معالم الإيمان في تفسير القرآن – الجزء- 167

المقدمة
الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وما بينهن وما فوقهن بلطفه ومشيئته ، وهو الذي خلقهن بالكاف والنون وبأحسن تدبير وحكمة تعجز العقول عن درك كنهتها .
الحمد لله ملأ السموات والأرض وما بينهما ، وما خلق وما يستحدث فيهما ، فمن بديع قدرته وعظيم سلطانه السعة والتجدد في الخلق .
ومن الإعجاز ورود السعة والإستحداث فيهما , وهو من بديع قدرته وعظيم سلطانه والتذكير بربوبيته المطلقة ، ومنه ذكر هذه السعة والإستحداث في الخلق في خصوص السموات بقوله تعالى[وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ]( ).
وهل تدل الآية أعلاه على حصر التوسعة بالسماء خاصة دون الأرض مع شهادة آيات من القرآن بخلقهما معاً ، الجواب لا , إنما تبين الآية قانوناً ، وهو من بديع صنع الله عز وجل الزيادة في عالم الأكوان .
الحمد لله على التوفيق إلى شكره وحمده والثناء عليه ، وهو نعمة عظمى من جهات :
الأولى : ذات الحمد والشكر .
الثانية : الحمد والشكر لله مقدمة للنعم ونوع طريق لها ، وهل هو من مصاديق قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( ) الجواب نعم ، لذا تفضل الله عز وجل بأمور :
الأول : إبتداء سورة الفاتحة بالحمد لله بعد البسملة .
الثاني : مجئ الآية أعلاه ضمن آيات سورة الفاتحة .
الثالث : تلاوة كل مسلم ومسلمة سورة الفاتحة عدة مرات في اليوم .
الثالثة : ترشح النعم والبركات من قول الحمد لله فهو باب وسبيل للخير والنعم مصاحب للحياة الدنيا .
الحمد لله الحاضر في كل مكان وزمان , وله الربوبية المطلقة في كل شأن , والسرمدية الدائمة فليس له أول ولا آخر .
الحمد لله الذي خلق الناس ليشكروه ، وتفضل وبعث الأنبياء وأنزل الكتب السماوية لتقريبهم من منازل الشكر , ولو شاء لحملهم عليه طوعاً كما في الملائكة وكرهاً رحمة بهم ، ولكنه شاء أن يجعل الحياة الدنيا دار امتحان وابتلاء ، ليكون الشكر لله فيها على وجوه :
الأول : الشكر لله من مصاديق الإبتلاء في الدنيا .
الثاني : الشكر لله تخفيف من الإبتلاء .
الثالث : الشكر لله دافع وواقية من الإبتلاء .
والنسبة بين الوجهين الثاني والثالث أعلاه عموم وخصوص مطلق .
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار الرحمة والمغفرة ، ومن أهم ضروب الإبتلاء فيها عداوة الشيطان للإنسان ، وصيرورته مصدراً للفتنة ، وهو يسعى في دفع الإنسان إلى المعصية وإلى الضلالة ، وقد تفضل الله عز وجل وجعل العقل رسولاً باطنياً عند الإنسان يدعوه إلى الإيمان , ويحرسه من إغواء الشيطان .
وهل إحتراز الإنسان من مصاديق قوله تعالى [وَعلم آدم الأَسْمَاءَ كُلَّهَا] ( ) الجواب نعم ، فلم يهبط آدم إلى الأرض إلا وقد علم مكر الشيطان وذاق من أذاه وضرره ما حرمه من الإقامة في الجنة والنعيم المقيم ، فمن مصاديق إحتجاج الله عز وجل على الملائكة [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) أنه سبحانه جعل آدم وذريته يدركون ضرر الشيطان عليهم ، ويسلمون بلزوم الإمتناع عن طاعته .
ومن خصائص الشيطان أنه لا يأمر الإنسان بالمعاصي على نحو مباشر إنما يداعب النفس الشهوية ويهيج النفس الغضبية ، وفي التنزيل [قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ] ( ).
وجاء هذا الجزء من التفسير ليبين فعلاً قبيحاً آخر للشيطان وهو التخويف ، فان قلت إن التخويف من عذاب الله أمر حسن ، الجواب هذا صحيح ، ولكن الشيطان يخوف الذين كفروا ومن ترك المعصية وفوات الإثم .
لقد أنعم الله عز وجل على الناس بالقرآن وجعله [تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ] ( )وليس من حصر لوجوه هذا البيان منها :
تلاوة آيات القرآن في كل آية منه , وهو شاهد على عدم إنتشار الإسلام بالسيف ، وليس في القرآن لفظ السيف .
ولم ينتشر بالقهر والإكراه ، قال تعالى [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ] ( ).
قالوا أن نحو مائة آية أو أكثر من آيات الصلح والموادعة والصفح والعفو من القرآن نسختها آية السيف وهو قوله تعالى [فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ] ( ) , وكأنهم يحددون صلة أكثر من مليار مسلم في أقطار الأرض مع أنفسهم ومع أهل الكتاب والملل الأخرى بما يتضمن الكدورة والغضاضة .
خاصة وقد أصبح العالم كالقرية الصغيرة , فلابد من قراءة موضوعية للكتاب والسنة .
والسنة النبوية بيان للقرآن ، وقد استمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في دعوة الناس إلى الإسلام ، وعرض وبيان نبوته إلى الذين كفروا من غير أن يخيرهم بين الإسلام والقتل ، قال تعالى[وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ] ( ) .
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصالح ويوادع ويعفو ويصفح إلى أن غادر الدنيا إلى الرفيق الأعلى .
وهناك آيات عديدة في العفو نزلت في المدينة، قال تعالى[فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ]( ) وكأنهم يفسرون آية السيف على أنها حرب مفتوحة بين المسلمين وغيرهم، إنما قال الله عز وجل[وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ).
كما أن ذات نظم آية السيف يدل على إرادة حال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه مع المشركين بخصوص زمان معين، ومنها الآية السابقة لآية السيف التي تفيد إرادة قوم مخصوصين من المشركين حول مكة والمدينة لقوله تعالى [إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ] ( ).
فالمقصود بآية السيف فريق من المشركين عبدة الأوثان أصروا على العدوان على المسلمين .
وقال فرد قليل من الفقهاء بالتفصيل : أنه إذا كان المسلمون في قوة عملوا بمضامين آية السيف ، أما إذا كانوا في حال أقل من القدرة والقوة ولم يقدروا على قتال الجميع فيقاتلوا بحسب طاقتهم ، ويكفوا عن الذي يكف عنهم ، نسب هذا القول إلى ابن كثير وابن تيمية ، ولا تصل النوبة إليه , وقد قال تعالى [لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ] ( ).
لقد كانت مدة النبوة ثلاثا وعشرين سنة منها ثلاث عشرة الأولى في مكة ، لم يرفع فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم سيفاً ولم يأمر بقتال ، وكان صابراً محتسباً هو وأهل بيته وأصحابه ولاقوا الأذى الشديد من جهات :
الأولى : الأذى الشخصي للنبي محمد صل الله عليه وآله وسلم من الإستهزاء والإفتراء والتعدي ، وفي التنزيل [ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ] ( ).
وقد طرح بعض رؤساء الكفر سلا جزور بين كتفيه وهو يصلي في البيت الحرام .
وعن عبد الله بن مسعود قال (ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعا على قريش غير يوم واحد، فإنه كان يصلى ورهط من قريش جلوس، وسلا( ) جزور قريب منه.
فقالوا: من يأخذا هذا السلا فيلقيه على ظهره ؟ فقال عقبة بن أبى معيط: أنا.
فأخذه فألقاه على ظهره.
فلم يزل ساجدا حتى جاءت فاطمة فأخذته عن ظهره.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” اللهم عليك بهذا الملأ من قريش، اللهم عليك بعتبة بن ربيعة، اللهم عليك بشيبة بن ربيعة، اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، اللهم عليك بعقبة ابن أبى معيط، اللهم عليك بأبي بن خلف – أو أمية بن خلف – ” شعبة الشاك.
قال عبد الله: فلقد رأيتهم قتلوا يوم بدر جميعا، ثم سحبوا إلى القليب غير أبى، أو أمية بن خلف، فإنه كان رجلا ضخما فتقطع)( ) .
فلم يرد النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليهم ، ولكنه اتجه صوب الدعاء المقرون بالصبر .
الثانية : تعذيب طائفة من المسلمين وقتل بعضهم أثناء التعذيب مثل سمية وياسر أبوي عمار .
الثالثة : لقد تضمنت آية البحث الإخبار عن تخويف الشيطان لأوليائه ومنهم رؤساء الكفر من قريش ، فهل كان تعذيبهم للمسلمين الأوائل من هذا التخويف .
الجواب نعم ، لبيان أن الشيطان يغوي أولياءه ويجعلهم يفعلون المنكرات والقبائح .
الرابعة : لقد أصاب المشركين الفزع من دخول الناس الإسلام وعلو شأن النبوة وإقبال الناس على القرآن وآياته ، ففرضوا حصاراً على بني عبد المطلب ، وأنحاز معهم بنو المطلب بن عبد مناف في شعب أبي طالب أو شعب بني كنانة ، وهو الذي يسمى في هذا الزمان (المعابدة) .
وكتبت قريش صحيفة في عدم مبايعتهم أو مناكحتهم ، فلا يتزوجون منهم ولا يزوجونهم ، ولا يجالسونهم ، ولا يخالطونهم ، وأن لا يقبلوا منهم صلحاً أبداً .
إلى أن يسلموا الرسول للقتل ، وعلقوا الصحيفة على الكعبة ، وأستمر الحصار نحو ثلاث سنين ثم أضطرت قريش للتراجع عنه .
وصحيح أن آية البحث مدنية إلا أن المسلمين متقيدون بأحكامها من حين وأوان بداية البعثة النبوية , فصبرُ المسلمين والمسلمات في التعذيب ، وتحمل بني هاشم الحصار من الشواهد على أنهم لم يخافوا من الشيطان ، لتبقى السنة النبوية عوناً لأجيال المسلمين والمسلمات في العمل بمضامين آيات القرآن .
من غير أن يتناجوا بالقتال ومناجزة القوم بل إتخذوا الصبر جلباباً ووسيلة لأداء الفرائض العبادية .
ويمكن تقدير قوله تعالى [فَلاَ تَخَافُوهُمْ] على وجوه :
الأول : لم تخافوهم وخفتوني .
الثاني : لن تخافوهم وستخافوني .
الثالث : سوف لن تخافوهم ولكن تخافوني .
وهل يختص الخوف من الله عز وجل بالخوف من الذات المقدسة أم أنه يشمل الخوف من التقصير والإهمال في الواجبات والخوف من ارتكاب المعصية والخوف من الحساب قوم القيامة ومن الناس .
الجواب هو الثاني ، قال تعالى [يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا] ( ) .
وإذ تنهى آية البحث عن الخوف من أولياء الشيطان فان آية أخرى جاءت بالأمر بقتالهم ، قال تعالى [فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ] ( ) .
وهل يفيد الأمر من الله للمسلمين بقتال أولياء الشيطان الهجوم والغزو ، الجواب لا ، إنما تعني الآية الدفاع لكبرى كلية وهي أن الكفار هم الذين يهجمون ويصرون على الغزو كما في معركة بدر وأحد والخندق .
الحمد لله الذي خلق اللوح والقلم ، وأوجد الخلائق بالكاف والنون من العدم .
الحمد لله الذي دبّر الأرزاق وجعلها غير متناهية ولا محصورة أو محدودة ، فمع ما كتب الله للإنسان من رزق جعل له فضلاً أكثر منه ، ليكون باباً للإجتهاد بطاعته تعالى والسعي في رضوانه ، والإكثار من الإستغفار ليأتي القرآن بقانون وهو أن سلاح الإستغفار سبيل للرزق الكريم أمس واليوم وغداً .
وفي نوح ودعوته قومه للإيمان ورد في التنزيل [فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا] ( ).
الحمد لله الذي جعل لكل شىء أجلاً ، وقدر الأشياء بحكمته ليكون كل أجل شاهداً على حكمته وعظيم سلطانه ، ودعوة للناس للإيمان ، فليس من شئ في الخلائق إلا وهو موعظة للناس، سواء في إبتدائه أو إنتهائه أو بقاء أثره ، وهل منها أوان بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، الجواب نعم ، وكذا أوان نزول كل آية من القرآن ، وهو من أسرار نزوله نجوماً ، وشطر من آياته نزل بحسب الوقائع والأحداث ليكون ترغيباً بتفسير الآيات ووسيلة للتدبر في معانيها ودلالاتها .
ولو قرأ المسلم في الصلاة آية من القرآن واستحضر معها في الوجود الذهني أسباب نزول تلك الآية فهل يؤثم أو يقل ثوابه في القراءة ، الجواب لا ، فقد يكون هذا الإستحضار قهرياً .
الحمد لله مالك العظمة وصاحب الكبرياء والمتفرد بالقوة والجبروت ، وإذ تفضل الله عز وجل ، وبيّن أن العزة له وحده فقال [فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا]( ) ثم تفضل ووهب من رشحات عزته للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين كما في قوله تعالى [وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ] ( ).
