوار البيت الحرام بقوله تعالى [لِإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ]( ) إذ أراد الله عز وجل أن تكون هذه الأموال والجاه والشأن الذي صار لقريش بين القبائل , وفي الأمصار وعند العرب والفرس وأهل اليمن نوع طريق لعبادة الله والشكر له على النعم وتعاهد حنيفية وملة إبراهيم الذي رفع وإسماعيل قواعد البيت الحرام ، وفي التنزيل [قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ] ( )
وعندما زحف الذين كفروا لمعركة أحد حصل الذعر والخوف في قلوب المنافقين , وأرادوا دبيب هذا الخوف في قلوب المسلمين الذين ينصتون لهم ، فجاءت آية البحث لتكون سوراً عقائدياً وحرزاً إيماناً يمنع من إنصات المسلمين للمنافقين والكفار الذين يبالغون بقوة جيوش الكفر الزاحفة نحو المدينة ، ومعهم الدليل الحسي والبرهان العملي بلغة الأرقام , وإتخاذ الفارق في العدد والعدة من جهة كثرة الذين كفروا وكثرة أسلحتهم ورواحلهم وخيلهم ، وقلة عدد المسلمين وأسلحتهم وسيلة لصد المسلمين عن الخروج إلى القتال ، وحتى الذي يخرج منهم فانه يهمّ بالفشل والفرار .
فجاءت آية البحث للفصل بين المسلمين والذين كفروا في القول والفعل ، وليكون فرار عدد من المسلمين في معركة أحد حداً وبرزخاً من تكرار ذات الفعل .
المسألة الثامنة : تقدير الجمع بين الآيتين : إن الذين تولوا منكم يوم إلتقى الجمعان والله يحيي ويميت ) وفيه وجوه :
الوجه الأول : لقد كانت معركة أحد فرقاناً بين المسلمين والذين كفروا , والأصل في سير المعارك أن يظهر كل فريق محاسنه في القتال ويبالغ في بطولات رجالاته ، ويغيض الطرف الآخر ، ويبرز الشجعان الذين في ناحيتهم .
لذا جلب كفار قريش معهم النساء إلى ميدان معركة أحد ليقلن الأشعار ويرددن الأهازيج التي تبعث الحمية في نفوسهم .
وكان بعض النسوة من الذين كفروا يقاتلن إلى جانب الرجال يوم أحد مما يدل على شدة الأذى الذي لاقاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، قال ابن إسحاق ( قال أبو دجانة: رأيت إنسانا يحمس الناس حمسا شديدا، فصمدت له، فلما حملت عليه السيف ولول فإذا امرأة، فأكرمت سيف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أضرب به امرأة) ( ).
وجاء القرآن ببيان واقع المسلمين من غير مبالغة أو طمس للجوء طائفة من المسلمين إلى الفرار ، ومن الآيات أن المشركين لم يتخذوا آية السياق وقوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ] وسيلة وحجة لتعيير المسلمين على هذا التولي بل قام بعض المسلمين بتعيير أخاه ممن فرّ يوم أحد بموضوع الفرار ، فكان الرد أن الله عز وجل قد عفا عنا ، وغفر لنا تلك الزلة .
وأطلقنا هنا على هذا التولي زلة إستقراء من قول الله عز وجل في ذات آية السياق [إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ] .
لتبين آية السياق قانوناً وهو أن الزلة مع الإيمان مغفورة ومعفو عنها, تقدير آية السياق ولقد عفا الله عن المؤمنين زلتهم وقيامهم بالفرار لينتفع المسلمون والمسلمات من هذا القانون إلى يوم القيامة , والإطلاق في هذا الإنتفاع من مصاديق قوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ].
ومن حلم الله عز وجل أنه سبحانه يعلم من العبد وقبل أن يخلق أنه يذنب ويعصي ويزل ، ومع هذا يخلقه ويتعاهده في سن الرضاعة والحضانة وفي سني عمره كلها ، ثم يزل ، ليأتي العفو مظهراً كريماً حاضراً من وجوه حلم الله عز وجل على العبد، وليمتاز المسلم عن غيره بإحاطة الحلم الإلهي به وإقترانه بالعفو والمغفرة حتى مع الزلة والخطأ والتقصير ، وفيه ترغيب بالإسلام لأنه دين العفو ومحو الزلات وإن جاءت على نحو متعدد.
الوجه الثاني : أخبرت آية البحث عن قانونين :
الأول : إن الله عز وجل هو الذي يحيي ، وبيده الحياة ولا تستديم الحياة الخاصة والعامة إلا بأمر وإذن من عند الله عز وجل .
الثاني : الموت وقبض الأرواح أمر بيد الله عز وجل ، ولا يقدر عليه غيره سبحانه ، فان قلت قد يقوم إنسان بقتل آخر الجواب نعم ، هذا صحيح وقد ورد ذات المعنى في القرآن .
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال (خالف إبراهيم عليه السلام قومه وعاب آلهتهم حتى أُدخل على نمرود فخاصمهم ، فقال إبراهيم عليه السلام ” ربي الذي يحيي ويميت قال أنا احيي واميت .
قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين) ( ).
وعن السدي قال (لما خرج إبراهيم من النار أدخلوه على الملك ولم يكن قبل ذلك دخل عليه ، فكلمه وقال له : من ربك؟ قال : ربي الذي يحيي ويميت . قال نمرود : أنا أحيي وأميت ، أنا أدخل أربعة نفر بيتاً فلا يطعمون ولا يسقون حتى إذا هلكوا من الجوع أطعمت اثنين وسقيتهما فعاشا وتركت اثنين فماتا .
فعرف إبراهيم أنه يفعل ذلك قال له : فإن ربي الذي يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب ، فبهت الذي كفر وقال : إن هذا إنسان مجنون فأخرجوه ، ألا ترون أنه من جنونه اجترأ على آلهتكم فكسرها ، وإن النار لم تأكله ، وخشي أن يفتضح في قومه)( ).
ويفيد الجمع بين آية البحث وآية السياق أن الفرار لا ينجي صاحبه، وليس من ملازمة بين الثبات في الميدان وبين القتل ، وقد إجتهد أبو دجانة في الدفاع عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في معركة أحد وأبو دجانة هو سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ الساعدي الأنصاري خرج مع سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو في إستقبال رسول الله صلى الله عليه عند دخوله المدينة المنورة مهاجراً .
وفي معركة أحد عندما إلتقى الجمعان قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (مَنْ يَأْخُذُ هَذَا السّيْفَ بِحَقّهِ ؟ فَقَامَ إلَيْهِ رِجَالٌ فَأَمْسَكَهُ عَنْهُمْ حَتّى قَامَ إلَيْهِ أَبُو دُجَانَةَ فَقَالَ وَمَا حَقّهُ يَا رَسُولَ اللّهِ ؟ قَالَ أَنْ تضْرَبَ بِهِ الْعَدُوّ حَتّى يَنْحَنِيَ قَالَ أَنَا آخُذُهُ يَا رَسُولَ اللّهِ بِحَقّهِ فَأَعْطَاهُ إيّاهُ وَكَانَ أَبُو دُجَانَةَ رَجُلًا شُجَاعًا يَخْتَالُ عِنْدَ الْحَرْبِ إذَا كَانَتْ وَكَانَ إذَا أَعُلِمَ بِعِصَابَةِ لَهُ حَمْرَاءَ ، فَاعْتَصَبَ بِهَا عَلِمَ النّاسُ أَنّهُ سَيُقَاتِلُ فَلَمّا أَخَذَ السّيْفَ مِنْ يَدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ أَخْرَجَ عِصَابَتَهُ تِلْكَ فَعَصَبَ بِهَا رَأْسَهُ وَجَعَلَ يَتَبَخْتَرُ بَيْنَ الصّفّيْنِ) ( ).
وكان أبو دجانة يشق صفوف المشركين ويهدها ويفتك بفرسان من قريش ، ولما دارت الدائرة وصارت الجولة للذين كفروا ، أخذ أبو دجانة يدافع عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجعل جسده ترساً له ،إذ يتلقى النبل بظهره حتى كثرت جراحاته ، ومع هذا لم يمت يومئذ ، وفيه حجة بعدم الملازمة بين التفاني في القتال في سبيل الله وبين القتل والموت .
وقد أثنى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أبي دجانة وفي الأحاديث التي جرت بين أهل البيت عندما أعطى الإمام علي سيفه لفاطمة عليها السلام لتغسله ، إذ ورد عن عكرمة عن ابن عباس قال (جاء علي بن أبي طالب بسيفه يوم أحد قد انحنى فقال لفاطمة : هاك السيف حميدا فإنها قد شفتني ) ( ).
(وقال موسى بن عقبة : ولما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيف علي مخضبا بالدماء قال: ” لئن كنت أحسنت القتال فقد أحسن عاصم بن ثابت بن أبي الافلح والحارث بن الصمة وسهل بن حنيف) ( ).
الوجه الثالث : ترى ما هي علة التولي من الميدان الذي ذكرته الآية السابقة إنه حب الدنيا وعشق الحياة ، وكراهية الموت بالإنخرام والقتل بالسيف ، فجاءت آية البحث للإخبار بأن الحياة والموت أمران بيد الله عز وجل من جهة إستدامة الحياة أو حصول الموت .
والنسبة بين الموت والقتل هو العموم والخصوص المطلق ، فكل قتل هو موت وليس العكس ، وقد ذكرت آية البحث مسألة القتل بقوله تعالى [مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا] وتقدير آية البحث بخصوص آية السياق وتولي طائفة من المسلمين على وجوه :
أولاً : إن الذين تولوا منكم قد يدركهم الموت قبل الذين ثبتوا في الميدان ، وفيه شواهد عديدة ، وفي التنزيل [يُدْرِكُّمْ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ] ( ).
ثانياً : لا ملازمة بين التولي والسلامة من القتل فقد يكون التولي والفرار سبباً لمطاردة العدو للفارين وقتله إياهم .
ثالثاً : تجلي الحياة الإبدية بالشهادة في سبيل الله ، قال تعالى [وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ]( ).
رابعاً : يعلم الله الذين يقتلون يوم معركة أحد قبل أن يخلقوا بل وقبل أن يخلق آدم ، وكتب الله عز وجل النجاة لأكثر المسلمين يومئذ سواء الذين ثبتوا في الميدان أو فروا منه .
وهل يمكن أن يقال أن النسبة بين الثبات في الميدان والتولي هي ذات النسبة بين الحياة والموت ، الجواب لا ، فهو قياس مع الفارق إنما كل من الثبات والتولي فعل قد يؤدي إلى الحياة أو الموت ، ولا يقع أحدهما إلا بإذن الله .
المسألة التاسعة : تقدير الجمع بين الآيتين : إن الذين تولوا منكم يوم إلتقى الجمعان والله بما تعملون بصير ) وفيه وجوه :
الوجه الأول : بين الآيتين من جهة الموضوع عموم وخصوص مطلق , إذ يدل لفظ ( تعملون ) على العموم في الخطاب وشمول المسلمين والمسلمات به ، وتقديره على وجوه :
أولاً : يا أيها الذين آمنوا إن الله بما تعملون بصير ) .
ثانياً : يا أيها الذين تولوا يوم إلتقى الجمعان إن الله بما تعملون بصير ).
ثالثاً : يا أيها الذين إستزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا إن الله بما تعملون بصير ) .
ومن إعجاز القرآن أن ذكره لمسألة تولي طائفة من المسلمين عن القتال في القرآن وتلاوة المسلمين لها كل يوم وإلى يوم القيامة يجعل لها شأناً عند المسلمين ، فيقفون عند آية السياق للتدبر في مضامينها ،والإحاطة علماً بشدة القتال في بداية الإسلام وفرار جمع من المسلمين طلباً للسلامة ، وقد أراد الله عز وجل لأجيال المسلمين السلامة بثبات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في ميدان القتال .
ومع أن طائفة من المسلمين فروا من الميدان ، وقبلهم إنسحب رأس النفاق بنحو ثلاثمائة من أفراد الجيش الذي كان مجموعه ألف رجل فان الكفر إنحسر من حين البعثة النبوية ليكون من مصاديق الجمع بين الآيتين [يا أيها الذين آمنوا إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ] لإفادة إنقضاء زمن التولي وبقاء أزمنة الهداية والإيمان .
والنسبة بين أول آية السياق وخاتمة آية البحث هي العموم والخصوص المطلق لعلم الله عز وجل بما فعل ويفعل المسلمون والمسلمات، فيدخل فيه تول طائفة من المسلمين يوم معركة أحد وصحيح أن خاتمة آية البحث جاءت بصيغة الفعل المضارع (تعملون) ولكنه لا يمنع من إرادة الزمن الماضي بلحاظ إنبساط الفعل المضارع على أفراد الزمان الطولية الثلاثة، فالله عز وجل بصير وعليم بحال الذين تولوا من المسلمين من جهات:
الأولى : حال الذين تولوا قبل أن يلجأوا إلى الفرار والهزيمة.
الثانية : علة وسبب إختيار طائفة من المسلمين الفرار والتولي، وترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسط الميدان.
الثالثة : ما جرى للذين تولوا بعد الفرار والهزيمة، وإختيارهم الإستغفار.
إن الأشياء كلها حاضرة عند الله عز وجل، وهو بصير بكل شئ من غير آلة باصرة .
الوجه الثاني :لقد بعث الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لتكون شريعته هي الباقية في الأرض، وتتقوم بتحلي المسلمين بالصبر والتقوى ودفع الذين كفروا عن ثغور الإسلام الذي لا يأتي بالتولي والفرار، فجاءت خاتمة آية البحث لحث المسلمين على ترك التولي، ومنع أثره.
وقد أخبرت آية السياق عن حدوث القتال بين المسلمين والذين كفروا في معركة أحد، والله عز وجل بصير بحال المسلمين من جهة النقص في العدد والعدة، فلم تمر الأيام إلا وجعلهم الأكثر في العدد والعدة وزاد عليهم من فضله، وفرّق جمع الذين كفروا، وهل هو من مصاديق قوله تعالى[يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ]( )، إذ محى الله قوة ومنعة الذين كفروا.
ومحى حال التولي عن المسلمين، وثبتهم في مواطن القتال، ومقامات الهدى أم أن القدر المتيقن من الآية أعلاه هو محو الذنوب والآثام بالعمل الصالح، الجواب هو الأول إنما ذكر محو الذنوب لأنه مسألة إبتلاثية.
وقد ورد عن أبي أيوب قال : وقف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هل لكم إلى ما يمحو الله تعالى به الذنوب ويعظم به الأجر؟ فقلنا : نعم يا رسول الله قال : إسباغ الوضوء على المكاره ، وكثرة الخطا إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة . قال : وهو قول الله [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا]( )، فذلكم هو الرباط في المساجد( ).
وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : سئل عن قوله { يمحو الله ما يشاء ويثبت } قال : ذلك كل ليلة القدر ، يرفع ويخفض ويرزق ، غير الحياة والموت والشقاوة والسعاة ، فإن ذلك لا يزول .
وأخرج ابن مردويه وابن عساكر ، عن علي أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فقال له لأقرن عينيك بتفسيرها ، ولأقرن عين أمتي بعدي بتفسيرها ، الصدقة على وجهها ، وبر الوالدين، واصطناع المعروف؛ يحول الشقاء سعادة ويزيد في العمر ويقي مصارع السوء ( ).
الوجه الثالث : من صفات الله عز وجل أنه بصير بأحوال وأمور العباد، وما ينفعهم وما يضرهم، وهو الذي يعلم أن القتال ضرر ولكن [يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ] طريق لصلاح الناس، وإجتثاث للفساد ومفاهيم الكفر والضلالة، وقد ذّم الله عز وجل الكفار على إختيارهم عبادة الأوثان بقوله تعالى[أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا]( )، لبيان فضل الله عز وجل في رزقهم الحواس والجوارح.
ومن معاني الجمع بين آية البحث والآية السابقة مسائل :
الأولى : إخبار المسلمين بأن الله بصير بلقائهم مع الذين كفروا في معركة أحد.
الثانية : توثيق واقعة أحد وإلى يوم القيامة، وفيه منع من تحريف الوقائع التي يذكرها القرآن، وهذا المنع من الإعجاز الغيري للقرآن وشاهد على عصمته الذاتية من التحريف، بفضل من عند الله، قال سبحانه [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون]( ).
الثالثة : إقتران الإخبار القرآني عن القتال بين المسلمين والذين كفروا بيان قانون وهو أن الله عز وجل يرد كل ما يفعله المسلمون مجتمعين ومتفرقين، وفيه دعوة لهم لحسن السمت والصلاح.
الرابعة : من معاني الجمع بين الآيتين حث المسلمين الذين ثبتوا في الميدان على البقاء ومواصلة القتال وعدم محاكاة الذين تولوا وفروا، وهو من أسرار توجه الخطاب في كل من الآيتين إلى المسلمين كافة .
المسألة العاشرة : تقدير الجمع بين الآيتين : يا أيها الذين آمنوا إن الله غفور حليم ) وفيه وجوه :
الوجه الأول : لقد أخبر الله عز وجل الملائكة بأن الإنسان خليفة له في الأرض بقوله تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( )وتترشح هذه الخلافة عن حلم الله عز وجل وإكرامه للإنسان بالعفو عنه والتجاوز عن ذنوبه وإمهاله ، لذا أختتمت آية البحث بقوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ].
ويحتمل موضوع الحلم وجوهاً :
الأول : إرادة الحلم عن الناس مطلقاً في الحياة الدنيا .
الثاني : إرادة الحلم من الله عن المسلمين في الدنيا والآخرة ، وعن الذين كفروا بخصوص الدنيا .
الثالث : إرادة الحلم والإمهال من الله للناس جميعاً في الدنيا والآخرة .
والمختار هو الثاني والثالث أعلاه ، إذ يمهل الله الناس في الدنيا لأنها دار إختبار وإبتلاء وعمل ، فان قلت إن الآخرة دار حساب من غير عمل فكيف يكون فيها الحلم والجواب ليس لأهوال وشدة مواطن الآخرة مثيل ، ويخففها الله عز وجل عن المؤمنين ويرأف بهم ، ويمهل الناس جميعاً برحمته، وعن سلمان عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال (خلق الله يوم خلق السموات والأرض مائة رحمة ، منها رحمة يتراحم بها الخلق وتسع وتسعون ليوم القيامة ، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة) ( ).
الوجه الثاني : من معاني ودلالات الجمع بين الآيتين بعث المسلمين على التراحم فيما بينهم ، ونشر شآبيب العفو والمغفرة بين الناس ، قال تعالى [وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى] ( ).
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار المغفرة ، ودار الحلم منه تعالى ، فالناس يعيشون في ملكه ، ويأكلون من رزقه ، ويمهلهم بحلمه ولطفه ولا يؤاخذهم بذنوبهم ، لذا فان رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم تقم بالسيف, إنما قامت بالحجة والبرهان الذي قد يستلزم وقتاً وجهداً وصبراً ، ولكن فيه نفع عظيم من جهات :
الأولى : ثبات الإيمان في النفوس والمجتمعات .
الثانية : السلامة من الكيد والمكر والبطش .
الثالثة : دفع الضرر , وهو من مصاديق قوله تعالى[لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى]( ).
الرابعة : الأجر والثواب .
فان قلت مع دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الله [بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ] ( ) فان كفار قريش جهزوا الجيوش العظيمة لقتاله ، والجواب هذا صحيح , ولكن قد تخلف عنهم أناس كثيرون ، وإمتنعوا عن نصرتهم في قتالهم النبوة والتنزيل ، وحتى الذين خرجوا مع كفار قريش لم يكونوا راغبين في القتال على الظاهر إذ ملأ الله قلوبهم بالرعب وجعلهم ينسحبون في ذات يوم المعركة .
وكذا في معركة الخندق فمع كثرة عدد أفراد جيش المشركين وبلوغه عشرة آلاف رجل فانهم عجزوا عن إقتحام الخندق ومواصلة القتال ليتجلى بعدها مباشرة تخلي القبائل عن رؤساء الكفر وزحف الناس أفراداً وأفواجاً إلى المدينة قبل وبعد صلح الحديبية الذي أثبت عجز الكفار عن القتال لذا ورد في بعض النصوص أنه فتح.
وعن مجمع بن جارية الأنصاري قال : شهدنا الحديبية فلما انصرفنا عنها إلى كراع الغميم إذا الناس يوجفون الأباعر , فقال الناس بعضهم لبعض : ما للناس؟ قالوا : أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخرجنا مع الناس نوجف ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته على كراع الغميم فاجتمع الناس عليه ، فقرأ عليهم [إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا]( ).
فقال رجل : يا رسول الله : أو فتح هو؟ قال : والذي نفس محمد بيده إنه لفتح فقسمت خيبر على أهل الحديبية لم يدخل معهم فيها أحد إلا من شهد الحديبية ، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية عشر سهماً ، وكان الجيش ألفاً وخمسمائة منهم ثلثمائة فارس ، فأعطى الفارس سهمين وأعطى الراجل سهماً( ).
الوجه الثاني : من الرحمة الخاصة بالمسلمين التي جاء بها النبي محمد صلى الله عله وآله وسلم تلقي القرآن لهم بالبشارة بأن الله عز وجل [غَفُورٌ حَلِيمٌ]فهو الذين يغفر ذنوبهم ويعفو عن سيئاتهم ، وهو الذي يمهلهم في أيام حياتهم الدنيا ليستغفروا الله ، ويمد في أعمارهم ليجتهدوا في طاعة الله ، وهل يكون توجه المسلم في آخر أيام حياته وفي سني المعاش إلى عمارة المسجد والعناية بالفرائض والإكثار من الذكر ، الجواب نعم وجاءت آية البحث ببيان وظيفة المسلمين عامة من غير أولي الضرر ، بالمبادرة إلى النفير وعدم صد الذي يخرج للقتال ، فقد يأتي الصد من الابن والبنت والأخ والأخت والصديق والجار والشريك في العمل والزراعة ، لذا جاءت الآية بصيغة الإطلاق .
وهل تتضمن الآية دعوة المسلمين لإمهال المنافقين والصبر على أذاهم ، الجواب نعم ، فهناك فرق بين إجتناب طاعة المنافقين أو الإصغاء لهم وبين الحلم والصبر على أذاهم ، وتقسيم السنة النبوية إلى أقسام :
الأول : السنة القولية .
الثاني : السنة الفعلية .
الثالث : السنة التقريرية .
وقد أضفنا لها أقساماً أخرى وهي :
الرابع : السنة التدوينية أي ما كتبه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للملوك يدعوهم إلى الإسلام وما كتبه إلى الأمراء والعمال في البلدان ، وما وهبه وقطعه لبعض الناس وهل تدخل كتابة آيات القرآن ونسخها في الورق واللحاف في السنة التدوينية ، الجواب لا ، فتدوين آيات القرآن أمر آخر غير السنة ، وهو خاص بالتنزيل وتوثيقه .
الخامس : السنة الدفاعية : وهي سيرة وقول وفعل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ميادين القتال ومقدماته وبعد إنتهائه ، فان قلت يدخل هذا القسم في السنة القولية والعقلية وليس هو قسيماً لهما ، والجواب هذا صحيح على نحو الإجمال ، ولكن إنشاء علم جديد للسنة الدفاعية مدخل كريم لإقتباس المواعظ وإستنباط المسائل منه ، قال تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ] ( ) إذ تبين الآية صيغ التعبئة وسنخية خطط القتال التي تترشح عن السنة النبوية ، وهذه السنة فرع الوحي من عند الله عز وجل ، لذا فهي ثروة عظمى للبشرية .
أراد الله عز وجل أن ينتفع منها المؤمنون مع بيان الضرر الذي ينتج عن عدم التقيد بها ، كما في ترك الرماة لمواضعهم التي عينهم بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، إذ صار هذا الترك مقدمة وسبباً لخسارة المسلمين جولة من المعركة وسقوط عدد من القتلى ، وهل يتحمل هؤلاء الرماة وزر فرار وتولي عدد من المسلمين من الميدان والذي تذكره الآية السابقة بقوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ] الجواب لا، وفيه مسائل :
الأول : لزوم الفصل بين مجئ خيالة المشركين من خلف جيش المسلمين وبين تولي فريق من المسلمين .
الثاني : بيان قانون وهو لزوم ثبات المؤمنين في مواضعهم وإن إشتد القتال وبان ظهور الذين كفروا في الميدان فالحرب سجال .
الثالث : من إعجاز القرآن تقدم الآيات التي تخبر عن نزول الملائكة لنصرة المؤمنين ، ومن الإعجاز توجه الخطاب فيها إلى المؤمنين وليس للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاصة إذ جاءت أربع آيات متتالية ومتعاقبة بهذا الخصوص وهي :
الأولى : فكما نصر الله المسلمين في معركة بدر فانه ينصرهم في معركة أحد ، إذ تدل الآية أعلاه على تسخير قانون السببية والعلة والمعلول في القتال لمشيئة الله من وجوه :
الأول : التوافق بين السبب والمسُبب والمؤثر والأثر، فيكون السبب للنصر بيد المسلمين ، وكذا المسُبب والنتيجة .
الثاني : يكون السبب والرجحان في القتال لجانب الذين كفروا ولكن النتيجة تكون نصر المسلمين سواء السبب أعلاه أو تسخيره لنفع المسلمين ، قال تعالى [وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ] ( ).
الثالث : يلتقي الجمعان وليس من رجحان لأحدهما ، فيتفضل الله باستحداث سبب عند بدئ القتال فيكون النصر للمسلمين .
الرابع : تجلي معاني التكافؤ بين الجمعين في العدة والعدد ولكن النتيجة تكون النصر والغلبة للمسلمين بفضل من الله .
الوجه الثالث : لقد خلق الله عز وجل آدم عليه السلام ولم يجعله خليفة في الأرض إلا وقد سبقته المغفرة والحلم من عند الله عز وجل في الأرض والسماء، وقد تفضل الله وأقال زلة آدم وحواء في أكلهما من الشجرة بعد نهي الله عز وجل لهما عن الإقتراب والدنو منها، قال تعالى[وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ * فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ]( ).
فتضمنت الآية أعلاه الزجر عن الإقتراب والدنو من الشجرة كيلا يكون هذا الإقتراب مقدمة للأكل ، ومن أسراره أنه بعد الإقتراب منها يستحضر النهي عن الأكل من جهات :
الأولى : إستحضار آدم في الوجوه الذهني حرمة الإقتراب والأكل.
الثانية : إستحضار حواء في الوجود الذهني النهي عن الدنو والأكل من الشجرة.
الثالثة : ذكر آدم وحواء للنهي ليس فقط في التصور الذهني وحده، ولكن بالمناجاة بينهما، وليكون مناسبة لتأسيس قانون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهل هو من مقدمة الحرام حرام، الجواب نعم.
وجاءت آية السياق لتدل على أن إزلال الشيطان للإنسان قديم , وقد صاحب بدايات خلق آدم وحواء وهما في الجنة ويتصفان بخصال الإيمان.
وورد عن ابن عباس قال: إن آدم عليه السلام طلب التوبة مائتي سنة حتى أتاه الله الكلمات ، ولقنه إياها قال : بينا آدم عليه السلام جالس يبكي ، واضع راحته على جبينه إذ أتاه جبريل فسلم عليه ، فبكى آدم وبكى جبريل لبكائه , فقال له : يا آدم ما هذه البلية التي أجحف بك بلاؤها وشقاؤها ، وما هذا البكاء ؟ قال : يا جبريل وكيف لا أبكي وقد حوّلني ربي من ملكوت السموات إلى هوان الأرض ، ومن دار المقام إلى دار الظعن والزوال ، ومن دار العنة إلى دار البؤس والشقاء ، ومن دار الخلد إلى دار الفناء؟ كيف أحصي يا جبريل هذه المصيبة؟ فانطلق جبريل إلى ربه فأخبره بمقالة آدم فقال الله عز وجل : انطلق يا جبريل إلى آدم فقل : يا آدم ألم أخلقك بيدي؟ قال : بلى يا رب قال : ألم أنفخ فيك من روحي؟ قال : بلى يا رب قال : ألم أسجد لك ملائكتي؟ قال : بلى يا رب قال ألم أسكنك جنتي؟ قال : بلى يا رب قال : ألم آمرك فعصيتني ؟ قال : بلى يا رب , قال : وعزتي وجلالي وارتفاعي في علو مكاني لو ان ملء الأرض رجالاً مثلك ثم عصوني لأنزلتهم منازل العاصين ، غير أنه يا آدم قد سبقت رحمتي غضبي ، قد سمعت صوتك وتضرعك ، ورحمت بكاءك ، وأقلت عثرتك ، فقل : لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءاً , وظلمت نفسي فارحمني إنك أنت خير الراحمين( ).
فتفضل الله عز وجل وأخبر المسلمين أنه الغفور لأبيهم آدم وأمهم حواء وللمسلمين الذين تولوا وفروا من الميدان يوم معركة أحد، وهو الغفور لأجيال المسلمين، وهل فيه إغراء بالمعصية , الجواب لا، إنما هو دعوة للناس لإستحضار قرب رحمة الله عز وجل منهم، واليقين بأنه سبحانه يراهم ويعلم ما يفعلون، فلذا أختتمت آية البحث بقوله تعالى[وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ] .
المسألة الحادية عشرة : تقدير الجمع بين الآيتين : إنما استزلهم الشيطان والله يحيي ويميت) وفيه وجوه :
الوجه الأول : لقد أراد الله عز وجل بيان حقيقة وهي أن حياة الخلائق كلها بيده، وأخبر سبحانه أن الشيطان هو الذي أزلهم، وجاء القرآن بنفي سلطانه على المؤمنين [إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ]( )، فهل إنتفى وغاب عنهم التوكل على الله عز وجل باختيارهم التولي، الجواب لا، وإنما يفيد الجمع بين الآيتين أن الإزلال أدنى مرتبة من السلطان لذا تفضل الله عز وجل وأخبر في آية السياق بانه سبحانه عفا عنهم لتبين آية السياق أن فتنة الشيطان ليست بعيدة عن الذين آمنوا، وتدل آية السياق والبحث على إنتفاء سلطانه عليهم أو إستمرار إغوائه لهم من جهات :
الأولى : إخبار آية السياق عن علة تولي طائفة من المسلمين من معركة أحد.
الثانية : إنقضاء موضوع الإزلال لأنه خاص بمعركة أحد.
الثالثة : دلالة آية السياق على تحذير وإنذار المسلمين من حبائل الشيطان، ومنها التولي عن ميدان القتال، والفرار من الزحف، والإنصات للذين كفروا الذين يدّعون أن السلامة بالقعود .
ترى ما هي النسبة بين القعود والتولي , الجواب هو العموم والخصوص المطلق، فكل قعود هو تول وليس العكس.
الرابعة : إخبار آية السياق عن عفو الله عز وجل عن الذين تولوا من المسلمين، وهل نسبتهم إلى المؤمنين في بداية الآية بقوله تعالى[إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ] مقدمة وبشارة للإخبار عن عفو الله عز وجل عنهم , الجواب نعم، وهو من اللطف الإلهي بالمسلمين.
الوجه الثاني: لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار إبتلاء وإمتحان , ومن وجوه الإبتلاء سعي الشيطان لإغواء الإنسان، ومداعبة هواه وتزيين زخرف الدنيا له، ومحاولة إشغاله عن وظائفه وواجباته العبادية، ومن رحمة الله بالناس جميعاً عدم التخلية بينهم وبين الشيطان، إذ تفضل الله عز وجل بالنبوة والتنزيل بأن جعل آدم أبا البشر نبياً رسولاً ليقترن هبوط الإنسان بالأرض بالنبوة وما تدل عليه من العصمة من إغواء الشيطان، وصحيح أن علماء الإسلام إختلفوا في عصمة الأنبياء خاصة من الصغائر، والمختار هو عصمتهم مطلقاً من الصغائر والكبائر من الذنوب، إلا أنهم أجمعوا على عصمة الأنبياء من إغواء الشيطان .
وجاء القرآن بالمعنى الأعم لهذه العصمة , وأنها تشمل الأنبياء وغيرهم من عباد الله الذين أخلصوا له الطاعة وإنقادوا إلى أوامره، وإتخذوا التقوى لباساً، وفي التنزيل حكاية عن إبليس [قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ]( )، وهل إزلال الشيطان للذين تولوا من المؤمنين من هذه الغواية التي تذكرها الآية أعلاه , الجواب لا، وبين الغواية والإزلال عموم وخصوص مطلق، فكل غواية هي إزلال وليس العكس، فهذا الإزلال ليس من إغواء الشيطان للذين آمنوا إنما هو أمر عرضي طارئ بسبب حبهم للدنيا، وجعلهم الغنائم والمكاسب هي الأولى والأهم .
المسألة الثانية عشرة : تقدير الجمع بين الآيتين : يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما إستزلهم الشيطان ) وفيه وجوه :
الوجه الأول : ذكرت آية البحث توجيه الذين كفروا والمنافقين اللوم إلى إخوانهم من الأنصار بأنهم قتلوا بسبب الخروج إلى ميدان القتال ، وكذا يموتون إذا غادروا المدينة طلباً للرزق أو للدعوة إلى الإسلام ، والتبليغ بآيات القرآن وتلاوتها وحث الناس على التدبر في معانيها .
ومن الآيات أن المنافقين يحاولون صدّ المسلمين عن الخروج إلى ميدان المعركة ، بينما يخرج المسلمون للقتال ويقومون بحث الناس لدخول الإسلام , ومنعهم من نصرة الذين كفروا في هجومهم على المدينة المنورة , ويضرب المسلمون في الأرض لبيان صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاصة في الأشهر الحرم التي ليس فيها قتال ، وهي شهر ذي القعدة , وشهر ذي الحجة , وشهر المحرم متصلة , وشهر رجب منفصل وهو من مصاديق قوله.
وتبين آية السياق أن المسلمين لم يخرجوا للتجارة إنما كانوا يخرجون للقتال وبأمر من الله ورسوله ، وهو الذي يدل عليه قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ] وهو من أسباب إمتلاء صدود الذين كفروا بالحسرة والأسى .
الوجه الثاني : من معاني الجمع بين الآيتين تأكيد التباين بين المسلمين والذين كفروا , ولزوم تقيد المسلمين بآداب وأحكام الإسلام والذي يؤدي طوعاً وإنطباقاً إلى التمييز والفصل بينهم وبين الذين كفروا نعم قد يستزل الشيطان عدداً من المسلمين ، ولكن هذا الإزلال لا يخرجهم عن ربقة الإيمان .
فلم تأت آية السياق لإعادتهم للإيمان، فهم مؤمنون , إنما جاءت لبيان ثبات أمة من المسلمين على الإيمان وطاعة الله ورسوله في ساعة الشدة، وعند إلتقائهم في ساحة القتال مع الذين كفروا ، فلم يضر بالإسلام إغواء الشيطان , وهو من مصاديق دعاء المسلمين في كل يوم [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]( ).
لبيان عجز الشيطان عن منع المسلمين عن مناهج الهدى والصلاح, وتعاهدهم لسنن التقوى .
الوجه الثالث : لقد إستزل الشيطان عدداً من المسلمين في معركة أحد ، فجاءت آية السياق وبالاً عليه وعلى أتباعه ، وحجباً له عن المسلمين ، وبرزخاً دون إزلاله.
لقد أراد الشيطان إغواء المسلمين وإستدراج من بقي منهم في الميدان للهروب والفرار، فطمعه لم يقف عند الذين أزلهم وإنهزموا من المعركة، ولكنهم ثبتوا وقاتلوا حول النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإستشهد عدد منهم.
فلم يجعل الله عز وجل للشيطان وإغوائه عليهم سبيلاً , وهل هو من مصاديق قوله تعالى[وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ] ( ). الجواب نعم ، ولكن صبر ومرابطة وجهاد أهل البيت والصحابة بين يدي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتحت لوائه في معركة أحد مرتبة أعظم، وجهاد جلي بالنفوس والأبدان ، ليصير مقدمة للعمل بمضامين الآية أعلاه أما الذين إستزلهم الشيطان فقد جاءت آية السياق لبيان علة هذا الإغواء والإستدراج بقوله تعالى[بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا] ليدل في مفهومه على أمور :
أولاً : حسن نية المسلمين في معركة أحد، وإرادتهم قصد القربة بجهادهم وقتالهم ,ولا عبرة بالقليل النادر الذي جاءت آية البحث لتهذيبه.
ثانياً : تنزه المسلمين عن جعل الغنائم والمكاسب هي همهم وغايتهم في القتال أو في مقدماته.
ثالثاً : تأديب المسلمين لجعل أعمالهم خالصة لوجه الله عز وجل.
رابعاً : بيان قانون وهو أن حب الدنيا، والسعي لطلبها سبب لنفاذ الشيطان , ومدخل للزلل والغواية.
خامساً : إحتراز المسلمين في المعارك اللاحقة من التولي والفرار، بعد أن بينت آية السياق علته وسببه وهو الشيطان، وفيه تأكيد لشدة عداوته للمسلمين والناس جميعاً.
وهل أراد الشيطان بازلال طائفة من المسلمين إيقاع الخصومة بينهم الجواب نعم ، وقد وقاهم الله عز وجل شره ، وأخبر عن عفوه عمن إستلزهم ، قال تعالى[إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ]( ).
فصحيح أن الآية أعلاه ذكرت الخمر والميسر كموضوع ومناسبة لإيقاع الشيطان العداوة والنفرة بين المسلمين إلا أنه يسعى للغواية والإضلال بتزيين الفرار، فجاءت آية السياق ليحترز المسلمون من الشيطان من جهات :
الأولى : صدق الإيمان.
الثانية : إخلاص النية في الجهاد.
الثالثة : التفاني في مرضاة الله .
إعجاز الآية الذاتي
مع إخبار الآية السابقة عن فرار طائفة من المسلمين في معركة أحد، حيث الحاجة إلى الصبر والثبات في الميدان ، وبعد تأديب المسلمين بملازمة الصبر للإيمان ، وعدم إمكان التفكيك بينهما ، وهذه الملازمة وسيلة مباركة لقهر الذين كفروا ورد عدوانهم المتكرر على المسلمين وثغرهم الوحيد ، وهو المدينة المنورة ، لذا قال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في معركة بدر وأحد وحنين : (يا رب إن تهلك هذه العصابة في الأرض فلن تعبد في الأرض أبداً) ( ).
فقد تعقبتها آية البحث بالإبتداء بنداء التشريف وشهادة العز والفخر [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ].
مما يدل على أمور :
الأول : سلامة المسلمين من الضرر عند توالي طائفة منهم من ميدان المعركة ، وهو من مصاديق قوله تعالى [لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى]( ).
الثاني : شمول الذين تولوا عن القتال بنداء الإيمان في آية البحث، وهو من رشحات العفو الذي ذكرته الآية السابقة [وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ]وفيه أمارة وقرينة على أن نداء [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] شاهد على عفو الله عز وجل عن المسلمين والمسلمات ، وهو من أسرار تكراره في القرآن تسعاً وثمانين مرة ، ففي كل مرة يتلو المسلم أو المسلمة هذا النداء يكون تجديداً للبشارة بالعفو ، ومناسبة لمحو الذنوب والسيئات عنهم ووسيلة لإستدامة الحياة ودوام الرزق الكريم على الناس بلحاظ أن عبادة الناس لله عز وجل هي علة خلقهم ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ).
الثالث : بعد النداء بالإيمان جاء النهي ، مما يدل على أن الإمتناع عن محاكاة الغير أمر ليس بالهين ، ويستلزم النية والعزم ، فجاء النداء بصفة الإيمان ليكون إرشاداً وتوفيقاً للمسلمين في سبل الفلاح .
ترى لماذا إبتدأت آية البحث بنداء [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا]ولم تبدأ بالنهي من رأس [لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا] والجواب من جهات :
الأولى : أراد الله عز وجل بآية البحث إجتهاد وجهاد المسلمين جميعاً للإمتناع عن محاكاة الذين كفروا .
الثانية : تنمية ملكة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند المسلمين والتعاون بينهم لإجتناب ما نهى الله عز وجل عنه ، قال تعالى [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا] ( ).
ومنهم من حمل الآية أعلاه على خصوص الفئ والغنائم ، ونهي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الغلول ، كما عن الحسن البصري ، والسدي لنظم وسياق الآية أعلاه ، ورودها بخصوص الفيئ وحكي الكلبي أن الآية أعلاه (نزلت في رؤساء المسلمين قالوا فيما ظهر عليه رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم من أموال المشركين ، يا رسول الله صفيك والربع , ودعنا والباقي فهكذا كنا نفعل في الجاهلية وأنشدوه :
لك المرباع منها والصفايا … وحكمك والنشيطة والفضول) ( ).
والمختار أن الآية عامة لأصالة الإطلاق وأصالة الظاهر ولأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لا يأمر إلا عن الوحي وبما فيه الصلاح والفلاح في النشأتين ، ولا ينهى إلا عن القبيح والفساد ، وبما فيه الضرر وسوء العاقبة .
ووردت بعض الأخبار في باب الإحتجاج عن ابن عباس وابن مسعود بما يفيد الموضوع الأعم ، قال عبدالله بن مسعود : لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن ، المغيرات لخلق الله . فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب ، فجاءت إليه فقالت : إنه بلغني أنك لعنت كيت وكيت ، قال : وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو في كتاب الله .
قالت : لقد قرأت ما بين الدفتين فما وجدت فيه شيئاً من هذا قال : لئن كنت قرأته لقد وجدته أما قرأت [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا]( )، قالت : بلى ، قال : فإنه قد نهى عنه) ( ).
وقد ورد عن رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : “إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه) ( ).
الثالثة : بعث المسلمين على التفقه في الدين ومعرفة قانون الفصل والتمييز بينهم وبين الذين كفروا ، لترشح إجتناب التشبيه بالكفار عنه .
