معالم الإيمان في تفسير القرآن – الجزء- 144

المقدمــــة
الحمد لله أقصى غاية الحمد مع إدراكنا بأن الحمد اللامتناهي قاصر وقصور عن منازل الحمد لله إلهاً وخالقاً ورباً ومالكاً.
الحمد لله من قبل ومن بعد وإلى يوم الدين الذي جعله الله عز وجل حساباً بلا عمل , ونسأله تعالى أن يجعل حمدنا حاضراً يومئذ , وواقية وحصناً لنا ولآبائنا وهو وسنخيته لغة عند أهل الجنة .
الحمد لله الذي أذن بالحمد له سبحانه في النشأتين بقوله تعالى[وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ]( )، لبيان أن الحمد لله نعمة على الناس في الدنيا، وإختص بها المؤمنون في الدار الآخرة، وهو من مصاديق نداء الإيمان الوارد في الآية قبل السابقة [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا]( ) والذي عطفت عليه آية البحث التي إختص هذا الجزء المبارك بها.
الحمد لله الذي علّم بالقلم وجعل ذخائر التفسير بحوراً بهية الأمواج ليس لها حد ومنتهى من جهة الكثرة والبيان.
الحمد لله الذي لا تحصى نعمه في كل ميدان في الحياة الدنيا، ولو إجتهد الناس في إحصاء تلك النعم في موضوع مخصوص ، لتجلى عجزهم وتقصيرهم، ومع هذا فان تلك النعم لا تبقى على حالها فهي في إزدياد مطرد يتخلف الناس عن تعقبها وتتبعها، فكيف وأن مواضيع نعمة الله أكثر وأعظم من أن يحيط بها التصور الذهني .
الحمد لله في السراء والضراء، والرخاء والشدة ، وحال السلم والمهادنة وشدة البأس .
الحمد لله على ما كتب وفرض علينا من العبادات والأحكام والسنن، ومن إعجاز القرآن ورود لفظ [كُتِبَ عَلَيْكُمْ] خطاباً للمسلمين أربع مرات كلها في سورة البقرة وعلى نحو متقارب بين آياتها مع التباين في اللفظ والموضوع، وهي :
الأول : [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى]( ).
الثاني : [كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ]( ).
الثالث : [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ]( ).
الرابع : [كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ] ( ).
وورد فردان منها بصيغة نداء الإيمان لبيان الحاجة إليه مدداً وعونا للمسلمين في أداء الصيام والعبادات الأخرى، والإمتثال للأحكام الشرعية بما يؤدي إلى صلاح المجتمعات والتنزه عن القتل وأكل المال بالباطل .
لقد إحتج الملائكة على جعل الإنسان في الأرض خليفة وقالوا[أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ]( )، والمختار أن إحتجاج الملائكة لم يكن بصيغة الإستفهام الإنكاري إنما أرادوا محاكاة الناس لهم في تقواهم وطاعتهم المطلقة وإنقيادهم التام لأمر الله عز وجل .
لقد تضرع الملائكة إلى الله عز وجل رجاء تنزيه الأرض وخلافتها من الفساد وسفك الدماء ، فأجابهم الله عز وجل بقوله [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ).
ومن علم الله تعالى بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونزول القرآن وسيلة سماوية مباركة لتهذيب النفوس وإصلاح الناس، وإختيار المسلمين طاعة الله ، وإجتناب معصيته , وإن ترتب على هذه الطاعة القتال والقتل الذي أخبر الله عز وجل بانه في سبيله تعالى بالآية الكريمة [وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ]( ) ، والتي جاء الجزء الواحد والأربعون بعد المائة من هذا السفر في تفسيرها , وبيان شذرات من ذخائرها .
وجاء هذه الجزء المبارك وهو الرابع والأربعون بعد المائة في تفسير الآية التالية لها، وهو قوله تعالى[وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ]( ).
وجاءت الأجزاء وهي(135 – 140) في تفسير نداء الإيمان في عدد من آيات القرآن بفيض ولطف من عند الله، وكلها قوانين ومسائل مستنبطة من رشحات قوله تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] في درر قرآنية لم تخطر على التصور الذهني إلا بفضل من الله سبحانه.
لقد توارث المسلمون تفاسير مباركة للقرآن تتألف من أجزاء معدودات تشمل آيات وسور القرآن كلها ، بذل العلماء الوسع في إنجازها، وساهم أهل العلم والمسلمون جميعاً في تعاهدها وتوارثها ، ليتفضل الله عز وجل علينا وعليكم بهذه الثروة والثورة ، إذ يأتي الجزء من هذا السِفر المبارك في تفسير آية واحدة وقد تأتي ثلاثة أو أربعة أجزاء( ) في تفسير وبيان تأويل آية واحدة من القرآن مع علمنا بأنها تستلزم الأكثر سواء في التفسير أو التأويل أو إستقراء القوانين والعلوم.
ولقد جعل الله عز وجل القرآن[تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( )، ليبقى بيان القرآن يدعو العلماء للنهل من بحور علمه التي لا قعر لها، ولا ساحل تقف عنده أمواجها التي تنثر الشذور، وتبعث على التفكر والتدبر، وتنمي ملكة التقوى.
الحمد لله الذي أنعم علينا بصدور أجزاء خاصة بالصلة بين شطر من آية وشطر من الآية التي قبلها ، لتكون نواة ونبراساً للعلماء في الأجيال اللاحقة باتباع ذات النهج إذ يصل معه تفسير القرآن إلى عدة ملايين من الأجزاء ، حتى على فرض أن كل جزء بصلة آية بآية أخرى من القرآن فتكون النتيجة 6236 × 6235 = 38881460 .
ستة آلاف ومائتين وستة وثلاثين تضرب بستة آلاف وخمسة وثلاثين , والنتيجة هي ( ثمانية وثلاثون مليون وثمانمائة وواحد وثمانون ألف واربعمائة وستون ).
لبيان قانون في إعجاز القرآن وهو أن ما يترشح عنه من العلوم والفيض من اللامتناهي وهي خزائن توليدية ومتجددة ومتنوعة وتستمر في تشعب المسائل والذخائر منها إلى يوم القيامة .
الحمد لله الذي جعل أرزاق القرآن والمكاسب منه بغير حساب، ولا ينحصر هذا الإطلاق بجهة أو موضوع إذ يشمل أموراً منها ما يسمى المقولات العشرة وغيرها : ( )
الأول : الجوهر وهو ما يقوم بذاته ، ويكون غنياً عن المحل.
الثاني : الكم .
الثالث : الكيف .
الرابع : الإضافة ، وهو تكرار النسبة بين شيئين مع الزيادة فيها.
الخامس : الأين ، وهو نسبة الشيء أو الجسم إلى المكان , وقيل أن نسبته إلى المكان أربعة , وهي الحركة والسكون والإجتماع والإفتراق.
السادس : المتى : وهو نسبة الشيء إلى الزمان .
السابع : الوضع : وهو نسبة أجزاء الشيء بعضها إلى بعض .
الثامن : الملك .
التاسع : الفعل .
العاشر : الإنفعال .
ومنهم من قال بدمج بعض المقولات العشرة ومنهم من رد بعضها إلى بعض ، أما بالنسبة لمعاني غير حساب في رزق الله عز وجل فهو توليدي وأعم من هذه المقولات .
الحادي عشر : الحركة والإنتقال الذهني والبدني.
الثاني عشر : الشفاء من الأمراض والسلامة من الأدران .
الثالث عشر : الزيادة في الأعمار .
والمختار أن المقولات العشرة تنقسم إلى قسمين :
الأول : الجوهر .
الثاني : العروض .
أما بالنسبة لرزق الله فهو بغير حساب ويأتي للذات والجواهر، ولكل عرض على نحو مستقل وبلحاظ ترشحه عن الجوهر والأصل , وذات المقولات العشرة تحتاج رزق الله عز وجل للتوسعة والتفصيل فيها والتفرع عنها .
الحمد لله الذي جعل القرآن ربيعاً للقلوب ، تترشح منه السكينة ويفيض بالأمل ويزيح الغم والهم ، ويجعل المسلم يدرك أن غده أفضل من يومه بتلاوة القرآن في الصلاة وخارجها.
وعن (عبد الله بن عمرو بن العاص ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، قال : من قرأ القرآن فقد استدرج النبوة بين جنبيه غير أنه لا يوحى إليه ، لا ينبغي لصاحب القرآن أن يحد مع من حد، ولا يجهل مع من جهل , وفي جوفه كلام الله تعالى) ( ).
اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم صلاة زاكية نامية .
الحمد لله الذي جعل الحياة الدنيا تدوم باتصال بالنبوة والتنزيل، ليقوم المسلمون بتعاهد وحفظ القرآن في رسمه وألفاظه وتلاوته ومعانيه وتفسيره ، وهل أداء المسلمين الصلاة كما أداها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من تعاهدهم وحفظهم للقرآن، الجواب نعم ، وهو من أسباب نزول رحمة الله عز وجل في سلامتهم .
لقد أراد الذين كفروا تخويف المسلمين بأنهم يقتلون إن خرجوا لقتال المشركين , ويموتون إن ضربوا في الأرض للتجارة ، ونشر مبادئ الإسلام .
فتفضل الله عز وجل بآية البحث وهو قوله تعالى [وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ] ( ) والتي يختص هذا الجزء المبارك في تفسيرها ، وهي مع قلة كلماتها تتضمن علوماً وقوانين تتعلق بأمور:
الأول : إيمان المسلمين .
الثاني : الإخبار عن كيفية مغادرة المسلمين الحياة الدنيا إما بالموت أو القتل ، وبينهما عموم وخصوص مطلق ، فالموت أعم ، وكل قتل هو موت وليس العكس ، ومن الآيات أن الموت هو الأكثر والأعم .
الثالث : إختتام الآية بالبشارة برجوع المسلمين إلى الله عز وجل ليجازيهم بالثواب العظيم ، ومن مصاديق قوله تعالى في الثناء على عظيم مخلوقاته والدعوة إلى التفكر فيها[بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ] ( ) تضمن القرآن خاصة والحياة الدنيا عامة مقدمات عالم الآخرة ، ليكون مرآة ومناسبة للذكرى والموعظة ، وآية البحث من الذكرى ومن الموعظة وهي تتضمن البشارة والإنذار في منطوقها ومفهومها .
ومن معاني مقدمات الآخرة في الحياة الدنيا وفود المسلمين إلى بيت الله الحرام لأداء الحج والعمرة ليكون هذا الوفود محاكاة لعمل الأنبياء وتذكيراً بالآخرة ، ومرآة لما بعد الموت برجوع المسلمين إلى الله عز وجل .
وعن (يزيد بن شيبان قال : كنا في موقف لنا بعرفة خلف الموقف في مكان بعيد ، فأتانا ابن مربع الأنصاري فقال : إني رسول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إليكم ، يقول لكم : اثبتوا على مشاعركم ؛ فإنكم على إرث من إرث إبراهيم) ( ).
لتكون برزخاً دون ترتب الأثر على قول الذين كفروا [لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا] ( ) ولتكون آية البحث مناسبة للغبطة والسعادة بذكر شهداء المسلمين ، وأنهم في جنة النعيم .
وهل تبعث آية البحث الفزع والخوف في قلوب الذين كفروا , الجواب نعم ، ليكون من مصاديق قوله تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ] ( ) أن كل آية قرآنية سبب لإلقاء الرعب والفزع في قلوب الذين كفروا ، وهي مادة وموضوع لإمتلاء نفوس المسلمين بالسكينة والطمأنينة لخصوص الحياة الدنيا ولعالم ما بعد الموت، فحالما تفارق روح المسلم الدنيا فانه يكون في حرز وواقية من الله عز وجل لأنه سبحانه ختم آية البحث بقوله تعالى [لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ]( ).
ومن مصاديق عطف آية البحث على نداء الإيمان بخصوص خاتمة الآية أعلاه أمور :
الأول : تحشرون كمؤمنين فلا تجدون إلا قرة العين والسعادة الأبدية .
الثاني : تحشرون إلى الله بأمن وسلام .
الثالث : بيان حسن عاقبة الذين ماتوا أو قتلوا من المسلمين ، وتقدير الآية (ولئن متم أو قتلتم لألى الله تحشرون كما حشر إخوانكم الذين غادروا الدنيا قبلكم بالموت أو القتال).
وقد يأسف المسلم أنه يموت على فراشه ولم يقتل في الدفاع عن الإسلام في ميادين القتال ، فتفضل الله عز وجل وقدم الموت في آية البحث لبيان عظيم ثواب وأجر المسلم وهو يموت مؤمناً مواظباً على الفرائض العبادية وأكثر المسلمين يموتون موتاً، وليس قتلاً ، وكذا عامة أهل الأرض وهو من رحمة الله عز وجل بالناس جميعاً في الدنيا وسبل إمهالهم بغية التوبة والإنابة وعمل الصالحات , واستدامة عمارتهم الأرض .
وهل تدل آية البحث على سلامة المسلمين والمسلمات من الإرتداد والنكوص ، الجواب نعم ، وهو من أسرار عطفها على نداء الإيمان ، إذ يطل هذا النداء على أهل الأرض كل يوم ليثبت المسلمين في مقامات الهدى ، ويزجر الذين كفروا عن الإضرار بهم ويبعث في نفوسهم اليأس من إرتداد أي فرد منهم ، بلحاظ أن نداء الإيمان عصمة وواقية وسلاح ،وهو من الإعجاز في النداء من عند الله عز وجل، وفيه أمور :
الأول : زيادة إيمان المسلمين .
الثاني : دعوة الذين كفروا للتوبة والإنابة .
الثالث : حث الناس على الفوز بتلقي نداء الإيمان والسلامة من الذم والتوبيخ الذي يتضمنه نداء مخاطبة الكفار ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ] ( ).
ولم يرد النداء أعلاه في القرآن إلا مرة واحدة ليحكي أحوال الذين كفروا بالتوحيد والنبوة والتنزيل في الآخرة ، فلم يناد الله عز وجل الذين كفروا في الحياة الدنيا بذات صيغة النداء، بينما خاطب ونادى المسلمين والمسلمات تسعاً وثمانين مرة في القرآن .
ومن الإعجاز أن الآية أعلاه توسطت آيتين لنداء الإيمان ، إذ سبقها قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ] ( ).
وجاء بعدها قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] ( ).
وهل من دلالات هذا الجمع البشارة بأن الذين آمنوا سيصبحون أكثر عدداً من الذين كفروا بين أهل الأرض .
الجواب نعم ، إذ يتضمن هذا الجمع دلالات وبشارات وتحد كبير للذين كفروا , وإخبار عن بركة ومنافع نداء الإيمان ، ومنها إنحسار مفاهيم الكفر والضلالة ، وحصر الذين كفروا وعجزهم عن الأثر والـتأثير بين الناس ، وتدل عليه آية البحث والتي جاءت معطوفة على آية النداء التي تخبر عن قول مذموم للذين كفروا ، يريدون منه تعطيل أسباب الهداية بين الناس وإعانة كفار قريش في عدوانهم وتعديهم فتفضل الله عز وجل وأخبر المسلمين عن حشرهم إلى الله عز وجل من أجل فوزهم بعظيم الثواب على الإيمان والصبر والجهاد في سبيل الله.
وهل الإعراض عن قول وصدّ الذين كفروا من مصاديق هذا الفوز ، الجواب نعم ، بلحاظ أن هذا الإعراض أمر وجودي يتضمن القصد والإرادة .
لقد ذكرت آية البحث الموت والقتل بصيغة الفعل الماضي وإن ورد بصيغة الجملة الشرطية .
بينما جاءت خاتمة الآية بصيغة المضارع [لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ]وهل يعني هذا التباين أن الحشر لا يقع إلا بعد إنقضاء أيام الدنيا والنفخ في الصور ، قال تعالى [يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا] ( ) الجواب لا .
ومن وجوه تقدير آية البحث التي يتضمنها هذا الجزء من التفسير : يا ايها الذين لم تغادروا الإيمان حتى الموت أو القتل ) بلحاظ كبرى كلية وهي ان عطف آية البحث على نداء الإيمان شاهد على تعاهد المسلمين للإيمان ، إذ ينادي الله عز وجل كل مسلم ومسلمة بذات الصفة والصبغة حتى يفارقوا الحياة ، ويكون من معاني تقدير الآية : يا ايها الذين آمنوا حتى تموتوا أو تقتلوا .
ويكون ذات المعنى بصيغة المفرد على وجهين :
أولاً : يا أيها الذي آمن حتى تموت أو تقتل .
ثانياً : يا أيتها التي آمنت حتى تموتي أو تقتلي.
فان قلت ليس على النساء جهاد ، وندب وخروج إلى سوح المعارك فهل يشمل قوله تعالى [وَلَئِنْ مُتُّمْ] النساء والرجال ويختص [أَوْ قُتِلْتُمْ] بالرجال دون النساء من المؤمنين.
الجواب لا ، فقد تقتل المرأة في سبيل الله لأن لفظ[فِي سَبِيلِ اللَّهِ] أعم من القتال .
ومن الآيات في المقام أن أول شهيد في الإسلام امرأة وهي سمية أم عمار بن ياسر ماتت تحت التعذيب قبل هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة وقبل أن ينزل الأمر من الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بالقتال .
(قَالَ ابن إسْحَاقَ : وَكَانَتْ بَنُو مَخْزُومٍ يَخْرُجُونَ بِعَمّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَبِأَبِيهِ وَكَانُوا أَهْلَ بَيْتِ إسْلَامٍ إذَا حَمِيَتْ الظّهِيرَةُ يُعَذّبُونَهُمْ بِرَمْضَاءِ مَكّةَ ، فَيَمُرّ بِهِمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَيَقُول ، فِيمَا بَلَغَنِي : صَبْرًا آلَ يَاسِرٍ مَوْعِدُكُمْ الْجَنّة فَأَمّا أُمّهُ فَقَتَلُوهَا ، وَهِيَ تَأْبَى إلّا الْإِسْلَامَ) ( )، أي أن قتل الكفار لها لم يمنعهم من الإستمرار بتعذيب عمار وأبيه .
وقال ابن إسحاق (وكان بلال بن رباح واسم أمه حمامة صادق الإسلام( ) طاهر القلب وكان أمية بن خلف يخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صلبه ثم يقول له لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى فيقول وهو في ذلك البلاء أحد أحد .
قال وكان ورقة بن نوفل يمر به وهو يعذب بذلك وهو يقول أحد أحد فيقول ورقة أحد أحد والله يا بلال ثم يقبل على أمية بن خلف ومن يصنع ذلك به من بني جمح فيقول أحلف بالله لئن قتلتموه على هذا لاتخذنه حناناً( )) ( ).
يا أيها الذين آمنوا أثبتوا على الإيمان حتى الموت أو القتل .
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار إختبار وإمتحان ، ويتقوم هذا الإختبار بالإيمان ، فهو الضياء الذي ينير دروب الإمتحان والإبتلاء لينجو الإنسان به سلاحاً وواقية وصاحباً ملازماً، وهو من مصاديق قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]( )، لوجوه :
الأول : ذات الإيمان صراط.
الثاني : الإيمان هو طريق ومقدمة للصراط.
الثالث : الإيمان نعمة ورشحة للصراط المستقيم.
وهو من فضل الله عز وجل بأن يجعل الحياة الدنيا وعاءّ للإيمان، وهي بأيامها ولياليها ، والآيات الكونية التي تتغشاها تهدي إلى الإيمان ، وتمنع من الكفر والضلالة .
لقد بعث الله الأنبياء وأنزل الكتب السماوية والناس يدركون ضرورة عبادة الله ولزوم التنزه عن الشرك والضلالة .
وهل هو من معاني ودلالات مجئ نداء الإيمان بصيغة الفعل الماضي [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] مع صبغة الإستمرار فيه بأن يشمل افراد الزمان الثلاثة الماضي والحاضر والمستقبل .
الجواب نعم , وهو لا يتعارض مع ترشح إيمان المسلمين عن بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وآيات ومعجزات رسالته العقلية والحسية من جهات :
الأولى : بذل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الوسع في التبليغ قال تعالى[يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ]( ).
الثانية : جهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في سبيل الله .
الثالثة : دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الله والجهاد , قال تعالى[يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ]( )، و(عن بريدة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا بعث أميراً على سرية أو جيش ، أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيراً ، وقال : اغزوا في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله ، إذا لقيت عدوّك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم.
ادعهم إلى الإِسلام فإن أجابوك فأقبل منهم، ثم ادعهم إلى التحوّل من دارهم إلى دار المهاجرين واعلمهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا واختاروا دارهم فاعلمهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة نصيب إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن آتوا فأقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله ثم قاتلهم)( ).
ومن إعجاز القرآن ان آية البحث من الجهات الثلاثة أعلاه ، وهو شاهد بأن السنة النبوية بيان وتفسير للقرآن ، فلا يختص هذا البيان بالقضية الشخصية بمعنى أن يكون فعل مخصوص للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تفسيراً لآية معينة ، إنما تكون ذات السنة مجتمعة ومتفرقة بياناً وتفسيراً لآيات القرآن على نحو العموم الإستغراقي والمجموعي والبدلي.
ومن الإعجاز في أحكام العبادات في الشريعة الإسلامية قراءة آيات من القرآن في الصلاة اليومية على نحو الوجوب العيني على كل مسلم ومسلمة فينتفي التعدد والتباين اللساني بين المسلمين ، ويقرأون جميعاً القرآن باللغة العربية خمس مرات في اليوم بقصد القربة إلى الله وليس في مناسبات أو أعياد مخصوصة ، لتكون غذاء عقلياً وحسياً للمسلمين ، وضياءً يومياً ينير لهم دروس الهداية , قال تعالى[أَقِمْ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا]( ).
فيلتقي المسلمون مع الناس جميعاً في الإنتفاع من الآيات الكونية كالشمس والقمر، ولكنهم يمتازون بالإنتفاع الأمثل من تلاوة آيات القرآن عدة مرات في اليوم لتكون كسباً وسكناً وحرزاً ، ووسيلة مباركة للصلاح وعلة لإستدامة إستفادة الناس من الآيات الكونية لعمومات قوله تعالى[وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ]( ).
لقد نزل قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ] ( ) أي بلغة قومه وعشيرته وأهل بلدته ، فان كانوا يتكلمون العربية فيخاطبهم النبي بالعربية ، وإن كانوا يتكلمون السريانية فالنبي معهم يتكلم السريانية ، وإن كانت لغة قومه وعشيرته وأهل بلدته أعجمية فبذات اللغة يتحدث معهم ويبشرهم وينذرهم ، ويكون الكتاب الذي ينزل معه بلغة قومه أيضاً تيسيرا لأسباب الهداية، ومقدمة لأداء الوظائف العبادية، وحجة على الناس وتوثيقاً لوقائع وأخبار النبوة، إلى أن تفضل الله عز وجل بنزول القرآن، فصار الوثيقة السماوية الخالدة لأخبار النبوة , والذي لا تصله يد التحريف وإلى يوم القيامة، وهو من قوله تعالى[وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ]( ).
ويقرأ المسلمون والمسلمات القرآن باللغة العربية ، وما من مسلم ومسلمة إلا ويقرءان القرآن عدة مرات كل يوم فهل يكون كل مسلم في شرق وغرب الأرض من قوم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أم أن القدر المتيقن من الآية أوان نزول القرآن وأنه نزل بلغة قريش والجزيرة , وهي العربية.
الجواب لا تعارض بين الأمرين , وكل مسلم هو من قوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم , ولفظ قوم كالرحم من جهة قابليته للإتساع بحسب الأسباب واللحاظ .
وقد أكرم الله عز وجل المسلمين بنيلهم مرتبة [خَيْرَ أُمَّةٍ] بقوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ) فقد خرجوا للناس بالقرآن وعربيته وتلاوته والعمل بمضامينه ، وبتلقي نبأ الموت أو القتل بالبشارة للحشر والجمع عند الله عز وجل ، ومن مصاديق [خَيْرَ أُمَّةٍ] قبول ورضا المسلمين والمسلمات في أقطار الأرض بتلاوة القرآن بعربيته في الصلاة ، ونفرة نفوسهم من تلاوته بغير العربية.
ومن الإعجاز تخلف ترجمة القرآن عن بلوغ معاني اللفظ والجملة القرآنية ونظم الآيات ، هذا الإعجاز الذي يتجلى بأبهى حلة في هذا التفسير المبارك الذي فيه آية من مصاديق الحجة والبيان لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باللغة العربية ، ليكون تخلف ترجمة القرآن إلى اللغات الأخرى عن الإحاطة بعلومه ومضامينه القدسية من مصاديق الآية أعلاه وقوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ]( ) بلحاظ أن إرسال النبي لقومه أعم من الوحي , ويشمل:
الأول : التنزيل والكتاب.
الثاني : الوحي.
الثالث : معاني الحكمة.
الرابع : قول وحديث النبي مع قومه.
الخامس : إصغاء النبي لما يقوله قومه.
السادس : قيام النبي بالإحتجاج وإبطال المغالطة.
السابع : عموم سنة ومنهاج النبي , قال تعالى في الثناء على الانبياء والترغيب بمنهاجهم[أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ]( ).
وآية البحث روضة علمية وخزينة لسانية تترشح عنها الدر واللآلي ، وتدعو الناس في كل زمان إلى النهل من علومها بخصوص الحياة والموت الذي هو أمر وجودي ، قال تعالى [خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ] ( ) وتنبأ آية البحث عن الحياة ما بعد الموت ووفود المؤمنين على الله العزيز الكريم .
وقد وردت أحاديث نبوية مستفيضة عن الموت ، وهي بذاتها مدرسة كلامية مستقلة ، تبعث على التدبر في ماهية وكنه الموت ، والأجل المحتوم للإنسان .
ومن الناس من يموت ولده قبله ليكون له فرطاً سابقاً فيتعظ منه، ومنهم من يفارقه أبوه وأمه وهم الأكثر، ليتيقن أنه على ذات النهج والعاقبة ، ولا يخطفه الموت على حين غرة من غير إمهال .
وجاءت آية البحث لطرد الغفلة عن المسلمين بخصوص الموت والأجل بالتذكير به ، كما أنها تمنع ترجيح أمور الدنيا عند الحاجة للدفاع خشية القتل وبقائها معلقة ، فمن معاني [لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ] ( ) الذي أختتمت به آية البحث الوعد بإنجاز المتعلق من شؤون وحاجات الدنيا بفضل ولطف من عند الله عز وجل.
فقد يخشى الإنسان على أبنائه الصغار من اليتم والعوز والفقر ، فتفضل الله عز وجل وأخبر بأن المسلم سواء مات على فراشه أو قتل فان الله عز وجل والملائكة يتلقونه بالبشرى ، وأن الله عز وجل يحيط أولاده برأفة منه سبحانه .
ومن الآيات مجئ القرآن والسنة النبوية بالحث على إكرام اليتامى والعناية بهم وعدم أكل ميراثهم أو بخس حقوقهم .
ولقد كان جهاد النبي محمد ً يعرضه كل يوم للموت في سبيل الله , ليكون كل يوم من أيام حياته معجزة له , ورد عن جابر بن عبد الله قال (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَعْرِضُ نَفْسَهُ فِى الْمَوْسِمِ عَلَى النَّاسِ فِى الْمَوْقِفِ فَيَقُولُ : هَلْ مِنْ رَجُلٍ يَحْمِلُنِى إِلَى قَوْمِهِ؟ فَإِنَّ قُرَيْشاً مَنَعُونِى أَنْ أُبَلِّغَ كَلاَمَ رَبِّي)( ).
أي لم يطلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم من القبائل أو الأفراد أن يقاتلوا معه أو يدافعوا عنه، إنما أراد منع الناس من إيذائه حتى يبلغ الناس رسالته، ويبين لهم معجزاته التي تدل على صدق نبوته.
فذهب إلى ثقيف بالطائف، وإمتنعوا عنه وأغروا الصبيان بإيذائه، وعرض نفسه على كندة وبني كعب وبني حذيفة وبني عامر بن صعصعة وقبائل أخرى فلم يجيبوه، ولم يقبلوا بإيوائه.
(وعن الزهري: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك السنين يعرض نفسه على قبائل العرب في كل موسم، ويكلم كل شريف قوم، لا يسألهم مع ذلك إلا أن يؤووه ويمنعوه، ويقول: ” لا أكره أحدا منكم على شئ، من رضى منكم بالذى أدعوه إليه فذلك، ومن كره لم أكرهه، إنما أريد أن تحرزوني فيما يراد لي من القتل حتى أبلغ رسالة ربى، وحتى يقضى الله لي ولمن صحبني بما شاء.
فلم يقبله أحد منهم، وما يأتي أحدا من تلك القبائل إلا قال: قوم الرجل أعلم به، أترون أن رجلا يصلحنا وقد أفسد قومه ولفظوه)( )، لأن عمه أبا لهب كان يمشي خلقه عند ذهابه إلى الوفود في موسم الحج، وهو يحثهم على عدم تصديقه، وينهاهم عن إتباعه وهو يقول: أيها الناس لا يغرنكم هذا عن دينكم ودين آبائكم)( ).
لقد كانت دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم للقبائل لنصرته باباً للخير والغبطة والسعادة في النشأتين، لذا قامت الحجة عليهم جميعاً ليفوز بها الأنصار، فلا تقول بعض القبائل لو عرض نفسه علينا لنصرناه، ولبيان صبر وجهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الدعوة إلى الله و(قَالَ ابن إسْحَاقَ : وَحَدّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ : أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَتَى بَنِي حَنِيفَةَ فِي مَنَازِلِهِمْ فَدَعَاهُمْ إلَى اللّهِ وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ الْعَرَبِ أَقْبَحَ عَلَيْهِ رَدّا مِنْهُمْ)( )، وسنذكره تفصيلا في قانون عرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم نفسه على القبائل.
وجاء وفد الأنصار في شهر رجب إلى مكة قبل هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لتنزل آيات القرآن وتتضمن البشارة للمسلمين والإنذار للكافرين بموضوع متحد وهو الحشر إلى الله ، وهو من مصاديق قوله تعالى [لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ]( ) فهو الذي يكرم المسلمين ويقهر الذين كفروا .
وهل يصح تقدير مفهوم آية البحث : يا أيها الذين كفروا لئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون ) الجواب نعم ،وهناك تباين الحال عند مواطن الآخرة، والحكم وسنخية العاقبة .
وقد وردت الآيات بالإخبار عن حشر الذين كفروا إلى جهنم ، كما ذكر حشر المؤمنين إلى الله عز وجل تعقبتها آية تتضمن سوق الذين كفروا إلى جهنم بقوله تعالى [يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا] ( ) وكأن النص في القرآن بصيغة الحشر إلى الله نوع بشارة ورحمة متجددة .
وعن الإمام علي عليه السلام (أنه قرأ هذه الآية { يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً }( ) فقال : أما والله ما يحشر الوفد على أرجلهم ، ولا يساقون سوقاً ، ولكنهم يؤتون بنوق من نوق الجنة ، لم تنظر الخلائق إلى مثلها ، عليها رحال الذهب ، وأزمتها الزبرجد، فيركبون عليها ، حتى يطرقوا باب الجنة .
وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة الجنة وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق ، عن علي عليه السلام قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن هذه الآية { يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً } قلت : يا رسول الله ، هل الوفد إلا الركب؟ قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم والذي نفسي بيده إنهم إذا خرجوا من قبورهم استقبلوا بنوق بيض لها أجنحة وعليها رحال الذهب شرك نعالهم نور يتلألأ ، كل خطوة منها مثل مد البصر .
وينتهون إلى باب الجنة ، فإذا حلقة من ياقوتة حمراء ، على صفائح الذهب وإذا شجرة على باب الجنة ينبع من أصلها عينان ، فإذا شربوا من إحدى العينين فتغسل ما في بطونهم من دنس ، ويغتسلون من الأخرى ، فلا تشعث أبشارهم ولا أشعارهم بعدها أبداً ، فيضربون بالحلقة على الصفيحة .
فلو سمعت طنين الحلقة يا علي ، فيبلغ كل حوراء أن زوجها قد أقبل ، فتستخفها العجلة ، فتبعث قيمها فيفتح له الباب ، فإذا رآه خر له ساجداً ، فيقول : ارفع رأسك فإنما أنا قيمك ، وكلت بأمرك . فيتبعه ويقفو أثره ، فتستخف الحوراء العجلة ، فتخرج من خيام الدر والياقوت ، حتى تعتنقه ، ثم تقول : أنت حبي ، وأنا حبك وأنا الراضية ، فلا أسخط أبداً ، وأنا الناعمة فلا أبأس أبداً ( )، وأنا الخالدة فلا أموت أبداً ، وأنا المقيمة فلا أظعن أبداً .
فيدخل بيتاً من أساسه إلى سقفه مائة ألف ذراع بني على جندل اللؤلؤ والياقوت طرائق حمر ، وطرائق خضر ، وطرائق صفر ، ما منها طريقة تشاكل صاحبتها . وفي البيت سبعون سريراً ، على كل سرير سبعون فراشاً ، عليها سبعون زوجة ، على كل زوجة سبعون حلة ، يرى مخ ساقها من وراء الحلل ، يقضي جماعهن في مقدار ليلة من لياليكم هذه.
تجري من تحتهم الأنهار؛ أنهار مطردة { أنهار من ماء غير آسن }( ) صاف ليس فيه كدور { وأنهار من لبن لم يتغير طعمه }( ) ولم يخرج من ضروع الماشية . { وأنهار من خمر لذة للشاربين } ( ) لما يعصرها الرجال بأقدامها . { وأنهار من عسل مصفى } ( )لم يخرج من بطون النحل ، فيستحلي الثمار فإن شاء أكل قائماً ، وإن شاء أكل قاعداً ، وإن شاء أكل متكئاً ، فيشتهي الطعام فيأتيه طير بيض أجنحتها فيأكل من جنوبها ، أي لون شاء ، ثم تطير فتذهب ، فيدخل الملك فيقول : { سلام عليكم } ( ){ تلكم الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون }( )) ( ) .
لقد ملأ الله عز وجل الحياة الدنيا بالآيات الكونية والعلامات والحجج الدائمة والبراهين الحادثة التي تدعو الإنسان للإستعداد للموت وما بعد الموت بلحاظ أن ذات الموت إبتلاء عظيم وتغيير نوعي لا يشابهه أمر في الدنيا .
أما ما بعده فهو عالم آخر يفوق التصور الذهني لولا أن خفف الله عز وجل وبيّن معالمه في القرآن ، وحال التضاد فيه بين المؤمنين والذين كفروا ، وهل تدل آية البحث على هذا التضاد .
الجواب نعم ، إذ أنه تذكر صيرورة المسلمين كنف رحمة الله والإستقرار الدائم في رياض ورضوان الله عز وجل ، والذي يدل في مفهومه أن الذين كفروا يبؤون بغضب من الله عز وجل ، ويكون الموت بداية لشقائهم وعذابهم الذي لا إنقطاع له .
ومن خصائص آية البحث أنها نوع أمان للمسلم في عالم ما بعد الموت ، وهو أمر لا يقدر عليه إلا الله عز وجل , وفيه بيان لفيوضات تلاوة القرآن وحضورها في الآخرة ، وهل يعني هذا أن على المسلم أن يتعاهد إيمانه كي يفوز بهذا الأمن والأمان والوعد الكريم من عند الله بأن يحشر إليه سبحانه ، الجواب نعم , ولكن هذا التعاهد يتحقق بمدد وعون من عند الله عز وجل.
مما يدل على حاجة المسلم إلى رحمة الله عز وجل لكفايته وثباته على الإيمان ، ونصره على النفس الشهوية وأسباب الإفتتان والإبتلاء ، ومنها ما ورد في الآية قبل السابقة والتي عطفت عليها آية البحث والتي تنهى المسلمين عن محاكاة الذين كفروا والمنافقين في خذلانهم وتخذيلهم ولمزهم وصدهم عن سبيل الله ففضحهم الله ، وكشف قبح مقاصدهم ، قال تعالى [قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ]( ).
لقد غمز الذين كفروا الشهداء بقولهم [لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا] ( )لتحريض المؤمنين ومنعهم من الخروج في طاعة الله ورسوله ، فتفضل الله عز وجل وذبّ ودافع عن الشهداء ، وعن الأحياء من المسلمين بكلمات قليلة في آية البحث لتكون تبكيتاً للذين كفروا , وباعثاً لليأس في قلوبهم ، وبشارة للأجيال المتعاقبة من المسلمين[وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا] ( ).

 حرر في 26 أيلول 2016

24 ذو الحجة 1437

قوله تعالى [وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ]الآية 158 .

الإعراب واللغة
وَلَئِنْ : الواو :حرف عطف وإستئناف , على منهجيتنا بإمكان إجتماعهما بلحاظ تعدد معنى الحرف القرآني .
واللام قيل أنها الموطئة للقسم ، وهو مشهور النحاة ، وتسمى أيضاً المؤذنة بالقسم أي أنها وطأت ومهدت الجواب للقسم , وهي تهيئ الذهن لتعيينه ولو في الجملة ، وأكثر ما تدخل على (إن) كما في آية البحث , وتقدير الآية : والله إن متم .
والمختار أنها لا تدل على القسم ، وقد يأتي معها القسم , كما لو قلت : والله لئن شكرت الله دعوت لك ) .
ومع رجحان عدم إحتساب اللام لتأكيد القسم , فإن مجئ أداة القسم الواو واسم الجلالة أمارة على عدم إرادة القسم من اللام .
والمختار أنها حرف إبتداء , وفيها شائبة الشرط والقطع ، وهو من إعجاز الحرف القرآني ، وتعدد معانيه والعجز عن أدراك كنهه وغاياته الحميدة .
والقسم واليمين والحلف بمعنى واحد(والقَسَم: اليمين، ويجمع على أقسام، والفعل: أقْسَمَ( ).
وفي الإصطلاح الشرعي هو ربط النفس بعهد بين العبد وبين الله عز وجل بفعل شيء والإقدام على أمر كما لو قال العبد : والله لأصومن غداً،) أو التعهد بالإمتناع عن أمر بالقسم بالمعظم عند النفس كما لو قال الإنسان: تالله لأكف عن الغيبة .
ويقال أقسم بالله، وتقاسم الجمع أي تحالفوا .
وتعهد بعضهم لبعض باليمين , قال تعالى[قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ]( )، وسمي القسَم بفتح السين يميناً لأن بعضهم يأخذ بيد بعضهم الآخر عند القسم والحلف ، ليكون هذا الأخذ توكيداً فعلياً , وحثاً على تذكر اليمين والتقيد بمضامينه .
وعن الأصمعي قال : أقبلت ذات يوم من مسجد الجامع بالبصرة فبينا أنا في بعض سككها إذ أقبل أعرابي جلف جاف على قعود له ، متقلدا سيفه ، وبيده قوس ، فدنا وسلم ، وقال : ممن الرجل ؟ فقلت : من بني الأصمع ، فقال لي : أنت الأصمعي ؟ .
قلت : نعم ، قال : من أين أقبلت ؟ قلت : من موضع يتلى كلام الرحمن فيه ، قال : أو للرحمن كلام يتلوه الآدميون ؟ فقلت : نعم يا أعرابي ، فقال : أتل علي شيئا منه ، فقلت : انزل من قعودك ، فنزل وابتدأت بسورة الذاريات ذروا حتى انتهيت إلى قوله تعالى [وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ]( ).
قال الأعرابي : هذا كلام الرحمن ؟ قلت : أي والذي بعث محمداً بالحق إنه لكلامه أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، فقال لي : حسبك ، فقام إلى ناقته فنحرها بسيفه ، وقطعها بجلدها , وقال : أعني على تفرقتها ، فوزعناها على من أقبل وأدبر ، ثم كسر سيفه ، وقوسه ، وجعلها تحت الرملة ، وولى مدبرا نحو البادية ، وهو يقول : ( وفي السماء رزقكم وما توعدون ) يرددها .
فلما تغيب عني في حيطان البصرة ، أقبلت على نفسي ألومها ، وقلت : يا أصمعي ، قرأت القرآن منذ ثلاثين سنة ومررت بهذه وأمثالها وأشباهها فلم تتنبه لما تنبه له هذا الأعرابي ، ولم يعلم أن للرحمن كلاما .
فلما قضى الله من أمري ما أحب ، حججت مع هارون الرشيد أمير المؤمنين فبينا أنا أطوف بالكعبة إذا أخبرنا بهاتف يهتف بصوت رقيق : تعال يا أصمعي ، تعال يا أصمعي ، قال فالتفتُ ، فإذا أنا بالأعرابي منهوكا مصفارا ، فجاء ، وسلم علي ، وأخذ بيدي وأجلسني وراء المقام ، فقال : اتل من كلام الرحمن ذلك الذي تتلوه فابتدأت ثانيا بسورة الذاريات ، فلما انتهيت إلى قوله : ( وفي السماء رزقكم وما توعدون ) ( ) صاح الأعرابي ، وقال : قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا ، قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا .
ثم قال : يا أصمعي ، هل غير هذا للرحمن كلام ؟ قلت : نعم يا أعرابي ، يقول الله عز وجل : ( فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون ) ( ) : فصاح الأعرابي عندها وقال : يا سبحان الله ، من ذا أغضب الجليل حتى حلف ؟ أفلم يصدقوه بقوله حتى ألجؤوه إلى اليمين قالها : ثلاثا وخرجت نفسه ) ( ).
وفي القَسم أطراف :
الأول : فعل القسم، مثل أقسم، أحلف .
الثاني : التعدي بأداة القسم مثل الحروف كالباء والواو أو الأسماء مثل أيمن ويمين، أو الأفعال مثل : أحلف ، أقسم .
الثالث : المقسم به .
الرابع : الأمر الذي يقسم عليه، ويسمى جواب القَسمَ.
ومن اليمين بالأسماء اليمين بالعمر، كما في قوله تعالى[لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ]( ).
وفي الآية أعلاه وجوه :
الأول : إنه قسم وحلف من عند الله عز وجل بحياة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : جاء قوله تعالى[لَعَمْرُكَ] للتأكيد، وهو من صيغ ولغة العرب في تأكيد الكلام، وعن أبي الجوزاء عن ابن عباس قال : فالخلق لله عزّ وجلّ ولا برأ ولا ذرأ نفساً أكرم عليه من محمّد، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد إلاّ حياته , قال [لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ]( ).
الثالث : بيان عظيم شأن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومنزلته عند الله عز وجل.
الرابع : دعوة الناس لإكرام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وإجماع المسلمين على عدم إنعقاد اليمين الشرعي إلا بالله عز وجل، وهو الذي تترتب عليه الكفارة في حال المخالفة والحنث ، ولا كفارة في اليمين الغموس الكاذبة كما في الإفتراء على الغير وتثبيت حق عليه وهو برئ منه , وسميت بالغموس لأنها تغمس وتدخل صاحبها في النار.
وقرأ نافع وحمزة والكسائي (متِم) بكسر الميم، والقراءة المرسومة في المصاحف بضم الميم , وهو الصحيح , وبه قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر في جميع القرآن.
والذي كسر قرأه من مات يمات مِت، كما لو قال : خاف يخاف خفت( )، وضم الميم هو الأشهر والأنسب والأقيس ( والكسر شاذ القياس وإن كان قد استعمل كثيراً) ( ).
وبخصوص الآية السابقة قرأ جمهور الناس (تَجمعون) بالتاء على المخاطبة وهي أشكل بالكلام) ( )، وإرادة ذات نسق الخطاب في الآية وتوجهه للمسلمين (ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم) والقراءة الصحيحة هي ما مرسوم في المصاحف أي (يجمعون) بالياء .
متم : فعل ماض مبني للمجهول مبني على السكون .
قتلتم : معطوف على متم .
لإِلَى اللَّهِ : اللام قيل أنها واقعة في جواب القسم .
إلى الله : جار ومجرور متعلق بـ [تُحْشَرُونَ].
تُحْشَرُونَ: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون .
الواو : نائب فاعل .
والقتل معروف , وهو زهوق الروح ، وإنفصالها عن البدن وإنقطاع الحركة بسبب وآلة .
وفي التنزيل [قَاتَلَهُمْ اللَّهُ]( )، أي لعنهم الله، وطردهم عن رحمته (ويقال : وقَوْمٌ أقْتَالٌ : أهْلُ الوِتْرِ والتِّرَةِ ( ).
وورد في تفصيل المواضع وأمكنة الناس أن (الحواء مكان الحي ، الحلال الحلة ، والمحلة مكان الحلول ، الثغر مكان المخافة .
الموسم مكان سوق الحجيج .
المدرس مكان درس الكتب , المحفل مكان اجتماع الرجال ، المأتم مكان اجتماع النساء النادي .
والندوة مكان اجتماع الناس للحديث والسمر ، والمصطبة مكان اجتماع الغرباء، ويقال: بل مكان حشد الناس للأمور العظام.
المجلس مكان استقرار الناس في البيوت , الخان مكان مبيت المسافرين, الحانوت مكان الشراء والبيع الشديد.
المرقد مكان الرقاد .
الناموس مكان الصائد , المرقب مكان الديدبان( ) , القوس مكان الراهب , المربع مكان الحي في الربيع , الطراز المكان الذي تنسج فيه الثياب الجياد ( ).
وبين الموت والقتل عموم وخصوص مطلق، فكل قتل هو موت، وليس العكس .
والحشر : الجمع (وحَشَرْتُ الناس أَحْشِرُهُمْ وأَحْشُرُهُمْ حَشْراً: جمعتهم ومنه يوم الحِشْر( ).
والمحشِر، بكسر الشين: موضع الحشر .
والمحشر يوم القيامة، والحاشر هو الله عز وجل .
وورد أن الحاشر اسم من أسماء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أي الذي يحشر الناس على ملته .
وعن جبير بن مطعم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لي خمسة أسماء أنا محمد وأحمد وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا العاقب( )، أي الخاتم للأنبياء فلا نبي بعده .
وروي في حديث ضعيف أن رجلاً لحن بحضرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقال : أرشدوا أخاكم فقد ضلّ( ).
وعن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أنا النبي لا كذب ، أنا ابن عبد المطلب ، أنا أعرب العرب ، ولدتني قريش ، ونشأت في بني سعد بن بكر ، فأنى يأتيني اللحن ( ).
وقيل أن اللحن ظهر مع كلام الموالي والمتعربين، وليس بتام فقد يدل الحديث أعلاه في مفهومه على وجود اللحن عند بعض الناس، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم منزه عنه، نعم كثر اللحن في أيام دخول الأعاجم الإسلام، فكتب أبو الأسود الدؤلي قواعد اللغة بأمر وتعليم من الإمام علي عليه السلام.
ونقل السيوطي في المزهر عن أبي الطيّب عبد الواحد بن علي اللغوي في كتابه مراتب النحويين ما حاصله : إن أول من رسم للناس النحو واللغة أَبو الأسود الدؤلي , وكان أخذ ذلك عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام , الذي ولاه البصرة أيام خلافته , وشهد معه معركة الجمل وصفين وحرب الخوارج .
وكان من أعلم الناس بكلام العرب مات أبو الأسود سنة تسع وستين للهجرة .
قال أَبو حاتم : تعلم منه ابنه عطاء بن أَبِي الأسود ثمَّ أَبو سليمان يحيى بن يَعْمر العَدْواني ثمَّ أَبو عبد الله مَيمون الأقرن ثمَّ عَنبَسَة الفيل قيل هو لقب أبيه . ثمَّ أخذ عن يحيى عبد الله بن أَبِي إسحاق الحضرميّ وكان أعلم أهل البصرة بها وكان في عصره أَبو عمرو بن العلاء المازني اختلف في اسمه على أحد وعشرين قولاً أصحها زبَّان( ).
همزة القطع وهمزة الوصل
وورد رسم (لئن) لوجوه :
الأول : إختصاص الرسم القرآني برسم الحروف بكيفية توقيفية.
الثاني : قاعدة إتباع الهمزة المتوسطة في حركتها لأقوى الحركتين وهما .
الأولى : حركة الهمزة .
الثانية : حركة الحرف ما قبل الهمزة ، وهذا الرجحان على وجوه ترتيبية وهي :
الأول : الكسرة وتناسبها الياء أو النبرة كما في قوله تعالى[بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي]( )، فحركة الحرف السابق للهمزة وهو الباء الكسر، وهو أقوى الحركات في موضوعية حركة الهمزة، بينما كانت حركة الهمزة هي السكون .
الثاني : الضمة، وتلائمها الواو وسواء جاءت على الهمزة أو على الحرف الذي قبلها فتقدم على الضمة والسكون، كما في قوله تعالى[إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ]( ).
الثالث : الفتحة، ويناسبها الألف (أ) .
وقد تكون حركة الهمزة والحرف الذي قبلها، الفتح، كما في (أرأيتك) في قوله تعالى[قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ]( ).
الرابع : السكون وهو أضعف الحركات، أي تكون له موضوعية عند غياب الحركات الأخرى .
وتقسم الهمزة في أول الكلمة إلى قسمين :
الأول : همزة الوصل : سميت همزة وصل لأن المتكلم يتوصل بها الى النطق بالحرف الساكن ، وتثبت هذه الهمزة نطقاً في أول الكلام وكأنها همزة قطع ولكنها لا تكتب، إنما يكتب الألف وحده ولا تقع همزة الوصل إلا في أول الكلمة، ولا تأتي في وسطها أو آخرها، وهي على شعبتين :
الأولى : همزة الوصل في الأسماء مثل(إبن) في قوله تعالى[وَلَمَّا ضُرِبَ ابن مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ]( )، ومثل (إسم) في قوله تعالى[تَبَارَكَ اسم رَبِّكَ ذِي الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ]( ).
الثانية : همزة الوصل في الأفعال، وتحذف من فعل الأمر الثلاثي، ويكتب الألف وحده مثل (اذهب) في قوله تعالى[اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى]( )، كما تحذف من الفعل الماضي والأمر والمصدر للفعل الخماسي والسداسي، كما في قوله تعالى[فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ]( ).
ففي شطر الآية أعلاه همزة وصل لفعل أمر ثلاثي، وفعل أمر سداسي مثل (استغفر).
ويستدل على صيرورة همزة الفعل للوصل بفتح الياء في الفعل المضارع ، كما في قوله تعالى[لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ]( )، فقد ورد (يتبع) و(ينقلب) بفتح الياء، لتكون همزة فعل الأمر منهما همزة وصل قال تعالى[اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ]( )، فتحذف الهمزة من فعل الأمر الثلاثي أي الذي يتكون من ثلاثة أحرف ويسمى (أمر الثلاثي غير المهموز): اقرأ، اذهب، اكتب، اشرب، اجلس، وكما في(اسمعوا) و(اشربوا) في قوله تعالى[وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ]( ).
ففي تعيين صنف الهمزة وهل هي للوصل أم القطع في الفعل الماضي أو الأمر أو المصدر من صيغة وحركة الفعل المضارع مع خلوه من الهمزة.
كما يلجأ إلى النطق في التفريق بين همزتي الوصل والقطع بإدخال الواو أو الفاء على الفعل، فإذا جرى التلفظ بالهمزة فهي (همزة قطع) مثل وأكرم ، وقال تعالى [إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا] ( )، وإذا سقطت لفظاً، فهي همزة وصل كما في قوله تعالى في آية الوضوء[فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ….]( ).
وتتصف همزة الأسماء التي تبدأ بها بأنها همزة قطع، ما عدا الأسماء العشرة المسموعة والمثنى منها فهمزتها همزة وصل وهي:
الأول : اسم ومثناه، فيقال: إسم، إسمان، اسمين، اسمي، وفي التنزيل[فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسم اللَّهِ عَلَيْهِ]( )، بينما تكون همزة جمع الاسم همزة قطع كما في قوله تعالى [وَعلم آدم الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَء] ( ).
الثاني : ابن ومثناه ، قال تعالى [وَلَمَّا ضُرِبَ ابن مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ] ( ).
الثالث : إبنة، إبنته ، إبنتان ، إبنتين ، إبنتاه .
الرابع : أمرؤ ومثناه ، قال تعالى [إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ] ( ).
الخامس : امرأة ومثناه، قال تعالى[فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ]( ).
السادس : اثنان، اثنين، كما في قوله تعالى[ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنْ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنْ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ]( ).
السابع : اثنتان، اثنتين، وفي التنزيل[قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ]( ).
الثامن : است.
التاسع : ايمن الله ) في القسم.
العاشر : إبنم، وهي(إبن) مع زيادة الميم.
وقد وردت السبعة الأولى أعلاه في القرآن، ولم ترد الثلاثة الأخيرة فيه.
همزة القطع
وهي الهمزة التي تكون فوق حرف الألف على نحو حرف عين صغير مقطوعة(عـ) سواء كانت مفتوحة أو مضمومة كما في قوله تعالى[وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ]( ).
وتكتب تحته في حال كونها مكسورة، كما في قوله تعالى[وَإِذْ تَخْلُقُ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ]( ).
وتنطق همزة القطع مفتوحة ومضمومة ومكسورة، وهمزة القطع في الأفعال على وجوه:
الأول : ماضي الفعل الثلاثي المهموز أي الذي يكون أحد أصوله همزة مثل أخذ، قرأ، و(أكل) في قوله تعالى[وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ]( ).
الثاني : ماضي الرباعي المهموز مثل أحسن، أكرم، أسرع، ومثل(أحسّ) في قوله تعالى[فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمْ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ]( ).
ولم يرد لفظ(أحسّ) في القرآن إلا في الآية أعلاه.
الثالث : همزة صيغة المضارع في كل فعل يبدأ بالهمزة مثل قوله تعالى[إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى]( )، وقوله تعالى[إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا]( ).
الرابع : صيغة فعل الأمر من الرباعي المهموز، كما في قوله تعالى[وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ]( ).
وتكون همزة القطع في الحروف مثل إذ، إذن، إلى، إلا، أم، إن، أن، أو، إذ، ما، ما عدا إلى، التي للتعرف على فرض إلحاقها بالحروف.
وبين همزة الوصل وهمزة القطع عموم وخصوص من وجه، فمادة الإلتقاء من وجوه:
الأول : تثبت كل من همزة الوصل والقطع , وينطق بكل منهما عند إبتداء الكلام.
الثاني : كل منهما همزة.
الثالث : تأتي كل من همزة القطع والوصل مع الأسماء والأفعال والحروف.
أما مادة الإفتراق فمن وجوه:
الأول : لا تكون همزة الوصل إلا ساكنة ، بينما تأتي همزة القطع ساكنة أو متحركة.
الثاني : تثبت همزة القطع في الوصل، وتسقط همزة الوصل في الوصل، فلا ينطق بها عند وصل الكلام بما قبلها.
الثالث : تأتي همزة القطع في أول الكلمة، وفي وسطها، وفي طرفها، بينما تأتي همزة الوصل في أول الكلمة فقط.
الرابع : تكون همزة القطع أصلية أو زائدة، بينما لا تكون همزة الوصل إلا زائدة.
الخامس : يرسم على أو تحت همزة القطع همزة، بينما تكتب همزة الوصل كالألف المائل قليلاً هكذا(ا).
السادس : تحذف همزة الوصل عند البسملة التامة (بسم الله الرحمن الرحيم).
السابع : تحذف همزة الوصل في مواضع منها إذا سبقتها لام الإبتداء أو لام الإستغاثة أو لام الجر.
وتتم بالهمزة الحروف لتصبح تسعة وعشرين حرفاً , وهي كالحرف الصحيح , ومخرجها من أقصى الحلق .
وصحيح أن موضوع هذا البحث هو الإملاء إلا أنه من ملحقات علم النحو والفصاحة، وله موضوعية في رسم القرآن بلحاظ أنه توقيفي، وفوق القواعد الإملائية، ولو تعارض رسم القرآن مع القواعد الإملائية فهل يمكن العمل برسم القرآن المختار هو نعم، لأنه أصل في تركيب الكلمات ورسم الحروف.

في سياق الآيات
صلة هذه الآية بالآيات المجاورة لها على شعبتين:
الشعبة الأولى : صلة هذه الآية بالآيات المجاورة السابقة ، وهي على وجوه:
الوجه الأول : صلة هذه الآية بالآية السابقة [وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ]( )، وفيه مسائل :
المسألة الأولى : من إعجاز نظم آيات القرآن التشابه بين موضوع هذه الآية والآية السابقة، وفي عدد من الفاظهما، وقد يبدو للوهلة الأولى إتحاد موضوع الآيتين، ولكن هناك تباين ولو على نحو جهتي بينهما بما يفيد تعدد الموضوع والحكم ، وبينهما عموم وخصوص من وجه، فمادة الإلتقاء من جهات :
الأولى : من الإعجاز في سياق الآيات إبتداء هذه الآية والآية السابقة بذات الكلام (ولئن) ومع قلة حروفه إلا أنه يتألف من ثلاث كلمات وهي :
أولاً : حرف عطف .
ثانياً : لام الإبتداء أو لام القسم .
ثالثاً : (إن) حرف شرط جازم.
الثانية : إبتداء كل من الآيتين، بحرف العطف الواو.
الثالثة : إتحاد صيغة الخطاب، وتوجهها إلى المسلمين في كل زمان وإلى يوم القيامة.
ومن مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ) إدراك كل جيل من المسلمين أن الخطاب في هذه الآية توجه إلى :
أولاً : الأجيال السابقة من المسلمين , وأنهم تلقوا هذا الخطاب بالقبول والرضا والإمتثال والشكر لله عز وجل، نعم بالنسبة لصحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فليس من جيل قبلهم يشمله الخطاب في هذه الآية وإن تعددت أجيال المسلمين في الأمم السابقة , وفي قوم لوط عندما نزل بهم العذاب من عند الله ورد قوله تعالى[فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ]( )، أي بيت لوط عليه السلام , وفي قولان :
الأول : عن مجاهد قال: لوط وإبنتاه.
