معالم الإيمان في تفسير القرآن – الجزء- 149

المقدمــــة

اللهم لك الحمد حمداً مباركاً في ذاته وتعاقبه وتجدده، وإصلاح وإخلاص النية فيه، وبقائه تركة للذرية وغيرهم.
اللهم لك الحمد أن جعلت الحمد لك ملأ الفم وإنارة للجوارح وصراطاً مستقيماً وشاهداً على الهداية ، ومصداقاً لها بقوله تعالى[مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا]( ).
اللهم لك الحمد عدد أفراد ومصاديق رحمتك في الدنيا، وفي الآخرة، وعدد كلماتك التي لا تنقطع ولا تنفد حتى لو صارت الأشجار أقلاماً، والبحار مداداً لها.
اللهم لك الحمد أن جعلت الحمد وسيلة تقربنا منك زلفى وإذا كان الإنسان يسعى إلى حاجاته بالخطوات والمشي أو بوسائط حديثة سريعة كالسيارة والطائرة فإن كلمة الحمد لله تخترق سبع سماوات لتبقى هي الأسرع ما دامت السموات والأرض ، وهي الخاتمة بقوله تعالى في بشارة أهل الجنة والثناء عليهم[دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ]( ).
وعن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا قالوا سبحانك اللهم أتاهم ما اشتهوا من الجنة من ربهم)( ).
اللهم لك الحمد أن جعلت الحمد دعاءً ومفتاحاً للبركة، وبلغة لقضاء الحوائج، وعن جابر بن عبد الله قال(سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله) ( ), وفي حديث آخر: أفضل العلم لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الاستغفار ثم تلا رسول الله صلى الله عليه واله: ” فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك “)( )، لبيان أن كلمة التوحيد سور الموجبة الكلية الجامع لمراتب الذكر والإرتقاء في العلم وهل الذي تبعث إليه آية البحث التي جاء هذا الجزء بتفسيرها وتأويل مضامينها القدسية.
اللهم لك الحمد أن هديتنا للنطق بالحمد والثناء عليك وجعلت هذا الحمد دعاءً ومسألة، ومن الآيات أن هذه الدعاء لا يختص بأمر معين ولا ينحصر بما يعلمه العبد من حاجاته، إنما يشمل كل ما فيه مصلحة له، وما يفيد دفع مفسدة عنه في البدن والحال والدين , وفي الدنيا والآخرة [وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ]( ).
اللهم لك الحمد عدد قطر السحاب بين السماء والأرض وعدد آنات الزمان في الليل والأرض.
اللهم لك الحمد أن صليت على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين وأمرت المسلمين والمسلمات إلى يوم القيامة بالصلاة عليه بقولك[إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا]( ).
اللهم لك الحمد على كل نَفَس وعلى كل قيام وقعود في الدنيا والآخرة حمداً طيباً مباركاً غير مودع ولا سئم.
اللهم لك الحمد أن أنعمت علينا بصدور مائة وثمانية وأربعين جزءً قبل هذا الجزء الذي نضعه بين أيادي القراء الكرام ولا زلتُ في تفسير سورة آل عمران وهي ثالث سورة في نظم القرآن بعد سورة الفاتحة وسورة البقرة.
ويتضمن هذا الجزء تفسير الآية الكريمة [هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ] وفي الآية مسائل :
الأولى : هل من أثر لما يعمل المؤمنون في مرتبة الدرجات التي ينالون.
الثانية : هل من موضوعية لدرجات المؤمنين بماهية ما يفعلون .
الثالثة : هل من نفع لتلاوة آية البحث أعلاه في المرتبة والدرجة التي ينالها المسلم وفيما يعمل من الصالحات.
الجواب على كل مسألة أعلاه بنعم، وهو من فضل الله عز وجل إذ ينزل الله الآية القرآنية ليفتح باب الثواب للناس وفق ما يرد فيها من الأوامر وما يبعث على الصالحات، ويزجر عن المعاصي والسيئات , قال تعالى [وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ]( ).
ومن إعجاز آية البحث أنها ذكرت قانوناً وهو أن المؤمنين على مراتب ودرجات عند الله ، ليكون ذات التفقه في هذا القانون مراتب ودرجة ومقدمة للإرتقاء بلحاظ أمور :
الأول : مبادرة المسلم إلى فعل الصالحات.
الثاني : إتيان المسلم العمل الصالح عن معرفة وتدبر .
الثالث : موضوعية قصد القربة في عمل المسلم .
الرابع : بذل المسلمين الوسع لنيل الدرجات عند الله عز وجل , وفي التنزيل[وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا]( ).
الخامس : قيام المسلمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وفيه إرتقاء من وجوه لكل من :
أولاً : الآمر بالمعروف .
ثانياً : متلقي الأمر بالمعروف .
ثالثاً : الممتثل للأمر بالمعروف وإن لم يكن هو المقصود به .
وهل يصح الأمر بالمعروف من غير قصد شخص معين ، كما في السهم الغارب الذي يرميه صاحبه من غير أن يقصد هدفاً مخصوصاً ولكن له غرض عام ، الجواب إنه قياس مع الفارق ، فالأمر بالمعروف زرع مبارك مستديم وبلغة نحو نيل الدرجات بلحاظ أنه عمل صالح ، قال تعالى [وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ] ( ) .
ومن خصائص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنهما سبيل للفوز بالدرجات ، وواقية من العذاب .
رابعاً : الناهي عن المنكر .
وعن سعيد بن المسيب ، عن عبد الرحمن بن سمرة قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله يوما فقال: إني رأيت البارحة عجائب، قال: فقلنا: يا رسول الله وما رأيت ؟ حدثنا به فداك أنفسنا وأهلونا وأولادنا.
فقال: رأيت رجلا من أمتي وقد أتاه ملك الموت ليقبض روحه فجاءه بره بوالديه فمنعه منه.
ورأيت رجلا من أمتي قد بسط عليه عذاب القبر فجاءه وضوؤه فمنعه منه.
ورأيت رجلا من امتي قد احتوشته الشياطين فجاءه ذكر الله عزوجل فنجاه من بينهم.
ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته ملائكة العذاب فجاءته صلاته فمنعته منهم،
ورأيت رجلا من امتي يلهث عطشا كلما ورد حوضا منع، فجاءه صيام شهر رمضان فسقاه وأرواه، ورأيت رجلا من امتي والنبيون حلقا حلقا كلما أتى حلقة طرد فجاءه اغتساله من الجنابة فأخذ بيده فأجلسه إلى جنبي.
ورأيت رجلا من امتي بين يديه ظلمة ومن خلفه ظلمة وعن يمينه ظلمة وعن شماله ظلمة ومن تحته ظلمة مستنقعا في الظلمة، فجاءه حجه وعمرته فأخرجاه من الظلمة وأدخلاه النور.
ورأيت رجلا من امتي يكلم المؤمنين فلا يكلمونه فجاءه صلته للرحم فقال: يا معشر المؤمنين كلموه فإنه كان واصلا لرحمه( ).
فكلمه المؤمنون وصافحوه وكان معهم.
ورأيت رجلا من امتي يتقي وهج النيران وشررها بيده ووجهه فجاءته صدقته فكانت ظلا على رأسه وسترا على وجهه، ورأيت رجلا من امتي قد
أخذته الزبانية من كل مكان فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فخلصاه من بينهم وجعلاه مع ملائكة الرحمة.
ورأيت رجلا من امتي جاثيا على ركبتيه، بينه وبين رحمة الله حجاب فجاءه حسن خلقه فأخذه بيده فأدخله في رحمة الله، ورأيت رجلا من امتي قد هوت صحيفته قبل شماله فجاءه خوفه من الله عزوجل فأخذ صحيفته فجعلها في يمينه.
ورأيت رجلا من امتي قد خفت موازينه فجاءه أفراطه( )، فثقلوا موازينه، ورأيت رجلا من امتي قائما على شفير جهنم فجاءه رجاؤه من الله عز وجل فاستنقذه من ذلك.
ورأيت رجلا من امتي قد هوى في النار فجاءته دموعه التى بكى من خشية الله فاستخرجته من ذلك.
ورأيت رجلا من امتي على الصراط يرتعد كما ترتعد السعفة في يوم ريح عاصف فجاءه حسن ظنه بالله فسكن رعدته ومضى على الصراط.
ورأيت رجلا من امتى على الصراط يزحف أحيانا ويحبو( )، أحيانا ويتعلق أحيانا فجاءته صلاته علي فأقامته على قدميه ومضى على الصراط.
ورأيت رجلا من امتي انتهى إلى أبواب الجنة كلما انتهى إلى باب اغلق دونه فجاءته شهادة أن لا إله إلا الله صادقا بها ففتحت له الابواب ودخل الجنة.
عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أرض القيامة نار ما خلا ظل المؤمن فإن صدقته تظله)( ). والظاهر إرادة بعض مواطن الحساب , وليس أرض الجنان التي تجري من تحتها الأنهار .
خامساً : المتلقي والسامع للنهي عن المنكر .
سادساً : المنزجر عن المنكر والفعل القبيح قبل النهي وبعده .
سابعاً : الذي يقوم بنقل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى غيره رجاء إنتفاع الناس وإتعاظهم .
السادس : الإقرار بأن المؤمنين على درجات عند الله ورفعة وإرتقاء في الأجر , لما فيه من التسليم بأن مقاليد الأمور بيد الله وأنه تعالى يثيب على فعل الصالحات .
ومن وجوه الثواب سمو الدرجات في الدنيا والآخرة وهو من مصاديق قوله تعالى[وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ]( )، بتقريب أن الله عز وجل يكرم عباده الصالحين في ملكه وسلطانه [وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ]( ).
ومن الآيات أن هذه الدرجات أسماً ومسمى وليس أسماً وحده ، بل كل درجة فيها من الخير العظيم والنعم المتصلة والثواب الكثير .
السابع : التفقه في قانون الدرجات تنمية لملكة حب هذه الدرجات ، وباعث للشوق للفوز بها ، ووسيلة مباركة للسعي نحوها ، بصيغ الصلاح وسنن التقوى .
وهل من فاصلة وبرزخ بين كل درجتين من هذه الدرجات ، الجواب لا ، فالفارق الرتبي بينها لا يعني وجود برزخ وحاجب بين أهل كل درجة والأخرى أو بين النعم التي ينالون ، (عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يتزاور أهل الجنة على نوق عليها الحشايا فيزور أهل عليين من أسفل منهم، ولا يزور من أسفل منهم أهل عليين إلا المتحابين في الله فإنهم يتزاورون من الجنة حيث شاؤوا) ( ).
لبيان موضوعية الحب في الله عز وجل في الدنيا ومنافعه في الآخرة بالإستثناء من قانون الزيارة إلى الجنة الأعلى، وفيه ترغيب للمسلمين بنشر مفاهيم المودة بينهم، ونبذ أسباب الكدورة والغضاضة، قال تعالى[ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ]( ).
وهل تبعث آية البحث على المودة والألفة بين المسلمين، الجواب نعم، إذ أنها تبين لكل واحد منهم منزلة وشأن إخوانه عند الله عز وجل، ولتكون الضابطة الكلية والجامع المشترك هو تقوى الله، قال تعالى[وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ]( ).
وتؤكد آية البحث علم الله عز وجل بأفعال العباد وأنه تعالى لا يخفى عليه أهل الطاعة أو أهل المعصية ، فقد يمدّ الله سبحانه للكافر في الدنيا , لتدل آية البحث على أن هذا المد إستدراج من الله له ، وأنه ليس له شأن عند الله عز وجل إنما هو ممن سخط الله عليه، وفيه زجر عن الإغترار بالحياة الدنيا ومباهجها .
ويحتمل المراد من الضمير في قوله تعالى [هُمْ دَرَجَاتٌ] وجهين :
الأول : المعنى الخاص وأن المراد هم المؤمنون عند الله .
وهل يمكن القول بتقدير الآية لهم درجات عند الله) بلحاظ أن القرآن يفسر بعضه بعضاً ، قال تعالى [لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ] ( ).
والمختار أن النعم والمنزلة الرفيعة قوله تعالى [هُمْ دَرَجَاتٌ] غير التي في قوله تعالى [لَهُمْ دَرَجَاتٌ] إذ تأتي الدرجات في آية البحث صفة لذات الناس أو المؤمنين خاصة ، أما المراد من قوله تعالى [لَهُمْ دَرَجَاتٌ] فهو بيان لمراتب عند الله عز وجل للمؤمنين ، لتكون النسبة بين الدرجات في الآيتين هي العموم والخصوص المطلق ، ويكون الجمع بين الآيتين : هم درجات عند الله ولهم درجات عنده .
الثاني : المعنى العام وإرادة أهل الطاعة ونيلهم المنزلة الرفيعة عند الله ، وأهل المعصية ونزول سخط الله عز وجل بهم كل واحد منهم حسب قبح فعله .
ولو دار الأمر بين المطلق والمقيد في الكلام العربي مطلقاً ، والقرآن خاصة ، فالأصل هو الإطلاق ، وفي أسرار وعلوم اللغة العربية قال السيوطي(ومما لا يمكنُ نقلهُ البتَّة أوصافُ السيف، والأسد، والرُّمح، وغير ذلك من الأسماء المُترادفة، ومعلوم أن العجمَ لا تعرفُ للأسد أسماء غيرَ واحد، فأما نحن فنخرج له خمسين ومائة اسم.
وحدثني أحمد بن محمد بن بندار قال: سمعتُ أبا عبد اللّه بن خالَويْه الهمذاني يقول: جمعت للأسد خمسمائة اسم، وللحيَّة مائتين، قلت: ونظيرُ ذلك ما في فقه اللغة للثعالبي: قد جمع حمزة بن حسن الأصبهاني من أسماء الدواهي ما يزيد على أربعمائة، وذكر أن تكاثر أسماء الدواهي من الدواهي.
قال: ومن العجائب أن أمةً وسَمت معنى واحداً بمئين من الألفاظ.
ثم قال ابن فارس: وأخبرني عليُّ بن أحمد بن الصبّاح قال: حدثنا أبو بكر بنُ دُريد قال: حدثنا ابن أخي الأصمعي عن عمِّه أن الرشيد سألَه عن شعر لابن حزام العُكْلي، ففسَّره فقال: يا أصمعي؛ إن الغريب عندك لغيرُ غريب. قال: يا أمير المؤمنين، ألا أكون كذلك وقد حفِظت للحَجَر سبعين اسماً؟ قال ابن فارس: فأين لسائر الأُمم ما للعرب؟
ومن ذا يُمكنُه أن يُعبّر عن قولهم: ذَات الزُّمَين، وكثرة ذات اليد، ويد الدّهر، وتخَاوَصَت النجوم، ومجَّت الشمسُ ريقَها، ودَرَأ الفيء، ومَفاصل القول، وأتى بالأمر من فصّه، وهو رَحْب العَطَن، وغَمْرُ الرِّداء، ويَخْلق ويَفْرِي، وهو ضيّق المَجَم، قَلِق الوضِين، رابط الجأش، وهو ألْوى، بعيد المُسْتَمَرّ، وهو شَرَّاب بأنقُع، وهو جُذَيلُها المُحَكّك، وعُذَيقُها المرَجَّب، وما أشبه هذا من بارع كلامهم، ومن الإيماء اللطيف، والإشارة الدالة.
وما في كتاب اللّه تعالى من الخطاب العالي أكثر وأكثر؛ كقوله تعالى: “ولكُمْ في القِصاص حياةٌ” . و “يحسبون كلَّ صَيحةٍ عليهم” .
“وأُخْرَى لم تَقْدِرُوا عليها قد أحاطَ اللّهُ بها”، و “إن يتَّبعون إلاَّ الظَّنَّ، وإنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِى من الحقّ شيئاً ” . “ولا يحيقُ المكرُ السَّيِّئُ إلا أهله”)( ).
ومن الإعجاز في المقام مسائل :
الأولى : مجئ الآية السابقة لآية البحث بصيغة العموم إذ تجمع بين المتضادين مع إستقلال كل فريق منهم بجزائه ، وهو من معاني البيان لقوله تعالى [أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ] ( ).
ليكون تقديرها بلحاظ آية البحث التي جاءت متعقبة لها ، أفمن اتبع رضوان الله وهم درجات عند الله كمن باء بسخط من الله وهم درجات عند الله ومأواهم جهنم وبئس المصير ) .
الثانية : صيغة الغائب في آية البحث ، إذ إبتدأت بالضمير (هم) وكأن الآية معطوفة على الآية السابقة .
الثالثة : إختتام الآية السابقة بذكر الذين غضب الله عز وجل عليهم .
الرابعة : لغة العموم والإطلاق في الشطر الثاني من آية البحث بقوله تعالى [وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ] ( ) ولم تقل الآية (بصير بما تعملون ).
ومن إعجاز آية البحث أنها تستصرخ الناس وتستغيث بهم من أجل نجاتهم وسلامتهم في النشأتين , وتدعوهم للإقتداء بالمؤمنين , ونيل ما فازوا به من الدرجات العالية , والله سبحانه غني عن العباد وأفعالهم، لتكون الآية القرآنية منّا ولطفاً متجدداً يتغشى الناس جميعاً , ومن مصاديق قوله تعالى [فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ] ( ) من جهات :
الأولى : ذات مضامين الآية القرآنية .
الثانية : الإعجاز الذاتي للآية القرآنية.
الثالثة : جمع الآية القرآنية بين البشارة والترغيب بفعل الصالحات لأنها بلغة للبث الدائم في الجنان، قال تعالى[وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا]( ).
الرابعة : صيغ النداء في الآية القرآنية .
وتتجلى هذه الصيغ من وجوه :
منها تضمن الآية القرآنية النداء العام والخاص ، ومن الأول قوله تعالى [يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ] ( ) لتكون الدرجات التي تذكرها آية البحث بلحاظ الآية أعلاه على وجوه :
الأول : تلقي النداء أعلاه بالتصديق .
الثاني : العمل بمضامين النداء .
الثالث : عزم وحرص المسلم على تقوى الله والخشية منه .
الرابع : تحلي المسلم بالتقوى في القول والعمل .
الخامس : إتخاذ التقوى طريقاً لبلوغ الدرجات العالية .
السادس : بعث آية البحث المسلمين على تقوى الله , وجعل الدنيا مزرعة وبلغة لنيل الدرجات العالية عند الله ، وهو من الغايات الحميدة لآية البحث ، فصحيح أنها وردت بصيغة الغائب [هُمْ دَرَجَاتٌ] إلا أنها تتضمن حث المسلمين على السعي للوصول إلى هذه الدرجات .
ومن أسرار صيغة الجمع في الدرجات دعوة المسلمين للمسارعة في عمل الصالحات , والسعي لإرتقاء الدرجة ، قال تعالى [وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ] ( )
ليكون من خصائص السعي في بلوغ درجات الرفعة والعلو الخشية من الله والتوقي والإحتراز من النار ، وهو من مصاديق قوله تعالى [نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ] ( ) بلحاظ أن مادة الرفعة هو العلم والزهد والإخلاص في العبادة .
لتكون الرفعة في المقام على وجوه :
أولاً : العلو في الدنيا .
ثانياً : الرفعة في الآخرة .
ثالثا: الرفعة والوجاهة في الدنيا والآخرة .
وقيل في الآية أعلاه تقديم وتأخير ، وتقدير الآية هو : نرفع من نشاء درجات ) والأولى معنى قراءة الآية بالنص والظاهر , مع بيانه والمعنى المستقرأ من التقديم والتأخير.
ومن إعجاز القرآن التقديم والتأخير فيه وهو علم ذو لطائف وفوائد متعددة تتعدى البلاغة , وأسرارها , وتبين سعة الدلالة للفظ القرآني، ومن أسرار محاسنه وبقائه غضاً طرياً إلى يوم القيامة، ويأتي التقديم والتأخير في القرآن لوجوه:
الأول : بديع نظم الكلام.
الثاني : التقديم للإختصاص، كما في قوله تعالى[وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ]( )،[ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ]( ).
الثالث : تقديم صيغة على أخرى، بلحاظ النداء أو زمان الفعل أو الضمير، وإتخاذ سنخية الموضوع مع التباين في المعنى، كما في قوله تعالى[يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ]( ).
الرابع : تقديم آية على أخرى في نظم القرآن، من غير لحاظ لأوان وزمان النزول، فقد تنزل آية في زمان متأخر لتكون في موضع متقدم في نظم القرآن، وهو من مصاديق التوقيف في سياق الآيات، إذ كان جبرئيل عليه السلام يقول للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ضع هذه الآية في الموضع الفلاني.
الخامس : الإختلاف والتعدد في التقديم والتأخير بين فردين وأمرين أو أمور مخصوصة بحسب ما يقتضيه المقام، فمثلاً بالنسبة للجن والإنس يأتي التقديم بحسب الخلق وأوانه، قال تعالى[وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ]( )، ولما تعلق البيان بالإحتجاج والأولوية في البرهان تقدم ذكر الإنس كما في قوله تعالى[لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا]( )، لبيان حضور وإستدامة التحدي بوجود الناس وإمكان مخاطبتهم، وتأكيد عجزهم وهم أرباب العقول عن الإتيان بمثل القرآن.
السادس : تقدير الجار والمجرور بما يفيد الحصر والتحصيل والقطع , كما في[فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ]( )، [وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ]( ).
ويمكن تأسيس قانون وهو عدم الإنتقال إلى التقديم والتأخير إلا بعد إستيفاء المعنى بذات نص الآية ، ومن الإعجاز فيه بيان تقدم وموضوعية المشيئة الإلهية في ذات الدرجات إذ أنها فضل من عند الله ، ولا يقدر الناس على التفكر في مسألة الدرجات وإستحضارها بالوجود الذهني لولا إخبار الله عز وجل عنها ، لبيان قانون وهو أن ما لا يعلمه الناس والخلائق هو أكثر مما يعلمون ، ليكون قوله تعالى للملائكة [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) على وجوه محتملة :
أولاً : الأمور والأشياء التي يعلمها الملائكة أكثر من التي لا يعلمون .
ثانياً : ما يجهل الملائكة من الأمور والأشياء أكثر مما يعلمون .
ثالثاً : نسبة التساوي بين ما يعلمه الملائكة وما لا يعلمون .
رابعاً : التعدد والتباين ، فمرة يكون ما يعلمه الملائكة أكثر مما يجهلون وأخرى أقل .
والمختار هو ثانياً أعلاه ، وهو قانون عام يشمل الخلائق كلها ، وهو صيرورة الأمور التي تجهلها الخلائق أكثر من التي تعلمها نعمة عليهم ، الجواب ، فمن بديع صنع الله وعظيم قدرته حصر علوم الغيب به سبحانه وما يطلع عليه الملائكة والأنبياء والناس شئ كثير وعظيم بالنسبة لهم ، وهو جزء يسير وقليل من علم الله عز وجل.
لذا تفضل الله عز وجل وأثنى على المسلمين ومدحهم بقوله [الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ] ( ).
ومن عظيم قدرة الله عز وجل أنه جعل الحواجز والفواصل بين علمه وعلم الخلائق ، وأخبر عن كون المفاتيح والقوانين الأساسية في الخلق لا يعلمها غيره سبحانه .
قال تعالى [وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ] ( ) لبيان ما تفرد به الله عز وجل من العلم التفصيلي , والمفاتح جمع مفتاح ومفتح وهو الذي يتوصل به إلى إستخراج المغلق الذي يصعب الوصول إليه .
ومما لا يعلمه الناس أمور :
الأول : درجات الناس عند الله .
الثاني : ماهية وسنخية هذه الدرجات .
الثالث : عظيم فضل الله على كل إنسان في تعيين درجته .
فان قلت قد يكون بلحاظ المعنى الأعم للدرجات تردي بعضهم في النار ، فهل هو من فضل الله عز وجل , الجواب نعم ، لما فيه من التخويف والإنذار والتذكير بعالم الآخرة ، إذ تتقوم الحياة الدنيا ودوامها بهذا التذكير ، ولما فيه من إصلاح النفوس وتهذيب عالم الأفعال ، وهو من مصاديق علم الله الذي إحتج به على الملائكة عنده أستفهموا وسألوا عن خلافة الإنسان في الأرض ، وهو الذي [يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ] ( ).
إذ أجابهم الله عز وجل بالحجة والبرهان بأنه سبحانه يعلم بأن إخبار الناس عن الوقوف بين يديه للحساب وصيرورتهم درجات عنده سبحانه سبب لتفاني أمة منهم في فعل الصالحات وصبرهم في مرضاة الله وقيامهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وكأن آية البحث تقول للمسلمين والناس (يا أيها الناس كونوا درجات عند الله ).
وجاء الشطر الثاني من آية البحث [وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ] لبيان عظيم قدرته وسعة سلطانه لذا تقدمت صفة البصير على عمل الناس ، وجاء قوله تعالى [فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ] ( )بتقديم العمل ،لإنذار الذين كفروا وبعث السكينة في نفوس المسلمين ، ولبيان إحاطة الله علماً بما هو كائن وما هو يكون ، وفي التنزيل [أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ] ( ).
(عن سهل بن سعد الساعدي . أن رسول الله صلى لله عليه وآله وسلم قال لعبد الله بن عباس : ألا أعلمك كلمات تنتفع بهن؟ قال : بلى يا رسول الله . قال : احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده أمامك ، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة ، إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، جف القلم بما هو كائن ، فلو جهد العباد أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه ، ولو جهد العباد أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه ، فإن استطعت أن تعمل لله بصدق في اليقين فافعل ، فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً ، واعلم أن النصر مع الصبر ، وأن الفرج مع الكرب ، وأن مع العسر يسراً ) ( ).
وأنه سبحانه يمنّ على الناس بتقريبهم إلى منازل الطاعة وصرفهم عن فعل السيئات والتمادي فيها ، ومن وجوه تقدير الآية على وجوه :
الأول : والله بصير بما سيعملون ، بلحاظ إرادة المعنى سوف القريب من السين في سيعلمون .
الثاني : والله بصير بما سوف يعملون ) لبيان علم الله عز وجل بما يعمله الإنسان في قادم الأيام ، وما تعمله الأجيال اللاحقة من الناس ممن لم يولد بعد .
الثالث : والله بصير بما يعملون لإرتقائهم في سلم الدرجات .
ولا يختص هذا الإرتقاء بعمل ذات الإنسان ، فقد يأتيه النفع .
وتحتمل الصلة والنسبة بين الضمير المنفصل (هم) في قوله تعالى [هُمْ دَرَجَاتٌ]وبين واو الجماعة في [يَعْمَلُونَ]وجوهاً :
الأول : إرادة التساوي بينهما ، وأن المقصودين بالدرجات هم المؤمنون ، وكذا في الواو من يعلمون .
الثاني : نسبة العموم والخصوص المطلق ، وهو على شعبتين :
الأولى : المقصود من واو الجماعة في [يَعْمَلُونَ] أعم وأكثر من المراد من الضمير [هُمْ ] في [هُمْ دَرَجَاتٌ].
الثانية : المراد من الضمير [هُمْ ] أكثر وأعم من المقصود من واو الجماعة في [يَعْمَلُونَ].
الثالثة : نسبة العموم والخصوص من وجه ، وأن هناك مادة للإتقاء وأخرى للأفتراق بين الضمير [هُمْ] وبين الواو في آية البحث .
الرابعة : التباين بين معنى الضمير وواو الجماعة فالمراد من الضمير[هُمْ ] المؤمنون والمقصود من واو الجماعة في [يَعْمَلُونَ] هم الذين كفروا في تعديهم وظلمهم لأنفسهم وإصرارهم على قتال النبي ومحاربة التنزيل والإيمان .
الخامسة : تعدد المعنى لكل من الضمير [هُمْ] وواو لجماعة ، فمرة يكون من الوجه الأول أعلاه وأخرى من غيره وهكذا .
ولا تعارض بين هذه الوجوه ، وهو من الإعجاز في اللفظ القرآني والصلة و التداخل في معاني الآية القرآنية الواحدة ، وكذا بين معاني آيات القرآن ، وهو من أسرار إحاطة كلمات القرآن لمحدودة والبالغة (77439) كلمة باللامحدود في الوقائع والأحداث , قال تعالى [وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا] ( ).

حرر في 2/2/2017
4 جمادي الآخرة 1438

قوله تعالى[هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ]الآية 163
الإعراب واللغة
هم : ضمير منفصل مبتدأ في محل رفع .
درجات : خبر مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره ، وقيل تقديره ذوو درجات بحذف مضاف، والمختار إرادة المعنى المرسوم في الآية إلى جانب المتعدد من المعاني المقدرة.
عند : ظرف مكان منصوب بالفتحة الظاهرة على آخره .
الله : لفظ الجلالة , مضاف إليه .
والله بصير : الواو : حرف عطف ، لفظ الجلالة : مبتدأ مرفوع بالضمة.
بصير : خبر مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره .
بما يعملون : الباء حرف جر ، ما : اسم موصول مبني في محل جر متعلق ببصير .
يعملون : فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره
الواو : فاعل .
وجملة : هم درجات لا محل لها استئنافية .
ويأتي الدرج في الإرتقاء والعلو إلى فوق ، وضده الدرك أي إلى أسفل، فالذين آمنوا لهم وعملوا الصالحات في درجات النعيم , أما الذين كفروا فلهم دركات النار ، لذا ورد قوله تعالى [إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ] ( ).
وتدل الآية أعلاه على تعدد أفراد الدرك التي يقيم فيها الذين كفروا ودركات النار منازل أهلها وطبقاتهم.
ولم يرد لفظ الدرك متحداً أو متعدداً في القرآن إلا في الآية أعلاه لشدة العذاب فيه ، وسوء عاقبة المنافقين.
وهل فيه بشارة بتوبة كثير من المنافقين.
الجواب ، نعم لذا وردت الآية أعلاه بصيغة الجملة الخبرية ، وبعد أن إبتدأت الآية التي قبلها بنداء الإيمان وتحذير المسلمين من إتخاذ الكافرين أولياءً( ) .
وقيل (إن الجنة درجات والنار دركات) ( ).
ويم الدرك معركة بين الأوس والخزرج قبل هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم, قال ابن دريد (ويوم الدَّرَك : يوم من أيام العرب، وأحسبه من أيام الأوس والخَزْرَج بينهم) ( ).
في سياق الآيات
صلة هذه الآية بالآيات المجاورة وهو على شعبتين :
الشعبة الأولى : صلة هذه الآية بالآيات السابقة لها ، وهي على وجوه :
الأول : صلة هذه الآية بالآية السابقة [أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ] ( ) وفيه مسائل :
المسألة الأولى : تقدير الجمع بين الآيتين ، أفمن اتبع رضوان الله هم درجات عند الله ) وفيه وجوه :
أولاً : لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا محل إختبار وإمتحان للناس يداهم الإمتحان الإنسان وإن هرب من الإختبار والإمتحان ، أو يقع فيه طوعاً أو قهراً ، لذا إغترت بعض الطوائف بالدنيا وميدان العمل وذات الإغترار إبتلاء آخر ، فلابد من العمل والكسب للدنيا والآخرة .
وتبين الآية السابقة أن الناس في إمتحان الدنيا على قسمين :
الأول : الذين آمنوا ويسعون في رضوان الله .
الثاني : الذين كفروا ويصرون على الباطل .
لتأتي آية البحث لتبين أن كل قسم من هذين القسمين على مراتب متفاوتة ودرجات متعددة ، بلحاظ صيغ الطاعة وأسباب المعصية ، لتكون الحياة الدنيا دار سباق ، أو دار تفريط وتباطئ .
إذ يتسابق المؤمنون في فعل الخير ويتباعدون عن فعل السيئات ، أما الذين كفروا فأنهم قد يتسابقون في المعاصي ، ويفرطون ويتكاسلون عن الصالحات ، قال تعالى [ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ] ( ).
لتكون كل من آية البحث والسياق من فضل الله عز وجل ، ومع كثرة الآيات التي ورد فيها لفظ الفضل ، فانه لم يرد بصفة الكبير إلا في ثلاث آيات ، قال تعالى [وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الكَبِيرُ] ( ).
نعم ورد وصف فضل الله بالمبين والجلي الواضح ، وورد حكاية عن سليمان في التنزيل [وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ] ( ).
وهل يتحد المعنى في كل من الفضل العظيم ، الكبير ، المبين ، أم لكل منها دلالات خاصة.
الجواب هو الثاني ، لبيان تعدد فضل الله وأنه من اللامتناهي والأمر الخارق للتصور الذهني ، وهو من مصاديق كلمات الله في قوله تعالى [وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] ( ).
وجاءت الآية أعلاه بحرف الإمتناع (لو) ولم تقل و(إذا) لبيان أن الآية وردت للمثال وأن الأرض والأقلام تفنى والبحار تجف إذ أستعملت لكتابة وتدوين كلمات الله، ومع هذا تبقى كلمات الله متجددة ومتصلة ليس لها حد أو منتهى ، ومنها درجات أهل الإيمان في الآخرة ، وما يأتيهم من الرزق الكريم .
ويبعث الجمع بين آية البحث والآية السابقة لها المسلمين على بذل الوسع في طاعة الله والإنفاق في سبيله والإجتهاد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وفيه دعوة للناس جميعاً للتدبر والإنابة في مصداق جلي من مصاديق قوله تعالى[وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ).
لقد جعل الله عز وجل الإنسان يميل بفطرته إلى المنافسة في الأمور التي يختص بها ويقدر على المنافسة فيها فأصحاب الأموال والعقارات يتنافسون في كثرة الملك والشراء ، وإجتناب البيع والتفريط بالملك ، ويسعى أصحاب الأموال إلى النماء والزيادة في أموالهم ، ويتنافس طلبة العلم في الكسب والتحصيل.
ونزلت آية البحث لتبين أن أفضل ميادين المنافسة هو ما كان في طاعة الله عز وجل ، ومنه التقيد بالمناسك , وأداء أصحاب الأموال ما يتعلق بذمتهم وأموالهم من الزكاة والخمس ، قال تعالى [وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ]( ).
كما ورد البعث على الأمر بفعل الحسنات والمنافسة فيه ، وتجلي وثبات أمة مخصوصة بين المسلمين يتسابقون ويتنافسون فيه ، قال تعالى [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ]( ).
المسألة الثانية : ذكرت آية البحث اسم الجلالة مرتين ، وكذا بالنسبة للآية السابقة ، واختتمت آية البحث بتعاقب اسمي الجلالة بقوله تعالى [عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ]( ) لإفادة قانون وهو لزوم إنقياد الناس لأوامر الله عز وجل والإمتناع عن مواطن سخطه الذي تذكره وتتوعد به آية السياق فليس للإنسان في الحياة الدنيا إلا اتباع رضوان الله ، قال تعالى [قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ] ( ).
ومن معاني تكرار ذكر الله عز وجل في آية البحث والسياق تنمية ملكة الخشية منه تعالى في النفوس ، والبعث على الإنقياد لأوامره ونواهيه في السر والعلانية ، وهو من مصاديق قوله تعالى [أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ]( ).
واتباع رضوان الله عز وجل من أفراد ذكره تعالى ومن مصاديق اطمئنان القلوب بذكره سبحانه.
فمن بديع صنع الله أنه سبحانه يتفضل بأمر لتكون مصاديق الإمتثال له متعددة ، وبحسبه من جهة الإيجاب والسلب .
كما في الزواج مثلاً فانه مستحب وفيه رضوان الله ، وقد يكون واجباً بالحكم الثانوي ، وفي التحصن به من المعصية رضوان الله عز وجل وليس من ساعة تمر على الإنسان إلا وفيها فعل يتضمن رضوان الله ، وإجتناب فعل فيه سخط الله ، لذا يمكن تسمية الدنيا دار رضوان الله.
ومن إتخذ الدنيا مزرعة للآخرة ووعاء زمانياً ومكانياً لفعل الصالحات فانه يفوز في الآخرة برضوان الله ويرتقي في درجات الجنان ، لذا فان كلاً من آية البحث والسياق تندب الإنسان إلى جلب المصلحة لنفسه ولغيره ، وتصرفه عن الإضرار بنفسه ، وأختتمت الآية قبل السابقة بقوله تعالى [وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ].
ويمكن القول أن كلاً من آية البحث والسياق من آيات التوحيد التي تدعو إلى عبادة الله وحده والتنزه عن الشرك الظاهر والخفي ، وتزجر عن النفاق وإخفاء الكفر في ذات الوقت الذي يدّعي صاحبه الإيمان ، إذ يلزم إتباع رضوان الله صدق الإيمان ، وإخلاص النية لله ، وقد أثنى الله عز وجل على النبي يوسف بقوله تعالى [كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ] ( ).
وبين الذين يتبعون رضوان الله وعباد الله المخلصين عموم وخصوص مطلق ، لذا فان الله عز وجل يرضى من عباده بالقليل ويعطيهم الكثير ، وهل آية البحث من هذا الكثير، الجواب نعم .
المسألة الثالثة : بين الآيتين من جهة الموضوع عموم وخصوص مطلق فالأصل هو اتباع رضوان الله الذي يكون الموجبة الكلية للناس جميعاً ، وإن تخلف عنه الذين كفروا معصية وظلماً لأنفسهم وغيرهم، فان المسلمين والمسلمات من الذين اتبعوا رضوان الله رحمة بأنفسهم وبالناس، وهو من مصاديق قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
أما الدرجات ومراتب الذين آمنوا فهو فرع اتباع رضوان الله ، لذا جاءت آية الدرجات وهي آية البحث متعقبة لآية الرضوان ، وهل يصح تقدير آية البحث (هم درجات في اتباع رضوان الله).
الجواب نعم ، وهو من الإعجاز في نظم وسياق آيات القرآن، وتسمى الفرائض والعبادات بالتكاليف لما فيها من الكلفة وإرادة الصبر والتحمل من قبل العبد ، وهناك مسألتان :
الأولى : هل في اتباع رضوان الله تكليف , وفيه الثواب.
الثانية : أيهما أشد كلفة ويستلزم التحمل : التكاليف العبادية أم إرتكاب المعاصي .
أما الأولى فالجواب نعم لأن اتباع رضوان الله كلي طبيعي لأفراد العبادات .
وعن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : إن العبد يلتمس مرضاة الله عز وجل ، فلا يزال كذلك . فيقول الله : يا جبريل ، إن عبدي فلانا يلتمس أن يرضيني ، فرضائي عليه، قال : فيقول جبريل : رحمة الله على فلان ، وتقول حملة العرش ، ويقول الذين يلونهم ، حتى يقوله أهل السماوات السبع ، ثم يهبط إلى الأرض( ).
وأداء كل فرض من الصلاة اليومية هو اتباع لرضوان الله ليقوم المسلم باتيان رضوان الله خمس مرات في اليوم، ليكون من مصاديق قوله تعالى[وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ]( )، وفيه وجوه :
أولاً : واستعينوا بالصبر في اتباع رضوان الله .
ثانياً : واستعينوا بالصيام فهو من اتباع رضوان الله .
ثالثاً : واستعينوا بالصلاة وفيها مصداق لإتباع رضوان الله .
وأما المسألة الثانية أعلاه فان ارتكاب المعاصي أشد كلفة، ويتصف بثقل وطأته على النفس من جهات :
الأولى : التنافي والتضاد بين الفطرة الإنسانية وفعل المعصية ، قال تعالى[وَلاَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ]( ).
الثانية : إدراك الإنسان للقبح الذاتي للمعصية، لذا تراه يحرص على التستر فيها.
الثالثة : الضرر الخاص والعام المترشح عن المعصية في الدنيا .
الرابعة : معرفة كل إنسان لقبح الفواحش والمنكرات، وهو من أسرار بعثة الأنبياء , وتقدير قوله تعالى[وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ]( )، في المقام على أقسام :
الأول : مبشرون برضوان الله لمن اجتنب المعصية.
الثاني : مبشرون بالثواب العظيم لمن عصم نفسه عن إرتكاب المعاصي.
الثالث : منذرون لمن أصر على فعل المعاصي .
الرابع : منذرون لمن أعرض عن ذكر الله وإتباع رضوانه.
الخامس : مبشرون لمن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، ومنذرون لمن زهد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , قال تعالى[وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ]( ).
المسألة الرابعة : تقدير الجمع بين الآيتين (افمن اتبع رضوان الله عند الله) وفيه وجوه :
الأول : تتزين كل من آية البحث والسياق باسم الجلالة مكرراً ليكون على وجوه :
أولاً : إنه مدرسة في العرفان.
ثانياً : إنه سبيل هداية نحو الصلاح .
ثالثاً : فيه ترغيب برضوان الله , وبعث للشوق في النفوس لسالكه.
رابعاً : بلوغ الدرجات عند الله سبحانه بفضل وإحسان منه.
خامساً : تكرار اسم الجلالة في الآية مع قلة كلماتها نوع طريق للعروج في عالم الملكوت.
سادساً : نفي الحسرة عن المؤمن الذي يتلو آيات القرآن ويجري على لسانه النطق باسم الجلالة، ليرتوي بهذه التلاوة من غدير السكينة والأمن، وهل تلاوة اسم الجلالة في الآية القرآنية من مصاديق دفع الخوف والفزع عن المسلم، الجواب نعم , وهو سكينة للقارئ والسامع له .
وعن البراء بن عازب قال: كان رجل يقرأ في داره سورة الكهف , وإلى جانبه حصان مربوط حتى تغشته سحابة فجعلت تدنو وتدنو حتى جعل الفرس يفر منها , قال الرجل : فعجبت لذلك , فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له وقص عليه , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : تلك السكينة تنزلت للقرآن ( ).
سابعاً : بيان قانون وهو أن ذكر الله عز وجل أمر حسن بالذات والأثر حال الذكر وبعده، وفي الدنيا والآخرة، روى الشعبي أنه سمع الإمام علي عليه السلام رجلا يقول: والذي احتجب بسبع طباق، فعلاه بالدرة ثم قال: يا ويلك إن الله أجل من أن يحتجب عن شئ أو يحتجب عنه شئ، سبحان الذي لا يحويه مكان، ولا يخفى عليه شئ في الارض ولا في السماء، فقال الرجل: أفاكفر عن يميني يا أمير المؤمنين ؟ قال: لا، لم تحلف بالله فتلزمك الكفارة، وإنما حلفت بغيره( ).
وعلى فرض صحة السند فلابد أن هناك موضوع لليمين وليس مسألة الحلف بالله وحده .
وقد يظن الإنسان الإكتفاء بظنه بأنه اتبع رضوان الله ، أو أن يقول بعضهم بأنه على الهدى واتباع رضوان الله ، فجاءت آية البحث لتبين أن الأصل في الرضوان هو عند الله عز وجل فهو سبحانه [لاَ تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ] ( ) .
فان قلت كيف يعلم العبد بأنه نال رضوان الله وأنه على النهج القويم وطرق الهداية والفلاح.
والجواب قد جعل الله عز وجل القرآن [تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ] ( ) وقد قال الله تعالى [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا] ( ) وتدل آية السياق بالدلالة الإلتزامية على حاجة كل إنسان للجوء إلى القرآن ، والصدور عن أحكامه ومضامينه القدسية ، ليكون كل من هذا اللجوء والصدور مناسبة ووسيلة للإرتقاء في سلم الدرجات .
ومن الإعجاز عدم إخبار آية البحث عن كون المؤمنين على مراتب ودرجات عند الله إلا بعد أن بينت الآية السابقة وجوب إتباع رضوان الله وحذرت من الكفر والجحود وإرتكاب المعاصي .
الثاني : تبعث كل من آية البحث والسياق حب الله في نفوس الناس ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ] ( ) أي أرسلناك بجعلهم يحبون الله، ويسعون في إتباع رضوانه، ويمتنعون عن الفساد في الأرض . ويتقوم حب العبد لله عز وجل باتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا الإتباع هو مصداق آية السياق وقوله تعالى [قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ] ( ) .
و(عن جندب : أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول قبل أن يتوفى : إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً .
وأخرج الطبراني وابن عساكر عن ابن مسعود قال : إن الله اتخذ إبراهيم خليلاً ، وإن صاحبكم خليل الله ، وإن محمداً سيد بني آدم يوم القيامة . ثم قرأ { عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً }( ).) ( ).
وقد وردت وجوه في صفات الذين يحبهم الله سبحانه , كما في حبه للتوابين , قال تعالى [وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ]( ).
ويحب المطهرين كما في قوله [لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ] ( ).
ويحب الصابرين كما في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ] ( ).
ويحب المتقين كما في قوله تعالى [بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ] ( ).
ويحب المتوكلين كما في قوله تعالى [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ] ( ).
ويحب المحسنين كما في قوله تعالى [فَآتَاهُمْ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ] ( ).
ويحب المقسطين الذين يعدلون بالإحسان والرأفة والصبر والبر كما في قوله تعالى [لاَ يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ] ( ).
فان قلت لم يرد في القرآن إن الله يحب الذي اتبع رضوانه) والجواب ان اتباع رضوان الله سور الموجبة الكلية للمصاديق التي ذكرتها الآيات أعلاه فالصبر من رضوان الله، وكذا التقوى والبر والإحسان والحكم بالعدل والتوكل على الله .
الثالث : يفيد الجمع بين الآيتين أن رضوان الله قوانين ثابتة وأحكام جلية في اللوح المحفوظ ، وليس فيها تبديل أو تغيير إلا أن يشاء الله وان كيفية الفوز برضوان الله من علم الله عز وجل ، وفي التنزيل [وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ] ( )، وفيه دعوة للمسلمين للحفاظ على آيات القرآن، والجهاد في تعاهده وعدم وصول يد التحريف والتغيير إليه في ذاته وتفسيره .
لقد جاهد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليتخذ الناس رضوان الله بلغة وغاية وهو من مصاديق قوله تعالى[يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ]( ).
لتكون آية البحث من مصاديق قوله تعالى [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون] ( ) من جهات :
الأولى : لقد أنزل الله عز وجل صيغ رضوانه .
الثانية : أمر الله الناس بإتيان رضوانه .
الثالثة : من مصاديق الذكر في الآية أعلاه بيان التنزيل لسنن رضوان الله عز وجل.
الرابعة : تفضل الله عز وجل بحفظ رضوانه ، وهذا الحفظ من وجوه :
أولاً : بيان القرآن لرضوان الله .
ثانياً : سلامة القرآن من التحريف .
ثالثاً : حفظ الله عز وجل للعمل برضوانه ، فلما قال الله تعالى [أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ]( ) فلابد أن أمة تتعاهد هذا الإتباع وتعمل بمنهاجه إلى يوم القيامة ، لذا تفضل الله عز وجل وأثنى على المسلمين ، وقال [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ).
رابعاً : تقدير الآية أعلاه على وجوه :
أولاً : انا نحن نزلنا الذكر لتعمل به خير أمة .
ثانياً : انا نحن أنزلنا الذكر لإقامة الحجة على الناس .
ثالثاً : انا نحن نزلنا الذكر لبيان رضوان الله .
رابعاً : انا نحن نزلنا الذكر , وفيه ما يحتاجه المسلمون السائرون على نهج الإيمان .
خامساً : انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون بتلاوة القرآن وعمل المؤمنين به.
الرابع : من معاني الجمع بين الآيتين تقديره على وجوه :
الأول : فمن اتبع رضوان الله هو عند الله) إذ أن الله عز وجل يعلم المؤمن من الكافر ، ويعلم الذي يتبع رضوانه ممن يصر على الجحود ويبوء بسخط وغضب منه سبحانه .
(وأخرج أبو الشيخ عن جعفر بن محمد عليه السلام , قال : كنت مع أبي محمد بن علي فقال له رجل : يا أبا جعفر ما بدء خلق هذا الركن؟ فقال : إن الله لما خلق الخلق قال لبني آدم[أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى]( )، فأقروا ، وأجرى نهراً أحلى من العسل وألين من الزبد ، ثم أمر القلم فاستمد من ذلك النهر .
فكتب إقرارهم وما هو كائن إلى يوم القيامة ، ثم ألقم ذلك الكتاب هذا الحجر ، فهذا الإِستلام الذي ترى إنما هو بيعة على إقرارهم الذي كانوا أقروا به) ( ).
(عن الإمام الباقر عليه السلام في قول الله عز وجل: ” حنفاء لله غير مشركين به ” وعن الحنيفية، قال: هي الفطرة التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، قال: فطرهم الله على المعرفة. قال زرارة: وسألته عن قول الله[وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ]( )،الآية قال: أخرج من ظهر آدم ذريته إلى يوم القيامة فخرجوا كالذر فعرفهم وأراهم صنعه و لولا ذلك لم يعرف أحد ربه.
وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كل مولود يولد على الفطرة، يعني على المعرفة بأن الله عز وجل خالقه، فذلك قوله: ” ولئن سألتهم من خلق السموات والارض ليقولن الله) ( ).
(عن ابن عباس في قوله { وإذ أخذ ربك من بني آدم . . . } الآية . قال : خلق الله آدم وأخذ ميثاقه أنه ربه ، وكتب أجله ورزقه ومصيبته ، ثم أخرج ولده من ظهره كهيئة الذر فأخذ مواثيقهم أنه ربهم ، وكتب آجالهم وأرزاقهم ومصائبهم .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن جرير عن ابن عباس في قوله { وإذ أخذ ربك من بني آدم . . . } الآية . قال : لما خلق الله آدم أخذ ذريته من ظهره كهيئة الذر ، ثم سماهم بأسمائهم فقال : هذا فلان بن فلان يعمل كذا وكذا ، وهذا فلان بن فلان يعمل كذا وكذا ، ثم أخذ بيده قبضتين فقال : هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار) ( ).
الثاني : تقدير الجمع بين الآيتين : افمن اتبع رضوان الله فان ثوابه وجزاءه عند الله عز وجل) لبيان أن الله عز وجل ندب الناس لعمل الصالحات واتباع رضوانه ليجازيهم عليه بالثواب العظيم ، وفي التنزيل [أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى] ( ).
الثالث : من اتبع رضوان الله يكون عند الله حجة على الذين كفروا واتبعوا أهواءهم .
وقد ذكرت الآية السابقة سخط وغضب الله عز وجل عليهم لأن الله عز وجل بيّن لهم سبل رضوانه، واتخاذ إتباعه مرقاة في سلم المعارف ولكنهم أصروا على الجحود .
المسألة الخامسة : تقدير الجمع بين الآيتين : افمن اتبع رضوان الله والله بصير بما يعملون ، وفيه وجوه :
الأول : بيان قانون من الإرادة التكوينية وهو علم الله عز وجل بأفعال العباد , وأن كل ما يقوم به العبد حاضر عنده سبحانه يراه ويعلم به ، وهل يمكن القول بأن النسبة بين العليم والبصير في المقام هي العموم والخصوص المطلق لأن علم الله بالوقائع سابق لها ومتأخر عنها , وان معاني صفة البصير تتعلق بحال وقوع الفعل والحادثة.
الجواب لا ، لأن الله عز وجل ليس له آلة باصرة إنما هو يبصر الأشياء قبل وجودها وبعد فنائها ، والحوادث قبل وقوعها وبعده , ومن معاني بصره لها حضورها عنده .
وقد تمحى الواقعة من ذاكرة الناس ، وقد تحرف في التأريخ ولكنها ذاتها باقية في علم الله ، ليطلع عليها الناس يوم القيامة ، قال سبحانه [فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ] ( ).
الثاني : من معاني الجمع بين الآيتين شكر الله عز وجل للمؤمنين على عملهم الصالحات سواء الذين مضوا منهم أم الذين لم يأتوا بعد ، ومن كرم وإحسان الله عز وجل تجلّي شكره من وجوه :
أولاً : قبل أن يقوم العبد بالعمل الصالح بدلالة نزول آية البحث والسياق اللتين يطلان كل صباح على الناس ، وكل واحدة منهما تدعوهم لإتباع رضوان الله والتسابق فيه ، قال تعالى [وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ] ( ).
ثانياً : شكر الله عز وجل للعبد أثناء فعله العمل الصالح بتلقي الله عز وجل بالقبول ، وكتابة الملائكة وظهور الرضا والإستحسان من الناس ، وفي التنزيل [أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ] ( ).
ثالثاً : من مصاديق شكر الله للعبد هدايته إلى الإجتهاد في فعل الصالحات وبعث الشوق في نفسه لإتباع رضوان الله وأداء الفرائض والعبادات ، وهو من مصاديق الزيادة في قوله تعالى [لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ] ( ) بلحاظ أن اتباع رضوان الله شكر لله عز وجل على الخلق والنشأة والرزق الكريم .
رابعاً : إتصال ودوام شكر الله للعبد على إتباعه رضوانه ، فيغادر المؤمن الحياة الدنيا ولكن شكر الله له لا يغادره بل يدخل معه في القبر ليصير روضة من رياض الجنة .
الثالث : قد أخبر القرآن بأن الله عز وجل يعلم ويرى حال الناس وليس أفعالهم وحدها ، قال سبحانه [وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ] ( ) وفيه دعوة للناس لتنزيه النفوس من النفاق والرياء ، وحثهم على إختيار النية الصالحة ، والمقاصد الحميدة التي تؤدي إلى نشر شآبيب المودة والرحمة بين الناس ، وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَنُ وُدًّا] ( ).
وتقدير الآية والله بصير بالعباد وما يضمرون من الإيمان أو الكفر ) .
ولم تقل الآية (والله بصير بالناس )لبيان قانون كلي وهو وجوب كون كل إنسان متعبداً لله عز وجل ومتيقناً بتحقق رضوانه على من يشاء ، لذا لم تذكر آية السياق الكفار بلحاظ جحودهم وعنادهم وعدم إتباعهم رضوان الله ، إنما ذكرتهم بنزول سخط الله عز وجل عليهم لخروجهم عن عبادة الله وترك ما يلزم اليقين بوجوب عبادة الله عز وجل .
