معالم الإيمان في تفسير القرآن – الجزء- 163

المقدمة
الحمد لله الذي تتغشى مشيئته الخلائق كلها بصبغة الرحمة واللطف منه تعالى، وجعل لكل شيء أمداً وأجلاً تتجلى فيه وفي تعيينه حكمته وعظيم سلطانه.
الحمد لله الذي لا إله إلا هو الذي لا يشرك في حكمه أحداً ليدرك الناس وجوب عبادته وحده ، ولزوم التنزه عن الرياء , ونبذ مفاهيم الضلالة.
الحمد لله الذي تقصر الخلائق عن حمده وثنائه وإن جعلت الشكر يستوعب كل أوقاتها ولكنه سبحانه يقبل القليل ويرضى باليسير من العباد ويعطي الكثير لمن شكره وأثنى عليه ولغيرهم ، من ذريته وأبنائه وجيرانه.
الحمد لله الذي قال[وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ]( ) فتعبده أمة من أهل الأرض فينزل المطر ويقيض أسباب الرزق للناس جميعاً، ويديم الحياة الدنيا ويرجئ الحساب عن الناس، فقد يولد للكافر ولد صالح يدعو له وإن كان حفيداً له.
الحمد لله الذي تسبح له ملائكة لا يحصي عددهم إلا هو سبحانه، ونسأله تعالى أن يكتب لنا تسبيحاً بعدد تسبيح الملائكة ويؤتينا أجر هذا التسبيح في العاجل والآجل من الدنيا ، ويتفضل بالإذن له بالحضور شفيعاَ لنا ولآبائنا ,وهو من مصاديق خاتمة الآية التي إختص هذا الجزء بتفسيرها[وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ]( ).
الحمد لله الذي لا ندعو غيره ، ولا نرجو إلا فضله ، ولا نأمل المغفرة إلا منه سبحانه بيده مقاليد الأمور , وهو الذي أظهر الجميل وستر القبيح .
الحمد لله الذي لا تحصى نعمه على الفرد الواحد منّا لبيان قانون تتقوم به الحياة الدنيا ، وهو عجز الخلائق كلها عن إدراك وإحصاء النعم التي يتفضل بها الله عز وجل على الفرد الواحد من البشر مؤمناً أو كافراً ، براً أو فاجراً ، مع تفضل الله عز وجل بمضاعفة النعم للمؤمن والعباد الصالحين .
الحمد لله الذي جعل رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نعمة عظمى تترشح عنها النعم المتجددة إلى يوم القيامة ، وتحتمل الآية القرآنية في المقام وجوهاً :
الأول : الآية القرآنية نعمة متحدة .
الثاني : الآية القرآنية نعم متعددة في موضوع متحد .
الثالث : الآية القرآنية نعم متعددة في ذاتها ومضمونها وموضوعها ، وهذه النعم متصلة غير منقطعة وإلى يوم القيامة .
والصحيح هو الثالث ، فالآية القرآنية كلام الله عز وجل الذي أنزله على خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأراد الله عز وجل لآياته أن تكون خزائن للخير والبركة ، ووسيلة للعفو والمغفرة ، وعلة لإستدامة الحياة الإنسانية ، لذا تعاهدها الله عز وجل في رسمها ولفظها وتلاوتها ، ويدل عليه قوله تعالى [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون] ( ) .
ويترشح عن الآية القرآنية لزوم شكر الله عز وجل عليها لأنها رحمة وأمان للناس جميعاً .
وهل تشمل هذه الرحمة الذين حاربوا النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم والتنزيل كما تدل عليه آية البحث أم أنهم يخرجون بالتخصص أو التخصيص .
الجواب هو الأول لعمومات قوله تعالى[وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ) وتقدير الآية بحسب هذا اللحاظ على وجوه:
الأول : وما أرسلناك بالآية القرآنية إلا رحمة للعالمين.
الثاني : وما أرسلناك بتلاوة آيات القرآن على الناس إلا رحمة للعالمين .
الثالث : وما أرسلناك ببيان القرآن والأحكام وأمور الدين والدنيا إلا رحمة للعالمين .
الرابع : وما أرسلناك إلا لتعمل أمتك بسنن القرآن رحمة للعالمين ، إذ أن ثبات المسلمين في مقامات الإيمان دعوة للناس للهداية ، وزاجر عن عبادة الطواغيت وإتخاذ الأصنام وسائط تقربهم زلفى إلى الله , وورد في ذم المشركين وعبدة الأصنام [مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى] ( ).
ومن خصائص الآية القرآنية تضمنها للقوانين سواء في منطوقها أو مفهومها، ومنه الآية التي جاء هذا الجزء خاصاً بتفسيرها ، وهو قوله تعالى[فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ]( ).
ومع أن العلوم التي تستنبط من آيات القرآن في هذا السِفر المبارك مستحدثة وآية مباركة لم يشهد لها التأريخ مثيلاً فانها جزء يسير ، وكالقطرة من البحر من الذخائر التي تتجلى في آيات القرآن ، وتدعو العلماء في كل زمان للغوص في بحارها وآفاقها واستخراج الدرر واللآلئ منها .
اللهم لك الحمد بعدد النعم التي تترشح عن الآية القرآنية في أيام الحياة الدنيا وحضورها في الآخرة .
ولك الحمد على تلاوة المسلمين لآيات القرآن في كل يوم عدة مرات ، ولك الحمد على كل آية قُرئت في الماضي , أو تقرأ في هذا الزمان أو في المستقبل.
اللهم لك الحمد أن جعلت القرآن يبدأ بالبسملة ثم [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ]( ) والحمد لك اللهم على إمهالك وحلمك عن كل إنسان ، ولك الحمد في السر والعلانية ، وفي السراء والضراء ، وفي الغبطة والحزن ، وفي حال العافية والمرض ، والغنى والفقر ، وفي آناء الليل وأطراف النهار ، اللهم لك الحمد على الوعد الكريم منك بمحو السيئات وتثبيت الحسنات ومضاعفتها ، كما في قولك[يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ]( ).
اللهم لك الحمد على الهداية للبر بالوالدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وهل يمكن القول أن كل آية من القرآن دعوة للأمر بالمعروف، وزاجر عن المنكر، الجواب نعم، وفي التنزيل[وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ]( ).
الحمد لله للتوفيق على بلوغ أجزاء هذا التفسير مائة وثمانية وخمسين جزءً ولا زلت في سورة آل عمران , وكل هذه الأجزاء مسائل مستنبطة وعلوم مستقرأة من ذات آيات القرآن .
الحمد لله الذي أنعم عليّ وجعلني أقوم بتأليف ومراجعة وتصحيح هذه الأجزاء بمفردي من غير إعانة إلا منه هو سبحانه إلى جانب كتبي الفقهية والأصولية والكلامية وأمور الفتوى ، وهو من مصاديق خاتمة الآية التي جاء هذا الجزء في تفسيرها وبيان نكات عقائدية وعلمية منها[وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ]( ).
سبحان الله الذي جعل القرآن مائدة السماء يرتوي منه العطشان ، ويتزود منه الفرد والجماعة والأمة ، وهو دستور السماء ، والجامع المشترك لذوي الألباب والباعث على الحكمة والتدبر في الأمور ، ولا يقدر على جعل كلمات محدودة تحيط باللامحدود من الوقائع والأحداث إلا الله عز وجل ، لذا نسب القرآن إلى نفسه وأخبر بأنه كلامه ، وفي التنزيل [أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ] ( ) لبيان قانون سلامة القرآن من التحريف وفضح الذين أرادوا تحريفه لتنقطع هذه النوايا ويغلق باب محاولة تحريف كلام الله إلى يوم القيامة ، فالكتاب الذي بين أيدينا هو الذي نزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من غير زيادة أو نقصان وسيبقى هكذا حتى ظهور الإمام المهدي من آل محمد وإلى يوم القيامة ، قال تعالى[لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ]( ).
الحمد لله الذي فتح باب الدعاء من غير تقييد أو تشديد ، قال تعالى[ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ]( ).
لتكون للدعاء موضوعية في هذا السِفر من حيث كتابته والتوسعة فيه ، والنجاة من ضروب الإبتلاء في غيابت السجون , وفضله تعالى في إطالة العمر وحسن أسباب ومقدمات التحصيل والتدريس, وهو من أعظم النعم الظاهرة والباطنة ، قال تعالى[فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ]( ).
ومن الكنوز في آية البحث أنها ومع قلة كلماتها ذكرت أموراً :
الأول : النعمة من الله .
الثاني : الفضل من الله المصاحب للنعمة .
الثالث : سلامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين والأنصار من السوء والأذى سواء الذي يأتي من الذين كفروا أو جيوشهم أو من آفة أرضية أو سماوية ، لأن الله عز وجل إذا وهب فانه يهب بالأعم والأشمل.
الرابع : إختتام آية البحث ببيان قانون من الإرادة التكوينية وهو[اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ]( ) وفيه مسائل:
الأولى : لا يتصف بهذه الصفة إلا الله عز وجل .
الثانية : لا يستطيع أحد من الخلائق أن يقول أنه ذو الفضل العظيم ، وقد طغى نمرود وأدّعى الربوبية ، ولم يجرأ على مثل هذا القول ، إنما قال[أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ]( ) فابطل الله مغالطته في الحال على لسان إبراهيم عليه السلام .
الثالثة : ليس من أحد من الخلائق إلا وهو محتاج لفضل الله عز وجل ، وهو من مصاديق عظمة فضله تعالى .
الرابعة : ليس من حصر لمصاديق فضل الله ، ولا لصبغة العظمى التي يتصف بها .
الخامسة : يأتي فضل الله ضياءً وهداية ووقاية وعلاجاً ودواء ، وذخيرة وحرزاً وصراطاً مستقيماً وحجة ودليلاً في أمور الدين والدنيا .
لقد أنعم الله عز وجل على الإنسان بأن جعله[فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( ) وهل هو من فضل الله أم من فضل الله العظيم ، الجواب إنه منهما معاً فليس من تعارض بين الأمرين .
وتدل خاتمة آية البحث على إنتفاع المسلمين مجتمعين ومتفرقين من فضل الله وعظمة هذا الفضل .
الحمد لله الذي جعل لكل شيء قدراً وأجلاً ليدل على بديع صنعه، وعظيم قدرته، قال تعالى[كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى]( ).
الحمد لله الذي لقّن العباد قول الحمد لله، وجعلها كلمة باقية في الأرض إلى يوم القيامة ببركة بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وهل من موضوعية في بقائها لدماء شهداء بدر وأحد الذي قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخصوص قتلى معركة أحد (زَمّلُوهُمْ فِي ثِيَابِهِمْ بِكُلُومِهِمْ ، فَإِنّهُمْ يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ اللّوْنُ لَوْنُ الدّمِ وَالرّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ ” وَهَذَا غَيْرُ مُخْتَصّ بِهِمْ وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ ” كَفّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ فَإِنّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبّيًا) ( ) .
الجواب نعم ليتصل ويتضاعف الثواب الذي يفوزون به من عند الله.
الحمد لله الذي ستر على العباد ذنوبهم وعيوبهم وهو اللطيف الخبير وهذا الستر من مصاديق مقام الخلافة الذي أنعم به على الإنسان، ومن عمومات قوله تعالى[إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ) ليجعل الله هذا الستر طريقاً للتوبة وترغيباً بالإنابة والتدارك بعمل الصالحات.
الحمد لله الذي له[مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ]( ) وعنده مفاتيح الغيب ولا يعلم ما كان وما يكون إلا هو سبحانه ، وهو من مختصاته سبحانه تلك المختصات التي لا تحصيها الخلائق وإن إجتمعت .
ويمكن تأسيس علم جديد وهو (بيان كل آية قرآنية لما يختص به الله عز وجل ) سواء في منطوقها أو مفهومها ، وهو علم يبقى مفتوحاً ليضيف العلماء له في كل زمان وجوهاً جديدة مما يرونه ويقرأونه في الآية القرآنية من الأمور التي يختص بها الله وحده ، ومنها آية البحث التي يختص بتفسيرها هذا الجزء وهو الثالث والستون بعد المائة ، والآية هي [فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ] ( ) : وفيها بلحاظ هذا القانون مسائل :
الأولى : خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى حمراء الأسد فهذا الخروج لا يعلم به إلا الله عز وجل من الأزل ، وقد علم به الناس حين خرجوا إلى حمراء الأسد.
الثانية : عودة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه سالمين من حمراء الأسد ، إذ كان الناس يخشون عليهم ، ويخافون من كرّة ورجوع الذين كفروا عليهم ، كما ورد في الآية السابقة [إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ] ( ).
الثالثة : عدد وأشخاص الذين يخرجون مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى حمراء الأسد ، ويختص الله عز وجل بهذا العلم قبل خروجهم وبعده أيضاً إذ اختلفت الروايات عن عددهم وهل هم مائتان أم مائتان وسبعون، أو غير هذا العدد .
الرابعة : مدة بقاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حمراء الأسد .
الخامسة : نزول الآية السابقة والتي تتضمن تحذير الناس للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من جيش كفار قريش .
السادسة : بلوغ المسلمين مرتبة التوكل على الله وتفويض أمورهم إليه سبحانه بقولهم[حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ].
السابعة : منافع المهاجرين والأنصار من قولهم[حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ]( ) وما يترشح منه على ذويهم وذراريهم .
وفي دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم (اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار)( ).
ولا يعلم وجوه الصلة بين قول المهاجرين والأنصار[حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ] وبين قوله تعالى[فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ] إلا الله.
الثامنة : ذكرت آية البحث الفضل، وهو الزيادة في الخير والإحسان والتفضل من الله عز وجل وحين يكون الفضل من عند الله تكون له معان متعددة بلحاظ مناسبة الموضوع والحكم، وفي التنزيل[قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ]( ) ومن فضل الله أمور :
الأول : الرزق الكريم .
الثاني : صرف البلاء والأذى .
الثالث : زيادة الإيمان، فان قلت قد ورد في الآية ذكر هذه الزيادة بقوله تعالى[فَزَادَهُمْ إِيمَانًا]( ).
وهذا صحيح , ولكن آية البحث تدل على زيادة في الإيمان غير الزيادة في الآية السابقة وتكون مضافة إليها ، بمعنى إرتقاء المهاجرين والأنصار في مراتب الإيمان السامية .
الرابع : من فضل الله تثبيت نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الأرض ، قال تعالى [وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً * إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا] ( ) .
الخامس : من فضل الله سلامة المسلمين والمسلمات من الإرتداد وهل لرجوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من حمراء الأسد سالمين موضوعية بهذه السلامة .
الجواب نعم ، إذ كانت الإشاعات تنتشر بالمدينة ، وكان الذين كفروا يواصلون التهديد للمسلمين .
السادس : لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار امتحان وإبتلاء يجتهد فيها الإنسان للكسب وجلب النفع ودفع الضرر ، ويسعى لكسب الرزق والزيادة على ما يحتاج إليه .
مع تفضل الله عز وجل بتيسير أسباب الكسب ، قال تعالى [وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ] ( ). ليكون من معاني الفضل في آية البحث مجئ الرزق الكريم للمسلمين من غير تعب أو مشقة ، ولم تمر الشهور والسنون حتى صارت الغنائم والأموال تأتي للمؤمن على نحو دفعي ، لتكون مقارنة لدخول الناس جماعات وقبائل في الإسلام ، كما في قوله تعالى [إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا] ( ).
لبيان قانون من الإرادة التكوينية وهو مع دخول الناس في الإسلام فان الله عز وجل ينزل فضله الواسع على المسلمين بحيث يسر ويغتبط المؤمنون الأوائل بدخول الناس في الإسلام ، وعدم الخشية من دخولهم على المكاسب والرزق والشأن .
السابع : من فضل الله الذي رجع به النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حمراء الأسد صدور معجزات متعددة على يديه حسية وعقلية ، وفي التنزيل [وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ] ( ).
لقد جعل الله عز وجل لفظ الفضل في آية البحث على نحو النكرة لبعث المسلمين على الدعاء لسؤال مضاعفة ذات الفضل الذي رجع به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من حمراء الأسد .
وهل يختص هذا الدعاء والمسألة بالمهاجرين والأنصار ، الجواب لا ، فهو متجدد إلى يوم القيامة ، وفيه تأكيد لقانون وهو لا يعلم الفضل الإلهي الذي ذكرته آية البحث إلا الله عز وجل ، وهو في زيادة مطردة .

حرر في الثالث من شهر صفر الخير 1439
24/10/2017

قوله تعالى[فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ] الآية 174.
الإعراب واللغة
فأنقلبوا : الفاء حرف عطف : انقلبوا : فعل ماض مبني على الضم وواو الجماعة : فاعل .
بنعمة : الباء : حرف جر .
نعمة : اسم مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة تحت آخره , ويتعلق بمحذوف حال من ضمير الفاعل في انقلبوا .
من الله : جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لـ(نعمة) .
وفضل : الواو حرف عطف ، فضل اسم معطوف على نعمة ، وهو مجرور مثله .
لم يمسسهم سوء: لم : حرف نفي وقلب وجزم .
يمسسهم : فعل مضارع مجزوم .
هم : ضمير مفعول به .
سوء : فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره .
وأتبعوا : الواو : حرف عطف .
اتبع : فعل ماض مبني على الضم ، واو الجماعة : فاعل .
رضوان : مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة على آخره وهو مضاف .
الله : لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور .
والله ذو فضل : الواو حرف استئناف .
الله : لفظ الجلالة مبتدأ مرفوع .
ذو : خبر مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه من الأسماء الخمسة .
فضل : مضاف إليه مجرور ، وعلامة جره الكسرة الظاهرة تحت آخره .
عظيم : صفة لفضل مجرور مثله ، لأن الصفة تتبع الموصوف في حركة الإعراب .
والإنقلاب تحويل الشيء عن وجهه، والإنصراف عن الشيء، والإنقلاب إلى الله المصير والرجوع إليه، وفي التنزيل[قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ]( ).
النعمة: السعادة وطيب العيش، وما فيه الغبطة والرضا، وضد النعمة البؤس والنعمة مفرد نِعم، وتأتي النعمة بمعنى الهبة والعطية والمنحة وهو المقصود في آية البحث.
والنعمة الدنيوية على أقسام منها:
الأولى : النعمة الظاهرة.
الثانية : النعمة الباطنة.
الثالثة : النعمة المنقطعة.
الرابعة : النعمة الدائمة.
الخامسة : النعمة التوليدية.
السادسة : النعمة الباقية في الترديد والعقب.
وبين النعمة والنعيم عموم وخصوص مطلق، فكل نعيم هو نعمة وليس العكس، قال تعالى[ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ]( ).
والمس إلتقاء شيئين من غير برزخ بينهما , والمس بالنسبة للإنسان أخص إذ أنه يعني إتصال الشيء بالبشرة وإحساس الإنسان به بلحاظ أن قوة اللمس تتأثر بأدنى شيء وهو من فضل الله عز وجل وأسرار خلافة الإنسان في الأرض، وأسباب سلامته والتنعم بالخير، وقدرته على الإقرار ومن مصاديق قوله تعالى[إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( ).
بحث نحوي
الأسماء الخمسة هي : أب ، أخ ، حم ، فو ، ذو ، وتأتي ذو بمعنى الصاحب والصديق , فالحق بالأسماء الخمسة ومنهم من أضاف لها سادساً وهو (هنّ) ولكنه يعرب أحياناً بالحركات .
ويشترط في إعرابها أمور :
الأول : الإفراد مثل أبوك ، أخوك ، فوك ، ولكنها إن جاءت بصيغة المثنى فانها تعرب إعراب المثنى ، وكذا إذا كان جمعاً .
الثاني : أن يكون الاسم من الأسماء الخمسة مضافاً كما في قوله تعالى[إِنِّي أَنَا أَخُوكَ]( ) [اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ]( ) [وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ]( ).
الثالث : يجب أن يكون المضاف إليه غير ياء المتكلم لأن الأسماء الخمسة تعرب في حالة إضافتها لياء المتكلم مثل باقي الأسماء ، ولكن بحركات مقدرة ، كما ورد في التنزيل [إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ] ( ) .
الرابع : أن تكون (فو ) بمعنى الفم مع زوال الفاء فاذا قيل (فم) فانه يعرب بالحركات الظاهرة .
الخامس : إضافة ذو إلى اسم ظاهر كما في آية البحث [وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ] ( ) أما إذا كان الاسم مضافاً إلى ضمير فيعرب بالحركات .
السادس : يشترط أن تأتي (ذو) بمعنى صاحب وإلا فتعرب بحسب موقعها من الجملة بالحركات .
السابع : أن تكون مكبرة ، فاذا صُغّرت أعربت بالحركات الظاهرة ، ويكون إعراب الأسماء الخمسة عند إجتماع الشروط .
فاذا قلت : هذا أخيّك، فأخيّك : خبر مرفوع بالضمة الظاهرة على آخره لأنه مصغر ، وهو مضاف والضمير الكاف مضاف إليه ،وحركة إعرابه على وجوه :
الأول : علامة الرفع الواو ، بدلاً من الضمة .
الثاني : علامة النصب الألف بدلاً عن الفتحة ، كما في قوله تعالى [أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنْ اللَّهِ] ( ).
الثالث : علامة الجر الياء بدلاً من الكسرة ، كما ورد عن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني . ( عن أبيه ، عن جده ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه سمع رجلا يقول : ها خضرة ، فقال : يا لبيك ، نحن أخذنا فألك من فيك ، اخرجوا بنا إلى خضرة , فخرجوا إليها ، فما سل فيها سيف) ( ).

سياق الآيات
صلة هذه الآية بالآيات المجاورة , وهي على شعبتين :
الشعبة الأولى : صلة هذه الآية بالآيات المجاورة السابقة , وهي على وجوه :
الوجه الأول : صلة هذه الآية بالآية السابقة [الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ]( ) وفيه مسائل :
المسألة الأولى : إبتدأت آية البحث بحرف العطف الفاء مما يدل على اتحاد الموضوع في الآيتين , وعدم الفصل بينهما من جهة تعاقب مسائل الموضوع ولا بأس باحصائية لعدد الآيات التي تبدأ بحرف العطف الواو ، وأخرى بالآيات التي تبدأ بحرف العطف الفاء، والفارق بينهما من جهة:
أولاً : اللغة والنحو.
ثانياً : الموضوع.
ثالثاً : الدلالة والحكم.
رابعاً : الصلة مع الآية السابقة
وقد تقدم في الجزء السابق أن آية السياق تذكر ثلاثة أطراف وهم :
الأول : المهاجرون والأنصار , ويدل عليهم قوله تعالى [الَّذِينَ]في بداية الآية .
الثاني : رهط من الناس من أهل القرى والركبان في الطريق بين مكة والمدينة ، وهو الذي يدل عليه لفظ الناس في قوله تعالى [الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ]( ) .
لتوثق الآية السابقة قولهم ، وتدعو العلماء والباحثين إلى معرفة مضامين ومعاني ودلالات قولهم هذا .
الثالث : جيش عرمرم من كفار قريش ومن والاهم وخرج معهم من القبائل، وهو الذي ورد في الآية السابقة[إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ]( ) إذ يعود لهم لفظ الناس , وواو الجماعة أعلاه .
فقد رآى أهل تلك القرى أن جيش الذين كفروا كبير وأنه من قبائل شتى .
وهل له صلة في انقلاب ورجوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه سالمين إلى المدينة ، كما تبينه آية البحث ، الجواب نعم، لأن هذا القول شاهد على صبر وجهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وإظهارهم حسن التوكل على الله عز وجل ، فصار هذا التوكل باعثاً للخوف في قلوب الذين كفروا، وزاجراً للناس من إعانتهم ونصرتهم ، فان قلت قد جاءت قريش بعد أحد بعشرة آلاف رجل في معركة الخندق وهو أكثر من ثلاثة أضعاف عددهم في معركة أحد ، وأكثر من عشرة أضعاف عددهم في معركة بدر .
ووردت تسميتهم في القرآن بالأحزاب لتحشيد القبائل وتحزبهم بعضهم مع بعض لمحاربة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ حضر مع كفار قريش رجال من كل من:
الأولى : قبيلة كنانة .
الثانية : الأحابيش .
الثالثة : قبيلة غطفان .
الرابعة : قبيلة فزارة .
الخامسة : قبيلة بني مرة .
السادسة : قبيلة أشجع .
السابعة : قبيلة بني أسد .
الثامنة : قبيلة سُليم .
التاسعة : نفر من بني قريظة .
وتبين آية البحث رجوع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى المدينة سالمين ، وهذه العودة مطلوبة بذاتها وهي وسيلة ومقدمة لنشر الإسلام في أنحاء الجزيرة وبناء صرح دولة النبوة والتنزيل مما أغاظ المشركين والفاسقين والمنافقين وأعداء الإسلام ، فصار بعضهم يحرض بعضاً .
فجمعوا القبائل للإجهاز على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
ومن إعجاز القرآن نزول سورة كاملة اسمها سورة الأحزاب يتعلق موضوع أكثر آياتها البالغة ثلاثاً وسبعين بمعركة الأحزاب، قال تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا *إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا * وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً]( ).
ومن خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا لاقى العدو توجه إلى الدعاء وتضرع إلى الله عز وجل رجاء تفضله بالنصر ، ولقد اجتهد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالدعاء ليلة معركة بدر وصبيحتها فجاء النصر من الله ، كما ورد في التنزيل [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ]( ) ليكون هذا النصر حجة على المسلمين بلزوم اللجوء إلى الدعاء في الملمات وعند الشدائد، وفي حال الرخاء والضراء , وفي التنزيل[ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً]( ).
وهل الدعاء في الحرب وساحة المعركة من مصاديق العبادة في قوله تعالى[وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ]( ) الجواب نعم، فهذا الدعاء عبادة ومقدمة لضروب من العبادة ، إذ أراد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إقامة الناس الفرائض العبادية بأمن وسلام .
(وَكَانَ إذَا لَقِيَ الْعَدُوّ قَالَ اللّهُمّ مُنَزّلَ الْكِتَابِ وَمُجْرِيَ السّحَابِ وَهَازِمَ الْأَحْزَابِ اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ وَرُبّمَا قَالَ(سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلّونَ الدّبُرَ بَلْ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرّ)
وَكَانَ يَقُولُ اللّهُمّ أَنْزِلْ نَصْرَكَ , وَكَانَ يَقُولُ “اللّهُمّ أَنْتَ عَضُدِي وَأَنْتَ نَصِيرِي وَبِكَ أُقَاتِل
وَكَانَ إذَا اشْتَدّ لَهُ بَأْسٌ وَحَمِيَ الْحَرْبُ وَقَصَدَهُ الْعَدُوّ يُعْلِمُ بِنَفْسِهِ وَيَقُولُ أَنَا النّبِيّ لَا كَذِبَ أَنَا ابن عَبْدِ الْمُطّلِبِ)( ).
وهل تنحصر منافع الدعاء والمسألة في ميدان المعركة بأوانها وأحداثها , أم أن منافعه تستمر وتتجدد ، الصحيح هو الثاني ، وهو من فضل الله عز وجل ليكون من معاني الإستجابة في قوله تعالى[ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ]( ) وجوه :
الأول : الإستجابة في ذات موضوع الدعاء .
الثاني : الإستجابة فيما يترشح عن موضوع الدعاء .
الثالث : الإستجابة بالإنتفاع الأمثل من تحقق الإستجابة في مسألة الدعاء .
الرابع : الإستجابة في أمر آخر غير موضوع الدعاء ، وهو من فضل الله وعمومات قوله تعالى [وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ] ( ).
الخامس : الإستجابة الفورية في ذات موضوع الدعاء ، أو غيره .
السادس : إرجاء الإستجابة , لعلم الله عز وجل بأن الإرجاء هو الأنفع للعبد .
المسألة الثانية : لقد ذكرت آية السياق كلامَ وتحذير رهط من الناس للمسلمين ، وتخويفهم من الجمع الكبير للذين كفروا ، أما آية البحث فأختصت بالإخبار عن حال المسلمين وحسن عاقبة إظهارهم التوكل على الله، وتفويض الأمور إليه سبحانه.
لقد كان رؤساء جيش الكفار يتلاومون فيما بينهم على رجوعهم دون تحقيق أي غاية جاءوا من أجلها ، أما المسلمون فقد كانوا يظهرون التوكل على الله ، ويؤدون الصلاة بامامة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الطريق إلى حمراء الأسد ، وفي ذات موضع حمراء الأسد الذي بقوا فيه ثلاثة أيام .
لقد أراد الناس من المسلمين الحذر وأخذ الحائطة من جيش الذين كفروا ، فلم يتركوا قولهم إنما أجابوهم بالقول والعمل، أما القول فأنهم قالوا[حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ]( ) .
وأما العمل فأنهم ازدادوا ايماناً، واجتهدوا في طاعة الله ورسوله ، وفي أداء الصلاة والمناجاة بسنن التقوى، وكانت النتيجة رجوعهم إلى المدينة بأمن وأمان .
لقد كانت القبائل العربية يغزو بعضها بعضاً، وتنشب المعارك بينهم، وليس عندهم إلا العصبية القبلية[الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ]( ) فجاء الإسلام بالتوكل على الله، والوثوق برحمته لتذكير الناس بوجوب عبادته سبحانه ونبذ عبادة الأصنام.
ومن الآيات أن الله عز وجل نصر نبيه في معارك الإسلام حتى تم فتح مكة بمعجزة حسية ظاهرة ، إذ عجز رؤساء الكفار عن القتال والدفاع عن أنفسهم ، وقبل الفتح بخمس سنين نزلت آية البحث والسياق لبيان تخويف ووعيد الذين كفروا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين ، ومقابلة المسلمين له بحسن التوكل على الله ، ليقودهم هذا التوكل وزيادة الإيمان إلى فتح مكة وإزاحة الأصنام عن البيت الحرام .
المسألة الثالثة : ابتدأت آية السياق بالاسم الموصول [الذين] ويعود إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين والأنصار الذين خرجوا معه في مطاردة جيش قريش ومن والاهم لتأتي آية البحث خاصة بهم وبأفعالهم بما يتضمن الثناء عليهم.
وتقدير الجمع بين الآيتين : الذين انقلبوا بنعمة من الله ) وتبين آية البحث حسن عاقبة التوكل على الله ، ومن منافعه صرف كيد العدو ، ودفع شره.
ومن معاني الجمع بين الآيتين بيان خروج النبي وأصحابه من المدينة لملاحقة جيش العدو الذين قتلوا سبعين من المسلمين قبل يوم واحد في ميدان معركة أحد، قال تعالى[أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ]( ).
لقد دخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدينة مهاجراً قبل ثلاث سنوات من الوقائع التي تذكرها آية البحث ليدخلها بعد معركة أحد سالماً فتتغشى البشارة والسعادة أهل المدينة.
وهل هو من مصاديق قوله تعالى[وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا]( ) أم أن القدر المتيقن من البشارات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هي آيات القرآن وأحكام العبادات والبشارة بالأجر العظيم وخلود المؤمنين في النعيم .
المختار هو الأول ، فعودة النبي من كل معركة وغزو هو بشارة لأهل المدينة، وقد تجلى مصداق له عند إشاعة قتله في معركة أحد ، وبلوغ هذه الإشاعة إلى المدينة ومنتدياتها وبيوتها .
وعندما رجع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من معركة أحد مرّ ببيوت بني دينار، فخرجت امرأة فنعوا لها زوجها واخوها وأبوها في فاجعة أليمة تدل على إصرار الذين كفروا على محاربة الإسلام والإنتقام من المسلمين ، وهو من مصاديق إنكار الملائكة لخلافة الإنسان في الأرض كما ورد في التنزيل [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ] ( ) فقد أصيبت هذه المرأة أشد مصيبة .
فتفضل الله عز وجل وأخبر عن حال الشهداء وأنهم أحياء عنده سبحانه بقوله تعالى[وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ]( ).
ثم أنعم عليها بأن عاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سالماً، فحينما نعوا لها فقد أحبتها ، قالت : فما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أرادت الإطمئنان على الإسلام والتنزيل بسلامته صلى الله عليه وآله وسلم , وبيان فداء وتضحية الأنصار في الذب عن شخصه الكريم .
فأخبرها الصحابة بأنه بخير إذ قالوا (خَيْرًا يَا أُمّ فُلَانٍ هُوَ بِحَمْدِ اللّهِ كَمَا تُحِبّينَ)( ).
ولكنها لم تكتف بقولهم ، وألحت بان تراه وتنظر إليه .
(فَأُشِيرَ لَهَا إلَيْهِ حَتّى إذَا رَأَتْهُ قَالَتْ : كُلّ مُصِيبَةٍ بَعْدَك جَلَلٌ تُرِيدُ صَغِيرَةً)( ).
المسألة الرابعة : أخبرت آية السياق عن خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه خلف جيش المشركين ، وتحذير الناس لهم ، وتتعدد وجوه الإحتمال لما يحدث لهم من جهات :
الأولى : رجوع الذين كفروا عليهم وحدوث الإقتتال بينهم .
الثانية : إجراء الصلح بين الطرفين .
الثالثة : تعرض طائفة من الكفار للمسلمين من غير جيش قريش وحلفائهم , وكان العرب يميلون في الفلوات والبراري إلى السلب والنهب.
الرابعة : قيام الذين كفروا بقتل أو أسر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
الخامسة : نصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين والأنصار ونزول الملائكة مدداً وعوناً لهم .
وأخبرت آية البحث عن سلامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وعودتهم إلى المدينة من دون أن يصابوا بأذى وهو من مصاديق قوله تعالى[وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ]( ).
ومن معاني قوله تعالى[خَيْرُ الْمَاكِرِينَ] أن رجوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم سالماً إلى المدينة رحمة به وبالمسلمين والناس جميعاً، لتوالي نزول آيات القرآن عليه، وتثبيت أحكام الشريعة.
وقد وقعت معركة أحد في السنة الثالثة .
(عن أبي هريرة قال : لما كان يوم غدير خم وهو يوم ثماني عشر من ذي الحجة ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : من كنت مولاه فعلي مولاه . فأنزل الله{اليوم أكملت لكم دينكم}( ).
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله{اليوم أكملت لكم دينكم} قال: هذا نزل يوم عرفة ، فلم ينزل بعدها حرام ولا حلال ، ورجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فمات .
فقالت أسماء بنت عميس : حججت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تلك الحجة ، فبينما نحن نسير إذ تجلى له جبريل على الراحلة ، فلم تطق الراحلة من ثقل ما عليها من القرآن فبركت ، فأتيته فسجيت عليه برداً كان عليّ.
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: مكث النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما نزلت هذه الآية احدى وثمانين ليلة)( ).
المسألة الخامسة : إبتدأت آية البحث بحرف العطف الفاء مما يدل على عطف وترتب موضوعها على الآية السابقة , وفيها بيان للحسن الذاتي للتوكل على الله وسرعة الجزاء من عند الله عليه .
وفيه موعظة ودرس للمسلمين والمسلمات، وحث لهم على اللجوء إلى الله عز وجل في حال الشدة والعسر .
لقد خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه للحوق بالعدو الكافر فلابد أن الله عز وجل هو الذي يذب عنهم، وفي التنزيل[وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ] ( ) أي أن الله كافيه.
وعن ابن عباس قال (من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده ، ومن أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله)( ).
المسألة السادسة : لقد تقدم قبل ثلاث آيات الإخبار عن حياة الشهداء وتمتعهم بنعمة الله وفضله وإحسانه مع وعد من الله عز وجل بأنه[لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ]( ).
فجاءت آية البحث لتخبر عن مصداق للأجر والثواب من عند الله للمؤمنين الذين يعملون الصالحات .
لقد استجاب المهاجرون والأنصار لرسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالخروج خلف العدو ، فجاءهم الأجر بأن رزقهم الله عز وجل ما رزق الشهداء فرجعوا إلى المدينة وكأنهم دخلوا الجنة وأنهم عند الله عز وجل في ظلال عرشه .
وتضمنت الآية السابقة تحذير الناس للمسلمين من بطش جيش الذين كفروا، وكيف أنهم عزموا على الرجوع للقتال ، فأجابهم المسلمون [حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ] ( ) فيتساءل الناس ترى ماذا كانت العاقبة ، وهل رجع المشركون للقتال ، أم استمر النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه بالسير نحو مكة ، فجاءت آية البحث بالجواب والإخبار عن عاقبة الأمور بأن رجع النبي وأصحابه إلى المدينة المنورة بسلام وأمن ، ومن مصاديق النعمة في المقام صرف الذين كفروا عن الرجوع للقتال .
وعندما احتج الملائكة على جعل الإنسان[فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( ) لأنه يفسد في الأرض ويسفك الدماء أجابهم الله عز وجل[إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) من عواقب الأمور ، ومن نصر الله للمؤمنين وكانت معركة أحد شاهداً على قول الملائكة ، إذ جاءت قريش للإفساد وإرادة بقاء عبادة الأصنام وسفك الدماء بقتل سبعين من الصحابة، كما كانت المعركة مصداقاً لإحتجاج الله على الملائكة بأنه سبحانه يعلم ما لا يعلم الملائكة، ومنه جهات :
الأولى : حضور النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ميدان المعركة ، أي أن الوحي والتنزيل حاضران في الميدان .
الثانية : دفاع الصحابة عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأنفسهم، وتترس أبو دجانة نفسه دون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم و(يقع النبل في ظهره وهو منحن عليه حتى كثر فيه النبل) ).
وقاتل الإمام علي والصحابة بين يديه ، وقام سعد بن أبي وقاص برمي النبل دونه ، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يناوله النبل بيده .
ومن الإعجاز في السنة النبوية اشتراك المؤمنين في الدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، إذ قامت أم عمارة نسيبة بنت كعب بالذب عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالسيف والرمي عنه بالقوس، وأصيبت بالجراحات.
وهل هي من الذين ذكروا في الآية قبل السابقة بقوله تعالى[الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ]( ) أم أن القدر المتيقن من الآية أعلاه هم المهاجرون والأنصار الذين خرجوا إلى حمراء الأسد تحت لواء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
المختار هو الأول ، لتعدد مصاديق الإستجابة لله والرسول وسقوط القتال عن النساء ،ومن الإستجابة في المقام قيام النسوة بتحريض الرجال على المبادرة إلى النفير .
الثالثة : فوز الشهداء بالحياة عند الله بما يغبطهم معه الملائكة قال تعالى[وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لاَ تَشْعُرُونَ]( ).
الرابعة : قتل طائفة من الكفار بالحق وهو غير الذي إحتجت عليه الملائكة بقوله تعالى[وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ]( ).
الخامسة : صيرورة قتل سبعين مؤمناً وبالاً على الذين كفروا بالخزي في الدنيا والخلود في النار في الآخرة، وهل ينحصر هذا الخزي بأيام حياتهم أم أنه مستمر .
الجواب هو الثاني، بدليل توثيق القرآن لوقائع معركة أحد.
السادسة : صيرورة معركة أحد سبباً لهداية طائفة من الناس وتوبة آخرين.
السابعة : معركة أحد سبب لنفرة الناس في كل زمان من الكفر والكفار وسوء مكرهم.
الثامنة : شهادة سبعين من المهاجرين والأنصار وكثرة جراحات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لم تمنعهم من الخروج في اليوم التالي خلف العدو إلى حمراء الأسد.
التاسعة : ما وقع للمسلمين بإذن الله مع بيان علته بقوله تعالى[وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ]( ).
العاشرة : خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه خلف العدو بوحي وأمر من عند الله.
الحادية عشرة : إنقلاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من حمراء الأسد بنعمة وفضل من الله.
المسألة السابعة : من معاني الجمع بين الآيتين لحوق الخزي والخسارة لرؤساء الكفر من قريش في معركة أحد، أما الخزي فلعجزهم عن قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واستئصال الإسلام مع أنهم جمعوا جيشاً لم تشهده الجزيرة آنذاك .
إذ كانت القبيلة تقاتل القبيلة بالكر والفر والمباغتة والنهب والسلب ويشترك في القتال العشرات والمئات من كل قبيلة.
أما في معركة أحد فقد استطاع رؤساء الكفر من قريش جمع القبائل لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليطل ثلاثة آلاف رجل على المدينة، ولولا فضل الله لاستبيحت المدينة ، إذ أنزل الله الملائكة وجعل الذين كفروا يعجلون بالإنسحاب وهم يعلمون بترتب الفضيحة على هذا الإنسحاب، وفي التنزيل ورد الخطاب من الله للمسلمين[وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً]( ) .
ولم تمر الأيام والسنون حتى تم فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة ، ترى هل هناك قادة وجنود من الذين حاربوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في معركة أحد شاركوا في فتح مكة .
والجواب نعم، وهو من مصاديق قوله تعالى[َمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ).
ومن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم انه كان يسأل الله هداية قومه، ولما أصيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالجراحات وسالت الدماء من رأسه ووجهه يوم أحد ، قال له بعض أصحابه وفي حال الغضب: لو دعوت عليهم يا رسول الله , فقال : (انى لم أبعث لعانا ولكني بعثت داعيا ورحمة اللهم اهد قومي فانهم لا يعلمون)( ).
المسألة الثامنة : جاءت آية البحث بصيغة الجملة الخبرية، وتضمنت بيان حال الصحابة بعد يوم من معركة أحد، وكيف أنهم لم يقعدوا ولم يستريحوا، بل خرجوا بجراحاتهم خلف العدو ، استجابة لأمر الله وأمر رسوله ، ثم أظهروا حسن التوكل على الله عز وجل .
أما آية السياق فجاءت بصيغة الجملة الإنشائية , والخطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بصيغة النهي فيما يتعلق بالأمور القلبية .
ترى ما هي النسبة بين المسارعة في الكفر وبين هجوم كفار قريش في معركة أحد.
الجواب إنها نسبة العموم والخصوص المطلق ، فهذا الهجوم من أشد ضروب الكفر ، ومن الظلم للذات والغير والذراري ولكن الله عز وجل منع من تعديه واستمراره بأن أخزى الذين كفروا ليصبح هجوم ثلاثة آلاف رجل من الكفار على المدينة وانسحابهم خاسئين موعظة للناس ، ودعوة لهم للتوبة والإنابة ، وتجلى في آية البحث من جهات :
الأولى : تجدد قدرة المسلمين على القتال في اليوم الثاني لمعركة أحد ، ليعلم الناس بأجيالهم المتعاقبة صدق إيمان المسلمين ، وأنهم لم ينهزموا في معركة أحد .
فلقد إنهزم كفار قريش في معركة بدر ولم يقفوا إلا في مكة إذ دخلوها لاهثين خائفين منكسرين قد خسروا سبعين قتيلاً وسبعين أسيراً بعد أن غادروها قبل أيام بالطبول والأهازيج ويسألهم بعض أهل المفقودين ، فيخبرون عن بعضهم بأنه قتل أو أسر ، وبعضهم لا يعلمون بمصيره وما آل إليه أمره .
فيأتي أهلهم إلى المدينة وهم يرجون أن يكون ابنهم وفقيدهم أسيراً فيرون نظام الصلاة وخُلق التقوى يتغشى المدينة وأهلها ، وهو من مصاديق قوله تعالى[وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ]( ) بلحاظ اقتباس أهل البيت والصحابة من هذه الأخلاق، بتعضيد آيات القرآن التي هي منبع وأصل الأخلاق الحميدة .
ويرى القادم من مكة لفك أسـير أو للتجارة ونحوها كيف أن بلالاً يرفع الأذان، وكلهم يعرفه حينما كان في مكة، وكان أمية بن خلف يعذبه ويطوفون به في أزقة مكة وهو يقول أحد أحد , ثم يقف المهاجرون والأنصار صـفوفاً للصلاة خلف النبي صلى الله عليه وآله وسـلم لتشـتاق النفس للـوقوف مـعهم بين يدي الله عز وجل, وهذا الإشتياق من مصاديق قوله تعالى[إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( ).
فيرجع الناس إلى مكة ليكونوا رسلا للإسلام إلى أهلها وإن لم يدخلوا فيه ولم يؤمنوا , ورب حامل وناقل للإيمان وهو غير مؤمن وصحيح أن المسلمين خسروا في معركة أحد ونزلت بهم المصيبة إلا أن الذين كفروا وجيشهم خسروا أكثر.
وتبين آية البحث نهجاً أخلاقياً كريماً بالتوكل على الله، وجعله الملجأ والمنجي من التهديد والتخويف من الذين كفروا .
وجاءت نساء أهل الشام فسألن عائشة (فقلن يا أم المؤمنين : أخبرينا عن خلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، قالت : كان خلقه القرآن وكان أشد الناس حياء من العواتق في خدرها) ( ).
(وقال أنس كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحسن الناس خلقا وكان عليه السلام أرجح الناس حلما ) ( ).
الثانية : لقد زحف ثلاثة آلاف رجل من المشركين نحو المدينة في شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة وهم أو رؤساؤهم خاصة يتناجون بقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واستئصال الإسلام ، وعلى فرض أن هذه المناجاة خاصة برؤساء الجيش من قريش فان عامة أفراد الجيش يعلمون بها، ويتقيدون بالعمل بها كغاية وعلة لخروجهم وتحشيدهم وإنفاق الأموال عليهم خاصة وأنهم يقاتلون حمية ، وبصبغة القبلية وللثأر لما وقع في معركة بدر .
وجاء القرآن بتنزيه المسلمين عن المناجاة بالباطل والتعدي بقوله تعالى[فَلاَ تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ]( ) لبيان الأخلاق الحميدة التي ترشحت عن بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسادت في الأرض وصارت نهجاً للمؤمنين ، وعرفاً عاماً يقتبس منه الأفراد والمجتمعات ، ويكون مقدمة لإشاعة معاني الرحمة والمودة ونبذ الخصومة والكدورات بين الناس ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ).
لقد كان خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومعه أصحابه خلف العدو دليلاً حاضراً على سلامتهم والإسلام من النوايا والمقاصد الخبيثة التي زحف من أجلها ذاك الجيش العرمرم.
الثالثة : لم يكن في زمان النبوة وسائل أعلام مسموعة أو مرئية كما هو في هذه الأزمنة ، ولكنه لم يمنع من تناقل الناس الاخبار ، ومنها ما ينقله المسافرون والركبان في طريقهم وعند وصولهم إلى أهليهم ، خاصة وأن العرب كانوا يُقرئون الضيف ويؤثرونه على أنفسهم , ويسهرون من أجل إطعامه .
خرج المهدي العباسي إلى الصيد مرة وعار به فرسه (فدفع إلى خِبَاءٍ أعرابي وهو جائع، فقال: يا أعرابي هل عندك قِرىً فإني ضيفك. قال: أراك طريراً ( )جسيماً عميماً( )، فإن احتملت الموجود قَرَّبْنَا لك ما يحضرنا( ).
قال المهدي : هات ما عندك .
فأخرِج له خبز مَلّةٍ ( ).
فأكلها، وقال: طيبة، هات ما عندك.
فأخرج إليه لبنا في كرش فسقاه.
فشرب، وقال: طيب، هات ما عندك فأخرج له فضلة نبيذ في ركوة.
فشرب الأعرابي واحداً وسقاه( ).
فلما شرب قال المهدي: اتدري من أنا. قال: لا واللهّ.
قال: أنا من خدم الخاصة: قال: بارك اللّه في موضعك وحَبَاك من كنت( ).
ثم شرب الأعرابي قدحا وسقاه، فلما شرب قال له: يا أعرابي اتدري من أنا.
قال: نعم ذكرت انك من خدم الخاصة.
قال: لست كذلك : أنا أحد قوَّاد المهدي.
قال: رَحُبَتْ دارك، وطاب مزارك.
ثم شرب الأعرابي قدحا وسقاه.
فلما شرب الثالث قال: يا أعرابي، اتدري من أنا.
قال: نعم، زعمت انك أحد قُوَّاد المهدي،
قال: فلست كذلك .
قال: فمن أنت؟
قال: أمير المؤمنين بنفسه، فأخذ الأعرابي ركوته فوكاها.
فقال له المهدي: اسقنا.
قال: لا واللّه لا تشرب منها جرعة فما فوقها.
قال: ولم.
قال: سقيتك قدحاً فزعمت أنك من خدم الخاصة، فاحتملناها لك، ثم سقيناك آخر فزعمت انك أحد قُوَّاد المهدي فاحتملناها لك.
ثم سقيناك الثالث فزعمتَ أنك أمير المؤمنين.
ولا والله ما أمنُ ان أسقيك الرابع .
فتقول: أنك رسول اللّه، فضحك المهدي، وأحاطت به الخيل، فنزل إليه أبناء الملوك والأشراف، فطار قلب الأعرابي.
فلم يكن همه إلا النجاة بنفسه، وجعل يشتد في عدْوه .
فقال له المهدي: لا بأس عليك، وأمر له بصلة جزيلة من مال وكسوة وبزة وآلة.
فقال: أشهد انك صادق، ولو ادعيت الرابعة والخامسة لخرجت منها، فضحك المهدي منه حتى كاد ان يقع عن فرسه حين ذكر الرابعة والخامسة، وجعل له رزقاً وألحقه بخواصه)( ).
ترى ماذا كان يقصد الأعرابي من قوله الرابعة والخامسة والتي لو إدعاها المهدي وصار يضحك كثيراً ، الظاهر أن الأعرابي قصد بالرابعة النبوة ، وأما الخامسة فما هو أشد كفراً للإشارة إلى مقام الربوبية ، لكنه كنى عنها كناية بالعدد ليخرج من الإثم ويمنع الحرج حتى عن الخليفة .
وأجمع العلماء على حرمة النبيذ ومنهم من قيدها بالمصنوع من عصير العنب ، وليس لهذا القيد موضوعية في هذا الزمان لتعدد أصل وكيفية صناعته ، ومنهم من شربه وقال بجواز شرب القليل منه الذي لا يسكر مثل أكثر الحنفية ، إختصاص حرمة الخمر قليله وكثيره هي المتخذة من عصير العنب، وأما الأنبذة فليس فيها حد إلا إذا أدت إلى السكر وكان وكيع بن الجراح وسفيان الثوري وابن أبي ليلى وابن شبرمة ممن يرون جواز شرب النبيذ مما دون الإسكار .
وكان وكيع مع ورعه مولعاً ومدمناً على شرب نبيذ الكوفة من غير الإكثار منه لأن الإكثار منه مسكر .
ويقال : نبذت التمر والعنب : إذا تركت عليه الماء ليصير نبيذاً .
وأما سفيان فكان يشربه حتى تحمّر عيناه وذكر أنه رجع عن شربه والقول بجوازه وذات موضوع النبيذ مختلف فيه , ومنه ما يقصد منه وضع قليل من التمر في الماء بما يحلي مذاقه ، كما كانوا يحلون ماء بئر زمزم إذ يجعلون فيه الزبيب والتمر ، ليكون مذاقه عذباً ، وفي هذه الحالة فان كثيره لا يسكر .
والخلاف في الكبرى وهو أصل المسمى وليس الاسم وحده ، وورد عن (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ أَنْ تُمْسِكُوهَا فَوْقَ ثَلَاثٍ فَأَمْسِكُوهَا مَا بَدَا لَكُمْ وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ النَّبِيذِ إِلَّا فِي سِقَاءٍ فَاشْرَبُوا فِي الْأَسْقِيَةِ كُلِّهَا وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا) ( ).ويمكن حمل النهي عن المسكر هنا أي حرمة القليل منه
والأسقية جمع سقاء وهو ظرف الماء ، وأن كان فيه ما يحلى مذاقه من التمر ، فالأصل هو الماء .
ولعله حصل تهاون في الأمر من بعض التابعين وتابعي التابعين وعن (دارم يعنى ابن عبد الحميد الحنفي قال شهدت عطاء وسئل عن النبيذ فقال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كل مسكر حرام فقلت يابن أبي رباح ان هؤلاء يسقوننا في المسجد فقال أما والله لقد أدركتها وان الرجل ليشرب منها فتلتزق شفتاه من حلاوتها ، ولكن الحرية( ) ذهبت ووليها العبيد فتهاونوا بها) ( ).
وتبين آية البحث جهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لحمل الناس على التوحيد وطاعة الله ،وبعثهم على الإستقامة ، وتفضل الله عز وجل وجعل كل مسلم ومسلمة يتلوان على نحو الوجوب العيني قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( ) .
مما يدل على لزوم قيام الفقهاء بالإنشغال باصلاح الأمة ، والحث على الصبر في طاعة الله ، والصبر عن معصيته .
(عن الكلبي النسابة، أنه سأل الإمام الصادق عليه السلام عن النبيذ؟
فقال: حلال، فقال: إنا ننبذه فنطرح فيه العكر، وما سوى ذلك، فقال: شه، شه ، تلك الخمرة المنتنة، قلت: جعلت فداك فأي نبيذ تعني؟
فقال: إن أهل المدينة شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تغير الماء، وفساد طبائعهم، فأمرهم أن ينبذوا، فكان الرجل يأمر خادمه أن ينبذ له، فيعمد إلى كف من تمر فيقذف به في الشن ، فمنه شربه، ومنه طهوره.) ( ).
ومع عدم وجود وسائل أعلام في زمن النبوة إلا أن أخباره ونص الآيات القرآنية تنتشر بين الناس وفي الأمصار بسرعة خاصة وأن العربي يتصف بسرعة الحفظ .
ومن خصائص آيات القرآن وما فيها من الإعجاز الذاتي سهولة حفظها فصارت حديث المجالس والمنتديات ، وهو من الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ليكون من معاني قوله تعالى في إبراهيم [وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ] ( ) مجئ الناس في موسم الحج إلى مكة فيكون مقدمة لنقل أخبار نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان توارث العرب لقانون الأشهر الحرم وصيرورة حج البيت في هذه الأشهر وأيام توقيفية توطئة لتبليغه الرسالة .
ومن مصاديق قوله تعالى في آية البحث [الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ] شيوع أمر خروج النبي وقلة من أصحابه خلف جيش المشركين ، ومن معاني الأمر الإلهي في هذا الخروج تناقل الناس له أسباباً وموضوعاً وأثراً ، ثم جاءت الآية السابقة وآية البحث دعوة للمسلمين والناس جميعاً لبيان منعة الإسلام وإعلاناً وإعلاماً سماوياً بأن سلامة النبي وأصحابه والإسلام يوم معركة أحد ، وخروجهم إلى حمراء الأسد في اليوم الثاني معجزة عقلية وحسية في السنة الدفاعية وبدايات إنشاء صرح دولة الإسلام ، وتطبيق أحكام الحلال والحرام ، ونبذ العنف والقتل العشوائي وإراقة الدماء ظلماً .
وعندما احتجت الملائكة على جعل آدم [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ) لأن الإنسان يرتكب المحرمات ويقتل بعض الناس بعضاً سواء القتل على نحو القضية الشخصية أو المعارك والحروب , فأجابهم الله عز وجل [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ) .
لتتجلى مصاديق متكثرة للآية أعلاه في كل يوم ، وفي كل ساعة من ساعات الحياة الدنيا ، ويتبين للملائكة والناس كيف أن الله عز وجل يعلم ما لا يعلمون وأن خلافة الإنسان في الأرض رحمة ونعمة ، وكما أخبر الملائكة فقد تحقق الفساد والقتل من قبل كفار قريش بهجومهم وبدئهم القتال في معركة بدر وأحد .
لتبين هذه الآيات مضامين مشرقة وإضاءات منيرة من مصاديق قوله تعالى [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ) إذ اندحر الكفر وإنحسر الفساد ، وكانت عاقبة الذين قتلوا في سبيل الله الخلود في النعيم عند الله ، بحيث أنهم لم يبقوا في موت وانعدام الحركة في عالم القبر ومدة البرزخ .
وهل يتعرض الشهداء إلى ضغطة القبر في الليلة الأولى من الدفن أم يعفون منها، وهو الذي يدل عليه قوله تعالى[وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ]( )، المختار هو الثاني.
إلا أن يقال بالتخصيص وأن ضغطة القبر للشهيد تسبق حياته عند الله أو أن ضغطة القبر لا تؤذيه (عن ابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صعد على قبر سعد بن معاذ ، فقال : لو نجا أحد من ضغطة القبر لنجا سعد ، ولقد ضم ضمة ، ثم رخي عنه) ( ).
ونزلت آية حياة الشهداء أعلاه في شهداء أحد السبعين ومعناها ودلالتها أعم .
وسعد بن معاذ بن النعمان من بني عبد الأشهل أسلم بالمدينة المنورة بين العقبة الأولى والثانية بعد أن بعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مصعب بن عمير للمدينة ليدعو الناس للإسلام ويقيم الصلاة ويعلمهم أحكام الدين .
وشهد سعد بن معاذ معركة بدر وأحد والخندق ورماه حبان بن العرقة بسهم ، وقال : خذها وأنا ابن العرقة ، والعرقة أمه وهي قلابة بنت سعيد وأبوه عبد مناف بن منقذ ، وسميت العرقة لطيب ريحها .
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حينما سمعه (عرق الله وجهه في النار) ( ).
فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بضرب فسطاط في المسجد لسعد بن معاذ ليعوده كل يوم ، وتوفى بعد معركة الخندق بشهر ، وهل في الحديث أعلاه خزي للذين كفروا , الجواب نعم ، من جهات :
الأولى : إتصاف هجوم الذين مكروا في معركة الخندق بالظلم والتعدي.
الثانية : عجز الذين كفروا عن دخول المدينة مع أن عددهم عشرة آلاف رجل .
الثالثة : تذكير الذين كفروا والناس بعالم القبر وظلمته .
الرابعة : شمول الناس بضغطة القبر ، واذا كان سعد بن معاذ شملته هذه الضغطة وخفف عنه فيها لتقواه ، فان الذين كفروا تكون عليهم ضغطة القبر شديدة .
ودلالة خاتمة الحديث أعلاه بأنه رخي عن سعد على حجب الذين كفروا عن أنفسهم هذه الإرخاء والتخفيف ، فتكون ضغطة القبر على الكافر من مصاديق قوله تعالى [وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُوْلَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] ( ).
