معالم الإيمان في تفسير القرآن – الجزء- 139

المقدمــــة
الحمد لله الذي يهب الكثير المتصل إبتداء منه سبحانه ، وليكون نوع مقدمة وطريق لهبات متجددة , والثناء عليه سبحانه على آلائه وفيض جوده الدائم، الحمد لله الذي جعل نعمه على كل إنسان دفعية ومتتابعة , وكل نعمة تدعو الإنسان إلى عبادته والإقرار بلطفه وإحسانه، والإذعان لأوامره ونواهيه.
الحمد لله الذي بعث النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم على حين فترة من الرسل , وأنزل معه القرآن وجعله[تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ]( ).
الحمد لله الذي جعل كل آية من آيات القرآن غنى وضياء ينير دروب السالكين وسوراً وواقية من دبيب مفاهيم الضلالة إلى النفوس أو سيادتها في المجتمعات.
الحمد لله الذي أبى إلا رفع صرح الإيمان في كل زمان، وإصابة الذين كفروا بالضعف والوهن، الحمد لله بعدد آنات الزمان التي إنقضت والتي تأتي.
الحمد لله بعدد لمحات البصر وضروب بديع صنع الخلائق التي بل يقدر عليها إلا الله مما تجلى للحواس وما خفي عنها ، والذي هو أضعاف مضاعفة للأول .
الحمد لله الذي جعل حمده والثناء عليه دعاء وذكراً وقضاء لحاجات لا يعلمها إلا الله، وصيره أول وآخر دعاء الصالحين، وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن أفضل الدعاء الحمد لله وأفضل الذكر لا إله إلا الله.
الحمد لله الذي جعل الإنسان خليفة في الأرض بقوله تعالى[إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، وعندما إحتجت الملائكة على فوزه بمرتبة الخلافة , قال سبحانه[إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( )، ومن علمه تعالى أمور:
الأول : مصاحبة الحمد للإنسان من حين خلق الله آدم إلى قيام الساعة، وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لما نفخ الله في آدم الروح فبلغ الروح رأسه عطس فقال { الحمد لله رب العالمين } فقال له تبارك وتعالى: يرحمك الله)( ).
الثاني : صيرورة الحمد لله منهاج الأنبياء، وهو من مصاديق البشارة والإنذار في قوله تعالى[كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ]( )، فمن البشارة في الحمد أنه أمن وسلام وحرز في النشأتين، وهو ذاته بشارة لثواب عظيم وسعادة دائمة لمن ينطق به ويواظب عليه، وهو إنذار ووعيد للذين يعرضون عنه ويفرقون عنه.
الثالث : تفضل الله ببعث الأنبياء ونزول الكتب السماوية بالحمد لله.
الرابع : وجوب نطق كل مسلم ومسلمة بالحمد لله عدة مرات في اليوم وعلى نحو الوجوب العيني بتلاوة قوله تعالى[الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ]( ).
الخامس : عمارة المؤمنين الأرض بالحمد لله سبحانه .
لبيك اللهم وسعديك وحاجة الخلائق كلها إليك ، وأنت سبحانك جعلت الخير كله بيديك ، ليمتنع البرزخ والحاجب الذي يحول دون وصوله إلى عبادك وعامة الخلائق ، لا إله إلا أنت لا نعبد إلا إياك .
اللهم صل على محمد وآله الطيبين الذين أذهبت عنهم الرجس وطهرتهم تطهيراً .
اللهم لك الحمد زنة عرشك ومداد كلماتك التي لا تنفد .
اللهم إنا نستغفرك ونتوب إليك ونستعينك في أمورنا كلها ونتوكل عليك ، ونرجو رحمتك ونخشى سخطك ، اللهم يا سامع كل صوت ، و يا من أحاط بكل شئ علماً وفضلاً إهدنا للتي هي أقوم .
اللهم لك الحمد أن أنعمت علينا ببلوغ هذا الجزء , وهو التاسع والثلاثون بعد المائة من التفسير وما فيه من الإستقراء لذخائر من آيات القرآن ، إذ جعل الله عز وجل نداء الإيمان مفتاحاً وفاتحة لتسع وثمانين آية من القرآن ، فجاء هذا الجزء في بيان بضع آيات منها إذ يبدأ بقراءة وتفسير لقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا] ( ).
وقد جاء الجزء الرابع والثلاثون بعد المائة من هذا السفر خاصاً بتفسير هذه الآية المباركة ويتضمن هذا الجزء بياناً لموضوعية ودلالات نداء الإيمان في ذات الآية ورشحاته على مضامينها القدسية ، مع قصور ظاهر منا ، وعدم إحاطة بجزء يسير من هذه الدلالات ونفائس دررها .
لقد إنقطعت النبوة والوحي بمغادرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى ، ولكن أحكامها وسننها حاضرة بين الناس إلى يوم القيامة ببركة وفيوضات القرآن ، وهو كلام الله الباقي [مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ] ( ) برسمه وكلماته ومعانيه ودلالاته، وفي كل يوم تستظهر لآلئ من كنوزه ، وعلوم تنير للمسلمين والناس سبل الرشاد ، وهو من أسرار تعدد لفظ [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا]في القرآن .
إن تخصيص أجزاء متتالية من هذا السِفر المبارك لنداء الإيمان علم جديد يفتح أبواباً من العلم أكثرها موجودة في كتب التفسير إذ أتعب العلماء أنفسهم في إستنباطها .
لقد أراد الذين كفروا والمنافقون صد المهاجرين والأنصار عن الخروج لميادين الدفاع ليخلوا بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكفار قريش وللإجهاز عليه وعلى الإسلام ، ففضحهم الله وحذر المؤمنين من محاكاتهم .
ويتناول هذا الجزء مسائل من نداء الإيمان ونريد منه إصطلاحاً قول الله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] والنداء هو طلب إقبال المنادى بالذات أو الإنتباه بحاسة السمع أو البصر ، ويتألف موضوع النداء من أطراف :
الأول : المنادي الذي يصدر منه النداء وإرادة المقصود .
الثاني : أداء النداء سواء كانت أداة لمناداة القريب مثل أي و(أ) أو أداء لمناداة البعيد مثل أيا أو مثل نداء الندبة والإستغاثة ، أو النداء ب ( يا )، والتي تأتي للبعيد والقريب وللندبة ، وجاء نداء الإيمان بأداة النداء هذه .
الثالث : المنادى وهو الذي يتم طلبه ويتوجه إليه النداء ، وهو اسم وقد يأتي مضافاً , وشبيهاً بالمضاف , وعلماً مفرداً , ونكرة غير مقصودة , ومنه نداء الإيمان فيكون إعراب المنادى في [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] كالتالي :
فقوله تعالى : يا : أداء نداء .
أيها : أي منادى نكرة مقصودة مبني على الضم في محل نصب .
وتسمى (أي ) هنا أي الندائية ، وتكون وصلة إلى ما بعدها مما فيه (أل )التعريف ، وهو هنا الاسم الموصول [الذين].
والإيمان إعتقاد , وكيفية نفسانية , وضياء وطريق رشاد , وبلغة لتحقيق الغايات الحميدة .
وهناك تضاد بين الإيمان والشك في الأصول ، وبدأت الحياة في الأرض بالإيمان المحض الخالي من الشك إذ رأى آدم وحواء الآيات الباهرات وهما في الجنة قبل أن يهبط إلى الأرض بعد أن أغواهما إبليس بالأكل من الشجرة .
وجعل الله عز وجل الآيات الكونية الثابتة والمتجددة قريبة من الناس في كل زمان لتكون مدداً لهم للبقاء على الإيمان وتوارثه, قال تعالى [هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنْ السَّمَاءِ رِزْقًا] ( ).
وتفضل الله ببعث الأنبياء وأنزل الكتب السماوية للبشارة والإنذار والإخبار عن العالم الآخر والحساب والجزاء على ما عمله الناس في الحياة الدنيا ، ومن مصاديق الحساب والثواب والعقاب ما يضمره القلب وما يستبطنه الإنسان من الإعتقاد، وفيه دعوة للمسلمين للتنزه عن الشك وسوء الظن ، ومن إعجاز القرآن الغيري صيرورة الإنسان رقيباً على قلبه وفؤاده ، متعاهداً لعلم الإيمان حريصاً على جعله كنزاً وخزينة لسنن التقوى ، فيفزع إليه عند مداهمة المعاصي والسيئات فينهل منه ما يكون واقية منه ، ويلجأ إليه عند طرو مناسبة لفعل الخيرات وعمل الصالحات .
ويحس ويدرك المؤمن واعزاً من ذاته يدفعه للمبادرة إلى فعل الخير ، ويتجلى قانون الملازمة بين خشية القلوب والمبادرة إلى فعل الخير في قوله تعالى [وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ *أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ] ( ).
لقد ورد نداء الإيمان في القرآن على نحو التعدد ، لتأتي آيات القرآن بمصاديق وكيفية وسنخية الإيمان وخصال وصفات المؤمنين التي تتغشى أمور الدين والدنيا ، وتجدها في كل سورة من سور القرآن التي تبلغ مائة وأربع عشرة سورة سواء في المنطوق أو المفهوم ، ومنها ما ورد بأداء الحصر (إنما) للبيان والقطع وبعث المسلمين على العمل بما يمليه عليهم الإيمان منه بقوله تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ] ( ).
ومنها قوله تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ] ( ).
لقد ذكرت آية البحث حال وقبح قول الذين كفروا لتتجلى للمسلمين والناس الغايات الخبيثة لقولهم خاصة وأنهم كانوا يبثون سمومهم بين أبناء عمومتهم من الأوس والخزرج ، وكذا بالنسبة لكفار قريش ، فيكون من معاني قولهم [لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا] ( ) إرادة تحريف الحقائق ، والإخبار بأن الهجرة سبب لتعريضهم للقتل والموت والسعي لصد ومنع المسلمين من الهجرة ومغادرة مكة ، لذا تفضل الله عز وجل وذكر قول الذين كفروا في القرآن .
وإبتدأت الآية بنداء الإيمان لتأكيد أهمية الأمر ، ولزوم تآزر المسلمين والمسلمات في دفع أضرار قول الكفار فان قلت يتوجه نداء الإيمان إلى أجيال المسلمين والمسلمات إلى يوم القيامة وإنقطع قول الذين كفروا بفتح مكة .
الجواب لا دليل على إنقطاع هذا القول ، وهو متجدد بخصوص الوقائع والأحداث ما طرأ الجديدان الليل والنهار ، إلى جانب ذكر الذين كفروا في كل زمان بخصوص أهل البيت والصحابة الذين أستشهدوا في معركة بدر والخندق وحنين وغيرها من معارك المسلمين ليكون قولهم هذا من عمومات الدعوة بأن الإسلام أنتشر بالسيف والحق أنه إنتشر وساد بالمعجزة والبينة الواضحة ، وليس من حصر للشواهد التي تدل عليه .
وتحتمل ماهية النسبة بين الآية القرآنية والسيف وجوهاً :
الأول : نسبة العموم والخصوص المطلق ، وهو على شعبتين .
الأولى : السيف أعم من المعجزة .
الثانية : المعجزة أعم من السيف .
الثاني : نسبة التباين بين الهجرة والسيف في المقام .
والمختار هو الشعبة الثانية من الوجه الأول أعلاه ، فلقد كان السيف والجهاد في الإسلام فرع المعجزات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذ يتصف الجهاد في الإسلام بخصوصية وهو معجزة وفرع المعجزة ، ومن مصاديقه قوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ] ( ) لبيان إختلاف سنخية السيف في الإسلام بانه فرع المعجزة ومنه المدد الملكوتي ، قال تعالى [اذ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلاَئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ] ( ).
ومن الآيات الملازمة بين الضرورة ولجوء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة إلى السيف فكل معركة وقعت بين المسلمين والمشركين ، كان المشركون هم الذين يبدأون بأمور :
الأول : التهديد والوعيد .
الثاني : تعذيب المؤمنين والذين يدخلون الإسلام سراً أو علانية ، أي أنهم لا يكفون أيديهم وتعديهم حتى عن الذين اسلموا ولم يظهروا إسلامهم عمداً.
الثالث : الإعداد والتجهيز للغزو والهجوم على المدينة المنورة .
الرابع : طواف كفار قريش على القبائل المحيطة بمكة والتحريض على النبي محمد والإسلام .
الخامس : بذل الكفار الأموال الطائلة في إغراء وإعانة الذين يرضون بالقتال إلى جانبهم ضد الإسلام ، إذ سخّر كفار قريش أموال التجارة التي أنعم الله عز وجل عليهم بها في الضرب والسفر بين مكة والشام واليمن للتجارة والكسب وجلب البضائع لموسم الحج ، قال تعالى [لِإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ] ( ) .
ولكن الذين كفروا جحدوا بهذه النعمة العظيمة التي إمتازوا بها بين أهل الأرض ببركة البيت الحرام وفيوضات جواره ، وإتفق أن وقعت الحرب بين الدولة الفارسية والدولة الرومانية ، فانقطع طريق التجارة بين الهند والصين من جهة وأوربا من جهة أخرى عبر العراق والشام ، فصارت عير وقوافل قريش هي التي تنقل البضائع والمؤون , ولكن كفار قريش سخّروها لمحاربة الإسلام .
فجاءت عليها المعجزة التي يمكن أن تُقسم تقسيماً جديداً وهو :
الأول : إفاضات معجزات بداية البعثة النبوية .
الثاني : تجليات معجزة الهجرة النبوية وما صاحبها .
الثالث : توالي وإتصال المعجزة في حال السلم والمهادنة .
الرابع : تجلي معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في السنة الدفاعية .
الخامس : معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الأحكام ، ومسائل الحلال والحرام .
السادس : المعجزات ذات الصيغة الشخصية وأمور بيت النبوة وأمهات المؤمنين ، قال تعالى [النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى] ( ).
ويكون السيف فرعاً وفرداً من أفراد السنة الدفاعية ، فمن الآيات أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يبدأ قوماً بقتال ، وكان يوصي أمراء السرايا بتقديم الموعظة والإنذار والترغيب بالإيمان وبيان القبح الذاتي للقتال ، ولا يكون ذو المقدمة هو البدء بالقتال بل يستمر صدور الإنذارات والموعظة من طرف وجمع المسلمين إلى أن يقوم الذين كفروا بالبدء بالقتال .
ترى لماذا لا يصدون عنه ، الجواب أن أمراء جيش الكفار يرون قبول أفراد جيشهم للمواعظ التي تصدر من طرف جيش الإسلام ، ومن هذه المواعظ ما يكون عملياً وليس قولياً ، ويكون على وجوه :
الوجه الأول : ثبات الذين آمنوا في ميادين الوغى ، وعزمهم على الفوز بالنصر أو نيل مرتبة الشهادة [قُلْ هَلْ تَتَربَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ] ( ) .
وعندما بعث رؤساء جيش الذين كفروا في معركة بدر عيوناً لرصد جيش المسلمين والإحاطة الإجمالية بحالهم وهمتهم , وهل عندهم كمين أو لهم مدد ، وما هي عدتهم وأسلحتهم , فأخبرتهم العيون بأن الأنصار عازمون على القتال .
ولابد أن يتصف الذي يبعثه الجيش للإستطلاع بالفطنة وحدة النظر والخبرة ، والمعرفة بالمنطقة والتضاريس واحوال الخصم وعندما إستقر كفار قريش في موضعهم من معركة بدر (بَعَثُوا عُمَيْرَ بْنَ وَهْبٍ الجُمَحِيّ فَقَالُوا : احْزُرُوا لَنَا أَصْحَابَ مُحَمّدٍ ، قَالَ فَاسْتَجَالَ بِفَرَسِهِ حَوْلَ الْعَسْكَرِ ثُمّ رَجَعَ إلَيْهِمْ فَقَالَ ثَلَاثُ مِئَةٍ رَجُلٍ يَزِيدُونَ قَلِيلًا أَوْ يَنْقُصُونَ) ( ) .
ويدل لفظ (احْزُرُوا) على أن قريشاً بعثوا جماعة دفعة واحدة وليس عميراً هذا وحده ، خاصة مع الخشية عليهم من الأسر أو القتل لأنهم يقتربون من جيش المسلمين ويطلون عليهم .
ثم سأل عمير قريشاً أن يمهلوه حتى يطوف بجيش المسلمين من جميع الجهات خاصة طريق المدينة وهل لهم مدد ورصد وجيش إحتياطي .
قال ابن إسحاق ( فَضَرَبَ فِي الْوَادِي حَتّى أَبْعَدَ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا ، فَرَجَعَ إلَيْهِمْ فَقَالَ مَا وَجَدْتُ شَيْئًا ) ( ).
ولكنه كان ناصحاً لكفار قريش , وكان كلامه حجة عليهم إذ أنذرهم وخوفهم , وقال لهم (وَلَكِنّي قَدْ رَأَيْتُ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، الْبَلَايَا تَحْمِلُ الْمَنَايَا ، نَوَاضِحُ يَثْرِبَ تَحْمِلُ الْمَوْتَ النّاقِعَ قَوْمٌ لَيْسَ مَعَهُمْ مَنَعَةٌ وَلَا مَلْجَأٌ إلّا سُيُوفُهُمْ وَاَللّهِ مَا أَرَى أَنْ يُقْتَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ حَتّى يَقْتُلَ رَجُلًا مِنْكُمْ فَإِذَا أَصَابُوا مِنْكُمْ أَعْدَادَهُمْ فَمَا خَيْرُ الْعَيْشِ بَعْدَ ذَلِكَ ؟ فَرُوا رَأْيَكُمْ) ( ).
لقد كان إخبار العيون لهم بعدم وجود مدد للمسلمين نوع إستدراج لهم , قال تعالى [وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] ( ).
لتتجلى المعجزة بأبهى حلة فقد نزلت الملائكة مدداً من عند الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين ، قال تعالى [إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ] ( ).
لقد عميت أبصار الذين كفروا كما حرموا أنفسهم من نعمة البصيرة فحلت بهم الهزيمة , ونزل قوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ] ( ) .
الوجه الثاني : إمامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للمسلمين في ساحات القتال ، وعدم مغادرته موضعه عند لمعان السيوف ، وإن تقهقر المسلمون وفرّت الطلائع الأولى ومرت عليه منهزمة ، ومن الآيات أن بقاءه في هذه الحال لم يكن لمرة واحدة ، أو في معركة مخصوصة , بل تكرر لمرات منها معركة أحد وحنين ،
وعن الإمام علي عليه السلام عليه السلام قال : كنا إذا حمى أو اشتد البأس واحمرت الحدق اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم
فما يكون أحذ أقرب إلى العدو منه ولقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو أقربنا إلى العدو وكان من أشد الناس يومئذ بأسا ) ( ).
لقد كانت الملائكة تحيط به وتضرب وتشاغل وتجالد العدو بين يديه ( عن أنس قال كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس ولقد فزع أهل المدينة ليلة فركب فرسا لأبي طلحة عرى فخرج الناس فإذا هم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد سبقهم إلى الصوت قد استبرأ الخبر وهو يقول لن تراعوا .
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لقد وجدناه بحرا أو أنه لبحر قال حماد وحدثني ثابت أو بلغني عنه قال فما سبق ذلك الفرس بعد ذلك قال وكان فرسا يبطى ء ) ( ).
(سئل البراء أفررتم يوم حنين قال لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر ) ( ).
ليكون من معاني جوابه وجوه :
أولاً :ما دام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باق في موضعه من المعركة فلا يصدق على الجيش أنه فرّ.
ثانياً : المدار على قائد الجيش وبقائه في المعركة .
ثالثاً : دعوة الناس للتدبر في معجزة النبوة يوم حنين ، فقد كان فرار أكثر المسلمين يومئذ سبباً حاضراً لتجلي معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في السنة الدفاعية .
رابعاً : إرادة قانون وهو مع عدم فرار النبي صلى الله عليه وآله وسلم يأتي النصر والغلبة للمسلمين .
وفي معركة أحد أوصى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الرماة بعدم ترك مواضعهم .
(وقال الامام أحمد: حدثنا موسى، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق، أن البراء بن عازب قال: جعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الرماة يوم أحد، وكانوا خمسين رجلا، عبد الله بن جبير، قال: ووضعهم موضعا , وقال : إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا ظهرنا على العدو وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم.
قال: فهزموهم، قال: فأنا والله رأيت النساء يشتددن على الجبل وقد بدت أسواقهن وخلاخلهن رافعات ثيابهن.
فقال أصحاب عبدالله بن جبير: الغنيمة، أي قوم الغنيمة، ظهر أصحابكم، فما تنظرون ؟ قال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ قالوا: إنا والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة.) ( ).
ولكنهم تركوا مواضعهم , ونزلوا طمعاً بالغنائم عندما رأوا هزيمة الذين كفروا ، ولم يبق إلا أميرهم عبد الله بن جبير ومعه ثمانية من أصحابه فجاءتهم خيل المشركين من الخلف فأجهزت عليهم خصوصاً وان كفار قريش جاءوا معهم بمائتي فرس لم ترهق بركوب ، لتكون جاهزة للقتال ، وهو أمر لا يتحقق لأكثر القواد والجيوش بأن تكون عنده آليات ومعدات فاعلة حديثة لا تستخدم إلا عند القتال .
ولم تستخدم قريش تلك الخيول عند إبتداء القتال ولم يجعلوا أكثرها في مقدمة الجيش ، بل تركوا شطراً منها لتبقى تترقب غفلة الرماة أو تركهم مواضعهم , وكانت خيل المشركين برئاسة خالد بن الوليد وعِكرمة بن أبي جهل ، وكلما أغاروا على الرماة رشقوهم بالسهام فاضطروا للرجوع إلى أن ترك أكثر الرماة مواضعهم وإرتبك جيش المسلمين وحصل الفرار من أكثرهم .
وبقي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليكون من دلائل النبوة الثبات في القتال وعدم الفرار أو ترك موضعه مع جواز هذا الترك في حال الرجوع إلى فئة , قال تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمْ الأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ] ( ) .
ولكن رسول الله صلى الله صلى الله عليه وآله وسلم هو فئة المسلمين وهو كهفهم بشخصه ورسالته والوحي الذي ينزل عليه والملائكة الذين يحيطون به ، وفي معركة حنين حدث ذات الأمر إذ فاجأت خيل ورماح هوازن جيش المسلمين مع كثرته فانهزمت مقدمته ومروا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولكنه بقي في موضعه ، وكان هذا البقاء علة وجودية ظاهرية لنصر المسلمين , ودحر الذين كفروا بخزي إنقطع معه طمع الذين كفروا بالإجهاز على الإسلام .
ومن الموعظة ثبات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في القتال مع إشتداده ، وزحف الذين كفروا وصيرورتهم على بعد خطوات منه ، كما في معركة أحد فقد كانت حجارتهم تصل إليه ، حتى أصابت رأسه ووجهه الشريف بجراحات وأنكسرت أسنانه الأمامية .
وكان ابن قمئة يقول يوم أحد (دُلّونِي عَلَى مُحَمّدٍ ، فَلَا نَجَوْتُ إنْ نَجَا) ( ).
وتكون هذه الموعظة على جهات :
الأولى : إنها موعظة وأسوة كريمة لجيش المسلمين ، ويحتمل وجوهاً :
أولاً : إتعاظ الصحابة الذين مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذات المعركة .
ثانياً : إنتفاع المهاجرين والأنصار جميعاً من ثبات النبي في ميدان القتال .
ثالثاً : تأسيس قانون في تأريخ الإسلام ، وهو ثبات أمير السرية القائد في ميدان الدفاع .
رابعاً : إقتباس المقاتلين من المسلمين الدروس والمواعظ من جهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وصبره في ساحات القتال .
خامساً : إستقراء عموم المسلمين والمسلمات المواعظ من جهاد محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مواضع القتال .
سادساً : تترشح البركة عن سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الدفاعية , لينهل منها الناس جميعاً , وهو من عمومات قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ).
ولا تعارض بين هذه الوجوه ، وكلها من مصاديق المدد .
الثانية : زجر الذين كفروا عن محاربة الإسلام ، وبعث الخوف في نفوسهم من معاودة الهجوم على المدينة ، ولو تدبر الناس في أيام الإسلام الأولى في مكة , ثم بناء دولة الإسلام بعد الهجرة النبوية لتجلت لهم المعجزات والمدد الإلهي ، إذ لا يمكن أن يسلم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون إلا بفضل ولطف وعون ظاهر وجلي من عند الله عز وجل .
الثالثة : لقد كان ثبات النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مواطن الحرب والمجاهدة دعوة للناس لدخول الإسلام ، سواء الذين شاهدوا هذه المعجزة الحسية من جيش العدو ، أو الذين من خلفهم من الكفار ، فقد يصف الكافر الذي حضر معركة بدر أو أحد أو الخندق أو المعركة .
فيدرك السامعون حقيقة وهي أن هذا الثبات أمر خارق للعادة ، ولا يكون إلا بمعجزة من عند الله ،فيدخل الناس الإسلام عند بلوغهم ثبات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الميدان مع شدة ودنو الضرر ، وقرب الموت منه فلم يرض المشركون إلا البطش به , وكان قتله هدفا لكفار قريش عند خروجهم للقتال في معركة بدر وأحد والخندق , وهو حامل الأمانة العظمى في تأريخ الإنسانية ، فلم يحمل أحد من الأنبياء من كنوز الوحي كالذي حمله النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومنه نزول القرآن بالذات ، وكيفية نزوله على مساقط النجوم والتدريج .
إذ تنزل الآيات بأسبابها أو أدائها وعلى مدى ثلاث وعشرين سنة ، فقتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في آية معركة من معارك المسلمين إنخرام وقطع لنزول باقي آيات وسور القرآن [وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ] ( ).
الرابعة : دعوة المنافقين للتوبة والإنابة والكف عن إستبطان الكفر ، والجحود بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم , لقد كان ثبات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المعارك وخروجه سالماً منها بآية من عند الله درساً بليغاً للمنافقين سواء الذين كانوا معه في المعركة ، أو الذين تخلفوا في المدينة ، ولا يعلم عدد الذين تابوا من المنافقين والمنافقات إلا الله عز وجل .
ومن الإعجاز في نداء الإيمان أنه دعوة للمنافقين للتوبة والصلاح إذ أنهم مشمولون بهذا الخطاب بلحاظ إيمانهم الظاهري، وتقديره بخصوص المنافقين على وجوه :
أولاً : يا أيها الذين آمنوا بالظاهر آمنوا بالباطن .
ثانياً : يا أيها الذين آمنوا مع المؤمنين كونوا صادقين في ايمانكم.
ثالثاً : يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم أن عذاب الذي يخفي الكفر شديد قال تعالى [مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ] ( ).
رابعاً : يا أيها الذين آمنوا زوراً ومكراً إنكم تضرون وتخدعون أنفسكم وفي التنزيل[يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ] ( ) .
خامساً : يا أيها الذين آمنوا بالسنتهم ولم يتعد إيمانهم تراقيهم أبشروا بالعذاب الأليم .
سادساً : يا أيها الذين آمنوا بأفواههم وتأبى قلوبهم إلا الكفر يعلم الله عز وجل سرائركم، ويحصى عليكم سيئاتكم.
سابعاً : يا أيها المنافقون توبوا إلى الله توبة نصوحاً.
ومن معاني توجه نداء الإيمان للمؤمنين بخصوص المنافقين وجوه :
أولاً : يا أيها الذين آمنوا ان المنافقين بين ظهرانيكم.
ثانياً : يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالمنافقين الذين قالوا لاخوانهم [إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا]( ).
ثالثاً : يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم وقلوبهم أنتم المؤمنون حقاً .
رابعاً : يا أيها الذين آمنوا إحذروا المنافقين.
خامساً : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا المنافقين بطانة ووليجة.
سادساً : يا أيها الذين آمنوا أغلظوا على المنافقين .
سابعاً : يا أيها آمنوا أدعوا المنافقين والمنافقات إلى التوبة .
ثامناً : يا أيها الذين آمنوا لا تطيعوا المنافقين .
تاسعاً : يا أيتها اللائي آمنّ إحذرن المنافقات.
وهل يمكن أن يكون معنى خاص لكل فرد من نداء الإيمان في القرآن بلحاظ مخاطبة أو ذم المنافقين بحسب مضامين ذات آية النداء الجواب نعم، وهو علم جديد تتجلى شذرات منه في قانون (نداء الإيمان ذم للمنافقين).
الوجه الثالث : دخول المسلمين إلى المعارك مع قلة عددهم والنقص في مؤنهم وأسلحتهم، وخروجهم منها بالنصر المؤزر خلافاً لقواعد القتال، وسنن المعارك في التأريخ، قال تعالى[كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ]( )، وتدل خاتمة الآية أعلاه على مجئ العون والمدد من عند الله للذين آمنوا الذين يصبرون في طاعته، وفي الجهاد في سبيله.
ولا يقدر على هذا الصبر إلا المؤمنون، فلذا جاء في هذا الجزء بيان موضوعية الإيمان وندائه في الحث على الصبر في آية المصابرة بقوله تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ).
لتقتبس ضروب الحكمة والمدد من الصلة بين قوله تعالى[إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ]( )، مع نداء الإيمان وقوله تعالى (اصبروا) وقوله تعالى(صابروا) وقوله تعالى ( رابطوا) وقوله تعالى (اتقوا الله) وقوله تعالى (لعلكم تفلحون) وهذا ما نبينه في تفسير نداء الإيمان من آخر آية من آيات سورة آل عمران والذي يتزين به هذا الجزء من التفسير وهو التاسع والثلاثون بعد المائة , باسم قانون الصلة بين نداء الإيمان والصبر , وقانون نداء الإيمان ومضامين آية صابروا الواردين في هذا الجزء .
ويرى الناس طرف الكثرة مع الذين كفروا ولم يعلموا أن بركات النبوة أعظم وأوسع وأكثر أثراً من الكثرة، ويمكن تأسيس قوانين :
الأول : قانون لا قلة مع الإيمان , ولا كثرة مع الكفر .
وهل يمكن القول لا قلة مع نداء الإيمان النازل من عند الله عز وجل , الجواب نعم، إذ أنه باعث على الصبر ومقدمة للنصر، وواقية من نقض نصر المؤمنين، أو تحريف الغايات الحميدة للصبر والدفاع عن بيضة الإسلام .
الثاني : قانون لا هزيمة مع الإيمان , ولا نصر مع الكفر , وتدل عليه الشواهد ونتيجة معارك الإسلام الأولى .
الثالث : قانون كل نصر للإيمان موعظة حسية وعملية، تزيد المسلمين إيماناً، وتكون للكافرين إنذاراً.
لقد جاء هذا الجزء والجزء السابق في المضامين القدسية لنداء الإيمان، وهو قول الله تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] الذي نزل ليبقى برسمه ولفظه ومعانيه ودلالاته، ووجود أمة في كل زمان تتلقاه بالقبول والرضا والإمتثال لمضامين الآيات التي ورد فيها والآيات التي وردت معطوفة على آيات نداء الإيمان، وآيات القرآن كلها.
فمن إعجاز القرآن وتفضيله على الكتب السماوية السابقة بقاؤه بين أيدي الناس إلى يوم القيامة سالماً من النقص والزيادة والتحريف، وحينما يطل نداء الإيمان على أهل الأرض في كل يوم فلابد من وجود أمة ينطبق عليها مصداق الإيمان ينتشرون في أقطار الأرض بشرف عظيم وهو أن الجامع المشترك بينهم تلقي نداء الإكرام والتشريف من عند الله عز وجل .
وإن قلت يرد في كتب التفسير بيان نداء الإيمان في تفسير الآية التي تتضمنه والتي تفتتح به ، والجواب إن تخصيص أجزاء لنداء الإيمان وموضوعيته علم جديد تتجلى فيه فرائد من اللآلئ التي تضئ دروب الهداية للناس جميعاً ، والمسلمين خاصة .
وهناك فرق بين أن تتقوم الدراسة والتحقيق بنداء الإيمان وأسراره وبين أن يكون جزء من تفسير الآية ، ومن وجوه هذا العلم أن كل نداء في القرآن يصلح أن يكون أصلاً في التفسير , وعلماً مستقلاً بذاته ، ومنها :
الأول : قصة كل نبي ذكر في القرآن , والجمع بين الآيات التي وردت بخصوصه ، وموضوع وأحكام نبوته , بلحاظ أنها خطاب وموعظة وتأديب للمسلمين والمسلمات .
قال تعالى [وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ] ( ) وفي الآية مسائل علمية من جهات :
الأولى : تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بذكر قصص الأنبياء في القرآن .
الثانية : اللطف والرحمة من عند الله عز وجل بالخطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن الله يقص القصص عليه .
الثالثة : إرادة إتعاظ المسلمين وإقتباسهم الدروس من قصص الأنبياء ، قال تعالى [لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ] ( ).
الرابعة : دعوة المسلمين لإستقراء دروس النبوة والرسالة من قصص الأنبياء المذكورة في القرآن ، وكفاية ما ذكر من قصص الأنبياء في القرآن وبدليتها عن مجموع قصص الأنبياء وجهادهم في سبيل الله ، وهو من مصاديق قوله تعالى [أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ] ( ).
الثاني : ملائمة نداء الإيمان ليصبح البشارة والإنذار في القرآن مع بيان وجوه هذه الملائمة .
الثالث : تقدير نداء الإيمان في بدايات الآيات , وإقتباس المواعظ والدروس من هذا التقدير ، كما في تقديره على سبيل المثال : يا أيها الذين آمنوا (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً) ( ).
الرابع : الأحكام التكليفية الخمسة الواردة في القرآن ، وهي التي ترد أمراً أو نهياً على وجه التعبد ، وتكون مقصودة بذاتها وهي :
أولاً : الواجب ويسمى الفرض والحتم , ويمكن تسميته المكتوب , والذي أمر الله عز وجل باتيانه وفعله على نحو اللزوم كما في الصلوات الخمسة والصيام ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ] ( )فأن قلت الصلاة أكثر أهمية من الصيام في سلم العبادات ويتعدد فرضها خمس مرات في اليوم بينما يجب الصيام في شهر واحد في السنة هو شهر رمضان فهل ورد ذكر الصلاة في آيات نداء الإيمان مثلما ورد الصيام في الآية أعلاه ، الجواب نعم ، فقد ورد ذكر الصلاة ومقدماتها وأفعالها في آيات النداء , منها قوله تعالى [وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ ..] ( ).
ومنها [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ) .
ومنها قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ] ( ) .
ومنها ما يتعلق بخصوص صلاة الجمعة كما في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ] ( ).
وقد تقدم في بحث اصولي أقسام الواجب .
ثانياً : المندوب وهو لغة اسم مفعول بمعنى المدعو ، وهو الذي جاء به الأمر من الكتاب أو السنة ولكن ليس على وجه الإلزام والقطع , ويسمى السٌنة والنفل والقربة والإحسان ، زمنه صلاة النافلة والصيام المندوب والحج المستحب والصدقة المندوبة من غير الزكاة .
ويثاب فاعل المندوب ولا يعاقب بتركه ،وقد أنعم الله عز وجل على المسلمين بكثرة النوافل والمستحبات لتكون بلغة إلى الخلود في النعيم .
وعن وهب بن منبه قال (إن الله أوحى في الزبور : يا داود إنه سيأتي من بعدك نبي اسمه أحمد ومحمد صادقاً نبياً لا أغضب عليه أبداً ولا يعصيني أبداً ، وقد غفرت له أن يعصيني ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وأمته مرحومة أعطيتهم من النوافل مثل ما أعطيت الأنبياء .
وافترضت عليهم الفرائض التي افترضت على الأنبياء والرسل ، حتى يأتوني يوم القيامة ونورهم مثل نور الأنبياء ، وذلك أني افترضت عليهم أن يتطهروا لي لكل صلاة كما افترضت على الأنبياء قبلهم .
وأمرتهم بالغسل من الجنابة كما أمرت الأنبياء قبلهم ، وأمرتهم بالحج كما أمرت الأنبياء قبلهم ، وأمرتهم بالجهاد كما أمرت الرسل قبلهم ، يا داود إني فضَّلت محمداً وأمته على الأمم ، أعطيتهم ست خصال لم أعطها غيرهم من الأمم ، لا أؤاخذهم بالخطأ والنسيان ، وكل ذنب ركبوه على غير عمد إذا استغفروني منه غفرته ، وما قدموا لآخرتهم من شيء طيبة به أنفسهم عجلته لهم أضعافاً مضاعفة .
ولهم عندي أضعاف مضاعفة وأفضل من ذلك ، وأعطيتهم على المصائب في البلايا إذا صبروا وقالوا إنا لله وإنا إليه راجعون الصلاة والرحمة والهدى إلى جنات النعيم ، فإن دعوني استجبت لهم ، فإما أن يروه عاجلاً وإما أن أصرف عنهم سوءاً وإما أن أؤخره لهم في الآخرة .
يا داود من لقيني من أمة محمد يشهد أن لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي صادقاً بها فهو معي في جنتي وكرامتي ، ومن لقيني وقد كذب محمداً وكذب بما جاء به واستهزأ بكتابي صببت عليه في قبره العذاب صباً ، وضربت الملائكة وجهه ودبره عند منشره من قبره ، ثم أدخله في الدرك الأسفل من النار) ( ).
ومن الأصوليين من فرق بين المسنون والمستحب ،وقال بأن المسنون ما ثبت بدليل شرعي , أما المستحب فهو ما قاله الفقهاء عن إجتهاد .
ولا دليل على هذا التقسيم ، والأصل أن المسنون والمستحب إسمان لمسمى واحد ثبت بدليل شرعي ، ويمكن لمن قال بهذا التفريق أن يأتي بالأمثلة المتعددة للبيان والإثبات .
ثالثاً : الحرام وهو ما نهى عنه الشارع على نحو الإلزام ويسمى المحظور والمعصية والذنب , فكل من أكل مال الربا وشرب الخمر حرام .
ومن يفعل من الحرام يؤثم ، ويستحق العقاب ، ومن يتركه يكتب له الأجر والثواب بلحاظ أن هذا الترك أمر وجودي ، وإمتثال لأمر الله عز وجل .
الرابع : المكروه وهو الذي لا يعاقب فاعله مع البغض الذاتي لذات الفعل ، ولكنه لا يصل إلى مرتبة وقبح الحرام .
والذي يترك المكروه يثاب ويؤجر لتركه إمتثالاً لأمر الله ، وقيل أن المكروه مقدمة للحرام لأن من إعتاد على فعل المكروه تجرأ على الحرام ، ولا دليل على هذا القول .
الخامس : المباح ، وهو لغة المعلن ، والذي ورد الإذن فيه ، أما في الإصطلاح فهو الذي يكون فيه المكلف مخيراً بين الفعل والترك ، وما لا يتعلق به أمر أو نهي ، ويسمى الحلال والجائز ، ومنه أكل الطيبات من غير ما حرم الله ، قال سبحانه [وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ] ( ).
وقيل أن ذكر المباح في التكاليف من باب التسامح وإكمال القسمة في عالم الأفعال , بلحاظ أن التكليف خطاب بأمر ونهي ، ولكن الآية أعلاه تدل على أنه من التكليف إذ تضمنت الآية الأمر بالأكل من رزق الله الحلال الطيب ، إستجابة لأمر الله سبحانه ولإستدامة الحياة التي هي مقدمة ونوع طريق لعبادة الله عز وجل ، لذا عطفت الآية الأمر بالتقوى على الأمر بالرزق وتقسيم الإباحة إلى أقسام منها الإباحة الشرعية , وهي التي يرد إذن بها في الكتاب والسنة كما في قوله تعالى بخصوص ليالي شهر رمضان [وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ]( ).
ومنها الإباحة العقلية ، وقيل هي الأصل , ويقال في علم الأصول الأصل في الأشياء الإباحة ، قال تعالى [وَسَخَّرَ لَكُمْ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمْ الأَنهَارَ] ( )ومنها الإباحة العرفية التي لا تتعارض مع الشرع .
ومن إعجاز القرآن أن آيات نداء الإيمان تتضمن الأحكام التكليفية الخمسة .
ومن خصائص نداء الإيمان أنه باعث على فعل الواجب وزاجر عن فعل الحرام ، وهو حاضر في المستحبات ، ويرغب فيها ، ويبعث النفرة من المكروه ويجعل النفس لا تميل إليه .
لقد أراد الله عز وجل بقوله [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] هداية المسلمين للعمل بما يجب عليهم ، والوقاية مما نهى الله عنه ، إذ يصاحبهم نداء الإيمان فيكون حرزاً وضياءً وداعية إلى الصبر والإستعانة به ويداهم الإفتتان المسلم فيغرق في فيوضات نداء الإيمان فتكون له واقية وعضداً ومؤنساً.
وبنعمة وفضل من عند الله سبحانه أقوم بكتابة أجزاء التفسير المتعاقبة وكتبي الفقية والأصولية والكلامية وتصحيحها ومراجعتها بمفردي [فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِي اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ] ( ).
حرر في 15 / 8 / 2016
11 ذو القعدة 1437

قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِ وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ] ( ).
إبتدأت هذه الآية بنداء الإيمان خطاباً للمسلمين والمسلمات الموجود والمعدوم .
وهل يختص هذا النداء بمن يبلغ سن الرشد من المسلمين وأن هناك ملازمة بين نداء الإيمان والتكليف، الجواب لا، وهو من إعجاز القرآن فيدرك الفتى المسلم موضوعية ونفع نداء الإيمان وكيف أنه مشمول به قبل سن التكليف ليصاحبه هذا النداء في نشأته ويكون حاضراً في الوجود الذهني ، ويساعد في تنمية ملكة الهدى والإيمان عنده.
ويمكن إستقراء مسائل وعلوم تخص إبتداء الآية بنداء الإيمان من جهات :
الأولى : وجوب تعاون المسلمين في إتيان ما تأمر به آية النداء وإجتناب ما تنهى عنه .
الثانية : الكشف عن حقيقة وهي أن موضوع الآية مسألة إبتلائية عامة .
الثالثة : لزوم تفقه المسلمين في المضامين التي ترد في آية النداء .
الرابعة : تكون آية النداء نوع عهد بين الله عز وجل وبين المسلمين ، وفي التنزيل [وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ] ( ) لقد ورد في الآية الاسم الموصول [الذين] مرتين مع التضاد والتباين بينهما من جهة المتعلق والمقصود والموضوع من جهات :
الأولى : تشريف وإكرام المسلمين بنداء الإيمان .
الثانية : سلامة المسلمين من إكتساب القول القبيح من الذين كفروا ، ومن الإعجاز في نداء الإيمان أنه مدد للمسلمين للتوقي والإحتراز من الذين كفروا وخصالهم المذمومة .
الثالثة : لقد أراد الذين كفروا والمنافقون بعث روح القعود والتخلف عن النفير بين المسلمين ، فتفضل الله عز وجل بنداء الإيمان ليأتي على كيدهم ويجعله هباءً ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ] ( ) بتقريب أن نداء الإيمان من مكر الله عز وجل من وجوه :
الأول : سلامة المسلمين من تقليد الذين كفروا .
الثاني : مناجاة وتآزر المسلمين لإجتناب التشبه بالذين كفروا في الصد عن الدفاع والمرابطة .
الثالث : إكرام المسلمين للذين قتلوا في سبيل الله دفاعاً وصبراً .
ومن الغايات الخبيثة للذين كفروا بقولهم بخصوص شهداء الإسلام [لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا]( ) أمور :
الأول : بث روح الشك والريب عند المسلمين .
الثاني : تحريض عوائل المسلمين لهم على القعود وعدم الخروج للجهاد .
الثالث : خشية أهل المدينة عموماً على أبنائهم الذين يخرجون للقتال والدفاع .
الرابع : إرادة إلحاح أهل المدينة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخصوص أبنائهم الذين يخرجون للدفاع والسؤال اليومي المتكرر منه ، هل هم أحياء ، وأين هم الآن ، وهل خاضوا معركة ، ومتى يأتون ونحوه في محاولة من الذين كفروا لمنع الناس من تلقي آيات القرآن وتلاوتها وتناقلها والعمل بمضامينها لذا جاءت آيات القرآن بالتحذير الشديد من الذين كفروا والمنافقين في سعيهم للصد عن سبيل الله .
وجاءت آية البحث بصيغة الجمع بخصوص الذين كفروا من جهات :
الأولى : ذكرت الآية الذين كفروا مما يدل على أنهم يعملون كطائفة .
الثانية : ذكر الآية لإخوانهم بصيغة الجمع [وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ] ( ) مما يدل على تعدد وشيوع نهي الذين كفروا المسلمين بالنفاذ من طرف الأخوة والنسب والقرابة .
الثالثة : تعدد موضوع اللوم والمنع ، إذ ذكروا الضرب في الأرض والسفر للتجارة والكسب والتبليغ والخروج للغزو ، وهل يدخل الدفاع مع الغزو .
الجواب نعم ، ولكنهم ذكروا اسم الغزو لأنه الظاهر ولرجاء المسلمين حيازة الغنائم من العدو عند غزوه وهجومه كما حدث في معركة بدر ، وكما في معركة حنين، إذ بدأت هوازن الهجوم على المسلمين فوقعت اموالهم غنائم , ونساؤهم وصبيانهم سبايا في معجزة في السنة الدفاعية ، تتجدد منافعها وبركاتها في كل زمان إذ أخطأ مالك بن عوف رئيس هوازن العام بأن أحضر معه النساء والصبيان والبهائم ليقاتلوا دونها ، ولم يعلموا أنه لا تقف قوة من أهل الأرض أمام سلطان النبوة والمدد من الملائكة الذين نزلوا في معركة حنين لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وكانت الغنائم على وجوه :
الأول : السبي من النساء والصبيان وعددهم ستة آلاف ، وعندما وصل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الجعرانة حيث جمع السبي والغنائم رأى حظائر فسأل عنها فقيل له : هذا سبي هوازن استظلوا من الشمس ، فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بسر بن سفيان الخزاعي بالذهاب إلى مكة وان يشتري للسبي ثياباً (فلا يخرج المرء منهم إلا كاسياً، فاشترى بسر كسوة فكسا السبي كلهم) ( ).
ولم يحدث في تأريخ النبوة أن وقع مثل هذا العدد أو نصفه سبايا في معركة ، ومع هذا فقد قام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم برد السبي كلهم إلى أهليهم ، وأمر بإعادة ما فرقه منه (وقد كان فرق منه، وأعطى رجالاً؛ عبد الرحمن بن عوف كانت عنده امرأة منهن قد وطئها بالملك، كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد وهبها له بحنين فردها إلى الجعرانة حتى حاضت فوطئها، وأعطى صفوان ابن أمية أخرى، وأعطى علي بن أبي طالب عليه السلام جاريةً يقال لها ريطة بنت هلال بن حيان بن عميرة، وأعطى عثمان بن عفان جارية يقال لها: زينب بنت حيان بن عمرو، فوطئها عثمان فكرهته، ولم يكن على وطئ. وأعطى عمر بن الخطاب جاريةً، فأعطاها عمر ابنه عبد الله بن عمر، فبعث بها ابن عمر إلى أخواله بمكة بني جمح ليصلحوا منها حتى يطوف بالبيت ثم يأتيهم، وكانت جارية وضيئةً معجبة.
قال عبد الله بن عمر: فقدمت مكة فطفت بالبيت ، فخرجت من المسجد وأنا أريد الجارية أن أصيبها، وأرى الناس يشتدون فقلت : ما لكم ؟ قالوا: رد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نساء هوزان وأبناءها. قال: قلت: تلك صاحبتكم في بني جمح، فاذهبوا فخذوها! فذهبوا فأخذوها.
وأعطى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جبير بن مطعم جارية من سبي هوازن فلم توطأ. وأعطى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طلحة بن عبيد الله جارية فوطئها طلحة.
وأعطى سعد بن أبي وقاص جارية، وأعطى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا عبيدة بن الجراح جارية فوطئها، وأعطى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الزبير بن العوام جاريةً؛ وهذا كله بحنين. فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الجعرانة أقام يتربص أن يقدم عليه وفدهم) ( ).
الثاني : الغنائم من الإبل وعددها أربعة وعشرون ألف بعير , إذ جاءت هوازن وثقيف بجميع ما عندهم من الإبل لأمور :
أولاً : الركوب عليها ، وترك شطر منها من غير ركوب عليها أو إجهاد لها لتكون خاصة بالقتال ، ودخول المعركة بها .
ثانياً : عدم وجود أناس في الطائف يختصون برعيها وخدمتها وتعاهدها .
ثالثاً : خشية هوازن إغارة المسلمين على الطائف وأخذ الإبل غنائم , فبعد فتح مكة صار الناس يدخلون الإسلام جماعات , وهم في قراهم ومدنهم , والبادية , حتى أصبح أهل الطائف بعد حصارها يخشون مغادرتها , قال تعالى [إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً] ( ).
رابعاً : حث أفراد جيش هوازن من المشركين على الدفاع عن الإبل ، لأنها عماد معاشهم ، وبه تتقوم تجارتهم وضربهم في الأرض .
الثالث : الغنائم من الغنم والشياء وعددها أربعون ألفاً.
(عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي : بعثت إلى الأحمر والأسود ، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد كان قبلي .
ونصرت بالرعب فيرعب العدوّ وهو مني مسيرة شهر ، وقال لي : سل تعطه . فاختبأت دعوتي شفاعة لأمتي وهي نائلة منكم إن شاء الله من لقي الله لا يشرك به شيئاً ، وأحلت لأمتي الغنائم ) ( ).
الرابع : من غنائم المسلمين يوم حنين أربعة آلاف أوقية من الفضة ، تعدل الأوقية أربعين درهماً ، وأوقية الذهب أقل منه .
وكان مقدار المهر الذي يدفعه النبي صلى الله عليه وآله وسلم للواحدة من أزواجه ثنتى عشرة أوقية فضة ونشا ، والأوقية أربعون درهماً ، والنشر النصف ليعادل خمسمائة درهم ( ).
ومن منافع نداء الإيمان في معركة حنين أمور :
الأول : الإتعاظ من الآيات التي نزلت بخصوص معركة أحد وما لاقاه المسلمون من الأذى ، وما نزل بهم من المصائب والشدائد يومئذ .
الثاني : إستحضار المسلمين للآيات التي تبدأ بنداء الإيمان فيما يخص معركة أحد وغيرها من معارك المسلمين ، وتجلت هذه المنافع بعودة المسلمين إلى ميدان معركة حنين من غير إبطاء ، فقد نزل بخصوص معركة أحد خطاب للمؤمنين [إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلاَ تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ] ( ).
ومع هزيمة الطلائع الأولى للمسلمين في معركة حنين ، وتركهم النبي محمداً يقاتل في الميدان مع نفر قليل من أهل بيته وأصحابه فأنهم سرعان ما عادوا ورجعوا بعد أن ناداهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمر عمه العباس وكان صوته جهورياً بأن يناديهم .
(عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال يوم حنين حين رأى من الناس ما رأى: ” يا عباس ناد: يا معشر الانصار يا أصحاب الشجرة ” فأجابوه: لبيك لبيك.
فجعل الرجل يذهب ليعطف بعيره فلا يقدر على ذلك فيقذف درعه عن عنقه ويأخذ سيفه وترسه ثم يؤم الصوت، حتى اجتمع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منهم مائة، فاستعرض الناس فاقتتلوا، وكانت الدعوة أول ما كانت للانصار، ثم جعلت آخر للخزرج، وكانوا صبرا عند الحرب، وأشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم في ركائبه فنظر إلى مجتلد القوم فقال: ” الآن حمى الوطيس) ( ).
الثالث : صيرورة نداء الإيمان مادة للمناجاة بين المسلمين لذا قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] ( ).
الرابع : يبعث نداء الإيمان الشوق في نفوس المسلمين للشهادة في سبيل الله ، وفي التنزيل [وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْن الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ] ( ).
ومن معاني (نداء الإيمان ) أنه نصر من عند الله ومقدمة للنصر ونتيجة وغاية للنصر ، وقد نزل بخصوص معركة حنين قوله تعالى [لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ* ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا] ( ).
لقد باغت المشركون المسلمين بهجوم سريع في الوادي لم يستطيعوا الصبر والثبات أمامه ، فتفضل الله عز وجل بإنزال السكينة على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فكان واثقاً من تحقق النصر وهزيمة المشركين لذا قام يدعو أصحابه مع كثرتهم ، ومن مصاديق السكينة نداء الإيمان ، وصيغة القرآنية التي يتصف بها ، ومضامين آيات النداء .
الخامس : نداء الإيمان ضماد وبلسم لجراحات المسلمين في معركة أحد ، لذا تراهم يتماثلون للشفاء بسرعة ومن غير إستعانة بأطباء .
السادس : نداء : ( يا أيها الذين آمنوا ) صاحب كريم في حال المسلم والحرب ، وهو مؤنس وطارد لألم فراق الأهل والأحبة .
السابع : نداء الإيمان مائز ويتصل بين المؤمنين والمنافقين ، وهو كاشف للذين في قلوبهم مرض ودعوة لهم للتوبة ، ولا يعلم مدد الذين تابوا إلى الله بنداء الإيمان إلا هو سبحانه ، ومن السنة الدفاعية قيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتوزيع قسم من غنائم معركة حنين على المؤلفة قلوبهم من مسلمة الفتح ، والذين ذكرتهم آية الزكاة الواجبة والصدقات بقوله تعالى [إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابن السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ] ( ).
الثامن : نداء الإيمان سلاح بيد المسلمين ، ويبعث الفزع والخوف في قلوب الذين كفروا من هوازن وثقيف ، وهو زاجر لمن خلفهم من الكافرين ، قال تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ] ( ) ومن مصاديق هذا الرعب أمور :
أولاً : نزول نداء الإيمان .
ثانياً : مجئ نداء الإيمان في أول الآيات التي ورد فيها .
ثالثاً : لكل نداء من نداءات الايمان التسعة والثمانين التي في القرآن دلالات خاصة من جهات :
الأولى : الصلة بين آية النداء والآية السابقة لها .
الثانية : مضامين الآية التي يرد فيها النداء .
الثالثة : تفكيك آية النداء ، وتقدير نداء الإيمان مع كل شطر من الآية .
الرابعة : معاني ودلالات نداء الإيمان بلحاظ عطف الآيات عليه ، وبالإمكان إجراء إحصاء لعدد الآيات المعطوفة على آيات النداء .
التاسع : تذاكر المسلمين بوقائع معركة أحد من منازل الإيمان وتشريف الله عز وجل لهم بنداء [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا].
العاشر : شكر المسلمين لله عز وجل على موضوعية نداء الإيمان في تحقيق النصر والغلبة يوم حنين مع شدة الهجوم عليهم .
لقد أصيب المسلمون بنكسة في القتال في معركة أحد في السنة الثالثة للهجرة ، ثم حوصروا في معركة الخندق لأكثر من عشرين ليلة ، وأرادت قريش إثارة الفتنة والتمرد داخل المدينة , وكان لنزول نداء الإيمان وفضح القرآن للمنافقين موضوعية في إبطال كيدهم .
وخرج المسلمون في السنة السادسة للهجرة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى العمرة وعددهم ألف وأربعمائة من غير سلاح في آية لم تحصل في التأريخ من جهة تحدي العدو الكافر الجاهل .
وجاءت عمرة القضاء في السنة السابعة للهجرة وتم فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة ، وظن كثير من المسلمين انه ليس من ضرر بعده يداهمهم ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ] ( ).
وعندما دخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مكة فاتحاً حرص على نشر الأمن فيها ، ومنع من إستباحتها ، وقال كلمته المباركة (ومن أغلق بابه فهو آمن) ( ).
ومن الإعجاز فيه إرسال رسالة إلى أهل القرى والمدن القريبة من مكة بالأمان والسلامة مع الإسلام ، وليكون حجة على الذين يصرون على الكفر وإرادة محاربة الإسلام ، ويكون سبيلاً لهزيمتهم وحالما سمع مالك بن عوف النضري رئيس قبيلة هوازن بفتح مكة جمع هوازن وثقيف ، ويتبادر إلى الذهن أنه جمعهم لدخول الإسلام وحفظهم في أنفسهم وأعراضهم وأموالهم خاصة وأن الإسلام أصبح قوياً ومنيعاً .
ولما عجزت قريش وهوازن وغيرها في معركة الخندق من الإضرار بالمسلمين ، وكان عددهم نحو ثلاثة آلاف رجل ، فمن باب الأولوية العجز عن قتالهم وقد دخل مكة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم عشرة آلاف مسلم ، كما أصبح كبار رجالات قريش مسلمين إذ خرج من مسلمي الفتح مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مكة ألفان ليكون المجموع إثني عشر ألفاً .
ومن الآيات أن الذي يحارب الإسلام يضله الله عز وجل وكلما كانت الحجة عليه أكبر , صار زلله أكثر فدحاً وضرراً ، إذ أمر مالك بن عوف رئيس هوازن أن تخرج مع الجيش النساء والذراري وأن تساق معهم دوابهم وأموالهم وإستجاب له قومه ، وهو من أسباب الضلالة ، إذ كان يجب عليهم الإمتناع عن الخروج وعن إخراج الأهل والأموال معهم ، فليس من سبب أو موضوع للقتال ، خاصة وأن الدعوة إلى الإسلام صار لها أكثر من عشرين سنة ، وكان النبي في بدايات الدعوة قد ذهب إليهم أي إلى الطائف ليدعوهم إلى الإسلام ، ولاقى منهم أشد الأذى .
ومن مصاديق قوله تعالى [سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ] ( ) أن رئيس هوازن لقى التوبيخ والتبكيت قبل بدأ المعركة وعرضت عليه النصيحة نفسها لزجره عن الباطل ، ولكنه أبى إلا أن يجر على نفسه العار والخزي .
ويلقى وقومه الهزيمة والذل والهوان ، أما المؤمنون فكانوا في حرز وفازوا بنزول آيات تتعلق بمعركة حنين تكون موعظة وعبرة لأجيالهم المتعاقبة ، إذ تصدى دريد بن الصمة في ذات الوقت إلى مالك ووبخه وأشهد الناس على سفاهة رأيه وقبح فعله وخططه .
وكان دريد رجلاً شجاعاً ولكنه هرم وشاخ وليس عنده إلا الرأي فأخرجته هوازن معها , فسأل عن الموضع الذي هم فيه , فقالوا : أَوْطَاسٍ قَالَ نِعْمَ مَجَالُ الْخَيْلِ لَا حَزْنٌ ضِرْسٌ وَلَا سَهْلٌ دَهْسٌ ) ( ).