الرابع : من معاني كل جمع بين آيتين من القرآن لزوم التفكر في بديع صنع الله وعظيم سلطانه ، وما يترتب على هذا التفكر من الخشية من الله عز وجل .
ولقد أمر الله عز وجل باتخاذ الأنبياء أسوة لهم ، قال تعالى [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ] ( ) وقال سبحانه [أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ]( ) وجاءت الآيات والسنة النبوية بالإخبار عن وجوب الخشية من الله عز وجل .
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (إن لله ملائكة ترعد فرائصهم من مخافته ، ما منهم ملك تقطر دمعته من عينه إلا وقعت ملكا يسبح الله ، قال : وملائكة سجود منذ خلق الله السموات لم يرفعوا رءوسهم ، ولا يرفعونها إلى يوم القيامة ، وركوع لم يرفعوا رءوسهم ، ولا يرفعونها إلى يوم القيامة ، وصفوف لم ينصرفوا عن مصافهم ، ولا ينصرفون إلى يوم القيامة .
فإذا كان يوم القيامة ، وتجلى لهم ربهم ، فنظروا إليه قالوا : سبحانك ما عبدناك كما ينبغي لك) ( ).
المسألة السادسة : تقدير الجمع بين الآيتين : هم درجات عند الله , كمن باء بسخط من الله ) .
لقد قدمت آية السياق ذكر المؤمنين بصفتهم وهي إتباعهم لرضوان الله للدلالة والبيان ، والإخبار عن مصاديق من منّ وفضل الله , ويحتمل هذا الإتباع وجوهاً :
الأول : وجود ضياء وإشعاع في رضوان الله يراه المسلمون فيتبعونه .
الثاني : الضياء مصاحب للمسلمين والمسلمات فعندهم مصباح الهدى ، والذي يتجلى بالنطق بالشهادتين .
الثالث : هناك نور في ذات رضوان الله , وضياء عند المسلمين , ويتداخل شعاعهما.
الرابع : ليس من ضياء في المقام ذاتي أو عرضي ، إنما هو إجتهاد وبذل المسلم الوسع لإتباع رضوان الله .
وباستثناء الوجه الرابع أعلاه ، فان الوجوه الأخرى صحيحة , وهو من اللطف الإلهي بالمسلمين والناس جميعاً للدلالة على أن اتباع رضوان الله أمر سهل ويسير ، وهو من مصاديق قوله تعالى [فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ] ( ) .
وبلحاظ الجمع بين الآيتين فان المؤمنين على مراتب ودرجات.
بلحاظ مدى إخلاصهم في طاعة الله وتفانيهم في مرضاته ، قال تعالى [إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ]( ).
وقال تعالى [لاَ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى] ( ).
ولما أمر الله عز وجل باتباع رضوانه والعمل بأحكام شريعته ، تفضل وأخبر عن سخطه على الذين يصرون على الجحود بربوبيته ، ليشمل قوله تعالى [كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّهِ] ( ) وجوهاً :
الأول : الذين كفروا ممن تقدم في زمانه على نزول القرآن .
الثاني : الذين كفروا أيام نزول القرآن .
الثالث : الذي كفروا ممن ولدوا بعد نزول القرآن وإلى يوم القيامة .
ليكون من معاني صيغة الجملة الخبرية في المقام إنذار الناس ممن عاصر بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , والذين ولدوا ويولدون بعدها ، وهو من مصاديق تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ).
ولم تذكر الآية رضوان أو سخط الناس على الإنسان ، إنما المدار على رضا أو سخط الله عز وجل وحده .
(عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من أصبح حزيناً على الدنيا ، أصبح ساخطاً على ربه . ومن أصبح يشكو مصيبة نزلت به ، فإنما يشكو الله . ومن تضعضع لغني لينال من دنياه ، أحبط الله ثلثي عمله . ومن أعطي القرآن فدخل النار ، فأبعده الله) ( ).
وتبين آية السياق قانوناً وهو أن من الأفعال ما يسخط الله عز وجل ويستوجب غضبه ليدل قوله تعالى [كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّهِ] ( ) على قانون من الإرادة التكوينية وهو أن الله عز وجل يسمع ويرى أفعال العباد , وأنه لا يترك الناس وشأنهم .
وتبين الآية قانوناً وهو أن الذي يرتكب المعاصي والسيئات لا يعود خالياً مجرداً منها بل يرجع بأمر شديد ووزر ثقيل لو انكشف الغطاء له لعلمَ أنه لا يستطيع حمله ، ولكنها الدنيا التي جعلها الله عز وجل دار إمتحان وإختيار , قال تعالى [وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ]( ).
فجاءت آية البحث لتبين وطأة هذا الحمل .
المسألة السابعة : تقدير الجمع بين الآيتين : هم درجات عند الله ومأوى الذين كفروا جهنم ) .
لقد تقدم في نظم هذه الآيات نداء الإيمان بقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ….] ( ) ليكون هناك نوع عطف وملازمة بين هذه الآيات وإن انتقلت الآية قبل السابقة إلى صيغة الغائب بقوله تعالى[وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ]( )، إلا أنه لا يمنع من العطف بينها وبين نداء الإيمان في الآية أعلاه , فيتجلى الجمع بينهما بتقدير من وجوه :
أولاً : يا أيها الذين آمنوا ما كان لنبي أن يغل .
ثانياً : يا أيها الذين آمنوا بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فانه معصوم من أخذ الغلول .
ثالثاً : يا أيها الذين آمنوا سينصركم الله وتأتي مع النصر الغنائم .
رابعاً : يا أيها الذين آمنوا اشكروا الله عز وجل باختيار الغلول .
خامساً : يا أيها الذين آمنوا من يغلل يأتي بما غلّ يوم القيامة .
لقد أختتمت الآية السابقة بذم الذين كفروا والوعيد لهم بسوء العاقبة وتفضل الله عز وجل بآية البحث لتكون بشارة الثواب وثواباً عاجلاً للذين امتنعوا عن الغلول لبيان موضوعية هذا الإمتناع في إقامة صرح دولة الإسلام ، وبناء مجتمع إيماني يتصف بالأخوة والمحبة الإيمانية وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَنُ وُدًّا] ( ).
وجاءت آية السياق لمنع إفتتان الناس بالذين كفروا والنعيم والشأن الذين هم فيه ، قال تعالى [لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلاَدِ* مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ] ( ) فنراهم يمرحون ويسافرون في البلاد.
ومن الآيات أن الله عز وجل جعل ديار ومساكن الذين ظلموا موعظة وعبرة لكل مسافر مؤمناً كان أو كافراً ليتعظوا منهم ، وليكون ذات السفر دعوة للإيمان ، وللإرتقاء في سلم الدرجات العلا والنجاة من سوء العاقبة .
قال تعالى [قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ] ( ) وصيرورة دور وبيوت وعمارة الذين كفروا أطلالاً وخرائب من مصاديق سوء العاقبة الذي تذكره الآية أعلاه ، وهو بلحاظ آية البحث يحتمل وجوهاً :
الأول : إنه من سخط الله لقوله تعالى [كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ] ( ).
الثاني : أنه من مصاديق [وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ] .
الثالث : هو شاهد على سوء مصير الكافرين بقوله تعالى [وَبِئْسَ الْمَصِيرُ].
والمختار تعلق خراب وخلو دور الذين كفروا بالوجوه الثلاثة أعلاه ، لتكون من مصاديق سخط الله , ومن مقدمات دخول النار وسوء الخاتمة والمصير ، فان قلت قد تكون دور الصالحين أيضاً خراباً ، والجواب نعم ولكنه قليل وليس قاعدة كلية بالإضافة إلى قانون وهو ما أن تخرب دور مؤمنين حتى تنشأ دور أخرى عوضاً عنها ، بالإضافة إلى الإكرام من عند الله عز وجل في آية البحث بقوله [هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ] ( ) هذه الآية التي رفعت صرحاً للمؤمنين في الدنيا إلى يوم القيامة , وجعلت تركتهم وبقايا بيوتهم عزاً وفخراً لهم , لأنها على وجوه :
الأول : فوز المؤمنين بالدرجات العالية في الحياة الدنيا .
الثاني : ذات آية البحث من هذه الدرجات .
الثالث : آية البحث بشارة نيل الدرجات العالية في الآخرة .
الرابع : تلاوة آية البحث سبب وموضوع للإرتقاء في سلم الدرجات عند الله عز وجل.
ومن الآيات إتصاف جهنم بأنها تتنفس وتتكلم ، قال تعالى [إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا] ( ) مما يدل على أن لها إدراكاً وأنها تنتظر أهلها وتحس بوجودهم وتبين سخطها عليهم ، قال تعالى [تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنْ الْغَيْظِ]( ).
وهل هذا السخط من مصاديق ما ورد في الآية السابقة [كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّهِ] ( ) الجواب لا ، إنما هو من رشحات سخط الله ، إذ تغضب الخلائق على الذي يغضب عليه الله عز وجل , وترضى عمن يرضى عنه الله سبحانه، وتبعية الخلائق هذه من مصاديق قوله تعالى[وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ]( )، وإنقياد الموجودات كلها له سبحانه.
ليكون من معاني [مَأْوَاهُ جَهَنَّمُ] أي مأواهم سخط وشهيق وزفير وغيظ جهنم .
وفي التنزيل في وصف النار يوم القيامة [إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا] ( ) فنار جهنم ترى ، وحينما ترى المجرمين والكافرين تسمعهم سخطها وغضبها ، ولكنها لا تستطيع جذبهم إليها ، فحتى الكافر لا يدخل النار إلى بأمر من عند الله ، ولا تسوقه الملائكة إليها إلا بعد اقامة الحجة، بإذن من الله عز وجل .
(عن خالد بن دريك عن رجل من أصحاب رسول الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مَن كذب عليّ متعمّداً فليتبّوأ بين عينَي جهنم مقعداً فقال : يا رسول الله وهل لها من عينين؟
قال : نعم ألم تسمع إلى قول الله سبحانه {إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا}( ) ) ( ).
فينطق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بحكم ويبين قانوناً ، وعندما يسُال ويطلب منه البيان يستدل بالقرآن .
(عن ثوبان : أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : إن ربي زوى لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها ، وأعطاني الكنزين الأحمر والأبيض ، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها ، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة فأعطانيها.
وسألته أن لا يسلط عليها عدواً من غيرهم فأعطانيها.
وسألته أن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها ، وقال : يا محمد إني إذاً قضيت قضاء لم يرد ، إني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكها بسنة عامة.
ولا أظهر عليهم عدواً من غيرهم فيستبيحهم بعامة ، ولو اجتمع من بين أقطارها حتى يكون بعضهم هو يهلك بعضاً وبعضهم هو يسبي بعضاً.
وإني لا أخاف على أمتي إلا الأئمة المضلين ، ولن تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين ، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان.
وإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة .
وأنه قال : كلها يوجد في مائة سنة ، وسيخرج في أمتي كذابون ثلاثون ، كلهم يزعم أنه نبي الله ، وأنا خاتم الأنبياء لا نبي بعدي.
ولن يزال في أمتي طائفة يقاتلون على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله . قال وزعم أنه لا ينزع رجل من أهل الجنة شيئاً من ثمرها إلا أخلف الله مكانها مثلها ، وأنه قال : ليس دينار ينفقه رجل بأعظم أجراً من دينار ينفقه على عياله ، ثم دينار ينفقه على فرسه في سبيل الله ، ثم دينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله.
قال : وزعم أن نبي الله عظم شأن المسألة وأنه إذا كان يوم القيامة جاء أهل الجاهلية يحملون أوثانهم على ظهورهم ، فيسألهم ربهم ما كنتم تعبدون؟
فيقولون : ربنا لم ترسل إلينا رسولاً ولم يأتنا أمر .
فيقول : أرأيتم إن أمرتكم بأمر تطيعوني؟
فيقولون : نعم .
فيأخذ مواثيقهم على ذلك فيأمرهم أن يعمدوا لجهنم فيدخلونها ، فينطلقون حتى إذا جاءوها رأوا لها تغيظاً وزفيراً فهابوا ، فرجعوا إلى ربهم , فقالوا : ربنا فرقنا منها .
فيقول : ألم تعطوني مواثيقكم لتطيعن ، اعمدوا إليها فادخلوا . فينطلقون حتى إذا رأوها فرقوا فرجعوا ،
فيقول : ادخلوها داخرين . قال نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم : لو دخلوها أوّل مرة كان عليهم برداً وسلاماً ) ( ).
ومن المفسرين من قال بأن النار لا تبصر ولا تتكلم ، أي ليس عندها قابلية وحاسة للسمع والكلام ، وإرادة الغيظ ، إنما هو من إعجاز القرآن أو أن هذه الأفعال منسوبة لخزنتها كما في قوله تعالى في وصف نار سقر قال تعالى [وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ] ( ).
ولكن الأصل والمتبادر هو الحقيقة وإرادة الظاهر ، ولا يجوز صرف الكلام إلى المجاز إلا مع الدليل والقرينة الصارفة .
الوجه الثاني : صلة هذه الآية بقوله تعالى [وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ] ( ) وفيه مسائل :
المسألة الأولى : إبتدأت كل من آية البحث والسياق بالثناء على المؤمنين وبين موضوع الآيتين عموم وخصوص مطلق إذ تضمنت آية السياق الثناء على الأنبياء ، أما آية البحث فجاءت أعم ويراد منها عموم المؤمنين الذين يعملون بسنن الهدى ، وهل يدخل الأنبياء في قوله تعالى [هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ] ( ) أم ان الأنبياء بمرتبة أسمى وأعلى.
الجواب هو الأول ، والأنبياء في أعلى الدرجات وهم أئمة الناس في إتباع رضوان الله .
ويمكن تقدير الآية على وجوه :
أولاً : يا أيها الذين آمنوا اتبعوا الأنبياء في إتباعهم رضوان الله ) وتفضل الله بالثناء على الذين يتبعون رضوان الله على نحو الإطلاق إكراماً للمؤمنين ، ولبيان أن الأنبياء واسطة بين الله والبشر في الرسالة وتبليغ الأحكام ، قال تعالى [فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ]( ).
ثانياً : يا أيها الذين آمنوا إتبعوا الأنبياء في رضوان الله .
ثالثاً : يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا إلا الأنبياء في رضوان الله، قال تعالى[أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ]( ).
ومن إعجاز القرآن مجئ الآية بصيغة الجملة الخبرية أو الإنشائية ، وفي كلتا الحالتين تتضمن الثناء على المسلمين ، وهذا الثناء مدخل ومقدمة للثواب العظيم في الدنيا والآخرة .
فقد يثني ملك أو سلطان على إنسان أو جماعة دون أن ينالوا منه شيئاً أو أنه يثني عليهم وطاعتهم له، ثم لا يلبث أن يبطش بهم ، ويعزف عما فعلوه من أجله .
ولكن الله عز وجل يثني على المسلمين ويدخر هذا الثناء ليكون سبباً لثوابهم وفوزهم بالأجر العظيم بمعنى ذات ثناء الله سبب للثواب ، وكأنه من نماء الصالحات التي فعلوها ، ومضاعفة الحسنات التي إكتنزوها ، وهل من موضوعية لثناء الله في قوله تعالى [هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ] الجواب نعم , وذات الثناء لطف من الله عز وجل , وكذا ما يترشح عنه من النعم .
المسألة الثانية : تقدير الجمع بين الآيتين (وما كان لنبي أن يغل هم درجات عند الله ) لقد زيّن الله عز وجل السماء الدنيا بالكواكب والنجوم ، وأبى إلا أن يزين الأرض بالأنبياء والرسل ، وكل نبي له معجزة خاصة به تكون ضياء يشع في طرق الهداية.
ثم تفضل الله عز وجل وأنزل القرآن لتوثيق وتثبيت هذه المعجزات في الأرض ، وهذا التثبيت من مصاديق قوله تعالى [وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ اني فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ) بلحاظ أن معجزات الأنبياء وجهادهم تمسك الأرض , وتكون سبباً لنزول البركة .
وهو من الشواهد على تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الأنبياء السابقين إذ حفظ الله عز وجل بنبوته معجزات الأنبياء في الأرض وفي الوجود الذهني فان قلت أن التوراة والإنجيل من معجزات موسى وعيسى.
الجواب هذا صحيح ، وجاء الإسلام لتصديق نزول كل منهما ، قال تعالى (اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ) ( ) وفي الجمع بين الآيتين بلحاظ التقدير الوارد في أول هذه المسألة وهي الثانية وجوه :
الأول : بيان قانون وهو نيل الأنبياء الدرجات السامية بالتقوى والصبر في رضوان الله ، وهل الإمتناع عن أكل الغلول من هذا الصبر ، الجواب نعم ، لذا فان امتناع المسلمين عن أخذ الغلول أمر وجودي لما فيه من الإرادة والعزم والقصد على عدم الغل والسرقة من الغنائم والمال العام .
الثاني : من أسباب زيادة إيمان المسلمين الثناء عليهم من عند الله ، وتلاوتهم لهذا الثناء كل يوم ، وكما في آية البحث التي تبعث الفخر في نفوسهم ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ] ( ).
ومن أسرار الآية أعلاه اشتقاق عزة الرسول والمؤمنين من عزة الله عز وجل وهو الذي يمنحهم العزة وأسبابها ومقدماتها ومنها الثناء عليهم وإخبارهم بحسن مثواهم ، وتفضله بأمرهم ونهيهم ، ليكون كل أمر أو نهي من عند الله هو عز للمؤمنين .
الثالث : لقد كان المسلمون في بداية الإسلام في فاقة وفقر ، وجاءت الهجرة ليصبح هذا الفقر ظاهرة عامة ، إذ توافد المسلمون من مكة والقرى والقبائل إلى المدينة وليس فيها فرص للعمل أو موارد إضافية فضاقت بهم أزقتها وصار عريش الصفّة بجوار المسجد الحرام يضم السبعين والمائة من المسلمين ، يبيت أكثرهم بلا غداء أو عشاء إن لم يأت لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة بطعام ، مما قد يكون سبباً لإغرائهم بالغلول والتعجل في الأخذ من الغنائم خلسة ، طلباً للشبع وتأميناً للغد القريب ، فجاءت آية السياق بأمور :
أولاً : بيان الخلق الحميد للأنبياء، وفي الثناء على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال الله تعالى[وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ]( ).
ثانياً : وجوب إتباع المسلمين للأنبياء في سيرتهم .
ثالثاً : تنمية ملكة وراثة الأرض في أذهان المسلمين ، وتجليها في عالم القول والفعل .
رابعاً : لزوم صبر المسلمين على الفقر والعوز، وقد صبر الأنبياء على البلاء الشديد والأذى من قومهم ، الذي هو أشد بمراتب من حال الفقر والجوع، وعن محمد بن سابط عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال: كان النبي من الأنبياء إذا هلكت أمته لحق بمكة فيتعبد فيها النبي ومن معه حتى يموت ، فمات بها نوح وهود وصالح وشعيب عليهم السلام ، وقبورهم بين زمزم والحجر ( ) .
خامساً : نفي أفراد من العمل القبيح على الأنبياء ومنع الذين كفروا والمنافقين من الإفتراء عليهم بخصوص الغنائم وبيت المال .
سادساً : دعوة المسلمين للعناية بأخبار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الخاصة بزهده وصبره وإنفاقه في سبيل الله ، وبالأخبار التي تحكي سنن الأنبياء بهذا الخصوص .
وقد غادر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الى الرفيق الأعلى ولم يضع لبنة على لبنة ولم يأخذ من الغنائم إلا ما قسم الله له فيوزعه على المسلمين ( ولما رأى قوماً يصلحون خصاً( ) لهم ، قال : أَمَا إِنَّ الْأَمْرَ أَعْجَلُ مِنْ ذَلِكَ ( ).
وحينما يظهر أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم الزهد فانه يثني عليه ويحثه على تعاهده والصبر عليه ، وعن أنس بن مالك : أن معاذ بن جبل دخل على رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال كيف أصبحت يا معاذ قال أصبحت مؤمنا بالله تعالى .
قال : إن لكل قول مصداقا ولكل حق حقيقة فما مصداق ما تقول .
قال : يا نبي الله ما أصبحت صباحا قط إلا ظننت أني لا أمسي وما أمسيت مساء قط إلا ظننت أني لا أصبح ولا خطوت خطوة إلا ظننت أني لا أتبعها أخرى وكأني أنظر إلى كل أمة جاثية تدعى إلى كتابها معها نبيها وأوثانها التي كانت تعبد من دون الله وكأني أنظر إلى عقوبة أهل النار وثواب أهل الجنة .
قال النبي : عرفت فالزم ( ).
وعاش نوح عليه السلام الفين وخمسمائة عام، ولم يبن مدة عمره داراً، وكان إذا اصبح يقول : لا أمسي، وإذا أمسى يقول : لا اصبح .
وكان إبراهيم عليه السلام يلبس الصوف ويأكل الشعير مع أنه كان صاحب أنعام كثيرة، ويوثق القرآن كرمه، قال تعالى[وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ]( )، وعن السدي قال: بعث الله الملائكة لتهلك قوم لوط ، أقبلت تمشي في صورة رجال شباب، حتى نزلوا على إبراهيم فتضيَّفوه، فلما رآهم إبراهيم أجلّهم، فراغ إلى أهله، فجاء بعجل سمين، فذبحه ثم شواه في الرَّضْف( )، فهو الحنيذ( ).
وقد جمع الله عز وجل لسليمان النبوة والملك ومع هذا كان يلبس الشعر ويأكل من كد يده بصنع سفائف الخوص، وكان إذا جاء الليل شدّ يديه إلى عنقه، فيقوم باكياً حتى الصباح.
(وقد روي عن جرير عن ليث قال صحب رجل عيسى ابن مريم عليه السلام فقال أكون معك وأصاحبك , فانطلقا فانتهيا إلى شط نهر فجلسا يتغديان ومعهما ثلاثة أرغفة فأكلا رغيفين وبقي رغيف ثالث فقام عيسى عليه السلام إلى النهر فشرب ثم رجع فلم يجد الرغيف .
فقال للرجل من أخذ الرغيف .
فقال لا أدري , قال فانطلق ومعه صاحبه فرأى ظبية ومعها خشفان لها قال فدعا أحدهما فأتاه فذبحه فاشتوى منه فأكل هو وذلك الرجل ثم قال للخشف قم بإذن الله فقام فذهب فقال للرجل أسألك بالذي أراك هذه الآية من أخذ الرغيف .
فقال : لا أدري .
ثم انتهيا إلى وادي ماء فأخذ عيسى بيد الرجل فمشيا على الماء فلما جاوزا قال له : أسألك بالذي أراك هذه الآية من أخذ الرغيف .
فقال : لا أدري .
فانتهيا إلى مفازة فجلسا فأخذ عيسى عليه السلام يجمع ترابا وكثيبا ثم قال كن ذهبا بإذن الله تعالى , فصار ذهبا فقسمه ثلاثة أثلاث ثم قال ثلث لي , وثلث لك , وثلث لمن أخذ الرغيف .
فقال : أنا الذي أخذت الرغيف .
فقال : كله لك , وفارقه عيسى عليه السلام فانتهى إليه رجلان في المفازة ومعه المال فأرادا أن يأخذاه منه ويقتلاه .
فقال هو بيننا أثلاثا فابعثوا أحدكم إلى القرية حتى يشتري لنا طعاما نأكله قال فبعثوا أحدهم فقال الذي بعث لأي شيء أقاسم هؤلاء هذا المال لكني أضع في هذا الطعام سما فأقتلهما , وآخذ المال وحدي , ففعل وقال ذانك الرجلان لأي شيء نجعل لهذا ثلث المال , ولكن إذا رجع قتلناه , واقتسمنا المال بيننا .
فلما رجع إليهما قتلاه وأكلا الطعام فماتا فبقي ذلك المال في المفازة وأولئك الثلاثة عنده قتلى , فمرّ بهم عيسى عليه السلام على تلك الحالة فقال لأصحابه : هذه الدنيا فاحذروها) ( ).
وكان عيسى عليه السلام لا يرفع للعشاء ولا عشاء لغداء ، وكان يقول إن مع كل يوم رزقه ، وكان يلبس الشعر ويأكل الشجر وينام حيث أمسى .
(عن سالم بن أبي الجهد قال : قال عيسى عليه السلام : اعملوا لله ولا تعملوا لبطونكم . انظروا إلى هذا الطير يغدو ويروح لا يحرث ، ولا يحصد ، الله تعالى يرزقها . فإن قلتم نحن أعظم بطوناً من الطير فانظروا إلى هذه الأباقر من الوحش والحمر ، تغدو وتروح لا تحرث ولا تحصد ، الله تعالى يرزقها . اتقوا فضول الدنيا فإن فضول الدنيا عند الله رجز .
وأخرج عن وهب قال : إن إبليس قال لعيسى : زعمت أنك تحيي الموتى فإن كنت كذلك فادع الله أن يرد هذا الجبل خبزاً .
فقال له عيسى : أوكل الناس يعيشون بالخبز؟
قال : فإن كنت كما تقول فثب من هذا المكان فإن الملائكة ستلقاك .
قال : إن ربي أمرني لا أجرب نفسي ، فلا أدري هل يسلمني أم لا) ( ).
وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يرقع ثوبه ، ويحلب شاته ، ولم يشبع من خبز شعير يومين متتاليين إلى ان إنتقل إلى الرفيق الأعلى ، وفي غزوة الأحزاب ربط الحجر على بطنه من شدة الجوع وحينما أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بناء المسجد النبوي جعل طوله مائة ذراع ،
(وَجَعَلَ أَسَاسَهُ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ ثُمّ بَنَوْهُ بِاللّبِنِ وَجَعَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ يَبْنِي مَعَهُمْ وَيَنْقُلُ اللّبِنَ وَالْحِجَارَةَ بِنَفْسِهِ وَيَقُولُ
اللّهُمّ لَا عَيْشَ إلّا عَيْشُ الْآخِرَهْ
فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ
وَكَانَ يَقُولُ
هَذَا الْحِمَالُ لَا حِمَالُ خَيْبَرَ
هَذَا أَبَرّ رَبّنَا وَأَطْهَر) ( ) .
لإرادة تأديب المسلمين على القناعة والزهد والرضا بالقليل وفيه مقدمة وإخبار بأن أياماً صعبة ستمر على المسلمين تستلزم منهم الصبر في طاعة الله ، حتى إذا جاءتهم الغنائم فيجب أن يمتنعوا عن الغلول والسرقة منها لأن الأصل هو تعاهد الإيمان وإخلاص العزائم وملاقاة الله عز وجل في الآخرة بالعمل الصالح.
وجاءت آية البحث بالإخبار عن إرتقائهم في سلم التقوى بالإقامة على الفاقه والمسكنة في طاعة الله والتنزه عن الغلول وجاء قوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ] ( ) .
ليكون من معاني الإمتناع عن الأخذ من الغنائم والمال العام خلسة بلحاظ الآية أعلاه وجوه :
أولاً : إنه مقدمة للنصر ونزول الملائكة مدداً وعوناً .
ثانياً : تقدير الآية أعلاه : ولقد نصركم الله ببدر بالتنزه عن أكل الغلول ، فان قلت : لقد حصل المسلمون على الغنائم في معركة بدر لأول مرة في تأريخ الإسلام .
والجواب أن الله عز وجل يعلم زهد وتقوى المسلمين وأنهم يمتنعون عن الأخذ من المال العام والغنائم خلسة .
وهل يصح تقدير الآية أعلاه : ولقد نصركم الله ببدر لتجنب أكل الغلول , الجواب نعم.
ثالثاً : من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ) أمور :
أولاً : خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إماماً للمسلمين في معركة بدر .
ثانياً : نصر المسلمين في معركة بدر مع قلة عددهم وعدتهم .
ثالثاً : تنزه المسلمين عن أكل الغلول ودلالة هذا التنزه على محاكاتهم للأنبياء وتحليهم بالزهد والعفة .
الثالث : بيان درجات سمو الأنبياء والرسل , وما نالوه من مراتب سامية عند الله عز وجل ، قال تعالى [تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابن مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ] ( ).
ومع التفضيل بين الأنبياء فانهم جميعاً يشتركون بخصلة كريمة , وهي الإمتناع عن أكل الغلول والأخذ خلسة من أموال المسلمين .
لقد أراد الله عز وجل للأنبياء أن يكونوا أسوة حسنة للمسلمين ، ومن مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ) في المقام أمور :
الأول : تسليم المسلمين بالتصديق بنبوة الأنبياء على نحو العموم المجموعي والإستغراقي ، وهو من فضل الله عز وجل على الأنبياء بأن جعل أجيال (خير أمة) ( )، تقر وتعترف بنبوتهم وتجدد ذكرهم بتلاوة آيات القرآن التي تخبر عن رسالاتهم ، وتتضمن جهادهم وصبرهم، ومنها آية السياق التي تشهد لهم بالعصمة من الغلول ، وآية البحث التي تبين سمو مراتبهم عند الله ، ويأتي الثواب للأنبياء بكل من :
أولاً : تلاوة المسلمين للآيات التي تذكر الأنبياء .
ثانياً : إقتداء المسلمين بسنة الأنبياء .
ثالثاً : شهادة المسلمين للأنبياء بالعفة والأمانة العامة ، إذ يمكن تقسيم الأمانة إلى أقسام :
أولاً : الأمانة الشخصية فيما يخص الودائع والحقوق مثلاً .
ثانياً : الأمانة العامة فيما يخص الغنائم والأموال العامة .
ثالثاً : الأمانة العقائدية فيما يتعلق بالوحي والتبليغ ، وتكون الأمانة الأولى أعلاه مقدمة للثانية ، وهما معاً مقدمة للثالثة بالنسبة للنبوة ، وقد حاز النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الأمانة باقسامها ، وهل يدل قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ] ( ) على شهادة الله عز وجل بأمانة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في التبليغ ومطلقاً ، الجواب نعم .
ويوم أمس الإثنين 16/1/2017 حضر زائراً كريماً بحثنا الخارج على فضلاء الحوزة العلمية أ.د. السيد حسن الحكيم رئيس جامعة الكوفة السابق، وهو من أساطين علماء التأريخ ومعه بعض القضاة ممن لم يفارق أروقة الحوزة من أيام صباه .
وبعد البحث ذكر إحتمال إرادة العرب من قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ] ( ) لأنهم تلقوا دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالقبول وجاهدوا لتثبيتها وفتحوا مكة والأمصار ودعوا الناس إلى الإسلام.
فقلت له إن خاتمة ذات آية [كُنْتُمْ خَيْرَ] ( ) تدل على إرادة عموم المسلمين والمسلمات لأنها تذكر الذين لم يلتحقوا بخير أمة وتمام الآية هو [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمْ الْفَاسِقُونَ] ( ) ولو دار الأمر في خطاب الثناء في القرآن بين المسلمين والعرب فانه ينصرف إلى المسلمين , فاستحسنوا الرد.
ومن الآيات أن المسلمين جميعاً يحفظون لأهل البيت والصحابة الأوائل من العرب جهدهم وجهادهم في نشر الإسلام ، وجاءت آية البحث لتدعو إلى هذا الأمر ببيان درجات الرفعة التي ينالها المؤمنون ، قال تعالى [وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ] ( ).
وعن (جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقولون : لما أنزلت هذه الآية { والسابقون الأولون}( )، إلى قوله { ورضوا عنه } قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا لأمتي كلهم وليس بعد الرضا سخط) ( ).
الثاني : وراثة المسلمين في الدعوة إلى الله عز وجل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الثالث : إجتهاد المسلمين في الإقتداء بالأنبياء في العمل بأحكام الشريعة والحلال والحرام، قال تعالى[أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ]( ).
الرابع : تعاهد علماء الإسلام لسنن الأنبياء والتي جاءت القرآن بها، وبيّن قصصهم وجهادهم.
لقد أكرم الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بتمام أحكام الشريعة الإسلامية، ومنّ على العلماء بنهج الطريق القويم في بيان الأحكام.
وعن قيس بن كثير قال: قدم رجل من أهل المدينة إلى أبي الدرداء -وهو بدمشق-فقال: ما أقدمك أيْ أخي؟
قال: حديث بلغني أنك تحدث به عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال أما قدمت لتجارة؟
قال: لا.
قال: أما قدمت لحاجة؟
قال: لا؟
قال: أما قدمت إلا في طلب هذا الحديث؟
قال: نعم. قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: من سلك طريقا يطلب فيه علمًا، سلك الله به طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضًا لطالب العلم، وإنه ليستغفر للعالم مَنْ في السموات والأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب. إن العلماء هم ورثة الأنبياء( ).
المسألة الثالثة : تقدير الجمع بين الآيتين : وما كان لنبي أن يغل والله بصير بما يعملون ) وفيه وجوه :
الوجه الأول : لقد اختار الله عز وجل الأنبياء لأسمى المراتب، وتتجلى درجاتهم الرفيعة بالدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , وتتضح مسألة الدرجات في مراتبهم العالية بقوله تعالى [تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ] ( ) .
ليكون التفضيل ببعض المعجزات والدلالات والوسائل وسبل التبليغ ، ومن وجوه تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم:
نزول القرآن عليه وهو الكتاب الخالد إلى يوم القيامة ، والذي جعله الله عز وجل المعجزة العقلية والبرهان الدائم الذي يهدي الناس إلى الإيمان من غير لجوء إلى سلاح أو حصار أو قتال.
فان قلت قد قاتل المسلمون في معركة بدر وأحد الخندق وحنين, والجواب : لقد قاتلوا دفاعاً ودرءً للضرر ، وقد يقال بأن صلح الحديبية الذي تم بين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والذين كفروا من قريش تضمن وضع الحرب بين الطرفين لمدة عشر سنوات فكيف جاء فتح مكة بعده بسنتين.
والجواب لم يأت فتح مكة إلا بعد أن نقض كفار قريش العهود والمواثيق , ولا يمكن المقارنة بينه وبين المواثيق التي تكون مع أهل الكتاب والذين يحفظون المواثيق إذ خاطب الله تعالى المسلمين[وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلاَ تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا] ( ).
لقد خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى صلح الحديبية قاصداً البيت الحرام لأداء العمرة وليس معه وأصحابه أسلحة .
لقد كان فتح مكة نعمة لأهلها ، وسبيلاً إلى نجاتهم في النشأتين .
(عن مجاهد قال : سألت قريش محمداً صلى الله عليه وآله وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهباً . فقال : نعم ، وهو كالمائدة لبني إسرائيل إن كفرتم ، فأبوا ورجعوا . فأنزل الله { أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل } أن يريهم الله جهرة) ( ).
ولو جعل الله عز وجل جبل الصفا ذهباً والله عز وجل لا تستعصي عليه مسألة , لأقتتلوا بينهم على الذهب ثم عادوا أو ذراريهم وأنكروا آية صيرورة الجيل ذهباً أو لقالوا إنه سحر , ولطلبوا آية أخرى وانشغلوا عن التدبر بالآيات , وقد ذم الله عز وجل كفار قريش لأنهم نعتوا خاتم النبيين بأنه ساحر ، قال تعالى [وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ] ( ).
ثم أن جبل الصفا من شعائر الله الباقية إلى يوم القيامة لذا فان سؤالهم من الممتنع ولا يخلو من خبث وتعد على حدود الله ، فلم يسألوا بخصوص جبل آخر من جبال مكة ، قال تعالى [إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا] ( ) .
وقد أنعم الله عز وجل على أهل مكة ومن حين فتحها بأن جعل كل سنة يأتيهم الذهب وتأتيهم الأموال والتجارات ولو أجريت إحصائية لما انتفعه أهل مكة من موسم الحج والعمرة بعد الفتح لكان أكثر بكثير من وزن جبل الصفا ذهباً .
وما تأتي من النعم والبركات لهم في قادم الأيام أضعاف ما جاءهم وهو من مصاديق دعاء إبراهيم عليه السلام، وتقييد الرزق الكريم بالإيمان بقوله تعالى [وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ] ( ).
وجاءت نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليكون بها الدعاء أيضاً مع الجهاد والفتح وصيرورة الحكم والأمارة في أم القرى وما حولها للإسلام ، لتأتي الثمرات لأهلها كمسلمين فليس فيهم كافر يتنعم بتلك النعم .
وهل يدل قوله تعالى أعلاه [فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً]على صلح الحديبية ، الجواب نعم ، فهو من مصاديق ووجوه هذا التمتع القليل للإتعاظ والحجة والبرهان.
وقد كان كفار قريش في حال وهن وضعف وابتلاء بنقص الأموال وتعطيل تجاراتهم ، فأراد الله عز وجل لهم بصلح الحديبية إمهالهم لدخول الإسلام ، وزجرهم عن إكراه القبائل على محاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين ، ليدخل الناس في الإسلام بعد الصلح أفراداً وجماعات ، ويتناقل الناس آيات القرآن ، وتصير تلاوتها في المنتديات والمجالس والبيوت ظاهرة جلية كل يوم.
ومن إعجاز القرآن الغيري أن تلاوة آياته سبب لنفاذ الإيمان إلى القلوب وهي مانع للجوارح والأركان من محاربة الإسلام وصد المسلمين عن عبادة الله ، لذا فمن معاني قوله تعالى [وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ..] ( ) بيان استدامة قانون من الإرادة التكوينية إلى يوم القيامة ، وهو وجود المقتضي لأداء الصلاة وإتيان الزكاة وانعدام المانع لكل منهما ، فليس من دولة أو طائفة تمنع المسلمين من أداء الصلاة ، كما أن الأمر من عند الله بإتيان الزكاة بشارة السعة عند المسلمين ، وصيرورتهم بحال غنى يستطيعون معه إخراج، الزكاة , ونشر شآبيب الرفق والإحسان بينهم بالحق .
الوجه الثاني : من معاني الجمع بين الآيتين أن من التكاليف على الأنبياء الإمتناع عن الغلول وان الله عز وجل يعلم ما كانوا يفعلون لبيان أنهم إمتثلوا لأوامر الله عز وجل واجتنبوا الغلول ، وهل حث الأنبياء أصحابهم بلزوم الصبر والإمتناع عن الغلول والأخذ من الغنائم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , الجواب نعم ، إذ أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منهاج الأنبياء .
وعن ( رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم : غَزَا نَبِىٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ فَقَالَ لِقَوْمِهِ لاَ يَتْبَعْنِى رَجُلٌ مَلَكَ بُضْعَ امرأة وَهْوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنيىَ بِهَا وَلَمَّا يَبْنِ بِهَا ، وَلاَ أَحَدٌ بَنَى بُيُوتًا وَلَمْ يَرْفَعْ سُقُوفَهَا ، وَلاَ أَحَدٌ اشْتَرَى غَنَمًا أَوْ خَلِفَاتٍ وَهْوَ يَنْتَظِرُ وِلاَدَهَا . فَغَزَا فَدَنَا مِنَ الْقَرْيَةِ صَلاَةَ الْعَصْرِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ لِلشَّمْسِ إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ ، اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيْنَا . فَحُبِسَتْ ، حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، فَجَمَعَ الْغَنَائِمَ.
فَجَاءَتْ يَعْنِى النَّارَ لِتَأْكُلَهَا، فَلَمْ تَطْعَمْهَا، فَقَالَ إِنَّ فِيكُمْ غُلُولاً ، فَلْيُبَايِعْنِى مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ، فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلٍ بِيَدِهِ .
فَقَالَ فِيكُمُ الْغُلُولُ . فَلْتُبَايِعْنِى قَبِيلَتُكَ ، فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةٍ بِيَدِهِ فَقَالَ فِيكُمُ الْغُلُولُ ، فَجَاءُوا بِرَأْسٍ مِثْلِ رَأْسِ بَقَرَةٍ مِنَ الذَّهَبِ فَوَضَعُوهَا ، فَجَاءَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْهَا ، ثُمَّ أَحَلَّ اللَّهُ لَنَا الْغَنَائِمَ ، رَأَى ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا فَأَحَلَّهَا لَنَا) ( ).
وفي الحديث دعوة للمسلمين ليشكروا الله عز وجل على حلّية الغنائم لهم ، ومن مصاديق هذا الشكر إجتناب الغلول والأخذ خلسة من الغنائم، وليكون تقدير آية السياق على وجوه :
أولاً : ما كان لنبي أن يغل ويأخذ من الغنائم .
ثانياً : ما كان لنبي أو يغل كي يجتنب أصحابه وأنصاره أكل الغلول .
ثالثاً : ما كان لنبي أن يغل ولا أن يسكت عن الغلول .
رابعاً : ما كان لنبي أن يقعد عن الجهاد ولا أن يغل .
خامساً : ما كان لنبي أن يغل وهو يعلم بأن الله [بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ]( ).
سادساً : ما كان لنبي أن يغل وهو يتلقى الوحي الذي يتضمن النهي عن الغلول .
سابعاً : ما كان لنبي أن يغل وهو يقر ويسلم بأنه والناس جميعاً يقفون بين يدي الله للحساب .
ثامناً : ما كان لنبي أن يغل وهو يعلم بأن الثواب العظيم في الإمتناع عن الغل والتعدي على بيت المال .
تاسعاً : ما كان لنبي أن يغل وقد جعله الله عز وجل أسوة كريمة للمسلمين .
عاشراً : ما كان لنبي أن يغل وهو يتحلى باسمى مراتب الزهد .
الحادي عشر : ما كان لنبي أن يغل وقد جعله الله عز وجل من أولي الدرجات العليا في الدنيا والآخرة ، وهو من مصاديق آية البحث [هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ..] ( ).
الثاني عشر : ما كان لنبي أن يغل أسوة بالأنبياء والرسل الباقين الذين لم يغلوا.
الثالث عشر : ما كان لنبي أن يغل ليقتدي المسلمون بتقواه وعفته وتنزهه عن الغلول .
الرابع عشر : ما كان لنبي أن يغل لتكون سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم شاهداً وتزكية لهم .
الخامس عشر : ما كان لنبي أن يغل وهم درجات عند الله، وكما يلتقي الأنبياء مع المؤمنين في أداء الفرائض والعبادات فكذا يلتقون جميعاً بالتنزه عن أكل الغلول , مع فضل الأنبياء لأنهم أئمة في التنزه عما نهى الله سبحانه عنه .
السادس عشر : ما كان لنبي أن يغل لبيان قانون وهو : نصر الله لكل نبي من الأنبياء ، قال تعالى [إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ] ( ).
الوجه الثالث : تقدير الجمع بين الآيتين : هم درجات عند الله، ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ) .
من خصائص صيغة الإختيار والإمتحان في الدنيا أن صار الناس على قسمين :
الأول : الذين آمنوا .
الثاني : الذين كفروا .
وكل فرد من أفراد القسمين على مراتب بلحاظ القول والعمل ، وليس من حد أو منتهى في إتيان الصالحات وفعل الخيرات ، أما بالنسبة للقسم الثاني فهناك حد للتمادي في فعل السيئات ، إذ يزجر الله الذين كفروا عن الإكثار من تعدي الحدود التي جعلها أصلاً وقواعد لحياة الناس في الأرض قال تعالى[تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا]( )، لذا شرّع الله عز وجل الجهاد على المسلمين قال تعالى [كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ] ( ).
وكل من آية السياق والبحث من هذا القانون من وجوه :
أولاً : يبين قوله تعالى [وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ] ( ) بلوغ الأنبياء أسمى المراتب في طاعة الله .
ثانياً : بعثة كل نبي نور يملأ الأرض , ويشع على القلوب ليقربها إلى الإيمان .
ثالثاً : الدلالة على بلوغ طائفة من الناس أسمى درجات اليقين , وترغيب غيرهم بذات النهج .
رابعاً : جهاد الأنبياء وأصحابهم وأنصارهم لمنع إستحواذ الذين كفروا على مقاليد أمور الناس وإشاعة الفحشاء بينهم ، ومن الشواهد عليه قوله تعالى [وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ] ( ) .
ليكون الإرتقاء في الدرجات عند الله عز وجل بلحاظ الآية أعلاه على جهات :
الأولى : بعثة الأنبياء , ونيلهم أسمى مراتب الإرتقاء
الثانية : إتباع الصالحين للأنبياء ، ومن الآيات في المقام أن المراتب والدرجات في المقام تأتي من وجوه :
الأول : التصديق بالنبي في رسالته .
الثاني : إتباع النبي فيما يأتي به من الوحي .
الثالث : العمل بمضامين الرسالة والوحي والأوامر والنواهي من عند الله ، وهل قوله تعالى [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا] ( ) خاص برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين أم أنه يشمل الأنبياء والرسل من الأمم السابقة .
الجواب هو الثاني ، لذا وردت الآية بصفة الرسول لإرادة أمور :
الأول : المقصود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : إرادة كل رسول، وعدد الرسل هم ثلاثمائة وثلاثة عشر , وفي رواية ستأتي ثلاثمائة وخمسة عشر .
الثالث : يراد من لفظ الرسول في الآية أعلاه كل نبي من أنبياء الله عز وجل وعددهم مائة وأربعة وعشرون نبياً ، فان قلت المشهور شهرة عظيمة أن الرسل أخص من الأنبياء وأن كل رسول هو نبي وليس العكس .
والجواب هذا صحيح ، ولكن قد يرد لفظ الرسول ويراد منه النبي ولفظ الرسل ويراد منه الأنبياء ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ] ( ).
الثالثة : دعوة للناس جميعاً لإقتفاء أثر الأنبياء والأولياء.
الرابعة : عصمة أصحاب الأنبياء من الوهن والضعف حتى مع حال شدة القتال، وفيه بعث للمسلمين لبذل الوسع في سبيل الله.
الشعبة الثانية : صلة هذه الآية بالآيات المجاورة التالية , وفيها وجوه :
الوجه الأول : صلة هذه الآية بالآية التالية وهو قوله تعالى [لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ] ( ) وفيه مسائل:
المسألة الأولى : تقدير الجمع بين الآيتين : قد منّ الله على المؤمنين هم درجات عند الله ) وفيه وجوه :
الوجه الأول : تتصف كل من الآيتين بأنها بشارة من عند الله للمسلمين، وتحتمل وجوهاً :
الأول : إرادة البشارة في الدنيا في كل من الآيتين .
الثاني : إرادة البشرى في الدنيا بخصوص آية السياق لإخبارها عن بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإرادة الآخرة لخصوص آية البحث لأنها تتضمن الرزق الكريم لعموم المؤمنين بأنهم درجات عند الله ، وأدنى تلك الدرجات نعمة عظمى وخير من الدنيا وما فيها .
الثالث : إرادة الدنيا في آية البحث والآخرة في آية السياق .
الرابع : إرادة الآخرة في آية البحث والدنيا في آية السياق .
الخامس : المقصود الآخرة في كل من الآيتين .
السادس : إفادة المعنى الأعم للغايات والمعاني الإعجازية الحميدة لكل من الآيتين .
إذ يراد الدنيا والآخرة بخصوص الدرجات التي رزق ويرزق الله المؤمنين ، وكذا فان منّ الله عز وجل على المؤمنين يراد منه الدنيا والآخرة.
والمختار هو الأخير من جهات :
الأولى : إخبار آية البحث بأن الدرجات عند الله مما يعني الإستدامة والاستمرار في هذه النعمة، وعن المستورد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : والله ما الدنيا أولها إلى آخرها إلا كما يجعل أحدكم أصبعه في اليم ، فلينظر ما يرجع إليه)( ).
الثانية : لو دار الأمر في النعمة الإلهية بين الإطلاق في شمولها للدنيا والآخرة وبين حصرها بأيام الحياة الدنيا أو خصوص الآخرة ، فالصحيح هو الأول :
الثالثة : قانون إذا أعطى الله فانه يعطي بالأتم والأوفى .
الرابعة : مجئ الآيات بالإخبار عن كثرة وزيادة النعم في الآخرة ، قال تعالى [وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ]( ).
وتدل الآية أعلاه على تعدد النعم التي تأتي للمؤمنين في عالم الآخرة من وجوه :
الأول : مجئ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالبشارة للذين آمنوا في حسن إقامتهم في الآخرة .
الثاني : نزول البشارة بالجنة من عند الله عز وجل ، وقد تأتي البشارة بالسنة النبوية وهي فرع ومصداق للوحي ، ولكن الله عز وجل أبى إلا أن يجعل البشارة بالجنة من كلامه الذي هو بين الدفتين ، وهذا الجعل نعمة أخرى ، قال تعالى[وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ حَدِيثًا]( ).
الثالث : رزق كريم يشبه ما يحصل عليه المؤمنون في الدنيا كالفاكهة والثمار والحبوب ، مع الفارق الذي يتجلى بلحاظ آيات القرآن الأخرى ، ومنه أن الدنيا دار عمل وكسب وأن النعم لا تصل إلى الإنسان منها إلا بالجد والسعي والتعب لذا صارت قوانين المعاوضة والبيع والشراء مصاحبة لحياة الناس في الحياة الدنيا .
الرابع : البشارة بالجنة ذات القصور والأشجار والأنهار التي ليس لجريانها إنقطاع ، وفي التنزيل [قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ] ( ).
الخامس : إخبار الآية أعلاه عن خلود المؤمنين في النعيم ، لقد أكرم الله عز وجل آدم بأمور :
الأول : خلق الله عز وجل بيده آدم عليه السلام .
الثاني : النفخ من روح الله في آدم عليه السلام (عن أبي أمامة : أن أبا ذر قال : يا نبي الله أي الأنبياء كان أوّل؟
قال : آدم .
قال : أو نبي كان آدم؟
قال : نعم . نبي مكلم ، خلقه الله بيده ، ثم نفخ فيه من روحه ، ثم قال له يا آدم , قبلاً .
قلت : يا رسول الله كم وفى عدة الأنبياء؟
قال : مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً .
الرسل من ذلك ثلثمائة وخمسة عشر . جماً غفيراً) ( ).
الثالث : خلافة آدم في الأرض .
الرابع : بعثة الأنبياء من ذرية آدم .
الخامس : تعاهد المؤمنين من ذرية آدم لسنن الإيمان .
السادس : الوعد من الله عز وجل من حين هبوط آدم للأرض بعصمة المصاحب للهدى من الخوف والحزن بقوله تعالى [قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ] ( ).
السابع : ورود السنة النبوية بذكر أحوال أهل الجنة .
ومن الآيات أن النصوص في المقام مستفيضة ومتواترة ومنها حديث الإسراء وكيف أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دخل الجنة ، وقام بذكر الشواهد عند رجوعه فبين صفحات من أحوال أهل الجنان وآيات من فضل الله على الأنبياء والمؤمنين وهم في الآخرة ، منها :
الأول : عن جابر بن عبد الله قال (قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: مررت ليلة أسري بي بالملإ الأعلى ، وجبريل كالحلس البالي من خشية الله عز وجل)( ).
لقد صاحب جبرئيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليلة الإسراء فهل تتعارض هذه المصاحبة مع تلك الرؤية ، الجواب لا ، لأن المقام مقام البيان والشواهد للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في إكرام الله له ولأمته ، وهو من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ) إذ ينتقل جبرئيل إلى حيث يشاء الله فيفارق النبي صلى الله عليه وآله وسلم آناً ما يراه في موضعه من السماء ، ليكون هذا الإنتقال والرؤية مقدمة لصعود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى مقام محمود في ذات ليلة الإسراء لا يقدر جبرئيل من الوصول إليه .
الثاني : ورد عن عبد الله بن مسعود أنه قال : قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لقيت إبراهيم ليلة أسري بي ، فقال : يا محمد ، أقرئ أمتك مني السلام ، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة , عذبة الماء , وأنها قيعان وأن غرسها : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله) ( ).
لقد أنعم الله عز وجل على إبراهيم عليه السلام وهو في الجنة بأن رأى النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ليكون فيه شاهد على إستجابة الله عز وجل لدعائه ودعاء إسماعيل كما ورد في التنزيل[رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ]( ) ولتكون وصية إبراهيم وهو في الجنة من الحكمة التي يعلمها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأمته .
وكما بشّر إبراهيم وهو في الدنيا بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقد بشّر المسلمين وهو في الآخرة بما ينتظرهم من الثواب العظيم .
الثالث : إخبار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأمته والناس جميعاً عن الكرامة التي نالها الأنبياء في الآخرة لإخلاصهم في الدعوة إلى عبادة الله .
ويأتي إخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم من جهات :
الأولى : تفسير النبي صلى الله عليه وآله وسلم لآيات القرآن ، وما فيها من نعيم الجنة .
الثانية : الأحاديث القدسية .
الثالثة : ما يوحيه الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من أنباء الآخرة لمنع الفرقة والخلاف وقطع الجدال ، قال تعالى [عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنْ النَّبَإِ الْعَظِيمِ]( ).
الرابعة : أجوبة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على أسئلة المسلمين وغيرهم .
ومن معاني عموم رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقوله تعالى[وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ]( )، توجه الناس على إختلاف مشاربهم إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالسؤال، وتفضل الله عز وجل بالإجابة , وهذه الإجابة على أقسام:
الأول : التنزيل، ونزول آية قرآنية توثق للأجيال ذات السؤال والحكم كما في قوله تعالى[يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ]( ).
الثاني : الحديث القدسي، والذي قد يأتي إبتداء من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويقوم بسؤال المسلمين ثم يجيبهم .
و(عن زيد بن خالد الجهني قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل فلما انصرف أقبل على الناس فقال : هل تدرون ماذا قال ربكم , قالوا : الله ورسوله أعلم قال : قال أصبح من عبادي مؤمن وكافر فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب)( ).
الثالث : الإجابة بالوحي الذي يتجلى بالسنة النبوية وقد يتعدد السؤال من شخص واحد في موضع واحد، فيجيب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويأتي جماعة من أهل الملل أو المشركين فيسألون النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيجيبهم بالحجة والبرهان.
