معالم الإيمان في تفسير القرآن – الجزء- 148

المقدمــــة
الحمد لله الذي أنزل كلامه على رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليكون رواسي للأرض، وسكينة للنفوس، وبرزخاً دون الغي وطغيان الغرور.
الحمد لله في كل إشراقة شمس من عمر الحياة الدنيا مما تقدم من الأيام والأحقاب وما سيأتي من اللامحدود من أفرادها التي لا يعلمها إلا الله، وتفضل سبحانه وجعلها سبيلاً لإكتناز الصالحات، وبلغة للبث الدائم في النعيم .
وهل هذا الحمد من الإستصحاب القهقري , الجواب نعم، وإن لم يقل به الأصوليون إلا أن رحمة الله عز وجل أعم وأعظم من القواعد الأصولية والفلسفية لأنها خارقة للعقل الإنساني، قال تعالى[يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنْ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا]( ).
الحمد لله الذي جعل الحمد مصاحباً للخلائق في إيجادها بفضله وفي نشأتها وإستدامة ودوام وجودها، قال تعالى[وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ]( ).
الحمد لله الذي جعل الحياة الدنيا حلوة لأهلها، وزيّنها بالبشارات وتحقيق الأماني، والسعي إلى الغايات، قال تعالى[كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ]( ).
وتفضل الله سبحانه وأحصى وعدّ كل شيء من غير أن تخفى عليه خافية في الأكوان المتباعدة، الحمد لله الذي أثنى على نفسه في القرآن , وقال[وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا]( ).
ليكون من دلالات ومعاني الآية أعلاه إحصاء الله عز وجل لخلجات النفوس وما يهم به الإنسان من فعل وإن لم يكن لهذا الهمّ مبرز خارجي، من جهات:
الأولى : الإطلاق في الإحصاء الذي تدل عليه الآية أعلاه، بلحاظ أن همّ النفس بالغلول الذي تذكره الآية السابقة لآية البحث بقوله تعالى[وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ]( )، من كل شيء.
الثانية : إخبار القرآن عن علم الله عز وجل بما تخفي الصدور، قال تعالى[يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ]( )، وبين الذي تخفيه الصدور والهمّ بالفعل عموم وخصوص مطلق ، إذ قد تخفي الصدور الغبطة والفرح , والحب والبغض , والحسد , والغل والندم والأماني وغيرها .
وعن الإمام علي عليه السلام:
وتزعم أنك جرم صغير وفيك إنطوى العالم الأكبر
الثالثة : مجيء آيات القرآن بالإخبار عن الهمّ بالفعل كما في قوله تعالى[وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ]( )، مما يدل على علم الله عز وجل بالهمّ، والإحصاء فرع العلم.
الحمد لله الذي جعل في الأرض رواسي لمنع إنحراف مسارها، وتبدل حركتها، والآية القرآنية راسية من رواسي الأرض ولا تنحصر مصاديقها بالأمور المادية والحسية.
وعن ابن عباس و(وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وألأه وسلم في قوله[هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ]( )، قال : إن الله كان عرشه على الماء ولم يخلق شيئاً قبل الماء ، فلما أراد أن يخلق أخرج من الماء دخاناً ، فارتفع فوق الماء ، فسما سماء ، ثم أيبس الماء فجعله أرضاً فتقها واحدة ، ثم فتقها فجعلها سبع أرضين في يومين . في الأحد والإِثنين.
فخلق الأرض على حوت وهو الذي ذكره في قوله[ن وَالْقَلَمِ]( )، والحوت من الماء ، والماء على ظهر صفاة ، والصفاة على ظهر ملك، والملك على صخرة ، والصخرة في الريح ، وهي الصخرة التي ذكرها لقمان( )؛ ليست في السماء ولا في الأرض ، فتحرك الحوت فاضطرب فتزلزلت الأرض ، فأرسى عليها الجبال.
فالجبال تفخر على الأرض . فذلك قوله {وجعل لها رواسي أن تميد بكم}( ). وخلق الجبال فيها ، وأقوات أهلها ، وشجرها ، وما ينبغي لها في يومين: في الثلاثاء ، والأربعاء ، وذلك قوله {أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض}( ) إلى قوله {وبارك فيها}( ) يقول : أنبت شجرها ، وقدر فيها أقواتها ، يقول لأهلها {في أربعة أيام سواء للسائلين}( ) يقول : من سأل فهكذا الأمر.
[ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ]( )، وكان ذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس ، ثم جعلها سماء واحدة ، ثم فتقها فجعلها سبع سموات في يومين : في الخميس ، والجمعة ، وإنما سمي يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السموات والأرض { وأوحى في كل سماء أمرها }( ).
قال : خلق في كل سماء خلقها من الملائكة ، والخلق الذي فيها ، من البحار ، وجبال ، البرد ، وما لا يعلم . ثم زين السماء الدنيا بالكواكب ، فجعلها زينة وحفظاً من الشياطين ، فلما فرغ من خلق ما أحب استوى على العرش)( ).
ومعنى تميد أي تتحرك، وهو خلاف الإستقرار، والقرآن مانع من أن تميد النفوس والأرض والجبال، فهو النعمة العظمى على الناس، وطريق النجاة في النشأتين لذا جعل الله عز وجل كل مسلم ومسلمة يناجونه بتلاوة قوله تعالى[اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]( )، عدة مرات في كل يوم وعلى نحو الوجوب العيني وإلى يوم القيامة،
فذات الآية القرآنية صراط .
وتهدي إلى الصراط .
وواقية من الزلل أو الميل عن الصراط .
وورد ما يقرب من مضامين الحديث أعلاه بما يفيد تأكيد موضوعية الشهادتين في إستدامة نظام الكائنات، وعن ابن عباس قال: أوحى الله سبحانه إلى عيسى (عليه السلام) : يا عيسى آمن بمحمد ومُر أُمّتك أن يؤمنوا به، فلولا محمد ما خلقت آدم، ولولا محمد ما خلقت الجنة والنار، ولقد خلقت العرش على الماء فاضطرب فكتبت عليه : لا إله إلاّ الله محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسكن)( ).
الحمد لله وسط النهار الذي جعله الله عز وجل وعاءً زمانياً لتلاوة القرآن وأداء فريضة صلاة يدرك بها المسلم أنها من أعظم الهبات في الحياة الدنيا وهي صلاة الظهر، لذا قال تعالى[حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَة الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ]( ) أي حافظوا عليها لنفعكم في النشأتين ولتقولوا الحمد لله على أمره سبحانه بالمحافظة على الصلاة ، والتوفيق للهداية إليها ، والإعانة على تعاهدها ، وليكون توارث أجيال المسلمين لها من المحافظة عليها .
الحمد لله الذي لم يجعل تعارضاً أو تزاحماً بين أداء الفرائض وبين العمل والكسب للمعيشة والنافلة فيها، ومن خصائص تلاوة القرآن وأداء المناسك أنها وسيلة للرزق الكريم، وعلة للبركة في الكسب ، وسبب لطول العمر وإستدامة العافية.
الحمد لله في الليل عند إقباله وله الشكر إذ جعل ظلمته ذات بهجة وسبباً للسكينة لأهل الإيمان، وهو مقدمة ومصداق معجل لقوله تعالى[إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ]( ).
الحمد لله الذي رفع السماوات من غير عمد أو أوتاد وسند لتكون برهاناً على بديع صنعه، وحجة تدعو الناس كل ساعة إلى عبادته والخشية منه بالغيب ، وقد تفضل الله عز وجل وجعل القرآن والسنة النبوية تذكيراً بهذه الآية وتأكيداً للزوم الوقوف عندها والتفكر فيها، لتكون وسيلة للذكر والإقرار بالربوبية المطلقة لله عز وجل والشكر له سبحانه.
وعن عياض بن سليمان وكانت له صحبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خيار أمتي فيما أنبأني الملأ الأعلى ، قوم يضحكون جهراً في سعة رحمة ربهم ، ويبكون سراً من خوف عذاب ربهم ، يذكرون ربهم بالغداة والعشي في البيوت الطيبة والمساجد ، ويدعونه بألسنتهم رغباً ورهباً ، ويسألونه بأيديهم خفضاً ورفعاً ، ويقبلون بقلوبهم عوداً وبدءاً ، فمؤنتهم على الناس خفيفة ، وعلى أنفسهم ثقيلة .
يدبّون في الليل حفاة على أقدامهم كدبيب النمل ، بلا مرح ولا بذخ.
يقرأون القرآن ويقربون القربان ويلبسون الخلقان ، عليهم من الله تعالى شهود حاضرة وعين حافظة ، يتوسمون العباد ويتفكرون في البلاد ، أرواحهم في الدنيا وقلوبهم في الآخرة ، ليس لهم هم إلا أمامهم . أعدوا الجواز لقبورهم والجواز لسبلهم ، والاستعداد لمقامهم ، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم { ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد}( ).
قال الذهبي هذا حديث عجب منكر ، وأحسبه أدخل علي بن السماك يعني شيخ الحاكم الذي حدثه به . قال : ولا وجه لذكره في هذا الكتاب – يعني المستدرك – قال : وحماد ضعيف . ولكن ، لا يحتمل مثل هذا ، ومكحول مدلس وعياض لا يدري من هو. انتهى)( ).
الحمد لله الذي زين السموات بمصابيح وعمّر الأرض بخلافة الإنسان فيها منقطعاً الى عبادة الله تالياً لآيات القرآن، ومن خصائص القرآن أنه زينة للأرض والسماء والنفوس وهو نور يستضاء به في الظلمات والشدائد، وتقتبس الأمم والأمراء والأفراد منه معالم الهداية والصلاح .
الحمد لله الذي جعل القرآن متاع المسلم في الدنيا، وزينته بين الناس، وبهجته في وحدته، وملاذه في شدته ، وطريق نجاته في النشأتين، قال تعالى[وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى] ( )، الحمد لله الذي جعل تلاوة القرآن ثناء عليه، وشكراً له وعهداً معه سبحانه وهو من مصاديق قوله تعالى[وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ]( ).
الحمد لله الذي جعل علوم القرآن ومصاديق آياته من اللامتناهي، والأمور المتجددة في كل يوم وليلة، وقد أنعم الله علينا بعلم التفسير الذي صاحب نزول آيات القرآن الذي جاء على نحو النجوم والتدريج فتنزل الآية والآيات المتعددة، فيتلوها المسلمون، ويقومون بكتابتها وتدوينها، ويحفظها شطر وجماعة منهم، ويتناجون في بيان مضامينها وتفسيرها لغة ودلالة، ويرجعون إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في تلاوتها وبيان موضعها من القرآن وتأويلها، وهو الذي تجلى بورود لفظ (يسألونك) خمس عشرة مرة في القرآن، وتتعلق بالأحكام والسنن والمسائل الإبتلائية كما وردت مادة السؤال بصيغة الماضي والمضارع ، قال تعالى [وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ] ( ) وقال تعالى [يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنْ السَّمَاءِ]( )، وصار التفسير بالمأثور بتفسير الآية بالحديث والسنة النبوية علماً يتلقفه المسلمون بالقبول والرضا, ويحرصون على تعاهده .
وعن أبي الرحمن السلمي قال: حَدَّثَنَا مَنْ كَانَ يُقْرِئُنَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْتَرِئُونَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ عَشْرَ آيَاتٍ فَلَا يَأْخُذُونَ فِي الْعَشْرِ الْأُخْرَى حَتَّى يَعْلَمُوا مَا فِي هَذِهِ مِنْ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ قَالُوا فَعَلِمْنَا الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ( ).
وقال أبو عبد الرحمن السلمي واسمه عبد الله بن حبيب الكوفي توفي سنة 74 هجرية وهو من التابعين ومولده في أيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأخذ علوم القرآن من الصحابة وجلس أربعين سنة في المسجد الأعظم في الكوفة يقرئ ويعلم الناس القرآن وأخذ القراءة عرضاً عن الإمام علي عليه السلام، وعن عثمان وعن عبد الله بن مسعود.
وبالإسناد (عن أبى موسى الاشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” اللهم أمتعنا بالاسلام والخبز ، فلولا الخبز ما صمنا ولا صلينا ولا حججنا ولا غزونا ” . هذا حديث موضوع كافأ الله من وضعه فإنه لم يقصد إلا شين الاسلام بما نسب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمتهم به عبدالله بن محمد بن أبى أسامة قال ابن حبان : كان يضع الحديث لا يحل ذكره إلا على وجه القدح فيه) ( ) وقد ذكر ابن الجوزي أكثر من عشرة أحاديث متعددة الأسناد عن الخبز وفضل الله عز وجل على الناس به ، وأجتهد في إبطالها ونفي أصلها .
في الوقت الذي تدل فيه كثرة الأحاديث في الموضوع المتحد على تعضيد بعضها بعضاً ، ويبدو أنه كان يلاحظ الدلالة ولا يظن الموضوعية القطعية للخبز في العبادات ، ولكن على فرض صحة الحديث أعلاه فان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يريد أن الغذاء وسيلة ديمومة الحياة وعلة تمتع الإنسان بالهمّة والنشاط والقدرة على حمل السلاح والدفاع , وذكر الخبز لموضوعيته في المائدة .
ويوضح الجدول التالي مواعيد حصاد القمح خلال العام في معظم البلاد المنتجة للقمح حيث يتم حصاده في كل يوم من كل شهر في مكان وقرى ما من العالم.
جدول مواعيد حصاد القمح في البلدان الرئيسية المنتجة للقمح:

موعد حصاد القمح البلدان التي يتم بها حصاد القمح
يناير (كانون الثانى ) الارجنتين – أستراليا – تشيلي – نيوزيلندا
فبراير (شباط ) أوروغواي – بورما
مارس (آذار ) مصر (الوجه القبلى) – الهند
ابريل (نيسان) إيران – مصر (الوجه البحري) – المغرب – المكسيك – الهند
مايو (آيار) اسبانيا – الجزائر – الصين – اليابان – جنوب غربى الولايات المتحدة
يونيو (حزيران) اسبانيا – إيطاليا – البرتغال – تركيا – تونس – سوريا – الصين – العراق – جنوب فرنسا – الولايات المتحدة جنوب خط عرض 40°م – اليونان
يوليو (تموز) ألمانيا – جنوب انجلترا – أوكرانيا – بلغاريا – روسيا – رومانيا – فرنسا – كازاخستان – كرواتيا – المجر – مولدوفا – شمال الولايات المتحدة – يوغسلافيا
أغسطس (آب) شمالى إنجلترا – أوكرانيا – بلجيكا – الدنمارك – روسيا – كازاخستان – كندا – مولدوفا – هولندا – شمال الولايات المتحدة
سبتمبر (أيلول) اسكتلندا – أجزاء من كندا – كازاخستان – روسيا – دول إسكندنافيا
أكتوبر (تشرين الأول) اسكتلندا – أجزاء من كندا – كازاخستان – روسيا – دول إسكندنافيا
نوفمبر (تشرين الثانى) الأرجنتين– البرازيل– فنزويلا– جنوب إفريقيا
ديسمبر (كانون الأول) الأرجنتين – استراليا
وفي لعبة تسمى الشطرنج قيل إذا قام كل لاعب بثلاثة تحركات على الرقعة يكون هناك ثمانية ملايين موضع محتمل ، مع صغر وقلة أفراد الهياكل والمواضع فيها .
وإذا قام العلماء في الأجيال القادمة جزء بالصلة بين آية قرآنية وأخرى مثلها لكان المجموع عدة ملايين وفق المتتالية الحسابية والمتتالية الهندسية ، فكيف وقد جاءت أجزاء من هذا التفسير بالصلة بين شطر من آية قرآنية بشطر بآية أخرى ، ومنها :
الأول :الجزء السادس والعشرون بعد المائة صلة شطر من الآية 153 بشطر من الآية 151 .
الثاني : الجزء التاسع والعشرون بعد المائة صلة شطر من الآية 154 بشطر من الآية 153.
الثالث : ورد الجزء الخامس والعشرون بعد المائة في الصلة بين الآية 152 والآية التي قبلها من سورة آل عمران .
وسبحان الله [الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ] ( ).
كلمات التفسير من اللامتناهي
من إعجاز القرآن تقدمه وتفوقه في العلوم والذخائر والأسرار فمثلاًً أختلف في محل صناعة الشطرنج وقيل أنه بالهند أو الصين أو فارس .
وفي مصر وجدوا في آثار الفراعنة رقعة شطرنج مع أحجارها كلعبة ذهنية تتعلق بالحروب وفنون القتال والإحترازمن العدو، ويعود تأريخها إلى نحو سنة 1400 ق.م لذا قيل أن مخترعها هو ملك الصين ( هان شنج سنة 174 ق.م وكان يحاصر مدينة شناسي فأراد بها تسلية جنوده لطول الحصار واسمها (علم الحرب ) .
والمشهور أن اختراعه في الهند ، والمختار أنه في العراق إذ عثر في حفريات (أور) على رقعة شطرنج مطعمة يعود تأريخها إلى نحو ثلاثة آلاف سنة ، وأور الآن ضمن الحدود الإدارية لمركز محافظة ذي قار ، لذا قيل أن قصة مخترع الشطرنج مع الملك لم تذكر في المراجع الهندية إنما ذكرها ابن خلكان 1211 -1282 م.
ويجوز أن يكون إختراعه في أكثر من بلد في أزمنة متقاربة وأن ألعاباً عقلية مثله قد ظهرت آنذاك .
وأعجب الملك بصناعة لعبة الشطرنج ، فأرسل على مخترعه وأراد أن يكافئه ويهديه هدية وكان هذا المخترع متواضعاً في لباسه وطعامه ، يعتاش على ما يقدمه له تلاميذه ، فرق له الملك خاصة وأنه وجد فيه سبباً لإنشغال الناس عن المنافسة في الحكم وعن الفساد والتعدي ، فسأله عن حاجته وما يرغب فيه من الهدايا ، فتفاجئ بهذا الأمر وسأل الملك أن يمهله إلى الغد قد يفكر بحاجته.
وعندما حضر في اليوم التالي طلب من الملك أن يعطيه حبه قمح واحدة على المربع الأول في رقعة الشطرنج ، فظن الملك أن هذا المخترع يستخف به .
ولم يطرأ على باله أنه سفيه أو مجنون لأنه مخترع آلة الشطرنج ، وقد نزل القرآن المعجزة الخالدة على صدر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتلاه على قريش , ولم يطلب منهم مالاً , وإن عرضوا عليه الأموال والنساء, إنما نزل قوله تعالى [قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى]( )، ومع هذا نعتوه إفتراءً بأمور :
الأول : إنه ساحر ، وشددوا بأن سحره مبين وظاهر كما في قوله تعالى [أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرْ النَّاسَ وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ] ( ).
الثاني : وصف كفار قريش للنبي محمد بأنه شاعر ، وفي التنزيل [بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلْ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ]( ).
الثالث : نعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم المرسل من عند الله بالوحي وأسباب النصر والظفر بأنه كذاب .
الرابع : سعي كفار قريش لصد الناس عن نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأنه مجنون ، وكذا نُعت الأنبياء السابقون كما سيأتي في قانون (مشتركات النبوة) ( ).
و(عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش – وكان ذا سن فيهم – وقد حضر الموسم فقال لهم : يا معشر قريش ، إنه قد حضر هذا الموسم ، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا فاجمعوا فيه رأياً واحداً ، ولا تختلفوا فيُكَذِّب بعضكم بعضاً .
فقالوا : أنت فقل . وأتم لنا به رأياً نقول به . قال : لا ، بل أنتم قولوا لأسمع .
قالوا : نقول كاهن .
قال : ما هو بكاهن . . . لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكهان ولا بسجعهم . قالوا : فنقول مجنون . قال : ما هو بمجنون . . . لقد رأينا الجنون وعرفناه ، فما هو بخنقه ولا بحائحه ولا وسوسته.
قالوا : فنقول شاعر . قال : ما هو بشاعر . . . . لقد عرفنا الشعر كله ، رَجَزه وهَزَجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه ، فما هو بالشعر .
قالوا : فنقول ساحر . قال : ما هو بساحر لقد رأينا السحار وسحرهم ، فما هو بنفثه ولا بعقده .
قالوا : فماذا نقول؟ قال : والله إن لقوله حلاوة؛ وإن عليه طلاوة وإن أصله لعذق وإن فرعه لجناء ( )، فما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلا عرف أنه باطل .
وإن أقرب القول أن تقولوا هو ساحر ، يفرق بين المرء وأبيه ، وبين المرء وأخيه ، وبين المرء وزوجه ، وبين المرء وعشيرته .
فتفرقوا عنه بذلك . فأنزل الله في الوليد وذلك من قوله { ذرني ومن خلقت وحيداً . . . }( ) إلى قوله { سأصليه سقر . . . }( ) وأنزل الله في أولئك النفر الذين كانوا معه { الذين جعلوا القرآن عضين }( ) أي أصنافاً { فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون }) ( ).
ومن خصائص الحياة الدنيا أنها دار امتحان وابتلاء ، فقوم يأتيهم نبي من بين ظهرانيهم ليأخذ بأيديهم إلى مراتب العز والفخر والسعادة في الحياة الدنيا ، والخلود بالنعيم في الآخرة بالتصديق برسالته ، فيجحدون بها ويبذلون الأموال الطائلة في محاسبته ويزحفون بالجيوش العظيمة لقتاله .
فأكد هذا المخترع طلبه ، وأردف وأن أُعطى حبتان على الربع الثاني حاصل ضرب 2×2=4 .
وأن أعطى على المربع الثالث ثمان حبات حاصل مضاعفة رقم أربعة السابق ،ويكون الرابع 8×2= 16 .
وهكذا في تصاعد ومضاعفة للرقم فاستخف الملك بطلبه وأوعز إلى موظفي بيت المال إلى إعطائه ما يريد ، إذ لم يكن في أي زمان التعامل بخصوص القمح بالحبات وحسابها أفراداً فهي إما أن تباع كيلاً أو وزناً .
وعند المساء سأل الملك هل أعطيتم هذا المخترع البائس ما طلب من حبات ، فكان الجواب أن رجال الحسابات في القصر لا زالوا يعدون الأرقام التي طلبها وأنهم لم يتوصلوا بعد إلى العدد النهائي الذي هو آخذ بالإزدياد ، أصابت الحيرة والدهشة الملك وأدرك أن طلبه ليس ساذجاً ، خصوصاً وأنه عالم مخترع ، وفي اليوم الثاني أخبروا الملك بعجزهم عن تلبيه طلبه ، فقال لهم الملك : أذكروا لي هذا العدد العجيب .
وقوم يخرج عندهم مخترع للعبة وتسلية مخصوصة يبالغون باكرامه ويدخلونه على عرش الملك الذي يسأله عن حاجته ، والذي بهت ودهش لسؤال مخترع الشطرنج : حبة قمح ؟ ويقول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما ورد في التنزيل[قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى]( ).
ومن إعجاز القرآن ذكره لموضوع الحصاد بخصوص الأزمنة السابقة وفي قصة نبي من الأنبياء ، كما في قول يوسف عليه السلام وتأويله لرؤيا الملك , قال تعالى [قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ] ( ).
ولم يرد لفظ [حَصَدْتُمْ] في القرآن إلا في الآية أعلاه لبيان حال الأمم السابقة بينما ورد بصيغة الأمر والزمن الحاضر والمستقبل بخصوص المسلمين في قوله تعالى [كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ] ( ), لبشارة إخراج الأرض لكنوزها للمسلمين ببركة بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونزلا الآية أعلاه في المدينة ومكة وكانوا يستوردون الحنطة والشعير من الشام , فتمر السنون ويفتح الله البلدان للمسلمين , وتصبح في هذه الأزمنة زراعة للحنطة في محل نزول القرآن ذات نصاب تتعلق به الزكاة .
ترى هل أراد مخترع الشطرنج بيان قدرته الرياضية للملك أم أنه أراد تأديبه وإخباره بأنه عاجز عن أداء هبة بسيطة وأن الله عز وجل لا تستعصي عليه مسألة ، وفي التنزيل [أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ]( ) وأختلف فيما فعل الملك على قولين :
الأول : سأل الملك المخترع أن يطلب هدية أخرى بديلة .
الثاني : القيام بقتل هذا المخترع لأنه من عادة الملوك آنذاك إذا عجز الملك عن الطلب يقوم بقتل صاحبه.
والصحيح هو الأول .
وإذ إبتئس الملك من عدد حبات حنطة طلبت منه وأظهر عجزه وخزائنه عن جمعها وتوفيرها ، فان المسلمين يستبشرون في كل زمان بأن آيات الله لا تنتهي وأن معاني ودلالات كلمات القرآن وعجائب تأويله متصلة ومتجددة إلى يوم القيامة ، وإن سأل الناس النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم عن القرآن وأعجازه فانه يجيبهم بالحجة والبرهان ، لذا كانت هذه الأسئلة واجوبتها سبباً لدخول طائفة من الناس الإسلام ، وهو من مصاديق قوله تعالى [إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ] ( ) ليتجلى قانون بلحاظ الآية أعلاه وهو أن دخول الناس الإسلام ، ليس بسبب القتال والحرب ، ولكنه من رشحات نصر المسلمين من عند الله ، ليصبح فتح مكة مقدمة ونوع طريق لمعرفة الناس بمعجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولرفع قهر كفار قريش في منع الناس من دخول الإسلام , ويكون تقدير الآيات أعلاه من سورة النصر على وجوه :
الأول : إذا جاء نصر الله ورأيتم الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فسبحوا بحمد ربكم , ولماذا التسبيح في المقام هذا ما نبينه في جزء لاحق إن شاء الله .
الثاني : إذا تم فتح مكة ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً من غير برزخ أو مانع يحول دون إيمانهم وأداء الفرائض .
الثالث : إذا اتبعتم رضوان الله ورأيتم الناس يدخلون في دين الله أفواجاً وجماعات.
الرابع : إذا توالى نزول آيات القرآن ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً .
وهو من أسرار نزول آيات وسور القرآن نجوماً وعلى نحو التدريج ولحاظ أسباب النزول لتتجلى للناس البراهين بصدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنه يتلو عليهم كلام الله ، وليس من إنسان ذكراً أو أنثى إلا ويحب أن يكون له نوع طريق وحبل مع الله عز وجل ، وهو من أسرار نفخ الله من روحه في آدم عليه السلام .
الخامس : هل قوله تعالى [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا..] ( ) سبيل لدخول الناس في الإسلام أفواجاً وجماعات ، الجواب نعم من جهات :
الأولى : الإعجاز في الآية أعلاه .
الثانية : إخبار الآية عن وجود وسيلة للصلة بين الله عز وجل وعباده ، وأنه سبحانه قريب منهم ، قال تعالى [مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا] ( ).
الثالثة : التمسك بالقرآن من مصاديق آية البحث وقوله تعالى [أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ] .
الرابعة : حسن إستجابة المسلمين لأمر الله عز وجل ترغيب للناس بالإسلام .
الخامسة : من معاني التمسك بحبل الله الصبر في طاعة الله ، وهو آية للعالمين .
السادسة : إذا أنعم الله عز وجل على الناس بالهداية دخلوا [فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا] ( ).
وعن عروة أن عائشة قالت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد ؟ قال : لقد لقيت من قومك ، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة ، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال ، فلم يجبني إلى ما أردت ، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي ، فرفعت رأسي ، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني ، فنظرت فإذا فيها جبريل عليه السلام .
فناداني ، فقال : إن الله قد سمع قول قومك لك ، وما ردوا عليك ، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمر بما شئت فيهم . قال : فناداني ملك الجبال وسلم علي ، ثم قال : يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك ، وأنا ملك الجبال ، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك ، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين( ) .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا) ( ) .
ومن الإعجاز أن المسلمين يتبعون رضوان الله فيدخل الناس أفواجاً وطوائف وقبائل في الإسلام ليصبحوا ممن يتبع رضوان الله ، وينجو من سخط الله الذي تذكره آية البحث , وتقدير الآية على وجوه :
الأول : يا أيها الذين آمنوا اتبعوا رضوان الله يدخل الناس في دين الله أفواجاً.
الثاني : أفمع أتبع رضوان الله بفضل منه سبحانه .
الثالث : يا أيها الذين آمنوا أشكروا الله لهدايتكم لاتباع رضوانه .
وعن أبي سعيد الخدري (عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله { وآتوا حقه يوم حصاده } قال : ما سقط من السنبل ) ( ).
وعن الإمام الرضا عليه السلام في قول الله: [وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ]( )، قال: الضغث والاثنين، تعطي من حضرك، وقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله عن الحصاد بالليل)( ).
وفي هذا النهي مسائل :
الأولى : إنه خاص بالمسلمين إذ ينصتون لأوامر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : إرادة النهي التنزيهي ، ليحمل النهي على الكراهية ، خاصة وان العلة منه هي أعطاء الفقراء والمساكين لأن الليل سكن .
الثالثة : على فرض إنتشار الناس في الليل خاصة في هذه الأزمنة وما فيها من الإنارة العامة والمصابيح فهل تبقى الكراهة أم تزول .
الجواب تبقى الكراهة ، ولكنها تكون بمرتبة أخف وأقل ، ولو أن الناس جميعاً تقيدوا بنهي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن الحصاد في الليل بلحاظ أن رسالته للناس جميعاً لقوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ] ( ) فهل تكون هناك أفراد زمانية ليس فيها حصاد في الليل لتعطيل نصف آنات الزمان ، الجواب لا ، إذ يبقى قانون تحقق الحصاد في كل دقيقة .
(عن ابن عباس: { وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } يعني: الزكاة المفروضة، يوم يُكَال ويعلم كيله. وكذا قال سعيد بن المسيب) ( ).
وتتضمن الآية أعلاه البشارة للمسلمين من جهات :
الأولى : الرزق الكريم .
الثانية : صيرورة المسلمين أصحاب أراض زراعية .
الثالثة : إنتعاش أسواق المسلمين بالزراعة والتجارة .
الرابعة : بيان قانون وهو أن الزراعة أساس نشوء الحضارات ومن أسباب تقدم الأمم .
الخامسة : إتخاذ المسلمين الرزق الكريم مقدمة ووسيلة لأداء الفرائض والعبادات .
السادسة : حسن سمت المسلمين وتقيدهم بالأوامر والنواهي التي ترد في القرآن أو السنة النبوية .
السابعة : تجلي مفاهيم الرحمة والرأفة بين المسلمين ، وإعانة الغني منهم الفقير ، وإتخاذ التجارات والمكاسب وسيلة لضبط النظم الإجتماعية والسياسية ، قال تعالى [إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابن السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ] ( ).
الثامنة : بيان مصداق متجدد لقوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ).
التاسعة : بشارة فتح المسلمين لبلدان وأراضي فيها زراعة للقمح وغيره من الحبوب .
وهل أجزاء التفسير في كثرتها مثل الجدول في آخر المقدمة هذه ، الجواب إنها أكثر بلحاظ :
الأول : عدد كلمات تفسير كل آية من القرآن فمثلاً جاء الجزء الخامس والأربعين بعد المائة من تفسيرنا هذا خاصاً بقوله تعالى [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ] ( ) .
وعدد كلماته (75365 كلمة ) لبيان أنه لو تحتسب كلمات تفسير العلماء للآيات فان أرقامها من اللامتناهي ، أي أن الحساب لا يكون على الجزء أو الفصل أو القانون , نعم كلمات التفسير والمفسرين ليست من كلمات الله التي تذكرها الآية الكريمة , إنما هب من فيوضاتها وبركاتها .
الثاني : تجدد علوم التفسير والمسائل المستنبطة من مضامين الآية القرآنية.
الثالث : دعوتنا لإجتماع العلماء من الإختصاصات المختلفة لتفسير الآية القرآنية والصلة بينها وبين آيات القرآن الأخرى .
الرابع : الإنشطار في ذات تفسير آيات القرآن ، وهذا الإنشطار والتوسعة أمر متجدد إلى يوم القيامة .
الخامس : موضوع الوقائع والحوادث في بيان ماهية كنوز القرآن ، وموافقتها للوقائع ، وتحقق تجليات من الإعجاز وشواهد من علوم الغيب التي تتضمنها آيات القرآن .
لقد أراد الله عز وجل لعلوم القرآن أن تنفرد بمرتبة من اللامتناهي تكون أعم وأعظم من أمور الدنيا ومساعي الناس ، وهو من مصاديق قوله تعالى [قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا]( )، وهذا الإنفراد من جهات :
الأولى : كثرة كلمات علوم التفسير .
الثانية : تجدد الحاجة لبيان مستحدث لذخائر القرآن .
الثالثة : بذل علماء الإسلام الوسع في تفسير القرآن ، وهو العلم الذي يدل على بلوغ مرتبة الإجتهاد ، إذ تعرف الأعلمية بالتفسير والفقه .
الرابعة : تجدد وتنامي التأليف والدراسات والرسائل الجامعية في علوم القرآن ، وأسرار التأويل .
الخامسة : لجوء الناس للقرآن والصدور عن أحكامه .
السادسة : تلاوة المسلمين والمسلمات آيات القرآن كل يوم وليلة وإلى يوم القيامة .
فمن الإعجاز في المقام وجوب هذه التلاوة على كل مسلم ومسلمة على نحو القضية العينية ، وهل هذه التلاوة من مصاديق الكلمات في قوله تعالى [قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي] ( ) الجواب نعم .
السابعة : الأجر والثواب لمن يقرأ القرآن ومن يتعلمه ومن يعلمه , وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال : خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ) ( ).
الحمد لله الذي جعل آية البحث شاهداً على أن رضوان الله عز وجل جلي وواضح للناس جميعاً حتى مع التباين في مداركهم وإختلاف ألسنتهم ، والمسائل التي يولونها عنايتهم واهتمامهم ، ففي كل موضوع وفرد من أفراد الزمان هناك حجة تبين أن الله عز وجل هو الخالق للكون ، وأن الأمور تسير وفق نظام بديع يدعو الناس لعبادة الله عز وجل فحينما تضمنت آية البحث في مفهومها الأمر للناس كافة باتباع رضوان الله فان الله عز وجل قد جعل سبل هذا الاتباع سهلة وميسرة.
وتقدير الآية على وجوه :
الأول : يا أيها الناس قد بينت لكم رضوان الله .
الثاني : يا أيها الناس رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم طريق من رضوان الله .
الثالثة : يا أيها الذين آمنوا طوبى لكم لاتباعكم رضوان الله .
الرابع : اتباع رضوان الله طريق النجاة في النشأتين ، قال تعالى [قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ] ( ).
ومن إعجاز آية البحث أنها برزخ دون احتجاج الإنسان في الآخرة بأنه لا يعلم بسبل رضوان الله ، وان إدّعاه فان الله عز وجل يقيم عليه الحجة بوجوه منها ، ما يدل عليه قوله تعالى [الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ] ( ).
وورد عن أنس في الآية أعلاه قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فضحك حتى بدت نواجذه قال : أتدرون ممن ضحكت.
قلنا : لا يا رسول الله.
قال : من مخاطبة العبد ربه فيقول : يا رب ألم تجرني من الظلم.
فيقول : بلى . فيقول : إني لا أجيز عليَّ إلا شاهداً مني.
فيقول الله: كفى بنفسك عليك شهيداً ، وبالكرام الكاتبين شهوداً ، فيختم على فيه ويقال لأركانه : انطقي ، فتنطق بأعماله ، ثم يخلى بينه وبين الكلام ، فيقول بعداً لكن وسحقاً ، فعنكن كنت أناضل .
وأخرج مسلم والترمذي وابن مردويه والبيهقي عن أبي سعيد وأبي هريرة قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يلقى العبد ربه فيقول الله : أي قل ألم أكرمك ، وأسودك ، وأزوجك ، وأسخر لك الخيل والابل ، وأذرك ترأس وتربع.
فيقول : بلى أي رب.
فيقول : أفطنت أنك ملاقي؟ فيقول : لا . فيقول : فإني أنساك كما نسيتني . ثم يلقى الثاني ، فيقول : مثل ذلك . ثم يلقى الثالث فيقول له : مثل ذلك فيقول : آمنت بك ، وبكتابك ، وبرسولك ، وصليت ، وصمت ، وتصدقت ، ويثني بخير ما استطاع.
فيقول : ألا نبعث شاهدنا عليك؟ فيفكر في نفسه من الذي يشهد عليَّ ، فيختم على فيه ، ويقال لفخذه : انطقي . فتنطق فخذه ، ولحمه ، وعظامه . بعمله ما كان ذلك يعذر من نفسه ، وذلك بسخط الله عليه) ( ).
الحمد لله الذي أنزل آية البحث وهي تتضمن التباين والتضاد بين المؤمنين والذين كفروا ، وليس من حصر لوجوه ومعاني هذا التضاد ومنها:
الأول : التباين في الإعتقاد .
الثاني : الإختلاف والتباين بتغشي السكينة قلوب المؤمنين ، وإمتلاء قلوب الذين كفروا باليأس والقنوط ومداهمة الخوف والفزع لها .
الثالث : ترشح زيادة الإيمان من السكينة التي تنزل على المؤمنين ، قال تعالى [هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ] ( ) .
الرابع : جلب المنافع وأسباب البركة مع الإيمان ، وصيرورة الذين كفروا في حال بؤس وشقاء .
الخامس : التباين والإختلاف بين المؤمن والكافر في كيفية قبض ملك الموت لروح كل منهما ، والتضاد في حالهما في عالم القبر وحياة البرزخ ، ومن الآيات أن هذا التباين ذكره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سنته القولية بما يمنع من الجهالة ويطرد الغفلة.
عن البراء بن عازب ، قال : خرجنا في جنازة رجل من الأنصار مع النبي صلى الله عليه وسلم فانتهينا إلى القبر ، ولما يلحد له بعد.
فجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم مستقبل القبلة ، وجلسنا معه كأن على رءوسنا الطير ، فنكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء ، ثم رفع رأسه .
فقال : اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ، قالها ثلاث مرات ، ثم أنشأ يحدثنا فقال : إن المؤمن إذا كان في قبل من الآخرة وانقطاع من الدنيا ، نزلت إليه ملائكة كأن وجوههم الشمس ، مع كل ملك منهم كفن وحنوط ، فجلسوا منه مدّ بصره ، فإذا خرجت نفسه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض ، وكل ملك في السماء ، وفتحت له أبواب السماء كلها ، فليس منها باب إلا وهو يعجبه أن يدخل به منه . فإذا انتهى به الملك إلى السماء قال : رب ، عبدك فلان قد قبضنا نفسه.
فيقول : ارجعوه إلى الأرض ، فإني وعدته أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ، ومنها أخرجهم تارة أخرى . قال : وإنه ليسمع خفق نعالهم ، إذا ولوا مدبرين.
فيقال له : يا هذا ، من ربك ؟ وما دينك ؟ ومن نبيك ؟ قال : يقول : ربي الله ، وديني الإسلام ، ونبيي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم ينادي مناد من السماء ، وذكر كلاما ، وذلك قوله تعالى[يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ]( ).
ثم يأتيه آت حسن الوجه طيب الريح حسن الثياب فيقول له : يا هذا : أبشر برضوان الله وجنات فيها نعيم مقيم .
فيقول: وأنت فبشرك الله بخير ، فمن أنت ؟ لوجهك الوجه يبشر بالخير.
قال : يقول : أنا عملك الصالح . فوالله ما علمت إن كنت لسريعا في طاعة الله ، بطيئا عن معصية الله ، فجزاك الله خيرا.
فيقول : وأنت فجزاك الله خيرا . ثم ينادي مناد من السماء أن افتحوا له بابا إلى الجنة وافرشوا له من فرش الجنة.
قال : فيفتح له باب إلى الجنة ، ويفرش له من فرش الجنة .
قال : يقول : رب ، عجل قيام الساعة قال : فيقولها ثلاثا ، حتى أرجع إلى أهلي ومالي .
وإن الكافر إذا كان في قبل من الآخرة وانقطاع من الدنيا ، نزلت إليه ملائكة سود الوجوه ، معهم سرابيل من قطران وثياب من نار ، فأجلسوه وانتزعوا نفسه معها العصب والعروق ، فإذا خرجت نفسه لعنه كل ملك بين السماء والأرض ، وكل ملك في السماء ، وغلقت أبواب السماء دونه ، فليس منها باب إلا وهو يكره أن يدخل منه ، فإذا انتهى به الملك إلى السماء رمى به ، فيقول : أي رب ، عبدك فلان قبضنا نفسه ، فلم تقبله الأرض ولا السماء.
فيقول الله : ارجعه إلى الأرض ، فإني وعدته أني منها خلقتهم ، وفيها أعيدهم ، ومنها أخرجهم تارة أخرى ، وإنه ليسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين.
فيقال له : يا هذا ، من ربك ؟ وما دينك ؟ ومن نبيك .
قال : يقول : لا أدري . ثم ينتهره انتهارة شديدة.
فيقول : يا هذا ، من ربك ؟ وما دينك .
يقول : لا أدري.
فينادي مناد من السماء : لا دريت ، ثم يأتيه آت قبيح الوجه ، منتن الريح ، قبيح الثياب ، فيقول : يا هذا ، أبشر بسخط الله وعذاب مقيم قال : فيقول : وأنت بشرك الله بالشر ، فمن أنت ؟ لوجهك الوجه يبشر بالشر قال : أنا عملك السيئ ، والله ما علمتك إن كنت لسريعا في معصية الله ، بطيئا عن طاعة الله ، فجزاك الله شرا.
قال : فيقول : وأنت فجزاك الله شرا ثم يقيض له أعمى أبكم معه مرزبة من حديد ، لو ضرب بها جبلا لصار نارا ، فيضربه ضربة يسمعها ما بين المشرق والمغرب إلا الثقلين ، فيصير ترابا ، ثم تعاد فيه الروح.
قال الراوي للبراء : أملك هو أم شيطان فغضب غضبا شديدا ثم قال : نحن كنا أشد هيبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أن نسأله أملك هو أم شيطان.
قال : ثم ينادي مناد من السماء أن افرشوا له لوحين من نار ، وافتحوا له بابا من النار قال : فيفرش له لوحان من النار ، ويفتح له باب إلى النار ، فيقول : رب لا تقم الساعة ، لا تقم الساعة )( ).
السادس : التضاد بين منزل المؤمن والكافر في عالم الآخرة وهو الأشهر والأكثر بياناً ووضوحاً , وجلاء من جهة أفراد التباين وأطول مدة من الحياة الدنيا , إذ يتنعم المؤمن في الجنان ،ويلاقي الكافر العذاب في النار ، قال تعالى [وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ دبِهَا فَاقِرَةٌ] ( )، وقال تعالى [يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ]( ).
السابع : التباين في تلقي ومعاملة الملائكة مع المؤمنين عنها مع الذين كفروا ، وهل يمكن أن يقوم الملك الواحد بوظائف مع المؤمن وأخرى مع الكافر في آن واحد، أم أن الملائكة الذين مع المؤمنين هم غير الملائكة الذين مع الذين كفروا.
الجواب كلا الأمرين صحيح، فمن الملائكة من يكون عمله مختصاً بطائفة من الناس أو أهل جنة مخصوصة أو أهل النار، ومن الملائكة من يكون له عمل يشمل الجميع , أو خصوص المتعدد من أطراف متباينة , وهو من عظيم قدرة الله , أو كما في تولي ملك الموت قبض أرواح الناس جميعاً .
ولو دار الأمر بخصوص ملك الموت هل هو اسم جنس بلحاظ سنخية عمل قبض الأرواح أم اسم شخصي وفرد معين من الملائكة.
فالجواب هو الثاني , وعن ابن عباس قال : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه جبريل يناجيه إذ انشق أفق السماء ، فأقبل جبريل يتضاءل ويدخل بعضه في بعض ويدنو من الأرض ، فإذا ملك قد مثل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد إن ربك يقرئك السلام ، ويخيرك بين أن تكون نبياً ملكاً وبين أن تكون نبياً عبداً . قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأشار جبريل إليّ بيده أن تواضع ، فعرفت أنه لي ناصح .
فقلت : عبد نبي .
فعرج ذلك الملك إلى السماء فقلت : يا جبريل قد كنت أردت أن أسألك عن هذا ، فرأيت من حالك ما شغلني عن المسألة فمن هذا يا جبريل.
قال : هذا اسرافيل خلقه الله يوم خلقه بين يديه صافاً قدميه لا يرفع طرفه ، بينه وبين الرب سبعون نوراً ما منها نور يدنو منه إلا احترق ، بين يديه اللوح المحفوظ فإذا أذن الله في شيء في السماء أو في الأرض ارتفع ذلك اللوح فضرب جبهته فينظر فيه ، فإذا كان من عملي أمرني به ، وإن كان من عمل ميكائيل أمره به ، وإن كان من عمل ملك الموت أمره به .
قلت : يا جبريل على أي شيء أنت؟ قال : على الرياح والجنود . قلت : على أي شيء ميكائيل؟ قال : على النبات والقطر . قلت : على أي شيء ملك الموت ؟ قال : على قبض الأنفس ، وما ظننت أنه هبط إلا بقيام الساعة ، وما ذاك الذي رأيت مني إلا خوفاً من قيام الساعة ( ).
إن إستحضار ذكر ملك الموت مناسبة للتدبر في آية البحث، وبعث الرغبة في النفس بأن لا تكون زيارة ملك الموت إلا على اتباع رضوان الله، وحسن عاقبته، والوقاية والسلامة من سخط الله الذي تتضمن آية البحث الوعيد به، قال تعالى[وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا]( ).
والنتيجة على رقعة الشطرنج، يتم توزيع حبوب القمح على النحو التالي:
وقيل إذا احتسب وزن ألف حبة قمح هو حوالي 40غ فان إجمـالي وزن القمح الذي سيكون على رقعة الشطرنج هو 550 مليار طن أي نحو 781 ضعف إنتـاج العالم من القمح في 2011 (704 مليون طن)
ومثلما أنه لا تمر دقيقة من آنات الحياة الدنيا إلا ويحل أوان أداء فريضة للصلاة في أحد البلدان والقرى في أرجاء الأرض .
فمن الإعجاز في بديع صنع الله وسعة رزقه على العباد أنه لا يمر يوم من أيام السنة على أهل الأرض إلا وهناك حصاد محصول القمح في بلد أو أكثر، من بلدان الأرض ليكون مقدمة لأداء العبادات وبلغة لها وثمرة وشكراً من الله عز وجل للمسلمين على عبادتهم لله , قال عز وجل [وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ]( ).

حرر في 13/ 1 /2017
15/ ربيع الآخر 1438

قوله تعالى [أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ]الآية 162 .

الإعراب واللغة
الهمزة : للإستفهام , وهو حرف مبني لا محل له من الإعراب.
من : اسم موصول بمعنى الذي ، مبني في محل رفع مبتدأ .
أتبع : فعل ماض , والفاعل ضمير مستتر تقديره هو .
رضوان : مفعول به منصوب وعلامه نصبه الفتحة الظاهرة على آخره ، وهو مضاف .
الله : لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور .
كمن : الكاف حرف جر .
من : اسم موصول مبني في محل جر متعلق بمحذوف خبر المبتدأ.
باء : فعل ماض ، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو .
بسخط : جار ومجرور متعلق بالفعل (باء) والجملة صلة الموصول .
من الله : جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت من سخط .
ومأواه : الواو حرف عطف .
مأواه : مبتدأ مرفوع وهو مضاف .
والضمير الهاء مضاف إليه .
جهنم : خبر مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره .
وبئس : فعل ماض جامد لإنشاء الذم .
المصير : فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره .
والمقصود بالذم محذوف تقديره (هي ) أي جهنم .
والرضوان ، وهو اسم من الرضا ويعني القبول والتسليم ، وفي التنزيل [إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ]( ) ويأتي بكسر الراء وضمها ، ومثله المرضاة ، قال تعالى[وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ] ( ) .
ويقال (ورَضيتُ الشيء وارْتَضَيْتُهُ فهو مَرْضِيٌّ) ( ) وتسمى بيعة المسلمين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يوم صلح الحديبية ببيعة الرضوان وكان عددهم ألف وأربعمائة كما وردعن جابر بن عبد الله الأنصاري قال : قال لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم الحديبية: ” أنتم خير أهل الارض ” وكنا ألفا وأربعمائة ولو كنت أبصر اليوم لاريتكم مكان الشجرة.) ( ) .
وفي رواية أنهم ألف وخمسمائة وكانت البيعة قبل صلح الحديبية بعد أن سرت إشاعة وردت من مكة أن عثمان بن عفان الذي أرسله النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى قريش قد قتل , وجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم تحت شجرة سمرة وبايع الناس على أن لايفروا لتكون لهذه البيعة موضوعية في شروط صلح الحديبية ، وهو من مصاديق قوله تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَ]( )ونزل قوله تعالى [لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا]( )، بشارة للمسلمين وتأكيد للاتباعهم رضوان الله.
واسم الملك الذي هو خازن الجنان رضوان ، و(عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا كان أوّل ليلة من شهر رمضان نادى الجليل جلّت عظمته رضوان خازن الجنان , فيقول : لبيّك وسعديك فيقول : جدّد جنّتي وزينها من أمّة أحمد ثمّ لا تغلقها عليهم حتّى ينقضي شهرهم( ).
ثمّ ينادي مالكاً خازن النّار : أن يا مالك،
فيقول : لبيّك ربي وسعديك فيقول : إغلق أبواب الجحيم عن الصّائمين من امّة أحمد ثمّ لاتفتحها عليهم حتّى ينقضي شهرهم ثمّ ينادي جبرئيل فيقول : لبيّك ربي وسعديك فيقول : انزل إلى الأرض وغلّ مردة( )، الشياطين لايفسدوا عليهم صيامهم وأفطارهم،
ولله في كل يوم من شهر رمضان عند طلوع الشّمس وعند وقت الأفطار عتقاء يعتقهم من النّار عبيداً وأماءاً،
وله في كل سماء مناد فيهم،
ملك عرفهُ تحت عرش ربّ العالمين وفرائضه في تخوم الأرض السّابعة السفلى،
جناح له بالمشرق مكلل بالمرجان والدّرر والجوهر،
وجناح له بالمغرب مكلل بالمرجان والدرّر والجوهر ينادي : هل تائب يُتاب عليه؟
هل من داع يستجاب له؟
هل من مظلوم ينصره الله؟
هل من مستغفر يغفر له؟
هل من سائل يُعطى سؤله؟
قال : وينادي الرّب تعالى ذكره الشهر كلّه : عبادي وإمائي أبشروا واصبروا (وداوموا) أوشَك أن يرفع عنكم في المؤونات،
ويفضوا إلى رحمتي وكرامتي. فإذا كان ليلة القدر،
نزل جبرئيل في كبكبة من الملائكة يصلون (ويسلمون) على كل عبد قائم أو قاعد يذكر الله عزّ وجلّ) ( ).
وورد عن فرقد السبخي : قال (أوحى الله إلى عيسى ابن مريم عليه السلام في الإِنجيل : يا عيسى ، جد في أمري ولا تهزل ، واسمع قولي وأطع أمري . يا ابن البكر البتول ، إني خلقتك من غير فحل ، وجعلتك وأمك آية للعالمين ، فإياي فاعبدْ وعلي ّفتوكل ، وخذ الكتاب بقوة . قال عيسى عليه السلام : أي رب ، أي كتاب آخذ بقوّة؟ . . . قال : خذ كتاب الإِنجيل بقوّة ، ففسره لأهل السريانية ، وأخبرهم أني أنا الله لا إله إلا أنا الحي القيوم البديع الدائم ، الذي لا زوال له ، فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يكون في آخر الزمان ، فصدقوه واتبعوه صاحب الجمل والمدرعة والهراوة والتاج ، الانجل العين ، المقرون الحاجبين ، صاحب الكساء الذي إنما نسله من المباركة – يعني خديجة – يا عيسى ، لها بيت من لؤلؤ من قصب موصل بالذهب ، لا يسمع فيه أذى ولا نصب .