الثاني : عن سعيد بن جبير : قال: كانوا ثلاثة عشر).
والثاني هو الأقوى والأقرب.
ثانياً : توجه نداء الإيمان لذات أهل زمان التلاوة , ليتغشاهم العز كل يوم , وهو من الرزق الكريم .
والرزق على أقسام بحسب اللحاظ منها :
الأول : المادي المحسوس كالماء والمأكل والملبس والصحة والعافية .
الثاني : الرزق المعنوي والروحي والهداية إلى العمل الصالح، قال تعالى[وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى]( ).
الثالث : من الرزق الكريم للمسلمين مجتمعين ومتفرقين آيات القرآن، وكل آية رزق كريم متعدد، وهذا الرزق من مصاديق قوله تعالى[وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا]( )، ومن الشواهد على فوز المسلمين بمراتب الحكمة آية[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ] ( ).
ثالثاً : التسليم بأن قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( )، سيتوجه وسوف يتوجه إلى الأجيال اللاحقة من المسلمين وإلى يوم القيامة، ليكون من إعجاز الآية القرآنية الغيري أنها مصداق للأخوة الإيمانية بين المسلمين من الأجيال المتعاقبة، فالذي يغادر الدنيا منهم يعلم أن أخوة له يتلقون القرآن ويعملون بأحكامه، والذي يأتي إلى الدنيا لاحقاً يقطع بأن أخوة له سبقوه على ذات نهج الإيمان.
ويتجلى هذا التقسيم بآيات من القرآن منها [َالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ]( )، [وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ]( )، [وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ]( ).
وهل آية البحث [وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ]( )، من مصاديق الأخوة الإيمانية بين المسلمين , الجواب نعم، لما تتضمنه من معاني الموت على الإيمان، والقتل في سبيل الله، فتكون تضحية الشهيد واقية لدفع المعتدين عن ثغور المسلمين ، وبرزخاً دون إنشغالهم عن العبادات والفرائض، وسبقاً متقدماً لهم في الجنة .
وهل يؤذن للشهيد أن يدعو للمؤمنين عامة وأهله خاصة بعد قتله وإستشهاده، أم ينقطع الدعاء عند زهوق الروح بلحاظ أن هذا الدعاء عمل، وليس من عمل بعد الموت.
الجواب هو الأول، قال تعالى[وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لاَ تَشْعُرُونَ]( ).
وعن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “الشُّهَدَاءُ عَلَى بَارِقِ نَهَرٍ بِبَابِ الْجَنَّةِ، فِي قُبَّةٍ خَضْرَاءَ، يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ رِزْقُهُمْ مِنْ الْجَنَّةِ بُكْرَةً وَعَشِيًّا” ( ).
وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : الأنبياء أحياء يصلون في قبورهم( ).
الرابعة : عطف كل من الآيتين على آية نداء الإيمان التي وردت قبل آيتين، وما تضمنته من النهي عن محاكاة الذين كفروا في تحريضهم على القعود وبثهم سموم الصدود عن الجهاد والدفاع عن بيضة الإسلام .
الخامسة : مجئ كل من الآيتين بلفظ قتلتم، ولفظ (متم) وعلى نحو التعليق.
السادسة : ورود حرف العطف والترديد (لو) في كل من الآيتين.
السابعة : ذكر كل من الآيتين اسم الجلالة (الله).
الثامنة : بشارة كل من الآيتين بحسن العاقبة والثواب العظيم للمسلمين في الآخرة، وعن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، حرم الله عليه النار).
التاسعة : صبغة القرآنية لكل من الآيتين، وتلاوة المسلمين لكل منهما في الصلاة وخارجها , وذات نزول القرآن بالبشارة جائزة عظمى خصّ الله عز وجل بها المسلمين، والمسلمات، وهذه البشارة غير المبشر به وهو الحشر إلى الله وزوال الغم والحزن والخوف.
العاشرة : ذكرت الآية السابقة المغفرة, وبيان قانون نسبتها وصدورها من عند الله عز وجل, وفي التنزيل [لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ] ( ) وجاءت الآية أعلاه بكلمة الشرط التي إبتدأت بها آية البحث ( لئن ).
وذكرت هذه الآية الحشر ولا تقدر عليه الخلائق مجتمعين ومتفرقين , والله عز وجل وحده القادر عليه , والذي تستجيب له الخلائق طائعة مقهورة.
أما مادة الإفتراق فمن جهات :
الأولى : قدمت الآية السابقة مسألة القتل بقوله تعالى[وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ] أما آية البحث فإنها قدمت ذكر الموت [وَلَئِنْ مُتُّمْ].
الثانية : قيدت الآية السابقة القتل بأنه في سبيل الله، وذكرته آية البحث من غير تقييد .
الثالثة : ذكرت الآية السابقة اسم الجلالة مرتين، أما آية البحث فانها ذكرته مرة واحدة .
الرابعة : ذكر الآية السابقة للمغفرة من عند الله عز وجل للمسلمين مع الترغيب فيها.
وذكرت هذه الآية حشر المسلمين والناس يوم القيامة.
الخامسة : إختتمت الآية السابقة بذم الذين كفروا، وإنتقالهم قهراً من الدنيا، وتركهم ما يكتنزون من الأموال لذا سمي الإرث تركة، وما يجمعون من أسباب الجاه، أما آية البحث فإنها ذكرت جمع الناس للحساب والجزاء يوم القيامة.
ومن وجوه الصلة بينهما أن المغفرة التي تذكرها الآية السابقة سلاح وواقية للمسلمين يوم الحشر، وجائزة حاضرة عند أهوال يوم القيامة، وهي من مصاديق قوله تعالى[وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ]( ).
المسألة الثانية : إبتدأت كل من الآيتين بـ[لَئِنْ] وعدد المرات التي وردت فيها(لئن) في القرآن أكثر من ستين مرة, منها ثلاثة في آية واحدة , وهو قوله تعالى[لَئِنْ أُخْرِجُوا لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لاَ يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنْصَرُونَ] ( ).
ومنها أربعة في أربع آيات متتاليات جاءت في إنذار وذم الذين كفروا وما يلاقونه من العذاب عقوبة منها قوله تعالى[وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ]( ).
وجاءت (لئن) في آية البحث والآية السابقة في الثناء على المسلمين وبشارتهم، وهو من إعجاز القرآن بأن يأتي ذات اللفظ مرة بشارة وأخرى إنذاراً لينتفع الناس جميعاً من كل منهما، مع تعيين الجهة التي يتوجه لها كل واحد منهما ، إذ تأتي البشارة خطاباً للمؤمنين فتكون موعظة وتحذيراً للذين كفروا، ودعوة لهم للحاق بالذين آمنوا، وهو من أسرار مجئ نداء الإيمان قبل آيتين وعطف آية البحث عليه .
وهل تكون كلمة [ولئن] الواردة في الآية السابقة وهذه الآية وسيلة مباركة للجمع بينهما في المفهوم والدلالة ولو على نحو جهتي، الجواب نعم خاصة مع إتحاد الموضوع ورشحات معاني الآيتين القدسية، ليكون حضور الشرط في آية البحث مناسبة لإقتباس الدروس وإستظهار المسائل العلمية بالإضافة إلى عطفه على نداء الإيمان .
ومن معاني العطف على نداء الإيمان في المقام ترغيب الناس بالحال وصفة الإيمان التي غادر ويغادر بها المسلمون الحياة الدنيا ، قال تعالى[قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ]( ).
ومن خصائص الإنسان ميله إلى الأمن ، وأسباب الحفاظ على النفس ويهيئ المقدمات لدفع وإجتناب الأضرار التي تأتي للإنسان ، وليس من سبب يدفع الأذى والضرر عن الإنسان مثل الإيمان ، فانه الواقية في الدنيا والآخرة ، من الأذى الظاهر والخفي ، ومن المحتسب وغير المحتسب ، وهذا المعنى من مصاديق قوله تعالى [يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ] ( ).
وهل يختص محو الضرر ودفع الأذى في الدنيا بالإيمان بالمؤمنين, الجواب لا ، لأن الله عز وجل جعل الدنيا دار الرحمة والإختبار والتقريب إلى التوبة والإنابة .
وعن أنس قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: التائب من الذنب كمن لا ذنب له ، وإذا أحب الله عبده لم يضره ذنب ، ثم تلا [إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ]( )، قيل : يا رسول الله وما علامة التوبة، قال : الندامة)( ) .
وروي الحديث عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وذكر أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه فهو منقطع.
ويتجلى هذا الإختصاص في الدار الآخرة بالعفو عن المؤمنين والمغفرة لهم ، وتدل عليه آية البحث وآية السياق .
المسألة الثالثة : إبتدأت كل من الآيتين بحرف العطف (الواو) وفيه غاية الإكرام للمسلمين ، إذ تؤكد الآية حب الله عز وجل لهم، ولطفه بهم بإخبارهم بحسن المثوى، وبعث السكينة في نفوسهم بخصوص حياتهم ومصاحبة الإيمان لهم، وحسن العاقبة بعد الموت، فليس من أمة تفوز بالإكرام من عند الله بصيرورة الحياة الدنيا لهم دار بشارة وأمل لما بعد الموت إلا المسلمين لتصاحبهم الغبطة والسعادة في النشأتين، وهو من مصاديق قوله تعالى[وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ) .
وكما أنعم الله عز وجل على أم موسى بأن قرّ عينها وأدخل السرور إلى قلبها بعودة موسى رضيعاً إلى حجرها، كما في قوله تعالى[فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ]( )، فكذا بالنسبة للمسلمين فان وعد الله عز وجل لهم بالسعادة الأخروية حق وغصن مبارك يتدلى في كل بيت من بيوتهم.
وواو العطف هذه نوع جسر يربط بين آية البحث والسياق، والآية السابقة لهما التي تبدأ بنداء الإيمان، وفيه دلالة بأن معاني ودلالات الحرف القرآني أعم من أن تنحصر بالمعنى اللغوي أو البلاغي، إذ يحمل صفة علم الكلام والأصول، وهو وسيلة لإقتباس المسائل والمواعظ منه.
وفي قوله تعالى [وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ] ( ).
وروي أن عمر بن الخطاب قرأ : السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم بإحسان برفع الواو وحذف الواو من الذين.
قال له أُبيّ بن كعب : إنما هو ( والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ) وإنه قد كرّرها مراراً ثلاثة .
فقال له : إني والله لقد قرأتها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( والذين اتبعوهم بإحسان،
وإنك يومئذ شيخ تسكن ببقيع الغرقد،
قال : حفظتم ونسينا , وتفرغتم وشغلنا , وشهدتم وغبنا , ثم قال عمر لأُبيّ : أفيهم الأنصار؟
قال : نعم ولم يستأ من الخطاب ومن ثمّ قال عمر : قد كنت أظن إنّا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا فقال أبي : بلى،
تصديق ذلك أول سورة الجمعة وأواسط سورة الحشر وآخر سورة الأنفال. قوله [وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ]( )، إلى آخره وقوله تعالى [وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ]( )، إلى آخر الآية( ).
ويبعث تكرار حرف العطف في الآيتين على التدبر في مضامين كل من الآيتين والصلة بين هذه الآيات من جهات :
الأولى : صلة الآية السابقة بآية النداء التي قبلها , وتقديره على أقسام متعددة :
القسم الأول : يا أيها الذين آمنوا لئن قتلتم في سبيل الله ).
لقد أكرم الله عز وجل المسلمين بالثناء عليهم بأن شهادتهم وقتلهم يكون [في سبيل الله]وهي مرتبة عظيمة لا ينالها غيرهم ، وفيه حجة على الذين كفروا وتقدير مفهوم الآية : (يا أيها الذين كفروا الويل لكم إن قتلتم الذين يجاهدون في سبيل الله ) ليكون من معاني ومفاهيم البشارة في القرآن إنذار الذين كفروا ، ومن خلفهم الناس جميعاً .
ومن الإعجاز مجئ هذا الإنذار والتحذير قبل قتل المسلم ، فلم يقع القتل ثم يأتي الإنذار ، إنما تقدم الإنذار ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ) لينزجر الذين كفروا عن القتال وتمتنع القبائل عن نصرتهم .
لقد ذكرت موضوع قتل المؤمنين وهو في سبيل الله، وفيه فضل ومندوحة من عنده سبحانه بلحاظ تعدد مصاديق سبيل الله وعدم حصرها بالقتال أو الحرب، ليشمل أموراً:
الأول : الدفاع عن بيضة الإسلام.
الثاني : الخروج لمعركة بدر وأحد.
الثالث : المشاركة في معركة الخندق، والبقاء في حراسة أطراف المدينة من مباغتة الذين كفروا خاصة وأن عدد أفراد جيشهم كان ثلاثة آلاف رجل.
الرابع : تعرض المسلم للقتل في الدعوة إلى الله، وحث الناس على دخول الإسلام والنجاة من النار، وهو من مصاديق قوله تعالى[وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ]( ).
الخامس : قد يتعرض المسلم للقتل عند نقل رسالة إلى الذين كفروا يدعوهم إلى الإيمان.
السادس : من الأمور العبادية الواجبة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد تكون نتيجته القتل فهو في سبيل الله.
وعن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: مثل الفاسق في القوم كمثل قوم ركبوا سفينة فاقتسموها فصار لكل إنسان منها نصيب فأخذ رجل منهم فأساً فجعل ينقر في موضعه، وقال له أصحابه: أي شيء تصنع، تريد أن تغرق وتغرقنا؟ قال : هو مكاني، فإن أخذوا على يده نجوا ونجا وإن تركوه غرق وغرقوا.
وقال الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام : أفضل الجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وشنآن الفاسقين؛ فمن أمر بالمعروف شدّ ظهر المؤمن، ومن نهى عن المنكر أرغم أنف المنافق)( ).
القسم الثاني : يا أيها الذين آمنوا لئن متم ).
وفيه شاهد على أن المؤمن قد يقتل دفاعاً عن الإيمان , ومبادئ الإسلام، فإن قيل[وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا]( )، فلماذا لا يرفع الله القتل عن المؤمنين، ويدفعه عن كل واحد منهم، لتكون الدنيا دار الأمن والسلامة للمؤمنين، وتلازم العصمة من القتل الإنسان حالما يدخل الإسلام.
والجواب[إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ]( )، وهو سبحانه لا تستعصي عليه مسألة، ولكن قتل المؤمن في حال حدوثه رحمة به، وطريق للسلامة والنجاة في الآخرة ، وهو حجة على الذين كفروا لإصرارهم على الكفر وصيرورة إقامتهم على الكفر سبباً للتعدي على المسلمين ، وقتل بعضهم .
فمع أن المسلمين إنتصروا بفضل الله في معركة بدر , قال تعالى[وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ]( )، فقد إستشهد أربعة عشر منهم يومئذ، وهل من ملازمة بين هذا العدد من الشهداء وبين قوله تعالى[وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ] الجواب لا، ولكن لسقوط الشهداء مضرجين بدمائهم دلالات، وهو آية في العالمين تبين صبر وجهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين الأوائل في إقامة صرح الدين، وقد كان كل واحد منهم عرضة للقتل وما يسمى مشروعاً للشهادة والفداء، ليكتب لكل واحد منهم أجر الشهيد في حياته.
فصحيح أن الجاني المباشر للقتل هو الذي يبوء بإثمه إلا أن الأمر لا ينحصر به بل يشمل المؤازر والمحرض والناصر والمدد الشخصي والنوعي والممول والذي زرع خصال الكفر في نفس الكافر والذين تناجوا معه بالإثم والعدوان والصدود عن الدعوة إلى الله ، وفي التنزيل [يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَاءَ مَا يَزِرُونَ] ( ).
وعن أبي الدرداء قال (يجلس المقتول يوم القيامة ، فإذا مر الذي قتله قام فأخذه ، فينطلق فيقول : يا رب سله لمَ قتلني؟ فيقول : فيم قتلته؟ فيقول : أمرني فلان ، فيعذب القاتل والآمر) ( ).
(وفي الحديث الآخر: “من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة، جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله) ( ).
وعن البراء بن عازب (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : لزوال الدنيا وما فيها أهون عند الله من قتل مؤمن ، ولو أن أهل سماواته وأهل أرضه اشتركوا في دم مؤمن لأدخلهم الله النار) ( ).
لقد جعل الله عز وجل طاعة الناس له علة لخلقهم وسبباً لتكاثرهم وإنتشارهم في الأرض بقوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ]( ).
ومن مصاديق العبادة الجهاد في سبيل الله عند وجوبه والحاجة إليه ، وقد يترشح عنه القتال والقتل ، إذ يكون المجاهد سداً منيعاً لحفظ عبادة الله في الأرض، وليشكر الله عز وجل بالخلود في النعيم من ساعة قتله وإستشهاده فليس من ضرر وأذى على الشهيد، وإن غادر الدنيا فانما هو يرتقي في سلم الجنان .
القسم الثالث : يا أيها الذين آمنوا لمغفرة من الله خير مما يجمعون ).
أخبرت آية النداء قبل آيتين عن قول الذين كفروا بخصوص الشهداء من المسلمين في معارك الدفاع والذين ماتوا في الطريق إليها وتهيئة مقدماتها بأنهم لو بقوا في المدينة لما قُتلوا ، وأراد الذين كفروا أموراً :
الأول : إظهار الشماتة بالمسلمين ، وهل يحق للذين كفروا أن يشمتوا بالمسلمين والشهداء منهم خاصة ، الجواب لا ، لأنهم ذهبوا دفاعاً عن الحق وعن المؤمنين والمنافقين وأهل المدينة جميعاً، ومنهم اليهود من بني قريظة وقينقاع والنضير ، خاصة وأن أكثرهم أصحاب صناعة وتجارة مثل بني قينقاع ، فكانوا صاغة وتجاراً ، وكان عددهم نحو سبعمائة مقاتل أي من غير النساء والصبيان .
الثاني : الظن بأفضلية القعود وعدم الخروج إلى القتال وإن كان دفاعاً عن الإسلام ، وإيهام الناس بأن القتال والدفاع يجلب الضرر والأذى والندامة، وصحيح أن القتال يأتي بالضرر ، ولكنه أحياناً حاجة وضرورة ، وقد تكون الأضرار التي تترشح عن تركه في بعض الحالات أكثر وأعم ضرراً ، فيقتل بعض المؤمنين لتنجو الأمة في دينها وأعراضها وأموالها ومصرها وثغورها ، لذا قال الله تعالى [كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ]( ).
ومن مفاهيم الآية أعلاه أن قتال المسلمين للغزاة الكافرين في معركة بدر وأحد والخندق واجب وحتم وأمر مفروض ومكتوب على المسلمين مما يدل على مجئ المدد لهم من عند الله عز وجل في كل معركة يخوضونها ، وعلى تغشي اللطف والعناية من الله عز وجل للشهداء والجرحى منهم .
(عن جابر بن عبد الله قال : لقيني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا جابر ما لي أراك منكسراً؟ قلت : يا رسول الله استشهد أبي وترك عيالاً وديناً فقال : ألا أبشرك بما لقي الله به أباك؟ قال : بلى . قال : ما كلم الله أحداً قط إلا من وراء حجاب ، وأحيا أباك فكلمه كفاحاً وقال : يا عبدي تمن عليّ أعطك .
قال : يا رب تحييني فأقتل فيك ثانية قال الرب تعالى : قد سبق مني أنهم لا يرجعون . قال : أي رب فأبلغ من ورائي . فأنزل الله هذه الآية {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً. . . }( ) الآية) ( ).
الثالث : لقد أراد الذين كفروا تفرق الصحابة عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خصوصاً الأنصار، فقد هال وأفزع الذين كفروا تسابق الناس لدخول الإسلام، ومبادرتهم للخروج للجهاد، وبعد أن يأسوا من الحيلولة دون دخولهم الإسلام صاروا يصدونهم عن الخروج للجهاد والدفاع بذريعة تحقق السلامة ببقائهم في المدينة.
الرابع : منع المؤمنين من الإستعداد للقتال، والتهيء له بإعداد السلاح والراحلة .
الخامس : إرادة مباغتة العدو للمؤمنين، ففي ذات الوقت الذي كان فيه المنافقون يحاولون صدّ الصحابة عن القتال، كانت الأخبار ترد المدينة عن سعي كبار رؤساء قريش لتحشيد الجيوش لمحاربة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والتنزيل والإسلام، وفي التنزيل[الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ]( ).
السادس : إرادة صدّ المؤمنين عن المناجاة فيما بينهم للدفاع.
السابع : منع الصحابة من الضرب في الأرض في التجارة وطلب المكاسب، والتي هي تعضيد للمؤمنين وتخفيف عنهم خاصة مع مجيء أفواج من الناس إلى المدينة لدخول الإسلام، وتعلم أحكام الصلاة والفرائض الأخرى.
الثامن : إعانة المشركين الذين يبغون قتال المسلمين ويبذلون وسعهم للإغارة على المدينة المنورة، وهذه الإعانة أشد ما تواجه الحكومات والجيوش، لأنها تضعف الهمم، وتنشر آفة اليأس والقنوط، وتبعث على الشك الذاتي أي يشك بعض أهل المدينة ببعضهم الآخر، فيسهل على العدو إختراق أسوارها، والدخول إليها، لذا جاءت آيات القرآن بذم وفضح وإنذار المنافقين وبيان سوء فعلهم، والتحذير منهم، منها قوله تعالى[إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاَءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ]( ).
لتكون الآية أعلاه تفسيراً لآية النداء والتي جاءت قبل آيتين .
وتتضمن الإخبار عن سخريتهم من المؤمنين في جهادهم وسعيهم في سبيل الله.
وتحتمل الآية وجوهاً :
الأول : المغفرة والعفو من عند الله للفرد من المسلمين خير مما يجمع الناس من الأموال.
الثاني : مغفرة الله عز وجل لذنوب المسلم المنفرد خير مما يجمع الفرد من الكفار من الأموال وأسباب الجاه .
الثالث : العفو والمغفرة من عند الله سبحانه للمسلمين في كل طبقة منهم خير مما يجمع أهل زمانهم من الذين كفروا (عن أنس ، أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسأله فأعطاه غنما بين جبلين ، فأتى الرجل قومه ، فقال : أي قوم ، أسلموا ، فوالله إن محمدا : يعطي عطاء رجل ما يخاف فاقة ، وإن كان الرجل ليأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما يريد إلا دنيا يصيبها ، فما يمسي حتى يكون دينه أحب إليه من الدنيا وما فيها) ( ).
الرابع : العفو والمغفرة للمسلم خير مما يجمع الذين كفروا مجتمعين أي لو سئل المسلم أيهما أفضل وأحسن أن يغفر الله ذنوبك ويتوب عليك أم تكون عندك أموال كأموال قارون مع مضاعفتهم أضعافاً كثيرة ، لقال مغفرة الله عز وجل هي الأفضل والأحسن بشهادة هذه الآية الكريمة وإدراك العقل والوجدان ، قال تعالى [وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى…] ( ).
الخامس : إرادة التفصيل , فالمسلم الذي عنده ذنوب قليلة تكون المغفرة له أحسن من المال الذي يجمعه الكافر المنفرد دون جميعهم ، أما لو كانت ذنوب المسلم كثيرة فان مغفرة وعفو الله عز وجل عنه أحسن مما جمعه الذين كفروا من الأموال .
السادس : العفو والمغفرة من الله عز وجل لجميع المسلمين خير مما ينفقه ويجمعه الذين كفروا من الأموال والكنوز .
السابع : ذات الوعد من عند الله للمسلمين بالعفو والمغفرة خير مما يجمع الذين كفروا ، أما مصداق وتحقق هذا الوعد فليس له نظير أو شبيه في الدنيا.
وبإستثاء الوجه الخامس أعلاه فان الوجوه الأخرى كلها من مصاديق آية البحث .
ولم يعلم الذين كفروا بأسباب ورشحات عز أهل الإيمان والخشية من الله, ورفعة الإيمان ، منها في المقام :
أولاً : عدم إصغاء المؤمنين للذين كفروا في شكهم وريبهم.
ثانياً : نزول آية البحث التي تبشر المسلمين بحسن المآب.
ثالثاً : مجئ المسلمين من خارج المدينة من مكة ومن القرى والبادية واليمن وغيرها لدخول الإسلام , وورد (عن جابر عبد الله قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فلما برزنا من المدينة إذا راكب يوضع نحونا ، فانتهى إلينا فسلم ، فقال له النبي صلى الله وعليه وسلم من أين أقبلت؟ فقال : من أهلي وولدي وعشيرتي أريد رسول الله . قال : أصبته . قال : علمني ما الإِيمان.
قال : تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت . قال : قد أقررت . ثم إن بعيره دخلت يده في شبكة جردان فهوى ووقع الرجل على هامته فمات . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : هذا من الذين عملوا قليلاً وأجروا كثيراً، هذا من الذين قال الله { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون }( ) إني رأيت حور العين يدخلن في فيه من ثمار الجنة ، فعلمت أن الرجل مات جائعا( ).
رابعاً : يا أيها الذين آمنوا رحمة من الله خير مما يجمعون , بمعنى أي رحمة من عند الله عز وجل خير مما يجمع الذين كفروا .
ومن خصائص الدنيا أنها تلقي بحبالها على الإنسان ، وتنفذ مباهجها إلى شغاف قلبه ، وتخوفه تقلبات الأحوال فيها من المجهول في مستقبل الأيام ، ويلقي تقادم العمر ووهن البدن بظلاله على الإنسان هموماً ورغبة في إكتناز المال ، فجاءت الآية السابقة لهداية المسلمين إلى ذخائر الخير والنفع بفوزهم برحمة الله عز وجل , وأنها أعظم وأحسن مما يجمع الذين كفروا من الأموال.
وقد لا يدرك شطر من الناس هذا القانون لأن ما يجمع الناس من الأموال والعروض أمر جلي يدرك بالحواس , تراه العين وتسمعه الأذن ويتناقله الناس ، أما رحمة الله فهي ظاهرة وخفية .
فجاءت الآية قبل السابقة بنداء الإيمان لتأهيل وإصلاح عموم المسلمين والمسلمات لتلقي قانون رحمة الله ، وهو خير وأفضل وأحسن مما يجمع من الأموال .
فان قلت قد يجمع المسلم أو المسلمة المال ، الجواب هذا صحيح وهو من رحمة الله عز وجل التي تذكرها الآية السابقة من جهات :
الأولى : بيان الرزق الكريم الذي يتفضل به الله عز وجل على المسلمين.
الثانية : بيان قانون وهو أن المؤمنين أولى وأحق بالنعم في الدنيا، وهي خاصة بهم في الآخرة ، وهو من مصاديق التفصيل وتعدد وجوه الرحمة في قوله تعالى [الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] ( ).
وعن الإمام جعفر الصـادق عليه السلام أنه قال: “الرحمن اسم خاص بصفة عامة، والرحيم اسم عام بصفة خاصة)( ).
الثالثة : تأتي الأموال للمسلمين فيسخرونها في سبيل الله فتكون رحمة بذاتها وتترشح عنها الرحمة .
قال تعالى في خطاب للمسلمين والمسلمات [وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ] ( ).
وهل من موضوعية لنداء الإيمان في مصاديق الرحمة التي تذكرها آية البحث وأسباب تفضيلها على ما يجمع الذين كفروا من الأموال ، الجواب نعم من وجوه :
الأول : نداء الإيمان وعد من عند الله عز وجل للمسلمين إذ أن الشهادة منه تعالى بالوصف الحسن خير محض ، ورزق كريم تترشح عنه المنافع الخاصة والعامة .
الثاني : نداء الإيمان بشارة في ذات موضوع آية النداء والآيات المعطوفة عليها ، ومنها سنخية الرحمة التي تأتي من عند الله ، وتقدير لفظ (رحمة) الوارد في آية البحث على وجوه :
أولاً : يا أيها الذين آمنوا رحمة الله لكم كمؤمنين خير مما يجمعون .
ثانياً : يا أيها الذين آمنوا أبى الله إلا أن تقترن الرحمة منه تعالى بالإيمان منكم .
ثالثاً : يا أيها الذين آمنوا آشكروا الله لواسع رحمته بكم .
رابعاً : يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله ينزل الله عليكم رحمته جزاء على الإيمان .
خامساً : يا أيها الذين آمنوا إنتفعوا من رحمة الله المصاحبة للإيمان فانها خير مما يجمعون .
سادساً : يا أيها الذين آمنوا يتفضل الله عز وجل برحمة خاصة للمؤمنين ،وليس من حصر لهذا الرحمة الخاصة وتأتي بالذات والعرض (عن معاذ بن جبل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ما من مسلمين يتوفى لهما ثلاثة إلا أدخلهما الله الجنة بفضل رحمته إياهم . فقالوا : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أو اثنان . . . ؟ قال : أو اثنان . قالوا : أو واحد . . . ؟ قال أو واحد .
ثم قال : والذي نفسي بيده إن السقط ليجر أمه بسرره إلى الجنة إذا احتسبته ) ( ).
سابعاً : يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وحرموا أنفسهم من مجئ رحمة الله الخاصة بالمؤمنين بالذات والأصل .
ثامناً : يا أيها الذين آمنوا لن تغادركم رحمة الله ، وفي التنزيل [رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ] ( ).
تاسعاً : يا أيها الذين آمنوا لئن متم فبرحمة من الله .
عاشراً : يا أيها الذين آمنوا لئن قتلتم فأن الملائكة تتلقاكم بالبشرى بالأمن والسعادة , وفي التنزيل [لاَ يَحْزُنُهُمْ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمْ الْمَلاَئِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمْ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ] ( ).
الحادي عشر : يا أيها الذين آمنوا لالى الله تحشرون .
الثاني عشر : يا ايها الذين آمنوا أبشروا بمصاحبة رحمة الله لكم في الآخرة ، والنسبة بين رحمة الله ونداء الإيمان هي العموم والخصوص المطلق ، فرحمة الله عز وجل هي الأعم والأعظم ، لذا ورد في الآية التالية ذكر لرحمة الله بقوله تعالى [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ] ( ).
الثالث عشر : يا أيها الذين آمنوا تتغشاكم رحمة الله سواء حضركم الموت على الفراش أو قتلتم في معارك الدفاع .
الرابع عشر : يا أيها الذين آمنوا إتخذوا القرآن إماماً وتعاهدوا آياته فانه نعمة على أهل الأرض ، قال تعالى [وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ] ( ).
الثالث : ذات نداء الإيمان رحمة , وفضل من عند الله عز وجل على المسلمين والمسلمات ، وتحتمل هذه الرحمة بلحاظ ورود نداء الإيمان في القرآن وجوه :
أولاً : إرادة خصوص نداء الإيمان الذي عطفت عليه آية البحث.
ثانياً : المقصود تعدد مصاديق ووجوه الرحمة بلحاظ كثرة أفراد نداء الإيمان في القرآن .
ثالثاً : عموم الرحمة الإلهية بحسب مضامين الآيات التي ورد فيها نداء الإيمان.
رابعاً : موضوعية العطف على آيات النداء في تجلي رشحات رحمة الله التي هي خير مما يجمع الذين كفروا من الأموال .
الرابع : من وجوه موضوعية نداء الإيمان في تفضيل رحمة الله عز وجل على ما جمع ويجمع الذين كفروا من الأموال والمتاع حضوره مع المسلم في قبره ليجعله ذا فسحة ومندوحة ، ومرآة للجنة التي وعد الله عز وجل المتقين عاقبة كريمة .
(عَنْ أَبِى سَعِيدٍ قَالَ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم مُصَلاَّهُ فَرَأَى نَاسًا كَأَنَّهُمْ يَكْتَشِرُونَ قَالَ : أَمَا إِنَّكُمْ لَوْ أَكْثَرْتُمْ ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ لَشَغَلَكُمْ عَمَّا أَرَى فَأَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ الْمَوْتِ فَإِنَّهُ لَمْ يَأْتِ عَلَى الْقَبْرِ يَوْمٌ إِلاَّ تَكَلَّمَ فِيهِ فَيَقُولُ أَنَا بَيْتُ الْغُرْبَةِ وَأَنَا بَيْتُ الْوَحْدَةِ وَأَنَا بَيْتُ التُّرَابِ وَأَنَا بَيْتُ الدُّودِ.
فَإِذَا دُفِنَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ قَالَ لَهُ الْقَبْرُ مَرْحَبًا وَأَهْلاً أَمَا إِنْ كُنْتَ لأَحَبَّ مَنْ يَمْشِى عَلَى ظَهْرِى إِلَىَّ فَإِذْ وُلِّيتُكَ الْيَوْمَ وَصِرْتَ إِلَىَّ فَسَتَرَى صَنِيعِى بِكَ. قَالَ فَيَتَّسِعُ لَهُ مَدَّ بَصَرِهِ وَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ.
وَإِذَا دُفِنَ الْعَبْدُ الْفَاجِرُ أَوِ الْكَافِرُ قَالَ لَهُ الْقَبْرُ لاَ مَرْحَبًا وَلاَ أَهْلاً أَمَا إِنْ كُنْتَ لأَبْغَضَ مَنْ يَمْشِى عَلَى ظَهْرِى إِلَىَّ فَإِذْ وُلِّيتُكَ الْيَوْمَ وَصِرْتَ إِلَىَّ فَسَتَرَى صَنِيعِى بِكَ. قَالَ فَيَلْتَئِمُ عَلَيْهِ حَتَّى تَلْتَقِىَ عَلَيْهِ وَتَخْتَلِفَ أَضْلاَعُهُ. قَالَ :
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم بِأَصَابِعِهِ فَأَدْخَلَ بَعْضَهَا فِى جَوْفِ بَعْضٍ قَالَ : وَيُقَيِّضُ اللَّهُ لَهُ سَبْعِينَ تِنِّينًا لَوْ أَنَّ وَاحِدًا مِنْهَا نَفَخَ فِى الأَرْضِ مَا أَنْبَتَتْ شَيْئًا مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا فَيَنْهَشْنَهُ وَيَخْدِشْنَهُ حَتَّى يُفْضَى بِهِ إِلَى الْحِسَابِ .
قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم : إِنَّمَا الْقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ) ( ).
الخامس : من خصائص الدنيا إنقطاع لذاتها وأموالها وكنوزها عن الإنسان بمغادرته لها ، وكأنها تسخر منه بإنذار حربها ، إلا الذي أدركته رحمة الله ، فلم ينشغل بجمع الأموال ، وإن جمعها فانه يجمعها من طرق الحلال ، ويقوم بتطهيرها بدفع زكاتها ، والمبادرة إلى الصدقات المستحبة ، وجعل تلك الأموال بذاتها خيرا محضاً ، وهي سبيل لإكتناز الحسنات، وقال الإمام علي عليه السلام لغالب بن صعصعة أبي الفرزدق في كلام دار بينهما : ما فعلت إبلك الكثيرة ؟ قال ذعذعتها الحقوق يا أمير المؤمنين فقال عليه السلام : ذلك أحمد سبلها ( ).
ويقال ذعذع ماله أي فرّقه وبدده
ليكون من معاني رحمة الله التي تذكرها الآية السابقة أمور :
أولاً : تفضل الله بدفع الفقر والعوز عن المؤمنين .
ثانياً : تحلي المؤمنين بالصبر في حال كثرة الأموال أو قلتها .
ومن الآيات أن الصبر زينة في حال الفاقة وقلة المال وسبب ووسيلة لزيادته وكثرته ونمائه من غير زيادة المال، ولا يؤدي إلى نقصه إنما يكون سبباً لإفاضة البركة فيه .
وعن الإمام علي عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ماكرم عبد على الله إلا ازداد عليه البلاء، ولا أعطى رجل زكاة ماله فنقصت من ماله،ولا حبسها فزادت فيه، ولا سرق سارق شيئا إلا حبس من رزقه. وعن الحسن بن علي عليه السلام أنه قال: ما نقّصت زكاة من مال قط ( ).
وهو من خصائص نداء الإيمان لتكون من موضوعيته في مسألة الكسب والمال بتيسير مكاسب المسلمين ، وجعل البركة في رزق المسلم وتراه أحياناً يحس كأن ما ينفقه أكثر مما يأتيه ويدخل عليه .
ثالثاً : إتخاذ المسلم المال لدفع الموت أو القتل عنه إلى حين بالقيام بالصدقة والإنفاق في سبيل الله، وإعانة الفقراء، والفوز بدعائهم، وهو من مصاديق قوله تعالى [ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ]( )، وعن الإمام جعفر الصادق قال : المسمى ما سمي لملك الموت في تلك الليلة وهو الذي قال الله: ” إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ” وهو الذي سمي لملك الموت في ليلة القدر، والآخر له فيه المشيئة إن شاء قدمه وإن شاء أخره( ).
وعن ابن عباس في قوله تعالى[ثُمَّ قَضَى أَجَلاً] قال : هو النوم ، يقبض الله فيه الروح ثم يرجع إلى صاحبه حين اليقظة { وأجل مسمى عنده} قال : هو أجل موت الإِنسان( ).
رابعاً :ذات المال نعمة وإمتحان، فيأتي نداء الإيمان ليجعله رحمة متجددة، وسبيلاً للرحمة للنفس والعيال والغير .
خامساً : من خصائص نداء الإيمان جعله الدنيا جنة بالمال ووفرته لتسخيره في سبيل الله ، وكذا بدون المال أو عند نقصه وحال العوز بالشكر والصبر سواء في الأول أو الثاني أي في الغنى والفقر، والسراء والضراء، قال تعالى[الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ]( ).
القسم الرابع: يا أيها الذين آمنوا لرحمة خير مما يجمعون) من خصائص رحمة الله عز وجل في آيات القرآن أنها فيوضات لا متناهية زماناً ومكاناً وكماً وكيفاً , ومن جهات كثيرة منها:
الأولى : البشارة بالرحمة .
الثانية : نزول الكتب السماوية من عند الله ومضامينها القدسية.
الثالثة : سلامة القرآن من التحريف ، قال تعالى في الثناء على القرآن [لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ] ( ).
الرابعة : كل آية من القرآن رحمة متعددة ومتشعبة من وجوه :
أولاً : تعدد المضامين القدسية للآية القرآنية ، فيكون أولها في شئ وأوسطها في شيء وآخرها في شىء آخر .
ثانياً : تلاوة المسلم للآية القرآنية رحمة من عند الله عز وجل .
ثالثاً : تنمي الآية القرآنية المدارك وتزيد من المعارف ، وهي وسيلة سماوية لإكتساب العلوم .
رابعاً : الآية القرآنية رحمة بلحاظ أنها مادة وسبيل لوحدة المسلمين ، وهل يمكن تقدير آية [خَيْرَ أُمَّةٍ] ( ) كنتم خير أمة أخرجت للناس بالآية القرآنية ) .
الجواب نعم، فليس من حصر بضروب ووجوه هذا الخروج ومنافعه بالذات والعرض .
وتترشح الرحمة من كل آية قرآنية وتعاهد المسلمين لكل آية قرآنية رسماً وتلاوة وعملاً ، وقراءة في الصلاة ، وهو شاهد على أنهم خير أمة ودليل على تعاهدهم لهذه المنزلة بحسن تلقي نداء الإيمان , والثبات في مقامات الهدى .
خامساً : الآية القرآنية رزق كريم من عند الله عز وجل بذاتها وموضوعها وقراءتها ودلالاتها .
سادساً : كل آية قرآنية صراط مستقيم ، قال تعالى [وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ] ( ) .
سابعاً : رحمة الله بالإسلام والهداية إلى الإيمان خير مما يجمع الناس من الأموال ، (عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من هداه الله للإِسلام وعلمه القرآن ثم شكا الفاقة كتب الله الفقر بين عينيه إلى يوم يلقاه ، ثم تلا النبي صلى الله عليه وآله وسلم { قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون }( ) من عرض الدنيا من الأموال .
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في الآية قال : إذا عملت خيراً حمدت الله عليه فأفرح فهو خير مما يجمعون من الدنيا .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس خير { مما يجمعون} قال : من الأموال) ( ).
ثامناً : رحمة الله بنبوة محمد خير مما يجمعون إلى يوم القيامة ) فكما يصاحب المال الناس فان النبوة تصاحبهم وتدعوهم للإيمان وهي خير محض ونعمة متعددة ، قال تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ).
وإن قلت قيدت الآية السابقة المغفرة بأنها من عند الله عز وجل بينما ذكرت الرحمة على نحو الإطلاق بقوله تعالى [لَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ] ( ) .
فالجواب من جهات :
الأولى : إرادة عطف الرحمة على المغفرة , وتقدير الآية : ولغفران من الله ورحمة من الله خير مما يجمعون .
الثانية : من معاني الآية السابقة الإخبار عن عالم الآخرة ، وليس من رحمة يومئذ إلا من عند الله ، وكل أهل المحشر محتاجون إلى رحمته، قال تعالى[وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ]( ).
الثالثة : من خصائص الآية القرآنية أنها تفسير لآيات أخرى من القرآن والآيات الكونية ، والمختار هو ليس من آية قرآنية إلا وهي تفسر عدداً من آيات القرآن الأخرى ، وتتضمن آيات القرآن نسبة الرحمة إلى الله عز وجل بما فيها آية البسملة ، وبلحاظ الآية السابقة التي وردت فيها الرحمة على نحو الإطلاق ، ورد التقييد في قوله تعالى [وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ] ( ) وورد قوله تعالى في الآية السابقة وآية البحث [وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ] ( ) من غير تعيين لسنخية الذي يجمعه الناس ، وفيه وجوه :
الأول : رحمة الله خير وافضل مما يجمع الناس من حطام الدنيا .
الثالث : خير وأحسن مما يجمع الذين كفروا من الأموال .
الثالث : خير مما يجمع ويحبس الذين كفروا من حق الله وحق الفقراء من الزكوات المتعلقة بأموالهم ، قال تعالى [وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ] ( ).
الرابع : رحمة الله خير مما يجمع الناس من أسباب السلطان والجاه والتي لم تأت أو تدوم إلا برحمة الله، وهي زائلة ولكن حاجة العبد إلى رحمة الله متصلة ومستمرة.
الخامس : رحمة الله خير مما يجمع الناس من الأزواج وكثرة الأولاد .
السادس : رحمة الله خير مما يجمع رؤساء الكفر من الأعوان والأتباع ، إذ يتبرأ بعضهم من بعض يوم القيامة ، قال تعالى [إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوْا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمْ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا] ( ).
السابع : رحمة الله خير مما يفرح بجمعه الذين كفروا ، قال تعالى [الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ] ( ).
الثامن : رحمة الله للمسلمين خير مما يجمع الناس من البساتين والأشجار والزراعات ، قال ذو الرمة :
فلما تمشى السقط في العود لم يدع … ذوابل مما يجمعون ولا خضرا( ).
التاسع : ورحمة ربك خير مما يجمعون من الدنيا الفانية ، ومتاعها الزائل ، وتنقضي أيام الدنيا ولكن رحمة الله عز وجل لا تنفد .
العاشر : ورحمة خير مما يجمعون من المكاسب والغنائم ، وفيه دعوة للمسلم أن لا يجعل همه في الدفاع والغزو الغنيمة ، لذا ترى الآية السابقة تؤكد على علة وموضوع قتل المسلم وهو [فِي سَبِيلِ اللَّهِ].
الحادي عشر : ورحمة ربك بالصبر والمرابطة والخروج للدفاع ) ومع ما فيها من تعطيل للإعمار والتجارات والزراعات فأنها خير مما يجمع الناس من الأموال .
وبالصبر والدفاع تترسخ مفاهيم التقوى ، وتقبل خزائن الدنيا على المؤمنين ، وهو من مصاديق الإعجاز في بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من جهات :
الأولى : البشارة بالفتوحات، ومن الإعجاز في السنة الدفاعية توالي وتتابع وإتساع هذه الفتوحات.
الثانية : موضوع البشارة وسعته ، فلا يحسب أحد أن عواصم الدول العظمى آنذاك تفتح للمسلمين ، وتبنى المساجد ويتلى القرآن فيها إلى يوم القيامة.
الثالثة : مجئ هذه البشارات في أشد الأحوال والمحن التي أصابت المسلمين .
وفي معركة الخندق وحيث كان جيش الكفار المؤلف من عشرة آلاف رجل يحيط بالمدينة , ويروم إقتحامها , وإستباحتها , قال معتب بن قشير (كان محمد يعدنا أنا نأكل كنوز كسرى وقيصر.
وأحدنا لا يأمن أن يذهب إلى الغائط.
فنزل فيه وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا ( ) .
ومعتب هذا هو ممن قال يوم أحد [لَوْ كَانَ لَنَا مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا] ( ) .
الرابع : تحقق المصداق العملي للبشارة القرآنية .
وهل آية البحث [وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ]( )، بشارة النصر والظفر في معارك الإسلام، الجواب نعم ، فاذا كان المنافقون يظهرون الشك ببشارة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للمسلمين ، والتي لم تمر الأيام حتى تكون حقاً وصدقاً , فان البشارة تأتي من عند الله عز وجل في آية البحث , من جهات :
الأولى : إخبار الله عز وجل للناس جميعاً بإيمان المسلمين ، ليكون هذا الإخبار وكيفيته إكراماً إضافياً للمسلمين ، فيأتي نداء الإيمان [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] قبل آيتين , لتتجلى فيه معاني الثناء على المسلمين بين الناس من وجوه :
الأول : إنفراد المسلمين بنداء الإيمان .
الثاني : تعذر فوز الإنسان بهذا النداء إلا بالنطق بالشهادتين .
الثالث : علانية نداء الإيمان ، وعلم الناس جميعاً به ، فليس من أمور باطنية وخفية في أحكام الإسلام .
فمن الإعجاز في الشريعة الإسلامية أن كل حكم فيه جلي وصريح لذا قال تعالى في مدح القرآن [هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ] ( ).
ومن مفاهيمه أمور :
أولاً : لا يقدر على تمام البيان إلا الله عز وجل .
ثانياً : من مصاديق [وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ]( )، البيان والإيضاح من عند الله، لمنع اللبس على المسلمين والناس.
ثالثاً : نداء الإيمان من البيان القرآني في كلماته ودلالاته والجهة التي يتوجه إليها .
رابعاً : من البيان في القرآن حتمية الموت ، وحشر الله للناس جميعاً ، قال تعالى [وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمْ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ] ( ).
والرجوع العودة ، وكأن الناس كانوا عند الله عز وجل ويرجعون إليه ، ويحتمل الرجوع في الآية أعلاه وجوهاً :
الأول : المراد من الرجوع إلى الله العودة إلى الحياة وجريانها في الإنسان بعد موته .
الثاني : التذكير بنفخ الروح من عند الله عز وجل في آدم فتعود الأرواح إلى الله عز وجل ومعها الأجسام لأنها وعاؤها .
الثالث : المقصود عالم البقاء والخلود وإستدامة الحياة ، قال تعالى [وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ]( ).
الرابع : المراد الوقوف بين يدي الله عز وجل ، وتعذر الفرار منه ، قال تعالى [يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلاَئِكَةُ صَفًّا لاَ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا] ( ) .
ولا تعارض بين هذه الوجوه ، وكلها من مصاديق الآية الكريمة.
ويفيد الجمع بين الآية أعلاه وآية البحث أن الحشر رجوع إلى الله عز وجل , من غير عودة إلى الدنيا مرة أخرى .
ليكون من معاني الآية الشكر لله عز وجل على أمور :
الأول : نعمة الخلق والنشأة ، ومن إعجاز القرآن ومضامين التذكير بهذه النعمة تكرار لفظ (خَلَقْنَاكُمْ) في القرآن تسع مرات منها قوله تعالى [أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ] ( ).
الثاني : عيش الإنسان في الحياة الدنيا مدة عمره ولا تستطيع الخلائق وإن إجتمعت أن تطرده أو تخرجه منها ، فلا يغادرها إلا إلى الآخرة ، وبمشيئة من عند الله عز وجل ، ومن التحدي وبيان عظيم قدرة الله عز وجل ورأفته بعباده ، وإطلاق خلافة الإنسان في الأرض قوله تعالى [يَاعِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ] ( ).
الثالث : رجوع الناس إلى الله عز وجل عند مغادرة الدنيا ، فليس من شيطان يوسوس أو طاغوت يأمر أو ينهى بعد الموت.
الثانية : تغشي رحمة الله عز وجل للمسلمين في النشأتين لتكون الحياة الدنيا للمسلم روضة ناضرة وبستاناً كبيراً يزرع فيه زهور التقوى وأشجار العبادة التي تنمو وتكبر في الدنيا والآخرة ، وتضيء له قبره ، وتحضر معه في عالم الحساب.
الثالثة : رجوع المسلمين إلى الله عز وجل وقد أفنوا أعمارهم بالإقرار بربوبيته ، وأداء الفرائض والعبادات طاعة له سبحانه وقربة إليه .
الرابعة : حب الله عز وجل للمسلمين ، وفضله عليهم في الدنيا إلى حين الموت وإنقضاء أيامهم في الحياة الدنيا ، وهو من مصاديق إخبار الآية عن رجوعهم إليه إذ تدل الآية بالدلالة التضمنية على اللطف الإلهي بالمسلمين قبل وبعد الرجوع إليه.
تكرر لفظ [قَتَلْتُمْ] ولابد من دلالات لتكرار الإخبار عن قتل المسلمين في آيتين متتاليتين من سورة آل عمران ، وبين لفظ [قتلتم] في الآيتين عموم وخصوص من وجه، فمادة الإلتقاء من جهات :
الأولى : إتحاد صيغة الفعل الماضي .
الثانية : صدور الخطاب من عند الله عز وجل .
الثالثة : وحدة الجهة التي توجه لها الخطاب في الآيتين ، وهم المسلمون.
الرابعة : ورود صيغة الشرط في كل من الآيتين .
الخامسة : موضوع الآيتين مغادرة المسلم الحياة الدنيا .
السادسة : لغة العطف في الآيتين بين الموت والقتل .
أما مادة الإفتراق فهي من جهات :
الأولى : مجئ كل فرد من لفظ [قَتَلْتُمْ]في آية .
الثانية : التعدد في مضامين كل من الآيتين .
الثالثة : تقييد القتل في الآية السابقة بأنه في سبيل الله، بينما لم تذكر آية البحث هذا القيد .
الرابعة : تقدم لفظ [قَتَلْتُمْ] على [مُتُّمْ]في الآية السابقة بينما تقدم لفظ [مُتُّمْ] في آية البحث .
ترى لماذا هذا التباين , الجواب من وجوه :
الأول : بيان شرف وعظيم منزلة وشرف القتل في سبيل الله ، فابتدأت الآيتان به .
الثاني :تأكيد إكرام الله عز وجل للمسلم وأن مات على فراشه، عن البراء بن عازب سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : مؤمنوا أمتي شهداء ، ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم { والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم} ( ).
الثالث : توجه الخطاب في الآية السابقة وآية البحث لعموم المسلمين والمسلمات .
الرابع : المنع عن إختيار القتل من غير سبب وجيه، إذ يفيد الجمع بين الآيتين بيان الثواب العظيم الذي يناله المسلم وإن مات خارج سوح المعارك , وفي طلب الرزق والمعاش , ولو داخل قريته ومحلته .
الخامس : بيان قانون وهو أن الإنسان قد يموت حتف أنفه , وقد يقتل من قبل غيره ، وعلى المسلم أن يستعد لأي من الحالتين بالثبات في مقامات الإيمان والصلاح.
(عن عبد الله بن عتيك : سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول : من خرج من بيته مجاهداً في سبيل الله – وأين المجاهدون في سبيل الله – فخر عن دابته فمات فقد وقع أجره على الله ، أو لدغته دابة فمات فقد وقع أجره على الله ، أو مات حتف أنفه فقد وقع أجره على الله – يعني بحتف أنفه على فراشه ، والله إنها لكلمة ما سمعتها من أحد من العرب قبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن قتل قعصاً فقد استوجب الجنة ) ( ) .
وقد ورد بخصوص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قوله تعالى [وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ] ( ).
فقدمت الآية أعلاه الموت على القتل , وفيه مسائل :
الأولى :بيان قانون وهو إتحاد العاقبة بين الأنبياء والمسلمين والناس جميعاً ، بأن يجمع بينهم الموت .
عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال (حدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج فإنه كانت فيهم الأعاجيب خرجت طائفة منهم فأتوا مقبرة من مقابرهم فقالوا لو صلينا ركعتين فدعونا الله يخرج لنا بعض الأموات يخبرنا عن الموت ففعلوا فبينما هم كذلك إذ أطلع رجل رأسه من قبر بين عينيه أثر السجود فقال يا هؤلاء ما أردتم إلى فوالله لقد مت منذ مائة سنة فما سكنت عنى حرارة الموت حتى كان الآن فادعوا الله أن يعيدنى كما كنت) ( ).
الثانية : منع الغلو بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في حياته وبعد موته، وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (اتخذني عبدا قبل أن يتخذني نبيا) ( ).
عن الإمام علي بن الحسين عن أبيه الحسين عليهم السلام قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا أيها الناس ، لا ترفعوني فوق قدري ، فإن الله اتخذني عبدا قبل أن يتخذني نبيا) ( ).
الثالثة : كون إتحاد النبي مع غيره بالحتم والقطع بمغادرة الدنيا لا يمنع من إتصافه بخصوصية وأنه رسول من عند الله , لذا تفضل الله سبحانه وخص النبي محمداً بآية صريحة في موضوع وكيفية مغادرته الدنيا بالآية أعلاه .
الرابعة : منع صيرورة المسلمين في حال خوف وفزع يومي من قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فلو قالت الآية (أفئن قتل أو مات ..)لتبادر إلى الذهن رجحان قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
الخامسة : البشارة بتوالي نزول آيات القرآن ، وعدم إنقطاعها بقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لينزل في حجة الوداع [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا] ( ).
وعن ابن عباس في حديث قال (مكث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد نزول هذه الآية إحدى وثمانين يوماً ، ثم قبضه الله إليه ) ( ) .
السادسة : زجر الذين كفروا عن محاولات قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومنعهم من التآمر والكيد ودس بعضهم لقتله .
السابعة : إنذار المنافقين من إرادة قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وقد سعوا إلى قتله في العقبة عند رجوعه من تبوك ، وأرادوا مزاحمة ناقته وطرحه في الوادي فأخبر الله عز وجل نبيه ، وفضحهم وأخزاهم .
ويشمل قوله تعالى [مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ] رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليكون من الإعجاز مجئ آية خاصة بحال وكيفية مغادرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للدنيا بخطاب تحذير وتنبيه إلى المسلمين بقوله تعالى [وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ]( ).
بينما جاءت آية عامة بصيغة الخطاب الموجه للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين وهي آية البحث ليكون تقديرها بخصوص النبي صلى الله عليه وآله وسلم على وجوه :
أولاً : ولئن مت أو قتلت لإلى الله تحشر .
ثانياً : لئن مات أو قتل رسول الله لإلى الله يحشر .
ثالثاً : لئم متم أو قتلتم وأنتم مؤمنون برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لإلى الله تحشرون .
رابعاً : ولئن متم أو قتلتم فمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحشرون .
القسم الخامس : لقد ذكرت الآية السابقة نعمتين , وهما :
الأولى : المغفرة .
الثانية : الرحمة .
ووردت الآية بصيغة النكرة وتفيد في مقام الإثبات العموم مع وجود القرينة التي تدل عليه ، كما في قوله تعالى [قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى] ( ).
ومن قوانين الإرادة التكوينية بخصوص سعة رحمة الله أنها لا تدل على فرد مبهم شائع في جنسه يصعب تعيينه ولو في الجملة لأن هذه الدلالة متخلفة وعاجزة عن معارضة شآبيب الرحمة في قوله تعالى [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( ) هذا القانون الممتنع عن المزاحمة والمعارضة .
ويحتمل نداء الإيمان بلحاظ المغفرة والرحمة اللتين تذكرهما الآية السابقة وجوهاً :
الأول : نداء الإيمان مغفرة للمؤمنين ونوع طريق للفوز بها .
الثاني : نداء الإيمان من الرحمة التي تذكرها الآية السابقة .
الثالث : ليس من صلة بين نداء الإيمان والمغفرة أو الرحمة التي تذكرها الآية السابقة .
الرابع : نداء الإيمان وتلاوته وسيلة وطريق للفوز بالمغفرة والرحمة من عند الله ، قال تعالى [إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ] ( ).
وباستثناء الوجه الثالث أعلاه فان الوجوه الأخرى كلها من معاني النسبة والتداخل بين مضامين الآية السابقة ونداء الإيمان من غير أن يلزم الدور بينهما .
ومن الإعجاز في نداء الإيمان فوز تاليه والعامل بمضامينه بالمغفرة والرحمة في الدنيا والآخرة ، وقد يتبادر إلى الذهن إرادة نيل المسلم المغفرة والرحمة في الآخرة بلحاظ سياق الآية لأنها تتحدث عن موته أو قتله في سبيل الله وبصيغة الجملة الشرطية ، وكأن المغفرة والرحمة أمران معلقان على حال الموت على الإيمان ، والآية أعم إذ يدل ذات الخطاب في الآية على لغة وإرادة العموم فيها ، وتقدير الآية السابقة على وجوه :
الأول : ولئن قتل أحدكم في سبيل الله , لمغفرة قبل الموت خير مما يجمعون .
الثاني : ولئن مت يا أيها الذي آمن لرحمة من الله تفوز بها قبل الموت خير مما يجمعون .
الثالث : ولئن قتلتم في سبيل الله لمغفرة من الله بعد الموت خير مما يجمعون .
الرابع : ولئن متم لرحمة من الله بعد الموت خير مما يجمعون .
وعن سلمان المحمدي (عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : إن لله مائة رحمة ، فمنها رحمة يتراحم بها الخلق ، وبها تعطف الوحوش على أولادها ، وأُخر تسع وتسعون إلى يوم القيامة) ( ).