الرابعة : بيان فضائل الصحابة من المهاجرين والأنصار وعن (عبد الله بن أبي بكر قال : مات سعد بن معاذ من جرح أصابه يوم الخندق شهيدا . قال : وبلغني أن جبرئيل عليه السلام نزل في جنازته معتجرا بعمامة من إستبرق وقال : يا نبي الله من هذا الذي فتحت له أبواب السماء واهتز له العرش فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم يجر ثوبه فوجد سعداً قد قبض وقال رجل من الأنصار :
وما اهتز عرش الله من موت هالك …
سمعنا به إلا لسعد أبي عمرو
أخبرنا خلف بن قاسم قال : حدثنا الحسن بن رشيق قال : حدثنا أحمد ابن الحسن الصباحي حدثنا محمد بن عبد الله بن محمد بن شاكر قال حدثنا عبد الله بن حسين الأشقر أبو بلال قال حدثنا زافر بن سليمان عن عبد العزيز ابن أبي سلمة الماجشون عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن ابن عباس قال قال سعد بن معاذ : ثلاث أنا فيهن : رجل يعني كما ينبغي وما سوى ذلك فأنا رجل من الناس ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه و وآله سلم حديثا قط إلا علمت أنه حق من الله عز وجل ولا كنت في صلاة قط فشغلت نفسي بشيء غيرها حتى أقضيها ولا كنت في جنازة قط فحدثت نفسي بغير ما تقول ويقال لها حتى أنصرف عنها)( ).
المسألة التاسعة : بعد أن ذكرت الآية السابقة قول وتحذير الركبان للصحابة من جيوش الذين كفروا وإجابة الصحابة بأنهم متوكلون على الله عز وجل مفوضون أمورهم إليه سبحانه ، وهو القادر على صرف شر الذين كفروا ودحرهم .
جاءت آية البحث لتبين المصداق العملي والنفع الجلي للتوكل على الله، وفيه موعظة لعامة الناس من وجوه :
الأول : الذين حذروا المسلمين من شرور جيش الذين كفروا ، إذ رأوا كيف كان التوكل على الله سبيل النجاة .
الثاني : تبكيت المنافقين وإخبارهم بأن التوكل على الله طريق النجاة والأمن .
الثالث : لقد كان يهود المدينة ينظرون في معجزات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لتتعدد المعجزات الحسية في معركة أحد ، والشواهد والوقائع التي جرت يوم المعركة , وفي اليوم التالي وكيف خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه خلف العدو مع كثرة جنوده ولا يكون هذا الخروج إلا بالوحي ، ومن لا يقر أنه بالوحي يترقب عاقبة هذا الخروج والتحدي وإذا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعه المهاجرون والأنصار يعودون بأمن وسلام إلى المدينة من غير أن يلحق بهم أذى .
ومن الإعجاز في المقام بقاؤهم ثلاثة أيام في حمراء الأسد وهو تحد إضافي إذ لو أراد الذين كفروا الرجوع لأدركوهم في حمراء الأسد .
كما أن الركبان والمسافرين الذين مروا على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في حمراء الأسد ممن أدرك جيش الذين كفروا أبلغوهم بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج في أصحابه في طلبهم .
وعن الإمام الباقر عليه السلام (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: نُصِرت بالرعب، وجُعِلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأعطيت جوامع الكلم، وأحلّت لي المغانم، ولم تحلّ لنبيٍّ كان قبلي، وأعطيت الشفاعة، خمسٌ لم يُؤْتَهُنَّ نبيٌّ كان قبلي) ( ).
المسألة العاشرة : تقدير الجمع بين الآيتين : الذين قال الناس إن الناس قد جمعوا لكم اتبعوا رضوان الله ) .
لقد اختص المهاجرون والأنصار بالاسم الموصول [الذين] في الآية السابقة والتي ذكرت تحذير الناس لهم من جيش كفار قريش وأعوانهم وحلفائهم ، لبيان صفات إيمانية يتصف بها المهاجرون والأنصار الذين كانوا برفقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
فجاءت آية البحث للثناء عليهم ، وبيان أن خروجهم كان بقصد القربة إلى الله عز وجل ، إذ شهد الله رجوعهم بأنهم [اتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ].
وبين إتباع المهاجرين والأنصار رضوان الله وبين تلقيهم التحذير من جيش الذين كفروا وإحتمال عودتهم لقتالهم عموم وخصوص مطلق ، إذ أن هذا الإتباع هو الأعم من جهات :
الأولى : دخول المهاجرين والأنصار الإسلام ، فمع مرور سنوات على اسلامهم فان الله عز وجل يؤجرهم ويثيبهم عليه في كل يوم من أيام حياتهم ما داموا باقين على الإسلام .
وهل ينقطع الأجر بمغادرتهم الدنيا بالموت ، الجواب لا ، فهو مستمر ومتجدد ويضاعف لهم مع تلاوة المسلمين آية البحث والسياق والإقتداء بهم بحسن الإيمان ، وهو من مصاديق الأجر العظيم الذين ذكرته آية البحث والآية قبل السابقة .
ومن معاني الجمع بين الآيتين مفروض مسائل :
الأولى : لماذا خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه خلف العدو في اليوم التالي لمعركة أحد .
الثانية : كانت جراحات النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه شديدة .
ترى لماذا لم يصبروا ويبقوا في المدينة لقاعدة نفي الحرج في الدين .
الثالثة : ماذا لو رجع جيش الذين كفروا على المسلمين وهم قلة ورسول الله بين ظهرانيهم .
فجاءت آية البحث جواباً على هذه الأسئلة وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لم يخرجوا إلى حمراء الأسد إلا إتباعاً لرضوان الله للدلالة على أمور :
الأول : خروج النبي وأصحابه في اليوم التالي لمعركة أحد بالوحي من عند الله سبحانه .
الثاني : لا يعلم غير الله عز وجل ماذا يحدث لو لم يخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرون والأنصار خلف العدو متعقبين له ، فقد صرف الله عز وجل بهذا الخروج كيد كفار قريش ، وهو زاجر لهم ولغيرهم من التعدي على المسلمين .
فحينما حذّرهم الناس في الطريق إلى حمراء الأسد ، أو في ذات الموضع الذي أقاموا فيه ثلاثة أيام يصلي بهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الفرائض الخمسة في كل يوم أجابوا [حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ] ليصبح لهذا القانون موضوعية وحضور في أحوال المسلمين في أجيالهم المتعاقبة ، وهو من الإعجاز في وجوب قراءة القرآن على كل مسلم ومسلمة في الصلاة اليومية .
المسألة الحادية عشرة : تقدير الجمع بين الآيتين واتبعوا رضوان الله فزادهم إيماناً ).
قد ورد رضوان الله عز وجل في آيات كثيرة منها ما يتعلق بمنهاج الإيمان وعمل المؤمنين في الحياة الدنيا ، ومنها ما يقصد منه الجزء الحسن في الآخرة ، كما في قوله تعالى[وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ]( ) لتبين الآية أعلاه جزاء الإيمان في عالم الآخرة من وجوه :
الأول : الإقامة في الجنات .
الثاني : جريان الأنهار من تحت الجنات التي يقيم فيها المؤمنون والمؤمنات على نحو دائم .
الثالث : رجاء الشفاعة في الآخرة .
الرابع : ذكر المؤمنات في الآية أعلاه على نحو التعيين مع أن لفظ المؤمنين يشملهم اذا جاء بمفرده ، وفيه مسائل :
الأولى : إكرام المرأة المؤمنة .
الثانية : جذب الناس إلى منازل الإيمان .
الثالثة : إرادة تنزيه المسلمات عن النفاق للتنافي والتضاد بين السعي إلى الجنة وبين النفاق .
الرابعة : بعث المسلمات على الإجتهاد في سنن التقوى .
الخامسة : بيان قانون وهو أن المرأة مستقلة في تكليفها ، وأن عبادة أبيها وزوجها وابنها لا تغني عنها .
السادسة : زجر الناس عن الإستخفاف بعبادة المرأة .
السابعة : دعوة المؤمنين لإعانة المرأة في صلاحها وتقواها .
الثامنة : الإنصات لمشورة المرأة والمؤمنة بما فيه مرضاة الله ، وقد ورد في موسى عليه السلام وابنة شعيب [قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ] ( ).
وحينما عادت ابنتا شعيب إليه مبكراً ، وقد ارتوت الغنم من الماء ، انكر شعيب عودتهما بسرعة ، وقد ارتوت غنمه ، فسألهما عن السبب والكيفية فأخبرتاه بقصة موسى عليه السلام وقيامه بالسقي لهما ، وكانتا تجلسان كل يوم لحين سقي الناس وتفرقهم ، فيأتيان على البقية من الماء .
فأخبرتا أباهما بأن رجلاً غريباً قام بالسقي لهما , فأمر احداهما باحضاره ، وكان موسى قد جلس تحت ظل شجرة , وتوجه إلى الله بالدعاء متضرعاً [فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ] ( ).
وحينما حضر موسى عليه السلام كلمه وأخبره أنه مطلوب لفرعون يريد قتله ، فقال له شعيب [لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ] ( )أي ليس لفرعون وجنوده سلطان علينا ليرى موسى عليه السلام آية وهي بطلان إدعاء فرعون الربوبية لانتفاء سلطانه على أمصار وممالك قريبة منه .
وقالت ابنته [يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ]( ) ففطن شعيب إلى وصفها له بالقوي الأمين وأراد استبيان الأمر وكيف علمت ابنته بقوة وأمانة هذا الرجل خاصة وأن معرفتهما تستلزم التجربة والمخالطة والوجدان والمقارنة بينه وبين غيره من الناس فسألها عن كيفية معرفة قوته وأمانته ؟
عندئذ أجابته قائلة ، أما قوته فقد رأيته كيف سقى لنا بهمة وقوة لم أشهدها عند رجل غيره ، وأما أمانته فأني حينما أرسلتني في طلبه أخذ ينظر إليّ إذ كان موسى يخشى الطلب ، ثم لما تبين له أني امرأة خفّض نظره إلى الأرض ، ولم يرفعه بعده إلى أن نقلت إليه رسالتك .
فقال لي وهو مطرق : أمشي خلفي وصفي لي الطريق .
المسألة الثانية عشرة : الذين قال لهم الناس ان الناس قد جمعوا لكم والله ذو فضل عظيم ).
لقد أنعم الله على الإنسان إذ جعله [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ) ورزقه الطيبات وسخر له الكثير من الخلائق والبهائم ، ودعاه إلى عبادته وطاعته وقرّبه إلى هذه العبادة ويسر له أمر طاعته ، وأزاح الموانع دونها .
ومن هذه الموانع إصرار الذين كفروا على محاربة الأنبياء وأهل الإيمان . وحينما يصبر المؤمنون على الأذى والضرر يأتيهم الفرج من عند الله ، فلابد أن يستأصل أهل الكفر أو يتوبوا ، ويلقى الرؤساء فيه الإبتلاء الشديد ، وهو الذي تجلى في معركة بدر إذ قتلى سبعون من المشركين وأسر منهم سبعون .
وبخصوص معركة أحد نزل قوله تعالى [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ] ( ).
وأختتمت آية البحث بقانون وهو أن الله ذو فضل عظيم ، ومن فضله تعالى بلحاظ آية السياق أمور :
الأول : نزول الوحي بقيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بمطاردة العدو .
الثاني : وجود أمة تستجيب لله والرسول في أشق الأحوال ، وهو من فضل الله على الناس وفيه دعوة للتوبة والإنابة لهم .
الثالث : عودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه سالمين من الأذى لم يعكف عليه جيش الذين كفروا ، ولم تتجرأ القبائل التي في الطريق إلى حمراء الأسد بالإغارة على جيش المسلمين في حال الذهاب أو الإقامة أو العودة من حمراء الأسد، إنما قامت تلك القبائل بتحذير المسلمين من جيش الذين كفروا ، فقالوا لهم [فَاخْشَوْهُمْ] وهل تدل هذه الكلمة على استعداد أفراد القبائل والركبان بالقتال إلى جانب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ويكون تقدير الآية على وجوه :
أولاً : فاخشوهم ونحن أنصار لكم .
ثانياً : فاخشوهم بدفاعنا عنكم .
ثالثاً : فاخشوهم بايوائنا لكم .
رابعاً : فاخشوهم بأعطائنا لكم السيوف والدروع والخيل عارية .
الجواب لا دليل على هذا المعنى ،وهل قول الناس للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه [فَاخْشَوْهُمْ]من مصاديق قوله تعالى[وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ]( ).
الجواب نعم ، إذ سخّر الله عز وجل الناس لإبلاغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بنوايا السوء التي يضمرها ويعلن عنها الذين كفروا .
الثالث : النماء والزيادة في إيمان المهاجرين والأنصار ، وهل ينتفع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من هذه الزيادة أم أنها خاصة بأهلها .
الجواب هو الأول ، فمن خصائص زيادة الإيمان وجوه :
أولاً : بذل الوسع في طاعة الله ورسوله .
ثانياً : تنزه المهاجرين والأنصار عن النفاق .
ثالثاً : تنمية ملكة الصبر عند المهاجرين والأنصار وعموم المسلمين والمسلمات .
وعن الإمام علي عليه السلام (خذوا عني كلمات لو ركبتم المطي
فأنضيتموها لم تصيبوا مثلهن: ألا يرجو أحد إلا ربه، ولا يخاف إلا ذنبه، ولا يستحيي
إذا لم يعلم أن يتعلم، ولا يستحيي إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: الله أعلم. واعلموا
أن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا خير في جسد لا رأس له) ( ).
وتحتمل زيادة الإيمان المذكورة في الآية السابقة وجوهاً :
الأولى : الزيادة في الكم والكيفية وعلى نحو العموم المجموعي للمهاجرين والأنصار الذين خرجوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في اليوم التالي لمعركة أحد لزجر وطرد الذين كفروا .
الثاني : زيادة إيمان كل مهاجر وأنصاري خرج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى حمراء الأسد .
الثالث : إرادة عموم المهاجرين والأنصار الذين شهدوا معركة أحد .
الرابع : المقصود عموم المهاجرين والأنصار بما فيهم الذين قعدوا أو تخلفوا عن حضور معركة أحد عن عذر ، قال تعالى [لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً] ( ).
الخامس : بقاء آية (زيادة الإيمان ) كأغصان الشجرة التي تتدلى ليقتطف منها عموم المسلمين والمسلمات في أجيالهم المتعاقبة .
ولا تعارض بين هذه الوجوه ، وكلها من مصاديق فضل الله الذي ذكر في آية البحث مرتين ، ولابد من إحصاء يتعلق بذكر فضل الله في القرآن من جهات :
الأولى : عدد المرات التي ذكر فيها فضل الله .
الثانية : الآيات التي ورد فيها ذكر فضل الله مرتين أو أكثر كما في قوله تعالى [لِأَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ] ( ) إذ تنفرد الآية أعلاه مع قلة كلماتها بذكر فضل الله ثلاث مرات .
كما جاء مرتين في ثناء الله على المؤمنين برسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقوله تعالى [ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ] ( ).
الثالثة : عدد الآيات التي ورد فيها الفضل وإن كان بين الناس لأنه رشحة من فضل الله عز وجل ، قال تعالى [وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ] ( ) .
أي أن الذي يعمل الصالحات في الدنيا يأتيه فضل الله في الآخرة ، وهو الإقامة في دار الكرامة وعن (رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لسعد: “وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله، إلا أجِرْت بها، حتى ما تجعل في فِي امرأتك)( ).
الرابعة : أسباب نزول الآيات التي تضمنت لفظ فضل الله .
الخامسة : منافع الآيات التي ذكر فيها فضل الله .
لقد خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بجراحاته في الرأس والوجه والبدن ومعه شطر من المهاجرين والأنصار إلى حمراء الأسد مطاردين العدو الذي اعتدى على الإسلام والمسلمين .
ليرجعوا إلى المدينة بكنز ينهل منه المسلمون إلى يوم القيامة من وجوه :
الأول : قانون زيادة الإيمان .
الثاني : تعاهد المسلمين والمسلمات لقانون [حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ] فان قلت إنما قال هذه الكلمات الصحابة وهم في حال جهاد ، وليس على النساء جهاد .
والجواب هذا القانون عام في أمور الدين والدنيا ويحتاجه كل مسلم ومسلمة .
وهل يمكن القول بتغير الموضوع ، فيجب أو يستحب الجهاد للمرأة في هذا الزمان لدخولها باب العمل في الإدارة والإقتصاد وعلوم التقنية ، الجواب لا .
الثالث : بقاء النعمة والفضل اللذين جاءا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ثروة وكنزاً عند المسلمين لأن الله عز وجل كريم إذا أنعم بنعمة فانه لا يرفعها .
الرابع : تعلم ضروب من مناهج الصبر في سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالسعي والعمل مع شدة الجراحات ، وتلحق بها أحوال الإنسان الصعبة .
الخامس : تجلي رد عملي من السنة على بطلان أقاويل الذين نافقوا ، فقد كانوا يقولون أن المسلمين كأكلة جزور أي سهولة إنقضاض العدو عليهم وأستئصاله لهم ، فتبين أن المسلمين يلاحقون جيش الذين كفروا مع كثرة رجاله ثم يعودون سالمين .
السادس: من معاني [لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ] عدم حدوث مضاعفات لجروح المؤمنين .
صلة خاتمة الآية السابقة بآية البحث
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : أختتمت الآية السابقة بقانون أسسه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرون والأنصار ليبقى تركة لأجيال المسلمين ويكون منهاجاً لهم ، وهو قولهم عند الملمات [حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ]، وفيه ثناء على الله عز وجل ، وتفويض الأمور إليه سبحانه ، ورجاء صرف السوء والشر عنهم، لأن مقاليد الأمور بيده سبحانه .
لقد أراد الله عز وجل بالآية السابقة إمتلاك المسلمين كنزاً عقائدياً يكون واقية لهم لدفع الشرور والأذى .
ومن خصائص قولهم [حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ] تأكيد البقاء على الإسلام، والإمتناع عن الإرتداد والنكوص ، وفيه سلامة من النفاق والرياء، قال تعالى[إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ]( ).
لقد أراد الله عز وجل للمهاجرين والأنصار أن يرجعوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة بذات ايمانهم مع زيادة فيه تترشح عنها الحكمة والبصيرة في عواقب الأمور ، فتفضل الله عز وجل وجعلهم يلجأون إليه سبحانه ليكون الملائكة الذين نزلوا في معركة أحد لنصرتهم شهوداً على قولهم ويكون من مصاديق قوله تعالى [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) تسليم الملائكة بأهلية الإنسان للخلافة في الأرض .
فلم يكن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وحده الذي يقول[حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ] بل أن أمته معه يرددون هذا القول في أشق الأحوال وأكثرها تهديداً لهم ، وفيه بيان لعظيم منزلة المسلمين عند الله .
ليكون من معاني قوله تعالى[وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ]( ) إرادة المعنى الأعم بالدعوة إلى الخير بين أقرانهم واهل طبقتهم وجيلهم من الناس ويدعون إلى الخير في الأجيال اللاحقة من التابعين وتابعي التابعين وعامة أجيال الناس ، وكذا بالنسبة للمؤمنين في الأجيال اللاحقة ، إذ أنهم يقتدون برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتكون أعمالهم قدوة للاحق من المسلمين .
وتقدير الآية أعلاه على وجوه :
الأول : يدعون إلى الخير في بيوتهم والسوق والمنتدى .
الثاني : يدعون إلى الخير في حال الرخاء والشدة .
الثالث : يدعون إلى الخير بالحسنى والمعروف .
الرابع : يدعون إلى الخير مع أدائكم الفرائض العبادية .
الخامس : يدعون إلى الخير بالقول والعمل .
السادس : يدعون إلى الخير ويحرصون على العمل به .
السابع : يدعون إلى الخير بالصدور عن القرآن وأحكامه .
الثامن : يدعون الى الخير بقول [حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ] ( ).
التاسع : يدعون إلى الخير فزادهم إيماناً ، فذات الدعوة إلى الخير ثبات في سنن الهدى , ومقدمة للإرتقاء في سلم المعرفة الإلهية .
العاشر : يدعون إلى مصاديق الخير .
الحادي عشر : يدعون إلى الخير القولي والخير الفعلي .
الثاني عشر : يدعون إلى الخير الذي جاء به القرآن والسنة .
الثالث عشر : يدعون إلى الخير ويحثون غيرهم للقيام بالدعوة إلى الخير.
الرابع عشر : يدعون إلى الخير بالنهي عن المنكر .
الخامس عشر : يدعون إلى الخير ويأمرون به , عن الأحنف بن قيس قال : إني لأطوف بالبيت في زمن عثمان إذ أخذ رجل من بني ليث بيدي ، فقال : ألا أبشرك ؟ فقلت : بلى ، فقال : هل تذكر إذ بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قومك ، فجعلت أعرض عليهم الإسلام ، وأدعوهم إليه ، فقلت أنت : إنه يدعو إلى الخير ، ويأمر به ، إنه ليدعو إلى الخير ويأمر به ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : « اللهم اغفر للأحنف بن قيس، قال : فكان الأحنف يقول : ما في عملي شيء أرجا لي منه)( ).
السادس عشر : يدعون إلى الخير شكراً لله على نعمة الإيمان .
السابع عشر : يدعون إلى لخير عن فقاهة في الدين وتمييز بين الخير والشر .
الثامن عشر : يدعون إلى الخير مجتمعين ومتفرقين .
التاسع عشر : يدعون إلى الخير ، فيغتاظ الذين نافقوا .
العشرون : يدعون إلى الخير لمنع الناس من الإنصات للذين نافقوا .
الحادي والعشرون : يدعون إلى الخير والتوبة والإنابة .
الثاني والعشرون : يدعون إلى الخير , وفيه حرب على الشر ومفاهيم الضلالة .
الثالث والعشرون : يدعون إلى الخير اقتداء بالأنبياء ، وفي التنزيل[وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ]( ).
الرابع والعشرون : يدعون إلى الخير , ويتزينون به .
فاذا كان ابراهيم وحده في زمانه قال [حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ] فان المسلمين مجتمعين ومتفرقين يظهرون اللجوء إلى الله بأشد الأحوال ، وهو من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ).
المسألة الثانية : لقد إبتدأت آية البحث بحرف العطف الفاء الذي يفيد الترتيب والتعقيب فليس من فترة أو مدة بين توكل الصحابة على الله وبين عودتهم إلى المدينة سالمين ، وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ] ( ) .
فان قلت قد بقوا ثلاثة أيام في حمراء الأسد ، الجواب بقاؤهم هذا بالوحي من الله لرسوله الكريم ، وهو من فضل الله الذي تذكره آية البحث وفيه أمور :
الأول : بيان منافع التوكل على الله بتحدي الذي كفروا بالبقاء ثلاث أيام في موضع حمراء الأسد ، ولو أراد جيش الذين كفروا لقاءهم لوصلوا إليهم قبل أن ينسحبوا ويصلوا إلى مكة المكرمة .
فلا يقدر جيش الذين كفروا على القول بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه خرجوا من المدينة وسرعان ما عادوا إليها , لأن الشهود والشواهد تكذبهم .
الثاني : بقاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ثلاثة أيام في حمراء الأسد من رشحات توكلهم على الله .
الثالث : إرادة بعث الخوف والفزع في قلوب الذين كفروا .
الرابع : بعث السكينة في نفوس الصحابة .
الخامس : ترغيب الناس بدخول الإسلام .
السادس : صيرورة أهل حمراء الأسد والركبان شهوداً على بقاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه أياماً في حمراء الأسد .
السابع : وجود النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حمراء الأسد مناسبة لرؤية الناس لمعجزاته , وللحديث معه وسؤاله ، فقد يتعذر على شطر منهم الحضور إلى المدينة المنورة فسار لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه كما كان عيسى عليه السلام يذهب إلى الناس ويدعوهم إلى الإيمان والصلاح .
وهل من موضوعية لهذا البقاء في إمتناع أبي سفيان وأصحابه عن الخروج إلى بدر في السنة التالية ، الجواب نعم .
السابع : حمراء الأسد من نواحي المدينة المنورة ، وتقع في الجنوب الغربي منها ، وتبعد عن المدينة مسافة اثني عشر كيلو متراً ، فأراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يبعث رسالة إلى كفار قريش وغيرهم من عامة الناس بأن المسلمين صاروا في حال عز ومنعة .
الثامن : بقاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في حمراء الأسد ثلاثة أيام من مصاديق السلامة من الذل ، كما في قوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ] ( ) .
لتتجلى شواهد سلامة المسلمين من الذل في حال الحرب والسلم والرخاء والشدة ، ومن الإعجاز في الآية أعلاه دعوة المسلمين في كل مناسبة لرؤية رشحات ومنافع نصرهم في معركة بدر ، وحال العز التي صاروا عليها .
التاسع : تجلى في غزوة حمراء الأسد الحرب النفسية ، والتي إبتدأت من وعيد أبي سفيان في آخر ساعة من معركة أحد بأن موعد اللقاء في العام القادم ، ثم قيامه باستئجار رهط من الركبان لتخويف النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وصدهم عن الخروج للقتال .
وبعد أن جاء مَعبد الخزاعي إلى أبي سفيان وخوّفه بقدوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعه جميع الأوس والخزرج ، وألقى مَعبد شعراً في المناسبة تقدم ذكره في الجزء السابق( )، لجأ أبو سفيان إلى الحرب النفسية أيضاً ،إذ مرّ به (ركب من بني عبد القيس، فقال: أين تريدون؟
قالوا: نريدُ المدينة.
قال: ولم؟
قالوا: بعكاظ إذ وَافَيْتُمونا قالوا: نعم.
قال: فإذا وافيتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا المسير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم.
فمر الركب برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو بحمراء الأسد، فأخبروه بالذي قال أبو سفيان وأصحابه ، فقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل)( ).
وهل كانت إقامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في حمراء الأسد ثلاثة أيام من الحرب النفسية , الجواب أنها أعم .
المسألة الثالثة : لقد وردت خاتمة الآية السابقة بصيغة الجمع [وَقَالُوا حَسْبُنَا] وتقديرها على وجوه :
الأول : وقالوا حسبنا الله الذي يكفي رسوله الكريم ، قال تعالى[أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ]( ).
الثاني : وقالوا حسبنا الله الذي يكفينا في سفرنا هذا .
الثالث : وقالوا حسبنا الله الذي يعيدنا سالمين.
الرابع : وقالوا حسبنا الله الذي يكفي كل واحد منا .
الخامس : وقالوا : يا أيها الناس اعلموا أن الله حسبنا وهو ونعم الوكيل .
السادس : يا أيها الناس اتقوا الله الذي هو حسبنا .
السابع : قال تعالى[وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِه]( ).
الثامن : قال تعالى [وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ] ( ).
التاسع : وقالوا حسبنا الله الذي يأتينا بالخير ويدفع عنا الشر .
العاشر : وقالوا حسبنا الله وسترون كيف يصرف شر الذين كفروا عنا وعن عامة المسلمين ، فقد كانت هناك خشية على المسلمين في مكة من بطش الكفار الذين عجزوا عن تحقيق أي غاية من غاياتهم الخبيثة بالمسلمين والمسلمات الذين في مكة خاصة وأنهم أظهروا الغبطة بسلامة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من القتل .
الحادي عشر : وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل الذي يهب لنا الأمن ، ويأتي لنا بالنفع ، ويدفع عنا الضُر .
الثاني عشر : وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل الذي ينتقم من أعداء التوحيد ، قال تعالى [وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ] ( ).
الثالث عشر : قالوا حسبنا الله ونعم الوكيل كما قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار .
الرابع عشر : قالوا حسبنا الله [فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ] ( ) .
الخامس عشر : قالوا حسبنا الله ونعم الوكيل وسننقلب بأمان إلى المدينة، ومن أسماء الله الحسيب .
السادس عشر : حسبنا الله ونعم الوكيل الذي يقينا الشيطان وأعوانه .
السابع عشر : حسبنا الله الذي آمنا به رباً وإلهاً واحداً .
الثامن عشر : ورد (عن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتى يوم أحد فقيل له : يا رسول الله { إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم }( ) فقال { حسبنا الله ونعم الوكيل } فأنزل الله { الذين قال لهم الناس . . . } الآية) ( ).
التاسع عشر : قالوا حسبنا الله ونعم الوكيل في حمراء الأسد وفي الطريق إليها والعودة منها .
العشرون : قالوا حسبنا الله ونعم الوكيل لتكون حرزاً لهم وواقية عندما ينفخ في الصور (عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : قال : كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن ، وحنى الجبهة ، وأصغى بالأذن متى يؤمر فينفخ؟ قالوا : فما نقول يا رسول الله؟ .
قال : قولوا : حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا ) ( ).
الحادي والعشرون : وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل وهم جرحى ، ليكون قولهم هذا رجاء للشفاء مع الأمن والسلامة من العدو .
الثاني والعشرون : وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل طلباً للثواب من عند الله على الخروج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى حمراء الأسد .
الثالث والعشرون : وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل الذي لم نخرج من المدينة بجراحاتنا إلا بأمر ووحي من عند الله لرسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابع والعشرون : حسبنا الله ونعم الوكيل الذي ينعم علينا بالخروج إلى بدر في الموسم القابل على موعدة ووعيد أبي سفيان .
وعندما حان الوقت من قابل حدثت تغييرات كثيرة في المجتمعات وتبدل في رجحان الكفة في القتال من جهات :
الأولى : دخول طائفة من الناس الإسلام في تلك السنة بين معركة أحد وشوال من السنة الرابعة الذي هو موعد أبي سفيان .
الثانية : إمتناع كثير من رجال القبائل عن الإستجابة لدعوة أبي سفيان للخروج إلى بدر في السنة التالية مع أن أفراد جيش المشركين المؤلف من ثلاثة آلاف رجل سمعوا موعدة ووعيد أبي سفيان .
الثالثة : تجلي معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للناس ومنها الآيات في معركة أحد وخروجه وأصحابه إلى حمراء الأسد .
الرابعة : تناقل الناس لآيات القرآن والتدبر في معانيها، وفي التنزيل[إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ]( ).
الخامسة : حصول النقص في أموال قريش من وجوه :
أولاً : كثرة ما أنفقته قريش على الإعداد لمعركة أحد ومقدماتها وتجهيز المقاتلين وإطعامهم وعيالهم مدة التوجه من مكة إلى المدينة وبالعكس ، لتمر الأيام والسنون فيتوجه أبناء القبائل إلى المدينة للقاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإعلان إسلامهم وحضور الصلاة بامامته ، وعندما غادر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى تجلى وابتدأ قانون زيارة قبره الشريف .
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من مات بين الحرمين حاجا أو معتمرا بعثه الله تعالى يوم القيامة لا حساب عليه ولا عذاب ، ومن زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي ، ومن جاورني بعد موتي فكأنما جاورني في حياتي، ومن مات بمكة فكأنما مات في السماء الدنيا، ومن شرب من ماء زمزم فماء زمزم لما شرب له، ومن قبّل الحجر واستلمه شهد له يوم القيامة بالوفاء .
ومن طاف حول بيت الله أسبوعا أعطاه الله بكل طوف عشر نسمات من ولد إسماعيل عتاقة، ومن سعى بين الصفا والمروة ثبّت الله تعالى قدميه على الصراط يوم تزل الأقدام)( ).
ومن الآيات ورود الأخبار عند عموم المسلمين عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالندب إلى زيارة قبره وعظيم الثواب فيها، ليتوجه رجال القبائل وأبناؤهم وأبناء أبنائهم إلى المدينة لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصلاة في المسجد النبوي الشريف وإقتباس المواعظ من هذه الزيارة .
وهذا الإقتباس من أسرار بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين لزيارة قبره الشريف.
ثانياً : تسخير قريش إبل التجارة في حمل المقاتلين إلى معركة أحد وعودتهم منها ، إذ كان عدد جيش الذين كفروا ثلاثة آلاف ومنهم من يأتي براحلته ومنهم من يسأل الراحلة من تجار قريش لركوبها، وقد يشترط بعضهم ركوب فرس خاصة بالنسبة للشجعان ، وكان رجالات قريش يحرصون على التودد للمقاتلين .
وتبرع أبو أحيحة بثلاثين ألف دينار، وهو مبلغ كثير في كل زمان، بلحاظ أن الدينار الواحد مثقال ذهب، والمثقال الذهب وحدة قياس تعادل 4،25 وقيل 4،6 غرام ويحتسب أحياناً خمس غرامات تيسيراً للمعاملة.
وكان الدينار الذهبي هو وحدة القياس والعملة النقدية التي تدفع عوضاً عن العين في الشراء والبيع آنذاك، واستمر العمل بها حتى أوائل القرن الماضي وهو القرن العشرون إذ استبدلت بالعملة الورقية التي لها رصيد من الذهب وموضوعية شأن الدولة صاحبة العملة .
فيكــون مجمــوع المــال الذي تبرع به أحيحة وحـده هو(30000×64 =138000)غرام .
وإذا كان الكيلو غرام الواحد يساوي ألف غرام فيكون مجموع ما تبرع به هو 138 كيلو غرام من الذهب ، وإذا كان سعر الكيلو غرام من الذهب هذه الأيام هو (41) ألف دولار فيكون مجموع ما تبرع به أحيحة هو (138×41000 = 5،658,000 ) أي أنفق أحيحة على معركة أحد خمسة مليارات وستمائة وثمانية وخمسين دولاراً , وأحيحة هو سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف.
ولما مرض مرضه الذي مات فيه جاء أبو لهب ليعوده فرآه يبكي .
فقال له : أمن الموت الذي لابد منه تبكي.
قال : لا ، ولكني أخاف ألا تعبد العزى بعدي لما رآى من دخول طائفة من الناس الإسلام، وتجاهر عامة الناس بانكار وبطلان عبادة الأصنام، وعجز الذين كفروا عن الإضرار بالإسلام والنبوة والتنزيل في معركة أحد.
قال أبو لهب مطمئناً له : ما عبدت في حياتك لأجلك ، ولا تترك عبادتها بعدك لموتك .
فقال أبو أحيحة: الأن علمت أن لي خليفة ، إذ رضي عن أبي لهب وشدة حماسه لتعاهد عبادة العزى ، ومات أبو أحيحة في مال له في الطائف ودفُن فيها ، وكان قبره ظاهراً عندما حاصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الطائف وكان لأحيحة أولاد , منهم ولدان قتلا في معركة بدر مشركين، وهما عبيدة والعاصي .
وكان لأحيحة وأخوته في قافلة أبي سفيان التي وصلت إلى مكة في أيام معركة بدر مال كثير ، وفيها (كان لبني مخزوم فيها مائتا بعير، وخمسة أو أربعة آلاف مثقال ذهب، وكان يقال للحارث بن عامر بن نوفل فيها ألف مثقال، وكان لأمية بن خلف ألفا مثقال.
فحدثني هشام بن عمارة بن أبي الحويرث قال: كان لبني عبد مناف فيها عشرة آلاف مثقال، وكان متجرهم إلى غزة من أرض الشام، وكانت عيرات بطون قريش فيها يعني العير) ( ).
وسخرت هذه الأموال وغيرها في معركة أحد لمحاربة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والتنزيل .
وقام أبو أحيحة بتعذيب ابنه خالد بن سعيد بن العاصي ليترك الإسلام ولكنه يأبى، وكان يضربه بقراعة حتى كسرها على رأسه وأمر بحبسه وضيق عليه في الأكل والشرب حتى لبث في حر مكة ثلاثاً لم يسق ماءً، وهو من الشواهد والأسباب التي حملت النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يأمر شطراً من صحابته بالهجرة إلى الحبشة في السنة الخامسة للهجرة.
وفي السنة الثامنة للهجرة وبعد إنقضاء معركة حنين وجمع المسلمين للأسرى والغنائم عدل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في طريقه وتوجه إلى الطائف لأن أهلها هم الذين اعتدوا على المسلمين وباغتوهم في معركة حنين فدخل أهلها في حصن ثقيف بعد هزيمتهم في معركة حنين بفضل ومدد من الله للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، وأدخروا في الحصن مؤونة سنة تحسباً للحصار عليهم وأصلحوه واستعدوا للقتال , مع أن نساءهم وصبيانهم في الأسر .
ونظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى قبر أبي أحيحة سعيد بن العاص وكان مُشرفاً ظاهراً بني في مال وبستان له في الطائف ، فلم يقل شيئاً فقال أبو بكر(لعن الله صاحب هذا القبر، فإنه كان ممن يحاد الله ورسولهّ! فقال ابناه عمرو بن سعيد، وأبان بن سعيد، وهما مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لعن الله أبا قحافة، فإنه كان لا يقرىء الضيف ولا يمنع الضيم.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن سب الأموات يؤذي الأحياء، فإن شئتم المشركين فعموا) ( ). أي لا تذكروا اسماً معيناً .
ورأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قصراً فسأل عنه لبيان نكتة في السنة الدفاعية وهي توجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالسؤال عن الأهم وما يتعلق بالحرب على الشرك وأهله، وعدم جواز الإنشغال بالخصومة والجدال وذكر الأموات ، وهذا التوجه من مصاديق قوله تعالى[إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ]( ) ومن ثمرات قيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار والذي تم في السنة الثانية للهجرة .
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمن هذا القصر ؟.
قالوا : هذا قصر مالك بن عوف، أي قائد جيش ثقيف وهوازن في معركة حنين .
فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم أين هو مالك ، لبيان أهمية السؤال عن قيادات الشرك .
قالوا : هو يراك الآن يا رسول الله , أي أنه في حصن ثقيف، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من في قصره ؟
قالوا : ما فيه أحد .
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : حَرقوه ، فأستمرت النار تأكل به لساعات من العصر وحتى غروب الشمس .
ترى لماذا سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن وجود أناس في القصر ، الجواب ليمتنع عن حرقه وليس لإخراج أهله منه ثم حرقه ، فما دام القصر خاليا فليرى مالك كيف يُحرق قصره، لظلمه وجوره وتجهيزه الجيوش لمقاتلة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال تعالى[وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ]( ).
وفي فتح مكة عندما دخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مكة اعترضت الخيل بناتُ أبي أحيحة وبعض النسوة وقد نشرن شعورهن ، وأخذن يلطمن وجوه الخيل بالخُمر وغطاء الرأس ، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وذكر بيت حسان بن ثابت الملائم للواقعة فانشده أبو بكر وهو:
(عَفَتْ ذَاتُ الْأَصَابِعِ فَالْجِوَاءُ … إلَى عَذْرَاءَ مَنْزِلُهَا خِلَاءُ
دِيَارٌ مِنْ بَنِي الْحَسْحَاسِ قَفْرٌ … تُعْفِيهَا الرّوَامِسُ وَالسّمَاءُ
وَكَانَتْ لَا يَزَالُ بِهَا أَنِيسٌ … خِلَالَ مُرُوجِهَا نَعَمٌ وَشَاءُ
فَدَعْ هَذَا وَلَكِنْ مِنْ لِطَيْفِ … يُؤَرّقُنِي إذَا ذَهَبَ الْعِشَاءُ
لِشَعْثَاءَ الّتِي قَدْ تَيّمَتْهُ … فَلَيْسَ لِقَلْبِهِ مِنْهَا شِفَاءُ
كَأَنّ خَبِيئَةً مِنْ بَيْتِ رَأْسٍ … يَكُونُ مِزَاجَهَا عَسَلٌ وَمَاءُ
إذَا مَا الْأَشْرِبَاتُ ذُكِرْنَ يَوْمًا … فَهُنّ لِطَيّبِ الرّاحِ الْفِدَاءُ
فَوَلِيّهَا الْمَلَامَةَ إنْ أَلَمْنَا … إذَا مَا كَانَ مَغْثٌ أَوْ لَحَاءُ
وَنَشْرَبُهَا فَتَتْرُكُنَا مُلُوكًا … وَأُسْدًا مَا يُنَهْنِهُنَا اللّقَاءُ
عَدِمْنَا خَيْلَنَا إنْ لَمْ تَرْوِهَا … تُثِيرُ النّقْعَ مَوْعِدُهَا كَدَاءُ
يُنَازِعْنَ الْأَعِنّةَ مُصْغِيَاتٍ … عَلَى أَكْتَافِهَا الْأَسَلُ الظّمَاءُ
تَظَلّ جِيَادُنَا مُتَمَطّرَاتٍ … يَلْطُمُهُنّ بِالْخُمُرِ النّسَاءُ
فَإِمّا تُعْرِضُوا عَنّا اعْتَمَرْنَا … وَكَانَ الْفَتْحُ وَانْكَشَفَ الْغِطَاءُ
وَإِلّا فَاصْبِرُوا لِجِلَادِ يَوْمٍ … يُعِينُ اللّهُ فِيهِ مَنْ يَشَاءُ
وَجِبْرِيلُ رَسُولُ اللّهِ فِينَا … وَرُوحُ الْقُدْسِ لَيْسَ لَهُ كِفَاءُ
وَقَالَ اللّهُ قَدْ أَرْسَلْت عَبْدًا … يَقُولُ الْحَقّ إنْ نَفَعَ الْبَلَاءُ
شَهِدْت بِهِ فَقُومُوا صَدّقُوهُ … فَقُلْتُمْ لَا نَقُومُ وَلَا نَشَاءُ
وَقَالَ اللّهُ قَدْ سَيّرْت جُنْدًا … هُمْ الْأَنْصَارُ عُرْضَتُهَا اللّقَاءُ
لَنَا فِي كُلّ يَوْمٍ مِنْ مَعَدّ … سِبَابٌ أَوْ قِتَالٌ أَوْ هِجَاءُ
فَنُحْكِمُ بِالْقَوَافِي مَنْ هَجَانَا … وَنَضْرِبُ حِينَ تَخْتَلِطُ الدّمَاءُ
أَلَا أَبْلِغْ أَبَا سُفْيَانَ عَنّي … مُغَلْغَلَةً فَقَدْ بَرِحَ الْخَفَاءُ
وَعَبْدُ الدّارِ سَادَتُهَا الْإِمَاءُ
هَجَوْت مُحَمّدًا وَأَجَبْت عَنْهُ … وَعِنْدَ اللّهِ فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ
أَتَهْجُوهُ وَلَسْت لَهُ بِكُفْءِ … فَشَرّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ
هَجَوْت مُبَارَكًا بَرّا حَنِيفًا … أَمِينَ اللّهِ شِيمَتُهُ الْوَفَاءُ
أَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللّهِ مِنْكُمْ … وَيَمْدَحُهُ وَيَنْصُرُهُ سَوَاءُ ؟
فَإِنّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي … لِعَرْضِ مُحَمّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ
لِسَانِي صَارِمٌ لَا عَيْبَ فِيهِ … وَبَحْرِي لَا تُكَدّرُهُ الدّلَاءُ) ( ).
ولطم الخيل أي الضرب في خدودها إذ قامت النسوة بالمسح على وجوه هذه الخيل بالخمر لنفض التراب عنها لعزتهن ومقامهن ولبيان التأييد للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، واللطم هو ضرب الخد والجسد ببسط اليد استعاره حسان لسرعة حركة الخيل في طريق الفتح.
ثالثاً : إنشغال كبار رجالات قريش لمعركة أحد والسعي بتجهيز الجيوش للإجهاز على المسلمين , وكانوا يظنون أن الهجوم بجيش عظيم في معركة أحد نوع طريق للقضاء على الإسلام ، وقتل شطر من الصحابة وأسر الشطر الآخر .
رابعاً : إبطاء تجار قريش عن الوفاء بديونهم لتجار الروم لتسخير الأموال في معركة أحد.
خامساً : حصول ركود في التجارة في موسم الحج في السنة الثالثة للهجرة ، إذ أن معركة أحد في منتصف شهر شوال ويبدأ فتح أسواق الحج في شهر ذي القعدة، وقضى جيش الذين كفروا بقية أيام شوال في طريق العودة إلى مكة .
سادساً : إنعكاس حال الخوف والرعب التي صار عليها كفار قريش مجتمعين ومتفرقين بقلة عملهم في الأسواق والمضاربات .
سابعاً : ترتب الأثر على جحود قريش بما أنعم الله عليهم من الكسب والجاه ، كما في قوله تعالى[لِإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ *فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ]( ).
ثامناً : صيرورة قريش في حال من الندامة والأسى والخزي بسبب أمور:
الأول : إنفاق الأموال الكثيرة على إعداد الجيش لمحاربة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ..
الثاني : عجز جيوش قريش عن تحقيق الغايات التي جاءوا من أجلها، فلم يستطيعوا إدراك الغاية التي كانوا يتناجون بها وهي قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد أدركت قريش والقبائل وأهل المدينة أن سلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من القتل في معركة أحد آية من عند الله، وهو سبيل لبناء صرح الدولة الإسلامية، وصيرورة الإسلام ممتنعاً عن الزوال .
وهل هذه السلامة دعوة للناس للإسلام، وهل تدبر فيها الناس فدخلت طائفة منهم الإسلام، وأقلع بعضهم عن النفاق، الجواب نعم، وهو من معاني نصر الإسلام وخسارة الذين كفروا في معركة أحد وعمومات قوله تعالى[فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ]( ).
الثالث : إصابة الذين كفروا بالخزي بسقوط حملة لوائهم يوم معركة أحد واحداً بعد آخر وتهيئ عامة جيشهم للفرار من ساحة المعركة .
الرابع : خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه خلف جيش المشركين مطاردين له، وعجز كفار قريش عن تجديد اللقاء يومئذ، وهو الذي تدل عليه آية البحث .
الخامس : عجز الذين كفروا عن أسر أي من الصحابة ، بينما دخل سبعون من الكفار أسرى إلى المدينة في معركة بدر .
تاسعاً : تخلف القبائل عن قضاء ديون قريش لأن كثيراً من أفرادها مع جيش المشركين، وقد يكون عزمهم على تأخير قضاء الدَين شرطاً من شروط خروجهم مع قريش، ولضعف سطوة قريش وإنشغال رجالاتها في القتال عن الطواف على القبائل لإستيفاء الديون.
عاشراً : عجز كفار قريش عن إقراض أهل مكة والقبائل، وعن بيعهم بالنسيئة والآجل .
الحادي عشر : إنفاق كفار قريش شطراً من رؤوس أموالهم على الجيوش والقبائل التي سارت معهم لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، قال تعالى[وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمْ الأَخْسَرِينَ]( ).
الثاني عشر : إمتناع بعض التجار من المعاملة مع كفار قريش أو بقاء المعاملة ولكن مع الحذر والحيطة على الأموال باجتناب بيع قريش البضائع بالنسيئة ، وكان من صنوف تجارة قريش أحمال إبل من الذهب في قوافل متعددة من السنة .
وإلى يومنا هذا يقتني الناس المصوغات الذهبية من مكة تيمناً وتبركاً وتحرياً للصدق في صناعتها، وهو من مصاديق قوله تعالى[فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ]( ) وتتصف مكة بأنها من بين المدن التي تضم أكثر محلات لبيع الذهب , خاصة أيام الموسم.
واستدامة مضامين الآية أعلاه أمس واليوم وغداً حتى في باب التجارة والمكاسب، وأختتمت الآية أعلاه بلزوم مقابلة أهل مكة هذه النعمة بالشكر لله، وهو الذي أصر كفار قريش على الإمتناع عنه ، وقاموا بالجحود والكفر بالنبوة ليخلفهم المسلمون في العمل بمضامين الآية أعلاه، قال تعالى[وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ]( ).
السادسة : إمتلاء قلوب رؤساء الذين كفروا وأتباعهم بالرعب والخوف من لقاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه (عن ابن عباس في هذه الآية قال : قذف الله في قلب أبي سفيان الرعب فرجع إلى مكة فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرفاً ، وقد رجع وقذف الله في قلبه الرعب)( ).
السابعة : استصحاب الذين كفروا ما لاقوه من الضرر والقتل والخزي في معركة بدر وأحد إذ أن حضور هذه الوقائع في الوجود الذهني عندهم سبب للوهن والضعف .
الثامنة : تناقل أطراف القتال والناس حضور الملائكة معركة بدر وأحد لنصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، ويدل على عموم نصرتهم للصحابة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم قوله تعالى [بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاَفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ]( ).
وهل تدل الآية أعلاه على نزول ملائكة لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم غير الملائكة الذين تذكرهم الآية أعلاه ، الجواب بالإيجاب هو الأقرب.
(عن أبى أمامة بن سهل، عن أبيه، قال: يا بني لقد رأيتنا يوم بدر ، وإن أحدنا ليشير إلى رأس المشرك فيقع رأسه عن جسده، قبل أن يصل إليه السيف) ( ).
الخامس والعشرون : لقد بلغت الأخبار أبا سفيان وقادة قريش بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه خرجوا متعقبين لهم ولابد أن أكثر أفراد الجيش وهم من القبائل غير راغبين بالعودة لقتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بعد الذي رأوه من الآيات في معركة أحد ، ثم أنهم استجابوا لقريش مرة في معركة أحد وقاتلوا فيها ، فليس من سبب للرجوع ، لذا لجأ أبو سفيان للمكر والحرب النفسية ومحاولة بث الخوف في قلوب المهاجرين والأنصار(ومرَّ به ركب من عبد القيس فقال : أين تريدون؟
قالوا : نريد المدينة نريد الميرة.
قال : فهل أنتم مبلّغون محمداً عني برسالة أرسلكم بها وأُحمّل لكم إبلكم هذه زبيباً بسوق عكاظ إذا وافيتمونا؟
قالوا : نعم،
قال : فإذا جئتموه فأخبروه إنا قد أجمعنا إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم. وانصرف أبو سفيان إلى مكة ومرَّ الركب برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم} وهو بحمراء الأسد فأخبروه بالذي قال أبو سفيان.
فقال رسول الله وأصحابه : حسبنا الله ونعم الوكيل،
ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد الثالثة إلى المدينة وقد ظفر في وجهه بمعاوية بن المغيرة بن العاص وأبي عزة الجمحي)( ).
والأخير ممن أطلق النبي صلى الله عليه وآله وسلم سراحه من الأسر في معركة بدر إذ توسل إليه بكثرة بناته وفقره مع أنه كان يظهر عداوته للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ويقول الشعر في هجائه ليتبع الناس كفار قريش في قتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
وكان ممن يقول أنا أقول مثل قول محمد ، فيجتمع له الأعراب من قومه ليستمعوا إلى شعره وهجائه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وبه وبعبد الله بن الزبعي وهبيرة بن وهب المخزومي ومسافع بن عبد مناف ، وأمية بن أبي الصلت نزل قوله تعالى [وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمْ الْغَاوُونَ *أَلَمْ تَرَى أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ] ( ) .
ولم يطلق النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبا عزة الجمحي من الأسر في أيام معركة بدر إلا بعد أن عاهده أن لا يظاهر عليه أحداً .
فقبض عليه في الطريق من حمراء الأسد ، وقد شارك في معركة أحد ، فاعتذر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وسأله العفو عنه .
(فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ أَقِلْنِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ وَاَللّهِ لَا تَمْسَحْ عَارِضَيْك بِمَكّةَ بَعْدَهَا وَتَقُولُ خَدَعْت مُحَمّدًا مَرّتَيْنِ اضْرِبْ عُنُقَهُ يَا زُبَيْرُ. فَضَرَبَ عُنُقَهُ)( ).
وفي الخبر (عن الشافعي: ولم يؤسر من المشركين سوى أبى عزة الجمحي، وقد كان في الأسارى يوم بدر، فمنّ عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلا فدية واشترط عليه الا يقاتله، فلما أسر يوم أحد ، قال: يا محمد أمنن على لبناتي، وأعاهد ألا أقاتلك.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا أدعك تمسح عارضيك بمكة وتقول: خدعت محمداً مرتين.
ثم أمر به فضربت عنقه ، أي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقتله ثأراً لشهداء أحد ولا لتحريضه الناس بشعره على النبي وأصحابه ، إنما لأمرين :
الأول : مضى وأنقضى وهو نقضه العهد .
الثاني : يأتي وهو التعريض بالنبي لا لشئ إلا لأنه أطلق سراحه مرتين .
وذكر بعضهم أنه يومئذ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين)( ).
وقد تردد أبو عزة في الخروج إلى أحد حينما ندبه كبار رجال قريش ، ولكنهم ألحوا عليه وأغروه بالمال لمعرفتهم بالحاجة إليه وإلى شعره في الاعداد للمعركة ومقدماتها وأثناء المعركة .
الوجه الثاني : صلة آية البحث بقوله تعالى [الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ] ( ) وفيه مسائل :
المسألة الأولى : تقدير الجمع بين الآيتين : الذين استجابوا لله والرسول انقلبوا بنعمة من الله ) .
بيد الله عز وجل مقاليد الأمور وفي التنزيل[لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ] ( ) فهو الذي يجعل المؤمنين بربوبيته المطلقة وبأنبيائه وكتبه في حال عز وأمن ، فيصرف عنهم البلاء ، ويدفع عنهم كيد الأعداء ، ويفتح لهم أبواب الرزق، وهو الذي تجلى في بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإيمان المهاجرين والأنصار ، إذ دفع الله عز وجل عنهم كيد الكفار ، وانفتحت عليهم أبواب الرزق وصار لهم شأن وجاه بين الناس من أهل زمانهم والأزمنة اللاحقة بما يدل على معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في أصحابه ، إذ يستحضر المسلمون جهادهم ، ويذكرونهم باسمائهم ، ويثنون عليهم لاستجابتهم لله والرسول ، ليكون من وجوه تقدير آية السياق :
الأول : الذين استجابوا لله ورسوله فأنزل الله عليهم النعم .
الثاني : الذين استجابوا لله ورسوله في أمن وسلام .
الثالث : يا أيها الذين آمنوا اثنوا على الذين استجابوا لله ورسوله .
الرابع : الذين استجابوا لله والرسول لهم أجر عظيم .
الخامس : وهل يصح القول : ولكم في الذين استجابوا لله والرسول أسوة حسنة ) أم أن الأسوة خاصة برسول الله لقوله تعالى[لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ]( ) .
الجواب هو الأول .
ومن الإعجاز في نظم الآيات ، إتحاد الموضوع لآية البحث والآية السابقة وآية السياق، ومجيؤهن بعد الآيات التي تتضمن الثناء على الشهداء وضروب إكرامهم من عند الله عز وجل .
فاذا تلى المسلم الآيات التي تمدح شهداء أحد، وحدثته نفسه إذاً ماذا للمهاجرين والأنصار الذين قاتلوا في معركة أحد، وتلقوا الجراحات ولكنهم نجوا من القتل يومئذ بفضل الله جاءت هذه الآيات جواباً لما حدثته نفسه، وبياناً لفضل الله عز وجل، ومصداقاً لقوله تعالى [أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى]( ).
وجاء قبل ثلاث آيات قوله تعالى [وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ] ( ).
ليتجلى بآية البحث قانون حضور الأجر من عند الله على العمل الصالح في الحال ، ويحتمل هذا الحضور وجوهاً :
الأول : الأجر الحاضر الحال من مصاديق الأجر العظيم الذي أختتمت به آية البحث .
الثاني : إنقلاب الصحابة من حمراء الأسد بأمن وسلامة من الأجر العظيم الذي ورد ذكره قبل ثلاث آيات .
الثالث : هذا الإنقلاب فضل من الله وهو غير الأجر الذي ورد ذكره قبل ثلاث آيات .
والمختار هو الأول ، فهو فرد واحد من أفراد متكثرة وغير متناهية من الأجر الذي يمّن الله عز وجل به على المؤمنين ، ومصاديق قوله تعالى [إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ] ( ).
المسألة الثانية : تقدير الجمع بين الآيتين : الذين استجابوا لله والرسول لم يمسسهم سوء).
من معاني الجمع بين الآيتين البشارة لأجيال المسلمين المتعاقبة ببيان حال النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين والأنصار في معركة أحد والأيام التي بعدها .
فقد أشاع الذين كفروا في ميدان المعركة بأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم قد قُتل .
قال الواقدي (حدثني ابن أبي سبرة، عن خالد بن رباح، عن الأعرج، قال: لما صاح الشيطان إن محمداً قد قتل، قال أبو سفيان بن حرب: يا معشر قريش، إيكم قتل محمداً؟
قال ابن قميئة: أنا قتلته. قال: نسورك كما تفعل الأعاجم بأبطالها) ( ).
وبادر أبو سفيان في الحال في الطواف على القتلى ومعه أبو عامر الذي غادر المدينة بعد قدوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم لها ، وأبى دخول الإسلام وخرج إلى مكة مع رهط من قومه ليأتي مع قريش ويمنيهم بأن قومه من الأوس سينحازون لنصرته .
واسم أبي عامر هو عمرو بن صيفي بن زيد بن أمية بن ضبيعة من رؤساء الأوس.
وكان يسمى في الجاهلية أبا عامر الراهب.
ولما تم فتح مكة لم يدخل الإسلام ، إنما هرب إلى الروم وكان معه كنانة بن عبد ياليل من أهل الطائف ، وعلقمة بن علاثة، ومات أبو عامر هناك في السنة التاسعة للهجرة أي بعد هربه من مكة بسنة واحدة، فتنازع صاحباه على ميراثه.
ولم يقسمه هرقل بينهما، إنما دفعه إلى كنانة بن عبد ياليل، وقال لعلقمة: هما من أهل المدر( ) وأنت من أهل الوبر .
لقد دخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه المدينة المنورة يوم معركة أحد في النصف من شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة وآثار الدماء ظاهرة على وجه رسول الله من الجراحات التي أصابته مع كسر أسنانه الأمامية ، كما كانت القروح تتغشى المهاجرين والأنصار مع فقد سبعين شهيداً في ساحة المعركة ، فكان يوم مصيبة في المدينة ، كما قال الله تعالى بخصوصها [أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ] ( ).
ثم خرج النبي وشطر من أصحابه لملاحقة جيش الذين كفروا ، وقد علم أهل المدينة رجالاً ونساءً بكثرته وشدة بطشه وإرادته الإنتقام، فأوجسوا خيفة ، وإذ كان أهل المدينة يتلقون أنباء معركة أحد كل ساعة لقربها من المدينة ، فقد ابتعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بإتجاه حمراء الأسد (وأستعمل على المدينة ابن أم مكتوم)( ).
وكان الجدول الزمني لخروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم كالآتي:
الأول : يوم الجمعة الرابع عشر من شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة خرج النبي صلى الله عليه وأصحابه إلى معركة أحد بعد أن صلوا صلاة الجمعة ، وفيه نزل قوله تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ] ( ).
الثاني : وقوع معركة أحد صباح يوم السبت الخامس عشر من شهر شوال .
الثالث : عودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من معركة أحد مساء يوم الأحد ، بعد أن إنسحب جيش الذين كفروا ، وقيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بدفن الشهداء بين جبل أحد وجبل الرماة .
وتم تغيير موضع الدفن في أيام معاوية بعد أربعين سنة من دفنهم(عن ابن الزبير عن جابر قال صرخ بنا إلى قتلانا يوم أحد حين أجرى معاوية العين فأخرجناهم بعد أربعين سنة لينة أجسادهم تنثني أطرافهم)( ).