والحزن ما غلظ من الأرض أي ليس فيه حجارة وتضاريس صعبة ، وليس هو دهساً أي لينا ورخواً ثم قال (مَا لِي أَسْمَعُ رُغَاءَ الْبَعِيرِ وَنُهَاقَ الْحَمِيرِ وَبُكَاءَ الصّبِيّ وَيُعَارَ الشّاءِ ؟ قَالُوا : سَاقَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ مَعَ النّاسِ نِسَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ) ( ).
حينها قال : أين مالك , فنودي مالك فجاءه فسأله دريد عن سبب المجئ بالذراري والأموال ، أجابه بأنه أراد أن يدفع الرجال عنهم .
فانتفض دريد (ثُمّ قَالَ رَاعِي ضَأْنٍ وَاَللّهِ وَهَلْ يَرُدّ الْمُنْهَزِمَ شَيْءٌ ؟ إنّهَا إنْ كَانَتْ لَك لَمْ يَنْفَعْك إلّا رَجُلٌ بِسَيْفِهِ وَرُمْحِهِ وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْك فُضِحْت فِي أَهْلِك وَمَالِك) ( ).
وبين دريد عاقبة القتال بحضور الأهل وبدونهم , وفي حال الغلبة أو الهزيمة ومن الخطأ في كل هذه الأحوال الإتيان بالأهل والأموال ، ولكن مالكاً أصر على رأيه ، ولابد أن تكون هناك آذان صاغية لدريد بن الرمة لخبرته في القتال ولبيانه فنون القتال ، مما جعل مالكاً يستخف بقول دريد , ويهدد بقتل نفسه ، وقال له : (إنك قد كبرت وكبر عقلك ! ثم قال مالك: والله لتطيعننى يا معشر هوازن أو لاتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهرى.
وكره أن يكون لدريد فيها ذكر أو رأى.
فقالوا: أطعناك ) ( ).
لقد سعى الذين كفروا لمنع الصحابة من الخروج للقتال في معارك الإسلام الأولى فجاءت آية البحث بنداء الإيمان ليكون عوناً وعضداً ومدداً للمسلمين في الجهاد ، وكانت له موضوعية في زحف عشرة آلاف مقاتل تحت لواء النبوة والتنزيل متوجهين لفتح مكة ليخرج إليها ملايين المسلمين في كل سنة لأداء الحج والعمرة تحت ظلال الإسلام .
ويكون نداء الإيمان باعثاً لهم لأداء الحج ، ومصاحباً لهم عند أداء مناسكه ، كما يكون من رشحات موسم الحج سواء بالنسبة للذين أدوا المناسك أو الذين تخلفوا عنها بسبب تعذر الإستطاعة أو سقوط الفرض لكفاية مرة واحدة في أدائه ، كما يكون نداء الإيمان عوناً للمسلمين بالتوجه ومن كل مصر ووجهة إلى البيت الحرام في أداء الصلاة ، وهذا التوجه زيادة في الإيمان ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ] ( ).
لقد ورد النهي في الآية بصيغة ( لا تكونوا ) لتدل في مفهومها وبلحاظ نداء الإيمان على أن يكون المسلمون على وجوه :
الأول : يا أيها الذين آمنوا كونوا مؤمنين في قولكم وعملكم ، إذ أن الإيمان إعتقاد بالقلب فأراد الله عز وجل أن يتجلى في المبرز الخارجي بما يبعث الفزع والرعب في قلوب الذين كفروا .
الثاني : يا أيها الذين آمنوا كونوا كرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الصبر والتقوى والدعوة إلى الله ، لذا جاءت آية النداء التالية بقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] ( ).
الثالث : يا أيها الذين آمنوا قد أنعم الله عز وجل عليكم بمعرفة أقوال الكافرين ومقاصدهم الخبيثة فاجتنبوها ، فمن خصال الإيمان التنزه عن القول المذموم الذي يضر الإسلام والمسلمين .
الرابع : يا أيها الذين آمنوا كونوا شهداء على الذين كفروا في محاربتهم للإسلام بالقول القبيح ، وفي التنزيل [لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ] ( ).
الخامس : يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين خسروا الدنيا والآخرة بصدهم عن سبيل الله ، ولومهم للذين يخرجون في الجهاد والغزو ، وفي التنزيل [وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ]( ).
السادس : يا أيها الذين آمنوا [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ) فلا تكونوا كالذين كفروا وما يتصفون به من قبيح القول.
السابع : يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا فان الله مخزيهم ومعذبهم .
الثامن : يا أيها الذين آمنوا بالله رباً ومحمد نبياً لا تصغوا لأقوال الذين كفروا ، ولا تكونوا مثلهم في تماديهم بالباطل .
التاسع : يا أيها الذين آمنوا بأن نصر الله حق لا تكونوا كالذين كفروا بالمدد والعون من عند الله .
العاشر : يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا إذ يجهلون المنزلة الرفيعة للشهيد عند الله ، قال تعالى [وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لاَ تَشْعُرُونَ] ( ).
ونزلت الآية أعلاه في المسلمين الذين قتلوا يوم بدر وهم أربعة عشر ، ثمانية من الأنصار وستة من المهاجرين ، نزلت في قتلى بدر مع المسلمين .
(وذلك إنّ النّاس كانوا يقولون : الرّجل يقتل في سبيل الله : مات فلان، وذهب منه نعيم الدُّنيا ولذّتها، فأنزل الله تعالى {وَلا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتُ} أي هم أموات بل إنهم أحياء)( ) .
ليكون هناك تباين بين إقرار وغبطة المسلمين بأن الشهيد الذي يقتل في سبيل الله حي يرزق في ضيافة الرحمن إلى يوم الدين ، بينما ينظر له الذين كفروا بأنه خسر الحياة بمفارقتها .
ومن خصائص نداء الإيمان كشف زيف دعوى الذين كفروا وفضح بواطن النفاق ، وإرجاع كيد الفاسقين إلى نحورهم ليكون سلاحاً مباركاً بيد المسلمين وداعية إلى الله عز وجل ، وفي التنزيل [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ]( ) .
ونداء الإيمان وتلاوته والإحتجاج به من الحكمة والموعظة الحسنة ، وهو من سبيل الله ، كما أنه عضد للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين في الدعوة إلى الله ، ليكون من إعجاز القرآن أنه يدعو النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين إلى الجهاد في سبيل الله والدعوة إلى الهدى والصلاح ، وذات القرآن نفسه يدعو إلى الهدى والصلاح ، وهو حاضر في ميادين الوغى مجاهداً ووزيراً ومدداً للمجاهدين ، كما يحضر في منتديات الجدال والإحتجاج إماماً وضياءً وحجة واضحة ، ويغزو الذين كفروا في مجالسهم ويحيط بالسنتهم ، ويجعلهم يتفكرون فيما يقولون مع الخشية من القرآن ان يفضحهم بآياته التي سبق نزولها وما فيها من الدلائل على سوء فعلهم أو الآيات التي تنزل لتتضمن ذم الذين كفروا والمنافقين ، وتبين سوء فعلهم ومنه آية البحث , وفي التنزيل [يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ] ( ).
ويدل إختيار الإيمان على رجحان العقل ، وسلامة النية ، وإرادة السلامة في الدارين ، فجاءت آية البحث بنداء الإيمان لبيان الأضرار التي تترشح عن تعدي ومعصية الذين كفروا بقيامهم بلوم المؤمنين على الخروج إلى الجهاد ، وكأن الآية تخاطب المسلمين بالقول (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا فأنهم يلومونكم على الإيمان ) .
وفيه تحذير للمسلمين ودعوة لهم للإحتراز من الذين يبثون المقالات الباطلة .
ومن خصائص بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتفضيلها على النبوات السابقة ، ومصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ) تعاهد أجيال المسلمين لنداء الإيمان والتقيد بمضامين آياته وما فيها من الأوامر والنواهي ، فقد حملوا نداء الإيمان على أكفهم وذبوا عنه بدمائهم وطبعوه في صدورهم وإتخذوه قائداً ورائداً وعيناً وصراطاً .
(عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما من نبي بعثه الله في امة قبلي الا كان له من امته حواري وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بها ثم يخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن , ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن , ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن , وليس وراء ذلك من الايمان حبة خردل) ( ).
ومن معاني نداء الإيمان في آية البحث وجوب تعاون المسلمين للإحتراز من الفتنة والإفتتان داخل بيوتهم ولمنع دبيب الشك إلى المجالس الخاصة والمنتديات وما يتبادله الرجال والنساء من الحديث ، إذ تأمرهم الآية بأمور :
الأول : إجتناب تكرار ما يقوله الذين كفروا من أسباب القعود والتراخي في ملاقاة الأعداء .
الثاني : يجب أن لا تقلد وتحاكي المؤمنات ما يقوله الذين كفروا ليكون تقدير الآية : يا أيتها اللائي آمنّ لا تكنّ كالذين كفروا في سعيهم لمنع الأنصار والمهاجرين من الخروج للجهاد .
وتجتهد الأنظمة والحكومات لتمتين الجبهة الداخلية وتبذل الأموال الطائلة للتوقي من الإشاعات الضارة وما يسمى بالطابور الخامس , وتفضل الله عز وجل بنداء الإيمان ليكون أفضل وأعظم سلاح لحفظ تماسك مجتمع المسلمين رجالاً ونساءاً ، وصيرورة النساء عوناً للمجاهدين في الدفاع والقيام بوظائف العمل وشؤون الأسرة مدة غيابهم .
وقد تقدم قانون (إكرام المسلمين في كل آية قرآنية) ( ).
الثالث : تلاوة المسلمين والمسلمات آية البحث في الصلاة وخارجها ، وإستحضارها في الجدال , وفي البيوت والمجالس الخاصة والعامة , وتحتمل وجوهاً :
أولاً : تلاوة آية البحث من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
ثانياً : من فروع ومصاديق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تلاوة آية البحث .
ثالثاً :ليس من صلة بين تلاوة الآية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وباستثناء الوجه الأخير فان الوجهين الأول والثاني صحيحان ، وهو من خصائص إفتتاح الآية بنداء الإيمان .
إن الله عز وجل يحب للمسلمين تلاوة آيات القرآن ، وإستحضار كلامه تعالى في المجالس وإتخاذه حجة وبرهاناً .
الرابع : حث المسلمين على الشكر لله عز وجل على نعمة العصمة من الحسرة والندامة ، فمن الإعجاز في نداء الإيمان أنه واقية من الحسرة في الدنيا والآخرة ، فهو يطرد الحسرة ، ويمنع من غلبتها على القلب أو إستحواذها على الجوانح والجوارح ، أو صيرورتها ذات أثر في مجتمعات المسلمين ، لذا قال تعالى [بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ] ( ).
الخامس : من مصاديق الإيمان الإقرار بأن الحياة والموت بيد الله عز وجل .
ومن الإعجاز في آية البحث أنها ومع قلة كلماتها إبتدأت بقانون من الإيمان وأختتمت بقوانين وهي :
الأول : قانون رمي الحسرة في قلوب الذين كفروا .
الثاني: قانون الله يحيي ويميت .
الثالث : قانون الله بما تعملون بصير .
ومن مصاديق تقدير آية البحث بلحاظ نداء الإيمان وجوه :
الأول : يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله والرسول ) ولا تلتفتوا إلى ما يقوله الذين كفروا ، وبهذه الطاعة بادر المسلمون إلى الجهاد.
الثاني : يا أيها الذين آمنوا إن الكفار يحسدونكم ويريدون صدكم عن سبيل الله فلا تركنوا إليهم ، قال تعالى [الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ] ( ).
ومن مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( )أن خروج المسلمين للغزو إنما هو نوع طريق لتوبة الذين كفروا في الدنيا ، وإنقاذ لهم من عذاب النار يوم القيامة ، فجاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رحمة بهم ولكنهم يحاربونه ويسعون في منع المؤمنين من إتباعه ونصرته ، فنزلت آية البحث لتكون ناصراً له وواقية للمؤمنين من الإنصات للذين كفروا .
الثالث : يا أيها الذين آمنوا قولوا لإخوانكم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى الله يحيي ويميت .
فمن إعجاز آية البحث أنها تنهى عن قول مخصوص , وتبين قبحه بالذات ولأن الذين كفروا هم الذين يقولونه , وعن سوء قصد .
وتأتي الآية بما يفيد تلقين المسلمين , وحصانتهم من سوء القول وما فيه الضرر .
الرابع : يا أيها الذين آمنوا كونوا كما كان الذين آمنوا من قبلكم في ثباتهم على دين الإسلام ، قال تعالى [وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ] ( ).
الخامس : يا أيها الذين آمنوا ليجعل الله إيمانكم حسرة في قلوبهم ) .
إذ وردت آية البحث باسم إشارة (ذلك) للبعيد , ويحتمل وجوهاً عديدة منها إيمان المسلمين إذ يبعث النفرة والبغض والحسد في قلوب الذين كفروا ، قال تعالى [وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمْ الأَنَامِلَ مِنْ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ]( ).
فيستولي الغيظ والرعب على الذين كفروا بتلاوة آية البحث من جهات:
الأولى : كشف آية البحث لحال الذين كفروا وسوء فعلهم وقبيح قولهم.
الثانية : إطلاع المسلمين والناس على خبث ومكر الذين كفروا .
الثالثة : علم الله عز وجل بما يقوله الذين كفروا ، وإرادتهم النيل من الشهداء في منتدياتهم الخاصة ، لذا ورد قوله تعالى [وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ] ونسبة الأخوة لهم والمراد الأخوة بالنسب , لتأتي آية البحث فتدل على أن الأخوة في الإيمان مقدمة عليها وناسخة لها .
ومن اللطف الإلهي أن نداء الإيمان إكرام للمسلمين الحاضر والسابق واللاحق , وهو مقدمة لإكرامهم في الآية التي يأتي فيها ، ودعوة لهم لطرد الشك والوهم في هذا الإكرام ، فقد ترد آية بصيغة النهي أو التنبيه أو الإنذار فيظن بعضهم أن الآية تتضمن توبيخاً للمسلمين أو طائفة منهم ، ولكنها شبهة بدوية تزول مع أدنى تأمل .
ومن خصائص نداء الإيمان أنه يدفع هذه الشبهة ، ويزيح الهمّ عن المسلمين ويضئ لهم سبل الأمل بثبات الأقدام في مقامات الإيمان والفلاح في الآخرة .
لقد وردت آية البحث بصيغة النهي [ لا تكونوا ] التي جاءت بعد نداء الإيمان ، وفيه وجوه :
الأول : تقديم الأمر [كونوا ] على النهي [لا تكونوا] وورد في القرآن [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ] ( ).
الثاني : تقديم [لا تكونوا] بلحاظ أن دفع الضرر مقدم على جلب المنفعة .
الثالث : كل من الأمر والنهي مقدم في مقامات الإمتثال من غير تعارض بينهما .
والصحيح هو الثالث ، فليس من تقديم وتأخير ، وكما جاء منطوق آية البحث بالنهي فان مفهومها على وجوه منها : يا أيها الذين آمنوا كونوا ممن يضرب في الأرض أو غزى ) .
وفيه تبكيت للذين كفروا ، فاذ يبثون سمومهم فان المسلمين يتسابقون في الصبر والمصابرة .
السادس : يا أيها الذين آمنوا كونوا ممن يتلو آية البحث والتي تفضح الذين كفروا والمنافقين ، وتزجرهم عن إثارة الفتنة .
السابع : يا أيها الذين آمنوا كونوا ظهيراً للمؤمنين الذين يضربون في الأرض أو يخرجون في سرايا الدفاع .
الثامن : يا أيها الذين آمنوا كونوا حرباً على الظالمين الذين يبثون الأراجيف في المدينة .
لقد جعل الله عز وجل القرآن يفسر ويبين بعضه بعضاً ، وقد ورد قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ..] ( ) وبين نصرة الله عز وجل وبين عدم التشبه بالذين كفروا في رميهم الغزاة والذين قتلوا في سبيل الله بالسفاهة أو التعجل عموم وخصوص مطلق .
ووردت الآية من جهة صيغة الفعل على وجوه :
الأول : صيغة الماضي في بلوغ المسلمين مراتب الإيمان بقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا] لبيان ثبوت أقدام المسلمين في منازل الإيمان وأن تخرص ومكر الذين كفروا لن يضرهم في إسلامهم ، ولن يجعلهم يرتدون عن دينهم .
الثاني : صيغة النهي في قادم الأيام في قوله تعالى [لا تكونوا ] وفيه مسائل :
الأولى : بعد نيل المسلمين مرتبة الإيمان توجه لهم النهي .
الثانية : بيان قانون وهو صيرورتهم بمرتبة ودرجة من الهدى يستطيعون بها التقيد بالنواهي ، وفي التنزيل [وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ] ( ).
الثالثة : إرادة ضبط قول وفعل المسلمين بما يرضي الله عز وجل.
الرابعة : دلالة صيغة المضارع على أن المسلمين لم يكونوا قبل نزول الآية كالذين كفروا في لومهم للمؤمنين الذين أستشهدوا , فأراد الله عز وجل أن يبقى المسلمون على ذات التباين والتضاد مع الذين كفروا في القول والفعل .
الثالث : صيغة الماضي في قول وإظهار الذين كفروا التعريض والذم للمجاهدين والدعاة بلفظ [وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ] ( ) ولم تقل الآية (يقولون لإخوانهم) وكأن الآية تحمل بشارة إنقطاع قول الذين كفروا هذا من جهات :
الأولى : فضح آية البحث للذين كفروا ، وذكرها لمكرهم ، وهذه الآية من مكر الله بهم ، قال سبحانه [أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ] ( ).
الثانية : وردت الآية بصيغة الماضي [قَالُوا] ويحتاج المعنى الأعم لهذه الصيغة وإرادة الحاضر والمستقبل منها إلى دليل.
الثالث : بيان حقيقة وهي دخول الناس الإسلام وصيرورة الذين كانوا يلومون الذين يخرجون للجهاد هم أنفسهم غزاة .
الرابع : إخبار الذين كفروا عن خروج الذين آمنوا للكسب والغزو وسقوط عدد منهم شهداء كما في معركة أحد التي هي من أسباب نزول الآية الكريمة ، إذ استشهد سبعون من أهل البيت والصحابة من المهاجرين والأنصار .
ومن الإعجاز في نظم الآيات مجئ الآية التالية لآية البحث بصيغة المضارع [وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ] ( ) .
ليكون فيه دعوة للمسلمين لعدم الإصغاء للذين كفروا في قولهم وكيدهم ولبعث الحسرة في نفوسهم ببيان حسن عاقبة المسلمين .
ترى لماذا لم تقل الآية أو كانوا مرابطين أو مدافعين عن الإسلام وعن أنفسهم ، فقد وقعت معركة أحد بسبب هجوم الذين كفروا على المدينة وإرادة الإجهاز على الإسلام وقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، فكان الدفاع واجباً عقلاً وشرعاً ، ولم تصل النوبة إلى هذا المعنى ، فقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يفعل إلا ما يأمره الله عز وجل ، وإختار المسلمون وجوب الصدور عما يقوله ، وقد ورد قول الله بخصوص معركة أحد [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ..] ( ) .
وتقدير الآية : مقاعد للدفاع .
وفيه حجة بأن الإسلام لم ينتشر بالسيف إنما أراد الذين كفروا القضاء عليه بالسيف ، وورد في التنزيل حكاية عن كفار قريش ومن والاهم [وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ * بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ]( ) .
وفيه دلائل على حسن سمت المسلمين ، وعلو درجتهم باختيار الإيمان مع قيام الملأ وكبار القوم بالسعي لصدهم بالكذب والزور وتحريف الحقائق , ورمي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالجنون ، لذا تفضل الله عز وجل وأكرم كل من نطق الشهادتين بنداء [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا]لما في إسلامهم من رد عملي وجهادي على الذين كفروا ، وإدراك للحق والصدق في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتجلي الإعجاز في آيات القرآن وسنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
فان قلت سلّمنا بأن القرآن معجزة بذاته وما يترشح عنه ، فهل سنة النبي معجزة ، الجواب نعم لأنها فرع الوحي ، قال تعالى [وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى] ( ).
لقد أراد الذين كفروا برمي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالجنون وأنه شاعر تجنيد أهل مكة والقرى المحيطة بها لقتاله وتحريض أهل المدينة عليه ، ودعوة الدول العظمى آنذاك مثل الدولة الرومانية والفارسية لإعانتهم في حربهم وقتالهم للإسلام ، فجاء الرد من الذين دخلوا الإسلام لإسقاط ما في أيديهم وإبطال كيدهم ، وبيان كذبهم وإنعدام الحجة عندهم ، ليكون الذين آمنوا أنصاراً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل واثناء القتال ، ودزء علة لهزيمة الذين كفروا من جهات :
الأولى : كل من يدخل الإسلام يتعذر على الذين كفروا تجنيده ضده ، بما فيهم المنافقون ،لذا جاء نداء [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] عاماً وشاملاً لهم .
الثانية : دخول المسلمين الإسلام فضح لكذب الذين كفروا وتكذيبهم بالتنزيل .
الثالثة : كل فرد يدخل الإسلام حرب على كفار قريش , ونطقه بالشهادتين نصرة للإسلام لذا أكرمهم الله جميعاً بنداء الإيمان ، ليكون دعوة لهم لتعاهد الإسلام بأداء الفرائض والواجبات .
الرابعة : إختيار الإسلام تعضيد للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وللذين آمنوا معه ، وإكرام وإجلال للذين قتلوا في سبيل الله.
الخامسة : دخول الإسلام دعوة عملية للناس جميعاً للتصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونبذ الكفر ومفاهيم الضلالة .
السادسة : دخول الفرد والجماعة الإسلام باعث للحسرة والفزع في قلوب الذين كفروا ، وهو من مصاديق قوله تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا] ( ).
وذكرت الآية أعلاه الرعب لتبين إمتلاء قلوب الكفار بما هو أدنى أو شبيه بالرعب كاليأس والخوف والحسرة والقنوط والغيظ ، ليكون للمسلمين أجر في بلوغ الذين كفروا مرتبة الرعب , وما يترشح عنه من الإرباك والإختلاف والعجز عن الحكمة والرشاد .
وبينما يقوم الذين كفروا بإيذاء وتعذيب الذين دخلوا الإسلام ، ويسعون في حملهم على ترك الإسلام ، ومحاولة إكراههم على النيل من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ينزل قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] فيفيض بالبركة من وجوه :
الأول : يزيد نداء الإيمان المسلمين إيماناً .
الثاني : يبعث نداء الإيمان في النفوس الحب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أحيا سنتي فقد أحبني ، ومن أحبني كان معي في الجنة( ).
الثالث : عزم المسلمين على نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والدفاع عن بيضة الإسلام ، فيصير الذين كفروا في حال كبت وخزي وهوان ، ويدركون أن تعذيبهم للذين آمنوا لم يؤد إلى الغايات الخبيثة التي أرادوا , عندئذ إتجهوا إلى تجهيز الجيوش في معركة بدر ، فلحقتهم الخسارة الفادحة ، إذ قتل منهم سبعون وأسر سبعون ، وأستشهد من المسلمين أربعة عشر .
وهل كان لنداء الإيمان موضوعية في نصر المسلمين يوم معركة بدر , الجواب نعم ، إذ أنه سبب لمبادرة المسلمين للخروج للقتال ، وحرص الأنصار على الدفاع والذب عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خارج المدينة المنورة وفي ميادين القتال ، بينما كان موضوع بيعة العقبة هو ذبهم ودفاعهم عنه في يثرب أي المدينة المنورة .
وبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد بيعة العقبة الأولى مصعب بن عمير مع الذين بايعوه ليعلمهم أحكام الإسلام وأمور الحلال والحرام ، ويقرئهم القرآن , فسموه المقرئ , ويقوم بالإتصال بوجوه يثرب ورجالات الأوس والخزرج يدعوهم إلى الإسلام .
وعندما حان موسم الحج خرج مصعب بن عمير متوجهاً إلى مكة قال ابن إسحاق (خرج من الانصار من المسلمين إلى الموسم مع حجاج قومهم من أهل الشرك حتى قدموا مكة فواعدوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق فحدثني معبد بن كعب بن مالك ان أخاه عبد الله وكان من أعلم الانصار حدثه أن أباه كعبا حدثه وكان ممن يشهد العقبة وبايع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بها قال : خرجنا مع حجاج قومنا من المشركين وقد صلينا وفقهنا ومعنا البراء بن معرور سيدنا وكبيرنا فلما وجهنا لسفرنا وخرجنا من المدينة قال البراء لنا يا هؤلاء إني قد رأيت رأيا والله ما أدري أتوافقوني عليه أم لا .
قلنا : وما ذاك , قال رأيت أن لا أدع هذه البنية مني بظهر يعني الكعبة وأن أصلى إليها , قلنا : والله وما بلغنا أن نبينا يصلي إلا إلى الشام وما نريد أن نخالفه .
فقال : إني لمصل إليها , قلنا له لكنا لا نفعل , فكنا إذا حضرت الصلاة صلينا إلى الشام وصلى إلى الكعبة حتى قدمنا مكة , وقد كنا عبنا عليه ما صنع وأبى إلا الاقامة على ذلك , فلما قدمنا مكة قال لي يا ابن أخي انطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى أسأله عما صنعت في سفري هذا فانه والله لقد وقع في نفسي منه شئ لما رأيت من خلافكم إياي فيه .
قال كعب : فخرجنا نسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنا لا نعرفه ولم نره قبل ذلك فلقينا رجلا من أهل مكة فسألناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فقال: هل تعرفانه , قلنا: لا قال: فهل تعرفان العباس بن عبدالمطلب عمه قلنا: نعم قال: وكنا نعرف العباس كان لا يزال يقدم علينا تاجرا قال فإذا دخلتما المسجد هو الرجل الجالس مع العباس قال فدخلنا المسجد فإذا العباس جالس ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معه فسلمنا ثم جلسنا إليه .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للعباس : هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل قال: نعم هذا البراء بن معرور سيد قومه وهذا كعب بن مالك قال فوالله ما أنسى قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الشاعر قال نعم قال فقال له البراء بن معرور يا نبي الله إني خرجت في سفري هذا وقد هداني الله للإسلام فرأيت أن لا أجعل هذه البنية مني بظهر فصليت إليها وخالفني أصحابي في ذلك حتى وقع في نفسي من ذلك شيء فماذا ترى يا رسول الله قال لقد كنت على قبلة لو صبرت عليها.
فرجع البراء إلى قبلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصلى إلى الشام وأهله يزعمون أنه صلى إلى الكعبة حتى مات وليس كما قالوا نحن أعلم به منهم .
ثم خرجنا إلى الحج , وواعدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العقبة من واسط أيام التشريق فلما فرغنا من الحج وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لها ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر سيد من ساداتنا أخذناه وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا فكلمناه وقلنا له يا أبا جابر إنك سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا ثم دعوناه إلى الاسلام وأخبرناه بميعاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إيانا العقبة .
قال فأسلم وشهد معنا العقبة وكان نقيبا فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تسلل القطا مستخفين حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن ثلاثة وسبعون رجلا ومعنا إمرأتان من نسائنا نسيبة بنت كعب أم عمارة إحدى نساء بنى مازن بن النجار وأسماء بنت عمرو ابن عدي بن نابي إحدى نساء بني سلمة وهى أم منيع .
قال فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى جاءنا ومعه العباس بن عبدالمطلب وهو يومئذ على دين قومه الا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له فلما جلس كان أول من تكلم فقال يا معشر الخزرج وكانت العرب إنما يسمون هذا الحي من الانصار الخزرج خزرجها وأوسها إن محمدا منا حيث قد علمتم وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه فهو في عز من قومه ومنعة في بلده وانه قد أبى إلا الانحياز اليكم واللحوق بكم فان كنتم ترون انكم وافون له بما دعوتموه إليه , ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك .
وان كنتم ترون انكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به اليكم , فمن الآن فدعوه فانه في عز ومنعة من قومه وبلده , فقلنا له قد سمعنا ما قلت .
فتكلم يا رسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببت قال فتكلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتلا القرآن ودعا إلى الله ورغب في الاسلام , ثم قال : أبايعكم على ان تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم .
قال فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال نعم والذى بعثك بالحق لمنعنك مما نمنع منه نساءنا ازرنا فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحن والله أهل الحروب وأهل الحلقة , ورثناها كابرا عن كابر قال فاعترض القول – والبراء يكلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم – أبو الهيثم بن التيهان فقال يا رسول الله ان بيننا وبين الرجال حبالا وإنا قاطعوها يعنى اليهود فهل عسيت ان نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا .
قال فتبسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال بل الدم الدم والهدم الهدم انا منكم وأنتم منى أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم) ( ).
ومن أسرار تعدد نزول نداء الإيمان في القرآن أن في كل مرة ينزل فيها مسائل :
الأولى : تنمية ملكة حب التلاوة عند المسلمين أنه تتضمن الثناء عليهم من عند الله عز وجل .
الثانية : بعث الشوق في نفوس المسلمين للتدبر في مضامين آيات النداء .
الثالثة : تجليات الحكمة في آيات النداء ، وتوالي فيوضات العلوم منها .
الرابعة : بيان مفهوم العدد وكثرته في بعث السكينة في نفوس المسلمين بسلامتهم وذراريهم من الإرتداد .
الخامسة : نداء الإيمان بناء لصرح التقوى ، وإصلاح المسلمين لمراتب اليقين .
السادسة : يدفع نداء الإيمان النفاق من منتديات المسلمين ، ويزيحه عن النفوس ، ويكون واقية من ظهوره على اللسان عن عمد أو بدونه ، وبه جاءت مضامين آية البحث بعدم محاكاة الذين كفروا فيما يبثونه من سوء القول ، قال تعالى [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ] ( ).
السابعة : نداء الإيمان سلاح سماوي ليتنزه المنافقون عن نفاقهم ومن الآيات في توبيخ المنافقين أنه رجع في الطريق إلى معركة أحد ثلاثمائة من المسلمين مع رأس النفاق الذي قال لهم (مَا نَدْرِي عَلَامَ نَقْتُل أَنْفُسَنَا هَاهُنَا أَيّهَا النّاسُ فَرَجَعَ بِمَنْ اتّبَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ أَهْلِ النّفَاقِ وَالرّيْبِ .
وَاتّبَعَهُمْ عَبْدُ اللّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ أَخُو بَنِي سَلِمَةَ يَقُولُ يَا قَوْمِ أُذَكّرُكُمْ اللّهَ أَلّا تَخْذُلُوا قَوْمَكُمْ وَنَبِيّكُمْ عِنْدَمَا حَضَرَ مِنْ عَدُوّهِمْ فَقَالُوا : لَوْ نَعْلَمُ أَنّكُمْ تُقَاتِلُونَ لَمَا أَسْلَمْنَاكُمْ وَلَكِنّا لَا نَرَى أَنّهُ يَكُونُ قِتَالٌ) .
لقد كان الذين كفروا يطمعون في إرتداد طائفة من المسلمين وغرهم الفرد النادر الشاذ .
مثل عبد الله بن سعد بن أبي السرح الذي إرتد وقال أنه كان يصرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن بعض كلمات الوحي فيكتب غير الذي أنزل .
وعبد الله بن خطل الذي كان مسلماً فبعثه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورجلاً من الأنصار لجمع أموال الصدقات .
وكان معه مولى له يخدمه ، وهذا المولى مسلم فنزل ابن خطل منزلاً وأمر المولى أن يذبح له شاة ويصنع له طعاماً فنام ابن خطل وإستيقظ ولم يصنع له شيئاً فعدا عليه فقتله وإرتد مشركاً .
ولعل سبب إمتناع المولى أن المال والشاة من أموال الصدقات وأنه كره الإسراف فيها ، فهم ثلاثة أشخاص إذا كانوا يأكلون في كل يوم شاة أو شاتين فانه إضرار ببيت المال , فاستنكف ابن خطل من تلقي التأديب من مولاه التابع له , ولم يسلم بقانون المساواة بين المسلمين , وتحصين بيت المال , وكان من الذين قال الله فيهم [وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ] ( ).
ولم تمر الأيام حتى دخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم والذين آمنوا معه مكة فاتحين في السنة الثامنة للهجرة ، فهدر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم دمهما وإثنين معهما هما عكرمة بن أبي جهل وقيس بن صبابة .
فاما ابن أبي سرح فقد إلتجأ إلى عثمان وهو أخوه من الرضاعة ، إذ أرضعت أمه عثمان ، فغيبه حتى إذا عادت الحياة اليومية في مكة إلى سنخيتها جاء به وإستأمن له ، فآمنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن صمت طويلاً ، رجاء أن يقتله أحد الصحابة .
وأما ابن خطل فقتله سعيد بن حريث المخزومي وأبو برزة الأسلمي .
قانون نداء الإيمان بينة جلية
البينة هي الحجة الواضحة، والبرهان، وجاءت سورة من القرآن باسم (البينة) وهي مدنية وعدد آياتها ثماني آيات، وفي أحكام القضاء قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : البينة على من ادعى واليمين على من أنكر( ).
لقد أنعم الله عز وجل على الإنسان وجعله خليفة في الأرض ورزقه ما لم يرزق مثله لجنس أو طائفة من الخلائق ، وتفضل ودعاه إلى إلى عبادته بالإعجاز والبينات والدلائل الباهرات ومنها :
البينة الأولى : الآيات الكونية الجلية في السماء والأرض ، ومن الإحسان واللطف الإلهي أن هذه الآيات توافق العقل والحواس ، ولا يستثنى من التنعم والتزود منها أحد , وإن فقد حاسة أو حاستين ، لذا جاء قوله تعالى [سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ] ( ) بصيغة الإطلاق الشاملة للناس جميعاً بلحاظ أن الآيات نعمة عظمى على الناس فتفضل الله عز وجل بعدم حجبها عن أي إنسان ، ولا تستطيع الخلائق حجبها ،وإن إجتمعت ، وهل هو من عمومات قوله تعالى [قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي] ( ) أم أن القدر المتيقن من الكلمات في هذه الآية المشيئة والأوامر والنواهي الإلهية وما يتفضل به الله سبحانه في التنزيل , الجواب هو الأول.
البينة الثانية : بعثة الأنبياء وتوالي الرسل وتعدد الأمصار التي يبعثون فيها ، وتفضل الله بتسخير الأسباب التي تؤدي إلى إنتشار رسالاتهم ، قال تعالى [كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ] ( ) لتتضمن الآية أعلاه وجوهاً :
الأول : تفضل الله عز وجل ببعثة الأنبياء والذي يدل بالدلالة التضمنية على عجز غيره عن بعثهم .
الثاني : إختصاص النبوة بعدد من الناس أكرمهم الله عز وجل بالوحي وشرّفهم بذكرهم بالقرآن , ليكون هذا التشريف مصاحباً للحياة الإنسانية وإلى يوم ينفخ في الصور ، وهو من الشواهد على أمور :
أولاً : نيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المرتبة الأسمى بين الأنبياء وأخبار وجهاد الأنبياء ، وهو من مصاديق قوله تعالى [نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ]( ).
ثانياً : فضل القرآن على الكتب السماوية السابقة .
ثالثاً : سلامة القرآن من التحريف والتبديل ، لتبقى أنوار وحقائق وأسرار النبوة دائمة ومتجددة .
رابعاً : الدلالة على إكرام المسلمين ، وهو من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ).
خامساً : إنتفاع أجيال المسلمين المتعاقبة من تأريخ النبوة , وصبر وجهاد الأنبياء .
(قال المقدام بن معدي كرب سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : إن الأنبياء أخوة بنو علات ، وأنا وعيسى أخوان لأنه بشر بي ، وليس بيني وبينه نبي) ( ).
والإحسان فعل الخير وهو ضد الإساءة وليس من حصر لفضل الله بالإحسان إلى الخلائق ، وقد أثنى الله على نفسه ، إذ ورد في التنزيل [الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ] ( ).
والإحسان والإنعام من المترادفات ، ويفيد الإنعام تجلي نعمة ظاهرة ، وقيل بينهما عموم وخصوص مطلق ، إذ يحسن الإنسان إلى نفسه وإلى غيره بينما يتعلق الإنعام بالغير دون الذات .
وقد ورد معنى الإحسان في الحديث النبوي وهو الإجتهاد في عبادة الله وكأنك تراه .
وعن عبد الله بن عباس (قال: جلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مجلسا له، فأتاه جبريل فجلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واضعا كفيه على ركبتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رسول الله، [حدثني] ما الإسلام؟ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الإسلام أن تسلم وجهك لله عز وجل، وتشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله”.
قال: فإذا فعلت ذلك فقد أسلمت؟ قال: “إذا فعلت ذلك فقد أسلمت”. قال: يا رسول الله، فحدِّثني ما الإيمان؟ قال: “الإيمان: أن تؤمن بالله، واليوم الآخر، والملائكة، والكتاب، والنبيين، وتؤمن بالموت، وبالحياة بعد الموت، وتؤمن بالجنة والنار، والحساب والميزان، وتؤمن بالقدر كله خيره وشره”. قال: فإذا فعلت ذلك فقد آمنت؟ قال: “إذا فعلت ذلك فقد آمنت”.
قال: يا رسول الله، حدثني ما الإحسان؟ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “الإحسان أن تعمل لله كأنك تراه، فإن كنت لا تراه فإنه يراك”.
قال: يا رسول الله، فحدثني متى الساعة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “سبحان الله. في خمس لا يعلمهن إلا هو: { إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنزلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }( ).
ولكن إن شئت حدثتك بمعالم لها دون ذلك؟”. قال: أجل، يا رسول الله، فحدثني. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا رأيت الأمَة ولدت رَبَّتَها -أو: ربها -ورأيت أصحاب الشاء يتطاولون في البنيان، ورأيت الحفاة الجياع العالة كانوا رؤوس الناس، فذلك من معالم الساعة وأشراطها”.
قال: يا رسول الله، ومَنْ أصحاب الشاء والحفاة الجياع العالة؟ قال: “العرب) ( ).
الثالث : بيان جهاد الأنبياء ووظائفهم وسعيهم وسنخية الدعوة التي بعثوا بها , والتي تتقوم بسنن التوحيد والبشارة والإنذار ، وقيل في الفلسفة أن المتضادين لا يجتمعان في محل واحد ، وقد إجتمعا في سعي وعمل الأنبياء , فان قلت إن البشارة التي تصدر من النبي غير الإنذار الذي يصدر منه وإذا إختلف الموضوع تباين الحكم .
والجواب ذات البشارة للمؤمنين تكون إنذاراً للذين كفروا وكذا العكس فان الإنذار للذين كفروا بشارة للمؤمنين للنجاة والسلامة من المصداق الفعلي لهذا الإنذار , وتقدم الآيات البشارة والتبشير لأنه الأصل ، والملائم لفطرة الإنسان من الهداية والإقرار بالربوية المطلقة لله عز وجل ، وتفضل الله بدعوة الناس لإكرام المسلمين الذين يتلقون البشارة .
ويصح تقدير نداء الإيمان في الآية أعلاه من سورة البقرة من وجوه :
أولاً : يا أيها الذين آمنوا كان الناس أمة واحدة .
ثانياً : يا أيها الناس بعث الله النبيين .
ثالثاً : يا أيها الناس بعث الله النبيين مبشرين .
رابعاً : يا أيها الناس بعث الله النبيين ومنذرين .
خامساً : يا أيها الناس أنزل الله مع النبيين الكتاب بالحق .
سادساً : يا أيها الناس أنزل الله الكتاب بالحق ليحكم بين الناس ويتخذها الأنبياء منهاجاً وحكماً وبرهاناً ، قال تعالى [إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا] ( ).
سابعاً : يا أيها الذين آمنوا يحكم الكتاب المنزل بين الناس لبيان أن القرآن جامع للأحكام الشرعية .
ثامناً : يا أيها الذين آمنوا أنزل الله الكتاب مع الأنبياء ليحكموا بين الناس فيما إختلفوا فيه .
تاسعاً : يا أيها الذين آمنوا وما إختلف فيه إلا الذين أوتوه .
عاشراً : يا أيها الذين آمنوا ما إختلف في الكتاب إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات .
الحادي عشر : يا أيها الذين آمنوا وما اختلف فيه إلا بغياً .
الثاني عشر : يا أيها الذين آمنوا هدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق باذنه .
الثالث عشر : يا أيها الذين آمنوا يهدي الله من يشاء إلى صراط مستقيم .
البينة الثالثة : نزول الكتب من السماء ، وعندما أخبر الله عز وجل الملائكة بجعل خليفة في الأرض سألوا وبينوا موضوع إحتجاجهم ، كما ورد في التنزيل [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ] ( ) .
والمختار أن سؤالهم هذا ليس إنكارياً إنما أرادوا أن ينعم الله عز وجل على الخلائف في الأرض بالإنقطاع إلى التسبيح والتهليل فأجابه الله عز وجل بصيغة الإحتجاج والبرهان القاطع[إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ).
ومن علم الله تعالى أن نداء الإيمان إحسان للمسلمين خاصة ولأهل الأرض عامة، فلاذ الملائكة بالعرش، وخروا ساجدين وعلموا أن الكتاب السماوي صلة متصلة ودائمة بين الله عز وجل وخلقه، ومن الإحسان في المقام أن الناس حينما يقومون بتحريف الكتاب يتفضل الله ببعثة نبي آخر وإنزال الكتاب معه إلى أن تفضل ببعثة خاتم النبيين وسيد المرسلين محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنزل عليه القرآن كتاباً ممتنعاً عن التحريف، كما قال تعالى[إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون]( ).
لقد ذمّ الله عز وجل الذين إختلفوا في الكتب السماوية السابقة، فقال تعالى[وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ]( ).
فتفضل الله بنداء الإيمان في القرآن وجعله مكرراً ومتعدداً لم يأت مرتين في آية واحدة، ليكون واقية للقرآن من التحريف، وروضة بصيرة وفيض جود رباني ليس له إنقطاع، فهو إحسان على المسلمين والناس في كل يوم، ويترشح عن تلاوته والعمل بمضامينه الإحسان من جهات :
الأولى : إحسان المسلم لذاته بالتلاوة , فهي تزكية ونقاء وسلامة وثواب متصل في النشأتين، وعن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة ، والحسنة بعشر أمثالها . لا تقول { الم } حرف ، ولكن ألف حرف ، ولام حرف ، وميم حرف( ).
الثانية : إحسان المسلم لغيره بالتلاوة وليس من حصر للغير في المقام، فيشمل السامع والمستمع والمتعظ، والمنقول له .
الثالثة : تلاوة المسلم لآيات القرآن ذخيرة لذريته وعقبه، فيقتبسون منه التلاوة وما يترشح عنها من العمل الصالح، وهي ذكرى كريمة وتركة مباركة.
الرابعة : التلاوة إحسان للمسلم ولغير المسلم، وهي باب لنزول شآبيب الرحمة من عند الله على التالي ودويرته وكل آية من القرآن بينة متعددة تدعو إلى عبادة الله، وتكون جزء بينة بالجمع بينها وبين كل آية من آيات القرآن، وهو الذي يتجلى بعلم نظم وسياق الآيات( )، ويكون نداء الإيمان بينة من وجوه :
الأول : نزول النداء من عند الله بينة وحجة.
الثاني : ما يتضمنه نداء الإيمان من الشهادة للمسلمين بينة.
الثالث : جزئية نداء الإيمان من القرآن حجة وبرهان وبينة.
الرابع : دلالات نداء الإيمان بينة وعلامة مضيئة في الأرض، تهدي الملائكة إلى حملة وأصحاب هذا النداء .
الخامس : نداء الإيمان بلغة لعمل الصالحات .
وهو بينه وحجة من جهات :
الأولى : بلوغ المسلين مرتبة الإيمان بالآيات العقلية والحسية التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : تجلي قانون وهو عدم إمكان إجتماع المسلمين على خطأ أو ضلالة ، وقد شرفهم الله عز وجل ببلوغ درجة أصحاب العقول قال تعالى في خطاب للمسلمين [وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِي يَاأُوْلِي الأَلْبَابِ] ( ).
الثالثة : نهج المسلمين اليومي في العبادة والصلاح حجة وبينة ، ولنداء الإيمان موضوعية في بلوغ المسلمين هذه المرتبة .
الرابعة : تلاوة المسلمين لنداء الإيمان إقرار منهم على وجوب توارث الإيمان.
قانون نداء الإيمان في الآخرة
ينشغل الإنسان بدنياه ويهتم بيومه وغده ، ويولي عنايته لما حوله من الأشخاص والأشياء ، ويبين صروحها من الأمل فيهدم أكثرها في الذاكرة من دون أن يخرج عن حدود التصور الذهني ، فينساها صاحبها ، ولكن الله عز وجل لا ينساها ، وهو من مصاديق الخفاء في قوله تعالى [يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى] ( ) .
فتفضل الله عز وجل بنداء الإيمان وثيقة وعهداً ووسام تشريف نازل من السماء لتتدلى أغصانه في كل بيت من بيوت أهل الأرض تدعوهم للتمسك بها ، وإتخاذها منهلاً .
فمن الإعجاز في نداء الإيمان أنه مع توجهه للمسلمين والمسلمات على نحو الخصوص فانه يدعو كل إنسان ذكراً أو أنثى إلى رياضه المباركة ، وهو من مصاديق الصراط في قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( ) الذي جعل الله عز وجل تلاوته واجباً في الصلاة على كل مسلم ومسلمة , وليكون من معانيه العموم ، وكأن المسلمين يدعون للناس جميعاً بالهداية إلى الصراط ، إذ يحتمل الضمير (نَا) في أهدنا وجوهاً :
الأول : إرادة شخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجاءت صيغة الجمع للإكرام .
الثاني : المقصود المسلم نفسه الذي يتلو آية الصراط هذه.
الثالث : في الآية دعاء من المسلم لنفسه وذريته .
الرابع : إرادة جماعة المسلمين في المسجد أو القرية أو البلدة .
الخامس : المقصود عموم المسلمين في زمان التلاوة .
السادس : إرادة الناس جميعاً .
ولا تعارض بين هذه الوجوه ، إذ يدعو المسلم لنفسه والمسلمين والناس جميعاً ، وهو من معاني الرحمة العامة في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] بأن يكون المسلمون أئمة في الدعاء لأنفسهم والناس ، ويحرصون على نجاة الناس من العذاب يوم القيامة وتتجلى هذه النجاة بعمل الصالحات ، وعدم العزوف أو الميل عن الصراط المستقيم .
( كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فخط خطاً هكذا أمامه فقال : هذا سبيل الله ، وخطين عن يمينه وخطين عن شماله وقال : هذا سبيل الشيطان . ثم وضع يده في الخط الأوسط وتلا { وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه . . . } الآية ) ( ).
والإيمان أحسن زاد للإنسان في الآخرة تشهد الملائكة لصاحبه في الدنيا والآخرة ، وهو نور يبعث الخلائق على غبطة المؤمن .
ومن خصائص الإيمان أنه يجعل همّ المسلم بالآخرة وكيفية الإستعداد لها ، والنجاة من أهوالها ، فيتسابق مع نفسه ومع غيره في التقديم لها ، باكتناز الصالحات .
وعن الإمام علي عليه السلام قال (إن العبد إذا مات قالت الملائكة: ما قدم، وقال الناس: ما أخر، فقدموا فضلا يكن لكم، ولا تؤخروا كلا يكن عليكم، فإن المحروم من حرم خير ماله والمغبوط من ثقل بالصدقات والخيرات موازينه، وأحسن في الجنة بها مهاده، وطيب على الصراط بها مسلكه) ( ).
ومن أسرار تعدد نداء الإيمان في القرآن ووروده في آيات وسور متعددة تلاوة كل مسلم ومسلمة له في الصلاة وخارجها لتكون تلاوته عملاً صالحاً للمسلم وحاضرة معه في الآخرة شاهداً وشفيعاً ومعيناً وبرزخاً دون شدة الظمأ في مواطن الآخرة .
وشفاعة القرآن على وجوه :
الأول : التصديق بنزول القرآن من عند الله , وتقدير نداء الإيمان: يا أيها الذين آمنوا بأن القرآن نازل من عند الله .
الثاني : التسليم بأن القرآن كلام الله ، وتقدير نداء الإيمان : يا أيها الذين آمنوا بأن القرآن كلام الله عز وجل .
الثالث : الإقرار بنزول جبرئيل وهو من رؤساء الملائكة بالقرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وتقدير نداء الإيمان : يا أيها الذين آمنوا بأن جبرئيل نزل بالقرآن بأمر من عند الله عز وجل ، قال تعالى [قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ] ( ).
الرابع : يا أيها الذين آمنوا بوجوب تلاوة المسلمين للقرآن في الصلاة .
الخامس : يا أيها الذين آمنوا بأن الله عز وجل جعل القرآن [تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ] ( ).
السادس : يا أيها الذين آمنوا بأن القرآن شافع مشفع .
وتكون شفاعة القرآن في كيفيتها على وجوه :
الأول : حضور وشفاعة القرآن عند دخول تاليه وصاحبه القبر.
الثاني : مصاحبة المؤمن في القبر ، وهو من مصاديق صيرورة قبره روضة من رياض الجنة .
الثالث : مصاحبة القرآن بتاليه عند خروجه من القبر ، وتلك الساعة من أشد أهوال الآخرة .
ومن الآيات أن هذه المصاحبة والنعمة لا تختص بتاليه وحده بل تشمل والديه .
وعن بريدة قال : (كنت جالسًا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسمعته يقول: ” تعلموا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة ” .
قال: ثم سكت ساعة، ثم قال: ” تعلموا سورة البقرة، وآل عمران، فإنهما الزهراوان، يُظلان صاحبهما يوم القيامة، كأنهما غمامتان أو غيايتان، أو فرْقان من طير صَوافّ، وإن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره كالرجل الشاحب، فيقول له: هل تعرفني؟ فيقول: ما أعرفك.
فيقول: أنا صاحبك القرآن الذي أظمأتك في الهواجر، وأسهرت ليلك، وإن كل تاجر من وراء تجارته، وإنك اليوم من وراء كل تجارة. فيعطى الملك بيمينه والخلد بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ويكسى والداه حلتين، لا يقوم لهما أهل الدنيا، فيقولان: بم كسينا هذا؟ فيقال: بأخذ ولدكما القرآن، ثم يقال: اقرأ واصعد في دَرَج الجنة وغرفها، فهو في صعود ما دام يقرأ هَذًّا كان أو ترتيلا ) ( ).
والمراد من المشبه في قوله صلى الله عليه وآله وسلم (كالرجل الشاحب) هو القرآن ، ترى لماذا يأتي بهذه الهيئة والشكل ، وهو كلام الله , في الجواب وجوه :
أولاً : إرادة وجه صاحبه في الدنيا عندما كان يجتهد في قراءة القرآن .
ثانياً : بيان شفقة ورأفة القرآن على صاحبه ، وهو في القبر .
ثالثاً : ذكر أهوال النشور والحساب في آيات القرآن .
رابعاً : مؤاساة القرآن لصاحبه .
خامساً : إستعداد القرآن للشفاعة ورجاء قبولها ، وفي التنزيل [يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلاَئِكَةُ صَفًّا لاَ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا] ( ).
وورد في شعب الإيمان وغيره من طريق محمد عبد الله بن يزيد حنيش قال : دخلنا على سفيان الثوري نعوده ومعنا سعيد بن حسان المخزومي فقال له سفيان : أعد عليَّ الحديث الذي كنت حدثتنيه عن أم صالح .
قال : حدثتني أم صالح بنت صالح ، عن صفية بنت شيبة ، عن أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : كلام ابن آدم كله عليه لا له إلا أمراً بمعروف أو نهياً عن منكر ، أو ذكر الله عز وجل .
فقال محمد بن يزيد : ما أشد هذا الحديث! فقال سفيان : وما شدة هذا الحديث؟ إنما جاءت به امرأة عن امرأة ، هذا في كتاب الله الذي أرسل به نبيكم صلى الله عليه وسلم ، أما سمعت الله يقول { لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس }( ) فهذا هو بعينه .
أو ما سمعت الله يقول { يوم يقوم الروح والملائكة صفاً لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صواباً }( ) فهو هذا بعينه ، أو ما سمعت الله يقول { والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر } [ العصر : السورة كلها ] فهو هذا بعينه) ( ).
وكأن سفيان الثوري قد سمع الحديث في مرة سابقة ، وأراد أن يرد في المرة التالية ، وليس من إنتقاص في الحديث أو شدته لمجئ سنده على لسان امرأة عن امرأة ثم عن أم المؤمنين أم حبيبة ، إذ أنه حديث لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
ولا تعارض بين آيات القرآن أعلاه وبين هذا الحديث ، إنما ورد الحديث بياناً وتفسيراً لها , وتأكيد موضوعية السنة النبوية في صيغ الإنذار , وهو من عمومات قوله تعالى[وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا]( ).
سادساً : زوال هيئة الشحوب عن القرآن والهيئة التي حضر بها صاحبه عندما يعطى الملك بيمينه والخلد بشماله ، وليس من فترة بين إنشقاق القبر عن المؤمن وبين نيل هذه النعمة ببركة القرآن .
الرابع : مصاحبة القرآن لتاليه وحامله عند الصراط ، وفي أهوال يوم القيامة .
وتحتمل شفاعة القرآن بخصوص القراءة في صلاة الجماعة وجوهاً :
الأول : شفاعة القرآن لإمام الجماعة إذ أنه هو الذي يتولى القراءة .
الثاني : يشفع القرآن للإمام والمأموم بخصوص التلاوة .
الثالث : تأتي التلاوة القرآن في الصلاة لتشفع لمن صلى الجماعة إماماً ومأموماً .
ولا تعارض بين هذه الوجوه لإشتراك المأموم في ثواب قراءة الإمام .
لقد جعل الله عز وجل الطريق إلى الآخرة محفوفاً بالمخاطر والمشاق باغواء الشيطان وإغراء الدنيا ، وجذب مباهجها للإنسان ويلح عليه فيها سلطان الشهوة ، ودبيب الغفلة ، والميل إلى الراحة ، فجاء ندا ء الإيمان في القرآن للوقاية من الإفتتان بالدنيا وزينتها ، فمن الإعجاز في نداء الإيمان أنه سلاح وواقية من جهات :
الأولى : نداء الإيمان واقية في الدنيا من إغوائها .
الثانية : نداء الإيمان تنمية لملكة القناعة , وثروة تبعث على السعادة في النفس .
الثالثة : نداء الإيمان مقدمة وبصيرة بالنعم التي تتغشى الإنسان ، فيدرك معها المؤمن فضل الله عليه وحتى إذا كان فقيراً فانه يعلم بأن هذا الفقر نعمة ومقدمة لكبرى كلية وهي أن كل ما في الدنيا نعمة ورحمة لابد أن تسخر للإيمان .
(عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : الإيمان بضع وسبعون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان) ( ).
ويبين هذا الحديث مسألة وهي أن الإيمان بالله مصاحب للإنسان في نهاره وليله ، ويجعله صالحاً في ذاته ومصلحاً في عمله ، تملأ التقوى قلبه وجوانحه ويكون جني الحسنات بلغة وغاية للآخرة ، ويأتي نداء الإيمان ليدله على سبل جمع الحسنات وكيفية الفوز بمضامينها ، ويحول دونه ودون الإنقطاع للدنيا وهمومها وزينتها .
ومن الآيات في بديع صنع الله عز وجل أن الإنسان حالما يعرض عن الدنيا تتبين له حقيقتها وزيفها وسرعة تعاقب أيامها وحتمية إنقضاء وجوده فيها ، فيكون نداء الإيمان على وجوه :
الأول : نداء الإيمان إعراض عن الدنيا ، وهذا الإعراض ليس على نحو السالبة الكلية بل هو في حقيقته إنتفاع أمثل منها ، إذ أن الإيمان بالله والنبوة والتنزيل والإقرار باليوم الآخر واجب عيني على كل مكلف .
الثاني : الزهد في الدنيا وعدم الحرص عليها أو الرغبة فيها ينفع الإنسان في الآخرة من الحساب عن مقدمات فضول المباحات .
الثالث : الرضا بما قسم الله ، والثقة بفضل الله .
الرابع : اللجوء إلى سلاح الدعاء ، واليقين بالإستجابة ، ليكون نداء الإيمان باعثاً على الدعاء والإستجابة له في حال الرخاء والشدة ، وليكون من معاني الدعاء الإستجابة في قوله تعالى [ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ] ( ) مسائل :
الأولى : أدعوني من منازل الإيمان .
الثانية : تقدير نداء الإيمان على وجوه :
أولاً : يا أيها الذين آمنوا أصلحوا أنفسكم للدعاء .
ثانياً : يا أيها الذين آمنوا لقد هداكم الله للإيمان ليستجيب لدعائكم .
ثالثاً : يا أيها الذين آمنوا استجب لكم شكراً لكم على إيمانكم .
رابعاً : يا أيها الذين آمنوا أستجب لكم لتكونوا حجة على الذين كفروا .
خامساً : يا أيها الذين آمنوا أستجب لكم في أمور الدين والدنيا وأحوال الآخرة ، وفي التنزيل [وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ] ( ) .
سادساً : أكثروا من تلاوة (يا أيها الذين آمنوا ) أستجب لكم .
الثالثة : من رشحات نداء الإيمان والنعم المصاحبة له الأمر من الله عز وجل للمسلمين والمسلمات بدعائه والتوجه له بالمسألة والحاجة .
و(في الحديث القدسي : ( يا موسى ، اسألني كل ما تحتاج اليه ، حتى علف شاتك ،وملح عجينك ) ( ).
الرابعة : ذات نداء يا أيها الذين آمنوا دعاء في تلاوة المسلمين له ، وهو من إعجاز القرآن الغيري بصيرورة النداء النازل من عند الله للمسلمين دعاء وزلفى إليه سبحانه .
الخامسة : بيان قانون أن الله عز وجل يحب سماع دعاء المؤمنين له ، وفيه حث للناس على التوبة والهداية إلى أبواب الدعاء .
الخامس : نداء الإيمان دعوة للمسلمين للإقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في صبره وزهده وإخلاصه العبودية لله عز وجل .
وعن عبد الله بن مسعود قال (نام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على حصير فقام وقد أثر في جنبه ، قلنا : يا رسول الله لو إتخذنا لك وطاء , فقال : ما لي وللدنيا ، ما أنا في الدنيا إلا كراكب إستظل تحت شجرة ثم راح وتركها ) .