بالإضافة إلى بيان الآية لنيل المسلم المغفرة والرحمة مجتمعين ، قال تعالى [قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ] ( ).
وكل فرد من الوجوه الأربعة أعلاه سبب لبعث الحسرة في نفوس الذين كفروا ، وزاجر لهم عن التعدي على المسلمين ، وإخبار بأن المسلمين في نعيم دائم في الدنيا والآخرة ، ومن النعم الظاهرة نداء الإيمان وما يترشح عنه من البركات ومصاديق الرحمة.
القسم السادس : قيدت الآية السابقة القتل الذي ينزل بالمسلمين بأنه في سبيل الله ، لبيان سخط الله عز وجل على الذي يقتل المسلم، وفيه تخويف ووعيد من عند الله عز وجل للذين يحاربون الإسلام ويقاتلون النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين لتقول لهم إحذروا قتل المسلم لأنه يقتل في سبيل الله وأن الله عز وجل هو الذي يثأر له ، ويأخذ الحق من عدوه ، قال تعالى [وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا] ( ) والله عز وجل هو ولي المؤمنين ومنهم الذين يقتلون في سبيله .
ولو دار الأمر بين إختصاص الله عز وجل بالقصاص من الذي يقتل المؤمن في الآخرة ، وبين الإبتلاء والإنتقام منه في الدنيا والآخرة ، فالجواب هو الأخير ، ومنه آية البحث التي تتوعد الذين كفروا بالموت والقتل من غير أجر وثواب بل تكون النار الحامية في إنتظار الذين كفروا.
الوجه الثاني : صلة هذه الآية بالآية قبل السابقة [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ..] ( ) وفيه مسائل :
المسألة الأولى : من الإعجاز في سياق هذه الآية عطف آية البحث على الآية قبل السابقة التي إبتدأت بنداء الإيمان الذي هو تشريف للمسلمين في الدنيا والآخرة ، وهذا العطف من وجوه :
أولاً : إبتداء آية البحث بحرف العطف الواو الذي هو أم أدوات العطف، ومن الإعجاز في المقام التسالم بين الناس جميعاً بإفادة الواو العطف بين السابق واللاحق لها .
ثانياً : إتحاد موضوع هذه الآيات ومن الإعجاز في المقام تقدم الإخبار عن الموت في آية البحث ، وتقدم الإخبار عن القتل في الآية السابقة.
لقد أختتمت الآية السابقة بقانونين من الإرادة التكوينية وهما :
الأول : الحياة والموت أمر بيد الله لا يقدر عليهما إلا الله عز وجل ، فهو الذي أوجد الإنسان من العدم، وصيّره ذا عقل ومشيئة وعمل إختياري ، قال تعالى [وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلاَلَةٍ مِنْ طِينٍ *ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ]( ).
وعن حُذَيْفَة بن أُسَيْد الغفاري قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: “يدخل المَلك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين ليلة، فيقول: يا رب، ماذا؟ أشقي أم سعيد؟ أذكر أم أنثى؟ فيقول الله، فيكتبان. فيقولان: ماذا؟ أذكر أم أنثى.
فيقول الله عز وجل، فيكتبان ويُكْتَبُ عمله، وأثره، ومصيبته، ورزقه، ثم تطوى الصحيفة، فلا يُزاد على ما فيها ولا ينقص”)( ).
الثاني : إحاطة الله عز وجل علماً بما يفعل المسلمون والناس جميعاً ، وذات الأشياء والأفعال حاضرة عند الله عز وجل لا تغيب عنه ، وهو يعلم بها قبل وبعد وقوعها ، وهذا العلم ليس مجرداً بذاته إنما هو مقترن بالمشيئة ، فلم تقع إلا بأذنه سبحانه ، وعلمه بأسبابها ونتائجها ، ولو شاء لما وقعت ، أو تقع من غير أسباب أو نتائج ، وهو من مصاديق قوله تعالى [يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ] ( ).
ثالثاً : صيغة الخطاب وإتحاد الجهة التي يتوجه لها كلام الله عز وجل ، ومن خصائص المؤمنين الذين أكرمهم الله عز وجل بنداء الإيمان أمور :
الأول : تلقي القرآن بالتصديق بأنه كلام الله النازل على نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : تعاهد القرآن رسماً وكلمات وآيات ونظماً وسوراً ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى] ( )، ومن الإعجاز أن تعاهد المسلمين لحفظ القرآن من البر ومن التقوى متفرقين ، ومنهما مجتمعين ، وهو من فيوضات القرآن .
الثالث : الشكر لله عز وجل على نعمة القرآن ، وفي سليمان ورد قوله تعالى [وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ] ( ) ومن مصاديق هذا الشكر في الإسلام تلاوة القرآن في الصلاة .
الرابع : تغشى الغبطة والبهجة لجميع المسلمين والمسلمات لإكرام الله عز وجل لهم بنداء الإيمان ، ليكون هذا النداء فيصلاً بين الإيمان والكفر ، وبين الهدى والضلال .
الخامس : جهاد المسلمين من أجل سلامة القرآن من التحريف، سواء في رسمه أو كلماته أو ما بين الدفتين ، ليكون من معاني نداء الإيمان أي [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] خلو القرآن من الزيادة , وإنتفاء النقيصة في كلماته, وحروفه .
ومن خصائص القرآن إمتناعه عن التحريف ، ليكون هذا الإمتناع مدداً للمسلمين في تعاهده وضبط كلماته ومحاربة الكيد الذي يأتي لإرادة التحريف والتبديل لبعض كلماته وهو من مصاديق قوله تعالى[إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون]( ).
ومن الآيات تعذر هذا التبديل إذ يفسر القرآن بعضه بعضاً ، وتتحد صيغة الخطاب بين آية البحث والآية قبل السابقة لتكون موعظة للناس جميعاً ، ومن مفاهيم إختصاص المسلمين بهذا الخطاب أمور :
الأول : حرمان الذين كفروا من نعمة هذا الخطاب ونفعه وأثره.
الثاني : ترغيب الناس عامة ومنهم الذين كفروا بالإسلام ، وتلقي نداء الإيمان .
الثالث : إدراك الناس جميعاً لقانون من جهات :
الأولى : تفضل الله عز وجل بنزول نداء الإيمان.
الثانية : نداء الإيمان نعمة عظمى .
الثالثة : إختصاص المسلمين بنداء الإيمان .
الرابعة : عجر الناس عن الإحاطة بفيوضات نداء الإيمان .
الخامسة : إتصاف نداء الإيمان بأنه بذاته يدعو الناس جميعاً لتلقيه .
السادسة : بعث نداء الإيمان الندامة في نفوس الذين تخلفوا ويتخلفون عن الإيمان .
السابعة : نداء الإيمان إكرام وجزاء عاجل للمسلمين مجتمعين ومتفرقين.
الثامنة : من خصائص نداء الإيمان أنه شاهد على التأريخ .
التاسعة : تجدد شهادة نداء الإيمان على الناس في كل زمان وإلى يوم القيامة .
العاشرة : حضور نداء الإيمان في الآخرة مصاحباً لكل مؤمن ويشع منه ضياء يراه أهل المحشر، وهو من مصاديق قوله تعالى في آية البحث [لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ]( ).
الرابع : دعوة الناس للتدبر في معاني ودلالات ومنافع نداء الإيمان على كل من :
أولاً : المسلمون والمسلمات ، وليس من حصر للموضوعات والمسائل التي ينتفع بها المسلمون من نداء الإيمان ، ويمكن تقسيمها تقسيماً إستقرائياً إلى جهات :
الأولى : الأحكام المقتبسة من نداء الإيمان .
الثانية : المسائل المستنبطة من نداء الإيمان على نحو التبادر.
الثالثة : الأمور والمسائل الثابتة على نحو الدوام والتي تؤخذ وتستظهر من نداء الإيمان، فهو نسيم عذب يطرق باب القلب كل ساعة، ومؤازر حاضر مع صفوف المسلمين يشد أزرهم ويبعث الغبطة في نفوسهم .
الرابعة : ما يتجدد من العلوم من نداء الإيمان وبركاته .
الخامسة : موضوعية وأثر نداء الإسلام في ذات الآية التي تبدأ به .
السادسة : منافع وفيوضات نداء الإيمان على الآيات المعطوفة على آيته أي الآية التي ورد فيها .
ومن هذه الآيات آية البحث التي تتضمن الخطاب للمسلمين بذات صيغة نداء الإيمان ، ومن معاني إخبارهم عن موتهم أو قتلهم البشارة لهم وبعث السكينة في نفوسهم .
السابعة : نداء الإيمان من مصاديق التعدد في الإخبار القرآني عن كون النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مبشراً ونذيراً ، إذ ورد وصفه بنداء النعت الكريم مع عموم الأنبياء بقوله تعالى [وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ]( )كما ورد وصفه بهذا المعنى على نحو الخصوص في قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا]( ).
ثانياً : منافع نداء الإيمان على أهل الكتاب من اليهود والنصارى بلحاظ أن الإيمان بالله سور الموجبة الكلية الجامع للمسلمين وأهل الكتاب .
وتبين الآية أن الإيمان حق وواجب , وأنه سبيل العز والإكرام في الدنيا ، ومن الآيات أن إكرام الله عز وجل لطائفة من عباده في الدنيا بشارة الأمن وشآبيب الرحمة والمغفرة لهم في الآخرة ، فليس من نسخ أو نقض للثناء الذي يتفضل به الله عز وجل على عباده ، فجاء قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] رحمة مزجاة للمسلمين ليقتبس منها أهل الكتاب وغيرهم المواعظ.
ونزل نداء الإيمان من عند الله ليبقى في الأرض إلى يوم القيامة من جهات :
الأولى : رسم نداء الإيمان، والضياء الذي يشع منه على القلوب المنكسرة وهو من مصاديق قوله تعالى[مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ]( ).
الثانية : صفة القرآنية لنداء الإيمان وجزئيته من القرآن .
الثالثة : مواضع ومنازل نداء الإيمان في آيات وسور القرآن فلا يمسها التبديل والتقديم والتأخير .
الرابعة : تلاوة نداء الإيمان من قبل المسلمين والمسلمات إلى يوم القيامة، ونداء الإيمان فضل من الله عز وجل، وتلاوة المسلمين له نعمة عظمة، وليس من حصر لمصاديق الفضل والنعمة الإلهية، وهما من مصاديق إذا إجتمعا إفترقا، وإذا إفترقا إجتمعا .
والنسبة بينهما هي العموم والخصوص المطلق، والفضل هو الخير الزائد والنافلة التي يتفضل بها الله، والنعمة أعم إذ تشمل ما كتب الله للعبد، وما يتفضل به من الإحسان، وما يمحو لنا من البلاء والفتن، ونداء الإيمان نعمة وفضل من عند الله عز وجل، وهو في رسمه وتلاوته ووجوده بين الدفتين وإضاءته البيوت والقلوب , وتهذيبه الألسن من مصاديق قوله تعالى[وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا]( ).
الخامسة : قراءة المسلمين لنداء الإيمان في الصلاة .
ثالثاً : منافع نداء الإيمان على الناس جميعاً ، وهو مصداق لرحمة الله عز وجل ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتغشيها وبركاتها للناس جميعاً ، فيأتي نداء الإيمان نداءً خاصاً للمسلمين والمسلمات ، ويعلم الله الخلائق أن الذين كفروا حرموا أنفسهم من نعمة تلقيه، وأصر كفار قريش على محاربة النبوة والتنزيل .
ومع هذا فانهم جميعاً ينتفعون من نداء الإيمان ، وهو من أسرار تكراره في القرآن ، ووروده ثمانياً وثمانين مرة في بدايات آيات القرآن، ومرة واحدة في وسط آية أخرى منه، هو قوله تعالى[إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا]( ).
ولا ينحصر إنتفاع غير المسلمين من نداء الإيمان بتنزيله ، فكل تلاوة لأحد المسلمين رحمة بالناس ، وهي فرد جامع للأمور الجهادية الحسنة الثلاثة التي جاء بها قوله تعالى [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ] ( ).
ترى ما هو نوع إنتفاع غير المسلم من آية قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] الجواب من وجوه :
الأول : ترغيب الناس بالإيمان ، وتحبيبه إلى القلوب، وهو من مصاديق قوله تعالى[وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ) .
الثاني : بعث النفرة في النفوس من الكفر والجحود .
الثالث : من خصائص الإنسان وتسميته بهذا الاسم أنه يأنس للجمع ذي الفائدة والنفع ، ويتمنى أن يكون من وفد الخير والشأن والجاه ، فجاء نداء الإيمان للإخبار عن الجاه العظيم للمسلمين ، وهو في مفهومه دعوة للناس للحاق بهم .
وهل يبعث هذا النداء الكبرياء والزهو في نفوس المسلمين الجواب لا ، لتقوم الإيمان بالتواضع والخضوع والخضوع لله عز وجل، نعم إنه يبعث الأسى في نفوس الذين كفروا، وهو من مصاديق قوله تعالى قبل آيتين[لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ]( ).
الرابع : دخول طائفة من الناس الإسلام ببركة نداء الإيمان وما يترشح عنه من معاني الحكمة والإعجاز ، وهو من أسرار تعدده في القرآن.
المسألة الثانية : تقدير آية البحث بلحاظ نداء الإيمان الذي إبتدأت به الآية قبل السابقة على وجوه :
الأول : يا أيها الذين آمنوا ولئن متم تموتون مؤمنين ، ولم يستطع الذين كفروا بلوغ غاياتهم الخبيثة في إرتدادكم أو إرتداد بعضكم , وفيه مصداق لقانون وهو ترشح البشارة عن نداء الإيمان.
الثاني : يا أيها الذين آمنوا أشكروا الله على حياتكم في الدنيا بصبغة الإيمان.
فصحيح أن الآية تذكر الموت ولكنها عطفت على آية نداء الإيمان التي تشهد للمسلمين بحياة العز والشأن والهيبة، لقوله تعالى [وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ]( ).
الثالث : تقدير الآية : يا أيها الذين آمنوا لئن متم بعد فناء أيامكم في الدنيا بعبادة الله وقيام الليل وصيام النهار وإخراج الزكاة وبالعبادة البدنية المالية وهي الحج فان أجركم على الله، لقد كتب الله عز وجل حج بيته الحرام على الناس وتخلفوا عنه إلا المسلمين ، قال تعالى [وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً] ( ).
ويحتمل نداء الإيمان وجوهاً :
الأول :يبعث نداء الإيمان المسلمين على تعاهد فريضة الحج .
الثاني : ندب نداء الإيمان الناس لحج البيت، والذي لا يقبل إلا مع الإيمان وقصد القربة، قال تعالى[إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا]( ).
الثالث : إقامة الحجة من عند الله عز وجل على الناس جميعاً بوجوب عبادته .
الرابع : إقتران أداء فريضة الحج بهبوط آدم إلى الأرض ، وهو وحواء أول من حجا البيت الحرام بعد حج الملائكة والجن له .
(عن وهب بن منبه اليماني قال : لما تاب الله على آدم وأمره أن يسير إلى مكة فطوى له الأرض حتى انتهى إلى مكة فلقيته الملائكة بالأبطح فرحبت به و قالت له يا آدم إنا لننظرك بر حجك.
أما إنا قد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام، وأمر الله جبريل عليه السلام يعلمه المناسك والمشاعر كلها وانطلق به حتى أوقفه في عرفات والمزدلفة وبمنى و على الجمار و أنزل عليه الصلاة والزكاة والصوم و الاغتسال من الجنابة و ذكر وهب أن البيت كان على عهد آدم عليه السلام ياقوتة حمراء تلتهب نورا من ياقوت الجنة لها بابان شرقي وغربي من ذهب من تبر الجنة وكان فيها ثلاث قناديل من تبر الجنة فيها نور يلتهب بلهب منظوم بنجوم من ياقوت أبيض و الركن يومئذ نجم من نجومها ياقوتة بيضاء فلم يزل على ذلك حتى كان في عهد نوح عليه السلام .
وقال في موضع آخر إن خيمة آدم و هي ياقوتة لم تزل في مكانها حتى قبض الله آدم ثم رفعها إليه و بنى بنو آدم في موضعها بيتا من الطين والحجارة فلم يزل معمورا حتى كان زمن الغرق فرفع من الغرق فوضع تحت العرش و مكثت الأرض خرابا ألفي سنة .
فلم يزل على ذلك حتى كان زمن إبراهيم عليه السلام فأمره أن يبني بيته فجاءت السكينة إبراهيم عليه السلام كأنها سحابة فيها رأس تتكلم لها وجه كوجه الإنسان فقالت يا إبراهيم : خذ قدر ظلي فابن عليه لا تزد شيئا ولا تنقص فأخذ إبراهيم قدر ظلها ثم بنى هو و إسماعيل البيت ولم يجعل له سقف فكان الناس يلقون فيه الحلي و المتاع حتى إذا كاد أن يمتلىء استعد له خمس نفر ليسرقوا ما فيه فقام كل واحد على زاوية و اقتحم الخامس فسقط على رأسه فهلك .
وبعث الله عند ذلك حية بيضاء سوداء الرأس و الذنب فحرست البيت خمسمائة عام لا يقرب أحد إلا أهلكته فلم يزل كذلك حتى بنته قريش) ( ).
الخامس : إصلاح الناس للحج وتأمين الطريق والإقامة في مكة ولا عبرة بالقليل النادر .
السادس : تفضل الله عز وجل بالرزق الكريم للناس وجعلهم يفكرون بالحج بالنسبة لمن كان في سعة أو ضيق .
ومن الآيات في المقام شوق المسلم لحج بيت الله وإجتهاده بالدعاء ليرزقه الله حج بيته ، وتقدير آية البحث بخصوص آية الحج أعلاه على وجوه :
الأول : يا أيها الذين آمنوا لئن متم بعد أداء فريضة الحج .
الثاني : يا أيها الذين آمنوا لئن متم قبل أن تستطيعوا الحج فالى الله تحشرون فيكتب لكم أجر من حج البيت .
الثالث : يا أيها الذين آمنوا لئن قتلتم قبل التوفيق لأداء الحج واتيان المناسك كاملة , فأنكم تحشرون إلى الله عز وجل , فيثيبكم على عمل الصالحات ، ويرزقكم ثواب حج بيته الحرام , بفضل ونافلة منه تعالى ، وهو من مصاديق ما ورد عن (عمر بن الخطاب يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول انما الاعمال بالنيات وانما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله والى رسوله فهجرته إلى الله والى رسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه)( ).
لقد تم فتح مكة في العشرين من شهر رمضان من السنة الثامنة للهجرة، وتصادف سنة 630 م ووقعت قبلها معارك أستشهد فيها عدد من المسلمين ، فمثلاً في معركة بدر قُتل أربعة عشر , وفي معركة أحد قتل سبعون من المسلمين ، وقد يكون بعضهم أدى مناسك الحج قبل الإسلام خاصة المهاجرين منهم ، ولقد حج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم البيت في السنة العاشرة للهجرة وسميت حجة الوداع لأنها آخر حجة له وقال ما يفيد توديع الناس.
وقد ورد عن جابر (لتأخذوا عني مناسككم ، فإني لا أدري لعلي لا أحج حجة أخرى) ( ).
الرابع :لئن متم أو قتلتم وقد أديتم فريضة الحج فان الله عز وجل يبارك لكم هذا العمل العبادي من جهات :
الأولى : الثواب العظيم في الآخرة .
الثانية : مضاعفة ثواب الحج على نحو متتالي بفضل من الله .
الثالثة : هداية الأبناء والذرية إلى أداء الحج والسعي إليه .
ولقد تفضل الله عز وجل وقيّد أداء الحج بالإستطاعة وتوفر الزاد والراحلة مما يدل بالدلالة التضمنية على عدم وجوب السعي لتحصيل الإستطاعة إذ لا تجب مقدمة الواجب ، ولكنها إن إجتمعت فيجب ذو المقدمة ، ويتفضل الله عز وجل بتهيئة مقدماته لأبناء المؤمنين وذراريهم ، ويدل عليه قوله تعالى [وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ] ( ) ليستخرجا الكنز ويسخرانه في مرضاة الله ، ومن منافع نداء الإيمان إصلاح الأولاد في مناهج الإيمان والأخلاق الحميدة ، وقوله تعالى أعلاه [رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ] لبيان عموم النفع من هذا الكنز من جهة الأفراد وعمل الصالحات .
المسألة الثالثة : لقد تضمنت آية السياق نهي المسلمين والمسلمات عن محاكاة الذين كفروا في إظهارهم التبكيت بصيغة الأسى والأسف للمؤمنين الذين قتلوا في سبيل الله ، ويشمل هذا النهي المسلمات لأن القول في أمور القتال غير ذات القتال والجهاد ، فاذا كان الجهاد ساقطاً عن المرأة فلا يعني هذا ألا يكون لها رأي وقول في مقدماته ونتائجه وأموره مطلقاً .
فجاءت آية البحث لتنزيه بيوت المسلمين ومنتديات النساء عن أسباب الريب والشك والضلالة ، وهل كان الذين كفروا يقصدون بث روح الريب والترديد عند المؤمنات ونساء المسلمين بما يجعلهن يسعين لمنع المؤمنين من الخروج للقتال أو الضرب في الأرض الجواب نعم .
لذا فمن إعجاز القرآن شمول نداء الإيمان للرجال والنساء من المسلمين ، وقد تقدم تقديره بلحاظ توجه الخطاب للمرأة المتحدة والمتعددة .
وجاءت آية البحث لتخاطب المسلمات بأن الذي يقتل من المسلمين إنما يحشر إلى الله عز وجل فيكون حياً سعيداً خالداً في الجنان ، وفيه برزخ دون إنصات المسلمات إلى الذين كفروا في مكرهم وكيدهم ، وتقدير الجمع بين الآيتين على وجوه :
الأول : يا أيتها اللائي آمنّ لئن مات أو قتل المؤمن لإلى الله يحشر , وإياكن .
الثاني : يا أيتها اللائي آمنّ لئن مات أو قتل المسلم لإلى الله الرؤوف الرحيم يحشر .
الثالث : يا أيتها التي آمنت لئن مات أو قتل أبوك لإلى الله يحشر.
الرابع : يا أيتها التي آمنت لئن مات أو قتل إبنك لإلى الله يحشر.
الخامس : يا أيتها التي آمنت لئن مات زوجك لإلى الله يحشر .
السادس : يا أيتها المسلمة لئن مات أو قتل أخوك لإلى الله يحشر هو والمؤمنون جميعاً ) وتتجلى هذه المعية وحسن العاقبة بلحاظ صيغة الجمع في آية البحث .
لقد إبتلى الله عز وجل الذين كفروا بامتلاء قلوبهم بالفزع والرعب وظهور آثار الخوف على جوانحهم وأركانهم وعلى ألسنتهم كشاهد ذاتي وحسي على ضلالتهم ، وهو من مصاديق قوله تعالى [قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلاَ يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً * أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ] ( ) .
والآية أعلاه تفسير وبيان لآية السياق والتي تجمع الكفار والمنافقين وتدل على حال الخور والجبن التي يتصفون بها ، فاذا إنصرف العدو إستقبلوا المسلمين بمعاني القعود عن القتال والتخويف وإدعاء العذر في التخلف عن القتال .
وهل يدفع عدم محاكاة المسلمين للذين كفروا في الصد عن سبيل الله الموت أو القتل عن المسلمين , الجواب نعم ، فانه يخفف عن المسلمين ويجعل القتل فيهم أقل من جهات :
الأولى : تآزر المسلمين فيما بينهم في مقدمات القتال .
الثانية : مناجاة المسلمين في الدفاع عن النبوة والتنزيل .
الثالثة : إصابة الذين كفروا بالرعب من إقبال المسلمين على القتال .
الرابعة : إلقاء الوهن والضعف في صفوف الذين كفروا ، وعدم محاكاة المسلمين للذين كفروا في صدهم عن سبيل الله , وهو من مصاديق قوله تعالى [وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ] ( ).
الخامسة : قلة المعارك بين المسلمين والذين كفروا فمتى ما أدرك العدو عزيمة وأقدام المسلمين على القتال فانه يحجم عنه .
السادسة : إرادة كثرة السواد ، وزيادة عدد المسلمين في معارك الدفاع عن الإسلام ، وهو الذي تجلى بالمصداق العملي ، فقد خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمعركة بدر في السنة الثانية للهجرة ومعه ثلاثمائة وثلاثة عشر من المهاجرين والأنصار .
وخرج معه في السنة الثالثة للهجرة لمعركة أحد ألف مقاتل إنخزل منهم نحو ثلاثمائة وسط الطريق بتحريض من رأس النفاق عبد الله بن أبي بن أبي سلول الذي حث قومه من الخزرج وعموم الأنصار على الرجوع وعدم الإشتراك بمعركة أحد ولو بتكثير السواد .
(عن ابن شهاب وغيره قال :خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أحد في ألف رجل من أصحابه ، حتى إذا كانوا بالشوط بين أحد والمدينة انخذل عنهم عبد الله بن أُبَيَّ بثلث الناس ، وقال : أطاعهم وعصاني والله ما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا ، فرجع بمن اتبعه من أهل النفاق وأهل الريب ، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام من بني سلمة يقول : يا قوم أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم عندما حضرهم عدوهم . قالوا : لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم ، ولكن لا نرى أن يكون قتال) ( ).
ليخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم في شهر رمضان من السنة الثامنة للهجرة بعشرة آلاف مقاتل لفتح مكة ، وليتم الفتح من دون قتال معتد به ، وهو من الشواهد على أن المسلمين والمسلمات لم ينصتوا إلى قول الذين كفروا الذي أرادوا لهم القعود والصدود عن القتال، ليكون من الإعجاز في قوله تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ]( )، العصمة من محاكاة الذين كفروا في مناجاتهم بالإثم والباطل، ولم يرد لفظ (تناجوا) في القرآن إلا مرتين وبالآية أعلاه.
وذكر أنه لما حضرت المنية رأس النفاق عبد الله بن أبي بن أبي سلول أرسل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسأله قميصه ليكفن به، ويصلي عليه إذا مات ، ويقوم على قبره , وكان المنافقون عنده , وقيل آمن وتخلى عن النفاق ألف من المنافقين، إذ أدركوا أنه يرجو البركة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
والأرجح أن هذا رقم الألف هذا مبالغ فيه , ولم يكن عدد المنافقين آنذاك إلا بتناقص مطرد وأرسل له النبي صلى الله عليه وآله وسلم قميصه فرده , وقال: أريد القميص الذي يلي جسده فأرسله إليه، وقيل أن الذي سأل القميص هو إبنه عبد الله وهو مؤمن.
وذكر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عاده في مرضه وكان مرضه لعشرين ليلة، ومات في شهر ذي القعدة من الستة التاسعة للهجرة ، فقال: يا رسول الله، ليس بحين عتاب! هو الموت، فإن مت فاحضر غسلي وأعطني قميصك أكفن فيه. فأعطاه الأعلى وكان عليه قميصان فقال: الذي يلي جلدك. فنزع قميصه الذي يلي جلده ’ فأعطاه، ثم قال: صل علي واستغفر لي، وكان جابر بن عبد الله يقول خلاف هذا، يقول: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موت ابن أبي إلى قبره، فأمر به فأخرج، فكشف من وجهه ونفث عليه من ريقه؛ وأسنده الى ركبتيه وألبسه قميصه وكان عليه قميصان وألبسه الذي يلي جلده، والأول أثبت عندنا، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حضر غسله وحضر كفنه)( ).
المسألة الرابعة : من وجوه الجمع بين آية البحث وآية النداء يا أيها الذين آمنوا لإلى الله تحشرون .
ولما أخبر الله عز وجل الملائكة بأنه سبحانه [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( ) إحتجوا بأن الإنسان يدنس الأرض بالفساد ، ويجعل الدم الزكي يسيل فيها بغير حق، وهو أمر يتنافى مع مفاهيم الخلافة ، فلم يقل لهم الله عز وجل إني جاعل خلقاً في الأرض ، أو أمتحن الناس في الحياة الدنيا ، إنما وصف الله عز وجل سبحانه الإنسان بأول وصف وهو [خَلِيفَةً] كما نعت أول بيت في الأرض بأنه بيته وجعل البركة والأمن والدوام صفات ملازمة له ، قال سبحانه [إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ]( ).
لقد أحتج الملائكة على قتل المؤمنين ، وسألوا الله عز وجل أن تكون لهم السيادة في الأرض إلى يوم القيامة لتعصم دماؤهم وأموالهم ويعظموا شعائر الله ، فأجاب الله عز وجل الملائكة بقوله [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ) ومن علمه تعالى أن قتل المؤمن لن يضره لأنه يرجع إلى الله عز وجل فيكرمه وينعم عليه باللبث الدائم في الجنة ، أما الذي يقتله فيلحقه الخزي في النشأتين ، قال تعالى [وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا] ( ).
ومن معاني الجمع بين الآيتين زجر الذين كفروا والناس عن إرادة قتل المسلم والتحريض عليه ، وتهيئة مقدماته .
ومن الإعجاز في خلق الإنسان تجلي هذا الزجر من حين خلق آدم وقبل أن يهبط إلى الأرض إذ إحتجت الملائكة على جعل الإنسان خليفة في الأرض وهو الذي [يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ] ( ) .
فجاءت آية البحث لأمور :
الأول : نهي الناس عن قتل المسلم .
الثاني : بيان قبح القتل بغير حق .
الثالث : تأكيد ولاية الله عز وجل للمسلمين ، قال تعالى[اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ] ( ).
وتحتمل آية البحث بلحاظ الآية أعلاه وجوهاً :
أولاً : أنها من النور الذي تذكره الآية أعلاه .
ثانياً : دلالة عطف آية البحث على آية النداء على فوز المسلمين بنور الهدى الذي يملأ النفس بالطمأنينة , ويبعثها على السعي والإجتهاد في منازل التقوى .
ثالثاً : بيان فضل الله عز وجل على المسلمين بأنهم لم يرتقوا إلى مراتب الإيمان إلا بفضل من الله عز وجل ، وهو سبحانه الذي أنجاهم من ظلمات الكفر ، وعتمة الضلال .
رابعاً : لقد أخبرت آية البحث عن موت أو قتل المسلم ، ليكون من معاني إخراج الله عز وجل المسلمين من الظلمات إلى النور سلامتهم من ظلمات القبر .
خامساً : من خصائص الحياة الدنيا أنها دار إبتلاء ، وتتدافع الفتن فيها ، فجاءت الآية أعلاه للبشارة لنجاة المسلمين من الفتن والمحن التي هي فساد وقد تكون مقدمة للقتل وسفك الدماء وذات القتل بغير الحق فتنة .
وأخرج ابن أبي حاتم (من طريق موسى بن عبيدة عن أيوب بن خالد قال : يبعث أهل الأهواء وتبعث الفتن ، فمن كان هواه الإِيمان كانت فتنته بيضاء مضيئة ، ومن كان هواه الكفر كانت فتنته سوداء مظلمة ، ثم قرأ هذه الآية . والله أعلم)( )، أي قوله تعالى[اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ]( ).
ولا دليل على قول أيوب هذا , ولا تصل النوبة إلى تصور تحقق مصداقه لذا قال السيوطي في أعلاه والله أعلم .
سادساً : صحيح أن الآية جاءت بصيغة الفعل المضارع إلا أن موضوعه أعم ، ويشمل الزمن الماضي والحاضر .
وتقدير الآية : الله ولي الذين آمنوا أخرجهم من الظلمات إلى النور .
ترى لماذا جاءت الآية بصيغة الفعل المضارع فيه وجوه :
الأول : إرادة معنى الإستمرار بتوالي فضل الله .
الثاني : بيان إتصال وتجدد الإبتلاء والإفتتان في الحياة الدنيا ، إذ يداهم البلاء الإنسان في كل ساعة من ساعات يومه وليله ، وحتى في النوم لا ينجو الإنسان من الإبتلاء للسعة والمندوحة في عالم الرؤيا ، وما فيها من البشارات والإنذارات ، وما يأتي من الإفتتان ساعة النوم من الوقائع والأحداث الخارجية التي تصرف النعاس عن الإنسان وإن كان في حال السِنة وأول النوم .
الثالث : ترغيب المسلمين بالدعاء والمسألة .
الرابع : إدراك المسلمين الحاجة إلى رحمة الله عز وجل .
الخامس : قد يأتي الفعل بصيغة الماضي ويراد منه أفراد الزمان الطولية كلها ، وقد يأتي بصيغة الفعل المضارع، ويراد منه الماضي والحاضر والمستقبل بحسب القرائن والدلالة، ويمكن تأسيس قانون وهو لو دار مجيء الفضل الإلهي بزمان مخصوص أو مطلقاً، فالصحيح هو الثاني، ولو دار بين إرادة الدنيا أو الآخرة أم كلا النشأتين، فالصحيح هو الثالث.
السادس : بيان قانون وهو مع الإيمان تتوالى النعم على المسلمين ويأتيهم فضل الله عز وجل ، ومنه إخراجهم من ظلمات العمى وإتباع الهوى ، وحال الفقر والفاقة والضراء إلى رياض السعة والمندوحة ، وفيوضات رحمة الله عز وجل.
وعن رسول الله صلى اله عليه وآله وسلم قال ( كان في بني إسرائيل رجلان كان أحدهما مجتهدا في العبادة، وكان الآخر مسرفا على نفسه، وكانا متآخيين وكان المجتهد لا يزال يرى الآخر على ذنب، فيقول: يا هذا أقصر.
فيقول: خلني وربي! أبعثت علي رقيبا؟ قال: إلى أن رآه يوما على ذنب استعظمه .
فقال له: ويحك! أقصر! قال: خلني وربي! أبعثت علي رقيبا؟ فقال: والله لا يغفر الله لك -أو لا يدخلك الجنة أبدا-قال: فبعث الله إليهما ملكا فقبض أرواحهما واجتمعا عنده، فقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي. وقال للآخر: أكنت بي عالما؟ أكنت على ما في يدي قادرا؟ اذهبوا به إلى النار)( ).
السابع : إرادة إخراج المسلمين من ظلمات الدنيا إلى الإقامة في الجنان في الآخرة .
الثامن : يعيش الناس في الحياة الدنيا مجتمعين مع الإختلاط فيما بينهم ، ولتباين في الرزق والجاه والعافية ، وقد تجتمع نعم عديدة عند الكافر ، ويكون هناك مؤمن فقيراً قريباً له بالرحم، أو جاراً له، أو عاملاً عنده ، تصاحبه الحاجة في المأكل والملبس ، ولكن يأتي الموت لهما معاً .
فلا يستطيع صاحب النعم إرجاء الموت عنه أو جعل بديل عنه، مع أنه يود عدم مغادرة الدنيا ، ويكون مستعداً للفداء والعوض بينما ترى المؤمن غنياً أو فقيراً متهيئاً للموت في أي ساعة لورود آية البحث بالإخبار عنه ، وعن الحشر والإجتماع عند الله عز وجل والوقوف بين يديه للحساب ورجاء رحمته في الآخرة .
لبيان قانون وهو أن الأوامر والنواهي بالإرادة التكوينية تتكرر وتتوالى في الكتب السماوية .
المسألة الخامسة : تقدير الجمع بين آية البحث وآية السياق ( لا تكونوا كالذين كفروا إذا مات أحدكم قالوا لو كان عندنا ما مات أو قتل ).
لقد جاءت آية البحث لبيان حال المسلم عند الموت وعند القتل ومغادرة الحياة الدنيا ، ومن الإعجاز أنها تخاطب المسلمين الأحياء في كل زمان ومكان لتبين لهم حسن العاقبة والمثوى الكريم الذي أعدّه الله عز وجل لهم.
لقد أراد الذين كفروا بعث حال الكآبة عند المسلمين ، وجعلهم يخافون على كل الذي يغادرهم للدفاع عن الإسلام أو المرابطة في الثغور أو للتجارة والدعوة إلى الله عز وجل ، وهم يرون أن هذه المغادرة مقدمة للفراق الأبدي معهم , وان قعودهم هو الأفضل للجميع ، ولقد علمنا بغض الذين كفروا لخروج المسلمين للقتال ، فلماذا يخشون ضرب المسلمين في الأرض للتجارة ، بقوله[إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ] الجواب من جهات :
الأولى : في خروج المسلمين إلى التجارة والكسب عز لهم وإنتعاش لأسواقهم .
الثانية : إرادة طاعة الله عز وجل في السعي والكسب ، وهل تدل عليه آية السياق , الجواب نعم ، وهي في مفهومها تبعث المسلمين على الضرب في الأرض للتجارة وتحمل الأخطار وأذى ومخاطر الطريق .
الثالثة : تنمية ملكة المعرفة عند المسلمين ، والإحاطة بأحوال الأمم السالفة والحاضرة المعاصرة ، بما يفيد زيادة الإيمان ، وتأكيد الإعجاز والبرهان في صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى [قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ] ( ).
الرابعة : الضرب في الأرض للتجارة باب لنشر الدعوة إلى الله وبالقول والفعل ، ومنه أداء الصلاة في أوقاتها وتحلي المسلم بصدق الكلام ، وسلامة المعاملة .
الخامسة : لقد ضاقت أزقة المدينة المنورة بالمهاجرين القادمين من مكة والقرى التي حولها وأفراد القبائل الذين دخلوا الإسلام الأمر الذي يستلزم توفير أسباب المعيشة وقد تقدم ذكر جناح الصّفة قرب المسجد الذي كان يأوى إليه فقراء المهاجرين ، فيأتي الضرب في الأرض لتوسعة الرزق وتعدد المكاسب وجلب التجارات والبضائع إلى المدينة .
السادسة : لقد قام كفار قريش بفرض حصار على بني هاشم قبل الهجرة بغية تخليهم عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودعوته إلى الله وأذاقوهم أشد أنواع الأذى ، وكان الصبيان من بني هاشم يقتسمان الثمرة الواحدة ، ليفوز الذي صارت النواة من نصيبه .
فتفضل الله عز وجل وحث المسلمين على الضرب في الأرض للكسب والدعوة إلى الله ، ليكون هذا الضرب واقية وزاجراً للذين كفروا عن فرض حصار على المؤمنين .
فان قلت قد يتعذر فرض الحصار على المسلمين في المدينة المنورة والإستشهاد بما جرى في مكة من الحصار قياس مع الفارق ، فالمسلمون في المدينة كثيرون وفيها اليهود وغير المسلمين ، والجواب، لقد كان فرض الحصار على المسلمين أمر ممكن ، خاصة إذا إشتركت به الدول العظمى آنذاك مثل دولة الروم والفرس ، وجاء قوله تعالى [فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ]( )، لبيان صيرورة المسلمين أكبر وأقوى من أن يفرض عليهم حصار،
وإن ذهب بعض رؤساء الكفر إلى ملك الروم أو الفرس ليطلب المدد والغوث فلا يجد أذناً صاغية . ومن الآيات إتصاف الجزيرة العربية بالسعة وهي صحراء قاحلة ليس فيها زرع وأنهار فالجيش الذي يقصد المدينة للقتال يتعرض للهلاك ، فان قلت هناك آبار للماء في طول الطريق بين الشام والمدينة ، أو بين العراق وما بعده ، وبين المدينة ومكة .
والجواب هذا صحيح , ولكن تلك الآبار تكفي لسقاية الأفراد وليس الجيوش الكبيرة .
المسألة السادسة : أخبرت آية السياق عن وقوع الموت والقتل في المسلمين ، إذ جاءت بصيغة الماضي في محاكاتها لقول وشماتة الذين كفروا [لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا] ( ) بينما وردت آية البحث بصيغة المضارع ولغة الشرط [وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ] ( ) وكأن المسلمين لم يمت منهم أحد ، ولم يقتلوا .
ليفيد الجمع بين الآيتين الدلالة على أمور :
الأول : منعة وعز المسلمين .
الثاني : عدم حدوث النقص في أعداد المسلمين عند سقوط الشهداء منهم ، وهو الذي يتجلى بالوجدان والأخبار إذ كان الناس يدخلون الإسلام أفراداً وجماعات ، قال تعالى [إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً] ( ) .
الثالث : إستحضار المسلمين لذكرى الشهداء والإفتخار بهم وتلاوة الآيات التي تدل على عظيم منزلتهم وشأنهم .
الرابع : من المجاز في الجمع بين قوله تعالى في آية السياق [مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا] وبين قوله تعالى في آية البحث [وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ].
وكأن الذين ماتوا وقتلوا من المسلمين أحياء مصاحبين لأجيال المسلمين إلى يوم القيامة ، وهو من أسرار إختتام آية البحث بقوله تعالى [لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ] ( ).
كأن آية البحث تقول للذين كفروا أن المسلمين في إزدياد متعدد متصل وإن قتل بعضهم في ميادين القتال .
وجاءت آية البحث لمنع حديثي العهد من المسلمين من تلقي قول الذين كفروا بالقبول والقعود والمحاكاة .
المسألة السابعة : تقدير الجمع بين الآيتين : ولئن متم [لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ] ( ) وفيه وجوه :
أولاً : تبعث مغادرة المسلم الحياة الدنيا على الإسلام الأسف والأسى في نفوس الذين كفروا من جهات :
الأولى : عجز الذين كفروا عن جعل المسلمين يرتد عن دينه .
الثانية : حال الطمأنينة التي يفارق بها المسلم الحياة الدنيا .
الثالثة : ثبات ذرية وأهل المسلم الميت على الإيمان .
الرابعة : تخلف الذين كفروا عن أدنى مراتب الإيمان .
ثانياً : خروج المسلمين للغزو والقتال , والضرب في التجارة وعودتهم سالمين .
ثالثاً : تلقي المسلمين الخطاب والبشارة من عند الله عز وجل بأنهم إن ماتوا أو قتلوا فانهم يفدون على باب رحمته وجوده ، ويرجعون إلى الثواب الذي أعده لهم .
رابعاً : تبعث تلاوة كل مسلم لآية البحث الحسرة في قلوب الذين كفروا ، لأنها تملأ نفسه بالسكينة .
خامساً : لا يموت المسلم إلا باذن ومشيئة الله عز وجل ، ولا يقبض الله عز وجل المسلم إلا وهو راض عنه .
سادساً : يبقى المسلم والإسلام تركه لأبنائه وذريته من بعده ، وتبعث هذه التركة الحسرة في قلوب الذين كفروا .
وفي الجمع بين الآيتين حجة على الذين كفروا ، فقد قالوا بان المسلمين إذا بقوا معهم , ولم يخرجوا للقتال أو الغزو أو التجارة لما قتلوا ولا فارقوا الحياة ، ولكانوا يلتقون معهم ، وينكحون أزواجهم، ويتكاثرون بالنسل ويجمعون الأموال , قال تعالى [أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمْ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ]( ).
فبينت الآية قانوناً وهو لابد من الموت ، هذا القانون الذي يصبح الإنسان يدركه كحقيقة وأمر قاطع كلما تقدم به العمر وضعفت قوته وقلة حيلته ، وظهر الوهن والأمراض في بدنه ، لذا تفضل الله عز وجل وجعل الشيب يظهر قبل الوهن والضعف ليكون إنذاراَ يومياً ووعيداً جلياً , وهو من مصاديق آيات النفوس في قوله تعالى[سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ]( ).
كما يتخطف الموت أفراداً من الذين كفروا وهم في سن الشباب ولم يخرجوا لقتال أو تجارة ، ويقتل عدد منهم في المعارك سواء في تعديهم وظلمهم للمسلمين ، وإرادتهم إستئصال الإسلام ، أو في المعارك والغزو الذي كان يحصل بينهم .
وعند السماع بالأنصار ومؤازرتهم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مجتمعين ومتفرقين يتبادر إلى الذهن أنهم أمة واحدة قبل إيمانهم بالرسالة وهجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ولكن الحال أنهم كانوا يتقاتلون بينهم ، وكانت كل طائفة من يهود الدينة تنصر فريقاً منهم .
(قَالَ ابن إسْحَاقَ : { وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ }( ) عَلَى أَنّ هَذَا حَقّ مِنْ مِيثَاقِي عَلَيْكُمْ { ثُمّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ }( ) أَيْ أَهْلَ الشّرْكِ حَتّى يَسْفِكُوا دِمَاءَهُمْ مَعَهُمْ وَيُخْرِجُوهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ مَعَهُمْ . { وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ }( ) وَقَدْ عَرَفْتُمْ أَنّ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ فِي دِينِكُمْ { وَهُوَ مُحَرّمٌ عَلَيْكُمْ } فِي كِتَابِكُمْ إخْرَاجُهُمْ { أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ }( ) ( أَيْ ) أَتُفَادُونَهُمْ مُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ وَتُخْرِجُونَهُمْ كُفّارًا بِذَلِكَ .
{ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدّونَ إِلَى أَشَدّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ أُولَئِكَ الّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ }( ) .
فَأَنّبَهُمْ اللّهُ عَزّ وَجَلّ بِذَلِكَ مِنْ فِعْلهمْ وَقَدْ حَرّمَ عَلَيْهِمْ فِي التّوْرَاةِ سَفْكَ دِمَائِهِمْ وَافْتَرَضَ عَلَيْهِمْ فِيهَا فِدَاءَ أَسْرَاهُمْ . فَكَانُوا فَرِيقَيْنِ مِنْهُمْ بَنُو قَيْنُقَاعَ وَلَفّهُمْ حُلَفَاءُ الْخَزْرَجِ ، وَالنّضِيرُ وَقُرَيْظَة ُ وَلَفّهُمْ حُلَفَاءُ الْأَوْسِ .
فَكَانُوا إذَا كَانَتْ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ حَرْبٌ . خَرَجَتْ بَنُو قَيْنُقَاعَ مَعَ الْخَزْرَجِ وَخَرَجَتْ النّضِيرُ وَقُرَيْظَةُ مَعَ الْأَوْسِ يُظَاهِرُ كُلّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ حُلَفَاءَهُ عَلَى إخْوَانِهِ حَتّى يَتَسَافَكُوا دِمَاءَهُمْ بَيْنَهُمْ وَبِأَيْدِيهِمْ التّوْرَاةُ يَعْرِفُونَ فِيهَا مَا عَلَيْهِمْ وَمَا لَهُمْ وَالْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ أَهْلُ شِرْكٍ يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ لَا يَعْرِفُونَ جَنّةً وَلَا نَارًا ، وَلَا بَعْثًا وَلَا قِيَامَةً وَلَا كِتَابًا ، وَلَا حَلَالًا وَلَا حَرَامًا ، فَإِذَا وَضَعَتْ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا افْتَدَوْا أُسَارَاهُمْ تَصْدِيقًا لِمَا فِي التّوْرَاةِ ، وَأَخَذَ بِهِ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَفْتَدِي بَنُو قَيْنُقَاعَ مَنْ كَانَ مِنْ أَسْرَاهُمْ فِي أَيَدِي الْأَوْسِ وَتَفْتَدِي النّضِيرُ وَقُرَيْظَةُ مَا فِي أَيَدِي الْخَزْرَجِ مِنْهُمْ . وَيُطِلّونَ مَا أَصَابُوا مِنْ مُظَاهَرَةً لِأَهْلِ الشّرْكِ عَلَيْهِمْ . يَقُولُ اللّهُ تَعَالَى لَهُمْ حَيْنَ أَنّبَهُمْ بِذَلِكَ { أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ }( ) أَيْ تُفَادِيهِ بِحُكْمِ التّوْرَاةِ وَتَقْتُلُهُ .
وَفِي حُكْمِ التّوْرَاةِ أَنْ لَا تَفْعَلَ تَقْتُلُهُ وَتُخْرِجُهُ مِنْ دَارِهِ وَتُظَاهِرُ عَلَيْهِ مَنْ يُشْرِكُ بِاَللّهِ وَيَعْبُدُ الْأَوْثَانَ مِنْ دُونِهِ ابْتِغَاءَ عَرَضِ الدّنْيَا . فَفِي ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ مَعَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ – فِيمَا بَلَغَنِي – نَزَلَتْ هَذِهِ الْقِصّةُ .
ثُمّ قَالَ تَعَالَى : { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابن مَرْيَمَ الْبَيّنَاتِ }( ) أَيْ الْآيَاتُ الّتِي وُضِعَتْ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ إحْيَاءِ الْمَوْتَى ، وَخَلْقِهِ مِنْ الطّينِ كَهَيْئَةِ الطّيْرِ ثُمّ يَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَإِبْرَاءِ الْأَسْقَامِ وَالْخَبَرِ بِكَثِيرٍ مِنْ الْغُيُوبِ مِمّا يَدّخِرُونَ فِي بُيُوتِهِمْ وَمَا رَدّ عَلَيْهِمْ مِنْ التّوْرَاةِ مَعَ الْإِنْجِيلِ ، الّذِي أَحْدَثَ اللّهُ إلَيْهِ .
ثُمّ ذَكَرَ كُفْرَهُمْ بِذَلِكَ كُلّهِ فَقَالَ { أَفَكُلّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ }( ) ثُمّ قَالَ تَعَالَى : { وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ }( ) فِي أَكِنّةٍ . يَقُولُ اللّهُ عَزّ وَجَلّ { بَلْ لَعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ وَلَمّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللّهِ مُصَدّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ }( ) قَالَ ابن إسْحَاقَ : حَدّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ قَوْمِهِ قَالَ قَالُوا : فِينَا وَاَللّهِ وَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْقِصّةُ) ( ).
ليكون من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ).حقن الدماء , وهو مقدمة للتدبر في معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
المسألة الثامنة :من وجوه تقدير الجمع بين آية البحث وآية السياق : ولئن متم والله يحيي ويميت ).
من إعجاز نظم القرآن أن يتقدم قانون إنفراد الله عز وجل بالإحياء والإماتة للناس قبل إخبار آية البحث عن موت المسلم وفي ذات الآية التي تتضمن الإخبار عن صدود الذين كفروا وتقاعس المنافقين وإظهارهم الجبن والخور والخيانة , وما فيها من الفضح والذم لهم .
وفي سورة التوبة ورد عن ابن عباس قال (كانت هذه السورة تسمى الفاضحة فاضحة المنافقين ، وكان يقال لها المثيرة ، أنبأت بمثالبهم وعوراتهم) ( ).
لقد أراد المنافقون والذين كفروا الوقيعة بين المسلمين والدس فيما بينهم ونشر الرعب والشك والأضطراب في الرأي بين عوائل المسلمين ، قال تعالى في ذمهم وتحذير المسلمين منهم [إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا وَهُمْ فَرِحُونَ] ( ).
وتبين آية السياق أثر نصر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين في يادين القتال , ورشحات قوله تعالى أعلاه [تَسُؤْهُمْ] فهم لم يسكتوا ويكفوا وينقادوا للحق ويقروا بالمعجزة بنصر المسلمين ، ولم يكتفوا عند تعرض المسلمين للخسارة كما في معركة احد بالقعود .
بل يقومون في كل الأحوال بلمز الشهداء والتذكير بأنهم لو لم يخرجوا للقتال لم يقتلوا ، ولكانوا في المدينة معهم الآن على حد زعمهم ، فجاء قوله تعالى [وَاللَّهُ يُحْيِ وَيُمِيتُ] ( ) قانوناً ينبسط على أيام الحياة الدنيا من أيام أبينا آدم وإلى يوم القيامة .
لقد عاب الذين كفروا على المسلمين الضرب في الأرض حسداً وإدراكاً منهم بأن هذا الضرب خير محض ونفع عظيم للمسلمين من جهات :
الأولى : إمتناع المسلمين عن الكسل والتكاسل وتعطيل الأسباب .
الثانية : خروج المسلم للتجارة بما هو مسلم فيتعاهد الصلاة اليومية في السفر ويتلو القرآن ويبين للناس معالم الإيمان .
الثالثة : بيان قانون في تأريخ الإسلام ، وهو عدم إنحصار الدعوة إلى الله عز وجل بالسيف والقتال ، إنما كان القتال دفاعاً ومقدمة لدفع الذين كفروا من الإجهاز والإغارة على بلاد المسلمين، وطواف المسلمين في المدن والقرى للتجارة من مصاديق قوله تعالى [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ] ( ).
الرابعة : بيان قانون توكل المسلمين على الله فمع شدة بأس الذين كفروا وهجومهم بجيوش عظيمة على المدينة المنورة بين الحين والآخر ، فان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم يأمر المسلمين بالبقاء على أهبة الإستعداد واليقظة والإقامة وعدم مغادرة المدينة لأن العدو قد يهجم عليها في أي يوم .
وكانت الإخبار تصل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين بان المشركين يعدون العدة للهجوم على المدينة سواء من قبل مشركي مكة أو القبائل من عبدة الأوثان ومع هذا فان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يمنع أحداً من المسلمين من الخروج في التجارة والسفر مما أغاظ الذين كفروا ، خاصة مع التباين في نسبة وإحتمال التعرض للقتل في المعارك أو السفر ، فالإنسان يكون في الأول أكثر عرضة للقتل والإحاطة منه في السفر ،والإحتراز والتوقي أمر ممكن في السفر ، ولكنه صعب وشبه متعذر في وسط ميدان المعركة .
ليكون من الإعجاز في السنة النبوية الدفاعية قيادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لجيش المسلمين في معارك الإسلام الأولى ، وثباته وسط الميدان في أي معركة بما فيها معركة أحد وحنين .
الخامسة : مجئ القرآن بالحث على السعي في التجارة وطلب المعاش ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ] ( ).
السادس : حث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه على طلب الرزق والكسب الحلال ، وذكره أخبار الأنبياء وعملهم للكسب وطلب الرزق ، وكان آدم عليه السلام فلاحاً ، وتعاونه في العمل حواء لبيان شرف مهنة الزراعة وحاجة الناس لها .
وكان إدريس خياطاً , وكان نوح عليه السلام نجاراً ، وقام إبراهيم ببناء الكعبة وأعانه فيه إسماعيل ، قال تعالى [وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ] ( ) وكان اليأس نساجاً ، وكان داود يصنع الدروع ، قال تعالى [وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ] ( ) أي تفضل الله عز وجل وجعل له الحديد كالطحين المعجون فلا يوقد له النار أو يضربه على نحو متكرر بالمطرقة .
وذكر أن داود كان يخرج متنكراً فيسأل الناس عن نفسه وحكمه وأحواله مع الرعية فيثنون عليه ، فبعث الله ملكاً بهيئة إنسان ، فعرض نفسه لداود فسأله عن نفسه ، فقال الملك : نعم الرجل لولا خصلة فيه .
فراع داود الأمر فسأله عنها ( قال : لولا أنَّه يُطعم عيالَه من بيتِ المالِ فعند ذلك سألَ ربَّه أنْ يُسبِّب له ما يستغني به عن بيتِ المال فعلَّمه تعالى صنعةَ الدُّروعِ وقيل : كان يبيعُ الدِّرعَ بأربعةِ آلافٍ فينفقُ منها على نفسِه وعيالِه ويتصدَّقُ على الفقراء { وَقَدّرْ فِى السرد } السَّردُ نسجُ الدُّروعِ أي اقتصد في نسجِها بحيث تتناسب حِلَقُها) ( ).
(عن المقدام أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده) ( ).
وكان الرسول موسى عليه السلام راعياً للغنم بعد عقد الإجارة مع نبي الله شعيب ، قال تعالى [وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى]( )، فكان هذا العمل مناسبة لتجلي آية العصا التي أضاءت لأهل الأرض سنن التوحيد ، ومحاربة الطاغوت الذي يدّعي الربوبية وإزاحة حكمه ، وهو فرعون ، والذي ورد ذكره في القرآن من باب المثل والإتعاظ ، وبيان حاجة الناس إلى المعجزة النبوية لإزاحة إستيلاء الباطل على دفة الحكم ،ويكون من أسرار كون معجزة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم العقلية إستدامة منع وصول الطواغيت إلى السلطان والحكم وإلى يوم القيامة ، ومعنى مآرب في الآية أعلاه هو جمع مأرب وهو البغية والغاية والحاجة الشديدة .
وهل كان من مصاديق مآرب موسى عليه السلام البشارة بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتهيئة المقدمات لها ، الجواب نعم ، ولكن الذين كفروا أصروا على قتاله في معركة بدر وأحد والخندق وغيرها فكانت الهزيمة ملازمة لهم .
وبدل أن تحضر عصا موسى في ميادين هذه المعارك لنصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالبرهان والحجة ، فقد حضر الملائكة مدداً وعوناً وناصرين له بأمر من عند الله عز وجل ، ولكن طائفة من المسلمين فروا من القتال يوم أحد ، فأخبرت آية السياق عن هذا الفرار .
وجاءت آية البحث لتؤكد بأن الآجال بيد الله عز وجل وأنه سبحانه هو الذي يحيي ويميت ، ولا تفارق روح الإنسان جسده إلا بإذن ومشيئة من الله عز وجل .
وتتخذ الدول منهاج الجيش الإحتياطي وحصر الأسماء والمهن والإختصاص لدعوتهم في حال النفير وحدوث قتال ، بينما كان المسلمون كلهم جيشاً إحتياطياً يتسابقون على الخروج للدفاع عن النبوة والتنزيل ، ومع توالي هجوم الذين كفروا على المسلمين فان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يمنع المسلمين من الضرب في الأرض والسعي والكسب والسفر والتجارة والعمل ويدل عليه بالدلالة التضمنية آية السياق , بقوله تعالى [وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ] ( ).
ومن الإعجاز في الآية تعرض المسلمين الذين يخرجون للتجارة إلى الموت والقتل في سبيل الله ليس من أخطار الطريق فقد كانت طرق التجارة شبه سالكة , لما ورد في تجارة قريش وقوله تعالى [لِإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ]( ) لأن المسلمين كانوا يخرجون تجاراً بما هم مسلمون ويتلون القرآن ويقيمون الصلاة اليومية ويدعون الناس للإيمان ويطلعون على أحوال الأمم ويعلمون بمكر وخطط الذين كفروا ، لذا فمن تقدير آية السياق وجوه :
الأول : وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض فماتوا .