وعن صفوان بن عسال المرادي: أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا محمد بصوت له جهوري ، فقلنا : ويلك اخفض من صوتك ، فإنك قد نهيت عن هذا ، قال : لا والله حتى أسمعه ، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيده : هاؤم ، فقال : أرأيت رجلا أحب قوما ، ولما يلحق بهم ؟ .
قال : ذلك مع من أحب قوله صلى الله عليه وآله وسلم : هاؤم( ) أراد به رفع الصوت فوق صوت الأعرابي ، لئلا يأثم الأعرابي برفع صوته على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)( ).
الخامسة : مضامين ووقائع حديث الإسراء، قال الله في بيان عظيم قدرته وفضله على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والثناء عليه [سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ] ( ).
السادسة : الرؤيا التي يراها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذ أنها شعبة من الوحي، قال تعالى[لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ]( ).
السابعة : تأويل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لرؤى أصحابه، وما يقصون عليه من المنام .
ليرتقي المسلمون في الدرجات عند الله عز وجل , فحينما أخبرت آية البحث [هُمْ دَرَجَاتٌ]فقد تفضل الله عز وجل بالأخذ بأيدي المسلمين في هذه الدرجات صعوداً وإرتقاءً .
وهذا التعدد من فضل الله عز وجل، وفيه حجة على الناس باحاطتهم علماً بنعيم الجنة الذي ينتظرهم إن آمنوا وعملوا الصالحات، وهو من عمومات قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ] ( ).
ومن الجهة السادسة أعلاه ما ورد في حديث أبي أمامة الباهلي قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد صلاة الصبح فقال ( بينا أنا نائم ، إذ أتاني رجلان ، فأخذا بضبعي ، فأتيا بي جبلا وعرا ، فقالا لي : اصعد .
فقلت : إني لا أطيق .
فقالا : إنا سنسهله لك ، فصعدت حتى كنت في سواء الجبل ، إذا أنا بأصوات شديدة .
قلت : ما هذه الأصوات ؟
قالوا : هذا هو عواء أهل النار ، ثم انطلق بي ، فإذا بقوم معلقين بعراقيبهم ، مشققة أشداقهم ، تسيل أشداقهم دما ، فقلت : ما هؤلاء ؟
قال : هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم ، ثم انطلقا بي ، فإذا بقوم أشد شيء انتفاخا ، وأنتنه ريحا ، وأسوئه منظرا ،
فقلت : من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء الزانون والزواني ، ثم انطلق بي ، فإذا أنا بنساء تنهش ثديهن الحيات ، فقلت : ما بال هؤلاء ؟
فقال : هؤلاء اللواتي يمنعن أولادهن ألبانهن ، ثم انطلق بي فإذا بغلمان يلعبون بين نهرين ،
فقلت : من هؤلاء ؟
قال : هؤلاء ذراري المؤمنين ، ثم شرف لي شرف فإذا أنا بثلاثة نفر يشربون من خمر لهم ،
قلت : من هؤلاء ؟ قال : هؤلاء جعفر بن أبي طالب ، وزيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة ، ثم شرف لي شرف آخر ، فإذا أنا بثلاثة نفر ، قلت: من هؤلاء ؟
قال : إبراهيم ، وموسى ، وعيسى عليهم السلام ينتظرونك)( ).
ويحتمل الإنتظار المذكور في الحديث أعلاه وجوهاً :
أولاً : إنتظار بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وإحياء الشرائع ببعثته .
ثانياً : زيارة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لهم في ليلة الإسراء .
ثالثاً : إنتظار إنتقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى.
رابعاً : إرادة البعث يوم القيامة .
خامساً : المقصود إنتظار شفاعة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يوم القيامة ، إذ يأتي الناس لآدم يسألونه الشفاعة ثم الأنبياء الآخرين ، إلى أن ينحصر الأمر بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
فقد ورد (عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر ، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ – آدم فمن سواه – إلا تحت لوائي ، وأنا أوّل من تَنْشَقُّ عنه الأرض ولا فخر …
فيفزع الناس ثلاث فزعات فيأتون آدم عليه السلام فيقولون : أنت أبونا فاشفع لنا إلى ربك.
فيقول : إني أذنبت ذنباً أهبطت منه إلى الأرض ، ولكن ائتوا نوحاً . فيأتون نوحاً.
فيقول : إني دعوت على أهل الأرض دعوة فأهلكوا ، ولكن اذهبوا إلى إبراهيم . فيأتون إبراهيم فيقول : ائتوا موسى . فيأتون موسى عليه الصلاة والسلام.
فيقول : إني قتلت نفساً ، ولكن ائتوا عيسى . فيأتون عيسى عليه السلام فيقول : إني عُبِدْتُ من دون الله ، ولكن ائتوا محمداً صلى الله عليه وآله وسلم .
فيأتوني فأنطلق معهم فآخذ بحلقة باب الجنة فأقعقعها( )، فيقال : من هذا.
فأقول : محمد .
فيفتحون لي ويقولون : مرحباً . فأخرّ ساجداً فيلهمني الله عز وجل من الثناء والحمد والمجد ، فيقال : ارفع رأسك . . . سل تُعْطَ ، واشفع تُشَفّعْ ، وقل يسمع لقولك . فهو المقام المحمود الذي قال الله : { عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً})( ).
سادساً : إرادة الإنتظار بالمعنى الأعم , وعدم إنحصار موضوع الإنتظار، قال تعالى[فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنْ الْمُنتَظِرِينَ]( ).
سابعاً : إنتظار صحبة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الجنة .
ولا تعارض بين هذه الوجوه ، وكلها من مصاديق الإنتظار المذكور في الحديث أعلاه .
الرابع : بيان مصداق لقوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ) ولكن من عالم الآخرة، إذ ورد في حديث أبي أمامة الباهلي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (ثم انطلقنا فإذا نحن بثلاثة نفر يشربون خمرا لهم ويتغنون.
فقلت : ما هؤلاء ؟ قال : ذلك زيد بن حارثة و جعفر وابن رواحة فملت قبلهم فقالوا : قد نالك قد نالك) ( ).
الوجه الثاني : ومن خصائص المنّ من عند الله عز وجل على المؤمنين التعدد في السنخية من جهات :
الأولى : المنّ على المؤمنين بصفة الإنسانية .
الثانية : المن عليهم بالآيات الكونية .
الثالثة : المن والفضل الإلهي على المسلمين ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو الذي تذكره آية السياق .
الرابعة : التعدد في المنّ الإلهي على المسلمين ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , ومن هذا المنّ عدم إستطاعتهم إحصاء أفراد منّ الله عليهم وإن إجتمعوا وتفرغوا لهذا الإحصاء سنوات متوالية خاصة وأن هذا المن يزداد في كل دقيقة وساعة عندما يجري الإحصاء من قبل الناس ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا] ( ).
وأسرار مجئ لفظ النعمة في الآية أعلاه بصيغة المفرد على أقسام :
الأولى : إرادة المنفرد من النعم .
الثانية : النعم الظاهرة , والباطنة .
الثالثة : النعم التي لا يعلمها إلا الله , والتي أطلع عليها الملائكة والأنبياء والأولياء ، قال تعالى [عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلاَّ مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا] ( ).
الرابعة : المنّ والنعم التي تأتي للناس عامة والتي تأتي للمؤمنين خاصة مما لا يعلمه إلا الله عز وجل ، ومن فضل الله عز وجل على المؤمنين المنّ المتعدد عليهم من وجوه :
الأول : المنّ على المؤمنين بصفة أنهم بشر ، قال تعالى [وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ] ( ).
الثاني : المنّ الذي يأتي للمؤمنين كمسلمين ، وبين المسلم والمؤمن عموم وخصوص مطلق ، فكل مؤمن هو مسلم , وليس العكس .
الثالث : المنّ على المؤمنين بما هم مؤمنون).
لبيان قانون وهو أن المؤمنين يتلقون أفراداً من منّ ولطف الله بما هم بشر، وأفراد أخرى بما هو مؤمنون، وهو الذي يتجلى بخطابات القرآن، فتارة تأتي بصيغة النداء والخطاب للناس , وأخرى للمؤمنين خاصة .
وذكرت آية السياق منّ الله على المؤمنين والمؤمنات خاصة ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولا تدل الآية على حصر المنّ من الله بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم إنما جاءت لبيان الفرد الأهم ، وتقدير آية السياق على وجوه :
الأول : لقد منّ الله على الناس إذ بعث فيهم رسولاً .
الثاني : لقد منّ الله على أهل الكتاب إذ بعث لهم رسولاً .
الثالث : لقد منّ الله على الأجيال المتعاقبة من الناس إذ بعث فيهم رسولاً .
الرابع : لقد منّ الله على الذين كفروا إذ بعث فيهم رسولاً .
وهناك مسألة وهي أيهما أكثر :
الأول : المنّ من الله على الناس في الحياة الدنيا، ومنهم المؤمنون بصفة البشر.
الثاني :المنّ واللطف من الله على المؤمنين خاصة في الدنيا.
والمختار هو الأول ، وهو من مصاديق الربوبية المطلقة لله عز وجل ومن سعة رحمته تعالى، وفيه حجة على الناس ، لذا يتلو كل مسلم ومسلمة سبع عشرة مرة في اليوم قوله تعالى[الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ] ( ) في الصلاة اليومية الواجبة لتكون هذه التلاوة على وجوه :
أولاً : الشكر لله عز وجل على جعلهم درجات .
ثانياً : الرجاء والدعاء لأن يزيد الله للمسلمين في درجاتهم عدداً وعلواً ورفعة.
ثالثاً : الدعاء للوالدين بالمغفرة والسمو في درجات الآخرة .
فلا يغادر المسلم الدنيا إلى عالم البرزخ والآخرة إلا ويجد والديه يثنيان عليه ويقدمان الشكر له على دعائه لهما ، ويبينان له أنهما يدعوان له وهما في عالم البرزخ ولا يعلم النفع من هذا الدعاء إلا الله عز وجل ، وكأن الآية تقول للمسلم [هُمْ دَرَجَاتٌ] اعمل بجد لترتقي ووالداك في سلم الدرجات لذا يمكن القول بأن من مصاديق قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (: “إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) ( ).
أن ذات الإنسان ينتفع من دعائه لوالديه في الدنيا وفي الآخرة ليشمل النفع غفران الذنوب وستر العيوب ، وزيادة الرزق والنماء في المال والجاه وطول العمر ليتعاهد دعاءه لوالديه ، ويرتقي وإياهما في الدرجات .
ومن أسرار نزول آية البحث دعوة المسلمين للإجتهاد في طاعة الله برضا وشوق ورغبة ورجاء الفوز بالدرجات العالية ، وهو الذي ذكرته الآية في خاتمتها , فمع قلة كلمات آية البحث وأنها بضع كلمات فانها جمعت بين أمور :
الأول : درجات ومراتب الناس .
الثاني : درجات الناس هبة ونعمة من عند الله .
الثالث : علم الله عز وجل بما يفعل الناس لقوله تعالى [وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ] ( ) ومع أن الله عز وجل يبصر من غير آلة باصرة فلماذا لم تقل الآية عليم بما يعلمون ، الجواب من جهات :
الأولى : بيان قانون وهو حضور الأشياء عند الله عز وجل .
الثانية : تذكير الناس بقانون وهو إطلاع ورؤية الله عز وجل على كل فعل يقومون به متحدين ومتفرقين .
الثالثة : مجئ آيات تتضمن الإخبار بأن الله عز وجل هو العليم بما يعملون , كما في قوله تعالى[وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ]( ).
والله هو الخبير الذي يعلم بما يعمل الناس وما تخفي صدورهم من النوايا والعزائم والأماني والغايات والبلغة إليها , وهذه البلغة متعددة من جهات :
الأولى : ما ينوي العبد فعله للوصول إلى غايته وهو أمر متغير، فقد ينوي العبد إتخاذ طريق ثم ينوي غيره وقد يبقى متحيراً متردداً بين أكثر من طريق، ثم ينسى الأمر , ولكن الله عز وجل لاينساه إذ أنه حاضر عنده سبحانه، وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام في قول الله عز وجل: يعلم السر وأخفى ” قال: السر ما كتمته في نفسك، وأخفى ما خطر ببالك ثم أنسيته( ).
الثانية : البلغة الصحيحة والصراط القويم.
الثالثة : البلغة والطريقة التي تتضمن النفع والخير.
الرابعة : البلغة الضارة.
الرابعة : من إعجاز القرآن ذكر صفات الله عز وجل بما يبعث السكينة والغبطة في قلوب المؤمنين، وبما يملأ قلوب الذين كفروا بالرعب والفزع فحينما يعلم المؤمن أن الله عز وجل يعلم ما يفعل فانه يمتلأ طمأنينة ورضا لمبادرته إلى فعل الخيرات، وتتوق نفسه إلى المسارعة في الصالحات.
أما الكافر فانه إذا علم أن الله عز وجل بصير بما يعمل فانه يصاب بالكآبة والحزن، ويدرك قبح فعله ويستحي من الله ومن نفسه وهو من مصاديق منّ الله على الناس ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليكون من مصاديق قوله تعالى[وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ]( )، وتقديره : وما أرسلناك إلا كافة للناس بالمنّ عليهم.
من معاني الجمع بين الآيتين دفع الحزن عن المسلمين مجتمعين ومتفرقين لما فيه من الدلالة على أن عملهم لن يذهب هباءّ أو سدى إذ تذكرهم آية السياق بصفة الإيمان وقد يبخل أو يتردد الإنسان في الوصف الجميل لغيره ، وقد يستحوذ الحسد على لسانه ، ويتردد في الثناء والمدح أو يشح بالوصف الحسن , ويستحضر خصالاً عند الطرف الآخر يظن أنها برزخ دون المدح والثناء أو أنه يقوم بمدح طرف أو فرد دون آخر من المجموعة أو فعلاً معيناً من شخص دون أفعاله الأخرى ، ولكن الله عز وجل يتفضل على المسلمين بمدحهم على نحو العموم المجموعي بصفة الإيمان ، ويشهد لهم أنهم المؤمنون ويخبر عن رزقهم الدرجات العالية في الدنيا والآخرة ، ليكون من مصاديق قوله تعالى [هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ] أي أنتم درجات عند الله .
ومن معاني [لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ] أي لقد منّ الله عليكم إذ بعث فيكم رسولاً من أنفسكم لترتقوا في الدرجات الرفيعة .
الوجه الثالث : كل من آية البحث والسياق منّ ولطف من عند الله بالمسلمين ، لبيان قانون وهو أن الله عز وجل ينعم على المسلمين ليكونوا درجات عنده سبحانه ، ويأخذ بأيديهم في الحياة الدنيا ، لتعيين درجاتهم العالية .
ومن يأخذ الله عز وجل بيده نحو الإرتقاء والسمو فانه ينال أسمى المراتب ، وهو من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( )، ويمكن إنشاء قانون وهو في كل آية من القرآن إرتقاء درجة ودرجات للمسلمين ومنه آية السياق من جهات :
الأولى : ذكر منّ وإحسان الله للمسلمين من وجوه :
الأول : ذكر الآية لمنّ الله عز وجل على المسلمين .
الثاني : نعت المسلمين بأنهم مؤمنون , وما فيه من الشهادة والإكرام لهم من الله عز وجل وكأن قوله تعالى [لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ] ( ) دعوة للملائكة لإعانة المسلمين في الصعود والعلو في درجات الرفعة .
الثالث : تقدير أول آية السياق بلحاظ آية البحث : لقد منّ الله على المؤمنين ليكونوا درجات عند الله، وهل في نعت المسلمين بالمؤمنين دعوة من الله للمسلمين للتعاون فيما بينهم وجذب الناس لمنازل الهدى والإيمان ، الجواب نعم .
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال (وأصلح الناس أصلحهم للناس، وخير الناس من انتفع به الناس) ( ).
ومن معاني الدرجات الرفيعة عند الله الصلاح والإصلاح والتنزه عن الفساد ، والإمتناع عنه ، ومحاربته بسلاح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الثانية : بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التي فتحت أبواب الدرجات للمسلمين إلى يوم القيامة ، وهو من مصاديق قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( ).
ليكون من معاني الآية أعلاه سؤال الهداية إلى الدرجات العالية والمنازل الرفيعة .
الثالثة : بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأسمى المراتب والدرجات بأنه رسول من عند الله عز وجل.
وقد نال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مرتبة ودرجة سيد المرسلين ، فهل من موضوعية لقوله تعالى [مِنْ أَنْفُسِهِمْ] بقوله تعالى [رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ] ( ). في هذه الدرجة السامية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أم لا .
الجواب هو الأول ، بلحاظ آيات القرآن نفسها ، قال تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ) ليكون من معاني نيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لمرتبة سيد وأكرم الرسل وجوه :
أولاً : النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من خير أمة .
ثانياً : بعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لخير أمة .
ثالثاً : نزل القرآن لخير أمة .
رابعاً : قيام خير أمة بأداء الواجبات العبادية حسب ما أمر الله به، ومنه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (صلوا كما رأيتموني أصلي) ( ).
بتقريب أن خير أمة تؤدي ذات الأفعال العبادية التي يؤديها رسولها ، وهو أمر ينفرد به المسلمون .
خامساً : لما ابتدأت آية السياق بالإخبار عن منّ وإحسان الله عز وجل على المسلمين ، فانه سبحانه يمنّ بالأتم والأوفى , فمن منّ الله عز وجل على المسلمين أن جعل نبيهم سيد المرسلين، فان قلت قد منّ الله عز وجل على المؤمنين من الأمم السابقة كأمة موسى وعيسى عليهما السلام.
والجواب هذا صحيح ، ورسلهم من سادة المرسلين وعيسى عليه السلام من الرسل الخمسة أولي العزم ، وأنعم الله عز وجل بأمة عظيمة لكل واحد منهما ، وجاء القرآن بنعتهم باسم [أَهْلِ الْكِتَابِ] ( ) وفيه نوع إكرام وفصل وتمييز لهم عن عموم الناس من أهل الملل الأخرى.
لتكون هناك موضوعية ودرجات لمسمى الإتباع للأنبياء والرسل في القرآن ، فلما ذكر القرآن أسماء الأنبياء وبينّ صبرهم وجهادهم في سبيل الله ، وشهد لهم الله بأنه سبحانه أنزل عليهم الكتاب ، قال تعالى [وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابن مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ] ( ).
سادساً : صيرورة أعظم وخير الأمم برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واتباعها , وإتصافهم بتعاهد سنن التقوى والصلاح.
الرابعة : لما ذكرت آية البحث أن المسلمين على مراتب ودرجات متعددة ومتباينة عند الله عز وجل جاءت الآية التي بعدها لتبين علة وسبب الدرجات العالية التي فاز بها المسلمون , إذ إبتدأت بقوله تعالى [لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ] وماهية وسنخية الدرجات منّ من عند الله ، وتحتمل علة وسبب الدرجات التي ينالها المسلمون والمراتب التي يرتقون فيها في الدنيا والآخرة وجوهاً :
الأول : نيل المسلمين المراتب العالية بفضل من الله عز وجل .
الثاني : إرتقاء المسلمين في الدرجات بسبب تبليغ وتوجيه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعمومات قوله تعالى [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا] ( ).
الثالث : مراتب المسلمين بجهادهم وصبرهم وطاعتهم لله ورسوله وهذا الإرتقاء من مصاديق الرحمة في قوله تعالى [وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ] ( ) .
الرابع : إرادة الجمع بين هذه الوجوه الثلاثة أعلاه .
والمختار هو الأول فارتقاء المسلمين في الدرجات بفضل ولطف من الله تعالى , والوجوه الأخرى فروع له .
فلذا إبتدأت الآية التالية بقوله تعالى [لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ..]( ) لبيان أن الله عز وجل منّ عليهم وعلى الناس جميعاً بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا]( ).
ولكن المسلمين هم الذين انتفعوا الإنتفاع الأمثل من هذه النبوة فأكرمهم الله في آية البحث وبها، وجعلهم درجات في السمو والرفعة ، وأكرمهم في آية السياق ونعتهم بالمؤمنين وإلا فان تقدير عموم الآية (ولقد منّ الله على الناس إذ بعث فيهم).
الخامسة : لقد ذكرت آية البحث الدرجات ومراتب أهل الإيمان عند الله عز وجل ، ثم ذكرت آية السياق المؤمنين , فهل يكون من معاني الإيمان هو الإيمان بآية البحث، والإقرار بأن المسلمين درجات عند الله.
المسألة الرابعة : تقدير الجمع بين آية البحث والسياق : يتلو عليهم آياته هم درجات عند الله ، وفيه وجوه :
الأول : من إعجاز القرآن مجيؤه [تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ] ( )، ومن تجليات البيان في القرآن ذكره لقصص الأنبياء والأمم الماضية , وذكره لسنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسيرته البهية التي تشرق كل يوم بوقائعها على الأرض مصاحبة لآيات القرآن التي هي مرآة وتابعة لها.
فصحيح أن المراد من السنة في الإصطلاح هو قول وفعل وخطاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
فقد أضفنا إليه أقساماً من السنة النبوية منها السنة التدوينية وهي رسائل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى ملوك وأمراء زمانه وإلى الولاة الذين يبعثهم في الأمصار وبيان الأحكام , وإجابات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الأسئلة التي ترده , والعهود والمواثيق ونصب الزكاة.
ومن الآيات في سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه يتكلم بلهجات العرب وتأتيه الوفود فيخاطبهم ويكتب لهم بلهجتهم ، فحينما ورد عليه وفد بني نهد( )، كتب لهم(بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى بني نهد بن زيد: الإسلام على من آمن بالله عز وجل ورسوله.
لكم يا بني نهد في الوظيفة( )، الفريضة( )، ولكم الفارض، والفريش.
وذو العنان الركوب والفلق الضبيس، لا يمنع سرحكم، ولا يعضد طلحكم، ولا يحبس دركم، ما لم تضمروا الرماق( ).
وفي لفظ: الأرماق.
وتأكلوا الرباق( )، من أقر بما في هذا الكتاب، فله من الله الوفاء بالعهد والذمة، ومن أبى فعليه الربوة.
رواه أبو نعيم في المعرفة والديلمي في مسند الفردوس عن عمران بن حصين، وأبو نعيم عن حذيفة بن اليمان عنهم مختصرا.
وكتابه صلى الله عليه وآله وسلم لدى المشفار مالك بن نمط لما لقيه وفد همدان مقدمه من تبوك فقال مالك بن نمط: يا رسول الله نصية من همدان، من كل حاضر وباد، أتوك على قلص نواج، متصلة بحبائل الإسلام، لا تأخذهم في الله لومة لائم، من مخلاف خارف ويام، لا ينقض عهدهم عن سنة ماحل، ولا سوداء عنقفير( )، ما أقام لعلع، وما جرى يعفور بصلع.
فكتب إليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (هذا كتاب من محمد رسول الله لمخلاف( ) خارف( ) وأهل جناب الهضب وجفاف الرمل، مع وافدها ذي المعشار مالك بن نمط ومن أسلم من قومه، على أن لهم فراعها( ) ووهاطها( ) وعزازها( ) ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة يأكلون علافها ويرعون( ) عفاءها( ) لنا من دفئهم وصرامهم( ) ما سلموا بالميثاق والأمانة، ولهم من الصدقة الثلب( ) والناب( ) والفصيل( ) والفارض( ) والداجن( ) والكبش الحوري، وعليهم فيه الصالغ( ) والقارح)( ).
وقال ابن هشام: وَقَدِمَ وَفْدُ هَمْدَانَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِيمَا الْعَبْدِيّ عَنْ أَبِي إسْحَاقَ السّبِيعِيّ قَالَ قَدِمَ وَفْدُ هَمْدَانَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْهُمْ مَالِكُ بْنُ نَمَطٍ وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَهُوَ ذُو الْمِشْعَارِ وَمَالِكُ بْنُ أَيْفَعَ وَضِمَامُ بْنُ مَالِكٍ السّلْمَانِيّ وَعَمِيرَةُ بْنُ مَالِكٍ الْخَارِفِيّ فَلُقُوا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَرْجِعَهُ مِنْ تَبُوكَ وَعَلَيْهِمْ مُقَطّعَاتُ الْحِبَرَاتِ وَالْعَمَائِمُ الْعَدَنِيّةُ بِرِحَالِ الْمَيْسِ عَلَى الْمَهْرِيّة وَالْأَرْحَبِيّة وَمَالِكِ بْنِ نَمَطٍ وَرَجُلٍ آخَرَ يَرْتَجِزَانِ بِالْقَوْمِ يَقُولُ أَحَدُهُمَا :
هَمْدَانُ خَيْرٌ سُوقَةً وَأَقْيَالْ … لَيْسَ لَهَا فِي الْعَالَمِينَ أَمْثَالْ
مَحَلّهَا الْهَضْبُ وَمِنْهَا الْأَبْطَالْ … لَهَا إطَابَاتٌ بِهَا وَآكَالْ
وَيَقُولُ الْآخَرُ
إلَيْكَ جَاوَزْنَ سَوَادَ الرّيفِ … فِي هَبَوَاتِ الصّيْفِ وَالْخَرِيفِ
مُخَطّمَاتٍ بِحِبَالِ اللّيفِ فَقَامَ مَالِكُ بْنُ نَمَطٍ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ نَصّيةٌ مِنْ هَمْدَانَ ، مِنْ كُلّ حَاضِرٍ وَبَادٍ أَتَوْك عَلَى قُلُصٍ نَوَاجٍ مُتّصِلَةٌ بِحَبَائِلِ الْإِسْلَامِ لَائِمٍ مِنْ مِخْلَافِ خَارِفٍ وَيَام وَشَاكِرٍ أَهْلُ السّودِ وَالْقَوَدِ أَجَابُوا دَعْوَةَ الرّسُولِ وَفَارَقُوا الْإِلَهَاتِ الْأَنْصَابَ عَهْدُهُمْ لَا يُنْقَضُ مَا أَقَامَتْ لَعْلَعٌ ، وَمَا جَرَى الْيَعْفُورُ بِصَلَعٍ .
فَكَتَبَ لَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كِتَابًا فِيهِ بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ . هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَسُولِ اللّهِ مُحَمّدٍ، لِمِخْلَافِ خَارِفٍ وَأَهْلِ جَنَابِ الْهَضْبِ وَحِقَافِ الرّمْلِ مَعَ وَافِدِهَا ذِي الْمِشْعَارِ مَالِكِ بْنِ نَمَطٍ وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى أَنّ لَهُمْ فِرَاعَهَا وَوِهَاطَهَا ، مَا أَقَامُوا الصّلَاةَ وَآتَوْا الزّكَاةَ يَأْكُلُونَ عِلَافَهَا وَيَرْعُونَ عَافِيَهَا ، لَهُمْ بِذَلِكَ عَهْدُ اللّهِ وَذِمَامُ رَسُولِهِ وَشَاهِدُهُمْ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ .
فَقَالَ فِي ذَلِكَ مَالِكُ بْنُ نَمَطٍ
ذَكَرْتُ رَسُولَ اللّهِ فِي فَحْمَةِ الدّجَى … وَنَحْنُ بِأَعْلَى رَحْرَحَانَ وَصَلْدَدِ
وَهُنّ بِنَا خُوصٌ طَلَائِحُ تَغْتَلِي … بِرُكْبَانِهَا فِي لَاحِبٍ مُتَمَدّدِ
عَلَى كُلّ فَتْلَاءِ الذّرَاعَيْنِ جَسْرَةٍ … تَمُرّ بِنَا مَرّ الْهِجَفّ الْحَفَيْدَدِ
حَلَفْتُ بِرَبّ الرّاقِصَاتِ إلَى مِنًى … صَوَادِرَ بِالرّكْبَانِ مِنْ هَضْبِ قَرْدَدِ
بِأَنّ رَسُولَ اللّهِ فِينَا مُصَدّقُ … رَسُولٌ أَتَى مِنْ عِنْدِ ذِي الْعَرْشِ مُهْتَدِي
فَمَا حَمَلَتْ مِنْ نَاقَةٍ فَوْقَ رَحْلِهَا … أَشَدّ عَلَى أَعْدَائِهِ مِنْ مُحَمّدِ
وَأَعْطَى إذَا مَا طَالِبُ الْعُرْفِ جَاءَهُ .. وَأَمْضَى بِحَدّ الْمَشْرَفِيّ الْمُهَنّدِ)( ).
وكتب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لوائل بن حجر وقومه(إلى الأقيال العباهلة( ) والأرواع المشابيب من أهل حضرموت بإقام الصلاة المفروضة وأداء الزكاة المعلومة عند محلها، في التيعة شاة لا مقورة الألياط ولا ضناك وأنطوا الثبجة، وفي السيوب الخمس، ومن زنى من بكر فاصقعوه مائة واستوفضوه عاما، ومن زنى من ثيب فضرجوه بالأضاميم ولا توصيم في الدين ولا غمة في فرائض الله، وكل مسكر حرام، ووائل بن حجر يترفل على الأقيال أميرا أمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)( ).
ووائل بن حجر أحد أبناء ملوك حمير من اليمن ، وقد وفد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذكر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بشر أصحابه بقدوم وائل هذا قبل قدومه به، وقال: يأتيكم بقية أبناء الملوك.
فلما دخل رحب به وأدناه من نفسه وقرب مجلسه وبسط له رداءه.
وقال: “اللهم بارك في وائل وولده وولد ولده”.
واستعمله على الأقيال من حضرموت، وكتب معه ثلاثة كتب ; منها كتاب إلى المهاجر بن أبى أمية، وكتاب إلى الاقيال والعباهلة، وأقطعه أرضاً وأرسل معه معاوية بن أبى سفيان فخرج معه راجلا، فشكا إليه حر الرمضاء , فقال: انتعل ظل الناقة.
فقال: وما يغني عني ذلك، لو جعلتني ردفا ؟ فقال له وائل: اسكت فلست من أرداف الملوك.
ثم عاش وائل بن حجر حتى وفد على معاوية، فعرفه معاوية، فرحب به وقربه وأدناه، وذكرّه الحديث، وعرض عليه جائزة سنية فأبى أن يأخذها، وقال: أعطها من هو أحوج إليها مني ) ( ).
وهل من موضوعية لكتب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في درجات المسلمين ، الجواب نعم ، لأنها فرع الوحي وثمرة من ثماره ، ولأن المسلمين يتعاهدون هذه الكتب والرسالة ويتلقونها بالتصديق والعمل بمضامينها .
الوجه الثاني : لقد ذكرت آية السياق أمر التلاوة ويتقوم بوجوه :
أولاً : المنّ والفضل من الله .
ثانياً : تلاوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم للآيات .
ثالثاً : الآيات التي يتلوها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على المسلمين.
رابعاً : وصف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بصفة الرسالة، فلم تقل الآية إذ بعث فيهم نبياً من أنفسهم) لأن النبي قد يتلو الآيات والوحي الذي أنزل على الرسول الذي من قبله , فمن إعجاز الآية أنها ذكرت النبي محمداً بصفة الرسالة لبيان ان الآيات أنزلت عليه نفسه.
ويمكن إنشاء فيصل ومائز بين النبي والرسول بلحاظ آية السياق، وهي أن الرسول يتلو الآيات التي أنزلت عليه ، أما النبي فانه يتلو آيات الرسول الذي قبله.
خامساً : الذين يتلو عليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم الآيات وهم المسلمون والمسلمات ، ومن الآيات التي يتلوها النبي صلى الله عليه وآله وسلم قوله تعالى [هُمْ دَرَجَاتٌ] ليكون حجة من عند الله ، وبلاغاً للناس عامة والمسلمين خاصة بأنهم على مراتب متعددة عند الله عز وجل ، لبيان وجه الإعجاز في خلق الناس وشأنهم والجاه الذي يمتازون به عند الله.
وورد في موسى عليه السلام قوله تعالى [وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا] ( )أي كريماً وشافعاً مشفعاً ذا جاه ودعاء مستجاب ، وهل هذه الوجاهة من الدرجات , الجواب نعم ، وهي من أسمى الدرجات لذا لم ترد في القرآن إلا بخصوص الأنبياء.
وفي عيسى عليه السلام ورد قوله تعالى [إِذْ قَالَتْ الْمَلاَئِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابن مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ]( ).
الوجه الثالث : بيان قانون وهو ترشح النعم والمنافع من تلاوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وكأن تقدير الجمع بين الآيتين : يتلو عليهم آياته ليصيروا درجات عند الله)، فتلاوة القرآن طريق مبارك وضياء يهدي إلى أسمى المراتب سواء للتالي أو السامع ، لذا تهبط الملائكة لتسمع القرآن، فتلاوة آيات القرآن مناسبة ونوع طريق للإرتقاء في سلّم الدرجات العالية , ومراتب سامية في الخشية من الله عز وجل .
وكأن تقدير الجمع بين الآيتين هو ( اتلو عليهم آيات الله فهم على درجات ).
ويتضمن قوله تعالى [هُمْ دَرَجَاتٌ] و[رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ]صيغة الجمع الغائب من وجوه :
أولاً : الضمير المنفصل (هم) .
ثانياً : جمع المؤنث السالم (درجات ) وتقدير الآية : ذوو درجات، إذ أن (هم) ضمير منفصل يدل على جماعة الغائبين , بينما درجات جمع مؤنث سالم.
ومن خصائص الخبر أنه يتبع المبتدأ في الإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث إلا مع القرينة على الخلاف أو كان الخبر مصدراً كما في قوله تعالى [أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً]( ).
فجاء المبتدأ جمعاً بينما ورد الخبر مفرداً وفي قوله تعالى [وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ]( ) إذ جاء الخبر على وزن فعيل فيجوز فيه الإفراد والتنكير .
الوجه الثاني : صلة هذه الآية بقوله تعالى [أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ]( ) وفيه مسائل :
المسألة الأولى : وردت آية البحث بصيغة الجملة الخبرية ولغة الغائب، إذ إبتدأت بالضمير (هم) ، بينما وردت آية السياق بصيغة الخطاب، ويحتمل المراد منها وجوه :
الأول : إرادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ووردت صيغة الجمع في الخطاب [أَصَابَتْكُمْ] إكراماً من الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتحتمل المصيبة يوم معركة أحد وجوهاً:
أولاً : كسر رباعية النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
ثانياً : الجراحات التي أصابت النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في وجهه ورأسه يوم معركة أحد .
(عن انس بن مالك قال كسرت رباعية النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد، وشج وجهه فأخذ الدم يسيل على وجهه وجعل يمسح الدم وهو يقول كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم فأنزل الله تبارك وتعالى في ذلك (ليس لك من الأمر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فانهم ظالمون)( ).
ثالثاً : سقوط سبعين شهيداً من المسلمين .
رابعاً : الجراحات التي أصابت المهاجرين والأنصار يوم معركة أحد .
خامساًُ : إنكسار المسلمين في معركة أحد بعد أن كانت بدايتها معروفة بالنصر للمسلمين، وهو من مصاديق قوله تعالى[وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ]( ).
سادساً : إنهزام أكثر الصحابة من وسط المعركة .
وهل الجراحات والمصائب التي ألمّّّت بالمسلمين يوم معركة أحد مما يرقيهم في الدرجات عند الله ، الجواب نعم ، وهو من فضل الله عز وجل قال سبحانه [وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ]( ).
الثاني : المراد من الضمير في قوله تعالى[أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ]( ) المهاجرون الذين حضروا معركة أحد ، وأصيبوا بالجراحات الشديدة لأن مدار التماثل والتشابه هو في المصيبة من وجهة القتل والجراحات والإنكسار ، مع التباين في الدرجات فان المسلمين يبتلون بالمصيبة ليرتقوا في سلّم الدرجات، بينما يبتلى الذين كفروا بالمصيبة ليقعوا في دركات الهوان والذل.
الثالث : المراد مسألة الأسرى من المشركين يوم بدر , وعددهم سبعون ، إذ رضي المسلمون بالبدل والعوض عنهم ، وعن الإمام علي عليه السلام قال (جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا محمد إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذهم الأسارى ، وقد أمرك أن تخيرهم بين أمرين : إما أن يقدموا فتضرب أعناقهم ، وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم.
فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الناس ، فذكر ذلك لهم فقالوا : يا رسول الله عشائرنا واخواننا نأخذ فداءهم فنقوى به على قتال عدونا ويستشهد منا بعدتهم ، فليس في ذلك ما نكره . فقتل منهم يوم أحد سبعون رجلاً عدة أسارى أهل بدر ) ( ).
لقد خسر الذين كفروا سبعين قتيلاً يوم بدر ، ووقع منهم أسرى بيد المسلمين سبعون آخرون ، فقتل من المسلمين يوم معركة أحد سبعون .
وجاءت آية السياق لمواساة المسلمين على هؤلاء السبعين ، وهي أعظم مواساة في التأريخ ، إذ أخبر الله عز وجل بقوله في آية البحث [هُمْ دَرَجَاتٌ] فمن فقد أباه أو أخاه تأتيه آية البحث لتخبره بأن الشهداء درجات عند الله ، وكذا بالنسبة للتي فقدت أباها أو أخاها أو زوجها ، وجاء القرآن ليبين أن الشهداء في أعلى الدرجات عند الله سبحانه.
لبيان أنهم يتنعمون بالرزق من أكل ومطاعم الجنة وهم في عالم البرزخ قبل أن ينفخ في الصور ويبعث الناس من القبور .
ويحتمل قوله تعالى [وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ] ( ) وجوهاً :
أولاً : إنه بشارة من عند الله .
ثانياً : إنه مواساة للمسلمين والمسلمات الذين خرج ذووهم إلى ميدان معركة بدر وأحد والخندق وغيرها دفاعاً عن النبوة والتنزيل ولم يعودوا .
ثالثاً : إنه وعد من الله عز وجل للمهاجرين والأنصار ممن يقتل في سبيل الله سبحانه .
رابعاً : هو عهد من الله للمسلمين .
ولا تعارض بين هذه الوجوه ، وكلها من مصاديق الآية الكريمة، وتستقرأ من السنة وجوه أخرى بخصوص الآية أعلاه منها ما ورد (عن محمد بن قيس بن مخرمة قال: قالوا: يا ربّ، ألا رسول لنا يخبر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عنا بما أعطيتنا؟
فقال الله تبارك وتعالى: أنا رسولكم، فأمر جبريل عليه السلام أن يأتي بهذه الآية :”ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله”، الآيتين) ( ).
وهل ينال ذوو الشهداء من الدرجات التي تذكرها آية البحث الجواب نعم ، وهو من إعجاز القرآن بتوجه آية السياق لهم بصيغة الخطاب وجعل موضوعها المصيبة ، وتقدير آية السياق : أولما أصابتكم مصيبة بقتل أفراد منكم )
ويكون الجمع بينها وبين آية البحث : أنتم درجات عند الله بما أصابكم من مصيبة بقتل الشهداء من ذويكم وإخوانكم ) بلحاظ المعنى الأعم للأخوة في المقام , فيشمل أموراً :
الأول : الأخوة النسبية والإنتماء لأب واحد .
الثاني : الأخوة الإيمانية لقوله تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ] ( ).
الثالث : قيام النبي بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار .
الرابع : الأخوة السببية والمصاهرة .
المسألة الثالثة : تقدير الجمع بين آية البحث والسياق : هم درجات عند الله إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم) وفيه وجوه :
الوجه الأول : من خصائص بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قانون العالمية والعموم في رسالته ، إذ بعثه الله عز وجل للناس جميعاً عربيهم وأعجميهم ، أبيضهم وأسودهم ، الرجال والنساء ، الكبار والصغار ، وتحتمل الدرجات في المقام من جهة السبق والتأخر على الرسالة وجوهاً :
أولاً : إرادة أحوال وطبقات الناس قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ثانياً : كان الناس على درجات أيام بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ثالثاً : حال المسلمين بعد البعثة النبوية، قال تعالى[وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ]( ).
رابعاً : خصوص المسلمين بعد بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وكيف أنهم صاروا درجات .
خامساً : المراد المسلمون وأهل الكتاب والناس جميعاً بعد بعثة النبي محمد صلى لله عليه وآله وسلم .
ولا تعارض بين هذه الوجوه، وكلها من مصاديق الآية ، ولكن مراتب الدرجات تتجلى بعد بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلى نحو أكثر وضوحاً وموضوعية في عالم الآخرة.
وعن بريدة قال: أَهْلُ الجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ؛ ثَمَانُونَ مِنْهَا مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ ، وَأَرْبَعُونَ مِنْ سَائِرِ الأُمَمِ)( ).
المسألة الرابعة : هل يمكن الجمع بين الآيتين : هم درجات عند الله إلا الذي يغلل فانه يأت بما غل يوم القيامة ) .
الجواب لا دليل عليه وموضوع الغلول في الغالب في سوح المعارك وعند الغلبة على الذين كفروا ، وقد أثنى الله عز وجل على المجاهدين بأموالهم وأنفسهم ، قال تعالى [لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى..] ( ) ويحتمل الوعد المذكور في الآية أعلاه وجهين :
الأول : وكلاً وعد الله الحسنى حتى الذي غلّ منهم.
الثاني : وكلاً وعد الله الحسنى إلا الذي غلّ منهم .
والمختار هو الأول ، وإن كان الغل والأخذ من الغنائم معصية ، ولكن الرجحان والحكومة في المقام للوعد والفضل من عند الله عز وجل .
وفيه إعجاز من جهة أن عدم صيرورة اللوم والذم للذي يأخذ الغلو برزخاً دون خروج المؤمنين للجهاد والدفاع وتجلي بقوله تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] ( ).
وقد أثنى الله عز وجل على الذين خرجوا مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لمعركة أحد ، ونعتهم بالمؤمنين ويكون من مصاديق الإيمان في المقام وجوه :
الأول : الإيمان بالله إلهاً واحداً أحداً فرداً صمداً لم يتخذ صاحبة ولا ولداً .
الثاني : الإيمان بانعدام الشريك والند لله عز وجل .
الثالث : الإيمان بالنبوة والتنزيل وما يخبر عنه النبي من أحكام الحلال والحرام والأوامر والنواهي هي من عند الله ، إذ أن معجزة النبي شاهد على صدق ما يخبر عنه من الوحي والتنزيل ، ليكون من معاني قوله تعالى [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ] ( ) أي ما آتاكم بتعضيد وشهادة المعجزات العقلية والحسية التي تجري على يديه .
ليكون هذا الأخذ رفعاً للدرجة وعلواً لمقام الذي يتقيد بالأوامر التي أنزلها الله عز وجل .
وجاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالمعجزة العقلية ، وهي الآية القرآنية لتدعو الناس في كل ساعة من ساعات الليل والنهار إلى التقيد بأحكام الشريعة وهي باعث للتسابق في الخيرات واللجوء إلى أسباب الفوز بالعفو والمغفرة من عند الله ، قال سبحانه [وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ] ( ).
الرابع : الإيمان بأن المؤمنين عند الله على درجات في الرفعة والأجر والثواب .
الخامس : الإقرار باليوم الآخر والتسليم بقيام الساعة بعد أن تنقطع الحياة على الأرض .
(قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة . فيه خلق الله آدم ، وفيه أدخل الجنة ، وفيه أهبط منها، وفيه مات ، وفيه تيب عليه ، وفيه تقوم الساعة)( ).
ليكون الإرتقاء في الدرجات بلحاظ الحديث أعلاه على وجوه:
الأول : التسليم بأن قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حق وصدق وأنه [وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى] ( ).
الثاني : بركات يوم مخصوص من أيام الأسبوع يجتهد فيه المسلم بالعبادة والدعاء والإستغفار ، ولا يعني هذا حرمة العمل والكسب فيه ، ولكن يتوجه المسلم بالشكر لله عز وجل لأنه من أهل الدنيا في يوم مبارك وهو يوم الجمعة وبلباس الإيمان .
ومن الإعجاز في أحكام القرآن بخصوص يوم الجمعة نزول سورة كاملة أسمها سورة الجمعة وليس من سورة أخرى في القرآن باسم يوم أو شهر مخصوص أو سنة معينة ، وتتضمن هذه السورة تشريع صلاة الجمعة لتبقى حية غضة إلى يوم القيامة ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ]( ).
وهل حضور صلاة الجمعة من مصاديق رفع الدرجات في قوله تعالى [لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ]( ).
الجواب نعم إذ أن أداء كل فرض من الصلاة هو درجة في مراتب الرفعة والشأن لذا فمن مصاديق قوله تعالى [وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ]( ) أي ارتقوا في سلم الدرجات والشأن بالصلاة والزكاة.
الثالث : بيان النبي محمد صلى الله عليه آله وسلم لخصائص يوم القيامة بما يجعل المسلمين علماء في أصل خلق الإنسان ودعوتهم لمعرفة فصول التأريخ ، فمن وجوه إكرام الله عز وجل لآدم والإنسان مطلقاً ، وإختياره له للخلافة في الأرض إختار يوم الجمعة لخلقه ، ولدخوله الجنة بقوله تعالى [يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ]( ).
ولم يهبط آدم إلى الأرض إلا في يوم الجمعة ويتجلى موضوع الهبوط بقوله تعالى [قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا..] ( ).
وفي يوم الجمعة إنتقل آدم إلى جوار ربه، وأخبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن يوم الجمعة هو أوان قيام يوم القيامة لتحضر الأعمال مع الناس ويكون المؤمنون على درجات ومراتب سامية .
المسألة الخامسة : يحتمل الجمع بين آية البحث وآية السياق وجوهاً :
الأول : هم درجات عند الله ثم توفى كل نفس ما كسبت ) بلحاظ تقسيم الناس عامة والمسلمين خاصة إلى مراتب ودرجات عند الله ثم يكون الجزاء بحسب الأعمال وكأن هذا التقسيم مقدمة للجزاء وشاهد على ماهيته فتحلم الخلائق حساب كل شخص من ساعة تقسيم الناس إلى مراتب ودرجات إلا أن يشاء الله كما في موضوع الشفاعة .
وعن رسول الله قال : من قضى لأخيه حاجة كنت واقفاً عند ميزانه فانه رجح وإلا شفعت له ( ).
الثاني : ثم توفى كل نفس ما كسبت هم درجات عند الله ) بلحاظ أن الدرجات في عالم الجزاء والخلود ومنه منازل المؤمنين في الجنان ، وكذا بالنسبة لمواضع الذين كفروا في النار (عن أنس : أن حارثة بن سراقة خرج نظاراً فأتاه سهم فقتله فقالت أمه : يا رسول الله قد عرفت موضع حارثة مني فإن كان في الجنة صبرت وإلا رأيت ما أصنع؟ قال : يا أم حارثة أنها ليست بجنة ولكنها جنان كثيرة ، وأن حارثة لفي أفضلها . أو قال : في أعلى الفردوس ) ( ).
الثالث : توفى كل نفس ما كسبت بأن يكونوا درجات عند الله بلحاظ أن المراد من الدرجات في الآية الجزاء مدد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (يقال لصاحب القرآن يوم القيامة اقرأ وأرق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها)( ).
الرابع : هم درجات عند الله بالدعاء والسؤال والتضرع إلى الله عز وجل (عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ : عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قَالَ الْجَنَّةُ مِائَةُ دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ مَسِيرَةُ مِائَةِ عَامٍ وَقَالَ عَفَّانُ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ وَالْفِرْدَوْسُ أَعْلَاهَا دَرَجَةً وَمِنْهَا تَخْرُجُ الْأَنْهَارُ الْأَرْبَعَةُ وَالْعَرْشُ مِنْ فَوْقِهَا وَإِذَا سَأَلْتُمْ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ ) ( ).
ولا تعارض بين هذه الوجوه ، فلما أخبرت آية البحث عن كون المسلمين [دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ] تفضل الله عز وجل وجعل نيل الدرجات على درجات وكيفية الوصول لها على مراتب .
ويكون الذين كفروا في الآخرة على مراتب من جهة شدة العذاب وقبح وسوء مواضع الأقامة .
فكلما كان الإنسان غارقاً في المعصية كان عذابه إشد وأدهى عذاباً .
(عن أنس بن مالك ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يقول الله لأهون أهل النار عذابا : لو كان لك الدنيا بما فيها ، أكنت مفتديا بها ؟ فيقول : نعم ، فيقول : قد أردت منك أهون من هذا وأنت في صلب آدم ، ألا تشرك ، أحسبه قال : ولا أدخلك النار ، فأبيت إلا الشرك) ( ).
المسألة السادسة : تقدير الجمع بين الآيتين هم درجات عند الله وهم لا يظلمون ) وفيه وجوه :
الأول : لو قالت آية البحث (هم درجات) لإنصرف الغل إلى أنهم درجات عند الله ودرجات بمشيئة الله وعظيم فضله على الناس ، ولكن الآية جاءت بالبيان والوضوح في ذات وما هيه الدرجات وأنها [عِنْدَ اللَّهِ] يترشح عن ذات المعنى حقيقة وهي أن درجات الرفعة للناس بلحاظ أعمالهم وصبرهم في طاعة الله ومسارعتهم في الخيرات .
ولما صار الأمر إلى الدرجات والتفضيل والجزاء لم يكن لأحد من الخلائق إدعاء النسبة له ليكون قوله تعالى [عِنْدَ اللَّهِ]على وجوه:
أولاً : إنه شاهد على أن [لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ] ( ) لله عز وجل وحده.
ثانياً : لا يقدر على جعل الناس على درجات إلا لله عز وجل وفيه آية في خضوع وخشوع الخلائق له سبحانه ، لقد أمر الله عز وجل آدم أن يعلم الملائكة الأسماء بقوله تعالى [قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ ..] ( ) وتفضل الله عز وجل وأمر الملائكة بالسجود لآدم مما يدل على أن صيرورة الناس على درجات ومراتب هو من عند الله عز وجل .
ثالثاً : دعوة المسلمين للتصديق بأنهم (دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ)فان قلت هل يدل قوله تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ] ( ) على التساوي بين المسلمين في المرتبة والدرجة ، الجواب لا ، فحتى في الآخوة النسبية من يكون أكبر واصغر ،وأغنى وغني وفقير ، وتختلف منزلتهم وشأنهم عند الناس ، وحتى عند أبيهم ، وفي يعقوب وخطابه إلى يوسف عليهما السلام ورد في التنزيل [قَالَ يَابُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ] ( ).
وتقدير الجمع بين الآية أعلاه وآية البحث على وجوه :
أولاً : إنما المؤمنون درجات .
ثانياً : إنما المؤمنون درجات في أخوتهم .
ثالثاً : إنما المؤمنون أخوة درجات .
الثاني : من خصائص الإنسان في الحياة الدنيا أنه قد لا يرضى على القسمة حين لا يكون النصيب الأوفر له ، وقد يتسرب الشك إلى النفس قبل القسمة ، وقد حارب الإسلام هذا الشك ومنع من الطمع والحرص الذي لا يبتنى على الحق ، إذ تضمنت آية السياق النهي عن الأخذ من الغنائم خلسة وخفية قبل تقسيمها ليكون كل مسلم من أهل الدرجات العالية ، وأختتمت آية السياق بقوله تعالى [وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ] ( ) لبيان أن كل واحد من الناس غير مظلوم في درجته التي يكون عليها عند الله عز وجل ولمّا كانت أول آية البحث بشارة للمؤمنين بنيل الدرجات العالية جاءت خاتمتها لدفع وهم والإخبار بأن كيفية نيل الدرجات خالية من الظلم ومن التعدي والجور ، وفيه إخبار للمسلمين والمسلمات بأن أي عمل صالح منهم يكون له شأن في تلك الدرجات .
الثالث : بيان قانون وهو أن درجات المسلمين عند الله رحمة بهم ونفع محض لهم ، وفيه دعوة للإمتناع عن الشك وعن الخوف من مسألة الدرجات ، إنما هي فرع الميزان والعدل عند الله عز وجل ، وعن (ابن عباس قال جلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مجلساً ، فأتاه جبريل فجلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واضعاً كفيه على ركبتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
قال : يا رسول الله حدثني عن الإِسلام؟
قال : الإِسلام أن تسلم وجهك لله عز وجل ، وأن تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمداً عبده ورسوله .
قال : فإذا فعلت ذلك فقد أسلمت .
قال : يا رسول الله حدثني عن الإِيمان؟
قال : الإِيمان أن تؤمن بالله ، واليوم الآخر ، والملائكة ، والكتاب ، والنبيين ، والموت ، والحياة بعد الموت ، وتؤمن بالجنة ، والنار ، والحساب ، والميزان ، وتؤمن بالقدر كله خيره وشره .
قال : فإذا فعلت ذلك فقد آمنت .
قال : يا رسول الله حدثني ما الإِحسان؟
قال : الإِحسان أن تعمل لله كأنك تراه فإن لا تراه فإنه يراك) ( ).
وهل يمكن تقدير الآية : هم درجات عند الله وهم يرحمون ) الجواب نعم بلحاظ أمور :
أولاً : درجات المؤمنين نعمة ورحمة .
ثانياً : تقييد الدرجات بأنها عند الله إكرام إضافي وفضل من الله ، وكل درجة وشأن عند الله لا يمكن أن ينال إلا بفضل منه سبحانه .
ثالثاً : إنتفاع الظلم رحمة عظمى من الله عز وجل ومن خصائص الإنسان أنه يحب ألا يظلم ويخشى من وقوع الظلم عليه ويدفعه عن نفسه ، وحتى إذا وصل الإنسان إلى مقامات الملك والرياسة فانه يخشى الظلم ممن هو أعلى أو أسفل منه ، وقد ينتقم ممن يخاف منه الظالم أو من يظلمه ، فجاءت كل من بداية ونهاية آية البحث للنهي عن الظلم وعن رده بالمثل فقوله تعالى [هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ] إخبار عن التنزه عن الظلم ولزوم الإمتناع عنه ، إذ تبعث المسلم على السعي والعمل للإرتقاء في الدرجات ويدرك معه أن الظلم برزخ دون هذا الإرتقاء وهو من أسباب بعث النفرة في النفوس من الظلم ، فقد يؤدي الظلم إلى تحقيق غايات قريبة أو مكاسب مالية ضئيلة سرعان ما تزول وتبقى آثارها وعواقبها باقية أما الدرجات فهي رفعة وعلو مستدام .