الرابع : خروج النبي وشطر من الصحابة صباح يوم الأحد السادس عشر من شهر شوال إلى حمراء الأسد ، وتبعد عن المدينة اثني عشر كيلو متراً.
ولم تكن هي وجهتهم إنما القصد عام بملاحقة ومطاردة جيش الذين كفروا مما يدل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يسير بالوحي وأن إقامته في حمراء الأسد بالوحي أيضاً , وهو من عمومات قوله تعالى[وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى]( ).
الخامس : إقامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في حمراء الأسد يوم الإثنين والثلاثاء والأربعاء أي الأيام (17-18-19) من شهر شوال.
السادس : عودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى المدينة يوم الخميس .
ويلاحظ حرص النبي صلى الله عليه وآله وسلم على صلاة الجمعة في المدينة وتعاهده لها ليكون هذا التعاهد من السنة النبوية التي على المسلمين اتباع نهجها ، قال تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ]( ) .
وتدل إقامة الجمعة في المدينة بعد معركة أحد على سلامة الإسلام والمسلمين من كيد الذين كفروا، وفيه زجر وتبكيت للذين نافقوا.
المسألة الثالثة : تقدير الجمع بين الآيتين : الذين استجابوا لله والرسول انقلبوا بفضل من الله).
من صفات الله عز وجل (الغني) فهو غير محتاج للبشر وأعمالهم وعبادتهم وهو سبحانه(له ملك السموات والأرض)، المتصرف فيها بمشيئته ، وهو الدائم الباقي فاراد سبحانه إنتفاع الناس من ملكه وهباته وعطائه الذي لا ينفد ولا ينقص من خزائنه شيئاً بل تتسع وتزداد، قال تعالى[وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ]( ).
فبعث الله سبحانه الأنبياء وأنزل الكتب من عنده التي تجذب الناس لعبادته وتبين لهم كيفيتها لينهلوا من فضله، وجاءت رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فضلاً من الله عز وجل على المؤمنين وعامة الناس ، قال تعالى [ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ] ( ) وكانت رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فضلاً على كل من :
الأول : إنها فضل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : إنها فضل على أهل مكة والمدينة.
الثالث : إنها رحمة وفضل على الناس جميعاً، وهو من مصاديق قوله تعالى[وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ).
الرابع : رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فضل على قريش، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحث قريشاً على تصديقه، ويرّغبهم ، ويبين لهم المنافع العظيمة التي تأتيهم بدخولهم الإسلام ، ولكنهم يزدادون إصراراً على الكفر والضلالة .
وقال جماعة من كبرائهم وهم أبو جهل وعتبة وشيبة ابنا ربيعة (وقتل هؤلاء الثلاثة يوم معركة بدر وهم كفار).
وأمية بن خلف وسعيد بن العاص ، والعاصي بن سعيد لمعاشر قريش : ان أمر محمد ودعوته تزداد ، وصار الناس يدخلون الإسلام فأمشوا إلى أبي طالب ، وهو ذو رأي وشرف ، وهو اليوم مدنف أي مريض أشرف على الموت .
(فأعطوه السواء) ( ) أي الوسط من الأمور بأن تستجيبوا لبعض المسائل التي يطلبها ، ولا تشددوا عليه في ابن أخيه محمد ، إذ رأوا أن رهطاً من شباب قريش دخلوا الإسلام منهم الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ، وحمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب فخشوا الإقتتال بين أفخاذ قريش في مكة .
فجاءوا يمشون إلى أبي طالب وجلسوا عنده ، وقالوا أنت سيدنا ، وتذب عنا ولا ترضى لحوق الأذى بنا ، وقد رأيت ابن أخيك كيف يطعن بآلهتنا ويسفه أحلامنا ، وسب آباءنا لعبادتهم الأوثان ، فأرسل اليه ، وأنت بيننا وبينه الحاكم بالعدل والإنصاف .
فقام أبو طالب بالإرسال إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يدعوه للحضور ، فأتاه وحينما جلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، قال له أبو طالب هؤلاء قومك وأهل الشرف فيهم ،وجاءوا ليعطوك ما تطلب وتعطيهم ما تقدر عليه ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أني اسمع قولكم وما تطلبون ؟
فقال أبو جهل بن هشام : لا تذكر آلهتنا بسوء ، ولا تلزمنا بشئ ،أي لا تقل يجب عليكم أن تقولوا كلمة التوحيد ونبذ الأصنام .
ثم أردف أبو جهل (وندعك وربك) ( ).
يريد الإشارة إلى أمر وهو رغبتهم بعدم قيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بدعوة الناس للإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن أعطيكم ما سألتم أمعطي أنتم كلمة واحدة، لكم فيها خير، تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم .
فبادر أبو جهل للكلام كيلا يستجيب له الآخرون قبله: نعم لله أبوك كلمة نعطيكها وعشر أمثالها .
أي إذا كان هذا الملك العظيم ينزل علينا بكلمة من عدة حروف ونحن جلوس هنا نقولها ونرددها .
فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : قولوا لا إله إلا الله وحده لا شريك له ) فقاموا وتفرقوا .
ونزل قوله تعالى[وَانطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنْ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاَقٌ * أَؤُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا]( ) والمشهور أنه المراد من الملة الأخرى هي ملة النصارى .
ليظهروا إصرارهم على الكفر ، ويستعدوا للحرب والقتال وأبى الله عز وجل إلا أن ينصر نبيه ويكرمه بعودته وأصحابه سالمين من حمراء الأسد .
ترى لماذا بقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثة أيام في حمراء الأسد، الجواب للتحدي والتأكد من قرب دخول جيش الذين كفروا إلى مكة وتفرقهم والذي يدل بالدلالة التضمنية على صرفهم النية بالرجوع إلى القتال .
ومن مصاديق فضل الله في عودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى المدينة من حمراء الأسد وجوه :
الأول : عدم وقوع قتال بين المسلمين والذين كفروا .
الثاني : تجلي معجزة حسية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بتحدي الجيش الكبير للذين كفروا بقلة من أصحابه .
الثالث : لقد أشيع يوم معركة أحد نبأ قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ثم تبين بطلان وزيف هذه الإشاعة ، وحينما خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى حمراء الأسد لم يقل أحد بهذه الإشاعة ، لتسليم الناس بسلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بواقية من عند الله عز وجل .
الرابع : خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم خلف العدو دعوة لأهل المدينة ومن حولها إلى الإسلام، وتجلى هذا الأمر بتحذير الناس للمسلمين كما ورد في الآية السابقة[إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ]( ).
الخامس: من فضل الله في المقام أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ما كانوا ليرجعوا إلى المدينة لولا اللطف والعناية من عند الله بهم، وصرف الذين كفروا عن محاربتهم .
السادس : بيان حال جديدة طرأت على المجتمع وعموم أفراد القبائل بعد معركة أحد لدلالتها على ثبوت الإيمان في النفوس، وعجز كفار قريش عن منع الناس من دخول الإسلام .
المسألة الرابعة : تقدير الجمع بين الآيتين : الذين استجابوا لله والرسول لم يمسسهم سوء).
من خصائص الحياة الدنيا أنها ملك طلق لله عز وجل لتكون سبيل تدبر وهداية، لا يشاركه فيها أحد، وكذا بالنسبة للآخرة ، ولكن الدنيا دار إمتحان وإبتلاء، فيسعى ويجتهد فيها الناس لإحراز الإنتفاع الأمثل مما فيها من النعم ، قال تعالى[هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ]( ) .
وتفضل الله عز وجل ودعا الناس للإيمان به سبحانه إلهاً واحداً لا شريك له ، تتوالى النعم من عنده سبحانه .
ولكن رؤساء الكفر الذين يخشون على منافعهم وشأنهم أن يزول مع الإيمان تصدوا للأنبياء في كل زمان ، فقاتل شطر من الأنبياء هم وأنصارهم في سبيل الله، قال تعالى[وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ] ( ).
وأختتمت النبوة برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , قال تعالى[مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا]( ).
فأراد الذين كفروا قتله، فأمره الله عز وجل بالهجرة من مكة فتلقاه الأوس والخزرج بالتأييد والنصرة فأكرمهم الله عز وجل إذ خصهم باسم الأنصار، قال سبحانه[لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ]( ).
وجاءت آية البحث بالبشارة بسلامة النبي وأصحابه من القتل أو الجرح الإضافي أو الأذى في خروجهم إلى حمراء الأسد ، وصارت غزوة لهم.
مما يدل على أن اسم الغزوة في الإسلام أعم من وقوع القتال فيها، وهو من معجزات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في السنة الدفاعية، وبيان لقانون وهو أن الله عز وجل يثيب المؤمنين على الصبر والدفاع في سبيله، وإن محا الله عز وجل ذات الفعل ، وهو من عمومات قوله تعالى [يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ] ( ).
فقد خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه خلف جيش العدو مطاردين له ، وكان رؤساء هذا الجيش ينوون العودة للقتال والكرة على المدينة ، مما يدل على حتمية المواجهة والإقتتال خاصة بعد أن يرى الذين كفروا قلة عدد صحابة النبي الذين كانوا معه يومئذ .
وهل كانوا يعلمون بجراحات الصحابة، فيه وجوه :
الأول : لم يعلم الذين كفروا بأن الإصابات والجروح قد أصابت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
الثاني : يعلم الذين كفروا بتلك الجراحات بواسطة الركبان وأهل القرى حينما مرّ عليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، خاصة وأن أبا سفيان يكثر من سؤال الناس عن المسلمين والجهة التي يتوجهون إليها .
الثالث : لا يعلم الذين كفروا بجراحات النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، إلا إذا دخلوا المعركة ،وقد صرف الله عز وجل هذا اللقاء .
الرابع : يجهل الذين كفروا جراحات النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه حتى ولو جرت المعركة بين المسلمين وبينهم سواء في حمراء الأسد أو في الطريق إليها أو العودة منها .
الخامس : دلالة آية السياق على إصابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بالجراحات .
والمختار أن الكفار يعلمون بجراحات النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه يوم معركة أحد ، ومع هذا انسحبوا من المعركة لبيان معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمدد الذي جاءه من عند الله بقوله تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ]( ).
ومن معاني الجمع بين الآيتين قانون أن الإستجابة لله ورسوله برزخ وواقية دون الأذى والضرر، وهو من عمومات قوله تعالى[لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى] ( ).
المسألة الخامسة : تقدير الجمع بين الآيتين : الذين استجابوا لله والرسول اتبعوا رضوان الله .
من أسماء الله المنان ، وهو الذي ينعم على الخلائق عامة وينعم على الناس خاصة، وهذا الخصوص من أسرار قوله تعالى[إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ]( ) نعم أراد الله من الناس أن يشكروه على النعم التي تفضل بها عليهم سواء الظاهرة منها أو الباطنة .
وهل استجابة المهاجرين والأنصار لله ورسوله من الشكر لله عز وجل، الجواب نعم، إذ أن الشكر أعم من القولي , فيشمل الفعلي والصبر في مرضاة الله .
ومن إعجاز القرآن هداية المسلمين لمصاديق الشكر, واقتطاف ثمراته , كما في قوله تعالى[وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ]( )، فكل من الصبر والصيام والصلاة شكر لله سبحانه .
فان قلت هل تتقوم عبادة الله في الأرض بالشكر الفعلي دون القولي، الجواب لا، إنما هما متلازمان.
لذا يبدأ القرآن بالحمد لله والإقرار بربوبيته المطلقة بعد البسملة كما في سورة الفاتحة ، ثم تفضل الله والزم كل مسلم ومسلمة بقراءتها عدة مرات في اليوم .
وإذ انقضت أيام معركة أحد والخندق وتم فتح مكة وصار المسلمون يتنعمون في أمصارهم من غير أن يدخلوا معركة أو يقاتلوا غيرهم ، فهل يكون أداء الصلاة من الإستجابة لله والرسول ، وبذات المرتبة التي تذكرها آية السياق .
الجواب أما أن الصلاة من الإستجابة لله والرسول فهو صحيح وأما ذات المرتبة فالجواب لا ، إلا بفضل من الله , إذ جمع المهاجرون والأنصار أموراً :
الأول : المبادرة إلى دخول الإسلام من غير أن يتلقوه وراثة .
الثاني : صحبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , هذا التشريف الذي فتح لطبقة من الناس ثم أغلق إلى يوم القيامة ، نعم ورد (عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أي الخلق أعجب إيماناً؟ قالوا الملائكة .. قال: الملائكة… كيف لا يؤمنون؟
قالوا: النبيون…
قال: النبيون يوحى إليهم فكيف لا يؤمنون؟ ولكن أعجب الناس إيماناً، قوم يجيئون من بعدكم ، فيجدون كتاباً من الوحي ، فيؤمنون به ويتبعونه . فهؤلاء أعجب الناس إيماناً .
وأخرج ابن أبي شيبة في مسنده عن عوف بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا ليتني قد لقيت إخواني؟
قالوا يا رسول الله ألسنا إخوانك وأصحابك: قال: بلى. ولكن قوماً يجيئون من بعدكم ، يؤمنون بي إيمانكم، ويصدقوني تصديقكم، وينصروني نصركم . فيا ليتني قد لقيت إخواني)( ).
الثالث : الإستجابة لما يأمر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لإقرارهم بأنه وحي من عند الله .
الرابع : تلقي القرآن من فيّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
الخامس : المهاجرون والأنصار أول من عمل مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالأوامر الإلهية .
السادس : خروج المهاجرين والأنصار تحت لواء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
السابع : شهادة طائفة من الصحابة في معركة بدر , ومعركة أحد والخندق وحنين .
الثامن : خروج المهاجرين والأنصار في السرايا التي بعثها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
وليس لأحد ان يبعث السرية ويعين أميرها والجهة التي تتوجه إليها إلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو لا يبعثهم إلا بالوحي وأمر من عند الله سبحانه.
التاسع : تلقي الصحابة الجراحات ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين ظهرانيهم .
العاشر : مخاطبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأكثرهم بالاسم أو الكنية .
الحادي عشر : حضور صلاة الجماعة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتلك نعمة عظمى ، وقد ورد عن (أبي سليمان مالك بن الحويرث قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: صلوا كما رأيتموني أصلى فإذا حضرت الصلوة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم)( ).
الثاني عشر : الجلوس تحت منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسماعه وهو يخطب ، والعمل بمضامين ما يأمر به وإجتناب ما ينهى عنه ، قال تعالى [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا] ( ).
الثالث عشر : رؤية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وطلعته البهية.
الرابع عشر : السلامة من الخلاف والشقاق بين الصحابة ما دام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين ظهرانيهم .
الخامس عشر : مصاحبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في صلح الحديبية ، وفي عمرة القضاء ، وفي فتح مكة .
السادس عشر : إمكان توجيه السؤال إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة من غير واسطة ، وقد ورد لفظ ( يسألونك ) في القرآن خمس عشرة مرة ، قال تعالى[يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ]( ).
السابع عشر :حضور نزول القرآن، وما يلاقيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من وطأة التنزيل، وحال التعرق التي تصيبه حتى في أيام البرد القارص .
الثامن عشر : المهاجرون والأنصار شهود على أيام التنزيل، وحجة على الناس في تصديقهم بالمعجزات العقلية والحسية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
التاسع عشر : نزول آيات قرآنية بحق المهاجرين والأنصار , ومنها آية البحث وآية السياق والآية السابقة ، وبيان فضل الله سبحانه عليهم وعلى المسلمين بواسطتهم .
المسألة السادسة : لقد أخبرت آية السياق عن حقيقة تأريخية وهي أن النبي وأصحابه أصابتهم الجروح من غير تعيين سبب هذه الجروح، ووردت السنة النبوية والأخبار بالقطع في إرادة معركة أحد، وإصابتهم بالجروح والقروح المتعددة فيها.
ترى لماذا لم يرد في القرآن اسم أحد أو معركة أحد مع ورود اسم[بَدْرٍ]( ) ومعركة الخندق إذ وردت باسم معركة الأحزاب وجاء في ذم المنافقين يومئذ قوله تعالى[يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلاَّ قَلِيلاً]( ).
الجواب جاءت آيات متعددة بخصوص معركة أحد، وتبين ما أصاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين يومئذ، وعدم ذكر اسم معركة أحد على نحو الخصوص لبيان قانون في القرآن، وهو أن المدار على المعنى والمقصود والمسمى الذي يكون اسمه ثابتاً عند المسلمين ، وتقدير آية السياق على وجوه :
الأول : الذين استجابوا لله والرسول في الخروج إلى معركة أحد في النصف من شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة، ومن الأسرار في ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والإستجابة له بعد الإستجابة لله عز وجل إرادة الإخبار عن تفاصيل المعركة وإتباع المسلمين لأوامر الله عز وجل وأوامر رسوله الكريم، ومنها عدم إبتداء المسلمين بالقتال ، فان قلت هل يشمل هذا الأمر الرماة، فيه جهات :
الأولى: الرماة الذين استجابوا لله والرسول .
الثانية : الرماة الذين استجابوا لله في بداية المعركة دون آخرها لأنهم تركوا مواضعهم ، فجاءت خيل الكفار من خلف المسلمين، فنزلت بالمسلمين مصيبة إذ يقاتلون من أمامهم ومن خلفهم .
الثالثة : خصوص الشهداء من الرماة وهم عبد الله بن جبير أمير الرماة مع نحو ثمانية من أصحابه تقيدوا بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يغادروا جبل الرماة .
والمختار هو الجهة الأولى لإستجابة الرماة لدعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة لملاقاة الذين كفروا ، ولعدم رجوع الرماة مع رأس النفاق عبد الله بن أبي بن أبي سلول , والثلاثمائة الذين رجعوا معه.
الثاني : الذين استجابوا لله والرسول بعدم الرجوع مع رأس النفاق من وسط الطريق إلى معركة أحد ، فذات البقاء مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والسير معه إلى ميدان المعركة إيمان واستجابة لله والرسول ،وهو من عمومات قوله تعالى[الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ]( ).
ولم يقاتل الذين نافقوا إذ إنسحبوا من وسط الطريق إلى جبل أحد، مما يدل على أنهم ليسوا من الذين آمنوا، نعم يمكن تقدير الآية أعلاه الذين آمنوا إذا قاتلوا فأنهم يقاتلون في سبيل الله.
الثالث : الذين استجابوا لله والرسول وذبوا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ميدان المعركة .
الرابع : الذين استجابوا لله والرسول في معركة أحد رجاء الأجر والثواب , وفي التنزيل[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ]( ).
الخامس : الذين استجابوا لله والرسول فأصابتهم الجراحات والقروح.
السادس : الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابتهم الجراحات والقروح لبيان أن تلك الجراحات لم تقعد المهاجرين والأنصار عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , والدفاع عن بيضة الإسلام .
السابع : الذين استجابوا لله والرسول في ميدان المعركة وفي آداب القتال.
الثامن : الذين استجابوا لله والرسول وبذلوا الوسع في الدفاع عن النبوة والتنزيل .
التاسع : الذين استجابوا لله والرسول فصارت استجابتهم هذه باعثاً للخوف والفزع في قلوب الذين كفروا.
العاشر : الذين استجابوا لله والرسول في معركة أحد ليندم الذين كفروا على جمع الناس لقتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الحادس عشر : الذين استجابوا لله والرسول في أشد الأحوال، وهو القتال يوم أحد، والخروج خلف جيش الذين كفروا.
الثاني عشر : الذين استجابوا لله والرسول وبقوا في حمراء الأسد ثلاثة أيام.
التاسع عشر : الذين استجابوا لله والرسول بالخروج خلف العدو ويرجون أن تكتب لهم غزوة .
العشرون : الذين استجابوا لله والرسول مع تحريض المنافقين على القعود، كما ورد في التنزيل[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا]( ).
الحادي والعشرون : الذين استجابوا لله والرسول وأحسنوا مع أنفسهم ومع الناس .
الثاني والعشرون : الذين استجابوا لله والرسول واتقوا الله .
الثالث والعشرون : الذين استجابوا لله والرسول قبل أن يقول لهم الناس أن الناس قد جمعوا لكم .
الرابع والعشرون : الذين استجابوا لله والرسول عندما ( قال لهم الناس أن الناس قد جمعوا لكم ).
الخامس والعشرون : الذين استجابوا لله والرسول بعدما ( قال لهم الناس أن الناس قد جمعوا لكم ).
السادس والعشرون : الذين استجابوا لله والرسول مع قلتهم في مقابل كثرة الذين كفروا .
السابع والعشرون : الذين استجابوا لله والرسول فكانت استجابتهم دعوة للناس لدخول الإسلام .
الثامن والعشرون : الذين استجابوا لله والرسول رجاء رضوان الله ، وفي التنزيل[أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ]( ).
التاسع والعشرون : الذين استجابوا لله والرسول فازوا بذكرهم بآية السياق ، ويحتمل وجوهاً :
الأول : هذا الذكر من الجزاء العاجل .
الثاني : ليس من الجزاء ، إنما هو بيان وإخبار.
الثالث : إنه من الجزاء الآجل .
والمختار هو الأول والثالث لبيان قانون وهو أن الثناء من الله على الأنبياء والمؤمنين متصل ومستمر في الدنيا والآخرة .
الثلاثون : الذين استجابوا لله والرسول سبب لمجئ الثواب لأجيال المسلمين والمسلمات إلى يوم القيامة بتلاوة آية السياق ،والتدبر في قصتهم والإقتداء بهم في الدفاع عن النبوة والتنزيل .
الحادي والثلاثون : الذين استجابوا لله والرسول كانوا في حال دفاع وليس حال هجوم وغزو.
الثاني والثلاثون : الذين استجابوا لله والرسول رجعوا إلى المدينة، وقد دفعوا عنها شرور الكفار، وهو من مصاديق النعمة التي تذكرها آية البحث.
الثالث والثلاثون : الذين استجابوا لله والرسول مؤمنون .
الرابع والثلاثون : الذين استجابوا لله والرسول من المهاجرين والأنصار .
المسألة السابعة : لقد أخبرت آية البحث عن رجوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى المدينة بأمور :
الأول : ذات الإنقلاب نعمى عظمى إذ أن رجوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه آية من عند الله , وحجة وشاهد على أن خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى حمراء الأسد بالوحي .
الثاني : رجوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بنعمة، وقيدت الآية النعمة بأنها من عند الله ، وسيأتي مزيد بيان في باب التفسير .
وهناك مسألتان :
الأولى : هل من موضوعية لإستجابة الصحابة لله والرسول في جلب هذه النعمة .
الثانية : هل انتفع أهل المدينة من هذه النعمة .
أما الأولى فالجواب نعم ، وهذه النعمة من شكر الله عز وجل للمهاجرين والأنصار على استجابتهم لله والرسول ، قال تعالى [وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] ( ) .
وأما الثانية فان أهل المدينة انتفعوا من النعمة والفضل الإلهي الذي جاء به النبي وأصحابه لبيان قانون أنهم لم يجلبوا معهم الغنائم ، ولكن النعم التي صاحبتهم من عند الله أعظم من الغنائم ، لتكون عودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى المدينة يومئذ عيداً .
الثالث : البشارة لأهل المدينة بأن الله قد أنعم عليهم بفضل مصاحب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين والأنصار، ولا يغادر هذا الفضل المدينة وأن خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الغزو ، وتبقى هذه النعمة والفضل في المدينة حتى بعد انتقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى.
المسألة الثامنة: الذين استجابوا لله والرسول، والله ذو الفضل العظيم، لقد خلق الله الإنسان وجعله ( في الأرض خليفة ).
وهل هذا الخلق والخلافة من فضل الله على الناس والخلائق ، إن مسألة خلافة الإنسان في الأرض عامة في ذاتها وأثرها بالنسبة للخلائق كلها ، وتجلت بالنبوة والتنزيل، فالكتب السماوية والوحي صلة بين الله عز وجل والخلفاء من الناس، كما في قوله تعالى[يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ]( ).
وأشرقت الأرض ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونزول آيات القرآن، لكن الذين كفروا جهزوا الجيوش لمحاربته، وكانوا يعلمون قلة عدد أصحابه, وضعفهم وقلة أسلحتهم ورواحلهم، وليس كل الصحابة يخرجون للقتال، فمنهم ذوو الأعذار، قال تعالى[لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى]( ).
فان قلت كان المنافقون من القاعدين ، ويحرضون على القعود فهل تشملهم الآية أعلاه ، الجواب لا ، فمن إعجاز الآية تقييد القعود بالإيمان ، ليخرج المنافقون والذين كفروا من الأجر والثواب العام الذي يشمل المجاهدين والقاعدين ووعد الله عز وجل لهم بالحسنى .
واختصت آية السياق بالذين استجابوا لله والرسول ، ويحتمل وجوهاً :
الأول : إنهم من المجاهدين .
الثاني : التفصيل فمن الذين استجابوا لله والرسول مجاهدون ، ومنهم قاعدون .
الثالث : إنهم من القاعدين لعدم وقوع قتال في خروجهم إلى حمراء الأسد.
والصحيح هو الأول، نعم بين الجهاد والإستجابة لله والرسول عموم وخصوص مطلق، فالجهاد هو الأعم.
لقد أمر الله عز وجل المسلمين بالإعداد لملاقاة الذين كفروا كما في قوله تعالى[وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ]( ).
أما الذين كفروا فقد أخذوا يصرون على اللقاء في معركة أحد لمدة سنة كاملة، وهل استعد المسلمون مثل استعدادهم لها، الجواب لا، فقد طاف الذين كفروا على القبائل يحرضونهم ضد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وينفقون الأموال لإنفاقها على الشعراء ورؤساء القبائل والفرسان، ولم يكن عند المؤمنين الأموال على الشعراء ورؤساء القبائل والفرسان، ولم يكن عند المؤمنين الأموال .
ولكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم طاف على تلك القبائل لثلاث سنوات في موسم الحج قبل الهجرة النبوية يدعوهم إلى التوحيد ، والتصديق برسالته ليكون هذا الطواف حجة عليهم , وزاجراً عن الخروج مع رؤساء الكفر من قريش إلى معركة أحد .
وإمتاز المسلمون بالمدد الملكوتي من عند الله , فان قلت قد رآى كفار قريش أمارات هذا المدد في معركة بدر فلماذا أصروا على القتال في معركة أحد ، الجواب إنه العناد وحب الجاه والشأن ، وإغواء الشياطين .
ومن الإعجاز نصر الملائكة للمسلمين ، وقيامهم بتعذيب القتلى منهم كما في أبي جهل إذ كان يوم بدر
(يَرْتَجِزُ وَهُوَ يُقَاتِلُ وَيَقُولُ
مَا تَنْقِمُ الْحَرْبُ الْعَوَانُ مِنّي … بَازِلُ عَامَيْنِ حَدِيثٌ سني
لِمِثْلِ هَذَا وَلَدَتْنِي أُمّي ) ( ).
(عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى عليه الله وآله وسلم “من ينظر ماذا صنع أبو جهل؟” قال ابن مسعود: أنا يا رسول الله.
فانطلق فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد.
قال: فأخذ بلحيته قال فقلت: أنت أبو جهل ؟ فقال: وهل فوق رجل قتلتموه.
أو قال: قتله قومه ! وعند البخاري، عن أبى أسامة، عن إسماعيل بن قيس، عن ابن مسعود، أنه أتى أبا جهل فقال: هل أخزاك الله ؟ فقال: هل اعمد من رجل قتلتموه!
وقال الاعمش، عن أبى إسحاق، عن أبى عبيدة، عن عبدالله، قال: انتهيت إلى أبى جهل وهو صريع وعليه بيضة ومعه سيف جيد، ومعي سيف ردئ، فجعلت أنقف رأسه بسيفي وأذكر نقفا كان ينقف رأسي بمكة حتى ضعفت يده،
فأخذت سيفه فرفع رأسه
فقال: على من كانت الدائرة، لنا أو علينا ؟ ألست رويعينا بمكة؟ أي أنه عرف برؤيته لعبد الله بن مسعود يريد قتله أن الدائرة عليهم .
قال: فقتلته، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: قتلت أبا جهل.
فقال: آلله الذى لا إله إلا هو ؟ فاستحلفني ثلاث مرات.
ثم قام معى إليهم فدعا عليهم.
وعن أبى عبيدة، قال: قال عبد الله: انتهيت إلى أبي جهل يوم بدر وقد ضربت رجله وهو يذب الناس عنه بسيف له، فقلت: الحمد لله الذى أخزاك الله يا عدو الله.
قال: هل هو إلا رجل قتله قومه)( ).
(عن ابن مسعود قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر فقلت: قد قتلت أبا جهل فقال: ” آلله الذى لا إله إلا هو ؟ ” فقلت: آلله الذى لا إله إلا هو مرتين، أو ثلاثا.
قال: فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ” الله أكبر، الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده وهزم الاحزاب وحده ” ثم قال: ” انطلق فأرنيه، فانطلقت فأريته، فقال: “هذا فرعون هذه الامة”)( ).
وبعد إنقضاء المعركة ورجع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى المدينة رجاء رجل وقال له (إني مررت ببدر فرأيت رجلا يخرج من الأرض فيضربه رجل بمقمعة معه حتى يغيب في الأرض ثم يخرج فيفعل به مثل ذلك مرارا
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذاك أبو جهل يعذب إلى يوم القيامة) ( ).
المسألة التاسعة : تقدير الجمع بين الآيتين الذين أحسنوا من المهاجرين والأنصار لم يمسسهم سوء) .
لقد لاقى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أشد الأذى من قريش، هو وأصحابه في مكة ، وأمر شطراً منهم بالهجرة إلى الحبشة لأن فيها ملكاً لا يظلم، من غير أن يخشى عليهم الإرتداد أو الإنتقال إلى النصرانية، وهي ديانة أهل تلك الديار.
ولما عزمت قريش على قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أوحى الله عز وجل له بالهجرة من مكة فغادرها إلى يثرب والتي صارت تسمى المدينة، وكأنه ليس من مدينة غيرها ، وهو صحيح لإنفرادها بإقامة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيها وحرصه على الرجوع إليها بعد الفتح ثم صيرورتها مدفنه ، ودعوته المسلمين لزيارة قبره والسلام عليه والصلاة في مسجده ووردت فيه نصوص متواترة .
عن أنس بن مالك : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من زارني بالمدينة محتسباً كنت له شهيداً وشفيعاً يوم القيامة)( ).
وذكرت آية البحث الإحسان وسيلة ونوع طريق لفوز المؤمن بالأجر العظيم.
وأخبرت آية البحث عن سلامة المهاجرين والأنصار من السوء والأذى في طريقهم إلى حمراء الأسد وعودتهم منها، وهل هو من الأجر العظيم الذي تذكره آية السياق أم لا، الجواب هو الأول.
ترى هل من موضوعية لآية السياق في سلامة الذين استجابوا لله والرسول من السوء ، الجواب نعم ، وهو من شكر الله عز وجل لهم على هذه الإستجابة ، وتلقي الجراح والقروح في معركة أحد، وهو من مصاديق قوله تعالى[يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا]( ).
وقيل نزلت الآية أعلاه في نكاح الأمَة وهي الجارية المملوكة، ولكن موضوع الآية أعم وبين لفظ الجارية والأمَة عموم وخصوص مطلق، فيطلق لفظ الجارية على الصغيرة والأنثى غير المتزوجة وإن كانت حرة، وعلى الخادمة والأمَة، ومن لا تملك أمرها , وقد يطلق على الفتاة الصغيرة الحرة المتزوجة كما في حديث بريدة بخصوص عائشة زوج النبي.
ومن التخفيف الذي تفضل الله عز وجل به عودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من حمراء الأسد من غير قتال.
الوجه الثالث : صلة آية البحث بقوله تعالى [الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ]وفيها مسائل :
المسألة الأولى : من معاني الجمع بين الآيتين بيان التباين بين الذين آمنوا والذين نافقوا ، وأثر هذا التباين من جهات :
الأولى : مدى تأثير منهاج الذين آمنوا بطاعة الله والرسول على الذين نافقوا .
الثانية : سيرة المهاجرين والأنصار حجة على الذين نافقوا .
الثالثة : خروج المهاجرين والأنصار مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى حمراء الأسد تبكيت وتوبيخ للمنافقين .
الرابعة : استجابة الذين آمنوا لله والرسول دعوة ملحة للمنافقين للتوبة والإنابة .
الخامسة : بيان قانون وهو أن تحريض المنافقين الصحابة على القعود لم يمنعهم من الخروج إلى حمراء الأسد والجراحات تتغشاهم وتظهر على أجسادهم لتأكيد حقيقة وهي أن خروجهم في الأيام والأشهر والسنوات التالية مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الغزو من باب الأولوية القطعية، وفيه إغاظة للذين نافقوا وفضح لهم ، إذ أنهم إختاروا القعود ويدعون إليه، ومن يعتذر منهم عن الخروج في غزوة ودفاع يتعذر عليه الإعتذار مرة أخرى.
وكأن أعذار المنافقين تنفد ، وهو من مختصات رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى[وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا]( ).
المسألة الثانية : تبين آية السياق إجتهاد المنافقين في الصدود عن سبيل الله من وجوه :
الأول : قعود المنافقين عن الدفاع عن أنفسهم وأهليهم وحرمة المدينة المنورة .
الثاني : دعوة المنافقين الأنصار إلى القعود وعدم الخروج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى معركة أحد وإلى حمراء الأسد ، ولو أطاعوهم إلى عدم نصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لدعوهم إلى عدم الذهاب إلى الصلاة .
ليكون من إعجاز آية السياق منع تمادي المنافقين في التحريض على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والتنزيل .
الثالث : بث المنافقين والمنافقات الأراجيف في منتديات وبيوت المدينة المنورة ، ويأتون بما يظنون أنه حجة وهو : لو لم يخرج الصحابة إلى معركة أحد لما استشهد منهم سبعون ، ويستدلون بسلامتهم من القتل لأنهم اختاروا القعود والرجوع من وسط الطريق إلى معركة أحد، فجاءت آية السياق لدحض حجتهم وبيان أنها مغالطة، وليس برهاناً، إذ يعجزون عن دفع الموت عنهم، وهو قريب منهم في كل ساعة.
وليكون من معاني قوله تعالى[قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ الْمَوْتَ]( ) أي إذا دخل جيش الذين كفروا إلى المدينة فأنهم يذبحونكم ويقتلونكم ولا يقدر جملتهم على الفصل بينكم كمنافقين وبين عامة المؤمنين خاصة وأن المنافقين يحضرون الصلاة مع النبي فيحكم عليهم الكفار على الظاهر مع قصدهم استئصال الإسلام .
ويكون من معاني الآية أعلاه : قل فادرأوا عن أنفسكم الموت فقد درأه عنكم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ومنهم الشهداء ، إذ جاء الذين كفروا من قريش بقصد قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه واستباحة المدينة والانتقام من أهلها ثأراً لقتلاهم في معركة بدر .
وهذا المعنى والتأويل مستحدث في هذا السِفر.
المسألة الثالثة : لقد وردت آية البحث بصيغة الجملة الخبرية في الثناء على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وكيف أن الله عز وجل تفضل عليهم بالعودة سالمين من غزوة ليس فيها قتال، ولكن خروجهم ذاته لا يخلو من الضرر وإحتمال عكوف جيش الذين كفروا عليهم، ترى ماذا لو كان ذات جيش الكفار قد تباطئ أو أبطأ في عودته إلى مكة , والتقى الجيشان.
الجواب إنه القتال الشديد مع التباين الكبير في العدد والعدة إلا أن يشاء الله صرفه وهو ظاهر الآية.
ومع أن جيش المسلمين أقل من عشر جيش المشركين فأنهم لا ينهزمون بلطف ومدد من عند الله، وهو من عمومات قوله تعالى[كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ]( ).
وتضمنت آية السياق أموراً :
الأول : قول الذين نافقوا موجه نحو أبناء عمومتهم من الأوس والخزرج الذين استشهدوا في معركة أحد .
الثاني : قعود الذين نافقوا عن الدفاع عن النبوة والتنزيل وعن أنفسهم وأموالهم لأن جيش الذين كفروا صار على مشارف المدينة .
الثالث : الأمر من الله عز وجل إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله بالإحتجاج على الذين نافقوا بالقول [قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ الْمَوْتَ] ( ) .
وهل هذا الأمر شاهد وبرهان بلزوم عدم قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم للذين نافقوا.
الجواب نعم بلحاظ أن الآية تضمنت قعود الذين نافقوا وما يفيد شماتتهم بالذين آمنوا والتحريض على القعود ، ومع هذا فان الآية تضمنت الأمر إلى النبي بالإحتجاج عليهم بالقول والتذكير بالموت، وعجزهم عن دفعه عن أنفسهم .
نعم لو ورد دليل آخر من القرآن على قتل المنافق لأمكن الجمع بين القول والقتل، وهذا الدليل معدوم وقد جاء قوله تعالى[جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ]( ) وفيه أن جهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمنافقين باللسان .
(عن عروة: أن رجلاً من الأنصار يقال له الجلاس بن سويد قال ليلة في غزوة تبوك : والله لئن كان ما يقول محمد حقاً لنحن شر من الحمير . فسمعه غلام يقال له عمير بن سعد وكان ربيبه فقال له : أي عم ، تب إلى الله . وجاء الغلام إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره ، فأرسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إليه.
فجعل يحلف ويقول : والله ما قلت يا رسول الله.
فقال الغلام: بلى، والله لقد قلته فتب إلى الله، ولولا أن ينزل القرآن فيجعلني معك ما قلته.
فجاء الوحي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسكتوا فلا يتحركون إذا نزل الوحي، فرفع عن النبي فقال { يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر}( ) إلى قوله[ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُنْ خَيْرًا لَهُمْ ]( ).
فقال : قد قلته وقد عرض الله عليّ التوبة فأنا أتوب ، فقبل ذلك منه، وقتل له قتيل في الإِسلام فوداه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأعطاه ديته فاستغنى بذلك وكان همَّ أن يلحق بالمشركين ، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم للغلام: وعت أذنك)( ).
ومن إعجاز القرآن نزول قوله تعالى[لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ]( ) بتوثيق قول للمنافقين وبالذات عبد الله بن أبي بن أبي سلول رأس النفاق.
فمع أن هذه الغزوة وقعت في شهر رجب من السنة التاسعة للهجرة وهي آخر غزوات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما بلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن هرقل يقود جيشاً من الروم والعرب يتألف من أربعين ألف مقاتل للإستيلاء على الجزيرة .
فخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأصحابه وعددهم ثلاثون ألفاً وتسمى أيضاً غزوة أو جيش العسرة لأمور :
الأول : حال الفقر التي عليها المسلمون .
الثاني : الجدب وقلة الثمار .
الثالث : شدة الحر وأوان القيض .
الرابع : بعد المسافة .
الخامس : تسمية الله عز وجل لها بالعسرة ، كما في قوله تعالى [لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ] ( ).
السادس : كانت تبوك من ديار قضاعة وهي تابعة آنذاك لسلطان هرقل الروم ، وقد أقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تبوك نحو عشرين ليلة .
فساروا حتى وصلوا تبوك وتبعد عن المدينة المنورة سبعمائة وثمانية وسبعين ميلاً وبينما كان جيش المسلمين في عوز وفاقة .
فان هرقل دفع لجنوده مع كثرتهم أرزاق سنة لعلمه ببعد المسافة وإنقطاعهم عن أهلهم عند غزو الجزيرة ولمنع اللغط واليأس بينهم وانتفاضتهم عليه.
وجاء البكاؤون وهم سبعة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يستحملونه ويسألونه رواحل يركبونها فنزل قوله تعالى [وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ]( ).
وجلب هرقل معه رجال قبائل وهي :
الأولى : قبيلة لخم ، وهي قبيلة عربية قحطانية وكانوا يقطنون مملكة الأنباط قريباً من الأردن، ومنازلهم في الشام وفي العراق ومنهم المناذرة ملوك الحيرة، ودخل أكثرهم آنذاك المسيحية .
الثانية : قبيلة عاملة، قبيلة عربية قحطانية من بطون سبأ هاجرت إلى الشام نحو سنة 300 ق.م بعد خراب سد مأرب ، ونزلوا قريباً من دمشق في جبل يسمى جبل عامل، وهو جبل جنوب لبنان الذي سمي باسمهم، ولا يزالون فيه واقرب القبائل لهم نسباً قبيلة كندة .
الثالثة : قبيلة غسان من قبائل العرب ويعود أصلهم إلى الأزد ، وأطلق عليهم اسم غسان أو الغساسنة لأنهم قطنوا في تهامة قرب عين تسمى غسان وسكنوا أطراف الشام، وأقاموا في بُصرى، ثم صارت عاصمتهم الجابية بمرتفعات الجولان، وصاروا حكاماً في الشام واعتنقوا المسيحية ، ومنهم الشاعر لبيد بن ربيعة ، والنابغة الذبياني ، ومنهم الموارنة ولهم عمومة مع الأوس والخزرج.
وكان حسان بن ثابت وهو من الخزرج يفدهم بالشام في الجاهلية ويمدحهم، ومن شعره فيهم :
للّهِ دَرُّ عِصابَةٍ نادَمْتُهُمْ … يوماً بجِلِّقَ في الزَّمان الأَوَّلِ
أَوْلادُ جَفْنَةَ حَوْلَ قَبْرِ أَبيهمُ … قَبْرِ ابن مارِيَةَ الجَوادِ المُفْضِلِ
بِيضُ الوُجُوهِ، كَرِيمَةٌ أحْسابُهُمْ … شُمُّ الأُنُوفِ مِن الطِّرازِ الأَوَّلِ
يُغْشَوْنَ، حتَّى ما تَهِرُّ كِلابُهُمْ، … لا يَسْأَلُونَ عن السَّوادِ المُقْبِلِ
يَسْقُونَ مَن وَرَدَ البَرِيصَ عليهمُ … بَرَدَى يُصَفَّقُ بالرَّحيقِ السَّلْسَلِ
المُلْحِقينَ فَقِيرَهُمْ بغَنِيِّهِمْ … والمُشْفِقِينَ على الضَّعِيفِ المُرْمِل
والضَّارِبِينَ الكَبْشَ يَبْرُقُ بَيْضُهُ … حتَّى يَطِيحَ بهِ بَنانُ المَفْصِلِ
كِلْتَاهُما حَلَبُ العَصِير، فعاطِنِي … بزُجاجَةٍ أَرْخاهُما لِلْمِفْصَلِ
بزجاجةٍ رَقَصَتْ بِما في قَعْرِها … رَقَصَ الَقلُوصِ براكِبٍ مُسْتَعْجل( ).
الرابعة : قبيلة جذام ، وهي من قبائل العرب القحطانية وقيل أنهم من العدنانية سكنوا شمال الجزيرة وأطراف الشام ، وكانت تبوك ومدين من مدنهم ، ولا تزال بعض أفخاذهم تسكن تبوك مثل بني عقبة وبني عطية .
وعلى قول اليعقوبي أن بني النضير وبني قريظة فرعان من قبيلة جذام العربية وتهودوا ، إذ نزل بنو النضير بجبل يسمى النضير فسموا به .
أما بنو قريظة فنزلوا جبلاً يسمى قريظة فنسبوا إليه، وكان تهودهم في أيام عاديا أي السمؤال( ).
ليكون من الإعجاز في نبوة محمد نصر الله له على قريش وهم أمراء من بين العرب وسدنة البيت الحرام ، والقبائل العربية التي أرادت قتاله ممن يتبع هرقل.
وكان بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبين قريظة صلح ، ولكنهم مالوا إلى كفار قريش إلى جانب الأذى الذي يأتي من المنافقين والذين تتعدد أنسابهم، والجامع بينهم هو إبطان الكفر في ذات الوقت الذي يظهرون فيه الإيمان .
المسألة الرابعة : لقد أخبرت آية السياق عن قبح سيرة المنافقين ، فلم يكتفوا بالقعود عن الدفاع عن أنفسهم وأهليهم وعن النبوة والتنزيل إنما صاروا يدعون إلى القعود وصيرورته غاية ووسيلة للنجاة بظنهم .
وجاءت الآية التالية في ذم الكفار وكيف أن الشيطان يخوّفهم كما ورد في التنزيل[إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ]( ).
فهل تشمل الآية أعلاه المنافقين وأن الشيطان يخوفهم ، الجواب نعم لأنهم يضمرون الكفر ، ويسعون في الإضرار بالمسلمين .
لقد كان المنافقون يكثرون من القول كما في التنزيل [لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا]( ).
وتقدير الآية أعلاه : لو أطاعنا الشهداء بالقعود لما قتلوا في معركة أحد، كما يمكن تقدير الآية على نحو العموم والخصوص المطلق : لو أطاعنا الأنصار وقعدوا لما قتل الشهداء منهم.
ولما خرج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى حمراء الأسد متعقبين العدو ظن المنافقون وقوع القتل الذريع في أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولكن الله عز وجل أعادهم سالمين[لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ]( ) ليكون من معاني آية البحث أمور :
الأول : خزي الذين نافقوا .
الثاني : عودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه سالمين فضح لمقولة المنافقين .
الثالث : دعوة المسلمين والمسلمات لعدم الإنصات للذين نافقوا .
الرابع : زجر المنافقين عن بث الأراجيف في المدينة، قال تعالى[لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً]( ).
الخامس : تحذير الذين يدخلون الإسلام من المنافقين للإحتراز منهم ومن الشكوك وصيغة الإنكار التي يقابلون فيها بعض الأوامر النبوية .
السادس : بيان حب الله للمؤمنين بعودتهم سالمين مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصرف البلاء عنهم .
الخامسة : لقد ذكرت آية البحث عودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى المدينة بأجر عظيم من الله عز وجل ويتجلى بأمرين :
الأول : النعمة من الله .
الثاني : الفضل من الله عز وجل، وبلحاظ آية السياق تكون مصاديق النعمة والفضل على وجوه :
الأول : بيان قانون وهو عدم الملازمة بين خروج المؤمنين للجهاد والدفاع وبين قتلهم أو اصابتهم بالقروح أي أن ما نزل بهم في معركة أحد لا يستصحب في غيرها، وفضل الله أكبر من القواعد الأصولية في المقام، وفي التنزيل[يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ]( ).
الثاني : قد يخرج المؤمنون في أشد الأحوال خطورة ولكنهم يعودون جميعاً سالمين .
الثالث: وجوب الإستجابة لله والرسول، والخير والنعمة في هذه الإستجابة، ومنه توثيق القرآن لها كما ورد قبل آيتين بقوله تعالى[الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ]( ).
الرابع : طاعة الله والرسول سلاح زاجر للمنافقين ومناسبة لإمتلاء قلوبهم غيظاً، وهي في ذات الوقت دعوة لهم للتوبة والإنابة.
الخامس : بعث الخوف والفزع في قلوب الذين كفروا لإدراكهم لقانون وهو استجابة المهاجرين والأنصار لله ورسوله على كل حال ورؤيتهم للوقائع بان المؤمنين يجلبون لأنفسهم وأهليهم غنائم الدنيا والآخرة بهذه الإستجابة .
وتحتمل آية البحث وجوهاً :
الأول : إنها من غنائم الدنيا والذكر الحسن فيها .
الثاني : آية البحث من غنائم الآخرة .
الثالث : إرادة المعنى الأعم والجامع .
والصحيح هو الأخير فآية البحث غنيمة في الدنيا والآخرة ، وفي نزولها نكتة وهي عدم تأخر الجزاء الحسن عن العمل الصالح خاصة إذا كان فيه احتمال أذى وابتلاء .
الشعبة الثانية : صلة آية البحث بالآيات المجاورة التالية , وهي على وجوه :
الوجه الأول : صلة آية البحث بالآية التالية[إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ]( ) وفيه مسائل:
المسألة الأولى : تقدير الجمع بين الآيتين : فانقلبوا بنعمة من الله إنما ذلكم الشيطان يخّوف أولياءه).
لقد كانت أيام معركة أحد مليئة بالحوادث والوقائع المتسارعة، وكان الإسلام في خطر إذ أشرف ثلاثة آلاف من المشركين على المدينة يريدون البطش والثأر والإنتقام فخرج إليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرون والأنصار لتقع معركة أحد التي فقد فيها المسلمون سبعين شهيداً .
وإزدادت وطأة هذه الخسارة بما يبثه المنافقون والمنافقات في المدينة من الأراجيف وأسباب الشك والدعوة إلى القعود عن القتال والتخويف بالذين كفروا ثم خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم في اليوم التالي لمعركة أحد إلى حمراء الأسد مع أصحابه في مطاردة للعدو مع التباين الجلي في العدة والعدد لكفة الذين كفروا، مما يترشح عندئذ على نحو الإطباق احتمال علو صوت النفاق من جهات :
الأولى : تهيئ فرصة وسبب للمنافقين لإظهار ما يبطنون من الكفر .
الثانية : كثرة القتلى والجرحى من الأوس والخزرج وطواف المنافقات على بيوتهم ومحل النياحة عندهم، وإجتماعهن للتعاضد في بث السموم، وهو من وجوه تقدير قوله تعالى[الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ]( ).
الثالثة : خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى معركة أحد وعودته إلى المدينة بجراحات كثيرة ، ثم خروجه منها إلى حمراء الأسد وبقائه فيها ثلاثة أيام هو وأصحابه من المهاجرين والأنصار، ليرجعوا[بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ]( ) ويكون بها فضح وخزي للذين نافقوا سواء الرجال منهم أو النساء .
لقد كانت عودة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من حمراء الأسد كيوم دخوله المدينة في أول هجرته لها إذ عمت الفرحة والبهجة أرجاءها، ودخلت إلى بيوتهم، وتجلت بالشكر لله عز وجل وإظهار أبهى معاني الصبر على فقد الشهداء واستحضار وتلاوة آيات القرآن التي تتضمن المواساة والبشارة بحال الشهداء عند الله منها قوله تعالى[وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ]( ).
المسألة الثانية : لقد جاءت آية البحث وبضع آيات قبلها في الثناء على المؤمنين والبشارة بحال الشهداء عند الله عز وجل وبيان سلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في خروجهم إلى حمراء الأسد.
وتضمنت الآية التالية شد عزائم المؤمنين وتنمية ملكة الوقاية الذاتية من الشيطان وجنوده ، والبشارة بلحوق الخزي بأوليائه من الكفار الذين ساروا في جيش عرمرم للقتال في معركة أحد .
ومن مصاديق الخزي لأولياء الشيطان عامة رجوع كفار قريش خائبين لتنتقل هذه الخيبة إلى المنافقين في المدينة ، ويتفرغ المؤمنون للعبادة والتفقه في الدين .
لقد أنعم الله عز وجل على المؤمنين بعودة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه سالمين من حمراء الأسد لتمتلأ قلوب الذين كفروا والذين نافقوا بالغيظ، وكل طائفة منهم تتساءل على نحو الإنكار لماذا لم يعكف الكفار على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في حمراء الأسد، ولم يعلموا أن الله الذي أمره بالخروج هو الذي يدفع الذين كفروا بالملائكة وريح السموم والفزع الذاتي عندهم حتى يدخلوا مكة .
لقد صار همهم دخول مكة وطي مسألة معركة أحد والغايات التي حضّرُوا وحَضروا إليها ، قال تعالى[وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ]( ).
المسألة الثالثة : إبتدأت آية السياق بالحصر في موضوع تخويف الشيطان، وأنه لا يخوف إلا أولياءه وأتباعه[الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى]( ) وفي تفسير الآية وجوه:
الأول : يخوف الشيطان المؤمنين من أوليائه المشركين عن ابن عباس ومجاهد( ) لإرادة مضامين الآية السابقة .
الثاني : يخوف الشيطان أولياءه المنافقين ليقعدوا عن قتال المشركين , وهو قول الحسن البصري والسدي( ) .
الثالث : (الذي قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم،
من فعل الشيطان ألقى في أفواههم ليرهبوهم ويجبنوا عنهم , ولكن زادهم إيماناً .
الرابع : {يُخَوِّفُ أَوْلِيَآءَهُ} أي يخوفكم بأوليائه، أي أولياء إبليس حتى يخوّف المؤمنين بالكافرين) ( ).
والمختار إرادة تخويف الشيطان لأوليائه من الكفار والمنافقين من صبر وثبات المؤمنين في ساحة الوغي ليجتمع على الكفار إمتلاء قلوبهم بالرعب بآية من عند الله، وبتخويف الشيطان لهم لإتباعهم لإغوائه، فيجب الا يخاف المسلمون من الذين كفروا لأنهم في حال خوف وفزع ورعب مركب، إنما يكون خوف وخشية المؤمنين من الله عز وجل، لتكون هذه الخشية سبباً للنجاة والأمن ، بدليل عودتهم سالمين غانمين من حمراء الأسد.
المسألة الرابعة : مما يظهر للعيان هو كثرة أفراد جيش الذين كفروا الذين زحفوا لمعركة أحد مع قلة عدد المهاجرين والأنصار الذين قابلوهم في المعركة خاصة بعد إنسحاب ثلاثمائة من جيش المسلمين في الطريق إلى معركة أحد بعد إغواء وتحريض رأس النفاق عبد الله بن أبي بن أبي سلول لهم بالعودة والرجوع .
لتأتي آية السياق وتبين قانوناً وهو مجئ التخويف للذين كفروا من الشيطان مما يقلب كفة الميزان، إذ يتجلى قانون وهو لا عبرة بكثرة جيش الكفار مع قيام الشيطان بتخويفهم.
ووردت الآية بصيغة المضارع[يُخَوِّفُ] أي أن تخويفه لهم متجدد ومتوال ، وعدم انحصاره في موضوع وحال مخصوصة إنما يخوفهم في حال الحرب والسلم ، فيأتي تخويف الشيطان لأوليائه الكفار من وجوه :
الأول : نزول الملائكة لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
الثاني : عشق المؤمنين للشهادة .
الثالث : ثبات المؤمنين في ميدان القتال .
الرابع : بعث الخوف في نفوس الكفار على أموالهم وأهليهم .
الخامس : تخويف الشيطان للكفار والمنافقين من إقامة دولة أحكام الإسلام مع أنها خير محض لهم.
السادس : تذكير الشيطان لأوليائه بكثرة أسراهم وقتلاهم في معركة بدر ورجحان ذات النتيجة في معركة أحد .
المسألة الخامسة : بيان التباين بين المسلمين والذين كفروا في معركة أحد، إذ يقاتل المسلمون يومئذ بأمور :
الأول : التوكل على الله ، وفي التنزيل[اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ]( ).
الثاني : وجود رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين ظهراني المسلمين .
الثالث : قيادة رسول الله لجيش المسلمين .
الرابع : إتخاذ الدعاء سلاحاً .
الخامس : نزول الملائكة مدداً للمسلمين من عند الله .
السادس : استعانة المسلمين بالصبر ، قال تعالى [وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ]( ).
السابع : القتال قربة إلى الله ومن الإعجاز في آيات القرآن تقييد قتال المسلمين بأنه في سبيل الله , قال تعالى[إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ]( ).
الثامن : استحضار المسلمين لآيات القرآن ، ومنها آيات الوعد بالنصر على القوم الكافرين ، قال تعالى [وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ]( ).
أما الذين كفروا فقد حضروا إلى ميدان المعركة بالرعب الذي قذفه الله في قلوبهم، ومصاحبة الشيطان لهم حيث يقوم بتخويفهم مجتمعين ومتفرقين، وهو من أسباب إنسحابهم من معركة أحد بذات اليوم الذي بدأت به المعركة مع كثرتهم والخسارة الكبيرة التي نزلت بالمسلمين بسبب ترك الرماة لمواضعهم التي جعلهم فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأكّد عليهم ألا يتركوها بأي حال من الأحوال .
وفي قوله تعالى [حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ] ( ) ورد عن ابن عباس (وإنما عنى بهذا الرماة وذلك ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقامهم في موضع ثم قال احموا ظهورنا فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا فلما غنم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأباحوا عسكر المشركين أكب الرماة جميعا في العسكر ينتهبون وقد التقت صفوف أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهم هكذا وشبك اصابع يديه والتبسوا.
فلما اخلت الرماة تلك الخلة التي كانوا فيها دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فضرب بعضهم بعضا والتبسوا وقتل من المسلمين ناس كثير وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه أول النهار حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة.
وصاح الشيطان قتل محمد فلم يشك أنه حق حتى طلع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين السعدين نعرفه بتكفيه إذا مشى ففرحنا حتى كأنه لم يصبنا ما أصابنا، فرقى نحونا وهو يقول اشتد غضب الله على قوم دموا وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويقول مرة اخرى: اللهم ليس لهم أن يعلونا)( ).
ويبين الحديث أعلاه حضور الشيطان مع الذين كفروا وهل المراد منه الشيطان من الإنس الجواب لا ، إنما المراد ابليس فان قلت تقول آية السياق بأنه يخوف أولياءه ، بينما نادى في ميدان المعركة بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد قتل وهو أمر يبعث الذين كفروا على القتال، والجواب إنه مقدمة لبعث اليأس في نفوسهم وتخويفهم سرعان ما تبين كذب هذه المقولة والإشاعة، وثبت للفريقين كذب إبليس مما ألقى في قلوب الذين كفروا القنوط مع الخوف والرعب الذي تأصل في نفوسهم .
المسألة السادسة : لقد ذكرت آية البحث عودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من حمراء الأسد سالمين تحف بهم من جهاتهم الأربع نعمة من الله عز وجل، ويتغشاهم فضله حتى دخلوا إلى المدينة.
وهل غادرت النعمة أو الفضل حينئذ ، الجواب لا ، فهما باقيان إلى يوم القيامة ، وهو من أسرار دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين والمسلمات إلى زيارته وزيارة مسجده بعد إنتقاله إلى الرفيق الأعلى ليغترفوا من هذه النعمة والفضل ويتزودوا منهما، ويحملوا معهم من فيوضات كل منهما، وهل يلمس ويدرك المسلمون هذه النعمة.
الجواب نعم ، لأنها من مصاديق قوله تعالى[فَزَادَهُمْ إِيمَانًا]( ) الوارد في الآية السابقة .
وجاءت آية السياق بذكر قانون وهو أن الشيطان يخّوف الذين كفروا على نحو دائم ومتصل .
وهل هذا التخويف عن وهم وسراب ، الجواب إنه جامع للحقيقة والوهم ، فمن الحقيقة نزول الملائكة لنصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإنهزام الشيطان ، ومنها ما يكون وهماً مثل ضياع أموال وأهل الذين كفروا وتعرضهم للغزو والنهب .