لها ابنة – يعني فاطمة ، ولها ابنان فيستشهدان يعني الحسن والحسين – طوبى لمن سمع كلامه وأدرك زمانه وشهد أيامه . قال عيسى عليه السلام : يا رب ، وما طوبى؟ قال : شجرة في الجنة ، أنا غرستها بيدي وأسكنتها ملائكتي ، أصلها من رضوان ، وماؤها من تسنيم ) ( ).
و(باء ) فعل متعد بحرف كما في قوله تعالى [فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ] ( ).
ويأتي الفعل باء على وجوه :
الأول : معنى رجع يقال (باءَ بإثمه يبوء به بَوْءاً وبَواءً إذا رجع به. وباءَ فلان بفلان يبوء به، إذا قُتل به بَواءً. وأبأته أنا به أُبيئه إباءةً، إذا قتلته به. قالت ليلى الأَخْيَليّة:
فإن تَكُنِ القتلى بَواءً فإنّكم … فتًى ما قتلتم آلَ عَوْفِ بنِ عامرِ
والمَباءة: المَرْجِع إلى الشيء) ( ).
الثاني : تحمل الأمر ووطأته ، يقال باء بدم فلان ، وبخصوص ولدي آدم ورد في التنزيل [إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ] ( ).
الثالث : باء بمعنى أقر واعترف يقال : باء بما عليه أي اعترف به .
الرابع : باء : انقطع .
الخامس : استحق ، وفي قوله تعالى [وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ] ( ) أي استحقوا غضب الله ، ونزل بساحتهم سخطه.
والمعنى الأول أعلاه أي رجع هو الأصل .
سياق الآيات
صلة هذه الآية بالآيات المجاورة على شعبتين نكتفي في هذا الجزء بذكر واحدة منهما :
الشعبة الأولى : وهي صلة هذه الآية بالآيات المجاورة السابقة وهي على وجوه منها :
الوجه الأول :صلة هذه الآية بالآية السابقة [وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ]( )وفيه مسائل :
المسألة الأولى : ذهب مشهور المفسرين إلى ما يدل على تعلق مضامين آية البحث بالآية السابقة ، وأن المراد من الذي يتبع رضوان الله هو الذي يمتنع عن الغلول ، والمختار أن آية البحث أعم في موضوعها ودلالتها .
لقد تضمنت الآية السابقة الثناء على الأنبياء مجتمعين ومتفرقين وبينت الخصال الحميدة التي يتصف بها كل واحد منهم، وكأنهم يتوارثون ويتواصون بالإمتناع عن الغلول ، وهو من مصاديق إخلاص عبادتهم لله عز وجل ، وبخصوص يعقوب النبي ورد قوله تعالى [أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ] ( ) فمن مصاديق التسليم والعبادة التي تذكرها الآية السابقة التنزه عن أكل الغلول والمال الحرام .
ومن أبناء يعقوب يوسف عليه السلام ، وقيل أن أبناء يعقوب الاثني عشر كلهم أنبياء، إذ تاب الله عز وجل عليهم بعد أن ألقوا يوسف في غيابت الجب .
واستدل على نبوتهم بقوله تعالى [قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ] ( ).
(وعن أبي سعيد الضرير : إنّ أصل السّبط في اللغة شجرة ملتفة كثيرة الأغصان فُسمّي الأسباط بها لكثرتهم. فكما إنّ الأغصان من شجرة واحدة كذلك الأسباط كانوا من يعقوب، وكان في الأسباط أنبياء، وكذلك قال {وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ} وقيل : هم بنو يعقوب من صلبه صاروا كلّهم أنبياء) ( ).
والمراد من الأسباط هم ذرية يعقوب والأجيال التي تعاقبت من أولاده وليس هم أبناءه الصلبيين ، والأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في بني إسماعيل .
وليس من دليل على بلوغ أبناء يعقوب عدا يوسف عليه السلام النبوة (عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أكرم الناس؟ قال يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله) ( ) فخصه بالكرامة اللازمة للنبوة من بين أخوته , ليدل الحديث في مفهومه على إختصاصه بالنبوة .
لقد باع أخوة يوسف أخاهم يوسف بدراهم معدودة ومقدارها عشرون درهماً ، وفي التنزيل [وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنْ الزَّاهِدِينَ] ( ) والبخس القليل ، (عن ابن عباس في قوله { وشروه } قال : بيع بينهما بثمن بخس . قال : حرام ، لم يحل لهم بيعه ولا أكل ثمنه ) ( ) فبعد أن ألقاه أخوته في البئر ، جاءت قافلة ، ودنوا من البئر ليتزودوا بالماء ، فأدلى المتولي بالسقاية منهم دلوه في البئر فتعلق به يوسف فنادى [يَابُشْرَى هَذَا غُلاَمٌ] ( ).
وعن السدي (فلما رآه صاحب الدلو ، دعا رجلاً من أصحابه يقال له بشراي فقال : يا بشراي ، هذا غلام) ( )، والأصل هو الأول أي أنه وفرح ونادى أصحابه مستبشراً.
وكان أخوة يوسف في نفس الوضع وسمعوا قول القافلة فجاءوا وقالوا لهم هذا عبد لنا آبق ، ورطنوا بلسانهم : إن أنكرت أنك عبد قتلناك ) وأخبروه بأنهم لا يرجعون به إلى يعقوب بعد أن أخبروه بأن الذئب قد قتله.
فتوسل إليهم يوسف وقال : أرجعوني إلى أبي وأنا أضمن لكم رضاه عنكم ، ولا أذكر مما فعلتم بي شيئاً ، فأبوا عليه حينئذ سأله السيارة هل هو عبد لهم ، أقر بالعبودية كيلا يقتلوه .
لقد أختار يوسف عليه السلام الذهاب إلى المجهول مع القافلة على إنكار عبوديته لأخوته لأنهم عازمون على قتله بعد أن أشاعوا وأخبروا أباهم بأن الذئب قد قتله , وهناك مسألتان :
الأولى : هل هذه الدراهم التي أخذها أخوة يوسف من الغل .
الثانية : هل يدل هذا الفعل من أخوة يوسف على أنهم ليسوا أنبياء لدلالة آية السياق على عصمة الأنبياء من الغلول , لقوله تعالى [وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ] ( ).
أما الأولى فلا دليل على أن هذه الدراهم من الغل لأن القدر المتيقن من الغل هو الأخذ خلسة من الغنائم ، وأن كان أخوة يوسف حريصين على إخفاء تلك الدراهم وموضوعها وهي أشد من الغلول لتعدد ضروب الظلم فيه , والله هو العفو الغفور .
وأما الثانية فصحيح أن الدراهم التي أخذوها ثمناً سخياً ليوسف ليست من الغلول إلا أن خطيئتهم وذنبهم باستعباد وبيع أخيهم النبي يوسف من الكبائر ، وهي أمور يتنزه عنها الأنبياء ، سواء في النبوة وبعدها أي حتى على القول بأن الأنبياء غير معصومين من الذنوب قبل النبوة فانه لا يجتمع عشرة من الأخوة الذي سيصلون إلى مرتبة النبوة الرفيعة على ذنب مخصوص ضد النبوة ذاتها من جهة أن بيع يوسف عليه السلام حرب على يعقوب النبي وعقوق له كأب ووالد صالح .
وهل يمكن تقدير آية السياق : وما كان للذي سيكون نبياً أن يغل ، بلحاظ أصالة الإطلاق لإرادة أن ذات النبي لم يفعل الغلول في حياته ، فلا يقال: كان هذا النبي يغل قبل النبوة، كما لو كان مقاتلاً ومجاهداً تحت لواء نبي آخر، كما في قصة داود مع طالوت، إذ ورد في التنزيل قوله تعالى[وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا]( ).
فقد إجتمع الملأ من بني إسرائيل عند نبي من أنبيائهم، ولم يذكر القرآن اسم هذا النبي لبيان كثرة أنبياء بني إسرائيل , وفيه دعوة المسلمين للتصديق بالأنبياء على نحو العموم الإستغراقي وعدم حصر الإيمان بالأنبياء الذين ذكرت أسماؤهم في القرآن .
وذكر أن اسم النبي هذا (شمعون) وكانت النبوة في سبط , والملك في سبط من بني اسرائيل، فهلك سبط النبوة، ولم يبق منهم إلا حمل في بطن أمه، فحبسوها في بيت خشية أن تلد جارية وتبدلها بغلام فيظنون أنه نبي، فاجتهدت بالدعاء أن يرزقها الله ولداً فولدت غلاماً.
وعن السدي : فكبر الغلام فاسلمته يتعلم التوراة في بيت المقدس ، وكفله شيخ من علمائهم وتبناه ، فلما بلغ الغلام أن يبعثه الله نبياً أتاه جبريل والغلام نائم إلى جنب الشيخ ، وكان لا يأتمن عليه أحداً غيره ، فدعاه بلحن الشيخ : يا شماؤل ، فقام الغلام فزعاً إلى الشيخ فقال : يا أبتاه دعوتني؟ .
فكره الشيخ أن يقول لا فيفزع الغلام ، فقال : يا بني ارجع فنم . فرجع فنام ، ثم دعاه الثانية فأتاه الغلام أيضاً فقال : دعوتني؟ فقال : ارجع فنم فإن دعوتك الثالثة فلا تجبني .
فلما كانت الثالثة ظهر له جبريل فقال : اذهب إلى قومك فبلغهم رسالة ربك ، فإن الله قد بعثك فيهم نبياً ، فلما أتاهم كذبوه وقالوا : استعجلت بالنبوة ولم يأن لك ، وقالوا : إن كنت صادقاً فابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله آية نبوتك .
فقال لهم شمعون : عسى أن كتب عليكم القتال أن لا تقاتلوا[قَالُوا وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ]( )، الآية . فدعا الله فأتي بعصا تكون على مقدار طول الرجل الذي يبعث فيهم ملكاً . فقال : إن صاحبكم يكون طوله طول هذه العصا . فقاسوا أنفسهم بها فلم يكونوا مثلها( ).
لقد قيد بنو إسرائيل قتالهم بأنه في سبيل الله ولغرض الدفاع عن النفوس والأعراض والأموال والذراري كما في جوابهم على سؤال نبيهم حينئذ كما ورد في التنزيل[قَالُوا وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا]( ).
لقد أراد بنو إسرائيل قتال العمالقة الذين ظهروا على بني إسرائيل، وفرضوا عليهم الجزية واستحوذوا على التوراة، وكان ملك العمالقة جالوت، وقد لاقى بنو إسرائيل قبلها في أيام موسى ظلم واضطهاد فرعون فانتقم الله عز وجل منه ومن جنوده بآية غرقهم عظمى، قال تعالى[وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمْ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ]( )،
وهل أراد بنو إسرائيل النصر على العمالقة بمعجزة، الجواب نعم، فتفضل الله عز وجل وأوحى إلى نبيهم باختيارهم ملكاً من أهل التقوى هو (طالوت).
ولم يكن طالوت من سبط النبوة ولا سبط المملكة , وكان سقّاء يستقي الماء على حمار له ويبيعه للناس، فضلّ حماره، فأخذ يطلبه في الطرق، فلما مرّ على المحل الذي فيه النبي دعوه فقاسوا عليه العصا فكانت على مقدار طوله فأخبرهم نبي زمانهم شمعون أنه هو الملك عليهم، وقال[إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ]( )، لبيان قانون وهو أن الله عز وجل يهب ويرزق بغير حساب[ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ]( ).
وأن الملك والغنى ينتقل قد ينتقل من قوم إلى غيرهم بلطف وفضل من الله، وقد يكون من مصاديق قوله تعالى[إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ]( )، أو يبقى عندهم ويكون أيضاً عند غيرهم والله هو الواسع الكريم , أو يلحقون بغيرهم , أو يتداخلون معهم .
وتبين هذه الآيات موضوعية القيادة وشخص القائد في القتال، ولبيان فضل الله عز وجل على المسلمين بعصمتهم من فرض الذين كفروا الجزية عليهم واستضعافهم بل حملوا سيوفهم للدفاع عن التوحيد والرسالة، وجعل الله عز وجل الرسول محمداً صلى الله عليه وآله وسلم هو النبي والإمام والقائد في معارك الإسلام الأولى إذ تتصف قيادته بأنه لا يأمر أو ينهى إلا بالوحي .
فإن إختلفت أمم المؤمنين على شخص الملك والقائد عليهم، فإن المسلمين سلّموا بقيادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويدل عليه نعت المسلمين بالمؤمنين بخصوص الخروج إلى معركة أحد والتي هي سبب نزول آية البحث , قال تعالى[وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ]( ).
ليكون من معاني نعت المسلمين بالمؤمنين في الآية أعلاه وجوه:
الأول : إيمان المسلمين بالله ونبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني : إيمان المسلمين بوجوب الإستجابة لنداء الدفاع عن الإسلام، وفي أسباب النزول قوله تعالى[الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ]( ) أن المشركين ندموا على تركهم القتال وإنسحابهم من معركة أحد في نفس يوم المعركة وهو النصف من شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة من غير أن ينالوا بغيتهم بقتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فهمّوا بالرجوع وتناجى أبو سفيان واصحابه بالرجوع والإغارة على المدينة المنورة فبلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم خبرهم فأنتدب المسلمين ومع شدة الجراحات التي أصابته وأصحابه فقد خرجوا معه حتى بلغوا حمراء الأسد ، وأقاموا ثلاثة أيام : الإثنين والثلاثاء والأربعاء ثم رجعوا إلى المدينة فنزلت الآية أعلاه ليكون من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ).
فان قلت قد يكون من القياس مع الفارق لأن بني إسرائيل كانوا يواجهون العمالقة وشدة بطشهم ، الجواب وكذا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه فقد كانوا يواجهون قريشاً وشدة وخبرة رجالها في فنون القتال، وقوة شوكتها وكثرة أسلحتها مع فارق وهو أن قريشاً يطلبون الثأر ويريدون الإنتقام لما أصابهم يوم بدر من الخسارة والخزي، وفي كلا الأمرين هناك المعجزة والنصر من عند الله ، قال تعالى [إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ]( ).
الثالث : حب المسلمين للتضحية والتفاني في مرضاة الله ، وملاقاة الذين كفروا في ميدان القتال .
الرابع : دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين لشكر الله عز وجل على وجود أمة مؤمنة تلاقي وتقاتل الذين كفروا الذين زحفوا عازمين على قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
لقد أظهر أبو سفيان وجيش المشركين الندم على إنصرافهم من معركة أحد من دون أن يحققوا غاية من غاياتهم الخبيثة، فلم يتمكنوا من قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولا أسر أصحابه خاصة المهاجرين، ويحتمل هذا الندم وجوهاً:
الأول : إنه من مصاديق قوله تعالى[سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ]( ).
الثاني : إنه من رشحات الرعب الذي ملأ قلوب الذين كفروا في ميدان معركة أحد.
الثالث : لا صلة بين الآية أعلاه وحال الندم التي صار عليها جيش المشركين عند الإنسحاب من معركة أحد.
الرابع : إنه ليس رشحة من الفزع والخوف الذي ملأ قلوبهم يوم أحد، إنما هو عكس ونقض لهذا الخوف بعد أن غادرهم بالإنسحاب من ميدان المعركة.
الخامس : هذا الندم الذي ملأ قلوب الذين كفروا من الخيبة التي وردت بخصوص ذات واقعة أحد بقوله تعالى[لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ]( ).
وبإستثناء الوجه الرابع أعلاه فإن الوجوه الأخرى كلها صحيحة ومن مصاديق آية بعث الرعب في قلوب المشركين ومصاحبته لهم، وفيه آية بأن الله عز وجل يعلم ما في القلوب وأنه سبحانه يجعل علامة وأمارة للناس تدل عليه، ومنه إلتفات المشركين عند الإنسحاب من المعركة إلى حقيقة وهي أنهم لم ينتصروا في معركة أحد، وخرجوا مكسورين أذلاء منها.
وهل هو من مصاديق آية البحث ، الجواب نعم ، لبيان قانون وهو أن الذين كفروا يرون العز الذي صار عليه المسلمون ، وما ترشح عليهم من أسباب النصر في المعركة ، ويدل عليه قوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ] ( ) أي أن هذا النصر قهر لحال الذل ، وتأكيد لمعجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في السنة الدفاعية ، وهي عدم صيرورة الذل والفقر والنقص في السلاح والمؤون برزخاً دون النصر والرفعة ، والتمكين من عبادة الله من غير ضرر من الذين كفروا، قال تعالى[وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ]( ).
المسألة الثانية : قد يقال من الأنبياء من لم يخض حرباً أو قتالاً ، ومنهم من قتله قومه مثل زكريا ويحيى وشعيب ، ومن الأنبياء من هاجر , وأعرض عن قومه مثل إبراهيم عليه السلام ، ومنهم من رفعه الله مثل عيسى عليه السلام ، فكيف جاءت آية السياق مطلقة (وما كان لنبي أن يغل) وفيه وجوه :
الأول : مجئ الآية بذكر العام ، والمراد الشطر والجماعة منهم ، وهو أمر ظاهر في لغة العرب ،يؤتى بلفظ الكل ويراد منه البعض والجزء .
الثاني : المراد العصمة والإمتناع الذاتي عن الغلول سواء وجد وتحقق مصداقه الخارجي أم لم يتحقق .
الثالث : إرادة المعنى الأعم ، وهو تنزه الأنبياء عن أكل المال العام والأخذ خلسة منه .
والمختار هو الثاني والثالث أعلاه لبيان الملازمة بين النبوة والعصمة من أكل الغلول ، ولزوم إقتداء المسلمين بالأنبياء ، وهو وفق القياس الإقتراني:
الكبرى : المسلمون يحاكون الأنبياء في عملهم .
الصغرى : الأنبياء لا يغلون .
النتيجة : المسلمون لا يغلون .
ليكون اتباع رضوان الله سوراً جامعاً للأنبياء وأمة محمد ، وهذا الجامع والجمع من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ) وليكون من معاني آية البحث بعث المسلمين على الإقتداء بالأنبياء والتحلي بأخلاقهم وإجتناب الخروج عن نهجهم القويم ، ولما احتجت الملائكة على جعل الإنسان [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( )بأنه يفسد في الأرض ، ويقتل النفس التي حرّم الله عز وجل أجابهم الله عز وجل بما فهموا منه الحجة والبرهان [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ).
ومن علم الله عز وجل محاربة المسلمين للمفسدين وإلحاق الهزيمة بهم وصيرورة الخزي والذل مصاحبين لهم في الدنيا والآخرة ، ومن علم الله عز وجل نزول آية السياق والبحث ليتنزه المسلمون عن الغلول فيكتب لهم الملائكة الحسنات من جهات :
الأولى : الإيمان بالله إلهاً ورباً لا شريك له .
الثانية : التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالثة : تلقي آيات القرآن بالإمتثال والعمل بأحكامها .
الرابعة : تلاوة آيات القرآن في الصلاة وخارجها والفوز بالحسنات والثواب عن كل حرف منها ( عن مجاهد: هذا ما أحصينا من القرآن وهو ثلاثُمائِة ألفِ حرف وواحدٌ وعشرون ألفَ حَرْفٍ ومائَةٌ وثمانونَ حرفًا.
وقال الفضل، عن عطاء بن يسار: ثلاثمائة ألف حرف وثلاثة وعشرون ألفًا وخمسة عشر حرفًا) ( ).
الخامسة : تحلي المسلمين بالصبر في ذات الله وتحمل الأذى بسبب الإيمان ، وهل هذا الصبر من مصاديق قوله تعالى [أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ] ( ) .
الجواب نعم ، ومن منافع الصبر حبس اليد عن الوصول إلى الغلول فحتى لو رغب المسلم بقطعة من الغنائم كالقلادة من الذهب ذات البريق فانه يمنع نفسه من اتباع الهوى ويحجب العبد يده عن بلوغها .
ويحتمل الإمتناع عن الغلول بخصوص قوله تعالى [بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاَفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ]( ) وجوهاً :
الأول : الإمتناع عن الغلول من الصبر، وقوله تعالى [إِنْ تَصْبِرُوا]وتقدير الآية : بلى أن تصبروا عن الغلول .
الثاني : إنه من التقوى والخشية من عند الله لمجئ آية السياق بالزجر عنه ، وتقدير الآية أعلاه بلى إن تتقوا بالإمتناع عن الغلول .
الثالث : إرادة المعنى الجامع ، وأن إجتناب الغلول من الصبر , ومن التقوى .
الرابع : ليس من صلة موضوعية بين أخذ الغلول وبين كل من الصبر والتقوى .
والصحيح هو الثالث، وتتعلق الآية أعلاه بمعركة أحد والتي وقعت بعد ثلاثة عشر شهراً من معركة بدر التي وقعت في شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة النبوية الشريفة , وكان نفر من المؤمنين قد فاتهم الإشتراك بمعركة بدر فظلوا يتلهفون للقاء العدو والبطش به ، أو الفوز بالشهادة خاصة بعد تجلي معجزة النصر في معركة بدر ودخول الأسرى والغنائم إلى المدينة المنورة ، وكان من الأسرى بعض وجهاء قريش ، ومن كانت أسماؤهم معروفة عند العرب واليهود .
ونزل قوله تعالى [وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْن الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ] ( ) وهناك مسألتان :
الأولى : لم تقل الآية أعلاه : ولقد كنتم تمنون لقاء العدو .
الثانية : لم تقل الآية : ولقد كنتم تمنون الشهادة .
أما الأولى ففيها وجوه :
أولاً : بين تمني الموت ولقاء العدو عموم وخصوص مطلق ، فقد يلاقي المسلم الأعداء ولكنه يخرج سالماً من المعركة .
ثانياً : جاءت الآية لدفع وهم ، ولبيان أن المسلمين لم يتمنوا لقاء العدو طمعاً بالغنائم والمكاسب .
ثالثاً : شهادة الآية أعلاه للمسلمين بالإيمان وقصد القربة وإرادة القتال في سبيل الله ، قال تعالى [وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ] ( ).
ويحتمل أكل الغلول بلحاظ الآية أعلاه وجوهاً :
الأول : إنه من الإعتداء الذي تذكره الآية أعلاه .
الثاني : إنه ليس من الإعتداء بلحاظ أنه متفرع عن القتال في سبيل الله والغلبة على العدو الكافر وجمع الغنائم .
الثالث : الآية أعلاه أجنبية عن مسألة الغلول .
والمختار هو الأول أعلاه ، نعم التعدي من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متعددة ومتفاوتة شدة وضعفاً .
رابعاً : بيان حب المسلمين للموت في سبيل الله والدفاع عن بيضة الإسلام .
وأما المسألة الثانية أعلاه ففيها وجوه :
أولاً : ذكر الموت في الآية أعلاه ليس برزخاً دون إرادة معنى الشهادة منه.
ثانياً : في الآية رد وقهر للمنافقين والكفار الذين قد يؤاخذون المسلمين على القتال في سبيل الله ، كما ورد في التنزيل [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِ وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ]( ).
ثالثاً : دلالة الآية أعلاه على إرادة المسلمين الشهادة وبين الموت والشهادة عموم وخصوص مطلق ، فكل شهادة في سبيل الله هي موت وليس العكس .
ورد عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: لا يقبل الله صدقة من غلول ولا صلاة بغير طهور)( ) لبيان شرط التملك في الزكاة، وأن المال الحرام لا تجب زكاته كمال الربا والمغصوب والسرقة والرشوة .
وهل يختص موضوع الغلول بالحديث أعلاه بما يسرق خلسة من الغنائم أم هو أعم فبشمل عدم قبول الصدقة من المال الحرام .
الجواب هو الثاني، إذ أن دفع الزكاة رحمة وباب للتطهير ونماء المال، قال تعالى[خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا]( ).
المسألة الثالثة : تقدير الجمع بين الآيتين : أفمن اتبع رضوان الله وهم لا يظلمون) ومن بديع صنع الله عز وجل في خلق الإنسان أنه جعل نفسه تنفر من الظلم والتعدي والإضرار بالغير.
وهل يشمل هذا القانون ذات الشخص الذي يقوم بالظلم والتعدي أم أن هذه النفرة ممتنعة عنه ، الجواب هو الأول ، وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) فلما احتج الملائكة على فساد الإنسان في الأرض وسفكه الدماء بغير حق بيّن الله عز وجل لهم عدم إنحصار الملاك في خلق الإنسان بما تفعل جماعة أو طائفة من الناس، فلابد من النظر للنفوس والضمائر وأثر صلاحها في تهذيب السلوك وعالم الأفعال .
ومن البيان في قوله تعالى أعلاه بلحاظ خاتمة آية السياق وجوه :
الأول : إن الله عز وجل لا يظلم الناس، وهل تدل الآية على إنتفاء الظلم في خلق الناس أم أن القدر المتيقن من الآية هو عدم نزول الظلم بالناس في الآخرة.
الجواب هو الأول ، لذا ورد قوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ]( ) بتقريب أن العبادة خير محض للفرد والجماعة ، وهي نفع دائم ومستديم في الدنيا والآخرة .
ويحتمل قوله تعالى [وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ] الوارد في خاتمة آية السياق في شموله وجوهاً :
الأول : الذين كفروا واتبعوا أهواءهم .
الثاني : الذين آمنوا .
الثالث : المسلمون الذين أخذوا الغلول خلسة .
الرابع : عموم الناس وأهل الملل والنحل.
وكل هذه الوجوه من مصاديق آية السياق ، لتكون هذه الآية بشارة للذين آمنوا ونوع إنذار للذين كفروا ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ] ( ).
وهل تكون آية السياق [وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ] ( ) من مصاديق الآية أعلاه، الجواب نعم من جهات :
الأولى : بشارة الأنبياء للمؤمنين بالجنة .
الثانية : ترغيب الأنبياء للمسلمين باقتفاء أثرهم واتباع سننهم ، ليكون تقدير الآية أعلاه على وجوه :
أولاً : وما نرسل المرسلين إلا مبشرين لمن يتبع نهجهم , ومنذرين لمن يخالف نهجهم .
ثانياً : وما نرسل المرسلين إلا ليمتنعوا عن الغلول .
ثالثاً : وما نرسل المرسلين إلا ليخوّفوا الذين يأكلون الغلول , ويسرقون من المال العام .
رابعاً : وما نرسل المرسلين إلا ليجاهدوا الذين كفروا ويكسبوا منهم الغنائم ، وجاءت آية السياق لتبين أن الغنائم من مصاديق رسالة الأنبياء والمرسلين وهي نعمة على المؤمنين يجب عليهم تعاهدها بعدم الغلول ، وليكون هذا التعاهد جهاداً لمنع إستحواذ النفس الشهوية ، ووسيلة للمنعة والقوة عند المسلمين .
وعدم الغلول من مصاديق قوله تعالى [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ]( )،لأن في التنزه عن الغلول قوة ومنعة للمسلمين، وبرزخ دون دبيب الكدورة بينهم.
الثالثة : وما نرسل المرسلين إلا منذرين للذين يأخذون الغلول وهذا الإنذار من وجوه :
الأول : عصمة الأنبياء من الغلول .
الثاني : تبليغ الأنبياء والرسل المؤمنين بعدم الغلول، وتجلي هذا التبليغ بنهي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه عن أخذ الغلول .
الثالث : بيان الأنبياء لسوء عاقبة أكل الغلول .
الرابع : تذكير الأنبياء الناس بيوم القيامة وعالم الحساب .
الخامس : تنمية الأنبياء لملكة الخشية من الله عند المسلمين ، ومنع الناس من التفريط بالواجبات العبادية، وعن أنس قال: جَاءَ ثَلاثَةُ رَهْطٍ إِلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا بِهَا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا .
فَقَالُوا : أَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ ؟ .
فَقَالَ أَحَدُهُمْ : أَمَّا أَنَا فَأُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا ، وَقَالَ الآخَرُ : أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ فَلا أُفْطِرُ .
وَقَالَ الآخَرُ : أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ وَلا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم ، فَقَالَ : أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا ، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ ، وَأَتَزَوَّجُ ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي)( ).
لقد أختتمت آية السياق بقوله تعالى [وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ] ليكون من عدم الظلم بلحاظ آية البحث وجوه :
الأول : ثناء الله عز وجل في آية البحث على الذين آمنوا والشهادة لهم باتباع رضوانه .
الثاني : بيان حاجة الناس لاتباعهم مناهج الهدى بلحاظ قانون من الإرادة التكوينية وهو أن الله عز وجل غني عن الناس وعبادتهم (عن سهل بن سعد قال : جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا محمد ، عش ما شئت فإنك ميت ، واعمل ما شئت فإنك مجزى به ، واحبب من شئت فإنك مفارقه ، واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل ، وعزه استغناؤه عن الناس) ( ).
وهل هذا الإستغناء من عدم نزول الظلم بالناس , الجواب نعم ، فلا يحصد الإنسان إلا ما عمله ، ولا يضر إن عمل القبيح إلا نفسه ، قال تعالى [وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى]( ).
الثالث : بيان استنارة طريق الهداية إذ يدل قوله تعالى[أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ] على قانون وهو أن سبل رضوان الله جلية واضحة للناس مع التباين في مداركهم ، قال تعالى [وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ] ( ) .
وهذا البيان من مصاديق قوله تعالى [وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ] الذي أختتمت به آية السياق .
ومن أسرار كل من المعجزة العقلية والحسية أن كل واحدة منهما تخاطب عقل وحواس الإنسان وتدعوه للإيمان ، فنعت المعجزة بالحسية كناقة صالح وعصا موسى لا يعني أن أثرها يختص بالحواس، إنما يتعلق هذا النعت بسنخية المعجزة ذاتها وأنها تجري بواسطة الحواس.
ولقد أنعم الله عز وجل على الناس بقانون الملازمة بين النبوة والمعجزة الحسية ، وهل يمكن القول بالتساوي بين عدد الأنبياء وعدد المعجزات وأنها مائة وأربعة وعشرون ألف معجزة، الجواب لا ، إذ تتعدد معجزات كل نبي من وجهين :
الأول : ماهية المعجزة كما في نبي الله موسى عليه السلام مثلاً ، وفي خطاب إلى موسى قال الله تعالى [وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ] ( ) وكما في نبي الله عيسى عليه السلام إذ ورد في التنزيل [إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابن مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ]( ) إذ تبين هذه الآية عدداً من معجزات عيسى عليه السلام وهي :
الأولى : تفضل الله عز وجل بمخاطبة وتكليم عيسى عليه السلام .
الثانية : ذكر تكليم الله عز وجل لعيسى في القرآن ليكون على وجوه :
الأول : أنه وثيقة سماوية في الأرض .
الثاني : بيان فضل الله عز وجل على عيسى ومن تبعه من الناس .
الثالث : دعوة المسلمين للتصديق برسالة عيسى ، وهذا التصديق من اتباع رضوان الله .
الرابع : تلاوة المسلمين كل يوم لآية تكليم ووحي الله عز وجل لعيسى ، وفي هذه التلاوة تجديد للإيمان بنبوته ، و (عن جابر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة ، قال : فينزل عيسى بن مريم فيقول أميرهم : تعال صلِّ بنا . فيقول : لا إن بعضكم على بعض أمير تكرمة الله هذه الأمة) ( ).
الثالثة : ذكر اسم عيسى بن مريم في الآية أعلاه وإخبارها بأن الله عز وجل ناداه باسمه ونسبه إلى أمه، وكانت العرب تنسب الإنسان لأمه أما استخفافاً وسخرية أو لأن أمه ذات شأن وجاه ونسب رفيع .
وجاءت النسبة في الآية أعلاه لبيان المعجزة إذ انفرد عيسى من بين أجيال الناس جميعاً من آدم وإلى يوم القيامة أنه ولد في رحم امرأة ، وليس له أب .
وهل فيه إخبار متقدم عن الإستنساخ البشري ، الجواب نعم ، ، ولكن ولادة عيسى بالمعجزة والأمر الخارق للعادة مع تمام الخلقة والأخلاق.
الرابعة : ذكر اسم أم عيسى، ولم يرد في القرآن اسم امرأة إلا اسم مريم ، وقد ذكرت بالذات وليس كأم لعيسى ، قال تعالى [وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذْ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا] ( ) مما يدل على عظيم شأنها وأن الله عز وجل أصلحها لولادة عيسى عليه السلام ، إذ أن التعريف بالفرد يكون بالاسم والكنية واللقب , وذكرت نساء في القرآن كما في أم مريم نفسها بقوله تعالى [إِذْ قَالَتْ امرأة عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا]( ).
وذكر القرآن قصة آسيا امرأة فرعون [وَقَالَتْ امرأة فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي]( )، وذكر القرآن امرأة عزيز مصر.
كما ورد ذكر امرأة نوح وامرأة لوط ، إذ ورد خبرهما في آية واحدة وموضوع متحد ، قال تعالى [ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امرأة نُوحٍ وَامرأة لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ] ( ) .
وكان للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نصيب في ذكر لفظ الزوج إذ ورد قوله تعالى [وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ] ( ) في قصة زواج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من زينب بنت جحش بعد أن فارقها زيد بن حارثة وكانت زينب تفخر بهذا الذكر .
(عن أنس قال : جاء زيد بن حارثة يشكو زينب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : اتق الله وامسك عليك زوجك فنزلت [وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ]( ).
قال : أنس فلو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتماً شيئاً لكتم هذه الآية . فتزوّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما أولم على امرأة من نسائه ما أولم عليها . ذبح شاة[فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا]( )، فكانت تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تقول : زوّجكن أهاليكن ، وزوّجني الله من فوق سبع سموات .
وأخرج ابن سعد وأحمد والنسائي وأبو يعلى وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن أنس قال : لما انقضت عدة زينب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد : اذهب فاذكرها عليَّ فانطلق قال : فلما رأيتها عظمت في صدري .
فقلت : يا زينب أبشري أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرك قالت : ما أنا بصانعة شيئاً حتى أوامر ربي ، فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن.
وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل عليها بغير إذن ، ولقد رأيتنا حين دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أطعمنا عليها الخبز واللحم ، فخرج الناس وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطعام ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم واتبعته ، فجعل يتبع حُجَرَ نسائه يسلم عليهن ويقلن : يا رسول الله كيف وجدت أهلك؟ فما أدري أنا أخبرته أن القوم قد خرجوا أو أخبر ، فانطلق حتى دخل البيت ، فذهبت ادخل معه ، فألقى الستر بيني وبينه ، فنزل الحجاب ووعظ القوم بما وعظوا به { لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم . . . })( ).
المسألة الرابعة : تقدير الجمع بين الآيتين : كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وهم لا يظلمون ) .
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار إختبار واختيار وليس من إنسان إلا وهو عرضة للإختبار في كل يوم وليلة وله الخيار الإختباري ، قال تعالى [إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا] ( ).
لقد ذكرت آية البحث وبصيغة الذم قوماً يحل بهم سخط وغضب من الله عز وجل , والسخط من الصفات الفعلية , وفيه زجر عن المعاصي والسيئات وترغيب بالفوز بما هو ضد السخط والغضب من الله عز وجل ، ويحتمل المراد من سخط الله وجوهاً :
الأول : سخط الله في الدنيا .
الثاني : سخط الله في الآخرة .
الثالث : نزول سخط الله عز وجل على الذين كفروا في الدنيا والآخرة.
والصحيح هو الأخير أعلاه , وليس من حصر لوجوه سخط الله سواء في الدنيا أو الآخرة ، فان قلت يكون الكافر في أحسن حال في الدنيا من جهة الصحة والأولاد والأموال والجاه ، الجواب أنه من الإستدراج والإمتحان وإقامة الحجة على الناس .
قال تعالى [وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ] ( ) وهل الإنذار في الآية أعلاه من سخط الله أم أنه مقدمة لسخط الله .
الجواب لا تعارض بين الأمرين ، وهو من الإعجاز في تعدد معاني اللفظ القرآني المتحد .
لقد وردت خاتمة آية السياق بصيغة الجمع للغائب [وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ]وفيه أطراف :
الأول : ليس من ظالم .
الثاني : إنتفاء مادة الظلم .
الثالث : سلامة الناس من الظلم .
ولم تذكر الآية من هو الذي لا يظلم , والجواب المراد هو الله عز وجل ، وفي التنزيل [وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ] ( ).
ويمكن بيان خاتمة آية السياق بتقدير على أقسام :
الأول : إرادة الثواب التام من عند الله على فعل الحسنات بقوله تعالى [ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ]( ) , وذات التلاوة أمر حسن وحسنة وتؤدي إلى الحسنات .
(عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة ، والحسنة بعشر أمثالها، لا تقول[الم]( )، حرف ، ولكن ألف حرف ، ولام حرف ، وميم حرف) ( ).
الثاني : ثم يوفى الناس جزاء أعمالهم من غير نقصان من جهات :
الأولى : إنعدام النقصان بذات الأعمال ، فلا يفوت عمل لأحدهم في الدنيا ، قال تعالى [وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ] ( ) .
(عن ثابت قال: مشيت مع أنس فأسرعت المشي، فأخذ بيدي فمشينا رويدًا، فلما قضينا الصلاة قال أنس: مشيت مع زيد بن ثابت فأسرعت المشي، فقال: يا أنس، أما شَعَرْتَ أن الآثار تكتب؟ أما شَعَرْتَ أن الآثار تكتب) ( ).
أي قصر الخطى ففي كل خطوة ودقائق في المشي الى المسجد والرجوع منه أجر عظيم .
الثانية : عدم تخلف حضور العمل الصالح مع صاحبه في الآخرة ، خاصة وأنه في أشد الحاجة إليه في أي موطن منها ، وهل يمكن القول أن العمل الصالح يصاحب المؤمن حال نشوره ووقوف الناس في أرض المحشر، الجواب نعم ، وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ]( ) .
وأرض المحشر هي غير هذه الأرض ، قال تعالى [يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ]( ) لذا قيل أن الأرض التي يحشر عليها الناس غير هذه الأرض .
وأستدل بما ورد (عن سهل بن سعد : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء ، كقرصة نقي ليس فيها معلم لأحد) ( ) وقد يكون التبدل بالإنبساط واللون والهيئة لبيان طهارتها من دنس الذنوب (عن أبي سعيد الخدري ، أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، يقول : تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يكفؤها الجبار ، كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر نزلا لأهل الجنة ، قال : فجاء حبر من اليهود.
فقال : بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة ؟ قال : بلى ، قال : تكون الأرض خبزة واحدة كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فنظر إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ضحك حتى بدت نواجذه ثم قال : ألا أخبركم بإدامهم، قالوا : بلى .
قال : إدامهم بلام ونون ، قالوا : وما هذا ؟ قال : ثور وحوت يأكل من زيادة كبدهما سبعون ألفا) ( ).
الثالثة : إنتفاء النقص في وزن الصالحات والبر والإحسان (عن أبي ذر: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم.
يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم.
يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا .
يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا.
يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر .
يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه) ( ).
الرابعة : عدم النقص في مضاعفة الحسنات التي وعد الله عز وجل بها، قال سبحانه [مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا]( ).
الثالث : شمول عموم الآية للذين أخذوا الغلول فمع إيمانهم أو جهادهم وإشتراكهم في القتال ، فان فضحهم يوم القيامة بما اخذوا ليس من الظلم ، وتلك معجزة في لغة واحتجاج القرآن فلا يقول أحدهم يومئذ أني قتلت فلاناً وفلاناً من الكفار ، فهل أحاسب على قطعة صغيرة من الغلول ، فبينت الآية أن هذا الحساب حق.
وعند إنصراف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من معركة خيبر مرّ بوادي القرى ، ويقع بين تيماء وخيبر وكانت فيه قرى متعددة ، ويسمى في هذه الأيام وادي الجزل بسكر الجيم، والذي يبلغ طوله ثلاثمائة كيلو متراً، وكان به جماعة من اليهود وأنضم إليهم عدد من العرب ، فلما نزل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه استقبلهم اليهود بالرمي بغتة ومن غير أن يأخذوا حذرهم ز
فأصاب مدعم وهو غلام أسود وعبد لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سهم غارب فقتله (فَقَالَ النّاسُ هَنِيئًا لَهُ الْجَنّةُ فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَلّا وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنّ الشّمْلَةَ الّتِي أَخَذَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنْ الْمَغَانِمِ لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسم لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا فَلَمّا سَمِعَ بِذَلِكَ النّاسُ جَاءَ رَجُلٌ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ بِشِرَاكٍ أَوْ شِرَاكَيْنِ فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ) ( ).
ترى ما معنى قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ) يحتمل وجوهاً:
الأول : ثبوت حكم الغلول حتى مع إعادة العين التي غلت لثبوت الحكم بتحقق الفعل .
الثاني : يشتمل الغلول المعاد إلى الغنائم في القبر على صاحبه بلحاظ أن في القبر حساباً إبتدائياً .
الثالث : المراد بيان جزاء هذا الشرك أو الشراكين لو لم يردهما الذي أخذهما إلى الغنائم .
والمختار هو الثالث ، وتقدير كلام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو : شراك من نار لو لم يعده إلى الغنائم، بلحاظ عمومات التوبة والإنابة ، وتبدل الموضوع , وإذا تبدل الموضوع تغير الحكم ، وجاء الحديث دعوة من جهات :
الأولى : حث المسلمين على الإمتناع عن الغلول .
الثانية : دعوة الذين أخذوا الغلول إلى إعادتها إلى المقسم ،وإن تم توزيع الغنائم فتعاد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالثة : التخويف من أخذ الغلول , ومن التعدي على المال العام .
الرابعة : بيان سوء عاقبة الأخذ من الغنائم خلسة وقبل القسمة.
الخامسة : بيان أن عقوبة الذي يغل ليس من الظلم بدلالة إختتام آية السياق وهي آية الغل بقوله تعالى [وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ] قال تعالى [إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ] ( ).
المسألة الخامسة : تقدير الجمع بين الآيتين : افمن أتبع رضوان الله ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ) .
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار إختبار وإبتلاء ، ومن فضله تعالى أنه لم يترك الإنسان وشأنه في الدنيا والآخرة، قال تعالى [أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى] ( ).
إذ تفضل الله عز وجل ببعث الأنبياء وإنزال الكتب السماوية لهداية وإنذار الناس ، كما ورد في قوله تعالى [وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ] ( ).
وتحتمل النسبة بين البشارة والإنذار في رسالة الأنبياء وجوهاً:
الأول : نسبة التساوي بين البشارة والإنذار .
الثاني : إرادة إقامة البرهان ضياءً للناس وإقامة للحجة عليهم .
الثالث : البشارة أكثر من الإنذار في رسالة الأنبياء والكتب السماوية .
الرابع : الإنذار هو الأكثر في رسالة الأنبياء والكتب السماوية .
الخامس :التفصيل فمن الأنبياء من تتجلى البشارة في نبوته أكثر من الإنذار ومنهم بالعكس بحسب الحال وسنخية قومه .
السادس : تعلق التباين في الكثرة والقلة بين البشارة والإنذار بخصوص ذات المكلفين ، وتأتي البشارات للمؤمن لشكره وتثبيت إيمانه ، وتأتي الإنذارات للذي كفر لزجره ودعوته للتوبة .
والمختار هو الثالث أعلاه ، وأن البشارات هي الأكثر ، لذا وردت السور المكية بلغة الإنذار في الجملة , ثم جاءت السور المدنية لبيان الأحكام والسنن ، والثناء على المؤمنين .
مع طول الآية والسورة المدنية،
1- السور المكية :
اثنان وثمانون (82). وهي: الأنعام، الأعراف، يونس، هود، يوسف، إبراهيم ، الحجر، النحل، الإسراء، الكهف، مريم، طه، الأنبياء، الحج، المؤمنون، الفرقان، الشعراء، النمل، القصص، العنكبوت، الروم، لقمان، السجدة، سبأ، فاطر، يس، الصافات، ص، الزمر ، غافر، فصلت، الشورى، الزخرف، الدخان، الجاثية، الأحقاف، ق، الذاريات، الطور، النجم، القمر، الواقعة، الملك، القلم، الحاقة، المعارج، نوح، الجن، المزمل، المدثر، القيامة، الإنسان، المرسلات، النبأ، النازعات، عبس، التكوير، الانفطار، الانشقاق، البروج، الطارق، الأعلى، الغاشية، الفجر، البلد، الشمس، الليل، الضحى، الانشراح، التين، العلق، العاديات، القارعة، التكاثر، العصر، الهمزة، الفيل، قريش، الماعون، الكوثر، الكافرون، والمسد.
2- السور المدنية :
عشرون (20). وهي: البقرة، آل عمران، النساء، المائدة، الأنفال، التوبة، النور، الأحزاب، محمد، الفتح، الحجرات، الحديد، المجادلة، الحشر، الممتحنة، الجمعة، المنافقون، الطلاق، التحريم، والنصر.
3- السور المختلف فيها :
اثنا عشر (12). وهي: الفاتحة، الرعد، الرحمن، الصف، التغابن، المطففين، القدر، البينة، الزلزلة، الإخلاص، الفلق، والناس
ولا بد من دراسات خاصة باحصاء كل من :
الأولى : آيات البشارة في القرآن .
الثانية : آيات الإنذار في القرآن .
الثالثة : الآيات الجامعة للبشارة والإنذار .
والمختار أن كل آية قرآنية تتضمن البشارة والإنذار في منطوقها أو مفهومها، ولا بد أن تكون هناك دراسة أخرى أعم تشمل موضوع كل آية من القرآن من جهة ماهية الإنذار , فتكون آيات القرآن على أقسام :
الأول : الآية بشارة بالمنطوق وإنذار بالمفهوم .
الثاني : الآية إنذار بالمنطوق وبشارة بالمفهوم .
الثالث : الآية بشارة وإنذار بالمنطوق ، وهو الأعم .
الرابع : الآية بشارة وإنذار بالمنطوق والمفهوم .
فمثلاً قوله تعالى[الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ]( )، فهو من القسم الأول أعلاه، إذ أن بشارة بالمنطوق لما فيها من الثناء على الله عز وجل.
والشكر لله عز وجل على النعم، ورجاء الثواب منه سبحانه في النشأتين , وهي إنذار بالمفهوم للذين يجحدون بالنعم ، ويستكبرون عن شكر الله سبحانه .
أما آية البحث فهي من القسم الثالث أعلاه , فتبدأ بالبشارة بالأجر والثواب للمؤمنين، إذ أن اتباع رضوان الله من مصاديق التقوى، قال تعالى[وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ]( )، ومن القسم الرابع أعلاه مثلاً صلة قوله تعالى[يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ]( ).
ومن الإعجاز في المقام أن كلاً من آية البحث والسياق تتضمن البشارة والإنذار ، فان قلت يتجلى هذا القانون بآية البحث لأنها تخبر عن جزاء المؤمن الذي يعمل الصالحات ، وسوء عاقبة الكافر ، فأين مصداق هذا القانون في آية السياق ، الجواب من جهات :
الأولى : مفهوم إخبار آية السياق عن سلامة وتنزه الأنبياء عن أكل الغلول وما يدل عليه من الثواب العظيم الذي يفوز به الأنبياء .
الثانية : نيل الأنبياء مرتبة الشفاعة في الآخرة ، وفي التنزيل [قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ] ( ).
الثالثة : قاعدة الأولوية القطعية فاذا كان المسلم الصابر المجاهد يقف للحساب يوم القيامة على قطعة أخذها خلسة من الغنائم العامة ، فكيف حال الكافر الذي ظلم نفسه بالكفر والجحود ، وقهر جوارحه بمنعها عن أداء وظائفها العبادية ، وهو من مصاديق قوله تعالى [الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ] ( ) إذ تشتكي جوارح وأركان الكافر عليه يوم القيامة لأنه منعها من السجود والركوع وطاعة الله ، وهل يشتكي اللسان من منعه من تلاوة التنزيل أم أن هذه الشكوى ممتنعة لأن فم الكافر مختوم .
الجواب هو الأول ، وذكرت الآية الأيدي والأرجل من باب المثال بخصوص الجوارح وللترتيب، والمراد المعنى الأعم ، لذا ورد قوله تعالى [يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] ( ) .
الرابعة : إنذار الذين كفروا من محاربة الإسلام , لأن عاقبة هذه الحرب على قسمين .
القسم الأول : دنيوي بهزيمة الذين كفروا ، ووقوع أموالهم ومؤنهم غنائم للمسلمين .
لقد كانت معركة بدر موعظة وإنذاراً للذين كفروا ، وخسروا من جهات :
الأولى : كثرة القتلى بين صفوف الذين كفروا .
الثانية : وقوع رواحل ومؤن الذين كفروا غنائم بيد المسلمين فاراد الله عز وجل للمسلمين الإنقطاع إلى شكره تعالى على هذه النعم فمنعهم في آية السياق من أكل الغلول .
وجاءت آية البحث لتبين قانوناً من الإرادة التكوينية وهو أن إجتناب الغلول من مصاديق اتباع رضوان الله .
الثالثة : لحوق الخزي لكفار قريش وخسارتهم لمنزلتهم وشأنهم عند قبائل العرب، لتكون هزيمتهم في معركة بدر من مصاديق قوله تعالى[وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا]( ).
الرابعة : سقوط عدد من رجالات وفرسان الذين كفروا في المعركة ، وهو من مصاديق قوله تعالى [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ] ( ).
ومن الآيات أن قتل عدد من المشركين في المعركة ينطبق على مضامين الآية أعلاه من جهات :
الأولى : إنه من القطع والهلاك الذي تذكره الآية أعلاه بقوله تعالى [لِيَقْطَعَ].
الثانية : نسبة القطع وهلاك وقتل الذين كفروا إلى الله عز وجل ، وتقدير الآية (ليقطع الله طرفاً ) ترى لماذا لم تذكر الآية أعلاه اسم الجلالة ، وجعلت الفاعل مستتراً تقديره (هو).
الجواب من وجوه :
أولاً : بيان قانون وهو أنه لا يقدر على قطع وهلاك طائفة من الذين كفروا في ميدان المعركة وخارجها إلى الله عز وجل ، لذا نسب القرآن النصر له سبحانه , كما في قوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ] ( ).
ثانياً : إنذار الذين كفروا ومنعهم من إبتناء وحساب نتائج المعركة ضد النبوة والإيمان بلحاظ أعداد وأفراد الجيوش والعدة والعتاد .
ثالثاً : إن الله عز وجل حي قيوم حاضر في كل مكان وزمان وهو الذي يجعل حياة الذين كفروا كدراً ويسوقهم إلى ما فيه هلاكهم ، لذا فان قوله تعالى [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا] أعم من أن ينحصر بميدان القتال ، ولا بالقتل فيشمل الأسر والتشتت والإختلاف( ) .
رابعاً : دعوة المسلمين للشكر لله عز وجل على نعمة هلاك فريق من الذين كفروا ، وتجلي هذا الشكر بالقول والعمل ، ومن ضروب العمل التآخي بينهم بصيغة الإيمان .
وكأن الجمع بين آية القطع أعلاه وآية الاعتصام هو : ليقطع الله طرفاً من الذين كفروا فاعتصموا بحبل الله جميعاً ) لبيان قانون وهو أن الإعتصام بالقرآن والنبوة يأتي إبتداء ، كما في آية الاعتصام بقوله تعالى [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا] ( ) وأخرى يأتي بالواسطة وكنتيجة وثمرة لفضل ولطف من عند الله عز وجل .
خامساً : لحاظ نظم وسياق الآيات ، فمع قلة كلمات الآية التي سبقت آية القطع فقد ذكر فيها اسم الجلالة مرتين بقوله تعالى [وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ]( ).
الثالثة : قتل طائفة من المشركين كبت للذين بقوا منهم وإغاظة واذلال لهم .
و (الكَبْتُ: الصرف والإذلال. يقال: كَبَتَ الله العدوَّ، أي صَرَفَهُ وأذلَّه. وكَبَتَه لوجهه، أي صرعه) ( ).