الوجه الثالث : صلة آية البحث بقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِ وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ]( ) وفيه مسائل :
المسألة الأولى : تقدير الجمع بين الآيتين : يا أيها الذين آمنوا هم درجات عند الله ) لقد أكرم الله عز وجل المسلمين بنداء الإيمان فخاطبهم عموم الناس بلفظ العموم كما في قوله تعالى[يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ] ( ) [يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ..]( ).
ويشترك المسلمون مع غيرهم بنداء يا بني آدم الوارد في القرآن كما في قوله تعالى [وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً] ( ) وليس من حصر لوجوه إكرام الله للناس منها :
أولاً : الأكل باليدين خلافاً لسائر المخلوقات وعن جابر بن عبد الله قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله : { ولقد كرمنا بني آدم } قال : الكرامة ، الأكل بالأصابع) ( ).
ثانياً : معرفة آدم والناس للأسماء والنطق ولغة التفاهم بين البشر .
ثالثاً : العقل والتمييز .
رابعاً : بديع خلق الإنسان وتناسق أعضائه بما يكفي لقضاء حاجاته ، وهو من مصاديق قوله تعالى [لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ] ( ).
خامساً : الرزق الكريم .
سادساً : تسخير ما في الأرض للناس ، وقد أخذ الإنسان يسعى ويتنافس للإنتفاع من عالم الأفلاك والكواكب ليتجلى قانون وهو هناك وجوه ومصاديق لإكرام الله للإنسان لم تثبيت بعد .
سابعاً : بعثة الأنبياء بالوحي والتنزيل فقد أكرم الله الناس ولم يجعل الرسول بينه وبينهم من جنس آخر كالملائكة ، إنما جعل الرسل والأنبياء من الناس أنفسهم .
وورد في خطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في التنزيل [قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ …] ( ).
ثامناً : نزول الكتاب السماوي لهداية الناس .
تاسعاً : خلافة الإنسان في الأرض ، وهي مرتبة لم ينلها غيره ، فليس من مخلوق هو خليفة لله في موضوع من السماء أو الأرض وحتى الملائكة الذين هم عباد مكرمون ومسكنهم السماء فليس عندهم خلافة فلذا احتجوا بتقواهم وإنقطاعهم إلى طاعة وعبادة الله عز وجل على خلافة الإنسان في الأرض ، وعن (عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ما من شيء أكرم على الله من بني آدم يوم القيامة . قيل : يا رسول الله ، ولا الملائكة المقربون؟! . . قال : ولا الملائكة . . . الملائكة مجبورون بمنزلة الشمس والقمر) ( ).
عاشراً : أداء الإنسان الصلاة والفرائض العبادية الأخرى .
الحادي عشر : قيام المسلمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
الثاني عشر : الترتيب والدرجات في الفضيلة والرفعة بين أهل الإيمان بلحاظ العمل الصالح .
الثالث عشر : التعاون والتألف بين الناس .
الرابع عشر : رحمة الناس بعضهم لبعض .
الخامس عشر : قدرة الإنسان على الإحتراز من الأذى ، وعلى دفع الضرر .
السادس عشر : عمل الإنسان لغيره وتوفير حاجته في المأكل واللبس والسكن لسنوات قد تفوق أيام عمره .
السابع عشر : المناجاة بين الناس بفعل الخير والإحسان والصلح .
الثامن عشر : إستعداد الإنسان لعالم الجزاء والحساب .
المسالة الثانية : لقد أراد الله عز وجل للحياة الدنيا أن تكون زاهية بعبادته ، تنظر وتسمع الملائكة والخلائق تسبيح ودعاء وصلاة المؤمنين في كل زمان .
ومن الآيات أن عمارة الإنسان للأرض بدأت بوجوه :
الأول : هبوط الإنسان من الجنة .
الثاني : لم يختص الهبوط بالذكر بل شمل المرأة ، وجاءت آيات القرآن ببيان أن حواء كانت من سكنة الجنة ، وأنها أقامت فيها مع آدم وتنعمت بما فيها من النعم والفيض ، قال تعالى [وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ] ( ).
الثالث : الإبتلاء بفتنة إبليس ، وهذا الإبتلاء من جهات :
الأولى : إبتلاء آدم بالإستماع إلى إبليس .
الثانية : إبتلاء حواء بسعي إبليس لإغوائها .
الثالثة : فتنة وأذى آدم وحواء مجتمعين بابليس ووسوسته .
الرابعة :من أيام آدم وخلافته في الأرض أنه لم يغادرها إلى الرفيق الأعلى إلا ورأى قتل أحد ولديه وهو هابيل لولده الآخر وهو قابيل .
وأيهما أكثر أثراً في الأرض وأعمال بني آدم سلاح النبوة أم إغواء إبليس ، الجواب هو الأول ، فان قلت قد انقطعت النبوة برحيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الآخرة وإبليس باق هو وجنوده ، الجواب لقد بقي التنزيل والسنة النبوية لهداية الناس ، ومن الآيات أن الكتب والمملل السماوية كلها تحذر الناس من الشيطان وتدعو لتحصين النفس والإمتناع عن الإنصات له .
وأخرج (ابن مردويه عن ثوبان : أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : إن ربي روي لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها ، وأعطاني الكنزين الأحمر والأبيض ، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها .
وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة فأعطانيها ، وسألته أن لا يسلط عليها عدواً من غيرهم فأعطانيها ، وسألته أن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها ،
وقال : يا محمد إني إذا قضيت قضاء لم يرد ، إني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكها بسنة عامة ، ولا أظهر عليهم عدواً من غيرهم فيستبيحهم بعامة ، ولو اجتمع من بين أقطارها حتى يكون بعضهم هو يهلك بعضاً وبعضهم هو يسبي بعضاً .
وإني لا أخاف على أمتي إلا الأئمة المضلين ، ولن تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين ، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان .
وإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة ، وأنه قال : كلها يوجد في مائة سنة ، وسيخرج في أمتي كذابون ثلاثون ، كلهم يزعم أنه نبي الله ، وأنا خاتم الأنبياء لا نبي بعدي) ( ).
ولم يقل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا رسول بعدي إذ أن النسبة بين الرسول والنبي هي العموم والخصوص المطلق ، فكل رسول هو نبي وليس العكس ليدل قوله صلى الله عليه وآله وسلم (لا نبي بعدي) بالأولوية على أنه لا رسول بعده .
ومن الآيات أن الأنبياء هم أكثر عدداً من الرسل .
وليس من مجموع مائة وأربعة وعشرين نبياً إلا ثلاثمائة وثلاثة عشر رسولاً لبيان علو مرتبة الرسول ويكون الفارق بينهم من مصاديق قوله تعالى [هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ] ( ).
ويكون التباين في الدرجات بين الرسول والنبي والمؤمن ، وهل قوله تعالى في الثناء على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبيان سمو مرتبته بين الخلائق لقانونين من الإرادة التكوينية بقوله تعالى [وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ] ( ) وأحاديث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المبينة زاجر ومانع من إدعاء الناس النبوة ، الجواب نعم ، وهو من الإعجاز الغيري للقرآن بأن تأتي آية بضع كلمات تنزه من الأرض عن الكذب في العقائد وعن الدجل ، وليبقى قوله تعالى في الآية السابقة [أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ] ( ) شاهداً على أن سنن ومناهج رضوان الله جلية بالنبوة الحق والرسالة الخاتمة ، مما يدعو الناس لمحاربة الذي يكذب ويدعي النبوة زرواً .
الرابع : مصاحبة النبوة لسكن الإنسان الأرض .
وفي هذه المصاحبة مسائل منها :
الأولى : بيان عظيم رحمة الله عز وجل على آدم وحواء وبهما ، وحب الله عز وجل لآدم بأن جعل النبوة واقية له ولزوجه من إغواء إبليس ، وهل إلتقى إبليس مع آدم في الأرض ، وكانت النبوة واقية من إغوائه الجواب نعم.
عن(جابر بن عبد الله ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : عرش إبليس على الماء ، ثم يبعث سراياه فأعظمهم عنده أعظمهم فتنة) ( ).
الثانية : تأكيد وهن وضعف الشيطان ، وعجزه عن الإضرار بخلافة الإنسان في الأرض .
الثالثة : صيرورة النبوة وسيلة لتحذير الناس من إبليس ، قال تعالى [أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لاَ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ] ( ).
الرابعة : إقامة الحجة على الناس بالبشارة والإنذار الذي جاء بها آدم عليه السلام والأنبياء من بعده ، قال سبحانه [رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِأَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ]( ).
الخامسة : ابتداء الحياة الإنسانية على الأرض بالبشارة من السماء ورسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فلا يستطيع الناس التوصل إلى هذه البشارة والإطمئنان لها إلا في نزولها من عند الله عز وجل ، وهل هذا التوصل من مصاديق المشيئة في قوله تعالى [وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ] ( ) أم أن القدر المتيقن من المشيئة الإرادة والفعل الجواب هو الأول لإطلاقات معنى المشيئة .
السادسة : لقد خلق الله عز وجل آدم في الجنة ولاقى الملائكة وسمعوا منه وسمع منهم لقوله تعالى [أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ…] ( ) .
وإذا أنعم الله عز وجل على عبد نعمة فانه أكرم من أن يقطعها ، فأبى سبحانه أن يخلي بين آدم وحواء وبين الإبتلاء عند الهبوط إلى الأرض ، إذ يتعدد هذا الإبتلاء من وجوه :
أولاً : أداء الفرائض العبادية ، ومن الآيات في خلق الإنسان مصاحبة التكليف بالعبادة له من حين هبوطه آدم إلى الأرض ، فكان آدم وحواء أول من صليا لله عز وجل .
وفي إبراهيم عليه السلام ورد قوله تعالى [رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ] ( ) ومن عظيم منزلة الأنبياء صلاتُهم في قبورهم بمشيئة الله كما ورد (عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لما أسري بي إلى السماء رأيت موسى يصلي في قبره) ( ) وورد مثله عن ابن عباس وعن أبي سعيد الخدري .
(عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال: لما هبط آدم من الجنة ظهرت فيه شامة سوداء في وجهه من قرنه إلى قدمه، فطال حزنه وبكاؤه على ما ظهر به، فأتاه جبرئيل عليه السلام فقال له: ما يبكيك يا آدم ؟
قال: لهذه الشامة التي ظهرت بي.
قال: قم فصل فهذا وقت الأولى، فقام فصلى فانحطت الشامة إلى صدره، فجاءه في الصلاة الثانية فقال: يا آدم قم فصل فهذه وقت الصلاة الثانية، فقام فصلى فانحطت الشامة إلى سرته، فجاء في الصلاة الثالثة .
فقال: يا آدم قم فصل فهذه وقت الصلاة الثالثة، فقام فصلى فانحطت الشامة إلى ركبتيه، فجاءه في الصلاة الرابعة فقال: يا آدم قم فصل فهذه وقت الصلاة الرابعة، فقام فصلى فانحطت الشامة إلى رجليه، فجاءه في
الصلاة الخامسة فقال: يا آدم قم فصل فهذا وقت الصلاة الخامسة، فقام فصلى فخرج منها، فحمد الله وأثني عليه، فقال جبرئيل: يا آدم مثل ولدك في هذه الصلوات كمثلك في هذه الشامة من صلى من ولدك في كل يوم وليلة خمس صلوات خرج من ذنوبه كما خرجت من هذه ) ( ).
ثانياً : العمل والكد والتعب في الحياة الدنيا ، ويمتاز آدم وحواء عن باقي الناس أنهما كان في الجنة يأتيهما رزقهما كل يوم بما يشتهيان ومن غير تعب أو كسب ، لذا ترى النسبة بين الناس وبين بني آدم هي العموم والخصوص المطلق ، فالناس أعم لأن فيهم آدم وحواء .
ثالثاً : إنجاب الأولاد وتربيتهم وإصلاحهم للعبادة وتوفير غذائهم وطعامهم ، ولم يلبث الأبناء أن كبروا فصار إبتلاء آخر وهو ظهور الفتنة وإغواء إبليس بينهم ، وهل حرّض إبليس قابيل على قتل أخيه هابيل الجواب نعم.
وقال تعالى [يَابَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمْ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ]( ).
رابعاً : فتنة إبليس وأخذ الحيطة منه للنفس والذرية .
ومن الآيات أن آدم وحواء ذاقا مرارة وأذى الإنصات لإغواء إبليس ليكونا وذريتهما في حذر دائم منه .
وتفضل الله عز وجل ورزق المسلمين البسملة والإستعاذة وتلاوة آيات القرآن ، وكل آية واقية وحرز من إبليس ليس فقط في ساعة قراءتها بل في غيره بفضل من عند الله .
المسألة الثالثة : تقدير الجمع بين الآيتين : يا أيها الذين آمنوا أنتم درجات عند الله ) وفيها وجوه :
الأول : لقد أكرمت آية السياق المسلمين بنداء الإيمان ليكون مصداقاً لقوله تعالى [وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ] ( )وبشارة لقوله تعالى [وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ]( ) إذ يأتي الخير والأمن والرزق الكريم مع الإيمان ، وهو من الشواهد على أن ملك السموات والأرض لله عز وجل وأنه ملك تصرف ومشيئة مطلقة لله سبحانه في الخلائق والأكوان .
وفي قوله تعالى [كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ] ( ) ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال :انه يغفر ذنباً ويفرج كرباًً ) ( ).
ويلاحظ في الحديث أعلاه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يذكر البطش ونزول العذاب بقوم من عند الله ، إنما ذكر الفضل والرحمة والعفو من الله ، ومنه رفع الدرجات لتجمع آية البحث بين البشارة والسكينة .
(وقد روى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : { كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ } مِن شَأَنِهِ أَن يَغْفِرَ ذَنباً ، وَيَفْرِجَ كَرْباً ، وَيَرَفَعَ قَوماً ، وَيَضَعَ آخَرِينَ) ( ).
وليكون الحديث أعلاه تفسيراً لقوله تعالى [هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ..] ( )وحثاً للمسلمين للإجتهاد في الصالحات للإرتقاء في درجات السمو والرفعة عند الله .
الثاني : من إكرام الله عز وجل للمؤمنين سلامتهم من الخوف والحزن في الدنيا والآخرة ، ولما ذكرت آية البحث الدرجات والمراتب السامية للأنبياء والصالحين ، ومنهم الذين يمتنعون عن أكل الغلول تفضل الله وأخبر المسلمين أنهم ينالون الدرجات الرفيعة عند الله ، فيتلو المسلم آية البحث ويشتاق إلى نيل مرتبة ودرجة سامية ، فيأتي نداء الإيمان [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] ليكون بشارة بلوغه مراتب الإيمان وشهادة الله عز وجل له ببلوغ درجات الهدى لتبعث كل من آية البحث والسياق على طاعة الله ليكون من إعجاز الجمع بين الآيتين من المسلمين على المسارعة في فعل الخيرات ، وعلى التسابق في العمل الصالح ، وتحبيب الأمر بالمعروف للآمر والمأمور به ، والنهي عن المنكر للناهي والمنهي عنه ، وهو من مصاديق قوله تعالى [حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ] ( ) بلحاظ أن كلاً من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من مصاديق الإيمان ، وأن المراد من الآية أعلاه على وجوه :
أولاً : حب الإيمان .
ثانياً : حب مصاديق الإيمان .
ثالثاً : أداء الفرائض والعبادات التي تدل على الإيمان ،وهي وسيلة التقرب إلى الله ونيل الدرجات الرفيعة (عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وآله: عن جبرئيل عليه السلام قال: قال الله تبارك وتعالى: من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة، وما ترددت عن شئ أنا فاعله ما ترددت في قبض
نفس المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته ولابد منه ; وما يتقرب إلى عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ; ولا يزال عبدي يبتهل إلي حتى أحبه، ومن أحببته كنت له سمعا وبصرا ويدا و موئلا، إن دعاني أجبته، وإن سأني أعطيته ; وإن من عبادي المؤمنين لمن يريد الباب من العبادة فأكفه عنه لئلا يدخله عجب فيفسده، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا بالفقر، ولو أغنيته لافسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا بالغنى ولو أفقرته لافسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا بالسقم، ولو صححت جسمه لافسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا بالقسم ولو صححته جسمه لافسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا بالصحة ولو أسقمته لافسده ذلك ; إني ادبر عبادي بعلمي بقلوبهم فإني عليم خبير.) ( ).
رابعاً : بعث الشوق في النفوس لإتباع الأنبياء وعمل الصالحات .
خامساً : من مصاديق الإيمان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
سادساً : تقدير الآية أعلاه على وجوه منها :
الأول : حبب الله اليكم إختيار الإيمان وتحليكم به .
الثاني : حبب الله لكل مسلم ومسلمة الإيمان .
الثالث : حبب الله عز وجل إليكم إيمان أخوانكم من المسلمين ، وجعلهم ينالون الدرجات العلى في النشأتين ولا يعلم المنافع الدنيوية والآخروية لبلوغ مرتبة حب الإيمان إلا الله عز وجل ، ويمكن تقدير الآية على وجوه متعددة بلحاظ ثمرة وحسن عاقبة حسن الإيمان منها :
الأول : حبّب الله إليكم الإيمان بحسنه الذاتي والعرضي .
الثاني : حبّب الله إليكم الإيمان لأنه السبيل لراقي الدرجات ، قال تعالى [وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ الدَّرَجَاتُ الْعُلاَ] ( ).
الثالث :حبّب الله إليكم الإيمان للنجاة من أسفل الدركات.
الرابع : حبّب الله إليكم الإيمان لأنه شرط في قبول الأعمال.
الخامس : حبّب الله الإيمان لتقبلوا على أداء الفرائض بشوق ورغبة .
السادس : حبّب الله إليكم الإيمان ليكون عوناً لكم في الشدائد ، وموسياً لكم في المصائب والتي تحط السيئات .
(عن أبى امامة ان رجلا قال يا رسول الله ائذن لي في السياحة فقال ان سياحة أمتى الجهاد في سبيل الله) ( ).
الرابع : تفضل الله عز وجل وجعل النفوس تنفر من الكفر والشرك وعبادة الأوثان ، وحتى الذين يقيمون على عبادتها فان نفوسهم تنفر منها وينظرون إلى المؤمن بعين الإكبار ويكون حجة عليهم وسيرته دعوة لهم للتوبة والإنابة .
(عن المغيرة بن سعد بن الأخرم ، عن أبيه ، أو عن عمه ، قال : أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم أريد أن أسأله ، فقيل له : بعرفة ، فاستقبلته فأخذت بزمام الناقة .
قال : فصاح بي ناس من أصحابه فقال : دعوه فأرب ما جاء به . قلت : يا رسول الله دلني على عمل يقربني من الجنة ويباعدني من النار ؟
قال : لئن كنت أوجزت في الخطبة لقد أعظمت وأطولت فسكت ساعة ، ثم رفع رأسه إلى السماء ، فنظر فقال : تعبد الله لا تشرك به شيئا ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحب للناس ما تحب لنفسك ، وما كرهت لنفسك فدع الناس منه ، خلّ سبيل الناقة) ( ).
الخامس : حبب الله اليكم السعي لإرتقاء الدرجات في رضوان الله .
السادس : من أسرار نفخ الله عز وجل من روحه في آدم أنه حبب الإيمان له ولحواء ولذريتهما ، قال تعالى [ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ] ( ).
السابع : لم يرد لفظ [حَبَّبَ] في القرآن إلا في الآية أعلاه لكشف حقيقة وهي أن تحبيب الإيمان إلى النفوس لا يقدر عليه إلا الله عز وجل ، ومن فضل الله عز وجل في الآية أمور :
الأول : اقتران تحبيب الإيمان في النفوس بتجلي حلاوته للقلوب .
الثاني : مجئ نعمة حب الإيمان للمسلم على نحو العموم المجموعي والاستغراقي .
وهل يشمل المنافقين ، الجواب نظم الآيات التي ورد فيها لا يدل عليه ، إذ إبتدأت الآية السابقة لآية تحبيب الإيمان بنداء الإيمان وتحذيرهم من التصديق بالخبر الذي يأتي به الفاسق لإحتمال أنه كافر به أو جاهل بالحقيقة وغير متأكد لقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ] ( )بمفهوم الشرط في الآية أعلاه بالأخذ بخبر الواحد العادل لأن الآية تخصص بمفهوم الوصف وجوب التباين والفحص بالخبر الذي يأتي به الفاسق وهو الخارج عن طاعة الله انما يلحق المنافق بهذا اللحاظ بالفاسق ، قال تعالى [لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً]( ).
ليكون من معاني وغايات آية البحث تنزيه المسلمين من النفاق ووقايتهم من الإصغاء للمنافقين الذين يريدون للمسلم الغلول والتعدي على الغنائم قبل القسمة ، فجاءت آية البحث حرباً على النفاق وكبتاً للمنافقين .
وفي تقدير الآية حسب المسألة الثانية هذه يا أيها الذين آمنوا أنتم درجات عند الله ) وجوه :
أولاً : تنمية ملكة الصبر عند المسلمين وبلوغ مرتبة اليقين بأن الصبر والتحمل في رضوان الله يزيدهم رفعة وعلواً .
ثانياً : الآية مادة وسلاح في الإحتجاج وإقامة البرهان فيما بين المسلمين بما يفيد زيادة إيمانهم والإحتجاج والجدال مع غيرهم من أهل الملل الأخرى وهي مصاديق قوله تعالى [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ] ( ).
ثالثاً : بعث الرغبة في نفوس الناس بدخول الإسلام .
رابعاً : جعل المسلمين يستحضرون ذكر الله في أي فعل يقومون به .
خامساً : بيان عظيم قدرة الله وإحاطته علماً بأفعال العباد وإحصائه لها من غير تداخل بينها .
سادساً : تأكيد قانون من الإرادة التكوينية وهو مجئ الثواب من عند الله بحسب العمل والاجتهاد في طاعته سبحانه .
الثالث : نفاذ مشيئة الله إلى قلوب المؤمنين وتغشي رحمته لها فلقد أحسن المسلمون في إختيارهم الإيمان فجازاهم الله عز وجل بأن جعل جوارحهم وقلوبهم تميل إلى الإيمان والهدى .
الرابع : مبادرة المسلمين لفعل الخيرات بقصد القربة إلى الله تعالى وهو من مصاديق قوله تعالى [حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ].
المسألة الرابعة : يا أيها الذين آمنوا الله بصير بما يعملون )
من معاني إكرام الله عز وجل للمسلمين في القرآن بنداء الإيمان أن المسائل التي يأتي ويحيط بها هذا النداء أعم من أن تختص بالمسلمين أو أيام بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فهي شاملة لأحوال الناس في كل الأزمنة ولأمور الدين والدنيا ووقائع يوم القيامة ، فلا غرابة أن يرد هذا النداء المبارك [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] تسعاً وثمانين مرة في القرآن .
قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ..] ( ).
ولم تقل الآية أعلاه [وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ] ( ) بل جاءت بذكر نفس على نحو النكرة التي تفيد العموم مع عدم وجود القرينة على الحصر والتقييد ، وفيه دعوة للمسلمين لدعوة الناس للإيمان وإنذارهم من الكفر والجحود والصدود عن الحق ومن الإصرار الحرمان من نيل الدرجات الرفيعة .
وتقدير الآية على وجوه :
الأول : فلينظر كل واحد منكم ما قدّم ليوم القيامة .
الثاني : فينظر كل واحد منكم ما أعدّ من مقدمات لجعل يوم غد من ايام الدنيا في طاعة الله ورضوانه .
الثالث : فلينظر المسلمون مجتمعين ومتفرقين ما قدموا ليوم القيامة .
الرابع : فلينظر المسلمون مجتمعين ما قدّموه في بقاء شرائع الإسلام ومعالم الإيمان تركة للأجيال اللاحقة بلحاظ أن هذا التقديم ينفعهم في الدينا وفي الآخرة ، ومن الإعجاز في الشريعة الإسلامية تعاهد حال المورثة بتركة مناسبة تدفع عنهم الفاقة والذل ، وتكون مقدمة لأدائهم الوظائف العبادية ، ومن الاعجاز في المقام تعيين الحصص للورثة وفق القرب من الميت وحاجتهم له في الدنيا ، فاذا كان عنده ولد فلا يرثه أخ أو أخت ، وإذا كان عنده أخ فلا يرثه ابن عم ، وقد أذن الله عز وجل للإنسان أن يوصي من ماله بما لا يضر الورثة .
(عن سعد بن أبي وقاص : أنه مرض مرضاً أشفي منه فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده فقال : يا رسول الله إن لي مالاً كثيراً وليس يرثني إلا ابنة أفأتصدق بالثلثين؟ قال : لا . قال : فالشطر . . . ؟
قال : لا .
قال : فالثلث . . . ؟
قال : الثلث والثلث كثير ، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ) ( ).
الخامس : حث المسلمين على السعي والكسب للدنيا وعمارة الأرض ، وجعل الذرية والورثة في حال غنى وليس في حال فقر وفاقة .
لقد قام الذين كفروا بتجهيز الجيوش الكبيرة للإجهاز على الإسلام والنبوة والتنزيل ، ولم يعلموا أن من معاني ختم النبوات برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقوله تعالى [وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ] ( ) حفظ الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حتى يتم تبليغ رسالته ، ولم يعلم أن من أسرار نزول القرآن نجوماً صرف الأذى والبلاء عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى حين نزول القرآن كله ، لذا فان قوله تعالى في آية البحث [وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ] بشارة للمسلمين بارجاع كيد الذين كفروا إلى حورهم وإخبار بأن سعيهم للإضرار بالمسلمين يذهب سدى ، قال تعالى [لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى] ( ).
ويمكن تقدير الجمع بين الآيتين على وجوه :
الأول : يا أيها الذين آمنوا الله بصير بما يعمل الذين كفروا ) لقد كان كفار مكة يكيدون المكائد للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين ويحشدون الجيوش ، ويمدون الذين يناصرهم بالمال ، ويحرضون على إغتيال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ويضمنون لمن يتصدى لهذا الأمر أو يقاتل معهم إنفاقاً متصلاً على عياله ، ويسعون لعقد العهود والمواثيق مع طوائف وقبائل للقتال إلى جانبهم ضد الإسلام فنزل قوله تعالى [وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ] ( ) لبعث السكينة في نفوس المسلمين وإخبارهم بان الله سبحانه يمنع الذين كفروا من تحقيق مآربهم ويلقي بأسهم بينهم ، قال تعالى [وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا] ( ).
الثاني : يا أيها الذين آمنوا الله بصير بما يعمل الذين كفروا وزحفهم بقصد القتال فيلقى الفزع والخوف في قلوبهم ، قال تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا] ( ) .
الثالث : يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله واليوم الآخر والله بصير بما تعملون مما يدل على صدق الإيمان وإقترانه بالعمل .
الرابع : يا أيها الذين آمنوا بأن الله بصير بما يعمل الظالمون ، قال تعالى [فَمَهِّلْ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا] ( ) .
الخامس : يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا فان الله بصير بما تعلمون ).
المسألة الخامسة : تقدير الجمع بين الآيتين : يا أيها الذين آمنوا الله بصير بما تعملون ) لقد جاءت آية البحث بصيغة الغائب من جهة العمل بقوله تعالى [يَعْمَلُونَ] وهو عام ويمكن تقديره بصيغة الخطاب وإرادة المسلمين منه على نحو الخصوص ليكون من معاني الآية بعث المسلمين لعمل الصالحات وبذلهم الوسع في قصد القربة إلى الله ، وأداء الفرائض والعبادات من أجل غاية وهي حب الله والفناء في طاعته .
وعن الإمام (جعفر بن محمد عن أبيه قال عليه السلام : قال علي بن الحسين فقد الأحبة غربة وكان يقول اللهم إني أعوذ بك أن تحسن في لواقع( ) العيون علانيتي وتقبح في خفيات( ) العيون سريرتي اللهم كما أسأت وأحسنت الي فاذا عدت فعد علي وكان يقول إن قوما عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد وآخرين عبدوه رغبة فتلك عبادة التجار وقوما عبدوا الله شكرا فتلك عبادة الأحرار ) ( ).
ومن أسرار نداء الإيمان في المقام بعث الطمأنينة في نفوس المسلمين بأن الله عز وجل يعلم إيمانهم ويرضى عنهم ، وهل في نداء الإيمان عون للمسلمين وإصلاح لهم لفعل الخيرات .
الجواب نعم ليكون تقدير الجمع بين الآيتين على وجوه :
الأول : يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله والقرآن الله بصير بما تعملون في سبل الإيمان .
الثاني : يا أيها الذين آمنوا أشكروا الله لأنه يعلم ما تعملون ويذكر هذا لكم ثناء عليكم ، وهل علم وإقرار المسلم بأن الله عز وجل يبصر ما يفعله الناس عمل حسن يثاب عليه ، أم لابد من فعل مبرز خارجي يترتب عليه الثواب كالقول وإعلان الشهادة والإقرار ، الجواب هو الأول .
ومن إعجاز القرآن أن تلاوة المسلم للآية القرآنية إقرار وشهادة ، فحينما يتلو المسلم قوله تعالى [وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ] ( ) فانه يعلن تسليمه بعلم الله بكل ما يفعل العباد وعدم خفاء قول أو فعل عنه بلحاظ أن النسبة بين العمل والقول هي العموم والخصوص المطلق ، فالقول جزء من العمل .
الثالث : يا أيها الذين آمنوا إن الله عز وجل يحصي ويحفظ ويبارك ما تعملونه من الصالحات ، قال تعالى في خطاب للمسلمين [وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ] ( ).
الرابع : يا أيها الذين آمنوا تعاهدوا الإيمان بالقول والعمل فان الله عز وجل بصير بما تعملون ) ومن إعجاز نداء الإيمان إخباره عن صحة الإعتقاد وبعثه على العمل بما يوافقه من فعل الصالحات ، وإجتناب السيئات .
ومن مصاديق نداء الإيمان الإقرار بمضامين قوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ] ( ).
الخامس : يا أيها الذين آمنوا الله بصير بما تعملون بنية الإيمان وقصد تثبيته .
السادس : يا أيها الذين آمنوا الله بصير بما تعملون من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بلحاظ أن كلاً من الأمر والنهي عمل وكسب ، ووردت آية في القرآن تقدمه على إقامة الصلاة وإتيان الزكاة بقوله تعالى [وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] ( ) ولا يعني هذا التقدم أولوية الأمر بالمعروف وتقدمه رتبة على الصلاة والزكاة ، ولكن لبيان موضوعيته وكيف أنه طريق لأداء الفرائض والعبادات، بالإضافة الى قانون من وجوه :
أولاً : الأمر بالمعروف طريق إلى إقامة الصلاة .
ثانياً : النهي عن المنكر زاجر عن موانع إقامة الصلاة .
ثالثاً : الأمر والنهي أعلاه مجتمعان نوع طريق لإقامة وتعاهد الصلاة, ومن مصاديق قوله تعالى[ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ]( )، ومضامين الآية أعلاه مصداق وموضوع للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمع قلة كلمات الآية أعلاه فقد ذكرت وجوهاً من الصالحات وهي :
الأول : الولاية والنصرة والمحبة بين المؤمنين .
الثاني : قانون أولوية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند المسلمين وحضوره في أعمالهم .
الثالث : نيل المسلمين الدرجات بصلاحهم وحسن إخوتهم .
الرابع : تعاهد المسلمين للصلاة ، وحبهم لها ، وحرصهم عليها ، وتحتمل النسبة بين حب الصلاة والحرص أعلاه وجوهاً :
أولاً : حرص المسلم على الصلاة فرع حبه لها .
ثانياً: ينمي الحرص على الصلاة حبها في القلب وميل الجوارح لها .
ثالثاً : التداخل في الأثر بين حب الصلاة والحرص عليها .
ولا تعارض بين هذه الوجوه .
وعن (عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : حبب إليَّ من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة) ( ).
فصحيح أن الصلاة تأخرت في نظم الحديث النبوي أعلاه إلا أن الأولية لها بالعناية والموضوعية ، وإنقطاع القلب والحواس لها .
ومن الآيات في بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقوله تعالى في الآية التالية [لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ]( ) أن للصلاة وأدائها في أوقاتها موضوعية في تعيين درجة المؤمن وشأنه في الدنيا والآخرة.
الخامس : قيام المسلمين بإخراج الزكاة من أموالهم ، ودفعها إلى مستحقيها ، وإقرار الغني والفقير ، والذكر والأنثى منهم بأن الزكاة واجب وحق ، ونماء بالأموال والأبدان .
السادس : شهادة الله للمسلمين والمسلمات بأنهم يطيعونه ويطيعون رسوله الكريم ، وفيه بشارة لهم بعلو الدرجات في الدنيا والآخرة .
السابع : تغشي رحمة الله للمسلمين ، ومصاحبتها لهم في النشأتين ، وهل درجات الرفعة التي تذكرها آية البحث للمؤمنين من رحمة الله ، الجواب نعم .
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد المسيء، ولتأطرُنَّه على الحق أطرًا أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض، أو ليلعَنْكم كما لعنهم) ( ) .
الثامن : يا أيها الذين آمنوا الله بصير بما تعملون لحفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال ) وهي التي تسمى الضرورات الخمسة .
التاسع : يا أيها الذين آمنوا الله بصير بما تعملون فسارعوا في الخيرات وجني الحسنات ليوم [يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ]( ).
العاشر : يا أيها الذين آمنوا تعاهدوا أداء الفرائض والعبادات ولا تخشوا إلا الله الذي هو بصير بما يعمل الظالمون .
الحادي عشر : يا أيها الذين آمنوا تناجوا المعروف وفعل الصالحات وإصلاح ذات البين بينكم ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والله بصير بما تعملون) وهذا الأمر والنهي من مصاديق الفضل في قوله تعالى [وَلاَ تَنسَوْا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ] ( ) الجواب نعم ، والآية أعلاه وما فيها من الإخبار عن علم الله عز وجل بما يفعل المسلمون باعث لهم للإجتهاد في نشر الإحسان والرأفة والعفو فيما بينهم .
والأصل أن الجمع بين الآيتين (يا أيها الذين آمنوا الله بصير بما تعملون)يبعث الفزع والخوف في قلوب المسلمين لما فيه من الإخبار عن رؤية وعلم وإحصاء الله عز وجل لكل فعل عمله المسلم أو سيعمله جهراً أو خفية ، وكل قول نطق به لسانه .
ولكن الله عز وجل رؤوف بالمؤمنين ، فجعل الدنيا دار أمن وسلام لهم ، وهو من أسرار إقامتهم الصلاة خمس مرات في اليوم جماعة وفرادا لتكون الصلاة سكينة لهم لأنها من أبهى مصاديق العمل الجماعي والفردي الذي تتضمنه آية البحث بشطريها ، وهما :
الأول : قوله تعالى [هُمْ دَرَجَاتٌ]فبالأصل وأقامتها وضبط أركانها والإتيان بأجزائها سبب للإرتقاء في الدرجات العلى .
وهذا الإرتقاء من المقاصد السامية في قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (صلوا كما رأيتموني أصلي) ( ).
الثاني : قوله تعالى (والله بصير بما يعملون ) إذ يرى الله عز وجل وقوف المسلمين صفوفاً بين يديه وتكرار هذا الوقوف خمس مرات في اليوم مع إنقطاع منهم إلى الله عز وجل وعزوف عن الدنيا وملذاتها .
لقد أراد الله عز وجل للصلاة ولذكره مطلقاً ، وأداء الفرائض والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفعل المستحبات مثل الصدقة المندوبة والكلمة الطيبة والعفو، والأحسان والنصيحة أن تكون مجتمعة ومتفرقة سبباً للسكينة وإستقرار الطمأنينة في نفوس المسلمين عندما يعلمون أن الله عز وجل [بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ] قال تعالى [أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ] ( ).
المسألة السادسة : تقدير الجمع بين الآيتين يا أيها الذين آمنوا أنتم درجات عند الله فلا تكونوا كالذين كفروا ) .
ومن مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ) مصاحبة نداء الإيمان للمسلمين مجتمعين ومتفرقين ، وكل واحد منهم يرافقه أمران:
الأول : قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا].
الثاني : إرادة صيغة المفرد من الآية (يا أيها الذي آمن) ليكون هذا النداء أمانة عقائدية عند المسلمين .
ويحتمل نداء الإيمان بلحاظ الدرجات التي تذكرها آية البحث وجوهاً
الأول : نسبة التساوي بين الإيمان ودرجة المسلم .
الثاني : الدرجة أسمى وأعلى من صيرورة الإنسان مؤمناً .
الثالث : الإيمان أعلى من الدرجة .
الرابع : ليس من صلة بين الإيمان والدرجة .
الخامس : الإيمان جزء علة بالنسبة للدرجة .
والصحيح هو الثاني والخامس أعلاه لقانون وهو أن الجزاء من عند الله عز وجل أكبر وأعظم من ذات فعل الصبر ، قال تعالى [مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا] ( ) بالإضافة إلى مضاعفة الثواب بلحاظ أفراد من الزمان أو المكان أو صلة الرحم ونحوها ومنها مضاعفة الأجر والثواب على فعل الصالحات في الأشهر الحرم .
وعن أبي بكرة عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال (ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ، السنة اثنا عشر شهراً : منها أربعة حرم ، ثلاثة متواليات ذو العقدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان) ( ).
تقسيم جديد للأمانة :
يمكن تقسيم الأمانة إلى أقسام :
الأول : الأمانة العقائدية التي تتعلق بالمبادئ وأحكام الشريعة ، وحفظ آيات التنزيل من قبل الفرد أو الجماعة والطائفة ، وفي التنزيل [أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ] ( ).
الثاني : الأمانة العهدية : التي تتعلق بالدين وحفظ الملة والتبليغ ، قال تعالى [وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ] ( ).
وقال تعالى بخصوص آدم [وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا] ( ) ومن إعجاز القرآن دفع الوهم ومنع الظن بأن العهد من الله خاص بالأنبياء ، إنما العهد عام للناس جميعاً بلحاظ أن الدنيا مزرعة للآخرة ، قال تعالى [أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لاَ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ] ( ) ، ولم يرد لفظ أعم في القرآن إلا في الآية أعلاه .
الثالث : مصداق الأمانة الذي يتعلق بالفرائض والواجبات العبادية ، لقد قال الله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( ).
وجعل الله الإنسان بالخيار في عمله ولكنه ليس تفويضاً تاماً ، إذ أن الله لطيف بالعباد ومن لطفه سبحانه تقريب الناس إلى منازل العبادة والصلاح وصرفهم عن أسباب الفساد والفسوق ودفع ذات الفواحش عنهم ومنعها من الإقتراب ممن يشاء الله سبحانه ، كما ورد في قصة يوسف ، قال تعالى [وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ] ( ) إذ تتضمن الآية أعلاه أمر الله عز وجل للسوء أن ينصرف عن يوسف عليه السلام ولا يقترب له .
ويمكن القول أن بين السوء والفحشاء عموم وخصوص مطلق ، فالسوء أعم فحينما همت امرأة العزيز بالفاحشة تفضل الله عز وجل بصرفها وصرف الأعم من جهة الصدور وذات القبح وهو السوء عن يوسف ، لبيان قطع دابر كيدهم عن يوسف خاصة وأنها توعدته بالقول [وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَ مِنَ الصَّاغِرِينَ] ( ).
وهل تقريب الله عز وجل الناس إلى منازل العبادة والصلاح بمرتبة واحدة وعلى نحو التساوي في الكم والكيف، أم أنه متباين الجواب هو الثاني، وهو الذي تدل عليه كل من آية البحث والسياق إذ تبين آية البحث المنّ الخاس على المسلمين بالإضافة الى منّ الله عز وجل عليهم كأمة من الناس، وتؤكد آية السياق بأن الناس درجات ومراتب ومنها تلقي اللطف الإلهي بحسب عملهم قال تعالى[وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ]( ).
ولم يرد لفظ [لَمْ يَفْعَلْ] في القرآن إلا في الآية أعلاه التي تدل عل إرادة امرأة العزيز الإنتقام وعدم الإكتفاء بالسجن إنما تريد معه الذل والهوان له والظاهر إرادة التعدد بين السجن والصغار ، وهو الأصل في واو العطف وإفادته التغاير بين المعوف والمعطوف عليه في قوله تعالى [وَلَيَكُونَ] ولم تقل (فيكون) كي يكون عطف العام على الخاص ، والمسبَب على السبب بلحاظ أن السجن هو سبب الصغار ، إنما يكون الصغار أمراً آخر سواء فعل ما أمرته امرأة العزيز أم لم يطعها، أو سجن يوسف أو لم يسجن ، بدليل تكرار لفظ اللام [وَلَيَكُونَ مِنَ الصَّاغِرِينَ] ، لعطف هذه اللام على اللام في[وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ].
ويكون تقدير الآية أعلاه على وجوه :
الأول : ولئن لم يفعل ما أمره ليسجنن .
الثاني : ولئن لم يفعل ما أمره ليكونن من الصاغرين .
الثالث : ولئن فعل ما أمره فلا يسجن ولكن يكون من الصاغرين .
الرابع : سوء فعل ما أمره أو لم يفعل ليكون من الصاغرين لإرادة إستدامة خضوعه لها .
لأنها أدركت أن يوسف لا يخضع ولا يطيع إلا الله عز وجل ، فجازاه الله عز وجل بأن صرف عنه السوء مطلقاً وحفظه في السجن ، ومن الإعجاز أن قوله تعالى[فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ]( ) وعد وبشارة الأمن بمنّ ولطف ورحمة من عند الله عز وجل ولم يرد لفظ [حَافِظًا] في القرآن إلا في الآية أعلاه ومن سورة يوسف وحكاية عن يعقوب النبي عليه السلام .
الرابع : الأمانة الملكية : وهي التي تتعلق بالملك والمال والأعيان ، ومنها الزكاة ، ومنها الوصية في الأموال ، قال تعالى[وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمْ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ] ( ) وقد ورد لفظ وصية في القرآن تسع مرات منها أربعة في الآية أعلاه ويمكن تسميتها آية الوصية ، وجاءت خاصة بالآية التي قبلها لبيان موضوعية الوصية في الميراث .
المسألة السابعة : تقدير الجمع بين الآيتين : يا أيها الذين آمنوا أنتم درجات عند الله فلا تكونوا كالذين كفروا …) من معاني الجمع بين الآيتين إرادة الفصل بين المؤمنين والذين كفروا في العمل مثلما هو في العقيدة والمنزلة، وورد في التنزيل[أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ]( ).
ولبيان قانون وهو تجلي معاني قوله تعالى [هُمْ دَرَجَاتٌ] بالشأن والمقام وميدان العمل وليتحقق المصداق العملي لمراتب الناس على نحو يومي متجدد ، وهل يدل على تفوق المؤمنين في الدنيا.
الجواب تقيد آية البحث الدرجات إنما هي عند الله عز وجل لذا قد تجد مؤمناً فقيراً وإلى جواره كافر غني أو ترى إثنين يعملان في التجارة فتروج بضاعة الكافر ويأتيه الربح ، ويتخلف عنه المسلم في الربح بمراتب، وهو من الإبتلاء في الدنيا لما فيه من الإستدراج للكافر، قال تعالى [سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ] ( ).
ومن معاني الجمع في هذه المسألة أمور :
الأول : تعاهد المسلمين لسنن الإيمان لأنها الطريق المبارك للفوز بالمقامات السامية عند الله وهو من مصاديق قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( ) ليكون من هذه الدرجات والإرتقاء فيها قيام كل مسلم ومسلمة بتلاوة الآية أعلاه سبع عشرة مرة في الصلوات اليومية على نحو الوجوب العيني الذي لا يقبل الترك أو التفريط به ، وليس في هذه التلاوة أذى أو ضرر على أهل ملة أو طائفة من الناس .
الثاني : نفرة النفوس من مفاهيم الكفر لأنها برزخ ومانع من بلوغ مرتبة نيل الدرجات ، وهل تختص هذه النفرة بالمؤمنين.
الجواب لا فهي عامة عند الناس جميعاً ، وهو من أسرار نفخ الروح من الله عز وجل في آدم ، ليصل هذا النفخ إلى بني آدم ويصير جزء من خلجات نفوسهم ليكون مدداً لهم في الخلافة في الأرض ، وعوناً لهم في أداء الفرائض والعبادات وتحقيق المصاديق العملية المتكثرة لقوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ]( ) ، ويمكن تأسيس قانون وهو: الناس في النفخ من روح الله شرع سواء، فصحيح أن آية السياق أخبرت عن تقسيم الناس إلى درجات ومراتب، ولكنه لا ينفي التساوي في أمور منها:
الأول : خلق الله عز وجل للناس جميعاً ومن ذات السنخية، وعن ابن عباس قال: كان إبليس من حَيٍّ من أحياء الملائكة يقال لهم”الحِنّ”، خُلقوا من نار السَّمُوم من بين الملائكة قال: وكان اسمه الحارث، قال: وكان خازنًا من خُزَّان الجنة. قال: وخُلقت الملائكة كلهم من نور غير هذا الحيّ. قال: وخلقت الجنّ الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار – وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا ألهبت. قال: وخُلق الإنسان من طين. فأوّل من سكن الأرضَ الجنُّ. فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء وقتل بعضهم بعضًا. قال: فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة -وهم هذا الحي الذين يقال لهم الحِن فقتلهم إبليس ومن معه حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال. فلما فعل إبليس ذلك اغترّ في نفسه. وقال:”قد صنعتُ شيئًا لم يصنعه أحد”! قال: فاطَّلع الله على ذلك من قلبه، ولم تطلع عليه الملائكة الذين كانوا معه. فقال الله للملائكة الذين معه:”إني جاعلٌ في الأرض خليفة”. فقالت الملائكة مجيبين له:”أتجعلُ فيها من يُفسد فيها ويَسفِك الدماء”، كما أفسدت الجن وسفكت الدماء، وإنما بُعثنا عليهم لذلك. فقال:”إني أعلم ما لا تعلمون”، يقول: إني قد اطلعتُ من قلب إبليس على ما لم تطلعوا عليه، من كبره واغتراره)( ).
الثاني : نزول الرزق من عند الله، قال تعالى[قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ اللَّهُ]( ).
الثالث : كل من جوارح وحواس وتنفس الناس بيد الله عز وجل.
الرابع : صرف البلاء والآفات عن الناس لا يقدر عليه إلا الله عز وجل، وإذ أنعم الله عز وجل على يوسف عليه السلام بصرف السوء عنه بقوله تعالى[كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ]( )، فإن الله صرف البلاء عن الناس جميعاً، وهو من أسرار تقييد الآية أعلاه صرف السوء عن يوسف بأنه من عباد الله المخلصين، لتأكيد قانون وهو صرف البلاء عن الناس جميعاً بمنّ ولطف منه سبحانه قال تعالى[وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ]( )، وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنّ الله سبحانه ليصلح بصلاح الرجل ولده وولد ولده وأهل دويرته ودويرات حوله ولا يزالون في حفظ الله ما دام فيهم)( ).
وهناك مسألتان :
الأولى : النفرة من مفاهيم الكفر من الكلي المشكك الذين يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً .
الثانية : صيرورة الكفر والجحود نوع غشاوة أو حاجب دون إستيلاء النفرة من الكفر على نفس الذي يختاره ويطلبه ويسعى إليه .
الثالث : دعوة الناس لإجتناب الذين يجحدون بالربوبية والنبوة، وما يبثون من سموم.
الرابع : شكر المسلمين لله عز وجل على المنزلة السامية والدرجة الرفيعة بين الخلائق والتي نالوها بالإيمان ، ومن مصاديق هذا الشكر التوقي والإحتراز من محاكاة الذين كفروا .
لقد ذكرت آية البحث قانون الدرجات وأن المسلمين والمسلمات بلغوا هذه الدرجات لبيان قانون وهو أن الإيمان بالله درجة وأن التصديق ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم درجة وكذا الإيمان بنزول القرآن درجة وحتى حفظ المسلم للآية القرآنية درجة .
المسألة الثامنة : تقدير الجمع بين الآيتين : هم درجات عند الله إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى، وفيه وجوه :
الأول : من إعجاز القرآن الغيري جذبه النفوس إلى الإيمان ،وبعثه الناس على العمل في طاعة الله ، فلما تضمنت الآية السابقة الثناء على المؤمنين بقوله تعالى [أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ] ( ) فان كل آية من القرآن من رضوان الله، وتدعو إلى تلاوتها وإتخاذها إماماً، والفوز بالإمتثال لما فيها من الأوامر والنواهي منطوقاً ومفهوماً .
لقد نال المؤمنون المراتب العالية عند الله عز وجل بإيمانهم وصبرهم وسعيهم في رضوان الله عز وجل ، وهو من الشواهد بأن الدنيا مزرعة ودار للكسب والإكتناز ، وأفضل مصاديقه عمل الصالحات وإدخار الحسنات، (وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم “يتبع الميت ثلاثةٌ، فيرجع اثنان ويبقى معه واحد: يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله”)( ).
وليس من حصر لهذا الكسب ، وكيفية الإكتناز ومنها الضرب والسفر في الأرض بصفة الإيمان طلباً للرزق وجلباً للمنفعة، فيخرج التاجر المسلم من مدينته للبيع أو الشراء ويكون داعياً إلى الله من جهات :
الأولى : تعاهد المؤمن الصلاة في أوقاتها، ومن معاني قوله تعالى[وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا]( )، لزوم تعاهد المسلمين الصلاة في السفر وحتى عند الخشية من الذين كفروا إذ أن أداء الصلاة قصراً حفظ يومي لها، وفيه الأجر والثواب وقد شرعب في الإسلام صلاة الخوف بكيفيات متعددة، تقدم بيانها.
الثانية : قيام المسلم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
الثالثة : خشية المسلم في معاملته من الله عز وجل .
الرابعة : تلاوة المسلم لآيات القرآن وذكره للسنة النبوية وإقتدائه بها ، وهو من مصاديق قوله تعالى [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ]( ) بلحاظ نشر المسلم لمعالم الإيمان أثناء ضربه في الأرض ، فهو سفير متنقل للقرآن والسنة النبوية ، قال تعالى [فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ] ( )، ليكون من خصائص[خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( )، أنهم سفراء للتنزيل ودعاة للهدى وسبل الحق .
الثاني : ذكر آية البحث للدرجات وتعلقها بالمؤمنين باعث لهم للإجتهاد في طاعة الله ، وعمل الصالحات وجعل الجنة حاضرة أمام أعينهم جلية ظاهرة في اقوالهم وأعمالهم وتآلفهم وتعاونهم فيتبادرون إلى صلاة الجماعة ويستبشرون باطلالة هلال شهر رمضان ويحرصون على دفع الزكاة ، قال تعالى [وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ] ( ) ليكون من التنافس الضرب في الأرض والغزو في سبيل الله .
(عن عطية بن سعد العوفي، عن أبي سعيد الخدري أراه قد رفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: “أيما مؤمن سقى مؤمنا شربة على ظمأ، سقاه الله تعالى يوم القيامة من الرحيق المختوم. وأيما مؤمن أطعم مؤمنا على جوع، أطعمه الله من ثمار الجنة. وأيما مؤمن كسا مؤمنا ثوبا على عُري، كساه الله من خُضر الجنة”)( ).
ومن إعجاز آية البحث الغيري أنها بشارة السعادة للمؤمن والمؤمنة وتتضمن الترغيب بالإرتقاء في درجات الإيمان وتبعث في النفس حب إدخار الحسنات ، وهو مما خصّ الله عز وجل به أمة محمد ، ومن مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
وعن حذيفة بن اليمان قال (غاب عنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يومًا فلم يخرج، حتى ظننا أن لن يخرج، فلما خرج سجد سجدة ظننا أن نَفْسه قد قبضت فيها.
فلما رفع رأسه قال: “إن ربي، عز وجل، استشارني في أمتي: ماذا أفعل بهم؟ فقلت: ما شئت أي رب هم خلقك وعبادك. فاستشارني الثانية، فقلت له كذلك.
فقال: لا أخزيك في أمتك يا محمد، وبشرني أن أول من يدخل الجنة من أمتي معي سبعون ألفًا، مع كل ألف سبعون ألفا، ليس عليهم حساب.
ثم أرسل إليّ فقال: ادع تُجب، وسل تُعْطَ”. فقلت لرسوله: أومعطي ربي سؤلي؟ قال: ما أرسلني إليك إلا ليعطيك، ولقد أعطاني ربي ولا فخر، وغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، وأنا أمشي حيًا صحيحًا، وأعطاني ألا تجوع أمتي ولا تغلب، وأعطاني الكوثر، وهو نهر في الجنة يسيل في حوضي، وأعطاني العز والنصر والرعب يسعى بين يدي أمتي شهرًا، وأعطاني أني أول الأنبياء يدخل الجنة، وطيّب لي ولأمتي الغنيمة، وأحل لنا كثيرًا مما شُدد على من قبلنا، ولم يجعل علينا في الدين من حرج”)( ).
الثالث : تأكيد قانون وهو أن الله أحصى أعمال العباد ، ومن الأعجاز في آية البحث قوله تعالى [هُمْ دَرَجَاتٌ] بصيغة الجملة الخبرية للإخبار عن علم الله عز وجل بمراتب ودرجات المؤمنين حتى الذين لم يولدوا بعد ، وفي التقييد [عِنْدَ اللَّهِ] تأكيد لهذا المعنى ليجتهد المسلمون للعمل في سبل رضوان الله عز وجل .