(عن ابن عباس قال : لما تواقف الناس أغمي على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ساعة ، ثم سري عنه فبشر الناس بجبريل عليه السلام في جند من الملائكة ميمنة الناس ، وميكائيل في جند آخر ميسرة ، وإسرافيل في جند آخر ألف ، وإبليس قد تصور في صورة سراقة بن جعشم المدلجي يجير المشركين ويخبرهم أنه لا غالب لهم اليوم من الناس، فلما أبصر عدوّ الله الملائكة { نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون} فتشبت به الحارث ، وانطلق إبليس لا يرى حتى سقط في البحر ورفع يديه وقال : يا رب موعدك الذي وعدتني)( ).
لقد أنزل الله عز وجل يوم معركة بدر ألفاً من الملائكة لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، منهم خمسمائة بأمرة جبرئيل وهو الذي ينزل بالوحي على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وخمسمائة في الجهة الأخرى بأمرة ميكائيل، وجاء إبليس بجنود من الشياطين وكان بصورة سِراقة بن مالك بن جعشم، وهو يحمل الراية ومعه رجال بهيئة رجال من بني مدلج بزيهم فقال الشيطان للمشركين : الغلبة لكم وأنا وقبيلتي مدد لكم، إذ ورد في التنزيل[وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمْ الْيَوْمَ مِنْ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتْ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ]( ) أي حتى ابليس أصابته الخشية والخوف من قتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومحاربة الإسلام .
وكأن شياطين الإنس أكثر شراً في المقام من شياطين الجن، وأقبل جبرئيل إلى ابليس ، فلما رأه وكانت يده في يد رجل من المشركين انتزع ابليس يده ثم انهزم مدبراً هو والجنود الذين جاء بهم .
ترى لماذا أقبل جبرئيل نحو ابليس بالذات ، الجواب إنه من مصاديق الرحمة في بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ) لينزجر الذين كفروا ويمتنعوا عن القتال , وسراقة هو الذي لحق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هجرته طمعاً في جائزة وجعل كفار قريش بعد فشل مكرهم في قتله في فراشه إذ تبين لهم أن الإمام علي عليه السلام هو الذي كان نائماً في فراشه .
قال سراقة: جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى بكر دية كل واحد لمن قتله أو أسره فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بنى مدلج أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس فقال يا سراقة إنى قد رأيت آنفا أسودة بالساحل أراها محمدا وأصحابه قال سراقة فعرفت أنهم هم فقلت إنهم ليسوا بهم ولكنك رأيت فلانا وفلانا انطلقوا بأعيننا ثم لبثت في المجلس ساعة .
ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتي ان تخرج بفرسي وهى من وراء اكمة فتحبسها علي وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت فخططت بزجه وخفضت عاليه حتى أتيت فرسى فركبتها فرفعتها تقرب بي حتى دنوت منهم فعثرت بي فرسى فخررت عنها فقمت فأهويت بيدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الازلام فاستقسمت بها اضربهم ام لا فخرج الذى اكره فركبت فرسى وعصيت الازلام تقرب بي حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت وابو بكر يكثر الالتفات ساخت يدا فرسى في الارض حتى بلغتا الركبتين فخررت عنها ثم زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها .
فلما استوت قائمة إذا لاثر يديها عنان ساطع في السماء مثل الدخان فاستقسمت بالازلام فخرج الذى اكره فناديتهم بالامان فوقفوا , فركبت فرسى حتى جئتهم ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم ان سيظهر امر رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فقلت له ان قومك جعلوا فيك الدية واخبرتهم اخبار ما يريد الناس بهم وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزآني ولم يسألاني الا ان قالا اخف عنا فسألته ان يكتب لي كتاب أمن فأمر عامر ابن فهيرة فكتب لي في رقعة من أدم ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم)( ).
المسألة السابعة : من معاني الجمع بين آية البحث وآية السياق بيان التضاد بين عودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى المدينة بالنعمة والفضل من الله ورجوع جيش الذين كفروا إلى مكة المكرمة بالخيبة والخسران وتتوجه أجيال الناس المتعاقبة إليهم باللوم .
فاذا كان الكفر والقتال من أجله سبباً للخيبة والخسران فلماذا تتمسكون به وتصرون عليه، وإذا كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم منصوراً بالمدد والعون من الله عز وجل فلم تقاتلونه، وإذا كان البيت الحرام[أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا]( ).
فكيف تجاورونه بالجحود والضلالة ونصب الأوثان فيه وحوله .
ومن الشواهد على كون النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حال الدفاع وليس الغزو والهجوم، تجهيز وتسيير كفار قريش ثلاثة آلاف رجل نحو المدينة من غير تهديد من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو أمارة على أنه يجمع الجيوش لقتالهم.
فان قلت كان زحفهم نحو المدينة ثأراَ لقتلاهم في معركة بدر ، فالجواب حتى معركة أحد كانت بتعد وإبتداء من كفار قريش ، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم صبيحة يومها ينتظر إمتناع كفار قريش عن القتال كما أمر أصحابه بعدم البدء بالرمي أو القتال .
وتلك حجة في منهاج الإسلام في نبذ العنف ، وبغض القتال حتى مع الذين كفروا ، وقد وثّقه القرآن بقوله تعالى[كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ] ( ) لإرادة معنى الدفاع والإضطرار للقتال , وما فيه من الأذى العام للمقاتلين ومن خلفهم لأن المسلمين لا يكرهون ما فرض الله عليهم.
وتدل معارك الإسلام الأولى على وقوع القتال بين الكفار والمسلمين باختيار الكفار لأمور :
الأول: زمان المعركة .
الثاني : مكان المعركة .
الثالث : مقدمات المعركة والتهيئ لها على نحو علني وظاهر من غير أن يقابله المسلمون بالمثل .
فان قلت قد ورد في التنزيل[فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ]( ) فاذا كان كفار قريش قد استعدوا لمعركة أحد سنة كاملة فلماذا لم يتهيأ ويستعد المسلمون لها ولو نصف هذا الإستعداد من جهة مدته وكيفيته وطواف قريش على القبائل.
والجواب، هذا التهيئ والإستعداد ليس من مصداق التعدي، فالقدر المتيقن منه هو الهجوم والشروع بالقتال، وان كان الكفار يؤثمون على هذا الإستعداد بالذات ولكونه مقدمة لقتالهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع : أوان وكيفية بدء المعركة .
الخامس : البدء بالقتال وطلب المبارزة، فتتصف معارك الإسلام كلها بامتناع المسلمين عن البدء بطلب المبارزة ليس خوفاً إنما لإقامة الحجة على الذين كفروا ولتأكيد قانون وهو أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بعث رحمة للناس وهداية لهم (قيل يا رسول الله ألا تدعو على المشركين قال (إنما بعثت رحمة ولم أبعث عذابا)( ).
السادس : إصرار الذين كفروا على مواصلة القتال لولا أن الله يبعث الخوف والفزع في قلوبهم ، ليمتنعوا عن هذه المواصلة .
السابع : التهديد والوعيد بالقتال في معركة لاحقة كما في إعلان أبي سفيان عندما هموا لمغادرة موضع معركة أحد .
(قال ابن إسحاق: ثم نادى أبو سفيان: إنه قد كان في قتلاكم مُثلة والله ما رضيت وما سخطت، وما نهيت ولا أمرت.
قال: ولما انصرف أبو سفيان نادى: إن موعدكم بدر العام المقبل.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لرجل من أصحابه: قل: نعم هو بيننا وبينك موعد.
قال ابن إسحاق: ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبى طالب فقال: اخرج في آثار القوم وانظر ماذا يصنعون وما يريدون، فإن كانوا قد جنبوا الخيل وامتطوا الابل فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الابل فهم يريدون المدينة.
والذى نفسي بيده إن أرادوها لاسيرن إليهم فيها ثم لاناجزنهم.
قال علي : فخرجت في أثرهم أنظر ماذا يصنعون، فجنبوا الخيل وامتطوا الابل ووجهوا إلى مكة)( ).
المسألة الثامنة : تقدير الجمع بين الآيتين : فانقلبوا بنعمة من الله واقية وحرزاً من الشيطان).
ولا يأتي الشيطان بشخصه إلى أهل المدينة إنما يحاول خداع العقل وتهييج النفس الشهوية والغضبية، وتحريض المنافقين وتخويف الناس من بطش جيش كفار قريش، فيتفضل الله عز وجل بنجاة وعصمة المؤمنين منه ومن فساده بتعاهد العمل بالكتاب والسنة، قال تعالى[وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ]( ).
وهل قول المهاجرين والأنصار[حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ] ( ) كما ورد في خاتمة الآية السابقة من الإعتصام بالله ، الجواب نعم ، وهو نوع طريق للفوز بالنعم .

الوجه الثاني : صلة آية البحث بقوله تعالى[إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ]( ) وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى : تقدير الجمع بين الآيتين : فانقلبوا بنعمة من الله فلا يحزنك الذين يسارعون في الكفر .
إبتدأت آية السياق بالخطاب للسامع وبصيغة المفرد , والمراد هو النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لورود التعيين في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنْ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنْ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ]( ).
وهل يختص النهي الوارد في الآية أعلاه برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أم أنه يشمل المسلمين .
الجواب هو الثاني، وتقدير الآية على وجوه :
الأول : يا أيها الذين آمنوا لا يحزنكم الذين يسارعون في الكفر .
الثاني : يا أيتها اللائي آمنّ لا يحزنكن الذين يسارعون في الكفر .
الثالث : يا أيها الذي آمن لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر.
الرابع : يا أيتها التي آمنت لا يحزنكِ الذين يسارعون في الكفر .
وهل يمكن تقدير الآية : يا أيها الذين آمنوا كونوا كرسول الله إذ لم يحزنه الذين يسارعون في الكفر ) .
الجواب نعم ، بلحاظ تقيد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التام بالأوامر والنواهي التي تأتي من عند الله، فما أن قال الله عز وجل لا يحزنك الذين يسارعون إلى الكفر ، فانه ترك الإنشغال بهم من أجل تبليغ الرسالة وتعاهد إيمان المسلمين وتفقههم في الدين .
ومن معاني الجمع بين الآيتين أن مجئ النعمة من الله للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه تخفيف عنهم ، ومواساة باسراع الذين كفروا والمنافقين في صيغ الكفر والضلالة .
ومن معاني الجمع بين الآيتين بيان قانون وهو نزول الأمر أو النهي على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع مجئ أسباب اليسر والتخفيف والإعانة على الإمتثال ، فمع النعمة من الله لا يحزن رسول الله والمؤمنون على المشركين وإصرارهم على قتاله ومحاربته ، وفي التنزيل [قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُون] ( ).
لتأكيد عدم إجتماع الضدين ، فمع الفرح بفضل الله لا يحل الحزن على الذين كفروا في قلوب المؤمنين .
المسألة الثانية : لقد تضمنت آية السياق التعليل وبيان سبب لزوم عدم الحزن على الذين كفروا بأنهم لن يضروا الله شيئاً وأن الله عز وجل يحرمهم من الحظ والنصيب في الآخرة مع عظيم مقام الربوبية والخلائق كلها خاضعة لمشيئته فانه سبحانه يخبر رسوله الكريم وأجيال المسلمين المتعاقبة بأن الكفار لن يضروه شيئاً ، والناس جميعاً بما فيهم الكفار يعلمون أنهم لن يضروا الله تعالى شيئاً سواء في ملكه أو ربوبيته وانقياد الخلائق له .
فهل المراد من الآية البشارة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن الكفار لن يضروه بتقريب أن الله عز وجل يبشرهم بأنهم لن يضروكم في إيمانكم ودعوتكم للتوحيد .
الجواب هذا التقدير أحد المصاديق وهو لا يتعارض مع حمل الآية على الظاهر وان المراد عدم إضرار الذين كفروا ومسارعتهم بالكفر بالله عز وجل .
وهل فيه وعيد وتخويف للذين كفروا , الجواب نعم .
وجاءت آية البحث بالثناء على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين والأنصار إذ أن البشارة بالنعمة والفضل العاجل في الحياة الدنيا شاهد على رضا الله عز وجل عنهم في صبرهم وخروجهم بالقروح التي أصابتهم إلى حمراء الأسد من غير فترة علاج ونقاهة .
وهل يمكن احتساب هذا الخروج نوع علاج ، الجواب نعم ، بدليل أنهم رجعوا بأمرين كل واحد منهما خزينة سماوية وهما :
الأول : نعمة من الله سبحانه .
الثاني : فضل من الله عز وجل .
المسألة الثالثة : من معاني الجمع بين الآيتين سلامة المسلمين من التبكيت والوعيد الذي خصّ الله عز وجل الذين كفروا ، هذا الوعد الجامع للحياة وعالم الآخرة ، بينما يسيح المؤمنون في رياض النعم الناضرة ، وحدائق فضل الله عز وجل يغترفون منه لأمور الدين والدنيا فلا ينقص منه شئ .
لقد ذكرت آية البحث قانوناً وهو سلامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من أي سوء عند خروجهم وعودتهم من حمراء الأسد ، لبيان أن مسارعة الذين كفروا والمنافقين في الكفر لم تضرهم شيئاً.
وسلامة المسلمين هذه مناسبة لإجتهادهم في طاعة الله وتدبرهم في آيات القرآن وقيامهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما بينهم ، ومع عموم الناس .
وهل ينفع هذا الأمر والنهي في منع الذين كفروا من المسارعة في الكفر، الجواب نعم ، بلحاظ أن عدد الكفار الذين يسارعون في الكفر من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً .
ومن معاني الجمع بين الآيتين دعوة المسلمين لشكر الله عز وجل على إنقلابهم سالمين من حمراء الأسد ، ومن وجوه الشكر منع الكفار والذين نافقوا من المسارعة في مناهج الضلالة وصدهم عن إتباع الشيطان ، وعن التحريض على النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
وكأن آية البحث تخاطب المهاجرين والأنصار أنه لم يمسسكم سوء في خروجكم خلف العدو ، فجاهدوا بفضح الذين يسارعون في الكفر ، وهل يتعارض هذا الفضح مع دعوتهم للتوبة والإنابة ومنازل الهدى ، الجواب لا ، للتداخل بينهما ، وهما من مصاديق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (عَنْ أَبِي ذَرّ يَرْفَعُهُ قَالَ يُصْبِحُ عَلَى كُلّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ فَكُلّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ وَكُلّ تَحْمِيْدَةٍ صَدَقَةٌ وَكُلّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ وَكُلّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ وَنَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنْ الضّحَى) ( ).
إعجاز الآية الذاتي
إبتدأت آية البحث بالفاء كحرف عطف يمنع من وجود فترة أو مدة بين مضامين الآية السابقة وآية البحث , ويحتمل هذا العطف وجوهاً :
الأول : عطف آية البحث على مجموع كلمات وموضوع الآية السابقة .
الثاني : العطف على أول الآية السابقة , وتقدير العطف (الذين قال لهم الناس فانقلبوا ).
الثالث : العطف على خاتمة الآية السابقة بالمعنى الأخص : ونعم الوكيل الله فانقلبوا بنعمة من الله وفضل .
الرابع : عطف الآية على خاتمة الآية السابقة بالمعنى الأعم ، وتقديره (حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل ) لبيان أنهم لو لم يقولوا هذه الكلمات لما انقلبوا بهذه النعمة والفضل من الله عز وجل .
الخامس : إرادة العطف على الآية قبل السابقة وتقديره : الذين استجابوا لله والرسول انقلبوا بنعمة من الله وفضل .
السادس : الجزاء للمؤمنين لدفاعهم في معركة أحد ، وتلقيهم القروح والجراحات الشديدة ، وخروجهم في اليوم التالي لملاحقة العدو فمع أن جيش المشركين قتل من المسلمين سبعين ، وقام أفراده بالتعدي بالنبال والحجارة على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجرح أكثر أفراد جيش المسلمين ، وصلوا في ذات اليوم قاعدين خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي لم يستطع الصلاة عن قيام .
لتكون صلاته هذه شاهداً تأريخياً على جهاده وتعرضه للقتل في سبيل الله، قال تعالى[وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ]( ).
السابع : عطف آية البحث على الآية السابقة والآية التي قبلها بلحاظ إتحاد الموضوع في هذه الآيات .
الثامن : عطف آية البحث على شطر من الآية قبل السابقة ، ويكون تقديره على وجوه :
أولاً : أصابهم القرح فانقلبوا بنعمة من الله وفضل .
ثانياً : لم يمسسهم سوء فانقلبوا برحمة من الله وفضل .
ثالثاً : لهم أجر عظيم فانقلبوا بنعمة من الله وفضل ) أي مع أنهم فازوا بالأجر العظيم على حضورهم وقتالهم في معركة أحد فقد عادوا من غزوة حمراء الأسد بنعمة وفضل هما غير الأجر العظيم، وفي التنزيل[هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ]( ).
وتبين الآية قانوناً ايمانياً تهدي إليه أجيال المسلمين وهو أن النجاة من الإبتلاء ودفع الضرر عن المسلمين يجب أن لا يلهيهم عن وظائفهم العقائدية والعبادية ، إذ يشهد الله عز وجل للمهاجرين والأنصار بأنهم تعاهدوا طاعة الله ورسوله ، لتختتم الآية بالبشارة لهم بالثواب والأجر العظيم .
وقد فرق في الآية بين النعمة والفضل ، فلم تقل الآية بنعمة وفضل من الله ، لبيان موضوعية واستقلال كل من النعمة والفضل ، وليشكر المسلمون الله عز وجل على النعمة ويشكروه على الفضل ، وليتدبر العلماء في الفيض والذخائر التي تترشح عن كل منهما .
ويمكن تسمية آية البحث[فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ]( ) وقد ورد لفظ[انْقَلَبُوا] أربع مرات في القرآن منها مرتان في آية واحدة هي[وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ انقَلَبُوا فَكِهِينَ]( ).
ولم يرد لفظ [انْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ] في القرآن إلا في آية البحث .
وتبين آية البحث الفضل واللطف الإلهي المتعدد والمتصل بالمهاجرين والأنصار ، كما ذكرت عملاً مباركاً لهم وهو إتباعهم رضوان الله لبيان قانون وهو شكرهم لله عز وجل باتباع رضوانه , وتعاهدهم للفرائض والواجبات , والتحلي بالأخلاق الحميدة التي جاء بها القرآن .
ومن قوانين الإرادة التكوينية أن اتباع رضوان الله يؤدي إلى الجنة والخلود في عرصاتها , وفيه دعوة لأجيال المسلمين لتعاهد سنن الهداية , قال تعالى[وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ]( ).
إعجاز الآية الغيري
لقد أنعم الله عز وجل على إبراهيم بالنبوة والرسالة وصار يجاهد بنفسه وروحه ويدعو الناس إلى التوحيد والحنيفية ، وحضر مجلس نمرود الذي كان يدّعي الربوبية وجادله وأحتج عليه ، ولم يأمر نمرود بقتله في الحال ولكنه جاء بمغالطة لإيهام الملأ من قومه الذين كانوا حاضرين المناظرة والذين من خلفهم كما في قوله تعالى[أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ]( ).
وتدل آية البحث على معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهي استجابته والمهاجرين والأنصار لله عز وجل بالخروج حاملين جراحاتهم خلف العدو مع كثرة جنوده وإرادته البطش ، وحدوث التلاوم بين قادته بالرجوع لقتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم واستئصال الإسلام، وقد صار النبي قريباً منهم في ميدان القتال فأنجاه الله عز وجل وأعاده والمهاجرين والأنصار بسلامة وعز ، وهذا الرجوع من مصاديق العزة في قوله تعالى[يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ]( ).
وفي آية البحث تزكية لرسول الله والمهاجرين والأنصار من جهات :
الأولى : الإنقلاب من حمراء الأسد بالوحي وأمر الله عز وجل ، فلم يتم هذا الإنقلاب والرجوع إلا بالوحي لعمومات قوله تعالى [وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى] ( ) .
الثانية : عودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجميع أصحابه الذين خرجوا معه من المدينة سالمين .
الثالثة : خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في سبيل الله وبقصد القربة.
الرابعة : تعاهد النبي والمهاجرين والأنصار سنن التقوى والخشوع لله عز وجل قبل وأثناء وبعد الخروج إلى حمراء الأسد.
لقد شهدت آية البحث للمهاجرين والأنصار بأنهم اتبعوا رضوان الله، ولم تبين الآية أفراد ومصاديق إتباع الصحابة رضوان الله لإفادة الإطلاق في العبادات والمعاملات والأحكام.
لقد تقدم قبل ثلاث آيات أن الله عز وجل تفضل على الشهداء بنعمة منة وفضل، وجاءت آية البحث للإخبار عن سعة رحمة الله وعظيم قدرته وأنه تعالى أكرم المؤمنين فوهبهم مثلما وهب الذين قُتلوا في معركة أحد دفاعاً عن النبوة والإسلام، إذ تكرر لفظ[بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ]( ) في الآيتين، مع التباين الموضوعي فالنعم والفضل الذي يأتي للشهداء غير الذي يأتي للأحياء .
ومن الإعجاز في المقام البشارة للمؤمنين بنيل النعمة والفضل من الله في الآخرة مثلما أكرمهم الله بهما في الدنيا، وفي التنزيل[وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا]( ).
الآية سلاح
تؤكد آية البحث قوانين من الإرادة التكوينية منها ما يتجلى في أول كلمة من الآية وهو قوله تعالى [فَانْقَلَبُوا]وفيه وجوه :
الأول : فوز الذين يستجيبون لله ورسوله بالعودة سالمين من الدفاع والمرابطة .
الثاني : تأكيد ملكية الله المطلقة للسموات والأرض .
الثالث : فيوضات وبركة وجود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابع : خيبة وحسرة المنافقين ، إذ ظنوا أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لا يرجعون إلى المدينة ، ولكنهم عادوا بزيادة في الإيمان ، وإعلانهم التوكل على الله في أشد وأقسى الأحوال .
الخامس : يصح تقدير الآية (فانقلبوا باذن الله )بلحاظ حضور الوحي في أمور :
الأول : اشتراط النبي صلى الله عليه وآله وسلم انحصار الخروج بالذين حضروا معركة أحد من المؤمنين .
الثاني : خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى حمراء الأسد .
الثالث : مدة بقاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حمراء الأسد .
الرابع : الطريق الذي اتبعه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في خروجهم وفي عودتهم حيث لاقاهم الناس وحذروهم من جيش المشركين .
ويدل لفظ الناس, في[قَالَ لَهُمْ النَّاسُ]( )، على شيوع أمر القتال والمواجهة بين الفريقين, وتهديد كفار قريش لإرهاب الناس من أهل المدن والبوادي, وتخويفهم من دخول الإسلام , فكان خروج النبي خلفهم إبطال لهذا التهديد .
الخامس : أوان عودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة .
لقد ذكرت آية البحث انقلاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى المدينة المنورة بزيادة الإيمان بينما رجع الذين كفروا في ذات اليوم أو بعده بيوم أو يومين بالخيبة والخسران لقوله تعالى [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ] ( ).
لبيان معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فالذين معه يعودون بالأمن وزيادة بينما ينقلب الكفار في ذات الوقت إلى أهليهم بالندامة والحسرة .
وهل تنعكس حسرة الكفار على أهليهم في مكة ، الجواب فيه تفصيل ، إذ أنه دعوة للناس لدخول الإسلام وفيه حجة على الذين كفروا ، وكما أن هناك منافقين في المدينة يخفون الكفر مع إدعاء الإيمان فان هناك مؤمنين ومؤمنات في مكة .
ليكون من مصاديق الخيبة في قوله [فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ] خيبة وحسرة رؤساء وأفراد جيش الذين كفروا من أهليهم وعامة الناس في مكة والقرى المحيطة بها بميلهم إلى الإسلام ، وإدراكهم عقلاً لمعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذ قابلت فئة قليلة من المؤمنين جيشاً كبيراً يعدّ له المشركون سنة كاملة ليعود بالخيبة والحسرة .
بالإضافة إلى حلول موسم الحج بذات أيام رجوع المشركين ، لتنتشر أخبار القتال بين أهل المدينة ورجوع كفار قريش صفر اليدين .
وهل اختار الذين كفروا أوان المعركة لبيان ما يفعلون في معركة أحد لأهل الموسم , ومنعهم من إتخاذه وحج البيت مناسبة للحديث عن معجزات النبي محمد وقراءة آيات القرآن , والسخرية من قريش لهزيمتها وآلهتها في معركة بدر , الجواب نعم .
ومن معاني الباء في آية البحث الإستعانة أي أن انقلاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بسببين :
الأول : نعمة من الله.
الثاني : فضل من الله .
ليكون معنى النعمة والفضل في آية البحث على وجوه :
الأول : استعانة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بنعمة وفضل من الله لينقلبوا سالمين ، ولولا هذه النعمة والفضل لكان الأمر مختلفاً .
الثاني : الإستعانة بالنعمة للعودة إلى المدينة ، أما الفضل الذي تذكره آية البحث فهو نعمة اضافية فازوا بها .
ومن إعجاز الآية الغيري ما يتعلق بالمنافقين من جهات :
الأولى : إبطال سحر المنافقين .
الثانية : فضح زيف وإفتراء المنافقين إذ كانوا يبثون الإشاعات بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لن يرجعوا إلى المدينة ، بلحاظ المائز الكبير بين كثرة جنود الذين كفروا وقلة عدد أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالثة : مجئ غنائم عظيمة للمسلمين وأهل المدينة عامة بعودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بالنعمة والفضل من الله عز وجل ، واذا كانت النعمة خاصة بالمسلمين فان الفضل عام ينتفع منه المسلمون وغيرهم ، وفيه دعوة للمهاجرين والأنصار وأجيال المسلمين للشكر لله عز وجل والتدبر في نعمه عليهم ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ] ( ).
الرابعة : تأكيد قانون وهو أن الفضل من الله ، ولا يقدر عليه غيره ، وأنه سبحانه يهب منه لأهل الإيمان والتقوى ، وفي التنزيل [قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ]( ).
ليكون هذا الإختبار حجة عليهم من جهات :
الأولى : مع إجتماع أسباب ترجيح كفة الذين كفروا فقد عجزوا عن تحقيق النصر والغلبة .
الثانية : بيان قانون في كل الأحوال وهو عصمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه من أصحابه من الهزيمة والخسارة والإنكسار .
ومن الإعجاز في المقام تجلي تأريخ النبوة والوقائع والسنة النبوية ، وتأكيدها وبيانها في القرآن ، ومنها آية البحث .
الثالثة : إقامة الحجة على الذين كفروا في النشأتين .
الرابعة : من مصاديق قوله تعالى [فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ] ( )هو إجتماع أسباب النصر المادية بأيديهم ولا تنتهي المعركة إلا بخسارتهم وخزيهم .
وفي التنزيل [وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ]( ).

مفهوم الآية
إبتدأت آية البحث بحرف العطف الفاء وفيه دعوة للربط بينهما وبين الآية السابقة في كل من :
الأول : الموضوع .
الثاني : الحكم .
الثالث : الموضوع والحكم .
ولو دار الأمر في الجمع والعطف بأحد الوجوه أعلاه فالأصل هو الثالث لأصالة الإطلاق إلا مع القرينة الصارفة .
والعطف في آية البحث من العطف بالموضوع والحكم ، أما الموضوع فلإتحاد الموضوع بين الآيتين ، وتعلق كل منهما بخروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى حمراء الأسد متعقبين العدو .
وأما الحكم فلترتب الإنقلاب بالنعمة والفضل على صبرهم وجهادهم، وعلى خروجهم إلى حمراء الأسد وقولهم قانوناً وهو [حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ]( ).
ومن معاني الإنقلاب في آية البحث عدم التأخر أو الإبطاء في الخروج من المدينة، فصحيح أن هذا الخروج أخذ منهم خمسة أيام ، ولكنه قصير في عمر النبوة، فكأنهم عادوا إلى المدينة بذات اليوم الذي خرجوا فيه، لبيان قانون من وجوه :
الأول : عدم إستطاعة المنافقين بث سمومهم وأراجيفهم أثناء غياب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في حمراء الأسد ، وفي التنزيل[يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا]( ).
الثاني : دفع الأسى والفزع والخوف عن قلوب المؤمنين والمؤمنات في المدينة .
الثالث : إمتلاء قلوب أهل المدينة بالطمأنينة بأن جيش الذين كفروا لن يغزوهم ، وهو من فيوضات نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وشخصه الكريم ، إذ يغادر المدينة أياماً وكأنه حاضر فيها مدة المغادرة شخصاً وروحاً طيباً وبركة .
الرابع : عدم خلو يد النبي وأصحابه عند عودتهم في الجملة .
لقد عاد النبي وأصحابه من معركة بدر بالغنائم والأسرى يدخلونها بين يديه مع قلة عدد المسلمين آنذاك ، ومع خروجهم طلباً لقافلة أبي سفيان ، قال تعالى [وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ] ( ).
فاستصحب المسلمون والمسلمات وأهل المدينة ذات العودة من معركة بدر ، فان قلت ينخرم هذا الإستصحاب برجوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من معركة أحد مع الجراحات والخسارة ، الجواب لا ينخرم أصل الإستصحاب بمعركة واحدة تختلف فيها حال المسلمين .
كما تبين للمسلمين والناس جميعاً أن النصر والغنائم كانا قريبين من المسلمين في بدايات المعركة ، إذ همّ الذين كفروا بالفرار لولا ترك الرماة المسلمين لمواضعهم ، لقد عاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من حمراء الأسد بالنعم والفضل من الله .
وهل منه الوعد بمجئ الغنائم والأسرى في معارك لاحقة ، الجواب نعم.
وتبين آية البحث قانوناً من وجوه :
الأول : لا يعلم النعمة التي جاء بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلا الله سواء من جهة الكم والكيف أو المدة والزمان ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا] ( ).
ويحتمل معنى النعمة في الآية أعلاه وجوهاً :
أولاً : إرادة مجموع النعم الإلهية , وتقدير الآية : وان تعدوا نعم الله .
ثانياً : المراد المصداق والفرد الواحد من النعم , وتقدير الآية : وان تعدوا أي نعمة من الله لا تحصوها ، فان قلت هي نعمة واحدة كيف يكون العجز عن إحصائها ، الجواب في الآية حذف ، وتقدير الآية على جهات :
الأولى : وان تعدوا منافع نعمة الله لا تحصوها .
الثانية : وان تعدوا مدة نعمة الله لا تحصوها .
الثالثة : وان تعدوا أفراد نعمة الله لا تحصوها .
الرابعة : وان تعدوا كم وكيفية نعمة الله لا تحصوها .
الخامسة : وان تعدوا بركات نعمة الله لا تحصوها .
السادسة : ان تعدوا البلايا التي تدفعها نعمة الله لا تحصوها .
السابعة : وان تعدوا نعمة الله على كل واحد منكم لا تحصوها .
الثامنة : وان تعدوا نعمة الله عليكم مجتمعين لا تحصوها .
التاسعة : وان تعدوا أفراد نعمة الله في نزول الآية القرآنية لا تحصوها .
العاشرة : وان تعدوا منافع نعمة الله في الآخرة لا تحصوها .
ثالثاً : إرادة مصداق مخصوص من نعمة الله وتتجلى بلحاظ القرائن .
ويدل قوله تعالى [لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ] على أحتمال الضرر في السفر ، وفيه وجوه :
الأول : احتمال الضرر في أي سفر ، لأن الإنسان يسفر ويصبح مكشوفاً عن الأهل والبلد والبيوت .
الثاني : احتمال الضرر في خصوص خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى حمراء الأسد .
الثالث : إرادة خصوص السفر الذي فيه مخاطر وأهوال .
الرابع : الآية الكريمة إخبار ووعد وبشارة برجوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من حمراء الأسد ، وما قبلها من المعارك ووعد بأن الله عز وجل يعيد النبي صلى الله عليه وآله وسلم سالماً في الأيام اللاحقة ،
ومن مفاهيم آية البحث سلامة المهاجرين والأنصار من الغواية والغرور والافتتان بالدنيا أو الركون للذين نافقوا ، إنما بقوا يتعاهدون طاعة الله ورسوله ، قال تعالى [وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ] ( ) ومن رحمة الله عز وجل عودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين والأنصار سالمين من حمراء الأسد .
الآية لطف
لقد كانت أيام معركة أحد أيام شدة وضراء وسفك دماء ، لا لشئ إلا لأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم جاء بالرسالة الخاتمة ، ودعا الناس إلى الهدى والإيمان فأصر الذين كفروا على قتاله ، وهل هو من مصاديق قوله تعالى [أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى] ( ) أم أن القدر المتيقن منها هو ما ورد في أسباب نزولها وهو قول (عدوّ الله أبي جهل ، وذلك أنه قال : لئن رأيت محمداً يصلي لأطأن على عنقه) ( )
الجواب هو الأول فالآية في معناها أعم من سبب النزول خاصة وأنها جاءت بصيغة المضارع ، فان قلت إنها تخاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أنه هو المراد بالمنع .
الجواب إن قوله تعالى [أَرَأَيْتَ] يراد منه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكل مسلم ومسلمة وكل إنسان إلى يوم القيامة ، وهو من أسرار خلافة الإنسان في الأرض ونفخ الله في آدم من روحه لبيان وجود قواعد وثوابت يلتقي عندها الناس منها النفرة من الذي يمنع المسلم أن يصلي .
وهل يشمل الفرد من الأديان السماوية الأخرى ما دام متوجهاً إلى الله عز وجل و الإقرب نعم , وفي عيسى ورد قوله تعالى [وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا] ( ).
وجاءت آية البحث للتخفيف عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين والمسلمات , وأهل المدينة جميعاً , بملاحقة العدو الكافر خارج حدودها .
وهل فيها لطف بالمنافقين , الجواب نعم ، لأنها تجعلهم يكفون عن الأقاويل وترويج الإشاعات بخصوص غياب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
كما أن هذه العودة نوع طريق وسبب لتوبتهم والكف عن النفاق ، فان قلت قد وردت الآيات في ذم المنافقين وبيان سوء فعلهم وبشارتهم بالعذاب الأليم في الآخرة , قال تعالى [وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا] ( ) , فالجواب لا تعارض بين الأمرين .
إن الله عز وجل لطيف بالعباد سواء بسط لهم الرزق أو قبضه ويسر لهم أمورهم أو أصابتهم الضراء ، نعم مع الإيمان والشكر تزداد النعم ، ويصرف البلاء ، ولا يجمع على المؤمنين الخوف في الدنيا من الناس والخوف في الآخرة .
فجاءت آية البحث من لطف الله عز وجل وبيان رحمته برسوله الكريم والمهاجرين والأنصار بعودتهم سالمين من حمراء الأسد , لتكون هذه العودة مواساة لهم ولعموم المسلمين والمسلمات الموجود والذي لم يولد بعد, وشاهداً على صيرورة المسلمين في حال عز ومنعة .
إفاضات الآية
لقد أكرم الله سبحانه الإنسان ببديع خلقه وتناسق أعضائه في تيسير قضاء حوائجه ، قال تعالى [لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ] ( ) وأكرمه في رزقه وطعامه ولباسه وما يلزمه وما من إنسان وان كان فقيراً إلا وتمر عليه أيام كثيرة يسعد فيها بما رزقه الله عز وجل .
وجعل الله الآيات الكونية وبدائع ألطافه الواصلة للناس نوع طريق لشكرهم له على هذه النعم ، وهو من مصاديق قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( ).
وتبين آية البحث التضاد بين فريقين بين المؤمنين برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التي صاحبتها المعجزات العقلية والحسية وبين الذين كفروا بها وجحدوا بالتوحيد ، ويدل عكوف المشركين على عبادة الأصنام قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على عنادهم واصرارهم على عبادة الأوثان قبل بعثته وحاجة الناس إلى هذه البعثة التي جاءت في أوان الضرورة والحاجة والله أعلم بحاجات العباد .
ومن لطفه تعالى قضاء الحاجات العامة وتقريب الناس للحاجات الخاصة وبعثهم على العمل والإجتهاد في الكسب والتدارك ومن هذا الكسب بذل الوسع في سبل الإيمان وإحراز رضوان الله ، ومن مصاديقه قيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بالخروج خلف العدو بالوحي ونزول جبرئيل ، ليكون هذا الفعل منهاجاً للمؤمنين بتخويف الذين كفروا من التعدي على الثغور من غير إصرار على ملاقاته وقتاله .
فلا يختتم كل استعداد وتهيئ للقتال بمعركة ، وربّ زجر للعدو أفضل وأحسن من المعركة في الذات والأثر المترتب عليه ، وكما تأتي بعثة الأنبياء عن ضرورة ولطف من الله عز وجل بالناس ، فكذا بالنسبة للقتال لا يكون إلا عن ضرورة لإصرار الذين كفروا عليه، فخفف الله عز وجل عن المؤمنين بمنع القتال في حمراء الأسد مع صيرورتها غزوة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، ومن الفيض في آية البحث بيان سلامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من كل سوء لقوله تعالى [لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ].
وهل يدخل فيه السلامة والأمن من مضاعفة آلام القروح , الجواب نعم, وكأن كل واحد منهم في بيته وبين أهله يتلقى العلاج ، إن الله عز وجل خبير بضعف الناس ومراتب قدر طاقاتهم فتفضل وخفّف عن المهاجرين والأنصار في جهادهم فلم يجمع عليهم القتال في معركة أحد وحمراء الأسد في بضعة أيام .
ومن فيوضات آية البحث دخول النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى المدينة دخول الفاتحين بهالة العز بامتناع المدينة بحصن حصين عن الذين كفروا مع كثرة جيوشهم .
ومن الخصال الحميدة الأمانة والصبر والصدق وهي من مقومات النظم الإجتماعية، وكانت وظيفة المهاجرين والأنصار تجلي الأمانة والصدق والصبر في العقيدة والدفاع عن بيضة الإسلام ، وهي أمور أعظم وأبهى من المعاني الشخصية لتلك الخصال .
وحينما دعاهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الخروج متعقبين العدو كان إحتمال اللقاء والقتال أمراً راجحاً فخرجوا بالتوكل على الله واستجابة لأمره تعالى وأمر رسوله ، وهم يعلمون بأن الله عز وجل يعلم هل يقع لهم في خروجهم قتال أو لا ، وإن وقع قتال فانه سبحانه يمدهم بالملائكة ، ومن يقتل منهم يكون حياً في ظلال عرشه سبحانه ، فعادوا مكرمين بأمان .
ومن معاني ختم آية البحث بالإخبار عن كون الله عز وجل هو ذو الفضل العظيم ، ليكون من مصاديق قوله تعالى [وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ] ( ).
الآية بشارة
لقد وردت الآية بصيغة الفعل الماضي [فَانْقَلَبُوا] ليفيد القطع والجزم بسلامة المسلمين ، وفيه شاهد على الأمن من الفتنة داخل المدينة التي يسعى إليها المنافقون وأمثالهم .
لقد إبتدأت آية البحث بالبشارة للمسلمين إلى يوم القيامة بالعودة الكريمة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حمراء الأسد ، وتتجلى النعمة والبركة فيها من جهات :
الأولى : عدم وقوع قتال بين المسلمين والذين كفروا ، قال تعالى[وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا]( )، وصحيح أن الآية أعلاه نزلت في واقعة الخندق .
(عن ابن مسعود أنه كان يقرأ هذا الحرف { وكفى الله المؤمنين القتال } بعلي بن أبي طالب) ( ).
الثانية : ترك جيش الذين كفروا مسألة الرجوع للقتال أو الإغارة على المدينة .
الثالثة : خزي المنافقين من وجوه :
الأول : عودة النبي وأصحابه سالمين .
الثاني : رجوع جيش المشركين مع كثرته إلى مكة خائبين .
الثالث : سلامة المدينة وأهلها من غزو جيش المشركين، وفي هذه السلامة أمن واستقرار في الحياة الإجتماعية، وفي الأسواق، ومنها أسواق اليهود في المدينة مثل سوق بني قينقاع، قبل أن ينشأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سوق المناخة في المدينة، ويقع غرب المسجد النبوي وبدايته شمال مسجد الغمامة.
الرابع : نزول الآيتين السابقتين وتتضمنا الثناء على المهاجرين والأنصار بنعتهم بأنهم استجابوا لله والرسول .
الخامس : نزول آية البحث التي جاءت بالبشارة بمصاحبة[نِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ] للنبي وأصحابه عند عودتهم إلى المدينة مما يدل على مجئ الخير والبركة بعد معركة أحد ، وهل من هذه النعمة خيبة وخزي المشركين في معركة الأحزاب .
وهل منها ما ورد عن سليمان بن الصرد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ( يوم الأحزاب الآن نغزوهم ولا يغزونا)( )، الجواب نعم.
الرابعة : سلامة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحل والترحال ذي صبغة الجهاد .
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه لم يسافر إلا في سبيل الله، ويحتمل سفر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجوهاً :
الأول : سفر النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الوحي .
الثاني : التفصيل، فبعض سفر النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الوحي، وبعضه ليس من الوحي.
الثالث : سفر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس من الوحي .
والصحيح هو الأول ، وهو من الدلالات على أن غزوات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأمر من عند الله ، وأنها كانت دفاعية محضة لشدة عداوة الذين كفروا له ، ومناجاتهم بالباطل والتعدي والظلم .
الخامسة : عودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ومعهم نعمة وفضل من عند الله وتتغشى رشحات هذه النعمة المسلمين والمسلمات جميعاً ،وسيأتي مزيد كلام في باب التفسير .
السادسة : ثناء الله عز وجل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في خروجهم خلف العدو، وفيه زاجر للذين نافقوا ومانع من بث الأراجيف في المدينة.
السابعة : من البشارات في آية البحث مجئ النعمة والفضل الإلهي إلى المدينة مع قدوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين والأنصار من حمراء الأسد، وهل ترتفع هذه النعمة، الجواب لا، لقانون بقاء النعمة والفضل الإلهي إلى يوم القيامة .
الآية إنذار
من إعجاز القرآن أن كل آية من القرآن فيها هاتف إنذار للناس جميعاً سواء في منطوقها أو مفهومها، يصيح في الناس بقرب الأجل وحتمية النشر، وإحاطة الحساب بكل قول وفعل، ولكن أكثر الناس في غفلة[كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا]( )، شغلتهم الحياة الدنيا.
تدعو الآية القرآنية الإنسان إلى الإغتسال من دون الذنوب وأقذار التعدي والظلم، وخزي الكفر والضلالة بالتوبة , وأقترنت آيات القرآن بمناسبة للموضوع وسبب للنزول وبيان الوقائع وأحداث صاحبت نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم تجلى فيها التضاد والتناقض بين أهل الإيمان والذين كفروا.
ومن مصاديقه الوقوف صفين متقابلين للقتال كما في قوله تعالى[وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ]( )، لبيان قانون وهو أن المؤمنين قد يتلقون الأذى في سبيل الله ليكون باباً للأجر العظيم لهم، وهو حجة على الذين كفروا الذين أرادوا في معركة أحد إستئصال الإسلام فأستأصلهم الله عز وجل، ولكن ليس بذات الماهية التي أرادوا الإنتقام بها من الإسلام، فقد أرادوا قتل النبي محمد صلى الله وآله وسلم وأصحابه، فتفضل الله عز وجل بلحاق النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لهم ليولي الكفار هاربين، ويدخلوا مكة خاسئين.
ويكون خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم خلفهم بعد واقعة معركة أحد على وجوه :
الأول : إنذار الذين كفروا على تعديهم وهجومهم في معركة أحد، وقيامهم بقتل سبعين من الصحابة، لا ذنب لهم إلا أنهم [ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا]( ).
الثاني : بيان حقيقة وهي عدم إضرار خسارة المسلمين في معركة أحد في عزائمهم وصبرهم.
الثالث : صيرورة معركة أحد والخسارة التي لحقت المسلمين فيها سبباً لزيادة إيمان المسلمين، وهو الذي يدل عليه قوله تعالى في الآية السابقة[فَزَادَهُمْ إِيمَانًا]( )، بلحاظ أن ترتب هذه الزيادة على تخويف وإنذار الناس للمسلمين من جيش الذين كفروا، مما يدل بالأولوية القطعية على أن القتال في معركة أحد هو الآخر سبب في زيادة إيمانهم من باب الأولوية القطعية لتكون مناسبة المعركة والقتال سبباً لزيادة إيمان المسلمين على نحو دفعي، وهي وسيلة لبعث الكفار على التدبر وعلى النفرة من الكفر والضلالة .
وصبر المسلمين فيها من عمومات قوله تعالى[لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ]( )، بالواسطة أي أن المؤمنين يقتدون برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيقتبس منهم الناس مبادئ الإيمان، والعزوف عن مفاهيم الكفر والضلالة.
فإن قلت إذا كانت معركة أحد والخسارة التي لاقاها المسلمون فيها مناسبة لزيادة إيمان المسلمين فهل كانت معركة بدر والنصر الذي نزل على المسلمين فيها سبباً لزيادة إيمانهم .
الجواب نعم، وهو من الإعجاز في خلافة الإنسان في الأرض وأسرار سيادة مفاهيم الإيمان وجذب الناس إلى مسالك الهدى، ففي كل معركة وأياً كانت وقائعها ونتائجها زيادة لإيمان المسلمين ويأس وقنوط للذين كفروا.
الرابع : إنه مناسبة لتوبة الذين كفروا وفيه دعوة لهم للإقلاع عن الكفر، وترك عبادة الأصنام، ويكون من معاني قوله تعالى[كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ]( )، أن هذه الغلبة وسيلة لتوبة الذين كفروا سواء من الذين إشتركوا في القتال أو الذين من خلفهم وعموم الذين كفروا.
وهو من أسرار الإبتلاء والإمتحان في الحياة الدنيا، وكما تكرر القتال بين المؤمنين والذين كفروا أدرك الكفار أن إقامتهم على الكفر لا تجلب لهم إلا الخزي والذي والهوان، وأنه ليس من سبب عقلائي لبقائهم على الكفر وإنكار النبوة .
الخامس : إبتدأت آية البحث بالإخبار عن عودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بالنعم والذخائر من فضل الله عز وجل عليهم وحواليهم , وفيه إنذار للذين كفروا وبيان للقبح الذاتي للكفر.
السادس : من وجوه الإنذار للذين كفروا في آية البحث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه رجعوا من حمراء الأسد بنعمة من الله وفضل، فما الذي رجع فيه الذين كفروا إلى مكة .
الجواب رجعوا بالخيبة والندامة، ليكون من معاني قوله تعالى[فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ]( )، والذي نزل بخصوص معركة أحد وجوه:
الأول : خيبة ويأس الكفار من تحقيق أي نصر أو غلبة على المؤمنين.
الثاني : خيبة الذين كفروا من أعوانهم والقبائل المتحالفة معهم بأنهم لن يصبروا في القتال، مع أن قريشاً أنفقت عليهم الأموال الباهضة.
الثالث : خيبة الذين كفروا بعجزهم عن قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع : فقد الذين كفروا ثمانية وعشرين من أصحابهم قتلى في معركة أحد، إلى جانب إثنين قبض عليهم المسلمون بعد المعركة وهما معاوية بن المغيرة بن العاص وأبو عزة الجمحي.
الخامس : من معاني الخيبة في الآية أعلاه ظن الذين كفروا بقرب دخول النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه مكة فاتحين لظهور دبيب الوهن في صفوفهم وحال البرود والجفاء في الأحلاف التي كانت لقريش.
السادس : إدراك الناس لقانون إسراف وتفريط قريش، ومجاوزتهم الحد، إذ ساروا بجيوش عظيمة نحو المدينة من غير حاجة أو سبب ظاهر لتيسيرها .
والحرب أولها نجوى وأوسطها شكوى وآخرها بلوى، فقد كان كفار قريش يتناجون أثناء الإعداد لمعركة أحد وطوافهم على القبائل بأنهم سيقتلون النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ويأسرون أو يقتلون أصحابه، فما لبثوا أن عادوا أذلة ضعفاء.
وكأن من معاني قوله تعالى[وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ]( )، إنتقال الذلة إلى كفار قريش مع التباين في سنخية تلك الذلة، فقد كانت تعني عند المؤمنين الضعف والقلة في مقابل الكثرة والقوة والمنعة، وكانت الذلة عند الذين كفروا الهوان والخزي وانعكاسه على العهود والمواثيق فيما بينهم وصلاتهم مع القبائل العربية وغيرها.
لقد أدرك الناس أن هجوم قريش في معركة أحد خلاف الأخلاق الحميدة وسبل الإستقرار في المجتمعات الذي تسعى إليه الحكومات والرؤساء والأخيار، وورد عن الإمام الحسن بن علي عليه السلام أنه قال: إن أحسن الحسن الخلق الحسن .
وتتنافى تمشية الجيوش لقتال النبي وأنصاره مع الخلق الحسن مما يؤدي إلى نفرة وإعراض الناس عن الذين يقولون بهذا التحشيد وهم رؤساء الكفر من قريش .
وهل أدرك هؤلاء هذه النفرة الجواب نعم، إذ تكون واضحة وبينّة في كل زمان، وتتجلى بوجده منها:
الأول : الإعتذار عن الإجابة للنفير.
الثاني : الإمتناع عن الخروج للقتال.
الثالث : الوقوف آخر الصفوف عند القتال.
الرابع : كثرة الشروط والصعوبة في الإستجابة لها.
الخامس : التسويف في الإستجابة.
السادس : التفريط في تنفيذ الأوامر.
السابع : الإستقلال عن الرؤساء.
الثامن : عدم إظهار الطاعة للرؤساء كالتي كانت قبل حال النفرة.
التاسع : ميل الناس إلى الإسلام ودخول أفراد كثيرين من القبائل كانوا يترددون ويمتنعون عن الإستجابة لقتال المسلمين لأن فيهم أبناءهم وإخوانهم ، ولبينات النبوة, ليكون حجة على كفار قريش لأنهم يقاتلون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو من أوسطهم بيتاً، وأعزهم شأناً، وكان يسمى قبل بعثته(الصادق الأمين).
ومن الآيات في المقام أن الذين أسلموا ووصلوا إلى المدينة صاروا يبعثون الرسائل إلى إخوانهم وأصدقائهم وأقاربهم يدعونهم فيها إلى الإسلام، وتوجه الرسالة إلى شخص أو أشخاص معينين ولكن أكثر أفراد القبيلة يعلمون بها وبمضامينها والآيات والبراهين التي تتضمنها , وهو من مصاديق قوله تعالى[وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ]( ).
ومن الإعجاز أن عذوبة آيات القرآن وأخبار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التي فيها تجعل الناس جميعاً يرغبون في الإطلاع عليها بالذات أو على موضوعها، لتكون كل رسالة زلزالاً يهدم صروح الكفر، ويصغر رؤساء الكفر في أعين الناس.
ومن الإعجاز في آية البحث إختتامها بإنذار للذين كفروا بالإخبار بأن الله ذو الفضل العظيم، ومن معانيه وجوه :
الأول : الله ذو الفضل العظيم على المؤمنين.
الثاني : الله ذو الفضل العظيم إذ يدفع ويبير الذين كفروا.
الثالث : الله ذو الفضل العظيم الذي جعل رسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بشارة وإنذاراً.
الرابع : الله ذو الفضل العظيم الذي رزق النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه نعمة وفضلاً منه تعالى , ويبين علم التفسير صبغة الإنذار في الآيات المكية للزجر عن عبادة الأصنام وتهيئة الأذهان ليوم الحساب والإنذار ركن من أركان بعثة أي نبي من الأنبياء.
وجاءت الوقائع بعد هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بإنذارات عملية لتقترن بإنذارات القرآن، إذ أصاب الذين كفروا الرعب والفزع كما يدل عليه نصر المسلمين , وسلامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في خروجهم إلى حمراء الأسد على الإنذار للذين كفروا ببطلان سعيهم وخيبتهم.
الآية موعظة
أختتمت الآية السابقة بقول حسن للمؤمنين ، وفيه تأسيس لقانون التوكل على الله في المسلمات وساعة الشدة والحرج وبيان تسليم المهاجرين والأنصار بأن الله حاضر معهم ، ولن يتركهم ليفوزوا بنعمة عظمى لم ينلها غيرهم من جهات :
الأولى : تغشي رحمة الله لهم ، وعلمه بحالهم ، قال تعالى [مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ] ( ) .
الثانية : نزول الملائكة مدد وعون لهم .
الثالثة : حضور رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معهم في الطريق إلى حمراء الأسد والعودة منها .
الرابعة : إمامة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لهم .
الخامسة : المواساة بالجراحات التي أصابت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
وجاءت آية البحث بموعظة متعددة من جهات :
الأولى : كفاية الله عز وجل للمؤمنين الذين يتوكلون عليه .
الثانية : تنمية ملكة التوكل عند المسلمين بشواهد حاضرة في الوجود الذهني عند المسلمين بسلامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين والأنصار من الأذى عند تعقبهم للعدو .
الثالثة : ليس بعد الإستجابة لله والرسول إلا الأمن والسلامة .
الرابعة : كل نعمة وفضل من عند الله غنيمة وسبيل إرتقاء في سلم المعارف الإلهية .
الخامسة : دعوة المسلمين والناس جميعاً لسؤال الله من فضله , فهو سبحانه يحب هذا السؤال وأهله .
الآية رحمة
قال تعالى[وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا]( ) ويمكن القول بأن من معاني الآية أعلاه ، وننزل كل آية من القرآن ما هو رحمة للناس .
كما يدل على هذا المعنى التفصيل والتعدد في قوله تعالى[وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ) ليكون في كل آية قرآنية جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رحمة ، وهذه الرحمة عامة ينتفع منها الناس جميعاً، إلا الذين أصروا على الكفر ومحاربة الإسلام .
وتتجلى الرحمة في أول كلمة من آية البحث وأول حرف منها بقوله تعالى[فَانْقَلَبُوا]( ) إذ تدل الفاء على سرعة عودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه.
مع تحقيق الغايات التي خرجوا من أجلها ، ليكون من التباين والتضاد بين المؤمنين والكفار في واقعة أحد تحقيق المؤمنين كل الغايات الحميدة التي سعوا إليها ، وعجز الكفار عن تحقيق أي غاية من الغايات الخبيثة التي بذلوا الأموال والجهد , وتحملوا المشاق وطول السفر من أجلها .
لقد كانت عودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من حمراء الأسد سالمين رحمة من الله عز وجل ، قال تعالى [أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ] ( ) .
ومن معاني الرحمة في آية البحث عدم إصابة المهاجرين والأنصار بسوء وعدم استبطان الجزع أو الشك ، وعدم النقص في صبرهم وتقواهم وتبين آية البحث الإعجاز وحسن التدبير في خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه خلف العدو ، إذ أحرزوا السلامة منه ، وبعثوا الخوف في نفوس أفراده واليأس والقنوط في قلوب الذين نافقوا .
لقد كان خروج المهاجرين والأنصار مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من مصاديق قوله تعالى[اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]( ) وهو نوع طريق إلى الخلود في الجنة .
وقيل لوهب بن منبه : أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة ؟
قال : بلى ، ولكن ليس من مفتاح إلا له أسنان ، فان جئنا بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك .
وقال الشاعر :
فيا عجباً ندري بنار وجنة … وليس لذي نشتاق أو تلك نحذر
إذا لم يكن خوف وشوق ولا حيا … فماذا بقي فينا من الخير يذكر ولسنا لحر صابرين ولا بلى … فكيف على النيران يا قوم نصبر) .
ومن رحمة الله عز وجل رجوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بنعمة من الله وفضل ، وورود كل من النعمة والفضل بصيغة التنكير دلالة الكثرة وإنتفاء الحد فيها ، وهل يقبلان التوسعة بعد عودتهم ونزول آية البحث .
الجواب نعم ، وفيه رحمة بعموم المسلمين والمسلمات ودعوة لهم للدعاء والمسألة رجاء النهل من كل منهما ، وهل يجوز الشكر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين والأنصار أنهم صاروا سبباً بنزول نعمة وفضل غير محدودين من الله عز وجل ، الجواب نعم ، وقد ثبت في علم الأصول أن شكر المنعم واجب .
لقد أنعم الله عز وجل على رسوله الكريم ، وعلى المهاجرين والأنصار وعلينا جميعاً بانقلابهم سالمين غانمين لم يصبهم شر واذى من جيش الذين كفروا أو من غيرهم .
ومن رحمة الله في آية البحث إصلاح الصحابة لإتباع رضوانه تعالى بعد عودتهم من المدينة .
الحاجة لآية البحث
لقد وقعت معركة أحد بين المسلمين والذين كفروا ونزلت في المسلمين يومئذ مصيبة ولكنها تحولت إلى نصر وغنيمة ، وهذا التحول من مصاديق فضل الله الذي تذكره آية البحث ، وتتطلع أجيال المسلمين إلى نتيجة وعاقبة خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع طائفة من أصحابه خلف جيش كبير من الكفار أشتد التلاوم بينهم على الإنسحاب من المعركة من غير أن يقتلوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويفتكوا طائفة من أصحابه ويأسروا الباقين .
فاذا علم هذا الجيش بخروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه خلفهم فان كفة العكوف عليهم تترجح ، ولو رجع ثلث الجيش لكان عددهم نحو ألف بينما عدد صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقل من ثلاثمائة , ومن معاني قوله تعالى[الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ]( )، معرفة عامة الناس بالتباين الجلي بين كثرة جيش الكفار, وقلة أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم, وكأن الناس أشفقوا عليهم, فلجأوا إلى التوكل على الله سبحانه, وفي التنزيل[قُلْ حَسْبِي اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ]( ).
وهل كان المشركون يعلمون بجراحاتهم ، الجواب نعم .
وقد يتبادر إلى الذهن أنه سبب لإغواء الكفار بهم ، ولكن العكس هو الصحيح ، إذ أنه يبعث الخوف والفزع في قلوبهم .
إن إخبار آية البحث عن عودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه سالمين تتقدم أمامهم نعمة الله ويتغشاهم فضله بشارة لكل المسلمين والمسلمات وأجيالهم المتعاقبة إلى يوم القيامة .
لقد كان المسلمون والمسلمات من أهل المدينة وغيرهم يرجون عودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه سالمين من حمراء الأسد ولكنهم عادوا بنعمة من الله وفضل إلى جانب السلامة ، وهو من مصاديق خاتمة آية البحث [وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ] .
ومن الإعجاز في آية البحث دعوة المسلمين لسؤال الله من فضله , والترغيب فيه .
