معالم الإيمان في تفسير القرآن – الجزء- 146

المقدمــــة

الحمد لله حمداً صادقاً مباركاً فيه، متصلا دائماً ليس له إنقطاع، الحمد لله الذي جعل الموت خاتمة حتم وقطع لوجود الإنسان في الحياة الدنيا , ولكن حمده لله يبقى فيها ويصاحبه، في قبره ويحضر معه في يوم الحساب لتدرك الملائكة الذين إحتجوا على جعل الإنسان[فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، بأنه ليس من ثروة ومال وكنز أعظم من حمد الإنسان لله عز وجل، وأن الله أكرم الإنسان بتلقينه الحمد لله وتقريبه من نطقه وخفته على اللسان ، وكتابة الملائكة ذاتهم له ولأجره.
الحمد لله الذي أثنى على نفسه وعلى نحو متعدد في الكتاب الباقي إلى يوم القيامة سالماً من التحريف ليكون هذا الثناء مدرسة مستقلة في تهذيب الألسن وإصلاح النفوس، فإبتدأ نظم القرآن بآية [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ]( )، بعد آية البسملة وقال تعالى[الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ]( )، [فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ]( ).
ليكون موضوع ثناء الله عز وجل على نفسه في كل آية من آيات الحمد روضة ناضرة يستقرأ منها المسلمون والناس جميعاً القوانين ويستنبط منها العلماء المسائل والأحكام ، وتكون برهاناً على وجوب عبادته تعالى.
الحمد الله الذي جعل العبادة علة دائمة لخلق الناس وليكون من رشحات هذه العلة حفظ المؤمنين وزيادة إيمانهم ، وكثرة وتكاثر عددهم، وتوارث ذراريهم سنن الهداية والإيمان، فلا يغادر المسلم الدنيا إلا وهو مطمئن على ثبات أولاده في منازل الهدى والإيمان ، وهو من أسرار حرمة الإرتداد في الإسلام بلحاظ أن هذه الحرمة نفع عام لأهل الأرض السابق والحاضر واللاحق، أما السابق فإن عبادة المسلمين باب للمغفرة والثواب للآباء وإن علوا.
أما الحاضر فإنه يبدأ ويختم يومه بالصلاة وتلاوة القرآن ليتلقى الأبناء الصلاة ميراثاً وتركة مباركة ، وهو من الإعجاز في تشريع وجوب قراءة القرآن في الصلاة اليومية ليكون في هذه القراءة دفع للآفات الأرضية والسماوية، ووقاية للنفوس من الإجهاز على أهل القرآن لذا ترى أهل الملل جميعاً لا تنفر نفوسهم من الصلاة، ولا يحاربون ذات الصلاة التي هي دعوة إلى الله، وشاهد على إرادة السلم وإمتناع المسلمين عن الإضرار بالآخرين، وهي دليل على أن الإسلام لم ينتشر بالسيف ولا يريد أو يسعى لهذه الكيفية في الحياة، لأن كل آية من القرآن حجة بينة تلح على الناس بلزوم الإيمان، وتبين الحاجة إليه في النشأتين ، وهو من مصاديق الإطلاق والتفضيل في قوله تعالى [إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ] ( ).
الحمد لله الذي لا تتم الصالحات إلا بفضله ولطفه وإحسانه , الذي يقبل القليل في كمه وكيفيته وأوانه ليعطي الكثير واللامتناهي من الأجر والثواب.
وهل تختص المضاعفة الكثيرة في قوله تعالى[مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ]( )، بالإنفاق في سبيل الله أم أنها مطلقة في عمل الصالحات ، المختار هو الثاني، وورود الإنفاق في الآية أعلاه من باب المثال الأمثل , والترغيب للمسارعة في الخيرات .
ومن الإعجاز إبتداء الآية أعلاه بصيغة المثل وتكراره في الآية.
فإن قلت قد ورد قوله تعالى[مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا]( )، فهل هناك نوع تزاحم أو تعارض بين الآيتين.
الجواب لا، لسلامة آيات القرآن منهما ، ويدل الجمع بينهما على العموم في الآية أعلاه من سورة البقرة بلحاظ أن الإنفاق حسنة أيضاً ومع هذا أخبرت الآية أعلاه عن كون ثوابها عشر أمثالها .
وبين الثواب في الآيتين عموم وخصوص مطلق.
وعند تعارض الحديثين فإن الجمع مقدم على الترجيح، والعمل بهما أولى من الإهمال.
ولو احتمل تعارض الحديث مع الآية فلابد أن يوجه الحديث وفق منهاج ومضامين الآية القرآنية خاصة وأن وجوه تأويلها متعددة ومتجددة [وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا]( ).
أما بالنسبة لآيات القرآن فليس بينها تعارض سواء كان ظاهرياً أو خفياً وهو من إعجاز القرآن ، لنشير هنا إلى قانون وهو قد يبدو وعلى نحو الشبهة الإبتدائية أن حديثاً ما معارض للقرآن، ولكن التحقيق والتدبر ينفي هذا التعارض ويأتي زمان وتتغير أحوال فتتجلى حقيقة وهي عدم معارضته للقرآن لذا نؤكد على وجوب توثيق وتعاهد السنة وعدم التعجل برمي الحديث بأنه معارض للآية القرآنية , وقد يظن أنه معارض لآية مخصوصة، ولكن هذا التعارض ينتفي عند التدبر ، والجمع بينها وبين آيات قرآنية أخرى.
ولا يتعارض نفي التعارض مع وجود النسخ في القرآن، ومن الآيات في التشريع في المقام أن المنسوخ في طول الناسخ وليس في عرضه أو مقاطعاً له.
الحمد لله الذي وهب للناس نعمة عظمى وهي النطق بالحمد له سبحانه والثناء عليه إبتداءً وشكراً على النعم ليكون الحمد حرزاً في الدنيا ومقدمة ونوع طريق لتوالي النعم، وواقية من الأدران والفتن.
الحمد لله علام الغيوب، الذي تكون السرائر حاضرة مكشوفة عنده طوعاً وقهراً، ليصلح الناس إلى العبادة ويقربهم بلطفه إلى طاعته ومن بديع صنع الله أن كل آية من القرآن لطف يبعث في النفوس حب الله ، ويقرب الناس إلى طاعته .
الحمد لله مولى الخلائق، باسط الرزق للعباد، يندب الناس لزيادته وتيسيره، الحمد لله منجز وعده الذي جعل الخلائق مستجيبة لمشيئته.
الحمد لله الذي جعل الأرض تشرق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فتطل على أهلها كل يوم شمس النهار بضيائها وما يبعثه من السعي والجد ، قال تعالى[وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا]( )، وقال تعالى[وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا]( )، وتطل شمس النبوة والقرآن عليهم وإلى يوم القيامة لتكون جلباً للرزق وسبباً للغبطة والسعادة في النشأتين ، وإذ تضمحل الشمس ويتغشى الظلام جرمها بقوله تعالى[إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ].
فإن شمس النبوة لم تضمحل في الآخرة، وضياء وأنوار القرآن مصاحبة للمسلم في عالم البرزخ وعند النشور ومواطن الحساب والجزاء .
وعن ابن عباس: ان رجلاً ضرب خباءه على قبر ولم يعلم أنه قبر، فقرأ ” تبارك الذي بيده الملك ” فسمع صائحا يقول: هي المنجية، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم , فقال: هي المنجبة من عذاب القبر( ).
اللهم صل على صفوة خلقك، وخيرتك في بريتك، وحجتك على الخلق أجمعين، إمام الجن والإنس محمد صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الذين جعلت مودتهم أجراً وشكرا لك من الناس , وأذهبت عنهم الرجس وأخبرت عن تفضيلك لهم بتطهيرهم وتزكيتهم وعصمتهم ليكونوا أئمة للهدى، وشجرة للتقوى، قال تعالى[إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا]( ).
الله صل على محمد خاتم النبيين الذي أكرمته وأمته والناس أجمعين فلم تجعل من بعده نبياً، وهذا المعنى من عمومات قوله تعالى[أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ]( ) ، ولتكون في نبوته كفاية للناس في عباداتهم وصلاحهم وتصريف أمورهم .
الحمد لله الذي جعل القرآن مؤلفاً من سور وآيات , وكل آية معجزة قائمة بذاتها، وخزينة لا تنفد ذخائرها، وزينة للدنيا، وبهجة للقلوب، وأنيساً للنفوس، وصراطاً مستقيماً ومنهاجاً جلياً، ونوراً ساطعاً يشع على الأرض فتفيض على أهلها البركة .
وعن أبي سعيد الخدري قال : أيها الناس إني تارك فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعدي أمرين . أحدهما أكبر من الآخر ، كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض ، وعترتي أهل بيتي ، وأنهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض ( ).
ليكون من معاني الحبل الممدود أن معجزات القرآن ومضامين آياته أمر محسوس إلى جانب الإعجاز العقلي، وأن الحبل الممدود ظاهر للناس جميعاً إلى يوم القيامة، وبمقدور أي واحد منهم ذكراً أو انثى التمسك به، والإستنارة بضيائه , وفيه شاهد بأن ليس من برزخ أو حاجز يمنع الإنسان عن التمسك بالقرآن .
الحمد لله الذي جعل الحياة الدنيا دار إمتحان وإختبار يأتي فيها الإبتلاء للإنسان باختياره أو على نحو القهر والجري والإنطباق، ويعجز الإنسان عن تحقيق أمانيه وصرف البلاء عنه، ولكنه يقدر على الدعاء والتضرع إلى الله عز وجل وسؤال الأمن وحسن الحال، فتفضل الله عز وجل وأنزل القرآن لهداية الإنسان للإيمان وصيرورته في حرز من البلاء، وكل آية من القرآن رحمة وسبيل لدفع الفتنة والضرر.
وقد جاء تفسيرنا هذا (معالم الإيمان في تفسير القرآن) في بيان كنوز من ذخائر الآية القرآنية، ومنه هذا الجزء وهو السادس والأربعون بعد المائة الذي إختص بتفسير الآية الستين بعد المائة من سورة آل عمران وهي السورة الثالثة في ترتيب سور القرآن بعد سورة الفاتحة وسورة البقرة ، ليكون هذا التفسير آية علمية لم يشهد لها التأريخ مثيلاً بلحاظ أن أجزاء هذا التفسير كلها مسائل وقوانين مستنبطة من مضامين ذات الآية محل التفسير، مع استقراء علوم مستحدثة من الجمع بينها وبين الآيات المجاورة لها .
وتبدأ آية البحث بالخطاب من الله عز وجل للمسلمين بالنصر على الأعداء ولكن بصيغة الجملة الشرطية بقوله تعالى[إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ].
ويمكن تأسيس علم جديد في الجملة الشرطية بالتفصيل في مضامينها وتقسيمها إلى قسمين:
الأول : تعليق تحقق الفعل على الشرط لإنتفاء المشروط بانتفاء شرطه.
الثاني : الجملة الشرطية التي تتضمن معنى الإخبار وليس التعليق على الشرط .
والمختار أن آية البحث من الثاني والمراد منها تعلق الشرط بالواقعة والزمان ، وتقدير الآية : سينصركم الله وإذا نصركم فلا غالب لكم).
ويمكن إستقراء هذا المعنى من آيات القرآن الأخرى منها قوله تعالى[إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا]( )،[ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ]( ).
ويأتي مزيد بيان في صفحات هذا الجزء المبارك مع سلامة المسلمين من الخذلان من عند الله، هذا الخذلان الذي لا يقترن إلا بالشرك والضلالة الذي جعل الله عز وجل المسلمين في واقية وحرز منه ببركة القرآن، قال تعالى[لاَ تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولاً]( ).
لقد أختتمت آية البحث بقانون مصاحب للإنسان في وجوده على الأرض وهو توكل المؤمنين على الله عز وجل وتفويض أمورهم له سبحانه لأن مقاليد أمور الخلائق كلها بيده سبحانه.
وليس من مخلوق مثل الإنسان أكرمه الله قبل أن يخلق بمرتبة تغبطه عليها الخلائق [وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ]( ).
لقد سأل الملائكة الله عز وجل تنزيه الأرض من فعل السيئات بعفة الإنسان وعصمة الناس من الفساد وزجرهم عن محاربة الأنبياء وقتال المؤمنين الذين يدعونهم إلى عبادة الله ونبذ إتخاذ الشريك، فجاء الرد من عند الله عز وجل[إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( )، فاذعن الملائكة لأمر الله، وسجدوا لآدم عندما أمرهم الله عز وجل ،وفيه دعوة للناس للشكر لله عز وجل بالسجود له سبحانه ، وإنحصار سجود اجيالهم المتعاقبة له تعالى فلا يسجدون لغيره ، وهذا الحصر المبارك هو الذي جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإليه يدعو .
لذا تتضمن آية البحث الوعد الكريم للمسلمين بالنصر وتبعث السكينة في نفوسهم بانعدام الغالب لهم بقوله تعالى [فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ] وهل يمكن قراءة الشطر أعلاه على نحو مستقل من غير لغة وجواب الشرط .
الجواب نعم ، فهو قانون مستقل من الإرادة التكوينية وباق إلى يوم القيامة ، قال تعالى [هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ] ( ).
ليكون من علم الله عز وجل نزول آية البحث بالإخبار عن قانون وهو أن النصر إبتداء وإستدامة بيد الله سبحانه، وهو سبحانه ينصر ، ويمنع نقيض النصر، وهو الذي يخذل الذين كفروا.
ويمكن تأسيس علم جديد وهو الصلة بين نزول الآية القرآنية وبين الوقائع والأحداث المتقدمة عليها والمتأخرة عنها، وهو أعم من علم أسباب النزول , وقائم على التحقيق والإستقراء .
ومن هذا العلم نزول آية البحث بعد معركة بدر لتترشح عنه مسائل :
الأولى : تحقق مصداق لنصر الله عز وجل قبل نزول آية البحث وصيغة الجملة الشرطية التي نزلت بها .
الثانية : موضوعية نصر المسلمين في معركة بدر بخصوص مضامين آية البحث، وسيأتي الجمع بين قوله تعالى[وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ]( )، وبين آية البحث.
الثالثة : أثر آية البحث في سلامة المسلمين من الإنكسار والهزيمة.
الرابعة : فيوضات آية البحث على المسلمين وسعيهم في الدفاع عن بيضة الإسلام .
الخامسة : موضوعية وأثر آية البحث في ذات معركة أحد.
السادسة : أسباب نزول آية البحث والآية القرآنية مطلقاً .
السابعة : حضور ونفع آية البحث في معارك الإسلام اللاحقة .
الثامنة : ترتب النفع على آية البحث بصرف القتال عن المسلمين، وهل هو من مصاديق قوله تعالى[يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ]( )، الجواب نعم، لتكون هناك وجوه لامتناهية لمصاديق الآية أعلاه في طرفيها المحو والإثبات , وبلحاظ كل آية من القرآن .
منها بخصوص آية البحث وجوه:
الأول : يمحو الله ما يشاء من المعارك والقتال بين المسلمين والذين كفروا.
الثاني : يمحو الله ما يشاء من الموانع التي تحول دون نصر المسلمين .
الثالث : يمحو الله ما يشاء من قدرة الذين كفروا على القتال وحجب أسباب الزيادة في السلاح، والعدة والمؤونة، وهو من مصاديق قوله تعالى[وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ]( ).
الرابع : يمحو الله ما يشاء من الذلة والعوز والنقص في العدة والسلاح عند المسلمين .
الخامس : يمحو الله ما يشاء من أسباب الخوف والحزن عند المسلمين، ويثبت ضروباً من الخوف والفزع عند الذين كفروا، فما أن يقع اللقاء حتى تكون مقدمات الرجحان، محرزة عند المسلمين .
السادس : يثبت الله توكل المسلمين عليه سبحانه، ويمحو الموانع التي تحول دونه.
وتدل آية البحث في مفهومها على النهي عن قتال المسلمين بعضهم لبعض، إذ أنها تخاطبهم وتعدهم بالنصر كأمة متحدة وتبين الحاجة إلى إتحادهم وتآزرهم والمنافع العظيمة له، وهو من مصاديق قوله تعالى[وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا]( ).
فتنهى الآية أعلاه عن الفرقة والإختلاف لتدل بالأولوية القطعية على حرمة التناحر والإقتتال بينهم، وهذا النهي مقدمة للنصر الذي تذكره آية البحث، وهل هو سبب ومقدمة للخذلان من عند الله.
الجواب لا، فلا دليل على خذلان الله عز وجل للمسلمين ، وسلامتهم من الخذلان من الوعد المترشح عن قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
ومن الإعجاز وأسباب الوحدة والألفة بين المسلمين إتحاد أدائهم العبادات، واجتهاد كل طائفة وفريق بالإقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في العبادات والمعاملات , وهو من أسرار حرصه على أداء الصلاة اليومية جماعة ليتقن المسلمون الصلاة مع تأكيده على الثواب العظيم لصلاة الجماعة .
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ( ) بسبع و عشرين درجة , عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : من صلى أربعين يوما في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتب له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق ( ).
وأيهما أكثر ثواباً صلاة المفرد في المسجد أم صلاة الجماعة في البيت ، الجواب لكل فرد منهما ثواب عظيم وصلاة الجماعة في غير المسجد أفضل من صلاة المنفرد فيه إلا مع وجود مرجحات أخرى .
ومن الإعجاز في آية البحث أن الله عز وجل ينصر المسلمين ليؤدوا الصلاة جماعة في المسجد وخارجه من غير خشية من الذين كفروا وسطوتهم إذ يبتليهم الله بالوهن والخيبة ، قال تعالى [وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ] ( ) .
وهل من موضوعية لعبادات المسلمين وأدائهم الفرائض متحدين في إمتناعهم عن الإقتتال بينهم، ودنو الصلح بينهم ان وقع القتال، الجواب نعم ، وهو من المعجزات الحسية لنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ويروى ان ابا عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمي علّم ولدا للحسين بن علي سورة ( فاتحة الكتاب ) فلما قرأها على ابيه اعطاه ألف دينار وألف حله وحشا فاه درا فقيل له في ذلك : فقال واين يقع هذا من عطائه يعني تعليمه.
أي أن الإمام أجابهم بأن ما أعطيته لا يعادل تعليم آية واحدة من سورة الفاتحة التي هي سبع آيات .
لبيان قدسية وعظمة تعليم القرآن ولزوم عناية المسلمين به خاصة سورة الفاتحة التي تكون قراءتها واجباً على كل مسلم ومسلمة في صلاته اليومية ، لتكون بذاتها وكلماتها ومعانيها غذاءً للمسلمين , يمنحهم الصبر وحسن التوكل على الله ورجاء النصر على الذين كفروا ، وهو من مصاديق قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( ).
لقد ذكرت آية البحث النصر والوعد به وكل من عند الله ، وهل يكون من مصاديق النصر والغلبة على النفس الشهوية الجواب لا ، إذ أن القدر المتيقن منه هو النصر على الذين كفروا ، نعم , يكون إصلاح وتهذيب النفوس مقدمة لهذا النصر .
لقد اختص الجزء السابق وهو الخامس والأربعون بعد المائة بتفسير قوله تعالى [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ..] ( ) وتضمنت الآية الرأفة والرفق ، وأمر الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالعفو عمن تجاوز وأساء من المسلمين ليكون من نعم الله عز وجل على الإنسان بدخوله الإسلام فوزه بعفو النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنه .
ومن الآيات أن العفو عام ليس بخاص فيشمل الذي آذى النبي صلى الله قبل أن يتبعه ويدخل الإسلام أو بعد إسلامه ، ويشمل الحاضر والغائب من المسلمين والمسلمات فما أن يتلو المسلم أو المسلمة الآية السابقة حتى يعلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد عفى عنه ، للتبادر والقطع عند كل مسلم بأن إستجابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأمر الله عز وجل فورية ، وهذا التبادر من أسباب العفو عن المسلمين ، ومن مصاديق الثناء عليهم قبل خمس آيات بقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ] ( ).
وسيأتي فريد بيان في الصلة بين الآية أعلاه وبين آية البحث.
وانتقلت آية البحث إلى موضوع القتال بين المسلمين والذين كفروا ، إذ أنها تذكر النصر من عند الله ، وصحيح أن موضوع النصر أعم ، وقد يتعلق بغير الحرب والقتال ، إلا أن المتبادر بخصوص آية البحث هو النصر في القتال مع الذين كفروا ، وقد ينصر الله عز وجل المسلمين من غير قتال أو حرب كما في صلح الحديبية .
(عن مجمع ابن جارية الأنصاري قال : شهدنا الحديبية فلما انصرفنا عنها إلى كراع الغميم إذا الناس يوجفون الأباعر فقال الناس بعضهم لبعض : ما للناس؟ قالوا : أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فخرجنا مع الناس نوجف ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على راحلته على كراع الغميم فاجتمع الناس عليه ، فقرأ عليهم : { إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً }( ) .
فقال رجل : يا رسول الله : أو فتح هو؟ قال : والذي نفس محمد بيده إنه لفتح فقسمت خيبر على أهل الحديبية لم يدخل معهم فيها أحد إلا من شهد الحديبية .
فقسمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثمانية عشر سهماً ، وكان الجيش ألفاً وخمسمائة منهم ثلثمائة فارس ، فأعطى الفارس سهمين وأعطى الراجل سهماً) ( ).
ومن معاني آية البحث تهيئة أذهان المسلمين للقتال ، وإخبارهم بنشوب معارك بينهم وبين الذين كفروا وأن النصر بيد الله لبعثهم على الدعاء والتضرع إلى الله عز وجل بالنصر والغلبة على الذين كفروا ، وهذا الدعاء لا يتعارض مع وجوب السعي وبذل الوسع في الإستعداد للمعركة بالعدة والعدد .
وهل الدعاء من مصاديق قوله تعالى [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ] ( ) .
الجواب المتبادر إلى الذهن هو القوة المادية المحسوسة وكثرة المسلمين وأسلحتهم مع إقتناء الخيل والوسائط التي تساعد المسلمين في القتال ، وتخفف عنهم المؤونة , ولكن الدعاء من مصاديق القوة التي في ذاته وأثره ، إذ يبعث الثقة في النفوس ، ويكون نوع وسيلة للإعداد الأحسن والأفضل للمعركة ويكون الدعاء حاضراً في المعركة وإن تقدم زمانه عليها ، وصدر من الذي حضر المعركة أو الذي لم يحضرها من المسلمين .
وعن الصادق عليه السلام قال (الدعاء أنفذ من السنان) ( ).
ويصرف الدعاء البلاء والقتال عن المسلمين ويجعلهم في بحبوحة من العيش وأمن ، وهو من أسرار مجئ آية البحث بصيغة الجملة الشرطية التي تدل بالدلالة التضمنية على التعليق وعدم التنجيز بخصوص المعارك والقتال بين المسلمين والذين كفروا .
فان قلت هل يصح القول بأنه بدل أن تكون معركتان في السنة بين المسلمين والذين كفروا تكون معركة واحدة الجواب نعم ، وقد تمر سنوات على المسلمين من غير أن تكون هناك معركة بينهم وبين الذين كفروا ، وهو من رشحات الدعاء ، والدلائل على أن منافع دعاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليلة ويوم معركة بدر لم تختص بذات المعركة بل تشمل الأعم .
كما ذكرت آية البحث النصر فانها ذكرت الخذلان بقوله تعالى [فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ]والخذلان ترك العون وعدم إرسال المدد ، وليس في حياة المسلمين ما قبل نزول هذه الآية خذلان للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو عموم المسلمين .
وهل في الآية توبيخ للمسلمين ، الجواب لا ، والمختار خلو القرآن وآياته من التوبيخ والذم ، وتدل عليه آيات كثيرة منها قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( )ويدل عليه نداء الإيمان [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] والذي ورد تسعاً وثمانين مرة في القرآن , وفيه ثناء على المسلمين من وجوه :
الأول : كل نداء إيمان موجه للمسلمين في القرآن ثناء ومدح على المسلمين .
الثاني : كل جمع بين فردين من نداء الإيمان ثناء وعز للمسلمين ، لذا ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وشبك بين أصابعه.) ( ).
الثالث : دلالة مضامين كل آية من آيات النداء على الثناء على المسلم من جهات :
الأولى : لغة الأمر النازل من عند الله للمسلمين والمسلمات جميعاً بصيغة نداء الإيمان إلى يوم القيامة كما في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا] ( ).
الثانية : صيغة النهي كما في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ] ( ).
الثالثة : لغة الشرط كما في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ] ( ).
وهل آية البحث معطوفة على آية النداء التي وردت قبلها بأربع آيات الجواب نعم ، فيكون تقديرها : يا أيها الذين آمنوا إن ينصركم الله فلا غالب لكم ).
لقد أبى الله عز وجل إلا أن يكون ملك السموات والأرض له وحده ولا يشاركه فيه أحد ، وهو من الدلائل على الوحدانية ، وفيه دعوة للناس لنبذ الشريك ولإجتناب محاربة النبوة والإسلام ، فمن مصاديق ملكه للأرض نصر النبوة والإيمان فان قلت قد لاقى بعض الأنبياء القتل .
والجواب قد نصرهم الله عز وجل بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونزول القرآن في إكرامهم والثناء عليهم وذكر صبرهم في جنب الله , وإستدامة العمل بشريعة الإسلام إلى يوم القيامة .
ومن الأنبياء من كانوا ملوكاً مثل داود وسليمان , ومنهم من بلّغ رسالته حتى وافاه الأجل مثل موسى وهارون وإبراهيم وإسماعيل وغيرهم كثير ، وكل نصر للمسلمين تتضمن الإخبار عنه آية البحث نصر للأنبياء السابقين وفيه تثبيت للأحكام والسنن التي جاءوا بها ، وأحياء لذكرهم وتأكيد لصدق نبوتهم ، وشاهد على أن الله عز وجل لم يخذلهم لأن نصر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتثبيت أحكام شريعته نصر لهم ، قال تعالى [وَإِذْ أَخَذْنَا مِنْ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابن مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا]( ).
حرر في 10/11/2016
10صفر الخير 1438

قوله تعالى [إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ]الآية 160 .
الإعراب واللغة
إن ينصركم الله : إن حرف شرط جازم .
ينصر : فعل مضارع مجزوم وهو فعل الشرط .
الضمير (كم) مفعول به ، ويعود للمسلمين ، وهل يشمل المسلمات ، هذا ما نبينه في باب التفسير( ).
واسم الجلالة (الله) فاعل مرفوع بالضمة على آخره .
فلا غالب لكم : الفاء : رابطة لجواب الشرط .
لا : نافية للجنس مبني لا محل له من الإعراب وتسمى لام التبرئة ، وهي التي تدخل على الجملة الإسمية وتعمل عمل إن وأخواتها فتنصب المبتدأ ويسمى اسمها ، وترفع الخبر ويسمى خبرها ، بشروط ثلاثة وهي :
الأول : مجي اسمها وخبرها بصيغة النكرة ، مثل : لا إنسان باق في الدنيا .
الثاني : إنعدام الفاصل والبرزخ بينها وبين اسمها ، وإذا وجد الفاصل فلابد من تكرارها .
الثالث : عدم دخول حرف جر على (اللام) فاذا دخل عليها لا تكون نافية للجنس ، كما لو قلت صمت بلا رؤية للهلال .
وإذا فقدت (لا) الجنس أحد هذه الشروط لا تعمل عمل إن وأخواتها ولكنها تبقى نافية .
غالب : اسم (لا) مبني على الفتح في محل نصب .
لكم : اللام حرف جر ، والضمير (كم) في محل جر متعلق بمحذوف خبر (لا) .
وإن يخذلكم : الواو حرف عطف ، يخذلكم : مثل ينصركم .
فمن ذا الذي : الفاء : رابطة لجواب الشرط .
من : اسم إستفهام مبني في محل رفع مبتدأ .
ذا : اسم إشارة مبني في محل رفع خبر المبتدأ .
الذي : اسم موصول مبني في محل رفع بدل (من ذا) .
ينصركم : ينصر فعل مضارع مرفوع .
والضمير (كم) مفعول به , والفاعل ضمير مستتر تقديره (هو ).
من بعده : جار ومجرور متعلق بـ ( ينصر ) والهاء ضمير في محل مضاف إليه ، يعود إلى الله عز وجل.
وعلى الله فليتوكل المؤمنون : الواو : حرف عطف.
على الله : جار ومجرور متعلق بـ (يتوكل) ، وقدم المجرور لعظيم شأنه .
الفاء : رابطة لجواب مقدر .
اللام : لام الأمر .
يتوكل : مضارع مجزوم بلام الأمر ، وقيل حرك بالكسر لإلتقاء الساكنين.
المؤمنون : فاعل مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه جمع مذكر سالم .
والنصر والنصرة : الإعانة يقال نصره ينصره نصراً ، وفي التنزيل حكاية عن عيسى عليه السلام قال [مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ] ( ).
والنصر : الفتح ، و(النَّصْر: عَوْنُ المَظْلُوْمِ. والأنْصَارُ: جَماعَة الناصِرِ. وانْتَصَرَ: انْتَقَمَ من ظالِمِه. والنّصْرَةُ: حُسْنُ المَعُوْنَةِ. والنَّصِيْرُ: الناصرُ. والنُّصُوْرُ: النصْرُ.
وفي المَثَل: ” لا تَعْدَمُ من ابن عَمِّكَ نَصْراً ” ، و ” لا يَمْلِكُ مَوْلىً لِمَوْلىً نَصْراً) ( ).
(والنَّصر: العَطاءُ. قال الشاعر:
أبوكَ الذي أجدَى عَلَيَّ بنَصْرِهِ … فأسكَتَ عنِّي بعدَه كلُّ قائلِ) ( ).
(عن ابن الأعرابي قال: العزر: النصر بالسيف. والعزر: التأديب دون الحدّ) ( ).
ليكون بين النصر والنصر بالسيف عموم وخصوص مطلق، فالنصر أعم من جهة الآلة والكيفية بدليل كون صلح الحديبية نصراً وفتحاً عظيماً مع أنه لم يقع فيه قتال .
ويقال غلب يغلب غلبة وغلباً أي أنتصر، قال تعالى بخصوص الروم في قتالهم مع الفرس[وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ]( )، ويقال خذل خذلاناً وخذلاً وهو ترك النصرة عند الحاجة إليها، والتطلع إليها من جهة مخصوصة ولكنها تمتنع عن النصرة، ويأتي الخذلان لترك الإعانة والنصرة مطلقاً والتوكل تفويض الأمر إلى الغير المقرون بالإعتماد عليه والثقة بفعله .
ومن صفات الله عز وجل الوكيل وهو الذي توكل بالقيام بشؤون جميع الخلائق، ومن دعاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
اللهم لا تكلني إلى نفسى طرفة عين ولا تنزع منى صالح ما أعطيتنى)( ).