ويبعث نداء الإيمان على القناعة , ويدعو إلى الصبر ويجعل المسلمين في أمن من اللهث وراء الذهب والفضة ، إنما يتسابقون في فعل الخيرات ، قال تعالى [وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ] ( ).
السادس : يجعل نداء الإيمان الدنيا مزرعة للآخرة ، ويمنع من الشطط فيها أو زراعة ما لا يتم حصاده , وهو يصرخ بالمسلمين كل يوم ليهبوا لزرعهم وسقايته بالتسبيح والتهليل والإنفاق .
قانون نداء الإيمان لطف ومدد
يمكن تأسيس قانون وهو أن إبتداء الآية القرآنية بنداء الإيمان عون ومدد للعمل بالأوامر الواردة في ذات الآية ، وواقية مما تضمنت الآية النهي عنه ، ومن مصاديق هذا القانون آية البحث ، إذ تطل في كل يوم على المسلمين وتقول لهم [لاَ تَكُونُوا] بصيغة المضارع .
ولو دار الأمر بين النهي عن فعل موجود عند المسلمين أو فعل قبيح غير موجود عند المسلمين ، فالصحيح هو الثاني لوجوه منها :
الأول : أصالة البراءة .
الثاني : الثناء من عند الله عز وجل على المسلمين ، قال سبحانه [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ).
وقد جعل الآية أعلاه بصيغة الفعل الماضي وعلى نحو متعدد: كنتم ،أخرجت ، فلم تقل الآية ( لتكونوا خير أمة تخرج للناس ) ولم تقل (كنتم خير أمة تخرج للناس ).
بينما وردت آية البحث بصيغة الفعل المضارع [لاَ تَكُونُوا]بصيغة المضارع .
الثالث : لقد إبتدأت الدعوة الإسلامية بالصبر والتحمل ، وتلقي النبي وأهل بيته والمؤمنين الأذى بالثبات على الإيمان ، ومرت على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث عشرة سنة نبياً رسولاً في مكة قبل الهجرة من غير أن يغزو أحداً أو يوعز لأهل بيته وأصحابه بالرد بالمثل على تعديهم بالضرب والتـأديب , أقصى ما فعله أن أمرهم بالهجرة ، ثم إختار الهجرة وغادر مكة .
إنما بدأ المسلمون بالغزو بعد الهجرة بأكثر من سنتين عندما تمادت قريش بالتعدي وسارت بالجيوش لقتال المسلمين في معركة بدر وأحد وأخذت تحرض القبائل على الإسلام والمسلمين وترّغب الفاسقين والمجرمين بقتل النبي وتجعل لهم الجعل والمال الوفير .
فحيما أجمع رؤساء الكفر من قريش على قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في فراشه ، فهاجر من ليلته لم تكف قريش عن الغيلة وإرادة إغتياله ، خاصة بعد معركة بدر وما لحقهم فيها من الخسارة بالنفوس والأموال ، وما تعقبها من الخزي لهم بين القبائل والدول .
لقد علمت قبائل العرب بهزيمة كفار قريش أمام سلطان النبوة ومدد الملائكة ، ولكن هل علمت الدول والممالك ممن حول الجزيرة بهذه المعركة مثل مملكة الروم وفارس ، والنجاشي ملك الحبشة ، والمقوقس عظيم القبط ونحوها ، الجواب نعم .
فمن شأن الملوك تتبع الأخبار ، وعندهم صاحب البريد الذي يأتي لهم باخبار الأمصار والبلدان والحكام والقضاة والأسعار ، كما تدل على هذا العلم وإحاطة الناس بوقائع معركة بدر وأحد ، قوله تعالى [لِإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ] ( ).
إذ إنقطعت تجارة قريش أيام شدة المعارك إلا القليل النادر لجهات :
الأولى : تسخير قريش الإبل والرواحل لمحاربة الإسلام .
الثانية : فقد قريش للإبل لوقوعها غنائم بيد المسلمين ولذبحها طعاماً للجنود في الطريق إلى مكة ولبيعها وإهدائها لإغراء وترغيب القبائل والأشخاص لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالثة : إنشغال رؤساء قريش في الإعداد للقتال والمعارك ، وإرادتهم العودة إلى التجارة وطريق القوافل جعلتهم يعجلون بالهجوم والقتال في معركة بدر وأحد .
وأصر في كل واحدة منهما بعض رؤساء قريش على القتال لظنهم بأن القتال قطع لتهديد قوافلهم بين الشام ومكة واليمن ، إذ كانوا قبل بدء القتال على أقسام :
الأول : فريق من قريش لم يخرج إلى محاربة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين ، وقيل منهم بنو عدي بن كعب .
الثاني : عدد من رؤساء قريش لم يخرجوا للقتال ، ولكنهم بعثوا من أناب عنهم بدفع المال له ، كما في أبي لهب فانه بعث رجلاً بديلاً عنه كان له دين عليه .
الثالث : طائفة من جيش قريش إنسحبت قبل بدء المعركة ، إذ كانت علة خروج كفار قريش إلى بدر هو ، الذب عن قافلة أبي سفيان والدفاع عنها وتأمين سلامتها ، وكانت تتألف من الف من العير المحملة بالبضائع ز
وحينما علموا بسلامتها وأنها توجهت إلى مكة من دون أن يتعرض لها المسلمون (قال الاخنس بن شريق وكان حليفا لبنى زهرة يا بني زهرة قد نجى الله اموالكم وخلص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل وانما نفرتم لتمنعوه وماله فاجعلوا بي جبنها وارجعوا فانه لا حاجة لكم بأن تخرجوا في غير ضيعة لا ما يقول هذا فرجعوا فلم يشهدها زهري) ( ).
الرابع :رجوع جماعة من بني هاشم بسبب إثارة كفار قريش الشك والريب فيهم وإظهار الخشية منهم عند القتال إذ أخرجت قريش بني عبد المطلب معهم ، وجرى حديث بينهم وبين رؤساء الكفار من قريش فقالوا لهم ، لقد علمنا يا بني هاشم أن هواكم مع محمد حتى وإن خرجتم معنا ، فرجع طالب بن أبي طالب مع الذين رجعوا وكان قد قال شعراً أوجست قريش منه خيفة وهو :
(لَا هُمّ إمّا يَغْزُوَنّ طَالِبْ … فِي عُصْبَةٍ مُحَالِفٌ مُحَارِبْ
فِي مِقْنَبٍ مِنْ هَذِهِ الْمَقَانِبِ … فَلْيَكُنْ الْمَسْلُوبُ غَيْرَ السّالِبِ
وَلْيَكُنْ الْمَغْلُوبُ غَيْرَ الْغَالِبِ) ( ).
وأختلف هل فقد طالب في هذا الخروج إذ لم يكن مع القتلى أو الأسرى أو الذين رجعوا إلى مكة , أم أنه عاد إلى مكة ثم قتل غيلة أو مات وله بعض الأخبار .
وولد طالب بن أبي طالب سنة 42 قبل الهجرة وتوفى في السنة الثانية للهجرة .
الخامس : الذين سعوا لمنع القتال ، وهم من أواسط قريش ورؤسائهم ومشى حكيم بن حزام إلى عتبة بن ربيعة في جيش المشركين يحثه على ترك القتال وأن يحسبوها جبناً وخوراً منه .
قال حكيم لعتبة ( يَا أَبَا الْوَلِيدِ إنّك كَبِيرُ قُرَيْشٍ وَسَيّدُهَا ، وَالْمُطَاعُ فِيهَا ، هَلْ لَك إلَى أَنْ لَا تَزَالَ تَذْكُرُ فِيهَا بِخَيْرِ إلَى آخِرِ الدّهْرِ ؟ قَالَ وَمَا ذَاكَ يَا حَكِيمُ ؟ قَالَ تَرْجِعُ بِالنّاسِ وَتَحْمِلُ أَمْرَ حَلِيفِك عَمْرِو بْنِ الْحَضْرَمِيّ ، قَالَ قَدْ فَعَلْت ، أَنْتَ عَلَيّ بِذَلِكَ إنّمَا هُوَ حَلِيفِي ، فَعَلَيّ عَقْلُهُ وَمَا أُصِيبَ مِنْ مَالِهِ فَأْتِ ابن الْحَنْظَلِيّةِ ) ( ).
وأراد أبو جهل لأن أمه هي أسماء بنت مخربة من بني حنظلة بن مالك ، ثم قام عتبة في الناس خطيباً يرغبهم في إجتناب القتال ويذكرهم بصلة الرحم ، ونسب محمد صلى الله عليه وآله وسلم منهم وشرفه وبني هاشم بينهم ، وأن قتل أي من المهاجرين سبب لحدوث الضغائن والعداوة بين بيوتات قريش , ولكن أبا جهل أثار الحمية للقتال وظن أنه يحمي بالقتال قوافل قريش وتجارتها ، وتبقى عبادة الأوثان سائدة في مكة , ويدين العرب له ولقومه ، وهذا من البلايا العامة التي تترشح عن الكفر الشخصي إذا وجد طريقاً للبيان والدّس والكيد , لذا تفضل الله عز وجل الله عز وجل ونهى المسلمين عن إتخاذ بطانة ووليجة وخاصة من دونهم سواء من المنافقين أو الكافرين بقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً] ( ).
وإنسحب حكيم بن حزام من معركة أحد بينما كان عتبة وولده الوليد وأخوه شيبة أول من تقدم للقتال فصرعوا جميعاً ونزل الخطاب للمسلمين من عند الله عز وجل [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ] ( ) .
ومن إعجاز نظم القرآن أن الآية أعلاه جاءت معطوفة على آية البطانة ، إذ وردت بعدها بخمس آيات كلها نداء وخطاب للمسلمين ، ولا يضر بهذا العطف مجئ آية منها خطاباً للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] ( ) .
خاصة وأن الآية أعلاه إبتدأت بالحرف الواو ، وفي الصناعة النحوية قيل أنه للإستئناف ، ولا يمنع من الجمع في المقام بين العطف والإستئناف ، ليكون من دلائل هذا العطف وجوه :
الأول : إبتداء آية البطانة بنداء الإيمان ، مما يدل على تقدير آية ببدر بصيغة الإيمان وهو جلي وواضح ، وتقدير الآية : يا أيها الذين آمنوا لقد نصركم الله ببدر ..).
الثاني : جاءت آية البطانة بشارة بالنصر في معركة بدر وأحد وصيرورة المسلمين في شأن وجاه ودولة ، ومن أصحاب الأموال مما يستلزم الإستشارة وتعدد العمال .
الثالث : حضور نداء الإيمان في آيات القرآن ليكون نوراً سماوياً يشع بين جنبات الآية بما يكون لطفاً من عند الله ليعملوا بمضامينها.
الرابع : من مصاديق شكر المسلمين لله عز وجل على النصر المبين يوم بدر الإمتناع عن إتخاذ وليجة وبطانة من غيرهم ممن هم دونهم , وتقدير الجمع بين الآيتين على وجوه :
الأول : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم فسيأتيكم النصر .
الثاني : يا أيها الذين آمنوا لقد نصركم الله ببدر فلا تتخذوا بطانة من دونكم .
الثالث : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً فيحجبوا عنكم النعم المصاحبة للنصر والمترشحة عنه.
الرابع : يا أيها الذين آمنوا لقد نصركم الله ببدر وسينصركم في معارك أخرى فلا تتخذوا بطانة من دونكم .
لقد أرسلت قريش بعض الفرسان يستطلعون حال المسلمين وعددهم وتنظيمهم وعزمهم على القتال ، وهل لهم مدد ، فجاءوا بأنباء أصابت قريش بالفزع إذ أخبروا عن عزم الأنصار على القتال والتضحية والفداء فأرسلوا (عُمَيْرَ بْنَ وَهْبٍ الْجُمَحِيّ فَقَالُوا : احْزُرْ لَنَا أَصْحَابَ مُحَمّدٍ قَالَ ابن إسحاق : فَاسْتَجَالَ بِفَرَسِهِ حَوْلَ الْعَسْكَرِ ثُمّ رَجَعَ إلَيْهِمْ فَقَالَ ثَلَاثُ مِائَةِ رَجُلٍ يَزِيدُونَ قَلِيلًا أَوْ يَنْقُصُونَ وَلَكِنْ أَمْهِلُونِي حَتّى أَنْظُرَ أَلِلْقَوْمِ كَمِينٌ أَوْ مَدَدٌ ؟ قَالَ فَضَرَبَ فِي الْوَادِي حَتّى أُبْعِدَ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا .
فَرَجَعَ إلَيْهِمْ فَقَالَ مَا وَجَدْت شَيْئًا ، وَلَكِنّي قَدْ رَأَيْت ، يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، الْبَلَايَا تَحْمِلُ الْمَنَايَا ، نَوَاضِحُ يَثْرِبَ تَحْمِلُ الْمَوْتَ النّاقِعَ قَوْمٌ لَيْسَ مَعَهُمْ مَنَعَةٌ وَلَا مَلْجَأٌ إلّا سُيُوفُهُمْ وَاَللّهِ مَا أَرَى أَنْ يَقْتُلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ حَتّى يَقْتُلَ رَجُلًا مِنْكُمْ فَإِذَا أَصَابُوا مِنْكُمْ أَعادَهُمْ فَمَا خَيْرُ الْعَيْشِ بَعْدَ ذَلِكَ ؟ فَرَوْا رَأْيَكُمْ) ( ) وسمع حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى الكلام، وكنيته أبو خالد ولد قبل عام الفيل بثلاث عشر سنة , وخديجة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم عمته ومات سنة أربع وخمسين , وقال البخاري مات سنة ستين , وعن حكيم قال (ولدت قبل الفيل بثلاث عشرة سنة وأنا أعقل حين أراد عبد المطلب أن يذبح عبد الله ابنه( ).
وقيل عاش ستين سنة في الجاهلية وستين في الإسلام وكان شديد الأدمة خفيف اللحم .
أسلم يوم الفتح وحسن إسلامه وشهد حنيناً والطائف ، وكان من المؤلفة قلوبهم (وأعطي من غنائمها مائة بعير) ( ).
وكان يصل رحمه وهو تاجر يخرج إلى الشام واليمن ، وكان قد إشترى من سوق عكاظ زيد بن حارثة لعمته خديجة بستمائة درهم ، فلما تزوجها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهبته له ، فاعتقه .
ولما هاجر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجد حكيم بن حزام حلة لذي يزن تباع في السوق فاشتراها بخمسين ديناراً ليهبها إلى رسول الله ، وقدم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة بالهدية , ولكن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أبى أن يقبل منه إلا بالثمن لأنه مشرك .
قال حكيم (فلبسها فرأيتها عليه على المنبر فلم أر شيئا أحسن منه فيها يومئذ ثم أعطاها أسامة بن زيد فرآها حكيم على أسامة فقال يا أسامة أنت تلبس حلة ذي يزن قال نعم والله لأنا خير من ذي يزن ولأبي خير من أبيه قال حكيم فانطلقت إلى مكة أعجبهم بقول أسامة) ( ) أي أن ابن العبد الذي إشتراه بستمائة درهم يقول أني خير من الملك سيف بن ذي يزن ، وكذا فان أباه أشرف وأفضل من أبي ذي يزن بالإسلام، وهو من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( )، إذ تعجب حكيم من قول أسامة خاصة وأنه إشترى أباه بستمائة درهم ، وفيه مصداق لقوله تعالى [وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ] ( )ولبيان أن نداء الإيمان مرتبة سامية تجعل المسلمين في حال إرتقاء متصل ، وهو من أسرار توجه النداء لهم في كل يوم من أيام الحياة الدنيا ، من جهات :
الأولى : ذات نداء الإيمان وتعدده في القرآن .
الثانية : كل فرد من نداء الإيمان لطف ومدد وعون من عند الله ، وإذا أعطى الله فانه يعطي بالأتم والأوفى ، فلا يغادر لطفه المسلمين في الدنيا والآخرة .
الثالثة : لقد أراد الله عز وجل للمسلمين تعاهد تلاوة نداء الإيمان على نحو الوجوب والندب لتكون هذه التلاوة لطفاً بالمسلمين الموجود والمعدوم والحي والميت ، فيتلو المسلم نداء الإيمان فيكون أمناً وسلاماً ويأتيه الأجر من جهات :
الأولى : نداء الإيمان من القرآن , وفي تلاوة كل حرف منه ثواب وأجر.
وعن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال (مثل الذي يقرأ القرآن كمثل الأتْرُجة، طعمها طيب وريحها طيب. والذي لا يقرأ القرآن كالتمرة، طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مر، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها) ( ).
الثانية : تلاوة القرآن من مصاديق الشكر لله عز وجل ، ومن فضله سبحانه أنه يزيد من فضله على الشاكرين ، عن أبي سعيد الخدري قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ” يقول الله تعالى: من شغله قراءة القرآن عن دعائي أعطيته أفضل ثواب السائلين “)( ).
الثالثة : من إعجاز القرآن الغيري الثواب في التلاوة إستغفار للوالدين وسبيل رحمة لهما ، وذخيرة للذرية بتقريبهم بلطف من عند الله للإستقامة في سبل التقوى ونزول الرزق الكريم .
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام (من قرأ في المصحف متع ببصره، وخفف عن والديه، ولو كانا كافرين) ( ).
الرابعة : حضور القرآن يوم القيامة شفيعاً وناصراً ، وهل شفاعة القرآن في الآخرة من الأجر والثواب الجواب نعم .
قانون منافع نداء الإيمان في الكينونة الخاصة والعامة
ورد بعد نداء الإيمان في آية البحث النهي العام عن صيرورة الذين آمنوا مثل الكافرين في صدودهم وصدهم عن سبيل الله ، وذكر ما لم يقع من القعود والخور وجعله علة لسلامة المؤمنين .
وجاء لفظ [وَلاَ تَكُونُوا] تسع مرات في القرآن كلها خطاب للمسلمين والمسلمات إلى يوم القيامة بأستثناء واحدة وردت في نداء شعيب لقومه [أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلاَ تَكُونُوا مِنْ الْمُخْسِرِينَ] ( )سألهم الإنصاف وإيفاء الوزن وإعطاء الناس أموالهم وعدم بخسهم حقوقهم .
وجاء ذات النهي للمسلمين في موارد القتال والجهاد مما يدل على أنهم أحسنوا الكيل والميزان ، وإجتبوا الظلم ويدل عليه إمتناعهم عن الربا ، وهو شاهد على إمتلاكهم ملكة الإمتناع عن أكل مال الغير بالباطل .
وإبتدأت إثنتان من آيات [وَلاَ تَكُونُوا]بنداء الإيمان أحداهما آية البحث والأخرى قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا] ( ) ومما أوذي به موسى أنه بخلاف من حوله كان لا يلقى ثوبه عند الغسل حتى يدخل الماء بحيث لا ترى عورته ، فقالوا لابد أن به عيباً أو أدرة أي إنتفاخاً الأنثيين أو برصاً ونحوه ، فبرأه الله عز وجل بآية حسية تضاف إلى معجزاته الحسية الأخرى إذ وضع ثوبه على حجر ليغتسل ففر الحجر بثوبه .
فبان لهم جسد موسى كأحسن هيئة ووقار .
وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ( كان موسى رجلاً حيياً ، وإنه أتى ليغتسل ، فوضع ثيابه على صخرة ، وكان لا يكاد تبدو عورته ، فقالت بنو إسرائيل : إن موسى عليه السلام آدر به آفة – يعنون أنه لا يضع ثيابه – فاحتملت الصخرة ثيابه حتى صارت بحذاء مجالس بني إسرائيل ، فنظروا إلى موسى عليه السلام كأحسن الرجال ، فأنزل الله { يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيهاً}( ).
وأخرج أحمد عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن موسى بن عمران كان إذا أراد أن يدخل الماء لم يلق ثوبه حتى يواري عورته في الماء .
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس في قوله { لا تكونوا كالذين آذوا موسى } قال : قال له قومه : إنه آدر . فخرج ذات يوم يغتسل ، فوضع ثيابه على صخرة ، فخرجت الصخرة تشتد بثيابه ، فخرج موسى عليه السلام يتبعها عرياناً حتى انتهت به إلى مجالس بني إسرائيل ، فرأوه وليس بآدر ، فذلك قوله { فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيهاً }( ).
وأخرج ابن منيع وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب عايه السلام في قوله { لا تكونوا كالذين آذوا موسى } قال : صعد موسى وهارون الجبل ، فمات هارون عليه السلام فقالت بنو إسرائيل لموسى عليه السلام : أنت قتلته ، كان أشد حباً لنا منك وألين ، فآذوه من ذلك .
فأمر الله الملائكة عليهم السلام ، فحملته فمروا به على مجالس بني إسرائيل ، وتكلمت الملائكة عليهم السلام بموته ، فبرأه الله من ذلك ، فانطلقوا به فدفنوه ولم يعرف قبره إلا الرُخَّم( ) ، وأن الله جعله أصم أبكم) ( ).
وجاءت إثنتان من آيات ( لا تكونوا ) كل واحدة منهما معطوفة على آية تبدأ بنداء الإيمان ، لبيان موضوعية نداء الإيمان في النواهي القرآنية وشأن النواهي ولزوم إجتناب المؤمنين ما نهى الله عنه كطريق ومنهج مستقيم للإقامة في النعيم الأخروي .
وقد ورد قوله تعالى [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ..]( ).

قانون نداء الإيمان زجر عن السيئات
لقد جاء بعد نداء الإيمان في آية ( لا تكونوا كالذين كفروا ) نهي عام في موضوع خاص ، ويتجلى العموم في توجه نداء الإيمان إلى المسلمين والمسلمات جميعاً , أما الموضوع فيتعلق بلزوم إجتناب محاكاة الذين كفروا في مكرهم وخبثهم وسعيهم للصد عن سبيل الله سبحانه.
فان قلت يدل نداء الإيمان بالدلالة التضمنية على تنزه المسلمين والمسلمات عن محاكاة ومشابهة الذين كفروا , والجواب هذا صحيح , وفيه مسائل :
الأولى : جاءت آية البحث لهداية المسلمين إلى سبل الرشاد والفلاح .
الثانية : من معاني النهي في آية البحث تأكيد سلامة المسلمين من محاكاة الذين كفروا والتشبه بهم .
الثالثة : قد يقول المسلم مثلما يقول الذين كفروا بأن الشهيد لو بقي ولم يخرج للغزو لما قتل ولكنه لا يقصد من كلامه ذات المكر والخبث الذي يقصده الذين كفروا ليكون من الإعجاز في آية البحث النهي عن التشابه في القول بين المسلمين والذين كفروا مع علم الله عز وجل باختلاف النوايا والمقاصد ، وأن نوايا المسلمين حميدة وحسنة ، وهو من أسرار إبتداء الآية بنداء الإيمان ، أي أن هذا النداء تزكية للمسلمين .
الرابعة : إرادة إصلاح المسلمين بنداء الإيمان , وصيرورته فيصلاً بينهم وبين الذين كفروا في القول والفعل والنوايا .
الخامسة : موضوعية اللطف الإلهي في توجيه الأوامر والنواهي إلى المسلمين .
ليكون نداء الإيمان دعوة للمناجاة بينهم في إجتناب محاكاة الذين كفروا فيما تنهى عنه ذات آية البحث وآيات القرآن الأخرى .
ومن خصائص نداء الإيمان تقسيم الناس بلحاظ العقيدة والدين، وهذا التقسيم ليس مجرداً إنما يأتي مقروناً بترجيح كفة المؤمنين وإكرامهم ، وهو من أسرار إبتداء الآية بنداء الإيمان ، ليكون هذا الإكرام بياناً وتفصيلاً ومقدمة لإعانة المسلمين على الإمتثال لمضامين آية النداء .
لقد تضمنت الآية إسمين موصولين بينهما تضاد وتناف وهما : الذين آمنوا ، الذين كفروا ، ويكون ترجيح كفة المؤمنين من جهات:
الأولى : إبتداء الآية بذكر الذين آمنوا .
الثانية : توجه النداء في الآية لخصوص الذين آمنوا .
الثالثة : إرادة حضور وسماع الذين آمنوا .
أما الذين كفروا فذكرتهم الآية على نحو الغائب [لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا] وكأن الآية لا تجعل لهم وزناً سواء سمعوا الإنذار أو لم يسمعوا به .
الرابعة : نهي المسلمين عن التشبه بالذين كفروا .
وبعد أن جاءت آية نداء الإيمان من سورة الحشر بالأمر بتقوى الله عز وجل ، وحث المسلمين والناس جميعاً على التدارك والتدبر فيما أعدوا للآخرة من الأعمال الصالحة أو ضدها من السيئات ، تكرر الأمر بالتقوى في ذات الآية [وَاتَّقُوا اللَّهَ]ثم جاءت بعدها إحدى آيات [لاَ تَكُونُوا]بقوله تعالى [وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ] .
وتقدير الآية : يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم..) ( ).
لبيان أن آيات لا تكونوا على أقسام وهي :
الأول : الآيات التي تبدأ بنداء الإيمان .
الثاني : الآيات المعطوفة على آيات نداء الإيمان .
الثالث : الآيات التي تأتي منفردة ، وتحمل على ذات المعنى والنداء إذا كان المقصود بها المسلمون إن الله عز وجل هو رب العالمين وخالق الخلائق كلها وبيده مقاليد الأمور ، ومع هذا يخبر عن قوم نسوه ، وغفلوا عن ذكره وتركوا عبادته ، ليتعظ المسلمون , فيواظبوا على الذكر .
ولم تكتف الآية بالإخبار عن غفلة وجهالة الذين كفروا ، بل تضمنت الجزاء من الله عز وجل على نسيانهم لواجباتهم العبادية بأنه سبحانه أنساهم أنفسهم , وحقها عليهم , ولزوم الإستعداد للآخرة .
وقد ورد ذات المعنى في ذم المنافقين بقوله تعالى [نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمْ الْفَاسِقُونَ] ( ) وهو من أسرار إشتراك المنافقين مع الذين كفروا في الذم والتوبيخ والوعيد بشدة العذاب ،
ولم تختتم الآية حتى نعتتهم بالفاسقين أي المارقين والخارجين عن طاعة الله عز وجل لبعث النفرة في النفوس من الفجور والإقامة على المعاصي .
وظاهر النداء في الآية أنه موجه إلى المسلمين في كيفية إكرام ومخاطبة المجاهدين الذين يخرجون إلى الغزو أو الرباط أو يضربون في الأرض ، ولغة النداء عامة موجهة إلى كل المسلمين والمسلمات بما فيهم الذين يخرجون للغزو ، مما يدل على مسائل :
الأولى : إرادة تهذيب لغة الخطاب بين المسلمين .
الثانية : تعاقب المسلمين في الخروج للغزو والجهاد والمرابطة ، فلا يصح للذي لم يخرج في سرية مخصوصة يتعرض بعض أفرادها للقتل أن يقول [لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا] ( ) لأن ذات القاتل سيخرج إلى الغزو والنفير في معركة لاحقة .
الثالثة : منع بث روح الندامة وصيغ الغضاضة والكدورة بين المجاهدين أنفسهم فاذا قتل أحدهم قالوا ، لو بقينا عند أهلنا لما قتل بعضنا ، ولا يختص الأمر بالقتل وحده بل مطلق الأذى ووعثاء الطريق والخوف والجوع والعطش الذي قد يلاقيه المجاهدون في ذهابهم أو عودتهم من الغزو خاصة عندما لا يرجعون بالغنائم الكثيرة .
ومن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم مجئ الغنائم والأسرى في معركة بدر ،وقيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بارسالهم إلى المدينة قبل دخوله وأصحابه ، ثم ترك للذين قاموا بأسر نفر من المشركين بتحديد مبلغ الفداء وإستلامهم له من غير أن يأخذ منه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، سهماً أو حصة , عدا الذين أطلقهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم من غير فداء , والأسرى أمرهم بتعليم أبناء الأنصار .
بينما عاد المسلمون من معركة أحد من غير غنائم أو عدد من الأسرى ليكون من مصاديق قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] ( ) وجوب الصبر على الحرمان من الغنائم في معركة أحد ونحوها, ولزوم المناجاة بين المؤمنين بالصبر ، والإستمرار بالمرابطة لأنها طريق للفتح والغنائم .
وقد لا يأتي القتال بالغنيمة , وقد تكون سبباً للإنشغال بها ، من وجوه :
الأول : عند العزم على الإستحواذ على الغنيمة , والتفكر في كيفية التصرف بها .
الثاني : حال السعي في مقدمات هذا الإستحواذ .
الثالث : العناية الزائدة بالغنيمة عند أخذها من الكفار على نحو القهر والغلبة , ومن وجوه منع المسلمين من الإنشغال بالغنيمة , تشريع الخمس فيها , قال تعالى [وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابن السَّبِيلِ] ( ).
الرابع : الأسى عند تعذر إصابة الغنيمة , ولمحو هذا الأسى. قال الله تعالى عند إنتهاء معركة أحد[فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلاَ تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ] ( ) .
ويأتي الصبر بالفتح والغنائم ، لذا لم يرد في القرآن لفظ إغنموا أو إجمعوا إنما يدعو القرآن إلى التنزه عن الطمع , وعن حب الدنيا وزينتها , ويحبب إلى المسلمين الآخرة , ويبين ما فيها من أسباب الغبطة والسعادة .
وعن عمرو بن عوف وهو ممن شهد بدراً , قال (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو صالح أهل البحرين وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي , فتقدم أبو عبيد بماله من البحرين فسمعت الانصار بقدوم أبي عبيدة فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انصرف فتعرضوا له .
فتبسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين رآهم قال أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشئ من البحرين قالوا أجل قال أبشروا وأملوا ما يسركم فوالله ما من الفقر أخشى عليكم ولكني أخشى عليكم ان تنبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوا فيها كما تنافسوا وتهلككم كما أهلكتهم) ( ).
الرابعة : من أسرار الأوامر والنواهي التي تصاحب وتتعقب نداء الإيمان أنها واقية من الفتنة بين المسلمين , والإفتتان في أمور الدنيا ومباهجها .
وكل نداء عون ومدد للمسلمين للوقاية من اللهث وراء الدنيا ، وورد عن عقبة بن عامر الجهني قال ( آخر ما خطب لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أنه صلى على شهداء أحد ، ثم رقي المنبر فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : إني لكم فرط ، وأنا عليكم شهيد ، وأنا أنظر إلى حوضي الآن في مقامي هذا ، وإني والله ما أخاف أن تشركوا بعدي ، ولكني أريت أني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض ، فأخاف عليكم أن تنافسوا فيها) ( ).
ليكون من إعجاز نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإخبار عن المغيبات , وتأديب المسلمين في أمور تقع بعد إنتقاله إلى الرفيق الأعلى ، ولا يختص هذا التأديب بأهل البيت والصحابة بل يشمل أجيال المسلمين كلها ، فقد جاء الحديث أعلاه بعلوم من الغيب تتضمن البشارة للمسلمين وتبعث السكينة في نفوسهم .
ولم يرد لفظ [كَالَّذِينَ كَفَرُوا] ( )في القرآن إلا في آية البحث لبيان تنزه المسلمين من التشبه بالذين كفروا بأمارات وسجايا الكفر والحاجة إلى التذكير بلزوم الإمتناع عن الإقتداء بهم والتشبه بهم في ضروب الكفر والضلالة وحب الدنيا واللهو والنفاق .
وتدل الآية على حقيقة وهي حصول الإختلاط بين المسلمين والذين كفروا والمنافقين إلى جانب وجود اليهود في المدينة ، ولم تمنع آية البحث من هذا الإختلاط ، والجوار والصلات الإجتماعية ، وعقد معاملات البيع والشراء وغيرها ، أو المحاكاة في المباحاة والتجارات وإقتباس الصناعات ونحوها منهم , فقد جعل الله عز وجل الناس بالناس ، ولكن الآية حذرت من تقليد الذين كفروا بما يظهرونه من اللوم الظاهر والخفي للغزاة والمجاهدين في سبيل الله ، وهل قولهم [لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا] ( ) كلمة حق أريد بها باطل ، الجواب لا ، إنما هي كلمة باطل يراد بها باطل .
لذا ورد قوله تعالى [فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ] ( ) فحينما يحل الأجل لابد من مفارقة الروح الجسد وجاء النهي عن محاكاة الكفار في قولهم عن أبناء عمومتهم [لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا] لمنع الذين كفروا من إظهار الشماتة بالمسلمين عند نزول مصيبة الموت بهم ونهيهم عن التفاخر لعدم نزول القتل بهم ، كما ورد في التنزيل في ذم رأس النفاق [فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا]( ) .
ومن الإعجاز في آية البحث دلالتها على أن المصيبة والبلاء الذي ينزل ببعض المسلمين أو إحدى السرايا إنما هي مصيبة للمسلمين والمسلمات جميعاً بدليل إبتداء الآية أعلاه بنداء الإيمان ولغة العطف بين الآيتين .
وهل يشمل الخطاب فيها أجيال المسلمين المتعاقبة أم أن القدر المتيقن منها إرادة المسلمين أيام التنزيل ووقوع المصيبة والخسارة كما في معركة أحد وكثرة قتلى المسلمين إذ فقدوا سبعين شهيداً ، وأصيب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بجراحات بليغة ، الجواب هو الأول .
وهو من أسرار نداء الإيمان بحيث يأتي في الآية التي تخبر عن بلاء نزل بالمسلمين في يوم مخصوص فيكون سبباً للأسى والحزن عند المسلمين جميعاً , ومناسبة لإقتباس المواعظ والدروس منه في كل زمان .
وحينما يطلع المسلم أو المسلمة في أي زمان ومكان عن كيفية قتل الحمزة مثلاً يوم معركة أحد من السنة الثالثة للهجرة ، ويدرك فضل الله عز وجل في نصر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين في معارك الإسلام الأخرى ، ووقوع فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة ، حيث البيت الحرام والجهة التي إنطلق منها المشركون لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في معركة بدر وأحد والخندق ، قال تعالى [وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ] ( ).
وهل من موضوعية لنداء الإيمان ودعوة آية البحث للصبر والمصابرة في تنجز فتح مكة وصيروته أمراً واقعاً ، الجواب نعم ، فلا أحد يعرف أثر ومنافع نداء الإيمان في هذا الفتح إلا الله عز وجل ، لتكون تلاوة المسلمين لنداء الإيمان تقريباً للفتح , وبعث الفزع والخوف في قلوب الذين كفروا .
ومن معاني الإيمان توجه المسلمين كل يوم إلى الكعبة قبلة ومنار هدى مع شوق نفوسهم لعمارتها وأداء مناسك الحج ، وكل آية من آيات الحج والعمرة ، وبيان أداء المناسك دعوة لهم للسعي الحثيث لفتح مكة .
ومن قوانين الحكمة الإلهية في القرآن أن كل أمر أو نهي في القرآن له منافع من وجوه :
الأول : منافع ذات الأمر أو النهي الإلهي .
الثاني : بركات وجود الأمر والنهي في القرآن .
الثالث : الأجر والثواب بتلاوة الأوامر والنواهي التي وردت في القرآن والسنة .
وفي معاني الإيمان بخصوص السنة النبوية في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] مسائل :
الأولى : من مصاديق وافراد الإيمان في النداء المبارك إرادة الإيمان بالنبوة من وجوه :
أولاً : يا أيها الذين آمنوا بأن الله عز وجل هو الذي بعث النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم .
ثانياً : يا أيها الذين آمنوا برسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ثالثاً : يا أيها الذين آمنوا بأن النبي محمداً هو آخر الأنبياء .
رابعاً : يا أيها الذين آمنوا بجميع الأنبياء والرسل ، وفي التنزيل [قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ] ( ).
خامساً : يا أيها الذين آمنوا بأن النبي محمداً يتلقى الوحي من عند الله ، قال تعالى [وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى] ( ).
لقد أراد الله عز وجل بنداء الإيمان منع الإقتتال بين المسلمين وأن تقادمت الأحقاب ، وهو من أسرار سلامة القرآن من التحريف والتبديل ، وليفقه كل مسلم أن المسلمين أخوته ، وأن الجامع بينهم شهادة الله عز وجل لهم بالأخوة الإيمانية .
لقد أمر الله عز وجل رسوله الكريم أن يخاطب الذين كفروا [قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلْ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى] ( ) .
(عن معاذ بن جبل قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : أخوف ما أخاف على أمتي ثلاثة رجل قرأ كتاب الله حتى إذا رأيت بهجته وكان عليه رداء الإسلام أعاره الله إياه اخترط سيفه وضرب به جاره ورماه بالشرك قلنا يا رسول الله الرامي أحق بها أم المرمي قال الرامي ورجل آناه الله سلطانا فقال من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله وكذب ليس لخليفة أن يكون جنة دون الخالق ورجل استخفته الأحاديث كلما قطع أحدوثة حدث بأطول منها إن يدريك الدجال يتبعه) ( ).
ذكر الرجل من باب المثال إذ يشمل الحديث الجماعة والطائفة والدولة وذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الجار على نحو الإطلاق لإرادة عموم الجيران وتعدد الديانة ، قال تعالى[وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ] ( ).
(عن أبي شريح الخزاعي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره) ( ).
ويحتمل نداء الإيمان بلحاظ الإنذار الوارد في الآية أعلاه وجوهاً:
أولاً : نداء الإيمان نوع إنذار في مفهومه للمسلمين والمسلمات .
ثانياً : نداء الإيمان إنذار للذين كفروا لإمتناعهم عن الإيمان والإمتناع بالإختيار لا ينافي الأختيار .
ثالثاً : يدل نداء الإيمان على حسن سمت المسلمين ، ويتضمن الثناء عليهم .
ولا تعارض بين هذه الوجوه ، وكلها من مصاديق ورشحات نداء الإيمان .
الثانية : الإيمان بأن السنة النبوية من الوحي , وانها متقومة بالعصمة وإنعدام الخطأ والزلل .
الثالثة : الإيمان بأن السنة النبوية كنز من السماء جرى على لسان ويد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابعة : من وجوه تقدير نداء الإيمان وجوه :
أولاً : يا أيها الذين آمنوا تحاكموا إلى رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ثانياً : يا أيها الذين آمنوا ردوا أموركم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصدروا عن أمره ونهيه ، قال تعالى [فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ] ( ).
ثالثاً : يا أيها الذين آمنوا إتخذوا من سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم منهاجاً وحجة وبرهاناً .
رابعاً : بعث المسلمين على العمل بالأوامر الإلهية ، وإجتناب ما نهى الله عز وجل عنه .
ولقد جعل الله عز وجل الحياة زينة وذات بهجة ومن أبهى معاني الزينة في الدنيا الإمتثال لأوامر الله عز وجل ، إذ تستولي الغبطة على المسلم حين العمل بما أمر به الله كما في أداء الصلاة في وقتها ، وليس من مقارنة بين هذه الغبطة وبين السعادة العظمى يوم القيامة على هذا العمل والإمتثال .
وورد نداء الإيمان متعدداً في القرآن لتكون الدنيا للمسلمين روضة بهيجة وبستاناً يتقلبون فيه بين الفرائض والعبادات ، ويحبسون أنفسهم عن كل سوء وأمر قبيح .
وجاء نداء الإيمان في آية البحث ليكون المسلمون والمسلمات في المدينة عوناً وظهيراً للذين يخرجون للغزو والجهاد وتكون معونتهم رداً ودحضاً لشبهات الذين كفروا .
قانون تقدير نداء الإيمان في كل آية من القرآن
لقد جعل الله عز وجل القرآن بياناً وتبياناً وصراطاً وضياءً ينير دروب السالكين ، ومن إعجازه الذاتي بعثه الشوق في النفوس لتلاوته والتدبر في آياته دون أسباب هذا الشوق ورود وتكرار نداء الإيمان فيه .
إذ يبين الله عز وجل للناس جميعاً بأن الإيمان فيصل بينهم ، وبه تنال الرغائب وتحرز المطالب ، ويرتقي الإنسان إلى مراتب العز والفضل ، قال تعالى [وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ]( ).
وليس من آية في القرآن إلا وهي تتوجه في الخطاب أو الموضوع للناس جميعاً ، والمسلمين خاصة ، لتعدد مصاديق الأمانة في الآية القرآنية من جهات :
الأولى : نداء الإيمان أمانة وعهد في أعناق المسلمين .
الثانية : النداء العام يا أيها الناس أمانة عند الأجيال المتعاقبة من الناس .
الثالثة : كل آية من القرآن أمانة .
الرابعة : كل كلمة في القرآن أمانة يجب حفظها وتعاهدها في رسمها ولفظها ومعانيها ودلالاتها .
الخامسة : كل أمر ونهي في القرآن أمانة وتكليف للمسلمين والناس جميعاً ، ولكن الذين كفروا حجبوا عن أنفسهم نعمة الإمتثال له وإن لم يستطيعوا وضع الحواجز دون تلقيه لتبقى الحجة عليهم حية عضة إلى يوم القيامة ، تدعو الأجيال من الناس للإتعاظ والإعتبار والإنابة، وتبعث المسلمين على الشكر لله عز وجل لنيل مرتبة الإيمان.
وإذا أعطى الله عز وجل فانه سبحانه يعطي بالأتم والأوفى والأحسن .
لقد نزل نداء الإيمان في آيات مخصوصة لكنه يأتي ملائماً للمضامين القدسية لآيات القرآن الأخرى ، لذا تجد آيات النداء تتعدد في صيغتها ، فتأتي بصيغة الأمر والنهي والشرط ، وتأتي بلغة الخبر والإنشاء .
لقد جعل الله عز وجل القرآن هبة منه تعالى لأهل الأرض مجتمعين ومتفرقين ، وكل إنسان ينهل منه ويأخذ ما يحتاج ويكتسب المعارف ويتزود بالسنن والآداب التي تهديه في الدنيا والآخرة فأبى الله سبحانه إلا أن يبقى كلامه مع الناس مصاحباً لهم في أمور الدين والدنيا ، وقد فرض الله عز وجل الصلاة على كل مكلف ومكلفة خمس مرات في اليوم فرض عين ، وأوجب فيها تلاوة القرآن .
وعن ابن عمر قال (اني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لا يقبل الله صلاة الا بطهور) ( ) وكذا لا صلاة إلا بالقراءة ، حال القيام وليس الركوع والسجود .
وهل قراءة القرآن في الصلاة من الأمانة , الجواب نعم ، وهو مقدمة للأمانة وحفظ لأعظم أمانة ومنع من ضياعها .
يتصف حرف النداء (يا) بخصائص لا تجتمع في غيره من حروف النداء ، وهو أصلها وأكثرها إستعمالاً وموضوعاً .
ولا ينادى اسم الجلالة إلا به ويأتي للمنادى القريب والبعيد ، ويصح في الإستغاثة والندب ، ويدخل على أي .
وجاء نداء الإيمان [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] بحرف النداء (يا) ليفيد تذكير المسلمين والمسلمات بواجبات الإسلام ، وما إلتزموا به من النطق بالشهادتين والإقرار باللسان بالتوحيد وصدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومنه لزوم التسليم بالقلب والجنان .
وهل يدل هذا النداء على وجود بقية من غفلة عند المسلمين يأتي نداء الإيمان لدفعها وطردها ، الجواب لا ، فليس من غفلة في المقام ، إنما يشهد نداء الإيمان للمسلمين بالتنزه عن الغفلة , ويثني عليهم لبلوغ مراتب الإحسان للذات والغير بالإيمان , والإمتثال لآيات النداء .
والمسلمون على مراتب متعددة في الإيمان وبلوغ مراتب التقوى واليقين ، فجاء نداء الإيمان ليكون السور الجامع والحد لصفة مباركة يشترك بها كل المسلمين والمسلمين ، ولم يرد في القرآن لفظ (يا أيها المؤمنون ).
نعم ورد قوله تعالى [وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] ( ) والنسبة بين الذين آمنوا والمؤمنين هي العموم والخصوص المطلق ، والذين آمنوا أعم وأكثر إذ يشمل الذين آمنوا بألسنتهم ليكون هذا النداء على وجوه :
الأول : إنه رحمة بجميع الذين نطقوا بالشهادتين من المؤمنين والأعراب وحديثي الإيمان والمنافقين .
الثاني : إنه آية من اللطف الإلهي والجزاء العاجل على إتيان العبد الشهادتين ، وعظيم شأنهما عند الله .
الثالث : من أسماء الله عز وجل الوهاب ، وهو الذي يعطي ويهب إبتداءً ،ويعطي الكثير بالقليل .
فما أن يعلن العبد إسلامه حتى يتوجه له النداء العام [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا] ويكون اللفظ الخاص منه للرجل (يا أيها الذي آمن) وللأنثى (يا أيها التي آمنت).
ولقد إحتج الله عز وجل على الملائكة الذين استفهموا عن جعل الإنسان خليفة في الأرض مع أنه يفسد فيها ويقتل النفس المحرمة بقوله تعالى [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ).
ومن علم الله عز وجل أنه سبحانه يجمع كل من نطق بالشهادتين بالنداء المبارك منه تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا] لبيان أن هذا النطق مصداق ظاهري للإيمان يستحق تلقي النداء .
الرابع : تفضل الله عز وجل بإكرام كل مسلم ومسلمة بنداء الإيمان .
الخامس : ترغيب الناس بدخول الإسلام ، وقد يخشى بعضهم كثرة التكاليف في الإسلام ، فيأتي نداء الإيمان ليجعل الفرائض والواجبات العبادية أمراً سهلاً ، وذات نداء الإيمان تخفيف وتيسير لأدائها .
السادس : في نداء الإيمان حلاوة وعذوبة خصّ الله عز وجل بها المسلمين ، ليدركوا أن الإيمان خير محض ونعيم , ومقدمة الأمن في الآخرة .
السابع : تكون المعاملة بين الناس على أصالة الظاهر ، فاذا نطق الإنسان بالشهادتين لصار عند الناس مسلماً إلا أن يدل دليل آخر على الخلاف ، كما لو أبدى المنافق ما يخفيه من الكفر أو الفسوق ، قال تعالى [وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا] ( )أي لقوا عموم المسلمين والمسلمات .
وليس من آية في القرآن إلا وتتضمن الخطاب للمسلمين والمسلمات بالمنطوق أو المفهوم أو المعنى والدلالة وترتب الأثر ، لذا فان تقدير نداء الإيمان في كل آية يفتح آفاقاً من العلوم بخصوص كل آية قرآنية ، ويفتح خزائن مدخرة في ثناياها تدعو المؤمنين لإستخراجها وإستنباطها .
ولا ينحصر تقدير نداء الإيمان في أول الآية بل يصح في وسطها وبداية أو نهاية شطر منها .
ويبدأ القرآن بسورة الفاتحة ، فيكون تقدير نداء الإيمان على وجوه منها :
الأول : بسم الله الرحمن الرحيم يا أيها الذين آمنوا .
الثاني : يا أيها الذين آمنوا الحمد لله رب العالمين .
ليكون الثناء على الله تعالى والحمد لله للإنعام علينا بالهداية إلى الإيمان ، ويمكن أن يكون تقدير الآية : يا أيها الذين آمنوا قولوا الحمد لله رب العالمين ) وليس من حصر لمتعلق الحمد لله في سورة الفاتحة منها :
الأولى : الحمد لله الذي هو رب العالمين وليس من رب غيره .
الثانية : الحمد لله الذي بيده مقاليد الأمور .
الثالثة : الحمد لله الذي جعل الخلائق منقادة لأمره .
الرابعة : الحمد لله الذي يفعل ما يشاء [قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ] ( ).
الخامسة : الحمد لله الذي لم يتخذ صاحبه ولا ولداً .
السادسة : الحمد لله على بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رحمة للعالمين .
السابعة : الحمد لله الذي أعز المؤمنين .
الثامنة : الحمد لله الذي فضح وأخزى الذين كفروا .
التاسعة : الحمد لله الذي له جنود السموات والأرض .
العاشرة : الحمد لله الذي أنزل نداء الإيمان ، وجعله مائزاً بين الذين آمنوا والذين كفروا .
الحادية عشرة : الحمد لله نور السموات والأرض الذي جعل نداء الإيمان من الأنوار القدسية التي تملأ الأرض بذكره .
الثانية عشرة : الحمد لله رب العالمين الذي جعل الإيمان الصبغة التي تتغشى الخلائق جميعاً .
الثالثة عشرة : الحمد لله الذي جعل نداء الإيمان وسيلة مباركة لهداية الناس للإسلام .
الرابعة عشرة : الحمد لله الذي ميّز وأعز المسلمين بنداء الإيمان .
الخامسة عشرة : الحمد لله رب العالمين الذي أحاط بكل شيء علماً وهو سبحانه وحده الذي يعلم منافع نداء الإيمان في الدنيا والآخرة .
السادسة عشرة : يا أيها الذين آمنوا إكتنزوا الحسنات بقوله الحمد لله رب العالمين .
السابعة عشرة : الحمد لله الذي أكرم الذين آمنوا بأن جعل قوله تعالى الحمد لله رب العالمين جزءً من الصلاة الواجبة .
الثامنة عشرة : الحمد لله الذي جعل الذين آمنوا في خشية دائمة منه ، فمن خصائص نداء الإيمان التذكير بعظيم قدرة الله وسعة سلطانه ، والتسليم بقضائه وقدره .
التاسعة عشرة : الحمد لله الذي جعل نداء الإيمان حجة على الذين كفروا ودعوة لهم للتوبة والإنابة .
العشرون : الحمد لله الذي أنزل نداء الإيمان بمائدة الحمد لله, وكذا العكس إذ تفضل وأنزل الحمد لله بوعاء وظرفية نداء الإيمان .
الحادية والعشرون : الحمد لله الذي جعل من خصائص الإيمان التسليم بأنه رب العالمين .
الثالث : من وجوه تقدير نداء الإيمان مع آيات سورة الفاتحة : يا أيها الذين آمنوا بالله الرحمن الرحيم .
الرابع : يا أيها الذين آمنوا بأن الله هو الرحمن الرحيم بالخلائق كلها .
الخامس : الله الرحمن الرحيم هو الذي نعت المسلمين بأنهم [الَّذِينَ آمَنُوا] .
السادس : يا أيها الذين آمنوا أخبروا الناس بأن الله هو الرحمن الرحيم .
السابع : يا أيها الذين آمنوا إحمدوا الله الذي ناداكم [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا].
الثامن : يا أيها الذين آمنوا قولوا إن الله هو الرحمن الرحيم .
التاسع : يا أيها الذين آمنوا لكم الأمن لأن الله هو الرحمن الرحيم .
ومن الإعجاز الذاتي للقرآن أنه يتضمن ذم وتوبيخ الذين كفروا لإرادة توبتهم وإصلاحهم ، ولحوقهم بالمسلمين في تلقي نداء الإيمان ، فكما ورد في آية البحث يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا….) ، فان تقدير الآية يا أيها الذين كفروا كونوا كالذين آمنوا الذين ضربوا في الأرض وخرجوا غزى في سبيل الله .
ومن مصاديق إمكان هذا القانون وتقدير نداء الإيمان في كل آية من آيات القرآن أن القرآن نزل هداية للمسلمين ، وبياناً وموعظة لهم ، ولا يتعارض هذا التقدير مع مضامين الآية القرآنية وإن جاءت خطاباً لغير المسلمين , وفيه مسائل :
الأولى : بيان قانون إكرام الله عز وجل للمسلمين في القرآن من وجوه :
أولاً : نزول القرآن من عند الله عز وجل .
ثانياً : القرآن كلام الله الذي جعله مصاحباً لأهل الأرض ، ليصدروا عنه ، ويلوذوا به لدفع الآثام والمعاصي .
ثالثاً : تولي جبرئيل وهو من رؤساء الملائكة تنزيل القرآن ، وفي التنزيل [نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ] ( ).
وعن عبد الله بن مسعود قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أيها الناس إنه ليس من شيء يقربكم من الجنة ويبعدكم من النار إلا قد أمرتكم به ، وإنه ليس شيء يقربكم من النار ويبعدكم من الجنة إلا قد نهيتكم عنه .
وأن الروح الأمين نفث في روعي أنه ليس من نفس تموت حتى تستوفي رزقها فاتقوا الله واجملوا في الطلب ، ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعاصي الله ، فإنه لا ينال ما عند الله إلا بطاعته) ( ).
وفيه شاهد بأن جبرئيل ينزل بالقرآن وبالحديث القدسي والوحي الذي تترشح عنه السنة النبوية ، وفيه إكرام وتشريف وموعظة للذين آمنوا من المسلمين والمسلمات .
رابعاً : الإعجاز الذاتي والغيري لكل آية من آيات القرآن .
خامساً : تضمن آيات القرآن الثناء على المسلمين ، ومنه نداء الإيمان فهو غاية الثناء , ولم تفز أمة بمثل ما فاز به المسلمون من مخاطبة الله عز وجل لم [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] تسعاً وثمانين مرة في القرآن .
الثانية : يتضمن القرآن مخاطبة غير المسلمين من أهل الكتاب عامة وبني إسرائيل خاصة ، ويأتي الخطاب والنداء لهم مباشرة من عند الله أو بواسطة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقد إجتمعا في قوله تعالى [قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ] ( ) كما جاء القرآن بالنداء إلى الذين كفروا ويمكن تقدير نداء الإيمان بما يتضمن معنى إتعاظ المسلمين من نداءات القرآن .
ويمكن إنشاء قانون وهو كل نداء في القرآن رحمة للمسلمين وإكرام لهم .
فاذا ورد قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ] ( ) فان المسلمين يشكرون الله عز وجل لأنهم في مأمن من هذا الوعيد .
وإذ ورد النداء للذين كفروا أعلاه مرة واحدة في القرآن ، فقد تكرر النداء للمسلمين , ومنه ما ورد في الآية التالية للآية أعلاه من سورة التحريم لبيان أن الإيمان المتعدد بمصاديقه ينسخ ويمحو الكفر المتحد , إذ ورد قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ] ( ).
الثالثة : من وجوه تقدير نداء الإيمان في آيات القرآن الأخرى صيغة الأمر [قولوا ].
الرابعة : يمكن تقدير الأمر الوارد إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم [قل] وغيره مما ينطبق عليه إرادة المسلمين في الخطاب بالإلحاق وعدم حصره بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم موضوعاً وحكماً ، فمثلاً قوله تعالى [قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونَنِي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ] ( ) يمكن تقدير الآية : يا أيها الذين آمنوا قولوا أفغير الله تأمروننا نعبد أيها الجاهلون ).
وفيه تفقه للمسلمين في أمور الدين ، ودعوة لهم للمناجاة بالثبات في مقامات الإيمان .
وتكرر لفظ [أهل الكتاب ] في أربع آيات متتاليات من سورة آل عمران منها إثنتان متجاورتان بصيغة النداء [يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ]( )وجاء نداء الإيمان لمنع إفتتان المسلمين بما في أيدي غيرهم من الأموال والجاه ، وما عندهم من الشأن والسلطان والسنن .
قال تعالى في الثناء على المسلمين , وتكامل شريعة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والسعي لإتمام النعمة [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا] ( ).
لقد تلقى المسلمون نداء الإيمان بالشكر لله عز وجل في القول والفعل والإمتثال الأمثل ، فبادروا إلى أداء الفرائض , وهبوا إلى ميادين الدفاع عن النبوة والتنزيل ، وأخذوا يترقبون نزول آيات القرآن تباعاً ، وكلما نزلت آية تناقلوها سريعاً فيما بينهم ، وكان الذي لم يحضر منهم عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم في يومه يسأل من حضر هل نزل اليوم على النبي قرآن ، ليتدبروا في معاني ودلالات الآية القرآنية مجتمعين ومتفرقين ، وهو من أسباب حفظ وسلامة القرآن من التحريف في أيام النزول الأولى .
لقد إجتهد المسلمون في الجهاد سبيل الله , وتوالى عليهم نزول نعمة نداء الإيمان عليهم ، وكان النداء القرآني في مكة قبل الهجرة [يَاأَيُّهَا النَّاسُ] ويتضمن لغة الوعيد والتخويف .
وقد نزل هذا النداء العام عشرين مرة في القرآن وفي السور المكية والمدنية ، وهو من أسباب نظم وترتيب سور القرآن :
1- يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ( ).
2- يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلًا طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ( ).
3- يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا( ).
4- يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُواْ خَيْرًا لَّكُمْ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا( ).
5- يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا( ).
6- قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ( ).
7- فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ( ).
8- يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ( ).
9- قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِنْ أَعْبُدُ اللّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ( ).
10- قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ( ) .
11- يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ( )ا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ( ).
12- قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ( ).
13- يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ( ).
14- وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ( ) .
15- يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ( ) .
16- يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُون( )َ.
17- يَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ( ).
18- يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ( ).
19- يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ( ).
20 – لقد أغاظ الذين كفروا تعدد وكثرة نداء الإيمان في القرآن والذي هو فيصل بين المسلمين والذين كفروا ، وفيه بعث للمسلمين للإمتثال لأوامر الله وإجتناب ما نهى الله عز وجل عنه ، وقد يجتمع هذا الإمتثال والإجتناب في موضوع واحد ، منه ما يتعلق بآية البحث بأن يخرج المسلمون إلى الدفاع والمرابطة ويكون الذي يتخلف منهم لقدر والنساء والصبيان من المسلمين ظهيراً لهم .
وتفضل الله عز وجل في آية البحث فنهاهم عن محاكاة أهل الضلالة والجحود الذين أصابهم الخوف والرعب من تعدد نزول نداء الإيمان ومصاحبة الأوامر والنواهي له وصيغة الشرط بما يجعل المسلمين يرتقون في سلم المعارف الإلهية لبلوغ مرتبة التقيد بالشروط والأحكام النازلة من السماء .
ومن خصائص نداء الإيمان أنه جالب للمصالح , ودافع للمفاسد.
ولا يختص هذا النفع العظيم من نداء الإيمان بالمسلمين بل هو عام وشامل للناس جميعاً ، لذا فان قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] رحمة وهبة من عند الله للمسلم والكتابي والكافر , وكل فرقة وطائفة من الناس تنهل منه ، ولكن المسلمين يتلقونه بالغبطة والسعادة والإمتثال . وهل في تلقي ذات النداء ثواب وأجر للمسلمين والمسلمات , الجواب نعم ، لإقرارهم بنزوله من عند الله عز وجل وان كلامه سبحانه ، وفيه شهادة وتزكية لهم .