لقد كان أهل البيت والصحابة يتسابقون في الخروج مع رسول الله عليه وآله وسلم لميدان الدفاع عن الإسلام والنبوة ، وعن الإمام علي عليه السلام (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أراد أن يغزو غزاة له ، قال : فدعا جعفرا فأمره أن يتخلف على المدينة .
فقال : لا أتخلف بعدك يا رسول الله أبدا .
قال : فدعاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فعزم علي لما تخلفت قبل أن أتكلم .
قال : فبكيت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ما يبكيك يا علي ؟ قلت : يا رسول الله ، يبكيني خصال غير واحدة تقول قريش غدا : ما أسرع ما تخلف عن ابن عمه ، وخذله ، ويبكيني خصلة أخرى كنت أريد أن أتعرض للجهاد في سبيل الله ، لأن الله يقول[وَلاَ يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ* وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ]( ), فكنت أريد أن أتعرض لفضل الله فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أما قولك تقول قريش ما أسرع ما تخلف عن ابن عمه، وخذله، فإن لك بي أسوة، قد قالوا ساحر، وكاهن، وكذاب .
أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ؟ وأما قولك أتعرض لفضل الله فهذه أبهار من فلفل جاءنا من اليمن فبعه واستمتع به أنت وفاطمة حتى يأتيكم الله من فضله فإن المدينة لا تصلح إلا بي أو بك) ( ).

ثناء الله على نفسه في آية البحث
قد ثبت في علم الأصول أن الله عز وجل هو المستحق للمدح والثناء , وننجلى في كل آية قرآنية مصاديق مدح الله لنفسه , عن عبد الله ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : « ليس أحد أحب إليه المدح من الله، فلذلك مدح نفسه، وليس أحد أغير من الله ، فلذلك حرم الفواحش( ).
ومن الآيات في المقام أن يبدأ القرآن بالبسملة ببيان أن الأمر ذو الأهمية يبدأ باسم الله , ثم جاء قوله تعالى[الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ]( ), وتفضل الله عز وجل هاتين الآيتين جزء من سورة الفاتحة التي يجب على كل مسلم ومسلمة قراءتها عدة مرات في اليوم في الصلاة , وقد تكرر كل من الحمد لله وسبحان الله عدة مرات في القرآن , ومن خصائص وإعجاز القرآن أن كل آية منه تتضمن في منطوقها أو مفهومها الثناء على الله عز وجل ومن فضل الله عز وجل أنه يحتسب تلاوة المسلم للآية ثناء عليه سبحانه ومنه آية البحث من جهات :
الأولى : عودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى المدينة .
الثانية : خزي المنافقين بعودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه سالمين .
الثالثة : تفضل الله عز وجل بمصاحبة نعمة مستحدثة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه حينما عادوا إلى المدينة .
الرابعة : لا يقدر على النعمة التي رجع بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلا الله عز وجل .
الخامسة : لا تستطيع الخلائق حجب النعمة التي رجع بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
السادسة : بيان قانون وهو تفضل الله عز وجل بالأجر والثواب العاجل على الفعل العبادي , وبيان قانون آخر وهو أن الثواب الآجل أكبر وأعظم من الثواب العاجل .
السابعة : بيان قانون وهو تفضل الله عز وجل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بنعمة وفضل مجتمعين ومتفرقين , وكل واحد منهما تترشح فيوضاته على الآخر .
الثامنة : يحب الله عز وجل أن يشكره النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون والمسلمات على النعم والإفضال والإحسان .
[عن عائشة قالت: لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه و سلم قام يصلي فأتاه بلال يؤذنه بالصلاة فرآه يبكي فقال : يا رسول الله أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ! فقال : يا بلال أفلا أكون عبدا شكورا]( ).
وقد أثنى الله عز وجل على نوح بقوله تعالى [إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا]( ), ولم ترد هذه الصفة في القرآن إلا لنوح عليه السلام لبيان قانون وهو أنه مع أنه عمّر كثيراً وكان يلاقي الآذى من قومه فإنه لم يترك الشكر والثناء على الله عز وجل ليكون أسوة للمسلمين .
عن سلمان، قال: كان نوح إذا لبس ثوبا أو أكل طعاما حمد الله، فسمِّي عبدا شكورا( ).
عن عمران بن سليم، قال: إنما سمي نوح عبدا شكورا أنه كان إذا أكل الطعام قال: الحمد لله الذي أطعمني، ولو شاء أجاعني وإذا شرب قال: الحمد لله الذي سقاني، ولو شاء أظمأني، وإذا لبس ثوبا قال: الحمد لله الذي كساني، ولو شاء أعراني، وإذا لبس نعلا قال: الحمد لله الذي حذاني، ولو شاء أحفاني، وإذا قضى حاجة قال: الحمد لله الذي أخرج عني أذاه، ولو شاء حبسه( ).
والأرجح ما رواه الصحابي الجليل سلمان إذ أن عمران بن سليم دخل بغداد سنة سبع وخمسمائة ولم يرفع الحديث .
التاسعة : من مفاهيم آية البحث الوعد من الله عز وجل للمسلمين بتوالي النعم منه تعالى, وترغيبهم بسؤال النعم والتمتع بها وفيها , والشكر لله عز وجل عليها, ووردت لفظ (النعمة)بالفتح والتعريف مرة واحدة في القرآن بقوله تعالى[وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً]( ).
وتكون النعمة على أقسام :
الأول : بفتح النون (النَعمة) أي التنعم, وهو المقصود في الآية أعلاه لإرادة رؤساء الكفر من قريش إذ كانوا متنعمين في الدنيا ولم يشكروا الله, وجاءت واقعة بدر بعد نزول الآية أعلاه بفترة وجيزة .
الثاني : بكسر النون (النِعمة) وهو الموضوع والمادة والجنس الذي يتنعم به وهو الذي جاء في آية البحث , وورد في القرآن نحو ست وثلاثين مرة .
الثالث : بضم النون(النُعمة) أي البهجة والسرور.
النعم التي تذكرها آية البحث
من النعم التي تذكرها الآية هي :
الأولى : ذات لفظ (فانقلبوا) نعمة مستقلة، وجاءت النعم التي معها نافلة وفضلاً من الله سبحانه .
الثانية : هل للنعمة التي وردت في آية البحث حد ومنتهى أم ليس لها منتهى من جهة الزمان والمكان ، الصحيح هو الأول , وإذا غادر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى ، وكذا غادر الصحابة أهل حمراء الأسد ، فهل تبقى النعمة والفضل اللذان تذكرهما آية البحث في الأرض أم يرفعان معهم .
والمختار هو بقاؤهما إلى يوم القيامة ، ويستقرأ هذا المعنى من آيات القرآن نفسها، قال تعالى [ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ] ( ).
ولا يعلم ماهية هذه النعمة إلا الله ومن وجوه :
الأول : كم وكيف النعمة .
الثاني : أوان حضور النعمة .
الثالث : الإنتفاع الخاص والعام من هذه النعمة .
الرابع : تلاوة آية البحث نعمة ، ولا يعلم ما يناله المسلم على هذه التلاوة إلا الله سبحانه.
الخامس : حاجة المسلمين مجتمعين ومتفرقين إلى النعمة التي عاد بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من حمراء الأسد على وجه الخصوص، ليكون علم الحاجة هذا باباً لإستقراء حاجة المسلمين من كل نعمة ذكرت في القرآن مع عجزهم عن إحصاء ذات النعم، قال تعالى[وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا]( ).
السادس : انتفاع غير المسلمين من النعمة التي رجع بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، وهو من الإعجاز بورود النعمة بصيغة التنكير.
فان قلت ظاهر الآية: فانقلبوا بنعمة من الله عليهم) الجواب لا دليل على هذا التقييد، فالأصل هو الإطلاق، ويكون قوله تعالى[وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ) حاكماً في المقام .
الثالثة : موضوعية النعمة التي جاء بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حمراء الأسد في تفقه المسلمين في الدين، ونزول الرزق الكريم للصحابة وأهليهم.
الرابعة : النعمة التي عاد بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حمراء الأسد كنز ينهل المسلمون والمسلمات وذراريهم منه إلى يوم القيامة من غير أن ينقص منه شيء، وهو من أسرار تعيين هذه النعمة بأنها من عند الله سبحانه.
وترجع الجيوش بالنصر والفتح والغنائم فتفرح الشعوب ويستقبلهم الرجال والنساء بالورود والأهازيج ، بينما عاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من حمراء الأسد بنعمة وفضل من الله ، وهو أعظم غنيمة ومكسب عاد بها جيش ، وهو من مختصات النبي صلى الله عليه وآله وسلم فليس من نبي غيره عاد إلى مدينته بمثل هذه الغنائم والتي تبقى إلى يوم القيامة .
الخامسة : من خصائص النعمة التي عاد بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه أنها توليدية تتفرع عنها نعم كثيرة لا يعلمها إلا بارئها.
السادسة : بيان آية البحث لقانون وهو مجئ نعم جديدة للمسلمين لم تكن عندهم .
السابعة : سبحان الله الذي لا يعطي إلا الكثير والعظيم وما يعجز الناس عن درك عظمته ، ومنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عاد إلى المدينة بالنعمة والفضل ، لينتفع المسلمون منهما مجتمعين ومتفرقين ، وينهل المسلم والمسلمة في كل يوم من النعم التي كانت موجودة عندهم قبل غزوة حمراء الأسد ، ومن النعم التي جاءت بعدها والفضل العظيم الذي جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
ويحتمل دخول هذا المصداق المستحدث من النعمة والفضل إلى المدينة وجوهاً:
الأول : دخلت هذه النعمة والفضل المدينة قبل دخول النبي صلى الله عليه وآله وسلم قادماً من حمراء الأسد .
الثاني : إقترن دخول كل من النعمة والفضل إلى المدينة بدخول النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث : جاءت هذه النعمة والفضل متعقبين لإطلالة الطلعة البهية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
والمختار هو الأول , ليكون من مصاديق قوله تعالى[إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ]( ), فيكون عموم النفع من النعم والفضل الإلهي فيتغشى الحاض والغائب .
الثامنة : لا يعلم أسرار وكنه اجتماع النعمة والفضل من الله في آية البحث إلا الله عز وجل .
التاسعة : يختص الله سبحانه بالعلم بالغايات الحميدة من رجوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من حمراء الأسد بالنعمة والفضل المستحدث .
العاشرة : من النعم التي تضمنتها آية البحث عودة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من حمراء الأسد بفضل من الله، والفضل هو الزيادة والنافلة في الخير ، وفي المؤمنين بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ورد قوله تعالى[لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ]( ).
ويحتمل الفضل الذي جاء مع النبي وأصحابه عند رجوعهم من حمراء الأسد وجوهاً :
الأول : هذا الفضل خاص بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى [وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا] ( ) ولم يرد حصر فضل الله على النبي بهذه الصيغة إلا في الآية أعلاه , والمعنى عام يتغشى المسلمين والناس جميعاً .
الثاني : إنه فضل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وذات المهاجرين والأنصار الذين رجعوا من حمراء الأسد .
الثالث : إرادة الفضل على عموم المسلمين والمسلمات في المدينة المنورة.
الرابع : شمول أجيال المسلمين والمسلمات بالفضل الذي عاد به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من حمراء الأسد .
ولا تعارض بين هذه الوجوه ، وكلها من مصاديق آية البحث لأصالة العموم ، ولورود هذا الفضل في آية البحث ويتلوها المسلمون والمسلمات في صلاتهم اليومية في كل زمان ومكان ، فتنزل عليهم مصاديق هذا الفضل واللطف من خزائنه التي لا تعرف النقصان .
الحادية عشرة : نعمة سلامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من الشر والأذى في خروجهم إلى حمراء الأسد ، وهو من مصاديق قوله تعالى [لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ] وفيه تبكيت للمنافقين وذم لهم إذ كانوا يحرضون على القعود ، فخرج الصحابة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعادوا بالنعم والفضل من الله .
ويحتمل حال المنافقين في المقام وجوهاً :
الأول : انتفاع المنافقين من النعمة التي جاء بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني : إغتراف المنافقين من الفضل الإلهي الذي جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
الثالث : إكتساب المنافقين من الفضل الإلهي الذي عاد به النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابع : عدم إنتفاع المنافقين من النعم والفضل اللذين جاء بهما النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في عودتهم من حمراء الأسد .
الخامس : التفصيل ، فمن المنافقين من انتفع من النعمة ومنهم من انتفع من الفضل ومنهم لم ينتفع لا من النعمة ولا من هذا الفضل لاسيما وأن إنغماس المنافقين في النفاق وكيفية إخفائهم للكفر مع إظهارهم الإيمان إنما هو من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً ، فيتصف عبد الله بن أبي بن أبي سلول بالتجاهر بالنفاق ومفاهيمه بينما بعض المنافقين يكون تابعاً له ، متردداً في النفاق .
والمختار هو الأول والثاني أعلاه.
الصلة بين أول وآخر الآية
لقد أخبرت الآية السابقة عن التحذير والتخويف الصادر من الناس والمتوجه إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه عند خروجهم خلف جيش الذين كفروا متعقبين له ، ولقصد دفعه وإخافته , وصده عن العودة إلى المدينة .
ولو بقى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في المدينة فهل جاءهم هذا التخويف والتحذير ، الجواب نعم لأن الذين كفروا ندموا على إنسحابهم من معركة أحد من دون أن ينجزوا أي غاية وهدف جاءوا من أجله .
ولكن خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه خلفهم جلب النعمة والفضل للمسلمين عامة ، إذ أظهروا حسن التوكل على الله والوثوق بنصره لهم ، فلم يقع قتال بين الفرقين ، ولكن الله يأبى أن يرجع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من غير أجر وجزاء لاسيما وقد أخبرت خاتمة آية البحث عن قانون [وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ].
فتفضل الله سبحانه بأمور :
الأول : إنقلاب وعودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى المدينة .
الثاني : عودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بنعمة غير محدودة من الله .
لتبقى في المدينة ينهل من خزائنها أهلها ، وكل من يدخل إليها زائراً وإلى يوم القيامة ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا] ( ).
الثالث : تغشي وإحاطة فضل الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في طريق العودة من حمراء الأسد .
وهناك مسألتان :
الأولى : هل كان فضل الله عز وجل معهم حين خروجهم إلى حمراء الأسد .
الثانية : هل الفضل الإلهي المصاحب لهم في خروجهم من المدينة هو نفسه الذي عاد معهم .
وبالنسبة للمسألة الأولى , فالجواب نعم ، وأما المسألة الثانية فالجواب إنه فضل آخر غير الذي حلّ بساحتهم في طريق العودة ، ولكنه لم يغادر بل عادا معاً من غير أن يكون بين مصداقي الفضل هذين نوع تزاحم أو تعارض .
لقد أولى بعض الصحابة عناية بالغنائم وجلب الأسرى خاصة بعد النصر المبين في معركة بدر ، فتفضل الله عز وجل ونقلهم إلى مراتب سامية في سلم المعرفة الإلهية بأن أنزل آية البحث وأخبرهم بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين والأنصار ، عادوا بنعمة وفضل من الله من غير أن يقاتلوا عدواً .
وهو من مصاديق قانون أن غزوات النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم تكن للهجوم ولا للغنائم والمكاسب انما كانت طاعة لله عز وجل ، ولرفع راية التوحيد ثم ذكرت آية البحث سلامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من السوء والضرر ، وفيه رد على الذين نافقوا إذ ظنوا أنهم لن يرجعوا .
وهل أرسل الذين نافقوا من أهل المدينة لجيش الذين كفروا بان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم خرج خلفهم بعدد ليس كثيراً من أصحابه، الجواب لا دليل عليه ، وأن ابا سفيان امتلكه الخوف والرعب حين أبلغه معَبد عن جيش النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وأنهم يقتفون أثرهم .
ترى لماذا لم يبعث المنافقون خلف جيش أبي سفيان يخبرونهم بخروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم خلفهم ، خاصة وأنه وأصحابه بقوا ثلاثة أيام في حمراء الأسد ، الجواب من جهات :
الأولى : إنه من فضل الله عز وجل الذي تذكره آية البحث .
الثانية : علم المنافقين بانسحاب جيش الذين كفروا من معركة أحد إنسحاباً هو بطعم الهروب .
الثالثة : تعجل جيش الذين كفروا في العودة إلى مكة .
الرابعة : إنشغال الذين نافقوا يبث الأراجيف في المدينة بعد سقوط سبعين شهيداً من المسلمين .
الخامسة : النفاق من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة شدة وضعفاً .
ومن المنافقين من لم يبلغ به إخفاؤه الكفر بالتحريض على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه عند خروجهم من المدينة .
السادسة : خوف المنافقين من إنكشاف أمرهم وصيرورتهم عيوناً للذين كفروا .
السابعة : قد قام أحد المسلمين بارسال ضعينة إلى قريش في مناسبة أخرى ، فنزل جبرئيل وأخبر النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وجيئ بها من وسط الطريق في معجزة حسية له صلى الله عليه وآله وسلم .
فحينما جاءت خزاعة إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في السنة الثامنة للهجرة وكانوا قد دخلوا في عقده يخبرونه بنقض قريش لصلح الحديبية باعانتهم لبني بكر الذين دخلوا في عقد قريش بعد صلح الحديبية ، فجاء أبو سفيان إلى المدينة ليثبت ويجدد العقد ودخل على ابنته أم حبيبة وهي أخت معاوية لأبيه .
وذهب ليجلس على الفراش فطوته عنه في آية باقية إلى يوم القيامة (فَقَالَ يَا بُنَيّةُ مَا أَدْرِي أَرَغِبْت بِي عَنْ هَذَا الْفِرَاشِ أَمْ رَغِبْت بِهِ عَنّي ؟ قَالَتْ بَلْ هُوَ فِرَاشُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ وَأَنْتَ مُشْرِكٌ نَجَسٌ فَقَالَ وَاَللّهِ لَقَدْ أَصَابَك بَعْدِي شَرّ) ( ) .
وتلك معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يأتي أحد أكبر رؤساء قريش وهو كافر وقد قاد جيوشهم في معركة أحد فيدخل إلى بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم المجاور لمسجده من غير أن يمنعه أحد لان ابنته أم المؤمنين .
ترى هل كان كلامها له بوصية من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإذا كانت وصية هل هو من الوحي ، والجواب ليس من وصية في المقام ، وهذا الكلام منها إبتداء .
فذهب أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكلمه فلم يرد عليه وسنبينه تفصيلاً في الأجزاء التالية أن شاء الله فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالجهاز والسرعة والجد والتهيئ للذهاب إلى مكة لنقض كفار قريش العهد ، ولأن إقامة شرع الله في مكة خير لأهلها وللناس جميعاً، فالمدار ليس الصلح ونقضه ولكنه موضوع لقوله تعالى [أَوْفُوا بِالْعُقُودِ]( ).
ثم قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (اللهم خذ العيون والاخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها) ( ).
فقام حاطب بن أبي بلتعة بكتابة رسالة إلى كفار قريش يخبرهم بتوجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم اليهم ودفعه إلى امرأة وهي سارة مولاة لبني عبد المطلب وجعل لها جعلاً إذا أبلغتها قريشاً ، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد بعث حاطباً هذا في السنة السادسة للهجرة إلى المقوقس في مصر يدعوه إلى الإسلام.
فجعلت المرأة الرسالة في شعرها ثم فتلت عليه قرونها وخرجت به .
ونزل الوحي من عند الله عز وجل بالخير فلم يرسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى حاطب ويسأله ويتأكد منه ، إنما بعث الإمام علي عليه السلام والزبير بن العوام إلى المرأة ، فأدركاها بروضة خاخ فانكرت الأمر ، فقاما بتفتيش رحلها ، فلم يجدا فيه شيئاً .
فقال لها الإمام علي عليه السلام (إنى أحلف بالله ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا كذبنا ولتخرجن هذا الكتاب أو لنكشفنك فلما رأت الجد منه قالت أعرض فأعرض فحلت قرون رأسها فاستخرجت الكتاب فدفعته إليه فأتى به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) ( ).
وفيه آية في استجابة الله لدعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعمى الأخبار عن قريش ، وهو من مصاديق قوله تعالى [ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ]وتقدير الخطاب في الآية أعلاه : ادعني يا محمد استجب لك ، وفيه تفصيل منه :
الأول : ادعني في امتك .
الثاني : ادعني في نفسك .
الثالث : ادعني في أهل بيتك
من غايات الآية
في الآية مسائل :
الأولى : الإخبار السماوي عن عورة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من مطاردته لجيش الذين كفروا بعد معركة أحد .
الثانية : بيان قانون وهو أن هذه العودة بنعمة من الله ، ولولا الفضل الإلهي في المقام لربما حدث ما لا يحمد عقباه ، إذ خرج مائتان وسبعون مثقلين بالجراحات نحو ثلاثة آلاف من أفراد العدو .
وهل يمكن القول : لولا نعمة وفضل الله ما عاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه سالمين من غير أن يصيب شطراً منهم السوء والأذى الجواب نعم ، وهو الأمر الذي ينكشف يوم القيامة ، ويتبين للناس جميعاً ماذا يحدث للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في خروجهم إلى حمراء الأسد لولا رحمة الله ونعمة عليهم ، قال تعالى [فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ] ( ).
الثالثة : ذكر مصداق لشكر الله عز وجل للذين استجابوا له وللرسول وأظهروا التوكل عليه وتفويض أمورهم إليه في ساعة المحنة بأن اعادهم إلى أهليهم تحفهم الملائكة ، وإحاطة الملائكة بهم من مصاديق نعمة الله عز وجل التي تذكرها آية البحث .
وبلحاظ القرينة في المقام وهي نزولهم من السماء للقتال ونصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في ميدان معركة بدر , ومعركة أحد ، فمن باب الأولوية القطعية نزولهم لحراستهم في الطريق من وإلى المدينة .
الرابعة : بعث المسلمين على تفويض أمورهم إلى الله وترغيبهم بقول[حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ] ( ).
الخامسة : بيان قانون وهو أن الوقائع والأحداث لا تتعلق بتخويف ووعيد الذين كفروا إنما هي تبع لمشيئة الله عز وجل ، وفي التنزيل [قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ]( ).
ومن الإعجاز في الآية أعلاه أنه مع قلة كلماتها فقد ورد فيها لفظ تشاء أربع مرات وبصيغة المضارع وبخصوص الملك والعز والذل لبيان أن خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى حمراء الأسد ثم عودتهم منها سالمين في عز ورفعة مقدمة ومصداق للملك وانثناء وسادة الحكم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين والأنصار ، فلم تمر الأيام والشهور حتى صاروا أمراء في الأمصار ، ومن الذين خرجوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من تولى الخلافة ، وهو من مصاديق النعمة والفضل اللذين ذكرتهما آية البحث لبقائهما في المدينة وتعلقهما بافراد الصحابة .
وهل ترى وتدرك الملائكة النعمة والفضل اللذين يرافقانهم ، الجواب نعم .
ليكون من مصاديق إحتجاج الله عز وجل على الملائكة حينما احتجوا على خلافة الإنسان في الأرض لأنه[يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ]( ) فقال الله عز وجل[إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ).
فمن علم الله عز وجل رؤية الملائكة للنعمة والفضل من الله تحيط بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وصرورة الملائكة وتعضيدهم ونصرتهم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من مصاديق هذه النعمة والفضل من الله .
السادسة : بيان رحمة ورأفة الله عز وجل بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ورجوعهم سالمين من حمراء الأسد لم يصبهم أي ضرر ، وتحتمل سلامتهم من السوء وأدنى مصاديق الشر بقوله تعالى [لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ]وجوهاً :
الأول : إنها من نعمة الله التي تذكرها آية البحث .
الثاني : إنها من فضل الله عز وجل الذي ورد في آية البحث .
الثالث : إنها نعمة ورحمة من الله غير النعمة والفضل اللذين تذكرهما آية البحث .
والصحيح هو الأخير لبيان تعدد النعم في آية البحث وتكون كالآتي :
أولاً : نعمة عودة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى المدينة .
ثانياً : استيفاء الغايات التي خرج من أجلها رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
ثالثاً : سرعة عودة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بدليل إبتداء آية البحث بحرف العطف الفاء .
ولم تبدأ بالواو ، ويقال مثلاً : جاء زيد فعمر، أي متعقباً له، وتزوج فولد له، أي ليس بين الزواج وإنجاب الولد إلى مدة الحمل، وفي التنزيل[فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ]( ).
رابعاً : نعمة النعم من الله .
خامساً : نعمة الفضل من الله .
سادساً : صيغة التنكير في كل من النعمة والفضل فكل من نعمة وفضل نكرة , وهي في مقام الإثبات تفيد الإطلاق وليس العموم .
التفسير
قوله تعالى[فَانْقَلَبُوا]
تدل مادة الإنقلاب في آية البحث على رجوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بغبطة وسعادة لوجوه :
الأول :السلامة من القتال واللقاء بالسيوف مع جيوش الذين كفروا، قال تعالى[كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ] ( ).
الثاني : تأكيد حقيقة تأريخية وهي عدم إنهزام المسلمين في معركة أحد .
الثالث : تغشي السعادة أهل المدينة لرجوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم سالماً من حمراء الأسد .
ويختلف خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى حمراء الأسد عما قبله من الغزوات ، إذ خرج ومعه المهاجرون والأنصار إلى معركة بدر بنية اعتراض قافلة لقريش قادمة من الشام محملة بالبضائع ، وعاد منتصراً والأسرى والغنائم بين يديه .
و(عن ابن عباس قال: قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: اللهم ربنا أنزلت علي الكتاب، وأمرتني بالقتال، ووعدتني بالنصر، ولا تخلف الميعاد! فأتاه جبريلُ عليه السلام، فأنزل الله:( أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزِلِينَ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ))( ).
وظاهر كلام ابن عباس إرادة معركة بدر، والمختار أن الآية أعلاه تخص معركة أحد، وهو المشهور وإذ ذكرت الآية السابقة القروح التي أصابت المسلمين فقد ورد في القرآن ما يدل على إصابة الذين كفروا بها أيضاً، قال تعالى[إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ]( )، لبعث المهاجرين والأنصار على الصبر والإستجابة لله والرسول في الخروج خلف العدو وإعلان التوكل على الله عندما خوّفهم الناس من جيش المشركين.
وعن ابن عباس قال: كان الذي أسر العباس أبا اليَسَر كعب بن عمرو أخو بني سلِمة، وكان أبو اليسر رَجلا مجموعًا، وكان العباس رجلا جسيما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي اليسر: كيف أسرت العباس أبا اليسر؟! .
قال: يا رسول الله، لقد أعانني عليه رجلٌ ما رأيته قبل ذلك ولا بعده، هيئته كذا وكذا! .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد أعانك عليه ملك كريم( ).
وفي ذات السنة وفي شهر شعبان تزوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم حفصة بنت عمر وأمها زينب أخت عثمان بن مظعون ، وكانت قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند زوجها الأول خنُيس بن حذافة السهمي وقوف عنها بعد أن أصيب بجراحة في معركة بدر وهو ممن هاجر إلى الحبشة
ولدت حفصة قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بخمس سنوات وهي أكبر أبناء عمر بن الخطاب ، وحفصة هي الزوجة الرابعة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد خديجة وسودة وعائشة .
وقيل أن نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم كن على حزبين :
الأولى : عائشة وحفصة وصفية وسودة .
الثانية: أم سلمة وباقي نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتعلمت حفصة الكتابة على يد الصحابية الشفاء بنت عبد الله ، وبعد انتقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى لزمت بيتها ، إلا أنه حين خرج الزبير وطلحة بعائشة إلى البصرة همّت حفصة أن تخرج معها ولكن أخاها عبد الله بن عمر حال دون خروجها ، وقيل في ذات السنة تزوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم زينب بنت خزيمة الهلالية من بني هلال بن عامر .
وكانت تسمى في الجاهلية أم المساكين لرأفتها بهم ، وكانت قبله عند عبد الله بن جحش .
(وكانت تحت عبد الله بن جحش قتل عنها يوم أحد، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سنة ثلاث ولم تلبث عنده إلا يسيراً شهرين أو ثلاثة، وتوفيت في حياته) ( ) .
ولكن معركة أحد في شهر شوال وهو الشهر العاشر من السنة القمرية.
ولابد أن تقضي المرأة المتوفى عنها زوجها عدتها أربعة أشهر وعشراً ، أي لا يكون زواجها إلا في السنة الرابعة أو بعدها إنما هي زوجة عبيدة بن الحارث بن المطلب الذي استشهد في معركة بدر حين أمره النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يبرز هو وعلي عليه السلام وحمزة بن عبد المطلب بعد أن أبى عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة وابنه الوليد إلا أن يبارزهم أكفاؤهم من قريش .
وتزوجها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في شهر رمضان سنة ثلاث للهجرة، وأصدقها أربعمائة درهم ، وقال في الإصابة لم تلبث عنده سوى شهرين أو ثلاثة أشهر وماتت ، وقيل بقيت عنده ثمانية أشهر .
قال تعالى[وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ]( ) .
وكانت المرأة في الجاهلية إذا توفى عنها زوجها قعدت لمدة سنة كاملة لا تتزوج مدتها ، فنزلت الآية أعلاه لتحدد عدتها بأربعة أشهر وعشرة أيام إلا إذا كانت حاملاً ففيه وجهان :
الأول : أن تضع حملها ، وهو قول الجمهور , لإطلاقات قوله تعالى[وَأُوْلاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ]( ) وأن هذه الآية خصصت قوله تعالى[وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ]( ) كما استدل عليه بحديث سبيعة الأسلمية التي كانت تحت سعد بن خولة وهو بدري وتوفى عنها في حجة الوداع وهي حامل .
الثاني : أبعد الأجلين وهو المنسوب إلى الإمام علي عليه السلام وابن عباس بمعنى إذا وضعت حملها قبل مضي أربعة أشهر وعشراً فعليها أن تصبر وتنتظر حتى تتم المدة أعلاه، أما إذا اتمتها ولم تضع حملها فعليها أن تبقى معتدة إلى حين وضع حملها .
لقد اعتنى الإسلام بحياة عوائل الشهداء ، ولم تنحصر هذه العناية بالسنة النبوية ومسارعة الصحابة في الإحسان وفعل الخيرات ، إنما جاء القرآن بها لتكون آيات القرآن في المقام هي الأصل وتكون السنة بياناً ، فمع مجئ الآيات السابقة بالإخبار عن حياة الشهداء عند الله عز وجل ، فقد جاءت الآيات بلزوم العناية باليتامى والأرامل .
وكان زواج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من بعض أرامل الشهداء دعوة لأصحابه لنكاح التي يقتل أو يموت زوجها .
وهل فيه سبب لسكوت الزوجات عن خروج الصحابة مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى ميدان القتال ، الجواب لا ، إنما كن يعضدن الأزواج والأبناء والأخوان في خروجهم إلى الدفاع ، ويعرضن عن أراجيف المنافقين والمنافقات .
وليس من زوجة تفضل إحتمال زواجها من مجهول , على زوجها المؤمن .
وأيهما أفضل أسر رجال القافلة برئاسة أبي سفيان وعددهم ثلاثون رجلا عدا العبيد والخدم أم دخول أسرى معركة بدر إلى المدينة ، الجواب هو الثاني من جهات :
الأولى : تحقق النصر للمسلمين في معركة بدر .
الثانية : ابتداء الذين كفروا بالقتال وطلب المبارزة فاخزاهم الله .
الثالثة : نزول آية [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ] ( ) وسبي رجال القافلة لا يسمى نصراً إلا مع القتال.
الرابعة : جاء رجالات قريش إلى بدر وهم يريدون القتال ويطلبون قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أما القافلة فأنها تسير في الطريق إلى مكة بحذر .
الخامسة : لقد كان نصر المسلمين في معركة بدر معجزة تاريخية متجددة في كل زمان ، وتقتبس منها المواعظ والدروس ، ولو كانت أول معارك الإسلام الإستيلاء على قافلة لبث المنافقون والفاسقون الأراجيف وألفوا الكتب وقالوا أن الإسلام إبتدأ بالإستيلاء على قافلة تجارة ويتجاهلون أموال النبي والمهاجرين التي إستولت عليها قريش وتصرفت فيها.
لقد خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه خلف العدو في اليوم التالي لمعركة أحد ، والجراحات تتغشاهم ويزداد ألم الجراحات عند ركوب الخيل أو الإبل ، وكلما طالت المسافة أشتد ألمها ، لذا كان الفضل الإلهي بانتظارهم ومنه سلامتهم من لقاء العدو وجنوده .
لقد ذكرت هذه الآيات إصابة النبي وأصحابه بالقروح وخروجهم بها ، كما في قوله تعالى [الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ] ( ) وذكرت آية البحث عودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من حمراء الأسد ، ولم تذكر القروح وأثرها، إنما ذكرت أموراً:
الأول : رجوع النبي صلى اله عليه وآله وسلم وأصحابه سالمين، وهو نعمة عظمى.
الثاني : رجوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بنعمة وهبة من عند الله.
الثالث : عودة النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه ومعهم فضل ونافلة وزيادة من عند الله .
الرابع : إتباع المهاجرين والأنصار رضوان الله.
إبتدأت آية البحث بحرف العطف الفاء الذي يفيد الترتيب والتعقيب والفورية في ترتب المعطوف على المعطوف عليه، وفيه دلال على الفورية في الجزاء والشكر من عند الله .
وقد يقال إنما الدنيا دار إمتحان وإبتلاء، والآخرة هي دار الجزاء إنما كانت الفورية عن اللطف والرحمة الإلهية، والجواب لا تعارض بين الأمرين، والجمع بينهما هو الأظهر والأولى، ليجعل الله عز وجل هذا الإنقلاب تأسيسا لبناء صرح الصبر والتوكل على الله عز وجل.
وتحتمل علة الجزاء في المقام وجوهاً:
الأول : الجزاء والشكر من عند الله للمهاجرين والأنصار على إستجابتهم لله والرسول.
الثاني : الجزاء من عند الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث : إرادة الجزاء والشكر من الله عز وجل على إستجابة الصحابة لله والرسول مع كثرة جراحاتهم، قال تعالى[وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ]( ).
الرابع : بيان مصداق لقانون من الإرادة التكوينية وهو سرعة حضور الفضل الإلهي لأهل التقوى.
الخامس : لقد أخبرت الآية قبل السابقة عن الوعد العظيم من عند الله وهو الأجر العظيم لأهل التقوى والإحسان، وكان خروج الصحابة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى حمراء الأسد من التقوى والإحسان من جهات:
الأولى : الإستجابة لله والرسول من أسمى مراتب التقوى وفيها أجر وثواب , قال تعالى[وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ]( ).
الثانية : لقد أحسن المهاجرون والأنصار بخروجهم إلى حمراء الأسد لأنفسهم وأجيال المسلمين.
الثالثة : تلقي الصحابة القروح وهم متقون يرجون الأجر والثواب من عند الله عز وجل إذ أصيبوا بها في اليوم السابق لخروجهم إلى حمراء الأسد، وهو يوم معركة أحد، إذ قاتل المهاجرون والأنصار بقصد القربة دفاعاً عن :
أولاً : شخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتلك نعمة إختصوا بها من بين أهل الأرض وإلى يوم القيامة بأن يقاتلوا دون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويذبون عنه بسيوفهم وأنفسهم، لتصبح القروح التي تذكرها الآية قبل السابقة شاهداً وحجة وتذكيراً لأجيال المسلمين بجهادهم، وما إنفردوا به من بين المؤمنين من الأولين والآخرين.
وهل في قتال المسلمين يوم أحد رياء، الجواب لا فليس من رياء في بذل النفوس، نعم ورد أن بعضهم كان يقاتل حمية وهو قزمان، وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه في النار.
ثانياً : القتال دون التنزيل وآيات القرآن، وبينهم وبين عامة المؤمنين الذين قاتلوا في سبيل الله عموم وخصوص مطلق، فالجامع بينهم القتال لحفظ التنزيل والمنع من تحريفه.
أما الذي إنفرد به المهاجرون والأنصار فهو قتالهم عن آيات وسور القرآن أثناء نزولها، ليكونوا دروعاً بشرية حالت دماؤهم وقروحهم دون إنقطاع التنزيل قبل تمامه، بلحاظ كبرى كلية وهي إنحصار نزول القرآن بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فلا تنزل آيات القرآن إلا عليه صلى الله عليه وآله وسلم .
وهل من موضوعية لهذا الأمر في دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر قبل أن يبدأ القتال، وعن ابن مسعود قال: لما نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين يوم بدر قال كأنكم بأعداء الله بهذه الضلع الحمراء من الجبل يقتلون
وأخرج البيهقي عن ابن مسعود قال ما سمعت مناشدا ينشد حقا له أشد من مناشدة محمد صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر وجعل يقول اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك اللهم ان تهلك هذه العصابة لا تعبد ثم التفت كأن شق وجهه القمر فقال كأنما أنظر إلى مصارع القوم عشية)( ).
وفي معركة أحد وفي آخر ساعة منها قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم أن تقتل هذه العصابة لا تعبد في الأرض)( ).
أم أن القدر المتيقن من الدعاء هو إرادة المهاجرين والأنصار وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعلم أنه لا يقتل في تلك المعركة.
المختار هو الأول، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مقام المسألة والتضرع والدعاء واللجوء إلى الله والشكوى إليه سبحانه، وفي التنزيل[إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ]( ).
وتقدير الآية على وجوه :
الأول : فانقلبوا بنعمة من الله لتبقى في المدينة المنورة ينهل منها المسلمون.
الثاني : فانقلبوا بنعمة من الله تكون واقية لهم من تكرار الخسارة التي وقعت في معركة أحد .
الثالث : فانقلبوا بنعمة من الله لقانون وهو : لا يرجع الله عز وجل المدافعين عن الإسلام صفر اليدين .
الرابع : فانقلبوا بنعمة من الله جزاء لهم على صبرهم ودفاعهم عن الإسلام والنبوة .
الخامس : فانقلبوا بنعمة من الله لوجود رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينهم ، وهل يمكن القول أن المراد بالنعمة سلامة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعودته إلى المدينة.
الجواب إن وجود النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين ظهراني المسلمين نعمة عظمى، ولكن المراد بالنعمة المذكورة في آية البحث غيرها .
السادس : الآية إنحلالية ، وتقدير النعمة على جهات :
الأولى : فانقلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنعمة من الله .
الثانية : فأنقلب المهاجر بنعمة من الله .
الثالثة : فانقلب الأنصاري بنعمة من الله .
الرابعة : فانقلبوا إلى أهليهم بنعمة من الله .
السابع : فانقلبوا بنعمة من الله وصرف عنهم شر المنافقين .
الثامن : فانقلبوا بنعمة من الله تبعث الحسرة في قلوب المنافقين والمنافقات .
التاسع : فأنقلبوا بنعمة من الله تكون حجة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لتأكيد سلامة نهجهم وخروجهم خلف العدو .
العاشر : فأنقلبوا بنعمة جزاء من الله عز وجل ، وفي التنزيل [لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ] ( ) .
الحادي عشر : فانقلبوا بنعمة من الله إلى المدينة في ذات الوقت الذي انقلب فيه الذين كفروا إلى مكة خائبين .
الثاني عشر : فانقلبوا بنعمة من الله ليخسأ المنافقون الذين ظنوا عدم رجوعهم ، وفي التنزيل [بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا] ( ) وموضوع الآية أعلاه هو خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للعمرة في السنة السادسة للهجرة ، وكان معه من المهاجرين والأنصار ألف وأربعمائة .
ولم تكن معهم أسلحة إلا سلاح الراكب فظن المنافقون أن كفار قريش سيميلون عليهم قتلاً وتأسيراً إنتقاماً لقتلاهم في معركة بدر وأحد والخندق، وظنوا أن الكفار سيجدونها مناسبة لقتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه واستئصال الإسلام وأنهم لن يرجعوا من وجهتهم هذه ، بالإضافة إلى أن خروجهم هذا ليس فيه غنائم ، فتم في هذا الخروج صلح الحديبية وذكر أنه المراد من الفتح.
(عن ابن عباس قال : انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية إلى المدينة حتى إذا كان بين المدينة ومكة نزلت عليه سورة الفتح فقال: {إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً}( ) إلى قوله {عزيزاً} .
ثم ذكر الله الأعراب ومخالفتهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال:{سيقول لك المخلفون من الأعراب} إلى قوله { خبيراً } ثم قال للأعراب { بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون} إلى قوله { سعيراً} ثم ذكر البيعة فقال : {لقد رضي الله عن المؤمنين } إلى قوله { وأثابهم فتحاً قريباً} لفتح الحديبية) ( ).
لتكون آية البحث على وجوه :
أولاً : عودة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من الخروج إلى العمرة سالمين .
ثانياً : انقلاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في السنة السادسة من الهجرة بصلح الحديبية الذي هو نصر عظيم ، ويدل إحتسابه نصراً وفتحاً على أن الإسلام لم ينتشر بالسيف إنما انتشر بالحجة والبيان والمعجزات الباهرات ، وهل خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بقروحهم إلى حمراء الأسد وعودتهم سالمين مع أن العدو قريب منهم من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الجواب نعم ، فهو معجزة حسية من جهات :
الأولى : نزول الوحي بالخروج خلف العدو.
الثانية : مناداة بلال في المدينة بالخروج خلف العدو .
الثالثة : تقييد النبي صلى الله عليه وآله وسلم لصفة الذي يخرج معه بأنه شهد معركة أحد في اليوم السابق مع أن الذي لم يشهدها لم يصب بجروح.
الرابعة : مبادرة الصحابة للخروج .
الخامسة : قطع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه مسافة اثني عشر كيلو مترا عن المدينة متعقبين العدو .
السادسة : عودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه سالمين من حمراء الأسد، وتحتمل النعمة والفضل الإلهي اللذان عاد بهما النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجوهاً :
الأول : أنهما معجزة حسية .
الثاني : أنهما معجزة عقلية .
الثالث : المعنى الجامع فهما معجزة حسية وعقلية .
والمختار هو الثالث إذ تتجلى مصاديقهما للناس بحاسة البصر وحاسة السمع، ومنها ما لا تدرك إلا بالتفكر والتدبر خاصة وأنهما باقيان إلى يوم القيامة، قال تعالى[كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ]( ).
ثالثاً : فانقلبوا بنعمة من الله ليجتنب المسلمون الإمتناع عن الخروج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في غزواته .
رابعاً : إستصحاب المسلمين والمسلمات عودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه سالمين في كل مرة يخرجون بها من المدينة من باب الأولوية القطعية ، فقد خرجوا خلف جيش العدو في اليوم التالي لمعركة أحد مع كثرة جراحاتهم ، وقلة عددهم وكثرة جيوش العدو، ومع هذا عادوا سالمين مع نعمة وفضل من الله عز وجل وإذا خرجوا مرة أخرى خلف العدو فانهم في حال أحسن من تلك الحال .
الثالث عشر : فانقلبوا بنعمة من الله وكذلك في كل عودة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى المدينة لا ينقلبون إلا بنعمة من الله وفي قوله تعالى[إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ]( )، ورد عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نزل منزلاً وتفرق الناس في العضاة يستظلون تحتها فعلّق النبي صلى الله عليه وآله وسلم سلاحه بشجرة .
فجاء أعرابي إلى سيف رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم فسلّه ثمّ أقبل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : من يمنعك منّي؟ قال : اللّه، قال الأعرابي مرّتين أو ثلاثاً : من يمنعك منّي؟ والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول : الله .
فشام الأعرابي السيف، فدعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه فأخبرهم بخبر الأعرابي وهو جالس إلى جنبه لم يعاقبه)( ).
الرابع عشر : فانقلبوا بنعمة من الله لتخبر آية البحث عن هذه المعجزة ويتلوها المسلمون والمسلمات في كل زمان فيأتيهم الأجر والثواب .
الخامس عشر : فانقلبوا بنعمة من الله لتتفرع النعم عنها فتنزل عليهم البركات .
السادس عشر : فانقلبوا بنعمة من الله لتكون سلاحاً في الحرب على الكفر والضلالة .
السابع عشر : فانقلبوا بنعمة من الله لتكون بشارة فتح مكة.
الثامن عشر : فانقلبوا بنعمة من الله بالسعة في الرزق للمؤمنين وأهل المدينة عامة .
التاسع عشر : لقد خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى حمراء الأسد بنعمة من الله [فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ] أي عادوا بنعمتين وفضل.
العشرون : فانقلبوا بنعمة من الله تحذيراً وإنذاراً للذين كفروا .
الحادي والعشرون : فانقلبوا بنعمة من الله ترغيباً للذين كفروا بالتوبة والإنابة.
الثاني والعشرون : فانقلبوا بنعمة من الله كما انقلب الأنبياء وأصحابهم من قبل[سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً]( ).
الثالث والعشرون : فانقلبوا بنعمة من الله جزاء من الله عز وجل لأهل المدينة رجالاً ونساء لنصرتهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد قطع النبي صلى الله عليه وآله وسلم تلك المسافة بين المدينة وحمراء الأسد ذهاباً وإياباً على الراحلة.
الرابع والعشرون : فانقلبوا بنعمة من الله لحاجتهم إليها .
لقد جعل الله الخلائق كلها محتاجة إلى نعمته وفضله وإحسانه، وتفضل وأكرم الإنسان بالخلافة في الأرض، وسخّر الله له ما في السموات والأرض وصاحبته النبوة والتنزيل من أول هبوطه إلى الأرض، إذ كان آدم نبياً رسولاً، وقد يقال هو أقل الأنبياء اتباعاً إذ لم يكن معه في الأرض سوى حواء .
والجواب إنما صار له أولاد وأحفاد ذكورا وأناثا , وقد أمد الله في عمره فكان أكثر من تسعمائة سنة ، فلم يغادر الأرض إلا وأهلها نحو أربعين ألفا من ذريته.
(عن ابن عباس قال: لما نزلت آية الدين قال رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم: إنّ أول من جحد آدم ثلاث مرات، وإن الله لما خلقه مسح ظهره فأخرج منه ما هو ذار إلى يوم القيامة فجعل يعرضهم على آدم فرآى منهم رجلاً يزهر،
قال: أي ربّ أيّ بنيّ هذا؟ قال: ابنك داود، قال: كم عمره؟ قال: ستون سنة، قال: زده من العمر،
قال الله تعالى: لا، إلا أن تزيده أنت، وكان عمر آدم ألف سنة، فوهب له أربعين سنة، فكتب عليه بذلك كتاباً وأشهد عليه الملائكة.
فلما احتضر آدم أتته الملائكة لتقبض روحه فقال: قد بقي من عمري أربعون سنة،
قالوا: إنك قد وهبتها لابنك داود، قال: ما فعلتُ ولا وهبتُ له شيئاً، فأنزل الله عليه الكتاب وأقام الملائكة شهوداً، فأكمل لآدم ألف سنة وأكمل لداود مائة سنة) ( ).
(وقد ذكر أهل التاريخ أن آدم عليه السلام لم يمت حتى رأى من ذريته من أولاده وأولاد أولاده أربعمائة ألف نسمة والله أعلم)( ).
وهو رقم كبير وعدد كثير ، ولكن لو نظرنا إلى معدل الأعمار آنذاك وكيف أن أدم عاش ألف سنة فهذا العدد من عالم الإمكان بفضل ورحمة من عند الله .
وورد عن ابن عباس: أن آدم لم يمت حتى بلغ ولده وولد ولده أربعين ألفاً)( ) وتفرقوا في الأرض، وكان يغتم إذا انقطعت أخبارهم عنه فرزقه الله علم النجوم فينظر فيه فيعرف أحوال من إغتم من أجله، وما من أمة أو طائفة أو رهط إلا وهم بحاجة إلى نعمة الله يدوم بها جمعهم وتدفع عنهم الشرور.
ولقد بعث الله عز وجل النبي محمداً إلى الناس جميعاً ، فحاربته طائفة منهم ، وهم كفار قريش ومن والاهم ، فصبر في ميدان معركة أحد ثم سار هو وأصحابه نحو حمراء الأسد في اليوم التالي للمعركة ليعود بالنعمة عليه وعلى أصحابه وأهل بيته .
من معاني الفاء في قوله تعالى [فَانْقَلَبُوا] عدم الإبطاء والتأخر في الغياب عن المدينة ، فهل من موضوعية لقول المهاجرين والأنصار [حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ] فيه ، الجواب نعم ، للدلالة على أن بقاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في حمراء الأسد ليس بالمدة الطويلة ، كما أن حمراء الأسد ليست بعيدة عن المدينة كثيراً ، إذ أنها لا تبعد إلا اثني عشر كيلو متراً، والمدار على تحقق الغايات من هذا الخروج ، فكأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه قد طاردوا جيش المشركين إلى مشارف مكة ، وهذا التحقق من مصاديق فضل الله الذي تذكره آية البحث .
بحث نحوي
لقد إبتدأت آية البحث بالإنقلاب والعودة بقوله تعالى [فَانْقَلَبُوا] لبيان نعمة الله عز وجل بعودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجميع أصحابه الذين خرجوا معه متعقبين العدو من غير أن يصيبهم سوء أو ضرر، فلم يقاتلهم العدو ، ولم يتعرض أي واحد منهم للأذى في الطريق أو عند الإقامة في حمراء الأسد .
فقد يخرج الجماعة من الناس في سفر ويتعرضون أو بعضهم للحوادث والأقدار ، وكأن آية البحث تخبر عن وفاء الله عز وجل بوعده للنبي وأصحابه بعودتهم سالمين مع أنه لم يكن في البين مثل هذا الوعد ولكنه اللطف والمنّ والنعمة من الله عز وجل ، وذات الإنقلاب والعودة نعمة عظمى من عند الله .
ومن معاني حرف الجر الباء وجوه :
الأول : الإلصاق وهو المعنى الذي لا يفارقها حتى حصر سيبويه معناه به سواء كان الإلصاق حقيقياً مثل: أمسكت بالكتاب ، وقد يكون مجازياً كما في قوله تعالى[وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا]( ) أي مروا بمكان فيه لغو ولهو الحديث.
الثاني : الإستعانة : وهي التي تدخل على الفعل نحو رأيت الهلال بعيني، ومنه البسملة، ومنه[وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ]( ).
الثالث : المصاحبة وهي التي تكون فيها الباء بمعنى (مع) منها قوله تعالى [اهْبِطْ بِسَلاَمٍ] ( ).
الرابع : الظرفية : سواء الظرفية الزمانية كما في قوله تعالى [وَلاَ تَطْرُدْ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ] ( ) أو الظرفية المكانية مثل قوله تعالى[وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ]( ).
ومن الإعجاز في آية البحث أن هذه الوجوه كلها من مصاديق الباء في قوله تعالى [بِنِعْمَةٍ] وتقدير الآية : فانقلبوا بنعمة من الله وبفضل من الله .
لتكون النعمة والفضل مصاحبين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، وهم عادوا بهما وبالإستعانة بهما لدفع المضار والسوء عنهم , وكانت النعمة والفضل حصناً لهم .
(وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله { الذين قال لهم الناس إن الناس . . . } الآية . قال : إن أبا سفيان كان أرسل يوم أحد أو يوم الأحزاب إلى قريش ، وغطفان ، وهوازن ، يستجيشهم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه فقيل : لو ذهب نفر من المسلمين فأتوكم بالخبر ، فذهب نفر حتى إذا كانوا بالمكان الذي ذكر لهم أنهم فيه لم يروا أحداً فرجعوا)( ).
ولكن ذكر القرح في الآية قبل السابقة[مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ]( ) يدل على أن المراد معركة أحد والأيام التي بعدها .
كما ورد عن مجاهد في الآية السابقة (في قوله { الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم } قال : هذا أبو سفيان قال لمحمد يوم أحد : موعدكم بدر حيث قتلتم أصحابنا . فقال محمد صلى الله عليه وآله وسلم : عسى . فانطلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لموعده حتى نزل بدراً فوافوا السوق فابتاعوا ، فذلك قوله { فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء} وهي غزوة بدر الصغرى) ( ) .
وقرينة القرح والكلوم تدل على أن المراد خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى حمراء الأسد ، كما أن قوله تعالى [إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ]( ) لا يعني إرادة تخويف النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه عن أمر غير موجود أصلاً إنما يحمل الكلام على الحقيقة إلا مع القرينة الصارفة ، فمن هؤلاء الناس الذين حذروا النبي وأصحابه كانوا صادقين فيما يخبرون عنه لأنهم رأوا جيوش قريش وغطفان والأحابيش قد مرت عليهم .
ليكون قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه [حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ] صبر ونوع تحد لتخويف حقيقي وواقعي , وليس كذباً وخداعاً، بلحاظ أن هذا القول وإظهار النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الإنقطاع إلى الله عز وجل وتفويض الأمور إليه مرتبة سامية من الإيمان وسبب لزيادة الإيمان .
قوله تعالى [بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ]
لقد خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بجراحاتهم لقوله تعالى [ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ] ( ) ولم يكن بين إصابتهم بها وبين المغادرة إلى حمراء الأسد سوى يوم واحد ، وتحتمل هذه الجراحات عند عودتهم وجوهاً :
الأول : مضاعفة الجراحات للحركة وركوب الدابة وإنعدام العلاج وكثرة الأتربة والغبار في الطريق .
الثاني : بقاء جراحات النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه على حالها .
الثالث : تماثل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى الشفاء من جراحاتهم .
الرابع : التفصيل ، فمن الجراحات ما تم اندمالها ومنها ما بقيت على حالها ومنها تضاعفت .
والمختار هو الثالث أعلاه ، وهو الذي تدل عليه آية البحث ، وتعدد النعم والفضل الإلهي الذي عادوا به إلى المدينة .
وقد ورد في دعاء إبراهيم عليه السلام قوله تعالى [وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ] ( ) وتحتمل القروح والجراحات اتي أصيب بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة وجوهاً :
الأول : انها من المرض الذي تذكره الآية أعلاه ، ولم تقل الآية أعلاه (واذا أمرضتني ) لبيان نسبة المرض إلى الإنسان سواء من جهة المأكل والمشرب ، أو آفات البدن وتعرضه للوهن والتلف ، ووردت الآية أعلاه بلفظ [اذا] ولم تقل الآية (ولما أمرض يشفيني ) لبيان إحتمال المرض وإرادة رجاء فضل الله في محو وصرف المرض قبل وقوعه .
الثاني : الإصابة بالقروح غير المرض ، وأدنى منه مرتبة .
الثالث : إصابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بالجراحات والقروح يوم معركة أحد أشد من المرض في الجملة .
والمختار هو الثالث , وإن كان كل منهما من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة .
لقد بيّن إبراهيم عليه السلام في دعائه إنقطاعه إلى الله عز وجل .
وبيّن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه جهادهم في سبيل الله في ذات الوقت الذي هم فيه منقطعون إلى الله .
علم المناسبة
من إعجاز القرآن عدم ورود لفظ [بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ] إلا في آيتين بينهما آيتان حسب نظم القرآن ، إذ ورد في آية البحث وقبلها بآيتين بقوله تعالى[يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ] ( ) وبين موضوعي الآيتين عموم وخصوص من وجه ، فمادة الإلتقاء تعلقهما بوقائع معركة أحد وجهاد المسلمين فيها ، وفي الأيام التي أعقبتها ، أما مادة الإفتراق فان الآية أعلاه تتعلق بحال شهداء معركة أحد ، والنعيم الذي صاروا إليه ، ووردت الآية بعنوان الإستبشار ، وموضوع آية البحث النعمة والفضل اللذان رزقهما الله عز وجل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، وجاءت الآية بصيغة الإنقلاب والرجوع إلى المدينة .
ترى ما هي النسبة بين النعمة والفضل اللذين تذكرهما الآية أعلاه ، والنعمة والفضل اللذين تذكرهما آية البحث ، فيه وجوه :
الأول : إرادة نسبة التساوي بدلالة التشابه اللفظي بينهما ، واتحاد الموضوع والتقارب في نظم القرآن.
الثاني : نسبة العموم والخصوص المطلق ، وهو على شعبتين :
الأولى : النعمة والفضل اللذان يستبشر بهما الشهداء هي الأعم .
الثانية : تشمل النعمة والفضل اللذان رزقهما الله النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الحياة الدنيا والآخرة فهما الأعم والأكثر .
الثالث : نسبة العموم والخصوص من وجه ، فهناك مادة للإلتقاء , ومادة للإفتراق بينهما .
المختار هو الأخير ، ومن مادة الإتفاق أن كلاً من النعمة والفضل في الآيتين من اللامتناهي ، وغير المنقطع لذا أختتمت آية البحث بقوله تعالى [وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ].
بحث بلاغي
من ضروب البديع (التعليق) وهو أن يأتي المتكلم بمعنى ثم يعلق عليه معنى آخر يقتضي الزيادة في المدح أو الذم ، كقول أحد العراقيين حين شهد عند القاضي برؤية الهلال فرد القاضي شهادته :
أترى القاضي أعمى … أم تراه يتعامى
سرق العيد كأن ال … عيد أموال اليتامى( )
فعلق إدعاء تصرف القاضي في أموال اليتامى بتقصيره في أمر العيد ولكن إجازة الشهادة على الهلال أو ردها لا صلة له بالبصر والعمى إلا بلحاظ صفات الهلال .
لقد ذكرت آية البحث عظيم النعمة التي رجع بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من حمراء الأسد لبيان ان الوحي الذي نزل به جبرئيل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليخرج جيش الذين كفروا للفوز بالنعمة ثم تفضل الله سبحانه بتعليق فضله عليهم على النعمة التي رزقهم .
وهل فيه شاهد على ما عرضوا به أنفسهم من الضرر في سبيل الله ، الجواب نعم ، فقد خرجت فئة قليلة من الصحابة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمطاردة جيش عرمرم يمكن أن يتناجى رؤساؤه وعامة رجالهم بالكّرة عليهم ، وفيهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي لم يكتمل نزول القرآن عليه بعد ، وقد صار القتل قريباً منه قبل يوم في معركة أحد.
وفي التنزيل [وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ] ( ).
وتبين آية البحث أن هناك غنائم عقائدية تضئ للمسلمين طرق الهداية، وتكون سبباً لجلب الغنائم المادية والدنيوية .
وتفضل الله عز وجل بالجمع بين النعمة والفضل للمسلمين عند خروجهم خلف العدو والغنائم عند الدفاع من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).

قوله تعالى [لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ]
لقد خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في اليوم الثاني لمعركة أحد بجراحاتهم في المعركة والأصل هو إضعاف هذه الجراحات لأهلها عن القتال والمبارزة في الميدان ، ولكنهم لم يخرجوا إلا بالوحي مما يدل على أن الله عز وجل يعلم بمنافع هذا الخروج ودفع أضراره، وفي التنزيل[لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى]( ).