الرابعة : إبتداء آية البحث بنداء الإكرام لطف من عند الله عز وجل بالمسلمين وفيه دعوة لهم للشكر لله عز وجل على هذه النعمة ، ومن مصاديق الشكر في المقام التقيد بالنهي عن محاكاة الذين كفروا .
الخامسة : لما بينت الآية السابقة إلتقاء المسلمين الذين كفروا في ميدان القتال والفصل بينهم بالسيف , جاءت هذه الآية لإصلاح المسلمين لمقدمات القتال ، والإحتراز من تثبيط الهم الذي يقوم به الذين كفروا .
السادسة : تأكيد فضل الله عز وجل بتقريب المسلمين إلى منازل الإمتثال للأوامر والنواهي الإلهية بندائهم بأحب الأسماء إليهم ، وما يدل على إرتقائهم في سلم المعرفة .
السابعة : إرادة الأجر والثواب للمسلمين ، وأن إجتنابهم صدّ المسلمين عن الخروج للقتال أو للكسب وطلب الرزق إنما هو بقصد القربة والطاعة لله , ومن ضروب هذا الإجتناب السكوت عن الذي يخرج للجهاد وعدم القيام بمنعه ، وهذا السكوت أمر وجودي , وشاهد الرضا .
الرابع : يفيد الجمع بين خاتمة الآية السابقة وإبتداء آية البحث بنداء [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] البشارة للمسلمين بالعفو والمغفرة من عند الله وبيان أن عفوه عن الذين تولوا من المعركة من المسلمين برحمة منه لأنه هو الغفور الرحيم ، وليس من منة من أحد على الله عز وجل سواء الذي دخل الإسلام طوعاً , أو الذي خرج للقتال إلى جانب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , ولكن الله عز وجل هو صاحب الفضل والمن .
والمنان من أسماء الله الحسنى ، ولم يرد في القرآن وورد في السنة النبوية ، وعن أنس بن مالك قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً في الحلقة ورجل قائم يصلي فلما ركع وسجد تشهد ودعا، فقال في دعائه : اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت وحدك ، لا شريك لك ، المنان ، بديع السموات والأرض ، يا ذا الجلال والإِكرام يا حيّ يا قيوم إني أسألك ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دعي به أجاب ، وإذا سئل به أعطى) ( ).
الخامس : لقد ذكرت الآية السابقة العفو عن الذين تولوا وفروا من المسلمين فجاءت هذه الآية بدعوة المسلمين جميعاً لإجتناب الصدّ عن خروج المؤمنين للقتال لأن في خروجهم منعة للإسلام ، ووقاية من التولي والفرار ، بلحاظ موضوعية الكثرة في عدد جيش المسلمين وتفانيهم في مرضاة الله .
إذ أن النهي في الآية إنحلالي يتوجه إلى كل مسلم ومسلمة بإجتناب التشبه بالذين كفروا مجتمعين ومتفرقين .
ومن معاني إختتام آية البحث بالإخبار عن المغفرة والحلم من عند الله عز وجل منع دبيب الحزن إلى نفس المسلم الذي تشبه بالكفار يوماً بأن طلب من غيره من المسلمين القعود ليبدأ مع الآية صفحة مشرقة تتقوم بأمور :
الأول : الإستفغار .
الثاني : إجتناب صد المسلمين عن الخروج إلى ميدان القتال.
الثالث : القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
ويمكن تسمية آية البحث [لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا] وقد ورد هذا اللفظ ست مرات في القرآن يتقدمه النداء بالإيمان في مرتين منها ، أحداهما آية البحث .
لقد تضمنت آية البحث بين المسلمين والمسلمات مجتمعين ومتفرقين عن محاكاة الذين كفروا في لومهم للمؤمنين الذين خرجوا للقتال في معركة أحد ، وسقطوا شهداء خاصة الأنصار بدليل قوله تعالى [وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ] وكان عدد الشهداء من المسلمين سبعين شهيداً ، منهم خمسة وستون من الأنصار ، ترى هل يقصد الذين كفروا من كلامهم ولومهم خصوص الذين قتلوا الجواب لا ، إنما كانوا يريدون أموراً :
الأول : صد المؤمنين الأجباري عن مقاتلة الذين كفروا من قريش .
الثاني : تحريض النساء والصبيان لمنعهم من الخروج تحت لواء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو من أسرار لفظ [إِخْوَانِهِمْ]في آية البحث بلحاظ الصلات النسبية بين الأنصار من الأوس والخزرج ، وفيه نكتة وهي تعدد الأعداء الذين يواجهون رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من جهات :
الأول : كفار قريش الذين يحملون السلاح ، ويزحفون بكل ما عندهم من رجال وعدة للقضاء على الإسلام .
الثاني : القبائل التي تؤازر قريش سواء كان لها عهد وعقد مع قريش أو بسبب البغض للإسلام وشريعة التوحيد، وحباً بعبادة الأوثان والإقامة عليها .
الثالث : المنافقون الذين في المدينة ، وبين ظهراني المسلمين .
ومن إعجاز القرآن والدلالات على الأذى والضرر المترشح عن النفاق مجئ سورة كاملة باسم (سورة المنافقون) وتبدأ بالخطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم [إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ] ( )وكأن المنافقين يقولون كلاماً بحضرة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ويقولون غيره ونقيضه في منتدياتهم ومجالسهم الخاصة ، وهل يمكن تأويل فعلهم هذا بأنهم يصدّقون برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على ألا تصل النوبة للقتال وخوض غمار المعارك الجواب لا ، إذ أخبرت السورة أعلاه وآيات أخرى من القرآن عن تلبس المنافقين بالكفر ، وذكرت سوء عاقبتهم في النار .
لقد قدمت آية البحث الضرب في الأرض على الغزو ، وفيه مسائل إعجازية :
الأولى : بيان كثرة وتعدد خروج المسلمين للتجارة .
الثانية : بشارة قلة وإنحسار المعارك التي يخوضها المسلمون مع الذين كفروا .
الثالثة : دعوة المسلمين للتهيئ للتجارة والكسب ، وقد نزل القرآن بالإخبار عن نعمة عظيمة على قريش وهي تجارتهم إلى الشام واليمن بقوله تعالى [لِإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ] ( ).
ومن فضل الله عز وجل على الناس أنه إذا أنزل نعمة على أهل الأرض فانه أكرم من أن يرفعها ، فهي باقية بين ظهرانيهم لتبين آية البحث بأن المسلمين ينالون هذه النعمة وتدل عليه الوقائع والأحداث .
وفي قوله تعالى [وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا] ( ) وورد عن مقاتل بن حيان قال (كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة ويقوم قائماً ، وإن دحية الكلبي كان رجلاً تاجراً ، وكان قبل أن يسلم : قدم بتجارته إلى المدينة خرج الناس ينظرون إلى ما جاء به ويشترون منه ، فقدم ذات يوم ووافق الجمعة ، والناس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ، وهو قائم يخطب ، فاستقبل أهل دحية العير حين دخل المدينة بالطبل واللهو ، فذلك اللهو الذي ذكر الله ، فسمع الناس في المسجد أن دحية قد نزل بتجارة عند أحجار الزيت ، وهو مكان في سوق المدينة ، وسمعوا أصواتاً ، فخرج عامة الناس إلى دحية ينظرون إلى تجارته وإلى اللهو ، وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً ليس معه كبير عدة أحد ، فبلغني والله أعلم أنهم فعلوا ذلك ثلاث مرات ، وبلغنا أن العدة التي بقيت في المسجد مع النبي صلى الله عليه وسلم عدة قليلة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك : لولا هؤلاء ، يعني الذين بقوا في المسجد؛ عند النبي صلى الله عليه وسلم : لقصدت إليهم الحجارة من السماء) ( ).
لقد جحد كفار قريش بنعمة التجارة والكسب التي رزقهم الله ، فآتاها الله عز وجل للمسلمين وحذرهم من الإنصات للذين كفروا الذين يريدون منهم القعود وعدم الضرب في الأرض .

إعجاز الآية الغيري
تترشح عن النداء بصفة الإيمان للمسلمين مسائل :
الأولى : بعث معاني الرضا والفخر في نفوس المسلمين والمسلمات لتلقيهم الثناء من عند الله عز وجل .
الثانية : توجه المسلمين بالشكر لله عز وجل على نعمة إختصاصهم بنداء المدح والثناء .
الثالثة : ندب المسلمين لتعاهد سنن الإيمان ، وبذل الوسع في الإرتقاء في مراتبه ، وبلوغ درجات التقوى واليقين .
الرابعة : إدراك الناس جميعاً لقانون الملازمة بين الإيمان وأداء الفرائض العبادية ، لذا يبعث نداء [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] على الشهادة والتدبر من وجوه :
الأول : حرص كل مسلم ومسلمة على أداء الواجبات العبادية .
الثاني : قيام المسلمين بالمناجاة بينهم بأداء الفرائض من الآيات تشريع صلاة الجماعة وإستحبابها إستحباباً موكداً وتجديد إجتماع المسلمين في مرضاة الله بصلاة الجمعة كما في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ] ( ).
الثالث : إجتماع المسلمين والمسلمات بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الحث على العبادات وأداء الفرائض وتأكيد صدق إستحقاقهم لنيل مرتبة [الَّذِينَ آمَنُوا].
الرابع : التعاون والتأزر بين المسلمين لأداء الواجبات والسنن ، ومن الإعجاز في الشريعة الإسلامية تشريع الزكاة التي هي نوع مؤازرة بين المسلمين وإعانة من الغني إلى الفقير ، وباعث لكل منهما على تقوى الله والصبر في مرضاته .
ومن إعجاز آية البحث أنها تجمع بين الندب والنفر للقتال , والخروج للكسب والسعي في طلب الرزق ليكون من السبر والتقسيم وفق الإصطلاح البلاغي .
وتتحدى الآية الذين كفروا في بواطنهم وخلجات نفوسهم إذ تخبر بأنها تمتلأ بالحسرة والأسى والندامة لقوله تعالى [لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ] ( ).
كما تلازم الآية المسلم في حياته الدنيا من جهات :
الأولى : بعث المسلم على الحرص في إختيار كلامه وفعله وجعله في مرضاة الله .
الثانية : إدراك المسلم لحقيقة وهي وجود أمور نهى الله عز وجل عنها , فلابد من إجتنابها والإبتعاد عنها .
الثالثة : دعوة المسلمين مجتمعين ومتفرقين إلى التدبر في مسألة صدّ الذين آمنوا عن الخروج لقتال الذين كفروا ، وما يترشح عن هذا الصد من الأضرار .
وهل في الآية بشارة دخول الناس الإسلام ومبادرتهم للخروج للنفير والجهاد في سبيل الله ، الجواب نعم لتكون آية البحث مقدمة ومناسبة وإنتظاراً لدخولهم الإسلام ، قال تعالى [إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً]( ).
الرابعة : تسليم المسلمين بأن الحياة والموت أمران بيد الله عز وجل فكل نفس يصعد ونفس ينزل هو من مصاديق الحياة التي يملكها الله عز وجل ، وفيه دعوة لشكر الله عز وجل على نعمة إستدامة الحياة وتجلي هذا الشكر بتعاهد الفرائض ، والتقيد بالأوامر والنواهي الإلهية ، وهو من أسرار آية البحث بقوله تعالى [وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ] لبعث المسلمين على فعل الصالحات والتنزه عن القبائح وما حرم الله ، قال تعالى [تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا] ( ).
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار الأجر والثواب ، فتكتب الحسنات للمؤمن حتى في سكوته لأن إمتناعه عن نهي المجاهدين هو حسنة وعمل صالح ، ومن دلالات آية البحث أنها دعوة للمسلمات لجني الصالحات وإقتطاف الحسنات بالإمتناع عن نهي الابن والأخ والأب عن الجهاد في سبيل الله ، إذ تبعث الآية النفرة في نفوسهن من محاكاة الذين كفروا رجالاً ونساءً ممن يصدون عن سبيل الله ، لذا جاء القرآن بذكر المنافقات على نحو التعيين في خمس آيات منه .
فنهي المؤمنين عن الجهاد في سبيل الله والصبر , وتحمل الأذى في مرضاته من خصال المنافقين والمنافقات ، كما أنهم يقبضون أيديهم عن المعروف وعن إعانة المجاهدين ، فان أعرض المؤمن عن صدّهم ونهيهم وخرج للقتال فانهم لا يمدونه بيد العون ، ولا يعينونه وعياله بالنفقة والمؤونة ، فجاءت آية البحث لبيان قبح فعلهم ، وكيلا يقولون غداً أنهم شاركوا في تحقيق النصر للإسلام في معاركه الأولى .
فلا غرابة أن تأتي آيات متعددة في ذم المنافقين من جهات :
الأولى : النعت بالنفاق نوع ذم وتقبيح .
الثانية : تحذير المسلمين من النفاق , وإبطان الكفر وأسباب الشك والريب .
الثالثة : ذكر المنافقات بعرض واحد مع المنافقين , وفيه أمور :
أولاً : بيان حقيقة وهي وجود نساء متصفات بالنفاق , وإخفاء الكفر مع إظهارهن الإيمان .
ثانياً : تنبيه المسلمين والمسلمات من المنافقات .
ثالثاً : دعوة المسلمات إلى أخذ الحيطة والحذر من المنافقات في المجالس الخاصة والعامة .
رابعاً : دعوة المنافقات للتوبة والإنابة .
رابعاً : تنبيه الأبناء من الإنصات للأم إذا كانت منافقة , وهو من عمومات قوله تعالى [وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا] ( ).
فمن إعجاز القرآن أنه يدخل إلى البيوت , ويكون شريكاً مباركاً وعضداً حاضراً في الصلة من وجوه :
الأول : بين الأخ وأخيه ، لذا قالت آية البحث [لِإِخْوَانِهِمْ].
الثاني : بين الأب وإبنه .
الثالث : بين الزوج وزوجته , بنهي وزجر وتنبيه كل واحد منهما من النفاق والإنصات له .
الرابع : يكون القرآن حاضراً مع الأم وإبنها وبنتها .
الخامس : حضور القرآن بين الأخ وأخته .
السادس : حضور القرآن بين الشركاء في التجارة والمكاسب والميراث ونحوه .
وهذا التعدد من مصاديق قوله تعالى [مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا]( ).
الرابعة : بيان سوء عاقبة المنافقين وشدة عذابهم يوم القيامة .
الخامسة : من الإعجاز ذكر المنافقين والمنافقات خمس مرات في آيتين من القرآن بقوله تعالى [الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمْ الْفَاسِقُونَ * وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا] ( ).
ومن الآيات ورود هاتين الآيتين في سورة التوبة , وفيه دعوة لهم للإنابة والتوبة , وشاهد على حصول توبة كثير من المنافقين والمنافقات , وترغيب المسلمين ببيان قبح النفاق .
السادسة : كما ورد لفظ المنافقين قبلها بآيتين في قوله تعالى [يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ] ( )فذات المنافقين يحذرون من نزول آيات القرآن وما فيها من المضامين وينزل القرآن بفضحهم وخزيهم ، وبتحذير المسلمين منهم ومن ضررهم الذي يكون على وجوه :
الأول : ضرر المنافقين على الإسلام .
الثاني : بث المنافقين روح الشك والريب , ويدل عليه قوله تعالى [وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا]( ).
الثالث : إرادة المنافقين صدّ المسلمين عن الخروج إلى ساحات الدفاع عن الإسلام , كما تدل عليه آية البحث .
الرابع : ضرر المنافق على نفسه ، وجلب الأذى والإثم لذاته ، وتذكر آية البحث وجهاً من وجوه الأذى وهو إمتلاء قلوب المنافقين والذين كفروا بالحسرة ، وأما الإثم فذكرت الآية سوء العاقبة الذي يترتب عليه .
لقد ذكر الذين كفروا والمنافقون مسألة وهي لو بقي الصحابة من الأنصار عندهم ولم يخرجوا إلى معركة أحد لما قتلوا بلحاظ أن هذا الخروج مقدمة وسبب للإقتتال والقتل ، ولم يعلموا بالملازمة بين الإيمان والإبتلاء بالقتال دفاعاً عنه عندما يصر الذين كفروا على الهجوم كما في معارك الإسلام الأولى ، قال تعالى [إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ].
ومن الإعجاز الغيري لآية البحث مجئ الأحزاب من الكفار بعشرة آلاف رجل وإطلالتهم على المدينة المنورة ، وإحاطة الجيوش لها ،ولم يمنعهم بقاء المؤمنين في بيوتهم وعدم خروجهم للقتال في أطراف المدينة.
ترى هل أنصت المؤمنون إلى أقوال الذين كفروا وما كانوا يقصدونه من الحث على القعود الجواب لا، فقد خرجوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى معركة الخندق ، وربطوا خلفه ولم يفعلوا كما فعل المنافقون حيث إستأذنوا للذهاب إلى أهليهم بحجة أن بيوتهم مكشوفة ، وفي التنزيل [وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا] ( ).
وإذا كان المؤمنين قد إمتنعوا عن طاعة الذين كفروا والإصغاء غلى اقوالهم وتحريضهم على القعود فلماذا نزلت آية البحث الجواب من جهات :
الأولى : بيان جهاد المسلمين في سبيل الله .
الثانية : تأكيد صدق إيمان الأنصار والمهاجرين وإخلاصهم في طاعة الله ورسوله .
الثالثة : توثيق الأذى والعناء الذي كان يلاقيه الصحابة في مرضاة الله .
الرابعة : النهي والمنع من تكرار الصد عن الدفاع عن بيضة الإسلام ، فمن إعجاز الآية الغيري إتصال وإستمرار مضامينها إلى يوم القيامة .
ولا يستطيع الناس وإن إجتمعوا أن يحصوا ويكشفوا المنافع العظيمة لآية البحث من جهات :
الأولى : ترغيب المسلمين بالجهاد في سبيل الله .
الثانية :التخفيف عن المؤمنين بزجر الذين كفروا والمنافقين عن صدهم .
الثالثة : كشف المنافقين ومعرفة المسلمين لهم بلحاظ نهيهم عن الخروج ، قال تعالى في ذم المنافقين [وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ] ( ).
قال الكلبي : فلم يتكلم بعد نزولها منافق عند النبي صلى الله عليه وسلم إلا عرفه)( ).
الرابعة : حث المنافقين على التوبة والإنابة ، ودعوتهم لإصلاح السرائر ، وجعلها موافقة لظاهر ما يقولون .
الخامسة : منع وقوع الخلاف والنزاع بين المؤمنين فاذا أنصت بعضهم إلى أقوال المنافقين فانه يكرر قولهم بين المجاهدين ، وفيه تثبيط للهمم ، فجاءت آية البحث واقية منه ، وعدم إحصاء منافع آية البحث عند نزولها وحتى يوم القيامة من مصاديق قوله تعالى [قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا]( ).
وآية البحث من آيات بناء الدولة الإسلامية وأنشاء سور وجيش قوي ، وإقتصاد متين ، فكأن الآية تقول يا أيها المسلمون جاهدوا في سبيل الله وأسعوا في المكاسب وطلب الرزق ، وهو من عمومات قوله تعالى [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ] ( ) .
وفي علم الأصول أنه لا يجب السعي لطلب مقدمة الواجب المشروط ، فلا يجب بذل الوسع لتحصيل الإستطاعة لحج بيت الله الحرام ، ولكن إن تحققت الإستطاعة من الزاد والراحلة ونحوها عند المسلم المكلف وجب عليه حج البيت .
وهل تدعو الآية المسلمين ليكونوا على قسمين :
الأول : الذين يجاهدون في سبيل الله .
الثاني : الذين يعملون بالتجارة والزراعة .
الجواب لا إنما يكون المسلم مجاهداً وحاضراً في النفير عند الحاجة ومداهمة العدو لثغور المسلمين وكاسباً وعاملاً ومضارباً في حال السلم والمهادنة ، ويدل عليه قوله تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ] ( ) كما تدل عليه آية البحث لإتحاد لفظ [لِإِخْوَانِهِمْ] وتعدد موضوع الموت والقتل وهما الضرب في الأرض أو القتال فذات الإخوان مرة يعملون في التجارة والزراعة وأخرى يخرجون للقتال تحت لواء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي كلتا الحالتين هم عرضه للموت .
لقد أراد الله عز وجل الفصل بين الذين آمنوا والذين أصروا على القيام على الكفر , فتضمنت آية البحث نهي المسلمين عن محاكات الذين كفروا أو ترديد ما يقولون.
وقيل بقاعدة ناقل الكفر ليس بكافر وتسمى أيضاً حاكي الكفر ليس بكافر .
ولا أصل لهذا القاعدة ، نعم هو يصح إذا كان النقل من أجل دحض مفاهيم الكفر وذمها أو التحذير منها أوالرد عليها , ولكن هذا لا يعني تأسيس قاعدة بهذا الاسم وقيل أن أمثلته في القرآن والسنة النبوية كثيرة ، ولكن هذه الأمثلة ليست نقلاً أو حكاية إنما هي حجة وتوثيق وأدلة على إستحقاق الذين كفروا العذاب والهلاك أن تخرج حكاية الكفر عن مقامات الإيمان .

الآية سلاح
إبتدأت الآية بنداء الإكرام والتشريف لعموم المسلمين والمسلمات ، ليصاحبهم في حياتهم الدنيا سلاح سماوي مبارك من وجوه :
الأول : شهادة الله للمسلمين بصفة الإيمان ، وفيه دعوة للناس بالإصغاء لهم ، والقول منهم .
الثاني : ترغيب الناس بالإسلام لدلالة تسمية المسلمين بالمؤمنين على أن نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم حق وصدق .
الثالث : بعث المسلمين للمناجاة بينهم لتعاهد منزلة الإيمان التي شرفهم الله عز وجل بنيلها وبلوغها ، وإدراك لزوم توارث هذه الصفة بالصبر والتقوى ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ]( ) أي من ضروب هذه الإستعانة الحرص على تلقي صيغ الإيمان تركة مباركة عن الآباء ، والحرص على إبقائها إرثاً للإجيال اللاحقة .
لذا يكون سعي كل فقيه وعالم في تأريخ الإسلام ميراثاً للأجيال اللاحقة من المسلمين .
الرابع : لقد أنعم الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة بنزول الملائكة لنصرتهم في معركة بدر وأحد وأنعم على جميع المسلمين والمسلمات بالمدد السماوي الذي يطل عليهم كل يوم وهو نداء [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ]فصحيح أن الموضوع الذي يأتي فيه هذا النداء هو الأمر أو النهي إلا أنه يدل بالدلالة التضمنية على البشارة بالنعيم الدائم وكأن آية البحث تقول : يا أيها الذين آمنوا أبشروا بالنعيم الدائم ) إذ أن جزاء الإيمان هو الثواب العظيم من عند الله عز وجل .
ومن الإعجاز في آية البحث أن النهي عن محاكاة المنافقين والكافرين في شماتتهم وصدهم عن سبيل الله ، إنما جاء بعد الخطاب الكريم بصيغة الإيمان .
لقد أراد الله عز وجل البينونة بين الذين آمنوا والذين كفروا ، وهو من الضروريات لبناء صرح الدولة الإسلامية وإقامة شعائر الله عز وجل كاملة ، وتقع على المسلمين مسؤولية حفظ التنزيل من التحريف والتبديل ، وإقامة الصلاة وإتقان أفعالها وضبط أحكام الواجبات الأخرى كالصيام والحج والزكاة والخمس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويتم هذا بتنزه المسلمين عما يفعله الذين كفروا من القبائح وقد بينت آية البحث جانباً منها .
مفهوم الآية
يبعث نداء الإيمان في نفوس المسلمين معاني الأخوة بينهم ويتضمن الإخبار بأنهم أمة مستقلة لم تجتمع أمة على مثل الأمر الذي إجتمعوا عليه والذي فيه خير الدنيا والآخرة، بلحاظ أن المسلمين آمنوا بالله ورسوله واليوم الآخر.
لذا فمن وجوه إيمان المسلمين العمل بأحكام القرآن والصدور عنه، وكأن القرآن يقول: يا أيها الذين آمنوا بي وبآياتي لولا أن هذا النداء نازل من عند الله عز وجل والقرآن كلامه الذي أنزله على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بشرى للمسلمين.
ويحتمل نداء يا أيها الذين آمنوا وجوهاً:
الأول : إنه بشارة للمسلمين.
الثاني : النداء بصيغة الإيمان إنذار للمسلمين.
الثالث : النداء التشريفي للمسلمين بشارة وإنذار من عند الله للمسلمين.
الرابع : ليس في نداء يا أيها الذين آمنوا بشارة أو إنذار إنما هو تشريف وإكرام.
والمختار هو الأول أعلاه، وهو لا يتعارض مع ما ورد في الرابع أعلاه، وهو من إعجاز القرآن.
وهذا التشريف إختبار وإمتحان، وهو مقدمة لنزول الأوامر والنواهي كما في آية البحث التي تتضمن النهي عن التشبيه بالذين كفروا في حثهم على الصدود عن سبيل الله.
ومن مفاهيم آية البحث تنمية ملكة التقوى عن المسلمين وإدراكهم أنهم أمة يخاطبهم ويشهد لهم بالإيمان الله عز وجل في التنزيل والكتاب الباقي إلى يوم القيامة ، ليكون نداء [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ] الذي إبتدأت به آية البحث وسام فخر يصاحب المسلم والمسلمة حياتهما ويبعث السكينة في نفوس المسلمين ويجعلهم يتطلعون إلى معاني الغبطة والسعادة والرزق الكريم الذي يترشح عن هذا النداء ، لقد خلق الله عز وجل الناس من آدم وحواء فهم جميعاً إخوان في أصل الخلق والنشأة قال تعالى [يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا] ( ) ولكن هذه الصلة النسبية لم تمنع من الفصل والتمييز في موضوع الإيمان والكفر ، وهل يعلم المسلمون أن بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم دخولهم الإسلام فيصل بينهم وبين إخوانهم وأرحامهم ممن بقي على الكفر والضلالة ، الجواب نعم ، ومن رشحات الإيمان أن نفس المسلم تنفر من الذين كفروا ، وتنكر قبيح أفعالهم ، لذا قيدت آية البحث مسألة الإحتراز عن التشبه بالكفار بخصوص توجيه اللوم للذين خرجوا للقتال وأستشهدوا .
ومن مفاهيم آية البحث أنها شاهد على شدة الأذى الذي كان يلاقيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو مصداق لقوله (ما أوذي نبي مثل ما أوذيت) ( ) إذ يشترك الذين كفروا والمنافقون في محاربة الإسلام ونشر الإشاعات التي تبعث الخوف من بطشهم وقوتهم وتخبر عن غاياتهم الخبيثة إرادة قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقتل أو أسر أهل بيته وأصحابه ، فجاءت آية البحث لتكشف كيدهم وسوء قولهم وتخبر عن إنتفاء أثره ، وتتضمن البشارة بأن كيد الذين كفروا لم يترشح عنه إلا الحسرة في قلوبهم فلم تختتم الآية إلا وذكرت الأسى والحسرة التي أصابت قلوب الذين كفروا .
وهل تمنع الآية من العناية بالأسباب في موضوع الحياة والموت بلحاظ إخبارها بأن الحياة والموت بيد الله ، الجواب لا، ولكنها تؤكد بأن الموت لا يطرأ ويحل بساحة إنسان إلا بمشيئة وإذن من الله سواء بسبب أو بغير سبب ، لذا ذكرته الآيات بصيغة الفاعل كما في قوله تعالى [كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ] ( )فالموت أمر وجودي يغيب ويحضر ، وإذ حضر صار فيصلاً بين الحياة والموت ولا يستطيع الموت بذاته الحضور ، فلابد أن الله عز وجل هو الذي يجعله حاضراً ، وتقدير الآية أعلاه : حتى إذا أحضر الله الموت .
وإذا كان الموت يحضر بأمر من عند الله في ساحة الإنسان فهل تحضر الحياة كل آن أو كل يوم أم أن أمر الله عز وجل لها واحداً من حين ولادة الإنسان وإلى أن يحين أوان موته ، فتكون الحياة كالموت لا تحضر إلا مرة واحدة في بداية خروج الإنسان طفلاً إلى الدنيا ، الجواب هو الأول ، وأن الله عز وجل بيده إستدامة حياة الإنسان فلا تمر عليه دقيقة واحدة إلا بإذن ومشيئة من عند الله ، ويكون هذا الإذن بعدد شهيق وزفير الإنسان مما يعجز معه عن الشكر لله عز وجل على نعمة الإذن المتجدد بالحياة ، فيتنفس الإنسان البالغ في اليوم خمساً وعشرين مرة ، ليسحب إلى جوف الرئتين نحو مائة وثمانين متراً مكعباً من الهواء ويتنفس ألأصغر من البالغ عدداً أكثر ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا] ( ).
وتحتمل آية البحث في مفهومها وجوهاً :
الأول : الحث على الجهاد في سبي الله .
الثاني : الترغيب بالضرب في الأرض وطلب المكاسب والسعي في التجارة والصناعة .
الثالث : الندب إلى الوجهين أعلاه كل بحسب الحال .
الرابع : لا دليل في الآية على أحد الوجوه أعلاه وباستثاء الوجه الأخير فان الوجوه الثلاثة الأخرى من مصاديق ومفاهيم آية البحث ، وتقدير الآية : يا أيها الذين آمنوا إضربوا في الأرض ودافعوا الغزاة والله يحيي ويميت ).
لتكون آية البحث من مقدمات بناء الدولة الإسلامية ومن أسباب الإزدهار الإقتصادي في المدينة المنورة وعند المسلمين .
إفاضات الآية
لقد أراد الله عز وجل للمسلمين العز في الحياة الدنيا والآخرة ، وهل يدل قوله تعالى [وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ] ( )على إرادة الفخر والمجد للمؤمنين في النشأتين ، الجواب نعم ، وهو المستقرأ من صيغة الإطلاق التي تتضمنها الآية أعلاه بالإضافة إلى الآيات الأخرى التي تتضمن الإنباء عن خلودهم في النعيم الأخروي ، ومن الآيات أن العز لا يختص بالرجال منهم ، مع أن الجهاد والقتال ساقط عن النساء ، قال تعالى [وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أَكْبَرُ]( ).
وإذ وردت آية البحث بخصوص القتال بين المسلمين والذين كفروا في معركة أحد فقد تضمنت آية البحث زجر المسلمين عن محاكاة الكفار في الصد عن سبيل الله والجهاد في سبيله ، وهل تتضمن الآية ودلالات الخطاب فيها المؤمنات أم أنها خاصة بالرجال من المؤمنين ، الجواب هو الأول ، وتقدير الآية يا أيتها اللائي آمنّ لا تكنّ كالذين كفروا وقالوا لأخوانهم ..).
وللمرأة شأن في مقدمات القتال وفي إستدامته وكيفية إنتهائه ، فأراد الله عز وجل لكل مسلمة أن تكون عوناً وعضداً للمسلمين في جهادهم وقتالهم ، وكانت بعض النسوة يستقبلن الذين ولوا وفروا من ميدان المعركة بكلمات التبكيت والتعيير ، وكانت بعض المؤمنات تقاتل إلى جانب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في معركة حنين ومعركة حنين مثل أم الحارث وأم عمارة الأنصاريتين .
الآية لطف
من صفات الله عز وجل أنه لطيف بعباده ، وليس من حصر لمصاديق اللطف الإلهي , وتعجز الخلائق عن إحصاء أفراد اللطف الإلهي على الناس ، وهل هو من مصاديق قوله تعالى [وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا] ( ) .
الجواب ورد لفظ [نِعْمَةَ] في الآية أعلاه بصيغة الجنس , واللطف الإلهي فرد من أفراد هذه النعمة ليكون من أسرار هذا اللفظ أنه سواء قرئ بصيغة الجنس وإرادة التنكير وما تدل عليه من صيغة العموم أو قرئ بصيغة المفرد وإرادة فرد واحد من أفراد النعمة الإلهية فان النتيجة ذاتها من جهة التحدي وبيان عظيم فضل الله عز وجل على الناس .
ليكون من مصاديق قوله تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ) إنقياد الخلائق كلها لله عز وجل لما تراه من النعم العظيمة على الإنسان وغبطتها له للخلافة وتعدد النعم مما يستلزم الشكر لله عز وجل على هذه النعم .
ويتجلى الشكر بالإقرار بالربوبية المطلقة لله عز وجل والتصديق بالنبوة والتنزيل فبادر فريق من الناس لدخول الإسلام ، وأخلصوا الطاعة إلى الله وخرجوا للدفاع عن مبادئ التوحيد في الأرض في معركة بدر وأحد ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في معركة بدر : اللّهُمّ إنْ تَهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةُ الْيَوْمَ لَا تُعْبَدْ)( ). وقال في معركة أحد (إن تشأ لا تعبد في الارض) ( ).
وكذا في معركة الأحزاب عندما طال حصار الذين كفروا للمدينة ، إذ قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الناس عند زوال الشمس وحثهم على الصبر والمناجزة , وورد ( عن جابر بن عبد الله قال : لما كان يوم خيبر بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا فجاء محمد بن مسلمة فقال يا رسول الله لم أر كاليوم قط قتل محمود بن مسلمة فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية فانكم لا تدرون ما تبتلون به منهم فإذا لقيتوهم فقولوا اللهم أنت ربنا وربهم ونواصينا ونواصيهم بيدك وإنما تقتلهم أنت ثم الزموا الأرض جلوسا فإذا غشوكم فانهضوا وكبروا) ( ).
وجاءت آية البحث لطفاً من جهات :
الأولى : تنمية ملكة الحيطة والإحتراز عند المسلمين .
الثانية : إخبار المسلمين بأن أعداءهم من المشركين لا ينحصرون بالذين يقاتلونهم في ميدان معركة أحد ، فهناك أعداء آخرون يصرف إخوانهم عنهم ، فقد ذكرت آية البحث الذين إستشهدوا بأنهم إخوان الذين كفروا من جهة النسب ، وهم إخوان للمؤمنين من جهة النسب والعقيدة ، قال تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ] ( )كما أن الذين كفروا يسعون لصد المؤمنين من الأنصار عن القتال والضرب في الأرض في الدعوة إلى الله عز وجل .
ليكون من معاني الإعجاز في الآية أعلاه وجوب عدم الإلتفات إلى صدهم عن سبيل الله لأن أخوة الإيمان تستلزم المبادرة إلى النفير وعدم التخلف عن نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والأخوة المؤمنين من أهل البيت والصحابة الذين معه .
لقد جاءت آيات القرآن بالحث على التمسك بآيات القرآن وما فيها من الأوامر والنواهي ، وبالدعوة إلى نصرة الإسلام ، وبناء صرح الإيمان ، قال تعالى [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا] .
وقد أراد الذين كفروا بإظهارهم الشماتة والتأسي الزائف لصد المؤمنين عن الجهاد ، فجاءت آية البحث لتنهى المسلمين عن محاكاتهم والتشبه بهم ، ولبيان المائز والفيصل بين المؤمنين والكفار .
الصلة بين أول وآخر الآية
إبتدأت الآية بالنداء العام للمسلمين والمسلمات والذي يتضمن في لفظه ورسمه ودلالته معاني الثناء عليهم ، وهو من مصاديق اللطف والإحسان من عند الله وأنه سبحانه يعطي بالأوفى والأتم فنداء الإيمان نعمة عظمى ، وهل يترشح عنها بركات ورزق كريم أم أن النداء أمر مستقل بذاته جاء للبيان والتنبيه ، الجواب هو الأول من جهات :
الأولى : النداء بصيغة الإيمان إكرام للمسلمين .
الثانية : هذا النداء مقدمة لنزول الخير والبركة من عند الله .
الثالثة : المدد من عند الله عز وجل لوحدة المسلمين وتأخيهم وهو المستقرأ من لفظ [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] ( ).
الرابعة : بشارة العون والفضل الإلهي للمسلمين في القتال ، وتقدير النداء في أول آية البحث على وجوه :
الأول : يا أيها الذين آمنوا تعاهدوا طاعة الله ورسوله .
الثاني : يا أيها الذين آمنوا إن الله يحبكم لإيمانكم ، وفي التنزيل [فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ]( ).
الثالث : يا أيها الذين آمنوا لا تلتفتوا إلى قول المنافقين والذين كفروا وصدهم عن سبيل الله .
الرابع : يا أيها الذين آمنوا إن الذين كفروا أعداء لكم فأحذروهم إذ تبين آية البحث أن العداوة أعم من أن تنحصر بميدان القتال فتشمل مقدماته والتهيئ له ، فاذا أراد المسلمون الخروج إلى ميدان القتال فان الذين كفروا والمنافقين يبثون سمومهم بين أهل المدينة وعوائل المؤمنين، ويدل قوله تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ]( )، على أن المسلمين لم ينصتوا أو يستجيبوا للذين كفروا في صدهم عن سبيل الله .
ليفيد الجمع بين آية البحث والآية أعلاه قانوناً وهو تضمن القرآن الملازمة بين أمور :
الأول : بيان الأذى الذي يأتي من الكافرين والمنافقين .
الثاني : الوقاية من شرهم ودفع أذاهم .
الثالث : اللطف الإلهي بالمسلمين والذي يتجلى بنداء [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا]في أول آية البحث .
الرابع : التقارب والتداخل في نظم آيات القرآن بين الوجوه الثلاثة أعلاه وبصيغ البيان والوضوح .
الخامس : من معاني الجمع بين الآيتين بعث المسلمين لأداء واجباتهم العبادية ، وعدم التخلف عن الدفاع عن النبوة والتنزيل .
لقد أراد الذين كفروا صدّ الذين آمنوا عن ميدان القتال والدفاع فنزلت آية البحث لتبدأ بالثناء على المسلمين ، وتحثهم على الثبات في منازل الإيمان وتبشرهم بالمقام الكريم عند الله عز وجل .
ويمكن تأسيس قانون وهو إذا بدأت الآية القرآنية بنداء الإيمان فانها تدل بالدلالة التضمنية على البشارة بخصوص مضامين تلك الآية من جهات :
الأولى : إمتثال المسلمين للأوامر الواردة في الآية .
الثانية : إجتناب المسلمين لما نهى الله عز وجل في تلك الآية .
الثالثة : لحوق الخزي والهوان بالذين كفروا .
الرابعة : بقاء الآية القرآنية إلى يوم القيامة وبمأمن من التحريف والتبديل .
الخامسة : تلاوة المسلمين لآيات القرآن كل يوم ، فمن وجوه تفضيل القرآن على الكتب السماوية السابقة أنه لم يمر يوم على المسلمين إلا وهم يتلون القرآن وعلى نحو الوجوب العيني ، قال تعالى في الثناء على القرآن [وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ] ( ) ليكون القرآن أميناً وحافظاً للكتب السماوية السابقة .
فمن فضل الله عز وجل أن القرآن منع من إستمرار التحريف في الكتب السماوية السابقة .
السادسة : الحصانة والأمن من أذى وضرر الذين كفروا الذي تذكره تلك الآية وتقدير آية البحث : يا أيها الذين آمنوا لم ولن تكونوا كالذين كفروا الذين قالوا لإخوانهم إذا ضربتم في الأرض ..)
خاصة وأن المؤمنين هم أنفسهم يخرجون للقتال ، ليكون خروجهم هذا أحسن رد وزاجر للذين كفروا في شكهم وريبهم .
ومن خصائص آية البحث أنها إبتدأت بصيغة الإيمان وتعقبها النهي عن محاكاة الذين كفروا لبيان قانون وهو أن تفضل الله عز وجل بنداء المسلمين .
فمن إعجاز آية البحث أنها تنهى المسلمين عن فعل وتتضمن الدلالة على سلامتهم وعصمتهم من ذات الفعل ، وهل من موضوعية لآية البحث في هذه السلامة ، الجواب نعم ، ومن مصاديقها أمور :
الأول :خطاب المسلمين بصفة الإيمان ، وما تدل عليه من إجتماع شرائط الصبر وحسن السمت والمنعة من محاكاة الذين كفروا .
الثاني : الفصل والتمييز بين المسلمين وغيرهم إذ يستقل المسلمون بنعت الإيمان ، بينما تسمي آية البحث عدوهم بلفظ [الَّذِينَ كَفَرُوا].
الثالث : عدم التعارض بين الإيمان والنهي من عند الله، فمن مقومات الإيمان تلقي الأوامر والنواهي من عند الله من غير واسة، فصحيح أن آية البحث نزلت على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبواسطة جبرئيل عليه السلام إلا أن خطابات القرآن تتوجه تارة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وتارة للمؤمنين والنبي هو إمام المؤمنين ، وسيد المرسلين، وهل يخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الخطاب في الآية يفيد (قالوا لإخوانهم) بلحاظ أن الذين كفروا ينهون إخوانهم من الأنصار، بينما النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من قريش، الجواب نعم، ولكن لا تصل النوبة إليه إنما يكون تقدير الآية الذين كفروا وقالوا لإخوانهم الذين خرجوا مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لقتال الذين كفروا، وأذا كان المقصود بلفظ إخوانهم في آية البحث هم الأفراد والطوائف من الأوس والخزرج الذين خرجوا للقتال مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في معركة أحد، فهل هم ذاتهم المقصودون بلفظ إخوانهم على فرض تقدير الآية بلغة الخطاب للمسلمين، ولا تكونوا كالذين كفروا فتقولوا لاخوانكم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزي) الجواب لا، فموضوع النهي في الآية الكريمة أعم، لتبقى سنخية المناجاة بين المسلمين تتصف بالندب إلى الجهاد والإعانة عليه والترغيب فيه، لذا وردت الآيات والنصوص بالحث على الجهاد بالأموال.
وبعد أن ذكرت آية البحث الذين آمنوا بصيغة الإكرام ذكرت الذين كفروا بلغة الذم من جهات :
الأولى : القبح الذاتي للكفر والجحود.