بينما نزل القرآن بانحصار القوة به تعالى بقوله سبحانه [أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا] ( ) ليتفضل برحمة عبادة والخلائق كلها وتوالي أسباب الرزق عليهم بما يفوق التصور الذهني ، قال تعالى [إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ] ( ).
الحمد لله بعدد ذرات وجزئيات ما خلق وما أحصى كتابه ، الحمد لله المنان الرؤوف الرحيم ، بديع السموات والأرض ، الحمد لله الذي جعل النبي محمداً إمام الحامدين ، وسيد الشاكرين ، والذي اجتهد في هداية الناس إلى مقامات الحمد والشكر لله ، وتحمل وأهل بيته أشد الأذى في جذب الناس إلى منازل الإيمان ليأتي شكرهم وحمدهم لله عز وجل عن قصد القربة ، ويكون مرآة لشكر الجوارح والجوانح .
الحمد لله الذي يرجع إليه الأمر كله ، وجعل العبادة في الأرض له وحده ، وتفضل وحمد نفسه في التوراة والإنجيل والزبور والقرآن .
وعن (أُبي بن كعب أنه قرأ على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمّ القرآن. فقال : والذي نفسي بيده ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها، إنها السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيت.) ( ).
الحمد لله الذي جعل باب العلم والتحصيل مفتوحاً إلى يوم القيامة ، ليس له انسداد ولا تستطيع الخلائق غلقه ، وتفضل الله عز وجل وجعل القرآن مصدراً للعلوم ، وكل آية منه كنزاً يستنبط منه الفقهاء المسائل ، ويأخذ منه عامة الناس ما يتزودون به لأمور دينهم ودنياهم ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى]( ).
الحمد لله الذي أنعم علينا بهذا السفر من ذخائر التفسير ، وتم تأليف واصدار هذا الجزء وهو السابع والستون بعد المائة من (معالم الإيمان في تفسير القرآن )بنعمة ولطف منه تعالى وقال الشاعر :
إذا لم يكن عون من الله للفتى
فأول ما يجنى عليه اجتهاده)( ).
وقد تقدمت الأجزاء الثلاثة السابقة (159-160-161 ) في قانون لم يغزُ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحداً ، وفيه شواهد كثيرة بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حال دفاع , وكان في كل مرة يدفع القتال ولا ينادي إلا بكلمة التوحيد إذ يخاطب جيش العدو (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا)ولم يسألهم الإقرار بنبوته مع أنها حق , وكان يترك للعدو فرصة الإنسحاب والهروب والإنزواء والإختفاء .
وكان بعض رؤساء القبائل يهددون ويسعون للهجوم على المدينة المنورة فيخرج لهم النبي مع أصحابه فيفرون إلى رؤوس الجبال ، وينظر لهم فلا يتبعهم ولا يأمر أصحابه باتباعهم ، وسيأتي الجزء التالي إن شاء الله في ذات موضوع هذا القانون ولكن هذا الجزء اختص بتفسير الآية الخامسة والسبعين بعد المائة من سورة آل عمران لتأكيد منهاجنا في التفسير حسب نظم القرآن ، ونتطلع إلى دعائكم الكريم في توالي أجزائه باشراقة علمية من ذخائر وفيوضات آيات القرآن ويدل إتصافها باللامتناهي على إعجاز القرآن في كل زمان ، إذ يدرك كل جيل من الناس أن خزائن القرآن مفتوحة للعلماء وعامة المسلمين والناس جميعاً ، لينهلوا منها ويغترفوا من كنوزها ،وهو من مصاديق قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( ) أي أن الغوص في بحار القرآن النقية الطاهرة من هذا الصراط .
والآية التي اختص هذا الجزء بتفسيرها هو قوله تعالى [إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ] ( ).
وتتألف من بضع كلمات وكل كلمة منها نهر جار بالعلوم وتتضمن الإخبار ثم النهي ثم الأمر وأختتمت بجملة شرطية تفيد الثناء على المسلمين ودعوتهم للإجتهاد في مقامات الهدى والإيمان.
لقد إبتدأت آية البحث بذم الشيطان ، وتأكيد قبيح فعله وسعيه لإفتتان الناس به ، وتفضل الله عز وجل وجعل آية البحث سلاحاً لمحاربته والإجهاز عليه ، وهو وسط جنوده ليكون عبرة وموعظة لهم وللناس ، إذ تنهى الآية عن طاعته واتباع خطواته أو إتيان أفعال الضلالة .
ومن الإعجاز في آية البحث ترشح الذم للذين يؤتون ما نهى الله عنه ، إذ تذم الآية في مفهومها الذين كفروا لإتباعهم الشيطان وولائهم له .
لتدل بالدلالة الإلتزامية على بيان قانون وهو حاجة الناس لرسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولزوم جهاد المسلمين في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وحجب الناس عن الإفتتان بالدنيا وزينتها وإغواء الشيطان , قال تعالى[وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ]( ).
وتدعو آية البحث المسلمين للصبر في رضوان الله والدفاع ضد أعوان وأولياء الشيطان الذين أصروا على محاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسعوا جاهدين للإجهاز على الإسلام ويقتضي الأصل وقواعد الحكمة أنه لو ازداد عدد الناس الذين يدخلون الإسلام فانه على رؤساء الكفر الكف عن تجهيز الجيوش لقتال النبي والمسلمين ، ولكن الشيطان أخافهم وأصروا على إتباعه .
الحمد لله الذي جعل آيات القرآن تحذر المسلمين والناس جميعاً من الشيطان وإغوائه ليكون هذا التحذير السماوي من أسباب المنعة والقوة للمسلمين, والوهن والضعف للشيطان وأعوانه.
قال تعالى[اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمْ الْخَاسِرُونَ] ( ) .
والآية أعلاه هي الآية الوحيدة التي تذكر لفظ[الشَّيْطَانُ] ثلاث مرات لبيان قبح فعله ، وكيف أنه يسعى لينسى من والاه ذكر الله عز وجل ، فيجلب له الخسارة في الدنيا والآخرة ، وكل آية من القرآن هي ذكر لله عز وجل , ودعوة إلى عبادته وزجر عن اتباع الشيطان سواء في منطوقها أو مفهومها .
لقد أكرم الله عز وجل الإنسان بان جعله[فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( ) ودعاه إلى عبادته بآيات التنزيل وبعث الأنبياء , وبما رزقه من العقل والتمييز بين الأشياء على نحو التدبر والتفكر وسخّر له ما في الأرض من الموجودات والبهائم والأشجار لتكون نوع وسيلة ومادة ليعبد الله ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( ) .
لتكون الدنيا دار الإختبار وهي مزرعة للآخرة ، ليكون الجزاء في الآخرة على نحو حسي ومادي وليس روحيا فقط ، قال تعالى[كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا]( ).
لقد حذرت آية الحث أتباع الشيطان لبيان قانون وهو لزوم الإنزجار عن الإنقياد إلى الهوى والنفس الشهوية ، قال تعالى [ انا هديناهِ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا]( ).
لقد جعل الله عز وجل الإنسان زينة الأرض ، وهو مصداق البهجة والغبطة فيها باختياره التحلي بلباس التقوى والسعي في سبل العدل ، والإمتناع عن الظلم ، إنما يريد منه الشيطان الغواية والظلم للنفس والغير ، فجاءت آية البحث للتنزه عن الظلم ويتجلى هذا التنزه بعدم الخشية أو الخوف من أولياء الشيطان ، والذي نهت عنه آية البحث بذاته وبما يترشح عنه من الضرر على النفس والملة والدين ، فبعد أن خسر المشركون معركة بدر في السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة ولحقهم الخزي والذل ، وقتل من رجالاتهم سبعون كان عدد منهم يكثر من إيذاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، وبدل أن يتدبروا في المعجزة في نصر الإسلام وهزيمتهم ، اصروا على الثأر والإنتقام ومنعوا البكاء على قتلاهم في مكة كيلا يكون هذا البكاء سبباً لتثبيط العزائم والهمم .
ولم يتعرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ لقافلة أبي سفيان التي كانت تتألف من ألف بعير محملة بالبضائع وبالذهب والفضة لتصل إلى مكة فيمتنع كبار رجالاتها عن توزيع التجارات على أهلها ثم طافوا عليهم ليأذنوا بتسخيرها في المعركة اللاحقة ضد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وذهبوا إلى القبائل يحرضونهم ويمدونهم بالأموال ويمنّوهم ،وهو من إغواء الشيطان ، إذ أنه أعم من أن يكون بشخص ابليس ، قال تعالى[شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ]( ).
لقد إحتجت الملائكة على جعل آدم[فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، لأن طائفة من ذريته يعملون السيئات ويسفكون الدماء بغير حق، فتفضل الله عز وجل وأجابهم[إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( )، ومن علم الله عز وجل نزول آية البحث التي تتضمن ذم الشيطان والتحذير من ولايته، ومن أصر على هذه الولاية والإتباع فعلى المسلمين الإعراض عنه، وعدم طاعته أو أتباعه، أو الخشية منه.
وحينما نهى الله عز وجل عن الخوف من أولياء الشيطان فإنه سبحانه ضمن للمسلمين عدم ترشح أي ضرر من عدم الخوف منهم، إنما يكمن الضرر في الدنيا والآخرة من الخوف منهم , ومن ولايتهم للشيطان والهوى .
ومن إعجاز الآية أنها لم تقل لا تخافوا الشيطان كي يقول بعض الناس أنه لم ير الشيطان ولا يخافه، إنما ذكرت أولياء الشيطان من الكفار والمنافقين، وكان مشركوا قريش أيام نزول الآية يتوعدون ويهددون بأمور :
الأول : التهديد بالهجوم على المدينة المنورة وإستباحتها.
الثاني : الوعيد بقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث : قتل أو أسر المهاجرين ليدخلوا مكة بذل، ويكون هذا الدخول زاجراً لشبابها من دخول الإسلام بعد أن صار عدد المسلمين فيها يزداد يوماً بعد يوم.
الرابع : زحف جيوش المشركين لقتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه.
الخامس : نشوب معركة بدر وأحد والخندق ثم حنين، وكان المشركون يزحفون بأفواج كبيرة من الجيوش تفوق عدد جيش المسلمين ولكن الله عز وجل يمد المسلمين بالملائكة وأسباب النصر وهذا المدد من أٍسباب حثهم على عدم الخوف من الكفار، وذات الحث نفسه مدد مبارك، ويحتاج المسلمون عدم الخوف من أولياء الشيطان في كل وجه من الوجوه أعلاه.
ومضامين آية البحث نعمة وخير محض ، إذ أراد الله عز وجل بها رحمة المسلمين خاصة والناس عامة ، وتقريبهم من منازل الهدى والرشاد ورؤية نور الحق ، ومنع النفس من الجنوح إلى الهوى ، أو الإغترار بلذة العاجل ، قال تعالى [أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ] ( ) .
وتدل آية البحث على عدم حاجة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للقتال ، فهي بذاتها سيف لطيف وآية سماوية مباركة تدعو الناس جميعاً للإيمان وتزجر عن الضلالة والغواية وتبعث السرور والغبطة في قلب المسلم ، ليزداد إيماناً وتجعل الحسرة والندامة مقيمة في قلب الكافر لبعث النفرة عنده من الشيطان ، وتكون هذه النفرة مقدمة لتوبته وإيمانه من غير حاجة للسيف والقتال إلا أن يختار الذين كفروا القتال لولايتهم الشيطان ، فلا يلقون إلا الخزي بالأثم في حال خوف متصل كما أخبرت آية البحث .
لقد تكررت مادة (خاف) ثلاث مرات في آية البحث مع التباين في الموضوع بينها من جهات :
الأولى :الموضوع .
الثانية : النهي .
الثالثة : الأمر .
لبيان أن الحياة الدنيا دار الخوف الواجب من الله عز وجل ولزوم التنزه فيها من الخوف المحرم من الشيطان .
ويمكن تسمية آية البحث (آية الخوف ) من جهات :
الأولى : تعدد ألفاظ ومعاني (الخوف) في آية البحث .
الثانية : تحذير وتخويف آية البحث من ولاية الشيطان ، وهو من الإعجاز في الجملة الخبرية في القرآن ، إذ أنها تفيد الأمر والنهي في ثنايا الخبر , فجاء قوله تعالى [ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ] للنهي عن أمور :
الأول : ولاية الشيطان .
الثاني : إتباع مناهج الكفر .
الثالث : محاكاة الذين كفروا في ضلالتهم وغيهم .
الرابع : وجوب قيام المسلمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما بينهم ومع عامة الناس .
الخامس : لزوم أخذ المسلمين الحيطة والحذر من الذين كفروا ومناجاتهم وتعاونهم في الباطل والتحريض على النبوة والتنزيل ، قال تعالى [إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا] ( ) .
السادس : وجوب الخوف من الله ، وهو الذي تتقوم به الحياة الدنيا ، لذا فان قوله تعالى [خَافُونِي] رحمة بالمسلمين والناس جميعاً .
ومن وجوه تقدير الآية :
الأول : وخافون كي تستمر الحياة .
الثاني : وخافون كي ينزل عليكم الرزق .
الثالث : وخافون بأداء الفرائض وتعاهد السنن والشرائع السماوية .
الرابع : وخافون فان ملك السموات والأرض لله عز وجل ولا يجب الخوف إلا له تعالى .
الخامس : وخافون لأن هذا الخوف مصداق العبادة ، قال تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( ).