وبيّنت آية البحث صرف الله عز وجل الأذى والشر عنهم في خروجهم إلى حين عودتهم إلى المدينة لقوله تعالى[لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ] وهل من السوء الذي دفعه الله عز وجل عنهم مضاعفة آلام الجراحات بركوب الخيل والإبل وكثرة الحركة الإختيارية والقهرية.
الجواب نعم، فمن البديهيات استراحة الجريح وتلقيه العلاج والدواء المناسب آنذاك وحتى العلاج الطبيعي كان معروفاً بتلك الأزمنة، ولكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لبوا نداء النفير.
ومن الحجة في المقام أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تعرض للجراحات المتعددة قبل يوم من الخروج خلف العدو ، لتكون جراحاته مواساة لهم إذ انكشف المسلمون يوم معركة أحد فخلص أفراد من المشركين إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورموه بالحجارة ومما اصيب به:
الأول : كسر رباعيته أي أسنانه الأمامية السفلى، وقيل المراد بالرباعية هي السن التي بين الثنية والناب وكسرها أي ذهاب فلقة منها وليس اقتلاعها من الأصل .
الثاني : شق شفة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم السفلى ، رماه عتبة بن أبي وقاص .
الثالث : شج وجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابع : سيلان الدم من وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
الخامس : شج عبد الله بن شهاب الزهري جبهة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
السادس : جرح ابن قمئة وجنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفوق حاجبه ودخول حلقتين من المغفرة( ) في وجنته .
(عن قتادة قال: ذكر لنا أن هذه الآية أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد ، وقد جرح في وجهه ، وأصيب بعض رباعيته وفوق حاجبه فقال وسالم مولى أبي حذيفة يغسل الدم عن وجهه : كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم؟ فأنزل الله{ليس لك من الأمر شيء}( ).
وأخرج ابن جرير عن الربيع قال : نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ، وقد شج في وجهه وأصيبت رباعيته ، فهمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو عليهم فقال : كيف يفلح قوم أدموا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى الله ويدعونه إلى الشيطان ، ويدعوهم إلى الهدى ويدعونه إلى الضلالة ، ويدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار؟ فهمَّ أن يدعو عليهم .
فأنزل الله{ليس لك من الأمر شيء} الآية فكف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدعاء عليهم)( ).
السابع : وقوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حفرة من الحفر التي عملها أبو عامر ليقع فيها المسلمون ، فأخذ الإمام علي عليه السلام بيد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان سقوط النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحفرة بسبب كثرة الحجارة التي رموه بها ، وقال حسان بن ثابت في ذم عتبة بن أبي وقاص :
إذَا اللّهُ جَازَى مَعْشَرًا بِفِعَالِهِمْ … وَضَرّهُمْ الرّحْمَنُ رَبّ الْمَشَارِقِ
فَأَخْزَاك رَبّي يَا عُتَيْبُ بْنَ مَالِكٍ … وَلَقّاك قَبْلَ الْمَوْتِ إحْدَى الصّوَاعِقِ
بَسَطْتَ يَمِينًا لِلنّبِيّ تَعَمّدًا … فَأَدْمَيْت فَاهُ قُطّعَتْ بِالْبَوَارِقِ
فَهَلّا ذَكَرْتَ اللّهَ وَالْمَنْزِلَ الّذِي … تَصِيرُ إلَيْهِ عِنْدَ إحْدَى الْبَوَائِقِ)( ).
واسم أبي وقاص مالك بن وهب القرشي الزهري، الذي رمى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالحجارة، ومات عتبة كافراً قبل الفتح.
الثامن : قيل هشموا البيضة التي على رأس النبي صلى الله عليه وآله وسلم أي الخوذة التي كان يضعها على رأسه، وعن الزهري قال: ضُرب وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد سبعين ضربة بالسيف، وقاه الله شرها كلها.
(وَذَكَرَ عُمَرُ مَوْلَى غُفْرَةَ : أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ صَلّى الظّهْرَ يَوْمَ أُحُدٍ قَاعِدًا مِنْ الْجِرَاحِ الّتِي أَصَابَتْهُ وَصَلّى الْمُسْلِمُونَ خَلْفَهُ قُعُودًا)( ).
وهل تصح صلاة المسلمين الأصحاء قعوداً خلف الإمام الذي لا يستطيع الصلاة إلا قاعداً .
المختار لا، إنما كانت هذه الصلاة على وجوه:
الأول : مقام النبوة.
الثاني : انها حالة طارئة سرعان ما زالت .
الثالث : إصابة أكثر الصحابة بالجراح.
وصلاة الإمام قاعداً وصلاة المأمومين الأصحاء خلفه من مختصات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالإضافة إلى مسألة وهي أن أغلب المهاجرين والأنصار تغشتهم الجراحات أي أن شطراً من الصحابة لا يستطيعون الصلاة إلا عن قعود.
ولو كان المأمومون كلهم لا يستطيعون الصلاة إلا عن قعود جاز لهم الصلاة خلف الإمام الذي يصليها قاعداً.
وفي هذه الصلاة مسائل :
الأولى : بيان التخفيف عن المسلمين في الصلاة عن قعود لمن لا يستطيع أداءها عن قيام .
الثانية : تأكيد تعدي وظلم الذين كفروا بحرمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من الصلاة عن قيام .
الثالثة : بيان مصداق من مصاديق خاتمة آية البحث بقوله تعالى [وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ] ( ).
الرابعة : بيان النبي صلى الله عليه وآله وسلم للرخصة في الصلاة عن جلوس مع الجراحات أو المرض وعدم التشديد على النفس .
وسلامة المهاجرين والأنصار من السوء نعمة عظمى من عند الله، وتقدير الآية على وجوه :
الأول : لم يمسسهم سوء من القوم الظالمين .
الثاني : لم يمسسهم سوء فاشكروا الله عز وجل ، وفي نوح عليه السلام ورد قوله تعالى [فَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ] ( ) .
الثالث : لم يمسسهم ضرر لأنهم خرجوا بالوحي وأمر من الله عز وجل.
الرابع : الذين استجابوا لله والرسول لم يمسسهم سوء ، وفيه دعوة لأجيال المسلمين والمسلمات للتحلي بالإستجابة لله والرسول .
وهل خروج النبي إلى حمراء الأسد من عمومات قوله تعالى [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا] ( ).
الخامس : من يعمل ويخرج بالوحي لا يمسه سوء .
السادس : لم يمسسهم سوء فلم تتضاعف وتشتد جراحاتهم وبين السوء والضرر عموم وخصوص مطلق، فالسوء أعم، فكل ضرر وأذى هو سوء وليس العكس، فمن إعجاز آية البحث ذكر المعنى الأعم بمصاديقه الأدنى من الأذى لبيان لطف الله بهم.
يحتمل الضمير [هم] في [يَمْسَسْهُمْ] وجوهاً :
الأول : إرادة الذين [ َقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ] ( ) في الآية السابقة .
الثاني : المراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الذين خرجوا معه إلى حمراء الأسد .
لتكون سلامتهم من السوء عند عودتهم نعمة أخرى ، فتكون النعم في الآية على جهات :
الأولى : الإنقلاب والعودة إلى المدينة المنورة .
الثانية : العودة بنعمة من الله .
الثالثة : تقييد النعمة بأنها من عند الله .
الرابعة : الرجوع والإنقلاب بفضل من الله .
الخامسة : العودة بالسلامة من السوء والأذى .
ولا يقدر على هذه النعم إلا الله لذا أختتمت الآية بقوله تعالى [وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ].
الثالث : المراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على نحو التعيين ، ووردت صيغة الجمع لإكرامه .
الرابع: المقصود النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجميع المهاجرين والأنصار سواء الذين خرجوا إلى حمراء الأسد أو الذين بقوا في المدينة عن عذر أو بدون عذر ، لبيان حقيقة وهي سلامتهم جميعاً من الضرر .
الخامس : المقصود عموم المسلمين والمسلمات وأهل المدينة لتأكيد فضل الله عز وجل بسلامة الذين خرجوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى حمراء الأسد ، وحال الأمن التي كان عليها المسلمون والمسلمات في المدينة وكأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين ظهرانيهم ، وأن الصحابة مرابطون حول المسجد النبوي وفي أطراف المدينة .
وهو من مصاديق قوله تعالى [وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ] فان قلت ظاهر الآية إرادة الذين خرجوا إلى حمراء الأسد وعادوا منها لعودة الضمير إلى الأقرب .
وتقدير الآية : فانقلبوا لم يمسسهم سوء ) والجواب لو دار الأمر بين المعنى الأعم والأخص فالأصل هو العموم ، وتدل عليه الوقائع آنذاك، فلم يصاب المسلمون والمسلمات بأذى بعد إنقضاء معركة أحد وإلى حين عودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وباستثناء الوجه الثالث أعلاه ، ولا تعارض بين هذه الوجوه وكلها من مصاديق آية البحث .
لقد نزلت المصيبة بالمسلمين في معركة أحد في اليوم الخامس عشر من شهر شوال من السنة التالية للهجرة فتفضل الله عز وجل بمواساتهم بمنع دبيب السوء والأذى إليهم بعدها .
وبين المصيبة والسوء المذكور في الآية عموم وخصوص مطلق فالمصيبة أكبر .
وأما الوجه الثالث أعلاه فيخرج بالتخصيص لإرادة عموم المؤمنين ، ولورود صيغة المفرد بذات المعنى ، وفي التنزيل[قُلْ لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ]( ).
فذكرت الآية النبي صلى الله عليه وآله وسلم بصيغة المفرد [وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ]( ).
والسوء الشر ، وهو من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً ، لتبين الآية إنتفاع لحوق الأذى ومسمى الشر بالمسلمين ، وهو من الجزاء العاجل على الصبر في ميدان معركة أحد وعلى قولهم[حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ].
ويقال في الدعاء (خُطئ عنه السّوء)( ) أي رجاء صرف السوء عنه وعدم إصابته به، وكان من تحية الملوك والأمراء في الجاهلية : أبيت اللعن أي رجاء التنزه عن الأمور التي تجلب اللعن والسب والسخط .
وتقدير آية البحث على وجوه :
الأول : لم يمسس النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم أي أذى ، وفيه تخفيف عن المسلمين لما أصابهم من الألم بسبب كثرة جراحاته في معركة أحد .
الثاني : لم يمسس أي مهاجر خرج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث : لم يمسس أي أنصاري خرج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأذى والسوء .
وهل تشمل الآية رواحل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، الجواب نعم بالواسطة والإلحاق .
الرابع : سلامة أهل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعوائل الصحابة من السوء والشر والأذى أثناء غيابهم ، وتقدير الآية : لم يمسسهم سوء في أهليهم .
الخامس : إرادة سلامة المدينة وأهلها أثناء غياب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
في الآية ثناء من الله عز وجل على نعمة وأنه سبحانه هو الذي تفضل وجعل النبي والمهاجرين والأنصار يرجعون من غير ضرر واذى مع أن الناس أكثروا من تخويفهم وتحذيرهم , وتقدير الآية على جوه :
الأول : لم يمسسهم سوء بفضل الله.
الثاني : لم يمسسهم سوء لإيمانهم وإحسانهم وتقواهم إذ ورد قبل آيتين [لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ] ( ) فمن الأجر العظيم الذي تذكره الآية قبل السابقة عودتهم بأمن وسلام ، أما الأجر العظيم الذي أختتمت به آية البحث فهو فيض وبركة ونعمة أخرى في النشأتين .
الثالث : لم يمسسهم سوء لأنهم تلقوا تخويف الذين كفروا بحسن التوكل على الله وتفويض الأمور إليه سبحانه .
الرابع : لم يمسسهم سوء لأن الله بعث الخوف والفزع في قلوب الذين كفروا .

علم المناسبة
لم يرد لفظ [يَمْسَسْهُمْ] في القرآن إلا في آية البحث ، ويقال مسه مساً ومسيساً أي لمسه ، وفي التنزيل [وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] ( ) .
وفي براءة مريم عليه السلام وتنزيهها وابنها عيسى عليه السلام ورد قوله تعالى [وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُنْ بَغِيًّا] ( ) لنفي النكاح والوطئ مطلقاً عنها سواء بالعقد الشرعي أو غيره ، لأنها تنفي ذات الفعل ، وجاء المس في الآية أعلاه كناية كما في قوله تعالى[مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ( ).
ولكن هل يدل هذا اللفظ على الإرتقاء العلمي في قادم الأيام وامكان الحمل بوسائل أخرى غير الوطئ كما في أخذ خلية أو زرق أبرة ولولب ومن غير وطئ والذي هو ادخال فرج في فرج .
الجواب لا يبعد هذا ليكون من إعجاز القرآن ما يكون كناية في زمان يكون حقيقة في زمان آخر.
وفيه شاهد على إحاطة كلمات القرآن المحدودة بالامحدود من الوقائع والأحداث .
ومنهم من فرق بين المس واللمس , واستدل بقوله تعالى[لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ]( ).
وجاء قوله تعالى [إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ] ( ) أي أصابتكم الكلوم في غزوة أحد ، وذات الجراحات خرجوا بها إلى حمراء الأسد ليكون الخروج بالجراحات التي لم تندمل بعد لمطاردة العدو مع كثرة جنوده من مصاديق قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
لقد أراد الناس سواء ركب عبد القيس أو مَعبد الخزاعي أو غيرهم تحذير وتثبيط وتخويف النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، وبعثهم على الرجوع إلى المدينة، ولكنهم اختاروا التقدم لملاحقة العدو بسلاح[حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ] ( ).
بحث بلاغي
من ضروب البديع (التكميل ) وهو إتيان المتكلم بمعنى ثم يرى أن الوقوف عنده وصف غير كامل أو أن النفع التام لا يتحقق به فيكمله بمعنى آخر كما لو مدح شخصاً بانه بار بوالديه ثم يرى أن هذا المدح غير تام ، فيكمله بالإخبار عن طاعته لله والرسول ، كما في قوله تعالى [قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ] ( ) فلو كانت النار برداً وحده لجمد إبراهيم من البرد فأضاف الله عز وجل السلام , وأمر النار بأن تجمع بين البرد والسلام .
فأخبرت آية البحث بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين والأنصار انقلبوا إلى المدينة ورجعوا من حمراء الأسد من غير أن يلقوا قتالاً .
ثم بيّن الله عز وجل عظيم سلطانه وسعة كرمه فأخبر بأنهم عادوا بنعمة عظيمة من عند الله هي مغنم ومكسب لهم ولأهل المدينة ، ثم بيّن الله عز وجل أنه لم يكتف بالنعمة فزادهم بالفضل والنافلة والزيادة منه تعالى .
وهل تترشح مصاديق من الفضل على النعمة التي عادوا بها ، أم أنه يخص غيرها ، الجواب هو الأول .
لتنمو ذات النعمة وتزداد وقد تتضاعف قبل وصولها لأهلها ، ويكون من وجوه تقدير الآية : فانقلبوا بنعمة من الله أضيف لها فضل من الله مع تعدد مصاديق الفضل الأخرى .
ثم بينت آية البحث أن النعمة والفضل من الله ليستا مواساة وبدلاً وتعويضاً للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، إنما جاء هبة ونحلة من عند الله إذ بينت الآية عودتهم من غير أن يصيبهم ضرر .
ولبيان جهاد النبي وصبره وأصحابه في سبيل الله .
أخبرت الآية عن قعودهم بعد عودتهم إلى المدينة سالمين فليس من معاش أو تقاعد عندهم .
إذ أنهم كانوا يضعون القواعد لصرح دولة الهداية وضياء النور الذي يشع على مشارق ومغارب الأرض في الليل والنهار ، فاذ تغيب الشمس عند الغروب ويمر شطر من الليالي بعتمة وظلمة ليس فيها قمر فان ضياء الهدى والإيمان هبط مع آدم وحواء إلى الأرض ، وحمل شعلته الأنبياء والصالحون لتضئ أركان الأرض من غير أن تنطفئ أبداً , وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( ).
وأبى الله عز وجل إلا أن يختم الآية بتكميل واف ينفي النقص والقلة عن فضله بالإخبار بأن فضله عظيم ، ومن أسماء الله العظيم كما في قوله تعالى [فَسَبِّحْ بِاسم رَبِّكَ الْعَظِيمِ] ( ).
فقد تفضل الله وأخبر بأن فضله عظيم وكذا الأجر والثواب الذي يتفضل به.
كما أثنى على رسوله الكريم بقوله تعالى [وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ]( ) وتفضل وأنذر الذين كفروا من العذاب العظيم ، ومن الحساب والخزي العظيم يوم القيامة ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ]( ).
قوله تعالى [وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ]
لقد تفضل الله عز وجل بتسمية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالمهاجرين والأنصار إكراماً لهم من بين الناس فهذه التسمية باب فتحه الله مرة واحدة ، وفي التنزيل [مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا] ( )
فأخبرت الآية أعلاه بأنهم يبتغون ويرجون رضوان الله وفضله وأحسانه ،
وقد جاءت آية البحث بالإخبار عن نيلهم الفضل من عند الله ، وووثقت إتباعهم رضوان الله ، للدلالة على هدايتهم لسبل الحق وجادة الإيمان ، يجمعوا بين رضا الله عز وجل عنهم والعمل بما يرضيه سبحانه بلحاظ أن أيام الحياة الدنيا كلها ساعات إمتحان واختبار ، وأن قتالهم في معركة أحد وخروجهم إلى حمراء الأسد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خلف جيش المشركين لا يوقف هذا الإمتحان فهو متجدد ولكنهم نجحوا فيه .
لتتضمن آية البحث الإخبار عن إستقامة المهاجرين والأنصار باتباعهم رضوان الله عز وجل بطاعة الله عز وجل وطاعة رسوله ، وتقدير الجمع بين الآيتين : لقد اتبعوا رضوان الله فرضي عنهم ، وفي التنزيل [لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ] ( ).
(عن بلال بن الحارث المزني أن رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم قال : ( إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله له بها رضوانه إلى يوم القيامة وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يرى أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه)( ).
ومن معاني آية البحث عصمة المهاجرين والأنصار من الغرور والزهو بالنصر والثناء عليهم من عند الله عز وجل .
ومن معاني هذا الشطر من آية البحث الثناء على المهاجرين والأنصار ، إذ إتخذوا نعمة وفضل الله نوع وسيلة وطريق لإتباع رضوانه والإجتهاد في طاعته وطاعة رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
و(عن سهل بن سعد الساعدي : أن رسول الله صلى لله عليه وآله وسلم قال لعبد الله بن عباس : ألا أعلمك كلمات تنتفع بهن؟
قال : بلى يا رسول الله . قال : احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده أمامك ، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة ، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله ، جف القلم بما هو كائن ، فلو جهد العباد أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه ، ولو جهد العباد أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه ، فإن استطعت أن تعمل لله بصدق في اليقين فافعل ، فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً ، واعلم أن النصر مع الصبر ، وأن الفرج مع الكرب ، وأن مع العسر يسراً) ( ).
وتبين آية البحث إجتهاد المهاجرين والأنصار بالعمل بأحكام القرآن ومضامينه القدسية وتلاوتهم له وتعاهدهم الصلاة بامامة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واتخاذهم القرآن بلغة وبلاغاً وزاداً .
إن قوله تعالى [وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ] بشارة للمسلمين والمسلمات بالفوز بذات المرتبة التي نالها المهاجرون والأنصار والنعمة والفضل اللذين عادوا بهما ، قال تعالى [وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ]( ).
وأختلف في حرف العطف (الواو) هل تفيد الترتيب مثل (ثم) أو لا ، وقال جمهور النحويين أنها لمطلق الجمع ، فيعطف الثاني على الأول من غير دلالة على الترتيب , وتقدم الأول على الثاني سواء بالزمان أو المرتبة أو غيرها .
ونسب القول بافادتها الترتيب إلى الفراء ، ولم يثبت .
والمختار هو التفصيل فقد تفيد الترتيب أو لا تفيده بحسب القرائن والأصل هو مطلق الجمع إلا مع القرينة على الترتيب وموضوع وحكم واو العطف في القرآن أكبر من أن ينحصر بعلم والنحويين فلابد أن يكون للعلماء فيه قول وهو الذي نحرره هنا ، بلحاظ أن مضامين ومعاني القرآن أعم وأكبر من أن تحيط بها القواعد النحوية ،والجمود عندها , وإن كانت كاشفة لكثير من أسرارها .
ويحتمل اتباع المهاجرين والأنصار رضوان الله وجوهاً :
الأول : قبل الخروج إلى حمراء .
الثاني : أثناء الذهاب والإياب من حمراء الأسد .
الثالث : بعد إنقلابهم إلى أهليهم سالمين وعلى معنى إفادة الواو الترتيب يكون الوجه الثالث أعلاه هو الصحيح ، ولكن المراد من الآية هو مطلق الوجوه الثلاثة أعلاه ، لبيان تزكية أعمالهم وأن الذي فعلوه فرع الوحي والتنزيل .
وفي قصة موسى والخضر ورد في التنزيل [وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا] ( ).
فلم يقاتل المهاجرون والأنصار ولم يخرجوا إلى حمراء الأسد عن أمرهم إنما هو عن أمر الله عز وجل بالإيحاء إلى رسوله الكريم ، ليكون من مختصات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن أصحابه يفعلون ما يأمرهم الله عز وجل به بواسطة الإيحاء له .
وتتضمن الآية الشهادة للمهاجرين والأنصار بالإحسان والتقوى ليكون تقدير الآية قبل السابقة : الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح الذين أحسنوا واتقوا أجر عظيم ).
فان قلت من الصحابة من أخطأ أو قصّر ولم تلازمهم العصمة والجواب هذا صحيح ، ولكن الله عز وجل تفضل عليهم بهذه المرتبة ، وهو يتجلى هذا الفضل في آية البحث من وجوه :
الأول : نعمة من الله .
الثاني : فضل من الله .
الثالث : بيان قانون الله ذو الفضل العظيم .
ترى هل تشمل مضامين آية البحث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , وتقدير ها : فانقلب رسول الله بنعمة من الله وفضل لم يمسسه سوء واتبع رضوان الله .
أو تشمله على نحو الموجبة الجزئية في شطر من مضامين آية البحث ، مثل فانقلب بنعمة من الله وفضل ، فيه وجهان :
الأول : لا تشمل مضامين آية البحث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأنها معطوفة وفق نظم هذه الآيات على قوله تعالى [الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ] ( ).
الثاني : تشمل مضامين آية البحث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
والمختار هو الثاني حتى على مبنى الوجه الأول بتقييد مصاديق الآية بالإستجابة لله والرسول ، إذ أن الرسول محمداً هو أول من يستجيب لأمر الله وأمره ، وفي التنزيل [قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ] ( ).
ليكون من وجوه تقدير آية البحث : اتبعوا رضوان الله فانقلبوا بنعمة من الله وفضل .
(عن ابن عباس قال : لما نزلت {إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ}( ) صعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقرأها على الناس،
فلما نزل قالوا : يا رسول الله ما هذا الذي قد أعطاكه الله سبحانه؟
قال : نهر في الجنة أشدّ بياضاً من اللبن،
وأشد أستقامة من القدح حافتاه قباب الدر الدر والياقوت ترده طير خضر لها أعناق كأعناق البخت قالوا : يارسول الله ما أنعم هذا لطائر؟
قال : أفلا أخبركم بأنعم منه؟
قالوا بلى : قال : من أكل الطائر وشرب الماء فاز برضوان الله سبحانه)( ).
وتقدير آية البحث بصيغة المنفرد من المهاجرين والأنصار على وجوه :
الأول : فأنقلب بنعمة من الله .
الثاني : فأنقلب بفضل من الله .
الثالث : فأنقلب لم يمسسه سوء .
الرابع : فأنقلب وأتبع رضوان الله .
الخامس : اتبع رضوان الله فأنقلب بنعمة من الله وفضل .
السادس : أتبع رضوان الله فأنقلب لم يمسسه سوء .
السابع : الله ذو الفضل العظيم فأنقلب الذين استجابوا له ولرسوله بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله .
علم المناسبة
ورد لفظ(رضوان) في القرآن ثلاث عشرة مرة وكلها لله عز وجل، لبيان قانون وهو أن الحياة الدنيا دار السعي في رضوان الله، وهي الطريق والواسطة إلى رضوان الله سبحانه وجاء القرآن بالبشارة للمؤمنين الذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله بالرضوان، قال تعالى[يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ]( ).
ومن الإعجاز في آية البحث أنها ذكرت رضوان الله كمتبوع، والتابع له هم الذين إستجابوا لله والرسول، ويدل هذا المعنى على تفقه المسلمين في الدين، وأن القرآن والسنة كشفا للناس عن سبل رضوان الله، وأن إتباعه أمر ممكن.
ومن الإعجاز في الشريعة الإسلامية تلاوة كل مسلم ومسلمة قوله تعالى[اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]( )، عدة مرات في اليوم على نحو الوجوب العيني في الصلاة ويكون من معاني آية البحث أمور:
الأول : اتبعوا رضوان الله بفضل منه سبحانه.
الثاني : الدنيا دار إتباع رضوان الله.
الثالث : واتبعوا رضوان الله لتقتدوا بهم.
الرابع : واتبعوا رضوان الله مع ما بهم من القروح والجراحات.
الخامس : واتبعوا رضوان من الله لإيمانهم.
السادس : واتبعوا رضوان الله إقتداء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، قال تعالى[لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ]( ).
فإن قلت قد ورد قوله تعالى[وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ]( ).
والجواب إرادة الإنذار للذين كفروا وهو لا يتعارض مع كونها دار الرضوان لأهل الإيمان ومقدمة إلى الإقامة في الجنة ودار الرضوان.
السابع : وإتبعوا رضوان الله لتستديم الحياة على الأرض، لأن هذا الإتباع مصداق.
الثامن : رضوان الله موصل إلى اللبث الدائم في الجنة.
التاسع : واتبعوا رضوان الله وهو أصل كل خير.
العاشر : واتبعوا رضوان الله بالعمل بالقرآن والسنة.
الحادي عشر : واتبعوا رضوا ن الله , وحرم منه من جعل حظه الدنيا واتبع زينتها.
الثاني عشر : واتبعوا رضوان الله ليكونوا[خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
الثالث عشر : واتبعوا رضوان الله وفيه البهجة والسعادة والرضا.
الرابع عشر : واتبعوا رضوان الله لأن الله ذو الفضل العظيم.
الخامس عشر : واتبعوا رضوان الله رغم التعدي والحرب عليهم من القوم الظالمين.
السادس عشر : واتبعوا رضوان الله مع ما لاقوه من الذين كفروا من الأذى.
السابع عشر : واتبعوا رضوان الله ولم ينصتوا إلى المنافقين.
الثامن عشر : واتبعوا رضوان الله وفيه حجة على الكافرين والمنافقين.
وأيهما أكبر الثواب أم رضوان الله , الجواب كل واحد منهما كبير وعظيم إلا أن رضوان الله أعظم وتترشح عنه مصاديق من الأجر والثواب على نحو متصل ومتجدد.
وهناك موضوعية ونوع صلة بين كل من:
الأول : خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين والأنصار إلى حمراء الأسد.
الثاني : هيئة الجراحات والكلوم التي كانوا عليها عند خروجهم.
الثالث : تأسيسهم لقانون عند خروجهم وهو قول[حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ]( )، عند التخويف والوعيد بالعدو ومنه .
الرابع : العودة بأمان وسلامة إلى المدينة من حمراء الأسد، ومن الإعجاز أن كلاً من المؤمنين والذين كفروا ورد ذكرهم بمادة انقلب من معركة أحد مع التباين بينهم.
إذ ذكر الله الذين كفروا بأنهم انقلبوا بخيبة وخسران من معركة أحد كما في قوله تعالى[فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ]( ).
ثم جاءت آية البحث بالبشارة بإنقلاب المسلمين بالنعمة والفضل من عند الله وفيه ترغيب للناس الذين حذروا المسلمين في الطريق إلى حمراء الأسد، وعند إقامتهم فيها بالإسلام والتوكل على الله، وبيان قانون ، وهو أن هذا القانون كاف لهم، وهو سبيل النجاة من المهالك والمفاوز , قال تعالى[أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ]( ).
الخامس : إتباع المؤمنين رضوا الله سعياً وطلباً لرضوانه سبحانه وفي التنزيل[وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ]( ).
السادس : خاتمة آية البحث بأن الله ذو الفضل العظيم الذي نصر المسلمين في معركة بدر، ودفع عنهم الهزيمة في معركة أحد، وأخرجهم خلف العدو في اليوم التالي للمعركة لمنع تحريف والتأريخ أو سماع الناس لقول أبي سفيان وجماعته بأنهم إنتصروا في معركة أحد، ليكون من إعجاز القرآن تثبيت وتوثيق الوقائع في عهد النبوة وفيه دلالة على سلامة القرآن من التحريف من باب الأولوية القطعية، وفي التنزيل[إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً]( ).
الحواس الخمس
تفضل الله بالإنعام على الإنسان بالحواس الخمسة لأنها تدعوه للإيمان والهدى في كل ساعة من ساعات حياته وهي آلة للعقل ومن مستلزمات خلافته في الأرض ، وسبب إدراكه المعاني وهي:
الأولى : حاسة البصر :التي بها يميز الإنسان بين الأشياء والأشخاص ويستطيع الحركة والفعل والتنقل من غير طلب الإعانة من أحد .
وقيل لا يعرف قيمة البصر إلا من فقده ولا أصل لهذا القول إنما يعلم الإنسان نفعه بأدنى تفكر وتأمل، وبلحاظ رؤية فاقد البصر، وبالتذكير من عند الله بنعمة البصر، قال تعالى[قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ]( ).
وأهم وظيفة للبصر التدبر في بديع صنع الله وعظيم قدرته وسلطانه ببديع مخلوقاته من البحار والجبال وإنتظام سير الشمس والقمر، والكائنات الحية .
وهل يحرم منها ومن التنعم والتفكر بها الكفيف، الجواب لا، إنما ينتفع منها بواسطة الذين يبصرونها ممن حوله بما يجعل الصورة والإدراك في الوجود الذهني عنده كاملة وشبه كاملة ، بما فيه إدراك ماهية الألوان.
ليكون من بديع صنع الله عز وجل وإكرامه للإنسان أن الذي يحرم من حاسة فيعينه أفراد جنسه على تقريب الصورة والمعنى له، وقد يكون أكثر من غيره من المبصرين في التدبر والتفكر بالآيات الكونية والربط بينها كخلق لله عز وجل .
ونسب إلى أرسطو أنه قال: من فقد حساً فقد علماً)، وفي التنزيل[وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ]( ) لبيان قانون وهو أن الحواس نعمة من عند الله وهي جزء من عالم الإمتحان والإبتلاء في الحياة الدنيا ولابد من تسخيرها في مرضاة الله، وعدم جعلها وسيلة للفتنة ومقدمة للإثم أو آلة للمعصية بلحاظ أن ذات النظر إلى المحرم حرام.
وحرمته على وجوه :
الأول : النظر إلى المحرم حرام بذاته ، وان لم يترشح عنه فعل منكر آخر.
الثاني : النظر إلى المحرم مقدمة لإرتكاب ما هو أشد من النظر ، وقد تشترك الحواس الأخرى مع البصر في الحرمة كالسمع والشم وكذا اللسان كآلة للنطق والتذوق ، وتحرم المقدمة لحرمة ذيها .
الثالث : مخالفة ما الله تعالى به من غض البصر ، قال تعالى [قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ] ( ) .
ومن مفاهيم الإمتناع عن النظر إلى المحرم أنه شكر لله عز وجل على تفضله على الناس بالحواس .
ومن يشكر الله عز وجل بالإمتناع عن النظر إلى المحرم فيحتمل موضوع الشكر في المقام وجوهاً :
الأول : الشكر الخاص ، أي أن حجب الإنسان نظره عن الحرام شكر خاص منه إلى الله تعالى .
الثاني : إنه شكر عن نفسه وعن الذي علّمه تلاوة القرآن وأحكام الحلال والحرام وأهل دويرته .
الثالث : شكر المسلم لله بغض بصره ، وكذا شكر المسلم أمر ينتفع منه المسلمون جميعاً .
الرابع : بقاء بركة شكر المسلم لله عز وجل بغض بصره في ذريته بفضل ولطف من عند الله .
الخامس : إنتفاع الوالدين من شكر المسلم لله بغض بصره بقصد القربة إلى الله تعالى والخشية منه .
السادس : مجئ الثواب من غض البصر للذين أمروه بالمعروف ونهوه عن المنكر ، وهو من مصاديق وأسرار الجمع بين الدعوة إلى الخير وبين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، في قوله تعالى [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ] ( ).
السابع : إنه من أسباب استدامة الحياة لقوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( ).
ولا تعارض بين هذه الوجوه وكلها من منافع الحواس وتسخيرها في رضوان الله .
وتعالج العين الباصرة الضوء بواسطة القرنية لتنقله إلى الدماغ بواسطة الأعصاب التي تقوم بتحليله وتفسيره ، ويسمى القسم الملون من العين القزحية واسم الجزء الذي يقع تركيز الضوء فيه هو الشبكية والتي تنقل الضوء إلى الأعصاب .
وتستطيع عين الإنسان التمييز بين مائة وخمسين لوناً والأرقام التي اكتشفها الطب الحديث بخصوص العين شاهد على بديع صنع الله ، وعنايته في خليفة الأرض ومن هذه الأرقام :
الأول : إرسال العين البيانات إلى الدماغ بواسطة عشرة ملايين شبكة من الأعصاب .
الثاني : في داخل العين مائة مليون عقدة .
الثالث : في بديع صنع الله عز وجل وجود مائة مليون مُستقبل داخل العين .
الرابع : في العين سبعة ملايين شكل من الأشكال المخروطية ، ويمتلك كل إنسان عينين باستثناء الأعور والأعمى ترى ما هي موضوعية العين في آية البحث .
الجواب إنها آلة الدلالة على الطريق والتعاون أثناء الخروج والحذر من العدو .
الثانية : حاسة السمع : تستقبل حاسة السمع والصوت وتقوم بنقله إلى الدماغ لفهمه وتمييزه وتفسيره ، وتساهم مع العين الباصرة في معرفة ما يدور حول الإنسان ، وتؤخذ كل حاسة على نحو الإستقلال عند دراسة الحواس، ولكن من أسرار خلق الإنسان اشتراكها في الموضوع الخارجي المتحد .
فمثلاً تشترك كل من حاسة السمع والبصر بالتواصل مع الآخرين وبتلقي البشارات والتحذير من الإخطار فهناك خطر صوتي كصوت الحيوان المفترس والمهاجم يسمعه الإنسان ، ولكن المبصر يمتاز عن الأعمى بمعرفة قرب أو بعد صاحب الصوت على نحو الدقة ، ويستطيع القيام بالحركة ودفع الأذى بالوقت المناسب ، وكذا بالنسبة للذي يسمع ويبصر والأصم .
فيمتاز الأول بأنه يسمع ويرى ذات الحيوان وتشترك الحاستان بتقدير خطره ، بعكس الأصم الذي تعمل عنده حاسة البصر وحدها .
وقد ورد الجمع بين حاسة البصر والسمع في آيات عديدة منها قوله تعالى [وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا] ( ) .
ويمتلك كل إنسان أذنين في جانبي الرأس , وتتألف أذن الإنسان من أقسام وهي :
الأولى : الأذن الخارجية وهي على قسمين :
الأول : الصيوان .
الثاني : القناة السمعية وهي فتحة الأذن الظاهرة للعيان ، وتكون نوع طريق لطبلة الأذن وتهيئ للأذن الحماية الذاتية من الأوساخ بافراز مادة صمغية تسمى شمع الأذن .
الثانية : الأذن الوسطى وهي تجويف يقع خلف طبلة الأذن وعظيمات سمعية ثلاث تتصل ببعضها وهي :
أولاً: المطرقة .
ثانياً : السندان .
ثالثاً : الركاب وهي أصغر عضلة في الجسم .
الثالثة : الأذن الداخلية : وتتألف من عدة تراكيب دقيقة يتصل بعضها ببعض ، وقد تسمى ( التيه)وتتألف من أجزاء :
أولاً : الدهليز وهو كالغرفة الدائرية الصغيرة ، ويبلغ طوله نحو خمسة ملم وله غشاءان صغيران يواجهان الأذن الوسطى .
ثانياً : القنوات شبه الدائرية ، وتتألف من ثلاث قنوات مرئية ، وتساهم في حفظ توازن الإنسان .
ثالثاً : القوقعة ، وهي حلزونية الشكل وتقع أمام الدهليز وبداخلها ثلاث أنابيب تمتلأ بسائل ، ويلتقي اثنان منها مع الإنبوب الثالث عند قمة الحلزون .
وورد ذكر كل من السمع والأذن في القرآن وتسخير المؤمنين لهما في مرضاة الله وإصرار الذين كفروا على عدم الإنتفاع منها في سبل الهداية أو إتخاذهما للإعراض عن دعوة الحق ، وللظلم والتعدي ،وبيّن الله سوء عاقبة الذي لا ينتفع من حواسه في اتباع رضوان الله، قال تعالى [وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ] ( ) .
وأيهما أهم حاسة البصر أو السمع وكل منهما يترتب على الأخر ويكون متمماً له .
ونسب إلى الأكثر أن السمع أشرف من البصر لذكر السمع في القرآن قبل البصر في أغلب الآيات التي وردت فيها وبالإستماع إلى الآيات وبيان الأحكام يهتدي .
وقد يؤدي تقلب البصر في النظر للأشياء والجهات إلى تفريق القلب.
وتنمو وتكتمل حاسة السمع عند المولود قبل حاسة البصر وكذا عند الموت تبقى حاسة السمع بعد الصحيفة البصرية ، إذ يسمع الميت البكاء والنباح عليه .
ولكن العين وسيلة التدبر بالآيات الحسية الكونية والخاصة ، وهل يختص قوله تعالى [سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ] ( ) بالحاسة الباصرة والرؤية أم يشمل السماع .
المختار هو الثاني ، فالذي يبصر ويرى الأشياء ينقل ما يراه من الآيات للذي يسمع سواء كان مبصراً أو أعمى بما يجعل الصورة مكتملة في الوجود الذهني ، وممتنعة عن النسيان ولو في أمد محدود وهو من فضل الله عز وجل على الناس .
ويتقدم لفظ السمع على لفظ البصر في نحو عشرين موضعاً ، منها قوله تعالى[وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ]( ) وقد تقدم البصر في آيتين من القرآن هما[قُلْ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ]( ) [وَلَوْ تَرَى إِذْ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ]( ).
وتقدم لفظ البصير على السميع مرة واحدة في القرآن بقوله تعالى [مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ] ( )
وأستدل على تفضيل السمع على البصر بادراك السمع من الجهات الست من الأمام والخلف ومن جهة اليمين والشمال ومن أعلى وأسفل ، ولا يدرك البصر إلا من جهة الإمام وبواسطة من الضياء أو الشعاع على نحو الموجبة الجزئية بسماع النائم الأصوات العالية .
والمختار أن البصر أفضل من السمع ، ومن السنة ما ورد (عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من أذهبت كريمتيه فصبر واحتسب ، لم أرض له ثوابا دون الجنة) ( ).
وإذ يدرك السمع الأصوات وجمل الكلام فان البصر حياة وعالم آخر للإنسان إذ أنه يدرك الأجسام وحجمها ويدرك الألوان والهيئات وبامكان البصر إدراك الجهات الستة ولو بالإلتفات وأبواب الرزق وفرص الكسب أعم للمبصر .
وما اكتشفه العلم الحديث من تركيب كل من العين والأذن يدل على أن أجزاء العين بالملايين المؤلفة ، وقد توصل علم الطب في العصر الحديث إلى الإسماع بالآلة الصناعية لأغلب الصم ويحتاج في عمارة وترميم البصر زماناً آخر .
وفي علم الأصول قاعدة وهي تقديم الأهم على المهم ، والأهم هو التدبر بكل من نعمة البصر والسمع ووجوب تسخيرهما مجتمعتين ومتفرقتين في سبيل الله وتعمل الحواس الخمسة على جلب النفع لصاحبها ودفع الأذى عنه والحفاظ على سلامته وحسنه وحمايته ، ومن أبهى مصاديق الشكر لله على نعمة الحواس التحلي بالإيمان وأداء الفرائض العبادية .
وجاءت آية البحث لبيان شكر الله عز وجل للمهاجرين والأنصار على تسخيرهم الحواس في طاعة الله ، وبذلهما في سبيله لما في الصبر في ميدان القتال في معركة بدر وأحد والخروج خلف العدو من تعريضها للتلف .
الثالثة : حاسة اللمس: قيل أن حاسة اللمس هي أول حاسة تنمو عند الأجنة .
وصحيح أن حاسة اللمس لا ترقى إلى كل من مرتبة حاسة البصر وحاسة السمع ، ولكن لها أهميتها وسُمي الجلد بالمخ الثاني والعين الثالثة ، وينبسط جلد الإنسان إذ كان مع من يحبه ويرطب نفسه ويبعث رائحة طيبة.
وينقبض مع الذي يكرهه وفي حال الزحام والتدافع ، ويبعث رائحة دفاعية كريهة .
وجلد الإنسان هو الكساء الخارجي للجسد ويبلغ مجموعه نحو 4,5 كيلو غرام وتعادل مساحته منبسطاً 16 قدماً مربعاً تقريباً.
ويطلق على الجلد (المخ الثاني ) لأنه يأتي بالمرتبة الثانية بعد الدماغ في إدراك الأثر .
ويسمى بالعين الثالثة لأنه ينقل إلى الدماغ ما يلمسه ويحس به ، ويعطي للبصر اشارات تجعل الأمور الخارجية جلية عند الإنسان من جهة الوزن والصلابة والليونة والخشونة والنعومة والساخن والبارد ، والممتع والضار المؤلم ، وفي كل سنتمتر مربع من الجلد ثلاثة ملايين خلية دهنية وعرضية وعصبية ، وهو من مصاديق قوله تعالى [سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ] ( ).
ويكون التواصل بين الناس بالكلام والرؤية البصرية ، كما يكون باللمس , منه لمس الأم للرضيع وما يترتب عليه من الغبطة والطمأنينة ما لا يعلمه إلا الله عز وجل ، وهو الذي ينعم على الأطفال بهذا اللمس وبدائله إذا فُقدت الأم وجاء القرآن بذكر حاسة اللمس كنعمة على الإنسان ، منها قوله تعالى [وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ] ( ) وقوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا]( ) وقوله تعالى [لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ]( ).
الرابعة : حاسم الشم : حالما تدخل روائح دقيقة من الجو إلى الأنف تلتصق بأعصاب الشم في أعلى الأنف فتذوب فيها وتنتقل إلى مستقبلات الشم لتنقلها إلى الدماغ الذي يحللها ويميزها .
وقيل باستطاعة الإنسان التمييز بين عشرة آلاف رائحة لبيان الدقة عند الإنسان في الشم وتكون حاسة الشم عند الإنسان أقل منها عند الحيوانات ، إذ تبلغ مساحة منطقة الشم عنده خمس سنتمترات ، بينما تصل عند الحيوانات إلى أكثر من خمسة وعشرين سنتمراً .
وحاسة الشم من أولى الحواس التي تنمو وتتم عند الأجنحة ، وتبدأ عند آخر الشهر الثالث من الولادة بالعمل ، ويتعرف المولود على أمه حينئذ ويسكن إلى قربها مع أنه لا يميز صورتها ووجهها ، إنما يرتكز على رائحتها التي ثبتت في دماغه .
وتكون حاسة الشم أقوى عند المرأة من الرجل ، وتزداد عند الحامل لكثرة إفراز الهرمونات ، وتكون حاسة الشم عند الإنسان في الصباح أقوى منها في بقية ساعات النهار لتداخل الروائح وكثرة الشم ، ولكن حاسة الشم لا تنام مع صاحبها ، وتقوم بتنبيه وإيقاظ صاحبها عند وجود روائح خارجة عن المألوف كرائحة الدخان التي تدل على وجود حريق .
وتضعف حاسة الشم عند الإنسان على نحو تدريجي مع تقدم العمر ، وهذا الضعف من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة ، فقد تضعف قليلاً عند بعضهم وتفتر وتقل عند آخر ، وقد تضعف بسن مبكرة ، أو تبقى إلى سن الشيخوخة وهل بقاؤها مع تقدم العمر عند المؤمن من النعمة والفضل اللذين تذكرهما آية البحث , الجواب نعم .
ولحاسة الشم أثر على مزاج الإنسان وحالته النفسية فينبسط إذا شمّ رائحة طيبة وينقبض إذ شم رائحة كريهة .
ومن خصائص الحواس الخمسة صيرورة كل واحدة منها سبباً لسلامة الإنسان ونجاته من الأخطار والأضرار، وهو من مصاديق قوله تعالى [لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ] ( ) وهل يكون ضعف الحواس وقلة عملها عند الكبر والتقدم في العمر من مصاديق [ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ] المذكور في الآية أعلاه .
الجواب لا ، بدليل الإستثناء الوارد بعده مما يدل على أن المراد ليس خلقة وجنس الإنسان ، ومن معاني الإستثناء أعلاه كفاية العمل الصالح للمؤمن في هرمه وكبره وكأنه يعملها في شبابه وصحته .
فاذا عجز أداء فريضة الصيام لقوله تعالى [وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ] ( ) فان الله يتفضل ويكتب للمؤمن الذي تقدم به العمر وصار عاجزاً عن الصيام أجر الصيام في كل سنة من سني حياته المتأخرة إلى حين وفاته .
ولو كان يقوم في شبابه وغناه بأداء مناسك الحج الواجب والمندوب ثم عجز عنه في كبره فهل يكتب له الحج في كل سنة تمر عليه ، وهو هرم عاجز عن الحج أم أن القدر المتيقن في الواجبات ، والمختار هو الأول.
وهل هو من مصاديق قوله تعالى [مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ] ( ) الجواب لا ، إنما هو أمر وثواب آخر مستقل بفضل من الله من عمومات آية البحث وما فيها من النعمة والفضل ، كما في قوله تعالى [فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ] ( ).
ذكر لحاسة الشم في القرآن كما في قوله تعالى [وَلَمَّا فَصَلَتْ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَنْ تُفَنِّدُونِ]( ).
الخامسة : حاسة التذوق : وتتصف بتمييز الأشربة والأطعمة ، وتوجد الإشعارات والمستقبلات الذوقية وحلماته على سطح اللسان وفي البلعوم والحنجرة والمرئ ليفصل الدماغ بين الحلو والحامض والمالح واللاذع ، وتتصل وتتداخل وظائف حاسة الشم وحاسة التذوق ، وقد تكون نجاة الإنسان بهذه الحاسة باجتناب الطعام الفاسد والمسموم .
وتتأثر حاسة التذوق بتقدم العمر وكثرة استعمال الأدوية ، وفي قصة آدم وحواء وسبب هبوطهما إلى الأرض باغواء ابليس ، قال تعالى [فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ] ( ).
وهل تتضمن الآية أعلاه تحذير الناس من توظيف حاسة التذوق بما يجلب الضرر على الإنسان ، الجواب نعم ، ويتجلى في التدبر في آيات القرآن وجود النهي عن تسخير أي حاسة عند الإنسان في المنكر والحرام ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ] ( ).
وقيل بالحاسة السادسة ويراد منها القدرة النفسية الخارقة ، وذكرت بعض الدراسات الطبية الحديثة أن الحواس تصل إلى إحدى عشرة حاسة أو أكثر وهي :
الأولى : البصر.
الثانية : السمع .
الثالث : اللمس .
الرابعة : الشم .
الخامسة : التذوق .
السادسة : الضغط .
السابعة : الحرارة .
الثامنة : البرودة .
العاشرة : الألم .
الحادية عشرة : الإحساس بالحركة .
الثانية عشرة : الإحساس بالتوازن.
وحاسة التدارك واستعادة التوازن عند التعثر والإشراف على السقوط، ومركز حاسة التوازن الأذن الوسطى ، ومنهم من قال أن الحواس أكثر من هذا العدد .
ويمكن القول أن الحواس الخمسة جمعت بقوله تعالى [وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ] ( ) بلحاظ أن الأفئدة والقلوب هي التي توجه عمل الحواس ليشملها مجتمعة ومتفرقة وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وهل يمكن القول ان الحواس عند المؤمن أكثر منها عند الكافر ، الجواب لا دليل عليه لإتحاد سنخية الخلق والهيئة ، ولأن الدنيا دار إمتحان وابتلاء واختبار .
وجاءت آيات الإنذار بالتأكيد على الحواس ، قال تعالى [يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ] ( ) وفي الآية أعلاه ورد عن الإمام علي عليه السلام ( إن أهل النار لما غلى الزقوم والضريع في بطونهم كغلي الحميم سألوا الشراب فاتوا بشراب غساق وصديد يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ،
وحميم يغلي في جهنم منذ خلقت كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا) ( ).
ولا بد من دراسة قرآنية خاصة تتعلق بالحواس وهي :
الأولى : حاسة البصر في القرآن .
الثانية : حاسة السمع في القرآن .
الثالثة : حاسة اللمس في القرآن .
الرابعة : حاسة الشم في القرآن .
الخامسة : حاسة التذوق في القرآن .
وتكون الدراسة في كل حاسة من جهات :
الأولى : شكر المسلم الله عز وجل على الحواس .
الثانية : الآيات التي تذكر كل حاسة .
الثالثة : تسخير الحاسة في رضوان الله .
الرابعة : شأن ومنزلة الحواس في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
الخامسة : لزوم إجتناب توظيف الحاسة في المعصية .
السادسة : استحضار ذكر الله عند قيام حاسة مخصوصة بعملها على الوجه الأتم أو لا ، فلا ينظر الإنسان للمحرم ، ولا يسمع الغيبة والباطل ، ولا يتذوق الخمر .
السابعة : بيان القرآن والسنة النبوية لمنافع كل حاسة .
الثامنة : قيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باصلاح عمل الحواس عند المسلمين والمسلمات .
التاسعة : موضوعية الحواس في أداء كل فريضة على نحو مستقل كأداء الصلاة والصيام والزكاة ، والأجر والثواب على عمل الحواس في طاعة الله ورسوله .
قوله تعالى [وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ]
جاء فضل الله في آية البحث معطوفاً على النعمة من الله , ويحتمل تقدير الآية وجوهاً :
الأول : وفضل من الله .
الثاني : وفضل من رسول الله .
الثالث : وفضل من الملائكة .
الرابع : وفضل من ذات المؤمنين .
والصحيح هو الأول ، لبيان عظيم النعم التي رزقها الله المسلمين وأنها متعددة في الصلة والذات .
والفضل هو الزيادة والنافلة ، ويكون من معانيه في آية البحث وجوه :
الأول : فانقلبوا بنعمة من الله وفضل في أنفسهم وأموالهم .
الثاني : وفضل في عز المؤمنين .
الثالث : وفضل في الأمن والسلامة .
الرابع : وفضل دائم ومتجدد .
الخامس : وفضل ينتفعون به.
السادس : وفضل بعودة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سالماً إلى المدينة .
السابع : وفضل من الله [وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ] .
الثامن : وفضل وشكر من الله لرسوله الكريم وأصحابه .
التاسع : بيان قانون من الإرادة التكوينية ، وهو عودة المؤمنين من الدفاع بفضل ونافلة من الله عز وجل .
العاشر : لقد ورد قبل ثلاث آيات قوله تعالى [وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ]( ) ليكون من مصاديق الأجر والثواب من عند الله رجوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين والأنصار من حمراء الأسد بفضل من الله عز وجل، وفيه منع من نسبة العودة بسلام لأنفسهم، إنما هو نعمة من الله عز وجل.
الحادي عشر : يدل قوله تعالى [وَفَضْلٍ] على عودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من حمراء الأسد بثواب وأجر عظيم، ومع هذا الثواب هناك فضل غيره لا يعلمه إلا الله عز وجل.
ومن خصائص هذا الفضل إنتفاع عامة المسلمين منه، وحضوره يوم القيامة شفيعاً.
الثاني عشر : وفضل ليفرح به المؤمنون والمؤمنات ، قال تعالى [قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ] ( ).
وتتضمن الآية الوعد والبشارة بأن الله عز وجل يرزق المهاجرين والأنصار ، فضلاً ونافلة إضافة لما مكتوب لهم من ثواب على خروجهم إلى حمراء الأسد ، وهذا الفضل على وجوه :
الأول : الفضل على نحو القضية الشخصية ويبدأ من حين الخروج من المدينة والعودة إليها , وما بعد هذه العودة .
الثاني : النماء في الرزق والمعاش .
الثالث : البركة في الذرية والأبناء .
الرابع : صرف البلاء ودفع الأذى .
الخامس : حضور النعمة والفضل اللذين ذكرا في هذه الآية مع المهاجرين والأنصار الذين استجابوا لله والرسول في تعقبهم للعدو بعد معركة أحد بيوم واحد .
السادس : ما يتغشى عامة الناس, قال تعالى[كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاَء وَهَؤُلاَءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا]( ).
لقد أختتمت آية البحث بقانون يتغشى الأكوان كلها ، وفيه بشارة النصر والفتح لرسوله الكريم والحياة الكريمة لأهل الإيمان , وهل فيه بشارة توبة وصلاح أكثر المشركين الذين حاربوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في معركة أحد، الجواب نعم، فليس لفضل الله حدّ أو قيد ، ويأتي من وجوه :
الأول : إبتداء من عند الله .
الثاني : عن سؤال ودعاء من الإنسان الذي ينزل عليه الفضل أو من غيره من الأحياء أو الأموات ، قال تعالى [وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ] ( ).
الثالث : يأتي جزاء وشكراً من عند الله .
الرابع : يأتي مقدمة لعمل الصالحات وفضل الله على قسمين :
الأول : دنيوي .
الثاني : أخروي .
وكل منهما تعجز الخلائق عن إحصائه ، ولكن الثاني أعظم وأكبر ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا] ( ).
بين معركة بدر وجيش طالوت
لقد أراد المسلمون حين الخروج إلى بدر الغنيمة وليس القتال والحرب، وهو من رشحات قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (امضوا فان الله وعدني احدى الطائفتين)( ).
وعن أبي أيوب الأنصاري : ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم حينما بلغه إقبال عير قريش محملة بالبضائع يقودها أبو سفيان، جمع أصحابه وقال لأصحابه (ما ترون فيها لعل الله يغنمناها ويسلمنا)( ).
فخرجوا بامامة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فساروا يوماً أو يومين فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالتعداد العام مع المعرفة الشخصية لكل واحد منهم لصاحبه وفيه مسائل :
الأولى : تجلي معاني الأخوة الإيمانية .
الثانية : بيان الحاجة لمؤاخاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه ، ومن الإعجاز في السنة النبوية في باب زمان الفعل النبوي وقوع هذه المؤاخاة قبل معركة بدر ، والظاهر أنها كانت تتجدد بالنسبة للصحابة الآخرين ، ممن فاتته المؤاخاة الأولى ، او التحق بالصحابة بعد تلك المؤاخاة ولو على نحو القضية الشخصية والقليلة .
الثالثة : إرادة المعنى الأعم للمؤاخاة بأن يتآخى جميع الذين خرجوا إلى معركة بدر ، ومن الإعجاز في المقام تسميتهم (البدريين) وما يدل عليه إتحاد الاسم وإجتماعهم بهذه الصفة من الفخر والعز ، لبيان قانون وهو ان الأخوة الإيمانية مودة وعز ، وهو من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
الرابعة : الحيطة وعدم دخول غير الصحابة معهم .
الخامسة : تنمية ملكة الحذر عند المسلمين بعدم إندساس عين للعدو بينهم ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوْ انفِرُوا جَمِيعًا] ( ).
السادسة : بيان قانون وهو أن الصحابة مع كثرتهم فان بعضهم يعرف بعضاً .
السابعة : تقوية عزائم المسلمين بالعدّ وتفقد بعضهم لبعض .
الثامنة : توثيق الاشتراك في معركة بدر والمنع من إدّعاء المشاركة فيها من غير بينة ودليل .
ومن الإعجاز في المقام تعيين البدريين ومعرفتهم ، ولم يقع اختلاف إلا في عدد قليل من الصحابة مع رج،حان كونه بدرياً أو العكس ، كما في خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين ، إذ قيل أنه بدري والأرجح أنه لم يحضر واقعة بدر، إنما حضر معركة أحد والغزوات التي بعدها استشهد يوم صفين، وكان من قادة جيش الإمام علي عليه السلام .
التاسعة : رجاء الأجر والثواب لمن شهد معركة بدر ، وهو من مصاديق خاتمة الآية السابقة بقوله تعالى[لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ]( ).
العاشرة : تنمية ملكة الصبر عند المسلمين وبعثهم على التعاون والمناجاة بالثبات على الإيمان عندما قال لهم الناس أن المشركين جمعوا لكم وأنهم يريدون أن يجهزوا عليهم .
قال أبو أيوب الأنصاري : فلما قمنا بالتعداد أخبرنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأننا ثلاثمائة وثلاثة عشر، فاستبشر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وشكر الله عز وجل وقال: عدة أصحاب طالوت.
وطالوت من ملوك بني إسرائيل قاتل الطاغوت جالوت وجنوده العمالقة بعد أن أفزع وأذّل جالوت بني إسرائيل وضرب عليهم الجزية وأخذ تابوت العهد الذي كانوا يستنصرون به.
وبعث الله عز وجل في بني إسرائيل شمعون نبياً وقيل إسمه صموئيل وشمويل بن بالي، فقالوا له: إستعجلت بالنبوة؟ ثم قالوا له(أن كنت صادقاً فأبعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله آية نبوتك) كما عن السدي( ).
أي أنهم لم ينكروا نبوته من رأس ولم يحاربوه ويقاتلوه، إنما سألوه آية، بينما جاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بآيات ومعجزات عقلية لقومه فأصروا على محاربته، فأخزاهم الله وجعل أمة من المهاجرين والأنصار يؤمنون بنبوته، ويذبون عنه، ويدخلون المعارك لنصرة الإسلام، وهو من مصاديق قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
فدعا شمعون الله فأتي بعصا تكون بطول الذي يكون عليهم ملكاً، وقال لهم علامة الملك الذي يكون عليكم أن هذه العصا بطوله، فأخذوا يقيسون أنفسهم فلا ينطبق على أطوالهم، وكان طالوت سقاءً له حمار يسقي به الماء ويبيعه للناس، فأضل حماره فأنطلق في الطريق يطلبه، فلما رأوه، قالوا له تعال نقيس عليك العصا، فكان مثلها.