في سياق الآيات
صلة هذه الآية بالآيات المجاورة , وهي على شعبتين :
الشعبة الأولى : صلة هذه الآية بالآيات المجاورة السابقة , وهي على وجوه :
الوجه الأول : صلة هذه الآية بالآية السابقة لها ، وهو قوله تعالى (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) ( ) وفيها مسائل :
المسألة الأولى : تتقدم آية السياق أعلاه في نظم القرآن على آية البحث التي جاءت متعقبة لها ، ومن أسرار هذا التقدم إبتداء آية السياق بالإخبار عن رحمة الله عز وجل ، بقوله تعالى [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ] ( ) ويحتمل بلحاظ آية البحث وجوهاً :
الأول : تعلق رحمة الله المذكورة في آية السياق بمضامين آية البحث على نحو العموم الإستغراقي .
الثاني : إتصال شطر من مضامين آية البحث بآية السياق .
الثالث : موضوع رحمة الله المذكورة أعلاه خاص بآية السياق ، ولا يتعلق بموضوع آية البحث إلا مع الدليل والأمارة .
والمختار أن قوله تعالى [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ] ( ) يشمل آية البحث ، وان ورد في الآية السابقة لها ، ومن إعجاز القرآن أن كل آية منه هي رحمة من جهات :
الأولى : نزول الآية القرآنية من عند الله رحمة ورأفة ورزق كريم يتغشى الناس جميعاً .
الثانية : مضامين الآية القرآنية رحمة ونعمة .
الثالثة : تلاوة الآية القرآنية رحمة .
الرابعة : الإنصات للآية القرآنية رحمة ومناسبة للإتعاظ ، قال تعالى [وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ] ( ).
الخامسة : معاني البشارة والإنذار في منطوق أو مفهوم الآية القرآنية رحمة من عند الله عز وجل .
السادسة : ورود النص بالرحمة من عند الله في الآية القرآنية .
والنسبة بين قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( )وبين قوله تعالى [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ] ( ) هي العموم والخصوص المطلق ، فالرحمة للعالمين أعم وأوسع في مضمونها ومتعلقها .
ويحتمل الأثر المترتب على الجمع بين الآيتين وجوهاً :
الأول : الرحمة التي تذكرها آية السياق هي ذات الرحمة التي وردت في سورة الأنبياء أعلاه .
الثاني : رحمة الله في آية السياق فرع من رحمة الله للعالمين ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : الرحمة التي تذكرها آية السياق أمر خاص وفرد مستقل .
والمختار هو الثاني والثالث ، ليفوز المسلمون بمصاديق من قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ) ، وتأتيهم الرحمة في آية السياق كفرع من مضامين الرحمة في الآية أعلاه ، كما تأتيهم على نحو مستقل في آية السياق لذا يتعدد متعلق رحمة الله في الآية على وجوه :
الأول : فبما رحمة من الله للعالمين لنت للمسلمين.
الثاني : فبما رحمة من الله بك لنت للمسلمين.
الثالث : فبما رحمة بالمهاجرين والأنصار لنت لهم.
الرابع : فبما رحمة بذراري الصحابة لنت ورفقت.
الخامس : فبما رحمة من الله هي فضل منه تعالى مصاحب للنبوة والتنزيل رأفت .
المسألة الثانية : تقدير الجمع بين الآيتين : فبما رحمة من الله إن ينصركم الله فلا غالب لكم ).
وفيه بيان لقانون وهو مصاحبة رحمة الله عز وجل للمسلمين في حال الحرب والسلم وذات أول آية البحث من رحمة الله ، فقوله تعالى [إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ] بشارة للنصر وبيان بأن النصر يأتي من عند الله عز وجل , سواء بسبب ظاهر أو بغير سبب , وعن جابر بن عبد الله قال (لما كان يوم خيبر بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلا فجبن ، فجاء محمد بن مسلمة فقال : يا رسول الله ، لم أر كاليوم قط ، قتل محمود بن مسلمة ، فقال رسول الله : لا تمنوا لقاء العدو ، وسلوا الله العافية ، فإنكم لا تدرون ما تبتلون معهم ، وإذا لقيتموهم ، فقولوا : اللهم أنت ربنا وربهم ، ونواصينا ونواصيهم بيدك ، وإنما تقتلهم أنت ، ثم الزموا الأرض جلوسا ، فإذا غشوكم فانهضوا وكبروا ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم : لأبعثن غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبانه ، لا يولي الدبر ، يفتح الله على يديه فتشرف لها الناس ، وعلي عليه السلام يومئذ أرمد ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : سر فقال : يا رسول الله ، ما أبصر موضعا ، فتفل في عينيه ، وعقد له ودفع إليه الراية ، فقال علي : يا رسول الله ، علام أقاتلهم ؟ فقال : على أن يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وإني رسول الله فإذا فعلوا ذلك فقد حقنوا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقهما ، وحسابهم على الله عز وجل، قال : فلقيهم ففتح الله عليه) .
ومن رحمة الله عز وجل بالمسلمين ثبوت النصر وعدم نسخه أو إبطاله أو حدوث ضده ، إذ يتعذر على الذين كفروا الغلبة على المسلمين بعد تحقق نصرهم في المعركة وخارجها ، فان قلت إبتدأت آية البحث بصيغة الجملة الشرطية ، وليس بجملة خبرية , فلم تقل الآية : ينصركم الله فلا غالب لكم .
والجواب هذا صحيح ، ولكن الآية بشارة حتى مع الشرط ، إذ أنه يتعلق بانعدام أي غالب للمسلمين .
ومن رحمة الله عز وجل بعث المسلمين على الشكر له سبحانه على النعم المتعددة , وهو بخصوص هذه المسألة على وجوه :
أولاً : إخبار آية السياق عن رحمة الله .
ثانياً : بيان النفع العظيم من رحمة الله .
ثالثاً : تجلي رحمة الله في كيفية سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع المسلمين .
رابعاً : صيرورة سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم نوع هداية للمسلمين وإصلاحهم لهم .
خامساً : رفق ورأفة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالمسلمين سبيل لتنجز نصرهم على الذين كفروا ، وتقدير الجمع بين الآيتين : فبما رحمة من الله لنت لهم لينصرهم على الذين كفروا .
ويصح القول بأن الله عز وجل ألان ورقّ قلب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كي يحققوا النصر على الأعداء ، ويصير الذين كفروا عاجزين عن الغلبة عليهم ، وهو من عمومات قوله تعالى [لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ] ( ) على المعنى بأن المراد في الآية أعم من الخلقة والهيئة .
ومن حق المسلم أن يهديه النبي إلى العمل بسنن القرآن وأن يعلمه أحكام الدين .
وتفضل الله عز وجل وجعل طرق هداية المسلم أكثر من أن تحصى ، فليس من أمة تأتيها الهداية بالتنزيل السالم وإلى يوم القيامة من التحريف والتبديل ، وهذه السلامة من مصاديق الإستقامة في قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( ).
وتفضل وأمر بتلاوة آيات القرآن في الصلاة على نحو الوجوب العيني ، فليس من كتاب سماوي يقرأ مثل القرآن من جهات :
الأولى : قراءة كل مسلم ومسلمة للقرآن .
الثانية : إنتفاء الإستثناء في تلاوة القرآن فلا يعفى بعض المسلمين من تلاوته اليومية .
الثالثة : قراءة المسلم والمسلمة للقرآن جهراً وإخفاتاً ، بانتظام متوارث في الشريعة ،بان تكون القراءة في شطر من الصلوات جهرية كما في صلاة الصبح والمغرب والعشاء ، بينما تكون القراءة في صلاة الظهر والعصر بالإخفات .
الرابعة : تعدد قراءة المسلم للقرآن في اليوم الواحد ، قال تعالى [أَقِمْ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا]( ).
وهل التلاوة في الصلاة من مصاديق المحافظة في قوله [حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَة الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ] ( ) الجواب نعم ، فالمراد من الأمر الإلهي [حَافِظُوا] أعم من أداء الصلاة في أوقاتها إنما يشمل أجزاء وأركان الصلاة .
الخامسة : مما ينفرد به القرآن قراءة كل مسلم ومسلمة آيات متعددة في كل فريضة من الصلوات اليومية الخمسة :
أولاً : صلاة الصبح .
ثانياً : صلاة الظهر .
ثالثاً : صلاة العصر .
رابعاً : صلاة المغرب .
خامساً : صلاة العشاء .
المسألة الثالثة : لقد ذكرت آية البحث أمرين على نحو الجملة الشرطية .
الأول : نصر الله للمسلمين ، وعجز الخلائق عن منع أو رد هذا النصر وبركاته .
الثاني : مع خذلان الله ينعدم الناصر .
وجاءت آية السياق لبيان قانون وهو أن كل فرد من مضامينها مقدمة ونوع طريق لتحقيق النصر للمسلمين وهي :
الأول : مجئ رحمة من الله لجعل قول وفعل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يتصف باللين والرفق فتميل إليه النفوس .
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : الرفق يمن ، والخرق شؤم ، وإذا أراد الله بأهل بيت خيراً أدخل عليهم باب الرفق . إن الرفق لم يكن في شيء قط إلا زانه ، وإن الخرق لم يكن في شيء قط إلا شأنه ، وإن الحياء من الإيمان ، وإن الإيمان في الجنة . ولو كان الحياء رجلاً كان رجلاً صالحاً ، وإن الفحش من الفجور ، وإن الفجور في النار ، ولو كان الفحش رجلاً يمشي في النار لكان رجلاً سوءاً)( ).
لقد أراد الله عز وجل بيان مصداق في الحياة الدنيا لكيفية الخطاب والمعاملة بين المؤمنين من سكنة الجنان باللين والرأفة التي تتجلى في فعل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع المؤمنين ، وليدركوا أن دخولهم الإسلام مقدمة لدخولهم الجنة والإقامة في النعيم الدائم إذا تقيدوا بأحكامه العبادية .
وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَكَانَ فِى قَلْبِهِ مِثْقَالُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَكَانَ فِى قَلْبِهِ مِثْقَالُ بُرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَكَانَ فِى قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ)( ).
لقد إبتدأت آية السياق بذكر الرحمة بقوله تعالى [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ] لبيان وجوه :
أولاً : ذات الرحمة نعمة من عند الله عز وجل.
ثانياً : دعوة المسلمين للتسليم بان قول وفعل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بفضل ولطف من الله تعالى .
ثالثاً : نسبة الرحمة إلى الله لبيان قانون قيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالتبليغ والجهاد , ولا يقدر على جعله يتصف باللين معه إلا الله عز وجل ، وهو الذي جعل رحمته تصاحب النبي في كل فعل يفعله.
قال رسول الله صلى لله عليه وآله وسلم : لما خلق الله الخلق كتب كتاباً بيده على نفسه : إن رحمتي تغلب غضبي ) ( ).
وبين الرحمة والوحي عموم وخصوص مطلق ،فالوحي من رحمة الله، وفي موضوعية رحمة الله التي تذكرها آية السياق بخصوص مضامين آية البحث وجوه :
أولاً : تتغشى مصاديق قوله تعالى [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ]( )، شطراً من مضامين آية البحث .
ثانياً : تتعلق مصاديق الرحمة خصوص أفراد معدودة من بعض مصاديق آية البحث ، كما لو تعلقت ببعض الوقائع والمعارك التي خاضها المسلمون .
ثالثاً : إختصاص الرحمة المذكورة في آية السياق بمضامينها القدسية دون آية البحث .
رابعاً : تغشي وحضور الرحمة التي تذكرها آية السياق مضامين آية البحث ومصاديقها .
والمختار هو الأخير لشائبة العطف وإتحاد نظم الآيات ، ليكون من وجوه تقدير آية البحث :
أولاً : فبما رحمة من الله ينصركم الله .
ثانياً : فبما رحمة من الله لا غالب لكم .
ثالثاً : فبما رحمة من الله لن يخذلكم الله .
رابعاً : فبما رحمة من الله بلغتم مرتبة الإيمان .
خامساً : فبما رحمة من الله تتوكلون عليه سبحانه ، وعن الطبري (نزل عبد الله بن حوالة الأزدي صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فأنشأ يحدثنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، قال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعثنا على أقدامنا حول المدينة لنغنم ، فقدمنا ولم نغنم شيئا .
فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي بنا من الجهد ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : [ اللهم ] لا تكلهم إلي فأضعف عنهم ، ولا تكلهم إلى الناس فيهونوا عليهم ، ولا تكلهم إلى أنفسهم فيعجزوا عليها ، ولكن توكل بأرزاقهم – ثم قال – لتفتحن لكم الشام ثم ليقسمن كنوز فارس والروم وليكونن لأحدكم من المال كذا وكذا ، حتى إن أحدكم ليعطى مائة دينار فيسخطها ثم وضع يده على رأسي فقال : يا ابن حوالة إذا رأيت الخلافة نزلت بأرض المقدسة فقد أتت الزلازل والبلايا والأمور العظام ، والساعة أقرب إلى الناس من يدي هذه إلى رأسك) ( ).
الثاني : نسبة الرحمة التي تبدأ بها آية السياق إلى الله عز وجل وأنها نعمة ولطف منه سبحانه ، وقد ذكرت آية السياق صدور الرحمة منه تعالى ولم تذكر الجهة أو الجهات التي تتوجه لها رحمة الله هذه ، وفيه دعوة للعلماء ، للغوص في ذخائر القرآن وإستقراء المسائل من كنوزه ، والدرر من علومه وكل مسألة تستنبط في المقام هي من مصاديق الرحمة في قوله تعالى [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ] .
لبيان قانون وهو توالي وتجدد أفراد من الرحمة بالذات والواسطة والإقتباس من آيات القرآن .
ليكون تقدير الآية بلحاظ آيات القرآن الأخرى التي تذكر سيرة وفعل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأخبار السنة النبوية على وجوه متكثرة ليس لها حد من طرف الكثرة .
فمثلاً ورد لفظ [يَسْأَلُونَكَ] خمس عشرة مرة في القرآن ، ويتوجه فيها الخطاب من الله عز وجل إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ليكون ذات السؤال وموضوعه والجواب عليه من رحمة ومصاديق لين قلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمسلمين .
وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن الله رفيق يحبّ الرفق في الأمر كله ويحبّ كل قلب خاشع حليم رحيم يعلّم الناس الخير ويدعو إلى طاعة الله ويبغض كل قلب قاس ينام الليل كله فلا يذكر الله تعالى ولايدري يرد عليه روحه أم لا)( ) .
[وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمْ الطُّوفَانُ] ( ) ومنها ما ورد بخصوص قومه [كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ] ( ). كما ورد في القرآن ذكر امرأة نوح ، قال تعالى[ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امرأة نُوحٍ وَامرأة لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنْ اللَّهِ شَيْئًا] ( ).
وهو نوع طريق لتحقيق النصر الذي وعدت به آية البحث.
فمثلاً قوله تعالى [يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] ( ) .
ويكون تقدير وبيان دلالات الآية بحضور رحمة الله على وجوه :
أولاً : فبما رحمة من الله يسألونك، إذ يسأل المسلمون والناس النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم عن الآيات الكونية إقراراً بنبوته وتفضل الله عز وجل عليهم بعلوم من الغيب والسر المكنون.
وقد ورد الأمر من الله عز وجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالسؤال لاقامة الحجة والبيان كما في قوله [فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلْ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنْ المُمْتَرِينَ]( ).
ثالثاً : فبما رحمة من الله يريد المسلمون والناس معرفة أسرار الأهلة ونظام الكون ، بلحاظ أن ذكر الأهلة والهلال من باب المثال ، وفيه شاهد على الإرتقاء الفكري أيام نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقيام الناس بطلب معرفة علة الآية الكونية، والغاية منها، وموضوعيتها في العبادة ، وليكون قوله تعالى [يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ] ( ) من باب تسخير الآيات الكونية لنفع الناس بتقريب أن ذات السؤال وما يترشح عنه من مصاديق هذا التسخير، وعمومات قوله تعالى[سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ]( ).
وهل سؤال المسلمين والناس المتكرر والمتعدد في موضوعه من مصاديق الآيات في النفوس التي تذكرها الآية أعلاه , الجواب نعم، من جهات :
الأولى : وجود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين ظهراني المسلمين، وهو آية في العالمين، قال تعالى[لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ]( ).
الثانية : سعي الناس لطلب المعارف وتحصيل العلوم ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو من البينات الباهرات في نزول أول آية من القرآن بالحث على طلب العلم لقوله تعالى[اقْرَأْ بِاسم رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ]( ).
الثالثة : نزول الجواب من عند الله عز وجل، والتقدير : أنتم تسألون والله هو الذي يجيب، كما في آية الأهلة أعلاه، وقد تكرر السؤال والجواب من عند الله عز وجل بالأمر إلى النبي (قل) ثلاث مرات في آيتين متعاقبتين كما في قوله تعالى[يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ * فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَهُمْ خَيْرٌ]( ).
الرابعة : الإعجاز في جواب النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الأسئلة المتعددة والمتباينة في موضوعها.
الخامسة : تلقي المسلمين الأجوبة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالقبول والرضا، والإقرار بأنها من الوحي.
السادسة : بقاء ذات السؤال وجوابه إلى يوم القيامة في القرآن سالماً من الزيادة والنقصان.
وهل جاءت آية البحث عن سؤال من المسلمين بلحاظ أن لغة الخطاب لهم، ولقاعدة وهي أن هناك آيات تضمنت اجابة على سؤال من المسلمين أو من أهل الكتاب أو من الذين كفروا من غير أن يذكر نص لفظ (يسألونك) كما تدل عليه أسباب نزول بعض آيات القرآن وشواهد التنزيل والوقائع وهي كثيرة , ويمكن تقسيمها بحسب اللحاظ فمثلاً ورد عن ابن عباس قال : ارتد رجل من الأنصار عن الإسلام ولحق بالشرك، فندم، فأرسل إلى قومه أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: هل لي من توبة، فإني قد ندمت، فنزلت (كَيفَ يَهدي اللهُ قَوماً كَفَروا) ( ) حتى بلغ (إِلّا الَّذينَ تابوا) .
فكتب قومه إليه، فرجع فأسلم ( ) .
وورد عن عطاء : قال المسلمون يا رسول الله بنو إسرائيل كانوا أكرم على الله منا . كانوا إذا أذنب أحدهم ذنباً أصبح وكفارة ذنبه مكتوبة في عتبة بابه . أجدع أنفك ، اجدع أذنك ، افعل كذا وكذا . فسكت . فنزلت هذه الآيات { وسارعوا إلى مغفرة من ربكم }( ) إلى قوله { والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم }( ).
فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ألا أخبركم بخير من ذلكم ثم تلا هؤلاء الآيات عليه ( ).
الجواب لا دليل على أن آية البحث جاءت عن سؤال عن المسلمين .
ويمكن تأسيس قاعدة من وجوه :
الأول : لو دار الأمر بين نزول الآية القرآنية عن سؤال أو عدمه، فالأصل هو الثاني .
الثاني : لو علمنا بان الآية القرآنية نزلت عن سؤال ، ولم نعلم هل هو صادر من المسلمين أو غيرهم , فالأصل هو الأول .
الثالث : لو دار الأمر بين السؤال الموجه إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سواء ذكر في القرآن أو السنة هل هو عن حسن نية وإرادة المعرفة والتفقه أم لإثارة الشك والريب , فالصحيح هو الأول .
وذات الأهلة وتعدد إطلالة الهلال على عموم الأرض في أول كل شهر من أيام الدنيا وأخذه بالإتساع حتى يصير في منتصف الشهر قمراً ثم يأخذ بالنقصان معجزة كونية متجددة , وهي من أسباب نصر المسلمين وخذلان الكافرين.
رابعاً : فبما رحمة من الله جاءك الجواب من عند الله بقوله تعالى [قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ] ( ) ولا يعلم كنه هذه الرحمة ومنافعها إلا الله عز وجل لما فيها من البيان والإخبار عن صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبلوغه المرتبة السامية بين الأنبياء بأن يسأله الناس ويتولى الله عز وجل الإجابة ، وهو من عمومات قوله تعالى [وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ] ( ).
خامساً : فبما رحمة من الله تبين الآية أعلاه من سورة البقرة وظائف الأهلة وكيف أنها مواقيت لأمور الناس في زراعتهم ومعاشاتهم وديونهم لتكون الأهلة نظاماً وتنظيماً لحياة الناس , ومنع الفتن بينهم .
سادساً : لما خلق الله الناس عز وجل من أجل أن يعبدوه لقوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( ) تفضل سبحانه وجعل كل آية كونية تجذب الناس إلى العبادة وتهديهم إلى سبل الرشاد وتقربهم إلى طاعة الله وتساعد في إستدامة الحياة الدنيا ومنع الحروب وأسباب سفك الدماء الإختياري بينهم ، إذ ذكرت الآية أعلاه خلق الله عز وجل للجن والإنس وعلة هذا الخلق ليدل بالدلالة التضمنية على أن الله عز وجل يديم عمارة الناس للأرض , ويصرف عنهم الآفات , والحروب العامة التي قد تأتي على الجنس البشري ، بتقريب أن المراد من لفظ [خَلَقْتُ] في الآية أعلاه على وجوه :
الأول : المراد ذات خلق آدم وتكاثر ذريته .
الثاني : عمارة الناس للأرض مع تقادم الأحقاب .
الثالث : سلامة وجود البشر في الأرض من الآفات بقيد عبادتهم لله عز وجل ليكون من معاني الآية أعلاه مسائل :
الأولى : إدامة الحياة الإنسانية رحمة وفضل من الله .
الثانية : حفظ الجنس البشري وخلافته في الأرض ليعبدوا الله عز وجل ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] ( ).
الثالثة : وجاء توثيق قصة نوح في القرآن لبيان قانون وهو أن الله عز وجل يتعاهد حفظ الناس وأسباب تكاثرهم , وهذا التعاهد من رحمة الله ، ومنه نصر النبوة والإيمان لمنع طغيان وعتو الذين كفروا ، قال تعالى [وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا]( ).
سابعاً : قد تقدم الكلام بأن لفظ الأهلة لم يرد في القرآن إلا مرة واحدة في الآية أعلاه ، ولم يرد فيه لفظ الهلال( ) لبيان تعدد الآيات الكونية للمتحد من الكواكب ، وأن آية القمر لا تختص بذاته بل بما يطرأ عليه من التغيير والتبدل والزيادة والنقصان لبيان قهر الله عز وجل للخلائق وإنقياد الكون وآياته العظمى لمشيئة الله عز وجل , وبما يكون نعمة متجددة على الناس ، وفي التنزيل [قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ] ( ).
ثامناً : ذكرت الآية أعلاه كون الأهلة مواقيت للناس ، فهل منه نصر المسلمين في معارك الإسلام الأولى ، الجواب نعم ، ولا يضر بهذا المعنى أن إختيار أوان ومكان وكيفية المعركة كان من الذين كفروا ، وكون المسلمين في حال دفاع ، وذب عن الحرمات .
وعن أبي مالك الأشعري قال (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من نصل في سبيل الله فمات أو قتل فهو شهيد ، أو رفصه فرسه أو بعيره ، أو لدغته هامة ، أو مات على فراشه بأي حتف شاء الله فإنه شهيد ، وإن له الجنة) ( ).
تاسعاً : لقد أخبرت آية البحث عن كون نصر المسلمين أمراً بيد الله ، ولا يتم إلا بمشيئته والمدد من عنده تعالى ، ليكون نوع طريق لإنتظام أمور الناس عامة وأداء المسلمين مناسك الحج ، كما أداها الأنبياء السابقون ، وهو من مصاديق قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]( ).
ومن الصراط الإنتفاع الأمثل من الأهلة ، وإتخاذها وسائل للسعي في مرضاة الله والإعداد للقاء العدو وعدم التفريط بالوقت وآناته المتعاقبة التي لا يعود أي فرد منها وإلى يوم القيامة ، وهو من الإعجاز في نظام الأهلة لأنه تذكير للناس بلزوم بذل الوسع وعدم تفويت آنات الزمان التي تمر سريعاً .
عاشراً : صحيح أن آية الآهلة ذكرت خصوص إطلالة الهلال بالتتابع وكأن كل هلال هو غير الذي سبقه إلا أنها تتضمن الإشارة إلى القمر ومنازله وبلوغه الكمال بكونه بدراً ثم الأخذ بالنقصان إلى ليالي المحاق ، وهل في صيرورة الهلال بدراً ترغيب للإنسان ببلوغ أسمى مراتب الإيمان والتحلي بالأخلاق الحميدة ، الجواب نعم ، لذا تضمنت آية الأهلة ضروباً من البر والإحسان والأمر العام إلى المسلمين بتقوى الله ، وسئل الإمام جعفر الصادق عليه السلام عن الأهلة فقال (هي أهلة الشهور، فإذا رأيت الهلال فصم، وإذا رأيته فأفطر) ( ).
الحادي عشر : بيان قدسية حج بيت الله الحرام وأنه أمر ثابت من حين خلق الله للسموات والأرض والكواكب ، وفي الآية أعلاه شاهد على أن الله عز وجل شاء أن يجعل خليفة في الأرض من حين خلق السموات والأرض , تطل عليه الأهلة لتذكيره بلزوم عبادة الله , والإنتفاع الأمثل من الآيات الكونية لأمور الدنيا والآخرة ، وحينما قال الله عز وجل لنبيه [فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى] ( ) فقد تفضل الله عز وجل بتذكيره الناس بوجوب عبادته وبأمورهم العامة والخاصة وشؤون المعاش والزراعات باطلالة الهلال كل شهر وأخذه بالزيادة والإتساع كل شهر ثم النقيصة ، وهو من رحمة الله بالناس وزجرهم عن محاربة النبوة والإسلام .
المسألة الرابعة : لقد أخبرت آية السياق عن سلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الشدة والقسوة ومن غلظة القلب لتكون هذه السلامة من مقدمات نصر المسلمين في معارك الإسلام مثل بدر وأحد والخندق وحنين .
فان قلت نزلت آية السياق بعد معركة أحد فهل لها أثر وموضوعية في وقائع معركة بدر وأحد , والجواب نعم من وجوه :
أولاً : أصالة الإطلاق في أحكام الآية القرآنية .
ثانياً : الإستصحاب القهقري في معاني الرحمة التي تتضمنها الآية القرآنية .
ثالثاً : مجئ آية السياق بصيغة الغائب [لنت لهم] مما يدل على لين جانب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأنه سابق لنزول آية البحث فينزل الله النعمة.
رابعاً : نصر ومؤازرة المسلمين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وخروجهم معه في الدفاع عن الإسلام .
خامساً :دلالة نصر المسلمين في معركة بدر على صبرهم وثباتهم وإخلاص إيمانهم ، فصحيح أن قوله تعالى [بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاَفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ] ( ).
نزلت في معركة أحد وهي متآخرة زماناً عن معركة بدر بثلاثة عشر شهراً إلا أنها تتضمن قانوناً وهو نصرة الله عز وجل للمسلمين مع الصبر والتقوى .
وفيه شاهد بأن المسلمين أنتصروا في معركة بدر لإتصافهم بالصبر والتقوى .
ومن الإعجاز في المقام أن رفق وعطف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على المسلمين من أبهى مصاديق الصبر ، وفيه وجوه :
الأول : تنمية ملكة الصبر عند المسلمين ، ففي كل مرة تتجلى مصاديق لين الجانب والرأفة في سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع المسلمين فأنهم يقتبسون معاني الصبر .
الثاني : إشاعة الرفق والشفقة بين المسلمين سواء عندما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين ظهرانيهم أو فيما بعد إنتقاله إلى الرفيق الأعلى، وعن الصادق عن أبيه أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: نعم وزير الإيمان العلم، ونعم وزير العلم الحلم. ونعم وزير الحلم الرفق: ونعم وزير الرفق اللين)( ) .
وفي الحديث نكتة وهي مع أن الرفق واللين من المترادفات إلا أن هناك تبايناً بينهما على نحو الموجبة الجزئية.
الثالث : لين جانب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سبيل لبعث المسلمين على بذل الوسع في سبيل الله .
ومن منافع رفق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين حضورهم عنده حتى إذا ما لزم الأمر النفير هبوا جميعاً ، وهو الذي يدل عليه قوله تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] ( ).
المسألة الخامسة : تضمنت الآية السابقة الأمر من عند الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالعفو عن المسلمين سواء عن القصور والتقصير في معركة أحد أو مطلقاً إذ تطل الآية على الأرض كل يوم تدعو النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليعفو عن المسلمين ويغفر لهم ، وإذ تغيب الشمس عند الغروب ويحل الظلام في الأرض فان الآية القرآنية وما فيها من الأحكام لا تغيب عنها ، فيكون الليل البهيم مناسبة للعفو والإستغفار والإنقطاع إلى الله .
ومن خصائص رسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه يسأل الله لأمته العفو والمغفرة .
ولو لم يأمر الله عز وجل النبي محمداً صلى لله عليه وآله وسلم بالعفو عن أصحابه فهل يعفو عنهم من تلقاء نفسه ، الجواب نعم ، ولا تصل النوبة إلى النفس لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يفعل إلا ما يوحى إليه ، فهو في كل الأحوال يعفو عن المسلمين بأمر من الله عز وجل , والوحي المصاحب له .
لقد أبى الله عز وجل أن يكل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى نفسه مع بلوغه أسمى مراتب الكمالات الإنسانية وفي الدعاء المأثور (يا حي، يا قيوم، يا بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، لا إله إلا أنت، برحمتك نستغيث ، أصلح لنا شأننا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا إلى أحد من خلقك ) ( ).
ومن خصائص عفو النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن المسلمين تقريب النصر ، وصرف البلاء عنهم ، وتقدير الآية على وجوه :
أولاً : فأعف عن المسلمين بعد نصر الله لكم في معركة بدر ، وكان عدد من الصحابة خاصة من الأنصار قد تخلفوا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في خروجه إلى المعركة وأستقبلوه في مشارف المدينة بعد النصر العظيم ليعتذروا له , فقبل عذرهم .
قال الواقدي (ولقى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الروحاء رءوس الناس يهنئون بما فتح الله عليه.
فقال له أسيد بن الحضير: يا رسول الله الحمد لله الذى أظفرك وأقر عينك، والله يا رسول الله ما كان تخلفي عن بدر وأنا أظن أنك تلقى عدوا، ولكن ظننت أنها عير، ولو ظننت أنه عدو ما تخلفت.
فقال له رسول الله: ” صدقت “)( ).
والنسبة بين العفو وقبول العذر هو العموم والخصوص المطلق إذ أن العفو أعم , ويأتي العفو على وجوه :
الأول : قبول العذر والإعتذار .
الثاني : العفو حتى مع عدم قبول الإعتذار .
الثالث : العفو إبتداء من غير إعتذار من جهة المعفو عنه .
الرابع : تذكير المسئ والمذنب بلزوم الإعتذار .
الخامس : إصرار المذنب على فعله ، وهو على شعبتين :
الأولى : الكف والإمتناع عن تكرار الذنب والإيذاء بغير حق .
الثانية : تكرار وتجدد الإساءة والإضرار .
ومن الإعجاز في آية البحث أنها جاءت مطلقة بقوله تعالى [فَاعْفُ عَنْهُمْ].
السادس : صدور الإساءة من الفرد والشخص الواحد .
السابع : قيام جماعة بالإساءة والتقصير , كما في ترك الرماة يوم معركة أحد لمواضعهم مع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أكد عليهم بعدم تركه بأي حال من الأحوال .
و(عن البراء قال جعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الرماة يوم أحد وكانوا خمسين رجلا عبد الله بن جبير ووضعهم موضعا وقال إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم فهزموهم قال فأنا والله رأيت
النساء يشددن على الجبل وقد بدت أسوقهن وخلا خيلهن رافعات ثيابهن فقال أصحاب عبد الله بن جبير الغنيمة أي قوم الغنيمة ظهر أصحابكم فما تنتظرون وقال عبد الله بن جبير فنسيتم ما قال لكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا إنا والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين فذلك الذي يدعوهم الرسول في أخراهم فلم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غير اثني عشر رجلا فأصابوا منا سبعين وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه أصاب من المشركين يوم بدر أربعين ومائة سبعين أسيرا وسبعين قتيلا ) ( ).
ثانياً : فأعف عمن يسئ من الصحابة في حال السلم والمهادنة وفي الحياة اليومية .
وهل من موضوعية للكيفية النفسانية لعدد من المسلمين في لزوم العفو عنهم كالمهاجرين الذين تركوا أوطانهم أو عدد من أهل المدينة ممن تحمل الأذى في بدايات الإسلام ، وأخذ يشعر بأن حياة المدينة تغيرت وأن الغرباء من المسلمين صاروا يملأون أزقتها ، ويبحثون عن العمل ، ويسألون الإعانة والمساعدة .
الجواب إنما جاءت الآية مطلقة بالعفو عن أي مسلم أو مسلمة.
ثالثاً : فأعف عن الذين يدخلون الإسلام من الذين حاربوه وقاموا بإيذائك والإضرار بالصحابة وحملوا طائفة منكم على الهجرة إلى الحبشة ، وأشد ما تكون الحاجة إلى العفو بخصوص الذين قاتلوا المسلمين ، وقتلوا منهم .
وقد إشتهرت قصة قتل وحشي لحمزة بن عبد المطلب عم النبي وهناك عشرات مثلها ، ولكن آية السياق حملت معاني الرحمة وأكدت على التراحم وبيان قانون وهو أن الإسلام يجّب ويمحو ما كان قبله لإرادة بناء صرح دولة الحق والعدل وإقامة شعائر الله من غير خوف أو حزن .
رابعاً : لقد أراد الله عز وجل معرفة الناس لقانون الملازمة بين النبوة والعفو بمصاديق حاضرة إلى يوم القيامة سالمة من التحريف والتغيير ، بأن تبقى سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم حية غضة يتذوق الناس معها عذوبة طعم العفو , والله عز وجل هو العفو ويحب إشاعة العفو بين الناس وترشحه بينهم بالإقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقيل (سمع جبريل عليه السلام ، خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام ، وهو يقول : يا كريم العفو ، فقال : له جبريل عليه السلام ، وتدري ما كريم العفو؟ قال : لا يا جبريل قال : ان يعفو عن السيئة ويكتبها حسنة) ( ).
خامساً : فأعف عمن يعلم أنك نبي الله ، ويرجو من الله عز وجل ومنك العفو وتبين آية السياق قانوناً وهو أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم جاء برسالة العفو وتثبيت مفاهيمه في الأرض ، وإقترانه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والإعراض عن السفهاء وأهل الجهالة ، قال تعالى [خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ ..] ( ) .
وعن جابر بن عبد الله قال( لما نزلت هذه الآية { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين }( ) قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم يا جبريل ما تأويل هذه الآية؟
قال : حتى أسأل .
فصعد ثم نزل فقال : يا محمد إن الله يأمرك أن تصفح عمن ظلمك.
وتعطي من حرمك .
وتصل من قطعك . فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ألا ادلكم على أشرف أخلاق الدنيا والآخرة؟
قالوا : وما ذاك يا رسول الله؟
قال : تعفو عمن ظلمك ، وتعطي من حرمك ، وتصل من قطعك) ( ).
ولا يتعارض هذا المعنى مع إرادة الزكاة من لفظ [الْعَفْوَ] في الآية أعلاه وأخذ النبي للمفروض من الصدقات مما يأتون به ويعفون عنه للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
(عن ابن زيد قال : لما نزلت { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين }( ) قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كيف يا رب والغضب ، فنزل { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ . . . } الآية) ( ).
إذ يكون معنى العفو هنا متعدداً ، فيشمل المغفرة والتجاوز عن الذنب كما يراد منه الفضل والزيادة والهبة ،
(عَفا الشّيء يَعْفو عَفاء: دَرَس وعَفا يَعْفو عُفُوَّاً: كَثُر، قال تعالى: ” حتّى عَفَوْا ” أي كَثُروا) ( ).
وقيل نزلت بعدها آية الزكاة فنسخت الآية .
والمراد من العرف في الآية آعلاه وجهان :
الأول : المعروف .
الثاني : الأخلاق الحميدة التي يتعارف عليها الناس .
المسألة السادسة : تقدير الجمع بين الآيتين : فبما رحمة من الله لن يخذلكم الله ).
لقد أنعم الله عز وجل على الإنسان بالخلافة في الأرض وسخر له ما فيها من الخيرات ، وجعله حراً مختاراً لتكون الدنيا دار إمتحان وإبتلاء وإختبار ، وتغشاه برحمته تقريبا له للتقوى .
ومن مصاديق [وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ] ( ) علم الله بضعف ووهن الإنسان ، وحاجته إلى العون والمدد الذي يبدأ بالجذب إلى منازل الهداية والإيمان ، وليس من حصر لسبل ومصاديق هذا الجذب ، إذ تتوالى على كل إنسان الآيات والدلالات الكونية والبراهين الظاهرة والجلية ، ومنها بعث الأنبياء وجريان المعجزات الحسية على أيديهم، كما في معجزة السفينة لنبي الله نوح عليه السلام.
ومعجزة الناقة التي جاء بها النبي صالح عليه السلام والتي وردت نسبتها إلى الله عز وجل في القرآن ثلاث مرات منها قوله تعالى [قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] ( ) وكذا معجزات موسى عليه السلام وعيسى عليه السلام ، وورد ذكر الأنبياء في القرآن على وجوه :
وتفضل الله عز وجل وبعث النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بالمعجزات العقلية والحسية ، وهو من مصاديق الرحمة الواردة في قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ) بتقريب أن من هذه الرحمة مصاديق عقلية للمعجزات لم تشهدها الأرض ، وتتصف بالبقاء والخلود إلى يوم القيامة ، ومنها الرحمة الواردة في آية السياق ، فهي فرد مستحدث من وجوه الرحمة التي صاحبت نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو من مصاديق توالي الخيرات في قوله تعالى [كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ] ( ).
ومن منافع هذه الرحمة حضورها في ميدان القتال لتكون واقية للمسلمين ، وهذا التوقي من مصاديق عدم خذلان الله عز وجل للمسلمين.
ومن الإعجاز في نظم الآيات إخبار الآية السابقة عن رحمة الله ليأتي بعدها إحتمال النصر والبشارة به ، والتحذير والإنذار من عدم نصرة الله عز وجل .
المسألة السابعة : لقد أنعم الله عز وجل على المسلمين بالنصر في معركة بدر ، قال تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ] ( ) لتخبر الآية بأن الله عز وجل ينصر نبيه والذين آمنوا معه ، وأن هذا النصر قريب منهم ، فعليهم بتعاهد سنن التقوى التي تجلب النصر.
وتمنع الآية المسلمين من الركون إلى قواهم وهل تمنع من إستصحاب النصر , ومنه أنهم نصروا بمعركة بدر فيرجون النصر في المعارك اللاحقة ، إذ أن الإستصحاب مدرك عقلي ويترشح عن الفطرة والوجدان قبل أن يكون مبحثاً أصولياً .
الجواب فيه تفصيل فاذا كان هذا الإستصحاب مرتكزاً إلى الأسباب من كثرة العدد والعدة والفطنة والمباغتة والخدعة ، فانه لا يصح ، أما إذا إبتنى هذا الإستصحاب على رجاء فضل الله ونزول المدد والنصر من عنده مرات أخرى مثل النصر في معركة بدر ، فهو صحيح ، وهو من مصاديق قوله تعالى [لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ] ( ) وتقدير آية [بِبَدْرٍ] بلحاظ آية البحث على وجوه :
أولاً : [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ] ( ) فلم يجعل غالباً لكم من المشركين .
ثانياً : [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ] ( ) وجعل الذين كفروا يعجزون عن تحقيق نصر عليكم في ذات معركة بدر وما بعدها .
ثالثاً : إن ينصركم الله وأنتم أذلة فلا غالب لكم .
رابعاً : إن ينصركم الله يمحي عنكم الذلة والضعف فلا غالب لكم ) وهذا المعنى من أسرار مجئ آية البحث بصيغة المضارع [أن ينصركم الله].
خامساً : [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ] ( ) ومن الأولوية أنه سبحانه ينصركم وانتم كثرة وذووا قوة ومنعة وأسلحة مع أن هذه الكثرة والمنعة ونحوها لم تكن إلا بفضل الله ، ومنه النصر في معركة بدر ، قال تعالى [وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ]( ).
سادساً : ولقد نصركم الله ببدر فأسألوه ألا يخذلكم ، ومن الإعجاز في آية (ببدر) تقييد النصر بأنه جاء في معركة مخصوصة لترغيب المسلمين بالدعاء وسؤال الغلبة على الذين كفروا في معارك الإسلام اللاحقة ، وهذه الغلبة من عمومات قوله تعالى [وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ] ( ) فمن ملكه وسلطانه في الأرض نصر الأنبياء والمؤمنين ، ومنع الذين كفروا بربوبيته من الغلبة والسيادة ، قال تعالى [وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ] ( ).
المسألة الثامنة : يدل ذكر آية البحث لنصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين على المشركين على حقيقة واقعية وهي نشوب القتال بين الفريقين .
ومن الآيات أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم كان هو القائد لجيش الإسلام في السير إلى المعركة وفي ميدان القتال ، وقد يغضب القائد ويحتد على الذي يخطأ ويقصر أو يكون سبباً لوقوع خسارة في الجيش ، أو ثغرة ينفذ منها العدو ، وقد يميل القائد إلى البطش ببعض أمراء السرايا ومعاقبتهم عند التقصير الذي يجلب الضرر العام .
لتدل آية السياق على قانون وهو أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم كان ليناً رفيقاً حتى في ميدان المعركة وتدل عليه الشواهد خاصة في معركة أحد والخندق إذ لم يؤاخذ الذين قصرّوا وخالفوا أمره من الرماة أو الذين فروا من ميدان المعركة بل كان يناديهم بلطف للرجوع إلى الميدان كما في قوله تعالى [إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ] ( ) .
وفيه نكتة وهي بعث المسلمين على الخروج إلى القتال وعدم التكاسل وخشية مجئ اللوم والذل من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو نزول آية قرآنية تتضمن توبيخهم ، فما دام الله عز وجل قد أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالعفو عن المسلمين فان الله عز وجل يعفو عنهم ، وقد ورد في ذم المنافقين قوله تعالى [يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ]( ) .
وهل يمكن تقدير الآية : ان ينصركم الله يلين النبي معكم ) الجواب نعم خاصة وأن آية السياق ذكرت لين النبي مع المسلمين كرشحة ومعلول لرحمة الله عز وجل.
المسألة التاسعة : لقد تضمنت آية البحث شهادة من الله تبين فضله على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتثني عليه ، وهي عصمته من الغضاضة وغلظة القلب ، وتدل الآية على أن عصمة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أعم من أن تنحصر بالتنزه عن الذنوب والمعاصي , وسيأتي في باب قانون مصاديق عصمة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ومن خصائص الإنسان عند تزاحم الأعمال وكثرة توجيه الأوامر والنواهي وإتصافه بأنه متبوع مع كثرة الأتباع سرعة الغضب ، وظهور علامات عدم الرضا عند القصور والتقصير وسير الأمور بخلاف ما يشتهي وما يتوقع حدوثه وفق قاعدة الأسباب والعلة والمعلول .
ونال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مرتبة النبوة والرسالة وتولي شؤون الإمامة وهي الرئاسة العامة في أمور الدين والدنيا ، وإلتجأ إليه الناس فلم يجدوا إلا اللين والرفق والود والمودة لتكون ركائز وقواعد في بناء معاني الأخوة الإيمانية ، ومرآة وبياناً لمفاهيم لقوله تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ]( ).
ويفيد الجمع بين الآيتين إتصاف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بلين الجانب حتى مع كثرة الناس الذين يفدون إليه ، ومع النصر العظيم على الذين كفروا ، وفيه شاهد على حسن أخلاق النبوة ،وهو مرآة للتواضع الذي يتصف به النبي صلى الله عليه وآله وسلم من خشية الله ، فقد أراد الله عز وجل من إتصافه باللين والرفق بيان تعاهده لمنزلة العبودية والخشوع لله عز وجل .
وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (اتخذني الله عبدا قبل أن يتخذني نبيا) ( ).
المسألة العاشرة : لقد تضمنت آية السياق قانوناً بخصوص سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو سلامته من الغضاضة والقسوة ومن غلظة القلب ليبقى أثر ونفع هذا القانون إلى يوم القيامة ، وفيه وجوه :
الأول : إقامة الحجة على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم باجتماع خصال حميدة فيه وعنده في آن واحد وهي لين العريكة والرفق ورقة القلب , وإخبار القرآن بأن هذه الخصال بوحي من عند الله .
ترى كيف يكون الوحي بلين الجانب والرفعة ، الجواب ليس من حصر لصيغ الوحي في المقام , منه وجوه :
أولاً : الوحي الجلي ، والأمر الصريح بالرفق .
ثانياً : صرف الأسباب التي تؤدي إلى الغضب .
ثالثاً : إزاحة الموانع التي تحول دون الرفق واللين .
رابعاً : نزول آيات القرآن سواء في موضوع الرفق أو مطلقاً ، إذ يشغل هذا النزول النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم عن الغضب والحدة ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ] ( ).
الثاني : صيرورة أخلاق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم طريقاً لهداية الناس ، وسبيلاً إلى الإيمان ، لذا فمن معاني قوله تعالى [وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ] ( ) وجوه :
أولاً :إصلاح النفوس ونشر مفاهيم الود والرحمة بين المسلمين والناس جميعاً .
ثانياً :دعوة الناس للتدبر في معجزات النبوة والقرآن .
ثالثاً : ترغيب الناس بدخول الإسلام .
وبين الآية أعلاه وكل من لين ورفق النبي وتنزهه من غلظة القلب عموم وخصوص مطلق لأنها فروع للخلق العظيم الذي تذكره الآية أعلاه .
الثالث : إقتداء المسلمين بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في حسن سيرته ، والعطف والرأفة التي كان يتصف بها ، ليكون الإسلام دين الرحمة والسلامة من الكدورات ، قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَنُ وُدًّا] ( ).
وإذا كانت الآية تدعو إلى اللين والرفق فلابد أنها تدل على نبذ الخصومات والشقاق والإضرار بالناس والقتل العشوائي وما يسمى في هذا الزمان بالإرهاب .
وتبين آية السياق قانوناً وهو أن الله عز وجل تعاهد سيرة وأخلاق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم برحمة منه ، وغادر النبي إلى الرفيق الأعلى في السنة الحادية عشرة للهجرة الموافقة لسنة 632 ميلادية وعمره ثلاث وستون سنة وفق الحساب القمري ، أما بالنسبة للحساب الميلادي الشمسي فيكون عمره إحدى وستين سنة وأياماً معدودات .
ولكن سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولين جانبه ورفقه بالمسلمين خاصة والناس عامة ثروة وكنز تنهل منه الأجيال المتعاقبة , ويمنع من إشاعة الأخلاق المذمومة بين الناس .
المسألة الحادية عشرة : تدعو آية البحث إلى حدوث القتال ونشوب المعارك بين المسلمين والذين كفروا لقوله تعالى [إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ] ( ) ونزلت الآية بمناسبة معركة أحد وما أصاب المسلمين فيها من الخسارة ، فتفضل الله عز وجل وأمر رسوله الكريم بأن يعفو عن المسلمين وهذا العفو على وجوه :
الأول : عفو النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن المسلمين قبل المعركة .
الثاني : العفو أثناء المعركة .
الثالث : الصفح والعفو بعد المعركة .
ترى لماذا يعفو النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن المسئ والمقصر من المسلمين في المعركة ، الجواب لأنهم في حال جهاد وبقصد القربة إلى الله تعالى ، وكان عفو النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعم من أن يختص بالمسلمين .
و(عن قيس بن سعد بن عبادة قال : لما نظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى حمزة بن عبد المطلب قال : والله لأمثلن بسبعين منهم . فجاءه جبريل بهذه الآية [خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ]( )، فقال : يا جبريل ما هذا؟ قال : لا أدري . . . ! ثم عاد فقال : إن الله يأمرك أن تعفو عمن ظلمك ، وتصل من قطعك) ( ).
ولبيان جزاء عاجل للمجاهدين الصابرين وهو الفوز بعفو النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عنهم وإستغفاره لهم ، بأمر من عند الله عز وجل ، وتقدير الآية على وجوه :
أولاً : فأعف عنهم بمشيئة الله .
ثانياً : فأعف عنهم فان الله قد عفى عنهم .
ثالثاً : فأعف عنهم للملازمة بين الجهاد والعفو وهو وفق القياس الإقتراني :
الكبرى : يعفو الله ورسوله عن المؤمنين .
الصغرى : الذين صبروا في الدفاع عن الإسلام مؤمنون .
النتيجة : يعفو الله ورسوله عن الذين صبروا في الدفاع عن الإسلام.
الثالث : العفو عن المسلمين بعد إنقضاء المعركة ، فلم تكن هناك موضوعية أو أثر للأخطاء التي أرتكبت والهزيمة من بعضهم بعد إنتهاء المعركة ، ولم يرد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يعير الذين أنهزموا أو يوجه اللوم للذين تركوا مواضعهم .
(عن أَنس بن مالك : أَن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طلع له أحُد فقال: هذا جبل يحبنا ونحبّه) ( ) .
لبيان أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان راضياً عن المسلمين في معركة أحد , ولم يكن في قلبه غيظ على بعضهم بسبب الخسارة التي لحقت المسلمين لوجوه :
الأول : كبرى كلية تتجلى في آية البحث وهي أن النصر أو الخذلان من عند الله عز وجل , وإن تعددت الأسباب في كل منهما .
الثاني : تجلي قانون وهو توالي نصر المسلمين بفضل من الله عز وجل .
الثالث : صيرورة معركة أحد موعظة للمسلمين ، ولقد أنعم الله عز وجل عليهم باقتباس الدروس منها ، ويكون تقدير آية البحث على وجوه :
أولاً : وإن ينصركم الله بالإتعاظ من معركة أحد فلا غالب لكم .
ثانياً : وإن ينصركم الله بعد الخسارة في معركة أحد فلا غالب لكم .
ثالثاً : وإن ينصركم الله إثابة لكم على دفاعكم في معركة أحد فلا غالب لكم.
المسألة الثانية عشرة : تتضمن آية السياق الأمر من الله عز وجل إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بمشاورة أهل بيته وأصحابه في الأمر أي أمر القتال والسلم وشؤون وأحوال المسلمين العامة ، والمشاورة أمر حسن بالأصل والأثر .
وفي مشورة النبي ص للمسلمين بوحي من عند الله سبحانه وجوه :
أولاً : الثناء على المسلمين لنيلهم مرتبة المستشارية من قبل النبي محمد ، ولقد فاز أهل البيت والصحابة بمرتبة وصفة لم ينلها غيرهم من أهل الأرض من جهات :
الأولى : نيل درجة صحبة ورفقة سيد المرسلين ، نعم كان للأنبياء السابقون أصحاب وأتباع ، ولكن صحبة خاتمة النبيين محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإتباعه بصدق وتقوى مرتبة أعلى ، وبعث رسول الله صلى لله عليه وآله وسلم وهو مقيم بمكة أيام الفتح خالد بن الوليد إلى بني جذيمة في شهر شوال من السنة الثامنة للهجرة ليدعوهم إلى الإسلام .
(ولم يبعثه مقاتلا فخرج في ثلاثمائة وخمسين رجلا من المهاجرين والانصار وبنى سليم فانتهى إليهم قال ما أنتم قالوا مسلمون قد صلينا وصدقنا بمحمد وبنينا المساجد في ساحاتنا وأذنا فيها، قال فما بال السلاح عليكم .
قالوا إن بيننا وبين قوم من العرب عداوة فخفنا أن تكونوا هم فأخذنا السلاح , قال : فضعوا السلاح قال فوضعوه فقال لهم استأسروا فاستأسر القوم فأمر بعضهم فكتف بعضا وفرقهم في أصحابه فلما كان في السحر نادى خالد من كان معه أسير فليذافه، والمذافة الاجهاز عليه بالسيف.
فأما بنو سليم فقتلوا من كان في أيديهم.
وأما المهاجرون والانصار فأرسلوا أسراهم فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ما صنع خالد فقال اللهم إنى أبرأ اليك مما صنع خالد وبعث على بن أبى طالب فودى لهم قتلاهم وما ذهب منهم ثم انصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره.
وعند ابن إسحق في هذا الخبر أن خالدا قال لهم ضعوا السلاح فان الناس قد أسلموا فلما وضعوه أمر بهم عند ذلك فكتفوا ثم عرضهم على السيف، وقد كان بين خالد وعبد الرحمن بن عوف كلام في ذلك فقال له عبدالرحمن عملت بأمر الجاهلية في
الاسلام فقال إنما ثأرت بأبيك فقال عبدالرحمن كذبت قد قتلت قاتل أبى وإنما ثأرت بعمك الفاكه بن المغيرة، حتى كان بينهما شر فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال مهلا يا خالد دع عنك أصحابي فوالله لو كان لك أحد ذهبا ثم أنفقته في سبيل
الله ما أدركت غدوة رجل من أصحابي ولا روحته.
وكان بنو جذيمة قتلوا الفاكه ابن المغيرة وعوف بن عبد عوف قبل ذلك وقتل عبدالرحمن خالد بن هشام قاتل أبيه منهم) ( ) ومعنى الصحبة في الحديث من مصاديق السبق في قوله تعالى [وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ] ( ).
الثانية : تقسيم الصحابة تقسيماً يتضمن التشريف والإكرام وبيان خصائص الجهاد بوجهين :
الأول : المهاجرون .
الثاني : الأنصار .
وقد نزلت آيات من القرآن تبين وتؤكد هذا التقسيم في دعوة للعلماء والمسلمين عامة لبيان خصائص وأسرار ومنافع هذا التقسيم .
ومن الآيات ذكره في القرآن وعلى نحو متعدد ، قال تعالى [لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ] ( ).
الثالثة : استشارة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للمهاجرين والأنصار ، ومجئ هذه الإستشارة بأمر من عند الله عز وجل كما ورد في آية السياق [وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ] ( ).
الرابعة : حضور ومصاحبة عزم النبي محمد صلى اله عليه وآله وسلم وتوكله على الله في الفعل .
الخامسة : رضا الصحابة بما يفعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم فير أمور الحرب والسلم وتسليمهم بأنه وحي من عند الله عز وجل .
ثانياً : إصلاح المسلمين للقتال ، وبعث الشوق في نفوسهم لتعليم فنونه وآدابه .
ثالثاً : تقيد المسلمين بآداب القتال التي يوحي بها الله للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سواء كان بحضوره أو في حال السرايا التي يبعثها لتأسيس أخلاق حميدة في معارك الدفاع ، فلا يقاتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الناس لأنهم كفار وإن كان يدعوهم على نحو دائم ومتجدد إلى التوحيد ، إنما كان قتاله للحرابه والتعدي على حرمات الإسلام والإصرار على المقاتلة والمكر للإيقاع بالمسلمين .
ولم تكن حروب ومعارك الإسلام على نحو الإجتهاد ، إنما هي بالوحي لرد العدوان وإصلاح الناس والدفاع عن الملة والنفس والأهل وتثبيت دعائم الدين إلى يوم القيامة .
ومن أسرار قيادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم جيش المسلمين بنفسه تأديبهم وإرشادهم لأخلاق الحرب وفق قواعد الإيمان ، فقد كان العرب قبل الإسلام أهل جاهلية ويبطشون ويغزون وينهبون ، وكانوا يعشقون الثأر ، ويسعون إليه ويعيرون الذي يتخلف عن أخذ ثأره ، وكانت الأشهر الحرم الأربعة رحمة من عند الله وتخفيف وبرزخ دون تغشي القتل والثأر لكل أيام السنة ، ولتكون معجزة من الإرادة التشريعية لسلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من القتل بدايات سني الدعوة إذ كان العرب يستثنون فيها عن القتال والقتل ، ومن الآيات موافقة ثلاث من الأشهر الحرم لموسم الحج وهي ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ، إذ يقدم وفد الحاج في ذي القعدة ويؤدي أغلب المناسك في ذي الحجة ويغادر ويستقر في بلده وبين ظهراني أفراد قبيلته في شهر محرم ، فيستقبل شيوخ وأفراد القبيلة إنقضاء الأشهر الحرم وإبتداء الحل من شهر صفر بحضورهم وقرارهم في مدنهم وقراهم .
رابعاً : تأديب المسلمين وإصلاحهم للأخلاق النبوية في القتال ومقدمات وخطط المعركة ، وكيفية الخروج منها والغايات الحميدة من قتال المسلمين .
خامساً : تلقي المسلمين وصايا وأوامر النبي محمدصلى الله عليه وآله وسلم بالقبول والإستجابة والإمتثال .
سادساً : بذل المسلمين الوسع لتحقيق النصر والغلبة في المعركة والغلبة على الذين أشركوا (عن علي عليه السلام قال : قلت : يا رسول الله : الأمر ينزل بنا بعدك لم ينزل فيه قرآن ، ولم يسمع منك فيه شيء ، قال : اجمعوا له العابد من أمتي واجعلوه بينكم شورى ولا تقضوه برأي واحد)( ).
وقد تتعدد إستشارة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الموضع والموضوع المتحد كما في معركة بدر وملاقاة القوم لغاية وأمر إذ فهم الأنصار أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يريد أن يسمع قولهم، وبخصوص مقدمات ونشوب القتال في معركة بدر , قال تعالى[وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ]( )، ترى ماهي النسبة بين لين ورأفة ورفق النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأصحابه وبين مشورته لهم، فيها وجوه:
الأول : نسبة العموم والخصوص المطلق , وهو على شعبتين:
الأولى : لين الجانب أعم من المشورة.
الثانية : المشورة هي الأعم من لين الجانب.
الثاني : التساوي وأن لين الجانب والمشورة بعرض واحد، وهما من المترادفات.
الثالث : نسبة العموم والخصوص من وجه، وهناك مادة للأنتقام بينهما وأخرى للإفتراق.
الرابع : النسبة بين اللين والمشورة هي التباين.
والمختار هو الثالث أعلاه، وهو الذي تدل عليه صيغة العطف بقوله تعالى(وشاورهم).
لقد أراد الله عز وجل بمشورة النبي لأهل بيته وأصحابه تآلف قلوبهم وحثهم على التفاني في مرضاة الله، وبيان مصداق للمؤاخاة بينهم، وتحقيق النصر على الأعداء، وليقتدي الأمراء والحكام والعلماء المسلمين من بعده بسنته الشريفة.
وقيل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يستشير أصحابه ليستخرج منهم القول والرأي فيما ليس فيه وحي من أمور الحرب والسلم وإن كان المراد من هذا القول أن المشورة قد تسبق الوحي فهو صحيح بلحاظ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يفعل إلا ما يوحى إليه أما أن يكون فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرتكزاً على ذات المشورة على نحو العلة التامة فهو مخالف لمنطوق القرآن، وقوله تعالى[وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى]( ) .
فيكون من معاني آية السياق وجوه:
الأول : فشاورهم في الأمر ثم لا تعمل إلا بالوحي.
الثاني : من الوحي شاورهم في الأمر.
الثالث : فشاورهم في الأمر .
ويجب عدم التعارض بين المشورة التي يأخذ بها وبين الوحي، وهذا التوافق من خصائص الإيمان، ومن مصاديق خلافة الإنسان في الأرض، ونفخ الله في آدم من روحه.
وعن ابن عباس قال: كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال لهم الجن خلقوا من نار السموم من بين الملائكة ، وكان اسمه الحارث ، فكان خازناً من خزان الجنة ، وخلقت الملائكة كلهم من نور غير ذلك الحي ، وخلقت الجن من مارج من نار . وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا التهبت ، فأول من سكن الأرض الجن ، فأفسدوا فيها ، وسفكوا الدماء وقتلوا بعضهم بعضاً .
فبعث الله اليهم إبليس في جند من الملائكة فقتلهم حتى ألحقهم بجزائر البحور واطراف الجبال ، فلما فعل إبليس ذلك اغتر بنفسه وقال : قد صنعت شيئاً لم يصنعه أحد ، فاطلع الله على ذلك من قلبه ولم تطلع عليه الملائكة .
فقال الله للملائكة { إني جاعل في الأرض خليفة } فقالت الملائكة { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء }( )، كما أفسدت الجن قال { إني أعلم ما لا تعلمون })( ).
لقد توجه الخطاب في آية السياق للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتتضمن الأوامر المتعددة ومنها المشاورة في أمور القتال وإختيار الدفاع والقبول بما يعرضه الذين كفروا من الصلح , ويفيد قوله تعالى [وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا] ( )بلحاظ آية السياق مشاورة المسلمين في الصلح والمهادنة وشروط الصلح .
وإبتدأت آية البحث بالخطاب للمسلمين عامة ، وأن الله عز وجل هو الذي ينصرهم ، لتكون المشورة مقدمة للنصر , وطريقاً إليه , وبياناً للأجيال من الناس أن نصر المسلمين تقدمت عليه وصاحبته المشورة وحسن الرأي والحنكة , وجودة التدبير ، وفي التنزيل [وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ] ( ).
المسألة الثالثة عشرة : لقد أخبرت آية البحث عن حال المسلمين وانهم يلاقون الذين أشركوا في ميدان المعركة ، فامر الله عز وجل نبيه الكريم باستشارة المهاجرين والأنصار، وفيه وجوه:
الأول : تنمية ملكة الحكم وإدارة شؤون الرعية عند المسلمين ، فيستشيرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليرتقوا في المعارف ويدركوا ما بلغوه من حسن المنزلة باختيارهم الإسلام ، ومبادرتهم إلى منازل الإيمان والتصديق بالنبوة والتنزيل بأن يسألهم خاتم الأنبياء عن رأيهم مع إدراك أن هذا السؤال بأمر من عند الله ، وفيه نكتة وهي دفع الوهم والظن بأن هذا السؤال والإستشارة عن تردد من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فهو معصوم من التردد والإضطراب بالوحي ومصاديق قوله تعالى [وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى] ( ).
الثاني : بيان قانون عام في حياة المسلمين ، وهو أن المشورة المقترنة بالإيمان طريق النصر والغلبة فاذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المؤيد بالتنزيل , وجبرئيل المصاحب له بالوحي من عند الله ، إذ يأتيه هذا الوحي إبتداء من عند الله , وينزل عليه عند الحاجة , فيقوم بالإستشارة وسؤال أصحابه عن كيفية الفعل والعمل في ميدان المعركة والأمور العامة من غير العبادات والتكاليف .
فمن باب الأولوية القطعية أن يقوم المسلمون بالإستشارة ، وفيه قطع للمنافسة على الرياسات ، ومنع من القتل والغدر والتزاحم والتصارع على كرسي الرئاسة والأمرة وإدعاء ضعف وعجز الحاكم عن القيام بأمور الحكم ، إذ أن المشورة حجة على الجميع وباب للنفع العام ووسيلة لجلب المنفعة , وقوة شوكة الإسلام , ودفع المفسدة والضرر ،وهو من عمومات قوله تعالى [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ] ( ).
الثالث : الإنتفاع من الخبرة ومزاولة القتال التي عليها عدد من المهاجرين، ومن معرفة الأنصار لتضاريس وأرض المدينة وما حولها، وتجربتهم وأخبارهم في قتالهم للعدو الذي يداهم المدينة في الأزمنة السابقة فمثلاً أقبل تبع وهو تبان أسعد أو كرب من المشرق، فمرّ في طريقه على المدينة، ولم يؤذ أهلها ولم يسلبهم أموالهم، وترك عندهم ولداً له، ولكنه قُتل غدراً وغيلة .
فجاء تُبع وهو عازم على خرابها وإستئصال أهلها، وهو من عمومات قوله تعالى[إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ]( ).
ولم يعلم تُبع أن الله عز وجل أراد لهذا الرهط من الأنصار أن يقوموا بإيواء ونصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتكون هذه البلدة نواة وعاصمة دولة الإسلام الأولى.
فأستعد له الأوس والخزرج دفاعاً عن الأنفس والعرض والمال(وكان رئيسهم يومئذ عمروا بن الطلة أحد بني النجار)( )، وهم أخوال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وعند نزول تُبع في أطراف المدينة كمقدمة لغزوها وإستباحتها لقتلهم إبنه غيلة , قام أحد بني النجار ويدعى أحمد بقتل رجل من أصحاب تبع، رآه يجد عذقاً ( )له، فضربه بالمنجل فقتله، وقال: إنما الثمر لمن أبّره وألقاه في بئر لهم تسمى: ذات تومان.
فأشتد غضب تبع على أهل المدينة، خاصة وأنه يعلم عجزهم عن الوقوف والصمود بوجهه وقصورهم عن ملاقاة جيشه الكبير.
فوقع القتال بينهم، وكان الأوس والخزرج يقاتلونه في النهار ويقرونه ويبعثون له الطعام في المساء، فيتعجب من الأمر، ويعجب به، لأنه رأى أمراً غريباً في سنن القتال , وكان يقول والله أن قومنا هؤلاء لكرام( ) ، وفيه وجوه محتملة :
أولاً : هل كان أهل يثرب يستميلون تبعاً، ويدعونه بهذه الطريقة إلى الصلح.
ثانياً : بعث تبع على التخفيف من حدة غضبه.
ثالثاً : بيان سجية إكرام ضيوفهم الذي يحلون بين ظهرانيهم وعلى أطراف المدينة.
رابعاً : إرسال الطعام للعدو من مقدمات بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإستقباله في المدينة، لبيان حقيقة وهي إكرام كل وافد لهم .
خامساً : لم يخش تبع أن الطعام مسموم , أو أنه يقوم بفحصه قبل أكله كاطعام الدواب منه .
ولا تعارض بين هذه الوجوه.
(قال السهيلي ويقال إنه إنما جاء لنصرة الأنصار أبناء عمه على اليهود الذين نزلوا عندهم في المدينة على شروط فلم يفوا بها واستطالوا عليهم والله أعلم) ( ).
واستمر قتال تبع للأوس والخزرج أياماً على هذه الحال يقاتلونه في النهار ويقرونه ويطعمون جنده في المساء ، إذ جاءه حبران من أحبار اليهود من بني قريظة معروفان بالعلم بالأخبار والوقائع ، وكانا قد سمعا ما يريد تبع من إبادة أهل المدينة وخرابها , فقالا له : أيها الملك لا تفعل ولما رأى هيأتهما وما عندهما من العلم استمع لهما .
ومن الملوك ما يأبى نهيه عن فعل قد عزم عليه، خاصة في ميدان المعركة والقتال ، وقد يبطش بالذي ينهاه أو يمكر به ويكيد له ، وإن كان من كبار قواده ، ويرى في الميدان ما لا يراه الملك ، لذا تفضل الله عز وجل وأمر في الآية السابقة النبي محمداً صلى الله عليه آله وسلم بمشاورة أصحابه وأمراء السرايا وأقسام الخميس ، وسمي الجيش خميساً لأنه يقسم إلى خمسة أقسام وهي :
الأول : المقدمة .
الثاني : الميمنة .
الثالث :الميسرة .
الرابع : القلب .
الخامس : الساقة أي المؤخرة .
وكان الجيش عماد الدولة ووسيلة حفظ الأمن فلم تكن آنذاك حدود معلومة بين الدول ، ولا أعراف سيادية تحكم التعامل بينها ، بل أن الدولة الأقوى تتسع على حساب الضعيفة لذا تحرص الممالك والرئاسات القبلية على بناء جيش قادر على الدفاع ، ولم تكن آنذاك رتب عسكرية وتفصيل ، ولكن الزعامات بلحاظ تقسيم الجيش موجودة ولهم شارات خاصة فمثلاً في معركة أحد جعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الجبل خلف المسلمين خمسين من الرماة ، وإختار عبد الله بن جبير ليكون أميراً عليهم ، وكان يمتاز عنهم بأنه يلبس ثوباً معلماً فيه خطوط ملونة يعرفونه بها .
وكان الجيش يقسم إلى الفرسان والمشاة ، وعندما إستمع تبع إلى قول الحبرين سألهما : لماذا لا أفعل ، لقد عزمت على خراب هذه البلدة وهلاك أهلها فما المانع منه .
قالا له : إنه يحال بينك وبين ما تريد بمشيئة الله ، ونخشى عليك العقوبة فأزداد حيرة , وقال ، لم ذلك ؟ أي هل عندهم سر ومدد غيبي ، وهل لأنهم يكرمونه وجيشه في الليل بموائد وقدور الطعام .
فقالا : هذه البلدة التي تسمى يثرب (مهاجر نبى يخرج من هذا الحى من قريش في آخر الزمان تكون داره وقراره) ( ).
وأدرك مصداقاً لما يظهر عليهما من العلم وأعجبه قولهما واختار الإنصراف من المدينة ، وأخذ الحبرين معه إلى اليمن وإتبعهما على دينهما واسمهما كعب وأسد ، وهما ابنا عم من بني قريظة ونسب ابن إسحاق الخبر إلى إنس بن مالك عن أشياخ ممن قومه من أدرك الجاهلية .
وقال شاعر الأنصار بخصوص حربهم مع تبع مع الإفتخار برئيسهم عمرو بن الطلة من بني النجار :
أصحا أم قد نهى ذكره … أم قضى من لذة وطره
أم تذكرت الشباب وما … ذكرك الشباب أو عصره
إنها حرب رباعية … مثلها أتي الفتى عبره
فاسألا عمران أو أسدا … إذ أتت عدوا مع الزهره
فيلق فيها أبو كرب … سبغ أبدانها ذفره
ثم قالوا : من نؤم بها … أبني عوف أم النجره
بل بني النجار إن لنا … فيهم قتلى وإن تره
فتلقتهم مسايفة … مدها كالغيبة النثره
فيهم عمرو بن طلة ملى … الإله قومه عمره
سيد سامى الملوك ومن … رام عمرا لا يكن قدره ) ( ).
المسألة الرابعة عشرة : ذكرت آية السياق العزم وإرادة الفعل، وخصت الخطاب به النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم [فَإِذَا عَزَمْتَ] وهو من الخطابات الخاصة الموجهة له صلى الله عليه وآله وسلم أما الصحابة والأمة فعليها بخصوص هذا الخطاب أن يسلموا بصحة فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في السلم والمهادنة والحرب ويقوموا باستشارة أصحابهم في حياة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبعده إلى يوم القيامة ، ولم يأت عزم النبي إلا عن أمور :
الأول : الوحي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باستشارة أصحابه.
الثاني : إستماع النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأقوال وآراء أصحابه، وهل هذا الإستماع من الوحي أم أنه أمر خارج بالتخصص عن الوحي الذي هو قول ونطق وفعل كما في قوله تعالى[وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى]( ).
الجواب هو الأول ، وأن إصغاء وإستماع النبي صلى الله عيله وآله وسلم لأقوال أصحابه من الوحي .
الثالث : عزم النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الفعل بعد المشورة ، وصحيح أن الآية نسبت العزم إليه بقوله تعالى[فَإِذَا عَزَمْتَ]إلا أنها جعلت المشورة مقدمة له .
الرابع : دلالة قوله تعالى أعلاه على أن حد فعل الصحابة هو الإستشارة وإبداء الرأي، وفيه غاية التأديب، ومن مصاديق قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أدّبني ربّي فأحسن تأديبي ( ). الذي يكون من معاني تقديره وجوه :
أولاً : أدبني ربي فاحسن تأديبي وتأديب أمتي.
ثانياً : أدبني ربي كي تتأدب الأجيال المتعاقبة من أمتي .
ثالثاً : لقد أنعم علي ربي بمرتبة النبوة فادبني .
رابعاً : أدبني ربي فادبت أمتي .
خامساً : أدبني ربي لتقتبس أمتي من هذه الآداب , وتبقى ثروة وكنزاً للمسلمين وأهل الأرض جميعاً ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ]( ).
المسألة الخامسة عشرة : يحتمل لفظ (إذا ) في قوله [فَإِذَا عَزَمْتَ] وجهين:
الأول : الشرط والإحتمال ، فقد يعزم النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أمر أو يترك إتخاذ قرار .
الثاني : المراد الإخبار عن بدء الفعل ، وتقدير (إذا) متى ما عزمت ، وعندما تعزم على الفعل .
والصحيح هو الثاني ويكون الأمر في طوله، والفرق بينهما صغروي ، فحتى ترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم للفعل أمر وجودي ومن العزم ، وتقديره : فتوكل على الله في الترك .
وهل تفيد الآية أن عزم النبي صلى الله عليه وآله وسلم فرع الإستشارة، الجواب أنه أعم ويكون معناه على وجوه :
أولاً : إذا استشرت أصحابك فتوكل على الله .
ثانياً : إذا أوحى الله لك فتوكل عليه سبحانه .
ثالثاً : إذا أبدى المسلمون رأياً وقولاً إبتداء فقد يجزي عن الإستشارة فتوكل على الله سبحانه .
رابعاً : إذا جاء الأمر في الدفاع والبناء والصلاح فان الوحي طريق مبارك للعمل المقترن بالتوكل على الله .
وذكرت آية البحث نصر الله سبحانه للمسلمين , فهل من موضوعية لعزم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الفعل في تحقيق النصر ، الجواب نعم ، ولكن هذا العزم ليس شريكاً بالنصر وأسبابه ، ولكنه فرع من نصر الله لأن هذا العزم تم بوحي من الله عز وجل ، ولنسبة آية البحث النصر إلى الله عز وجل بقوله تعالى [إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ] ( ) وفيه شاهد على تعدد نصر الله عز وجل للمسلمين ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ] ( ).
وسواء عزم النبي صلى الله عليه وآله وسلم على القتال أو عزم على إختيار الصبر والإكتفاء بالموعظة وبيان المعجزات وإطلاع الناس على تتابع نزول آيات القرآن ، فان النصر يأتي من عند الله عز وجل إذ لا ملازمة بين القتال وتحقق النصر .
وذات الصبر والرضا بما قسم الله نصر وفخر وموضوع للجر والثواب لذا ورد تعليق مجئ الملائكة لنصرة المسلمين على الصبر والتقوى بقوله تعالى [بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاَفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ]( ).
فان قلت المتبادر من لفظ [إِنْ يَنْصُرْكُمْ] الله أي ينصركم في ميدان المعركة , والجواب النصر أعم في موضوعه وأثره ودلالاته .
وتبين الآية موضوعية السنة النبوية في تقريب النصر فمن معاني قوله تعالى [فَإِذَا عَزَمْتَ] تعجيل النصر بفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، لبيان مصداق لحب الله للمؤمنين من جهات :
الأولى : مصاحبة رحمة الله للمسلمين لقوله تعالى في الآية السابقة [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ] ( ) ومجئ الآية أعلاه بصيغة الخطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم زجر للذين كفروا عن محاربة الإسلام ، ودعوة للناس جميعاً لدخوله ، لتأتي آية البحث وتؤكد لهم بأن عاقبة الذي يحارب النبوة والتنزيل هو الإنكسار والهزيمة , ليكون عبرة وموعظة للناس ، قال سبحانه [فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ] ( ) .
المسألة السادسة عشرة : أختتمت آية البحث بقانون وهو أن حب الله عز وجل للمتوكلين عليه , مطلق من غير ذكر قيد , وأن التوكل عليه سبحانه ، ففي التوكل أطراف :
الأول : الذي يتوكل ويختار الإلتجاء إلى غيره والثقة به والرضا بجريان الأمر ونتيجته .
الثاني : الأمر الذي يقع التوكل فيه , وهو من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة كثرة وقلة من جهة الموضوع والأمر الذي يكون فيه التوكل .
الثالث : الذي يتوكل عليه الإنسان والمراد في الآية هو التوكل على الله عز وجل لبيان قانون من الإرادة التكوينية وهو أنه لا يصح التوكل إلا على الله عز وجل ، وقد وردت الآيات بتقييد التوكل بأنه على الله عز وجل وحده ، قال سبحانه [اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ] ( )لبيان الملازمة بين الإيمان والتوكل على الله ، واذا كانت جهة التوكل تنحصر بالله عز وجل فلا يصح التوكل على غيره , وهل يختص التوكل على الله بالمؤمنين كما تدل عليه الآية أعلاه.
الجواب لا، إنما الأصل هو أن الناس جميعاً يجب أن يتوكلوا عليه ، وهو سبحانه الذي بيده مقاليد الأمور ، ولكن الذين كفروا إختاروا الإعراض عن نعمة التوكل على الله عز وجل .
ومن الآيات في خلق الإنسان مصاحبة التوكل على الله للإنسان من أيام هبوط آدم إلى الأرض , وهو من أسرار الملازمة بين التوكل مطلقاً في موضوعات النبوة وعمارة الإنسان للأرض , إذ كان آدم عليه السلام رسولاً نبياً .
ترى لو توكل آدم على الله عز وجل في الجنة ساعة إغواء إبليس له فهل أكل من الشجرة التي نهاه الله عز وجل عنها .
الجواب لا ، ولعجز إبليس عن إغوائه ، فلا يأكل منها ، وينجو من وسوسته ، قال تعالى [وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا]( ).
وذكرت الآية أعلاه العزم وعدم حضوره عند آدم بينما أخبرت آية السياق عن عزم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في إرادة الفعل وإقتران هذا العزم بالتوكل على الله عز وجل .
ولو لم يأكل آدم وحواء من الشجرة فهل يبقيان في الجنة , الجواب لا ، إنما يتكرر الإختبار والإمتحان إلى أن يهبط آدم إلى الأرض لأن علة وموضوع خلقه هو الخلافة في الأرض , وعمارتها بالعبادة ، قال تعالى [وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ) أي أن آدم وحواء سيكونان ضيفين عليكم في الجنة فلا بد أن يهبطا إلى الدنيا .
فسر بهما الملائكة وتحدثوا إليهما إلا إبليس فانه لم يعمل بآداب الضيافة وأخلاق أهل الجنان فرغّبهما بفعل ما نهاهما الله عز وجل عنه لعلمه بأن الذي يخالف أمر الله عز وجل لا يبقى في الجنة .
وهل أراد إبليس تعجيل هبوط آدم وحواء إلى الأرض ، الجواب نعم ،وهو الحسد والجحود والذي تجلى بعدم السجود له طاعة لله عز وجل وإلا فان كيفية هبوط آدم وحواء تختلف لو لم يأكلا من الشجرة وسبقتها النعم الظاهرة والخفية ولما اضطر آدم إلى العمل والكد في الأرض .
(وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال : كان آدم عليه السلام حرّاثاً ، وكان إدريس خياطاً ، وكان نوح نجاراً ، وكان هود تاجراً ، وكان إبراهيم راعياً ، وكان داود زراداً ، وكان سليمان خوّاصاً ، وكان موسى أجيراً ، وكان عيسى سياحاً ، وكان محمد صلى الله عليه وآله وسلم شجاعاً جعل رزقه تحت رمحه .
وأخرج الحاكم عن ابن عباس أنه قال لرجل عنده : أدن مني أحدثك عن الأنبياء المذكورين في كتاب الله . أحدثك عن آدم كان حراثاً ، وعن نوح كان نجاراً ، وعن إدريس كان خياطاً ، وعن داود كان زراداً ، وعن موسى كان راعياً ، وعن إبراهيم كان زراعاً عظيم الضيافة ، وعن شعيب كان راعياً ، وعن لوط كان زراعاً ، وعن صالح كان تاجراً ، وعن سليمان كان ولي الملك ، ويصوم من الشهر ستّة أيام في أوله ، وثلاثة في وسطه ، وثلاثة في آخره ، وكان له تسعمائة سرية ، وثلاثمائة مهرية ، وأحدثك عن ابن العذراء البتول عيسى . إنه كان لا يخبىء شيئاً لغد ، ويقول : الذي غداني سوف يعشيني والذي عشاني سوف يغدّيني ، يعبد الله ليلته كلها ، وهو بالنهار يسيح ويصوم الدهر ويقوم الليل كله ) ( ).
وهل يدل قوله تعالى [فَإِذَا عَزَمْتَ] ( ) على تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على آدم الذي أخبر الله الذي لم يكن له عزم , الجواب نعم ، والعزم في قوله تعالى [وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا] ( ) هو الصبر والحفظ للمأمور به .
(عن ابن عباس قال : لا تأكلوا بشمائلكم ولا تشربوا بشمائلكم ، فإن آدم أكل بشماله فنسي فأورث ذلك النسيان) ( ).
ويحتاج إثبات هذه الملازمة وصيرورة الأكل بالشمال علة للنسيان إلى دليل من القرآن أو السنة ، ولا بأس من دراسة الأمر من قبل أطباء الأبدان في هذا الزمان.
وأختلف في تعريف التوكل بحسب اللحاظ والأسباب والباعث له والدرجة والغاية منه , ولا تحيط أغلب التعاريف بكنه التوكل على الله وإن كانت تقاربه في المعنى اللغوي , ويحتمل التوكل الذي تذكره آية السياق وجوهاً :
الأول : إنه بلغة لتحقيق الغايات الحميدة .
الثاني : التوكل غاية بحد ذاته .
الثالث : إرادة المعنى الأعم والجامع , وهو أن التوكل على الله بلغة وغاية .
والصحيح هو الأخير ، وهو من الإعجاز في خلق الإنسان وحاجته إلى رحمة الله ، وتفضل الله عز وجل بالمدد والرحمة له .
ومن صفات الله تعالى الوكيل وهو الذي توكل بشؤون الخلائق كلها بأتم وجه وأحسن كمال , وفي التنزيل [ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ] ( ).
(وَكِلَ بالله وتوَكَّل عليه واتَّكَل استَسْلم إِليه , وتكرّر في الحديث ذكر التَّوكُّل يقال توكَّل بالأَمر إِذا ضَمِن القِيامَ به ووَكَلْت أَمري إِلى فلان أَي أَلجَأْتُه إِليه واعتمدت فيه عليه ووَكَّل فلانٌ فلاناً إِذا استَكْفاه أَمرَه ثِقةً بكِفايتِه أَو عَجْزاً عن القِيام بأَمر نفسه ووَكَل إِليه الأَمرَ سلَّمه ووَكَلَه إِلى رأْيه وَكْلاً ووُكُولاً تركه وأَنشد ابن بري لراجز لمَّا رأَيت أَنَّني راعِي غَنَمْ وإِنَّما وكْلٌ على بعضِ الخَدَمْ عَجْزٌ) ( ).
ترى ما هي النسبة بين التوكل بالمعنى اللغوي والتوكل على الله في الإصطلاح ، الجواب هو العموم والخصوص ، فالتوكل على الله أعم ، خلافاً للأصل بأن يكون المعنى اللغوي أعم من المعنى الإصطلاحي .
وتبين خاتمة آية السياق أن التوكل على الله مقرون بالعزيمة والعمل مع إستحضار ذكر الله والتسليم بأن مقاليد الأمور بيده وأن ذات العمل وأثره وعدم المانع منه أمور لا يقدر عليها إلا الله عز وجل مع سؤال تحقيق الغايات الحميدة من الفعل بمعنى أن ذات التوكل سؤال ورجاء .
وهل من التوكل على الله الإبتداء بالبسملة عند الشروع بالفعل ، الجواب نعم ، لأنها ذكر لله وإقرار بأن الإبتداء بذكره بلغة ووسيلة لتنجز المطلوب .
وهل تدل آية السياق في مفهومها على معنى وهو : فاذا لم تعزم فلا تتوكل على الله ، الجواب لا ، لأن التوكل خير محض ، وحرز وهو من مصاديق الصراط في قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( ) نعم يكون مفهومها على وجوه :
أولاً : فاذا عزمت فلا تترك التوكل .
ثانياً : فاذا عزمت فلا تتوكل إلا على الله .
ثالثاً : فاذا عزمت فلا تتوكل على غير الله .
رابعاً : فاذا عزمت فاعلم أن الخير والنصر بيد الله سبحانه, قال تعالى[قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ]( ).
خامساً : فاذا عزمت فتوكل على الله فانه سبيل الأنبياء والصالحين .
لقد جعل الله عز وجل العبادة علة لخلق الإنسان ، وتتجلى في التوكل على الله مصاديق من العبادة ، لذا أختتمت آية البحث ببيان صفة للمؤمنين وهي التوكل على الله ، ومن الإعجاز في خاتمة آية السياق أنها تجمع بين أمور :
الأول : أسباب الفعل الإيماني .
الثاني : لزوم العمل في سبيل الله .
الثالث : إستشارة المؤمنين ، وعدم حصر الإستشارة بالخاصة ، وبين الذين يستشارون وبين البطانة الصالحة عموم وخصوص مطلق ، إذ تدل آية السياق على عموم الإستشارة ، وهو الذي يدل عليه الوجدان وربّ أمور عامة لا تعلمها الخاصة .
ومن الإعجاز في عموم إستشارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمسلمين منع الحسد والتحاسد بينهم ، فلا يحدث خلاف بخصوص الإستشارة ، وهو من الأسرار في بلوغ المسلمين مرتبة [خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ) بتفضل الله عز وجل بدفع أسباب التحاسد بينهم ومن ضروب الحسد ما وثقه القرآن [وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ]( ).
الرابع : العزم على الفعل .
الخامس : إقتران إبتداء وإستدامة الفعل بالتوكل على الله عز وجل ، واللجوء إليه .
المسألة السابعة عشرة : تضمنت آية السياق الأمر إلى النبي محمد صلى الله عليه آله وسلم بالتوكل على الله عز وجل [فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ]( ) وهل يختص موضوع التوكل وجواب الشرط بالفاء بالعزم على الفعل ، الجواب لا ، وتقدير الآية على وجوه :
الأول : فبما رحمة من الله فتوكل على الله ، إذ تكون رحمة الله عز وجل مصاحبة للنبوة , ومنها الوحي والتنزيل .
ومن معاني الجمع أعلاه ما دامت رحمة الله معكم فتوكل على الله ، قال تعالى [وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ] ( ).
الثاني : فبما رحمة من الله لنت لهم فتوكل على الله ) .
لقد تجلت معاني الرحمة والرأفة بسيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأدركوا معها أن هذه الرحمة واللين شعبة من الوحي مما يزيد في إيمانهم ويجعلهم يذبون عن النبي ويدافعون عن بيضة الإسلام ، فجاء الأمر من الله إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالفعل والدفاع والتوكل على الله لأن أهل بيته وأصحابه جند تابعون له .
لبيان أن رحمة الله عز وجل علة للين ورفق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع المسلمين من أجل أن يكون هذا اللين مقدمة للنصر الذي تذكره آية البحث بقوله تعالى [إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ] ( ) وتقديره على جهات :
الأولى : يا أيها الذين آمنوا إن ينصركم الله برحمة منه .
الثانية : يا أيها الذين آمنوا أن ينصركم الله بلين النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلا غالب لكم .
الثالثة : إن ينصركم الله بلين ورقة ورأفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لكم في الحرب والسلم فلا غالب لكم .
وهل يكون من معاني لين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عدم إلقاء المسلمين في أسباب الضرر والأذى والمعارك الخاسرة , الجواب نعم ، وهو من مصاديق الإمتثال للنهي الوراد في قوله تعالى [وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ] ( ) لتكون سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نجاة للمسلمين من الهلكة بارادة المعنى الأعم للآية أعلاه وعدم حصرها بالإنفاق في سبيل الله .
الثالث : لم تكن فظاً غليظ القلب فلم ينفض المسلمون من حولك فتوكل على الله ) ليكون من معاني التوكل على الله عز وجل مسائل :
الأولى : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يعزم على الفعل عن غضب وعصبية وحمية .
الثانية : عصمة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في العزم على الفعل .
الثالثة : دلالة الآية على قرب المسلمين من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإحاطتهم به ، فيكون من معاني التوكل على الله في آية السياق : فاذا عزمت فتوكل على الله بنفسك والمؤمنين ، لذا ورد قوله تعالى في خاتمة آية السياق [وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ]( ).
الرابع : فبرحمة من الله لم ينفضوا من حولك ) وفيه بيان لعظيم منزلة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند الله وإصلاح المسلمين لإتباعه ، وهل يتعلق مضمون الآية بالصحابة ويكون تقديرها : فبرحمة من الله لم ينفض الصحابة من حولك ) .
الجواب لا ، فالآية أعم وتقديرها : فبرحمة من الله لم تنفض أجيال المسلمين وإلى يوم القيامة من حولك ) بتقريب وهو أن المراد من لفظ حولك أعم من ظرف المكان وإتحاد الزمان .
لذا لم ترد الآية بذكر المهاجرين والأنصار ، وليس فيها حصر بالصحابة ، فان قلت إن ذكر لأنفضوا من حولك ) دليل على إرادة أهل البيت والصحابة الذين يحيطون بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم , ويكونون قريبين منه .
والجواب لو دار الأمر بين الإطلاق والتقييد , فالأصل هو الأول إلا مع القرينة الصارفة ، ولو كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم فظاً غليظ القلب لإتخذ أعداء الإسلام من هذه الصفة وأخبار السنة والتأريخ التي تذكرها على فرض وجودها وسيلة لصد الناس عن الإسلام ، ومادة للسغي لإرتداد بعض المسلمين ، ليتجلى قانون وهو أن من معاني قوله تعالى [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ] ( ) أموراً :
الأمر الأول : حفظ الإسلام وبقاؤه شريعة لأهل الأرض إلى يوم القيامة .
الأمر الثاني : ثبات المسلمين في منازل الإيمان ، وتوالي مصاديق الرحمة بما يزيدهم إيماناً .
إذ تحتمل الرحمة في قوله تعالى [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ]وجوهاً :
أولاً : إرادة فرد واحد من الرحمة , وهذا الفرد على جهات :
الأولى : وجود هذه الرحمة قبل أن يخلق آدم وهي مصاحبة للأنبياء جميعاً .
الثانية : وجود هذه الرحمة قبل أن يخلق آدم ، وهي خاصة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالثة : تعدد مصاديق الرحمة التي تذكرها الآية السابقة بقوله تعالى [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ] ومنها ما موجود قبل خلق الإنسان ومنها ما تكون مصاحبة لنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم , ومنها ما تأتي في الحال بخصوص أي فرد من المسلمين أو أي واقعة .
ولا تعارض بين هذه الجهات، وكلها من مصاديق الآية ، ومنها ما تأتي بشهادة المؤمن وقتله في سبيل الله ، وهو معجزة حسية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فكلما يقتل الذين كفروا مسلماً تزداد رأفة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالمسلمين شكراً لهم من الله ورسوله ، وهي من الجزاء العاجل والرحمة الواردة في قوله تعالى [وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ] ( ).
فقد أطاع المسلمون الله ورسوله وصبروا في جنب الله وقاتلوا الذين كفروا ، فجاءت رحمة الله للمسلمين وظهرت على لسان ويد رسول الله بأن لان ورق لهم , وأيهما أكثر من مصاديق هذه الرحمة التي هي جزء من طاعة الله ورسوله :
الأولى : الظاهرة كما في آية السياق فبما رحمة من الله .
الثانية : المصاديق الخفية والتي لا تدركها الحواس.
الثالثة : تعاهد المسلمين للفرائض والعبادات.
الرابعة : إقامة المسلمين على طاعة الله ورسوله، وعدم مغادرة منازلها، وهذه الطاعة سبب لنزول الرحمة من الله، وكذا فإن الرحمة من الله سبب لتعاهد المسلمين لطاعة الله عز وجل من غير أن يلزم الدور بينهما.
ثانياً : المقصود من الرحمة في قوله تعالى(فبما رحمة من الله) الجنس وكثرة أفراد الرحمة من الله.
ثالثاً : تأتي الرحمة من الله لأمور متعددة منها لين ورفق وعطف النبي صلى الله عليه وآله وسلم على المسلمين.
رابعاً : المراد من الرحمة الوحي من عند الله بما يقول أو يفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع المسلمين.
وتقدير الآية: فبما وحي من الله لنت لهم.
الأمر الثالث : تغشي رحمة الله عز وجل للمسلمين في سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم معهم، فقد كان رسولاً من الله وإماماً في أمور الدين والدنيا، وقائداً في ميدان القتال، وجاء قوله تعالى(يسألونك) خمس عشرة مرة ليكون وثيقة وشاهداً على رجوع المسلمين إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في أمورهم، وإرادة التفقه في الدين.
الأمر الرابع : يغادر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى ولكن رحمة الله التي تذكرها آية السياق باقية تتغشى المسلمين , وهذا البقاء من جهات:
الأولى : تجليات آيات القرآن.
الثانية : عدم مغادرة النعمة التي تأتي من الله إلى الأرض ، وهو من سعة رحمة الله وكرمه ولطفه بالعباد ، وتقدير آية السياق : فبما رحمة من الله باقية إلى يوم القيامة لنت لهم ) وهو من الإعجاز في مفاهيم الآية القرآنية ، لتكون هذه الرحمة حاضرة في حياة المسلمين ، وقربه منهم ويكون من معانيها وجوه :
أولاً : فبما رحمة من الله باقية يلين المسلمون بعضهم لبعض .
ثانياً : فبما رحمة من الله يستحضر المسلمون لين ورفق النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمسلمين .
ثالثاً : فبما رحمة من الله يشكر المسلمون الله على لين ورفق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بهم .
رابعاً : فبما رحمة من الله يقتدي المسلمون بسنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما فيها من اللين والرفق .
خامساً : يا ايها الذين آمنوا فبما رحمة من الله باقية إرفقوا بعضكم ببعض .
وتحتمل الآية القرآنية بلحاظ مضامين ومعاني الرحمة التي تذكرها آية البحث وجوهاً :
الأول : كل آية من القرآن من مصاديق الرحمة التي تذكرها آية السياق.
الثاني : الرحمة الواردة في آية السياق فضل من الله , وهو غير آيات القرآن .
الثالث : من معاني الرحمة في المقام الآيات التي تتضمن الإخبار عن رحمة الله عز وجل بالمسلمين كما في قوله تعالى [وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ] ( ).
والصحيح هو الأول أعلاه ، وهو لا يتعارض مع قانون الإرادة التكوينية ، وهو أن كل آية قرآنية رحمة بذاتها ، وتترشح عنها مصاديق الرحمة إلى يوم القيامة .
الثانية : أداء المسلمين للفرائض العبادية الذي هو رحمة وفضل من عند الله ، وتأتي بواسطته الرحمة .
الثالثة : دلالة آية السياق بالدلالة التضمنية على نزول رحمة من عند الله تجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يرفق بالمسلمين ، ولما جاء أجل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقوله تعالى [إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ] ( ) بقيت ذات الرحمة في الأرض لم تغادرها ففي هذه الرحمة وأثرها المبارك أطراف :
أولاً : لين ورفق النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمسلمين .
ثانياً : ذات اللين والرفق .
ثالثاً : المسلمون إذ يلين ويرأف بهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم فحينما غادر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقي ذات اللين ليكون منهاجاً وقانوناً وضابطة كلية للسجايا التي عليها المسلمون .
الرابعة : من رحمة الله صدور فعل من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يكون فيه رفق بالمسلمين ، ليصير إتعاظ وإقتداء المسلمين من هذا الفعل النبوية من ذات رحمة الله التي وردت في آية السياق , ويكون ذات الفعل نوع طريق لتحقيق نصر المسلمين على الذين كفروا أي أنهم ينصرون بما تولد وترشح من رحمة الله التي كانت تحكم سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع المسلمين ، ويكون الجمع بين آية البحث والسياق على وجوه:
الأول : فبما رحمة من الله ينصركم الله )، فاذ يتفضل الله عز وجل برحمة خاصة يلين ويرق معها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للمسلمين ، فمن باب الأولوية أن تنزل رحمة من الله لنصر المسلمين في القتال ، ويحتمل موضوع نزول الملائكة كما في قوله تعالى بخصوص معركة بدر [فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ] ( )وجوهاً :
أولاً : دعاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليلة وصباح معركة بدر, وسؤاله النصر على الذين كفروا من رحمة الله .
وفي صبيحة يوم بدر ساوى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الصفوف ثم توجه إلى الدعاء وألح فيه .
(وأخرج أبو نعيم عن ابن مسعود قال : لما نظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المشركين يوم بدر قال كأنكم بأعداء الله بهذه الضلع الحمراء من الجبل يقتلون .
وأخرج البيهقي عن عبد الله بن مسعود قال ما سمعت مناشدا ينشد حقا له أشد من مناشدة محمد صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر وجعل يقول اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك , اللهم ان تهلك هذه العصابة لا تعبد , ثم التفت كأن شق وجهه القمر , فقال : كأنما أنظر إلى مصارع القوم عشية) ( ).
ومن مصاديق رحمة الله التي تذكرها آية البحث تعقب البشارة لدعاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فما أن أتم دعاءه حتى أخبر أصحابه بقرب هلاك رؤساء قريش في المعركة ، وهو من الإعجاز والتحدي في أشد الأحوال التي يحتاج فيها المقاتلون إلى آية بشارة أو أمل .
ويبث أغلب الملوك والقادة في الميدان البشارة والنصر وأسباب الحماس في صفوف جنودهم ، وقد تنتهي المعركة بخسارتهم وهزيمتهم وتكون تلك البشارة وبالأعلى القائد وفضيحة له ، أما البشارات التي جاء بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم , فانها تأتي كفلق الصبح ، وليس ثمة فترة ومدة بين البشارة ومصداقها .
ثانياً : إرادة بيان فضل الله عز وجل على المسلمين في ميدان المعركة فحينما دخلوا الإسلام طائعين ، وأراد الذين كفروا قتلهم واستئصالهم أنزل الله الملائكة لحفظ نبيه والذين آمنوا , ولتخرج من أصلابهم أمم من المؤمنين لا يحصي عدد أفرادها , ومواضع سكناهم في عموم أرجاء الأرض إلا الله عز وجل ، وهو من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ).
ثالثاً : بيان مصداق لنصر الله عز وجل للمسلمين الذي تذكره آية البحث بقوله تعالى [إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ..] ( ).
رابعاً : تأكيد قانون من عظيم قدرة الله عز وجل بأن النصر أعم من أن يأتي من الأرض وقدرات المسلمين بل يأتي من السماء بنزول ملائكة إلى الأرض .
لقد نزل الملائكة بالوحي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أكثر من عشر سنوات فأبى الملأ من قريش إلا التكذيب والجحود فأمر الله عز وجل رسوله الكريم بالهجرة ومغادرة مكة ، قال تعالى [وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ] ( ).
خامساً : بيان مصداق لمعجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ميدان القتال بما يبعث اليأس والقنوط في قلوب الذين كفروا .
سادساً : ترغيب الناس بدخول الإسلام بتأكيد قانون وهو أن النصر بيد الله عز وجل وأن سطوة الذين كفروا لا أصل لها وهي أمر زائل .ويكون من معاني تقدير الآية أعلاه من سورة الأنفال ، فاستجاب الله لكم فأمدكم بألف من الملائكة مردفين ليدخل الناس في الإسلام فلا يخشون بعد نزول الملائكة لنصرتهم أذى وعداوة الذين كفروا .
الثاني : يا أيها الذين آمنوا فبما رحمة من الله لا غالب لكم ) لإمكان التفصيل بين نعمتين :
الأولى : نصر المسلمين .
الثانية : سلامة المسلمين من الهزيمة .
ومن معاني هذا التفصيل والتفكيك أمور :
أولاً : تعدد فضل الله ونعمة على المسلمين في ميادين القتال .
ثانياً : كل نعمة من الله قائمة بذاتها ، وهي مقدمة لنعم أخرى ، وإذ يتعلق موضوع المقدمة بذيها ، فان النعم التي تأتي من عند الله يصدق عليها أنها مقدمة لغيرها من غير أن يتعلق موضوعها بذي المقدمة ، وكانت معركة بدر مقدمة لعصمة المسلمين من الهزيمة والفرار في معركة أحد ، فان قلت قد فرّ أكثر الصحابة في معركة أحد .
والجواب لقد فرّت طائفة منهم يوم أحد ، ولكن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وثلة من أهل بيته وأصحابه ثبتوا يقاتلون في ميدان المعركة ، وهو دليل على عدم تحقق الفرار وإستغراقه ، وشاهد على أن الذين كفروا لم يغلبوا المسلمين .
ثالثاً : تأتي النعمة والرحمة من عند الله للمؤمنين لتكون تعضيداً لنعم أخرى جاءت من عند الله تعالى .
المسألة الثامنة عشرة : من وجوه تقدير الجمع بين آيتي السياق والبحث فاذا عزمت على القتال فتوكل على الله أن ينصركم الله فلا غالب لكم ) وهو من إعجاز لغة الخطاب في آيات القرآن بأن يتوجه الخطاب من الله عز وجل مرة إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وأخرى إلى المسلمين مع إتحاد الأثر والتأثير .
ترى لماذا لم تقل الآية (فاذا عزمتم فتوكلوا على الله ) الجواب لقد قسّمت آية السياق الوظائف الجهادية وأخبرت بأن للمسلمين المشورة وإبداء الراي أما أمر المسلم والحرب وكيفية القتال أو عدمه فهو أمر راجع لله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم الذي عنده نعمة الوحي ، لذا فمن معاني لفظ (الأمر) في آية السياق وجوه :
الأول : أمر الحرب والقتال والسلم .
الثاني : أمر شؤون المسلمين .
الثالث : صيغ التبليغ والإنذار .
الرابع : إختيار العوض والبدل بالنسبة للأسرى من المشركين .
الخامس : تعيين أوان وجهة خروج السرايا .
السادس : توزيع الغنائم بين الصحابة .
السابع : تهيئة مقدمات القتال والسلاح والخيل ، لذا ورد بصيغة الجمع قوله تعالى [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ] ( ).
الثامن : إرسال الوفود في الدعوة إلى الله .
التاسع : التقدير والتأخير في الأولويات .
المسألة التاسعة عشرة : تقدير الجمع بين الآيتين ( إن ينصركم الله فتوكل على الله ) لبيان إستدامة حاجة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين إلى التوكل على الله ، ومصاحبة التوكل لهم وإتخاذه رفيقاً وضياءً ومنهاجاً .
ومن الإعجاز في آية السياق عدم حصرها موضوع التوكل على الله بميدان القتال والتوجه إليه ، بل ذكرت لزوم إقترانه بالعزم بقوله تعالى [فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ] ( ) وهل يحمل الأمر بالتوكل في آية السياق على الوجوب أو الندب , الجواب هو الأول , مما يدل على إرادة الفعل في أمور القتال وشؤون بناء معركة الإسلام ، وتوجه المسلمين لما فيه صلاحهم ويكون من وجوه تقدير الآية أمور:
الأول : فاذا عزمت على القتال فتوجه على الله .
الثاني : فاذا أشار عليك المسلمون برأي فاعزم على الفعل ، ولم تقيد الآية هذا المعنى بذات الرأي المقترح من المسلمين خاصة وأن الأصل هو تعدد الأراء والأقوال في الموضوع المتحد , لذا قال الله تعالى [وَشَاوِرْهُمْ] بصيغة الجمع لبيان نكتة وهي إن أبدى بعضهم رأياً وقولاً فلا تكف عن المشورة بل اسأل غيره من المسلمين ، وكأن هذه المشورة من الكلي الطبيعي الذي يشترك فيه المسلمون .
الثالث : إن ينصركم فتوكل على الله ، ليكون التوكل مقدمة للقتال ، وسلاحاً ومصاحباً له ، ونتيجة له ورفيقاً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد إنتهاء المعركة .
الوجه الثاني : صلة هذه الآية بقوله تعالى [وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ] ( ) وفيه مسائل :
المسـألة الأولى : إتحاد صيغة الخطاب في الآيتين وتوجهت كل واحدة منهما في الخطاب إلى المسلمين , وبخصوص المسلمات وشمولهن بذات الخطاب وجوه :
أولاً : يشمل موضوع الآيتين والخطاب فيهما المسلمات .
ثانياً : إرادة خصوص الرجال من المسلمين لأن آية البحث تتحدث عن النصر والغلبة , بينما تخبر آية السياق عن الموت أو القتل .
ثالثاً : التفصيل وهو شمول النساء بموضوع الآيتين ، ولكن الخطاب فيهما يختص بالرجال .
رابعاً : آية السياق عامة وتشمل الرجال والنساء بدليل ذكر الموت [وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ]( ).
بينما تختص آية البحث بالرجال لأن موضوعها القتال لذكرها النصر .
والصحيح هو الأول , وإن وردت الآيتان بصيغة التذكير لتغليب المذكر بالخطاب .
المسألة الثانية : تحدثت آية السياق عن الموت والقتل ، وتأكيد قانون ظاهر للوجدان وهو حتمية مغادرة الإنسان الحياة الدنيا , وتفضل الله وبين كيفية مفارقتها القهرية ومع بغض الإنسان لهذه المغادرة ، وحبه للبقاء بين الأهل والأحبة ورجاءه إرجاء تغييب ظلمة القبر له , وملاقاته أهوال الآخرة فان آية السياق وما فيها من الإخبار عن الموت أو القتل تخفيف عن المسلمين من وجوه :
أولاً : آية السياق كلام الله عز وجل , وفيه إكرام للمسلمين .
ثانياً : ما في الآية من الإخبار عن الموت والقتل نوع مناجاة بين الله عز وجل وبين المسلمين .
ثالثاً : تعقب الإخبار عن مغادرته الدنيا في آية البحث بالبشارة للمسلمين والمسلمات بالحشر والجمع عند الله عز وجل ليجزيهم الثواب العظيم ، فان قلت إن قوله تعالى [لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ] ( ) مطلق لا يفيد إلا الجمع والوقوف بين يدي الله للحساب ، والجواب هناك قرائن في آية البحث على إرادة الجزاء الحسن وصيرورة الحشر مناسبة للثواب الجميل للمسلمين من وجوه :
الأول : صيغة الخطاب في الآية ولغة الإيمان التي تتغشاها إذ أنها معطوفة على آية من آيات نداء الإيمان ، وهو قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا ..]( ).
ويكون تقدير خاتمة آية السياق (يا أيها الذين آمنوا لإلى الله تحشرون) ليحضر الإيمان مع المسلمين ، كما تأتيهم شهادة وشفاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لهم ، قال تعالى [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا] ( ).
الثاني : ذكر آية السياق للقتل ، وأن المسلم قد يتعرض للقتل وورد القتل فيها على نحو الإطلاق في كيفيته ، ولكن الآية التي سبقتها قيدت هذا القتل بأنه في سبيل الله بقوله تعالى [وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ] ( ) ليكون هذا القتل طريقاً مباركاً للخلود في النعيم .
الثالث : صحيح أن آية السياق جاءت بالإخبار عن الموت أو القتل ، ولكنها تتضمن بعث السكينة في قلوب المسلمين بحسن العاقبة والبشارة بترك الدنيا بارادة من الله عز وجل لجمع المؤمنين عنده ليكونوا في مأمن من الفتنة وهموم الدنيا ونزغ الشيطان ز
وتبين الآية أن المسلم ينتقل بعد الموت أو القتل إلى رحمة الله .
لتكون كل من آية البحث والسياق من مصاديق قوله تعالى [وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا] ( ).
المسألة الثالثة : من الإعجاز في نظم وسياق الآيات مجئ آية السياق التي تتضمن الإخبار عن موت أو قتل المسلم ، قبل آية البحث التي تخبر عن النصر الذي يأتي للمسلمين ، وإذا جاءهم فهو فضل ونعمة من عند الله ، لبيان قانون وهو : إدراك المسلم بأنه إذا قتل في سبيل الله فان الإسلام لن يخسر بل يكون هذا القتل طريقاً للنصر وغلبة المسلمين والذي يموت أو يقتل يغادر الدنيا إلى رحمة الله .
ومن معاني الجمع بين الآيتين أن المسلم لا يفارق الدنيا إلا على الإيمان ، فنصر المسلمين مقدمة لإقامة الشعائر وأداء الفرائض ، ووسيلة مباركة لمعرفة الناس بمعجزات النبوة والإنصات إلى التنزيل بتدبر وواقية من حمل الطواغيت الناس على الكفر ، بما هو مانع من الطغيان وإدعاء السلطان المطلق .
لقد إدعى فرعون الربوبية كما ورد في التنزيل حكاية عنه [فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى] ( ).
ولم يكتف بهذه الدعوة بل حارب النبوة ، وجحد برسالة موسى عليه السلام ، فأمهله الله عز وجل ، وأمر موسى عليه بأن يخرج ببني إسرائيل من مصر ، وكانت فرصة لفرعون للبقاء في ملكه بان يتركهم وشأنهم .
وقد وقع كفار قريش في ذات الخطأ وصبغة العناد والإستكبار التي وقع فيها فرعون فلم يتركوا النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وشأنه عندما هاجر إلى المدينة بل جمعوا الجيوش وأغروا القبائل وبذلوا الأموال الطائلة لقتاله ، فكانت عاقبتهم أن قتل منهم سبعون وأسر سبعون في معركة بدر ، ترى لماذا لم يهلكوا جميعاً مثل فرعون وقومه ، الجواب من وجوه :
أولاً : إن الله عز وجل هو الحكيم [لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ] ( ).
ثانياً : فضل الله في خروج ذرية مؤمنة من أصلاب الذين كفروا من قريش .
ثالثاً : دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم لقومه بالهداية .
رابعاً : رجاء توبة الذين كفروا ودخولهم الإسلام خاصة وقد دخلت طوائف من ذويهم وإخوانهم وأتباعهم .
خامساً : تفضل الله عز وجل بنيل المسلم مرتبة الشهادة وهو الذي تشير إليه آية السياق بقوله تعالى [وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ] ( ).
سادساً : لقد جعل الله عز وجل النصر أو الهزيمة بيده كما تدل عليه آية البحث بقوله تعالى [إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ] ( ).
سابعاً : إخبار القرآن عن هلاك طائفة من الذين كفروا في كل معركة من معارك الإسلام قال تعالى بخصوص معركة أحد [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ] ( ) .
فاذا كانت معركة أحد التي نزلت فيها مصيبة بالمسلمين وتلقوا خسائر بالأرواح قد إبتلى الله عز وجل بها المشركين بقطع طائفة منهم ، وقتل عدد من رجالهم وإصابتهم بالخيبة لأنهم لم يحققوا أي غاية من غاياتهم الخبيثة ، فان فرعون أراد قتل الرسول موسى والنبي هارون عليهما السلام وإبادة بني إسرائيل وسبي النساء والذراري فأهلكه الله ، مع إجتماع الأسباب لو أدركوهم قبل عبورهم البحر .
وفي التنزيل [فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * إِنَّ هَؤُلاَءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ] ( ) .
(عن ابن عباس قال : أوحى الله إلى موسى : أن اسر بعبادي ليلاً إنكم متبعون . فأسرى موسى ببني إسرائيل ليلاً ، فاتبعهم فرعون في ألف ألف حصان سوى الاناث ، وكان موسى في ستمائة ألف ، فلما عاينهم فرعون قال { إن هؤلاء لشرذمة قليلون ، وإنهم لنا لغائظون ، وإنا لجميع حاذرون}( ) فاسرى موسى ببني إسرائيل حتى هجموا على البحر فالتفتوا فإذا هم برهج دواب فرعون .
فقالوا : يا موسى { أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعدما جئتنا }( ) هذا البحر أمامنا ، وهذا فرعون قد رهقنا بمن معه قال : { عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون }( ) فأوحى الله إلى موسى : أن اضرب بعصاك البحر ، وأوحى إلى البحر : أن اسمع لموسى وأطع إذا ضربك . فثاب البحر له أفكل يعني رعدة لا يدري من أي جوانبه يضرب .
فقال يوشع لموسى : بماذا أمرت؟ قال : أمرت أن أضرب البحر . قال : فاضربه : فضرب موسى البحر بعصاه فانفلق فكان فيه اثنا عشر طريق كل طريق كالطود العظيم ، فكان لكل سبط فيهم طريق يأخذون فيه ، فلما أخذوا في الطريق قال بعضهم لبعض : ما لنا لا نرى أصحابنا؟ فقالوا لموسى : إن أصحابنا لا نراهم؟ قال : سيروا فانهم على طريق مثل طريقكم قالوا : لن نؤمن حتى نراهم قال موسى : اللهم أعني على أخلاقهم السيئة) ( ) .
لقد كانت الملائكة حاضرة في كل معركة بين المسلمين والذين كفروا ليكون حضورهم سبباً لدفع وإخافة قريش ، ونزول الخسارة الفادحة بهم ، وقد أدركت قريش أن استمرار القتال ومحاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سبب لاستئصالهم وهلاكهم خاصة وأنهم فقدوا منزلتهم عند العرب والدول العظمى مثل دولة فارس والروم ، فلجأوا إلى صلح الحديبية ، وفيه الإتفاق على السلم والمهادنة لعشر سنين ز
أما فرعون فلم يرض بالصلح ولم يقر بأن بني إسرائيل طرف يستحق عقد المهادنة معه وإستماع شروطهم وحاجاتهم ، الدنيوية والأخروية وحقهم في عبادة الله وإتباع الرسول موسى عليه السلام ، وفي التنزيل حكاية عن فرعون [قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ]( ).
لتبعث آية السياق السكينة في نفوس المسلمين وتدعوهم للشكر لله عز وجل لعجز الذين كفروا عن قتلهم أو أسرهم وإستضعافهم ، فان قوله تعالى [وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ] ( ) شاهد على سلامة المسلمين من الإرتداد والإكراه عليه بصيغة الإيمان التي تدل عليها لغة الخطاب ، ودلالة الترديد بين الموت والقتل على قانون وهو أن المسلمين أمة لا يقدر عدوهم على إبادتهم وقتلهم مجتمعين .
وقد يقتل بعضهم ولكن الأمة باقية في صفتها وشأنها وعبادتها لذكر الآية لموت بعض المسلمين على الفراش .
ومن الإعجاز في نظم الآيات تقديم آية السياق الموت على القتل بينما قدمت الآية التي قبلها القتل وقيدته بانه في سبيل الله ، قال تعالى [وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ] ( ).
ومن معاني هذا التباين لحاظ الإختلاف في أحوال المسلمين ، والكيف والكم في كيفية مغادرة المسلمين الحياة الدنيا ، فاذا وقعت معركة بين المسلمين والذين كفروا حصل القتل ، قال تعالى [إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ] ( ) فتتجلى أسرار ومواعظ من تقديم القتل في سبيل الله في الآية أعلاه وهو لا يمنع من الموت على الفراش أثناء المعركة بالنسبة للنساء والمعذورين والمتخلفين ، فلذا إجتمع في الآية ذكر القتل والموت بقوله تعالى [وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ] ( ).
والتأكيد قانون حلول أجل الإنسان في أوانه وإن تغيرت الحال وهو من الإعجاز في قوله تعالى [قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ] ( ) أما إذا لم تكن هناك معركة وقتال فتكون كيفية مغادرة أكثر المسلمين للحياة الدنيا بالموت ، وهو لا يمنع من حدوث القتل في سبيل الله على نحو القضية الشخصية أو القتل مطلقاً لذا ذكرت آية السياق القتل بعد الموت ، ولم تقيده بأنه في سبيل الله , وفيه دعوة للمسلمين .
المسألة الرابعة : لقد ذكرت آية السياق خاتمة حياة المسلم , وكيفية زهوق روحه ورحيله عن الدنيا بأحد أمرين :
الأول : الموت .
الثاني : القتل .
وقد تقدم في الجزء السابق أن النسبة بين الموت والقتل هي العموم والخصوص المطلق ، فالموت أعم ، وكل قتل هو موت وليس العكس.
وتبين آية البحث حقيقة وهي أن قتل المسلم طريق لنصر المسلمين وتقدير الجمع بين الآيتين على وجوه :
الأول : فان قتلتم فان الله ينصركم .
الثاني : فان قتلتم فلا غالب لكم ) لبيان أن قتل بعض المسلمين لا يعني خسارتهم بل إن الله عز وجل ينتقم لهم من عدوهم ويحجب عنه النصر ، وهو من كرامة المؤمن عند الله وحب الله عز وجل للمؤمنين ومصاديق قوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا]( ) .
الثالث : يا أيها الذين آمنوا لا تخشوا الهزيمة إن قتلتم لأن الله عز وجل هو الذي ينصر المسلمين من بعدكم ويثيبكم الخلود في الجنان .
الرابع : يا أيها الذين آمنوا إن قتلتم فان الله عز وجل ينتقم لكم من عدوكم ويجعله عاجزاً عن النصر ، ويرزق المسلمين نعمة عظمى وهي إنتفاء الغالب لهم ، وهذه النعمة من مصاديق الرحمة التي ذكرتها الآية السابقة ، والإعجاز في مجيئها بعد آيتين تتضمنها الإخبار عن قتل أو موت المسلم بلحاظ متى ما قتل المسلم في سبيل الله فان رحمة من الله عز وجل تنزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين , ويكون من مصاديقها رفقة ورأفة بالمسلمين .
فان قلت ما هي وجوه الصلة بين الأمرين ، الجواب من فضل الله عز وجل أن يأتي الجزاء للشهيد على وجوه :
الأول : الثواب العظيم للشهيد بالخلود في النعيم ، قال تعالى [وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لاَ تَشْعُرُونَ] ( ).
الثاني : الجزاء العاجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بنزول رحمة الله عليه ، وتجلي اللين والرفق في قوله وعمله .
الثالث : الجزاء للمسلمين بفقد بعض أصحابهم بالشهادة بأن يرق ويرفق النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعامة المسلمين مواساة وشكراً لهم على الصبر والجهاد ، خاصة وأنهم جميعاً في معرض الشهادة والقتل في سبيل الله ، فلا غرابة أن يأتي الأمر من عند الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن يعفو عن المسلمين ويستغفر لهم ويشاورهم في الأمر .
فكأنهم شهداء يمشون على الأرض مما يعني بالدلالة الإلتزامية حسن مشورتهم فلذا أمر الله عز وجل نبيه الكريم أن يشاورهم للإنتفاع من رحمة الله ، والمرتبة التي نالوها بالصبر والجهاد في سبيل الله وإستشهاد أخوانهم ، وهو من الأسرار الملكوتية في مؤاخاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين المهاجرين والأنصار .
فقد آخى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لتنزل شآبيب الرحمة عليهم عند فقد أحدهم بالموت أو القتل ، وليعظم فقده عند عموم المسلمين فلا يقول المهاجر عند فقد الأنصاري بأنه ليس منا ، أو أن الأنصاري يسأل إذا قتل أحد المسلمين هل أنصاري فأحزن له أم مهاجر فلا يهمها أمره .
الرابع : الجزاء العام للمسلمين بمجئ النصر لهم , وتقديم أوانه وقلة مؤونته ، وهل هو من مصاديق قوله تعالى [يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ] ( ) الجواب نعم ، فهو سبحانه يعلم أن الكفارسوف يقتلون عدداً من المؤمنين ، وهو مثبت في أم الكتاب ، ولكن حين وقوع القتل يقرب الله النصر ويمحو الزائد من القتل عن المسلمين ، وهذا المحو أيضاً عند الله في أم الكتاب .
و(عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن الله تعالى ينزل في ثلاث ساعات يبقين من الليل فينسخ الذكر في الساعة الأولى منها ، ينظر في الذكر الذي لا ينظر فيه أحد غيره ، فيمحو ما يشاء ويثبت . ثم ينزل في الساعة الثانية إلى جنة عدن ، وهي داره التي لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر ، لا يسكنها من بني آدم غير ثلاثة : النبيين والصديقين والشهداء ، ثم يقول : طوبى لمن نزلك .
ثم ينزل في الساعة الثالثة إلى السماء الدنيا بروحه وملائكته ، فتنتفض ، فيقول : قومي بعزتي ، ثم يطلع إلى عباده فيقول : هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من داع فأجيبه؟ حتى يصلي الفجر ، وذلك قوله { إن قرآن الفجر كان مشهوداً }( ) يقول : يشهده الله وملائكة الليل والنهار ) ( ).
والله عز وجل لا يحده مكان , والمراد نزول رحمته ورأفته .
الخامس : الجزاء والإنتقام من الذين كفروا بأن يعجل بموتهم ويحول بينهم وبين الغلبة والنصر .
المسألة الخامسة : إتحاد صيغة الخطاب وجهته في الآيتين ، إذ يتوجه كل واحد منهما إلى عموم المسلمين ، ومن الإعجاز في نظم وسياق هذه الآيات إتصاف كل من آية البحث السياق بأن كل كلماتها في ذات صيغة الخطاب من غير إنتقال إلى خطاب غيرهم باستثناء خاتمة آية البحث في بيان قانون وجوب التوكل على الله ، وفيه وجوه :
أولاً : بيان تفضل الله بإكرام المسلمين في الخطاب ، وما يدل عليه من المدح والثناء .
ثانياً : تأكيد قانون [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( )وبيان مصاديق له بحسن توكل المسلمين على الله .
ثالثاً : لما كان التوكل على الله عز وجل حاجة الناس ، وفيه خير الدنيا والآخرة تفضل الله عز وجل وأخبر عنهم في القرآن كقانون كلي اختص به المؤمنون .
رابعاً : بيان إتحاد السنخية بين المسلمين والمؤمنين من الأمم السابقة من اليهود والنصارى وأتباع الأنبياء الأخرى .
خامساً : بيان حب الله عز وجل للمسلمين لصدق توكلهم على الله ، وفي التنزيل [إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ] ( ).
ويدل إتحاد صيغة الخطاب في الآيتين وتوجهه للمسلمين على تفقههم في الدين ، ومن الآيات كثرة مصاديق ورشحات رحمة الله عز وجل على المسلمين في الآيتين .
المسألة السادسة : لقد ورد في آية السياق الترديد والتعدد في خاتمة حياة المسلم فلابد أن يغادر كل مسلم ومسلمة الحياة الدنيا ، وتكون هذه المغادرة على أحد وجهين :
الأول : الموت .
الثاني : القتل .
والموت على الفراش وما يلحق به هو الأكثر والأعم بالنسبة للمسلمين والناس جميعاً ، وهو من رحمة الله عز وجل للناس في الحياة الدنيا وبين الموت والقتل عموم وخصوص من وجه ، فمادة الإلتقاء من جهات :
الأولى : كل من الموت أو القتل إنفصال وإنقطاع عن الدنيا .
الثانية : ليس من عودة للحياة الدنيا سواء غادرهم الإنسان بالموت أو القتل .
الثالثة : حلول كل من الموت والقتل في الأجل الذي كتبه الله عز وجل لمفارقة الإنسان للدنيا ، قال تعالى [إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ] ( ).
الرابعة : لا يقع كل من الموت والقتل إلا باذن من عند الله عز وجل ، وفيه دعوة للمسلمين للدعاء لطول العمر والسلامة من إنخرامه بالقتل ونحوه، وهل هذا الدعاء والإستجابة له من مصاديق قوله تعالى[فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ]في الآية السابقة .
الجواب نعم ، ليكون من معاني ذكر رحمة الله في الآية السابقة ترغيب المسلمين بالدعاء بطول أعمارهم .
فيدعو المسلم لنفسه ولأبويه وذريته والمسلمين والمسلمات عموماً بطول العمر مع الهداية والإقامة على أداء الفرائض والعبادات .
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال (لا يتمن أحدكم الموت أما محسن فإن يعش يزدد خيراً فهو خيرٌ له , وأما مسيئاً فلعلّه أن يستعتب)( ).
الخامسة : إخبار القرآن عن كل من الموت والقتل وإحتمال طرو أحدهم على المسلم .
وهل يصح القول بوقوعهما معاً عند المسلم .
الجواب نعم ، ففي حال القتل يجتمع القتل والموت والوفاة بلحاظ أنهما إذا إفترقا إجتمعا وإذا إجتمعا إفترقا ، ويدل عليه الإطلاق في قوله تعالى [حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا] ( ).
السادسة : لابد من القتل أو الموت بالنسبة لأي إنسان ذكراً أو أنثى ، ولا يستثنى أحد من البشر حتى الأنبياء ، وهو من مصاديق قوله تعالى [قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ] ( ).
أما مادة الإفتراق فمن جهات :
الأولى : التباين في الكيفية ، فيكون القتل بآلة ويأتي مفاجئاً ودفعة أما الموت فيكون يقبض الروح سواء بعد وهن أو بدونه ، وعلى الفراش أو فجأة .
قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : موت الفجأة رحمة للمؤمنين، وعذاب للكافرين( ).
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (أنه استعاذ من سبع موتات . موت الفجأة ، ومن لدغ الحية ، ومن السبع ، ومن الغرق ، ومن الحرق ، ومن أن يخر عليه شيء ، ومن القتل عند فرار الزحف ) ( ).
ويفيد الجمع بين الحديثين أعلاه حث المسلمين والمسلمات على الاستعاذة من هذه الموتات , ومنها موت الفجأة مع أنه تخفيف عن المؤمن ، بلحاظ كبرى كلية وهي أن طول عمر المسلم نوع طريق لإكتساب الحسنات ومحو السيئات .
الثانية : تعدد أطراف القتل وهي :
الأول : القاتل متحداً أو متعدداً .
الثاني : حدوث القتل .
الثالث : المقتول الذي تزهق روحه .
أما بالنسبة للموت فهو أمر بين الله عز وجل والعبد وإن تم بواسطة ملك الموت ، قال تعالى [اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا] ( ).
الثالثة : يكون القتل عن حق أو عن ظلم وتعدد ، أما الموت فهو قبض للروح من قبل ملك الموت من عند الله من غير توسط فعل من البشر ، وجاءت آية البحث بالإخبار عن نصر الله عز وجل للمسلمين وإنتفاع المانع منه ، والناقض له ، لبيان أن المسلم يغادر الحياة الدنيا وقد رآى نصر الله عز وجل في معركة بدر ، وهو يتطلع إلى النصر في المعارك اللاحقة .
ليفيد الجمع بين الآيتين بعث السكينة في نفوس المسلمين .
المسألة السابعة : لقد ذكرت آية البحث النصر للمسلمين من عند الله ، وبياناً أنه تعالى إذا خذلهم وتركهم فليس لهم ناصر ، وتضمنت آية السياق الترديد بين الموت والقتل ، مع التباين في الترديد ، فالنصر والغلبة عز وجلب للمنافع والغنائم ومقدمة ومناسبة لنشر مفاهيم الإيمان وأداء الفرائض والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وسعي الناس إلى الآخرة بالتنزه عن فعل الموبقات .
ولو تخير الإنسان بين الموت والقتل فانه يختار الموت وإنتظار الأجل ، ولكن لو إنحصر التخيير في الزمان المتحد بحيث كان أجل الإنسان في اليوم الفلاني ولو خير بين الموت والقتل فانه يختار الموت أيضاً لأنه يتم برحمة الله ورأفته .
وليس من فعل إنسان آخر يكون قاتلاً ، وورد بخصوص الشهيد فانه يرى عظيم منزلته في الآخرة ، ليكون من معاني الرحمة في آية السياق التخفيف عن المسلمين بقلة القتل بينهم .
لقد أراد الله عز وجل للمسلمين إنتفاء الغضب وغلبة النفس الشهوية في المعاملات والصلات الإجتماعية بينهم لتكون سجاياهم هذه حجة على الناس ، وآية حسية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتحول وتغير حال قبائل الجزيرة من حال الإمتثال فيما بينهم وطلب الثارات والنهب والسلب إلى الوقوف صفوفاً منتظمة في الصلاة ، تراهم ملائكة السماء الذين إحتجوا على جعل آدم [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ) فيشكرون الله عز وجل .
ويتجلى لهم خمس مرات في اليوم مصداق لقوله تعالى في الرد والإحتجاج على الملائكة [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) ليتوجه الملائكة بالدعاء والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , والإستغفار للمؤمنين .
وهل يمكن القول : كما أمر الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بالإستغفار للمسلمين في الآية السابقة[وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ] فان الله أمر الملائكة بالإستغفار لهم .
الجواب نعم، ويحتمل بلحاظ زمانه وأوانه وجوهاً :
الأول : الإستغفار للمسلمين حالما بعث الله عز وجل النبي محمداً رسولاً .
الثاني : إستغفار الملائكة للمسلم عندما يكون في الحياة الدنيا .
الثالث : إستغفار الملائكة للمسلمين من حين خلق الله عز وجل لآدم وسجودهم له، ليكون إستغفارهم هذا من مصاديق ورشحات [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ).
الرابع : صلاة ودعاء الملائكة للمسلمين عند أدائهم الفريضة والعمل العبادي، وعن البراء بن عازب قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقيمت الصلاة يمسح مناكبنا وصدورنا، ويقول : لا تختلفوا فتختلف قلوبكم إن الله وملائكته يصلون على الصفوف الأول ، وصلوا المناكب بالمناكب والأقدام بالأقدام ، فإن الله يحب في الصلاة ما يحب في القتال {صفاً كأنهم بنيان مرصوص}( ).
الخامس : استغفار الملائكة للمسلم بعد موته أو قتله .
ولا تعارض بين هذه الوجوه، وهو من مصاديق الإطلاق في قوله تعالى[هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا]( ).
ومن الإعجاز في المقام إختصاص آية بذكر رحمة الله ودعاء الملائكة والمسلمين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى [إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا]( ).
كما ورد ذكر رحمة الله ودعاء وصلاة الملائكة على المؤمنين بقوله تعالى [هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا] ( ).
ووردت نصوص في السنة النبوية تخبر عن صلاة الله والملائكة على المسلمين منها ما ورد عن (ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن الله وملائكته يصلون على المتسحرين) ( ).
وصلاة الله رحمة ، لتكون رحمته ودعاء الملائكة للمسلمين وإستغفار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أسباباً وسبلاً لتحقيق النصر على الذين كفروا ، ودفع شرهم وصرفهم عن العدوان عن المدينة وأسر أصحابه .
فمن المعجزات الحسية لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عدم وقوع طائفة من المسلمين أسرى بيد المشركين سواء في معركة بدر , وأحد أو الخندق أو حنين مع ظهور المشركين في بعض مراحل المعركة يوم أحد ويوم حنين .
الوجه الثالث : صلة هذه الآية بقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ] ( ) وفيه وجوه :
المسألة الأولى : يا ايها الذين آمنوا ان ينصركم الله فلا غالب لكم ) بيان صفحة مشرقة من قانون إكرام المسلمين بتعدد لغة ومضمون الخطاب الذي يتوجه إليهم من عند الله عز وجل .
فبعد أن تضمنت آية السياق الشهادة من عند الله للمسلمين بالإيمان والتي تتجلى بلغة الخطاب والنداء الكريم جاءت آية البحث بالبشارة العظمى وهو النصر من عند الله ، وهو غاية كل أمة وطائفة بأن تسعى للنصر وتريده وتقدم دونه الضحايا والقرابين ، وأكثر المعارك والقتال الذي يقع في الأرض لا يعادل من جهة غاياته الدماء التي تسفك من أجله ولا الخسائر والأموال التي تبذل فيه ، وهو من مصاديق ومعاني إحتجاج الملائكة عند خلق آدم وصيرورته خليفة في الأرض كما ورد في التنزيل حكاية عنه [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ]( ).
وحتى الحروب التي تكون على الحق والهدى كما في دفاع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين فان الطرف الآخر فيها يقاتل على الباطل ، وينفق الأموال للفساد والإفساد في الأرض .
ليكون من معاني نداء الإيمان تزكية المسلمين في صبرهم وجهادهم في سبيل الله ، ودفاعهم عن الحق والهدى ، وليكون من معاني الإيمان أن القتال في سبيل الله حق ، لذا توجه الأمر به إلى المسلمين ، وقد تكرر الأمر للمسلمين في القرآن بالقتال ، قال تعالى [وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] ( ).
كما أخبرت آيات القرآن عن قتال الأنبياء واصحابهم في سبيل الله وتلقيهم الأذى وتحملهم المشاق من غير أن يكلوا أو يتعبوا أو يركنوا إلى الذين ظلموا ، قال تعالى [وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ]( ).
لقد فتحت آية السياق باب الخطاب والتوجه إلى المسلمين , وبما يفيد تثبيت معاني العز والرفعة لهم ، إذ إبتدأت بنداء الإيمان الذي يدل بالدلالة التضمنية على بلوغ المسلمين مراتب الهداية والرشاد ، وهل يصح القول بأن من معاني ودلالات نداء الإيمان مباهاة الله عز وجل الملائكة بالمسلمين، الجواب نعم .
فقد إحتج الملائكة على خلافة الإنسان في الأرض بسبب إفساده فيها وإشاعته القتل ، بينهما يكون المسلمون مصلحين ويعمرون الأرض بذكر الله وإقامة الصلوات الخمسة على نحو الوجوب العيني ، فينشأ الصبي المسلم وهو يعلم بأن عليه الوقوف بين يدي الله خمس مرات بافعال عبادية مخصوصة وتلاوة للقرآن ، ومقدمات للصلاة تتعلق بالطهارة ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ] ( ) فان قلت لقد إحتج الملائكة أمرين :
الأول : الفساد في الأرض .
الثاني : قتل الناس بعضهم لبعض .
وعلى فرض أن معنى الخليفة في قوله تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ) يشمل على النحو الخصوص الملوك والسلاطين والحكام ، فان من الملوك من يقتل على الظنة وبغير حق ويستبيح المدن ويسبي الذراري, والشواهد في القرآن والتأريخ كثيرة ومتعددة ، ولا يخلو زمان من مصاديق لها إلا أن يشاء الله سبحانه .
فجاءت كل من آية السياق والبحث جواباً ووفقاً لهذا الإتكال فان الإيمان واقية من الفساد ، وحرز من القتل بغير حق ، وذكرت آية البحث بأن الله عز وجل ينصر من يشاء وهو الذي يحول دون تمادي الذين كفروا بالغي والبغي .
وإذا قيل بأن القتل الذي احتج الملائكة عليه قد يأتي من المسلمين لأنه نتيجة للقتال ، فالجواب لقد أنكر الملائكة الفساد والقتل المترشح عنه , وفي معركة بدر قتل من المسلمين أربعة عشر , بينما قتل من المشركين سبعون وأسر سبعون منهم .
وفي طريق عودة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة أمر بقتل النضر بن الحارث الذي كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مكة .
(قَالَ ابن إسْحَاقَ : حَتّى إذَا كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالصّفْرَاءِ قُتِلَ النّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ قَتَلَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، كَمَا أَخْبَرَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ) ( ).
وهناك تباين فقتلى المؤمنين في معركة بدر شهداء , نزل الملائكة لنصرتهم , وهو الذي إحتج عليه الملائكة بقوله تعالى [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ] ( ) وتقدير الآية : أتجعل في الأرض من يفسد فيها بالكفر وعبادة الأوثان وإشاعة الموبقات ويقتل الذين آمنوا يوم بدر وغيره )فأجابهم الله عز وجل [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ) وهو بلحاظ معركة بدر أمور :
الأول : خلود الصحابة الذين قتلوا في الجنان .
الثاني : سوء عاقبة الذين قتلوا من الذين كفروا فهم في العذاب الأليم ، (عن أنس ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ليلة بدر هذا مصرع فلان إن شاء الله تعالى غدا ووضع يده على الأرض , وهذا مصرع فلان إن شاء الله تعالى غدا , ووضع يده على الأرض , وهذا مصرع فلان إن شاء الله تعالى غدا ووضع يده على الارض , وهذا مصرع فلان إن شاء الله تعالى غدا , ووضع يده على الأرض .
فوالذي بعثه بالحق ما أخطأوا تلك الحدود جعلوا يصرعون عليها ثم ألقوا في القليب وجاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا فلان ابن فلان ابن فلان هل وجدتم ما وعد ربكم حقا فإني وجدت ما وعدني ربي حقا .
قالوا يا رسول الله أتكلم أجسادا لا أرواح فيها , فقال ما أنتم بأسمع منهم ولكنهم لا يستطيعون ان يردوا علي) ( ) .
ومن علم الله تعالى تحقق نصر المسلمين مع قلة عددهم وعدتهم .
الثالث : نصر المسلمين في معركة بدر ، فليس المدار على عدد القتلى وإن كان آية من عند الله كان ولا يزال أثرها متصلاً , وتقتبس منه المواعظ إلى أن الأهم في المقام هو خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين منتصرين , وعجز الذين كفروا عن الغلبة عليهم .
ونزلت آية البحث بعد معركة بدر ووردت بصيغة الفعل المضارع [إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ] ليكون من معانيه وجوه :
الأول : إن ينصركم الله كما نصركم بمعركة بدر ) وفيه منع من دبيب الخوف والشك في قلوب المسلمين باحتمال عدم تحقق النصر في المعارك اللاحقة .
فاذا كانوا قد نصروا في معركة بدر وهم أذلة فمن باب الأولوية نصرهم في المعارك اللاحقة .
الثاني : لقد نصركم الله ببدر ليمتنع الذين كفروا عن قتالكم ) ويحتمل هذا الإمتناع وجوهاً :
أولاً : إتعاظ الذين كفروا من هزيمتهم في معركة بدر ، خاصة وانهم أدركوا بأن هذه الهزيمة وقعت بمعجزة من عند الله بنصر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين ، فقد كان عدد المشركين في معركة بدر نحو ألف رجل وكان عدد المسلمين ثلاثمائة وثلاثة عشر .
ولو كان عدد المشركين عشرة أضعاف عددهم أعلاه ، وكان عدد المسلمين أقل من عددهم ، فيحتمل مسائل :
الأولى : تغير نتيجة القتال ، فلا ينال المسلمون النصر .
الثانية : إنتصار المسلمين , ولكن ليس بذات الكيفية التي انتصروا بها في معركة بدر .
الثالثة : تحقق ذات النصر للمسلمين والذي حصل في اليوم السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة .
والمختار هو الثالثة أعلاه ، وهو من أسرار تسمية معركة بدر بيوم الفرقان ، قال تعالى [وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] ( ) إذ يفيد الفرقتن الفصل والتمييز .
ثانياً : صيرورة الكفار في حال خوف وفزع من تجدد القتال مع المسلمين فاذا كان المسلمون إنتصروا مع قلتهم فان كثيراً من المسلمين ممن لم يخرج إلى معركة بدر صار تواقاً ومشتاقاً لمقاتلة الذين كفروا ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَتَمَنَّوْن الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ] ( ) .
وفي سبب نزول الآية ورد عن قتادة (أن أناساً من المؤمنين لم يشهدوا يوم بدر والذي أعطاهم الله من الفضل ، فكانوا يتمنون أن يروا قتالاً فيقاتلوا ، فسيق إليهم القتال حتى إذا كان بناحية المدينة يوم أحد؛ فأنزل الله { ولقد كنتم تمنون الموت . . . }( ) الآية .) ( ).
لقد شاع عند أهل مكة والمدينة والقبائل التي تحيط بهما نصر المسلمين في معركة بدر , وترشح عنه دخول أفواج من الناس في الإسلام .
فان قلت قد ورد أن قوله تعالى [إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا] ( ) نزل في حجة الوداع وهو المشهور , والجواب لقد كان في كل يوم من أيام بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نصر للإسلام .
المسألة الثانية : تقدير الجمع بين الآيتين : يا ايها الذين آمنوا إن يخذلكم الله فلا ناصر لكم ).
يدل الجمع بين الآيتين على إكرام الله عز وجل للمسلمين والثناء عليهم بنداء الإيمان ، وهو باعث على السكينة في نفوسهم والأمل بأن الله عز وجل لا يخذلهم .
إن قوله تعالى [وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ] ( ) تحذير وإنذار ولكن الجمع بينه وبين مضامين آية البحث والآيات الأخرى السابقة لها يدل على ان الآية لم ترد لإنذار المسلمين ، إنما لبيان قانون كلي ، وتأكيد حقيقة وهي ليس من ناصر إلا الله عز وجل ، ويفيد وفق السبر والتقسيم أن الله عز وجل لا يخذل المؤمنين بلحاظ أنه سبحانه يخذل الكافرين وأعداء الإسلام ، ولا يجتمع الضدان ، ولا يخذل الجمعين المتقابلين ، فاذا كان أحدهما مؤمنين فان الله عز وجل لا يتركهم , ولا يخلي بينهم وبين الهزيمة .
إنما جاءت الآية لبيان فضل الله عز وجل والإخبار بالدلالة التضمنية على أن الله عز وجل يخذل الذين كفروا عند اللقاء ، وهو من أسرار نزول آية البحث بعد معركة بدر لبعث الطمأنينة في قلوب المسلمين .
وأنه سبحانه لم يخذلهم فيها مع قلة عددهم والنقص في مؤنهم وأسلحتهم ، إنها مدرسة القرآن التي تأتي بالرحمة وتبعث على الرضا ، وتطرد الخوف والفزع فيتلو المسلمون آية البحث وتتعلق أبصارهم وقلوبهم بالشطر الأول منها وهو النصر ويحمدون الله ويثنون عليه لأنه سبحانه لن يخذلهم .
ويمكن تقدير الآية على وجوه :
أولاً : يا أيها الذين آمنوا اثبتوا على الإيمان فان الله لن يخذل المؤمنين .
ثانياً : يا أيها الذين آمنوا أسألوا الله ألا يخذلكم ) وفيه إعجاز بخصوص الجملة الشرطية التي ترد في القرآن ، لتنجز ما هو خير للمسلمين ، ونفي ماهو شر وفيه ضرر عنهم ، وهو من مصاديق قوله تعالى [يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ] ( ).
وهل يصدق على آية البحث أن الله تعالى يثبت النصر للمسلمين ويمحو عنهم الخذلان ، الجواب : أما الشطر الأول فصحيح ، وأما الشطر الثاني فلا تصل النوبة إليه ، لأن الله عز وجل لم يكتب على المسلمين الخذلان والهزيمة ثم محاها عنهم ، بل كتب لهم النصر ووعدهم به مثلما كتب عليهم الفرائض كما في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ] ( ) [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِالْأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ]( ).
ثالثاً : يا أيها الذين آمنوا من شكر الله لكم على الإيمان أنه لا يخذلكم ) ومن أسماء الله عز وجل الشكور ، وفي التنزيل [لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ]( )، إن الله عز وجل هو الذي يشكر المسلمين على طاعتهم له وجهادهم في سبيله ، وقيامهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فمن الإعجاز في الآية أعلاه أنها أخبرت عن جزائهم والزيادة والمضاعفة فيه .
المسألة الثالثة : يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا إن ينصركم الله فلا غالب لكم ) .
وليس من تضاد أشد وأبين وأكثر أثراً مثل التضاد بين الإيمان والكفر ، إذ يتعلق بأمور الدين والدنيا ، ويكون حاضراً في النشأتين ، ومن ضروب شدته حدوث القتال بين المؤمنين والذين كفروا وتجدده وسقوط القتلى من الفريقين ، لذا سمى الله عز وجل يوم معركة بدر بيوم التفريق بين الحق والباطل ، قال تعالى [وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ] ( ).
وقد يقع القتال بين فريقين ولكنهم يلتقون في صفات وعادات , فجاءت آية السياق لبيان لزوم التنافي في سنخية الفعل ، فيجب ألا يكون عمل المسلمين سبباً للوهن والضعف ، لذا حذرت آية السياق من التشبه بالكفار في شماتتهم بالمسلمين وغمزهم الذين قتلوا في سبيل الله سواء في ميدان معركة بدر أو أحد أو الخندق ، أو الذين خرجوا لطلب الرزق والكسب كمسلمين ، فاعتدى عليهم الذين كفروا .
لبيان قبح فعل الكفار ، ففريق منهم يعتدي ويقتل المسلمين ، وفريق آخر يشمت ويحذر المسلمين من الخروج لقتالهم , ولطلب الرزق والمعاش ليكون هذا البيان من إعجاز القرآن وسلاماً بيد المسلمين ، وسبيلاً لمعرفة سعي الذين كفروا في محاربة الإسلام في ميدان المعركة ، وفي حال المهادنة .
وإذا كان الذين كفروا يكرهون خروج المسلمين للقتال ، ويرغبون بتفرق صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنه فأخذوا يحرضون على القعود باستحضار ذكرى الذين قتلوا من المسلمين وأنهم لو بقوا في المدينة لما قتلوا ، فلماذا ذكروا الذي يضربون ويسافرون في الأرض للتجارة والكسب كما ورد في آية السياق بقوله تعالى [وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ]( ).
الجواب لقد أراد الذين كفروا صيرورة المسلمين في حال فقر وعوز ، لأن الغنى والسعة سبب لشراء السلاح والخيل وملاقاة جيوش الكفار بالمؤن والعدة والخيل .
مما يدل على أن الذين كفروا يشنون حرباً عامة وشاملة على الإسلام وأنهم يحاربون في ميادين الإقتصاد والتجارة والإجتماع وفي ميدان المعارك ، ولكن الله عز وجل يمن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بآية من القرآن تفضح سوء نوايا الذين كفروا ، وقبح فعلهم ولزوم أخذ الحائطة منهم .
وإذا كان الكفار يذكرون القضية الشخصية بقتل فلان وفلان كما في آية السياق ، جاءت آية البحث لبيان الجنس والمعنى الأعم إذ تحدثت عن النصر والغلبة ، وهي غاية كل مسلم ومسلمة لتحقيق هزيمة الشرك ومفاهيم الضلالة وعبادة الأوثان في مكة والجزيرة ، فيستجيب المسلم إلى دعوة آية البحث للخروج إلى النفير والدفاع عن الإسلام لما في آية البحث من الترغيب فيه .
المسألة الرابعة : تقدير الجمع بين الآيتين: يا أيها الذين آمنوا [إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ].
تكون النسبة بين الإيمان والتوكل على الله هي العموم والخصوص المطلق فكل توكل على الله من الإيمان وليس العكس .
ويصح تقدير الآية على وجوه :
أولاً : يا ايها الذين آمنوا توكلوا على الله .
ثانياً : يا ايها الذين آمنوا إن الله يحبكم لتوكلكم عليه .
ثالثاً : يا ايها الذين آمنوا كان إخوانكم من المؤمنون من الأمم السابقة يتوكلون على الله .
رابعاً : يا أيها الذين آمنوا علموا إبناءكم التوكل على الله .
خامساً : يا أيها الذين آمنوا ينصر الله من يتوكل عليه .
سادساً : يا ايها الذين آمنوا يجب التوكل على الله .
والتوكل على الله بلحاظ الإيمان على وجوه :
أولاً : التوكل على الله شطر الإيمان وجزء منه .
ثانياً : التوكل على الله فرع الإيمان وثمرة من ثماره .
ثالثاً : الإيمان سبيل للهداية إلى التوكل على الله .
رابعاً : توكل المسلم على الله دعوة للناس للتوكل على الله .
المسألة الخامسة : تقدير الجمع بين الآيتين يا ايها الذين آمنوا إن ينصركم الله فلا غالب لكم ) وفيه وجوه :
الأول : بيان عظيم نفع الإيمان والفوائد التي يجنيها المؤمنون مجتمعين ومتفرقين .
الثاني : تأكيد بركة نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وانها حق وصدق بأن ينصره الله والمؤمنين برسالته ، ويمنع صيرورتهم مغلوبين .
الثالث : تحقق مصداق متكرر لوعد الله عز وجل بالنصر والغلبة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنون ، قال تعالى [وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ] ( ).
الرابع : بعث اليأس في قلوب الذين كفروا ، والإخبار عن عجزهم عن تحقيق نصر على المسلمين .
الخامس : دعوة عامة الناس إلى التخلي عن رؤساء الكفر وعدم الإنقياد لهم والخروج لقتال المسلمين .
ليكون من معاني الجمع بين آية البحث وقوله تعالى [وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمْ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ] ( ) إتعاظ الناس وإجتنابهم نصرة الذين كفروا ، وإتباعهم في الباطل كيلا تصيبهم الحسرة والندامة يوم القيامة .
وتأتي طائفة من الناس يوم القيامة لتبين للخلائق أنهم إتعظوا من آية البحث ،ويأتي أخرون إعتبروا من الآية أعلاه من سورة البقرة ، ويأتي غيرهم ممن إنتفع من الجمع بين آيتين من القرآن أو أكثر ، وهو من إعجاز القرآن وفضل الله عز وجل علينا بعلم سياق الآيات والتفسير المترشح عن الجمع بين كل آيتين من القرآن وكثرة الأجزاء التي يمكن تأليفها في هذا المبحث السامي( ) .
وما من جيش أو دولة تنتصر على غيرها إلا وهي تخشى الكرة عليها ،ويبقى أفراد الجيش في حذر وحيطة ويزاولون الحراسة ويوجسون خيفة إلا المسلمين فان آية البحث سكينة لهم , ولا يتعارض هذا المعنى مع لزوم أخذ المسلمين الحيطة والحذر والتهيئ والمرابطة في الثغور ، وفيه نصر لهم , وهو شاهد على عدم خذلان الله , لذا قال الله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] ( ).
ومن وجوه تقدير آية البحث هو : إن ينصركم الله كمؤمنين فلا غالب لكم من المشركين ) لبيان أن الدنيا دار صراع وخصومة ونزاع بين الإيمان والكفر .
المسألة السادسة : يا أيها الذين آمنوا إن يخذلكم الله فمن ذا الذي ينصركم من بعده ) تبين آية البحث قانوناً من الإرادة التكوينية وهو أن من الأمور التي بيد الله :
الأول : النصر والغلبة في ميدان المعركة .
الثاني : حجب النصر .
الثالث : الخذلان وترك النصرة .
الرابع : منع الخلائق من العمل بخلاف المشيئة الإلهية في الفعل الخاص أو العام .
وتبين الآية الوسط بين النصر والخذلان ، فاذا كان الله عز وجل لم ينصر المسلمين ولم يخذلهم , فكيف يكون حالهم في ميدان المعركة ، الجواب تعذر الناصر والمعين ، وإنعدام المدد فلو خذل الناس والخلائق المسلمين وأراد الله نصرهم يتحقق النصر بأعظم كيفية وبما يتجلى معه الإعجاز ، أما إذا ترك الله نصرتهم فيكلهم إلى أنفسهم .
وتبين آية السياق أن الكفار يحيطون بالمسلمين وهم معهم في المدينة يبثون السموم ، ويدعون إلى القعود مما يدل على إنعدام الناصر للمسلمين، وهو من معاني صيغة السؤال الإنكاري في آية البحث بقوله تعالى [فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ] ( ).
لقد خاطبت آية السياق المسلمين بصيغة الإيمان ، لترغيبهم باخلاص العبودية لله عز وجل ، وسؤال النصر والغلبة منه سبحانه .
المسألة السابعة : تقدير الجمع بين الآيتين : إن ينصركم الله يجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم ) .
لقد بدأ الإسلام غريباً ضعيفاً ، يتلقى أكثر الناس الدعوة إليه بالإعراض والصدود مما أغرى رؤساء قريش بتعذيب المؤمنين ، ولم يشهر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سيفاً ولم يقاتل أحداً ، والإستضعاف أهون وأخف من القتل ، ولو قاتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في بداية الإسلام لتعرض للقتل ، وقد أرادوا قتله غيلة في فراشه فأمره الله عز وجل بالهجرة إلى المدينة ، لينال الإمام علي عليه السلام في فراشه ، ولتمر الأيام والشهور على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في المدينة وهم لا يريدون قتالاً .
وهل كان في هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه حسرة في قلوب الذين كفروا أم أنها كانت مندوحة وتخفيف عنهم لأن وجود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين ظهرانيهم دعوة يومية متجددة لأهل مكة لدخول الإسلام .
الجواب هو الأول ، فلقد أدرك كفار قريش أمور :
الأول : إبتعاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه عن سلطان قريش .
الثاني : سلامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من إستهزاء وسخرية كفار قريش ، وقيامهم بالضحك والغمز في دعوته ، وجاءت آيات عديدة تتضمن توثيق سوء فعلهم ، ومنها قوله تعالى [وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ] ( ) [وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ]( ) .
(عن ابن عباس قال : اجتمع عتبة . وشيبة . وأبو جهل . وغيرهم فقالوا : أسقط السماء علينا كسفا ، أو ائتنا بعذاب أو امطر علينا حجارة من السماء . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما ذاك إلي . إنما بعثت إليكم داعياً ومبشراً ونذيراً) ( ) .
(عن بريدة قال : رأيت عمرو بن العاص واقفاً على فرس يوم أحد وهو يقول : اللهم إن كان ما يقول محمد حقاً فاخسف بي وبفرسي) ( ).
الثالث : إظهار أهل مكة الميل إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عند هجرته وصيرورة معجزاته وآيات القرآن حديث المجالس والمنتديات وربات الحجال في مخادعهن ، لذا كان الكافر يخرج من دار الندوة فيفاجئ بدخول أحد أبنائه الإسلام ، أو يأتي من سفر فيلاقيه الناس في الطريق ويقولون له قد دخل الإسلام بيتك بدخول ابنك أو بنتك فيه .
الصلة بين خاتمتي الآيتين
أختتمت آية السياق بقوله تعالى[لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ]( ) في خطاب للمسلمين يتضمن الوعد الكريم والبشارة وبعث السكينة في نفوسهم لخصوص عالم ما بعد الموت .
ولتكون هذه البشارة مقدمة لآية البحث، وأن النصر الذي تخبر عنه هذه الآية طريق مبارك لحشر المسلمين بصفة الصبر والدفاع عن بيضة الإسلام، وكما أنعم الله عز وجل عليهم بالنصر في الدنيا فإنه سبحانه يكرمهم وينصرهم في الآخرة، قال تعالى[تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا]( ).
فأختتمت آية البحث بتوكل المؤمنين على الله عز وجل , وفيه مسائل :
المسألة الأولى : جاءت كل من الخاتمتين بصيغة الجملة الخبرية التي تتضمن القانون الكلي الذي يفيض بالرحمة من عند الله عز وجل ، إذ تخبر آية السياق على أن الناس لابد وأن يجتمعوا عند الله عز وجل وموضوع هذا الإجتماع هو الحساب والجزاء ، وذكر الحشر في الآية لبيان التقاضي عند الله وكشف الظلم والجور ، والأخذ من حسنات الظالم ، لتعطى للمظلوم ، وهو من مصاديق قوله تعالى [مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ] ( ) أي الحساب .
لقد أراد الله عز وجل للمسلمين النجاة يوم القيامة فأخبرهم بأنهم يحشرون إلى الله تعالى لوجوب أدائهم الفرائض العبادية والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
(عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انصر اخاك ظالما أو مظلوما, قالوا: يا رسول الله هذا ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما قال تأخذ فوق يديه)( ).
لبيان قانون وهو تعدد مصاديق النصر، وأنه لا يختص بميدان المعركة، ويمكن تسمية الحياة الدنيا بأنها (دار النصر للمؤمنين) إذ يبدأ فيها نصر المؤمن بالغلبة على النفس الشهوية والغضبية، وإختيار سنن التقوى، وفي التنزيل[إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي]( ).
ليكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نصراً متجدداً , وحرزاً من الوقوع في المعصية , وقد تكرر قوله تعالى [وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ]( ).
ليكون قوله تعالى [لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ] ( ) دعوة يومية , وروضة للمسلمين للسعي في مرضاة الله والتنزه عن الظلم .
المسألة الثانية : بيان قانون وهو إذا كان الإنسان يستحضر الحساب ويخشى العقاب فانه يجتنب المعصية والمخالفة ويحرص على أداء العمل باتقان ، ومن أسرار نفخ الله من روحه في آدم، وجعل الإنسان [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، إمتلاء نفسه بالخشية من الله عز وجل , وإستحضاره لقانون وهو أن عمله مكتوب ومدون ويحضر معه يوم القيامة ، ، وهو من مصاديق قوله تعالى [بَلْ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ]( ).
لقد أراد الله عز وجل للمسلمين التوكل عليه , ليكون هذا التوكل نوع واقية وسلاح للنجاة يوم الحشر فيقف الناس جميعاً بين يدي الله عز وجل، ويتصف المؤمنون من كل الأزمنة والملل بأنهم متوكلون على الله ، ويضئ هذا التوكل كشارة وعلامة خاصة تزدان بها صدورهم ، وتزهو معها وجوههم ، فتقول الخلائق هؤلاء المتوكلون ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ]( ).
المسألة الثالثة : في الجمع بين الآيتين دلالة على حب الله عز وجل للمسلمين ، فمن بركات نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم صيرورة أمة عظيمة لا تعمل إلا وهي متوكلة على الله وهم المسلمون ، وهذا التوكل خاص وعام ، فكل مسلم ومسلمة يتوكلان على الله ، كما يتوكل المسلمون كأمة على الله عز وجل ، لذا تضمنت الآية السابقة الأمر من الله إلى النبي محمد بالتوكل عليه عز وجل وفيه دعوة للمسلمين ليفوضوا أمورهم إلى الله ويعملوا لما فيه خيرهم برجاء التوفيق والرشاد والرحمة من عند الله عز وجل , وليكون من معاني قوله تعالى[فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ]( )، وجوه:
الأول : فإذا عزمت فليتوكل المؤمنون على الله.
الثاني : فإذا عزم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فتوكلوا على الله عز وجل .
الثالث : فإذا عزمت فتوكل على الله , ويجب على المسلمين كافة إتباعك , وهل هذا الإتباع من مصاديق قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً]( ) الجواب نعم , ففي اتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أمن وسلم .
الرابع : فتوكل على الله فإذا عزمت فتوكل على الله، أي أن إختيار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للعزم بواسطة التوكل على الله , ليكون التوكل غاية للعزم , مع التعدد في فردي هذا التوكل , لبيان حضور الوحي مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل وأثناء وبعد الفعل .
الخامس : فإذا عزمت فتوكل على الله ليكون سبيل هداية للناس وحجة عليهم.
وورد حكاية عن يعقوب عليه السلام في حديثه مع إبنائه [وَقَالَ يَابَنِيَّ لاَ تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُتَوَكِّلُونَ]( ).
لتكون وصية يعقوب النبي لأبنائه وصية لعموم المسلمين في أجيالهم المتعاقبة لقوله تعالى [وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُتَوَكِّلُونَ] ترى لماذا لم تقل الآية أعلاه: وعليه فليتوكل المؤمنون).
الجواب من وجوه:
الأول : بيان قانون وهو حاجة الإنسان للتوكل إذ أنه من عالم الإمكان، وكل ممكن محتاج .
الثاني : تأكيد إنحصار التوكل على الله عز وجل ، فلا يصح أن يتوكل الناس على غيره سواء كانوا مؤمنين أو ليسوا بمؤمنين .
الثالث : ترغيب الناس بدخول الإسلام والإنتفاع من قانون توكل المسلمين على الله عز وجل .
الرابع : تنمية ملكة التوكل على الله عند المسلمين ، لذا أختتمت هذه الآية والآية التي قبلها بمسألة التوكل على الله واللجوء إليه ، قال تعالى[وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ]( ).
الخامس : عدم حصر الدعوة السماوية للتوكل على الله عز وجل بالمسلمين أو المؤمنين من مصاديق عموم الرحمة في بعثة ورسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ).
السادس : البشارة للمسلمين بأن التوكل على الله طريق النصر الذي ذكرته آية البحث ، ومن الإعجاز في نظم هذه الآيات إختتام الآية السابقة ببيان حب الله للذين يتوكلون عليه.
ثم إبتدأت آية البحث بأن الله عز وجل إذا نصر المسلمين فليس من غالب لهم ، ثم أختتمت الآية بالتوكل على الله لبيان أن المسلمين يحتاجون التوكل على الله مقدمة للنصر ومصاحباً له ونتيجة وثمرة للنصر ، فكما أن النصر مطلوب بذاته ، فانه بلغة لتحصيل غايات حميدة يكون التوكل على الله أحدها ، وهو نوع طريق لغايات حميدة غير متناهية أخرى.
فمن الإعجاز في سنن التقوى أن التوكل على الله طريق إلى النصر، وكذا النصر فهو طريق للتوكل من غير أن يلزم الدور بينهما , وتقديره على وجوه :
أولاً : توكلوا على الله كي تنتصروا.
ثانياً : لا تنتصروا إلا بالتوكل على الله لبيان حاجة المسلمين إلى اللجوء إلى الله وتفويض الأمور إليه سبحانه , وهو من أسرار تكرار التوكل على الله في الآية السابقة وآية البحث.
ثالثاً : إذا إنتصرتم فتوكلوا على الله.
المسألة الرابعة : تضمنت آية السياق الأمر إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن يتوكل على الله إذا نوى وعزم على فعل شيء بعد ، وهل تقيد آية البحث السياق عزم النبي على المشورة ، وأنه لا يعزم النبي على فعل إلا بعد مشورته للمسلمين الجواب لا ، فقوله تعالى [فَإِذَا عَزَمْتَ] أعم من المشورة وقد يأتي بالوحي إبتداء من غير مشورة .
ومن الإعجاز أن الوحي ومضامينه القدسية أعم من أن تحيط به أوهام البشر وعالم االتصور الذهني مع أنه أوسع وأرحب من الواقع والأحداث ، وتقدير الآية على وجوه :
الأول : فبما رحمة من الله لنت لهم فاذا عزمت فتوكل على الله ليكون لين ورفق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مقدمة للعزم والفعل النبوي
الثاني : ولو كنت فظاً غليظ القلب لأنفضوا من حولك فاذا عزمت فتوكل على الله ، فما دام المسلمون يحيطون به ويتبعون أوله فاذا عزمت فتوكل على الله .
الثالث : فأعف عنهم فاذا عزمت فتوكل على الله لبيان أن العفو مقدمة للفعل ، ومناسبة للإبتداء والشروع بالعمل بالتوكل على الله .
الرابع : وأستغفر لهم فاذا عزمت فتوكل على الله ، لبيان أن الإستغفار سبيل لتهذيب النفوس وغسل الأدران وإصلاح النوايا وعالم الأفعال .
الخامس : وشاروهم في الأمر فاذا عزمت فتوكل على الله بلحاظ أن المشورة طريق للإنتفاع من الخبرة وتسكين للنفوس وإظهار لصدق الإيمان ببذل المشورة والرأي السديد .
السادس : فاذا عزمت فتوكل على الله أي من غير الرجوع إلى المشورة، وهل هذا العزم إبتداء من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن عند نفسه الجواب لا ، إنما هو فروع الوحي الذي يكون على وجوه :
أولاً : الوحي مقدمة للعزم .
ثانياً : ذات العزم وحي .
ثالثاً : ما يترشح عن العزم من الفعل وحي وأمر من عند الله (عن ابن مسعود أنه قال: لعن الله الواشمات والمتوشمات والممتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله تعالى، فبلغ ذلك امرأة من بني أسد فقالت له: إنه بلغني أنك لعنت كيت وكيت، فقال: ومالي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهوفي كتاب الله، فقالت: لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه كما تقول، قال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، أما قرأت وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا قالت: بلى، قال: فإنه قد نهى عنه)( ).
المسألة الخامسة : تقدير الجمع بين الآيتين ، فاذا عزمت وعلى الله فليتوكل المتوكلون ) وفيه دعوة للمسلمين لإتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما يعزم عليه وعدم مخالفة أمره .
ومن معاني قوله تعالى [فَإِذَا عَزَمْتَ] أي نويت وقصدت الفعل ، وليس من قول وفعل للنبي محمد صل الله عليه وآله وسلم إلا وهو خير محض ، وفيه مصلحة ونفع ودفع للمفسدة والأذى والشر .
ومن معاني هذا الجمع بين الآيتين فوز المسلمين بأمور :
الأول : إتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : محاكاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في فعله وما فيه من دلائل الإيمان .
الثالث : مشاركة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ذات الفعل الذي يعزم على إتيانه .
الرابع : الإقتداء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في العمل .
الشعبة الثانية : صلة هذه الآية بالآيات التالية ، وفيه وجوه :
الوجه الأول : صلة هذه الآية بقوله تعالى [وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ] ( ) وفيه مسائل:
المسألة الأولى : الغلول: أخذ شيء من الغنائم خفية.
وسبب نزول آية السياق أن قطيفة حمراء فقدت من الغنائم يوم معركة بدر , فقال أحد المنافقين : لعل رسول الله أخذها ) كما يأتي بيانه في تفسير هذه الآية إن شاء الله ، وقد جاءت آية البحث خطاباً للمسلمين بينما وردت الآية التي قبلها خطاباً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في موضوع يتعلق بالمسلمين أيضاً , ويتضمن العفو عنهم وإستغفار النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهم ومشاورتهم في الأمور لبيان مصاديق من رحمة الله عز وجل تشمل سياق الآيات وموضوع الآيات التي تأتي بعد آية الرحمة ، فحينما جاءت الآية السابقة بقوله تعالى [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ]فان الرحمة تتجلى في مضامين الآيات اللاحقة في الموضوع والدلالة .
ومن خصائص آية السياق بيانها لقوانين نبوية وعامة , بينما اختصت آية البحث بالإخبار عن نصر الله عز وجل للمسلمين، وعدم إمكان هزيمتهم من قبل الذين كفروا وإن إتحدوا واجتمعوا عليهم، قال تعالى[حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ]( ).
المسألة الثانية : جاءت آية البحث خطاباً للمسلمين , وإبتدأت بقوله تعالى [إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ] أما آية السياق فجاءت بصيغة الجملة الخبرية ، وتحتمل وجوهاً :
الأول : العطف على آية البحث .
الثاني : العطف على آية نداء الإيمان ، ويكون تقديرها : يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم ..).
الثالث : الآية مستقلة في موضوعها ودلالتها .
الرابع : الآية غير معطوفة على آية أخرى .
وباستثناء الوجه الأخير فلا تعارض بين الوجوه الأخرى خاصة وان موضوع الغل يتعلق بالحروب ونشوب المعارك بين المسلمين والكفار وإحتمال إخفاء بعض المسلمين قطعة أو بعض قطع من الغنائم .
ومن خصائص الآية القرآنية أنها قانون كلي , وسنة تضي للناس سبل الحياة الدنيا ، وتبعث على الطمأنينة في الآخرة ، فان قلت هل تختص هذه الطمأنينة بالذين آمنوا ، وإذا كانت للناس كافة وقد جاءت الآيات بالوعيد للذين كفروا كما في قوله تعالى [مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاَهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا] ( ) .
والجواب إنما ورد الإنذار والوعيد بخصوص التلبس بصفة الكفر والجحود ، ليكون هذا الوعيد دعوة يومية للناس للتوبة والإمتناع عن مفاهيم الكفر والضلالة .
المسألة الثالثة : تقدير الجمع بين الآيتين : إن ينصركم الله ما كان لنبي أن يغل ) هناك نوع ملازمة بين النصر ووقوع الغنائم بيد المسلمين ، كما في معركة بدر ومعركة حنين وغيرها ، وهل الأسرى من الغنائم , الجواب لا ، إنما هي فرد آخر مستقل ، إذ تقع الغنائم في الأموال والعروض ، قال تعالى [وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابن السَّبِيلِ…]( ).
وتبعث الآية المسلمين على التفقه في الدين , ومعرفة قانون وهو تنزه الأنبياء عن الغل وإخفاء الغنيمة لمنفعتهم الخاصة .
لقد جعل الله عز وجل بعثة الأنبياء رحمة للناس جميعاً ، ومن مصاديق هذه الرحمة هداية الناس لقانون تنزيه الأنبياء من الرذائل والافعال القبيحة ومصاديق الدناءة .
ومن وجوه هذا التنزه سلامتهم من الغل وإخفاء الغنيمة عن أصحابهم، ومن خصائص النبي مطلقاً أنه يستحضر قانون علم الله عز وجل أي فعل يقدم عليه ، وهذا العلم من أسرار الإستقامة التي يتصف بها الأنبياء سواء قيل بعصمتهم مطلقاً وهو المختار أم بالتقييد فيها .
لقد وردت أسباب نزول آية السياق بخصوص غنائم المسلمين في معاركهم وقتالهم مع الذين كفروا لتبين خصالاً حميدة للأنبياء على نحو العموم المجموعي والإستغراقي , وفيه مسائل :
الأولى : دلالة الآية على تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الأنبياء بحفظ سننهم الحميدة في القرآن .
الثانية : تأكيد قانون وهو أن سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وحي ، وأنها خير مثال لسنن الأنبياء .
لقد بعث الله عز وجل النبي محمداً على فترة لإحياء سنن وعمل الأنبياء.
الثالثة : دعوة المسلمين والناس لتنزيه الأنبياء ، وترك الإفتراء عليهم والإمتناع عن محاكاة الذين يريدون الإنتقاص منهم بابتداع أخبار تتضمن تحريف حياتهم ، فكما حذرت آية نداء الإيمان السابقة المسلمين من محاكاة الذين كفروا بقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ]( ).
وقد تفضل الله عز وجل بآية السياق لعصمة المسلمين من التشبه بالذين كفروا في كذبهم وإفترائهم على الأنبياء .
المسألة الرابعة : تقدير الجمع بين الآيتين : أن ينصركم الله ومن يغلل يأت بما يغل يوم القيامة ) ليفيد الجمع بينهما البشارة للمسلمين بالنصر والغلبة على الذين كفروا ، وتهيئة أذهان وجوارح المسلمين للفعل الصحيح فيما بعد النصر .
وتبين الآية أن النصر مطلوب بذاته وهو مقدمة لعمل الصالحات والإحتراز من فعل السيئات ، ويكون من معاني الجمع بين الآيتين : يا أيها الذين آمنوا سينصركم الله فلا تغلوا ) .
قد يظن المسلم أن دخوله الإسلام أو خروجه لميادين الدفاع عن الإسلام ، وبذله الوسع في قتال الذين كفروا علة تامة لجواز أخذ الإستحواذ على الغنائم على نحو الخصوص والإقتناء الخاص لما يقع بين يديه من الغنائم .
فتفضل الله عز وجل ونهى عن هذا الإستحواذ لبيان قانون وهو أن الغنائم ملك عام للمسلمين ، وهم فيه شرع سواء ، إلا أن يحصل التقسيم العلني بينهم ، ويكون وفق القياس الإقتراني :
الكبرى: نصر المسلمين عام لهم جميعاً .
الصغرى: غنائم المعركة فرع النصر .
النتيجة: غنائم المعركة للمسلمين جميعاً .
ويدل الجمع بين الآيتين على وقوف الذي يغل , ويخفي الغنيمة بين يدي الله عز وجل للحساب مع بيان كيفية هذا الوقوف بأن تأتي معه ذات القطعة من الغنائم التي حرص على ان يخفيها ويسترها عن المسلمين .
(عن قتادة قال : ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا غنم مغنماً بعث مناديه يقول : ألا لا يغلن رجل مخيطاً فما فوقه ، ألا لا أعرفن رجلاً يغل بعيراً يأتي به يوم القيامة حامله على عنقه له رغاء ، ألا لا أعرفن رجلاً يغل فرساً يأتي به يوم القيامة حامله على عنقه له حمحمة ، ألا لا أعرفن رجلاً يغل شاة يأتي بها يوم القيامة حاملها على عنقه لها ثغاء يتتبع من ذلك ما شاء الله أن يتتبع .
ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول : اجتنبوا الغلول فإنه عار ، وشنار ، ونار )( ).
ليكون المراد من الحديث أعلاه حصور العار والشنار في الدنيا والآخرة ، والشنار هو الأمر المشهور بالقبح والشنعة .
المسألة الخامسة : لقد تضمنت آية البحث الإنذار من خذلان وترك الله لنصرة المسلمين والإخبار بانعدام الناصر مع خذلانه تعالى ، وجاءت آية السياق لتحذر من الغل وإخفاء قطع من الغنيمة من قبل بعض المؤمنين وهل هذا الغل سبب لتحقق الخذلان من النصرة من عند الله للمسلمين سخطاً عليهم وعقوبة لهم .
الجواب لا ، فليس من ملازمة بين الغل وإخفاء قطع غنائم الحرب وبين الخذلان ، لذا بينت آية السياق قانوناً , وهو أن الذي يغل يبوء باثمه وحده بأن يحضر بين الخلائق يوم القيامة , وهو حامل للذي أخفاه من الغنيمة في يده أو في جيبه أو رحله .
لقد خاطبت آية البحث المسلمين بأن الله عز وجل ينصرهم كمؤمنين به قال تعالى وبرسوله ، ومن مصاديق الإيمان التنزه عن الغل وحيازة الغنيمة بغير حق .
المسألة السادسة : أختتمت آية البحث بقانون كلي متجدد , وهو توكل المؤمنين على الله وثقتهم برحمته ولجوئهم إليه ، ورضاهم بحكمه ، وما تؤول إليه عواقب الأمور ، وهو من أسرار تفويض أمورهم له سبحانه ، ويكون من معاني الصلة بين هذه الخاتمة ومضامين آية السياق أمور :
الأول : وما كان لنبي أن يغل لأنه متوكل على الله ، إذ تضمنت الآية السابقة الأمر من عند الله للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالتوكل على الله عز وجل .
الثاني : لقد أخبرت آية البحث عن توكل المؤمنين على الله عز وجل وفيه شاهد على أن النبي محمداً هو إمام المتوكلين ، وقائد المسلمين في ميادين التوكل على الله .
الثالث : بيان فضل الله عز وجل على المسلمين بنجاتهم من مجئ وصحبة الغل معهم في الآخرة لتفيد آية السياق قانوناً وهو مجئ الإنذار للمسلمين من أجل صلاحهم ونجاتهم يوم الحساب ، وفي قوله تعالى (وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله عاد مريضا فقال: ابشر إن الله
يقول: الحمى هي ناري، اسلطها على عبدي المؤمن في الدنيا ليكون حظه من النار)( ).
الرابع : حث المسلمين على التوكل على الله عز وجل في الوقاية من الغل والإحتراز منه , ودعوتهم لسؤال الله عز وجل أنه يؤتيهم ما ينوون غله بالحلال .
الخامس : بعث المسلمين على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في إجتناب الغل والأخذ خفية من الغنائم .
السادس : أختتمت آية البحث بالإخبار عن توكل المؤمنين على الله عز وجل ، ومن مصاديق الإيمان التنزه عن الغل والسرقة من بيت المال والأموال العامة ، قال تعالى [وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ] ( ).
السابع : من خصائص الإيمان الإقرار باليوم الآخر ، وهو من أصول الدين ، ويجب على كل مكلف ومكلفة التسليم بأن البعث حق، والإيمان بأن الله عز وجل يحضر الناس للحساب يوم القيامة ، ولا يحضر مع الإنسان إلا عمله في الدنيا .
فجاءت آية السياق لتخبر عن حضور دليل الجناية مع الذي يغل ليكون شاهداً عليه وإن باعه أو أتلفه باللبس والأكل ونحوه فان الله عز وجل يعيده على حاله الأولى ليكون شاهداً على الغل ، ويراه المسلمون ويشكرون الله عز وجل سلامتهم من الأخذ من الغنائم خفية .
ولم هذا الغل فقد كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يعطي من يسأله .
الوجه الثاني : الصلة بين آية البحث وقوله تعالى [أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ] ( ) وفيه مسائل :
المسألة الأولى : من خصائص القرآن بيان التباين بين المتضادين ، وتقريب مفاهيم هذا التباين إلى أذهان الناس عامة مع الإختلاف في مراتب الإدراك وسرعة الفهم ، ومن مصاديق هذا التقريب تكرار ذات المسألة والموضوع والقصة في ذات الباب وهو من وجوه ودلالات [نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الْغَافِلِينَ] ( ) .
لبيان قانون وهو أن ذكر المتضادين في عالم الخصال والأفعال طرد للغفلة ، ومنع للخطأ وإرتكاب ذات الفعل المذموم ، وليكون هذا البيان واقية من الضد القبيح والمذموم وترغيباً بالضد الحسن ، وقال الشاعر في القصيدة اليتيمة :
والضد يظهر حسنه الضد .
المسألة الثانية : من معاني الجمع بين الآيتين البشارة للمسلمين بالنصر والغلبة وجلب الغنائم معهم ، وهو الأمر الذي تحقق سريعاً .
لقد إمتلأت أزقة المدينة المنورة بالمهاجرين ، وشاركوا أهلها رغيف الخبز ، وقلة فرص العمل ، وأنحسرت أسباب الكسب ، وأراد الذين كفروا والمنافقين التضييق على المسلمين وجعلهم في حال شبه حصار اقتصادي بأن حثوهم على القعود وخوفوهم من الخروج سواء للقتال أو التجارة كما تقدم في آية نداء الإيمان قبل أربع آيات التي تحكى ذم الذين كفروا بقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ] ( ).
لتتضمن كل من آية البحث والسياق حث المسلمين على الثبات على الإيمان , وتعاهد سنن التقوى وهو طريق إلى الجنة , ومن مصاديق الصراط في قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( ).
المسألة الثالثة : لقد وردت آية البحث بصيغة الجملة الشرطية [إِنْ يَنْصُرْكُمْ] مع ذكر الخذلان والترك من الله , وإنعدام الناصر والمعين والمدد من بعده .
وجاءت آية السياق بصيغة الإستفهام , وأن المؤمن يمتاز ويختلف عن الكافر الذي إختار الإصرار على فعل القبيح والإقامة على الباطل ، لبيان قانون وهو نصر الله عز وجل للمؤمنين , وسلامتهم من الخذلان والترك من عند الله عز وجل ، فلا يهب الله النصر إلا للذين يتبعون رضوانه ويجتنبون سخطه وغضبه .
ليكون من الإعجاز في نظم الآيات مجئ آية البحث بصيغة الجملة الشرطية ثم تأكيد آية السياق وبصيغة الإستفهام على حقيقة وهي أن الله لا ينصر إلا المؤمنين .
لتكون آية البحث على قسمين :
الأول : البشارة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بالنصر لأنهم يتبعون رضوان الله .
الثاني : سلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين من خذلان الله وتركه نصرتهم لأنهم في أمن وواقية من سخط الله ، وعن معاذ بن جبل قال (أوصاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعشر كلمات . قال : لا تشرك بالله شيئاً وإن قتلت وحرقت ، ولا تعقن والديك وان أمراك أن تخرج من أهلك ومالك ، ولا تتركن صلاة مكتوبة متعمداً فإنه من ترك صلاة مكتوبة متعمداً فقد برئت منه ذمة الله ، ولا تشربن الخمر فإن رأس كل فاحشة ، وإياك والمعصية فإن بالمعصية جل سخط الله ، وإياك والفرار من الزحف وإن هلك الناس وان أصاب الناس موت فاثبت ، وانفق على أهلك من طولك ، ولا ترفع عنهم عصاك أدباً وأخفهم في الله ) ( ).
المسألة الرابعة : بلحاظ آية السياق يمكن تقدير آية البحث ، أفمن ينصره الله فلا غالب له ليس كمن باء بسخط من الله ) للثناء على المسلمين ، وبيان المائز الذي يتصفون به ، وإتصال ودوام إكرام الله عز وجل لهم حتى في ميدان المعركة ، فهو سبحانه الذي أنزل الملائكة لنصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين في معارك الإسلام الأولى .
وبخصوص معركة أحد (عن ابن عباس قال: قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: اللهم ربنا أنزلت علي الكتاب، وأمرتني بالقتال، ووعدتني بالنصر، ولا تخلف الميعاد! فأتاه جبريلُ عليه السلام، فأنزل الله:( أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزِلِينَ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ)( )( ).
ومن معاني تقدير آية البحث أعلاه توبيخ وذم الذين كفروا لأنهم إختاروا الخذلان والعقوبة العاجلة في ميدان المعركة بالهزيمة والذل والهوان بقتالهم النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الذين اتبعوا رضوان الله وسارعوا في فعل الخيرات , وأدوا ما فرض الله عز وجل عليهم من العبادات من غير تردد أو فترة بين فرضها وبين إمتثالهم لها .
فقد فرض الله عز وجل الصلاة في مكة .
لقد لازمت الصلاة الإنسان منذ هبوط آدم وحواء إلى الأرض ، وهي الشهادة العملية اليومية للإقرار بالعبودية لله عز وجل والمصداق الأمثل للعبادة في قوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( ).
ولم تختفي الصلاة عن الأرض يوما ما ، وحتى عندما كان نوح عليه السلام في السفينة فكان فيها نوافذ ويدخل منها ضياء الشمس وتعرف معه اوقات الصلاة .
وحينما سألت ثمود نبيهم صالح أن يخرج لهم من الجبل ناقة حبلى وتضع حملها عند خروجها كبرهان على صدق على صدق نبوته فانه إتجه إلى الصلاة وصلى ركعتين قبل أن يسأل الله عز وجل لتكون الصلاة عهداً بينه وبينهم ودعوة لهم لتعاهدها ، وبياناً بأن طريق المعجز المعجزة وبلغة لقضاء الحاجات وورد في إبراهيم عليه السلام أن علة إسكانه لزوجه هاجر وابنه إسماعيل عند البيت الحرام هي إقامة الصلاة ، وأنه سأل التوفيق والهداية والمدد من عند الله لأقامتها [ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ] ( ) لتكون إقامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الصلاة وهو في مكة ودعوته الناس في أرجاء الأرض من مصاديق الآية لتكون إقامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الصلاة وهو في مكة ودعوته الناس في أرجاء الأرض من مصاديق الآية أعلاه ، ومن مصاديق الإعجاز فيها تحقق كل فرد منها على الإستقلال والإنضمام إلى غيره .
وشرعت الصلاة بعد البعثة النبوية ، وذكر تشريعاً في حديث الأسراء ، إذ قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (ثم عرج بنا إلى السماء السابعة فاستفتح ، فقيل : من هذا؟ قال : جبريل . قيل : ومن معك؟ قال : محمد ، قيل : وقد بعث إليه؟ قال : قد بعث إليه . ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم مسند ظهره إلى البيت المعمور ، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه ، ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى ، فإذا ورقها فيها كآذان الفيلة ، وإذا ثمرها كالقلال ، فلما غشيها من أمر الله ما غشى تغيرت ، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها ، فأوحى إلي ما أوحى وفرض عليّ خمسين صلاة في كل يوم وليلة ، فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فقال : ما فرض ربك على أمتك؟ قلت : خمسين صلاة . قال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف ، فإن أمتك لا تطيق ذلك ، فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم . فرجعت إلى ربي فقلت : يا رب ، خفف عن أمتي . فحط عني خمساً فرجعت إلى موسى فقلت : حط عني خمساً ، فقال : إن أمتك لا يطيقون ذلك ، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف . قال : فلم أزل أرجع بين ربي وموسى حتى قال : يا محمد ، إنهن خمس صلوات لكل يوم وليلة ، بكل صلاة عشر ، فتلك خمسون صلاة ، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة ، فإن عملها كتبت له عشراً ، ومن همّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئاً ، فإن عملها كتبت سيئة واحدة . فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته فقال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف ، فقلت : قد رجعت إلى ربي حتى استحيت منه) ( ).
أما بالنسبة للصيام فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصوم أيام الليالي البيض من كل شهر وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من الشهر القمري حيث يكون القمر حينئذ بدراً .
ثم شرعت فريضة الصيام في شهر شعبان من السنة الثانية للهجرة النبوية الشريفة بالإمتناع عن الأكل والشرب والجماع من طلوع الفجر الصادق إلى غروب يوم الصيام مدة شهر رمضان من كل سنة ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ]( ).
وهي ذات الكيفية التي عليها المسلمون منذ أيام النبوة وإلى يومنا هذا وحتى يوم القيامة .
وعلى هذا لابد وأن المسلمين خرجوا إلى معركة بدر وهم صيام ، وهو يحتاج إلى دليل خاصة وأنه قد ورد الخبر بخروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واصحابه وهم صيام .
وقد ورد عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج إلى مكة (خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى مكّة عام الفتح في رمضان فصام حتى إذا بلغ كراع الغميم فصام النّاس، فبلغه إنّ الناس قد شقّ عليهم الصّيام فدعا بقدح ماء وشرب بعد العصر والنّاس ينظرون فأفطر بعض النّاس وصام بعضهم فبلغه إنّ النّاس صاموا فقال : أولئك العصاة .
عاصم الأحول عن (بريد) العجلي عن أنس بن مالك قال : كنّا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فمنّا الصائم ومنا المفطر فنزلنا في يوم حار واتخذنا ظلالاً فسقط الصوّام وقام المفطرون فسقوا الرّكاب فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ذهب المفطرون اليوم بالأجر) ( ).
أما زكاة المال وتسمى أيضاً زكاة النصب أي أنها مفروضة بنصيب ومقدار ومخصوص من مال معين ، قال تعالى [إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابن السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ] ( ).
أما حج بيت الله الحرام ففي تأريخ فرضه أقوال :
الأول : السنة الخامسة للهجرة .
الثاني : السنة السادسة للهجرة .
الثالث : السنة التاسعة للهجرة .
لأن قوله تعالى [وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً] ( ) نزل في هذه السنة والتي تسمى سنة الوفود أي كثرة الوفود التي جاءت إلى المدينة لتعلن دخولها الإسلام ، ويتقنه الناس في أحكام الحلال والحرام ويقنون كيفية أداء الصلاة وباقي الفرائض والعبادات .
الرابع : السنة العاشرة للهجرة .
والمختار أن الحج مفروض ومعلوم عند النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أدى فريضة الحج قبل الهجرة , وفيه نزلت آيات متعددة وليس خصوص الآية أعلاه من سورة آل عمران .
المسألة الخامسة : من خصائص آية البحث إبتداؤها بذكر نصر الله للمسلمين وإختتامها ببيان قانون كلي وهو القطع بتوكل المؤمنين على الله عز وجل ، وسلامتهم من الرياء ومفاهيم الشرك , أما آية السياق فأختتمت بالوعيد للذين كفروا ، ولم تذكرهم بالاسم والعنوان والصفة ، إنما ذكرت نزول سخط الله بساحتهم ، وغضبه تعالى عليهم ، ليكون من معاني الجمع بين الآيتين حرمان الذين كفروا من نصر الله وعجزهم عن الغلبة على المسلمين .
وهو وفق القياس الإقتراني :
الكبرى : لا يأتي نصر الله للذين سخط الله عليهم .
الصغرى : الذين يحاربون النبي محمداً سخط الله عليهم .
النتيجة : لايأتي نصر الله للذين يحاربون النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم .
وتبعث آية السياق المسلمين على الشكر لله عز وجل لنجاتهم من غضب الله بلحاظ أنه سبحانه تفضل عليهم بالنصر في معركة بدر ، وأنزل الملائكة لنصرتهم في معارك الإسلام الأولى .
المسألة السادسة : لقد ذكرت آية البحث نصر الله , وبينت ضرر خذلانه وتركه ، وصحيح أن الآية جاءت خطاباً للمسلمين إلا أنها تدل في مفهومها على مضامين قدسية عديدة ، منها أن الله عز وجل خاذل للكافرين وحاجب للنصرة عنهم , وتؤكد هذا المعنى آية السياق إذ أنها تذكر قسمين من الناس :
الأول : المؤمنون الذين يتبعون رضوان الله عز وجل .
الثاني : الذين كفروا ويبوءون بسخط من الله عز وجل ، لبيان أن نصر الله عز وجل لا يأتي إلا للمؤمنين ، وفيه إنذار للذين كفروا , ودعوة للناس للهداية إلى سبل الإيمان والنجاة من أمرين :
الأول : الهزيمة والخسارة في الدنيا لملازمتها للكفر والجحود .
الثاني : العذاب الأليم في الآخرة .
ويتعلق موضوع آية البحث بالنصر من عند الله في القتال , وبخصوص الحياة الدنيا ، أما بالنسبة لآية السياق فان موضوعها أعم ويشمل الحياة الدنيا والآخرة , وذكرت سوء عاقبة الذين كفروا لتدل الآية بالدلالة الإلتزامية على الثواب العظيم الذي يفوز به الذين آمنوا من جهتين :
الأولى : دلالة آية البحث بلحاظ خطاب النصر الموجه للمسلمين وثبات ودوام ملازمة النصر للمسلمين .
الثانية : إخبار آية السياق عن علو مرتبة المؤمنين الذين يعملون الصالحات لقوله تعالى [أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ] ( ).
وورد في آية السياق (عن الضحاك في قوله { أفمن اتبع رضوان الله } قال : من لم يغل { كمن باء بسخط من الله } كمن غل .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج { أفمن اتبع رضوان الله } قال : أمر الله في أداء الخمس { كمن باء بسخط من الله } فاستوجب سخطاً من الله .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد { أفمن اتبع رضوان الله } قال : من أدى الخمس) ( ).
والآية أعم في موضوعها ودلالتها وتنبسط مضامينها على أحكام العبادات والمعاملات والأحكام ، وهي مسألة سيالة من باب الطهارة إلى المواريث والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لتكون التقوى طريقاً لجلب النصر , أما الذي يحارب الإسلام ويقاتل المؤمنين فان غضب الله عز وجل ينزل عليه , وتكون عاقبته إلى النار .
ومن مفاهيم محاربة الإسلام إرادة منع عبادة الناس لله عز وجل ، وهو على الضد من المشيئة الإلهية إذ قال تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( ).
الوجه الثالث : صلة هذه الآية بقوله تعالى [لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ] ( ) وفيه مسائل .
المسألة الأولى : جاءت آية السياق بصيغة الجملة الشرطية ، وتتعلق بنصر المسلمين , أما آية السياق فقد وردت بصيغة الجملة الخبرية التي تفيد القطع في تحقق موضوعها , وهو الفضل الإلهي العظيم على المسلمين مع بيان موضوع هذا الفضل , وهو بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونزول القرآن .
وذكرت آية السياق أن بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم منّ وفضل من الله عز وجل خاص بالمؤمنين وورد (عن عائشة في هذه الآية { لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم } قالت : هذه للعرب خاصة) ( ) .
ولكن الآية تقيد المنّ بأنه للمؤمنين وبين العرب والمؤمنين عموم وخصوص من وجه فمادة الإلتقاء العرب المؤمنين ، ومادة الإفتراق العرب الكفار من جهة , والمؤمنون من غير العرب من جهة أخرى .
وأيهما أكثر المؤمنون من العرب أم من غيرهم ، الجواب هو الثاني وهو من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في التبليغ والرسالة .
وفيه شاهد على أن رسالته للناس كافة ، فان قلت أن لفظ [مِنْ أَنفُسِهِمْ] تقييد وتخصيص للمؤمنين وان المراد خصوص الذين من بينهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويعرفونه بشخصه ونسبه .
والجواب لو دار الأمر بين العام والخاص في المقام يقدم العام لورود لفظ المؤمنين الذي يعني تآلف نفوس المؤمنين على تقوى الله , وكأنهم ينتظرون بعثته ويدركون حاجة الأرض وأهلها لبعثته .
المسألة الثانية : لقد ذكرت آية البحث مجئ النصر من عند الله عز وجل أما آية السياق فتضمنت ذكر أمرين متضادين :
الأول : إتباع مرضاة الله عز وجل .
الثاني : إختيار الكفر وترشح سخط الله عليه ، والسخط من الصفات الفعلية ، لذا ورد ذكر السخط في باب التضاد مع الإيمان ورشحاته .
وبين موضوع آية البحث والسياق عموم وخصوص مطلق ، فآية السياق هي الأعم ولا تختص بميدان المعركة وصيغ النصر للمؤمنين ، كما أنها تشمل أمور الدنيا والآخرة , ليكون من معاني قوله تعالى[وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( )، تعدد مصاديق الرحمة ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وشمولها للدنيا والآخرة .
وبين بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصر المسلمين في المعارك عموم وخصوص مطلق ، فالبعثة أعم ، والنصر فرع منها، ليكون من معاني الجمع بين الآيتين أن منّ الله عز وجل أعم في موضوعه ودلالاته ويشمل ما بعد البعثة النبوية , لتتضمن آية السياق معنى الإستدامة والبقاء في سنن البعثة النبوية ، وتقدير الجمع بينهما :
لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً منهم لينتصروا في المعارك).
وهو من أسرار بقاء شريعة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى يوم القيامة .
المسألة الثالثة : تبين آية السياق مصاديق من نعمة الله على المسلمين وكل واحدة منها طريق لتحقيق النصر، وواقية من الهزيمة، وتوسل ورجاء وتضرع إلى الله عز وجل بعدم خذلان المسلمين، وهي :
الأول : بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالنبوة والرسالة.
الثاني : إتصاف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأنه من نفس المؤمنين ، ومن بين ظهرانيهم، ويؤدي العبادات ويقف بين يدي الله عز وجل، وهو الإمام في طاعة الله بلحاظ كبرى كلية وهي أن المراد من قوله تعالى[رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ] أعم من النسب، فيشمل خصال الإيمان، لذا قام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، ولما كان الله عز وجل ينصر رسوله الكريم فانه سبحانه ينصر المؤمنين وفيه بيان وتفسير لقوله تعالى[إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ]( )، وتأكيد لتنجز نصر الله عز وجل للمسلمين .
وهل المقصود من لفظ (المؤمنين) في آية السياق الصحابة أم هو أعم ويشمل أجيال المسلمين، المختار هو الثاني ، ويترشح عنه دوام نعمة النصر للمسلمين، وهل يصح القول في المسلمين أنهم من نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أم أن القدر المتيقن نسبة واضافة المنفرد الى الجماعة والمتعدد الحاضر .
المختار هو الأول، وقد ورد قوله تعالى[فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ]( )، وصحيح أن المراد من أنفسنا هنا معنى خاص وهو الإمام علي عليه السلام إلا أنه لا يمنع من أصالة الإطلاق بالجمع بين الآيتين .
وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن جابر قال قدم على النبي صلى الله عليه وسلم العاقب ، والسيد ، فدعاهما إلى الإِسلام , فقالا : أسلمنا يا محمد .
قال : كذبتما إن شئتما أخبرتكما بما يمنعكما من الإِسلام . قالا : فهات . قال : حب الصليب ، وشرب الخمر ، وأكل لحم الخنزير ، قال جابر : فدعاهما إلى الملاعنة ، فوعداه إلى الغد ، فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأخذ بيد علي ، وفاطمة ، والحسن ، والحسين ، ثم أرسل إليهما فأبيا أن يجيباه ، وأقرا له .
فقال : والذي بعثني بالحق لو فعلا لأمطر الوادي عليهما ناراً . قال جابر : فيهم نزلت { تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم . . . } الآية . قال جابر : أنفسنا وأنفسكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي ، وأبناءنا الحسن والحسين ، ونساءنا فاطمة( ).
الثالث : قيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتلاوة آيات القرآن على المسلمين، ومن منافع التلاوة بلحاظ آية البحث تعاضد وتآزر المسلمين في سبيل الله، وبذل الوسع رجاء نزول فضل الله عز وجل بتحقق النصر، وهو من مصاديق قوله تعالى[وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا]( ) .
عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْقِلُهَا وَأَتَوَكَّلُ أَوْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّلُ : قَالَ : اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ( ).
الرابع : ومن الإعجاز في آية السياق نسبة آيات القرآن إلى الله عز وجل وتقدير الآية: محمد رسول الله يتلو آيات الله على المسلمين.
الخامس : من بركات بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تطهير المسلمين من درن الشرك , وحجبهم عن الضلالة، ودفع مفاهيمها عنهم، وهذا التطهير من جهات:
الأولى : بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثانية : السنة النبوية.
الثالثة : الحكمة وسنن التقوى التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
(وعن مكحول قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « آتاني الله القرآن ومن الحكمة مِثْلَيْه)( ).
الرابعة : بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم واقية للمسلمين من الذنوب والمعاصي.
الخامسة : إرادة أسباب التوبة والمغفرة بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإتباعه.
السادسة : من معاني(يزكيهم) بلحاظ آية البحث وجوه :
أولاً: يزكي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين ليكونوا أهلا للنصر والغلبة.
ثانيا ً: إقرار المسلمين بأن النصر من عند الله عز وجل.
ثالثاً : إصلاح المسلمين للدعاء وسؤال النصر.
رابعاً : من تزكية المسلمين تعاهدهم للنصر، وعدم مغادرة منازله.
خامساً : بيان قانون وهو أن الله عز وجل لا يخذل الأمة التي زكاها رسوله الكريم.
سادساً : يطهر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين ليكون هذا التطهير شكراً لله عز وجل على نعمة النصر، ويكون تقديره: المطهرون يشكرون الله.
وهل هذا المعنى للشكر من مصاديق قوله تعالى[وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ]( ) .
الجواب نعم لأن ذات الشكر لله تعالى عبادة .
السادس : جهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تعليم المسلمين الكتاب وآيات القرآن ، ومن معانيه بلحاظ آية البحث تعليم المسلمين وهدايتهم إلى أمور :
الأول : مجيء النصر من عند الله، سواء بالمدد كما في نزول الملائكة مدداً أو بآية وفضل من عند الله تعالى.
الثاني : متي ما نصر الله المسلمين فإن الغالب لهم معدوم، فإن قلت قد نصر الله عز وجل المسلمين في معركة بدر، فهل يصح القول: ما دام الله قد نصر المسلمين فليس لهم غالب، الجواب نعم، وهو من التعدد من النعم والفضل الإلهي على المسلمين.
الثالث : يكرم الله عز وجل المؤمنين بالنصر والغلبة على الذين كفروا.
الرابع : تعلم المسلمين لقانون وهو أن الذي لا ينصره الله ليس له ناصر أو معين .
إعجاز الآية الذاتي
لقد تفضل الله عز وجل بنصر المسلمين في معركة بدر التي جرت في السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة ، فكان نصراً عظيماً للمسلمين , وتغييراً نوعياً في وقائع التأريخ ، إذ لم ولن تشهد الحياة الدنيا يوماً مثل يوم بدر من جهات :
الأولى : مقدمات معركة بدر، وعدم إرادة المسلمين القتال .
الثانية : إختيار جيش المشركين القتال، وإصرارهم عليه، قال تعالى [وَإِذْ يَعِدُكُمْ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ]( ).
الثالثة : رؤيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم البشارة في المقام، ومن خصائص رؤيا الأنبياء أنها شعبة من الوحي، لذا قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتبليغ أصحابه برؤياه عشية المعركة , وتأويلها بوقوع القتال وهزيمة الذين كفروا .
وبعد أن استشار النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه في السير نحو المعركة وأظهروا العزم على ملاقاتهم باستثناء جماعة مالوا إلى عدم القتال وأحبوا الإستيلاء على قافلة أبي سفيان .
وهو من مصاديق قوله تعالى[وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ]( )، أي لا يتعارض مع العزم مخالفة جماعة في المشورة ، فقال المقداد للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم : لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى لِمُوسَى : اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبّكَ فَقَاتِلَا إنّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ وَلَكِنّا نُقَاتِلُ عَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ شِمَالِكَ وَمِنْ بَيْنِ يَدَيْكَ وَمِنْ خَلْفِكَ .
فَأَشْرَقَ وَجْهُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَسُرّ بِمَا سَمِعَ مِنْ أَصْحَابِهِ وَقَالَ سِيرُوا وَأَبْشِرُوا ، فَإِنّ اللّهَ قَدْ وَعَدَنِي إحْدَى الطّائِفَتَيْنِ وَإِنّي قَدْ رَأَيْتُ مَصَارِعَ الْقَوْمِ ( ).
وجاءت آية خاصة بالنصر في معركة بدر ، كما أخبرت آية أخرى عن نزول ألف من الملائكة يومئذ لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، قال تعالى [فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ] ( ).
ومن الآيات أن النبي ليلتئذ كان مشغولاً بالدعاء منقطعاً إلى ذكر الله ، لبيان أن الدعاء أقوى سلاح ، وهو الوسيلة لجلب أسباب النصر ، ومن خصائص دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم نزول الملائكة للنصرة .
وفي تسمية يوم بدر من عند الله بيوم الفرقان إعجاز وتحد ، قال تعالى [وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ] ( ) وفيه شاهد بأن النصر حدث يوم بدر , ولكن نزول آية واحدة في القرآن أعظم من أكبر نصر للمسلمين ، لأن ذات الآية القرآنية نصر عقلي وحي وباق في سنخيته وموضوعه وأثره إلى يوم القيامة ، إذ قرنت الآية تسمية يوم بدر بيوم الفرقان بنزول القرآن وليس بالنصر بلحاظ أن النصر فرع التنزيل ، وأن نزول آيات القرآن يجلب النصر والغلبة ، ولكن النصر لا يجلب التنزيل لأن كلام الله لم ينزل إلا على رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهل من موضوعية للتنزيل في رحمة ورفق النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمسلمين .
جاءت الآية بصيغة الخطاب للمسلمين , وتتضمن معنى الإكرام واللطف بهم ، فلما جاءت الآية السابقة بالإخبار عن لين ورفق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالمسلمين بأمر من عند الله عز وجل تعقبتها آية البحث لبيان لطف ورحمة الله بالمسلمين ، فهو سبحانه يأمر نبيه بالرأفة بالمسلمين وأن يعفو عنهم ويستغفر لهم .
لتخبر آية البحث عن رأفة الله عز وجل بالمسلمين في أشد الأحوال ، وهو ميدان القتال والمعركة الذي يحتاج الإنسان فيه رحمة الله ، ومن الآيات أنه حتى الكافر يذكر الله في ميدان القتال , لأنه يدرك قرب الموت منه .
ففي معركة بدر وعندما إقترب الفريقان بعضهم من بعض , وظهرت أمارات بدء القتال , قال أبو جهل رئيس جيش المشركين :
(اللهم اقطعنا للرحم وآتانا بما لا يعرف فاحنه الغداة , فكان هو المستفتح على نفسه , ثم ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اخذ حفنة من الحصباء .
فاستقبل بها قريشا , ثم قال شاهت الوجوه ثم نفخهم بها وأمر اصحابه فقال شدوا فكانت الهزيمة فقتل الله من قتل من صناديد قريش وأسر من أسر من أشرافهم.
قال ابن عقبة وابن عائذ : فكانت تلك الحصباء عظيما شأنها لم تترك من المشركين رجلا إلا ملأت عينيه ، وجعل المسلمون يقتلونهم ويأسرونهم وبادر النفر كل رجل منهم منكبا على وجهه لا يدرى اين يتوجه يعالج التراب ينزعه من عينيه) ( ) ذكره ابن اسحاق.
ويبين هذا الخبر كيف أن دعاء أبي جهل لا أثر له ، قال تعالى [قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ] ( ) وفي الآية أعلاه ورد عن أبي الدرداء قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب ، فيستغيثون بالطعام ، فيغاثون بطعام من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع ، فيستغيثون بالطعام فيغاثون بطعام ذي غصة .
فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالشراب ، فيستغيثون بالشراب فيرفع إليهم الحميم بكلاليب الحديد ، فإذا دنت من وجوههم شوت وجوههم ، وإذا دخلت بطونهم قطعت ما في بطونهم ، فيقولون : ادعوا خزنة جهنم فيدعون خزنة جهنم إن { ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب }( ) .
فيقولون { أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال }( ) فيقولون ادعوا مالكاً فيقولون { يا مالك ليقض علينا ربك }( ) فيجيبهم { إنكم ماكثون } فيقولون ادعوا ربكم فلا أحد خير من ربكم ، فيقولون { ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوماً ضالين ، ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون }( ) فيجيبهم { اخسئوا فيها ولا تُكَلِّمون }( ) فعند ذلك يئسوا من كل خير ، وعند ذلك أخذوا في الزفير والحسرة والويل .
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : إن أهل جهنم ينادون مالكاً { يا مالك ليقض علينا ربك }( ) فيذرهم أربعين عاماً لا يجيبهم ثم يجيبهم { إنكم ماكثون } ثم ينادون ربهم { ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فانا ظالمون } فيذرهم مثلي الدنيا لا يجيبهم ثم يجيبهم { اخسئوا فيها ولا تُكَلِّمون }( ) قال : فيئس القوم بعدها ، وما هو إلا الزفير والشهيق) ( ).
وصحيح أن مضامين الآية أعلاه تتعلق بحال الذين كفروا في الآخرة إلا أن موضوعها أعم ، إذ ذكرت قانوناً كلياً وهو أن دعاء الكافرين في ضلال أي يضل عنهم , ويحجب ولا ترفعه الملائكة لقبح فعل الكفار وعبادتهم الأصنام , وتوجههم بالدعاء لها , وتحتمل جهة الدعاء في الآية أعلاه وجوهاً :
الأول : المراد دعاء الكافرين وسؤالهم الله عز وجل ، وتقدير الآية : وما دعاء الكافرين لله عز وجل إلا في ضلال .
الثاني : وما دعاء الكافرين للملك مالك وخزنة النار ، كما ورد في التنزيل [ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنْ الْعَذَابِ] ( ) .
الثالث : دعاء الكافرين في الدنيا للأوثان وما يعبدون من دون الله .
ولا تعارض بين هذه الوجوه ، فكل دعاء للكافرين يذهب هباءً ، فان قلت وإن دعا الكافر الله في الحياة الدنيا , الجواب نعم لوجوب تقييد الدعاء بأنه عن إيمان وتسليم بالوحدانية ونبذ للشريك .
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : إن ربكم يقول : أنا خير شريك ، فمن أشرك معي في عمله أحداً من خلقي تركت العمل كله له , ولم أقبل إلا ما كان لي خالصاً .
ثم قرأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم { فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً }( ))( ).
ومن إعجاز آية البحث ترشح موضوعها عن بشارة عملية ونصر واقعي أحرزه المسلمون في معركة بدر ، وليكون من معاني تفسير الآية : إن ينصركم الله كما نصركم في معركة بدر فلا غالب لكم .
وهل يصح القول بصيغة الفعل الماضي : لقد نصركم الله فليس لكم غالب .
الجواب نعم , ويمكن إستقراء هذا المعنى من آية (ببدر) وآيات أخرى ، والقدر المتيقن من آية البحث إرادة وقوع النصر والغلبة في الزمن المستقبل .
والأرجح نزول آية البحث بعد معركة بدر وأنها تتعلق بوقائع معركة أحد وإن كان موضوعها أعم ، ومع قلة كلماتها فانها تتضمن قوانين متعددة وهي :
الأول : مع نصر الله للمسلمين فليس من غالب أو قاهر لهم .
الثاني : تعقب سيادة حكم الإسلام لنصر المسلمين على أعدائهم .
الثالث : قانون انعدام الغالب للمسلمين في معاركهم , لتثبيت أحكام الشريعة وسنن التوحيد في الأرض .
الرابع : إذا خذل وترك الله عز وجل إعانة فرد أو طائفة أو أمة فليس لهم ناصر .
الخامس : توكل المؤمنين على الله ولجؤوهم إليه في حال الحرب والسلم، ومن الإعجاز في المقام تلاوة كل مسلم لقوله تعالى [إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ]( ).
ومن مصاديق قوله تعالى [وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ] ( ) مجئ قوانين آية البحث الخمسة المذكورة أعلاه من وجوه :
أولاً : إستقلال كل قانون بذاته من جهة الأثر والتأثير .
ثانياً : إتحاد هذه القوانين ، وإجتماعها عند المسلمين ، وفي منهاج حياتهم , وفي الواقع .
ثالثاً : ترشح القوانين والفيوضات من قوانين هذه الآية من حين نزولها وإلى يوم القيامة ، ومنها ما يتفرع عن قراءة هذه الآية في الصلاة .
وهو من أسرار فرض الصلاة على كل مسلم ومسلمة خمس مرات في اليوم ، فحتى إذا كان هناك قتال مع المشركين أو مقدماته فان المسلم لابد وأن يتوجه إلى الله عز وجل بخضوع وخشوع .
ويتلو هذه الآية فيزداد إيماناً بنصر الله ، ويعلم بقانون وهو حتى إذا قتل فلابد أن يحقق المسلمون النصر والغلبة ، وفيه زجر للمنافقين , ومنع لبث الذين في قلوبهم مرض الإشاعات ، إذ ورد قبل أربع آيات قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ] ( ) .
ومن مصاديق حسرة الكفار آية البحث وما يترشح عنها من معاني الصبر والعزم الدفاع عن الإسلام ، ويمكن تسمية آية البحث آية ( أن ينصركم الله ) ولم يرد لفظ [إِنْ يَنْصُرْكُمْ] ( )ولفظ[يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ] إلا في آية البحث وسيأتي مزيد بيان في باب علم المناسبة.
إعجاز الآية الغيري
آية البحث كلام الله الذي يخاطب به رسوله الكريم والمسلمين والمسلمات , ويحتمل وجوهاً :
الأول : إرادة مخاطبة أهل البيت والصحابة .
الثاني : المقصود في الخطاب خصوص المقاتلين في ميادين الدفاع من أهل بدر وأحد .
الثالث : المراد بالخطاب هو شخص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , وجاءت الآية بصيغة الجمع للإكرام .
الرابع : إرادة المسلمين الذين لهم القدرة على حمل السلاح ليخرج أصحاب الأعذار .
الخامس : المقصود الرجال من المسلمين .
السادس : إرادة المسلمين والمسلمات وإلى يوم القيامة .
ولا تعارض بين هذه الوجوه ، وكلها من مصاديق الآية ، إذ يتوجه فيها الخطاب للمسلمين والمسلمات في أجيالهم المتعاقبة , ليتطلع المسلمون إلى النصر من عند الله ويتوجهوا إليه بالدعاء والمسألة بتقريبه , ويتضرعوا إليه ألا يخذلهم وتركهم وشأنهم في أحوالهم كلها .
وتتضمن الآية أموراً :
الأول : مجئ النصر للمسلمين من الله عز وجل بمشيئته ورحمته .
الثاني : إنعدام الغالب للمسلمين إذا نصرهم الله مما يدل على أن نصرة تعالى دائم ومتصل ، ويمكن استقراء مسائل بلحاظ آية البحث من قوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ] ( ).
بان النصر في معركة بدر بداية لقانون وهو عدم وجود غالب للمسلمين إلى يوم القيامة ، وتقدير الآية : لقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فلا غالب لكم بعدها أبداً إن شاء الله).
وهو من أسرار تسمية يوم بدر بيوم الفرقان في قوله تعالى [يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ]( ) وقد تقدمت الإشارة لهذا الأمر فان قلت قد تعرض المسلمون لخسائر .
والجواب هذا صحيح ولكنه لا يصدق عليه أن المسلمين صاروا في حال مغلوبين .
الثالث : مع خذلان الله عز وجل للمسلمين فانه ليس من ناصر أو مدد لهم .
ومن إعجاز الآية إنقياد المسلمين لأمر الله ورسوله , والحرص على إجتناب مخالفة أوامر الرسول مثل القتال , وفي ميدان المعركة وبعدها ، وقد ترك الرماة يوم معركة أحد التقيد بأوامر النبي صلى الله عليه وآله فكانت خسارة فادحة تفضل الله عز وجل ومنع من تحولها إلى هزيمة ، وهذا المنع من الشواهد على الوعد من عند الله بعدم وجود غالب للمسلمين .
ومن معاني الإعجاز القرآني التحدي وهو أعم من أن يختص ببلاغة القرآن وضروبها ، ومنه بيان المصاديق والشواهد الواقعية لآيات القرآن ، وما فيها من الأوامر والنواهي وصيغ الجملة الشرطية كما في آية البحث [إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ].
وصحيح أن الإنتصار يكون في معارك محدودة إلا أن موضوع إنعدام الغالب للمسلمين عام وشامل ومتجدد في كل يوم .
الآية سلاح
تتضمن معاني الخطاب في الآية العون والمدد للمسلمين إذ يسيحون في رياض النصر التي جعلها الله عز وجل قريبة منهم ، ومن بديع صنع الله عز وجل مجئ الآيات الحسية والشواهد التي تزيد الناس إيماناً .
ومنها نصر المسلمين في معركة أحد وهم قلة بالذات وبلحاظ جيش المشركين الذي يبلغ نحو ألف رجل ، وهو أكثر من ثلاثة أضعاف جيش المسلمين .
لقد خاطبت الآية المسلمين جميعاً وأخبرت عن قانون وهو أن الله عز وجل قادر على نصرهم ، ولا يستطيع أحد بعدها أن يهزمهم أو ينتصر عليهم .
وهل تدعو الآية لترك الأسباب والتجهيز للعدو وأخذ الحيطة منه ، الجواب لا ، بدليل بعث آيات القرآن المسلمين على اليقظة وبذل الأموال والتدريب ، وإتقان فنون القتال وتهيئة السلاح والرواحل ومؤن الحرب ، قال تعالى [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ] ( ).
وورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (الحرب خدعة) ( ).
لقد بينت آية البحث قانوناً من الإرادة التكوينية يضيء للمسلمين دروب النجاة في النشأتين ، وهذا القانون من وجوه :
الأول : إكرام الآية للمسلمين بصيغة الخطاب ونداء الإيمان .
الثاني : إنحصار النصر في المعارك بيد الله ، وهذا الحصر من مصاديق قوله تعالى [وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ] ( ) بلحاظ أنه ملك تدبير وقدرة وانفراد بالسلطان والجبروت ، ومن منافعه حفظ وتعاهد عبادة الناس لله عز وجل وتنزههم عن الشرك ومفاهيم الضلالة .
وتدعو الآية المسلمين لاتخاذ سلاح التوكل على الله وسيلة لجلب النصر والسلامة من الخذلان وترك الله نصرتهم ، وهذه السلامة من مصاديق قوله تعالى [ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ]( ).
الثالث : مجئ النصر من عند الله عز وجل على نحو التمام والكمال وبأقل الخسائر .
الرابع : الوقاية من الهزيمة والإنكسار بعد النصر الذي يتفضل الله عز وجل به .
الخامس : بيان قانون وهو اذا ترك الله نصرة طائفة أو قوم فان الخلائق كلها تعزف عن إعانتها ، وتعلم أنه لا سبيل إلى نصرة من خذله الله .
مفهوم الآية
جاءت الآية بصيغة الجملة الشرطية في طرفيها سواء النصر أو الخذلان والترك من عند الله لبيان عظيم قدرة الله وانه سبحانه غني عن العالمين ، وإن تخلفت طائفة من المؤمنين عن الدفاع عن الإسلام فان الله عز وجل هو الذي يحفظ دينه ، ويتعاهد عبادة الناس له في الأرض ، قال تعالى [وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ] ( ).
ومن معاني الآية البشارة للمسلمين بأنه سينصركم الله عز وجل فلا غالب لكم بعد نصره ، فان قلت ينتقض هذا الكلام بالشطر الثاني من الآية [وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ] .
والجواب لا ، للتباين الموضوعي بين الأمرين ، إنما جاء الشطر الأول من الآية للبيان وتأكيد النصر , وجاء الشطر الثاني لبيان عظيم قدرة الله وإنتفاء الشريك والضد .
ومن مفاهيم آية البحث قرب النصر من المسلمين لدلالة آية البحث في مفهومها ولغة الخطاب فيها على إمكان تحقق النصر للمسلمين ، وفي التنزيل [يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ] ( ) وذكر آيات القرآن الذين يؤيدهم الله بنصره وهم المسلمون ، قال سبحانه مخاطباً المسلمين [وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]( ).
لقد إبتدأت الآية السابقة بقوله تعالى [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ]( )ومن رحمته سبحانه أن جعل النصر حليف المسلمين في أول معركة يخوضونها ضد عتاة المشركين وأقطاب الكفر في مكة وهي معركة بدر، ومن الآيات أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يغب عن تلك المعركة بل هو كان القائد والزعيم ، يلوذ به المؤمنون ، وعن الإمام علي عليه السلام قال (كنا إذا حمى أو اشتد اليأس واحمرت الحدق اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم) ( ).
وتبين الآية صفحة مشرقة من صبر وجهاد المسلمين ، وما لاقاه محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه من الأذى في سبيل الله ، ولما قال سبحانه [لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى] ( ) فانه سبحانه ضمن للمسلمين النصر والغلبة على الذين كفروا بلحاظ أن هزيمة أي طائفة أو عصابة أو جماعة هي ضرر فادح ، ويحتمل سبب ومصدر النصر وجوهاً :
الأول : تحقق النصر بفعل وجهود المسلمين .
الثاني : مجئ النصر بمدد وعون من المسلمين .
الثالث : تنجز النصر بمدد وتوفيق من الله عز وجل .
وتتضمن آية البحث إمكان الوجه الثالث وتحقق النصر بمدد وفضل من عند الله إلا أنها لم تنف الوجهين الأول والثاني ، لتأتي آيات أخرى تدل على هذا النفي منها قوله تعالى[وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ]( ).
ليكون من مفاهيم آية البحث : إن لم ينصركم الله فلا نصر لكم .
لذا تدعو خاتمة الآية المسلمين للتوكل على الله , ليكون من معاني وغايات التوكل على الله تحقيق النصر على الأعداء ، والإنتفاع الأمثل من هذا النصر .
ومن مفاهيم الآية أن الله عز وجل يرى ويعلم بمعارك المسلمين ، ويقترن هذا العلم بالمشيئة والإرادة مع نصر المؤمنين .
وتبين الآية للمسلمين قانوناً وهو عدم جواز إتكال المؤمنين مجتمعين أو متفرقين على غير الله سبحانه ، فهو وحده الذي يكون أهلاً للتوكل ، ويقوم على كفاية من يلجأ ويفوض أموره إليه ، وفي التنزيل [أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ] ( ).
وتتضمن الآية التحذير من خذلان وترك الله لنصرة لعباده المؤمنين ثم يتعقب هذا التحذير قانون توكل المؤمنين على الله عز وجل وحده ، وفيه وقاية للمسلمين من مفاهيم الشرك ما ظهر منه وما خفي ، فمن مصاديق التوكل ما هو كيفية نفسانية لا يطلع عليها إلا الله وحده .
الآية لطف
تتحدث الآية عن أمرين متضادين , وهما النصر والخذلان مع بيان قانون كلي وهو أن كلاً منهما بيد الله ، ليكون هذا البيان لطفاً ورحمة من عند الله ووسيلة مباركة لإنقطاع المسلمين إلى الله عز وجل ، ورجاء النصر من عنده سبحانه ، ويحتمل هذا الرجاء وجوهاً :
الأول : إنه طريق للنصر .
الثاني : في هذا الرجاء دفع للخذلان والترك من عند الله .
الثالث : ليس من صلة بين هذا الرجاء وموضوع النصر والغلبة أو عدمها.
الرابع : صيرورة هذا الرجاء دعاء ، قال تعالى [ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً]( ).
والصحيح هو الأول والثاني والرابع أعلاه ، وهو من إعجاز آية البحث بأن أخبرت عن النصر , وأنه بيد الله عز وجل ، ليتطلع المسلمون إلى رحمة الله بتحقق النصر .
ومن الإعجاز في نظم الآيات أن الآية السابقة تذكر رحمة الله وأنها سبب لرفق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالمسلمين، ليكون من باب الأولوية أن يرحم الله عز وجل المسلمين , فتفضل وأخبر في آية البحث عن النصر من جهات :
الأولى : النصر بيد الله .
الثانية : لا يأتي النصر إلا من عند الله .
الثالثة : ينصر الله من يشاء، وفي التنزيل [لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ]( ).
ومن إعجاز آية البحث أنها خطاب للمسلمين , ولكن معاني اللطف فيها عامة تشمل معهم أهل الكتاب والناس جميعاً ، فمن خصائص القرآن كونه [تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ] ( ) وهذا التبيان تفسير وإفهام للناس وإرتقاء لهم في سبل المعرفة الإلهية ، وهو حجة متجددة عليهم إلى يوم القيامة ، وتقدير الآية في الخطاب للذين كفروا : إن ينصر الله المسلمين فلا تقدروا على غلبتهم .
ولقد نشبت الحرب بين الدولة الفارسية والرومانية أيام البعثة النبوية المباركة ونزل قوله تعالى [غُلِبَتْ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ] ( ).
فأصيب الروم وهم أهل كتاب بالخسارة والهزيمة في المعارك الأولى ، ولكنهم رجعوا وانتصروا وغلبوا في الأخير ، وجاءتهم مع الغلبة الدعوة إلى التصديق بنزول القرآن .
(عن ابن عباس في قوله تعالى: { الم . غُلِبَتِ الرُّومُ . فِي أَدْنَى الأرْضِ}( ) قال: غُلبت وغَلَبت. قال: كان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم؛ لأنهم أصحاب أوثان، وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس؛ لأنهم أهل كتاب، فذُكر ذلك لأبي بكر، ، فذكره أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “أما إنهم سيغلبون” فذكره أبو بكر لهم، فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلا فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا. فجعل أجلا خمس سنين، فلم يظهروا، فذكر ذلك أبو بكر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال:”ألا جعلتها إلى دُون” أراه قال: “العشر”. “قال سعيد بن جبير: البضع ما دون العشر. ثم ظهرت الروم بعد)( ).
لتكون تلك الوقائع من مصاديق قوله تعالى[وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ]( ) مع بيان قانون وهو أن هذا التداول لصالح ونفع المؤمنين .
ولو أجريت إحصائية لتبين أن أيام سلطان أهل الإيمان هو الأكثر ليكون ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو السائد وإلى يوم القيامة ، وهو من عمومات قوله تعالى [وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ]( ).
فجاءت آية البحث لتقر عيون المسلمين باخبارهم بأنهم سيظهرون على مشركي قريش ، فبعد أن كانوا يفرحون بنصر النصارى من أهل الكتاب وظهورهم على عدوهم ،وأنعم الله عز وجل عليهم بأن صاروا يفرحون بنصرهم على عدوهم من الكفار الذين يلونهم .
ومن معاني اللطف في آية البحث إختتامها بالإخبار بالدلالة التضمنية على بلوغ المسلمين مرتبة الإيمان وملازمة اللجوء إلى الله والتوكل عليه للإيمان .
إكرام الآية للمسلمين
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا (دار الرحمة) إذ تتغشى رحمته الخلائق كلها، ولما تفضل الله عز وجل وجعل الإنسان (في الأرض خليفة)( ) فإنه أحاطه برحمته وجعلها ملازمة له ، ولا تنفك عنه في ليله ونهاره، ورزقه الهداية إلى القول والعمل القويم ، وهو من مصاديق إحتجاج الله تعالى على الملائكة [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( )، فمن علمه تعالى أنه يدفع عن الناس الفساد، ويصرفهم عن القبائح ويحول بينهم وبين القتل وسفك الدماء، ومن صيغ هذا الدفع آية البحث التي أخبرت عن نصر الله عز وجل للمسلمين بصيغة الجملة الشرطية، ليكون فيه دلالة على أمور :
الأول : نصر المؤمنين من رحمة الله عز وجل، وهي من جهات:
الأولى : الرحمة بالمسلمين لما في النصر من الغلبة والعز ، وهو مناسبة لأدائهم الفرائض والعبادات , قال تعالى[وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا]( ).
الثانية : نصر المسلمين رحمة بأهل الكتاب لما فيه من تثبيت للنبؤات السابقة، والشهادة لهم بأنهم أتباع الأنبياء.
الثالثة : نصر المسلمين رحمة بالناس جميعاً، وفيه دعوة لهم للكف والإمتناع عن محاربة النبوة والمؤمنين.
الثاني : في نصر المسلمين إكرام لهم بالذات وبين الناس، ومن خصائص الإنسان أنه يحتاج النصر ويسعى إليه، مع التباين في الأسباب والغايات والمقاصد , وفي الكيفية التي يسعى فيها الناس للنصر، والأغراض منه.
فجاءت آية البحث لتؤكد على قانون وهو أن النصر يأتي للمسلمين لأنهم لا يريدون إلا الحق، ولا يسعون إلا لمرضاة الله عز وجل , وتقدير آية البحث على وجوه :
أولاً : إن ينصركم الله في دعوتكم إلى الإيمان فلا غالب لكم.
ثانياً : إن ينصركم الله في محاربتكم للكفر ومفاهيم الشرك فلا غالب لكم.
ثالثاً : إن ينصركم الله بطاعتكم لله ورسوله )، ليكون من معاني قوله تعالى[وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ]( )، بلحاظ آية البحث مسائل :
الأولى : ينصركم الله بطاعته وطاعة رسوله.
الثانية : إن ينصركم الله لأنكم تطيعون الله ورسوله.
الثالثة : لعلكم ترحمون بنصر الله لكم.
الرابعة : فلا غالب لكم لأنكم تطيعون الله ورسوله.
الخامسة : لعلكم ترحمون بأن لا غالب لكم.
الثالث : في نصر الله عز وجل للمسلمين تثبيت لسنن التوحيد وإصلاح للنفوس في الأرض ، وإستئصال للفساد منها.
الرابع : من رحمة الله عز وجل بالناس تجلي سنن التقوى بسيرة المسلمين , لتكون مرآة وطريقاً لدخول الجنة، وهو من مصاديق قوله تعالى[اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]( )، الذي يقرأه كل مسلم ومسلمة عدة مرات في اليوم على نحو الوجوب العيني في الصلاة.