السادس : وخافون فأنكم غداً تقفون في مواطن الحساب ليس لكم من نصير إلا الله عز وجل .
ولا يختص التباين والتضاد بين الخوف من الله عز وجل , والخوف من الشيطان بذات الخوف إنما يترشح عن الخوف من الله عز وجل السعادة السعادة والغبطة في النشأتين , ويتفرع عن الخوف من الشيطان البلاء والعذاب لذا أختتمت الآية التالية بالوعيد لأولياء الشيطان الذين يخافونه بقول [وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ]( ).
لقد أراد الله عز وجل للناس أن تكون قلوبهم رياضاً ناضرة، وعامرة بالخوف منه , لأن هذا الخوف سبب للصفاء والطهارة والنقاء ، وهو وسيلة لحرق الرغبة بالملذات المحرمة، وآلة للإنصراف عن بهرج الدنيا، والخوف من الله صاحب كريم، يلازم الإنسان فيدفعه عن مواطن الشبهات وينزهه عن إتباع الشهوات , وهو حارس أمين من همز ولمز وآثار الشيطان.
ومن معاني قوله تعالى[وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ]( )، أن الله عز وجل يبتلي المؤمن بالكافر فيأتي الثواب العظيم للمؤمن، ويترتب الإثم على الكافر ويجعل المؤمن سبباً لتوبة الكافر , فيتضاعف الثواب والجزاء الحسن لهما معاً.
وبفضل من عند الله عز وجل أقوم بتأليف أجزاء هذا التفسير ومراجعتها وتصحيحها بمفردي إلى حين صدور الأجزاء , راجياً الأجر والثواب وتوالي النعم من عند الله عز وجل , قال تعالى عز وجل [مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ] ( ).

حرر في 15 جمادي الأولى
2 شباط 2018

قوله تعالى [إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ] الآية 175.
الإعراب واللغة

إنما : كافة ومكفوفة , ومعنى كافة ومكفوفة أي أن (ما) غير الموصولة أتصلت بإن فكفتها عن العمل ، ويشمل الحكم أخوات إن باستثناء (ليت) فانه يجوز فيها الإعمال أو الإهمال أيضاً لو قلت ليتما الحجَ قريب ، أو ( ليتما الحجُ قريب) (قال النابغة الذبياني:
قالت ألا ليتما هذا الحمامُ لنا … الى حمامتنا ونصفُ فقدِ
فرفعه على وجهين: على أن يكون بمنزلة قول من قال: مثلاً ما بَعوضةٌ، أو يكون بمنزلة قوله: إنما زيدٌ منطلقٌ)( ) .
وتسمى (ما) في المقام على وجوه :
الأول : (ما ) كافة .
الثانية : (ما ) الهيئة .
الثالثة : (ما) الزائدة .
ذلكم : ذا اسم إشارة مبني في محل رفع مبتدأ .
اللام : للعبد .
الكاف : للخطاب .
الميم : حرف لجمع الذكور .
الشيطان : خبر مرفوع ، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره .
يخوف : فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره , والفاعل ضمير مستتر تقديره (هم) .
وقيل المفعول الأول مقدر وتقديره : يخوفكم ، ولكن يحمل منطوق الآية على ظاهره , وهو صحيح في معناه ودلالته .
أولياءه : أولياء : مفعول به منصوب ، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره .
الهاء : ضمير مضاف إليه .
فلا : الفاء رابطة لجواب شرط مقدر .
لا : ناهية جازمة .
تخافوهم : تخافوا : فعل مضارع مجزوم , وعلامة جزمه حذف النون .
واو الجماعة : فاعل .
الضمير (هم) مفعول به .
وخافون : الواو : حرف عطف .
خافوا : فعل أمر مبني على حذف النون .
الواو : فاعل .
النون في خافوني : نون الوقاية .
ولم تقل الآية (خافوني ) بالياء إنما حذفت الياء للتخفيف وأنابت عنها الكسرة مع أنها ضمير مفعول به .
إن كنتم : إن حرف شرط جازم .
كنتم : فعل ماض ناقص مبني على السكون واسمها وهو (تم).
مؤمنين : خبر كان منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم ، وجملة [ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ] لا محل لها استئنافية .
وجملة [يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ] في محل نصب حال من الشيطان .

سياق الآيات
صلة هذه الآية بالآيات المجاورة , وهي على شعبتين :
الشعبة الأولى : صلة هذه الآية بالآيات المجاورة السابقة , وهي على وجوه :
الوجه الأول : صلة هذه الآية بالآية السابقة [فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ]( ) وفيه مسائل :
المسألة الأولى : جاءت الآية السابقة بصيغة الجملة الخبرية لبيان حال العز والسؤدد التي تصاحب الإيمان وخروج المهاجرين والأنصار في الدفاع عن بيضة الإسلام , وموضوع آية السياق خروجهم إلى حمراء الأسد مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في اليوم التالي لمعركة أحد .
فقد زحف المشركون من مكة إلى المدينة لقتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة حتى أطلوا على المدينة ووضعوا رحالهم في سفح جبل أحد الذي يبعد عن المسجد نحو خمسة كيلو متر .
وهل كانوا ينوون البقاء هناك وإن لم يلاقهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، الجواب لا ، إنما كانوا يقصدون الإغارة على المدينة وهو الذي حدث في معركة الخندق عندما بقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لم يخرجوا إلى لقائهم خارج المدينة.
فمن الحكمة ورشحات الوحي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يخرج إلى لقاء عشرة آلاف رجل من الأحزاب ، وهل تسمية جيشهم بالأحزاب كما في قوله تعالى [يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلاَّ قَلِيلاً]( ) تحذير للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، الجواب نعم، وفيه مسائل :
الأولى : بيان قانون وهو أن الذين يغزون هم المشركون وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يغزوهم .
الثانية : الشهادة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بالجهاد في سبيل الله .
الثالثة : بيان حقيقة وهي أن المشركين يغزون بآلاف الجنود للبطش والإنتقام من المسلمين .
الرابعة : كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في حال دفاع عن أنفسهم وأهليهم .
وقد خرج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في معركة أحد للقاء ثلاثة آلاف من المشركين فسقط سبعون شهيداً من المسلمين بعد أن انخزل ثلث جيش المسلمين في الطريق بتحريض من رأس النفاق عبد الله بن أبي بن أبي سلول .
فكيف إذا إلتقى بعشرة آلاف من المشركين فستكون الخسارة أكبر إلا أن يشاء الله .
فان قلت تنزل الملائكة لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين ، وسواء كان عدد جيش المشركين كثيراً أو قليلاً فان الملائكة قادرون على هزيمتهم .
والجواب هذا صحيح ولكن الله عز وجل يتفضل بالتخفيف عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين وعموم الناس بصرف أسباب القتال الشديد وكثرة القتلى ، وهذا الصرف من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ) .
المسألة الثانية : لقد ذكرت الآية السابقة أموراً فاز بها المسلمون :
الأول : الرجوع إلى المدينة بسلام .
الثاني: النعمة من الله .
الثالث : فضل الله .
الرابع : الأمن والسلامة من السوء والأذى والضرر .
الخامس : اتباع رضوان الله عز وجل ، وفي التنزيل [أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ] ( ) .
وأختتمت الآية بقوله تعالى [وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ] ( ) ليكون من معاني هذه الخاتمة أمور :
الأول : بيان الزيادة من فضل الله على المسلمين.
الثاني : ترغيب الناس بالدعاء ومناجاة الله عز وجل .
الثالث : خاتمة الآية السابقة حرب على الشرك ومفاهيم الضلالة .
الرابع : دعوة المسلمين للشكر لله عز وجل على تعدد النعم .
الخامس : حث الناس على دخول الإسلام .
السادس : بيان سعة خزائن الله وتعدد الكنوز في كل واحدة منها .
ولما أختتمت الآية السابقة بقانون عظمة فضل الله ، إبتدأت آية البحث بالخطاب للمسلمين بما يبعث السكينة في نفوسهم ، فان قلت جاءت الآية بمسألة التخويف ، والجواب هذا صحيح ولكنه يتعلق بالذين كفروا لجحودهم وكفرهم وولائهم للشيطان .
المسألة الثالثة : لقد ذكرت الآية السابقة المؤمنين من المهاجرين والأنصار، وما أنعم الله عز وجل به عليهم ، فان قلت قد علمنا أن الآية ذكرت المهاجرين والأنصار فأين هو وصف الإيمان في المقام ، الجواب لقوله تعالى قبل أربع آيات [وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ] ( ) .
وورد عن ابن عباس في حديث يرفعه قال (ثلاثة معصومون من شر إبليس وجنوده الذاكرون الله كثيرًا بالليل والنهار والمستغفرون بالأسحار والباكون من خشية الله) ( ) .
وهو من الشواهد على أن من خصائص خلافة الإنسان في الأرض تهيئة أسباب العصمة من شرور ابليس وجنوده من الإنس والجن .
وتتجلى هذه الأسباب بذكر الله ، وإستدامة الإستغفار ، ليكون من الإعجاز في الشريعة الإسلامية تغشي أداء الصلاة لأوقات الليل والنهار والصلاة ذكر واستغفار ودعاء ورجاء ، والصلاة ذكر وفعل وقراءة وتطامن وسجود لله سبحانه وهو أمر يفزع ابليس .
وورد عن الإمام الباقر عليه السلام ( قال: إن المؤمن ليذنب الذنب
فيذكره بعد عشرين سنة، فيستغفر منه، فيغفر له، وإنما ذكره ليغفر له، وإن الكافر ليذنب الذنب فينساه من ساعته).
ومن الإعجاز في المقام إبتداء الآية التالية لخاتمة الآية أعلاه بالاسم الموصول [الَّذِينَ] بقوله تعالى [الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ] ( ) .
وتقدير الجمع بينهما : وان الله لا يضيع أجر المؤمنين الذي استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح ) .
ويكون تقدير الجمع بينه وبين آية البحث : يا أيها الذين آمنوا[إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ] ( ).
المسألة الرابعة : من معاني آية البحث بعث المسلمين على الشكر لله عز وجل على نعمة رجوع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من حمراء الأسد سالمين .
ولا يختص قوله تعالى [فَانْقَلَبُوا] بالعودة من حمراء الأسد إنما يشمل أموراً :
الأول : عودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من معركة أحد سالمين .
الثاني : رجوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين والأنصار من معركة بدر غانمين .
الثالث : النصر العظيم للمسلمين في معركة بدر لقوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ] ( ).
الرابع : رجوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من خروجه إلى الأبواء وغيرها بالسلامة له ولأصحابه .
الخامس : رجوع الصحابة من السرايا التي بعثها النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة بسلامة وأمن .
ويشمل قوله تعالى [فَانْقَلَبُوا] أموراً :
أولاً : إنقلاب الأنصار الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بيعة العقبة الأولى وهم اثنا عشر رجلاً من الأوس والخزرج .
ثانياً : عودة أهل بيعة العقبة الثانية التي تمت في موسم الحج وقبل هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة بثلاثة شهور ، وحضرها اثنان وسبعون رجلاً وامرأتان من الأوس والخزرج .
ثالثاً : هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة ، قال تعالى [إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] ( ).
رابعاً : هجرة المسلمين الأوائل إلى المدينة من مكة وغيرها , ولكن المصداق الواقعي في العودة ودخول المدينة بنعمة الإيمان والفضل من عند الله جلية وظاهرة حتى في الوجوه أعلاه ، والإنقلاب هو الرجوع بعد الخروج وفي قصة أخوان يوسف ورد في التنزيل [لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ]( ).
المسألة الخامسة : من إعجاز التوالي في فضل الله عز وجل مجئ التنبيه والتحذير من شرور الشيطان ولزوم عدم الخشية منه ومن أتباعه بعد الإنقلاب والعودة من الخروج إلى ميدان القتال ، ومن السفر والضرب في الأرض .
ليسهل على المسلمين تلقي هذا التحذير بالقبول والرضا والعمل بمضامينه ، وفيه دعوة للشكر لله عز وجل على أمور :
الأول : مجئ التحذير من شرور الشيطان بعد بيان تعدد فضل الله .
الثاني : إرادة تفقه المسلمين في أمور الدنيا وحال الإبتلاء فيها .
الثالث : بيان قبح فعل الشيطان واغوائه لأتباعه ليضروا أنفسهم ويؤذوا المؤمنين ، فاذا عجز الشيطان عن دفع الإنسان إلى الشرك فانه يرضى منه بالمعاصي فاراد الله عز وجل للمسلمين العصمة من مصائد الشيطان .
وهل لتلاوة القرآن موضوعية في حفظ المسلم من مكائد الشيطان ، الجواب نعم ، قال تعالى [فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ] ( ).
لقد أمر الله الملائكة أن يسجدوا لآدم حينما ينفخ فيه من روحه ، فاستجابوا لله جميعاً لأنهم سكنة السموات ومخلوقات نورانية ، ومجبولون على طاعة الله وعدم معصيته ابداً ، وكان ابليس معهم فعصى الله عز وجل وأبى أن يسجد لآدم ، مع أن هذا السجود للتشريف والإكرام ، وليس هو سجود عبادة أو تكليف ، ولكن لبيان علو منزلة آدم وأهليته للخلافة في الأرض ، وليس عند الملائكة خلافة سواء في الأرض أو السماء، وفي صفة إبليس والإشارة إلى علة معصيته قال تعالى [كَانَ مِنْ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ] ( ) وامتلأ قلب إبليس بالحسد والغيظ وأدرك سوء عاقبته إذ اختار معصية الله فسعى إلى إغواء بني آدم رجالاً ونساءً ، فبعث الله الأنبياء وأنزل الكتب السماوية للتحذير من عداوة ابليس ، مع بيان وجوب عدم عبادته والإمتناع عن اتباعه وطاعته , وتفضل الله بآية البحث التي تحذر من الشيطان ومن أوليائه .