فقال نبيهم حينئذ[إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا]( )، فأنكروا عليه هذا القول، ورموه بالكذب، لأن طالوت ليس من سبط المملكة، وليس عنده مال أو من أصحاب الثروة والجاه، فلم يغضب نبي زمانهم، إنما إحتج عليهم بما رزقه الله، إذ قال[إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ]( ).
فتدبروا الأمر فرجعوا إلى سؤال الآية والحجة، مثلما سألوا موسى عليه السلام لمعرفة القاتل فأمرهم بذبح بقرة، وقالوا[أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ]( )، فسألوا شمعون برهاناً وهو أن يأتي طالوت بالتابوت ليكون في مقدمة الجيش وسبباً للنصر، وكان التابوت قد أخذه جالوت وجنوده.
فأصبح التابوت في بيت الملك طالوت حينئذ آمنوا بنبوة شمعون، وأقروا بملك طالوت وخرجوا مع طالوت وعددهم ثمانون ألفاً، فابتلاهم الله بالشرب من نهر الأردن ، وحذرهم طالوت من الشرب منه فزعاً وخوفاً من جالوت وجنوده .
وفي التنزيل[فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ]( ).
أي صار أصحاب طالوت على ثلاثة أقسام:
الأول : الذي شربوا من ماء النهر وأكثروا مع تحذير طالوت لهم.
الثاني : الذين غرف الواحد منهم غرفة بيده.
الثالث : الذين لم يشربوا من ماء النهر.
فالذي شرب منه وأكثر عطش في الطريق، بعكس الذي لم يشرب منه، أو شرب ولكنه اغترف غرفة واحدة، وعبر النهر مع طالوت أربعة آلاف ورجع ستة وسبعون ألفاً، لبيان فضل الله عز وجل في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذ خرج معه ألف إلى معركة أحد، وقتال الذين كفروا بصيغة الدفاع فرجعوا ثلاثمائة من وسط الطريق بتحريض رؤساء النفاق، أي رجع ثلث الجيش بينما رجع من بني إسرائيل نسبة 19 من 20 ولم يبق إلا نسبة واحد من عشرين.
فلما ساروا مسافة بعد عبور النهر، ونظروا إلى جالوت وجنوده رجع منهم ثلاثة آلاف وستمائة وبضعة وثمانون، ولم يبق مع طالوت إلا ثلاثمائة وبضعة عشر، وكانت عدة أهل بدر مثلهم، لذا تفاءل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعدة أصحابه للتشابه في أصحاب الأنبياء في حال القتال.
وعن ابن عباس: أن أهل بدر كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر . المهاجرون منهم خمسة وسبعون)( ).
ولم يذكر ابن عباس عدد الأنصار في واقعة بدر ليس لأن عددهم كان أكثر من ثلاثة أضعاف المهاجرين، وأن ابن عباس كان صغيراً في مكة، ووقع أبوه العباس في الأسر بيد المسلمين، ولكن لأنه ذكر عدد أحد الطرفين فيتبين عدد الطرف الآخر .
وهل فيه ورع وإحتراز لإحتمال كون عدد الأنصار أقل أو أكثر قليلاً، الجواب لا دليل عليه، وإن ورد عن ابن إسحاق أن عدد المسلمين يوم بدر هو ثلاثمائة وأربعة عشر رجلاً , وهم كالآتي:
الأول : ثلاثة وثمانون من المهاجرين.
الثاني : واحد وستون من الأوس.
الثالث : مائة وسبعون من الخزرج( ).
وعن عبد الله بن عمرو أن عددهم ثلاثمائة وخمسة عشر، وفي رواية ثلاثمائة وتسعة عشر.
ولا تعارض بين هذه الروايات إذ تم التعداد مرتين، وفي رواية أقبل مسلمُ على بكر له ضعيف عند التعداد الثاني، وقيل أن الصبيان مثل أنس لم يحسبوا في التعداد.
وحينما أخبر الصحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الطريق إلى معركة بدر بأن عددهم بعدة أصحاب طالوت(سر بذلك وحمد الله) كما ورد عن أبي أيوب الأنصاري( )، وفيه مسائل:
الأولى : يدخل الفرح والغبطة لقلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويظهر على أسارير وجهه إذا كان الأمر في الله ولله.
الثانية : قيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالشكر والحمد لله على نعمة موافقة عدد جيش المسلمين بعدد عدة طالوت.
الثالثة : لقد كان طالوت ملكاً على بني إسرائيل بوحي إلى نبي زمانهم، وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو النبي والرسول والإمام في ميدان القتال.
الرابعة : الإستبشار والتفاؤل بالنصر، إذ أن أصحاب طالوت هزموا جالوت وجنوده بعد أن قتل داود عليه السلام جالوت في معجزة حسية جلية إذ وثّقه القرآن بقوله تعالى[وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ]( ).
الخامسة : تذكير الصحابة بأخبار الأنبياء، وفيه تفقه في الدين، وهو من عمومات قوله تعالى[لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ]( )، وكما قال شمعون نبي بني إسرائيل بأن الذي يكون طوله بمقدار هذه العصا يكون ملكاً عليكم، فكانت على طول طالوت، وجاء لهم بآية التابوت لتأكيد صدق النبي فإنه دفع إلى طالوت درعاً وقال له: (من استوى هذا الدرع عليه فإنه يقتل جالوت بإذن الله تعالى)( ).
وتلقى بنو إسرائيل النبأ بالإستبشار لوجوه:
الأول : ثبوت البينة في صحة ملكه.
الثاني : كان طالوت يتلقى الأوامر من النبي.
الثالث : بقاء خاصة المؤمنين مع طالوت.
الرابع : في النبأ بشارة قتل جالوت، وكلهم يتمنون قتله وحدث قريب منه في غزوة خيبر، إذ ورد عن مسلمة بن الأكوع في حديث(قال : فحاصرناهم حتّى أصابتنا مخمصة شديدة ثمّ إنّ الله تعالى فتحها علينا، وذلك أنّ رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أعطى اللواء عمر بن الخطّاب، ونهض من نهض معه من الناس، فلقوا أهل خيبر، فانكشف عمر، وأصحابه، فرجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحينه أصحابه،
ويحينهم، وكان رسول الله قد أخذته الشقيقة، فلم يخرج إلى النّاس، فأخذ أبو بكر راية رسول الله، ثمّ نهض فقاتل قتالاً شديداً، ثمّ رجع، فأخذها عمر، فقاتل قتالاً شديداً، وهو أشدّ من القتال الأوّل، ثمّ رجع، فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
فقال: أما والله لأعطينّ الراية غداً رجلاً يحبّ الله، ورسوله، ويحبّه الله، ورسوله يأخذها عنوة، وليس ثَمّ علي، فلمّا كان الغد تطاول لها أبو بكر وعمر وقريش رجاء كلّ واحد منهم أن يكون صاحب ذلك، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سلمة بن الأكوع إلى علي، فدعاه، فجاء علي على بعير له حتّى أناخ قريباً من خباء رسول الله، وهو أرمد قد عصب عينيه بشقة برد قطري، قال سلمة : فجئت به أقوده إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم .
فقال رسول الله : ما لكَ؟ قال : رمدت. فقال: إدن منّي. فدنا منه فتفل في عينيه، فما وجعهما بعد حتّى مضى لسبيله، ثمّ أعطاه الراية، فنهض بالراية وعليه حلّة أُرجوان حمراء، قد أخرج حملها، فأتى مدينة خيبر .
وخرج مرحب صاحب الحصن وعليه مغفر معصفر، وحجر قد ثقبه مثل البيضة على رأسه، وهو يقول:
قد علمت خيبر أنّي مرحب شاكي السلاح بطلٌ مجرّب
أطعن أحياناً وحيناً أضرب إذا الحروب أقبلت تلهّب
كان حمائي كالحمى لا يقرب .
فبرز إليه علي، وقال:
أنا الّذي سمّتني أُمّي حيدره كليثِ غابات شديد قسوره
أكيلكم بالسيف كيل السندره
فاختلفا ضربتين، فبدره علي، فضربه، فقدَّ الحجر والمغفرة، وفلق رأسه حتّى أخذ السيف في الأضراس، وأخذ المدينة، وكان الفتح على يديه، ثمّ خرج بعد مرحب أخوه ياسر بن نحر، وهو يقول:
قد علمت خيبر أنّي ياسر شاكي السلاح بطل مغاور
إذا الليوث أقبلت تبادر وأحجمت عن صولتي المغاور
إنّ حمائي فيه موت حاضر
وهو يقول : هل من مبارز؟ فخرج إليه الزبير بن العوّام، وهو يقول:
قد علمت خيبر أنّي زبار قرم لقرم غير نكس فرار
ابن حماة المجد ابن الأخيار ياسر لا يغررْك جمع الكفّار
وجمعهم مثل السراب الحبار
فقالت أُمّه صفية بنت عبد المطّلب : أيقتل ابني يا رسول الله؟ فقال: بل ابنك يقتله إن شاء الله ثمّ التقيا، فقتله الزبير، فقال أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرجنا مع علي بن أبي طالب حين بعثه رسول الله (عليه السلام) برايته، فلمّا دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم، فضربه رجل من اليهود، فطرح ترسه من يده، فتناول علي باباً كان عند الحصن، فتترّس به عن نفسه، فلم يزل في يده، وهو يقاتل حتّى فتح الله تعالى عليه، ثمّ ألقاه من يده حين فرغ، فلقد رأيتني في نفر سبعة أنا ثامنهم نجهد على أن نقلب ذلك الباب، فما نقلبه)( ).
الخامس : عمومات قوله تعالى[إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ]( ).
فمن إعجاز الآية أعلاه عدم إنحصار موضوعها بأيام النبوة ومؤاخاة النبي بين أصحابه، إنما تشمل المؤمنين من الأمم السالفة، لإرادة بيان قانون يتغشى الأرض ويكون من أوتاد إستدامة الحياة فيها.
السادس : التباين في الموضوع ، فالذي يكون الدرع على قدره لا يصير ملكاً أو قائداً عليهم ، إنما يقوم بقتل الطاغوت .
السابع : إرادة الجميع خلاص بني اسرائيل من طالوت واذلاله لهم .
السادسة :بعث المسلمين على الشكر لله عز وجل على نعمة موافقة عددهم لعدد أصحاب طالوت.
السابعة : إستصحاب النصر، فقد أنتصر طالوت وأصحابه إذ قال الملك طالوت من قتل جالوت زوجته ابنتي، وله نصف ملكي ومالي، أي أنه لم يكتف باستواء الدرع، إنما جعل قتل جالوت هو الشرط، وفي رواية ان داود هو الذي قال لطالوت: ماذا لي لو قتلت جالوت .
وفي أخرى أن جالوت هو الذي عرض على طالوت، بأن يبرزوا له من يقاتله، والقاتل له ملك الآخر، أي أنه أراد القتال بين الرؤوس والتخفيف عن الجنود وعامة الجيش، لإتمام الحجة عليه أمام الفريقين , وكان جالوت رجلاً شجاعاً.
حينئذ جاء داود إلى طالوت بمسمع من طائفة من بني اسرائيل ليكونوا شهوداً على الأمر ، وقال لطالوت : ما لي أن قتلت جالوت .
فوعده بنكاح ابنته ، وأن يحكمه في ماله ، وظاهر الحديث أن طالوت وبعد أن كان سقاء يطوف على البيوت بحماره صار صاحب أموال وثراء كملك وترغب الأشراف بمصاهرته.
وبرز داود وليس معه إلا المقلاع، ومخلاة فيها أحجار، ويسمى المقلاع المخذفة ، ويسمى المفقاع إذا رميت به وسمعت له فَقاعاً أي صوتاً (ويقال: المِرجَبَةُ المِقلاع بالعِبرانية)( ).
والمقلاع يجعل فيه الحجر والحصى ويرمى به الطير لطرده أو صيده وقيل المقلاع تسمية عامة ، إنما اسمه المحذفة ، قال ابن سيده : والمحذفة التي تسميها العامة المقلاع وهو الذي يجعل فيه الحجر ويقذف به ) ( ).
والظاهر أن المحذفة تطلق على المقلاع وعلى ما هو أدنى منه .
وقد ورد(عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه نهى عن الحذف: إِنَّهَا لاَ تَقْتُلُ الصَّيْدَ وَلاَ تَنْكِى الْعَدُوَّ وَلَكِنَّهَا تَفْقَأُ الْعَيْنَ وَتَكْسِرُ السِّنَّ)( ).
والحذف رمي الحصاة أو النواة بأن توضع بين السبابتين ثم ترمى أو ترمى بمحذفة من خشب ثم ترمى الحصاة بين الإبهام والسبابة .
وعن أبي العالية قال(ما ترك عيسى بن مريم حين رفع إلا مدرعة صوف وخفي راعي وقرافة يقرف بها الطير)( ).
وعادة يستعمل الرعاة المقلاع لرمي الطير، وفي الخبر أن داود كان حينئذ راعياً بغنم أبيه، ومع شجاعة وبطش جالوت فانه برز إلى القتال بكامل عدته، وقد لبس البيضة والدرع وحمله سيفه وركب فرسه ولم يخرج منه إلا عيناه .
ولم يستخف بالعدو والذي يبارزه وأن كان أقل وأدنى منه وهذه الطريقة إعتمدتها الجيوش والدراسات العسكرية الحديثة بالتهيء التام للعدو وإن أدنى بمراتب من جهة العدد والعدة، فلما رآى داود وليس معه إلا المقلاع مع صغر سنه، قال مستفهماً: أنت تقاتلني؟
قال داود : نعم ، فرآى جالوت أمراً لم يعهده في ميادين القتال والجيشان متصافان ، قال جالوت (ويلك ما خرجت إلاَّ كما تخرج إلى الكلب بالمقلاع والحجارة! لأبددن لحمك ولأطعمنه اليوم للطير والسباع.
فقال له داود: بل أنت عدوّ الله شر من الكلب، فأخذ داود حجراً فرماه بالمقلاع ، فأصابت بين عينيه حتى نفذت في دماغه ، فصرخ جالوت وانهزم من معه واحتز رأسه)( ).
وكما سرّ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بموافقة عدد أصحابه في بدر لعدد أصحاب طالوت من ملوك بني اسرائيل والذي لم يخرج إلا بأمر من نبي زمانهم الذي يتلقى الوحي من الله عز وجل، فان النبي محمداً سرّ أيضاً بعزم أصحابه على القتال والدفاع ومنهم الأنصار الذين كانوا أكثر جيش المسلمين.
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخشى أن يقولوا إنما بايعناك على الذّب والدفاع عنك في المدينة وليس خارجها ، فبادروا إلى إعلان النصرة، وأظهر المقداد بن الأسود الإنقطاع إلى نصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
(عن ابن مسعود قال: لقد شهدت من المقداد مشهداً لأن أكون أنا صاحبه أحب إليَّ مما عدل به، أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يدعو على المشركين قال: والله يا رسول الله، لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى{اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون } ولكن نقاتل عن يمينك وعن يسارك ، ومن بين يديك ومن خلفك، فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يشرق لذلك وسر بذلك)( ).
وأختلف في نسب المقداد على أقوال:
الأول : أن الأسود تبناه وحالفه في الجاهلية وهو الأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة الزهري .
الثاني : أبو المقداد هو عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ثمامة الهراوي من قضاعة .
الثالث : المقداد كندي ، فهو من كندة .
الرابع : (نسبه الدارقطني إلى سعد، وزاد ابن دهير بن لؤي بن ثعلبة بن مالك بن الشريد ابن أبي أهون بن فائش بن دريم بن القين بن أهود بن بهراء، عن أبي سعد اليشكري عن ابن حبيب عن هشام بن الكلبي وقال ابن إسحاق: سعد بن زهير بالزاي بن ثور بن ثعلبة بن مالك بن الشريد بن هزل بن فائش بن دريم بن القين بن أهود بن بهراء بن عمرو بن الحاف بن قضاعة. وقال ابن هشام: ويقال هزل بن فائش بن در ودهير بن ثور آخرها)( ).
الخامس : المقداد حضرمي , وحالف أبوه كندة فنسب إليها ، أما المقداد فحالف بني زهرة ، فقيل الزهري لأن الأسود تبناه وحالفه ، وقد حرّم الإسلام التبني ، قال تعالى[ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ]( ).
السادس : نسب أبو عمر إلى القيل أن المقداد كان عبداً حبشياً للأسود بن عبد يغوث فتبناه قبل اسلامه واستلحقه ، وهو بعيد ونسبته إلى القيل تضعيف له .
والصحيح هو الثاني أعلاه ، ويكون الأول في طوله ويكنى المقداد أبا مَعبد وقيل أبا الأسود وأبا عمر وابا سعيد , والأرجح الأول ، وعن هلال بن يساف (قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سرية وأمر عليها المقداد فلما رجع .
قال له: ” كيف رأيت الإمارة يا أبا معبد ” ؟ قال: خرجت يا رسول الله وأنا أراهم كالعبيد لي.
قال: “كذلك الإمارة يا أبا معبد إلا من وقاه الله شرها ” قال: لا جرم والذي بعثك بالحق نبياً لا أتأمر على رجلين)( ).
وهو الفارس الوحيد يوم معركة بدر ، إذ اختلف في الزبير هل له فرس يومئذ أم لا.
وآخى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بينه وبين جبار بن صخر الأنصاري الذي شهد بدراً أيضاً وعمره اثنتان وثلاثون سنة ، وشهد أحد والمشاهد كلها ، وهو أحد السبعين ليلة ببيعة العقبة ، والمقداد من السبعة الأوائل في الإسلام ، وتزوج ضياعة بنت الزبير بن عبد المطلب ابنة عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم فولدت له عبد الله وكريمة .
توفى المقداد سنة ثلاث وثلاثين بالحرف على بعد ثلاثة أميال من المدينة وحمل على رقاب الرجال (وهو ابن سبعين سنة وكان رجلا ادم طوالا كثير الشعر يصفر لحيته أخبرنا أبو بكر الأنصاري أنا الجوهري أنا أبو عمر أنا أحمد نا ابن الفهم وأخبرنا أبو بكر محمد بن شجاع أنا أبو عمرو أنا أبو محمد أنا أبو الحسن نا ابن أبي الدنيا قالا نا محمد بن سعد أنا محمد بن عمر نا موسى بن يعقوب عن عمته عن أمها كريمة بنت المقداد قالت مات المقداد بالجرف على ثلاثة أميال من المدينة فحمل على رقاب الرجال حتى دفن بالمدينة بالبقيع وصلى عليه عثمان بن عفان وذلك سنة ثلاث وثلاثين وكان يوم مات ابن سبعين سنة أو نحوها أخبرنا أبو غالب الماوردي أنا أبو الحسن السيرافي أنا أحمد بن إسحاق نا أحمد ابن عمران نا موسى نا خليفة قال وفيها يعني سنة ثلاث وثلاثين مات المقداد بن الأسود قرأت على أبي محمد السلمي عن أبي محمد التميمي أنا أبو الحسن مكي بن محمد أنا أبو سليمان بن زبر قال قال ابن نمير والواقدي مات المقداد بن عمرو أبو معبد سنة ثلاث وثلاثين .
قال المدائني وفي سنة ثلاث وثلاثين توفي العباس وعامر بن ربيعة والمقداد بن الأسود ,وكان عمر المقداد سبعين سنة مات بالجرف وحمله الرجال إلى المدينة على رقابهم وصلى عليه عثمان بن عفان ) ( ).
بين آية البحث وقصة بلقيس
لقد ذكرت آية البحث صبر وجهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في سبيل الله عز وجل مع قلة عددهم وخروجهم إلى حمراء الأسد لإصرار الذين كفروا على الإغارة عليهم وعلى قتالهم وإرادة إستئصالهم.
أما قصة بلقيس مع نبي الله سليمان فهي تختلف وتتباين مع حال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لبيان أن الله عز وجل واسع كريم وأنه يهب الملك والسلطان لبعض الأنبياء.
وكان سليمان استعرض جنوده من الطير كما في قوله تعالى[وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ]( )، فاستغرب عدم حضور الهدهد وتوعده، كما في التنزيل[فَقَالَ مَا لِي لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنْ الْغَائِبِينَ * لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ]( )، ويبين الاستثناء في الآية عدل سليمان وعدم ترشح فعله عن حال الغضب، وأنه لا يحكم إلا بعد الإٍستماع للبينة أو العذر من المتهم والمدعى عليه.
وعن ابن عباس : أنه سئل كيف تفقد سليمان الهدهد من بين الطير؟ قال : إن سليمان نزل منزلاً فلم يدر ما بعد الماء ، وكان الهدهد يدل سليمان على الماء، فأراد أن يسأله عنه ففقده . وقيل كيف ذاك والهدهد ينصب له الفخ يلقى عليه التراب، ويضع له الصبي الحبالة فيغيبها فيصيده؟ فقال : إذا جاء القضاء ذهب البصر .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن يوسف بن ماهك أنه حدث : أن نافع بن الأزرق صاحب الازارقة كان يأتي عبد الله بن عباس؛ فإذا أفتى ابن عباس؛ يرى هو أنه ليس بمستقيم.
فيقول : قف من أين افتيت بكذا وكذا، ومن أين كان؟ فيقول ابن عباس رضي الله عنهما: أوقاتاً من كذا وكذا. حتى ذكر يوماً الهدهد فقال: يعرف بعد مسافة الماء في الأرض.
فقال له ابن الأزرق : قف قف.. يا ابن العباس. كيف تزعم أن الهدهد يرى مسافة الماء من تحت الأرض ، وهو ينصب له الفخ فيذر عليه التراب فيصطاد؟ .
فقال ابن عباس : لولا أن يذهب هذا فيقول : كذا وكذا لم أقل له شيئاً . إن البصر ينفع ما لم يأت القدر ، فإذا جاء القدر حال دون البصر . فقال ابن الأزرق : لا أجادلك بعدها في شيء ( ).
ولكن ظاهر الآية تفقد سليمان لجميع الطير وأنه يلتفت إلى غياب أي واحد منها، وهل هذ الإلتفات بواسطة جنوده من الإنس أو الجن، أو باشراف رؤساء من الطير، الأصل عدمه، إذ يتفقدها سليمان بنفسه واحداً واحداً , ولو خصوص الرؤساء من كل صف منها، وتقدير الآية أعلاه، تفقد الطير طيراً طيراً، وهل لكل واحد منها مكان ورتبة مخصوصة أم أنها تقف على نحو عشوائي.
الجواب هو الأول، فلذا سأل سؤال ترديد بين أمرين، فقد يكون في مكان آخر ضمن التعداد، أو أنه غاب عنه، ولابد أن الطير بما فيها الهدهد كانت تعلم أوان ونوبة تفقد سلمان لها، ووجوب حضورها في أماكنها وكان هذا الهدهد سيد الهداهد.
وعن قتادة قال: ذكر لنا أن سليمان أراد أن يأخذ مفازة فدعا بالهدهد وكان سيد الهداهد ليعلم مسافة الماء . وكان قد اعطي من البصر بذلك شيئاً لم يعطه شيء من الطير . لقد ذكر لنا : أنه كان يبصر الماء في الأرض كما يبصر أحدكم الخيال من وراء الزجاجة .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن البصري قال : اسم هدهد سليمان : عنبر( ).
وهل يؤكد العلم الحديث مسألة حدة بصر الهدهد وكأنه يملك ما يشبه اشعة أكس، أم أنه كان يعلم موضع الماء بفضل من الله ومنّة خاصة بسليمان وجنوده , كما في قوله تعالى[وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنْ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ]( )، (وقيل انما ينقر الهدهد الأرض فيعرف موضع الماء وبُعده عن سطح الأرض .
وروى قتادة عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: لا تقتلوا الهدهد فإنه كان دليل سليمان على قرب الماء وبعده، وأحب أن يعبد الله في الأرض حيث يقولوَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً.
لبيان أن كل طير له وظيفة وعمل عند سليمان، وهو من معاني التسخير والحشر في قوله تعالى[وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنْ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ]( ).
لقد توعده سلمان بالعذاب الشديد وهو على وجوه :
الأول : نتف ريشه كله.
الثاني : نتف ريش جناحه.
الثالث : نتف ريشه والقاؤه للنمل في الشمس ليلدغه النمل.
الرابع : نتف ريشه ودنبه.
الخامس : نتفه وتشميسه.
وقيل دفع عن الهدهد العذاب بره بوالديه كما عن عكرمة وعن ابن عباس قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل أربعة من الدواب: الهدهد والصرد والنحلة والنملة ( ).
لقد قام سليمان ببناء بيت المقدس , و(عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن بني إسرائيل لما اعتدوا في السبت وعلوا وقتلوا الأنبياء عليهم السلام بعث الله عليهم ملك فارس بختنصر ، وكان الله ملكه سبعمائة سنة ، فسار إليهم حتى دخل بيت المقدس ، فحاصرها وفتحها ، وقتل على دم زكريا عليه السلام سبعين ألفاً ، ثم سبى أهلها وبني الأنبياء، وسلب حلي بيت المقدس، واستخرج منها سبعين ألفاً ومائة ألف عجلة من حلي، حتى أورده بابل.
قال حذيفة – فقلت : يا رسول الله، لقد كان بيت المقدس عظيماً عند الله؟!.
قال : أجل « فبناه سليمان بن داود – عليه السلام – من ذهب ودر وياقوت وزبرجد وكان بلاطة ذهبا وبلاطة فضة ، وعمده ذهباً ، أعطاه الله ذلك وسخر له الشياطين يأتونه بهذه الأشياء في طرفة عين ، فسار بختنصر بهذه الأشياء حتى نزل بها بابل .
فأقام بنو إسرائيل مائة سنة يعذبهم المجوس وأبناء المجوس ، فيهم الأنبياء وأبناء الأنبياء ، ثم إن الله رحمهم ، فأوحى إلى ملك من ملوك فارس يقال له كورس – وكان مؤمناً – أن : سر إلى بقايا بني إسرائيل حتى تستنقذهم ، فسار كورس ببني إسرائيل ودخل بيت المقدس حتى رده إليه ، فأقام بنو إسرائيل مطيعين لله مائة سنة ، ثم إنهم عادوا في المعاصي ، فسلط عليهم ابطنانحوس فغزا ثانياً بمن غزا مع بختنصر ، فغزا بني إسرائيل ، حتى أتاهم ببيت المقدس ، فسبى أهلها وأحرق بيت المقدس .
وقال لهم : يا بني إسرائيل ، إن عدتم في المعاصي ، عدنا عليكم في السباء ، فعادوا في المعاصي ، فسير الله عليهم السباء الثالث : ملك رومية يقال له فاقس بن اسبايوس ، فغزاهم في البر والبحر فسباهم ، وسيَّر حلي بيت المقدس وأحرق بيت المقدس بالنيران .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : – فهذا من صفة حلي بيت المقدس ويرده المهدي إلى بيت المقدس ، وهو ألف سفينة وسبعمائة سفينة يرسى بها على يافا ، حتى تنتقل إلى بيت المقدس وبها يجتمع إليه الأوّلون والآخرون)( ).
ولما فرغ سليمان عليه السلام من بناء بيت المقدس توجه إلى أرض الحرم قاصداً مكة والبيت الحرام ، واستصحب معه جيشه ويتألف من :
الأول : الإنس.
الثاني : الجن.
الثالث : الشياطين.
الرابع : الطيور.
الخامس : الوحوش.
وبلغ معسكره مائة فرسخ، ثم أمر الريح فحملتهم جميعاً.
ليكون هذا الحمل حجة عليهم، وسبباً لإنقيادهم لسليمان، ومعجزة حسبة باهرة تدعو إلى التوحيد.
فدخل سليمان وجنوده الحرم، وأقام مدة فيه، وكان ينحر كل يوم خمسة آلاف ناقة ويذبح خمسة آلاف ثور، وعشرون ألف شاة، قرباناً إلى الله ويدل على وفرة الأنعام وكثرتها في الحرم وحواليه إلا أن يقال أنه جاء بها معه، والأول أرجح .
وقال سليمان وهو في مكة : لمن حضره من أشراف قومه : إنَّ هذا مكان يخرج منه نبيّ عربيّ صفته كذا وكذا، يعطى النصر على جميع من ناوأه، وتبلغ هيبته مسيرة شهر بالقريب والبعيد عنده في الحق سواء لا تأخذه في الله لومة لائم.
قالوا : فبأي دين ندين يا نبي الله؟
قال : بدين الحنيفية فطوبى لمن أدركه وآمن به وصدقه.
قالوا : وكم بيننا وبين خروجه يا نبي الله؟
قال : زهاء ألف عام فليبلغ الشاهد منكم الغائب فإنه سيد الأنبياء وخاتم الرسل وإن إسمه محمد في زمر الأنبياء ( ).
وفي رواية أنه قال: أن هذا مكان يخرج منه نبي عزيز يعطى النصر على جميع من ناوأه، وتبلغ هيبته مسيرة شهر.
وهل من هذه الهيبة مضامين الآية السابقة وآية البحث بخروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم خلف جيشي المشركين فولوا مسرعين مع كثرة عددهم، الجواب نعم، بحيث دخلوا مكة وهم في خوف وارباك، إذ لا تكون المسافة بين حمراء الأسد ومكة مسيرة شهر.
وليكون إخبار سليمان هذا من مصاديق قوله تعالى[لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ]( )، لما فيه من مسائل:
الأولى : البشارة بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم من قبل نبي ملك.
الثانية : دعوة الناس لتدارك البشارة بنبوته، والتطلع لأيامه خاصة وأن سليمان حدد المدة بينه وبين النبي محمد بألف عام.
الثالثة : حث الناس على التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم عنه بعثته.
الرابعة : بيان حقيقة وهي وجود طائفة من الناس تحارب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأن العاقبة القطعية هي نصرة عليهم.
الخامسة : قيام النبي سليمان بالترغيب بالإيمان برسالة النبي والإخبار عن الثواب العظيم للمسلمين، لذا أختتمت الآية قبل السابقة بالوعد بالأجر والثواب العظيم لهم على الإحسان والتقوى ، وبشارات سليمان عليه السلام هذه من مصاديق قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
السادسة : بيان قانون في منهاج النبوة، وهو قيام الأنبياء بحج البيت الحرام، وأول من حجه آدم عليه السلام، ولما قضى المناسك كلها( تلقته الملائكة فقالت : برَّ حجك يا آدم ، فدخله من ذلك . . . فلما رأت ذلك الملائكة منه قالت : يا آدم إنا قد حججنا هذا قبلك قبل أن تخلق بألفي سنة . فتقاصرت إليه نفسه .
وأخرج الشافعي في الأم والبيهقي في الدلائل والأصبهاني في الترغيب عن محمد بن كعب القرظي قال : حج آدم عليه السلام ، فلقيته الملائكة فقالوا : برَّ نُسكك يا آدم لقد حججنا قبلك بألفي عام)( ).
وأقام سليمان في مكة ثم توجه إلى أرض اليمن فخرج من مكة صباحاً واختار يوم نجم سهيل ، ويصادف في جزيرة العرب يوم الرابع والعشرين من شهر آب وكان أهل اليمن القدامى يعتمدونه في الحساب .
وسهيل لغة تصغير لكلمة سهل ، ويراد منه السهل واليسير ، والوسيم والنبيل ، واللامع والمعنى الأخير ينطبق عليه إذ أنه من ألمع النجوم التي تألف كوكبة القاعدة ، وهو الثاني في اللمعان بعد نجم الشعرى وهو معروف عند الأمم القديمة ، وكل أمة تسميه باسم خاص فيسميه المصريون القدامى ناوس ، ويسميه الهنود القدامى (أنماستي) ويبعد عن الأرض نحو (313) سنة ضوئية واتخذه العرب دليلاً في سفرهم ، قال تعالى [وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ] ( ) .
ومعنى الآية أعلاه أعم من إهتداء المسافر الرحالة إلى جهة السفر ، إنما تكون النجوم برهاناً يلح على الإنسان في سفره للتدبر بأسرار الكون ، وحاجته إلى الخالق ووجوب عبادته ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ] ( ).
كما يتطلع العرب عموماً من سكان المدن والريف إلى ظهور نجم سهيل، وفيه يذهب اللهاب ، ويطيب الليل ، وكان لنجم سهيل ونحوه موضوعية في التنجيم عند العرب وغيرهم .
وقيل كان علماء بني اسرائيل يسترون من العلوم : علم النجوم وعلم الطب ، ويحجبون تعلمها عن أولادهم كيلا يتقربوا بهما إلى الملوك ، ويتخذوهم أخلة فيضعف الدين ، وتقل العناية بأحكام الشريعة والحلال والحرام ، أي أن العلماء ، متى ما أدركوا قرب أجلهم باحوا بهذين العلمين إلى من يجعل الأولوية لأحكام الشريعة وإن انتفع منها الملوك .
أما بالنسبة للأكاسرة فانهم إذا أراد أحدهم طلب الولد يخلو مع زوجته بعد أن يجعل المنجم قريباً من البيت ، فساعة وقوع مائه في الرحم يأمر خادماً على باب البيت بضرب طست بيده فيسمع المنجم الصوت فيأخذ الطالع بالأسطرلاب وهو آلة فلكية كالحاسوب الفلكي ويسميه العرب ذات الصفائح وكانت أحجامه مختلفة ، منها ما يكون قطره أمتاراً متعددة ، ومنها ما يكون كساعة الجيب بالنسبة لعالم الفلك , وترسم السماء والكواكب على وجه الأسطرلاب , لمعرفة طالع الولد .
ويستخدم الاسطرلاب في الملاحة لحساب الوقت والبعد عن خط الإستواء , وينتفع منه لتعيين أوقات الصلاة واتجاه القبلة ، والظاهر أن إختراعه مع بدايات الإسلام .
والبوصلة أدق وأخص في عملها من الاسطرلاب لأنها جهاز مغناطيسي حساس يؤشر اتجاه شمال القطب المغناطيسي وينتفع منها في الملاحة ، وتساعد في السفر عبر البحار والمحيطات واسستبدلت في القرن العشرين الميلادي باجهزة تتصف بالدقة في تعيين الموضع والمكان وقاعدة بيانات في المعالم والجغرافية والخرائط والإحداث فيها.
والأصل في تطويرها عسكري ثم عمّ الانتفاع منها في الأمور المدنية ، وأمور الفضاء كنظام تحديد الموقع Gps ونظام الملاحة العالمي عبر الأقمار الصناعية Gnss وكان العرب يجعلون لطلوع كل نجم علامة وأثراً لبيان تفقههم في علم النجوم وتتبعهم للطائف ودقائق ذخائره .
منها السجع (اذا طلع النجم عشاء، ابتغى الراعي كساء.
اذا طلع الدبران توقدت الحزان( ) وكرهت النيران واستعرت الذبان( )، ويبست الغدران ورمت بانفسها حيث شاءت الصبيان( ).
اذا طلعت الجوزاء، توقدت المعزاء، وأوفى على عوده الحرباء، وكنست الظباء، وعرقت العلباء، وطاب الخباء.
اذا طلع الذراع، حسرت الشمس القناع، وأشعلت في الافق الشعاع، وترقرق السراب بكل قاع( ).
اذا طلعت الشعرى( )، نشف الثرى، وأجن الصرى، وجعل صاحب النخل يرى.
اذا طلعت الجبهة، تحانت الولهة، وتنازت السفهة.
اذا طلع سهيل، طاب الليل، وحذي النيل، وامتنع القيل، وللفصيل الويل، ورفع كيل، ووضع كيل.
إذا طلعت الصرفة، احتال كل ذي حرفة، وجفر كل ذي نطفة، وامتير على الماء زلفة.
اذا طلعت العواء، ضرب الخباء، وطاب الهواء، وكره العراء، وشنن السقاء.
اذا طلع السماك، ذهبت العكاك، وقل على الماء اللكاك.
اذا طلعت الزبانى، أحدثت لكل ذي عيال شانا، ولكل ذي ماشية هوانا، وقالوا كان وكانا، فاجمع لأهلك ولا تواني.
اذا طلع الاكليل، هبت الفحول، وشمرت الذيول، وخيفت السيول.
اذا طلع القلب، جاء الشتاء كالكلب، وصار أهل البوادي في كرب، ولم تكن البخل الا ذات ثوب.
اذا طلع الهراران، هزلت السمان، واشتد الزمان، ووحوح الولدان.
والهراران قلب العقرب والنسر يطلعان معا.
اذا طلعت الشولة، أخذت الشيخ البولة، وقيل شتوة زولة، أي عجيبة.
اذا طلع سعد السعود، ذاب كل جمود، واخضر كل عود، وانتشر كل مصرود.
اذا طلع الحوت، خرج الناس من البيوت.
إذا طلع البُطَيْن اقتُضِيَ الدَّيْن، وظهر الزَّيْن، واقْتُفي بالعطاء والقَيْن.
إذا طلع الدَّبَران، توقّدت الحِزَّان، وكرهت النيران، واسْتَعَرت الذّبَان، ويبست الغُدْران، ورمت بأنفسها حيث شاءت الصبيان.
إذا طلعت الهَقْعَة، تقوض الناس للقُلْعة، ورجعوا عن النُّجعَة؛ وأرْدَفَتْها الهَنْعَة.
إذا طلعت العُذْرة، لم يبق بُعَمان بُسْرة، إلاّ رَطْبة أو تَمرَة.
إذا طعلت النَّثْرة، قَنأت البُسْرة، وجُنِيَ النخل بُكرة، وأوت المواشي حَجْرة، ولم تترك في ذات دَرٍّ قَطْرة.
إذا طلع الغَفْر، اقشعر السَّفْر، وتَربَّل النَّضْر، وحَسُن في العين الجمر.
إذا طلعت العَقْرب، جَمِس المِذْنَب، وقَرّ الأشْيَب، ومات الجُنْدَب، ولم يصر الأخطب.
إذا طلعت النَّعَائم، تَوَسَّفت التَّهائم، وخَلَص البرد إلى كل نائم، وتلاقت الرِّعاء بالتَّمائم.
إذا طَلَعتِ البلدة، جَمَّمَتِ الجعده، وأكِلَت القشدة، وقيل للبرد اهْدَه.
إذا طلع سَعْدُ الذابح، حمى أهلَه النابح، ونَقَع أهله الرَّائح، وتصبَّح السارح، وظهرت في الحي الأنافح.
إذا طلع سَعْدُ بُلَع، اقتحم الرُّبَع، ولَحِقَ الهُبَع، وصيد المُرَع، وصار في الأرض لُمَع.
إذا طلع سعد الأخْبية، زُمّت الأسقية، وتدلّت الأحويه، وتجاورت الأبنيه.
إذا طلع الدلو، هِيب الجَذْو، وأَنْسَل العفو، وطلب الخلوُ واللهو.
إذا طلعت السّمكة، أمكنت الحرَكة، وتَعَلّقت الحَسَكه، ونُصِبَت الشَّبكه، وطاب الزمان للنَّسَكه.
ابن المعتز:
كأن الثريا في أواخر ليلها … تفتح نور أو لجام مفضض
دكين:
وقد تعاللت ذميل العنس … بالسوط في ديمومة كالترس
اذ عرج الليل بروج الشمس .
وعن قتادة: بلغني ان رسول الله كان إذا رأى الهلال قال: هلال خير ورشد، ثلاث مرات، آمنت بالذي خلقك، ثلاث مرات، الحمد لله الذى ذهب بشهر كذا وجاء بشهر كذا.) ( ).
والظاهر أن سليمان عليه السلام يعتمد أقوال المنجمين وعلماء الفلك والجن في تعيين أوان سفره ، إلى جانب الوحي الذي هو الأصل .
ووصل إلى صنعاء وقت زوال الشمس أوان صلاة الظهر ، فرأى أرضاً خضراء ، فنزل فيها ليصلي ولتدرك هذه الجنود العظيمة معه والمسخرة له إنما هو عبد الله عز وجل ففي صلاته منع للغلو في شخصه الكريم ، قال تعالى [وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنْ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ] ( ).
إذ تبين الآية أعلاه أن سليمان لم يستطع حشر هؤلاء الجنود ، إنما حشرهم له الله ، ولا يقدر على هذا الحشر إلا هو سبحانه ، وفي التنزيل[يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ]( ).
فطلبوا الماء للوضوء وطهي الطعام للغذاء ، فلم يجدوا ، فأمر سليمان باحضار الهدهد وهو دليله على الماء وقيل أن الأرض له كالزجاج ويتصف برؤية الماء من تحت الأرض ، فينقر الأرض لتأتي الشياطين فتحفر في ثقباً في الأرض فيستخرجون الماء ويضرب العرب المثل بحدة بصر الهدهد ، وفي الأمثال قالوا (أسجد من هدهد، يضرب لمن يرمى بالأبنة، وقالوا: أبصر من هدهد، لما تقدم من رؤيته الماء تحت الأرض ) ( ).
ولا يؤكل لحمه لنهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أكله ، ولأنه يأكل الدود وريحه نتن .
وقيل أن الهدهد الذي سأل سليمان هو سيد الهداهد ،وعن الحسن البصري (اسمه عنبر) ( )،وقيل يعفور .
لقد ذكر الله عز وجل الهدهد في القرآن مرة واحدة بقصة سليمان في قوله تعالى [وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِي لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنْ الْغَائِبِينَ]( ).
وجاءت السنة النبوية لتبين وظيفة الهدهد وعمله عند سليمان ، إذ ورد (عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم : لا تقتلوا الهدهد فإنه كان دليل سليمان على قرب الماء وبعده،
وأحب أن يعبد الله في الأرض حيث يقول {وجئتك من سبأ بنبأ يقين إني وجدت إمرأة}( ) الآية.) ( ).
وفيه شاهد على أن السنة النبوية تفسير وبيان للقرآن ،ودعوة للعلماء لإستقراء المسائل من :
الأول : آيات القرآن .
الثاني : السنة النبوية .
الثالث : الجامع المشترك بين القرآن والسنة .
الرابع : الإنتفاع من النبات والحيوان والموجودات بلحاظ الكتاب والسنة.
وعندما نزل سليمان على أرض خضراء ، وفي وقت صلاة الظهر ظن الهدهد أنه سيكون مشغولاً عنه ، فقال في نفسه : أرتفع نحو السماء فارتفع إلى السماء لأنظر ما حولي يميناً وشمالاً ، ومن عادة الهدهد وإلى الأن أنه يبتعد في الطيران ، ولما طار الهدهد في السماء رآى بستاناً وخضرة ، فمال إليه وحط فيه ، فرآى هدهداً .
وعن الثعلبي (اسمه عنفر) ( ) فبادر هذا الهدهد لسؤاله : من أين أقبلت؟ وأين تريد ؟
قال : اقبلت مع صاحبي سليمان عليه السلام من الشام ، ولم يقل من مكة لأنه أقام فيها لغرض أداء المناسك ولعله لعدم وجود خضرة وزراعات في مكة آنذاك ، وفي ابراهيم عليه السلام قال تعالى [رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ] ( ) وأن كانت كثرة أعداد الأنعام التي يذبحها سليمان كل يوم تدل على وجود زراعات وأعلاف، على فرض صحة تفاصيل الخبر , وأن الأرض الجرداء حول مكة كانت في أيام إبراهيم واسماعيل ثم أنعم الله عز وجل على ساكني الحرم ببئر زمزم والأمطار إلا أن يقال أن جنود سليمان من الجن كانوا يحضرون الأعلاف من الشام , والأول أقرب .
فقال عنفر : ومن سلمان بن داود ؟
قال : ملك الجن والأنس والشياطين والطير والوحوش والريح ، لبيان أن الطير والجنود التي مع سليمان إنما هم دعاة له في جنسهم مع إمتثالهم لأوامره ، وهو من أسرار خلافة الإنسان في الأرض .
ومن الإعجاز في المقام ورود لفظ (خليفة ) مرتين في القرآن إحداهما في إخبار الله عز وجل الملائكة بخلق آدم ، والأخرى في قوله تعالى [يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ] ( ).
وما عند داود عليه السلام ورثه سليمان بالنص الذي لا يقبل الترديد ، قال تعالى [وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ] ( ). ولم يرد لفظ [وَوَرِثَ] إلا في الآية أعلاه .
ومن الإعجاز في الآية أعلاه خطاب سليمان للناس جميعاً لبيان أنه نبي رسول ، وقوله بصيغة الجمع [عُلِّمْنَا] لإفادة معرفته وأبيه داود عليه السلام والأنبياء منطق الطير .
ثم سأله : فمن أين أنت ؟
قال عنفر : أنا من هذه البلاد ، وسكت .
ولكن هدهد سليمان سأله مرة أخرى : ومن ملكها ؟
لقد سأل الهدهد عن الملك بصيغة التذكير إذ أن تولي المرأة للملك والسلطنة أمر نادر في تلك الأزمنة وإلى يومنا هذا ، وهو من الإعجاز في قوله تعالى [الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ] ( ).
ولم يبعث الله امرأة نبية ، وليس فيه إنتقاص للمرأة ، ولكنه تخفيف عنها ، لما في النبوة من جهاد وجهد وأذى , وإحتجاج مع الناس جميعاً , وهو من عمومات قوله تعالى [وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً] ( ) ولا ملازمة بين عدم بعث نبية امرأة وبين أهليتها لتولي الحكم .
وهل ذكر بلقيس وملكها كامرأة في القرآن شاهد على عدم حرمة تولي المرأة السلطنة والملك أم أنها حكاية عن قوم كافرين ، وكيف أن بلقيس أسلمت وتزوّجها سليمان عليه السلام ,.
المختار هو الأول ، بجواز توليها الحكم في منطقة أو بلد خاصة وقيل زوّجها سليمان لغيره , والأول أصح .
وذكر أن الحكم جاء لبلقيس عن طريق الوارثة إذ فوّض أبوها لها الملك وكانت تديره في أيام حياته فلما مات ملكت بعده .
وقيل بل مات أبوها الملك ولم يوص لأحد بالملك ، فأختار الناس ابن أخيه ، وكان فاسقاً أشاع الفساد ، إذ كان يرسل على أي امرأة جميلة إلى أن تجرأ على ابنة عمه بلقيس ، فطلبها فتظاهرت بالرضا والقبول ، ودعته ليحضر إلى قصرها وجعلت رجلين من ذوي قرباها وأمرتهم بقتله عندما يخلو بها ، فلما وضع سلاحه وإنفرد بها دخلا عليه وقتلاه .
فقامت بلقيس باحضار الوزراء ووبختهم .
(فقالت: أما كان فيكم من يزنف لكريمته وكرائم عشيرته ثمّ أرتهم إيّاه قتيلاً وقالت: اختاروا رجلاً تملّكونه، فقالوا: لا نرضى بغيرك؛ فملكوها.
وقيل: إنّ أباها لم يكن ملكاً وإنما كان وزير الملك، وكان الملك خبيثاً، قبيح السيرة يأخذ بنات الأقيال والأعيان والأشراف، وإنها قتلته، فملّكها الناس عليهم.) ( ).
والأقيال : جمع قيل وهو الملك من ملوك حمير في مقابل الرؤساء ، وكالبطاريق للروم ، وفي كتاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع وائل بن حُجر عندما أسلم وأمرّه وهو قيل من الأقيال والرؤساء .
وأرسله النبي صلى الله عليه وآله وسلم لحضرموت إلى الأقيال المباهلة من حضرموت وكتب كتابا وفيه (إلى الأقيال العباهلة والأرواع المشابيب من أهل حضرموت بإقام الصلاة المفروضة وأداء الزكاة المعلومة عند محلها، في التيعة شاة لا مقورة الألياط ولا ضناك وأنطوا الثبجة، وفي السيوب الخمس، ومن زنى مم( ) بكر فاصقعوه مائة واستوفضوه عاما، ومن زنى مم ثيب فضرجوه بالأضاميم ولا توصيم في الدين ولا غمة في فرائض الله، وكل مسكر حرام، ووائل بن حجر يترفل على الأقيال أميرا أمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) ( ).
وقيل كان تحت سلطان بلقيس أربعمائة ملك كل واحد على بلدة أو قصبة ، ومع كل واحد منهم أربعة آلاف مقاتل ، مما يدل علة سعة ملكها ، وأن تلك المماليك تحكم على طريقة الحكم الذاتي أما في قصة ولادتها فقد ذكرت بعض الأخبار بأن أباها خطب من الجن ، فزوجوه بلقمة بنت عمرو بن عمير الجني .
ومما ذكر أنه رأى حيتين تتقاتلان إحدهما بيضاء والأخرى سوداء ، فظهرت السوداء على الأخرى ، فقام بقتل السوداء ، وحمل البيضاء ، وصب عليها الماء فأفائت فأطلقها ، وحينما عاد إلى داره وجلس وحده ، جلس بجانبه شاب جميل ، فخاف منه وأصابه الرعب .
فقال له : لا تخف أنا الحية التي أنجيتني أما الحية السوداء التي قتلتها فهو غلام لنا تعدى علينا وقتل عدة من أهل بيتي ، ثم عرض على الملك المال وأن يعلمه الطب .
ويدل هذا الخبر على وفرة المال في تلك الأزمنة ، وارتقاء العرب في الطب وعلومه ، لأن واضع وناقل الحديث يلتفت إلى واقع الناس في زمانه، لتكون القصة والخرافة ملائمة ولا تنفر منها النفوس لغرابتها .
فقال له الملك : أما المال فلا حاجة لي به ، لوفرة المال عندي، وأما الطب فلا يليق بالملك أن يكون طبيباً وينشغل بمعالجة المرضى ، ولا يعني هذا انتقاصاً من وظيفة الطب فهي سامية ، ويدل عرض الجن تعليمه على أهمية وحاجة الناس له ، ولكن الملك أراد أن يبين عدم ملائمة انشغال الملك بالطب ونحوه من العمل وان كانت انسانية وسامية ، نعم كان بعض الوزراء يعمل بالطب ، وقد يكون عمله هذا من أسباب توليه الوزارة .
ثم قال الملك : ان كان لك بنت فزوجني إياها فوافق الجني واشترط عليه أن لا يحتج على عمل تقوم به ، ومتى احتج عليها وعاتبها فارقته ، فرضي الملك بهذا الشرط .
فحملت منه وولدت له ولداً فالقته في النار ، فظن أنه احترق ومات فحزن وتألم مع حاجة الملك للولد ليساعده في إدارة شؤون الملك ويرثه في سلطانه ، ولكنه سكت للشرط .
فصبر وأنتظر أن تحمل بولد آخر فحملت منه فولدت بنتاً فقامت بالقائها إلى كلبة فأخذتها الكلبة وذهبت وظن أن هذه الكلبة ستأكل ابنته وهو الملك، ولم يعلم أن هذه الكلبة من الجن حضرت لأمر فازداد حزنه وكظم غيظه، وصبر لما بينه وبين أخيها من الشرط .
وهل كان يخشى من غدرها لأنها من الجن ، الجواب لا دليل عليه لسبق إحسانه لهم ولصلة الزوجية .
ثم حدث تمرد في سلطانه إذا عصى أحد أصحابه ، وجمع جيشه وأنصاره واراد قتاله وقهره وإرجاع البلد إلى حكمه ، فأمر الجيش وسار لقتاله ، وكانت زوجته معه .
فانتهى إلى مفازة وصحراء قاحلة ، ولما توسطها أرادوا الغذاء فوجدوا الزاد وقد خلط بالتراب بما يجعلهم لا يأكلونه ، والماء قد أهريق من القرب التي وجدوها خالية ، فايقنوا بالموت والهلاك وأدركوا أنه فعل الجن فعلوه بأمر من زوجته فغضب ودخل عليها ، وجلس عندها ، وأخذ يخاطب الأرض ، ولا يخاطبها كنوع تقيد بالشرط (يا أرض صبرتُ لكِ على إحراق ابني وإطعام الكلبة إبنتي ثمّ أنتِ الآن قد فجعتنا بالزاد والماء وقد أشرفنا على الهلاك فقالت المرأة: لو صبرت لكان خيراً لك) ( ).
ثم أخذت تبين له علة كل فعل منها وقالت .
وابتدأت بالمصيبة الحاضرة وهي فقد الماء والطعام ، وقالت : أن عدوك خدع وزيرك فجعل السم في الأزواد والمياه ليقتلك وأصحابك ثم طَلبت منه أن يأمر الوزير أن يشرب ما بقي من الماء ويأكل من الزاد ، وكأنها تركت قليلاً منه للحجة والبرهان .
فخرج الملك ، وأحضر الوزير أمام القواد وعامة الجيش وأمره أن يشرب من الماء فامتنع عن شربه لأنه يعلم أنه مسموم فقتله الملك ، ثم قامت باخبارهم عن مكان قريب للماء والميرة لنجاة الملك والجنود ، وأنتهت تلك المصيبة وفرح الملك وجنوده ، وأدركوا أن الله كتب لهم حياة جديدة وصرف عنهم بلاء شديداً ليكون فيه جزاء من الجن للملك حينما نجّى الحية البيضاء ، وهو من الجن وأبو زوجته وتجد في عامة الخلائق الوفاء .
ثم قالت : أما ابنك فدفعته إلى حاضنة تربيه وقد مات ، وأما ابنتك التي دفعتها إلى الكلبة فهي باقية ، وإذا بجويرية( ) تخرج من الأرض وهي ابنته بلقيس ، وفارقته امرأته وسار إلى عدوه فظفر به ، ولعل هذا الكلام لا أصل له ، وهو نوع ظرفة ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ]( ).
قال تعالى [يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً] ( ) وقد تجلت مصاديق التقوى بخروج المهاجرين والأنصار مع قلة عددهم وظهور القروح والجراحات عليهم خلف جيش الذين كفروا الذي جاء لغزوهم .
ولقد جاء القرآن بالحق والصدق وأخبر عن كون بلقيس امرأة صارت ملكة بقوله تعالى [وَجَدتُّ امرأة تَمْلِكُهُمْ] ( ) والمتبادر للذهن من لفظ المرأة أنها من جنس البشر من الطرفين الأب والأم ، إلا أن يقال بالتزاوج مع الجن قديماً ، وغلبة جنس البشر خاصة إذا كان هو الزوج .
وقال هدهد اليمن عنفر : امرأة اسمها بلقيس ، ثم أظهر ولاءه لبلده وملكتها، وأخذ يتفاخر بملكها ، فبعد أن أقّر واعترف عنفر بسعة ملك سليمان وخضوع الإنس والجن والوحوش والطيور له .
قال : ولكن ملك بلقيس لا يقل عنه إذ (ملكت الشمس كلها وتحت يديها إثنا عشر ألف قائد، تحت يد كل قائد مائة ألف مقاتل، فهل أنت منطلق معي حتى تنظر إلى ملكها)( ).
ومعنى بلقيس وهج الشمس، وقيل الشجن، وأنها لم تنل هذا الاسم إلا بعد أن صارت ملكة لسبأ، وقد ذكرت قصتها في القرآن، وفي العهد القديم بأنها سمعت بسليمان فجاءته إلى بيت المقدس بجيش عظيم لسؤاله بمسائل، كما ذكرت في الإنجيل.
أما هدهد سليمان فأنه أخذ يدعو إلى نبوته ويبين رسالته إذ قال لهدهد اليمن: أنه رجل بعثه الله رسولاً وسخر له الجن والإنس والطير والريح، فتعجب هدهد اليمن، ولم يسمع بمثل هذا القول عندها قال: وأعجب منه أن هؤلاء القوم مع كثرتهم تملكهم إمرأة، وقد ذكرها الله عز وجل بقوله[وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ]( ) .
ومع هذا وبدل أن يشكروا الله عز وجل قاموا بالسجود للشمس من دون الله أي أنهم لم يتخذوها واسطة وزلفى للتقرب بها إلى الله كما في عبادة العرب للأصنام، إنما قاموا بالسجود والخضوع والتطامن لها.
ولما سمع منه هدهد سليمان تعجب من كثرتهم وأنكر سجودهم للشمس وأدرك الضرر الذي يجلبونه على أنفسهم بالكفر والجحود، وما يأتي على الناس بسببه لما فيه من إشاعة لمفاهيم الضلالة مع وجود نبي سخّر له الجن والإنس بفضل وآية من عند الله، ولو علم أهل مملكة سبأ به وبالآيات التي أنعم الله عز وجل بها عليه لآمنوا وإلتحقوا بملكه وسلطانه، وصار هدهد اليمن عنفر تابعاً إلى هدهد سليمان ( يعفور) .
وأخذ هدهد اليمن يذكر لهدهد سليمان تفاصيل عن كثرة جيش بلقيس وملكها ، ودعاه للذهاب معه للنظر في ملكها ؟ أي أنه إكتفى بقول الهدهد ووثق به ولم يسأل الدليل ولعله لم يكن ينوي إخبار سليمان عن ملكها .
(قال : أخاف أن يتفقدني سليمان وقت الصلاة إذا أحتاج إلى الماء.
قال الهدهد اليماني : إن صاحبك ليسره أن تأتيه بخبر هذه الملكة. فإنطلق معه ونظر إلى بلقيس وملكها وما رجع إلى سليمان إلاّ وقت العصر) ( ).
ولما رأى سليمان عليه السلام موضع الهدهد من بين الطيور خال منه ، دعا عريف الطير وهو النسر ، فسأله عنه ، فقال : أصلح الله الملك ما أدري اين هو ؟ وما أرسلته مكاناً .
ثم دعا سليمان العقاب وهو سيد الطير وقال له : علي بالهدهد الساعة.
فطار العقاب في السماء واستقر في مكان عال ثم التفت يميناً وشمالاً ، فاذا هو بالهدهد مقبلاً من نحو اليمن ، فأنقض عليه لما يعلمه من غضب سليمان عليه ، فتوسل إليه الهدهد ، وقال : بحق الله الذي قواك عليّ إلا رحمتني ولا تصبني بسوء .
فترك العقاب الإساءة إليه ، وقال :ويلك إن نبي الله قد حلف أن يعذبك أو يذبحك .
ثم جاء باتجاه العسكر ، فرأى النسر وعامة الطير الهدهد قد عاد ، فسألوه عن علة غيابه وأخبروه عن توّعد نبي الله له ، فقال الهدهد ، أو ما استثنى رسول الله .
قالوا : بلى قال أو ليأتيني بعذر بيّن وسلطان .
وعن عكرمة قال (سمعت ابن عباس يقول: كل سلطان في القرآن فهو حجة، كان للهدهد سلطان) ( ).
فطار هدهد سليمان مغادراً وراجعاً إلى عسكر سليمان، وحينما دخل العسكر .