الثاني : وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض وقتلوا .
الثالث : وقالوا لإخوانهم إذا أرادوا الضرب في الأرض ومغادرة المدينة طلباً للرزق والتجارة .
الرابع : وقالوا لأخوانهم إذا أضربوا في الأرض , ورجعوا سالمين .
الخامس : وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض , وغابوا غيبة طويلة .
السادس : وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض وعادوا بالكسب والغنيمة.
المسألة التاسعة : ولا يختص الجمع بين آية والبحث [وَلَئِنْ مُتُّمْ]و[وَاللَّهُ يُحْيِ وَيُمِيتُ] بخصوص الذين فروا من معركة أحد ، بل ان موضوع ودلالات هذا الجمع شاملة للمسلمين والناس جميعاً إلى يوم القيامة ، وتقدير الآية على وجوه :
الأول : ولئن متم أيها الصحابة فالله يحيي ويميت ).
الثاني : ولئن متم أيها المسلمون فالله يحيي ويميت .
الثالث : ولئن متّن أيتها المسلمات فالله يحيي ويميت .
الرابع : ولئن متم يا أهل الكتاب فالله يحيي ويميت .
الخامس : ولئن متم أيها الناس فالله يحيي ويميت .
وقد تقدم آيات القرآن الموت ، وقد تقدم الحياة ، قال تعالى [الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً] ( ) لبيان أن الموت والعدم قبل حياة لخلائق ، وأن الله عز وجل كان ولم يكن معه شيء وعن عمران بن حصين قال (جاء نفر من بني تميم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : أبشروا يا بني تميم : قالوا : بشرتنا فأعطنا ، فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وجاء نفر من أهل اليمن ، فقال : اقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم ، قالوا : قد قبلنا) ( ) .
وقدمت آية السياق الإحياء على الإماتة مع نسبة أمرهما إلى الله عز وجل ، وفيه نكتة , وهي أن الآية تتحدث عن المؤمنين وسعي الذين كفروا لمنعهم عن الخروج للتجارة والكسب والدفاع فأخبر الله عز وجل أن حياة المسلمين بيده تعالى وهو سبحانه أبى إلا العز والرفعة لهم ، ومن العز سلامتهم من القتل , وموت الفجأة الذي يجعل الذين كفروا يشمتون بهم .
وجاءت آية السياق بصيغة التنكير من غير ذكر شخص معين قد قتل أو مات ، لبيان إنتشار الشائعات عن قتل أو موت بعض المؤمنين ، فيبث الذين كفروا والمنافقون أسباب الريب ، ويظهرون الأسى والحزن مكراً أو دهاءاً ، فيتفضل الله عز وجل ويفضحهم بأن يعود المؤمن على المدينة وأهله سالماً من القتل والموت ، وهو من أسرار تقديم الإحياء في آية السياق على الإماتة بقوله تعالى [وَاللَّهُ يُحْيِ وَيُمِيتُ] ( ) .
ومنها أن الله يمحو القتل أو الموت عن المسلم إلى أجل فيكون نوع أسى وحسرة في نفوس الذين كفروا ، أم القدر المتيقن من اسم الإشارة (ذلك ) الوارد في الآية هو ما تقدم عليها في نظم الآية ، الجواب هو الأول ، وليس من حصر لأسباب الحسرة التي تملأ قلوب الذين كفروا .
وهل الحسرة التي تنزل بالذين كفروا خاصة بيوم القيامة كما في قوله تعالى [وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ] ( ) .
الجواب إنما المراد من الحسرة في آية السياق ما يصيب الذين كفروا في الدنيا والآخرة ، ولعله من أسباب تسمية يوم القيامة (يوم الحسرة) حسرة الذين كفروا في الدنيا وإن كانت حسرتهم في الآخرة أكبر وأعظم .
المسألة العاشرة : ولئن قتلتم فالله يحيي ويميت ، لقد أنعم الله عز وجل على المسلمين خاصة والناس عامة بجعل القرآن جامعاً للأحكام ومبيناً لأسرار الحياة ، وسير الأمور وسنخية الوقائع فيها ، قال تعالى [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ] ( ).
ومن الإعجاز في الآية أعلاه ورود اسم القرآن الآية بصفة [الْكِتَابَ] لأنه في مقام الشمول والإحاطة العامة بالوقائع والأحداث , ولم يرد لفظ [تِبْيَانًا] في القرآن إلا في الآية أعلاه ، لتأكيد أن إتصاف القرآن من بين الكتب السماوية بتبيان كل شيء .
المسألة الحادية عشرة : تقدير الجمع بين الآيتين : ولئن متم فالله بما تعملون بصير .
ومن عظيم سلطان الله وإطلاق ملكه للسماوات والأرض أن الأشياء وأعمال الخلائق حاضرة عنده ولا تغيب عنه سبحانه ، ومنها أعمال المسلمين في البر والصلاح ، قال تعالى [وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ] ( ) .
وتدل الآية على أن الله يعلم الأفعال ويثيب على الصالحات ويعاقب على السيئات ، وبين الثواب والعقاب برزخ واسع عظيم يفيد العفو والمغفرة وإبدال العقاب بالثواب بفضل الله عز وجل ومضاعفة أجر الحسنات والشفاعة ، وهل يشفع نداء الإيمان للمسلمين .
الجواب نعم وتلك آية من عند الله بأن أنزل سبحانه قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] ليحضر يوم القيامة شفيعاً لكل من :
الأول :الذي توجه له النداء من المسلمين والمسلمات .
الثاني : الذي تلا نداء الإيمان .
الثالث : الذي إستمع لنداء الإيمان وهو مؤمن .
الرابع : الذي عمل بأحكام نداء الإيمان .
ومن خصائص الله عز وجل أنه يبصر كل شيء وإن دقّ من غير آلة باصرة ، والله عز وجل يبصر الذرة الصغيرة والنملة السوداء على الصخرة في جوف أعماق البحر في الليلة الظلماء ، ويسوق لها رزقها ، أي أنه سبحانه يبصر الخلائق رحمة ورأفة بها ، ويرى سبحانه إعضاء الإبدان وجريان الدم فيها والقوت والطعام في مجراه .
قال تعالى [يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ]( ).
وقيل أن الله عز وجل له عينان يليقان بشأنه وجلاله ، وأستدل بآيات :
الأولى :قوله تعالى [وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا]( ) .
الثانية : قوله تعالى [وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ]( ).
الثالثة : قوله تعالى [وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي]( ) .
ولا تدل هذه الآيات على هذا المعنى خاصة وأنها ذكرت الأعين بصيغة الجمع ، وذكرت العين ونسبتها إلى الله بصيغة المفرد ، ولم تذكر عينين بلفظ المثنى ، إنما تبين الآيات عظيم قدرة الله عز وجل في علمه بالأشياء .
كما إستدل بالحديث الوارد عن جابر بن عبد الله (قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ما كان من فتنة ولا تكون حتى تقوم الساعة أعظم من فتنة الدجال ، وما من نبي إلا حذر قومه ولأخبرنكم عنه بشيء ما أخبره نبي قبلي . فوضع يده على عينه ، ثم قال : أشهد أن الله ليس بأعور ) ( ).
وعن أنس قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ما بعث نبي إلا أنذر أمته الأعور والكذاب . ألا أنه أعور وإن ربكم ليس بأعور ، ومكتوب بين عينيه كافر ) ( ) .
ويأتي الأعور بمعنى الذي فقد أحدى عينيه ، ويقال : عورت العين : ذهب بصرها ، ويقال كتاب أعور : دارس، وراكب أعور : لا سوط معه .
(ومما اشتق من المستعار: أعور الفارس: بدا منه موضع خلل. ومكان معور: ذو عورة. وقد أعور لك الصيد وأعورك: أمكنك. وعورتا الشمس: خافقاها. وتعاوروه بالضرب واعتوروه. والاسم تعتوره حركات الإعراب. وتعاورت الرياح رسم الدار. وتعاورنا العواريّ. واستعار سهماً من كنانته. وأرى الدّهر يستعير في شبابي أي يأخذه مني. وسيف أعيرته المنيّة. قال النابغة:
وأنت ربيع ينعش الناس سيبه … وسيف أعيرته المنية قاطع) ( ).
والمراد من الأعور في الحديث أعلاه هو أن الدجال فقد أحدى عينيه وإستدلال النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن الله ليس بأعور لا يدل على انه سبحانه عنده جارحة العين وانه يبصر بها ، إنما المراد تقريب المعنى ، ببيان أن الله عز وجل يرى ويبصر في كل الجهات في آن واحد من غير تكلف أو مشقة منه ، وأنه لا يحجب عنه شيء من الخلائق .
ويمكن القول أن علم الخلائق والبصر بها متساو ، وأراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم تقريب معنى للمسلمين إحاطة الله علماً بكل شيء ، والحديث من وجوه تفسير قوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ] ( ) .
المسألة الثانية عشرة : تقدير الجمع بين آية البحث وخاتمة آية السياق على وجوه :
الأول : ولئن متم فان الله بما عملتم في الدنيا بصير ، وفيه بشارة بلحاظ نداء الإيمان في هذه الآية وهي أن الله عز وجل يمد في عمر المسلم لتدركه التوبة ويعمر أيامه بالسير ونقل الخطى إلى المساجد ، وتلاوة القرآن وقيامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا] ( ) .
وتقدير الآية أعلاه مع آية البحث ولئن متم وقد تبتم توبة نصوحاً لإلى الله تحشرون .
الثاني : ولئن قتلتم فان الله بما عملتم في الدنيا بصير ) لإرادة البشارة للمسلمين بصلاح نواياهم وأن قتلهم في سبيل الله عز وجل وأنه سبحانه لا يحرمهم من الأجر والثواب ، وقد ورد لفظ [لاَ يُضِيعُ] أربع مرات في القرآن ، منها ثلاث إِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ( ) .
وأخرى بخصوص أهل الجنة وغبطتهم وسعادتهم بالثواب العظيم الذي أعده الله لهم وتطلعهم إلى لحاق إخوانهم من المؤمنين بهم ، بقوله تعالى [يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ]( ).
الثالث : ولئن قتلتم فان الله بصير بكم وما تلاقون من ظلم , وفيه بعث للسكينة في نفس المسلم بأن الله يثيبه , وينتصر له من عدوه .
الوجه الثالث : صلة هذه الآية بقوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ …. ] الآية ( ) وفيه مسائل :
المسألة الأولى : المراد من [يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ]في الآية أعلاه هو يوم معركة أحد ، وهو النصف من شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة .
وقد تكرر هذا اللفظ في القرآن ثلاث مرات ، إثنتين بخصوص معركة أحد( ) ونزلت الأخرى بخصوص معركة بدر( ) .
ليكون المسلمون بلحاظ آية السياق على وجوه :
الأول : الذين قتلوا في معركة أحد من المسلمين، وعددهم سبعون شهيداً ( ).
الثاني : الذي بقوا يقاتلون بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والذي لم يغادر ميدان المعركة .
الثالث : الذين إنهزموا وفروا عندما جاءتهم خيل الذين كفروا من الخلف بعد ترك أغلب الرماة المسلمين موضعهم على الجبل وقتل الباقين ، وكان مجموعهم خمسين وأوصاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعدم ترك مواضعهم باي حال من الأحوال وضمن لهم سهامهم من الغنيمة .
(عن البراء قال جعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الرماة يوم أحد وكانوا خمسين رجلا عبد الله بن جبير ووضعهم موضعا وقال إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم فهزموهم قال فأنا والله رأيت
النساء يشددن على الجبل وقد بدت أسوقهن وخلا خيلهن رافعات ثيابهن فقال أصحاب عبد الله بن جبير الغنيمة أي قوم الغنيمة ظهر أصحابكم فما تنتظرون وقال عبد الله بن جبير فنسيتم ما قال لكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا إنا والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة , فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين فذلك الذي يدعوهم الرسول في أخراهم فلم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غير اثني عشر رجلا فأصابوا منا سبعين .
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه أصاب من المشركين يوم بدر أربعين ومائة سبعين أسيرا وسبعين قتيلا) ( ).
وتضمنت آية البحث مسائل :
الأولى : بيان عاقبة الإنسان في الحياة الدنيا , وهو الموت أو القتل .
الثانية : لا تنجي الهزيمة والفرار من العدو صاحبها من الموت الذي لا مفر منه .
الثالثة : الإخبار عن سعادة وحياة الذين قتلوا في سبيل الله في معركة أحد لأنهم خالدون في النعيم ، ليكون من معاني آية البحث عدم الحزن على الشهداء .
الرابعة : البلاغ للمسلمين الذين تركوا وسط المعركة يوم أحد بأنهم سواء ماتوا أو قتلوا فان عودتهم ورجوعهم إلى الله فيثيبهم على إسلامهم ، ويجازيهم على أدائهم الفرائض العبادية ، وأنهم يلتقون من الذين قتلوا في سبيل الله من أصحابهم ، ومع أن الغنائم والجاه والدنيا أقبلت على المسلمين بعد فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة فان بعض الصحابة كان يتحسر لأنه لم يغادر شهيداً مع الذين فارقوا يوم معركة أحد ، وهو من بركات آية البحث وإخبارها عن لقاء الله ، ومن غير فترة بين الموت أو القتل وبين الحشر إلى الله عز وجل لبيان قانون تغشى رحمة الله للمؤمن وهو في قبره .
المسألة الثانية : تتضمن آية السياق توثيق فرار طائفة من الصحابة يوم معركة أحد مع بيان أن الشيطان هو الذي أغواهم ، ترى بماذا استزلهم الشيطان ، الجواب من وجوه :
أولاً : الفرار من الزحف .
ثانياً : ترك النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يقاتل وسط الميدان مع نفر قليل من أهل بيته وأصحابه .
ثالثاً : إغراء الذين كفروا بمواصلة القتال , قال تعالى[وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ]( ).
رابعاً : هزيمة فريق من المسلمين سبب لإنكشاف من بقي منهم في الميدان .
خامساً : سقوط عدد من المسلمين قتلى ساعة فرار فريق منهم فيستزل الشيطان طائفة من المسلمين ويغريهم بالفرار لقتل عدد أخر منهم ممن ثبت في الميدان ، فيقوم أعوان الشيطان من الذين كفروا ببث سمومهم في صد المسلمين عن الخروج للمعارك الأخرى ، وإثارة أسباب الشك ليكون من الإعجاز في نظم هذه الآيات بيان الملازمة والتداخل بين وسوسة الشيطان وفعل الذين كفروا ، فتفضل الله عز وجل وحذّر المسلمين من الفرار الذي هو من عمل وتحريض الشيطان ، ووبخ الذين كفروا لإرادتهم نشر روح التقاعس عن القتال بين المسلمين .
لقد قتل عدد من المشركين في معارك الإسلام الأولى ، ، ولم يقل الذين كفروا لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ، وبعد أن فقد المشركون سبعين قتيلاً في معركة بدر وأسر المسلمون منهم سبعين منعوا البكاء على القتلى كيلا يكون هذا البكاء سبباً لتثبيط الهمم ، ولم يكن هذا المنع من أول وصول نبأ هزيمة قريش في المعركة وكثرة قتلاهم ، إنما تلقى أهل مكة أنباء قتل رجالاتهم وأبنائهم بالحزن والبكاء ، ولكن رؤسائهم إلتفتوا إلى عظم الفاجعة وحال الإنكسار التي أصابت أهل مكة وإرادة الناس بالفطرة أن نصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين كان بمعجزة من عند الله ، وهذا الإدراك من الفطرة التي فطر الله الناس عليها ومصاديق نفخ الله من روحه في آدم .
و(عن أبي ذر قال : قلت يا رسول الله من كان أولهم؟ يعني الرسل قال : آدم قلت : يا رسول الله أنبي مرسل؟ قال : نعم . خلقه الله بيده ، ونفخ فيه من روحه ، وسوّاه قبلاً) ( ).
وكان كبار رجالات قريش يجتمعون في دار الندوة بعد معركة بدر وتدارسوا حال الوهن والإنكسار التي أصابة أهل مكة ، ودعوة المسلمين الذين فيها إلى الإسلام على نحو شبه علانية من غير خشية من الذين كفروا ، لبيان أن زمان تعذيب المسلمين مثل عمار وخباب بن الأرت وبلال قد ولى وانقضى وجاء نصر المسلمين في معركة بدر إنتقاماً لتعذيبهم ، فقرر رؤساء قريش نهي الناس عن البكاء على قتلاهم في معركة بدر ، كأنهم قالوا أن إيام مجلس العزاء إنتهى بأيام معدودة وعليكم الإستعداد للثأر .
(قَالَ ابن إسْحَاقَ : وَحَدّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ الزّبَيْرِ ، عَنْ أَبِيهِ عَبّادٍ قَالَ نَاحَتْ قُرَيْشٌ عَلَى قَتْلَاهُمْ ، ثُمّ قَالُوا : لَا تَفْعَلُوا فَيَبْلُغُ مُحَمّدًا وَأَصْحَابَهُ فَيَشْمَتُوا بِكُمْ وَلَا تَبْعَثُوا فِي أَسْرَاكُمْ حَتّى تَسْتَأْنُوا بِهِمْ لَا يَأْرَبُ عَلَيْكُمْ مُحَمّدٌ وَأَصْحَابُهُ فِي الْفِدَاءِ قَالَ وَكَانَ الْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطّلِبِ قَدْ أُصِيبَ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنْ وَلَدِهِ زَمَعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ ، وَعَقِيلُ بْنُ الْأَسْوَدِ وَالْحَارِثُ بْنُ زَمَعَةَ وَكَانَ يُحِبّ أَنْ يَبْكِيَ عَلَى بَنِيهِ فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إذْ سَمِعَ نَائِحَةً مِنْ اللّيْلِ فَقَالَ لِغُلَامِ لَهُ وَقَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ اُنْظُرْ هَلْ أُحِلّ النّحْبُ هَلْ بَكَتْ قُرَيْشٌ عَلَى قَتْلَاهَا ؟ لَعَلّي أَبْكِي عَلَى أَبِي حَكِيمَةَ يَعْنِي زَمَعَةَ فَإِنّ جَوْفِي قَدْ احْتَرَقَ .
قَالَ فَلَمّا رَجَعَ إلَيْهِ الْغُلَامُ قَالَ إنّمَا هِيَ امرأة تَبْكِي عَلَى بَعِيرٍ لَهَا أَضَلّتْهُ . قَالَ فَذَاكَ حِينَ يَقُولُ الْأَسْوَدُ
أَتَبْكِي أَنْ يَضِلّ لَهَا بَعِيرٌ … وَيَمْنَعُهَا مِنْ النّوْمِ السّهُودُ
فَلَا تَبْكِي عَلَى بَكْرٍ وَلَكِنْ … عَلَى بَدْرٍ تَقَاصَرَتْ الْجُدُودُ
عَلَى بَدْرٍ سَرَاةِ بَنِي هُصَيْصٍ … وَمَخْزُومٍ وَرَهْطِ أَبِي الْوَلِيدِ
وَبَكّي إنْ بَكّيْتِ عَلَى عَقِيلٍ … وَبَكّي حَارِثًا أَسَدَ الْأُسُودِ
وَبَكّيهِمْ وَلَا تَسَمِي جَمِيعًا … وَمَا لِأَبِي حَكِيمَةَ مِنْ نَدِيدِ
أَلَا قَدْ سَادَ بَعْدَهُمْ رِجَالٌ … وَلَوْلَا يَوْمُ بَدْرٍ لَمْ يَسُودُوا) ( ).
سادساً : سعي الشيطان وأعوانه لقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فكأنهم يحثون على التمكين من قتله لمنع التنزيل والدعوة إلى الله [وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ] ( ).
المسألة الثالثة : ومن معاني الجمع بين آية البحث وآية السياق إخبار المسلمين بقانون وهو أن الفرار من القتال لا ينجي الإنسان من الموت أو القتل ، لأن الحياة والموت أمران بيد الله عز وجل ، وهو الذي يقبض أرواح العباد حيث يشاء وكيف يشاء.
لقد إحتج الملائكة على نيل الإنسان مرتبة الخلافة في الأرض مع تخلفه عنها بافساده وسفكه الدماء ، وإشاعته المنكرات ، وتعديه على الأنبياء والصالحين ، فتفضل الله عز وجل وأقام البرهان على صحة هذه الخلافة بقوله تعالى [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) .
ومن علم الله تعالى أن هذه الخلافة ليست مطلقة وأن بقاء أي إنسان في الأرض إنما هو بمشيئة وإذن من عند الله وهو سبحانه الذي يزيح أسباب الفساد [وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا]( )وهو الذي يمد في أعمار المؤمنين لينشروا الصلاح في أرجائها .
وأخبر الله عز وجل الملائكة بـأن سفك الدماء لن يضر إلا أهله، إذ أن الذي يُقتل من المسلمين ظلماً يفوز بالمغفرة من الله ، وتتغشاه رحمته , وينال مرتبة الخلود في النعيم بها بجعل ذات الملائكة يغبطونه ويزفون له البشارة .
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار إمتحان وإبتلاء ، ومنه خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه للدفاع عن النبوة والقرآن وأحكام الإسلام والنفوس والأعراض ، وعن الأجيال اللاحقة من المسلمين في مواجهة جيش كفار قريش .
لقد كانت كل من معركة بدر وأحد والخندق سبلاً مباركة لتثبيت الإيمان ، وإرادة تكاثر المسلمين بالنكاح الشرعي وإنتشارهم في الأرض بصبغة الإيمان ، وتوارث قراءة القرآن والعمل بمضامينه فلا غرابة أن يكون المختار بخصوص المراد من الضمير (كم) في قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ] ( ) في آية السياق هو جميع المسلمين والمسلمات إلى يوم القيامة ، إذ تطل آية السياق كل يوم على المسلمين وإلى يوم القيامة لتقول لهم : يا أيها الذين آمنوا إن الذين تولوا منكم ومن إخوانكم والسابقين لكم يوم إلتقى الجمعان ….
ومن الإعجاز في آية السياق إخبارها عن عفو الله عز وجل عنهم للزجر عن مؤاخذتهم ، إنما يؤاخذ ويؤثم الذي زحف على المدينة ليقاتل المسلمين ويؤاخذ القاعدون غير عذر ، والمنافقون الذين إنسحبوا من وسط الطريق إلى معركة أحد لإضعاف شوكة المسلمين .
لقد قاد هذا الإنسحاب الذي يتصف بصيغة الغدر والمكر والخبث رأس النفاق عبد الله بن أبي بن أبي سلول ونفر من أصحابه الذين على ذات سنخيته إذ (انخذلوا يوم احد بنحو من ثلاثمائة رجل، وقالوا: علام نقتل أنفسنا؟
وقال لهم عبد الله بن عمرو بن حرام الانصاري: تعالوا قاتلوا قي سبيل الله.
واتقوا الله ولا تخذلوا نبيكم ” أو ادفعوا ” عن حريمكم وأنفسكم إن لم تقاتلوا في سبيل الله، وقيل: معناه، أقيموا معنا، وكثروا سوادنا “
قالوا ” أي المنافقون. ” لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَتَّبَعْنَاكُمْ ( )) ( ).
لقد افتتن بعض الصحابة بقولهم وتحريضهم وأراد المنافقون من قولهم [لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَتَّبَعْنَاكُمْ] ( )وجوهاً :
أولاً : ترجيح عدم وقوع قتال وأن الذهاب إلى جبل أحد أمر زائد وجهد ومشقة لا حاجة فيها .
الثاني : إحتجاج عبد الله بن أبي بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أطاع الولدان والذين لا خبرة لهم بالقتال وخططه ومقدماته ، إذ إقترح عبد الله بن أبي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يبقوا في المدينة ويقاتلوا العدو فيها .
الثالث : إرادة بيان عجزهم عن قتال جيش المشركين الذي كان يفوق عدد جيش المسلمين ثلاث مرات إلى جانب كثرة أسلحتهم ورواحلهم .
الرابع : لقد رجع رؤساء النفاق ومعهم ثلاثمائة من جيش المسلمين من الشوط ، وهو بستان يقع بين المدينة وجبل أحد .
وذكر أن آيات نزلت في عبد الله بن أبي بن أبي سلول رأس النفاق وهي :
الأولى : [وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَتَّبَعْنَاكُمْ] ( ).
الثانية :[ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ] ( ).
الثالثة :[ الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا] ( ).
الرابعة : قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ.
الخامسة : عن قتادة في قوله { يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر } قال : نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول ( ).
السادسة : عن زيد بن أرقم قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سفر فأصاب الناس شدّة ، فقال عبدالله بن أبيّ لأصحابه : لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله ، وقال : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل .
فأتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبرته بذلك فأرسل إلى عبدالله بن أبيّ فسأله ، فاجتهد يمينه ما فعل ، فقالوا : كذب زيد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فوقع في نفسي مما قالوا شدة حتى أنزل الله تصديقي في[إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ]( )، فدعاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليستغفر لهم ، فلووا رؤوسهم ، وهو قوله[خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ]( )، قال : كانوا رجالاً أجمل شيء .
وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن زيد بن أرقم قال : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان معنا ناس من الأعراب ، فكنا نبتدر الماء ، وكان الأعراب يسبقونا إليه ، فيسبق الأعرابي أصحابه، فيملأ الحوض ، ويجعل حوله حجارة ، ويجعل النطع عليه حتى يجيء أصحابه ، فأتى من الأنصار أعرابياً فأرخى زمام ناقته لتشرب، فأبى أن يدعه ، فانتزع حجراً فغاض الماء ، فرفع الأعرابي خشبة فضرب بها رأس الأنصاري فشجه ، فأتى عبدالله بن أبيّ رأس المنافقين فأخبره ، وكان من أصحابه فغضب ، وقال : لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفض من حوله يعني الأعراب ، وكانوا يحضرون رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الطعام ، وقال عبدالله لأصحابه : إذا انفضوا من عند محمد فائتوا محمداً بالطعام فليأكل هو ومن عنده.
ثم قال لأصحابه : إذا رجعتم إلى المدينة فليخرج الأعز منها الأذل ، قال زيد : وأنا ردف عمي ، فسمعت ، وكنا أخوال عبد الله فأخبرت عمي ، فانطلق فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل إليه رسول الله ، فحلف وجحد فصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبني ، فجاء إلى عمي .
فقال : ما أردت إلى أن مقتك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وكذبك المسلمون ، فوقع عليّ من الهم ما لم يقع على أحد قط ، فبينما أنا أسير ، وقد خفقت برأسي من الهم إذا آتاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فعرك أذني وضحك في وجهي، فما كان يسرني أن لي بها الخلد أو الدنيا ، ثم إن أبا بكر لحقني فقال : ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قلت : ما قال لي شيئاً إلا أنه عَرَكَ أذني وضحك في وجهي ، فقال : ابشر ثم لحقني عمر ، فقلت له مثل قولي لأبي بكر ، فلما أصبحنا قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم[إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ]( )، حتى بلغ { ليخرجن الأعز منها الأذل } .
وأخرج ابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن زيد بن أرقم قال: لما قال عبدالله بن أبيّ ما قال [لاَ تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا]( )، وقال : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ، سمعته فأتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فذكرت ذلك له ، فلامني ناس من الأنصار ، وجاءهم يحلف ما قال ذلك ، فرجعت إلى المنزل ، فنمت فأتاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال : إن الله صدقك وعذرك ، فأنزلت هذه الآية [هُمْ الَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ]( )، الآيتين.
وأخرج الطبراني عن زيد بن أرقم قال : لما قال ابن أبيّ ما قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فجاء فحلف ما قال ، فجعل ناس يقولون : جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالكذب حتى جلست في البيت مخافة إذا رأوني قالوا : هذا الذي يكذب ، حتى أنزل الله { هم الذين يقولون } الآية .
وأخرج الطبراني عن زيد بن أرقم قال : كنت جالساً مع عبدالله بن أبيّ فمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في ناس من أصحابه فقال عبدالله بن أبيّ : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ، فأتيت سعد بن عبادة فأخبرته ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فذكر ذلك له فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى عبدالله بن أبيّ ، فحلف له عبدالله بن أُبيّ بالله ما تكلم بهذا ، فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى سعد بن عبادة ، فقال سعد : يا رسول الله إنما أخبرنيه الغلام زيد بن أرقم ، فجاء سعد فأخذ بيدي ، فانطلق بي ، فقال : هذا حدثني ، فانتهرني عبدالله بن أبيّ ، فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبكيت وقلت : أي والذي أنزل النور عليك لقد قاله ، وانصرف عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأنزل الله {إذا جاءك المنافقون} إلى آخر السورة)( ).
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار إمتحان وإبتلاء ، ومنه خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واصحابه للدفاع عن النبوة والقرآن وأحكام الإسلام .
المسألة الرابعة : حث المسلمين على الإستغفار والتوبة ، سواء الذي قصدوا عن القتال ، والذين فروا منه أو الذين أنصتوا إلى الكفار في حثهم على القعود والتكامل والتباطئ والإعتذار عن الخروج للدفاع .
لقد زين الشيطان للطائفة من المسلمين الهزيمة عند إستقراء اليأس يوم أحد وإحاطة جيش الذين كفروا بهم بعد مغادرة الرماة لمواضعم على الجبل ، ويتبادر إلى الأذهان في كل جيل من المسلمين والناس جميعاً نزول القرآن بذمهم وتوبيخهم والوعيد لهم لمعصيتهم الله ورسوله بالإنهزام وبترك مواضعهم سواء على الجبل أو في ميدان المعركة .
إذ قال لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم (لا تبرحوا مكانكم)( ).
ولكن نزلت آية السياق بأمور :
الأول : ذكر وقوع معركة أحد بين المسلمين بامامة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجيش الذين كفروا .
الثاني : دعوة المسلمين لشكر الله عز وجل لأن المسلمين صاروا جمعاً في مقابل الذين كفروا من كفار مكة والقبائل .
الثالث : بيان حقيقة وهي أن معركة أحد يوم من أيام تأريخ الإنسان في الأرض ، وأنه مناسبة ونوع طريق لتغيير الحياة في الأرض باصلاحها وإقامة سنن عبادة الله فيها إلى يوم القيامة ، ولابد من دراسات خاصة تتعلق بالرشحات الثابتة والمتجددة والعرضية الطارئة لمعركة بدر وأحد .
المسألة الخامسة : ذكرت آية البحث اسم الجلالة مرة واحدة ، وأخبرت بأن المسلمين يرجعون إليه عند موتهم ، وهذا الرجوع ليس عن إرادتهم وأمرهم ، إنما هو أمر قهري لا يستطيعون هم والخلائق دفعه أو إرجاعه ، وهو من مصاديق مجئ الآية بصيغة المبني للمجهول [تُحْشَرُونَ].
وكذا بالنسبة لما تخبر عنه الآية من الموت أو القتل ، ولكن مع التباين ، والتقدير على وجوه :
الأول : ولئن متم أي أماتكم الله ، قال تعالى [اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا] ( ).
وعن أنس قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه : إنه ليسمع قرع نعالهم ، يأتيه ملكان فيقعدانه فيقولان له : ما كنت تقول في هذا الرجل، زاد ابن مردويه : الذي كان بين أظهركم الذي يقال له محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
قال : فأما المؤمن فيقول : اشهد أنه عبد الله ورسوله . فيقال له : انظر إلى مقعدك من النار ، قد أبدلك الله به مقعداً من الجنة .
قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : فيراهما جميعاً) ( ).
وعن الإمام محمد الباقر قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: الموت، الموت، جاء الموت بما فيه، جاء بالروح والراحة والكرة المباركة إلى جنة عالية لأهل دار الخلود الذين كان لها سعيهم وفيها رغبتهم، وجاء الموت بما فيه، جاء بالشقوة والندامة والكرة الخاسرة إلى نار حامية لأهل دار الغرور الذين كان لها سعيهم وفيها رغبتهم)( ).
وورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: زُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الآخِرَةَ)( ).
الشعبة الثانية : الصلة بين آية البحث والآية المجاورة التالية لها ، وهو قوله تعالى [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ …..] ( ) وفيها مسائل:
المسألة الأولى : لقد جاءت آية البحث خطاباً للمسلمين والمسلمات ومعطوفة على نداء الإيمان ، بينما وردت الآية التالية خطاباً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وابتدأت بالحرف الفاء في [فَبِمَا] وقيل أنه للإستئناف ، والمختار أنه سور جامع للإستئناف والعطف ، فان قلت أين هي أمارات أو موضوع العطف ، والجواب من وجوه :
أولاً : ذات حرف الفاء الذي يحمل معاني العطف .
ثانياً : ذكر الله عز وجل في الآيتين .
ثالثاً : بيان تغشي رحمة الله للمؤمنين سواء برأفة النبي بهم أو بنداء الإيمان الذي وردت آية البحث معطوفة عليه .
رابعاً : دلالة حرف الفاء على وجود موضوع للصلة بين الآيتين.
المسألة الثانية : لقد أمر الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم أن يلين جناحه للمسلمين ، ويرفق بهم ، وهناك أمور :
الأول : نزول القرآن وما فيه من صفات الرأفة والرحمة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , قال تعالى في الثناء عليه .
الثاني : بيان حسن السمت والخلق الرفيع الذي يتصف به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعن عائشة قالت(كان خلقه القرآن)( )، [حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ]( ).
الثالث : إتصاف النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالعدل والإنصاف .
الرابع : تجاوز النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن الإساءة والهفوات ، قال تعالى [فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ..] ( ).
وهل اللين الذي تذكره الآية التالية خاص بالمسلمين من بين الناس أم هو عام ، المختار أنه عام وان كان هذا اللين على مراتب متفاوتة , وهو فرع الوحي .
ولما كُسرت الأسنان الأمامية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (وشج وجهه يوم أحد شق ذلك على أصحابه وقالوا لو دعوت عليهم فقال انى لم أبعث لعانا ولكني بعثت داعيا ورحمة اللهم اهد قومي فانهم لا يعلمون ) ( ).
الخامس : الوحي الذي يترشح بالسنة النبوية القولية والفعلية والتقريرية .
السادس : النزول المتكرر لجبرئيل وهو من سادة الملائكة لبيان وإخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الأمور والأفعال واللازم والترك .
السابع : تفضل الله عز وجل بصرف أسباب الغضب والأذى عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثامن : إتصاف النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأعلى مراتب الصبر , وهو صيغة ملازمة للنبوة .
المسألة الثالثة : لقد تضمنت آية البحث الإخبار عن مغادرة المسلمين متفرقين للحياة الدنيا بأحد طريقين :
الأول : الموت .
الثاني : القتل .
لتنقل آية البحث الخطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وفيه تخفيف عن المسلمين بذات الإنتقال وموضوع الآية التالية ، وإعجاز من جهة عدم الوقوف عند مسألة الموت أو القتل مع أنها وردت في آية البحث بالبشارة بالحشر والجمع عند الله عز وجل .
وجاءت الآية التالية بالخطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليستحضر المسلمون سيرته وحياته , وتكون نبراساً وضياءً لهم ، وهو من مصاديق قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]( ) بتقريب أن سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم صراط مستقيم ، وسبيل هداية وتوفيق .
وهل في إتباع سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إرجاء للموت العاجل والقتل بفضل من الله ، الجواب نعم ، إن الله عز وجل يحب كثرة المؤمنين الذين يحاكون في سيرتهم سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ).
وقد يظن بعضهم أن هناك تبايناً موضوعياً بين آية البحث والآية التالية ، لتعدد وجه الخطاب ، ولأن موضوع آية البحث هو الموت وإنتقال المسلمين إلى جوار الله عز وجل ، بينما جاءت الآية التالية بحسن السمت والأخلاق الكريمة التي يتصف بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وعند التدبر لا تجد تبايناً , وهو من معاني وتفسير قوله تعالى [وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ] ( ) وبيان المنافع الكبرى المتجددة للسيرة الحميدة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وما ترشح عنها من إصلاح النفوس والمجتمعات ، لتكون الآية التالية من مصاديق إحتجاج الله عز وجل على الملائكة [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ).
فمن علم الله تعالى أنه يبعث النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم [كَافَّةً لِلنَّاسِ] ( ) بأخلاق عظيمة وسنن رشيدة مع بقاء هذه السنة بين أجيال المسلمين والناس إلى يوم القيامة إذ أن حفظ سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم القولية والفعلية من بديع قدرة الله وعظيم سلطانه .
وجاء أصل حفظ السنة بالقرآن ومنه آية البحث والآية التالية ، فان قلت قد علمنا أن الآية التالية تتحدث عن حسن سمت النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , فكيف تكون آية البحث من معاني ومصاديق سننه , والجواب من جهات :
الأولى : إقتداء المسلمين بسنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حتى الموت ومفارقة الروح الجسد .
الثانية : نزول القتل بالمسلمين في سبيل الله , وهم مقيمون على التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالثة : شمول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بآية البحث ، وهو من إعجاز صيغة الجمع في الخطاب القرآني ، وتقدير الآية على وجوه متعددة ومتكثرة منها :
الأول : ولئن مت يا محمد لإلى الله تحشر .
الثاني : لئن قتلت يا محمد لإلى الله تحشرون ، وفيه تفسير لقوله تعالى وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ .
ليفيد الجمع بين آية البحث والآية أعلاه أن المسلمين لم ولن يرتدوا ، إنما يموتون أو يقتلون على الإسلام ونهج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : يا أيها الرسول لئن مات أفراد أمتك فالى الله يحشرون.
الرابع : يا أيها الرسول بلغ الأجيال المتعاقبة من أمتك بأنهم يحشرون إلى الله العفو الغفور , وهذا التبليغ وجهة صدوره المباركة وتجدده ومعاني العموم الإستغراقي فيه من مصاديق قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
المسألة الرابعة : إذا كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رؤوفاً بالمسلمين ودوداً معهم بفضل ورحمة من عند الله ، فلابد أن الله عز وجل أكثر رحمة ورأفة بهم ، مما يدل على ان القرآن كله رحمة بالمسلمين ، وأن مضامين آية البحث وما فيها من الإخبار عن موت أو قتل المسلمين إنما هو رحمة ونعمة من عند الله عز وجل على المسلمين , وسبيل لنشر الرحمة والمودة بينهم , والتوقي من النزاع والإقتتال .
ترى كيف يكون الإخبار عن الموت رحمة , وأشق ما يواجه الإنسان في حياته غزو غمرات الموت له قهراً ، وإدراكه بأنه مفارق للدنيا ، الجواب جاءت الآية أعلاه بأمور :
الأول : إخبار المسلمين عن موتهم كمؤمنين ، وليس من نعمة أعظم على الفرد والجماعة من الإيمان ، ومن الآيات أن الإنسان وغيره من إيمانه ، إذ يتبع المسلم ذريته ، ويكون إماماً وأسوة وداعياً إلى الله ورسوله ، ويكون إيمانه حجة عليه في لزوم التقيد بالفرائض والعبادات .
الثاني : تتحدث آية البحث عن عالم ما بعد الموت بلحاظ تسليم المسلمين به ، وإقرارهم بأن الموت حق وأمر لابد منه ، لبيان أن موضوع الآية هو البشارة لما بعد الموت .
الثالث : إرادة تخفيف سكرات الموت عن المسلم ، وبيان المائز بينهم وبين الذين كفروا حينئذ .
وعن ابن عباس قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما من ميت يموت إلا وهو يعرف غاسله ويناشد حامله إن كان بخير {فروح وريحان وجنة نعيم}( ) أن يعجله وإن كان بشر {فنزل من حميم وتصلية جحيم} أن يحبسه)( ).
بينما جاءت آية البحث بمفاهيم السكينة للمسلمين ، فلا يخشى المسلم الموت على نفسه أو عند حلوله بذوي القربى والأحبة من المؤمنين لأن رحمة الله تتغشاهم عند وبعد الموت .
(عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : إن الميت ليحضره الملائكة فإذا كان الرجل الصالح قالوا : اخرجي أيتها النفس الطيبة التي كانت في الجسد الطيب اخرجي حميدة،
وأبشري بروح من الله وريحان ورب غير غضبان فيقولون ذلك حتّى تخرج ثمّ تعرج بها إلى السماء فينفتح لها فيقال : من هذا (فيقال : فلان) فيقولون : مرحباً بالنفس الطيبة التي كانت في الجسد الطيب ادخلي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان،
فيقال : ذلك لها حتّى يعرج بها إلى السماء السابعة.
وإذ كان الرجل السوء قالوا : اخرجي أيتها النفس الخبيثة من الجسد الخبيث اخرجي ذميمة وأبشري بحميم وغساق وآخر من شكله أزواج،
فيقولون ذلك حتّى يخرج،
ثمّ يعرج بها إلى السماء فتفتح لها فيقال : من هذا فيقولون فلان،
فيقولون : لا مرحباً بالنفس الخبيثة التي كانت في الجسد الخبيث أرجعي ذميمة فإنه لا يفتح لك أبواب السماء فيُرسل من السماء والأرض فيصير إلى القبر ) ( ).
الرابع :إخبار آية البحث عن حياة المؤمنين ما بعد الموت وسنخية تلك الحياة وغياب الشيطان وإنعدام الوسوسة والفاقة والفزع والخوف فيها .
المسألة الخامسة : لقد جاءت آية البحث معطوفة على نداء الإيمان مما يدل على موت أو قتل المسلم وهو متعاهد لإيمانه ، ثابت الجنان مقر بالتوحيد والنبوة والتنزيل ، ولا ينال أحد من البشر هذه النعمة إلا بفضل ونعمة من عند الله عز وجل لذا إبتدأت الآية التالية بقوله تعالى [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ] ( ) وتقدير آية البحث على وجوه :
الأول : ولئن بقيتم في الحياة فبما رحمة من الله .
الثاني : ولئن متم فبما رحمة من الله .
الثالث : ولئن قتلتم فبما رحمة من الله .
الرابع : ولئن حشرتم في الآخرة فبما رحمة من الله .
ومن معاني الجمع بين الآيتين بعث اليأس والقنوط في نفوس الذين كفروا من إرتداد المسلمين ، ومنه بعث الفزع والخوف في نفوس الذين كفروا بسبب ثبات المسلمين في مقامات الهدى والإيمان ، وتآزرهم وتعاونهم والمناجاة بينهم على أداء الفرائض العبادية ومنها الصلاة والصيام والزكاة ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ]( ).

إعجاز الآية الذاتي
من الإعجاز أن آية البحث تخاطب الحاضرين من المسلمين في كل زمان لأن قتلتم وتفيد في معناها إن الذين قتلوا في سبيل الله أو ماتوا لمغفرة من الله ورحمة لهم خير مما يجمعون ) بلحاظ عائدية (ما يجمعون ) إلى أهل زمانهم من الكفار , ويجمعون في زمان التنزيل وأيام تلاوة المسلم للآية القرآنية ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ] ( ) وبيان إنتفاء الحسرة أو الندم على ترك الشهداء الدنيا عن إختيارهم الجهاد وإنخرام العمر وعدم التمتع بمباهج الدنيا وزينتها .
إبتدأت آية البحث بصيغة العطف للتدبر في الصلة بينها وبين الآية السابقة لها ، إذ يتشابه الموضوع بينهما .
وتخبر الآية عن الحتم في إنقطاع الحياة الدنيا بأحد أمرين :
الأول : الموت .
الثاني : القتل .
وهو أمر يتساوى فيه الناس على الظاهر ، ومن مصاديق قوله تعالى [وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً] ( ) فلما إحتجت الملائكة على جعل الإنسان [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( )، وعلة استفهامهم وإنكارهم على القول به أنه يفسد فيها ويسفك الدماء أجابهم الله عز وجل [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ).
فمن علم الله تعالى إنقطاع خلافة الإنسان في الأرض على نحو القضية الشخصية والنوعية ، أما الشخصية فيغادر الإنسان الدنيا بالموت أو القتل .
وأما النوعية فان الحياة الدنيا تنقطع ليكون تفسير النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لقوله تعالى [يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ] ( ) من مصاديق إحتجاج الله عز وجل على الملائكة إذ ورد (عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قول الله {يوم تبدل الأرض غير الأرض}( ) قال: أرض بيضاء كأنها فضة ، لم يسفك فيها دم حرام ولم يعمل فيها خطيئة) ( ) لبيان أن الذي يفسد في الأرض ويقتل غيره بدون حق لن يضر إلا نفسه ، فتعود الأرض بأبهى هيئة وأجمل صورة ، لتصبح بيضاء وكأنها فضة بدعوة الأنبياء وعمل المسلمين الصالحات في كل زمان ، بينما يمحى أثر السيئات ، وهو من مصاديق قوله تعالى [فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ] ( ).
وهل لنداء الإيمان موضوعية في آية تبدل الأرض أعلاه , وتفسير النبي صلى الله عليه وآله وسلم للآية ، الجواب نعم ، إذ ينبت الإيمان في الأرض على نحو التزكية والنماء لها ، فنداء الإيمان كلام الله عز وجل للمؤمنين من أهل الأرض ، وهو نداء لجميع الناس بدعوتهم إلى الهدى والإيمان , وهو بذاته بيان لمنافعه وأثره المبارك.
وجاءت آية البحث معطوفة على نداء الإيمان الذي ورد في الآية قبل السابقة ليكون فيها رد على الذين كفروا ممن يسخر من المسلمين الذين يخرجون للدفاع عن بيضة الإسلام وعن النبوة والتنزيل.
فنزلت آية البحث للدفاع عنهم ، ليكون من إعجازها الغيري زجر الذين كفروا عن ذم الذين آمنوا أو الطعن بهم، ومنه تلقين المسلمين الحجة والبرهان في الرد على الذين يستهزئون بهم في إيمانهم وصبرهم ودفاعهم .
لقد أراد الذين كفروا تخويف المسلمين من الخروج للجهاد , ومن الضرب في الأرض للتجارة لما فيه من رجحان القتل والموت ، بشواهد فردية فجاءت آية البحث بالبشارة للمسلمين بأمور :
الأول : حتمية الموت أو القتل .
الثاني : حشر المسلمين إلى الله .
الثالث : المساواة بين المسلمين والناس في أمور:
أولاً : الحياة في الدنيا إلى حين .
ثانياً : التنعم بفضل ورحمة الله، قال تعالى[كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاَء وَهَؤُلاَءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا] ( ).
ثالثاً : تجلي الآيات الكونية للناس جميعاً.
رابعاً : بلوغ التنزيل والتبليغ للناس، وهو من مصاديق قوله تعالى[فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ]( ).
خامساً : مفارقة الدنيا ، وإنقطاع لذاتها.
الرابع : فوز المسلمين بالجزاء الحسن من عند الله عز وجل ، وهل في الآية رد على الذين كفروا وقولهم للمؤمنين [لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا] ( ) .
الجواب نعم إذ تدعو آية البحث المسلمين إلى عدم الإصغاء إلى الذين جادلوهم , وما يثيرونه من مسائل الريب والشك .
وليس من فزع يصيب الإنسان في الدنيا أشد من إخباره عن الحشر والقطع بوقوعه ، وأن الإنسان يحضر بين يدي الله للحساب.
ومع هذا جاء هذا الإخبار في الآية على نحو البشارة للمسلمين والمسلمات ، وهو من الإعجاز الذاتي للآية ، وليكون قوله تعالى [قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ] ( ) مقدمة ومرأة على نحو القضية النبوية والشخصية للأمن العام للمؤمنين والمؤمنات يوم القيامة ، فيكون الجمع الآية أعلاه وآية البحث على وجوه :
أولاً : لإلى الله تحشرون بأمن من النار .
ثانياً : الإيمان واقية من النار .
ثالثاً : صيرورة موضوع النار برداً وسلاماً بالنسبة للمسلمين .
رابعاً : الأمن للمؤمنين في الدنيا فلا يموتون حرقاً بالنار ، وفيه كبرى كلية وهي إذا أنعم الله عز وجل على الناس بنعمة فانها لا تغادر الأرض لأنه سبحانه أكرم من أن يرفع النعمة , وكانت نجاة إبراهيم من النار نعمة وآية عظمى في العالمين .
خامساً : بيان الصلة المباركة بين إبراهيم عليه السلام والمسلمين من جهات :
الأولى : الصلة النسبية والأبوة الإيمانية ، قال تعالى [وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ] ( ).
الثانية : الإتحاد بصيغة الجهاد والدعوة إلى الله والصبر على الأذى في جنب الله عز وجل بين النبي إبراهيم والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإقتداء المسلمين به ، ويدل عليه الآية أعلاه وذكرها للجهاد كخصلة كريمة وسور جامع بين النبي ابراهيم عليه السلام والمسلمين .
وذكرت الآية أعلاه إبراهيم بأنه أب للمسلمين لبيان فارق الرتبة وشأن النبوة وعلو منزلة إبراهيم عليه السلام والخصوصية والرفعة في جهاده، ومواجهته للطواغيت والملأ في الإحتجاج وإقامة البرهان على وجوب عبادة الله عز وجل .
وعن ابن عباس قال ( كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعوّذُ الحسن والحسين عليهما السلام: أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة ، ثم يقول : كان أبوكم إبراهيم يعوّذ بها إسمعيل وإسحق ) ( ).
الثالثة : صفة الإسلام التي تجمع بين الأنبياء مطلقاً ومنهم أولي العزم وبين المسلمين .
الرابعة : صفة الجهاد بالإحتجاج وإقامة الحجة والبرهان على قبح عبادة الأوثان ، وعلى إدعاء بعض الملوك الربوبية ، ومن الإعجاز الغيري لآيات القرآن إنتفاء هذه الدعوة ، وليس من ملك وسلطان في عموم الأرض يدعّي هذه الربوبية بعد نزول القرآن .
الخامسة : علم ومعرفة إبراهيم ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إتباع المسلمين له ، وإنقيادهم للأوامر والنواهي الإلهية، فمع جهاد إبراهيم في سبيل الله فان الذين إتبعوه أفراداً وجماعات، أما النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقد إتبعته [ خَيْر أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
وورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (ما من الأنبياء من نبي إلا وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة) ( ).
السادسة : ليس من حرج على المسلمين في خروجهم للدفاع عن الإسلام ويتفرع عنه قتل بعضهم لتكون أجيال الناس المتعاقبة في مأمن من سيادة مفاهيم الكفر وطغيان الطواغيت.
السابعة : البشارة بحشر وجمع المسلمين مع إبراهيم عليه السلام في الجنة ، وصحيح أن إبراهيم عليه السلام نبي رسول من الرسل الخمسة أولي العزم إلا أنه لا يمنع من إتحاد العاقبة الحميدة بين الأب وأبنائه الذين تجمعهم معه صفة الإسلام والإنقياد لله عز وجل وإطاعة أوامره إذ يدل عطف آية البحث على نداء الإيمان على ترتب الثواب الأخروي على الإسلام وصدق الإيمان.
ولم يرد لفظ[سَمَّاكُمْ] في القرآن إلا في الآية أعلاه .
وتقدير قوله تعالى في آية البحث[لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ]( ) على وجوه:
الأول : إلى الله تحشرون أيها المسلمون .
الثاني : لقد سماكم إبراهيم بما فيه الفخر والعز[سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ] ليكون حشركم يوم القيامة إلى الجنة معه.
الثالث : وإلى الله تحشرون مع إبيكم إبراهيم .
الرابع : لإلى الله تحشرون بإيمانكم وعملكم الصالحات .
الخامس : لإلى الله تحشرون فتجدون شفاعة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإبراهيم الذي [سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ].
السادس : لقد إجتبى الله عز وجل إبراهيم عليه السلام وإختاركم ليكون محل الإقامة الدائم لكم هو الخلود في الجنان .
سادساً : مع شهادة إبراهيم للمسلمين بحسن السمت والإيمان، فان الله عز وجل تفضل بجعل النبي شاهداً للمسلمين على الهداية، بقوله تعالى في آية [سَمَّاكُمْ] وهي آخر آية من سورة الحج[هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ]( ).
وتدل شهادة رسول أولي العزم، وشهادة خاتم النبيين وسيد المرسلين محمد صلى الله عليه وآله وسلم للمسلمين بالإيمان والصبر والجهاد في مرضاة الله دليل على كونهم [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ) .
سابعاً :بيان قانون وهو أن هداية المسلمين ، ونيلهم المراتب العالية في سنن التقوى إنما هو بفضل ولطف من عند الله لقوله تعالى في الآية أعلاه [وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ] ( ) .
ثامناً : دعوة المسلمين للشكر لله عز وجل على نعمة الإيمان والتمسك بمبادئ الإسلام وإتيان الفرائض والعبادات .
وردت الآية أعلاه بالإعتصام بالله عز وجل ، وورد البيان التفصيلي بقوله تعالى [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا] ( ).
ومن أسرار آية البحث إتصال موضوعها بالآية التي قبلها وآية النداء التي قبلهما , ويكون تقدير الآية : يا أيها الذين آمنوا لئن متم أو قتلتم ) ليتلو المسلمون هذه الآيات مع السكينة والشوق إلى لقاء الله لما في هذه الآية من الوعد الكريم بالغبطة والسعادة لهم عند مغادرتهم الدنيا .
وذكرت الآية كيفية حصر إنتقال المسلمين إلى عالم الآخرة وعلى طريقين:
الأول : الموت .
الثاني : القتل .
وتلحق بها وجوه متعددة للموت منها :
الأول : الموت غرقاً .
الثاني : الموت بالحرق .
الثالث : حوادث المركبات .
الرابع : الحكم بالإعدام وفق قوانين وضعية .
الخامس : الحكم بالقصاص لقوله تعالى [وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ] ( ) .
السادس : الموت بالهدم وسقوط البناء أو الجدار .
السابع : الصعق بالكهرباء ونحوها .
الثامن : التعرض لإفتراس الحيوان وسم الأفعى .
التاسع : الموت خنقاً (عن ابن مسعود قال : لما قال صاحب (يس) {يا قوم اتبعوا المرسلين}( ) خنقوه ليموت فالتفت إلى الأنبياء فقال {إني آمنت بربكم فاسمعون}( ) أي فاشهدوا لي.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {قيل ادخل الجنة}( ) قال : وجبت له الجنة { قال يا ليت قومي يعلمون}( ) قال : هذا حين رأى الثواب)( ).
ومن إعجاز الآية أنها ذكرت الموت كسور شامل لصيغ مغادرة الإنسان الدنيا في أجله المحتوم ، ليشمل هذه الوجوه مجتمعة ومتفرقة بينما خصت القتل بالذكر لأنه في سبيل الله ، ومن الآيات أنه قد يكون القتل بأحدى الكيفيات أعلاه .
فقد يعمد العدو الكافر إلى قتل المؤمن غرقاً أو حرقاً أو بالصعق أو بغاز إبادة جماعية ، فيصدق عليه أنه قتل في سبيل الله .
وإن كان المقتول امرأة أو صبياً لم يبلغ الحلم ، فينال مرتبة الشهيد ، ويكون شفيعاً لوالديه لدخول الجنة وقد يموت إثنان بذات الكيفية كالغرق وأحدهما يكون ميتاً والآخر يحتسب مقتولاً ، لذا جاءت الآية مطلقة في الموت أو القتل .
ومن إعجاز آية البحث أنها لم تذكر الموت أو القتل بقصده بالذات إنما هو طريق للجمع المبارك للمؤمنين عند الله عز وجل، فحينما يرى المؤمن النعم العظيمة في الآخرة , وما أعدّ الله له من أسباب السعادة والغبطة فانه لا يريد العودة إلى الدنيا.
لتنتقل الآية التالية إلى خطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبيان رأفته بالمسلمين وفيه دعوة للمسلمين لإستذكار سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم القولية والفعلية ، وما فيها من الرأفة والرحمة بالمسلمين ، وهذه الرأفة من مصاديق قوله تعالى [وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى]( ), والإقتباس والإتعاظ من الموعظة التي يأتي بها بخصوص الآخرة.
ويمكن تسمية آية البحث آية (وَلَئِنْ مُتُّمْ) ولم يرد هذا اللفظ في القرآن إلا في آية البحث.
إعجاز الآية الغيري
من المضامين القدسية للآية القرآنية اللا إنقطاع في ذخائرها لقاعدة بسيطة غير مركبة وهي توالي إستقراء العلوم والمسائل الكلامية والفقهية من الآية القرآنية ، وهذا الإستقراء من مصاديق قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( ) وإذا كان كل مسلم ومسلمة يسألون الله عز وجل عدة مرات في اليوم بهدايتهم إلى الطريق القويم والنهج السليم ، ومنه إستظهار كنوز أي آية من القرآن فلابد أن تكون هذه الكنوز على وجوه :
الأول : كثرة العلوم والدرر التي تتضمنها كل آية قرآنية .
الثاني : وجود مسائل خاصة في الآية القرآنية لكل أهل زمان يجدونها حاضرة ، وهي تدعوهم إلى الهداية والرشاد في ذات المسائل الطارئة ، فتكون حجة على الناس ومصداقاً لقوله تعالى [هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ]( ).
الثالث : تشعب العلوم المستقرأة من الآية القرآنية .
الرابع : ترغيب الآية القرآنية المسلمين والناس جميعاً للصدور عنها في أمور الدين والدنيا ، وهل يشمل هذا الصدور الزراعات والمكاسب .
الجواب نعم ، لقد سخر الله عز وجل السموات والأرض والآيات الكونية الأخرى لنفع الإنسان ، قال تعالى [وَسَخَّرَ لَكُمْ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمْ الأَنهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ] ( ).
ففي آيتين من القرآن أعلاه ورد لفظ [وَسَخَّرَ لَكُمْ] أربع مرات وكل مرة يذكر الله عز وجل فيها نعم متعددة .