وقد تفضل الله عز وجل بآية البحث وجعلها واقية منه موضوعاً وحكماً.
المسألة السادسة : تتجلى وجوه النعمة المتعددة على المسلمين كما في آية البحث ، التي نزلت لتبقى تحذرهم كل يوم خمس مرات أو أكثر في اليوم ، من شر الشيطان وحبائله ومكره , وتفيد الباء في قوله تعالى [فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ] ( ) وجوهاً :
الأول : الإلصاق ، وهو المعنى الأصلي للباء ، وهو حاضر في المعاني والوجوه الأخرى ، كما في قوله تعالى [فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ]( ) .
الثاني : الإستعانة : وهي الباء التي تدخل على المستعان به والواسطة التي يتم فيها الفعل ، أي أن نعمة الله وسيلة لإنقلاب وعودة المسلمين سالمين ، ولولا نعمة الله لما عادوا بذات الهيئة والحال .
الثالث : التعليل : وهي الباء التي تدخل على سبب وعلة الفعل التي وقع بسببها ، كما في الباء المتكررة في قوله تعالى [فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ] ( ) .
وهل يختص معنى الفاء في [فَانْقَلَبُوا] ( ) بمعنى واحد من الوجوه التي ذكرها النحاة .
الجواب لا , إذ تتعدد معاني الفاء في كل موضع ترد فيه في القرآن , ويمكن تأسيس قوانين وهي :
الأول : قانون الفاء القرآنية .
الثاني : قانون فاء العطف القرآنية وتقييده بالعطف لا يعني حصر معنى الفاء به ، ولكن للتخصيص واخراج واو العطف ونحوها .
الثالث : قانون حرف الجر في القرآن .
الرابع : قانون واو العطف في القرآن .
الخامس : قانون إبتداء الآية القرآنية بواو العطف .
السادس : قانون تعدد العطف في الآية القرآنية .
السابع : قانون إمكان جمع معنى العطف والإستئناف بحرف الواو ، إذ أن تقسيمها إلى واو عطف واستئناف تقسيم استقرائي من قبل النحاة .
المسألة السابعة : لقد ذكرت آية السياق رجوع وعودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بنعمة وفضل من عند الله عز وجل ، فهل لهذه النعمة والفضل موضوعية في تفضل الله بتحذيرهم من الشيطان وسلامتهم من إغوائه ، الجواب نعم .
فمن خصائص النعمة الإلهية ترشح النعم عنها ، ومنها نزول آية البحث لتكون حرزاً وواقية عند المسلمين إلى يوم الدين .
ترى كيف تكون النعمة التي رجع بها المسلمون واقية لهم من الشيطان ، الجواب من وجوه :
الأول : ذات رجوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين من حمراء الأسد من غير قتال نعمة عظمى .
الثاني : لقد عاد المسلمون بسلامة دينهم ، وهو نعمة من عند الله ، فلم يلتقوا مع المشركين , ويكرهوهم على ترك دينهم .
الثالث: تقدير آية السياق على جهات :
الأولى : فانقلبوا بنعمة من الله لتكون حرزاً من الشيطان .
الثانية : فانقلبوا بنعمة من الله تكون شكراً من الله لهم وواقية من كيد الشيطان , قال تعالى[فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ]( ).
الثالثة : فانقلبوا بنعمة من الله بالقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الرابعة : فانقلبوا بفضل من الله , ومن مصاديقه السلامة من إغواء الشيطان.
الخامسة : فانقلبوا بفضل من الله لم يحجبه عنهم الشيطان .
السادسة : فانقلبوا بنعمة من الله وفضل بما يجعل الشيطان في خسران إلى يوم القيامة، فان قلت قد كان هذا الإنقلاب حادثة في واقعة فكيف يكون أثره وموضوعيته إلى يوم القيامة.
والجواب يبقى أثره ونفعه ببركة آية البحث، وهو من الشواهد على أن منافع الآية القرآنية باقية ومتجددة إلى يوم القيامة .
المسـألة الثامنة : لقد ذكرت آية السياق قانوناً وهو سلامة المسلمين من السوء والأذى بقوله تعالى[لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ]( ) ولم يُقتل أحد من المسلمين الذين خرجوا إلى حمراء الأسد، ولم يصبهم جرح أو أذى أو مكروه.
لينعم عليهم الله عز وجل بأجر وثواب الغزو من غير أن يتحقق مصداقه، لأن الله عز وجل جعلهم في غنى عنه، وكذا جاء الثواب والأجر للمسلمين من دفاعهم في معركة بدر ، وصبرهم في معركة أحد.
وبلحاظ آية البحث يمكن تقدير آية السياق على وجوه :
الأول : لم يمسسهم سوء من الشيطان ، وهل عدم الخوف من الشيطان من السلامة من مسّ السوء والشر والأذى من الشيطان ، الجواب نعم .
الثاني : الإنقلاب بنعمة الله واقية من الشيطان و (عن مرة عن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن للشيطان لمة , وللملك لمة فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق .
وأما لمة الملك فإيعاد بالخير , وتصديق بالحق , فمن وجد من ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله , ومن وجد من الآخر فليتعوذ من الشيطان , ثم قرأ (الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا )( ).
الثالث : من خصائص التقوى صرف أذى الشيطان .
الرابع : الدعاء حرز من شر الشيطان .
وهل لجوء النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين إلى الله في الآية قبل السابقة[وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ]من الدعاء، الجواب نعم وهو أيضاً دعاء من قبل كل مسلم ومسلمة يقرآن القرآن سواء في الصلاة أو خارجها.
لقد جعل الله عز وجل رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم[رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ) وليس من برزخ بين فيوضاتها وبين عامة الناس من جهات كثيرة منها :
الأول : عدم وجود حاجب بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبين الناس وقد يضع الملك أو الرئيس أو الوزير حاجباً ويستلزم الوصول إليه الإذن المسبق، ويحدد أوان اللقاء في ساعة مخصوصة من اليوم أو وقت مخصوص من الأسبوع أو الشهر.
ولكن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم يجعل له حاجباً ليستطيع أي إنسان مسلماً أو غيره من الوصول إليه، وهو من مصاديق قوله تعالى[فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ]( )، ومصاديق قوله تعالى[يَسْأَلُونَكَ] والذي ورد خمس عشرة في القرآن بصيغة الجمع لبيان طلب عامة الناس الإنتفاع من السؤال وجواب النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليه، للإقرار العام بأن هذا الجواب من الوحي، قال تعالى[وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ]( ).
الثاني : حضور النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الصلوات اليومية الخمس في المسجد النبوي وأداؤه لها إماماً لعامة المسلمين، ويقدر أي فرد الوصول إليه سواء قبل الصلاة أو بعدها.
الثالث : إرتقاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المنبر ومواجهته للناس جميعاً ، وبامكانهم مخاطبته وهو على المنبر من غير لوم أو ذم منه، أو من قبل الصحابة وكانوا يرجون أن يأتي الأعرابي فيسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم لينتفعوا من السؤال وموضوعه، وفيه بيان ومصداق للعموم في أشخاص الناس الذين يوجهون الأسئلة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم والإطلاق في موضوع السؤال، والإعجاز في الإجابة النبوية.
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكثر من قراءة القرآن وهو على المنبر وقد تأتي هذه القراءة للبيان أو للإجابة على سؤال أو لذكر آية أو آيات نزلت حديثاً .
(عن درة بنت أبي لهب قالت : قام رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر ، فقال : يا رسول الله أي الناس خير؟
فقال : خير الناس أقرؤهم وأتقاهم لله عز وجل وآمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأوصلهم للرحم) ( ).
(عن ابن عباس في قوله{وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً}( ) قال : جاءت عير عبد الرحمن بن عوف تحمل الطعام ، فخرجوا من الجمعة ، بعضهم يريد أن يشتري ، وبعضهم يريد أن ينظر إلى دحية، وتركوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائماً على المنبر ، وبقي في المسجد اثنا عشر رجلاً وسبع نسوة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لو خرجوا كلهم لاضطرم المسجد عليهم ناراً) ( ).
ولقد تعدد لفظ وموضوع [يَسْأَلُونَكَ] في القرآن , فهل هناك من هذه الأسئلة ما توجه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو على المنبر، الجواب نعم .
الجواب لا، لعدة قوانين وهي :
الأول : قانون تعدد معاني الحرف القرآني .
الثاني : قانون ترشح المعاني المستحدثة من الحرف القرآني ما كرّ واختلف الجديدان الليل والنهار .
الثالث : قانون الحرف القرآني خزينة للعلوم .
الرابع :قانون دعوة القرآن للعلماء لإستنباط المسائل من الحرف القرآني.
الخامس : قانون استقراء المسائل من الجمع بين الحرف القرآني وكلمات الآية القرآنية الأخرى .
المسألة التاسعة : بيان قانون وهو إنتفاء السبب والعلة التي يتخذها الشيطان وسيلة لإغواء المؤمنين أو تخويفهم من الكفار وسيوفهم ومن الفقر والفاقة بسبب الإنتماء للإسلام.
ليكون من معاني الجمع بين آية البحث وآية السياق أن الدفاع عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والتنزيل في معركة أحد والخروج خلف العدو إلى حمراء الأسد حرز من تخويف الشيطان , ومن ضرر أوليائه لأن هذا الدفاع حاجة وهو مصداق لقوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ]( ).
ولبيان ترشح النعم عن هذه العبادة ، فكما أنها غاية للخلق فانها نوع طريق ووسيلة للإحتراز من مكر الشيطان، ومن الجبن والوهن فقد يكون الجبن من أسباب ونتائج الخوف من الذين كفروا، لذا قال الله تعالى [وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ]( ).
ومن معاني العلو في الآية أعلاه بلحاظ آية البحث مسائل:
الأولى : تفقه المسلمين في الدين، ومعرفة قانون وهو أن الشيطان عدو لهم، وعدو للناس جميعاً بما فيهم الذين يتبعون خطواته، لذا جاء التحذير منه في القرآن للناس جميعاً على نحو العموم الإستغراقي ، قال تعالى[أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لاَ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ]( ) .
وهل آية البحث من مصاديق هذا العهد , الجواب نعم، لبيان النعمة العظمى في بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن العهود والمواثيق التي أخذها الله على الناس وهم في عالم الذر، وبواسطة الأنبياء تتجدد بالقرآن لتبقى جلية فيه إلى يوم القيامة وهو من مصاديق قوله تعالى[وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( ).
المسألة العاشرة : من إعجاز نظم آيات القرآن أن الذين انقلبوا بنعمة من الله هم المهاجرون والأنصار الذين شاركوا في معركة أحد , والذين خرجوا خلف العدو إلى حمراء الأسد ، ولكن الخطاب في آية البحث وموضوعها أعم، إذ يتوجه لكل مسلم ومسلمة إلى يوم القيامة.
ليترشح أجر خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى معركة أحد على كل أجيال المسلمين ، لأن هذا الخروج للدفاع المحض ، إذ زحف الذين كفروا على المدينة وصاروا على بعد خمس كيلو متر منها, وهم يرومون :
الأول : إماتة الدين .
الثاني : قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث : وقف التنزيل .
الرابع : منع إقامة الصلاة .
ليكون من معاني خروج المؤمنين للقاء العدو الحصانة من الخوف من الشيطان وأوليائه .
المسألة الحادية عشرة : لقد إنخزل ثلث جيش المسلمين من الطريق إلى معركة أحد بتحريض من رؤساء النفاق ، ففي موضع اسمه الشوط وقف عبد الله بن أبي سلول وهو من رؤساء النفاق في المدينة وله شأن ومنزلة بين قومه إذ أنه من أكبر زعماء الخزرج والذين هم أكثر عدداً من الأوس (وَقَالَ أَطَاعَهُمْ وَعَصَانِي ، مَا نَدْرِي عَلَامَ نَقْتُل أَنْفُسَنَا هَاهُنَا أَيّهَا النّاسُ) ( ).
يريد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يسمع مشورة عبد الله بن أبي في البقاء في المدينة ومقاتلة جيوش قريش في أزقتها ، إنما سمع كلام الشباب من المسلمين والذين لم يحضروا معركة بدر للبطش بالذين كفروا ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَتَمَنَّوْن الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ] ( ).
ويحتمل عدم أخذ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم برأي عبد الله بن أبي وجوهاً :
الأول : إجتناب كثرة القتلى من الفريقين .
الثاني : تحصين المدينة ، ومنع دخول المشركين إليها ، فان قلت قد جاءوا في معركة الخندق إلى أطراف المدينة، والجواب من جهات :
الأولى : لم يستطع جيش المشركين دخول المدينة في معركة الخندق ، إنما أحاطوا بها .