لقد جاء المشركون لمعركة أحد , وهم يمنون أنفسهم بالنصر والغلبة على المسلمين ورجعوا بالإنكسار والخيبة .
فان قلت تفيد آية القطع الترديد والعطف بين قطع وهلاك طائفة منهم وبين عودتهم خائبين ، والجواب هذا صحيح إلا أنه لا يمنع من الجمع بينهما بلحاظ وقائع معركة أحد , والثابتة بآيات القرآن وبتواتر الأخبار ليكون تقدير الآية على وجوه :
الأول : يُقطع طرف من الذين كفروا فيكبت الباقين .
الثاني : يهلك بعض رؤساء الكفر فيكبت من وراءهم .
الثالث : هلاك طائفة من الذين كفروا بعد أن يكبتهم ويخزيهم الله، قال تعالى [مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ] ( ).
الرابع : إن هلاك طائفة من الذين كفروا لا يعني سلامة الذي بقي منهم حياً فانه في عداد الموتى , ولكن الله عز وجل أخرجه من المعركة حياً ليكون كبته وذله حجة عليه ودعوة له ومن خلفه للتوبة والإنابة ، قال تعالى [أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ] ( ).
القسم الثاني : العقاب الأخروي الذي ينتظرالذين كفروا مطلقاً والذين اختاروا محاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإسلام على نحو الخصوص ، وقد أذن الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بقتال المشركين دفاعاً وبعد تلقي الأذى والظلم منهم ، قال تعالى [أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ] ( ) ليكون ذات دفاع المسلمين حجة على الذين كفروا في الآخرة لأنهم حملوهم على القتال ، ولم يتركوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقوم بتبليغ الرسالة ، والمؤمنين يؤدون الفرائض العبادية .
ويدل قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ] ( ) على الوعد والعهد من عند الله عز وجل بتهيئة مقدمات ومستلزمات تبليغ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لرسالته وأحكام شريعته .
ولو دار الأمر بتعلق تهيئة أسباب التبليغ في كل ساعة كل يوم أو كل شهر أو كل سنة ، فالصحيح هو الأول أي كل ساعة من ساعات أفراد الزمان الطولية فلابد من حجب الموانع التي تحول دون هذا التبليغ ، ولا يختص الأمر بالقتال وأيام ما بعد الهجرة إلى المدينة المنورة .
لقد تضمنت السور المكية التخويف والوعيد فتلقاها الذين آمنوا بالقبول ، وتناقل الناس آيات القرآن وإنحسر سلطان الشِعر ، وصار تدبرهم بآيات القرآن بلاغة ، وهو من مصاديق التحدي في القرآن.
وهل صيغة الإعجاز للقرآن مما وعد الله عز وجل بحفظه في قوله تعالى [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون] ( ) الجواب نعم ، وهو من الآيات في تعدد معاني ودلالات اللفظ القرآني ، وتبين الآية قانوناً وهو أن المصاديق التي يحفظها الله في التنزيل غير متناهية ولا يعلمها غيره سبحانه ، وهو الذي [أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا]( ) ويعلم الموجود والمعدوم ، ويعلم الذي سيكون مثل علمه بما هو كائن .
لقد أظهر نفر من المشركين الإستهزاء بآيات القرآن ومضامينها القدسية، وما فيها من الأمثلة والحجج ، (عن ابن عباس قال : لما سمع أبو جهل[عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ]( )، قال لقريش : ثكلتكم أمهاتكم أسمع ابن أبي كبشة يخبركم أن خزنة النار تسعة عشر وأنتم الدهم أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل من خزنة جهنم .
فأوحى الله إلى نبيه أن يأتي أبا جهل فيأخذ بيده في بطحاء مكة فيقول له :{ أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى}( ).
(عن عكرمة عن ابن عباس إنما نزلت هذه الآية[وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا]( )، كان المجاهرون بالظلم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولكل من آمن به من بنى هاشم عمه أبا لهب وابن عمه أبا سفيان بن الحرث ومن بنى عبد شمس عتبة وشيبة ابني ربيعة وعقبة بن أبى معيط وأبا سفيان بن حرب وابنه حنظلة والحكم بن أبي العاص بن أمية ومعاوية بن المغيرة بن العاص بن أمية ومن بنى عبد الدار النضر بن الحرث ومن بنى عبد شمس أسد بن عبد العزى الاسود بن عبدالمطلب بن أسد بن عبدالعزى وابنه زمعة وأبا البخترى العاص بن هشام ومن بني زهرة الاسود بن عبد يغوث ومن بنى مخزوم أبا جهل بن هشام وأخاه العاص بن هشام وعمهما الوليد بن المغيرة وابنه أبا قيس بن الوليد بن المغيرة وابن عمه قيس بن الفاكه بن المغيرة وزهير بن أبى أمية بن المغيرة أخو أم سلمة وأخاه عبدالله بن أبى أمية والاسود بن عبد الاسد أخا أبى سلمة وصيفى بن السائب ومن بنى سهم العاص بن وائل وابنه عمرا وابن عمه الحارث بن قيس بن عدى ونبيها ومنبها ابني الحجاج ومن بنى جمح أمية وأبيا ابني خلف بن وهب بن حذافة بن جمح وأنيس بن معير أخا أبى محذورة والحرث بن الطلاطلة الخزاعي وعدي بن الحمراء الثقفى فهؤلاء كانوا أشد على المؤمنين مثابرة بالاذى ومعهم سائر قريش فمنهم من يعذبون ممن لا منعة له ولا جوار من قومه ومنهم من يؤذون.
ولقى المسلمون من كفار قريش وحلفائهم من الأذى والعذاب والبلاء عظيماً.
ورزقهم الله من الصبر على ذلك عظيما ليدخر لهم ذلك في الآخرة , ويرفع به درجاتهم في الجنة.
والاسلام في كل ذلك يفشوا في ذلك ويظهر في الرجال والنساء)( ).
وأيهما أشد على الذين كفروا العقاب الدنيوي أم الأخروي الجواب هو الثاني إذ يتصف العذاب في الآخرة بشدته.
عن أنس قال : تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية[وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ]( )، فقال : أوقد عليها ألف عام حتى احمرت ، وألف عام حتى ابيضت ، وألف عام حتى اسودت ، فهي سوداء مظلمة لا يطفأ لهبها( ).
ليكون من معاني الرحمة في بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ) إنذار آية البحث الناس جميعاً من العقاب الأخروي ، ودعوتهم بلطف ورفق للإحتراز منه ، ومن مصاديق اللطف في المقام مجئ آية البحث بصيغة الإستفهام وبيان التضاد بين الفعل الحسن والمحمود باتباع هدي النبوة والتنزيل ،وبين الإصرار على الكفر وسوء عاقبته .
المسألة السادسة : تقدير الجمع بين الآيتين : وما كان لنبي أن يغل كمن باء بسخط من الله ) .
لقد أكرم الله عز وجل الناس بالنبوة , وهذا الإكرام عام وخاص ، أما الخاص فهو الذي فاز به ذات أشخاص الأنبياء باختيارهم لأسمى مرتبة وهي النبوة ، وأكرم الله الناس جميعاً بالإنتفاع من النبوة بأمور أكثر من أن تحصى منها :
الأول : إلإيمان بالله عز وجل ونبذ الشريك، فان قلت يهتدي الإنسان للإيمان بالله عز وجل بالعقل ، كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال (لما خلق الله العقل قال له : أقبل ، فأقبل ، ثم قال له : أدبر ، فأدبر) ( ) .
والجواب النبوة لطف من عند الله وطريق للإيمان يتصف بأنه حسي وعقلي , خاصة وأن الأنبياء جاءوا بالمعجزات ، وليس من نبي إلا وجرت على يديه عدة معجزات ، وفي موسى عليه السلام ، ورد قوله تعالى [وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ] ( ) وعن ابن عباس (في قوله{تسع آيات بينات} قال : يده وعصاه ولسانه والبحر والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم) ( ).
وآية اليد قوله تعالى [وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ]( )، أي وتخرج يده وليس فيها برص أو آفة إذ كانت عليه مدرعة من صوف، ولم يكن لها كم .
وأي الأنبياء أكثر عدداً في الآيات التي رزقه الله ، الجواب هو النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع مائز كبير ، ومن الإعجاز في المقام من جهات :
الأولى : كثرة آيات القرآن وتسمية كل ما بين فاصلتين منه آية مستقلة قائمة بذاتها، قال تعالى[وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً]( )، وقد تنزل الآية الواحدة أو بضع آيات دفعة على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد تنزل سورة كاملة مرة واحدة بفضل ولطف من عند الله عز وجل , وعن الإمام الرضا عليه السلام قال : نزلت سورة الانعام جملة واحدة، شيعها سبعون ألف ملك، لهم زجل بالتسبيح والتهليل والتكبير فمن قرأها سبحوا له إلى يوم القيامة ( ).
الثانية : عدد آيات القرآن هو ستة آلاف ومائتان وست وثلاثون آية .
الثالثة : تجدد الإعجاز في كل آية من القرآن .
الرابعة : تلاوة المسلمين لآيات القرآن في الصلاة اليومية على نحو الوجوب العيني .
الخامسة : أسباب نزول شطر من آيات القرآن .
السادسة : تحقق مصاديق آيات القرآن في كل يوم من أيام الحياة الدنيا.
السابعة : المعجزات الحسية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وبين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والأنبياء السابقين في المقام عموم وخصوص مطلق إذ تجمع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع الأنبياء السابقين المعجزة الحسية ، ويستقل هو صلى الله عليه وآله وسلم بالمعجزة العقلية المتعددة .
الثاني : نزول الوحي والتنزيل على الأنبياء ليكون كضياء الشمس وكالماء في إنتفاع الناس منه ، إذ يكون الأنبياء واسطة شريفة للتبليغ والإرشاد ، قال تعالى [وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ] ( ) وها هو القرآن كلام الله الذي نزل به سيد من سادات الملائكة ليبقى بين الناس سالماً من التحريف والنقص أو الزيادة إلى يوم القيامة لينتفعوا منه الإنتفاع الأمثل.
وهل هذا الإنتفاع من مصاديق الحفظ في قوله تعالى [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون] ( ) الجواب نعم ، بتقريب أن الحفظ في الآية عام ويشمل أموراً :
أولاً : حروف وكلمات آيات القرآن .
ثانياً : رسم حروف القرآن ، ومنع تعدد التأويل لغة وإعراباً في حال تعدد الرسم .
ثالثاً : ترتيب سور وآيات القرآن من غير تقديم أو تأخير بينها .
ففي كل زمان ومكان يبدأ القرآن بسورة الفاتحة ويختتم بسورة الناس .
رابعاً : إعجاز الآية القرآنية ، ومن فضل الله عز وجل تتجلى شذرات من هذا العلم في أجزاء هذا التفسير من جهتين :
الأولى : إعجاز الآية الذاتي .
الثانية : إعجاز الآية الغيري .
خامساً : حفظ المعاني والدلالات المستقرأة من الآية القرآنية .
سادساً : هداية المؤمنين خاصة والناس عامة إلى علوم القرآن ، والمسائل المستقرأة منه .
سابعاً : بيان الإعجاز في الصلة بين كل آيتين من القرآن مما يدل على نزوله من عند الله ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ]( ).
الثالث : إصلاح المجتمعات ، وتهذيب السلوك ليكون من معاني قوله تعالى [وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ] ( ) أي ليقتدي بك الناس ، ويقتبسوا من أخلاق النبوة ، ولقد كانت أخلاق وسيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مرآة للقرآن , وما فيه من الأوامر والنواهي .
وهل تدل الآية أعلاه على لزوم بيان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لهذا الخلق الحميد ، الجواب نعم ، لأن الناس فيه شرع سواء ، ولكن المسلمين فازوا بالنصيب الأوفر لهدايتهم ، وهو من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
ويتجلى الخلق العظيم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في سنته القولية والفعلية وصلته مع عياله وأهل بيته وأصحابه والناس جميعاً ، لقد كانت سني النبوة قليلة وهي نحو ثلاث وعشرين سنة فأراد الله عز وجل بيان مصاديق هذا الخلق العظيم بسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المسجد والبيت والسوق ، وفي الحضر والسفر ، وفي ميادين القتال ومع الصغير والكبير والرجل والمرأة .وصيغ المهادنة والصلح وسنن الصبر الذي يلازم النبوة والتبليغ ، وهذا البيان من مصاديق قوله تعالى [وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى] ( ).
الرابع : تجلي المعجزات على أيدي الأنبياء ، وهو من اللطف الإلهي لما فيه من تقريب الناس إلى منازل الهداية والإيمان ، إذ يدرك الناس بأن المعجزة أمر خارق للعادة ، وسالم من المعارضة ، مقرون بالتحدي ، فمن خصائص المعجزة أمور :
الأول : ملائمة المعجزة للمسائل الإبتلائية في ذات زمانها .
الثاني : موافقة المعجزة لتوجه وإهتمام الناس .
الثالث : اقتران المعجزة بالإنذار والتخويف ، ولزوم عدم إعراض الناس عنها ، قال تعالى [وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا]( ).
والتصديق بمعجزات الأنبياء من مصاديق قوله تعالى في آية البحث [أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ] وكذا فان الجحود بها وتكذيبها من مصاديق قوله تعالى [كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّهِ]فان قلت إنما المعجزة آية وفضل من عند الله.
الجواب نعم ، فقد جعلها الله عز وجل دليلاً على الربوبية وصدق النبوة وإختباراً للناس ، وهي من مصاديق قوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( ) وفي الإقرار بها الأجر والثواب.
لقد رضي الله عز وجل على الأنبياء ورزقهم المعجزة ليؤمن بها الناس فيرضى عليهم .
إذ تدل آية البحث بأن رضوان الله قريب من جميع الناس ، فان قلت إنما خصّ قرب الرحمة بالمحسنين بقوله تعالى [إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ] ( ) .
والجواب بين رضوان الله الذي تذكره آية البحث وبين رحمة الله التي تذكرها الآية أعلاه عموم وخصوص مطلق ، والرضوان نوع مفاعلة ودليل على مرضاة الله على العبد أو على فعل مخصوص ، اما بالنسبة للرحمة فأنها تأتي إبتداء من عند الله أو إستجابة لدعاء أو جزاء وثواباً .
ومعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحسية كثيرة منها :
الأولى : إنشقاق القمر وحدثت تلك المعجزة في مكة وقبل أن يهاجر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة ،إذ سأل أهل مكة النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم أن يريهم آية فاراهم إنشقاق القمر ، ومع هذا أظهر كفار قريش التكذيب والجحود (عن ابن مسعود قال : انشق القمر على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
فقالت قريش : هذا سحر ابن أبي كبشة ، فقالوا : انتظروا ما يأتيكم به السفار فإن محمداً لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم ، فجاء السفار فسألوهم فقالوا : نعم قد رأيناه فأنزل الله { اقتربت الساعة وانشق القمر}( ).
(عن أبي عبد الرحمن السلمي قال : نزلنا المدائن فكنّا منها على فرسخ،
فجاءت الجمعة فحضر أبي فحضرنا معه فخطبنا حذيفة،
فقال : ألا إنّ الله سبحانه يقول : {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ} ،
ألا فإنّ الساعة قد اقتربت،
ألا وإنّ القمر قد انشقّ،
ألا وإنّ الدنيا قد أذنت بفراق،
ألا وإنّ اليوم المضمار وغداً السباق،
فقلت لأبي أيستبق الناس غداً؟
فقال : يا بني إنك لجاهل،
إنّما هو السباق بالأعمال،
ثم جاءت الجمعة الأُخرى فحضرنا فخطب حذيفة فقال : ألا إنّ الله يقول : {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ} ألا وإنّ الساعة قد اقتربت،
ألا وإنّ القمر قد انشقّ،
ألا وإنّ الدنيا قد أذنت بفراق،
ألا وإنّ المضمار اليوم وغداً السباق،
ألا وإنّ الغاية النار والسابق من سبق إلى الجنة ) ( ).
فقد جرت آية حسية وهي إنشقاق القمر لتكون بنزول آيات القرآن وتوثيقه لها آية عقلية ، ثم يتعاهدها الصحابة والمؤمنون إلى يوم القيامة بالتلاوة والتدبر .
وقيل أن العلم الحديث أثبت خطأ في القمر يدل على إنشقاقه في قديم الزمان .
ومن خصائص معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحسية أنها مصاحبة له في الحضر والسفر ، وفي حال السلم والمهادنة والقتال .
الثانية : جريان الماء بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كالينبوع يوم الحديبية بعد عطش أصاب المسلمين وكان عددهم ألفا وأربعمائة وقيل أكثر أو أقل قليلاً من هذا العدد ، وقد حضر أوان صلاة العصر ، وليس معهم ماء للشرب ولا للوضوء إلا القليل فتوجهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجئ له باناء فبارك الله عز وجل فيه فأخذ الماء يفور من بين يديه كالينبوع أو كبئر زمزم نبوي متحرك.
وعن جابر (قال عطش الناس يوم الحديبية ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين يديه ركوة فتوضأ منها ثم أقبل على الناس فقال ما لكم قالوا ليس عندنا ماء نتوضأ به ولا نشرب إلا ما في ركوتك فوضع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون فشربنا وتوضأنا فقيل لجابر كم كنتم يومئذ قال لو كنا مائة ألف لكفانا كنا خمس عشرة مائة)( ) أي أن عدد المسلمين يومئذ هو ألف وخمسمائة.
الثالثة : من خصائص الأنبياء جريان البركة على أيديهم ، وظهورها للناس بما يصرف الجوع والعطش عنهم ، لتكون مناسبة لدوام الحياة وتقييد هذا الدوام بالدعوة إلى الله والتذكير بوجوب عبادته ، قال تعالى[وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ]( ).
وقد كان الطعام يكثر في يد النبي محمد صلى الله عليه وآله حتى يشبع الحاضرون مع أنه في الأصل لا يكفي فرداً واحداً منهم .
ولا تختص هذه المعجزة بحالة واحدة أو يوم معين ، وقد تجلت هذه الآية في بدايات الدعوة الإسلامية في مكة المكرمة وبين بني هاشم لتكون حجة عليهم ، ودعوة للصبر في جنب الله على الأذى الذي يلاقونه من كفار قريش .
وعن طرق متعددة عن الإمام علي عليه السلام قال : (لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ]( )، دعاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال : يا علي ان الله أمرني أن أنذر عشيرتي الاقربين فضقت ذرعاً ، وعرفت أني مهما أبادؤهم بهذا الامر أرى منهم ما أكره .
فصمت عليها حتى جاء جبريل فقال : يا محمد إنك إن لم تفعل ما تؤمر به يعذبك ربك ، فاصنع لي صاعاً من طعام ، واجعل عليه رجل شاة ، واجعل لنا عُسا( )، من لبن ، ثم اجمع لي بني عبد المطلب حتى أكلمهم وأبلغ ما أمرت به ، ففعلت ما أمرني به ثم دعوتهم له وهم يومئذ أربعون رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصونه ، فيهم أعمامه أبو طالب ، وحمزة ، والعباس ، وأبو لهب .
فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي صنعت لهم فجئت به ، فلما وضعته تناول النبي صلى الله عليه وآله وسلم بضعة من اللحم فشقها باسنانه ثم ألقاها في نواحي الصحفة ثم قال : كلوا بسم الله . فأكل القوم حتى نهلوا عنه ما ترى إلا آثار أصابعهم . والله إن كان الرجل الواحد ليأكل ما قدمت لجميعهم.
ثم قال : اسق القوم يا علي ، فجئتهم بذلك العس فشربوا منه حتى رووا جميعاً . وايم الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله . فلما أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام .
فقال : لقد سحركم صاحبكم . فتفرق القوم ولم يكلمهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
فلما كان الغد قال : يا علي ان هذا الرجل قد سبقني إلى ما سمعت من القول ، فتفرق القوم قبل أن أكلمهم ، فعد لنا بمثل الذي صنعت بالأمس من الطعام والشراب ثم اجمعهم لي . ففعلت ، ثم جمعتهم ، ثم دعاني بالطعام فقربته ، ففعل كما فعل بالأمس فأكلوا وشربوا حتى نهلوا ، ثم تكلم النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
فقال : يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم أحداً في العرب جاء قومه بافضل مما جئتكم به ، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة.
وقد أمرني الله ان أدعوكم إليه فأيكم يؤازرني على أمري هذا فقلت وأنا احدثهم سناً : إنه أنا . فقام القوم يضحكون .
وأخرج ابن مردويه عن البراء بن عازب قال : لما نزلت هذه الآية { وأنذر عشيرتك الأقربين }( ) جمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بني عبد المطلب وهم يومئذ أربعون رجلاً ، منهم العشرة يأكلون المسنة ، ويشربون العس ، وامر علياً برجل شاة صنعها لهم ثم قربها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فأخذ منها بضعة فاكل منها ، ثم تتبع بها جوانب القصعة( ).
ثم قال ادنوا بسم الله، فدنا القوم عشرة . . عشرة . فأكلوا حتى صدروا ، ثم دعا بقعب من لبن فجرع جرعة فناولهم فقال : اشربوا بسم الله . فشربوا حتى رووا عن آخرهم ، فقطع كلامهم رجل فقال لهم : ما سحركم مثل هذا الرجل ، فاسكت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ فلم يتكلم .
ثم دعاهم من الغد على مثل ذلك من الطعام والشراب ، ثم بدرهم بالكلام فقال : يا بني عبد المطلب إني أنا النذير إليكم من الله والبشير ، قد جئتكم بما لم يجيء به أحد . جئتكم بالدنيا والآخرة فاسلموا تسلموا ، وأطيعوا تهتدوا) ( ) .
ومن الآيات في معجزات الأنبياء سرعة انتشارها بين الناس وتناقل الركبان لها ، وتتصف معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بخصوصية وهي إقترانها بالآية القرآنية كمعجزة عقلية لتفيد أموراً :
الأول : توثيق المعجزة الحسية .
الثاني : تأكيد المعجزة الحسية .
الثالث : التحدي بالمعجزة الحسية والعقلية .
الرابع : ترغيب الناس بالإستماع للمعجزة الحسية ونقلها والتحدث بها.
الخامس : دعوة الناس للتدبر في المعجزة الحسية .
السادس : ذكر القرآن للمعجزة الحسية سيف قاطع ضد الذي يقوم بتكذيبها أو الإستهزاء بها ، و (عن ابن عباس عن أُبيّ بن كعب قال : قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم : من قرأ سورة {وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ}( )، أُعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من استهزأ بمحمد وأصحابه) ( ).
السابع : منع تحريف المعجزات الحسية التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع تعددها وكثرتها ، وهذا المنع معجزة أخرى له صلى الله عليه وآله وسلم .
الثامن : إستحضار المسلمين لمعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومعجزات الأنبياء السابقين كل يوم بتلاوة آيات القرآن والتدبر في معانيها ودلالاتها ، وهو من أسرار وجوب تلاوة كل مسلم ومسلمة للقرآن في الصلاة .
التاسع : توجه المسلمين بالدعاء إلى الله رجاء الرزق بآية من عنده سبحانه ، فمثلاً في قوله تعالى بخصوص مريم [كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ]( )، كان زكريا يجد عند مريم فواكه الصيف في الشتاء ، وفواكه الشتاء في الصيف عندئذ سأل الله ولداً صالحاً.
(عن حذيفة بن اليمان قال: لما خرج جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قدم جعفر رحمه الله والنبي صلى الله عليه واله بأرض خيبر فأتاه بالفرع( )، من الغالية والقطيفة فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ” لادفعن هذه القطيفة إلى رجل يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله ” فمد أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعناقهم إليها، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ” أين علي” فوثب عمار بن ياسر فدعا عليا عليه السلام.
فلما جاء قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ” يا علي خذ هذه القطيفة إليك ” فأخذها علي عليه السلام وأمهل حتى قدم المدينة فانطلق إلى البقيع وهو سوق المدينة فأمر صائغا ففّصل القطيفة سلكا سلكا فباع الذهب وكان ألف مثقال، ففرقه علي عليه السلام في فقراء المهاجرين والانصار، ثم رجع إلى منزله ولم يترك من الذهب قليلا ولا كثيرا.
فلقيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من غد في نفر من أصحابه فيهم حذيفة وعمار فقال: ” يا علي إنك أخذت بالامس ألف مثقال فاجعل غدائي اليوم وأصحابي هؤلاء عندك ” ولم يكن علي عليه السلام يرجع يومئذ إلى شئ من العروض: ذهب أو فضة، فقال حياء منه وتكرما: نعم يا رسول الله وفي الرحب والسعة ادخل يا نبي الله أنت ومن معك.
قال: فدخل النبي صلى الله عليه واله ثم قال لنا: ادخلوا، قال حذيفة: وكنا خمسة نفر: أنا، وعمار، وسلمان، وأبو ذر، والمقداد ، فدخلنا و دخل علي على فاطمة عليهما السلام يبتغي عندها شيئا من زاد، فوجد في وسط البيت جفنة من ثريد تفور، وعليها عراق كثير، وكأن رائحتها المسك، فحملها علي عليه السلام حتى وضعها بين يدي رسول الله صلى الله عليه واله ومن حضر معه، فأكلنا منها حتى تملأنا ولا ينقص منها قليل ولا كثير.
وقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى دخل على فاطمة عليها السلام، وقال: أنى لك هذا الطعام يا فاطمة” فردت عليه ونحن نسمع قولهما، فقالت: هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب) ( ).
الرابعة : تجلي البركة على يد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بما ينفع المسلمين ، ويدفع الحرج ويصرف البلاء لبيان قانون وهو الفيض والبركة والأثر النافع من كل معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وكان على عبد الله بن عمرو بن حرام عندما توفى دين فذهب إبنه الصحابي جابر بن عبد الله إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للإستعانة به ليشفع له عند غرماء أبيه بأن يضعوا من دينَه ولو على نحو الموجبة الجزئية ، فطلب منهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يسقطوا من ديونهم عنه فلم يرضوا ، وأرادوا ديونهم كلها ، فلم يحملهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم على إسقاط بعضها ، ولم يجعل في نفسه لتنزه الأنبياء عن الحقد والضغينة.
وهل هذا التنزه من مصاديق قوله تعالى [وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ]( )، الجواب نعم على القول بالمعنى الأعم للآية ، وفي التنزيل [فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً]( ).
وعن رسول الله صلى الله عليه (أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم) ( ).
وتجلت المعجزة بأن قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لجابر : اذهب فصنف تمرك أصنافاً ).
فقام جابر بعزل كل صنف على جهة: العجوة ، وعذق زيد وغيره ثم أرسل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن قسمت التمر أصنافاً فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجلس وقل : كلّي للقوم ، أي أعطهم ديونهم .
قال جابر (فكلت لهم حتى أوفيتهم ثم بقي تمري كأن لم ينقص منه شئ) ( ).
ليكون من بركات معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجوه :
الأول : قضاء دين الصحابي بالمعجزة إذ كان عبد الله بن عمرو ابن حرام من النقباء إذ حضر بيعة العقبة وشهد معركة بدر، وقتل يوم أحد شهيداً ، وصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يتعرض جيش المسلمين إلى الإنكسار ، وقيل هو أول قتيل من المسلمين ، ودفن هو وعمرو بن الجموح في قبر واحد ، وكان عمرو زوج أخت عبد الله بن عمرو بن حرام.
ويدل هذا الخبر على جواز الصلاة على الشهيد وإن كان عليه دَين ، وهل يمكن القول بأن هذا الخبر واقعة عين وقضية في واقعة ، ولأن النبي محمداً يعلم بأنه سيقضي دينه بالمعجزة ، الجواب لا دليل على هذا الحصر ، ويمكن أن يستقرأ العموم في الإذن بالصلاة على الشهداء من قوله تعالى [وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ] ( ) .
فما داموا في الحياة فان الله عز وجل يهيئ أسباباً لقضاء الدَين عنهم ، ومنه المعجزة التي جرت على يد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قضاء دَين والد جابر الأنصاري ، لبيان مصداق للأجر العاجل في الدنيا للمؤمنين الذين بذلوا أنفسهم في سبيل الله .
وعن جابر قال (جيء بأبي يوم أحد إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد مثل به، فوضع بين يديه، فذهبت أكشف عن وجهه، فنهاني قوم فسمعوا صوت صائحة، فقيل: ابنة عمرو أو أخت عمرو، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” فلا تبكي ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها) ( ).
الثاني : دفع الحرج عن جابر بن عبد الله ، وعدم بقائه في حال فقر عند قضاء الدَين خاصة وأنه كان يعيل أخوات له .
(عن جابر بن عبد الله ، قال : خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزاة ، فأبطأ بي جملي وأعيا ، فأتى علي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال لي : يا جابر ، قلت : نعم.
قال : ما شأنك ؟ قلت : أبطأ بي جملي فأعيا وتخلف ، فحجنه بمحجنه( ).
ثم قال : اركب ، فركبت ، فلقد رأيتني أكفه على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال : أتزوجت ؟ قلت : نعم ، قال : بكرا أم ثيبا ؟ فقلت : بل ثيبا ، قال : فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك ؟ قلت : إن لي أخوات أحببت أن أتزوج امرأة تجمعهن وتمشطهن وتقوم عليهن ، قال : أما إنك قادم ، فإذا قدمت فالكيس الكيس .
ثم قال : أتبيع جملك ؟ قلت : نعم ، فاشتراه مني بأوقية ، ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبلي ، وقدمت بالغداة.
فجئت المسجد فوجدته على باب المسجد ، فقال : الآن حين قدمت ؟ قلت : نعم ، قال : فدع جملك ، وادخل فصل ركعتين ، قال : فدخلت فصليت ركعتين.
فأمر بلالا أن يزن لي أوقية ، فوزن لي بلال فأرجح الميزان ، قال : فانطلقت ، فلما وليت قال : ادع لي جابرا ، فدعيت فقلت : الآن يرد علي الجمل ، ولم يكن شيء أبغض إلي منه ، فقال : خذ جملك ، ولك ثمنه) ( ).
لقد أراد جابر أن يجمع بين قضاء دَين أبيه من ماله والبر به وتوفير المعيشة لأخواته ، قال تعالى [مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ] ( ) .
(قال علي عليه السلام : إنكم تقرؤون الوصيّة قبل الدين وبدأ رسول الله بالدين قبل الوصية. وهذا قول عامة الفقهاء) ( ).
الثالث : بيان حقيقة وهي أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يحضر في المهمات ويتخذ من المعجزة وسيلة مباركة لقضاء الحوائج الخاصة ، وفيه تثبيت للإيمان في القلوب وتنزه عن النفاق .
الرابع : وفاء دَين الغرماء ، وإنتفاعهم من قضاء الدَين بالمعجزة ، وفيه دعوة للمسلمين لقضاء الدَين عن الميت .
الخامس : إنتفاع الأنصار وأولاد الأنصار من المعجزة بعد أن جحد بها كفار قريش وهل هو من مصاديق دعاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يوم حنين : اللهم ارحم الانصار وأبناء الانصار وأبناء أبناء الانصار( )، أم أن مصاديق هذا الدعاء لما يعقبه من الأيام، وليس له إستصحاب قهقري وما يسمى بالأثر الرجعي، المختار هو الأول .
إذ تتضمن هذه المعجزة الرحمة بالأنصار وأبنائهم وأبناء أبنائهم، وليكون من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سبق المصداق العملي لدعائه قبل أن يدعو به، بفضل ولطف من عند الله عز وجل .
السادس : لقد إزداد عدد المهاجرين في المدينة وليس من مكان يأويهم ، فكانوا يجتمعون تحت ظل عريش عند جدار المسجد النبوي ، ومن منافع هذا الإجتماع حضورهم الصلوات الخمس وما فيه من التفقه في الدين ، وإستعدادهم للنفير ، ومنه قوله تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ] ( ).
وكانت تمر عليهم أيام من غير أن يشبعوا من الطعام ، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يمر عليهم ويواسيهم ويشركهم في زاده ويأكل معهم أحياناً .
(عن ابى هريرة انه كان يقول والله الذى لا إله الا هو إن كنت لاعتمد بكبدي على الارض من الجوع وإن كنت لاشد الحجر على بطني من الجوع .
ولقد قعدت يوما على طريقهم الذى يخرجون منه فمّر بي أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله عزوجل ما سألته الا ليستتبعنى فمر بي ولم يفعل ثم مر بي عمر فسألته عن آية من كتاب الله عزوجل ما سألته الا ليستتبعني فمر بي ولم يفعل .
ثم مر بي أبو القاسم صلى الله عليه وآله وسلم فتبسم حين رآني وعرف ما في نفسي وما في وجهي ثم قال يا ابا هريرة فقلت لبيك يا رسول الله.
قال الحق ومضى فاتبعته فدخل فاستأذنت فأذن لى فدخلت فوجدت لبنا في قدح .
قال من أين هذا اللبن قالوا اهداه لك فلان أو فلانة قال يا ابا هريرة فقلت لبيك يا رسول الله قال الحق إلى أهل الصفة فادعهم لي قال واهل الصفة اضياف الاسلام لا يأوون إلى أهل ولا مال إذا
أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئا وإذا اتته هدية أرسل إليهم فاصاب منها وأشركهم فيها فساءني ذلك.
قلت وما هذا اللبن في اهل الصفة كنت ارجو أن اصيب من هذا اللبن شربة اتقوى بها وانا الرسول فإذا جاؤا امرني ان اعطيهم وما عسى ان يبلغني من هذا اللبن ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله بد ، فأتيتهم فدعوتهم فاقبلوا حتى استأذنوا فأذن لهم واخذوا مجالسهم من البيت فقال يا ابا هريرة فقلت لبيك يا رسول الله قال خذ فأعطهم.
فأخذت القدح فجعلت اعطيه الرجل فيشرب حتى يروى ثم يرد على القدح فاعطيه الاخر فيشرب حتى يروى ثم يرد على القدح حتى انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد روى القوم كلهم.
فأخذ القدح فوضعه على يده ونظر إلى وتبسم، وقال يا ابا هريرة فقلت لبيك يا رسول الله قال بقيت انا وانت قلت صدقت يا رسول الله قال اقعد فاشرب فقعدت فشربت فقال اشرب فشربت ثم قال اشرب فشربت فما زال يقول اشرب فأشرب حتى قلت لا والذي بعثك بالحق ما اجد له مسلكا قال فادن فأعطيته القدح فحمد الله وسمى وشرب الفضلة) ( ).
لقد أراد الله عز وجل بهذه المعجزة تنمية ملكة الصبر عند أهل الصفة ، وعدم دبيب اليأس إلى نفوسهم من الجوع والعطش ، ولم تمر الأيام والأشهر حتى أنطلق أهل الصفة أمراء وقضاة في الأمصار.
الخامسة : لقد صنع منبر جديد للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الجذع الذي كان يصعد عليه ، إذ جاءت امرأة من الأنصار وأستأذنت من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن تصنع له منبراً يقعد عليه حينما يخطب .
كما ورد (عن جابر بن عبد الله ، أن امرأة ، من الأنصار قالت : يا رسول الله ، ألا أجعل لك منبرا تقعد عليه ، فإن لي غلاما نجارا . قال : إن شئت قال : فعملت له منبرا ، فلما كان يوم الجمعة قعد على المنبر الذي صنع له ، فصاحت النخلة( )، التي كان يخطب عندها حتى كادت أن تنشق ، فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى أخذها ، فضمها إليه فجعلت تئن أنين الصبي الذي يسكت حتى استقرت قال : بكت على ما كانت تسمع من الذكر عندها) ( ).
(عن أبي بن كعب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي إلى جذع إذ كان المسجد عريشا، وكان يخطب إلى ذلك الجذع، فقال رجل من أصحابه: يا رسول الله هل لك أن نجعل لك منبرا تقوم عليه يوم الجمعة حتى يراك وتسمع الناس خطبتك، قال: نعم، فصنع له ثلاث درجات، هي التي أعلى المنبر، فلما صنع وضعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم موضعه الذي هو فيه، فكان إذا بدأ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن يخطب عليه تجاوز الجذع الذي كان يخطب إليه أولا ثم أن الجذع خار حتى تصدع وانشق .
فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما سمع صوت الجذع مسحه بيده حتى سكن، ثم رجع إلى المنبر، وكان إذا صلى صلى إليه، فلما هدم المسجد أخذ ذلك الجذع أبي بن كعب فكان عنده حتى بلي [ فأكلته الأرض وعاد رفاتا ].
وروى عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم الجمعة يسند ظهره إلى جذع منصوب في المسجد، فخطب الناس، فجاءه رومي فقال: ألا أصنع لك شيئا تقعد عليه كأنك قائم، فصنع له منبرا له درجان ومقعد على الثالثة، فما قعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر خار الجذع) ( ) وكانت خطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم : فِي تِلْكَ الْأَيّامِ عَلَى جِذْعٍ فَلَمّا صُنِعَ لَهُ الْمِنْبَرُ مِنْ طَرْفَاءِ الْغَابَةِ ، وَصَنَعَهُ لَهُ عَبْدٌ لِامرأة مِنْ الْأَنْصَارِ اسْمُهُ بَاقُومٌ خَارَ الْجِذْعُ خُوَارَ النّاقَةِ الْخَلُوجِ حَتّى نَزَلَ عَلَيْهِ السّلَامُ فَالْتَزَمَهُ وَقَالَ لَوْ لَمْ أَلْتَزِمْهُ مَا زَالَ يَخُورُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمّ دَفَنَهُ وَإِنّمَا دَفَنَهُ لِأَنّهُ قَدْ صَارَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمُؤْمِنِ لَحُبّهِ وَحَنِينِهِ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ( ).
وهل كانت صناعة منبر رسول الله صلى الله عليه وآله سلم حاجة , الجواب نعم ، من جهات :
الأولى : كثرة عدد المسلمين من المهاجرين والأنصار .
الثانية : مجئ وفود القبائل إلى المدينة .
الثالثة : إرادة البيان والوضوح وأيصال الأحكام إلى الناس .
لتكون صناعة المنبر من مقدمات ومستلزمات قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ] ( ).
الرابعة : تأسيس قواعد منبر الخطابة لأئمة المسلمين وعلماء الأئمة والأمراء .
الخامسة : منع الإستهزاء بأئمة الجمعة ونحوهم ممن يصعد المنبر .
السادسة : بيان وتقييد سنخية المنبر الذي يصعد عليه الأئمة، والمنع من الكيفية ذات المبالغة والتفخيم غير الملائم .
السابعة : نهي الأئمة عن الإمتناع عن صعود المنبر للخطابة، وبيان الأحكام .
الثامنة: الترغيب بصعود المنبر وجعله وسيلة لبيان الأحكام ، قال تعالى [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ] ( ).
التاسعة : إيصال الأحكام إلى أكثر عدد من الناس ، وجعل المسلمين أكثر إصغاء وإلتفاتاً لكلام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
العاشرة : إطلاع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المنبر على حال المسلمين وسماع أسئلتهم ومسائلهم لذا ورد في القرآن لفظ [يَسْأَلُونَكَ] خمس عشرة مرة ، ليكون المنبر مناسبة لتوجه المسلمين بالسؤال للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودعوة للمسلمين لتوثيق أجوبة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتوارثها ، إذ أنه [وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى *إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى] ( ) .
الحادية عشرة : من خصائص أيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة المنورة أنه الإمام ويقوم ببيان الأحكام الشرعية والأخذ بأيدي المسلمين في مسائل المعرفة الإلهية .
الثانية عشرة : إرتقاء المنبر وإتخاذه وسيلة للموعظة أعم نفعاً وأظهر حجة، وفيه شاهد على إصغاء المسلمين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وفي إبراهيم عليه السلام ورد قوله تعالى[وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا]( )، ومما يمتاز به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم صعوده المنبر وإمامته العامة وإنصات المسلمين له، وتلقيهم الأحكام بالقبول والإستجابة .
لقد أزاح الصحابة الجذع وصنعوا محله المنبر.
وفي رواية أن حنين الجذع كان عندما مرّ عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأن الجذع سقط وإنشق، فرجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فمسحه بيده حتى سكن.
إن المخلوقات لتشتاق للمؤمن وتأنس بطول صحبته لها فكيف وكان الذي يتكأ على الجذع هو خاتم الأنبياء وسيد المرسلين وفي حديث جابر أنه قال (سمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت العشار، وفى رواية انس حتى ارتج المسجد بخواره، وفى رواية سهل وكثر بكاء الناس لما رأوا فيه، وفى رواية المطلب حتى تصدع وانشق حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم فوضع يده عليه فسكت، زاد غيره فقال النبي صلى الله عليه وسلم ان هذا بكى لما فقد من الذكر، وزاد غيره: والذى نفسي بيده لو لم التزمه لم يزل هكذا إلى يوم القيامة تحزنا على النبي صلى الله عليه وسلم)( ).
وفي كيفية نهاية هذا الجذع وجهان:
الأول : قيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بدفن الجذع تحت المنبر.
الثاني : أخذ أبي بن كعب الجذع فكان عنده إلى أن أكلته الأرض وصار رفاتاً.
الثالث : ورد عن بريدة قال: فلما فارق النبي صلى الله عليه وآله وسلم الجذع وعمد إلى المنبر الذي صنع له جزع الجذع فحن كما تحن الناقة فرجع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فوضع يده عليه وقال ( اختر أن أغرسك في المكان الذي كنت فيه فتكون كما كنت وإن شئت أن أغرسك في الجنة فتشرب من أنهارها وعيونها فيحسن نيتك وتثمر فيأكل أولياء الله من ثمرتك فسمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول له نعم قد فعلت مرتين فسئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال اختار أن أغرسه في الجنة)( ).
وقد يقال إنه من مصاديق ما ورد عن أبي سعيد بن المعلى قال: سمعت عليا يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما بين قبري ومنبرى روضة من رياض الجنة ورويناه من حديث جابر وفيه وان منبري على ترعة من ترع الجنة)( ).
ومن أسرار معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحسية تواليها وتداخلها وعدم إنقطاعها، وقد أنعم الله عز وجل عليه وعلى الناس بكثرة عدد الصحابة والناس الذين يطلعون على المعجزات والآيات فتكون الشهادة عليها من المتواتر.
الثالثة عشرة : شفاء عدد من أهل البيت والصحابة على يد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإعادة بعض الأعضاء إلى محلها , وكأنه مقدمة وإخبار عن إرتقاء الطب وزراعة الأعضاء كما في هذه الأزمنة، مع الفارق وهو أن علاج النبي صلى الله عليه وآله وسلم للصحابة كان بالمعجزة، وكذا بالنسبة لمعجزات عيسى عليه السلام , وما يجري في هذا الزمان إنما هو بالكسب العلمي والتجربة والخبرة.
وبعد أيام معدودة من صلح الحديبية جاءت غزوة خيبر والتي وقعت في شهر محرم من السنة السابعة للهجرة ، وأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن لا يخرج معه إلا الذين حضروا صلح الحديبية وهم الذين ستكون لهم سهام في الغنائم ، أما من خرج من غيرهم فليس لهم شئ إلا من أذن له النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ليكون بين المجاهدين في المشاركين في معركة خيبر عموم وخصوص مطلق ، إذ يلتقي الجميع بالثواب وينفرد أهل بيعة الشجرة بالغنائم ، وأيهما أعظم وأهم , الجواب هو الأول أي الثواب والأجر ، وهو أمر نافع في الدنيا والآخرة ونوع طريق للفوز بغنائم الدنيا .
وهل هو من مصاديق آية السياق وقوله تعالى [وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ] ( ) , الجواب نعم , إذ يتضمن هذا الأمر النبوي وضع ضابطة عادلة وعامة للأخذ من الغنيمة , وفيه زجر عن الغلول والأخذ من الغنائم بغير حق سواء من قبل الذين لهم نصيب منها بعد القسمة , أو حضروا المعركة للأجر والثواب .
وعن (حَنْشٍ الصّنْعَانِيّ قَالَ غَزَوْنَا مَعَ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيّ الْمَغْرِبَ فَافْتَتَحَ قَرْيَةً مِنْ قُرَى الْمَغْرِبِ يُقَالُ لَهَا جِرْبَةٌ فَقَامَ فِينَا خَطِيبًا ، فَقَالَ يَأَيّهَا النّاسُ إنّي لَا أَقُولُ فِيكُمْ إلّا مَا سَمِعْت مِنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ يَقُولُهُ فِينَا يَوْمَ خَيْبَرَ ، قَامَ فِينَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ فَقَالَ لَا يَحِلّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاؤُهُ زَرْعَ غَيْرِهِ يَعْنِي إتْيَانَ الْحَبَالَى مِنْ السّبَايَا ، وَلَا يَحِلّ لِامْرِئِ يُؤْمِنُ بِاَللّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُصِيبَ امرأة مِنْ السّبْي حَتّى يَسْتَبْرِئَهَا .
وَلَا يَحِلّ لِامْرِئِ يُؤْمِنُ بِاَللّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَبِيعَ مَغْنَمًا حَتّى يَقْسِمَ وَلَا يَحِلّ لِامْرِئِ يُؤْمِنُ بِاَللّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَرْكَبَ دَابّةً مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ حَتّى إذَا أَعْجَفَهَا رَدّهَا فِيهِ وَلَا يَحِلّ لِامْرِئِ يُؤْمِنُ بِاَللّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَلْبَسَ ثَوْبًا مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ حَتّى إذَا أَخْلَقَهُ رَدّهُ فِيهِ) ( ).
ويتضمن الحديث أعلاه خمسة من النواهي التي تتعلق بالغنائم ، وكل فرد منها قانون مستقل من الإرادة التكوينية لذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كل فرد منها (لَا يَحِلّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) ترى لماذا لم يقل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( لا يحل لأمرئ مؤمن يؤمن بالله ورسالتي واليوم الآخر ) الجواب أن التصديق بالرسالة جلي من جهات :
الأولى : إنقياد المسلمين لأوامر ونواهي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : خروج المجاهدين مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى صلح الحديبية والى غزوة خيبر .
الثالثة : الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فرع الإيمان بالله عز وجل ، وقد كرم النبي صلى الله عليه وآله وسلم (لَا يَحِلّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) قال تعالى [مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ] ( ).
الرابعة : وقوف المسلمين بين يدي الله في الصلاة , وتلاوتهم لآيات القرآن .
الخامسة : تذكير النبي صلى الله عليه وآله وسلم باليوم الآخر لأن الناس يُسألون عن الإيمان بنبوته، وورد عن مكحول قوله (أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ نَهَاهُمْ يَوْمَئِذٍ عَنْ أَرْبَعٍ عَنْ إتْيَانِ الْحَبَالَى مِنْ السّبَايَا ، وَعَنْ أَكْلِ الْحِمَارِ الْأَهْلِيّ وَعَنْ أَكْلِ كُلّ ذِي نَابٍ مِنْ السّبَاعِ وَعَنْ بَيْعِ الْمَغَانِمِ حَتّى تُقَسّمَ.
قَالَ ابن إسْحَاقَ : وَحَدّثَنِي سَلَامُ بْنُ كِرْكِرَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ الْأَنْصَارِيّ وَلَمْ يَشْهَدْ جَابِرٌ خَيْبَرَ : أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ حِينَ نَهَى النّاسَ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ أَذِنَ لَهُمْ فِي أَكْلِ لُحُومِ الْخَيْلِ .) ( ) .
ولم يذكر مكحول إستبراء السبي ، وعدم وطئها حتى تحيض ويتبين أنها ليست بحامل ، ومكحول بن عبد الله شهاب بن شاذل بن مسند بن شروان بن يزدك بن يغوث بن كسرى ويكنى أبا عبد الله وقيل أبوه أيوب وداره بطرف سوق الأحد من دمشق، مولده بكابل، وقال الذهبي : أصله من هراة وفيه أقوال:
الأول : أنه سبي ثم أعتق وأختلف في ولائه على وجوه :
أولاً : أنه مولى لأمراء من هذيل لذا يلقب مكحول الهذلي .
ثانياً : أنه مولى سعيد بن العاص , فوهبه لهذلية فاعتقته .
ثالثاً : أنه مولى لأمراء من بني أمية .
رابعاً : إنه من فارس من النفر الذين سبوا من فارس وقال عثمان بن عطاء : كان مكحول رجلاً أعجمياً لا يستطيع أن يقول قل، يقول : كل .
الثاني : كان نوبياً أي من بلاد النوبة ، ويسمى أهل النوبة النوبيين ويسكنون ضفتي نهر النيل في شمال السودان والجزء الجنوبي من مصر ، ويتحدثون لغة الكنزية والفاديجية والعربية مع لهجات مختلفة منها ثم صارت العربية لغتهم ببركة القرآن وتداخلهم وتزاوجهم مع العرب خاصة مع قلة أعدادهم كما تعلموا لغات أجنبية أخرى للإختلاط بالسائحين والزوار ، ومن أهم مدنهم أسوان ، وقد هاجر كثير منهم إلى الشمال حيث القاهرة والإسكندرية .
الثالث : كان مكحول من الأبناء , ولم يكن عبداً أو ملكاً لأحد وهذا القول ضعيف .
الرابع : كان مكحول لرجل هذيلي من مصر فاعتقه فسكن الشام .
وذكر أن مكحولاً سمع من الصحابي وائلة بن الأسقع , وأنس بن مالك الذي ولد قبل الهجرة النبوية بعشر سنين وخدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومات في البصرة سنة إحدى وتسعين وقيل سنة اثنتين وتسعين وقيل غيره , إذ أختلف في عمره والملاك أن أنس بن مالك عمّر طويلاً في آية من عند الله في طول أعمار بعض الصحابة ليرووا للتابعين وطبقاتهم السنة النبوية وأسباب نزول آيات من القرآن ، ولتوثق أخبار النبوة وزار مكحول مصر والعراق طلباً للعلم وأستقر في الشام وكان من علمائها ، ومات سنة اثنتي عشرة ومائة وقيل ذعير ذلك .
لذا فحديث مكحول عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المرسلات إن لم يذكر السند، كما أرسل مكحول عن عدد من الصحابة الذين لم يدركهم مثل أبي بن كعب وثوبان ، وعبادة بن الصامت وأبي هريرة وأم أيمن وعائشة ، وأبي جندل بن سهيل وغيرهم .
ومن الآيات في غزوة خيبر ومقدماتها أنها كانت مناسبة للتشريع وبيان الأحكام , منها الحديث أعلاه الذي يتضمن مسائل :
الأولى : النهي عن أكل الغلول .
الثانية : عموم مصداق الغلول ليشمل المرأة السبي والراحلة والثوب والعروض والنقود والحلي .
الثالثة : وجوب التدارك لمن يأخذ منها بأن يعيده في الحال وعدم الإبطاء في إعادة الغلول حتى يخلق ويبيد ، ومنها ما ورد: (عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصّامِتِ ، قَالَ نَهَانَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ أَنْ نَبِيعَ أَوْ نَبْتَاعَ تِبْرَ الذّهَبِ بِالذّهَبِ الْعَيْنِ وَتِبْرَ الْفَضّةِ بِالْوَرِقِ الْعَيْنِ وَقَالَ ابْتَاعُوا تِبْرَ الذّهَبِ بِالْوَرِقِ الْعَيْنِ ، وَتِبْرَ الْفِضّةِ بِالذّهَبِ الْعَيْنِ .
قَالَ ابن إسْحَاقَ : ثُمّ جَعَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَتَدَنّى الْحُصُونَ وَالْأَمْوَالَ) ( ).
وفيه منع من المعاملات الربوية ، وهل في الحديث أعلاه بشارة فتح خيبر وإقبال الدنيا على المسلمين وزيادة أموالهم , الجواب نعم ويدل على أن الحديث سابق لفتح خيبر لقول ابن اسحاق بعد ذكره للحديث وما بعد من النهي ثم جعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتدنى الحصون والأموال .
وقد تقدم حديث إسلام عدي بن حاتم الطائي .
ويبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحكام بيع الذهب بالفضة وبالعكس في ذات الوقت الذي أصاب المسلمين الجهد والعناء وظهر الجوع والحاجة إلى الطعام عليهم وهم يواجهون عدواً متحصناً في حصونه , تتوفر عندهم المؤن التي تكفيهم لسنوات .
فجاء بنو سهم من قبيلة أسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا : يا رسول الله لقد جهدنا وما بأيدينا من شئ، لم يكن عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما يعطيهم من الطعام والزاد فتوجه إلى الله عز وجل بالدعاء ، كما إنقطع إليه في عشية معركة بدر (فقال: اللهم إنك قد عرفت حالهم وأن ليست لهم قوة وأن ليس بيدي شئ أعطيهم إياه، فافتح عليهم أعظم حصونها عنهم غناء وأكثرها طعاما وودكا( )( ).
المسألة السابعة : تقدير الجمع بين الآيتين : وهم لا يظلمون وبئس المصير) .
ولو دار الأمر في مضمون الكلمة القرآنية بين وجوه :
الأول : إرادة الحياة الدنيا .
الثاني : المقصود عالم الآخرة .
الثالث : المراد المعنى الأعم الشامل للحياة الدنيا والآخرة .
فالصحيح هو الأخير لأصالة الإطلاق ، وعموم معنى اللفظ القرآني ومنه خاتمة آية السياق [وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ]من جهات :
الأولى : لا يُظلم المسلمون .
الثانية : لا يظلم الذين يأخذون الغلول في سنخية العقوبة التي تأتي على الأخذ من المال العام خلسة .
الثالثة : لا يظلم الذين كفروا في العذاب الذي ينتظرهم .
الرابعة : لا يظلم الناس عموماً .
الخامسة : لا يظلم الناس في الحياة الدنيا ، وليس من إكراه لهم على فعل السيئات .
السادسة : لا يحجب الثواب عن المؤمنين في الدنيا .
السابعة : ليس من ظلم على الذين كفروا في بعث الخوف والفزع في قلوبهم بقوله تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا] ( ) .
إذ تبين الآية أعلاه علة إلقاء الخوف والرعب في قلوب الذين كفروا لمنعهم من التمادي في فعل السيئات، والإصرار على محاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثامنة : ليس من ظلم على الذين كفروا عند استدراجهم والإملاء لهم، قال تعالى [سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ] ( ).
وتبعث آية السياق المسلمين والناس جميعاً على إستحضار عالم الحساب يوم القيامة ، ومن منافع هذا الإستحضار الترغيب بالعدل في الحياة الدنيا ، وبعث النفرة من الظلم ومن أشد مصاديق الظلم الكفر والجحود لأنه ظلم للنفس والغير .
لقد جعل الله عز وجل الحفاظ على الذات من خصائص المخلوقات ولا يختص الأمر بالإنسان وحده ، إنما يتضح بنحو جلي في سيرة الإنسان لما رزقه الله عز وجل من العقل والحكمة فهو يدفع عن نفسه الضرر والأذى ، ويسعى في جلب الخير لها ، والحفظ والسلامة بيد الله وحده , قال تعال[لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ]( ).
فتفضل الله عز وجل بآية البحث لجعل الناس يحترزون لأمور الدين والدنيا .
ويعلمون بقانون وهو التباين والتضاد بين أهل الإيمان الذين يتبعون نهج الأنبياء ، وبين الذين أعرضوا عن دعوتهم إلى الحق ، قال تعالى [وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى]( ).
وهل نصر الله عز وجل للمسلمين في معارك الإسلام الأولى من مصاديق قوله تعالى [وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ] وقوله تعالى [وَبِئْسَ الْمَصِيرُ] الجواب نعم لأن الله عز وجل وعد المؤمنين بالنصر والغلبة ، وهل هذا الوعد متقدم على زمان آدم أم متأخر عنه، الجواب أنه متقدم عليه ، وهو من مصاديق قوله تعالى للملائكة [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ) .
فمن معاني خلافة الإنسان في الأرض نصر الأنبياء والمؤمنين ، قال تعالى [وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ] ( ) ولا تأتي الإمامة ووراثة الأرض إلا بالنصر والظهور على القوم الكافرين .
الوجه الثاني : صلة هذه الآية بقوله تعالى [إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ] ( ) وفيه مسائل:
المسألة الأولى : لقد جاءت آية البحث بصيغة الجملة الخبرية ، وبصيغة الإستفهام الإنكاري ، لتبين عظيم منزلة الذين آمنوا وعملوا بطاعة الله ورسوله ، أما آية السياق فجاءت بصيغة الجملة الشرطية المتعددة ،إذ تتضمن جملتين شرطيتين بين موضوعيهما تباين وتضاد.
ويحتمل تقدير الصلة بين أول الآيتين وجوهاً :
الأول : يا أيها الذين اتبعتم رضوان الله إن ينصركم الله فلا غالب لكم.
الثاني : إن اتبعتم رضوان الله ينصركم الله فلا غالب لكم .
الثالث : يا أيها الذين آمنوا أن ينصركم الله فلا غالب لكم سواء اتبعتم رضوان الله أم لم تتبعوه .
الرابع : يا أيها الذين آمنوا اتبعوا رضوان الله لينصركم الله فلا غالب لكم.
وبأستثناء الوجه الثالث , فكل الوجوه الأخرى أعلاه صحيحة ، لبيان سعة رحمة الله ببركة بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقانون الملازمة بين نبوته وتعدد مصاديق فضل الله عز وجل على المسلمين ، وهذا التعدد من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ).
ترى ما هي النسبة بين رحمة الله وفضل الله ، فيه وجوه :
الأول : التساوي بين الرحمة والفضل .
الثاني : نسبة العموم والخصوص المطلق ، وهو على شعبتين :
الأولى : الرحمة من الله أعم وأوسع من فضله تعالى .
الثانية : فضل الله أعم وأوسع من رحمته سبحانه .
الثالث : نسبة العموم والخصوص من وجه ، فهناك مادة للإلتقاء وأخرى للإفتراق .
والمختار هو الشعبة الأولى من الوجه الثاني أعلاه لذا لم تقل الآية أعلاه وما أرسلناك إلا فضلاً على العالمين ، بل ذكرت الرحمة لأنها أعم وأوسع , وآية البحث من رحمة وفضل الله من وجوه :
الأول : تأكيد قانون كل آية قرآنية رحمة من الله .
الثاني : دعوة آية البحث المسلمين لتعاهد اتباع رضا الله .
الثالث : بيان المائز الذي يتصف به المسلمون وهو اتباعهم رضوان الله عز وجل ، وهو من مصاديق قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ) .
الرابع : من رحمة الله اتباع مرضاته سبحانه .
الخامس : تجلي مصداق اتباع رضوان الله بالإيمان والتصديق بالنبوة ورسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
السادس : من أبهى مصاديق رضوان الله التنزه عن أكل الغلول.
السابع : من الإعجاز الغيري للقرآن أن كل آية منه إمام في اتباع مرضاة الله وبرزخ دون المعصية وإرتكاب السيئات ، لذا فكل آية من القرآن رحمة ، وكأن الآية تقول : وما أنزلنا عليك الآية القرآنية إلا رحمة للعالمين ).
المسألة الثانية : من إعجاز آية السياق أنها وردت بصيغة الجملة الشرطية [إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ] ( ) ولم تقف عند النصر وحده بل ذكرت ضده بقوله تعالى [وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ] ( ) لبيان قانون وهو أن المسلمين قد يتعرضون للهزيمة والإنكسار ، ولابد من التوقي منه بالدعاء وأخذ الحائطة لذا قال سبحانه [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ] ( ).
وتبين آية السياق أن النصر بيد الله عز وجل ، وهو الذي يهبه للمسلمين ، ويحجبه عن الذين كفروا ، وهل يمكن القول بالملازمة بين اتباع مرضاة الله وبين النصر وبالعكس , أي أن مرضاة الله تجلب النصر، وكذا فان النصر طريق لبلوغ مراتب مرضاة الله.
الجواب نعم، لأن النصر يأتي للمسلمين بصفة الإيمان، ليكون من معاني قوله تعالى[إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ]( )، أي على وجوه :
الأول : إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا لأنهم اتبعوا مرضاة الله.
الثاني : إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا ليتبعوا مرضاة الله.
الثالث : إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا كدعوة للناس اتباع مرضاة الله، وهو من مصاديق بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للناس جميعاً لقوله تعالى[وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ]( ).
الرابع : إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا لأنهم لم يغلوا .
الخامس : إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا شكراً لهم على إمتناعهم عن الغلول .
السادس : إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا لأن كل نفس توفى ما كسبت يوم القيامة .
السابع : إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا لوعدنا لهم بالنصر والغلبة ، قال تعالى [وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ *إِنَّهُمْ لَهُمْ الْمَنصُورُونَ] ( ).
وهل هذا النصر من مصاديق احتجاج الله على الملائكة في قوله تعالى [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) الجواب نعم ،أي أن الله عز وجل أخبر الملائكة بأنه مع نصره للأنبياء والذين آمنوا لا معنى للاحتجاج على خلافة الإنسان في الأرض بأنه يسفك الدماء ويقتل النفس الزكية بغير حق .
المسألة الثالثة : تقدير الجمع بين الآيتين : إن ينصركم الله على الذين باءوا بسخط من الله ) وفيه وجوه :
الأول : يدل ذكر آية السياق للنصر على أمور :
أولاً : وقوع معركة أو معارك وقتال بين المسلمين والكفار.
ثانياً : دخول المسلمين طرفاً في القتال .
ثالثاً : إنتصار المسلمين في المعارك بمدد وعون من عند الله عز وجل .
رابعاً : حاجة المسلمين للدعاء في حال السلم والمهادنة والحرب طلباً للنصر ، وهو من مصاديق قوله تعالى [ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ]( ) أي إدعوني في السلم وتعاهدوا الفرائض أنصركم في القتال على الذين كفروا .
خامساً : زجر المسلمين عن القتال فيما بينهم , إذ خاطبتهم الآية كأمة واحدة وهو من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( )وتقدير الآية : إن ينصركم الله أيها المسلمون ) .
وهل يمكن أن يقال بأن المراد من النصر هو النصر على النفس الشهوية ، الجواب إن القدر المتيقن من الآية هو النصر في ميادين القتال خاصة وأن الآية جاءت بصيغة الجمع [إِنْ يَنْصُرْكُمْ] ( ) نعم يدل ذات خروج المسلمين إلى المعركة على إنتصارهم وقهرهم للنفس الشهوية ، لذا وصفهم الله عز وجل بالمؤمنين في قوله تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ]( ) .
واختتمت الآية بالدعوة للتوكل على الله والإستعانة به سبحانه، ومن فضل الله عز وجل على المسلمين أن كل واحد منهم ذكراً أو أنثى يتوجه إلى الله عز وجل في الصلاة بتلاوة [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( ).
فان قيل ما دام التباين بين المؤمنين والكفار جلي وبين , فلماذا لا ينصر الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين في كل معركة من معارك الإسلام ، والجواب لقد أنعم الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بالنصر في معارك الإسلام ، وأنزل الملائكة مدداً وعوناً لنصرتهم وأخزى الله عز وجل الذين كفروا ، وأشد ما واجه المسلمين في معركة أحد وكانت خسارتهم فيها جسيمة ، ولكنها لم تكن هزيمة ، من جهات :
الأولى : ثبات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ميدان المعركة بدليل قوله تعالى [وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ] ( ).
الثانية : دفاع نفر من أهل البيت والصحابة عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن الآيات أن امرأة أنصارية كانت تقاتل دون رسول الله ، وهي أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية .
الثالثة : نزول آيات القرآن بأمور :
الأول : انتصار المسلمين في أول المعركة بقوله تعالى [وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ] ( ) وهل يشمل النصر المذكور في آية البحث مضامين الآية أعلاه ويكون تقديرها : إن ينصركم الله في أول المعركة فلا غالب لكم ) أم أن القدر المتيقن من الآية هو النصر النهائي في المعركة فلا يتعلق بأول المعركة .
الجواب هو الأول ، وصحة التقدير أعلاه لأصالة الإطلاق ، وعمومات فضل الله عز وجل على المسلمين ، لذا فان الله عز وجل لم يخذل المسلمين ولم ينهزموا يوم أحد .
لقد أنعم الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين يوم معركة أحد بنزول الملائكة لنصرتهم ، قال تعالى [إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُنْزَلِينَ] ( ) وهذه الكفاية برزخ دون صيرورة المسلمين في حال المغلوب والمنهزم ، ولابد من الفصل والتمييز بين الخسارة والهزيمة ، إذ تكون نتيجة المعركة على وجوه :
أولاً : الطرف المنتصر هو أقل خسارة في المعركة من جهة كثرة القتلى .
ثانياً : الطرف المنتصر أكثر خسارة بعدد الرجال الذين سقطوا في المعركة.
ثالثاً : سقوط عدد من رجال الطرف المنتصر والغالب أسرى بيد العدو المنهزم.
رابعاً : الطرف المنتصر هو الأقل في عدد القتلى والجرحى .
والوجه الأخير هو الأكثر وقوعاً في المعارك إلا أنه ليس قانوناً وقاعدة كلية .
الثاني : دعوة المسلمين إلى التوكل على الله عز وجل ، والثقة بما عنده ، وعدم التفريط في إقامة الشعائر وأداء الفرائض إذ تتضمن آية السياق الوعد من الله عز وجل للمسلمين بالنصر والغلبة ، وعجز الخلائق عن خذلان المسلمين عندما ينصرهم الله عز وجل .
ومن مصاديق آية السياق نزول الملائكة بأمر من عند الله لنصرة المسلمين ، ويكفي الملك الواحد في إبادة جيش كامل فكيف وقد نزل ألف منهم في معركة بدر، كما في قوله تعالى [فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ]( )، وأنزل الله ثلاثة آلاف ملك يوم معركة أحد ، وهذا النزول من مصاديق قوله تعالى في آية السياق [إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ] ( ) لبيان أن الله عز وجل ينصر الذي يتبعون رضوانه ،ويطيعون أوامره .
ليكن هذا النصر من مصاديق الرحمة في قوله تعالى [وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ] ( ).
الثالث : البشارة من الله عز وجل للمسلمين بامتلاء قلوب الذين كفروا بالرعب ، ومن رحمة وفضل الله عز وجل بالمسلمين في ساعة الشدة والحرج وملاقاة القوم الكافرين أن أخبرهم بتوليه بنفسه قذف الرعب والفزع في قلوب أعدائهم ، ليزداد المسلمون والمسلمات سكينة وأمناً ، قال تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا] ( ).
الرابع : نزول العفو من عند الله عز وجل عن المسلمين عامة والذين إنهزموا من ساحة المعركة خاصة ، وكان هذا العفو من شكر الله عز وجل للصحابة على توجههم إلى ميدان المعركة وعدم إستجابتهم لدعوة رأس النفاق عبد الله بن أبي بن أبي سلول بالرجوع من وسط الطريق .
لبيان قانون وهو أن الذين رجعوا منه جلبوا الخسران على أنفسهم وحرموا من الثواب العظيم ، أما الذين ساروا مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى ميدان المعركة فقد فازوا بنيل مرتبة العفو من عند الله ، قال تعالى [وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ] ( ) .
الخامس : البشارة عمن قاتل في معركة أحد بالخلود في النعيم ، وعدم إنحصار هذا الثواب والنعمة الدائمة بالشهداء منهم ، قال تعالى [وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ] ( ).
السادس : نهي المسلمين عن أخذ الغلول
المسألة الرابعة : تقدير الجمع بين الآيتين : أفمن اتبع رضوان الله فمن ذا الذي ينصركم من بعده ) وفيه وجوه :
الأول : من خصائص آية البحث أنها تتضمن الثناء على الذين آمنوا بصيغة الإستفهام إذ ذكرت أمرين متداخلين :
أولاً : حسن الاتباع .
ثانياً : رضوان الله .
ليكون هذا البيان برزخاً دون الكسل ، ومانعاً من الغفلة ودبيب أسباب الجهالة ، وهو من مصاديق قوله تعالى [هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ] ( ) ومع هذا الثناء يأتي الوعد من عند الله للمؤمنين بالمدد والنصر ، أي أن آية السياق لا تختص بمسألة النصر بل تتضمن الدلالة على تهيئة مقدمات هذا النصر ، وتمنع مما يحول دونه .
الثاني : بيان قانون وهو ترشح النفع عن اتباع مرضاة الله , وإذ جاءت آية السياق بصيغة الخطاب للمسلمين [إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ] فقد وردت آية البحث بصيغة الجملة الخبرية ولغة الإستفهام ، مما يدل على أنها أعم في موضوعها .
ولم تقل آية البحث اتبعتم رضوان الله إنما جاءت بصيغة القانون الكلي لبيان حقيقة وهي تغشي موضوع آية البحث المؤمنين منذ أيام آدم عليه السلام وإلى يوم القيامة ، وهو من الشواهد على سلامة القرآن من التحريف ، ففي كل يوم يتلو المسلمون قوله تعالى [أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ ..].
لبيان تجدد الثناء على المؤمنين من أهل الأرض سواء قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو بعدها فان قلت إذن أين المائز الذي يتصف به المسلمون بقوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ) الجواب من جهات :
الأولى : إتصاف شريعة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأنها الشريعة المتكاملة ، قال تعالى [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا] ( ).
الثانية : قيام المسلمين بتلاوة آيات القرآن .
الثالثة : تعاهد المسلمين الثناء على الأنبياء ومؤمني الأمم السابقة .
الرابعة : توارث المسلمين الإيمان وسنن التقوى .
الخامسة : جهاد المسلمين لسلامة القرآن من التحريف .
وتدل صيغة الجملة الشرطية في آية السياق [إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ]على حقيقة وهي أن اتباع مرضاة الله مناسبة للدعاء وسؤال النصر من عند الله عز وجل ، إذ تتضمن الآية إخبار المسلمين عن قانون وهو أن نصرهم بيد الله ، ولا يتم إلا باذنه وإذا أمر الله عز وجل بنصر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين في ميدان المعركة فلا يستطيع المنافقون خذلانهم ،وتجلت معالم هذا القانون في معركة أحد , إذ أراد رأس النفاق عبد الله بن أبي بن أبي سلول بثلث جيش المسلمين في الطريق إلى معركة أحد ، وهو يقول (أطاعهم وعصاني، ما ندرى علام نقتل أنفسنا ها هنا أيها الناس) ( ).
لقد كان رأي عبد الله بن أبي البقاء في المدينة وإنتظار قدوم جيش المشركين لقتالهم في أزقتها.
واستشار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عبد الله بن أبي يومئذ ليتآلفه لأنه كان رئيس الخرزج ( فَقَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أُبَيّ ابن سَلُولَ : يَا رَسُولَ اللّهِ أَقِمْ بِالْمَدِينَةِ لَا تَخْرُجْ إلَيْهِمْ فوالله ما خرجنا منها إلى عدو قط إلّا أَصَابَ مِنّا ، وَلَا دَخَلَهَا عَلَيْنَا إلّا أَصَبْنَا مِنْهُ فَدَعْهُمْ يَا رَسُولَ اللّهِ فَإِنْ أَقَامُوا أَقَامُوا بِشَرّ مَحْبِسٍ وَإِنْ دَخَلُوا قَاتَلَهُمْ الرّجَالُ فِي وَجْهِهِمْ وَرَمَاهُمْ النّسَاءُ وَالصّبْيَانُ بِالْحِجَارَةِ مِنْ فَوْقِهِمْ وَإِنْ رَجَعُوا رَجَعُوا خَائِبِينَ كَمَا جَاءُوا ) ( ) .
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يميل إلى هذا الرأي ، وكذا عدد من كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار ، ولكن الذين تخلفوا عن معركة بدر والذين يريدون تعجيل القتال ويحبون اللقاء مع العدو ألحوا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالخروج رجاء تعجيل النصر وإلحاق الخزي والذل بالذين كفروا .
وكان حمزة بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسعد بن عبادة والنعمان بن مالك ممن سألوا الخروج للقاء ،وقالوا : إنا نخشى يا رسول الله أن يظن عدونا أنا كرهنا الخروج جبناً عن مقاتلتهم ، فيزدادون جرأة علينا ، ولبسوا السلاح وأخذوا يتناجون بالدفاع وحب الشهادة وصاروا يخطرون بسيوفهم ،وهو من مصاديق قوله تعالى [وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَتَمَنَّوْن الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ] ( ).
(وقال مالك بن سنان أبو أبي سعيد الخدري: يا رسول الله، نحن والله بين إحدى الحسنيين , إما يظفرنا الله بهم فهذا الذي نريد، فيذلهم الله لنا فتكون هذه وقعة مع وقعة بدر، فلا يبقى منهم إلا الشريد، والأخرى يا رسول الله، يرزقنا الله الشهادة. والله يا رسول الله، ما أبالي أيهما كان، إن كلاً لفيه الخير !
فقال حمزة بن عبد المطلب: والذي أنزل عليك الكتاب، لا أطعم اليوم طعاماً حتى أجالدهم بسيفي خارجاً من المدينة. وكان يقال كان حمزة يوم الجمعة صائماً، ويوم السبت صائماً، فلاقاهم وهو صائم.
قالوا: وقال النعمان بن مالك بن ثعلبة أخو بني سالم: يا رسول الله، أنا أشهد أن البقر المذبح قتلى من أصحابك وأني منهم، فلم تحرمنا الجنة؟ فو الذي لا إله إلا هو لأدخلنها.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: بم؟ قال: إني أحب الله ورسوله ولا أفر يوم الزحف. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: صدقت! فاستشهد يومئذٍ.
وقال إياس بن أوس ابن عتيك: يا رسول الله، نحن بنو عبد الأشهل من البقر المذبح، نرجو يا رسول الله أن نذبح في القوم ويذبح فينا، فنصير إلى الجنة ويصيرون إلى النار، مع أني يا رسول الله لا أحب أن ترجع قريش إلى قومها فيقولون: حصرنا محمداً في صياصي يثرب وآطامها( ) ! فيكون هذا جرأة لقريش، وقد وطئوا سعفنا فإذا لم نذب عن عرضنا لم نزرع.
وقد كنا يا رسول الله في جاهليتنا والعرب يأتوننا، ولا يطمعون بهذا منا حتى نخرج إليهم بأسيافنا حتى نذبهم عنا، فنحن اليوم أحق إذ أيدنا الله بك، وعرفنا مصيرنا، لا نحصر أنفسنا في بيوتنا.
وقام خيثمة أبو سعد بن خيثمة فقال : يا رسول الله، إن قريشاً مكثت حولاً تجمع الجموع وتستجلب العرب في بواديها ومن تبعها من أحابيشها، ثم جاءونا قد قادوا الخيل ( )وامتطوا الإبل حتى نزلوا بساحتنا فيحصروننا في بيوتنا وصياصينا( )، ثم يرجعون وافرين لم يكلموا، فيجرئهم ذلك علينا حتى يشنوا الغارات علينا، ويصيبوا أطرافنا، ويضعوا العيون والأرصاد علينا، مع ما قد صنعوا بحروثنا، ويجترىء علينا العرب حولنا حتى يطمعوا فينا إذا رأونا لم نخرج إليهم، فنذبهم عن جوارنا , وعسى الله أن يظفرنا بهم فتلك عادة الله عندنا، أو تكون الأخرى فهي الشهادة.
لقد أخطأتني وقعة بدر وقد كنت عليها حريصاً، لقد بلغ من حرصي أن ساهمت ابني في الخزرج فخرج سهمه فرزق الشهادة، وقد كنت حريصاً على الشهادة .
وقد رأيت ابني البارحة في النوم في أحسن صورة، يسرح في ثمار الجنة وأنهارها وهو يقول: الحق بنا ترافقنا في الجنة، فقد وجدت ما وعدني ربي حقاً! وقد والله يا رسول الله أصحبت مشتاقاً إلى مرافقته في الجنة، وقد كبرت سني، ورق عظمي، وأحببت لقاء ربي، فادع الله يا رسول الله أن يرزقني الشهادة ومرافقة سعد في الجنة. فدعا له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم بذلك، فقتل بأحد شهيداً.
وقالوا: قال أنس بن قتادة يا رسول الله، هي إحدى الحسنيين، إما الشهادة وإما الغنيمة والظفر في قتلهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: إني أخاف عليكم الهزيمة. قالوا: فلما أبوا إلا الخروج صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم الجمعة بالناس، ثم وعظ الناس وأمرهم بالجد والجهاد، وأخبرهم أن لهم النصر ما صبروا) ( ).
لقد خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بطلعته البهية على المسلمين وهو لابس لأمة القتال بأن تقلد سيفه ولبس درعه ، وألقى الترس على ظهره وأخذ قناته بيده ، والقناة هي الرمح الأجوف .
قال تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] ( ) وتدل خاتمة الآية أعلاه بأن خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى أحد بوحي من عند الله ، وصحيح أنه كان يميل في بداية الأمر إلى البقاء في المدينة ، وهو الذي يسمع كلام الصحابة ويعلم بحالهم ويتفضل على رسوله الكريم وعموم المسلمين بالنصر لقوله تعالى في آية السياق [إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ] ( ) ليكون من معاني تقدير الآية على وجوه :
الأول : ان ينصركم الله بخروجكم إلى أحد ).
الثاني : أن ينصركم الله مع إنسحاب المنافقين فلا غالب لكم .
الثالث : إن ينصركم الله لحسن توكلكم على الله , فلا غالب لكم .
ولما رأى المؤمنون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، قال سعد بن معاذ وهو سيد الأوس وأسيد بن حضير استكرهتم رسول الله على الخروج ، فردوا الأمر إليه .
(عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال يوم أحد رأيت كأني في درع حصينة ورأيت بقرا منحرة فأولت أن الدرع المدينة.
والبقر نقر فإن شئتم اقمتم بالمدينة فإن دخلوا علينا قاتلناهم فيها فقالوا والله ما دخلت علينا في الجاهلية أفتدخل علينا في الاسلام قال فشأنكم إذن فذهبوا فلبس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لامته فقالوا ما صنعنا رددنا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأيه فجاءوا فقالوا شأنك يا رسول الله قال الآن إنه ليس لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل) ( ).
وفي الحديث أعلاه مسائل :
الأولى : حدوث رؤيا للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : رؤيا الأنبياء وحي ، وورد في إبراهيم في التنزيل [قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ] ( ).
الثالثة : بيان صحة إختيار البقاء في المدينة والخروج منها ، وهذا العموم من مصاديق قوله تعالى [إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ] ( ) أي يأتي نصر الله للمسلمين سواء بقوا في المدينة أو خرجوا للقاء العدو .
الرابعة : لقد أوّل النبي صلى الله عليه وآله وسلم البقرة التي تذبح بقتل نفر من أصحابه والثلمة التي في سيفه بأن رجلاً من أهل بيته يقتل ، فاستشهد سبعون من الصحابة ، ومنهم حمزة عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد كان في قتله خسارة عظمى ، ولكنها كانت أعظم مواساة للأنصار ، وبيوتات المدينة ، لبيان حقيقة وهي أن أهل البيت أيضاً يقدمون الشهداء وان النبي صلى الله عليه وآله وسلم رزي بعمه فاحتسبه عند الله ، وكان الإمام علي عليه السلام يقاتل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورجع وقد اصابته ستون جراحة (وَذَكَرَ ابن إسْحَاقَ أَيْضًا مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ الْبَكّائِيّ قَوْلَ عَلِيّ لِفَاطِمَةَ حِينَ غَسَلَتْ سَيْفَهُ مِنْ الدّمِ أَفَاطِمُ هَاتِي السّيْفَ غَيْرَ ذَمِيمِ فَلَسْت بِرِعْدِيدِ وَلَا بِلَئِيمِ ) ( ).
(عن ابن عباس، قال: جاء علي بن أبي طالب بسيفه يوم أحد قد انحنى فقال لفاطمة: هاك السيف حميدا فانه قد شافاني اليوم .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لئن كنت أجدت الضرب بسيفك لقد أجاده سهل بن حنيف وأبو دجانة وعاصم بن ثابت والحارث بن الصمة “.
قال ابن هشام: وسيف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا هو ذو الفقار( ).
قال: وحدثني بعض أهل العلم عن ابن أبي نجيح قال: نادى مناد يوم أحد: لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي ( )
قال: وحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي : ” لا يصيب المشركون منا مثلها حتى يفتح الله علينا “.)( ).
ففي طريق العودة من معركة أحد مرّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بدور بني عبد الأشهل فسمع نساء الأنصار والنوائح وهن يبكين قتلاهن ، بكى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجرى الدمع من عينيه ، لقد شاركهن النبي صلى الله عليه وآله وسلم الألم والحسرة على فقد الأحبة بسبب ظلم الذين كفروا ثم قال كلمته الخالدة (لَكِنّ حَمْزَةَ لَا بَوَاكِيَ لَهُ) ( ) ذات الدلالات والمعاني وكأنه مات في أرض هجرة وغربة وليس بين أهله وقومه مع أنه قتل في سبيل الله شأنه شأن الشهداء الآخرين ، وقد بذل الوسع في الدفاع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبيضة الإسلام .
وكان حمزة أكبر من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأربع سنوات ، ولما سمع سعد بن معاذ وأسيد بن خُضير قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجعا إلى بيوت بني الأشهل وأمرا النساء (أَنْ يَتَحَزّمْنَ ثُمّ يَذْهَبْنَ فَيَبْكِينَ عَلَى عَمّ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ) ( ).
الثالث : لقد تفضل الله عز وجل ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , ومن معجزات نبوته أن الذين آمنوا به حاربهم الناس وسعوا في الإضرار بهم وحصارهم والإستيلاء على أموالهم وبيوتهم ، لا لشئ إلا لأنهم اتبعوا رضوان الله عز وجل فاذا لم ينصرهم الله عز وجل فلا أحد يبادر إلى نصرتهم ، ولقد كانت لقريش منزلة وشأن عند قبائل العرب ، وتتجنب القبائل إغضابهم والتسبب بسخطهم وهي محتاجة إليهم في الحج والعمرة وعمارة البيت ، فلا تستطيع نصرة المؤمنين ، فيأتي المدد والنصر من عند الله عز وجل ، وهو من مصاديق قوله تعالى [أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ] ( ).
الرابع : أن بلوغ مرتبة اتباع رضوان الله يفتح باباً للدعاء ، ومن وجوه الدعاء في المقام سؤال النصر من عند الله عز وجل .
ليتجلى المائز بين المؤمنين والذين كفروا ، إذ يتوجه المؤمنون بالدعاء إلى الله عز وجل ويتطلعون إلى فضله ووعده بالإستجابة بقوله تعالى [ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ] ( ) بينما يحجب الذين كفروا عن أنفسهم نعمة الدعاء ويختارون الحرمان من الإستجابة له ، مما يدل على تهيئة مقدمات نصر المؤمنين وأسباب هزيمة الذين كفروا .
لقد أخلص المسلمون دينهم لله عز وجل وسعوا في طلب رضاه ، فتفضل وكلمهم بصيغة الجمع ، كما في قوله تعالى [قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ] ( ) وبين لهم الله عز وجل في آية البحث المرتبة السامية التي بلغوها بالإيمان .
ويفيد الجمع بين الآيتين أن اتباع رضوان الله طريق لتحقيق النصر والغلبة على الذين كفروا ، فالمشيئة المطلقة لله تعالى ، وفي التنزيل [وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ]( ) .
المسألة الخامسة : تقدير الجمع بين الآيتين : وعلى الله فليتوكل المؤمنون كمن باء بسخط من الله ) وفيه وجوه :
الأول : لقد جعل الله عز وجل القرآن مدرسة الأجيال الجامعة ، وفيها أصناف العلوم الثابتة والمتفرعة عن غيرها ، قال تعالى [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ] ( ) ومنه بيان الأهم والأولى في حياة الناس وهو وجوب الإيمان ، ومن مستلزمات الإيمان التوكل على الله ، وجاءت خاتمة آية السياق بصيغة الأمر والحث على التوكل على الله .
وكان عدد الصحابة خاصة من الشباب يملأهم الحماس للخروج للقاء العدو ، وهو الذي تجلى بقوله تعالى [وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْن الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ] ( ) فاستجاب لهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأمر بالخروج للقاء العدو فأغاظ الأمر عبد الله بن أبي ، ولكن هذا الإختلاف ليس علة تامة لتحريضه الأنصار بالرجوع عن القتال خاصة وأنهم أكثر جيش الإسلام الذي يتألف من :
الأول : المهاجرون والأنصار.
المسألة السابعة : تقدير الجمع بين الآيتين : أفمن اتبع رضوان الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) وفيه وجوه :
الوجه الأول : تحتمل النسبة بين المؤمنين والذين يتبعون رضوان الله وجوهاً :
أولاً : نسبة التساوي وأن كل مؤمن يتبع رضوان الله وكذا العكس .
ثانياً : نسبة العموم والخصوص المطلق وهو على شعبتين :
الأولى : الذين آمنوا ارفع مرتبة من الذين يتبعون رضوان الله .
الثانية : الذين يتبعون رضوان الله هم الذين أسمى مرتبة .
ثالثاً : نسبة العموم والخصوص من وجه , وأن هناك مادة للإلتقاء بين الذين آمنوا والذين اتبعوا رضوان الله ومادة للإفتراق بينهما .
والمختار هو الشعبة الثانية من الوجه الثاني أعلاه .
ليكون من معاني اتباع رضوان الله الوارد في آية البحث إجتماع أمرين :
الأول : الإيمان .
الثاني : التوكل على الله ، قال تعالى [فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ] ( ) , ويمكن القول أن التوكل على الله من مصاديق إتباع رضوان الله .
ومما يرضي الله عز وجل الإيمان والتوكل عليه سبحانه وتفويض الأمور له، وهو الذي بيده مقاليد الأمور .
ومن مصاديق اتباع رضوان الله بلحاظ آية السياق أمور :
الأول : الإيمان .
الثاني : التوكل على الله .
الثالث : إجتماع الإيمان والتوكل على الله .
وليس من حصر لمواضيع التوكل على الله العامة والخاصة ومنها النصر في ميدان القتال على المعتدين الكفار , ومنها رجاء جلب المنافع ودفع المضار ، ومنها كسب الرزق والمعاش ، وقال تعالى [وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ] ( ).
الوجه الثاني : ذكر اسم الجلالة مرتين في كل من آية البحث وآية السياق , وجاء ذكر الله عز وجل في آية السياق ليبعث السكينة في نفوس المسلمين لتعلق موضوعه بالنصر على الأعداء وبحسن التوكل على الله وتفويض الأمور إليه ، إذ إبتدأت آية السياق بالوعد الكريم من الله واختتمت بقانون يتضمن تأديب المسلمين وترغيبهم بالتوكل على الله .
وكذت ورد اسم الجلالة في الآية التالية وهو قوله تعالى[هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ]( )، ليكون التوكل على الله درجة ومرتبة سامية للعبد.
ويستطيع كل مسلم أن يعلم مرتبة إيمانه بمقدار تفويض أموره إلى الله عز وجل ، وهذا التفويض لا يبطل العمل ولا يعني التكاسل ، بل يكون تفويض الأمور إلى الله مصاحباً للعمل والسعي في رضوانه تعالى.
من خصائص اسم الجلالة أنه جامع لصفات الكمال، وله الإلوهية المطكلقة، وهو الذي تتقرب له الخلائق بعبادته وليس في الوجود إلا وهو مخلوق لله عز وجل وبمشيئته يبقى ويستديم إلى أجل عند الله معلوم، قال تعالى [وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ]( ).
وورد ذكر اسم الله على نحو التعيين من بين الأسماء الحسنى بقوله تعالى[إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ] لبيان أنه سبحانه يتولى بنفسه النصر لتستجيب أسباب النصر كله لمشيئته ويأتي الرعب والخوف للذين كفروا من الأرض التي يمشون عليها ومن الهواء والسماء قال تعالى[وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ]( ).
الوجه الثالث : هناك نوع ملازمة بين اتباع رضوان الله وبين التوكل عليه سبحانه، والمختار أن النسبة بين اتباع رضوان الله والتوكل عليه سبحانه هي العموم والخصوص المطلق، لذا لم تقل آية السياق وعلى الله فليتوكل الذين يتبعون رضوانه، أنما ذكرت المؤمنين ومن وجوه الإيمان بلحاظ آية البحث أمور :
الأول : المعرفة برضوان الله، والتباين بينه وبين ما يجلب سخط الله.
الثاني : الإقرار بوجوب اتباع رضوان الله.
الثالث : التوكل على الله في عمل الصالحات والإمتثال لأوامره سبحانه .
وفي التنزيل[وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ]( )، الجمع بين آية البحث والسياق الحياة الدنيا ؤرضة ناضرة يتنعم فيها المسلمون بذكر الله، وتعاهد الفرائض والصالحات مطلقاً، وهذا التعاهد من أبهى مصاديق إتباع رضوان الله، ومن معاني الجمع بين الآيتين التخفيف من عند الله للذين يريدون إتباع رضوان الله، وعلة ومادة هذا التخفيف التوكل على الله.
حصون خيبر
وعن أبى اليسر كعب بن عمرو (قال: إني لمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بخيبر) ( ).
وذُكر أن سبب غزوة خيبر هو ورود الأخبار بأن غطفان وشطراً من الأعراب حول المدينة أخذوا يسعون في نوع تحالف مع اليهود الذين في خيبر ، وتضم خيبر قلاع حصينة والتحق بهم بنو القينقاع وبنو النضير بهم ، وكانت فيها حصون متعددة منها ثمان حصون منيعة وتنقسم من جهة موقعها إلى أقسام :
الأول : الحصون التي تقع في منطقة النطاة :
أولاً : حصن ناعم .
ثانياً : حصن الصعب بن معاذ .
ثالثاً : حصن قلعة الزبير .
الثاني : حصنان يقعان في منطقة تسمى الشق وهما :
أولاً : حصن أبي .
ثانياً : حصن النزّار .
الثالث : حصون تعرف بالكتيبة وهي :
أولاً : حصن القَموص .
ثانياً : حصن الوطيح .
ثالثاً : حصن السّلالم .
وأشتد القتال في الحصون الأولى أعلاه، أما الحصون الأخيرة فسلمت بلا قتال ، وكان عدد المسلمين الذين خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نحو ألف وأربعمائة ، وقيل أكثر والضابطة هي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعلن ان لا يخرج معه إلا أصحاب الشجرة لإرادة منع المنافقين الذين تخلفوا عنه في الخروج إلى مكة لإرادة العمرة وخشيتهم من إجهاز كفار قريش على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين إذ ليس معهم من الأسلحة إلا السيوف في أوعيتها ، وهذا الحصر والتقييد في سنخية الذين يخرجون إلى خيبر للبشارة القرآنية بقوله تعالى [وَعَدَكُمْ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ] ( ).
أي تعجيل صلح الحديبية أما المغانم فهي خيبر.
وعن مجاهد في قوله[سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنْ الأَعْرَابِ]( )، قال: أعراب المدينة جهينة ومزينة استنفرهم لخروجه إلى مكة ، فقالوا : نذهب معه إلى قوم جاؤوه فقتلوا أصحابه فنقاتلهم في ديارهم ، فاعتلوا له بالشغل ، فأقبل معتمراً فأخذ أصحابه أناساً من أهل الحرم غافلين فأرسلهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فذلك الأظفار ببطن مكة ، ورجع النبي محمد صلى الله عليه وسلم فوعد مغانم كثيرة فجعلت له خيبر ، فقال المخلفون[ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ]( )، وهي المغانم التي قال الله [إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا]( )، وعرض عليهم قتال قوم أولي بأس شديد فهم فارس والمغانم الكثيرة التي وعدوا ما يأخذون حتى اليوم ) ( ).
ولم يبق النبي صلى الله عليه وآله وسلم من عودته من صلح الحديبية في المدينة إلا ذا الحجة وأياماً من شهر محرم من السنة السابعة للهجرة واستخلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم على المدينة عند خروجه إلى خيبر سباع بن عرفطة الغطفاني( ).
وسار النبي من المدينة ومرّ على الصهباء ويقع فيها سد الصهباء في جنوب شرق قرية الثمد التي تبعد نحو مائة وأربعين كيلو متراً عن المدينة وهو سد لخزن وجمع المياه ويبلغ طوله 250 م وارتفاعه 30 متراً ، وبني بحجارة مشذبة وغير مشذبة ويسمى سد الصهباء وقصيباء.
وفي هذه الأزمنة يسمى سد البنت ولكن النص ورد بتسميته سد الصهباء ، إذ ورد (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ لأَبِى طَلْحَةَ الْتَمِسْ غُلاَمًا مِنْ غِلْمَانِكُمْ يَخْدُمُني حَتَّى أَخْرُجَ إِلَى خَيْبَرَ .
فَخَرَجَ بِى أَبُو طَلْحَةَ مُرْدِفِي ، وَأَنَا غُلاَمٌ رَاهَقْتُ الْحُلُمَ ، فَكُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم إِذَا نَزَلَ ، فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ كَثِيرًا يَقُولُ : اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ . ثُمَّ قَدِمْنَا خَيْبَرَ.
فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْحِصْنَ ذُكِرَ لَهُ جَمَالُ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَىِّ بْنِ أَخْطَبَ ، وَقَدْ قُتِلَ زَوْجُهَا وَكَانَتْ عَرُوسًا ، فَاصْطَفَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم لِنَفْسِهِ ، فَخَرَجَ بِهَا حَتَّى بَلَغْنَا سَدَّ الصَّهْبَاءِ حَلَّتْ ، فَبَنَى بِهَا ، ثُمَّ صَنَعَ حَيْسًا فِى نِطَعٍ صَغِيرٍ ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم آذِنْ مَنْ حَوْلَكَ . فَكَانَتْ تِلْكَ وَلِيمَةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم عَلَى صَفِيَّةَ .
ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ قَالَ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يُحَوِّى لَهَا وَرَاءَهُ بِعَبَاءَةٍ ، ثُمَّ يَجْلِسُ عِنْدَ بَعِيرِهِ فَيَضَعُ رُكْبَتَهُ ، فَتَضَعُ صَفِيَّةُ رِجْلَهَا عَلَى رُكْبَتِهِ حَتَّى تَرْكَبَ ، فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا أَشْرَفْنَا عَلَى الْمَدِينَةِ نَظَرَ إِلَى أُحُدٍ.
فَقَالَ : هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ. ثُمَّ نَظَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّى أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا بِمِثْلِ مَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِى مُدِّهِمْ وَصَاعِهِمْ) ( ) .
والمراد من قول أنس (حَتَّى بَلَغْنَا سَدَّ الصَّهْبَاءِ حَلَّتْ) أي حاضت واستبرئت وحان وطؤها سواء كزوجة أو أمة إذ نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل معركة خيبر أن توطئ الحامل أو الحائل غير الحامل حتى تحيض.
ولا توجد في سد الصهباء بوابات لتصريف المياه مما يدل على أن المراد حجز المياه خلفه كالبحيرة ليرتفع منسوب المياه في خيبر ولا تغادرهم المياه، وآثاره ظاهرة الى هذا الزمان ويبدو عليه أنه رمم عدة مرات ، وأختلف في وقت انشائه هل هو قبل الإسلام أو بعد البعثة النبوية .
وبنى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيه مسجداً ثم وصل إلى الصهباء ، ونزل مع جيشه بواد يقال له الرجيع ، فاختار مواضع تكون بين حصون خيبر وغطفان ليمنع غطفان من إمداد ونصرة أهل خيبر ، ومع هذا فحينما علمت غطفان بتوجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى خيبر تناجوا بينهم وهمّوا بالخروج ولكنهم خشوا على أموالهم وأهليهم.
وعن سويد بن النعمان أنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر حتى إذا كانوا بالصهباء – وهي من أدنى خيبر – صلى العصر ثم دعا بالازواد فلم يؤت إلا بالسويق فأمر به فثري( )، فأكل وأكلنا: ثم قام إلى المغرب فمضمض ثم صلى ولم يتوضأ.
وقال البخاري: حدثنا عبد الله بن مسلمة، حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن زيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الاكوع قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى خيبر فسرنا ليلا فقال رجل من القوم لعامر: يا عامر ألا تسمعنا من هنيهاتك ؟ وكان عامر رجلا شاعرا.
فنزل يحدو بالقوم يقول:
لا هم لولا أنت ما اهتدينا * ولا تصدقنا ولا صلينا
فاغفر فداء لك ما أبقينا * وألقين سكينة علينا
وثبت الاقدام إن لاقينا * إنا إذا صيح بنا أبينا
وبالصياح عولوا علينا
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من هذا السائق ؟ قالوا: عامر بن الاكوع قال: يرحمه الله ! فقال رجل من القوم: وجبت يا نبي الله لولا أمتعتنا به ! فأتينا خيبر فناصرناهم حتى أصابتنا مخمصة شديدة.
ثم إن الله فتحها عليهم فلما أمسى الناس مساء اليوم الذي فتحت عليهم أوقدوا نيرانا كثيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هذه النيران على أي شئ توقدون ؟ قالوا: على لحم.
قال: على أي لحم ؟ قالوا: لحم الحمر الانسية.
قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أهريقوها واكسروها.
فقال رجل: يا رسول الله أو نهريقها ونغسلها ؟ فقال: أو ذاك.
فلما تصاف الناس كان سيف عامر قصيرا فتناول به ساق يهودي ليضربه فيرجع ذباب سيفه فأصاب عين ركبة عامر فمات منه، فلما قفلوا قال سلمة: رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيدي قال: مالك ؟ قلت: فداك أبي وأمي زعموا أن عامرا حبط عمله.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: كذب من قاله، إن له لاجرين – وجمع بين إصبعيه – إنه لجاهد مجاهد قل عربي مشى بها مثله.
ورواه مسلم من حديث حاتم بن إسماعيل وغيره عن يزيد بن أبى عبيد مثله( ) .
ومن إعجاز القرآن بعث الخوف والفزع في قلوب الذين يحاربون النبي صلى الله عليه وآله وسلم , والذين يهمون بنصرتهم وتظاهرتهم , قال تعالى[وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا]( ).
وفيه دعوة للمسلمين للتنزه عن الغلول شكراً لله عز وجل على التحفيف عنهم , وعن النعم المتعاقبة .
وعن ابن إسحاق باسناده عن (مُعَتّبِ بْنِ عَمْرٍو : أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ لَمّا أَشْرَفَ عَلَى خَيْبَرَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ وَأَنَا فِيهِمْ ” قِفُوا ” .
ثُمّ قَالَ اللّهُمّ رَبّ السّمَوَاتِ وَمَا أَظْلَلْنَ وَرَبّ الْأَرَضِينَ وَمَا أَقْلَلْنَ وَرَبّ الشّيَاطِينِ وَمَا أَضْلَلْنَ وَرَبّ الرّيَاحِ وَمَا أَذْرَيْنَ فَإِنّا نَسْأَلُك خَيْرَ هَذِهِ الْقَرْيَةِ وَخَيْرَ أَهْلِهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا ، وَنَعُوذُ بِك مِنْ شَرّهَا وَشَرّ أَهْلِهَا وَشَرّ مَا فِيهَا ، أَقَدِمُوا بِسْمِ اللّهِ .
قَالَ وَكَانَ يَقُولُهَا عَلَيْهِ السّلَامُ لِكُلّ قَرْيَةٍ دَخَلَهَا. قَالَ ابن إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ إذَا غَزَا قَوْمًا لَمْ يُغِرْ عَلَيْهِمْ حَتّى يُصْبِحَ فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ . فَنَزَلْنَا خَيْبَرَ لَيْلًا ، فَبَاتَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ حَتّى إذَا أَصْبَحَ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا ، فَرَكِبَ وَرَكِبْنَا مَعَهُ فَرَكِبْت خَلْفَ أَبِي طَلْحَةَ وَإِنّ قَدَمِي لَتَمَسّ قَدَمَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ وَاسْتَقْبَلَنَا عُمّالُ خَيْبَرَ غَادِينَ قَدْ خَرَجُوا بِمَسَاحِيهِمْ وَمَكَاتِلِهِمْ فَلَمّا رَأَوْا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ وَالْجَيْشَ قَالُوا : مُحَمّدٌ وَالْخَمِيسُ( )، مَعَهُ فَأَدْبَرُوا هِرَابًا.
فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ اللّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ ، إنّا إذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ) ( ).
وعن عبدالله بن مغفل المزني قال: أصبت من فئ خيبر جراب شحم، قال: فاحتملته على عنقي إلى رحلي وأصحابي.
قال: فلقيني صاحب المغانم الذي جعل عليها، فأخذ بناحيته وقال: هلم حتى تقسمه بين المسلمين.
قال: وقلت: لا والله لا أعطيكه.
قال: وجعل يجاذبني الجراب، قال: فرآنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونحن نصنع ذلك فتبسم ضاحكا، ثم قال لصاحب المغانم: خل بينه وبينه.
قال: فأرسله فانطلقت به إلى رحلي وأصحابي فأكلناه) ( ).
وبه أستدل على جواز أكل ذبائح أهل اليهود ومصاديق قوله تعالى [وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ] ( ) خلافاً لمالك ، وقيل قد يكون هذا الشحم مما كان حلالاً لهم وهذا القول خلاف الظاهر.
ونستدل به في المقام بأنه يجوز الأخذ والإستحواذ الخاص على قطعة من الغنائم جهرة بشرط إمضاء النبي صلى الله عيه وآله وسلم ومن له الأمر، فهو ليس من الغلول لإنعدام صبغة الخلسة في الأخذ.
وأستدل بهذا الحديث بأن الطعام لا يخمس ، كما أستدل عليه بما ورد (عن عبدالله بن أبي أوفى قال: قلت: كنتم تخمسون الطعام في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال أصبنا طعاما يوم خيبر، وكان الرجل يجئ فيأخذ منه قدر ما يكفيه ثم ينصرف) ( ).
ويحمل لفظ الطعام على وجوه :
الأول : إرادة الحنطة .
الثاني : خصوص أصناف من الطعام ، كما في أحد وجوه ومعنى الإحتكار وأنه حبس الطعام من أجل غلاء ثمنه وبيعه بسعر مضاعف .
الثالث : إرادة أصناف المأكول من الحنطة والشعير والحبوب والفاكهة واللحوم , وأم الطعام من الإنسان : المعدة , ومن الطائر القانصة ، (وقال الثعالبي في فقه اللغة: باب الأشياء تختلفُ أسماؤُها وأوصافها باختلافِ أحوالها – لا يقال كأسٌ إلا إذا كان فيها شرابٌ، وإلا فهي زجاجة. ولا يقال مائدةٌ إلا إذا كان عليها الطعام، وإلا فهي خِوان. ولا يقال كوز إلا إذا كان له عروة، وإلا فهو كوب. ولا يقال قلمٌ إلا إذا كان مَبْريّاً، وإلا فهو أنبوبة. ولا يقال خاتِمَ إلا إذا كان فيه فصّ، وإلا فهو فَتْخَة. ولا يقالُ فروٌ إلا إذا كان عليه صوف، وإلا فهو جلد، ولا يُقال رَيْطَة( )، إلا إذا لم تكن لِفْقَين( )، وإلا في مَلاَءة. ولا يقال أريكة إلا إذا كان عليه حَجَلة، وإلا فهي سرير. ولا يقال نَفَق إلا إذا كان له مَنْفذ، وإلا فهو سَرَب.
ولا يقال عِهْن إلا إذا كان مصبوغاً، وإلا فهو صُوف. ولا يقال خِدْرٌ إلا إذا كان مشتملا على جارية، وإلا فهو سِتْر. ولا يقال: لحم قَدِيد إلا إذا كان معالجاً بتوابل، وإلا فهو طبيخ.