الرابع : لقد قدمت آية السياق الضرب في الأرض على الغزو فهل هو من باب تقديم الأهم على المهم، الجواب لا ، إنما هو على وجوه :
أولاً : تقديم الأكثر على الأقل .
ثانياً : بيان الإعجاز في آيات القرآن لبيان قانون وهو أن السلم يتغشى أكثر أيام المسلمين، قال تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً]( ).
ثالثاً : الإخبار السماوي عن كون الأيام الأولى ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين في المدينة ليس فيها قتال .
رابعاً : تبكيت وتوبيخ المنافقين .
لقد ذكرت آية السياق وصفاً للذين آمنوا، وحالة عرضية وهي أنهم قد يكونون في غزو ، ولا يختص الغزو بالهجوم الإبتدائي ، إذ يشمل وجوهاً :
الأول : الخروج مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم دفاعاً عن بيضة الإسلام، ومنه الخروج إلى معركة أحد .
الثاني : ترصد العدو ومعرفة عدد جنوده وقوته والمنع من مباغتته للمسلمين [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوْ انفِرُوا جَمِيعًا]( ).
الثالث : المرابطة في الثغور إذ أنها ملحقة بالغزو والهجوم ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ).
الرابع : الخروج في السرايا .
وفي وصف المؤمنين بأنهم غزى ثناء عليهم ، وبشارة الثواب لهم وإخبار عن فوزهم بالدرجات العلا عند الله كثواب على الغزو والمشاركة في الدفاع عن الإسلام، ولتكون الآية شهادة على التأريخ، وباعث للفزع والخوف في قلوب الذين كفروا، ومن وجوه تفسيرها بالسنة النبوية ما ورد عن الإمام الباقر عليه السلام قال : نُصِرت بالرعب، وجُعِلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأعطيت جوامع الكلم، وأحلّت لي المغانم، ولم تحلّ لنبيٍّ كان قبلي، وأعطيت الشفاعة، خمسٌ لم يُؤْتَهُنَّ نبيٌّ كان قبلي( ).
لقد كان العرب قبل الإسلام يغزون بعضهم بعضاً فيقتلون ويأسرون ويسبون فجاء الإسلام فصار الغزو للدفاع عن الإسلام وهو الذي يتجلى بنداء الإيمان الذي تبدأ به آية السياق إذ يدل بالدلالة التضمنية بأنهم يغزون بما هم مؤمنون فترى الأعداء بالأمس بسبب العناد والغزو فيما بين قبائلهم يتحدون ويتآخون تحت لواء الإسلام ليقاتلوا الكافر وإن كان من ذوي القربى.
وصحيح أن آية السياق جاءت لبيان وجوب عدم تشبه ومحاكاة المسلمين للذين كفروا ممن يؤاخذون المسلمين حين يخرجون طلباً للرزق ودعوة إلى الإسلام ويسخرون من الذين قتلوا في سبيل الله في معركة بدر وأحد ويقولون لو بقوا معنا في المدينة لم.
يتركوها للتجارة أو الغزو لما قتلوا إذ أن القتل وهو بأسبابه ، ويقول الذين كفروا ها نحن بقينا أحياء لأننا لم نضرب في الأرض ولم تغادر المدينة.
ومن معاني تسمية المسافر أنه يصبح مسفراً ومكشوفاً بعد أن يغادر بيته وأهله ومنتديات وشوارع وحيطان مدينة ، إذ يسير حتى يصبح لا يرى منها إلا الجدران، وأهل البلدة في هذه الحال لا يرونه ثم يبتعد حتى تختفي عند الجدران ولا يبقى من الأمان إلا ما يتفضل به الله عز وجل وهو من أسباب نيل الدرجات من عند الله ومن مصاديق الرحمة في قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ]( ).
الرابع : الخروج للتجارة وطلب الرزق ومغادرة المدينة للبيع والشراء ، أو العمل بالزراعة والفلاحة في قرى ومدن أخرى.
وظاهر آية السياق أن الذين كفروا يريدون عدم خروج المؤمنين من المدينة ، فما هي الغاية أو الغايات التي يقصدون ويسعون إليها ، فيه وجوه :
الأول : إرادة المنافقين والكافرين قعود المؤمنين عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني : تعطيل الجهاد عند المسلمين .
الثالث : إرادة بعث الفرقة والخلاف بين المسلمين وجعلهم ينشغلون فيما بينهم، لذا تفضل الله بتنمية ملكة الأخوة بين المسليمن ودعوتهم للتوكل على الله والتمسك بالكتابة والسنة للتوقي من الذين كفروا، قال تعالى[وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا]( ).
الرابع : المكر بإعانة المشركين وتهيئة أسباب لنصرتهم إذا ما زحفوا وأغاروا على المدينة .
الخامس : ترغيب المشركين بالهجوم لقتال المسلمين ، لذا فان لقاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه للمشركين في موضع معركة أحد قد لا يكون إختياره من طرف واحد وهم المسلمون، فلعل المشركين أيضاً أرادوا القتال خارج المدينة إعتماداً على قعود المنافقين عن نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وطمعاً بنتائج ما يبثه الذين كفروا من أسباب الوهن والضعف بين المسلمين ، ليكون قوله تعالى [وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ] ( ) رداً على الذين كفورا في لومهم لأخوانهم الذين يخرجون للجهاد.
ومن إعجاز آية السياق أنها لا تتضمن الإخبار عن وقوع القتل أو الموت للمسلمين عند خروجهم للغزو أو التجارة ، إنما أخبرت عن قول الذين كفروا عندما يخرج المسلمون في سبيل الله .
ويكون معناها لو سأل المنافق أو الكفار عن جاره المسلم أين هو ، وقيل أنه خرج للغزو : عندئذ يقولون (لو كان عندنا ما مات وما قتل ).
وهل يعلم الكفار أن المسلم قد يعود سالماً من الغزو والتجارة ، الجواب نعم ، ولكنهم يريدون إشاعة الخوف وبث الفزع، ونية القعود بين المسلمين .
فجاءت آية البحث بفضحهم والتحذير من قولهم، ليكون من معاني آية السياق أمور :
الأول : عدم الملازمة بين خروج المسلم إلى الغزو وبين قتله، ومن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن الذين يعودون من المعركة والغزو هم الأغلب من مجموع الذين خرجوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ومن الآيات توافد الرجال فراداً وجماعات الى المدينة لدخول الإسلام حتى مع غياب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الغزو، ليكون عدو المسلمين في إزدياد يومي مطرد، وان كانت الزيادة ليست بديلاً عن الشهداء الذين فقدوا في معارك الإسلام، ويتجلى هذا المعنى بقوله تعالى[وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ]( ).
الثاني : عدم الملازمة بين ضرب المسلم في الأرض للتجارة والكسب والموت في سفره هذا .
الثالث : خروج المسلم للغزو والدفاع مع عدم حلول آجل الموت في خروجه هذا، ليكون قوله تعالى[وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ]( )، حجة في المقام من جهات :
الأولى : الآية رد على الذين كفروا وإبطال له عواهم وقولهم.
الثانية : تنمية ملكة الإحتجاج عند المسلمين .
الثالثة : بعث السكينة في نفوس المسلمين سواء الذين خرجوا للغزو أو عوائلهم واخوانهم الذين بقوا في المدينة.
الرابعة : بعث المسلمين على النفير في سبيل الله، وعلى طلب الرزق الحلال ولدعوة إلى الله من غير خشية من مباغتة الأجل، فقد يأتي الموت للإنسان وهو على الفراش.
الرابع : سفر المسلم في الأرض للتجارة وحرصه أثناء السفر على أداء الصلاة ودعوة الناس إلى الإسلام والإحتجاج على الذين كفروا ، ومع هذا لا يتعرض المسلم للقتل ويعود سالماً.
وهل يوبخ المسلمون الذين كفروا على قوله هذا [لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا…] ( ) الجواب جاءت آية البحث بفضحهم وتوبيخهم وأسكاتهم ، لتكون إماماً للمسلمين .
المسألة التاسعة : تقدير الجمع بين الآيتين : هم درجات عند الله ليجعل الله ذلك حسرة في قلوب الذين كفروا.
لقد ورد اسم الجلالة ثلاث مرات في آية السياق ومرتين في آية البحث لبيان قانون وهو تقّوم التنزيل بذكر الله وبيان الحاجة إلى رحمته سبحانه في تلاوة آيات القرآن والعمل بمضامنيها .
ومن معاني الجمع أعلاه أن المسلمين لم يبلغوا الدرجات العالية إلا بفضل الله ، وأن الحسرة استحوذت على قلوب الذين كفروا ، لقبح إختيارهم وعنادهم لتكون هذه الحسرة من مصاديق ما ورد في الآية السابقة [كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّهِ] ( ).
إذ يدل لفظ [بَاءَ] على الرجوع ويحتمل وجوهاً :
الأول : رجوع الذين كفروا في الدنيا بسخط من الله ، ويحتمل هذا الرجوع وجوهاً :
أولاً : الرجوع من ميدان المعركة .
ثانياً : الرجوع إلى البيت عند المساء .
ثالثاً : العودة من الجدال والإحتجاج .
رابعاً : النكوص قبل بدء القتال .
خامساً : الرجوع من عبادة الإوثان .
سادساً : عودة الذين كفروا من إيذاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين .
سابعاً : الرجوع إلى الفتنة والتعريض بالمؤمنين ومحاولة بث روح اليأس والقنوط، قال تعالى[كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا]( ).
ثامناً : الذي يصل إلى آخر عمره من الذين كفروا إذ تتغشاه الحسرة على تفريطه وإقامته على السفاهة ، قال تعالى [وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا] ( ).
ولا تعارض بين هذه الوجوه وكلها من مصاديق الآية السابقة ، وليكون هذا الرجوع مقدمة وسبباً لإرتقاء المسلمين في الدرجات ، كما أن هذا الإرتقاء سبب لعودة الذين كفروا بسخط وغضب من الله عز وجل .
الثاني : الرجوع إلى عالم القبر فاذا دفن المؤمن كان قبره روضه من رياض الجنة ، وهو من مصاديق الدرجات في آية البحث .
أما إذا دفن الكافر فان قبره يكون حفرة من حفر النيران ، وهو من السخط الذي تذكره آية السياق.
وعن أبي سعيد (قَالَ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم مُصَلاَّهُ فَرَأَى نَاسًا كَأَنَّهُمْ يَكْتَشِرُونَ قَالَ : أَمَا إِنَّكُمْ لَوْ أَكْثَرْتُمْ ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ لَشَغَلَكُمْ عَمَّا أَرَى فَأَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَاذِم( )،ِ اللَّذَّاتِ الْمَوْتِ فَإِنَّهُ لَمْ يَأْتِ عَلَى الْقَبْرِ يَوْمٌ إِلاَّ تَكَلَّمَ فِيهِ فَيَقُولُ أَنَا بَيْتُ الْغُرْبَةِ وَأَنَا بَيْتُ الْوَحْدَةِ وَأَنَا بَيْتُ التُّرَابِ وَأَنَا بَيْتُ الدُّودِ.
فَإِذَا دُفِنَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ قَالَ لَهُ الْقَبْرُ مَرْحَبًا وَأَهْلاً أَمَا إِنْ كُنْتَ لأَحَبَّ مَنْ يَمْشِى عَلَى ظَهْري إِليَّ فَإِذْ وُلِّيتُكَ الْيَوْمَ وَصِرْتَ إِلَىَّ فَسَتَرَى صَنِيعِى بِكَ.
قَالَ فَيَتَّسِعُ لَهُ مَدَّ بَصَرِهِ وَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ. وَإِذَا دُفِنَ الْعَبْدُ الْفَاجِرُ أَوِ الْكَافِرُ قَالَ لَهُ الْقَبْرُ لاَ مَرْحَبًا وَلاَ أَهْلاً أَمَا إِنْ كُنْتَ لأَبْغَضَ مَنْ يَمْشِى عَلَى ظَهْرِى إِلَيَ فَإِذْ وُلِّيتُكَ الْيَوْمَ وَصِرْتَ إِلَىَّ فَسَتَرَى صَنِيعِى بِكَ. قَالَ فَيَلْتَئِمُ عَلَيْهِ حَتَّى تَلْتَقِيَ عَلَيْهِ وَتَخْتَلِفَ أَضْلاَعُهُ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم بِأَصَابِعِهِ فَأَدْخَلَ بَعْضَهَا فِى جَوْفِ بَعْضٍ قَالَ : وَيُقَيِّضُ اللَّهُ لَهُ سَبْعِينَ تِنِّينًا لَوْ أَنَّ وَاحِدًا مِنْهَا نَفَخَ فِى الأَرْضِ مَا أَنْبَتَتْ شَيْئًا مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا فَيَنْهَشْنَهُ وَيَخْدِشْنَهُ حَتَّى يُفْضَى بِهِ إِلَى الْحِسَابِ . قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: إِنَّمَا الْقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ) ( ).
الثالث : الرجوع إلى الله والوقوف بين يديه يوم القيامة للحساب والجزاء ، فيقف المسلم يومئذ ، وقد أنعم الله عز وجل عليه بالأمن بأن يجعله يأخذ كتابه بيمينه في دلالة على الأمن والسلامة من الخوف ، فمع أن قوله تعالى [هُمْ دَرَجَاتٌ]يدل بالدلالة التضمنية على تعدد المراتب لأهل الإيمان إلا أن هناك أموراً ومواطن يلتقون فيها ، منها السلامة من الفزع وإمتناع الرعب عن النفاذ إلى قلوبهم وسلامة أعضائهم من أمارات الخوف يوم القيامة ، قال تعالى [لاَ يَحْزُنُهُمْ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمْ الْمَلاَئِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمْ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ]( ) (عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله : { يوم ندعو كل أناس بإمامهم } قال : يدعى أحدهم فيعطى كتابه بيمينه ، ويُمَدّ لَهُ في جسمه ستين ذراعاً ويبيض وجهه ويجعل على رأسه تاج من نور يتلألأ ، فينطلق إلى أصحابه فيرونه من بعيد فيقولون : اللهم ائتنا بهذا وبارك لنا في هذا حتى يأتيهم فيقول : أبشروا . . . لكل رجل منكم مثل هذا .
وأما الكافر ، فيسوّد له وجهه ويُمَدّ له في جسمه ستين ذراعاً على صورة آدم ، ويلبس تاجاً من نار فيراه أصحابه فيقولون : نعوذ بالله من شر هذا . . . اللهم لا تأتنا بهذا . قال فيأتيهم . فيقول : ربنا أخّرْه فيقول : ابعدكم الله ، فإن لكل رجل منكم مثل هذا ) ( ).
ترى ما هو سبب الحسرة التي تنزل بالذين كفروا بسبب نيل المؤمنين المراتب والدرجات العالية ، الجواب فيه وجوه :
الأول : نزول آية البحث فمن إعجازها الغيري أنها درجة في الإرتقاء والرفعة للمؤمنين ، وباب لتقسيمهم إلى مراتب ودرجات .
الثاني : تلاوة المسلمين لآية البحث وغبطتهم بمضامينها وما تبعثه من الأمل في نفوسهم .
الثالث : تجلي معاني الأخوة الإيمانية بين المسلمين ، وهذه الأخوة مطلوبة بذاتها كفاية ، وهي بلغة لغايات حميدة غير متناهية لذا جاء قانون الأخوة بينهم بصيغة الجملة الخبرية بقوله تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ] ( ) لبيان ثبوت هذه الأخوة وعدم إنقطاعها .
وليترشح عنها بعث الحسرة والأسى في قلوب الذين كفروا ، ومن الآيات أن هذه الحسرة ليست مطلقة بل تتضمن الدعوة للتوبة والإيمان ليكون من مصاديق قوله تعالى[لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ]( ) أي ليندموا على التلبس بالكفر ، وليتوبوا إلى الله لذا جاء قوله تعالى[رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ]( ).
ليكون من معانيه توبة فريق من الذين كفروا لما تبعثه آية البحث في نفوسهم من الرغبة باللحوق بالمؤمنين بالفوز بالدرجات العلا( ).
ومن الإعجاز في الشريعة الإسلامية أنه قد يدخل الإنسان الإسلام لاحقاً فيصبح إماماً وأميراً لمن دعاه إلى الإسلام أو حاربه على الإسلام ، وقد رضي الصحابة الأوائل بهذا الأمر للأخوة الإيمانية ولأن الغاية هي بناء صرح الإيمان ، قال تعالى [لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ] ( ).
وفي غزوة ذات السلاسل تولى الأمرة والرئاسة عمرو بن العاص وكانت الأمرة لأبي عبيد بن الجراح.
وأمره النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يستنفر القبائل العربية في طريقه إلى ميدان المعركة باتجاه بلاد الشام حتى إذا كان عمرو بن العاص (حَتّى إذَا كَانَ عَلَى مَاءٍ بِأَرْضِ جُذَامَ ، يُقَالُ لَهُ السّلْسَلُ ، وَبِذَلِكَ سُمّيَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ غَزْوَةَ ذَاتِ السّلَاسِلِ .
فَلَمّا كَانَ عَلَيْهِ خَافَ فَبَعَثَ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ يَسْتَمِدّهُ فَبَعَثَ إلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرّاحِ فِي الْمُهَاجِرِينَ الْأَوّلِينَ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَقَالَ لِأَبِي عُبَيْدَةَ حِينَ وَجّهَهُ لَا تَخْتَلِفَا ؛ فَخَرَجَ أَبُو عُبَيْدَةَ حَتّى إذَا قَدِمَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ عَمْرٌو : إنّمَا جِئْتَ مَدَدًا لِي ؛ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ لَا ، وَلَكِنّي عَلَى مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَنْتَ عَلَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ رَجُلًا لَيّنًا سَهْلًا ، هَيّنًا عَلَيْهِ أَمْرُ الدّنْيَا .
فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو : بَلْ أَنْتَ مَدَدٌ لِي ؛ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَا عَمْرُو ، وَإِنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ لِي : لَا تَخْتَلِفَا ، وَإِنّك إنْ عَصَيْتَنِي أَطَعْتُك ، قَالَ فَإِنّي الْأَمِيرُ عَلَيْك ، وَأَنْتَ مَدَدٌ لِي ، قَالَ فَدُونَك . فَصَلّى عَمْرٌو بِالنّاسِ) ( )
وكان عمرو بن العاص في معركة بدر من كفار مكة ومن حّراس قافلة أبي سفيان التي كانت السبب في معركة بدر والتي أنتهت في ذات يوم نشوبها بنصر المسلمين بمدد من عند الله قال تعالى[وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ]( )، وهل النصر في نفس يوم المعركة وفي شطر من نهاره من وجوه هذا النصر الجواب نعم، لأن الله عز وجل يعطي بالأتم والأوفى، فمع أن جيش المشركين نحو ألف رجل ومعهم العدة والقتاد والمؤن والرواحل، وفيهم الفرسان والشجعان لأنهم خرجوا بقصد القتال.
وكان عدد جيش المسلمين أقل من ثلث جيش الكفار وليس معهم من السلاح والخيل ما يعتد به عند اللقاء، وهذه القلة من أسباب إستخفاف المشركين بهم وإغواء الشيطان ونفوسهم الأمارة بالسوء لقصد الإجهاز على المسلمين قال تعالى[وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذْ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ]( ).
وشهد عمرو بن العاص معركة أحد مع جيش المشركين والتي جرت في شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة كما شهد معركة الخندق وهو مع جيش المشركين، وكان قبلها يحرض القبائل والناس لمحاربة الإسلام والمسلمين.
ولم يشهد صلح الحديبية إذ كان في سفارة لقريش إلى النجاشي ملك الحبشة للسعي الخبيث لإخراج المسلمين من أرض الحبشة، ورجع[وَقَدْ خَابَ مَنْ افْتَرَى]( )، ومن فضل الله عز وجل على المسلمين أنه لم يحضر صلح الحديبية للوقاية من مكره، وأسلم عمرو في السنة الثامنة للهجرة.
وهل توبة بعض الذين كفروا مما يلقي الحسرة في قلوب الباقين منهم الجواب نعم ، وهو من الإعجاز في فتح وتسيير سبل التوبة ، لتتعدد وجوه الحسرة التي تصيبهم من جهات :
الأولى : نداء الإيمان الذي إبتدأت به آية السياق الذي يشهد للمسلمين والمسلمات بالإيمان ،ويدل على قانون وهو أن قوله تعالى[هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ]( ) لا يمنع من التساوي في صفة الإيمان .
الثانية : تفضل الله عز وجل بتحذير المسلمين من التشبه بالذين كفروا ، فليس من أمة يأتيها التحذير والتنبيه من الله إلا[خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ) .
الثالثة : صيغة الذم والتبكيت للكفار بذكر آية البحث لهم بصفة الكفر والجحود.
ومن غايات هذا الذكر بعث النفرة في نفوس الناس من الكفار ومفاهيم الكفر، ليكون من إعجاز الآية القرآنية الغيري إستحواذ الحسرة في قلوب الذين كفروا لأن الناس لا يصغون لما يقولون .
الرابعة : إقرار الذين كفروا بلزوم الإيمان وحسدهم المؤمن لنيله الدرجة الرفيعة عند الله، وتخلفهم عن درجات الإيمان ، قال تعالى [وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ]( ).
المسألة العاشرة : تقدير الجمع بين الآيتين : يا أيها الذين آمنوا أنتم درجات عند الله) ، من فضل الله عز وجل في الدنيا أنه مع الإيمان تنزل شآبيب رحمة إضافية خاصة [وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ]( ) فذات نداء الإيمان خاص بالمؤمنين ونعمة متجددة إلى يوم القيامة ، وما أن ينطق المسلم بالشهادتين حتى يتبوء مقامه من الدرجات العالية التي تذكرها آية البحث ، ويحتمل النطق بالشهادتين بلحاظ ما يقابلها من الدرجات وجوهاً :
الأول : إرادة درجة واحدة .
الثاني : نيل درجة على التوحيد وأخرى على التصديق بالرسالة وأخرى على الإقرار بنزول القرآن عند الله وهكذا.
الثالث : بالنطق بالشهادتين يفوز المسلم بالمتعدد من الدرجات .
والمختار هو الثالث ، فذات الإقرار بالربوبية لله عز وجل مرتبة وجاه وشأن عظيم ، لذا ذم الله عز وجل الذين كفروا وأنذرهم بقوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا]( ).
فان قلت قد ينطق الإنسان بالشهادتين وهو منافق يخفي الكفر والجحود، والجواب هذا صحيح لذا قيدت صيغة الماضي اللفظ بما يفيد إستدامة واستمرار الإيمان في النفوس ، وتقدير نداء الإيمان[يا ايها الذين آمنوا أمس واليوم وغداً] وهذا المعنى لا يتعارض مع تلقي المنافقين الواجبات والتكاليف العبادية بلحاظ الإيمان الظاهري ، ومن معاني التلقي العام للأوامر والنواهي تلقي نداء الإيمان ليكون نوع طريق للتوبة والإنابة وحجة على المنافق، ونوع طرق لتوبته .
ومن معاني الجمع بين الآيتين دعوة المسلمين لأمور :
الأول : لزوم تعاهد المسلمين للدرجات التي جعلهم الله عز وجل فيها وبلحاظ أنها نعمة عظمى، وهل الشكر على قوله تعالى[هُمْ دَرَجَاتٌ] من هذا التعاهد الجواب نعم .
إذ أن تقدير الآية هو : يا أيها الذين آمنوا أنتم درجات) فان قلت تشمل آية البحث الأنبياء ويتوجه نداء الإيمان للمسلمين ، ويتجلى الجواب بمجئ آية البحث بصيغة الغائب [هُمْ دَرَجَاتٌ] ولم تقل (أنتم درجات) ثم أن الأنبياء يدخلون في مصاديق الذين آمنوا بالمعنى الأعم فهم وأتباعهم أهل قوله تعالى [اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا] ( ) [وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ]( ).
الثاني : تغشي الغبطة والسعادة للمسلمين لأن الله عز وجل رضي لهم إسلامهم وشهد لهم بالإيمان مما يدل على صحة عبادتهم وفرائضهم وهم على النهج القويم الذي يريده الله عز وجل .
وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم(إن الله أوحى إليّ ، أن تواضعوا ، حتى لا يفخر أحد على أحد)( ).
ويمكن القول بأن النسبة بين الذين آمنوا والمؤمنين هي العموم والخصوص المطلق، فكل مؤمن هو من الذين آمنوا وليس العكس، وورد لفظ(الذين آمنوا) بصيغة الفعل الذي يفيد الزمن الماضي، والمؤمنون اسم يتضمن معناه الثبوت واللزوم لتجرده من مسألة الزمان، ويمكن القول أن المراد من المؤمنين هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، قال تعالى[قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ]( ).
وبلحاظ ورود لفظ(الذين آمنوا) و(المؤمنين) في القرآن فليس من فصل وتمايز تام بينهما إلا بلحاظ مضمون الآية التي يرد فيها اللفظ والقرائن التي تدل على إتحاد أو تعدد المعنى، فقد يأتي نداء(يا أيها الذين آمنوا) ويراد منه المؤمنون، ليكون من خصائص نداء الإيمان أنه من مرتبة من مصاديق قوله تعالى[هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ]( ).
وليكون لفظ المؤمنين باعثاً آخر للمسلمين للثبات في درجات اليقين والرفعة والسعي إلى درجات أعلى وأسمى.
الثالث : سعي المؤمنين في عمل الصالحات لعلمهم بأن الله عز وجل يبصر ويرى ما يفعلون وهو معهم، وفي ثناء الله عز وجل على نفسه قال تعالى[وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ]( ).
ولا تختص الآية أعلاه بعلم الله عز وجل بعالم الأفعال والوقائع، إنما تشمل حضور رحمته، وليكون من معانيها وجوه:
الأول : وهو معكم أينما كنتم) ليحفظكم، وفي التنزيل[فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ]( ).
الثاني : هو معكم أينما كنتم) ليرزقكم.
الثالث : هو معكم أينما كنتم) ليرحمكم.
الرابع : وهو معكم ليمحو عنكم البلاء والضرر.
الخامس : وهو معكم أينما كنتم) ليغفر لكم إذ إستغفرتم و عملتم صالحاً.
السادس : وهو معكم أينما كنتم) ليستجيب لدعائكم، ولا يترك أمر رفع الدعاء إلى الملائكة لذا يفيد قوله تعالى[ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ]( )، الفورية في الإستجابة.
المسألة الحادية عشرة : يكون تقدير نداء الإيمان في آية السياق بلحاظ ذات الآية والآيات التالية لها على وجوه :
الوجه الأول : يا أيها الذين آمنوا بالله لا تكونوا كالذين كفروا ) فمن خصائص المؤمنين الإمتناع عن تقليد ومحاكاة الذين كفروا بأفعالهم التي تترشح عن كفرهم وصدودهم .
ويكون المؤمن داعياً إلى الله، وحجة على الناس في لزوم التنزه عن الكفر والكبائر والرذائل.
لقد جعل الله عز وجل الدنيا دار الصراع بين الإيمان والكفر، مع رجحان مقدمات الإيمان وأسباب نصره وعلو مرتبته وبيان الضياء الذي يتسع منه فيجذب القلوب المنكسرة، وهل من ضياء لنداء الإيمان الجواب نعم فهو بذاته ضياء ومهدي إلى الصراط المستقيم، وهو دعوة إلى الناس للهداية، قال تعالى[وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ]( ).
الوجه الثاني : يا أيها الذين آمنوا إن الله يتفضل عليكم باخباركم بأن الذين كفروا يحثون أقاربهم وأصدقاءهم وجيرانهم وأبناء قبيلتهم سواء من الأوس أو الخزرج بأن يتخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يخرجوا للقتال بأدعاء أن الذين قتلوا منهم لو بقوا معهم لما قتلوا .
ووردت الآية بصيغة إخوانهم للتحذير مما يظهره الكافر من الحرص على المؤمنين والأسى على الذين قتلوا ، ليكون من الإعجاز في لفظ إخوانهم في آية السياق أن الأسى الذي يظهره الذين كفروا على المؤمنين من قبائلهم الذين قتلوا في سبيل الله والذين خرجوا للغزو أو التجارة ولم يعودوا بعد، كله أسى زائفاً وكذباً لموضوعية النسب والسبب والنشأة المشتركة والألفة والجوار .
ليكون من معاني آية السياق منع إثارة الفتنة والخصومة والإنشقاق وإرتداد طائفة من المسلمين ، قال تعالى [إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ] ( ).
فتضمنت الآية أعلاه تحذير المؤمنين من طاعة الذين كفروا، والمورد لا يخصص الوارد فقد يؤدي التشبه بالذين كفروا إلى الإرتداد أو ما هو أدنى مرتبة من الإرتداد ولكنه أمر ضار مثل ظهور الشك والريب والتكاسل عن أداء الصلاة والواجبات العبادية، والتباطئ عند النفير .
وبخصوص معركة تبوك التي وقعت في السنة الثامنة للهجرة ورد قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ] ( ).
الوجه الثالث : يقسم نداء (يا أيها الذين آمنوا) ومضامين آية السياق الناس إلى قسمين بينهما تناف وتضاد وهما :
أولاً : الذين آمنوا .
ثانياً : الذين كفروا .
ومن الفوارق بلحاظ آية السياق وجوه :
أولاً : صفة الإيمان خير ونفع في الدنيا والآخرة ، وصفة الكفر حسرة وذل وهوان في الدنيا والآخرة .
ثانياً : يتلقى المسلمون الخطاب من عند الله بالثناء عليهم والوعد والبشارة لهم ، بينما يأتي الإنذار للذين كفروا بواسطة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين ، فان قلت قد علمنا بمجئ الإنذار بواسطة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لنزول القرآن عليه ، فكيف يأتي من الذين آمنوا، الجواب من يأتيهم من جهات :
الأولى : نطق المسلمين بالشهادتين ووقوفهم خمس مرات في اليوم بين يدي الله عز وجل خاضعين خاشعين، قال تعالى[وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ]( ).
الثانية : تلاوة المسلمين لآية البحث والسياق وما فيهما من الإخبار عن الفارق بين المسلمين والذين كفروا .
الثالثة : تلقي المسلمين التنزيل بالنهي عن إتباع ومحاكاة الذين كفروا ، ليكون الشرف والعز للمخاطب المنهي دون المنهي عنه .
الرابعة : موضوع آية السياق الذي يفيد خروج المؤمنين إلى الجهاد وإلى التجارة .
ثالثاً : خروج الذين آمنوا للدفاع والقتال في سبيل الله والذب عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
رابعاً : إمتلاء قلوب ومجتمعات الذين آمنوا بالرضا والسكينة بينما تغزو الحسرة قلوب الذين كفروا.
خامساً : تسليم المسلمين بأن الحياة والموت بيد الله عز وجل وهم يتلون خمس مرات في اليوم قوله تعالى في آية البحث[وَاللَّهُ يُحْيِ وَيُمِيتُ]( )، وهذه التلاوة إقرار وثناء من المسلمين على الله عز وجل، وهل في هذه التلاوة رجاء وسؤال لإطالة أعمار المسلمين ثم إماتتهم بأحسن حال وكيفية الجواب نعم، وكأن الآية تتضمن مسائل:
الأولى : اللهم أنت الذي تحيي وتميت فأطل أعمارنا.
الثانية : اللهم ثبتنا على الإيمان، وفي التنزيل[وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ]( ).
الثالثة : اللهم أطل أعمارنا في رضوانك.
الرابعة : اللهم أحيي قلوبنا في طاعتك.
الخامسة : اللهم أحيي الشعائر والحق وأمت الباطل والفتن.
السادسة : اللهم أحيي قلوب الناس، وأهدهم إلى سبل التوبة والإنابة.
السابعة : اللهم اجعل كلاً من الحياة والموت خيراً لنا، (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو : اللهم أصلح لي ديني الذي جعلته عصمة أمري ، وأصلح لي دنياي التي جعلت فيها معاشي ، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي ، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير ، واجعل الموت راحة لي من كل شر)( ).
الثامنة : لما كان الله عز وجل هو الذي يحيي ويميت فمن باب الأولوية أنه يشفي المرضى ويصرف الهم، وجاء حكاية عن إبراهيم عليه السلام في التنزيل[وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ]( ).
سادساً : إقرار المسلمين بأن الله عز وجل يرى مكانهم ويحيط علماً بأعمالهم، وهو باعث لهم للإجتهاد في مسالك الهدى.
الوجه الرابع : يا أيها الذين آمنوا[وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ]( )، من معاني الجمع بين آية السياق والآية التي بعدها رضا المسلمين بإحتمال وقوع القتل عليهم بما هم مؤمنون بلحاظ قيد الإيمان في ندائه، وتخصيص القتل بالآية أعلاه بأنه في سبيل الله.
ومن الإعجاز في نظم الآيات إبتداء الآية أعلاه بحرف العطف الواو لإفادة إتصال مضامينها بآية النداء، ويحتمل القتل في الآية أعلاه من جهة القلة والكثرة وجوهاً :
الأول : إرادة قتل الفرد الواحد من المسلمين، ووردت صيغة الجمع إكراماً له.
الثاني : قتل جماعة من المسلمين .
الثالث : قتل أفراد من المسلمين .
الرابع : قتل سرية من المسلمين .
الخامس :قتل طائفة من المسلمين .
والمراد هو الأول والثالث بقرائن منها :
الأولى : ذات آية النداء تخاطب المؤمنين، وتتضمن إخبارهم بما يقوم به الذين كفروا من بعث سموم القعود والتحريض على عدم الخروج للدفاع ولا الضرب في الأرض للتجارة ، وما فيها من نشر أحكام الشريعة ، ومن الكسب وجلب الأموال للعيال والمدينة خاصة مع توافد المهاجرين من مكة ومن القرى والقبائل التي تحيط بها إذ دخلوها لمجاورة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأداء الصلاة بامامته والإنصات إليه وهو يتلو آيات التنزيل ، ولأنهم هربوا بدينهم من كفار قومهم، كما في هجرة لوط [إِنِّي مهاجر إِلَى رَبِّي] ( ).
الثانية : إستدامة وجود أمة في كل زمان تتلقى نداء الإيمان، والتحذير من التشبه بالذين كفروا، وهل في هذا التلقي ثواب، أم لا بد من الإمتثال لمضامين هذا التحذير، الجواب هو الأول، إنما يكون في الإمتثال للتحذير وإجتناب التشبه بالذين كفروا ثواب آخر هو أعظم وأكبر .
الثالث : ذكر إحتمال القتل في آية السياق بصيغة الماضي [إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى] ( ) إذ يفيد التدبر في آية السياق عدم تضمنها تحقق قتل المؤمنين فعلاً وواقعاً إنما تذكر أموراً :
الأول : ضرب المؤمنين في الأرض للكسب والتجارة .
الثاني : خروج المؤمنين للغزو والدفاع .
فحالما يخرجون من المدينة تنتشر إشاعات المنافقين والذين كفروا بأنهم لو بقوا في المدينة لما قتلوا لإيذاء المؤمنين والمؤمنات الذين في المدينة .
وهو من مصاديق الرجف في قوله تعالى [لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً] ( ) لتكون آية السياق من الإنذار للذين كفروا وهي شاهد على سلامة المؤمنين من أباطيل الذين كفروا ، وما يتحدثون به والمنافقون عن غزو كفار قريش للمدينة وأن الرسول والمسلمين سينهزمون .
لقد أراد الذين كفروا فتور همّة المسلمين، وهدم روح اليقين التي عندهم وجاءت كل من آية السياق والبحث لتصرف أذى الذين كفروا وتدفع أقاويل المنافقين.
ولتتجلى معالم الإيمان في المسجد والسوق وسوح القتال من غير خوف إلا من الله عز وجل مع شوق للقائه .
وعن صهيب قال : عجباً لأمر المؤمن أمر المؤمن كله خير ، إن أصابته سراء شكر كان خيراً ، وإن أصابته ضراء صبر كان خيراً( ).
وسمُي الصحابي أنس بن مالك على اسم عمه أنس بن النضر الذي غاب عن بدر فحزن كثيراً ، وعزم على الخروج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا ما خرج للقاء المشركين .
وكان يعزم ويتوعد ويقول : لئن أشهدني الله قتال المشركين ليرين الله تعالى ما أصنع.
وبادر للخروج مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى معركة أحد ، وجالت الخيل وزحف المسلمون وأنكشف الذين كفروا في بداية المعركة ولاحت بشارات النصر ، وصارت الغنائم قريبة من المسلمين ، وتهيأت نساء المشركين لركوب الإبل للفرار إلى مكة خشية السبي وما فيه من الذل والهوان إذ أن أسر الرجال كما في معركة بدر أهون على قريش من سبي النساء، أو قل أن سبي النساء أكثر ذلاً وخزياً لقريش، وهل يدل قوله تعالى[لِإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ]( )، وما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في إكرام قريش على سلامتهم من سبي النساء، الجواب لا دليل عليه.
ثم ما لبثت الريح( ) أن استدارت بعد أن ترك الرماة المسلمون مواضعهم على الجبل الذي بقي إلى يومنا هذا يحكي تلك المصيبة، ويزوره آلاف من المسلمين ومنهم من يصعد عليه للعبرة والموعظة ، إذ أبى الله عز وجل إلا أن ينصر رسوله بالأسباب الظاهرة أو بدونها وبالجند من أهل الدنيا أو الجند من السماء ، قال تعالى [إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُنْزَلِينَ] ( ).
ولما رآى أنس بن النضر إنكشاف المسلمين ولم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا نفر قليل من أهل بيته وأصحابه(قَالَ اللّهُمّ إنّي أَعْتَذِرُ إلَيْكَ مِمّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ وَأَبْرَأُ إلَيْكَ مِمّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ ثُمّ تَقَدّمَ) ( ).
فتقدم النضر فوقف على رجال من المهاجرين والأنصار قد قعدوا عن القتال وبقوا في حال ترقب وكأنهم يستعدون للأسر أو الصلح فقال : ما يجلسكم قالوا :قُتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلم يكذب الخبر، ويدخل معهم في جدال إنما قال : قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتقدم نحو المشركين، فلقيه سعد بن معاذ في طريقه إلى ساحة المعركة فقال سعد : أنا معك، فقال أنس واهاً لريح الجنة اصنع ما صنع)( )، فقاتل بسيفه ليس معه ظهير، وعن أنس قال: غاب عمي أنس بن النضر عن بدر فشق عليه وقال : أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غبت عنه ، لئن أراني الله مشهداً مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما بعد ليرين الله ما أصنع ، فشهد يوم أحد فاستقبله سعد بن معاذ رضي الله عنه ، فقال : يا أبا عمرو إلى أين؟ قال : واهاً لريح الجنة أجدها دون أحد ، فقاتل حتى قتل ، فوجد في جسده بضع وثمانون من بين ضربة بسيف ، وطعنة برمح ، ورمية بسهم ، ونزلت هذه الآية { رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه } وكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه)( ).
وهل خروج المنفرد من المسلمين للقتال من مصاديق قوله تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ] ( ) الجواب نعم إذ تفزعهم التضحية والفداء من المسلم ويصابون باليأس من إحتمال إرتداد أي فرد من المسلمين.
الوجه الخامس : تقدير الجمع بين نداء الإيمان في آية [لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا]وشطر من الآية التي بعدها على وجوه :
الأول : يا أيها الذين آمنوا لئن قتلتم في سبيل الله لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون .
من إعجاز القرآن بعث السكينة في نفس المسلم لما بعد الموت ، وهو من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ) لما فيه من الإكرام للمسلمين وتفضل الله عز وجل وجعل قراءة القرآن أمراً واجباً على كل مسلم ومسلمة على نحو فرض عين ، فلا يتخلف المسلم عن قراءة القرآن إلى يوم مغادرته الدنيا لتكون مواساة وحرزاً له .
وتأتي آية البحث لتبين للمسلمين والناس قانوناً وهو أن المؤمنين على درجات وأن الذي يقتل في سبيل الله ينال الدرجات العالية ، وقيدت الآية القتل بأنه في سبيل الله وفيه مسائل :
الأولى : دلالة الآية في مفهومها على تقسيم القتل إلى أقسام ، وأن المسلم لا يسعى إلى قتل غيره أو تلقي القتل إلا أن يكون في سبيل الله .
الثانية : زجر المسلمين عن القتال بينهم والنهي عن ظهور الفتن التي تؤدي إلى الفرقة والخصومة والشقاق .
الثالثة : منع المسلمين من استباحة دماء الناس لذا لم يقاتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا الذين قاتلوه ، ولم يبدأهم بقتال إنما كان يدعوهم قبل القتال إلى التوحيد ، وقول لا إله إلا الله .
الرابعة : تأديب المسلمين في الدفاع عن أنفسهم ضد الذين يهجمون عليهم من المشركين ، قال تعالى [الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا]( ).
الخامسة : بيان قانون وهو أن القتال في سبيل الله مرتبة ودرجة في التقوى .
ولو مات المسلم على إيمانه فهل يرتقي في الدرجات، الجواب نعم ، فذات الموت على الإيمان مناسبة لنزول الفضل من عند الله ، قال تعالى [وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ] ( ).
ومن معاني بشارة المسلم بالفوز بالمغفرة من الله على القتل في سبيله زجر للذين كفروا ، ومنع للمسلمين من أتباعهم في شكوكهم وسعيهم لقعود المؤمنين .
فلو خيّر المسلم بين الإنصاف للذين كفروا وبين الخروج إلى القتال في سبيل الله رجاء الفوز بالمغفرة من عند الله فانه يختار الثاني وأن قلت إن المؤمن ينال المغفرة من عند الله حتى مع الموت على الفراش.
والجواب هذا صحيح وهو الذي تذكره ذات الآية بقوله تعالى [وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ]( ).
وهل يمكن تفسير الآية أعلاه بتعلق المغفرة بخصوص الموت في سبيل الله، بلحاظ أن هذا القتل طريق للمغفرة بفضل الله وأنه سبيل للحياة الأبدية لقوله تعالى [وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لاَ تَشْعُرُونَ] ( ).
بالإضافة إلى مجئ الآية التالية بتقديم الموت على القتل بقوله تعالى [وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ] ( ).
الثاني : تقدير الجمع بين نداء الإيمان في آية السياق والآية التي بعدها : يا أيها الذين آمنوا لئن متم لمغفرة من الله خير مما يجمعون )
من خصائص نداء الإيمان أنه من خزائن العرش، لم ينزل إلا وقد أنعم الله عز وجل على أهله بالمغفرة وقد جاء القرآن بالنداء العام بقوله تعالى [يَاأَيُّهَا النَّاسُ] ( ) وجاء بلفظ [يَابَنِي آدَمَ] ( ).
الثالث : يا أيها الذين آمنوا كونوا مع الذين آمنوا ، وفي التنزيل [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ] ( ) .
الرابعة : يا أيها الناس سارعوا إلى مغفرة من الله ورحمة بالتحلي بالإيمان .
وهل يمكن الجمع بين النداء العام وبين نداء الإيمان، الجواب نعم من جهات :
الأولى : يا أيها الناس آمنوا بالله ورسوله .
الثانية : يا أيها الناس كونوا من الذين آمنوا .
الثالثة : يا أيها الناس أنتم درجات عند الله .
الرابعة : يا أيها الناس قد فاز الذين آمنوا منكم .
الخامسة : يا بني آدم تعاهدوا الخلافة في الأرض بالإيمان.
السادسة : طوبى لمن تلقى نداء الإيمان .
السابعة : أهل الإيمان أئمة الهدى من بين بني آدم .
الثامنة : يا أيها الناس إن المغفرة تنتظر الذين آمنوا منكم عند موتهم ) ليبقى الإنسان يدرك المائز والفيصل بين المؤمنين والذين كفروا قال تعالى[مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ]( )، وقال تعالى[مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ]( ).
الثالث : من معاني الجمع بين الآيتين : يا أيها الذين آمنوا لمغفرة من الله خير مما يجمعون).
لبيان قانون وهو عدم إنحصار المغفرة للمؤمنين بعالم الآخرة ، فلا تبقى ذنوبهم مصاحبة لهم ومدونة في صحائف أعمالهم إلى يوم القيامة ، إنما إذا أعطى الله فان عطاءه حاضر وسريع ، وعن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : إن الله يدني المؤمن حتى يضع عليه كنفه ويستره من الناس ويقرره بذنوبه ، ويقول له : اتعرف ذنب كذا ، أتعرف ذنب كذا؟
فيقول : أي رب أعرف . حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه قد هلك قال : فإني قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم . ثم يعطى كتاب حسناته ، وأما الكفار والمنافقون { ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين })( ).
ولو دار أوان المغفرة بين أمور :
أولاً : مجئ المغفرة للمؤمن ما دام في الحياة الدنيا وقبل مغادرته لها ، وتقدير الآية : المغفرة من الله في الدنيا خير مما يجمعون في الدنيا) أي هناك مشاكلة وأتحاد زماني في الفعل والأثر ، فالذين كفروا يجمعون الأموال ويسعون في اللهث وراء الدنيا وأسباب الجاه ، بينما يجتهد المؤمنون في طلب المغفرة من عند الله والسعي لبلوغ الدرجات العليا .
ثانياً : الفورية والحال في نزول المغفرة من عند الله عز وجل ، وتقدير الجمع بين الآيتين : يا أيها الذين آمنوا لمغفرة حاضرة من عند الله خير مما يجمعون .
ثالثاً : مجئ المغفرة للمؤمن في عالم البرزخ وهو في القبر بلحاظ صلاح ذريته .
وورد (عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) ( ) وتقدير الجمع بين الآيتين : يا أيها الذين آمنوا لبئن متم لمغفرة من الله تصاحبكم في القبر خير مما يجمعون .
رابعاً : المغفرة نتيجة ومسبَبُ لعمل المسلم ، فمتى ما عمل صالحاً غفر الله عز وجل له بمقدار عمله ، قال تعالى[إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ]( ).
وتقدير الجمع بين الآيتين : يا أيها الذين آمنوا اعملوا صالحاً ليغفر الله لكم ، قال تعالى[فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه]( ).
خامساً : تعلق المغفرة على الدعاء والمسألة ، فاذا سأل العبد الله عز وجل أن يغفر له فانه سبحانه أكرم من أن يرده صفر اليدين ، فقد يغفر له على نحو الموجبة الكلية أو الجزئية أو ينعم عليه بما هو مقدمة للمغفرة وتقدير الجمع بين الآيتين : يا أيها الذين آمنوا اسالوا الله المغفرة ليغفر لكم) .
سادساً : مجئ المغفرة من الله عز وجل للمؤمنين يوم القيامة ، وقد أخبرت آيات القرآن عن سعة رحمة الله وعفوه ومغفرته ، ومن أسمائه تعالى [الْغَفُورُ] [الْغَفَّارُ] [غَافِرِ الذَّنْبِ] وفي التنزيل [رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ] ( ).
وتقدير الجمع بين آية النداء والآية التي بعدها( ) يا أيها الذين آمنوا لمغفرة يوم القيامة خير مما يجمعون في الدنيا).
وفيه دعوة للمسلمين لإستحضار عالم الآخرة في الوجود الذهني والمنتديات ، وبيان النفع العظيم الذي يناله المسلم يومئذ .
وهل هو من مصاديق قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ] ( ) أم من مقدمات الأمن من الخوف والحزن ، الجواب إنه منهما معاً .
فمن خصائص النعمة والفضل الإلهي تعدد المصاديق للفرد المتحد منها وتداخلها ، أي فقد تدخل المقدمة مع ذي المقدمة وتستديم معه ، مع عدم قولنا بالمقدمة الداخلية .
ترى ما هي النسبة بين المغفرة والدرجات ، الجواب فيه وجوه :
الأول : نسبة التساوي وهو أن المغفرة تساوي الدرجات وهو على شعب:
الأولى : مغفرة الذنب الواحد تكون درجات عند الله .
الثانية : مغفرة كل ذنوب العبد درجة واحدة عند الله .
الثالثة : الإتحاد في المغفرة، والتعدد في الدرجات أي تكون المغفرة بضع درجات .
الرابعة : التعدد في المغفرة والإتحاد في الدرجة .
الثاني : العموم والخصوص المطلق على شعب :
الأولى : الدرجات أعم من المغفرة .
الثانية : الدرجة الواحدة عند الله أعم من المغفرة .
الثالثة : المغفرة أعم من الدرجات .
الرابعة : المغفرة أعم من الدرجة الواحدة .
الثالث : العموم والخصوص من وجه ، فهناك مادة للإلتقاء وأخرى للإفتراق ، ومن مادة الإلتقاء :
الأولى : كل من المغفرة والدرجة فضل من الله .
الثانية : إقتران المغفرة والدرجة بالإيمان .
الثالثة : قد تأتي المغفرة والدرجة دفعة واحدة من عند الله ، قال تعالى [وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ] ( ).
الرابع : يا أيها الذين آمنوا لرحمة من الله خير مما يجمعون) ومن معاني الجمع بين الآيتين وآية البحث تجلي قانون وهو أن المسلمين لا ينالون الدرجات العالية عند الله إلا برحمة منه سبحانه، وليكون من معاني آية البحث [هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ] أي أن الدرجة عند الله، وسواء درجات الدنيا أو الآخرة هي أفضل وأحسن مما يجمع الناس من حطام الدنيا، وليكون من معاني الآية :
أولاً : درجات من الله برحمة منه سبحانه .
ثانياً : ذات الرحمة التي تأتي من عند الله درجة سامية .
ثالثاً : رحمة الله طريق إلى بلوغ الدرجات السامية.
وقد ورد الحديث القدسي بالإخبار عن إحصاء الله عز وجل لأعمال العباد وإعادتها لهم يوم القيامة على نحو ترتب الجزاء والثواب، إذ ورد عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه( ).
إعجاز الآية الذاتي
لقد إبتدأت آية البحث بالضمير (هم) وهو سور الموجبة الكلية ، وعنوان جامع يشمل الغائبين ، ويعرف المقصود منه بوجوه :
الأول : مضمون الآية ودلالة التي قبله .
الثاني : تفسير النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للآية القرآنية .
الثالث: تسالم أهل البيت والصحابة على المراد من الضمير .
الرابع : القرائن والأمارات كما في تتابع لفظ (درجات) بصيغة الجمع ولفظ (درجة) بصيغة المفرد في القرآن ، قال تعالى[نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ]( ) ليكون الرفع على قسمين:
الأول : الرفع بالذات .
الثاني : الرفع بلحاظ النسبة والإرتقاء على الغير .
الخامس : التفسير الذاتي للقرآن بأن يكون ذات مضمون الآية ومعاني الضمير نفسه بآية أخرى .
ولو دار الأمر بين الإطلاق والتعدد وبين التقييد والإتحاد في المعنى ، فالأصل في معنى اللفظ القرآني هو الإطلاق والتعدد إلا مع القرينة الصارفة التي تتجلى في آية البحث بلحاظ أن الآية السابقة ذكرت فريقين :
الأول : الذين يتبعون رضوان الله .
الثاني : الذين يصرون على الكفر والجحود .
ولكن لفظ (درجات) يدل على العلو والتباين في مراتب الرفعة والشأن والثواب، وهو أمر حرم أهل القسم الثاني أعلاه أنفسهم من هذه النعمة لتبين الآية سعة فضل الله وأن ثوابه من اللامتناهي وغير المحدود.
ومع أن الآية جاءت بصيغة الغائب (هم درجات) إلا أنها تبعث المسلمين والمسلمات على بذل الوسع في رضوان الله , والإجتهاد في طاعته وإتيان ما أمر به وإجتناب ما نهى عنه .
وتدعو الآية الناس جميعاً إلى إكرام المؤمنين الأحياء منهم والأموات ، وغبطتهم لما نالوا من المراتب العالية ، وتؤكد لزوم التأسي والإقتداء بهم ، وإجتناب محاربتهم ، وفيه حجة على الذين كفروا من قريش الذين أصروا على تجهيز الجيوش لمحاربة الإسلام .
ومن إعجاز الآية أنها تخبر عن خزائن من رحمة الله وعظيم الثواب ورياض البهاء والبهجة التي يتنعم بها المؤمنون .
وأخبرت الآية عن إحاطة الله علماً بكل ما يفعل العباد وجاءت الآية بصيغة المضارع لبيان وجوه :
الأول : عمل الناس من الأجيال السابقة لنزول القرآن .
الثاني : ما يعمل الذين مدحتهم آية البحث وبشّرتهم بنيل الدرجات العالية .
الثالث : ما يعمل المسلمون الذين أثنى الله عز وجل عليهم بقوله [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
الرابع : ما يفعله الذين كفروا .
الخامس : ما يعمل السلاطين والملوك بخصوص الرعية والأمانة التي تصدوا لها بالرياسة بين الناس .
ويمكن تسمية آية البحث بآية [هُمْ دَرَجَاتٌ] ولم يأت هذا اللفظ في القرآن إلا في آية البحث مع ورود لفظ درجات أربع عشرة مرة في القرآن , كما يأتي بيانه في علم المناسبة( ).
ومن خصائص لفظ درجات في القرآن أنه يسمو بالنفس الإنسانية ويجعلها ترتع في رياض الغبطة والسعادة خاصة وأن هذا اللفظ شامل في مضامينه لأمور الدنيا والآخرة ، قال تعالى [وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً]( ).
إعجاز الآية الغيري
من خصائص آية البحث أنها تتكلم عن شطر من الناس وهم المؤمنون وبلغة علم الغيب فلا يعلم منازل المؤمنين عند الله إلا هو سبحانه، ومن أسرار نفخ الله من روحه في آدم أن هناك حالات وأسرار وأفعال عند الإنسان لا يطلع عليها إلا الله عز وجل، قال تعالى[وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ]( ).
وجاءت آية البحث لبعث السكينة في نفوس المسلمين بخصوص شأنهم وحسن مقامهم عند الله، والذي هو عام يشمل الدنيا والآخرة.