الثانية : التباين الزماني ، إذ كانت معركة أحد في السنة الثالثة ، والخندق في السنة الخامسة حيث كثر عدد المسلمين في المدينة، وأزداد ايمانهم، وتخلص شطر من المنافقين من درن النفاق والرياء.
الثالثة : دخل أفراد وجماعات من القبائل التي حول المدينة في الإسلام، وعقد النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلحاً مع عدد آخر منها .
وهل كان جيش المشركين يخشى هجوم المسلمين من أفراد القبائل عليه لو أقتحم المدينة , فبقوا في مكانهم محيطين بها، الجواب نعم، لذا كان أبو سفيان ورؤساء جيش المشركين ينادون في ساعات الليل ليتعرف أفراد جيشهم بعضهم على بعض خشية دخول نفر من المسلمين بينهم.
وفي الأيام الأخيرة لحصار الخندق دعا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حذيفة بن اليمان، وبعثه في الليل لينظر حالهم وما ينوون فعله بشرط أن يرجع إليه ويخبره بأمرهم أي يجب عليه ألا يقاتل، ولا يقتل أحداً حتى لو تمكن من رؤسائهم، وفيه شاهد على إمتناع النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن القتل والقتال حتى مع تهيء أسباب وهن الكافرين به إذ ورد عن حذيفة أنه قال(وَاَللّهِ لَقَدْ رَأَيْتُنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ بِالْخَنْدَقِ وَصَلّى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ هُوِيّا مِنْ اللّيْلِ ثُمّ الْتَفَتَ إلَيْنَا فَقَالَ مَنْ رَجُلٌ يَقُومُ فَيَنْظُرُ لَنَا مَا فَعَلَ الْقَوْمُ ثُمّ يَرْجِعُ – يَشْرِطُ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ الرّجْعَةَ – أَسْأَلُ اللّهَ تَعَالَى أَنْ يَكُونَ رَفِيقِي فِي الْجَنّةِ ؟ .
فَمَا قَامَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ ، مِنْ شِدّةِ الْخَوْفِ وَشِدّةِ الْجُوعِ وَشِدّةِ الْبَرْدِ فَلَمّا لَمْ يَقُمْ أَحَدٌ ، دَعَانِي رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ فَلَمْ يَكُنْ لِي بُدّ مِنْ الْقِيَامِ حِينَ دَعَانِي ؛ فَقَالَ يَا حُذَيْفَةُ اذْهَبْ فَادْخُلْ فِي الْقَوْمِ ، فَانْظُرْ مَاذَا يَصْنَعُونَ وَلَا تُحْدِثَنّ شَيْئًا حَتّى تَأْتِيَنَا)( ).
وفي تلك الليلة بعث الله عز وجل جنوداً من الريح فتطفئ نارهم، وتكفئ قدورهم فقام أبو سفيان قال: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، إنّكُمْ وَاَللّهِ مَا أَصْبَحْتُمْ بِدَارِ مُقَامٍ لَقَدْ هَلَكَ الْكُرَاعُ وَالْخُفّ ، وَأَخْلَفَتْنَا بَنُو قُرَيْظَةَ ، وَبَلَغَنَا عَنْهُمْ الّذِي نَكْرَهُ وَلَقِينَا مِنْ شِدّةِ الرّيحِ مَا تَرَوْنَ مَا تَطْمَئِنّ لَنَا قِدْرٌ وَلَا تَقُومُ لَنَا نَارٌ وَلَا يَسْتَمْسِكُ لَنَا بِنَاءٌ فَارْتَحِلُوا فَإِنّي مُرْتَحِلٌ ثُمّ قَامَ إلَى جَمَلِهِ وَهُوَ مَعْقُولٌ .
فَجَلَسَ عَلَيْهِ ثُمّ ضَرَبَهُ فَوَثَبَ بِهِ عَلَى ثَلَاثٍ فَوَاَللّهِ مَا أَطْلَقَ عِقَالَهُ إلّا وَهُوَ قَائِمٌ وَلَوْلَا عَهْدُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ إلَيّ ” أَنْ لَا تُحْدِثَ شَيْئًا حَتّى تَأْتِيَنِي ” ، ثُمّ شِئْت ، لَقَتَلْته بِسَهْمِ)( ).
الرابعة : صيرورة معركة أحد وخسارة المسلمين حجة للبقاء فيها مع منع دخول المشركين لها ، إنما أراد عبد الله بن أبي مقاتلتهم فيها .
الثالث : إرادة الحفاظ على بيضة الإسلام .
الرابع : بيان التعدد في مصاديق الدفاع عن الإسلام سواء بالخروج من المدينة عند قدوم جيوش العدو ، كما في معركة أحد أو البقاء فيها ، ومنع دخوله كما في معركة الخندق ، أي حتى في معركة الخندق لم يعمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمشورة عبد الله بن أبي السابقة ، نعم أخذ بمشورة سلمان الفارسي بحفر خندق حول المدينة .
المسألة الثانية عشرة : من معاني الجمع بين آية البحث والآية السابقة بيان نفع نعمة وفضل الله الذي انقلب به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من حمراء الأسد ، أما مدة هذه النعمة ، ففيها وجوه :
الأول : إرادة أوان العودة من حمراء الأسد .
الثاني : المقصود التنعم بفضل الله في أيام النبوة .
الثالث : إختصاص الصحابة بنعمة وفضل الله عز وجل الذي انقلبوا به .
الرابع : استدامة وبقاء النعمة والفضل يتغشيان المسلمين والمسلمات إلى يوم القيامة .
والمختار هو الأخير ، فقد خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بجراحاتهم خلف العدو لينقلبوا بكنوز من نعمة الله ، وذخائر من فضله .
ليكون من معاني آية السياق بلحاظ الخطاب لأجيال المسلمين على وجوه :
الأول : فانقلبوا بنعمة من الله لتبقى حاضرة عندكم معاشر المسلمين إلى يوم القيامة .
الثاني : فانقلبوا بنعمة من الله لتشكروا الله عز وجل، وليس من حصر لوجوه الشكر في المقام منها :
أولاً : بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وفي التنزيل[لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ]( ).
ثانياً : نزول آية السياق .
ثالثاً : حب الله عز وجل للمؤمنين .
رابعاً : تفضل الله بانقلاب وعودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه سالمين من حمراء الأسد.
فمع أن جيش المشركين يومئذ نحو ثلاثة آلاف، وهم ينوون العودة للقتال، ولم يعودوا إلى مكة بعد، وكانوا يتلاومون ويظهرون الندم على الإنسحاب خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتعقبهم بمائتين ونيف من أصحابه فكانت النتيجة رجوعهم إلى المدينة بسلام وأمن.
ليكون من معاني وتقدير ذكر النعمة والفضل من عند الله في الآية السابقة وجوه:
الأول : فانقلبوا بنعمة من الله عليهم , وفضل على أجيال المسلمين.
الثاني : فانقلبوا بنعمة مبهرة وخزائن من الفضل إلى يوم القيامة.
وهل من هذه النعمة والفضل كنوز النفط والغاز التي تستخرج من بلاد الرسالة هذه السنوات، والجواب لا مانع منه .
ليكون من معاني الفضل كنوز وثروة للذراري، ومن وجوه تفسيره قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم حنين وتوزيع غنائمها التي هي أكثر غنائم جاءت للمسلمين أيام النبوة، (اللهم ارحم الانصار وأبناء الانصار وأبناء أبناء الانصار)( ).
الثالث : من الأجر والثواب الذي يتفضل به الله على الصبر في سبيله ما يكون عاجلاً، ومنه عودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من حمراء الأسد بالنعمة والفضل.
الرابع : بيان قانون من الإرادة التكوينية , وهو أن كل خروج وجهاد في سبيل الله تتعقبه نعمة وفضل، فإن قلت وإن قتل الذي يخرج في سبيل الله , تدل الآيات السابقة على مضاعفة الأجر .
خامساً : من وجوه تقدير الآية السابقة : فانقلبوا بفضل من الله على كل مسلم ومسلمة إلى يوم القيامة .
سادساً : فانقلبوا بفضل من الله على الناس جميعاً .
سابعاً : فانقلبوا بفضل من الله بالبشارة بالأمن من تخويف وإغواء الشيطان .
ثامناً : فانقلبوا بفضل من الله يدخل معه الناس الإسلام جماعات وأفواجاً ليكون هذا الفضل مقدمة لفتح مكة وقوله تعالى [إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا] ( ).
تاسعاً : فانقلبوا بفضل الله ومنه مضامين آية البحث من جهات :
الأولى : ضعف ووهن كيد الشيطان .
الثانية : تخويف الشيطان لأوليائه وأتباعه .
الثالثة : نهي المسلمين عن الخوف أو الخشية من جيش المشركين الذي زحف على المدينة .
الرابعة : الأمر من عند الله للمسلمين بالخوف والخشية منه سبحانه .
المسألة الثالثة عشرة : أختتمت آية السياق بقانون وهو [وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ] ( ) ومن كنوز القرآن مجئ رشحات للقانون من الإرادة التكوينية بعده مباشرة ، ليكون من فضل الله عز وجل بعث المسلمين على ازدراء الشيطان والإحتراز منه لإبتداء الآية بقوله تعالى [ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ].
لإرادة بعده عن المسلمين ونفرتهم منه ، وهل تكون حصة في هذا البعد عند تلاوة هذه الآية القرآنية ، الجواب نعم ، وهو من الفيوضات الحاضرة للآية القرآنية.
فمن فضل الله عز وجل إخبار المسلمين عن قصة هبوط آدم وحواء من الجنة باغواء وتضليل إبليس ، وترغيبهما بالأكل من الشجرة التي منعهما الله منها [فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ] ( ) .
لتصاحب الحيطة والحذر المسلمين في أجيالهم المتتالية والمتكثرة في ذاتها وسكنها ورزقها وهو من مصاديق الآية السابقة [فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ] ( ) , وهل يتوارث المسلمون كيفيةً وكماً أفراد الحيطة والحذر , أم أن كل جيل وكل فرد منهم يقوم بالحيطة والحذر من غير أن يرث أفراداً من الحذر ومن الشيطان .
الجواب هو الأول , إذ يرث المسلمون من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسنته القولية والفعلية أفراد كثيرة ومصاديق الحيطة والحذر من الشيطان, وهو من مصاديق قوله تعالى[لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ]( ), ليكون من معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم إن كل جيل من المسلمين عنده تراث وخزين من الحذر والحيطة من الشيطان ، وجاءت آية البحث بموضوع آخر من حيّل وخبط الشيطان وهو قيامه بالتخويف ، فجاءت مصاديق وشواهد القانون الذي أختتمت به الآية السابقة بلزوم عدم الخوف من أولياء الشيطان ، وهو من الجزاء للمسلمين على صبرهم ودفاعهم عن النبوة والقرآن .
لبيان قانون من جهات :
الأولى : منع الشيطان من العبث في الأرض لقد إحتجت الملائكة من بلوغ الإنسان مرتبة الخلافة في الأرض بأمور :
الأول : قيام الإنسان بالفساد .
الثاني : فعل الإنسان السيئات .
الثالث : سفك الدماء في الأرض .
الرابع : قيام بعض الناس بالظلم والتمادي فيه , ويدل عليه قوله تعالى [قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ] ( ), ونذكر هنا مسألة وهي هل كان الملائكة يقصدون الشيطان أيضاً في الفساد في الأرض , ويكون تقدير الآية أعلاه على وجوه :
أولاً : أتجعل فيها الشيطان يفسد فيها .
ثانياً : أتجعل فيها الشيطان يغوي بني آدم .
ثالثاً : أتجعل فيها طائفة من الناس يخافون من الشيطان .
رابعاً : أتجعل فيها الشيطان يحرض على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأنبياء الذين سبقوه، وعن كعب قال: كان أيوب بن أموص نبي الله الصابر الذي جلب عليه إبليس عدو الله بجنوده وخيله ورجله ليفتنوه ويزيلوه عن ذكر الله فعصمه الله ، ولم يجد إبليس إليه سبيلا فألقى الله على أيوب السكينة والصبر على بلائه الذي ابتلاه به فسماه الله نعم العبد إنه أواب، وكان أيوب رجلا طويلا جعد الشعر ، واسع العينين ، حسن الخلق، وكان على جبينه مكتوب المبتلى الصابر ، وكان قصير العنق عريض الصدر غليظ الساقين والساعدين ، وكان يعطي الأرامل , ويكسوهم جاهدا ناصحا لله عز وجل)( ).
خامساً : أتجعل فيها أولياء الشيطان يفسدون فيها , الجواب : نعم لقد أرادت الملائكة منع ابليس الهبوط إلى الأرض وقيامه بفتنة الناس , ولكن الله عز وجل أجابهم [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ), لبيان أن آية البحث حرب على ابليس , ومانع من إغوائه أهل الإيمان , وبرزخ دون الخوف منه
الثانية : صحيح أن إبليس هبط إلى الأرض مع آدم وحواء ، إلا أنه عجز عن إغوائهما ، ويرث شطر من أبنائهما وذراريهما الوقاية منه ، وهل فيه منقبة لآدم بأنه صار موعظة لبني آدم بلزوم الإحتراز من الشيطان ، الجواب نعم ، وهو من أسرار نيل آدم مرتبة النبوة ليتخذ الوحي واقية له ولذريته , وآية مباركة للتنبيه والتحذير من إبليس .