وقيل أن سليمان نزل بمفازة فسأل الإنس عن بعد الماء عن الموضع الذي هم فيه فقالوا: لا ندري، فتوجه بالسؤال إلى الجن فأجابوا بمثله فغضب سليمان وقال لا أبرح حتى أعلم كم يبعد الماء عنها، بلحاظ أن معرفة المسافات للحاجات الضرورية للجيش أمر مهم يجب أن يكون معلوماً عند الإمام والقائد حتى يختار موضع النزول وأوان الرحيل والتجهز بالماء وهم ليسوا في بلادهم الشام حيث كثرة المياه إنما هم في الجزيرة وأطرافها، وإنعدام الماء قد يؤدي إلى عطش وهلاك الجنود، أو ثورتهم وتمردهم.
فقالت له الشياطين يا رسول الله لا تغضب ، فإن يك شيء يعلم فالهدهد يعلمه)( )، وكان سليمان يختار من كل جنس من الطير رئيساً لهم، فسأل عن رئيس الهداهد ، فأخبروه عن غيابه .
وكان سليمان يحرص على معرفة موضع الماء عندئذ توعده ، وقال [لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ] ( ) ومع حال الغضب التي يتغشى سليمان وسلطانه المطلق على أهل مملكته وضعف الطير، وسهولة ذبحه إلا أنه استثنى وقال بدفع العذاب عنه إن جاء بعذر وسبب وجيه لغيابه ، وهو من الشواهد على النبوة وأن النبي لا يحكم إلا بالحق والعدل حتى بالنسبة للضعفاء والطيور .
وتجلى العدل بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
(عن جابر قال اتى رجل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالجعرانة منصرفه من حنين وفي ثوب بلال فضة ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقبض منها ويعطي الناس .
قال يا محمد أعدل قال : ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل فقال عمر يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعني أقتل هذا المنافق .
قال معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية)( ).
وعندما عاد الهدهد إلى المعسكر تلقته أنواع الطيور فأخبروه بأن رسول الله توعده لغيابه وأن عذابه سيكون على أحد وجهين :
الأول : نتف الريش والتشميس أي وضعه تحت أشعة الشمس وحرارتها من غير ريش فيتعذر عليه الطيران ، وتأتي النمل وهوام الأرض تؤذيه .
الثاني : ذبح الهدهد ، وانقطاع نسله لبيان قانون وهو أن النبي سليمان عليه السلام جعل حداً أدنى للعقوبة وهو التعذيب وحداً أعلى لها وهو الذبح في الطير وليس مطلقاً .
وقدم الأول على الثاني كما في الآية أعلاه ثم استثنى وأعلن عن نجاته من العقوبة مع العذر ، وفيه دعوة للمشرعين في العالم من الأديان المختلفة بتعدد الحكم في الجناية الواحدة وجعله من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً بحسب الأسباب وذات الجاني واعطاء مندوحة للقاضي ، والحال المحيطة به ، والنوايا والغايات ، والأثر والضرر الخاص والعام ، وما يجري في المحاكم من المرافعة والإستماع للأطراف المختلفة ، وتوكيل المحامي والإستماع للإدعاء العام ، واصدار الحكم وفق قواعد وقوانين مرسومة في العقوبات واختيار القاضي بين طرفي الحكم الأدنى والأعلى ، ثم حق الإستئناف لكل الأطراف ، ثم التمييز أمر حسن ومنهاج في طريق العدل ، ولكن يجب مراجعة قواعد وقوانين الحكم بين الحين والآخر لملائمتها لحال المجتمع بما يفيد التخفيف والإصلاح .
مع جعل موضوعية للعذر والحجة ، وقد جاء الإسلام وكذا الديانات السماوية السابقة بالحث على التوبة وقبولها من عند الله ، وهل تكون لها وللإقرار والندم موضوعية في الحكم الوضعي والجنائي ، الجواب نعم ، إلا مع بلوغ الأمر للإمام ، وله أن يعفو لعمومات قوله تعالى [وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى]( ).
وبعد أن وصل الهدهد إلى أطراف المعسكر وتلقته الطير وأخبرته عن وعيد النبي سليمان له .
طار هو والعقاب حتى أتيا سليمان وهو قاعد على كرسيه ، وقال العقاب : قد أتيتك به يا نبي الله ).
وانما جاء الهدهد بنفسه إلى المعسكر ، فدنا الهدهد .
ورفع رأسه وأرخى ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض ، تطامناً وخضوعاً لسليمان ، فأخذ سليمان برأسه ومده إليه ، وقال له : أين كنت ؟
لاعذبنك عذاباً شديداً .
لا يرضى سليمان لجنوده الغباب والإبتعاد عن العسكر بدون عذر ، ولكل واحد منهم وظيفة يقوم بها ولو على نحو التعليق ، كما في الهدهد في ساعة مخصوصة ، وعند صلاة الظهر احتاج إليه سليمان ليدله على موضع الماء ، ويمنع من الإبتلاء بقلة ونقص الماء في المعسكر ، واللغط بسببه .
فقال له الهدهد : يا نبي الله أذكر وقوفك بين يدي الله سبحانه ، فارتعد سليمان وعفا عنه .
وقيل ترك سليمان ذبح الهدهد لبره لوالديه ، أي أن الهدهد يبر بوالديه بنقل الطعام إليهما فيزقهما .
ثم سأله : ما الذي أبطأ بك عني ، وخلّفك عن نوبتك فقال الهدهد ، كما ورد في التنزيل [فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ] ( ).
وذكر أن (النبي صلى الله عليه وآله وسلم سُئل عن سبأ فقال : كان رجلاً له عشرة من البنين يتيامن من ستة ويتشاءم من أربعة) ( ).
وقص الهدهد على سليمان أخبار ملك بلقيس وذكر له كثرة قومها والجيوش التي تحت أمرتها وأنهم يعبدون الشمس ، فبادر سليمان عليه السلام إلى دعوتهم للإسلام ، وتسخير الآيات والمعجزات الحسية التي رزقه الله في دعوتهم وإقامة الحجة عليهم .
وكتب سليمان إلى بلقيس وابتدأ بالبسملة لبيان أنها منهاج الأنبياء، وهل كانت تكتب بالسريانية أو العبرانية أو لغة سبأ، خاصة المختار أنها بالعربية.
ثم أردف قائلاً : من عبد الله سليمان بن داود الى بلقيس ملكة سبأ.
فقدم اسمه على اسمها لمقام النبوة، وذكر كنيته، والخصلة التي يفتخر بها وهي أنه عبد الله ليكون من معانيها بالأولوية أن بلقيس أمة لله عز وجل، فاذا شمل نعت العبودية الفاضل والمقدم فانه يشمل المفضول أيضاً، وتقدير فاتحة رسالة سليمان عليه السلام :
بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله بن داود الى أمة الله بلقيس ملكة سبأ، وكان سليمان ملكاً أيضاً ولذا ارسل لها كتاباً باخبار الهدهد عن حالها وحال ومقامها الرفيع .
ولكنه استحى من الله أن يخاطبها بصفة الملك، إنما خاطبها بصفة العبودية لله الذي أفتتح الكتاب باسمه، وفيه تأديب ووعظ لوزرائها وقوادها ودعوة لهم للهداية ونبذ عبادة الطواغيت.
وعن جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا ترفعوني فوق حقي فان الله تعالى اتخذني عبدا قبل أن يتخذني نبياً( ).
وأمر الهدهد أن يأخذ كتاباً منه إلى بلقيس ليتبين صدقه من كذبه وأن يلقيه عليها ، وقد ذكر القرآن تفاصيل هذه القصة بكيفية إعجازية تبعث الشوق في النفوس على قراءتها والتدبر فيها ، وتيسير حفظ الآيات وتكرار تلاوتها .
ومن إعجاز الغيري أن الهدهد من أكثر الطيور التي يعرفها المسلمون صغاراً وكباراً مع ندرته في المدن ومطلقاً .
وقد بعث الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يدعو الناس إلى التوحيد بمفرده وبثلة قليلة من أهل بيته وأصحابه فأشتد أذى كفار قريش عليهم ، فأمر طائفة من أهل بيته وأصحابه بالهجرة إلى الحبشة لأن فيها ملكاً عادلاً ، وكانت هجرتهم على دفعتين :
الأولى : اثنا عشر رجلاً وأربع نسوة .
الثانية : ثلاثة وثمانون رجلاً وثماني عشرة امرأة.
ثم هاجر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه إلى المدينة المنورة وسعت قريش إلى قتله في الطريق ونجا بمعجزة حسية ، قال تعالى [إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] ( ) حتى إذا ما وصل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة وجد أمة من الأوس والخزرج في نصرته ، ليبني صرح دولة الإسلام بالمهاجرين والأنصار ، ولقد رفع ابراهيم واسماعيل عليه السلام قواعد البيت الحرام لقوله تعالى [وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ] ( ) .
ليكون رفع القواعد هذا مقدمة وتوطئة لبعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقيامه بتبليغ رسالته في موسم الحج ، وليقوم برفع قواعد الدين الحنيف وإعلاء كلمة التوحيد في مشارق ومغارب الأرض .
فأبى كفار قريش إلا ملاحقته وتجهيز الجيوش لمحاربته ،وكانوا يعلمون بعدد أصحابه وقلة أسلحتهم فيأتون بجيش من نحو أربعة أضعاف عدد جيش المسلمين ، أما الفارق في الأسلحة والرواحل فهو أكثر وأكبر .
لضمان النصر مع خبرتهم وإحاطتهم علماً بأيام العرب ، وفنون القتال فيها وأسباب النصر والهزيمة في المعارك التي جرت في الجزيرة واليمن والشام خاصة وأنهم أهل تجارة يجوبون البلدان ويأتون بالأخبار ويحفظون الأشعار ليلقوها في دار الندوة المطلة على البيت الحرام ، وفي مجالسهم في البيت الحرام ، ومنتدياتهم وأثناء سفرهم وترحالهم ، وظنوا أن كثرة جيشهم وعدتهم تصير سبباً لهزيمة المسلمين ومناسبة لقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
فكانت معركة بدر في السنة الثانية للهجرة ، حيث هزم المشركون ، مع هذه الأضعاف ، ولم يتعظوا فجاءوا في العام التالي بثلاثة أضعاف جيشهم في معركة بدر ، إذ زحفوا لمعركة أحد ثلاثة آلاف رجل مع التهيئ والإستعداد للمعركة لسنة كاملة ، فأصيب المسلمون بنكسة وفقدوا سبعين شهيداً ، وكثرت جراحات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه ، ولكنه أمر مناديه في صباح اليوم الثاني للخروج بتعقب جيش الذين كفروا وهو موضوع آية البحث .
ولم يكن مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم جند من الجن والطير، إنما كان معه أصحابه الذين أخلصوا في إيمانهم فتفضل اله عز وجل وأنزل الملائكة لنصرتهم .
فمن إعجاز القرآن إخباره بأن الملائكة نزلوا لنصرة المسلمين وليس النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى [إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُنْزَلِينَ]( ).
وهذا المدد وبلحاظ جند سليمان من الجن والأنس والطير شاهد على تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأن قوة الملك الواحد تزيد على قوة هؤلاء مجتمعين .
ولبيان اشتراك النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أصحابه في الإنتفاع من نزول الملائكة مع تفضل الله عز وجل باحاطته بعناية خاصة من عنده ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ] ( ).
وتفضل الله عز وجل وأنعم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بالعودة سالمين من ملاحقتهم لجيش المشركين لتوثق آية البحث هذه النعمة وتكون شاهداً على التأريخ بصدق جهاد النبي وأصحابه في الدفاع عن كلمة التوحيد التي يحملونها بين ثنايا قلوبهم .
قانون التدارك القرآني
لقد خاب الذين نافقوا وامتلأت قلوبهم غيظاً بالنصر المبين للمسلمين في معركة بدر ودخول الغنائم والأسرى بالتتابع إلى المدينة ، وصبيان المدينة ينشدون (قتل أبو جهل الفاسق) ( ).
لتتكرر خيبة الذين نافقوا في معركة أحد ، فان قلت قد خسر المسلمون فيها خسارة ليست بالقليلة بخلاف معركة بدر ، وهذا صحيح ، وقد نزلت آية البحث لتدارك هذه الخسارة فالذي قتل من المسلمين لا يرجع إليهم ، ولكن تفضل الله عز وجل بالإخبار عن حياة الشهداء لبيان إعجاز خاص للقرآن وهو قانون التدارك إذ يتصف القرآن بأمور منها :
الأول : القرآن وسيلة سماوية لتدارك النقص الذي يلحق بالمسلمين وبما يبعثهم على العمل والجد ، قال تعالى [فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ] ( ).
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (اللهم أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والبخل والجبن وفضح الدين وقهر الرجال) ( ).
وهل في سقوط سبعين شهيداً من المسلمين في معركة أحد مصداق لقهر الذين كفروا للمسلمين ، الجواب لا ، من جهات :
الأولى : وقوع معركة أحد بعد خسارة وهزيمة الذين كفروا في معركة بدر .
الثانية : إبتداء معركة أحد بنصر مبين للمسلمين وهزيمة للذين كفروا لقوله تعالى [وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخرةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ] ( ) .
الثالثة : ثبات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسط ميدان المعركة إلى أن عادت طائفة من أصحابه , وإنسحب جيش المشركين .
الرابعة : تفضل الله عز وجل بهلاك طائفة من الذين كفروا في معركة أحد ، ليعلم الناس جميعاً بالملازمة بين قتال الذين كفروا للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبين سقوط القتلى منهم، وهو من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في السّنة الدفاعية، وصيغة المضارع في قوله تعالى [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ]( ).
الخامسة : نيل المسلمين مرتبة العز والمنعة في معركة بدر التي سبقت معركة أحد بثلاثة عشر شهراً , قال تعالى[وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ]( ).
السادسة : دلالة الآيات التي نزلت بخصوص معركة أحد على تحقيق نصر المسلمين فيها ، ويتجلى هذا النصر بنزول الملائكة لنصرة النبي وأصحابه يومئذ ، لبيان قانون وهو مصاحبة النصر لنزول المدد من الملائكة
فان قلت قد ورد تعليق النصر بإذن ومشيئة الله حتى مع نزول الملائكة للجمع بين الآيتين المتعاقبتين [وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ] ( ) .
الجواب نعم هذا صحيح ، وما نزول الملائكة لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلا أمارة على الإذن من عند الله بنصرهم .
وهل تتدارك آيات القرآن المسلمين وتمنعهم من الخسارة والهزيمة ، الجواب نعم ، وهي سر نصر الإسلام من جهات :
الأولى : ما في القرآن من الأوامر والنواهي المطلقة التي تشمل ميادين الحياة كلها ومنها :
أولاً : مقدمات القتال .
ثانياً : الإشتباك مع العدو الكافر .
ثالثاً : الغايات الحميدة من أفعال المسلمين .
رابعاً : نتائج المعركة وتسخيرها في سبيل الله ، وقد يجتمع الأمر والنهي في آية واحدة كما في قوله تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ] ( ).
وهل يصدق على الرماة الذين تركوا مواضعهم على الجبل أو الذين انهزموا يوم معركة أحد أنهم تولوا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأنه بقي ثابتاً في الميدان ، ولأن فرارهم سبب لإنكشافه للعدو.
الجواب لا ، إنما المراد من التولي في الآية أعلاه الإعراض عن الرسول وترك طاعته ، والإدبار عن أوامره ونواهيه .
الثانية : إتصاف الآية القرآنية بأنها إمام في حال الحرب والسلم .
الثالثة : مجئ القرآن بما يحتاجه المسلمون في أمور الدين والدنيا ، قال تعالى [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( ).
الرابعة : مجئ القرآن بتنمية ملكة الحاجة إلى رحمة الله في نفوس المسلمين ، وهو من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ) ومن خصائص إدراك المسلم لهذه الحاجة لجوئه إلى الله عز وجل ، والتوكل عليه ساعة الشدة ، وحين البأس ، ورجاء فضله ورفده وإحسانه .
ونزلت آية البحث لبيان حاجة الشهداء إلى رحمة الله عز وجل , وتفضله سبحانه عليهم بأمور :
الأول : مخاطبة الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بخصوص الشهداء ، فهذه المخاطبة وحدها نعمة عظمى عليهم ، وشاهد بذكرهم في الدنيا بلطف من عند الله عز وجل حتى بعد مغادرتهم لها .
فبينما يتحدث المنافقون والذين في قلوبهم مرض عن الإقتران بين خروج الشهداء للمعركة وبين قتلهم ، وكأن هذا الخروج علة تامة لقتلهم ، ويمتنع المنافقون عن ذم الكفار الظالمين الذين قتلوهم إذ تملي الآية السابقة ما يقوله المنافقون بخصوص الشهداء [لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا] وكان يجب عليهم عقلاً وشرعاً أن يكون قولهم على وجوه :
أولاً : لو آمن الذين كفروا ما قُتل الشهداء .
ثانياً : لو لم يأت الذين كفروا للقتال والتعدي ما قتل الشهداء
ثالثاً : لو بقي الذين كفروا في بلدهم في مكة وجوار البيت الحرام ما قتل الشهداء .
ليكون من معاني قوله تعالى [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ] ( ) بيان العقوبة العاجلة من الله عز وجل للذين كفروا من قريش .
لقد جاءوا إلى معركة أحد للثأر مما لحقهم في معركة بدر ، وفقدهم لسبعين قتيلاً مع وقوع سبعين منهم في الأسر ، وكثرة ما تركوه في ميدان المعركة من الغنائم ، ولم يعلموا أن ما كان سائداً من الثأر عند العرب إنخرم وإنقطع برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للتباين الموضوعي ، ومجئ المدد الإلهي له ولأصحابه حتى في حال المعركة التي اختارها الذين كفروا للثأر .
الثاني : بعث السكينة في نفوس المؤمنين بالإخبار عن حياة الشهداء عند الله سبحانه .
الثالث : حفظ الله للشهداء في أهليهم وذراريهم .
الرابع : تخفيف وطأة الموت وحرارة السيف عن الشهيد.
ويمكن تسمية الحياة الدنيا (دار التدارك ) إذ ينعم الله عز وجل على الإنسان بالفرصة السانحة المتجددة في إصلاح ذاته وأمره وعبادته وماله وصلاته مع الناس ونحوها ، فيمهله سبحانه للتدارك والتوبة والندم والإعتذار وإعادة البناء بعدم الهدم والنقض ، وهذا التدارك من مصاديق خلافة الإنسان في الأرض ، ومرتبة الإختيار التي جعلها الله عز وجل عنده، والسعة والمندوحة في الوقت والآلة والسبب لتنجز الفعل ، ويتقوم قانون التدارك في القرآن بالتوبة والإنابة ومعنى التدارك التتابع والتلاحق والإرتقاء والعودة إلى الصواب ويقال تدارك الخسارة بالربح وتدارك الخطأ بالصواب أي اتبعه والحقه به ، وكأنه من الناسخ والمنسوخ.
وتدارك الذنب وتلافي التقصير بالإعتذار بالتوبة أي ألحقها به ، وفي التدارك أطراف :
الأول : المتُدارك به .
الثاني : موضوع التدارك .
الثالث : المتدارَك .
وقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا مليئة بالآيات والبراهين التي تكشف للإنسان جادة الصواب ، وتزجره عن الباطل والحرام ، وتواسيه وتقربه إلى الصلاح وبعث السكينة في نفسه من عمل الصالحات .
والتدارك في إصطلاح الصلاة هو رجوع المصلي إلى الركن الذي فاته وتركه ، فيأتي به ما لم يركع في الركعة التالية للنقص .
والتوبة ليست إنكار الذنب والمعصية ، إنما هي الإقرار بالإساءة مع تأكيد الإقلاع عنها .
ويقال التائب للذي يبذل التوبة , وللذي يقبلها , ومن أسماء الله عز وجل التواب وهو الذي يقبل التوبة الكثيرة من جهات :
الأولى : التوبة المتعددة من ذات الشخص .
الثانية : توبة الجماعة عن معصية اشتركوا فيها فلم يسألهم ألم يقم أحدكم بنهي الآخرين .
الثالثة : توبة الناس في أي مكان وزمان فمن مصاديق قوله تعالى[إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ).
فتح باب التوبة للإنسان وعدم غلقه عنه ما دام حياً ، وقال تعالى[وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا]( ).
عن عبادة بن الصامت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(من تاب قبل أن يموت بيوم تاب الله عليه إن يومًا لكثير من تاب قبل أن يغرغر تاب الله عليه)( ).
ومن إعجاز القرآن أن كل آية فيه تدعو الإنسان إلى التوبة والإنابة، وهو من أسرار وجوب قراءته في الصلاة اليومية على كل مسلم ومسلمة وجوباً عينياً.
ومن هذا الوجوب قراءة سورة الفاتحة على نحو التعيين، فكل آية منها تدعو إلى التوبة وهي في ذات الوقت إعلان للتوبة والإنابة.
قانون كل آية تذكر الله
لقد جعل الله عز وجل القرآن[تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( ).
ومن وجوه البيان فيه ذكر آيات الله عز وجل, وأسمائه الحسنى. وعظيم قدرته وسلطانه, وليس من حصر للعلوم المستقرأة من ذكر القرآن لأسماء الله ودلالاتها, ويأتي ذكر الله عز وجل في آيات القرآن على وجوه:
الأول : ورود اسم الجلالة في الآية القرآنية . وهي على وجوه :
أولاً : ورود اسم الجلالة مرة واحدة في الآية القرآنية.
ثانياً : تكرار اسم الجلالة مرتين في الآية القرآنية, كما في قوله تعالى قبل ثلاث آيات[يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ]( ).
ثالثاً : ذكر اسم الجلالة في الآية القرآنية ثلاث مرات كما في آية البحث[فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ]( ).
وأختص الله عز وجل باسم الجلالة، وقال جمع من النحويين أنه اسم جامد لا إشتقاق له، والألف واللام فيه لازمة، فتقول: يا الله ولا تقول: يا الرحيم.
وذكر أنه مشتق وأستدل عليه بقوله تعالى[وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ]( )، أي الرب والإله المعبود، والمختار أنه مشتق.
وقد ورد في الحديث المتواتر عند عموم المسلمين عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن لله تسعة وتسعين إسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة)( ).
وقيل المراد من الإحصاء إستيفاؤها علماً بها وإيماناً، ولكن يحمل الكلام على ظاهره، ويكفي في الإحصاء هنا التعداد بصبغة الإيمان.
الثاني : ذكر الله عز وجل باسمائه الحسنى التي تدل على الرحمة والرأفة , ومن الإعجاز في المقام إنه بإستثناء سورة التوبة فإن كل سور القرآن تبدأ ب(بسم الله الرحمن الرحيم).
لبيان أنها لفظ قرآني , وللبدلية عن عدم ورودها في أول سورة التوبة جاءت البسملة في سورة النمل[إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِاسم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ]( ).
الثالث : ورود أسماء الله عز وجل التي تدل على قوته وسلطانه وعظيم قدرته وجبروته وبطشه , وورد عن الإمام علي عليه السلام أنه
قال: (إن قوما عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار وإن قوما عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وإن قوما عبدوا الله شكرا فتلك عبادة الاحرار)( ).
الرابع : إستقراء ذكر الله عز وجل في الآية القرآنية ببيانها لعظيم قدرته وإمضاء مشيئته , وحضور أمره .
ولابد من تأسيس علم مستقل وهو ذكر الله في آيات القرآن بالإبتداء بالبسملة التي في سورة الفاتحة إذ أنها تتكون من أربع كلمات ثلاثة منها اسماء الله عز وجل والرابعة ذات اسم الله , وكما في الآية الثانية من سورة الفاتحة [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ] ( ).
فيه ايضاً أربع كلمات , وكل كلمة في الله عز وجل وبيان فضله ولزوم شكره على عظيم النعم التي تتغشى الناس جميعاً , ثم تأتي الآية الثالثة من سورة الفاتحة[الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ]( ).
وهما اسمان من إسماء الله عز وجل يدل كل واحد منهما على سعة رحمة الله ويبعثان مجتمعين ومتفرقين الغبطة في النفوس والأمن والرجاء بالنهل من رحمة الله في الدنيا , وتغشيها للمؤمنين في عالم الآخرة , وعن محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(قال الله عز وجل: قسمت فاتحة الكتاب بيني وبين عبدي فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل فقد استجبت لعبدي، وأعطيته ما أمل، وأمنته عما منه وجل)( ).
الخامس : دلالة الآية القرآنية على المنافع العظيمة لذكر الله عز وجل .
السادس : المسائل المستقرأة من ذكر الله في كل آية من القرآن ومعاني ومفاهيم تعدد أسمائه في الآية القرآنية , فلو ورد مرة بلفظ اسم الجلالة وآخر باسم من الاسماء الحسنى فإنه من المتعدد , كما في قوله تعالى[تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنْ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ]( ).
السابع : ورود وذكر اسم الله بصيغة الضمير الظاهر والمستتر , وهو في القرآن كثير ويأتي في الآية التي ورد ذكر اسم الله فيها والآية التي لم يرد اسم الله عز وجل فيها .
ففي الآية الكريمة[وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ]( ).
إبتدأت الآية بالضمير المستتر لله عز وجل وتقديره : وليعلم الله الذين نافقوا, مع ورود اسم الجلالة في الآية مرتين .
ويمكن إحصاء أسماء الله عز وجل في القرآن بالمعنى الأعم إحصاءً جديداً يبين فيه أن أسماء الله في القرآن أضعاف عدد آياته من وجوه :
الأول : اسم الجلالة ( الله ) وورد في القرآن (2699) مرة في(1821) آية.
الثاني : عدد المرات التي ورد فيها كل اسم من أسماء الله الحسنى , في القرآن منها على سبيل المثال :
الرحمن ورد 57 مرة .عدا البسملة .
الرحيم 95 مرة .
الغفور 71 مرة.
الغفار 4 مرات.
الجبار 5 مرات.
القدير39 مرة.
القادر 7 مرات.
الثالث : عدد المرات التي ورد ذكر اسم من أسماء الله بالإضافة كما في قوله تعالى قبل ثلاث آيات[بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ]( ).
الرابع : الأسماء الحسنى التي لم ترد في القرآن.
الخامس : الضمير الظاهر الذي يدل على الله عز وجل مثل قوله تعالى[فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ]( ).
ففيها ستة من أسماء الله والضمائر التي تدل عليه وهي :
الأول : من ربه, وتقديرها من رب آدم لبيان قانون وهو إقرار آدم والناس جميعاً أنه ليس من رب لآدم عندما كان في الجنة وكذا وهو في الأرض إلا الله عز وجل الأمر الذي يملي على الناس التسليم بالربوبية المطلقة لله عز وجل، وفي التنزيل[وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ]( ).
الثاني : فتاب عليه , أي فتاب الله على آدم , لتأكيد قانون وهو أن التوبة أمر بيد الله وأنه سبحانه لا يحجبها عمن سألها وسعى اليها , وقصد رضوان الله , إذ لا ملازمة بين الإستغفار من العبد والتوبة من عند الله عز وجل , فقد تأتي التوبة والعفو من الله ابتداء وفضلاً ومنة , أو أنها ثواب على عمل الصالحات .
وقد تأتي التوبة قبل الموت أو بعده وفي شهداء أحد ورد قبل ثلاث آيات[يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ]( ).
فليس من عمل يكون نوع طريق ومقدمة للتوبة والعفو والمغفرة مثل بذل النفس في الدفاع عن شخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو القرآن , بقصد القربة , ومن رحمة الله وسعة سلطانه أنه ينعم على العبد بأمور :
أولاً : مقدمات التوبة .
ثانياً : أسباب التوبة .
ثالثاً: اللطف الإلهي لتقريب العبد إلى منازل التوبة سواء بإصلاحه لها, أو بتهيئته أمور تبعث على التوبة منها العمل الصالح، قال تعالى[وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى]( ).
رابعاً : نفرة النفس من قبائح الأفعال وما يبعد الإنسان عن التوبة .
خامساً : دفع الله عز وجل لما يحجب العبد عن التوبة , أو يحجبها عنه, وفي يوسف عليه السلام ورد قوله تعالى [ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ]( ).
فلم تقل الآية لنصرفه عن السوء, إنما أخبرت عن صرف ودفع الله عز وجل ذات السوء من الوصول إلى يوسف، ومن رحمة الله عز وجل ومعجزات القرآن إخبار الآية أعلاه أن قانون صرف السوء لا يختص بيوسف عليه السلام ولا بالأنبياء وحدهم , إنما يشمل الذين أخلصوا ويخلصون العبادة لله عز وجل .
الثالث : الضمير في (إنه) وفي صناعة الإعراب يذكر أن الضمير هنا إسم(إن) وهو يدل على الذات الإلهية المقدسة , فقد أشار الله عز وجل إلى نفسه بالضمير الهاء .
ولو أراد لذكر اسم الجلالة وقال : إن الله هو التواب الرحيم, ولا بد من دلالة لمجيء الضمير بالذات في الآية مرة وأخرى ذات اسم الجلالة.
وتبين الآية قانوناً وهو أن الله عز وجل يثني على نفسه بصيغة الغائب, وأن الناس جميعاً يدركون أن هذا الضمير ينصرف إليه, والقرآن يفسر بعضه بعضاً , فقد ورد ذكر الله عز وجل على نحو التصريح في قوله تعالى[ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ]( ).
الرابع : تعقب الضمير الهاء بالضمير (هو) في الآية لقوله تعالى[إِنَّهُ هُوَ] وفيه مسائل:
الأولى : إن تفيد التأكيد .
الثانية : بيان عظيم النعمة من الله عز وجل على آدم .
الثالثة : الإخبار عن قانون وهو أن الله عز وجل يتوب على الناس بفضل ورحمة منه تعالى .
الخامس : مجيء اسم من أسماء الله الحسنى(التواب) لبيان أن توبة الله عز وجل على آدم نعمة وفضل منه تعالى , وليس هي عن إستحقاق من الإنسان .
وقد ورد اسم ( التواب ) ست مرات في القرآن , كلها مقترنة مع اسم الرحيم, وتعدد الأسماء والضمائر التي تدل على الله عز وجل وسعة رحمته علم مستقل بذاته , تقتبس منه المسائل الكلامية في أمور الدنيا وأحوال الآخرة , كما في قوله تعالى[وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ]( ).
وتقدير[وَتُبْ عَلَيْنَا] (أي وتب أنت علينا) لبيان إقرار وتسليم إبراهيم وإسماعيل بأمور :
الأول : الحاجة إلى الإستغفار حتى مع العمل الصالح .
الثاني : التوبة واجب .
الثالث : وجوب الشكر لله عز وجل على التوفيق للعمل الصالح .
الرابع : من خصائص النبي القطع بأن الله عز وجل هو الذي يتوب على العباد , وهذه التوبة من وجوه :
الأول : التوبة إبتداءً من عند الله عز وجل .
الثاني : التوبة إستجابة للعباد في سؤالهم واستغفارهم , إذ جاء القرآن بالندب إلى الإستغفار والحث عليه , وكأن التقدير على وجوه :
أولاً : إستغفروني كما أغفر لكم .
ثانياً : من يستغفر أغفر له .
ثالثاً : من معاني التواب أن الله عز وجل يقرب العباد للتوبة .
رابعاً : إستغفروني لأغفر لكم.
الثالث : توبة الله على العباد شكر منه سبحانه لهم على عملهم الصالحات , ومنه آية البحث لإخبارها عن إستجابة المهاجرين والأنصار لله سبحانه والرسول .
والله هو التواب الذي يتوب على الذين يستجيبون له ولرسوله .
إن أحصاء اسماء الله عز وجل الظاهرة والمستترة في القرآن علم قائم بذاته إذ تكون هذه الأسماء أضعاف عدد آيات القرآن , وفي كل اسم وموضعه في الآية القرآنية مدرسة وموعظة وحرز .
الرابع : تفضل الله عز وجل بالتوبة على العبد بعمل صالح أو دعاء وإستغفار من غيره , وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال (أَنَّ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قَالَ: إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ)( ).
ولا بد من أثر ونفع للمسلمين يترتب على هذا الدعاء يتجلى بالمغفرة سواء على نحو الوجبة الكلية أو الجزئية .
السادس : إختتام الآية السابعة والثلاثين من سورة البقرة أعلاه باسم الله ( الرحيم ), إذ يحب الله سبحانه أن يختم الآية باسم من أسمائه , وفيه مسائل :
الأولى : وجوب الإيمان بكل اسم من أسماء الله ، وهل يختص هذا الوجوب بالمسلمين على القول بعدم تكليف غير المسلم بالفروع ، الجواب إنه واجب لقوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( )وهذا الإيمان فرع العبادة ، والمختار هو تكليف الناس جميعاً بالفروع مثل تكليفهم بالأصول .
الثانية : التعبد بالأسماء الحسنى ، والشهادة لله عز وجل بالمعاني الحقيقة لهذه الأسماء والتسليم بأن هذه المعاني أكبر وأعظم من أن تحيط بها عقول البشر .
الثالثة : لما أخبرت آية البحث عن رجوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من حمراء الأسد بنعمة وفضل من الله فان إختتام كثير من آيات القرآن باسم من اسماء الله الحسنى من هذه النعمة والفضل .
الرابعة : كل اسم من أسماء الله ورد في القرآن نعمة عظمى تدعو إلى التدبر والتفكر في دلالاته ، ففي قوله تعالى [هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ] ( ).
والغبطة بالإقرار بأن الله هو الأزلي الذي لا بداية له والسابق لكل شئ إذ أن كل شئ مخلوق بمشيئة ، وسبق الله ليس من سبق العلة للمعلول ، إنما هو سبق أزلي لا إبتداء له ، وكان الله ولم يكن معه شئ .
والأبدي الذي لا نهاية له ، وهو الأمدي الدائم بين البداية وما قبلها ، والنهاية وما بعدها .
وهو السرمدي : الذي ليس له بداية ولا نهاية ، والله هو الظاهر .
(عن ابن عباس ، أن عثمان بن عفان جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال له: أخبرني عن{مقاليد السماوات والأرض}؟ فقال : سبحان الله، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، الأول ، والآخر ، والظاهر ، والباطن ، بيده الخير، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير . يا عثمان من قالها إذا أصبح عشر مرات وإذا أمسى أعطاه الله ست خصال : أما أولهن فَيُحْرَسُ من ابليسَ وجنوده. وأما الثانية فيعطى قنطاراً من الاجر . وأما الثالثة فيتزوج من الحور العين. وأما الرابعة فيغفر له ذنوبه . وأما الخامسة فيكون مع إبراهيم. وأما السادسة فيحضره اثنا عشر ملكاً عند موته يبشرونه بالجنة ويزفونه من قبره إلى الموقف، فإن أصابه شيء من أهاويل يوم القيامة قالوا له لا تخف إنك من الآمنين ، ثم يحاسبه الله حساباً يسيراً ، ثم يؤمر به إلى الجنة ، يزفونه إلى الجنة من موقفه كما تزف العروس حتى يدخلوه الجنة بإذن الله ، والناس في شدة الحساب) ( ).
واسم لغة هو العنوان والرمز الذي وضع لشئ من الأشياء ، ويدل على معنى من المعاني جوهراً كان أو عرضاً ، فيشمل المتحرك والجامد والحي والميت والفعل والحرق ، وقد يأتي باسم قبل المسمى أو بالعكس يموت الإنسان أو تتلف العين ولكن الاسم الخاص بهما باق ، وليس من فترة أو مدة لبقائه وجاءت الكتب السماوية لتوثيق اسم آدم إلى يوم القيامة ، وأراد الله عز وجل إكرام الأنبياء فذكر اسماء شطر منهم في القرآن مع بيان قصصهم وجهادهم في سبيل الله .
والاسم مشتق من السمو لأنه تنويه وإكرام ونوع شأن خاص ومن بديع صنع الله عز وجل في خلق آدم أمور :
الأول : خلق آدم في الجنة .
الثاني : جعل آدم يقضي ساعات من عمره في الجنة بجوار الله وصحبه الملائكة .
الثالث: خلق حواء في الجنة ومعرفة كل من آدم وحواء أنه زوج الآخر .
الرابع : تقديم آدم الأسماء لبيان موضوعيتها في العبادة وحاجات الناس ونظام الحياة بينهم .
الخامس : العموم في التعليم ، إذ علم الله عز وجل آدم الأسماء كلها ، وليس بعضهاًُ أو شطراً منها ، قال تعالى [وَعلم آدم الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ] ( ).
السادس : بيان رجحان مرتبة آدم وأهليته للخلافة في الأرض .
السابع : عدم صيرورة زلة آدم وحواء بالأكل من الشجرة سبباً لحجب الخلافة عنه في الأرض .
ومن لطف الله عز وجل بالإنسان نسبة هذا الفعل إلى إبليس بقوله تعالى [فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ]( ).
وحتى خروج آدم وحواء كان بأمر ومشيئة من عند الله بدليل قوله تعالى [قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ] ( ) إلا أنه سبحانه نسب هذا الخروج إلى الشيطان بلحاظ أنه المسبب له ، ولتحذير أجيال الناس المتعاقبة منه ، وبعث المسلمين على التفقه في الدين ، وأن المسبب للجناية قد يتحمل أثمها ، ولابد أن الله عز وجل أول ما علم آدم اسم الجلالة ، ويحتمل وجوهاً :
الأول : علم الله عز وجل آدم الأسماء الحسنى كلها .
الثاني : علم الله عز وجل آدم اسم الجلالة وحده .
الثالث : علم آدم عز وجل آدم شطراً من الأسماء الحسنى ، وجعل الباقي كنزاً وثروة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين .
الرابع : علم الله عز وجل آدم شطراً من الأسماء الحسنى ،وتفضل بتعليم كل نبي عدة من الأسماء الحسنى .
الخامس : هناك اسماء لله عز وجل لم يعلمها آدم ولا أحد من البشر ، وتحتمل جهات :
الأولى : اقتباس هذه الأسماء من القرآن .
الثانية : الرجوع إلى القرآن والسنة النبوية .
الثالثة : بقاء هذه الأسماء خاصة به تعالى لا يعلمها غيره .
والمختار هو الأول أعلاه لنص الآية القرآنية [وَعلم آدم الأَسْمَاءَ كُلَّهَا] ( ) وقد يقال بالجهة الثالثة من الوجه الخامس أعلاه والاسم هو أحد الأسماء العشرة التي تبدأ أوائلها بالسكون ، فاذا نطقوا بها في أول الكلام زادوا همزة لأن العرب لا تبدأ بساكن ، إذ يبتدئون بالمتحرك ويقفون عند الساكن.
وأختلف في علم الكلام هل الاسم عين وذات المسمى أو غيره والمختار هو الثاني .
قانون فضح معركة أحد للمنافقين
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار إمتحان وإختبار تتوالى فيها أسباب الإبتلاء لتتجلى سنخية الإنسان، وما يضمر في نفسه، وما يطمع ويطمح إليه، والبلغة التي يتخذها لتحقيق غاياته، وسنخية هذه الغايات، والإبتلاء في الدنيا من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً بالنسبة للفرد والجماعة والطائفة والأمة، فقد يشتد الإبتلاء على بعضهم، وقد يكون أخف وأيسر على غيره ولا يعلم علة وأسباب هذا التباين إلا الله عز وجل، وهو من مصاديق الحكمة لله عز وجل.
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : يقول الله من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وإني لأسرع شيئا إلى نصرة أوليائي إني لأغضب لهم كما يغضب الليث الْحَرِبُ .
وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض روح عبدى المؤمن وهو يكره الموت وأكره مساءته , ولا بد له منه وما تعبّد لي عبدى المؤمن بمثل الزهد في الدنيا .
ولا تقرب إلى عبدي المؤمن بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ويدا ومؤيدا إن سألني أعطيته وإن دعاني استجبت له .
وإن من عبادي المؤمنين لمن يسألني الباب من العبادة فأكفه عنه ولو أعطيته إياه لدخله العجب وأفسده ذلك وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك .
وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح له إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلحه إلا الصحة ولو أسقمته لأفسده ذلك وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا السقم , ولو أصححته لأفسده ذلك إني أدبر عبادي بعلمي بقلوبهم إني عليم خبير)( ).
ويتجلى بديع صنع الله عز وجل بالإنسان، وكيف أنه يعلم حاله ويقربه إلى الخير، ويدفعه عن الشر، في كل لحظة من أيام حياته، وأن الله عز وجل يعلم ما يحدث للعبد في الواقع، ويعلم ماذا لو كانت حال مغايرة لما هو فيه ماذا يفعل وما يصيبه ويقوله، وهو من مصاديق قوله تعالى[يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ]( )، وبيان قانون وهو أن كل محو أو إثبات خير محض لنفع العباد.
ولبيان قانون وهو لولا بعثة الأنبياء والرسل لأصبح الناس في ضلالة وفساد، ويتجلى هذا المعنى في فضل الله ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذ قام أهل الشرك والضلالة بتجهيز الجيوش وسلّ السيوف، وسالت الدماء من أجل المنع من عبادة الله، وإصلاح النفوس، فكان القرآن مددا وسلاحا وعونا من الله تفضل به على المسلمين لنصرهم في حال الحرب والسلم , وقد جاء عموم النفع بقوله تعالى[وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ).
ومن الآيات في المقام بعث المسلمين على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , وترغيبهم فيه , وفي أجره وثوابه , قال تعالى[وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ]( ).
لقد زحف المشركون بجيش كبير بعد معركة بدر وخسارتهم وخزيهم فيها بنحو سنة وأرادوها حرباً شرسة، تشفي صدورهم , وترد لهم ما فقدوه من الشأن والجاه بين القبائل , حرباً تصد أهل مكة وغيرهم عن دخول الإسلام وحضر فيها صناديدهم إلا من أقعدته جراحاته في معركة بدر مثل عمرو بن ود العامري.
لقد وتروا في معركة بدر، ولم يتعظوا.
وجاءوا بثلاث آلاف رجل ومعهم ثلاثة آلاف بعير ومائتا فرس، وسبعمائة درع، وخمس عشرة امرأة , وظن المنافقون من أهل المدينة الذين يظهرون الإسلام ويخفون الكفر أن المشركين يقتلون النبي محمداً وأصحابه وصاروا يخافون على أنفسهم , قال تعالى[وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ]( ).
وقام رأس النفاق عبد الله بن أبي بن أبي سلول بالإنسحاب من وسط الطريق إلى معركة أحد بثلث جيش المشركين.
لقد لحق الخزي المنافقين من جهات:
الأولى : قبل معركة أحد بانسحابهم من وسط الطريق.
الثانية : أثناء معركة أحد، ومن المنافقين من حضر معركة أحد من غير أن يتخلى عن نفاقه، كما في معتب بن قشير الذي كان يقول كما ورد في التنزيل[لَوْ كَانَ لَنَا مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا]( ).
الثالثة : بعد معركة أحد، وتوجيه الناس اللوم لهم، وإمتناع النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن خروجهم معه إلى حمراء الأسد لتعقب جيش الذين كفروا.
لقد عاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم من معركة أحد إذ أنجاه الله من القتل ليبقى كل من:
الأول : توالي التنزيل.
الثاني : وجود شخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث : السنة النبوية.
الرابع : إستدامة الوحي.

قانون استشهاد النبي ص بالقرآن
لقد جعل الله عز وجل القرآن المصدر الأول للتشريع وأحاطته بلطف وحفظ منه تعالى وقال [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون] ( ) .
وتفضل وجعل السنة النبوية المصدر الثاني للتشريع وكانت السنة مرآة للقرآن وبياناً عملياً له .
ومن السنة النبوية قيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتأسيس قواعد التفسير ، وبيان منهج استنباط الأحكام الشرعية والصدور من القرآن وترغيب العلماء والناس بالرجوع إلى القرآن والسنة وبيان مصاديق من التكامل بين القرآن والسنة .
ويمكن القول أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم هو أول من فسر القرآن وبين علومه من جهات :
الأول : بيان الجمل .
الثاني : تقييد المطلق .
الثالث : بيان الناسخ والمنسوخ.
الرابع : تخصيص العام .
الخامس : تأكيد موارد الأطلاق والعموم .
السادس : توضيح أسباب النزول وتثبيته علماً من علوم القرآن.
السابع : بيان الحكم الشرعي من الآية القرآنية .
الثامن : تأسيس علم أصول الفقه .
التاسع : تجلي الرخصة في القرآن .
العاشر : ذكر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم شرائع الأمم السابقة.
الحادي عشر : بيان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لقصص القرآن وذكره قصص أخرى للأنبياء والصالحين, وحتى للظالمين, قال تعالى[لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ]( ).
الثاني عشر: تلاوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم للقرآن بما يثبتها رسماً ولفظاً.
الثالث عشر : إستقراء النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمعالم الإيمان وتهذيب النفوس.
الرابع عشر : تفسير النبي صلى الله عليه وآله وسلم للقرآن بالسنة القولية.
الخامس عشر : السنة النبوية العملية مرآة وترجمان للقرآن.
السادس عشر : بيان موضوعية القرآن في أداء الصلاة.
السابع عشر : البيان التفصيلي لقصص الأنبياء سواء الذين ذكروا في القرآن او الذين لم يذكروا فيه .
الثامن عشر : أدوات التخيير.
التاسع عشر : قاعدة نفي الحرج في الدين ، وقاعدة لا ضرر ولا ضرار في الإسلام.
العشرون : اتخاذ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الآية القرآنية حجة وبرهاناً (قال الثعلبي : وسمعت الأستاذ أبا القاسم الحبيبي يقول : كان لهارون الرشيد غلام نصراني متطبّب وكان أحسن خلق الله وجهاً وأكملهم أدباً وأجمعهم للخصال التي يتوسل بها إلى الملوك وكان الرشيد مولعاً بأن يسلم وهو ممتنع وكان الرشيد يمنيه الأماني (فيأبى) فقال له ذات يوم : ما لك لا تؤمن؟
قال : لأن في كتابكم حجة على من انتحله، قال وما هو؟
قال : قوله {وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَآ إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ} ( ) أفغير هذا دين النصارى أن عيسى جزء منه، (فغمّ) قلب الرشيد لذلك فدعا العلماء والفقهاء فلم يكن منهم من يزيل تلك الشبهة حتى قيل : قدم حجاج خراسان وفيهم رجل يقال له علي بن الحسين بن واقد من أهل مرو إمام في أهل القرآن، فدعاه وجمع بينه وبين الغلام، فسأل الغلام فأعاد قوله،
فاستعجم على علي بن الحسين الوقت جوابه فقال : يا أمير المؤمنين قد علم الله في سابق علمه أن مثل هذا (الحدث) يسألني في مجلسك، وإنه لم يخل كتابه من جوابي وليس يحضرني في الوقت لله عليَّ أن لا أُطعم حتى آتي الذي يأمن حقها ان شاء الله،
فدخل بيتاً مظلماً، وأغلق عليه بابه (وانشغل) في قراءة القرآن حتى بلغ سورة الجاثية{وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه}( ) فصاح بأعلى صوته : إفتحوا الباب فقد وجدت، ففتحوا، ودعا الغلام وقرأ عليه الآية بين يدي الرشيد، وقال : إن كان قوله (وروح منه) توجبان عيسى بعض منه وجب أن يكون ما في السماوات وما في الأرض بعضاً منه،
فانقطع النصراني وأسلم وفرح الرشيد فرحاً شديداً ووصل علي بن الحسين بصلة فاخرة فلما عاد إلى مرو صنف كتاب :النظائر في القرآن وهو كتاب لايوازيه في بابه كتاب)( ).
ولكن الإحتجاج في المقام يأتي من آيات متعددة تتعلق بكل كلمة في الآية أعلاه من سورة النساء، وتمام الآية هو[يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُوا ثَلاَثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً]( )، والكلمة غير ذات المتكلم.
إذ إبتدأت الآية بالنداء ثم النهي ثم البيان والخبر ثم النهي الأعم في ذات الموضوع ثم الخبر والبيان ولابد من استحضار معاني الروح في القرآن وتعدد معانيها ، وقد نفخ الله عز وجل في مريم من روحه كما نفخ في آدم ، ولم يقل أحد أن آدم ابن الله مع أن الله عز وجل خلقه بيده وأسكنه جنته، وجعله مع الملائكة وأمرهم بالسجود له ، قال سبحانه[فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ]( ).
ومع إخبار الله عز وجل للملائكة بأنه خلق آدم بيده وأمرهم بالسجود له وقيامه بتعليمهم ما غاب عنهم كما في قوله تعالى[قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ]( ).
فان الملائكة لم يغاروا من آدم ولم يفتنوا به، ولليقين بأن الله عز وجل ليس له ولد، وفيه موعظة للناس للإمتناع عن الغلو بالأنبياء.
وقد ورد ذكر الروح من الله للمؤمنين برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، قال تعالى[لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْمُفْلِحُونَ]( ).
من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نزول آيات القرآن عليه وصيرورته في حال إنقطاع عن الدنيا عندما يغشاه الوحي ، وكأنه في غيبوبة أو قد أغشي عليه وليس من غيبوبة إنما هو ثقل الوحي والتنزيل ، قال تعالى[لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ]( ) .
وبعد أن ينفصل الوحي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقوم بتلاوة آيات القرآن التي تنزل عليه مع حفظه لها، وعدم حصول تداخل بينها أو تبديل في ألفاظها، وإن جاءت قراءته للآية بعد عشر أو عشرين سنة من تأريخ نزولها، ويتجلى استشهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بآيات القرآن من جهات :
الأول : خطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : مواعظ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث: احتجاج النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أهل الكتاب .
الرابع : إجابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الأسئلة، وهي غير الإجابة التي ترد من عند الله بعد ورود لفظ[يَسْأَلُونَكَ] في القرآن ونحوه مثل[يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] ( ).
الخامس : أحاديث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
السادس : الأمثلة التي يأتي بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند حدوث وقائع مناسبة لها.
السابع : تلاوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لآيات القرآن في الصلاة اليومية.
ومن الإعجاز في نبوته حرصه على أداء الصلاة جماعة بإمامته، ومن الغايات الحميدة والمنافع في المقام أمور :
أولاً : تعليم المسلمين تلاوة القرآن .
ثانياً : سلامة القرآن من التحريف .
ثالثاً : بيان عظيم منزلة القرآن.
رابعاً : جزئية قراءة القرآن في الصلاة.
خامساً : تعاهد المسلمين والمسلمات للصلاة .
سادساً : بيان قانون عبودية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لله عز وجل .
فصحيح أن الآية قبل السابقة جعلت الإستجابة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعرض واحد مع الإستجابة لله بقوله تعالى [الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ]( ) ولكن الرسالة فرع العبودية وشاهد على سمو مرتبتها, وليس من حصر لصيغ وكيفية استشهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالقرآن, وفيه تنمية لملكة حب الله ورسوله والقرآن عند المسلمين, وهو من مصاديق قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).

قانون التراكم
أي تراكم وإجتماع آثار ونتائج خسارة المشركين ، إذ إنسحبوا من معركة أحد في ذات اليوم الذي بدأت فيه وأرادوا الرجوع والكرة على المدينة في اليوم التالي لهذا الإنسحاب ،فنزل أمر الله بالنفير وهو الذي تدل عليه آية البحث بالدلالة التضمنية.
لقد إلتفت رجال قريش إلى سرعة إنسحابهم من ميدان المعركة سواء في معركة بدر أو معركة أحد مع رجحان كفتهم فتداركوا الأمر في معركة الخندق، ولكن اكتفوا بمحاصرة المدينة أكثر من عشرين ليلة ليكون مثل ذات النتيجة في معركة أحد بقوله تعالى[فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ]( ) فلم ينالوا فيها إلا قتل بعض فرسانهم مثل عمرو بن ود العامري الذي قتله الإمام علي عليه السلام إلى جانب الأذى والرياح الذارية فأضطروا للإنسحاب، قال تعالى[وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ]( ).
وفيها بشارة عدم تجدد القتال وإلتقاء الجمعين في معركة الخندق فيكون حال الكفار بعد معركة الخندق الفرد الجامع بين رجوعهم خائبين وعجزهم عن مواصلة القتال والتقدير : فينقلبوا خائبين وكفى الله المؤمنين القتال) لبيان قانون وهو كلما إزداد ظلم وتتعدي الذين كفروا على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإسلام فان خسارتهم تكون أكبر وجامعة للخسارة والخيبة والحسرة والندامة في المعارك السابقة والمعركة اللاحقة.
وهل حضرت خسارتهم في معركة بدر يوم معركة أحد ، الجواب نعم وهو من مصاديق قوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]( ) ليكون إجتماع أسباب الخسارة والهزيمة للذين كفروا في المعركة اللاحقة مناسبة لتقوى المسلمين وتعاهدهم للفرائض والواجبات العبادية وشكرهم لله عز وجل على هذه النعمة العظمى وما فيها من التخفيف عنهم وعن الذين كفروا لمبغوضية القتال بالذات ، وضرره العام إلى جانب شدة الظلم وسوء المنقلب للذي يحارب النبوة والتنزيل ، قال تعالى[يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفًا]( ).
إذ عجز كفار قريش عن قتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بعد معركة الخندق ولجأوا إلى صلح الحديبية الذي هو بداية ومقدمة فتح مكة .
ويمكن البيان على وجوه :
الأول : تراكم صبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته والصحابة على إيذاء كفار قريش مع هزيمتهم يوم معركة بدر .
الثاني : تراكم نصر المسلمين في المعارك المتعاقبة مع خيبة كفار قريش يوم معركة أحد، ورجوعهم خائبين وعجزهم عن قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعن إرتداد طائفة من المسلمين أو منع الناس من دخول الإسلام.
وهل قوله تعالى بخصوص واقعة أحد[إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا]( ) إرادة الطائفتين من المسلمين الإرتداد لشدة ضراوة القتال يومئذ، الجواب لا، لوجوه :
أولاً : المراد من الفشل هو الجبن والخور .
ثانياً : نسبة الطائفتين إلى أمة المؤمنين في الآية الكريمة أعلاه لقوله تعالى[طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ]( )، شاهد على ثباتهم على الإيمان، وعدم مغادرتهم لمقاماته، أو مفارقته لهم.
ثالثاً : الهّم: العزم على الفعل وليس هو ذات الفعل ، وهو أشبه بالمقدمة النفسية والذاتية على الفعل ، وقد يهم الإنسان بفعل ثم يعزف عنه، ولا يأتيه أصلاً ولا يعلم ما عدد ما يهم به الإنسان الواحد من النوايا والأفعال ويصرفه الله عنها , أو ينصرف عنها بذاته إلا الله عز وجل وهو من مصاديق قوله تعالى [وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ]( ) والتي يتوجه الخطاب فيها إلى الناس جميعاً بأجيالهم المتعاقبة ومشاربهم ومذاهبهم المختلفة .
فان قلت قد علمنا أن الله عز وجل يتفضل ويصرف العباد عن الذنوب، ولكن لماذا يصرفهم عن الأفعال ، الجواب إنه تعالى لا يصرف العباد عن أفعال الخير والصلاح إنما يتفضل ويقربهم إليها ، ويصرفهم عن أفعال السوء والفعل الذي يكون مقدمة لإرتكاب الذنوب والسيئات ، فقد يهم الإنسان بالسيئة ويتولي إتيانها ولكن الله عز وجل يبتليه أو يشغله بغيرها أو تنتفي مستلزمات ذات السيئة، ومن العصمة إمتناع المعصية.
رابعاً : تأكيد آية الهم على ولاية ونصرة وتعضيد ولطف الله عز وجل بذات الطائفتين مما يدل على سلامتهم من الإرتداد .
خامساً : ورود الأخبار بافتخار الذين نزلت فيهم آية الهم هذه لأنهم ثبتوا في الميدان ، وقد ورد ( عن جابر عبد الله الأنصاري قال: فينا نزلت في بني حارثة ، وبني سلمة{إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا}( ) وما يسرني أنها لم تنزل لقول الله{والله وليهما})( ).
سادساً : بركة وجود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين ظهراني الصحابة يوم معركة أحد وثباته في ميدان المعركة.
ولا يختص اتعاظ الناس من قانون التراكم هذا بأهل زمان النبوة بل هو متجدد في كل زمان، وهو من أسرار سلامة القرآن من التحريف وحاجة الناس إليها، ليكون قوله تعالى[إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون]( ) شاهداً على نزول القرآن وحفظ آياته من عند الله وهو من مصاديق ملكه المطلق في[السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا]( ) وفيه حاجة مستديمة للناس في أجيالهم المتعاقبة للإقامة في مقامات العبودية .
وهل آية البحث واستجابة الصحابة لأمر الله عز وجل وأمر رسوله بالنفير لمطاردة جيش الذين كفروا من مصاديق هذا الحفظ وسلامة القرآن من التحريف ، الجواب نعم وتقديره أن الله عز وجل أمر النبي وأصحابه بالخروج لملاقاة جيش الذين كفروا لتكون هذه الملاحقة مقدمة ونوع طريق لحفظ القرآن وآياته .
ومن معاني آية البحث موضوعيتها في قانون التراكم بلحاظ أنها زيادة في خيبة الذين كفروا ، فبعد معركة بدر وأحد صاروا مطاردين في البيداء مع أن عددهم نحو ثلاثة آلاف رجل ، ولم يقتل منهم في معركة أحد إلا ثمانية وعشرون ولم يخرج مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ملاحقتهم إلا نحو مائتين وسبعين من المهاجرين والأنصار.
ومن الإعجاز في آية البحث تأكيدها على إصابتهم بالجروح والقروح لقوله تعالى[مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ]( ) أي أنهم ليسوا بتمام القوة البدنية التي تؤهلهم لملاقاة العدو ، ولكن المدد الإلهي لهم عظيم ومنه نزول الملائكة تحف بهم وتقوم بدفع العدو وإرباكه قال تعالى في خطاب للملائكة في معركة بدر[إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلاَئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ]( ).
وهل من مدد في ذات أبدان الصحابة ، الجواب نعم ويتجلى بمبادرتهم للخروج مع كثرة جراحاتهم ودلالته على صيرورة المهاجرين والأنصار في حال يقدرون معها على ملاقاة العدو ، وليكون من مصاديق قانون التراكم تناقل أفراد القبائل نبأ خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بجراحاته وجراحات أصحابه خلف جيش العدو الذي يبلغ نحو ثلاثة آلاف رجل وعلمهم بهذا الخروج وعجزهم عن الملاقاة وتجدد القتال ، وفيه دعوة للقبائل وأهل مكة والمدينة وما حولهما لدخول الإسلام، وفي التنزيل[وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ]( ).

مشاركة

Facebook
Twitter
Pinterest
LinkedIn

مواضيع ﺫات صلة