إفاضات الآية
صحيح أن الإسلام لم ينتشر بالسيف إلا أن آية البحث تتضمن الإخبار عن النصر أو الخذلان مما يدل على أن قتال المسلمين عن حاجة وضرورة دفاعية .
فان قلت هناك غزوات وسرايا خرج لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون إبتداء , والجواب نعم ، ولكن بعد بلوغ أخبار بأن القوم يعدون العدة للهجوم على المدينة .
ومن الشواهد أنه بعد فتح مكة سارت هوازن وثقيف لقتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين وكانت معركة حنين الكبرى ، مع أن الأصل هو إمتناع القبائل عن مقاتلة المسلمين بعد فتح مكة أو لا أقل التريث والصبر خاصة وان منازل هوازن في الطائف ، وهي في طريق وجهة أخرى غير الطريق الذي يربط بين مكة والمدينة .
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينوي بعد فتح مكة العودة إلى المدينة ، فحينما قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتوزيع غنائم معركة حنين وهي أكثر غنائم في المعارك التي قاد المسلمين فيها أعطى [وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ]( ) من قريش عطايا كثيرة ونال جماعة منهم لكل واحد مائة ناقة , فصار في نفس الأنصار شيء ، وتكلموا فيه ، وبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلامهم ، فمشى إليهم بنفسه ، فحمد الله وأثنى عليه لبيان أنه مع شدة المعركة ومجئ الخبر بما تكلم به الأنصار من الإنكار لم ينس النبي صلى الله عليه وآله وسلم إفتتاح كلامه بالثناء على الله عز وجل ، والشكر له على نعمة النصر والظفر للمسلمين ، وفيه بلحاظ آية البحث دعوة للمسلمين للشكر لله عز وجل بقوله تعالى [إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ]( ).
ثم قال النبي (يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ مَا قَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ وَجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا فِي أَنْفُسِكُمْ)( ).
فلم يذكر الأنصار تلك المقالة ، ولكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكرّهم بفضل الله عليهم بنبوته وهجرته ثم قال (ألا ترضون يا معشر الانصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم فو الذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرأ من الانصار ولو سلك الناس شعبا وسلكت الانصار شعبا لسلكت شعب الانصار , اللهم ارحم الانصار وأبناء الانصار وأبناء أبناء الانصار .
فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم , وقالوا رضينا برسول الله صلى الله عليه وسلم قسما وحظا)( ).
وتحدثت آية البحث عن النصر والغلبة ومع أن الغنائم فرع النصر والغلبة ، فانها لم تذكرها لبيان قانون وهو أن المسلمين يسعون إلى النصر ، وتثبيت معالم الإيمان في الأرض ولم يجعلوا الغنائم غاية لهم , بدليل الخبر المتقدم أعلاه ورضا الأنصار بعودة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم معهم .
ليكون من فيوضات النصر الذي ينعم به الله أمور :
الأول : إزاحة الكدورات من بين المسلمين .
الثاني : رضا المسلمين بما قسم الله ورسوله لهم .
الثالث : المنع من الفتنة بين المسلمين .
الرابع : شكر المسلمين لله عز وجل على نعمة النصر .
الخامسة : تنمية ملكة الصبر عند المسلمين ، وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال (وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ) ( ).
وعن ابن عباس قال (كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا غُلَامُ أَوْ يَا غُلَيِّمُ أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِنَّ فَقُلْتُ بَلَى فَقَالَ احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ تَعَرَّفْ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ وَإِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ قَدْ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ فَلَوْ أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ جَمِيعًا أَرَادُوا أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ وَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) ( ).
لقد جعل الله عز وجل نصر المؤمنين طريقاً إلى الجنة ، قال تعالى [فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ] ( ).
الآية بشارة
لقد واجهت الدعوة الإسلامية في أيامها الأولى الرفض والأنكار من رؤساء الكفر الذين إستطاعوا تأليب الناس على النبي محمد والإسلام ، فسيروا الجيوش لمحاربة المسلمين ، وكانت الأخبار تصل إلى المدينة منها :
الأول : قيام الذين كفروا بجمع الناس وتحشيد القبائل لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين .
الثاني : بذل الذين كفروا من قريش الأموال الطائلة لإغراء الناس لقتال النبي والإنفاق على الجيوش والمؤن والأسلحة مع ضمانات لبعض الفرسان والشجعان .
وحينما وصلت قافلة أبي سفيان إلى مكة التي وقعت بسببها معركة بدر أبى الذين كفروا دفع أموال التجارة والبضائع إلى أهلها مع كثرتها ، إذ كانت ألف بعير محملة بالبضائع وسخروا تلك الأموال لقتال المسلمين في معركة أحد , فجاءت آية البحث بالإطلاق في موضوع النصر ، وإن تباينت الأسباب .
ليكون من معاني الآية وجوه :
الأول : فلا غالب لكم وأن سخر الذين كفروا الأموال ، وحشدوا الرجال وجهزوا الجيوش العظيمة ) وهو من مصاديق قوله تعالى [وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ] ( ).
الثاني : فلا غالب لكم وأن اجتمع الذين كفروا عليكم .
الثالث : فلا غالب لكم لإيمانكم وصبركم في مرضاة الله .
ومن إعجاز الآية أنها ذكرت إنعدام الغالب للمسلمين عند نصر الله لهم ، ولم تقل الآية ( وإن يخذلكم يكون لكم غالب ) ليكون من معاني البشارة في آية البحث سلامة المسلمين من الهزيمة والإنكسار ، والإخبار بأن الله عز وجل كفى المسلمين عدوهم .
وهل يلزم الدعاء مع هذه الكفاية , الجواب نعم ، وهو من أسرار مجئ الآية بصيغة الجملة الشرطية .
الآية إنذار
من خصائص الآية القرآنية أنها بشارة وإنذار ، قال تعالى [فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا] ( ) فان قلت المراد آيات القرآن على محو العموم المجموعي وما بين الدفتين ، وليس الآية القرآنية الواحدة ، والجواب هذا صحيح ، ولكنه لا يمنع من إرادة الآية القرآنية الواحدة والآيات المتعددة ، والجمع بين آيتين من القرآن بدليل قوله تعالى [وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا] ( ) والمراد صلاة الصبح ، وتلاوة آيات معدودة من القرآن فيها , وسماع ملائكة الليل والنهار لها , وفيه وجوه :
الأول : كل الآية القرآنية بشارة ، وليس من حصر لمضامين البشارة التي تتضمنها الآية القرآنية ، ويمكن تقسيمها بحسب اللحاظ إلى أقسام :
أولاً : البشارة في الدنيا ، كما في قوله تعالى [الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا] ( ).
ثانياً : البشارة في الآخرة ، وليس من حصر لبشارات القرآن بخصوص عالم الآخرة , وما فيه من أسباب التوبة والعفو والمغفرة ، قال تعالى [إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا] ( ) .
ثالثاً : البشارة في الثبات على الإيمان ، وهو نعمة عظمى تترشح عنها نعم متجددة يعجز الإنسان عن إحصائها وأنى له إحصاؤها وهي متصلة وتتغشى عالم الدنيا والآخرة .
رابعاً : البشارة بالتمكين والنصر على الذين كفروا وإزاحة أسباب الخوف عن المسلمين وعوائلهم ، قال تعالى [وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا] ( ).
ولما جاءت آية البحث بصيغة الجملة الشرطية ، بخصوص نصر الله للمسلمين ، تفضل الله عزوجل وأنزل آيات النصر والبشارة بالفتح على نحو الإخبار والقطع بالتنجز ، قال تعالى [وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ]( ).
(قال المقداد بن الأسود : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : لايبقى على وجه الأرض بيت مدر ولا وبر إلاّ أدخله الله كلمة الإسلام إما يعز عزيز وإما يذل ذليل،
إما يعزهم الله فيجعلهم من أهله فيعزّوا،
وإما يذلّهم فيدينون له) ( ).
ومن خصائص البشارة في القرآن أنها إنذار للذين كفروا والذين حجبوا عن أنفسهم نعمة تلقي البشارات التي جاءت في القرآن والسنة ، والتي يكون الواقع والوجدان ترجمان يومي لها تدركه الحواس من غير حاجة إلى كثير تأمل , ووسائط ذهنية أي أن الناس جميعاً مع إختلاف مشاربهم ومداركهم يسمعون ويرون آيات البشارة بالإيمان , ومنه بشارة الله للمسلمين في آية البحث التي هي إنذار للذين كفروا بالمنطوق والمفهوم .
إذ أن أول آية البحث إنذار للذين كفروا من جهات :
الأولى : دلالة نصر المسلمين على هزيمة الذين كفروا ، وخسارتهم في ميدان المعركة وقتل طائفة منهم ، وفي معركة أحد ومع كثرة قتلى المسلمين إذ فقدوا سبعين شهيداً ، وإنهزم أكثر جيش المسلمين لولا ثبات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسط ميدان المعركة ومعه نفر من أهل بيته واصحابه فان جيش الكفار ذهب خائباً .
ليكون مصداقاً للنصر وشاهداً على الإتصال والتجدد في نصر الله للمؤمنين في معركة بدر ومقدمة للنصر في معركة أحد وما يأتي بعدها ، فقال تعالى بخصوص هذه المعركة [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ] ( ) .
لتكون الآية أعلاه حجة على الذين يقولون بأن الكفار إنتصروا في معركة أحد , وفيه منع من هذا القول إلى يوم القيامة .
وتنبيه للذين يقومون بالتحليل واستنباط المسائل والمواعظ في واقعة أحد سواء في الدراسات العقائدية أو العسكرية أو التأريخية وغيرها .
ومن إعجاز آية البحث أن كل كلمة منها إنذار وتنبيه ووعيد , فقوله تعالى [إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ] الذي جاء خطاباً للمسلمين إنذار للذين كفروا بأن نصر الله قريب من المسلمين ، ليدل بالدلالة التضمنية على قرب الهزيمة من الذين كفروا ولزوم إحترازهم منها .
وينحصر هذا الإحتراز بالتوبة والإيمان ، ليكون من الإعجاز في إنذارات القرآن أنها دعوة للهداية والإيمان وسبيل للصلاح والإنابة وتخفيف عن المسلمين ، قال تعالى [وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا] ( ) ومن فضل الله عز وجل أن تأتي البشارة للمسلمين بالنصر والغلبة ، فتكون على وجوه :
الأول : البشارة مقدمة لتحقق مصداقها الواقعي .
الثاني : من مفاهيم البشارة بالقرآن الإنذار للذين كفروا .
الثالث : ترغيب الناس جميعاً بالبشارة القرآنية .
الرابع : تأكيد قبح الكفر , وبيان قانون وهو ليس مع الكفر ومع الضلالة إلا الإنذار والتوبيخ والتبكيت .
الآية موعظة
لقد إبتدأت الدعوة الإسلامية بالتبليغ المقرون بالصبر وتحمل الأذى ، وشدة تعذيب القوم الظالمين في مكة لمن آمن وصدّق معجزات النبوة والتنزيل .
لقد كانت طائفة من الناس يصدقون الأنبياء السابقين لمعجزات النبوة, أما رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقد جاءت بالمعجزات العقلية , وهو من أسرار تحمل أصحابه الأذى بصبر وامتناع عن الإرتداد , وهو من العلل لقوله تعالى [إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا] ( ) وكان الإسلام يتسع ، والناس يدخلون فيه وهم يعلمون بملاقاتهم الأذى من الكفار ، وهو معجزة عقلية وحسية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وقد بعث الأنبياء السابقون لقومهم وقبائلهم وأمصارهم ، وأرسل الله النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ليدعو الناس جميعاً إلى التوحيد وينهاهم عن عبادة الأوثان ، قال تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا]( ) وكما أذنب فرعون بما كان فيه سوء عاقبته ونهايته بأن تبع موسى وبني إسرائيل الذين هاجروا بدينهم , فاهلكه الله في اليم ، قال تعالى [وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ] ( ) إذ أنه لم يتعظ ويبقى في ملكه وسلطانه على مصر والسودان , وفيوضات نهر النيل فكذا كفار قريش فأنهم أصروا على تسيير الجيوش لقتال النبي عندما اختار الهجرة وأمر أهل بيته واصحابه بها .
الآية رحمة
لقد ذكرت الآية السابقة رحمة الله على نحو النص والتعيين بقوله تعالى [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ] ( ) لتتغشى هذه الرحمة مضامين الآية السابقة وآية البحث ، وبين رحمة الله والنصر من عنده تعالى عموم وخصوص مطلق ، فالرحمة أعم ، والنصر فرع منها .
فجاء الخاص بعد العام ، وهو من فضل الله عز وجل ، وفيه دعوة للمسلمين للشكر لله عز وجل على قانون وهو في كل آية قرآنية رحمة من عند الله سواء كان في المنطوق أو المفهوم .
لقد بدأ الإسلام غريباً في الدعوة إلى الله إذ أعرض أكثر أهل مكة عن نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأمتنعوا عن التدبر في معجزاته العقلية والحسية بسبب أهل الحسد والجهالة الذين أصروا على عبادة الأوثان ، وخافوا على منازلهم الإجتماعية ومكاسبهم التجارية .
وتلقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته والصحابة الأولين هذا الإعراض بالصبر مع السعي في إقامة الحجة على الناس وبيان وجوب الإيمان ، فلم يطق الذين كفروا الأمر ، وعلموا أن الإسلام ينتشر بين الناس، ويقبل عليه الشباب خاصة .
واختار كفار قريش المنازلة في الميدان والتعجيل بها ، وهل هذا التعجيل عن عصبية وحمية أم عن حنكة ، الجواب هو الأول ، وان كان يبدو لهم أنه الثاني وأنهم إختاروا القتال عن تدبر وحنكة وهو من مصاديق الضلالة، قال تعالى [فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ] ( ).
ومن الضلالة والغرور عدم إدراك حقيقة وهي أن النصر بيد الله عز وجل , وأنه سبحانه أبى إلا نصر نبيه الكريم ومن آمن معه ، وهو وفق القياس الإقتراني :
الكبرى : النصر بيد الله .
الصغرى : لا ينصر اللهُ إلا الأنبياء والذين آمنوا .
النتيجة : ينصر الله النبي محمداً والذين آمنوا معه .
ويدل لفظ النصر والإخبار عنه على القتال وسفك الدماء فكيف تكون الآية رحمة .
الجواب من جهات :
الأولى : نصر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين رحمة للناس جميعاً، وهو من مصاديق قوله تعالى[وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ).
الثانية : نصر المسلمين إستئصال للكفر ومفاهيم الضلالة .
الثالثة : في نصر المسلمين هزيمة للذين كفروا , ومنع من سلطانهم في الأرض، وفيه رحمة بالناس جميعاً.
بعث الله عز وجل النبي محمداً رسولاً على فترة من الرسل ، لذا كانت رسالته للناس جميعاً ، العربي وغير العربي ، والبر والفاجر , وإلى الرجال والنساء .
ومن الإعجاز ورود العموم في آيتين نسبة الموضوع فيهما هي العموم والخصوص من وجه , وهما قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ] ( ) وقوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ) لبيان قانون وهو أن الرحمة في بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للناس عامة لم ولن يستثنى منها أحد من أهل الأرض وإلى يوم القيامة .
وهل يخرج بالتخصيص من هذه الرحمة أولئك الذين حاربوا النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم في معركة بدر , ومعركة أحد , والخندق ، الجواب لا .
وتأتي رحمة الله عز وجل في بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من وجوه :
الأول : علة وأسباب بعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : مصاحبة رحمة الله لنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : ترشح الرحمة عن بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ولا دليل على إستثناء فريق من الناس من أحد هذه الوجوه ، وهو من فضل الله عز وجل ، فكما أنه سبحانه ينزل الغيث ويصيب به البر والفاجر ، فانه سبحانه أرسل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم جميعاً ، وهو من وجوه تفضيله على الأنبياء السابقين ، بلحاظ إتصال وعموم الرحمة الإلهية بنبوته ورسالته إلى الناس كافة ، وتحتمل الآية القرآنية بلحاظ الرحمة الإلهية وجوهاً :
الأول : كل آية قرآنية رحمة للناس جميعاً .
الثاني : من آيات القرآن ما يستثنى من معاني الرحمة فيها الذين كفروا عامة ، ومنها ما يستثنى خصوص الذين يحاربون الإسلام .
الثالث : من آيات القرآن ما تتضمن التخويف والوعيد كما في قوله تعالى [فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ] ( ).
وتتعدد مصاديق الرحمة في آية البحث لما فيها من الإخبار عن نصر المؤمنين ليعلم الناس جميعاً بأن النصر بيد الله عز وجل .
ومن خصائص الآية أنها رحمة من وجوه :
الأول : الآية رحمة بالمسلمين لما فيها من البشارة المتعددة من جهتين :
الأولى :البشارة بالنصر .
الثانية : البشارة بانعدام الغالب والقاهر للمسلمين ، وتبين الآية أنه ليس من قاهر إلا الله عز وجل ، وفي التنزيل [وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ] ( ).
ومن الإعجاز أن كلاً من البشارتين ذات مصاديق متجددة في كل زمان ومكان بلحاظ كبرى كلية , وهي أن النصر أعم من أن يختص بالنصر في ميدان القتال .
ومن مصاديق الرحمة في آية البحث للمسلمين بعثهم على أداء الفرائض والواجبات العبادية ، وإمتلاء قلوبهم بالطمأنية .
الثاني : الآية رحمة بأهل الكتاب لبيان صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بنصره وعصمته من الهزيمة والخسارة الفادحة في ميدان القتال ، قال تعالى [وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ]( ) لتكون البشارة والإنذار في بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أعم من التبليغ ومضامين آيات القرآن ، إذ تشمل نصره في ميادين القتال الذي هو بشارة للمؤمنين ، وخزي وإنذار للذين كفروا .
الثالث : آية البحث رحمة بالذين كفروا من جهات :
الأولى : دعوة الذين كفروا إلى التوبة والإنابة .
الثانية : بعث الفرقة والخلاف بين الذين كفروا ، وهذا الخلاف مانع من تأليبهم وتآزرهم في الحرب ضد الإسلام .
الثالثة : كف الكفار أيديهم عن قتال المسلمين .
الرابعة : ترك الأيتام لرؤساء الكفر والضلالة , وصيروتهم عاجزين عن قتال المسلمين .