ولا يقال مِغْول إلا إذا كان في جوفه سوط وإلا فهو مِشْمَل، ولا يقال سَياعٌ إلا إذا كان فيه تِبْن، وإلا فهو طِين. ولا يقال مُورٌ للغبار إلا إذا كان بالريح، وإلا فهو رَهْج.
ولا يقال رَكِيَّة إلا إذا كان فيها ماء، وإلا فهي بئر. ولا يقال مِحْجَن إلا إذا كان في طرَفه عُقَّافة، وإلا فهي عصا، ولا يقال مأْزِق ولا مأْقِط إلا في الحرب وإلا فهو مَضِيق.
ولا يُقال مُغلْغَلة إلا إذا كانت محمولةً من بلد إلى بلد وإلا فهي رسالة، ولا يقال قَراح إلا إذا كانت مهيَّأة للزراعة، وإلا فهي بَراح. ولا يقال وَقُود إلا اتَّقدت فيه النار، وإلا فهو خَطب. ولا يقال عَويل إلاَّ إذا كان معه رفْعُ صَوْت وإلا فهو بكاء، ولا يقال ثَرى إلاَّ إذا كان نَدِيّاً، وإلا فهو تُرَاب .
ولا يقال للعبد آبِق إلا إذا ذَهَب من غير خَوْف ولا كَدِّ عمل وإلا فهو هارب، ولا يقال للريق رُضاب إلا ما دام في الفم فإن فارقَه فهو بُزاق.
ولا يقال للشجاع كَمىّ إلا إذا كان شاكي السلاح وإلا فهو بَطل.
ولا يقال للبعير رَاوية إلا ما دام عليه الماءُ، ولا يقال للرَّوْث فَرْث إلا ما دام في الكَرِش، ولا يقال للدَّلو سَجْل إلا ما دام فيها الماء قَلّ أو كثر، ولا يقال لها ذَنُوب إلا إذا مَلأى، ولا يقال للطبق مِهْدًى إلا ما دامت عليه الهديَّة .
ولا يقال للذَّهب تِبْر إلا ما دام غير مصوغ، ولا يقال للحجارة رَضْف إلا إذا كانت مُحْماةً بالشمس أو النار، ولا يقال للثوب مُطْرَف إلا إذا كان في طرفيه علَمان، ولا يقال للعظم غَرْق إلا ما دام عليه لحم، ولا يقال للخيط سِمْط إلا ما دام فيه خرز، ولا يقال للقومِ رُفَقْة إلا ما داموا منضمين في مجلس واحد وفي مَسيرٍ واحد، فإذا تفرقوا ذهب عنهم اسم الرفقة ، ولم يذهب عنهم اسم الرفيق.
ولا يقال للشمس الغَزالة إلا عند ارتفاع النهار، ولا يقال للمرأة عاتِق إلا ما دامت في بيتِ أبويها، ولا يقال ظَعينة إلا ما دامت راكبةً في الهودج، ولا يقال للسرير نَعْش إلا ما دام عليه المِّيت.
ولا يقال للثوب حُلة إلا إذا كانا اثنين من جنس واحدٍ، ولا يقال للحَبْلِ قرَن إلا أن يُقْرَن فيه بعيران، ولا يقال للبطيخ حَدج إلا ما دامت صغارا خُضرا.
ولا يقال للمجلس النّادي إلا ما دام فيه أهلُه، ولا يقال للريح بَليل إلا إذا كانت باردةً وكان معها نَدًى، ولا يقال للبخيل شحيح إلا إذا كان مع بُخْله حريصاً، ولا يقال للذي يجد البرد خَرِص و خَصِر إلا إذا كان مع ذلك جائعاً، ولا يقال للماء الملح أُجاج إلا إذا كان مع مُلوحته مُرّاً، ولا يقال للإسراع في السر إهْطاعٌ إلا إذا كان معه خوف ، ولا إهراع إلا إذا كان معه رِعْدة ، وقد نطلق القرآن بهما( ).
ولا يقال للجبان كَعٌّ إلا إذا كان مع جَبْنِه ضعيفاً، ولا يقال للمقيم بالمكان مُتَلَوِّم إلا إذا كان على انتظار، ولا يقال للفرس محجّل إلا إذا كان البياض في قوائمه الأربع أو في ثلاث منها) ( ).
وعندما رجع المسلمون من معركة مؤتة خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون لتلقيهم فقام عدد من المسلمين بحثي التراب على الجيش ويقولون يا فرار فررتم في سبيل الله.
فيقول لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله تعالى.
وكذا ورد عن عبد الله بن عمر قال: كنت في سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فحاص الناس حيصة وكنت فيمن حاص فقلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب؟ ثم قلنا: لو دخلنا المدينة فبتنا؟ ثم قلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإن كانت لنا توبة وإلا ذهبنا؟ فأتيناه قبل صلاة الغداة .
فخرج فقال: “من القوم؟” فقلنا: نحن الفرارون. فقال: “لا بل أنتم العَكَّارون، أنا فئتكم، وأنا فئة المسلمين” قال: فأتيناه حتى قَبَّلنا يده)( ).
الثامنة : من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحسية أنه كان قبل بعثته حجر يسلم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا مرّ عليه ، ليكون هذا السلام مقدمة وبشارة لبعثته ولبيان قانون وهو أن هناك أصنافاً من المخلوقات تدرك ما سيقع وما سيحدث ، ومن أسرار عالم التكوين أن ما يحدث في الأرض يرُى في السماء وسير الكواكب ، فلذا ورد النهي عن تعلم علم النجوم لما فيه من الإفتتان بها .
(عن جابر بن سمرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن) ( ).
وفي رواية إن بمكة لحجراً كان يسلم عليّ ليالي بعثت إني لأعرفه إذا مررت به ) .
وفي الحديث مسائل :
الأولى : بقاء هذا الحجر في مكانه وثباته ، مما يدل على أنه ليس صغيراً.
الثانية : تجلي المعجزات الحسية مع شآبيب وبشارات البعثة النبوية .
الثالثة : وقوع سلام الحجر أيام البعثة وأوان مقدماتها ليكون فيه بعث للسكينة في نفس النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالإطمئنان بأن الذي يأتيه وحي من عند الله سبحانه.
وعندما نزل جبرئيل عليه السلام على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالوحي في غار حراء وقال له [اقْرَأْ بِاسم رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ]( )، رجف فؤاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصابته الدهشة ،ورأى أمراً عظيماً ودخل على خديجة بنت خويلد زوجته وقال : لقد خشيت على نفسي .
ولكن خديجة تلقته بالغبطة والرضا ، وذكرت محاسن أخلاقه ، لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجاور في غار حراء شهراً من كل سنة يتحنث فيه .
والمراد من التحنث عبادة الله والتنزه عن الآثام وإعتزال عبادة الأصنام.
(عن الأئمة العرب تقول: فلان يتحنث أي يفعل فعلاً يخرج به من الحنث وفي الحديث أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان قبل أن يوحى إليه يأتي حراء فيتحنث فيه الليالي أي يتعبد، وفلان يتنجس إذا فعل فعلاً يخرجه من النجاسة وكذلك يتحرج ويتحوب إذا فعل فعلاً يخرجه من الحرج والحوب، وفلان يتهجد إذا كان يخرج من الهجود من قوله تعالى[وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ]( )، ويقال: امرأة قذور إذا كانت تتجنب الأقذار ودابة ريض إذا لم ترض) ( ).
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أتم شهر العبادة والنسك والتحنث إنصرف إلى البيت الحرام فطاف بالكعبة سبعة أشواط قبل أن يدخل بيته ، ولما كان الشهر الذي أراد الله عز وجل فيه بعثته وكان شهر رمضان نزل عليه الوحي.
وعن عبيد بن عمير في حديث (حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته ورحم العباد به جاءه جبريل بأمر الله تعالى.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ” فجاءني وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب، فقال: اقرأ.
قلت: ما أقرأ ؟ قال: فغتنى حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني فقال: اقرأ.
قلت: ما أقرأ ؟ قال: فغتني حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني فقال: اقرأ.
قلت: ما أقرأ، قال: فغتني حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني فقال: اقرأ.
قلت: ماذا أقرأ ، ما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود لي بمثل ما صنع بي.
فقال: اقرأ باسم ربك الذى خلق.
خلق الانسان من علق.
اقرأ وربك الاكرم.
الذى علم بالقلم.
علم الانسان ما لم يعلم)( ).
فقرأها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأنصرف عنه جبرئيل ، وكأنما نقر الكلام من قلبه ، ومن آيات النبوة ما تأتي بالمنام ، ويجعل الله عز وجل النبي يدرك أن الذي يراه وحي وليس أضغاث أحلام أو وسواساً من الشيطان .
وفي التنزيل بخصوص إبراهيم عليه السلام ورد قوله تعالى [قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ] ( ) فخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الغار عائداً إلى مكة ، فان الذي رآه أمر عظيم .
ولما كان في وسط جبل النور سمع صوتاً من السماء يقول : يا محمد أنت رسول الله وأنا جبرئيل) ( ).
فكانت البشارة العظمى والبداية المباركة التي غيرت مجرى التأريخ ، وهل هذا الصوت من المعجزات الحسية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، الجواب نعم ، وهو من مصاديق قوله تعالى [مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ] ( ).
لتكون شهادة جبرئيل له بالرسالة قبل أن يشهد له بها الناس وعندما احتج الملائكة على تفضل الله عز وجل بجعل الإنسان [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ) بأنه يفسد في الأرض ويسفك الدماء احتج الله عز وجل عليهم بقوله [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) فخروا لله عز وجل ساجدين ، لتمر الأيام وإذا جبرئيل وهو من سادة الملائكة ينادي النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم أنت رسول الله لبيان أن الملائكة شهدوا للإنسان بالخلافة في الأرض ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولا يدل هذا القول هنا على إبتداء إقرارهم بهذه الخلافة من حين بعثته ، إنما كان الإقرار من ساعة وجود آدم في السماء مع الملائكة وقبل أن يهبط إلى الأرض .
ومن مصاديق تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الأنبياء السابقين أن جبرئيل ناداه بصفة الرسالة من عند الله وأقر له بالنبوة قبل الناس ، وهل فيه بشارة تعضيد الملائكة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بنزولهم في معارك الأسلام ، الجواب نعم .

إعجاز الآية الذاتي
إبتدأت آية البحث بالإستفهام الذي يتضمن الاحتجاج وإقامة البرهان ، وتجلى هذا الإستفهام بالهمزة في [أفمن] ليكون من إعجاز آيات القرآن أن الحرف الواحد منه مدرسة في العقائد والأخلاق وعلم الكلام، وباعث على التوبة والإنابة، فلا غرابة أن يبين الحديث النبوي ترتب الثواب على قراءة الحرف الواحد من القرآن .
وعن (عبد الله بن مسعود قال : [ قال رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم : إن هذا القرآن مأدبة الله فتعلموا من مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن حبل الله وهو النور المبين، والشفاء النافع عصمة من تمسك به ونجاة من اتبعه لا يعوج فيقوم ولا يزيغ فيستعتب ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق عن كثرة الرد فاتلوه فإن الله يأجركم على تلاوته بكل حرف عشر حسنات.
أما إني لا أقول ( ألم ) حرف.
ولا ألفين أحدكم واضعا إحدى رجليه يدع أن يقرأ سورة البقرة فإن الشيطان يفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة وإن أصفر البيوت من الخير البيت الصفر من كتاب الله) ( ).
وتكرر لفظ الجلالة في آية البحث مرتين ، في حال المدح للمؤمنين ، والذم للذين كفروا لزجر الناس عن الغلو بالأنبياء والأولياء ، ولبيان قانون لتأديب الناس وهو لابد من التوحيد والإقرار بالعبودية لله وحده .
وجمعت آية البحث بين الإستفهام الإنكاري الذي إبتدأت به وبين التشبيه لتأكيد التباين والتضاد بين الفريقين وهما :
الأول : المؤمنون الذي يتبعون مرضاة الله .
الثاني : الذين نزل بساحتهم سخط الله عز وجل ليدل هذا المعنى على إرادة الذين كفروا ، كما ورد في التنزيل [قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ] ( ).
ومع مجئ الآية بصيغة الجملة الخبرية إلا أنها تتضمن أموراً :
الأول : الثناء على المسلمين .
الثاني : الوعد للمؤمنين .
الثالث : ترغيب الناس بالإسلام .
الرابع : دعوة المسلمين لجعل التقيد بأحكام شريعة الإسلام ميراثاً كريماً لأبنائهم .
الرابع : بعث المسلمين على تعاهد أداء الفرائض والواجبات العبادية .
الخامس : التخويف والوعيد للذين كفروا .
السادس : الإنذار للمنافقين والمنافقات , وتقدير آية البحث بلحاظ الإفراد والتثنية والجمع في جهة الخطاب على جهات:
الأولى : أفمن اتبعت رضوان الله كمن باءت بسخط من الله ومأواها جهنم).
الثانية : أفمن اتبعا رضوان الله كمن باءا بسخط من الله ومأواهما جهنم وبئس المصير.
الثالثة : أفمن اتبعوا رضوان الله كمن باءوا بسخط من الله ومأواهم جهنم وبئس المصير ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ] ( ) لبيان قانون وهو أن النفاق سبب لأمور :
أولاً : مجئ الذم والتقبيح من الله للمنافق .
ثانياً : خروج المنافقين عن صيغة وجماعة الذين يتبعون رضوان الله عز وجل.
ثالثاً : لزوم جهاد المسلمين للمنافقين مثلما يجاهدون الذين كفروا ، وبينهما عموم وخصوص من وجه فمادة الإلتقاء هي الجهاد ، ومادة الإفتراق أن جهاد الذين كفروا مرة بالسيف , وأخرى بالإنذار .
ولم يقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم منافقاً ، ولم يأمر بقتل أحدهم ، وقد تقدم أن رأس النفاق عبد الله بن أبي بن أبي سلول قام بتحريض الأنصار على الرجوع عن معركة أحد وهم في طريقهم إليها وكان عدد جيش المسلمين نحو ألف , والأنصار أكثر أفراد هذا الجيش فرجع نحو ثلاثمائة أي ثلث جيش المسلمين ، ثم تعرض المسلمون لإنكسار كبير في المعركة , كما ورد في قوله تعالى [إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ] ( ) .
ومن خصائص قادة الجيوش نسبة الإنكسار والهزيمة في المعركة إلى بعض القادة سواء في الميدان أو بخصوص مقدمات المعركة وإقالته أو سجنه أو قتله ، والقيام بسحب ثلث الجيش أمر جلي كسبب في نكسة المسلمين في المعركة ولكن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم يؤاخذ رأس النفاق عبد الله بن أبي ولم يوجه له اللوم على ما أصاب المسلمين ، ليكون من معاني جهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للمنافقين وجوه :
أولاً : إظهار الصبر على المنافقين .
ثانياً : تحمل أذى المنافقين .
ثالثاً : تلاوة آيات القرآن التي تذم المنافقين , لبيان قانون وهو أن الآيات ذات الموضوع المتحد سلاح .
رابعاً : الإمتناع عن إلحاق الضرر بالمنافقين لأن نطقهم بالشهادتين واقية لهم من الضرر ، وهل هو واقية لهم في الآخرة , الجواب لا ، لذا يكون يوم القيامة يوم كشف الأسرار وإظهار ما في القلوب والضمائر .
إذ يسر ويخفي المنافقون كفرهم عن الناس في الحياة الدنيا ، ولكنهم يظهرونه قهراً عليهم على رؤوس الأشهاد يوم القيامة ، ولا يختص الأمر يومئذ بالمنافقين بل هو عام ويشمل آخذ الغلول والذي أخفى قطعة من الغنائم ومنه الغل وعموم الخيانة ، وورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : يرفع لكل غادر لواء عند استه يقال: هذه غَدْرَةُ فلان بن فلان( ).
الرابعة : تقدير آية البحث بصيغة جمع المؤنث : أفمن اتبعن رضوان الله كمن بئن بسخط من الله ومأواهنّ جهنم وبئس المصير).
تبين آية البحث قوانين متعددة ومتداخلة وهي :
الأول : وجود أمة تعمل في رضوان الله .
الثاني : المدح والثناء للذين يتبعون رضوان الله .
الثالث : ترغيب الناس بالإسلام وطاعة الله ورسوله .
الرابع : إحاطة الناس علماً بسنن وقواعد رضوان الله، إذ تدل الآية على بيان مصاديق رضوان الله ، ومعرفة الناس بها، وتفضل الله عز وجل بطرد الغفلة عن الناس .
إذ قسّمت الآية تانتس إلى قسمين :
الأول : الذين يتبعون رضوان الله .
الثاني : الذين نزل بساحتهم سخط من الله .
ولم تذكر الآية قسماً آخر مرفوعاً عنه القلم للجهالة وعدم العلم ، إنما تفضل الله عز وجل بالبيان ، قال تعالى [فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ] ( ) .
إذ تضمنت الآية أعلاه الأمر إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باتباع بيان القرآن ، وهو من رضوان الله عز وجل ولم يرد لفظ [بَيَانَهُ] إلا في الآية أعلاه ، ونسبة البيان إلى الله عز وجل للدلالة على الإعجاز في بيان القرآن وتأكيد قانون وهو أنه لا يقدر على هذا البيان إلا الله عز وجل ولزوم إنتفاع واقتباس الناس من هذا البيان، وهل الصلة بين كل آيتين من القرآن والتي صدرت شذرات من علومها أجزاءً من هذا التفسير من هذا البيان.
الجواب نعم ، لما فيها من العلوم والمسائل المستنبطة ، وقد أنعم الله عز وجل علينا بصدور الجزء الواحد والخمسون بعد المائة في الصلة بين شطر من الآية السابقة وهي (161) وشطر من الآية (164) من سورة آل عمران لبيان قانون وهو أن علوم القرآن من اللامتناهي .
الخامس : التباين والتضاد بين الذين آمنوا والكفار ، قال تعالى [فَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالْأُولَى] ( ) وهل يختص هذا التباين بعالم الآخرة والحساب ، الجواب لا ، لأصالة الإطلاق ، ولتأكيد القرآن على الفصل والتمييز بين المؤمنين والكفار في عالم الثواب في الآخرة، قال تعالى[وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ]( ).
السادس : سوء حال الذي يجحد بالنبوة والتنزيل ، فقد بعث الله عز وجل الأنبياء ليتبعهم الناس ، وأنزل الكتب السماوية ليعملوا باحكامها وما فيها من الأوامر والنواهي ، وليس للمتنع والجاحد إلا السخط والغضب من عند الله عز وجل.
لقد أخبرت الآية بأن الجاحد يبقى في غضب من الله يتغشاه ولا يفارقه ، فيجعل عيشه نكداً ويجعله في حال ذل وضعف وهوان .
السابع : إجتماع كل اثنين من القوانين الستة أعلاه لتتجلى معاني متجددة من ذات آية البحث تصاحب أفراد الزمان ، وكما تشرق الشمس على الأرض والأبدان فان العلوم المستنبطة من القرآن تشرق ناطقة كاشفة على القلوب والنفوس وتجذبها لرضوان الله، ليكون الذين ذكرتهم الآية بقوله تعالى [أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ] في إزدياد متصل في عددهم وإيمانهم ، ليكون من خصائص آية البحث بعث الناس على التوبة والإنابة .
ويمكن تسمية آية البحث [أَفَمَنْ اتَّبَعَ] وورد لفظ [اتَّبَعَ] في القرآن ثلاث عشرة مرة وليس فيها [مَنْ اتَّبَعَ] إلا في آية البحث ،وهي أول آية في نظم القرآن يرد فيها لفظ اتبع , وسيأتي مزيد كلام في علم المناسبة.
إعجاز الآية الغيري
من خصائص آية البحث بعث الحرص في نفوس المسلمين على تعاهد طاعة الله وإتيان الفرائض والواجبات وهل يختص رضوان الله بطاعته سبحانه أم يشمل طاعة الرسول ، الجواب هو الثاني ، قال تعالى [مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ] ( ) .
ومن إعجاز الآية أنها تجذب الإيمان إلى النفوس ، وتجعل المسلم يستحضر رضوان الله في كل عمل يتولى القيام به، وتصاحب الغبطة فعله والقيام به.
وتبعث الآية النفرة في النفوس من المعصية ، وتدفع أسباب جلب الضرر على النفس والذي يلازم الذنوب والآثام، فذات الذنب إثم ويترتب عليه الخزي وتلاحقه العقوبة .
وإذ تتحدث الآية السابقة عن الغلول وتنزه الأنبياء عنه، وتحذر من سوء عاقبة الذي يتعدى على المال العام، فقد جاءت آية البحث بالمعنى الأعم، وبالدعوة إلى تعاهد سنن التقوى.
ومن يتبع رضوان الله يمتنع عن أكل الغلول، وكذا فان الذي يجتنب أكل الغلول يكون من الذين يتبعون رضوان الله، وهل يلزم الدور بينهما , الجواب لا، للتداخل في الصالحات، وان كل فرد منهما يهدي إلى الآخر وهو من بديع صنع الله في الإنسان وإعانته في الخلافة في الأرض وتعاهد عبادة الله.
وتدعو آية البحث الناس إلى الفصل والتمييز بين الناس على ضابطة كلية، وهي اتباع رضوان الله أو عدمه، وهذا العدم سبب لنزول سخط الله، والوعيد بعذابه الشديد يوم القيامة.
وتبين آية البحث نزول عذاب الله على الذين يمتنعون عن إتباع رضوانه والتصديق ببعثة الأنبياء والرسل على نحو العموم المجموعي والإستغراقي.
فذكرت آية البحث ما ينزل بالذين يعصون أوامر الله سبحانه, وكيف أنه لا يستطيع الناس تحمل ما ينزل بخصوص فرد واحد من الذين كفروا وهي:
الأولى : الرجوع بسخط وعذاب من الله، ومع أن (من) في الآية للبيان وإبتداء الغاية فان الآية لم تقل سخط الله لعدم قدرة العباد على تحمله وسرعة هلاك الذي ينزله به، إنما جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار إمتحان وإبتلاء , نعم ورد في آية أخرى قوله تعالى[تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ]( ).
الثانية : الإقامة الدائمة في نار جهنم .
الثالثة : الوعيد بسوء العاقبة، بالخلود في الجحيم .
بحث بلاغي في الآية
هناك فنّ وضرب من الملائمة يسمى التجريد وهو إنتزاع المتكلم من أمر صفة شبيهاً له فيه مبالغة ومن أهمها أن يكون بـ (من ) الجارة ومنه قوله تعالى [أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ]( ).
ومنه في التنزه خطبة أبي طالب في تزويج خديجة من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومنها :
الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل، وضئضىء معد، وعنصر مُضر، وجعلنا حضنة بيته، وسوَاس حرمه، وجعل لنا بيتاً محجوباً، وحرماً آمناً، وجعلنا الحكام على الناس. ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد اللّه لا يوزن به رجل إلا رجح به، وإن كان في المال قلّ , فإن المال ظل زائل، وأمرٌ حائل، ومحمد من قد عرفتم قرابته، وقد خطب خديجة بنت خويلد، وبذل لها من الصداق ما آجله وعاجله من مالي، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم، وخطر جليل ( ).
وعدنان ذروة ولد إسماعيل ، ومضر ذروة نزار بن معد بن عدنان ،وخندق ذروة مضر ، ومدركه ذروة خندق ، وقريش ذروة مدركة ، والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ذروة قريش والعرب ، وهو صاحب الكمالات الإنسانية.
فذكرت آية البحث أن بعثته منّ ونعمة مزجاة من عند الله عز وجل ، وتدل هذه الخطبة على أن أبا طالب يعرف الشأن العظيم الذي يكون للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنه يجاهر به ، وهل هذا الفخر لترغيب خديجة بالزواج منه أم لبيان عظيم الشأن للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأن المرأة التي تتزوجه تفوز بخير الدنيا والآخرة ، الجواب هو الثاني .
إذ بيّن أبو طالب أموراً في خطبته مع قلة كلماتها وهي :
الأول : الإبتداء بالحمد لله ، وهو أمر مستحب في خطبة النكاح مطلقاً.
الثاني : التذكير والتفاخر بالإنتساب لإبراهيم عليه السلام ، وأنهم زرع إسماعيل أي أنه جاء وأقام وأمه هاجر عند البيت الحرام فكانوا ذريته .
وورد على لسان إبراهيم في التنزيل[رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ]( ).
الثالث : بيان مقدمات بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من جهة شرف النسب.

الآية سلاح
لقد إبتدأت آية البحث بالسؤال الأنكاري الذي يجذب الأسماع، ويبعث على التدبر والتفكر في مضامينه ، وافتتحت بهمزة الاستفهام التي تبين الإختلاف والتباين بين طائفتين من الناس ، وقفت فرقة من كل فريق منهم في ساحة المعركة وسالت الدماء بينهم ، وقد إمتاز المسلمون يومئذ بأمور :
الأول : وجود رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معهم وهو إمامهم في المعركة .
الثاني : نزول القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عشية ويوم بدر , قال تعالى [وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ] ( ).
الثالث : تجلي اتباع المسلمين رضوان الله بخروجهم للقتال دفاعاً عن النبوة والتنزيل .
الرابع : سلامة المؤمنين من أخذ الغلول وإخفاء قطع من الغنائم ولا يعلم موضوعية آية البحث في عفة وزهد وأمانة المسلمين وإصلاحهم لسنن التقوى إلا الله عز وجل.
وتندب آية البحث المسلم لعمل الصالحات في كل ساعة من ساعات حياته لأنها ترغّب باتباع رضوان الله ، وتنهى وتزجر عن الرجوع بسخط الله الذي يترتب على فعل السيئات وإرتكاب المعاصي والتخلف عن أداء الفرائض والعبادات.
ومن الإعجاز في آية البحث أن اتباع رضوان الله سلاح وواقية من فعل السيئات ، وباعث للبهجة في النفس للسلامة والأمن من سخط وغضب الله ، أما الذي يرجع ويبوء بسخط من الله فان شطري الآية يدعوانه للتوبة ونبذ الجحود وترك الإقامة على المعصية.
وعن ابي ذر قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اتقِ الله حيثما كنت ، وأتبعِ السيئة الحسنة تمحُها ، وخالقِ الناس بخلق حسن)( ).
وقد ورد لفظ (اتبعِ) في الحديث أعلاه ، فهل هو من مصاديق [اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ]( ) الذي تذكره آية البحث , الجواب نعم ، من جهات :
الأولى : ترك فعل السيئات من رضوان الله .
الثانية : فعل الحسنة من رضوان الله .
الثالثة : فعل الحسنة بقصد القربة إلى الله وبنية محو السيئة .
الرابعة : إتيان الحسنة طاعة لله ورسوله ، قال تعالى [فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا] ( ).
(عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن الشيطان قد يئس أن تعبد الأصنام بأرض العرب ، ولكن سيرضى منكم بدون ذلك بالمحقرات ، وهي الموبقات يوم القيامة ، فاتقوا المظالم ما استطعتم) ( ).
ومن خصائص آية البحث أنها سلاح لأمور الدنيا وحرز لعالم الآخرة إذ تحث الإنسان ذكراً أو أنثى بأن يعمل باتباع رضوان الله، ليكون يومئذ من الذين [لاَ يَحْزُنُهُمْ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمْ الْمَلاَئِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمْ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ]( ).
مفهوم الآية
لقد شاء الله عز وجل أن تكون الحياة الدنيا مدرسة متنقلة بأهلها يأتي لها جيل من الناس ، فتسخّر لهم خيراتها ، وتدعوهم بآياتها كل يوم لعبادة الله ، ولم يلبثوا أن يغادروها فرادا بالموت أو القتل ، ويأتي غيرهم بالتداخل معهم لتبقى الأرض عامرة بأهلها وتكون هذه العمارة مناسبة للدعاء والمسألة والفوز برضوان الله بأداء الفرائض والعبادات .
وجاءت آية البحث لترّغب الناس بطاعة الله وتبين ان فيها خير الدنيا والآخرة ، قال تعالى [وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا]( ).
لقد إبتدأت آية البحث بأداة استفهام لبيان قانون وهو على الناس التفكر في خلقهم وعلة وجودهم في الحياة الدنيا وما يجب عليهم ولزوم الإستعداد والتهيئ لعالم الآخرة الذي أشارت إليه آية البحث في خاتمتها وذكرها لنار جهنم وخلود الكافر فيها وعلى نحو صريح بقوله تعالى [وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ] ( ).
وتدعو الآية العلماء إلى بيان مصاديق رضوان الله وسبل الفوز بمحبته وعفوه ، وإن لم يبين العلماء هذه المصاديق فأنها جلية للناس جميعاً ، وتدل آية البحث على وجود أمة تتبع مرضاة الله وفيه تأكيد لظهورها للناس وتحذير من التفريط والإصرار على الجهالة.
ومن إعجاز القرآن أن كل آية منه هي من رضوان الله لما فيها من الأحكام والأوامر والنواهي ، ومن مفاهيم آية البحث دعوة المسلمين للتعاون والتآزر في سبل اتباع رضوان الله وهو من مصاديق قوله تعالى [وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى]( ).
وتؤكد الآية في مفهومها على أن رضوان الله قريب من الناس ، وكل فرد يستطيع أن يبلغه ويناله ويدركه .
وإبتدأت الآية بالإستفهام الذي يبين التضاد والتنافي بين الإيمان والكفر ، لجذب الأسماع ودعوة الناس للتوبة والإنابة، فمن خصائص آية البحث في مفهومها ترغيب الناس بالتوبة، وبعث النفرة في النفوس من الإقامة على الكفر والجحود ، لقد نفخ الله عز وجل في آدم من روحه ليبقى الإنسان محباً لله راجياً رحمته ووجلاً خائفاً من سخط الله .
(عن جندب البجلي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : احتج آدم وموسى فقال موسى : يا آدم أنت الذي خلقك الله بيده ، ونفخ فيه من روحه ، وأسجد لك ملائكته ، وأسكنك جنته ، وفعلت ما فعلت فأخرجت ولدك من الجنة؟ فقال آدم : أنت موسى الذي بعثك الله برسالته ، وكلمك ، وآتاك التوراة ، وقربك نجيا؟ أنا أقدم أم الذكر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فحج آدم موسى)( ).
ومن إعجاز الآية أنها ذكرت فعل المؤمن ثم إنتقلت إلى بيان سوء عاقبة الكافر ، لبيان أن خاتمة حياة المؤمن هي الخلود في النعيم وأن الفعل الذي يؤدي إلى سخط الله هو الكفر والجحود , ومن مفاهيم آية البحث وجوه :
الأول : يا أيها الناس اتبعوا رضوان الله .
الثاني : يا أيها الناس لا تلقوا بأنفسكم إلى التهلكة .
الثالث : يا أيها الناس إن رحمة الله تنزل مع اتباع رضوانه .
الرابع : يا أيها الذين آمنوا طوبى لكم لاتباعكم رضوان الله ، فقد جعل الله عز وجل رضوانه سبيلاً إلى جنته والعزوف عن منهاجه خسارة في النشأتين، وهو الذي يتجلى بقوله تعالى[تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ]( ).
الخامس : يا أيها الذين آمنوا اتبعوا رضوان الله بالإنفاق في سبيله سبحانه ، قال تعالى [وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ] ( ).
السادس : يا أيها الناس [فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ] ( ) لبيان سبل رضوان الله، ونزلت آية البحث لتدعو إليه، وتزجر عن التفريط بالتكاليف العبادية .
الآية لطف
لقد تفضل الله عز وجل بخلق السموات والأرض وما فيهما وما بينهما من غير سابق مثال، وكل شيء في الخلق هو نعمة وآية تدعو إلى عبادته سبحانه ، وهو من مصاديق قوله تعالى [بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ] ( ) وليس من حصر لموضوع الإبتداع في الآية أعلاه من جهات :
الأولى : موضوع الإبتداع .
الثانية : الإعجاز في الإبتداع والخلق .
الثالثة : المعاني والمضامين القدسية المستقرأة من الخلق .
الرابعة : بيان القرآن لآيات الخلق من مصاديق الآية أعلاه .
وهل اتباع رضوان الله من مصاديق قوله تعالى [بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ]( ).
أم أن القدر المتيقن منها ذات الخلق وماهية المخلوقات , الجواب هو الأول ، وهو من الإعجاز العام في الآية ، ومن خصائص الآية أعلاه أنها تدعو إلى الوحدانية , وتزجر عن الشرك والضلالة .
وسأل رجل اسمه عباية الإمام علي عليه السلام عن معنى الإستطاعة فقال له : (الاستطاعة تملكها من دون الله أو مع الله؟ فسكت عباية .
فقال له أمير المؤمنين: قل يا عباية، قال: وما أقول؟ قال عليه السلام: إن قلت إنك تملكها مع الله قتلتك وإن قلت: تملكها دون الله قتلتك .
قال عباية: فما أقول يا أمير المؤمنين؟ قال عليه السلام: تقول: إنك تملكها بالله الذي يملكها من دونك، فإن يملكها إياك كان ذلك من عطائه، وإن يسلبكها كان ذلك من بلائه هو المالك لما ملكك، والقادر على ما عليه أقدرك) ( ).
والإستطاعة والطاقة والقدرة صفات يأتي معها الفعل بدل الترك أو يختار الإنسان الترك بدل الفعل , ونفى الجهمية والمجبرة الإستطاعة مع الفعل، ونسب إلى المعتزلة نفي القدرة وأن العبد خالق لفعله .
وأختلف هل تكون الإستطاعة مع الفعل أو قبله ولا يخلو كل منهما من غلو ، وقد قال الله تعالى[وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ]( )، وقال تعالى[وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ]( )، وقد تم تقسيم الإستطاعة إلى قسمين:
الأول : إستطاعة تتعلق بموضوع التكليف والأوامر والنواهي، قال تعالى[لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا]( ).
الثاني : إستطاعة العبد في القول والفعل والإمتثال لأمر الله، قال تعالى[فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ]( ).
وتبين آية البحث أن الله عز وجل أنزل أحكام الشريعة وجاءت السنة النبوية مصدراً ثانياً للتشريع بعد القرآن لتتجلى مصاديق رضوان الله للعباد، ويمتحن الناس بالعمل بها للفوز بالثواب العظيم، ومن يخالف أمر الله فإن آية البحث أخبرته والناس جميعاً عن سوء عاقبته.
ولما احتج الملائكة على جعل الإنسان [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ) لأنه ينشر الفساد والدمار والقتل فيها ، أجابهم الله عز وجل [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) ليكون من مصاديق قوله تعالى [بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ]( ) هو علمه الدائم بما في السموات والأرض قبل أن تخلق وبعد أن تطوى ، ولا تغادر أفراد هذا العلم والواقع علم الله عز وجل فهي حاضرة عنده في كل آن وزمان وخارج أفراد الزمان ,ليكون من مصاديق [بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ]( ) أمور :
الأول : علم الله عز وجل بما في السموات والأرض .
الثاني : نفاذ مشيئة الله عز وجل في السموات والأرض، وفي التنزيل[وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ]( ).
الثالث : تثبيت الله عز وجل لما يحب ومحو لما يكره من الوقائع .
الرابع : نزول الآية القرآنية لإصلاح الناس وعمارة الأرض بالتقوى ، ومنه آية البحث التي هي لطف وفضل من عند الله ، ومصداق لاحتجاجه سبحانه على الملائكة أعلاه [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ).
ومن علم الله عز وجل أن آية البحث تهدي الناس إلى الإيمان، وبلوغ مراتب خلافة الأرض وتمنع من الفساد وما يترتب عليه من سخط الله ، إذ تأخذ آية البحث بأيدي الناس نحو سبل الصلاح ، وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ] ( ) .
وأختتمت آية البحث بالإنذار والوعيد للكافر بقوله تعالى [وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ]( ) وهو من اللطف الإلهي بالناس لما فيه من التحذير والزجر عن إرتكاب المعاصي.
ومن مصاديق لطف الله عز وجل تثبيت أولياءه في مقامات الإيمان وحلمه على الذين يجحدون بربوبيته ومعجزات النبوة والتنزيل وتوالي الإنذار والوعيد لهم ، ومنها آية البحث إذ تجمع بين الوعد والوعيد والبشارة والإنذار بقوله تعالى[وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ]( ).
إفاضات الآية
من خصائص آية البحث أنها تجعل همّ الإنسان إحراز رضوان الله الذي لا يكون إلا بالإيمان وبذل الوسع في طاعته وإتيان العبادات بقصد القربة ، ليكون من معاني الفلاح في قوله تعالى [قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ] ( )تحقق مصداق اتباع رضوان الله عز وجل.
(عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِى الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ أَمَا إِنِّى لَسْتُ أَقُولُ يَعْبُدُونَ شَمْسًا وَلاَ قَمَرًا وَلاَ وَثَنًا وَلَكِنْ أَعْمَالاً لِغَيْرِ اللَّهِ وَشَهْوَةً خَفِيَّةً)( ).
وتبعث آية البحث على فعل الصالحات وإتيان القربات إذ ليس من حصر لصيغ وميل اتباع رضوان الله ، ففي كل ساعة وفي كل فعل هناك رضوان الله عز وجل أو ضدها فلذا ذكرت آية البحث رضوان الله وسخطه مع تأكيد التباين بينهما.
ومن أسرار خلق الإنسان إحتمال عدم الوضوح والتباين في ذات الفاعل ، فيرى الناس الإنسان ويحكمون على ظاهره ، وهم لا يعلمون بما يفعله في الخفاء ، أو بما يضمره في نفسه من الكفر والجحود , وهو من رحمة الله بالناس في الحياة الدنيا وإمهاله لهم.
فجاءت آية البحث مطلقة ، قال تعالى [بَلْ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ *وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ] ( ) أي أن الإنسان شاهد على نفسه ، ويعلم ما فعل ولا ينفعه إعتذاره بالباطل وجداله يوم القيامة عن نفسه ، وجاءت آية البحث لتكون على وجوه:
أولاً : مضامين آية البحث ضابطة وميزان في معرفة منهاج التقوى والصلاح.
ثانياً : آية البحث باعث على الصبر في جنب الله، لأن هذا الصبر من أبهى صيغ رضوان الله.
ثالثاً : إرادة تنقية النفوس، وإصلاح المجتمعات، وتعاون المسلمين في عمل الصالحات، وهذا التعاون من مصاديق رضوان الله لذا جاءت آيات القرآن باعث عليه ومنه قوله تعالى[وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا]( ).
رابعاً : تزجر آية البحث الجوارح عن فعل السيئات.
وهل آية البحث بمفردها داعية إلى الإيمان أم يلزم معها السيف كي تتلى على الناس ويدركوا مضامينها القدسية ، الجواب هو الأول ، ففي آية البحث دعوة متكاملة للإيمان من جهات :
الأولى : الآية من كلام الله عز وجل الذي هو حق وصدق وتضيف منه العلوم إلى يوم القيامة.
الثانية : بيان آية البحث لقانون وهو أن الله عز وجل لم يخلق الناس إلا ليعملوا في مرضاته وطاعته.
الثالثة : طاعة الله خير محض ونفع دائم، قال تعالى[وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا]( ).
الرابعة : تنمية ملكة حب الله في النفوس ، ويتجلى هذا الحب من جهات :
الأولى : الإقرار بأن الله عز وجل يريد اتباع رضوانه .
الثانية : الهم والسعي في الخيرات وبذل الوسع في عمل الصالحات .
الثالثة : الإجتهاد في الإستغفار، واتيان الأفعال التي تكون سبباً لمحو الذنوب ، قال تعالى [إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ] ( ).
الرابعة : التفقه في الدين ، وإتخاذه بلغة في الدنيا والآخرة.
ويمكن تسمية الحياة الدنيا (دار رضوان الله) إذ جعلها الله عز وجل مزرعة لفعل الصالحات ، وجني الحسنات، وقيام الملائكة بتدوين العمل الصالح وثوابه للعبد .
وهل الثواب الذي تكتبه الملائكة للفعل الصالح لقوله تعالى[مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا]( )، هو نفس الثواب الذي يكون للعبد في الآخرة ذات الفعل .
الجواب لا ، إنما يأتي الثواب من عند الله عز وجل أضعافاً لما كتبه ودوّنه الملائكة ، وان كان الذي كتبوه كثيراً في نفعه وأثره ومدته.
وهل يمكن تسمية الدنيا (دار سخط الله) لأن آية البحث ذكرت كلاً من رضوان الله ومن سخطه، الجواب لا، إنما يأتي سخط وغضب الله عرضاً لفعل شطر من الناس السيئات وهو خلاف ما أومروا به، من قبل أن تصل النوبة إلى قانون عدم إجتماع الضدين بأن يقال أن الدنيا لا يصح أن تكون دار رضوان الله لسخطه في آن واحد، إذ أن موضوع ومحل رضوان الله مختلف ومباين لموضوع ومحل سخط الله.
وعن سعيد بن أبي سعيد المقبري قال : بلغنا أن رجلاًً جاء إلى عيسى فقال : يا معلم الخير كيف أكون تقياً لله كما ينبغي له؟ قال : بيسير من الأمر . تحب الله بقلبك كله ، وتعمل بكدحك وقوتك ما استطعت ، وترحم ابن جنسك كما ترحم نفسك.
قال : من ابن جنسي يا معلم الخير؟ قال : ولد آدم كلهم ، وما لا تحب أن يؤتى إليك فلا تأته إلى أحد فأنت تقي لله حقاً( ).

الآية بشارة
الحمد لله الذي جعل الحياة الدنيا دار البشارة ، وصاحبت البشارة الإنسان من ساعة هبوط آدم إلى الأرض ، ولم تنخرم أو يضر بها وجود إبليس غاوياً ، قال تعالى [قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ] ( ).
ومن أولى البشارات في الأرض البشارة ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (وروي عن مجاهد أنه قال : تلك الكلمات هي قوله عز وجل : { قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين }( )، الآية . وقال بعضهم : قال : بحق محمد أن تقبل توبتي.
قال الله له : ومن أين عرفت محمداً؟ قال : رأيت في كل موضع من الجنة مكتوب لا إله إلا الله محمد رسول الله ، فعلمت أنه أكرم خلقك عليك . فتاب الله عليه.
وروى الضحاك عن ابن عباس أنه قال : الكلمات هي قوله سبحانك اللهم وبحمدك ، أشهد أن لا إله إلا أنت ، رب عملت سوءاً وظلمت نفسي فتب عليّ وارحمني ، إنك أنت التواب الرحيم .
سبحانك اللهم وبحمدك ، أشهد ألا إله إلا أنت ، رب عملت سوءاً وظلمت نفسي فاغفر لي وارحمني وأنت خير الغافرين . سبحانك اللهم وبحمدك ، أشهد ألا إله إلا أنت رب عملت سوءاً وظلمت نفسي فاغفر لي وارحمني وأنت خير الراحمين)( ).
(عن مطرف بن الشخير: أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متى كنت نبياً؟ قال : وآدم بين الروح والطين .
وأخرج ابن أبي شيبة عن قتادة قال : كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا قرأ[وَإِذْ أَخَذْنَا مِنْ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ]( )، قال : بدىء بي في الخير . وكنت آخرهم في البعث.
وأخرج ابن جرير عن قتادة { وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح } قال : ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول كنت أول الأنبياء في الخلق ، وآخرهم في البعث)( ).
ولا تختص البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بموضوع ذات البعثة بل هي مسألة توليدية تتفرع عنها أمور كثيرة ، ومنها :
الأول : نزول القرآن بشارة ومصداق لبشارة آدم والأنبياء عليهم السلام ببيعة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : كل سورة من القرآن بشارة .
الثالث : كل آية من القرآن بشارة .
الرابع : كلا تلاوة للمسلم للآية القرآنية بشارة .

الآية إنذار
لقد إبتدأت آية البحث بالسؤال والتساؤل الذي يفيد الإنذار في مفهومه ومنطوقه ، أما بالنسبة للمفهوم فلما في السؤال من الثناء على الذين آمنوا الذي هو إنذار ووعيد للذين كفروا من وجوه:
الأول : تجلي ووضوح سبل الإيمان .
الثاني : تساوي الناس في تلقي الدعوة إلى الإيمان ، وهذا التساوي من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا]( ) لتكون كل آية من القرآن بشارة للذين آمنوا وإنذاراً للذين كفروا.
الثالث : الثناء على الذين آمنوا في آية البحث إنذار للذين كفروا بالذات والأثر وتوبيخ لهم لتخلفهم عن هذا الثناء , ودعوتهم للتوبة والإنابة واللحاق بمن فاز به ، ومن الآيات في خلق الإنسان وقوانين الشرائع السماوية إنعدام الواسطة والبرزخ بين الإنسان وبين اتباع رضوان الله .
وعن أبي الدرداء عن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم عن جبريل عليه السلام عن ربه تبارك وتعالى , قال : قال ربكم عبدي ما عبدتني ورجوتني ولم تشرك بي شيئا غفرت لك على ما كان منك ولو استقبلتني بملأ الأرض خطايا وذنوبا استقبلتك بملئها مغفرة اغفر لك ولا أبالي) ( ).
والإنذار الإعلام المقرون بالتخويف ، والإبلاغ الذي يصاحبه التحذير ، والنسبة بين الإنذار في الإصطلاح القرآني والإنذار بمعناه اللغوي هو العموم والخصوص المطلق ، فالإنذار القرآني أعم من جهات :
الأول : دلالة الإنذار القرآني.
الثاني : موضوع الإنذار القرآني.
الثالث : الغايات الحميدة غير المتناهية من الإنذار القرآني والتي لا تختص بالحياة الدنيا بل تشمل عالم الآخرة , وهو الذي تجلى في آية البحث بقوله تعالى [كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ] ( ) .
الرابع : عدم إنحصار الإنذار القرآني بأيام التنزيل أو بلد مخصوص ، قال تعالى [وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا]( ).
وصحيح أن الآية أعلاه ذكرت مكة وما حولها , ولكنها أعم في دلالتها إذ أن إثبات شئ لشئ لا يدل على نفيه عن غيره وهو الذي يسمى بالقضية الإثباتية .
وإذ ورد الإنذار في الآية أعلاه بخصوص أفراد المكان ، فقد وردت آيات بخصوص أشخاص وصلات كما في قوله تعالى [وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ] ( ) وقال تعالى [وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا]( ) لتكون هذه الآيات في طول الآيات التي أخبرت عن صفة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنه نذير للناس جميعاً.
وفي الثناء على القرآن قال تعالى [هَذَا بَلاَغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ..]( ) لبيان أن كل تلاوة لآيات القرآن هي إنذار للناس.
وهل هي إنذار لذات التالي لها , الجواب نعم ، ومنه آية البحث إذ تدعو المسلم إلى تعاهد اتباع رضوان الله , وتحثه على بعث الناس لحب رضوان الله وأداء التكاليف بشوق ورغبة.
وتدل الآية أعلاه على شمول الناس جميعاً بالإنذار القرآني والنبوي ، ولا يختص هذا الإنذار بشخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , إذ يقوم المؤمنون بالإنذار بآيات القرآن ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ]( ).
وقال تعالى في خطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا]( ) [تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا]( ).

الآية موعظة
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا موعظة ، يعتبر فيها الإنسان من من نفسه ومن غيره ، ومن معاني قوله تعالى [فَاقْصُصْ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ] ( ) اتعاظ الناس من قصص القرآن، وإتخاذها مناسبة للتدبر والتفكر ، وسبيلاً للنجاة .
ومن الإعجاز في قصص القرآن أن كل قصة وخبر فيه يدعو إلى اتباع رضوان الله بالمنطوق والدلالة والمفهوم ، وجاءت السنة النبوية لتكون بياناً لمواعظ القرآن ، وترغيباً بها وانذاراً من الإعراض عنها.
(وعن العرباض بن سارية قال : صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفَجْرَ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ لَهَا الْأَعْيُنُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ قُلْنَا أَوْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا قَالَ أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ يَرَى بَعْدِي اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ( ).
وقد وردت مادة (وعظ) بصيغ عديدة في القرآن وهي :
الأولى : أوعظت كما في قوله تعالى [قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنْ الْوَاعِظِينَ] ( ).
الثانية : أعظك كما في قوله تعالى [قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ] ( ).
الثالثة : أعظكم كما في قوله تعالى [قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ]( ).
الرابعة : تعظون كما في قوله تعالى [وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ]( ).
الخامسة : يعظكم كما في قوله تعالى [وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاَ تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ]( ).
السادسة :يعظه كما في قوله تعالى [وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ]( ).
السابعة : عظهم كما في قوله تعالى [أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا]( ).
الثامنة : فعظوهن كما في قوله تعالى [الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا]( ).
التاسعة : توعظون كما في قوله تعالى [وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ]( ).
العاشرة : يوعظ كما في قوله تعالى [فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا]( ).
الحادية عشرة : يوعظون كما في قوله تعالى [فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا]( ).
الثانية عشرة : الواعظين , ففي جحود قوم هود ورد في التنزيل [قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنْ الْوَاعِظِينَ] ( ) .
ومن إعجاز القرآن أن كل آية منه موعظة للفرد والجماعة والطائفة والأمة، وتحتمل الموعظة في الآية القرآنية وجوهاً:
الأول : إتحاد الموعظة.
الثاني : تعدد الموعظة.
الثالث : تفرع ذات الموعظة القرآنية.
والصحيح هو الثاني والثالث أعلاه مجتمعين ومتفرقين ومن مصاديق قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( )، تلقي المسلمين للمواعظ القرآنية وعلمهم بها، ورحمة الله عز وجل بالمسلمين بنزول القرآن على نحو التدريج والنجوم ليكون إتعاظ المسلمين من الآية القرآنية أتم وأكمل، وتتجلى الموعظة في آية البحث من بيان الآية لوجوب الإيمان وعمل الصالحات، وذكرها لسوء سجية وعاقبة الذين إختاروا الكفر.
أسباب النزول
ذكر أنه لما أمر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالخروج إلى معركة أحد قعد عنه جماعة من المنافقين وأتبعه المؤمنون فأنزل الله تعالى هذه الآية( ).
ولا دليل على حصر سبب نزول الآية بهذه الواقعة ، وقد أخبر القرآن عن خروج المؤمنين مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمعركة أحد بقوله تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ] ( ) ثم أن الآية تبين التضاد بين المؤمنين الذين إتخذوا طاعة الله منهاجاً ، وبين الكفار الذين أصروا على الجحود وإنكار الربوبية، وهل يدل عدم الإستواء في قوله تعالى[قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ]( )، على التضاد أم على التباين الرتبي، الجواب هو الأول.
وإذا تعلق الأمر بواقعة أحد فان الآية تتضمن الثناء على الذين خرجوا مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والذين صبروا منهم في الميدان ، وتهزم كفار قريش الذين جاءوا ثلاثة آلاف رجل مقاتل لقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، فجاءت الآية تخويفاً ووعيداً لهم .
وهل يشمل الوعيد في آية البحث المنافقين ، الجواب نعم ، قال تعالى [إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ] ( ).
ويمكن أن تكون أسباب النزول كثرة الغنائم عند المسلمين وتقيد المسلمين بالإمتناع عن الغلول ، وورد الآية بالثناء عليهم .
من غايات الآية
في الآية مسائل :
الأولى : تفقه المسلمين في المعارف الإلهية .
الثانية : معركة المسلمين والمسلمات جميعاً للتضاد بين الإيمان والكفر .
الثالثة : البلوغ عن اليوم الآخر والجزاء يوم القيامة بحسب العمل ، وأن الذي يخسر ويهوى إلى النار هو الكافر الذي يعمل بالمعاصي والسيئات .
الرابعة : من مصاديق تقدير الغاية من آية البحث وجوه :
الأول : دعوة الناس لإتباع رضوان الله .
الثاني : كونوا ممن يتبع رضوان الله .
الثالث : إجتنبوا المعاصي والذنوب، لأنها سبب لنزول سخط الله.
الرابع : قوموا بالأمر بالمعروف , واتباع رضوان الله ، وأنهوا أنفسكم والناس عن المنكر والفعل القبيح , الذي يؤدي إلى سخط وغضب الله سبحانه.