فان قلت قد ذكر الشمس والقمر في الآية أعلاه ، وكل واحد منهما فرد متحد ، والجواب هذا صحيح ولكن التعدد يتجلى بقوله تعالى [دَائِبَيْنِ] والذي يعني في دلالته على أمور :
الأول : تعدد وكثرة المرات التي أطلت فيها الشمس والقمر على الناس ، ولا يعلم عدد الأيام والليالي إلا الله عز وجل ، ومن الآيات في المقام أن الشمس أكثر ضياءً ونوراً وحرارة ، وهي أكثر في إطلالتها على الأرض وإنتفاع الناس منها ، إذ تأتي ليالي ليس فيها قمر أو هلال وتسمى ليالي المحاق ، وعندما يكون الهلال في أول الشهر القمري فهو سرعان ما يغيب ، وكذاب نسبة لآخر الشهر فانه لا يخرج إلا متأخراً .
الثاني : سيرة وحركة الشمس والقمر .
الثالث : إصلاح الشمس والقمر للأعيان والزراعات .
الرابع : وقاية الأبدان وإزاحة الهموم عن القلوب المنكسرة بمشيئة وقدرة الله عز وجل .
(عن ابن عباس في قوله { وسخر لكم الشمس والقمر دائبين } قال : دؤوبهما في طاعة الله) ( ).
الخامس : من معاني دأب الشمس والقمر توالي أسباب الرزق الكريم.
السادس : ضوء النهار دعوة للناس للهداية والإيمان ، ونور القمر في الليل مناسبة للتفكر والتأمل ، وفي إحتجاج إبراهيم على قومه ورد في التنزيل [فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنْ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ] ( ).
وهو من أسرار تعاقبهما في اليوم الواحد والليلة ، فلا يمهل الله عز وجل الإنسان في حال راتب من الضياء او السكون بل ينقله في نعم متعددة من حوله وآيات كونية تدعوه للهداية والإيمان , تزجره عن الكفر والضلالة ، ، ولكن الذين كفروا من قريش أبوا إلى الجحود وإتخاذ النعم التي كانت تترى عليهم وسيلة لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين .
فنزلت آية البحث لتبعث المسلمين على التحلي بالصبر وعدم الفزع من القتال ، وأسباب الدفاع لأنهم سواء ماتوا أو قتلوا فأنهم لا يفارقون الدنيا إلا في آجالهم التي كتب الله لهم ، وفيه فضل ولطف من الله , فقد يمحو الله الأجل الأول ، وهو سبحانه يعلم بهذا المحو والتبديل, وهل يشمل آية البحث [وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ]( )، الجواب نعم من جهات :
الأولى : صرف الموت عن المؤمن إلى أجل آخر .
الثانية : محو القتل عن المسلم مع خروجه للدفاع وحضوره ميادين القتال .
وقد ذكرت الآية قبل السابقة توجيه الذين كفروا من أهل المدينة اللوم للذين قتلوا من المسلمين في ميادين القتال ، والذين ماتوا وهم يسعون في الأرض طلباً للتجارة لمنع المسلمين الآخرين من التصدي للعدو ، ولكن المسلمين صاروا يتسابقون ويتنافسون في الدفاع فيعودون بالنصر والغنائم والأسرى ، فيكون من مصاديق اسم الإشارة في قوله تعالى [لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ] ( ).
الثالثة : صرف القتال عن المسلمين ، ولجوء العدو الكافر إلى المهادنة والصلح كما في صلح الحديبية ، فمن الآيات في عقده وإبرامه أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لم يكونوا يحملون سلاحاً في طريقهم إلى مكة ، ولم يأتوا لقتال إنما جاءوا لأداء مناسك العمرة ، فخشي الذين كفروا من هذا المجئ وأبرموا معهم صلحاً .
وهذا الجهات الثلاثة أعلاه من مصاديق آية البحث وإعجازها الغيري في التخفيف عن المسلمين ، وإطالة أعمارهم وإنقطاعهم إلى ذكر الله عز وجل .
لقد وردت آية البحث بصيغة الجملة الشرطية لتكون باعثاً للمسلمين على الدعاء لقوله تعالى [ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ] ( ) ومن الدعاء بلحاظ آية البحث أمور :
الأول : دعاء المسلم لنفسه بالسلامة من القتل .
الثاني : دعاء المسلم بطول العمر وتسخيره في طاعة الله وصرف الداء والبلاء .
الثالث : دعاء المسلم لأخوانه المسلمين بطول الأعمار والسلامة من القتل ، وفناء الذات في مرضاة الله عز وجل .
الرابع : دعاء المسلمين للفرد الواحد منهم .
الخامس : فوز المسلمين مجتمعين ومتفرقين بدعاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لهم .
السادس : الدعاء بالنصر والغلبة والفتوحات للمسلمين فلم تمر بضع سنوات على معركة بدر حتى صار قول الذين كفروا [وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا] ( ) كالسالبة بانتفاء الموضوع .
الآية سلاح
لقد ذكرت الآية إحتمال قتل المسلم ، ولم تذكر قتله للكافر، فهل يدل الأمر على ان المسلمين يخسرون المعارك التي يخوضونها مع الذين كفروا ، الجواب لا , من جهات :
الأولى : مجئ الآية بصيغة الشرط والتعليق [وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ..].
الثانية : ورود الآية بصيغة الترديد بيت القتل والموت [وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ ..].
الثالثة : دلالة الشواهد الوجدانية والوقائع على نصر المسلمين في المعارك وعلى قلة شهدائهم مقابل كثرة القتلى من المشركين ، وهذا التباين في عدد القتلى من مصاديق قوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ] ( ) .
وإذا أعطى الله عز وجل فانه يعطي بالأتم والأوفى لذا ليس من حصر لوجوه نصر الله للمسلمين في معركة أحد ، وفي قوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ ]تمجيد وثناء من عند الله عز وجل على نفسه ، فلا يقدر على الأذلاء والضعفاء إلا الله سبحانه هو [الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ]( ).
وهل نصر الله للمسلمين يوم معركة بدر من الرزق أم أن القدر المتيقن من الرزق هو المتبادر وهو الأكل والشرب والملبس والمال ونحوه ، الجواب هو الأول ، وفي الرزق أطراف :
الأول : الرزاق ، وهو الله عز وجل .
الثاني : الرزق وسنخيته ومصداقه .
الثالث : المرزوق .
ومن الآيات الكونية في موضوع الرزق أن الرازق هو الله عز وجل ، وليس من رزاق للخلائق كلها إلا هو سبحانه ، وإذ تحتاج الخلائق بعضها لبعض فانها جميعاً محتاجة إلى رحمة الله وإلى رزقه سبحانه .
ونصر المسلمين ببدر رزق من وجوه :
الأول : إنه رزق كريم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتثبيت لرسالته ، وتقدير آية بدر بصيغة المفرد والخطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ] ( ).
الثاني : في النصر في معركة بدر رزق للأنبياء السابقين بحفظ نبواتهم بتوالي نزول آيات القرآن ، وتلك معجزة تأريخية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن يأتي الرزق للأنبياء السابقين ، ومرور أحقاب على إنتقالهم إلى الرفيق العلى ، وهل هذا الرزق للأنبياء من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ) بلحاظ لغة العموم في العالمين ومجئ الرزق الكريم والذكر الحسن للأنبياء السابقين في القرآن وبالقرآن .
الجواب نعم ، لذا ورد الخطاب للمسلمين والمسلمات باتباع نهج إبراهيم بقوله تعالى [مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ]( ).
الثالث : نصر المسلمين في معركة بدر نصر للمسلمين من الأمم السابقة وشكر لهم على صبرهم وجهادهم في سبيل الله ، فمن سنن الإرادة التكوينية مجئ الشكر من عند الله لذرية المؤمن على ما عمله من الصالحات ، والشكر اللاحق من المسلمين بصبر وجهاد السابق منهم .
ولا يختص هذا الأمر بأهل الملة والشريعة الواحدة بل هو عام يتغشى الشرائع كلها ، فيفوز المسلمون بشكر اله عز وجل للأنبياء والمسلمين من الأمم السابقة ، وهو من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
ومن شكر الله عز وجل للمسلمين مجئ الأجر والثواب والذكر الحسن للأنبياء السابقين وأنصارهم واتباعهم .
وعطفت هذه الآية على الآية السابقة التي هي من آيات نداء الإيمان لبيان قانون وهو مجئ الثواب للمسلمين جميعاً بشهادة أحدهم ، وهو من الأسرار الملكوتية في إحياء المسلمين لذكرى شهداء بدر واحد والحرص العام على معرفة تفاصيل شهادتهم ، كما في قصة قتل وحشي لحمزة عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ يتلقى المسلمون صفحات من جهاد حمزة , وكيفية شهادته في المدارس والمنتديات العامة .
فان قلت جاءت الآية بصيغة الخطاب والقدر المتيقن منه أنه نصر للمسلمين ، والجواب هذا صحيح ، ولكنه لا يتعارض مع عموم الرزق بهذا النصر ، وبين الرزق والنصر عموم وخصوص مطلق ، فالرزق أعم وأوسع ، وتقدير الآية على وجوه :
أولاً : ولقد نصركم الله ببدر شكراً لجهاد الأنبياء .
ثانياً : ولقد نصركم الله ببدر ليكون رزقاً كريماً للمسلمين من الأمم السابقة .
ثالثاً : ولقد نصركم الله ببدر مصداقاً للبشارة التي جاءت من عند الله للمؤمنين من الأمم السابقة .
رابعاً : ولقد نصركم الله ببدر ليظهر دين الإسلام .
ترى كيف يأتي الرزق الكريم للمسلمين من الأمم السابقة بنصر المسلمين , الجواب من جهات :
الأولى : الذكر الحسن .
الثانية : مضاعفة الحسنات للمؤمنين في الأمم السابقة ، وهم في عالم الآخرة .
وهو من عمومات شهادة المسلمين على الأمم ، وقوله تعالى [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا] ( ).
(وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة قال : قال موسى : رب إني أجد في الألواح أمة هم الآخرون السابقون يوم القيامة ، الآخرون في الخلق والسابقون في دخول الجنة فاجعلهم أمتي : قال : تلك أمة أحمد . قال : رب أني أجد في الألواح أمة خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله فاجعلهم أمتي .
قال : تلك أمة أحمد . قال : رب إني أجد في الألواح أمة يؤمنون بالكتاب الأول والكتاب الآخر ويقاتلون فضول الضلالة حتى يقاتلوا الأعور والكذاب فاجعلهم أمتي .
قال : تلك أمة أحمد . قال : رب إني أجد في الألواح أمة أناجيلهم في قلوبهم يقرأونها قال قتادة : وكان من قبلكم إنما يقرأون كتابهم نظراً ، فإذا رفعوها لم يحفظوا منها شيئاً ولم يعوه ، وإن الله اعطاكم ايتها الأمة من الحفظ شيئاً لم يعطه أحداً من الأمم قبلكم ، فالله خصكم بها وكرامة أكرمكم بها قال : فاجعلهم أمتي . قال : تلك أمة أحمد .
قال : رب إني أجد في الألواح أمة صدقاتهم يأكلونها في بطونهم ويؤجرون عليها قال قتادة : وكان من قبلكم إذا تصدق بصدقة فقبلت منه بعث الله عليها ناراً فأكلتها وإن ردت تركت فأكلتها السباع والطير ، وإن الله أخذ صدقاتكم من غنيكم لفقيركم رحمة رحمكم بها وتخفيفاً خفف به عنكم فاجعلهم أمتي . قال : تلك أمة أحمد .
قال : رب أني أجد في الألواح أمة إذا همَّ أحدم بحسنة ثم لم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف فاجعلهم أمتي , قال تلك أمة أحمد .
قال : رب إني أجد في الألواح أمة إذا همَّ أحدهم بسيئة لم تكتب عليه حتى يعملها فإن عملها كتبت سيئة واحدة فاجعلهم أمتي . قال تلك أمة أحمد .
قال : رب إني أجد في الألواح أمة هم المستجيبون والمستجاب لهم فاجعلهم أمتي . قال تلك أمة أحمد . قال قتادة : فذكر لنا أن نبي الله موسى نبذ الألواح وقال : اللهم إذاً فاجعلني من أمة أحمد . قال فاعطى اثنتين لم يعطهما { قال : يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي } ( ) قال : فرضي نبي الله ، ثم أعطى الثانية { ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون } ( ) قال : فرضي نبي الله موسى كل الرضا) ( ).
الثالثة : إقتداء المسلمين بالمؤمنين من الأمم السابقة وعملهم الصالحات وسعيهم في مرضاة الله , وهذا الإقتداء باب مفتوح ومتجدد للثواب للمقتدي والمقتدى به ، لبيان اللطف الإلهي بالمؤمنين بسعي وجهاد غيرهم ، كما ينتفع اللاحق من الذرية وأهل الإيمان من عملهم ، كما ورد في قوله تعالى [وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ]( ).
ورد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال :إن الله ليحفظ ولد المؤمن إلى ألف سنة، وإن الغلامين كان بينهما وبين أبويهما سبعمائة سنة) ( ).
فكيف بمن يقتل في سبيل الله فانه سبحانه يحفظه في نفسه وعياله وذريته وعقبه ويدفع عنهم السوء ، ويحتمل بالنسبة لصرفهم عن الفاحشة وجوهاً :
الأول : منع ذرية المؤمن من الفاحشة.
الثاني : صرف ذات الفاحشة عن ذرية المؤمن .
الثالث : ليس من صلة بين إكرام المؤمن في ذريته ، وبين قصصهم وصرفهم عن الفاحشة إذ أن هذا الصرف أمر آخر .
الرابع : منع ذرية المؤمن من الفاحشة ، ودفعها عنهم .
والصحيح هو الأخير ، بفضل من الله عز وجل ، نعم هذا المنع والصرف من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً بفضل من الله عز وجل وتقوى المورث والوارث .
فان قلت ورد في يوسف وصرف الفاحشة عند قوله تعالى [كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ] ( ).
فنسب صرف السوء عنه لتقواه وإخلاصه العبادة لله عز وجل وليس بسبب نسبته إلى الصالحين ، مع أنه يتصف بخصوصية وهي أن أباه وجده وعمه وأبا جده أنبياء ، وهم إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وبعقوب عليهم السلام .
والجواب فضل الله في المقام أعم من أن يختص بسبب واحد ، كما ورد عن يوسف إتباعه لنهج آبائه كما في إحتجاجه على صاحبيه في السجن ، كما ورد في التنزيل [وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ] ( ) .
ولئن نال يوسف مرتبة العصمة , مع تفضل الله عز وجل بالأمر إلى الفاحشة أن تبتعد عنه ، وردّ امرأة العزيز له في مراودتها له خائبة ، فان الله عز وجل يرفأ بالمسلمين وينعم عليهم بصرف الفاحشة ، بفضل ورحمة من عنده تعالى .
وهل يصرف نداء الإيمان الفاحشة عن المسلمين ، الجواب نعم ، وهو من الإعجاز في نداء الإيمان من جهات :
الأولى : تفضل الله عز وجل بنداء المسلمين بصبغة الإيمان , وفيه وجوه :
أولاً : دعوة المسلمين لإكرام بعضهم بعضاً .
ثانياً : معرفة المسلم لمنزلته ورفعة شأنه من بين الناس .
ثالثاً : بعث المسلم على العمل وفق مناهج الإيمان ، لأن تسمية الله المسلمين بالمؤمنين إحسان محض ورحمة دائمة .
رابعاً : حث الناس على إكرام المسلمين وإجتناب إيذائهم .
خامساً : دعوة عموم الناس للإقتداء بالمسلمين والسعي لنيل ذات المرتبة ، فليس بين الإنسان والفوز بالشمول بنداء الإيمان حاجز أو مانع .
الثانية : لقد ثبت في الفلسفة إمتناع إجتماع الضدين ، فلا يجتمع الإيمان مع الكفر ، ولا الهدى مع الضلالة ، والفاحشة من ضروب الضلالة فهي بعيدة عن الذين يخاطبهم الله بصفة الإيمان .
الثالثة : يأتي مع الثناء والوصف الكريم من عند الله الفضل والنعمة من عند الله فهو سبحانه حيثما يثني على أمة فان الخير يأتيها مع هذا الثناء ، وهو سبحانه بيده خزائن السموات والأرض .
فمع النداء تأتي الوقاية من الفواحش , وهذه الوقاية من شكر الله عز وجل للمسلمين .
الرابعة : لقد أكرم الله المسلمين بنداء الإيمان ليصبحوا [ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ) و[خَيْرَ] اسم تفضيل ، ومن مصاديقه في المقام صرف الفواحش عن المسلمين , وعدم صيرورتها صفة ملازمة لطائفة منهم .
وفي آية البحث حرز من السعي وراء الدنيا والإنشغال بجمع الأموال لأنها ذكرت ما هو خير منها ، والذي يتقوم بمغادرة الدنيا في مرضاة الله عز وجل , وهو برزخ دون الإفتتان بالذين كفروا وما هم عليه من الغنى والنعم ، وتمتعهم بالطيبات وكثرة الأموال ، وقد جاءت آيات القرآن في ذم الذين كفروا وما يجمعون ، قال تعالى [يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ] ( ).
وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (قال : ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها إلا جعلت له يوم القيامة صفائح ، ثم أحمي عليها في نار جهنم ، ثم يكوى بها جبينه وجبهته وظهره في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي بين الناس ، فيرى سبيله إما إلى الجنة أو إلى النار) ( ).
لقد جاءت آية البحث معطوفة على آية النداء قبل السابقة وفيه سلاح عظيم من جهات :
الأولى : التدبر في معاني الإتحاد والتداخل بين آية البحث وآية النداء في الموضوع والحكم ، ومنافع النداء في الآيات التالية للآية التي ورد فيها .
الثانية : وقاية المسلمين من الخوف والفزع عند تلاوة هذه الآية ، لقد بدأت آية البحث بذكر قتل المسلمين أو موتهم , الأمر الذي قد يؤدي إلى الكآبة والحزن عندهم ، ويتساءلون عن مغادرتهم الدنيا وحلاوة أداء العبادات فيها ، وعن حال الذرية والعيال بعدهم ، وعن عالم ما بعد الموت ، فتفضل الله عز وجل وعطف آية البحث على نداء الإيمان ليكون هو سبحانه الكافي والكفيل والزعيم والولي لذوي من يقتل أو يموت من المسلمين ، وهو من أسرار إستدامة بقاء أحكام الإسلام إلى يوم القيامة ، إذ يتلقى المسلم آية البحث بالقبول والرضا والثناء على الله عز وجل .
وتسكن النفس الإنسانية إلى الدنيا ومباهجها والحياة اليومية ، فمن تسمية الإنسان أنه يأنس بغيره من البشر ، ليصبح هذا الأنس والألفة جزء علة لحب البقاء في الحياة الدنيا ، فجاءت البشارة بحسن عاقبة المسلم في الآخرة بحشرة إلى الله عز وجل لتبعث في النفس الشوق للقاء الله عز وجل ومن دلالات قوله تعالى [لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ] ( )إجتماع المسلمين عند الله عز وجل في الآخرة وتجدد أنس بعضهم ببعض في رياض الجنة وتوالي الرزق الكريم .
عن سهل بن سهل الساعدي قال (شهدت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مجلسا وصف فيه الجنة، حتى انتهى، ثم قال في آخر حديثه: “فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) ( ).
الثالثة : تنمية ملكة إدراك الناس التباين بين المسلمين والكفار, وتسليم المسلمين بلزوم المغايرة والإختلاف بينهم وبين الذين جحدوا بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم , ليكون هذا التباين وأدراكه وتجليه في حياة المسلمين من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ).
ومن إعجاز القرآن وتمام البيان فيه الإخبار عن ماهية هذا التباين ، وهو إيمان المسلمين بالله عز وجل وتصديقهم بالنبوات والتنزيل ، وتخلف الذين كفروا عن مبادئ وأوليات الإيمان ،وتحتمل آية البحث بخصوص موضوع هذا التباين في الآخرة وجوهاً :
الأول : إتصال وإستمرار وإنتقال هذا التباين بين المؤمنين والكفار إلى عالم الآخرة .
الثاني : إنتفاء التباين بين المؤمنين والكفار في الآخرة إنما الإيمان أو الجحود فعل وإختيار وقصد , وليس من عمل في الآخرة .
الثالث : إنتقال التباين بين المؤمنين والكفار على نحو الموجبة الجزئية إلى الآخرة .
والصحيح هو الأول ، إذ يتجلى هذا التباين في مواطن الآخرة والتي تبدأ بالموت ودخول الإنسان القبر إذ يدخله الغني والفقير والسيد والعبد , والتابع والمتبوع .
وفي الخبر : لا راحة للمؤمن إلا بلقاء الله عز وجل ) .
وتكون الدنيا دار غبطة للمؤمن بأدائه الفرائض والعبادات ، وبالدعاء والمناجاة وباشاعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتجلي الإستجابة من قبل الغير ، نعم ورد (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قَالَ الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ) ( ).
وفيه بيان لكون الدنيا مزرعة الآخرة يرقب فيها المسلم عمله ويحاسب نفسه , ويتطلع إلى الإنتقال إلى العالم الآخر والذي بشرت به آية البحث بقوله تعالى [لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ] ( ) إذ تبين الآية في مفهومها أن الآخرة دار الحساب والجزاء والثواب .
مفهوم الآية
لقد أكرم الله عز وجل المسلمين بلغة الخطاب في القرآن ، وصيغة البشارة وما يبعث على السكينة في نفوسهم ، وأشد ما يواجه الإنسان هو ساعة الأجل والموت ، ويتجلى في الحياة الدنيا قانون وهو كلما كانت الدنيا حلوة ذات عذوبة في حياة الإنسان فانه يكره مغادرتها .
وهذه الحلاوة من الكلي المشكك الذي يكون على درجات متباينة بين الناس ، فقد يكون إنسان صاحب ثروة ومال وجاه ولكنه يظن باستحقاقه الأكثر والأرقى والأعلى ، فلا تكون الدنيا حلوة في عينه ، وقد يكون فقيراً ، ولكنه يتعلق بالدنيا حباً وإلتصاقاً لقضية عين كما لو كان يسكن لعياله أو يحب ولده ويريد أن يراه يكبر ، ويخشى عليه من اليتم والضعف في حال موته , ولا تدوم النعم إلا بالشكر لله عز وجل .
وجاءت آية البحث لتجعل المسلم يخشى الموت ، ولا يهاب القتل لأنه يضر بإيمانه وتقواه لله عز وجل بينما يخشى الذين كفروا الموت من جهات :
الأولى : ترك الدنيا ومفارقة زينتها .
الثانية : الخوف والوجل من سكرات الموت .
الثالثة : خشية الذين كفروا مجتمعين ومتفرقين مما بعد الموت ، ومن وحشة القبر ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يذكر الناس بالموت ويحثهم على إستحضاره وعدم الغفلة عن ذكره ، لبعثهم على التقوى ، وإكتناز الصالحات والإستعداد للموت وعدم الحزن أو الخشية منه ، ومتى ما أجتهد الإنسان بذكر الموت فانه يتفكر بما بعده ويستعد له .
(عَنْ أَبِى سَعِيدٍ قَالَ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم- مُصَلاَّهُ فَرَأَى نَاسًا كَأَنَّهُمْ يَكْتَشِرُونَ قَالَ : أَمَا إِنَّكُمْ لَوْ أَكْثَرْتُمْ ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ لَشَغَلَكُمْ عَمَّا أَرَى فَأَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ الْمَوْتِ فَإِنَّهُ لَمْ يَأْتِ عَلَى الْقَبْرِ يَوْمٌ إِلاَّ تَكَلَّمَ فِيهِ فَيَقُولُ أَنَا بَيْتُ الْغُرْبَةِ وَأَنَا بَيْتُ الْوَحْدَةِ وَأَنَا بَيْتُ التُّرَابِ وَأَنَا بَيْتُ الدُّودِ.
فَإِذَا دُفِنَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ قَالَ لَهُ الْقَبْرُ مَرْحَبًا وَأَهْلاً أَمَا إِنْ كُنْتَ لأَحَبَّ مَنْ يَمْشِى عَلَى ظَهْرِى إِلَىَّ فَإِذْ وُلِّيتُكَ الْيَوْمَ وَصِرْتَ إِلَىَّ فَسَتَرَى صَنِيعِى بِكَ.
قَالَ فَيَتَّسِعُ لَهُ مَدَّ بَصَرِهِ وَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ. وَإِذَا دُفِنَ الْعَبْدُ الْفَاجِرُ أَوِ الْكَافِرُ قَالَ لَهُ الْقَبْرُ لاَ مَرْحَبًا وَلاَ أَهْلاً أَمَا إِنْ كُنْتَ لأَبْغَضَ مَنْ يَمْشِى عَلَى ظَهْرِى إِلَىَّ فَإِذْ وُلِّيتُكَ الْيَوْمَ وَصِرْتَ إِلَىَّ فَسَتَرَى صَنِيعِى بِكَ. قَالَ فَيَلْتَئِمُ عَلَيْهِ حَتَّى تَلْتَقِىَ عَلَيْهِ وَتَخْتَلِفَ أَضْلاَعُهُ. قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وآله وسلم بِأَصَابِعِهِ فَأَدْخَلَ بَعْضَهَا فِى جَوْفِ بَعْضٍ .
قَالَ : وَيُقَيِّضُ اللَّهُ لَهُ سَبْعِينَ تِنِّينًا لَوْ أَنَّ وَاحِدًا مِنْهَا نَفَخَ فِى الأَرْضِ مَا أَنْبَتَتْ شَيْئًا مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا فَيَنْهَشْنَهُ وَيَخْدِشْنَهُ حَتَّى يُفْضَى بِهِ إِلَى الْحِسَابِ .
قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم- : إِنَّمَا الْقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ) ( ) .
ويفتح الحديث آفاقاً من العلم لبيان أن الإكثار من ذكر الموت يتضمن التعدد والتفاصيل في الوقائع وشدة سكرات الموت وخطف الروح , ووحشة القبر .
ومن هذا التعدد ما ورد في الحديث أعلاه من الأسماء للقبر منها خمسة صريحة وهي القبر ، بيت الغربة ، بيت الوحدة ، بيت التراب ، بيت الدود ومنها ما يستقرأ من ذات الحديث مثل المدفن ، مسكن المؤمن والذي يمشي على ظهره ، المبغض للكافر ، المرحب بالمؤمن الذي يدخله ، الكاره للكافر الذي يدخله ، الملتئم على الكافر ، الروضة للمؤمن ، الحفرة من النار للكافر .
وسئل الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام: ما الموت الذي جهلوه، قال: أعظم سرور يرد على المؤمنين إذا نقلوا عن دار النكد إلى نعيم الابد، وأعظم ثبور يرد على الكافرين إذا نقلوا عن جنتهم إلى نار لا تبيد ولا تنفد ( ).
(ويروى أن رجلاً دخل على عمر بن عبد العزيز فرآه قد تغير لونه من كثرة العبادة فجعل يتعجب من تغير لونه واستحالة صفته فقال له عمر: يا ابن أخي وما يعجبك مني فكيف لو رأيتني بعد دخول قبري بثلاث وقد خرجت الحدقتان فسالتا على الخدين وتقلصت الشفتان عن الأسنان وخرج الصديد والدود من المناخر والفم وانتفخ البطن فعلا على الصدر وخرج الدبر من الصلب لرأيت إذ ذاك شيئاً أعجب مما رأيته الآن).
وجاءت آية البحث (ولئن متم) وكأن مفهوم الآية عدم الموت، ولكنها شبهة بدوية لا تطرأ على أذهان الناس أصلا، للتسالم والإقرار بأن الموت عاقبة حتم لحياة الإنسان في الحياة الدنيا، وقد خاطب الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بقوله [إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ]( )، لمنع الغلو في شخصه الكريم، وزجر المسلمين عن القول بحياة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الدنيا بعد وفاته .
فان قلت قد ورد في عيسى عليه السلام أنه لم يمت، قال تعالى[وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا]( ).
والجواب هذا إعجاز وقضية نبوية شخصية في بديع صنع الله عز وجل، وهي أعظم وأوسع من النظام الذي جعله في الكائنات، ولابد أن يموت عيسى عليه السلام بعد أن ينزل إلى الأرض في آخر الزمان , قال تعالى بخصوص عيسى عليه السلام[وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا]( ).
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : الأنبياء أخوات لعلات ، أمهاتهم شتى ، ودينهم واحد ، وإني أولى الناس بعيسى بن مريم ، لأنه لم يكن بيني وبينه نبي ، وإنه خليفتي على أمتي ، وأنه نازل ، فإذا رأيتموه فاعرفوه ، رجل مربوع إلى الحمرة والبياض ، عليه ثوبان ممصران ، كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل ، فيدق الصليب ، ويقتل الخنزير ، ويضع الجزية ، ويدعو الناس إلى الإسلام ، ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام ، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال .
ثم تقع الأمنة على الأرض حتى ترتع الأسود مع الإبل ، والنمار مع البقر ، والذئاب مع الغنم ، وتلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم ، فيمكث أربعين سنة ، ثم يتوفى ، ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه ( ).
ووردت الأخبار بصلاة عيسى عليه السلام خلف الإمام المهدي، وعن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أبشركم بالمهدي يبعثه الله في أمتي على اختلاف من الزمان وزلازل فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً ويرضى عنه ساكنوا السماء وساكنوا الأرض ، يقسم الأرض ضحاحاً . فقال له رجل : ما ضحاحا؟ قال : بالسوية بين الناس ، ويملأ قلوب أمة محمد غنى ، ويسعهم عدله حتى يأمر مناد ينادي يقول : من كانت له في مال حاجة فما يقوم من المسلمين إلا رجلٌ واحد ، فيقول : ائت السادن يعني الخازن فقل له : إن المهديّ يأمرك أن تعطيني مالاً فيقول له : أحث حتى إذا جعله في حجره وأبرزه ندم ، فيقول : كنت أجشع أمة محمد نفساً إذ عجز عني ما وسعهم , قال : فيرد ، فلا يقبل منه .
فيقال له : إنا لا نأخذ شيئاً أعطيناه ، فيكون كذلك سبع سنين أو ثمان سنين أو تسع سنين ثم لا خير في العيش بعده , قال : ثم لا خير في الحياة بعده( ).
ومن الإعجاز في مفهوم نظم هذه الآيات تقديم الآية السابقة للقتل وتقييده بأنه في سبيل الله ليخرج القتل على الباطل والإقتتال بين المسلمين , وهو محرم قرآناً وسنة وإجماعاً ، وقدّمت هذه الآية الموت , وفيه وجوه :
أولاً : تقديم الأعم إذ أن الموت أعم وأكثر من القتل في المؤمنين وبين الناس .
ثانياً : لقد سقطت صلاة الجماعة والجمعة والجهاد عن المرأة ، الذي هو فرض كفاية ، وذهب سعيد بن المسيب وجمع إلى القول بأنه فرض عين , ولا أصل لهذا القول ، قال تعالى [لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ] ( ).
ولو كان الجهاد فرض عين لما وضع الصحابة سيوفهم وكانت السرايا تخرج بأعداد منهم مثل أربعين أو سبعين أو ثمانين مقاتلاً،
(عن أنس بن مالك أن عبد الرحمن بن عوف قدم المدينة فآخى رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري فقال له سعد: أخي أنا أكثر أهل المدينة مالا فانظر شطر مالي فخذه. وتحتي امرأتان فانظر أيتهما أعجب إليك حتى أطلقها لك، فقال عبد الرحمن بن عوف: بارك الله لك في أهلك ومالك، دلوني على السوق، فدلوه على السوق فاشترى وباع فربح بشيء من أقط وسمن، ثم لبث ما شاء الله أن يلبث فجاء وعليه ردع( )، من زعفران .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: مهيم؟ فقال: يا رسول الله تزوجت امرأة، قال: فما أصدقتها؟ قال: وزن نواة من ذهب، قال: أولم ولو بشاة، قال عبد الرحمن: فلقد رأيتني ولو رفعت حجرا رجوت أن أصيب تحته ذهبا أو فضة ) ( ) .
ولا دليل على قول عكرمة أعلاه , فالمدار على المرسوم في المصاحف إلا أن يكون مراده من الحرف الأول المعنى الأعم .
فقدمت آية البحث الموت لبيان قانون وهو توجه نداء الإيمان الذي عطفت عليه هذه الآية للمسلمين والمسلمات جميعاً .
ثالثاً : بيان فضل الله عز وجل على المسلمين بأن الذي يموت على الفراش له أجر المجاهد في سبيل الله بفضل ولطف من عند الله عز وجل .
رابعاً : منع المسلمين من إلقاء نفوسهم بالهلكة والإقدام على القتال من غير سبب شرعي وجيه وحاجة وضرورة اليه ، وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا يبدأ العدو الكافر بالقتال ، بل يعظهم وينذرهم قبل القتال .
إفاضات الآية
من خصائص الآية القرآنية أنها تمحو المسافة بين المسلم ورحمة الله وتجعله يدرك نزول شآبيب الفضل الإلهي عليه ، قال تعالى [إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ] ( ) ومن الإحسان للنفس والغير إختيار الإيمان عقيدة ومنهاجاً .
وتحبب آية البحث للمسلم الحياة الدنيا والآخرة ، أما الدنيا فلانها مزرعة الآخرة ووعاء مكاني لأداء العبادات وجمع الحسنات ، وكأن الدنيا بيدر دائم للزراعة والحصاد ، وليس من زراعة يكون حصادها معها في نفس الساعة ومتجدد في النشأتين مثل إتيان الصالحات .
وتخبر الآية المسلم بأنه إذا مات وفارق الدنيا ينتقل إلى لقاء الله، وأنه سبحانه ينتظر قدومه وأعد له الحور العين ، ليكون المسلم في مأمن من الفزع في الدنيا , فلا يخاف من أهوال الآخرة ، لذا فمن فيوضات آية البحث جعل المسلم يمتاز بالرضا والسكينة وحب الدنيا والآخرة .
الآية لطف
والآية لطف من وجوه :
الأول : آية البحث لطف بالمسلمين والمسلمات لأنها تخفف عنهم وطأة القتل ، وتجعلهم يستعدون للموت ويستقبلون أماراته بالرضا والتطلع إلى لقاء الله عز وجل .
لقد عطفت هذه الآية على الآية التي أخبرت عن شماته الذين كفروا بالمسلمين الذين قتلوا في معركة بدر ومعركة أحد إذ كانوا سبعين شهيداً ( )، وكانت السرايا تترى في خروجها للجهاد ، فخشي المنافقون خروجهم العاجل ، وهل زادت آية البحث المسلمين صبراً وعزماً على الجهاد , الجواب نعم ’ وهو من الإعجاز الغيري للقرآن وآياته .
لقد أراد الله عز وجل للمسلمين أن يتحابوا في الله ويجتهدوا في صيغ الأخوة الإيمانية , ويمتنعوا عن الكسب والغفلة .
وعن أبي ذر قال (خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ فَقَالَ أَتَدْرُونَ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ قَائِلٌ الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ وَقَالَ قَائِلٌ الْجِهَادُ , قَالَ إِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ) ( ).
فمتى ما أدرك المسلمون أن الموت قريب منهم ، وأن الله عز وجل هو الذي بشرهم به واخبرهم بالحشر إليه سبحانه فأنهم يتحابون في الله ويجتنبون أصحاب الأهواء وتنفر نفوسهم من الضلالة .
ومن معاني إختتام الآية بالحشر إلى الله اللطف بالمسلمين ودعوتهم للمناجاة والتعاون للوفود على الله عز وجل بزاد الصالحات .
الآية إكرام للمسلمين
يتجلى إكرام الآية القرآنية للمسلمين من جهات :
الأولى : المضامين القدسية للآية .
الثانية : نظم الآيات، وعطف الآية على ما قبلها باللفظ أو المعنى والدلالة أو بها جميعاً .
الثالثة : صلة الآية القرآنية بالآيات المجاورة موضوعاً وحكماً .
الرابعة : معاني الثناء على المسلمين في منطوق أو مفهوم الآية .
الخامسة : لغة الخطاب في الآية القرآنية، وتوجه الكلام من الله عز وجل للمسلمين ، أو أمره تعالى للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالقول للمسلمين ونحوه وبما يفيد المدح والثناء والأجر.
السادسة : الوعد الكريم من عند الله عز وجل للمسلمين، ومجئ القرآن بالبشارات العظيمة .
وتوجه الكلام في آية البحث وهي الثامنة والخمسون بعد المائة من سورة آل عمران من عند الله عز وجل إلى المسلمين إذ كان الذين كفروا والمنافقون يصدونهم عن السعي في سبيل الله، وبذل الوسع في الدفاع والكسب .
وتأتي آية البحث، لتنقض مكرهم وكيدهم، وتجعله [هَبَاءً مَنْثُورًا] ( )، فلم ينتفع الذين كفروا من صدهم إلا إعراض الناس عنهم، وإمتناعهم عن الإستماع لما يقولون، وفيه رفع للحواجز بين الناس ومعجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وبينهم وبين دخول الإسلام والفوز بتلقي خطابات الثناء والإكرام من عند الله عز وجل ويخشى الإنسان شدة ساعة الإحتضار، ويخاف من ظلمة القبر ويوم الحشر .
فجاءت آية البحث للإخبار عن إكرام المسلمين في عالم ما بعد الموت، وأنهم يفرون على الله عز وجل، وهو سبحانه الذي خاطبهم في الدنيا بلغة الإكرام فانه يرأف بهم، ويتغشاهم برحمته.
الآية رحمة بالمسلمين
قد ذكرت الآية السابقة الرحمة على نحو النص والبيان وأن رحمة الله عز وجل التي تتغشى المسلمين في الآخرة خير مما يجمع الناس من طعام الدنيا.
وكل إنسان يطمع برحمة الله في الآخرة، ولكن المؤمنين يتصفون بأن الله عز وجل وعدهم وهم في الدنيا بالرحمة والمغفرة في الآخرة .
ومن معاني الرحمة في آية البحث أمور :
الأول : عطف الآية على آية نداء الإيمان، ليكون الخطاب للمسلمين في الآية بصفة الإيمان التي يتحملون بها، وما دام الله عز وجل يشهد للعبد بالإيمان فلا يخشى الموت وحلول الأجل، لأن هذه الشهادة أمن وتأمين وحرز .
الثاني : تعليق أمر الموت أو القتل، إذ تخبر الآية على حدوثه في المستقبل من غير تعيين لأوانه , قال تعالى[وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ]( )، لتخبر الآية بأن المسلم بعلم بأنه يموت على الإيمان .
الثالث : الترديد بين الموت أو القتل في سبيل الله ليجتهد المسلم في طاعة الله، ويحرص على الإقامة في منازل التقوى .
الرابع : إخبار الآية بأن المسلمين يحشرون إلى الله، وكأنه ليس من برزخ بين الموت وقيام القيامة، وهو من الشواهد بأن قبر المؤمن روضة من رياض الجنة .
ومن إعجاز نظم آيات القرآن ورد لفظ الجلالة في كل آية من هذه الآيات، وبما يفيد تغشي رحمة الله عز وجل للمسلمين والمسلمات ، وفي التنزيل[وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا]( ).
الآية بشارة
من إعجاز القرآن أن كل آية منه بشارة عظمى من جهات :
الأولى : تملأ بشارات الآية القرآنية الدنيا ، وتضئ أركانها وآفاقها , ومن الآيات الكونية عجز الخلائق عن حجب هذا الضياء المبارك عن أي إنسان من أهل الأرض أو بقعة منه أو منها أو أي فرد من أفراد الزمان .
وهل يصل هذا الضياء إلى أعداء الإسلام الذين بذلوا الوسع في محاربته ، الجواب نعم ، وهو سبب مبارك بأمور :
الأول : توبة شطر من الكفار .
الثاني : هداية أفراد وجماعات من جيش الكفار .
الثالث : صدود الناس عن نصرة الذين كفروا في محاربتهم الإسلام .
الرابع : دخول شطر من الكفار في الإسلام .
الثانية : تغشي البشارة القرآنية للناس جميعاً ، فلما ينزل الغيث من السماء فيصيب البر والفاجر ، فان البشارة القرآنية تصل إلى الناس جميعاً ، لينتفع منها المؤمنون ، وتكون حجة وإنذاراً للذين كفروا .
وهل تذكرهم الآية القرآنية بالنعم السماوية ومنها الغيث ونزول الماء , الجواب نعم ، كما أن هذه النعم تذكر بالتنزيل ووجوب عبادة الله عز وجل .
لقد ذكر القرآن علة خلق الناس بقوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( ) ويمكن تقدير الآية على وجوه :
الأول : وما رزقت الجن والإنس إلا ليعبدوني .
الثاني : وما أنعمت على الجن والإنس إلا ليعبدون .
الثالث : وما صرفت الضرر عن الجن والإنس إلا ليعبدون .
الرابع : وما جعلت الموت خاتمة الحياة الجن والإنس إلا ليعبدون .
الخامس : ومن معاني ورشحات تقدير قوله تعالى [وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ]( )وجوه :
أولاً : يا أيها الناس جعلكم الله خلائف في الأرض لتعبدوه .
ثانياً : رفع الله بعضكم فوق بعض درجات لتعبدوه .
ثالثاً: يبلوكم الله في ما أتاكم لتعبدوه .
رابعاً : إن الله سريع العقاب لتعبدوه .
خامساً : إن الله غفور لذنوب العباد ليعبدوه .
سادساً : إن الله رحيم بالناس جميعاً ليعبدوه .
السادس : وما بعث الله الأنبياء والرسل إلى الناس إلا ليعبده الناس .
السابع : وما بعث الله النبي محمداً صلى اله عليه وآله وسلم وأنزل القرآن للناس إلا ليعبدوه .
الثامن : وما أمهل الله الناس في الحياة الدنيا إلا ليعبدوه ، قال تعالى [وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا] ( ).
التاسع : وما جعل الله الموت خاتمة حياة الجن والإنس إلا ليعبدوه ، بلحاظ أن إدراك الإنسان لهذه الخاتمة رقيب على الذات والفعل .
العاشر : وما جعل الله حشر الناس إليه إلا ليعبدوه .
الثالثة : حضور البشارة القرآنية في الوقائع والأحداث ، ولما كانت الحياة الدنيا والآخرة ملكاً طلقاً لله عز وجل ، قال سبحانه [فَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالْأُولَى] ( ) فقد تفضل على الناس بأن جعل البشارة السماوية وآيات التنزيل قريبة منه .
لقد إبتدأت آية البحث بقوله تعالى [وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ..] ( ) ويتبادر إلى الذهن أن الإخبار عن الموت نوع إنذار وتخويف فليس في الدنيا ما هو أشد على الإنسان من الموت ومغادرة الدنيا بقبض الروح ومفارقتها للجسد ، ولكن صيغة الخطاب في الآية تدل على الأمل والوعد الكريم ويدل عطف الآية على نداء الإيمان على سعادة المؤمن في حياة ما بعد الموت ، إذ يفارق المسلم الدنيا والإيمان مصاحب له ، وهو واقية وحرز في النشأتين ، ويحتمل نداء الإيمان ورشحاته المباركة بخصوص قوله تعالى [وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى] ( ) وجوهاً :
الأول : شهادة ورشحات نداء الإيمان من الزاد الذي تأمر بالإكثار منه في الدنيا .
الثاني : نداء الإيمان وعاء مبارك وكنز يغترف منه المسلمون لأمور الدين والدنيا .
الثالث : لقد تفضل الله عز وجل بتنزيل نداء الإيمان ليكون ضياء ينير دروب الهداية للمسلمين والناس جميعاً ، فان قلت قد إهتدى المسلمون وصاروا يتلقون نداء الإيمان وما فيه من الشهادة من عند الله عز وجل لهم بالهوى والإيمان .
والجواب هذا صحيح ، ولكن من خصائص نداء الإيمان أنه يزيدهم هدى ، قال تعالى [ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ]( )، وقال تعالى في الثناء على أهل الكهف [إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى]( ).
والبشارة على قسمين :
الأول : البشارة في الدنيا , وهي على شعب :
الأولى : البشارة لخصوص الدنيا كزيادة الإيمان والنماء في المال والسعة في الرزق ، وكثرة الأولاد والنصر على الأعداء
الثانية : البشارة لخصوص الآخرة وحسن الإقامة فيها .
الثالثة : البشارة لأمور الدنيا والآخرة .
الثاني : البشارة في الآخرة ، أي عند إنتقال الإنسان إلى دار الخلود بعد الموت ، وهذه البشارة أمر خاص بالمؤمنين ، قال تعالى [وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ] ( ) .
وأيهما أكثر بشارات الدنيا أم بشارات الآخرة ، الجواب هو الثاني ، وهو من مصاديق معاني الخلود في الآخرة ، ومن عمومات قوله تعالى [وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ]( ) ليجتمع في الآخرة الجزاء والبشارة ، وجاء نداء الإيمان وآية البحث مقدمة لهما وتذكيراً وترغيباً بهما .
الآية إنذار
من إعجاز القرآن ان كل آية قرآنية على وجوه :
الأول : الآية القرآنية بشارة في المنطوق والمفهوم .
الثاني : الآية القرآنية إنذار في المنطوق والمفهوم .
الثالث : الآية القرآنية بشارة في منطوقها وإنذار في مفهومها .
الرابع : الآية القرآنية إنذار في منطوقها وبشارة في مفهومها .
الخامس : الآية القرآنية بشارة وإنذار في منطوقها وبشارة في مفهومها .
السادس : الآية القرآنية بشارة وإنذار في منطوقها وإنذار في مفهومها .
وإبتدأت آية البحث بحرف العطف على الآية السابقة والتي أختتمت بقوله تعالى [وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ] ( )والتي تتضمن أموراً :
الأول : الإنذار من الإنشغال بجمع الأموال ، وإكتناز الذهب والفضة من غير إخراج الحق الشرعي منها .
الثاني : التحذير والتخويف من جمع الأموال بالباطل .
الثالث : الوعيد بأن جمع الاموال مادة للحساب يوم القيامة ، وهو من أسرار إختتام آية البحث بقوله تعالى [لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ] ( ).
الرابع : إنذار الإنسان من التقصير والتخلف عن أداء الفرائض والعبادات .
الخامس : إنذار الناس من العزوف عن مصاديق رحمة الله وعدم الإنتفاع الأمثل منها ، ومن الإعجاز في القرآن تأكيد رحمة الله للناس والخلائق بوجوه ومصاديق متعددة .
وآية البحث من الوجه السادس أعلاه في تقسيم آيات القرآن فهي بشارة وإنذار في منطوقها ، إذ تتضمن في دلالتها الإنذار للذين كفروا بأن المسلم لا يخسر شيئاً عند الموت بل يفوز بقاء ورضوان الله ، وهي إنذار لهم في مفهومها بأن الذي يقتلونه من المسلمين يرجع إلى الله عز وجل مزملاً بدمه مستجيراً شاكياً من الذين كفروا.
لذا ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخصوص شهداء أحد (زمّلوهم في كلومهم ودمائهم، اللون لون الدم والريح ريح المسك) ( ) .
وتقدير الآية في مفهومها كخطاب للذين كفروا : ولئن ماتوا أو قتلوا لإلى الله يحشرون ) أي يحشرون للعقاب .
لقد جاءت آية السياق تقييد القتل في سبيل الله ، وهو أعم في موضوعه بلحاظ العطف في ذات الآية , وعطف آية البحث عليها ، وتقدير الآية على وجوه :
الأول : ولئن متم في سبيل الله ، فمن أسرار العطف بحرف العطف الواو بين[مُتُّمْ]و[ قُتِلْتُمْ] إخبارها عن موت المسلم في سبيل الله وإن كان في مرضه أو فراشه أو موت الفجأة .
الثاني : ولئن متم في سبيل الله أو قتلتم في سبيل الله .
الثالث : ولئن متم كمسلمين أو قتلتم في سبيل الله .
فمن إعجاز الآية حصر القتل في سبيل الله ، وجعل الموت مرة معطوفاً على القتل في سبيل الله وأخرى عاماً ، ولو قتل المسلم خطأ أو في خصومة ونزاع قبلي أو غيره فهل يلحق بالموت أو القتل في سبيل الله .
الجواب يلحق بأحدهما بحسب النية والقصد والموضوع ، إذ لابد أن تشمله الآية التي ذكرت أمرين : هما الموت والقتل في سبيل الله ، ويحتمل وجوهاً :
الأول : من لم يحتسب قد مات موتاً فانه قتيل في سبيل الله .
الثاني : من لم يكن قتل في سبيل الله فان لفظ [أَوْ مُتُّمْ] الوارد في آية السياق أو لفظ [وَلَئِنْ مُتُّمْ]الوارد في آية البحث يشمله .
الثالث : هناك منزلة أخرى برزخ بين الموت والقتل في سبيل الله، مثل القتل الخطأ ، القتل طمعاً بالدنيا .
والصحيح هو الثاني ، وهو لا يتعارض مع المختار بأن موت المؤمن إنما هو في سبيل الله لعمارته الأرض بذكر الله واقام الصلاة وإتيان الفرائض .
ولو قتل الإنسان بحكم القصاص أو ظلم نفسه وانتحر فهل هو من القتل في سبيل الله , الجواب لا ، إنما يشمله قوله تعالى [وَلَئِنْ مُتُّمْ]الوارد في آية البحث .
وقد ورد لفظ[يُحْشَرُونَ] بصيغة الغائب بخصوص الذين كفروا وما ينتظرهم من العذاب بقوله تعالى [وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ] ( ) .
ومن الإعجاز في الجمع بين آية البحث والآية أعلاه أن المسلمين يحشرون إلى الله مما يعني فوزهم بالمن والثواب والخلود في النعيم أما الذين كفروا فتكون عاقبتهم هي النار ، لبيان مسألة وهي بيان التضاد بين المؤمنين والذين كفروا في الآخرة حتى في الألقاب والأسماء إلى جانب المسميات .
وتبين الآية وحدة الحياة للمسلم بالإيمان ثم التعدد في كيفية الموت أما الموت أو القتل ثم الإتحاد مرة أخرى بالحشر والجمع إلى الله عز وجل ، وفي خاتمة الآية حذف وتقديره على وجوه منها :
الأول : يا أيها الذين آمنوا لإلى الله تحشرون ) أي يوم القيامة ، ويكشف للخلائق صدق إيمانكم وأهليتكم لتلقي نداء الإيمان ، ويتفضل ببيان شكركم له تعالى بالشهادة لهم بالإيمان وتضحيتهم من أجل رفع لواء الإسلام .
الثاني : لإلى الله تحشرون عُراة ) كما ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال و(عن عبدالله بن مسعود قال: مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إِنِّي لأقُومُ المَقَامَ المَحْمُودَ” فقال رجل: يا رسول الله، وما ذلك المقام المحمود؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ذَاكَ إِذَا جِيءَ بِكُمْ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلا فَيَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُكْسَى إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلام ، فَيُؤْتَى بِرَيْطَتَيْنِ بَيْضَاوَيْنِ ، فَيَلْبِسْهُمَا ، ثُمَّ يَقْعُدُ مُسْتَقْبِلَ الْعَرْشِ ، ثُمَّ أُوتَى بِكِسْوَتِي فَأَلْبَسُهَا ، فَأَقُومُ عَنْ يَمِينِهِ مَقَامًا لا يَقُومُهُ غَيْرِي يَغْبِطُنِي فِيهِ الأوَّلُونَ وَالآخِرُونَ ، ثُمَّ يُفْتَحُ نَهَرٌ مِنْ الْكَوْثَرِ إِلَى الْحَوْضِ”)( ) ولعله لأن إبراهيم جرد ليحرق في النار في سبيل الله .
الصلة بين أول وآخر الآية
لقد إبتدأت الآية بوجوه :
الأول : حرف العطف الواو .
الثاني : لام الإبتداء .
الثالث : لغة الشرط .
لبيان إتصال الأثم بالآية السابقة وهي أيضاً معطوفة على الآية التي قبلها والتي تبدأ بنداء الإيمان , ويكون تقدير آية البحث على وجوه منها :
الأول : يا ايها الذين آمنوا لئن متم فانما تموتون مؤمنين بالله ورسوله ) ليكون من معاني العطف في هذه الآيات البشارة والإخبار من الله عن حال المسلمين عند الوفاء .
لقد إجتهد الذين كفروا في محاولات جعل شطر من المسلمين يخرجون عن دينهم ، وبذلوا لهم الأموال وأخافوهم وعذّبوا جماعة منهم وقتلوا عدداً منهم ليرجعوا عن إيمانهم ،ولكنهم إزدادوا إيماناً وصاروا أئمة لغيرهم ليدخل جماعات من الناس الإسلام .
الثاني : يا أيها الذين آمنوا لئن متم لإلى الله تحشرون بما أنتم مؤمنون )، وليس للمؤمن عند الله إلا الأجر والثواب ، وهو من أسرار مجئ نداء الإيمان في هذه الآيات إذ يبعث البهجة في نفوس المسلمين ، وينمي معاني المودة بينهم ، وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَنُ وُدًّا]( ).
الثالث : يا أيها الذين آمنوا لئن متم لإلى الجنة يحشركم الله) لبيان الوعد الكريم للمؤمنين بالثواب العظيم في الآخرة، قال تعالى[إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً]( ).
لقد ذكرت الآية حال المسلمين بعد الموت، لتتضمن معنى البشارة في الحياة الدنيا لهم ليكون من خصائص أهل الإيمان أنهم يتلقون البشارة في الدنيا ببيان حال السعادة والسراء التي يفوزون بها في الآخرة، وهذه الخصوصية نعمة عظمى يفتقر لها الذين كفروا، ومن ولاية الشيطان لهم حرمانهم من هذه النعمة حتى يغادروا الحياة الدنيا.
ولكن الله عز وجل لم يخل بينهم وبين الشيطان الذي يعجز عن حجب التبليغ والبشارة بهذه النعمة لأي إنسان ذكراً أو أنثى، فتفضل الله عز وجل وجعل المسلمين يتلون آية البحث كل يوم في الصلاة اليومية ليكون إعلاناً عاماً لهذه البشارة، ولا ينحصر الأمر بتلاوة المسلمين لها، إذ أن هذه التلاوة تذكير للمسلمين بهذه البشارة، وتفقه في الدين، ودعوة لهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو من عمومات قوله تعالى[ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ]( ).
من غايات الآية
يتجلى من منطوق ومضامين آية البحث عطفها على آية نداء الإيمان قبل السابقة التي جاءت تخاطب المسلمين والمسلمات في أمور:
الأول : بيان التباين والتضاد بين المسلمين والذين كفروا في عالم الأقوال والأفعال.
الثاني : تنبيه الذين كفروا إلى المائز الذي يتصف به المسلمون من جهات:
الأولى : إختصاص المسلمين بصيغة الإيمان.
الثانية : شهادة الله عز وجل للمسلمين بالإيمان.
الثالثة : توجه نداء الإكرام من الله عز وجل للمسلمين(يا أيها الذين آمنوا).
الرابعة : شمول المسلمين والمسلمات جميعاً بنداء الإيمان , فان قلت من المسلمين من يكون مقصراً في واجباته العبادية، فيحتمل وجوهاً :
أولاً : شمول المقصر ونحوه من المسلمين بنداء المسلمين بذاته وشخصه، لأصالة العموم في الخطاب وإنحلالها بعدد المسلمين والمسلمات.
ثانياً : شمول المسلم المقصر بنداء الإيمان القرآني بالإلحاق أي الحاقه بالذين يعملون الصالحات منهم .
ثالثاً : خروج المقصر والمتعدي ونحوه من المسلمين من نداء الإيمان بالتخصيص لأنه حجب عن نفسه الإكرام بظلمه لنفسه .
والمختار هو الأول ، وهو من فضل الله، وإرادة الذين آمنوا بالله ورسوله، والذين نطقوا بالشهادتين لبيان أن الإيمان مسؤولية عظيمة وأمانة في الأرض لم يستطع أكثر الناس القيام بوظائفها، فتصدى المسلمون لها.
ومن الإعجاز في بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إقتران إختيار الهدى بالأذى وتلقي التعذيب والحصار والإستهزاء من الذين كفروا , ومع هذا فان الله عز وجل يقول[ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ) , فيكف يكون الجمع بين الأمرين , الجواب بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رحمة للناس جميعاً في النشأتين.
وفي الأذى الذي لاقاه أهل البيت والمسلمون الأوائل الأجر والثواب، وهو من مصاديق الرحمة التي تذكرها الآية أعلاه من جهات :
الأولى : مجيء الأجر والثواب للمسلمين لصبرهم وتحملهم الأذى، وهذا التحمل من أشد أنواع الصبر خاصة وأن الإسلام في أيامه الأولى، والذين يحاربونه ويشككون بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم هم الأكثر والأغلب والأظهر من أهل مكة حيث البيت الحرام ومحل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نعم هذا الأذى لا يخرج عن عمومات قوله تعالى[وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ]( )، وهل يمكن القول بأن الآية أعلاه مدنية، وجاءت بصيغة الفعل المضارع فلا يشمل موضوعها حال المسلمين الأوائل في مكة وما كانوا يلاقونه من التعذيب والأذى من الذين كفروا من قريش قبل الهجرة، الجواب لا، لأصالة الإطلاق في موضوع الآية، وذخائر الدعاء القرآني الذي يفيد الشمول ويتغشى عموم أفراد الزمان الطولية.
وعن الضحاك قال: أتى جبريل النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، قل:”ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا”، فقالها، فقال جبريل: قد فعل. وقال له جبريل: قل:”ربنا ولا تَحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا”، فقالها، فقال جبريل: قد فعل. فقال: قل”ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به”، فقالها، فقال جبريل صلى الله عليه وسلم: قد فعل. فقال: قل:”واعف عَنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين”، فقالها، فقال جبريل: قد فَعل)( ).