الحاجة لآية البحث
لقد جعل الله عز وجل الآية القرآنية كنزاً من العلوم وضياء ينير دروب الهداية , وتكون كل آية من القرآن ومضامينها ودلالتها من مصاديق الصراط في قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( ).
وتبين آية البحث حقيقة , وهي أن المسلمين يخوضون المعارك ويدخلون المعارك ، ودخولهم هذا في سبيل الله وقصد القربة إليه وكذا الإتقان في تجهيز الذين يدافعون عن النبوة الخاتمة والتنزيل ، قال تعالى [إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابن السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ] ( ) وقد ورد لفظ الصدقات ست مرات في القرآن وهو جمع صدقة وهو الذي يعطي للفقير والمسكين من مال أو طعام أو لباس بقصد القربة إلى الله لا بنية الهدى والمكرمة( ) وجاءت الآية أعلاه لتوسع حكم الصدقة بذاتها ومعناها الإصطلاحي وأنها أعم من أن تختص بما يعطي للفقراء وقد جاءت السور المكية بالأمر بالزكاة لتأكيد قانون وهو الملازمة بين الإيمان والزكاة وللإخبار بأن الأنبياء جاءوا بالزكاة ، وفي عيسى عليه السلام .
وورد حكاية عن عيسى عليه السلام في التنزيل [إِنِّى عَبْدُ اللَّهِ ءَاتَ انِىَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِى نَبِيًّا * وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِى بِالصلاةِ وَالزكاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا] ( ).
وجاءت السور المدنية بذكر الزكاة والصدقة مما يدل على المندوحة والسعة التي صار عليها المسلمون بعد الهجرة ومجئ الغنائم للمدينة ، وإرتقائهم في المعارف الإلهية .
وليكون دفع الزكاة لأي صنف من الأصناف الثانية الذين تذكرهم الآية أعلاه من سورة التوبة مقدمة لتحقق نصر المسلمين في ميادين القتال ومانعاً من البخل والشح في الإنفاق في سبيل الله وزاجراً للذين كفروا عن التعدي على بلاد المسلمين لأن هذا الإنفاق والصدقات عز للمسلمين وسبيل لشراء السلاح والمؤمن إعانة للفقراء الذين يخرجون وليس لمنافع دنيوية وأغراض ذاتية , ويدل على هذا القصد صيغة الخطاب في الآية للمسلمين بصفة الإيمان , ولتقدم نداء الإيمان والإكرام قبل خمس آيات [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا] ( ) وكل طرف في القتال يحتاج النصر ، ويتمناه حتى الذي لا يدخل القتال ويشترك في المعارك إذ يرجو أن يحقق النصر إذا قاتل عدوه .
ولو كان كل طرف يحرز ويضمن النصر قبل وقوعه لإستمرت المعارك ، وفنى أكثر أهل الأرض ، ولكن الله عز وجل حكيم ، ومن مصاديق قوله تعالى [لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ] ( ) دفع الحروب وأسباب الفناء عن الناس ، قال تعالى [وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ] ( ) .
وجعل الله عز وجل المسلمين لا يسفكون الدماء ولا يكثرون من خوض معارك القتال , وإن جاءهم الوعد بالنصر .
فخاطبت آية البحث المسلمين بأن الله عز وجل ينصرهم بما هم مؤمنون إتبعوا النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم في دعوته إلى الله عز وجل ، فتكون الحاجة إلى آية البحث من وجوه :
الأول : آية البحث مدد وعون من عند الله عز وجل يطل عليهم خمس مرات في اليوم ، ليكون من مصاديق قوله تعالى[حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَة الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ] ( ) ، ليكون من رشحات المحافظة على الصلاة أنها مدد للمسلمين بذاتها ووجوبها وكيفيتها وتلاوة آيات القرآن فيها .
الثاني : إتخاذ آية البحث وسيلة لتناجي المسلمين بالدفاع عن بيضة الإسلام .
الثالث : توقي وإحتراز المسلمين بآية البحث من الوهن والجبن ، قال تعالى [وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ] ( ).
ليكون من معاني العلو الذي تذكره الآية أعلاه آية البحث وتلاوة المسلمين لها ، وإدراك ما تتضمنه من الوعد الكريم بالنصر والغلبة على الذين كفروا ، فيكون من معاني آية البحث وجوه :
أولاً : يا أيها الذين آمنوا لا تهنوا فان نصر الله قريب منكم ، وفي التنزيل [أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ] ( ) .
ثانياً : يا أيها الذين آمنوا لم يفتكم أو يتأخر عليكم النصر .
ثالثاً : يا أيها الذين آمنوا أنتم الأعلون بالنصر من عند الله ، والأمن من خذلانه وتركه لكم ، والله هو الغالب والقاهر .
رابعاً : يا أيها الذين آمنوا أنتم الأعلون بحسن التوكل على الله ، قال تعالى [قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا] ( ).
الرابع : آية البحث وسيلة وسبب لزيادة إيمان المسلمين بتحقق مصاديق النصر بفضل وفيض من عند الله تعالى ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا] ( )من جهات :
الأولى : تلاوة المسلمين لآية البحث .
الثانية : التدبر في مصاديق آية البحث .
الثالثة : تحقق مصاديق النصر للمسلمين في معارك الإسلام الأولى .
الرابعة : عدم وجود غالب للمسلمين بعد نصرهم بفضل ومشيئة من عند الله ، ومن أسماء الله الغالب وهو الذي يغلب الخلائق ، ويمنع الذين كفروا من الغلبة ، وفي التنزيل [وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ] ( ).
لقد انتصر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والقرآن والإسلام والمسلمون في معركة بدر .
وهذا التعدد في النصر من مصاديق تسمية هذه المعركة من عند الله عز وجل[يَوْمَ الْفُرْقَانِ]( ).
وعندئذ أصاب رؤساء الكفر الفزع ولحقهم الخزي بين القبائل ، وهو من معاني التعدد والشمول في نصر الله عز وجل للمسلمين ورشحاته وبركاته .
فقد ينتصر قوم أو طائفة على أخرى ثم تعود الكرة للطرف المغلوب ، أما المسلمون فان نصر الله لهم متصل ودائم ، فان قلت قد ورد قانون [وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ] ( ).
والجواب لا تعارض بين الآيتين فمن تداول الأيام بين الناس إنعدام الغالب للمسلمين .
ويكون من مصاديق الحاجة إلى آية البحث إنزجار الناس عن التعدي على الإسلام ومحاربة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين ، وفي معركة أحد أظهر المشركون الندامة من إنسحابهم من المعركة دون أن يقتلوا النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم أو يأسروا أصحابه ، وخافوا من رجوعهم على هذه الحال أموراً :
الأول : دخول الناس في الإسلام .
الثاني : إظهار المؤمنين والمؤمنات في مكة إسلامهم ، وعدم الخشية من كفار قريش .
الثالث : عناية الناس بمعجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم والتدبر في دلالاتها .
الرابع : نفرة أهل مكة والقبائل المحيطة بها من رؤساء الكفر والضلالة فيها .
لقد توارث العرب إكرام قريش , ومجاوري البيت الحرام وأزدهرت تجارتهم ونمت أموالهم , ولكنهم حينما جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصروا على محاربته إمتلاهم الله عز وجل بالضعف والذل ، قال تعالى [وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ] ( ) .
ومن إعجاز آية البحث حاجة الكفار لها لأنها تملأ نفوسهم باليأس من تحقيق الغلبة على الإسلام ، وتخبر عن مصاحبة الخذلان لهم ، وتدعوهم إلى الإسلام والتنعيم بنعمة التوكل على الله .
فتظاهروا بالعزم على الرجوع لقتال المسلمين .
(وقالوا:”ارجعوا فاستأصلوهم”)( ).
أي تناجى جيش المشركون فيما بينهم , وقالوا بالرجوع إلى معركة أحد، وإستئصال وقتل المؤمنين ، ولم يعلموا أن الله عز وجل أخبر النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين في آية البحث بأنه [لاَ غَالِبَ لَكُمْ] وتوسل المشركون بأمر ساذج إذ لقوا إعرابياً وجعلوا له جعلاً وبذلوا له المال مقابل أن يخبر النبي وأصحابه أن المشركين أعدوا لهم وأنهم راجعون للقتال مرة أخرى .
فتفضل الله عز وجل وأوحى إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بمكر المشركين فخرج في طلبهم .
وصحيح أن سبب نزول قوله تعالى [وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ] ( ) إرادة كفار قريش القيام بسجن النبي أو قتله أو أخراجه عندما كان في مكة قبل الهجرة ، ولكن موضوعها أعم , والمدار على عموم اللفظ وليس سبب النزول.
(عن ابن عباس: أن نفرًا من قريش من أشراف كل قبيلة، اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، فلما رأوه قالوا: من أنت؟ قال شيخ من نجد، سمعت أنكم اجتمعتم، فأردت أن أحضركم، ولن يعدمكم مني رأيٌ ونصحٌ.
قالوا: أجل، ادخل! فدخل معهم، فقال: انظروا إلى شأن هذا الرجل، والله ليوشكن أن يُواثبكم في أموركم بأمره.
قال: فقال قائل : احبسوه في وَثاق، ثم تربصوا به ريبَ المنون، حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء، زهير والنابغة، إنما هو كأحدهم! قال: فصرخ عدوُّ الله الشيخ النجدي فقال: والله، ما هذا لكم برأي ! والله ليخرجنه ربه من محبسه إلى أصحابه، فليوشكن أن يثبوا عليه حتى يأخذوه من أيديكم فيمنعوه منكم، فما آمن عليكم أن يخرجوكم من بلادكم! قالوا: فانظروا في غير هذا .
قال: فقال قائل: أخرجوه من بين أظهركم تستريحوا منه، فإنه إذا خرج لن يضركم ما صنع وأين وقع، إذا غاب عنكم أذاه واسترحتم، وكان أمره في غيركم .
فقال الشيخ النجدي : والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حلاوة قوله، وطلاقة لسانه، وأخذَ القلوب ما تسمع من حديثه ؟ والله لئن فعلتم، ثم استعرَض العرب، لتجتمعن عليكم، ثم ليأتين إليكم حتى يخرجكم من بلادكم ويقتل أشرافكم! .
قالوا: صدق والله! فانظروا رأيًا غير هذا ! قال: فقال أبو جهل: والله لأشيرن عليكم برأي ما أراكم أبصرتموه بعد، ما أرى غيره! قالوا: وما هو؟ قال: نأخذ من كل قبيلة غلامًا وَسيطا شابًّا نَهْدًا، ثم يعطى كل غلام منهم سيفًا صارمًا ، ثم يضربوه ضربة رجل واحد، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل كلها، فلا أظن هذا الحي من بني هاشم يقدرون على حرب قريش كلها، فإنهم إذا رأوا ذلك قبلوا العقل، واسترحنا وقطعنا عنا أذاه .
فقال الشيخ النجدي: هذا والله الرأي، القولُ ما قال الفتى، لا أرى غيره! قال: فتفرقوا على ذلك وهم مُجْمعون له، قال: فأتى جبريل النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم فأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه تلك الليلة، وأذِن الله له عند ذلك بالخروج، وأنزل عليه بعد قدومه المدينة “الأنفال”، يذكره نعمه عليه، وبلاءه عنده: “وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين( )، وأنزل في قولهم[نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ]( )، حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء”: أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ ( )،وكان يسمى ذلك اليوم: “يوم الزحمة” للذي اجتمعوا عليه من الرأي.
وعن قتادة ومقسم، في قوله: وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك” قالا تشاوروا فيه ليلة وهم بمكة، فقال بعضهم: إذا أصبح فأوثقوه بالوثاق. وقال بعضهم: بل اقتلوه. وقال بعضهم: بل اخرجوه. فلما أصبحوا رأوا عليًّا رحمة الله عليه ، فردَّ الله مكرهم.
وعن عكرمة قال: لما خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر إلى الغار، أمر عليَّ بن أبي طالب عليه السلام ، فنام في مضجعه، فبات المشركون يحرسونه، فإذا رأوه نائمًا حسبوا أنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فتركوه. فلما أصبحوا ثاروا إليه وهم يحسبون أنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا هم بعليّ، فقالوا: أين صاحبك؟ قال:
لا أدري! قال: فركبوا الصعب والذَّلول ( )في طلبه) ( ).
لقد نزلت آية البحث في المدينة المنورة بعد هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لها ، وجاءت بصيغة الجمع في كل مضامينها [إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ] فهل يدل هذا الأمر على أن موضوع الخبر أعلاه لا يتعلق بآية البحث، وأنه ينقطع كقضية في واقعة مخصوصة ، الجواب لا , من جهات :
الأولى : إنحلال صيغة الخطاب في آية البحث إلى المفرد والجمع ، ويمكن تقدير الآية بخصوص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم : ان ينصرك الله فلا غالب لكم .
الثانية : حينما أمر الله عز وجل نبيه بالهجرة ليلة عزم كفار قريش على قتله ، وتبين لهم أن الإمام علي عليه السلام هو الذي كان نائماًً في فراشه لم يكفوا عن سعيهم لقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو إعادته واصحابه أسرى إلى مكة ، وكانوا يصرحون بهذه النوايا قبل معركة بدر وبعدها ، وقبل معركة أحد وبعدها .
وهو من الإعجاز في مجئ الآية أعلاه بصيغة المضارع بأطرافها :
الأول : يمكر بك .
الثاني : ليثبتوك .
الثالث : يخرجوك .
الرابع : يمكرون .
الخامس : يمكر الله .
فان قلت تدل الوقائع ومجئ (إذ) في بداية الآية , وهو اسم ظرف في محل نصب مفعول به لفعل محذوف ، ويقدر النحاة هذا الفعل بـ (أذكر) ولكنه أعم في موضوعه ودلالته .
والجواب على وجوه :
الأول : لا مانع من إرادة الأزمنة الثلاثة الماضي والحاضر والمستقبل ، ويمكن تقديره أيضاً اعلم ، احذر ، قال تعالى [وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ] ( ).
الثاني : عدم إنحصار الواو الواردة في الآية على نحو التكرار ثلاث مرات بأنها للعطف خاصة ، فيمكن أن تكون للإستئناف في قوله تعالى [وَيَمْكُرُونَ]مثلما هي للإستئناف في القانون الذي تختتم به الآية بقوله تعالى [وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ] ( ) .
الثالث : تجلي شواهد ووقائع بعد الهجرة تدل على إرادة المشركين بقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , أو أسره , أوسجنه هو وأصحابه .
لقد إنتدب كفار قريش عشرة من شبابهم لقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في فراشه غيلة ، عندما كان في مكة أما حينما هاجر فقد ساروا بالجيوش العظيمة لقتاله وعلى نحو متكرر مرة بعد أخرى ، فجاءت آية البحث لزجرهم عن هذا التكرار والتوالي في خروج الجيوش لمحاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وكانت كل معركة من معارك الإسلام الأولى ، وهي معركة بدر وأحد والخندق ، موعظة لقريش والكفار بالكف والإمتناع عن محاربته وقتاله ، ولكنهم لم يتعظوا ، ولم يضر إصرارهم على الباطل في إتعاظ عامة الناس وإدراكهم أن النصر الذي أحرزه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته واصحابه في معركة بدر إنما هو معجزة حسية جلية ، وكذا بالنسبة لمعركة أحد والخندق بلحاظ كثرة جيوش الذين كفروا في كل منهما ، ورجوعهم خائبين يملأ الخوف والفزع قلوبهم .
قال تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ] ( ) والرعب الذي تذكره الآية أعلاه من مصاديق نصر الله عز وجل للمسلمين.
(عن ابن عباس قال : استقبل أبو سفيان في منصرفه من أحد عيراً واردة المدينة ببضاعة لهم ، وبينهم وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم جبال فقال : إن لكم عليّ رضاكم إن أنتم رددتم عني محمداً ومن معه ، إن أنتم وجدتموه في طلبي أخبرتموه أني قد جمعت له جموعاً كثيرة ، فاستقبلت العير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا له : يا محمد إنا نخبرك أن أبا سفيان قد جمع لك جموعاً كثيرة ، وأنه مقبل إلى المدينة ، وإن شئت أن ترجع فافعل . فلم يزده ذلك ومن معه إلا يقيناً { وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل}( ) فأنزل الله { الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا…}( ))( ).
إذ تفضل الله عز وجل باخبار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بمكر كفار قريش من مصاديق النصر الذي تذكره آية البحث ، فهل كان خروجه إلى حمراء الأسد طالباً للمشركين مع أن عددهم نحو ثلاثة آلاف رجل من الوحي .
الجواب نعم ليكون هذا الخروج من مصاديق وأسباب زيادة الإيمان في قوله تعالى [فَزَادَهُمْ إِيمَانًا] ( ) ، ويكون على وجوه :
أولاً : إنه مقدمة للنصر في معارك لاحقة .
ثانياً : إنه بذاته نصر , وإن لم يقع فيه قتال , وليكون من مصاديق آية البحث : إن ينصركم الله بقتال أو بدون قتال .
ثالثاً : تتبع النبي صلى الله عليه وآله وسلم لجيش المشركين مع مجئ الإنذار بعودتهم للقتال ثمرة لمعركة أحد ، وشاهد بأن المسلمين لم يخسروا تلك المعركة .
وهل تزيد آية البحث المسلمين إيماناً , الجواب نعم ، وهو من مصاديق الحاجة لها ، وزيادة إيمان المسلمين حاجة لهم وللناس جميعاً ، وفيه ترغيب للناس بالإسلام ، وزاجر عن التعدي على المسلمين.
ومن وجوه الحاجة إلى آية البحث بعثها المسلمين على التوكل على الله في أمورهم العامة والخاصة ، وفي حال السلم والمهادنة والحرب ، لتكون الدنيا (دار التوكل على الله ) لا يفوز بالنعم فيها وجني الحسنات إلا المسلمون بلحاظ أن التوكل على الله بذاته بلغة نحو الصلاح وتثبيت لمعانيه في النفوس .
النعم التي تذكرها آية البحث
من خصائص الآية القرآنية أنها نعمة من وجوه :
الأول : نزول الآية القرآنية من عند الله عز وجل .
الثاني : إتصاف الآية القرآنية بأنها كلام مبارك من عند الله , قال سبحانه [تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا] ( ).
الثالث : وجود الآية القرآنية بين الدفتين .
الرابع : رسم الآية القرآنية .
الخامس : تلاوة المسلمين للآية القرآنية .
السادس : كل آية قرآنية من مصاديق الصراط في قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]( ).
السابع : مضامين الأمر والنهي في الآية القرآنية .
الثامن : بعث الآية القرآنية المسلمين على العمل بمضامينها .
وهل يختص هذا الأمر بالمسلمين ، الجواب لا ، وهو من مصاديق النعمة في الآية القرآنية لما فيها من الهداية إلى فعل الخيرات ، قال تعالى [إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ] ( ).
ومن خصائص الآية القرآنية ذكرها لنعم إلهية على الناس عامة ، أو المؤمنين خاصة كما تتضمن بالدلالة والمفهوم نعماً أخرى غير محدودة أو منحصرة بموضوع مخصوص .
والنصر نعمة عظمى من جهات :
الأول : نعمة مقدمات النصر , ومنها آية البحث ، لبيان أن هذا المقدمات على وجوه منها :
أولاً : المقدمة السماوية وكل آية قرآنية مقدمة للنصر .
ثانياً : نزول الأوامر والنواهي من عند الله .
ثالثاً : أداء المسلمين الفرائض العبادية .
رابعاً : شوق المسلمين للقتال ، ودفع شرور الذين كفروا ، قال تعالى [وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَتَمَنَّوْن الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ] ( ).
خامساً : إعداد المسلمين أنفسهم وتهيئتهم السلاح والمؤن للقتال ، قال تعالى [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ] ( ).
الثاني : ذات النصر والغلبة للمسلمين في الميدان .
الثالث : رشحات النصر ، والمنافع العظيمة التي تتفرع عنه .
ومن الإعجاز أن (نصر الله) له منافع ظاهرة وخفية ، وفي الدنيا والآخرة ، ليكون من معاني قوله تعالى [إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ] وجوه :
الأول : إن ينصركم الله فانه نعمة عظمى .
الثاني : إن ينصركم الله فبنعمة من عند الله .
لما ورد في الآية السابقة قوله تعالى [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ] ( ) ليكون من مصاديق آية البحث وجوه :
أولاً : فبما رحمة من عند الله ينصركم الله .
ثانياً : فبما رحمة من الله لا غالب لكم .
ثالثاً : فبما نعمة من الله لن يخذلكم الله .
الثالث : إن ينصركم الله تتوالى عليكم النعم .
الرابع : إن ينصركم الله فسألوا الله من فضله ، قال تعالى [وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]( ).
الخامس : إن ينصركم الله فتعاهدوا النعم التي تأتي مع النصر ، ومن خصائص ذكر الله عز وجل لنعمة أنه سبحانه لا يذكر نعمة واحدة وإن وردت بصيغة المفرد , فالمراد منها الجنس والتجدد والدوام كما في قوله تعالى [وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا] ( ).
لقد أختتمت الآية بالإخبار عن توكل المؤمنين على الله عز وجل لبيان حسن سمت المسلمين , وصفاء نياتهم باستحباب المصلحة ودفع المضرة بسلاح التوكل على الله .
وفيه شاهد بأن خاتمة آية البحث نعمة , وتدعو إلى النهل من نعم التوكل على الله التي تتجلى في أمور الدين والدنيا .
الصلة بين أول وآخر الآية
إبتدأت آية البحث بأداة الشرط التي تفيد الجمع والربط بين أمرين يتعلق الثاني منهما على الأول .
وقد تكون أداة الشرط حرفاً وهما : إن، إذ ما , وقد تكون اسماً مثل من، ما، متى، أين، حيثما ، كيفما .
وجاءت آية البحث بحرف الشرط (أن) وهو جازم مبني على السكون، لتتضمن الآية فعلاً للشرط وفاعلاً وجواباً للشرط، وليس من ناصر إلا الله ترى لماذا لم تقل الآية( إن أنصركم) .
الجواب جاءت الآية لبيان قانون من الإرادة التكوينية، ومن خصائص ذكر اسم الجلالة في المقام تنمية ملكة الإيمان عند المسلمين ، لما يدل عليه بأن النصر من عنده سبحانه.
ولما تفضل الله عز وجل وأخبر بأنه [عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] ( ) بينّ في آية البحث مصداقاً لقدرته تعالى بنصر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين .
وهل يختص مضمون الآية بأيام النبوة ، الجواب لا ، فهي باقية ما دامت السموات والأرض ، وهو من الشواهد على سلامة القرآن من التحريف لأن الله عز وجل هو الكريم ، ومن كرمه ولطفه أنه أبى إلا أن تتنعم أجيال المسلمين بذات البشارة التي تلقاها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
فان قلت تمر على أجيال من المسلمين سنوات متعددة ليس فيها قتال مما يدل على التباين الموضوعي.
والجواب المراد من النصر أعم من حال القتال ، وما تترشح عنه من النتائج مثل الغلبة على الأعداء وجلب الأسرى ، والإستيلاء على الغنائم.
فمن النصر أمور أخرى مثل :
الأول : السلامة والأمن من تجدد القتال مع الذين كفروا .
الثاني : بعث الفزع والخوف في قلوب الذين كفروا .
وبالإسناد عن الإمام الباقر عليه السلام قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: نُصِرت بالرعب، وجُعِلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأعطيت جوامع الكلم، وأحلّت لي المغانم، ولم تحلّ لنبيٍّ كان قبلي، وأعطيت الشفاعة، خمسٌ لم يُؤْتَهُنَّ نبيٌّ كان قبلي) ( ).
الثالث : إنشغال الذين كفروا بأنفسهم ووقوع الفتنة بينهم ، وهل منه القتال بين الروم والفرس في قوله تعالى [غُلِبَتْ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ] ( ) .
الجواب لا ، ويتجلى الإعجاز في هذا النفي بذكر الآية أعلاه لفرح المؤمنين بنصر أهل الكتاب .
وفيه دعوة للمسلمين في كل زمان للتفقه في الدين ، وهو أنه ليس كل معركة بين أطراف من غير المسلمين يفرحون بها ، إنما يكون الفرح بما فيه تعظيم شعائر الله ، وقوة ومنعة أهل التوحيد .
وتطرد الآية أعلاه الظن بأن أهل الكتاب متى ما غلبوا وأنتصروا على الكفار قد يتوجهون لقتال المسلمين ، فهذا الظن لا أصل له، بدليل قوله تعالى[وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى]( ).
وبعد أن أخبرت آية البحث عن نصر الله عز وجل للمسلمين بينت أنه ليس من غالب ومنتصر عليهم ، وهو بشارة عظمى ووعد من الله بأن تكفل للمسلمين السلامة من صيرورة طائفة أو أمة غالبة لهم ، فان قلت إذا لم يكن القدر المتيقن من آية البحث معارك الإسلام الأولى ، فقد تعرض المسلمون إلى نكبات وأحتل غيرهم عدداً من أمصارهم وعاث المغول في أرض المسلمين فساداً .
والجواب المراد من عدم الغالب أي عدم خسارة المسلمين في المعارك بما يفيد عقائدهم وأدائهم عباداتهم ليكون من مصاديق قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (صلوا كما رأيتموني أصلي) ( )وقوله صلى الله عليه وآله وسلم (خذوا عني مناسككم) ( ) بشارة إستدامة أحكام الإسلام وأداء المسلمين لها من غير منع أو حروب غيرهم سواء من أهل الكتاب أو المشركين ، ثم أن الأمور بخواتيمها ، فقد دخلت جيوش من غير المسلمين لبلاد المسلمين ثم ما لبثوا أن إنصرفوا وأنهزموا ، ويكون من وجوه تقدير الآية :
الأول : إن ينصركم الله فلا غالب لكم في ذات المعركة .
الثاني : إن ينصركم الله فانه يحفظ لكم النصر ويصرف أعداءكم عن قتالكم .
الثالث : إن ينصركم الله فلا غالب لكم يزيح معالم النصر .
الرابع : إن ينصركم الله فلا غالب يعينه الله سبحانه عليكم سواء من أهل الأرض أو السماء .
وتتضمن آية البحث أموراً :
الأول : نصر الله عز وجل للمؤمنين .
الثاني : وقاية المسلمين من الهزيمة .
الثالث : حرمان الكافرين من نيل مرتبة المنتصر .
الرابع : مع خذلان وترك الله عز وجل النصرة فلا ناصر غيره أبداً .
وصحيح أن الخلائق لا تفعل شيئاً إلا بأذن ومشيئة من عند الله ، وهذا المعنى من وجوه تفسير آية البحث إلا أن مضامينها أكثر وأعم ، ومنها أن الخلائق لا تهم أو تعزم على النصرة للذين يحاربون الإسلام أو يتعدون على حرماته .
وبينت الآية أن الله عز وجل إذا خذل المسلمين فلا ناصر لهم ، ومن الإعجاز فيها أن الله عز وجل لم ولن يخذل المسلمين مما يدل على عدم وصول النوبة بالمسلمين للجوء إلى ناصر غير الله، وفي التنزيل[وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ]( ).
من غايات الآية
تتضمن آية البحث بلحاظ غاياتها مسائل :
الأولى : إكرام المسلمين في توجه الخطاب لهم في آية البحث .
الثانية : عدم التقييد في جهة الخطاب ، إذ يتوجه إلى المسلمين في أجيالهم المتعاقبة .
الثالثة : إخبار آية البحث عن نصر الله عز وجل للمسلمين ومع مجئ الآية بصيغة الجملة الشرطية إلا أنها تتضمن الرعد الكريم من عند الله بنفي تعرض المسلمين للهزيمة والخسران والإنكسار ، وتقدير الآية على وجوه :
الأول : لقد نصركم الله ببدر فليس من غالب لكم بعدها .
الثاني : يا أيها الذين آمنوا لقد نصركم الله فلا غالب لكم بعد خسارتكم في معركة أحد .
لقد أصابت المسلمين مصيبة في معركة أحد وخشي بعضهم أن تتكرر ذات الخسارة بفقد سبعين أو أكثر من المؤمنين وإمكان وصول الذين كفروا إلى المدينة المنورة ، فتفضل الله عز وجل وأخبرهم في آية البحث بأنه قد نصركم فلا يخشوا هزيمة وإنكساراً، لذا فان آية البحث بشارة عظمى وتتحدى المشركين في طغيانهم , وتبين لهم قانوناً وهو إذا هجموا على المسلمين فلن يحصدوا إلا الخيبة والخسران .
الرابعة : حث المسلمين على الدعاء لتقريب النصر ، وتحقيق مصاديق متكرره منه ، خاصة مع إصرار الذين كفروا على محاربة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، قال تعالى [ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ] ( ).
الخامسة : إرتقاء المسلمين في المعارف الإلهية ، وإدراكهم لقانون وهو ليس من ناصر إلا الله عز وجل .
السادسة : وجوب تعاهد المسلمين لأسباب النصر وتهيئة مقدماته خشية الخذلان والترك من عند الله ، وليس من حصر لهذه المقدمات منها أداء الفرائض العبادية والإستغفار , والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والتنزه عن النفاق .
وهو من أسرار مجئ الآية قبل السابقة بالأمر من عند الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن يعفو عن المسلمين ويغفر لهم ، ومنها التوكل على الله عز وجل واللجوء إليه ورجاء رفده ، وإن كان هناك نصر للذين كفروا فان الله عز وجل يمحوه ، قال تعالى [يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ] ( ) .
السابعة : بعث المسلمين على جعل التوكل على الله نهجاً دائماً ومصاحباً لهم في حياتهم .
الثامنة : تنمية ملكة الإيمان عند المسلمين ، وتعاهدهم لها لحاجتهم لها بالذات .
التاسعة : بعث الخوف والفزع في قلوب الذين كفروا وجعل الندم يملأ نفوسهم لأنهم إختاروا محاربة الذين ينصرهم الله .
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار التأديب ، وهو مقدمة للإبتلاء والإمتحان والإختيار ، ومن مصاديق رحمة الله بالناس جميعاً في الحياة الدنيا وطريق إلى الصلاح والتوبة والإنابة ، ومن وجوه التأديب مثلاً قوله تعالى [لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ] ( ) وكل آية من القرآن تأديب للمسلمين والناس ، ومنها آية البحث، فمع أنها تذكر النصر وتدعو المسلمين إلى سؤاله من عند الله والسعي إليه والشكر لله عز وجل على نعمة النصر في معارك الإسلام ، ويكون هذا الشكر من حيث جهة صدوره على وجوه :
الأول : توجه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالشكر لله عز وجل على نعمة النصر والغلبة، وعن معاذ بن أنس الجهني، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إنما سمى الله نوحاً { عبداً شكوراً }( ) لأنه كان إذا أمسى وأصبح قال : سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السموات والأرض وعشياً وحين تظهرون)( ).
الثاني : المسلمون الذين اشتركوا في المعركة وخرجوا منها منتصرين بآية من عند الله ، كما في معركة بدر ، إذ يسمى الذين حضروها البدريين .
ولقد كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إماماً بالحمد والثناء على الله والشكر له تعالى، وعن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية { وما أدري ما يفعل بي ولا بكم }( ) عمل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الخوف زماناً .
فلما نزلت { إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر }( ) اجتهد .
فقيل له : تجهد نفسك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر . قال : أفلا أكون عبداً شكوراً؟)( ).
الثالث : شكر المسلمين والمسلمات لله سبحانه أيام التنزيل والنبوة على نعمة النصر , ويحتمل هذا الشكر وجوهاً:
أولاً : الإجمال في الشكر على النصر المتكرر للمسلمين.
ثانياً : التعدد في الشكر بلحاظ تعدد مرات نصر الله عز وجل للمسلمين، ففي كل مرة ينتصر المسلمون يشكرون الله عز وجل على نعمة النصر.
ثالثاً : قيام شطر من الصحابة بالشكر لله عز وجل.
رابعاً : توالي وتعاقب شكر أهل البيت والصحابة رجالاً ونساء لله عز وجل على كل نصر من عنده تعالى .
الرابع : شكر أجيال المسلمين لله عز وجل على نعمته على المسلمين بالنصر من عنده .
ومن الإعجاز في المقام ورود ندب المسلمين على شكر الله عز وجل بخصوص النصر المبين في معركة بدر، قال تعالى[وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]( )، ليكون من معاني الشكر لله عز وجل وجوه منها:
الأول : شكر المسلمين كل يوم على نعمة النصر في معركة بدر.
الثاني : توجه المسلمين بالشكر لله عز وجل على هذا النصر والفتح عند تلاوة الآية أعلاه.
الثالث : إكثار المسلمين من الشكر لله عز وجل على نعمة النصر في معركة بدر , ليكون من رشحات آية البحث تحقق النصر للمسلمين.
الرابع : الشكر لله عز وجل على نعمة نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم , ومصاحبة النصر لها.
الخامس : الشكر لله عز وجل في نزول آية البحث بعد نصر المسلمين في معركة بدر , ليكون هناك مصداق جلي وظاهر في الواقع وأذهان المسلمين وغيرهم.
السادس : لعلكم تشكرون الله على نزول آية البحث التي تتضمن البشارة المركبة بالنصر للمسلمين , وعدم وجود غالب لهم .
السابع : تفقه المسلمين في الدين، ومعرفة قانون وهو توجه المسلمين بالشكر لله عز وجل , وتقدير خاتمة آية (ببدر) لعلكم تشكرون الله سبحانه.
التفسير
قوله تعالى [ إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ]
تبين الآية عظيم سلطان الله , وأنه [عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] ( ) وهل يمكن حصر الطرق والأسباب التي ينصر بها الله المسلمين ، الجواب لا ، نعم لقد نزل الملائكة لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين في معارك الإسلام الأولى ، وقد يأتي النصر بسبب وصيغ أخرى ظاهرة جلية أو خفية ، وكـأنها من الأمور الكونية المتعارفة أو المهارات الشخصية والفطنة من المؤمنين والغفلة من الكافرين ، وكل فرد منها لا يتم إلا بمشيئة وأذن من عند الله عز وجل .
قال تعالى [وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ] ( ) وهل من جنود الله الريح في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا]( ) أم أن الريح غير الجنود بدليل العطف بينهما في الآية أعلاه والذي يدل على المغايرة بينهما .
الجواب هو الأول ، لذا ورد ذكر الجنود في الآية أعلاه بصيغة التنكير والتي لا تفيد العموم في المقام , ومن جنود الله عز وجل الأعاصير والأوبئة ،والعواصف والزلازل والصيحة والأمراض القابلة للعلاج والمستعصية التي ليس لها دواء وعلاج مكتشف ، ومنها الفيضانات والبراكين والحرائق والرعد والبرق , ومن جند الله ما يكون رحمة ومجلبة للنصر والأمن , وهي الأكثر , وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل وأبو نصر السجزي في الابانة والديلمي عن عمرو بن عبسة قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله { وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك } ما كان النداء؟ وما كانت الرحمة؟ قال « كتاب كتبه الله قبل أن يخلق خلقه بألفي عام ، ثم وضعه على عرشه ، ثم نادى : يا أمة محمد سبقت رحمتي غضبي ، أعطيتكم قبل أن تسألوني ، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني ، فمن لقيني منكم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبدي ورسولي صادقاً أدخلته الجنة( ).
وهل يصح تقدير الآية : أن ينصركم الله فاشكروه كيلا تحزنوا ) الجواب لا دليل على هذا المعنى ، إنما يصح فاشكروه ليزيد عليكم من فضله )
ومن مصاديق فضل الله عز وجل في المقام أمور :
الأول : صرف القتال عن المسلمين .
الثاني : إشغال الكافرين بأنفسهم , ومنعهم من الإعداد للهجوم على المسلمين .
الثالث : بعث الخلاف والفرقة بين الذين كفروا بما يقعدهم عن القتال ، قال تعالى [تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى] ( ).
الرابع : إمتلاء قلوب الذين كفروا بالخوف والرعب .
الخامس : دخول الإيمان إلى قلوب طائفة من الذين كفروا ومزاحمته لمفاهيم الكفر وجعل النفس تنفر من صحبة الذين كفروا وطاعتهم والإنقياد لهم .
السادس : نصر المسلمين على النفس الشهوية , وطرد الخوف من نفوسهم .
السابع : تنمية ملكة حب الشهادة عند المسلمين .
الثامن : سلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من القتل في ميدان المعركة أو غدراً خارجها ، وهذه السلامة من أبهى معاني النصر ، فهو نصر وإستدامة للتنزيل ، وحفظ للنبوة وإصلاح لأجيال المسلمين ، ومنع من إضعاف الملة والدين .
ويحتاج أهل الأرض وفي أي زمان كل آية من القرآن ، وقد نزل القرآن نجوماً وفي مدة الثلاث والعشرين سنة الأخيرة من عمر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم تفصل بين نزول آخر آية من القرآن وبين إنتقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى إلا أيام معدودة ، وأختلف في أي آية كانت آخر آيات القرآن نزولاً .
وعن الإمام علي بن الحسين عليه السلام ( يقول: أول سورة نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمكة[اقْرَأْ بِاسم رَبِّكَ]( )، وآخر سورة نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمكة: المؤمنون، ويقال العنكبوت، وأول سورة نزلت بالمدينة: ويل للمطففين، وآخر سورة نزلت في المدينة براءة، وأول سورة علمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة: والنجم، وأشد آية على أهل النار[فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَابًا]( )، وأرجى آية في القرآن لأهل التوحيد[إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ]( ).
وآخر آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ]( )، وعاش النبي صلى الله عليه وسلم بعدها تسع ليال.) ( ).
تتضمن آية البحث الوعد الكريم من عند الله بنصر المؤمنين وسلامتهم من الهزيمة والإنكسار ، ومن خصائص نصر الله عز وجل أمور :
الأول : إختصاص نصر الله بالإنبياء والمؤمنين .
الثاني : قرب نصر الله من المؤمنين .
الثالث : يأتي النصر إبتداءً من عند الله عز وجل , وإستجابة لدعاء المؤمنين ، وفي دعاء وقصة رسول الله نوح [فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ* وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ* تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ] ( ).
الرابع : ليس من برزخ أو مانع دون نصر الله .
الخامس: القطع والحتم بمجئ نصر الله حتى وإن أبطأ على المؤمنين ، قال تعالى [حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ] ( ) .
وفيه شاهد بأن نصر الله عز وجل للمؤمنين أعم من أن ينحصر في ميدان المعركة , وأطراف النصر هي :
الأول : المنتصر .
الثاني : النصر .
الثالث : المغلوب .
وقد يأتي النصر للمؤمنين بهلاك الظالمين وضياع سلطانهم ، وكما في قوله تعالى [وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ] ( ) ويأتي النصر بوقاية المسلمين من كيد الذين كفروا .
وتبين الآية أن النصر كله متعلق بمشيئة الله عز وجل ، ولا يأتي الإ بأمر من عنده سبحانه .
وتدل الآيات على تعقب نصر المؤمنين بأمور :
الأول : النصر الجلي والقاطع للمؤمنين ، فلا يقدر أحد على إنكار النصر .
الثاني : عجز الذين كفروا عن إلحاق الهزيمة بالمؤمنين.
الثالث : نزول المصائب والبلوى بالذين كفروا والذين يصرون على محاربة الإسلام ، وبما يلحق بهم الخزي والهوان ، قال تعالى [قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ]( ).