(عن أبي ذر قال : قلت يا رسول الله من كان أولهم؟ يعني الرسل قال: آدم قلت : يا رسول الله أنبي مرسل؟
قال : نعم . خلقه الله بيده ، ونفخ فيه من روحه ، وسوّاء قبلاً) ( ).
الثالثة : صدّ الذين كفروا عن مواصلة الهجوم على المدينة المنورة لأنهم يدركون قانوناً وهو عصمة المهاجرين والأنصار من الخوف والخشية منهم .
الرابعة : ترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة عدم الخشية والخوف من الذين كفروا ميراثاً للمسلمين ,لبيان نكتة وهي أن تفسير النبي صلى الله عليه وآله وسلم للقرآن لا يختص بالبيان بل يكون تراثاً يتجدد لأجيال المسلمين وغيرهم , أي أن الناس جميعاً ينتفعون من ميراث نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسنته القولية والفعلية وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ).
المسألة الرابعة عشرة : لما أخبرت الآية السابقة عن بلوغ المسلمين مرتبة (اتباع رضوان الله ) جاءت آية البحث فضلاً من الله عز وجل بتحذيرهم من الشيطان ، لبيان قانون من جهات :
الأولى : اتباع رضوان الله شاهد على السلامة من اتباع الشيطان .
وهل هو من عدم إجتماع الضدين ، الجواب نعم ، وهو أكبر من هذا القانون المنطقي ، إنما الإيمان والتقوى برزخ وحرز من الإنصياع للشيطان.
الثانية : من يتبع رضوان الله يتفقه في الدين , ويعلم بوجوب عدم الخشية من أولياء الشيطان .
الثالثة : مع وجود أمة تتبع رضوان الله فان حزب الشيطان في وهن وضعف وضيعة وحسرة ، مما يجعلهم أعجز من أن يخيفوا المؤمنين لبيان قانون وهو أن الله عز وجل أمر المسلمين ألا يخافوا من أولياء الشيطان .
الرابعة : بيان قانون التضاد بين اتباع رضوان الله عز وجل وبين الخوف من الذين كفروا ، فان قلت حال الذين كفروا من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً ، فتارة يكونون في ديارهم عاكفين على أصنامهم , مشغولين بأمور دنياهم وأخرى يزحفون بالجيوش العظيمة كما في معركة أحد والخندق ، فهل من استثناء من عدم الخوف منهم ، الجواب لا ، إنما جاءت آية البحث للنهي عن الخشية من الذين كفروا مطلقاً ، سواء كانوا في حال عكوف وتراجع أم في غزو وهجوم .
وهل تدل آية البحث على غنى المسلمين عن الهجوم والغزو ، الجواب نعم ، فقد يسعى الذي يخاف من عدوه إلى مباغتته في عقر داره كما في (قول أربد لعامر: هل لك أن تتغدّى به قبل أن يتعشّى بنا؟: يريد أن نهلكه قبل أن يهلكنا) ( )، أما المسلمون فيمتازون بأمور :
الأول : الإمتناع عن الغزو ومباغتة العدو للإتصاف بالتقوى .
الثاني : تطلع المسلمين دخول الناس للإسلام فاذا الذي كان عدواً للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين يدخل المدينة ويقف على رأس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليردد الشهادتين بمرأى ومسمع من الصحابة وتهليلهم وشكرهم لله عز وجل , وهذا الدخول من مصاديق قوله تعالى [أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ]( ).
الثالث : تقيد المسلمين بقوانين النبوة وسنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعدم الغزو وعدم التعدي ، وأيهما أكثر نفعاً في جذب الناس ودفع القتال عن المسلمين والناس ، هذا التقيد أم الغزو والهجوم ، الجواب هو الأول .
الرابع : نفرة المسلمين من القتال ، وكرههم له وعدم اللجوء إليه إلا على نحو الدفاع ، قال تعالى [كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ] ( ) .
الخامس : عدم إبتداء النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بالقتال عند إلتقاء الصفين ، لذا تكرر قوله تعالى [يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ] ( ), بخصوص معركة بدر ومعركة أحد ، لبيان موضوعية ابتداء اللقاء والمقابلة بين المسلمين والمشركين ، وإحتمال عدم وقوع قتال حتى مع هذا الإلتقاء ، وهو من إعجاز القرآن , ولبيان قانون وهو أن القتال يكون من وجوه :
الأول : الإذن من عند الله , وما صرفه الله عن الناس من أسباب القتال أكثر بكثير مما وقع من المعارك , وعن (شهر بن حوشب قال : دخلت على أم سلمة بالمدينة ، وبيني وبينها حجاب ، فسمعتها تقول : كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم : « يا مقلب القلوب ، ثبت قلبي على دينك قال : « ما من آدمي إلا وقلبه بين إصبعين من أصابع الرحمن ، إذا شاء أزاغه ، وإذا شاء هداه) ( ).
الثاني : إصرار الذين كفروا على القتال .
الثالث : عدم إبتداء النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمراء السرايا القتال .
الرابع : لقد تكرر قوله تعالى[يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ] ثلاث مرات في القرآن لبيان وأن هذا اللقاء والمواجهة بذاتها دعوة إلى الله عز وجل وباعث على أمور :
الأول : النفرة من الكفر .
الثاني : تعاون الناس لإجتناب ولاية الشيطان والخوف منه , وهل يصح القول أن جمع المسلمين بثباتهم في ميدان المقابلة يعاون جمع الكافرين للإبتعاد عن ولاية الشيطان , وعدم الخوف منه , الجواب نعم , ليكون من معاني الآية أعلاه وجوه :
أولاً : يوم التقى الجمعان , جمع يخاف من الله عز وجل , وجمع يخاف من الشيطان .
ثانياً : يوم التقى الجمعان لينصر الله عز وجل الذين يخافونه بالسر والعلانية .
ثالثاً : يوم التقى الجمعان ليخزي الله عز وجل أولياء الشيطان .
رابعاً : يوم التقى الجمعان ليهرب وينهزم الشيطان .
الثالث : إبتداء إنحسار مفاهيم الكفر والضلالة .
الرابع : تجلي معاني العز والمنعة للمسلمين بذات اللقاء , فبعد أن كان المسلمون مستضعفين صاروا قادرين على ملاقاة جيش الذين كفروا مع كثرة رجاله وأسلحته .
الخامس : تأكيد قانون لأجيال الناس , وهو أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يسعى لدفع القتال , وليس عنده حمية أو عصبية , وكان يدعو لهم بالهداية .
السادس : دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم العدو إلى كلمة التوحيد وإخبارهم جميعاً بأنها الوسيلة التي تمنع من القتال لذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينادي (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا) ويحتمل هذا النداء وجوهاً :
الأول : تولي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه النداء بين الصفين .
الثاني : قيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالنداء بين أصحابه وترديد الأصحاب خاصة الذين في المقدمة لكلمة التوحيد والدعوة إليها , وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقف في القلب إذ أن تنظيم وحال الجيش على أقسام :
أولاً : المقدمة .
ثانياً : القلب .
ثالثاً : الميمنة .
رابعاً : الميسرة .
خامساً : المؤخرة .
الثالث : مبادرة المهاجرين والأنصار إلى الدعوة إلى التوحيد بلحاظ أنه جزء من السنة الدفاعية وواجب المهاجرين والأنصار .
ولا تعارض بين هذه الوجوه ، وهو من السعة والمندوحة في الدعوة إلى الله ووسائط دفع القتال عن المسلمين والناس .
ومن خصائص نداء التوحيد بين الصفين دفعه شرور الشيطان ، وهو حرز من الخوف من الذين كفروا .
فمن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم صيرورة قول لا إله إلا الله بين الصفين على وجوه :
الأول : عصمة المسلمين من الخوف من الذين كفروا ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا] ( ) أي أن المسلمين ينادون بكلمة التوحيد إعلاناً للأخوة الإيمانية بينهم ، لذا بادر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار .
الثاني : نداء التوحيد باعث للخوف والحزن في قلوب الذين كفروا .
الثالث : يبعث نداء التوحيد أفراد جيش المشركين على التفكر والتدبر لماذا نقاتل ونعرض أنفسنا للتلف ، وهذا التفكر نوع طريق للشفاء والنجاة ولاية الشيطان .
الرابع : شهادة الوقائع والتاريخ للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن سلاحه في ميدان المعركة كلمة التوحيد , ومن الآيات في المقام أن أكثر اسلحة وسيوف ودروع المسلمين قديمة وضعيفة , ومنهم من كان سلاحه جريد النخل بينما كان كفار قريش يستعدون للمعركة سنة أو أكثر , كما في معركة أحد ومعركة الخندق , وينفقون الأموال الطائلة على الأسلحة والرواحل , مع التباهي بها .
ويحتمل أثر ونفع نداء التوحيد في ميدان المعركة بلحاظ قوله تعالى [أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ] ( ) , مسائل :
الأولى : تغشي السكينة لنفوس المسلمين في ميدان المعركة عند سماع نداء التوحيد , لذا فمن معاني تكرار النبي صلى الله عليه وآله وسلم له في المعركة بعث السكينة في نفوس المسلمين, وحجب الخوف من أولياء الشيطان عن التفاني إلى قلوبهم, وفي التنزيل[هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ] ( ).
الثانية : يبعث نداء الإيمان أسباب الهداية في قلوب جيش المشركين , ويمنعهم من الإقامة على الخوف من الشيطان .
الثالثة : لا ملازمة بين الآية أعلاه وبين أثر نداء الإيمان في ميدان المعركة والصحيح هو الأول والثاني أعلاه مع لتباين في الأثر كماً وكيفاً بين الأفراد , ويشكر المسلمون عند سماعه على الله عزو جل لأنهم على الحق , ويصيب الذين كفروا الفزع وتتغشاهم الندامة والحسرة .
وهل لنداء التوحيد وسط الميدان موضوعية في تخلف رؤساء قريش عن جمع الجيوش وتحشيد القبائل ، الجواب نعم ، وهو من الإعجاز في السنة الدفاعية والشواهد على عدم حاجة الإسلام للقتال والقتل .
الخامس : نداء التوحيد برزخ دون تحريض مشركي قريش ونحوهم ملك الروم أو كسرى أوالنجاشي على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين ، فليس فيه إضرار بملكهم ، وهو من أسباب عناية النجاشي بالمهاجرين إلى الحبشة وعدم طرده لهم أو تسليمهم إلى وفد قريش الذي حضر إلى الحبشة وهو مؤلف من :
أولاً : عمرو بن العاص .
ثانياً : عبد الله بن أبي ربيعة .
وقد تقدمت قصة عضو الوفد الآخر عمارة بن الوليد المخزومي وكيف انتهى به الأمر إلى الرواح مع الوحوش.
ولكلمة التوحيد ركنان :
أولاً : النفي ، أي نفي الإلوهية عن غير الله .
ثانياً : الإثبات ، أي إثبات الإلوهية لله عز وجل ، وهو منهاج كل الأنبياء ، قال تعالى [وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ] ( ) .
وفي مخاطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم جيش المشركين وسط المعركة بكلمة التوحيد وسؤالهم قول (لا إله إلا الله ) شاهد على أن الناس هم أمة محمد ، وأنه بعث إليهم جميعاً .
ويصطف الجيشان وسط المعركة , وينشط قادة المشركين بينهم فيأتيهم من جهة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه النداء الذي تصدح به السموات والأرض (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا) ليكون حرباً على رؤساء الكفر ، وإخباراً لكل أفراد العدو عن ظلم وضلالة رؤسائهم ولزوم التخلي عنهم وكيف أنهم من الطواغيت لمحاربتهم النبوة والتنزيل ، قال تعالى [فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى] ( ) .
السادس : قيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالدعوة إلى كلمة التوحيد برزخ دون الغلو بشخصه الكريم ، ومنع من إتخاذ المعجزة التي تجري على يديه سبباً للغلو .
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يؤكد أنه عبد الله ورسوله ، ليكون بينه وبين الناس عموم وخصوص مطلق ، فمادة الإلتقاء العبودية لله عز وجل ، ومادة الإفتراق أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رسول الله وفي التنزيل [قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِ وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ] ( ).
المسألة الخامسة عشرة : لقد أخبرت آية السياق عن قانون وهو عدم إصابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بأي سوء في خروجهم إلى حمراء الأسد لبيان أمور :
الأول : عودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بسلام من حمراء الأسد جزاء لهم مما أصابهم في معركة أحد .
الثاني : السلامة في الخروج إلى حمراء الأسد وفي العودة منه نعمة عظمى , وهل هي نعمة متحدة أم نعمة متعددة , الجواب هو الثاني لتجدد النعم من جهات :
الأولى : عودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من معركة أحد ليخرج إلى حمراء الأسد .
الثانية : نداء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخروج المسلمين إلى حمراء الأسد نعمة .
الثالث : إختصاص الذين خرجوا إلى معركة أحد بالخروج إلى حمراء الأسد نعمة عظمى .
الرابع : استجابة المهاجرين و الأنصار للخروج مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع ما فيهم من الجراحات التي أصيبوا بها في اليوم السابق للخروج وهو اليوم الخامس عشر من شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة , يوم معركة أحد .