الخامس : أتلوا آية البحث وهذه التلاوة مصداق لاتباع رضوان الله ودعوة عملية للناس للإقتداء بالمؤمنين .
لقد أراد الله عز وجل للمسلمين أن يستحضروا قانون جلب رضوانه في أي فعل يقومون به ، جزاء عاجلاً , وتنمية لملكة التقوى عندهم ، وليكون هذا الإستحضار مادة وموضوعاً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فلا يأمر أو ينهى المسلم إلا عن معرفة وعلم بصفة وصلاح ما يأمر به , وقبح وحرمة ما ينهى عنه .
الصلة بين أول وآخر الآية
لقد ذكرت الآية السابقة قوانين وهي:
الأول : تنزيه الأنبياء عن أخذ الغلول، وقطع من الغنائم خلسة، لتترشح قواعد وقوانين متعددة من هذا القانون المبارك تتعلق بأمانة وصدق وحسن إمامة الأنبياء , وأنهم معصومون بفضل وآية من عند الله عز وجل.
الثاني : عصمة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الأخذ من الغنائم وأموال الزكوات ونحوها بغير حق ويدل قوله تعالى[إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ]( )، على إمتناع النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الأخذ من الصدقات وقد أكرمه وأهل بيته الله عز وجل بالخمس قال تعالى[وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ…]( ).
الثالث : اقتداء المسلمين بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في إجتناب أخذ الغلول، وفيه إعانة لهم على نحو العموم المجموعي للتوجه إلى الدفاع، والصبر في ساحة المعركة وفي الثغور فلو حصل الغلول بين المسلمين فانهم يكونون على طوائف:
الأولى : الذين أخذوا الغلول .
الثانية : طائفة تسعى لمحاكاة الطائفة الأولى أعلاه .
الثالثة : جماعة تحاول انتزاع الغلول من الطائفة الأولى .
الرابعة : فرقة تدعو إلى الصبر .
الخامسة : طائفة تحزن وتتألم من قيام بعضهم بأخذ الغلول.
السادسة : جماعة من المسلمين تدافع عصبية عن الذين يأخذون الغلول .
السابعة : الذين يذهبون إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم للشكوى وبيان الحال، وإنتظار ما ينزل من الوحي فتفضل الله عز وجل وأنزل الآية السابقة قبل أن يحدث خلاف وفرقة بين المسلمين.
الثامنة : الصابرون المرابطون الذين يتعاهدون طاعة الله ورسوله، وينقطعون إلى الذكر وتعاهد الثغور.
فتفضل الله عز وجل بآية البحث لصيرورة المسلمين جميعاً من الطائفة الأخيرة أعلاه ومنع الفرقة بينهم، وهو من إعجاز القرآن أن تأتي آية واحدة في القرآن لتكون قانوناً يضبط عمل الملايين من المسلمين إلى يوم القيامة كما في قوله تعالى[وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ]( )، ثم تأتي بعدها الآية السابقة لتبين قانوناً أعم وهو وجوب إتباع رضوان الله، ليكون التنزه عن الغل من مصاديق هذا الإتباع .
الرابع : تذكير الآية بيوم القيامة , ومن الإعجاز في الآية قبل السابقة أن أكثر من نصفها يتعلق بوقائع يوم القيامة وعلى نحو العموم والخصوص المطلق في الموضوع بل كل الآية تتعلق بيوم القيامة:
أولاً : الإخبار عن حسن سمت الأنبياء تذكير بيوم القيامة لأنهم بعثوا للتحذير والإنذار من أهوالها.
ثانياً : مجئ الذي يسرق من الغنائم خلسة يوم القيامة حاملاً ما سرقه على ظهره في يوم كألف سنة، قال تعالى[سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنْ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ * تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ * فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلاً * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا * يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ * وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا]( ).
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلاّ حُمي عليه في نار جهنم، فجعل صفائح فيكوي بها جبينه وجنباه حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين الف سنة، ثم يرسله أمّا إلى الجنة وأمّا إلى النار( ).
ثالثاً : دلالة قوله تعالى[وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ] ( ) على الثناء على المسلمين والمسلمات الذين امتنعوا ويمتنعون عن الغلول والأخذ من الغنائم، ويجتنبون السرقة مطلقاً، والبشارة لهم بالسلامة من وطأة ثقل الغلول يومئذ .
وهل من أذى للغلول في عالم البرزخ الجواب نعم، إذ يعرض الميت عند دخوله القبر إلى الحساب الإبتدائي من الملكين منكر ونكير ليعلم بقبح أخذ الغلول وضرره في الآخرة، ليكون هذا المفهوم من مقدمات مضامين [هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ].
رابعاً : بيان قانون استيفاء كل إنسان حسابه بحسب عمله لا يستثنى أحد من البشر فيه، وفيه دعوة للناس جميعاً للتوبة والإنابة وإصلاح النفس والفعل خاصة وأن الآية ذكرت النفوس بقوله تعالى[ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ]( )، لبيان موضوعية النوايا في الأفعال في الدنيا عند الحساب يوم القيامة.
خامساً : إتصاف يوم القيامة بالعدل وخلوه من الظلم قليله وكثيره .
لقد تضمنت آية البحث ذم الذين كفروا من جهات :
الأولى : مفهوم الثناء من الله عز وجل على المسلمين الذين يتبعون رضوانه.
الثانية : إمتناع الذين كفروا عن أداء الفرائض وعمل الصالحات.
الثالثة : محاربة الذين كفروا للنبوة والتنزيل.
الرابعة : رجوع الذين كفروا بغضب وعدم رضا من الله عز وجل، (والسُّخْطُ والسَّخَطُ مثل: السُّقْم والسَّقَم، والعُدْم والعَدَم)( ).
وفي ترتيب أحوال الغضب وتفصيلها عن أئمة اللغة : (أول مراتبها السخط، وهو خلاف الرضا ثم الاخر نطام، وهو الغضب مع تكبر ورفع رأس ثم البرطمة، وهي غضب مع عبوس وانتفاخ، عن الليث ثم الغيظ وهو غضب كامن للعاجز عن التشفي، ومنه قوله تعالى[وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمْ الأَنَامِلَ مِنْ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ]( ).
ثم الحرد بفتح الراء وتسكينها، وهو أن يغتاظ الإنسان فيتحرش بالذي غاظه ويهم به , ثم الحنق وهو شدة الاعتياظ مع الحقد ثم الاختلاط وهو أشد الغضب , قال ابن السكيت : اهمأك الرجل وارمأك واصمأك , إذا امتلأ غيظاً( ).
ويمكن القول أن النسبة بين الغضب والسخط هي العموم والخصوص المطلق، فكل غضب هو سخط وليس العكس ويأتي لفظ باء أي رجع بخصوص أحوال الإنسان في عالم الدنيا، وفي نبي الله هود عليه السلام وقومه ورد في التنزيل [قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنْ الْمُنتَظِرِينَ]( ) .
ثم عطفت الآية سوء العاقبة على السخط من الله بقوله تعالى[وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ] لبيان الجزاء للكافر بالضد من الجزاء الحسن للمؤمن، وأن العذاب الشديد ينتظره، بينما يتنعم المؤمن في الجنان.
وأختتمت آية البحث بتأكيد الذم للذي كفر لسوء عاقبته بما يستحقه من العقاب على إصرار وعلى الكفر والجحود.
التفسير
قوله تعالى[أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ]
تبين الآية نوع مفاعلة إذ تدل على بيان أطراف وهي :
الأول : رضوان الله عز وجل .
الثاني : الاتباع والإقتفاء ، ويقال أتبع الشيء أي سار وراءه وتطلّبه .
(تَبَعُ الرجل: الذين يتبعونه. وتبع المرأة: الذي لا يفارقها، يتبعها حيث كانت مثل الطِّلْب؛ رجل أتبع وامرأة تَبْعاء. وتَبِعْتُ الرجلَ واتَّبعته، وبينهما فرق في اللغة، هكذا يقول أبو عبيدة: تبِعت الرجلَ، إذا مَشَيْت معه، واتَبعته، إذا مَشَيْت خلفَه لتلحقَه) ( ).
وفي حديث ليلة هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن المشركين لما علموا بأن الذي بات في فراشه هو علي بن أبي طالب عليه السلام .
وأن النبي قد غادر مكة مهاجراً غضبوا وأظهروا شدة السخط وأعلنوا عن جعل وجائزة لمن يقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو يأسره مائة ناقة ، وأشاعوا أمر هذا الجعل في مكة للترغيب باللحاق بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وقال سراقة بن جعشم: جاء رجل من قومي بين مدلج حتى قام علينا ونحن جلوس ، فقال : يا سراقة أني رأيت ألفاً أسودة بالساحل أراها محمد وصاحبه ، فعرف سراقة أنهم هم ، ولكنه أعتمد التورية على قومه كيلا يدركه غيره وينال الجعل مائة ناقة .
وقال له (ليسوا بهم ولكنك رأيت فلانا وفلانا انطلقوا بأعيننا)( ).
وبقي سراقة في المجلس ساعة ، ثم غادر إلى بيته وأمر الجارية أن تخرج بفرسه من وراء أكمة فتهيئها له ليركبها ، ثم أخذ رمحه وخرج من ظهر البيت فركبها وسار بها مسرعاً حتى دنا من النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعثرت فرسه وخرّ منها ، فأدرك في الزجر أنه يفعل أمراً منكراً ، وأنه يعرض نفسه للمهالك فأهوى إلى كنانته وأخرج الأزلام التي يستخيرون بها أفعل أو لا أفعل ، فاستقسم بها أيضربهم بالسهم والنبال ، فخرج له لا تفعل ، فترك خيرة الأزلام ، وعاد فركب فرسه وتقرب منهم حتى سمع قراءة النبي صلى الله عليه وآله وسلم للقرآن وهو لا يلتفت إلى الطلب من خلفه.
وساخت يدا فرس سراقة في الأرض حتى بلغت الركبتين وصار معها عاجزاً عن الحركة فنزل عنها ثم زجرها فنهضت ، وإذا نوع دخان بين يديها صاعد إلى السماء ، فلجأ سراقة إلى الأزلام وخرج له النهي وما يكره عندئذ ناداهم وسأل الأمان ، فوقفوا فركب فرسه فسارت به ولم تقف أو تسيخ يداها في الأرض لأنه لم ينو الشر وهو من عمومات قوله تعالى [لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى] ( ) فأدرك سراقة معجزة حسية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأمارة على صدق ما يشاع عن نبوته في مكة .
(عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله يقول لأهل الجنة : يا أهل الجنة .
فيقولون : لبيك يا ربنا وسعديك والخير في يديك .
فيقول : هل رضيتم؟ .
فيقولون : ربنا ، وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعطه أحداً من خلقك؟ فيقول : ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ قالوا : يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟! قال : أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً) ( ).
وتيقن أن أمر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سيظهر وأن أيام حكمه قريبة لا تستطيع قريش حجبه أو منعه ، فاقترب سراقة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأخبره بأن قريشاً جعلوا جعلاً ودية لمن يقتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو يؤسره ، ويأت به إلى قريش .
ثم عرض سراقة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصاحبه الزاد والمتاع , ولم يقوموا بتوبيخ سراقة ولم يسألوا مزيداً من التفاصيل وحال الناس بعدهم ، وكيف علموا بخروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مكة ، وشأن الإمام علي عليه السلام الذي بقي في فراش النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع العلم بأن قريشاً ينوون الإجهاز عليه بتلك الليلة ، إنما سألاه أن يفارقهما ، ولا يكون علامة دالة عليهما .
فسأل سراقة النبي صلى الله عليه وآله وسلم حينئذ أن يكتب له كتاب أمان فأمر عامر بن فهيرة ، فكتب له رقعة من آدم ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتلك معجزة حسية .
ويمكن تخصيص باب خاص اسمه (معجزات طريق الهجرة ) مع شدة الطلب على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإرادة الملأ من قريش قتله فانه يكتب رقع الأمان للناس .
وعامر بن فهيرة هذا مولى أبي بكر وكان يخدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في طريق الهجرة ، وهو من موالي الأزد (مولى أبي بكر الصديق أبو عمرو كان مولداً من مولدي الأزد أسود اللون مملوكاً للطفيل بن عبد الله بن سخبرة فأسلم وهو مملوك فاشتراه أبو بكر من الطفيل فأعتقه وأسلم قبل أن يدخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دار الأرقم وقبل أن يدعو فيها إلى الإسلام , وكان حسن الإسلام وكان يرعى الغنم في ثور ثم يروح بها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر في الغار ذكر ذلك كله موسى بن عقبة وابن إسحاق عن ابن شهاب) ( ).
وقتل عامر بن فهيرة يوم بئر معونة قتله جبار بن سلمى الكلابي ثم أسلم بعدها ، وقيل قتله عامر بن الطفيل ، وكان عمره يوم قتله أربعين سنة وبعد أن شهد بدراً وأحداً ، وحينما رجع سراقة إلى مكة من غير أن ينال من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبّخه أبو جهل ، وكان سراقة شاعراً فرد عليه بأبيات تتضمن ما شاهد من المعجزات )
أَبَا حَكَمٍ وَاَللّهِ لَوْ كُنْت شَاهِدًا … لِأَمْرِ جَوَادِي إذْ تَسُوخُ قَوَائِمُهْ
عَلِمْت وَلَمْ تَشْكُكْ بِأَنّ مُحَمّدًا . رَسُولٌ بِبُرْهَانِ فَمَنْ ذَا يُقَاوِمُهْ
عَلَيْك بِكَفّ الْقَوْمِ عَنْهُ فَإِنّنِي … أَرَى أَمْرَهُ يَوْمًا سَتَبْدُو مَعَالِمُهْ
بِأَمْرِ يَوَدّ النّاسُ فِيهِ بِأَسْرِهِمْ بِأَنّ جَمِيعَ النّاسِ طَرّا يُسَالِمُهْ ( )
ويمكن تأسيس قانون يتعلق بمصاديق آية البحث من جهة المواضيع , ليتبين في كل موضوع صيغة اتباع رضوان الله , وسنخية الذين يجتهدون في اتباعهم وضلالة الذين يعصون الله عز وجل ويصرون على عدم اتباع رضوانه ، فيحل بساحتهم سخط من الله ، وتكون خاتمة أمرهم إلى الخلود في الجحيم .
لقد جعلت الشريعة الإسلامية رضوان الله ضابطة كلية تحكم أفعال بني آدم، ومن مصاديق قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( )، مناجاة المسلمين فيما بينهم بلزوم اتباع رضوان الله وطاعته في القول والعمل ، وإتخاذها بلغة وغاية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعن علقمة بن وقاص .
قال: مَرَّ بِهِ رَجُلٌ لَهُ شَرَفٌ فَقَالَ لَهُ عَلْقَمَةُ إِنَّ لَكَ رَحِمًا وَإِنَّ لَكَ حَقًّا وَإِنِّى رَأَيْتُكَ تَدْخُلُ عَلَى هَؤُلاَءِ الأُمَرَاءِ وَتَتَكَلَّمُ عِنْدَهُمْ بِمَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَتَكَلَّمَ بِهِ وَإِنِّى سَمِعْتُ بِلاَلَ بْنَ الْحَارِثِ الْمُزَنِىَّ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ فَيَكْتُبُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ فَيَكْتُبُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ بِهَا سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ. قَالَ عَلْقَمَةُ فَانْظُرْ وَيْحَكَ مَاذَا تَقُولُ وَمَاذَا تَكَلَّمُ بِهِ فَرُبَّ كَلاَمٍ قَدْ مَنَعَنِي أَنْ أَتَكَلَّمَ بِهِ مَا سَمِعْتُ مِنْ بِلاَلِ بْنِ الْحَارِثِ ( ).
ويوم أمس الإثنين 16/1/2017 وخلال بحثنا الخارج اليومي في الفقه والتفسير على عشرات من فضلاء الحوزة العلمية حضر زائراً كريماً أ.د. السيد حسن الحكيم رئيس جامعة الكوفة السابق، وهو من أساطين علماء التأريخ , ومعه بعض القضاة ممن لم يفارق أروقة الحوزة من أيام صباه .
وبعد البحث عقّب أ.د. الحكيم وقال بإحتمال إرادة العرب من قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ] ( ) لأنهم تلقوا دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالقبول وجاهدوا لتثبيتها وفتحوا مكة والأمصار ودعوا الناس إلى الإسلام , خاصة وأن الآية جاءت بصيغة الماضي ( كنتم ) .
فقلت له إن خاتمة ذات آية [كُنْتُمْ خَيْرَ] ( ) تدل على إرادة عموم المسلمين والمسلمات لأنها تذكر الذين لم يلتحقوا بخير أمة بما يتبين معه المراد من الأمة وهم المؤمنون , كقرينة ونوع تضاد ووفق السبر والتقسيم , فتمام الآية هو [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمْ الْفَاسِقُونَ] ( ) فاستحسنوا الرد .
ومن الآيات أن القرآن والسنة والمسلمين جميعاً يحفظون لأهل البيت والصحابة الأوائل من العرب جهدهم وجهادهم في نشر الإسلام ، وجاءت آية البحث لتدعو إلى هذا الأمر ببيان درجات الرفعة التي ينالها المؤمنون ، قال تعالى [وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ] ( ).
وعن (جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقولون : لما أنزلت هذه الآية { والسابقون الأولون } إلى قوله { ورضوا عنه } قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا لأمتي كلهم , وليس بعد الرضا سخط) ( ).
وتتضمن آية البحث في مفهومها الثناء على المسلمين لاتباعهم رضوان الله بالإيمان بالله ورسوله وبالعمل الصالح , وتقدير آية البحث على وجوه :
الأول : يا أيها الذين آمنوا لقد اتبعتم رضوان الله فلستم كالذين باءوا بسخط من الله .
الثاني : يا أيها الذين آمنوا تعاهدوا اتباع رضوان الله .
الثالث : يا أيها الذين آمنوا جاهدوا الذين باءوا بسخط من الله، فان نزول غضب الله بساحتهم سبب لضعفهم وهوانهم ، قال تعالى [وَلاَ تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنْ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ] ( ).
ولم يرد لفظ [تَأْلَمُونَ]في القرآن إلا في الآية أعلاه ، وورد فيها مكرراً مرتين كما جاء فيها لفظ [يَأْلَمُونَ] ولم يرد في موضع آخر من القرآن ، ليكون بين المسلمين والذين كفروا في المقام تشابه في التألم وتلقي الخسارة بالقتل والجراحات ، ولكن الإختلاف في حال ورجاء المؤمنين من جهات :
الأولى : قتلى المسلمين في الجنة ولا ينتظر الذين كفروا إلا سوء العاقبة وهو الذي تدل عليه آية البحث ، وفي معركة أحد وبعد أن تفرق عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أكثر أصحابه ولم يبق معه إلا نفر من أهل البيت والمهاجرين والأنصار.
أطل أبو سفيان ونادى : أعلى هبل ) وكأن قتال المشركين هذا والدماء التي أهرقت والأموال التي بذلت ، والتجارات والمكاسب التي عطلت من أجل الأصنام.
إذ كانت قريش تعد لهذه المعركة لنحو سنة كاملة بعد واقعة بدر حتى أنهم منعوا البكاء في مكة على قتلى بدر كيلا تثبط العزائم.
ومع حال الشدة والضراء التي كان عليها المسلمون فان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم يترك كلام أبي سفيان من دون رد واحتجاج.
(فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم.
ثم قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، يوم لنا ويوم علينا، ويوم نساء ويوم نسر، حنظلة بحنظلة، وفلان بفلان.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا سواء، أما قتلانا فأحياء يرزقون وقتلاكم في النار يعذبون.) ( ) ليكون هذا المعنى من مصاديق قوله تعالى [وَتَرْجُونَ مِنْ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ] ( ).
الثانية : رجاء المسلمين النصر والظفر بفضل من عند الله ، لذا إجتهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في معركة بدر بالدعاء والتضرع إلى ربه بأن هزيمة المسلمين يومئذ إن حصلت فهي سبب لطغيان الكفر وإشاعة مفاهيم الضلالة ، وصيرورة المؤمنين عاجزين عن دعوة الناس للإيمان.
وتجلى هذا المعنى (عن ابن مسعود قال ما سمعت مناشدا ينشد حقا له أشد من مناشدة محمد صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر وجعل يقول اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك اللهم ان تهلك هذه العصابة لا تعبد ثم التفت كأن شق وجهه القمر فقال كأنما أنظر إلى مصارع القوم عشية .
وأخرج البخاري عن ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في قبته يوم بدر : اللهم اني انشدك عهدك ووعدك اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدا , فأخذ ابو بكر بيده فقال حسبك يا رسول الله فقد ألححت على ربك , فخرج وهو يثب في الدرع ويقول سيهزم الجمع ويولون الدبر)( ).
عن ابن عباس وغيره (لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبى سفيان مقبلا من الشام ندب المسلمين إليهم وقال: ” هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها “.
فانتدب الناس فخفّ بعضهم وثقل بعض، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يلقى حربا، وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتجسس من لقى من الركبان تخوفا على أمر الناس، حتى أصاب خبرا من بعض الركبان: أن محمدا قد استنفر أصحابه لك ولعيرك.
فحذر عند ذلك، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري، فبعثه إلى مكة وأمره أن يأتي قريشاً فيستنفرهم إلى أموالهم ويخبرهم أن محمداً قد عرض لها في أصحابه، فخرج ضمضم بن عمرو سريعاً إلى مكة) ( ).
الثالثة : رجاء المسلمين هداية الناس إلى الإيمان، وتهذيب النفوس وصلاح المجتمعات ، وحينما احتج الملائكة على جعل الإنسان [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ) لأنه يفسد ويفسق ويسفك الدماء تفضل الله عز وجل واحتج عليهم بقوله[إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ) .
ومن علم الله تعالى رجاء المسلمين تغشي الإيمان الأرض، وهداية الناس لسبل التقوى , ونبذ الكفر والضلالة.
وما احتج به الملائكة بقولهم[أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ]( ) فهو فرع الكفر والضلالة إذ رأى الملائكة عالم الأفعال، أما الإعتقاد والتباين بين الناس كما تدل عليه آية البحث التي تقسم الناس إلى قسمين :
الأول : المؤمنون .
الثاني : الكافرون .
فان الملائكة لم يشيروا إليه مع أن الكفر هو الأشد قبحاً من الفساد لأنه الأصل، قال تعالى [إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ]( ) ولعل الملائكة لم تطلع على قلوب بني آدم ولم تعلم بعد ما في داخلها ، وأن هذا العلم إختص الله به لنفسه، وهل هذا الإختصاص محصور ببدايات خلق آدم أم أنه متصل ودائم ، الجواب هو الثاني، قال تعالى[يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ]( ).
ولم تكن الملائكة تتوقع أن شطراً من الذين جعلهم الله خلفاء في الأرض اختاروا الكفر والجحود بالله، وتحسب الملائكة أن كل المخلوقات تدين له وتستجيب له طائعة، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ]( ) وهل عدم إقامة الصلاة والإمتناع عن إخراج اتيان الزكاة، وإفطار شهر رمضان من الفساد الذين ذكرته الملائكة .
الجواب نعم، بلحاظ أن كل فرد منها معصية وترك لضرورة من ضرورات الدين.
الثالث : صلة هذه الآية بقوله تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِ وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ]( ) وفيه مسائل:
الأولى : تقدير الجمع بين الآيتين يا أيها الذين آمنوا أفمن اتبع رضوان الله ) ،من خصائص القرآن أنه خطاب للمسلمين والناس جميعاً ، أما كونه خطاباً للمسلمين فيتجلى بنداء الإيمان الذي ابتدأت به آية السياق ، وأما للناس جميعاً فبلحاظ عموم وعالمية رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولقوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ]( ) ويتجلى التمايز والفصل بتعيين ماهية وسنخية الفعل.
وفي قوله تعالى[وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ]( ) ورد في مرسلة الحسن البصري قال (قال : قال رسول الله صلّى الله عليه : إنّما هما نجدان نجد الخير ونجد الشرّ، فما يجعل نجد الشرّ أحبّ إليكم من نجد الخير) ( ).
ترى ما هي النسبة بين المقصودين بنداء الإيمان في آية السياق وبين الذين يتبعون رضوان الله، الجواب انه العموم والخصوص المطلق فالذين آمنوا أعم إذ يشمل الذين آمنوا بقلوبهم، والذين آمنوا بالسنتهم دون قلوبهم، وفي التنزيل[قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ]( ).
ويتقوم اتباع رضوان الله بصدق النية، وقصد القربة إلى الله، وأداء الفرائض والإمتناع عن المعصية بلحاظ كبرى كلية وهي أن هذا الإمتناع أمر وجودي , ويأتي بقصد طاعة الله، وبيان مصداق لحبه سبحانه.
ومن معاني ومنافع الإيمان في المقام أنه يبعث على العمل الصالح ويندب المسلمين لاتباع رضوان الله، لذا تفضل الله عز وجل وانزله تسعاً وثمانين مرة في القرآن مع عطف آيات متعددة على آية النداء، أي الآية التي يأتي فيها النداء [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا]( ).
وكل من أفراد هذا النداء ترغيب للمسلمين بسنن التقوى، وجادة الهدى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لقد بعث الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ليسعى الناس إلى مقامات النعيم في الآخرة، لذا ترى كل مسلم ومسلمة يتلو سبع عشرة مرة في اليوم وعلى نحو الوجوب العيني قوله تعالى[اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]( )، ليكون الصراط المستقيم في المقام على وجوه:
الأول : استحقاق العبد لنداء الإيمان من الصراط المستقيم، وان يكون المسلم مقصوداً بالنداء فهو نعمة عظمى، وهل في ذات تلقي نداء الإيمان ثواب، الجواب نعم، لما فيه من الشهادة والإكرام من عند الله عز وجل , وفي التنزيل[وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ]( ).
الثاني : تلقي المسلم لنداء الإيمان بالقبول والرضا.
الثالث : إستجابة المسلم للأوامر والنواهي التي تصاحب نداء الإيمان .
الرابع : الدعاء وسؤال الصراط المستقيم من مصاديق اتباع رضوان الله الذي تذكره آية البحث .
الخامس : لا يؤدي قول المسلم [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( ) إلا لاتباع رضوان الله ، لذا فمن فضل الله عز وجل على المسلمين والمسلمات أن يهديهم إلى سبل اتباع الصراط المستقيم , ويصلحهم لأمور الدين والدنيا .
السادس : تلاوة المسلم المتكررة لقوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( ) برزخ دون التشبه بالذين كفروا في القول أو العمل .
فحينما وردت آية السياق بنهي المسلمين عن الإقتداء بالذين كفروا تفضل الله عز وجل واعانهم بمدد يومي متجدد للسلامة والوقاية من هذا الإقتداء .
ويتجلى هذا المدد بتلاوة [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( ) والإستجابة له بفضل من عند الله خاصة مع الإلحاح بالدعاء من قبل المسلمين والمسلمات فلا يحصي عدد تلاوة المسلمين باليوم الواحد لقوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( ) إلا الله سبحانه ، فان قلت العدد وأن كان كثيراً يمكن إحصاؤه .
فاذا كان عدد المسلمين والمسلمات البالغين الذين تجب عليهم الصلاة اليومية ملياراً فانه يضرب × 17 مرة فتكون النتيجة سبعة عشر ملياراً ، والجواب العدد أكبر من هذا بكثير إذ يشمل تلاوة سورة الفاتحة , وهذه الآية من وجوه منها:
الأول : تلاوة المسلم والمسلمة لآية [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( ) في الصلاة اليومية الواجبة ، قال تعالى [وَأَقِمْ الصَّلاَةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ] ( ).
الثاني : صلاة النافلة التي يؤديها المسلم والمسلمة وهي على أقسام :
أولاً : النافلة اليومية الراتبة وهي أكثر من ركعات الفريضة اليومية .
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (الصلاة خير موضوع ، فمن استطاع أن يستكثر فليستكثر) ( ).
ثانياً : الصلاة التي تأتي بالعرض كصلاة الكسوف والخسوف وصلاة الإستسقاء والعيدين.
ثالثاً : صلاة النوافل غير الراتبة ، وتسمى أيضاً صلاة التطوع ، وصلاة تحية المسجد ، وصلاة التوبة وغيرها.
وعن عقبة بن عامر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى ركعتين يقبل عليهما بقلبه ووجهه وجبت له الجنة ( ).
وعن واثلة بن الأسقع قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : قال الله عز وجل : أنا عند ظن عبدي بي ، إن ظن خيرا فخير ، وإن ظن شرا فشر( ).
ومعناه بصيغة الجمع أنا عند ظن عبادي بي) فاذا كان المسلمون والمسلمات يلهجون كل يوم بذكره تعالى ويقولون [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( ) فانه من مصاديق حسن ظن المسلمين بالله عز وجل وثقتهم بفضله سبحانه .
ويمكن تأسيس قوانين في المقام من جهات :
الأولى : قانون متى ما كثر عدد الظانين بالله نزول نعمته وفضله كانت النعم قريبة منهم .
الثانية : قانون إرادة إجتهاد المؤمنين في ذات الظن فان الله عز وجل تعالى يعجل لهم بالنعم والفضل .
الثالثة : قانون لو أصاب المؤمن اليأس فان الله عز وجل يتفضل عليه بما يدفع عنه اليأس والقنوط ، قال تعالى [لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ] ( ).
الثالث : قراءة المسلمين لآية[اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]( )، في الدروس والمذاكرة.
الرابع : تلاوة المسلمين لسورة الفاتحة في المجالس والمنتديات وإهداؤهم قراءتها للموتى على نحو يومي متكرر في مشارق ومغارب الأرض.
الخامس : التقرب إلى الله والدعاء بقوله تعالى[اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]( ).
السادس : قيام جماعات من المسلمين باوراد يومية لختم القرآن.
المسألة الثانية : تقدير الجمع بين الآيتين : يا أيها الذين آمنوا بوجود أمة تتبع رضوان الله ).
من الإعجاز في إكرام الله عز وجل للمسلمين بنداء الإيمان تعدد مصاديق إيمان المسلمين بلحاظ آية واحدة ، هي السابعة والسبعون بعد المائة من سورة البقرة , والتي تبدأ بقوله تعالى[لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ]( ).
ويكون تقدير نداء الإيمان فيها على وجوه :
الأول : أيها الذين آمنوا بالله إلهاً ورباً ومالكاً وملكاً )
ليبدأ جهاد المسلمين للنجاة من عذاب النار ، إذ قال تعالى [وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ]( ).
الثاني : يا أيها الذين آمنوا باليوم الآخر .
الثالث : يا أيها الذين آمنوا بالملائكة .
الرابع : يا أيها الذين آمنوا بالكتاب .
الخامس : يا أيها الذين آمنوا بالنبيين .
السادس : يا أيها الذين آمنوا باتيان المال على حب الله .
السابع : يا أيها الذين آمنوا باعانة ذوي القربى بقصد القربة إلى الله سبحانه .
الثامن : يا أيها الذين آمنوا بالإحسان لليتامى في سبيل الله ، وشكى رجل (إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قسوة قلبه، فقال : إن أردت أن يلين قلبك فاطعم المسكين، وامسح رأس اليتيم وأطعمه) ( ).
التاسع : يا أيها الذين آمنوا باعانة ابن السبيل .
العاشر : يا أيها الذين آمنوا بالتصدق على السائل وإن تعدد، (عن الحسين بن علي عليهما السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : للسائل حق وإن جاء على فرس) ( ).
الحادي عشر : يا أيها الذين آمنوا بالإنفاق في الرقاب وعتق العبيد (قال ابن عباس في[وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ]( )، أمر الله المؤمنين أن يعينوا في الرقاب , قال علي بن أبي طالب عليه السلام: أمر الله السيد أن يدع للمكاتب الربع من ثمنه ، وهذا تعليم من الله ليس بفريضة ولكن فيه أجر) ( ).
الثاني عشر : يا أيها الذين آمنوا بأقامة الصلاة ) ومن نعم الله عز وجل فرض الصلاة وفيه علة وسبب لإستدامة الحياة الدنيا وإخراج الأرض لكنوزها ، وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا] ( )، أي واجباً مفروضاً ويسمى في علم الأصول الواجب المطلق أي غير مشروط بقيد مخصوص .
الثالث عشر : يا أيها الذين آمنوا باتيان الزكاة وأنها حق وواجب.
الرابع عشر : يا أيها الذين آمنوا بلزوم ايفاء العهد طاعة لله سبحانه وتسليماً بأن من خصائص الإيمان الوفاء بالعهد مع الناس عامة.
الخامس عشر : يا أيها الذين آمنوا بوجوب الصبر والإقرار بالملازمة بين الإيمان والصبر ، وعن الإمام علي عليه السلام قال (الصبر من الإِيمان بمنزلة الرأس من الجسد ، إذا قطع الرأس نتن باقي الجسد ، ولا إيمان لمن لا صبر له) ( ).
السادس عشر : يا أيها الذين آمنوا بالصبر عند البأس والشدة وعند لقاء الذين كفروا ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ).
وهل الثبات عند اللقاء من مصاديق نصر المؤمنين لله أم أنه من نصر الله للمسلمين بقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ]( ) .
الجواب إنه منهما معاً بفضل من الله عز وجل ينفي الدور والتعارض ، لذا فان نداء الإيمان رحمة بذاته ، وهو سبيل ومقدمة للرحمة من عند الله على المؤمنين .
واختلف في معنى البأساء على أقوال متعددة ، والضابطة الكلية هي الفاقة والعسر وحال الشدة المتصلة في أيام أو أشهر بانتظار فضل الله عز وجل .
وقال ابن مسعود : البأساء الفقر ، والضراء السقم) ( ).
السابع عشر : يا أيها الذين آمنوا بلزوم الصبر في الضراء .
الثامن عشر : يا أيها الذين آمنوا بأن الصبر في البأساء والضراء في سبيل الله طريق إلى اللبث الدائم في النعيم ، قال تعالى [أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ] ( ).
التاسع عشر : يا أيها الذين آمنوا بالصبر حين اليأس، وفي مواطن القتال ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] ( ).
ومن إعجاز آية الصبر أعلاه من سورة البقرة الترتيب في الصبر وأنه يبدأ بالصبر في حال الفقر والشدة ثم الصبر عند اللقاء مع العدو ، لبيان قانون وهو دفع الحرب وأسباب المعارك بأي حال ، وعدم اللجوء إلى تحكيم السيف إلا عند الضرورة فمن معاني الآية أنها على وجوه ترتيبية وهي :
الأول : إذا مسكم البأس والفقر فأصبروا .
الثاني : وإذا حلت بكم الضراء والشدة فاصبروا وامسكوا عن البطش والإنتقام .
الثالث : وإذا تعدى العدو، ولم يكفه ما بكم من الشدة والضراء فحينئذ لابد من الصبر له في ميدان القتال ، وهذا الترتيب من الإعجاز في الترتيب الوارد في الآية أعلاه [إِذَا لَقِيتُمْ] بينما ذكرت الآية من سورة البقرة الصبر في البأس والضراء من غير تقييد بجملة شرطية ، ويكون التقدير على وجوه :
الأول : اصبروا في حال البأساء.
الثاني : اصبروا إذا مستكم البأساء.
الثالث : اصبروا في حال الضراء والشدة .
الرابع : اصبروا إذا مستكم الضراء والعوز .
الخامس : اصبروا إذا لقيتم الذين كفروا ، ليأتي اللقاء دفاعاً عن النبوة والتنزيل لذا ورد عن عبد الله بن أبي أوفى أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال (لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا ان الجنة تحت ظلال السيوف) ( ).
وقد نعت الله عز وجل يوم معركة بدر بيوم الفرقان ، وقال سبحانه [وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابن السَّبِيلِ إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ] ( )،
ويمكن تقدير مضامين آية البحث بلحاظ كل آية من القرآن فتأخذ مثلاً سورة الفاتحة ، وتبدأ بالبسملة ، وتقدير الآية معها على وجوه :
الأول : افمن اتبع رضوان الله بتلاوة البسملة كمن باء بسخط من الله بتركها وهجرانها .
الثاني : أفمن اتبع رضوان الله عز وجل بالبسملة في إبتداء كل فعل.
وعن أبي بريدة عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أخبرك بآية لم تنزل على أحد بعد سليمان بن داود غيري، فقلت : بلى. قال : بأي شيء تفتتح إذا افتتحت القرآن، قلت : {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} فقال : هي هي، وفي هذا الحديث دلّ دليل على كون التسمية آية تامّة من الفاتحة وفواتح السور؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حين لفظ الآية كلها، والتي في سورة النمل ليست بآية وإنما هي بعض الآية ( ).
الثالث : افمن اتبع رضوان الله وإتخذ من البسملة واقية من الآفات.
ويكون تقدير الحمد لله رب العالمين بلحاظ آية البحث على وجوه :
الأول : أفمن اتبع رضوان الله بقول الحمد لله، وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو أن الدنيا كلها بحذافيرها في يد رجل من أمتي ، ثم قال { الحمد لله } لكان الحمد أفضل من ذلك ( ).
الثاني : أفمن اتبع رضوان الله بالإقرار بالربوبية المطلقة لله عز وجل بالقول ربّ العالمين .
الثالث : أفمن اتبع رضوان الله بالجمع بين الحمد له سبحانه وبين التسليم بربوبيته المطلقة .
الرابع : أفمن اتبع رضوان الله بالثناء على الله على نعمه المتتالية.
ولقد ورد اتباع رضوان الله كنتيجة ومنهاج اتخذه المسلمون بعد أن خوّفهم الناس بالذين كفروا وما أعدوه وعزموا عليه من الإجهاز على المسلمين ، قال تعالى [الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ] ( ).
ليكون هذا الاتباع من مصاديق شكر المسلمين لله عز وجل بعد واقعة أحد وعدم خشيتهم من الذين كفروا مع شدة الجراحات وكثرة الشهداء بين صفوف المسلمين .
وسيأتي في الآية التالية لآية البحث وصف المؤمنين بأنهم على درجات في مراتب التقوى بقوله تعالى [هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ] ( ).
(عَنْ مُجَاهِدٍ:أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ ” قَالَ: مَنْ أَدَّى الْخُمُسَ”)( ).
ومثله عن ابن جريج لتأكيد التنزه عن الغلول .
وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي : (لا يحرق متاع الغال، بل يعزر تعزير مثله) ( ).
وقد ورد الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه اكتفى بعدم الصلاة على الغال ، وحينما رد أحدهم الغلول بعد حين لم يقبله منه لتأديب المسلمين بالإنزجار من الأصل عن أخذ الغلول ، وقال ابن كثير (ثم روي عن معاوية، عن أبي إسحاق، عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن علي عليه السلام قال: الغال يجمع رحله فيحرق ويجلد دون حد [المملوك، ويحرم نصيبه) ( ).
وجاءت الآية السابقة بذكر تنزه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن الغلول وحذرت من مجئ الذي يغل ويخفي قطعة من الغنائم خلسة بحمله لها يوم القيامة ، وأخبرت آية البحث بأن التنزه عن أخذ الغلول اتباع لنهج الأنبياء , وسبيل للفوز برضوان الله ولو خيّر أي انسان بين رضوان الله وبين قطعة من الغنائم غلولاً فانه لا يختار إلا رضوان الله .
ومن مصاديق رضوان الله عز وجل في آية البحث شكر المسلمين لله عز وجل على نعم مجتمعة في المعركة وهي :
الأول : النصر في المعركة كما في معركة بدر .
الثاني : خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سالماً من المعركة مع أن هدف وغاية الذين كفروا هو قتله .
الثالث : توالي نزول آيات القرآن في ساحة المعركة وبعدها، وفي التنزيل[ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ ما قَلى]( ) .
الرابع : وقوع الغنائم بيد المسلمين .
الخامس : مجئ الآية السابقة ضابطة لتقسيم الغنائم وعصمة من التعدي عليها بقوله تعالى [وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ] ( ).

علم المناسبة
وردت مادة(تبع) في مواطن عديدة من القرآن، ويمكن تسمية الحياة الدنيا( دار الإتباع) بلحاظ الثناء على الذين يتبعون من أمر الله عز وجل، فيتبع الأنبياء التنزيل والوحي ويتبع المؤمنون النبي والتنزيل والوحي، قال تعالى[وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا]( ) .
ترى ما هي النسبة بين الاتباع والطاعة كما في قوله تعالى[وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ]( )، المختار أن النسبة هي العموم والخصوص المطلق، وأن الطاعة هي الأعم، ولأن الإتباع افتقار الأثر وأمر حسي وعقلي، وفيه أطراف :
الأول : المتبوع .
الثاني : الإتباع .
الثالث : التابع .
أما الطاعة فتشمل الإمتثال للأمر.
وكما جاءت آية البحث بالثناء على الذين يتبعون رضوان الله بالعمل بأوامره وإجتناب ما نهى عنه، فقد وردت آيات القرآن بالنهي عن اتباع الشيطان وإتباع الهوى، وتذم الذين يصدون عن إتباعهما مجتمعين ومتفرقين , قال تعالى[وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ]( ).
لقد إبتدأت آية البحث بالبعث على اتباع رضوان الله، فهو حسن بالذات والأثر، كما انه طريق للفوز باللبث الدائم في النعيم، وفي الثناء على القرآن , قال الله تعالى[يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ]( ).
بحث نحوي في الهمزة
ترد الهمزة للإستفهام، وطلب الإفهام، وبين الهمزة و(هل) عموم وخصوص من وجه، فمادة الإلتقاء من جهات منها أن كلاً منهما حرف مبني لا محل له من الإعراب , وتختص هل بالسؤال عن التصديق بينما فشل الهمزة السؤال عن التصديق والتصور، ومن التصديق قوله تعالى[أَفَلاَ تَعْقِلُونَ]( )، أو تقول : أزيد صائم.
ومن التصور آية البحث، فلا تدخل (هل) في الآية ولا يقال(هل اتبع) .
ومن التصور مثلاً: أزيد قائم يصلي أم عمرو؟، كما تنفرد الهمزة بالدخول على المنفي، قال تعالى[أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ]( )، [أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ]( )، وتتقدم الهمزة على فاء العطف والواو وثم، ولا تتقدم هل عليهن , قال تعالى[أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ]( )، قال تعالى[أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ أَالآنَ]( )، وتدخل الهمزة على الشرط كما في قوله تعالى[أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ]( ).
والهمزة أصل ولا تستعمل بمعنى (قد) بخلاف هل، ولأصالة الهمزة يجوز حذفها , قال الكميت :
طِربتُ وما شوقا إلى البِيض أطرب..ولا لعبا منى وذو الشيب يلعب( ).
وتقديره : أو ذو الشيب يطرب .
وتبدأ آية البحث بالإستفهام ويعرف بأنه طلب العلم بشىء لم يكن معلوماً من قبل بأداة خاصة من أدوات الإستفهام، والإستفهام في علوم القرآن أعم من هذا التعريف فكل شئ حاضر ومعلوم عن دالله وقد يكون المستفهم عنه معلوماً عند المسلمين أو شطر منهم ويأتي الإستفهام للتقرير والتأكيد وبعث اليس للعمل الصالح ويأتي الإستفهام على وجوه :
الأول : النفي كما ورد في التنزيل[فَمَنْ يَنصُرُنِي مِنْ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ]( ).
الثاني : التعجب كما في قوله تعالى[فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ]( ).
الثالث : الإنكار كما في قوله تعالى[أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ إِنَاثًا]( ).
الرابع : التمني : كما ورد في التنزيل[فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا]( ).
الخامس : الوعد والوعيد: كما في قوله تعالى[فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ]( ).
السادس : السخرية والإستهزاء كما في قوله تعالى[قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ]( ).
السابع : الإستبعاد: كما في قوله تعالى[وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنْ الْمُرْسَلِينَ]( ).
ومن وجوه الإستفهام التقريري وهو طلبك من آخر أن يقر ويعترف بما تسأله عنه سواء إثباتاً أو نفياً ، ومنه قوله تعالى[أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ]( )،
والإستفهام الإنكاري الذي يتبين معه أمر منكر يستفهم عنه سواء يكون إنكاره بالعقل أو الشرع أو القانون، وفي التنزيل[أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ إِنَاثًا].
وتقسيم الإستفهام إلى تقريري وانكاري تقسيم استقرائي، ولغة القرآن أعم منه لذا قد يكون ذات الإستفهام الواحد تقريرياً وإنكارياً كما في آية البحث.
تفسير الهمزة في [أَفَمَنْ]
إبتدأت آية البحث بأداة الأستفهام الهمزة لجذب الأسماع والبعث على التفكر في مضمون السؤال ، وهل يتضمن هذا الاستفهام السؤال أم أنه خاص ببيان الموضوع ، الجواب هو الأول لينبسط السؤال في آية البحث على عدد الناس آيام البعثة النبوية وما بعدها ، ويكون تقدير الآية على وجوه :
الأول : يا أيها الذين آمنوا أفمن أتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله.
الثاني : يا أيها الناس أفمن اتبع رضوان الله، كما باء بسخط من الله) وقد جاءت آيات القرآن بالأمر من عند الله عز وجل للناس جميعاً بوجوب عبادته قال تعالى[يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ]( ).
وفي الآية أعلاه بيان ورحمة بالناس وإقامة للحجة من جهات :
الأولى : عدم استثناء أحد من الناس ذكراً أو أنثى من وجوب العبادة .
الثانية : بيان قانون من الإرادة التكوينية هو أن العبادة مصاحبة للإنسان من حين خلق آدم وحواء أي قبل وبعد هبوطهما إلى الأرض.
لذا لم تقل الآية (يا بني آدم اعبدوا ربكم ) ومن إعجاز القرآن إخباره عن بعثة وإرسال الرسل إلى بني آدم وليس للناس لأن آدم هو نبي رسول لم يبعث له أحد من البشر، قال تعالى[يَابَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنْ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ]( ).
وفي هذا المعنى الإعجازي آيات عديدة مثل[وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ]( )، لبيان أن آدم لم يركب البحر، وإنما أكرمه الله عز وجل بالخلق بيده والنفخ فيه من روحه واسكنه جنته، وعلّمه الأسماء وغيرها من الآيات كما أن إكرام بني آدم هو اكرام لآدم عليه السلام , نعم قد يأتي لفظ (الناس) ويريد منه طائفة أو أمة مخصوصة بحسب القرائن والأمارات.
الثالثة : إقامة الحجة على الناس بتوجه خطاب التكليف بوجوب عبادتهم جميعاً بعرض واحد له سبحانه , لذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : صلوا كما رأيتموني أصلي( ).
الرابعة : بقاء خطاب التكليف متجدداً ومتصلاً إلى يوم القيامة وظاهر الخطاب أنه لا يختص بمن بلغ سن الرشد إنما يتوجه حتى للصبي المميز ليتعظ ويتهيئ للعبادة، لذا يمكن القول بأن خطاب التكليف سابق لذات التكليف.
الخامسة : دعوة الناس إلى الرجوع إلى الأنبياء في بيان كيفية العبادة.
السادسة : يبين الله عز وجل في الآية بأنه رب الناس جميعاً الذي يستحق وحده العبادة، لتأكيد قانون يتعلق بالتوحيد وهو أنه لا يستحق العبادة أحد غير الله، وفي التنزيل[الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ]( )، وفي آية آخرى [قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ]( ).
الثالث : يا أيتها النساء أفمن أتبع رضوان الله .
الرابع : يا أيتها اللائي آمن أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله.
الخامس : يا أيها الذي آمن أفمن أتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله.
السادس : يا أيتها اللائي آمنت أفمن اتبع رضوان الله .
السابع : يا أهل الكتاب أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله .
الثامن : يا أيها المنافقون أفمن أتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله باختياره النفاق، لبيان أن نداء الإيمان في مفهومه إنذار للمنافقين ودعوة لهم للتوبة والإنابة.
لقد جعل الله عز وجل أداة الإستفهام في بداية الآية باباً مستقلاً من العلم إذ تخاطب الناس جميعاً على واختلاف مداركهم وتتضمن الإخبار عن لطف الله عز وجل بالناس من جهات :
الأولى : نزول آيات القرآن من عند الله .
الثانية : لطف الله عز وجل في نزول آية البحث ، وحفظها إلى يوم القيامة ، وهل يشمل الحفظ في قوله تعالى [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون] ( ) همزة الإستفهام في آية البحث , أم أن المراد من الحفظ العنوان الإجمالي ، الجواب هو الأول ، ليتغشى لفظ [لحافظون] في الآية أعلاه جميع حروف القرآن , ويكون تقدير الآية بعدد حروف وكلمات وآيات القرآن فمثلاً بالنسبة لقوله تعالى [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ] ( ) في أول سورة الفاتحة فان تقديرَ الحفظ يكون على وجوه :
الأول : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا لحرف الألف لحافظون .
الثاني : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا لحرف اللام لحافظون .
الثالث : إنا نزلنا الذكر وإنا لحرف الحاء في الحمد لحافظون .
الرابع : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا لحرف الميم في (الحمد) لحافظون.
الخامس : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا لحرف الدال في( الحمد) لحافظون .
السادس : إنا نحن نزلنا الذكر وانا لكلمة (الحمد) لحافظون .
ومن معاني حفظ الحمد تلاوة المسلمين لآيات الحمد، ورطوبة السنتهم بالحمد والشكر لله عز وجل.
وهكذا تكون أفراد حفظ الله عز وجل للقرآن من اللامتناهي بلحاظ أمور :
الأول : حفظ الله عز وجل لكل حرف من القرآن ، وورد عن ابن عباس قال : جميع آي القرآن ستة آلاف آية وستمائة آية وست عشرة آية، وجميع حروف القرآن ثلاثمائة ألف حرف وثلاثة وعشرون ألف حرف وستمائة حرف وأحد وسبعون حرفاً. قال الداني: أجمعوا على أن عدد آيات القرآن ستة آلاف آية، ثم اختلفوا فيما زاد على ذلك، فمنهم من لم يزد، ومنهم من قال ومائتا آية وأربع آيات، وقيل وأربع عشرة، وقيل وتسع عشرة، وقيل وخمس وعشرون، وقيل وست وثلاثون( ).
الثاني : حفظ الله عز وجل لكل كلمة من القرآن وعدد كلمات القرآن هي (77439) كلمة.
الثالث : بيان كيفية رسم القرآن وضبط حركات كلماته بما يتضح معه المعنى المراد من الكلمة وموقعها من الجملة ودلالتها بلحاظ المضامين القدسية للآية الكريمة.
الرابع : من أسرار اللغة العربية صيرورة حركة خاصة لآخر حرف من الكلمة بلحاظ موضعها من الجملة من جهات :
الأولى : تأتي ذات الكلمة مرة فاعلاً وحركتها الرفع ، ويرفع المفرد بالضمة , والمثنى بالألف , والجمع بالواو والنون في آخره أو يكون جمع تكسير وقد يأتي اللفظ المتعدد للمعنى المتحد مثل (الذين كفروا) (الكافرون) (الكافرين) (الكفار) قال تعالى[وَالْكَافِرُونَ هُمْ الظَّالِمُونَ]( ).
الثانية : تأتي الكلمة بصيغة النصب ، وعلامة النصب الفتحة للمفرد والياء للمثنى سواء كان المثنى مذكراً أو مؤنثاً ولجمع المذكر السالم مع التباين بينهما بذات حركة الياء نفسها بفتحها في المثنى وكسرها في الجمع , مع قلة المثنى بالنسبة لجمع المذكر السالم في القرآن ، ومن صيغة التثنية في القرآن قوله تعالى[بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ]( )، [قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا]( )، [سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلاَنِ]( )، [فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا]( )،[ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا]( ).
الثالثة : ترد الكلمة القرآنية بصيغة الجر ، وهي للمفرد الكسرة في آخره ، وللمثنى الياء سواء كان المثنى مذكراً أو مونثاً، قال تعالى[كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا]( ).