ولما تفضل الله عز وجل وبيّن علة خلق الناس لقوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ]( ) نزل نداء الإيمان لتأكيد قانون وهو وجود أمة مؤمنة وهم المسلمون يعبدون الله عز وجل في كل يوم من أيام الحياة الدنيا وإلى يوم القيامة ، ليكون مادة ومصداقاً على الخلق وسبباً لإستدامة الحياة ونزول الرزق الكريم على الأنبياء وعمومات قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ) فأراد الله عز وجل بآية البحث منع البرزخ والحاجب الذي يحول دون عبادة المسلمين لله عز وجل .
لقد كانت حال المسلمين من جهة قلة العدد والمؤن لا تسمح بمحاكاة الذين كفروا فيما يبثونه من السموم ، فاراد الله عز وجل إصلاح مجتمعات المسلمين ، ووقاية بيوتهم ومنتدياتهم من أخلاق النفاق وما يؤدي إلى الوهن والحزن .
لقد كان ضرب المسلمين في الأرض للتجارة والكسب ولجلب البضائع والأموال إلى المدينة وتحسين الأحوال المعاشية فيها ، ومع هذا فان الذين كفروا لا يرضون بهذا السفر المبارك مع ما فيه من النفع لهم إذ أدركوا أن المسلمين حينما يخرجون إلى التجارة والكسب يتصفون بأمور :
الأول : يخرج المسلمون للتجارة بما هم مسلمون يتعاهدون الصلاة في أوقاتها .
الثاني : كل مسلم يخرج من المدينة يكون داعية إلى الله , وفي التنزيل [قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ] ( ).
الثالث : من وجود الضرب في الأرض الجهاد في سبيل الله .
الرابع : خروج المسلمين للتجارة سبب لتحسين أحوال المسلمين المعاشية , وإخراج الزكاة وشراء الخيل والسلاح ليكون هذا الضرب من مقدمات قوله تعالى [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ] ( ).
الخامس : في الخروج للتجارة معرفة بأحوال أهل الأمصار والقرى ، وأخذ الحائطة من العدو .
السادس : في ضرب المسلمين في الأرض زجر للناس عن محاربة الإسلام من جهات :
الأولى : إطلاع الناس على معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بواسطة المسلمين الذين يخرجون للتجارة خاصة وأن التجارة تتقوم بالإختلاط والقيام بالبيع والشراء وتبادل أطراف الحديث ، وكانت بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وذخائر التنزيل المسألة الأهم في المجالس والمنتديات سواء في مكة والمدينة وإنحاه الجزيرة أو خارجها .
الثانية : نقل المسلمين أخبار نصر النبي محمد والمسلمين في معركة بدر وبيان أن هذا النصر ثم بمدد وفضل من عند الله ، وهذا النقل من أسرار صيغة الجمع في قوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ..]( ) ليكون من معانيه أمور :
أولاً : لقد نصركم الله ببدر فاضربوا في الأرض ، واستعدوا للغزو .
ثانياً : ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فصرتم أعزة بالضرب في الأرض .
ثالثاً : ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فجاءتكم الغنائم وعوض فك أسرى المشركين فتاجروا في شطر منها ، واشتروا البضائع .
رابعاً : ذات ضرب المسلمين في الأرض شاهد على بلوغه مراتب العز والرفعة ، ويحتمل هذا الضرب بلحاظ آية [بِبَدْرٍ] وجوهاً :
الأول : إنه من مصاديق النصر الذي تذكره الآية أعلاه .
الثاني : هذا الضرب من رشحات النصر في معركة ببدر .
الثالث : ليس من صلة بين ضرب وإنتشار المسلمين في الأرض وبين نصرهم في معركة بدر ز
والصحيح هو الثاني ، وهو من الجزاء العاجل للمسلمين على جهادهم ، ومن فضل الله عز وجل عليهم وعلى الناس .
خامساً : لقد جحد رؤساء الكفر من قريش بنعمة التجارة في قوله تعالى [لِإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ] ( ).
والتي تدل على أن موضوعها سابق لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بلحاظ الإتصال , وإتحاد النظم بين سورة الفيل وسورة قريش بقوله تعالى في أصحاب الفيل [وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ]( )لتكون اللام في الآية أعلاه للغاية ز
لقد أهلك الله عز وجل أصحاب الفيل ليكون آية في إكرام وحفظ الله لبيته الحرام ، وترشح هذا الإكرام على مجاوريه من قريش وزيادة هيبتهم بين القبائل ، فصارت قوافلهم تقطع الصحراء من غير أن يتعرض لها أحد بالنهب أو السلب ، وهذه التجارة مقدمة لنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولزوم التصديق بها ، ومن الآيات أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولد في شهر ربيع الأول من عام الفيل ذاته .
(قَالَ ابن إسْحَاقَ : وَحَدّثَنِي الْمُطّلِبُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ . قَالَ وُلِدْت أَنَا وَرَسُولُ اللّهِ – صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ – عَامَ الْفِيلِ فَنَحْنُ لِدَتَانِ) ( ).
وعن أبي الحويرث قال (سمعت عبد الملك بن مروان يقول لقباث بن أشيم الكناني ثم الليثي: يا قباث أنت أكبر أم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: بل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أكبر مني وأنا أسن منه، ولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عام الفيل، ووقفت بي أمي على روث الفيل، وأنا أعقله)( ).
وأسلم قباث بعد معركة بدر ، وعندما أخبره النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعلم من الغيب مما تحدث به قباث مع نفسه يوم رأى قلة جيش المسلمين في مقابل كثرة الكفار الذين كان قباث معهم .
وأخرج البيهقي عن الواقدي (قال قالوا كان قباث بن أشيم الكناني يقول شهدت مع المشركين بدرا وإني لأنظر إلى قلة أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم في عيني وكثرة من معنا من الخيل والرجال , فانهزمت فيمن هزم فلقد رأيتني انظر إلى المشركين في كل وجه وإني لأقول في نفسي ما رأيت مثل هذا الأمر فر منه إلا النساء فلما كان بعد الخندق وقع في قلبي الاسلام .
فقدمت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة فسلمت فقال لي يا قباث أنت القائل يوم بدر ما رأيت مثل هذا الأمر فر منه إلا النساء , فقلت أشهد أنك رسول الله وأن هذا الأمر ما خرج مني إلى احد قط وما تزمزمت به إلا شيئا حدثت به نفسي فلولا أنك نبي ما اطلعك الله عليه فعرض علي الإسلام فأسلمت) ( ).
خامساً : لقد نصركم الله ببدر فاضربوا في الأرض دعاة إلى الله عز وجل فمن منافع هذا النصر إصابة الذين كفروا بالضعف والوهن ، وإمتناع الناس عن البطش بالمسلمين عند دخولهم القرى والأمصار ، فالذي ينتصر تقوى شوكته وتهابه الناس .
لقد أنعم الله عز وجل على قريش وجعلهم أهل تجارة ، قال تعالى [لِإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ] ( ) ولكن قريشاً جحدوا بعبادة الله وأصروا على عبادة الأوثان ، ولم يكتفوا بالتلبس بالضلالة والجحود بل اختاروا محاربة الله ورسوله وجهزوا الجيوش للإجهاز على :
الأول : الإسلام الذي جعله الله عز وجل النهج القويم والصراط المستقيم ، قال تعالى [إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ] ( ).
الثاني : محاربة النبوة وما يصاحبها من المعجزة .
الثالث : إرادة قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي إختاره الله خاتم النبيين وسيد المرسلين ، والذي بعثه لهم بشيراً ونذيراً ، قال تعالى [وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ] ( ).
الرابع : إرادة قطع نزول آيات القرآن , وهو الكتاب الذي أراده الله عز وجل حَكماً وحكماً وإماماً وطريقاً إلى الجنة ، قال تعالى [كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ]( ).
فتفضل الله عز وجل بنداء الإيمان والأمر للمسلمين بالمرابطة وحراسة الثغور من العدو , والذي يدل بالدلالة التضمنية على أمور :
الأول : تلقي المسلمين نداء الإيمان بالشكر لله عز وجل .
الثاني : إستجابة المسلمين لأمر الله عز وجل بالمرابطة .
الثالث : تفقه المسلمين في الدين , ومعرفتهم لمعاني قوله تعالى [وَرَابِطُوا].
الرابع : مبادرة المسلمين للإمتثال لقوله تعالى [وَرَابِطُوا].
الخامس : إستدامة حكم الإسلام .
السادس : سلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من مكر وكيد الذين كفروا .
السابع : توالي نزول آيات القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بمأمن من مباغتة العدو .
وهل تدخل المرابطة في مصاديق قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا] ( ) .
الجواب نعم ، إذ يريد الذين كفروا والمنافقون صدّ المسلمين عن المرابطة في الثغور لفتح ثغرة ينفذ منها العدو ، ويباغت أهل المدينة .
لقد وردت آية البحث بأمرين :
الأول : الضرب في الأرض .
الثاني : الغزو .
لإرادة المعنى الأعم ، إذ يشمت الذين كفروا بالذي يقتل أو يموت من المسلمين في الطريق أو يصاب بمرض مفاجئ ، قال تعالى [وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ] ( ).
ومن خصائص المرابطة أن المسلمين يذهبون إليه بالتناوب والتعاقب ، وحتى الغزو والدفاع إلا أن يكون واجب عين على كل مسلم .
وتدل الآية في مفهومها على ندب المسلمين للعمل والسفر لأغراض التجارة ، والتدبر في أمور الناس والأمم , قال تعالى[يَاعِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ]( )، لتكون هذه الآية ترغيباً للمسلمين بالضرب في الأرض , وعدم الإلتفات إلى الذين كفروا وهم يصدون عن سبيل الله سبحانه .
لقد أدركوا بأن كل مسلم يخرج من المدينة هو سفير للإسلام ويبين للناس معجزات التنزيل والسنة فيصبح الذين كفروا قلة لقانون يدرك بالفطرة , وهو القطع بايمان شطر من الناس بمعجزات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , وهو من أسرار صيرورة معجزته عقلية وهي آيات القرآن.
وعن ابن عباس وابن عمر قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سافروا تصحوا وتغنموا ( ).
وهل يدل هذا الحديث على أن الغنيمة أعم من التي تكون في الحرب، وأن الخمس الوارد في قوله تعالى[وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابن السَّبِيلِ إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ]( )، لا يختص بالغنائم من الحرب وقتال الكافرين إنما يشمل عموم المكاسب.
ومن الغنيمة جذب الناس إلى الهدى , وفي رواية: سافروا تصحوا وترزقوا، والأمر بالسفر في الحديث على الإباحة والإرشاد وليس الحتم.
وفي قوله تعالى [الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا]( )، ورد عن ابن عباس قال : كان قوم من أهل مكة اسلموا ، وكانوا يستخفون بالإسلام ، فأخرجهم المشركون معهم يوم بدر ، فأصيب بعضهم وقتل بعض .
فقال المسلمون : قد كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا فاستغفروا لهم ، فنزلت هذه الآية[الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ…]( ).
قال : فكتب إلى من بقي بمكة من المسلمين بهذه الآية وأنه لا عذر لهم فخرجوا ، فلحقهم المشركون فاعطوهم الفتنة ، فأنزلت فيهم هذه الآية { ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله }( ) إلى آخر الآية .
فكتب المسلمون إليهم بذلك ، فحزنوا وأيسوا من كل خير ، فنزلت فيهم { ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم }( ) فكتبوا إليهم بذلك أن الله قد جعل لكم مخرجاً فاخرجوا ، فخرجوا فأدركهم المشركون فقاتلوهم حتى نجا من نجا وقتل من قتل( ).
فجاءت آية البحث لتحول دون صيرورة مكر وكيد الذين كفروا فتنة للمسلمين، وهو من إعجاز الآية وأسرار إبتدائها بنداء الإيمان فلا يقدر على الإحتراز من فتنة الذين كفروا إلا الذين آمنوا بالله ورسوله .
كما تدعو الآية المنافقين إلى الإنفصال والعزوف عن الذين كفروا وما يذيعونه بين الناس لتحريض عوائل المسلمين لمنع المجاهدين من الخروج للمرابطة والدفاع ولإظهار الرغبة ببقائهم بين ظهرانيهم، وترك التجارة والضرب في الأرض التي صارت طوعاً وقهراً سبباً لنشر الإسلام، قال تعالى بخصوص صلاة الجمعة [فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ]( ).
وتتضمن آيات القرآن حث المسلمين على سنن العبادة والتقيد بآداب التقوى وهي خير واقية من إفتراء وبهتان ما يدّعيه الذين كفروا ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] ( )وقال تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً]( ).
فمن الإعجاز في الصلة بين آيات النداء أن آية الأمر عون لآية النهي وكذا العكس ، فانقطاع المسلمين للركوع والسجود وذكرهم لله عز وجل تفقه في الدين , وحرز من التشبه بالذين كفروا .
ويبعث نداء الإيمان المسلمين على الصلاح والتقيد بأوقات الصلاة والمبادرة إلى نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والدفاع عن بيضة الإسلام ، وهو من مصاديق قوله تعالى [لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ] ( ).
لقد أراد الذين كفروا بعث الخصومة والشقاق بين المسلمين وإدخال الكآبة إلى بيوتهم خاصة الذين خرجوا للغزو أو التجارة والكسب ، فجاء نداء الإيمان ليتعاهد المسلمون وحدتهم وأخوتهم ويطمأن الذي يخرج للقتال على عياله وإيمانهم , وسلامتهم من الفتن , وهو من مصاديق نداء الإيمان .
قانون تلقي المسلمين نداء الإيمان بالقبول والغبطة
ورد في آية البحث قوله تعالى [لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ] ليكون من معاني الحسرة بلحاظ نداء الإيمان الذي أفتتحت به الآية وجوه :
الأول : دلالة نداء الإيمان على صلاح المسلمين , ورضا الله عز وجل عنهم ، قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ] ( ).
الثاني : يلقي نزول نداء الإيمان من السماء وتخلف الذين كفروا عن تلقيه حسرة في قلوب الذين كفروا .
الثالث : دلالة نداء الإيمان على بقاء أجيال المسلمين على نهج الإيمان والحق .
الرابع : في تعدد نزول نداء الإيمان توبيخ للذين كفروا ، وتعريض بهم .
الخامس : يبعث تلقي المسلمين نداء الإيمان بالإمتثال والإستجابة الغيظ في قلوب الذين كفروا ، وفي التنزيل [وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمْ الأَنَامِلَ مِنْ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ] ( ) ومن معاني غبطة وسعادة المسلمين بنداء الإيمان مبادرتهم للعمل بما تتضمنه آياته , مما يجعل الذين كفروا في حال حنق .
السادس : من الإعجاز في نداء الإيمان أنه سبب وموضوع لوحدة المسلمين ، ومانع من الفرقة والشقاق بينهم ، لتكون الحسرة التي تملأ قلوب الذين كفروا بسبب نداء الإيمان على وجوه :
أولاً : الحسرة عند نزول نداء الإيمان .
ثانياً : تفضل الله بمخاطبة المسلمين بنعت الذين آمنوا .
ثالثاً : شمول النساء المسلمات بنداء [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا].
رابعاً : تطلع المسلمين لنزول نداء الإيمان مرة بعد أخرى .
السابع : دلالة نداء الإيمان على حب وإتباع ونصرة المسلمين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وهو أمر يبعث الحسرة في قلوب الذين كفروا .
ومن غايات المشركين في هجومهم في معركة بدر وأحد والخندق جعل المسلمين يتفرقون عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويعزفون عن أحكام في الإسلام لما فيه من شدة وتتابع الدفاع وخوض المعارك خاصة مع وجود منافقين واهل كتاب في المدينة يريدون السلامة والأمن من الحروب , فجاء نداء الإيمان .
ولابد من الإلتفات إلى هذا الأمر خصوصاً في معركة الخندق إذ حاصرت قريش المسلمين أكثر من عشرين ليلة ، والظاهر أنهم يرجون حركة المنافقين والذين كفروا من داخل المدينة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه الذين جاءوا معه من مكة .
ويسعى الملوك لسياسة الحصار من أجل حصول التغيير من الداخل مع إغراء وإعانة بعضهم للإنتفاضة والخروج على الحاكم أو كسر عصا الطاعة .
ويدل قوله تعالى [لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا] ( )على وجود كفار ومنافقين في المدينة يبثون السموم لمنع ثبات المسلمين في منازل الهدى , وفي معركة الخندق نزل قوله تعالى [وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ] ( ).
ويحق للمسلمين أن يتخذوا كل نداء للإيمان نزل من عند الله عيداً عبادياً وبهجة من جهات :
الأولى : نزول ذات النداء نعمة عظمى .
الثانية : مع نداء الإيمان تتجدد معالم الوحدة والأخاء بين المسلمين ، وهذه الوحدة مقيدة بصيغة الإيمان .
الثالثة : موضوع آية من آيات النداء سبيل للصلاح ومناسبة للرشاد .
الرابعة : تلاوة آية النداء سلام وأمن .
الخامسة : نزول آية النداء وتلاوة المسلمين لها إغاظة للذين كفروا ، ودعوة للمنافقين للتوبة والإنابة .
قانون نداء الإيمان حرب على النفاق
لقد صاحب الإبتلاء والإمتحان الإنسان من حين هبوط آدم وحواء إلى الأرض ، إذ هبط معهما إبليس للفتنة والإختبار ، قال تعالى في خطاب لهم جميعاً (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (البقرة/37) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) ( ).
وجاءت بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فأنار الله بها السبل ، وأحيا بها القلوب , وجعلها عامرة بذكر الله واقام بها الحجة والبرهان ، وأنزل عليه القرآن هدى من الضلالة ، وجعله واقية من إغواء إبليس ، وحرزاً من الكفر والنفاق .
وعن(عبد الله بن عمرو يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ان قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفها كيف يشاء ثم يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك) ( ).
ومن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه لم يكن منافقون في مكة قبل الهجرة ولا في المدينة في بدايات الهجرة ولكن النفاق , وإظهار الإيمان وإبطان الكفر صار بعد أمور :
الأول : هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة وتلقي الصحابة من الأوس والخزرج الدعوة إلى الإسلام بالقبول .
الثاني : توافد المهاجرين على المدينة ، وإزدياد عددهم وإظهارهم الإخلاص للإسلام والنبوة .
الثالث : تجلي معاني الأخوة الإيمانية بين المهاجرين والأنصار ، وإظهارهم التعاون والتآزر في مرضاة الله ، وتقدم أخوتهم على الأخوة النسبية عند التعارض بينهما ، أي أن الأنصاري ينصر المهاجر أن وقع خلاف بينه وبين أحد الكفار أو المنافقين من أهل المدينة , أو غيرها .
ويتجلى ترجيح الأخوة الإيمانية بآية البحث وقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى….] ( ) .
لتبين الآية قانوناً وهو أن معالم وسنن الأخوة الإيمانية تختلف وتتباين عن الأخوة النسبية التي لا تجعل موضوعية للإيمان ، وإلا فان الأصل هو الإتحاد والتوافق بين الأخوة النسبية والإيمانية ، لذا عندما آخى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين اصحابه جعل بعض الأنصار أخوين .
الرابع : نصر المسلمين في معركة بدر ، وتجلي مصاديق قوله تعالى [وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا] ( ) وهل من مصاديق هذا النصر الغلبة على النفاق وأهله ، الجواب نعم ، لذا تفضل الله عز وجل وأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالجمع في جهة الجهاد بين الكفار والمنافقين وإن تباينت كيفية جهاد كل منهما ، قال سبحانه [يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ]( ) ويحتمل نداء الإيمان بلحاظ الآية أعلاه وجوهاً :
أولاً : نداء الإيمان جهاد ضد الكفار .
ثانياً : نداء الإيمان مجاهدة للمنافقين .
ثالثاً : من رشحات نداء الإيمان الإغلاظ على الذين كفروا .
رابعاً : الإغلاظ على المنافقين من الإيمان .
ولا تعارض بين مجاهدة الكفار والغلظة عليهم ، وكذا بالنسبة للمنافقين ، نعم جهاد الكفار بالسيف , أما جهاد المنافقين فبالزجر والتوبيخ وتلاوة الآيات التي تتضمن ذم المنافقين , ولا يختص الأمر بالآيات التي تذكرها بذات الصفة أو تنعتهم بمرض القلوب ، كما في قوله تعالى [فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ]( ).
(وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { في قلوبهم مرض } قال : النفاق { ولهم عذاب أليم }( )، قال : نكال موجع { بما كانوا يكذبون}( ) قال : يبدلون ويحرّفون .
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له أخبرني عن قوله تعالى { في قلوبهم مرض } قال : النفاق . قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم . أما سمعت قول الشاعر :
أجامل أقواماً حياء وقد أرى … صدورهم تغلي عليّ مراضها( ).
الخامس : بناء صرح دولة الإسلام في المدينة .
السادس : رجوع الناس في أمورهم وخصوماتهم إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومنهم أهل الكتاب في المدينة.
لقد أنعم الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بنداء الإيمان ليكون حرباً على الكفر والنفاق ، وآية في العالمين تبين قانوناً ، وهو أن المدد والسلاح النازل من السماء بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أشد قوة وأكثر تأثيراً من السلاح الذي بأيدي الناس، ومن الشواهد أن جيش المسلمين كان قليلاً في عدده وعدته, كثيراً في إيمانه .
وكما نزلت آيات القرآن على مساقط النجوم آية بعد آية أو آيات بعد آيات فان أهل المدينة دخلوا الإسلام على نحو تدريجي ولكن بوتيرة سريعة ومتتالية ، وهو من بركات القرآن ، فتنزل الآية الواحدة على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيؤمن العشرات والمئات من الناس من أهل المدينة وما حولها من القرى والقبائل ، فصار الإسلام قوياً في المدينة .
فظهرت حال النفاق ، وصار بعض الناس يعلن الإيمان وقد يحضر الصلوات ، ولكنه في باطنه باق على الكفر والجحود ، وهل علة وسبب النفاق واحد أم متعدد , الجواب هو الثاني من جهات :
الأولى : الخشية من المسلمين , والأصل أن يخافوا الله .
الثانية : تجلى المعجزات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعجز الذين كفروا عن البقاء في منازل الكفر ، وفي التنزيل [وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ] ( ).
الثالثة : فوات منفعة وربح بمجئ الإسلام ، فحينما حرّم الله عز وجل الربا مثلاً بقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ] ( )فان أناساً وبيوتات كانت تتعاطى الربا ، ونزلت الآيات في ذم الربا وبيان سوء عاقبة المربي بما يبعث النفرة في النفوس منه ، وهو أمر جلي في كل زمان وإلى يومنا هذا .
قال تعالى [الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا] ( ).
ومن الآيات عدم ورود لفظ يقومون في القرآن إلا في الآية أعلاه ، لبيان إنفراد آكل الربا بعذاب شديد ، وفي حديث الإسراء ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (فمررت برجال كثير كل رجل منهم بطنه مثل البيت الضخم متصدين على سابلة آل فرعون .
وآل فرعون يعرضون على النار بكرة وعشيا فيقبلون مثل الإبل المهيومة يتخبطون الحجارة والشجر لا يسمعون ولا يعقلون فإذا أحس بهم أصحاب تلك البطون قاموا فتميل بهم بطونهم فيصرعون .
ثم يقوم أحدهم فيميل به بطنه فيصرع فلا يستطيعون براحا حتى يغشاهم آل فرعون فيطئونهم مقبلين ومدبرين فذلك عذابهم في البرزخ بين الدنيا والآخرة وآل فرعون يقولون اللهم لا تقم الساعة أبدا فإن الله تعالى يقول[تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ]( )، قلت يا جبريل من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ]) ( ) .
ونزل في قطع دابر وأثر الربا قوله تعالى [وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ] ( ) وعن عمرو بن الأحوط أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال (ألا إن كل ربا في الجاهلية موضوع ، لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ، وأول ربا موضوع ربا العباس ) ( ).
وكان الذي يعجز عن قضاء الدين يصير ملكاً للدائن يسخره في خدمته ، فجاء الإسلام فنزل قوله تعالى [وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ] ( ).
وكذا في موضوع شرب الخمر وتحريم الله عز وجل لها ، وحرمان طائفة من الناس إعتادوا عليه ، أو كانوا يتاجرون به وينتفعون منه ، كما ورد في قوله تعالى [يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا]( ).
(ذكر ابن بكير قال : جاء رجل إلى مالك بن أنس فقال : يا أبا عبد الله إني رأيت رجلا سكرانا يتعاقر يريد أن يأخذ القمر فقلت : امرأتي طالق إن كان يدخل جوف ابن آدم اشر من الخمر , فقال ارجع حتى أنظر في مسألتك فأتاه من الغد , فقال له : ارجع حتى أنظر في مسألتك فأتاه من الغد , فقال له : امرأتك طالق إني تصفحت كتاب الله وسنة نبيه فلم أر شيئا أشر من الربا لأن الله أذن فيه بالحرب) ( ).
وعلى فرض صحة الخبر فان الطلاق لا يتم ، إذ ورد بصيغة الشرط ، ولأن المراد من أثر أفعل شدة الضرر ، وتتعدد مصاديقه بحسب اللحاظ ، فربما يكون المراد والمعنى الأثر للخمر وكيف أنه يضر صاحبه بفقده عقله ويعرضه للأذى والإيذاء ويجعله ظالماً , إلى جانب لزوم توفر شرائط الطلاق الأخرى ، ولابد من الإحتراز في الفروج والدماء ، وعدم البت بأمر الطلاق إلا بالبينة وإجتماع الشروط .
وبمجئ النبي صلى الله عليه وآله مهاجراً إلى المدينة تغيرت الحال فصارت الصيغة العامة الإيمان وإقامة الصلاة ، وأخذ الناس لا يصدرون إلا عن آيات القرآن وقول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وقد خسر بالبعثة النبوية بعض الرؤساء مقاماتهم بين الناس ، ولم يعلموا أن الذي كسبوا بالإسلام أعظم ، وهو خير لهم في الدنيا والآخرة .
فمثلاً كان عبد الله بن أبي بن أبي سلول رئيس الخزرج يتهيأ ليكون ملكاً في المدينة (فَكَانَ قَوْمُهُ قَدْ نَظَمُوا لَهُ الْخَرَزَ لِيُتَوّجُوهُ ثُمّ يُمَلّكُوهُ) ( ).
فأمتلأ صدره بالحسد والغيظ عند دخول أهل المدينة الإسلام وإنقطاع الخصومات بين الخزرج والأوس .
وعندما خرج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون إلى معركة بدر تخلف عبد الله بن أبي وإدعى أنه مريض وأقام الله عز وجل الحجة بهداية وصلاح إبنه الحباب الذي صدق إيمانه وسمّاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم عبد الله ، وتغيير الاسم هذا من بركات نداء الإيمان .
وخرج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى معركة بدر ، وأبلى يومئذ بلاء حسناً ، وعندما إنخزل أبوه بثلث جيش المسلمين في الطريق إلى معركة أحد ، لم يفارق عبد الله النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان عبد الله بن أبي يكنى أبا الحباب ، فصار ينهى الناس عن تسميته بهذه الكنية لأن ولده أثبت صدق إيمانه وتفانيه في مرضاة الله ، لبيان قانون وهو أن نداء الإيمان سبيل هداية للأبناء وأنه أقوى أثراً وأعظم نفعاً .
كما كان أبو عامر عبد عمرو بن صيفي من الأوس مطاعاً في قومه ، وترهب في الجاهلية ، ولبس المسوح ، وكان يدعى الراهب .
وبينما دخل عبد الله بن أبي بن أبي سلول الإسلام على كفره وضغينة وترقب للوثوب على النبوة ، فان أبا عامر إختار البقاء على الجحود ، وفارق قومه عندما دخلوا الإسلام طائعين .
وخرج إلى مكة مع بضعة عشر من قومه ، ليأتي إلى معركة أحد مقاتلاً مع المشركين ، وكان يظن أن الأنصار يتبعونه فلما ناداهم وعرف لهم نفسه , شتموه وسبوه ونالوا منه .
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (لَا تَقُولُوا : الرّاهِبَ وَلَكِنْ قُولُوا : الْفَاسِقَ) ( ).
وعندما تم فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة هرب أبو عامر إلى الروم ، ولم يمهل طويلاً بعد الفتح (فمات كافرا عند هرقل وكان معه هناك كنانة بن عبد ياليل وعلقمة بن علاثة فاختصما في ميراثه إلى هرقل فدفعه إلى كنانة بن عبد ياليل , وقال لعلقمة هما من أهل المدر وأنت من أهل الوبر .
وكانت وفاة أبي عامر الراهب عند هرقل في سنة تسع وقيل في سنة عشرة من الهجرة ) ( ).
وكما تجلى الإيمان في عبد الله بن عبد الله بن أبي سلول ، فكذا كان حنظلة بن أبي عامر الفاسق من أهل التقوى والإيمان , وهو غسيل الملائكة .
قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] ( ) وهذه هي الآية الأخيرة من سورة آل عمران ، وجاء رقمها على رأس المائتين , وهو من لطف الله عز وجل في لغة الأرقام بأن يكون العدد المائتان هو آخر آية من سورة آل عمران ليكون دعوة للتدبر في ذات الآية وأسرارها والذخائر التي تتضمنها ، وفي كل زمان هناك فئة من الناس تميل إلى الأرقام السهلة ذات الأصفار مثلاً ، ليكون رقم أخر آية من سورة آل عمران ترغيباً للمسلمين والناس بتلاوة الآية ، ومن دررها أمور :
الأول : إبتداء الآية بنداء الإيمان مع أنها آخر آية من السورة .
الثاني : قلة كلمات الآية .
الثالث : كثرة الأوامر الواردة في الآية .
الرابع : ورود كلمتين في الآية لم يردا في غيرها من آيات القرآن وهما :
الأولى : صابروا .
الثانية : رابطوا .
الخامس : كل أمر في الآية عالم عبادي وسنة جهادية قائمة بذاتها .
ومع أن الآية تتألف من عشر كلمات فأنها تضمنت أربعة أوامر كلها بصيغة الجمع وإرادة المسلمين والمسلمات جميعاً .
وهل تخرج النساء بالتخصيص من مصاديق قوله تعالى [وَرَابِطُوا] الجواب لا ، ولو دار الأمر بين المعنى العم والأخص فالصحيح هو الأعم ، وهو من معاني اللامتناهي في علوم القرآن وكنوز آياته .
إذ أن معنى الرباط أعم من الإقامة في ثغور البلاد الإسلامية وتعاهد صدورها والإستعداد للجهاد والدفاع عنها ، فمن معاني الرباط في المقام تعاهد الفرائض وعمارة المساجد ، ورصد أوان الصلاة اليومية خاصة وان الله عز وجل جعل كل فريضة منها مرتبطة بآية كونية محصورة في ذات اليوم والليلة ، ليكون كل من طلوع الفجر وشروق الشمس وزوالها عن كبد السماء وقت الظهيرة والعصر وغياب قرص الشمس تحت الأفق ، وحدوث عتمة الليل آيات كونية من منافعها أمور :
الأول :كل آية تدعو الإنسان إلى عبادة الله .
الثاني : تبين هذه الآيات حاجة الإنسان إلى عبادة الله .
الثالث : تبعث الآيات الكونية الرهبة والخوف في نفس الإنسان لعظمة الآيات الكونية ، وهو من الشواهد على إكرام الله عز وجل للمسلمين بنداء الإيمان والبشارة بقوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ] ( ) فالصلاة هي مظهر ولأن الصالحات وإقامة المسلم لها سبب لبعث السكينة في نفسه .
الرابع : إقتران أداء الصلاة بالآيات الكونية سبب لبعث الخضوع والخشوع في نفس المسلم ، فيقبل على الصلاة بقلبه وجوانحه .
الخامس : يبعث إقتران أوان الصلاة بالآية الكونية الفزع والرعب في قلوب الذين كفروا لتخلفهم عن الإيمان واداء الفرائض ، وهو من مصاديق قوله تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ] ( ) وكانت كفار قريش يظهرون الحنق والغيظ عند رؤيتهم النبي محمد صلى اله عليه وآله وسلم يؤدي الصلاة في المسجد الحرام .
وورد عن إسماعيل بن إياس بن عفيف الكندي (قال كان العباس بن عبد المطلب بمنى فأتا رجل مجتمع فتوضأ فأسبغ الوضوء ثم قام يصلي فخرجت امرأة فتوضأت وقامت تصلي ثم خرج غلام قد راهق فتوضأ ثم قام إلى جنبه يصلي فقلت ويحك يا عباس ما هذا قال هذا ابن أخي محمد بن عبدالله بن عبد المطلب يزعم أن الله بعثه رسولا وهذا ابن أخي علي بن أبي طالب قد تابعه على دينه وهذه امرأته خديجة ابنة خويلد قد تابعته على دينه قال عفيف بعدما أسلم ورسخ الإسلام في قلبه يا ليتني كنت رابعا) ( ).
وإذ ذكرت آية البحث أربعة أوامر موجه للمسلمين ، ويحتمل نداء الإيمان الذي تفتتح به [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] وجوهاً :
الأول : تضمن الآية أمراً واحداً .
الثاني : تعدد الأوامر المستقرأة من نداء الإيمان .
الثالث : الآية نوع تقرير وإخبار عن إيمان المسلمين .
والمختار هو الثاني من جهات :
الأولى : الأمر للمسلمين بتعاهد مراتب الإيمان التي شهد الله عز وجل لهم بها .
الثانية : حث المسلمين على التعاون فيما بينهم للبقاء في مقامات الإيمان ، وهو من أسرار مجئ آيات النداء بالنهي عن محاكاة الذين كفروا أو طاعتهم .
فورد نداء الإيمان سبع مرات في سورة آل عمران منها ثلاث بصيغة النهي والزجر عن طاعة أو محاكاة الذيم كفروا .
وجاءت إثنتان بصيغة الجملة الشرطية في الحذير من طاعة الذين كفروا إحدهما بقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ] ( ) والأخرى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ] ( ).
ووردت إثنتان بصيغة الأمر ، وتضمنت إحدهما مع الأمر نهي عن طرو الكفر على النفس , ومداهمة الموت على حال إرتداد ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ] ( ).
الثالثة : إرادة تآزر وتعاضد المسلمين للثبات في منازل الإيمان .
الرابعة : دلالة نداء الإيمان على حث المسلمين على الشكر لله عز وجل على نعمة الإيمان ، وتلقي نداءه من عند الله عز وجل .
الخامسة : دعوة المسلمين لإختيار الأفعال التي تكون مرآة للإيمان .
وجاءت آية البحث بالأوامر المتعددة ومنها [وَاتَّقُوا اللَّهَ]وبينما جاءت آية نداء خاصة بالأمر بتقوى الله ، فقد ورد الأمر بتقوى الله في آخر الأوامر التي تتضمنها آية البحث ، ولا يعني هذا الأمر أقل مرتبة وشأناً ويكون تقدير الصلة بين أجزاء ومفردات الآية الكريمة على وجوه :
الأول : يا أيها الذين آمنوا أصبروا لعلكم تفلحون .
الثاني : يا أيها الذين آمنوا صابروا لعلكم تفلحون .
الثالث : يا أيها الذين آمنوا رابطوا لعلكم تفلحون .
الرابع : يا أيها الذين آمنوا أتقوا الله لعلكم تفلحون .
وهل يشترط الإمتثال للأوامر الواردة في آية البحث مجتمعة لرجاء الفلاح وأن الواو تفيد الجمع .
والمختار هو جواز الأمرين :
الأول : إجتماع الأوامر الواردة في آية البحث لرجاء الفلاح .
الثاني : كفاية أمر واحد من الصبر والمصابرة والمرابطة وتقوى الله لرجاء الفلاح ، كما في قوله تعالى [فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] ( ).
وقد يقال تدل الآية أعلاه على لزوم عمل المسلمين بمضامين آية البحث مجتمعين لأنها تخاطبهم بصفة أولى العقول , ومن خصائص أصحاب العقول العمل بالأوامر الإلهية وعدم تبعيضها أو تجزئتها .
نعم كل من هذا الرجاء وذات الفلاح من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً ، لذا فان الجمع بين الصالحات والإمتثال للإوامر الإلهية طريق سالكة للفرز بأسمى مراتب الفلاح .
ومعنى الفلاح هو النجاة والبقاء ، ويحتمل المراد منه وجوهاً :
الأول : إرادة الفلاح في الدنيا .
الثاني : المقصود الفلاح في الآخرة .
الثالث : إرادة المعنى الأعم والمقصود النجاة والفوز في الدنيا والآخرة .
ولا تعارض بين هذه الوجوه ، وكلها من مصاديق الفلاح . الذي تذكره الآية ووردت الآية بفعل الترجي والتعليل والإشفاق (لعل) لبيان أن واجبات الذين آمنوا أعم مما ذكرته آية البحث .
وهل يمكن القول أنه لو إجتمعت الأوامر والنواهي التي ذكر معها قوله تعالى [لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] تكون العاقبة تحقق الفلاح ، أي إن عملتهم بالأوامر والنواهي الإلهية فأنكم تفلحون , الجواب نعم.
قانون الصلة بين نداء الإيمان والصبر
الإيمان لغة هو الإقرار والتسليم أما في الإصطلاح فهو التصديق بالجنان والإقرار بالجوارح ، ولا يأتي الإيمان إلا بالصبر لما فيه من معاني التدبر والتفكر في الآيات الكونية والشواهد الحسية ، قال تعالى [سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ] ( ).
وتفيد الآية أعلاه أن الله عز وجل سخر الآيات البينات والبراهين القاطعات لنفع الإنسان ولجذبه إلى مقامات الإيمان ، وهو من أسرار خلافته في الأرض , وإحتجاج الله عز وجل على الملائكة حينما إستفهموا وسألوا كيف يكون الإنسان خليفة في الأرض وهو [يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ] ( )فأجابهم الله عز وجل بـ [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) فخروا له سجداً إيماناً وإقراراً بأهلية الإنسان للخلافة بفضل ومدد وعون من عند الله عز وجل .
وليس من حصر أو إنقطاع لمصاديق هذا المدد منه بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونزول القرآن كتاباً جامعاً للأحكام الشرعية ، ومنه قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] ليكون من مفاهيمه، بلحاظ آية[سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا] ( ) على وجوه :
الأول : يا أيها الذين آمنوا بأن الله عز وجل هو الذي خلق الآيات الكونية كالسماء والأرض والكواكب والنجوم .
الثاني : يا أيها الذين آمنوا بأن الله عز وجل سخر لكم هذه الآيات الكونية لتشكروه وتعبدوه ، قال تعالى [وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ]( ).
الثالث : يا أيها الذين آمنوا بأن آيات الله من اللامتناهي .
الرابع : يا أيها الذين آمنوا بأن كل نعمة عندكم هي آية من عند الله سبحانه .
وبين الآية والنعمة عموم وخصوص مطلق ، فكل نعمة هي آية وليس كل آية هي نعمة .
وفي قوم صالح ورد قوله تعالى [فَأَخَذَهُمْ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ] ( ).
وعن جابر عن عبد الله قال (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما نزل الحجر قام فخطب الناس فقال : يا أيها الناس لا تسألوا نبيكم عن الآيات ، فإن قوم صالح سألوا نبيهم أن يبعث إليهم آية فبعث الله إليهم الناقة .
فكانت ترد من هذا الفج فتشرب ماءهم يوم وردها ، ويحتلبون من لبنها مثل الذي كانوا يأخذون من مائها يوم غبها وتصدر من هذا الفج ، فعتوا عن أمر ربهم فعقروها فوعدهم الله العذاب بعد ثلاثة أيام ، وكان وعداً من الله غير مكذوب ، ثم جاءتهم الصيحة فأهلك الله من كان منهم تحت مشارق الأرض ومغاربها إلا رجلاً كان في حرم الله ، فمنعه حرم الله من عذاب الله .
فقيل : يا رسول الله من هو؟ قال : أبو رغال . فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه) ( ).
ويمكن تقسيم الآيات إلى قسمين :
الأول : آية نعمة .
الثاني :آية نقمة.
ترى ما هي النسبة بينهما , فيه وجوه :
الأول : آيات النعمة أكثر من آيات النقمة .
الثاني : آيات النقمة أكثر من آيات النعمة .
الثالث : التساوي بين الآيتين .
والصحيح هو الأول من جهات :
الأولى : آيات النعمة أكثر من أن تحصى , وهي متجددة في كل ساعة .
الثانية : آيات النقمة قليلة ، ولا تأتي إلا عن ذنوب ومعاص وجور شديد ، قال تعالى [فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ] ( ).
الثالثة : تتفرع عن آية النقمة وجوه من النعم ، ومنها ذكرها في القرآن وما فيه من الموعظة والدروس للأجيال المتعاقبة , وآية النعمة خير محض متصل .
الرابعة : إنقضاء آية النقمة باشخاصها وزمانها , أما آية النعمة فهي باقية ومتجددة .
الخامسة : كل آية من آيات النعمة توليدية تتفرع عنها النعم إلى يوم القيامة .
السادسة : توالي النعم الإلهية على الذي يشكر الله عز وجل على النعمة ، وفي التنزيل [وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ] ( ).
السابعة : تمحى آية النقمة بالدعاء , وتقترب وتتضاعف آية النعمة بالدعاء والصدقة والصبر والمصابرة , والمرابطة على العبادات .
الثامنة : من خصائص آيات النعمة أنها ظاهرة وباطنة , وخاصة وعامة ، أما آية النقمة فهي تكون ظاهرة فقط وليس خفية في الغالب ، لتكون موعظة وعبرة ، الجواب ، لا دليل عليه وحتى الآية الخفية فانها تكون بآثارها وما يترتب عليها موعظة .
ومن الإعجاز في نداء الإيمان وجوه :
الأول : مقدمات نداء الإيمان نعمة عظمى إذ آمن المسلمون بالله ورسوله وملائكته وكتبه واليوم الآخر ، فنزل قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] لذا كان النداء الذي ينزل في مكة قبل الهجرة إلى الناس جميعاً .ونداء يا بني آدم ، ولكن لا يعني هذا أن نداء [يَاأَيُّهَا النَّاسُ] لم ينزل إلا في السورة المكية وما هو قبل الهجرة .
فسورة البقرة مدنية وفيها قوله تعالى [يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] ( ) وكذا بالنسبة لسورة النساء التي إبتدأت بقوله تعالى [يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ..] ( )ونزلت سورة الحج في مكة وهي تجمع النداء العام ونداء الإيمان إذ إبتدأت بقوله تعالى [يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ .] وقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا..] ( ).
وعن ابن مسعود قال (ما كان { يا أيها الذين آمنوا } أنزل بالمدينة ، وما كان { يا أيها الناس } فبمكة .
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال : قرأنا المفصل ونحن بمكة حجيجاً ، ليس فيها { يا أيها الذين آمنوا } .) ( ).
الثاني : موضوعية الصبر في الإيمان وندائه من جهات :
الأولى : صيرورة الصبر طريقاً للإيمان ومقدمة له ، إذ يحبس الإنسان نفسه عن المعصية وعن إتباع الهوى ، ليتدبر في معجزات النبوة ويتخذ هذا الحبس مناسبة كريمة للإصغاء لآيات القرآن .
الثانية : من خصائص المسلمين تلقي نداء الإيمان بالصبر لما فيه من الأمر والنهي ، فلا يأتي نداء الإيمان في القرآن إلا بالتكليف ، مما يدل على أنه خير محض , وبلغة إلى السعادة الأبدية .
الثالثة : يدعو نداء الإيمان إلى الصبر في ذاته ومضامين الآيات التي ورد فيها ، كما في آية البحث إذ تتكرر فيها مادة الصبر بقوله تعالى [اصْبِرُوا وَصَابِرُوا] ويدل العطف بينهما على التعدد والمغايرة في المعنى ، وأن كان أمر منهما له مصاديق واقعية لابد للمسلمين من التحلي بها .
وعن الإمام علي عليه السلام (الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد فإذا ذهب الصبر ذهب الإيمان ) ( ).

قانون الملازمة بين الإيمان والفلاح
قد ورد لفظ [لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] في القرآن إحدى عشرة مرة ، وليس فيه لفظ [تُفْلِحُونَ]من غير أن يسبقه ومنهم من قال أن لعل من عند الله تفيد التحقق والوقوع فقوله تعالى [َ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] أي لتفلحوا وكذا بالنسبة [ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ] ( ) أي لتشكروا .
ومن أسرار حرف [لعل ] في المقام أمور :
الأول : إرادة التعدد في الأوامر والأمور التي يترشح عنها الفلاح ، فلم يرد قوله تعالى [لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]بخصوص مسألة موضوع معين .
الثاني : إرادة كثرة مراتب الفلاح ومدته وماهيته ، ففي الآية حذف , وتقديره على وجوه :
أولاً : لعلكم تفلحون في الحياة الدنيا .
ثانياً : لعلكم تفلحون بذات الإيمان .
ثالثاً : لعلكم تفلحون في الإمتثال في الصبر الذي تأمر به آية البحث .
رابعاً : لعلكم تفلحون بالمصابرة والمناجاة فيها بينكم بالصبر .
خامساً : لعلكم تفلحون بالمرابطة في عمارة المساجد .
وعن أبي أيوب قال (وقف علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : هل لكم إلى ما يمحو الله تعالى به الذنوب ويعظم به الأجر؟ فقلنا : نعم يا رسول الله قال : إسباغ الوضوء على المكاره ، وكثرة الخطا إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة . قال : وهو قول الله { يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا } فذلكم هو الرباط في المساجد) ( ).
سادساً : لعلكم تفلحون بالمرابطة في الثغور .
ومن إعجاز الآية إخبارها عن حاجة المسلمين للمرابطة في الثغور وحدود دولة الإسلام مع أنه لم تكن في أيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مرابطة في الثغور ، فمتى ما سمعوا بزحف العدو وقرب وصول جيش الذين كفروا ناداهم النبي محمد وأمرهم بالخروج للقتال .
وقد ترد للمسلمين أخبار عن بعض القبائل وهي تستعد للهجوم على المدينة أو للإضرار بالمسلمين وأموالهم فان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخرج إليهم أو يعقد الراية لأحد أصحابه ويأمره بالذهاب إليهم ، ودعوتهم للإسلام وإن أبوا مناجزتهم القتال .
سابعاً : لعلكم تفلحون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
ثامناً : لعلكم تفلحون بالتصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : دعوة المسلمين للإجتهاد في طاعة الله , وعدم الركون للغفلة والنسيان .
الرابع : تبكيت الذين كفروا ، فمع إيمان المسلمين وسعيهم في مرضاة الله وحرصهم على أداء الوظائف أخبرت الآية عن لزوم بذلهم الوسع لبلوغ مراتب الفلاح مما يدل في مفهومه على حرمان الكافرين والكافرات حتى من أدنى مراتب الفلاح ، قال تعالى [قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ] ( ) .
ولم يرد في القرآن لفظ [لاَ يُفْلِحُونَ] بصيغة الخطاب والنفي للدلالة على إكرام المسلمين في حجب النداء والخطاب الذي فيه توبيخ ووعيد لهم .
وهناك تناسب طردي وملازمة بين الإيمان والفلاح، فكلما إزداد إيمان الإنسان إجتهد في السعي في الصالحات وسارع في فعل الخيرات وحرص على إجتناب السيئات، وكذا فان نيل مراتب الفلاح سبيل للهداية والرشاد , وبرزخ دون الذنوب والمعاصي.
وتتجلى الملازمة بين الإيمان والفلاح في قوله تعالى[قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ]( ).
ومن معاني الفلاح الظفر بالمطلوب , ويقال أفلح أي ظفر، وفي التنزيل[قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى]( )، ويسمى الزارع فلاحاً لأنه يشق الأرض .
ومن معاني الفلاح وجوه :
الأول : البقاء في النعمة .
الثاني : النطق بالشهادتين فلاح .
الثالث : بلوغ مرتبة الإيمان فلاح .
الرابع : ذات نداء الإيمان والفوز به فلاح وظفر وعز في النشأتين.
فان قلت إذا كان تلقي نداء الإيمان الذي إبتدأت به آية البحث فلاحاً فلماذا أختتمت مع قلة كلماتها بقوله تعالى[لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ].
والجواب ان الفلاح على مراتب متفاوتة فاراد الله عز وجل للمسلمين أسمى مراتب الفلاح ونيل درجات الفوز والظفر في الآخرة، ويكون تقدير الآية على وجوه :
الأول : يا أيها الذين آمنوا لعلكم تفلحون باستدامة الإيمان.
الثاني : يا أيها الذين آمنوا لعلكم تفلحون بثواب الإيمان.
الثالث : يا أيها الذين آمنوا لعلكم تفلحون في القيام بأداء الفرائض والواجبات .
الرابع : يا أيها الذين آمنوا لعلكم تفلحون بجذب الناس للإيمان.
الخامس : يا أيها الذين آمنوا لعلكم تفلحون بايمانكم، لبيان أن طريق الإيمان طويل، ويواجه فيه المسلم الإبتلاء والإمتحان كل يوم.
قانون التداخل بين الإيمان والمصابرة
أختلف في واو العطف وهل تفيد الترتيب أو لا، وقد إخترنا قولاً ثالثاً برزخاً ووسطاً بين قولي النحويين، وهو أنها قد تفيد الترتيب أو لا تفيده بحسب القرآن والدلالة .
ومع قلة كلمات آية البحث فقد وردت واو العطف فيها ثلاث مرات , وتحتمل وجوهاً :
الأول : إفادة الترتيب، فتأتي المصابرة مع العدو في القتال بعد الصبر في طاعة الله.
الثاني : عدم الترتيب وكل من الصبر والمصابرة والمرابطة أمر مستقل بذاته.
الثالث : عدم الترتيب بين الصبر والمصابرة، وإرادة الترتيب بينهما وبين المرابطة .
والصبر لغة هو الحبس، وفي الإصطلاح هو الإمتناع عن أشياء مخصوصة، لذا فهو أمر وجودي , وفيه الأجر والثواب.
وليس من إنفكاك بين الإيمان والصبر، وإختيار الإيمان ذاته من الصبر وإرادة قهر النفس الشهوية، وعزوف عن الهوى وإتباعه، وجاءت آية البحث بالمصابرة، بقوله تعالى[وَصَابِرُوا].
وبين قوله تعالى[اصْبِرُوا] و[وَصَابِرُوا] عموم وخصوص مطلق، فالصبر أعم وهو من عطف الخاص على العام .
وقدمت الآية الصبر لحاجة المسلم إليه في كل الأحوال منها:
الأول : الصبر على طاعة الله، إذ يستلزم إتيان كل فرض وعمل عبادي الصبر وبذل الجهد والسعي، قال تعالى[وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا]( ).
وتبين الآية أعلاه حاجة المسلم إلى الصبر في ثباته على الإيمان، وفي قيامه بأداء الفرائض وأمره لأهله بالصلاة على نحو متصل، والصبر على صلاته وتنبيه وحث أهله وغيرهم على الصلاة.
الثاني : الصبر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ودعوة الناس إلى سبل الهدى، والصبر في تلقي الأمر بفعل الخير والنهي عن إرتكاب الآثام .
فمن أسرار قانون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن المسلم يأمر وينهي، وأيضاً يؤمر ويُنهى.
الثالث : الصبر في التقيد بأحكام الشريعة في العبادات والمعاملات والأحكام، قال تعالى[إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً *فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ]( )، ومن حكم الله الصبر في ميادين القتال .
الرابع : الصبر عن المعصية والذنوب ، وهل يستلزم الإمتناع عن المعصية مصابرة أم أن المصابرة خاصة في الجهاد ، الجواب هو الأول ، إذ تداهم الفواحش والمعاصي الإنسان وتقترب منه وتتزين له ، وقد تتهيأ له مقدماتها طوعاً وقهراً وإنطباقاً ، مما يستلزم إستحضار نداء الإيمان والمصابرة .
ومن الإعجاز في الشريعة الإسلامية الوقاية من المعصية بأداء الفرائض والعبادات منها أداء المسلم الصلاة خمس مرات في اليوم ، وكل فريضة منها زجر عن فعل المعصية ، وباب للتوبة والإنابة لتكون المصابرة في طاعة الله حرزاً من فعل المعاصي , والمصابرة عن المعصية سبيلاً لأداء الفرائض والعبادات ، وهو من أسرار إفتتاح آية البحث بنداء الإيمان [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا].
قانون التفصيل في آية النداء
من الإعجاز في آيات النداء مجيؤها فاتحة لآياتها في طلعة بهية تبعث البهجة في قلوب المؤمنين , وتجعلهم يتدبرون في مضامينها ودلالاتها .
وهناك مسألة وهي لماذا ورد نداء الإيمان [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] في آيات النداء على نحو الخصوص ، صحيح أن هذا العلم لا يعلمه ويحيط به إلا الله عز وجل ، ولكن يمكن السعي لإستقراء بعض الذخائر من فيوضات القرآن ، وقد يصل علماء كل زمان إلى شذرات منها ، كالقطرات بالنسبة لماء البحار ، ولكن تلك القطرات تضئ دروب السالكين ، وفي قوله تعالى [فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ] ( ) ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال (لما أوحى الله إلى موسى بن عمران : إني مكلمك على جبل طور سيناء ، صار من مقام موسى إلى جبل طور سيناء أربعة فراسخ في أربعة فراسخ ، رعد وبرق وصواعق فكانت ليلة قر ، فجاء موسى حتى وقف بين يدي صخرة جبل صور سيناء ، فإذا هو بشجرة خضراء ، الماء يقطر منها وتكاد النار تلفح من جوفها .
فوقف متعجباً فنودي من جوف الشجرة : يا ميشا . فوقف موسى مستمعاً للصوت . . . ؟! فقال موسى : من هذا الصوت العبراني يكلمني؟! فقال الله له : يا موسى إني لست بعبراني ، إني أنا الله رب العالمين . فكلم الله موسى في ذلك المقام بسبعين لغة ، ليس منها لغة إلا وهي مخالفة للغة الأخرى ، وكتب له التوراة في ذلك المقام .
فقال موسى : إلهي أرني أنظر إليك . قال : يا موسى إنه لا يراني أحد إلا مات . فقال موسى : إلهي أرني إليك وأموت فأجاب موسى جبل طور سيناء : يا موسى بن عمران لقد سألت أمراً عظيماً .
لقد ارتعدت السموات السبع ومن فيهن والأرضون السبع ومن فيهن ، وزالت الجبال واضطربت البحار لعظم ما سألت يا ابن عمران .
فقال موسى وأعاد الكلام : رب أرني أنظر إليك . فقال : يا موسى أنظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فإنك تراني { فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخرّ موسى صعقاً }( ) مقدار جمعة ، فلما أفاق موسى مسح التراب عن وجهه وهو يقول { سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين }( ) فكان موسى بعد مقامه لا يراه أحد إلا مات .
واتخذ موسى على وجهه البرقع فجعل يكلم الناس بقفاه ، فبينا موسى ذات يوم في الصحراء فإذا هو بثلاثة نفر يحفرون قبراً حتى انتهوا إلى الضريح ، فجاء موسى حتى أشرف عليهم فقال لهم : لمن تحفرون هذا القبر؟ قالوا له : الرجل كأنه أنت أو مثلك أو في طولك أو نحوك .
فلو نزلت فقدرنا عليك هذا الضريح . فنزل موسى فتمدد في الضريح ، فأمر الله الأرض فانطبقت عليه ) ( ).
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : [لما تجلى الله لموسى كان يبصر دبيب النملة على الصفا في الليلة الظلماء من مسيرة عشرة فراسخ ] ( ).
وكل آية من القرآن ضياءً ينير دروب الهداية ، وهو من مصاديق قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( ) فمن خصائص نداء الإيمان أنه بذاته سبيل للهداية والرشاد ، وهو أمان للمسلمين في الدنيا والآخرة ، وتتعدد معانيه بلحاظ مضامين ذات آية النداء والآيات المعطوفة عليها ، وتقدير آية البحث على وجوه :
الوجه الأول : يا ايها الذين آمنوا أصبروا ) وهذا الشطر من الآية الكريمة قانون مستقل يحكم منهج وعمل المسلمين في الحياة الدنيا ، ولما تفضل الله عز وجل وأمر المسلمين بالإستعانة بالصلاة بقوله تعالى [وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ] ( ) تفضل وأمر المسلمين بالصبر ، ليكون الصبر على جهات :
الأولى : إرادة الصبر بذاته كمنهج وأمر وجودي يتقوم بحبس النفس في ضروب الإمتثال للأوامر والنواهي التي وردت في الكتاب والسنة .
الثانية : إتخاذ الصبر بلغة وسبيلاً لتحقيق الغايات الحميدة .
الثالثة : جعل الصبر غاية كريمة ، وهدفاً سامياً يسعى إليه المسلمون .
ومن معاني إقتران الأمر بالصبر بنداء الإيمان وجوه :
أولاً : لزوم تقوم الصبر بالإيمان ، فلا يصح الصبر في المعصية بل يجب الصبر عن المعصية .
ثانياً : إختيار الصبر بقصد القربة إلى الله عز وجل لبيان قانون ، وهو ترشح الصبر عن الإيمان ، وما أن يدخل العبد الإسلام حتى يتوجه إليه الأمر بالصبر ، فتدل آية البحث على عدم وجود برزخ أو فاصلة بين الإيمان والأمر بالصبر .
وعن الإمام علي عليه السلام قال : (الصبر من الإِيمان بمنزلة الرأس من الجسد ، إذا قطع الرأس نتن باقي الجسد ، ولا إيمان لمن لا صبر له ) ( ).
ثالثاً : حاجة المسلمين مجتمعين ومتفرقين إلى الصبر ، وتشمل هذه الحاجة الأمور الخاصة والعامة .
وتقدير الآية على وجوه :
أولاً : يا أيها الذين آمنوا ستدعون إلى الصبر فأصبروا .
ثانياً : يا أيها الذين آمنوا من خصائص مدرسة الإيمان الصبر .
ثالثاً : يا أيها الذين آمنوا اصبروا كما صبر الأنبياء والمؤمنون من قبل ، وفي التنزيل [يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ]( ).
رابعاً : يا أيها الذين آمنوا اصبروا فان الصبر خير لكم في النشأتين .
خامساً : يا أيها الذين آمنوا اصبروا فان الصبر أعظم سلاح .
وهل منه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (ما أوذي نبي مثل ما أوذيت) ( ) الجواب نعم إذ يبين الحديث أعلاه أن الأذى الذي لاقاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم طريق لتحقيق النصر والغلبة على الذين كفروا ، ولا يعني هذا أن كل صبر يؤدي إلى النصر إذ لا ملازمة بينهما ، إنما الصبر مع الإيمان هو الذي يؤدي إلى النصر ، لما فيه من أسباب المدد واللطف والإعانة من عند الله عز وجل ، قال تعالى [بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ] ( ).