الثانية : نهي المسلمين مجتمعين ومتفرقين عن التشبه بالذين كفروا، ومن فضل الله عز وجل نهيه عن القبيح ذاتاً أو عرضاً.
الثالثة : بيان آية البحث لقول مذموم صادر من الذين كفروا.
الرابعة : مخاطبة الكفار لإخوانهم من المسلمين ، وإعادة ذات كلام الشك والريب حتى بعد قتلهم وموتهم .
الخامسة : بيان مفهوم الأخوة عند الذين كفروا إذ يتقوم بالقعود عن الواجب.
إذ يدل قوله تعالى [لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا]على حقيقة وهي أن الذين كفروا والمنافقين إمتنعوا عن الخروج لملاقاة الذين كفروا في معركة أحد، فان قلت هناك بعض المنافقين شارك في معركة أحد مثل معتب بن قشير إذ ورد في التنزيل حكاية عنه [لَوْ كَانَ لَنَا مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا]( ) .
الجواب نعم لذا ورد ذكرهم قبل آيتين [وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ]( )، ومن إعجاز القرآن أن تأتي آية البحث بلفظ الذين كفروا وهو أعم من المنافقين ويشمل الذين كفروا ممن أظهر الجحود بالربوبية , أو أبطن الكفر برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
لقد تكرر في الآية الاسم الموصول (الذين) في آية البحث مع التضاد والتباين بينهما في الأشخاص والموضوع، فورد ممدوحاً منادى منهياً بارادة الذين آمنوا ، وورد الثاني مذموماً بصفة الغائب ومنهي عنه وعن فعله ، وفيه دعوة للمسلمين للشكر لله عز وجل على نعمة الإيمان ، والسلامة من الكفر والضلالة .
وأراد الله عز وجل لهم التنزه عن التشبيه بالذين كفروا وهل هذا النهي مطلق في كل شئ حتى في المباحات وفي المكاسب والتجارات والصناعات وطلب العلوم , الجواب لا.
إذ جاء قوله تعالى[عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ]( )، فورد تحصيل العلم بصفة الإنسانية وجواز الإكتساب فيها، والقدر المتيقن من آية البحث هو النهي عن التشبه بالكفار فيما يترشح عن الكفر من الصدود عن سبيل الله، والحث على القعود، ومنه مقدمات خروج المسلمين للدفاع ، وتثبيط الهمم ، فلم يحثوا إخوانهم على القعود، ولكن الضرر من هذا الحث أكبر من جهات :
الأولى : محاولة اثارة روح الشك والريب بين المسلمين .
الثانية : نشر الخوف والإرباك في بيوت المسلمين .
الثالثة : إنشغال المؤمنين بالجدال والإحتجاج، وإقامة البرهان بلزوم الدفاع بعد أن وصل جيش الذين كفروا إلى مشارف المدينة المنورة كما في معركة أحد والخندق، وهو يتوعدون بالبطش والإنتقام.
وهل ينصت المؤمنون لأقوال الذين كفروا ، الجواب لا، إذ تبين آيات القرآن أنهم كانوا يعشقون الشهادة , قال تعالى[وَلَقَدْ كُنْتُمْ تََمَنَّوْن الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ]( ) .
وقد أخبر الله عز وجل عن خلود الذين يقتلون في سبيله في النعيم وجنان الخلد ، وتضمنت السنة النبوية البشارة للمسلمين بنيل مرتبة الشهادة بالمعنى الأعم والأوسع من القتل في ميدان القتال .
وعن جابر بن عتيك : جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (يعود عبد الله بن ثابت فوجده قد غلب فصاح به فلم يجبه ، فاسترجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : غلبنا عليك يا أبا الربيع ، فصاح النسوة وبكين ، فجعل ابن عتيك يسكتهن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « دعهن فإذا وجب فلا تبكين باكية قالوا : يا رسول الله ، وما الوجوب ؟ قال : إذا مات. فقالت ابنته : والله إني كنت أرجو أن تكون شهيدا ، فإنك قد كنت قضيت جهازك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : قد أوقع الله أجره على قدر نيته ، وما تعدون الشهادة، قالوا : القتل في سبيل الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله : المطعون شهيد ، والغريق شهيد ، وصاحب ذات الجنب شهيد ، والمبطون شهيد ، وصاحب الحريق شهيد ، والذي يموت تحت الهدم شهيد ، والمرأة تموت بجمع شهيدة ( ).
وعبد الله بن ثابت الأنصاري أبو الربيع كفنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قميصه ، وهو غير عبد الله بن ثابت أبو أسيد الأنصاري وبين الحديث سعة فضل الله عز وجل على المسلمين ، وفيه خيبة للذين كفروا وذم لهم للإصرار على الكفر والصدود ، ولبيان أن الجنة يدخلها إخوانهم المسلمون ممن أبتلي بالغرق وداء البطن، والمرأة التي تموت في الطلق وعند الولادة .
الرابعة : إرادة الذين كفروا الترغيب بالقعود , وبعث حال التراخي بين المسلمين .
الخامسة : سعي الذين كفروا ورؤساء النفاق للإيقاع بين المهاجرين والأنصار , وفي التنزيل حكاية عنهم وعن وعيدهم للمهاجرين[يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ]( ).
السادسة : لقد فزع الذين كفروا من إجتهاد المسلمين في أدائهم الفرائض والعبادات وحرصهم على طاعة الله والرسول في حال السلم والحرب ، فأرادوا نشر روح الفرقة والشقاق بين المسلمين وإشاعة الفتنة في بيوتهم ، فتفضل الله عز وجل وفضح الذين كفروا وبيّن سوء قولهم، وخبث مقصدهم .
فمن إعجاز القرآن تعدد منافع البيان الذي تتضمنه آياته ، قال تعالى [هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ] ( ) ، لتدل مضامين وغايات الآية القرآنية على أن منافع البيان القرآني وأكثر من أن تحصى في ذاتها ومكانها وزمانها وبركاتها وفيوضاتها وهي متجددة وتوليدية , وفيه جلب للمصالح ودفع للمفاسد .
لقد كانت نبوة محمد صلى الله علية وآله وسلم رحمة من عند الله لأهل مكة والمدينة والناس جميعاً ، ولكن شطراً من الناس جحدوا بها وقابلوها بالعداء والخصومة وبث روح الشقاق ونشر مفاهيم القعود عما هو مقدمة وبلغة لتحقيق مصاديق الرحمة ، لذا فمن معاني قوله تعالى [الَّذِينَ كَفَرُوا] الوارد في آية البحث أنهم كفروا بمصاديق الرحمة العظيمة التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من عند الله عز وجل .
لتتضمن آية البحث في منطوقها ومفهومها دعوة المسلمين والناس جميعاً إلى عدم الإصغاء للذين كفروا وإلى الإحتجاج عليهم وإبطال مغالطتهم .
وهل تلاوة آية البحث من هذا الإحتجاج , الجواب نعم ، وهو من إعجاز القرآن وأسرار تلاوته , وما في بيانه من النفع العاجل والثواب الآجل .
ليكون من مصاديق اسم الإشارة (ذلك) الوارد في آية البحث ما يكون حسرة في قلوب الذين كفروا تلاوة المسلمين والمسلمات لآية البحث .
قانون إكرام المسلمين في كل آية قرآنية( )
لقد جعل الله عز وجل القرآن الكلام الحق، والنبأ الصادق في الأرض، وهو حرب على الكذب والتحريف والإفتراء , وواقية دائمة من خلط الحقيقة بالوهم والخيال، وتفضل الله وجعل كل آية قانوناً ومصدراً للقوانين والسنن، وأصلاً للتشريع.
من نعم الله علينا علم التفسير وإجتهاد العلماء في تأسيس مدارسه وتثبيت قواعده ليكون ضياء للعلماء، وسبيل هداية للمسلمين والناس جميعاً.
لقد تعددت أبواب العلوم الثابتة في هذا السفر المبارك، وتقدم بيانه في أحد أجزاء التفسير ( ).
وقد تم في السادس والعشرين بعد المائة تأسيس علم جديد هو قانون : منافع قانون الآية سلاح( ).
ونبين هنا علماً جديداً يستقرأ من مضامين كل آية من القرآن، وهو إكرام الله للمسلمين في الآية القرآنية , فكما أفردنا في تفسير كل آية أبواباً متعددة من ذخائر التأويل في كل آية كل فرد منها علم مستقل , ولأول مرة في التأريخ كما تقدم في المقدمة , فقد أسسنا علماً جديداً هنا.
لقد أخبر الله عز وجل عن قانون في الإرادة التكوينية وهو كون المسلمين[خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( )، ويمكن تأسيس قانون وهو شهادة كل آية من القرآن بأن المسلمين(خير أمة) بلحاظ موضوع ومفاهيم ذات الآية القرآنية وعمل المسلمين بأحكامها، ومن الإعجاز في المقام تجلي حقيقة كونهم (خير أمة) في المقام بتلاوة كل مسلم ومسلمة لآيات القرآن في الصلاة الواجبة من جهات:
الأولى : إنتظار أوقات الصلاة فريضة بعد أخرى، وهذا الإنتظار من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متعددة طولاً وقصراً في مدته من جهات:
الأولى : من المسلمين من ينتظر وقت الصلاة اللاحقة حالما يخرج من الصلاة صاحبة الوقت كما لو صلى الصبح وخرج بالتسليم منها، فانه يستحضر في الوجود الذهني أن عليه أداء صلاة الظهر.
الثانية : إنتظار المسلم للصلاة عند التذكير بها، وعند سماع آيات القرآن وذكر الله عز وجل للتبادر والملازمة بين الذكر والصلاة.
الثالثة : يستحضر المسلم الصلاة التالية في وقتها عند الإبتلاء والشدة والمصيبة، وهل هو من مصاديق قوله تعالى[الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ]( )، الجواب نعم، بتقريب أن الإسترجاع ذكر لله وطريق لإستحضار الصلاة وما فيها من مظاهر العبودية والخضوع لله عز وجل.
الرابعة : إستحضار الصلاة عند الشوق اليها، وميل النفس والجوارح للوقوف بين يدي الله عز وجل بخضوع وخشوع، وهو من أسرار نفخ الروح من عند الله في آدم لتتوارث ذريته الإقرار بمقام الربوبية.
الخامسة : تجلي معاني العبادة والطاعة لله عز وجل بالصلاة، وهي خير محض، وسبب لإستدامة الحياة في الأرض , ويؤدي المسلمون الصلاة اليومية في أوقاتها، فيصرف الله عز وجل الفناء عن الناس، ويتفضل برزقهم رزقاً كريماً، وهو من مصاديق قوله تعالى[وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ]( ).
السادسة : تفضل الله بتذكير المسلم الفرد والجماعة بالصلاة وأحكامها وأفعالها، وما يبعث الرغبة في نفوسهم على أدائها، وليس من حصر لأسباب وسبل هذا التذكير، وهي على أقسام:
أولاً : الجدال والإحتجاج بخصوص الصلاة.
ثانياً : مناجاة المسلمين وتعاونهم في إتقان كيفية أداء الصلاة.
ثالثاً : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في باب الصلاة، وهو صفحة مشرقة تتجدد كل ساعة في حياة المسلمين، ومن الآيات أنه لا يختص بمراتب وقواعد المعاملة في الأبوة والبنوة، وإنقياد التابع للمتبوع، والمرؤوس للرئيس، فقد يصدر الأمر بالمعروف من الأدنى إلى الأعلى، من غير أن يحمل صفة الأمر والعلو والإستعلاء، ويأتي النهي عن المنكر من قبل الابن لأبيه أو أمه، ومن التابع والمرؤوس لمن هو أعلى منه، ويقدر على إيذائه، لذا لابد من مراعاة الحال وأحكام التقية مع الجمع بين الأمر والنهي من جهة وبين السلامة والأمن من الضرر، ولو دار الأمر بينهما ففيه وجوه:
أولاً : إختيار السلامة مطلقاً , وفي كل الأحوال وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الخاص بالمسألة التي يأتي منها الضرر عند الأمر بها أو النهي عنها ، لما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام)( ).
ثانياً : التفصيل , وهو القيام بالأمر بالمعروف والدلالة على الخير النهي عن عما ورد تقبيحه في الكتاب والسنة مع إحتمال الأذى القليل، وتركه عند رجحان مجئ الضرر الشديد للذي يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو متعلقيه كما لو نهى عن السرقة فرموه بفرية أو نهى عن شرب الخمر فأدى هذا النهي إلى التعدي عليه وعلى بعض من متعلقيه.
ثالثاً : إعطاء الأولوية للأجر والثواب في الأمر والنهي، والتوكل على الله رجاء دفع الأذى والضرر .
وكم من مؤمن قال كلمة حق عند حاكم جائر فاستمع له ولم يبطش به، وربما شكره وأثنى عليه وأعطاه جائزة وهدية للملازمة بين تولي الحكم ودخول فرد إضافي من الرحمة لقلب الحاكم ينزجر بها عن المحرمات وأسباب الهتك ولو على نحو الموجبة الجزئية ، ولا يعني هذا الفرد النادر لزوم قول الحق عند الحاكم الجائر , إذ يمتنع الوجوب مع أدنى إحتمال للضرر المعتد به .
رابعاً : الإطلاق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كل الأحوال وأشدها مع رجحان الضرر , وقربه من الآمر بالمعروف أو الناهي عن المنكر أو القائم بهما معاً في أن واحد، وهذا القيام من أسرار إجتماعهما في القرآن بقوله تعالى[وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ]( ) .
ليتجلى في الآية أعلاه تقسيم القانون محل البحث , وهو قانون إكرام المسلمين إلى أقسام:
أولاً : تضمن الآية القرآنية في منطوقها المدح للمسلمين مجتمعين ومتفرقين، بموضوع الآية أو لغة الخطاب فيها، فان قلت قد تأتي الآية القرآنية نداء لأهل الكتاب أو خطاباً للذين كفروا يتضمن ذمهم وتوبيخهم .
والجواب حتى هذه الخطابات تفيد في مفهومها الثناء على المسلمين لإختيارهم جادة الهدى والصواب.
ثانياً : دلالة ما في الآية القرآنية من الأحكام على إكرام المسلمين والثناء عليهم ، وهذا الثناء من جهات:
الأولى : تعاهد المسلمين لنص أحكام الآية القرآنية من غير تبديل وتحريف وإن تقادمت السنين وتعاقبت الأجيال، وهو من مصاديق قوله تعالى[إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون]( ).
الثانية : قراءة المسلمين مجتمعين ومتفرقين كل يوم لأحكام الآية القرآ نية، وليس من قانون أو تشريع يقرأه الناس معشار قراءة المسلمين لأحكام القرآن وتدبرهم فيها , إذ تختص قراءة الدساتير والقوانين بأهل الإختصاص , أما آيات الأحكام فيتلوها كل مسلم ومسلمة , ليحيطوا بالأحكام في الجملة، ويصبح المسلم والمسلمة قادرين على الفصل والتمييز بين الحكم السماوي الوارد في القرآن وبين غيره من الأحكام الوضعية.
الثالثة : بيان المسلمين لأحكام الآية القرآنية بعضهم لبعض وللناس جميعاً، وهو من مصاديق خروجهم للناس بقوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ) , وهل تلاوة المسلم للآية القرآنية في الصلاة وخارجها من هذا البيان الجواب نعم , وهو من أسرار وجوب تلاوة المسلمين للقرآن في الصلاة .
فاذا كانت الآية القرآنية تتلى كل يوم في الصلاة، تكون الصلاة إعلاناً للأحكام ودعوة للعمل بمضامينها، وإنذاراً من مخالفتها، وزاجراً للقارئ والسامع عن الإعراض عن الحكم الوارد في الآية القرآنية، وهو من مصاديق قوله تعالى[إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ]( ).
ثالثاً : عمل المسلمين بأحكام الآية القرآنية , ومن الإعجاز في الأحكام الواردة في الآية القرآنية أن تقيد المسلمين بآدابها وسننها سبب لثناء الناس جميعاً عليهم ، وهو واقية لهم وزاجر للذين كفروا عن التعدي عليهم , ومن مصاديق قوله تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ].
فان قلت : إن عمل المسلمين بمضامين الآية القرآنية لا يدخل في علم التفسير ، والجواب لا دليل على هذا القول لذا أفرد علم خاص لأسباب نزول الآية القرآنية ، ويتعلق موضوع هذا القانون بإكرام الآية القرآنية للمسلمين , ومن إكرامها لهم أنها تجذبهم لسنن التقوى، وتبعث على العمل بأحكام ذات الآية إذ يبدأ التقيد بالتقوى الذي يترشح عن ذات الآية القرآنية بالعمل بأحكامها.
رابعاً : من خصائص الآية القرآنية أنها تدعو القارئ والسامع لها للتدبر في معانيها والعمل بأحكامها ، فاذا سمع الإنسان قوله تعالى [وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ] ( ) ففيه مسائل :
الأولى : ميل النفس إلى فعل الإحسان .
الثانية : إدراك حقيقة وهي أن تعاهد الإحسان محبوب ذاتاً .
الثالثة : قراءة أو سماع الآية أعلاه واقية من الشح والبخل , وهو من إعجاز الآية الغيري وتهذيبها للنفوس.
الرابعة : الآية حرز من لوم الغير للمحسن على فعله الخيرات، بمعنى أن الآية أعلاه تدعو الإنسان لأمور :
أولاً : أحسن وإفعل المعروف.
ثانياً : أدعو الناس إلى الإحسان .
ثالثاً : هيئ مقدمات الإحسان .
رابعاً : أشكر المحسن سواء كان إحسانه لك أو لغيرك ، نعم الشكر على الإحسان للذات أكثر وأبلغ وأولى، وثبت في علم الأصول أن شكر المنعم واجب.
خامساً : لا تمنع الإحسان.
سادساً : إجتنب أن تحسد المحسن .
سابعاً : إسأل الله عز وجل أن تحسن وأن تكون من المحسنين .
الخامسة : بيان قانون وهو حب الله للمحسن ، وأن الذي يرأف بالناس , ويمد لهم يد العون والمساعدة يكون محبوباً عند الله .
وعن ابن عمر قال (قيل : يا رسول الله أي العباد أحب إلى الله قال : أنفع الناس للناس .
قيل فأي العمل أفضل . قال : إدخال السرور على قلب المؤمن قيل وما سرور المؤمن قال : إشباع جوعته وتنفيس كربته وقضاء دينه ومن مشى مع أخيه في حاجته كان كصيام شهر واعتكافه ومن مشى مع مظلوم يعينه ثبت الله قدميه يوم تزل الأقدام , ومن كف غضبه ستر الله عورته وإن الخلق السيء يفسد الأعمال كما يفسد الخل العسل) ( ).
السادسة : إرادة الإطلاق في الجهة التي يتوجه إليها الإحسان سواء كان براً أو فاجراً.
السابعة : من مصاديق الإحسان ما كان للذات , ومنه التقيد بالإحكام الشرعية ، وترك المعصية والجحود .
الثامنة : إرادة قصد القربة في الإحسان لنيل الأجر والثواب عليه .
التاسعة : قوله تعالى [وَأَحْسِنُوا] أمر ينحل إلى أقسام :
أولاً : توجه الأمر إلى الأمة والطائفة بالإحسان .
ثانياً : دعوة الفرد من المسلمين ذكراً أو أنثى إلى الإحسان ، وتقدير الآية للمفرد المذكر : وأحسن إن الله يحب المحسنين , وللمفردة المؤنثة : أحسني إن الله يحب المحسنات .
ثالثاً : دعوة الفرد والجماعة والأمة إلى الإحسان في الموضوع المتحد والمتعدد .
العاشرة : في أسباب نزول الآية أعلاه ورد عن الضحاك بن أبي جبيرة قال (كانت الأنصار يعطون ويتصدقون ، فأصابتهم سِنة ، فأمسكوا ، فأنزل الله عز وجل : ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين] ( ) ) ( ).
وعن أسلم أبو عمران ، مولى لكندة قال : « كنا بمدينة الروم ، فأخرجوا إلينا صفا عظيما ، من الروم ، وخرج إليهم مثله ، أو أكثر ، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم ، حتى دخل فيهم ، فصاح به الناس ، وقالوا : سبحان الله تلقي بيدك إلى التهلكة ، فقام أبو أيوب الأنصاري .
فقال : أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية ، على هذا التأويل ، إنما نزلت هذه الآية ، فينا معشر الأنصار إنا لما أعز الله الإسلام ، وكثر ناصريه ، قلنا بعضنا لبعض سرا ، من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن أموالنا قد ضاعت ، وإن الله قد أعز الإسلام ، وكثر ناصريه ، فلو أقمنا في أموالنا ، فأصلحنا ما ضاع منا ، فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ، يرد علينا ما قلنا ( وأنفقوا في سبيل الله ، ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ، وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ) ( ) ،
فكانت التهلكة الإقامة في أموالنا ، وإصلاحها ، وتركنا الغزو ، قال: وما زال أبو أيوب شاخصاً ، في سبيل الله ، حتى دفن بأرض الروم) ( ).
الحادية عشرة : لما إحتج الملائكة على جعل الإنسان خليفة في الأرض لأنه [يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ] تفضل الله عز وجل وأخبرهم بصيغة الإحتجاج والبرهان [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ).
ومن فضل الله بلحاظ آية الإحسان هذه أمور :
أولاً : الإحسان ضد للفساد , وإزاحة له من المجتمعات .
ثانياُ : العزم على الإحسان حرب على الفساد ، وبرزخ دون وقوعه.
ثالثاً : من معاني ورشحات قوله تعالى [وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ] ( ) إفشاء مبدأ الشورى بين المسلمين في وجوه الإحسان وكيفية الإنفاق ومقداره وجهته ، وفيه إشاعة لمعاني الصلاح ونبذ للفساد ومن يسعى في الإحسان للآخرين يتورع ويتجنب سفك الدماء .
الثانية عشرة : بعث المسلمين لإخراج الزكاة والحقوق الشرعية، ودفعها لمستحقيها لأنه من الإحسان من وجوه :
الأول : الإحسان للذات بأداء الفريضة ، قال تعالى [وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ] ( )ومن يحرص على أداء الفرائض ويخرج المال قربة إلى الله تعالى يحرص على التنزه عن الإساءة للآخرين مطلقاً.
الثاني : إعانة الفقير والمحتاج , وإدخال السرور إلى القلوب المنكسرة.
الثالث : في إخراج المؤمن الزكاة إحسان للناس جميعاً لما فيه من تعظيم لشعائر الله، والدعوة إلى البر والمعروف والتأسي بالصالحين[وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ]( )، وفي الزكاة أطراف:
الأول : دافع الزكاة الذي يبلغ ماله النصاب، وتتعلق به الصدقة الواجبة.
الثاني : مقدار الزكاة.
الثالث : مستحق الزكاة.
ومن الإعجاز في الشريعة الإسلامية أن الأفراد والجهات التي تنتفع من الزكاة ودفعها أكثر من أطراف الزكاة لأنها نوع صرح في الإحسان والإنفاق يتقوم بالإيمان وقصد القربة.
ولا يختص الإنفاق والإحسان في باب الصدقات بما هو واجب منها فيشمل المستحب والمندوب منها، وأيهما أكثر أفراداً الإحسان بالمال والصدقات أم بغيرها مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والنصيحة وصلة الرحم وحسن الجوار وعيادة المريض وإصلاح ذات البين ، والعفو ، وفي التنزيل [وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ الْعَفْوَ]( ).
الجواب هو الثاني لأنه يتعلق بكل مكلف ، وتحضر مصاديقه في البيت والمسجد والسوق وميدان العمل .
وبين الإحسان والصدقات عموم وخصوص مطلق , من جهات :
الأولى : ذات الموضوع إذ تتعلق الزكاة بالغلات الأربعة (الحنطة والشعير والتمر والزبيب ومما يكال ويدخر وبلغ نصاباً .
والأنعام كالأبل والبقر والغنم السائمة التي ترعى فيما أنبت الله عز وجل , وليس من الراعية التي ترعى فيما زرعه الإنسان .
كما تتعلق الزكاة بالنقدين الذهب والفضة المسكوكين ، والمختار دخول العملة الورقية بزكاة النقدين لأنها بديل لهما ، أما بالنسبة لمواضيع الإحسان فهي متعددة , وليس لها حصر من جهة الذات والمناسبة والمورد .
الثانية : سنخية الإحسان , وعدم تقييده موضوعاً وقولاً وفعلاً ومكاناً وزماناً وكيفية .
الثالثة : قدرة كل إنسان على الإحسان للذات والغير , وهو من أسرار خلافة الإنسان في الأرض من وجوه :
أولاً : قيام الإنسان بالإحسان .
ثانياً : صيرورة الإنسان سبباً للإحسان وداعياً إليه ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ] ( ).
ثالثاً : من الإحسان أن يكون الإنسان واسطة فيه ، ونوع سبيل بين المحسن والمحسن إليه .
رابعاً : تلقي الإحسان والثناء عليه .
إذ يدل معنى الخلافة في قوله تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( )، على حاجة الخليفة في ذاته , وكل ممكن محتاج وقد تفضل الله عز وجل وجعل حاجة الناس مجتمعين ومتفرقين إليه سبحانه , وتفضل وجعل حاجة الناس بعضهم لبعض ، ليكون موضوع هذه الحاجة مناسبة للإحسان الطوعي والقهري , وسبباً للهداية والصلاح ونبذ الفساد ومفاهيم الضلالة.
ومن لا يقدر على الزكاة يستطيع الإحسان إلى الغير بالقول والفعل، كما يستطيع الأغنياء الجمع بين ضروب الإحسان وإخراج الزكاة .
الرابعة : ذات النسبة بين الإحسان والزكاة تكون بين المتلقي للإحسان والمتلقي للزكاة ، وهي العموم والخصوص المطلق ، إذ يصل الإحسان إلى كل فرد منهما .
وتختص الزكاة والخمس ونحوهما بالفقراء وذوي الفاقة , قال تعالى[إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ] ( ) .
ولا يشترط التساوي بين أصناف مستحقي الزكاة في مقدار العطاء ، وكذا لا يجب التساوي في الإحسان بين الناس[وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ]( )، سواء في الإحسان عامة أو الزكاة والصدقة خاصة .
ومن الآيات تلاوة كل مسلم ومسلمة عدة مرات في اليوم والليلة قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( ) ومن مصاديق الصراط الإحسان وإتخاذه منهاجاً , ومن إستقامته في المقام تلمس أبواب قصد القربة ورجاء الثواب , ليكون على وجوه :
الأول : ذات الإحسان صراط وتهذيب للنفوس ، وفيه طرد للكدورات وأسباب الغضاضة .
الثاني : الإحسان مقدمة لأفراد منه بلحاظ توالي فعل الإحسان من ذات الفرد والجماعة وصيرورته ملكة أو أنه مقدمة لصدور الإحسان من الغير محاكاة للمحسن .
الثالث : عاقبة الإحسان إستقامة , لأنه من سنخية الصلاح موضوعاً وبلغة وغاية .
الرابع : في الإحسان قهر للنفس الشهوية والغضبية ، وبذل للجهد وإنفاق للمال طلباً لمصلحة الغير ، ودفع المفسدة عنه ، وهل في هذا الإحسان دفع للمفسدة عن الذات .
الجواب نعم , لأنه سبيل لنزع الغل من الصدور ، كما أنه باب للثواب وإكتناز الحسنات .
ويمكن تأسيس قانون إسمه ( الإحسان يجلب الحسنات ) والحسنات كنز نافع للإنسان في الدنيا والآخرة ، قال تعالى [فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه] ( ) .
ويمكن تسمية الدنيا ( دار الإحسان ) بلحاظ تعدد موارد البر والصدق ، وهل كظم الغيظ من الإحسان كما في بيان صفات المتقين في قوله تعالى [الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ]( ).
الجواب نعم , فمن الإعجاز في الآية أعلاه أن كل فرد منها إحسان محض وخير للذات والغير من وجوه :
أولاً : الإنفاق والبذل في حال الرخاء والسعة .
ثانياً : الإنفاق من المال في حال الضراء والشدة في البدن , وتقدير الرزق , وظهور أمارات تبعث على الخشية مما يطرأ في الغد من المشاق والمصائب ، وقد أمر الله بالإنفاق مطلقاً ومع تباين أحوال الفرد والجماعة , قال تعالى في الثناء على نفسه[وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا]( ).
وهل في الآية أعلاه ترغيب للمؤمن بعمل الصالحات والإحسان والإنفاق في سبيل الله ليزيد الله عز وجل من فضله عليه ، أم أن القدر المتيقن من الآية الإخبار عن علم الله عز وجل بالغيب ، ومنه رزق وسعي كل إنسان .
الجواب هو الأول , لبيان أن مقادير الأمور بيد الله ولورود الآيات التي تبعث على الإنفاق وتتضمن الوعد عليه بالخير الجزيل ، قال تعالى [مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ] ( ).
ثالثاً : حبس الغضب المترشح عن الأذى والضرر وترك الثأر والإنتقام , وفيه إحسان للذات والغير وحاجب دون الفساد ، فمن معالم كظم الغيظ تقييد الفساد بالأصفاد بعد إطلالته برأسه ، إذ يترشح الغيظ عن الشعور بالغبن والظلم ، ومجئ الضرر مع إنعدام المقتضي ، فالذي يقام عليه الحد ثمانين جلدة على معصية تستحقه شرعاً لا يدب الغيظ إلى نفسه ، أما الذي يُضرب جلدة واحدة أو يسمع كلمة جارحة بغير حق فانه يغتاظ ويغضب لذا يدل ثناء الله عز وجل على المسلمين بنعتهم بكظم الغيظ بالدلالة التضمنية على صبرهم وتحملهم الأذى في جنب الله عز وجل , فتكون الجنة مثوى لهم جزاء , وفضلاً من عند الله تعالى .
ومن الإعجاز مجئ الإخبار في هذه الآيات عن اللبث الدائم في الجنة للمتقين قبل بيان صفاتهم بقوله تعالى [وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ*الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ….] ( ).
رابعاً : إختتام الآية أعلاه بالإخبار عن قانون حب الله للمحسنين وما فيه من الترغيب بالإحسان ، والبعث على الإيمان لأنه إحسان محض , وطريق إلى الإحسان بأداء الواجبات والنوافل وإجتناب المعاصي والذنوب ولما كانت الدنيا دار الإحسان .
ومن أسرار علم إكرام الآية القرآنية للمسلمين أسباب نزول آيات القرآن ، وما فيها من الفخر والعز لهم , وكيف أن الآية القرآنية تحكي أسبابها وتتضمن البيان في الموضوع والحكم بما ينير مسالك الإيمان .
منها علل الشرائع وتثبيت سنن الأحكام , ووجوب أداء الفرائض العبادية على نحو الوجوب العيني كما في الصلاة , وأداء الزكاة عند تحقق النصاب , وصيام شهر رمضان , وحج بيت الله مع الإستطاعة .
ومن وجوه حرب الزكاة على الفساد مسائل :
الأولى : إتعاظ الفقير من الغني المحسن , إذ يراه كيف يبذل المال في سبيل الله .
الثانية : دعوة الفقير لإصلاح الذات والإحسان إليها .
الثالثة : تطلع الفقير إلى إعانة الغير .
الرابعة : رجاء الفقير السعة في الرزق للناس والخصب , فينال من البر والإحسان .
الخامسة : حث الفقير على الدعاء للمحسن بالغنى والثروة كي يقوم بإخراج زكاة أمواله , وسؤال إخراج غيره من الناس الصدقات .
السادسة : دعوة الناس للإقتداء بالمؤمنين الذين يخرجون الزكاة والخمس , وفيه وجوه :
أولاً : إنه من مصاديق قوله تعالى [أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ] ( ).
ثانياً : القدر المتيقن من الآية أعلاه خصوص الأنبياء .
ثالثاً : إنه من مصاديق الآية , ولكن بالواسطة بتقريب أن المؤمن يقتدي بالأنبياء في موضوع الإحسان وإخراج الزكاة .
والمختار هو أولاً وثالثاً أعلاه , وتقدير الآية : فبهداهم وهدى الذين إقتدوا بهم فاقتده .
السابعة : إشاعة روح التكافل والتعاون بين الناس , وتنمية ملكة المودة والأخوة بينهم .
الثامنة : المنع من إزدراء الغني للفقير أو حسد ونقمة الفقير على الغني .
التاسعة : من علل تسمية الإنسان بالإنسان أنه يأنس بغيره ، وهو نوع مفاعلة , فيكون على وجوه :
أولاً : يأنس الإنسان بغيره من البشر .
ثانياً : يكون عمل الإنسان موضوعاً لإستئناس غيره ورضاه ، بما يقوم به من الإحسان والمعروف ، قال تعالى [خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ] ( ).
والمراد من العرف في الآية أعلاه وفق الإصطلاح الشرعي المعروف والإحسان ، وليس ما شاع التعارف عليه .
وبين ما تعارف عليه الناس والعادة عموم وخصوص مطلق ويقدم المعروف ويطرح العرف والعادة ، وفيه واقية من النسخ في الحكم الشرعي .
ومن خصائص [خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ) تعاهدها لأحكام الشريعة كما أنزلت على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ثالثاً : يؤنس بقول وفعل الإنسان من قبل غيره من البشر ومن معاني الإيناس في المقام الإحسان والمبادرة إليه بلحاظ أن ذات المبادرة إحسان مستقل .
لقد بدأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في توزيع الغنائم يوم حنين بالمؤلفة قلوبهم والذين يتصفون بخصال :
الأولى : من كان حديث العهد بالإسلام .
الثانية : ضعيف الإيمان .
الثالثة : الذي وقف عند إظهاره الإسلام , ولم يهتد قلبه بعد .
ومن الحكمة في تقديم النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهم بالعطاء في واقعة مخصوصة هي غنائم حنين وجوه :
أولاً : إرادة تثبيت الإيمان في صدورهم .
ثانياً : إقامة الحجة عليهم بخطأ نهجهم وضلالتهم عندما كانوا يحاربون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
ثالثاً : ترغيبهم والناس جميعاً بالإسلام وأداء الفرائض والعبادات فانها سبيل للرزق الكريم .
رابعاً : المنع من ظهور مكر وخبث دهاة قريش .
خامساً : إرادة دخول الإيمان في قلب من أسلم من رجالات قريش , وهو من حب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقومه، وفي التنزيل [قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ] ( ).
والآية أعلاه وإن ورد النص فيها بخصوص شطر من الأعراب لتقييدها بآية أخرى تثني على طائفة منهم , إلا أن موضوعها ودلالتها أعم إذ تشمل المؤلفة قلوبهم الذين أظهروا نوع شماتة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين عندما إنكشفوا في بداية ذات معركة حنين لشدة هجوم هوازن المباغت .
قال ابن إسحاق (فَلَمّا انْهَزَمَ النّاسُ وَرَأَى مَنْ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ مِنْ جُفَاةِ أَهْلِ مَكّةَ الْهَزِيمَةَ تَكَلّمَ رِجَالٌ مِنْهُمْ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ مِنْ الضّغْنِ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ : لَا تَنْتَهِي هَزِيمَتُهُمْ دُونَ الْبَحْرِ وَإِنّ الْأَزْلَامَ لَمَعَهُ فِي كِنَانَتِهِ .
وَصَرَخَ جَبَلَةُ بْنُ الْحَنْبَلِ قَالَ ابن هِشَامٍ : كَلَدَةُ بْنُ الْحَنْبَلِ وَهُوَ أَخِيهِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيّةَ مُشْرِكٌ فِي الْمُدّةِ الّتِي جَعَلَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ أَلَا بَطَلَ السّحْرُ الْيَوْمَ فَقَالَ لَهُ صَفْوَانُ اُسْكُتْ فَضّ اللّهُ فَاكَ فَوَاَللّهِ لَأَنْ يَرُبّنِي رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَحَبّ إلَيّ مِنْ أَنْ يَرُبّنِي رَجُلٌ مِنْ هَوَازِنَ) ( ).
سادساً : تبكيت هوازن وثقيف الذين أصروا على قتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذ صارت أموالهم بيد حلفائهم بالأمس من قريش الذين بادروا إلى دخول الإسلام يوم الفتح ، وبيان حقيقة وهي أولوية دخول هوازن وثقيف الإسلام بعد دخول رجالات قريش للإسلام .
وهل من مصاديق تسمية مكة (أم القرى ) إتباع القبائل من حولها لأهل مكة بخصوص الصالحات وإختيار الهداية والإسلام , الجواب نعم .
سابعاً : منع المؤلفة قلوبهم وأهل مكة عموماً من الخروج على حكم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ودولة الإسلام ، عندما يرجع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة المنورة .
ثامناً : زجر الناس عن التعدي على الإسلام ، وبعث الرعب والفزع في قلوب القبائل بالإعلان بأن قريشاً صاروا جنوداً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
تاسعاً : تسخير كبار رجالات قريش لدعوة الناس للإسلام ، والمنع من محاربة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
عاشراً : بيان فضل الله عز وجل على قريش ببعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبركات الفتح , وبعث الندم في نفوسهم على إصرارهم في السنوات السابقة على قتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين .
ولم ينحصر الأمر بالغنائم ، بل قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بجعل بعضهم أمراء في الأمصار وقادة في المعارك .
تتجلى مصاديق الإكرام بابتداء آية البحث بنداء [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] وهو كلام الله الذي نزل به جبرئيل على النبي محمد صلى الله عليه وآله ليكون نداءً وخطاباً ومقدمة للعمل موجهاً إلى :
الأول : المؤمنون .
الثاني : المؤمنات .
الثالث : المسلمون .
الرابع : المسلمات .
ولا يختص الخطاب بزمان التنزيل فهو باق إلى يوم القيامة ، يطل على الأرض في كل يوم وليلته كما تشرق عليها الشمس ويدفع ظلمتها القمر ، فان نداء [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] نور يملأ القلوب ضياء ، ويجعلها في سكينة وبهجة وطمأنينة في ذات يومها وعند النصر في قادم الأيام .
وإذ يصاحب نداء يا أيها الذين آمنوا المسلمين والمسلمات في الحياة الدنيا فهل يصاحبهم في الآخرة , الجواب نعم ، ولكن تختص مصاحبته بالذين آمنوا وسلموا من النفاق ومن الصد عن سبيل الله والحث على القعود أو الشماتة بالشهداء والجرحى من المؤمنين .
ولا يختص الأذى في الخروج للقتال بالشهادة والجراحات ففيه تعطيل للأعمال وفراق للأحبة وهجران الحياة الدعة بين الأهل ، فيتخذ منها المنافقون مناسبة للغمز والتعريض والسخرية من المؤمنين ، وتبين آية البحث أن المنافقين لم يقفوا عند إبطان الكفر ، ولم يحرص على إخفائه ، بل أنهم يظهرونه حالما يجدون فرصة مؤاتيه ، فيظهرون معاني الغدر والكيد للدين والمؤمنين ، وفي التنزيل [وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ] ( ).
لقد كان المنافقون يبثون السموم بكلام معسول ، وإدعاء الإخلاص وموازين الأخوة لقوله تعالى [وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ] فجاءت آية البحث لفضحهم , وتنبيه المسلمين لسوء طويتهم وخبث مقاصدهم .
ليكون من إعجاز آية البحث أمور :
الأول : معرفة المسلمين لصفات المنافقين .
الثاني : تنزه المنافقين عن الخصال التي تدل على النفاق , وعن ابن أَبِى مُلَيْكَةَ (أَدْرَكْتُ ثَلاَثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وآله وسلم كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ) ( ).
الثالث : إعراض المسلمين عن أقوال المنافقين وجدالهم لهم .
وبعد أن أكرم الله عز وجل المسلمين بنداء الإيمان تفضل بإكرامهم بنهيهم وزجرهم عن محاكاة الذين كفروا ويتجلى الإكرام بأمور :
الأول : نزول النهي من عند الله للمسلمين ، وكل ، وكل أمر ونهي نازل من عند الله هو لطف وخبر محض وإكرام وطوبى للذين يتلقون الأوامر والنواهي من الله عز وجل .
الثاني : تقيد المسلمين بأداب النهي عن التشبه بالكفار .
الثالث : تجلي منافع الإمتناع عن التشبه بالذين كفروا والمنافقين وليس من حصر لهذه المنافع التي تترشح على الذات والغير ، فتعم الذين كفروا أيضاً لما فيها من الفضح لفعلهم وتأكيد لؤم سريرتهم .
الرابع : طرد الوهم وسوء الظن بخصوص الخروج للجهاد ، ومنع المسلمين من التردد فيه أو الإبطاء عنه لأنه خير محض ، وفيه النجاة في الدنيا والثواب في الآخرة .
وتبين آيات معركة أحد هذه بطلان قول المنافقين ، وتتضمن الإخبار بأن المسلمين لن يخسروا ، وأن الذين يقتلون في سبيل الله [أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ] ( ).
الخامس : إخبار آية البحث بأن الله عز وجل يحارب الذين كفروا ويرميهم بالحسرة ويجعل قلوبهم تمتلأ ندامة ، وهل يمكن تسمية الدنيا ( دار الحسرة ) .
الجواب لا ، فهذه الحسرة عرضية ، وهي خاصة بالذين كفروا لسوء إختيارهم ، نعم يمكن التقييد بالتسمية وتسمية الدنيا ( دار الحسرة للذين كفروا خاصة ) الجواب نعم ، للملازمة بين الكفر والحسرة ، قال تعالى [وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ] ( ).
وعن أبي سعيد الخدري قال ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « إذا دخل أهل الجنة الجنة , وأهل النار النار يجاء بالموت كأنه كبش أملح ، فيوقف بين الجنة والنار ، فيقال : يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ ، فيشرفون وينظرون ويقولون نعم هذا الموت وكلهم قد رآه ، ثم يقال يا أهل النار هل تعرفون هذا ؟ .