ومن معاني قوله تعالى[هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ] أنه سبحانه هو الذي يعين درجة وشأن كل مسلم، وهل يصح القول: درجات كل مسلم، وأن المسلم قد تكون له درجات عند الله، الجواب نعم، وهو من فضل الله عز وجل إذ أخبرت الآية التالية عن منّ الله على المؤمنين، وإرادة المعنى الأعم منه.
وتدعو الآية المسلمين والمسلمات إلى الإنقطاع إلى طاعة الله ورجاء الخير والفضل منه سبحانه، ومن الآيات بقوله تعالى[هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ] ترشح المنافع العظيمة على الفرد والجماعة من هذه الدرجات، وفيه صرف للبلاء عن أهل الدرجات في الدنيا والآخرة، وتلك آية عظمى، وتقدير الآية على وجوه :
الأول : هم درجات بزيادة ومضاعفة الرزق .
الثاني : هم درجات بصرف البلاء والأذى، وفي التنزيل[َلهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ]( ).
الثالث : هم درجات عند الله بما يتصفون به من التقوى، وجاء الشطر الثاني من الآية بالإخبار عن علم الله عز وجل وبصره ورؤيته لما يفعل الناس، وفيه تأديب للمسلمين، وإخبار بأن الله مطلع على أعمالهم وأنه سبحانه حاضر معهم لترغيبهم في فعل الصالحات، والإنزجار من فعل السيئات.
ويمكن تقدير الآية: والله بصير بما تعملون فاسعوا في الدرجات وسبل الرفعة عند الله، ومن كان وجيهاً وذا درجة عند الله فانه سبحانه يجعل له شأناً وجاهاً عند الناس، قال تعالى[لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ]( ).
الآية سلاح
من خصائص الآية القرآنية أنها مدد وعون للمسلم وترغيب للناس بالإسلام ، وتتجلى فيها عذوبة اللفظ ، وصلاح المعنى ، وتبين آية البحث المراتب السامية لأهل الإيمان ، لتأكيد قانون وهو أن الدنيا دار فتنة وإختبار وترتب الثواب والجزاء على العمل في الدنيا .
وليس من إمتحان أطول مدة وأكثر موضوعاً من أيام الدنيا ، ففي كل ساعة هناك إختبار للإنسان سواء في البيت أو السوق أو محل العمل وتداهم أسباب الإبتلاء الإنسان ، إن لم يسع إليها فهي تقصده لتكشف نواياه ومقاصده ، وتفضل الله عز وجل بآية البحث لتكون باعثاً للسكينة في نفس المؤمن .
وهل السكينة حاجة للإنسان أم لا، الجواب هو الأول وهي حاجة له في الدنيا والآخرة ، ومن الإعجاز بيان القرآن لقانون وهو أن كلاً من السكينة والرعب أمران بيد الله عز وجل ، وهو الذي يتفضل بانزال الأمن على المؤمنين كما في قوله [هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ]( ) وقال تعالى في بيان وقائع معركة حنين[لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ]( ) .
وتفيد خاتمة الآية أعلاه البشارة بدخول هوازن وثقيف في الإسلام، وهل فيه دعوة للرأفة بهم وترغيبهم بالإسلام لذا حينما قل رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد حصار الطائف (يا رسول الله ادع عليهم ، فقال: ” اللهم اهد ثقيفا وائت بهم)( ) .
الجواب نعم، وقد فعل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم معهم ما هو معجزة في السنة الدفاعية، إذ أعاد لهوازن السبايا وكان عددهم ستة آلاف من الذراري والنساء، إذ قام رئيسهم آنذاك وهو مالك بن عوف بإخراج النساء والصبيان مع الجيش.
ويتجلى الإعجاز بالمقارنة وفق أفراد الزمان بين الآيتين ، إذ ورد ذكر السكينة في قلوب المسلمين بصيغة الماضي [أَنْزَلَ] والذي يفيد الإمضاء والثبات والإستدامة ، أما إلقاء الرعب فهو إخبار عن وقوعه ونزوله بساحة الذين كفروا في المستقبل ، وتجددت ذات صيغة المضارع في قوله تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا]( ).
فمع أنهم إختاروا الكفر والجحود فان الله عز وجل أمهلهم وبعث النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يدعوهم إلى الهدى ، ولكنهم أصروا على الجحود مع توالي الآيات وعندما زحفوا لقتال ومحاربة النبوة والتنزيل، وقتال المسلمين ألقى الله الرعب فيهم من جهات :
الأولى : إمتلاء قلوب جيش الذين كفروا بالرعب .
الثانية : ظهور علامات الرعب وأمارات الخوف في صفوف الذين كفروا .
الثالثة : بث روح الفرقة والخلاف بين الذين كفروا ، فلا غرابة أن يبادروا إلى الإنسحاب من معركة أحد قبل المسلمين مع أن الريح كانت لهم وأكثر أفراد الجيش الإسلامي كانوا متفرقين .
الرابعة : مجئ الرعب للذين كفروا بواسطة الملائكة الذين نزلوا لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين .
وأخرج(عن عبد الرحمن مولى أم برثن قال : حدثني رجل كان من المشركين يوم حنين قال : لما التقينا نحن وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقوموا لنا حلب شاة إلا كفيناهم ، فبينا نحن نسوقهم في أدبارهم إذ التقينا إلى صاحب البغلة البيضاء فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتلقينا عنده رجال بيض حسان الوجوه قالوا لنا : شاهت الوجوه ارجعوا . فرجعنا وركبوا أكتافنا وكانت إياها) ( ).
الخامسة : إستحضار الذين كفروا لوقائع معركة بدر وكيف قتل منهم سبعون رجلاً وأُسر سبعون ، وانهزم الباقون .
السادسة : إصابة عوائل جيش المشركين بالرعب والخوف ، وهو من الإستصحاب الذي هو دليل عقلي ، فقد رجع المشركون إلى مكة خائبين في معركة بدر ، فحينما خرجوا إلى معركة أحد لا يتوقع أهل مكة إلا ذات النتيجة وأسباب الخزي .
السابعة : قيام المسلمين والمسلمات الذين بقوا في مكة ببث أخبار النصر للمسلمين وذكر المدد الذي يأتيهم من عند الله .
ومن معاني مجئ لفظ السكينة ونزولها على المسلمين بصيغة الماضي ، ولفظ الرعب وإلقائه على الذين كفروا بصيغة المضارع أمور :
الأول : السكينة جزاء وشكر من الله عز وجل للمسلمين على إيمانهم .
الثاني : بيان قانون وهو الملازمة بين الإيمان والسكينة .
الثالث : حاجة المسلمين للسكينة كمقدمة للقتال فهو شديد على النفس ، قال تعالى [كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ] ( ).
وهل يمكن القول بأن نزول السكينة من مصاديق الخير الذي تذكره الآية أعلاه ، الجواب نعم ، خاصة وأن الآية ذكرت كتابة القتال أي فرضه وصيرورته أمراً لابد منه ، وهذا الفرض يسبق وقوع القتال ، وكان المسلمون بحاجة إلى السكينة لتلقي وجوب القتال لأن الأنصار لم يبايعوا النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم في العقبة إلا على الذب عنه .
عن(عُبَادَةَ بْنَ الصّامِتِ أَنّهُ قَالَ بَايَعْنَا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ الْأُولَى عَلَى أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاَللّهِ شَيْئًا ، وَلَا نَسْرِقَ وَلَا نَزْنِيَ وَلَا نَقْتُلَ أَوْلَادَنَا ، وَلَا نَأْتِيَ بِبُهْتَانِ نَفْتَرِيهِ مِنْ بَيْنِ أَيْدِينَا وَأَرْجُلِنَا وَلَا نَعْصِيَهُ فِي مَعْرُوفٍ فَإِنْ وَفَيْتُمْ فَلَكُمْ الْجَنّةُ ، وَإِنْ غَشِيتُمْ مِنْ ذَلِكَ ( شَيْئًا ) فَأُخِذْتُمْ بِحَدّهِ فِي الدّنْيَا ، فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ وَإِنْ سُتِرْتُمْ عَلَيْهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَأَمْرُكُمْ إلَى اللّهِ عَزّ وَجَلّ إنْ شَاءَ عَذّبَ وَإِنْ شَاءَ غَفَر) ( ).
الرابع : بيان قانون وهو أن الله عز وجل لن يترك الإنسان وشأنه وهو من أسرار قوله تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ) فليس للخليفة التصرف بمشيئته وإرادته المطلقة ، وقد تجلى بقوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( ).
الخامس : السكينة عون للمسلم في أدائهم الفرائض وإجتهاده في طاعة الله ، وهي واقية وحرز من فعل السيئات .
وهل السكينة من مصاديق البرهان الذي رآه نبي الله يوسف في قوله تعالى [وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ] ( ) الجواب نعم لبيان أن البرهان المذكور أعلاه اسم جنس ويتضمن وجوهاً وأفراداً من فضل الله عز وجل .
السادس : من خصائص السكينة التي تنزل على المؤمنين أنها واقية من الرعب ، كما أن الرعب الذي يقذفه الله في قلوب الذين كفروا برزخ دون بلوغهم مراتب السكينة ، فان قلت يظهر أحياناً على الذين كفروا السكينة والوقار ، والجواب نعم ولكنه أمر متزلزل ولا يكشف عما في القلوب من الفزع والخوف وهو من الإعجاز في قوله تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ]( )، والآيات التي تتضمن الإخبار عن علم الله بما في الصدور ، وبينه وبين عالم الواقع عموم وخصوص مطلق فما يخفيه الإنسان في قلبه أعم من الأحداث والوقائع .
ومن منّ الله على المسلمين الذي تدل عليه الآية التالية والتي يأتي الجزء التالي من هذا السِفر المبارك في تفسيرها وهي [لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ ….] ( )، هو أن القرآن إصلاح للقلوب والنوايا ليكون من مصاديق التزكية في الآية أعلاه [يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ] ( )من جهات :
الأولى : بيان الآية بأن الرعب يصيب القلوب ، وقد لا يظهر على الجوارح وعلامات الوجه أحياناً .
الثانية : من خصائص صيغة الإستقبال والمضارعة في إلقاء الله الرعب في قلوب الذين كفروا وجوه :
أولاً : إمهال الذين كفروا رجاء توبتهم , وهل هذا الإمهال من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ) الجواب نعم.
ثانياً : دعوة الذين كفروا للتدبر في معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ومن خصائص معجزات الأنبياء أنها فيض وفيها البركة ، ومن معاني البركة فيها بلوغها للناس جميعاً وإعانتهم للتدبر والتفكر فيها ، فلا غرابة أن تجد بعض رؤساء الكفر يدخلون الإسلام دفعة.
ولو أسلم فرعون وصدّق برسالة موسى عليه السلام ، ليبقى في سلطانه وشأنه ولورثه من بعده أبناؤه ، وكانت فيه نجاته وقومه في الدنيا والآخرة،
وعن ابن عباس قال: لما خرج آخر أصحاب موسى ودخل آخر أصحاب فرعون ، أوحى الله إلى البحر أن أطبق عليهم ، فخرجت اصبع فرعون بلا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل. قال جبريل عليه السلام : فعرفت أن الرب رحيم وخفت أن تدركه الرحمة فدمسته بجناحي ، وقلت[الآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ] ( ).
فلما خرج موسى وأصحابه قال : من تخلف في المدائن من قوم فرعون ، ما غرق فرعون ولا أصحابه ولكنهم في جزائر البحر يتصيدون ، فأوحى إلى البحر أن الفظ فرعون عرياناً ، فلفظه عرياناً أصلع أخنس قصيراً ، فهو قوله[فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً]( )، لمن قال : إن فرعون لم يغرق ، وكانت نجاته عبرة , فلم تكن نجاة عافية ، ثم أوحى إلى البحر أن الفظ ما فيك ، فلفظهم على الساحل وكان البحر لا يلفظ غريقاً يبقى في بطنه حتى يأكله السمك ، فليس يقبل البحر غريقاً إلى يوم القيامة)( ).
وتجلى هذا المعنى ببذل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الوسع في جذب كفار قريش إلى الإسلام ، وترغيبهم بالرئاسة والجاه والشأن العظيم بين الأمم إذا ما بادروا إلى دخول الإسلام وعندما أعرضوا وأصروا على الإقامة على الكفر لاقوا سوء العاقبة وقذف الله في قلوبهم الرعب في الدنيا وفي الآخرة، وهدى الله عز وجل أهل المدينة للإيمان , فكان الأنصار أمة مؤمنة .
ثالثاً : إقامة الحجة على الذين كفروا في الدنيا والآخرة , فلا يقولون إن الرعب الذي ألقاه الله في قلوبنا كان سبباً في حجبنا عن التفكر في الآيات والتدبر في معجزات النبوة ، فقد كان كفرهم سابقاً لإلقاء الرعب ، لذا لم تقل الآية [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ]( ) إنما ذكرتهم بصفة الإقامة على الكفر ، وإصرارهم على الشرك بالله من غير حجة .
ومن بديع صنع الله عز وجل إنتفاء الحجة والبينة على الشرك أو إتخاذ الأصنام وسائط تقرب العبد إلى الله زلفى ، قال تعالى [وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى]( ).
الثالثة : بيان علة إلقاء الله عز وجل الرعب في قلوب الذين كفروا من وجوه :
الأول : الكفر بالله .
الثاني : الإصرار على محاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين والزحف لمعركة أحد .
الثالث : الإشراك بالله عز وجل، والإجهار بعبادة الأوثان.
الرابع : إقرار الذين كفروا ببطلان الشرك بالله ، ولزوم إجتنابه عقلاً وشرعاً .
الخامس : إعراض الذين كفروا عن الآيات وسلطان البراهين التي تدعو الناس إلى التوحيد .
سادساً : إنفاق الذين كفروا في الحرب ضد النبوة والتنزيل.
ولقد عطّل كفار قريش تجارتهم نحو الشام واليمن بالإنشغال بإعداد الجيوش وصرف المؤن على معركة أحد في السنة الثالثة , والخندق في السنة الخامسة للهجرة.
ليكون من الإعجاز في سورة قريش وقوله تعالى[لِإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ]( )، أمور:
أولاً : بيان عظيم فضل الله على قريش لجوارهم للبيت الحرام، وتجلي النعم الظاهرة عليهم التي هي من مصاديق جذب القلوب إلى البيت وأداء مناسك الحج والعمرة، قال تعالى[فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ]( ).
ثانياً : دعوة قريش وأهل مكة لتعاهد نعمة التجارة وما فيها من المكاسب والمغانم والجاه العريض، قال تعالى[إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ]( )، فإذا ترك العبد أو الطائفة من الناس الشكر لله عز وجل على النعمة، وإشتغل بإرتكاب المعاصي وإتخاذ نعمة المال والجاه لمحاربة النبوة والتنزيل سلب الله منه النعم .
فلا غرابة أن نجد القبائل العربية والدول الكبرى آنذاك أعرضت وعزفت عن نصرة قريش ضد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع أن وفود قريش كانت تصل إلى ملك الروم وفارس والحبشة، وإلى الأمراء القريبين من الحجاز.
ثالثاً : إنذار قريش رجالاً ونساءً من إنفاق أموال التجارة ومكاسب سدانة البيت والمعاملات التجارية مع عمار البيت من القبائل الأخرى في محاربة الإسلام والنبوة، لبيان قانون وهو عدم جواز إنفاق الأموال والمكاسب التي تأتي بواسطة الشريعة وأحكامها فيما هو حرب على ذات الشريعة والذين يتبعون رضوان الله ففي هذا الفعل سخط الله، ليكون من مصاديق الآية السابقة في قوله تعالى[أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ]( ).
رابعاً : تهيئة أذهان المسلمين لتلقي نعمة التجارة والمكاسب عند جحود الذين كفروا بها.
خامساً : تذكير قريش وغيرهم بأن القيام برحلة الشتاء والصيف للتجارة مناسبة لسماع البشارات ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من أهل الكتاب، وكيف أن علماءهم كانوا يدركون أن تلك الأيام هي أوان بعثة خاتم النبيين، فكانوا يتطلعون إلى طلعته البهية، وكان بعض أشراف العرب يتمنى أن يكون هو النبي الموعود [اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ]( ) .
ومن المشركين من يظهر الرغبة بأن يكون النبي شخصاً آخر كما ورد في التنزيل[وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ]( )، والقريتان هما مكة والطائف وأختلف في المراد من الرجلين , وورد أنهما (الوليد بن المغيرة من مكّة وكان يسمى ريحانة قريش، وحبيب بن عمرو بن عمير الثقفي من الطائف.
وقال مجاهد : عتبة بن الربيع من مكّة وابن عبدياليل الثقفي من الطائف.
وعن قتادة : هما الوليد بن المغيرة المخزومي، وأبو مسعود عروة بن مسعود الثقفي، وقال السدي : الوليد بن المغيرة وكنانة بن عبد عمرو بن عمير)( ).
سادساً : بيان حجة عظمى على قريش، تبقى إلى يوم القيامة، ودعوة الناس لتعاهد العلم بالإيمان والشكر لله، ونبذ محاربة النبوة والتنزيل.
(قال إبراهيم بن أدهم لرجل في الطواف اعلم أنك لا تنال درجة الصالحين حتى تجوز ست عقبات أوله تغلق باب النعمة وتفتح باب الشدة والثاني تغلق باب العز وتفتح باب الذل والثالث تغلق باب الراحة وتفتح باب الجهد والرابع تغلق باب النوم وتفتح باب السهر، والخامس تغلق باب الغنى وتفتح باب الفقر، والسادس تغلق باب الأمل وتفتح باب الاستعداد للموت)( ).
ولا دليل على هذه القواعد وصيغ التشريع ، وقد جاء القرآن والسنة بما يكفي المسلمين والناس وما فيه البيان والحكمة وصيغ الهداية إلى يوم القيامة ، قال تعالى [ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ]( ).
وقد جعل الله عز وجل الدنيا دار النعم ، وتفضل ورزق المؤمنين والناس جميعاً منها وزاد على شطر منهم ، قال تعالى [كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاَء وَهَؤُلاَءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا]( )، لتبقى الحياة الدنيا دار المنّ الإلهي على الناس، ولا يعلم منافع المنّ الإلهي على الناس في جذبهم إلى السعادة الأبدية وصيرورتهم درجات في السمو والرفعة إلى الله , وهو من مصاديق قوله تعالى[إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( )، في الرد على الملائكة الذين إحتجوا على جعل الإنسان خليفة في الأرض وعمارتها .
ولا يغلق باب العز عن المسلمين وقد فتحه الله عز وجل ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو القائل [وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ]( ).
لتكون آية البحث من العز الذي تذكره الآية أعلاه ، وقد أذهب الله عز وجل الذل عن المسلمين بذكره بصيغة الماضي[وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ]( ).
وعلى القول بأن المراد من الذل في الآية أعلاه الضعف وقلة العدد والسلاح ، فان من مصاديق الذل التي صرفها الله عز وجل عن المسلمين وصرف معها ما يصاحبها ضروب الوهن والخشية من المشركين.
نعم يبقى باب الذل والخشوع لله عز وجل مفتوحاً ومتجدداً بأداء الفرائض والعبادات.
وأما قوله (تغلق باب الراحة وتفتح باب الجهد ) ، ففيه أن الراحة من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة ، ويختلف موضوعه من شخص إلى آخر ، ومن طائفة إلى أخرى ، وقد ينعدم التضاد بين الراحة والشدة ، وفيمن تكون راحته في شدته أو شدته في راحته، وراحة المؤمن في أدائه الواجبات العبادية والتكاليف ، ومن الآيات أنها في سنخيتها ليست بشديدة أو شاقة أو صعبة، قال تعالى[وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ]( ).
أما قوله (تغلق باب النوم) فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينام ويستيقظ(أنس بن مالك ، يقول : جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما أخبروا كأنهم تقالوها( ).
فقالوا : وأين نحن من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ؟ ، قال أحدهم : أما أنا فإني أصلي الليل أبدا.
وقال الآخر : أنا أصوم الدهر ولا أفطر.
وقال الآخر : أنا أعتزل النساء ولا أتزوج أبدا.
فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال : أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله ، وأتقاكم له ، لكني أصوم وأفطر ، وأصلي وأرقد ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني) ( ) .
وأما قوله (وتغلق باب الغنى وتفتح باب الفقر) فان الغنى نعمة وفضل من عند الله، وقد أمر الله عز وجل بالزكاة ، قال سبحانه [وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ]( ) .
وجاء القرآن ببيان المستحقين للزكاة , ووردت السنة النبوية بذكر الأصناف التي تجب فيها الزكاة ونصاب كل منها مما يدل على أن الله عز وجل يحب الغنى للمسلمين ، ويحثهم على الدعاء لنيل مرتبة الغنى والسعي والكسب ، قال تعالى بخصوص صلاة الجمعة [فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ]( ).
أما أن يأتي الفقر للمسلم فعليه أن يتلقاه بالشكر لله عز وجل والصبر والرضا والعصمة من الغلول ، ثم كيف يفتح الإنسان باب الفقر إذا ما أنعم الله عز وجل عليه بالمال ، وقد جاءت النصوص بالإنفاق على نحو الموجبة الجزئية ، قال تعالى [وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا] ( ) .
(عن ابن عباس قال : لما نزلت {وآت ذي القربى حقه}( ) أقطع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة فدكا , وفدك واحة كبيرة تبعد عن المدينة المنورة نحو مائة وأربعين كيلو متراً وكانت مسكناً لليهود أيام البعثة النبوية المباركة، ومن قبلهم كانت مسكناً للعماليق أحفاد سام بن نوح، الذين قاتلهم وتغلب عليهم وأكثر القتل فيهم الملك (نابو نيد) جاءهم من العراق ثم عادوا وسيطروا عليها.
وتشتهر فدك بزراعة النخيل والقمح، وتم فتحها من غير قتال فبعد أن حاصر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خيبر ثم فتحها ونزل أهلها على الجلاء، وبلغ الأمر أهل فدك أرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليصالحهم على النصف من ثمارهم فأجابهم لتكون أرض فدك مما لم يرجف عليها بخيل ولا ركاب، لتكون خالصة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتصرف فيها كيف يشاء وعن أبي سعيد الخدري قال : لما نزلت هذه الآية { وآت ذي القربى حقه } دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة فأعطاها فدك .
وأخرج ابن مردويه ، عن ابن عباس قال : لما نزلت { وآت ذي القربى حقه } أقطع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فاطمة فدكا)( ).
فوهبها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لفاطمة عليها السلام، فكان العاملون فيها يأتون بالحاصل الزراعي أو قيمته إلى فاطمة فتنفقه في سبيل الله.
وأخرج ابن مردويه ، عن ابن عباس قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من يعطي وكيف يعطي وبمن يبدأ فأنزل الله { وآت ذي القربى حقه والمسكين وابن السبيل } فأمر الله أن يبدأ بذي القربى ، ثم بالمسكين وابن السبيل ومن بعدهم . قال : { ولا تبذر تبذيراً } يقول الله عز وجل : ولا تعط مالك كله فتقعد بغير شيء . قال: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} فتمنع ما عندك، فلا تعطي أحداً {ولا تبسطها كل البسط}( )، فنهاه أن يعطي إلا ما بين له)( ).
وأما قوله (تغلق باب الأمل) فان الأمل لا يتعارض مع الإستعداد للآخرة، فيجوز الجمع بينهما ثم أن ذات الإستعداد للموت أمل في النشأتين.
وقد ورد هذا الخبر عن إبراهيم بن أدهم في نصيحة له لرجل وهو بالطواف لينال درجة الصالحين ، ولم يعلم ان ذات الطواف بالبيت صلاح ومناسبة للمغفرة والأجر العظيم .
(قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المرء يريد الطواف بالبيت أقبل يخوض الرحمة فإذا دخله غمرته ، ثم لا يرفع قدماً ولا يضع قدماً إلا كتب الله له بكل قدم خمسمائة حسنة ، وحط عنه خمسمائة سيئة ، ورفعت له خمسمائة درجة .
فإذا فرغ من طوافه فأتى مقام إبراهيم ، فصلى ركعتين ، دبر المقام خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ، وكتب له أجر عتق عشر رقاب من ولد إسماعيل ، واستقبله ملك على الركن فقال له : استأنف العمل فيما بقي فقد كفيت ما مضى وشفع في سبعين من أهل بيته)( ).
ولا يخلو خبر ابراهيم بن أدهم من التشديد على النفس، ومن إعجاز القرآن أنه يبعث السكينة في نفوس المؤمنين ، وجاء قوله تعالى [وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ] ( ) ليشكر المسلمون الله عز وجل على سلامتهم من أكل الغلول ، وهذه السلامة لا تستلزم شدة ولا تؤدي إلى الفقر والفاقة إنما هي باب للرزق الكريم وتنمية لملكة الأخوة الإيمانية.
مفهوم الآية
لقد تضمنت الآية السابقة أمرين:
الأول : المدح والبشارة بقوله تعالى[أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ]( ).
الثاني : الذم والتوبيخ والوعيد للذين كفروا من جهات:
الأولى : نزول سخط وغضب الله عليهم.
الثانية : إقامة الذين كفروا الدائمة في نار جهنم.
الثالثة : سوء عاقبة الذين كفروا بما ظلموا به أنفسهم.
ومن بيان السنة النبوية لشدة عذاب أهل النار، وكيف أنهم على طبقات فيه منجهة شدته ، وورد عن أبي سعيد الخدري قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا رَجُلٌ فِي رِجْلَيْهِ نَعْلَانِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ.
وَمِنْهُمْ فِي النَّارِ إِلَى كَعْبَيْهِ مَعَ إِجْرَاءِ الْعَذَابِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ فِي النَّارِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ مَعَ إِجْرَاءِ الْعَذَابِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ اغْتُمِرَ فِي النَّارِ إِلَى أَرْنَبَتِهِ مَعَ إِجْرَاءِ الْعَذَابِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ فِي النَّارِ إِلَى صَدْرِهِ مَعَ إِجْرَاءِ الْعَذَابِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَدْ اغْتُمِرَ فِي النَّارِ)( ).
ومن الغايات السامية للأمر الأول أعلاه وجوه:
الأول : بيان قانون من القوانين التي تتغشى الحياة الدنيا والآخرة.
الثاني : البشارة للذين آمنوا , وهل هذه البشارة من رضوان الله، الجواب نعم، ليكون من فضل الله عز وجل في المقام أن فعل الصالحات سبب لرشحات ونعم تدل على رضوان الله على العباد، فلا يختص رضوان الله بالسعي إليه وإتباعه، بل تنزل الفيوضات من فضل الله، وتتصل البركات في قوس النزول بما يجعل المؤمن يتعاهد رضوان الله ولا يزيغ عنه، لذا إبتدأت الآية التالية بالإخبار عن منّ الله والذي يتصف بتغشيه لعامة الناس والإطلاق في موضوعه وزمنه ومكانه، وهو من عمومات قوله تعالى[فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ]( ).
فصحيح أن الآية أعلاه تتعلق بجهة القبلة إلا أن موضوعها أعم.
وهل تشمل أحكام آية البحث المؤمنين من الأمم السابقة بالإستصحاب القهقري , الجواب نعم ، كما تشملهم ذات المضامين القدسية للتنزيل والوحي في أيامهم.
فمن خصائص الأنبياء القيام بالبشارة والإنذار، ومنها البشارة برضوان الله، والإنذار من سخط الله، ومنها البشارة والإنذار بتباين الناس في درجاتهم ومنازلهم كما في آية البحث .
وأول إنسان هبط إلى الأرض وعمّرها هو الرسول آدم فصارت كل من البشارة والإنذار مصاحبة لوجود الإنسان في الأرض، ومنه مضامين آية البحث وإن لم ترد بذات اللفظ من قبل الأنبياء السابقين للإعجاز اللفظي والبلاغي في القرآن وضبط ووضوح وتمام أحكامه، قال تعالى[الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ]( )، وجاء الوحي من عند الله إلى آدم من وجوه:
الأول : تكليم وتعليم الله عز وجل لآدم في بداية خلقه لقوله تعالى[وَعلم آدم الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ]( ).
الثاني : العهد من عند الله عز وجل لآدم في الجنة، كما في قوله تعالى[وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا]( ).
الثالث : الوحي لآدم وهو في الأرض , وتفضل الله بالعفو عنه والمغفرة لذنبه، وعن بريدة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لما أهبط الله آدم إلى الأرض طاف بالبيت أسبوعاً ، وصلى حذاء البيت ركعتين، ثم قال : اللهم أنت تعلم سري وعلانيتي فأقبل معذرتي ، وتعلم حاجتي فأعطني سؤلي ، وتعلم ما عندي فاغفر لي ذنوبي . أسألك إيماناً يباهي قلبي ، ويقيناً صادقاً حتى أعلم أنه لا يصيبني إلا ما كتبت لي ، ورضّني بقضائك.
فأوحى الله إليه : يا آدم إنك دعوتني بدعاء فاستجبت لك فيه ، ولن يدعوني به أحد من ذريتك إلا استجبت له ، وغفرت له ذنبه ، وفرّجت همه وغمه ، واتجرت له من وراء كل تاجر ، وأتته الدنيا راغمة وإن كان لا يريدها( ).
وعن الإمام محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام قال : لما أصاب آدم الخطيئة عظم كربه ، واشتد ندمه . فجاءه جبريل فقال : يا آدم هل أدلك على باب توبتك الذي يتوب الله عليك منه؟ قال بلى يا جبريل، قال : قم في مقامك الذي تناجي فيه ربّك فمجده وأمدح ، فليس شيء أحب إلى الله من المدح.
قال : فأقول ماذا يا جبريل؟ قال : فقل لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت ، بيده الخير كله وهو على كل شيء قدير.
ثم تبوء بخطيئتك فتقول : سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت . رب إني ظلمت نفسي وعملت السوء فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
اللهم إني أسألك بجاه محمد عبدك وكرامته عليك أن تغفر لي خطيئتي.
قال : ففعل آدم فقال الله : يا آدم من علمك هذا؟ فقال : يا رب إنك لما نفخت فيّ الروح فقمت بشراً سوياً أسمع وأبصر وأعقل وأنظر رأيت على ساق عرشك مكتوباً : بسم الله الرحمن الرحيم ، لا إله إلا الله وحده لا شريك له محمد رسول الله.
فلما لم أر على أثر اسمك اسم ملك مقرب ، ولا نبي مرسل غير اسمه علمت أنه أكرم خلقك عليك .
قال الله : صدقت . وقد تبت عليك وغفرت لك خطيئتك قال : فحمد آدم ربه وشكره وانصرف بأعظم سرور ، لم ينصرف به عبد من عند ربه .
وكان لباس آدم النور , قال الله[يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا]( )، ثياب النور قال : فجاءته الملائكة أفواجاً تهنئه يقولون : لتهنك توبة الله يا أبا محمد ( ).
وتوبة آدم من إتباع رضوان الله، وضياء ينير دروب السالكين في سبل الإنابة والهداية والرشاد ودليل على صراط للناس جميعاً للإرتقاء في سلم الدرجات الرفيعة عند الله، وواقية من الإقامة بالمهالك , ورشحات الزلل والخطأ التي تجلب سخط الله.
ومن مفاهيم آية البحث إخبار الناس عن قانون وهو ليسوا سواء عند الله، إنما هم مراتب ودرجات وليس من إنسان أرفع درجة عند الله إلا بالتقوى والعمل الصالح، وهو من مصاديق قوله تعالى[إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ]( ).
وعن جابر بن عبد الله قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في وسط أيام التشريق خطبة الوداع فقال : يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد ، ألا إن أباكم واحد ، ألا لا فضل لعربي على أعجمي , ولا لعجمي على عربي ولا لأسود على أحمر ، ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى ، إن أكرمكم عند الله أتقاكم ، ألا هل بلغت؟ قالوا : بلى يا رسول الله . قال : فليبلغ الشاهد الغائب( ).
وأخرج البيهقي عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن الله أذهب نخوة الجاهلية وتكبرها بآبائها ، كلكم لآدم وحواء كطف الصاع بالصاع ، وإن أكرمكم عند الله أتقاكم ، فمن أتاكم ترضون دينه وأمانته فزوجوه( ).
لبيان أن الدرجات عند الله التي تذكرها آية البحث تتجلى في المعاملات والصلات والأنساب وأسباب القربى بالنكاح والمصاهرة، وفي حديث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أعلاه شاهد على أن الحياة الدنيا مرآة للآخرة وفق الكتاب والسنة.
وفي الزواج وفق سلامة الدين والإيمان وجوه :
الأول : تعاهد الإيمان بين الزوجين، والحرص على إقامة الفرائض في أوقاتها.
الثاني : منع الخصومة والشقاق بين الزوجين، وما يترشح عنه من الكدورة والغضاضة.
الثالث : التناسل بين المؤمنين، وبعث الطمأنينة في نفوسهم وتهذيب الأخلاق، وإشاعة المودة بينهم، قال تعالى[الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَنُ وُدًّا]( ).
الرابع : صلاح الذرية.
الخامس : الحديث أعلاه من مصاديق آية البحث , ومنّ الله عز وجل على المسلمين في تكوين وسنخية الأسرة .
السادس : توارث الإيمان وعدم مغادرته الأرض، ليكون الحديث النبوي أعلاه من بيان وتفسير وكيفية ترجمة قوله تعالى[وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ]( ).
السابع : التخفيف عن المؤمنين بالمؤونة وباختيار الزوج أو الزوجة، إذ تدل الآية الكريمة [إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ]( )، والحديث أعلاه دعوة للمسلمين لإختيار الزوجة الصالحة التي يرتضى دينها.
الثامن : صيرورة الزواج بين المسلم والمسلمة طريقاً لنيل الدرجات العالية عند الله، وواقية من الردى والتردي.
الآية لطف
من خصائص لطف الله عز وجل أنه من المتناهي من جهات :
الأولى : اللطف من الله على العبد الواحد في شخصه وبدنه وعقله , وخلقه , ورزقه .
الثانية : لطف الله عز وجل على العبد في سلامته وأمنه ، وصرف الموت عنه إلى حين الأجل , قال تعالى[لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ]( ).
الثالثة : اللطف من الله بتحقيق العبد لغاياته , وتهيئة البلغة الكريمة لها .
الرابعة : تفضل الله ببعث الأنبياء والرسل مبشرين ومنذرين وجريان المعجزات على أيديهم ، ومن اللطف الإلهي في المقام تعدد المعجزات لكل نبي من الأنبياء ، وهذا التعدد بالكم والكيف ، ففي موسى عليه السلام ورد قوله تعالى [وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ] ( ) ومنها آية العصا ذات الوظيفة المتعددة من وجوه:
الأول : ذكر موسى لحقائق ومنافع عصاه كما ورد في التنزيل [قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى]( ).
الثاني : التعدد في ذات التوكأ وزجر الشياء .
الثالث : كثرة المآرب والغايات الحميدة التي يتخذ فيها موسى العصا بلغة ووسيلة.
الرابع : تكرار توالي ضرب موسى الحجر بعصاه ليتدفق الماء ليشرب منه بنو إسرائيل .
وهل من موضوعية وشأن لدرجات المؤمنين فيما ورد عن حكاية موسى عليه السلام بقوله تعالى [وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى] ( ) الجواب نعم ، ليكون تقدير الآية على وجوه :
الأول : ولي فيها مآرب أخرى، ومنها ليكون المسلمون على درجات عند الله عز وجل .
الثاني : تلاوة قوله تعالى [وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى]درجة عند الله .
الثالث : ولي فيها مآرب أخرى بالبشارة ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنها معجزة , ومن أسرار معجزات الأنبياء أنها تدعو إلى تصديق وإتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابع : صيرورة عصا موسى سبباً ومادة لإيمان بني إسرائيل وغيرهم من الناس ، وتقدير الجمع بين الآيتين ، ولي فيها مآرب أخرى ، ومنها الدعوة إلى الهدى والإيمان .
وهل تختص هذه الدعوة بأيام موسى والذين حضروا آية العصا بلحاظ أنها معجزة حسية ، الجواب لا ، إنما تتجدد هذه الدعوة كل يوم وليلته من أيام الحياة الدنيا وإلى أن ينفخ في الصور ، ببركة القرآن لمجئ آية العصا فيه ، وهو من معاني كون القرآن معجزة عقلية، قال تعالى[إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ]( ).
لقد جعل الله عز وجل الآية القرآنية لطفاً وضياء يشع على القلوب من جهات :
الأولى : الآية القرآنية بكلام الله عز وجل .
الثانية : نزول الآية القرآنية من عند الله عز وجل .
الثالث : قيام جبرئيل عليه السلام بالنزول بالآية القرآنية .
الرابعة : تلقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتلاوة الآية القرآنية .
الخامسة : قيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتلاوة الآية القرآنية على المسلمين ، وسيأتي بيانه في تفسير الآية التالية بقوله تعالى [يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ]( ).
السادسة : بقاء الآية القرآنية في الأرض إلى يوم القيامة ، وقال تعالى في الأيام[وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ]( ) فهل تتداول الآية القرآنية مثل الأيام ، الجواب لا ، إنما هي حاضرة ومصاحبة لأجيال المسلمين يتلقاها جيل بعد آخر ميراثاً وتركة عقائدية ، ومن اللطف الإلهي إستدامة اللطف وحضوره عند الفرد والجماعة والأمة .
وهل يختص اللطف الإلهي بالمؤمنين خاصة أو المسلمين عامة ، الجواب لا ، إذ يتغشى اللطف من عند الله عز وجل الناس والخلائق كلها ، ومن أسماء الله تعالى [اللَّطِيفُ] قال تعالى [أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ] ( ) .
لقد أختتمت آية البحث بقوله تعالى [وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ]لبيان أن الله عز وجل يرفق ويرأف بالناس ويمهلهم ويقربهم إلى التوبة ، ويهيئ لهم مقدمات فعل الصالحات .
إفاضات الآية
من خصائص الآية القرآنية أمور :
الأول :إفاضة الآية القرآنية البركة والنماء
الثاني : صدور ضياء للهداية من ذات الآية القرآنية وهو من مصاديق الصراط في قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( ).
الثالث : بعث الآية القرآنية السكينة في نفوس المؤمنين .
الرابع : من إفاضات الآية جذبها الأسماع ، وحملها الإنسان طوعاً أو قهراً على التدبر في مضامينها ودلالاتها ، لذا فمن إعجاز أحكام الشريعة الإسلامية تلاوة المسلم والمسلمة للقرآن في الصلاة ولعدة مرات في اليوم وعلى نحو الوجوب العيني .
ومن الإعجاز أن هذه القراءة على قسمين :
الأول : الإخفات في القراءة لذات المسلم ليتدبر فيها .
الثاني : الجهر في القراءة في صلاة المغرب والعشاء والصبح وكأنها للمسلمين والناس جميعاً .
وهو من مصاديق قوله تعالى [فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ]( )، وتضمنت آية البحث قانوناً كريماً من فضل الله وهو أن الأنبياء والأولياء الصالحين والمؤمنين درجات عند الله .
ترى ما هي النسبة بين هذه الدرجات وبين أهلها ، الجواب فيه وجوه :
الأول : التساوي بين عمل المؤمنين ودرجاتهم .
الثاني : نسبة العموم والخصوص المطلق، فالدرجة أسمى من العمل .
الثالث : نسبة العموم والخصوص من وجه , فهناك مادة للإلتقاء وأخرى للإفتراق .
الرابع : عمل المؤمن أكثر وأكبر من الدرجة التي ينالها .
والصحيح هو الثاني إذ يضاعف الله عز وجل للمؤمن حسناته وثوابه على العمل الصالح ، لتكون درجة المؤمن عند الله حسب أمور :
الأول : التوحيد والإيمان .
الثاني : أداء الواجبات العبادية .
الثالث : عمل الصالحات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , ومن الدرجات السلامة من الخوف يوم الفزع الأكبر , قال تعالى[إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ]( ).
الرابع : مضاعفة الله عز وجل ثواب وأجر الصالحات التي يعملها المؤمن .
الخامس : زيادة الدرجات نافلة منّاً من عند الله عز وجل ، وهذه الزيادة من مصاديق قوله [عِنْدَ اللَّهِ].
السادس : التنزه عن المعاصي والسيئات .
فلا يتعلق معنى [عِنْدَ ] في المقام بالوعاء المكاني ، إنما يشمل الزيادة والهبات من عنده سبحانه، لذا جاءت الآية التالية بذكر المنّ من الله عز وجل، وفي التنزيل[إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ]( ).
الآية بشارة
إبتدأت آية البحث بمبتدأ وخبر لبيان قانون من الإرادة التكوينية يكون ضياء للمسلمين، وهل يستنير به عامة الناس , الجواب نعم، وإذا أنعم الله عز وجل بنعمة فانه أكرم من أن يحصرها بطائفة أو أهل ملة من الناس، نعم قد تنتفع منها أمة أو أهل مصر أو ملة أكثر من غيرهم، وليكون من مصاديق قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ) إنتفاع المسلمين من النعم التي تهدي إلى الحق أكثر من غيرهم بدليل إختيارهم الإيمان.
ترى هل القانون الذي تبينه آية البحث متحد أم متعدد , الجواب هو الثاني، ومنها بلحاظ المبتدأ والخبر في أول آية البحث:
الأول: صيغة الجمع في كل من المبتدأ والخبر لبيان أن الله عز وجل يعطي بالأوفى والأتم .
الثاني : ترغيب المسلمين والناس جميعاً بالسعي لنيل الدرجات ، فمن الآيات أن ذات الدرجات ليست أفعالاً إنما هي نتيجة وثمرة للأفعال .
الثالث : فضل الله عز وجل في إيجاد الدرجات العالية للذين آمنوا لتكون لهم عوناً في الحياة الدنيا بالبعث على العمل الصالح وسبباً للطف الإلهي بتقريبهم إلى هذه الدرجات .
لقد ابتدأت آية البحث بقوله تعالى [هم درجات] لتكون بشارة من وجوه :
الأول : البشارة للمؤمنين مجتمعين ومتفرقين ببلوغهم أسمى المراتب .
الثاني : البشارة للأبناء بخصوص آبائهم فلا يحزن الإبن على حال وشأن أبيه في عالم البرزخ ، إذ جاءت الآية مقلقة بلحاظ عموم العوالم الطولية ، وهو من أسرار نسبة الدرجات وأنها [عند الله ] لبيان حفظ الله عز وجل للمؤمنين ونزول رحمته عليهم في كل حال من أحوالهم .
الثالث : البشارة للآباء بخصوص أبنائهم وما تنتظرهم من منازل الرفعة والتي تكون سبباً ونوع طريق للرزق الكريم ، وهو الذي يلمسه هؤلاء الآباء ببركة ورشحات إيمانهم ، ويكون تقدير آية البحث : هم درجات عند الله ليرزقهم ، وفي التنزيل [وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ] ( ).
لتأتي البشارة للمؤمن في نفسه وفي آبائه وفي أبنائه ، وهو من مصاديق حرمة إرتداد المسلم ، ومع قلة كلمات آية البحث فانها تتضمن البشارة في أولها وآخرها ، إذ أختتمت بقوله تعالى [وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ]لتأكيد البشارة للمؤمنين بأن الله عز وجل يهديهم إلى العمل الصالح ويطلع على فعلهم له وإمتثالهم لأوامره سبحانه ليثيبهم ويصرف عنهم البلاء ، ويكون من معاني الآية (والله بصير بما يعملون فيمحو ما يشاء ).
وهو من مصاديق قوله تعالى [فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ] ( ) وتضمنت آية البحث قانوناً كريماً من فضل الله وهو أن الأنبياء والأولياء الصالحين والمؤمنين درجات عند الله .
ترى ما هي النسبة بين هذه الدرجات وبين أهلها ، الجواب فيه وجوه :
الأول : التساوي بين عمل المؤمنين ودرجاتهم .
الثاني : نسبة العموم والخصوص المطلق ، فالدرجة أسمى من العمل .
الثالث : نسبة العموم والخصوص من وجه ، فهناك مادة للإلتقاء وأخرى للإفتراق .
الرابع : عمل المؤمن أكثر وأكبر من الدرجة التي ينالها .
والصحيح هو الثاني إذ يضاعف الله عز وجل للمؤمن حسناته وثوابه على العمل الصالح ، لتكون درجة المؤمن عند الله حسب أمور :
الأول : التوحيد والإيمان .
الثاني : أداء الواجبات العبادية .
الثالث : عمل الصالحات ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ومن الدرجات السلامة من الخوف يوم الفزع الأكبر ، قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ] ( ).
الرابع : مضاعفة الله عز وجل ثواب وأجر الصالحات التي يعملها المؤمن .
الخامس : زيادة الدرجات نافلة منّاً من عند الله عز وجل ، وهذه الزيادة من مصاديق قوله [عِنْدَ اللَّهِ].
السادس : التنزه عن المعاصي والسيئات .
فلا يتعلق معنى [عِنْدَ] في المقام بالوعاء المكاني ، إنما يشمل الزيادة والهبات من عند الله سبحانه ، لذا جاءت الآية التالية بذكر المنّ من الله عز وجل ، وفي التنزيل [إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ] ( ).
الآية إنذار
لقد جاءت آية البعث بصيغة الجمع الغائب بشطريها الأول والثاني:
الشطر الأول : قوله تعالى(هم درجات) لبيان حسن المقام الذي عليه المؤمنون عند الله عز وجل في الدنيا والآخرة، وفيه إنذار ووعيد للذين كفروا , للملازمة بين الإيمان والمقام الحسن ، مما يدل بالدلالة الإلتزامية على حرمان الذين كفروا منه.
وجاءت آيات عديدة تبين إتصاف رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالإنذار العام للناس جميعاً , والإنذار الخاص من غير تعارض بينهما فكل واحد منها يؤكد الآخر، ومن الأول قوله تعالى[أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرْ النَّاسَ]( )، ومن الثاني قوله تعالى[وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ]( )، ولو تدبرت الآيات التي جاءت بالمعنى الخاص فأنها تشمل العام أعلاه، كما في الآية أعلاه، إذ بعث الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم على فترة من الرسل، وبين رسالة عيسى عليه السلام وبين رسالته نحو ستمائة سنة.
وتتضمن آية البحث الإنذار بالمفهوم والمنطوق فمن الأول ثناء الله عز وجل على المؤمنين بقوله تعالى(هم درجات) ويتضمن تحذير وإنذار الذين كفروا من وجوه:
أولاً : حرمان الذين كفروا أنفسهم من الدرجات العالية ليكون من معاني الإنذار بلحاظ هذا الوجه مجيء البلاء وأسباب الكدورة والضيق للذين كفروا , وفي التنزيل[وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا]( )، أي مشقة في عذاب متزايد ليس فيه تخفيف.
وقال الكلبي: يكلّف الوليد بن المغيرة أن يصعد في النار جبلا من صخرة ملساء حتّى يبلغ أعلاها يجذب من أمامه بالسلاسل، ويضرب بمقامع الحديد حتّى يبلغ أعلاها ولا يبلغه في أربعين سنة، فإذا بلغ أعلاها أجر إلى أسفلها، ثمّ يكلف أيضاً صعودها فذلك دأبه أبداً)( ).
ثانياً : بعث الحسرة في نفوس الذين كفروا لتخلفهم وعجزهم عن بلوغ درجات الرضوان.
ثالثاً : قوله تعالى(هم درجات) بشارة للذين آمنوا، لتدل الآية بالدلالة التضمنية على إمتناع بلوغ البشارات السماوية للذين كفروا.
رابعاً : من خصائص ومعاني الدرجات عند الله الشفاعة، وعن جابر بن عبد الله الأنصاري(قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لحامل القرآن إذا أحل حلاله، وحرم حرامه أن يشفع في عشرة من أهل بيته، كلهم قد وجبت له النار)( ).
خامساً : من خصائص يوم القيامة إنعدام البرزخ بين الثواب والعقاب، فحينما تخبر آية البحث عن صيرورة المؤمنين درجات عند الله عز وجل فأنها تنذر الذين كفروا بالعذاب، فأما أن يكون الإنسان من أصحاب الدرجات العالية عند الله، بلحاظ أن كل درجة ثواب من عند الله، وأما ن يحرم من الثواب ويؤاخذ بجريرته.
الشطر الثاني : قوله تعالى(والله بصير بما يعملون) وفيه تهديد ووعيد للذي أعرض عن عبادة الرحمن، ولبس رداء التقوى، وبذل جهده في الحرص على الدنيا الفانية، وإختار البعد عن رضوان الله الذي يتقرب إلى كل إنسان، ولكن الذين كفروا يصرون على العزوف عنه، فجاءت خاتمة آية البحث حجة عليهم، ودعوة لهم للتوبة والإنابة، قال تعالى[وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا]( )، و(قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في آخر خطبة له : من تاب قبل موته بسنة تاب الله عليه، ثم قال: وإن السنة لكثيرة من تاب قبل موته بشهر تاب الله عليه، ثم قال وإن الشهر لكثير من تاب قبل موته بيوم تاب الله عليه، ثم قال: وإن يوما لكثير من تاب قبل موته بساعة تاب الله عليه، ثم قال: وإن الساعة لكثيرة، من تاب وقد بلغت نفسه هذه وأهوى بيده إلى حلقه تاب الله عليه”)( ).
الآية موعظة
من خصائص الآية القرآنية أنها تطرد الجهالة وتمنع من الغواية بالذات والأثر، إذ أنها تقطع الطريق المؤدية إلى الضلالة وحرمان النفس من سحائب اللطف الإلهي التي تتغشى أهل الأرض، وقد تقدمت الآية السابقة بالثناء على المؤمنين الذين يقتدون بالأنبياء، ويتنزهون عن أكل الغلول والأخذ من الغنائم خلسة قبل تقسيمها، ذم ذكرت آية البحث المعنى الأعم، وما هو أصل في إجتناب أكل الغلول فمسألة الغلول خاصة بالحروب وميادين القتال وما يتفرع عنها، بينما يلزم الإنسان أن يحرز رضوان الله في كل صباح ومساء.
وقد تفضل الله عز وجل بوجوب الصلاة خمس مرات في اليوم لتكون شاهداً ومصداقاً لإتباع المسلم والمسلمة لرضوان الله، وهي واقية من الغلول ومن سخط الله عز وجل .
وهل الموعظة في آية البحث متحدة أم متعددة، الجواب هو الثاني بالإضافة إلى قانون من جهتين:
الأولى : صيرورة المؤمن موعظة لغيره في سبل الهدى.
الثانية : الموعظة العامة للناس من مفاهيم الكفر، والإتعاظ مما ينتظر الظالم والمفسد من سوء العذاب لأن الله عز وجل وكما أخبرت آية البحث بأنه(بصير بما يعملون).
لقد أخبرت الآية التالية عن منّ وفضل وطول الله عز وجل على المؤمنين بقوله تعالى[إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ]( )، ليكون هذا المنّ دعوة للمسلمين للثبات في درجات رضوان الله، وموعظة للناس لوجوب الإقتداء بهم وإقتفاء أثرهم، والدخول في الإسلام، قال تعالى[إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ]( ).
الآية رحمة
إبتدأت الآية بقانون وهو هم درجات عند الله ، وكل كلمة منها رحمة من عند الله من جهات :
الأولى :دلالة الضمير (هم ) على إرادة المسلمين على نحو العموم الإستغراقي ، وفيه شاهد على إكرام الله عز وجل للمسلمين وإثابتهم ثواباً عاجلاً على إيمانهم بأن ذكرهم في القرآن بصفة الإيمان ونيلهم الدرجات العالية عند الله ، ليكون مصاديق قوله تعالى [فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى] ( )الثواب العاجل .
الثانية : الإخبار عن بلوغ المسلمين درجات رفيعة ، ومنازل سامية عند الله ، ليبقى سعيهم ومسارعتهم في الخيرات للإرتقاء في هذه الدرجات ، إذ تخبر آية البحث عن بلوغهم درجة الدرجات والأمن من الخسارة والهاوية والضلالة وما يترشح عنها .
الثالثة : لقد أخبرت آية البحث بأن المسلمين صاروا ذوي درجات ، وبينت بأن هذه الدرجات عند الله سبحانه ، لبيان عدم وجود برزخ وحاجز بين الإنسان وبين منزلة العلو عند الله ، إذا ما آمن وعمل صالحاً .
وبعد بعث الطمأنينة في نفوس المسلمين بالشطر الأول من الآية وبشارتها لهم بأنهم درجات عند الله عز وجل ، وجاءت الآية بقانون عام يشمل الناس جميعاً وهو قوله تعالى [وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ].
الحاجة إلى آية البحث
لقد جعل الله عز وجل الإنسان كائناً محتاجاً إذ أن الحاجة ملازمة لعالم الإمكان ، وهو وفق القياس الإقتراني :
الكبرى : كل ممكن محتاج .
الصغرى : الإنسان ممكن .
النتيجة : الإنسان محتاج .
ومن رحمة الله عز وجل أن جعل حاجة الإنسان له سبحانه من ساعة خلقه إلى حين وفاته ، ولا تنقطع تلك الحاجة بعد موت الإنسان إنما يكون فيها الإنسان أشد حاجة رحمة الله وللحسنة التي فعلها في حياته وأن كانت كالصدقة بالقليل او الكلمة الطيبة .
ومن فضل الله عز وجل على الناس إنه جعل آيات القرآن ابواباً لقضاء الحوائج ، وبلغة لتحقيق الغايات الحميدة ، ليهدي الله عز وجل الناس إلى أسباب وسبل نجاتهم وخلاصهم في النشأتين ، وفي التنزيل [وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ] ( ) ومن أسماء الله (الغني) فهو غير محتاج وليس من مخلوق إلا وهو محتاج إليه سبحانه ، وتحتمل آية البحث في الحاجة إليها وجوهاً :
الأول : حاجة الذين آمنوا لآية البحث .