قانون القرآن هو المعلم الأول
عنوان وإصطلاح المعلم الأول اسم كريم تنجذب النفوس لطرفيه وهما:
الأول : العلم والتعليم .
الثاني : السبق والبداية ومفاهيم الأول الآخر , من فضل الله في جعل الإنسان يميل بفطرته إلى التعلم والتعليم , قال تعالى [عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ] ( ) وفيه جهات :
الأولى : سمو مسائل التعليم .
الثانية : كثرة التعليم .
الثالثة : الحسن الذاتي لمضامين ومفردات التعليم .
الرابعة : الذين ينتفعون من التعليم ويقتبسون منه .
الخامسة : أثر المعلم الأول في الناس ممن سمع منه ومن لم يستمع له .
ويذكر في كتب التأريخ والمنطق أن أرسطو (384 ق.ب -322ق.م) هو المعلم الأول ، ويسمى أيضاً أرسطوا طاليس ، وكان والده طبيباً عند الملك المقدوني جد الإسكندر ، وهو فيلسوف يوناني وتلميذ أفلاطون ، وقيل أنه معلم الإسكندر الأكبر ، وإتصفت كتاباته بالتنوع في الفلسفة والفيزياء والشعر والمنطق والبلاغة ومن الحكمة والأخلاق ، وقالت بالكليات الخمسة بالترتيب , ويسميها أيضاً (المحمولات) لإرادة بيان الصلة بين الموضوع والمحمول وهي :
الأول : التعريف : وهو بيان ماهية الشيء وسنخية الأمر المراد وخصائصه الذاتية ، كما في (النهار ضياء , النبوة حق ).
الثاني : الجنس : وهو الماهية التي يشترك فيها الموضوع مع غيره ويمثل جزء من حقيقة الذات والموضوع المحكوم عليه ، مثل الصلاة قيام وركوع وسجود ومثل الصيام إمساك .
الثالث : الفصل : وهو جزء الماهية الذي يستقل به الموضوع ويفصله عن غيره مثلاً [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( ).
فهذا وصف يستقل به القرآن من بين الكتب السماوية كلها .
الرابع : الخاصة : وهي صفة عرضية للموضوع خارجة عنه ، وليس مثل الفصل الذي هو جزء من ذات الخصائص الجوهرية للموضوع :
مثل الصلاة عبادة ، الزكاة إحسان .
ومع تداخل الأمم وتقارب الحضارات وتجلي أسرار النبوة وظهور كنوزها للناس ينعدم الدليل على أن أرسطوا أو غيره هو المعلم الأول ، وإن كان زمانه سابقاً لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
والمختار أن المعلم الأول هو القرآن والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من جهات:
الأولى : القرآن كلام الله السالم من التحريف والتبديل والتغيير ، وهو أسمى وأعظم معلم ، وعلى فرض تسمية أحد العلماء بالمعلم الأول قبل نزول القرآن فان هذه التسمية تنقطع مع بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونزول القرآن ، ولو كان أرسطو حياً في أيام البعثة للزمه دخول الإسلام والتعلم والنهل من القرآن والسنة , مح إدراكه لحاجته لعلوم القرآن .
الثانية : يجمع القرآن الأحكام الشرعية وما يحتاجه الناس إلى يوم القيامة .
الثالثة : فضل الله في جعل القرآن هدى وبياناً لعموم الناس ، قال تعالى [هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ]( ).
الرابعة : لعل التحريف والتبديل طرأ على كلام أرسطوا وأضيفت مقولات ونسبت كتب له ، ولا يتم الفصل والتمييز بينها ، لإلتقائها بأنها من كلام وصنع البشر أما فهو كلام الله عز وجل والذي [لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ] ( ).
فان قلت المراد من المعلم الأول بلحاظ أفراد البشر وليس التنزيل ، والجواب أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم هو المعلم الأول في سنته وبيانه للأحكام الشرعية وكون قوله مرآة للقرآن .
ومن أسرار هذا الوصف أن تعليم القرآن والسنة للناس عامة وهو متصل إلى يوم القيامة ، ولم يكن مختصاً بطائفة من البشر ، أو أنه علوم نظرية لا يطلع عليها إلا أهل الإختصاص الذين غالباً ما يكونون في معزل عن الناس .
ومن مصاديق كون القرآن المعلم الأول صدور الناس عنه ولجوئهم إليه ، وترشح العلوم عنه على نحو متصل ومتجدد إلى يوم القيامة من غير أن تنفد أو تنقص خزائنه .
وكل آية قرآنية خزينة للعلوم تدل على إستحقاقه لصفة أو اسم المعلم الأول ، وهذه الصفة حجة على الناس ، وترغيب للناس للرجوع إليه والنهل من علمه ومضامينه القدسية ، قال تعالى [إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ] ( ).
والمعلم الأول القرآن الذي بشر به الأنبياء السابقون , وجاء بتوثيق ذكرهم وقصصهم وصيروتهم موعظة وعبرة للناس ببركة القرآن ، قال تعالى [نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ] ( ) .
ومن مصاديق حسن قصص القرآن أنها علم مستقل ، وفيها تأديب وإصلاح للمسلمين وهي من الشواهد على كون القرآن المعلم الأول ومن أسرار هذه المرتبة التي ينفرد بها القرآن أنه يدعو بنفسه إلى الإغتراف من مناهل علومه ومنها قصص الأنبياء ،ويأتي هذا الإغتراف طوعاً وإنطباقاً وقهراً .
وهل يحتاج الإنسان سماع القصص القرآنية , والتدبر فيها الجواب نعم ، وورودها في القرآن شاهد على هذا القانون ، فأراد الله عز وجل للناس عدم اللهث وراء الخرافات والقصص التي تتضمن معاني الشرك واللجوء لغير الله عز وجل في طلب الحاجات .
وتحتمل قصص الأنبياء بلحاظ هذا القانون وجوهاً :
الأول : كل قصة لأحد الأنبياء المذكورين في القرآن معلم للمسلمين ، وقد ورد ذكر اسم خمسة وعشرين نبياً في القرآن , كما يأتي بيانه .
الثاني : كل آية تذكر نبي من الأنبياء علم بذاته .
الثالث : حاجة الناس إلى قصة كل نبي في القرآن وإن لم يذكر اسمه ، وكذا ذكر الأنبياء على نحو العموم الإستغراقي ، قال تعالى [وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا]( ).
قانون الآية القرآنية موعظة
لقد جعل الله عز وجل الآية القرآنية بذاتها شاهداً على أمور :
الأول : نزول الآية القرآنية من عند الله عز وجل .
الثاني : تجلي الإعجاز الذاتي للآية القرآنية .
الثالث : لزوم إتباع الناس للتنزيل والعمل بمضامينه , قال تعالى [وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ] ( ).
الرابع : إطلالة الإعجاز الغيري للآية القرآنية من جهات :
الأولى : عند تلاوة الآية القرآنية , وهو من الإعجاز الذاتي للآية القرآنية بأن إثبات كونها كلام الله لا يستلزم الوسائط وزيادة التدبير والتفكر ، إنما هو نوع بديهية يتساوى الناس جميعاً بادراك هذا الإعجاز ، وإذ كان هذا الإدراك من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة حسب مدارك الناس ، وتأملهم في التلاوة .
ومع كونه حجة إلا أنه جزء يسير من ذخائر الآية القرآنية التي تستقرأ بالتحقيق والإستقصاء وسعي العلماء ، ومنها ما يتجلى بتكرار التلاوة ، بمعنى أنه في كل مرة يتلو المسلم الآية القرآنية تنكشف له أسرار وعلوم من ذات الآية ونظمها ودلالاتها ، وهو من الإعجاز في تكرار الأمر من عند الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتلحق به الأمة بقوله تعالى [اقْرَأْ بِاسم رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ] ( ).
وذكر القلم في الآيات أعلاه دعوة للمسلمين لتدوين وتوثيق علوم القرآن والعناية بعلم التفسير.
الثانية : مناسبة الآية القرآنية لأحوال الناس في كل زمان ومكان وإدراك أهل كل زمان وكأن الآية نزلت لهم خاصة ، وأنها ذخيرة مدخرة وضياء محفوظ لهم ، وهو من الفيوضات في بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأسرار بقاء القرآن شريعة لأهل كل زمان ، وهذا الإدراك موعظة وسبيل هداية ودعوة للعمل بمضامين آيات القرآن ، وحث للناس للإيمان بالله والنبوة والتنزيل ، قال تعالى [وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا] ( ).
الثالثة : تلاوة المسلم للآية القرآنية درس في الموعظة وباعث على الإصلاح ، ومن الإعجاز في المقام أمور :
أولاً : تلاوة المسلم لآيات وسور القرآن في الصلاة .
ثانياً : وجوب هذه التلاوة ، وهو من الإعجاز في أحكام الفرائض في الإسلام وكيف أن الصلاة عمود الدين ، ومن مصاديق قوله تعالى [أَقِمْ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا] ( ) تلقي المسلمين أمر وجوب تلاوة القرآن في الصلاة بالقبول والإمتثال على نحو العموم الإستغراقي .
ثالثاً : إتصاف وجوب تلاوة آيات القرآن في الصلاة بانه وجوب عيني على كل مسلم ومسلمة ، وهو من أسرار فضل الله عز وجل بأمره والنبي صلى الله عليه وآله وسلم للإستغفار للمسلمين , ويحتمل وجوهاً :
أولاً : إرادة الإستغفار للمسلمين لأنهم مأمورون بإقامة الصلاة وتلاوة آيات القرآن فيها ليشمل الأمر المسلم العاصي الذي لا يقيم الصلاة .
ثانياً : أداء المسلمين الصلاة وتلاوتهم لآيات القرآن سبب لفوزهم باستغفار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لهم عن أمر من الله عز وجل .
ثالثاً : أمر الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هبة وفضل منه سبحانه من غير تقييد بشرط أداء الصلاة .
ولا تعارض بين هذه الوجوه ، والأصل هو الثالث أعلاه ، وكأن الأمر بالإستغفار ترتب على دخول الإسلام والنطق بالشهادتين ، ومن خصائص الآية القرآنية عدم إنقطاع المواعظ التي تترشح عنها بالذات والعرض من جهات :
الأولى : حضور الآية القرآنية في الوجود الذهني للمسلم , وهو من أسرار قراءتها في الصلاة اليومية .
الثانية : ذكر الآية القرآنية للموعظة على نحو النص .
الثالثة : القرآن ونزوله وآياته موعظة وعبرة للناس جميعاً ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ] ( ).
الرابعة : ترشح الموعظة من معاني الحكمة التي ترد في الآية القرآنية .
ويمكن تقدير قوله تعالى [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ] ( ) على وجوه :
الأول : ادع إلى سبيل ربك بالآية القرآنية والسنة النبوية .
الثاني : ادعوا إلى سبيل ربك بالآية القرآنية والموعظة الحسنة .
الثالث : ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والآية القرآنية .
الرابع : ادع إلى سبيل ربك بالآية القرآنية بلحاظ كبرى كلية وهي ان كل آية قرآنية حكمة وموعظة حسنة بذات الوقت .
لقد جعل الله عز وجل المثل والقصة والواقعة من مضامين الكتاب وما بين الدفتين ، ليكون كل فرد منها موعظة للمسلمين والمسلمات ، قال تعالى [لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ] ( ) وهذه الموعظة توليدية ، إذ أن العمل بها عبرة وموعظة لذات الشخص في مستقبل الأيام وموعظة لغيره بلزوم الانتفاع الأمثل من المثل والقصة القرآنية .
إن قوله تعالى [اقْرَأْ بِاسم رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ] ( ) حث للمسلمين على تدوين علوم التفسير ، وتوثيق الوقائع التي تتعلق بها الآية القرآنية واسباب نزولها ، وبينهما عموم وخصوص مطلق ، إذ أن هذه الوقائع أعم ، ورجح عدد من العلماء شطراً منها مع أسباب النزول ، ولكن لابد من التفصيل الذي يتضمن البيان ، وهو بذاته يتفرع عن البيان من غير أن يلزم الدور بينهما .
والوعظ هو التنبيه والتذكير المقرون بالتخويف والدعوة إلى فعل الخير بما يميل له الإنسان بالفطرة ، والتحذير والزجر عن السيئات والمعاصي ، قال تعالى [يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ] ( ) .
والموعظة والعظة : الاسم قال تعالى [قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ] ( ) والموعظة في الآية أعلاه هو القرآن وآياته من جهات :
الأولى : نزول القرآن من عند الله موعظة .
الثانية : ذات القرآن وسوره على نحو العموم المجموعي موعظة .
الثالثة : كل آية من القرآن موعظة وبرهان .
الرابعة : كل شطر من آية قرآنية موعظة ، وإصلاح .
الخامسة : كل صلة بين آيتين من القرآن موعظة وتنبيه .
السادسة : تلاوة المسلم للآية القرآنية موعظة وتقريب لفعل الخير ، قال تعالى [وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ] ( ) وذات التلاوة من الخير ، وهي مقدمة لفعل الخير ، وزاجر عن إرتكاب المعصية بالنسبة للقارئ والسامع ، وهو من أسرار قوله تعالى [وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ]( ) .
فأختتمت الآية أعلاه برجاء الرحمة ، وجاءت آية البحث بتحققها وحضورها في سيرة وسنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ومن وجوه الموعظة في آية البحث دعوتها للمسلمين بأن تكون الرحمة والرأفة حاضرة عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لتكون على وجوه :
الأول : الموعظة سبب ومقدمة للأمر والنهي في مرضاة الله .
الثاني : الأمر بالمعروف موعظة لكل من :
أولاً : الآمر بالمعروف , لأنه حجة عليه ، ودعوة له لإتيان ما أمر به وتذكير له بلزوم عدم التعارض والتضاد بين قوله وفعله .
عن أسامة بن زيد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : يؤتى برجل كان واليا فيلقى في النار فتندلق أقتابه فيدور في النار كما يدور الحمار بالرحى فيجتمع إليه أهل النار فيقولون ألست كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر قال كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه) ( ).
ثانياً : الذي تتوجه له الموعظة في أصل الخطاب .
ثالثاً : من يستمع للموعظة .
رابعاً : الذي يعتبر من الموعظة ونفعها وأثرها والفائدة المكتسبة من العمل بها ، والضرر الذي يلحق من أعرض عنها .
الثالث : النهي عن المنكر موعظة ومدرسة في الصلاح ودعوة إلى تنزيه الأرض من الفساد .
ولما إحتجت الملائكة على جعل الإنسان [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( ) وتوجهوا بالسؤال والخطاب من مقام العبودية إلى الله عز وجل [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ] ( ) تفضل الله عز وجل وأخبرهم بما فيه موعظة ودعوة للتدبر في كنه خلافة الإنسان في الأرض بقوله تعالى [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ) .
ومن علم الله تعالى أن كلمة موعظة هي رحمة من الله تضئ للناس دروب الهداية , وتكون حرباً يومية متجددة على الفساد في الأرض .
ومن الإعجاز في نظم الآيات أنه ورد قبل آيتين نسبة المغفرة إلى الله بقوله تعالى [لَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ] ( ) ونسبت هذه الآية الرحمة إلى الله بقوله تعالى [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ] ( ) وفيه موعظة للمسلمين والناس وبيان لحاجتهم إلى فضل الله عز وجل في الدنيا والمغفرة إذ تتغشاهم رحمة في الدنيا وتصاحبهم في الآخرة لتؤازرها وتعضدها المغفرة والعفو من عند الله لذنوب المسلمين ، فتمحو المغفرة الذنوب ، وتبقى الرحمة على حالها لينال المسلم أعلى المراتب في جنات الخلد .
الرابع : يكون الجامع المشترك بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على وجوه :
الأول : إنه طريق ومقدمة إلى الموعظة .
الثاني : هذا الجامع بذاته موعظة .
الثالث : إنه من رشحات الموعظة ، إذ تؤدي الموعظة بالإنسان إلى القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وقد يكون ذات الواعظ قائماً بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
ومن المواعظ في آية البحث هداية المسلمين إلى اللين والرفق في الجدال والإحتجاج ، وفي المعاملة والبيع والشراء .
(عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : رحم الله عبدا سمحا إذا باع سمحا إذا اشترى سمحا إذا قضى) ( ).
قوله تعالى [فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ]
يحتمل نفي غلبة الذين كفروا وجوهاً :
الأول : إرادة ذات المعركة التي ينصر الله بها المسلمين ، كما في معركة بدر ، ليكون تقدير آية [ببدر] ولقد نصركم الله ببدر فلا غالب لكم يومئذ.
الثاني : إرادة الأيام التي تلي المعركة التي ينصر الله عز وجل بها المسلمين .
الثالث : المقصود إنعدام الغالب للمسلمين فيما يخص رشحات تلك المعركة وما يتفرع عنها .
الرابع : المقصود الإطلاق في الطرفين والإيجاب والسلب ، فالمراد النصر التام للمسلمين وإن جرت عدة معارك وعجز الذين كفروا بعده من الغلبة والنصر على المسلمين ، وهو من مصاديق قوله تعالى [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا] ( ).
الخامس : المقصود ترتب عصمة المسلمين من الهزيمة بعد النصر .
وقد ورد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام ( إن ينصركم الله ” كما نصركم يوم بدر ” فلا غالب لكم ” فلا يغلبكم أحد وإن يخذلكم ” كما خذلكم يوم أحد) ( ).
أما بالنسبة للشطر الأول من الخبر أعلاه فالآية أعم في موضوعها ودلالتها .
وأما بالنسبة للشطر الثاني فان الله عز وجل لم يخذل المسلمين يوم أحد من جهات :
الأولى : لم يخرج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى معركة أحد بأصحابه إلا بأمر من عند الله عز وجل ، وجاءت الآيات بامضاء هذا الخروج والثناء على المسلمين في خروجهم , ونعتهم بصفة الإيمان بقوله تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ] ( ).
الثانية : إخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمسلمين عن رؤياه بخصوص معركة أحد ، ورؤيا النبي شعبة من الوحي .
الثالثة : قيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بمشاورة أصحابه هل يبقون في المدينة ليقاتلوا المشركين فيها ، أم يخرجون إلى لقائهم على مشارفها ، وكانوا على قولين :
أولاً : البقاء في المدينة لقتال الذين كفروا ، وذهب إليه عبد الله بن أبي بن أبي سلول .
ثانياً : الخروج لقتال الذين كفروا الذي قال به نفر من عشاق الشهادة ، وممن تخلف عن معركة بدر .
فأختار النبي صلى الله عليه وآله وسلم القول الثاني ، وأمر بالتهيئ والخروج للقاء العدو ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ] ( ).
الرابعة : نزول الملائكة لإعانة ونصرة المسلمين والحيلولة دون انكسارهم وهزيمتهم .
وهل من صلة بين قوله تعالى [ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ ما قَلى]( )وبين عدم خذلان الله عز وجل للمسلمين , الجواب نعم .
الخامسة : حضور الوحي في ميدان المعركة بصحبته للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بخصوص شخصه الكريم ، وما يفعله وما يقع في ميدان المعركة .
ومن الوحي قوله تعالى [إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ] ( ) فهذه الدعوة في وسط المعركة ولمعان السيوف من الوحي .
وقد احتبس جبرئيل عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أياماً معدودة فشمت المشركون .
وقال ابن عباس (خمسة عشر يوما وقيل : خمسة وعشرين يوما وقال مقاتل : أربعين يوما فقال المشركون : إن محمداً ودعه ربه وقلاه ولوكان أمره من الله لتابع عليه كما كان يفعل بمن كان قبله من الأنبياء) ( ).
وإذ إنقطع الوحي من النبي أياماً في مكة فهل إنقطع عنه في المدينة يوماً أو أياماً ، الجواب لا دليل عليه ، والأصل استمرار الوحي خاصة مع القرائن الجلية بكثرة أعداد المسلمين وتوجههم بالسؤال إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أمور الدين والدنيا والصدور عن أمره مع التسليم بأن كلاً من قول وفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الوحي والأمر من الله عز وجل .
وبعد أن أخبرت آية البحث بأن الله عز وجل قادر على نصر المسلمين وانه هو القوي العزيز بينت قانوناً وهو إتصاف نصر الله عز وجل بالدوام والثبات وعدم نقضه ، فليس من غلبة لأعداء الإسلام على المسلمين ، ليكون من الإعجاز في نصر الله عز وجل للمسلمين الوعد الكريم بعدم لحوق الهزيمة بالمسلمين ، وتقدير آية البحث على وجوه :
الأول : إن ينصركم الله فلا غالب لكم في ذات المعركة .
الثاني : ان ينصركم الله فان هذا النصر باق إلى يوم القيامة .
الثالث : يا أيها الذين آمنوا إجتهدوا للفوز بنصر الله لكم فليس بعد نصر الله هزيمة .
الرابع : إن ينصركم الله في ميدان المعارك فلا غالب لكم في معارك لاحقة .
الخامس : لقد نصركم الله بمعركة بدر فلا غالب لكم بعدها ، ليكون من معاني آية البحث هو أن المسلمين لم ينهزموا ، وأن الذين كفروا لم ينتصروا أو يغلبوا في معركة أحد .
ويمكن حمل الآية على التعيين في النصر , والإطلاق في النتيجة بالسلامة من الهزيمة على نحو الدوام .
وهل يمكن تقدير الآية أن ينصركم الله في معركة فلا غالب لكم في ذات المعركة ) .
الجواب نعم ومن مصاديقه ما جرى في معركة أحد حيث كانت الريح والغلبة للمسلمين في بداية المعركة للمسلمين كما في قوله تعالى [وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ..] ( ) لبيان أن خسارة المسلمين بعدها لا تدل على غلبة الذين كفروا .
والآية أعم في موضوعها لدلالة النصر في المعركة بالدلالة التضمنية على إنعدام الهزيمة واستحالة إجتماع الضدين ، فالمنتصر والغالب لا يكون مغلوباً .
بيان قانون كلي دائم يحكم حال الناس في الأرض وإلى يوم القيامة ، بلحاظ شمول خطابات القرآن للمسلمين في أجيالهم المتعاقبة ما دامت السموات والأرض .
ومن خصائص الآية القرآنية أنها نزلت لتبقى من جهات :
الأولى : رسم الآية القرآنية .
الثانية :وجود الآية القرآنية بين الدفتين .
الثالثة : موضع الآية القرآنية بالنسبة لما جاورها من آيات القرآن ، وذات السورة التي وردت فيها ، إذ كان جبرئيل ينزل ويقول للنبي محمد منع هذه الآية بين الآية كذا والآية كذا .
الرابعة : تلاوة المسلمين للآية القرآنية كل يوم على نحو الوجوب العيني لكل مكلف ومكلفة ، ومن الإعجاز في المقام عدم حصر القراءة في الصلاة بخصوص سور أو آيات معينة .
الخامسة : استحباب حفظ المسلم للقرآن أو ختمه .
وعن الإمام علي بن الحسين عليه السلام (يذكر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان إذا ختم القرآن حمد الله بمحامده وهو قائم ، ثم يقول : الحمد لله رب العالمين ، الحمد لله الذي خلق السموات والأرض ، وجعل الظلمات والنور ، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ، لا إله إلا الله ، وكذب العادلون بالله ، وضلوا ضلالاً بعيداً ، لا إله إلا الله ، وكذب المشركون بالله من العرب والمجوس واليهود والنصارى والصابئين ومن دعا لله ولداً أو صاحبة أو نداً أو شبيهاً أو مثلاً أو سمياً أو عدلاً ، فأنت ربنا أعظم من أن تتخذ شريكاً فيما خلقت .
والحمد لله الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولداً ، ولم يكن له شريك في الملك ، ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيراً الله الله الله أكبر كبيراً ، والحمد لله كثيراً ، وسبحان الله بكرة وأصيلاً والحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب إلى قوله إلا كذباً .
الحمد الله الذي له ما في السموات وما في الأرض الآيتين : الحمد لله فاطر السموات والأرض الآيتين ، الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ، آلله خير أما يشركون بل الله خير وأبقى وأحكم وأكرم وأعظم مما يشركون .
فالحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ، صدق الله وبلغت رسله ، وأنا على ذلك من الشاهدين .
اللهم صلّ على جميع الملائكة والمرسلين وارحم عبادك المؤمنين من أهل السموات والأرضين ، واختم لنا بخير ، وافتح لنا بخير ، وبارك لنا في القرآن العظيم ، وانفعنا بالآيات والذكر الحكيم . ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم .
وأخرج ابن الضريس عن عبد الله بن مسعود قال : من ختم القرآن فله دعوة مستجابة ) ( ).
السادسة : تجلي المصاديق الواقعية في كل زمان للآية القرآنية .
السابعة : قيام العلماء بتفسير القرآن , وحرص المسلمين كافة على التدبر في آياته ، وتلمس وجوه الإعجاز فيه ، ومنه إخبار آية البحث عن قانون إنتفاء الغالب للمسلمين لبيان نعمة عظمى عليهم لم تنلها أمة من الأمم , وهي سلامتهم من غلبة عدوهم عليهم ، وهو من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ) .
وهل يدل هذا القانون على بعث المسلمين على كثرة القتال وخوض المعارك , الجواب لا .
وتدل الآية بالدلالة التضمنية على سلامة المسلمين من شماتة الأعداء ومن شرور الكيد والمكر , وإن إجتهد الكفار في سبله ، وآية البحث من مصاديق قوله تعالى [لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى] ( ).
وهل تحتمل الآية حال لا غالب ولا مغلوب بين المسلمين والكفار ، بمعنى أن نفي الغالب للمسلمين لا يدل على تحقق الغالب على الكافرين ، الجواب لا ، وهو من الإعجاز في بداية آية البحث بقوله تعالى [إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ]ليكون من وجوه تقدير الآية :
الأول : إن ينصركم الله فلا هزيمة تلحقكم .
الثاني : إن ينصركم الله فان للمشركين غالباً يغلبهم ، وهذا الغالب قد يكون هم المؤمنون أو غيرهم ، قال تعالى [وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ] ( ).
الثالث : إن ينصركم الله فان عدوكم مغلوب .