فيشرفون وينظرون ويقولون : نعم هذا الموت وكلهم قد رآه ، فيؤمر به فيذبح ، فيقال : يا أهل الجنة خلود بلا موت ، ويا أهل النار خلود بلا موت « ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: {وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة } ( )وأشار بيده وقال: أهل الدنيا في غفلة)( ).
السادس : قطع إفتراء وجدال الذين كفروا ، ومغالطة المنافقين ببيان آية البحث لقانون وهو ( إن الله يحيي ويميت ) فالحياة والموت أمران وجوديان بيد الله عز وجل ومستجيبان لمشيئته ، ولا يستطيع الإنسان دفع الموت عن نفسه ، نعم قد يكون الخروج إلى القتال سبباً للقتل ، ولكن الخروج للدفاع عن الإسلام والتنزيل وشخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ضد هجوم كفار قريش واجب ، وهو لا يقرب أجلاً إنما فيه العز والإكرام للمسلمين وإلى يوم القيامة لذا أختتمت آية البحث بقوله تعالى [وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ] ( ).
إكرام الآية للمسلمين
إبتدأت آية البحث بالنداء من عند الله عز وجل للمسلمين والمسلمات بصفة الإيمان في فضل منه سبحانه على أهل الأرض عامة والمسلمين والمسلمات خاصة ، وفيه ترغيب للناس بدخول الإسلام للفوز بتلقي نداء الكرامة والشهادة بالصلاح من عند الله عز وجل .
لقد صار هذا النداء فيصلاً وفرقاناً بين المسلمين والذين كفروا ، فقد هبط آدم إلى الأرض بعد أن أغواه إبليس بالأكل من الشجرة ولكن الله عز وجل لم يترك آدم وزوجته وذريته وشأنهم ، فكانت النبوة والتنزيل مصاحبين لهم .
ثم جاء نداء [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ]ليستقر في الأرض إلى يوم القيامة ، وإذا أعطى الله عز وجل فانه يعطي بالأتم والأوفى فكان عدد مرات هذا النداء في القرآن تسعاً وثمانين مرة ، وكل واحدة منها مدرسة بذاتها وموضوعها ومضامين الآية التي تبدأ به ويحل فيها .
وتتعدد وجوه إكرام المسلمين بنداء التشريف هذا من جهات :
الأولى : ذات النداء وحروفه وكلماته[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا].
الثانية : إبتداء الآية القرآنية بالنداء ، ومجيؤه مرة بأول ورأس الآية وأخرى بذكر الله إكرام إضافي للمسلمين في قوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ] ( ).
الثالثة : إرادة عموم المسلمين والمسلمات من النداء .
الرابعة : تلقي المسلمين والمسلمات , وهم في مساكنهم أو في المسجد أو العمل أو السوق بالقبول والرضا .
الخامسة : إنبساط نداء الإيمان على جميع أقطار الأرض لإنتشار المسلمين فيها مقيمين ومسافرين .
السادسة : دخول الثواب المترشح عن هذا النداء إلى قبور المسلمين والمسلمات الذين تلوه حين كانوا في الحياة الدنيا ، وعملوا بأحكام الآيات التي ورد فيها وسعيهم في جعل نداء الإكرام تركة لمن بعدهم من وجوه :
أولاً : تلاوة النداء بصيغة القرآنية .
ثانياً : العمل بأحكام هذا النداء ليس فقط بخصوص مضامين الآية التي جاء بها ، بل بما يترشح عن هذا النداء من وجوب تعاهد الإيمان ، والإقرار بأن هذا النداء مدد وعون من عند الله عز وجل للمسلمين مجتمعين ومتفرقين .
ثالثاً : حرص المسلم على عدم مغادرة الدنيا حتى يعمل ولده بمضامين نداء الإكرام ليكون في عمل الولد هذا إكرام للأب في حياته وبشارة له بالأجر والثواب في الآخرة .
رابعاً : محاكاة الأبناء للآباء بالعمل بمضامين نداء الإكرام ، ومنها إجتناب التشبه بالذين كفروا في صدودهم وعنادهم وضلالتهم .
السابعة : صيرورة نداء الإكرام مناسبة ووسيلة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين المسلمين وتوجههم إلى غيرهم بالترغيب بالإيمان وفعل الصالحات والزجر عن السيئات والمعاصي ، ليكون من إعجاز آية البحث عدم إنحصار موضوعها بالنهي عن تقليد الذين كفروا في صدهم عن سبيل الله ، بل تتضمن دعوة الذين كفروا إلى أمور :
أولاً : التوبة النصوح ، وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : ارحموا تُرحموا ، واغفروا يُغفر لكم . ويل لأقماع القول يعني الآذان , ويل للمصِّرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون) ( ) .
وليس من كبيرة مع التوبة ولا صغيرة مع الإصرار ، لذا فان قول الذين كفروا الذي تذكره آية البحث [لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا]كبيرة وإصرارهم عليه معصية يجب الكف عنها والثوبة منها ، إذ أن عاقبتها هي الخلود في النار ، قال تعالى [إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ] ( ).
فإن قلت لم تأت الآية بصيغة المضارع التي تدل على الإستدامة والتجدد بل جاءت بصيغة الماضي الذي يدل على الإنقضاء , والجواب إن ذكر قولهم بآيات القرآن ولغة الجمع شاهد على إصرارهم عليه .
ثانياً : دخول الإسلام ونصرة النبي محمد صلى الله وآله وسلم .
ثالثاً : محاربة الذين كفروا الذين يأتون من مكة بقصد الإغارة وإرادة الإجهاز على حوزة الإسلام ، وبيضة الهدى والإيمان .
ويتساءل الناس في كل جيل وإلى يوم القيامة عن سر محاربة قريش للإسلام مع تجلي معجزات نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم العقلية والحسية ، ومع أنهم عشيرته وأهله ، فجاء القرآن ببيان الجواب على هذا التساوي بوجوه يصعب إحصاؤها ، ففي كل آية من القرآن أجوبة متعددة على هذا التساؤل ، ومنها آية البحث من جهات :
الأولى : دلالة نداء يا ايها الذين آمنوا ونهي الله عز وجل لهم عن التشبه بالذين كفروا على أمور :
اولاً : وجود آفة الكفر بين الناس .
ثانياً : إصرار فريق من الناس على الصدود عن النبوة والتنزيل .
ثالثاً : سعي الكفار لإضعاف الإسلام وقعود المؤمنين عن الجهاد ، في ذات الوقت الذي تأتي جيوش الذين كفروا بآلاف مؤلفة للإجهاز على الإسلام .
رابعاً : حاجة المسلمين للنهي عن محاكاة الذين كفروا , ونزول هذا النهي من عند الله عز وجل .
الثانية : هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من مكة إلى يثرب وهي المدينة المنورة بعد أن إزداد أذى الكفار له ولأهل بيته وأصحابه ، وإرادتهم قتله غيلة في فراشه .
فان قلت بإمكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يجتنب المبيت في فراشه في تلك الليلة التي أرادوا فيها إغتياله ويبقى في مكة ولا يغادرها ، إذ بات الإمام علي عليه السلام في فراشه وأمره برد الودائع إلى أهلها .
والجواب إن محاولة قتل النبي في فراشه دليل على عزمهم قتله في الليل أو النهار خاصة وأنهم إتفقوا على العمل برأي أبي جهل بأن يأخذوا من كل قبيلة شاباً ليشتركوا جميعاً بقتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ( والله لأشيرن عليكم برأي ما أراكم تصرمونه بعد، ما أرى غيره. قالوا: وما هو ؟ قال: نأخذ من كل قبيلة غلاما شابا وسيطا نهدًا، ثم يعطى كل غلام منهم سيفا صارما، ثم يضربونه ضربة رجل واحد، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل كلها , فلا أظن هذا الحي من بني هاشم يقوون على حرب قريش كلها. فإنهم إذا رأوا ذلك قبلوا العقل، واسترحنا وقطعنا عنا أذاه) ( ).
وفي قوله تعالى [وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ] ( ).
ورد عن ابن عباس قال ( تشاورت قريش ليلة بمكة فقال بعضهم : إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق – يريدون النبي صلى الله عليه وآله وسلم – وقال بعضهم : بل اقتلوه ، وقال بعضهم : بل أخرجوه . فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك ، فبات علي عليه السلام على فراش النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى لحق بالغار ، وبات المشركون يحرسون علياً عليه السلام يحسبونه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فلما أصبحوا ثاروا إليه ، فلما رأوه علياً عليه السلام رد الله مكرهم فقالوا : أين صاحبك هذا؟ قال : لا أدري . . . ! فاقتصوا أثره ، فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم فصعدوا في الجبل ، فرأوا على بابه نسج العنكبوت , فقالوا : لو دخل هنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه ، فمكث فيه ثلاث ليال) ( ).
ومعنا يثبتون : أي يقيدوك ويحبسوك .
ويدل الحديث أعلاه على إرادة كفار قريش المنع التام من زيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى البيت الحرام وأدائه الصلاة وإختلاطه بالناس سواء بالقتل أو الحبس فتفضل وأمره بالهجرة ليلاقي النصر والتأييد وحسن الإيواء من قبل الأوس والخزرج ، ولكن الذين كفروا لم ينقطعوا أو يتوقفوا عن محاولتهم قتله ومنع إستمرار نزول آيات القرآن ومنها آيات الأحكام إذ أدركوا بحسهم وخبرتهم ومعرفتهم بأيام العرب وأحوال الناس بأن الإسلام يسفه أحلامهم ، ويأتي على سلطانهم ويقيض عروشهم ، ويسقط هيبتهم عند القبائل ، ويجعل عمّار البيت الحرام ينفرون منهم ، لإنكشاف التضاد بين الجار والمجُاوَر ، قال تعالى [إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ]( ) .
لبيان تقوم هذا الوضع بالهداية ولزوم تعاهد الإيمان بعمارته والإقامة بفنائه .
الثالثة : سعي الذين كفروا على نحو دائم للبقاء في مراتب الجاه والسلطان وأن يتولوا الحكم بأنفسهم ، ليتبعوا معه مفاهيم الفساد وعبادة الأوثان , وأبى الله عز وجل إلا أن تتهيئ أسباب هداية الناس إلى اللبث الدائم في الجنان ، فأراد سبحانه بلوغ أحكام النبوة والتنزيل للناس جميعاً ، فحصل التضاد وأصر الذين كفروا على التشبث في مقامات الرئاسة مع البقاء على الكفر والجحود ، ومع هذا فلم يحاربهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولكنه إستمر بالتبليغ [بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ] ( ) فأفزع الذين كفروا تلقي الناس لدعوته بالقبول وهالتهم أمور :
الأول : سرعة إنتشار الإسلام .
الثاني : تلقي الناس معجزات النبي بالتدبر .
الثالث : تناقل الناس في الحل والسفر آيات القرآن ، وحرصهم على نقلها بالنص لإدراكهم ما يترشح عن معنى ودلالة النص .
الرابع : إتصاف أكثر الذين دخلوا الإسلام بأنهم في سن الشباب .
الخامس : توالي نزول آيات القرآن وتضمن السور المكية الإنذار والوعيد للذين كفروا والإطلاق في صيغ الإنذار من جهات :
الأولى : إنذار الذين كفروا فيما يلاقونهم من الأذى والضرر والعذاب في الحياة الدنيا ، قال تعالى [وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ] ( ) .
الثانية : مباغتة الموت للإنسان , قال تعالى [إِذَا زُلْزِلَتْ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتْ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا] ( ) .
الرابعة : شدة عذاب الذين كفروا وخلودهم في الجحيم ، قال تعالى [وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ]( ).
السادس : صبر المسلمين الأوائل على تعذيب وبطش الذين كفروا وموت عدد منهم تحت وطأة التعذيب ، ومن أسباب خزي الذين كفروا على مر تأريخ الإنسانية وما يسمى بحقوق الإنسان هو تعرض النساء للتعذيب بسبب دخولهم الإسلام ، وموت بعضهن تحت التعذيب والتي هي من أوائل الذين دخلوا الإسلام ، ولم يكتفوا بعذاب زوجها وإبنها .

من غايات الآية
في الآية مسائل بلحاظ الغايات السامية , والمقاصد السامية منها :
الأولى : بعث السكينة في نفوس المسلمين بنزول نداء التشريف والإكرام لهم من عند الله عز وجل ، لقد أراد سبحانه للصحابة من المهاجرين والأنصار الخلود في الوجود الذهني والنطق اللساني عند جميع المسلمين بتلاوة النداء الكريم الذي يخاطبهم به الله عز وجل .
الثانية : التوثيق السماوي لحال المسلمين في بداية الدعوة الإسلامية وكيف أن الأعداء يحيطون بهم من وجوه :
الأول : غزو الذين كفروا لثغر الإسلام المدينة المنورة وإرادتهم قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : سعي المنافقين في تثبيط عزائم المؤمنين .
الثالث : قيام الذين كفروا بتحريض عوائل المؤمنين لإرادة صدهم عن الجهاد .
الرابع : كشف آية البحث لضرب من ضروب مكر الذين كفروا ، فقد ورد في القرآن الإخبار عن خبثهم وسوء فعلهم ، قال تعالى [وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ] ( ).
لتكون آية البحث من مصاديق الآية أعلاه من وجوه :
الأول : بيان مكر وسعي الذين كفروا الإضرار بالمسلمين .
الثاني : تضمن آية البحث لمكر الله عز وجل بالذين كفروا من وجوه :
أولاً : تسمية الذين كفروا بنعوت ومعاني إنكار الحق وجحود النعمة .
ثانياً : الجمع بين الذين كفروا والمنافقين بتسميتهم بالأقبح وهو الكفر ، فبين الذين كفروا وبين المنافقين عموم وخصوص مطلق بلحاظ أن الذين كفروا يتلبسون بالكفر ظاهراً وباطناً , أما المنافقون فانهم يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر ، فان قلت ما هو الدليل على إرادة المعنى الأعم من لفظ [الَّذِينَ كَفَرُوا]يتجلى الجواب ببيان القرآن لصفات المنافقين وإتحادها مع صفة الذين كفروا في صدّ المسلمين عن الجهاد ، قال تعالى [إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاَءِ دِينُهُمْ] ( ).
ثالثاً : نزول المدد والعون للذين آمنوا من عند الله لصيرورتهم في حرز ومأمن من محاكاة الذين كفروا في نهيهم وصدهم عن النفير في سبيل الله .
رابعاً : من مكر الله عز وجل نزول آية البحث بفضح الذين كفروا إذ تطاردهم هذه الآية , وتتوجه إلى كل مسلم ومسلمة كل يوم لتحثهم على عدم الإصغاء لقول الذين كفروا .
خامساً : من رشحات كشف وفضح فعل الذين كفروا إخبار الناس جميعاً بأن الله عز وجل يعلم ما يقوله المنافقون , وأنه سبحانه يذكر أقوال الذين كفروا ويوثقها في الكتاب السماوي الباقي إلى يوم القيامة ,
سادساً : ذكر الله عز وجل لتفاصيل قول الذين كفروا والجهة التي يتوجه إليها نداؤهم وتحريضهم , كما ورد في آية البحث [وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ].
سابعاً : تفضل الله عز وجل بالرد على الذين كفروا في ذات الآية التي تذكر مكرهم , وهذا الرد ومحله من مصاديق ومعنى اسم التفضيل في [خَيْرُ الْمَاكِرِينَ].
فلم تجعل آية البحث المسلمين والمسلمات يحققون ويسعون للبحث في آيات القرآن الأخرى.
الثالثة : من غايات آية البحث ترغيب الناس بالإسلام، ببيان القرآن للنداءات والخطابات التشريفية التي خص الله عز وجل بها المسلمين ، فان قلت يشمل نداء (يا أيها الذين آمنوا) المنافقين والمنافقات لأنهم مسلمون على الظاهر والنطق بالشهادتين فكيف يقع الجمع بين هذا المعنى، وإرادتهم من النعت بالكفر في قوله [لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا] .
والجواب لا مانع من تعدد الخطاب بلحاظ تعدد أفراد الموضوع، ليكون حجة على المنافقين , وكأن آية البحث تتضمن تخييرهم بين الإيمان والكفر، بين تلقي خطاب التشريف والإكرام، بصفة الإيمان، أو خطاب الذم والتقبيح بصفة الكفر والضلالة.
إما أن يكونوا من الذين ينهون عن الخزرج للجهاد , فيلحقهم الخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة، وإما أن يتوبوا إلى الله، ويكونوا مع المجاهدين في سوح القتال حيث تتغشاهم أجنحة الملائكة , ليكون هذا التغشي والمدد في ميدان معركة بدر وأحد وحنين مقدمة ومرآة لتلقي الملائكة للمؤمنين في باب الجنة بالسلام , وما يبعث السعادة والبهجة في النفس.
وأخرج عن الإمام علي عليه السلام قال : يساق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً حتى إذا انتهوا إلى باب من أبوابها وجدوا عنده شجرة يخرج من تحت ساقها عينان تجريان ، فعمدوا إلى احداهما فشربوا منها ، فذهب ما في بطونهم من أذى وقذى وبأس ، ثم عمدوا إلى الأخرى فتطهروا منها ، فجرت عليهم نضرة النعيم ، فلن تغير أبشارهم بعدها أبداً ولن تشعث أشعارهم كأنما دهنوا بالدهان ، ثم انتهوا إلى خزنة الجنة فقالوا[سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ]( )، ثم تلقاهم الْوِلْدَان يطوفون بهم كما يطيف أهل الدنيا بالحميم ، فيقولون : ابشر بما أعد الله لك من الكرامة ، ثم ينطلق غلام من أولئك الولدان إلى بعض أزواجه من الحور العين ، فيقول : قد جاء فلان باسمه الذي يدعى به في الدنيا , فتقول : أنت رأيته ؟ فيقول : أنا رأيته ، فيستخفها الفرح حتى تقوم على أسكفة بابها ، فإذا انتهى إلى منزله نظر شيئاً من أساس بنيانه فإذا جندل اللؤلؤ فوقه أخضر ، وأصفر ، وأحمر ، من كل لون . ثم رفع رأسه فنظر إلى سقفه فإذا مثل البرق . ولولا أن الله تعالى قدر أنه لا ألم لذهب ببصره ( ).
الرابعة : تفقه المسلمين في الدين، وإرتقاؤهم في سلم المعرفة الإلهية، بادراك قانون الفصل والتمييز بينهم وبين الذين كفروا، في عالم الأقوال والأفعال، ليكون هذا التمييز مقدمة لنصر المسلمين وغلبتهم في ميادين الدفاع، وإنتشار الإسلام بالحكمة والبرهان طرداً وعكساً، وتقدير الآية من وجوه :
أولاً : لا تكونوا كالذين كفروا.
ثانياً : لا تقولوا كالذين كفروا.
ثالثاً : لا تفعلوا كالذين كفروا.
رابعاً : لا تتناجوا كالذين كفروا.
الخامسة : إرادة توثيق أواصر الأخوة بين المسلمين وإظهارهم التعاون والتكافل بينهم، إذ تتضمن آية البحث ترغيب المسلمين بمعاني الأخوة وتدعو إليها من وجوه :
الأول : إشتراك المسلمين جميعاً بالنداء بصفة الإيمان، فقوله تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] ينبسط على عدد كل المسلمين والمسلمات ,
وإذا مات المسلم هل ينقطع فرد الخطاب المتوجه له أم يبقى حياً غضاً طرياً , الجواب هو الثاني .
الثاني : سعي المسلمين مجتمعين ومتفرقين للعمل بمضامين النداء.
الثالث : يدل مجئ آية البحث بصيغة الجمع في ذات النداء , وفي النهي (لا تكونوا) على لزوم التعاون والتعاضد بين المسلمين للتقيد بالنهي والمنع الذي تتضمنه الآية.
ترى هل يتعلق موضوع النهي عن التشبيه بالذين كفروا بذاته أم له أثر ونفع، الجواب هو الثاني ، فليس من حصر للمنافع وهي من جهات:
الأولى : نزول النهي عن التشبيه بالذين كفروا من عند الله عز وجل.
الثانية : تفضل الله عز وجل بمخاطبة المسلمين وحثهم على إجتناب التشبه بالذين كفروا.
الثالثة : مصاحبة الأوامر والنواهي الإلهية للمسلمين في حياتهم اليومية.
الرابعة : سلامة المسلمين من تعلق الذنوب بهم , وما في النهي عن الجهاد والمرابطة من الآثام .
الخامسة : توافد المسلمين إلى ميدان القتال، وإجابتهم للنفير والدعوة إلى الدفاع عن الإسلام والتنزيل، وكان دفاع المسلمين عن التنزيل في بدايات الإسلام من وجوه :
أولاً : الدفاع عن إعجاز آيات القرآن.
ثانياً : بيان صدق نزول القرآن من عند الله عز وجل.
ثالثاً : حفظ المسلمين والمسلمات لآيات القرآن.
رابعاً : تلاوة المسلمين والمسلمات لآيات وسور القرآن في الصلاة اليومية بالتسليم بأنها كلام الله عز وجل .
لقد إستطاع كبار رجالات قريش تجنيد أهل مكة والقبائل ممن حولهم لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في معركة أحد ، نعم لم يخرج معهم كل أهل مكة ، ولا عموم أفراد القبائل التي حولها ، فمنهم من إمتنع عن غزو المدينة معهم لتجلي آيات النبوة للناس ، وصيرورة معركة بدر على وجوه :
أولاً : أنه مناسبة للصدود والإعراض عن دعوتهم لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين ، ليكون من إعجاز القرآن بيان آية البحث لسعي الذين كفروا لصد المسلمين عن القتال ففضحهم القرآن ، وحال دون ترتب الأثر على سعيهم الخبيث هذا ليتناجى المسلمون بالدفاع عن الإسلام والمبادرة لملاقاة الذين كفروا ، وفي قوله تعالى [وَلَقَدْ كُنْتُمْ تََمَنَّوْن الْمَوْتَ] ( ) ورد عن الربيع وقتادة قالا ( : أن أناساً من المؤمنين لم يشهدوا يوم بدر والذي أعطاهم الله من الفضل ، فكانوا يتمنون أن يروا قتالاً فيقاتلوا ، فسيق إليهم القتال حتى إذا كان بناحية المدينة يوم أحد؛ فأنزل الله { ولقد كنتم تمنون الموت . . . } الآية)( ).
وقد يقال ورد العتاب في الآية السابقة [إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ] وفيه مسائل :
الأولى : جاءت الآية أعلاه بصيغة الخطاب لجميع المسلمين بدليل قوله تعالى [تَوَلَّوْا مِنْكُمْ].
الثانية : نسبة التقصير بالتولي إلى إزلال الشيطان .
الثالثة : بعث الآية السابقة في نفوس الذين تولوا وعموم المسلمين باخبارها عن عفو الله عز وجل منهم .
ثانياً : زجر عامة أهل مكة وأفراد القبائل عن نصرة الذين كفروا .
ثالثاً : رمي الذين كفروا بالضعف والوهن ، ليكون من مصاديق قوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ] ( ) توالي رشحات النصر مع تقادم الأيام والليالي ، فقد وقعت معركة بدر في السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة المباركة , وكان النصر في ذات اليوم لأن المعركة إنقضت وفرّ الذين كفروا في ذات يوم المعركة ، ولكن منافع ومصاديق النصر تتجدد كل يوم بعد المعركة .
ومع هذا فقد جاءت قريش بجيش عرمرم لا عهد لأهل يثرب به ، إذ أشرف عليها ثلاثة آلاف رجل يريدون الإنتقام والبطش ، ترى لماذا لم يثبطهم الله ويبعث الخوف في نفوسهم , وهم في مكة قبل أن يخرجوا ويمنعهم من المجئ.
الجواب من وجوه :
الأول : إنه من معاني وعمومات الإبتلاء في الحياة الدنيا .
الثاني : إقامة الحجة على الذين كفروا .
الثالث : بيان حقيقة لأجيال المسلمين والناس جميعاً وإلى يوم القيامة وهي أن ثبات سنن الحق في الأرض ، وإقامة العدل يتمان ببذل النفوس والأموال وتحمل الأذى .
وهل من مصاديق قوله تعالى [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ..] ( ) بأن الجهاد بالسيف كان حقاً وضرورة لإقامة دولة التوحيد ، الجواب نعم ، وهو الذي تدل عليه الوقائع والأحداث بعد البعثة النبوية ، إذ رفع الذين كفروا السلاح بوجه الإسلام , وأنفقوا الأموال الطائلة لتجهيز الجيوش .
الرابع : بيان حاجة الناس لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وسيادة شريعة وسنن التوحيد .
الخامس : تأكيد صدق إيمان المهاجرين والأنصار وحال طائفة من المنافقين ، وما يترشح عن إبطانهم الكفر من الأذى العام .
السادس : التباين في حال المسلمين وثبات فريق منهم مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم , وفرار طائفة منهم مع أن الذين فروا مؤمنون وليسوا بمنافقين .
السابع : إرادة الأجر والثواب للمؤمنين وصيرورتهم أسوة حسنة لأجيال المسلمين وفوزهم بالنعيم الدائم في الآخرة .
لقد ورد لفظ (حسرة) في الآية على نحو اللفظ المفرد , ويحتمل وجوهاً :
الأول :المقصود الفرد الواحد من الحسرة على نحو التعيين .
الثاني : المقصود إرادة التنكير , وصدق أي فرد من أفراد الحسرة وصرف الطبيعة منه.
الثالث : المقصود اسم الجنس ، ومعنى التعدد في ضروب وسنخية الحسرة .
والصحيح هو الثالث ، لبيان التعدد في وجوه ومعاني الحسرة التي جعلها الله في قلوب الذين كفروا , لذا وردت الآية بصيغة اسم الإشارة للبعيد (ذلك) .
وفي حال المتعدد من الحسرة في المقام وجوه :
أولاً : يأتي فرد من الحسرة , ثم تترى أفراد أخرى إضافة لما سبقها من مسمى الحسرة .
ثانياً : يحل كل فرد من الحسرة محل الفرد السابق له .
ثالثاً : تجدد الأسباب المستحدثة للحسرة والأسى والندامة في نفوس الذين كفروا .
والصحيح هو الأول والثالث أعلاه من غير تعارض بينهما إذ تدل الآية على تراكم وتجدد مصاديق الحسرة في قلوب الذين كفروا.
لقد أراد الذين كفروا والمنافقون من أهل المدينة بعث الفرقة والشقاق بين صفوف جيش الصحابة، ومنع الأنصار من الأوس والخزرج من الخروج إلى القتال نصرة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاصة وأن بيعة العقبة الأولى كانت كبيعة النساء , والثانية ليس فيها خروج للقتال .
صيغة الجمع في آية البحث
وجاءت الآية بصيغة الإفراد والجمع من جهات:
الأولى : إختصاص صيغة الإفراد بالله عز وجل، وفيه نكتة وهي شهادة الآية على التوحيد، ولما إبتدأت الآية بالنداء للمسلمين بصفة الإيمان، ذكرت اسم الجلالة وصفات الله الحسنى، وفيه وجوه:
الأول : ورد اسم الجلالة في آية البحث ثلاث مرات، وفيه أمور:
أولاً : بيان إنفراد الله عز وجل بالربوبية المطلقة.
ثانياً : تنمية ملكة حب الله عز وجل عند المسلمين والمسلمات.
ثالثاً : تجديد ذكر المسلمين لله عز وجل، وهو من مصاديق قوله تعالى[أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ]( ).
رابعاً : بيان موضوعية كشف مكر الذين كفروا بالتحريض على القعود.
خامساً : إرادة الإخبار عن قانون وهو أن الله عز وجل يدفع شرور الذين كفروا ويبطل سحرهم ويمنع المؤمنين من الإنصات لهم في دعوتهم للقعود.
سادساً : كل موضع يرد فيه اسم الجلالة له دلالات خاصة بالإضافة إلى إشتراك المتعدد من ذكره بمضامين وغايات أخرى، وتحتمل هذه الدلالات في زمانها ومدة أثرها وجوهاً:
أولاً : إرادة أيام النزول والأسباب التي نزلت بخصوصها آية البحث.
ثانياً : إختصاص مضامين آية البحث بزمن النبوة والصحابة.
ثالثاً : شمول هذه الدلالات ومنافع تعدد ذكر آية البحث لاسم الجلالة للمسلمين والمسلمات في الحياة الدنيا.
رابعاً : إنتفاع الناس جميعاً من ذكر آية البحث لاسم الله عز وجل على نحو متكرر، وهل هذا الإنتفاع من الكلي المتواطئ أو المشكك، الجواب هو الثاني، فالمسلمون أكثر نفعاً من الذين كفروا، ومن الكفار من يصر على العناد والإستكبار، وورد على لسان نوح في التنزيل [قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَارًا]( ).
خامساً : إستدامة دلالات وغايات تعدد اسم الجلالة في آية البحث في الدنيا وعالم البرزخ ويوم القيامة.
والصحيح هو الأخير، وتكون الوجوه الأخرى في طوله، فتكون للمؤمنين باباً للأجر والثواب، وتكون حجة على الكافر وخزياً للمنافق.
الثانية : ذكر المسلمين في آية البحث بصيغة الجمع، وفيه وجوه:
أولاً : إفتتاح الآية بالنداء العام للمسلمين[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] لتكون الآية إنحلالية .
ثانياً : دعوة الناس للإيمان، وتقدير الآية على وجوه:
الأول : يا أيها الناس آمنوا.
الثاني : يا أيها الناس كونوا كالذين آمنوا .
الثالث : لقد تضمنت آية البحث نهي الذين آمنوا عن محاكاة وتقليد الذين كفروا، ليكون من مفاهيم أول الآية والنداء فيها دعوة الناس جميعاً ليكونوا مثل المسلمين، ولو أسلموا لما وقع القتال وسالت الدماء.
الرابع : يا أيها الناس إن المسلم حجة عليكم، وكذا نداء(يا أيها الذين آمنوا) ولا يتعارض معنى الحجة هنا مع دلالات الترغيب في الإسلام التي يتضمنها هذا النداء .
ثالثاً : يتضمن نداء الإيمان في أول الآية ترغيب الذين كفروا بالإسلام وبالضرب في الأرض والجهاد في سبيل الله .
التفسير
قوله تعالى [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا]
ورد هذا النداء المبارك تسعاً وثمانين مرة في القرآن , وفيها مجتمعة ومتفرقة إكرام وعز متصل للمسلمين والمسلمات الموجود منهم والمعدوم وإلى يوم القيامة ، ويحتمل الإكرام في المقام من جهة السعة والضيق وجوهاً :
الأول : تعلق الإكرام بأهل البيت والصحابة أوان نزول نداء [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ]من عند الله .
الثاني : تغشي الإكرام لكل جيل من المسلمين في زمانهم وأيام حياتهم .
الثالث : المقصود جيل زمان تلاوة آيات القرآن من قبلهم من المسلمين .
الرابع : إرادة أهل زمان تلاوة القرآن من الأحياء والذين يأتون بعدهم من المسلمين .
والمختار هو الرابع أعلاه ، وتقدير الآية ( يا أيها الذين آمنوا أمس واليوم وغداً ) وفيه إخبار للناس جميعاً عن عظيم منزلة المسلمين ولزوم إكرامهم ، وهو من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ).
فيغادر المسلم الدنيا لتبقى صلته معها , وعند أهلها من وجوه :
الوجه الأول : تلقي النداء بصفة الإيمان من عند الله .
الوجه الثاني : عمل المسلم في حياته بمضامين النداء : يا أيها الذين آمنوا الذي هو في معناه على جهات :
الأولى : تعاهد الإيمان والإقرار بالعبودية لله عز وجل , وتقدير النداء على وجوه :
أولاً : يا أيها الناس آمنوا بالله رباً وإلهاً واحداً .
ثانياً : يا أيها الذين آمنوا ببعثة محمد صلى الله عليه وآله وسلم رسولاً من عند الله عز وجل .
ومن وجوه الثناء على المسلمين في المقام أنهم آمنوا بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم من بين الناس مع أن رسالته لهم جميعاً ومن أجلهم في النشأتين ، وفي التنزيل [قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا] ( ).
ثالثاً : يا أيها الذين آمنوا بوجوب أداء الصلاة والزكاة والفرائض العبادية الأخرى .
رابعاً : يا أيها الذين آمنوا بالملائكة وأنهم خلق مكرمون , إذ أن جبرئيل الذي ينزل بالقرآن من رؤساء الملائكة , وملك الموت عزرائيل من ملائكة الله .
وفي هذا الإيمان إقرار بالصلة والإتصال بين أهل الأرض وأهل السماء ، وبين عالم الدنيا وعالم الآخرة.
خامساً : يا أيها الذين آمنوا بأن نصر الله حق وهو آت .
سادساً : يا أيها الذين آمنوا سارعوا في الخيرات , واجتنبوا المحرمات .
وعندما إحتج الملائكة على جعل آدم خليفة في الأرض كما ورد في التنزيل [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ]( )، أجابهم الله عز وجل [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) .
ومن علمه تعالى في المقام أمور :
الأول : ما تتضمنه آية السياق في رد الله على الملائكة [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) من جهات :
الأولى : وجود أمة مؤمنة في الأرض .
الثانية : تلقي أمة من الناس معجزات النبوة بالتصديق .
الثالثة : بيان قانون من وجوه :
أولاً : ليس كل أهل الأرض مفسدين .
ثانياً : من القتل في الأرض ما يكون بالحق وإستئصالاً للفساد .
ثالثاً : مصاحبة محاربة الفساد لأهل الأرض إلى يوم القيامة ، لذا فمن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم إستدامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كل أحوال الناس .
الرابعة : محاربة الإنسان لفساد أخيه الإنسان ، وكأن الله عز وجل يرد على قول الملائكة [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ] ( )بأنه جعل فيها من يحارب الفساد ، ويتنزه عن سفك الدماء إلا بالحق .
الخامسة : حلول أيام من الحياة الدنيا يلتقي فيها الجمعان جمع الإيمان وجمع الكفر ، فتكون بداية وفيصلاً للقضاء على الفساد في الأرض .
السادسة : تبين آية البحث حقيقة وهي أن الفساد الذي يقوم به الإنسان بإغواء من الشيطان، ولا ينحصر إغواء ووسوسة الشيطان بالذين كفروا ، إنما يعمل على إيقاع الذين آمنوا بالزلة والخطأ بتحريض الذين كفروا وإظهارهم شدة البأس في القتال .
ومن الآيات أن المسلمين لم يتولوا أو يفروا على نحو العموم ، ولم يستطع الشيطان إلا إزلال عدد منهم ، ومن علم الله عز وجل تفضله عليهم بالعفو والمغفرة .
السابعة : تبين آية السياق مجئ العفو من عند الله عز وجل إبتداء ، وهو الذي يدعو إلى سؤال المغفرة منه لإختتام آية السياق بثلاثة أسماء من الأسماء الحسنى تدل على اللطف والمغفرة والإمهال منه سبحانه بقوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ] ( ).
الثاني : ما تتضمنه آية البحث من مصاديق الرد على الملائكة .
إذ يرى الملائكة أمة مؤمنة يخاطبها الله بصفة الإيمان ، وينزل النداء [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ]في القرآن ليبقى يخاطب أجيالها المتعاقبة إلى يوم القيامة .
ليكون من علم الله عز وجل والبرهان خلافة الإنسان في الأرض في المقام بأمور منها :
الأول : نزول النداء بصفة الإيمان .
الثاني : إكرام الله عز وجل للمسلمين بنداء الإيمان .
الثالث : تلقي المسلمين نداء الإيمان بالقبول والشكر لله عز وجل , ويتجلى هذا الشكر من وجوه :
أولاً : تعاهد آيات القرآن رسماً ونطقاً ومعنى .
ثانياً : تلاوة آيات القرآن .
ثالثاً : العمل بمضمون آيات القرآن .
رابعاً : بقاء نداء يا أيها الذين آمنوا في الأرض إلى يوم القيامة .
خامساً : تقيد أجيال المسلمين المتعاقبة بالأوامر والنواهي التي وردت مع نداء وصيغة الإيمان .
سادساً : الإزدياد الطردي كل يوم في أعداد المسلمين ، ليكون من أسرار النداء من عند الله بصفة الإيمان البركة والكثرة في المتلقين , وأعدادهم , وعملهم بسنن الإيمان .
سابعاً : توارث المسلمين الإيمان وإلى يوم القيامة .
الثانية : إجتهاد المسلمين في طاعة الله ورسوله .
الثالثة : قيام المسلم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بقصد القربة إلى الله سبحانه .
الرابعة : المناجاة بين المسلمين لحفظ بيضة الإسلام ، وتعاهد أحكام الإيمان ، ومسائل الحلال والحرام .
الخامسة : دفاع المسلمين عن نداء الإيمان ، وبذلهم النفوس والأموال في سبيل الله .
الثالث : دلالات الجمع بين آية البحث وآية السياق مما يكون مصداقاً لقوله تعالى [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( )منها :
الأول : مجئ صيغة النداء بالإيمان بعد خبر التولي والفرار لطائفة من المسلمين .
الثاني : خروج المسلمين من القتال وإلتقاء الجمعين بتعاهدهم للإيمان وسنن التقوى .
الثالث : تفضل الله عز وجل بتحذير المسلمين من سنن النفاق فيخيب ظن الشيطان لعدم ترتب الأثر العام على إغوائه للمنافقين وإتباعهم لنهجه وخطوته .
الوجه ثالثاً : من وجوه صلة المسلم مع أهل الدنيا بعد مغادرته لها تسليم نداء يا أيها الذين آمنوا إلى ذريته من بعده من جهات :
الأولى : سلامة النداء من التحريف .
الثانية : بيان المصداق والأسوة بالعمل بمضامين النداء [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ].
الثالثة : مجئ الثواب للمسلم الميت بعمل المسلمين الأحياء .
وعن سعد بن عبادة (اتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال اي الصدقة اعجب اليك قال سقي الماء) ( ).
وورد الخبر بخصوص الآباء ، ويمكن إفادة العموم في رجاء الأجر والثواب لوحدة الموضوع في تنقيح المناط .
وإستدل الشافعي بقوله تعالى [لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى] ( ) على أن ثواب القراءة لا يصل الأموات , وقيل أنه مذهب مالك أيضاً .
ولكن سعي الإنسان أعم من فعله بالذات فيلحقه الثواب بما يتركه إرثاً في ذريته وغيرهم ، وولد الإنسان من سعيه ، لذا ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)( ).
وإختلف أصحاب الشافعي في الأمر ، فمنهم من قال بأن ثواب القراءة يصل إلى الميت , وبوصول الثواب إلى الميت قال أحمد بن حنبل ، وذكر ابن قدامة وجوهاً من الإحتجاج بوصول الثواب ، كما قال بوصول الثواب للميت الحنفية .
ويؤيده قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وأن ولده من كسبه ) وقد إستفاضت الروايات بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يدعو لأهل البقيع وشهداء أحد.
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال : من عمل من المسلمين عن ميت عملاً صالحاً أضعف الله له أجره ، ونفع الله به الميت.
وأخرج عن الشعبي قال : كانت الأنصار إذا مات لهم ميت إختلفوا إلى قبره يقرأون القرآن ) ( ).
وعن أبي داود في إسناده عن (ابن الْمُبَارَكِ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِىِّ عَنْ أَبِى عُثْمَانَ – وَلَيْسَ بِالنَّهْدِىِّ – عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ : قَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وآله وسلم « اقْرَءُوا (يس) عَلَى مَوْتَاكُمْ) ( ).
ورمى ابن القطان الحديث بالإضطراب وجهالة أبي عثمان من رجال سنده .
وقال الدارقطني هذا حديث ضعيف الإسناد مجهول المتن ، ولم يأخذ بتعديل ابن حبان لتساهله بالجرح ، فيؤخذ بجرحه دون تعديله إذا إختص به .
ومنهم من فسر الحديث بأن المراد بأن الذي حضرته المنية يقرأها لا أن تقرأ عليه ولكنه يتعارض مع الأصل وهو قراءة الحاضر عند الميت , ومنافع قراءة يس هنا عامة للحي والميت , ووسيلة مباركة للصبر والمواساة .
ومن الإعجاز في المقام ورود النداء في هذه الآية والنداء السابق سياقا ونظماً بصيغة النهي والزجر ، إذ ورد في آية البحث بقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا] وورد في النداء السابق [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ] ( ) وبين موضوع الندائين عموم وخصوص من وجه ، فمادة الإلتقاء من جهات:
الأولى : إكرام المسلمين بالخطاب والنداء بسنخية الإيمان بين أهل الأرض وإتصاف هذا النداء بالتشريف والشهادة لهم من عند الله بالإيمان .
الثانية : صبغة القرآنية في كل من الآيتين .
الثالثة : الإتحاد في جهة المخاطَب والمتلقي ، وهم المسلمون والمسلمات .
الرابعة : مجئ أحكام قرآنية بعد كل من الخطابين .
الخامسة : تشريف وإكرام المسلمين في كل من الآيتين .
أما مادة الإفتراق فمن جهات:
الأولى : جاء قوله تعالى [إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ] بصيغة الجملة الشرطية، أما النداء في هذه الآية فورد بصيغة النهي.
الثانية : موضوع الآية أعلاه عام، أما موضوع هذه الآية فيتعلق بمحاكاة الذين كفروا بقول مخصوص، وإن كان العام يستقرأ من النهي عن التشبه بالكفار.
الثالثة : طاعة الذين كفروا سبب للإرتداد، اما القول الذي تذكره هذه الآية فلا يصل إلى الإرتداد.
الرابعة : موضوع آية (إن تطيعوا) كل خطاب للمسلمين ، أما آية البحث فانها تتضمن الإخبار عن رمي الذين كفروا بالحسرة في قلوبهم، وإن كانت آية لا تطيعوا سبباً لإلقاء الحسرة والأسى في قلوبهم لأن المسلمين يطيعون الله ورسوله ويتقيدون بالنهي الوارد في الآية فلا يطيعون الذين كفروا، وقد ورد بذات صبغة النداء قوله تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ]( ).