الثانية : حاجة الذين كفروا لآية البحث .
الثالث : يحتاج الكتابي آية البحث .
الرابع : كل إنسان يحتاج آية البحث .
ولا تعارض بين هذه الوجوه وهو من إعجاز القرآن الغيري ، إذ تدعو آية البحث الذين آمنوا للثبات في مقامات الهدى والإيمان والمناجاة بالصلاح ، قال تعالى [وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ] ( ) .
ويلزم كل من اتباع رضوان الله والنجاة من سخط الله صبراً في طاعة الله ، وذات هذا الصبر اتباع لرضوان الله .
ويحتاج الناس أداة الإستفهام في بداية الآية لبيان التناقض بين أهل الإيمان والذين كفروا ، وللتحذير من قبائح الأعمال .
وقدمت الآية اتباع رضوان الله لأن الناس يحتاجون إليه ، ولكن ما إختاروا هذا النهج المبارك فانه حرز من فعل السيئات ، وثبت في علم الفلسفة أن التضادين لا يجتمعان ، ومن يتبع رضوان الله لا يرجع بغضب أو سخط من الله .
ثناء الله على نفسه في آية البحث
لقد أخبرت آية البحث عن كون الناس درجات ومراتب عند الله ، وفيه مسائل :
الأولى :التأكيد على الربوية المطلقة لله عز وجل ، ولا يمكن أن يصير الناس درجات ومراتب بالحق إلا عند الله ، وقد يختار الملك والسلطان في الدنيا حاشية ووليجة فتصدر منهم الخيانة ، ويعملون على الإضرار بحكمه والإنقلاب عليه ، أو أنه يغدر بهم ، وفي كل زمان هناك شواهد من هذا الأمر إلى جانب حفظ التأريخ لعدد منها .
ومن إعجاز القرآن تحذير وتنبيه المسلمين من البطانة الخبيثة ، والتي لا تريد النفع لأهل الإيمان ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً] ( ).
الثانية : إطلاع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين على علم من علوم الغيب ، وهو ترغيب الناس بالدرجات عند الله عز وجل ، وكشف علم لهم ليتخذوه نبراساً وضياءً ، وفي ثناء الله عز وجل على نفسه في تعليمه وتأديبه للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى [وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا] ( ).
وتتضمن الآية إطلاع المسلمين على أمور :
الأول : المسلمون درجات ومراتب عند الله .
الثاني : علم الله بما يفعل الناس ، وحضور الأعمال عنده سبحانه .
الثالث : تقّوم وتعيين الدرجات والمراتب عند الله عز وجل بأمرين :
الأول : عمل الإنسان في الصالحات .
الثاني : فضل ومنّ الله عز وجل على العبد ، لذا ابتدأت الآية التالية بقوله تعالى [لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً] ( ).
الصلة بين أول وآخر الآية
بدأت الآية بالضمير (هم) لبيان لطف ورأفة الله عز وجل بالمسلمين والمسلمات على نحو العموم المجموعي والإستغراقي، وأن الله عز وجل يعلم حال المؤمنين من جهات:
الأولى : الذين ماتوا وغادروا الدنيا.
الثانية : المؤمنون الأحياء بحسب زمانهم.
الثالثة : الذين لم يولدوا بعد.
فكل طائفة من هؤلاء يعلمهم الله ، ويعلم درجة كل واحد منهم، وأن التباين في ذات الدرجات جلي وواضح .
ابتدأت الآية بالضمير (هم ) ويحتمل وجهين :
الأول : إرادة عموم الناس .
الثاني : خصوص المؤمنين .
والمختار هو الثاني لبيان أن المقام ثناء وشكر من الله عز وجل لهم على إتباعهم رضوان الله .
وتقدير الجمع بين هذه الآية وأول الآية السابقة (أفمن أتبع رضوان الله هم درجات عند الله ) لبيان أن هذا الإتباع من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متعددة إجتهاداً في التقوى وأداء للفرائض والنوافل والمسارعة في الخيرات ، قال تعالى [وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ] ( ) وبعد أن ذكرت الآية علو منزلة المؤمنين أخبرت عن قانون عام من الإرادة التكوينية وهو أن الله بصير بما يعمل الناس لبيان أن الدرجات التي نالها المسلمون عن رؤية الله لأعمال الناس ، وحضورها عنده سبحانه .
من غايات الآية
في الآية مسائل:
الأولى : تذكير آية البحث الناس بقانون وهو أن الله عز وجل يعلم ما يفعلون وأنه سبحانه يحصي الأفعال , وفي التنزيل[أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ]( ).
الثانية : منع طرو الغفلة على الناس، وصرف الجهالة عنهم، وإرادة إصلاحهم لأمور الدين والدنيا.
الثالثة : بيان حب الله عز وجل للناس وترغيبهم بالإيمان وحسن العاقبة، فحينما خلق الله عز وجل الجنة والنار، فإنه سبحانه تلطف بالعباد بتقريبهم إلى الجنة، وتزيين أعمال البر التي تدخلهم الجنة إلى نفوسهم، وبعث النفرة في نفوسهم من المعاصي والسيئات التي تحجب عنهم الدرجات وتسوقهم إلى الهاوية، قال تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ]( ).
الرابعة : بيان قانون وهو الترغيب بالدرجات بين المؤمنين، بلحاظ درجة التقوى والصبر والعمل في طاعة الله.
الخامسة : تحث آية البحث المسلمين على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي الأمر بالمعروف إرتقاء في الدرجة، وسمو ورفعة في المنزلة لكل من:
الأول : الآمر بالمعروف.
الثاني : الواسطة والناقل للأمر بالمعروف.
الثالث : العامل والمستجيب للأمر بالمعروف.
وهل يشمل الإرتقاء الذي يسمع الأمر بالمعروف سواء عمل به أو لم يعمل به، الجواب لابد من العمل لبلوغ مرتبة الدرجات، والتنافس فيها، نعم النية الطيبة حسنة , ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: الأعمال عند الله سبعة : عملان موجبان ، وعملان أمثالهما ، وعمل بعشرة أمثاله ، وعمل بسبعمائة ، وعمل لا يعلم ثواب عامله إلا لله . فأما الموجبان : فمن لقي الله يعبده مخلصاً لا يشرك به شيئاً وجبت له الجنة ، ومن لقي الله قد أشرك به وجبت له النار ، ومن عمل سيئة جزي بمثلها ، ومن هم بحسنة جزي بمثلها ، ومن عمل حسنة جزي عشراً ، ومن أنفق ماله في سبيل الله ضعفت له نفقته الدرهم بسبعمائة والدينار بسبعمائة ، والصيام لله لا يعلم ثواب عامله إلا الله عز وجل ( ).
السادسة : حضور رحمة الله في الثواب والجزاء فذات الثواب رحمة من عند الله، وكذا بالنسبة للمراتب والدرجات التي ينالها المؤمنون فأنها رحمة إضافية وفضل من عند الله، وتقدير آية البحث على وجوه:
أولاً : هم درجات برحمة من الله .
ثانياً : هم درجات لأن الله هو الرحمن الذي يهب الدرجات العالية والمنازل الرفيعة، ومن الآيات في خلق الله الإنسان إكرامه ونيله الدرجة السامية من حين خلقه من جهات :
الأولى : نفخ الله عز وجل من روحه في الإنسان، وعن جندب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لقي آدم موسى فقال موسى يا آدم أنت الذي خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته وأسكنك جنته ونفخ فيك من روحه قال آدم يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وآتاك التوراة وكلمك وقربك نجيا , فأنا أقدم أم الذكر , قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فحج آدم موسى فحج آدم موسى ( ).
الثانية : تفضل الله عز وجل بتعليم آدم الأسماء، لتكون نوع طريف وبلغة لنيل الناس الدرجات عند الله، وتقدير آية البحث : هم درجات عند الله بتعليمهم وتوارثهم الأسماء .
الثالثة : إكرام الله عز وجل لآدم بتوليه تعليم الملائكة.
الرابعة : سجود الملائكة لآدم قبل أن يهبط إلى الأرض وفي خطبة للإمام علي عليه السلام : وَاسْتَأْدَى اللهُ سُبْحَانَهُ المَلائكَةَ وَدِيعَتَهُ لَدَيْهِمْ، وَعَهْدَ وَصِيَّتِهِ إِلَيْهمْ، في الاِْذْعَانِ بالسُّجُودِ لَهُ، وَالخُنُوعِ لِتَكْرِمَتِهِ، فَقَالَ عزَّ مِن قائِل: (اسْجُدُوا لاِدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ) وَقَبِيلَهُ، اعْتَرَتْهُمُ الحَمِيَّةُ، وَغَلَبَتْ عَلَيْهِمُ الشِّقْوَةُ، وَتَعَزَّزُوا بِخِلْقَةِ النَّارِ، وَاسْتَوْهَنُوا خَلْقَ الصَّلْصَالِ، فَأَعْطَاهُ اللهُ تَعالَى النَّظِرَةَ اسْتِحْقَاقاً لِلسُّخْطَةِ، وَاسْتِتْماماً لِلْبَلِيَّةِ، وَإِنْجَازاً لِلْعِدَةِ، فَقَالَ: (إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ( )، وفي التنزيل[وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ]( ).
السابعة : تنزيه الأرض من الفساد ومن القتل بغير حق فعندما أخبر الله سبحانه الملائكة بأنه[جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، إحتجوا على هذا الجعل لعلة وهي أن الإنسان يفسد في الأرض ويقتل ويسفك الدماء فكيف يعمرها.
وهل يستحق خلافة الله، والملائكة يقدسون الله عز وجل، وهم منقطعون إلى عبادته، وطاعته ومع هذا ليسوا خلفاء الله عز وجل في السماء أو في الأرض، فجاء قوله تعالى(هم درجات) لإخبار الملائكة عن إجتهاد المسلمين في طاعة الله، وإعلانهم الحرب على الفساد في الأرض لإستئصاله، وهو من مصاديق قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
وتتجلى الغايات الدنيوية والأخروية في آية البحث بما يدل على أن الآية هبة عظيمة من عند الله عز وجل للمسلمين، وهذه الهبات من مصاديق قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( )، بلحاظ أمور:
الأول : فضل الله عز وجل على المسلمين.
الثاني : تعدد الهبات من عند الله للمسلمين.
الثالث : إكرام الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالهبات لأمته.
الرابع : كل هبة سلاح ومدد يأخذ بيد المسلمين في سبل الهداية والصلاح، قال تعالى[إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ]( ).
(عن ميمون بن مهران عن ابن عباس مرفوعاً درج الجنة على قدر آي القرآن، بكل آية درجة فتلك ستة آلاف آية ومائتا آية وست عشرة آية بين كل درجتين مقدار ما بين السماء والأرض)( ).
وفي الشعب للبيهقي من حديث عائشة مرفوعا عدد درج الجنة عدد آي القرآن فمن دخل الجنة من أهل القرآن فليس فوقه درجة)( ).
التفسير
قوله تعالى [هُمْ دَرَجَاتٌ ].
إبتدأت آية البحث بالضمير(هم) وإرادة الجمع الغائب، وهناك مسألتان:
الأولى : هل تشمل الآية الذي يتلو ذات آية البحث.
الثانية : هل يعلم الذي يتلو الآية أنها تشمله، والجواب على الأولى والثانية بنعم، وهو من إعجاز القرآن إذ يتباين معنى الضمير ولكن القارئ للآية القرآنية والسامع لها يعلمان المقصود على نحو التعيين والشمول، ليكون الضمير(هم) في آية البحث سور الموجبة الكلية الذي يشمل المؤمنين والمؤمنات، قال تعالى[إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ]( ).
إذ وردت آية البحث بصيغة التذكير (هم)، ومع هذا يعلم جميع المسلمين والمسلمات والناس أن المراد الذكور والأناث، إنما وردت هذه الصيغة لتغليب المذكر كما تقول القمران وتريد الشمس والقمر.
ولو قلت (هن درجات عند الله) فهل يصح هذا التقدير الجواب نعم، أي للبيان والتفسير، وإلا فان رسم القرآن توقيفي تجب لتلاوة به.
وعن عكرمة عن ابن عباس قال: خط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الارض خطوطا قال أتدرون ما هذا قالوا الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم ومريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون.
وعن زر بن حبيش عن حذيفة هو ابن اليمان أن أمه قالت له متى عهدك برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال ما لي به عهد منذ كذا فهمت أن تنال مني.
فقلت دعيني فإني أذهب فلا أدعه حتى يستغفر لي ويستغفر لك وصليت معه المغرب.
ثم قام يصلي حتى صلى العشاء ثم خرج فخرجت معه فإذا عارض قد عرض لي ثم ذهب فرآني.
فقال حذيفة:
فقلت لبيك يا رسول الله هل رأيت العارض الذي عرض لي قلت نعم قال فإنه ملك من الملائكة استأذن ربه
ليسلم علي وليبشرني أن الحسن والحسين سيدا شباب الجنة وأن فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم سيدة نساء أهل الجنة)( ).
ومن أسرار كون الضمير (هم) في آية البحث سور الموجبة الكلية الجامع للرجال والنساء عدم الإنفصال بين درجات الرجال والنساء، فليس من جهة خاصة وجهة تستقل بها النساء، إنما تتعلق الدرجات بالتكاليف والأعمال من جهة الطاعة أو المعصية.
إبتدأت الآية بالضمير (هم) وهو من الشواهد على عطف مضامين هذه الآية على الآية السابقة ، وصحيح أنها لم تبدأ بحرف عطف مثل : الواو أو ثم ولكنها إبتدأت بالضمير الذي يحتمل وجوهاً :
الأول : إرادة ما قبل الضمير ، وهو الأكثر في متعلق الضمائر عند ورودها في الكلام .
الثاني : المقصود الكلام السابق وذكر الذين يتبعون رضوان الله وغيرهم ، بلحاظ أن لغة القرآن أعم من الضوابط اللغوية ومفاهيم الصناعة النحوية .
الثالث : إرادة متعلق وعائد للضمير (هم) غير المذكور في الآية السابقة.
الرابع : المراد الفرد الجامع لمضامين الآية السابقة ، وتقديرها : الذين اتبعوا رضوان الله درجات عند الله والذين باؤوا بسخط من الله درجات عند الله ، بلحاظ إرادة المعنى الأعم من درجات إذا وردت شاملة للأمر الحسن والقبيح ، فيكون الفصل والتمييز .
ويخرج الذين كفروا بمنهاج السبر والتقسيم وسيلة وهو وسيلة إستدلال عقلية ، ويسمى عند علماء المنطق (قانون الباقي law of remainder ) ويتألف من :
الأول : مقدمة أولى ، وهي قضية من طرفين .
الثاني : مقدمة ثانية ، وهي إنكار أحد الطرفين .
الثالث : النتيجة وهي إثبات الطرف الصحيح .
وقد تتألف إحدى المقدمتين أو هما معاً من أكثر من مقدمة كما في قوله تعالى [وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ] ( ).
المقدمة الأولى : إنا وأياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين .
المقدمة الثانية : وهي على جهتين :
الأولى : إنّا على هدى.
الثانية : لسنا في ضلال مبين .
النتيجة : أنتم في ضلال مبين .
وقد تتشعب ذات النتيجة .
ويكون في آية البحث :
المقدمة الأولى : هم درجات عند الله .
المقدمة الثانية : تختص الدرجات والرفعة بالذين آمنوا .
النتيجة : ليس للذين كفروا درجات أو رفعة عند الله .
(عن أبي أمامة قال : سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، هل يتزاور أهل الجنة؟ .
قال : أي والذي بعثني بالحق إنهم ليتزاورون على النوق الدمك عليها حشايا الديباج يزور الأعلون الأسفلين ، ولا يزور الأسفلون الأعلين ، قال : هم درجات.
قال : وإنهم ليضعون مرافقهم فيتكئون ويأكلون ويشربون ويتنعمون ويتنازعون فيها كأساً لا لغو فيها ولا تأثيم لا يصدّعون عنها ولا ينزفون مقدار سبعين خريفاً ، ما يرفع أحدهم مرفقه من اتكائه.
قال : يا رسول الله هل ينكحون؟
قال : أي والذي بعثني بالحق دحاماً( )، دحاماً وأشار بيده ، ولكن لا مني ولا منية ولا يمتخطون فيها ولا يتغوّطون رجيعهم رشح كحبوب المسك مجامرهم الالوة( )، وأمشاطهم الذهب والفضة ، آنيتهم من الذهب والفضة يسبّحون الله بكرة وعشياً قلوبهم على قلب رجل واحد ، لا غلّ بينهم ولا تباغض يسبّحون الله تعالى بكرة وعشياً) ( ).
ليدل الحديث أعلاه أن المراد من قوله تعالى [هُمْ دَرَجَاتٌ]أهل الجنة ، ولكنها مسألة إثباتية ، أي أن إثبات شىء لشىء لا يدل على نفيه عن غيره، فأهل النار هم أيضاً على أطباق ودرجات ولكن في الضد من أهل الجنان، لإقامة الذين كفروا في عذاب النار .
ويدل الحديث أعلاه على نكتة وموضوعية للفظ [دَرَجَاتٌ] في آية البحث إذ ينزل الذين هم في الجنان العالية كالأنبياء والشهداء إلى الذين هم في درجات أدنى منهم دون العكس ، بلحاظ أن تلك الجنان خاصة بمراتب من اليقين والعمل الصالح قال تعالى[رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ]( ).
ليكون من مصاديق آية البحث الحث على العمل الصالح وبذل الوسع في البر والصلاح ، والمبادرة إلى الأمر بالمعروف ، والصبر في طاعة الله ، وحبس النفس عن اتباع الهوى، وسيأتي بعد آيتين قوله تعالى[أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا]( )، لبيان الخسارة والأذى الذي لحق المسلمين يوم معركة أحد.
وهل يمكن تأسيس قانون وهو أن كل آية في القرآن تبعث الإنسان على الإرتقاء في درجات الرفعة والسمو في النشأتين ، وتزجره عن التردي في دركات الأذى والضرر في الدنيا والآخرة .
الجواب نعم ، وهو من إعجاز القرآن الذاتي والغيري ، وفيه برهان على أن القرآن كلام الله عز وجل ، وليس من قول أو أملاء ملك أو بشر، لذا تفضل الله عز وجل وأمر وخاطب النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم [قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ] ( ) فلم يأت الوحي إلا لنفع الناس ، وصيرورتهم يرتقون في سلم المعرفة، وفي درجات الأجر والثواب .
لقد شاء الله عز وجل أن ينال الإنسان أسمى المراتب في الحياة الدنيا بالفوز بالخلافة في الأرض ، قال تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ) إذ أكرم الله عز وجل الملائكة بهذا الإخبار مثلما أكرم الناس به ، فاستفهم الملائكة بصيغة الإنكار [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ] ( ).
لقد أدركت الملائكة أن أمراً حادثاً سيطراً على الخلائق ، ورأوا الناس بعضهم يقتل بعضاً، فان قلت تقتل الحيوانات بعضها بعضاً ، والجواب أنه قياس مع الفارق ، إذ أن الإنسان خليفة في الأرض ويتصف بالعقل.
ويدل قوله تعالى[أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ]( )، على إرادة قتل الإنسان من معنى القتل وسفك الدم في الآية أعلاه، لتأكيد حرمة القتل بغير حق، ولزوم الإحتراز في الدماء، وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ادرؤا الحدود بالشبهات ( ).
وفي وصية الامام علي عليه السلام لمالك الأشتر عندما ولاه مصر : إياك والدماء وسفكها بغير حلها فإنه ليس شئ أدعى لنقمة ولا أعظم لتبعة ولا أحرى بزوال نعمة وانقطاع مدة من سفك الدماء بغير حقها والله سبحانه مبتدئ بالحكم بين العباد فيما تسافكوا من الدماء يوم القيامة فلا تقوين سلطانك بسفك دم حرام فإن ذلك مما يضعفه ويوهنه بل يزيله وينقله( ).
وهذا الزوال للملك من مصاديق قوله تعالى في الإحتجاج على الملائكة كما ورد في التنزيل[قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ).
والشواهد على زوال الملك وإنتقاله إلى قوم آخرين بسبب سفك الدماء طغياناً وظلماً أكثر من أن تحصى .
ومما يروى أن قيصر ملك الروم : كتب إلى كسرى أنوشروان في آخر كتاب: أخبرني بم دام لك الملك؟ فأجابه: دام الملك بست خصال: ما هزلنا في أمر ولا نهي، وما كذبنا في وعد ولا وعيد، وما قابلنا إلا على قدر الذنب لا على قدر غضبنا، واستخدمنا ذوي العقول، وولينا ذوي الأصول، وفضلنا على الشباب الكهول. فلما قرأها قيصر قام وقعد ثلاث مرات وقال: يحق لمن كانت هذه سياسته أن تدوم له رياسته. وقال الله تعالى[إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ]( ) ( ).
وجاء كتاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى كسرى ونصه هو: بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ مِنْ مُحَمّدٍ رَسُولِ اللّهِ إلَى كِسْرَى عَظِيمِ فَارِسَ سَلَامٌ عَلَى مَنْ اتّبَعَ الْهُدَى وَآمَنَ بِاَللّهِ وَرَسُولِهِ وَشَهِدَ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنّ مُحَمّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ اللّهِ فَإِنّي أَنَا رَسُولُ اللّهِ إلَى النّاسِ كَافّةً لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّا وَيَحِقّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ أَسْلِمْ تَسْلَمْ فَإِنْ أَبَيْت فَعَلَيْكَ إثْمُ الْمَجُوسِ ” فَلَمّا قُرِئَ عَلَيْهِ الْكِتَابُ مَزّقَهُ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ : مَزّقَ اللّهُ مُلْكَهُ( ).
ولم يكتف كسرى بتمزيق الكتاب على أرسل كتاباً إلى باذان عامله في اليمن قال فيه : ابعث إلى هذا الرجل الذي بالحجاز رجلين من عندك جلدين قلياً تيأني به، مما يدل على أن كسرى لم تحطه حاشيته علماً بالدعوة الإسلامية ودخول الناس في الإسلام وتوالي نزول آيات القرآن، وتحقيق انتصارات عظيمة للمسلمين، وأن أعداء الصحابة صارو بالآلاف فقد حضر منهم مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحديبية الذي سبق كتابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم رسائله إلى الملوك والأداء ألف وأربعمائةعلى الذين تخلفوا في المدينة وخارجها.
وقد خفي أمر الإسلام على كسرى بفضل من الله عز وجل، وقد كان كسرى منشغلاً بالقتال مع قيصر ملك الروم، فجاء رسولاً باذان إلى المدينة أحدهما قهرمانة بانويه، وكان حاسباً كاتباً باللغة الفارسية والثاني هو خرخسرو، وهما يحملان كتاباً من باذان إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأمر أن ينصرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم معهما إلى كسرى، فدخلا المدينة، ولم يتعضا من حال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين أصحابه وانبساط حكم الشريعة فيها إذ نقلا رسالة باذان وقالا ان شاهنشاه أي ملك الملوك كسرى قد كتب الى باذان يأمره أن يبعث إليك من يأتيه بك، وجئنا لتنطلق معنا وتوعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم ويغضب ولم يزجرهما، فقد أكرم الرسل، وأعذرهما لجهلهما، وأراد أن يقيم عليهما الحجة ببرهان الوحي، فأمرهما أن يحضرا في اليوم التالي.
وكانت جيوش كسرى قد تعرضت للهزيمة أمام جيوش قيصر، فقامت ثورة على كسرى داخل البلاط، فقتله ابنه شيرويه واستولى على الملك، وأوحى الله عز وجل بالخبر إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فلما حضرا في اليوم التالي، فأخبرهما النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن كسرى قد قتُل، وأن ملك دولة الإسلام سيصل إلى محل حكمه.
فأصابهما الذهول والدهشة وأعتراهما الغضب.
قال الواقدي : قتل شيرويه أباه كسرى ليلة الثلاثاء لعشر ليال مضين من جمادى الأولى من سنة سبع لست ساعات مضت منها – رجع الحديث إلى حديث محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب. فدعاهما فأخبرهما، فقالا: هل تدري ما تقول ! إنا قد نقمنا عليك ما هو أيسر من هذا؛ أفنكتب هذا عنك، ونخبره الملك ! قال: نعم، أخبراه ذلك عني، وقولا له: إن ديني وسلطاني سيبلغ ما بلغ ملك كسرى، وينتهي إلى منتهى الخف والحافر؛ وقولا له: إنك إن أسلمت أعطيتك ما تحت يديك؛ وملكتك على قومك من الأبناء؛ ثم أعطى خرخسره منطقة فيها ذهب وفضة، كان أهداها له بعض الملوك.
فخرجا من عنده حتى قدما على باذان، فأخبراه الخبر، فقال: والله ما هذا بكلام ملك، وإني لأرى الرجل نبياً كما يقول؛ ولننظرن ما قد قال؛ فلئن كان هذا حقا ما فيه كلامٌ؛ إنه لنبي مرسلٌ؛ وإن لم يكن فسنرى فيه رأينا.
فلم ينشب باذان أن قدم عليه كتاب شيرويه؛ أما بعد فإني قد قتلت كسرى، ولم أقتله إلا غضباً لفارس لما كان استحل من قتل أشرافهم وتجميرهم في ثغورهم؛ فإذا جاءك كتابي هذا فخذ لي الطاعة ممن قبلك؛ وانظر الرجل الذي كان كسرى كتب فيه إليك فلا تهجه حتى يأتيك أمري فيه.
فلما انتهى كتاب شيرويه إلى باذان قال: إن هذا الرجل لرسولٌ.
فأسلم وأسلمت الأبناء معه من فارس من كان منهم باليمن؛ فكانت حمير تقول لخرخسره: ذو المعجزة، للمنطقة التي أعطاها إياها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم – والمنطقة بلسان حمير المعجزة – فبنوه اليوم ينسبون إليها خرخسره ذو المعجزة.
وقد قال بابويه لباذان: ما كلمت رجلاً قط أهيب عندي منه، فقال له باذان: هل معه شرطٌ ؟ قال: لا ( ).
وان كان كسرى لايعاقب إلا على قدر الذنب، فقد جاء القرآن بهداية المسلمين الى العفو والترغيب فيه، والوعد عليه بالثواب العظيم ، قال تعالى[وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى]( ).
ترى ما هي النسبة بين مراتب اليقين وما تذكره الآية من كون المؤمنين درجات عند الله ، الجواب فيه وجوه :
الأول : التساوي بين مرتبة اليقين والدرجة عند الله ، فكلما كان المؤمن أكثر يقيناً كان أسمى درجة عند الله .
الثاني : نسبة العموم والخصوص المطلق ، فالدرجة عند الله أعم وأكبر من مرتبة اليقين.
الثالث : ليس من صلة بين مراتب اليقين والدرجات عند الله عز وجل.
الرابع : نسبة العموم والخصوص من وجه ، فهناك مادة للإلتقاء وأخرى للإفتراق .
والصحيح هو الثاني لأن الله عز وجل يضاعف العمل الصالح [إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ]( )، وعن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : فيما يروي عن ربه تعالى قال: “إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك، فمن هَمّ بحسنة فلم يعملها كَتَبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة. وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة( )، ويرقى بالذين يسعون لبلوغ مرتبة اليقين إلى درجات ثوابها ، وإن لم يبلغها لمزاحمة هموم وحوائج الدنيا ومصاديق الإبتلاء فيها ، وهو من أسرار نسبة الدرجات وأنها عند الله عز وجل ، ولو قالت الآية (هم درجات) لتعلق الأمر بذات المؤمنين وسعيهم في الخيرات ، ولكن نسبة الآية الدرجات لذات المؤمنين ورجوعها إلى الله عز وجل لأنه سبحانه يكرم المؤمن ويضاعف له الأجر.
وعن أنس بن مالك ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : إن الملائكة قالوا : ربنا خلقتنا وخلقت بني آدم . . . فجعلتهم يأكلون الطعام ويشربون الشراب ويلبسون الثياب ويأتون النساء ويركبون الدواب وينامون ويستريحون ، ولم تجعل لنا من ذلك شيئاً . . . فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة.
فقال الله : لا أجعل من خلقته بيدي ونفخت فيه من روحي كمن قلت له كن فكان) ( ).
وعن (رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن الله تبارك وتعالى يقبل الصدقة ولا يقبل منها إلا الطيب ، ويربيها لصاحبها كما يربي أحدكم مهره أو فصيله حتى أن اللقمة تصير مثل أحد ، وتصديق ذلك في كتاب الله { يمحق الله الربا ويربي الصدقات })( ).
ولابد من ضابطة وقاعدة كلية في الفصل بين درجات أهل الإيمان تتقوم بفضل الله عز وجل ومضاعفته الحسنات ومحوه السيئات عن المؤمنين، قال تعالى [مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ]( ).
لتكون الرفعة والدرجات بلحاظ الآية أعلاه على بالكلمة الطيبة والدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والعمل الصالح من أسباب الإرتقاء ونيل الدرجات الرفيعة ، قال تعالى [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ]( )، ويكون الضمير الهاء في [يَرْفَعُهُ]على وجوه :
الأول : يرفع الله عز وجل العمل الصالح .
الثاني : الكلمة الطيبة هي السبب في رفع العمل الصالح .
الثالث : يرفع العمل الصالح الكلم الطيب .
وعن(النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : لا يقبل الله قولاً إلا بعمل ولا عمل إلا بنية) ( ).
الرابع : يرفع العمل الصالح صاحبه .
الخامس : يرفع الله عز وجل العمل الصالح بدرجة ودعاء صاحبه .
ولا تعارض بين هذه الوجوه ، وكلها من مصاديق الآية الكريمة لأنها من فيوضات فضل الله عز وجل وسعة رحمته، قال تعالى[نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ]( ).
ومن الإعجاز في الآية أعلاه إخبارها عن صعود الكلم الطيب إلى الله من غير واسطة ثم يرفع العمل الصالح له .
وأبهى وأفضل الكلام الطيب هو قول لا إله إلا الله .
وتحتمل الدرجات المذكورة في آية البحث وجوهاً :
الأول : درجات الدنيا ومراتب الناس بالإيمان والصلاح ، وتقدير الآية: هم درجات في إيمانهم وصلاحهم .
الثاني : هم درجات بهداية الله عز وجل لهم لقوله تعالى [قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ] ( )، ويعمل الإنسان عملاً صالحاً فيقربه من سبل الهدى ويحجبه عن الضلالة .
(عن جابر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكثر أن يقول : يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك . قلنا : يا رسول الله تخاف علينا وقد آمنا بك؟ فقال : إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد ، يقول به هكذا . ولفظ الطبراني : إن قلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الله عز وجل ، فإذا شاء أن يقيمه أقامه ، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه .
وعن النّواس بن سمعان قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : الميزان بيد الرحمن . يرفع أقواماً ويضع آخرين إلى يوم القيامة ، وقلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن . إذا شاء أقامه ، وإذا شاء أزاغه ، وكان يقول : يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) ( ).
الثالث : هم درجات في مراتب التقوى والفلاح .
الرابع : هم درجات في البذل والإنفاق في سبيل الله قال تعالى [فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا] ( ).
وتقدير آية البحث بلحاظ العطف والصلة مع الآية السابقة أفمن اتبع رضوان الله هم درجات عند الله ).
لبيان أن اتباع رضوان الله سور الموجبة الكلية الذي يلتقي فيه المؤمنون والجامع لهم ولكنهم يرتقون في مراتب التقوى ودرجات اليقين ، كيلا يقف المسلم عند حد محدود من فعل الصالحات ، ويتجلى عدم الوقوف هذا بتقسيم العبادات إلى قسمين :
الأول : الواجبات .
الثاني : النوافل .
فمن الشواهد على قوله تعالى [هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ]أنه ما من فريضة إلا وهناك مصاديق من النافلة مثلها ، ومن الإعجاز إمكان إتيان أفراد من النافلة أكثر من الفريضة ، فالصلاة الواجبة على كل مسلم ومسلمة يتصفان بالبلوغ والعقل والإختيار سبع عشرة مرة ، بينما النوافل اليومية أكثر منها ، وكذا بالنسبة للصيام فان الواجب هو شهر واحد قد يكون ثلاثين أو تسعة وعشرين يوماً ، قال تعالى [فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ]( )، ليكون من الإعجاز في ذكر الشهر في الآية أعلاه وليس الهلال بيان قانون وهو أن مدة الصيام الواجب شهر قمري، ودعوة المسلمين في كل زمان للعناية بالهلال والإستهلال وأنه خلق الله سخره للمؤمنين في عباداتهم والناس جميعاً في معاملاتهم، قال تعالى[يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ]( ).
ويتجلى هذا البيان والتقييد بقوله تعالى [وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ] أي عدة شهر الصيام (عن حذيفة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة ثلاثين ، ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة ثلاثين) ( ).
ولم يرد اللفظ أعلاه إلا بخصوص فريضة الصيام وورد لفظ (عدة) مرتين في القرآن والثانية هو قوله تعالى [يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ] ( ).
وجاءت آية البحث بصيغة الجمع ، وهي إنحلالية، والمراد أن كل واحد من المؤمنين يكون في درجة مخصوصة من الشأن والرضا والجاه عند الله ، وفي موسى قال تعالى [وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا] ( ) وتحتمل هذه الدرجات من جهة الثبات والسكون وجوهاً :
الأول : يستقر كل مؤمن في درجة مخصوصة ، فلا يغادرها إلى أعلى أو أدنى منها وأن فعل ما يخالف المقام أو يفعل ما يستحق معه درجه أعلى.
الثاني : ترشح مرتبة وسنخية الدرجة التي ينالها المؤمن بحسب إجتهاده في عمل الصالحات ليستقر فيها .
الثالث : كل مؤمن له درجة مخصوصة لا يتعداها إلى أعلى منها وإن إجتهد في طاعة الله عز وجل.
الرابع : إرتقاء المسلم في الدرجات علواً وإرتقاءً بفضل من الله عز وجل مع إبتغاء البرزخ والمانع دون هذا الإرتقاء ، والصحيح هو الأخير.
وأيهما أكثر المؤمنون أم الدرجات ، الظاهر أن المؤمنين هم الأكثر، وأن كل عدد منهم يكون بدرجة مخصوصة ، وليس من حصر لهذا الدرجات ويبقى عدد الدرجات أمراً لا يعلمه الله من طرف الكثرة والزيادة، فان قلت أن الله عدل ، قال تعالى [وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا] ( ) ومع كثرة الناس في أجيالهم المتعاقبة فان أعمالهم غير متساوية ، وكما أن بصمة اليد والعين تختلف من شخص إلى آخر فكذا بالنسبة للأعمال ، فكيف يكون إثنان أو أكثر في درجة واحدة إذ يلزم بلحاظ هذا التباين أن يكون كل مؤمن بدرجة مخصوصة.
والجواب إنما يرقون إلى درجات بفضل وإحسان من الله ، فيجتمع أهل كل درجة وكل واحد منهم يعلم أنه لم ينل هذا المقام الرفيع إلا بفضل الله ، وزيادة الأجر والحسنات التي تترتب على إيمانه وعمله الصالحات بفضل من الله، وقد تأتي المضاعفة بلحاظ الزمان كما في شهر رمضان ويوم الجمعة أو المكن كالبيت الحرام وتكون الزيادة والمضاعفة في الحسنات بالكم والكيف أما السيئات فهل تضاعف كيفيتها في شهر رمضان مثلاً أم لا: والمختار هو الثاني لعمومات قوله تعالى[مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ]( )، نعم قد يكون العذاب أشد والبلاء أسرع عند إرتكاب المآثم في الزمان والمكان الفاضل حيث يشء الله[لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ]( ).
وعن عبدالله بن عمرو : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مر بنفر من قريش وهم جلوس بفناء الكعبة فقال : انظروا ما تعملون فيها فإنها مسؤولة عنكم فتخبر عن أعمالكم ، واذكروا إذ ساكنها من لا يأكل الربا ولا يمشي بالنميمة( ).
ويحتمل حال الناس عند البعث من القبور وجوهاً:
الأول : التساوي بين الناس وكل واحد منهم منشغل بنفسه، ويخاف ذنبه.
الثاني : التباين بين المؤمنين والكافرين، إذ يكون المؤمنون بمرتبة واحدة من جهة الأمن والسلامة من الخوف والفزع، لأصالة الإطلاق في إنتفاء الخوف والحزن في قوله تعالى[إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ]( ).
الثالث : يكون المؤمنون على مراتب ودرجات متعددة من الغبطة والسعادة في الآخرة، ويبتلى الكافرون بانواع العذاب، ومراتب قبح أفعالهم.
والصحيح هو الثاني والثالث أعلاه، لإنتفاء الخوف والحزن عن المؤمنين عند البعث من القبور درجة الرضا والغبطة بالعمل تكون من مصاديق قوله تعالى[لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ]( ).
وفي قوله تعالى[يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ]( )، ورد في مرسلة الحسن البصري قال: بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: المؤمن إذا خرج من قبره صور له عمله في صورة حسنة وريح طيبة.
فيقول له : ما أنت . فوالله إني لأراك عين امرىء صدق .
فيقول له : أنا عملك . فيكون له نوراً وقائداً إلى الجنة.
وأما الكافر فإذا خرج من قبره صوّر له عمله في صورة سيئة وريح منتنة ، فيقول له : ما أنت فوالله إني لأراك عين امرىء سوء ، فيقول : أنا عملك فينطلق به حتى يدخله النار)( ).
ولو دار الأمر بالنسبة لصورة وهيئة العمل الصالح هل يأتي على نحو متساو للمؤمنين أم أنه يأتي على مراتب كل واحد منهم بحسب سعيه في الصالحات، فالمختار هو الثاني.
وهناك مسائل :
الأولى : هل الدرجات التي تذكرها آية البحث أمر وجودي، أم هو عدمي .
الثانية : هل تسأل الدرجات العالية الله عز وجل لأصحابها ببلوغها والثبات في مقاماتها ومنع طرو الزلل والفتن والمعاصي التي تحجبهم عنها .
الثالثة : هل تدعو الدرجات العالية على الذين كفروا والفاسقين بألا يصلوا إلى مقاماتها .
أما الأولى فالجواب نعم، فالدرجات أمر وجودي والأرجح أنها معروفة عند الملائكة ، ويمكن استقراؤها من آيات القرآن ، بلحاظ أمور منها :
الأول : صيغة المفرد للفظ (درجة ) الذي ورد في القرآن أربع مرات ، قال تعالى [فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً] ( ).
الثاني : صيغة الجمع للفظ [دَرَجَاتٌ] والذي ورد في القرآن أربع عشرة مرة .
الثالث : الألفاظ القرآنية التي تتضمن ذات معنى الدرجات كما في قوله تعالى [قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا] ( ) إذ تبين الآية أعلاه وجوهاً من المقارنة والتفضيل والدرجات وهي :
أولاً : الجدال والإحتجاج .
ثانياً : تقسيم الناس إلى فريقين .
ثالثاً : الأفضل في المقام والشأن .
رابعاً : الأحسن في النادي ومحل الإجتماع ، إذ إستخف مشركوا قريش بالمسلمين عند إتخاذهم دار الأرقم البسيطة والمتواضعة محلاً يجتمعون فيه وعلى نحو الخفاء والتستر ، بينما يتخذ الملأ من دار الندوة والتي بناها قصي جد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مجلساً لهم .
وأراد المشركون المغالطة بأن هذا التباين في الحياة الدنيا يكون في الآخرة وأن المشركين سيكونون هم الأحسن حالاً ودرجة في الآخرة ، لذا تفضل الله عز وجل بالآية السابقة التي قسمت الناس إلى قسمين :
الأول : الذين يتصفون باتباع رضوان الله .
الثاني : الذين يرجعون بسخط وغضب من الله عز وجل .
وتفضل سبحانه وبين قانوناً وهو أن الناس درجات عنده بلحاظ عملهم ، ويدل على هذا اللحاظ خاتمة الآية [وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ].
الرابع : بيان النعم التي يتفضل بها الله عز وجل على الناس وكيف أنهم درجات في حسن تلقيها والإنتفاع منها للصلاح والإصلاح، وإتخاذها ذخيرة للآخرة.
الخامس : فضل الله عز وجل على المؤمنين وتعاهده للعمل الصالح ومضاعفة ثوابه حتى بعد إنتقال صاحبه من الحياة الدنيا ، قال تعالى [وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا] ( ).
(عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : خذوا جنتكم من النار ، قولوا سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله ، فإنهن المقدمات ، وإنهن المؤخرات ، وهن المنجيات ، وهن الباقيات الصالحات) ( ).
وتحتمل الدرجات وجوهاً :
الأول : صيرورة الناس على درجات باحسان ولطف من الله عز وجل.
الثاني : نيل المسلمين الدرجات العالية جزاء من عند الله على عملهم الصالحات لذا قالت الآية السابقة [ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ] ( ).
الثالث : فضل الله عز وجل في جعل المؤمن يختار الدرجة والمنزل الذي يريد سواء بتحقيق الأماني وبلوغ الغايات في الدنيا أو في الثواب العظيم في الآخرة ، كما في ذيل الحديث الذي ورد (عن أنس بن مالك قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : الشهداء ثلاثة : رجل خرج بنفسه وماله محتسباً في سبيل الله يريد أن لا يقتل ولا يقتل ولا يقاتل ، يكثر سواد المؤمنين ، فإن مات وقتل غفرت له ذنوبه كلها ، وأجير من عذاب القبر ، وأومن من الفزع الأكبر ، وزوّج من الحور العين ، وحلت عليه حلة الكرامة ، ووضع على رأسه تاج الوقار والخلد .
والثاني رجل خرج بنفسه وماله محتسباً يريد أن يقتل ولا يقتل ، فإن مات أو قتل كانت ركبته مع ركبة إبراهيم خليل الرحمن بين يدي الله في مقعد صدق عند مليك مقتدر .
والثالث رجل خرج بنفسه وماله محتسباً يريد أن يقتل ويقتل ، فإن مات أو قتل جاء يوم القيامة شاهراً سيفه واضعه على عاتقه والناس جاثون على الركب يقول : ألا أفسحوا لنا ، مرتين . فإنا قد بذلنا دماءنا وأموالنا لله.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : والذي نفسي بيده لو قال ذلك لإبراهيم خليل الرحمن ، أو لنبي من الأنبياء لتنحى لهم عن الطريق لما يرى من واجب حقهم ، حتى يأتوا منابر من نور عن يمين العرش ، فيجلسون فينظرون كيف يقضى بين الناس ، لا يجدون غم الموت ، ولا يغتمون في البرزخ ، ولا تفزعهم الصيحة ، ولا يهمهم الحساب ، ولا الميزان ولا الصراط ، ينظرون كيف يقضي بين الناس ، ولا يسألون شيئاً إلا أعطوا ، ولا يشفعون في شيء إلا شفعوا ، ويعطون من الجنة ما أحبوا ، وينزلون من الجنة حيث أحبوا)( ).
و (عن عبادة بن الصامت ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض ، الفردوس أعلى درجة ، من فوقها يكون الفردوس ، منها تنفجر أنهار الجنة الأربعة ، فإذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس ) ( ).
(قال الخطابي ( )جاء في الأثر أن عدد آي القرآن على قدر درج الجنة فيقال للقارىء ارق في الدرج على قدر ما كنت تقرأ من آي القرآن فمن استوفى قراءة جميع القرآن استولى على أقصى درج الجنة في الآخرة، ومن قرأ جزءا منه كان رقيه في الدرج على قدر ذلك فيكون منتهى الثواب عند منتهى القراءة) ( ).
الرابع : إتيان المسلم أعمال عبادية مخصوصة يرفعه درجات في الآخرة ، ومن الإعجاز في السنة النبوية تفضل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بذكر بعض الصالحات التي تكون مادة وسبباً لمحو الذنوب والإرتقاء في الدرجات بفضل من الله عز وجل ، إذ ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره ، وكثرة الخطا إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ، فذلكم الرباط . فذلكم الرباط . فذلكم الرباط) ( ).
وقد تقدم أن الدعاء مناسبة ونوع طريق للإرتقاء في الدرجات، وفيه دعوة للمسلمين للإجتهاد في المسألة.
ويمكن تقدير(هم درجات) على وجوه:
الأول : هم درجات في الإسلام.
الثاني : هم درجات في الإيمان عند الله.
الثالث : هم درجات في الإنفاق في سبيل الله.
الرابع : هم درجات في التقوى ومراتب اليقين.
الخامس : أبي الله إلا أن يكرم المسلمين ليعلم الملائكة والناس بأنهم درجات عنده سبحانه.
السادس : قوله تعالى(هم درجات عند الله) شاهد على أن الله عز وجل لم ينس المسلمين، وأن فضله عليهم متصل بأن جعلهم درجات.
السابع : هم درجات بما أنعم الله عز وجل عليهم.
الثامن : هم درجات يوم القيامة بلحاظ عالم الأفعال، وترتب الثواب عليها.
التاسع : المؤمنون درجات، برحمة من الله عز وجل، قال تعالى[وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ]( ).
العاشر : المسلمون والمسلمات درجات.
الحادي عشر : هم درجات عند الله في الشفاعة.
الثاني عشر : هم درجات في مساكن الجنة، قال تعالى[أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاَمًا *خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا]( ).
الثالث عشر : المؤمنون درجات عند الله ليبلغوا الغايات الحميدة.
الرابع عشر : هم درجات في سلّم العبادة والإجتهاد فيها.
الخامس عشر : هم درجات في البذل والإنفاق في سبيل الله.
السادس عشر : هم درجات في الصبر والمرابطة.
السابع عشر : هم درجات في الجهاد في سبيل الله، وفي التنزيل[فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً]( ).
الثامن عشر : هم درجات في المعرفة والعلم والكسب والتحصيل.

علم المناسبة
ورد لفظ (الدرجات) في القرآن أربع عشرة مرة كما ورد بصيغة المفرد أربع مرات، منها قوله تعالى[فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً] ( )، لبيان عدم وجود برزخ.
وفواصل ودرجات عديدة بين المجاهدين والقاعدين من المؤمنين، وليس فيه قصاص في ثواب المجاهدين، إنما تتضمن الآية إكرام المؤمنين عموماً بصفة الإيمان وإن كانوا من القاعدين، وليمثلهم جميعاً الضمير(هم) الوارد في بداية آية البحث(هم درجات) وجاءت الآية التالي بذكر المؤمنين بصيغة الجمع وإرادة المسلمين والمسلمات على نحو العموم الإستغراقي.
وجاء قوله تعالى[نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ]( )، وفيه حث للمسلمين على الدعاء، وتسليم بأن الدرجات وتعيينها وبمشيئة من الله عز وجل، وليجتهد المسلمون في عمل الصالحات.
ومن أسرار لفظ (الدرجات) في القرآن أنه حرب على النفاق، ودعوة للتنزه عنه، فمن يسعى لبلوغ الدرجات يحرص على إبطان الإيمان، والإقرار بالربوبية والنبوة والتنزيل، قال تعالى[وَبَشِّرْ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِ الصَّلاَةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ]( )،
وآية البحث حجة على الناس، ومانع من الإحتجاج في الدنيا أو في الآخرة بأنهم لايعلمون أمر الدرجات، وتقسيم الناس إلى مراتب بحسب العمل الصالح، فقد يستصحب الناس الشأن والدرجة التي لهم بين الناس، ويظنون أنها الأصل فجاءت آية البحث لتخبر بأن الدرجات ومراتبها عند الله عز وجل وبحسب العمل ويتجلى بلحاظ ورود لفظ (درجات) في القرآن أن هذا اللفظ عام ويشمل قسمين :
الأول : مراتب الرفعة والشأن.
الثاني : منازل الإنحطاط .
وجاءت أكثر موارد لفظ (الدرجات) في القرآن بخصوص الأول أعلاه، وقد يكون من الثاني قوله تعالى[أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمْ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ * وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ]( ).
فكما يتفاضل الأنبياء والمؤمنون في المنازل والدرجات والثواب، الجزاء الحسن، فان المشركين يتباينون في العذاب وشدته، لذا ورد قوله تعالى في ذم المنافقين [إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ]( )، وقد يكون التفاضل في الغنى والمال والجاه والعلم والرزق والمعاش، وتيسير الأمور وقوة البدن والنسب وشرف الأباء قال تعالى[وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ]( )، ومنه التباين بين أهل الأمصار، وبين أهل كل قرن وعصر عن غيره .
وقال تعالى[وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا]( )، فيحمل الأجراء عند الأغنياء، والفلاح عند مالك الأرض، وهو من الإمتحان والإبتلاء في الدنيا وليكون طريقاً لنيل المراتب العالية ف يالآخرة بالتقيد بسنن التقوى في حال الغنى والفقر، وهذا التسخير على وجوه :
الأول : تسخير أناس عديدة من الشخص واحد.
الثاني : يكون الإنسان مسخراً لغيره، وهناك من هو مسخر له، والأكثر هو الفرد الثالث، لذا قال تعالى[ِيَبْلُوَكُمْ].
ومن الإعجاز في لفظ درجات الترغيب بعالم الآخرة وما فيها من حسن المقام قال تعالى[وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً]( )، وقد اثنى الله عز وجل على نفسه، وبين عجز الخلائق عن كننه ، قال تعالى[رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ]( )، وقيل في الآية أن الله عز وجل رفع السموات السبع.
وقال الثعلبي : رفيع {الدَّرَجَاتُ} يعني رافع طبقات الثواب للأنبياء والمؤمنين في الجنّة.
قال ابن عبّاس : رافع السماوات وهو فوق كل شيء وليس فوقه شيء.( ).
والمختار أن رفيع الدرجات وصف وقناء من الله عز وجل على نفسه، وما ورد عن ابن عباس أعلاه لا يدل على إرادته تفسير الآية أعلاه.
قوله تعالى [عِنْدَ اللَّهِ]
لقد أكرم الله عز وجل الناس جميعاً بأن خلق آدم بيده ونفخ فيه من روحه وتفضل الله وذكر فضله على الإنسان بقوله تعالى [وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً] ( ) وهل الدرجات التي ينالها المؤمنون عند الله عز وجل من هذا التفضيل، الجواب نعم.
ولم يرد لفظ [كَرَّمْنَا] في القرآن إلا في الآية أعلاه ، وكذا لفظ [حَمَلْنَاهُمْ] لبيان أنه قد تنتفع مخلوقات أخرى من ذات البر أو البحر وما فيهما من النعم، ولكن الإنسان قيّض الله عز وجل له الأسباب ليتنقل في الأرض وفي البحار بسلامة وأمن ،كما ورد لفظ التفضيل في القرآن مرتين ، إذ جاء قوله تعالى [وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً] ( ) وفيه شاهد بأن الدرجات التي تذكرها آية البحث أعم من أن تختص بالآخرة إنما تكون في الدنيا والآخرة ، ولكن درجات الآخرة تتصف بأمور :
الأول : السعة والكثرة والكبر .
الثاني : علو مراتب التفضيل والشأن .
الثالث : زيادة الفضل والثواب من عند الله عز وجل، ومن معاني [هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ] وجوه :
الأول : صدور الدرجات ومراتب الناس بأمر من عند الله عز وجل ، وتقدير الآية : هم درجات من عند الله .
الثاني : لا يعلم منازل ودرجات الناس إلا الله عز وجل .
وورد في التنزيل حكاية عن إبراهيم [رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ] ( ).
الثالث : إرادة أعمال الناس والتمايز بينهم في عمل الصالحات ، وتقدير الآية : هم درجات عند الله بما عملوا .
الرابع : المراد ماهية الثواب وسنخية الجزاء الذي لا يعلمه ولا يقدر عليه إلا الله عز وجل ، وتقدير الآية المؤمنون والمؤمنات درجات في الثواب والجزاء الكريم من الله.
قوله تعالى [وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ]
تبين الآية قانوناً من الإرادة التكوينية وهي رؤية وإطلاع الله على ما يفعل كل إنسان ذكراً أو أثنى، صغيراً أو كبيراً وقد يجتهد الإنسان باخفاء بعض أفعاله عن الناس، فجاءت آية البحث لتخبر عن حضورها عند الله، وعلمه تعالى بها، وجاءت الآية بصيغة الجمع لتشمل أعمال الجماعات وفعل الأسرة والجماعة والطائفة الخير والصلاح، ووقوف المسلمين بين يدي الله، والمناجاة بالتقوى ونبذ الفرقة والخلاف والشقاق، ومن عظيم قدرة وسلطان الله أنه يعلم النوايا والمقاصد من الأفعال لتكون لها موضوعية في الجزاء، وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إنما الاعمال بالنية وإنما لامرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه( )، وفي الآية وجوه :
الأول : لزوم الحمد لله عز وجل على نعمة الهداية للعمل الصالح بلحاظ قانون وهو أن إخبار آية البحث عن بصره ورؤيته لأعمال المؤمنين نوع طريق وسبيل إلى إصلاح هذه الأعمال، وتقريبهم من أسمى مراتب الرفعة، والدرجات العالية.
الثاني : إصلاح الأرض ، وجعل الأعمال سبيلاً للهداية ، وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ).
الثالث : تفضل الله عز وجل بالثواب على ما يبصر من العمل الصالح، والعقاب على ما يبصر من فعل السيئات .
الرابع : أن الله عز وجل يبصر الأشياء والأفعال بعين الرحمة والرأفة (قال ابن عباس : لمّا سار موسى إلى طور سيناء للميقات قال له ربه : ما تبتغي.
قال : جئت أبتغي الهدي. قال قد وجدته يا موسى،
فقال موسى : يارب أي عبادك أحب إليك؟
قال : الذي يذكرني ولا ينساني. قال : أي عبادك أقصى؟
قال : الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى. قال : أي عبادك أعلم؟
قال : الذي يبتغي علم الناس إلى علمه فيسمع الكلمة تهديه إلى الهُدى ويرد سنن ردىء.