الخامس : لقد جاء قبل آيتين تحذير عامة الناس للمسلمين من جيش المشركين , فهل هذا التحذير نعمة , الجواب نعم , لدلالته على ميل الناس إلى الإسلام , ورغبتهم في سلامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من الضرر والكيد , وهو شاهد على نفرة الناس من الذين كفروا, وفيه أمارة على عدم خوفهم من الذين كفروا بلحاظ كبرى كلية وهي أن تحذير النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين واخبارهم عن النوايا الخبيثة لجيش الذين كفروا دليل على إمتناع الناس عن نصرة الذين كفروا , وعدم ميلهم لهم .
الثالث : إستدامة نجاة المسلمين من السوء والأذى ، بلحاظ قانون وهو إذا أنعم الله عز وجل بنعمة فانه أكرم من أن يرفعها ، وتقدير آية السياق على وجوه :
الأول : لم يمسسهم ولن يمسهم سوء .
الثاني : لم يمسسهم سوء يضر بهم وبالإسلام .
الثالث : لم يمسسهم سوء في دينهم ودنياهم .
الرابع : بفضل الله عز وجل لم يمسسهم سوء ، لذا أختتمت آية السياق بقانون الفضل العظيم .
الخامس : لم يمسسهم شك أو ريب لصدق الإيمان الذي يتحلون به .
السادس : الذين لا يخافون من أولياء الشيطان لم يمسسهم سوء بدلالة الخروج إلى حمراء الأسد على عدم الخشية من الذين كفروا .
المسألة السادسة عشرة : لقد ذكرت آية البحث أولياء الشيطان بصيغة الذم ، بينما ذكرت آية السياق المهاجرين والأنصار بمصاديق ولايتهم لله عز وجل من جهات :
الأولى : دلالة لفظ [فَانْقَلَبُوا] الذي ابتدأت به آية البحث على خروجهم في سبيل الله .
الثانية : إختتام الآية قبل السابقة بالإخبار عن حسن توكل الصحابة على الله عز وجل وتسليمهم بأمره وتفويض أمورهم إليه سبحانه .
خاصة وأن الأمر لا يختص بوعيد جيش أبي سفيان بالكرّة عليهم ، فقد يأتون إلى المدينة مرة أخرى ويرجعون إليها قبل وصولهم إلى مكة ، وقد يصلون إلى مكة ثم يعودون منها بجيش أكبر كما تم بالفعل في زحفهم في معركة الأحزاب ، قال تعالى [يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ] ( ).
الثالثة : مصاحبة ذخائر وكنوز من نعمة الله للمسلمين عند رجوعهم كسرية للدفاع عن بيضة الإسلام بعد معركة أحد.
الرابعة : تتجلى في معركة أحد واليوم التالي لها شواهد مضيئة من صبر المسلمين، وعدم خوفهم من أولياء الشيطان، ولم يعلم أحد أن آية البحث مقدمة لفتح مكة، وسبب يبعث اليأس والقنوط في نفوس الذين كفروا.
الخامسة : مجيء النعمة والفضل من عند الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين والأنصار دفعة واحدة , وهو أجر لصبرهم في رضوان الله , ودليل على ولايتهم وحبهم لله سبحانه.
السادسة : يكون تقدير قوله تعالى(لم يمسسهم سوء) على وجوه:
الأول : لم يمسسهم سوء لفضل الله عليهم.
الثاني : لم يمسسهم سوء لحضور النعمة والفضل عندهم وتغشيها لهم.
الثالث : لم يمسسهم سوء لأنهم يخافون الله.
الرابع : لم يمسسهم سوء لأن أولياء الشيطان يخافون منه.
الخامس : لم يمسسهم سوء ثواباً وجزاءً لهم لدفاعهم في معركة أحد، وإصابتهم بالقروح والجراحات الكثيرة فيها.
السادس : لم يمسسهم سوء لأن خروجهم إلى حمراء الأسد كان بالوحي وبأمر من عند الله.
السابع : لم يمسسهم سوء لإستعاذتهم من الشيطان، ولحسن توكلهم على الله كما تقدم في الآية قبل السابقة[وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ]( ).
المسألة السابعة عشرة : لقد ابتدأت آية السياق بقوله تعالى [فَانْقَلَبُوا] ليدل بالدلالة التضمنية على خروجهم من المدينة للدفاع وعودتهم بسلام وأمان فاراد الله عز وجل شكرهم بآية البحث وما فيها من التحذير والإنذار من الشيطان وأعوانه .
بلحاظ كبرى كلية وهي : فوز المسلمين بانذار الله لهم من حبائل الشيطان نعمة منه تعالى وموعظة لأجيالهم ، فينقلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وطائفة من أصحابه من تعقب جيش الذين كفروا بعد معركة أحد، لينزل الله سبحانه نعمة عظمى وفضل ينتفع منهما أجيال المسلمين والمسلمات إلى يوم القيامة، وهو من أسرار تلاوة المسلمين لآيات القرآن في الصلاة اليومية، وعنوان لشكرهم لله على نعمة نزول آية البحث .
وهل يمكن تأسيس قانون وهو أن العمل الصالح لطائفة من المسلمين ينفعهم جميعاً ، الجواب نعم ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( ) من جهات :
الأولى : عبادة الناس لله عز وجل دعوة للعمل الصالح .
الثانية : العمل الصالح وقصد القربة إلى الله من مصاديق عبادته وطاعته سبحانه .
الثالثة : تفضل الله بقانون وهو عموم الثواب على الفعل الخاص ، وهذا العموم على شعب :
الأولى : إنتفاع العبد من عمله الصالح حتى بعد إنقضاء الفعل .
الثانية : استدامة نفع العبد من عمله الصالح في الدنيا , وحضوره معه في الآخرة، وفي التنزيل[خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى]( ).
الثالثة : انتفاع العبد من عمله الصالح في موضوع وحكم آخر وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ]( ).
الرابعة : ترشح النفع العام للأسرة والذرية والجماعة والأمة من عمل العبد الصالح.
لقد جاءت آية البحث لتحث المسلمين على الشكر العملي لله عز وجل على العودة بسلام من ميدان الدفاع، وماهية هذه الدعوة نصر محض لهم.
وهل يصح تقدير آية السياق: فأنقلبوا بنعمة النصر من عند الله، الجواب نعم، إذ أن رجوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من ميدان القتال من غير مبارزة وقتال نصر له، لأن المشركين هم الذين أرادوا القتال وقتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإبادة المسلمين فصرف الله عز وجل كيدهم، وفي التنزيل[وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ]( ).
المسألة الثامنة عشرة : بدأت آية السياق بحرف العطف الفاء في [فَانْقَلَبُوا] لبيان شاهد من رحمة الله عز وجل بالمسلمين ومصداق عاجل من مصاديق إظهارهم اللجوء إلى الله وثقتهم بكفايته لهم في خاتمة الآية السابقة لها لقوله تعالى [وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ] ( ).
ليكون من مصاديق الكفاية في المقام ودلالات حرف الفاء في المقام أمور:
الأول : سرعة عودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حمراء الأسد، إذ بقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ثلاث ليال ثم عادوا سالمين، ترى لماذا لم يعد النبي بأصحابه في ذات اليوم ، الجواب لقد أعطى بهذا البقاء نوع رسالة إلى المشركين بأنه يتعقبهم وأنه وأصحابه يعملون بقوله تعالى في آية البحث [فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي] ( ).
وتبعد حمراء الأسد عن المدينة اثني عشر كيلو متراً ، وصارت في هذا الزمان من ضواحي السكن فيها لبيان قانون جزاء الله عز وجل للمسلمين باعلانهم اللجوء إليه والتسليم بكفايته لهم بأن صار الموضع الذي خوّفهم الناس من المشركين في ناحيته سكناً للمسلمين وجزءّ من مدينة رسول الله ويسمعون فصول الأذان من ذات المسجد النبوي بمكبرات الصوت خمس مرات في اليوم .
الثاني : تدل خاتمة آية السياق على بيان علة للشرط الذي جعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخصوص الخروج لتعقب العدو وهو أن يكون الذي يخرج معه ممن حضر معركة أحد في اليوم السابق بقوله صلى الله عليه وآله وسلم (لَا يَخْرُجْ مَعَنَا إلّا مَنْ شَهِدَ الْقِتَالَ) ( ).
لمنع المنافقين من الخروج إذ أنهم يتلقون التهديد والوعيد والتخويف من جيش الذين كفروا بمحاولة إظهار الفزع والريب والنكوص ، بينما أراد الله عز وجل للمسلمين بهذا الشرط الفوز بالشهادة لهم من عنده تعالى بالقرآن بالقول[حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ]( ).
ومن الإعجاز أن الشرط والقيد العام قد يخصص مع وجود الراجح العقلي أو الشرعي ، فقد كان جابر بن عبد الله ممن لم يخرج إلى معركة أحد واستشهد ابوه فيها ، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وذكر له أن أباه هو الذي حبسه عن الخروج للبقاء مع أخواته، وسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الخروج معه فأذن له لبيان حال الجهاد والشوق إلى الدفاع عند المسلمين .
فلم يستصحب جابر مسألة البقاء مع أخواته، ولم يقف عند الشرط أعلاه ، ولم يجلس في المدينة لتلقي التعازي باستشهاد والده في معركة أحد، ليكون خروجه من مصاديق آية البحث في عدم خوف أو خشية المسلمين من جيش المشركين , وتجلي عدم الخوف منهم بالإنبعاث للدفاع وتحمل الأذى في جنب الله وعدم البقاء في سكينة وسكون، أي أن قوله تعالى(فلا تخافوهم) لا يختص بالكيفية النفسانية وسلامة النفس من الفزع من الذين كفروا وولايتهم للشيطان، إنما يكون عدم الخوف منهم بأمر وجودي بالجهاد والدفاع والصبر.
الثالث : إرادة المسلمين أفراد الزمان الطولية مطلقاً من توكلهم على الله، وتقدير خاتمة آية السياق على وجوه :
أولاً : قالوا حسبنا الله ونعم الوكيل في معركة أحد التي جرت قبل يوم من خروجهم إلى حمراء الأسد، وهذا الخروج موضوع لنزول آية البحث .
وعن أبي بن كعب قال: آخر آية نزلت: فإن تولوا فقل حسبي الله) لبيان قانون وهو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى آخر أيام لا يكره الناس على الإسلام، ولا يحارب الذي يعرض عن دعوته، وحتى على القول بأن الآية أعلاه ليست آخر آية نزلت على رسول الله صلى الله وآله وسلم فإن الخبر يدل على أنها من آخر آيات القرآن نزولاً، وفيه شاهد بأن آية السيف لم تنسخ مائة آية من آيات الصفح والعفو والصلح، فلم تقل الآية(فإن تولوا فأقتلوهم) إنما تبين لجوء النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى الله عند إعراض الذين كفروا عن الدعوة إلى الحق، وإصرارهم على الجحود، وبقائهم في منازل ولاية الشيطان والخوف منه.
ثانياً : قالوا حسبنا الله ونعم الوكيل الذي هدانا للإسلام .
ثالثاً : قالوا حسبنا الله ونعم الوكيل في مسألة الخروج إلى حمراء الأسد.
رابعاً : قالوا حسبنا الله في القادم من الأيام، فان كان عدد أفراد جيش المشركين في معركة أحد هو ثلاثة آلاف، فان عددهم في معركة الخندق عشرة آلاف رجل ليكون قول المسلمين[حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ]حرزاً ومقدمة لدفع العدو في معركة الخندق .
الرابع : تقدير لفظ[فَانْقَلَبُوا] في آية البحث وما يترشح عنه على وجوه:
أولاً : فانقلبوا ليقيموا الصلاة , قال تعالى[فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ]( ).
ثانياً : فانقلبوا بصبر وسكينة .
ثالثاً : فانقلبوا لمداواة جراحاتهم .
سواء جراحاتهم الذين خرجوا مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى حمراء الأسد أو الذين أقعدتهم جراحات معركة أحد من الخروج إلى حمراء الأسد .
وهل كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الجرحى في يوم أحد ، الجواب نعم ، إذ تعددت إصابته من جهات :
الأولى : سقوط النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الأرض وسرعان ما نهض وقام مع كثرة الحجارة التي رماها عليه أفراد العدو، مما يدل على قربهم منه , وكانوا يقصدون بالحجارة والنبال قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن عجزوا من الوصول إليه، وعن أم عمارة تتحدث عن جراحتها في معركة أحد وهي تذب عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالت: أصابني (ابن قمئة اقماه الله لما ولى الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل يقول دلوني على محمد فلا نجوت ان نجا .
فاعترضت له أنا ومصعب بن عمير وأناس ممن ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربني هذه الضربة ولكن ضربته ضربا على ذلك ولكن عدو الله كان عليه درعان .
قال ابن اسحق : وترس دون رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو دجانة بنفسه يقع النبل في ظهره وهو منحن عليه حتى كثر فيه النبل)( ).
الثانية : كسر رباعية النبي صلى الله عليه وآله وسلم اليمنى السفلى .
الثالثة : الشج في وجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسيلان الدم منه.
الرابعة :الشق في شفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الخامسة : جرح وجنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ودخول حلقتين من المغفرة في وجنته إذ رماه ابن قمئة .
السادسة : وقوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حفرة من الحفر التي عملها أبو عامر الفاسق ليقع فيها المسلمون.