علم المناسبة
لقد تقدم ذات نداء الإيمان في نظم القرآن قبل سبع آيات , وكأن قارئ القرآن على موعد مع هذا النداء المبارك يقابله ويعيد أمام ناظره ويتلوه بعد آيات ذكرت وقائع معركة أحد المفجعة والتي غيرت مجرى تأريخ الإنسانية .
إذ ثبت المسلمون في الميدان واستطاعوا ردّ كبار كفار قريش بغيهم وطغيانهم ، ومن الإعجاز في المقام هو إتحاد موضوع النداء مع التوسعة في آية البحث إذ تعلقت مضامين الآيات السابقة بواقعة أحد ، وما لاقاه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون فيها من الجراحات والكلوم .
ولم يرد هذا النداء بعد في سورة آل عمران إلا في الآية الأخيرة منها بقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] ( )، لبيان حقيقة وهي إنتفاع المسلمين الأمثل من النداء الإلهي لهم بصفة الإيمان .
وورد هذا النداء التشريفي في سورة آل عمران سبع مرات من بين تسع وثمانين مرة عدد مرات وروده في القرآن لبيان أن مضامين هذا النداء لا تختص بأحكام الحلال والحرام بل تشمل أمور الحرب والقتال لأنها أصل للعمل بالأوامر والنواهي الإلهية ، ومقدمة لإقامة حكم الله في الأرض وهو مقدمة ليحكم النبي محمد صلى الله عليه وآله والمسلمون بين الناس والقبائل والأفراد بالحق .
قوله تعالى [لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا]
لقد إبتدأت آية البحث بصيغة الإيمان لتكون واقية من محاكاة الذين كفروا التي تتضمنها هذه الآية ، فليس من فاصلة بين صفة الإيمان التي إبتدأت بها هذه الآية وبين النهي عن المشابهة والتمثيل للذين كفروا ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ] ( ) .
لقد بيّن القرآن أحكام الحلال والحرام والأوامر والنواهي .
ومن الإعجاز في آية البحث ورود النهي فيها بعد الثناء على المسلمين , ومن خصائصه أمور :
الأول : بعث السكينة والطمأنينة في نفوس المسلمين بأنهم قادرون على الإمتناع والإحتراز من طاعة الذين كفروا .
الثاني : تذكير المسلمين كل يوم خمس مرات بايمانهم ، وما يترشح عنه من الأحكام والآداب , ومنها العصمة من محاكاة الذين كفروا في الصدود عن النفير .
الثالث : بيان قانون وهو لزوم تعاهد المسلمين لمراتب الإيمان التي خصهم الله عز وجل بها ، إذ أنه أمانة الله عز وجل في الأرض ، وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ]( ).
ومن الإعجاز أن حمل المسلمين لأمانة الإيمان يتم بفضل ومدد وعون من عند الله عز وجل , ومنه آية البحث التي تخاطبهم بصيغة الإيمان , وتبين لهم قانوناً وهو عدم إنحصار التباين والتضاد بينهم وبين الذين كفروا بالإعتقاد والملة ، بل يشمل عالم الأقوال والأفعال .
الرابع : بيان أهلية المسلمين للعصمة من التشبيه بالكفار في الصدود عن البذل في سبيل الله .
الخامس : البشارة بطاعة المسلمين لله عز وجل في إجتناب ما نهى عنه من التشبه بالذين كفروا .
السادس : نيل المسلمين لفضل الله والثواب من عنده تعالى على طاعته والإمتثال لأوامره ونواهيه بدليل الوعد الكريم في خاتمة قوله تعالى وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ .
السابع : سلامة المسلمين مجتمعين ومتفرقين من داء ومرض القلوب, ومن الحسرة التي تترتب على الصد والصدود عن الدفاع عن بيضة الإسلام وصيانة الثغور .
وتبين آية البحث وجهاً من وجوه إعجاز القرآن , وهو الفصل بين المسلمين والذين كفروا في مقدمات وآثار القتال , ويحمل النهي في الآية على الحرمة والمنع الذي لا يجوز معه الفعل ، فيجب ألا يكون المسلمون مثل الذين كفروا بخصوص القول للمجاهدين وذكر الذين قتلوا في سبيل الله .
ومن الإعجاز في الآية بيانها لوجه التشبيه المنهي عنه فقد تكون هناك وجوه من الشبه أخرى ، فقد يبرز من صفوف المسلمين بعض الشجعان ويطلب المبارزة ، كما حصل في معركة بدر واحد والخندق ، أو عندهم خطط عامة تستلزم الحيطة والحذر ومقابلتها بخطط وصيغ للدفاع ودفع شر الذين كفروا .
وورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : (الحرب خدعة ) ( ).
وإبتدأت هذه الآية بنداء الإيمان ثم ذكرت الذين كفروا لبيان الفصل والتمييز بين الفريقين من جهات:
الأولى : إكرام المسلمين بنداء الإيمان.
الثانية : وجوب عدم التشابه والمحاكاة بين المؤمنين والذين كفروا.
وهل يختص نهي المسلمين عن التشيد بالكفار بمسألة نهي المؤمنين عن الخروج عن الجهاد، الجواب لا.
إذ ورد النهي على نحو الإطلاق والتقييد من وجهين:
الأول : الإطلاق والنهي العام في النهي عن المحاكاة والتشبه بالذين كفروا كما في قوله تعالى[لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا].
الثاني : التقييد بقوله تعالى [وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ] ببيان النهي الخاص فلم تقل الآية ولا تكونوا كالذين كفروا إذ قالوا) أو الذين قالوا) أو كما قالوا) .
بل تضمنت حرف الواو في (وقالوا لإخوانهم) ومعنى الحال كما في قوله [إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ]( )، فلا مانع من إجتماع العطف والحالية في الجملة لبيان مسائل :
الأولى : عطف قول الذين كفروا على تلبسهم بالكفر والضلالة.
الثانية : بيان الإثم والمعصية التي إتصف بها الكفار إذ يصرون على الجمع بين الكفر والضلالة وبين إظهار المبرز الخارجي للكفر بسوء القول.
الثالثة : إنذار المسلمين من سنخية الكفر بأن الكفار لايقفون عند الإقامة على الجحود والعناد بل يحاربون الإسلام بالقول والإفتراء.
وسيأتي في الجزء التالي / باب سياق الآيات بيان شذرات من الأسرار في مجئ آية البحث بصيغة الجمع.
قوله تعالى [وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ]
تفيد الواو في قوله [وَقَالُوا]وجوهاً :
الأول : إرادة الحال إذ دخلت في الآية على جملة فعلية ، ويجوز أن تدخل على جملة إسمية ، أي أنهم حينما أرادوا منع إخوانهم في النسب من الخروج لم يستمعوا لهم , وفيه أطراف :
أولاً : المانع والناهي عن الخروج في سبيل الله، ووردت الآية بصيغة الجمع (الذين كفروا) لبيان أن المسألة ليست قضية شخصية أو فردية، بل تفيد قيام الكفار والمنافقون بحث المؤمنين على القعود بينما صار آلاف من الذين كفروا على بعد بضعة أميال من المدينة ينوون غزوها وإستباحتها ، لذا تفضل الله عز وجل وأخبر عن مكرهم , وحذر منه.
ثانياً : موضوع المنع، وهو خروج المؤمنين إلى ميدان القتال دفاعاً عن سنن الإيمان.
ومن وجوه تقدير الآية : كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم بالكفر والضلالة وعبادة الأوثان إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى .
وهو من أسرار ذكر الآية للفظ (لإخوانهم) بصيغة الغائب ولم تتحدث بصيغة الحكاية عن الذين كفروا فلم تقل الآية : وقالوا يا إخواننا.
ثالثاً : الذين يتوجه لهم المنع والنهي عن الخروج، وهم المؤمنون من الأوس والخزرج.
لقد أراد الذين كفروا والمنافقون خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين وحدهم للقاء العدو، مع أن عدد المهاجرين قليل , أرادوا بصدهم هذا قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين.
وهو من الإعجاز في ثنايا آية البحث بسبر أغوار مقاصد الذين كفروا، ومنعهم من أمور:
أولاً : منع الذين آمنوا من الخروج للجهاد.
ثانياً : ملاقاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لجيوش الذين كفروا بعدد قليل من أهل البيت والمهاجرين.
ثالثاً : إستباحة الذين كفروا المدينة، والبطش والإنتقام بذات الأنصار الذين منعهم الذين كفروا من الخروج، وعلى فرض دخول جيش الذين كفروا المدينة بعد قعود الأنصار عن القتال , ففيه وجوه محتملة :
الأول : قيام الذين كفروا من أهل المدينة باخبار جيش كفار قريش باسماء الأنصار من الأوس والخزرج وبيوتهم ومحل وجودهم أو إختفائهم.
الثاني : دفاع الذين كفروا عن المدينة وعن إخوانهم من الأنصار، وهذا الدفاع من أصول ومعاني الأخوة النسبية.
الثالث : شفاعة الذين كفروا للأنصار ، وعدم تعرض الذين كفروا لهم خاصة وأنهم إدّعوا قصدهم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين من قريش، في خدعة ومكر ومحاولة لبث الفرقة بين الصحابة , وإصابتهم بالوهن لذا قال الله تعالى [وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ]( ).
الرابع : إشتراك الذين كفروا والمنافقين في إستباحة المدينة , وقتل المؤمنين.
الخامس : تنحي الذين كفروا والمنافقين ، وعدم التدخل عند رؤية جيش الذين كفروا يدخلون المدينة.
السادس : تلقي المنافقين جيش الذين كفروا خارج المدينة، والتصالح معهم، بتسليم الذين آمنوا لهم.
السابع : عدم سماح الذين كفروا والمنافقين لجيش الذين كفروا من دخول وإستباحة المدينة.
والمختار هو الأول والرابع أعلاه، لتكون آية البحث مدداً وضرورة للمسلمين في سلامتهم ونجاتهم من القتل .
الثاني : إرادة واو المعية ، كما في قوله تعالى [لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى] ( ) لتبين آية البحث إقامة المشركين على الكفر ، وإصرارهم على الجحود وصدور قولهم ونهيهم لإخوانهم عن الخروج من منازل الكفر التي يقيمون فيها .
تختص الآية السابقة بميدان القتال فذكرت فرقتين في قوله تعالى [يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ] فجعلت الآية المسلمين جمعاً ، وجعلت الذين كفروا جمعاً ، وهم كفار قريش الذين جاءوا من مكة المكرمة غازين وبنية القتال والظلم والتعدي .
أما آية البحث فهي أعم في موضوعها إذ تخبر عن حال المسلمين والمسلمات وهم في حال السلم والمهادنة وإن تعلق الأمر بمقدمات وحال الحرب والقتال , وذكرت الآية فريقين :
الأول : الذين آمنوا لقوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ]وتحتمل النسبة بين النداء في آية البحث وصيغة الجملة الخبرية والضمير في [مِنْكُمْ] في الآية السابقة وجوهاً :
أولاً : نسبة العموم والخصوص المطلق ، وأن نداء الإيمان في آية البحث هو الأعم بلحاظ أن المراد من الضمير في قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ] خصوص المسلمين الحاضرين في ميدان معركة أحد أو عامة المسلمين أيام نزول آية البحث .
ثانياً : نسبة العموم والخصوص من وجه ، فهناك مادة للإلتقاء وأخرى للإفتراق .
ثالثاً : نسبة التساوي في لغة الإخبار والنداء في آية البحث والآية السابقة .
والمختار ثالثاً أعلاه ، وهو شاهد على إرادة عموم المسلمين في لغة الإكرام والتأديب لهم وبيان إحتمال تجدد ذات الأحوال التي لاقاها المسلمون الأوائل .
الثاني : الذين كفروا إذ ذكرتهم آية البحث على نحو التعيين ، ترى ما المراد من الذين كفروا في آية البحث , الجواب من وجوه :
أولاً : الذين كفروا بالربوبية المطلقة لله عز وجل ، فجعلوا له أنداداً ووسائط وثنية يتقربون بها زلفى إليه سبحانه .
ثانياً : الذين كفروا بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولم يصدقوا بالمعجزات العقلية والحسية التي جاء بها ، وليس عن نقص في تلك المعجزات فكل واحدة منها تتضمن التحدي للناس وتبين عجزهم عن الإتيان بمثلها ، ولكن النقص والعيب في القابل , كما في قوله تعالى[وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ] ( ).
ثالثاً : الذين كفروا بنزول القرآن من عند الله عز وجل ، لقد تفضل الله عز وجل وخاطب الناس وأنزل لهم كلامه بواسطة جبرئيل، ونزل الملائكة يشيعون آيات القرآن ببهاء وجلال.
وعن جابر بن عبد الله الأنصاري قال : لما نزلت سورة الأنعام سبّح رسول الله ثم قال شيع هذه السورة من الملائكة ما سد الأفق( ).
وعن الإمام الصادق عليه السلام : ان سورة الانعام نزلت جملة واحدة وشيعها سبعون ألف ملك حين أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله فعظموها وبجلوها ، فان اسم الله تبارك وتعالى فيها في سبعين موضعا ، ولو يعلم الناس بما في قرائتها من الفضل ما تركوها ( ).
وتحتمل الآية وجوهاً :
الأول : أحد الذين كفروا قال لعدد وطائفة من المسلمين أقعدوا عن الجهاد تكونوا بأمن وسلامة.
الثاني : صدّ جماعة من الذين كفروا لطائفة من الذين آمنوا عن الجهاد.
الثالث : قيام جماعة وطائفة من الذين كفروا بتثبيط فرد من الأنصار ، كما لو كان ذا شأن أو أنهم رأوه يستعد للخروج , أو يقومون بتذكيره بحال بعض الأنصار الذين أستشهدوا.
الرابع : قيام فرد من المنافقين بصد المسلمين عن الخروج للقتال ، كما في رأس النفاق عبد الله بن أبي بن أبي سلول الذي قال وسط الطريق إلى معركة أحد ( علام نقتل أنفسنا ها هنا أيها الناس( ).
ترى ما هي النسبة بين نداء رأس النفاق أعلاه ولفظ (إخوانهم) الذي ذكرته آية البحث , الجواب من جهات :
الأولى : نسبة العموم والخصوص المطلق، وهو على قسمين :
الأول : المراد من القوم أعم وأكثر من الإخوان ، وقد كان عبد الله بن أبي رئيس الخزرج لذا قصد في قوله قومه من الخزرج.
الثاني : الإخوان أعم لإرادة الأخوة بالنسب وقصد التمييز بينهم وبين المهاجرين.
الثانية : نسبة العموم والخصوص من وجه، فهناك مادة للإلتقاء وأخرى للإفتراق.
الثالثة : نسبة التساوي بين لفظ (إخوانهم) التي تذكرها آية البحث، ولفظ الناس الذي ورد في قول عبد الله بن أبي(علام نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس).
الرابعة : ليس من صلة ووجوه شبه بين الأمرين .
والمختار هو الجهة الثانية أعلاه , فمادة الإلتقاء هو الصد والصدود عن الدفاع عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والتنزيل .
أما مادة الإفتراق فان الآية الكريمة تتحدث عن الذين كفروا، وبينهم وبين المنافقين عموم وخصوص مطلق، ويتحدث الذين كفروا عن الذين قتلوا من المؤمنين، بينما كان المنافقون يتناجون بينهم للعودة من الطريق إلى معركة أحد ، من غير أن يخوضوا القتال، ويدخل هؤلاء الذين رجعوا مع رأس النفاق مع الذين كفروا في عموم مضامين الآية الكريمة.
الخامس : قيام جماعة من المنافقين بالتحريض على عدم الخروج إلى قتال ومحاربة الذين كفروا، وصد الذين يخرجون.
السادس : قيام عدد من المشركات والمنافقات بالهمس بين العوائل بأن الخروج للقتال والغزو والتجارة سبب للقتل والموت، وأن السلامة في القعود في المدينة , لذا جاء القرآن بذم المنافقات على نحو الخصوص وتوعدهن بشدة العذاب , قال تعالى [وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ] ( ).
ترى لماذا ينهى الذين كفروا المسلمين عن التجارة والضرب في الأرض .
الجواب لقد أدرك الذين كفروا أن التجارة وجلب الأموال للمدينة عون للمسلمين في قتالهم وسبب للإنتعاش الإقتصادي في المدينة، وترغيب للمسلمين من مكة والقبائل المحيطة بها والأمصار بالقدوم إلى المدينة , وأخذ الأحكام الشرعية من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتعلم القرآن وآداب الإسلام , والخروج مع النفير وزيادة عدد المسلمين .
وسيأتينا بعد عدة آيات ما يدل على صدور قول الذين كفروا قبل معركة أحد ، وأنهم قاموا بتخويف المؤمنين من الأنصار ، ولكنهم لشدة إيمانهم لم يلتفتوا إلى كلامهم ، لقوله تعالى [الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا] ( ) .
ليكون تقدير آية البحث : كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم أقعدوا معنا فلم يطيعوهم فاستشهدوا في سبيل الله).
ويكون تقدير الآية على وجوه :
أولاً : وقالوا لإخوانهم الذين ضربوا في الأرض فماتوا أقعدوا معنا.
ثانياً : وقالوا لإخوانهم الذين خرجوا للقتال في معركة أحد أقعدوا معنا وأتركوا النفير ، ولكنهم إستجابوا لدعوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقتلوا ، قال تعالى [الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ] ( ).
ثالثاً : الذين قالوا لإخوانهم الأنصار بعد معركة أحد أقعدوا ولا تكونوا كالذين قلنا لهم أقعدوا فلم يسمعوا كلامنا وقتلوا في معركة أحد ، لبيان الأذى والصدود الذي يلاقيه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في رسالته ودعوته إلى الله عز وجل وما يقصده المنافقون من المكر وإعانة جيش الكفار من داخل المدينة , لذا توعدهم الله بأشد ضروب العذاب , قال تعالى[إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ] ( ).
بحث بلاغي
من ضروب البلاغة والبديع الإلتفات , وهو في اللغة الصرف واللي، ومنهم من فرق بين اللفت واللي، فاللفت هو الصرف.
واللي هو أن ترمي به إلى الجانب.
قال ابن منظور ت711 هجرية (لَفَتَ وجهَه عن القوم صَرَفَه والْتَفَتَ التِفاتاً والتَّلَفُّتُ أَكثرُ منه وتَلَفَّتَ إِلى الشيء والْتَفَتَ إِليه صَرَفَ وجْهَه إِليه( ).
وورد قوله تعالى [وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ]( )، أي لا يلتفت برأسه ونظره إلى الوراء فيرى شدة العذاب الذي حلّ بقومه، وعن ابن عباس في ( لايلتفت منكم ) : أي لا يتخلف( ).
ولعله مستقرأ من خاتمة الآية بالذهاب والبلد الذي أمرهم الله المغادرة والهجرة إليه وهو بلاد الشام.
وهو لا يتعارض مع المعنى الظاهر للآية بعدم النظر إلى الوراء إذ أن الإلتفات أمر جامع لأمرين :
الأول : لي الرأس أو إستدارة البدن الى جهة الخلف أو اليمين أو اليسار.
وقد جاء في القرآن بهذا المعنى وجاء بصيغة المجاز كما ورد في التنزيل حكاية عن فرعون وقومه وردهم على دعوة موسى لهم للتوحيد [قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا]( ).
الثاني : إقتران ليّ الوجه بالنظر إلى جهة غير ما يستقبله الإنسان.
أما في الإصطلاح فهو الإنتقال في الخطاب على وجوه :
الأول : الإنتقال في الخطاب من الحاضر إلى خطاب الغائب.
الثاني : الإنتقال من خطاب الغائب إلى خطاب الحاضر.
الثالث : الإنتقال في الخطاب من التكلم عن الذات إلى الغائب.
الرابع : الإنتقال في الخطاب من المتكلم ولغة الأنا إلى المخاطَب.
الخامس : الإنتقال من جماعة المتكلمين (نحن) إلى المفرد المخاطَب (أَنتَ) نحن نستهل هلال شوال وأنت في المسجد.
السادس : الإنتقال من جماعة المتكلمين (نحن) إلى المثنى المخاطب (أنتما).
السابع : الإنتقال من جماعة المتكلمين (نحن) وما يدل عليه من سور الموجبة أو السالبة الكلية إلى جماعة المخاطَب (أنتم) كما في قوله تعالى [وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ]( )، ولا يتعارض هنا المعنى مع إحتساب الآية من اللف والنشر.
الثامن : الإنتقال من جماعة المتكلمين (نحن) إلى المفرد المؤنث المخاطب (أنتِ).
التاسع : الإنتقال من جماعة المتكلمين (نحن) إلى المثنى المؤنثِ المخاطب (أنتما).
العاشر : الإنتقال من جماعة المتكلمين (نحن) في الكلام إلى الجمع المؤنث (أنتن) وما في معناه.
الحادي عشر : الإنتقال من جماعة المتكلمين (نحن) إلى المفرد المتكلم أنا، كما لو قلت : نحن خير أمة وأنا أتعاهد الصلاة بأوقاتها.
الثاني عشر : الإنتقال من صيغة المفرد (أنا) إلى صيغة جماعة المتكلمين (نحن) ما يدل عليه من سور الكلية مثل ( جميعنا) (كلنا).
الثالث عشر : الإنتقال من صيغة جماعة المتكلم (نحن) إلى المفرد الغائب (هو) أو اسم مفرد غائب.
الرابع عشر : الإنتقال من صيغة جماعة المتكلمين (نحن) إلى صيغة المثنى الغائب (هما) وما يدل عليه.
الخامس عشر : الإنتقال من صيغة جماعة المتكلمين (نحن) أو (إنّا) إلى صيغة جماعة الغائبين (هم) أو ما يدل عليه , كما لو قال الصحابة الذين إصطفوا في ملاقاة الذين كفروا يوم أحد ، نحن لاقينا الذين كفروا وهم أي المنافقون إنسحبوا من وسط الطريق إلى المعركة.
السادس عشر : الإنتقال من صيغة المفرد المتكلم (أنا) إلى صيغة المفرد الغائب (هو) وما يدل عليه مثل اسم الإشارة (هذا).
السابع عشر : الإنتقال من صبغة المفرد المتكلم (أنا) إلى صيغة المثنى الغائب (هما).
الثامن عشر : الإنتقال من صيغة المفرد المتكل إلى جماعة الغائبين (هم) أو اسم الإشارة (أولئك) .
التاسع عشر : الإنتقال في صيغة الكلام من المتكلم المفرد (أنا) إلى المفرد المخاَطب (أنَت).
العشرون : الإنتقال في الكلام من المتكلم المفرد إلى المثنى المخاطَب (انتما).
الحادي والعشرون : الإنتقال في الكلام من المتكلم المفرد إلى جماعة المذكور (أنتم).
الثاني والعشرون : الإنتقال في الكلام من صيغة المتكلم (انا) وما يدل عليه إلى جماعة الأناث (أنتن).
الثالث والعشرون : الإنتقال في الكلام بلغة المفرد (أنا) إلى المفردة المونثة (أنت) أو الحديث عن حالها أو الدعاء لها .
الرابع والعشرون : الإنتقال في الكلام من الكلام عز الذات إلى المفرد المخاطب ، وفي التنزيل بخصوص الملكين هاروت وماروت [وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ] ( ) .
فقد إنتقل الكلام من الحديث عن الذات إلى المخاطب المفرد إلى جماعة الغائبين ، إي أن الإلتفات لا يختص بالمتحد من الإنتقال في الكلام ، فقد تتعدد ضروب الإنتقال فيه .
الخامس والعشرون : الإنتقال في الكلام من المخاطب المفرد (أنت) إلى الغائب المفرد (هو) .
السادس والعشرون : الإنتقال في الكلام من المخاطب المفرد (أنتَ) إلى المثنى الغائب (هما) أو هذان .
السابع والعشرون : الإنتقال في الكلام من المخاطب المفرد إلى الجمع الغائب (هم) أو هؤلاء (الذين) .
الثامن والعشرون : الإنتقال من المخاطب المفرد إلى المفردة المؤنثة (هي ) أو (هذه ) (تلك).
التاسع والعشرون : الإنتقال في الكلام من المخاطب المفرد إلى المثنى المؤنث (هما)(هاتان).
الثلاثون : الإنتقال في الكلام من المخاطب المفرد إلى الجمع المؤنث (هن) (أولات ) (هؤلاء ).
الحادي والثلاثون : الإنتقال في الكلام من المثنى المخاطب (أنتما) إلى المفرد الغائب (هو) (الذين).
الثاني والثلاثون : الإنتقال في الكلام من الجمع المخاطَب (أنتم) إلى المفرد الغائب (هو).
الثالث والثلاثون : الإنتقال في الكلام من الجمع المخاطَب أنتم إلى المثنى الغائب (هما ) , وقال جرير من الوافر
متى كان الخيام بذي طلوحٍ … سقيت الغيث أيتها الخيام
أتنسى يوم تصقل عارضيها … بعود بشامة سقى البشام) ( ).
الرابع والثلاثون : الإنتقال في الخطاب والكلام من الجمع المخاطب إلى جماعة الغائبين هم ، هؤلاء ، أولئك .
الخامس والثلاثون : الإنتقال في الخطاب من الغائب المفرد هو أو هذا [وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ] ( ).
السادس والثلاثون : الإنتقال في الخطاب من الغائب المفرد (هو ) إلى المخاطب المثنى المذكر (أنتما ).
السابع والثلاثون : الإنتقال في الخطاب من الغائب المفرد (هو) إلى الجمع المخاطَب (أنتم).
الثامن والثلاثون : الإنتقال في الخطاب من الغائب المفرد (هو) إلى جمع الأناث المخاطب (أنتن).
التاسع والثلاثون : الإنتقال في الكلام من المفرد الغائب (هو) (هذا) (الذي ) إلى ذات المتكم (أنا) .
الأربعون : الإنتقال في الكلام من الغائب المفرد (هو) (هذا)( الذي) إلى الإثنين المتكلمين (أنا) (نحن) بلحاظ أن أقل الجمع إثنين ، وهو لا يتعارض مع التفصيل والفصل بين الإثنين والجمع الذين يبدأ بالعدد ثلاثة .
الحادي والأربعون : الإنتقال في الكلام من الغائب المفرد إلى جماعة المتكلمين (نحن ) وفي التنزيل [قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا] ( ).
الثاني والأربعون : الإنتقال في الكلام من الغائب المفرد (هو) (هذا) (الذي ) إلى المفردة المؤنثة (أنا) .
الثالث والأربعون : الإنتقال في الكلام من الغائب المفرد (هو) إلى المثنى المؤنث المتكلم (إنا) .
الرابع والأربعون : الإنتقال في الكلام من الغائب المفرد (هو) إلى جمع المؤنث (إنّا).
الخامس والأربعون :الإنتقال في الخطاب في المثنى المخاطب ، كما في قوله تعالى [فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنْ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى] ( ) فلم تقل الآية (فتشقيا) بألف التثنية , وقيل أن لغة المفرد أعلاه لمراعاة الفاصلة إذ أن الآية التي قبلها [إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى] ولكن المعنى أعم موضوعاً ودلالة .
وهناك وجوه أخرى تستقرأ من هذا التقسيم , ومن منافع الإلتفات جذب الأسماع والحيلولة دونها ودون الضجر والملل ، ومنها إستدامة طراوة الكلام وترك البقاء على صيغة واحدة في الكلام ، مع خصائص في كل إلتفات .
وقد إبتدأت آية البحث بالنداء للمسلمين ثم تكلمت عن حال الذين كفروا وكيف أنهم يصرون عن الخروج للجهاد في سبيل الله ، ويذكرون الشهداء بنوع شماتة ويدّعون أنهم لو بقوا عندهم ومعهم في المدينة لما ماتوا ولا قتلوا ، وصيرورة الأمر حسرة في نفوس الذين كفروا لأن الحياة والموت أمران بيد الله عز وجل لا يقدر عليها غيره ، ولا يموت أحد إلا بأجله الذي كتبه .
فهل في الآية إلتفات بمعناه الإصطلاحي ، الجواب لا ، بلحاظ أن مضامين الآية كلها خطاب للمسلمين والمسلمات حتى القانون الذي ورد في خاتمتها جاء بصيغة الخطاب لهم [وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ] والذي يدل بالدلالة التضمنية على حث المسلمين على الجهاد وعدم الإلتفات إلى مغالطات وشكوك وصدّ الذين كفروا .
قوله تعالى [أَوْ كَانُوا غُزًّى]( )
بعد أن ذكر الذين كفروا الضرب في الأرض للتجارة وطلب الرزق كما في قوله تعالى [لِإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ]( ).
ذكروا مسألة خروجهم للغزو والظلم قبل البعثة وبعدها( )، ولم تكن معارك الإسلام الدفاعية الأولى أيام النزول منحصرة بواقعة بدر وأحد ، فقد كانت سرايا قبل وبعد معركة بدر منها :
الأولى : سرية حمزة بن عبد المطلب في ثمانين راكباً إلى سيف البحر من أرض جهينة شهر ربيع أول من السنة الثانية للهجرة ، قاله المدائني وليس فيها قتال ، إنما كانت لإعتراض عير لقريش فيها أبو جهل بن هشام , في ثلاثمائة رجل , فحجز بين الفريقين مجدي بن عمرو الجهني , وهو حليف لكل منهما .
وقدم ابن إسحاق سرية (عبيدة بن الحارث) ( ) .
الثانية : سرية عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب إلى بطن رابغ من شوال من السنة الأولى للهجرة .
الثالثة : سرية سعد بن أبي وقاص إلى الخرّار في عشرين من المهاجرين في شهر ذي القعدة من السنة الأولى للهجرة , لإعتراض عير لقريش .
الرابعة : سرية سعد بن أبي وقاص إلى حيّ من كنانة في شهر رجب من السنة الثانية للهجرة .
الخامسة : سرية عبد الله بن جحش إلى نخلة في شهر رجب من السنة الثانية للهجرة .
السادسة : سرية عمير بن عدي لقتل عصماء بنت مروان في شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة .
ومن مصاديق آية البحث إذا غاب الأنصاري في الدفاع قال الذين كفروا : لو كان عندنا ومعنا في المدينة لما قُتل ولا طرأ إحتمال قتله ولا خفنا عليه من القتل في غزو وصرنا نترقب الأخبار بخصوصه فحالما يخرج الصحابة من الأنصار والمهاجرين في السرايا يبدأ الذين كفروا ببث سمومهم .
فان قلت تضمنت آية البحث معنى الخطاب على نحو التقابل لقوله تعالى [وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ] وفيه أطراف :
الأول : الذين كفروا .
الثانية : قول الذين كفروا .
الثالثة : الإخوان الذين يسمعون قول الذين كفروا .
والجواب هذا صحيح وهو من مصاديق الآية إلا أن مضامينها أعم ، إذ تأتي اللام بمعنى عن ، كما في قوله تعالى [وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ] ( ) أي قال الذين كفروا عن الذين آمنوا .
وكذا بالنسبة لآية البحث , وتقديرها : كالذين كفروا وقالوا عن إخوانهم إذا ضربوا في الأرض . وإن كانت الآية أعلاه تحتمل ذات معنى الإختصاص الذي هو ظاهر في آية البحث أيضاً
وبدليل ورود مضمون القول بصيغة الغائب , فلم ترد الآية وموضوع القول بصيغة الخطاب ، فلم تقل : وقالوا لإخوانهم لو كنتم معنا أو : لو تكونوا عندنا لا تموتون أو تقتلون ).
ومن الغايات الخبيثة للذين كفروا الإرجاف في المدينة ، فقد كانت السرايا التي تذهب للدفاع تجمع المهاجرين والأنصار ، فيخرج بعضهم فيها ، ويكون الآخرون بالانتظار والترقب والتهيئ للخروج والندب ، فأراد الذين كفروا تثبيط العزائم ، وبث روح القعود والخمول بين صفوف الأنصار والمهاجرين بضربهم المثل بخصوص الذين خرجوا للضرب في الأرض وماتوا أو قتلوا .
كما أراد الذين كفروا منع الإنتعاش الإقتصادي في المدينة ، فقد كان بعض المهاجرين يعمل بالتجارة وكسب المعاش , ويعمل الأنصار في الزراعة ، ويمكن تكوّن فئة أخرى تتولى تسويق الحاصل الزراعي وجلب الحبوب , وفئة تشتري وتبيع السلاح والثياب .
وكانت التجارة في المدينة في الغالب بيد بني قريظة والنضير ، فأراد الذين كفروا منع المؤمنين من التجارة والسعي في رخص الأسعار وتنوع البضائع في المدينة والحيلولة دون ورود الغنائم إليها والقصد من هذا المنع تحريض أهلها على الإسلام وكثرة المهاجرين وحال النفير التي عليها المسلمون .
ففضح الله عز وجل الذين كفروا بآية البحث والشواهد العظيمة المتجددة التي تتجلى في كل يوم من بدايات الإسلام وإلى يومنا هذا , وما بعده ببيان الشأن والمنزلة العظيمة التي صارت للمدينة المنورة بين الناس وفي أقطار الأرض ، والإزدهار الإقتصادي والتجاري والتمدد والسعة التي حدثت فيها , وليكون المتر الواحد من الأرض فيها أغلى ثمناً من أي مدينة في العالم في هذه الأزمان .
وفي واقعة حنين في شهر شوال من السنة الثامنة للهجرة قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتوزيع الغنائم , وخصّ المؤلفة قلوبهم من قريش بعطايا كثيرة ، فصار في نفوس الأنصار وجد .
وورد (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ . قَالَ لَمّا أَعْطَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ مَا أَعْطَى مِنْ تِلْكَ الْعَطَايَا ، فِي قُرَيْشٍ وَفِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَنْصَارِ مِنْهَا شَيْءٌ وَجَدَ هَذَا الْحَيّ مِنْ الْأَنْصَارِ فِي أَنْفُسِهِمْ ؟ حَتّى كَثُرَتْ مِنْهُمْ الْقَالَةُ حَتّى , قَالَ قَائِلُهُمْ لَقَدْ لَقِيَ وَاَللّهِ رَسُولُ اللّهِ قَوْمَهُ فَدَخَلَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ .
فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّ هَذَا الْحَيّ مِنْ الْأَنْصَارِ قَدْ وَجَدُوا عَلَيْك فِي أَنْفُسِهِمْ لِمَا صَنَعْت فِي هَذَا الْفَيْءِ الْعَرَبِ ، وَلَمْ يَكُ فِي هَذَا الْحَيّ مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْهَا شَيْءٌ .
قَالَ فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ ؟ قَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ مَا أَنَا إلّا مِنْ قَوْمِي . قَالَ فَاجْمَعْ لِي قَوْمَك فِي هَذِهِ الْحَظِيرَةِ . قَالَ فَخَرَجَ سَعْدٌ فَجَمَعَ الْأَنْصَارَ فِي تِلْكَ الْحَظِيرَةِ . قَالَ فَجَاءَ رِجَالٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ فَتَرَكَهُمْ فَدَخَلُوا ، وَجَاءَ آخَرُونَ فَرَدّهُمْ .
فَلَمّا اجْتَمَعُوا لَهُ أَتَاهُ سَعْدٌ فَقَالَ قَدْ اجْتَمَعَ لَك هَذَا الْحَيّ مِنْ الْأَنْصَارِ ، فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ فَحَمِدَ اللّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمّ قَالَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ : مَا قَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ وَجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا عَلَيّ فِي أَنْفُسِكُمْ ؟ أَلَمْ آتِكُمْ ضُلّالًا فَهَدَاكُمْ اللّهُ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمْ اللّهُ وَأَعْدَاءً فَأَلّفَ اللّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ قَالُوا : بَلَى ، اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنّ وَأَفْضَلُ .
ثُمّ قَالَ أَلَا تُجِيبُونَنِي يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ ؟ قَالُوا : بِمَاذَا نُجِيبُك يَا رَسُولَ اللّهِ ؟ لِلّهِ وَلِرَسُولِهِ الْمَنّ وَالْفَضْلُ . قَالَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ أَمَا وَاَللّهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَلَصَدَقْتُمْ وَلَصُدّقْتُمْ أَتَيْتَنَا مُكَذّبًا فَصَدّقْنَاك ، وَمَخْذُولًا فَنَصَرْنَاك ، وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاك ، وَعَائِلًا فَآسَيْنَاك . أَوَجَدْتُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ فِي أَنْفُسِكُمْ فِي لُعَاعَةٍ مِنْ الدّنْيَا تَأَلّفْت بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا .
وَوَكَلْتُكُمْ إلَى إسْلَامِكُمْ أَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النّاسُ بِالشّاةِ وَالْبَعِيرِ وَتَرْجِعُوا بِرَسُولِ اللّهِ إلَى رِحَالِكُمْ ؟ فَوَاَلّذِي نَفْسُ مُحَمّدٍ بِيَدِهِ لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْت امْرَأً مِنْ الْأَنْصَارِ ، وَلَوْ سَلَكَ النّاسُ شِعْبًا وَسَلَكَتْ الْأَنْصَارُ شِعْبًا ، لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ . اللّهُمّ ارْحَمْ الْأَنْصَارَ ، وَأَبْنَاءَ الْأَنْصَارِ . وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ . قَالَ فَبَكَى الْقَوْمُ حَتّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ .
وَقَالُوا : رَضِينَا بِرَسُولِ اللّهِ قَسْمًا ، وَحَظّا . ثُمّ إنْصَرَفَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ وَتَفَرّقُوا) ( ).
وهل في قيام المؤمنين من المهاجرين والأنصار بالفاع ضرر على الذين كفروا والمنافقين من أهل المدينة كما لو كانت أعباء إضافية في العمل وطلب المعاش تقع عليهم عند غياب إخوانهم من الأنصار فارادوا قعودهم ورضاهم بحياة الدعة اليومية الراتبة .
الجواب لا دليل عليه ، والعكس هو الصحيح , فلم تمر على بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سنتان حتى جرت معركة بدر فدخلت الغنائم المدينة لتكون مقدمة وبشارة للغنائم والفيئ والمنافع العظيمة التي ستأتي إلى المدينة وأهلها ، وهو من مصاديق تسمية يوم بدر [يَوْمَ الْفُرْقَانِ] ( ) .
فقد كان يوم الفصل والتمييز بين حال الفاقة والخوف عند المسلمين إلى حال السعة والأمنة والعز .
لقد تجلت بركات نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم على أهل المدينة عامة ، ولكن الذين كفروا أرادوا منع توالي البركات عليهم وعلى أهل المدينة , فتفضل الله عز وجل وفضحهم وكشف كفرهم في هذه الآية التي تتضمن في مفهومها حث ودعوة الذين آمنوا للخروج للدفاع والمرابطة والكسب الحلال .
ترى لماذا قدمت الآية الضرب في الأرض ، الجواب من جهات :
الأولى : كثرة خروج قريش للتجارة والكسب .
الثانية : قلة أيام الغزو والوقائع التي يخرج إليها قريش .
الثالثة : التعرض للموت بالخروج للتجارة أكثر من تعرض المقاتلين إلى القتل في الغزو .
ومن الإعجاز في المقام أن الذين كفروا لم يحتجوا باحتمال وقوع المؤمنين أسرى بيد الذين كفروا , وفيه وجوه :
أولاً : تسليم الذين كفروا بأن المؤمنين في أمن وسلامة من الوقوع في الأسر .
ثانياً : دخول سبعين أسيراً من الذين كفروا منع الذين كفروا من الإحتجاج بأسر الذين آمنوا .
ثالثاً : إعلان المؤمنين بأنهم يجاهدون لنيل إحدى الحسنيين ،أما النصر وإما الشهادة ، وفي خطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال الله تعالى [قُلْ هَلْ تَتَربَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ] ( ).
رابعاً : جعل الذين كفروا همّهم في الموت ومغادرة الروح الجسد لبعث الخوف والفزع في قلوب المؤمنين وعوائلهم .
خامساً : الإشارة إلى عزم كفار قريش ومن والاهم الإنتقام من المسلمين في ساحات المعركة ، وفي الطرق البرية عند الخروج من المدينة .
سادساً : إرادة الذين كفروا الإستحواذ على التجارة وطرقها وإختصاصهم بجلب البضائع إلى المدينة , وفيه إضعاف للإسلام وصيرورة المسلمين عاجزين عن نفقات القتال ، والله عز وجل يقول [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ..] ( ) .
ليفيد الجمع بين الآية أعلاه وآية البحث تفضل الله بتهيئة أسباب ومقدمات الإستطاعة وصيرورة المسلمين في حال يقدرون معه على شراء السلاح والخيل التي لا تركب ظهورها إلا في ساحة المعركة .
سابعاً : لقد كانت قريش تشتغل بالتجارة وتستحوذ على طرقها, قال تعالى[لِإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ]( )، وأكثر المهاجرين من قريش والأرجح أنهم دلّوا الأنصار على سبل التجارة ورغبوا في العمل بالتجارة كإخوان , مما بعث الحسد والخشية في قلوب الكفار .
وعن أنس، قال: قدم عبدالرحمن بن عوف فآخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع الانصاري، فعرض عليه أن يناصفه أهله وماله، فقال عبدالرحمن: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلني على السوق.
فربح شيئا من أقط وسمن، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم بعد أيام وعليه وضر من صفرة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : مهيم يا عبدالرحمن ؟ قال: يا رسول الله تزوجت امرأة من الانصار.
قال: ” فما سقت فيها ؟ ” قال: وزن نواة من ذهب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: أولم ولو بشاة( ).