سادساً : يا أيها الذين آمنوا الصبر عنوان وحدتكم وأخوتكم فأصبروا .
سابعاً : يا أيها الذين آمنوا ستقبل عليكم الدنيا بمباهجها فاصبروا .
ثامناً : يا ايها الذين آمنوا اصبوا ولا تتخذوا بطانة ووليجة وخاصة من دونكم .
تاسعاً : يا أيها الذين آمنوا من شرائط الإيمان الصبر والمصابرة .
لقد أراد الله عز وجل لعبادته الدوام في الأرض ، وأن يكون الذكر عامراً للأرض ، والشكر سبيلاً لزيادة النعم على الناس ، فإختيار الإسلام والإتصاف بالإيمان يستلزم الصبر .
ولابد من مصاحبة الصبر للمسلم في نهاره وليله ، وفي ميدان العمل والمسجد والسوق ، وداخل البيت وسير نظام الأسرة ، ومن يلجأ إلى ذكر الله ويستحضر الإيمان تهون عليه الأمور الصعاب عند ملاقاتها ، وينجو من ضيق النفس والحسرة حتى عند الشدائد لأنه يدرك قانوناً وهو السلامة من الخسارة مع الإيمان ، وإنتفاء الضرر مع الصبر .
ومن خصائص نداء الإيمان في أمر الله عز وجل للمسلمين بالصبر والمصابرة إتصاف الصبر بأنه في مرضاة الله عز وجل وطاعة له ورجاء الثواب منه سبحانه ، فقد يصبر الإنسان رياء أو لأغراض دنيوية ، أو طمعاً في منكر وحرام ، فلا يكون الصبر الذي تأمر به آية البحث إلا في مرضاة الله , لأنها تتضمن في دلالتها ترشح الصبر عن الإيمان ، وتقدير الآية على وجوه :
الأول : يا أيها الذين آمنوا اصبروا بما أنتم مؤمنون .
الثاني : يا أيها الذين آمنوا اصبروا فان الصبر مرآة الإيمان .
الثالث : يا أيها الذين آمنوا اصبروا على الإيمان فانه أمانة عندكم.
الرابع : يا أيها الذين آمنوا الصبر فرع الإيمان ) إذ يتم الإيمان بالصبر ، ويكون الصبر كالعينين له في مسالك الصلاح .
الوجه الثاني : يا أيها الذين آمنوا صابروا ) من إعجاز القرآن تعقب الأمر للمسلمين بالمصابرة بعد الأمر بالصبر ، مما يدل على وجود إختلاف بينهما ولو على نحو الموجبة الجزئية بلحاظ دلالة العطف بالواو على المغايرة بينهما .
وفي هذا التعدد ولغة العطف وورود الأمرين في آية واحدة شاهد على أهلية المسلمين للقيام بوظائف الإيمان والتحلي بالصبر حتى في أشق الأحوال .
ومن وجوه الفرق بين الصبر والمصابرة أن الصبر نوع إيقاع يصدر من الإنسان , فيحبس نفسه عن فعل أو أمر .
أما المصابرة فهي نوع مفاعلة بين طرفين ، كما في مصابرة الأعداء في القتال ومقدماته وعدم الخضوع والهوان ، قال تعالى [وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ] ( ) فمن معاني الأعلون في الآية أعلاه صيرورة المسلمين أكثر مصابرة من جهات :
الأولى : إفتتاح آية المصابرة بنداء الإيمان ، وفيه ترغيب بالصبر والمصابرة ، ترى هل من فرق بين تقدير الآية من وجهين :
أولاً : يا أيها الذين آمنوا صابروا .
ثانياً : صابروا ) , أي من غير نداء الإيمان .
الجواب نعم ، إذ يبعث نداء الإيمان العزم والعزيمة في نفوس المسلمين على الإمتثال لأمر الله تعالى بالمصابرة .
الثانية : مناجاة المسلمين فيما بينهم بالصبر وحث بعضهم بعضاً على الصبر من وجوه :
أولاً : حث الأمير والقائد جنوده على الصبر .
ثانياً : دعوة الجنود لأميرهم بالصبر والمصابرة , فان أراد الإنسحاب خشية إستحواذ الضجر عليهم ، أو الخوف من المجهول فأنهم يسألونه البقاء والثبات ليدل هذا السؤال بالدلالة التضمنية على إنعدام الضجر والملل عندهم .
ثالثاً : ترغيب عيال المسلم له بالصبر والمصابرة .
رابعاً : غبطة المجاهدين بالمصابرة , وإدراكهم لما فيها من الثواب العظيم .
الثالثة : كل آية من القرآن تدعو المسلمين للصبر والمصابرة فصحيح أن آية البحث جاءت بذكرهما على نحو التعيين إلا أن كل آية من القرآن تدعو المسلمين إلى مواطن المصابرة , وتحث على التقوى , وتبين في منطوقها أو مفهومها أن نصر الله قريب , قال تعالى[فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا]( )،
الرابعة : لما أثنى الله عز وجل على المسلمين ووصفهم بأنهم [خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( )، فان المسلمين أحسن الأمم في المصابرة من جهة موضوع المصابرة وطول مدتها وغايتها الحميدة وأجرها، إن كل مصابرة من طائفة من المسلمين تنمية لملكة المصابرة عند أجيال المسلمين .
لقد خسر المسلمون جولة من معركة أحد ولكن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم أبى إلا أن يثبت في موضعه في ساحة الوغى وهو أسمى مراتب المصابرة ليكون إمام المسلمين في المصابرة والمرابطة.
ويكون من وجوه تقدير آية البحث:
الأول : يا أيها الذين آمنوا صابروا كما صبر رسول الله.
الثاني : يا أيها الذين آمنوا من شرائط الإيمان المصابرة.
الثالث : يا أيها الذين آمنوا صابروا كما صابر الذين آمنوا من قبلكم.
الرابع : يا أيها الذين آمنوا إثبتوا في منازل الهدى والإيمان .
الخامس : يا أيها الذين آمنوا من دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم المصابرة في مرضاة الله، فان قلت كثير من القادة والجنود يصابرون في مواضعهم والشواهد التأريخية عليه كثيرة، وليس فيه إعجاز , الجواب هذا صحيح , ولكنه قياس مع الفارق من جهات :
الأولى : ثبات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في موضعه في ساحة المعركة من عمومات الوحي، ومن مصاديق قوله تعالى[وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى]( ).
الثانية : ثبت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في وسط ساحة المعركة وعنده أمانة السماء التي لم تكن عند غيره من الناس ممن قبله أو بعده، إنها آيات القرآن التي تنزل نجوماً وعلى نحو التدريج.
الثالثة : كان ثبات النبي في موضعه سبباً لنجاة الإسلام والمسلمين فقد حال دون إجهار الذين كفروا على المسلمين، ومنع من إستباحتهم للمدينة.
الرابعة : لما تفضل الله عز وجل وأمر المسلمين بالمصابرة صار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قدوة وأسوة لهم، وسبباً لإمتثالهم لأمر المصابرة بالإقتداء به والتعلم منه، فقد تراجع وانسحب أكثر الصحابة من وسط المعركة بدليل قوله تعالى[إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ]( )، وتخرج هذه الآية النبي محمداً من الصعود والتراجع والإنهزام لأنه يدعو المسلمين وهو في أخراهم للرجوع للمعركة , والذي يدعو الفارين من موضعه ليس بفار , وذكرت الآية أعلاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بصفة الرسالة , وهي أكبر من النبوة , لبيان الأمن والسلامة بهذه الدعوة .
الخامسة : في دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين للرجوع إلى ميدان معركة أحد حياة لهم ولأجيال المسلمين، وزيادة هدى وسلامة من القتل العشوائي والإبادة الجماعية ومن الإرتداد، قال تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ]( )، وتقدير الآية أعلاه من سورة آل عمران، والرسول يدعوكم في أخراكم لما يحييكم.
السادسة : لقد زحف المشركون بجيش عرمرم قوامه ثلاثة آلاف رجل لمعركة أحد بأسلحة ومؤن ورواحل كثيرة، وكانت معهم مائتا فرس لم يركبوها في مسافة الطريق لتكون جاهزة لدخول المعركة فقابلهم سبعمائة من الصحابة مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فكانت مصابرته معه سبباً لهزيمة المشركين بفضل من الله عز وجل.
السابعة : لقد صابر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم العدو في معركة أحد ليتخذ المسلمون المصابرة منهاجاً دائماً، وينتفي عندهم اليأس والقنوط.
لقد أمر الله عز وجل المسلمين بالمصابرة ثم قام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأبهى صيغ المصابرة ليكون من مصاديق كون السنة النبوية بياناً للقرآن.
ومشهور علماء التفسير أن المراد بالمصابرة هو مغالبة الأعداء في منازل الصبر والتحمل، والمختار أن الآية أعم في موضوعها ويكون تقدير الآية على أقسام :
القسم الأول : يا أيها الذين آمنوا صابروا في مواطن الإبتلاء وأحسنوا لأنفسكم عند الإختبار ) لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار إمتحان وإختبار ولم يترك الناس وشأنهم ، بل أحاطهم بالآيات الكونية والبراهين القاطعة التي تدل على وجوب الإيمان والعمل الصالح ، ورزقهم العقل نعمة عظمى تجعل الخلائق تسجد لله خاضعة خاشعة لعظيم حكمته ، وهل إتصاف الإنسان بالعقل من مصاديق قوله تعالى [بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ] ( ) الجواب نعم ، فهو آية من عند الله في الأرض ، وتمر السنين والأحقاب وإذا بالإنسان يتخذ عقله وسيلة للسياحة في السماء والهبوط في بعض الأفلاك السماوية ، ليكون العقل وسيلة لتفكر الناس في آيات الخلق إلى جانب التدبر في آيات القرآن ، فمن الإعجاز إتحاد الاسم والموضوع بين الآيات الكونية العظمى التي تتجلى للحواس ، وآيات القرآن الباهرة التي تتضح للعقول ، وكل آية كونية أو قرآنية تدعو إلى المصابرة في جنب الله ، وإتخاذ التقوى منهاجاً في السر والعلانية ، قال تعالى [وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا] ( ).
القسم الثاني : يا أيها الذين آمنوا صابروا في الصلاة ومن الإعجاز في السنة العبادية بيان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لسنخية المرابطة وأنها في الصلاة ليكون أداء الصلاة من المصابرة .
القسم الثالث : يا أيها الذين آمنوا صابروا في الفرائض والعبادات، وتكون المصابرة وما فيها من معاني المفاعلة في المقام على جهات :
الأولى : مصابرة ذات المسلم مع نفسه في تحمل أداء الفرائض على الوجه الأكمل، وقد سمّى الله عز وجل الصيام صبراً ومنه قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ]( ).
الثانية : مصابرة المسلم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سواء توجيهاً أو أمراً أو نهياً، أو تلقياً لهذا الأمر والنهي وهو من أسرار التبعيض في قوله تعالى[وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ]( )، أي أن المسلمين يأمرون بعضهم بعضاَ بالمعروف ويتناجون في إجتناب المعاصي والسيئات.
الثالثة : مصابرة الأعداء في القتال والدفاع والعصمة من طاعتهم ومن الإرتداد.
وأخرج أبو نعيم عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : { يا أيها الذين آمنوا اصبروا . . } على الصلوات الخمس ، وصابروا على قتال عدوّكم بالسيف ، ورابطوا في سبيل الله لعلكم تفلحون( ).
وإثبات شيء لشيء لا يدل على نفيه عن غيره، وجاء الحديث لبيان الأولى والأهم في المقام , وهو المصابرة في مواطن الدفاع .
الرابعة : يا أيها الذين آمنوا صابروا في ذات الصبر فان الإقامة على الصبر تستلزم التعاضد بين المسلمين والمناجاة بالتقوى ومعالم الإيمان .
لقد جعل الله عز وجل الصبر طريقاً إلى النصر والغلبة على الذين كفروا ، وهو على أقسام :
الأول : الصبر على نحو القضية الشخصية ، ومنه مداهمة المرض والسقم والمشقة في الكسب وطلب الرزق ، وغياب البلغة في تحقيق الغاية الحميدة ، ومنه العوائق في بلوغ المراد ، ويمكن تسمية الحياة الدنيا (دار الصبر) ولابد لكل إنسان من الصبر طوعاً وقهراً وإنطباقاً ، ويتجلى المائز بين المؤمن والكافر من جهات :
الأولى : إدراك المسلم لوجوب الصبر ويدل قوله تعالى [اصْبِرُوا وَصَابِرُوا].
الثانية : إقتران تحلي المسلم بالصبر بالرضا والقبول.
الثالثة : المدد والعون من عند الله عز وجل للمسلم في صبره ، وفيه وجوه :
أولاً : ذات صبر المسلم من عند الله عز وجل .
ثانياً : الصبر نور يقذفه الله في قلب من يشاء من عباده .
ثالثاً : تفضل الله بالزيادة في صبر المسلم وعدم بلوغه مرتبة جزع ، بينما لا يستطيع الكافر البقاء في منازل الصبر .
رابعاً : مجئ آيات القرآن بحث المسلمين على الصبر والتحمل ، وفيه بعث للفزع والحزن والأسى ، في قلوب الذين كفروا ، لتكون آيات الصبر في القرآن من مصاديق قوله تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ] ( ).
خامساً : لقد أنعم الله عز وجل على الإنسان بنعمة العقل ليكون سبيل هداية وحجة على الناس كوسيلة للصبر والتحمل في مرضاة الله ، وهو من عمومات قوله تعالى [لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ]( ).
وليكون هذا الخلق حجة على الذين كفروا بتركهم الصبر كطريق لدخول الإسلام ووسيلة مباركة للعبور على الصراط .
الرابعة : تعاون المسلمين في الثبات في مقامات الصبر وهو من مصاديق قوله تعالى [كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ]( ).
الخامسة : فوز المسلمين بالثواب على صبرهم في مرضاة الله ، ولا يختص هذا الثواب بذات الصبر ، بل يشمل مقدماته والتحلي بالصبر وأثار صبر المسلمين وما يؤدي إلى الصلاح .
الثاني : صبر الأسرة المسلمة في مرضاة الله فقد يداهم البلاء والإفتتان الأسرة ليمسوا في حيرة ، وقد يأتي البلاء لأحد أفرادها فيحس أفرادها جميعاً بالأذى ، ويغلب عليهم الهم ، ليكون تقدير قوله تعالى [ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا] يا أيها الأسرة المسلمة أصبروا.
الثالث : ندب فقراء المسلمين على الصبر ، ومن خصائص النداء القدسي المبارك [ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا] أنه ترغيب للناس به وبتلاوته ، وهو صاحب ومؤنس وطارد للوحشة ، ويجتهد الأطباء في علاج حالات الكآبة وإنقباظ النفس ، وتنفق الأموال للعلاج ، بينما ورد نداء الإيمان واقية وعلاجاً من الكآبة الفردية والمتعددة .
ومن خصائص هذا الزمان إنشطار العلوم وتفرع كل علم وإختصاص ، ومنها علوم الطب ، ليأتي نداء الإيمان واقية وعلاجاً لكثير من الأمراض ومنها مرض التوحد ، والذي أولاه الأطباء العناية منذ سنة 1944 ونسبته قليلة بين الأطفال والكبار وأعراضه مختلفة وأظهرها التأخر في إكتساب مفردات اللغة والرغبة في العزلة ، والقصور في الصلات الإجتماعية .
وجاء نداء الإيمان ليدعو المسلمين إلى الآخاء .
ويملي على كل مسلم الصلات والمودة مع عموم المسلمين .
(عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن أبي بن كعب ، قال : انتسب رجلان على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال أحدهما : أنا فلان بن فلان ، فمن أنت لا أم لك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : انتسب رجلان على عهد موسى عليه السلام ، فقال أحدهما : أنا فلان بن فلان حتى عد تسعة ، فمن أنت لا أم لك ؟ فقال : أنا فلان بن فلان ابن الإسلام ، فأوحى الله عز وجل إلى موسى : إن لهذين المنتسبين : أما أنت أيها المنتمي أو المنتسب إلى تسعة في النار فأنت عاشرهم في النار ، وأما أنت يا هذا المنتسب إلى اثنين فأنت ثالثهما في الجنة) ( ) .
وصار المسلمون يتوارثون الإسلام ليفوزوا بأخوة الإيمان والنسب مجتمعين ، بدليل أن التوارث في أيام الهجرة الأولى كان على مؤاخاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمهاجرين والأنصار ثم أنزل قوله تعالى [وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ] ( ) فعادت الوراثة بحسب النسب.
(وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آخى بين المسلمين من المهاجرين والأنصار ، فآخى بين حمزة بن عبد المطلب وبين زيد بن حارثة وبين عمر بن الخطاب ومعاذ بن عفراء ، وبين الزبير بن العوّام وعبد الله بن مسعود وبين أبي بكر الصديق وطلحة بن عبيد الله ، وبين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع . وقال لسائر أصحابه : تآخوا وهذا أخي – يعني علي بن أبي طالب عليه السلام – قال : فأقام المسلمون على ذلك حتى نزلت سورة الأنفال ، وكان مما شدد الله به عقد نبيه صلى الله عليه وآله وسلم قول الله تعالى { إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا } إلى قوله { لهم مغفرة ورزق كريم } فأحكم الله تعالى بهذه الآيات العقد الذي عقد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين أصحابه من المهاجرين والأنصار ، يتوارث الذين تآخوا دون من كان مقيماً بمكة من ذوي الأرحام والقرابات ، فمكث الناس على ذلك العقد ما شاء الله ، ثم أنزل الله الآية الأخرى فنسخت ما كان قبلها فقال { والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولوا الأرحام } والقرابات ورجع كل رجل إلى نسبه ورحمه ، وانقطعت تلك الوراثة .) ( ).
الرابع : صبر الجماعة والطائفة ، ومن أسرار صلاة الجماعة تنمية ملكة الصبر بين المسلمين مجتمعين ومتفرقين ، ولا يختص موضوع الصبر فيها بذات الصلاة وإنتظار أوقاتها ، والأداء المتحد لأركانها وأجزائها بل يشمل مقدماتها العبادية من الطهارة , والإبتلاء الحاضر أوان الصلاة ، وهو من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ).
الخامس : الصبر في ملاقاة الأعداء ، وعدم الركون إلى الظالمين أو إتخاذ وليجة منهم ،قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً] ( ).
ولا يمنع مجئ لفظ [وَصَابِرُوا] في آية البحث من شمول مجاهدة الذين كفروا بقوله تعالى [اصْبِرُوا].
السادس : الصبر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
السابع: الصبر في الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة والمنع من إستحواذ النفس الغضبية أو الشهوية على المسلمين .
الثامن : الصبر في السعي والجد والمثابرة لمقامات الخلد في النعيم في الآخرة .
لقد جمعت الآية بين نداء الإيمان والأمر من الله بالصبر ، ليبقى شهادة للمسلمين بالإيمان والتقوى فانها ثبات على الصبر , وهل نال المسلمون مرتبة الإيمان من غير صبر ، الجواب لا ، من جهات :
الأولى : الصبر مقدمة للصبر .
الثانية : يستلزم التدبر بالمعجزات العقلية والحسية لنبوة محمد الصبر .
الثالثة : في الصبر تخلية وتحلية وتجلية .
فالبصبر يتخلى الإنسان عن مفاهيم الضلالة , ويتنزه عن عبادة الأوثان ، ويمتنع عن اللهث وراء الدنيا والتزلف إلى السلطان طمعاً بحطامها .
وبالصبر تحلية بالتوئدة والوقار ومعاني الحكمة ، وهو زينة وهيبة وزاجر للجهالة وأهلها إذ يمنع الجهالة من الأستحواذ على الذي يتحلى بالصبر ويحول دون إفتتان ذي الجهالة به ، وفي التنزيل [وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاَتَّخَذُوكَ خَلِيلاً] ( ) .
وبالصبر يتجلى الإيمان بحلة عقائدية كريمة تتغشى أقوال وأفعال المسلمين وتجعل الدنيا ذات بهجة ومزرعة لفعل الصالحات .
لقد أمر الله عز وجل المسلمين بالصبر وهو الغني الذي لا يحتاج والذي جعل الخلائق كلها محتاجة إليه وجوداً وإستدامة وعدماً وليكون الصبر حاجة دائمة ومتجددة ، وتقدير الآية بلحاظ الحاجة على وجوه :
الأول : يا أيها الذين آمنوا اصبروا فان الصبر حاجة لكم في الحياة الدنيا .
الثاني : يا أيها الذين آمنوا اصبروا فان الصبر حاجة لكم في الآخرة .
الثالث : يا أيها الذين آمنوا اصبروا , فالبصبر تنال الرغائب .
الرابع : يا أيها الذين آمنوا أصبروا فان صبركم حاجة للناس ، من جهات :
الأولى : صبر المسلمين دعوة للناس للإيمان .
الثانية : تحلي المسلمين بالصبر زاجر للناس من التعدي عليهم ، وهو رحمة بالجميع ، وحرز دون تحمل الناس أوزاراً وآثاماً بسبب التعدي على المسلمين .
الثالثة : صبر المسلمين برزخ دون الفتن والإفتتان .
الرابعة : يتحلى المسلمون بالصبر قربة إلى الله تعالى ، فيكون صبرهم من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم العقائدية , والشواهد على صدق نبوته .
الخامسة : الصبر طاعة لله عز وجل زينة ، وفيه ترغيب للناس بالإسلام .
وهل الصبر أمر وجودي أم عدمي ، الجواب هو الأول ، وهو الذي تدل عليه آية البحث ، لما فيها من الأمر بالصبر بقوله تعالى [ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا] فحتى الصبر الذي هو بمعنى حبس النفس فانه نية وعزم وفعل يتضمن الإمتناع عن الخروج عن طاعة الله ، ومن إعجاز الآية لزوم ترشح الصبر عن الإيمان ,فمثلاً يجب الصبر عن المعصية ، ولا يصح الصبر بالإقامة على المعصية والصبر عن التوبة وتسويف فعل الخيرات ، وتأخير التوبة ، فهذا ليس من الصبر فلذا إبتدأت الآية بنداء الإيمان ، لتكون صيغة وصفة الصبر هو الإيمان والتقوى .
ومن الإعجاز أن نداء الإيمان ترغيب وحث على الصبر ، وكذا فان الصبر ترغيب وحث على الإيمان ، وهل يستلزم الأمر الدور ، الجواب لا ، للتباين الجهتي .
ويصح تقدير النداء على وجوه :
الأول : يا أيها الذين صبروا آمنوا .
الثاني : يا أيها الذين صبروا إزدادوا إيماناً .
الثالث : يا أيها الذين آمنوا وصبروا ، الجواب نعم فان الإيمان محبوب ذاتاً وأثراً ، وهو هبة الله لأهل الأرض .
وهل في قوله تعالى [وَصَابِرُوا] وعد من عند الله للمسلمين ، الجواب نعم ، وهو من خصائص نعمة حمل لواء الإيمان في الأرض ومصاديق قوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( ) بتقريب أن الله عز وجل يأمر المؤمنين بالصبر والمصابرة لينهزم المشركون , وفي هذه الهزيمة مسائل :
الأولى : إشعار الناس بعجز الذين كفروا عن المصابرة والمجالدة في القتال مع المؤمنين .
الثانية : موضوعية نداء الإيمان في هزيمة وذل الذين كفروا ،إذ أنهم يستطيعون أن يقاتلوا قتال الأبطال إذا كان عدوهم غيرهم من الكفار ، ولكنهم يتضاءلون ويندحرون أمام العدد القليل من المسلمين ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ] ( ).
الثالثة : إدراك الذين كفروا قبل بداية المعركة إجتماع شرائط النصر من جهة العدة والعدد والسلاح والمؤن , ويقومون باختيار الزمان والمكان المناسب بدليل أن كفار قريش هم الذين زحفوا لمعركة بدر وأحد والخندق وإختاروا الطريق والوقت الملائم لهم ، ولم يكن عند المسلمين يومئذ رباط ومرابطة في الثغور ، إنما هي بلدة واحدة مكشوفة وهي المدينة المنورة ، ولا تنتهي المعركة إلا بفشل وخزي الذين كفروا مع إنعدام مقدمات هذا الفشل الذاتية ، لذا يملأ نفوسهم الندم والأسى بعد المعركة مباشرة ، فمثلاً بعد إنقضاء معركة أحد وقف جيش المشركين في طريق العودة إلى مكة وأقروا بأنهم لم يصيبوا من غزوتهم إلا الخسران , وأرادوا العودة إلى القتال والرجوع إلى المدينة للقتال .
وحينما إنسحب المشركون من معركة أحد أخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم يرصد أمرهم ويتابع أخبارهم ، فحالما رحلوا أمر أن ينظر هل ركبوا الخيل أم ركبوا الجمال ، لدلالة ركوب الخيل على إرادتهم الإغارة على المدينة , بينما يدل ركوبهم الإبل على قصدهم الرجوع إلى المدينة .
وأظهر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عزمه على مناجزتهم إن أرادوا المدينة في بيان لحقيقة وهي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي صار يحمي أهل المدينة ويدافع عنهم وينصرهم , بينما كانت بيعة الأوس والخزرج للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في العقبة أن يحموه ويذبوا عنه كما يذبون عن أبنائهم وإخوانهم فصار النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي يدافع ويدفع عنهم وعن عوائلهم ليتحقق المصداق الجلي لمدح وثناء أبي طالب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في قصيدته اللامية الشهيرة التي يؤكد فيها مؤازرته للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وتحديه لدهماء العرب ، وسعيه لجذب الناس إلى جانبه في نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإستعداد للموت دونه :
وَأَبْيَضُ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ … ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ
وتمام القصيدة هو :
وَلَمّا رَأَيْتُ الْقَوْمَ لَا وُدّ فِيهِمْ … وَقَدْ قَطَعُوا كُلّ الْعُرَى وَالْوَسَائِلِ
وَقَدْ صَارَحُونَا بِالْعَدَاوَةِ وَالْأَذَى . وَقَدْ طَاوَعُوا أَمْرَ الْعَدُوّ الْمُزَايِلِ
وَقَدْ حَالَفُوا قَوْمًا عَلَيْنَا أَظِنّةً … يَعَضّونَ غَيْظًا خَلْفَنَا بِالْأَنَامِلِ
صَبَرْتُ لَهُمْ نَفْسِي بِسَمْرَاءَ سَمْحَةٍ . وَأَبْيَضَ عَضْبٍ مِنْ تُرَاثِ الْمَقَاوِلِ
وَأَحْرْتُ عِنْدَ الْبَيْتِ رَهْطِي وَإِخْوَتِي . وَأَمْسَكْت مِنْ أَثْوَابهِ بِالْوَصَائِلِ
قِيَامًا مَعًا مُسْتَقْبِلِينَ رِتَاجَهُ … لُدًى حَيْثُ يَقْضِي حَلْفَهُ كُلّ نَافِلِ
وَحَيْثُ يُنِيخُ الْأَشْعَرُونَ رِكَابَهُمْ … بِمُفْضَى السّيُولِ مِنْ إسَافٍ وَنَائِلِ
مُوَسّمَةُ الْأَعْضَادِ أَوْ قَصَرَاتُهَا … مُخَيّسَةٌ بَيْنَ السّدِيسِ وَبَازِلِ
تَرَى الْوَدْعَ فِيهَا وَالرّخَامَ وَزِينَةً … بِأَعْنَاقِهَا مَعْقُودَةٌ كَالْعَثَاكِلِ
أَعُوذُ بِرَبّ النّاسِ مِنْ كُلّ طَاعِنٍ … عَلَيْنَا بِسُوءٍ أَوْ مُلِحّ بِبَاطِلِ
وَمِنْ كَاشِحٍ يَسْعَى لَنَا بِمَعِيبَةٍ … وَمِنْ مُلْحِقٍ فِي الدّينِ مَا لَمْ نُحَاوِلْ
وَثَوْرٍ وَمَنْ أَرْسَى ثَبِيرًا مَكَانَهُ … وَرَاقٍ لِيَرْقَى فِي حِرَاءٍ وَنَازِلِ
وَبِالْبَيْتِ حَقّ الْبَيْتِ مِنْ بَطْنِ مَكّةَ … وَبِاَللّهِ إنّ اللّهَ لَيْسَ بِغَافِلِ
وَبِالْحَجَرِ الْمُسْوَدّ إذْ يَمْسَحُونَهُ .. إذَا اكْتَنَفُوهُ بِالضّحَى وَالْأَصَائِلِ
وَمَوْطِئِ إبْرَاهِيمَ فِي الصّخْرِ رَطْبَةٌ … عَلَى قَدَمَيْهِ حَافِيًا غَيْرَ نَاعِلِ
وَأَشْوَاطٍ بَيْنَ الْمَرْوَتَيْنِ إلَى الصّفَا .. وَمَا فِيهِمَا مِنْ صُورَةٍ وَتَمَاثُلِ
وَمَنْ حَجّ بَيْتَ اللّهِ مِنْ كُلّ رَاكِبٍ . وَمِنْ كُلّ ذِي نَذْرٍ وَمِنْ كُلّ رَاجِلِ
وَبِالْمَشْعَرِ الْأَقْصَى إذَا عَمَدُوا لَهُ … إلَالٌ إلَى مُفْضَى الشّرَاجِ الْقَوَابِلِ
وَتَوْقَافِهِمْ فَوْقَ الْجِبَالِ عَشِيّةً … يُقِيمُونَ بِالْأَيْدِي صُدُورَ الرّوَاحِلِ
وَلَيْلَةِ جَمْعٍ وَالْمَنَازِلِ مِنْ مِنًى … وَهَلْ فَوْقَهَا مِنْ حُرْمَةٍ وَمَنَازِلِ
وَجَمْعٍ إذَا مَا الْمُقْرَبَاتِ أَجَزْنَهُ … سِرَاعًا كَمَا يَخْرُجْنَ مِنْ وَقْعِ وَابِلِ
وَبِالْجَمْرَةِ الْكُبْرَى إذَا صَمَدُوا لَهَا … يَؤُمّونَ قَذْفًا رَأْسَهَا بِالْجَنَادِلِ
وَكِنْدَةُ إذَا هُمْ بِالْحِصَابِ عَشِيّةً .. تُجِيزُ بِهِمْ حُجّاجُ بَكْرِ بْنِ وَائِلِ
حَلِيفَانِ شَدّا عَقْدَ مَا احْتَلَفَا لَهُ … وَرَدّا عَلَيْهِ عَاطِفَاتِ الْوَسَائِلِ
وَحَطْمِهِمْ سُمْرَ الصّفَاحِ وَسَرْحُهُ … وَشَبْرِقَهٌ وَخْدَ النّعَامِ الْجَوَافِلِ
فَهَلْ بَعْدَ هَذَا مِنْ مُعَاذٍ لِعَائِذٍ … وَهَلْ مِنْ مُعِيذٍ يَتّقِي اللّهَ عَاذِلِ
يُطَاعُ بِنَا الْعُدّى وَوَدّوا لَوْ انّنَا … تُسَدّ بِنّا أَبْوَابُ تُرْكٍ وَكَابُلِ
كَذَبْتُمْ وَبَيْتِ اللّهِ نَتْرُكُ مَكّةَ … وَنَظْعَنُ إلّا أَمْرُكُمْ فِي بَلَابِلِ
كَذَبْتُمْ وَبَيْتِ اللّهِ نُبْزَى مُحَمّدًا … وَلَمّا نُطَاعِنُ دُونَهُ وَنُنَاضِلْ
وَنُسْلِمُهُ حَتّى نُصَرّعَ حَوْلَهُ … وَنَذْهَلَ عَنْ أَبْنَائِنَا وَالْحَلَائِلِ
وَيَنْهَضُ قَوْمٌ فِي الْحَدِيدِ إلِيْكُمُ ..نُهُوضَ الرّوَايَا تَحْتَ ذَاتِ الصّلَاصِلِ وَحَتّى تَرَى ذَا الضّغْنِ يَرْكَبُ رَدْعَهُ .مِنْ الطّعْنِ فِعْلَ الْأَنْكَبِ الْمُتَحَامِلِ
وَإِنّا لَعَمْرُ اللّهِ إنْ جَدّ مَا أَرَى … لَتَلْتَبِسَنّ أَسْيَافُنَا بِالْأَمَاثِلِ
بِكَفّيْ فَتًى مِثْلَ الشّهَابِ سَمَيْدَعِ .. أَخِي ثِقَةٍ حَامِي الْحَقِيقَةِ بَاسِلِ
شُهُورًا وَأَيّامًا وَحَوْلًا مُجَرّمًا … عَلَيْنَا وَتَأْتِي حَجّةٌ بَعْدَ قَابِلِ
وَمَا تَرْكُ قَوْمٍ لَا أَبَا لَك ، سَيّدًا .. يَحُوطُ الذّمَارَ غَيْرَ ذَرْبٍ مُوَاكِلِ
وَأَبْيَضُ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ … ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ
يَلُوذُ بِهِ الْهُلّافُ مِنْ آلِ هَاشِمٍ … فَهُمْ عِنْدَهُ فِي رَحْمَةٍ وَفَوَاصِلِ
لَعَمْرِي لَقَدْ أَجْرَى أُسَيْدٌ وَبِكْرُهُ … إلَى بُغْضِنَا وَجَزّآنَا لِآكُلْ
وَعُثْمَانُ لَمْ يَرْبَعْ عَلَيْنَا وَقُنْفُذٌ … وَلَكِنْ أَطَاعَا أَمْرَ تِلْكَ الْقَبَائِلِ
أَطَاعَا أُبَيّا وَابن عَبْدِ يُغِوثْهُمْ … وَلَمْ يَرْقُبَا فِينَا مَقَالَةَ قَائِلِ
لَقِينَا مِنْ سبيع ونوفل”الشعر” .. كَمَا قَدْ لَقِينَا مِنْ سُبَيْعٍ وَنَوْفَلٍ …
وَكُلّ تَوَلّى مُعْرِضًا لَمْ يُجَامِلْ
فَإِنْ يُلْقِيَا أَوْ يُمْكِنْ اللّهُ مِنْهُمَا … نَكِلْ لَهُمَا صَاعًا بِصَاعِ الْمُكَايِلِ
وَذَاكَ أَبُو عَمْرٍو أَبَى غَيْرَ بُغْضِنَا … لِيَظْعَنَنَا فِي أَهْلِ شَاءٍ وَجَامِلِ
يُنَاجِي بِنَا فِي كُلّ مُمْسًى وَمُصْبَحٍ … فَنَاجِ أَبَا عَمْرٍو بِنَا ثُمّ خَاتِلِ
وَيُؤْلَى لَنَا بِاَللّهِ مَا إنْ يَغُشّنَا … بَلَى قَدْ نَرَاهُ جَهْرَةً غَيْرَ حَائِلِ
أَضَاقَ عَلَيْهِ بُغْضُنَا كُلّ تَلْعَةٍ … مِنْ الْأَرْضِ بَيْنَ أَخْشُبٍ فَمُجَادِلِ
وَسَائِلْ أَبَا الْوَلِيدِ مَاذَا حَبَوْتَنَا … بِسَعْيِكَ فِينَا مُعْرِضًا كَالْمُخَاتِلِ
وَكُنْتَ امْرَأً مِمّنْ يُعَاشُ بِرَأْيِهِ … وَرَحْمَتُهُ فِينَا وَلَسْتَ بِجَاهِلِ
فَعُتْبَةُ لَا تَسْمَعْ بِنَا قَوْلَ كَاشِحٍ . حَسُودٍ كَذُوبٍ مُبْغِضٍ ذِي دَغَاوِلِ
وَمَرّ أَبُو سُفْيَانَ عَنّي مُعْرِضًا … كَمَا مَرّ قَيْلٌ مِنْ عِظَامِ الْمَقَاوِلِ
يَفِرّ إلَى نَجْدٍ وَبَرْدِ مِيَاهِهِ … وَيَزْعُمُ أَنّي لَسْتُ عَنْكُمْ بِغَافِلِ
وَيُخْبِرُنَا فِعْلَ الْمُنَاصِحِ أَنّهُ … شَفِيقٌ وَيُخْفِي عَارِمَاتِ الدّوَاخِلِ
أَمُطْعِمُ لَمْ أَخْذُلْك فِي يَوْمٍ نَجْدَةٍ … وَلَا مُعْظِمٍ عِنْدَ الْأُمُورِ الْجَلَائِلِ
وَلَا يَوْمَ خَصْمٍ إذَا أَتَوْك أَلِدّةً … أُولِي جَدَلٍ مِنْ الْخُصُومِ الْمَسَاجِلِ
أَمُطْعِمُ إنّ الْقَوْمَ سَامُوك خُطّةً … وَإِنّي مَتَى أُوكَلْ فَلَسْتُ بِوَائِلِ
جَزَى اللّهُ عَنّا عَبْدَ شَمْسٍ وَنَوْفَلًا … عُقُوبَةَ شَرّ عَاجِلًا غَيْرَ آجِلِ
بِمِيزَانِ قِسْطٍ لَا يُخِسّ شَعِيرَةً … لَهُ شَاهِدٌ مِنْ نَفْسِهِ غَيْرَ عَائِلٍ
لَقَدْ سَفُهَتْ أَحْلَامُ قَوْمٍ تَبَدّلُوا … بَنِي خَلَفٍ قَيْضًا بِنَا وَالْغَيَاطِل
وَنَحْنُ الصّمِيمُ مِنْ ذُؤَابَةِ هَاشِمٍ . وَآلِ قُصَيّ فِي الْخُطُوبِ الْأَوَائِلِ
وَسَهْمٌ وَمَخْزُومٌ تَمَالَوْا وَأَلّبُوا .. عَلَيْنَا الْعِدَا مِنْ كُلّ طِمْلٍ وَخَامِلٍ
فَعَبْدُ مَنَافٍ أَنْتُمْ خَيْرُ قَوْمِكُمْ … فَلَا تُشْرِكُوا فِي أَمْرِكُمْ كُلّ وَاغِلِ
لَعَمْرِي لَقَدْ وَهَنْتُمْ وَعَجَزْتُمْ … وَجِئْتُمْ بِأَمْرٍ مُخْطِئٍ لِلْمَفَاصِلِ
وَكُنْتُمْ حَدِيثًا حَطْبَ قِدْرٍ وَأَنْتُمْ … الْآنَ حِطَابُ أَقْدُرٍ وَمَرَاجِلِ
لِيَهْنِئْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ عُقُوقُنَا … وَخِذْلَانُنَا وَتَرْكُنَا فِي الْمَعَاقِلِ
فَإِنْ نَكُ قَوْمًا نَتّئِرْ مَا صَنَعْتُمْ … وَتَحْتَلِبُوهَا لِقْحَةً غَيْرَ بَاهِلِ
وَسَائِطُ كَانَتْ فِي لُؤَيّ بْنِ غَالِبٍ … نَفَاهُمْ إلَيْنَا كُلّ صَقْرٍ حُلَاحِلِ
وَرَهْطُ نُفَيْلٍ شَرّ مَنْ وَطِئَ الْحَصَى .. وَأَلْأَمُ حَافٍ مِنْ مَعَدّ وَنَاعِلِ
فَأَبْلِغْ قُصَيّا أَنْ سَيُنْشَرُ أَمْرُنَا … وَبَشّرْ قُصَيّا بَعْدَنَا بِالتّخَاذُلِ
وَلَوْ طَرَقَتْ لَيْلًا قُصَيّا عَظِيمَةٌ … إذًا مَا لَجَأْنَا دُونَهُمْ فِي الْمَدَاخِلِ
وَلَوْ صَدَقُوا ضَرْبًا خِلَالَ بُيُوتِهِمْ .. لَكُنّا أُسًى عِنْدَ النّسَاءِ الْمَطَافِلِ
فَكُلّ صَدِيقٍ وَابن أُخْتٍ نَعُدّهُ … لَعَمْرِي وَجَدْنَا غِبّهُ غَيْرَ طَائِلِ سِوَى أَنّ رَهْطًا مِنْ كِلَابِ بْنِ مُرّةٍ … بَرَاءٌ إلَيْنَا مِنْ مَعَقّةِ خَاذِلِ
وَهَنّا لَهُمْ حَتّى تَبَدّدَ جَمْعُهُمْ … وَيَحْسُرَ عَنّا كُلّ بَاغٍ وَجَاهِلِ
وَكَانَ لَنَا حَوْضُ السّقَايَةِ فِيهِمْ .. وَنَحْنُ الْكُدَى مِنْ غَالِبٍ وَالْكَوَاهِلِ
شَبَابٌ مِنْ الْمُطَيّبِينَ وَهَاشِمٍ … كَبِيضِ السّيُوفِ بَيْنَ أَيْدِي الصّيَاقِلِ
فَمَا أَدْرَكُوا ذَحْلًا وَلَا سَفَكُوا دَمًا … وَلَا حَالَفُوا إلّا شِرَارَ الْقَبَائِلِ
بِضَرْبٍ تَرَى الْفِتْيَانَ فِيهِ كَأَنّهُمْ … ضَوَارِي أُسُودٍ فَوْقَ لَحْمٍ خَرَادِلِ
بَنِي أَمَةٍ مَحْبُوبَةٍ هِنْدِكِيّةٍ … بَنِي جُمَحٍ عُبَيْدِ قَيْسِ بْنِ عَاقِلِ
وَلَكِنّنَا نَسْلٌ كِرَامٌ لِسَادَةٍ … بِهِمْ نُعِيَ الْأَقْوَامُ عِنْدَ الْبَوَاطِلِ
وَنِعْمَ ابن أُخْتِ الْقَوْمِ غَيْرَ مُكَذّبٍ ..زُهَيْرٌ حُسَامًا مُفْرَدًا مِنْ حَمَائِلِ
أَشَمّ مِنْ الشّمّ الْبَهَالِيلِ يَنْتَمِي … إلَى حَسَبٍ فِي حَوْمَةِ الْمَجْدِ فَاضِلِ
لَعَمْرِي لَقَدْ كُلّفْتُ وَجْدًا بِأَحْمَدَ … وَإِخْوَتِهِ دَأْبَ الْمُحِبّ الْمُوَاصِلِ
فَلَا زَالَ فِي الدّنْيَا جَمَالًا لِأَهْلِهَا … وَزِيَنًا لِمَنْ وَالَاهُ رَبّ الْمَشَاكِلِ
فَمَنْ مِثْلُهُ فِي النّاس أَيّ مُؤَمّلٍ … إذَا قَاسَهُ الْحُكّامُ عِنْدَ التّفَاضُلِ
حَلِيمٌ رَشِيدٌ عَادِلٌ غَيْرُ طَائِشٍ … يُوَالِي إلَاهًا لَيْسَ عَنْهُ بِغَافِلِ
فَوَاَللّهِ لَوْلَا أَنْ أَجِيءَ بِسُنّةٍ … تَجُرّ عَلَى أَشْيَاخِنَا فِي الْمَحَافِلِ
لَكِنّا اتّبَعْنَاهُ عَلَى كُلّ حَالَةٍ … مِنْ الدّهْرِ جِدّا غَيْرَ قَوْلِ التّهَازُلِ
لَقَدْ عَلِمُوا أَنّ ابْنَنَا لَا مُكَذّبٌ … لَدَيْنَا وَلَا يُعْنَى بِقَوْلِ الْأَبَاطِلِ
فَأَصْبَحَ فِينَا أَحَمْدٌ فِي أَرُومَةٍ … تُقَصّرُ عَنْهُ سَوْرَةُ الْمُتَطَاوِلِ
حَدِبْتُ بِنَفْسِي دُونَهُ وَحَمَيْتُهُ … وَدَافَعْتُ عَنْهُ بِالذّرَا وَالْكَلَاكِلِ
فَأَيّدَهُ رَبّ الْعِبَادِ بِنَصْرِهِ … وَأَظْهَرَ دِينًا حَقّهُ غَيْرُ بَاطِلِ
رِجَالٌ كِرَامٌ غَيْرُ مِيلٍ نَمَاهُمْ … إلَى الْخَيْرِ آبَاءٌ كِرَامُ الْمَحَاصِلِ
فَإِنْ تَكُ كَعْبٌ مِنْ لُؤَيّ صُقَيْبَةً … فَلَا بُدّ يَوْمًا مَرّةً مِنْ تَزَايُلِ ( )
فكما إمتنع الأوس والخزرج عن القتال فيما بينهم بعد دخولهم الإسلام ، وهجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة ، فقد صار حامياً لأهل المدينة كلهم المؤمنين , والمنافقين ، وأهل الكتاب من يهود بني النضير وبني قينقاع وبني قريظة .
وبعد إنقضاء معركة أحد ، ومغادرة المشركين ميدان المعركة خائبين عاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة وصلى صلاة المغرب في المسجد مع كثرة وشدة الجراحات التي أصيب بها ، ونام أهل بيته وأصحابه بجراحاتهم ، والأسى على فقد سبعين شهيداً منهم حمزة عم النبي , فبلغه أن كفار قريش يريدون الرجوع وغزو المدينة ، فقد أدركوا خيبتهم وخسارتهم وعجزهم عن تحقيق غاياتهم من القتال .
فحينما بلغوا الروحاء قالوا (لا محمداً أصبتم، ولا الكواعب( ) أردفتم، فبئس ما صنعتم) ( ).
وقول المشركين هذا من إعجاز القرآن الغيري بظهور أمارات ومصاديق الآية القرآنية حال نزولها ، إذ نزل يومئذ قوله تعالى [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ] ( ) فيدل هذا الخبر على كبتهم وذلهم وتغشي الهوان لهم , وإقرارهم بالخيبة وخشيتهم من الرجوع إلى مكة على حالهم من غير تحقيق غلبة في المعركة .
لقد أدركوا أن رجوعهم بهذه الحال يفتح الباب أمام أهل مكة لدخول الإسلام لأنه مظهر عجز الكفار عن الإضرار بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والتنزيل والإسلام ، ويؤدي رجوع الجيش المنكسر والمنهزم أحياناً إلى ثورة أو تغيير في البلد ، وفي عودة جيش الكفر إلى مكة منكسراً أمور إضافية تتجلى بمعجزات النبوة ، وبعثة النبي محمد صلى اله عليه وآله وسلم وبقائه فيها نحو ثلاث عشرة سنة يوحى إليه ، وينزل عليه القرآن ويتحمل أذى قريش من أسباب ميل أهل مكة للإسلام ودخولهم فيه عند عودة جيش المشركين خائباً متخلفاً عن بلوغ مقاصده ولا تحصيل المراد مما أنفقه كبار كفار قريش من الأموال على معركة أحد .
لقد أكره الذين كفروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الهجرة من مكة لأنهم أرادوا قتله في فراشه , وهاجر نحو ثمانين من الصحابة إلى الحبشة مع بعد المسافة واهوال الطريق ومشقة العيش في الغربة ، وخشية الإفتتان ، والإرتداد والدخول في النصرانية لأنها دين أهل البلد ، وأدرك رؤساء الكفر من قريش بأن رجوعهم من معركة أحد بمثل الحال التي رجعوا منها من بدر من الخيبة والإنهزام سبب لقوة الإسلام في مكة ، ودخول أبنائهم وبناتهم الإسلام ، وهو من مصاديق قوله تعالى [فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ] ( ) أي الخيبة المتعددة بما يرون من إيمان أهل مكة رجالاً ونساءاً , وهو مقدمة لفتح مكة .
وتقدير قوله تعالى فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ على وجوه :
أولاً : فينقلبوا من معركة احد خائبين .
ثانياً : فينقلبوا في الطريق إلى مكة خائبين .
ثالثاً : فيعودوا من معركة أحد ويهموا بالرجوع إلى القتال فينقلبوا خائبين ) أي أن عزم الذين كفروا الرجوع إلى معركة أحد صار وبالاً ووزراً على ظهورهم , وأفسد عليهم طريق العودة إذ صاحبهم الندم والحسرة .
لقد كانت عودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى المدينة من معركة أحد ، عصر يوم السبت الخامس من شوال في السنة الثالثة للهجرة ، وعند طلوع فجر يوم الأحد أذن بلال لصلاة الصبح، ومع كثرة وشدة جراحات النبي صلى الله عليه وآله وسلم فانه خرج إلى صلاة الصبح بنفسه .
فقام إليه عبد الله بن عمرو بن عوف المزني وقال أنه أقبل من أهله حتى إذا كان بملل( ) رأى جيش من قريش قد نزلوا قادمين من معركة أحد , وقال : سمعت أبا سفيان وأصحابه يقولون ، ما صنعتم شيئاً ، أصبتم شوكت القوم ولم تبيدوهم وتأتوا عليهم وأنهم يجمعون لكم ، فارجعوا إلى المدينة كي تستأصل ما بقي وكان صفوان بن أمية يزجرهم وينهاهم عن الرجوع ، ويطلب منهم أن يكتفوا بما نالوا وهو خير من الرجوع وخروج الأوس والخزرج لهم فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (أرشدهم صفوان وما كان برشيدٍ، والذي نفسي بيده، لقد سومت لهم الحجارة، ولو رجعوا لكانوا كأمس الذاهب! فانصرف القوم سراعاً خائفين من الطلب لهم) ( ).
فكانت كتيبة حمراء الأسد إذ خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون يتعقبون كفار قريش فحالما سمعوا نداء النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرجوا , ومنهم من كانت جراحاته شديدة.
الوجه الرابع : تقدير آية البحث : يا أيها الذين آمنوا رابطوا ) الرباط هو حبس النفس على شئ مخصوص ومنه ربط النفس ، وربط الخيل ، ويقال بربط الله على قلبه بالصبر، وهو في الإصطلاح حراسة الثغور والرصد في أطراف البلاد خشية غزو العدو .
والرباط أمر شاق , وتكليف يستلزم الجهد والجهاد ، فقد تفضل الله عز وجل وأمر أجيال المسلمين به في القرآن ، وفي هذه الأمر مسائل :
الأولى : منع التهاون في الرباط بين المسلمين .
الثانية : بعث المسلمين على جعل الرباط منهاجاً دائماً .
الثالثة : طرد الغفلة عن المسلمين ، ومن أهم ضروب الخسارة في القتال مداهمة العدو للديار ، فاذا خلد أهل القرية أو البلد إلى الراحة ومالوا إلى النوم والسكينة داهمتهم خيل العدو وسط بيوتهم ، فجاءت كلمة واحدة من القرآن هي [وَرَابِطُوا] وبصيغة الأمر لينجوا المسلمون من هذه المداهمة التي غالباً ما تنتهي بقتل الرجال وسبي الذراري والنساء والإستحواذ على الأموال غنائم ، وتلك حال العرب قبل الإسلام .
فتفضل الله عز وجل عليهم بالإسلام والتآخي والمودة بينهم والتنزه عن الكدورات التي تترشح عن العداوات القبلية والثأر فصاروا يسعدون في نهارهم بعمارة المساجد ، والكسب في الأسواق ، وقضاء الليل بقيامه والدعاء والنوم بسكينة وعدم خشية من العدو .
وتفضل الله عليهم بالأمر بقوله تعالى [وَرَابِطُوا] لدوام نعمة الأمن والسلامة من التعدي والسبي .
لقد أراد الله عز وجل دوام شرائع الإسلام والحفاظ على مبادئه ، وجاءت المرابطة في الحديث النبوي الشريف على قسمين :
الأول : المرابطة في الثغور ، وحراسة الحدود , وقد ورد الحديث النبوي بالترغيب فيها ، وبيان عظيم أجرها وثوابها ، وعن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال (رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها .
وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وصححه وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن فضالة بن عبيد : سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول : كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطاً في سبيل الله فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة ، ويأمن فتنة القبر .
وأخرج أحمد ومسلم والترمذي والنسائي والطبراني والبيهقي عن سلمان : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يقول رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه ، وإن مات فيه جرى عليه عمله الذي كان يعمل ، وأجرى عليه رزقه فأمن الفتان . زاد الطبراني : وبعث يوم القيامة شهيداً ) ( ).
الثاني : المرابطة في إقامة الصلاة وأداء الفرائض والعبادات ، وأخرج (عن أبي أيوب قال : وقف علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : هل لكم إلى ما يمحو الله تعالى به الذنوب ويعظم به الأجر؟ فقلنا : نعم يا رسول الله قال : إسباغ الوضوء على المكاره ، وكثرة الخطا إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة . قال : وهو قول الله { يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا } فذلكم هو الرباط في المساجد .
وأخرج ابن جرير وابن حبان عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويكفر به الذنوب؟ قلنا : بلى يا رسول الله . قال : إسباغ الوضوء على المكاره ، وكثرة الخطا إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ، فذلكم الرباط ) ( ).
ليكون من إعجاز بيان السنة النبوية للقرآن تعدد معاني اللفظ القرآني بما يجعل كل مسلم ومسلمة ينتفعان منه ، فاذا إنحصر معنى المرابطة بالإقامة والسهر في الثغور لا يؤدي هذا الأمر الجهادي إلا القليل من المجاهدين ، خاصة مع سعة البلاد الإسلامية , وأن أكثر أفراد الجيش منتشرون داخل البلاد ، وطائفة منهم في الحدود والثغور بالإضافة إلى حقيقة وهي أن المرابطة في الثغور من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة ، قد يستلزم الأمر كثرة المرابطين عند الفتنة وغرور وعتو الذين كفروا ، وقد تكون أقل وأخف وطأة في حالات منها :
الأول : المهادنة والصلح مع العدو ، كما في صلح الحديبية .
الثاني : إنصراف الناس عن الغزو والإغارة .
الثالث : التأكد من ضعف وعجز العدو عن الغزو ، ومنه إمتلاء نفوس الذين كفروا بالرعب والفزع ، ليكون من معاني قوله تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا] ( ) صيرورة الذين كفروا عاجزين عن الهجوم على ثغور المسلمين ، ليترشح عنه رباط المسلمين في المساجد.
لقد ورد الحديث النبوية بمعنيين للرباط أحدهما ربط الخيل والسلاح في الثغور والحدود وتناوب المجاهدين فيها .
والآخر عمارة المساجد ، وإنتظار الصلاة بعد الصلاة ، فهل من صلة بينهما .
الجواب نعم ، فمن فضل الله عز وجل على المسلمين نيلهم ثواب الأعمال بالذات والواسطة والبدلية ، فيؤدي المسلم الصلاة على نحو الوجوب العيني ، فيثاب عليها وعلى أداء الواجب ، وعلى أمور وافعال كفائية ومستحبة ، او مأمور بها ولكن مصداقها متعذر ، أو أن المسلم عاجز عنها كما في قوله تعالى [لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ] ( ) إذ يعني رفع الحرج عنهم مجئ الثواب لهم بفضل ولطف من عند الله عز وجل وإرادة سرائر نفوسهم ورغبتهم في الدفاع عن الإسلام .
ومن لم يخرج للمرابطة في الحدود جعل الله عز وجل له في الصلاة وعمارة المساجد ذات الأجر والثواب من المرابطة والحراسة على الحدود .
مع تأكيد النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أولوية المرابطة في الثغور في التكليف والأجر والثواب ، إذ تجعل المرابطة المسلمين والمسلمات يقيمون الشعائر ويؤدون الفرائض مع عدم ترك الثغور خالية ، وإمكان دخول العدو بلاد المسلمين , وتخريب البيوت, وسبي النساء ، لذا ورد ما يؤكد تقديم المرابطة .
وعن أبي كعب قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال (لرباط يوم في سبيل الله من وراء عورة المسلمين محتسباً من غير شهر رمضان أفضل عند الله وأعظم أجراً من عبادة مائة سنة صيامها وقيامها ورباط يوم في سبيل الله من وراء عورة المسلمين محتسباً من شهر رمضان أفضل عند الله وأعظم أجراً من عبادة ألفي سنة صيامها وقيامها ، فإن رده الله الى أهله سالماً لم تكتب له سيئة وتكتب له الحسنات ، ويجري له أجر الرباط إلى يوم القيامة) ( ).
وهل يختص قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعلاه (فإن رده الله الى أهله سالماً) بخصوص المرابطة في شهر رمضان أم إرادة المرابطة مطلقاً في شهر رمضان وغيره .
من أيام وأشهر السنة ، الجواب هو الثاني ، لبيان عظيم ثواب الرباط ، ومن معاني قوله صلى الله عليه وآله وسلم (ويجري له أجر الرباط إلى يوم القيامة) أمور :
الأول : السلامة من عذاب البرزخ فكما تكون قراءة سورة الملك واقية من عذاب القبر فان الرباط عند ثغور المسلمين بقصد الحرمة من العدو حرز وواقية من عذاب البرزخ وشدته .
الثاني : حضور أجر الرباط مع المؤمن يوم القيامة ، ولو رابط المنافق فهل يكون له ذات الأجر ، الجواب لا ، لذا قيد الحديث الأجر والثواب بقوله صلى الله عليه وآله وسلم (محتسباً) وتكرر هذه الصفة والعزم مرتين فيه أي المرابطة بقصد القربة إلى الله عز وجل .
الثالث : لم يجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم المقارنة في صبر وعمل المرابط مع ثواب غير المرابط ، فلم يقل أن رباطه أعظم أجراً من القى عابد وناسك ، بل ذكر الأفضلية بلحاظ أفراد الزمان بقوله (وأعظم أجراً من عبادة ألفي سنة صيامها وقيامها) لإرادة أن الذي يصلي في مسجد المحلة والقرية له من الثواب المضاعف ما لا يعلمه إلا الله عز وجل .
الرابع : ترشح منافع وثواب رباط المؤمن على عياله وذريته والبطون المتعاقبة منها ، وفي قوله تعالى [وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا] ( ).
قيل إسماهما أصرم وصريم , وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال (إن الله ليخلف العبد الصالح من بعد موته في أهله وماله وإن كان أهله أهل سوء، ثم قرأ هذه الآية) ( ).
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال (إن الله يحفظ ولد المؤمن إلى ألف سنة، وإن الغلامين كان بينهما وبين أبيهما سبعمائة سنة) ( ).
الخامس : مضاعفة ثواب الرباط حتى بعد موت صاحبه ، فتأتيه الحسنات والأجر والثواب على نحو متجدد كل يوم من أيام الحياة الدنيا ، وهو من أسرار عمومات قوله تعالى [وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ] ( ).