الرابعة : إذا كانت الكلمة جمع مؤنث فترفع بالضمة كحال المفرد المذكر أو المؤنث ، وتجمع باضافة ألف وتاء.
أو تجمع جمع تكسير ويرفعان بالضمة قال تعالى[فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ]( ) (الصالحات) مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره .
قانتات : خبر أول مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره .
حافظات : خبر ثان مرفوع ، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.
ليكون من الإعجاز بيان صيغة ولغة القرآن بقوله تعالى [إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ] ( ) وفيه شاهد على موضوعية اللغة العربية في ذخائر التنزيل , وتدبر الناس في آياته ، وتفقه المسلمين في الدين ، وإستحضار العقل في ذات أحكام آيات القرآن .
ومن الإعجاز أن الآية أعلاه من آيات سورة خاصة بنبي من بني إسرائيل وهو يوسف بن يعقوب بن إسحاق، وإسحاق هو ذاته إسرائيل ، قال تعالى [إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ] ( ) لبيان أن التعقل والتدبر في القرآن بلحاظ لغته العربية لا يختص بقريش أو العرب بل يشمل أهل الملل والناس جميعاً .
هذا بالإضافة إلى ضروب أخرى من الإعجاز منها :
الأولى : بلاغة القرآن .
الثانية : أسباب النزول .
الثالثة : إنتفاء التعارض بين آيات القرآن .
الرابعة : عذوبة الفاظ القرآن، ونفاذها إلى شغاف القلوب.
الخامسة : إدراك الناس لقانون وهو عجزهم عن الإتيان بمثل آيات القرآن، وبما هو أعم من الصرفة.
السادسة : تقسيم القرآن إلى سور وآيات بنظام دقيق في رسمه وكلماته ودلالات معانيه، وتجد الآية التي تتألف من كلمة واحدة مثل(والضحى)( ).
والآية التي تعادل نحو أربعين آية أو ثمان سور في عدد حروفها وهي آية الدَين من سورة البقرة وهي أطول آية في القرآن والتي تبدأ بقوله تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ]( )، وعدد كلماتها هو مائة وثمان وعشرون كلمة ، وعدد حروفها خمسمائة وأربعون حرفاً ، وفيها ثلاث وثلاثون ميماً ، بينما يكون عدد كلمات سورة الكوثر هو عشر كلمات , وعدد حروفها هو إثنان وأربعون حرفاً، وعليه الإجماع .
وسورة الإخلاص (47) حرفاً وسورة العصر (70) حرفاً، وسورة الفلق (71) حرفاً .
وسورة قريش (73) حرفاً .
وسورة النصر (79) حرفاً وسورة الناس (80) حرفاً، وسورة المسد (81) حرفاً.
السابعة : إمامة آيات القرآن للمسلمين والناس.
الثامنة : حاجة الناس للقرآن وعلومه في الدنيا والآخرة.
التاسعة : موافقة آيات القرآن للوقائع والأحداث الى يوم القيامة وهو من مصاديق قوله تعالى[وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( ).
العاشرة : القرآن رحمة الله في الأرض والتي تتغشى الناس جميعاً، يتلو المسلمون آياته، ويتقيدون بأحكامه، وما فيه من السنن فتأتي النعم لأهل الأرض كلهم.
أما المؤمن فيشكر الله عز وجل، وأما الكافر فان النعم تكون حجة عليه، وهذا المعنى هو الذي تؤكده آية البحث إذ تبين التناقض بين المؤمن والكافر سواء بالقول أو الفعل أو كيفية تلقي النعمة من عند الله , قال تعالى[وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا]( ).
الحادية عشرة : من إعجاز القرآن سلامته من طرو الزيادة أو النقيصة عليه رسماً وحروفاً وكلمات، مع تقادم الأحقاب وتعاقب الأجيال وإلى يوم القيامة، وهو شاهد إعجاز إذ لا يقدر على هذا الحفظ التام إلا الله عز وجل .
وكما أن أي نبي من الأنبياء يتصف بالصدق والأمانة قبل النبوة وبعدها، حتى إذا بعثه الله عز وجل نبياً إلى قومه أو إلى قومه وغيرهم، فلا يُذكر إلا بالصدق والأمانة، إذ أن أصل الإستصحاب أمر عقلي قبل أن يكون قاعدة أصولية.
وإتصف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأنه رسول من عند الله إلى الناس جميعاً، قال تعالى[وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا]( )، لتتضمن الآية أعلاه مسائل :
الأولى : بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على فترة من الرسل، وبينه وبين آخر الرسل، وهو عيسى عليه السلام نحو ستمائة سنة مع التباين المكاني في محل البعثة، والخصوص والعموم.
الثانية : الشهادة من عند الله عز وجل بأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم نبي رسول.
الثالثة : عدم إختصاص رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأهل الجزيرة أو العرب، بل رسالته للناس جميعاً.
ولو دار الأمر في المراد من لفظ (الناس) في الآية أعلاه أهل زمان البعثة النبوية أم مطلقاً إلى يوم القيامة ، فالصحيح هو الأخير لأصالة العموم خاصة وأن الآية أعلاه تطل على الناس كل يوم من أيام الدنيا ومنذ نزولها .
وتعلن قانوناً سماوياً وهو أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رسول من عند الله عز وجل إلى أهل الأرض.
وتقدير الآية: يا أيها الناس في مشارق الأرض ومغاربها ان الله بعث النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رسول لكم جميعاً، لتكون من معاني الوحدة والإتحاد بين الناس هو رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليعود الناس برسالته كما كانوا أمة واحدة، قال تعالى[كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ]( ).
لقد جمع الناس الإلتقاء بالنسب إلى آدم وحواء، قال تعالى[يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً]( )، وتفضل الله عز وجل وجعل مصداق عبادته ببعثة الأنبياء.
وجاءت رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليتعاهد الناس الأخوة بينهم بصبغة الإيمان، ويدل عليه الأمر في الآية أعلاه بوجوب عبادة الله عز وجل من قبل الناس جميعاً لذا تفضل الله وحفظ القرآن من التحريف والتبديل والتغيير ليكون من أبهى مصاديق الصراط في قوله تعالى[اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]( ).
الرابعة : صفة رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأنها بشارة وإنذار.
ومن الإعجاز تجلي معاني كل من البشارة والإنذار في آية البحث كما سيأتي في باب الآية بشارة( )، والآية إنذار( )، وتحتمل همزة الإستفهام في أول الآية من جهة موضوعيتها وجوهاً :
الأول : همزة الإستفهام، مقدمة للبشارة والإنذار في آية البحث.
الثاني : همزة الإستفهام من البشارة، لذلك إبتدأت الآية بذكر اتباع رضوان الله , وفيه إكرام للمؤمنين.
الثالث : موضوعية همزة الإستفهام في الإنذار الوارد في آية البحث .
ولا تعارض بين هذه الوجوه.
وهو من إعجاز اللفظ القرآني المتحد، فيأتي حرف واحد، كألف الإستفهام ليكون روضة يسيح في جنباتها الذين آمنوا ويقتبسون منه المواعظ والدروس .
ومن الآيات أن هذا الإقتباس لا يختص بالعرب بلحاظ أن لغة القرآن هي العربية، بل يكون شرعاً سواء للمسلمين والناس جميعاً ينهلون من ذخائر معانيه، والإشارة إلى الآخرة التي يتضمنها وبما لا يكون خافياً على أحد، لذا ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : من قرأ[قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ]( )، على طهارة مائة مرة كطهارة الصلاة يبدأ بفاتحة الكتاب كتب الله له بكل حرف عشر حسنات ، ومحا عنه عشر سيئات ، ورفع له عشر درجات ، وبنى له مائة قصر في الجنة وكأنما قرأ القرآن ثلاثاً وثلاثين مرة ، وهي براءة من الشرك ، ومحضرة للملائكة ، ومنفرة للشياطين ، ولها دويّ حول العرش تذكر بصاحبها حتى ينظر الله إليه ، وإذا نظر إليه لم يعذبه أبداً ( ).
ليدل هذا الحديث على أن الحرف الواحد من القرآن له معنى قائم بذاته بأنه كلام الله، ومعنى بلحاظ جزئيته من الكلمة القرآنية، وحتى لو أخذ حرف الإستفهام بمفرده لإرادة معناه فانه يفيض بالدلالات التي تصلح النفوس، وتهدي إلى الرشاد ، وهو من مصاديق قوله تعالى[إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ]( )، وجاء بعد همزة الإستفهام الاسم الموصول (من) ليكون سور الموجبة الكلية، وكلياً طبيعياً , لبيان قانون إستطاعة كل إنسان لبلوغ مرتبة الإيمان والإخلاص في طاعة الله.
ليكون من معاني اللطف في همزة الإستفهام عدم وجود برزخ وحاجز بين أي إنسان وبين صدق الإيمان، وليكون من معاني وخصائص همزة الإستفهام في آية البحث الثناء على الذين آمنوا واتبعوا النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم في رسالته بلحاظ أن الإيمان من أحسن مصاديق رضوان الله، قال تعالى[ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلاَ يُلَقَّاهَا إِلاَّ الصَّابِرُونَ]( ).
وقد جاءت همزة الإستفهام بذات المعنى في منطوقها أو مفهومها في مواضع عديدة في القرآن، منها [أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا]( )، [أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى]( )، [أَفَرَأَيْتُمْ اللاَّتَ وَالْعُزَّى]( )، فمن إعجاز القرآن البيان والتفسير الذاتي بأن تبين بعض كلماته معنى كلمات أخرى مشابهة لها في اللفظ أو الدلالة والمعنى.
لقد توجه السؤال من عند الله عز وجل بهمزة الإستفهام ونزل به جبرئيل أمانة، وتلاه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عهداً وتبليغاً ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ] ( ).
ليكون من مصاديق التبليغ الأسئلة التي يوجهها الله عز وجل في القرآن، ووثق ودوّن هذا السؤال بين الدفتين ليبقى إلى يوم القيامة .
لتتعدد الجهات التي يتوجه لها هذا الإستفهام وهي :
الأولى : توجه السؤال إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وتقدير الآية : قل يا محمد أفمن اتبع رضوان الله ….
الثانية : إرادة أهل البيت والصحابة ليتعاهدوا الإعجاز ويبذلوا الوسع في نجاة الناس من سخط الله , ولجذبهم إلى منازل الهدى والإيمان ، قال تعالى [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ] ( ).
الثالثة : زجر المنافقين عن إبطان الكفر لأن عاقبته الإقامة في [فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ] ( ).
الرابعة : إقامة الحجة على الذين كفروا .
الخامس : توجه الإستفهام لكل إنسان كي يتدبر مع نفسه حاله وشأنه ، وكيفية اختياره العاقبة الكريمة بالإسلام والتقيد بسنن الخشية من الله ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لاَ يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا] ( ).
السادس : توجه الإستفهام [أَفَمَنْ اتَّبَعَ..]إلى الكفار الذين يحاربون الإسلام، ويزحفون بالجيوش الكبيرة لمقاتلة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بأن النصر يكون حليف النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأن الخسارة والخزي ينتظران الذين يقاتلونه ليكون من معاني آية البحث إرادة الغايات المترشحة عن الإيمان أو ضده .
قوله تعالى [كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّهِ]
تبين آية البحث قانوناً وهو ترتب الجزاء على أفعال بني آدم ، فلا يذهب عملهم سدىً ولا يتركون وشأنهم ، قال تعالى [أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى] ( ) .
أي لا يترك عبد من غير أمر ونهي من عند الله ، ولا يترك من غير حساب وجزاء ، وتمنع آية البحث من الجهالة وتطرد الغفلة عن المسلمين والناس إذ تبين الفصل والتمييز بين المؤمنين والذين ينزل عليهم سخط الله عز وجل ، ومن أسماء القرآن (الإمام ) وفيه نفي وطرد الغفلة عن المسلمين .
ومن أسرار تلاوة كل مسلم ومسلمة لآيات القرآن خمس مرات في اليوم تجدد تأكيد الإيمان والعهد مع الله ورسوله ، وهو من رشحات ومنافع قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (صلوا كما رأيتموني أصلي) ( ).
وتقدير الحديث أعلاه صلوا كما رأيتموني أصلي لتنجوا من الغفلة.
وفي محاكاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صلاته تعاهد لوحدة المسلمين ، وهذه الوحدة واقية من الغفلة التي قد تصاحب الفرقة والخلاف، وصيرورة الأمة طوائف ومذاهب كل فريق قد يبتعد عن الآخر .
ويترشح هذا التباعد مع تقادم الأيام والسنين وكأنه من مصاديق قوله تعالى [كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ] ( )وتمر الأحقاب حتى يقوم بعضهم بتكفير بعض وهذا مخالف لقوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ]( )، لما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من إكرام الذي ينطق بالشهادتين والذي لم يخف الشرك والكفر في نفسه ، لذا فان آية البحث بطرفيها ، طرف الثناء على اتباع نهج الله وطرف الذم والإنذار للذين كفروا هي تأديب للمسلمين ، ومنع من الفرقة بينهم ، إذ تكون غايتهم مجتمعين ومتفرقين اتباع رضوان الله ومن مصاديق هذا الاتباع الوحدة والتآخي بينهم ، والتعاهد بالقول والعمل لقوله تعالى [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا]( ).
ومن غايات آية البحث بعث النفرة في نفوس المسلمين من المعاصي بارتكاب السيئات للملازمة بينه وبين نزول الغضب من الله عز وجل ، لقد تفضل الله عز وجل على الناس بتعدد الآيات الباهرات والبراهين الساطعة التي تتضمن وجوهاً :
الأول : بيان مصاديق رضوان الله لطرد الجهالة ودفع الغرر، وفي التنزيل [قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى] ( ) .
الثاني : الحسن الذاتي لمصاديق رضوان الله .
الثالث : بيان قانون وهو أن اتباع رضوان الله أمر يسير وقريب وليس ممتنعاً .
الرابع : الإنذار والوعيد لمن يصر على الإقامة على الكفر ومن يرتكب المعاصي ويمتنع عن الإنابة والتوبة ، ومن دأب الأنبياء الإجتهاد بدعوة قومهم إلى التوبة وتعلم الإستغفار وكيفيته ، وفي هود وقومه ورد في التنزيل [وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزيِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ] ( ).
ومن خصائص قوله تعالى في آية البحث [كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّهِ] أنه رحمة من وجوه :
الأول : إنه رحمة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في نزول آية البحث عليه ليقوم بتبليغها للناس ، ومن إعجاز القرآن أن كل آية منه مدد وعون للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في رسالته ودعوته إلى الله .
الثاني : إنه رحمة بالمؤمنين، ودعوة لهم للشكر لله تعالى على نعمة الهداية والإيمان والسلامة والنجاة من سخط وغضب الله عز وجل (عن سهل بن سعد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها . ثم تلا هذه الآية { فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز }( )( ).
الثالث : في الآية رحمة بالذين كفروا لأنها دعوة سماوية لهم لنبذ الكفر والشرك والضلالة ، وحث لهم لإجتناب قتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واصحابه.
ولم تقل آية البحث : كمن قاتل النبي ومأواه جهنم ، إنما وردت بصيغة عامة تشمل الناس جميعاً إلى يوم القيامة .
الرابع : تأديب الناس وهدايتهم إلى أمر وهو أن الذي يجحد بالنعم إنما يضر نفسه ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ]( ).
وفي قوله تعالى[وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ…]( )، (أخرج ابن مردويه من طريق الأوزاعي حدثني يحيى بن أبي كثيِّر والقاسم ومكحول وعبدة بن أبي لبابة وحسان بن عطية. أنهم سمعوا جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: لما أنزلت هذه الآية {والسابقون الأولون} إلى قوله{ورضوا عنه} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا لأمتي كلهم وليس بعد الرضا سخط)( ).
مما يدل على أن المسلمين والمسلمات في مأمن من سخط الله الذي تذكره آية البحث.
(وروي أن عمر بن الخطاب قرأ : السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم بإحسان) برفع الواو وحذف الواو من الذين،
قال له أُبيّ بن كعب : إنما هو والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان وإنه قد كرّرها مراراً ثلاثة،
فقال له : إني والله لقد قرأتها على رسول الله {صلى الله عليه وسلم} والذين اتبعوهم بإحسان،
وإنك يومئذ شيخ تسكن ببقيع الغرقد،
قال : حفظتم ونسينا، وتفرغتم وشغلنا , وشهدتم وغبنا ثم قال عمر لأُبيّ : أفيهم الأنصار،
قال : نعم ولم يستأمن الخطاب، ومن ثمّ قال عمر : قد كنت أظن إنّا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا فقال أبي : بلى،
تصديق ذلك أول سورة الجمعة وأواسط سورة الحشر وآخر سورة الأنفال. قوله : {وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ} إلى آخره وقوله تعالى : {وَالَّذِينَ جَآءُو مِن بَعْدِهِمْ} إلى آخر الآية)( ).
وقد ورد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنه قال: إن الله عز وجل سبق بين المؤمنين كما سبق بين الخيل يوم الرهان، قلت: أخبرني عما ندب الله المؤمن من الاستباق إلى الايمان، قال: قول الله [سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ]( )، وقال:[ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ] ( )، وقال: [وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ]( )، فبدأ بالمهاجرين على درجة سبقهم، ثم ثنى بالانصار، ثم ثلث بالتابعين لهم باحسان، فوضع كل قوم على درجاتهم ومنازلهم عنده)( ).
قانون الشفاعة
الشفع لغة هو الزوج ، يقال شفع الوتر من الأعداد أي صيرورته زوجاً ، وفي التنزيل [وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ] ( ) .
قال الشاعر
وما باتَ قَوْمٌ ضامنينَ لَنا دَماً … فيَشْفِينَا إلا دِماءٌ شَوَافِعُ( )
أي لا نرضى بالثأر للقتيل منا بدم فرد واحد ، ولا يشفينا إلا قتل جماعة قوداً عنه لقوتنا وشدة بطشنا ، قال ابن منظور (وقوله أَنشده ابن الأَعرابي لسويد بن كراع وإِنما هو لجرير) ( ).
ويقول القائل : استشفعت بفلان فتشفع لي عند الحاكم فتشفّعه وأسقط عني العقوبة .
والشفاعة في الإصطلاح التوسط للغير بجلب نفع له أو دفع شر وعقاب عنه ، وكأن الشفيع يضم قوله أو جاهه إلى المشفوع له، ففي الشفاعة أطراف :
الأول : الشفيع الذي يشفع لغيره .
الثاني : المشفوع له الذي تأتي الشفاعة له سواء طلبها أو لا ، رضي بها أم لم يرض ، قبلها المشفوع عنده أو لم يقبلها .
الثالث : موضوع الشفاعة .
الرابع : المشفوع عنده الذي يتوجه له الشفيع بالمسألة.
الخامس : أثر ونفع الشفاعة على المشفوع له وعلى غيره ، وليس من حصر لموضوع الشفاعة ، أو زمان أو مكان الشفاعة ، ولا تختص بأهل ملة بل تدخل الشفاعة لكل منتدى وكل بيت ، ولا يعلم ما يجلب بالشفاعة بين الناس في الدنيا من الخير والنفع ، ويدفع عنهم من الضرر بالشفاعة إلا الله عز وجل ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا] ( ).
ويمكن تقسيم الشفاعة تقسيماً إستقرائياً إلى قسمين :
الأول : الشفاعة في الدنيا .
الثاني : الشفاعة في الآخرة .
والشفاعة في الآخرة علم وقانون مستقل أعظم من أن تحيط به الأوهام .
وتقف الأذهان عاجزة عن إستحضار معشار ما فيه من فضل ورحمة الله عز وجل ، وهو من مصاديق ما ورد عن سلمان قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن الله خلق يوم خلق السماوات والأرض مائة رحمة طباق ما بين السماوات والأرض ، فجعل في الأرض منها رحمة فبها تعطف الوالدة على ولدها ، والوحش بعضها بعضا ، وأخر تسعا وتسعين إلى يوم القيامة ، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة مائة) ( ).
وهل الشفاعة من مصاديق الملك في الآخرة في قوله تعالى [لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ]( )، الجواب نعم ، إذ يحتاج الناس جميعاً الشفاعة ، ولا يهبها الله سبحانه إلا لمن يشاء فيما يشاء ، والشفاعة من مصاديق ملك الله عز وجل لعالم الدنيا والآخرة على نحو الإطلاق قال سبحانه [هُنَالِكَ الْوَلاَيَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ]( ).
والقرآن والسنة وإجماع علماء الإسلام على أن الشفاعة في الآخرة حق ، حتى ناقش بعضهم هل منكر الشفاعة كافر .
وقيل من أنكر الشفاعة فهو زنديق ، ولا يصل الأمر إلى حد الكفر , مع أن الشفاعة حق وصدق ولا يجوز إنكارها ، ولكن لا يصح رمي المسلم بالكفر للإختلاف في مسألة.
ومن طوائف المسلمين من أنكر شفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأهل الكبائر ، ومنهم من نفي الشفاعة عمن استحق النار من المؤمنين وعدم دخوله لها، أو من دخلها وخروجه منها بالشفاعة ، والأصل أن هذه الوجوه تشملها شفاعة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لذا سميت شفاعته بالشفاعة الكبرى ، ومن قوانين يوم القيامة أن الشفاعة رحمة وفضل من الله عز وجل.
ولو دار الأمر في مصداق من الرحمة في الآخرة هل يقع أو لا يقع بلحاظ منطوق ومفهوم آيات القرآن والأحاديث النبوية فالأصل هو الوقوع ومنه الشفاعة ، ومن الإعجاز ورود آيات الشفاعة بصيغة الجمع [وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنْ ارْتَضَى] وبلغت أحاديث شفاعة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حد التواتر .
قانون مشتركات النبوة
لقد أنعم الله عز وجل على الإنسان بخلافته في الأرض بقوله تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ) ليدرك كل إنسان أن ما به من نعمة هو من فضل الله ، وفيه دعوة للناس للإيمان ونبذ الشرك والخصومة والإقتتال بينهم إذ جعلهم الله بمرتبة رفيعة بين الخلائق ، ومن رحمة الله بالناس إقتران ومصاحبة النبوة لأول وجود إنساني في الأرض ، إذ كان آدم أبو البشر نبياً رسولاً لكي [لاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ]( ).
ومن خصائص النعمة الإلهية إستدامتها وبقاؤها وعدم مغادرتها الأرض لذا تعاقب الأنبياء ، وقد يرث الابن النبوة من الأب .
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :إن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام) ( ).
وقيل أن يوسف اسم مستقل من الجمع بين الأسف والحزن (والأسيف : العبد واجتمعا في يوسف فلذلك سمي يوسف) ( ).
لقد كانت النبوة في ابراهيم وهو من الرسل الخمسة أولي العزم وقد أخلص الله في جهاده وبذل الوسع في التبليغ واحتج على الطغاة في عروشهم وبيّن للوزراء والملأ منهم وجوب عبادة الله وحده، كما في احتجاجه على نمرود والذي ذكره الله عز وجل في قوله تعالى [أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ]( ).
ولم يقف الأمر عند الاحتجاج بل جمع له الناس الحطب ليحرقوه حياً وشارك بجمعه أهل البلدة ، وتناجوا بحرقه [قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ]( ) ومما يدل على أن أمر حرق إبراهيم لا يختص بنمرود وحده .
(قال السدي: حتى إن كانت المرأة تمرض، فتنذر إن عوفيت أن تحمل حطباً لحريق إبراهيم ثم جعلوه في جَوْبة من الأرض، وأضرموها نارًا، فكان لها شرر عظيم ولهب مرتفع، لم توقد قط نار مثلها، وجعلوا إبراهيم عليه السلام، في كفة المنجنيق وقيل: بإشارة رجل , قال شُعَيب الجبائي: اسمه هيزن-فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة، فلما ألقوه قال: حسبي الله ونعم الوكيل”، وعن ابن عباس أنه قال: “حسبي الله ونعم الوكيل” قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وآله وسلم حين قالوا: { إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ }( )( ).
فنجّى الله عز وجل إبراهيم بأن خاطب النار وأمرها أن تكون [بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ] ( ) ولم يأمرها أن تنطفأ أو تغمد لبيان المعجزة بأن يخرج سالماً من وسط لهيب النار ، ورزقه الله عز وجل الدعوة المستجابة .
فكان ولدان له من الأنبياء وورد ذكرهما على نحو متعدد في القرآن ، وهما إسحاق وإسماعيل ، ثم ورث يعقوب النبوة من أبيه اسحاق ثم صار يوسف بن يعقوب نبياً ، واختصت سورة باسمه هي سورة يوسف وعدد آياتها هو مائة وإحدى عشرة آية ، وعدد كلماتها هو ألف وسبعمائة وخمس وتسعون كلمة وعدد حروفها هو سبعة آلاف ومائة وخمس وعشرون كلمة ، وهي سورة مكية أنزلت في مكة قبل هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة المنورة ، وهناك أمور يشترك فيها الأنبياء منها :
الأول : ورد في سورة يوسف قوله تعالى [نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ]( ).
لتكون القصص السماوية من المشتركات بين الأنبياء إذ تبين جهادهم وصبرهم في جنب الله ، فان قلت إنما أنزل الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم القرآن ، وفيه قصص الأنبياء السابقين.
الجواب أن سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من هذه القصص وتدل عليه الآيات التي تخص السنة النبوية ويمكن القول أن آيات القصص التي تخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هي أكثر آيات تقص أحوال نبي من الأنبياء لبيان ما لاقاه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة وهجرته إلى المدينة، وذكر القرآن معارك الإسلام لبيان جهاد المسلمين وأن قتالهم كان للدفاع، وقد ذكرت معركة أحد في القرآن أكثر من غيرها من معارك الإسلام من جهة عدد آياتها والتي ورد أكثرها في سورة آل عمران.
ومع أن الآيات التي تخص معركة بدر أقل من الآيات التي تتعلق بمعركة أحد، ورد ذكر معركة وموضع معركة بدر بالإسم، قال تعالى[وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ]( ).
وقد جاءت الأجزاء الأخيرة من هذا السفر( ) في بيان وقائع معركة أحد والإعجاز فيها منها قوله تعالى [وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ * إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلاَ تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ* ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنْ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ]( ).
الثاني : إشترك الأنبياء بما لاقوه من مكر وكيد الذين كفروا ، فما من نبي إلا وقد لاقى شتى صنوف الأذى من الكفار الذين حرصوا على إستدامة عبادة الأوثان وعزفوا عن مصاديق الإيمان وما يمليه على الإنسان من الواجبات وإتيان الفروع من الصلاة والزكاة والحج والصيام .
(عن أنس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد ، ولقد أخفت في الله وما يخاف أحد ، ولقد أتت علي ثلاث من بين يوم وليلة ، وما لي طعام إلا ما واراه( ) إبط بلال) ( ).
وعندما نزل الوحي على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسمع جبرئيل وهو يقول له [اقْرَأ] [اقْرَأْ بِاسم رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ] ( ) سارع النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالعودة إلى البيت ودخل على خديجة بنت خويلد، فقال (زملوني زملوني. فزملوه حتى ذهب عنه الروع ) ( ).
فأخذت خديجة تذكر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم محاسنه وخلقه الكريم ، لبيان أن الشيطان لا يصل إليه ، ثم قامت خديجة بأخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى ابن عمها ورقة بن نوفل وقد أصابه العمى وهو شيخ كبير وقد أبى ورقة عبادة الأوثان فأخذ يطلب الدين ويقرأ الكتب حتى تنصر .
ومن بركات البيت الحرام وجواره وجود أفراد ممن يجاورون البيت الحرام يكرهون عبادة الأوثان ويمتنعون عنها، وكان الملأ من قريش كفاراً ، فخرج ورقة بن نوفل، ومعه زيد بن عمرو بن نفيل يطلبان الدين وسارا في الآفاق ، فوصلا إلى الشام وهي بلاد يأتيها رجال قريش للتجارة والكسب كما ورد في قوله تعالى [لِإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ] ( ).
وكانت رحلة الصيف يومئذ إلى الشام فالتقيا ببعض الرهبان فتنصر ورقة إذ كان يريد الهروب من كابوس الوثنية والأصنام التي غزت البيت الحرام، ولا يستطيع الاحتجاج على قومه ، وأما زيد فأكثر من السؤال والطلب، فقيل له : أنطلق (فانطلق حتى أتى الموصل فإذا هو براهب فقال : من أين أقبل صاحب الراحلة فقال : من بيت إبراهيم قال : فما تطلب قال : الدين قال : فعرض عليه النصرانية فقال : لا حاجة لي بها وأبى أن يقبلها فقال : إن الذي تطلب سيظهر بأرضك . فأقبل وهو يقول : رجز
لبيك حقا حقا تعبدا.
ورقامهما تجشمني فإني جاشم .
عذت بما عاذ به إبراهم
وقيل مرّ بالنبي صلى الله عليه و سلم ومعه أبو سفيان بن الحارث يأكلان من سفرة لهما فدعواه إلى الغذاء فقال : ياابن أخي إني لا آكل ما ذبح على النصب قال : فما رؤي عن النبي صلى الله عليه و سلم من يومه ذلك يأكل مما ذبح على النصب حتى بعث صلى الله عليه وآله وسلم
قال : وأتى سعيد بن زيد إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : إن زيدا كان كما قد رأيت وبلغك فاستغفر له، قال : نعم فإنه يبعث يوم القيامة أمة وحده) ( ).
وسعيد هذا سكن الكوفة بعد الفتح ، ومات فيها ، وسكنها بعده ابنه الأسود بن سعيد ، وشكت أروى بنت إدريس إلى مروان أنه ظلمها بأن أخذ من أرضها المجاورة لأرضه فلما بلغه الخبر (قال سعيد: تروني ظلمتها وَقَدْ سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: من ظلم من الأرض شبراً طوقه يوم القيامة مع سبع أرضين، اللهمّ، إن كَانَتْ أروى كاذبةً فلا تمُتْهَا حَتَّى تُعمي بصرها وتجعل قبرها فِي بئر.
قال ابن عمر: فوالله مَا ماتت حَتَّى ذهب بصرها وجعلت تمشي فِي دارها حذرةً فوقعت فِي بئرها فكان قبرها.
وأوجب عَلَيْهِ اليمين فترك سعيد لَهَا مَا ادَعت وجاء سيل فأبدى ضفيرتها، فرأوا حقّها خارجاً من حقّ سعيد) ( ) ، ووجب على سعيد اليمين لعمومات قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: البينة على من ادعى واليمين على من أنكر.
وصار بعض أهل المدينة إذا أراد أن يدعو على غيره يقول له (أعماك الله كما أعمى أروى )أي أنها ذهبت مثلاً وموعظة .
وعند نزول الوحي على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بادرت أم المؤمنين خديجة بالذهاب إلى ورقة لأمور :
أولاً : إنه ابن عم خديجة .
ثانياً : دخول ورقة دين النصرانية .
ثالثاً : كان ورقة يترجم إلى العربية الإنجيل المكتوب بالعبرية مما يدل على وجود عالم ترجمة في أيام البعثة النبوية ، وهو باب لإستقراء الإعجاز في آيات القرآن , وإطلاع العرب على البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ولو تردد الأمر بين إنحصار الترجمة من العبرية وغيرها إلى العربية في مكة بورقة بن نوفل وبين وجود غيره مثله.
فالجواب هو الثاني ، فلو كان مثل هذا الحصر موجوداً لأشير إليه على أنه فرد نادر ، وكان عدد من أهل مكة يعرفون القراءة والكتابة بالعربية ، فلذا أمر النبي بعض الأسرى منهم في معركة بدر بتعليم أولاد الأنصار القراءة والكتابة .
ولقد كانت أول آية نزل بها جبرئيل هي[اقْرَأْ بِاسم رَبِّكَ] ( ) في دلالة على لزوم نشر القراءة والكتابة كمقدمة لطلب العلم والتفقه في الدين ، وهو من الشواهد على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وان العلم طريق لإستقراء معجزات نبوته .
رابعاً : معرفة ورقة بأخبار الوحي الذي يأتي للأنبياء والتمييز بينه وبين إخبار الجن والشياطين ، ولما وصل النبي وخديجة إلى ورقة ، وكان قد أصيب بالعمى ، قالت يا ابن عم اسمع من ابن أخيك فسأله ورقة عما يرى: فأخبره النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان يسمى الصادق الأمين ، فهو لا يذكر إلا مارآه ، ولا يقدر الإنسان الكذب في المقام لإنتقاضه ، وظهور تضاد في ذات الكذب.
(فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى ؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى.
فقال له ورقة: هذا الناموس الذى كان ينزل على موسى، يا ليتنى فيها جذعا( )، ليتنى أكون حيا، إذ يخرجك قومك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” أو مخرجى هم ؟ ! ” فقال: نعم، لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركنى يومك أنصرك نصرا مؤزرا.
ثم لم ينشب ورقة أن توفى , وفتر الوحى فترة.
حتى حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم – فيما بلغنا – حزنا غدا منه مرارا كى يتردى من رءوس شواهق الجبال.
فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه تبدى له جبريل فقال: يا محمد، إنك رسول الله حقا.
فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه، فيرجع.
فإذا طالت عليه فترة الوحى غدا كمثل ذلك) ( ).
ولا أصل لقول ابن كثير (لكي يلقي نفسه) إنما كانت نفسه تشتاق للوحي ويتطلع إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وينتظره، كما في قوله تعالى[قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ] ( ).
ولم تمر الأيام حتى سعى الملأ من الذين كفروا في قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاوحى الله عز وجل إليه بالهجرة .
الثالث : هجرة الأنبياء ، إذ يخرجون من ديارهم إلى ما فيه نجاتهم وقيامهم بالتبليغ والدعوة إلى الله عز وجل ، وصحيح أنه ليس كل الأنبياء هاجر فمنهم من بقي في قومه ، وكان يتحمل الأذى إلا أن الهجرة أعم من أن تكون دائمة ، ويمكن تقسيمها إلى أقسام :
أولاً : الهجرة الموقتة التي يغادر فيها النبي قومه وبلدته ثم يعود إليهم .
ثانياً : الهجرة في الدعوة إلى الله من غير إرادة قتال أو حرب ، ومنه ما ورد بخصوص لوط في التنزيل [وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ] ( ).
ثالثاً : الهجرة المتعددة من بلد إلى آخر ثم الهجرة منه إلى غيره ، كما في هجرة إبراهيم عليه السلام ، إذ هاجر من كوثى( ) من سواد الكوفة في العراق ثم تركها ليهاجر إلى مصر ، وكانت قصته مع الملك الجبار الذي أراد أن يستحوذ على زوجته سارة فقال أنها أختي للتورية والنجاة ، وما يسمى بمعاريض الكلام أي هناك معنى قريب وأخر بعيد للكلام ، فيتبادر للسامع أنك تريد المعنى القريب ولكن مفهوم التورية أنت تقصد المعنى البعيد .
وعن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم : إِنَّ فِى الْمَعَارِيضِ لَمَنْدُوحَةً عَنِ الْكَذِبِ.] ( ).
وعادت سارة سالمة من بطش هذا الملك الظالم إذ تركها بآية من عند الله حيث أدرك أن يده لا تصل إليها ، وكلما أراد أن يمسها تُشل يده فاعادها وأعطاها خادمة وهي هاجر ، لتكون زوجة لإبراهيم وتلد فيما بعد نبي الله إسماعيل .
وورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : (لم يكذب إبراهيم في شيء قط إلا في ثلاث كلهن في الله : قوله إني سقيم ولم يكن سقيماً ، وقوله لسارة أختي ، وقوله : { بل فعله كبيرهم هذا })( ).
رابعاً : الهجرة القتالية : إذ يهاجر النبي من أجل أن يقاتل القوم الظالمين ، وهل كانت هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة من أجل القتال كما يقال ، الجواب لا ، إنما هاجر من مكة طلباً للأمن والسلامة ولتبليغ الدعوة ، لذا لم تكن بيعة الأنصار له في العقبة على القتال إذ سألوا يومئذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم :
يَا رَسُولَ اللّهِ عَلَامَ نُبَايِعُكَ ؟ قَالَ: تُبَايِعُونِي عَلَى السّمْعِ وَالطّاعَةِ فِي النّشَاطِ وَالْكَسَلِ وَعَلَى النّفَقَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ وَعَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَعَلَى أَنْ تَقُولُوا فِي اللّهِ لَا تَأْخُذْكُمْ لَوْمَةُ لَائِمٍ وَعَلَى أَنْ تَنْصُرُونِي إذَا قَدِمْتُ عَلَيْكُمْ وَتَمْنَعُونِي مِمّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَزْوَاجَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ وَلَكُمْ الْجَنّةُ فَقُمْنَا نُبَايِعُهُ)( ).
ولم يقع القتال يوم بدر إلا عندما أصر كفار قريش على القتال ، ليكون بالنسبة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه دفاعاً عن النفس والملة والعرض .
الرابع : من مشتركات الأنبياء دعوتهم إلى الله في طريق الهجرة والإقامة ، فلا يحلون في قرية أو مصر إلا ويقومون بالدعوة إلى الله عز وجل .
فنبي الله إبراهيم مثلا رجع من مصر إلى الشام وأقام فيها ، وهل يحتسب إسكان إبراهيم لإسماعيل وأمه هاجر في مكة وبناؤه قواعد البيت الحرام من الهجرة إلى مكة، أم لا تنطبق عليها قواعد وخصائص الهجرة ، الجواب أنه من الهجرة ، وفي التنزيل [رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ]( ).
لقد هاجر إبراهيم عليه السلام إلى مكة أيضاً لتكون هذه الهجرة أعظم هجرة في حياته من جهة الدعوة إلى الله عز وجل وحث الناس على العبادة ، إذ أمره الله عز وجل بدعوة الناس من مقام النبوة إلى أداء حج بيت الله الحرام ، قال تعالى [وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ]( ).
الخامس : هجرة أصحاب الأنبياء ، فمما يشترك به الأنبياء هو أمرهم لبعض أصحابهم بالهجرة ونشر الدعوة ، وقد أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم طائفة من أصحابه بالهجرة واختار لهم الحبشة لأن فيها ملكاً لا يُظلم في مملكته أحد ، مما يدل على أن النبي محمداً لا يبغي إلا الحق والعدل ، وربما أدركت قريش أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث أصحابه بالمعجزة إلى الحبشة ، وفيه مندوحة وسعة .
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يواصل طوافه على القبائل في موسم الحج ويدعو الناس سراً وعلانية إلى الإسلام ، حتى جاء وفد الأوس والخرزج فبايعوه على الذب عنه ليفاجئ الأمر كفار قريش ويجعلهم عاجزين مشدوهين ، قال تعالى [وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ] ( ).
السادس : من مشتركات النبوة (البشارة) فليس من نبي إلا وجاء مبشراً وداعياً إلى الفوز بالغبطة والسعادة في النشأتين باختيار الإيمان الذي هو علة خلقهم، وسر ديمومة الحياة الإنسانية، قال تعالى [وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ]( ).
وتتضمن رسالة كل نبي أنها دعوة إلى دين التوحيد ، فهل هذه الدعوة بشارة أم أنها نتيجة للبشارة ، الجواب لا تعارض بين الأمرين ، وفيه إنقاذ للبشر مجتمعين ومتفرقين ، ونجاة لهم من براثن الكفر ، وما يترشح عنه من الإبتلاء لضيق الصدر والفاقة والعوز .
إن بشارة الأنبياء سبب لجذب الناس للإيمان ،ووسيلة مباركة لمخاطبة العقول ، وتحفيز الجوانح والجوارح للتدبر في ماهية الحياة الدنيا والإقرار بأن الله عز وجل هو الخالق والمالك وان له المشيئة المطلقة.
وهل البشارة من الصراط الوارد في قول الله تعالى للنبي محمد [وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلاَ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ] ( ).
الجواب نعم ، لأن بشارة الأنبياء على وجوه :
الأول : أنها مقدمة للصراط القويم .
الثاني : ذات البشارة صراط مستقيم .
الثالث : لا تؤدي بشارات الأنبياء إلا إلى الصراط المستقيم ، لذا تفضل الله عز وجل وجعل كل مسلم ومسلمة يتلوان عدة مرات في اليوم قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]( ) وهذه التلاوة واجبة وجوباً عينياً عليهم، وهل هذه التلاوة من البشارات التي بشر بها الأنبياء ، الجواب نعم .
ومن مصاديق ما ورد حكاية عن عيسى عليه السلام في التنزيل [وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ]( ).
(عن العرباض بن سارية قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إني عند الله في أم الكتاب لخاتم النبيين ، وإن آدم لمنجدل في طينته ، وسأنبئكم بأول ذلك دعوة أبي إبراهيم ، وبشارة عيسى بي ، ورؤيا أمي التي رأت ، وكذلك أمهات النبيين يَرَيْن) ( ).
لتكون هناك بشارات بالأنبياء قبل أن يولدوا ، بأن ترى أم كل نبي عند الحمل أن الذي في بطنها سيكون ذا شأن عظيم ، ومقام حسن وكريم بين الناس ، أي لا ترى فقط الشأن إنما تبين لها سنخية هذا الشأن وأنه حسن وأمر نافع فلا تكتئب ولا تحزن ، إنما تفرح وتحرص على تعاهد ما في بطنها .
(وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : رؤيا الأنبياء وحي) ( ).
فهل رؤيا أمهات الأنبياء فيما يخص ولادتهم من الوحي , الجواب إنه من مقدمات الوحي , والوحي لأمهات الأنبياء ليس وحي نبوة كما يأتي بخصوص أم موسى عليه السلام إنما هو مقدمة للوحي ، والبشارات في الرؤيا أعم من الوحي فيراها المؤمن ، وقد يراها غير المؤمن بأن تكون لرؤيا الصالحة بشارة للتوبة , وطريقاً وندباً إليها .
ولا تختص بشارات إبراهيم عليه السلام ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فقد بشره الله عز وجل باسحاق ويعقوب كما في قوله تعالى [وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ] ( ) وبشر بيوسف على المختار بأنه المراد في قوله تعالى [إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ عَلِيمٍ] ( ) لأن يوسف نعت نفسه بأنه العليم في خطابه مع ملك مصر كما ورد في التنزيل [قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ]( ) لبيان توارث وتعاقب الأنبياء من ذرية ابراهيم إلى أن أختتمت النبوة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وبشرّ الله عز وجل بولادة موسى , ليكون هلاك طاغوت مصر على يديه ، لذا كانت القبط تتحدث بهذه البشارة بحضرة فرعون فأمر بقتل من يولد من بني إسرائيل .
لقد كان آل فرعون يدركون أن في ذرية إبراهيم نبوة وملكاً وأدركوا أنها لم تنقطع بيوسف إذ أراد الله عز وجل له سلامة الناس من المجاعة والهلاك ، وأنه لم يطلب الحكم ولم يحارب ملك زمانه إنما حفظ له ملكه ، فلا يستقر ملك مع المجاعة والقحط والعجز عن دفع عطاء الجنود , وتوفير الطعام لعامة الناس .
ولما انتقل يوسف عليه السلام إلى الرفيق الأعلى أدرك آل فرعون أن المقصود ليس هو وأن هناك من ذرية ابراهيم من يبعث ليكون فيه هلاك فرعون وزوال ملكه ، لقد أفشى بعض الأقباط لفرعون ، كيف أن بني إسرائيل يتطلعون إلى بعثة نبي من بني ظهرانيهم يكون على يديه زوال ملك فرعون ، وهم يتحملون المشاق والعناد بانتظار بعثته فاستشاط فرعون غضباً وأمر بأن يقتل كل مولود في بني إسرائيل، وتكرر هذا الأمر لسنوات وعزفت نساء بني إسرائيل عن الحمل حتى شاخ الرجال وصاروا يموتون بآجالهم ، وكان بنو إسرائيل يقومون باعمال الخدمة للأقباط والزراعة والعمال الدنيئة صابرين.
فتعاقبت السنون وظن آل فرعون أنه ليس من نبي يبعث في بني إسرائيل ، وشكى الأقباط له بأنهم أوشكوا بأعمال الخدمة في المنازل وخارجها على القيام بأنفسهم لفناء بني إسرائيل ، عند ذاك أمر فرعون بأن يقتل كل مولود ذكر في عام ويتركوا في عام ، فيكون في الصغار الذين يولدون عوضاً عن الكبار ، وولد هارون في السنة التي رفع فيها القتل بخلاف موسى الذي ولد في السنة التي فيها يذبح كل مولود من بني إسرائيل فخافت أمه عليه عند الحمل وحال الولادة خوفاً شديداً .
فأوحى الله تعالى إليها وهي حامل [وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ] ( ).
السادس : الرؤيا الصالحة يراها أي نبي فتأتي كما رأى، وبينها وبين الرؤيا الصالحة للمؤمنين عموم وخصوص مطلق ، إذ يجعل الله عز وجل النبي يدرك أن رؤياه فضل ودرجة من عند الله عز وجل وأن الشيطان لا يقدر أن يقرب إليها ، وهذه الرؤيا على وجوه:
الأول : ما قبل النبوة ، وكان (أول ما بدىء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح) ( ).
الثاني : الرؤيا في بدايات النبوة .
وورد عن أبي سعيد الخدري (أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها فإنما هي من الله فليحمد الله عليها وليحدث بها ، وإذا رأى غيره مما يكره فإنما هي من الشيطان ، فليستعذ بالله من شرها ولا يذكرها لأحد فإنها لا تضره.
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً . ولفظ ابن أبي شيبة وابن ماجه : جزء من سبعين جزءاً من النبوة) ( ).
بلحاظ أن مدة نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث وعشرون سنة ، ومدة الوحي بالرؤيا سنة ونصف سنة من هذه السنين .
الثالث : الرؤيا مدة النبوة والتي تتضمن الأوامر والنواهي ومنه ما ورد في إبراهيم عليه السلام كما في التنزيل [يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ] ( ) فمع أن إبراهيم نبي رسول فقد رأى رؤيا تتضمن حكماً .
لقد جعل الله عز وجل الرؤيا حبلاً متصلاً بين الباري عز وجل وبين الإنسان وهو من عمومات قوله تعالى [وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ]( )، لتكون الرؤيا بشارة وإنذاراً وموعظة.
ومن الآيات في الرؤيا أنها طريق إلى الدعاء وسبيل للمسألة فتأتي رؤيا الإنذار ليدعو الإنسان الله عز وجل فيمحو عنه البلاء أو تأتي رؤيا البشارة فيسأل تقريبها فيستجيب له الله عز وجل ، وهو من مصاديق [يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ] ( ).
وقد ذكر الله عز وجل رؤيا يوسف كما في قوله تعالى[إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ *قَالَ يَابُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا]( )، فهل هذه الرؤيا من رؤيا الأنبياء وأنها وحي، أم أنها ليس بوحي لأنها جاءت بوقت صبا يوسف وقبل أن ينال مرتبة النبوة، المختار أنها من مقدمات النبوة، لذا ورد التحذير من قبل يعقوب النبي ليوسف بأن لا يروي ولا يذكر رؤياه لإخوته، وعن الإمام علي عليه السلام: رؤيا الأنبياء وحي)( )، وورد (عن ابن عباس[إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا]( )، قال : كانت رؤيا الأنبياء وحي)( ).
وهل كل رؤيا لأي نبي من الأنبياء وحي، الجواب لا، إذ يرى النبي كما يرى الناس رؤيا صادقة وهي أدنى مرتبة من الوحي، ويرى أضغاث أحلام، وهو من مصاديق قوله تعالى[قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ]( )، ولكن الله عز وجل يبين له في المنام وبعده خصوص رؤيا الوحي ويجعله قادراً على الفصل والتمييز بينها وبين غيرها من الرؤى.
وتفضل الله عز وجل وخصّ النبي محمداً بأن ذكر رؤياه في القرآن وبيّن معجزة حسية له وهي تحقق رؤياه في عالم الواقع، قال تعالى[لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا]( )، ومنهم من ذهب إلى أنها رؤيا عين باليقظة.
بخصوص وقائع صبيحة الإسراء قال النبي ً :(قال بعضهم : كم للمسجد من باب، ولم أكن عددت أبوابه ، فجعلت أنظر إليها وأعدها باباً باباً وأعلمهم ، وأخبرتهم عن عير لهم في الطريق وعلامات فيها ، فوجدوا ذلك كما أخبرتهم . وأنزل الله { وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس } قال : كانت رؤيا عين رآها بعينه)( ).
وعن ابن عباس قال: هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة أسري به، ومن خصائص رؤيا الأنبياء أمور:
أولاً: البشارة.
ثانياً : الإنذار.
ثالثاً : رؤيا الأنبياء مناسبة للدعاء.
رابعاً : تأكيد صدق النبي لتجلي مصداق رؤياه في الواقع العملي، قال تعالى[إِذْ يُرِيكَهُمْ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ]( ).
لتكون رؤيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخصوص المعركة ومقدماتها مدداً من عند الله عز وجل، وخيراً محضاً من وجوه :
أولاً : التخفيف عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين .
ثانياً : بعث السكينة في نفوس المسلمين .
ثالثاً : رؤيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مصاديق قوله تعالى [إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ] ( ).
رابعاً : تثبيت أقدام المسلمين في ميدان القتال .
خامساً : المنع من فتنة المنافقين ، ولما جاء قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا…] ( ) احترز المسلمون من محاكاة الكفار .
وتأتي الرؤيا للنبي محمد صلى الله عليه وآله لتكون برزخاً دون تشبه المسلمين بالذين كفروا كما ورد في قوله تعالى يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِ وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ] ( ).
ومن معاني الحسرة التي تذكرها الآية أعلاه أمور :
أولاً : إرتقاء رؤيا النبي إلى مرتبة الوحي .
ثانياً : تصديق المسلمين برؤيا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ثالثاً : مجئ مصداق رؤيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في البشارات كفلق الصبح .
رابعاً :عناية النبي صلى الله عليه وآله وسلم برؤى أصحابه ، وتأويلها وترتيب بعض المسائل عليها، وكان صلى الله عليه وآله وسلم : إذا انصرف من صلاة الغداة قال هل أري أحد منكم الليلة رؤيا ويقول إنه ليس يبقى بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة( ).
(عن ابن زَمْل الجهني، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا صلى الصبح قال، وهو ثان رجله: “سبحان الله وبحمده. أستغفر الله، إن الله كان توابا” سبعين مرة، ثم يقول: “سبعين بسبعمائة، لا خير لمن كانت ذنوبه في يوم واحد أكثر من سبعمائة”. ثم يقول ذلك مرتين.
ثم يستقبل الناس بوجهه، وكان يعجبه الرؤيا، ثم يقول: “هل رأى أحد منكم شيئا؟” قال ابن زمل:
فقلت: أنا يا رسول الله. فقال: “خير تلقاه، وشر توقاه، وخير لنا، وشر على أعدائنا، والحمد لله رب العالمين. اقصص رؤياك”.
فقلت: رأيت جميع الناس على طريق رحب سهل لاحب، والناس على الجادة منطلقين، فبينما هم كذلك، إذ أشفى ذلك الطريق على مرج لم تر عيني مثله، يرف رفيفا يقطر ماؤه، فيه من أنواع الكلأ.
قال: وكأني بالرعلة الأولى حين أشفوا على المرج كبّروا، ثم أكبوا رواحلهم في الطريق، فلم يظلموه يمينا ولا شمالا.
قال: فكأني أنظر إليهم منطلقين. ثم جاءت الرعلة الثانية وهم أكثر منهم أضعافا، فلما أشفوا على المرج كبّروا، ثم أكبوا رواحلهم في الطريق، فمنهم المرتع، ومنهم الآخذ الضغث. ومضوا على ذلك. قال: ثم قدم عظم الناس، فلما أشفوا على المرج كبروا وقالوا:(هذا خير المنزل).