ثامناً : إظهار الذين كفروا حسدهم للمسلمين وبغضهم لسنن الإيمان بتوجيه اللوم لإخوانهم من المسلمين ، وآفة الحسد مصاحبة للكفر , وأول من حسد هو إبليس ليقتفي الذين كفروا أثره ، فتنزل آيات القرآن لفضحهم وزجرهم ، ودفع شرور حسدهم ومكرهم ، وأخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم (مرّ شاس بن قيس وكان شيخاً قد عسا في الجاهلية ، عظيم الكفر ، شديد الضغن على المسلمين ، شديد الحسد لهم ، على نفر من أصحاب رسول الله من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه ، فغاظه ما رأى من ألفتهم ، وجماعتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية .
فقال : قد إجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد . والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار ، فأمر فتى شاباً معه من يهود فقال : اعمد إليهم فاجلس معهم ، ثم ذكرهم يوم بعاث وما كان قبله ، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار .
وكان يوم بعاث يوماً اقتتلت فيه الأوس والخزرج ، وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج . ففعل ، فتكلم القوم عند ذلك ، وتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب أوس بن قيظي أحد بني حارثة من الأوس ، وجبار بن صخر أحد بني سلمة من الخزرج فتقاولا ، ثم قال أحدهما لصاحبه : إن شئتم والله رددناها الآن جذعة . وغضب الفريقان جميعاً وقالوا : قد فعلنا . السلاح السلاح . . . موعدكم الظاهرة ، والظاهرة الحرة . فخرجوا إليها وانضمت الأوس بعضها إلى بعض ، والخزرج بعضها إلى بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية .
فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من أصحابه حتى جاءهم فقال : يا معشر المسلمين الله الله . . . أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ هداكم الله إلى الإسلام ، وأكرمكم به ، وقطع به عنكم أمر الجاهلية ، واستنقذكم به من الكفر ، وألف به بينكم ترجعون إلى ما كنتم عليه كفاراً، فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان ، وكيد من عدوّهم لهم . فألقوا السلاح ، وبكوا وعانق الرجال بعضهم بعضاً ، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين ، قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شاس ، وأنزل الله في شأن شاس بن قيس وما صنع { قل يا أهل الكتاب لمَ تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون } إلى قوله { وما الله بغافل عما تعملون }( ) .
وأنزل في أوس بن قيظي ، وجبار بن صخر ، ومن كان معهما من قومهما الذين صنعوا ما صنعوا { يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين } إلى قوله { أولئك لهم عذاب عظيم })( ).
وبينما ذكرت آية البحث الضرب في الأرض على نحو التفصيل والبيان عطفت عليه موضوع الغزو بكلمة واحدة هي [غُزًّى] وتقدير الآية : أو كان كفار قريش غزى .
وقد ذكر الذين كفروا مسألة الخروج إلى الغزو بعد ذكر الضرب في الأرض وطلب المكاسب والمعاش , ومن وجوه المكر الذي يتخذه المنافقون منهاجاً التورية فكأنهم جعلوا الموضوع الأهم هو التجارة ، مع أن قصدهم هو منع المؤمنين من الخروج للدفاع .
وتكرر لفظ (كانوا) في آية البحث بقوله تعالى[أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا] والنسبة بين اللفظين هي العموم والخصوص المطلق، فالثاني أعلاه أعم من الأول , وتقدير الآية : أو كان بعضهم غزىً لو كانوا جميعاً عندنا، فلم يرض الذين كفروا بخروج الأنصار إلى القتال ولا إلى التجارة لأن الغنى والنعم الظاهرة سبيل لأداء الوظائف العبادية، ويقوم المسلمون بتسخيرها في مرضاة الله، فيشترون بها المؤن ويخرجون للدفاع والسلاح وقلوبهم مطمئنة على معيشة عوائلهم، كما يشترون بالأموال السلاح , وهو من مصاديق قوله تعالى[وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ]( ).
وجاءت الآية بصيغة المثال والموعظة من الآخرين ، فلم تقل الآية(وقالوا لإخوانكم إذا ضربوا في الأرض وكانوا غزى) أو (قالوا لكم إذا ضربتم).
وكأن الآية تحكي قصة قوم كافرين للإتعاظ منهم ، وبيان فضل الله على المسلمين من جهات :
الأولى : نزول آيات القرآن التي تحض على الصبر بسنن التقوى ، قال تعالى [بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ]( ).
الثانية : حض النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه على الدفاع والبشارة بالأجر والثواب ودخول الجنة .
الثالثة : مناجاة المسلمين بينهم بالدفاع عن النبوة والتنزيل .
وفيه توبيخ للمنافقين ، ومنع من محاكاة الكافرين ، وفي الآية دلالة على إنقطاع الغزو بين القبائل ، وبقاء الصبر والدفاع والفتح في سبيل الله ، لأن الآية التالية ذكرت القتل في سبيل الله بقوله تعالى [وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ]( ) .
ولم يرد لفظ غاز أو غزى بصيغة الجمع في آية أخرى من القرآن.
قوله تعالى[لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا]
تبين الآية حقيقة وهي أن النبي محمداً لم يجهز على الذين كفروا ومع كثرة الصحابة من المهاجرين والأنصار فانه لم يأمرهم بتخيير الذين كفروا بين الإسلام والسيف ، ولم يلجم أفواههم أو يشترط عليهم الإمتناع عن إيذاء المسلمين في حال حضورهم وغيبتهم فقد خرج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ألف من المسلمين إلى معركة أحد ، وووصل إلى ميدان أحد منهم سبعمائة إصطفوا لملاقاة الذين كفروا .
ويمكن توجيه جماعات وسرايا منهم إلى الذين كفروا في المدينة وما حولها , وتفريق جمعهم وحملهم على دخول الإسلام ، ولكنه تركهم وشأنهم مما يدل على أن الإسلام لم ينتشر بالسيف , وتدل آية البحث على أن المسلمين لم يعتزلوا الذين كفروا.
وقد خفّف الله عز وجل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم , وعن المؤمنين بأن أنزل آية البحث لتكون حجة على الذين كفروا وزاجراً لهم , وحصناً للمؤمنين من إفترائهم ومغالطتهم وسعيهم في الباطل ولتبقى حسرة في قلوبهم وتخلف الحسرة فيها ، بلحاظ عدم إنحصار الآثار المترتبة على الآية بنزولها وإبلاغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين بها وبكلماتها ، إذ تتجدد هذه الآثار كل يوم ، ومنها ما تبعثه من الحسرة في قلوب الذين كفروا , ومصاديق هذه الحسرة على وجوه :
الأول : مصداق الحسرة المستقرة .
الثاني : الحسرة العرضية الطارئة .
الثالث : الحسرة الذاتية التي تأتي من همّ الكافر ولومه لنفسه على إختيار الإصرار على الكفر ، قال تعالى [وَلاَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ] ( )، وأختلف في معنى الآية أعلاه على وجوه :
الأول : إنها النفس التي تلوم صاحبها على ترك الإجتهاد في طاعة الله ، وتفويت وتضييع الفرص للسعي في مرضاة الله وإرادة المؤمن الذي يراقب نفسه ، ويلومها على الكلمة التي تخرج منه والفعل الذي يصدر عنه مما ليس فيه ثواب وأجر .
الثاني : لوم الإنسان نفسه على الفعل المذموم ، وقال قتادة (اللَّوَّامَةِ)( ) الفاجرة.
الثالث : إرادة المعنى الجامع وحال الخير والشر ، فالذي يفعل الخير يلوم نفسه أنه لم يكثر منه ولم يزد فيه ، والذي يفعل الشر يلوم نفسه على فعله وما يترتب عليه من الإثم .
والصحيح هو الأخير لأصالة الإطلاق ، فان قلت كيف يقسم الله بالنفس التي ترتكب المعاصي , والجواب جاء القسم بالنفس كمخلوق بديع لله عز وجل تعجز الخلائق عن درك ماهيتها أو إحصاء خلجاتها أو الإطلاع عليها وكشفها على نحو العموم الإستغراقي .
وهل يمكن أن يكون من معاني الآية أعلاه أن الذي يفعل الخير أو يترك الشر والمعصية يلوم نفسه على هذا الترك ، الجواب نعم , قد يكون هذا ولكنه قليل نادر في ذاته وأفراده ومدته ولا عبرة بالقليل النادر فسرعان ما يزول مثل هذا اللوم , ويحل محله الرضا والشكر لله عز وجل على السلامة من إرتكاب الشر والمعصية والإستغفار من حال لوم النفس هذا ، خاصة وقد تفضل الله عز وجل وجعل الدنيا مليئة بالشواهد التي تعين الإنسان على التوقي من لومها على فعل الخير وترك الشر ، والشواهد التي تبعث الطمأنينة في النفس على فعل الخيرات .
وجاءت آية البحث لبيان أفراد من هذه الشواهد في قلوب الذين كفروا وبما يجعلهم يلومون أنفسهم ، وهذا اللوم بذاته حسرة ، تترتب عليه الحسرة أيضاً .
ويتضمن قول الذين كفروا وجوهاً :
الأول : إرادة الذين خرجوا إلى القتال من المهاجرين الأنصار وأستشهدوا في معركة بدر وأحد وغيرهما ، وتقدير الآية : كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم المسلمين الموجودين في المدينة أن إخوانهم الذين ضربوا في الأرض أو كانوا غوى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ).
الثاني : المقصود الأنصار الذين ينوون الخروج للقتال ، كما يدل عليه قوله تعالى [وَلَقَدْ كُنْتُمْ تََمَنَّوْن الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ] ( ).
الثالث : المقصود المؤمنون المرابطون في الثغور وعند مداخل المدينة المنورة .
الرابع : إرادة المسلمين الذين خرجوا للدعوة إلى الإسلام والذين بعثهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الملوك والأمراء والقبائل ، فمنهم من إعتدى على هؤلاء الدعاة والسفراء وقتلهم .
الخامس : المقصود المسلمون الذين يذهبون في الأرض للتجارة والكسب وإنتفاع الإسلام والمسلمين من كسبهم وتجارتهم ، فمثلاً كان دِحية الكلبي يأتي بالبضائع من الشام ليبيعها في المدينة .
السادس : ذم الكفار لإخوانهم الذين قتلوا في معركة بدر كأبي جهل وعتبة بن ربيعة خاصة وأنهم أصروا على القتال يوم بدر مع علمهم بوصول قافلة أبي سفيان سالمة في طريقها إلى مكة .
السابع : توجه الذين كفروا بكلامهم إلى الصحابة الذين لاقوا جيش كفار قريش في معركة بدر وأحد وعادوا سالمين إلى المدينة لأمور يقصدها الكفار منها :
أولاً : محاولة التظليل على إخلاص الإيمان والفضل العظيم بالخروج للقتال .
ثانياً : إنكار الأجر والثواب الذي فاز به المجاهدون .
ثالثاً : التقليل من النصر المبين الذي أحرزه المسلمون .
بحث بلاغي
من مباحث علم البديع في البلاغة اللف والنشر بأن تذكر أمرين على نحو الجمع والتداخل ، ثم تأتي بالبيان والتفسير على نحو الإجمال لأن السامع يميز بينهما ، ويرد كل واحد منهما إلى ما يناسبه ويلائمه مما تقدمه ، كما في قوله تعالى [وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ] ( ) فالمراد من وعاء السكن هو الليل ، ومن إبتغاء الرزق والكسب هو النهار .
فان قلت من الناس ما يكون كسبه في الليل ، والجواب إنه من القليل النادر والذي يكون هذا الطلب فيه بديلاً متزلزلاً عن الطلب والسعي في النهار ، وليس كمثله , ومع شوق ورغبة الكاسب بأن يكون إبتغاؤه الرزق كعامة الناس في النهار ، كما تمر عليه ساعات وهو في العمل يرغب فيها إلى الخلود إلى الراحة والنوم .
واللف والنشر على قسمين :
الأول : اللف والنشر المرتب ، وهو الأصل كما في آية البحث وقوله تعالى ( وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ) فيقابل كل فعل نتيجته وعاقبته المحتملة فذكر الله عز وجل الضرب في الأرض ثم الغزو ، وبعدها ذكر نتيجة الضرب في الأرض للتجارة أو في سبيل الله بأنه الموت .
وذكر نتيجة خروج المشركين إلى الغزو وهو القتل , وفيه زجر لهم عن محاربة الإسلام .
الثاني : اللف والنشر المعكوس ويسمى أيضاً المشوش ، ولكن هذه التسمية لا تناسب علوم القرآن بلحاظ أن العكس فيها له دلالة ويتضمن الموعظة وهو ذخيرة قرآنية ، وهو ذكر شيئين أو أكثر ثم تأتي بما يتعلق ويتصل بهما على سبيل الإنفراد , ولكن من غير ترتيب بينهما فتبدأ بذكر ما يلائم المتأخر ، وتبطئ فيما يخص المتقدم ، وهو من فنون البلاغة ، ولكن دلالاته في القرآن أعم وأعظم , ولا تختص بالبلاغة والبيان ويستدل عليه بقوله تعالى [يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ] ( ).
وقد لا يكون هذا الإستدلال تاماً عند التدبر في الآيتين وموضوعهما إذ تبدأ الذكر فيها بيوم القيامة بقوله تعالى [يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ] وكل مضامين الآيتين تتعلق بذات يوم القيامة ووقائعه ، وتقدم ذكر بياض الوجوه تشريفاً وإكراماً ، وإخباراً عن نشر شآبيب( ) من رحمة الله وفيه ترغيب للناس برحمة الله في الآخرة وهو من مصاديق ما ورد في الحديث القدسي (إن رحمتي سبقت غضبي) ( ).
وعن سلمان المحمدي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال (خلق الله يوم خلق السموات والأرض مائة رحمة ، منها رحمة يتراحم بها الخلق وتسع وتسعون ليوم القيامة ، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة) ( ).
ثم ذكرت الآية الذين أسودت وجوههم وهو من ضمن ذكر أهوال يوم القيامة الذي إبتدأت به الآية بلفظ [يَوْمَ تَبْيَضُّ]ولبيان حقيقة وهي ان أهل النار يحتج عليهم يومئذ ، ويقام عليهم الدليل والبرهان ثم ينزل عليهم العذاب , أما أهل الجنان فليس من إحتجاج عليهم ، لذا جاءت الآية الثانية أعلاه خاصة بهم , وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ] ( ).
وتقدير آية البحث على وجهين :
الأول : إذا ضربوا في الأرض وماتوا .
الثاني : أو كانوا غزى وقتلوا .
لتعلق الموت بالخروج للتجارة والسياحة في الأرض , وكما في قوله تعالى [إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ] ( ) ولكن هذا المعنى لا يمنع من وجوه أخرى منها :
الثالث : إذا ضربوا في الأرض في سبيل الله والدعوة إل الإسلام فقتلوا .
الرابع : إذا ضربوا في الأرض للتجارة والكسب فقتلوا .
الخامس : إذا سافروا للحجز أو العمرة فقتلوا .
السادس : إذا خرجوا في كتائب فماتوا في الطريق .
السابع : إذا ندبوا أنفسهم للدفاع ، وإشتركوا في القتال ، ومات بعضهم في ساحة المعركة في أجله ، قال تعالى [وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ]( ).
بحث أصولي
لقد بذل المسلمون الأوائل الوسع في إقامة صرح دولة الإسلام وكان هذا البناء بالدم والتضحية والفداء إذ يدل قول الذين كفروا [مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا] حدوث القتل بين الصحابة وهو أمر جلي وواضح فمثلاً قتل من المسلمين في معركة أحد سبعون شهيداً ، ولم ينحصر قتل المسلمين بمعارك الإسلام ببدر وأحد والخندق وحنين ونحوها ، بل كانت السرايا والوفود تتعرض للقتل أحياناً .
وعن أنس بن مالك قال (بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبعين رجلا لحاجة يقال لهم القراء.
فعرض لهم حيان من بنى سليم: رعل وذكوان، عند بئر يقال لها بئر معونة .
فقال القوم: والله ما إياكم أردنا وإنما نحن مجتازون في حاجة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم.
فقتلوهم.
فدعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليهم شهرا في صلاة الغداة، وذاك بدء القنوت وما كنا نقنت) ( ).
لتمر بضعة سنين وتفتح مكة ، ويبقى المسلمون في المدينة أعزة وينشغلون بأداء الفرائض والتفقه في الدين وتلاوة آيات القرآن والتدبر في معانيها ، ومنها آية البحث حيث يعرفون الذي كانوا يصدونهم عن القتال بأسمائهم وقد تاب أكثرهم فأعرض عنهم المؤمنون لأخوة الإسلام .
وإذ كانوا يخرجون للدفاع والقتال فهم لم يخرجوا من المدينة إلا قادة وأمراء وقضاة في الأمصار وجباة لأموال الزكاة .
لقد قصد الذين كفروا القضية الخارجية وقانوناً في الحياة الدنيا ، والقضية الخارجية هي الفعل والفرد من الأمر الذي يكون في الخارج كما لو قلت (زيد صائم) .
أما القضية الحقيقة فهي الأمر الثابت والماهية كما في وجوب الصوم على المكلفين وقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ] ( ) لتكون حقيقة الصوم مصاحبة لأهل الدنيا وعلى نحو الوجوب العيني إلا ما خرج بالدليل .
وكما في قوله تعالى [وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا]( ) فالقضية الحقيقية في الآية أعلاه هي حلية البيع وحرمة الربا ، لإفادة الإطلاق في الحكم ، ومنع الحرج والخلاف فيه .
فكل بيع بين طرفين وفيه قبول وإيجاب هو حلال ، وهو قضية خارجية .
وكذا كل ربا وقرض جلب منفعة هو حرام ، وهو قضية خارجية .
وقيل إن القضية الحقيقية ترجع إلى الشرطية أي إذا وقع بيع فانه صحيح ، ولا دليل عليه إنما هو أصل وتشريع يتقوم به الفعل وحتى على فرض أنه شرط فهو شرط خاص بذات المعاملة .
لقد وقع الذين كفروا بسبب ضلالتهم وحنقهم إذ قاسوا على أفراد من قضايا خارجية لإرادة المغالطة ومحاولة التدليس والتحريف في القضايا الحقيقية ، قال تعالى [قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ] ( ).
فلقد قاس الذين كفروا على سقوط عدد من الشهداء في الميدان فأخذوا يزيفون الحقائق ويحرضون المؤمنين على عدم الخروج ، ويذكرون الشهداء بالشماتة ويرمونهم بعدم إختيار الفعل السليم الذي يتقوم بالبقاء في المدينة .
فجاءت آية البحث بقضايا حقيقية من جهات :
الأولى : لزوم الإيمان بالله ورسوله .
الثانية : إكرام الله عز وجل للمؤمنين .
الثالثة : نهي المسلمين والمسلمات عن التشبه بالكفار في نهيهم عن خروج المؤمنين للدفاع والجهاد في سبيل الله، والضرب في الأرض.
الرابعة : الأخوة النسبية بين المؤمنين والكفار، فمع أن الآية تتضمن النهي والزجر عن التشبه بالذين كفروا فانها أخبرت عن صدق الأخوة النسبية بين الفريقين.
وفيه دلالة على صدق إيمان المسلمين وثباتهم في مقامات الهدى، وفيه وجوه:
أولاً : تقديم المسلمين لأخوة الإيمان في القول والفعل والصلات العامة، وهو من مصاديق قوله تعالى[إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ] ( ).
ثانياً : عدم إنصات المسلمين للذين كفروا مع أنهم أخوتهم في الرحم والنسب.
ثالثاً : دعوة المسلمين لتحذير وإنذار الذين كفروا ونهيهم عن صدّهم عن سبيل الله، وفي خطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال الله تعالى[وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ]( ).
وهل يمكن القول بعموم هذه الآية الجواب نعم، وتقدير الخطاب فيها على وجوه:
الأول : يا أيها المسلم أنذر عشيرتك الأقربين.
الثاني : يا أيتها المسلمة أنذري عشيرتك الأقربين.
الثالث : يا أيها الذين آمنوا أنذروا عشيرتكم الأقربين.
رابعاً : تأكيد صدق إيمان المسلمين , ومع أن إخوتهم بقوا على الكفر فانهم لم ينصتوا لهم ولم يرتدوا، ولم يتركوا منازل الهدى .
قوله تعالى[لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ]
تدل الآية بالدلالة التضمنية على أن قلوب العباد بيد الله، وانه سبحانه يجعلها كيف يشاء ويقذف فيها ما يشاء، وقد تقدم قبل خمس آيات كيف أن الله عز وجل يلقي الرعب والفزع في قلوب الذين كفروا، بقوله تعالى[سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ] ( ) .
ومن الآيات أن عقوبة الشرك بالله هي نفاذ الرعب إلى القلوب، أما عقوبة صدّ المؤمنين عن القتال، وإظهار الشماتة بهم عند القتل فهو إلقاء الحسرة والندامة في قلوبهم .
وبين الرعب والحسرة عموم وخصوص من وجه، فهناك مادة للإلتقاء وأخرى للإفتراق، نعم الرعب أشد وطأة وأذى على الإنسان، ويحتمل توجه الرعب والحسرة إلى قلوب الكفار وجوهاً :
الأول : إجتماع الرعب والفزع في قلب الكافر.
الثاني : تزاحم الرعب والفزع في الإستيلاء على قلب الكافر.
الثالث : التوالي والتتابع في نفاذ الرعب والحسرة إلى قلب الكافر بحسب اللحاظ ومناسبة الموضوع والحكم، لذا جاءت الآية أعلاه بصيغة المستقبل القريب الذي يدل عليه لفظ السين في[سَنُلْقِي].
الرابع : ما يتغشى قلب الكافر أعم من الرعب والحسرة، فقد تأتيه الندامة أو قد تغزوه أسباب ومقدمات التوبة، وهو من مصاديق قوله تعالى[وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ]( ).
وهل تختص الحسرة التي تحل في قلوب الذين كفروا بالحياة الدنيا، أم تشمل الآخرة، الجواب تصاحب الحسرة الكافر في الدنيا وفي عالم البرزخ وفي الآخرة ، لبيان قانون وهو الملازمة بين الحسرة والكفر،
وورد عن البراء بن عازب قال :خرجنا في جنازة رجل من الأنصار مع النبي صلى الله عليه وآله سلم , فانتهينا إلى القبر ، ولما يلحد له بعد، فجلس النبي صلى الله عليه وسلم مستقبل القبلة ، وجلسنا معه كأن على رؤوسنا الطير .
فنكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء ، ثم رفع رأسه ، فقال : اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، قالها ثلاث مرات ، ثم أنشأ يحدثنا , فقال : إن المؤمن إذا كان في قبل من الآخرة وانقطاع من الدنيا، نزلت إليه ملائكة كأن وجوههم الشمس ، مع كل ملك منهم كفن وحنوط، فجلسوا منه مدّ بصره ، فإذا خرجت نفسه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض ، وكل ملك في السماء ، وفتحت له أبواب السماء كلها ، فليس منها باب إلا وهو يعجبه أن يدخل به منه .
فإذا انتهى به الملك إلى السماء قال : رب ، عبدك فلان قد قبضنا نفسه ، قال : فيقول : ارجعوه إلى الأرض ، فإني وعدته أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ، ومنها أخرجهم تارة أخرى . قال : وإنه ليسمع خفق نعالهم ، إذا ولوا مدبرين ، فيقال له : يا هذا ، من ربك ؟ وما دينك ؟ ومن نبيك ؟ .
قال : يقول : ربي الله ، وديني الإسلام ، ونبيي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم ينادي مناد من السماء ، وذكر كلاما ، وذلك قوله تعالى [يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ]( ).
ثم يأتيه آت حسن الوجه طيب الريح حسن الثياب , قال : فيقول له : يا هذا : أبشر برضوان الله وجنات فيها نعيم مقيم . قال : فيقول : وأنت فبشرك الله بخير ، فمن أنت ؟ لوجهك الوجه يبشر بالخير . قال : يقول : أنا عملك الصالح .
فوالله ما علمت إن كنت لسريعا في طاعة الله ، بطيئا عن معصية الله ، فجزاك الله خيرا قال : فيقول : وأنت فجزاك الله خيرا . ثم ينادي مناد من السماء أن افتحوا له بابا إلى الجنة وافرشوا له من فرش الجنة قال : فيفتح له باب إلى الجنة ، ويفرش له من فرش الجنة . قال : يقول : رب ، عجل قيام الساعة قال : فيقولها ثلاثا ، حتى أرجع إلى أهلي ومالي .
وإن الكافر إذا كان في قبل من الآخرة وانقطاع من الدنيا ، نزلت إليه ملائكة سود الوجوه ، معهم سرابيل من قطران وثياب من نار ، فأجلسوه وانتزعوا نفسه معها العصب والعروق ، فإذا خرجت نفسه لعنه كل ملك بين السماء والأرض ، وكل ملك في السماء ، وغلقت أبواب السماء دونه ، فليس منها باب إلا وهو يكره أن يدخل منه ، فإذا إنتهى به الملك إلى السماء رمى به ، فيقول : أي رب ، عبدك فلان قبضنا نفسه ، فلم تقبله الأرض ولا السماء قال : فيقول الله : ارجعه إلى الأرض ، فإني وعدته أني منها خلقتهم ، وفيها أعيدهم ، ومنها أخرجهم تارة أخرى ، وإنه ليسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين ، فيقال له : يا هذا ، من ربك ؟ وما دينك ؟ ومن نبيك ؟ قال : يقول : لا أدري .
ثم ينتهره إنتهارة شديدة ، فيقول : يا هذا ، من ربك ؟ وما دينك ؟ قال : يقول : لا أدري , قال : فينادي مناد من السماء : لا دريت، ثم يأتيه آت قبيح الوجه ، منتن الريح ، قبيح الثياب ، فيقول : يا هذا ، أبشر بسخط الله وعذاب مقيم قال : فيقول : وأنت بشرك الله بالشر ، فمن أنت ؟ لوجهك الوجه يبشر بالشر قال : أنا عملك السيئ ، والله ما علمتك إن كنت لسريعا في معصية الله ، بطيئا عن طاعة الله ، فجزاك الله شرا , قال :
فيقول : وأنت فجزاك الله شرا ثم يقيض له أعمى أبكم معه مرزبة من حديد ، لو ضرب بها جبلا لصار نارا ، فيضربه ضربة يسمعها ما بين المشرق والمغرب إلا الثقلين، فيصير ترابا ، ثم تعاد فيه الروح قال : قلنا للبراء : أملك هو أم شيطان ؟ قال : فغضب غضبا شديدا ثم قال : نحن كنا أشد هيبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أن نسأله أملك هو أم شيطان قال : ثم ينادي مناد من السماء أن افرشوا له لوحين من نار ، وافتحوا له بابا من النار .
قال : فيفرش له لوحان من النار ، ويفتح له باب إلى النار ، فيقول : رب لا تقم الساعة ، لا تقم الساعة( ).
تؤكد آية البحث قانوناً وهو أن الله عز وجل مالك القلوب , وفيه مسائل :
الأولى : هذه الملكية من عمومات ملك الله المطلق ، كما في قوله تعالى [وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا] ( ) فيدخل الإنسان وجوارحه وقلبه في ملك الله عز وجل .
وعن شهر بن حوشب قال : دخلت على أم سلمة بالمدينة ، وبيني وبينها حجاب ، فسمعتها تقول : كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم : يا مقلب القلوب ، ثبت قلبي على دينك قال : ما من آدمي إلا وقلبه بين إصبعين من أصابع الرحمن ، إذا شاء أزاغه، وإذا شاء هداه)( ).
الثانية : دعوة الناس لنبذ الكفر ومفاهيم الضلالة لأنها مجلبة للحسرة ، وتورث الندامة في الدنيا ، وعند دخول القبر ، وفي الآخرة حيث يخلد الكفار في العذاب الأليم .
الثالثة : هداية المسلمين إلى أسباب النصر على الذين كفروا , وتأكيد ضعفهم ووهنهم لإمتلاء قلوبهم بالحسرة والأسى .
الرابعة : بيان إعجاز القرآن بإصابة الذين كفروا بالبلاء في قلوبهم من جهات :
الأولى : قذف الرعب والفزع في قلوب الذين كفروا عند هجومهم على المسلمين وإرادتهم محاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من المهاجرين والأنصار .
الثانية : حلول الحسرة في قلوب الذين كفروا وتعدد أسباب هذه الحسرة كما تبينه آية البحث وغيرها من الآيات .
الثالثة : إجتماع الحسرة والرعب في قلوب الذين كفروا .
وتبين الآية قانوناً وهو الملازمة بين الكفر والحسرة ليشكر المسلمون الله عز وجل على نعمة الإيمان وما يترشح عنه من السلامة من الحسرة والخيبة والأسى ، فيتخذ المسلمون الدنيا مزرعة للآخرة ، وليس عندهم ما يندمون أو يأسفون عليه .
وورد في آية البحث لفظ الإشارة للبعيد (ذلك ) ويراد منه وجوه :
الأول : توجه النداء من عند الله عز وجل للمسلمين بلفظ الإيمان [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ] والذي تبدأ آية البحث به , وما فيه من الدلالة على ثبات المسلمين في منازل الإيمان ، ويترشح عنه الصبر والتقوى والدفاع عن الإسلام وسنن الإيمان .
الثاني : شمول المسلمين والمسلمات بنداء [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ] وهو باعث للحسرة في قلوب الذين كفروا ، إذ تفضل الله عز وجل بمخاطبة المسلمين والمسلمات على نحو العموم الإستغراقي بنداء الإيمان ، وهو إنحلالي , ويكون تقديره على وجوه :
أولاً : يا أيها المسلم .
ثانياً : يا أيتها المسلمة .
ثالثاً : يا أيها المؤمن .
رابعاً : يا أيتها المؤمنة .
الثالث : بيان إعجاز القرآن بتجلي معاني الحسرة على ألسنة الذين كفروا وفي أقوالهم ، لتتضمن الآية البشارة والإنذار ، إذ تفيد الآية في مفهومها إخبار المؤمنين بأن الذين كفروا في حسرة وأسى , وليكون من مصاديق تسمية يوم بدر[يَوْمَ الْفُرْقَانِ] ( ) التمييز في ذات القلوب وما تضمره , إذ تضمر قلوب المؤمنين الغبطة والسعادة ، بينما تستقرأ الحسرة والندامة في قلوب الذين كفروا سواء الذين في مكة المكرمة أو في المدينة المنورة.
والآية إنذار للذين كفروا بأن الحسرة التي تملأ قلوبهم تجعلهم في حال كآبة وحزن وتسبّب لهم الوهن والضعف .
وتقدير الآية والمراد من اسم الإشارة [ذلك] على وجوه :
الأول : ليجعل الله نزول القرآن حسرة في قلوب الذين كفروا لما فيه من الفضح والذم لهم ، فمن إعجاز آية البحث أنها تجمع بين أمور :
أولاً : فضح الذين كفروا .
ثانياً : ذم الذين كفروا .
ثالثاً : بيان إتحاد السنخية بين الكفار والمنافقين بخصوص الصدّ عن سبيل الله وتثبيط همم المؤمنين .
رابعاً : تحذير الأنصار والمهاجرين من الذين كفروا .
خامساً : بيان قانون وهو محاربة الذين كفروا للمسلمين باسم الأخوة النسبية .
وهل هو نوع حمق من الكفار إذ يريدون أن ينفعوا فيجلبوا الضرر ، الجواب نعم ، ولكن هذا الحمق ليس أمراً مستقلاً ، بل هو فرع الكفر والضلالة .
الثاني : ليجعل الله عز وجل مجئ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مهاجراً إلى المدينة حسرة في قلوب الذين كفروا من من سكنتها , إذ كانت هذه الهجرة تأسيساً لدولة الإسلام , وسبباً لهجوم كفار قريش إلى المدينة ورجوعهم منكسرين , وهو من عمومات قوله تعالى ( فينقلبوا خائبين ) ( ).
الثالث : ليجعل الله عز وجل نصر الله عز وجل في معركة بدر حسرة في قلوب الذين كفروا ، خاصة وأن أخبار ودلالات ومنافع هذا النصر دخلت كل بيت من بيوت المدينة .
ومما يتصف به هذا النصر أن كل حديث بخصوصه يقود إلى التدبر بصيغة الإعجاز التي يتصف بها .
الرابع : ليجعل الله عز وجل توافد المهاجرين على المدينة من مكة وغيرها حسرة في قلوب الذين كفروا إذ أنهم يصرون على الجحود بالآيات والبراهين الساطعة التي تدل على صدق نبوة محمد ، فيأتي شباب وفتية ليعلنوا إسلامهم ويظهروا العزم على التفاني في طاعة الله ورسوله .
الخامس : لقد سبّب توافد المسلمين على المدينة وإقامتهم فيها نقصاً في فرص العمل خاصة وأن عدداً منهم جاءوا هاربين من أهليهم وقبائلهم ولاقوا الضنك والحرج لقلة المؤن فيها ، فجعل الله عز وجل ذلك حسرة في قلوب الذين كفروا .
وجاءت معركة بدر لتدخل الغنائم دفعة واحدة إلى المدينة ومعها سبعون أسيراً من المشركين ترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم للذين أسروهم أن يطلبوا مقدار البدل والفداء عنهم ودون أن يأخذ منه شيئاً حتى ولو بعنوان الزكاة ، ليكون ذلك أيضاً حسرة في قلوب الذين كفروا .
وكان أبو عزيز بن عمير من بين الأسرى الذين وقعوا بيد المسلمين يوم بدر، ومرّ عليه أخوه لأمه وأبيه مصعب بن عمير، فقال للأنصاري الذي أسره , وهو أبو اليسر شدّ يديك به، فان أمه ذات متاع لعلها تفتديه منك( ).
فقال له أبو عزيز : يا أخي هذه وصاتك بي، فقال له مصعب، إنه أخي دونك ، وسألت خناس بنت مالك من بني لؤي وهي أم أبي عزيز أخي مصعب بن عمير، واسم أبي عزيز هو زرارة، إذ كان من الأسرى الذين وقعوا بيد المسلمين , سألت أمه عن أغلى ما فدُي به قرشي، فقيل لها : أربعة آلاف درهم، فبعثت بذات المبلغ لفكه، ترى لماذا لم تبعث بأقل منه، فيه مسائل :
الأولى : شوق الأم لرؤية ولدها، وخلاصه من الأسر.
الثانية : إعانة جيش المسلمين.
الثالثة : علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعرفة المهاجرين بالسعة والفتن الذي تتصف به أمه.
الرابعة : ظن الأم أن إبنها مصعباً سيشدد بخصوص فداء أخيه.
ولا تعارض بين هذه الوجوه، وبينما كان أبو عزيز يحمل لواء المشركين يوم بدر فانه أسلم وحسن إسلامه فيما بعد.
ترى لماذا لم يقل مصعب : فان أمي ذات متاع ، أو فان أمنا ذات متاع ، الجواب من جهات :
الأولى : بيان إتحاد سنخية الكفر بين أبي عزيز وأمه .
الثانية : الإعلان بأن مصعباً لا يوصي بالرأفة بأخيه في النسب .
الثالثة : تنبيه وتأديب الأنصار بألا يلتفتوا إلى ما يقوله إخوانهم ممن بقي على الكفر من الأوس والخزرج أو تلبسوا بالنفاق بالمنع من الخروج للدفاع عن الإسلام .
ومن الإعجاز في السنة التبليغية أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث مصعباً بن عمير مع أهل المدينة بعد بيعة العقبة الأولى كما عن ابن إسحاق( ) مع قلة عددهم وما قد يتعرض له من الأذى إذ كان عدد الأنصار الذين حضروا بيعة العقبة الأولى اثني عشر رجلاً ، وكان مصعب مدللاً بين أهله ، ولم يمنعه من الهجرة والتكليف إحتمال قرب الضرر منه أن تلك البيعة فيها حرب وقتال ، وأنها كانت دعوة للتوحيد ونبذ الشرك وترك السرقة والزنا والوأد وإجتناب الإفتراء إذ كان أهل المدينة على الشرك ، كما كان فيها اليهود من بني النضير وقريظة وقينقاع.
وعن قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث مصعباً إلى المدينة حين كتبوا إليه أن يبعثه إليهم ، والأصح قول ابن إسحاق أي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث مصعباً معهم بعد موسم الحج.
وأمره النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأمور:
الأول : الدعوة إلى الإسلام .
الثاني : أن يقوم مصعب بقراءة القرآن على الذين حضروا بيعة العقبة وغيرهم ليتدبروا في إعجازه الذاتي والغيري .
الثالث : تعليم الأنصار مبادئ الإسلام وخصائص الرسالة .
الرابع : تفقه الأنصار في الدين .
وكان مصعب يخرج إلى بيوتات المدينة للتبليغ والدعوة إلى الإسلام ، وعن ابن إسحاق بأسناده قال (أن أسعد بن زرارة خرج بمصعب بن عمير يريد به دار بنى عبد الاشهل ودار بنى ظفر، وكان سعد بن معاذ ابن خالة أسعد بن زرارة، فدخل به حائطا من حوائط بنى ظفر على بئر يقال لها: بئر مرق، فجلسا في الحائط واجتمع إليهما رجال ممن أسلم.
وسعد بن معاذ وأسيد بن الحضير يومئذ سيدا قومهما من بنى عبد الاشهل، وكلاهما مشرك على دين قومه.
فلما سمعا به قال سعد لاسيد: لا أبا لك ! انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارينا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما وانههما أن يأتيا دارينا، فإنه لو لا أسعد بن زرارة منى حيث قد علمت كفيتك ذلك، هو ابن خالتي ولا أجد عليه مقدما.
قال: فأخذ أسيد بن حضير حربته ثم أقبل إليهما، فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب: هذا سيد قومه، وقد جاءك، فاصدق الله فيه.
قال مصعب: إن يجلس أكلمه.
قال فوقف عليهما متشتما فقال: ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا ؟ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة.
وقال موسى بن عقبة: فقال له غلام: أتيتنا في دارنا بهذا الرعيد الغريب الطريد ليتسفه ضعفاءنا بالباطل ويدعوهم إليه.
قال ابن إسحاق : فقال له مصعب : أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهته كف عنك ما تكره.
قال : أنصفت.
قال : ثم ركز حربته وجلس إليهما، فكلمه مصعب بالإسلام وقرأ عليه القرآن.
فقالا فيما يذكر عنهما: والله لعرفنا في وجهه الاسلام قبل أن يتكلم في إشراقه وتسهله.
ثم قال: ما أحسن هذا وأجمله ! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين ؟ قالا له: تغتسل فتطهر وتطهر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلى.
فقام فاغتسل وطهر ثوبيه وتشهد شهادة الحق، ثم قام فركع ركعتين، ثم قال لهما: إن ورائي رجلا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه، وسأرسله إليكما الآن، سعد بن معاذ.
ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد وقومه، وهم جلوس في ناديهم، فلما نظر إليه سعد ابن معاذ مقبلا قال: أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذى ذهب به من عندكم.
فلما وقف على النادي قال له سعد: ما فعلت ؟ قال: كلمت الرجلين، فو الله ما رأيت بهما بأسا، وقد نهيتهما فقالا: نفعل ما أحببت.
وقد حدثت أن بنى حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه، وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك ليحقروك.
قال: فقام سعد بن معاذ مغضبا مبادرا تخوفا للذي ذكر له من بني حارثة، وأخذ الحربة في يده , ثم قال: والله ما أراك أغنيت شيئا.
ثم خرج إليهما سعد، فلما رآهما مطمئنين عرف أن أسيدا إنما أراد أن يسمع منهما، فوقف متشتما ثم قال لاسعد بن زرارة: والله يا أبا أمامة والله لو لا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا منى، أتغشانا في دارنا بما نكره ؟ قال: وقد قال أسعد لمصعب: جاءك والله سيد من ورائه [ من ] قومه إن يتبعك لا يتخلف عنك منهم اثنان قال: فقال له مصعب: أو تقعد فتسمع، فإن رضيت أمرا رغبت فيه قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره.
قال سعد: أنصفت، ثم ركز الحربة وجلس، فعرض عليه الاسلام وقرأ عليه القرآن.
وذكر موسى بن عقبة أنه قرأ عليه أول الزخرف.
قال: فعرفنا والله في وجهه الاسلام قبل أن يتكلم، في إشراقه وتسهله.
ثم قال لهما: كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين.
قالا: تغتسل فتطهر وتطهر ثوبيك ثم تشهد شهادة الحق، ثم نصلى ركعتين.
قال: فقام فاغتسل وطهر ثوبيه وشهد شهادة الحق، ثم ركع ركعتين.
ثم أخذ حربته، فأقبل عائدا إلى نادى قومه ومعه أسيد بن الحضير، فلما رآه قومه مقبلا قالوا: نحلف بالله لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذى ذهب به من عندكم.
فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الاشهل كيف تعلمون أمي فيكم ؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا رأيا وأيمننا نقيبة.
قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله.
قال: فو الله ما أمسى في دار بنى عبد الاشهل رجل ولا امرأة إلا مسلما أو مسلمة.
ورجع سعد ومصعب إلى منزل أسعد بن زرارة، فأقاما عنده يدعوان الناس إلى الاسلام، حتى لم تبق دار من دور الانصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون.
إلا ما كان من دار بنى أميه بن زيد، وخطمة، ووائل، وواقف، وتلك أوس، وهم من الاوس بن حارثة) ( ).
وقد أسلم على يد مصعب بن عمير سعد بن معاذ سيد الأوس ، فقال سعد لبني عبد الأشهل (كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تسلموا فأسلموا فكان من أعظم الناس بركة في الإسلام) ( ) .
وأصاب سعد بن معاذ سهم يوم الخندق فعاش بعدها شهراً ، ثم أنتقض جرحه فمات سنة خمس للهجرة .
(وقال المنافقون لما خرجت جنازته: ما أخفها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الملائكة حملته) ( ).
السادس : لقد كان عدد الأنصار في معركة بدر وأحد أكثر من عدد المهاجرين ، ففي معركة بدر كان عدد المهاجرين إثنين وثمانين رجلاً .