الثانية : إعطاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه الأوائل ومنهم الذين هاجروا إلى الحبشة دروساً ومواعظ في الصبر والتحمل صارت شاهداً للأجيال المتعاقبة من الناس على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالثة : دعوة المؤمنين الناس للإسلام بالثبات على الإيمان مع شدة الأذى.
الرابعة : دخول الناس الإسلام لرؤية المسلمين الأوائل وهم يتلقون الأذى في جنب الله.
الخامسة : زجر الذين كفروا عن تعذيب المسلمين والإضرار بهم.
السادسة : تجلي قانون، وهو تنامي وزيادة عدد المسلمين مع الأذى الشديد الذي يلاقونه.
السابعة : هداية شطر من الكفار، ودخولهم الإسلام لما يرون من صدق إيمان المسلمين الأوائل وعدم رجوعهم عنه مع الذي يلاقونه من الأذى والتعذيب.
الثالث : من الأمور التي جاءت بها آية النداء وجوب تنزه المسلمين عن تقليد وإتباع الذين كفروا عندما ينهون عن المعروف والجهاد في سبيل الله، ويأمرون بالقعود والصدود عن سبل الهدى، وفي ذم المنافقين قال الله تعالى[الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمَعْرُوفِ]( ).
ويمكن تقسيم غايات آية البحث إلى أقسام:
القسم الأول : الغايات التي تتعلق بآية النداء المتقدمة وفيها مسائل:
الأولى : إبتدأت آية النداء بالثناء على المسلمين ليأتي إخبار آية البحث عن موت أو قتل المسلم، وكل إنسان يلحقه وينزل بساحته الموت، قال تعالى[أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمْ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ]( )، ولكن المسلمين يتصفون بأمور:
أولاً : إخبار الله عز وجل لهم بموتهم أو قتلهم في طاعته.
ثانياً : مغادرة المسلمين الحياة الدنيا بما هم مؤمنون.
ثالثاً : مصاحبة الثناء من عند الله عز وجل للمسلمين إلى حين مفارقتهم الدنيا.
رابعاً : يغادر المسلمون الدنيا وهم معصومون من التشبه بالذين كفروا في صدهم عن سبيل الله.
وبين سبيل الله والدفاع عن الإسلام عموم وخصوص مطلق، إذ أن سبيل الله أعم، ويشمل وجوهاً منها:
أولاً : الإنفاق في مرضاة الله.
ثانياً : تهيئة مقدمات الدفاع.
ثالثاً : دعوة الناس للإيمان، والضرب في الأرض لتبليغ الدعوة وتلاوة القرآن.
رابعاً : محاربة الكفر ومفاهيم الضلالة بالحجة والبرهان.
خامساً : تعاهد الأخوة الإيمانية.
سادساً : القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وعن جندب بن عبد الله الأزدي قال: أول ما ينتن من الإنسان بطنه ولا يجعلن أحدكم في بطنه إلا طيبا قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: مثل العالم الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه .
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا يحولن بين أحدكم وبين الجنة وهو ينظر إلى أبوابها ملء كف من دم مسلم هراقه ظلما .
فتكلم القوم فذكروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو ساكت يسمع منهم ثم قال: لم أر كاليوم قوما قط أحق بالنجاة إن كانوا صادقين)( ).
سابعاً : بناء المساجد، وعماراتها بإقامة الصلاة وتلاوة القرآن فيها.
ثامناً : طبع ونشر المصحف والكتب الإسلامية التي تتضمن تعظيم شعائر الله، وتفيد نشر مفاهيم لصلاح بين الناس.
تاسعاً : الإعراض عن الذين كفروا والمنافقين في صدّهم عن سبيل الله.
عاشراً : تدارس آيات القرآن.
الحادي العشر : تعاهد الصلاة في أوقاتها، قال تعالى[إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا]( ).
الثاني العشر : إظهار معاني الألفة بين المسلمين، والمناجاة بالتقوى.
الثالث عشر : المسارعة في الخيرات، والتسابق في عمل الخير، قال تعالى[وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ]( ).
الرابع عشر : العفو والصفح طلباً لمرضاة الله، ورجاء عفوه.
الخامس عشر : إتيان الفرائض والطاعات بقصد القربة إلى الله عز وجل.
السادس عشر : المرابطة في الثغور للذب عن المؤمنين وعوائلهم وأموالهم.
السابع عشر : الثبات على الإيمان، والعصمة من الإرتداد.
الثامن عشر : تأديب الأولاد على سنن الإيمان، وتعليمهم الفرائض، وتنمية ملكة الحرص على أدائها في نفوسهم، قال تعالى في التنزيل في الثناء على إسماعيل عليه السلام[وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاَةِ]( ).
القسم الثاني : غايات الآية بلحاظ الآية السابقة، وفيه وجوه:
أولاً : بيان حب الله عز وجل للمسلمين، ورأفته بهم، وفضله في التخفيف عنهم بذكر الموت.
ثانياً : تأكيد مضامين الآية السابقة.
ثالثاً : أخبرت الآية السابقة عن كون قتل المسلمين في سبيل الله، وذكرته آية البحث على نحو الإطلاق، ويحتمل وجوهاً:
الأول : إرادة تقييد الإطلاق الوارد في هذه الآية بما ورد من التقييد في غايات القتال والقتل الوارد في الآية السابقة.
الثاني : بين القتل في آية البحث والقتل في الآية السابقة عموم وخصوص مطلق، إذ قيدته الآية السابقة بالقصد وأعظم غاية في حياة الإنسانية.
ولما إحتجت الملائكة على جعل الإنسان[فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، لأنه يفسد في الأرض ويقتل أخاه من الناس، أجابهم الله عز وجل[إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( )، ومن علمه تعالى أن فريقاً من الناس يقتلون في سبيل الله، ومن أجل إصلاح الأرض ودفع الفساد ومنع القتل.
الثالث : نسبة التساوي في موضوع القتل بين الآيتين.
الرابع : التباين في موضوع والقتل الوارد في آية البحث والآية السابقة.
ولا تعارض بين هذه الوجوه، إذ أن الجمع بينها أمر ممكن.
رابعاً : مجيء خاتمة آية البحث قاعدة كلية تتصل بها مضامين الآية السابقة وآية البحث، وتجلى شطر من علومه في سياق الآيات( ).
القسم الرابع : غايات آية البحث بلحاظ الآية التالية، والتي إنتقلت في لغة الخطاب بأن توجهت إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على نحو الخصوص، وبيان فضل الله عز وجل بمصاحبة رحمته تعالى للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في معاملة وصلاته مع المسلمين بأن جعله الله عز وجل ليناً عطوفاً عليهم، بجذبهم إلى منازل التقوى وأداء الفرائض، ليكون من معاني قوله تعالى[وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ]( ).
ومن غايات آية البحث مسائل :
الأولى : حصانة ووقاية المسلمين من أسباب الشك والريب التي يبثها الذين كفروا في المدينة ، فصحيح أن الآية قبل السابقة تختص بالإخبار عن سعي الذين كفروا لصد المسلمين عن الجهاد إلا أنها أكبر في دلالتها إذ تبين قانوناً وهو أن الذين كفروا يبذلون الوسع في محاربة الإسلام بالقول والفعل ، وأنهم بين صفوف المسلمين ، وتجمعهم الأسواق والمجالس لأن الآية قبل السابقة قالت [كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ] ( ) .
الثانية : يخوف الذين كفروا المسلمين بالموت عند الخروج للدفاع أو التجارة ، فجاءت آية البحث بالبشارة للمسلمين بحسن الإقامة بعد الموت سواء خرجوا للدفاع أو بقوا في بيوتهم ، وحضرهم الأجل على أسرتهم .
لتكون الآية أعم في موضوعها من الرد على الذين كفروا وإبطال مغالطتهم ، وهو من إعجاز القرآن بأن تأتي الآية القرآنية في موضوع مخصوص ولكن مضامينها وغاياتها الحميدة أعم وأعظم وهي متجددة مع الأيام وإتساع حكم الإسلام ، وكثرة الأمصار التي يسكنون فيها ، والتباين في العادات والأنظمة والقواعد والقوانين الوضعية فيها ، فتصاحب آية البحث المسلمين في كل زمان بصيروتها حرزاً من الخشية من الموت والخوف مما بعد الموت من الأهوال ليبقى الذين كفروا من غير واقية أو ستر يخفف عنهم الموت وشدة سكراته .
الثالثة :لقد أخبرت الآية قبل السابقة عن حلول الحسرة في قلوب الذين كفروا بقوله تعالى [لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ] ( )وآية البحث ونزولها من مصاديق وأسباب الحسرة التي تملأ قلوب الذين كفروا .
الرابعة : إكرام المسلمين بلغة الخطاب التي تتضمن البيان والوعد الكريم ، وهذا الإكرام من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ) إذ لم تنل أمة من الناس أموراً :
أولاً : نزول القرآن كلاماً من عند الله عز وجل .
ثانياً : مجئ القرآن بنداء الإيمان .
ثالثاً : شمول المسلمين والمسلمات جميعاً بنداء الإيمان .
رابعاً : تعدد نداء الإيمان في القرآن تسعاً وثمانين مرة في آية سماوية لم تحدث من قبل ، ولم تحدث إبداً بلحاظ أن القرآن خاتم الكتب السماوية ، قال تعالى [وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ] ( ).
خامساً : مجئ نداء الإيمان في آيات ومضامين قدسية متعددة ، وبصفة الأمر والنهي والشرط .
سادساً : عطف آيات متعددة على آية النداء لإفادة ذات سياق النداء ودلالاته .
سابعاً : بعث نداء المسلمين على العمل بمضامين آياته وتنمية ببركة نداء الإيمان ، وهو من ذخائر النداء التي لا يعلم نفعها في النشأتين إلا الله عز وجل .
(عن صهيب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : عجباً لأمر المؤمن كله خير إن أصابته سراء فشكر كان خيراً ، وإن أصابته ضراء فصبر كان خيراً) ( ).
الرابعة : تفضل الله عز وجل بمحاربة الذين كفروا والإحتجاج على مغالطتهم وإبطالها بأن أنزل آية البحث خطاباً للمسلمين ، وهو من إعجاز القرآن ، وكأنه من لغة ( إياك أعني واسمعي يا جاره ) ليكون من معاني آية البحث الشكر لله عز وجل على النعم التي تترشح من آية البحث ، ومنها إكرام المسلمين وإرادة العز والشأن والجاه لهم في الدنيا بتوجه نداء الإيمان لهم والإخبار عن لقائهم الله عز وجل يوم القيامة .
الخامسة : حث المسلمين على الإجتهاد في طاعة الله والإعراض عن الذين كفروا ، وإنذارهم بيوم الحشر , وهذا الإنذار متعدد من وجوه :
الأول : الحشر حق وأمر حتم .
الثاني : حشر المسلمين والذين كفروا يوم القيامة وقولهم النحوي تذكرة الآية قبل السابقة ، وفضح الغايات الخبيثة منه .
الثالث : التضاد في العاقبة بين المسلمين والذين كفروا .

التفسير
الجمع بين نداء الإيمان وآية البحث
لقد ورد نداء الإيمان في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ]( ) وتتضمن الآية نداء للمسلمين النهي الصريح عن محاكاة الكفار في قول وفعل مخصوص .
ولا يخرج المسلمون للدفاع والغزو في كل شهر، وقد تمر سنوات عليهم من غير أن يحتاجوا إلى القتال والجهاد ، وهو من الإعجاز في آيات الجهاد والصبر ودعوة المسلمين إلى إتخاذ مقدمات الدفاع حتى في حال السلم والمهادنة بقوله تعالى [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ] ( ) .
وذكر الآية لإرهاب العدو لا يمنع من إرادة المعنى الأعم من إعداد المسلمين ما استطاعوا للدفاع والقتال، ومن الآيات بيان أن إعداد والسلاح سبب لبعث الخوف والفزع في قلوب أعداء الله والرسول ممن قاتل المسلمين، والذين أمدوهم بالسلاح، وغيرهم لما فيه من زجر الناس عن إعانة الذين كفروا في قتالهم المسلمين .
وما دام المسلم حياً فان نداء الإيمان يتوجه إليه كل ساعة من أيام عمره، وفيه مدد من عند الله بحسن العاقبة , وهو سبيل مبارك لإطالة أيام العمر، وتخفيف من الهم بالموت وما يخلفه الإنسان وراءه في الدنيا من المسائل، وأهوال ما بعد الموت التي ليس لها حد وإنقضاء إلا بفضل الله، ومن أسرار عطف آية البحث على نداء الإيمان تعدد صيغ تقديرها من جهات :
الأولى : يا أيها الذين آمنوا لئن متم فان البشارة تصاحبكم .
الثانية : يا أيها الذين آمنوا أنعم الله عليكم بنعمة الإيمان في الحياة الدنيا وعند الموت .
الثالثة : يا أيها الذين آمنوا لئن قتلتم دفاعاً عن الذين آمنوا .
الرابعة : يا أيها الذين آمنوا لئن قتلتم في سبيل الله .
قوله تعالى [ وَلَئِنْ مُتُّمْ ]
إبتدأت الآية بحرف العطف الواو الذي يدل على إتحاد الموضوع أو الحكم بين هذه والآية السابقة ، ومن خصائص العطف في اللغة العربية دعوة القارئ والسامع إلى إستحضار الكلام السابق , فتحضر الآية السابقة عند تلاوة هذه الآية ، وهو من إعجاز القرآن وتثبيت مضامينه القدسية في النفوس والمجتمعات ، وتحتمل مراتب الربط الموضوعي في العطف وجوهاً :
أولاً : القراءة أكثر ربطاً للصلة بين المعطوف والمعطوف عليه .
ثانياً : الإستماع للعطف أكثر ربطا .
ثالثاً : التساوي ، فسواء قرأ الإنسان لغة العطف أو إستمع لها فان الفهم واحد .
والمختار هو الأول ، إذ يكون المعطوف عليه مبصَراً ومرئياً أثناء تلاوة المعطوف ، وهو من الشواهد على ما تختاره بأن حاسة البصر أكثر نفعا وأهمية من حاسة السمع .
وتحمل كلمة [لَئِنْ] معنى الشرط ، أي إذا وقع كذا فتكون النتيجة كذا ، أو إن فعلتم كذا فسوف يحصل كذا ، وورد في التنزيل الآية الخالدة التي تخاطب المسلمين والمسلمات في كل زمان ويفقه معناها ودلالتها ، ويعمل بمقتضاها بالفطرة والسجية كل مسلم ومسلمة ، وهو قوله تعالى [لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ] ( ) وليس من مسلم إلا وهو يحفظ هذه الآية أو يعلم معناها ، كما أنه يقرأها في المصحف وفي الصلاة ومعلقة على الجدران وفي الإعلان والبيان ، وهي مادة وموضوع في المنتديات وعند طرو النعم على المستحدثة ، والمراد من الشكر هو شكر المسلمين لله عز وجل على النعم أما الزيادة في قوله تعالى [لأَزِيدَنَّكُمْ] فهي على وجوه :
الأول : إرادة الزيادة في الدنيا .
الثاني : المراد الزيادة في الآخرة .
الثالث : الزيادة في الدنيا والآخرة .
والصحيح هو الأخير ، وتلك آية في رحمة الله عز وجل، فمع قصور التصور الذهني للناس عن الإحاطة بالأجر والثواب العظيم الذي أعدّه الله للمؤمنين أخبرت الآية أعلاه عن الزيادة فيه ، وهل الزيادة المذكورة في الآية أعلاه من المضاعفة التي وردت في قوله تعالى [مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ] ( ) الجواب بينهما عموم وخصوص مطلق ، فالزيادة التي تأتي على الشكر أعم وأوسع وأكبر ، وقد ينفق الإنسان شكراً لله عز وجل فيزيد عليه من فضله.
والشواهد الظاهرة في الدنيا كثيرة ، أما المستترة فهي على وجوه منها :
الأول : الزيادة والفضل في النعم والذي لا يعلمه إلا الله عز وجل وحده ، وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) بتقريب أن أموراً يعلمها الله بخصوص خلافة الإنسان لا يحيط بها الملائكة علماً متجدداً إلى يوم القيامة ، ومنها توجه المؤمنين بالشكر لله عز وجل والكم والكيف لشكر الله عز وجل لهم والزيادة العظيمة التي تطرأ على كل من الكم والكيف وسنخية مادة وموضوع الشكر ، وهل قتل المسلم في سبيل الله من شكره له سبحانه .
الجواب نعم ، ليختتم المسلم حياته بالشكر لله عز وجل ، وفيه أعظم مواساة له ولذويه وأهله من بعده ، وتخفيف عن مصيبتهم بفقده ، ليكون من معاني قوله تعالى [الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ] ( ).
ومن صفات المسلمين أنهم يسترجعون ويذكرون الله عز وجل فتتضاعف حسنات الشهيد وحسناتهم ، ويمحو الله عز وجل عنهم أفراداً من القتل ، وفيه رد على الذين كفروا إذ [وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ] ( ).
الثاني : العوض والبدل بذات جنس المنفق وفي غيره .
الثالث : الزيادة والمضاعفة في الأجر والثواب على الشكر والتي لا يعلمها إلا الله عز وجل وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( )، لتكون مضاعفة الحسنات سبباً لرجحان كفتها وما فيه من النفع العظيم في الدنيا والآخرة من هذه المضاعفة.
ويكون من أسباب الحسرة في قلوب الذين كفروا الزيادة في الأجر والمضاعفة في الحسنات , وتحتمل الحسرة المذكورة في الآية أعلاه وجوهاً :
منها حسرة الذين كفروا في الدنيا ، وهذه الحسرة من جهات:
الأولى : مسارعة المسلمين إلى سوح الدفاع والجهاد ، وإستجابتهم لدعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للنفير عند وصول أنباء قدوم العدو الكافر للقتال والتعدي ، قال تعالى بخصوص شوق الصحابة لملاقاة العدو في معركة أحد [وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَتَمَنَّوْن الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ] ( ).
الثانية : عدم إصغاء المسلمين والمسلمات لأقوال الذين كفروا وما يبثونه من أسباب الشك والريب .
ومن الإعجاز في آية النداء هذه أنها تتضمن قول[كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا]( ) ليكون من معاني الآية:
أولاً : التذكير بالشهداء الذين قتلوا في سبيل الله ولم يذكرهم الذين كفروا بصيغة الشهداء أو المسلمين أو الأنصار أو المهاجرين ، إنما ذكروا بصفة الإخوان , فان قلت إنما ورد هذا الوصف في الآية القرآنية ، ولم تحك الآية عنهم القول (وقلنا لإخواننا) .
والجواب هذا صحيح ولكن الآية القرآنية تفتح آفاقاً من العلم في مجئ الضمائر فيها ، والأسرار والغايات من لغة الخبر القرآني ، وهو من مصاديق قوله تعالى[نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ]( ) بلحاظ أن ما يقع في أيام النبوة من هذه القصص موعظة وسبب للنزول .
ثانياً : بيان فضل الله عز وجل على المسلمين وعوائلهم بفضح مغالطة عدوهم، وإبطالها
ثالثاً : بعث الطمأنينة في نفوس الذين خرجوا للجهاد والقتال في سبيل الله بأن خروجهم هذا سب لبعث الحسرة في نفوس الذين كفروا وتحتمل هذه الحسرة بعد زوال الآية أعلاه وجوهاً :
الأول : زيادة لوم وشماتة الذين كفروا .
الثاني : بقاء ذات الكم والكيف من الحسرة في نفوس الذين كفروا .
الثالث : زوال الحسرة عن قلوب الذين كفروا .
الرابع : توبة شطر من الذين كفروا لأن الله عز وجل علم ما في قلوبهم ، وأخبر عما يقولون ، ومقاصدهم الخبيثة منه .
والصحيح هو الأول والرابع ، فمنهم من يصر على الكفر فتزداد حسرته ، ومنهم من يؤمن بالله ورسوله بعد أن يرى البينات والبراهين الدالة على نبوته ، وهل مبادرة الصحابة للخروج للقتال والجهاد من مصاديق الرحمة في قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( )، الجواب نعم، لما فيه من الثواب وبعث الخوف في قلوب المشركين.
الثالثة : نزول الآية أعلاه التي تخبر عن حسرتهم ، إذ تفضح الآية الذين كفروا ، وتبين بطلان ما يقولون ، وتؤكد بأنه مغالطة متعددة الجهات كما يأتي بيانه في البحث المنطقي ( ).
الرابعة : توالي نزول آيات القرآن التي تبعث المسلمين على الجهاد وتدعوهم رجالاً ونساءاً إلى الصبر وتبين عظيم نفعه في النشأتين .
الخامسة : صدق إيمان المسلمين وصدورهم عن القرآن والسنة النبوية ، ومبادرتهم إلى سؤال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أمور الدين والدنيا وعملهم بمضامين الإجابة والتي يدركون جميعاً أنها فرع الوحي ، قال تعالى وفي وصف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وخطاب للمسلمين [وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى] ( ).
ومن وجوه تقدير آية البحث :
ولئن متم في سبيل الله )، فلا ينحصر قصد في سبيل الله بالقتل وسوح المعارك، بل قد يموت المسلم وهو يدعو إلى الله، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر , ويتلو القرآن ويؤدي الفريضة , وهو من مصاديق في سبيل الله .
وبين الموت في سبيل الله ومرتبة الشهيد عموم وخصوص مطلق، ومع هذا وردت النصوص عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بافادة التوسعة في معنى الشهيد، ونيل درجة الشهادة بفضل من الله عز وجل منها:
الأول : الشهيد الذي يقتل في سبيل الله.
الثاني : المطعون، وهو المصاب بطعنة في بدنه، ويلحق به الجريح برصاصة أو قذيفة ونحوها ويأتي أيضاً بمعنى المصاب بداء الطاعون، والمطعون : اسم مفعول من طُعن.
الثالث : المبطون ، وهو الذي يموت من الإسهال الشديد، وآلام وأمراض البطن، ويدخل سرطان المعدة والكبد والأمعاء ونحوه في المبطون كما يدخل بالموت عن مرض عضال.
الرابع : الغريق .
الخامس : صاحب الهدم : الذي يسقط عليه الجدار أو البناء أو أثناء أعمال البناء مالكاً أو أجيراً.
السادس : صاحب ذات الحنب، وهو إلتهاب في الغشاء المحيط بالرئتين، يصبح معه التنفس أمراً شاقاً , ومن أعراضه السعال وضيق التنفس .
السابع : الحريق : أي الذي يموت حرقاً ، ولا تشمل هذه الوجوه الذي يقتل نفسه وما يسمى بالإنتحار .
الثامن : المرأة التي تموت بجمع أي وهي حامل .
التاسع : النفساء : وهي المرأة التي تلد، وينزل عليها دم مصاحب للمولود، فاذا ماتت المرأة أثناء الولادة والطلق، فهي شهيدة .
العاشر : الذي يقتل دفاعاً دون دمه وحياته .
الحادي عشر : الذي يقتل دون ماله .
الثاني عشر : من قتل دون أهله، أي دفاعاً عنهم .
الثالث عشر : الذي يموت بداء عضال ومرض مستعص على العلاج كالسرطان والأيدز .
الرابع عشر : الذي يصرع عن دابته، وهل يلحقه سائق السيارة إذا قتل أثناء السياقة , الجواب نعم ، لوحدة الموضوع في تنقيح المناط.
الخامس عشر : الذي يقتل دون حقه وإدعائه به ، ودون مظلمته.
السادس عشر : ذكرت آية البحث والآية السابقة مصداقاً آخر للشهيد والميت من المسلمين وهو الذي يموت أو يقتل عندما يخرج للتجارة ويسافر للكسب .
وعن جابر بن عتيك قال : النبي صلى الله عليه وآله وسلم جاء يعود عبد الله بن ثابت فوجده قد غلب فصاح به فلم يجبه فاسترجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال غلبنا عليك يا أبا الربيع فصحن النسوة وبكين فجعل بن عتيك يسكتهن فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعهن فإذا وجب فلا تبكين باكية قالوا وما الوجوب يا رسول الله قال الموت .
قالت ابنته إن كنت لارجو أن تكون شهيدا قد كنت قضيت جهازك قال رسول الله صلى الله عليه ,آله وسلم فإن الله قد أوقع أجره على قدر نيته وما تعدون الشهادة قالوا القتل في سبيل الله قال رسول الله صلى الله عليه آله وسلم الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله المطعون شهيد والمبطون شهيد والغرق شهيد وصاحب الهدم شهيد وصاحب ذات الجنب شهيد وصاحب الحرق شهيد والمرأة تموت بجمع شهيدة( ).
ومن خصائص الجملة الشرطية التعليق وإحتمال وقوع الشيء .
وهل يحتمل قوله تعالى [ولئن متم ] أو لم تموتوا بارادة إنتفاء الموت عنكم , الجواب لا ، لأن الموت خاتمة الحياة ، قال تعالى [كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ] ( )وقال تعالى [أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمْ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ] ( ) إنما وردت صيغة الشرط في أول الآية لوجوه :
الأول : بيان الترديد في حال وكيفية مغادرة المسلم الحياة الدنيا بين الموت والقتل .
الثاني : تهيئة أذهان المسلمين للقتل في سبيل الله ، فلا تفاجئ الأم بقتل ولدها في سبيل الله .
وهل في الآية دعوة للإكثار من النسل وإنجاب الأولاد لإحتمال القتل أم العكس بأن يجتنب الزوجان كثرة الأولاد لإحتمال نزول اليتم بساحتهم، الجواب هو الأول ، وهو من إعجاز آية البحث وإخبارهم عن إحتمال قتل المسلم .
لذا جاءت الآيات والأحاديث النبوية بالتأكيد على العناية باليتيم متحداً كان أو متعدداً.
الثالث : إرادة بيان حال المسلم عند الموت ، وتقدير الآية لابد من مفارقتكم الدنيا إما بالموت أو القتل .
الرابع : بيان إتحاد سنخية الموت والقتل للتقييد بالأجل وأوان حلوله ، قال تعالى [فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ] ( )سواء بالموت أو القتل أو الغرق أو موت الفجأة كما في هذا الزمان وحوادث الطرق والمركبات .
الخامس : التأكيد على الأمر الأهم بعد إختتام الدنيا ، وهو الرجوع إلى الله عز وجل والتطلع إلى رحمته وعفوه وإسباغ نعمه .
ومن معاني العطف بين آية العطف بين آية البحث وآية نداء الإيمان قبل السابقة إتحاد لغة الخطاب في الآيتين ، وتوجه كل واحدة منهما في الخطاب إلى المسلمين ، ويحتمل الخطاب في جهته وتعيينها وجوهاً :
الأول : إرادة المؤمنين الذين يخرجون للقتال.
الثاني : المقصود الذين يقتلون في سبيل الله أو يتعرضون للكلوم والجراحات في المعارك .
الثالث : إرادة الصحابة أيام التنزيل .
الرابع : المقصود عموم المسلمين والمسلمات أيام النبوة .
الخامس : تشمل الآية المؤمنين والمنافقين .
السادس : إرادة أجيال المسلمين المتعاقبة .
والأخير هو الصحيح ، ولا تتعارض معه الوجوه الأخرى ، فتشمل الآية الرجال والنساء من المسلمين .
لقد إبتدأت الآية قبل السابقة بنداء الإيمان [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] وهو فضل وهبة وشهادة من عند الله، وفي التنزيل [وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنْ اللَّهِ] ( ).
ترى ما هي منافع نداء الإيمان بخصوص آية البحث ولغة العطف فيها ، الجواب فيه مسائل :
الأولى : بعث السكينة في نفوس المسلمين بأنهم لا يقتلون إلا في سبيل الله ، وفيه وجوه :
أولاً : البشارة للمسلمين بالسلامة من الإرتداد حتى مغادرة الحياة الدنيا.
لقد أنعم الله عز وجل على المسلمين ببشارة نداء الإيمان للإخبار عن ثباتهم في مقامات الهدى والرشاد ، وهل نداء الإيمان مدد وواقية من الإرتداد والكفر .
الجواب نعم ، فحينما تفضل الله عز وجل ونعت المسلمين بصيغة الإيمان وورد هذا النعت بالنداء والخطاب لهم فانه عهد من عنده سبحانه لهم لنجاتهم من الكفر .
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قلوب العباد بين (مَا مِنْ خَلْقِ اللَّهِ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ بَشَرٍ إِلَّا أَنَّ قَلْبَهُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ ) ( ).
ثانياً : دعوة المسلمين للصبر وتحمل الأذى من الذين كفروا لدلالة ذكر الآية للقتل على حدوث المعارك بين المسلمين والكفار ، إذ أن القتل فرع الإقتتال الذي هو نوع مفاعلة .
ثالثاً : حث المسلمين على التعاون ومنع الخصومة والإقتتال بينهم ، إذ تتضمن آية البحث قانوناً وهو أن كل مسلم عرضة لأن يقتله الذي كفروا مجتمعين ومتفرقين ، قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ] ( ).
الثانية : يدل عطف آية البحث على آية النداء على أن قتل المسلم لا يكون إلا وهو يتزين بحلة الإيمان ،مدافعاً عن الإسلام والنبوة والتنزيل ، وتقدير الآية : يا أيها الذين آمنوا لئن قتلتم ).
الثالثة : حث المسلمين على المناجاة بينهم بمفاهيم التقوى للحفاظ على بيضة الإسلام ، وإجتناب ترك إنكار الباطل لأن هذا الترك من الإثم إلا مع رجحان الأذى والضرر ، قال تعالى [وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ] ( ).
وهو من أسرار صيغة الجمع والعموم في نداء الإيمان إذ أنه ينحل بعدد المسلمين والمسلمات في أجيالهم المتعاقبة .
لقد خاطبت آية النداء المسلمين بصفة الإيمان، وبينت قانوناً وهو لزوم إمتناعهم عن محاكاة الذين كفروا في القول والفعل الذي يتضمن الصدود عن سبيل الله، وهو فرع قانون أعم وهو أن الإيمان إعتقاد ومنهاج عمل يتصف بالصلاح , والتنافي مع القول والفعل القبيح للذين كفروا.
إذ تحذر الآية المسلمين من محاكاة الذين كفروا في الشماتة بالذين قتلوا في سبيل الله، وإدعاء أنهم لو أقاموا معهم في المدينة لم يخرجوا إلى القتال ولم يقتلوا ويدل هذا التحذير على زيف إدعاء الذين كفروا، وتؤكد بطلانه الوقائع والحوادث التأريخية، ومقدمات وكيفية معارك الإسلام الأولى، فقد زحف الذين كفروا إلى معركة بدر وإلتقاهم المسلمون، وهناك قانون ملازم للنبوة وهو عدم بداية النبي بالقتال وهو من مصاديق السنة الدفاعية .
وهل يشمل القانون المسلمين ويكون تقدير نداء الإيمان : يا أيها الذين آمنوا لا تبدأوا الذين كفروا القتال , فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يبدأهم القتال.
الجواب نعم ، فمن خصائص الإيمان في المقام أمور :
الأول : محاكاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سنته وصبره في القتال، ومن معاني قوله تعالى[لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ]( )، الإقتباس من سنته في القتال لذا ورد عن السدي في الآية أعلاه قال: مواساة عند القتال ( ).
(وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء أن رجلاً أتى ابن عباس فقال: إني نذرت أن أنحر نفسي . فقال ابن عباس {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة}( ) {وفديناه بذبح عظيم}( ) فأمره بكبش)( ).
وهو قياس مع الفارق إنما كانت رؤيا إبراهيم في ذبح إبنه من الوحي, أما النذر بذبح النفس فلا ينعقد، وكأنه لم يكن ، وأخرج النسائي عن عمران بن حصين سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: النذر نذران. فما كان من نذر في طاعة الله فذلك لله وفيه الوفاء، وما كان من نذر في معصية الله فذلك للشيطان، ولا وفاء فيه ويكفره ما يكفر اليمين)( ).
الثاني : نشر شآبيب الرحمة والرأفة بين الناس .
الثالث : مجئ نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ببيان عملي وهو البغض الذاتي والعرضي للقتال وتدل براهين نبوته وإعجاز القرآن على عدم الحاجة إلى القتال ، لما فيها من البيان وأسباب الدعوة للإيمان، ولكن الذين كفروا يصرون على الحرب والقتال ، قال تعالى [كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ] ( ) ومن مصاديق الخير في المقام سيادة مفاهيم الإيمان والأمن والسلام .
وفي قوله تعالى[فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ]( )، ورد عن ابن عباس قال : إن قوماً كانوا بمكة قد تكلموا بالإسلام وكانوا يظاهرون المشركين ، فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم ، فقالوا : إن لقينا أصحاب محمد فليس علينا فيهم بأس ، وإن المؤمنين لما أخبروا أنهم قد خرجوا من مكة قالت فئة من المؤمنين : اركبوا إلى الخبثاء فاقتلوهم فإنهم يظاهرون عليكم عدوكم .
وقالت فئة أخرى من المؤمنين : سبحان الله . . . ! تقتلون قوماً قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به من أجل أنهم لم يهاجروا ويتركوا ديارهم تستحل دماؤهم وأموالهم ، فكانوا كذلك فئتين والرسول عندهم لا ينهى واحداً من الفريقين عن شيء . فنزلت { فما لكم في المنافقين فئتين }( ) إلى قوله { حتى يهاجروا في سبيل الله } يقول : حتى يصنعوا كما صنعتم {فإن تولوا}( ) قال : عن الهجرة ( ).
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر ينظر إلى جيش المشركين، ويرقب ما يجري في معسكرهم لعلهم يمتنعون عن القتال، ويسأل عن الأشخاص الذين يجولون فيه مع إجتهاده بالدعاء، أي أن رصد العدو لم يمنع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من دعائه أو يشغله عن المسألة .
وقال ابن إسحاق : وقد ارتحلت قريش حين اصبحت فأقبلت فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تصوب من العقنقل وهو الكثيب الذى جاءوا منه إلى الوادي .
قال اللهم هذه قريش قد اقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك اللهم فنصرك الذى وعدتني , اللهم احنهم الغداة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورأى عتبة بن ربيعة في القوم على جمل له احمر ان يك في احد من القوم خير فعند صاحب الجمل الاحمر ان يطيعوه يرشدوا وقد كان خفاف بن ايماء بن رحضة أو ابوه ايماء ابن رحضة الغفاري بعث إلى قريش حين مروا به ابنا له بجزائر اهداها لهم ’ وقال ان احببتم ان نمدكم بسلاح ورجال فعلنا قال فأرسلوا إليه مع ابنه ان وصلتك رحم قد قضيت الذى عليك فلعمرنا لئن كنا انما نقاتل الناس ما بنا ضعف ولئن كنا انما نقاتل الله كما يزعم محمد ما لاحد بالله من طاقة فلما نزل الناس اقبل نفر من قريش حتى وردوا حوض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منهم حكيم بن حزام .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعوهم فما شرب منه رجل يومئذ الا قتل الا ما كان من حكيم بن حزام فانه لم يقتل ثم اسلم بعد ذلك فحسن اسلامه فكان إذا اجتهد في يمينه قال لا والذى نجاني من يوم بدر ( ).
وفي رصد النبي صلى الله عليه وآله وسلم لجيش العدوان، وحركة الفرسان , مسائل :
الأولى : تأديب المسلمين على فنون القتال .
الثانية : تأكيد موضوعية معرفة أحوال العدو قبل القتال .
الثالثة : رجاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم عدم وقوع القتال، فهو أمر مبغوض بذاته، وفي التنزيل[كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ]( ).
ترى لماذا يكره المسلمون القتال مع إدراكهم لمجئ المدد لهم من عند الله، بنزول الملائكة والمعجزة النبوية الحسية والعقلية والفيوضات الربانية , والجواب هذا الكره لوجوه :
أولاً : إرادة الأصل، وهو دخول الناس الإسلام من غير قتال.
ثانياً : نفرة نفوس المسلمين من القتل، وسفك الدماء، مع بيان موافقة المسلمين للملائكة في كراهية الفساد والإقتتال والقتل .
ثالثاً : الحزن والأسى على الذين يقاتلون المسلمين إذ أنهم يدخلون النار من جهات :
الأولى : الإصرار على محاربة النبوة والتنزيل .
الثانية : قتل بعض المسلمين، وجرح طائفة منهم، وقد أصابت الجراحات الشديدة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد من وجوه :
أولاً : رمى المشركون النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بالحجارة حتى وقع على جانبه .
ثانياً : شُجّ وجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسالت منه الدماء وأخذ يمسح الدم بيده ويقول (كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ خَضَبُوا وَجْهَ نَبِيّهِمْ ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إلَى رَبّهِمْ فَأَنْزَلَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ فِي ذَلِكَ { لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذّبَهُمْ فَإِنّهُمْ ظَالِمُونَ } ( ).
ولم ينقطع الدم بسرعة أو بسهولة، ليكون شاهداً على جهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سبيل الله، وقرب القتل منه، مما يدل على أنه لم يطلب الدنيا، ولم يكتف ببعث أهل بيته وأصحابه إلى معارك الإسلام الأولى، بل كان يخرج بنفسه للقتال.
واستمر نزف الدم من وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن قامت فاطمة عليها السلام بحرق قطعة من حصير ودسته في الجرح فانقطع الدم .
ثالثاً : شق شفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والذي جرحه وأصابه هو عتبة بن أبي وقاص .
رابعاً : تهشيم البيضة التي على رأس النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
خامساً : سقوط النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حفرة من الحفر التي حفرها أبو عامر الفاسق للإيقاع بالمسلمين ، فاحتضنه الإمام علي ( ).
سادساً : إنتشار إشاعة في الجمعين جمع المسلمين، وجمع الذين كفروا بأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم قد قُتل .
وفي القتال أضرار في الأنفس والأموال لأطرافه .
وإخبار الآية عن كون القتال كرهاً للمسلمين شاهد على أن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كافية لمنع الناس من قتالهم، وكل معجزة تدعو إلى الهداية والإيمان.
الثالثة : يستحق الذين كفروا دخول الناس باختيارهم محاربة النبوة والإسلام، وتحريض الناس على قتال المسلمين، وعن واثلة بن الأسقع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : من سن سنة حسنة فله أجرها ما عمل بها في حياته وبعد مماته حتى تترك ، ومن سن سنة سيئة فعليه إثمها حتى تترك ، ومن مات مرابطاً في سبيل الله جرى عليه عمل المرابط حتى يبعث يوم القيامة ( ).
الرابعة : ميل الإنسان بالفطرة إلى حياة الأمن والسلام، والنفرة من الإقتتال، وهذا الميل من مصاديق نفخ الله عز وجل من روحه في آدم، وخلافة الإنسان في الأرض، فان قلت قد احتجت الملائكة على جعل الإنسان خليفة في الأرض لأنه يتصف بالفساد ويقوم بقتل أخيه الإنسان كما ورد في التنزيل [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ] ( ).
والجواب يقصد الملائكة في إحتجاجهم على الملائكة الذين كفروا ، وأنهم يحاربون الأنبياء والمؤمنين .
لذا صار القتال مكروهاًَ عند المسلمين ، وليدل قوله تعالى [كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ] ( ) على خروج المسلمين بالتخصيص من ذم وإحتجاج الملائكة والذين أرادوا ألا يقاتل أحد المسلمين فأخبرهم الله عز وجل بالقول [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ) .
ومن علم الله عز وجل كره المسلمين للقتال مع نصرهم وغلبتهم فيه بفضل من الله ، قال تعالى [إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ] ( ).

قانون الموت حتم
أصل الموت السكون (وكل ما سَكَنَ فقد مَاتَ وهو على المَثَل ومن ذلك قولُهم: ماتَت الرِّيحُ إِذا رَكَدتْ وسَكَنَتْ قال:
إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَمُوتَ الرِّيحُ … فأَسْكُنُ اليَوْم وأَسْتَريحُ)( ).
وورد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: موتان الارض لله ولرسوله فمن احيا منها شيئا فهي له)( ).
وإذ كان السكون أصل الموت لغة، فهل الحركة أصل الحياة، الجواب لا دليل على أن السكون هو أصل الموت إنما الموت معنى من معاني السكون، وكذا العكس، والحياة أعم من الحركة، ومنه حياة النبات في طراوته وموت الإنسان مفارقة روحه البدن، والطلاق والإنفصال بينهما، وبدء فناء الجسد الذي يغيب في باطن الأرض بالدفن فضلا من عند الله على الناس، إذ أن الدفن من مصاديق خلافة الإنسان في الأرض .
ولقد إحتج الملائكة على خلافته لأنه يقوم بالفساد وسفك الدماء، فأجابهم الله عز وجل[إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( )، ومن علمة تعالى هداية الناس إلى دفن الميت، وتجلت هذه الهداية عندما قتل قابيل ابن آدم أخاه هابيل.
لقد توعد الأول الثاني بالقتل فأجابه بعدم الرد بالمثل لخشيته من الله، كما ورد في التنزيل[قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ* لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنْ الْخَاسِرِينَ]( )، لبيان قانون من الإرادة التكوينية وهو ما من قاتل إلا ويندم على فعله وإن لم يظهر على لسانه أو فعله، وتلحقه الخيبة والخسارة إن لم يكن في الدنيا ففي الآخرة.
ولابد أن القتل ولزوم الإنزجار عنه خشية من الله من الأسماء التي علمها الله آدم، فأخبر أبناءه فأستجاب له هابيل وإجتنب الإعتداء والرد خوفاً من الله وتقرباً إليه.
وعن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الاول كفل من دمها وذلك أنه أول من سن القتل)( ).
وهذا الخبر تفسير للآية أعلاه، وهو ومثله من الأخبار التي تدل على وقوع حادثة القتل هذه في زمان آدم على أن واقعة القتل جرت بين إبني آدم الصلبيين وليس كما قال بعضهم بأنها بين رجلين من بني إسرائيل وقال هابيل[إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ]( ).
أي بما عندي من الذنوب وكما قيل: ما ترك القاتل على المقتول من ذنب)( )، والموت أعم من القتل، والموت والوفاة بمعنى، قال تعالى[اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى]( ).
ومنهم من قسم الوفاة بلحاظ الآية أعلاه إلى قسمين:
الأول : الوفاة الكبرى، أو الحقيقية وهي الموت.
الثاني : الوفاة الصغرى أو وفاة النوم.
بلحاظ أن النائم لا يسمع ولا يبصر ومنه قوله تعالى[وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ]( ).
وفي بيان وتفسير الآية أعلاه ورد عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله عليه وآله وسلم: مع كل انسان ملك إذا نام يأخذ نفسه، فإن أذن الله في قبض روحه قبضه وإلا رد إليه، فذلك قوله {يتوفاكم بالليل})( )، ويقال توفى الميت أي إستوفى مدته وأيامه التي وفيت له.
فيقبض الله عز وجل الروح التي كتب على صاحبها الموت فلا يردها إلى الحياة الدنيا، وتنعدم حركة البدن ليصبح جثة هامدة، ويبدو عند التحليل العقلي التقارب والتداخل الظاهري، بين الموت والنوم، فتتعطل الحواس عند كل منهما، ولكن الفارق في الماهية عظيم، إذ أن الموت قبض للأرواح وإنتقال لعالم آخر، وفيه الحساب والجزاء وليس فيه عمل .
وبعد النوم تكون الحياة والأمل، والغبطة، والفرصة والمندوحة للعمل الصالح .
ليكون النوم تذكيراً يومياً لكل انسان بالموت وباعثاً للفرد والجماعة على العبادات، والمبادرة إلى أداء الصلاة، ومن الآيات في تشريع الصلاة أنها تؤدى على نحو الوجوب خمس مرات في اليوم والليلة، ومنها ما تكون قبل النوم , وهي صلاة العشاء ومنها ما تكون عند القيام من النوم وهي صلاة الصبح، قال تعالى[وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى]( ) .
ويتجلى الإعجاز في خلق الإنسان بخصلة النوم، وميله له في أوقات محدودة، وإنتباهه وإستيقاظه منه، وهو من مصاديق قوله تعالى[لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ]( ).
ومن خصائص النوم أنه فاصلة بين يوم وآخر، وزمان سابق وآخر لاحق في حياة وعمر وعمل الإنسان، ولا يعلم ما يقع من تغيير في فكر وتوجه الإنسان وما يصرف عنه من البلاء بالنوم .
والنوم إخبار عملي للإنسان عن ضعفه وعجزه وحاجته وتخلفه عن دفع الموت عن نفسه، وفيه تذكير بعالم ما بعد الموت، ووقوف الإنسان بين يدي الله للحساب، وهو من مصاديق قوله تعالى[سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ]( ).
وعن جابر بن عبد الله قال : سئل نبي الله صلى الله عليه وسلم، فقيل : يا رسول الله ، أينام أهل الجنة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : النوم أخو الموت ، وأهل الجنة لا ينامون ( ).
وخاطبت آية البحث المسلمين (ولئن متم) لبيان قرب الموت منهم، وهو أمر حتمي، لتخبر الآية عن حسن عاقبتهم وأنهم يحشرون إلى الله عز وجل هم والناس جميعاً، فيبوء الذين كفروا باثمهم، ويلحقهم الخزي لأنهم كانوا يصدون المؤمنين عن الجهاد ولما يتجلى من حقيقة وهي أن هذا الصدّ لم يضر الإسلام والمسلمين إنما يضر الذين كفروا في الدنيا والآخرة، ويلقاهم البلاء بلحاظ إنذارهم والذي يستقرأ من الدلالة الإلتزامية لآية البحث، فكما تخاطب الآية المسلمين فانها خطاب للذين كفروا .
وتقدير الآية: ولئن متم فالى الله تحشرون أنتم والمسلمون، وفيه بيان بأن الموت غير بعيد عن الذين كفروا والمنافقين مع بقائهم في المدينة وعدم خروجهم للقتال والضرب في الأرض للتجارة والكسب .
وورد عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول : اللهم إليك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أنت الحي الذي لا يموت والجن والانس يموتون( ).
لقد رمى الله عز وجل الإنسان بالجهل بأوان موته وإستيفاء مدته في الحياة الدنيا، وهو أحد مفاتح الغيب التي هي عند الله، وفيه رحمة للإنسان مع ذاته ومع الناس، من جهات :
الأولى : بعث الإنسان للإستعداد للموت في كل يوم من أيام حياته.
الثانية : إستحضار الإنسان لمسألة مغادرته الدنيا، ومفارقة أهلها، وتركه عمله وراءه .
الثالثة : خشية الإنسان من مباغتة الموت له زاجر له عن فعل السيئات.
الرابعة : يبعث تذكر الموت الإنسان الى اللجوء إلى الله ورجاء رحمته وعفوه .
الخامسة : عدم علم الإنسان بأوان موته سبب لإنقطاعه إلى الدعاء والمسألة لطول العمر، وهو من مصاديق قوله تعالى[يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ]( ) .
وتُذكّر آية البحث المسلمين والذين كفروا بالموت فيتلقى المسلمون هذا التذكير بالقبول والمسارعة في فعل الصالحات ، وملاقاة العدو الكافر الذي يريد استئصال الإيمان، ومنع أداء الفرائض، أما الذين كفروا فانهم منشغلون بالمكر والكيد واللهو , قال تعالى[فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ]( ).
علم المناسبة
ورد لفظ [مُتُّمْ] في القرآن ثلاث مرات ، الأولى في الآية السابقة لآية البحث ، والثانية في آية البحث ، أما الثالثة ففي قوله تعالى [أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ] ( ) .
والتي جاءت في بيان حال الأمم السابقة من الجحود والصدود عن دعوة الأنبياء للإيمان بالله والنشور ، ليفيد الجمع بين هذه الآيات حاجة الناس إلى بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في تهذيب الألسن وعذوبة الإحتجاج وإصلاح المجتمعات وترك المغالطة ، لترى الملائكة التغيير النوعي بين الناس برسالته وتسابقهم في مسالك الهدى، قال تعالى [أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ]( ).
لقد ورد لفظ [وَلَئِنْ مُتُّمْ] وتفيد [وَلَئِنْ ] الإقرار بوقوع الموت , ولكنهم يتناجون بانكار ما يخبر عنه أنبياء زمانهم من البعث والنشور .
وأن الإنسان يصبح تراباً ولم تبق منه إلا العظام النخرة ، فيستحيل جمعه وإخراجه من باطن الأرض وكان ذكرهم لبقاء العظام موافق لما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (في الإنسان عظم لا تأكله الأرض أبدا ، منه يركب يوم القيامة قالوا : وأي عظم هو يا رسول الله ؟ قال : عجب الذنب ) ( ).
ولم ينقطع الإنكار والتشكيك بالبعث عن الناس ، وقد لاقى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأذى الشديد من الكفار بخصوصه.
(عن ابن عباس قال : جاء العاص بن وائل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعظم حائل ، ففته بيده ، فقال يا محمد : أيحيي الله هذا بعدما أرى؟ قال : نعم . يبعث الله هذا ، ثم يميتك ، ثم يحييك ، ثم يدخلك نار جهنم . فنزلت الآيات من آخر يس[أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ] ( )، إلى آخر السورة) ( ).
وكذا كان يحتج أبي بن خلف على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بان يأخذ عظماً بالية ويفتّته بيده ويقول (عجباً لمحمد يزعم أنه يعيدنا بعد ما كنا عظاماً ورفاتاً ، وإنا نعاد خلقاً جديداً ، فنزل [أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ]( ) صلى الله عليه وسلم الآية .( ).
وتضمنت آية البحث لفظ [مُتُّمْ] للمسلمين ، وتعني صبغة الإسلام في المقام على أن المسلمين يتلقون هذا النداء بالقبول والتصديق والرضا ، وذكرت أن عاقبة الموت أو القتل هو الرجوع إلى الله عز وجل .
لبيان الإرتقاء في مراتب الإيمان الذي بلغه المسلمون ، وهو من الشواهد على إستحقاقهم لنداء [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا]الذي خصهم الله عز وجل به .
فلم تذكر الآية النشور وحده إنما ذكرت ما بعد النشور ، وهو الحشر لتسالم المسلمين على أن النشور حق وصدق .
والمراد من النشور هو إحياء الناس وبعثهم من قبورهم أحياء ، ويقال (البعث والنشور ) لبيان الإتحاد بينهما إلا أن البعث متقدم على النشور ، إذ يبعث الله الناس من قبورهم ويخرجون منها أحياءً لينتشروا في مواطن الحساب .
(عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ قَالَ : اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَمُوتُ وَأَحْيَا . وَإِذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى أَحْيَا نَفْسِى بَعْدَ مَا أَمَاتَهَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) ( ).

قانون إنتفاع الكفار من [وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ]
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار الرحمة والرأفة وتعجز الخلائق عن عدّ وإحصاء رحمة الله على الفرد الواحد من الناس ، فكيف برحمته على الناس جميعاً ، وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) في رده وإحتجاجه على الملائكة بأن الإنسان يسرف في الفساد ويسفك الدماء ، فأخبرت الآية السابقة عن نزول الرحمة من عند الله ، لتكون عصمة لشطر من الناس من الفساد والقتل بغير حق ، وهذه العصمة متعددة من جهات :
الأولى : تنزه المؤمنين عن الإفساد في الأرض .
الثانية : سلامة المؤمنين من فساد غيرهم ، أو وقوع أضراره عليهم بالذات او العرض .
الثالثة : إمتناع المؤمنين عن القتل وسفك الدماء ليكون من معاني [وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ] ( ) إنها من مصاديق إحتجاج الله عز وجل على الملائكة [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) بأن الله سبحانه ينزل حكم القصاص في القرآن فيتعاهده المسلمون من وجوه :
أولاً : حفظ آية القصاص في رسمها، وموضعها بين الدفتين وفي سورة البقرة.
ثانياً : تلاوة المسلمين لآية القصاص في الصلاة ، وخارج الصلاة , والإستعداد للعمل به قانوناً وزاجراً , ومناسبة لتجليات العفو .
ثالثاً : إستحضار المسلمين لآية القصاص كحكم الشرعي ثابت.
رابعاً : ذكر المسلمين لآية القصاص عند حدوث قتل سواء كان القتل عمداً أو خطأ، فصحيح أن القتل الخطأ فيه الدية وليس القصاص ولكن هذا التفصيل ليس مانعاً من إستحضار المسلمين لآية القصاص عند حدوث قتل ما، ثم يخرج القتل الخطأ بالتخصص، وكأنهم يتساءلون من جهات :
الأولى : هل وقع القتل عمداً أو خطأ .
الثانية : إقرار المسلمين بأن حكم القتل العمد القصاص، وحكم القتل الخطأ الدية .
الثالثة : هل ينفذ حكم القصاص .
الرابعة : هل ينزجر القاتل من حكم القصاص .
ومسألة القصاص وكيف أنه حياة للمسلمين أعم من أن يختص بتنفيذه بحق القاتل عمداً، فذات تلاوة آية القصاص وقرآنيتها حياة للمسلمين .
وتبين آية القصاص حب الله عز وجل للمسلمين، وإرادة الحياة والتنعم فيه، وسلامتهم من القتل والإقتتال، بينما أخبرت آية البحث عن إحتمال قتل المسلمين في طاعة الله، لبيان أن عقاب الذي يقتل المؤمن شديد، قال تعالى[وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا] ( ).
ليفيد الجمع بين آية البحث وآية القصاص إرادة الحياة للمسلم الذي يقتل في سبيل الله ويكون حياً عند الله عز وجل .
ومتى ما أدرك الذين كفروا إجتناب المسلمين القتل والإقتتال بينهم فانهم يتجنبون قتالهم، لذا فان آية القصاص رحمة بالناس جميعاً، ويمكن تشريع قانون وهو كل آية قرآنية رحمة بالناس.
قوله تعالى [أَوْ قُتِلْتُمْ]
تبين الآية قانوناً وهو وقوع القتال بين المسلمين والذين كفروا ، وإحتمال حدوث القتل بين المسلمين ، كما تتضمن الإخبار عن المعارك التي وقعت قبل نزول آية البحث ، ويستدل بها ، إذ قتل من المسلمين في معركة بدر مثلاً (اربعة عشر: ستة من المهاجرين وثمانية من الانصار: ستة من الخزرج واثنان من الاوس.
وقتل من المشركين سبعون وأسر سبعون ) ( ).
وهل يختص موضوع القتل في آية البحث بالمسلمين الذين يقتلون في المعارك ، الجواب لا ، إنما تشمل الآية كل مسلم يقتل بقصد [فِي سَبِيلِ اللَّهِ] مقبلاً أو مدبراً ، إلا إذا كان الإدبار منهياً عنه ، كما في قصد الهزيمة والفرار والخذلان ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمْ الأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ] ( ).
وجاءت الآية بصيغة الشرط [لَئِنْ]وفيها وجوه :
الأول : إرادة التعليق ، والمقصود الذين قد يقتلون من المسلمين بعد نزول آية البحث .
الثاني : المقصود من الآية الذين سبق وأن قتلوا من المسلمين.
الثالث : إرادة المعنى الأعم الجامع لأفراد الزمان كلها والصحيح هو الأخير .
فان قلت جاءت الآية بصيغة الخطاب , والقدر المتيقن منه الأحياء , الجواب نعم ، ولكن لغة القرآن أعم وتأتي بصيغة الماضي أو المضارع لتشمل أفراد الزمان الطولية كلها ، بدلالة القرائن التي تحيط بذات الآية أو بآيات أخرى .
ومن الإعجاز في آية البحث ورود القرآن بلغة العموم في ذات آية البحث مع قلة كلماتها ، بدليل قوله تعالى [لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ]فمن مضى ومن يأتي من الناس يبعثهم الله عز وجل من القبور للوقوف بين يديه للحساب .
وجاءت آية البحث للبشارة للمؤمنين بأن حشرهم يوم القيامة رحمة بهم ونعمة عظمى عليهم ، نعم يحشرون للثواب على الموت على الإسلام ، ومغادرة الدنيا ، وهي وأيامها تشهد لهم بالتقوى والصلاح .
وتحضر آية البحث يوم القيامة لأنها وعد وبشارة للمسلمين ، فتكون من مصاديق دفع الحزن والخوف من المسلمين ، كما في قوله تعالى في خطاب للمتقين [يَاعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ وَلاَ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ] ( ) فان قلت لماذا هذا التقييد بالمتقين مع أن الآية وردت بصيغة عباد الله وهي أعم في موضوعها ودلالتها ، والجواب قد ذكرت الآية التي سبقتها هذا القيد المبارك بقوله تعالى [الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ] ( ) والمراد من اليوم المذكور في الآية هو يوم القيامة .
(أخرج ابن مردويه ، عن سعد بن معاذ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إذا كان يوم القيامة انقطعت الأرحام ، وقلت الأنساب ، وذهبت الأخوّة ، إلا الأخوة في الله وذلك قوله : { الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين }( ) .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير ، عن مجاهد { الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين} قال : معصية الله في الدنيا متعادين .
وأخرج عبد بن حميد ، عن قتادة { الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين } قال : وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول : الأخلاء أربعة مؤمنان وكافران ، فمات أحد المؤمنين ، فسئل عن خليله فقال : اللهم لم أر خليلاً آمر بمعروف ولا أنهى عن منكر منه ، اللهم اهده كما هديتني ، وأمته على ما أمتني عليه .
ومات أحد الكافرين ، فسئل عن خليله؟ فقال : اللهم لم أر خليلاً آمَرَ بمنكر منه ولا أنهى عن معروف منه ، اللهم أضله كما أضللتني وأمته على ما أمتني عليه .
قال : ثم يبعثون يوم القيامة ، فقال : ليثن بعضكم على بعض ، فاما المؤمنان ، فاثنى كل واحد منهما على صاحبه كأحسن الثناء ، وأما الكافران ، فأثنى كل واحد منهما على صاحبه كأقبح الثناء .