كأني أنظر إليهم يميلون يمينا وشمالا فلما رأيت ذلك، لزمت الطريق حتى آتي أقصى المرج، فإذا أنا بك يا رسول الله على منبر فيه سبع درجات وأنت في أعلاها درجة، وإذا عن يمينك رجل آدم شثل أقنى، إذا هو تكلم يسمو فيفرع الرجال طولا وإذا عن يسارك رجل ربعة الشاب كثير خيلان الوجه، كأنما حمم شعره بالماء، إذا هو تكلم أصغيتم إكراما له.
وإذا أمام ذلك رجل شيخ أشبه الناس بك خلقا ووجها، كلكم تؤمونه تريدونه، وإذا أمام ذلك ناقة عجفاء شارف، وإذا أنت يا رسول الله كأنك تبعثها.
قال: فامتقع لون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ساعة ثم سري عنه، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “أمّا ما رأيت من الطريق السهل الرحب اللاحب، فذاك ما حملتم عليه من الهدى وأنتم عليه.
وأما المرج الذي رأيت، فالدنيا مضيت أنا وأصحابي لم نتعلق منها بشيء، ولم تتعلق منا، ولم نردها ولم تردنا.
ثم جاءت الرعلة الثانية من بعدنا وهم أكثر منا أضعافا، فمنهم المرتع، ومنهم الآخذ الضغث، ونجوا على ذلك. ثم جاء عظم الناس، فمالوا في المرج يمينا وشمالا فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وأما أنت، فمضيت على طريقة صالحة، فلن تزال عليها حتى تلقاني.
وأما المنبر الذي رأيت فيه سبع درجات وأنا في أعلاها درجة، فالدنيا سبعة آلاف سنة، أنا في آخرها ألفا.
وأما الرجل الذي رأيت على يميني الآدم الشثل، فذلك موسى، عليه السلام، إذا تكلم، يعلو الرجال بفضل كلام الله إياه. والذي رأيت عن يساري الشاب الربعة الكثير خيلان الوجه، كأنما حمم شعره بالماء، فذلك عيسى ابن مريم، نكرمه لإكرام الله إياه. وأما الشيخ الذي رأيت أشبه الناس بي خلقا ووجها فذاك أبونا إبراهيم، كلنا نؤمه ونقتدي به.
وأما الناقة التي رأيت ورأيتني أبعثها، فهي الساعة، علينا تقوم، لا نبي بعدي، ولا أمة بعد أمتي”. قال: فما سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن رؤيا بعد هذا إلا أن يجيء الرجل، فيحدثه بها متبرعا) ( ).
لقد أراد الله عز وجل للمسلمين تنمية ملكة العناية بالرؤيا والإنتفاع منها كجسر بين فضل الله وروح العبد ، ومن خصائص رؤيا البشارة والإنذار أنها مناسبة للمسلم للمسألة والدعاء ، وهل من موضوعية للرؤيا بخصوص آية البحث وقوله تعالى [أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ] الجواب نعم، من جهات :
الأولى : فعل المؤمن الصالحات طريق وسبب لرؤيا صالحة بفضل من عند الله عز وجل ،( عن عبادة بن الصامت، أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن هذه الآية: “لهم البشرى في الحياة الدنيا”، فقال: لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحدٌ من أمتي قبلك! هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له، وفي الآخرة الجنة.
وعن أم كرز الكعبية قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ذهبت النبوّة وبقيت المبشّرات.( ).
الثانية : عمل المسلم بمضامين الرؤيا الصالحة .
الثالثة : رجاء المسلم لتحقق مصداق أو مصاديق الرؤيا الصالحة، خاصة وانها ليست من صنف الأماني بل تلحق بالمغيبات وهي فضل الله عز وجل .
الرابعة : اتباع رضوان الله عز وجل سبيل للفوز بالرؤيا الصالحة .
الخامسة : الرؤيا الصالحة والبشارات في المنام من فضل الله عز وجل على الذي يتبع رضوانه ، ولا يختص الأمر والنفع من الرؤيا بمن يراها، فقد تنتفع منها الجماعة وقد تأتي الرؤيا لشخص ولكن الذي يتعظ منها، ويجعل مضامينها حرزاً وواقية غير الذي رآها .
السادسة : تؤخذ الرؤيا الصالحة بيد العبد نحو سبل مرضاة الله ، وتجعله ممن يعمل بأحكام الشريعة ، وينزجر عما هو حرام ، وتدل رؤيا البشارة والإنذار على أن الإنسان لا يبلغ مرتبة اتباع رضوان الله إلا بفضل ولطف من عند الله عز وجل ، وليس من حصر لمصاديق هذا اللطف ، وفي التنزيل [وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ] ( ).
السابع : مما يشترك به الأنبياء خصلة الصبر ، وهناك نوع ملازمة بين النبوة والصبر ، وقد أمر الله عز وجل رسوله الكريم بالتحلي بالصبر ، ولم يكن المأمور به مطلقاً ومبهماً ويكفي منه صرف الوجود والمسمى بل قيده الله عز وجل بقوله [فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ]( ) .
ويكون صبر الأنبياء على وجوه :
أولاً : الصبر في الدعوة إلى الله وحث الناس على الإيمان ، وترغيب الناس بالإسلام ، وبيان سنن التوحيد وحاجة الناس إلى إتخاذ عبادة الله منهاجاً ثابتاً , وعدم الفتور أو الكسل في تعظيم شعائر الله.
ثانياً : صبر الأنبياء في البلاء في البدن وقلة الرزق وحاجة النبي وأنصاره إلى المال لنشر دعوة ولواء التوحيد ، وفي كل زمان يضرب المسلمون وأهل الملل الأخرى المثل بصبر أيوب ، قال تعالى [وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ] ( ) وذكر أن أيوب من الروم وعن (وهب بن منبّه : كان أيّوب رجلاً من الروم.
وهو أيّوب بن أموص بن رازح بن روم بن عيص بن إسحاق ابن إبراهيم، وكانت أُمّه من ولد لوط بن هاران،)( ).
وقد اختاره الله عز وجل للنبوة وبارك له في الرزق والجاه والمال مع كثرة الأنعام من الأبل والبقر والخير والحمير والأراضي الزراعية التي يعمرها عبيده .
ورزقه الله كثرة الأولاد والأزواج ، وكان رحيماً بالفقراء يتكفل اليتامى والأرامل ويكرم الضيف ويصل المحتاج ويمد يد المساعدة لابن السبيل بما يكفل له وصوله إلى بلده ، وجعل عبيده أصحاب أموال وولد.
ولم ينقطع عن شكر الله عز وجل ومع كثرة أمواله لم يستطع ابليس أن يفتنه أو يشغله عن ذكر الله .
فأراد ابليس فتنته وبيان أن أيوب يشكر الله لأنه في حال غنى وسعة ولو كان فقيراً مبتلى بالأمراض لتغير الأمر وعزف عن الشكر فسلط الله إبليس على أيوب في ماله فنادى إبليس جنوده وحرّضهم عليه ، فهلكت إبل أيوب في مرعاها فكثر كلام الناس وظهرت الشماتة به .
ولكن أيوب تلقى المصيبة بالصبر بالثناء على الله عز وجل (قال أيوب : الحمد لله حين أعطاني وحين نزع منّي،
عرياناً خرجت من بطن أُمّي،
وعرياناً أعود في التراب،
وعرياناً أُحشر إلى الله سبحانه،
ليس ينبغي لك أن تفرح حين أعارك وتجزع حين قبض عاريته،
الله أولى بك وبما أعطاك،
ولو علم الله فيك أيّها العبد خيراً لتقبّل روحك مع تلك الأرواح فآجر لي فيك وصرت شهيداً،
ولكنه علم منك شراً فاخّرك،
وخلصك من البلاء كما يخلص الزوّان من القمح الخالص) ( ).
وهلكت الدواب وابتلي أيوب في أولاده بهلاكهم، وهو صابر شاكر لله عز وجل ثم أصابه الجذام وانتشر في جسمه وعافه الناس وتركه أصحابه وأفراد في ناحية من البلد , ولم يبق أحد يعطف عليه إلا زوجته تتولى أمره .
واستمر أيوب بالدعاء والذكر إلى أن أنعم الله عز وجل عليه بالشفاء، وصارت عنده الأموال ورزقه الأولاد وعن (أبي عبيدة بن حذيفة يحدث عن عمته فاطمة أنها قالت أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في نساء نعوده فإذا بسقاء مغطى عليه من شدة ما يجد من الحمى.
قلت يا رسول الله لو دعوت الله فكشف عنك قال إن من أشد الناس بلاء الانبياء ثم الذين يلونهم) ( ).
(عن عطاء بن يسار ، أن أبا سعيد الخدري ، دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو موعوك ، عليه قطيفة ، ووضع يده عليها فوجد حرارتها فوق القطيفة ، فقال أبو سعيد : ما أشد حر حماك يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إنا كذلك يشدد علينا البلاء ويضاعف لنا الأجر.
ثم قال : يا رسول الله ، من أشد الناس بلاء ؟ قال : الأنبياء .
قال : ثم من.
قال : العلماء قال : ثم من.
قال : ثم الصالحون كان أحدهم يبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يلبسها ، ويبتلى بالقمل حتى تقتله ، ولأحدهم كان أشد فرحا بالبلاء من أحدكم بالعطاء) ( ).
ثالثاً : صبر الأنبياء في تكذيب قومهم لهم ، وهذا التكذيب من أكثر ضروب الأذى على الأنبياء ، إذ أنهم يتلقون ويظهرون الآيات والمعجزات ويرون كيف أن قومهم يصرون على الجحود ويزحفون باختيارهم نحو النار والعذاب الدائم يوم القيامة .
إذ قال الله تعالى [وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ]( )، فيرى النبي كيف أن اكثر قومه وأبناء قريته أو بلدته يزهدون بالبشارة العظمى ، ويعرضون عن الإنذارات المخيفة إلا القليل منهم.
ومن وجوه تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الأنبياء السابقين أن جحود قومه لم يستمر طويلاً.
فلم تمر سوى ثمان سنوات على هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة حتى دخل مكة فاتحاً ودعا الناس إلى الإسلام لتتنزه من الكفر والجحود إلى يوم القيامة ، وهذا التنزه وسرعة وسهولة فتح مكة من البركة التي جعلها الله عز وجل في البيت بقوله تعالى[إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ]( )، ويجتهد المسلمون باتباع رضوان الله عز وجل كما تؤكد عليه آية البحث ، ويحرصون على السلامة من سخط الله وسوء العاقبة .
رابعاً : صبر الأنبياء في الجهاد في ميادين القتال , ودفع الذين كفروا عن النفوس والملة والنسل الصالح ، الذي يكون جيلاً مستعداً لتصديق النبي والرسول اللاحق إلى أن ختمت النبوة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، قال تعالى[وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا]( ).
خامساً : صبر الأنبياء في إعانة أصحابهم للتفقه في الدين، والتقيد بأحكام الحلال والحرام.
ومن الآيات أن الصبر في المقام من مصاديق الصراط في قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( ) من جهات :
الأولى : تجلي طاعة الله بالصبر ، إذ أنه يأمر رسوله والمسلمين والمسلمات بالصبر والتعفف ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ]( ).
وعن خباب بن الأرت قال : قلنا يا رسول الله ألا تستنصر لنا ، ألا تدعو الله لنا؟ فقال : إن من كان قبلكم كان أحدهم يوضع المنشار على مفرق رأسه فيخلص إلى قدميه لا يصرفه ذلك عن دينه ، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه لا يصرفه ذلك عن دينه.
ثم قال : والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون) ( ).
لقد جعل الله عز وجل صبر الأنبياء حجة وموعظة لأجيال المؤمنين , ومدرسة في الأخلاق الحميدة ، والمعارف العالية ، فقد صبر الأنبياء ليتعاهد المسلمون الإيمان ويحملوا لواء التوحيد بالإقتداء بسنن الأنبياء ، وفيه ثواب عظيم لهم ، وكأن كل آية من القرآن تحث المسلمين على الصبر ليفوزوا بالثواب العظيم ، ومن أظهر مصاديق اتباع رضوان الله التحلي بالصبر في ذات الله ، ليكون من وجوهه :
الأول : الصبر في طاعة الله وأداء الفرائض .
الثاني : الصبر عن المعاصي والفواحش والسيئات .
الثالث : الصبر عند المصيبة ونزول البلاء ، قال تعالى [الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ] ( ).
وكما يقتدي المسلمون بالأنبياء في صبرهم فقد توجهت الأوامر الإلهية إلى المسلمين بالصبر ، قال تعالى [وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ] ( ).
الثامن : رمي الذين كفروا للأنبياء بأنهم سحرة عندما يأتون بالمعجزة والأمر الخارق للعادة فيكون حجة ويتلقاه الناس بالقبول ، ولكن الذين كفروا يسعون لصدهم عن الإسلام بأن ينعتون صاحب المعجزة بأنه ساحر .
وعندما رأى فرعون الآيات البينات التي جاء بها موسى عليه السلام إستشار وجهاء قومه ورجال حاشيته عن كيفية منع إستجابة الناس لموسى وهارون ، فأجابوا كما ورد في التنزيل [قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ] ( ) أي أخّره عندك وأبقه بانتظار قدوم السحرة ومع طغيان فرعون وإدعائه الربوبية فانه لم يجهز على موسى ولم يقتله بل قبل التحدي ورضي بالاحتجاج ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ]( ).
وأختلف في عدد السحرة الذي أرسل فرعون الشرطة لإحضارهم على أقوال :
أولاً : (عن ابن عباس قال : كانت السحرة سبعين رجلاً أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء . وفي لفظ : كانوا سحرة في أول النهار وشهداء آخر النهار حين قتلوا) ( ).
ثانياً : سبعة عشر ألفاً عن أبي تمامة .
ثالثاً : كان السحرة اثني عشر ألفاً .
رابعاً : كان السحرة خمسة عشر ألف ساحر ، قاله ابن إسحاق.
خامساً : عدد السحرة هو ثمانون ألفاً .
سادساً : عن ابن جُرَيج، قال: كان السحرة ثلاث مئة من العريش، وثلاث مئة من فيوم، ويشكون في ثلاث مئة من الإسكندرية، فقالوا لموسى: إما أن تلقي ما معك قبلنا، وإما أن نلقي ما معنا قبلك، وذلك قوله( وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى ) ( ).
سابعاً : (كان السحرة بضعة وثلاثين ألفاً ليس منهم رجل إلا معه حبل أو عصا، فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم)( ).
ثامناً : (عن القاسم بن أبي برزة قال : جمع فرعون سبعين ألف ساحر،
فألقوا سبعين ألف حبل وسبعين ألف عصا حتى جعل موسى يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى،
فأوحى الله سبحانه أن ألق عصاك،
فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين فاغرفاه،
فابتلع حبالهم وعصيّهم وأُلقي السحرة عند ذلك سجداً فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار ورأوا ثواب أهلها،
عند ذلك قالوا {لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَآءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ} يعنى الجنة والنار وما رأوا من ثوابهم ودرجاتهم.
قال : وكانت امرأة فرعون تسأل : من غلب؟
فيقال : غلب موسى،
فتقول : آمنت برب موسى وهارون،
فأرسل إليها فرعون فقال : انظروا أعظم صخرة تجدونها فأتوها فإنْ هي رجعت عن قولها فهي امرأته،
وإنْ هي مضت على قولها فألقوا عليها الصخرة،
فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء فأريت بيتها في الجنة فمضت على قولها وانتزعت روحها،
والقيت على جسد لا روح فيه) ( ).
ولم يرد قول عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعدد السحرة إلا أن آيات القرآن تدل على كثرتهم إذ استجاب فرعون لمشورة الملأ من قومه وأرسل الشرطة يأتون بكل ساحر طوعاً أو كرهاً لقوله تعالى [وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ] ( ) .
وقد ورد ذات لفظ حاشرين في تحريض فرعون لجنوده وقومه باللحاق بموسى وبني إسرائيل عندما غادروا مصر هاربين ، قال تعالى [فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ إِنَّ هَؤُلاَءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ( وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ] ( ) فورد ذات الحشر , وكأن فرعون استعد للقاء السحرة مع موسى كما يستعد لقتال إذ أدرك أن عرشه في خطر.
الثامن : الجد والمثابرة في الدعوة إلى الله إذ يتصف الأنبياء بعدم الفتور في الدعوة، وكأنه ليس من خطر قد يداهمهم من الذين كفروا بهذه المثابرة فمنهم الذين يدعون ذويهم وأقاربهم وأعوان الملك ويسعون للوصول إلى الملك والسلطان لدعوته إلى الإسلام ونبذ الشرك والطغيان خاصة وأن باسلامه نجاة له ، ودخول أمة من الناس الإسلام بسببه ، وقد ورد في القرآن خطاب موجه إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم [وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ] ( ).
ودعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بني هاشم وكبار قريش إلى الإسلام ، واختلف في علم الأصول بين الفعل والإمتثال بين المرة الواحدة والمرات المتعددة، ولكن جاءت النصوص بما يدل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قام بدعوة عشيرته وقومه عدة مرات ، منها ما ورد ذكره في كتب السيرة مثل طلبه من الإمام علي عليه السلام أن يدعو بني هاشم لوليمة وعرض عليهم الدعوة إلى الإسلام بعد أن أكلوا.
ومنها مجئ كبار كفار قريش إلى أبي طالب يشكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنه سفّه أحلامهم وعاب عليهم عبادة الأوثان فبعث أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأراد أن يسمعوا منه ويكون هذا السماع تبليغاً جديداً ومصداقاً لقوله تعالى [وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ] ( ) وكان بجوار أبي طالب موضع رجل فوثب أبو جهل وجلس في ذات الموضع ليمنع من جلوس النبي صلى الله عليه وآله وسلم بجوار عمه مما يدل على أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يجلس آنذاك في أرفع المجالس وأنه يخشى كبار كفار قريش وما لهم من الهيبة والصيت .
بدليل أنه لما رجع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من معركة بدر مؤزرين بنصر الله عز وجل خرج وجوه الأوس والخزرج والمسلمون على مشارف المدينة لتهنئة النبي صلى الله عليه وآله وسلم (فقال سلمة بن سلامة بن وقش: ما الذي تهنئوننا به؟ فوالله ما قتلنا إلا عجائز صلعاً .
فتبسم النبي صلى الله عليه وسلّم وقال: يا ابن أخي، أولئك الملأ، لو رأيتهم لهبتهم، ولو أمروك لأطعتهم، ولو رأيت فعالك مع فعالهم لاحتقرته، وبئس القوم كانوا على ذلك لنبيهم) ( ).
وقال له أبو طالب : يا ابن أخي إن قومك يشكونك ، ويزعمون أنك تشتم آلهتهم ، وتقول وتقول ، وتفعل وتفعل . فقال : يَا عَمُّ إِنِّي إِنَّمَا أُرِيدُ مِنْهُمْ كَلِمَةً وَاحِدَةً ، تُدِينُ لَهُمْ بِهَا العَرَبُ ، وَتُؤَدِي إليهِم بِهَا العَرَبُ والعَجَمُ الجِزْيَةَ فقالوا : وما هي فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لاَ إله إلاَّ الله فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم ، ويقولون : { أَجَعَلَ الالهة إلها واحدا إِنَّ هذا لَشَىْء عُجَابٌ وانطلق الملا مِنْهُمْ]( ) .
أي أن أبا طالب لم يناصرهم بدعواهم ولم يقل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أنك تشتم الهتنا ، بل أظهر التخلي والتبرأ من هذه الآلهة للأمة بحضور كبار رجالات قريش بقوله (ويزعمون أنك تشتم آلهتهم).
ثم ذكر أقوال وأفعال النبي صلى الله عليه وآله وسلم التي هي دلائل النبوة وصيغ الدعوة والتبليغ عندئذ قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : يَا عَمُّ إِنِّي إِنَّمَا أُرِيدُ مِنْهُمْ كَلِمَةً وَاحِدَةً ، تُدِينُ لَهُمْ بِهَا العَرَبُ ، وَتُؤَدِي إليهِم بِهَا العَرَبُ والعَجَمُ الجِزْيَةَ.
فقالوا : وما هي .
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لاَ إله إلاَّ الله فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم ، ويقولون[أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ]( )، يعني : الأشراف من قريش) ( ) وغادروا جميعاً ليتركوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعمه أبا طالب وحدهما.
وكانت مضامين هذه الدعوة شائعة في أواسط قريش وسعى الملأ منهم إلى إظهار الإستهزاء بها وبمعانيها كيلا يستمع لها أبناؤهم ويتلقونها بالقبول وحتى في الليلة التي أرادوا بها قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تذاكروا هذه الدعوة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وما يذكره من أهوال الآخرة وسوء عاقبة المكذبين لنبوته ورسالته.
قَالَ ابن إسْحَاقَ : فَحَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيّ قَالَ لَمّا اجْتَمَعُوا لَهُ وَفِيهِمْ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ فَقَالَ وَهُمْ عَلَى بَابِهِ إنّ مُحَمّدًا يَزْعُمُ أَنّكُمْ إنْ تَابَعْتُمُوهُ عَلَى أَمْرِهِ كُنْتُمْ مُلُوكَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ ، ثُمّ بُعِثْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ فَجُعِلَتْ لَكُمْ جِنَانٌ كَجِنَانِ الْأُرْدُنّ ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ لَهُ فِيكُمْ ذَبْحٌ ثُمّ بُعِثْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ ثُمّ جُعِلَتْ لَكُمْ نَارٌ تُحَرّقُونَ فِيهَا .
قَالَ وَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَخَذَ حَفْنَةً مِنْ تُرَابٍ فِي يَدِهِ ثُمّ قَالَ ” أَنَا أَقُولُ ذَلِكَ أَنْت أَحَدُهُمْ.
وَأَخَذَ اللّهُ تَعَالَى عَلَى أَبْصَارِهِمْ عَنْهُ فَلَا يَرَوْنَهُ فَجَعَلَ يَنْثُرُ ذَلِكَ التّرَابَ عَلَى رُءُوسِهِمْ وَهُوَ يَتْلُو هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ مِنْ يس[يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ]( )، إلَى قَوْلِهِ[فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ]( )، حَتّى فَرَغَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ رَجُلٌ إلّا وَقَدْ وَضَعَ عَلَى رَأْسِهِ تُرَابًا ، ثُمّ انْصَرَفَ إلَى حَيْثُ أَرَادَ أَنْ يَذْهَبَ فَأَتَاهُمْ آتٍ مِمّنْ لَمْ يكن معهم.
فقال: وما تنظرون هنا قالوا : مُحَمّدًا ، قَالَ خَيّبَكُمْ اللّهُ قَدْ وَاَللّهِ خَرَجَ عَلَيْكُمْ مُحَمّدٌ ، ثُمّ مَا تَرَكَ مِنْكُمْ رَجُلًا إلّا وَقَدْ وَضَعَ عَلَى رَأْسِهِ تُرَابًا ، وَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ أَفَمَا تَرَوْنَ مَا بِكُمْ.
قَالَ فَوَضَعَ كُلّ رَجُلٍ مِنْهُمْ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ فَإِذَا عَلَيْهِ تُرَابٌ ثُمّ جَعَلُوا يَتَطَلّعُونَ فَيَرَوْنَ عَلِيّا عَلَى الْفِرَاشِ مُتَسَجّيًا بِبُرْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ فَيَقُولُونَ وَاَللّهِ إنّ هَذَا لَمُحَمّدٌ نَائِمًا ، عَلَيْهِ بُرْدُهُ . فَلَمْ يَبْرَحُوا كَذَلِكَ حَتّى أَصْبَحُوا) ( ).
وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لرجالات قريش تدين لهم بها العرب (وفي رواية : وأن أدعوكم إلى كلمتين خفيفتين على اللسان ثقيلتين في الميزان تملكون بها العرب والعجم وتنقاد لكم الأمم ، وتدخلون بهما الجنة وتنجون بهما من النار شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله .
وفي رواية أخرى قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأبي طالب (يا عم والله لو وضعوا الشمس في يمينى، والقمر في يسارى على أن أترك هذا الامر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه ما تركته) ( ).
وقام أبو طالب بتحدي قريش ومن معهم ، وأعلن ولاءه للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتأييده لنبوته ونصرته لرسالته وقال قصيدته اللامية الخالدة
وَلَمّا رَأَيْتُ الْقَوْمَ لَا وُدّ فِيهِمْ … وَقَدْ قَطَعُوا كُلّ الْعُرَى وَالْوَسَائِلِ
وَقَدْ صَارَحُونَا بِالْعَدَاوَةِ وَالْأَذَى … وَقَدْ طَاوَعُوا أَمْرَ الْعَدُوّ الْمُزَايِلِ
وَقَدْ حَالَفُوا قَوْمًا عَلَيْنَا أَظِنّةً … يَعَضّونَ غَيْظًا خَلْفَنَا بِالْأَنَامِلِ
صَبَرْتُ لَهُمْ نَفْسِي بِسَمْرَاءَ سَمْحَةٍ … وَأَبْيَضَ عَضْبٍ مِنْ تُرَاثِ الْمَقَاوِلِ
وَأَحْضَرْتُ عِنْدَ الْبَيْتِ رَهْطِي وَإِخْوَتِي… وَأَمْسَكْت مِنْ أَثْوَابهِ بِالْوَصَائِلِ
قِيَامًا مَعًا مُسْتَقْبِلِينَ رِتَاجَهُ … لُدًى حَيْثُ يَقْضِي حَلْفَهُ كُلّ نَافِلِ
وَحَيْثُ يُنِيخُ الْأَشْعَرُونَ رِكَابَهُمْ … بِمُفْضَى السّيُولِ مِنْ إسَافٍ وَنَائِلِ
مُوَسّمَةُ الْأَعْضَادِ أَوْ قَصَرَاتُهَا … مُخَيّسَةٌ بَيْنَ السّدِيسِ وَبَازِلِ
تَرَى الْوَدْعَ فِيهَا وَالرّخَامَ وَزِينَةً … بِأَعْنَاقِهَا مَعْقُودَةٌ كَالْعَثَاكِلِ
أَعُوذُ بِرَبّ النّاسِ مِنْ كُلّ طَاعِنٍ … عَلَيْنَا بِسُوءٍ أَوْ مُلِحّ بِبَاطِلِ
وَمِنْ كَاشِحٍ يَسْعَى لَنَا بِمَعِيبَةٍ … وَمِنْ مُلْحِقٍ فِي الدّينِ مَا لَمْ نُحَاوِلْ
وَثَوْرٍ وَمَنْ أَرْسَى ثَبِيرًا مَكَانَهُ … وَرَاقٍ لِيَرْقَى فِي حِرَاءٍ وَنَازِلِ
وَبِالْبَيْتِ حَقّ الْبَيْتِ مِنْ بَطْنِ مَكّةَ … وَبِاَللّهِ إنّ اللّهَ لَيْسَ بِغَافِلِ
وَبِالْحَجَرِ الْمُسْوَدّ إذْ يَمْسَحُونَهُ … إذَا اكْتَنَفُوهُ بِالضّحَى وَالْأَصَائِلِ
وَمَوْطِئِ إبْرَاهِيمَ فِي الصّخْرِ رَطْبَةٌ … عَلَى قَدَمَيْهِ حَافِيًا غَيْرَ نَاعِلِ
وَأَشْوَاطٍ بَيْنَ الْمَرْوَتَيْنِ إلَى الصّفَا … وَمَا فِيهِمَا مِنْ صُورَةٍ وَتَمَاثُلِ
وَمَنْ حَجّ بَيْتَ اللّهِ مِنْ كُلّ رَاكِبٍ … وَمِنْ كُلّ ذِي نَذْرٍ وَمِنْ كُلّ رَاجِلِ
وَبِالْمَشْعَرِ الْأَقْصَى إذَا عَمَدُوا لَهُ … إلَالٌ إلَى مُفْضَى الشّرَاجِ الْقَوَابِلِ
وَتَوْقَافِهِمْ فَوْقَ الْجِبَالِ عَشِيّةً … يُقِيمُونَ بِالْأَيْدِي صُدُورَ الرّوَاحِلِ
وَلَيْلَةِ جَمْعٍ وَالْمَنَازِلِ مِنْ مِنًى … وَهَلْ فَوْقَهَا مِنْ حُرْمَةٍ وَمَنَازِلِ
وَجَمْعٍ إذَا مَا الْمُقْرَبَاتِ أَجَزْنَهُ … سِرَاعًا كَمَا يَخْرُجْنَ مِنْ وَقْعِ وَابِلِ
وَبِالْجَمْرَةِ الْكُبْرَى إذَا صَمَدُوا لَهَا … يَؤُمّونَ قَذْفًا رَأْسَهَا بِالْجَنَادِلِ
وَكِنْدَةُ إذَا هُمْ بِالْحِصَابِ عَشِيّةً … تُجِيزُ بِهِمْ حُجّاجُ بَكْرِ بْنِ وَائِلِ
حَلِيفَانِ شَدّا عَقْدَ مَا احْتَلَفَا لَهُ … وَرَدّا عَلَيْهِ عَاطِفَاتِ الْوَسَائِلِ
وَحَطْمِهِمْ سُمْرَ الصّفَاحِ وَسَرْحُهُ … وَشَبْرِقَهٌ وَخْدَ النّعَامِ الْجَوَافِلِ
فَهَلْ بَعْدَ هَذَا مِنْ مُعَاذٍ لِعَائِذٍ … وَهَلْ مِنْ مُعِيذٍ يَتّقِي اللّهَ عَاذِلِ
يُطَاعُ بِنَا الْعُدّى وَوَدّوا لَوْ انّنَا … تُسَدّ بِنّا أَبْوَابُ تُرْكٍ وَكَابُلِ
كَذَبْتُمْ وَبَيْتِ اللّهِ نَتْرُكُ مَكّةَ … وَنَظْعَنُ إلّا أَمْرُكُمْ فِي بَلَابِلِ
كَذَبْتُمْ وَبَيْتِ اللّهِ نُبْزَى مُحَمّدًا … وَلَمّا نُطَاعِنُ دُونَهُ وَنُنَاضِلْ
وَنُسْلِمُهُ حَتّى نُصَرّعَ حَوْلَهُ … وَنَذْهَلَ عَنْ أَبْنَائِنَا وَالْحَلَائِلِ
وَيَنْهَضُ قَوْمٌ فِي الْحَدِيدِ إلِيْكُمُ … نُهُوضَ الرّوَايَا تَحْتَ ذَاتِ الصّلَاصِلِ
وَحَتّى تَرَى ذَا الضّغْنِ يَرْكَبُ رَدْعَهُ . مِنْ الطّعْنِ فِعْلَ الْأَنْكَبِ الْمُتَحَامِلِ
وَإِنّا لَعَمْرُ اللّهِ إنْ جَدّ مَا أَرَى … لَتَلْتَبِسَنّ أَسْيَافُنَا بِالْأَمَاثِلِ
بِكَفّيْ فَتًى مِثْلَ الشّهَابِ سَمَيْدَعِ … أَخِي ثِقَةٍ حَامِي الْحَقِيقَةِ بَاسِلِ
شُهُورًا وَأَيّامًا وَحَوْلًا مُجَرّمًا … عَلَيْنَا وَتَأْتِي حَجّةٌ بَعْدَ قَابِلِ
وَمَا تَرْكُ قَوْمٍ لَا أَبَا لَك ، سَيّدًا … يَحُوطُ الذّمَارَ غَيْرَ ذَرْبٍ مُوَاكِلِ
وَأَبْيَضُ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ … ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ
يَلُوذُ بِهِ الْهُلّافُ مِنْ آلِ هَاشِمٍ … فَهُمْ عِنْدَهُ فِي رَحْمَةٍ وَفَوَاصِلِ
لَعَمْرِي لَقَدْ أَجْرَى أُسَيْدٌ وَبِكْرُهُ … إلَى بُغْضِنَا وَجَزّآنَا لِآكُلْ
وَعُثْمَانُ لَمْ يَرْبَعْ عَلَيْنَا وَقُنْفُذٌ … وَلَكِنْ أَطَاعَا أَمْرَ تِلْكَ الْقَبَائِلِ
أَطَاعَا أُبَيّا وَابن عَبْدِ يُغِوثْهُمْ … وَلَمْ يَرْقُبَا فِينَا مَقَالَةَ قَائِلِ
كَمَا قَدْ لَقِينَا مِنْ سُبَيْعٍ وَنَوْفَلٍ … وَكُلّ تَوَلّى مُعْرِضًا لَمْ يُجَامِلْ
فَإِنْ يُلْقِيَا أَوْ يُمْكِنْ اللّهُ مِنْهُمَا … نَكِلْ لَهُمَا صَاعًا بِصَاعِ الْمُكَايِلِ
وَذَاكَ أَبُو عَمْرٍو أَبَى غَيْرَ بُغْضِنَا … لِيَظْعَنَنَا فِي أَهْلِ شَاءٍ وَجَامِلِ
يُنَاجِي بِنَا فِي كُلّ مُمْسًى وَمُصْبَحٍ … فَنَاجِ أَبَا عَمْرٍو بِنَا ثُمّ خَاتِلِ
وَيُؤْلَى لَنَا بِاَللّهِ مَا إنْ يَغُشّنَا … بَلَى قَدْ نَرَاهُ جَهْرَةً غَيْرَ حَائِلِ
أَضَاقَ عَلَيْهِ بُغْضُنَا كُلّ تَلْعَةٍ … مِنْ الْأَرْضِ بَيْنَ أَخْشُبٍ فَمُجَادِلِ
وَسَائِلْ أَبَا الْوَلِيدِ مَاذَا حَبَوْتَنَا … بِسَعْيِكَ فِينَا مُعْرِضًا كَالْمُخَاتِلِ
وَكُنْتَ امْرَأً مِمّنْ يُعَاشُ بِرَأْيِهِ … وَرَحْمَتُهُ فِينَا وَلَسْتَ بِجَاهِلِ
فَعُتْبَةُ لَا تَسْمَعْ بِنَا قَوْلَ كَاشِحٍ … حَسُودٍ كَذُوبٍ مُبْغِضٍ ذِي دَغَاوِلِ
وَمَرّ أَبُو سُفْيَانَ عَنّي مُعْرِضًا … كَمَا مَرّ قَيْلٌ مِنْ عِظَامِ الْمَقَاوِلِ
يَفِرّ إلَى نَجْدٍ وَبَرْدِ مِيَاهِهِ … وَيَزْعُمُ أَنّي لَسْتُ عَنْكُمْ بِغَافِلِ
وَيُخْبِرُنَا فِعْلَ الْمُنَاصِحِ أَنّهُ … شَفِيقٌ وَيُخْفِي عَارِمَاتِ الدّوَاخِلِ
أَمُطْعِمُ لَمْ أَخْذُلْك فِي يَوْمٍ نَجْدَةٍ … وَلَا مُعْظِمٍ عِنْدَ الْأُمُورِ الْجَلَائِلِ
وَلَا يَوْمَ خَصْمٍ إذَا أَتَوْك أَلِدّةً … أُولِي جَدَلٍ مِنْ الْخُصُومِ الْمَسَاجِلِ
أَمُطْعِمُ إنّ الْقَوْمَ سَامُوك خُطّةً … وَإِنّي مَتَى أُوكَلْ فَلَسْتُ بِوَائِلِ
جَزَى اللّهُ عَنّا عَبْدَ شَمْسٍ وَنَوْفَلًا … عُقُوبَةَ شَرّ عَاجِلًا غَيْرَ آجِلِ
بِمِيزَانِ قِسْطٍ لَا يُخِسّ شَعِيرَةً … لَهُ شَاهِدٌ مِنْ نَفْسِهِ غَيْرَ عَائِلٍ
لَقَدْ سَفُهَتْ أَحْلَامُ قَوْمٍ تَبَدّلُوا … بَنِي خَلَفٍ قَيْضًا بِنَا وَالْغَيَاطِلِ
وَنَحْنُ الصّمِيمُ مِنْ ذُؤَابَةِ هَاشِمٍ … وَآلِ قُصَيّ فِي الْخُطُوبِ الْأَوَائِلِ
وَسَهْمٌ وَمَخْزُومٌ تَمَالَوْا وَأَلّبُوا … عَلَيْنَا الْعِدَا مِنْ كُلّ طِمْلٍ وَخَامِلٍ
فَعَبْدُ مَنَافٍ أَنْتُمْ خَيْرُ قَوْمِكُمْ … فَلَا تُشْرِكُوا فِي أَمْرِكُمْ كُلّ وَاغِلِ
لَعَمْرِي لَقَدْ وَهَنْتُمْ وَعَجَزْتُمْ … وَجِئْتُمْ بِأَمْرٍ مُخْطِئٍ لِلْمَفَاصِلِ
وَكُنْتُمْ حَدِيثًا حَطْبَ قِدْرٍ وَأَنْتُمْ … الْآنَ حِطَابُ أَقْدُرٍ وَمَرَاجِلِ
لِيَهْنِئْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ عُقُوقُنَا … وَخِذْلَانُنَا وَتَرْكُنَا فِي الْمَعَاقِلِ
فَإِنْ نَكُ قَوْمًا نَتّئِرْ مَا صَنَعْتُمْ … وَتَحْتَلِبُوهَا لِقْحَةً غَيْرَ بَاهِلِ
وَسَائِطُ كَانَتْ فِي لُؤَيّ بْنِ غَالِبٍ … نَفَاهُمْ إلَيْنَا كُلّ صَقْرٍ حُلَاحِلِ
وَرَهْطُ نُفَيْلٍ شَرّ مَنْ وَطِئَ الْحَصَى … وَأَلْأَمُ حَافٍ مِنْ مَعَدّ وَنَاعِلِ
فَأَبْلِغْ قُصَيّا أَنْ سَيُنْشَرُ أَمْرُنَا … وَبَشّرْ قُصَيّا بَعْدَنَا بِالتّخَاذُلِ
وَلَوْ طَرَقَتْ لَيْلًا قُصَيّا عَظِيمَةٌ … إذًا مَا لَجَأْنَا دُونَهُمْ فِي الْمَدَاخِلِ
وَلَوْ صَدَقُوا ضَرْبًا خِلَالَ بُيُوتِهِمْ … لَكُنّا أُسًى عِنْدَ النّسَاءِ الْمَطَافِلِ
فَكُلّ صَدِيقٍ وَابن أُخْتٍ نَعُدّهُ … لَعَمْرِي وَجَدْنَا غِبّهُ غَيْرَ طَائِلِسِوَى أَنّ رَهْطًا مِنْ كِلَابِ بْنِ مُرّةٍ … بَرَاءٌ إلَيْنَا مِنْ مَعَقّةِ خَاذِلِ
وَهَنّا لَهُمْ حَتّى تَبَدّدَ جَمْعُهُمْ … وَيَحْسُرَ عَنّا كُلّ بَاغٍ وَجَاهِلِ
وَكَانَ لَنَا حَوْضُ السّقَايَةِ فِيهِمْ … وَنَحْنُ الْكُدَى مِنْ غَالِبٍ وَالْكَوَاهِلِ
شَبَابٌ مِنْ الْمُطَيّبِينَ وَهَاشِمٍ … كَبِيضِ السّيُوفِ بَيْنَ أَيْدِي الصّيَاقِلِ
فَمَا أَدْرَكُوا ذَحْلًا وَلَا سَفَكُوا دَمًا … وَلَا حَالَفُوا إلّا شِرَارَ الْقَبَائِلِ
بِضَرْبٍ تَرَى الْفِتْيَانَ فِيهِ كَأَنّهُمْ … ضَوَارِي أُسُودٍ فَوْقَ لَحْمٍ خَرَادِلِ
بَنِي أَمَةٍ مَحْبُوبَةٍ هِنْدِكِيّةٍ … بَنِي جُمَحٍ عُبَيْدِ قَيْسِ بْنِ عَاقِلِ
وَلَكِنّنَا نَسْلٌ كِرَامٌ لِسَادَةٍ … بِهِمْ نُعِيَ الْأَقْوَامُ عِنْدَ الْبَوَاطِلِ
وَنِعْمَ ابن أُخْتِ الْقَوْمِ غَيْرَ مُكَذّبٍ … زُهَيْرٌ حُسَامًا مُفْرَدًا مِنْ حَمَائِلِ
أَشَمّ مِنْ الشّمّ الْبَهَالِيلِ يَنْتَمِي … إلَى حَسَبٍ فِي حَوْمَةِ الْمَجْدِ فَاضِلِ
لَعَمْرِي لَقَدْ كُلّفْتُ وَجْدًا بِأَحْمَدَ … وَإِخْوَتِهِ دَأْبَ الْمُحِبّ الْمُوَاصِلِ
فَلَا زَالَ فِي الدّنْيَا جَمَالًا لِأَهْلِهَا … وَزِيَنًا لِمَنْ وَالَاهُ رَبّ الْمَشَاكِلِ
فَمَنْ مِثْلُهُ فِي النّاس أَيّ مُؤَمّلٍ … إذَا قَاسَهُ الْحُكّامُ عِنْدَ التّفَاضُلِ
حَلِيمٌ رَشِيدٌ عَادِلٌ غَيْرُ طَائِشٍ … يُوَالِي إلَاهًا لَيْسَ عَنْهُ بِغَافِلِ
فَوَاَللّهِ لَوْلَا أَنْ أَجِيءَ بِسُنّةٍ … تَجُرّ عَلَى أَشْيَاخِنَا فِي الْمَحَافِلِ
لَكِنّا اتّبَعْنَاهُ عَلَى كُلّ حَالَةٍ … مِنْ الدّهْرِ جِدّا غَيْرَ قَوْلِ التّهَازُلِ
لَقَدْ عَلِمُوا أَنّ ابْنَنَا لَا مُكَذّبٌ … لَدَيْنَا وَلَا يُعْنَى بِقَوْلِ الْأَبَاطِلِ
فَأَصْبَحَ فِينَا أَحَمْدٌ فِي أَرُومَةٍ … تُقَصّرُ عَنْهُ سَوْرَةُ الْمُتَطَاوِلِ
حَدِبْتُ بِنَفْسِي دُونَهُ وَحَمَيْتُهُ … وَدَافَعْتُ عَنْهُ بِالذّرَا وَالْكَلَاكِلِ
فَأَيّدَهُ رَبّ الْعِبَادِ بِنَصْرِهِ … وَأَظْهَرَ دِينًا حَقّهُ غَيْرُ بَاطِلِ
رِجَالٌ كِرَامٌ غَيْرُ مِيلٍ نَمَاهُمْ … إلَى الْخَيْرِ آبَاءٌ كِرَامُ الْمَحَاصِلِ
فَإِنْ تَكُ كَعْبٌ مِنْ لُؤَيّ صُقَيْبَةً … فَلَا بُدّ يَوْمًا مَرّةً مِنْ تَزَايُلِ
قَالَ ابن هِشَامٍ : هَذَا مَا صَحّ لِي مِنْ هَذِهِ الْقَصِيدَة ( ).
وفي إختصاص عشيرة النبي بانذار خاص وإخبارهم بالملك والعز وجوه :
الأول : إرادة ترغيب بني هاشم وقريش بالإسلام .
الثاني : يتحقق مصداق التمليك بانقياد الناس إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو من خاصتهم، قال تعالى[لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ]( ).
الثالث : قيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتولية أقاربه وأبناء عمومته الحكم , والإغداق عليهم بالأموال.
الرابع : تحقق مسمى الإنقياد والتملك لقريش لاتباع الناس للنبي الأمي القرشي ، قال تعالى [فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ] ( ).
الخامس : الوعد من الله عز وجل لقريش إذا أسلموا بلحاظ أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم [وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى] ( ) وهو من إكرام الله عز وجل لقوم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإرادة التخفيف عنه وعن الناس وأن لا يضطر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى الهجرة وملاقاة الأهوال وسيل الدماء .
السادس : إرادة إستحقاق كبار قريش إذا باردوا إلى الإسلام قبل الناس تولي المناصب والأمرة في الأمصار لأنهم حينئذ يكونون من السابقين الأولين للإيمان .
السابع : إقامة الحجة على الذين كفروا وان قريشاً بادروا لدخول الإسلام , وهذه الحجة متجددة في موضوعها وأثرها.
الثامن : تأكيد فضل الله عز وجل باجتناب القتال بين المسلمين والذين كفروا , وهو من مصاديق قوله تعالى[إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( )، في الإحتجاج على الملائكة حينما قالوا بأن الإنسان يفسد في الأرض ويسفك الدم.
والصحيح هو الأول والخامس وما بعده , خاصة وأن العرب يعرفون منزلة وشأن قريش وخبرتهم في التجارة وإدارة شؤون الحرم وسدانة البيت وتولي تنظيم الأسواق أيام الحج والتجارة في عموم السنة ، وهو الذي يدل عليه قوله تعالى [لِإِيلاَفِ قُرَيْشٍ *إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ] ( ).
ليكون تقدير الآية أعلاه بلحاظ دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قريشاً للإسلام ترغيباً لهم بالجاه والشأن والحكم وفق رضوان الله .
[فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ]( )، لتدين لهم العرب ، وتدفع لهم الجزية .
ومع أن قوله تعالى ورد بالأمر بالإنذار [وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ] ( ) فان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم كان يجمع بين البشارة والإنذار في دعوته لأهل البيت وقريش لدلالة الآية في مفهومها على البشارة ، وإن وردت آيات أخرى بالثناء على الذين يؤمنون والبشارة لهم بالعز ورغد العيش في الدنيا والأمن في الآخرة.
وليس من حصر لمصاديق وعد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لعشيرته وقومه من جهات :
الأولى : الدعوة الشخصية للأفراد لدخول الإسلام .
الثانية : دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لقريش في المناسبات العامة والمجالس.
الثالثة : قيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأداء الصلاة وما فيها من التلاوة في المسجد الحرام بمحضر من كبار رجالات قريش الذين كانوا يجتمعون حول الكعبة وفي دار الندوة.
وتحمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأذى الشديد من قريش ، و(عن عبد الله بن مسعود قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المسجد الحرام ورفقة من المشركين من قريش ونبي الله صلى الله عليه وسلم يصلي وقد نُحر قبل ذلك جزور وقد بقى فرثه وقذره.
فقال أبو جهل ألا رجل يقوم إلى هذا القذر يلقيه على محمد, ونبى الله صلى الله عليه وآله وسلم ساجد إذ انبعث أشقاها فقام فألقاها عليه.
قال عبد الله فهبنا أن نلقيه عنه حتى جاءت فاطمة عليها السلام فألقته عنه فقام فسمعته يقول وهو قائم يصلي اللهم اشدد وطأتك على مضر سنين كسني يوسف عليك بأبى الحكم بن هشام – وهو أبو جهل – وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وعقبة بن أبى معيط وأمية بن خلف ورجل آخر ثم قال: رأيتهم من العام المقبل صرعى بالطوى طوى بدر صرعى بالقليب) ( ).
وفي صلاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في بدايات الدعوة وعدم تركه إقامتها في البيت الحرام مسائل:
الأولى : بيان قانون وهو تعاهد الأنبياء الصلاة وانها لا تترك بحال .
الثانية : لقد وضع الله عز وجل البيت للصلاة والعبادة والمناسك، قال تعالى [إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا]( ).
وتقدير الآية أعلاه على وجوه :
الأول : إن أول بيت وضعه الله .
الثاني : إن أول بيت وضعه الله للناس لرحمته .
الثالث : إن أول بيت وضع للناس للعبادة والتقوى .
الرابع : إن أول بيت مبارك في الأرض .
الخامس : إن أول بيت وضع ليصلي به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للذي بمكة مباركاً .
السادس : إن أول بيت وضع للناس لدخولهم الإسلام للذي ببكة .
السابع : أن أول بيت وضع لإنذار الناس للذي ببكة مباركاً .
الثامن : أن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً بدخول النبي محمد صلى الله عليه وآله لها فاتحاً .
التاسع : أن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً بحج المسلمين له كل عام .
العاشر : أن أول بيت وضع للناس للذي ببكة إذ يتوجه الناس من كل أرجاء الأرض لإستقباله خمس مرات في اليوم ، قال تعالى [وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ] ( ) ومن معاني إنعدام الحجة للناس بخصوص البيت أن وضعه الله عز وجل لهم بقوله تعالى [إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ]ثم جاء التقييد والإستثناء بعد إقامة الحجة على الناس برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتجلي المعجزات والبراهين الدالة على صدق نبوته , فقال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا] ( ).
لقد كانت الصلاة عهد الله عز وجل لأنبيائه وقوس الصعود الذي يدل على صدق عبادة الناس لله عز وجل لتكون من غايات بعثة الأنبياء تعاهد الصلاة في الأرض كما ورد بخصوص عيسى عليه السلام في التنزيل [وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا] ( ) .
ومن معاني إختتام النبوة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ثبوت تعاهد المسلمين من بعده للصلاة ، وعدم مغادرتها الأرض إلى يوم القيامة بتوارثهم العقائدي والنسبي لها ، وليكون من معاني قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (صلوا كما رأيتموني أصلي)( )، هو تعاهد أداء الصلاة فان فيها دوام الحياة مع تقييد هذا الأداء بأنه بذات الكيفية والأفعال والأركان والأجزاء التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
ومن الإعجاز في الصلاة بلحاظ آية البحث أنها على وجوه :
الأول : رضوان الله عز وجل فإذا أحب الله قوماً فرض عليهم الصلاة وأعانهم على أدائها , حبلاً يقربهم الله وضياءً ينير لهم مسالك الآخرة ، فيؤدون الصلاة جماعات وفرادى ويقفون بين يديه بخشوع وخضوع وهي سنة منذ أن هبط آدم للأرض ، إذ تدل إقامة الصلاة على قانون وهو عدم الإنفكاك بين حياة الإنسان في الأرض وبين العبادة بأبهى وأجل مصاديقها وهي الصلاة ، فليس من حصر لضروب عبادة الإنسان لله عز وجل خاصة بلحاظ عموم أفراد الزمان الطولية من أيام أبينا آدم وإلى يوم القيامة ، والصلاة هي مخ العبادة وركنها ، فجعل الله عز وجل رضوانه فيها لذا قال سبحانه [إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ] ( ).
الثاني : في الصلاة رضا لله ، وإمتثال لأوامره سبحانه , وإمتناع عن الخروج عن طاعته , وتتجلى فيها الحكمة , واتباع رضوان الله واتباع الهدى ، قال سبحانه [فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ]( ).
الثالث : لقد رضي الله عز وجل للمسلمين أن تكون الصلاة حبلاً ممدوداً بينه وبينهم , والوسيلة التي تتجلى فيها صيغ الإقرار بروبيته المطلقة , والخشوع والخضوع له سبحانه .
ونظر محمد بن واسع إلى ابن له يخطر بيده فقال له تعالى ويحك أتدري ابن من أنت أمك إشتريتها بمائتي درهم وأبوك لا كثّر الله في المسلمين ضربه( ).
الرابع : من أركان الصلاة تلاوة القرآن ، وفي تعاهدها رضا الله عز وجل وشاهد على حب المسلم لله سبحانه ، وقد ذم الله عز وجل قوماً على ترك التلاوة ، وأخبر بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يشتكيهم إلى الله يوم القيامة كما ورد في التنزيل (وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا) ( ).
ومن بديع صنع الله عز وجل في خلق الإنسان وحياته وحسابه في الآخرة إتحاد العمل الذي تكون فيه مرضاة الله ، وفي ذات الوقت يكون واقية من سخط الله مثل الصلاة .
وقد يكون العمل فيه سخط الله وسوء العاقبة والحرمان من رضوان الله مثل الربا والزنا وشرب الخمر ونحوها , قال تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ).
التاسع : من المشتركات بين الأنبياء فعل الخيرات , والمسابقة في الصالحات , وإكرام أهلها .
العاشر : بشارة أمهات الأنبياء بهم , وخشيتهن وأهلهم عليهم .

مشاركة

Facebook
Twitter
Pinterest
LinkedIn

مواضيع ﺫات صلة