وعدد الأنصار مائتان وواحد وثلاثون رجلاً ، مائة وسبعون من الخزرج وواحد وستون من الأوس .
وعن البراء بن عازب قال (اسْتُصْغِرْتُ أَنَا وَابن عُمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ ، وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ يَوْمَ بَدْرٍ نَيِّفًا عَلَى سِتِّينَ ، وَالأَنْصَارُ نَيِّفًا وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ) ( ).
السابع : ليجعل الله عز وجل رجوع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سالماً من معركة أحد حسرة في قلوب الذين كفروا .
لقد وردت الأخبار إلى المدينة المنورة أن الذين كفروا قادمون لقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأسر المهاجرين من قريش فظن الذين كفروا ان المدينة ستعود كما كانت قبل الهجرة وسنخية الإيمان التي أفاضتها ، ولكن خاب ظنهم إذ رجع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إليها في ذات يوم معركة أحد , وصلى صلاة المغرب في المدينة فتغشت الذين كفروا الحسرة والأسى من جهات :
الأولى : دخول النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدينة .
الثانية : إحاطة الصحابة من المهاجرين والأنصار بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مما يدل على عدم خروجهم عن طاعة الله ورسوله مع كثرة القتلى من بينهم وشدة الجراحات التي أصابتهم ، فكما ذكر القرآن خروج المسلمين إلى معركة أحد بانقياد لأوامر النبي صلى الله عليه وآله وسلم التي هي فرع الوحي فأنهم عادوا معه بذات صيغ الإنقياد وهو من مصاديق قوله تعالى [وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ] ( ).
وتبين آيات القرآن حال المسلمين عند عودتهم إلى المدينة من وجوه:
أولاً : نزول الملائكة لنصرة المسلمين .
ثانياً : إخبار القرآن عن حال المسلمين عند نزول المدد السماوي باتصافهم بالإيمان بدليل قوله تعالى [إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُنْزَلِينَ]( ).
ثالثاً : تبين الآية أعلاه رضا الله ورسوله عن المهاجرين والأنصار الذين ثبتوا في ميدان القتال , وهذا الثبات رشحة من الصبر والتقوى .
رابعاً : تضمن آيات القرآن البشارة والإشارة إلى أن معركة أحد ومع ما لحق المسلمين فيها من الخسارة فانها مقدمة للنصر ، وطريق للغلبة على الذين كفروا لقوله تعالى بخصوص معركة أحد [وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ] ( ).
خامساً : تفضل الله عز وجل بإخبار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بحال الذين كفروا عند رجوعهم من المعركة بقوله تعالى [فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ]( ).
الثالثة : خروج المؤمنين من أهل المدينة من الرجال الذين أقعدهم العذر ، ومن النساء لإستقبال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والتأكد من سلامته وإعلان غبطتهم وسعادتهم بنجاته ، وأنها أعظم مؤاساة لهم في الشهداء الذين ضحوا بأنفسهم .
فقد خرجت النساء لرؤية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند عودته خاصة بعد إنتشار إشاعة قتله ، فمر ببيوت بني عبد الأشهل وكانوا يبكون على قتلاهم ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم ودموعه تجري على خديه (وَلَكِنْ حَمْزَةُ لَا بَوَاكِيَ لَهُ) ( ) .
وقد يظن أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قصد أنه مات في دار غربة وليس في بيوت بني هاشم في مكة ، ولكن الأصل والمعنى هو مؤاساة النبي صلى الله عليه وآله وسلم للأنصار بأن عمه حمزة هو الآخر قُتل في معركة أحد ، وأن أهل البيت قدموا الشهداء أيضاً ، ولم يستحضر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقائع معركة بدر وكيف أن أول الذين تقدموا للمبارزة وملاقاة الأعداء هم أهل البيت بأمر من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
فحينما خرج عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة وإبنه الوليد بين الصفين, ولم يرضوا بثلاثة من الأنصار خرجوا لمبارزتهم ، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (قم يا علي ، قم يا حمزة ، قم يا عبيدة بن الحارث)( ) وهو عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف , وكان أكبر المسلمين سناً وأستشهد في معركة بدر و( كان أسن من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعشر سنين ) ( ).
وقيل أسلم قبل أن يدخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم دار الأرقم بن أبي الأرقم وهاجر إلى المدينة مع أخويه الطفيل والحصين إبني الحارث اللذين شاركا في معركة بدر وماتا في السنة الثلاثين .
وكان للحارث منزلة وشأناً عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبعثه بسرية في ربيع الأول سنة إثنتين للهجرة في ثمانين راكباً ، وقيل في ستين , ومن خصائص هذه السرية أن كل أفرادها من المهاجرين ، وليس فيها أنصاري واحد.
الرابعة : مرور النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عند عودته من معركة أحد ببيوت الأنصار في دلالة على حبه لهم ، وحبهم له حتى مع كثرة الشهداء الذين سقطوا منهم ، وهذا المرور من مصاديق قوله تعالى [لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ] .
ومن الآيات في المقام أن نساء الأنصار أظهرن الولاء التام للنبي عند عودته وكأنه تجديد للبيعة .
وحينما مرّ النبي على بني النجار خرجت امرأة قد قتل أبوها وزوجها وأخوها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في معركة أحد وعندما نعوا إليها بادرت للسؤال عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا : خيراً يا أم فلان هو بحمد الله كما تحبين ، ومع عظم مصيبتها لم تكتف بقولهم هذا بل أصرت على رؤيته سالماً معافى قد رجع وعادت معه إلى مدينة النبوة والتنزيل والفخر والمجد إلى يوم القيامة (قال :أرونيه حتى أنظر إليه ، فأشاروا لها إليه ، حتى إذا رأته قالت : « كل مصيبة بعدك جلل) ( ).
ليكون قول وفعل هذه المؤمنة من مصاديق الحسرة التي جعلها الله عز وجل في قلوب الذين كفروا .
وهل الحسرة المترشحة عن فعل المؤمنة أعلاه متحدة أم متعددة ، الجواب هو الثاني , وتقدير الجمع بين الآية الكريمة والخبر أعلاه على جهات:
الأولى : قالت أروني النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ليجعل الله ذلك حسرة في قلوب الذين كفروا .
الثانية : قالت حتى أنظر إليه ليجعل الله ذلك القول حسرة في قلوب الذين كفروا .
الثالثة : خيبة الذين كفروا والمنافقين من الكيفية الإيمانية التي تلقت بها هذه المؤمنة قتل أبيها وزوجها وأخيها ليجعل الله ذلك حسرة في قلوب الذين كفروا فقد كانوا يظنون أن كلامهم [لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا] يبعث السأم والأذى في نفوس عوائل الشهداء أو يجعلهم ينشغلون بمصيبتهم ويتلاومون بسبب الأذى الذي أصابهم بعد خروجهم لقتال الذين كفروا ، ولكن عوائل المؤمنين أظهرت الصبر والرضا بأمر الله ، وهو من مصاديق قوله تعالى [الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ] ( ).
الرابعة : تقديم الأنصارية رؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الإنشغال بمصيبتها وتلقي التعازي , ليجعل الله ذلك حسرة في قلوب الذين كفروا .
الخامسة : إستجابة الصحابة لسؤالها رؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإشارتهم إليه ، مما يدل على أنه كان محاطاً بالصحابة وأنهم يعلمون مكانه ليجعل الله ذلك حسرة في قلوب الذين كفروا
السادسة : إجابة الصحابة للأنصارية بلغة الإكرام والتسليم بأنها لا تحب إلا أن ترى النبي صلى الله عليه وآله وسلم حياً وبخير وسلام إذ ردوا عليها : بحمد الله كما تحبين ) ليجعل الله ذلك حسرة في قلوب الذين كفروا .
السابعة : مشاطرة الصحابة من المهاجرين والأنصار غبطة الأنصارية بسلامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتقديمهم الشكر لله عز وجل , إذ قالوا ( هو بحمد الله ) ليجعل الله ذلك حسرة في قلوب الذين كفروا .
الثامنة : بيان إرتقاء المسلمين في سلم المعارف الإلهية إذ أنهم لم يجيبوها إلا بلغة الحمد والثناء على الله لسلامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليجعل الله ذلك حسرة في قلوب الذين كفروا .
التاسعة : إقرار المسلمين بأن نجاة المسلمين بآية من عند الله عز وجل خاصة وأنهم يعلمون بصيرورة العدو قريباً منه وتصله نبالهم وحجارتهم ، ولكن الله تعالى نجّاه وسلمّه ليجعل ذلك حسرة في قلوب الذين كفروا , قال تعالى [مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ] ( ).
العاشرة : إعلان المؤمنة بصوت جهوري بأن كل مصيبة بعد سلامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر سهل ويسير ليجعل الله ذلك حسرة في قلوب الذين كفروا .
الحادية عشرة : صيرورة هذه المؤمنة أسوة للنساء والرجال من الأنصار ليجعل الله ذلك حسرة في قلوب الذين كفروا .
الثانية عشرة : تأكيد خيبة الذين كفروا والمنافقين في الأيام والمعارك اللاحقة لمعركة أحد ، لأن إعلان الأنصارية وجواب الصحابة لها شاهدان على إستعداد المسلمين للخروج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المعارك اللاحقة ليجعل الله ذلك حسرة في قلوب الذين كفروا.
الثامن : ليجعل الله عز وجل إتعاظ وإنتفاع المسلمين من خطأ وزلل الرماة بالنزول من الجبل حسرة في قلوب الذين كفروا بعد أن نزل الرماة المسلمون من مواضعهم على الجبل طمعاً بجمع الغنائم مع تأكيد النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليهم بعدم تركها بأي حال من الأحوال ، ووعدهم باستيفاء حصتهم من الغنائم ، وقد تقدم في معركة بدر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سار في ميدان المعركة مسافة ثم قام بتوزيع الغنائم ، ولعل الرماة أرادوا أسر عدد من المشركين لأن بدل ونداء الأسير يعود ملكاً طلقاً للذي أسرّه ، ولكن من الأسرى ما قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتوزيعهم على الصحابة ، قال ابن أسحاق (وحدثني نبيه بن وهب اخو بنى عبد الدار ان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اقبل بالاسارى فرقهم بين اصحابه وقال استوصوا بهم خيرا) ( )وأطلق عدداً من الأسرى , وجعل فداء بعضهم تعليم صبيان الأنصار .
وبعد أن أرسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عبد الله بن رواحة وزيد بن حارثة بشيرين إلى أهل المدينة بالنصر ، وعندما وصل إلى مضيق الصفراء قام بتوزيع النفل بين المسلمين بالتساوي .
والصفراء قرية في قديم الزمان في بدايات الوادي وتبعد عن المدينة المنورة مائة وثلاثين كيلو متراً وتسمى في هذه الأيام قرية الواسطة , وبقي وادي الصفراء على تسميته .
وكان العدو يرجون صيرورة هذا النزول سبباً لهزيمة المسلمين في ميدان المعركة ، ومادة للخلاف والخصومة بينهم بعد إنقضائها ، ولكن أياً من الأمرين لم يقع ليصاب الذين كفروا بالأسى وهو من مصاديق الكبت في قوله تعالى [أَوْ يَكْبِتَهُمْ].
التاسع : ليجعل الله بطلان إشاعة قتل النبي حسرة في قلوب الذين كفروا والمنافقين .
لقد إتصفت معركة أحد بمسألة وهي إنتشار خبر قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين صفوف الفريقين ، وتقدير الآية السابقة يوم إلتقى الجمعان فتلقوا إشاعة قتل النبي ، فكانت بهجة زائلة عند الذين أشركوا وحزناً عند المسلمين وسرعان ما إنكشف كذب هذه الإشاعة لتبقى الحسرة بسبب هذه الإشاعة وبطلانها دائمة في نفوس الذين كفروا .
فمع سلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من القتل في معركة أحد في السنة الثالثة للهجرة إستمر التنزيل والفتوحات ودخول الناس في الإسلام إلى أن نزل قوله تعالى [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ] ( ).
لتكون الآية أعلاه شاهداً سماوياً نزل لاحقاً يدل على حفظ الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في معركة أحد إلى أن يتم إكمال الدين ، إذ نزلت الآية أعلاه في حجة الوداع (عن أبي سعيد الخدري قال « لما نصب رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً يوم غدير خم فنادى له بالولاية ، هبط جبريل عليه بهذه الآية { اليوم أكملت لكم دينكم } ) ( ).
العاشر : من معاني اسم الإشارة (ذلك ) إرادة البعد وإفادة مضامين الآيات القرآنية التي تقدمت في ذات موضوع آية البحث وهو معركة أحد ومقدماتها , وما يترشح عنها إذ أنها تبدأ من قبل ست وثلاثين آية قرآنية ، ومن قوله تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ]( ) .
مما يستلزم تقدير قوله تعالى [لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ] ( ) تأليف مجلدات عديدة تبين مصاديق الأسى والأسف التي أصابت الذين كفروا والمنافقين في إستعداد وخروج وقتال المسلمين في معركة أحد تحت لواء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
الحادي عشر : من إعجاز آية البحث صيرورتها سبباً لإلغاء الحسرة في قلوب الذين كفروا من وجوه :
أولاً : تعلق أسب اب نزول آية البحث بخصوص معركة أحد .
ثانياً : تعدد الغايات الحميدة من آية البحث ,وقد جعل الله كل غاية منها سبباً ونوع طريق لإحاطة الحسرة بقلوب الذين كفروا .
ثالثاً : نفرة المسلمين من مفاهيم الكفر وإعراضهم عن الذين كفروا باعث للحسرة في قلوب الذين كفروا .
رابعاً : دعوة عوائل الذين كفروا لمعرفتهم بخصال الكفر وما فيها من الجحود والعناد والضلالة في ذات الوقت الذي تتوجه فيه المعجزات وسبل الجذب إلى الإسلام على نحو مباشر وبالواسطة ، وكل فرد منها يدعوهم إلى الإيمان لتملأ الحسرة قلوب الذين كفروا .
الثاني عشر : لقد أنزل الله عز وجل آيات عديدة تبين منزلة الشهداء وكونهم أحياء عند الله وهم بخير حال وتغبطهم الملائكة والخلائق لتغزوا الحسرة قلوب الذين كفروا من جهات :
الأولى : نزول كل آية بخصوص الشهداء والعز الدائم بالقتل في سبيل الله، قال تعالى في بيان حالهم [فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ]( ).
الثانية : تكفير الشهادة للذنوب إلا الأمانة وردها .
الثالثة : تطلع الشهداء إلى إخوانهم الذين يلحقون بهم بالشهادة في المعارك اللاحقة للإسلام ، وفي مرسلة (إسحق بن عبد الله بن أبي فروة قال : حدثنا بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : « إن الشهداء ثلاثة ، فأدنى الشهداء عند الله منزلة رجل خرج منبوذاً بنفسه وماله لا يريد أن يَقتل ولا يُقتل أتاه سهم غرب فأصابه فأول قطرة تقطر من دمه يغفر له ما تقدم من ذنبه ، ثم يهبط الله جسداً من السماء يجعل فيه روحه ثم يصعد به إلى الله ، فما يمر بسماء من السموات إلا شيَّعته الملائكة حتى ينتهي إلى الله ، فإذا انتهى به وقع ساجدا ، ثم يؤمر به فيكسى سبعين حلة من الاستبرق ، ثم يقال : اذهبوا به إلى إخوانه من الشهداء فاجعلوه معهم ، فيؤتى به إليهم وهم في قبة خضراء عند باب الجنة يخرج عليهم غداؤهم من الجنة)( ).
وورد عن سعيد بن جبير (في قوله { ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم }( ) قال : لما دخلوا الجنة ورأوا ما فيها من الكرامة للشهداء قالوا : يا ليت إخواننا الذين في الدنيا يعلمون ما صرنا فيه من الكرامة ، فإذا شهدوا القتال باشروها بأنفسهم حتى يستشهدوا فيصيبون ما أصابنا من الخير ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأمرهم ، وما هم فيه من الكرامة ، وأخبرهم أني قد أنزلت على نبيكم ، وأخبرته بأمركم وما أنتم فيه من الكرامة ، فاستبشروا بذلك . فذلك قوله { ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم } يعني إخوانهم من أهل الدنيا أنهم سيحرصون على الجهاد ويلحقون بهم)( ).
الرابعة : تلقي إخوة وعوائل الذين قتلوا في سبيل الله نبأ قتلهم بالرضا والقبول والسعادة , وهو من مصاديق الطمأنينة والسكينة التي تملأ قلوب المسلمين بذكر الله بلحاظ أمور :
أولاً : خروج الشهداء للمعركة بقصد القربة إلى الله عز وجل .
ثانياً : بذل الشهداء الوسع في الدفاع فلم يقتل أحدهم وهو مدبر أو هارب مع شدة بطش العدو وكثرة أفراد جيشه .
ثالثاً : دفاع الشهداء عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والإسلام وثباتهم في مقامات الإيمان وسلامتهم من الشك والريب .
رابعاً : توالي نزول الآيات التي تدل على سلامة إختيار المسلمين الدفاع عن الإسلام.
خامساً : تحقق النصر والغلبة للمسلمين في معارك الإسلام الأولى ، ليكون نفع المسلمين من كل قطرة دم للشهيد حالّاً وعظيماً.
سادساً : من منافع توالي نزول آيات القرآن وتضمنها الثناء على الشهداء عدم إصغاء المؤمنين لصّد الذين كفروا وتحريضهم على القعود، وإذ وردت الآية بنسبة وصلة الأخوة بين الذين كفروا والشهداء من المؤمنين , فهل ينظر المؤمنون المؤمنون للذين كفروا بذات صلة الأخوة، الجواب لا، إذ يتقيد الأنصار والمهاجرون أخوة الإيمان، وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ]( ).
سابعاً : فضح آيات القرآن للمنافقين، وكشف لؤم طويتهم , وتحذير المسلمين والمسلمات منهم.
ثامناً : ذكر القرآن للمنافقات على نحو التعيين، ولم يمنع منه إزدراء بعضهم للمرأة أو القول بأنها عورة، أو لأن أثر المنافقة قليل في أيام الإسلام الأولى وإنشغال المسلمين بالقتال.
إذ ذكر لفظ (المنافقات) خمس مرات في القرآن منها قوله تعالى[الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ]( )، والأربعة الأخرى بخصوص عالم الآخرة وما ينتظرهن بالذات من العذاب الأليم( ).
الثالث عشر : ليجعل الله عز وجل صيرورة المسلمين في حال سعة وغنى حسرة في قلوب الذين كفروا .
بعد أن كان المسلمون في ضيق تبدلت حالهم بعد معركة بدر لذا تفضل الله عز وجل بقوله [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ] ( ) ليكون نصر المسلمين من جهات كثيرة ، كل جهة تبعث الحسرة في قلوب الذين كفروا ، ويحتمل قول الذين كفروا بأنه لو بقي إخواننا معنا قاعدين لم يضربوا في الأرض ولم يخرجوا في سرايا الإستطلاع ونحوها لم يموتوا ولم يقتلوا وجوهاً :
أولاً : إرادة خصوص معركة أحد بلحاظ أنها سبب وموضوع النزول .
ثانياً : المقصود الخروج لمعركة أحد وما بعدها من معارك الإسلام .
ثالثاً : شمول معركة بدر وإن تقدم زمانها على أوان نزول آية البحث.
والمختار صحة الوجوه الثلاثة أعلاه لبيان حقيقة وهي أن الحسرة التي نفذت إلى قلوب الذين كفروا لم تبدأ بمعركة أحد , ترى ما هي الأسباب المترشحة عن معركة بدر التي تخلف الحسرة والندامة في قلوب الذين كفروا , فيه وجوه :
أولاً : خروج المسلمين إلى معركة بدر مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتحت لوائه .
ثانياً : مع إقتصار بيعة العقبة على إعانة ونصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة ، فان الأنصار بادروا إلى الخروج معه إلى ميدان معركة بدر ، ففوجئ الذين كفروا بخروج الأنصار مع المهاجرين مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم للقاء العدو ، مما قذف الحسرة في قلوب الذين كفروا هذا قبل أن تأتي نتائج المعركة والنصر فيها .
فان قلت يدل موضوع الآية في قوله تعالى [وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا] على صدور قولهم بعد حصول القتل وكثرة الجراحات وسقوط القتلى ، والجواب من جهات :
الأولى : تعدد وكثرة أسباب الحسرة التي تغزو قلوب الذين كفروا.
الثانية : إفادة قوله تعالى [لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ]أنها حسرة مستحدثة تضاف إلى وجوه أخرى من الحسرة التي أصابت الذين كفروا ، لذا وردت الآية بصيغة التنكير .
وتقدير الآية ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم بالإضافة إلى ما سبقها من الحسرات .
الثالثة : تأكيد قانون الملازمة بين الكفر والحسرة ، فالكفر بالله عز وجل سبب للحسرة ، وكذا الكفر بمعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومنها تفاني المسلمين في طاعة الله ورسوله .
ثالثاً : إمتلاء أزقة المدينة المنورة بالأسرى من رجالات قريش، إذ كان عددهم سبعين أسيراً ، ولم تكن المدينة آنذاك ذات سعة وشوارع ، ومن الآيات في المقام أن المسلمين لم يحبسوا الأسرى في سجن أو مكان مخصوص.
رابعاً : قيام الأسرى بتعليم أبناء الأنصار الكتابة والقراءة، لبيان تأسيس دولة العلم والعلوم باشراقة الإسلام , وفيه أمارة على أن أحكام الشريعة ستنتشر بالعلم، والقرآن بالتلاوة والكتابة والنسخ.
خامساً : وفود رجال من قريش، ومعهم الأموال من الذهب والفضة لفكاك أسراهم.
الرابع عشر : لما إحتجت الملائكة على خلافة آدم في الأرض بأن ذريته يدنسون الأرض بفسادهم ، ويؤذونها بسيلان الدماء ظلماً عليها أجابهم الله عز وجل [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) فانقادوا لأمر الله عز وجل ولهجوا بالإستغفار لعلمهم بأن آيات من علم الله ستترى في الأرض ، ومنها النداء القرآني [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ]ونزوله في القرآن على نحو التكرار والتعدد ، ويبعث كل فرد منها الحسرة في قلوب الذين كفروا .
فان قلت هذا بعد بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما هو الحال قبل إطلالة إشراقتها .
الجواب هناك ملازمة بين حياة الإنسان على الأرض والنبوة ، إذ إبتدأت بآدم عليه السلام فقد كان نبياً رسولاً , وفي الفترة التي ليس فيها نبي يعمل المؤمنون من أهل الأرض بالشريعة التي جاء بها الرسول السابق ، وكانت بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم [عَلَى فَتْرَةٍ مِنْ الرُّسُلِ] ( ) فلم تنقطع عبادة الله في تلك الفترة وكانت وعاءاً زمانياً للبشارة برسالته والتطلع إلى أيام نبوته.
(قال علي عليه السلام: ليس في القرآن يا أيها الذين آمنوا إلا وهي في التوراة يا أيها الناس، وفي خبر آخر يا أيها المساكين) ( ).
ومن علم الله عز وجل الذي إحتج به على الملائكة أنه سبحانه قريب من الناس ليس من برزخ أو حاجب يفصله عن المؤمنين ، وعن الإمام علي عليه السلام عن رسول الله صلى الله عيله وآله وسلم قال : إن موسى بن عمران عليه السلام سأل ربه عز وجل وقال : يا رب أبعيد أنت مني فاناديك ؟ أم قريب فاناجيك ؟ فأوحى الله عز وجل إليه: يا موسى بن عمران أنا جليس من ذكرني) ( ).
لقد هبط آدم إلى الأرض نبياً لتستديم الصلة بين الله عز وجل وبين الناس , وليس من حصر لأفراد ومصاديق الرحمة النازلة من عند الله لتتجلى معاني قوى الصعود بالعبادة وسنن التقوى والإستغفار أما الذين كفروا , فيتلقون النعم من عند الله ويقابلونها بالصدود ، ومحاولة منع المؤمنين عن جلب الخير والبركة لهم ولذراريهم ، فتفضل الله بنعمة عظمى وهي آية البحث بأن أخبر المسلمين بسوء فعل الذين كفروا وحذرهم منهم ، وفيه بيان لجهالة الذين كفروا بسعيهم لغلق أبواب الرحمة عن أنفسهم , فمن معاني تقدير الآية مخاطبة الذين كفروا من جهات :
الأولى : إيمان إخوانكم من الأنصار خير محض وفضل من عند الله عز وجل عليكم .
الثانية : يغادر المؤمنون المدينة طلباً للرزق من أجل عز الإسلام ودفع الفقر والفاقة عن أهلها .
الثالثة : قيام المؤمنين بالدفاع واقية وأمن لأهل المدينة جميعاً من المسلمين واليهود والذين كفروا ، فمع خروج المسلمين بسرايا قتالية فان كفار مكة زحفوا عليها بجيوش عظيمة للبطش والفتك والنهب والسبي ، وكانت في المدينة آنذاك أسواق ، كما أنشأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم سوقاً , ولا يميز الغزاة المشركون بين سوق وآخر ، لذا أولى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عناية خاصة بكيفية إنسحاب الذين كفروا من معركة أحد وليطمئن أنهم لم يتوجهوا إلى المدينة مع عزمه على منعهم من دخولها .
وبين وقائع معركة بدر ومعركة أحد عموم وخصوص من وجه فمادة الإلتقاء هو تحقق النصر للمسلمين ، أما مادة الإفتراق فهي ليس من جولة للذين كفروا في معركة بدر ، وكانت لهم جولة وزحف في معركة أحد ، فلما إنصرف المشركون يوم أحد خشي المسلمون عكوفهم على المدينة وهجومهم عليها وليس فيها إلا النساء والأطفال وذوو الأعذار إلى جانب الذين كفروا والمنافقين واليهود .
(فأشفق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم والمسلمون فاشتدت شفقتهم من أن يغير المشركون على المدينة فتهلك الذراري والنساء، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم لسعد ابن أبي وقاص: إئتنا بخبر القوم، إن ركبوا الإبل وجنبوا الخيل فهو الظعن، وإن ركبوا الخيل وجنبوا الإبل فهي الغارة على المدينة، والذي نفسي بيده، لئن ساروا إليها لأسيرن إليهم ثم لأناجزنهم)( ) والمراد من الظعن هنا إرادة الذين كفروا السفر إلى مكة .
ولم تذكر آية البحث خوف وتخويف الذين كفروا بهجوم جيش الكفار على المدينة وإستباحتهم لها ، فهل كانوا يعلمون أنهم لن يصلوا إليها ، إذ يدل قوله تعالى [وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ…] في مفهومه بأن المؤمنين من الأنصار إذا كانوا قاعدين في المدينة فلن يضرهم دخول الكفار لها غازين .
الجواب قد أرسل رجالات قريش من الكفار خبراً إلى المدينة قبل المعركة أنهم يرومون قتل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وأسر الصحابة من المهاجرين وإعادتهم إلى مكة . ليكون إنسحاب الذين كفروا من معركة أحد على نحو مفاجئ ومن دون تحقيق أي غاية من غاياتهم الخبيثة من مصاديق اسم الإشارة في قوله تعالى [لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ].
ولم تكن مسألة غزو المدينة بعيدة عن أذهان جيش الكفار يوم معركة أحد وحتى عند إنقضائها وقبل توجههم إلى مكة وأثناء الطريق إليها إذ (وقفوا وقفةً بالعقيق وتشاوروا في دخول المدينة، فقال لهم صفوان بن أمية: قد أصبتم القوم، فانصرفوا فلا تدخلوا عليهم وأنتم كالون، ولكم الظفر، فإنكم لا تدرون ما يغشاكم. قد وليتم يوم بدر، والله ما تبعوكم الظفر لهم! فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: نهاهم صفوان) ( ).
ومع صدور هذا النهي من أحد أقطاب الكفر إلا أنه يخلف الحسرة والأسى في قلوب الذين كفروا لبيان قانون وهو مجيء الحسرة إلى الذين كفروا وغزوها لقلوبهم حتى من أقوال وأفعال الذين كفروا أنفسهم .
الخامس عشر : لقد أخبر الله عز وجل بأنه يقذف في قلوب الذين كفروا الرعب والخوف ، قال تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ..] ( ) وذكرت آية البحث أمراً آخر حالّاً في قلوبهم وهو الحسرة لتكون النسبة بينهما على وجوه :
الأول : نسبة التساوي وأن الحسرة في آية البحث هي ذاتها الرعب الذي تذكره الآية أعلاه .
الثاني : نسبة العموم والخصوص من وجه ، فهناك مادة للإلتقاء بين الرعب والحسرة ، وهناك مادة للإفتراق .
الثالث : نسبة العموم والخصوص المطلق ، وهو على شعبتين :
الأولى : الحسرة أعم من الرعب ، وكل حسرة هي رعب وليس العكس .
الثانية : الرعب أعم من الحسرة , وكل رعب هو حسرة مع إمتناع النقيض .
والمختار هو الثاني أعلاه ، فمادة الإلتقاء من وجوه :
أولاً : كل من الرعب والحسرة عقاب عاجل من عند الله على التلبس بالكفر .
ثانياً : إتحاد المحل لكل من الرعب والحسرة وهي قلوب الذين كفروا لبيان سلامة قلوب المؤمنين من الرعب والحسرة .
ثالثاً : ترتب الأذى للذين كفروا من جهات :
الأولى : إلقاء الرعب في قلوبهم .
الثانية : إستقراء الحسرة في قلوبهم .
الثالثة : إجتماع الرعب والحسرة في قلوبهم .
الرابعة : إدراك علة وسبب مجئ الرعب والكفر ، وهو الإصرار على الكفر , والسعي في محاربة الإسلام .
أما مادة الإفتراق فمن وجوه :
أولاً : إلقاء الرعب في قلوب الذين كفروا من عند الله عز وجل من غير واسطة سببية ، بينما تضمنت آية البحث الإشارة إلى مقدمات وأسباب الحسرة .
ثانياً : بيان علة إلقاء الرعب وهو الشرك بالله بينما تكون علة إلقاء الحسرة في قلوبهم متعددة وتشمل قبيح فعلهم وحسدهم .
ثالثاً : بيان حقيقة وهي بعث الرعب والوهن بين صفوف الذين كفروا وهو مناسبة لنصر الإسلام وسلامة المؤمنين في ميدان القتال فيكون سبباً لقذف الحسرة في قلوب الذين كفروا .
رابعاً : حلول الرعب في قلوب الذين كفروا مطلقاً ومجئ آية[سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ] بخصوص كفار مكة الذين زحفوا لقتال المسلمين في معركة أحد ، وإن كان موضوع الآية أعم( ) بينما جاءت آية البحث في ذم الذين كفروا والمنافقين من أهل المدينة لبيان أن الذين كفروا يحيطون بالمسلمين وبين ظهرانيهم , ولكن آيات القرآن كانت سلاحاً ومدداً وعوناً للمسلمين , وسبباً في إلقاء الحسرة في نفوس الذين كفروا .
واحتمل الصلة بين إلقاء الرعب وقذف الحسرة في قلوب الذين كفروا وجوهاً :
الأول : بقاء كل من الرعب والحسرة على حاله في القلب كالمتجاورين .
الثاني : تجلي أثر كل من الرعب والحسرة بحسب مناسبة الموضوع والحكم وهو على شعب :
الأولى : يستحوذ الرعب على قلب الكافر كما في حال الحروب ومقدماتها , وعن الإمام علي عليه السلام قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: نُصِرت بالرعب، وجُعِلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأعطيت جوامع الكلم، وأحلّت لي المغانم، ولم تحلّ لنبيٍّ كان قبلي، وأعطيت الشفاعة، خمسٌ لم يُؤْتَهُنَّ نبيٌّ كان قبلي) ( ).
الثانية : إمتلاء قلوب الكافرين بالحسرة عند حدوث أسبابها كما في آية البحث ، وخروج المؤمنين للجهاد تحت راية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالثة : خلو قلب الكافر من أثر الرعب والحسرة أحياناً رحمة من عند الله ، وصيرورته مناسبة للتدبر والإنابة ، ولكن هذا المعنى خلاف منطوق القرآن ، وواقع الكفار ومن رحمة الله عز وجل بهم قانون الملازمة بين الكفر وإنقباض النفس .
الثالث : التداخل بين الرعب والحسرة وإجتماعهما بالذات في قلب الكافر والأثر في قوله وفعله .
الرابع : صيرورة الرعب سبباً لأفراد إضافية من الحسرة ، وكذا العكس بأن تكون الحسرة علة لطرو مصاديق مستحدثة ومتعددة من الخوف والرعب في قلوب الذين كفروا .
الخامس : التباين في حال الذين كفروا , فمنهم من يغلب عليه الرعب ، ومنهم من تستحوذ عليه الحسرة وإن كانوا في موضع واحد.
وباستثناء الشعبة الثالثة والوجه الخامس أعلاه فان الوجوه الأخرى كلها مما أصاب الذين كفروا من الأذى والضرر النفسي ليكون مقدمة لمنع من التعدي على الإسلام ، ويكون هذا المنع مناسبة لتثبيت أحكامه في الأرض , وتفقه المسلمين في الدين ، وصيرورة الفرائض العبادية جزءً من الوجود الذهني والواقع اليومي لهم .
ليكون التداخل بين الرعب والحسرة ومصاحبتها للكافرين من مصاديق اسم الإشارة [ذَلِكَ] في قوله تعالى [لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ] .
ومن الآيات أن هذه المصاحبة لا تختص بحال الذين كفروا وتكون حاضرة في منتدياتهم ، فان قلت لماذا لم تذكره الآية ، وتبين أثر الحسرة في مجتمعات الكفر والضلالة ، الجواب ينزل القرآن بالأصل ، لتدل الوقائع والتدبر والدراسات على فروعه ، وما يترشح عنه ، فتأتي مدارس علم الإجتماع ، وإختصاصات علم النفس لتبين الصلة بين حال قلب الإنسان وفعله وكيف تنعكس حال الإنقباض أو الإنشراح على الفعل ، ليكون مرآة لما في بواطن الإنسان ، وفيه دعوة لمعرفة الذين كفروا بما يصدر عليهم من الأقوال والأفعال .
السادس عشر : لقد جاءت آية البحث بصيغة الفعل المضارع في قوله تعالى [لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً] وفيه مسائل :
المسألة الأولى : إنه شاهد على تجدد مصاديق الحسرة التي تغزو قلوب الذين كفروا , وتأتي هذه الحسرة من جهات :
الأولى : حدوث وقائع تؤدي إلى حصول أفراد جديدة من الحسرة.
الثانية : توالي نزول آيات القرآن , ويحتمل هذا النزول وجوهاً :
أولاً : كل آية تنزل من آيات القرآن سبب لبعث الحسرة في قلوب الذين كفروا .
ثانياً : تتعلق الحسرة بخصوص موضوع الآية , فاذا كانت الآية النازلة تذم الذين كفروا , وتفضح نواياهم فانها تبعث الحسرة في نفوسهم .
ثالثاً : إذا إنشغل الكفار بأنفسهم ومعاشهم لا يلتفتون إلى الآيات النازلة من القرآن بما يكون سبباً للحسرة في نفوسهم .
والصحيح هو أولاً أعلاه , وتترشح الحسرة من وجوه :
أولاً : ذات نزول الآية القرآنية من عند الله .
ثانياً : تجلي معاني الإعجاز في الآية القرآنية .
ثالثاً : شهادة الآية القرآنية على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
رابعاً : حال النبي وأثر ووقع التنزيل عليه ، إذ يتصبب جبينه عرقاً في اليوم الشديد البرودة عندما ينزل عليه القرآن .
خامساً : تلقي المسلمين الآية القرآنية النازلة بالعناية وقيامهم بتبليغها ونشرها فيما بينهم ، وإظهار الغبطة بتلاوتها , وهو أمر يبعث الحسرة في قلوب الذين كفروا .
سادساً : عمل المسلمين بمضامين الآية القرآنية ، وهو من أسرار صيغة الفعل المضارع [لِيَجْعَلَ] وتجدد الحسرة في قلوب الذين كفروا .
سابعاً : قيام المسلمين بالتدارس في مضامين الآية القرآنية النازلة على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتفسيرها وتعلم ما فيها ومنها آية البحث إذ تتضمن أموراً :
الأول : بعث المسلمين على التدبر في نداء [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ] وإنحلال معاني الإكرام به لهم جميعاً رجالاً ومساءً .
الثاني : لزوم شكر المسلمين لله عز وجل على تفضله بمناداتهم وإستنهاضهم لما فيه صلاحهم , ونفعهم في الدنيا والآخرة بنداء الإيمان .
الثالث : دعوة المسلمين للتآخي والتآزر بينهم كأمة متحدة ، ومن منافع هذا التآزر التوقي من محاكاة الذين كفروا والتشبه بهم .
وتقدم مزيد كلام في باب (إكرام الآية للمسلمين ) ( ) .
الرابع : تلاوة المسلمين للآية القرآنية وصيروتها سبباً لبعث الحسرة في نفوس الذين كفروا من وجوه :
أولاً : قراءة المسلمين الآية القرآنية في الصلاة .
ثانياً : تلاوة إمام الجماعة الآية القرآنية وإصغاء المأمومين له .
ثالثاً : تلاوة المسلمين والمسلمات للآية القرآنية خارج الصلاة جهراً وإخفاتاً .
رابعاً : عناية المسلمين بالقرآن تفسيراً , وحرصهم على إتخاذه إماماً وضياءً , ورجاؤهم شفاعته.

الجهة الثالثة : تأتي الحسرة للذين كفروا بخروج المسلمين إلى الدفاع مع الحيطة وقيامهم بالضرب في الأرض وعدم الإصغاء إلى قول الذين كفروا ، ليكون هذا الخروج باعثاً للخيبة والحسرة في نفوسهم .
الرابعة : تقيد المسلمين بطاعة الله ورسوله في حال الحرب والسلم والمهادنة .
الخامسة : تعاون وتكافل عوائل المسلمين فيما بينهم وحثهم الآباء والأخوة والأبناء على النفير والدفاع عن الإسلام والنبوة .
المسألة الثانية : من معاني صيغة المضارع في آية البحث [لِيَجْعَلَ] إزدياد منعة المسلمين وسلامتهم من القتل والأسر ففي كل مرة يندب الكفار إخوانهم من الأنصار الذين قتلوا في معارك الإسلام بلغة الشماتة وتحريض الأحياء منهم على الخروج إلى القتال ، ولكن المسلمين يبادرون إلى الجهاد ويرجعون بالظفر والنصر والغنائم فيكون كل فرد منها سبباً لبعث الحسرة في قلوب الذين كفروا .
المسألة الثالثة : إفادة اسم الإشارة (ذلك) الإخبار عن توالي وإستحداث مصاديق وأسباب للحسرة التي تغزو قلوب الذين كفروا ، وهل يستطيع المسلمون وغيرهم معرفة وإحصاء هذه الأسباب , الجواب لا، ففي كل يوم تشرق فيه الشمس تطل على الذين كفروا أسباب تبعث الحسرة في قلوبهم وتغزوهم بالأسى والندامة .
وتحتمل هذه الأسباب وجوهاً :
الأول : إنها رحمة بالمسلمين وباعث للغبطة والرضا في نفوسهم .
الثاني : ليس من ملازمة بين بعث الأمر والفعل الحسرة في قلوب الذين كفروا وبين صيرورته سبباً لغبطة ورضا الذين آمنوا .
الثالث : تقدم موضوع عز ورفعة المسلمين على نزول الحسرة في قلوب الذين كفروا بلحاظ أنها أثر مترتب على النصر الذي يحققه المسلمون ، ولا يختص هذا النصر بميدان القتال ، ففي دخول أي فرد للإسلام رجلاً كان أو امرأة وجوه :
أولاً : إنه نصر للإسلام .
ثانياً : إضافة فرد وشأن لعدد الذين يتلقون نداء [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا].
ثالثاً : إنه سبب لسعادة وفرح الملائكة وهم في السماء .
رابعاً : فيه إلقاء للحسرة في قلوب الذين كفروا ، وبعث لليأس في نفوسهم وإقرار بالعجز عن منع الناس عن دخول الإسلام .
خامساً : إنه تذكير عملي للذين كفروا والناس جميعاً بلزوم التوبة والصلاح ، ومن معاني رحمة الله عز وجل بالناس في الحياة الدنيا أنه في كل مرة تتجدد فيها ضروب وأسباب الحسرة تكون مناسبة للتوبة والإنابة ، وبعث للنفرة في نفوس الذين كفروا من الكفر وما يترشح عنه من قبيح القول والفعل ومنه سعيهم لصدّ المسلمين عن الدفاع عن الإسلام والتنزيل .
وآية البحث من رحمة الله عز وجل بالناس من جهات :
الأولى : ترغيب الناس بالإسلام بنداء التشريف والإكرام النازل من السماء ، فقد جعل الله عز وجل الإنسان بطبعه يحب ذاته ويسعى لجلب النفع لها ودفع الضرر عنها ، وليس من تعيين أو حصر لمنافع تلقي نداء الإيمان من الله عز وجل .
الثانية : دعوة الناس للتعلم والإقتباس من المسلمين ، فمن خصائص الإنسان الأخذ من غيره في الطباع والعادات وأنماط السلوك، فقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] شاهد على وجود أمة مؤمنة بالله ورسوله والكتاب والملائكة واليوم الآخر ما دامت الدنيا وعمارة الناس للأرض بلحاظ قانون بقاء القرآن في الأرض سالماً من التحريف إلى يوم القيامة ، فيدخل على أهل الأرض بآية البحث التي يتقدمها نداء التوحيد والعز والأمن بالإيمان .