ومن الإعجاز في تقسيم الزمان إلى يوم وليلة , وإطلالة الشمس كل صباح ، وحلول الظلام كل ليلة ليكونا وعاء زمانياً لمضاعفة حسنات المسلمين الأحياء والأموات و وهو من مصاديق قوله تعالى [وَسَخَّرَ لَكُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ] ( ) وهذا المعنى في تسخير الأفلاك والكواكب وافراد الزمان الطولية مستحدث في هذا التفسير لبيان عمومات التسخير وإنتفاع الناس جميعاً من بركاته ، وإختصاص المسلمين بأفراد لا متناهية من الرحمة الإلهية في هذا التسخير ، وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ).
وعند رد الله الكريم على إحتجاج الملائكة بجعل الإنسان خليفة في الأرض أنه عز وجل ينجى شطراً من الناس من عذاب النار بمضاعفة حسناتهم عند أدائهم العبادات وعملهم الصالحات ومرابطتهم في التقوى قربة إلى الله , وحرباً ضد الكفر والجحود .
لتتغشى منافع قوله تعالى [وَرَابِطُوا] كل فرد من المسلمين , وتكون متصلة ومتجددة ومضاعفة في كل زمان ، لذا إبتدأت الآية بنداء الإيمان ليكون من دلالته في المقام أمور :
الأول : إكرام الذين يرابطون دفاعاً عن الإسلام .
الثاني : بعث السكينة في نفوس المسلمين والمسلمات الذين يؤدون الواجبات العبادية .
الثالث : بيان قانون وهو مصاحبة التكليف للإيمان ، ليكون طريق فوز وفلاح ونصر للمسلمين .
الرابع : جاءت الآية بصيغة الفعل الماضي [الَّذِينَ آمَنُوا] ولم تقل : يا أيها الذين يؤمنون , لإفادة الفعل الماضي القطع والتنجز، ففي كل يوم يشهد الله عز وجل للمسلمين بالإيمان ويشكر الله لهم إيمانهم ويأمرهم بلوازم الإيمان وما يترسخ في النفوس من سنن التقوى ليكون وسيلة لهداية وإصلاح الناس .
ومن خصائص مجئ نداء الإيمان في أول السورة بيان حاجة الناس للإيمان ، وعز ورفعة المسلمين وبناء صرح الإسلام إلى المرابطة في الثغور مع عدم الإنشغال به .
الوجه الخامس : تقدير الآية (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ) بعد الأمر للمسلمين والمسلمات بالصبر والمصابرة والرباط والمرابطة تفضل الله عز وجل وأمرهم بالتقوى والخشية منه تعالى ،وتقدير الآية يا أيها الذين آمنوا أتقوا الله , وقد ورد ذات المعنى في قوله تعالى [ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ).
وكأن الآية أعلاه تفسير وبيان لآية البحث وكذا العكس , ومن معاني التقوى بلحاظ مضامين آية البحث وجوه :
الأول : تعاهد نداء الإيمان الذي نزل من السماء تشريعاً للمسلمين .
الثاني : تآزر وتعاضد المسلمين للحفاظ على نداء الإيمان رسماً وتلاوة وبذات الصيغة القرآنية التي تدل بالدلالة التضمنية على أن هذا النداء نازل من السماء .
الثالث : شكر المسلمين لله عز وجل على نيل مرتبة الإيمان ونزول نداء الإيمان مقروناً بالأوامر والنواهي للمسلمين والمسلمات جميعاً .
الرابع : الخشية من الله عز وجل بلحاظ مضامين آية البحث من جهات :
الأولى : تقدير آية البحث : يا أيها الذين آمنوا أتقوا الله .
ومن مصاديق التقوى بلحاظ نداء الإيمان وجوه :
أولاً : تلقي المسلمين والمسلمات نداء الإيمان بالرضا والشكر لله عز وجل .
ثانياً : من مصاديق الشكر لله عز وجل في المقام التحلي بسنن الإيمان ، والأخلاق الحميدة ، وفي الثناء على النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال الله تعالى [وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ]( ).
ثالثاً : التدبر في معاني ودلالات نداء الإيمان .
رابعاً : من التقوى صيرورة لغة الخطاب بين المسلمين بصيغة الإيمان ، لما في نداء الإيمان من التزكية والتشريف .
خامساً : لقد خلق الله عز وجل الناس وجعلهم يعمرون الأرض وسخرها وما فيها لهم , ولمنفعتهم فيزرعونها بالثمار ، ويسيحون فيها ، ويتوالدون ويتكاثرون ، ويرأف بعضهم ببعض ، ويستخرجون الذهب والفضة من باطنها ، وكل منهما معدن نفيس ، وعرفت الأمم الذهب من القديم .
وصنع الفراعنة منه عرباتهم وإتخذوه توابيت لملوكهم ، وفي هذا الزمان تصنع منه السيارات والطائرات الخاصة مع إرتفاع أسعاره ، ومن خصائص نداء الإيمان في المقام مسائل :
الأولى : نداء الإيمان حاجب دون لهث المسلمين وراء الذهب والفضة .
الثانية : تحذر آيات النداء والآيات المعطوفة عليها من جمع الذهب والفضة والأموال الطائلة من دون إخراج زكاتها والحق الشرعي منها ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنْ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ] ( ).
الثالثة : آيات النداء واقية من الحسرة على الحرمان من الذهب والفضة ، كما أنها برزخ دون الغرور والطغيان عند إمتلاء الذهب والفضة .
قانون المصابرة والصلاة
لقد تضمنت آية البحث أموراً :
الأول : نداء الإيمان .
الثاني : الأمر بالصبر .
الثالث : الأمر بالمصابرة .
الرابع : الأمر من الله للمسلمين بالمرابطة .
الخامس : الأمر بتقوى الله والخشية منه .
لتختتم بقوله تعالى [لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]، ومن الإعجاز في الشريعة الإسلامية أن الصلاة وأفعالها ومقدماتها تدخل في كل أمر من الأمور الخمسة أعلاه , لتكون على وجوه :
الأولى : الصلاة ملاك الإيمان والشاهد اليومي عليه ، فمن الإعجاز في الشريعة الإسلامية فرض الصلاة خمس مرات في اليوم على كل مكلف ومكلفة من غير فرق بينهما ، ولا تسقط الصلاة بأي حال كالمرض والعجز عن القيام أو الركوع أو الموضوع إذ جاء القرآن والسنة بالبدل ، فمثلاً ينتقل من الطهارة المائية إلى الطهارة الترابية عند تعذر الماء أو المشقة والأذى في إستعماله ، قال تعالى [فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا] ( ).
وعن أبي سعيد الخدري قال (خرج رجلان في سفر ، فحضرهما الصلاة وليس معهما ماء ، فتيمما صعيدا طيبا ، فصليا ، ثم وجدا الماء بعد في الوقت .
فأعاد أحدهما , ولم يعد الآخر ، ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكرا ذلك له ، فقال للذي لم يعد : أصبت السنة ، وأجزأتك صلاتك ، وقال للذي توضأ وأعاد : لك الأجر مرتين) ( ).
وتقدير نداء الإيمان بخصوص الصلاة على وجوه كثيرة منها :
أولاً :يا أيها الذين آمنوا بأن الله عز وجل فرض عليكم الصلاة خمس مرات في اليوم وورد في التنزيل ما يبين هذا القانون ، قال تعالى [وَأَقِمْ الصَّلاَةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ] ( )وقال تعالى [أَقِمْ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا] ( ) .
ثانياً : يا أيها الذين آمنوا بأن الصلاة فرض عين على كل مسلم ومسلمة .
ثالثاً : يا أيها الذين آمنوا بأداء الصلاة جماعة .
رابعاً : يا أيها الذين آمنوا [إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ] ( ).
خامساً : يا أيها الذين آمنوا بأن الصلاة ماحية للذنوب .
سادساً : يا أيها الذين آمنوا أقيموا الصلاة ، وفي التنزيل [إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا]( ).
سابعاً : يا أيها الذين آمنوا إن الصلاة بلغة لتحقيق النصر والغلبة على الإعداء .
ثامناً : يا أيها الذين آمنوا بالله واليوم الآخر إن الصلاة شفيع يوم القيامة .
تاسعاً : يا أيها الذين آمنوا بأن جبرئيل نزل بالصلاة ووجوبها .
عاشراً : يا أيها الذين آمنوا بأركان وأجزاء الصلاة ، وفي قوله تعالى [وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ] ( ) ورد في سبب النزول أن الآية نزلت جواباً عن السؤال عن حال المسلمين الذين ماتوا عندما كانوا يتوجهون إلى بيت المقدس ، وقبل أن تتحول القبلة إلى الكعبة .
إذ ورد عن ابن عباس (قال : لما وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى القبلة قالوا : يا رسول الله فكيف بالذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس ؟ فأنزل الله { وما كان الله ليضيع إيمانكم}) ( ).
والآية أعم في موضوعها ولغة الخطاب فيها إذ أنها تخاطب الذين سألوا أيضاً وليس الأموات من المسلمين وحدهم ، كما تخاطب المسلمين إلى يوم القيامة ، وبين الإيمان والصلاة عموم وخصوص مطلق ، فالإيمان أعم ، كما أن الصلاة من رشحات الإيمان وفرع منه , وشاهد يومي عليه .
وورد عن ابن عباس أيضاً ما يدل على عموم المعنى قال (صرفت القبلة عن الشام إلى الكعبة في رجب ، على رأس سبعة عشر شهراً من مقدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رفاعة بن قيس ، وقردم بن عمرو ، وكعب بن الأشرف ، ونافع بن أبي نافع ، والحجاج بن عمرو ، حليف كعب بن الأشرف ، والربيع بن أبي الحقيق ، وكنانة بن أبي الحقيق .
فقالوا له : يا محمد ما ولاك عن قبلتك التي كنت عليها وأنت تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه ، ارجع إلى قبلتك التي كنت عليها نتبعك ونصدقك ، وإنما يريدون فتنته عن دينه . فأنزل الله { سيقول السفهاء من الناس }( ) إلى قوله { إلاَّ لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه } ( ) أي ابتلاء واختباراً { وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله }( ) أي ثبت الله .
{ وما كان الله ليضيع إيمانكم } يقول : صلاتكم بالقبلة الأولى ، وتصديقكم نبيكم ، واتباعكم اياه إلى القبلة الآخرة ، أي ليعطينكم أجرهما جميعاً { إن الله بالناس لرؤوف رحيم }( )إلى قوله { فلا تكونن من الممترين })( ).
الحادي عشر : يا أيها الذين آمنوا أدوا الصلاة بأوقاتها .
ومن خصائص نداء الإيمان بعث المسلمين والمسلمات على أداء الصلاة بأوقاتها وجماعة ، وصيرورتها ركناً من أركان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهي طريق الفلاح وإذ أختتمت آية [صَابِرُوا] بقوله تعالى [لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]فان في تعاهد الصلاة فلاحاً وفوزاً .
لقد نال المسلمون مرتبة نداء الإيمان وتلقيه بالصلاة وهو ذاته بلغة لأدائهم الصلاة والمحافظة عليها ، وفي الصلاة ذكر لله عز وجل ومع أنها مطلوبة بذاتها فانها مقدمة للذكر والتسبيح ، قال تعالى [فَإِذَا قَضَيْتُمْ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا] ( ).
وتتصف هذه الآية بخصوصية إذ ورد فيها لفظ الصلاة ثلاث مرات .
ويمكن تقدير الآيات التي يرد فيها لفظ الصلاة بتقدير نداء الإيمان تلك التي جاءت معطوفة على آية نداء إيمان أو لم تعطف على واحدة من آياته أو النهي ورد فيها بالذات نداء إيمان منها على سبيل المثال :
الأول : يا أيها الذين آمنوا [الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ]( ).
الثاني : يا أيها الذين آمنوا [أَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ] ( ).
الثالث : يا أيها الذين آمنوا[ِ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَة الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ]( ).
الرابع : يا أيها الذين آمنوا[وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا]( ).
الخامس : يا أيها الذين آمنوا[إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاَةِ قَامُوا كُسَالَى]( ).
لبيان المائز التعبدي اليومي , والكاشف العام بين المؤمنين والمنافقين .
والنسبة بين المسلمين والمؤمنين عموم وخصوص مطلق ، فكل مؤمن هو مسلم وليس العكس ، وتريد الآية أعلاه جعل المسلمين يتنزهون عن النفاق ويحاربونه بالمبادرة إلى الصلاة بهمة وعزيمة.
ولم يتوصل علم الإجتماع والطب إلى الآن لمعرفة النفع العظيم لآية البحث في محاربة النفاق ، وشفاء وتخلص كثير من المنافقين من أعراضه , وتوبتهم من خصاله بالقيام للصلاة بعزيمة وهمة .يعضدهم نداء الإيمان ، ويحول دون بقاء الكسل والخمول مقيمين في أركانهم وجوارحهم .
والكسل أمر ظاهر في البدن يترشح عن أسباب من أهمها عدم الإيمان بالقلب ، ومنها التثاقل في أداء الصلاة والإستياء من أفعالها ، قال تعالى [وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ] ( ) ويدعو نداء الإيمان كل مسلم ومسلمة إلى دفع النفاق ، ومحاربة أماراته ومنها الكسل ، كما يكشف للمسلمين الذي يصر على النفاق ، ويتباطئ في حضور صلاة الجماعة ويأتي بالإعذار في التخلف عنها ، وعن أداء الصلاة في أوقاتها .
وتقدير نداء الإيمان بلحاظ آية البحث على وجوه :
الأول : يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا ) وصحيح أن الآية ذكرت متعلق النهي ، وما يجب على المسلمين الإمتناع عنه وهو قول قبيح وشماتة صادرة من الذين كفروا فيما يخص الشهداء ، إلا أن موضوع الآية أعم وتأتي آيات القرآن بالمتعدد من النواهي التي تمنع المسلمين من محاكاة الذين كفروا أو التشبه بهم فيما يخص خصال الكفر .
فوردت الآية في فرد ومصداق مخصوص من هذه الخصال ليكون مثالاً وموعظة وبلغة للإمتثال للأوامر والنواهي القرآنية الأخرى .
الثاني : يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا لإخوانكم إذا ضربوا في الأرض لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ، وفيه حرب على الكفر والنفاق ، ومنع من سلطان شك وريب الذين كفروا ، وفيه كشف لزيف اقوالهم وإلجام لأفواههم .
الثالث : يا أيها الذين آمنوا ستضربون في الأرض وتكونون غزى فلا تنصتوا لأقوال الذين كفروا .
من الإعجاز في الشريعة الإسلامية وجوب الدفاع عن بيضة الإسلام على القادرين على حمل السلاح ، قال تعالى [لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً ] ( ) فمن لم يخرج في كتيبة أو سرية يخرج في غيرها ، لتخاطب الآية المسلمين من وجوه :
أولاً : الذين لم يخرجوا للجهاد من الرجال والنساء .
ثانياً : الذين خرجوا في غزوة سابقة ثم جاءت الأخبار باستشهاد طائفة من المؤمنين في إحدى المعارك , كما لو خرج أحد الأنصار في معركة بدر ، وتخلف عن معركة أحد عن عذر فيجب عليه أن لا يقلد الذين كفروا بقولهم وشماتتهم المبطنة بالذين أستشهدوا في سبيل الله .
ثالثاً : الذين خرجوا للغزو وإشتركوا في القتال وخرجوا سالمين من المعركة ، فيجب أن يحذروا من قول الذين كفروا ، وإظهارهم الأسى على الذين قتلوا في المعركة من المؤمنين زوراً ، إن دبيب قول [لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا] ( ) بين المجاهدين يهد من عزائمهم ويبعث أسباب الفتنة بينهم .
رابعاً : الذين قتلوا وأستشهدوا في سبيل الله عز وجل في المعركة .لتلحقهم الآية وتخبرهم بأن قول الذين كفروا [لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا] لا أصل له وأن الحياة والموت بيد الله سبحانه ، وهو الذي يرزق الشهداء ما لا عين رأت ولا أذن سمعت من النعم والخيرات ودوام الحياة .
خامساً : النساء والصبيان من المسلمين الذين لا يجب عليهم القتال فهؤلاء يتوجه لهم النداء في آية البحث من جهات :
الأولى : عدم التشبه بالذين كفروا في صدهم عن سبيل الله .
الثانية : التحلي بالصبر والدعوة إليه والإمتناع عن الجزع والهلع ، ومن الإعجاز في الإسلام التأكيد على الإسترجاع عند المصيبة ، قال تعالى [الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ]( ) فان قتل أحد المؤمنين في المعركة تأتي الآية أعلاه للإنقطاع للذكر والإمتناع عن الجزع .
وتأتي آية البحث للتوقي من محاكاة الذين كفروا أو الإنقياد لما يبثونه من أسباب الشك والريب ، قال تعالى [وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ]( ).
الثالثة : تعضيد المؤمنين الذين يخرجون للدفاع ، وحثهم على الصبر .
الرابعة : عدم إظهار العجز عن الصبر على الأحبة اثناء خروجهم للمرابطة في الثغور ، وليس من عجز في المقام أصلاً فمن خصائص نداء الإيمان صيرورته الصبر ملكة ثابتة عن المسلمين والمسلمات .
الخامسة : الإعانة على المرابطة وتحمل أعباءها وفراق الابن والأب والأخ والزوج لأنها من الشعائر ، قال تعالى [ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ]( ).
قانون نداء الإيمان مقدمة النصر
الحمد لله الذي جعل الأرض والسموات ملكاً طلقاً له سبحانه لا يشاركه فيها أحد ، لتكون هذه الملكية نعمة على الخلائق كلها وسبباً لإستدامة الحياة وعمارة الإنسان للأرض بالتقوى والصلاح .
وما من فعل أو أمر أو شىء في الوجود إلا ويدل على هذه الملكية المطلقة , ومنها نداء الإيمان , وفيه مسائل :
الأولى : نداء الإيمان شاهد على ملكية الله عز وجل للخلائق والموجودات .
الثانية : بيان إقرار أمة عظيمة من الناس بملكية الله للسموات والأرض .
الثالثة : تأكيد علة إستدامة حياة الناس على الأرض ، وهو قيام المسلمين بذكر الله وأداء الفرائض والواجبات العبادية .
الرابعة : إيمان المسلمين والمسلمات دعوة للناس بالتصديق والإقرار بملكية الله عز وجل للأرض والسماء وما بينهما ، وفي التنزيل [لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ] ( ) ومن رجوع الأمور إليه سبحانه مسألة الربح والخسارة والنصر والهزيمة ، ومقدمات كل فرد منهما .
فتفضل الله عز وجل وجعل نداء الإيمان مقدمة لنصر الإسلام وعلة في منطوقه ومفهومه لهزيمة الذين كفروا .
وتفضل الله عز وجل بتوالي وتعدد نداء الإيمان في القرآن وكل فرد منها يشهد للمسلمين بالإيمان في حال اليسر والعسر والرخاء والشدة ، لذا كانت كل من معركة بدر وأحد والخندق كشفاً لصدق الإيمان ، وفضحاً للمنافقين الذين لم يكسبوا من إشاعتهم روح الشك والريب بإنتصارات الإسلام إلى الفضح والخزي إذ خلّدت آيات القرآن ذلهم , وهذا الذم من مقدمات النصر أيضاً لما فيه من دعوة المسلمين لأمور :
الأول :حث المسلمين على عدم الإصغاء للمنافقين .
الثاني : لزوم حرص المسلمين على العمل بمضامين آيات النداء.
الثالث : إجتناب الركون للذين كفروا ، وعدم إتخاذهم وليجة وخاصة ، لذا ورد النهي عن البطانة التي هي دون المسلمين ليشمل النهي التحذير من المنافقين ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً] ( ).
الرابع : بيان الفيصل بين الناس وهو الإيمان ، ليدخل المنافقون مع الذين لم يؤمنوا ، فصحيح أنهم أعلنوا الإيمان والتصديق بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالسنتهم إلا أنهم لم يؤمنوا في قرارة أنفسهم .
ولو لم تنزل الآيات التي تخبر عن وجود منافقين بين المسلمين وتحذر منهم ، لما إلتفت المسلمون لهم فكيف وقد ذكر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعضهم بالاسم والوصف ليكون المسلمون في حذر منهم عند إرادة الهجوم والإغارة على العدو .
ولقد صبر النبي محمد والمؤمنون على المنافقين ، وتحملوا منهم الأذى ، ولكن مع توجه اللوم والتوبيخ لهم على النفاق ، ومنهم من تاب وآمن وأصلح أمره ، وهو من منافع الصبر في هداية الناس ، وفي شهر شعبان من السنة الخامسة للهجرة وقعت معركة بني المصطلق إذ سار إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن بلغه أن سيدهم الحارث بن أبي ضرار يشتري الخيل والسلاح ويتهياً للخروج لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين .
لقد كانت أخبار العدو تصل إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيتهيئ لهم ، فهل كان الذي يوصل هذه الأخبار من الذين آمنوا وفازوا بنداء الإيمان ، الجواب إنه أعم فقد يقوم بنقله أحد الكفار , ويوصله للمسلمين من سهو أو زهو وغرور أو عن عمد وقصد , أو ميل للإسلام وإستهجان لقبح فعل الذين كفروا , قال تعالى[وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ]( ).
وخرج مع النبي في معركة بني المصطلق سبعمائة ومنهم عدد من المنافقين ، وعندما سمع الذين كفروا بمسير النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنهزموا وفروا وتركوا ديارهم ، فوصل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعه المهاجرون والأنصار إلى ماء لبني المصطلق يسمى المريسيع , وضرب النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليه قبته , ومعه يومئذ أم سلمة وعائشة .
والأصح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أغار عليهم وهم غافلون، وعن ابن عون قال : كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال , قال فكتب إلي إنما كان ذلك في أول الاسلام قد أغار رسول الله صلى الله عليه وسلم على بني المصطلق وهم غارون وأنعامهم تسعى على الماء فقتل مقاتلتهم وسبى سبيهم وأصاب يومئذ قال يحيى أحسبه , قال جورية أو البتة ابنة الحارث.
وحدثني هذا الحديث عبدالله بن عمر وكان في ذلك الجيش.
وقد أشار ابن سعد إلى هذه الرواية وقال الاول أثبت , قال وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالاسارى فكتفوا واستعمل عليهم بريدة بن الحصيب وأمر بالغنائم فجمعت واستعمل عليها شقران مولاه .
وجمع الذرية ناحية واستعمل على قسم الخمس وسهمان المسلمين محمية بن جزء الزبيدى، وكان الابل ألفي بعير والشاء خمسة آلاف شاة وكان السبى مائتي بيت .
وقال غاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن المدينة ثمانيا وعشرين ليلة وقدم المدينة لهلال رمضان ( ).
وحدثت في تلك المعركة فتنة بين المهاجرين والأنصار سببها أن أحد المهاجرين كسع رجلاً من الأنصار أي تعدى عليه بأن ضرب دبره بيده عندها نادى الأنصاري : يا للأنصار، ونادى المهاجري : يا للمهاجرين .
والله عز وجل يجمعهم بنداء [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] الذي هو واقية من الفتنة والخصومة وهذا الكسع والتعدي .
وكان بالإمكان التدارك في الحال، ولكن رأس النفاق عبد الله بن أبي بن أبي سلول أظهر الغضب والإنفعال، وكان حوله رهط من قومه، فلم يلتفت إلى النصر العظيم وإلى الغنائم التي أنعم الله عز وجل بها على المسلمين .
فقال : أوقد فعلوها ؟ قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا ؟ والله ما أعدنا وجلابيب قريش هذه إلا كما قال الاول: ” سمن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل.
ثم أقبل على من حضره من قومه فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم ( ).
وكان ممن سمع كلامه زيد بن أرقم وهو شاب , وأدرك ما في هذا الكلام من الفتنة وكيف أنه مقدمة لفتنة أعم ، وفيه تنمية بالباطل للنفاق فمشى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأخبره بما جرى ونقل له كلام عبد الله بن أبي بن أبي سلول.
فقال عمر بن الخطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم : مرّ به عباد بن بشر فليقتله.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه، لا ولكن أذن بالرحيل، وذلك في ساعة لم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرتحل فيها، فارتحل الناس ( ).
وظاهر كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن عبد الله بن أبي من أصحابه , ويحتمل وجوهاً :
الأول : صحة تعريف الصحابي بأنه المسلم الذي رأى النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني : إرادة أن الناس لا يميزون بين المؤمن والمنافق من الصحابة، فالمؤمنون يدركون الحق في قتل المنافق وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يفعل إلا ما يوحى إليه، ولكن الذين كفروا وعامة الناس يتخذونها للطعن بالإسلام.
الثالث : إجتناب سعي المنافقين إلى تشويه الأمر , فلو قتل النبي محمد ص رأس النفاق لذكروه وكأنه من أخلص الصحابة , خاصة وأنهم يصيرون في دائرة الخطر وإحتمال القتل لوحدة الموضوع في تنقيح المناط، ولا يقف سعيهم عند مراتب التشويه بل إنهم يجتهدون في التآلف والإتفاق مع الذين كفروا لمحاربة الإسلام.
الرابع : بيان مصداق لقوله تعالى[وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ) .
ولا تعارض بين هذه الوجوه ، وكلها من مصاديق هذا الخبر.
لقد أراد الله عز وجل في معركة بني المصطلق أن يرى الملائكة شاهداً ومصداقاً لقوله تعالى في الرد على الملائكة [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( )، عندما شكوا أمر الإنسان بأنه يفسد في الأرض ويسفك الدماء.
فقد أراد المشركون الإفساد في الأرض وقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وأصحابه وهو من أشد صنوف الفساد وقتل للنفوس الطاهرة المحرمة، ومن علم الله عز وجل أنه حال دونهم ودون هذا الفساد والفتك، وجعل أموالهم غنائم للمسلمين، ولما أراد المنافقون الفتنة والإفساد في الأرض أظهر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الصفح والعفو عنهم، لبيان قانون وهو أن ضروب الفساد تتجدد في ظهورها، وإذا دفعت ما هو أشد يأتي الأخف منه، ليكون دفعه أسهل، والإعراض عنه أيسر، أما إذ ضرب الفساد أطنابه في الأرض فان الظلم يترشح عنه.
وفي صفح النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن رأس النفاق معجزة من رشحات نداء [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] بلحاظ شموله للمنافقين لأنهم نطقوا بالشهادتين، وتجلى في عدم قتلهم، عند إظهار معاني النفاق، وإعراضهم عما تمليه عليهم معالم الإيمان.
وعندما علم عبد الله بن أبي بن أبي سلول بأن كلامه بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سارع في المشي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحلف له بالله أنه لم يقل هذا الكلام، وسعى بعض من حضر من الأنصار للتخفيف عنه , فقالوا : لعل الغلام أي زيد بن أرقم أوهم في حديثه.
ثم سار النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالناس نحو يوم كامل من غير توقف إلا في أوقات الصلاة لبيان أذاه من كلام رأس النفاق وسخطه عليه، وكظمه الغيظ , وعدم البطش به، وفيه تأديب للمسلمين للصبر على الأذى الذي يأتي من بين ظهرانيهم.
ومن الشواهد على مجيء قوله تعالى(يا أيها الذين آمنوا إصبروا) بصيغة الجمع دعوة المسلمين للتعلم من سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والإقتداء بسيرته والإهتداء بهديه، إن صبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين على المنافقين وأذاهم الظاهر والخفي مقدمة للنصر والغلبة على الذين كفروا , قال تعالى[وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا]( ).
وهل الصبر نصر على ذات النفاق , لما في الصبر من دعوة للمنافقين للتدبر في آيات القرآن، ومعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإتخاذها وسيلة مباركة للتوبة والتنزه عن النفاق , الجواب نعم , لقوانين :
الأول : الصبر نصر .
الثاني : الصبر مقدمة للنصر .
الثالث : من ثمار النصر الصبر .
فمن الآيات أن عدد المنافقين في تناقص , وطائفتهم في تضاؤل ووهن، وأذاهم في تناقص ببركة آيات القرآن التي جاءت في ذمهم وتوبيخهم وفضحهم , فقد إنخزل ثلاثمائة مع رأس النفاق في الطريق إلى معركة أحد بينما صار عددهم فيما بعد أقل بكثير , وقيل خمسة وعشرين .
نداء الإيمان والإقتداء بالسنة
لقد جعل الله عز وجل السنة النبوية المصدر الثاني في التشريع، وهي أيضاً ضياء ينير دروب المسلمين في سبل الصلاح والتقوى، إذ يقتبس المسلمون من السنة القولية والفعلية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المواعظ، ويتخذونها إماماً , وحجة وبرهاناً فيما يجب عمله.
ومن وجوه تقدير نداء الإيمان بلحاظ السنة النبوية وجوه :
الأول : يا أيها الذين آمنوا بالسنة النبوية .
الثاني : يا أيها الذين آمنوا بلزوم إتباع هدى الرسول محمد ، قال تعالى [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا] ( ) .
الثالث : يا أيها الذين آمنوا ببركة السنة النبوية .
الرابع : يا أيها الذين آمنوا إتبعوا السنة النبوية ، وفي مرسلة الحسن البصري عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : من رغب عن سنتي فليس مني ، ثم تلا هذه الآية [قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ]( ) إلى آخر الآية.( ) .
الخامس : يا أيها الذين آمنوا من شرائط الإيمان الإقتداء بالسنة النبوية .
السادس : يا أيها الذين آمنوا تعاهدوا الإيمان بالإقتداء بسنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
السابع : يا أيها الذين آمنوا يبقى نداء الإيمان تركة لأولادكم وذراريكم بالإقتداء بالسنة النبوية .
وهل الإقتداء بالسنة واجب أو مستحب ، الجواب هو الأول ، وإن كان شطر من السنة النبوية مستحباً .
ومن الدلالة على موضوعية نداء الإيمان في المقام قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ] ( ).
والسنة هي الطريقة وهي في الإصطلاح على وجهين عام وخاص :
الأول : وهو العام ويراد به ما صدر عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من القول أو الفعل أو التقرير أو الصفة .
الثاني : الخاص وهو المستحب والمندوب ، والذي يؤتى به رجاء الثواب ، ولكن ليس على سبيل الإلزام أي في مقابل الواجب أو الفرض سواء كان مدرك الحكم هو الكتاب أو السنة ، وقد يضاف الإجماع على المشهور شهة عظيمة .
والمختار أن الإجماع فرع الكتاب والسنة ، ثم يمكن أن يسأل ما هي الأحكام التي تحقق فيها الإجماع , وإختص بها , ومنهم من أنكر تصور وجود الإجماع ، ومنهم من فصّل في الأمر فقال بعدم إمتناع الإجماع في كليات الدين وبين المسائل المظنونة إذ لا يتصور الإجماع فيها .
ونقل عن الإمام أحمد بن حنبل (من ادعى وجود الاجماع فهو كاذب) ( ).
وهل يشمل نداء الإيمان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويكون تقديره على وجوه :
الأول : يا أيها النبي .
الثاني : يا أيها الذين آمن .
الثالث : يا محمد .
الجواب نعم .
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال (اتخذني عبدا قبل أن يتخذني رسولا) ( ).
ومن إعجاز صيغة النداء في القرآن توجه النداء إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاصة أربع عشرة مرة منها خمس مرات في سورة الأحزاب والتي إبتدأت به بقوله تعالى [يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلاَ تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ] ( ) كما إبتدأت به سورة الطلاق وسورة التحريم .
وهذا النداء مدرسة خاصة في الفقه وعلم الكلام ، إذ يشمل عموم المسلمين والمسلمات بالإلحاق إلا ما دل الدليل على إرادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على نحو الخصوص والتعيين .
وقد يقال بأن قوله تعالى [يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً] ( ) خاص بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذ أكثرت نساؤه من طلب الملابس وتسابقن في إرادة النفقات .
وكان عنده تسع نسوة خمسة من قريش ، وهن سودة بنت زمعة وهي أول واحدة منهن تزوجها بعد الهجرة إلى المدينة ، وأم سلمة ، وعائشة ، وحفصة بنت عمر ، وأم حبيبة .
وأربع من غير قريش وهن جويرية بنت الحارث من بني المصطلق ، وزينب بنت جحش التي ورد ذكرها في القرآن ، وكانت تتفاخر على نساء النبي بأن الله عز وجل هو الذي زوجّها للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقوله تعالى (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً) ( ) .
ولكن لم يتزوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم أياً من أزواجه إلا بأمر من عند الله وبالوحي لعمومات قوله تعالى [وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى]( ) والله عز وجل يعلم بصيروتهن أمهات المؤمنين بقوله تعالى [النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ] ( ) .
وجاء ذكر زواج زينب بنت جحش في القرآن لتأكيد هذا القانون ، وهو أن كل زواج للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إنما هو من عند الله عز وجل ولدفع الحرج عن المؤمنين في كيفية فراق زيد بن حارثة وزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم منها .
نعم تبقى خصوصية وشرف عظيم للتي ذكر القرآن زواجها من النبي صلى الله عليه وآله وسلم , ويتلوه المسلمون كل يوم في القرآن ليعلموا بأن الله عز وجل أكرم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بيته , وإختياره في الأمور العامة والخاصة .
إن سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نعمة عظمى على المسلمين والناس جميعاً لأنها وحي ، وهي إصلاح للأرض ونهي عن الفساد فيها ، ومن عمومات قوله تعالى [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ).
قانون الترتيب في العطف
لقد أختلف في واو العطف على قولين :
الأول : إفادة واو العطف مطلق الجمع، وهو مشهور النحويين إذ قد يمتنع الترتيب خاصة في المفاعلة بين طرفين كما لو قلت : تذاكر زيد وعمر، فلا يصح تذاكر زيد فعمر، ولا تذاكر زيد ثم عمر، وكما في قوله تعالى[الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي]( )، [وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ]( ).
الثاني : إفادة الواو الجمع والترتيب، وأن المعطوف عليه مقدم على المعطوف.
وقد يأتي الترتيب بلحاظ تقدم الأهم على المهم، أو الأكثر على الأقل أو العكس بحسب مناسبة الموضوع والحكم، كما في قوله تعالى [لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ]( ).
فأسباب تخلف الأعمى عن الإشتراك في القتال أشد وأكثر من أسباب تخلف الأعرج أو المريض، وهو من الإعجاز القرآني في هذا الزمان إذ أصبح القتال بالوسائل التقنية الحديثة وقد يظهر فيها الأعرج مهارات عالية.
والمختار هو التفصيل والتعدد , وأن واو العطف تأتي على وجوه :
الأول : إفادة الجمع .
الثاني : إرادة الجمع والترتيب .
الثالث : الترتيب .
ويكون المعنى بحسب الحال والقرائن الشرعية أو اللغوية، أو العقلية أو العرفية، وأصالة الظهور، وتقديم الحقيقة على المجاز.
وأستدل على بطلان القول بافادة واو العطف الترتيب بقوله تعالى[إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ]( )، بانه لو كانت الواو للترتيب لفهم الصحابة أن إبتداء السعي بين الصفا والمروة من الصفا ولما سألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن موضع بداية الطواف فاجابهم: إبدأوا بما بدأ الله به) .
ويجاب إليه بإفادة بعض الأخبار بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال الكلام أعلاه إبتداءً منه من غير سؤال من الصحابة , كما يأتي السؤال للتأكيد .
وفي حديث جابر بن عبد الله الأنصاري قال : مكث النبي صلى الله عليه وآله وسلم تسع سنين لم يحج ، ثم أذن في الناس في العاشرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حاج ، فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويعمل بمثل عمله .
فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة ، فصلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المسجد ، ثم ركب القصواء حتى استوت به ناقته على البيداء ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن وهو يعلم تأويله .
فما عمل به من شيء عملنا به ، فأهل التوحيد لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك ، وأهل الناس بهذا الذي تهلون به ، فلم يرد عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً منه , ولزم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تلبيته حتى أتينا البيت معه ، استلم الركن فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً ، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } ( ).
فجعل المقام بينه وبين البيت ، فصلى ركعتين يقرأ فيهما بقل هو الله أحد ، وبقل يا أيها الكافرون ، ثم رجع إلى البيت فاستلم الركن ، ثم خرج من الباب إلى الصفا ، فلما دنا من الصفا قرأ { إن الصفا والمروة من شعائر الله }( ) .
فبدأ بما بدأ الله به ، فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت فكبر الله وحده وقال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير ، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده ، ثم دعا بين ذلك وقال : مثل هذا ثلاث مرات .
ثم نزل إلى المروة حتى انصبت قدماه رمل في بطن الوادي حتى إذا صعد مشى حتى أتى المروة ، فصنع على المروة مثل ما صنع على الصفا حتى إذا كان آخر الطواف على المروة , قال : إني لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي ولجعلتها عمرة ، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحلل وليجعلها عمرة ، فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن كان معه هدي ، فلما كان يوم التروية وجهوا إلى منى أهلوا بالحج ، فركب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فصلى بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح ، ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس وأمر بقبة له من شعر فضربت بنمرة .
فسار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا تشك قريش أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واقف عند المشعر الحرام بالمزدلفة كما كانت قريش تصنع في الجاهلية ، فاجاز رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى أتى عرفة ، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة ، فنزل بها حتى إذا غربت الشمس أمر بالقصواء فرحلت ، فركب حتى أتى بطن الوادي فخطب الناس .
فقال : إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ، ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ، ودماء الجاهلية موضوعة وأول دم أضعه دم عثمان بن ربيعة بن الحرث بن المطلب ، وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله ، اتقوا الله في النساء أخذتموهن بامانة الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، وإن لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه فإن فعلن فاضربوهن ضرباً غير مبرح ، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف .
وإني قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله ، وأنتم مسؤولون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا : نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت قال : اللهم اشهد ، ثم أذن بلال ، ثم أقام فصلى الظهر .
ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئاً ، ثم ركب القصواء حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات ، وجعل جبل المشاة بين يديه ، فاستقبل القبلة فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً حين غاب القرص ، وأردف أسامة خلفه فدفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد شنق للقصواء الزمام حتى أن رأسها ليصيب مورك رحله .
وهو يقول بيده اليمنى : السكينة أيها الناس كلما أتى جبلاً من الجبال أرخى لها قليلاً حتى صعد حتى أتى المزدلفة ، فجمع بين المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئاً ، ثم اضطجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى طلع الفجر ، فصلى الفجر حين تبين له الصبح .
ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام ، فرقى عليه فاستقبل الكعبة فحمد الله وكبره وَوَحَّدَهُ ، فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً ، ثم دفع قبل أن تطلع الشمس حتى أتى محسراً ، فحرك قليلاً ثم سلك الطريق الوسطى الذي تخرجك إلى الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة عند الشجرة ، فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها ، فرمى بطن الوادي .
ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المنحر ، فنحر بيده ثلاثاً وستين ، وأمر علياً ما غبر وأشركه في هديه ، ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت ، فأكلا من لحمها وشربا من مرقتها ثم ركب ، ثم أفاض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى البيت فصلى بمكة الظهر ، ثم أتى بني عبد المطلب وهم يسقون على زمزم .
فقال : انزعوا بني عبد المطلب فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم ، فأدلوه دلواً فشرب منه ( )، إن إستعمال الحرف أو الكلمة أعم من أن يختص بمعنى معين في اللغة.
ويمكن تقسيم الترتيب بالعطف بالواو إلى أقسام منها :
الأول : الترتيب من الأدنى إلى الأعلى كما في قوله تعالى[وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ]( ).
فمع عدم الخشية من نشوز المرأة وخروجها عن طاعة الله وطاعة الزوج فلا ضير عليها، إنما تتعلق أحكام الآية أعلاه بخصوص التي تظهر منها أمارات النشوز، ومقدمات المعصية، فيبدأ بالموعظة والنصح .
ومن إعجاز الآية أعلاه مجيؤها بصيغة الجمع في الموعظة، ويدخل في إصلاح ذات البين، هل هو من عمومات قوله تعالى [فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ]( )، أم أن القدر المتيقن من الآية أعلاه هو خصوص الخصومة والقتال بين طوائف من المسلمين .
الجواب هو الأول، قال تعالى[وَالصُّلْحُ خَيْرٌ]( )، لتبين الآية تقوم أحكام الإسلام بالموعظة وصيغ الهداية ذات صبغة اللطف والمودة وإرادة النفع والخير المحض.
وعندما يتعذر الإنتفاع من الموعظة ينتقل إلى حال وفعل أظهر وهو هجران الزوج للزوجة في الفراش بأن ينام معها في ذات الفراش , ولكنه يدير ظهره لها لبعثها على سؤال المودة والوئام في ساعة السكون والخلوة .
ولبيان مسألة إبتلائية للزوج وهي إذا كنت لا تطيق إدارة الظهر لها في الليل مع رجحان النشوز فاصبر وإجتنب الطلاق ، ولا ينتقل معها إلى حال الضرب، وعند تحقق الهجران في الفراش لايام متعددة وغير الأيام التي يكون عليها الطمث , ولم تتعظ وتكف عن النشوز وأسباب عدم الطاعة يلجأ إلى ضربها، ويكون هذا الضرب بالسواك كما ورد عن الإمام الباقر عليه السلام، وهو عود صغير بطول إصبع اليد لايؤذي ولا يضر ولا يترك خدشاً أو إحمراراً .
إنما أراد الله عز وجل أن تكون ذات الأسرة وحدة قضاء لمعالجة الكدورة والغضاضة التي تحدث في البيت وخلف الجدران، وفيه تخفيف عن القضاة والمحاكم، والمؤسسات الإجتماعية , وفي آية المباهلة ورد قوله تعالى[فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ]( ).
الثاني : العطف والإنتقال من الأهم إلى المهم، ليكون المعطوف عليه هو الأهم، والمعطوف هو المهم، وعند تكرار العطف قد يصبح هذا المعطوف هو الأهم بالنسبة إلى المعطوف عليه، كما في قوله تعالى[يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابن السَّبِيلِ] ( ) ( )، فبدأت الآية بالأهم والأقرب والأولى بالنفقة وهما الأب والأم.
الثالث : العطف من الأعلى إلى الأدنى، ومن الأشد إلى الأقل شدة والأخف كما في قوله تعالى [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ]( )، فقطع الطرف أي هلاك وقتل طائفة من الذين كفروا في معركة أحد .
الرابع : العطف بلحاظ التقادم الزماني، فيقدم ما كان سابقاً، قال تعالى[قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى]( )، ليكون من أسرار العطف في الآية أعلاه ضبط وتوثيق تأريخ النبوة، والمنع من حدوث الخلاف والخصومة في نسب الأنبياء وأخبارهم بلحاظ الأبوة والنبوة والزمان، وليكون فيه مدد وعون لعلماء التفسير والإجتماع والأخلاق والفقه والأصول .
الخامس : العطف بين العاجل والآجل، كما في العطف في قوله تعالى [فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ] ( ).
السادس : العطف بين المتضادين مع بيان قرائن التضاد والتنافر، قال تعالى[وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ]( ).
السابع : عطف الخاص على العام، كما في قوله تعالى[اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا]( )، فالصبر هو الأعم من مصابرة العدو في الجهاد، ومن الرباط في الثغور , وكل مصابرة ورباط من الصبر , وليس العكس .
الثامن : عطف العام على الخاص، ومنه تتمة الآية أعلاه [اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ] ( )، فالتقوى أعم ومع هذا جاءت متأخرة في نظم الآية لبيان الحاجة إليها في خصوص ملاقاة العدو ومطلقاً في كل الأحوال.
التاسع : عطف المرتبة الأعلى على المرتبة العالية كما في قوله تعالى[قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى]( )، فموسى عليه السلام نبي رسول بينما هارون نبي ليس برسول , ومع هذا قدمت الآية هارون النبي .
وفيه الآية نكتة وهي تحكي الآية قول سحرة آل فرعون وكيف أنهم تابوا إلى الله عز وجل وأعلنوا إسلامهم ، ولعلهم نظروا إلى السن والعمر إذ كان هارون أكبر من موسى، أو للتورية على موسى عليه السلام وحفظه من شر وإنتقام فرعون وملئه ولتتجلى معجزات إضافية من عصاه .
وليس من حصر لمعاني واو العطف فقد تأتي للجمع أو للترتيب أو لهما معاً أو للتعقيب، وهو من أسرار وكنوز اللغة العربية وكيف أنها تصلح وعاء لسانياً للقرآن , قال تعالى[إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ]( ).
وتكرر حرف العطف الواو في آية البحث ثلاث مرات ولكن العطف أعم في موضوعه ودلالته من جهات :
الأولى : عطف فعل الأمر [اصْبِرُوا] على الفعل الماضي آمنوا ، لبيان أمور مباركة :
أولاً : ترشح الأفعال الجهادية عن الإيمان .
ثانياً : إكرام الله عز وجل للمسلمين لتحليهم بالإيمان وإتخاذه عقيدة ومنهاجاً ولباساً .
ثالثاً : تجلي قانون ، وهو الملازمة بين الإيمان والصبر ، وليس من فراق أو بينونة بينهما في النهار أو الليل ، وفي الحضر والسفر والسوق والمسجد والبيت .
رابعاً : يستلزم وجوب إستدامة الإيمان إقترانه بالصبر .
لقد جعل الله الحياة الدنيا محلاً للإبتلاء ، وليس من حد أعلى له، نعم يخفف الدعاء والتقوى والصلاح ضروب الإبتلاء ، وهذا التخفيف من مصاديق قوله تعالى [ يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ] ( ) وما يمحوه الله من البلاء عن المؤمن هل يكتب له ثوابه فيه وجوه :
الأول : لا يكتب الملائكة من الثواب والحسنات إلا ما يصدر من المؤمن سواء كان ذِكراً أو قولاً صالحاً ، أو فعلاً للخيرات ، قال تعالى [مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ] ( )، وعندما إحتج الملائكة على جعل آدم خليفة في الأرض لأن بعضاً من ذريته يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء بغير حق ، أجابهم الله عز وجل [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ) .
ومن علمه تعالى أن الملائكة يصبحون رقباء على فعل بني آدم ليروا مسارعة الذين آمنوا في عمل الصالحات , ويقومون بكتابة الحسنات لهم ، ويتوجهون بالدعاء لهم بزيادة الإيمان والإكثار من الصالحات .
كما يكتبون السيئات ويسألون الله العفو عنهم ، ويرجون أن يتوب المسئ , ويستغفر الله , وتمحى تلك السيئات والآثام.
(عن كنانه العمري قال : دخل عثمان بن عفان على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا رسول الله أسألك عن العبد كم معه من ملك؟
قال : ملك على يمينك يكتب حسناتك،
وهو أمين على الذي على الشمال فإذا عملت حسنة كتبت عشراً، وإذا عملت سيئة قال الذي على الشمال للذي على اليمين : أأكتب؟
قال : لا، لعله يستغفر الله أو يتوب فإذا قال ثلاثاً , قال : نعم اكتب أراحنا الله منه فبئس القرين هو ما أقل مراقبته لله عزّ وجلّ وأقل استحياء منا يقول الله {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} وملكان من بين يديك ومن خلفك يقول الله {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ}( ) وملك قابض على ناصيتك،
فإذا تواضعت لله رفعك , وإذا تجبرت على الله قصمك،
وملكان على شفتيك ليس يحفظان عليك إلاّ الصلاة على محمد صلى الله عليه وآله وسلم وآله، وملك قائم على فيك لا يدع أن تدخل الحيّة في فيك، وملكان على عينيك هؤلاء عشرة أملاك على كل آدمي يتداولون ملائكة الليل على ملائكة النهار؛ لأن ملائكة الليل ليسوا من ملائكة النهار , فهؤلاء عشرون ملكاً على كل آدمي وإبليس مع بني آدم بالنهار وولده بالليل) ( ).
الثاني : يكتب الملائكة حسنات الصبر , وتحمل البلاء للمؤمن وإن محي عنه ، بفضل من الله سواء في المحو أو كتابة الحسنات ، وبركة نداء الإيمان وموضوعية الدعاء .
الثالث : التفصيل قد يكتب الملائكة الحسنات لما محي عن المؤمن من البلاء ، وقد لا تكتبه بحسب الموضوع واللحاظ ، وفي التنزيل في الثناء عليهم [وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ] ( ).
(وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي في شعب الإِيمان من طريق الأوزاعي عن حسان بن عطية قال : بينما رجل راكب على حمار إذ عثر به ، فقال : تعست ، فقال صاحب اليمين : ما هي بحسنة فأكتبها ، وقال صاحب الشمال ما هي بسيئة فأكتبها ، فنودي صاحب الشمال أن ما ترك صاحب اليمين فأكتبه) ( ) .
والتعس : الهلاك والعثور والإنحطاط (تعس: التَّعْسُ: ألاّ ينتعش من سرعته وعثرته، وأن ينكس في السِّفال.
تَعِسَ الرّجل يَتْعَسُ تَعَساً فهو تِعسٌ. أَتْعَسُه اللهُ فهو متعس إذا أنزل الله به ذلك) ( ).
وحسان بن عطية أبو بكر المحاربي مولاهم ثقة ، وكان يثنى عليه الأوزاعي كثيراً ، ويسأل عن إسناده ورماه بعضهم بالقدرية ، وتوفى نحو سنة ثلاثين ومائة .
والمختار أن هذه القاعدة : ما لا يكتب كاتب الحسنات من الملائكة يكتب كاتب السيئات لم تثبت .
الثانية : قوله تعالى [وَصَابِرُوا] لعطف الفعل على أصبروا ، ومن الإعجاز في المقام إتحاد مادة الصبر في المعطوف عليه ، لبيان تعدد وجوه الصبر , ولزوم إستحضار المسلمين له ، وجعله منهاجاً في القول والعمل .
ومن إعجاز القرآن أنه لم يرد لفظ [اصْبِرُوا] في آية ولفظ [صَابِرُوا] في آية أخرى ، بل ورد كل منهما في ذات الآية وعلى نحو التعاقب والعطف بينهما , ليلتفت المسلمون إلى تعدد ضروب الصبر ، وحاجتهم إليها , ويبذلون الوسع في تعاهد الصبر في حال الرخاء والشدة ، وعند السلم والموادعة أو إشتداد القتال بينهم وبين الذين كفروا .
وهل من مصاديق الصبر في المقام الصبر على المؤمنين بما يمنع من شدة الخلاف والنزاع بينهم ، الجواب نعم ليكون من معاني [صَابِرُوا] وجوهاً :
الأول : صابروا في إتيان الواجبات التي كتبها الله عز وجل ، كما في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ] ( ) .
الثاني : صابروا في التفقه في الدين .
الثالث : صابروا في مصاديق وأفراد الصبر ، إذ يستلزم التحلي بالصبر صبراً.
الرابع : صابروا في محاربة النفاق والإغلاظ على المنافقين .
الخامس : صابروا في عدم محاكاة الذين كفروا في ظلمهم .
السادس : صابروا في ملاقاة الذين كفروا ، وقد يظن بعض المسلمين أن الذين كفروا يجزعون عند اللقاء , ولا يصابرون ولا يتحملون الأذى ، فجاءت آية البحث لتدل بالدلالة الإلتزامية على أن الذين كفروا يصبرون في الميدان , ويبذلون جهادهم لتحقيق النصر والغلبة .
السابع :صابروا لتفوزوا بالثواب العظيم ، فمن رحمة الله بالمؤمنين أن كل فعل عبادي له باب خاص من الأجر والثواب ، ليكتنز المسلمون الحسنات في الصبر والمصابرة .
وعن أبي سعيد الخدري (قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : من يتصبر يصبره الله ، ومن يستغن يغنه الله ، ومن سألنا نعطه ، وما أعطي أحد رزقا أوسع له من الصبر) ( ).
وفيه ترغيب للمسلم بأن يقصد الصبر ويصبر عليه ويختاره منهجاً وطريقاً ويقهر نفسه على تحمل الصبر ، ومن إعجاز الآية الغيري ، هو ما أن يختار المسلم الصبر حتى يجر منافعه ويقتطف ثماره وما فيه من جلب المصلحة .
بحث أخلاقي
من معاني الصبر الذي تأمر به آية البحث الصبر في تعاهد الأخوة الإيمانية ، إذ يدل قوله تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ] ( ) بالدلالة التضمنية على وجوب تعاهد المسلمين لسنن الأخوة والمودة والألفة بينهم ، وإذا كانوا في الخيار بين أمرين أو أكثر فيجب إختيار ما يفيد معنى الأخوة , وما يثبتها في الواقع وبين الناس .
والصبر من محاسن الأخلاق ، وبه يتقوم شأن المرء بين الناس ، وينال المؤمن الأجر والثواب .
وعن صهيب قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : عجباً لأمر المؤمن كله خير إن أصابته سراء فشكر كان خيراً ، وإن أصابته ضراء فصبر كان خيراً .
وأخرج النسائي والبيهقي عن سعد بن أبي وقاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : عجبت للمؤمن أن أعطي قال : الحمد لله فشكر ، وإن ابتلي قال : الحمد لله فصبر ، فالمؤمن يؤجر على كل حال ، حتى اللقمة يرفعها إلى فيه) ( ).
ومن خصائص الصبر أنه مرآة الإيمان , وهو الشاهد على بلوغ مراتب التقوى والعصمة من الجزع .
وتبين آيات القرآن حاجة المسلم إلى رياضة النفس بالصبر ليكون مدخلاً لكسب الود والهيبة بين الناس ، قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَنُ وُدًّا]( ).
والصبر مجاهدة للنفس ، ورياضة يسمو بها الإنسان في سلم الصلاح ، ووسيلة ذاتية لملأ النفس بالغبطة للتوفيق والنجاح في الإبتلاء اليومي المتكرر في الحياة الدنيا ، فمن معاني قوله تعالى [اصْبِرُوا] أي تحملوا الأذى سواء الذي يأتي من العدو أو عموم الناس ، وأصبروا في أمور الحياة الدنيا .
وجاء الأمر في الآية بالصبر بصيغة الجمع ليكون صبر المسلمين تمحيصاً وتزكية لهم ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ] ( ).
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الإمام في الصبر والتحمل ، ومن الآيات الملازمة بين بدايات الدعوة الإسلامية وبين الصبر ، إذ لاقى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه أشد الأذى وتلقوه بالصبر من مقامات الإيمان ، ولقد سعى كفار قريش في عرض وتقديم الأموال الطائلة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لترك الدعوة إلى الله , فأبى بشدة وبيّن لهم وللناس أنه رسول من عند الله بعد أن يأسوا من جني نفع من إستهزائهم به وبالصلاة والتنزيل .
وجاءوا إلى أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتحدثوا معه فبينوا منزلته وشأنه في قريش ، وشكوا إليه قيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بشتم آبائهم والسخرية من آلهتهم ، وبيانه لقبح إختيارهم .
وقالوا له : أما أن تكف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عنا , وأما أن : (ننازله وإياك في ذلك حتى يملك أحد الفريقين) ( ) .
لبيان حقيقة وهي أن كفار قريش أقاموا الحجة على أنفسهم بحصر الأمر بين توقف الدعوة أو القتال وهلاك أحد الطرفين ، وبما أن توقف الدعوة أمر مستحيل ، فيتحصل الأمر الآخر ، وهو هلاكهم وفق قاعدة السبر والتقسيم البلاغية ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ] ( ) .
ويمكن إستقراء قانون من صبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين ، وهو أن ذات الصبر دعوة للناس لدخول الإسلام بلحاظ أن الصبر أسمى معاني الخلق الكريم .
وعن النبي محمد صلى عليه وآله وسلم (ولم تعطوا عطاء خيراً وأوسع من الصبر) ( ).
ومن خصائص نفخ الروح من عند الله في آدم وصيرورته خليفة في الأرض بعث النفرة في نفسه من الشرك وفعل السيئات .
(عن أبي ذر قال : قلت يا رسول الله من كان أولهم؟ يعني الرسل قال : آدم , قلت : يا رسول الله أنبي مرسل؟ قال : نعم . خلقه الله بيده ، ونفخ فيه من روحه ، وسوّاه قبلاً ) ( ).
فان قلت إنما كان النفخ في آدم وهو نبي , والجواب نعم ، ولكن كل إنسان مركب من روح وجسد ، وكل منهما أمران خاصان بصاحبهما ، فليس من تناسخ في الأرواح .
وكما تنفر الروح من السيئات فكذا يستهجنها العقل حتى ولو صدرت من صاحبه ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَلاَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ] ( ).
لتكون النفرة من الكفر والشرك والمعصية جامعاً مشتركاً وأمراً مستقراً في نفوس الناس جميعاً ، فتدعو آية البحث المسلمين للصبر لتأكيد هذه النفرة بالمصداق الخارجي ، وتقريب المدركات العقلية بالأفعال الحسية ، ولحاظ الوجدان , وتنمية الأخلاق الحميدة بين الناس بالصبر ، وتقدير الآية على وجوه :
أولاً : يا أيها الذين آمنوا اصبروا ليقتبس الناس منكم الصبر .
ثانياً : يا أيها الذين آمنوا اصبروا [وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ] ( ) .
ثالثاً : يا أيها الذين آمنوا اصبروا فان الصبر خلق ومنهاج الأنبياء ، وقد أثنى الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقال [وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ] ( ).
ويميل الإنسان بطبعه إلى الراحة ، ويختار الأمر اليسير والفعل الأسهل والأقرب ، وينتابه الخوف واليأس والقنوط ، وتلاقيه العوائق مما جعلها في الحسبان أو تلك التي يتفاجئ بها فقد يقنط ويجد العذر من عدم الإستمرار بالسعي لتحقيق الغايات التي يطمع بلوغها .
قانون إختصاص الصبر بالمؤمنين
جاءت آية البحث لتعيين ماهية الإنسان العاقل ذي اللب ، وهو الذي يختار الإيمان ويقر بالوحدانية ، ويتنزه عن الشرك والضلالة بقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا].
فمع ورود نداء [يَاأَيُّهَا النَّاسُ]عشرين مرة في القرآن , فليس فيها : يا أيها الناس أصبروا ) إنما إختصت آيات الصبر بالمسلمين وإن كانت كل آية من آيات نداء عموم الناس في القرآن تدعوهم إلى الصبر عن المحرمات والفواحش ، وتبين لهم الأضرار المترتبة على ترك أمور :
الأول : الإيمان .
الثاني : الصبر .
الثالث : الملازمة بين الإيمان والصبر .
فمثلاً قوله تعالى [يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا] ( ) فجاء نداء الإيمان [يَاأَيُّهَا النَّاسُ] في وسط الآية وليس في بدايتها ، كما أنها تدعو الناس إلى الصبر في مفهومها .
وتقديرها على وجوه :
أولاً : يا أيها الناس اصبروا عن البغي والظلم والتعدي .
ثانياً : يا أيها الناس البغي مكروه بذاته .