قانون المباح النبوي من الوحي
لقد أكرم الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بمنع الغلو بشخصه الكريم بقوله تعالى[قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ]( ).
ليعلم المسلمون والناس باتحاد السنخية الآدمية بين الأنبياء وعامة الناس، وأن الله عز وجل فضّل الأنبياء بالوحي والتنزيل، فما دام النبي صلى الله عليه وآله وسلم من البشر فانه يتلقى الأحكام التكليفية والتي تنقسم إلى أقسام هي :
الأول : الواجب .
الثاني : المستحب .
الثالث : المباح .
الرابع : المكروه .
الخامس : المحرم .
وقد تقدم في أجزاء سابقة تقسيم الواجب، وأضفنا له أقسام جديدة بحسب اللحاظ , وعلى نحو الإستقراء، كما يتلقى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الأحكام الوضعية وهو الخطاب الذي ينزل من عند الله على نحو الموضوع والمقدمة والسبب والشرط والمانع للحكم أو إنتفاء السبب أو تخلف الشرط، أو حضور المانع بلحاظ أن العلة التامة هي وجود المقتضي وفقد المانع، مثل الوضوء شرطاً ومقدمة للصلاة، قال تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ]( )، ورؤية هلال شهر رمضان لأداء فريضة الصيام، قال تعالى[فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ]( ).
وقد تفيد السنة النبوية الإطلاق الوارد في القرآن، كما في قطع يد السارق فقد جاءت الآية مطلقة بقوله تعالى[وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاًمِنْ اللَّهِ]( ) .
ووردت السنة النبوية بأن القطع لا يصح إلا في ربع دينار , أو أكثر إذ ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: يقطع السارق في كل شئ يبلغ ثمنه مجنا ” وهو ربع دينار
إن كان سرق من بيت أو سوق أو غير ذلك، والأشل اليمين والشمال متى سرقت قطعت له اليمنى على كل الأحوال)( ). والمراد من الربع دينار هو العملة الذهبية آنذاك أو ما يعادله .
وتقسم السنة النبوية من حيث سنخية الفعل إلى أقسام:
الأول : ما يفعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالفطرة والجبلة مثل الأكل والشرب، والنوم، ونحوه مما ليس فيه أمر أو نهي.
الثاني : ما إعتاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فعله من المباحات مثل كيفية وموضع جلوسه، ونوع ولون اللباس.
الثالث : ما فعله النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في باب العبادات والمعاملات مما أمر الله به بالقرآن أو عموم الوحي وما يخص الأحكام التكليفية.
وإجماع المسلمين على أن الوجه الثالث أعلاه هو فرع الوحي، والمختار أن الأقسام الثلاثة أعلاه كلها من الوحي، وأن الوحي والإذن والمنع من عند الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أعم من أن ينزل به جبرئيل .
وإذا تجدد ذات القول أو الفعل من المباحات مثل السلام , وشرب الماء أو أكل الزاد فهل يكون بذات الوحي الأول الخاص بذات القول أو الفعل أم بوحي واذن جديد يتفضل به الله عز وجل .
الجواب هو الثاني، فإن قلت قد يبطأ نزول جبرئيل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما ورد في بيان وتفسير قوله تعالى[ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ ما قَلى]( ).
ورد (عن جندب قال : رمي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحجر في أصبعه فقال : هل أنت إلا أصبع دميت ، وفي سبيل الله ما لقيت ، فمكث ليلتين أو ثلاثاً لا يقوم فقالت له امرأة : ما أرى شيطانك إلا قد تركك ، فنزلت { والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى}( ))( ).
وإذا إبطأ جبرئيل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يومين أو ثلاثة والنبي يحتاج فيها إلى الأكل والشرب والنوم فكيف يكون فيها الوحي ، الجواب الوحي أعم من أن يختص بجبرئيل وعموم الملائكة مع إفادة بعض الأخبار بأن الرسل الذين يأتون للنبي متعددون .
(عن مجاهد قال : أبطأت الرسل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم أتاه جبريل فقال : ما حبسك عني قال : كيف نأتيكم وأنتم لا تقصون أظفاركم ، ولا تنقون براجمكم ، ولا تأخذون شواربكم ولا تستاكون وقرأ { وما نتنزل إلا بأمر ربك })( ).
(عن أنس قال استأذن ملك القطر ربه أن يزور النبي صلى الله عليه وآله وسلم ) فأذن له وكان في يوم أم سلمة فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم يا أم سلمة احفظي علينا الباب لا يدخل علينا أحد , قال فبينا هي على الباب إذ جاء الحسين بن علي فاقتحم الباب فدخل فجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يلتزمه ويقبله .
فقال الملك أتحبه .
قال نعم , قال إن أمتك ستقتله إن شئت أريتك المكان الذي تقتله فيه قال : نعم .
فقبض قبضة من المكان الذي قتل فيه فأراه فجاء بسهلة أو تراب أحمر فأخذته أم سلمة فجعلته في ثوبها , قال ثابت كنا نقول إنها كربلا) ( ).
وذات ملك القطر استأذن من الله لينزل ليطفئ النار عن إبراهيم عليه السلام (وأخرج أحمد في الزهد وعبد بن حميد من طريق أبي هلال ، عن بكر بن عبدالله المزني قال : لما أرادوا أن يلقوا إبراهيم في النار ، جاءت عامة الخليقة فقالت : يا رب ، خليلك يلقى في النار فائذن لنا نطفئ عنه . قال : هو خليلي ليس لي في الأرض خليل غيره ، وأنا إلهه ليس له إله غيري ، فإن استغاثكم فأغيثوه ، وإلا فدعوه .
قال : وجاء ملك القطر قال : يا رب ، خليلك يلقى في النار فائذن لي أن أطفئ عنه بالقطر . قال : هو خليلي ليس لي في الأرض خليل غيره ، وأنا إلهه ليس له إله غيري ، فإن استعان بك فأعنه وإلا فدعه .
قال : فلما ألقي في النار دعا بدعاء نسيه أبو هلال فقال الله عز وجل : { يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم }( ) قال : فبردت في المشرق والمغرب فما أنضجت يومئذ كراعاً ) ( ).
وقد نزل آلاف من الملائكة مرة واحدة لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في معارك الإسلام الأولى .
والوحي لغة هو الإعلام الخفي وغير الظاهر , ويطلق الوحي على الإشارة (والوَحْي من اللّه عزّ وجلّ ثناؤه نَبَأ وإلهام، ومن الناس إشارة. قال اللّه جلَّ ثناؤه: ” وأوْحَى رَبُّكَ إلى النَّحْل ” .
وقال في قصة زكريّا: فأوحى إليهم أنْ سَبِّحوا بُكْرةً وعَشِيًّا ” . ويقال: وَحَى وَحْياً، إذا كتب، ووحى في الحجر، إذا كتب فيه. قال الراجز:
لقد نَحاهم حَدُّنا والنّاحي … لقَدَرٍ كان وَحاه الواحي
أي الكاتب، واللهّ أعلم. قال الشاعر:
فمَدافِعُ الرَّيّان عُرِّيَ رَسْمُها … خَلَقاً كما ضَمِنَ الوحِيّ سِلاَمُها) ( ).
وليس من حصر لصيغ وكيفيات الوحي من عند الله عز وجل للأنبياء ، وأسباب الكرامة واللطف للأولياء والصالحين .
والمختار أن الوحي مصاحب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في قوله وفعله حتى في المباحات كالأكل والشرب والنوم ، والكلام ، وبين الرحمة التي تبدأ بها آية البحث وبين الوحي عموم وخصوص مطلق ، فالرحمة أعم وهي حاضرة في كل فعل لرسول الله .
ويدل على عموم الوحي حتى في المباحات قوله تعالى في آية البحث [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ] إذ تدل الآية على أن اللين والرفق ظاهر وجلي في كل قول وفعل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع المسلمين ، وفي حال المسلم والحرب وأمور العبادات وجذبهم لها والمعاملات والأخلاق الحميدة , والتنزه عن العادات والأفعال القبيحة .
أسئلة هرقل عن النبي محمد ص
لقد أراد الله عز وجل من آية البحث بعث الفزع والخوف في قلوب رؤساء الكفر، وادراك قانون وهو عجزهم عن تحقيق الغلبة على المسلمين وان عليهم عدم نصرة الذين كفروا من قريش الذين كانوا يطوفون بين القبائل ويذهبون إلى الملوك رجاء إعانتهم ونصرتهم ، فلم يجدوا عندهم إلا الصدود والإعراض وترك نصرتهم . وقد ورد أن أبا سفيان وجماعة ذهبوا إلى هرقل وأنه سألهم عن أخلاق وسيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وعن ابن عباس(أن أبا سفيان أخبره، أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش، وكانوا تجارا بالشام، في المدة التى كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مادّ فيها أبا سفيان وكفار قريش، فأتوه وهم بإيلياء، فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم ثم دعاهم ودعا بالترجمان فقال: أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل الذى يزعم أنه نبى ؟ قال أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم نسبا.
قال: أدنوه منى وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره) ( ).
لقد وجه هرقل أسئلة متعددة إلى أبي سفيان تدل على حنكته وخبرته ، وما عندهم من العلم والبشارة ببعثة نبي آخر زمان ، فمن عادة الملوك آنذاك توارث البشارات والأخبار عن شؤون الممالك والذين يلون الحكم لإتخاذ الحيطة وعدم تعدي الأمر المأمور به من عند الله وما فيه خير البشر ، والعزوف عن سفك الدماء في امر قد قضي , قال تعالى [وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ] ( ).
وكان حضور عظماء وعلماء الروم الحوار لإستحضارهم لما عندهم من العلوم والأخبار المتوارثة وصفات خاتم الأنبياء ، إذ علم هرقل ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجاء كتابه بيد دحية الكلبي في السنة السادسة للهجرة يدعو فيه هرقل إلى الإسلام , فدعا هرقل بالكتاب وقرأه وأبو سفيان وصحبه من قريش يسمعون كي يرى أثره فيهم ويسمع ردهم عليه ، وفيه :
(بسم الله الرحمن الرحيم . من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى . أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام . أسلم تسلم . أسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإن عليك إثم الاريسيين { يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواءٍ بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً }( ) إلى قوله { اشهدوا بأنا مسلمون })( ).
وأول من سأل عنه هرقل هو مرتبة ومنزلة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من جهة النسب .
(قال كيف نسبه فيكم قلت هو فينا ذو نسب)( ) .
إذ أقرّ أبو سفيان أن نسب النبي صلى الله عليه وآله وسلم شريف ورفيع , فقال هرقل (فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِى نَسَبِ قَوْمِهَا)( )، وقال البيهقي بإسناده: بلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن رجالا من كندة يزعمون أنهم منه وأنه منهم فقال ” إنما كان يقول ذلك العباس وأبو سفيان بن حرب فيأمنا بذلك، وإنا لن ننتفى من آبائنا، نحن بنو النضر ابن كنانة “.
قال: وخطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال ” أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار .
وما افترق الناس فرقتين إلا جعلني الله في خيرهما، فأخرجت من بين أبوي فلم يصبنى شئ من عهر الجاهلية، وخرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح، من لدن آدم حتى انتهيت إلى أبي وأمي، فأنا خيركم نفسا، وخيركم أبا)( )، وفيه مسائل :
الأولى : موضوعية شرف النسب في التنزه عن الكذب .
الثانية : عدم حاجة النسبة الشريف إلى إدعاء ما ليس بحق .
الثالثة : تعاهد ذي النسب لحسن السمعة والصيت .
الرابعة : يعيش ذو النسب في عز بين ظهراني قومه ، ولا يحتاج إدعاء ما ليس له.
الخامسة : إرادة الشريف ترك الإفتراء والإضرار بالنفس والغير .
في أنساب العرب
في بيان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لنسبه الشريف تأكيد لقانون وهو أن الأنبياء من ذوي الإنساب في قومهم ، لما في النسب من العز والوقاية والحفظ ، الأمر الذي تجلى في دفاع أبي طالب وبني هاشم عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتحملهم الأذى وحصار قريش بسبب نبوته وعدم تخليهم عنه , وترشح سلامة النبي عن هذا الدفاع .
وهل هو من عمومات قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ]( ).
الجواب نعم , فالى جانب إرادة اللغة ومفردات الكلام في الآية أعلاه ، بلحاظ أن المراد من لسان قومه أعم من المعنى اللغوي وحتى إذا كان معنى اللسان يختص بآلة الكلام والنطق فإن قوله تعالى(بلسان قومه) أعم في موضوعه من اللغة والنطق فيشمل الحال ومعرفة النبي العادات وأعراف قومه وكيف يأخذ بأيديهم لإصلاحهم، كما في إحتجاج إبراهيم عليه السلام حينما رأى قومه يعبدون القمر والشمس وأراد إبطال عبادتهم للكواكب , وفي التنزيل[فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنْ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ]( )، ومن معاني سمو النسب بلحاظ آية البحث والسياق نصرة قوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم له في القتال ، لذا فان هرقل كان يقصد أمراً بعيداً، وكأنه يخاطب أبا سفيان ومشركي قريش نخشى أن ننصركم , ونقاتل النبي محمداً فتنقلبون علينا وتأخذكم حمية النسب ونصرة أهلكم , ويمتنع شطر منكم عن نصرتنا أي حتى إذا دعانا الرؤساء منكم لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فان قومكم يتخلون عنا , وعن الرؤساء عند بدء القتال أو عند إشتداده أو طول مدته .
وقد كان الروم والفرس يخشون غدر العرب في الجزيرة والبيداء ، ويخافون من نهب العرب لمعسكرهم في الليل مع قتالهم إلى جانبهم في النهار .
لا لأن العربي بجبلته وفطرته يتصف بالغدر، فلا أصل ومصاديق ثابتة لهذا المعنى , ولكن لأنه يكره وجود الجيش الغريب الذي يأتي من خارج أرض العرب .
ولقد توارث العرب في الجزيرة عدم الإنقياد لملك أوسلطان، فتنفر نفوسهم من مجيء جيوشهم , مع موضوعية العصبية القبلية عندهم ، وميل القبائل لنصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنه من أوسطهم ، وهو من أسرار أمر هرقل لأصحاب أبي سفيان أن يجلسوا خلفه عند توجيه الأسئلة له ؟
قال (فاجلسني بين يديه ثم أمر أصحابي فاجلسهم خلفي وقال إن كذب فردوا عليه , قال أبو سفيان : فلقد عرفت أني لو كذبت ما ردوا علي ولكني كنت امرءا سيدا أتكرم وأستحي من الكذب وعرفت أن أدنى ما يكون في ذلك أن يرووه عني ثم يتحدثونه عني بمكة فلم اكذبه) ( ).
فاذا كان أبو سفيان يخشى تكذيب أصحابه له في دار الغربة وفي مجلس هرقل ، وفي بعض الأخبار يسمى قيصرا فانه من باب الأولوية القطعية أن يتخلوا عن نصرته في ميدان القتال ومحاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وهل قصد هرقل رد أصحاب أبي سفيان عليه أثناء المجلس وحال الكذب أم الرد حتى بعد إنفضاض المجلس والتفرق ، الجواب هو الثاني ، لذا كان أبو سفيان يخشى تكذيبهم له إذا لم يقل الصدق عند عودتهم إلى مكة .
ومن الآيات في المقام إتصاف العرب بالمحافظة على النسب , وقد قال تعالى[يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ]( ). ولم يرد كل من لفظ الشعوب والقبائل في القرآن إلا في هذه الآية , وكأنها تبين أولوية عناية الناس بعبادتهم لله عز وجل التي هي علة خلقهم .
وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عالماً بنسبه , وعنده إحاطة بقبائل العرب , ويحث على معرفة النسب لأنه نوع طريق لتعاهد الرحم ونهى عن الإدعاء لغير الأب .
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم : تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم ، فإن صلة الرحم محبة في الأهل مثراة في المال منسأة في الأثر( ).
ومن الإعجاز في المقام ومصاديق تفسير النبي صلى الله عليه وآله وسلم للآية أعلاه التأكيد على معرفة الإنسان لنسبه وإكرام الناس لأنسابهم وعدم اللمز فيها، مع قيامه بالزجر عن التفاخر بالإنساب للتعريض بالغير من الناس .
وعن حذيفة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم : كلكم بنو آدم ، وآدم خلق من تراب ، ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان( )( ).
وقد حفظ العرب أنسابهم، مع بلوغ أعدادهم مئات الملايين من البشر وهم يرجعونها إلى شخصين :
الأول : عدنان، وينتسب إلى نبي الله اسماعيل ، وأختلف في عدد البطون بينهما، ويرجع نسب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الى عدنان .
الثاني : قحطان، وهو قحطان بن عابر بن شالخ بن قينان بن أرفخشد بن سام بن نوح، وإليه ينسب العرب العاربة .
(ولد لقحطان يعرب ويقطان ابنا قحطان بن عابر بن شالخ، فنزلا أرض اليمن، وكان قحطان أول من ملك اليمن، وأول من سلم عليه ” أبيت اللعن ” ، كما كان يقال للملوك. وولد لفالغ بن عابر أرغوا – وولد لأرغوا ساروغ، وولد لساروغ ناحورا، وولد لنا حورا تارخ – واسمه بالعربية أزر – وولد لتارخ إبراهيم صلوات الله عليه. وولد لأرفخشد أيضاً نمرود بن أرفخشد، وكان منزله بناحية الحجر. وولد للاوذ بن سام طسم وجديس ، وكان منزلهما اليمامة.
وولد للاوذ أيضاً عمليق بن لاوذ، وكان منزله الحرم وأكناف مكة، ولحق بعض ولده بالشام، فمنهم كانت العماليق، ومن العماليق الفراعنة بمصر.
وولد للاوذ أيضاً أميم بن لاوذ بن سام، وكان كثير الولد، فنزع بعضهم إلى جامر بن يافث بالمشرق. وولد لإرم بن سام عوص بن إرم، وكان منزله الأحقاف. وولد لعوص عاد بن عوص.
وأمام حام بن نوح، فولد له كوش ومصرايم وقوط وكنعان، فمن ولد كوش نمرود المتجبر الذي كان ببابل، وهو نمرود بن كوش بن حام، وصارت بقية ولد حام بالسواحل من المشرق والمغرب والنوبة والحبشة وفزان.
قال: ويقال: إن مصرايم ولد القبط والبربر، وإن قوطاً صار إلى أرض السند والهند فنزلها، وإن أهلها من ولده.
وأما يافث بن نوح فولد له جامر وموعج وموادي وبوان وثوبال وماشج وتيرش. ومن ولد جامر ملوك فارس. ومن ولد تيرش الترك والخزر. ومن ولد ماشج الأشبان. ومن ولد موعج يأجوج ومأجوج، وهم في شرقي أرض الترك والخزر. ومن ولد بوان الصقالبة وبرجان والأشبان، كانوا في القديم بأرض الترك والخزر.
ومن ولد بوان الصقالبة وبرجان والأشبان، كانوا في القديم بأرض الروم قبل أن يقع بها من وقع من ولد العيص وغيرهم ، وقصد كل فريق من هؤلاء الثلاثة: سام وحام ويافث أرضاً، فسكنوها ودفعوا غيرهم عنها)( ).
ويقسم النسابون العرب من جهة القدم والتقدم والتأخر بخصوص الإنتماء إلى العربية إلى أقسام :
الأول : العرب البائدة، ومنهم من يسميهم العاربة، والعرباء، وهم الذين انطوت أيامهم وتفرقوا واندثرت حضاراتهم مثل قوم عاد، وقوم ثمود، وجديس، وعبيل، وجُرهم، وقد جاء القرآن في ذكر هلاك بعض الأمم منهم لجحودهم بالرسالات والدلالات الواضحات على وجوب إتباع الأنبياء ، والتصديق بالمعجزات كما في قوم عاد الذين كانوا يسكنون الأحقاف من بلاد اليمن .
والأحقاف جمع حقف , وهو ما استطال وتموج من الرمل العظيم الذي يشبه الجبل , وكانت عاد أهل حضارة وعمارة فدعاهم نبي الله هود إلى الإسلام، وأنذرهم العذاب الأليم عند الصدود والجحود، ووعدهم بالعذاب، ولكنهم أخذوا يسألون آلهتهم المطر عندما أمسكه الله عنهم، وصارت أرضهم جرداء، حتى نزل بهم العذاب , قال تعالى[وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ]( ).
ومن إعجاز القرآن مجئ الريح فيه للعذاب , وذكره الرياح لإرادة الخير، قال تعالى [وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ]( )،
ومن العرب البائدة ثمود وهم قوم صالح، إذ كذّبوا الأنبياء وعقروا الناقة التي نسبها الله عز وجل إلى نفسه , إذ ورد لفظ ناقة الله ثلاث مرات، وكلها على لسان النبي صالح، قال تعالى[فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا]( )، وقام قوم صالح بعقر وذبح الناقة، وحينما علم صالح خرج لهم فتلقوه وهم يعتذرون.
(وقالوا : انما عقرها فلان إنه لا ذنب لنا( ).
ومن سنن الأنبياء قبول الإعتذار , وورد في وصف رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم [وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ]( ).
فقال لهم نبي الله صالح أدركوا فصيلها فعسى أن يرفع الله به العذاب عنكم، ولكن الفصيل حينما رأى أمه تضطرب صعد جبلاً يسمى القارة، فطال الجبل في السماء , لينزل العذاب بقوم صالح عدا الذين آمنوا معه وورد في التنزيل[تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ]( )، وذكر صالح لهم التباين في ضروب العذاب بين هذه الأيام الثلاثة فقال لهم : ألا أن آية العذاب أن اليوم الأول تصبح وجوهكم مصفرة ، واليوم الثاني محمرة ، واليوم الثالث مسودة .
فلما أصبحوا إذا وجوههم كأنها قد طليت بالخلوق صغيرهم وكبيرهم ذكرهم وأنثاهم ، فلما أمسوا صاحوا بأجمعهم ألا قد مضى يوم من الأجل وحضركم العذاب .
فلما أصبحوا اليوم الثاني إذا وجوههم محمرة كأنها خضبت بالدماء ، فصاحوا وضجوا وبكوا وعرفوا أنه العذاب ، فلما أمسوا صاحوا بأجمعهم ألا قد مضى يومان من الأجل وحضركم العذاب .
فلما أصبحوا اليوم الثالث فإذا وجوههم مسودة كأنها طليت بالقار ، فصاحوا جميعاً ألا قد حضركم العذاب فتكفنوا وتحنطوا .
وكان حنوطهم الصبر والمغر وكانت أكفانهم الانطاع ، ثم ألقوا أنفسهم بالأرض فجعلوا يقلبون أبصارهم فينظرون إلى السماء مرة وإلى الأرض مرة فلا يدرون من أين يأتيهم العذاب ، من فوقهم من السماء أم من تحت أرجلهم من الأرض خسفاً أو قذفاً .
فلما أصبحوا اليوم الرابع أتتهم صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة وصوت كل شيء له صوت في الأرض ، فتقطعت قلوبهم في صدورهم ، فاصبحوا في ديارهم جاثمين ( ).
وعن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ألا أحدثك بأشقى الناس، قال : بلى . قال : رجلان : أحيمر ثمود الذي عقر الناقة والذي يضربك على هذا ، يعني ترقوته حتى تبتل منه هذه ، يعني لحيته ( ).
الثاني : العرب العاربة، وهم ابناء قحطان ، وهم العرب المنحدرون من صلب يشجب بن يعرب بن قحطان، ويسمون بالعرب القحطانية، ومهدها بلاد اليمن، وهم أحد عشر بطناً , وقيل أربعة عشر بطناً.
واشتهرت منهم قبيلتان هما : حمير بن سبأ، وكهلان بن سبأ.
الثالث : العرب المستعربة: وجدهم الأعلى هو إبراهيم عليه السلام، من بلاد العراق من مدينة (أور) ولعل لفظ المستعربة ورد لأن العرب المنحدرين من صلب إسماعيل أخذوا اللسان العربي من جرهم لما جاوروهم في مكة .
ولكن النصوص التي وردت عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على أن العرب بمرتبة واحدة وأنه لا أصل لهذا التقسيم , فقد أخرج ابن سعد عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: خير العرب مضر ، وخير مضر بنو عبد مناف ، وخير بني عبد مناف بنو هاشم ، وخير بني هاشم بنو عبد المطلب ، والله ما افترق شعبتان منذ خلق الله آدم إلا كنت في خيرهما.
وأخرج البيهقي في الدلائل وابن عساكر عن أنس قال : خطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار ، وما افترق الناس فرقتين إلا جعلني الله في خيرهما ، فأخرجت من بين أبوي فلم يصبني شيء من عهد الجاهلية ، وخرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم ، حتى انتهيت إلى أبي وأمي ، فأنا خيركم نفساً وخيركم أباً ( ).
وتبين هذه الأحاديث أنه لا موضوعية لتقسيم العرب إلى عرب عاربة ومستعربة، فالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من أصل العرب، وقال ابن كثير في إسماعيل جد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه والد عرب الحجاز كلهم , وقيل جاء بهذا التقسيم اخباريوا الدولة الأموية .
لقد كان سؤال هرقل عن نسب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجواب أبي سفيان عنه سبباً لزجره عن الهجوم على المدينة , وهو من أسرار جمع هرقل لعظماء الروم حوله , كيلا يحرضونه على مثل هذا الهجوم .
فان قلت ليس مسألة رفعة النسب علة تامة للإمتناع عن القتال ، وقد قاتل وقَتل جيش يزيد الحسين بن علي عليه السلام في العاشر من محرم سنة (61) للهجرة، وشهر محرم من الأشهر الحرم التي لايجوز فيها القتال، قال تعالى [إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ] ( ) وكانوا يعلمون نسبه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وشموله بآية التطهير في قوله تعالى [إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا] ( ).
الجواب لقد حزن المسلمون جميعاً وإلى يومنا هذا على قتله ثم ان الثورات حدثت بعده ولم يستقر حكم بني أمية حتى زالت دولتهم سنة 132 للهجرة .
وكان هرقل والملوك الذين يتوارثون الحكم يتجنبون القتال والمعارك التي تأتي على سلطانهم وعاصمة حكمهم إلا القليل منهم .
ويتقوم حكم ممالك الروم آنذاك بالتقيد بدين النصرانية وآدابها ومنه الإحاطة الإجمالية بتأريخ النبوة ، ويعلمون بخصال الكمال الإنساني التي يتصف بها الأنبياء ، وهو الذي تدل عليه آية السياق [وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ] ( ) لإرادة تنزيه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والأنبياء السابقين من الخيانة والحيلة والأخلاق المذمومة ، فذكر التنزه عن الغل من باب المثال والفرد الجلي المتعلق بأسباب النزول .
وقد يكون أبو سفيان أو غيره من الملأ من قريش وعموم الكفار والعرب من ذهب إلى هرقل يستنصره على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويحذره من إتساع وظهور الإسلام وتهديده للدولة الرومانية آنذاك سواء كان هذا الذهاب والتحريض قبل مجئ كتاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى هرقل الذي يدعوه فيه إلى الإسلام أو بعده .
ثم سأل هرقل أبا سفيان قائلاً : أخبرني هل كان من أهل بيته أحد يقول مثل قوله فهو يتشبه به ، فقلت لا ).
لكشف حقيقة وهي أن النبوة جاءت إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هبة وإبتداءً من عند الله لا عن وراثة صلبية ، وليس في آبائه من أدعى النبوة ، والمراد الآباء الصلبيين مثل الأب والجد وإلا فان إبراهيم واسماعيل من آباء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكانا من الأنبياء الرسل , قال تعالى[وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ]( ) .
وقال تعالى في الثناء على إسماعيل [وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا]( ).
ويبين خبر وجديث هرقل العلم الإجمالي عند الملوك بتنزه ذي النسب الرفيع عن الكذب وطلب الرياسة بالدعوة الباطلة ، وهو من الآيات في فضل الله عز وجل في إختيار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للرسالة الخاتمة من جهات :
الأولى : عظيم منزلة بني هاشم بين قريش ، وقد بنى جدّ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قصي بن كلاب بن مرة دار الندوة بجوار البيت الحرام في مكة ليجتمعوا فيها ، ولم يكن اسمه قصياً بل كان اسمه زيداً ولكن أمه فاطمة بنت سعد تزوجت من ربيعة بن حرام من زعماء بني عذرة بعد وفاة زوجها كلاب بن مرة والد قصي , فأخذته معها إلى ديارهم.
الثانية : جوار قوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم للبيت الحرام الذي يحج إليه العرب كل سنة .
الثالثة : شأن قريش بين القبائل العربية ، وإكرامهم لقريش ، حتى أن تجارة وإبل قريش تمر على ديار قبائل العرب وهي عير محملة بالبضائع فلا يتعرض لها أحد.
لقد أقر أبو سفيان بعلو ورفعة نسب النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند هرقل مع أنه كان يأمل إعانته لهم ، وحنقه على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فما كان من هرقل إلا أن أجاب معقباً (كذلك الرسل تبعث في أنساب قومها) ( ) أي في أسماها نسباً , وأعزها وأكثرها قبيلة وعشيرة .
لقد إغتاظ أبو سفيان لما سمع من هرقل ، فقال عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه ساحر كذاب .
ولكن هرقل لم يرض بهذا الكلام , فقال : إني لا أريد شتمه، في زجر لأبي سفيان، ومنعه من تكلف إرادة الإنتقاص من النبي صلى الله عليه وآله وسلم إرضاء لهرقل وتزلفاً إليه.
وكان الذين مع أبي سفيان قد أخبروا هرقل بأنه أقربهم من النبي صلى الله عليه وآله وسلم رحماً ، وهو ابن عمه وقد قاتله أي قاتل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بما هو نبي رسول من عند الله عز وجل، ومن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه لم يختلف ويخاصم أحداً قبل بعثته، وعندما أعلن نبوته تحمل أشد الأذى وهو صابر محتسب، لذا لم يستغرب هرقل هذا الشتم والتعدي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
واذا كان ساحراً فلماذا يحاربه أبو سفيان ، وكان للساحر عندهم شأن، ويتزلفون إليه ، ويدفعون له الأموال والهدايا , ويتطلعون إليه للإحتيال في الحاجات .
وقد نعت المشركون بعض الأنبياء في زمانهم بأنهم سحرة، إذ ورد في قصة موسى عليه السلام في التنزيل [قَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ] ( ) وكذا بالنسبة لهارون النبي [قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ] ( ).
وفيه شاهد بأن نعت الأنبياء بالسحرة أمر دأب عليه المشركون ، لذا لم يلتفت هرقل إلى كلام أبي سفيان ، وصار حجة عليه ، ثم إنتقل هرقل إلى السؤال عن الحال الشخصية عن النبي الذي بعث له كتاباً يدعوه فيه إلى الإيمان.
( قال : كيف عقله ورأيه ؟
فأجاب أبو سفيان لم نعب له رأياً قط ) .
لبيان حنكة وفطنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وان الوحي كان مصاحباً له فلم يصدر منه إلا ما هو حق وصدق ، وما تتجلى فيه معاني الحكمة والرشاد .
لقد أراد هرقل إستقراء مسألة وهي أن بعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى هرقل بكتاب الدعوة إلى الإسلام جاء عن علم وتدبير وإختيار للوقت المناسب لدعوة الملوك للهدى بعد صلح الحديبية، وأن له غايات حميدة .
لقد إبتدء النبي صلى الله عليه وآله وسلم كتابه بالبسملة وما فيها من دلالات الرحمة والتراحم وجذب للإيمان ، وحث على نبذ القتال بين المسلمين وأهل الكتاب , ويدل قوله تعالى[قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا]( ) على حرمة القتال بين المسلمين وأهل الكتاب ولزوم إجتناب أهل الكتاب قتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو مؤازرة وامداد الذين كفروا بالمال والسلاح، وما فعله هرقل في المقام درس وموعظة إذ يبتنى على ما عندهم وفي كتبهم من أخبار نبي آخر زمان.
وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يدعو إلى نفسه ، ولا يريد من هرقل التنازل عن عرشه وسلطانه إنما يدعوه إلى التوحيد ، وهو سور الموجبة الكلية الجامع بين المسلمين وأهل الكتاب .
واعتاد الملوك أن يخاطبهم الناس بالإبتداء باسم الملك والتوجه بالدعاء له المقرون بعبارات التفخيم والثناء.
وكان من عادتهم أن يقدموا أسماء الملوك فيقولون مثلاً إلى الملك الفلاني من الوزير والأمير فلان ، فجاء كتاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتقديم اسمه : من محمد رسول الله .
في دلالة على أنه أعظم منزلة وشأناً من الملك ، ومتى ما كان هذا الملك موحداً فعليه أن يرضى بهذا التقديم ، فلم يغضب هرقل ، ولم يفعل مثلما فعل كسرى الذي لما وصله كتاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم قام بتمزيقه ، فقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بلغة الدعاء (مَزّقَ اللّهُ مُلْكَهُ) ( ) .
إنما بادر هرقل إلى إستقراء أمر هذا الكتاب ، وأراد معرفة أحوال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وخصاله الحميدة.
ولابد أن بيت المملكة يتوارث معرفة أخلاق الأنبياء والصفات الحميدة التي تجمع بينهم , مما قد لا يفطن إليه عامة الناس ممن ليس عنده تحصيل وتتبع لأنباء النبوة .
وهل كان كتاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى هرقل وكسرى والملوك الآخرين من مصاديق النصر في قوله تعالى [إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ] ( ) .
الجواب نعم، وهو مقدمة للنصر، وحجة على الناس، ودعوة لإجتناب القتال ومحاربة الإسلام.
وسأل هرقل أبا سفيان عمن يتبع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، أي إذا كنت أنت تقاتله في الميدان ، وأنت أقرب الناس له , فمن يقاتل معه , لما يدل عليه هذا القتال من لقاء جيشين كما ورد توثيقه في القرآن بقوله تعالى [يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ] ( ) والذي ورد في القرآن ثلاث مرات ، واحدة بخصوص معركة بدر واثنتين بخصوص معركة أحد، قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ] ( ) .
وأشق حال على القائد في جمع الأصحاب والأتباع في القتال , محاربة الملأ من ذوي القربى له , لبيان معجزة حسية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في كثرة المهاجرين والأنصار .
ولم يشترك أبو سفيان بمعركة بدر ، ولكنه كان من رؤساء جيش الذين كفروا في معركة أحد، كما حضر معركة الخندق وهو الذي أمر جيش المشركين بالإنسحاب بعد طول حصار والعجز عن تحقيق أي غاية من غاياتهم التي حشدوا لها عشرة آلاف رجل من المشركين.
وقد جرت هذه المعارك قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم كتابه إلى هرقل في السنة السادسة للهجرة فلذا قال أصحاب أبي سفيان لهرقل أنه يقاتل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم .
ثم سأل هرقل (من يتبعه منكم)( ) أشراف الناس أم ضعفاؤهم.
أراد أن يتعرف على سنخية وهوية الذين صدّقوا بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وآمنوا برسالته ، فقال أبو سفيان ، بل ضعفاؤهم .
لم يسأل هرقل هل يتبع النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم الشباب أم الشيوخ، الرجال أم النساء ، كي يعرف قوة جيشه , وبسالة ومصابرة أصحابه، بل سأل عن منزلة أصحابه الإجتماعية والشأن والجاه الذي يمتازون به , وفيه وجوه :
الأول : ما رود عند أهل الكتاب من خصال وصفات أتباع الأنبياء السابقين.
الثاني : قتل الناس لبعض الأنبياء السابقين استضعافاً لهم.
الثالث : إستقراء قوة وبسالة أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بلحاظ قتال قومه له، وعدم قدرتهم على قتله، وإستئصال أو أسر أصحابه.
الرابع : صيرورة دولة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأرسال الكتب إلى الملوك والرؤساء يدعوهم فيها إلى الإسلام.
لقد إستقرأ هرقل من الجمع بين بلوغ كتاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم له بالدعوة إلى اتباعه وبين قتال أبي سفيان وقومه له مسألة وهي معرفة شدة بأس أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإلتفافهم حوله وتفانيهم في طاعة الله وطاعته، وهو من مصاديق الآية السابقة [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ]( ).
ليكون من منافع الرحمة التي تذكرها الآية أعلاه بعث الخوف والفزع في قلوب الذين كفروا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذين يحيطون به ويذبون عنه، ويستجيبون لأمره , ويكون من معاني الآية ( فبما رحمة من الله لنت لأصحابك ليخشى الذين كفروا محاربتك وقتالك) .
فيكون من مصاديق هذه الرحمة محو الكثير من المعارك بين المسلمين والكفار ، وهل هو من مصاديق قوله تعالى[الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ]( ).
قال هرقل ( وكذلك هم أتباع الأنبياء في كل زمان ) ( ).
لقد أراد أبو سفيان السخرية والإستخفاف بصحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولكن هرقل أدرك أن من خصائص هؤلاء أنهم يكونون أشداء في الدفاع عن النبوة والتنزيل ، فلا شيء عندهم يخسرونه عند اللقاء، وهم يرجون الحياة الأبدية والخلود في النعيم ، وليس من نبي إلا وبشر أصحابه بالجنة ، ليكون من مصاديق قوله تعالى [وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا] ( ) أنهم كانوا يرجون لقاء الله عز وجل والفوز بالنعيم .
قال هرقل : هل يرجع إليكم منهم أحد ) ( ).
لأن عدم رجوع بعضهم شاهد على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذ أن طول الصحبة يزيح الغطاء , ويكشف الحقائق ويكون مناسبة للفصل والتمييز , وهو من الإعجاز في تسمية الصحابة ومؤاخاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بينهم ، فتكشف هذه المؤاخاة صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذ أن كل آخ يبين لأخيه خلجات نفسه وخواطره ، فلا يجد أحدهما عند الآخر إلا التسليم بصدق نزول القرآن والتفاني في مرضاة الله ، وقد تجلى هذا الأمر في أخوة سلمان وإبي الدرداء.
(نزل سلمان بأبي الدرداء، فلما كان في ليلة الجمعة، تعشى أبو الدرداء وصلى ونام بثيابه، فقال سلمان لأم الدرداء: أنبهيه، قالت: إنه ليس ينزع ثيابه ليلة الجمعة.
فأنبهه سلمان فقال: ألا تنزع ثيابك.
قال: إني أريد أن أقوم أصلي ليلتي. قال: إن لعينك عليك حقاً، ولجسدك عليك حقاً.
فقام أبو الدرداء فقال: أحييتني أحياك الله، أحييتني أحياك الله، ثلاث مرات) ( )، وقوله (لجسدك عليك) إشارة إلى الخلود إلى الراحة والتمتع بالزوجة.
وحينما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان : هل يرجع إليكم منهم أحد ، قال أبو سفيان : لا .
فأدرك هرقل أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رسول من عند الله وأن أصحابه مع طول المدة والإقامة والملازمة اليومية معه يسلمون بنبوته، ومن أبهى مصاديق ودلالات هذا التسليم مسارعتهم لسوح الجهاد والدفاع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم شخصاً ونبوة .
ويجيب أبو سفيان ، وهو لا يعلم ما يستقرأ هرقل وعظماء الروم من أجوبته ، لقد دلت هذه المحادثة على حقيقة وهي عصمة المسلمين من الإرتداد , قال تعالى[وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا]( ).
وعصمة المسلمين من الإرتداد واقية من هجوم هرقل على ثغور المسلمين ، وهل هذه العصمة من مصاديق ومضامين قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] ( ) الجواب نعم من جهات :
الأولى : هذه العصمة من الصبر في منازل الإيمان , والتخلق بسنن الأنبياء .
الثانية : توقي المسلمين من أسباب الإرتداد من المصابرة في أداء الفرائض والعبادات .
الثالثة : إحتراز المسلمين من الإرتداد من مصاديق المرابطة في مقامات التقوى , وملازمة وحراسة الثغور .
الرابعة : من معاني ونتائج السلامة من الإرتداد الفلاح، ومن وجوه هذا الفلاح كفاية إعتداء وظلم الناس للمسلمين ، وزحف الدول الكبرى على بلاد المسلمين .
وجاءت الآية السابقة لتحصن المسلمين من كيد الأعداء , وزجرهم عن التعدي على ثغور المسلمين بأن جعل الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يرأف بالمسلمين ويقربهم إليه , ويظهر الود والإكرام لفقراء المؤمنين .
و( عن سعدبن أبي قاص قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وآله و سلم ستة نفر فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وآله و سلم : اطرد هؤلاء عنك لا يجترئون علينا قال : وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست أسميهما فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما شاء الله أن يقع فحدث نفسه فأنزل الله عز و جل : { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} ( )
وجاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري فوجدا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع صهيب وبلال وعمار وخباب قاعدا في ناس من الضعفاء من المؤمنين فلما رأوهم حول النبي صلى الله عليه و سلم حقروهم فأتوه فخلوا به وقالوا : إنا نريد أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا به العرب فضلنا فإن وفود العرب يأتيك فنستحي أن ترانا العب مع هذه الأعبد فإذا نحن جئناك فأقمهم عنك فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت , قال : نعم .
قالوا : فاكتب لنا عليك كتابا قال : فدعا بصحيفة ودعا عليا عليه السلام ليكتب ونحن قعود في ناحية فنزل جبرائيل عليه السلام فقال : { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين }.
ثم ذكر الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن فقال { وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين }( ) ثم قال : { وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة }( ) .
قال : فدنونا منه حتى وضعنا ركبنا على ركبته وكان رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم يجلس معنا فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا : فأنزل الله عز و جل :
{واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا} ( )ولا تجالس الأشراف {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا} يعني عيينة والأقرع {واتبع هواه وكان أمره فرطا}( ) أي هلاكا قال : أمر عيينة والأقرع ثم ضرب لهم مثل الرجلين ومثل الحياة الدنيا .
قال خباب : فكنا نقعد مع النبي صلى الله عليه وآله و سلم فإذا بلغنا الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم)( ).
ومن المعجزات العقلية في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن صدق إيمان المسلمين واقية من غزو الدول العظمى آنذاك للمدينة المنورة وهي البلد الوحيد للإسلام ، فهي العاصمة والدولة والكيان ، ولو قام الروم أوالفرس بالهجوم على المدينة سواء على نحو مباشر بقدوم جيوشهم أو بارسال المدد والعون للذين كفروا من قريش ومن والاهم فهل يحققون النصر والغلبة للتباين الكبير بين كثرة عددهم وعدتهم وبين قلة عدد وعدة ومؤن المسلمين الجواب لا ، لأن المسلمين تسلحوا بالإيمان، وإتخذوا التوكل على الله جلباباً، ورداءّ دائماً وهو من مصاديق خاتمة آية البحث [وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ] .
ويكون تقديرها : يا أيها الذين آمنوا توكلوا على الله فيخشى الملوك غزوكم ).
لقد وعد الله عز وجل نبيه محمداً صلى الله عليه وآله وسلم النصر ، وبعث في قلوب الذين كفروا الفزع والرعب ، فجاءت آية البحث لتجعل المسلمين في حيطة من الحرمان من نصر الله ، وتحذر من الهزيمة والإنكسار الذي يترشح عن خذلان الله عز وجل لهم .
ثم سأل هرقل أبا سفيان عن أخلاق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الحرب والسلم .
(إذ قال هل يغدر إذا عاهد ؟
قال أبو سفيان : لا , إلا أن يغدر مدته هذه .
لقد كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مهادنة وصلح مع المشركين , ومن شرائط صلح الحديبية (وضع الحرب عن الناس عشر سنين.
يأمن فبهن الناس ويكف بعضهم عن بعض) ( ) .
ليكون من الإعجاز في هذا الصلح أنه أعم من أن يختص بحال الحرب والسلم بين المسلمين والذين كفروا من قريش، ومن معانيه عدم نشوب قتال بين المسلمين والدول العظمى، لذا ورد الإتفاق والصلح بلفظ الناس، وله معنيان :
الأول : إرادة عموم الناس من الألف واللام في الناس.
الثاني : المقصود خصوص العهد ومنع القتال بين المسلمين والذين كفروا من قريش .
والظاهر هو المعنى الثاني، ولكن لغة النبوة أعم ليفيد هذا الصلح الوعد من عند الله عز وجل بان الروم أو الفرس أو الحبشة لم يهجم على المسلمين بلحاظ كبرى وهي أن هذا الصلح وإمضاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم له من الوحي وفيه بشارة وهي أن الذين كفروا إذا ذهبوا إلى الدول العظمى لتحريضهم على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين فلم يجدوا إلا الخيبة والخسران.
وهل يمكن القول بان قريشاً الذين أعانوا معاهديهم من بني بكر بالسلاح والقتال معهم خفية يذهبون إلى الدول العظمى لتحريضهم على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من باب الأولوية القطعية، الجواب نعم، وإبتدأ هذا التحريف من حين ذهاب نفر من أهل البيت والصحابة الى الحبشة مهاجرين بدينهم، إذ أرسلت قريش وفداً للنجاشي لإعادتهم لقريش .
وعن الشعبي عن عبد الله بن جعفر عن أبيه جعفر الطيار الذي كان من الذين هاجروا الى الحبشة قال : بعثت قريش عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد بهدية من أبى سفيان إلى النجاشي، فقالوا له، ونحن عنده: قد صار إليك ناس من سفلتنا وسفهائنا، فادفعهم إلينا .
قال: لا حتى أسمع كلامهم( ).
هذا حين كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة , ولم يهاجر بعد الى المدينة.
لقد قام نفر من رؤساء الكفر في قريش بنصرة وإعانة بني بكر الذين دخلوا في عهدهم ضد خزاعة الذين دخلوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أيام الهدنة (وَرَفَدَتْ بَنِي بَكْرٍ قُرَيْشٌ بِالسّلَامِ وَقَاتَلَ مَعَهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ مَنْ قَاتَلَ بِاللّيْلِ مُسْتَخْفِيًا ، حَتّى حَازُوا خُزَاعَةَ إلَى الْحَرَمِ ، فَلَمّا انْتَهَوْا إلَيْهِ قَالَتْ بَنُو بَكْرٍ يَا نَوْفَلُ إنّا قَدْ دَخَلْنَا الْحَرَمَ ، إلَهَك إلَهَك ، فَقَالَ كَلِمَةٌ عَظِيمَةٌ لَا إلَهَ لَهُ الْيَوْمَ يَا بَنِي بَكْرٍ أَصِيبُوا ثَأْرَكُمْ فَلَعَمْرِي إنّكُمْ لَتَسْرِقُونَ فِي الْحَرَمِ ، أَفَلَا تُصِيبُونَ ثَأْرَكُمْ فِيهِ ( ).
قانون النعم التي تتضمنها الآية القرآنية
تجري رشحات علوم التفسير في هذا السِفر المبارك في أجزائه المتتالية المتعاقبة ، ومنها الأبواب الثابتة في تفسير كل آية من القرآن هي :
الأول : الإعراب واللغة .
الثاني : إعجاز الآية .
الثالث : إعجاز الآية الذاتي .
الرابع : إعجاز الآية الغيري .
الخامس : الآية سلاح .
السادس : مفهوم الآية .
السابع : إفاضات الآية
الثامن : الآية لطف .
التاسع : إكرام الآية للمسلمين .
العاشر : الآية بشارة ، قال تعالى [الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ] ( ).
الحادي عشر : الآية إنذار ، فان قلت قد ذكر الإنذار في القرآن نحو مائة وعشرين مرة بينما آيات القرآن هي ستة آلاف ومائتان وست وثلاثون آية أي أن أكثر آيات القرآن ليس فيها لفظ الإنذار ومادة (نَذر) .
والجواب يتضمن البيان في هذا التفسير دلالة الآية القرآنية على الإنذار سواء في منطوقها أو مفهومها أو حكمها .
الثاني عشر: التفسير الذاتي للآية .
الثالث عشر: الصلة بين أول وآخر الآية .
الرابع عشر: أسباب النزول .
الخامس عشر: من غايات الآية .
السادس عشر : التفسير ، ويتعلق بكل شطر من الآية على نحو مستقل .
السابع عشر: علم المناسبة .
الثامن عشر: بحث بلاغي .
التاسع عشر : بحوث كلامية وأصولية وفقهية ونحوية ومنطقية بحسب الموضوع والحكم .
وقد أنعم الله علينا في الجزء السابق باضافة أبواب من العلوم المستقرأة من الآية القرآنية على نحو العموم الإستغراقي وهي :
العشرون : الآية موعظة , لبيان معاني الإتعاظ والإعتبار التي تتجلى من الآية القرآنية .
الحادي والعشرون : الآية رحمة .
الثاني والعشرون : الحاجة إلى آية البحث .
الثالث والعشرون : النعم التي تذكرها آية البحث .
ويمكن تقسيم النعم التي تتضمنها كل آية قرآنية إلى أقسام بحسب اللحاظ، فلحاظ العوالم الطولية تنقسم إلى :
الأول : النعم في الحياة الدنيا .
الثاني : النعم في عالم البرزخ .
الثالث : النعم في عالم الآخرة .
وتنقسم النعم في الحياة الدنيا إلى أقسام :
الأول : النعم على الإنسان قبل الولادة ، ومقدمات ولادته ومنها فضل والديه عليه لذا قال تعالى [وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا] ( ) ولم تقيد الآية أعلاه الوالدين بالمسلمين من الناس بل هي مطلقة بلحاظ الأبوة والأمومة ، لذا ورد بخصوص إصرارهم على الشرك قوله تعالى [وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا]( ).
الثاني : النعم بعد الولادة .
الثالث : النعم عند البلوغ .
الرابع : النعم عند الوفاة .
ويمكن تقسيم النعم تقسيمات إستقرائية أخرى تكون أصلاً ومنهاجاً لاقتباس العلوم ، وقد تضمن الجزء السابق وهو الخامس والأربعون بعد المائة من التفسير باب (النعم التي تتضمنها آية البحث ) إذ تتجلى النعم في كل آية من القرآن ، وهي تضئ بأنوارها للعلماء وتدعوهم إلى إستقراء شطر من هذه النعم مع الإقرار بالعجز عن الإحاطة بها أو إحصائها .
ومن الدلائل على هذا العجز بيان وإستخراج الجيل اللاحق من العلماء نعما أخرى من ذات الآية القرآنية سواء في منطوقها أو مفهومها .
ومن إعجاز الآية القرآنية أنها تبدأ بنعمة من الله عز وجل .