وأخرج ابن أبي شيبة ، عن كعب قال : يؤتى بالرئيس في الخير يوم القيامة ، فيقال : أجب ربك ، فينطلق به إلى ربه ، فلا يحجب عنه ، فيؤمر به إلى الجنة ، فيرى منزله ومنازل أصحابه الذين كانوا يجامعونه على الخير ، ويعينونه عليه ، فيقال هذه منزلة فلان وهذه منزلة فلان ، فيرى ما أعد الله في الجنة من الكرامة ، ويرى منزلته أفضل من منازلهم ، ويكسى من ثياب الجنة ، ويوضع على رأسه تاج ويعلقه من ريح الجنة ويشرق وجهه حتى يكون مثل القمر ليلة البدر ، فيخرج فلا يراه أهل ملأ إلا قالوا : اللهم اجعله منهم حتى يأتي أصحابه الذين كانوا يجامعونه على الخير ويعينونه عليه ، فيقول أبشر يا فلان ، فإن الله أعد لك في الجنة كذا وأعد لك في الجنة كذا وكذا ، فلا يزال يخبرهم بما أعد الله لهم في الجنة من الكرامة حتى يعلو وجوههم من البياض مثل ما علا وجهه ، فيعرفهم الناس ببياض وجوههم ، فيقولون هؤلاء أهل الجنة .
ويؤتى بالرئيس في الشر ، فيقال أجب ربك ، فينطلق به إلى ربه ، فيحجب عنه ويؤمر به إلى النار ، فيرى منزله ومنازل أصحابه ، فيقال هذه منزلة فلان وهذه منزلة فلان ، فيرى ما أَعَدَّ الله فيها من الهوان ويرى منزلته شراً من منازلهم ، فَيَسْوَدُّ وَجْهَهُ وَتَزْرَقُّ عيناه ويوضع على رأسه قلنسوة من نار ، فيخرج فلا يراه أهل ملأ إلا تعوذوا بالله منه ، فيقول ما أعاذكم الله مني؟ أما تذكر يا فلان كذا وكذا ، فيذكرهم الشر الذي كانوا يجامعونه ويعينونه عليه ، فما يزال يخبرهم بما أعد الله لهم في النار حتى يعلو وجوههم من السواد مثل الذي علا وجهه ، فيعرفهم الناس بسواد وجوههم ، فيقولون هؤلاء أهل النار ) ( ).
ومع التباين في الماهية بين الموت والقتل فان الآية جعلتهما بعرض واحد ، وكأن النسبة بينهما التساوي وأن هناك تزاحماً وتدافعاً بينهما ، وكل فرد منهما يريد أن يفوز بالمسلم ، ويكون هو الخاتمة لمغادرته الدنيا .
لقد جعل الله عز وجل على كل إنسان ملكين أحدهما على كتفه الأيمن ويكتب الحسنات ، والآخر على كتفه الشمال يكتب السيئات ، والأمر للأول الذي يكتب الحسنة حال وقوعها ، بينما يتباطئ الثاني في كتابة السيئة لعل العبد يتوب إلى الله أو يستغفر من السيئة أو تعقبها حسنة منه ، قال تعالى [إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ] ( ).
وهل يؤخر الدعاء كتابة مَلك الشمال للسيئة ، سواء دعاء ذات العبد أو غيره من الأحياء كان أو الأموات ، الجواب نعم ، وتمحى بفضل الله , وهو من مصاديق الإطلاق في قوله تعالى [ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ]( ).
وتبين الآية إحتمال وقوع القتال بين المسلمين الذين كفروا وسقوط القتلى من المسلمين ، ولم تذكر الآية قتل المشركين ، فهل يعني هذا أنهم لا يقتلون في المعارك ، الجواب لا ، إنما ذكرت الآية قتل المسلمين في الثناء عليهم وبشاراتهم بالجزاء والثواب العظيم ، قال تعالى [إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنْ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ]( ).
ومن معاني صيغة الجملة الشرطية في آية البحث الإخبار عن إصرار الذين كفروا على قتال المسلمين ، وتجهزهم للقتال ، وكان فيهم الفرسان والمعروفون بالشجاعة والأقدام .
فبعد أن هاجر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة بسنة وبضعة شهور زحف الذين كفروا بالجيوش لقتاله والمؤمنين ، ولابد أنهم يعلمون عدد المسلمين وقلة مؤنهم والنقص في أسلحتهم كماً وكيفاً ، فكان جيش الذين كفروا في معركة بدر ثلاثة أضعاف جيش المسلمين ، أما الفارق في العدة والرواحل فهو أكثر ، لذا تفضل الله عز وجل ونسب نصر المسلمين في المعركة إلى نفسه ، قال تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ] ( ).
ومع أن النصر من عند الله ، وأن ألفاً من الملائكة نزلوا لنصرة المسلمين فان أربعة عشر من الصحابة سقطوا قتلى .
ولحقت الهزيمة والخسارة والذل والإنكسار والوهن كفار قريش في معركة بدر ، ليكون من معاني ومفاهيم نصر الله للمسلمين تعدد وجوه خسارة وهزيمة الذين كفروا ، ويحتمل وجوهاً :
الأول : إستدامة وتجدد معاني ودلالات النصر في معركة بدر .
الثاني : إنقطاع معاني ودلالات النصر في معركة بدر .
الثالث : دوام مفاهيم وآثار خسارة وهزيمة الذين كفروا في معركة بدر .
الرابع : إنقطاع مفاهيم ومعاني هزيمة وإنكسار الذين كفروا في معركة بدر .
والمختار هو الأول والثالث أعلاه ، فان قلت إن معركة بدر معجزة حسية , والمعجزة الحسية تنتهي بزمانها ومكانها ، والجواب من جهات :
الأولى : نصر المسلمين في معركة بدر معجزة حسية عقلية إذ أن التدبر فيها وقوعاً ونتائج وآثاراً أمور لا تدرك إلا بالعقل ، لذا عندما جاء البشير إلى أهل المدينة بالنصر والغلبة للمسلمين لم يصدق بعض أهلها خاصة المنافقين .
ولم يكتف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بإرسال بشير واحد إلى أهل المدينة بل بعث إثنين ليدخل كل واحد منهما من طرف وجهة من المدينة في آن واحد ، وهما زيد بن حارثة من المهاجرين , ويعلم أهل المدينة منزلته عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وعبد الله بن رواحة ، وهو من الأنصار من الخزرج ، وأحد النقباء إذ شهد العقبة والمشاهد كلها مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا فتح مكة وما بعده إذ استشهد في معركة مؤته التي وقعت في جمادى من السنة الثامنة للهجرة ، وكان شاعراً محسناً يذب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في شعره ومن أهل الصلاح ، وفي حسان بن ثابت ، وكعب بن مالك نزل قوله تعالى في سورة الشعراء [إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا] ( ) والآية أعم في موضوعها وتجري مع الجديدين النهار والليل ، لتدعو الشعراء جميعاً إلى قول الحق والصدق ، ولا تختص هذه الدعوة بالشعراء بل تشمل المسلمين والمسلمات لأنها من مصاديق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وهو من الإعجاز في الآية القرآنية بأن تبعث الناس جميعاً والمسلمين خاصة إلى الصلاح ، ليكون المستثنى أكثر من المستثنى منه بخصوص المسلمين في قول الشعر ، بفضل الله وبركة آيات القرآن .
وعن عبد الله بن رواحة قال (مررت في مسجد الرسول ورسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، جالس وعنده أناس من أصحابه في ناحية منه، فلما رأوني أضبوا إلى: يا عبد الله بن رواحة، يا عبد الله بن رواحة. فعلمت أن رسول الله دعاني فانطلقت نحوه .
فقال: اجلس ها هنا، فجلست بين يديه فقال: كيف تقول الشعر إذا أردت أن تقول! كأنه يتعجب لذاك، قال: أنظر في ذاك ثم أقول، قال: فعليك بالمشركين. ولم أكن هيأت شيئا، قال فنظرت في ذلك ثم أنشدته فيما أنشدته:
خبروني أثمان العباء متى … كنتم بطاريق أو دانت لكم
مضر قال: فرأيت رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، كره بعض ما قلت، أني جعلت قومه أثمان العباء، فقلت :
يا هاشم الخير إن الله فضلكم … على البرية فضلا ما له غير
إني تفرست فيك الخير أعرفه … فراسة خالفتهم في الذي نظروا
ولو سألت أو استنصرت بعضهم ..في جل أمرك ما آووا ولا نصروا
فثبت الله ما آتاك من حسن … تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا
قال: فأقبل بوجهه مبتسما وقال: وإياك فثبت الله ) ( ).
(وَقَدِمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ عَلَى نَاقَةِ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ الْقَصْوَاءِ يُبَشّرُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ، فَلَمّا جَاءَ الْمُصَلّى صَاحَ عَلَى رَاحِلَتِهِ قُتِلَ عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ ابْنَا رَبِيعَةَ. وَابْنَا الْحَجّاجِ وَأَبُو جَهْلٍ وَأَبُو الْبَخْتَرِيّ. وَزَمْعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَأُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ. وَأُسِرَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو ذُو الْأَنْيَابِ فِي أَسْرَى كَثِيرَةٍ.
فَجَعَلَ النّاسُ لَا يُصَدّقُونَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، وَيَقُولُونَ مَا جَاءَ زَيْدٌ إلّا فَلّا( )، حَتّى غَاظَ الْمُسْلِمِينَ ذَلِكَ وَخَافُوا. وَقَدِمَ زَيْدٌ حِينَ سَوّوْا عَلَى رُقَيّةَ بِنْتِ رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ التّرَابَ بِالْبَقِيعِ.
فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ لِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قُتِلَ صَاحِبُكُمْ وَمَنْ مَعَهُ. وَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ لِأَبِي لُبَابَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ قَدْ تَفَرّقَ أَصْحَابُكُمْ تَفَرّقًا لَا يَجْتَمِعُونَ مِنْهُ أَبَدًا، وَقَدْ قُتِلَ عِلْيَةُ أَصْحَابِهِ وَقُتِلَ مُحَمّدٌ ; هَذِهِ نَاقَتُهُ نَعْرِفُهَا، وَهَذَا زَيْدٌ لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ مِنْ الرّعْبِ وَجَاءَ فَلّا) ( ).
ويبين الخبر أعلاه أن الذين لم يصدقوا عامة من الناس ، ثم ذكر رجلاً من المنافقين ، وفيه توكيد للمعجزة وبيان أن نصر الله عز وجل للمسلمين أذهل وأبهر الناس , مع علمهم بأن زيداً بن حارثة من أهل مكة ويعرف أشرافها ورجالاتها .
لقد كان زحف قريش للقتال في معركة بدر خطأ جسيم ، وجاءت نتيجة المعركة زاجراً لهم عن إعادة الكرة في القتال ، ولكنهم لم يتعظوا ، وهذا الأمر من الأضرار العرضية التي تترشح عن العناد والإستكبار ، وعدم الإقرار بالتغيير الحاصل في الواقع وميزان القوى ، والتي تجري بمشيئة الله وعمومات قوله تعالى [وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ] ( ) .
وفي كل معركة للإسلام يظن نفر من المنافقين والكفار أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم قد قُتل ليطل على الناس بطلته البهية ويقيم الصلاة اليومية ، وتنزل عليه الآيات القرآنية رحمة بأجيال أهل الأرض المتعاقبة إلى يوم القيامة .
وتناجي الكفار بعد معركة بدر بالثأر والإنتقام ، وإذا كان عددهم في معركة بدر لم يكف لتحقيق الغلبة ، فقد زحفوا بثلاثة أضعافه بعد أحد عشر شهراً من معركة بدر ، فكانت معركة أحد التي إتصفت بأنها أكثر معارك الإسلام التي نزلت آيات قرآنية بخصوص وقائعها ، وحسن عاقبة الشهداء ، وفي قوله تعالى[وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ]( ).
(قال بعضهم : إن أولياء الشهداء كانوا إذا أصابتهم نعمة أو سروراً تحسروا على الشهداء وقالوا : نحن في النعمة والسرور وآباؤنا وأبناؤنا وإخواننا في القبور،
فأنزل الله عزّ وجلّ تنفيساً عنهم وإخباراً عن حال قتلاهم {ولا تحسبن} ولا تظنن) ( ).
وهذه مسألة أخرى بخصوص الشهداء إذ يستحضر أهليهم ذكراهم عند النعم ، وهو أمر يتجدد في كل زمان بخصوص الذي يقتل أو يموت في سن الشباب والذي إنخرمت أيامه ، لتكون آية البحث مؤاساة لأهل الشهيد والمسلم الميت .
فمن خصائص آية البحث أنها تواسي المسلمين على فقد الميت أو القتيل منهم ، وتبشرهم بحسن مقام المؤمنين في الآخرة ، ومن الإعجاز في خلق الإنسان وآيات الإتعاظ التي تلاقيه مما يستلزم واسطة أو يكون كالبديهية هو تساوي الناس في الموت ودخول القبر ، وعودة الذين يدفنونه وقد يئسوا وتأكدوا من عدم عودته إلى الحياة الدنيا .
وقد يختلف الناس في مراسم الدفن وفي الكفن وموضع القبر ، ولكنهم يتحدون بصيرورة أبدانهم تحت التراب ووطأته وثقله وكانت آيات القرآن مدداً للمسلمين لمواجهة الذين كفروا في معركة بدر مع أنهم جاءوا بجيش عرمرم لم تعهده المدينة المنورة ، ولابد من دراسة مستقلة للمدة ما بين معركة بدر وأحد من جهات :
الأولى : تعيين هذه المدة وهي من بين السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة إلى منتصف شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة أي سنة قمرية و(27) يوماً ومجموعها بالأيام نحو (381) يوماً .
الثانية : إنتفاع المسلمين من النصر العظيم في معركة بدر .
الثالثة : وجوه وميادين وأفراد إنتفاع المسلمين من النصر في معركة بدر.
الرابعة : صيغ معاملة المسلمين لمسألة سبعين أسيراً من المشركين وقعوا في أيديهم .
الخامسة : الآيات القرآنية التي نزلت في تلك الفترة .
السادسة : الحالة الإقتصادية والمعاشية في المدينة بعد معركة بدر.
السابعة : دخول جماعات من الناس في الإسلام , وتوافد أفراد القبائل إلى المدينة للتدبر بمعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو من أسرار نزول القرآن نجوماً وعلى نحو التوالي لأن نزول جبرئيل بالآية القرآنية على النبي صلى الله عليه وآله وسلم معجزة قائمة بذاتها لما يصيبه من وطأة الوحي والتعرق الشديد في اليوم شديد البرد ، وهذا التعرق مسألة قهرية وآية بدنية ظاهرة .
وعن (زيد بن ثابت: أنزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفخذه على فخذي، فكادت تُرض فَخذي.
وعن عبد الله بن عمرو قال: سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: يا رسول الله، هل تحس بالوحي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “أسمعُ صَلاصيل، ثم أسكتُ عند ذلك، فما من مرة يوحى إلي إلا ظننت أن نفسي تفيض” ، تفرد به أحمد.
وعن عائشة: أن الحارث بن هشام سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كيف يأتيك الوحي؟ فقال: “أحيانا يأتيني في مثل صلصلة الجرس، وهو أشده عَلَيّ، فَيَفْصِمُ عني وقد وَعَيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول”. قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي صلى الله عليه وآله وسلم في اليوم الشديد البرد، فَيَفْصِمُ عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا) ( ).
وكان المنافقون ونحوهم في المدينة عوناً للذين كفروا من أهل مكة إذ يعملون على تثبيط همم المسلمين ، وفيه بيان لصفحة مشرقة من جهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه في سبيل الله ، بلحاظ كبرى كلية وهي تعدد الجهات التي يحاربون فيها ، إذ أراد الذين كفروا نفاذ كلامهم إلى داخل بيوت المسلمين ، ومخالطته لقلوبهم ، وجعلهم يستحضرون أمراً بخصوص الشهداء ، وهو لو لم يخرجوا للقتال والدفاع لكانوا معهم أحياء في المدينة .
ولكن ماذا لو دخلت جيوش الذين كفروا المدينة فهل يسلم من أذاهم وقتلهم ونهبهم بيت من بيوتها بما فيه بيوت أهل الكتاب من اليهود الموجودين فيها ، خاصة وأن كثيراً منهم كانوا صاغة وتجاراً، قال تعالى [إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ] ( ).
أي يقومون بتخريب عمران البلد وإبطال أنظمته والإساءة إلى أهله وعاداتهم ، ونهب وتعطيل أسواقهم .
وظاهر الآية [وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ]إرادة الأنصار أي أن الذين كفروا والمنافقين من أهل المدينة يحثون الأنصار على عدم الخروج للدفاع عن الإسلام ليخرج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واهل بيته والمهاجرين وعددهم قليل وكأنهم يقولون لهم : إن الجيش الذي يهجم علينا من قريش ومن أهل مكة ، فليخرج لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرون من اهل مكة وهم أبناء عمومة يتقاتلون بينهم ، وهو يرومون الإجهاز على الإسلام ، لذا فمن الإعجاز في قانون الأخوة الإيمانية الذي شرّعه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين الصحابة من المهاجرين والأنصار ، أنه حرب على ما يقوله الذين كفروا من صدهم الأنصار وعموم المسلمين عن الجهاد .
وقد يقول بعضهم لماذا ذكر القرآن قول الذين كفروا هذا وإبتدأت الآية بنداء الإيمان بالذات مع أن القرآن هو الدستور الجامع للأحكام إلى يوم القيامة , وهناك أمور ذات شأن وأهمية ، والجواب قول الذين كفروا [لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا] ( ) ذو شأن عظيم في تأريخ الإسلام والإنسانية فكما أن معركة بدر لها شأن في حياة أجيال المسلمين المتعاقبة فان فضح قول الذين كفروا أعلاه ذو شأن عظيم في حياة الناس أيام النبوة والتنزيل ، وكذا الأجيال اللاحقة من جهات :
الأولى : بيان الآية لوجود أمة من الذين كفروا بين ظهراني الصحابة .
الثانية : إستدامة الصلات النسبية بين المؤمنين والمنافقين والذين كفروا .
الثالثة : إرادة تفقه المسلمين في أمور الدين ومعرفة أحوال الناس ، وأثر ضرر أو نفع الكلام والقول .
الرابعة : قد ينشغل المسلمون في الجهاد والدفاع عن بيضة الإسلام والتهيئ له ، فتفضل الله عز وجل وأخبرهم عن قول مذموم للذين كفروا في دعوة لرصد أقوالهم في أمور الدين والدنيا ، وضررها ولزوم الإحتراز منها .
الخامسة : تأكيد قانون بكون القرآن [تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ] ( ) ومنها حكاية أقوال الذين كفروا .
ومن الصفات الملازمة للكفر العناد وإقتحام الممنوع وعدم الإتعاظ فلو أجريت دراسة في هذا الزمان هل يحكم العقل الفردي والجمعي بعودة قريش للقتال بعد هزيمتهم في معركة بدر بمعجزة جلية ، لكانت النتيجة هي النفي خاصة وأن المسلمين لم يلحقوا بهم ، ولم يعملوا على إرادة غزو مكة أو الهجوم عليها .
ومن الآيات أن معركة بدر وقعت في السنة الثانية للهجرة ، وفي السنة السادسة خرج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأداء مناسك العمرة مع ألف وأربعمائة من أصحابه أو أقل من غير أن يحملوا سلاحاً , بينما زحف المشركون قبل هذا الخروج بأقل من سنتين بعشرة آلاف مقاتل في معركة الخندق .
نعم كان خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم معتمراً في شهر ذي القعدة وهو من الأشهر الحرم وعدد العُمر التي أعتمرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد الهجرة ثلاثة ’ وكلها في شهر ذي القعدة وهي :
الأولى : العمرة الأولى سنة ست للهجرة ، وتسمى عمرة الحديبية .
الثانية : عمرة القضاء في سنة سبع للهجرة .
الثالثة : عمرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذي القعدة سنة عشر , وهي عمرة التمتع التي أحرم معها للحج في تلك السنة.
ورد عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اعتمر أربع عمرات إحداهن في رجب، وورد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام استحباب العمرة الرجبية.
(وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال : أراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحج , فقالت امرأة لزوجها : حج بي . قال : ما عندي ما أحج بك عليه .
قالت : فحج بي على ناضحك . قال : ذاك نعتقبه أنا وولدك . قالت : فحج بي على جملك فلان . قال : ذاك احتبس في سبيل الله ، قالت : فبع تمر رفك . قال : ذلك قوتي وقوتك . فلما رجع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مكة أرسلت إليه زوجها فقالت : اقرىء رسول الله صلى الله عليه وسلم مني السلام وسله ما يعدل حجة معك ، فأتى زوجها النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال : أما أنك لو كنت حججت بها على الجمل الحبيس كان في سبيل الله، وضحك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تعجباً من حرصها على الحج .
وقال : أقرءها مني السلام ورحمة الله وأخبرها أنها تعدل حجة معي عمرة في رمضان) ( ).
ورواية أنه صلى الله عليه وآله وسلم (قال لأم هانئ “عُمْرة في رمضان تعدل حجة معي) ( ).
إذ أرادت أم هاني الحج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأعاقها الطهر ، فأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن قانون يتجدد كل عام إلى يوم القيامة ، وهو أن ثواب العمرة في شهر رمضان مثل ثواب أداء الحج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، لتأكيد حضور النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع أجيال المسلمين وإمكان فوزهم بذات الثواب الذي فاز به الصحابة من مصاحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أشرف المواضع ، وأسمى العبادات إذ أنه في الحج معه صلاة بامامته .
ولو صلى المعتمر في شهر رمضان صلاته اليومية في مكة فهل يكتب له أجر الصلاة خلف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بإرادة المعنى الأعم من الحديث أم أن هذا الأمر خاص باللوازم , الجواب لا دليل على هذا المعنى.
لقد زحف الذين كفروا إلى معركة أحد ، وهم يرومون الإنتقام والبطش وقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه أو إرجاع المهاجرين منهم إلى مكة ، ولم يعلموا بنزول آية البحث والآية التي قبلها مدداً وعوناً للمسلمين ، وبشارة حاضرة في الدنيا والآخرة .
وما أن إنتهت معركة بدر ، وأخذ الكفار يفدون إلى المدينة لفكاك أسراهم حتى صارت الأخبار تصل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بأن الذين كفروا يعدون العدة للكرة على المسلمين ويسعون لمعركة لا تبقي ولا تذر .
ومن الآيات في المقام تعذر إخفاء تهيئ الذين كفروا للمعركة لأن مكة بلد مفتوح لجميع العرب ، تفد إليه القبائل للحج والعمرة خاصة وان معركة بدر وقعت في شهر رمضان ، وتلاه شوال ثم ذو القعدة وهو من الأشهر الحرم والذي يسبق شهر ذي الحجة ، وكانت قافلة أبي سفيان والتي كان يحملها ألف بعير لم توزع على أصحابها ، إذ إتفقوا على تسخيرها مؤونة للجيوش في معركة أحد لينفقوا أموالهم كلها في معصية الله ، بينما بعث الله عز وجل النبي محمداً ليدفعوا الزكاة وفيها تطهير لأموالهم وأنفسهم ، قال تعالى [خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا] ( ) .
والأصل أن يتجهز النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمعركة وأن يطلبوا السلاح والسيوف ويشتروا الخيل ، وأن توضع الأموال التي هي بدل وعوض لفكاك أسرى المشركين في إصلاح جيش المسلمين والإستعداد للمعركة ، ولكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ترك أموال بدل الفكاك للذين تولوا الأسر , وكل من أسرّ أسيراً فهو يعين مقدار عوضه ويماكس عليه ويأخذه له .
وقد يتبادر إلى الذهن بأن الأسرى كانوا سجناء بالإستصحاب القهقري للمتعارف في هذا الزمان ، ولكن الأمر مختلف فليس من أسير مسجون في المدينة ، فقد كانوا طلقاء أحراراً ، ومنهم من أدخله النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيته في أول ساعة من ساعات أسره .
(قَالَ ابن إسْحَاقَ وَحَدّثَنِي عَبْدُ اللّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنّ يَحْيَى بْنَ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ ابن أَسَعْدَ بْنِ زُرَارَةَ قَالَ قُدِمَ بِالْأُسَارَى حِينَ قُدِمَ بِهِمْ وَسَوْدَةُ بِنْتُ زَمَعَةَ زَوْجُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ عِنْدَ آلِ عَفْرَاءَ ، فِي مَنَاحَتِهِمْ عَلَى عَوْفٍ وَمُعَوّذٍ ابْنَيْ عَفْرَاءَ ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ عَلَيْهِنّ الْحِجَابُ . قَالَ تَقُولُ سَوْدَةُ وَاَللّهِ إنّي لَعِنْدَهُمْ إذْ أُتِينَا ، فَقِيلَ هَؤُلَاءِ الْأُسَارَى ، قَدْ أُتِيَ بِهِمْ) ( ) وفيه أن أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخرجن لمواساة ذوي الشهداء ، ويشاركن في مصافحتهم وأحزانهم , وتخفيف المصيبة عنهم .
وكان قدوم الأسرى إلى المدينة بعد يوم من قدوم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , ولم يتزوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاة خديجة إلى أن هاجر إلى المدينة ، وكانت سودة أول زوجة له بالمدينة تقول (فَرَجَعْت إلَى بَيْتِي ، وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ فِيهِ وَإِذَا أَبُو يَزِيدَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي نَاحِيَةِ الْحُجْرَةِ مَجْمُوعَةً يَدَاهُ إلَى عُنُقِهِ بِحَبْلِ قَالَتْ فَلَا وَاَللّهِ مَا مَلَكَتْ نَفْسِي حِينَ رَأَيْت أَبَا يَزِيدَ كَذَلِكَ أَنْ قُلْت : أَيْ أَبَا يَزِيدَ أَعْطَيْتُمْ بِأَيْدِيكُمْ ألّا مُتّمْ كِرَامًا ، فَوَاَللّهِ مَا أَنْبَهَنِي إلّا قَوْلُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ مِنْ الْبَيْتِ يَا سَوْدَةُ أَعَلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ تُحَرّضِينَ ؟ .
قَالَتْ قُلْت : يَا رَسُولَ اللّهِ وَاَلّذِي بَعَثَك بِالْحَقّ مَا مَلَكْت نَفْسِي حِينَ رَأَيْت أَبَا يَزِيدَ مَجْمُوعَةً يَدَاهُ إلَى عُنُقِهِ أَنْ قُلْت مَا قُلْت) ( ) .
وتبين هذه الحادثة معجزة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في السنة الدفاعية والأسرية ، فقد أمر أصحابه بأن يعتنوا بالأسرى وأن يوصوا أنفسهم وأهليهم وغلمانهم بالرفق بهم فبعد أن فرّق الأسرى بينهم قال (اسْتَوْصُوا بِالْأُسَارَى خَيْرًا) ( ).
فلم يكتف النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتوصية أصحابه بالرفق بالأسرى ، إنما أمرهم أن يوصوا بهم ويحسنوا إليهم ، ولتكون هذه التوصية زاجراً عن الإساءة لهم ، ودعوة للأسرى لدخول الإسلام , وفي أهل البيت نزل قوله تعالى[وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُورًا]( )، وقد تقدم بيانه وأسباب النزول .
ولم يتجهز النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون لمعركة أحد بما يناسب الأخبار التي تصلهم عن كثرة عدد جيش العدو وعدته ورواحله والغايات الخبيثة التي يأتون بها ، إنما كان عند المسلمين آية النصر في معركة بدر بالمعجزة ، وعندهم آية البحث التي تتضمن البشارة بوفودهم على الله عز وجل ،ووقوفهم بين يديه في عالم الحساب مع خصمهم .
لقد وثق القرآن معركة بدر وأحد ليكونا شاهدا صدق على التأريخ .
ومن إعجاز القرآن ورود لفظ [يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ] ثلاث مرات وهو [وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ]( )، وبخصوص معركة أحد ورد قوله [إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا]( ) و(وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ) ( ) ليلتقي الجميع بين يدي الله عز وجل ، ولكن ليس للقتال إنما يجتمعون للحساب ، ويحضر جمع المسلمين ومعهم نداء الإيمان [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] ليقطفوا ثماره التي ليس لها حد في طرف الكثرة والعذوبة والحلاوة ، وليكون واقية من الفزع والخوف يومئذ.
أما جمع الذين كفروا فيحضرون مكرهين مقهورين يملأ الرعب قلوبهم وليكون قوله تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ] ( ) والذي نزل في معركة أحد مقدمة للرعب الذي يملأ قلوبهم في الآخرة ، وهو سبب للتوبة والإنابة ، فلا تستحق المعصية ومحاربة الإسلام إستيلاء الرعب على القلب , وكما أنهزم المشركون في معركة بدر ، فأنهم إنهزموا في معركة أحد ، ولم ينالوا ما يبتغون .
لقد إبتدأوا بالإنسحاب من معركة أحد , وفيه شاهد على عدم تحقيقهم النصر في تلك المعركة ، وأظهروا في طريق العودة إلى مكة الندم والأسى فقد تجهزوا لمعركة أحد سنة كاملة , وجاءوا بثلاثة آلاف رجل ومعهم مائتا فرس ، ومع هذا إنسحبوا بكبت وخيبة دون تحقيق غاياتهم .
(عن ابن عباس قال : لما رجع المشركون عن أحد قالوا : لا محمداً قتلتم ، ولا الكواعب أردفتم . بئسما صنعتم ارجعوا . فسمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك ، فندب المسلمين فانتدبوا حتى بلغ حمراء الأسد؛ أو بئر أبي عنبة ، فقال المشركون : نرجع قابل .
فرجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فكانت تعد غزوة . فأنزل الله[الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ]( ) الآية . وقد كان أبو سفيان قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : موعدكم موسم بدر حيث قتلتم أصحابنا ، فأما الجبان فرجع ، وأما الشجاع فأخذ أهبة القتال والتجارة . فأتوه فلم يجدوا به أحد وتسوقوا . فأنزل الله[فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ]( )الآية.
لبيان قانون وهو إمتلاء قلوب الذين كفروا بالرعب عند التوجه إلى القتال مع المسلمين وأثناءه ، وعند إنقضاء المعركة تستولي الحسرة والأسف على نفوسهم وتظهر على ألسنتهم لتكون دعوة لهم وللناس للتوبة ودخول الإسلام ، وهو من مصاديق قوله تعالى في الآية قبل السابقة [لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ] ( ).
لقد قدمت الآية السابقة القتل وقيدته بأنه في سبيل الله بقوله تعالى [وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ] ( ) أما آية البحث فقدمت الموت بقوله تعالى [وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ] ( ) وفيه مسائل :
الأولى : بيان التعدد في حالات رحيل المسلمين إلى الدار الآخرة.
الثانية : القتل في سبيل الله أمر محتمل فيما يلاقيه المسلمون في حياتهم .
الثالثة : تنمية ملكة الصبر عند المسلمين وعدم الجزع حتى إذا كان فقد الحبيب بالقتل .
الرابعة : سلامة المسلمين من الجزع والقنوط والفزع والخشية من الذين كفروا عند حدوث القتل لبعضهم أو إحتمال حدوثه فمن إعجاز القرآن الغيري شوق المسلمين للقاء كفار قريش في معركة بدر وأحد مع أنهم كانوا أكثر عدداً وعدة ، إذ كانوا ثلاثة أضعاف المسلمين ، قال تعالى [وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَتَمَنَّوْن الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ] ( ).
الخامسة : تهيئة أذهان المسلمين والمسلمات إلى إحتمال الإبتلاء بالقتل في سبيل الله لمن يخرج مجاهداً أو مرابطاً .
ومن الإعجاز في المقام قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] ( ).
إذ تجمع الآية أعلاه بين أمور مباركة وهي :
الأول : نداء الإكرام والتشريف للمسلمين .
الثاني : الشهادة من عند الله للمسلمين بالإيمان ونعتهم بالهداية والرشاد بقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا].
وهل تدل شهادة الله للمسلمين بالإيمان على شهادة الملائكة والناس والخلائق لهم بالإيمان ، الجواب نعم ، وهو من الإعجاز في نداء الإيمان في الآية أعلاه , وفي الآيات المعطوفة على نداء الإيمان ، ومنها آية البحث .
الثالث : الأمر للمسلمين والمسلمات بالصبر وحسن الإمتثال في طاعة الله والعمل بالكتاب والسنة والصبر وتحمل الأذى على المكاره والرضا بما قدّر الله ، والعصمة من المعصية ، وإجتناب الفرقة والبدعة وأسباب الهلكة .
وهل من تعارض بين الصبر والدعاء , الجواب لا ، إنما ذات الدعاء صبر ، وفيه نفع لكل فرد من أفراد الصبر أعلاه من جهات :
الأولى : الصبر ذاتاً وأثراً تيسير لأداء الفرائض والعبادات .
الثانية : الدعاء عون لتحمل الأذى والمكاره في جنب الله .
الثالثة : الدعاء وسيلة مباركة لمحو المكاره ، وهو مقدمة ونوع طريق لمحو الأذى وإثبات الخير والنفع الوارد في قوله تعالى [يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ] ( ).
الرابعة : الدعاء عصمة من المعصية من وجوه :
أولاً : الدعاء لجوء إلى الله عز وجل .
ثانياً : الإنشغال بالدعاء حصانة وتسخير للوقت في مرضاة الله .
ثالثاً : يجلب الدعاء الصبر عن المعصية ويصرف ذات المعصية عن صاحبه ، كما في يوسف عليه السلام ، قال تعالى [كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ] ( ) .
إذ تفيد الآية أعلاه صرف الله عز وجل ذات المعصية عن يوسف عليه السلام ، وفيه ترغيب للمسلمين بالإقتداء بالأنبياء والإجتهاد بالدعاء للعصمة والتنزه عن المعصية .
(وأخرج أبو نعيم عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا]( )، على الصلوات الخمس ، وصابروا على قتال عدوّكم بالسيف ، ورابطوا في سبيل الله لعلكم تفلحون) ( ).
رابعاً : الدعاء باب للرزق والمندوحة فيه كماً وكيفاً ونوعاً .
الرابع : المصابرة بالتقيد بالأوامر والنواهي الواردة في القرآن والسنة والمصابرة في لقاء الذين كفروا ، وتهديدهم ووعيدهم ، وما ينقله الناس عمداً أو بدون عمد عن شدتهم وبطشهم ، وقد أثنى الله عز وجل على المسلمين بثباتهم وزيادة إيمانهم عندما يتلقون مثل هذه الأخبار ، قال تعالى [الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا] ( ).
الخامس : المرابطة والإقامة الدائمة أو الموقتة في ثغور البلاد الإسلامية للإحتراز من هجوم وتعدي المشركين .
وقد يخشى المسلم من الموت ، فجاءت الآية باخباره عن حتمية الموت أو القتل , وتقدير الآية على وجوه :
الأول : ولئن مات أحدكم على الفراش .
الثاني : ولئن مات أحدكم في سبيل الله ، سواء على الفراش أو في العمل والضرب في الأرض ، وطلب المعاش لقوله تعالى في الآية قبل السابقة إذا ضربوا في الأرض ، لبيان قانون وهو أن سفر المسلمين طلباً للعلم والرزق ونحوه إنما هو في سبيل الله ، ويكون معناه : ولئن متم في سبيل الله عند الضرب في الأرض )، وهو من مصاديق بعث الحسرة في نفوس الذين كفروا بقوله تعالى في آية السياق [لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ] ( ).
الثالث : ولئن متم لإلى الله تحشرون , بلحاظ أن النسبة بين موت المسلم مطلقاً وموته في سبيل الله عموم وخصوص مطلق ، ويمكن القول بالترتيب العددي من جهة الكثرة في كيفية الموت على وجوه :
الأول : الموت على الفراش هو الأكثر .
الثاني : الموت في سبيل الله .
وإذا مات المسلم بسعيه إلى الصلاة اليومية أو صلاة الجمعة لعمومات قوله تعالى [إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ] ( ) أو مات في الطريق أو عند الإتيان بمقدمات الصلاة أو عند أدائها ، أو في طريق العودة إلى البيت ومحل العمل فهل يكون موته هذا من الوجه الأول أعلاه أم من الثاني ، الجواب هو الأخير ، وهو من فضل الله عز وجل على المسلمين والناس أجمعين .
الثالث : القتل في سبيل الله ، سواء في سوح المعارك أو خارجها لقاعدة دوران الأمر بين الأقل والأكثر ، والأحسن والحسن , فمن فضل الله عز وجل إحتساب القتل للمسلم انه في سبيل الله مع أدنى مصداق لهذا المعنى والقصد والغاية .
لقد تكرر لفظ [قُتِلْتُمْ] في آية البحث والآية السابقة ، وصحيح أن اللفظين متحدان إلا أن النسبة بينهما عموم وخصوص مطلق , فما في آية البحث أعم ، لذا ذكرت المغفرة والرحمة في الآية السابقة لأن القتل في سبيل الله .
أما القتل في آية البحث فقد تقترن به المغفرة والرحمة أو أحداهما أو لا تقترن به إحداهما إلا أن يشاء الله ، فقد يقتل الإنسان باتباعه الهوى أو وهو ظالم لنفسه أو متعد وجائر ، ليتضمن قوله تعالى [لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ] البشارة والإنذار ، البشارة للمؤمنين ، والإنذار للناس جميعاً بإجتناب من يعرضهم إلى القتل ظلماً ،أي قد يقتل الإنسان وهو ظالم ، فمع أن آية البحث جاءت رداً وإحتجاجاً على الذين كفروا فهي تأديب للمسلمين وحث لهم على التقوى , وإخبار بأن الخروج إلى القتال ونصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , والقتل في سبيل الله خاتمة حسنة ، وواقية من الميل إلى الهوى أو الإرتداد .
والقتل ضرب من ضروب الموت ، ومفارقة الروح الجسد ، والموت نوع إيقاع إذ ينزل الأمر من عند الله عز وجل لملك الموت بقبض روح فلان ، أما القتل فهو نوع مفاعلة بين أطراف :
الأول : القاتل .
الثاني : القتل .
الثالث : آلة القتل .
الرابع : كيفية القتل .
الخامس : علة وسبب القتل إذ يجمع هذا السبب المتضادات .
السادس : المقتول الذي يقع عليه القتل .
وقد ذكرت آية البحث الوجه الأخير أعلاه للدلالة على الوجوه السابقة والتدبر فيها , وفي الوقاية من القتل ومنه قوله تعالى [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ]( ).
وهل كانت معارك المسلمين الأولى واقية من هذا القتل ، الجواب نعم ، وهو من أسرار سلامة المسلمين من الفتك بهم , وصرف القتل الجماعي عنهم , والذي تحذر منه آية البحث , وتبين الوقائع صرفه عن المسلمين بفضل من الله عز وجل ، ووجه الإنذار هو مجئ الآية بصيغة الجمع [قُتِلْتُمْ] فان قلت لولا [لَئِنْ مُتُّمْ] أي دلالة اللفظ [مُتُّمْ] وورودها بصيغة الجمع على الموت الإنفرادي للمسلمين فكذا القتل .
والجواب مع صحة هذا الإستدلال إلا أن الآية لا تمنع من الموت الجماعي كما في حال الأوبئة والآفات ، وكذا بالنسبة للقتل خاصة مع ظهور الأسلحة الفتاكة وأدوات الدمار الشامل لولا فضل الله عز وجل على المسلمين والناس , وإنتشارهم في أصقاع الأرض ، ليكون هذا الإنتشار سبباً لإستدامة الحياة , وبرهاناً بأنه لا يقدر على محو الحياة في الدنيا إلا الله , وتكون تلاوة المسلمين لآية البحث كل يوم من أيام المسلمين وهم في آمن وسلامة من الموت الذريع والقتل العام .
قانون قلة القتال بفتح مكة
لقد كان صلح الحديبية في شهر ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة معجزة في السنة الدفاعية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وشاهداً على الإرتقاء في فنون الحرب والقتال ، ومعرفة مواطن المهادنة والميل إلى السلم عند تهيئ مقدماته ، قال تعالى [وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا]( ).
ومن أظهر شرائط هذا الصلح منع الحرب بين المسلمين والذين كفروا عشر سنين ، وجواز دخول أي قبيلة من العرب في عهد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، بشرط أن تكون من غير قريش ، وجواز الدخول في عهد قريش .
ودخلت قبيلة خزاعة في عهد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فنالت شرف هذا العهد، والذين دخلوا الإسلام من أهل مكة والمدينة والقبائل وغيرهم وجاهدوا أسمى مرتبة وأجل قدراً، وهم الذين فازوا بنداء[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] .
ودخل بنو بكر في عهد قريش ، وكان لبني الديل بن بكر ثأر يطلبونه في خزاعة فبيّوتهم على ماء لهم يسمى الوتير وقتلوا منهم رجلاً واقتتلوا ، وقامت قريش بنقض العهد والصلح بأن رفدت بني بكر بالسلاح (وقاتل معهم من قريش من قاتل بالليل مستخفياً)( ).
وتقهقر أمامهم رجال خزاعة إلى الحرم فخرج وفد من خزاعة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شاكياً مستجيراً .
وكأنه من مصاديق قصيدة أبي طالب عم النبي في مدحه والثناء عليه والتي قالها أيام حصار قريش لبني هاشم في شعب أبي طالب الذي بدأ من هلال محرم سنة سبع من حين نبوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإستمر لأكثر من سنتين:
وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ … ثِمَالَ الْيَتَامَى عِصْمَةً لِلْأَرَامِلِ
يَلُوذُ بِهِ الْهُلّاكُ مِنْ آلِ هَاشِمٍ … فَهُمْ عِنْدَهُ فِي رَحْمَةٍ وَفَوَاضِلِ
لَعَمْرِي لَقَدْ أَجْرَى أَسِيدٌ وَبِكْرُهُ … إلَى بُغْضِنَا وَجَزّآنَا لِآكِلِ
وَعُثْمَانُ لَمْ يَرْبَعْ عَلَيْنَا وَقُنْفُذٌ … وَلَكِنْ أَطَاعَا أَمْرَ تِلْكَ الْقَبَائِلِ
أَطَاعَا أُبَيّا ، وَابن عَبْدِ يَغُثْهُمْ … وَلَمْ يَرْقُبَا فِينَا مَقَالَةَ قَائِلِ
كَمَا قَدْ لَقِينَا مِنْ سُبَيْعٍ وَنَوْفَلٍ … وَكُلّ تَوَلّى مُعْرِضًا لَمْ يُجَامِلْ
فَإِنْ يُلْفَيَا أَوْ يُمْكِنُ اللّهُ مِنْهُمَا … نَكِلْ لَهُمَا صَاعًا بِصَاعِ الْمُكَايِلِ
وَذَاكَ أَبُو عَمْرٍو أَبَى غَيْرَ بُغْضِنَا … لِيُظْعِنَنَا فِي أَهْلِ شَاءٍ وَجَامِلِ
يُنَاجِي بِنَا فِي كُلّ مُمْسًى وَمُصْبَحٍ … فَنَاجَ أَبَا عَمْرٍ بِنَا ثُمّ خَاتِلِ
وَيُؤْلِي لَنَا بِاَللّهِ مَا إنْ يَغُشّنَا … بَلَى قَدْ تَرَاهُ جَهْرَةً غَيْرَ حَائِلِ
أَضَاقَ عَلَيْهِ بُغْضُنَا كُلّ تَلْعَةٍ. مِنْ الْأَرْضِ بَيْنَ أَخْشُبٍ فَمَجَادِلِ( )
ولم يكن بنو هاشم وحدهم في نعمة وعز وغبطة إنما صار المسلمون ومن يلوذ بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في نعمة وامن بفضل من عند الله عز وجل .
وتقدم وفد خزاعة عمرو بن سالم الخزاعي ، ودخل المسجد النبوي والنبي صلى الله عليه وآله وسلم جالس يحيط به المسلمون ، فقال عمرو شاكياً مستجيراً مع إعلانه التسليم بالتوحيد والإقرار برسالة نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإجهاره بالدخول بالإسلام .
وأن العدو غزاهم وهم في حال أداء الصلاة
يَا رَبّ إنّي نَاشِدٌ مُحَمّدًا … حِلْفَ أَبِينَا وَأَبِيهِ الْأَتْلَدَا
قَدْ كُنْتُمْ وُلْدًا وَكُنّا وَالِدَا … ثُمّتَ أَسْلَمْنَا فَلَمْ نَنْزِعْ يَدَا
فَانْصُرْ هَدَاكَ اللّهُ نَصْرًا أَعْتَدَا … وَادْعُ عِبَادَ اللّهِ يَأْتُوا مَدَدَا
فِيهِمْ رَسُولُ اللّهِ قَدْ تَجَرّدَا … إنْ سِيمَ خَسْفًا وَجْهُهُ تَرَبّدَا
فِي فَيْلَقٍ كَالْبَحْرِ يَجْرِي مُزْبِدًا … إنّ قُرَيْشًا أَخْلَفُوك الْمَوْعِدَا
وَنَقَضُوا مِيثَاقَك الْمُوَكّدَا … وَجَعَلُوا لِي فِي كَدَاءٍ رُصّدَا
وَزَعَمُوا أَنْ لَسْتُ أَدْعُو أَحَدَا … وَهُمْ أَذَلّ وَأَقَلّ عَدَدَا
هُمْ بَيّتُونَا بِالْوَتِيرِ هُجّدًا … وَقَتَلُونَا رُكّعًا وَسُجّدَا) ( ).
ومع مصيبة عمرو ومجيئه شاكياً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فانه إبتداء قصيدته بالنداء (يا رب) وكأنه أخذه من دعاء الأنبياء والصالحين في القرآن بمناداة الله عز وجل .
وورد لفظ (ربنا) خمس مرات في أربع آيات متتالية في قوله تعالى [الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلْ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَار* رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ] ( ).
وورد قوله تعالى يا رب مرتين بقوله تعالى [وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا] ( ) . وقوله تعالى[وَقِيلِهِ يَارَبِّ إِنَّ هَؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَ يُؤْمِنُونَ]( ).
ولما أكمل عمرو بن سالم شكواه التي بثها للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بحضور طائفة ومن أصحابه بصيغة الشعر وإلإلقاء الحسن ، أجابه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله:
(نُصِرْتَ يَا عَمْرُو بْنَ سَالِمٍ ثُمّ عَرَضَتْ سَحَابَةٌ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ فَقَالَ : إنّ هَذِهِ السّحَابَةَ لَتَسْتَهِلّ بِنَصْرِ بَنِي كَعْبٍ) ( ) .
وفيه إعجاز وتجلي سنخية الوحي إذ أخبره النبي صلى الله عليه وآله وسلم ببشارة النصرة وبصيغة البناء للمجهول .
فلم يقل له نصرتك أو سأنصرك، إنما قال له تأتيك النصرة لعلم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن النصرة والعون والمدد من عند الله وان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يخرج بجيش من المدينة أو يبعث سرية إلا بأمر وإذن من عند الله ، وهو من مصاديق الوحي وعمومات قوله تعالى [وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى*إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى]( ).
وجاءت في ذات اللحظة بشارة من الظواهر الكونية سحابة أطلت على المسجد النبوي على نحو مفاجئ فأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنها تستهل بنصر بني كعب من خزاعة وقال (ابن السكيت، استهل بالأمر رفع به صوته) ( ) .
وفي بيان وتنبيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن السحابة وأمرها ترغيب للمسلمين بالتوجه إلى مكة لفتحها.
وقال الشاعر :
ألا إنما الدنيا كَظِلِّ غَمَامَةٍ … إِذَا ما رَجاها المسْتَهِلُّ اضمَحَلَّتِ( )
وذكرت أشعار كثيرة توثق الحرب التي وقعت بين كنانة وخزاعة ونقض الكفار للصلح .
لقد خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الحديبية في شهر ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة بألف وأربعمائة ، وبعدها بأقل من سنتين , وفي شهر رمضان من السنة الثامنة خرج بعشرة آلاف رجل.
وعندما سمع المسلمون وعد النبي لوفد خزاعة بالنصر (قَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ يُحَرّضُ النّاسَ وَيَذْكُرُ مُصَابَ رِجَالِ خُزَاعَةَ :
عَنَانِي وَلَمْ أَشْهَدْ بِبَطْحَاءِ مَكّةٍ … رِجَالُ بَنِي كَعْبٍ تُحَزّ رِقَابُهَا
بِأَيْدِي رِجَالٍ لَمْ يَسُلّوا سُيُوفَهُمْ … وَقَتْلَى كَثِيرٌ لَمْ تُجَنّ ثِيَابُهَا
أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ تَنَالَنّ نُصْرَتِي ..سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وَخْزُهَا وَعُقَابُهَا
وَصَفْوَانُ عَوْدٌ حَنّ مِنْ شُفْرِ اسْتِهِ ..فَهَذَا أَوَانُ الْحَرْبِ شُدّ عِصَابُهَا
فَلَا تَأْمَنَنّا يَا ابن أُمّ مُجَالِدٍ … إذَا اُحْتُلِبَتْ صَرْفًا وَأَعْصَلَ نَابُهَا
ولاَ تَجْزَعُوا مِنّا فَإِنّ سُيُوفَنَا … لَهَا وَقْعَةٌ بِالْمَوْتِ يُفْتَحُ بَابُهَا) ( ).
وتجهز النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم أخبر أصحابه بأنه سائر إلى مكة أي أنه لم يأمرهم ثم يتجهز مثلهم فقد ورد أن أبا بكر دخل على عائشة (وَهِيَ تُحَرّكُ بَعْضَ جَهَازِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ فَقَالَ أَيْ بُنَيّةُ أَأَمَرَكُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ أَنْ تُجَهّزُوهُ ؟ قَالَتْ نَعَمْ فَتَجَهّزْ قَالَ فَأَيْنَ تَرَيْنَهُ يُرِيدُ ؟ قَالَتْ ( لَا ) وَاَللّهِ مَا أَدْرِي.
ثُمّ إنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ أَعْلَمَ النّاسَ أَنّهُ سَائِرٌ إلَى مَكّةَ ، وَأَمَرَهُمْ بِالْجِدّ وَالتّهَيّؤِ وَقَالَ اللّهُمّ خُذْ الْعُيُونَ وَالْأَخْبَارَ عَنْ قُرَيْشٍ حَتّى نَبْغَتَهَا فِي بِلَادِهَا فَتَجَهّزَ النّاسُ)( )، وفيه شاهد على إيلاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فتح مكة عناية خاصة وأنه كان يحرص على إجتناب قتال قريش فإتجه إلى الدعاء الذي هو سلاح الأنبياء.
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أراد بتقدمه بالتجهز الزجر عن النهي عن المسير , أو ارجائه , وفيه رد على الذين كفروا وقولهم كما ورد في آية النداء التي عطفت عليها آية البحث [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ] ( ) , فتغزو الحسرة قلوبهم من جهات :
الأولى : وصول وفد خزاعة وتقديمهم الشكوى للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : وعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم لخزاعة بالنصر .
الثالثة : خشية الذين كفروا من كيفية نصر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لخزاعة .
الرابعة : وثاقة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخروج أهل بيته وأصحابه للجهة التي يريدها .
الخامسة : عدم إنصياع المسلمين إلى أقوال الذين كفروا .
السادسة : تجهز النبي قبل إعلان توجهه إلى مكة لعلمه بأن المسلمين لن يتخلفوا عن الخروج معه ، وهذا العلم من رشحات الوحي , وذات الخروج من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ).
السابعة : كثرة جيش المسلمين الذين خرجوا ويخرجون مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الجهاد ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ]( ) .
علم المناسبة
لم يرد لفظ [قُتِلْتُمْ] في القرآن إلا مرتين إحداهما في الآية السابقة ، والأخرى في آية البحث ، وهو من إعجاز ترتيب وحضور اللفظ القرآني المخصوص بين الدفتين ، وفي ثنايا الآيات ، ولم يرد هذا اللفظ في القرآن إلا خطاباً للمسلمين مع أن القتل قديم في الأرض .
ولم يغادر آدم وحواء الحياة الدنيا حتى رأيا قتل ولدهما ، وحيث لم يوجد في الأرض إلا أولادهما ، ويعلم ويدرك أن المقتول هو أخوه حتى أنه ندم على فعلته أشد الندم وأخذ يدور وينتقل حاملاً جثة أخيه ، إلى أن تفسخ وصارت رائحته تجلب السباع والطير حوله ، فهداء الله إلى دفنه بآية بقوله تعالى[فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنْ النَّادِمِينَ] ( ) وكما ورد لفظ [قَتَلْتُمْ] مرتين في القرآن فان لفظ (الغراب) ورد مرتين فيه وفي آية واحدة , لبيان لزوم الدفن حتى بالنسبة للذي يقتل في سبيل الله ، وعدم الغلو فيه أو تأخير دفنه .
وفيه آية وهي حتى الظالم والمجرم ينتفع من رزق الله عز وجل ويتخذه طريقاً للهداية والتدارك ، وفيه منع من اليأس والقنوط عن رحمة الله وزجر عن تعقب الجناية بأخرى مثلها .
وقد لاقى عدد من الأنبياء القتل على يد الجاحدين والكافرين من قومهم ، قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ] ( ) .
وهل المؤمن الذي صدّق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصره وتحمل الأذى من كفار قريش آية من آيات الله التي تذكرها الآية أعلاه , الجواب نعم ، وإن كانت الآية أخص في موضوعها ، فان قلت قد ذكرت الآية المسلمين بكونهم يأمرون بالقسط والعدل وتصديق الأنبياء ، والجواب هذه صحيح ، ولكن الكفر بالآية أعم من القتل ، وهل قول الذين كفروا لخصوص المؤمنين [إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا] ( ) من الكفر بآيات الله الجواب نعم بلحاظ أن صبر المؤمن على هذا القتل آية من عند الله ، وحجة على الناس وطريق للهداية والرشاد ، فيقتل الكافرون مؤمناً صبراً , فتختار طائفة من الناس الإسلام ، فمن الآيات في الشهادة أنها موعظة وأسوة للناس في خاتمة حياة المؤمن وكيفية قتله ومغادرته الدنيا ، لبيان قانون مترشح عن آية البحث وهو إفادة قوله تعالى [لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ]أن المسلم يحشر إلى الله مع ثوابه عمله ، وموته وقتله ، ومع الثواب الذي يأتيه بسبب إقتداء الناس به في صلاحه وسنخية إختياره سفر الآخرة الدائم بالقتل في سبيل الله , ليكون من معاني وتفسير الآية من وجوه :
الأول : لإلى الله تحشرون مع ثواب أعمامكم .
الثاني : لإلى الله تحشرون بثواب من إقتدى بكم في الصالحات.
الثالث : لإلى الله تحشرون ويأتيكم الثواب ممن يقتدي بكم بعد مماتكم .
لقد تضمنت الآية السابقة الإخبار عن العفو والمغفرة من عند الله وأختتمت هذه الآية بالإخبار عن حشر وجمع الله المسلمين يوم القيامة والنسبة بينهما هي العموم والخصوص من وجه , فمادة الإلتقاء من جهات :
الأولى : كل من المغفرة والحشر بمشيئة من عند الله عز وجل .
الثانية : لا يقدر على المغفرة ومحو الذنوب , وعلى حشر الناس يوم القيامة إلا الله عز وجل .
الثالثة : لا يعلم المغفرة والعفو الذي يتفضل به الله عز وجل ولا الحشر وأوانه إلا الله عز وجل .
وعن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، قلنا يا رسول الله كلنا نكره الموت، قال: ليس ذلك كراهية الموت، ولكن المؤمن إذا حُضِر جاءه البشير من الله بما هو صائر إليه، فليس شيء أحب إليه من أن يكون قد لقي الله فأحب الله لقاءه” قال: وإن الفاجر -أو الكافر-إذا حُضِر جاءه بما هو صائر إليه من الشر أو: ما يلقى من الشر-فكره لقاء الله فكره الله لقاءه( ).
بحث بلاغي
يقسم علم البلاغة تقسيماً إستقرائياً إلى ثلاث أقسام كل فرد منها علم قائم بذاته وأن تداخل مع غيره :
الأول : علم المعاني : والذي يتعلق بالخبر والإنشاء ، والخبر هو الذي يحتمل الصدق أو الكذب ، ويخرج منه بالتخصص الخبر القرآني وأخبار السنة النبوية فهي حق وصدق لأنها تنزيل ووحي ، وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ] ( ) ، وفيه دلالة بأن كلام الله عز وجل فوق كلام البشر وأعم وأسمى من أن تحيط به القواعد التي يضعونها ، ويقسم الخبر إلى :
أولاً : الخبر الإبتدائي .
ثانياً : الخبر المؤكد ، وهو الذي يتضمن أداة تأكيد واحدة مثل : إن الصلاة حق .
ثالثاً : الخبر المشدد ، وهو الذي يتضمن تعدد المؤكد وأداة تأكيد مثل :أن ،لام التوكيد ، ، أحرف التنبيه ، أما الشرطية , القسم ، السين ، سوف ، كما في الآية أعلاه ، وكما في قوله تعالى [فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ] ( ) ، أما الإنشاء فهو الكلام الذي لا يقبل الترديد بين الصدق والكذب ، وهو قسمان :
أولاً : الإنشاء الطلبي الذي يتضمن السؤال والأمر والنهي والنداء والإستفهام والتمني ونحوها .
ثانياً : الإنشاء غير الطلبي ويتعلق بالمدح والذم والتعجب والقسم ونحوه .
الثاني : علم البيان لغة هو الظهور والكشف والوضوح , أما في الإصطلاح فيشمل الوجوه أعلاه إلى جانب معرفة المعنى الجلي بصيغ متعددة ، ويشمل علم البيان الدلالة المطابقية والتضمنية والإلتزامية .