وقال عبد الله بن مسعود : لمّا قرب الله موسى بطور سيناء رأى عبداً في ظلّ العرش جالساً فقال : (ما هذا)،
قال : هذا عبد لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله وبرّ بوالديه ولا يمشي بالنميمة.
فقال موسى : يارب اغفر لي ما مضى من ذنبي وما مضى وما بين ذلك وما أنت أعلم به مني،
أعوذ بك من وسوسة نفسي وأعوذ بك من شر عملي. فقال : قد كفيت ذلك يا موسى.
قال : يا رب أي العمل أحب إليك أن أعمل به.
قال : تذكرني ولا تنساني.
قال : أي عبادك خير عملاً.
قال : مَنْ لا يُكذّب لسانه ولا يفجر قلبه ولا يزني فرجه (وهو ذو خلق حسن).
قال : فأي عبادك شر عملاً.
قال : فاجر في خلق سيء (جيفة ليل) بطال النهار. {قَالَ يَامُوسَى إِنِّى اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي} أعطيتك {وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ} لله سبحانه على نعمه ) ( ).
ومن معاني آية البحث وجوه :
أولاً : والله بصير بما يعمل الناس ليمهلهم .
ثانياً: والله بصير بما يعمل الناس ليقربهم إلى منازل الطاعة وسنن التقوى .
ثالثاً : والله بصير بما يعمل الناس لإدامة عبادته في الأرض ، وهل يمكن تقدير الآية : والله بصير بما يعمل الجن والإنس ليعبدوه ، الجواب نعم ، وإن كانت إحاطة علم الله بافعالهم في غايته أعم من العبادة إذ أن العلة الغائية لخلقهم هي العبادة والبصر للحجة والثواب والعقاب ، ولتقريبهم للعبادة ، ومنعهم من الإبتعاد عنها والنفرة منها.
لتكون بعثة الأنبياء ونزول الكتب السماوية من مصاديق آية البحث بلحاظ أنها تجعل أهل الإيمان درجات عند الله ، وتبعثهم على عمل الصالحات وما يجعلهم يرتقون في سلم الرفعة وينجيهم من الهاوية ومستنقع الضلالة .
رابعاً : والله بصير بما يعمل المنافقون في محاربة الإسلام من بين ظهراني المؤمنين ، قال تعالى [لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنْ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] ( ) وقيل (هؤلاء المنافقون يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم لو قد خرجت لخرجنا معك ، فإذا خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم تخلفوا وكذبوا ، ويفرحون بذلك ، ويرون أنها حيلة احتالوا بها) ( ).
خامساً : والله بصير بما يعمل أهل الكتاب في المدينة .
سادساً : والله بصير بما يعمل المسلمون من بعد مغادرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى ، إذ وردت الآية بصيغة الفعل المضارع لإفادة التجدد في الفعل.
ولما نزل قوله تعالى [قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا]( ) قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (لمّا نزلت هذه الآية : :إنّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الخفيّ، وإيّاكم وشرك السرائر فإن الشرك أخفى في أُمتي من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء. ومن صلى يرائي فقد أشرك.
ومن صام يرائي فقد أشرك.
ومن تصدّق يرائي فقد أشرك.
قال : فشقّ ذلك على القوم.
فقال رسول الله : أولا أدلّكم على ما يُذهب عنكم صغير الشرك وكبيره.
قالوا : بلى يا رسول الله. قال : قولوا : اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم) ( ).
سابعاً : والله بصير بما يعمل الناس في عالم البرزخ وأجوبتهم لسؤال منكر ونكير.
ثامناً : والله بصير بما يعمل الناس يوم القيامة ، وقد جاءت آيات القرآن في بيان شطر من أقوالهم وأفعالهم يومئذ.
تاسعاً : والله بصير بما يعملون لأنه سبحانه [أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا]( )، وعمل المؤمنين والناس من الأشياء التي تذكرها الآية أعلاه .
عاشراً : المؤمنون درجات عند الله لأن الله بصير بما يعلمون) ليكون عملهم حجة لهم، إذ أن قوله تعالى[فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ]( )، أعم من أن يختص بالحجة على الناس، إنما يشمل الحجة للمؤمنين، وما فيه تفعم في النشأتين وليس من حصر لوجوه تقدير الآية أعلاه وتتعدى من جهات منها:
الأولى : بحرف الجر (على) وإفادته الإتعلاء ولله الحجة البالغة على الذين كفروا.
الثانية : لام التعليل والغاية ومن وجوه تقديره ولله الحجة البالغة لنصر المؤمنين.
الثالثة : حرف الجر(الباء) للسببية والإلصاق والبيان ومن وجوه تقديره: ولله الحجة البالغة، بصيرورة المؤمنين درجات.
الحادي عشر : هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون قبل أن يبعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقبل أن يولدوا ، لذا ورد قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( )، بصيغة الماضي.
الثاني عشر : والله بصير بما يعملون ليهديهم إلى ما يقربهم من الدرجات العالية في الآخرة.
الثالث عشر : والله بصير بما يعمل المؤمنون ليباهي بهم الملائكة، إذ أن عملهم الصالحات من مصاديق قوله تعالى[إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ).
الرابع عشر : والله بصير بما يعملون مما هدوا إليه من الصالحات، وفعل الخيرات.
الخامس عشر : والله بصير بما يعملون للدنيا، وما يعملون للآخرة وقيل: في حكمة عيسى ابن مريم عليه السلام : تعملون للدنيا وأنتم ترزقون فيها بغير عمل ، ولا تعملون للآخرة وأنتم لا ترزقون فيها إلا بالعمل ، ويحكم، علماء السوء . الأجر تأخذون والعمل تضيعون ، توشكون أن تخرجوا من الدنيا إلى ظلمة القبر وضيقه ، والله عز وجل ينهاكم عن المعاصي كما أمركم بالصوم والصلاة.
كيف يكون من أهل العلم من دنياه آثر عنده من آخرته وهو في الدنيا أفضل رغبة؟ كيف يكون من أهل العلم من مسيره إلى آخرته وهو مقبل على دنياه وما يضره أشهى إليه مما ينفعه؟
كيف يكون من أهل العلم من سخط واحتقر منزلته وهو يعلم أن ذلك من علم الله وقدرته؟
كيف يكون من أهل العلم من اتهم الله تعالى في قضائه فليس يرضى بشيء أصابه؟ كيف يكون من أهل العلم من طلب الكلام ليتحدث ولم يطلبه ليعمل به( ).
السادس عشر : والله بصير بما يعملون[وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ]( ).
السابع عشر : هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون من الشكر لله بالقول والعمل.
الثامن عشر: هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون من الصالحات التي تدخلهم الجنة بفضل ومنّ من الله عز وجل، لذا إبتدأت الآية التالية بذكر منّ الله على المسلمين.
وعن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله تعالى[وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمْ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ] ( )، قال: نودوا : أن صحوا فلا تسقموا ، وأنعموا فلا تيأسوا، وشبوا فلا تهرموا ، واخلدوا فلا تموتوا( ).
التاسع عشر : والله بصير بما يعمل المؤمنون بعد أن هداهم، وما يأتيهم من رزق كريم بهذه الهداية، قال تعالى[فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى]( ).
بحث بلاغي
من خصائص الحرف الواو أنه يأتي على أقسام :
الأول : حرف عطف .
الثاني : حرف استئناف .
الثالث : حرف عطف واستئناف .
والمختار أن الأصل في لغة القرآن هو الثالث ، فاذا أمكن الجمع بين العطف والاستئناف في معنى ووظيفة الواو فيكون التفسير والبيان وفق الجمع بينهما، ومنه آية البحث والواوفي قوله تعالى [وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ] ( ) ويحتمل وجوهاً :
الأول : إنه من عطف الخاص على العام الشامل له .
الثاني : إنه من عطف العام على الخاص .
الثالث : إنه من عطف السبب على المُسبَب .
الرابع : إنه من عطف المُسبَب على السبب .
الخامس : إنه من عطف العلة على المعلول .
السادس : إنه من عطف المعلول على العلة .
السابع : إنه من عطف المترادفين ، كما ورد في التنزيل حكاية عن يعقوب النبي عليه السلام [إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي] ( ).
الثامن : إنه من عطف البيان والإيضاح ، كما في قوله تعالى [جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ] ( ).
والمختار في آية البحث هو الثاني والخامس أعلاه لبعث الناس على السعي في طاعة الله ، والثناء على المسلمين وبشارتهم بالمقام الحسن وبعثهم على الدعاء لأمور الدين والدنيا .
(عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إذا سألتم الله فاسألوه أن يبعثني المقام المحمود الذي وعدني) ( ).
قانون الإطلاق في نداء الإيمان
من خصائص نداء الإيمان إتصافه بعموم المصداق ، فهو يشمل المسلمين والمسلمات إلى يوم القيامة ، وليس من نداء بعد نداء [يَاأَيُّهَا النَّاسُ] و[يَابَنِي آدَمَ] أكثر منه من جهة المخاطبين، قال تعالى [يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ]( ).
وقد تقدم أن عدد مرات نداء الإيمان هو تسع وثمانون مرة كل واحدة منها علم مستقل يدعو إلى الصلاح في موضوع الآية التي ورد فيها والآيات المعطوفة عليه ، فلا ينحصر موضوع ومسائل نداء الإيمان بذات الآية التي جاء فيها ، إنما يشمل الآيات المعطوفة عليها سواء بأداة عطف أو بالمعنى والسياق ومنه آية السياق بقوله تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا]( ) ليكون تقدير الآية على وجوه :
الأول : يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا .
الثاني : يا أيها الذين آمنوا تعاهدوا الإيمان ولا تكونوا كالذين كفروا ) .
الثالث : يا أيها الذين آمنوا أقيموا الصلاة وأدوا الزكاة ولا تكونوا كالذين كفروا.
الرابع : يا أيها الذين آمنوا إنصروا النبوة كالتنزيل ولا تكونوا كالذين كفروا.
الخامس : يا أيها الذين آمنوا جاهدوا في سبيل الله ولا تكونوا كالذين كفروا.
السادس : يا أيها الذين آمنوا أنتم درجات عند الله فلا تكونوا كالذين كفروا.
ومن معاني الإطلاق في نداء الإيمان أنه مسألة سيالة من أول آيات القرآن إلى آخره ، وهو من مصاديق العلم الجديد الذي جاء بهذا التفسير في الصلة بين كل آيتين من القرآن.
ويكون تقدير الجمع بين نداء الإيمان وآيات القرآن موعظة ومدرسة ومن مصاديق قوله تعالى في آية البحث[وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ]( )، ويترشح عنه علم مقرون بالبيان والتفصيل متعدداً في كل آية من القرآن مع أن نداء الإيمان وهو [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا]شطر وجزء من آية من القرآن وليس آية كاملة .
فمثلاً سورة الفاتحة يكون معها تقدير نداء الأيمان على وجوه :
الأول : يا أيها الذين آمنوا الحمد لله رب العالمين ) وتتعدد مصاديق الحمد لله في المقام منها الحمد على نعمة الإيمان والهداية وذات قول الحمد لله مصداق للإيمان .
الثاني : يا أيها الذين آمنوا قولوا الحمد لله رب العالمين .
الثالث : يا أيها الذين آمنوا بأن الله رب العالمين .
الرابع : يا أيها الذين آمنوا بوجوب الحمد لله رب العالمين .
الخامس : يا أيها الذين آمنوا أكثروا من قول الحمد لله رب العالمين .
السادس : يا أيها الذين آمنوا أشكروا الله على الهداية لقول الحمد لله .
السابع : يا أيها الذين آمنوا أكثروا من تلاوة الحمد لله رب العالمين .
الثامن : يا أيها الذين آمنوا بالثواب العظيم من تلاوة الحمد لله رب العالمين.
التاسع : يا أيها الذين آمنوا قول الحمد لله رب العالمين من الصراط المستقيم .
العاشر : يا أيها الذين آمنوا بأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رسول من الله للناس جميعاً، قال تعالى[وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ).
الحادي عشر : يا أيها الذين آمنوا قولوا [الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ]( ).
الثاني عشر : يا أيها الذين آمنوا قولوا الحمد لله علام الغيوب .
الثالث عشر : يا أيها الذين آمنوا قولوا الحمد لله عظيم الصفح .
الرابع عشر : يا أيها الذين آمنوا أحمدوا الله العفو الغفور ، وفي التنزيل [وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنْ السَّيِّئَاتِ] ( ).
الخامس عشر : يا أيها الذين آمنوا بأن الهداية وفعل الصالحات بتوفيق من عند الله .
السادس عشر : يا أيها الذين آمنوا أحمدوا على توالي فضله.
السابع عشر : يا أيها الذين آمنوا الحمد لله على نعمة الخلق.
الثامن عشر : يا أيها الذين آمنوا بأن الله هو الرحمن الرحيم .
التاسع عشر : يا أيها الذين آمنوا اعبدو الله الرحمن الرحيم .
العشرون : يا أيها الذين آمنوا أشكروا الله الرحمن الرحيم .
الواحد والعشرون : يا أيها الذين أمنوا لكم الأمن لأن الله هو الرحمن الرحيم .
الثاني والعشرون : يا أيها الذين آمنوا تناجوا بينكم بأن الله هو الرحمن الرحيم .
الثالث والعشرون : يا أيها الذين آمنوا بلقاء الله الرحمن الرحيم في الآخرة .
الرابع والعشرون : يا أيها الذين آمنوا بأن الوقوف بين يدي الله الرحمن الرحيم يوم القيامة حق .
الخامس والعشرون : يا أيها الذين آمنوا ببعثة النبي .
السادس والعشرون : يا أيها الذين آمنوا بيوم الدين .
السابع والعشرون : يا أيها الذين آمنوا بأن الله مالك يوم الدين .
الثامن والعشرون : يا أيها الذين آمنوا أعلمِوا الناس بأن الله مالك يوم الدين.
التاسع والعشرون : يا أيها الذين آمنوا بأن الله يجعل المؤمنين يوم الدين [لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ] ( ).
الثلاثون : يا أيها الذين آمنوا بأن الله مالك يوم الدين [فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه (الزلزلة/7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه] ( ) ويقرأ (مالك يوم الدين) قراءة أخرى وهو (ملك يوم الدين) وكل منهما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعليه الإجماع ، ومنهم من رجح قول (مالك ) لوجوه:
الأول : زيادة حرف في قراءة مالك فتكون زيادة في الثواب عشر حسنات لما ورد عن (ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة ، والحسنة بعشر أمثالها . لا تقول { الم } حرف ، ولكن ألف حرف ، ولام حرف ، وميم حرف) ( ).
الثاني : أنه يبعث يوم القيامة ملوك كثيرون ، ولكن المالك الحق ليوم الدين هو الله ) ويرد عليه بأن الناس يبعثون بصفة العبودية والرق ، قال تعالى [وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ]( ) .
الثالث : بين الملك والمالك عموم وخصوص من وجه ، فهناك مادة للإلتقاء وأخرة للإفتراق .
وقد تنفك وتنفصل أحدها عن الأخرى ، والمالك أعم لما فيه من إطلاق التصرف .
الرابع : قد يكون الملك بلا رعية ، إذ يخرجون عن ملكه أو يثورون عليه ، ويصبح الملك تابعاً لغيره يرجو نواله ويسأله الصفح وعدم الفتك به ، قال تعالى [وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ] ( ) .
أما بالنسبة للمالك فان له التصرف فيما يملك ، ولا يقدر المملوك الخروج عن ملكيته باختياره ، لذا فان الإستيلاء والقهر في المالكية أكثر .
الخامس : يكون الملك على الرعية ، أما المالك فانه يملك العبيد والأعيان والعروض .
السادس : يجب على المالك تفقد أحوال الرعية ، وعن ابن عمر قال (عن ابن عمر قال : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ، فالإِمام يسأل عن الناس ، والرجل يسأل عن أهله ، والمرأة تسأل عن بيت زوجها ، والعبد يسأل عن مال سيده) ( ).
وحجة الذي قال بأن (ملك) هو الأول في قوله تعالى [مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ] ( ) وأستدل بوجوه :
الأول : كثرة وجود المالك في البلد ، أما الملك فلا ينطبق إلا على فرد واحد متميز عنهم ، ويمكن أن نضيف له بأن هؤلاء يحتاجون في ملكهم وثباته إلا الملك ، وهو قد لا يحتاج إليه في تثبيت ملكه لهم .
الثاني : الملك أشرف من المالك .
قد ورد لفظ (الملك ) و(المالك ) في القرآن .
الثالث : الملك أعلى شأناً من المالك .
الرابع : دلالة الملك على القوة والقهر .
الخامس : إرادة بيان السلطان المطلق لله عز وجل يوم القيامة ، وعن قطري ، أن الفرق بين ملك ومالك كثير فأما ملك فهو ملك من الملوك ، وأما مالك فهو مالك الملوك .
ومن الإعجاز أن قوله تعالى [لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ] ( ) يدل على إرادة الملك والمالك مجتمعين ، وحين بيان الفرق أو الأتحاد بين(مالك)و(ملك) لابد من جعل موضوعية لذات الآية وموضوعها وتتمتها وهو مالك يوم الدين ، وهل يمكن القول أن الله مالك وملك يوم الدين ، الجواب نعم ، فهو الحساب والجزاء ، وقد ورد في القرآن [مَالِكَ الْمُلْكِ] ( )و[مَلِكِ النَّاسِ] ( ) كما ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأ في سورة الفاتحة [مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ] ( ) وأن أول من قرأها (ملك) هو مروان ( ).
ويدل تعدد قراءة الحرف القرآني على الإعجاز من جهات :
الأولى : المندوحة والسعة في قراءة القرآن .
الثانية : مجئ لهجات ولغات العرب في القرآن .
الثالثة : منع الحرج عن المسلمين في القراءة بحد ممدود .

الرسل أولوا العزم
لم يخطر على الذهن التفاوت في المرتبة والرسالة بين الأنبياء ، وإن خطر مثل هذا الأمر استنباطاً من قصص الأنبياء فانه يكون محل خلاف بين العلماء وعامة المسلمين بلحاظ أنها مسألة تخصهم جميعاً ، فتفضل الله عز وجل وخفّف عن المسلمين وزاد في تفقههم في المعارف الإلهية ، وحال دون الخلاف والشقاق بينهم بخصوص مراتب الأنبياء ، إذ أمرهم باكرام الأنبياء والتصديق ببعثتهم جميعاً ، ثم تفضل وخصّ بعض الأنبياء بذكر جهاده في سبيل الله لبيان قانون وهو أن الصفحة الجهادية له ، كان لها شبهاً عند كثير من الأنبياء ، فتفضل الله تعالى وأمر النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بالتحلي بالصبر وقيد الله سبحانه هذا الصبر بأنه مثل صبر الرسل أصحاب الشرائع الذين إجتهدوا في الجهاد والدعوة إلى الله عز وجل ، قال تعالى [فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ] ( ) وهناك مسائل :
الأولى : هل المأمور به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الصبر هو ما يشبه صبر أي واحد من الرسل أولي العزم.
الثانية : إرادة صبر أولي العزم بلحاظ إلى الإبتلاء والأذى الذي يلاقيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو تكذيبهم له ، أو في الدعوة إلى الله وجذب الناس إلى الإيمان ، فمثلاً يصبر نوح في طول مدة تكذيب قومه له ،ويصير كصبر إبراهيم في هجرته وتحمله الأذى .
الثالثة : تقييد صبر النبي بأنه مشابه لصبر أولي العزم من الرسول لا يمنع من أمر الله عز وجل له بالصبر في مواطن وأمور لم تحدث للأنبياء والرسل السابقين ومنه الحصار الذي لاقاه معه بنو هاشم في شعب أبي طالب وقد تقدم بيانه ( )، ولا بد من الصبر بمرتبة تفوق صبر الأنبياء في العبادة وأداء المناسك ، وأداء الصلاة في البيت الحرام بمحضر من كبار المشركين (عن عبد الله بن مسعود قال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعا على قريش غير يوم واحد، فإنه كان يصلى ورهط من قريش جلوس، وسلا جزور قريب منه.
فقالوا: من يأخذا هذا السلا فيلقيه على ظهره ؟ فقال عقبة بن أبى معيط: أنا.
فأخذه فألقاه على ظهره.
فلم يزل ساجدا حتى جاءت فاطمة فأخذته عن ظهره.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ” اللهم عليك بهذا الملا من قريش، اللهم عليك بعتبة بن ربيعة، اللم عليك بشيبة بن ربيعة، اللهم عليك بأبى جهل بن هشام، اللهم عليك بعقبة ابن أبى معيط، اللهم عليك بأبى بن خلف – أو أمية بن خلف – ” شعبة الشاك.
قال عبد الله: فلقد رأيتهم قتلوا يوم بدر جميعا، ثم سحبوا إلى القليب غير أبى، أو أمية بن خلف، فإنه كان رجلا ضخما فتقطع)( ).
ويحتمل صبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بلحاظ الآية أعلاه وجوهاً:
الأول : الإكتفاء بمحاكاة صبر احد الأنبياء أولي العزم .
الثاني : إختيار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لكيفية صبر أمة الأنبياء أولي العزم .
الثالث : لحاظ صيغة صبر الرسول من أولي العزم بواقعة مخصوصة او فعل معين كملاقاة تكذيب قومه أو الصبر في الدعوة إلى الله .
الرابع : إرادة صبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بما يعادل صبر مجموع صبر الرسل أولي العزم ، ومن الرسل من لم يقاتله قومه وبعضهم قاتل لمرة واحدة ، ولكن دفاع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ضد الذين كفروا تتكرر في واقعة بدر واحد والخندق ، وحنين وغيرها ، والمختار هو الثالث أعلاه ، قال تعالى [وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ] ( ).
واختلف في عدد وأشخاص الرسل أولي العزم على وجوه :
الأول : المراد أصحاب الشرائع نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو المروي عن ابن عباس وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال (نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام.
ومحمد صلى الله عليه واله، قلت: كيف صاروا اولوا العزم ؟ قال: لان نوحا بعث بكتاب وشريعة، وكل من جاء بعد نوح أخذ بكتاب نوح وشريعته ومنهاجه حتى جاء إبراهيم عليه السلام بالصحف وبعزيمة ترك كتاب نوح عليه السلام لاكفرا به، فكل نبي جاء بعد إبراهيم عليه السلام أخذ بشريعة إبراهيم عليه السلام ومنهاجه وبالصحف .
حتى جاء موسى عليه السلام بالتوراة وشريعته ومنهاجه وبعزيمة ترك الصحف، فكل نبي جاء بعد موسى عليه السلام أخذ بالتوراة وشريعته ومنهاجه، حتى جاء المسيح عليه السلام بالانجيل وبعزيمة ترك شريعة موسى عليه السلام ومنهاجه .
فكل نبي جاء بعد المسيح عليه السلام أخذ بشريعته ومنهاجه حتى جاء محمد صلى الله عليه واله فجاء بالقرآن وبشريعته ومنهاجه، فحلاله حلال إلى يوم
القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة) ( ).
الثاني : المراد كل الرسل ، إذ ورد عن ابن عباس أيضاً (ذوو الحزم والصبر قال مجاهد هم خمسة : نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليه الصلاة و السلام وهم أصحاب الشرائع وقال أبو العالية : إن أولي العزم) ( ).
ودخلت [مِنْ]في [مِنْ الرُّسُلِ] لإرادة الجنس وليس التبعيض .
الرابع : كل الأنبياء رسل أولوا عزم الا يونس بن متي وهو ذو النون أي صاحب الحوت ، ونسب الثعلبي إلى بعضهم القول (كلّ الأنبياء عليهم السلام أُولوا عزم، إلاّ يونس، ألا ترى إنّ نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن أن يكون مثله، لخفّة وعجلة ظهرت منه حين ولّى من قومه مغاضباً.
فابتلاه الله بثلاث : سلّط عليه العمالقة حتى أغاروا على أهله وماله،
وسلّط الذئب على ولْدِهِ فأكلهم.
وسلّط الحوت عليه حتّى ابتلعه.) ( ).
وتعددت الأقوال في ماهية وموضوع غضب يونس في قوله تعالى [وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا] ( ) منها ما ورد (عن ابن عباس قال : كان يونس وقومه يسكنون فلسطين،
فغزاهم ملك فسبي منهم تسعة أسباط ونصف سبط وبقي سبطان ونصف،
فأوحى الله تعالى إلى شعياً النبي أن سر إلى حزقيا الملك وقل له حتى يوجّه نبياً قويّاً أميناً فإنّي أُلقي في قلوب أُولئك حتى يرسلوا معه بني إسرائيل،
فقال له الملك : فمن ترى؟
وكان في مملكته خمسة من الأنبياء،
فقال : يونس،
فإنّه قوي أمين،
فدعا الملك يونس وأمره أن يخرج،
فقال يونس : هل أمرك الله بإخراجي؟
قال : لا،
قال : فهل سمّاني لك؟
قال : لا،
قال : فها هنا غيري أنبياء أقوياء أُمناء،
فالحّوا عليه فخرج مغاضباً للنبىّ وللملك ولقومه،
فأتى بحر الروم فإذا سفينة مشحونة فركبها فلمّا تلججت السفينة تكفأت حتى كادوا أن يغرقوا فقال الملاّحون،
ها هنا رجل عاص أو عبد آبق،
ومن رسمنا أن نقترع في مثل هذا فمن وقعت عليه القرعة ألقيناه في البحر. ولئن يغرق واحد خير من أن تغرق السفينة بما فيها،
فاقترعوا ثلاث مرّات فوقعت القرعة في كلّها على يونس.
فقام يونس فقال : أنا الرجل العاصي والعبد الآبق،
وألقى نفسه في الماء فجاء حوت فابتلعه،
ثمَّ جاء حوت آخر أكبر منه فابتلع هذا الحوت،
وأوحى الله إلى الحوت : لا تؤذ منه شعرة فإنّي جعلت بطنك سجنه،
ولم أجعله طعاماً لك.
وقال الآخرون : بل ذهب عن قومه مغاضباً لرّبه إذ كشف عنهم العذاب بعدما وعدهموه،
وذلك أنّه كره أن يكون بين قوم قد جرّبوا عليه الخلف فيما وعدهم،
واستحيا منهم،
ولم يعلم السبب الذي به دفع عنهم العذاب والهلاك،
فخرج مغاضباً وقال : والله لا أرجع إليهم كذّاباً أبداً،
وإنّي وعدتهم العذاب في يوم فلم يأتِ) ( ).
وذكرت وجوه أخرى في قصة يونس ، (قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ بِسُوقِ الْمَدِينَةِ وَالَّذِى اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْبَشَرِ. فَرَفَعَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يَدَهُ فَلَطَمَهُ قَالَ تَقُولُ هَذَا وَفِينَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم .
فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَقَالَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (وَنُفِخَ فِى الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِى السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِى الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ).
فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ فَلاَ أَدْرِى أَرَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلِى أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.
وَمَنْ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى فَقَدْ كَذَبَ) ( ).
و (عن الشعبي : أن يونس بن متى التقمه الحوت ضحى ولفظه عشية) ( ).
الخامس : أولوا العزم هم نوح وهود وابراهيم( ) قاله أبو العالية وهو أقل عدد للأنبياء الذين يذكرون بهذه الصفة ، إذ يكون النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهنو رابعهم بلحاظ تقيده التام وإمتثاله للأمر الإلهي [فأصبر] وذات هذا الصبر لا يكون إلا بمدد وعون من عند الله عز وجل ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا] ( ).
السادس : أولوا العزم سنة وهم إبراهيم وموسى وداود وسليمان وعيسى ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم عن السدي( ) .
السابع : هم ستة وهم نوح وهود وصالح وشعيب ولوط وموسى .
الثامن : (وقال مقاتل : أولو العزم ستّة : نوح صبر على أذى قومه فكانوا يضربونه حتّى يغشى عليه،
وإبراهيم صبر على النّار،
وإسحاق صبر على الذبح،
ويعقوب صبر على فقد ولده وذهاب بصره،
ويوسف صبر في البئر وفي السجن،
وأيّوب صبر على ضرّه) ( ).
التاسع : (وقال الحسن البصري : هم أربعة : إبراهيم،
وموسى،
وداود،
وعيسى. فقال : إبراهيم فعزمه قيل له : أسلم،
قال : أسلمت لربّ العالمين. ثمّ ابتلي في ماله،
وولده،
ووطنه،
ونفسه،
فَوجِدَ صادقاً وافياً في جميع ما أُبتلي به،
وأمّا موسى،
فعزمه قوله حين قال له قومه : {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} قال : {كَلا إِنَّ مَعِىَ رَبِّى سَيَهْدِينِ} .وأمّا داود،
فعزمه أنّه أخطأ خطيئة،
فنُبّه عليها،
فبلي أربعين سنة على خطيئته حتّى نبتت من دموعه شجرة،
وقعد تحت ظلّها،
وأمّا عيسى فعزمه أنّه لم يضع في الدُّنيا لبنة على لبنة،
وقال : إنّها معبر فاعبروها،
ولا تعمروها. فكان الله تعالى يقول لرسوله {صلى الله عليه وآله وسلم} {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} أي كن صادقاً فيما ابتليت به مثل صدق إبراهيم،
واثقاً بنصرة مولاك مثل ثقة موسى،
مهتمّاً لما سلف من هفواتك مثل اهتمام داود،
زاهداً في الدنيا مثل زهد عيسى (عليه السلام).) ( ).
العاشر : (وهم ثمانية عشر : إبراهيم وإسحاق ويعقوب ونوح وداود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس وإسماعيل واليسع ويونس ولوط واختاره الحسن بن الفضل لقوله في عقبه : { أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده }( )) ( ).
الحادي عشر : (أولو العزم اثنا عشر نبيّاً أُرسلوا إلى بني إسرائيل بالشام فعصوهم،
فأوحى الله تعالى إلى الأنبياء (عليهم السلام) : إنّي مرسل عذابي على عصاة بني إسرائيل،
فشقَّ ذلك عليهم،
فأوحى الله تعالى إليهم أن اختاروا لأنفسكم،
إن شئتم أنزلت بكم العذاب وأنجيت بني إسرائيل،
وإن شئتم أنجيتكم وأنزلت ببني إسرائيل. فتشاوروا بينهم،
فاجتمع رأيهم على أن ينزل بهم العذاب وينجي بني إسرائيل،
فأنجى الله بني إسرائيل وأنزل بأولئك العذاب،
وذلك إنّه سلّط عليهم ملوك الأرض،
فمنهم من نشر بالمناشير،
ومنهم من سُلخ جلد رأسه ووجهه،
ومنهم من رُفع على الخشب،
ومنهم من أُحرق بالنّار) ( ).
وقيل أن قوله تعالى [فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ] ( ) منسوخة بآية السيف وقيل محكمة ،وقال القرطبي والأظهر أنها منسوخة لأن السورة مكية وآية السيف هي [فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ] ( ).
والمختار أن آية صبر أولي العزم محكمة وليست منسوخة من جهات :
الأولى : نزلت آية أولي العزم تخفيفاً ومواساة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : بيان قانون إتحاد سنخية النبوة واشتراك الأنبياء بملكه الصبر ، وأتصافهم بمرتبة من التحمل وتلقي الأذى ليكونوا أسوة للمسلمين في الثبات في مقامات الهدى والإيمان .
الثالثة : مجئ آيات عديدة تحث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الصبر منها قوله تعالى [وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ] ( ) [وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ]( )مما يدل على أن الصبر خير محض وطاعة وعبادة لله وفيه الأجر والثواب .
الرابعة : إستحضار قانون وهو له دار الأمر في الآية هل هي محكمة أم منسوخة فالصحيح هو الأول .
الخامسة : يبين قوله تعالى [فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ] ( ) أن كبار الرسل والأنبياء لم ينسخ صبرهم ، وكان شاهد على صدق نبوتهم ، وفوزهم بالمراتب السامية بين الناس ، لذا فان عدم نسخ صبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مصاديق وحدة الموضوع في تنقيح المناط .
وأيهما أكثر نفعاً وأثراً في جلب الناس لمقامات الإيمان السيف أم الصبر ، الجواب هو الثاني لتكون آية [فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ] ( ) شاهداً على أن الإسلام لم ينتشر بالسيف .
أداب تلاوة القرآن
يستحب استحباباً مؤكداً تلاوة آيات القرآن وختمه ، وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يتلو القرآن في الصلاة وعد المنبر وفي المسجد وفي الحضر والسفر وعلى راحلته لتنمية ملكة تلاوة القرآن عند المسلمين ولبيان الحاجة الخاصة والعامة لهذه التلاوة وللتلاوة آداب تستقرأ من ذات آيات القرآن ومن السنة النبوية القولية والفعلية .
الأول : صدق النية وإرادة قصد القربة ، والتنزه عن الرياء في التلاوة ، وهي من مصاديق آية البحث [أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ] .
الثاني : التخلي عن هموم الدنيا والرغائب فيها أثناء التلاوة .
ومن إعجاز القرآن الغيري أن ذات تلاوته وسيلة مباركة لتحقيق الأماني.
الثالث : إتخاذ تلاوة القرآن منهاجاً وطريقاً للعمل وتلاوة القرآن خارج الصلاة من مصاديق الصراط في قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( ).
الرابع : تنزيه قارئ القرآن لسانه وجوارحه عن فعل السيئات، وذكر قول لا يعرف قائله وهو (رب قارئ للقرآن والقرآن يعلنه )ومنهم من ينسبه إلى أنس بن مالك ، إنما جعل الله عز وجل القرآن رحمة وخيراً محضاً ، وسبيل هداية ، وقد يتلو المسلم القرآن فينتفع منه السامع المتعدد .
الخامس : إتخاذ تلاوة القرآن وسيلة لتعليمه تلاوة وتأديباً وتفقهاً ، لذا ورد عن (أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مَن تعلّم القرآن وعلّمه وعلّق مصحفاً لم يتعاهده ولم ينظر فيه جاء يوم القيامة متعلّقاً به يقول : يا ربّ العالمين عبدك هذا اتخذني مهجوراً اقض بيني وبينه) ( ).
السادس : أستحباب استقبال القبلة عند تلاوة القرآن والمسوك ، وحسن الهيئة والوضوء عند القراءة بالمصحف (وأخرج الحاكم عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات ، وبعث مع عمرو بن حزم فقرىء على أهل اليمن ، وهذه نسختها : بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النبي إلى شرحبيل بن عبد كلال ، والحرث بن عبد كلال ، ويغنم بن عبد كلال ، قيل ذي رعين ، ومعافر ، وهمدان ، أما بعد فقد رجع رسولكم وأعطيتم من المغانم خمس الله ، وما كتب الله على المؤمنين من العشر في العقار ما سقت السماء أو كان سيحاً أو بعلاً ففيه العشر إذا بلغ خمسة أوسق ، وما سقي بالرشاء والدالية ففيه نصف العشر إذا بلغ خمسة أوسق ، وفي كل خمس من الابل سائمة شاة إلى أن تبلغ أربعاً وعشرين ، فإذا زادت واحدة على أربع وعشرين ففيها ابنة مخاض ، فإن لم توجد ابنة مخاض فابن لبون ذكر إلى أن تبلغ خمساً وثلاثين ، فإذا زادت على خمسة وثلاثين واحدة ففيها ابن لبون إلى أن تبلغ خمساً وأربعين ، فإن زادت واحدة على خمسة وأربعين ففيها حقة طروقة الفحل إلى أن تبلغ ستين ، فإن زادت واحدة فجذعة إلى أن تبلغ خمسة وسبعين ، فإن زادت واحدة ففيها ابنا لبون إلى أن تبلغ تسعين ، فإن زادت واحدة ففيها حقتان طروقتا الحمل إلى أن تبلغ عشرين ومائة ، فما زاد على عشرين ومائة ففي كل أربعين ابنة لبون ، وفي كل خمسين حقة ، وفي كل ثلاثين باقورة تبيع جذع أو جذعة ، وفي كل أربعين باقورة بقرة ، وفي كل أربعين شاة سائمة شاة إلى أن تبلغ عشرين ومائة ، فإن زادت على العشرين ومائة واحدة ففيها ثلاث شياه إلى أن تبلغ ثلثمائة ، فإن زادت فما زاد ففي كل مائة شاة شاة ، ولا يؤخذ في الصدقة هرمة ، ولا عجفاء ، ولا ذات عوار ، ولا تيس غنم ، إلا أن يشاء المصدق ، ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خيفة الصدقة ، وما أخذ من الخليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية ، وفي كل خمس أواق من الورق خمسة دراهم ، وما زاد ففي كل أربعين درهماً درهم ، وليس فيما دون خمس أواق شيء ، وفي كل أربعين ديناراً دينار ، إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل بيت محمد ، إنما هي الزكاة تزكى بها أنفسهم ، ولفقراء المؤمنين ، وفي سبيل الله ، وابن السبيل ، وليس في رقيق ، ولا مزرعة ، ولا عما لها شيء إذا كانت تؤدي صدقتها من العشر ، وإنه ليس في عبد مسلم ، ولا في فرسه شيء .
قال : وكان في الكتاب : إن أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة إشراك بالله ، وقتل النفس المؤمنة بغير حق ، والفرار في سبيل الله يوم الزحف ، وعقوق الوالدين ، ورمي المحصنة ، وتعلم السحر ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ، وإن العمرة الحج الأصغر ، ولا يمس القرآن إلا طاهر ، ولا طلاق قبل املاك ، ولا عتاق حتى يبتاع ، ولا يصلين أحد منكم في ثوب واحد وشقه باد ، ولا يصلين أحد منكم عاقصاً( ) شعره ، ولا في ثوب واحد ليس على منكبيه منه شيء .
و كان في الكتاب : أن من اعتبط مؤمناً قتلاً عن بينة فإنه قود إلا أن يرضي أولياء المقتول ، وأن في النفس الدية مائة من الإِبل ، وفي الأنف الذي أوعب جدعه الدية ، وفي اللسان الدية ، وفي الشفتين الدية ، وفي البيضتين الدية ، وفي الذكر الدية ، وفي الصلب الدية ، وفي العينين الدية ، وفي الرجل نصف الدية ، وفي المأمومة ثلث الدية ، وفي الجائفة ( )ثلث الدية ، وفي المنقلة ( )خمس عشرة من الإِبل ، وفي كل أصبع من الأصابع من اليد والرجل عشر ، وفي السن خمس من الإِبل ، وفي الموضحة خمس ، وأن الرجل بالمرأة ، وعلى أهل الذهب ألف دينار) ( ) وعن ابن عمر قال (قال النبي صلى الله عليه وآله و سلم : لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر) ( ) .
(وروى إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد قال : كنا مع سلمان فخرج ، يقضي حاجته ، ثم جاء ، فقلنا : يا عبد الله لو توضأت ، لعلنا نسألك عن آيات الله؟
فقال : إني لست أمسه ، لأنه لا يمسه إلا المطهرون . فقرأ علينا ما نسينا . يعني : يجوز للمحدث أن يقرأ ، ولا يجوز أن يمس المصحف . وأما الجنب لا يجوز له أن يمس المصحف ، ولا يقرأ آية تامة .) ( ).
وبالنسبة لعد قراءة الجنب آية في قول أعلاه فلا دليل عليه ونسب إلى مالك القول به وأخباره ضعيفة ولا تصل النوبة إلى قوتها بانضمامها بعضها إلى بعض لإستحباب قراءة القرآن مطلقاً .
السابع : ترك العبث باليد وترك النظر في المصحف للإلتفات إلى الجهات ما يجري حول التالي .
الثامن : إظهار الخشوع والخضوع لله عز وجل .
التاسع : التدبر في معاني كلمات وآيات القرآن .
العاشر : الإستعاذة بالله واللجوء إليه سبحانه رجاء قبول التلاوة والإنتفاع الأمثل منها ، قال تعالى [فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ] ( ).
الحادي عشر : تحسين وترقيق الصوت والملاك هو الخشوع لله ، والتجديد مع الإمكان ، مع إجتناب صيغ الغناء .
الثاني عشر : التقيد بأحكام التلاوة ومراعاة الوقف الصحيح ، والوقوف عند رؤوس الآيات ، والإمتناع عن الوقف أو الوصل القبيح .
الثالث عشر : استحباب الإجتماع لتلاوة القرآن والإنصات .
الرابع عشر : الصبر عند التلاوة عن أمور الدنيا مما يمكن تركه وإرجاؤه.
الخامس عشر : التنزه عن الذنوب وإرتكاب المعاصي وهل تلاوة القرآن توبة وسبيل إلى العقود والمغفرة منها ، الجواب نعم ، وهو من فضل الله عز وجل .
ومن الإعجاز في بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن أول آية أنزلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم هي [اقْرَأْ بِاسم رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ] ( ) وأن جبرئيل كان يقرأ القرآن على النبي صلى الله عليه وآله وسلم من غير كتاب ، وكان يتدارسه معه كل سنة ، وتداركه معه في السنة التي قبض فيها مرتين.
وقد تلا النبي صلى الله عليه وآله وسلم القرآن على الجن ، إذ ورد عن (ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : قد أمرت أن أتلو القرآن على الجن فمن يذهب معي؟
فسكتوا ، ثم الثانية فسكتوا ، ثم الثالثة ، فقال ابن مسعود أنا أذهب معك ، فانطلق حتى جاء الحجون عند شعب أبي دُب ، فخط عليَّ خطاً ثم قال : لا تجاوزه ، ثم مضى إلى الحجون فانحدروا عليه أمثال الحجل حتى غشوة فلم أره قال عكرمة : وكانوا اثني عشر ألفاً من جزيرة الموصل .
ومن قال إنهم صرفوا في مشارق الأرض ومغاربها لاستعلام ما حدث فيها ، قال إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يرها) ( ).
الزكاة دليل على الإيمان
قال تعالى [إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابن السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ]( )، وورد لفظ الصدقات في القرآن ست مرات.
والصدقات جمع صدقة ، وهو ما يعطى للفقير والمسكين من مال أو طعام أو لباس بقصد القربة إلى الله تعالى لا الهدية والمكرمة.
وبين الصدقة والزكاة عموم وخصوص مطلق ، فالصدقة أعم ، ولكن قد تأتي لإرادة الزكاة ، فقد تكون الصدقة واجبة وقد تكون مستحبة وتطوعاً ، وصار العرف العام يخص المستحبة بلفظ الصدقة، وقد جاءت الآيات المكية بذكر الزكاة ، ثم جاءت السور المدنية بذكر الزكاة والصدقة , وفيه شاهد على المندوحة والسعة التي صار عليها المسلمون في المدينة .
وعن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: ” إنك ستأتي قوما أهل كتاب، فإذ جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب( ).
ومن معاني تسمية الزكاة بالصدقة تصديقها للإعتقاد ، وأن المؤمن يخرج من ماله مقداراً مخصوصاً مما يدل على صدق إيمانه.
وقيد دفع الزكاة والخمس بقصد القربة لأن كلاً منهما عبادة ويدل على التصديق من جهات:
الأولى : التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثانية : التصديق بنزول القرآن من عند الله.
الثالثة : الإقرار بقانون وهو إقتران الإيمان بالعبادات والتكاليف.
الرابعة : التصديق بيوم الحساب.
بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم والتصديق بعالم الحساب ، لذا جاء ذم الذين كفروا وإنذارهم ووعيدهم بالعذاب لإمتناعهم عن إخراج الحقوق الشرعية وعن تسخيرها في سبيل الله ، قال سبحانه [وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ] ( )
وتجب الزكاة على : البالغ ، الحر، العاقل , المالك ، المتمكن من التصرف .
أي الملك للمقدار الذي تجب فيه الزكاة ، وهو (النصاب) والمراد من التمكن من التصرف ، أي غير ممنوع من التصرف في ماله فاذا كان المال مغصوباً فلا زكاة فيه ، وكذا إذا كان مودداً مثلاً في المصرف وأمتنع المصرف عن تسليم الودائع وإن كان في هذه المسألة تفصيل فيجب أن لا يودع المال في مصرف يحتمل أنه يحجب الصرف عند حلول أوان الزكاة وكذا من عدم التمكن من التصرف الرهن الذي لا يستطيع صاحبه فكه ولو بالبيع .
ولا يختص وجوب الزكاة بالمسلمين ، فهو حكم مصاحب للنبوة في الأرض , وورد حكاية عن عيسى في التنزيل [وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنت وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي] ( ) و(البركة التي جعلها الله لعيسى ، أنه كان معلماً مؤدباً حيثما توجه)( ).
ولكن بركة عيسى عليه السلام أعم موضوعاً وحكماً وزماناً ومكاناً، ومن بركاته بشارته بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفي التنزيل[وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ]( ).
وقد أنعم الله عز وجل على المسلمين وجعلهم آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر ، وفيه شاهد على تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الأنبياء السابقين ، قال تعالى [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ] ( ).
وهل منه دفع الزكاة وإيصالها إلى المستحق , الجواب نعم، ولم يكن عيسى يملك قوت يومه ومع هذا فقد أمره الله عز وجل بالزكاة طيلة أيام حياته ، وملازمة الزكاة للصلاة .
وجوب الزكاة : الزكاة أحد أركان الإسلام الخمسة وقيل هي الركن الثالث ، وقد قرنت في القرآن بالصلاة في اثنين وثمانين موضعاً ، مما يدل على موضوعيتها في الإسلام ، منها قوله تعالى (وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ) ( )، وهل المراد من قوله تعالى [عِنْدَ اللَّهِ] إرادة الثواب في الحياة الدنيا ، المختار هو الثاني.
وقال تعالى [لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابن السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ] ( ) .
وقال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ] ( ).
وتأتي الزكاة في القرآن بألفاظ أخرى منها الحق المتعلق بالمال كما في قوله تعالى [وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ] ( ).
وفرضت الزكاة على قسمين :
الأول : ما ينمو بنفسه كالماشية إذ تتكاثر وتتوالد، والحرث والزرع إذ ينمو ويكبر .
الثاني : ما ينمو بالسعي والبيع والشراء كالنقدين من الذهب والفضة ، وهل ارتفاع قيمة الأعيان الزكوية من النماء , الجواب نعم .
والزكاة قسمان :
الأول :زكاة المال .
الثاني : زكاة الأبدان بفعل الطاعات والإمتناع عن المعاصي وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لِكُلِّ شَىْءٍ زَكَاةٌ وَزَكَاةُ الْجَسَدِ الصَّوْمُ( ).
وقال الأمام علي عليه السلام (المعروف زكاة النعم. والشفاعة زكاة الجاه. والعلل زكاة الابدان. والعفو زكاة الظفر.
وما أديت زكاته فهو مأمون السلب ) ( ).
والزكاة لغة على وجهين :
الأول : يقال زكى أي نما وتكاثر .
الثاني : التطهير ونقاء المال .
(الزَّكَوات: جمع الزّكاة. والزّكاة: زكاة المال، وهي تطهيره. زكّى يُزَكّي تزكيةً، والزكاة: الصلاح. تقول: رجل زكيٌّ تقي، ورجال أزكياءُ أتقياء.
وزَكَا الزرع يَزْكُو زَكاءً: ازداد ونما، وكل شيء ازداد ونما فهو يزكو زَكاءً.
وهذا الأمر لا يَزْكُو، أي: لا يليق ) ( ).
والخليل بن أحمد الفراهيدي (100-174) هجرية من أئمة اللغة والأدب وضع علم العروض , وقيل أخذه من الموسيقى .
وهو أستاذ سيبويه النحوي والأصمعي والكسائي(119-189 هـ) والنضر بن شميل , ولد الخليل في عُمان ومات في البصرة ، وعاش فقيراً صابراً ، شعث الرأس رث الثياب ، غير معروف من الناس ، (وقال تلميذه النضر بن شميل : أقام الخليل بن أحمد في خصّ بالبصرة، ولا يقدر على فلسين، وتلامذته يكسبون بعلمه الأموال. وكان آية في الذكاء وكان سبب موته أنه قال: أريد أن أعمل نوعاً من الحساب تمضي به الجارية إلى الفاميّ فلا يمكنه أن يظلها. فدخل المسجد وهو يعمل فكره، فصدمته سارية وهو غافل فانصرع ومات، قيل سنة خمس وسبعين ومائة وقيل سنة سبعين وقيل سنة ستين ومائة. وكانت له معرفة بالإيقاع والنغم وذلك هو الذي أحدث له علم العروض فإنهما متقاربان في المأخذ.
ويبين وجوب الزكاة قانوناً وهو لزوم إقتران العمل الصالح بالإيمان ، لذا تفضل الله عز وجل وجعل الزكاة عبادة له ، وشرطاً من شروط الإيمان ، وجاءت السنة النبوية وأقوال الأئمة عليهم السلام بالتأكيد عليها ، وحرمة ترك الزكاة .
وجاء وجوب الزكاة على النساء في القرآن ، قال تعالى [وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا]( ).
وصحيح أن الأمر بوجوب الصلاة والزكاة في الآية متوجه إلى أزواج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا أنه عام للنساء المسلمات جميعاً لوحدة الموضوع في تنقيح المناط ، ولأن لفظ [وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ] ( ) الذي ورد بصيغة التذكير إنما يفيد العموم للرجال والنساء على نحو العموم الإستغراقي ، قال المتنبي:
وما الـتأنيث لاسم الشمس عيب ولا التذكير فخر للهلال( ).
ولكن الأمر في مقام العبودية أعم ، فقد ورد التذكير فيها من جهات :
الأولى : بعث الرجال لأن يكونوا أسوة حسنة للنساء ، فتقتدي البنت بأبيها , والزوجة بزوجها ، والأخت بأختها ، والجارة بجارها ، وتتعلم النساء من الرجال .
الثانية : إرادة قيمومة الرجال على النساء لقوله تعالى [الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ] ( ) وليكون من مصاديق الولاية والقيمومة الأسوة الحسنة في أداء الصلاة وإخراج الزكاة .
الثالثة : تعلق الفرد الغالب من الزكاة بالرجال لتوليهم الحرث والزراعة والتجارة وأسباب الكسب في الغالب .
الرابعة : التسالم بأن ورود الخطاب القرآني بصيغة التذكير عنوان جامع للرجال والنساء إلا مع الدليل على التخصيص , وهو معدوم في المقام .
ليكون من معاني الجمع بين تسمية يوم الفرقان والدعوة إلى الصبر تأكيد لقانون وهو أن الصبر مائز وفرقان بين المؤمنين والذين كفروا ، إذ يتجلى هدى المؤمنين ، ويسارع الجزع إلى قلوب الذين كفروا ، وهو من مصاديق السين في قوله تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ…]( ).
فلم تقل الآية أعلاه (سوف نلقي ) لأن سوف للمستقبل البعيد على مذهب مدرسة البصرة ، قال تعالى [وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى] ( ) إذ يقول البصريون أن مدة الإستقبال بسوف أوسع وأبعد وأنها بالسين أضيق.
أما مذهب مدرسة الكوفة فهو أنهما بمعنى واحد، واختاره ابن هشام في مغني اللبيب ، وتدخل اللام على سوف ، ولا تدخل على السين .
والمختار أن النسبة بينهما هي العموم والخصوص المطلق ، فسوف أعم من السين ، فقد تأتي سوف للبعيد أو القريب أما السين فتأتي للقريب ، لذا تدل الآية أعلاه على عدم ثمة مسافة بين السماء وبين قلوب الناس وهم على الأرض .
وحالما ينزل الأمر من عند الله يتغشى الرعب قلوب الذين كفروا ويظهر على جوارحهم ، وفي إختيارهم الخاص والعام ، وهو من مصاديق قوله تعالى [تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى]( ).
وجاءت آية البحث لتفيد القطع والجزم بقوله تعالى [أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ] ( ) بلحاظ أن وجوب الإيمان، وأداء الفرائض مصاحب للبلوغ .
فمن إعجاز الآية صيغة الماضي فيها ، فلم تقل (أفمن يتبع ) بلحاظ أن صيغة الماضي قد تشمل أفراد الزمان الطولية الماضي والحاضر والمستقبل.
وتقدير آية البحث على وجوه :
الأول : أفمن اتبع رضوان الله من الأمم السالفة .
الثاني : أفمن اتبع رضوان الله من الصحابة الذين غادروا إلى دار الآخرة والنعيم .
الثالث : أفمن اتبع رضوان الله من الصحابة الأحياء أوان نزول آية البحث .
الرابع : أفمن اتبع رضوان الله بعد نزول آية البحث .
الخامس : أفمن اتبع ويتبع رضوان الله من المسلمين .
السادس : أفمن اتبع رضوان الله من المسلمين أيام تلاوتك لآية البحث، وقراءة إمام الجماعة لآية البحث .
السابع : أفمن سيتبع رضوان الله من الأجيال القادمة من المسلمين ، ومن معاني (اتبع) وصيغة الماضي في المقام حث المسلمين على عدم التفريط وفعل المعصية، وبيان قانون دائم في جلائه وإشراقته كل صباح ومساء , وهو أن باب التوبة واسع .
وآية البحث والآيات السابقة لها تتضمن هذا القانون ولكن آية البحث تدعو المسلم إلى الثبات في منازل الإيمان ، وعدم الإفتتان بالدنيا وزينتها .
وعن عبد الله بن مسعود قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : استحيوا من الله حق الحياء , قالوا : يا رسول الله ، إنا لنستحيي والحمد لله ، فقال : من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما حوى ، والبطن وما وعى ، وليذكر الموت والبلاء.
ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا ، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء) ( ).

مشاركة

Facebook
Twitter
Pinterest
LinkedIn

مواضيع ﺫات صلة