غار حراء
لقد بعث الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم في مكة المكرمة عندما كان عمره أربعين سنة ، ويوافق سنة 610 ميلادية ، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بداية أمره يرى الرؤيا فتأتي صادقة كفلق الصبح .
وحبّب الله عز وجل له الخلوة بعيداً عن الناس خاصة وأن معاني الكفر وعبادة الأوثان شائعة بينهم ، ولم تكن هذه الخلوة لإرادة العزلة والوحدة والإنفراد عن الناس ، إنما كانت للتحنث أي العبادة والتفكر في الخلق وأسباب الهداية إلى سبل الرشاد (وَكَانَ يَخْلُو ب ” غَارِ حِرَاءٍ ” يَتَعَبّدُ فِيهِ اللّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ وَبُغّضَتْ إلَيْهِ الْأَوْثَانُ وَدِينُ قَوْمِهِ فَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَبْغَضَ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ) ( ).
ويقع غار حراء على يسار قمة جبل حراء شمال شرق مكة المكرمة ويبعد عن البيت الحرام نحو أربعة كيلو مترات , ويقع على يسار الذاهب إلى جبل عرفات , ويرتفع هذا الجبل عن الأرض نحو 634 كيلو متر ، ويسمى الجبل بأسماء :
الأول : جبل القرآن لأن أول سورة نزلت على النبي فيه ، وهو قوله تعالى [اقْرَأْ بِاسم رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ] ( ).
الثاني : جبل الإسلام لأن بداية الإسلام والدعوة إليه بدأت من هذا الجبل .
الثالث : جبل حراء نسبة إلى غار حراء الذي كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتعبد فيه .
الرابع : جبل النور لإفاضة نور الوحي من هذه البقعة المباركة ويعرف الجبل بهذا الاسم في هذا الزمان .
ويمكن تسميته ( جبل الوحي ) لأن الوحي بدأ منه .
و( جبل التحنث) لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يتحنث فيه. و(جبل جبرئيل ) الذي وقف في الغار الموجود بالجبل .
وذكر أن أساس الكعبة القديم أخذ من حجارته , وأنه ينفرد جبل حراء بخصوصية غير موجودة في جبال مكة أو الحجاز أو جبال الدنيا بأن قمته تشبه الطربوش الذي يوضع على الرأس وأنه كسنام الجمل , كما مبينة صورته أدناه .
ليكون بانتظار خلوة النبي فيه , ويصبح إعلاناً عن بدئ نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وغار حراء فجوة في الجبل طولها أربعة أذرع وعرضها أقل من ذراعين وتتسع لخمسة أشخاص جلوساً .
ومن الآيات فيه أن الذي يدخله يستقبل القبلة وكأن في موضع خلوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أمارة على تحويل القبلة من بيت المقدس إلى مكة المكرمة ، إذ نزل في المدينة وبعد الهجرة النبوية قوله تعالى [قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ] ( ).
ويختلف غار حراء عن غار ثور الذي بات فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث ليال في طريق هجرته المباركة إلى المدينة المنورة ، ويبعد جبل ثور عن مكة المكرمة أربع كيلو مترات , ولكن من الجهة الجنوبية ، وهو أعلى قليلاً من جبل حراء إذ يبلغ إرتفاعه نحو سبعمائة وثمانية وأربعين كيلو متراً .
ويتصف جبل حراء أو جبل النور بشدة الوعورة والإنحدار ، ولا يخلو صعوده من الخطورة والأذى ، ويقع موضع الغار الذي كان يتعبد فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دون قمة الجبل بعشرين متراً ، أي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصبح على إرتفاع 614 كيلو متر عن الأرض لأجل التحنث والعبادة لعدة ليالي ثم يرجع إلى خديجة , ويتزود من الطعام والشراب , ويعود إلى الغار .
قانون توجه الناس للنبي محمد ( ص )
لقد بدأت بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة ولم يكن حوله أنصار وأتباع إلا أفراد قلائل من أهل بيته وأصحابه ، وكان يدعو الناس إلى قول لا إله إلا الله , ولاقى شتى صنوف الأذى من كفار قريش ، ومنهم من تفل في وجهه ومنهم من شتمه ومنهم من حث عليه التراب وأكثرهم أظهر الإستهزاء به ، وكانت آيات القرآن تترى في نزولها وبيانها لتؤسس بناء صرح الشريعة الدائمة , والمحجة العظمى , وأنوار التنزيل وما فيه من الحكمة , وهو من عمومات قوله تعالى[وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ]( ).
لقد أنعم الله عز وجل على المسلمين بالمدد من الملائكة في معارك الإسلام الأولى، هل كان قبله مدد للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين.
الجواب نعم ، فكل آية قرآنية مدد وعون وسبيل لجذب الناس إلى مقامات الهدى والإيمان ، وهو الذي أصاب الكفار بالفزع والخوف وسعوا إلى قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في فراشه ، فأمره الله عز وجل بالهجرة إلى المدينة ، فكان الظهور والكشف العام للرسالة وصار النبي يبرهن على نبوته للمسلم والكتابي والكافر ، فقد كانت الأمور في المدينة مختلفة عما هي عليه في مكة حيث طغيان رؤساء قريش بصيغة الكفر ، والإنقطاع إلى عبادة الأوثان ، وعدم قبولهم الدعوة إلى التوحيد وتغيير ما ورثوه من آبائهم وورد في التنزيل خطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم [لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ] ( ).
أما في المدينة فتختلف الحال وتتصف بأمور :
الأول : وجود الأنصار رجال ونساء سواء ممن حضر بيعة العقبة الأولى أو الثانية أو هما معاً أو ممن لم يحضرها , ولكنه أسلم في المدينة.
الثاني : مجئ مصعب بن عمير من مكة بأمر من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليعلم المسلمين أحكام الصلاة , وتلاوة القرآن , ومبادئ الشريعة السمحاء.
الثالث : يسكن في المدينة إلى جانب الأوس والخزرج طوائف من اليهود وكانت عندهم بشارة بعثة نبي آخر الزمان من المدينة ونحوها ، فيصفون للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ويتدبرون في معجزاته ، وقد دخل جماعة منهم الإسلام ، وقيل أن سبب هجرتهم إلى جزيرة العرب هو تنكيل الرومان بهم سنة سبعين من الميلاد وخراب مدينة القدس على يد تيطس الروماني فتشتت اليهود وإختارت طوائف منهم المدينة وهم بنو قينقاع , والنضير , وقريظة .
وزاولوا في المدينة الصياغة خاصة بنو قينقاع وكان لهم سوق كما زاولوا صناعة السيوف والدروع ، وكأن قوله تعالى في داود [وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ]( ) مقدمة وتأسيس لعمل اليهود بصناعة الحديد ، فقد أنعم الله عز وجل على داود وجعل له الحديد مثل الطين في ليونته , ولتكون صناعتهم للسيوف وآلة القتال عوناً للمهاجرين والأنصار لمحاربة الذين كفروا .
ولم يكن عدد بني قينقاع في المدينة كثيراً ، فقد كان مجموعهم بضعة آلاف (وَهُمْ قَوْمُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ سَلَامٍ ، وَكَانُوا سَبْعَمِائَةِ مُقَاتِلٍ وَكَانُوا صَاغَةً وَتُجّارًا ) ( ).
وأختلف في عدد بني قريظة وعن (ابن عباس يقول: كانوا سبعمائة وخمسين. وعن ابن حزم، قال: كانوا ستمائة) ( ).
وفي حديث جابر : كانوا أربعمائة مقاتل ) أي عدا الذراري والنساء (وقال ابن إسحاق : إِنَّهُمْ كَانُوا تِسْعَمِائَةٍ)( ).
أما بنو النضير فكانوا بالمئات ، إذ حاصرهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فأرسلوا إليه بأن يخرجوا من حصونهم ويغادروا المدينة بنفوسهم وذراريهم ، ولهم ما حملت الإبل إلا السلاح ، ثم حملوا النساء والصبيان، وكانت مجموع الإبل ركبوها وحملوا عليها مؤونهم ستمائة بعير، ولا يدل هذا على أن عددهم يصل إلى ستمائة لأن المدار على الرجال والقافلة ، وليس الذراري ، بالإضافة إلى أنهم حملوا بضائعهم وخربوا بيوتهم بأيديهم فحملوا الأبواب والشبابيك وأخذوا الأوتاد وجذوع السقوف ، ورحل أكابرهم ومنهم حي بن أخطب وسلامة بن أبي الحُقّيق إلى خيبر ومنهم من ذهب إلى الشام , وأسلم بعضهم , وأحرزوا أموالهم مثل يامين بن عمروا وأبو سعد بن وهب .
وصارت أرض الذين غادروا وأموالهم خالصة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأنه لم يوجف عليها المسلمون بخيل ولم يقع معهم قتال ، ولم يخمسها رسول الله ، ومع هذا قام بتقسيمها على المهاجرين من الأولين وأعطى أبا دجانه وسهل بن حنيف من الأنصار لحاجتهما وفقرهما ، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينفق منها على أهله مدة سنة ويجعل ما يزيد على المؤونة في السلاح والكراع في سبيل الله .
وكان اليهود في بداية هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم يأتونه ويسـألونه عن نبوته وعن علوم من الغيب لا يعلمها إلا الأنبياء فيجيبهم بصيغ اللين والرفق ، إذ يدل قوله تعالى [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ]( ) على تلقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأسئلة من الناس بسعة صدر وتطلع إلى الوحي في مضمون الإجابة ، وفي التنزيل [يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ]( ).
ولم يختص السؤال في الآية أعلاه بقوم أو أهل ملة إذ جاء السؤال على وجوه :
الأول : توجه المسلمين بسؤال النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الساعة واوان يوم القيامة (عن جابر بن عبد الله قال : سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول قبل أن يموت بشهر : تسألوني عن الساعة وإنما علمها عند الله ، وأقسم بالله ما على ظهر الأرض يوم من نفس منفوسة يأتي عليها مائة سنة) ( ).
(عن قتادة { يسألونك عن الساعة أيان مرساها }( ) أي متى قيامتها { قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو } قال : قالت قريش : يا محمد أسر إلينا الساعة لما بيننا وبينك من القرابة . قال : { يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله}( ) قال : وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول : تهج الساعة بالناس : والرجل يسقي على ماشيته ، والرجل يصلح حوضه ، والرجل يخفض ميزانه ويرفعه ، والرجل يقيم سلعته في السوق ، قضاء الله لا تأتيكم إلا بغتة .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : { أيان مرساها } قال : منتهاها) ( ).
الثاني : سؤال كفار مكة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الساعة وإنقطاع الدنيا تكذيباً بها ، ونفيها لوقوعها ، وإختباراً للنبي وآية [يسألونك]أعلاه مكية.
الثالث : قيام أهل الكتاب في المدينة بسؤال النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن قيام الساعة ، و(عن ابن عباس قال: قال جَبَل بن أبي قشير، وشمول بن زيد( )، لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يا محمد، أخبرنا متى الساعة إن كنت نبيًّا كما تقول، فإنا نعلم متى هي؟ فأنزل الله تبارك وتعالى:(يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي)، إلى قوله:(ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) ( ).
لقد كان الأنبياء من جهة كثرة المسلمين والأتباع على مراتب متعددة إذ يتفاوت عددهم كثرة وقلة ، ومنهم من يبعث إلى أهله وأسرته ومنهم إلى قريته ، وأنعم الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بكثرة الأصحاب ، وتعدد الإنتماء من جهات :
الأولى : لحاظ الهجرة والنصرة ، وإن تباينت القبائل والسكن ، فكان المهاجرون من مكة وغيرها , أما الأنصار فهم من أهل المدينة التي كانت تسمى يثرب .
الثانية : إنتساب المسلمين إلى قبائل متعددة عدنانية وقحطانية ، وكان كفار قريش يتابعون أخبار النبوة ويسألون عن الذين يدخلون الإسلام ، وكانوا يرغبون أن ينحصروا بالفقراء والعبيد ولم يعلموا أن هؤلاء أنصار كل نبي بالإضافة إلى دخول أشراف العرب الإسلام ، وكانوا راضين بالمساواة بينهم وبين عموم المسلمين ، وفيه موعظة وعبرة ونهي لرؤساء الكفر في وضع الشروط الشخصية وإرادتهم التمييز , والشروط الخاصة لدخولهم الإسلام .
(عن خبّاب، في قول الله تعالى ذكره :”ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه” إلى قوله:”فتكون من الظالمين”، قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفزاريّ، فوجدوا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قاعدًا مع بلال وصهيب وعمار وخباب، في أناس من الضعفاء من المؤمنين .
فلما رأوهم حوله حَقَروهم ، فأتوه فقالوا: إنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسًا تعرف لنا العرب به فضلَنا، فإنّ وفود العرب تأتيك فنستحيي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأعبُد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت! .
قال: نعم! قالوا: فاكتب لنا عليك بذلك كتابًا. قال: فدعا بالصحيفة، ودعا عليًّا ليكتب. قال: ونحن قعود في ناحية، إذ نزل جبريل بهذه الآية:”ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ يردون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين” .
ثم قال[وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاَءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ]( )، ثم قال[وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ]( )، فألقى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصحيفةَ من يده، ثم دعانا فأتيناه وهو يقول[سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ]( ) فكنا نقعد معه، فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا .
فأنزل الله تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا( )، قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقعد معنا بعد)( ).
الثالثة : دخول أفراد وجماعات من غير العرب الإسلام منهم سلمان الفارسي، وقد تقدمت ترجمته.
ومنهم بلال بن رباح الحبشي ، وكان مولى لبني جمح من قريش , ولاقى أشد التعذيب من قريش ، وكان جميل الصوت فقام برفع الأذان وفيروز الديلمي وسالم مولى حذيفة وهما من الفرس .
ومن الأقباط مارية القبطية أم إبراهيم أهداها وأختها سيرين المقوقس والتي وهبها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى حسان بن ثابت فولدت له عبد الرحمن .
ومن الروم صهيب الرومي الذي أسلم في مكة ولاقى التعذيب الشديد من قريش ، والأزرق بن عقبة وغيرهم .
لقد صارت شوارع وأزقة المدينة تزدحم بالناس بعد الهجرة النبوية وكثرت اليد العاملة , وظهرت البطالة ولم تعد المؤن في الأسواق تكفي لأهلها والمهاجرين الذين يزدادون يوماً بعد يوم , وكلهم يأتون للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , ويرجعون إليه فيعاملهم بلين ورفق ، ويحثهم على الصبر ، ويظهر لهم بالبينة أنه الإمام في الصبر ، وكان أحياناً يبيت وأهله من غير عشاء مع أنه وزع في النهار مائتين أو ثلاثمائة ألف ، ومع هذا لم يخرج عن سنن اللين والرفق التي يتصف بها .
وهل كانت كثرة المهاجرين والحال التي صارت عليها المدينة وضيقها بالناس وظهور التذمر من قبل شطر من أهلها خاصة المنافقين كما ورد حكاية عن رأس النفاق عبد الله بن أبي [لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ] ( ) سبباً في خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه للقتال والغزو .
الجواب لا ، خاصة وان معارك الإسلام الأولى دفاعية محضة ، ولم يخرجوا إليها بعد العلم بزحف جيوش الذين كفروا ، وحتى المعارك اللاحقة ، فقد كان يبلغ النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم عن أقوام أنهم ينوون الإغارة على المدينة وأنهم يعدون العدة للإجهاز على المسلمين ، ولم يعلموا بأن الله عز وجل هو الذي ينصر المسلمين بدليل آية البحث ،فيبادر النبي صلى الله عليه وآله وسلم للغزو طمعاً بفضل الله ونصره ، وللمنع من تجديد القتال ، فكم من مرة يخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم للغزو ويعود واصحابه من غير قتال أو غنائم لأن الملاك هو تقوى الله وتعظيم شعائره , ولإرادة بعث الفزع والخوف في قلوب الذين كفروا .
لقد كان الوحي هو الحاكم والطريق في خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم واصحابه للقتال أو قيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم ببعث السرايا ، لذا كان يكثر من توصية أمراء السرايا بالبدء بدعوة الناس إلى الإسلام وعدم الإبتداء بالقتال .

قوله تعالى [وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ]
لقد خرج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لمعركة أحد ومعه نحو ألف من أصحابه ، وفي الطريق إنخزل نحو ثلث الجيش بتحريض من رأس النفاق عبد الله بن أبي الذي ساءه إستماع النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمشورة طائفة من أصحابه بالخروج للقاء العدو ، وعدم البقاء في المدينة وقتالهم في طرقاتها وأزقتها إن إقتحموها .
وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم في البداية وافق عبد الله بن أبي على البقاء في المدينة ، ولا يريد المنافقون العلم بأن إستماع النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمشورة أصحابه بالخروج للقتال إنما هو بالوحي والتنزيل ، وليس من عنده .
ومن صفات الله عز وجل أنه غني عن العالمين ، وتحتاجه الخلائق كلها في خلقها ووجودها وإستدامته وفي حال عدمها ، وفي التنزيل [يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ] ( ) .
وفيه دعوة للناس للإيمان والإنقطاع بالسؤال إليه وحده وعدم اليأس من رحمته تعالى ، ومن مصاديق الرحمة التي ذكرتها الآية السابقة [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ] رجاء نصرة الله للمسلمين ، وعدم تركهم وشأنهم .
وفي خطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى [ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ ما قَلى] ( ) لبيان إتصال ودوام فضل الله عز وجل على رسوله الكريم وعلى المسلمين إلى يوم القيامة .
ولم تذكر الآية ما يفيد الملازمة بين إنكسار وهزيمة المسلمين وبين خذلان الله عز وجل لهم ، إنما ذكرت إنعدام الناصر لهم .
وهل تتضمن الآية حقيقة وهي قد ينتصر المسلمون مع خذلان الله لهم وعدم المدد من عنده لهم بلحاظ أنها لم تقل (وإن يخذلكم فلا تنتصروا ) الجواب لا ، إنما أرادت الآية بيان إنعدام الناصر عندما يخذل الله عز وجل الجماعة أو الأمة وإن كانوا مؤمنين ، فلا ينزل الملائكة إلا بأمر الله ولا تأتي الريح والعواصف والآيات الكونية التي تكون مدداً وعوناً للمسلمين إلا بفضل ورحمة ونصرة من عند الله ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ] ( ) .
إذ تدل الآية أعلاه بالدلالة التضمنية على أن السموات والأرض وما فيها جنود لله مستجيبة لأمره .
وإن لم ينتصر المسلمون عند خذلان الله عز وجل لهم فهل يستطيعون النصر من عند أنفسهم بكثرتهم وعدتهم وشوقهم إلى لقاء العدو , الجواب لا ، وقد تجلت هذه الحقيقة في معركة حنين عندما قال بعض الصحابة (لَنْ نُغْلَبَ الْيَوْمَ عَنْ قِلّةٍ) ( ) .
حيث خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مكة بعد الفتح ومعه اثنا عشر ألف إلى أن جاء النصر بفضل ولطف من عند الله ، قال سبحانه [لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ] ( ).
وذكرت آية البحث الخذلان وهو عام , ومنه وجوه :
الأول : الخذلان في ميادين القتال .
الثاني : الخذلان والترك في أمور الدنيا والمكاسب .
الثالث : الخذلان بقلة الرزق ونقص الأمطار , وحجب كثرة الثمار والخيرات .
والقدر المتيقن من الآية هو الأول أعلاه لبيان أن الله عز وجل أكرم من أن يخذل ويترك المسلمين في أمورهم العبادية وما فيه صلاح أمورهم , فان قلت قد يصيب المسلمين العوز وقلة الثمرات ونحوها .
والجواب هذا صحيح ولكنه ليس من الخذلان والترك , إنما هو من ضروب الإبتلاء في الحياة الدنيا, قال تعالى[وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ]( ).
نزل قوله تعالى ( وإن يخذلكم ) من آية البحث بصيغة الإستفهام الإنكاري لبيان عدم وجود ناصر للمسلمين إذا ما ترك الله عز وجل نصرتهم ، وإن قلت ما دام الله عز وجل ينصر المسلمين فلماذا ورد هذا السؤال في الآية ، والجواب من وجوه :
الأول : بيان قانون إستغناء الله عز وجل عن البشر ، قال تعالى [إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ] ( ).
الثاني : تأكيد حاجة المسلمين لنصر الله عز وجل .
الثالث : الإخبار عن قانون من الإرادة التكوينية وهو تخلي كل المخلوقات عن نصرة الذي يخذله الله .
وهل نصرة الطائفة والجماعة بعضهم لبعض خارجة عن الإطلاق الذي تذكره آية البحث ، الجواب نعم , فلا دليل على التخصيص والإستثناء في المقام , والآية إنحلالية وتقدير توجهها لكل مسلم : وإن يخذلك فمن ذا الذي ينصرك )
الرابع : بعث المسلمين على الإنقطاع إلى الله عز وجل في العبادة والتضرع والدعاء لرجاء النصر .
الخامس : إرادة سلامة المسلمين من الرياء ، ورجاء غير الله عز وجل عند الشدة والضيق .
ومن خصائص الإنسان ومعاني إبتلائه في الدنيا تجلي صدقه وما يضمره في نفسه عند الضيق وشدة الحرج .
وهل الشهادتان والنطق بهما من مصاديق [وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ] ( ) الجواب نعم ، وهو من إبجديات هذا التعليم ومقدمة لوجوه كثيرة منه .
(عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصاح برجل من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة ، فينشر له تسعة وتسعون سجلاً كل سجل منها مد البصر ، فيقول : أتنكر من هذا شيئاً ، أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول : لا يا رب .
فيقول : أفلك عذر وحسنة؟ فيهاب الرجل فيقول : لا يا رب . فيقول : بلى إن لك عندنا حسنة ، وأنه لا أظلم عليك اليوم . فيخرج له بطاقة فيها : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله . فيقول : يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ .
فيقال : إنك لا تظلم . فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة ، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة ، ولا يثقل مع اسم الله شيء) ( ) .
ومن مصاديق إقرار المسلمين بالشهادتين تقريب النصر لهم .