ثالثاً : يا أيها الناس اصبروا عن البغي رحمة بأنفسكم .
رابعاً : يا أيها الناس أشكروا الله بالصبر عن البغي .
ويأتي بغى بمعنى طلب ، وفي التنزيل [ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ] ( ) ويأتي بمعنى ظلم كما في قوله تعالى [خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ]( ) .
وإذا ورد البغي فمعناه الظلم وتجاوز الحد , وجاء النداء العام للناس في القرآن بالأمر بتقوى الله كما في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لاَ يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا]( ) لإقامة الحجة على الناس وكيلا يقول بعضهم لم نتلق الأمر بتقوى الله في التنزيل مع أن كل آية كونية تدعو الناس للإيمان وتقوى الله .
وليفوز المسلمون بالأمر المتكرر بتقوى الله من وجوه :
الأول : يأتي الأمر بتقوى الله للمسلمين بلحاظ أنهم أمة وأفراد من الناس ، فقوله تعالى [يَاأَيُّهَا النَّاسُ] عام يشمل المسلمين والمسلمات وأهل الكتاب والكفار .
الثاني : مجئ الأمر من عند الله إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإلحاق المسلمين بذات الأمر ،قال تعالى [يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلاَ تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ] ( )وتقدير الآية على وجوه :
أولاً : يا أيها المسلمون أتقوا الله .
ثانياً : يا أيتها المسلمات اتقين الله .
ثالثاً : يا أيها المسلم اتق الله .
رابعاً : يا أيتها المسلمة اتقِ الله .
الثالث : الأمر من عند الله عز وجل للمسلمين والمسلمات بتقوى الله ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ] ( ).
وهذا التعدد من فضل الله عز وجل على المسلمين , وسبيل لنجاتهم من مزلات الأقدام .
ترى ما هي النسبة بين الصبر والتقوى ، يحتمل الجواب وجوهاً:
الأول : إرادة التساوي بين التقوى والصبر .
الثاني : نسبة العموم والخصوص المطلق ، وهو على شعبتين :
الأولى : التقوى أعم من الصبر .
الثانية : الصبر أعم من التقوى .
الثالث : نسبة العموم والخصوص من وجه ، فهناك مادة للإلتقاء وأخرى للإفتراق .
والمختار هو الوجه الثالث أعلاه ، ومن إعجاز القرآن مجئ الأمر والإخبار عن الصبر والتقوى بعطف أحدهما على الآخر في آيات عديدة منها آية البحث وقوله تعالى [إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ]( ) و[وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا]( ).
فان قلت قد يصبر الذين كفروا ، الجواب نعم ، ولكنهم لا ينالون من صبرهم إلا الأذى وسوء العاقبة ، كما أن صبرهم من المتناهي الذي ينقطع بالجزع والفزع واليأس ، لذا تفضل الله عز وجل وقال في آية البحث [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا ] ( ) لبيان أن إستدامة صبر المسلمين تؤدي بهم إلى النصر والغلبة .
فيتصابر كل من المسلمين وعدوهم فتطل آية البحث على المسلمين كل يوم وكل ساعة ليتعاهدوا الصبر ويزدادوا صبراً ، ويمتنعوا عن النكوص والقنوط ، فهي مدد متصل لهم ، بينما يفتقر عدوهم إلى المدد الظاهر والخفي ، ويلقى الله عز وجل في قلوبهم الرعب والفزع ، فتترجح كفة المؤمنين ، ويتجلى هذا القانون في كل معركة من معارك المسلمين ، لتكون مصابرة المسلمين علة لنصرهم وغلبتهم .
بحث أخلاقي الملازمة بين الصبر ومخالطة الناس
لقد خلق الله عز وجل الناس من أب واحد وأم واحدة ،وميزّ الله عز وجل الأب وهو آدم في الخلق ، وجعل عبادتهم له علة هذا الخلق ومعلولاً له ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً..] ( ) وفيه حجة على الناس بلزوم الألفة ونشر شآبيب الرحمة والمودة بينهم ، ولابد من تقوم هذه المودة بالإيمان والصلاح.
ومن بديع خلق الإنسان وأسرار خلافته في الأرض أن كل إنسان له سيرة وكيفية نفسانية خاصة به ، فكما يتباين الناس في بصمة اليد والعين والحامض النووي فكذا بالنسبة لحال النفس من الغضب والسكينة أو من غلبة الشهوة او قهر النفس الشهوية والغضبية .
ليكون من إعجاز نداء الإيمان إتصاف المسلمين بخصوصية وهي الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر ، ومن معاني قوله تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ] ( ) أمور :
الأول : أخوة المؤمنين بتلقي نداء الإيمان .
الثاني : صيرورة المسلمين أخوة بتلقي نداء الإيمان .
الثالث : بعث نداء الإيمان المسلمين على العمل وفق مناهج الإيمان .
الرابع : إختيار المسلمين الصبر لملازمته للإيمان وعدم إنفكاكه عنه .
الخامس : مخالفة المسلمين الناس برداء وزينة الإيمان ليفوح الطيب والعطر على الناس من هذه المخالفة ، وتكون دعوة للتوبة والهداية وسبيل رشاد للتقوى والفلاح .
ومن الإعجاز في السنة النبوية ما ورد عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال (المؤمن القوي الذى يقوم بأمر الناس ويصبر على اذاهم) ( ).
إذ يتضمن هذا الحديث ترغيب المسلمين بأمرين متداخلين :
الأول : مخافة الناس .
الثاني : الصبر على الأذى عند المغالطة .
وورد في رواية أخرى مرسلة عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن الذي يصبر على أذاهم أعظم أجراً .
وتدل الأحاديث التي تحث المسلمين على مخالطة الناس على صدق نبوة محمد وعدم الخشية من أهل الشك والريب والمنافقين ، وفيها تأكيد بأن النبي صل الله عليه وآله وسلم لا يخشى على المسلمين الإرتداد بهذه المخالطة إنما هي مناسبة لتنمية ملكة الإحتجاج وإقامة البرهان عند المسلمين ، وفيها زيادة لإيمان وحث للناس لدخول الإسلام .
(عن عسعس ابن سلامة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان في سفر ففقد رجلا من اصحابه فأتى به فقال إني اردت ان اخلو بعبادة ربى واعتزل الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلا تفعله ولا يفعله احد منكم قالها ثلاثا فلصبر ساعة في بعض مواطن المسلمين خير من عبادة اربعين عاما خاليا) ( ).
فكما تستلزم العبادة الصبر في أداء الفرائض والمناسك فان مخالطة الناس بالمعروف تستلزم الصبر والسكينة وتحمل الأذى .
ويدعو نداء الإيمان المسلمين للإقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كيفية مخالطة الناس بالحلم والصبر والأناة وصيغ الهدى فقال الله عز وجل [وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ] ( ).
وتقدير الصلة بين الآية أعلاه ونداء الإيمان على وجوه :
الأول : يا أيها الذين آمنوا بأن النبي محمداً كان على خلق عظيم .
الثاني : يا أيها الذين آمنوا كونوا على خلق عظيم كما كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : يا أيها الذين آمنوا بأن الخلق الحسن من صفات المؤمنين .
وهل يصح تقديرها : يا أيها الذين آمنوا إنكم على خلق عظيم) بلحاظ تأسي المسلمين بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وان الخطاب القرآني الذي يتوجه إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يشمل المسلمين بالإلحاق والتبعية إلا ما دل الدليل على إختصاصه بشخصه الكريم ومقام النبوة ، كما في قوله تعالى [وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ]( ).
المختار هو أن قوله تعالى [وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ] ( )خاص بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفيه بعث للمسلمين للإجتهاد في محاكاة مقام النبوة في الإخلاق والعبادات ، والسعي لنيل مرتبة الخلق العظيم , لذا قال صلى الله عليه وآله وسلم (صلوا كما رأيتموني أصلي) ( ).
وتحتمل النسبة بين مخالطة الناس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجوهاً :
الأول : الأمر والنهي أعم من مخالطة الناس ، فيأتي من دون مخالطة .
الثاني : مخالطة الناس أعم من الأمر والنهي فمن مصاديقها الإجتماع والإستئناس والألفة والمودة والكلام في المباحات .
الثالث : نسبة التساوي بين الأمرين .
الرابع : النسبة بين المخالطة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي العموم والخصوص من وجه، فهناك مادة للإلتقاء وأخرى للإفتراق .
والمختار هو الرابع ، ومن خصائص المؤمن وموضوعية نداء الإيمان في حياته أنه يخالط الناس في الله ولله ومن عند الله .
إعراب نداء الإيمان
ومن أسرار نداء الإيمان وروده بصيغة الفعل الماضي [آمنوا] إذ يكون إعرابه هو :
يا : حرف نداء مبني على السكون لا محل له من الإعراب .
أي : منادى نكرة مقصودة مبني على الضم في محل نصب .
ها : حرف تنبيه ، مبني لا محل له من الإعراب .
الذي : اسم موصول مبني في محل نصب بدل لـ (أي ) أو نعت له ، وأكثر النحويين يجعل ما يتبع المنادى بـ (أي ) صفة وليس بدلاً ، سواء كان جامداً مرتجلاً وضع للدلالة على معناه من غير أن يؤخذ من لفظ غيره مثل الطير الشجرة ، أو مشتقاً وهو الذي أخذ من غيره وله أصل ينسب إليه مثل اسم الفاعل واسم المفعول واسم الزمان واسم المكان واسم التفضيل مثل العامل ، المحسن .
وفي التنزيل ورد في الثناء على الله عز وجل [هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ] ( ).
وجملة النداء [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] لا محل لها من الإعراب إستئنافية .
آمنوا : فعل ماضي مبني على الضم لإتصاله بواو الجماعة أو مبني على الفتح المقدر .
واو الجماعة ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل .

قانون نداء الإيمان واقية من التحريف
لقد أنعم الله عز وجل على الناس وجعلهم خلفاء له في الأرض ، سواء إنحصرت الخلافة بآدم أو شملت الأنبياء وحدهم أو هم وغيرهم ، وفي آخر آية من سورة الأنعام ورد قوله تعالى [وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ]( ).
ومن شرائط الخلافة حفظ وتعاهد الأمانة ، وليس من حصر لمصاديق الأمانة التي يجب على الناس حفظها ، ولا تخص موضوعاً بعينه ، فتشمل أمور الدين والدنيا ، وتداهم الإنسان في كل ساعة مسألة وإبتلاء يتعلق بأمانة الخلافة ذات صبغة الإكرام للإنسان في ذاتها ونفعها وأثرها ، كما أخبر الله عز وجل عن خلافة المؤمنين في الأرض ، قال تعالى [وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا] ( ) .
ومن وجوه الأمانة الوحي إذ أبى الله عز وجل أن يجعل الإنسان عرضة لوسوسة الشيطان أو غلبة الهوى ، فتفضل الله عز وجل بالوحي للأنبياء ، وتنزيل الكتب السماوية فصار نوع ملازمة بين الخلافة والوحي .
ومن مصاديق قوله تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ) لتتقوم الخلافة بالوحي , ويكون الصلة والحبل المتين الذي يربط بين السماء والأرض ، ويتزين هذا الحبل بنداء [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] وفيه توثيق وتثبيت وإستدامة لمناهج الصلاح التي نزل بها الوحي .
وعن الإمام علي عليه السلام قال : ليس في القرآن يا أيها الذين آمنوا إلا وفي التوراة يا أيها المساكين) ( ).
وجاء رجل إلى (عبد الله بن مسعود، فقال: اعهد إلي. فقال: إذا سمعت الله يقول { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } فأرعها سَمْعك، فإنه خير يأمر به أو شر ينهى عنه) ( ).
ومن خصائص الإيمان تلقي الوحي بالقبول ، ومن وجوه الإيمان التصديق بنزول كل آية من القرآن ، لذا فان تقدير نداء الإيمان يكون بعدد آيات القرآن وتعدد جملها ومضامينها القدسية .
فقد يكون تقدير الآية الواحدة على وجوه متعددة فمثلاً قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِالْأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ] ( ) يكون تقديره على وجوه :
الأول : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) إذ يجوز الوقف والتدبر عند نداء الإيمان وحده , وإقتباس المسائل منه بالذات من جهات :
الأولى :أنه نداء من عند الله عز وجل يتضمن التشريف والثناء والمدح .
الثانية : قسم نداء الإيمان الناس إلى قسمين :
أولاً : الذين آمنوا , فتوجه لهم وتغشاهم , كما تغشى السحاب بني إسرائيل , وهو كالمن والسلوى بقوله تعالى [وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمْ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى]( ). .
ثانياً : الذين تخلفوا عن الإيمان ، وحرموا من نعمة تلقي نداء الإيمان وتقدير النداء : يا أيها الذين آمنوا أبشروا بالنعم ويا أيها الذين كفروا سيأتيكم العذاب .
الثالثة : نداء الإيمان من مصاديق حب الله عز وجل للمسلمين ورضاه عنهم ، وفي التنزيل [فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ]( ) [وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ] ( ) [وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ] ( ) [إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ] ( ) .
وهذه الصفات خاصة بالمؤمنين وهي مراتب سامية في سلم التقوى .
الرابعة : نداء الإيمان واقية من التحريف في ذات الآية التي تبدأ به إذ أنه دعوة سماوية للتدبر في مضامينها والإصغاء لها ، ويبعث عذوبة عند تلاوة أو سماع آية نداء الإيمان .
الثاني : يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص لبيان أحكام الخلافة في الأرض وأنها تتقوم وهو فرع القتل والتعدي وسفك الدماء ظلماً لبيان قانون وهو صيرورة المسلمين أصحاب حكم ودولة وسلطان يتصف بخصوصية وهي أن تشريع أحكام الإسلام من عند الله عز وجل .
وهو من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ) ليكون حكم القصاص حرزاً لنداء الإيمان من التحريف ويكون نداء الإيمان واقية لحكم القصاص من التحريف والتبديل والتغيير ، من غير أن يلزم الدور بينهما , فكل فرد منهما من فضل الله عز وجل في ذاته وموضوعه وأثره .
الثالث : يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى ) وهل يكون حكم القصاص من مصاديق الإيمان أم أنه فرعى الإيمان ، الجواب لا تعارض بين الأمرين ، فما دام القصاص مفروض من عند الله على المسلمين حكماً وأفراداً وانه من مصاديق الإيمان .
الرابع : يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص الحر بالحر ) لبيان التكافؤ في القصاص ، فلا يحق لمن يقتل حراً عمداً أن يقدم عبداً مثلاً فداء عنه ، لبيان شأن ومرتبة الحر ، ومن معاني الحرية أنها تنتزع بالإيمان وعدم محاربة الإسلام ، إذ أن هذه المحاربة نوع طريق للأسر والرق .
الخامس : يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى العبد بالعبد .
لقد جاء الإسراف في القتل من جهات :
الأولى : عدم جواز الثأر من المتعدد بسبب المتحد فلا يقتل إثنان أو أكثر بسبب قتل فرد واحد حمية وعصبية .
الثانية : لا يجوز قتل الحر قصاصاً لقتله العبد ، فقد يظن بعضهم أن عبدهم أفضل من الحر عند من هم أدنى منهم ، فأخبرت الآية بأنه ليس من فارق لحكم القصاص بين السيد الحر ، والضعيف أو الفقير الضعيف ، كما أنه ليس من مائز بين عبد الملك وعبد شخص من عامة الناس .
ولم يأخذ أبو حنيفة بظاهر الآية وعنده أنها منسوخة ، والناسخ هو قوله تعالى [وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ]( )ونسب النسخ إلى ابن عباس( ) .
(وحكى الطبري عن ابن عباس : كان بين حيين من الأنصار قتال فصارت بينهم قتلى وكان لأحدهما طول على الآخر فجاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فجعل الحر بالحر والعبد بالعبد . قال الثوري : وبلغني عن ابن عباس أنه قال ثم نسختها { النفس بالنفس}) ( ).
ونسب إلى الإمام علي عليه السلام أنه كان يقول في تأويل الآية (أيما حر قتل عبداً فهو به قود ، فإن شاء موالي العبد أن يقتلوا الحر قتلوه وقاصّوهم بثمن العبد من دية الحر , وأدوا إلى أولياء الحر بقية دِيته ، وأيما عبد قتل حراً فهو به قود ، فإن شاء أولياء الحر قتلوا العبد وقاصّوهم بثمن العبد وأخذوا بقية دية الحر .
وأيما رجل قتل امرأة فهو بها قود ، فإن شاء أولياء المرأة قتلوه ، وأدوا بقية الدية إلى أولياء الرجل ، وأيما امرأة قتلت رجلاً فهي به قود ، فإن شاء أولياء الرجل قتلوها وأخذوا نصف الدية ) ( ).
قانون نداء الإيمان مصابرة
تتغشى النعم الإلهية الناس في الحياة الدنيا , وتأبى تركهم أو مغادرتهم وإن أعرضوا عنها ، وعزفوا عن منافعها ، ومن خصائص النعم الإلهية أن فوائد ومنافع كل فرد منها لا تحصى ، ومن هذه النعم نداء الإيمان الذي يخالط العقول ، ويدنو من القلوب ، ويلامس الحواس ويصير حاضراً عندها طوعاً أو إنطباقاً أو قهراً لها ، فمن مصاديق قوله تعالى [سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ] ( )ان رؤية وإدراك الناس للآيات أمر حتمي ، ليس لهم أن يمتنعوا أو يصدوا عنها .
فان أعرض الإنسان عن آية بسمعه جاءت هي بذاتها أو غيرها لبصره وصارت أمام عينيه وكذا العكس أن أغمض عينه عن آية طرقت سمعه بذاتها أو ما يفيد ذات معناها , وهل هو من عمومات قوله تعالى [مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا] ( ) الجواب ليس من حصر لدلالات الآية القرآنية ، وما يترشح عنها من النعم ، ومنها المصابرة التي هي أعم وأوسع من موضوع الحرب وملاقاة الأعداء ومنها أداء العبادات وكل فريضة تستلزم المصابرة وتشمل أداء الجوارح والأركان وصفاء القلب ، وصدق النية ، ومن ذخائر وخصائص الفرائض إشتراك العقل والحواس وأعضاء البدن في الإتيان بها ، إذ أنها على أقسام :
الأول : الفرائض البدنية وهي الصلاة والصوم .
الثاني : الفرائض المالية من الزكاة والخمس وزكاة الفطرة .
الثالث : الفرائض البدنية المالية ، وهو أداء الحج ، وهو من أسرار نداء الإيمان بنفاذه إلى القلب , وأعضاء البدن , والمصابرة نوع مفاعلة وهي على أقسام منها المصابرة بين الإنسان ونفسه ، قال تعالى [بَلْ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ]( ).
وتتعدد وجوه المصابرة مع الذات , وقهر النفس الشهوية والغضبية في كل ساعة وكل يوم ، وهذه المصابرة على جهات :
الأولى : المصابرة في الإقامة على فعل الخير والمواظبة عليه وعدم الإنقطاع عن العبادة فيه .
الثانية : ترغيب النفس في عمل الصالحات , والإقدام عليها وصيرورة النية والقصد حقيقة وواقعاً فيها .
الثالثة : التعفف عن فعل السيئات وإرتكاب الفواحش وعدم الإقتحام في مشكلات الأمور ، ومقدمات الفتن .
الرابعة : الإرجاء والتأني والدفع بخصوص المكروه والمحرم .
الخامسة : تنمية ملكة إجتناب التعدي على الحرمات ، وفي التنزيل [تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا] ( ).
وهل يمكن تسمية الحياة الدنيا ( دار المصابرة ) الجواب نعم ، إذ يلزم الإنسان المصابرة في فعل الخير ، وفي إجتناب الشر والسوء , وعلى المسلم الإمتثال لأمره تعالى بالمصابرة في ميادين الوغى .
فان قلت من الناس من يتخذ المصابرة وسيلة لفعل المنكرات والجواب هذا صحيح وآيات القرآن كلها تحذر من هذا المعنى ، ومنها آية البحث التي وإن ورد فيها لفظ المصابرة مطلقاً [وَصَابِرُوا] من غير ذكر متعلق للمصابرة , فلم تقل الآية : وصابروا في الصلاة ، أو وصابروا في طاعة الله ، ولكن التقييد يتجلى من جهات :
الأولى : مجئ الآية بالنداء بصيغة الإيمان ، ليكون تقدير الآية وبلحاظ آيات القرآن كثيرة , وتؤلف فيها المجلدات منها .
أولاً : يا أيها الذين آمنوا صابروا في أداء الفرائض العبادية .
ثانياً : يا أيها الذين آمنوا صابروا في الصلاة وأدائها في أوقاتها .
ثالثاً : يا أيها الذين آمنوا صابروا في مقامات الإيمان لوجوبه إبتداء وإستدامة .
رابعاً : يا أيها الذين آمنوا صابروا في تلاوة القرآن .
خامساً : يا أيها الذين آمنوا صابروا في كل فعل عبادي .
سادساً : يا أيها الذين آمنوا صابروا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
سابعاً : يا أيها الذين آمنوا صابروا كما صابر الأنبياء .
وقد ورد هذا المعنى في قصة موسى وجداله مع الخضر ، إذ ورد في التنزيل [قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلاَ أَعْصِي لَكَ أَمْرًا] ( ). ليفوز المسلمون مجتمعين ومتفرقين بوراثة الأنبياء في صبرهم وجهادهم وتحملهم العناء في مرضاة الله .
وقد ورد في الثناء على نبي الله أيوب قوله تعالى [إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ]( ).
وعن ابن عباس قال (في قوله : { أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين }( ) : إنه لما مسه الضر أنساه الله الدعاء أن يدعوه فيكشف ما به من ضر ، غير أنه كان يذكر الله كثيراً ولا يزيده البلاء في الله إلا رغبة وحسن إيقان ، فلما انتهى الأجل وقضى الله أنه كاشف ما به من ضر أذن له في الدعاء ويسرّه له ، كان قبل ذلك يقول تبارك وتعالى : لا ينبغي لعبدي أيوب أن يدعوني ثم لا أستجيب له فلما دعا استجاب له وأبدله بكل شيء ذهب له ضعفين ، رد أهله ومثلهم معهم ، وأثنى عليه فقال : { إنا وجدناه صابراً نعم العبد إنه أوّاب } ) ( ).
ثامناً : يا أيها الذين آمنوا صابروا عند ملاقاة العدو ، تسبقوهم بالفرار ، ليكون من معاني الأمر بالمصابرة أن الله عز وجل وعد المسلمين النصر إن صابروا ، وهو المستقرأ من آية البحث .
تاسعاً : يا أيها الذين آمنوا بلزوم تعاهد الأخوة الإيمانية ، صابروا في صلة الرحم ، وتحمل الأذى إن صدر من الأرحام .
عاشراً : يا أيها الذين آمنوا إصبروا في تقوى الله .
وقد ورد الأمر بتقوى الله معطوفاً على المرابطة والمصابرة إلا أن هذا العطف لا يعني الفصل التام بين المعطوف والمعطوف عليه .
لقد جعل الله عز وجل الدنيا دار إمتحان وإختبار وإبتلاء يواجه فيه الإنسان ضروب الإفتتان في كل ساعة ، إن لم تغزوه يقوم هو بغزوها ، ويكون الغزو من الطرفين على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً ، فهو من الكلي المشكك ، فقد تطرأ أمور الإبتلاء على ذهن الإنسان ، سواء كانت في الخير أو الشر ، ولا ينجو منها على نحو التضاد والتباين أحد من الناس .
قانون العطف على آية النداء
لقد ورد نداء الإيمان في بداية ثمان وثمانين آية من القرآن من مجموع آيات القرآن ، التي تبلغ ستة آلاف ومائتين وست ثلاثين آية ، وتستلزم مباحث نداء الإيمان إحصاء الآيات المعطوفة على آية النداء ، فتذكر كل آية من آيات النداء ويذكر عدد الآيات المعطوفة عليها ، ولا يختص العطف في المقام بحروف العطف كالواو والفاء وثم ، بل يشمل ذات لغة الخطاب ، فاذا جاءت الآية أو الآيات التالية لآية النداء خطاباً للمسلمين والمسلمات أيضاً فهي معطوفة عليها وفق نظم وسياق آيات القرآن .
كما في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ] ( ).
وكذا بالنسبة لإتحاد الموضوع بين آية النداء والآية التي بعدها كما في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنْ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ * قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ] ( ) .
فتتجلى وحدة الموضوع بذكر الآباء والأبناء والإخوان في الآيتين ، وقد يجتمع الأمران معاً ، أي العطف بصيغة الخطاب وإتحاد الموضوع بين آية النداء والآية التي تأتي بعدها كما في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ] ( ) .
وهذا العطف وما له من معان دلالات ظاهرة ومستحدثة من أسرار قيام جبرئيل عليه السلام بتعيين مواضع آيات القرآن .
(كان جبريل يقول: ضعوا آية كذا في موضع كذا) ( ).
ومن معاني هذا القانون تقدير نداء الإيمان من جهات :
الأولى : تقدير نداء الإيمان في بداية الآية التالية لنداء الإيمان .
الثانية : تقدير نداء الإيمان في كل شطر من الآية التالية لنداء الإيمان ، فان قلت قد يأتي نداء الإيمان خاتمة لسورة من القرآن كما في الآية الخاتمة لسورة آل عمران ، لتأتي بعدها سورة النساء التي تبدأ بالنداء للناس عامة [يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ ..] ( ).
والجواب لا يمنع الفرد النادر من تأسيس القانون وضبط القاعدة ومع هذا فيمكن تقدير نداء الإيمان حتى في بداية سورة النداء لـتأكيد حقيقة وهي أن المسلمين يتلقون النداء من جهتين :
الأولى : صفة الإيمان .
الثانية : صفة الإنسانية ، وإرادة عموم الناس ، وفيه إكرام وتأديب إضافي لهم .
ومن خصائص آية النداء مجيؤها بموضوع من الأحكام التكليفية فتأتي الآية التي بعدها لتأكيد مضامينها ولجذب المسلمين للعمل بأحكامها وطرد الغفلة عنهم إذ يستنهض نداء الإيمان المسلمين للعمل وفق سنن التقوى , ويمنع من الزيغ.
وذكرت للعطف ثلاثة أقسام :
الأول : العطف على اللفظ ، وهو الأصل بأن يتوجه ذات العامل إلى المعطوف .
الثاني : العطف على المحل .
الثالث : عطف التوهم ، كما لو قلت : ليس زيد غافلاً ولا جاهل ) بالجر ، بتوهم دخول الباء على الخبر ، أما العطف في آيات النداء ففيه وجوه أخرى أعم من القواعد النحوية للفظ العربي ، فما دامت الآية تحتمل العطف على نداء الإيمان فيجوز التحقيق والبيان لخصائص هذا العطف والمسائل المستنبطة منه .
وهناك فرق بين قانون تقدير نداء الإيمان في آيات القرآن وقانون العطف على آية النداء ، والنسبة بينهما هو العموم والخصوص مطلق ، إذ أن التقدير أعم في موضوعه وعدد الآيات ودلالاته ، ولكل فرد منهما له خصوصيته ومعانيه ، وهو غنيمة ومائدة تستنبط منها المسائل ، والمقصود من هذا القانون هو الجمع بين معاني آية النداء ومعاني الآية المعطوفة عليها ، لإفادة هذا الجمع معاني خاصة لا تستقرأ إلا به ومنه .
قراءة كلامية في نداء الإيمان
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا مرآة ومقدمة لعالم الآخرة وما فيه من الجزاء والثواب والعقاب .
ومن خصائص الدنيا أنها دار الفخر والعز للمسلم ، ومن أبهى معاني الفخر فيها إظهار الخشوع والخضوع لله عز وجل والمبادرة إلى الإمتثال لأوامره ونواهيه .
وقد تفضل الله عز وجل بنداء الإيمان ليكون آية في الفخر وشجرة مباركة تتدلى أغصانها في كل بيت ومنتدى وسوق ومحفل تدعو الناس للتمسك بها .
وهو من عمومات قوله تعالى [أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ]( ).
ولقد إبتدأ تلقى الإنسان النداء من عند الله عز وجل ، وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال (لما نفخ الله في آدم الروح فبلغ الروح رأسه عطس فقال { الحمد لله رب العالمين }( ) فقال له تبارك وتعالى : يرحمك الله .
وأخرج ابن حبان عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لما خلق الله آدم عطس ، فألهمه الله ربه أن قال : الحمد لله , قال له ربه : يرحمك الله .
فلذلك سبقت رحمته غضبه) ( ).
وبعد أن علم الله عز وجل آدم الأسماء توجه الله إلى الملائكة وسألهم عنها ثم نادى آدم [قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ]( ).
ونضيف وجوهاً أخرى لمعاني حرف النداء (يا) بلحاظ نداء الإيمان وذخائر القرآن :
الأول : يأتي حرف النداء (يا) للموجود والمعدوم لمن موجود من المسلمين أوان النداء والذي لم يولد بعد منهم .
ولا يختص لفظ ( من موجود) أعلاه بأهل البيت والصحابة أيام التنزيل بل يشمل الموجود من المسلمين أوان تلاوة الآية القرآنية ، ومنهم من لم ير النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وتقدير قولنا هذا : في كل زمان معنى التنزيل وترديد للتنزيل وكأن آيات القرآن نازلة في ذات اليوم الذي يتلى فيه .
ومن الإعجاز الذاتي للقرآن قابلية الآية القرآنية لهذا المعنى ودلالاته ، وقد نعت الله عز وجل القرآن بصفات المدح منها قوله تعالى [يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ] ( ).
الثاني : يشمل نداء الإيمان المسلمين أوان نزول آية النداء ليقولوا بأعباء وأحكام الآية القرآنية ، ويتحملوا التكليف بها في الأداء والإمتثال ، وإتخاذها مادة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
الثالث : يشمل المنادى في نداء الإيمان المسلمات مثلما يشمل المسلمين ، ومعناه على أقسام :
أولاً : يا أيها الذين آمنوا .
ثانياً : يا ايتها اللاتي آمنّ .
ثالثاً : يا أيها الذي آمن .
رابعاً : يا أيتها التي آمنت
إنما ورد لفظ التذكير للغالب .
الرابع :يشمل نداء الإيمان الذي آمن والذي سيؤمن والذي سوف يؤمن , من الأحياء والذين لم يولدوا , فحالما يدخل الإنسان الإسلام يتوجه له نداء الإيمان ، ولو كان من أهل زمان لاحق لم يعمروا الأرض بعد .
فمن خصائص نداء الإيمان أنه يطل على أهل الأرض ساعة يدعوهم للإيمان ويرغبّهم به بالذات والأثر ، أي أن ذات نداء الإيمان وحده ترغيب بالإيمان ، فحالما يسمع الإنسان ويصل أذنيه حتى يدخل إلى شغاف قلبه ، ويلامس عقله , ويجعله يتدبر بأمور :
أولاً : وقوف الفكر قهراً عند النداء القرآني ، وهو من أسرار نفخ الله عز وجل الروح في آدم ، قال تعالى [ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ] ( ) ويجعل هذا النفخ الإنسان منجذباً إلى كلام الله وآياته العظمى .
ثانياً : تدبر الإنسان في نداء الإيمان والجهة التي يتوجه إليها ومعانيه ، والمضامين القدسية التي جاء كالوعاء الكريم لها وهذا التدبر من عمومات قوله تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ) وهو من الكلي المشكك , الذي يكون على مراتب متعددة قوة وضعفاً .
ثالثاً : رغبة وميل النفس الإنسانية بفطرتها إلى النداء القرآني ، لذا تفضل الله عز وجل وجعل عشرين نداء فيه بصيغة العموم ومخاطبة الناس جميعاً منها قوله تعالى [يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ] ( ).
ويتقوم كل علم من العلوم المستقرأة والمدونة بأمور :
الأول : الموضوع .
الثاني : المسائل .
الثالث : المبادئ .
وعرف الجرجاني علم الكلام بأنه علم يبحث في ذات الله تعالى وصفاته) والأولى تعريفه بأنه إثبات التوحيد، والربوبية المطلقة لله, وذكر الحجج والبراهين على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم والقطع بالمعاد ودفع الشبهة بالدليل النقلي والعقلي وإبطال مغالطة الذين كفروا ودفع آراء أهل البدع .
وكل آية من القرآن مصداق لعلم الكلام، ومنها نداء الإيمان الذي يشهد للمسلمين باقرارهم بالربوبية المطلقة لله عز وجل.
ومن الإعجاز الغيري في نداء الإيمان مسائل :
الأولى : يبعث نداء الإيمان على العمل بالأمر الوارد في ذات الآية كما في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا]( )، وهل أداء المسلمين للصلوات اليومية الخمسة من الذكر الكثير لله عز وجل .
الجواب نعم، وهو من أسرار قانون أن التكاليف العبادية رحمة بالمسلمين والناس جميعاً، وكما في قوله تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا]( )، وهي آخر آيات النداء وفق نظم القرآن، ولا يعني هذا أنها آخر آيات النداء نزولاً وإن كانت السورة التي ورد فيها مدنية، وفي نداء الإيمان ترغيب للمسلمين بالتوبة الصادقة وحث على المبادرة إليها.
الثانية : من خصائص الإيمان أنه زاجر عن الأمر المنهي عنه الوارد في ذات آية النداء وواقية من فعل القبيح مطلقاً، كما في قوله تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ]( )، فان نداء الإيمان تفقه في الدين، وباعث للفطنة والحيطة من الشيطان، ويحتمل قول الذين كفروا لذوي قرباهم من المسلمين الذين يخرجون للغزو أو التجارة
[لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا] ( ) بلحاظ الآية أعلاه وجوهاً :
أولاً : إنه من خطوات الشيطان .
ثانياً : قول الكفار هذا إتباع لخطوات الشيطان .
ثالثاً : إنه أمر آخر غير خطوات الشيطان وإتباعها .
والصحيح هو الثاني أعلاه ليكون من إعجاز نظم الآيات مجيؤها بالنهي العام والخاص ، والأصل والفرع .
الثالثة : مجئ نداء الإيمان في الآيات ذات الصبغة الشرطية مدد وإعانة للمسلمين للتقيد بمضامين الشرط فعلاً أو إمتناعاً .
ومن إعجاز نظم آيات النداء مجئ الأمر أو النهي أو هما معاً بعد الشرط الذي يتعقب نداء الإيمان ، كما في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ] ( ).
إذ تتضمن الآية لغة الشرط وأداته (إذا ) فاذا تمت المناجاة والأحاديث الخاصة فيجب أن تكون مفيدة وخاصة بالبر والإحسان والخشية من الله عز وجل ، ويجب ألا تكون بالتعدي والظلم وفعل السيئات والترغيب فيها ، وهل الغيبة والإفتراء من الإثم والعدوان الجواب نعم ، لذا جاء النهي عن الغيبة وذكر المسلمين يكرهون بآية من آيات نداء الإيمان ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ] ( ).

قانون نداء الإيمان والمرابطة في الثغور
المرابطة حاجة للجنود وأهل البلد للحيطة والحذر من مباغتة العدو ، وهي موجودة قبل الإسلام حتى عند عرب الجزيرة ، بأن يربط بعضهم فرسه للحراسة والحماية في الجهة والشعاب التي يتوقع مجئ عدو معين أو مجهول منها .
وجاءت كلمة واحدة في القرآن [وَرَابِطُوا] لتكون دستوراً وقانوناً يعمل به المسلمون في المدينة ، وأمصار الإسلام الأخرى حتى صاروا يرابطون على أسوار المدن والجبال وشواطئ الأنهار وفي البحار خشية مجئ السفن تنقل الأعداء , وبنيت المسالح الخاصة بالمرابطين , ونظمت دواوين وكتبت لهم الأرزاق .
وكان المسلمون يتناوبون على الرباط طلباً للأجر والثواب ، ومنعاً لنزول المصيبة بالمسلمين .
وعن الإمام الباقر عليه السلام (الرباط ثلاثة ايام واكثره اربعون يوما فاذا جاوز ذلك فهو جهاد ) ( ).
ويمكن القول أن من أولى مصاديق الرباط في الإسلام ، وضع النبي صلى لله عليه وآله وسلم خمسين من الرماة على الجبل في معركة أحد ، وأمره لهم بأن لا يتركوا مواضعهم بكل الأحوال سواء كانت الريح والغلبة للمسلمين أو عليهم وأخبرهم بأن سهامهم في الغنائم مكفولة .
لقد كان عدد جيش المسلمين في ميدان معركة أحد سبعمائة رجل ، فان قلت قد خرجوا من المدينة وعددهم ألف ، قال تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ] ( ) .
الجواب هذا صحيح ، ولكن رأس النفاق عبد الله بن أبي سلول إنسلخ وسط الطريق إلى أحد بثلاثمائة من أفراد جيش المسلمين .
ومع هذا فقد جعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم خلف المسلمين خمسين من الرماة , لتكون نسبتهم 1/ 14 من عموم الجيش وهي نسبة كبيرة خاصة مع حاجة جيش المسلمين إلى ملاقاة ثلاثة آلاف مقاتل من المشركين .
وعندما رأى الرماة المسلمون هزيمة المشركين , وتقهقر جيشهم أمام هجوم المسلمين كما قال تعالى بخصوص معركة أحد [وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ..] ( ).
ترك أكثرهم مواضعهم على الجبل ونزلوا ليشتركوا في جمع الغنائم فجاءت خيل المشركين من خلف المسلمين وأصاب المسلمين الفشل والخسارة ، وكان مجموع شهداء المسلمين سبعين ، مما يدل على موضوعية المرابطة الدائمية أو الموقتة في المعركة ، وكل طائفة وجيش يجعلون من يرابط في الثغور خشية مفاجئة العدو لهم ، إلا أن مرابطة المسلمين أمر آخر يمتاز عن مرابطة الآخرين من جهات :
الأولى : مجئ الأمر للمسلمين بالمرابطة من عند الله عز وجل ، وليس من أمة تتلقى هذا الشرف العظيم مثل المسلمين .
الثانية : حينما أمر الله عز وجل المسلمين بالمرابطة فانه سبحانه يضمن للمسلمين المدد والعون بهذه المرابطة ، وتقدير الآية على وجوه :
أولاً : يا أيها الذين آمنوا رابطوا فمن خصائص الإيمان المرابطة.
ثانياً : يا أيها الذين آمنوا رابطوا , وفي المرابطة الأجر والثواب .
ثالثاً : يا أيها الذين آمنوا رابطوا فان الذين كفروا يسعون للغدر والمكر بكم .
رابعاً : يا أيها الذين آمنوا رابطوا ففي المرابطة الفلاح في النشأتين .
خامساً : يا أيها الذين آمنوا رابطوا بسنخية الإيمان .
سادساً : يا أيها الذين آمنوا رابطوا , ففي المرابطة سلامة لكم ولعوائلكم وذراريكم .
سابعاً : يا أيها الذين آمنوا رابطوا ففيه بعث لليأس والقنوط في نفوس أعدائكم ، والرباط من مصاديق قوله تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا] ( ).
الثالثة : نيل المسلمين الأجر والثواب بالمرابطة ، وقد وردت الأحاديث المتعددة في بيان فضل وآجر الرباط .
وعن سهل بن سعد (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها .
وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وصححه وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن فضالة بن عبيد : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطاً في سبيل الله فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة ، ويأمن فتنة القبر .
وأخرج أحمد ومسلم والترمذي والنسائي والطبراني والبيهقي عن سلمان : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يقول رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه ، وإن مات فيه جرى عليه عمله الذي كان يعمل ، وأجرى عليه رزقه فأمن الفتان . زاد الطبراني : وبعث يوم القيامة شهيداً) ( ).
الرابعة : مضاعفة ثواب الصلاة والعمل الصالح عند المرابطة ، فقد ورد عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال (إن صلاة المرابط تعدل خمسمائة صلاة ، ونفقة الدينار والدرهم منه أفضل من سبعمائة دينار ينفقه في غيره) ( ).
وتشرع الحكومات والدول في هذه الأزمنة القوانين التي تضاعف الخدمة للذين يرابطون ويزاولون القتال ويكونون في المواجهة مع العدو ، وتصرف لهم المكافآت والجوائز ، وقد سبقهم الإسلام لبيان الأجر والثواب العظيم للمرابطة في الدنيا والآخرة .
وفي مجئ نداء الإيمان في آية المرابطة مسائل :
الأولى : بيان قانون وهو الملازمة بين الإيمان والمرابطة في الثغور.
الثانية : لا يقدر على المرابطة , وطول مدتها وما فيها من الأذى إلا المؤمنون فجاء نداء الإيمان في أول الآية .
الثالثة : بعث الفزع والخوف في قلوب الذين كفروا للعلم بأن مرابطة المسلمين بأمر من عند الله سبحانه .
الرابعة : بيان علم الله عز وجل بأن الذين كفروا ينوون الإعتداء على ثغور المسلمين ، فحذر المسلمين منهم ، ولا يعلم منافع قوله تعالى [وَرَابِطُوا] إلا الله عز وجل إذ يمتنع الذين كفروا عن مهاجمة المسلمين وثغورهم لعلمهم بأنهم في حال يقظة وحضور في الثغور .
الخامسة : تنمية حال النباهة والفطنة والحذر عند المسلمين وعدم الغفلة عن العدو وغدره ، قال تعالى [وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً] ( ).
لقد ورد قوله تعالى [وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ ادْفَعُوا] ( ) وتحتمل المرابطة في الثغور بلحاظ الآية أعلاه وجوهاً :
الأول : مرابطة المسلمين في الثغور من القتال في سبيل الله .
الثاني : المرابطة في الثغور من الدفاع .
الثالث : تجمع المرابطة بين الوجهين أعلاه .
الرابع : للمرابطة حكم خاص غير القتال والدفاع .
ولا تعارض بين هذه الوجوه ، وكلها من مصاديق المرابطة فهي قتال ودفاع وحكم جهادي خاص .
(وقال أنس بن مالك : رأيت يوم القادسية عبد الله ابن أم مكتوم الأعمى ، وعليه درع يجر أطرافها وبيده راية سوداء ، فقيل له : أليس قد أنزل الله عذرك؟ قال : بلى ، ولكني أكثر المسلمين بنفسي ، وروي أنه قال : فكيف بسوادي في سبيل الله) ( ).
فمن إعجاز آية البحث أنها لم تجمع بين الأمر بالرباط وبين القتال أو الدفاع ، بل جمعت بينه وبين الصبر والمصابرة .
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (انتظار الفرج بالصبر عبادة ، وكذلك اختلف المتأولون في معنى قوله { ورابطوا } فقال جمهور الأمة معناه : رابطوا أعداءكم الخيل ، أي ارتبطوها كما يرتبطها أعداؤكم ، ومنه قوله عز وجل : { ومن رباط الخيل}( )، وكتب أبو عبيدة إلى عمر بن الخطاب يذكر جموع الروم ، فكتب إليه عمر : أما بعد ، فإنه مهما نزل بعبد مؤمن شدة ، جعل الله بعدها فرجاً ، ولن يغلب عسر يسرين ، وأن الله تعالى يقول في كتابه : { يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا } الآية .
وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن : هذه الآية هي في انتظار الصلاة بعد الصلاة ، ولم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غزو يرابط فيه ،)( ) وفيه مسائل :
الأولى : إرادة المرابطة بالنفس والخيل والسلاح ، وتقدير الآية على وجوه:
الأول : يا أيها الذين آمنوا رابطوا وأقيموا في الثغور .
الثاني : يا أيها الذين آمنوا رابطوا بخيلكم ، فمتى ما علم العدو أنكم ذو عدة وعندكم خيل تقاتلون عليها ، وينسحب بعضكم لإخبار المسلمين عن غزو العدو ليهبوا لملاقاته فانه يتجنب الهجوم الظاهر والمباغت .
الثالث : يا أيها الذين آمنوا كتب الله عليكم الرباط فرابطوا فان فيه خير الدنيا والآخرة .
الرابع : يا أيها الذين آمنوا رابطوا باسلحتكم وأستعدوا للقتال والدفاع عن بيضة الإسلام .
الثانية : لا تعارض بين المرابطة بمعناها الإصطلاح وإرادة حراسة الثغور , وبين المرابطة في الصلاة .
الثالثة : تعدد معنى اللفظ القرآني لتشمل المرابطة أداء الصلاة .
الرابعة : لا دليل على عدم وجود مرابطة في أيام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , فيكفي فيها المسمى وصرف الوجود ، وبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم العيون لرصد العدو وحركته والكشف عن عدد جنوده .
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسأل عن العدو وأحواله وأوان خروجه للقتال ، ومحل وجوده ، ففي طريق النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى معركة بدر .
( لقي سفيان الضمري، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم قد تعجل، ومعه قتادة بن النعمان الفري ويقال عبد الله بن كعب المازني، ويقال معاذ بن جبل فلقي سفيان الضمري على التيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: من الرجل؟ فقال الضمري: بلى من أنتم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: فأخبرنا ونخبرك! قال الضمري: وذاك بذاك؟؟ قال النبي صلى الله عليه وآله وسلّم: نعم! قال الضمري: فسلوا عما شئتم! فقال النبي صلى الله عليه وسلّم: أخبرنا عن قريش.
قال الضمري: بلغني أنهم خرجوا يوم كذا وكذا من مكة، فإن كان الذي أخبرني صادقاً فإنهم بجنب هذا الوادي. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: فأخبرنا عن محمد وأصحابه. قال: خبرت أنهم خرجوا من يثرب يوم كذا وكذا، فإن كان الذي خبرني صادقاً فهم بجانب هذا الوادي.
قال الضمري: فمن أنتم؟ قال النبي صلى الله عليه وآله وسلّم: نحن من ماء. وأشار بيده نحو العراق.
فقال الضمري: من ماء العراق! ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم إلى أصحابه ولا يعلم أحدٌ من الفريقين بمنزل صاحبه، بنهم قوزٌ من رمل وكان قد صلى بالدبة، ثم صلى بسير، ثم صلى بذات أجدال، ثم صلى بخيف عين العلاء، ثم صلى بالخبيرتين، ثم نظر إلى جبلين فقال: ما اسم هذين الجبلين؟ قالوا: مسلح ومخرى.
فقال : من ساكنهما؟ قالوا: بنو النار وبنو حراق. فانصرف من عند الخبيرتين فمضى حتى قطع الخيوف، وجعلها يساراً حتى سلك في المعترضة، ولقيه بسبس وعدي بن أبي الزغباء فأخبراه الخبر.
ونزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وادي بدر عشاء ليلة الجمعة لسبع عشرة مضت من رمضان، فبعث عليًّا والزبير وسعد بن أبي وقاص وبسبس بن عمرو يتحسسون على الماء، وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى ظريب .
فقال : أرجو أن تجدوا الخبر عند هذا القليب الذي يلي الظريب والقليب بئر بأصل الظريب، والظريب جبل صغير. فاندفعوا تلقاء الظريب فيجدون على تلك القليب التي قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم روايا قريش فيها سقاوهم .
ولقي بعضهم بعضاً وأفلت عامتهم، وكان ممن عرف أنه أفلت عجير، وكان أول من جاء قريشاً بخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم، فنادى فقال: يا آل غالب، هذا ابن أبي كبشة وأصحابه قد أخذوا سقاءكم! فماج العسكر، وكرهوا ما جاء به.
قال حكيم بن حزام : وكنا في خباءٍ لنا على جزور نشوى من لحمها، فما هو إلا أن سمعنا الخبر، فامتنع الطعام منا، ولقي بعضنا بعضاً، ولقيني عتبة بن ربيعة فقال: يا أبا خالد، ما أعلم أحداً يسير أعجب من مسيرنا، إن عيرنا قد نجت، وإنا جئنا إلى قومٍ في بلادهم بغياً عليهم. فقال عتبة لأمرٍ حم: ولا رأى لمن لا يطاع، هذا شؤم ابن الحنظلية! يا أبا خالد، أتخاف أن يبيتنا القوم؟ قلت: لا آمن ذلك.
قال: فما الرأي يا أبا خالد؟ قال: نتحارس حتى نصبح وترون من وراءكم. قال عتبة: هذا الرأي! قال: فتحارسنا حتى أصبحنا. قال أبو جهل: ما هذا؟ هذا عن أمر عتبة، قد كره قتال محمد وأصحابه! إن هذا لهو العجب، أتظنون أن محمداً وأصحابه يعترضون لجمعكم؟ .
والله لأنتحين ناحية بقومي، فلا يحرسنا أحدٌ. فتنحى ناحية، والسماء تمطر عليه. يقول عتبة: إن هذا لهو النكد، وإنهم قد أخذوا سقاءكم. وأخذ تلك الليلة يسار غلام عبيد ابن سعيد بن العاص، وأسلم غلام منبه بن الحجاج، وأبو رافع غلام أمية ابن خلف، فأتى بهم النبي صلى الله عليه وآله وسلّم، وهو قائم يصلي، فقالوا: سقاء قريش بعثونا نسقيهم من الماء. وكره القوم خبرهم، ورجوا أن يكونوا لأبي سفيان وأصحاب العير، فضربوهم، فلما أذلقوهم بالضرب .
قالوا: نحن لأبي سفيان، ونحن في العير، وهذه العير بهذا القوز. فيمسكون عنهم، فسلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم من صلاته ، ثم قال : إن صدقوكم ضربتموهم , وإن كذبوكم تركتموهم.
فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: يخبروننا يا رسول الله أن قريشاً قد جاءت. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم. صدقوكم، خرجت قريش تمنع عيرها، وخافوكم عليها. ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم على السقاء فقال: أين قريش؟ قالوا: خلف هذا الكثيب الذي ترى. قال: كم هي؟ قالوا: كثير.
قال: كم عددها؟ قالوا: لا ندري كم هم. قال: كم ينحرون؟ قالوا: يوماً عشرة ويوماً تسعة. قال: القوم ما بين الألف والتسعمائة. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للسقاء: من خرج من مكة؟ قالوا : لم يبق أحدٌ به طعم إلا خرج .
فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلّم على الناس، فقال: هذه مكة ، قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها. ثم سألهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم . هل رجع أحدٌ منهم؟ قالوا: رجع ابن أبي شريق ببني زهرة .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أرشده وما كان برشيدٍ، وإن كان ما علمت لمعادياً لله ولكتابه. قال: أحدٌ غيرهم؟ قالوا: بنو عدي بن كعب.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم لأصحابه: أشيروا علي في المنزل , فقال الحباب بن المنذر: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلٌ أنزلكه الله فليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحر والمكيدة؟ .
قال : بل هو الرأي والحرب والمكيدة .
قال: فإن هذا ليس بمنزل! انطلق بنا إلى أدنى ماء القوم ، فإني عالم بها وبقلبها، بها قلبى قد عرفت عذوبة مائه ، وماءٌ كثير لا ينزح ، ثم نبني عليها حوضاً ونقذف فيه الآنية ، فنشرب ونقاتل ، ونغور ، ما سواها من القلب) ( ).
وفي معركة أحد وبعد أن أنسحب جيش المشركين من المعركة خائبين لم يحققوا أي غاية من الغايات التي جاءوا من أجلها توعدوا المسلمين .
ويدل عليه قول أبي سفيان إذ نادى وهو يهم بالإنصراف (إنّ مَوْعِدَكُمْ بَدْرٌ لِلْعَامِ الْقَابِلِ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ لِرَجُلِ مِنْ أَصْحَابِهِ قُلْ نَعَمْ هُوَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ مَوْعِدٌ) ( ).
وفيه دلالة على أن كفار قريش يدركون بأن المعركة لم تنته بما يبغونه وانهم يريدون تجديد القتال ، وفيه شاهد على أن معارك الإسلام الأولى كانت دفاعية ، وقد خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم في العام التالي ، ولكن المشركين لم يأتوا .
ولم يتركهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وشأنهم في الإنصراف بل بعث خلفهم الإمام علي عليه السلام مع كثرة الجراحات التي أصابته .
قال ابن إسحاق (ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبى طالب فقال: اخرج في آثار القوم وانظر ماذا يصنعون وما يريدون، فإن كانوا قد جنبوا الخيل وامتطوا الابل فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الابل فهم يريدون المدينة.
والذى نفسي بيده إن أرادوها لاسيرن إليهم فيها ثم لاناجزنهم.
قال علي عليه السلام : فخرجت في أثرهم أنظر ماذا يصنعون، فجنبوا الخيل وامتطوا الابل ووجهوا إلى مكة) ( ).
قانون الصلاة رباط
الحمد لله الذي جعل الحياة الدنيا تتقوم بالصلاة ، ويأتي الفضل من عند الله بالرزق والعافية بالصلاة ، وجاءت الشريعة المتكاملة بأداء كل مسلم ومسلمة لها خمس مرات في اليوم .
وأصل الربط الشد و(الرِّبَاطُ: الشيْءُ الذي يُرْبَطُ به، والجَميعُ الرُّبُطُ، رَبَطَ يَرْبطُ ويَرْبطُ رَبْطاً. والربَاطُ: مُلاَزَمَةُ ثَغْرِ العَدُو، ورَجُلٌ مُرَابِطٌ.
والمُرَابِطَاتُ: جَمَاعَةُ الخُيُوْلِ الذين رابَطُوا. وقَوْلُه عَز وجَل: ” اصْبِرُوا وصابِروا ورَابِطُوا ” من رِبَاطِ الجِهَادِ. وقيل: واظِبُوا على الصَلاَةِ في مَوَاقِيْتِها، والرِّبَاطُ: المُدَاوَمَةُ على الشيْءَ) ( ).
ونسب الصاحب بن عباد تفسير الرباط بالمواظبة على الصلوات إلى القيل ، وهو تضعيف له ، ولكن وردت نصوص مستفيضة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تفيد هذا المعنى وفيه تخفيف عنهم , ونعمة ونيل المسلمين والمسلمات أجر الرباط بالصلاة .
(وأخرج ابن جرير وابن حبان عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويكفر به الذنوب؟ .
قلنا : بلى يا رسول الله . قال : إسباغ الوضوء على المكاره ، وكثرة الخطا إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ، فذلكم الرباط .
عن أبي أيوب قال : وقف علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : هل لكم إلى ما يمحو الله تعالى به الذنوب ويعظم به الأجر؟ فقلنا : نعم يا رسول الله قال : إسباغ الوضوء على المكاره ، وكثرة الخطا إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة . قال : وهو قول الله { يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا } فذلكم هو الرباط في المساجد ) ( ).
ويفيد الجمع بين الحديثين الجمع بين الإطلاق والتقييد فمرة ورد الحديث على نحو الإطلاق بأن إنتظار الصلاة الرباط وأخرى بالتقييد بأنه الرباط في المساجد مع ذكر آية [ورابطوا] في الحديث .
مما يدل على أنه بين الرباط وبين الصلاة عموم وخصوص مطلق , فانتظار كل صلاة وأداؤها رباط ، ويكون الرباط على وجوه :
الأول : أداء الصلاة , ومقدماتها .
الثاني : الصبر على المكاره في مرضاة الله ، ويقال فلان رابط الجأش ربط لذلك الأمر جأشاً لبيان صبره وثباته وقوة قلبه ، ويقال (واهي الجأش ، والجأش الصدر ) ( )، قال لبيد :
رابطُ الجأْشِ على فَرْجِهِمُ … أَعْطِفُ الجَوْنَ بمرْبوعٍ مِتَلّ( )
الثالث : ربط الخيول إستعداداً للقتال .
الرابع : ربط الخيول في الثغور للحراسة من العدو .
الخامس : الإقامة في الثغر لدفع الذين من وراء المسلمين وإن لم يكن عند المقيم فرس أو راحلة .
ومن خصائص الصلاة أنها رباط من وجوه :
الأول : الصلاة عبادة وتقوى , وهي رباط في مرضاة الله وشاهد على الإيمان .
الثاني : الصلاة مرابطة من إتباع الهوى ، ومانع من إستحواذه على النفس .
لقد جعل الله عز وجل الإنسان مركباً من عقل وشهوة ، وخلق الله الملك عقلاً من دون شهوة ، وخلق الحيوان شهوة من دون عقل ، والصراع عند الإنسان بيت العقل والشهوة متجدد ما دام في الحياة الدنيا ، وهو من مصاديق الإبتلاء فيها .
فجاء نداء الإيمان ليسموا العقل على الشهوة ، وتعيش النفس في رياض الحكمة .
الثالث : الصلاة رباط للنفس والجوارح في سبيل الله ، والعصمة من الهوى والزلل ، ويمكن تقدير [ورابطوا] على وجوه:
أولاً : ورابطوا في الثغور .
ثانياً : ورابطوا بالخيل والسلاح ، وبين هذا المعنى والمعنى الأول عموم وخصوص من وجه , فمادة الإلتقاء من جهات :
الأولى : توجه الخطاب والأمر للمسلمين .
الثانية : المرابطة .
الثالثة : أخذ الحيطة من العدو .
الرابعة : تلقي المسلمين الأمر بالإمتثال .
وأما مادة الإفتراق فمن جهات :
الأولى : تقييد المرابطة من الوجه الأول بأنها في الثغور وأطراف المصر أو البلاد , أما في الوجه الثاني ، فالمرابطة مطلقة من حيث الجهة والمكان .
الثانية : جواز المرابطة في الثغور مع الخيل أو بدونها كما في إرادة إكثار السواد وعمارة الثغر , وأما في الثاني فلابد من الخيل والسلاح عند المرابطة ، وهما حاجة في أغلب الأحيان ، قال تعالى [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ] ( ).
ثالثاً : ورابطوا لعدوكم وذات النسبة وهي العموم والخصوص من وجه بين الوجه أعلاه وكل من الوجهين أولاً وثانياً .
قانون الرباط في سبيل الله
ويفيد هذا الوجه الإطلاق في ذاته وموضوعه وجهة الخطاب ، فاذا كان الرباط في الثغور ساقطاً عن المرأة والمريض والأعرج ونحوه فالرباط في سبيل الله مفهوم عام وشامل للرجل والمرأة ، ولا يختص موضوع الرباط في هذه الحال بموضع أو موضوع مخصوص ، وتلك آية في معنى اللفظ القرآني والمندوحة فيه سعة وضيقاً .
ومن إعجاز آية البحث وصيغة الأمر في القرآن لغة الإطلاق في ذات الأمر وموضوعه فليس من حصر لمعاني ووجوه المرابطة في قوله تعالى [ورابطوا] وفيه مسائل :
الأولى : إنه من مصاديق قانون ملائمة اللفظ القرآني لكل زمان ومكان , فيدرك المسلمون زمان وجوب المرابطة ، وقد يأتي هذا الإدراك بسبب غيري وخارج عنهم كما لو قام العدو بالهجوم على الثغور .