ويتضمن علم البيان أقساماً :
الأول : التشبيه : وهو صلة التشابه والتقارب بين شيئين أو أمرين , وفيه أركان هي :
أولاً : المشبه الذي يراد تشبيهه وتمثيله بغيره الذي ياصف بأنه أكثر وضوحاً منه .
ثانياً : أداة التشبيه مثل الكاف , كذلك , كأن ، مثل , وغيرها مما يفيد التشبيه حرفاً كان أو فعلاً أو أسماً أو جملة ، كما في قوله تعالى [فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ] ( ) .
وفي بلقيس ورد قوله تعالى [قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ] ( ) فهو ذات عرشها ومع هذا ذكرته بصيغة التشبيه لعجزها عن الإحاطة بالتنجز ونقل الأجسام وخرق الحراسة بالمعجزة .
ثالثاً : وجه الشبه بين المشبه والمشبه به .
رابعاً : المشبه به ، وهو الذي يذكر في الكلام ليكون واسطة لبيان حال وصفة المشبه .
ومدرسة التشبيه في القرآن أعم إذ أنها تفيد الذكرى والإتعاظ وبيان المسائل المتعددة ، وكل مسألة فيها التشبيه لها دلالات خاصة.
ويمكن أن نقسم التشبيه تقسيماً إستقرائياً جديداً من جهتين :
الأولى : التشبيه بالإيجاب ، كما في قوله تعالى [وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ] ( ).
الثانية : التشبيه السالب الذي قد يتضمن معنى التضاد أو النفي كما في قوله تعالى [أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ] ( ) لتتضمن حكمة في إمتناع التسوية بين المختلفين في الجزاء وعالم الثواب ، ومثله قوله تعالى [أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ] ( ).
لبيان أن آية البحث إكرام خاص للمسلمين في ذات النداء والإخبار وبيان العاقبة وحسنها وبهائها , ويفيد التباين في آية التشبيه السلبي أعلاه إلى أن ذات كيفية الحشر والحساب متباينة بين المسلمين والذين كفروا ، فينال المؤمن الثواب على تلاوته القرآن وعمله الصالحات .
(عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “لا يدخل أحد الجنة إلا بجواز:(بسم الله الرحمن الرحيم) هذا كتاب من الله لفلان بن فلان، أدخلوه جنة عالية، قطوفها دانية”)( ).
الثاني : الكناية ، وهي إيراد كلمة أو جملة , ويراد منها معنى غير الظاهر والمتبادر منها .
وقيل أن الكناية أبلغ من الإفصاح ، ولكن لا دليل عليه إلا أن يراد منه الموجبة الجزئية ، قال الشاعر :
وصدر أراح الليل عازب همه…تضاعف فيه الهم من كل جانب ( )
الثالث : الإستعارة ،وهو تشبيه لطيف بأن يحذف أحد طرفيه , أما المشبه أو المشبه به ، مع بقاء القرينة او اللوازم التي تشير إلى المحذوف ، وتمنع من الترديد والإستعارة على قسمين :
أولاً : إستعارة التصريحية ,هي التي يحذف منها المشبه مع بقاء لفظ المشبه به .
ثانياً : الإستعارة المكنية وهي التي يحذف منها المشبه به مع بقاء المشبه الذي يشير إليه .
$$القسم الثالث : البديع : من بدع وأبدع، أي أوجده من غير مثال وشبه سابق، قال تعالىفي الثناء على نفسه [بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ] ( )، أما في الإصطلاح فهو علم تعرف به وجوه تحسين اللفظ ومراعاة المعنى المناسب، والمحسنات على قسمين :
الأول : المحسنات اللفظية: ومنها الجناس، والإقتباس والسجع، والتصريع وهو الإتيان بحرف الروي في نهاية شطري البيت من القصيدة .
الثاني : المحسنات المعنوية : ومنها التورية والطباق وحسن التعليل والمقابلة، والإستطراد .
قوله تعالى [لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ]
أختتمت آية البحث بخاتمة الحياة الدنيا ، وعاقبة الناس بعد الموت ، بأن يحشروا حشراً إلى الله عز وجل ، وليس لهم أمر أو رأي ولا يقدر أي منهم على الإمتناع عن الحشر والجمع بين يدي الله عز وجل .
وتبعث آية البحث على التدبر في أهوال ومواطن الحشر ، وعن ابن عباس (عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : تحشرون حفاة عراة غرلاً ، فقالت زوجته : أينظر بعضنا إلى عورة بعض؟ فقال : يا فلانة { لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه })( ).
وذكرت الآية الحشر والمراد المعنى الأعم ، ومنه الحساب والجزاء وتقدير الآية على وجوه :
الأول : يا أيها الذين آمنوا اعملوا أنكم إلى الله تحشرون ) ، وفي التنزيل [وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ] ( ).
الثاني : يا ايها الذين آمنوا لا يفتنكم الذين كفروا واعلموا أنكم تحشرون وإياهم إلى الله عز وجل .
الثالث : يا أيها الناس لابد من الحشر وجمعكم جميعاً عند الله عز وجل .
ومن الآيات أن المسلمين يتلون آية البحث وما فيها من الإخبار عن الحشر ، فيتذكر الناس الموت وما بعده ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ] ( ).
الرابع :يا أيها الذين آمنوا لا تخشوا ملاقاة الذين كفروا في ميادين القتال ، فاما القتل وإما النصر ، أو تحقق النصر مع قتل عدد من المؤمنين ، ولا يفد الذين يقتلون إلا على الله عز وجل لينال المؤمنون منهم الثواب العظيم .
ومن الإعجاز واللطف الإلهي في آية البحث مجيؤها بصيغة الجمع بخصوص الحشر والجمع إلى الله عز وجل ، فلم تقل الآية : ومن مات أو قتل منكم لإلى الله يحشر) إنما وردت بصيغة العموم المجموعي الشامل للمسلمين جميعاً من غير استثناء .
ولقد آمن المسلمون بالله وملائكته ورسله جميعاً من غير إستثناء ، كما في قوله تعالى [آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ] ( ) وتفضل الله عز وجل وشكر المسلمين على حسن إيمانهم وهدايتهم ورشادهم ، وتفضل وأخبر بأن حشر المسلمين إليه كمؤمنين ، إذ ماتوا على النهج الذي أراده لعباده المخلصين ، وقتلوا في سبيله مضرجين بدمائهم .
قانون وضع ونشوء اللغات
مما يسمو به الإنسان ويؤكد خلافته في الأرض وضع اللغة وألفاظها ودلالتها على المعاني حقيقة ومجازاً , وفي أصل وضعها وضبط مفرداتها وجوه :
الأول : واضع ألفاظ وأسماء المعاني هو الله عز وجل.
الثاني : واضع الإلفاظ ودلالتها على معاني مخصوصة هم الناس، وبه قال أبو الحسن الأشعري( ).
الثالث : الواضع هو الله، وأتم الناس الوضع .
الرابع : وضع الناس الألفاظ للمعاني , وأتمها الله عز وجل .
الخامس : بعض الوضع للغة من عند الله , وبعضها بوضع من الناس ، وكأن المراد أن الله عز وجل وضع القواعد الكلية للغة .
وباستثناء القول الأول فانه لا دليل على الوجوه الأخرى أعلاه.
لقد خلق الله عز وجل الإنسان بهيئة تساعده على تعلم وتوارث اللغة من مصاديق قوله تعالى [لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ] ( ) بلحاظ المعنى الأعم للهيئة الخاصة ، ومن حسن التقويم اللسان وقابلية النطق عند الإنسان حتى سموه في علم المنطق (الحيوان الناطق).
لبيان المائز بينه وبين الحيوانات بالنطق ولغة التفاهم بين الناس بوضع الألفاظ أزاء معانيها المخصوصة .
والمختار أن المائز بين الإنسان والحيوانات أعم من أن ينحصر بالنطق، أو تكون صفة(الحيوان الناطق) هي الشائعة نعتاً للإنسان عند أهل العلم، ويمكن تسميته (العاقل الناطق) أو ( الخليفة ) على القول بارادة المعنى الأعم من معنى الخلافة ولا يضر بالتسمية عدم ضبط بعضهم أفعاله وفق موازين العقل، إذ أنه يدرك قبح فعل السيئات، ولزوم إجتناب الخطأ، قال تعالى[وَلاَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ]( )، والملاك هو حينما يكون هناك تعريف عام للبشر في أحد العلوم يلتقون به جميعاً فلابد أن يكون لائقاً , وتكون فيه صبغة الشكر لله طوعاً وقهراً وانطباقاً .
وهل يدل قوله تعالى [وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ]( ) على أن إختلاف وتعدد اللغات تم بوضع من عند الله خاصة وأن الآية ذكرت إختلاف الألسن بعد خلق السموات والأرض ثم ذكرت إختلاف ألوان البشر .
ولم ولن يقدر على أي منهما إلا الله عز وجل ، وهل فيه دلالة على أن إختلاف الألسن أمر من عند الله ، الجواب نعم ، المراد هو التعدد في اللغات واللهجات , ويلحق به الإختلاف في الخلقة اللحمية ، وهيئة اللسان وطوله وقصره ، والبصمة , وكيفية النطق وطبقة الصوت والتباين النوعي بين الرجال والنساء بخصوص اللسان , وتسخير الناس له في الصالحات أو ضدها , وموضوعيته في عالم الحساب والجزاء , قال تعالى[مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ]( ).
وعن بلال بن الحارث المزني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه( ).
ومن إختلاف الألسن حرف الضاد في اللغة العربية ، وليس في الفارسية حرف ثاء ، وليس في السريانية حرف ذال.
وبلحاظ الآية أعلاه وذكرها لإختلاف الألسن لابد من إحصاء عدد اللغات وتقسيمها بحسب اللحاظ والموضوع ، وقيل مجموع اللغات أكثر من ألفي لغة وكثير من اللغات لها قصة وتأريخ في نشأتها وتعلمها وتدوينها وإنقراضها أو بقائها ، وقد شرّف الله عز وجل العربية وجعلها لغة القرآن .
ويمكن تقسيم اللغات إلى:
الأولى : لغة آدم في الجنة , وأختلف فيها على أقوال .
(عن ابن عباس، أن آدم عليه السلام كان لغتُه في الجنّة العربيةَ، فلما عَصَى سلَبه اللّهُ العربية فتكلّم بالسريانية، فلما تاب ردَّ اللّه عليه العربية ) ( ) .
وذكر أن آدم عليه السلام وضع اللغات كلها وكتبها في طين وأحرقه ودفنه قبل موته بثلاثمائة سنة ، وعند حدوث الطوفان وإنحسار الماء عن الأرض وجدت كل أمة كتابها فأخذوه وتعلموا لغتهم ، وكان عددها اثني عشر كتاباً , وهو بعيد.
ويتجلى التشابه والتداخل بين اللغات في الكتب السماوية ، فمثلاً معنى إبراهيم في السريانية الأب الرحيم ، وقيل لفظها في العبرية هو (ابراهام) وفي قوله تعالى [وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا]( ).
ومعنى الطور في العربية والسريانية هو الجبل ، وقيل المراد منه الجبل المنبت على نحو الخصوص ، وقيل هو الجبل الذي ناجى عليه الله موسى عليه السلام .
وتتفرع اللغات واللهجات بعضها من بعض مع كثرة الأمم والشعوب ، وتباعدها في الوطن ومحلات الإقامة ، وفصل الأنهار والبحار والبراري بينها ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ]( ).
وفي يعرب قيل (هو يعرب بن قحطان، أبو اليمن كلهم، وهم العرب العاربة، ونشأ سيدنا إسماعيل معهم فتكلم بلسانهم) قيل: هو أول من نقل السريانية إلى العربية، فسمي باسم فعله)( ) ومنهم من فرق بين العرب العاربة والعرباء وهم الخلص .
وأختلف في لغة أهل الجنة هل هي السريانية أو العربية ، والمختار أنها العربية ، وقال الثوري (قَالَ :”لَمْ يَنْزِل وَحْي إلا بالعربيةِ، ثُمَّ يُتَرْجِم كُلّ نَبِيّ لقومِه بلسَانهم، قَالَ: ولسانِ يَوْم الْقِيَامَة السُّرْيَانِيَّة، ومن دَخَلَ الْجَنَّة تَكَلَّمَ بالعربيةِ) ( ) .
وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (كلام الشياطين الخوزية، وكلام أهل النار البخارية، وكلام أهل الجنة العربية) ( ) .
الثانية : اللغات التي نزل بها الوحي والكتب السماوية السابقة، قال تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ] ( ) وقيل أن الكتب السماوية نزلت باللغة العربية .
الثالثة : لغات الأنبياء ، بذكر ما تيسر من الأخبار عن كل نبي ولغته ، فلغة إبراهيم السريانية ، ولغة موسى العبرية ، ولغة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم العربية .
الرابعة : اللغات التي إنقرضت .
الخامسة : اللغات التي كانت تنطق وتكتب , واللغات التي كانت تنطق فقط , وهل هناك لغات خاصة بأهل الأرض لم ينطق ويتفاهم بها , الجواب لا دليل عليه .
السادسة : كيفية تفرع اللغات .
السابعة : اللغات التي ترجمت لها الكتب السماوية .
الثامنة : اللهجات التي تفرعت عن كل لغة من لغات أهل الأرض .
التاسعة : اللغات البديلة التي حلت محل لغات أخرى .
العاشرة : موضوعية التنزيل في حفظ اللغات .
وهل يمكن القول بقانون وهو ثبوت وديمومة اللغة التي نزل فيها كتاب سماوي ، الجواب لا ، لتعدد الكتب السماوية وكثرة الأنبياء الذين نزل عليهم الوحي ، وإن الوحي ينزل على عدد من الأنبياء بلغة واحدة .
ولقد أنعم الله عز وجل على الناس بنزول القرآن فأبقى اللغة العربية ينطق بها شطر من أهل الأرض إلى يوم القيامة وهو من رشحات القرآن وعلومه , ومن مصاديق قوله تعالى[وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ]( ).
ويبين التحقيق في نشأة اللغات سراً من أسرار الحياة الدنيا والنظام العام فيها بما يقود الناس إلى سبل الهداية والرشاد ، فحينما تفضل الله عز وجل وجعل عبادته علة خلق الجن والإنس بقوله تعالى[وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( ) أنعم على الناس باللسان واللغة التي تكون حجة كافية في دعوتهم للعبادة وتبليغهم أحكام الشريعة ، وبلوغهم مراتب الفهم والفقاهة في البشارات والإنذارات التي جاء بها الأنبياء .
ولابد من قانون في التحقيق في الأمور التأريخية وهي موضوعية المشيئة والإرادة الإلهية في الوقائع والأحداث ، وتشابه الأمور الإعتيادية والمجتمعات واللغات والعقائد .
الحادية عشر : موضوعية التنزيل في المنع من تحريف ألفاظ اللغة ومعانيها ، وجاء القرآن بالتحذير من التحريف في اللفظ أو المعنى، قال تعالى [يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ]( ).
وهل يمكن القول أن الواضع للغة هو الله عز وجل بلحاظ أنه هو الذي حفظ لغات التنزيل ، وصيغ التخاطب بين الناس ، الجواب نعم ، وهذا الحفظ أمر آخر , ولا يقدر عليه إلا الله عز وجل ، وهو من مصاديق قوله تعالى [فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ]( ) لبيان قانون من وجوه :
الأول : إن الله عز وجل هو الذي وضع اللغات .
الثاني : وضع اللغات مقدمة لنزول الكتب السماوية .
الثالث : حفظ الله عز وجل للغات، وفيه مسائل :
الأولى : تعيين اللغات وإنطباق اللفظ على معنى مخصوص يبين رحمة عظمى من عند الله عز وجل .
الثانية : إتخاذ اللغة وسيلة لسانية وجهادية للدعوة إلى الله عز وجل .
الثالثة : لقد جعل الله عز وجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منهاج الأنبياء وأمر به المسلمين فهو واجب ، قال تعالى [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ]( ) .
وذكرت الآية أعلاه وجوهاً من مصاديق السعي في طاعة الله عز وجل ، وهي :
الأولى : توجه الخطاب إلى المسلمين والمسلمات ، وهو مصاديق نداء الإيمان .
الثانية : الدعوة إلى الله ، وهذه الدعوة على وجوه كثيرة منها :
أولاً : الدعوة إلى الإيمان بالله عز وجل، وفي التنزيل[وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ]( ) .
وعن حذيفة قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: من استن خيراً فاستن به فله أجره ومثل أجور من اتبعه غير منتقص من أجورهم، ومن استن شراً فاستن به فعليه وزره ومثل أوزار من اتبعه غير منتقص من أوزارهم وتلا حذيفة{علمت نفس ما قدمت وأخرت})( ).
ثانياً : بيان وجوب عبادة الناس لله عز وجل .
ثالثاً : حث الناس على عبادة الله .
رابعاً : ترغيب الناس بفضل الله , وبعثهم على موائد إحسانه .
خامساً : الدعوة للتصديق ببعثة الأنبياء .
سادساً : الشهادة للأنبياء بالجهاد والإخلاص في الدعوة إلى الله، وهذه الشهادة دعوة إلى الله بذاتها , وكونها واسطة للدعوة بواسطة بيان معجزات الأنبياء .
ومن الآيات أن صبر وجهاد الأنبياء من معجزاتهم ، وقد قسمت سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى إقسام متعددة لبيان الإعجاز في كل قسم منها ، ومنها :
الأول : السنة القولية .
الثاني : السنة الفعلية .
الثالث : السنة التقريرية .
وأضفت لها في هذا السفر .
الرابع : السنة التدوينية .
الخامس : السنة العبادية .
السادس : السنة الحكمية .
السابع : السنة الدفاعية .
الثامن : السنة الأسرية .
سابعاً : الدعوة إلى الله بأداء الفرائض والعبادات ، فكل فرض صلاة أو صيام يوم أو دفع للزكاة ونحوها من المناسك والطاعات دعوة إلى الله عز وجل .
وهل هي دعوة صامتة أم ظاهرة وعلنية ، الجواب هو الثاني ولا يضر بعلانيتها الإخفات في الصلاة والإمتناع الذاتي عن الأكل والشرب أيام رمضان بلحاظ أن الصيام أمر وجودي وبقصد القربة إلى الله ، ولا يضر بها دفع الزكاة والصدقة الواجبة أو المستحبة سراً وبالخفاء لأنها شاهد على التقيد بأحكام الشريعة .
ثامناً : كل تلاوة لأي آية قرآنية دعوة إلى الله عز وجل ، وإذا تلا المسلم عدة آيات في آن واحد وموضع واحد ، فهل هو دعوة متحدة إلى الله أم دعوة متعددة .
الجواب هو الثاني ، وهو من أسرار تقسيم القرآن إلى سور ، وتقسيم كل سورة إلى آيات بين كل إثنتين منها فاصلة .
تاسعاً : صبر المسلم في جنب الله دعوة إلى الله سبحانه ليكون من معاني قوله تعالى [وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ..] ( ) أن صبر المسلمين نوع طريق لهداية للناس , وزاجر لهم عن التعدي والظلم والإصرار على الكفر والجحود .
وجاءت الآية أعلاه بالجمع بين الصبر والصلاة كي تكون صبغة الصبر هي حلية الإيمان , وأنه أمر وجودي لا ينحصر موضوعه بتحمل الأذى والقهر ، إنما يكون بالسعي في مرضاة الله.
ومن الصبر الدفاع عن بيضة الإسلام , قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] ( )، وهو الذي تؤكده آية البحث والتي تدعو إلى الإعراض عن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله .
وبلحاظ قانون وضع اللغة هذا فهل تعلم كيفية أداء الصلاة وتلاوة الآيات بالعربية من الصبر ، الذي تذكره الآية أعلاه.
الجواب نعم ، ليكون من الإعجاز في هذا القانون إرادة تيسير حفظ لغة القرآن للمسلمين والمسلمات جميعاً ، ولتكون لغته العربية مصداقاً يومياً متجدداً للوحدة والأخوة بين المسلمين في أرجاء الأرض , ودعوة للناس للإسلام , وهو من مصاديق قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ).
ومن خصائص هذا المصداق إمتناعه وثباته بوجه المكر والكيد الذي يحاك للفرقة بينهم ، ومنه ما ورد في الآية قبل السابقة [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ]( ).
الثالثة : قيام أمة من المسلمين ببيان إعجاز القرآن مع الثبات في منازل الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابعة : إرادة الفرد الجامع من وجوه :
الأول : الجامع بين الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف إذ أن النسبة بينهما هي العموم والخصوص من وجه ، فيلتقيان في وجوه ويفترقان في وجوه ، ولكن قد يجتمعان في مصداق خارجي واحد ، وفيه شواهد كثيرة ، وقد يقال بالتباين بين الدعوة والأمر ، إذ أن الأمر من العالي إلى الداني ، بينما تأتي الدعوة من الأعلى إلى الأدنى ، ومن المساوي ، ومن الأدنى إلى الأعلى , لم يثبت قيد العلو في الأمر كما مبين في علم الأصول .
الثاني : الجمع بين الدعوة إلى الخير والنهي عن المنكر بذات الفعل بلحاظ أن ترك المنكر خير محض والإمتناع عن فعل السيئة خير ونفع للذات والغير .
الثالث : الإجتماع بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في فعل ومحل واحد .
ولا يمنع التباين بين الأمر والنهي في المقام من إتحادها بذات المصداق ، ومن فوائده أن قيام المسلم بالأمر يكتب له بفضل من الله أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر .
الرابع : الفرد الجامع للوجوه الثلاثة التي ذكرتها الآية ، فيدعو المؤمن إلى إقامة الصلاة فتكون دعوة إلى الخير ، وأمراً بالصلاح وأداء الواجب ، ونهياً عن اللهو وطرداً للغفلة وقد يقوم بذكر آية قرآنية أو حديث نبوي فتصدق عليه الوجوه الثلاثة التي وردت في الآية أعلاه ، لذا أختتمت بقوله تعالى [أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ] ( )أي الفائزون الناجحون الذين ذكرتهم آية البحث بعنوان مقدس وهو وفادتهم على الله عز وجل بعز وكرامة .
وهل إتحاد لغة المسلمين العبادية من أسباب بعث الحسرة في نفوس الذين كفروا ، الجواب نعم ، وهو من الآيات والأسرار في تفضل الله بوضع اللغات , فقد خصّ الله المسلمين بلغة خاصة للقرآن ، تكون مصداقاً للصبر وضابطة في التقوى ، وشواهد يومية متجددة إلى يوم القيامة لقوله تعالى [إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ] ( ) .
وهو من أسرار الحصر الوارد في الآية أعلاه فلابد أن يكونوا أخوة بوضع الله عز وجل اللغة العبادية لهم وجعلهم يتحدون ويتآخون بها في صلاتهم وعبادتهم ونسكهم وينطق غير العربي العربي بشوق وعشق في الحج (لبيك اللهم لبيك , لبيك لا شريك لك لبيك).
ولو دار الأمر بين أن يكون الناس وضعوا اللغة العربية وما فيها من أسرار ثم إختارها الله عز وجل لتكون مصداقاً لإعجاز القرآن وشاهداً على صدق نزوله من عند الله عز وجل وبين أن يكون الله عز وجل هو الذي وضع لغة القرآن ، وهدى العرب للنطق بها لتكون معجزة للقرآن ، وبرهاناً على نزوله من عند الله .
الجواب هو الثاني ، ولم يأت هذا الوضع إلا عن حكمة من عند الله سواء كان لإبراهيم أو إسماعيل عليهما السلام أو غيرهما من الأنبياء السابقين خاصة مع كثرة عدد الأنبياء وتعاقبهم .
(عن أبي أمامة الباهلي : أن رجلاً قال : يا رسول الله أنبي كان آدم؟ قال : نعم . مكلم .
قال : كم بينه وبين نوح؟ قال : عشرة قرون قال : كم بين نوح وبين ابراهيم؟ قال : عشرة قرون قال : يا رسول الله كم الأنبياء؟ قال : مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً .
قال : يا رسول الله كم كانت الرسل من ذلك؟ قال : ثلثمائة وخمسة عشر . جماً غفيراً ) ( ).
وضع اللغة من عند الله عز وجل اللغة العربية أو اللغات التي تكلم بها الأنبياء واتخذوها واسطة ووسيلة لسانية للدعوة إلى الله عز وجل رحمة منه تعالى على أهل الأرض ، وسبيل هدى وبرزخاً دون الإقتتال بينهم .
ولما احتج الملائكة على جعل الإنسان [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، لأنه [يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ] ( ) أجابهم الله سبحانه ببرهان أعظم وأكبر من أن يحيط الخلائق به بقوله سبحانه [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) .
ومن علم الله تعالى هدايته الناس إلى لغات للتخاطب بينهم تكون عنواناً للألفة والمودة بينهم , وجعل الله عز وجل اللغة مادة ووسيلة للمسلمين في كل زمان للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وسبباً لإكتناز الحسنات وموضوعاً للإحتجاج لتكون اللغة من مصاديق قوله تعالى [سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ] ( ).
ومن خصائص النعم الإلهية بقاؤها في الأرض ومصاحبتها الناس وجعلهم يدركونها كنعمة بالحس أو العقل أو بهما معاً كما في اللغة العربية التي هي نعمة حفظها الله عز وجل بالقرآن ، وهذا الحفظ متجدد ودائم إلى يوم القيامة.
وهل علوم تفسير القرآن من مصاديق ورشحات هذا الحفظ ، الجواب نعم ، وهو من الشواهد اليومية على قوله تعالى [فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ] ( ).
علم المناسبة
الحشر والمعاد من أصول الدين ، والإقرار به ضرورة من ضرورات الإيمان ، وقد وردت مادة (حشر) بالفاظ وصيغ متعددة منها ، قال [قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا] ( ) لبيان مصداق لضرب من العقوبة والعذاب الذي يلقاه الكافر في الآخرة مع تفضل الله بالإحتجاج عليه وبيان علة هذه العقوبة إذ أجابه الله عز وجل قال [قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى (طه/126) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى] ( ) .
وهل تدل الآية أعلاه على أن كل معصية من الكافر لها عقوبة مخصوصة في الآخرة ، الجواب نعم ، إذ وردت الآية أعلاه من باب المثال وليس الحصر ، لذا جاءت أداة التشبيه (كذلك) في الآية أعلاه ، وتحتمل علة الخلود في النار وجوهاً :
الأول : إجتماع أفراد العقوبة على الذنوب المتعددة المتباينة في جنسها ، كالزنا , وأكل الربا ، والظلم والتعدي .
الثاني : تعدد الذنوب المتحدة في جنسها ، كالإدمان على شرب المسكِر.
الثالث : إرادة ذنب مخصوص وهو الكفر والجحود .
ولا تعارض بين هذه الوجوه ، قال تعالى [وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ] ( ).
وورد لفظ [تُحْشَرُونَ] تسع مرات في القرآن بصيغة الخطاب الموجه تارة للمسلمين بشارة ورحمة وباعثاً على السكينة كما في آية البحث ، قال تعالى [وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ] ( ).
وأخرى ورد إنذاراً وتخويفاً للذين كفروا وتذكيراً لهم بيوم الحساب ، قال تعالى [قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ] ( ).
لبيان قانون وهو شمول الناس على نحو العموم الإستغراقي بالحشر ، وكما يشترك الناس في الحياة الدنيا والموت كذلك يجمعهم الحشر مع الفارق بأن حياتهم الدنيا على مراتب وتفاوت زماني ومكاني , أما الحشر فانه في أمر واحد عند النفخ في الصور قال تعالى[وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا]( ).
قانون أثر الوقائع في الإسلام
يتجلى أثر وموضوعية الوقائع الإسلامية والمنافع العامة منها للمسلمين والناس في أمور :
أولاً : الهجرة النبوية .
ثانياً : معركة بدر .
ثالثاً : معركة أحد .
رابعاً : معركة الخندق .
خامساً : صلح الحديبية .
سادساً :فتح مكة .
سابعاً : معركة حنين .
ثامناً : معركة تبوك .
تاسعاً : حال المهادنة مع الذين كفروا .
عاشراً : صيغ عفو النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن عدد من الأسرى والمشركين .
الحادي عشر : إحتجاج النبي مع الذين كفروا ومنعه الصحابة من البطش بهم ، قال تعالى [وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ] ( ) ولم يرد لفظ [أَبْلِغْهُ] ولفظ [مَأْمَنَهُ] في القرآن إلا في الآية أعلاه .
الثاني عشر : إمتناع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن الإضرار بالمنافقين باليد والجارحة والنهي عن قتلهم مع الضرر الكبير الذي يترشح عن مكرهم وخبثهم وظهور إبطانهم الكفر على ألسنتهم وأفعالهم ، ومنه إنسحابهم وسط الطريق إلى معركة أحد ، وما في هذا الإنسحاب من الضرر الفادح إذ كان عددهم نحو ثلاثمائة وهم ثلث جيش المسلمين .
أما متعلق وموضوع أثر وموضوعية هذه الوقائع فهو متعدد ومتجدد ومتفرع ، وتكون الدراسة والتحقيق بأخذ كل فرد من الوقائع الأثني عشر أعلاه وغيرها مما يناسب المقام على نحو الإستقلال في كل من :
الأول : البيان القولي والفعلي لمعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : دعوة الناس للإسلام .
الثالث : تخلي الناس عن الكفر ومفاهيم الضلالة .
الرابع : منعة الإسلام والإزدياد الطردي في قوة المسلمين .
الخامس : حال السراء والغنى التي أصابت المسلمين .
السادس : كثرة عدد المسلمين ، لقد كان المسلمون في السنة الثانية للهجرة قلة وعددهم لا يتجاوز بضع مئات رجالاً ونساءً كما وثقها قوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ] ( ) إذ كان عدد البدريين ثلاثمائة وثلاثة عشر وبعد إنتهاء المعركة جاء بعض الصحابة الذين تخلفوا عن الخروج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم للإعتذار منه فقبل إعتذارهم .
وكان مع المسلمين سبعون بعيراً وفرسان ، أحدهما للمقداد بن عمرو وأسمه سبحة والآخر للزبير بن العوام وأسمه اليعسوب وقيل إنما هو لمرثد بن أبي مرثد الغنوي وإسمه السيل ( )، ومن الإعجاز في بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم دخول أفواج من الناس في الإسلام مع إنقضاء كل معركة من معاركه ومع هذا فان حالهم المعاشية تتحسن فصاروا في سعة ومندوحة وبشرهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالرخاء والغنى ، والإستيلاء على خزائن كسرى وملك الروم .
السابع : إصابة الذين كفروا بالوهن والضعف وظهور الإضطراب في صفوفهم .
الثامن : إتصاف المسلمين باتخاذ الدعاء سلاحاً وتطلعم إلى رحمة الله عز وجل والمدد منه سبحانه ، قال تعالى [إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنْ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ]( ).
التاسع : القراءة في حال الترتيب والتوالي والزيادة في مفردات معارك الإسلام ، فحينما خرج المسلمون إلى معركة بدر وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر ، فقد خرج مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لفتح مكة في السنة الثامنة للهجرة عشرة آلاف مقاتل .
وبينما انسحب المنافقون من الطريق إلى معركة أحد ، وكان عددهم نحو ثلاثمائة بتدبير وتحريض من رأس النفاق عبد الله بن أبي بن أبي سلول ، فانه لم ينسحب أحد من الجيش المتوجه إلى مكة لفتحها مع كثرة أعداد الجيش ، وبينما ترك الرماة مواضعهم في معركة أحد ، فلم يترك أحد من المسلمين موضعه في معارك الإسلام اللاحقة .
وقال تعالى إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ( ).
وإذ إنهزم أكثر الصحابة في معركة أحد فان المسلمين لم يتركوا ميدان المعركة في حنين فحالما أنهزموا نادهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم (أنا النبيّ لا كذب … أنا ابن عبد المطّلب) ( ).
عادوا جميعاً إلى وسط المعركة فقال النبي (الآن حمي الوطيس) ( ).
بحث منطقي
من العلوم المكتسبة والتي جاءت للمسلمين من الأمم السابقة علم المنطق ، وهو آلة تعصم الذهن من الخطأ .
وقيل أن واضع هذا العلم هو ارسطاطاليس اليوناني وترجم حنين بن إسحاق منطق ارسطو وصاغه المسلمون بالحكمة وأدخلوا عليه ما يتناسب مع القرآن وأحكام الشريعة ، وألفّ أبو علي بن سينا كتاب الشفاء في المنطق .
والمنطق آلة ومنهاج لسلامة الفكر ، وقانون يعصمه من الخطأ ، وهو إستدلال علمي يفيد الدقة والضبط.
والمختار أن الله عز وجل هو الذي تفضل بتأسيس علم المنطق، إذ علّم آدم ، فليس هو من جهد وسعي البشر ، ويدل عليه قوله [وَعلم آدم الأَسْمَاءَ كُلَّهَا]( ).
ويدل هذا التعليم على إرادة الدقة في تعيين المسمى لأي اسم من غير إختلاف أو تبديل فيه .
وقد خضع آدم للإختبار من عند الله بحضور الملائكة إذ أمره الله عز وجل أن يخبر الملائكة بشذرات من علم المنطق قبل أن يهبط إلى الأرض وهو من مصاديق إحتجاج الله على الملائكة بقوله تعالى[إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ) .
ليرى الملائكة أن الله عز وجل سلّح آدم بعلم المنطق وآلته وهو لغة التفاهم وفق القواعد السليمة لتكون إرثاً مباركاً لذريته من بعده، ومقدمة للتصديق بنزول الكتب السماوية , وليتدبر الناس جميعاً بمعجزات القرآن بلغة المنطق، ويفوز بأعلى مراتبه الذين يؤمنون بالتنزيل والعمل بأحكامه، ويمكن بيان ما جاء به الأنبياء وفق قواعد علم المنطق، وهم الذين قاموا بتثبيته في الأرض بفضل من عند الله، وبخصوص القرآن قال تعالى[وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا]( ).
لبيان حقيقة وهي إن كان الملائكة صادقين في نسبة ما يقع في الأرض من الفساد وسفك الدماء وغلبته بما يتعلق بالخليفة بقوله تعالى [أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ] ( ) ,فليذكروا ويبينوا الأسماء التي علمها الله لآدم والمرتبة التي بلغها .
فلم يعرف الملائكة تلك الأسماء فأمر الله عز وجل آدم أن ينبئهم باسماء أجناس الأشياء وذرية آدم والأنبياء والأئمة الصالحين الذين يزينون الأرض بسنن التقوى .
ويتجلى علم المنطق بقواعده وضوابطه بآيات القرآن وعمومات قوله تعالى [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( ).
ومن الإعجاز في المقام أن أول سورة من القرآن نزلت هي سورة [اقْرَأْ بِاسم رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ] ( ) لبيان موضوعية القراءة في الإسلام وإتخاذ الناس لها وسيلة للتدبر والتفكر ، وعلى قول أن أول سورة أنزلت من القرآن هي سورة [ ن وَالْقَلَمِ ] ( ) وفيه مسائل :
الأولى : دعوة المسلمين والناس عامة لتعلم القراءة والكتابة.
الثانية : إثبات صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأن القرآن بحث الناس على التعلم وإكتساب المعارف، والإرتقاء في مسالك العلم الذي يستطيع معه الإنسان التدبر في المعجزات، قال تعالى[وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]( ).
الثالثة : إرادة تدوين آيات القرآن وأحاديث السنة النبوية، ووقائع الإسلام.
الرابعة : معرفة صفحات وعلوم من القضاء والقدر .
الخامسة : تعلم القرآن والتفكر بكنوز آياته .
السادسة : هداية الناس للتفكير الصحيح .
السابعة : صيرورة التوثيق جزء من الحياة اليومية للمسلمين والناس.
الثامنة : بناء صرح العلوم ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
التاسعة : تأكيد قانون من الإرادة التكوينية بكون المسلمين[خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ).
وعن ابن عباس (عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال ، القلم هو الذي خط به ربنا عز وجل القدر خيره وشره ونفعه وضره[وما يسطرون]( ) قال الكرام الكاتبين)( ).
وورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن المراد من [نون] هو الموت ،وفي رواية أخرى أن النون هو اللوح المحفوظ( ) .
لقد أراد الذين كفروا إشاعة شبهة بين المسلمين وعوائلهم ، وهي أن الأجل وأوانه بالأسباب ، وليس هو أمراً مكتوباً على الإنسان فهم لم يحتجوا على معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعجزوا عن الإتيان بمغالطات بخصوص رسالته وسيرته ليكون قولهم للمؤمنين من أبناء قومهم من الأوس والخزرج [لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا]( ) والذي ورد قبل آيتين حجة عليهم لما فيه من الدلالة الإلتزامية على عجز الكافرين عن التشكيك بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل وبعد هجرته إلى المدينة المنورة وفي إختيارهم إثارة الشبهات وأنواع المغالطة بخصوص خروج المسلمين إلى سوح المعارك مسائل :
الأولى : تأكيد قوة ومنعة دولة الإسلام , قال تعالى[وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ]( ).
الثانية : إمتناع الناس عن الإصغاء للذين كفروا فيما يبثون من السموم والأقاويل .
الثالثة : توجه الذين كفروا والمنافقين إلى عوائل الشهداء لإثارة الأسى والحزن في نفوسهم ليكون من معاني آية البحث صرف الحزن ومقدماته عن المسلمين لأنه تعالى قال [وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ]( ).
الرابعة : لما أخبرت آيات القرآن عن المنزلة العظيمة للشهداء ، ووردت الأخبار في السنة النبوية عن خلودهم في النعيم إستشاط الذين كفروا غضباً فراحوا يوجهون اللوم لهم على خروجهم للقتال ، مما يدل على أن قولهم [لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا]( ) حرب على القرآن والسنة .
ليكون من إعجاز القرآن فضح المقولات الباطلة التي يرد بها المغالطة وإثارة الشبهات في البشارات الغيبية التي جاء بها القرآن ، وفي التنزيل [وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمْ الأَنَامِلَ مِنْ الغَيْظِ] ( ) .
وإن قلت كيف يكون وضع علم النطق بلحاظ أنه من العلوم والمسميات , وبينما التي ذكرتها الآية [وَعلم آدم الأَسْمَاءَ كُلَّهَا] ( )ولفظ إنما هي أسماء (كل) سورة الموجبة الكلية , والجواب ذات الأسماء حكمة ولها دلالات منطقية .
وفي اللغة ووضعها يرد قول بأن الله عز وجل هو الواضع لها(قال التاج السبكي في شرح منهاج البيضاوي: الوضع عبارة عن تخصيص الشيء بالشيء، بحيث إذا أُطلق الأوَّلُ فُهِم منه الثاني، قال: وهذا تعريفٌ سديد؛ فإنك إذا أطلقت قولك: قام زيد فُهِمَ منه صُدُور القيام منه)( ).
والمراد من الوضع أعم فهو تأسيس وإنشاء وبناء، والمختار عدم إمكان وضع إنسان في الأمم السابقة لعلم تام ومتكامل لتخلفه عن مثل هذا العمل الذي يحتاج إلى الوحي أو جهود متعددة ومتراكمة بالذات أو مقتبسة من الوحي .
ويكون وضع العلوم من جهات :
الأولى : تفضل الله عز وجل بالعلم والهداية إليه بالوحي .
الثانية : قيام الأنبياء بوضع العلم ، وتأكيد النهي اللاحق على ما جاء به النبي السابق .
الثالثة : إقتباس العلماء من التنزيل وسنن الأنبياء .
الرابعة : جهود العلماء بحسب الإختصاص ، وكل فرد منهم يضع لبنة في تأسيس العلم ، وهو من أسرار نعمة العقل عند الإنسان ، وبعثه على المواظبة والإقامة في سنن التقوى .
قانون فريدة آية الصلاة على النبي
لقد ورد نداء الإيمان في تسع وثمانين آية من القرآن، وفيه مسائل:
الأولى : كثرة ذكر الله عز وجل في آيات النداء .
الثانية : لم يتكرر نداء الإيمان في آية واحدة من القرآن.
الثالثة : مجئ نداء الإيمان في أوائل الآيات التي يبدأ بها باستثناء آية واحدة وهي قوله تعالى[إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا]( )، فقد ورد النداء في وسطها، ولابد أن لها خصوصية، وفيها مقاصد سامية ونكات كلامية وعلمية، وهي دعوة للمسلمين لإستظهار الذخائر التي في ثناياها.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة[يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا]( )، أي متى قيامتها { قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو } قال : قالت قريش : يا محمد أسر إلينا الساعة لما بيننا وبينك من القرابة . قال : { يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله }( ) قال : وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول : تهج الساعة بالناس : والرجل يسقي على ماشيته ، والرجل يصلح حوضه ، والرجل يخفض ميزانه ويرفعه ، والرجل يقيم سلعته في السوق ، قضاء الله لا تأتيكم إلا بغتة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : { أيان مرساها } قال : منتهاها .
وأخرج أحمد عن حذيفة قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الساعة قال { علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو } ولكن أخبركم بمشاريطها ، وما يكون بين يديها ، إن بين يديها فتنة وهرجا . قالوا : يا رسول الله الفتنة قد عرفناها الهرج ما هو؟ قال : بلسان الحبشة القتل.
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن أبي موسى الأشعري قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الساعة وأنا شاهد فقال لا يعلمها إلا الله ولا يجليها لوقتها إلا هو ، ولكن سأخبركم بمشاريطها ما بين يديها من الفتن والهرج . فقال رجل : وما الهرج يا رسول الله؟ قال : بلسان الحبشة القتل ، وأن تجف قلوب الناس ، ويلقي بينهم التناكر فلا يكاد أحد يعرف أحداً ، ويرفع ذو الحجا ويبقى رجراجة من الناس، لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً ( ).
ويبين الحديث أعلاه تفشي القتل بين الناس في آخر الزمان، ليكون جزء علة بالتعجيل بالنفخ في الصور، وهو من مصاديق إحتجاج الله عز وجل على الملائكة [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( )، عندما إحتجوا على كيفية جعل الإنسان [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، مع أنه [ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ]( )، بتقريب أن الله عز وجل أخبر الملائكة بأنه متى ما انتشر القتل ظلماً بين الناس فان خلافة الإنسان لا تستمر .
وتفضل الله عز وجل بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لإستمرار هذه الخلافة ودفع أوان قيام الساعة.
وهل يدعو الملائكة الذين إحتجوا على خلافة الإنسان بأن تستديم الحياة الدنيا وخلافة الإنسان مع قلة وعدم إشاعة القتل بين الناس .
الجواب نعم، وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا]( ).
وجاءت الآية أعلاه بصيغة الفعل المضارع مما يدل على إستمرار وإتصال مضامينها القدسية، وصلاة الله عز وجل رحمة وثناء وعفو، وصلاة الملائكة دعاء وإستغفار، وفيه واقية يومية متجددة لمنع كثرة القتل بين الناس.
لقد قدمت الآية الكريمة صلاة الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لبعث الشوق في نفوس المسلمين للصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتعاهدهم لهذه الصلاة وما فيها من النفع والفضل من وجوه :
الأول : الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ) من جهات :
الأولى : نزول القرآن بالأوامر للمسلمين بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : الإطلاق والعموم في الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فليس من إستثناء أو تخصيص أو تقييد بالإستطاعة ونحوها .
الثالثة : صيرورة الصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من القربات والطاعات الجليلة .
الرابعة : بعث حب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في نفوس المسلمين والمسلمات .
الخامسة : حضور نبوة وسيرة وسنة وشخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في التصور الذهني للمسلمين كل يوم من أيام الحياة الدنيا .
السادسة : المسلمون [خَيْرَ أُمَّةٍ] لأن الله عز وجل تفضل وأمرهم بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
السابعة : جني المسلمين الثواب العظيم بالمبادرة إلى الصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني : تفضل الله عز وجل باخباره عن صلاته على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتبقى هذه الصلاة كنزاً في الدنيا والآخرة ، فهو في الدنيا واقية لشريعة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الإندثار والقرآن من التحريف .
الثالث : الإنذار والوعيد للذين يجحدون بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويتعرضون لشخصه بالإفتراء والسخرية ونسب له الجنون ، وفي التنزيل [وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ] ( ) .
الرابع : بيان خيبة وخسارة الذين كفروا عند محاربة محمد صلى الله عليه وآله وسلم والذين آمنوا ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ) فمن مصاديق الرحمة في نبوته صلى الله عليه وآله وسلم زجر الذين كفروا عن قتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وإخبارهم بأن صلاة الله عز وجل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم مدد وعون له وللمسلمين ، لتكون صلاة الله وصلاة ملائكته على النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مصاديق نعمة الله بقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا]( ).
الخامس : بعث السكينة في نفوس المسلمين ، فصلاة الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ضياء ينير للمسلمين سبل الهداية والرشاد .
ومن معاني مجئ نداء الإيمان وسط آية الصلاة على إنفرادها بهذه الخصوصية من بين آيات القرآن بيان للشأن العظيم للمسلمين بأن يأمرهم الله عز وجل بمحاكاته في القول .
فصحيح أن التشابه لفظي في المقام وأن صلاة الله عز وجل رحمته وثناءه وصلاة المسلمين الدعاء فان الآية فخر للمسلمين ، وعز لهم وهذا التشابه حرز للمسلمين في النشأتين وتتعدد صيغ صلاة المسلمين على النبي (عن كعب بن عجرة قال : قال رجل يا رسول الله أما السلام عليك فقد علمناه فكيف الصلاة عليك؟ قال : قل اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد ، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد ، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد ) ( ).
(عن طلحة بن عبيد الله قال : قلت يا رسول الله كيف الصلاة عليك؟ قال : قل اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد ، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد ) ( ).
لقد أخبرت الآية عن صلاة الملائكة على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مقدمة لنصرة الملائكة له وللمسلمين في معارك الإسلام ، وفي الآية دلالة بأن الملائكة لم يحتجوا على خلافة الإنسان في الأرض مطلقاً ، ولكنهم أرادوا إصلاح الأرض ، وإنعدام مفاهيم الكفر منها ، وسألوا الله عز وجل أن يمنع الفساد أو القتل بين الناس ، وإذ إستجاب الله عز وجل لهم دعاءهم فانه لا تقع معارك بين المسلمين وكفار لإنتفاء الكفر ، فتكون سالبة بانتفاء الموضوع .
لقد توسل الملائكة بتلقي جميع الناس نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالتصديق والقبول بلحاظ كبرى كلية وهي أن الجحود بها فساد ، وتقدير آية الإحتجاج بلحاظ نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم على وجوه :
أولاً : أتجعل فيها من يفسد فيها بالجحود بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ثانياً : أتجعل فيها من يفسد فيها بصد الناس عن الإيمان بالله ورسوله .
ثالثاً : أتجعل فيها من يفسد فيها بالسخرية والإستهزاء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
رابعاً : أتجعل فيها من يفسد فيها بفرض الحصار على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت في شعب أبي طالب ، ليكون ذات الشعب موضعاً مباركاً لبدء الإسراء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم (وعن أم سلمة وأم هانئ وابن عمر وابن عباس قالوا أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الاول قبل الهجرة بسنة من شعب أبى طالب إلى بيت المقدس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حملت على دابة بيضاء بين الحمار وبين البغل وفى فخذيها جناحان تحفز بهما رجليها فلما دنوت لاركبها شمست فوضع جبريل يده على معرفتها ثم قال ألا تستحيين يا براق فما تصنعين والله ما ركب عليك احد قبل محمد أكرم على الله منه فاستحيت حتى ارفضت عرقا ثم قرت حتى ركبتها) ( ).
خامساً : أتجعل فيها من يؤذي المسلمين الأوائل الذين صدّقوا ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
سادساً : أتجعل فيها من يريد قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليلة مبيت الإمام علي عليه السلام في فراشه .
سابعاً : أتجعل فيها من لحق النبي صلى الله عليه وآله وسلم في طريق الهجرة بغية قتله .
ثامناً : أتجعل فيها من يجهز الجيوش العظيمة وينفق الأموال لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
تاسعاً : أتجعل فيها من يحارب الذين يصلون على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما تصلي عليه سبحانك وتصلي عليه الملائكة .
ومن مصاديق قوله تعالى [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) نزول آية الصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في القرآن وتوثيقها لقانون سماوي أرضي إذ يشارك الملائكة والناس في الصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ومن إعجاز القرآن وبيان اللطف الإلهي فيه مجئ الخطاب من الله للمسلمين والمسلمات بأن الله عز وجل وملائكته يصلون عليهم ، بذكرهم لله ، وتعاهدهم الفرائض العبادية ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (الاحزاب/41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (الاحزاب/42) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ]( ).
وتبين آية الصلاة على النبي ذكره في الملأ الأعلى بصيغ الثناء لترغيب المسلمين بالإكثار من الصلاة على النبي وآله ، والتي قد تسمى أيضاً إختصاراً (التصلية ).
وتبين الآية عظيم منزلة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من بين البشر ، فعندما خلق الله عز وجل آدم عليه السلام ، وأخبر الملائكة عن جعله خليفة في الأرض إحتجوا لأن من ذريته من يدنس الأرض بالفساد ، ويقتل النفس المحرمة ، فأقام الله عز وجل عليهم الحجة والبرهان بقوله [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) ومن علمه تعالى صيرورة الملائكة يصلون على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويدعون له ويدعون لأمته ويحتمل نزول الملائكة لنصرة المسلمين في معركة بدر وأحد والخندق وحنين وجوهاً:
الأول : نصرة الملائكة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الصلاة عليه .
الثاني : صلاة الملائكة على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مقدمة لنزولهم لنصرته .
الثالث : من رشحات نزول الملائكة لنصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلاتهم عليه .
ولا تعارض بين هذه الوجوه ، وكلها من مصاديق الآية الكريمة.
قانون كل آية قرآنية رحمة للعالمين
لقد جعل الله عز وجل كلاً من النبوة والتنزيل مرآة لرحمته في الأرض وتجلى هذ القانون بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونزول القرآن وبقائه في الأرض ميثاقاً للناس، ومنهاجاً عبادياً ينهل منه الناس سحائب الخير وفيوضات البركة، وما من إنسان إلا وينتفع من القرآن بالذات أو بالواسطة، وبالإنصات له أو بالإقتباس من المسلمين في ميادين الصلاح والتقوى ، ويكون من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( )، وجوه :
أولاً : وما أرسلناك بالآية القرآنية إلا رحمة للعالمين .
ثانياً : كل آية قرآنية رحمة للعالمين .
ثالثاً : وما أرسلناك إلا لتتلو القرآن رحمة للعالمين .
رابعاً : وما أرسلناك إلا للعمل بالآية القرآنية رحمة للعالمين) وليس من حصر لمصاديق الرحمة في الآية القرآنية بلحاظ أمور :
الأول : مصاحبة الآية القرآنية للناس وإلى يوم القيامة .
الثاني : مجئ آيات القرآن بما يحتاجه الإنسان في أمور الدين والدنيا .
الثالث : تفضل الله عز وجل بجعل آيات القرآن [تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( )، وليس من رحمة أعظم من التبيان لأنه ضياء ينير دروب الهداية والرشاد .
لقد جعل الله عز وجل الإنسان كائناً محتاجاً فقيراً لا تنفك عنه الحاجة والقصور مع تعدد أسباب العجز، إذ يتصف بأن أمانيه وتصوره الذهني أكبر بكثير من قدرته , ولو إطلع الناس على التباين بين التصور والأمل عند الإنسان وبين ما يقدر على تحصيله لقالوا بأنه مجنون .
وهل ظن الذين كفروا بأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لا يقدر على جذب الناس للإسلام، وبسط أحكام الشريعة، [وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ] ( ) الجواب لا من جهات :
الأولى : يتضمن قولهم الإقرار بنبوة ورسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : تسليم العرب بأن ما ينطق به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تنزيل ووحي من عند الله .
الثالثة : إتحاد سنخية الذين كفروا في الأمم المتعاقبة برميهم الأنبياء بالسحر والجنون كما في رمي فرعون لموسى عليه السلام بالجنون ، وقال تعالى [كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ] ( ).
ولم يلتفتوا إلى المعجزة النبوية التي تمحو وتمنع من التباين بين أماني وإخبار النبي وبين المصداق الواقعي.
ومن خصائص نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم نزول آيات القرآن بالبشارة بسيادة حكم الإسلام، وإخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن علو صرح الإسلام وبناء دولته، وهو من مصاديق الرحمة بالناس جميعاً.
وكان النبي كثير الرؤيا ولا يرى رؤيل إلا تحقق مصداقها بجلاء ووضوح بلحاظ أن رؤياه صلى الله عليه وآله وسلم شعبة من الوحي ، وعندما ينام يبقى قلبه يقظاً بانتظار الوحي , وورد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال (ما استيقظ رسول الله صلى الله عليه وآله من نوم إلا خر لله عز وجل ساجدا .
وكان صلى الله عليه وآله إذا نام تنام عيناه ولا ينام قلبه ويقول: إن قلبي ينتظر الوحي، وكان صلى الله عليه وآله إذا راعه شئ في منامه قال: هو الله لا شريك له ” وكان صلى الله عليه وآله كثير الرؤيا ولا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح.
وكان صلى الله عليه وآله إذا استيقظ من نومه يقول: ” سبحان الذي يحيى الموتى وهو على كل شئ قدير ” وإذا قام للصلاة قال: الحمد لله نور السماوات والارض والحمد لله قيوم السماوات والارض، والحمد لله رب السماوات والارض ومن فيهن، أنت الحق وقولك الحق , ولقاؤك الحق , والجنة حق والنار حق والساعة حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت إلهي لا إله إلا أنت ” ثم يستاك قبل الوضوء.
قال الإمام علي عليه السلام : كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقول حين يستيقظ من منامه ” الحمد لله الذي بعثني من مرقدي هذا، ولو شاء لجعله إلى يوم القيامة، الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لم أراد أن يذكر أو أراد شكورا .
الحمد لله الذي جعل الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، الحمد لله الذي لا تجن منه النجوم، ولا تكن به الستور، ولا يخفى عليه ما في الصدور) ( ).
لقد أدرك الكفار ميل الإنسان للإسلام فلجأوا إلى السخرية والتشويه والإنتقاص من شخصية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وكأن هذه السخرية مقدمة وتهيئة للأذهان لللعزم على قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو الذي تجلى بارادتهم قتله في فراشه ، فهاجر إلى يثرب التي أبدلها الله ببركة نبوته إسماً ومسمى .
لقد أظهر النبي صلى الله عليه وآله وسلم نبوته، وعاب على قريش عبادتهم الأصنام وسخر منهم، وكانوا أصحاب تجارة وذوي شأن في الجزيرة العربية وعند ملوك الروم والفرس والحبشة، فخشوا على منزلتهم عند القبائل وبين الدول فمشى رجال من سادتهم إلى أبي طالب منهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة (وهما أول قتيلين من الكفار يوم معركة بدر) وأبو سفيان بن حرب وأبو البختري بن هشام والوليد بن المغيرة والحارث بن أسد بن عبد العزي، والأسود بن المطلب، وأبو جهل وأسمه عمرو بن هشام , ونبيه ومنبه ابن الحجاج وغيرهم.
فقالوا : يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا، وعاب ديننا وسفه أحلامنا، وضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخلي بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه، فنكفيكه.
فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا، وردهم ردا جميلا، فانصرفوا عنه.
ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما هو عليه، يظهر دين الله ويدعو إليه. ثم ساء الامر بينهم وبينه حتى تباعد الرجال وتضاغنوا.
وأكثرت قريش ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بينها، فتذامروا فيه وحض بعضهم بعضا عليه.
ثم إنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى، فقالوا: يا أبا طالب إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا، أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين ( ).
واشتد على أبي طالب أمر كبار قريش، وهو يعلم بمكرهم وكيدهم، وخشي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فارسل إليه وأخبره بما قالت قريش، والضرر المحتمل الذي يأتي من جهتهم، فقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قوله الخالد الذي هو شعبة من الوحي ( وَاَللّهِ لَوْ وَضَعُوا الشّمْسَ فِي يَمِينِي ، وَالْقَمَرَ فِي يَسَارِي عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذَا الْأَمْرَ حَتّى يُظْهِرَهُ اللّهُ أَوْ أَهْلِكَ فِيهِ مَا تَرَكْتُهُ( ).
وأدركت قريش ميل الناس إلى دعوة النبي إلى التوحيد وإنتفاعه الأمثل من أيام موسم الحج خاصة وأنها أشهر حرم لا يجوز فيها عند العرب القتل والثأر، والأشهر الحرم أربعة وهي ذو القعدة وذو الحجة ومحرم، وهي سرد متصلة، وشهر رجب منفصل.
وتقيم العرب أسواقاً في أيام الحج وقد تقدم التفصيل في ذكرها( ).
ويمكن تقسيم أسواق العرب إلى قسمين :
الأول : الأسواق الدائمة التي تقام طيلة أيام السنة، والتي تقام وسط المدن أو القرى، أو عند موضع التقاء المسافرين وإجتماع القوافل، والأماكن التي فيها أمان للناس في أنفسهم وبضائعهم وأموالهم، لذا كان رؤساء القبائل يشرفون على ضبط الأمن فيها.
الثاني : الأسواق الموسمية، وهي كثيرة وأكثر شهرة، مما يدل على أن العرب لم يكونوا يولون للأسواق والشراء والبيع، وإقتناء البضائع عناية خاصة وأنهم في حال غزو مستمر، أما أن يكونوا غازين أو يتعرضون للغزو، مع قلة ما في أيديهم , ومن الأسواق الموسمية ما تكون في الأشهر الحرم .
ليجعل الله عز وجل هذه الأسواق محلاً لتلاوة آيات القرآن , ونشر مفاهيم العدل والإنصاف , والإقرار بالتوحيد والنبوة والحشر إلى الله للحساب والجزاء .

مشاركة

Facebook
Twitter
Pinterest
LinkedIn