الثالثة : تفضل الله عز وجل وقيامه بالفصل بين المؤمنين والكافرين في القول والفعل بأن ينهى المسلمين عن إتباع ومحاكاة الذين كفروا في خلجات النفس والحرص الذي لا أصل له ، ليكون هذا الفصل مقدمة للفصل والتمييز بينهم يوم القيامة بخلود المؤمنين في النعيم , وإقامة الذين كفروا في النار , ويكون تقدير آية البحث على وجوه :
الأول : يا أيها الذين آمنوا إعملوا بمناهج الإيمان .
الثاني : يا أيها الذين آمنوا إسعوا إلى دخول الجنة ، قال تعالى في خطاب للمؤمنين وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ.
ويحتمل الضمير (هم) في قوله تعالى (قلوبهم) وجوهاً :
الوجه الأول : إرادة الكفار الذين كانوا يصدون الأنصار عن الخروج للقتال.
الوجه الثاني : المقصود المنافقون، لعدم إستماع المؤمنين لتخويفهم من العدو.
الوجه الثالث : إنهم كفار مكة، لأن المهاجرين والأنصار خرجوا لقتالهم، ووقفوا في قبالهم للقتال، من غير طلب هدنة أو توسل لطلب صلح ويدل على إظهار الصحابة العزم على قتال الكفار قوله تعالى[يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ]( )، في الآية السابقة , ويتجلى التضاد بينهم من جهات:
الأولى : جمع مؤمن وجمع كافر.
الثانية : فريق مدافع عن النفوس والأعراض، وجمع غاز بصبغة الإيمان وإرادة إستئصال الكفر .
الثالثة : فريق على حق وهدى، وفريق في ضلالة.
الرابعة : جمع معهم الملائكة ناصرين، وجمع معهم الشيطان غاوياً.
الخامسة : جمع معهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إماماً والتنزيل ضياءً نوراً وهداية، وجمع زحفوا بعصبية الجاهلية الأولى.
السادسة : جمع الله عز وجل أنعم الله عليهم بالسير مسافة قصيرة من المدينة بالحق وترتب الأجر والثواب , وجمع قطع نحو خمسمائة كيلو متر من مكة إلى المدينة مع الإثم والوزر.
السابعة : يوم التقى الجمعان، جمع الإيمان وجمع الكفر.
الثامنة : جمع جاءت آيات القرآن بالثناء عليه، وجمع تضمن القرآن ذمه.
التاسعة : جمع يصاحبه النصر من عند الله، وجمع يلاحقه الخزي والذل والهزيمة.
ليكون من تقدير قوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ]( )، وجوه:
الأول : جعلكم الله الأمة المنتصرة.
الثاني : ولقد نصركم الله بالملائكة ببدر.
الثالث : بيان الملازمة بين الإسلام والنصر، فان قلت القدر المتيقن من الآية أعلاه القضية الشخصية، وتعيين النصر بأنه في معركة بدر على نحو الحصر , فلا يتعدى إلى غيرها إلا مع الدليل المنفصل، والجواب أما شرط الدليل فنعم، وأما تقييده بالمنفصل فلا تصل النوبة إليه، لتعدد مصاديق ومعاني النصر ولفظ (نصركم الله) في الآية أعلاه من جهات:
الأولى : ولقد نصركم الله ببدر وسينصركم في المعارك اللاحقة.
الثانية : ولقد نصركم الله ببدر، وأبقى نعمة النصر عندكم , ومن فضل الله أن النعمة إذا نزلت من عند الله فانه أكرم من أن يرفعها.
الثالثة : ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاصبحتم أعزة فيكون نصر الله أقرب لكم وأيسر عليكم، قال تعالى[الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ]( ).
الرابعة : ولقد نصركم الله ببدر فاتقوا الله) ليكون من معاني الأمر بتقوى الله في الآية ومجيئه بعد الإخبار عن نصر المسلمين ببدر وجوه منها:
أولاً : فاتقوا الله ليديم عليكم نعمة النصر.
ثانياً : فاتقوا الله واستعدوا للمعارك اللاحقة.
ثالثاً : فاتقوا الله وأسألوه ملازمة النصر لكم.
رابعاً : فاتقوا الله لتصاحب الهزيمة الذين كفروا، ويحجب الله عز وجل عنهم النصر، بلحاظ عدم إجتماع المتناقضين، فمع نصر المسلمين لا يتحقق نصر للذين كفروا.
خامساً : فاتقوا الله فانتم[خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
الوجه الرابع : المقصود جيش الكفار الذين زحفوا من مكة إلى المدينة لقتال المسلمين وهم الذي ورد ذكرهم في الآية السابقة بقوله تعالى [يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ] ( ) .
وتقدير الآية : يوم إلتقى الجمعان جمع الإيمان وجمع الكفار الذين جعل الله حسرة في قلوبهم ، ومن ضروب الحسرة في المقام أمور :
أولاً : إخلاص المسلمين في الدفاع وتفانيهم في مرضاة الله .
ثانياً : الأخوة الظاهرة بين المهاجرين والأنصار .
ثالثاً : حث المسلمين للشهادة والقتل في سبيل الله ، الذي يتجلى بالتسابق والتزاحم للخروج للمبارزة .
رابعاً : إمتناع المسلمين من الإبتداء بالقتال بأمر من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإنشغالهم بالدعاء .
خامساً : طاعة أهل البيت والصحابة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في القتال ومقدماته .
سادساً : إبتداء القتال بكثرة القتلى من المشركين ، وتساقط حملة لوائهم واحداً بعد آخر ، كلما يحمله واحد منهم قُتل .
قانون [ذَلِكَ حَسْرَةً]
لم يرد هذا اللفظ في القرآن إلا في هذه الآية الكريمة ، ومن اللطف الإلهي بالمسلمين أنه جاء بخصوص قوم يتصفون بأمور :
الأول : إختيار العناد والكفر .
الثاني: القعود عن نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين مع وصول الذين كفروا من قريش إلى أطراف المدينة .
الثالث : القيام بحث طائفة من الأنصار على القعود وعدم الخروج للقتال دفاعاً عن الإسلام والأنفس والأعراض والأموال .
ومن الناس من يقاتل على الأحساب والأنساب كما ورد في قصة قزمان .
فذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن عقوبته في الآخرة اللبث في نار جهنم ، ليكون مثوى الذين يقعدون عن نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويحثون الأنصار على القعود من باب الأولوية القطعية ، لذا ذكرت آية البحث إصابتهم بالحسرة لتكون مقدمة ومرآة لعذابهم في الآخرة , وقوله تعالى [لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ].
وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( )من جهات:
الأولى : أنه رحمة بالأنصار إذ تفضح الآية الذين يصدونهم عن الجهاد وتدعوهم لعدم الإنصات لهم سواء في مسألة الصد أو غيرها من صيغ الحسد والمكر .
الثانية : الآية رحمة بالمهاجرين وواقية من منع إخوانهم الأنصار عن القتال إلى جانبهم ، ومن وجوه تقدير آية البحث : الذين قالوا لإخوانهم المهاجرين [لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا] ( ) وهل كانت مؤاخاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين المهاجرين والأنصار حرباً وحرزاً من مكر وتحريض الذين كفروا الأنصار على القعود ، الجواب نعم ، وهو من الإعجاز في السنة الدفاعية إذ تكون واقية من الصدود والقعود عن الجهاد ، وأمناً من الخصومة والخلاف بين الصحابة عند النفير ، ويدل على هذا الأمن قوله تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ] ( ) إذ نزلت الآية أعلاه في معركة أحد وتبين أموراً :
أولاً : مبادرة المهاجرين والأنصار للخروج للجهاد .
ثانياً : تعيين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لمواضع الصحابة ، وهذا التعيين شعبة من الوحي ، وهو مقدمة وأمارة على سلامة المسلمين من الهزيمة في معارك الإسلام الأولى ، وتدل عليه الشواهد ، وهل يمكن تقدير آية ببدر : ولقد نصركم الله ببدر بالوحي ) الجواب نعم وهو لا يتعارض مع نزول الملائكة مدداً وعوناً لنصرة المسلمين ، لبيان تعدد مصاديق ووجوه النصرة من عند الله عز وجل .
ثالثاً : إمتثال الصحابة لأوامر النبي عند تلقيها وتقيدهم بها أثناء القتال وقد حصلت معصية من الرماة إذ تركوا مواضعهم فصار هذا الترك مجلبة للضرر والخسارة وسقوط الشهداء ، ليكون عبرة وموعظة للمسلمين الموجود والمعدوم .
الثالثة : الآية رحمة بالمنافقين لما تتضمنه من الزجر عن منع المؤمنين من الخروج للجهاد أو لومهم عند إصابتهم بالجراحات أو الشماتة بمن استشهدوا في ميدان المعركة منهم ، لقد كان المنافقون والمنافقات ممن نطق بالشهادتين وصاروا يحضرون الصلاة ويسمعون قراءة آية البحث في الصلاة وخارجها وقد يقومون بتلاوتها .
لتبين لهم قانوناً وهو أن الآية القرآنية مرآة ومصداق لقوله تعالى [مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ…]( ).
لقد أراد الله عز وجل أن تجعل الآية القرآنية الإنسان رقيباً على نفسه ، ويدرك أن الله عز وجل يحصي عليه أفعاله ، وعن أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (يقول : اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) ( ).
لتؤكد آية البحث رؤية الله عز وجل للمسلمين وغيرهم ، ولا يختص موضوع الآية بذاتها بل هي من اللطف الإلهي ومقدمة اللطف بالمسلمين وغيرهم فآية البحث دعوة سماوية لتهذيب النفوس ، وإصلاح الألسن وجعلها مسخرة في مرضاة الله أو لا أقل ممتنعة عن الإضرار بالإسلام والإساءة للمؤمنين .
وعن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان، وتقول: ننشدك الله فينا، إنك إذا استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا) ( ).
الرابعة : تحث الآية المسلمين والمسلمات على الإستغفار وسؤال العفو من عند الله على زلات اللسان وتدعوهم إلى إصلاح السرائر والدعاء للأمن وسؤال الله كفايتهم شرور المنافقين .
وكل آية من القرآن تبعث الحسرة في نفوس الذين كفروا في نزولها أو تلاوتها أو العمل بها ، وهو من أسرار نزول القرآن نجوماً وعلى نحو التدريج .
قوله تعالى[وَاللَّهُ يُحْيِ وَيُمِيتُ]
تتقوم الحياة الدنيا بالحياة والموت، ومن أعظم الآيات فيها خلق الإنسان ونشأته في الرحم ونموه ونشأته ورزقه الكريم ثم مغادرته الدنيا قهراً، وحالماً يدرك الإنسان الأشياء ويقترب من البلوغ يكتشف حقيقة عن الحياة الدنيا، وهي لابد من مفارقة الإنسان لها، وهناك فارق بين مفارقة المسافر الذي يعود وإن طال سفره وغياب جسده وإشتاق له أهله، وبين مفارقة الذي تقبض روحه التي لاعودة فيها وإن كان الجسد حاضراً بينهم هامداً، لتكون عودته ورجوعه إلى الله عز وجل قال تعالى[إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ]( )، لبيان أن الموت خاتمة حياة كل إنسان وهذا الموت ليس أمراً طبيعياً يتعلق بأعضاء وبدن الإنسان وإصابته بالمرض الذي يعطل عنده الحياة، بل هو من أمر الله عز وجل، وإن تعددت الأسباب ليكون هذا التعدد آية إعجازية من قدرة الله عز وجل، ودعوة للناس للنجاة من ميتة السوء، وتتجلى هذه النجاة بالصبر والتقوى والمسارعة في الخيرات .
وعن بلال : قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : كل معروف صدقة ، والمعروف يقي سبعين نوعاً من البلاء ويقي ميتة السوء ، والمعروف والمنكر خلقان منصوبان للناس يوم القيامة ، فالمعروف لازم لأهله والمنكر لازم لأهله، يقودهم ويسوقهم إلى النار( ).
إن نظام الحياة والموت الثابت والجلي في طبقات الناس، دعوة لهم للتسليم بالرسالات والإقرار بالعبودية لله عز وجل والرضا بمضامين التنزيل إذ أخبرت الكتب السماوية على أن تعيين الأجل وحلول أوان موت الإنسان أمر من عند الله عز وجل، قال تعالى[إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ]( ).
لقد ورد قوله تعالى[وَاللَّهُ يُحْيِ وَيُمِيتُ] لوجوه:
الأول : الإحتجاج على الذين كفروا، إذ يظنون أن السلامة مع القعود، والقتل مع الضرب في الأرض والغزو.
الثاني : تنمية ملكات المسلمين في إبطال مغالطات الذين كفروا، وهو من إعجاز القرآن بأن تأتي مسألة في إقامة البرهان لتكون فتحاً علمياً، ونبراساً يضئ طريق الهداية، ويقطع الجدال بالبينة والحجة، وهو من مصاديق قوله تعالى[اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]( ).
الثالث : تهيئة مقدمات خروج المسلمين للجهاد في سبيل الله، والدفاع عن بيضة الإسلام، من جهات:
الأولى : زجر الذين كفروا عن صدهم ومنعهم.
الثانية : تأكيد قانون أن إستدامة الحياة أو قطعها بالموت أمران بيد الله عز وجل.
الثالثة : حث المسلمين على الدعاء للنجاة من القتل في الميدان، وهل يبعث هذا الدعاء الحسرة في قلوب الذين كفروا، فيكون من مصاديق آية البحث في قوله تعالى[لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ] الجواب نعم.
بحث منطقي
من إصطلاحات المنطق (القضية) ومعناها الخبر , وتكون القضية على ثلاثة أقسام :
الأول : القضية الحملية.
الثاني : الشرطية المنفصلة.
الثالث : الشرطية المتصلة.
والقضية الحملية هي نسبة شئ الى شئ آخر، أو نفي هذه النسبة كما في قوله تعالى[وَاللَّهُ يُحْيِ وَيُمِيتُ] إذ تنسب آية البحث الإحياء والإماتة إلى الله عز وجل , وتتألف الحملية من ثلاثة أطراف هي:
أولاً : الموضوع.
ثانياً : المحمول.
ثالثاً : النسبة بين الموضوع والمحمول .
وقد لا يبين فيها فرد وعلة ثبوت المحمول للموضوع وتسمى المطلقة كما لو قلت : المعاد حق، فالمعاد موضوع، وحق محمول ، والرابطة مثل الضمير هو كما لو قلت المعاد هو حق.
وتقسم الحملية إلى قسمين :
أولاً : الحملية الموجبة وهي التي يحكم فيها بثبوت شئ لشئ آخر وإثبات صفة كما في قوله تعالى في خاتمة الآية السابقة [إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ]( )، لبيان قانون وهو أن كل صفة لله عز وجل تترشح عنها نِعم لا تعد ولا تحصى، والعباد بحاجة إليها أحياءً وأمواتاً، لذا ذكرت آية البحث نسبة الإحياء والإماتة لله عز وجل.
ثانياً : الحملية السالبة : وهي التي يحكم فيها بنفي شئ عن شئ وعدم ثبوت خصلة أو صفة لموصوف , كما في قوله تعالى[وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ]( ).
إذ تدل الحملية السالبة على تنزيه مقام الربوبية من الظلم مطلقاً، لبيان قانون وهو أن فضح وذم الذين كفروا والمنافقين في آية البحث ليس ظلماً لهم ، فهل يمكن أن يقال بأنه ترشح عن قاعدة تقديم الأهم على المهم، وأن الأهم هو نصرة الإسلام، ودفع ضرر وكيد الذين كفروا وإن ترتب عليه خزيهم وإيذائهم، وأنزل الله هذه الآية ليكف الذين كفروا عن ظلمهم وتحجب عنهم الأوزار التي تثقل ظهورهم في النشأتين إذا ما إستمروا على النفاق وصد المؤمنين عن الجهاد في سبيل الله , وتتعدد وجوه الظلم في قول المنافقين الذي تذكره آية البحث، فأراد الله عز وجل كشفه وبيانه وإحتراز المسلمين والمسلمات منه.
وتكون القضية الحملية على أربعة أقسام :
الأول : القضية الشخصية وتسمى المخصوصة , وتتعلق بالجزئي الحقيقي، مثل الصلاة واجب محمد رسول الله.
الثاني : القضية المهملة وهي التي يتعلق فيها الحكم بذات الكلي ومجموع الأفراد على نحو الأجمال مثل قوله تعالى[إِذْ تُصْعِدُونَ] فاخبرت آية البحث عن صعود وقرار طائفة من المسلمين من غير تعيين لأسمائهم وصفاتهم، مع بقاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونفر من أهل بيته وأصحابه في ميدان المعركة , وكما في آية البحث بقوله تعالى[كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ] فليس كل كافر قال هذا القول، ولا كل مؤمن خرج إلى القتال من الأنصار تلقى هذا القول والصد .
ويقال (الإنسان كاتب) فيتعلق الحكم بعامة الكلي وسنخيته , وليس كل أفراده، فلا يصح.
والقدر المتيقن من القضية المهملة أنها بحكم الجزئية.
الثالث : القضية الطبيعية , وهي التي يكون فيها الحكم على الموضوع العام من جهة كونه كلي وصفة مشتركة، من غير لحاظ خاص لأفراده، كما في قوله تعالى في الآية السابقة [يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ] فقد إلتقى جيش الإسلام بامامة وقيادة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجيش الذين كفروا في معركة أحد في الخامس عشر من شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة، وكل طرف يسمى جمع، ولكن لا يصح تسمية الأفراد بالجمع.
الرابع : القضية المحصورة وتسمى (المسوّرة) وهو الحكم على الكلي مع جعل موضوعية لأفراده، كما في قوله تعالى في آية البحث [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا] فقد وقع الفصل والتمييز والحصر في الآية.
والقضية المحصورة على قسمين:
الأول : المحصورة الكلية وهي التي ينبسط فيها الحكم على جميع الأفراد مثل : كل رسول نبي , وكما في آية البحث بقوله تعالى[لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ] إذ تنفذ الحسرة إلى قلوب كل الذين كفروا.
الثاني : المحصورة الجزئية وهي التي يكون فيها الحكم على بعض الأفراد كما في ورود حرف الجر(من) وإرادة التبعيض منه , وكما في قوله تعالى في الآية السابقة[إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ]( ).
وقد وردت في آية البحث قضية شرطية متصلة وهي [وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ] لبيان أن أصوات الذين كفروا تظهر عندما يغيب المؤمنون من المدينة، فتفضل الله عز وجل ومنع من علوها وأثرها بآية البحث.
قانون المعجزة الجامعة للأنبياء
إبتدأت الآية بحرف التأكيد (إن) لبيان أن مضامين آيات القرآن حق وصدق من جهات :
الأولى : قصص الأمم الماضية ، وهي على أقسام :
الأول : قصة خلق آدم وسجود الملائكة له طاعة لله وسكنه وزوجه في الجنة ، قال تعالى [يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا] ( ).
الثاني : بيان سبب وعلة خروج آدم من الجنة وهبوطه وحواء إلى الأرض ، وصيرورة وسوسة وإغواء إبليس لهما سبباً في مغادرة الجنة ، ومن الإعجاز في آية البحث أنها ذكرت ذات لفظ الإزلال الذي تعرض له آدم وحواء أصاب المسلمين في معركة أحد ، قال تعالى [فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا ر بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ] ( ) .
وعن ابن عباس قال (إن عدوّ الله إبليس عرض نفسه على دواب الأرض أنها تحمله حتى يدخل الجنة معها ويكلم آدم . فكل الدواب أبى ذلك عليه حتى كلم الحية فقال لها : أمنعك من ابن آدم فإنك في ذمتي إن أدخلتني الجنة ، فحملته بين نابين حتى دخلت به ، فكلمه من فيها وكانت كاسية تمشي على أربع قوائم فاعراها الله ، وجعلها تمشي على بطنها . يقول ابن عباس : فاقتلوها حيث وجدتموها ، اخفروا ذمة عدوّ الله فيها)( ).
الثالث : أخبار الأنبياء والرسل وجهادهم في سبيل الله ، وما لاقوه من الأذى في دعوتهم قومهم للإيمان ، ومن إعجاز القرآن البيان والوضوح في قصص الأنبياء بما يكون موعظة وأسوة للمؤمنين وشاهداً على أن الأذى الذي لاقاه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أصاب الأنبياء من قبله ، وإن كان هذا الأذى من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً ، ويدل عليه قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (ما أوذي نبي مثل ما أوذيت) ( ).
الرابع : قصص المؤمنين من الأمم السابقة وإخلاصهم في طاعة الله وتفانيهم في مرضاته وإجهارهم أو إخفاتهم وإسرارهم لإسلامهم وإتباعهم للرسل .
وهل تختص هذه القصص بحياة أصحاب الأنبياء الذين عاصروهم في أيام حياتهم وبعثتهم الجواب لا ، فقد يكون أتباع النبي في زمان غير زمانه ، ليكون داعية إلى الرسول الذي يأتي من بعده ،وفيه وجوه :
أولاً : إنه من القوانين في الإرادة التكوينية وبديع صنع الله عز وجل وقدرته المطلقة .
ثانياً : إنه مقدمة وتوطئة لبعثة النبي اللاحق وحث للناس على التصديق بنبوة السابق واللاحق من الأنبياء .
ثالثاً : بيان معجزة جامعة للأنبياء من جهات :
الأولى : بشارة النبي السابق بالنبي اللاحق .
الثانية : تصديق النبي اللاحق للنبي السابق .
الثالثة :إتحاد سنخية النبوة وإن تباينت الأزمنة وأشخاص الأنبياء .
الرابعة : بيان الجامع المشترك وسور الموجبة الكلية لبعثة الأنبياء التي تتقوم بالدعوة إلى التوحيد والتصديق بالنبوة والتنزيل واليوم الآخر .
لقد دأب العلماء على التحقيق في معجزات الأنبياء على نحو مستقل بالنسبة لكل نبي .
الخامسة : أنباء وقصص القوم الظالمين أتباعاً ومتبوعين وكيف أن الله عز وجل أمهلهم ثم أخذهم أخذاً شديداً فلا ترى لهم أثراً ، وفي التنزيل [قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ]( ).
وموضوعنا في المقام من جهات :
الأولى : المعجزة الجامعة لكل الأنبياء والتي يشترك فيها الأنبياء وكل واحد منهم تتجلى على يديه تلك المعجزة ومنها:
أولاً : الوحي ،قال تعالى [وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا]( ).
إن ذات اسم النبي يدل على المعجزة الجامعة فمن خصائص أي نبي هو أنه ينبأ من عند الله عز وجل ، وأنه واسطة بين الله عز وجل وبين العباد .
ثانياً : كل نبي هو واسطة بين الله عز وجل والعباد وعندما إحتج الملائكة على جعل آدم عليه السلام خليفة في الأرض أنكر الملائكة الأمر [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ] ( )فاحتج الله عز وجل عليهم بقوله سبحانه [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( )لبيان إنفراد الله عز وجل بالعلم وأنه ليس من أحد من الخلائق يحيط بعلم الله عز وجل ، قال تعالى في خطاب للناس جميعاً [وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً] ( ).
وهل تشمل الآية أعلاه الملائكة وأن العلم الذي عندهم قليل أيضاً ، الجواب نعم ، وإن كان أكثر من علم الإنسان ، إذ أن أفراد القليل هذا من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة ويدل إنكار الملائكة أعلاه على هذا القانون ، فمن العلم الذي يختص به الله عز وجل بعثة الأنبياء وصيروتهم وسائط بينه وبين الناس وفيه غاية التشريف للأنبياء والناس جميعاً ، مما يلزم التوجه إلى الله عز وجل بالشكر ، ومنه الإخلاص في عبادته تعالى ونبذ الشرك والضلالة .
ومن علم الله تعالى معجزات الأنبياء ونصرته لهم وللمؤمنين بالمعجزة .
ثالثاً : إجتباء الأنبياء من البشر ، وكلهم من الرجال، قال تعالى[وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ]( ).
رابعاً : إجتباء وإصطفاء الأنبياء من بين الناس، وإتصافهم بالخلق الحميد.
خامساً : إتصاف الأنبياء بالعصمة في التبليغ في الوحي والتنزيل وأحكام التشريع.
سادساً : إتصاف النبي بأن الله يخيره بين الحياة والموت عند حلول الأجل، ولعله من مصاديق قوله تعالى[أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ]( ).
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ما من نبي الا خير بين الدنيا والآخرة.
الثانية : شهادة كل نبي على صدق معجزة غيره من الأنبياء ، فتسبق هذه الشهادة النبي قبل ولادته أو قبل بعثته ، كما أنها تكون حاضرة بين الناس بعد إنتقاله إلى الرفيق الأعلى.
الثالثة : مجئ القرآن بالمعجزة الجامعة لكل الأنبياء , وبيان صدق قانون النبوة وأنه حق، فمن إعجاز القرآن أمور :
الأول : الإخبار عن حقيقة النبوة وأن الله عز وجل بعث الأنبياء والرسل مبشرين ومنذرين.
الثاني : ذكر القرآن لأسماء عدد من الأنبياء.
الثالث : بيان القرآن لمعجزات عدد من الأنبياء منها سفينة نوح ، وناقة صالح ، ومعجزة إبراهيم بخروجه سالماً من وسط النار التي ألقي فيها , قال تعالى[قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ]( )، وفي الآية أعلاه إعجاز وهو لو كان مع إبراهيم شخص آخر في النار لاحترق وهو من أسرار تولي ابراهيم الدعوة وجهاده بنفسه، وبيان تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بنصرته بأهل بيته وأصحابه.
الرابع : إجتماع معجزات الأنبياء في القرآن على نحو الإجمال بالنسبة لعددها وموضوعها فلم يرد في القرآن كل معجزة لكل نبي أو أسماء جميع الأنبياء وعددهم مائة وأربعة وعشرون ألف نبي ولكن ذكر القرآن المعجزات الأعم والتي تكون أصلاً ومثالاً لعموم النبوات ، وهو من مصاديق قوله تعالى [هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ] ( ).
الخامس : ذكر معجزات الأنبياء في القرآن من مصاديق ولاية الله عز وجل للمسلمين من جهات :
الأولى : إرتقاء المسلمين في سلم المعارف الإلهية .
الثانية : تفقه المسلمين في الدين .
الثالثة : معرفة المسلمين لأسماء الأنبياء ومعجزاتهم فخر وعز للمسلمين .
الرابعة : حفظ المسلمين لمعجزات الأنبياء بتلاوة آيات القرآن وبالتدارس والذكر الحسن .
الخامسة : إقتداء المسلمين بالأنبياء في أقوالهم وأفعالهم ، قال تعالى [أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ] ( ).
السادسة : إقتباس المسلمين دروس الصبر والعزم والإخلاص في طاعة الله ، فقد ذكرت آية البحث فرار طائفة من المسلمين يوم أحد ولم يفر الأنبياء مع أنهم لاقوا أشد صنوف الأذى من قومهم .
قانون أول آية
ورد لفظ [لاَ تَكُونُوا] تسع مرات في القرآن ، وهو عدد غير قليل بلحاظ أن كل مرة منه تتضمن مسائل وأحكاماً ودلالات ومنها آية البحث .
ولم يرد هذا اللفظ في سورة البقرة ، إنما ورد مرتين في سورة آل عمران ، وفيه دلالة على موضوعية هذه السورة في تأديب المسلمين وهدايتهم لسبل الصلاح ، والإعراض والعزوف عن عادات وقبيح فعل الذين كفروا ، قال تعالى في خطاب للمسلمين [وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ] ( ).
والآية أعلاه هي أول آية تبدأ بها آيات [وَلاَ تَكُونُوا]للدلالة على بقاء مضامين النهي الواردة في لفظ [لاَ تَكُونُوا] عوناً وعضداً للمسلمين في وحدتهم وتآخيهم وقيامهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وجاءت الآية التالية بالإخبار عن الشهادة بلحاظ لفظ [لاَ تَكُونُوا] ليستقل المسلمون بالصبر وصدق الإيمان والإعراض عما يقوله الذين كفروا ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ..].
ويمكن تأسيس قانون وهو النظر لكل آية قرآنية ، وهل يصدق عليها أنها أول آية في نظم القرآن بلحاظ وعنوان جهتي ومناسبة اللفظ والموضوع والحكم وغيرها من جهات :
الأولى : ورود كلمة في الآية لم ترد في آية قبلها في نظم القرآن , وقد ذكرنا في باب إعجاز الآية أسماء للآيات لم ترد إليها في فيها وذكرنا كلمات لم تذكر إلا في تلك الآية .
فمع مجئ آية البحث بعد أربعمائة وثلاث وأربعين آية من القرآن وهي مجموع آيات سورة الفاتحة وسورة البقرة وما تقدم من سورة آل عمران فلم يرد لفظ [ضربوا] إلا في آية البحث ، ولم يرد في آية أخرى من القرآن ، نعم ورد ذات الرسم خمس مرات ولكن المعنى والدلالة يختلفان .
وهو من إعجاز القرآن، ليكون بين أفراد الرسم القرآني المتحد عموم وخصوص مطلق فمادة الإلتقاء رسم الحروف , ومادة الإفتراق اللفظ والحركات والمعنى.
الثانية : الإعجاز البياني في نظم القرآن، وأسرار العطف بين الآيات، وسعة أو ضيق هذا العطف وجوه :
الأول : إتصال العطف بين بضع آيات كما تقدم بالنسبة للآيات السابقة إذ يتجلى العطف بين الآية 149 وما بعدها إلى الآية السابقة وقوله تعالى[إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ] وتقدم في الجزء السابق أن العطف أعم من أن يختص بحروف العطف ( )، إذ تجلت في الآية السابقة من وجوه:
أولاً : لغة الخطاب إذ بدأت قبل سبع آيات بقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ] وإتصلت بها الآية السابقة بقوله تعالى[إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا منكم ].
ثانياً : حروف العطف , وهي على قسمين:
الأول : حروف العطف التي يشترك فيها المعطوف مع المعطوف عليه لفظاً وحكماً مثل الواو، والفاء، وثم، وحتى، كما في قوله تعالى[إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ]( ).
الثاني : حروف العطف التي يشترك المعطوف مع المعطوف عليه لفظاً دون الحكم، مثل : أو،لا، بل ، أم ، أما، لكن.
وورد في آية البحث بقوله تعالى[قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ]( )، وهو من الإعجاز في بيان التباين بين القتل في سبيل الله والموت على السرير من حيث الثواب العظيم وحياة الشهداء عند الله حال مغادرتهم الدنيا.
ولأن الآيات وردت في مقام الزجر عن محاكاة الذين كفروا في محاولاتهم منع الذي آمنوا عن الإنبعاث إلى الدفاع عن الإسلام.
ثالثاً : إتحاد الموضوع، وهو خروج المسلمين للدفاع في معركة أحد عن :
الأول : الإسلام وبقاؤه في الأرض.
الثاني : النبوة الخاتمة التي تُصدق وتشهد للنبوات السابقة.
الثالث : شخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذ كان المشركون يطلبون قتله ومن حين خروجهم من مكة، لذا قاموا ببث إشاعة قتله في ميدان المعركة ، ليقولوا للمسلمين أن النبي الذي تدافعون عنه قد قتل ومعه يتوقف التنزيل.
الرابع : الدفاع عن القرآن والتنزيل الذي أراد الله عز وجل له البقاء إلى يوم القيامة.
الثالثة : التحقيق في الكلمات التي ترد أول الآية وفي إفتتاحها بلحاظ نظم القرآن، وهي على أقسام :
الأول : الكلمة التي ترد في أول الآية القرآنية , ثم لم ترد مرة أخرى في آية قرآنية أخرى سواء في أولها أو وسطها أو آخرها.
الثاني:الكلمة التي ترد أول الآية القرآنية ثم ترد في أول آية قرآنية أخرى.
الثالث : الكلمة التي تفتتح بها الآية القرآنية ثم ترد في وسط أول آخر الآية القرآنية.
الرابعة : الدلالة في الموضوع والحكم لإفتتاح الآية القرآنية بكلمة مخصوصة.
وكما ورد لفظ (ضربوا) في آية البحث فانه جاء في آيات أخرى بمعنى
مختلف كما في قوله تعالى في خطاب للمسلمين يوم معركة أحد [فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ] ( ).
قوله تعالى[وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ]
يحتمل متعلق قوله تعالى (والله بصير بما تعملون) وجوهاً:
الأول : إنه خاص بآية البحث.
الثاني : إرادة شموله للآية السابقة أيضاً.
الثالث : شمول مضامين الآيات السابقة بالقانون الذي أختتمت به آية البحث.
الرابع : إرادة شطر من مضامين الآيات السابقة والتي تتعلق بعمل المسلمين , والمختار هو الثالث أعلاه.
وقد ذكرنا صلة خاتمة الآية بمضامينها في باب سياق الآيات( )، أما صلة خاتمة آية البحث بمضامين الآيات السابقة الأخرى فهي على وجوه:
الأول : من وجوه الصلة بين خاتمة هذه الآية بالآية قبل السابقة [ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً]( ) بيان قانون وهو أن الله عز وجل يعلم حال وعمل المسلمين من وجوه :
أولاً : قبل أن ينزل النعاس على المسلمين.
ثانياً :عند نزول النعاس ودبيبه في أجسامهم.
ثالثاً : عمل المسلمين بعد نزول النعاس عليهم، لبيان قانون وهو أن الله عز وجل يعلم بأن نزول النعاس أفضل وأحسن للمسلمين، وهو نعمة خالية من الضرر الذاتي والعرضي، فلا يطرأ الأذى عليهم بسبب النعاس، ولا يستطيع الذين كفروا أن يفتنوا المسلمين.
تبين الآية أن الله عز وجل يعلم أمور وأحوال المسلمين من جهات:
الأولى : إن الله عز وجل يبصر ويعلم حال المسلمين.
الثانية : يبصر الله عز وجل ما يعمله المسلمون سواء العمل الذي فيه مفاعلة أو العمل المتقوم بذاته.
الثالثة : يبصر الله عز وجل أثر ما يعمله المسلمون.
وكما يعلم الله عزو جل أعمال المسلمين فانه سبحانه يعلم أعمال غيرهم من الناس قال تعالى[هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ]( ).
فقد أحاط الله عز وجل بكل ما يُبصر ويُرى من الموجودات في السموات والأرض، ومن غير أن ينتقل ببصر من شئ إلى آخر، إذ أن الله عز وجل يرى في كل آن ما في السموات السبع وما في الأرضين والبحار والجبال.
وجاءت آية البحث ليشكر المسلمون الله عز وجل على إخباره بأنه بصير بما يعملون، إذ تدل لغة الخطاب في الآية وإبتدائها بصيغة الإيمان على إرادة هداية المسلمين وأن الله يبصر أعمالهم ليأخذ بأيديهم نحو الصلاح والهداية.
وتتضمن خاتمة آية البحث بعث المسلمين والمسلمات على التقوى وتعاهد الفرائض وأدائها في أوقاتها، والحرص على محاكاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في عباداته، وإتباع سنته، وعنه صلى الله عليه وآله وسلم قال : صلوا كما رأيتموني أصلي( )، ليرى الله عز وجل المسلمين وهم يجتهدون في طاعته بذات الكيفية التي أمر بها وأرادها صبغة إيمانية لأهل الأرض .
وعن أبي الدرداء قال: أعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ، واعدد نفسك من الموتى ، وإياك ودعوة المظلوم فانها تستجاب ، ومن استطاع منكم أن يشهد الصلاتين العشاء والصبح ولو حبواً فليفعل( ).
إن الله عز وجل[عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ]( )، ومع علمه سبحانه فهو يرى الأشياء الظاهرة والخفية، والعظيمة والدقيقة، ويرى بواطن الأشياء والمخلوقات، فهو يرى أعضاء الحشرة وعروقها، وجريان الماء والزاد في جوفها، وما أجمل الشعر وأبهى النظم في صفات الله الحسنى، وتأليف المجلدات لتكون مدرسة وموعظة ومدرسة للتفقه في الدين.
وتقدير الآية على وجوه :
الأول : والله بما تعملون ويعمل غيركم بصير.
الثاني : من رحمة الله عز وجل بكم أنه يما تعملون بصير.
الثالث : يا أيها الذين آمنوا إجتهدوا في طاعة الله وحافظوا على سنن التقوى والله بما تعملون بصير.
الرابع : بيان مسألة وهي أن الله عز وجل يبصر حال المسلمين عند تولي وفرار طائفة منهم، ويعلم أن هذا التولي لن يضر المسلمين في ميدان المعركة ولن يسبب الهزيمة لهم، لذا ورد قبل ثلاث آيات وبخصوص معركة أحد [وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ]( ).
الخامس : جاء الخطاب في كل من آية البحث وآية السياق إلى المسلمين والمسلمات كافة، ولا يختص بالذين تولوا منهم، لبيان أنهم أمة واحدة يعود كل عمل صالح عليهم بالنفع، ويقيهم الله عز وجل الأذى والضرر حتى عندما يتولى فريق منهم، إن قوله تعالى[وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ] بشارة الجزاء من عند الله على الإيمان والصلاح والرضا بقضاء الله عز وجل .
ويحتمل الخطاب في الآية وجوهاً :
الأول : إرادة المسلمين والمسلمات بلحاظ نظم الآية وإبتدائها بخطاب [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ] ثم مجئ النهي بعد [لاَ تَكُونُوا] .
الثاني : المقصود خصوص أهل البيت والصحابة الذين خرجوا للقتال في معركة أحد .
الثالث : المراد الأنصار الذين إستجابوا للرسول وساروا إلى معركة أحد بعد أن صار الذين كفروا على مشارف المدينة ، وهم لا يرضون إلا بالقتال وسفك الدماء ، وهو من مصاديق إحتجاج الملائكة على جعل خليفة في الأرض كما ورد في التنزيل [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ] ( ).
ويحتمل بصر وعلم الله عز وجل بفعل المسلمين من جهة أفراد الزمان الطولية وجوهاً :
أولاً : إرادة أوان حدوث الفعل ، وتقدير الآية : والله بما تعملون بصير عند إتيان الفعل .
ثانياً : إرادة أوان وكيفية مقدمات الفعل , وتقدير الآية : والله بما تعملون بصير عند الهمّ بالفعل .
ثالثاً : إرادة بصر وعلم الله بعد إتيان الفعل ، وتقدير الآية : والله ما تعملون بصير بعد أن تعملوه .
رابعاً : بعد الله عز وجل بما يفعله المسلمون قبل مدة من الفعل وعندما تستبين مقدماته وتقدير الآية : والله بما ستعملون بصير .
ولا تعارض بين هذه الوجوه وبصر الله بأفعال العباد أزلي أبدي ، وجميع أفعال العباد حاضرة عند الله قبل أن يخلق السموات والأرض لذا حينما أخبر الله عز وجل الملائكة عن خلافة آدم في الأرض لم يذكر موضوع الخلافة بصيغة المضارع ، فلم تقل الآية ( إني سأجعل في الأرض ) أو (أني أجعل ) بل جاءت بصيغة اسم الفاعل [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ).
ترى لماذا أختتمت الآية بقانون [وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ]فيه وجوه :
الأول : بيان ضروب إبتلاء المسلمين بما يقوله الذين كفروا .
الثاني : كيف يواجه المسلمون هجوم الذين كفروا ومجيئهم من مكة إلى المدينة ، والثناء على المؤمنين لإمتثالهم لنداء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالخروج للقائهم , وعدم الإنصات لقول الذين كفروا وسعيهم الخبيث لبقائهم في المدينة .
الثالث : بيان المدد والفضل من عند الله بنصر المؤمنين ، وبيان قانون أن الله عز وجل بصير بما سيفعله المهاجرون والأنصار في محاربة الذين كفروا لذا جاء قوله تعالى [بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ]( ).
الرابع : حث المسلمين على التصدي للذين كفروا والمنافقين في المدينة ورد مقولتهم التي تتضمن المغالطة والتعريض ، وتقديره ( والله بما تعملون مع الذين كفروا والمنافقين بصير ) لقد أراد الله عز وجل التصدي للذين كفروا ورميهم بالذل ، لذا ورد قوله تعالى [جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ] ( ) لتكون هذه الغلظة على وجوه :
الأول : الرد على مقولة الذين كفروا والمنافقين وفضحهم وتكذيبهم لبيان قانون من جهتين :
الأولى : عدم الملازمة بين الخروج للقتال وبين الشهادة .
الثانية : مجئ القتل أو الموت للإنسان في أجله وإن كان في بيته وعلى فراشه،قال تعالى [أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمْ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ] ( )وتدفع الآية عن النفس النفرة من القتال , ومن القتل في سبيل الله ، وتحث المسلمين على عدم الوهن والضعف عن لقاء العدو بالإصغاء إلى أقوال المنافقين في التحريض على القعود , كما تدل عليه مضامين هذه الآية .
لذا إبتدأت الآية التالية بالعطف على هذه الآية التي ذكرت القتل وقدمته على الموت , وجاءت بصيغة الخطاب ، وتقييد القتل بأنه في سبيل الله بقوله تعالى [وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ] ( ) لتكون الآية تعضيداً للمسلمين وإعانة لهم وموعظة وبرهاناً للإحتجاج على الذين كفروا وبيان عدم ترتب الأثر على قولهم .
لقد أراد الله عز وجل تحذير المسلمين من مقولات المنافقين وبيان لزوم إجتنابهم وزجرهم ، قال تعالى يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ.
الثاني : تلاوة آية البحث التي هي من مصاديق الغلظة وزجر الذين كفروا عن إتخاذ المغالطة وسيلة لمنع الذين آمنوا من السعي في سبيل الله، والإنبعاث للجهاد.
الثالث : تفقه المسلمين في الدين، وإحتجاجهم على الذين كفروا، وبيان حاجتهم والأجيال اللاحقة للدفاع عن الإسلام.
الرابع : تأكيد البشارة بالنصر، وتبكيت الذين كفروا لصدودهم وإقامتهم على الجهالة والحسد، قال تعالى[وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ] ( ).

مشاركة

Facebook
Twitter
Pinterest
LinkedIn

مواضيع ﺫات صلة