ومن الآيات في المقام هجوم الكفار على المسلمين في السنين الأولى للإسلام وعلى نحو متكرر ، وفي كل مرة يكون عدد وخيل وعدة المشركين أكثر من هجومهم السابق على المسلمين ، لبيان حاجة المسلمين إلى الرباط , ولزوم تعاونهم وتآزرهم فيه ، وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ] ( )من جهات :
الأولى : الأخوة بين المهاجرين والأنصار .
الثانية : الأخوة بين عموم المسلمين .
الثالثة : الأخوة بين كل إثنين من الصحابة بأمر , وتعيين من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
فآخى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين عبد الرحمن بن عوف و سعد بن الربيع ، وترتب على هذه الأخوة تعضيد وتآزر ومحبة .
وعن أنس بن مالك (أن عبد الرحمن بن عوف قدم المدينة فآخى رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري , فقال له سعد : آخي أنا أكثر أهل المدينة مالا فانظر شطر مالي فخذه. وتحتي امرأتان فانظر أيتهما أعجب إليك حتى أطلقها لك، فقال عبد الرحمن بن عوف: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلوني على السوق، فدلوه على السوق فاشترى وباع فربح بشيء من أقط وسمن، ثم لبث ما شاء الله أن يلبث فجاء وعليه ردع من زعفران .
فقال رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم: مهيم؟ فقال: يا رسول الله تزوجت امرأة، قال: فما أصدقتها؟ قال: وزن نواة من ذهب، قال : أولم ولو بشاة) ( ).
وآخى النبي بين أبي بكر وخارجة بن زيد الخزرجي، وبين مصعب ابن عمير وأبي ايوب وبين سلمان المحمدي وابي الدرداء
وآخى بين عمر بن الخطاب وعتبان بن مالك
وبين أبي عبيدة الجراح وسعد بن معاذ .
وبين الزبير بن العوام وسلامة بن سلامة بن وقش .
وبين طلحة بين عبيد الله وكعب بن مالك .
وبين مصعب بن عمير وابي أيوب خالد بن زيد .
وبين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع .
وبين سعيد بن زيد وابي بن كعب .
وبين عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان .
وبين أبي ذر والمنذر بن عمر .
وبين بلال وأبي رويحه عبد الله بن عبد الرحمن .
وبين حاطب وعويم بن ساعدة .
وآخى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بينه وبين الإمام علي عليه السلام .
(عن أنس قال: حالف النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين المهاجرين والانصار في دارنا) ( ).
وذكر أنه لم يبق أحد من المهاجرين إلا آخى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بينه وبين أنصاري ، ومجموع المتآخين من المهاجرين والأنصار تسعين رجلاً وقيل أن عددهم مائة وخمسين من المهاجرين ومثلهم من الأنصار .
وآخى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بينهم قبل معركة بدر على المواساة والتآزر والتوارث بعد الموت .
قانون الرباط إيمان
لقد ورد نداء الإيمان خطاباً وشهادة للمسلمين , وإخباراً للناس والخلائق بأن المسلمين بلغوا مرتبة الإيمان ، فلم تقل الآية ( يا أيها الذين يؤمنون ) لما في الفعل المضارع من إحتمال التعليق والحدوث في المستقبل ، بينما يفيد الفعل الماضي الحدوث والقطع والجزم ، لذا نسب إلى المشهور لزوم إجراء عقود البيع والنكاح والرهن ونحوه بصيغة الماضي ، والمختار جوازه بالفعل المضارع مع القرينة على إرادة وقوع العقد .
وهل يمكن تقدير نداء الإيمان : يا أيها الذين آمنوا بالرباط في سبيل الله ، الجواب نعم من جهات :
الأولى : ورود آية البحث بالأمر بالرباط الذي يلزم إمتثال المسلمين لدلالات الأمر على الوجوب إلا مع القرينة الصارفة ، وهي معدومة في المقام .
ومن الإعجاز مجئ الأمر بالرباط في آية البحث من آيات نداء الإيمان .
الثانية : إقتران الأمر بالرباط بالأمر بالصبر والمصابرة والتقوى ، وفيه حث للمسلمين على تعاهد الرباط , وإخبار عن إحتمال حصول الدفاع والقتال في المرابطة ، وأنها لا تعني الإقامة فقط ، أو الهروب عند تقدم وغزو العدو .
ومن فنون القتال رصد الخصم لحال المرابطين وعددهم ويقظتهم وأسلحتهم ، وإمكان مداهمتهم عند الغفلة خاصة وقت السحر .
ولقد شرعت صلاة الخوف في الإسلام كمعجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في باب السنة الدفاعية ، كما يمكن تشريع قسم جديد من أقسام السنة وهو السنة العبادية .
وسبب ومناسبة صلاة الخوف أنه جاء شخص إلى المدينة بجلب( ) ، فاشتراه منه أهل المدينة ودار بينهم وبينه حديث ، فقال للمسلمين : ابن بني أنمار بن بغيض ، وبنو سعد بن ثعلب يعدون العدة ويجمعون الرجال والسلاح للإغارة عليكم ، وأنتم ساكتون عنهم ، فبادر المسلمون إلى نقل الخبر إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليرى ما يجب فعله ، وهم يعلمون أنه لا يفعل إلا ما يأمره الله عز وجل به ، وما فيه المصلحة وعز الإسلام , ودفع المفسدة .
فأمر النبي بالنفير واستخلف على المدينة أبا ذر الغفاري , ويناقش في علم الأصول هل خبر الواحد حجة أم لا ، أم أن الواحد في سلسلة رجال الحديث ثقة ، وقد جاء خبر تهيأ أنمار لغزو المدينة خبر واحد ، ولعله غير مسلم لأنه تكلم بصيغة الغائب ، ولم يأت إلى المسجد النبوي ويصلي خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند دخوله المدينة ، ولكنه نصح المسلمين وصار كالعين لهم ، ومع هذا تم قبول قوله , وهذا القبول بالوحي من عند الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وهل يدل الأمر على ميل صاحب الجلب للإسلام , الجواب نعم , قال تعالى [وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ]( ).
وسار النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سبعمائة من أصحابه وقيل أربعمائة وقيل ثمانمائة ، ووصل إلى وادي الشقرة فأقام فيه يوماً ،وتقع الشقرة على يومين من المدينة المنورة ، أي أربعة أبرد ، وكل بريد أربعة فراسخ ، وكل فرسخ ثلاثة أميال وتكون المسافة نحو ثمانين كيلو متراً .
ترى لماذا أقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الشقرة ، الجواب من جهات :
الأولى : إعادة تنظيم الجيش .
الثانية : تهيئة أفراد الجيش أنفسهم للقتال .
الثالثة : تعاهد الصحابة للصلاة وذكر الله ، وعدم الإنقطاع للهم بالقتال ، وما فيه من أسباب الخوف ، إذ يبعث الذكر وأداء الصلاة على تنمية ملكة التوكل على الله في النفوس والوثوق بنصره سبحانه .
الرابعة : بعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم العيون والرصد .
الخامسة : التمرين والإعتياد على المرابطة والحراسة .
السادسة : سماع النبي صلى الله عليه وآله وسلم المشورة والرأي من أصحابه .
السابعة : معرفة تضاريس المنطقة ، وأفضل الطرق إلى الغاية والهدف .
الثامنة : التأكيد على إبتعاد الخطر , وإحتمال مباغتة العدو المدينة.
التاسعة : بعث الرعب والفزع في قلوب الذين كفروا لتناقل الناس خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، وعن جابر بن عبد الله قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنْ الأنْبِيَاءِ قَبْلِي : نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ ، وَجُعِلَتْ لِي الأرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا ، وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ ، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَة , وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً) ( ).
ولم يقم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في شقرة يوماً إلا بأمر الله عز وجل لأن هذه الإقامة من مصاديق قوله تعالى [وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى] ( ) وفيه دلالة على أن أسرار الإقامة في شقرة أعم وأوسع من الجهات التي ذكرناها أعلاه .
وعاد الرصد والسرايا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأخبروه أنهم لم يروا أحداً عندئذ سار النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أصحابه ، ولما وصل إلى ديارهم لم يجد فيها أحداً إلا النسوة إذ هرب الأعراب في رؤوس الجبال وصاروا ينظرون إلى المسلمين .
ولقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم جمعاً عظيماً من غطفان ، وتقارب الفريقان ، ولكن لم يقتتلا ، وكان المشركون يخافون أن يستأصلهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولكنه لم يجهز عليهم ، وبقي وأصحابه في حيطة وحذر ، مما يدل على ان خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم للدفاع والأمن من مكر وكيد الأعراب وبعث الرعب في قلوبهم ، ومن الآيات أنهم لم يقوموا بعدها بالتعدي على المدينة وقد شارك جمع منهم في فتح مكة .
(عن جابر بن عبد الله قال: ” صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأصحابه الظهر بنخل، فهم به المشركون ثم قالوا: دعوهم فإن لهم صلاة بعد هذه الصلاة هي أحب إليهم من أبنائهم.
قال: فنزل جبريل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره، فصلى بأصحابه صلاة العصر، فصفهم صفين بين أيديهم رسول الله والعدو بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكبر وكبروا جميعا وركعوا جميعا، ثم سجد الذين يلونهم والآخرون قيام، فلما رفعوا رؤوسهم سجد الآخرون، ثم تقدم هؤلاء وتأخر هؤلاء، فكبروا جميعا وركعوا جميعا، ثم سجد الذين يلونه والآخرون قيام، فلما رفعوا رؤوسهم سجد الآخرون ) ( ).
وسميت مضار ربة ذات الرقاع ، وعلة التسمية على وجوه :
الأول : قيام المسلمين الغزاة بلف أرجلهم بالخرق والرقاع والجلود لتورمها وإدمائها وسقوط أظفارهم بسبب المشي على الأقدام لقلة الرواحل ، حتى كان الستة والسبعة من الرجال يتناوبون على ركوب البعير الواحد ، مع وعورة الأرض وكثرة الأحجار الحارة فيها ، ليكون من مصاديق آية البحث [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] ( ) إذ يلزم المسلمين التحلي بالصبر مع تحمل الأذى والمشقة والعناء .
الثاني : سميت المعركة ذات الرقاع لقيام المسلمين بترقيع راياتهم.
الثالث : وجود شجرة في مكان المعركة تسمى ذات الرقاع .
الرابع : ذكر أنها (أَنّهَا أَرْضٌ فِيهَا بُقَعٌ سُودٌ وَبُقَعٌ بِيضٌ كَأَنّهَا مُرَقّعَةٌ بِرِقَاعِ مُخْتَلِفَةٍ فَسُمّيَتْ ذَاتَ الرّقَاعِ لِذَلِكَ) ( ).
والصحيح هو الأول ، ولا يمنع من التعدد ومناسبة الثاني والثالث له .
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ الْأَنْصَارِيّ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرّقَاعِ مِنْ نَخْلٍ ، فَأَصَابَ رَجُلٌ امرأة رَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَلَمّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ قَافِلًا ، أَتَى زَوْجُهَا وَكَانَ غَائِبًا ، فَلَمّا أُخْبِرَ الْخَبَرَ حَلَفَ لَا يَنْتَهِي حَتّى يُهَرِيق فِي أَصْحَابِ مُحَمّدٍ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ دَمًا ، فَخَرَجَ يَتْبَعُ أَثَرَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ فَنَزَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ مَنْزِلًا ، فَقَالَ مَنْ رَجُلٌ يَكْلَؤُنَا لَيْلَتَنَا ( هَذِهِ ) ؟ ” .
قَالَ فَانْتَدَبَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَرَجُلٌ آخَرُ مِنْ الْأَنْصَارِ ، فَقَالَا : نَحْنُ يَا رَسُولَ اللّهِ قَالَ ” فَكُونَا بِفَمِ الشّعْبِ . قَالَ وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ وَأَصْحَابُهُ قَدْ نَزَلُوا إلَى شِعْبٍ مِنْ الْوَادِي ، وَهُمَا عَمّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَعَبّادُ بْنُ بِشْرٍ فِيمَا قَالَ ابن هِشَامٍ . قَالَ ابن إسْحَاقَ : فَلَمّا خَرَجَ الرّجُلَانِ إلَى فَمِ الشّعْبِ ، قَالَ الْأَنْصَارِيّ لِلْمُهَاجِرِيّ أَيّ اللّيْلِ تُحِبّ أَنْ أَكْفِيَكَهُ : أَوّلَهُ أَمْ آخِرَهُ ؟ قَالَ بَلْ اكْفِنِي أَوّلَهُ قَالَ فَاضْطَجَعَ الْمُهَاجِرِيّ فَنَامَ وَقَامَ الْأَنْصَارِيّ يُصَلّي ، قَالَ وَأَتَى الرّجُلُ فَلَمّا رَأَى شَخْصَ الرّجُلِ عَرَفَ أَنّهُ رَبِيئَةُ الْقَوْمِ .
قَالَ فَرَمَى بِسَهْمِ فَوَضَعَهُ فِيهِ قَالَ فَنَزَعَهُ وَوَضَعَهُ فَثَبَتَ قَائِمًا ، قَالَ ثُمّ رَمَاهُ بِسَهْمِ آخَرَ فَوَضَعَهُ فِيهِ . قَالَ فَنَزَعَهُ فَوَضَعَهُ وَثَبَتَ قَائِمًا ، ثُمّ عَادَ لَهُ بِالثّالِثِ فَوَضَعَهُ فِيهِ قَالَ فَنَزَعَهُ فَوَضَعَهُ ثُمّ رَكَعَ وَسَجَدَ ثُمّ أَهَبّ صَاحِبَهُ .
فَقَالَ اجْلِسْ فَقَدْ أُثْبِتّ قَالَ فَوَثَبَ فَلَمّا رَآهُمَا الرّجُلُ عَرَفَ أَنْ قَدْ نَذِرَا بِهِ فَهَرَبَ قَالَ وَلَمّا رَأَى الْمُهَاجِرِيّ مَا قَالَ سُبْحَانَ اللّهِ أَفَلَا أَهْبَبْتَنِي أَوّلَ مَا رَمَاك ؟ قَالَ كُنْت فِي سُورَةٍ أَقْرَؤُهَا فَلَمْ أُحِبّ أَنْ أَقْطَعَهَا حَتّى أُنْفِذَهَا ، فَلَمّا تَابَعَ عَلَيّ الرّمْيَ رَكَعْت فَأَذِنْتُك ، وَأَيْمُ اللّهِ لَوْلَا أَنْ أُضَيّعَ ثَغْرًا أَمَرَنِي رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ بِحِفْظِهِ لَقَطَعَ نَفْسِي قَبْلَ أَنْ أَقْطَعَهَا أَوْ أُنْفِذَهَا) ( ).
ويحتمل عمل المهاجري والأنصاري هذا بلحاظ آية البحث وجوهاً :
الأول : إنه من الإيمان ومصاديق قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا].
الثاني : إنه من مصاديق قوله تعالى [اصْبِرُوا] لما في الحراسة والرصد والحماية وحفظ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من مباغتة العدو .
الثالث : إنه من المصابرة والمطاولة في السهر ومراقبة العدو .
الرابع : سهر وحراسة المهاجري والأنصاري من المرابطة ومصاديق قوله تعالى [وَرَابِطُوا].
الخامس : إنه من مصاديق قوله تعالى [وَاتَّقُوا اللَّهَ] .
وكل هذه الوجوه صحيحة لبيان إعجاز غيري للقرآن وهو أن الفعل الحسن المتحد ينطبق على المصاديق المتعددة الكثيرة .
وأختلف أهل السيرة في زمان ومكان مضاربة ذات الرقاع ، كما أختلف في أوان تشريع صلاة الخوف من جهتين :
الأولى : لحاظ وقوع صلاة الخوف في مضاربة ذات الرقاع التي أختلف فيه .
الثانية : مجئ الروايات بتعدد مناسبة تشريع صلاة الخوف والغزوة التي نزل فيها جبرئيل وأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بصلاة الخوف .
وذكرت وجوه بخصوص مضاربة ذات الرقاع :
الأول : وقعت سنة أربع للهجرة .
الثاني : سنة خمس للهجرة .
الثالث : سنة ست للهجرة .
الرابع : سنة سبع للهجرة .
الخامس : قبل كتيبة بدر الموعد والتي تسمى أسماء أخرى وهي :
الأول : بدر الآخرة .
الثاني : بدر الصغرى .
الثالث : بدر الثانية .
الرابع : بدر الأخيرة .
والتي وقعت في شعبان من سنة أربع ، فعند إنقضاء معركة أحد ، وأراد المشركون الإنصراف نادى أبو سفيان موعدكم بدر للعام القادم ، وقد تقدم ذكره .
لم يتعظ المشركون مما رأوا من الآيات والبراهين الساطعة والمعجزات في معركة بدر وأحد ، وحتى تعيين الموعد فيه فرصة لهم للإنزجار والتوبة والإمتناع عن القتال ، وهو الذي حصل واقعاً .
وعندما إقترب الأجل وفي شهر شعبان من السنة الرابعة للهجرة خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لذات الموعد وكان هذا الخروج آية في المرابطة العامة لجيش المسلمين والإحتراز من الذين كفروا .
لقد ظن كبار المشركين من قريش أن المسلمين وهنوا وضعفوا في معركة أحد وأن تعيين موعد للقتال يبعث الفزع والفتنة بينهم ويكون مناسبة للمنافقين لبث سمومهم ، وخيبة ظنهم إعجاز غيري لآية النداء المتقدمة ، وهو قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا] ( ) .
لبيان حقيقة وهي مع نزول المصيبة والخسارة بالمسلمين في معركة أحد وحرمانهم من الغنائم فيها ينشط المنافقون والذين في قلوبهم مرض لصد المسلمين عن الخروج للقتال بعد معركة أحد، فيكون نوع ترتيب ونوع تعاون بين المشركين الذين يريدون أن يهجموا ويغزوا المسلمين وبين المنافقين في المدينة وصدهم عن المسلمين عن الخروج ، فجاءت الآية أعلاه حرزاً وحرباً على منع المسلمين من الخروج للقتال .
فبادر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالخروج إلى بدر الموعد في ضعف عدد الصحابة الذين شاركوا في معركة أحد ، وفيه موضوعية لنداء الإيمان في كل من الآية السابقة [ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا ..]( )وآية البحث [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] ( ).
وكان حامل اللواء الإمام علي عليه السلام ، وحينما وصلوا إلى بدر أقاموا فيها ثمانية أيام .
وخرج أبو سفيان وكفار قريش ومن معهم من مكة وعددهم ألفان أي أن عدد المسلمين ثلاثة أرباع الذين كفروا لتتصف هذه الغزوة بكونها أقل فارق عددي بين الذين كفروا وبين المسلمين ، ليكون معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في السنة الدفاعية بأن أصاب الذين كفروا الخوف والفزع في الطريق إلى بدر لإدراكهم وفق مفهوم الأولوية القطعية بالخسارة ، فقد كان جيش المسلمين في معركة بدر نحو ثلث جيش الذين كفروا , وإنتصر المسلمون نصراً مبيناً بفضل الله ومدد الملائكة الذي أنزله لنصرة المسلمين .
ثم وقعت معركة أحد وكان عدد جيش المسلمين نحو ربع عدد المشركين ، ولم ينهزم المسلمون ، ولم يخسروا المعركة مع كثرة عدد الشهداء والجرحى بينهم .
وإتصف جيش المشركين في معركة بدر في شباط من السنة الثانية للهجرة قبل وقوع المعركة بدعوة بعضهم إلى التحذير من قتال المسلمين ولزوم إجتنابه مثل حكيم بن حزام وعتبة بن ربيعة ، ولكن لم ينصت لهم أبو جهل وأصحابه إذ تناجوا بالحرب والقتال ، فصاروا بين قتيل وأسير ومنهزم .
لقد أخطأ أبو سفيان إذ جعل بدراً موعداً للقاء والقتال مع المسلمين لأن ذات إسمه يبعث الفزع والخوف في قلوب المشركين ، وهذا المعنى من مصاديق قوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ] ( ).
ليكون من باب الأولوية أن الله عز وجل ينصركم ببدر لاحقاً وأنتم أعزة ، وتجلى النصر في معركة بدر الموعد بأن خاف الذين كفروا ورجعوا من وسط الطريق .
ووصل جيش المشركين إلى منطقة مرّ الظهران، وهذا الوادي يبدأ من جهة الشرق إلى جهة الغرب، حيث يبدأ بالقرب من مدينة الطائف، حيث أعالي جبال السراة، لينتهي به المطاف في المنطقة الموجودة بين كلٍّ من مدينة مكّة ومدينة جدّة , وهو على مرحلة من مكة ( قَالَ لَهُمْ أَبُو سُفْيَانَ : إنّ الْعَامَ عَامُ جَدْبٍ وَقَدْ رَأَيْتُ أَنّي أَرْجِعُ بِكَمْ فَانْصَرَفُوا رَاجِعِينَ) ( ).
وفيه مكرمة أخرى للمسلمين , وبيان لمنافع نداء الإيمان وذخائر جهادية من رشحات آية البحث وقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] ( ) إذ خرجوا طاعة لله ولرسوله إلى ميادين القتال مع الجوع وشدة الفاقة .
وإذا كانت قريش بثرائها وما عندها من أموال التجارة ومكاسب موسم الحج والعمرة تخشى القتال والإستمرار بالسير إلى منطقة بدر والتي تبعد عن مكة 310 كم , فكيف بالمسلمين الذين كانوا في حال فقر وعوز ، إنه آية من عند الله سبحانه , ومن فيوضات نداء الإيمان .
بحث أخلاقي
لقد إنقضت أيام النبوة، وإنقطعت بمغادرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى، وأبى الله عز وجل إلا أن تبقى البشارة والإنذار في الأرض، فتأتي بالآيات الكونية والقرآنية، وترد بواسطة المسلمين وقراءتهم القرآن وتحليهم بالأخلاق التي تترشح عن نداء الإيمان، قال تعالى في الثناء على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم[وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ]( )، لبيان أن أخلاقه معجزة، ويمكن إضافة قسيم جديد لأقسام السنة النبوية إسمه : السنة الأخلاقية.
وموضوعه هو حسن سمت النبي صلى الله عليه وآله وسلم والدلائل التي تؤكد إتصافه بمكارم الأخلاق، يشهد له بها القريب والبعيد , والمؤمن والكافر .
وهل كانت الخصال الحميدة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سبباً في دخول طائفة من الناس الإسلام، الجواب نعم، لإدراكهم بأن هذه الأخلاق مصداق للوحي.
لقد كانت سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مرآة للقرآن وتذكيراً بآياته، وفيها حث للمسلمين لمحاكاته وقد ورد(عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً ، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً ، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه)( ).
وليكون تقدير نداء الإيمان على وجوه :
الأول : يا أيها الذين آمنوا أن أخلاق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الوحي.
الثاني : يا أيها الذين آمنوا إعملوا بأخلاق رسول الله.
الثالث : يا أيها الذين آمنوا أدعوا الناس للإسلام بأخلاق النبي محمد.
الرابع : يا أيها الذين آمنوا تعاهدوا حسن الخلق فأنه من خصال المؤمنين.
الخامس : يا أيها الذين آمنوا تقربوا إلى رحمة الله وإلى رسوله بحسن الخلق .
وعن ابن عباس قال: قال أبو ذر سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم يقول: (إن أحبكم إلي وأقربكم مني الذي يلحقني على العهد الذي فارقني عليه)( ).
السادس : يا أيها الذين آمنوا حسن الخلق سبيل الوقاية من العذاب في الآخرة.
السابع : يا أيها الذين آمنوا الأخلاق الحميدة حرز وأمن من النفاق، وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ) ( ).
الثامن : يا أيها الذين آمنوا كنتم خير أمة أخرجت للناس بحسن الخلق كعلة وموضوع للأحسن من جهتين:
الأولى : نال المسلمون مرتبة ( خير أمة ) من بين الأمم في تأريخ الإنسانية لأنهم ذوو أخلاق حميدة.
الثانية : فاز المسلمون بدرجة خير أمة بحسن الخلق، فلم ترق أمة إلى مرتبة الأخلاق الحميدة وحسن الخلق بمثل التي جاء بها القرآن .
التاسع : يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم النار، بحسن الخلق.
ترى ماهي الصلة بين حسن الخلق ومضامين آية البحث , الجواب من وجوه :
الأول : إبتدأت الآية بنداء الإيمان، وهو شاهد على أن المسلمين بلغوا مرتبة الخلق الرفيع، وآمنوا بأن الله عز وجل يدعو إلى الأخلاق الحميدة.
الثاني : كل آية من آيات النداء تشهد للمسلمين بحسن الخلق وتدعوهم إلى تعاهد الأخلاق الحميدة، وتمنع من العادات القبيحة.
الثالث : آية البحث حجة على الذين كفروا , ويدعوهم نداء الإيمان للتحلي بالخلق الحميد، وهو طريق للإيمان ومرآة .
لقد جمعت آية البحث بين الأمر بالصبر والمصابرة والمرابطة وتقوى الله لبيان قانون وهو لزوم التحلي بالصبر والأخلاق الحميدة في حال السلم والحرب .
وأن تكون التقوى هي الملاك الذي يتقوم به كل من الصبر والمرابطة ، فلا يختار المسلم الصبر لتحصيل غاية دنيوية ، ولا يربطه للفوز بالغنيمة أو يجعله بلغة للتفاخر أو الحمية والعصبية ، إنما يكون القصد هو القربة إلى الله عز جل .
وفيه تنقيح مطلق للأخلاق وأن كان المورد خاصاً ، أي يخرج المجاهدون للرباط ، فيدعوا لهم أهل المدينة ويحفظونهم في أهليهم ، ويعلمون أن أفراداً منهم يمسكون الثغور دفاعاً عنهم وعن الإسلام ، وللإمام علي بن الحسين عليه السلام دعاء لأهل الثغور وحرس الحدود وأوله (اَللّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَ آلِه وَ حَصِّنْ ثُغُورَ الْمُْسلِمينَ بِعِزَّتِكَ وَ اَيِّدْ حُماتَها بِقُوَّتِكَ وَ اَسْبِغْ عَطاياهُمْ مِنْ جِدَتِكَ… وَ كَثِّرْ عِدَّتَهُمْ وَاشْحَذْ اَسْلِحَتَهُمْ وَاحْرُسْ حَوْزَتَهُمْ وَامْنَعْ حَوْمَتَهُمْ وَ اَلِّفْ جَمْعَهُمْ وَ دَبِّرْ اَمْرَهُمْ وَ واتِرْ بَيْنَ مِيَرِهِمْ وَ تَوَحَّدْ بِكِفايَةِ مُؤَنِهِمْ وَاعْضُدْهُمْ بِالنَّصْرِ وَاَعِنْهُمْ بِالصَّبْرِ وَالْطُفْ لَهُمْ فِي الْمَكْرِ) ( ).
وتتجلى في آية البحث مفاهيم الخلق الحميد بالأمر بتقوى الله والخشية منه سبحانه فالتقوى مدرسة الأخلاق ، وتقدير الآية على وجوه :
الأول : يا أيها الذين آمنوا أتقوا الله ) لأن التقوى مطلوبة بذاتها .
الثاني : يا أيها الذين آمنوا أصبروا وأتقوا الله .
الثالث : يا أيها الذين آمنوا أصبروا على تقوى الله بلحاظ أن التقوى تستلزم مجاهدة النفس والإمتناع عن إتباع الشهوات ، قال تعالى [إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي] ( ).
الرابع : يا أيها الذين آمنوا أصبروا فان الصبر من تقوى الله وجاء نداء الإيمان في الإيمان لبيان صبغة الصبر وأنها فرع الإيمان ومصداق للإيمان ومن أجل الإيمان .
قانون تداخل معاني كلمات الآية
من إعجاز القرآن الذاتي والغيري هداية كل كلمة في الآية القرآنية إلى معاني كلماتها الأخرى وتكون ضياءً يبعث على معرفة دلالاتها وبيسر للمسلمين التفقه في الدين ، ويقرب مفاهيم صيغة الأمر والنهي في القرآن ، وفي آية البحث مسائل :
الأولى : لقد إبتدأت آية البحث بنداء الإيمان لبيان الشرط والقيد في كل أمر ورد في آية البحث وكذا بالنسبة لخاتمة الآية التي هي بيان للعاقبة بقوله تعالى [لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] ( ) وتجلي قانون من وجهين متضادين :
الأول : الأجر والثواب للمسلمين على صبرهم ومرابطتهم ، قال تعالى [وَلاَ تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنْ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ] ( ) .
ومن إعجاز الآية أعلاه أنه لم يرد لفظ [تَأْلَمُونَ]و[ يَأْلَمُونَ] في القرآن إلا فيها ، مع تكرار لفظ [تَأْلَمُونَ].
ومن مصاديق إبتداء آية البحث بنداء الإيمان هو وجوب الصبر وجوباً عينياً على كل مسلم ومسلمة .
ومن إعجاز آية البحث ترشح المنافع والعلوم من كل كلمة من كلماتها , والجمع بينها وبين معاني ودلالات الكلمات الأخرى ، ليكون تقدير آية البحث على وجوه :
الأول : يا أيها الذين آمنوا أصبروا ) وفيه وجوه :
أولاً : من شرائط وتمام الإيمان الصبر ، فلا إيمان من غير صبر .
ثانياً : بيان قانون وهو شدة عداوة الذين كفروا للمؤمنين ، ومحاربتهم مجتمعين ومتفرقين , أي تكون الحرب على جهات :
الأولى : محاربة الكافر للمؤمن .
الثانية : حرب الذين كفروا على المؤمن الواحد .
وتتعدد ضروب هذه العداوة لتشمل العداوة ذات شخص المؤمن وأمواله ورزقه وعياله ، وشأنه في المجتمع ونحوه .
الثالثة : محاربة الذي كفر للمؤمنين ، فترى الكافر يذم المؤمنين ويحاول الإضرار بهم ، وقد تكون عداوة فرد واحد للمؤمنين أشد من عداوة طائفة منهم للمسلمين ، كما في سعي فرعون للإضرار ببني إسرائيل وأمره لجنوده بالخروج خلف موسى وبني إسرائيل لقتلهم وسبي نسائهم وأبنائهم .
وحالما علم فرعون بخروج موسى وبني إسرائيل ليلاً ، من مصر أمر فرعون باتباعهم وقال إلا تتبعوهم حتى يصبح الدين قبل (فوالله ما صاح ليلتئذ ديك حتى أصبحوا: فدعا بشاة فذبحت، ثم قال : لا أفرغ من كبدها حتى يجتمع إلي ستمائة ألف من القبط) ( ).
مما يدل على الضبط ودقة النظام وسرعة الإستجابة العامة للنفير الذي يصدر من فرعون ، فذبح الشاة ، وشواه وأكل الكبد لا يستغرق نصف ساعة خاصة في مطابخ الملوك وعند إرادة السير وملاحقة العدو .
وليس من رئيس في هذه الأزمنة , ومع الإرتقاء في وسائل الإتصال يستطيع جمع هذا العدد حتى بإحضارهم من دون أسلحتهم ، لقد كان فرعون شخصاً واحداً , ولكنه أراد تحريف مسار التأريخ ومنع الرسالة والتبليغ والدعوة إلى الله [وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ] ( ).
وهل كان في سير فرعون وجنوده خلف موسى عليه السلام وبني إسرائيل صبر ومصابرة ، الجواب نعم ، ولكنه صبر يجلب الإثم والعار ، وكان فيه هلاكهم ، قال تعالى في ذم فرعون وسوء عاقبته وقومه [فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنْ الأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا * وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا]( ) .
وتبين الآية أعلاه أن عاقبة صبر المسلمين العز والملك والسلطان وعاقبة ظلم وطغيان الذين كفروا الهلاك , وتدل على قانون يتعلق بآية البحث , وهو أن صبر ومصابرة المسلمين سبب لبناء صرح دولة الإسلام .
الرابعة : محاربة الذين كفروا متحدين للذين آمنوا مجتمعين ، وهو الذي يدل عليه قوله تعالى [وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً]( ) .
وتدل هذه الآية على موضوعية نداء الإيمان في الدفاع والإشتراك في صد الذين كفروا ، وتقدير الآية أعلاه : يا أيها الذين آمنوا قاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ).
ولفظ (كافة) سور الموجبة الكلية ، وورد في الآية أعلاه مرتين الأولى لإفادة لزول قتال المسلمين لكل المشركين ، أما الثانية فالمراد منها المسلمون ، وتقدير الآية : وقاتلوا جميع المشركين كما يقاتلونكم جميعكم .
وفيه دعوة للمنافقين للتوبة والإنابة لدلالة الآية بالدلالة التضمنية على بغض وقتال الذين كفروا لكل الذين دخلوا الإسلام ونطقوا بالشهادتين .
ثالثاً : إرادة تفقه المسلمين في المعارف الإلهية والإحاطة علماً بقانون وهو مجئ الإبتلاء مع إختيار الإيمان وبدخول العبد الإسلام أو تلقيه تركة وإرثاً كريماً يلجأ إلى الله عز وجل [وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ] ( ) وقد يظن المسلم أنه بعد الإيمان ليس إلا الأمن والسلامة .
فتفضل الله عز وجل وأخبرهم بلزوم التهيئ للإبتلاء ، والإستعداد له بالصبر .
إن عطف المصابرة على الصبر لا يعني إختصاص المصابرة بملاقاة الأعداء والصبر في غيرها بل إن الصبر سور جامع لحبس النفس ، وإبتدأت الآية بنداء الإيمان ، لبيان أن الصبر المأمور به المسلمون هو ما كان بصيغة الإيمان وللإيمان وتعاهده وإستدامة مفاهيمه ، وجلب الناس إلى مقاماته ، وكأن آية البحث تقول للمسلمين ، ما دمتم آمنتم بالله ورسوله فأصبروا .
رابعاً : لم يكن عند المسلمين في بداية الإسلام سلاح ورواحل تكفي لملاقاة الذين كفروا من قريش ، فمثلاً كان مع المسلمين في معركة بدر فرسان , ومع المشركين مائتان من الخيل، فتفضل الله عز وجل وهدى المسلمين إلى سلاح الإيمان وهو الصبر .
الثاني : تقدير آية البحث : يا أيها الذين آمنوا صابروا ) وليحث بعضكم بعضاً على الصبر والتحمل والرضا بأمر الله ومن معاني قوله تعالى [صَابِرُوا]صيرورة الصبر من مصاديق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ليكون تقديره على وجوه :
الأول : يا أيها الذين آمنوا أصبروا ليتعظ بكم المسلمون .
الثاني : يا أيها الذين آمنوا قوموا بالأمر بالصبر في طاعة الله .
الثالث : يا أيها الذين آمنوا إنهوا عن الجزع وعدم الصبر .
ترى ماذا لو لم يصبر المسلمون في مقامات الإيمان وساحات الوغى ، الجواب هو فوات النعم العظيمة ، والحرمان من الثواب على الصبر ، لقد هدى الله المسلمين للصبر ليصبح الذين كفروا في وهن وخوف وفزع .
وأيهما أشق الصبر أم المصابرة ، قد يقال بأن المصابرة هي الأشد والأشق على الفرد والجماعة لأنها نوع مفاعلة ، ولكن الصبر أعم في موضوعه والحاجة إليه , ويلزم حضوره في الوجود الذهني ، وعلى اللسان وعالم الأفعال .
وعن الإمام علي بن الحسين عليه السلام قال (إن لسان ابن آدم يشرف
كل يوم على جوارحه فيقول: كيف أصبحتم ؟ فيقولون: بخير إن تركتنا، ويقولون: الله
الله فينا ويناشدونه) ( ).
فينبسط الصبر على الحواس والجوارح وعلى العقل والفكر والإرادة والهم .
وهل يدخل الصبر في عالم النوايا فلابد أن تكون له موضوعية في سنخية النية , الجواب نعم، فصحيح أن الله عز وجل لا يعاقب المسلم على نية السوء إلا أن يفعله ، ولكن صرف نية السوء فيه ثواب للمسلم ، كما يأتي الثواب على حسن النية ، وفي التنزيل ورد في الثناء على يوسف عليه السلام [وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ] ( ) ليكون البرهان فضلاً من عند الله ومانعاً وصارفاً للهم بالسيئة .
(عن محمد بن كعب القرظي قال : ما بعث الله من نبي ولا أرسل من رسول أنزل عليهم الكتاب إلا أنزل عليه هذه الآية { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير)( ).
فكانت الأمم تأبى على أنبيائها ورسلها ، ويقولون : نؤاخذ بما نحدث به أنفسنا ولم تعمله جوارحنا؟! فيكفرون ويضلون ، فلما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم اشتد على المسلمين ما اشتد على الأمم قبلهم .
فقالوا : يا رسول الله أنؤاخذ بما نحدث به أنفسنا ولم تعمله جوارحنا؟ قال : نعم ، فاسمعوا وأطيعوا واطلبوا إلى ربكم ، فذلك قوله { آمن الرسول }( ) الآية .
فوضع الله عنهم حديث النفس إلا ما عملت الجوارح ، لها ما كسبت من خير وعليها ما اكتسبت من شر { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا }( ) قال : فوضع عنهم الخطأ والنسيان { ربنا ولا تحمل علينا إصرا . . . } الآية . قال : فلم يكلفوا ما لم يطيقوا ، ولم يحمل عليهم الإِصر الذي جعل على الأمم قبلهم ، وعفا عنهم وغفر لهم ونصرهم) ( ).
قانون الإيمان بلغة
لقد زيّن الله الحياة الدنيا بالآيات الكونية في السماء والأرض ، وسير وحركة الأفلاك ، وتعاقب الليل والنهار ، وتبادل الأيام على الناس ، وتعاقب الأشخاص والأجيال ليكون من زينة وبهاء الدنيا مضامين قوله تعالى [وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ] ( ).
ويحتمل الإيمان بلحاظ قانون زينة الدنيا وجوهاً :
الأول : الإيمان فرع زينة الدنيا ، إذ تتدافع الآيات عند حواس الإنسان ، وفي الوجود الذهني ليهتدي إلى الإيمان بالله والملائكة والنبوة والكتاب واليوم الآخر .
الثاني : الإيمان زينة للدنيا ، وعلة للبهجة فيها ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( ) بتقدير من وجوه :
أولاً : ذات الجن والإنس زينة في الدنيا .
ثانياً : عبادة الناس لله عز وجل زينة في الدنيا ، ومن الإعجاز في المقام تعدد وجوه العبادة ، ومنها وجوب الصلاة على كل مسلم ومسلمة وجوباً عينياً خمس مرات في اليوم لتكون في أطراف الليل والنهار وعند الآيات الكونية من طلوع الفجر ، وزوال الشمس وغروبها وعند العتمة ، وفيه شاهد على أن نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم زينة للحياة الدنيا ، ولا تختص فيوضاتها بمكان التنزيل ، بل تتغشى أقطار الأرض جميعاً .
ثالثاً : زينة وبهجة الحياة الدنيا نوع طريق للعبادة .
الثالث : يختلف العلماء في أصل وقواعد تقسيم آيات القرآن إلى مكية ومدنية .
والمشهور والمختار أن ما نزل قبل هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة مكي ، وما نزل بعد الهجرة مدني ، وهذا التقسيم علم شريف تتفرع عنه علوم ودراسات ، وتستقرأ منه القوانين والمسائل ، ولكن هناك آية عظمى في تلاوة المسلمين لآيات القرآن في أقطار الأرض كلها ، وفي كل ساعة ودقيقة من اليوم والليلة ، فلا يمر آن ما على الأرض إلا وهناك مسلمون يقرأون آيات القرآن في الصلاة للتباين في أوقات أصقاع الأرض ، ففي كل لحظة يكون في بلد صباحاً وفي بلد ظهراً وفي آخر غروباً ، أو ضحى أو عصراً أو ليلاً ، وهو من مصاديق قوله تعالى [بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ] ( )إذ يزين المسلم عند وقوفه في الصلاة الأرض ، ويكون ركوعه وسجوده والمسجد ضياءً لأهل السموات كالنجم لأهل الأرض .
لقد أراد الله عز وجل أن يكون المسلم حجة على الخلائق ، مما يستلزم الصبر في طاعة الله ، وفي التفقه في الدين , والتقيد بأحكام الحلال والحرام .
الرابع : الإيمان نور لصاحبه وضياء ينير له دروب الهداية ، ومن خصائص الشريعة الإسلامية قراءة كل مسلم ومسلمة قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]( ) ومن الصراط الإيمان ، وإتخاذه بلغة للنجاة في الدنيا والآخرة .
وعندما إحتجت الملائكة على جعل الإنسان خليفة في الأرض أجابهم الله عز وجل [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ) ومن علمه تعالى إصلاحه الأرض بعبادة المسلمين ، من أيام آدم عليه السلام فهو أول من صلى , وصيرورة الصلاة صبراً ، والصيام صبراً ، وكذا بالنسبة للحج والزكاة والخمس ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ] ( ) وكل فرد عبادي منها يزين الأرض بذاته ، وبإنطباق معنى كل من الإيمان والصبر عليه .
ومن معاني قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا] دعوة المسلمين لإتخاذ الإيمان صبراً وطريقاً للصبر ، ليكون هناك نوع إتحاد في السنخية بين الإيمان والصبر ، فيأتي الصبر بما يفيد الأجر والثواب ، ومن خصائص الإيمان بلغة ونوع طريق مبارك لأمور :
الأول : الإيمان أصل لعمل الصالحات .
الثاني : الإيمان إمتثال لأمر الله عز وجل ، وبلغة لمرضاته سبحانه .
الثالث : في الإيمان عصمة من الفساد , ونشر وسفك الدماء ، ومن مصاديق قوله تعالى [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ) في الرد على الملائكة وإحتجاجهم ، ومن علمه تعالى أن نداء الإيمان ذخيرة لتنزيه الأرض من الفساد .
وهل يرى الملائكة هذا القانون ومصاديقه , الجواب نعم ، فكل تلاوة للمسلمين لنداء الإيمان هداية ورشاد وحرب على الفساد ،وهو من أسرار تعدد نداء الإيمان في القرآن ، ووجوب قراءة القرآن في الصلاة وجوباً عينياً على كل مسلم ومسلمة ، وسيبقى الإيمان لواء الأمن والسلام .
الرابع : الإيمان بلغة لتنجز حكم الله في الأرض ، وإمتثال المسلمين والناس له ، لقد أكرم الله عز وجل الأنبياء وجعلهم رسله إلى الناس ،وخصهم بصفات منها ما ورد في قوله تعالى [وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ] ( ) ليكون من مصاديق الآية أعلاه وجوه :
أولاً : البشارة لمن يتلقى نداء الإيمان .
ثانياً : البشارة والغبطة لمن يعمل بالأوامر التي جاء بها الأنبياء .
ثالثاً : فوز الذي يمتثل لحكم الله بالبشارة ، قال تعالى [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً * فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ] ( ).
رابعاً : نداء الإيمان إنذار للذين كفروا ، وقد أمر الله عز وجل المسلمين بتلاوة نداء الإيمان في الصلاة للذكرى والموعظة والإنذار ، فمن وجوه تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم صيرورة كل مسلم ومسلمة مبشرين ومنذرين من جهات :
الأولى : تحلي المسلمين بالإيمان بشارة لمن يتبع نهجهم ، وإنذاراً للذي يجحد بالنبوة والإيمان .
الثانية : تلاوة المسلمين لنداء الإيمان ، وإذ تلا المسلم [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] فهل يشمله النداء , أم أن القدر المتيقن هو إرادة الغير بلحاظ أن النداء فيه أطراف وهي :
الأول : المنادي وهو الذي يقوم بالنداء .
الثاني : النداء .
الثالث : موضوع النداء .
الرابع : المنُادى وهو الذي يتوجه له النداء .
ومن خصائص النداء أن المنادي غير المنادى ، فاذا قال شخص لآخر صل الظهر فان الأمر غير المأمور ، وكذا بالنسبة للسؤال وطلب الحاجة فان السائل غير المسؤول ، والمستغيث غير المغيث ، ولكن إذا تلى المسلم نداء الإيمان فانه ينادي المسلمين جميعاً وينادي نفسه ، لوحدة الموضوع في تنقيح المناط ، ولأن أصل نداء الإيمان صدوره من عند الله عز وجل.
الثالثة : فعل ذات المسلم بشارة وإنذار .

قانون دفع العدو
لقد خلق الله عز وجل آدم وحواء في الجنة وعاشا ساعات من عمرهما فيها والتقيا بالملائكة ، وحذرهما الله عز وجل من العداوة وعداوة إبليس خاصة ، وفي التنزيل [فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنْ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى] ( ).
لتبين الآية أعلاه إرادة المعنى الأعم من لفظ الأسماء في قوله تعالى [وَعلم آدم الأَسْمَاءَ كُلَّهَا]( ) فيشمل كلاً من :
الأول : الاسم .
الثاني : الموضوع .
الثالث : النفع أو الضرر .
الرابع : عاقبة القول أو الفعل .
وهل يتضمن التحذير من إبليس في الآية أعلاه إرادة دفع العدو ، الجواب نعم ، لأنه يسعى للضرر والإضرار ، ومن الإعجاز أن هبوط آدم وحواء إلى الأرض بسبب عداوة إبليس لكي يكون الإنسان حذراً من العدو والعداوة , ويصير هذا الحذر مقدمة لنصر الإسلام ، وواقية من الغفلة .
وقد يظن الإنسان إختصاص العداوة وصدور التعدي والمكر من إبليس ، فجاءت قصة ولدي آدم وقتل أحدهما للآخر موعظة وبيانا بإن السكوت عن العدو مجلبة للضرر وسبب للهلاك ، لذا تفضل الله عز وجل وأمر المسلمين بالمرابطة في الثغور، وقال تعالى[فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ]( ).
وهناك نوع صلة بين الإنذار الموجه لآدم في الجنة وبين الأمر في آية البحث للمسلمين بالمرابطة .
وفي قوله تعالى [وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ] ( ) ذكر أن المراد من [ادْفَعُوا] هو رابطوا أي إمنعوا العدو من الإغارة على الثغور وإتلاف الزروع والأموال وسبي النساء والصبيان ، وظاهر الدفع في الآية غير القتال ، ويدل عليه العطف بـ [أو] الذي يفيد المغايرة ، ولكن المعنى أعم ، إذ أن قوله تعالى [ادْفَعُوا] على وجوه :
الأول : إدفعوا العدو بكثرة السواد ، فمتى ما رأى الذين كفروا كثرة المسلمين فانهم يهابونهم ويعزفون عن قتالهم .
الثاني : كونوا مستعدين للقتال بلحاظ أن دفع العدو من غايات القتال .
الثالث : بيان معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في السنة الدفاعية ، وهي أن القرآن جاء بالدفاع ، وتسمى الدول في هذا الزمان وزارة الجيش والقتال بوزارة الدفاع ، ويستقرأ من هذه التسمية العامة عدم حدوث قتال بين الدول ، لأن جيش كل دولة لا يقاتل إلا دفاعاً ، فيكون عدم حدوث قتال بين الدول , ونسأل الله أن يكون المسمى كالاسم في ذات السنخية فتعيش الشعوب والأمم بسلام , وهو من مصاديق قوله تعالى[يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ]( ).
ونزلت الآية أعلاه من سورة آل عمران بخصوص معركة أحد وإرادة ذم المنافقين ، وبعد أن لاقى كفار قريش الهزيمة والذل في معركة بدر أخذت الأخبار تصل إلى المدينة المنورة بأنهم يستعدون ويجهزون لمعركة فاصلة ، ولقد علموا أن جيش الإسلام في معركة بدر ثلاثمائة ونيف ، وعلمهم هذا ليس بالأخبار اللاحقة لمعركة بدر إنما في ذات يوم معركة بدر وقبل بدء القتال ، وهو من الدقة في فنون القتال آنذاك بالحرص على معرفة عدد أفراد جيش الخصم وأسلحتهم وهل لهم مدد ، لإعادة تنظيم الجيش وخطوط القتال ، وفق سرايا الإستطلاع أو يتجهون للصلح أو الإنسحاب من غير قتال عندما يظنون أن كفة القتال لن تكون إلى صالحهم .
وفي وقائع معركة بدر (قال ابن اسحق فحدثت عن رجال من بنى سلمة انهم ذكروا ان الحباب بن المنذر بن الجموح قال يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزل أنزلكه الله ليس لنا ان نتقدمه ولا ان نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة قال بل هو الرأي والحرب والمكيدة .
قال يا رسول الله ان هذا ليس بمنزل فانهض بالناس حتى نأتي ادنى ماء من القوم فننزله ثم تغور ما وراءه من القلب ثم تبنى عليه حوضا فتملاه ماء فتشرب ولا يشربون فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقد أشرت بالرأى فنهض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه من الناس فسار حتى أتى ادنى ماء من القوم فنزل عليه ثم أمر بالقلب فغورت وبنى حوضا على القليب الذى نزل عليه فملئ ماء ثم قذفوا فيه الآنية.
وروينا عن ابن سعد في هذا الخبر فنزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال ما اشار به الحباب.
قال ابن اسحق فحدثني عبدالله بن ابى بكر انه حدث ان سعد بن معاذ قال يا نبي الله ألا نبني لك عريشا تكون فيه ونعد عندك ركائبك ثم نلقى عدونا فان اعزنا الله واظهرنا على عدونا كان ذلك ما احببنا وان كانت الاخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا فقد تخلف عنك اقوام يا نبي الله ما نحن بأشد لك حبا منهم
ولو ظنوا انك تلقى حربا ما تخلفوا عنك يمنعك الله بهم يناصحونك ويجاهدون معك فأثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خيرا ودعا له بخير ثم بنى لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عريشا فكان فيه.
قال ابن اسحق وقد ارتحلت قريش حين اصبحت فأقبلت فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تصوب من العقنقل وهو الكثيب الذى جاءوا منه إلى الوادي قال اللهم هذه قريش قد اقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك اللهم فنصرك الذى وعدتني اللهم احنهم الغداة .
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورأى عتبة بن ربيعة في القوم على جمل له احمر ان يك في احد من القوم خير فعند صاحب الجمل الاحمر ان يطيعوه يرشدوا وقد كان خفاف بن ايماء بن رحضة أو ابوه ايماء ابن رحضة الغفاري بعث إلى قريش حين مروا به ابنا له بجزائر اهداها لهم .
وقال ان احببتم ان نمدكم بسلاح ورجال فعلنا قال فأرسلوا إليه مع ابنه ان وصلتك رحم قد قضيت الذى عليك فلعمري لئن كنا انما نقاتل الناس ما بنا ضعف ولئن كنا انما نقاتل الله كما يزعم محمد ما لاحد بالله من طاقة فلما نزل الناس اقبل نفر من قريش حتى وردوا حوض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منهم حكيم بن حزام فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعوهم فما شرب منه رجل يومئذ الا قتل الا ما كان من حكيم بن حزام فانه لم يقتل ثم اسلم بعد ذلك فحسن اسلامه فكان إذا اجتهد في يمينه قال لا والذى نجاني من يوم بدر.
قال وحدثني ابى رحمه الله اسحق بن يسار وغيره من اهل العلم عن اشياخ من الانصار قال لما اطمأن القوم بعثوا عمير ابن وهب الجمحى فقالوا احزر لنا اصحاب محمد فاستجال بفرسه حول العسكر ثم رجع إليهم فقال ثلاثمائة رجل يزيدون قليلا أو ينقصون ولكن امهلوني حتى انظر أللقوم كمين أو مدد قال فضرب في بطن الوادي حتى ابعد فلم ير شيئا فرجع إليهم
فقال ما رأيت شيئا ولكني قد رأيت يا معشر قريش البلايا تحمل المنايا نواضح يثرب تحمل الموت الناقع قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ الا سيوفهم , والله ما أرى ان يقتل رجل منهم حتى يقتل رجل منكم فإذا اصابوا منكم عدادهم فما خير العيش بعد ذلك فروا رأيكم) ( ).
ولم يَذكر المسلمين إلا بصفة أصحاب محمد، مما يدل على أصرار الكفار على الجحود وإرادتهم قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وكان رؤساء قريش يتصفون بمعرفة أخبار العرب ، ويحفظون الأشعار وقائلها والوقائع والأحداث التي قلت فيها وأدركوا أن عدد جيش المسلمين سيزداد في المعركة اللاحقة بمقدار الضعف أو الضعفين .
فجاءوا في معركة أحد بثلاثة آلاف رجل ، وكان إستعداد جيش المسلمين لمعركة أحد هو سلاح التوكل على الله ، وإستحضار وإستصحاب فضله تعالى على المسلمين في معركة بدر ، حتى نزل قوله تعالى [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ] ( ) .
وهل قوله تعالى [وَرَابِطُوا] من مضامين الآية أعلاه الجواب نعم لما في المرابطة من بعث الخوف والرهبة في قلوب الذين كفروا .
وتبين الآية أعلاه من سورة آل عمران حقيقة وهي أن كلاً من قوله تعالى [قَاتِلُوا][ ادْفَعُوا]إرادة الدفاع وأن الأمر بالقتال في الآية أعلاه لا يدل على إرادة الهجوم مع أن الطرف الآخر كفار مشركون بالله أذاقوا المسلمين أشد صنوف الأذى .
ومن معاني [ادْفَعُوا] دعوة المنافقين لحد أدنى من خصال المسلمين بأن يدفعوا العدو عن أنفسهم وعوائلهم ، وأن يحفظوا عهدهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويذبوا عن أنسابهم ، ولا تختص آثار هذا الدفاع بأيام زمانهم فهو شاهد ومعلم تطلع عليه الأجيال المتعاقبة من الناس .
وفي الطريق إلى معركة أحد بات النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في الطريق ، بعد أن صلوا المغرب والعشاء جماعة بامامة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم محمد بن مسلمة الأنصاري ومعه خمسون بحراستهم في الليل ، وهذا العدد هو نفسه عدد سرية الرماة على الجبل الذين تركوا مواقعهم .
فقد جعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم خمسين لحراستهم مع أن عددهم كان ألفاً ، وعندما بقوا سبعمائة في المعركة لم ينقص عدد الرماة ، والذين إختارهم ممن يتصف بالرماية وإصابة الهدف ومنع العدو ، ليكون واجب الرماة من مصاديق قوله تعالى [أو ادْفَعُوا] ( ) وتجلي قانون وهو شدة وفداحة الضرر عندما يتخلف المأمور بالدفاع عن واجبه .
وسار النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقت السحر قبل الفجر بقليل ، حتى إذا وصل موضعاً يسمى الشوط صلى بالمسلمين الفجر وكانوا قريبين من العدو يراهم ويرونه وأدرك رأس النفاق عبد الله بن أبي سلول أن المعركة واقعة وان قريشاً عزموا على الإجهاز على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه خاصة المهاجرين فقد أرادوا قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم واخذ المهاجرين ليدخلوا مكة أسرى أذلاء [وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ] ( ) .
فأظهر ابن أبي سلول الغيظ بحجة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أطاع المؤمنين الذين أرادوا الخروج لقتال المشركين ، بينما كان رأي ابن أبي سلول هو البقاء في المدينة لقتالهم ، فنادى بمن حوله من الخزرج والأوس وقال : (أطاعهم وعصاني، والله ما ندري على ما نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس، ثم رجع بمن معه من قومه من أهل النفاق وأهل الريب) ( ) .
فرجع معه نحو ثلث الجيش وأتبعهم عبد الله بن عمرو والد جابر الأنصاري وحثهم على الرجوع ، وأن لا يخذلوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقومهم ، وقال لهم قاتلوا أو أدفعوا ) ولكنهم أدعوا بانه لا يحصل قتال بين الفريقين .
لقد كان هذا الإنشقاق أشد وأسوء ما واجه المسلمين في معارك الحق ضد الباطل ، ترى هل كانت هناك مراسلات ورسل بين رؤساء الكفر من قريش وعبد الله بن أبي سلول قبل معركة أحد ، الأرجح نعم ، فقد حرصت قريش على إخبار طوائف اليهود وبعض الرؤساء في المدينة بالهجوم لمعركة أحد مع حثهم على التخلي عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان بعض أهل المدينة قد ذهب إلى مكة بعد معركة بدر للتحريض على الإسلام ، وقول الأشعار في رثاء قتلى المشركين يومئذ ، وممن ذهب أبو عامر الراهب وكعب بن الأشرف وكان فعل رأس النفاق أشد ضرراً من فعلهما .
وهل كان عبد الله بن أبي بن أبي سلول على إتفاق مع كفار قريش بأن ينسحب بنحو ثلث الجيش في الطريق إلى المعركة ، الأقوى لا ، للزوم وجود الدليل في المقام .
لقد أراد رأس النفاق قتال قريش مؤمنهم وكافرهم فيما بينهم ، وإضعاف دولة الإسلام ، وصيرورة جيش الإسلام ، في عجز عن دفع الذين كفروا يوم معركة أحد ، فجاءت آية البحث بكل ما يحتاجه المسلمون للخروج من المعركة بالنصر والظفر ، وهو من إعجاز القرآن الغيري بأن تأتي آية قرآنية على وجوه :
الأول : إختصاص المسلمين بالإكرام ونداء التشريف .
الثاني : بيان ما يلزم المسلمين في ساحة المعركة .
الثالث : إرادة المطاولة في الصبر إلى أن يجزع الذين كفروا ، ليتجلى لهم وللناس جميعاً الإعجاز الغيري في قوله تعالى [وَصَابِرُوا] بأن بهاء وبركة صبر وتحمل المسلمين ، وقد بلغوا أسمى مراتب الصبر إذ جمعوا في آن واحد بين الصبر على الجوع والفتنة وتلقي شك أهل الريب ، وقتال الذين كفروا وزادهم الصبر بصيرة ، ولذا تكررت مادة الصبر في آية البحث بقوله تعالى [اصْبِرُوا وَصَابِرُوا].
ويتجدد قانون [اصْبِرُوا ] في كل زمان ، ويتوجه لكل جيل من المسلمين ، ويكون طريقاً للفلاح ، وهو باعث للفزع والخوف في قلوب الذين كفروا ، ومن الإعجاز أنهم قد يسعون في كل زمان إلى محاربة الإسلام ، فيتصدى لهم قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا] ( ) فيكون واقية للمسلمين , وسلاحاً وسبباً لهزيمة الذين كفروا أمس واليوم وغداً .

مشاركة

Facebook
Twitter
Pinterest
LinkedIn

مواضيع ﺫات صلة