قوله تعالى [وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ]
من إعجاز نظم القرآن اختتام هذه الآية والآية التي قبلها بالإخبار عن التوكل على الله , وأنه حاجة للإنسان في الدنيا والآخرة ، فان قلت الآخرة دار الحساب بلا عمل , فكيف يكون التوكل على الله حاجة للإنسان فيها والجواب إنما يتوكل المسلم على الله في الدنيا ، فيكون هذا التوكل باباً للثواب , وواقية من العقاب في الآخرة .
لقد ذكرت الآية السابقة مادة التوكل مرتين :
الأولى : توجه الأمر من عند الله عز وجل إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للتوكل على الله ، وتفويض أموره له سبحانه .
الثانية : بيان قانون وهو حب الله عز وجل للذين يتوكلون عليه ، وجاءت الآية بعدم ذكر المتعلق إذ ذكرت المتوكلين على نحو الإطلاق [إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ] ( ) .
ولم تقل (إن الله يحب المتوكلين عليه ) لخروج الذين يتكلون على الناس ، أو يلجأون إلى الطواغيت والأصنام .
لقد جاءت آيات القرآن ببيان قانون وهو أن التوكل لا يصح إلا على الله عز وجل ، قال سبحانه [قُلْ حَسْبِي اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ] ( ), أما الذين يلجأون إلى غير الله , فهؤلاء لا يصدق عليهم أنهم متوكلون , بالإضافة إلى عدم صحة أو صدق التوكل على غير الله سبحانه , وأن غيره تعالى ليس أهلاً للتوكل عليه , وهو يتبرأ في الآخرة ممن توكل عليه في الدنيا, من باب الأولية القطعية في تبرء المتبوع من التابع, قال تعالى[إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوْا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمْ الأَسْبَابُ]( ).
ووردت خاتمة آية البحث بصيغة المضارع [وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ] ( )وليس من نبي بعد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم, وشريعته ناسخة للشرائع السابقة ، وهي ممتنعة عن النسخ ، فهل تدل آية البحث على إرادة خصوص المسلمين ، أم يصدق تقدير الآية (وعلى الله توكل المؤمنون ) بلحاظ إرادة المؤمنين من الأمم السابقة ، الجواب هو الثاني، وهو من أسرار إختتام الآية السابقة بقوله [إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ]( ).
ويكون تقدير الآية على وجوه :
الأول : إن الله يحل المتوكلين عليه .
الثاني : إن الله يحب المسلمين لأنهم يتوكلون على الله .
وهو وفق القياس الإقتراني :
الكبرى : يحب الله المتوكلين .
الصغرى : المسلمون متوكلون على الله .
النتيجة : يحب الله المسلمين .
الثالث : إن الله يحب المتوكلين عليه من الأمم السابقة ، وهل من موضوعية لهذا الحب في عالم البرزخ ، وغيبوبة الإنسان في ظلمات القبر ، الجواب نعم .
(عَنْ أَبِى سَعِيدٍ قَالَ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم مُصَلاَّهُ فَرَأَى نَاسًا كَأَنَّهُمْ يَكْتَشِرُونَ قَالَ : أَمَا إِنَّكُمْ لَوْ أَكْثَرْتُمْ ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ لَشَغَلَكُمْ عَمَّا أَرَى فَأَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ الْمَوْتِ فَإِنَّهُ لَمْ يَأْتِ عَلَى الْقَبْرِ يَوْمٌ إِلاَّ تَكَلَّمَ فِيهِ فَيَقُولُ أَنَا بَيْتُ الْغُرْبَةِ وَأَنَا بَيْتُ الْوَحْدَةِ وَأَنَا بَيْتُ التُّرَابِ وَأَنَا بَيْتُ الدُّودِ.
فَإِذَا دُفِنَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ قَالَ لَهُ الْقَبْرُ مَرْحَبًا وَأَهْلاً أَمَا إِنْ كُنْتَ لأَحَبَّ مَنْ يَمْشِى عَلَى ظَهْرِى إِلَىَّ فَإِذْ وُلِّيتُكَ الْيَوْمَ وَصِرْتَ إِلَىَّ فَسَتَرَى صَنِيعِى بِكَ. قَالَ فَيَتَّسِعُ لَهُ مَدَّ بَصَرِهِ وَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ.
وَإِذَا دُفِنَ الْعَبْدُ الْفَاجِرُ أَوِ الْكَافِرُ قَالَ لَهُ الْقَبْرُ لاَ مَرْحَبًا وَلاَ أَهْلاً أَمَا إِنْ كُنْتَ لأَبْغَضَ مَنْ يَمْشِى عَلَى ظَهْرِى إِلَىَّ فَإِذْ وُلِّيتُكَ الْيَوْمَ وَصِرْتَ إِلَىَّ فَسَتَرَى صَنِيعِى بِكَ.
قَالَ فَيَلْتَئِمُ عَلَيْهِ حَتَّى تَلْتَقِىَ عَلَيْهِ وَتَخْتَلِفَ أَضْلاَعُهُ. قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم بِأَصَابِعِهِ فَأَدْخَلَ بَعْضَهَا فِى جَوْفِ بَعْضٍ قَالَ وَيُقَيِّضُ اللَّهُ لَهُ سَبْعِينَ تِنِّينًا لَوْ أَنَّ وَاحِدًا مِنْهَا نَفَخَ فِى الأَرْضِ مَا أَنْبَتَتْ شَيْئًا مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا فَيَنْهَشْنَهُ وَيَخْدِشْنَهُ حَتَّى يُفْضَى بِهِ إِلَى الْحِسَابِ .
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم : إِنَّمَا الْقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ . قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ) ( ).
ومع قوله بأنه غريب فانه يورده في سننه وأبو عيسى هو الترمذي محمد بن عيسى بن سورة (209-279) هجرية ولد في مدينة ترمذ ثم إرتحل لطلب الدين ، فسافر إلى خراسان ثم العراق ثم إلى الحجاز ، وأصابه العمى في كبره .
ويرد في سننه أكثر من أربعمائة مرة : هذا حديث غريب )، أي في ذات العدد من الأحاديث , وهذه الكثرة نفسها أمر غريب .
لقد جعل الله عز وجل رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاتمة النبوات ومتوجهة للناس جميعاً بلزوم التصديق بها، لذا جاءت معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم عقلية وحسية لتتعاضد فيما بينها، وتحفظ الأولى الثانية، وكل آية من القرآن معجزة عقلية بذاتها ومضامينها القدسية .
وإبتدأت آية البحث باعجاز يتعلق بنصر المسلمين، وتوسطها إعجاز ينفي الهزيمة والخسران عن المسلمين وأختتمت بدعوة المسلمين للتوكل على الله وحده.
وهل تدل الآية على الإستغناء عن الأسباب، الجواب لا، وفي النبي أيوب عليه السلام، ومع شدة مرضه أمره الله عز وجل عندما أراد شفاءه بأن يضرب الأرض برجله، قال تعالى[ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ]( ).
لبيان موضوعية السبب وإن كان يسيراً وضعيفاً، وهذا الضعف شاهد وأمارة على أن الأمر من عند الله، ومنه النصر في معركة بدر ، فقد خرج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه للمعركة , وقاتلوا واستشهد منهم ثمانية.
وعن ابن عباس قال : كان أهل اليمن يحجون ولا يتزوّدون ، يقولون : نحن متوكلون ، ثم يقدمون فيسألون الناس ، فأنزل الله { وتزوّدوا فإن خير الزاد التقوى }( ).لبيان أن موضوع التوكل أعم من حال القتال مع الذين كفروا , فيشمل أمور الدين والدنيا .
أهل الصفّة
كان أهل الصفّة من المهاجرين يجتمعون في مؤخر المسجد النبوي ، فبعد أن نزل القرآن بتحويل القبلة إلى المسجد الحرام بقوله تعالى [قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ] ( ) بعد نحو ستة عشر شهراً من هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة ، بقي جدار المسجد من جهة القبلة الأولى فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فظلل بسقف وظلة من غير ان تبنى أو تغطى جوانبه .
ومعنى الصفّة أي صفة المهاجرين فينزل بها الغرباء خصوصاً الفقراء ومن ليس له عريف ينزل عليه ، وقيل نزل بها بعض الأنصار ومنهم كعب بن مالك الأنصاري , وحنظلة بن أبي عامر الأنصاري (غسيل الملائكة ) وحارثة بن النعمان الأنصاري , ويحتاج إلى دليل ، نعم قد يأتون لهم ويجلسون معهم لساعات مواساة لهم ولتعليمهم أحكام الشريعة ، وعدد أهل الصفة من الكلي المشكك الذي يزيد وينقص .
وقد يفوق عددهم المائة ، (عن محمد بن سيرين قال كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أمسى قسم ناسا من أهل الصفة بين ناس من أصحابه فكان الرجل يذهب بالرجل والرجل يذهب بالرجلين والرجل يذهب بالثلاثة حتى ذكر عشرة , وكان سعد بن عبادة يرجع كل ليلة إلى أهله بثمانين منهم يعشيهم) ( ).
ولم يكن أهل الصفة يملكون الأردية والثياب المتعددة ، وكان منهم من يأتزر بأزار أو كساء يغطي به وسطه إلى حد الركبتين ، وكانت ثيابهم تتسخ لأن سقيفة الصفة مكشوفة للهواء والتراب .
وكان طعامهم الغالب هو التمر ، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يجري لكل اثنين منهم في اليوم مداً من التمر ، والمد كيلو إلا ربع مما يدل على قيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتنظيم الشؤون الإقتصادية والمعاشية للمسلمين فأشتكوا من حصر طعامهم بالتمر وقالوا أنه أحرق بطونهم فواساهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصبّرهم ، وكان يدعوهم معه إلى بيته ليروا بأنفسهم أن طعام النبي وأزواجه واهل بيته لا يختلف كثيراً عن طعامهم .
وهذه المواساة من مصاديق قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] ( ).
ومن الآيات أن أصحاب الصفة كانوا أعزة في مدنهم وقراهم وبين أهليهم ، وتركوا الدنيا والأموال وإختاروا الإسلام مع الأذى في جنب الله ، فلم تمر الأيام والليالي حتى فتحت لهم الدنيا خزائنها الخاصة بأهل التقوى والصبر والإيمان ، وفي التنزيل [وَأَشْرَقَتْ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا]( ).
(عن علي عليه السلام: أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لما زوجه فاطمة بعث معه بخميلة ووسادة من آدم حشوها ليف ورحيين وسقاء وجرتين فقال علي لفاطمة رضي الله عنهما ذات يوم والله لقد سنوت حتى لقد اشتكيت صدري قال وقد جاء الله أباك بسبي فاذهبي فاستخدميه فقالت وأنا والله قد طحنت حتى مجلت يداي فأتت النبي صلى الله عليه و سلم فقال ما جاء بك أي بنية قالت جئت لأسلم عليك واستحيت أن تسأله ورجعت فقال ما فعلت قالت استحييت أن أسأله فأتيناه جميعا فقال علي رضي الله عنه يا رسول الله والله لقد سنوت حتى اشتكيت صدري وقالت فاطمة رضي الله عنها قد طحنت قد طحنت حتى مجلت يداي وقد جاءك الله بسبي وسعة فأخدمنا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم والله لا أعطيكما وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم لا أجد ما أنفق عليهم ولكني أبيعهم وأنفق عليهم أثمانهم فرجعا فأتاهما النبي صلى الله عليه و سلم وقد دخلا في قطيفتهما إذا غطت رؤوسهما تكشف أقدامهما وإذا غطيا أقدامهما تكشفت رؤوسهما فثارا فقال مكانكما ثم قال ألا أخبركما بخير مما سألتماني قالا بلى فقال كلمات علمنيهن جبريل عليه السلام فقال تسبحان في دبر كل صلاة عشرا وتحمدان عشرا وتكبران عشرا وإذا أويتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثا وثلاثين واحمدا ثلاثا وثلاثين وكبرا أربعا وثلاثين قال فوالله ما تركتهن منذ علمنيهن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال فقال له بن الكواء ولا ليلة صفين فقال قاتلكم الله يا أهل العراق نعم ولا ليلة صفين)( ).
المسألة الثالثة : تقدير الجمع بين الآيتين : يا أيها النبي أعف عن الذين آمنوا وأستغفر لهم).
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار إختبار وعمل , والآخرة دار الحساب والجزاء ، وهل يمكن القول أن الحياة الدنيا دار شكر وجزاء أيضاً، الجواب نعم وهو الذي تدل عليه كل من آية النداء والبحث .
أما بالنسبة لآية السياق فمن جهات :
الأولى : توجه النداء بصيغة المدح والثناء من الله عز وجل إلى المسلمين والمسلمات ، وفيه دعوة إلى الملائكة والخلائق باكرامهم ، ولمّا إحتجت الملائكة على جعل الإنسان خليفة في الأرض [قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ]( ) تفضل الله عز وجل وأجابهم بما يفيد الحجة والبرهان الدائم المتجدد [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) ففي كل يوم من أيام الإنسان في الحياة الدنيا هناك برهان متعدد يدل على الحكمة الإلهية في أمور متداخلة :
الأول :جعل خليفة في الأرض .
الثاني : صيرورة الإنسان هو الخليفة .
الثالث : ملازمة النبوة للخلافة .
الرابع : إستحقاق الإنسان لمرتبة الخلافة بالتقوى وسنن عبادتهم لله عز وجل .
الثانية: إرادة العموم الإستغراقي في نداء الإيمان ، ويحتمل تقدير نداء الإيمان وجوهاً :
أولاً : إرادة الذين نطقوا بالشهادتين .
ثانياً : المقصود المسلمون والمسلمات من الذين صدقوا في إيمانهم ظاهراً وباطناً ، إذ أن المدار على إيمان القلوب وعالم الفعل مجتمعين .
ثالثاً : المراد المسلمون والمسلمات عدا المنافقين الذين يبطنون الكفر ، قال تعالى [إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ] ( ).
رابعاً : المراد من لفظ وخطاب [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا]المسلمون والمسلمات الذين يؤدون الفرائض العبادية من الصلاة , والصوم والحج والزكاة والخمس .
ولا تعارض بين هذه الوجوه ، وكلها من مصاديق نداء الإيمان إذ يتوجه لكل الذين آمنوا بالله ورسوله بالأمر والنهي ، فيتخلف عنه المنافقون باختيارهم , والإمتناع بالإختيار لا ينافي الإختيار .
ومن أسرار تكرار نداء الإيمان دعوة المنافقين للتوبة والإنابة من وجوه :
أولاً : إرادة فضل الله عز وجل على المسلمين بجذبهم إلى منازل التوبة والإنابة ، وما يهجرون من المعاصي من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً , أما ذات التوبة فلابد أن تكون صادقة , قال تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا]( ).
ثانياً : ترشح معاني اللطف الإلهي من نداء الإيمان على عموم المسلمين والمسلمات والناس جميعاً ، ليكون باعثاً على الصلاح , والتنزه عن مفاهيم النفاق .
ثالثاً : ذات نداء الإيمان حجة في تنزيله يهدي الإنسان إلى الهدى والرشاد ، وهو من مصاديق قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( ) فيتلو المسلمون والمسلمات الآية أعلاه عدة مرات لتجذبهم إلى الإيمان ويتلوها المنافق فتكون حرباً على النفاق , وبياناً لقبحه .
الثالثة : بيان آية البحث لقانون وهو مجئ النصر من عند الله للمسلمين على نحو العموم المجموعي , وهو الذي تدل عليه صيغة الخطاب فيها , وهو من مصاديق قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
بحث بلاغي
من ضروب الإطناب (الإيغال) وهو لغة السير الشديد والمواظبة عليه، وهو في الإصطلاح ختم الكلام بنكتة يتم المعنى بدونها، ويأتي في الشعر ختم البيت بنكتة للمبالغة , وإستدل عليه بقول الخنساء في مرتبة أخيها صخر :
وأن صخراً لنائم الهداة به
كأنه علمُ في رأسه نارُ
وأستدل عليه بقوله تعالى[يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ* اتَّبِعُوا مَنْ لاَ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ]( )، للدلالة على أن الأنبياء مهتدون، والمختار أن خاتمة كل آية قرآنية علم مستقل بذاته، وتترشح عنها المسائل بالذات، وبالصلة بينها وبين مضامين ذات الآية، ومنه آية البحث، إذ أختتمت بقوله تعالى[وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ]( ) .
فمن معاني خاتمة الآية في المقام تقريب النصر من المسلمين وتحقق مصداقه، وإدراك قانون وهو أن التوكل على الله طريق إلى النصر والغلبة على الذين كفروا، وتقدير خاتمة الآية أن موضوعها أعم ولا يختص بميدان القتال والنصر على الأعداء، إذ يحتاج المسلم التوكل على الله في أمور الدين والدنيا، وفي أداء الواجبات والمستحبات وتيسير المباحات، وإجتناب المحرمات.
وهل يكون التوكل على الله في المقام من الشكر لله عز وجل على نعمة النصر، والسلامة من الخذلان والترك من عند الله، الجواب نعم.
قانون الآية القرآنية إمام
الحمد لله الذي جعل عدد آيات القرآن (6236) آية وكل واحدة منها كنز من كنوز العرش للمعارف الإلهية مدخر لا تعادله كنوز الدنيا ، وكل آية سالمة من التحريف والزيادة والنقص إلى يوم القيامة لتبقى مرآة لها ولعالم الأكوان , وصحيفة سماوية تتجلى فيها شمائل الحكمة لينهل المؤمنون من حياض المعرفة الإلهية , ويسبحون في غدران الذكر ورياض الأمان ، ويدركون معالم البركة , ويتذوقون حلاوة زيادة الإيمان مع تلاوة الآيات وبما يبعث ثمار الشوق إلى رحمة الله عز وجل ورجاء مغفرته .
وجاء هذا الجزء وهو السادس والأربعون بعد المائة من تفسيري للقرآن خاصاً باستخراج شذرات من بواقيت العلوم التي في خزاين الآية (160)من سورة آل عمران , ونسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم في عرصات المخلدين مع الذين هم [فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ] ( ).
لتكون آية البحث طريقاً للمسلمين للخلود في النعيم باتخاذها منهاجا وضياء ، ومن خصائص المسلمين تلقي كل آية من القرآن بالقبول والتصديق ، وهذا التلقي من سبل سلامته من التحريف والتبديل والتغيير ومن مصاديق قوله تعالى [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون] ( ) ويكون من معاني الآية أعلاه وجوه :
الأول : انا نحن نزلنا الذكر فهو كلام الله .
الثاني : القطع بأن القرآن ليس كلاماً للملك الذي ينزل به وهو جبرئيل.
الثالث : بعث السكينة في نفوس المسلمين بأن القرآن ليس من كلام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إنما هو وحي وتنزيل من عند الله .
الرابع : تقدير الآية : انا نزلنا الذكر لتتلقوه بالقبول , ويكون هذا التلقي من سبل حفظ القرآن وبقائه خالداً في الأرض .
الخامس : إدراك المسلمين لقانون وهو حاجتهم والناس لآيات القرآن ، وتحتمل هذه الحاجة وجوهاً :
الأول : حاجة المسلمين لآيات القرآن على نحو العموم المجموعي .
الثاني : تعلق حاجة المسلمين بكل سورة من القرآن على نحو مستقل ، وهو من أسرار تقسيم القرآن إلى سور منفصلة تبدأ كل واحدة منها بالبسملة باستثناء سورة التوبة التي جاءت إنذاراً ووعيداً للذين كفروا .
الثالث : حاجة المسلمين والناس لكل آية من القرآن .
ولا تعارض بين هذه الوجوه ، فصحيح أن الأصل هو الوجه الأخير أعلاه ، إلا أن الوجهين الأول والثاني في طوله ، وهذه الحاجة كهف وكنز لتعاهد وحفظ آيات القرآن وسلامتها من التحريف ، وتكون هذه السلامة من مصاديق قوله تعالى [فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ] ( ) بتقريب وهو بقاء كل آية قرآنية حجة على الناس في لزوم إيمانهم وصلاحهم والعمل بمضامين الآية القرآنية ، فلا يقول اللاحق من الأجيال المتأخرة من الناس أني لم أسمع بهذه الآية ، ولم أبلغ بالحكم بها .
إنما أراد الله عز وجل أن تكون كل آية قرآنية موجودة في كل زمان رسماً وتلاوة لتكون إماماً للناس ، وهو من الفيض الإلهي بوجوب تلاوة كل مسلم ومسلمة آيات من القرآن خمس مرات في اليوم على نحو الوجوب العيني .
وهل يمكن القول أن الله عز وجل أمر بالصلاة كي يحفظ القرآن من التحريف والضياع , الجواب نعم ، فهذا المعنى أحد وجوه ومصاديق تشريع الصلاة ، وإن كانت هذه الوجوه والمنافع العظيمة من فرض وأداء الصلاة أكثر وأعم من أن تحصى ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا] ( ) .
وتقدير الآية أعلاه في المقام على وجوه :
الأول : وأن تعدوا نعمة الله في فرض الصلاة لا تحصوها .
الثاني : وأن تعدوا نعمة الله في أدائكم الصلاة لا حصوها .
الثالث : وان تعدوا نعمة الله في إتيانكم الصلاة كما صلاها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا تحصوها .
وهو من البركات وعلوم الوحي في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (صلوا كما رأيتموني أصلي) ( ) أي صلوا مثل صلاتي كي تأتيكم النعم وتنزل عليكم الخيرات وتتعاهدوا تلاوة القرآن وحفظه من النقص والتحريف .
الخامس : وإن تعدوا نعمة الله في آية البحث لا تحصوها ، إذ تتضمن البشارة للمسلمين بالنصر ، وهذه البشارة مقرونة بلزوم السعي والعمل الدؤوب من قبل المسلمين لبلوغ مرتبة إستحقاق النصر ، ومن مصاديقها التوكل على الله ، وتفويض الأمور له سبحانه لذا أختتمت الآية بقوله تعالى [وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ].
وليس من شيء أعظم من النصر عند الدفاع عن التنزيل وأحكام الشريعة التي أمر الله عز وجل بها ، ليكون النصر بذاته نعمة عظمى ، وكذا ما يترشح عنه من النعم غير المتناهية .
لقد أراد الله عز وجل من آية البحث أن تكون أماماً للمسلمين في حال الحرب والسلم .
قراءة في ذكر الأنبياء في القرآن
ذكر آدم في القرآن خمساً وعشرين مرة , منها ما ورد ذكره بالاسم والذات، ومنها ما جاء خطاباً وذكراً للناس بلحاظ أنهم ذريته، قال تعالى[أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لاَ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ]( ).
وذكر نوح في القرآن ثلاثاً وأربعين مرة منها ما ورد فيه ذكر نوح بالذات كما في قوله تعالى[وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمْ الطُّوفَانُ]( ) .
ومنها ما ورد بخصوص قوله تعالى[كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ]( )، كما ورد في القرآن ذكر امرأة نوح , قال تعالى[ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امرأة نُوحٍ وَامرأة لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنْ اللَّهِ شَيْئًا]( ) .
وذكر لفظ هود في القرآن سبع مرات ، إذ تتعدد الآيات التي تتضمن إنذار هود لقومه وإظهاره النصح لهم ، وسعيه لجذبهم إلى منازل للتوبة والهداية منها قوله تعالى [يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ] ( ) وقوله تعالى [أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ]( ) .
ومن مصاديق [أَحْسَنَ الْقَصَصِ]( )عدم إختصاص آيات الأنبياء بما يرد فيها اسماؤهم ، إذ تشمل الآيات التي تتضمن رد قومهم عليهم ، لبيان الأذى الذي كانوا يلقونه منهم , والجحود الذي يصرون عليه [قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنْ الصَّادِقِينَ]( ) كما ورد في التنزيل حكاية عن قوم هود[إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ] ( ) ولقد تلقى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ذات الأذى من قومه ، وزادوا عليه بأن خرجوا بجيوش عظيمة لمحاربته وإرادة قتله وأسر أصحابه .
وكما ذكرت آية السياق مجئ رحمة الله عز وجل ليرفق النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمسلمين ، فان رحمة الله عز وجل نزلت على هود وأصحابه لنجاتهم بقوله تعالى [وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا] ( ) والصلة بين الرحمة في الآية أعلاه والرحمة في آية السياق على وجوه :
الأول : إتحاد ماهية الرحمة وهي نفسها في الآيتين ، وإن تباينت في الزمان والموضوع وتأريخ النبوة وشخص النبي .
الثاني : التباين والتعدد بين الرحمتين ، فكل فرد من الرحمة مختلف عن الفرد الآخر .
الثالث : رحمة الله التي نزلت على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أعظم وأوسع .
الرابع : بين الرحمتين عموم وخصوص مطلق إذ تضاف رحمة الله التي نجا فيها هود والذين آمنوا معه إلى الرحمة النازلة على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بلحاظ أن الرحمة والنعمة النازلة من الله لا تغادر الأرض .
والمختار هو الثالث أعلاه ، ومن الآيات أن رحمة الله على المسلمين جعلتهم ينتصرون في المعارك ، ثم دخول قوم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من قريش الإسلام , بينما ذكرت الآيات أعلاه نجاة هود والذين آمنوا معه .
وعن عبد الله بن عمر قال (لما أوحى الله إلى العقيم أن تخرج على قوم عاد فتنتقم له منهم ، فخرجت بغير كيل على قدر منخر ثور حتى رجفت الأرض ما بين المشرق والمغرب .
فقال الخزان : رب لن نطيقها ولو خرجت على حالها لأهلكت ما بين مشارق الأرض ومغاربها ، فأوحى الله إليها : أن ارجعي . فرجعت فخرجت على قدر خرق الخاتم وهي الحقلة .
فأوحى الله إلى هود : أن يعتزل بمن معه من المؤمنين في حظيرة ، فاعتزلوا وخطَّ عليهم خطاً ، وأقبلت الريح فكانت لا تدخل حظيرة هود ولا تجاوز الخط ، وإنما يدخل عليهم منها بقدر ما تلذ به أنفسهم وتلين عليه الجلود ، وإنها لَتَمَرُّ من عاد بالظعن بين السماء والأرض وتدمغهم بالحجارة ، وأوحى الله إلى الحيات والعقارب : أن تأخذ عليهم الطرق فلم تدع عادياً يجاوزهم .
وأخرج ابن عساكر عن وهب قال : لما أرسل الله الريح على عاد اعتزل هود ومن معه من المؤمنين في حظيرة ما يصيبهم من الريح إلا ما تلين عليه الجلود وتلتذه الأنفس ، وإنها لتمر بالعادي فتحمله بين السماء والأرض وتدمغه بالحجارة .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله { وقطعنا دابر الذين كذبوا }( ) قال : استأصلناهم .
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن هزين بن حمزة قال : سأل النبي صلى الله عليه وسلم ربه أن يريه رجلاً من قوم عاد ، فكشف الله له عن الغطاء ، فإذا رأسه بالمدينة ورجلاه بذي الحليفة ، أربعة أميال طوله .
وأخرج ابن عساكر من طريق سالم بن أبي الجعد عن عبد الله قال : ذكر الأنبياء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فلما ذكر هود قال : ذاك خليل الله .
وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن عساكر عن ابن عباس قال : لما حجَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرَّ بوادي عسفان فقال : لقد مر به هود وصالح على بكرات حمر خطمهن الليف ، ازرهم العباء وأرديتهم النمار يلبون ويحجون البيت العتيق) ( ).
وذكر نبي الله صالح في القرآن تسع مرات .
وذكر القرآن قصته وقومه وهم قبيلة ثمود ومساكنهم بالحجر شرق الأردن ، وكانوا يتصفون بالمدنية والحضارة وسكن المدن وعمارتها ، ومع هذا كانوا جاحدين منكرين للوحدانية , لتكون قصتهم موعظة للمسلمين والناس جميعاً ولزوم عدم الإفتتان بالأغنياء والبلدان الثرية إذا ما إختاروا الكفر والجحود .
ولما أخبر نبي الله صالح قومه عن نبوته ودعاهم إلى كلمة لا إله إلا الله ذات الكلمة التي أعلنها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وفي التنزيل حكاية عن صالح عليه السلام قال [قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ] ( ) سألوا صالحاً المعجزة والتي تبين وتدل وتثبت أنه رسول من الله ، فأتاهم بالناقة .
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام (سأل ملك الروم الحسن بن علي عليه السلام عن سبعة أشياء خلقها الله لم تخرج من رحم، فقال عليه السلام: أول هذا آدم، ثم حواء، ثم كبش إبراهيم، ثم ناقة الله، ثم إبليس الملعون، ثم الحية، ثم الغراب التي ذكرها الله في القرآن)( ).
لقد وصف الله عز وجل ناقة صالح بأنها آية ، وقال الرازي : (واعلم أن القرآن قد دل على أن فيها آية ، فأما ذكر أنها كانت آية من أي الوجوه فهو غير مذكور والعلم حاصل بأنها كانت معجزة من وجه ما لا محالة والله أعلم) ( ).
ولكن قوله تعالى [قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً] ( ) دعوة للعلماء خاصة والمسلمين عامة للتدبر في أسرار هذه الآية ودلالالتها وأثرها في زمانها والأزمنة اللاحقة ، وكل آية ذكرت نبي الله صالح وأمر الناقة هو من عمومات هذه الآية والتدبر في معانيها ودلالاتها , ليكون من الآية بخصوص الناقة أنها اسم جنس ومتعدد , وإن كانت ذات الناقة فرد واحد وهو شاهد على نزول القرآن بحفظ معجزات الأنبياء , وترشح العلوم , وإستقراء المسائل من جهات :
الأولى : معجزة كل نبي من الأنبياء التي ورد ذكرها في القرآن .
الثانية : العلة في إتحاد أو تعدد معجزات كل نبي .
الثالثة : الجمع بين معجزات الأنبياء في القرآن .
الرابعة : الدروس المستنبطة من كل معجزة وردت في القرآن .
الخامسة : تجلي معجزات الأنبياء في سيرة وسنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
السادسة : ذكر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لمعجزات الأنبياء وحكايتهم لها ، ومن الإعجاز في المقام صيرورة هذا الذكر على وجوه :
أولاً : معجزات الأنبياء الذين ورد ذكرهم في القرآن .
ثانياً : معجزات الأنبياء الذين لم يذكروا في القرآن , ويقوم النبي بتسميتهم وذكر أسمائهم .
ثالثاً : ذكر قصص لبعض الأنبياء على نحو التنكير من غير ذكر اسم النبي .
وذكر ابراهيم في القرآن تسع وستين مرة ، لقد كانت قصة إبراهيم في القرآن مدرسة عقائدية جامعة وتعدد ذكره في القرآن وفيه مسائل :
الأولى : بيان عظيم منزلة إبراهيم عليه السلام .
الثانية : لما أمر الله عز وجل باتباع نهج وملة إبراهيم تفضل وذكر قصته وجهاده بالبيان المتعدد .
الثالثة : تفضل الله عز وجل بإتخاذ إبراهيم خليلاً بقوله تعالى [وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً] ( ).
الرابعة : دعوة إبراهيم لأبيه آزر على الإختلاف في معنى الأبوة في المقام، وصبر إبراهيم على توعد آزر له بالعقاب [سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا]( ).
الخامسة : إحتجاج إبراهيم على قومه ، ثم ذهابه إلى الملك نمرود وإقامة الحجة والبرهان عليه ، بقوله [فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ] ( ).
ويأتي إبراهيم عليه السلام بالمرتبة الثانية في عدد المرات التي ذكر فيها بالقرآن ، إذ ورد ذكر موسى مائة وست وثلاثين مرة، وكان أكثر ذكر موسى بخصوص أحوال تتعلق ببني إسرائيل واليهود كأهل ملة مصاحبة لأيام البعثة النبوية، وكان اليهود يقيمون في المدينة المنورة عندما هاجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إليها ، ولهم أسواقهم الخاصة بهم التي يقصدهم فيها الأوس والخزرج وغيرهم للشراء منهم، وهم بنو قينقاع، وبنو قريظة، وبنو النضير .
وتبين الآيات إحتجاج موسى عليه السلام على فرعون وملئه أي الوجهاء والرؤساء من قومه وصبر موسى عليه السلام في جنب الله .
وعن ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال(رحمة الله على موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر)( ).
ويرجع موسى في نسبه إلى إبراهيم عليه السلام إذ أنه من ذرية يعقوب ابن إسحاق بن إبراهيم .
لقد انفرد موسى عليه السلام بمسؤولية عظيمة وهي دعوة فرعون إلى الإسلام وإنقاذ بني إسرائيل منه ، إذ كان يلقون منه أشد صنوف العذاب وفي التنزيل[وَقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ]( ).
ومن الآيات أن قصة موسى عليه السلام في القرآن بدأت من حين ولادته ، لتكون مرآة لفضل الله وعنايته بكل نبي من حين ولادته، وتتجلى في حياة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم معجزات قبل وبعد ولادته، وفيه حث على العناية بولادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفترة رضاعته ونشأته .
لقد شاء الله عز وجل أن ينشأ موسى في بيت فرعون ليحكي بداية زوال سلطانه بعد أن ألقته أمه في البحر خوفاً عليه ، ولا يمكن أن تلقي امرأة ابنها في البحر وهي تريد نجاته وسلامته لولا الوحي من عند الله عز وجل ، ليعود لها للرضاعة بعدئذ، قال تعالى [فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ] ( ).
وكذا فأن آية البحث وعد من عند الله بالنصر وتدعو المسلمين إلى التسليم بأن النصر منه سبحانه .
وذكر اسماعيل في القرآن أثنتي عشرة مرة.
لقد كانت نبوة إسماعيل معجزة تبدأ من زواج النبي إبراهيم عليه السلام عليه السلام من زوجته هاجر التي وهبها جبار مصر لسارة زوجها إبراهيم التي يأست من الولد ، فادخلت إبراهيم على هاجر لتلد له إسماعيل، وتنتقل به إلى البيت الحرام ، وفي التنزيل حكاية عن إبراهيم[رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ]( ) لبيان بشارة إبراهيم عليه السلام بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونبوته.
ولم يرد ذكر اسم إسماعيل في الآية أعلاه لأن إبراهيم ناجى الله بأنه ترك بعضاً من ذريته في البيت الحرام ، ولكن آيات أخرى تبين أن المراد هو إسماعيل بدليل قوله تعالى [وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ]( ) .
ويدل هذا العموم والخصوص على إتصال بقاء ذرية إبراهيم في مكة إلى يوم القيامة، وعلى البشارة ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وأختلف في الذبيح الذي ورد ذكره بقوله تعالى [قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ]( ) هل هو إسماعيل أم إسحاق , ولبيان أن رؤيا الأنبياء وحي .
وورد عن الإمام الرضا عليه السلام (عن معنى قول النبي صلى الله عليه واله: أنا ابن الذبيحين، قال: يعني إسماعيل بن إبراهيم الخليل، وعبد الله بن عبد المطلب أما إسماعيل فهو الغلام الحليم الذي بشر الله به إبراهيم ” فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ” .
ولم يقل له يا أبت افعل ما رأيت ” ستجدني إن شاء الله من الصابرين ” فلما عزم على ذبحه فداه الله بذبح عظيم بكبش أملح يأكل في سواد، ويشرب في سواد، وينظر في سواد، ويمشي في سواد، ويبول ويبعر في سواد، وكان يرتع قبل ذلك في رياض الجنة أربعين عاما، وما خرج من رحم انثى، وإنما قال الله عزوجل له: كن فكان، ليفتدى به إسماعيل، فكل ما يذبح بمنى فهو فدية لاسماعيل إلى يوم القيامة، فهذا أحد الذبيحين)( ).
(عن السدي قال : أتى إبراهيم في النوم فقيل له : أوف بنذرك الذي نذرت . إن الله رزقك غلاماً من سارة أن تذبحه.
فقال : يا إسحاق انطلق فقرب قرباناً إلى الله ، فأخذ سكيناً وحبلاً ثم انطلق به ، حتى إذا ذهب به بين الجبال قال الغلام : يا أبت أين قربانك؟ { قال : يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى ، قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين }
قال له إسحاق : يا أبت اشدد رباطي حتى لا أضطرب ، وأكفف عني ثيابك حتى لا ينضح عليها من دمي شيء ، فتراه سارة فتحزن ، وأسرع مرّ السكين على حلقي ليكون أهون للموت عليَّ فإذا أتيت سارة ، فاقرأ عليها السلام مني .
فأقبل عليه إبراهيم بقلبه وهو يبكي ، وإسحاق يبكي ، ثم إنه جر السكين على حلقه ، فلم تنحر ، وضرب الله على حلق إسحاق صفيحة من نحاس ، فلما رأى ذلك ضرب به على جبينه ، وحز من قفاه . وذلك قول الله { فلما أسلما } يقول : سلما لله الأمر { وتله للجبين } فنودي يا إبراهيم { قد صدقت الرؤيا} بإسحاق ، فالتفت فإذا هو بكبش ، فأخذه وحل عن ابنه ، وأكب عليه يقبله، وجعل يقول: اليوم يا بني وهبت لي)( ).
وأختلف أيضاً في العليم في قوله بخصوص إبراهيم عليه السلام [وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلِيمٍ]( ).
ورد عن مجاهد (في قوله { وبشروه بغلام عليم } قال : هو إسماعيل)( ).
وقال ابن كثير هو إسحاق( ).
والمختار: المراد من الغلام العليم هو يوسف عليه السلام وهذا القول منا مستحدث ولم يذكره العلماء ، ولكنه مستقرأ من القرآن والتفسير الذاتي لآياته وقد ذكرته في تفسيري لسورة يوسف المطبوع قبل ست وعشرين سنة.
فقد ورد حكاية عن يوسف عليه السلام في خطابه مع ملك مصر [قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ]( )، فهنا سمى يوسف نفسه عليماً.
وفي الآية أعلاه بشر إبراهيم بغلام عليم ، لإفادة معنى وهو أن البشارات التي تأتي لإبراهيم عليه السلام في ذريته أعم من أن تختص بابنائه الصلبيين .
وهل يمكن القول أن البشارة بقوله تعالى[وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلِيمٍ]( )، تشمل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بلحاظ آية السياق ، وثنائها على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقوله تعالى[وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ]( ) والذي يدل بالدلالة التضمنية على أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم هو عليم بالكتاب والحكمة لأنه يعلم المسلمين ما علّمه الله .
الجواب نعم، وهو من من الإعجاز في آيات القرآن، كما تدل البشارة لإبراهيم بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالدلالة التضمنية على ولادة ولد له وحفظه في عقبه وبقاء ذريته، لبيان أن الله عز وجل يعطي بالأتم والأوفى، وأنه لا يبشر بالولد الصلبي وحده، إنما يبشر بالذرية والأولاد المتعاقبين.
وذكر إسحاق في القرآن سبع عشرة مرة، منها ثلاث مرات في سورة البقرة ، قال تعالى [أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ] ( ) كما ذكر مرة في سورة آل عمران منها قوله [قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ] ( ) وورد مرة في سورة النساء , وهو قوله تعالى [وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى] ( ).
وورد في سورة الأنعام مرة واحدة [وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا]( ).
وورد مرتين في سورة هود , ومرتين في سورة يوسف , ومرة واحدة في سورة إبراهيم ، وفي سورة مريم مرة واحدة ، وواحدة في سورة الأنبياء، وواحدة في سورة العنكبوت ، واثنتين في سورة الصافات ، وواحدة في سورة ص بقوله تعالى[وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ]( ).
لقد جاءت البشارة باسحاق على نحو الخصوص والتعيين، قال تعالى [وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنْ الصَّالِحِينَ]( ) والمختار أنها غير البشارة بقوله تعالى[فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ]( ).
ويمكن تشريع قانون وهو لو دار الأمر في البشارة المتعددة بين المصداق المتحد أو المصداق المتعدد ، فالصحيح هو الثاني ، قال تعالى[قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا]( ).
وإسحاق هو الوعد الثاني لإبراهيم والأول من زوجته سارة ، أما ولده الأول فهو إسماعيل من زوجته هاجر , وكان عمر إبراهيم عندما حملت سارة باسحاق مائة سنة ، وقيل مائة وعشرين ، أما سارة يومئذ فعمرها تسعون سنة، لبيان معجزة بولادة إسحاق ، ومن بديع صنع الله ، وفضله على الناس جميعاً أن النعمة إذا نزلت من عند الله فانها لن تغادر الأرض لأن الله عز وجل أكرم من أن يرفعها.
وتتجلى هذه المعجزة بالإرتقاء العلمي في هذا الزمان وقرب التوصل إلى صلاح المرأة بالولادة عن عمر تسعين سنة أو أكثر أو أقل , مع كثرة سبل الحمل المختبرية وطرق الولادات ونشأة الجنين.
وفي معجزة ولادة إسحاق وصيروته نبياً دعوة لعلماء الأبدان والمختبر بأن تكون الولادات وفق النظم الشرعية، وعدم ترتب الأذى والضررمن هذه الإكتشافات العلمية .
وهل تدل الولادة عن كبر بالنسبة لولادة إسحاق بن إبراهيم، ويحيى بن زكريا على رشحات الإعجاز في تحسين الجينات وولادة أناس يتصفون بالذكاء والصحة ونحوها، الجواب نعم، ولكنهم لا يرقون إلى مرتبة النبوة والمعجزة لتكون الولادات في هذا الزمان والأزمنة اللاحقة من رشحات قوله تعالى[وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( ).
وولد نبي الله إسحاق عليه السلام في قرية جبرون وهي التي تسمى هذه الأيام مدينة الخليل ، وقيل مات وعمره مائة وثمانون سنة .
ذكر اسحاق في القرآن سبع عشرة مرة منها قوله تعالى[وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ]( ) .
وذكر لوط في القرآن سبعاً وعشرين مرة.
وهو عدد كثير وله دلالات ومعاني تقتبس منها المواعظ والدروس، وورد ذكره في سورة الأنعام والأعراف وهود والأنبياء والشعراء والنمل والعنكبوت وص والقمر والتحريم والصافات .
لقد إتصفت قصة النبي لوط وقومه بمسألة مؤلمة وتحزن النفوس والقلوب المنكسرة وهي إشاعة قومه الفاحشة واللواط بينهم، فأنذرهم لوط فلم يتعظوا فجاءهم العذاب الأليم ، والذي لم ينج منه إلا لوط ومن آمن معه .
(عن حذيفة بن اليمان قال : لما أرسلت الرسل إلى قوم لوط ليهلكوهم قيل لهم : لا تهلكوا قوم لوط حتى يشهد عليهم لوط ثلاث مرات ، وكان طريقهم على إبراهيم خليل الرحمن { فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط } وكانت مجادلته إياهم قال : أرأيتم إن كان فيها خمسون من المؤمنين أتهلكونهم؟
قالوا : لا .
قال : فأربعون؟
قالوا: لا. حتى انتهى إلى عشرة أو خمسة قال:
فأتوا لوطاً وهو في أرض له يعمل فيها ، فحسبهم ضيفاناً ، فأقبل حتى أمسى إلى أهله ، فمشوا معه فالتفت إليهم.
فقال : ما ترون ما يصنع هؤلاء؟
قالوا : وما يصنعون؟ قال : ما من الناس أحد شر منهم . فمشوا معه حتى قال ذلك ثلاث مرات ، فانتهى بهم إلى أهله.
فانطلقت عجوز السوء امرأته ، فأتت قومه فقالت : لقد تضيف لوط الليلة قوماً ما رأيت قط أحسن ولا أطيب ريحاً منهم ، فأقبلوا إليه يهرعون فدافعوه بالباب حتى كادوا يغلبون عليه . فقال ملك بجناحه فسفقه دونهم وعلا وعلوا معه ، فجعل يقول { هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله } إلى قوله {أو آوي إلى ركن شديد } فقالوا { إنا رسل ربك لن يصلوا إليك } فذلك حين علم أنهم رسل الله ، وقال ملك بجناحه فما غشى تلك الليلة أحد بجناحه إلا عمي فباتوا بشر ليلة عمياً ينتظرون العذاب.
فإستأذن جبريل عليه السلام في هلاكهم فأذن له ، فاحتمل الأرض التي كانوا عليها وأهوى بها حتى سمع أهل سماء الدنيا ضغا( ) كلابهم ، وأوقد تحتهم ناراً ثم قلبها بهم.
فسمعت امرأة لوط الوجبة وهي معهم ، فالتفتت فأصابها العذاب ، وتبعت سفاهم الحجارة ) ( ).
وذكر شعيب في القرآن إحدى عشرة مرة
ووردت قصة شعيب في أربع سور من القرآن وهي : الأعراف وهود والشعراء والعنكبوت ، قال تعالى [وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا] ( ).
وذكر (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا ذكر شعيباً قال : ذلك خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه ، فيما يرادهم به ، فلما كذبوه وتوعدوه بالرجم والنفي من بلاده وعتوا على الله ، أخذهم عذاب يوم الظلة) ( ).
وعن (ابن عباس وقال: كان حليماً صادقاً وقوراً ، وكان رسول الله صلى عليه وسلم إذا ذكر شعيباً يقول ذاك خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه فيما دعاهم إليه ، وفيما ردوا عليه وكذبوه وتوعدوه بالرجم والنفي من بلادهم)( ).
ومن إعجاز القرآن أن كل قصة نبي من الأنبياء مدرسة عقائدية تتجلى فيها صبغة الإيمان وسنن التقوى ومفاهيم الصبر والسعي في مرضاة الله ، وفي كل قصة من قصص الأنبياء نصر من الله عز وجل لذات النبي والنبوة والوحي ليكون هذا النصر مقدمة لنصر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وذكر أيوب في القرآن أربع مرات .
وكان صاحب أموال وإبتلاه الله عز وجل فأظهر الصبر والإنقطاع إلى الدعاء والرضا بأمر الله ، وفي التنزيل [وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ* فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ] ( ).
(عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال :
إن أيوب لبث به بلائه ثماني عشرة سنة ، فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه كانا من أخص إخوانه ، كانا يغدوان إليه ويروحان فقال أحدهما لصاحبه ذات يوم : تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنباً ما أذنبه أحد . قال : وما ذاك؟ قال : منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله، فيكشف عنه ما به . فلما جاء إلى أيوب لم يصبر الرجل حتى ذكر له ذلك.
فقال أيوب : لا أدري ما تقول ، غير أن الله يعلم أني كنت أمر بالرجلين يتباعدان يذكران الله فأرجع إلى بيتي فاؤلف بينهما كراهة أن يذكر الله لا في حق . وكان يخرج لحاجته فإذا قضى حاجته أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ ، فلما كان ذات يوم أبطأ عليها فأوحى الله إلى أيوب في مكانه أن { اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب } فاستبطأته فأتته فأقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء وهو أحسن ما كان.
فلما رأته قالت : أي بارك الله فيك ، هل رأيت نبي الله المبتلى؟ والله على ذاك ما رأيت رجلاً أشبه به منك إذ كان صحيحاً.
قال : فإني أنا هو . قال : وكان له اندران ، اندر للقمح( ) وأندر للشعير.
فبعث الله سحابتين فلما كانت إحداهما على أندر القمح ، أفرغت فيه الذهب حتى فاض ، وأفرغت الأخرى في أندر الشعير الورق( ) حتى فاض)( ).
و ذكر موسى في القرآن مائة وست وثلاثين مرة.
ومنها ما جاء في سورة البقرة، قال تعالى [وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ] ( ) كما سميت أكبر سورة من القرآن وهي سورة البقرة بالقصة التي تتعلق باخبار قوم موسى عليه السلام له بأن فرداً منهم وجد مقتولاً وأرادوا معرفة القاتل بما يوحيه الله عز وجل لموسى عليه السلام.
وروى أبو سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : السُّورةُ الَّتِي تُذْكَرُ فِيهَا البَقَرةُ فُسْطَاطُ القُرْآنِ ، فَتَعَلَّمُوهَا فَإِنَّ تَعلِيمَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ ، وَلاَ يَسْتَطِيعُهَا البَطَلَةُ قِيلَ : وَمَنِ البَطَلَةُ؟ قَالَ : السَحَرَةُ)( ).
وروي عن خالد بن معدان وهو تابعي وراو للحديث النبوي ، ومن مشايخ أهل الشام، أدرك سبعين من أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم توفي سنة (103) للهجرة ، كما أرسل بعض الأحاديث عن الصحابة مثل معاذ بن جبل ، وأبي الدرداء وعبادة بن الصامت .
وذكر هارون في القرآن تسع عشرة مرة وورد اسم هارون مرة أخرى في قوله تعالى [يَاأُخْتَ هَارُونَ]( ) وورد الخبر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن بني إسرائيل كانوا يسمون باسماء أنبيائهم والصالحين من قبلهم، كما ورد في الخبر عنه صلى الله عليه وآله وسلم إنما عنوا هارون النبي أخي موسى لأنها كانت من ذريته.
(انّما عنوا هارون النبي اخا موسى لأنها كانت من نسله ) ( ).
وهناك قول ثالث وهو (أن هارون كان رجلا فاسقا زانيا فشبهوها به، من أين هذا البلاء الذي جئت به والعار الذي ألزمته بني إسرائيل ؟ فأشارت إلى عيسى في المهد فقالوا لها: ” كيف نكلم من كان في المهد صبيا”)( ).
والظاهر هو قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن المراد من هارون هو أخو مريم وكان صالحاً .
ونال هارون مرتبة النبوة بدعاء موسى عليه السلام حينما أمره الله عز وجل أن يذهب إلى فرعون يعظه ويدعوه إلى التوحيد ، ويترك الطغيان والغرور ودعوة الربوبية ، وفي التنزيل [اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا* قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى] ( ).
ويتجلى الإعجاز في الآيات أعلاه بقصر كل واحدة منها، والوزير هو المؤازر والمعين والناصر ، فلا تدل هذه الآيات على أن موسى عليه السلام سأل النبوة لهارون إنما أراده وزيراً وهو أكبر سناً من موسى عليه السلام فاكرمهما الله عز وجل بنبوة هارون ليشاركه الإحتجاج على فرعون، ودعوته إلى التوبة وعبادة الله قال تعالى[وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ]( ).
(أخرج ابن مردويه والخطيب وابن عساكر ، عن أسماء بنت عميس قال : رأيت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بإزاء ثبير وهو يقول : « أشرق ثبير أشرق ثبير اللهم إني أسألك بما سألك أخي موسى أن تشرح لي صدري وأن تيسر لي أمري وأن تحل عقدة من لساني { يفقهوا قولي واجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيراً ونذكرك كثيراً إنك كنت بنا بصيراً}.
وأخرج السلفي في الطيوريات بسند واه ، عن أبي حعفر محمد بن علي قال : لما نزلت { واجعل لي وزيراً من أهلي ، هارون أخي اشدد به أزري} كان رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – على جبل ، ثم دعا ربه وقال : اللهم اشدد أزري بأخي علي فأجابه إلى ذلك .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله : { واحلل عقدة من لساني } قال : عجمة بجمرة نار أدخلها في فيه ، عن أمر امرأة فرعون تدرأ به عنه عقوبة فرعون حين أخذ موسى بلحيته ، وهو لا يعقل . قال : هذا عدوّ لي ، فقالت امرأته : إنه لا يعقل)( ).
وفيه ترغيب للمسلمين بالسعي إلى النصر على الأعداء والتضرع إلى الله بتحقق هذا النصر ، وسؤال الله أن لا يخذلهم أو يتركهم.
وذكر داود في القرآن ست عشرة مرة .
مع بيان نبوته وعظيم فضل الله عز وجل عليه وهو داود بن ايشا بن عويد بن عابر وينتهي نسبه إلى يهوذا بن يعقوب بن أسحاق بن يعقوب.
ذكر سليمان في القرآن سبع عشرة مرة .
وهو سليمان بن النبي داود بن إيسّا ويرجع نسبه إلى يهوذا بن يعقوب بن أسحاق بن إبراهيم ، قال تعالى [وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ] ( ) وكان سليمان يعرف اللغة التي تتخاطب بها الطيور فيخبر الناس بكلام الطيور واخذ المواعظ والعبر منه .
(وروى البيهقي وابن عساكر بسندهما إلى أبي مالك قال: مرّ سليمان بن داود عليه السلام بعصفور يدور حول عصفورة قال لاصحابه: أتدرون ما يقول ؟ قالوا: وما يقول يا نبي الله قال: يخطبها إلى نفسه ويقول: تزوجيني أسكنك أي قصور دمشق شئت.
قال سليمان: وقصور دمشق مبنية بالصخر لا يقدر أن يسكنها، لكن كل خاطب كذاب) ( ).
وذكر زكريا في القرآن سبع مرات .
تتعلق بها نبوته وصلته مع مريم وإطلاعه على الكرامات التي تجري على يديها وهي قائمة في المحراب وسؤاله الله عز وجل أن يهب له ولداً بعد أن رأى إستجابة الله لعمران أبي مريم وزوجته حنّه اذ لبثت بعد زواجها ثلاثين سنة لم تحمل ، ثم حملت ونذرت أن تهب حملها إلى بيت المقدس ، إذ كانت ترجو أن يكون ولداً ولما ولدت مريم حملتها إلى بيت المقدس لخدمته .
وتوجه زكريا بالدعاء فانعم الله عليه بيحيى النبي , قال تعالى [يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا]( ).
ويرجع نسب زكريا إلى النبي داود وقد التقى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالنبي زكريا ليلة الإسراء ، فسأله النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن كيفيه قتله.
(عن ابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة أسري به رأى زكريا في السماء فسلم عليه فقال له : يا أبا يحيى ، خبرني عن قتلك كيف كان؟ ولم قتلك بنو إسرائيل؟
قال : يا محمد ، إن يحيى كان خير أهل زمانه ، وكان أجملهم وأصبحهم وجهاً ، وكان كما قال الله : { سيداً وحصوراً } وكان لا يحتاج إلى النساء ، فهويته امرأة ملك بني إسرائيل وكانت بغية فأرسلت إليه ، وعصمه الله وامتنع يحيى وأبى عليها ، وأجمعت على قتل يحيى ، وَلَهُم عيد يجتمعون في كل عام ، وكانت سنة الملك أن يوعد ولا يخلف ولا يكذب.
فخرج الملك للعيد فقامت امرأته فشيعته ، وكان بها معجباً ، ولم تكن تسأله فيما مضى ، فلما أن شيعته قال الملك : سليني فما تسأليني شيئاً إلا أعطيتك.
قالت : أريد دم يحيى بن زكريا . قال لها : سليني غيره . قالت : هو ذاك . قال : هو لك ، فبعثت جلاوزتها إلى يحيى وهو في محرابه يصلي ، وأنا إلى جانبه أصلي ، فذبح في طست ، وحمل رأسه ودمه إليها.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : فما بلغ من صبرك؟ قال : ما انفتلت من صلاتي ، فلما حمل رأسه إليها ووضع بين يديها ، – فلما أمسوا – خسف الله بالملك وأهل بيته وحشمه ، فلما أصبحوا قالت بنو إسرائيل : لقد غضب إله زكريا لزكريا ، فتعالوا حتى نغضب لملكنا ، فنقتل زكريا ، فخرجوا في طلبي ليقتلوني ، فجاءني النذير ، فهربت منهم وإبليس أمامهم يدلهم علي : فلما أن تخوفت أن لا أعجزهم ، عرضت لي شجرة فنادتني فقالت : إلي إلي ، وانصدعت لي ، فدخلت فيها.
وجاء إبليس حتى أخذ بطرف ردائي ، والتأمت الشجرة وبقي طرف ردائي خارجاً من الشجرة ، وجاء بنو إسرائيل.
فقال إبليس : أما رأيتموه دخل هذه الشجرة! هذا طرف ردائه دخل به الشجرة ، فقالوا : نحرق هذه الشجرة ، فقال إبليس : شقوه بالمنشار شقاً)( ).
ذكر يحيى في القرآن خمس مرات .
وهو نبي ابن نبي لأن أباه هو زكريا النبي ، ويتصف يحيى بأنه لم يذنب ولم يعصى الله قال تعالى في الثناء عليه [وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنْ الصَّالِحِينَ] ( ).
وقد وردت أحاديث عديدة عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يثني فيها على يحيى وعفته وعصمته ، (عن ابن شهاب : أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه يوماً وهم يتذاكرون فضل الأنبياء.
فقال قائل : موسى كلمه الله تكليماً ، وقال قائل : عيسى روح الله وكلمته.
وقال قائل : إبراهيم خليل الله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أين الشهيد ابن الشهيد يلبس الوبر ويأكل الشجر مخافة الذنب يحيى بن زكريا)( ).
و(عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ما من أحد من ولد آدم إلا وقد أخطأ ، أو هم بخطيئة ، إلا يحيى بن زكريا ، لم يهم بخطيئة ولم يعملها) ( ).
ولقد اعطى يحيى الفهم وهو ابن سبع سنين ، وعندما دعاه الصبيان للعب معهم فقال لهم لم تخلق للعب ، أذهبوا نصلي) وستأتي تتمة لهذا البحث والقراءة في الجزء التالي( ).

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
العدد : 2595/16
التاريخ: 30/10/2016

آية الله العظمى الشيخ صالح الطائي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ماذا تقولون بنقل الموتى من بلاد الغرب إلى العتبات المقدسة لأنه يلزم أفراغ الدم من الميت خشية العفونة.
نفر من المؤمنين / المملكة المتحدة
بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى[وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ]
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ليس من حصر لنعم الله الظاهرة والخفية، والجلية منها في البدن كالقوة العقلية والعافية والحواس والباطنة الخاصة والعامة , من النعم العظمى بعث الأنبياء ونزول الكتب السماوية، والآيات الكونية، وهل من هذه النعم تقارب البلدان وسرعة وسائط النقل والإتصال والاعلام وكأن الأرض تطوى لأهل هذا الزمان .
الجواب نعم، ليكون من معاني عجز الناس عن الإحصاء في الآية أعلاه قصورهم عن الإحاطة بنعم ثابتة وأخرى متجددة وحادثة، ومن نعم الله عز وجل علينا صدور الجزء الخامس والأربعين بعد المائة من تفسيرنا للقرآن ويقع في تفسير الآية (159) من سورة آل عمران، ومنها ما يتعلق بنقل الموتى من المسلمين والمسلمات من بلاد الغرب , الذي هو فرع نعمة إنتشارهم في أقطار الأرض بصبغة الإيمان .
وإجماع المسلمين على جواز نقل الميت قبل الدفن وهو المختار، وفي خبر علي بن سليمان قال : كتبت إليه أسأله عن الميت يموت بعرفات يدفن بعرفات أو ينقل إلى الحرم، فايهما أفضل، فكتب يحمل إلى الحرم ويدفن فهو أفضل أي كتب إلى الإمام أبي الحسن، لبيان كبرى كلية وهي أن عرفات خارج الحرم , وان ذكرت في القرآن بقوله تعالى[فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ] والمشعر ومزدلفة من الحرم ولورود النص باستحباب الدفن في الحرم , ففي خبر هارون بن خارجة عن الصادق عليه السلام : من دُفن في الحرم أمن من الفزع الأكبر، فقلت له من بر الناس وفاجرهم، قال : من بر الناس وفاجرهم، وفيه دلالة على استحباب نقل الميت مع وجود الراجح , ومنه النقل إلى المشاهد المشرفة بالذات والإلحاق.
وقال الحنابلة : يجوز نقل الميت إلى غير بلده مع الحاجة، ومع عدم الحاجة فهو مكروه، وعند الحنفية جواز نقل الميت إلى مسافة ميل أو ميلين , ويكره نقله على ما زاد على هذه المسافة، وعند الشافعية قولان أحدهما بحرمة نقل الميت من بلد موته إلى بلد آخر، وإن أمن تغيره، وعلة كراهة أو حرمة تأخير دفنه ورود النصوص بتعجيله، وإجتناب تعريضه للهتك بعد موته .
وعند المالكية يجوز نقل الميت قبل الدفن وبعده إذ لم يكن فيه هتك للميت أو أذى أو إخلال بحرمته.
ومات سعد بن أبي وقاص في قصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة وحمل إلى المدينة، ودفن بالبقيع( ).
وقصر سعد بالعقيق من النعم التي ذكرتها الآية أعلاه من سورة النحل إذ ورد عنه قال: ولقد كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما لنا طعام نأكله إلا ورق الحبلة(2) وهذا السمر( )، حتى إن أحدنا ليضع كما تضع الشاة ما له خلط( ).
ومن موارد جواز نبش قبر المسلم إذا كان مدفوناً في مقبرة الكفار أو دفن مع كافر، نعم الدفن في المقابر في بلاد الغرب لا يصدق عليه أنه في مدافن كفار لأن عنوانها عام بلحاظ دفن الموتى مطلقاً.
ويجوز النقل إلى المشاهد المشرفة مع الوصية ومع عدمها، هذا إذا كان قبل الدفن، أما بعد الدفن فلا يصح النبش لمن لم يوص بالنقل، إلى جانب قاعدة نفي الحرج في بالدين والأصل هو حرمة نبش قبر الميت لأنه فرع حرمة الميت إلا لوجود مصلحة راجحة أو دفع مفسدة، فان قلت هناك تزاحم بين الأمر بتعجيل دفن الميت وبين نقله إلى المشاهد المشرفة، والمراد من التزاحم هو وجود الملاك في كلا الدليلين ولكن يتعذر على المكلف الجمع بينهما بخلاف التعارض الذي ينتفي معه الملاك في أحد الدليلين , ومن المرجحات الأهمية والأولوية التي تترشح عن الدليل الشرعي من الكتاب والسنة والإجماع، ومنهم من الحق بها الشهرة العملية والفتوائية.
كالتزاحم بين صلاة الآيات وصلاة الفريضة قبل انتهاء وقتها، فتقدم الفريضة، لأنها أهم ملاكاً، وكذا بالنسبة لانقاذ النفس المحترمة وإتيان صلاة الفريضة في وقتها، فيقدم إنقاذ النفس، وكذا إطفاء الحريق ونحوه , ونشكر فقهاء عموم المسلمين على الصدور عن القرآن أولاً ثم الصدور والرجوع إلى السنة النبوية وقول المعصوم عند الإفتاء في المسائل المستحدثة , وقوله تعالى[وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ] حجة على العلماء على نحو العموم الإستغراقي والمجموعي وفي النشأتين ,.
ويحصل التزاحم بين لزوم التعجيل بدفن الميت، وبين إستحباب نقل الميت الى المشاهد المشرفة والذي هو متعارف من زمن الأئمة عليهم السلام ومن غير إنكار من الفقهاء، فيجوز النقل .
وأما جواز النقل إلى أحد المشاهد المشرفة , فقال في المعتبر (انه مذهب علمائنا خاصة قال وعليه الاصحاب من زمن الائمة إلى الان وهو مشهور بينهم لايتناكرونه ولانه يقصد بذلك التمسك بمن له اهلية الشفاعة وهو حسن في الاحياء توصلا إلى فوائد الدنيا فالتوصل إلى فوائد الاخرة اولى ونقل عمل الامامية واجماعهم على ذلك في التذكرة والذكرى وغيرهما , قال في الذكرى : ولوكان هناك مقبرة بها قوم صالحون اوشهداء استحب النقل اليها ايضا لتناله بركتهم ولا بأس به( ) .
وأستحدثت في هذا الزمان مسألتان :
الأولى : النقل من البلاد البعيدة وغير الإسلامية .
الثانية : معالجة بدن الميت بما يمنع العفونة كافراغ الدم.
والمختار جواز نقل الميت حتى مع إفراغ دمه ، وليس فيه هتك له ، ولا يرقى إلى مرتبة العلة التامة لنشر الحرمة , كما أدعو المؤمنين في الغرب إلى الطلب من الجهات الصحية والمختبرية ونحوها لإكتشاف دواء وعلاج يحقن في جسد زرق جسد الميت يمنع من تعفن وتغيير رائحة الميت من غير افراغ دمه، والعلم عند الله .

مشاركة

Facebook
Twitter
Pinterest
LinkedIn

مواضيع ﺫات صلة