المسألة التاسعة عشرة : من إعجاز القرآن تعدد إفاضات الكلمة الأولى من الآية القرآنية وإستنباط المسائل في صلتها بكلمات ذات الآية، وكلمات آيات القرآن الأخرى، وإذا تكرر ذات اللفظ في أكثر من آية سواء في إبتداء الآية الأخرى أو في وسط أو خاتمة الآية الأخرى فإن التقدير والمعنى يتعدد ويختلف وتستقرأ منه مسائل وأحكام متعددة، ويكون تقدير كلمة(فانقلبوا) على وجوه :
الأول : فانقلبوا من حمراء الأسد بفضل من الله , وذات الإنقلاب والعودة فضل من الله .
الثاني : فانقلبوا بسلام كما إنقلبوا من معركة أحد.
الثالث : فانقلبوا بنعمة من الله فبعد الخسارة في معركة أحد إنقلبوا من حمراء الأسد.
الرابع : فانقلبوا بنعمة من الله تخفيفاً عن المسلمين، وفي التنزيل[يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ]( ).
الخامس : فانقلبوا سالمين لبيان قانون وهو عدم الملازمة بين الخروج للدفاع وبين القتال وتقديم الشهداء.
السادس : فانقلبوا من غير قتال وهو من مصاديق قوله تعالى[وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ]( ).
السابع : فانقلبوا بإمامة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
الثامن : فانقلبوا من غير أن يفتنهم الذين كفروا.
التاسع : فانقلبوا ليقيموا الصلاة في المدينة.
العاشر : فانقلبوا لإغاظة المنافقين.
الحادي عشر : فانقلبوا ليستعدوا لمعارك الدفاع اللاحقة.
الثاني عشر : فانقلبوا أخوة متحابين متمسكين بأحكام الشريعة.
الثالث عشر : فانقلبوا إلى أهليهم.
الرابع عشر : فانقلبوا بالربح والفوز في الدنيا والآخرة ، قال تعالى في ذم طائفة من المنافقين [وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ] ( ).
لقد أصاب الصحابة أذى شديد في معركة أحد ولكنهم صبروا ، ويشمل هذا الصبر كلاً من :
الأول : النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فهو الإمام في الصبر في مرضاة الله ، ويدل قوله تعالى [فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ] ( ) .
الثاني : المهاجرون والأنصار الذين دافعوا وجاهدوا في معركة أحد .
الثالث : عوائل المهاجرين والأنصار .
الرابع : المسلمون والمسلمات الذين لا زالوا في مكة ، والقرى القريبة منها .
الخامسة عشر : فانقلبوا بعز وفخر لتكون عودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من حمراء الأسد من مصاديق قوله تعالى [وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ] ( ).
السادس عشر : فانقلبوا بنصر من الله وأعلاء لكلمته ، وإندحار أعدائه، وهو من مصاديق قوله تعالى [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ] ( ).
السابع عشر : فانقلبوا ليكونوا وأهل المدينة بحال من الغبطة والسعادة أحسن مما كانوا قبل معركة أحد لتجلي معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونزول الملائكة لنصرته وأصحابه يوم أحد واتعاظ الناس منها .

الصلة بين خاتمتي الآيتين
أختتمت آية السياق بقوله تعالى [وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ] ( ) وأختتمت آية البحث بقوله تعالى [إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ] ( ) وهو من إعجاز القرآن بتضمن كل خاتمة منهما الثناء على الله عز وجل , وبيان عظيم فضله وإحسانه ولا يقدر على الفضل العظيم إلا الله عز وجل.
وحينما تعد أسماء الله عز وجل قد لا يذكر معها اسم ذو الفضل العظيم إنما هو من صفاته الحسنى .
ومعنى (ذو) صاحب , لإرادة الوصف بالجنس ، والفضل: الإحسان والزيادة فيه، وفي المؤمنين وتعاقب أجيالهم على الهدى ، قال تعالى [وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ]( ).
وقد ورد هذا الاسم في مواطن من القرآن منها سبع مرات في القرآن، منها مرة بلفظ من غير ألف ولام ، كما في آية السياق[وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ]( ) ومن معاني الجمع بين صيغة التعريف في الفضل، وعدمها في آية السياق بيان إجتماع وجوه :
الأول : توالي فضل الله .
الثاني : تغشي فضل الله للخلائق كلها .
الثالث : ثناء الله على نفسه بنسبة الفضل إليه ، ولا يدّعي الفضل غيره.
الرابع : ترشح قانون من فضل الله وهو أنه تعالى [اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ] ( ) .
الخامس : من معاني فضل الله العظيم حاجة الخلائق إلى فضله تعالى .
السادس : ليس من حصر لمصاديق فضل الله وهو أعم من نعمة الله المذكورة في قوله تعالى[وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا]( ) فاذا كان الناس لا يستطيعون عن إحصاء نعم الله عز وجل عليهم فانهم يعجزون عن إحصاء فضل الله على الخلائق كلها ، وهل الخلق والنشأة من فضل الله ، الجواب نعم .
ومن فضل الله إحسانه بالنعمة والفضل مجتمعين، كما في آية السياق[فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ]( ) لإرادة خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين والأنصار إلى حمراء الأسد متوكلين على الله لم يلتفتوا إلى وعيد وتخويف الناس لهم من جيوش الذين كفروا .
السابع : يمكن تقسيم فضل الله على الخلائق تقسيماً استقرائياً على وجوه :
أولاً : الفضل على الملائكة .
ثانياً : الفضل على الناس .
ثالثاً : الفضل على الأنبياء .
وهو ينقسم إلى أقسام بعدد الأنبياء ، وهم مائة وأربعة وعشرون ألف نبي، ويمكن تأليف مجلدات خاصة بفضل الله على الأنبياء، وفي نوح قال تعالى [وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنْ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ] ( ).
إذ نجاه الله من شدة قومه عليه وإيذائهم له ، واصرارهم على تكذيبه ووصية جيل لجيل منهم , والأب لابنه بلزوم تكذيبه في دعوته إلى الله ، كما أنجاه الله من الغرق عند الطوفان الذي هو إبتلاء عام ، قال تعالى [وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً]( ).
وفي قصة كل نبي آيات من فضل الله، ومسائل مستقرأة تدل على أنه لم يستطع التبليغ لولا فضل الله عز وجل عليه .
ومن الإعجاز والدقة في ألفاظ القرآن وإنتفاء التعارض بينها، إخباره عن إختصاص رحمة من الله بقوم دون قوم مع سعة فضل الله، دون أن تغلق وتصرف عن غيرهم ضروب لا متناهية من رحمة الله.
قال تعالى[يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ]( ) ومنهم من قيد الإختصاص في المقام بأمور :
الأول :الإسلام .
الثاني : آيات القرآن .
الثالث : نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ولكن ليس من حصر لذات الحصر من وجوه :
الأول : موضوع الحصر .
الثاني : زمان الحصر , إبتداء من أيام آدم عليه السلام وإلى يوم ينفخ في الصور .
الثالث : مكان الحصر ، وإرادة بقاع الأرض وسكان السماء .
وهل ينحصر هذا الإختصاص بالحياة الدنيا، الجواب لا ، ومصاديقه في الآخرة أكثر من مصاديقه في الدنيا , ومنها الشفاعة سواء رحمة الله عز وجل بالشفيع أو بالمشفوع له ، أو علة وموضوع الشفاعة ، قال تعالى [وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنْ ارْتَضَى]( ).
وهل يمكن احصاء فضل الله على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، الجواب لا ، قال تعالى[وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا]( )، إذ يتجلى هذا الفضل في كل آية من القرآن وهو متجدد إلى يوم القيامة في حياة المسلمين وعباداتهم، ومنه فضل الله على النبي بأمته، وفضل الله على المسلمين بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ويمكن القول أن فضل الله عز وجل على كل نبي عظيم، وتتعدد مصاديق الفضل العظيم على النبي من وجوه :
الأول : فضل الله عز وجل على النبي بالوحي .
الثاني : فضل الله عز وجل على النبي بالنبوة والفوز بالإختيار لها .
الثالث : فضل الله بالأنصار والأتباع .
الرابع : فضل الله بالدعوة إلى التوحيد والإسلام .
ومن فضله سبحانه عليه نشر الإسلام من غير حاجة إلى الغزو وقصد القتال .
لقد بدأ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم دعوته بمفرده كما بدأ إبراهيم عليه السلام دعوته ، مع التباين إذ استمر إبراهيم يدعو إلى التوحيد بمفرده مدة مديدة .
وتجلى فضل الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن أسلمت في اليوم الثاني زوجته خديجة والإمام علي عليه السلام في اليوم الثالث لتفوز خديجة بمرتبة أم المؤمنين ، فان قلت قد نزل قوله تعالى [النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ] ( ) في المدينة وتوفت خديجة في مكة قبل الهجرة النبوية من جهات:
الأولى : تأريخ وفاة خديجة هي السنة العاشرة للبعثة النبوية.
الثانية : توفت خديجة بعد أبي طالب بثلاثة أيام، فسمي ذلك العام(عام الحزن).
الثالثة : كانت وفاة خديجة بعد خروج بني عبد المطلب من شعب أبي طالب ببضعة شهور ويسمى هذا الشعب(السجن المفتوح) لأنه مكان محصور بين جبلين.
الرابعة : إشتد أذى قريش على النبي صلى لله عليه وآله وسلم بعد وفاة أبي طالب وخديجة، فخرج إلى الطائف عسى أن يجيبوه ولكنهم إستقبلوه ودعوته بالحجارة حتى أدموا قدميه وهل تشمل مضامين الآية أعلاه والأمومة للمؤمنين خديجة أم أن القدر المتيقن منها نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم أوان نزولها على القول بعدم الإستصحاب القهقري.
الجواب هو الأول، لعموم لفظ أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم الشامل للائي تزوجهن قبل وبعد نزول الآية أعلاه، وقد تقدم في الجزء الثالث والستون بعد المائة( ) كيف أن سبي صفية بنت حيّ بن أخطب جعلها تفوز بأشرف الرتب بأمومتها للمؤمنين إلى يوم القيامة .
ومن الآيات تحلي صفية بالتقوى ، وتزينها بالصلاح إلى حين غادرت الدنيا ، مع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بقتل أبيها لإصراره على التحريض عليه وعلى المسلمين مع وجود عهد وصلح بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبينه .
وتوالى دخول الصحابة في الإسلام مع شدة أذى كفار قريش لهم في مكة، واختار النبي صلى الله عليه وآله وسلم دار الأرقم بن أبي الأرقم القريب من جبل الصفا المطل على الكعبة للدعوة السرية .
فمع تقارب البيوت في مكة آنذاك وصغرها وشدة ملاحظة كفار قريش لسعي ودعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحركة أصحابه وعدم سعة مدينة مكة يومئذ فان الكفار عجزوا عن معرفة إقامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في دار الأرقم وتبليغه الأحكام فيه .
وكان بعض الوافدين يأتي لإرادة الإلتقاء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم والسماع منه فيأخذه بعض أهل البيت والصحابة إلى دار الأرقم من غير خشية من كشف أمرهم ، كما في قصة أبي ذر وكيف أن الإمام علي عليه السلام أكرمه كضيف ثم أخذه إلى دار الأرقم بحذر وترصد ، ليكون دار الأرقم مقدمة لسلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في طريق الهجرة .
ونسجت العنكبوت بيتها على فتحة الغار الذي دخله هو وأبو بكر، قال تعالى [إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ..]( ) ليصل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة من غير أن يقاتل أو يأمر أصحابه بالقتال ، ولكن الدعوة صارت علنية على نحو الموجبة الكلية ، وأقيمت صلاة الجماعة والجمعة في المدينة ، وليس من سبب للقتال في دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لولا إصرار الذين كفروا على الهجوم والغزو ، فهم الغزاة سواء في معركة بدر أو أحد أو الخندق .
لقد أختتمت آية السياق بقوله تعالى[وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ]( ) لبيان أن كل نعمة من النعم التي ذكرتها الآية هي من فضل الله ، فلا يقدر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه على الرجوع إلى المدينة من غير قتال في حمراء الأسد لولا فضل الله خاصة مع إصرار المشركين على القتال والبطش من جهات :
الأولى : إرادة المشركين الثأر لقتلاهم في معركة بدر .
الثانية : محاولة كفار قريش رد الإعتبار لما لحقهم من الذل والخزي في معركة بدر ، وهل يمكن القول أن الذل الذي ذكره قوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ] ( ) انتقل إلى المشركين ، الجواب نعم وما هو أعم منه ، إذ أن المراد من الذل في الآية أعلاه هو الإستضعاف وقلة عدد وأسلحة المسلمين ، ليصاب المشركون بذات الخصال ويلحقهم الخزي والقهر والإنكسار بينما لم يلحق المؤمنين ذلاً بمعنى الخزي أبداً لعمومات قوله تعالى [وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ] ( ) .
الثالثة : جمع قريش القبائل لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في معركة أحد، فقد اعتبروا من خروجهم إلى معركة بدر على عجالة ، واكتفائهم فيها بأهل مكة ، وأخرجوا بني هاشم وعدد في أهلها مكرهين .
ولم يعلموا أن خسارتهم فيها ليست من جهة هذه العجالة أو العدة إنما هي أمر حتمي لأن الله عز وجل أبى إلا أن ينصر رسوله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم , وهذا النصر مطلق ومتجدد في كل زمان ، وهو من الإعجاز في مجئ قوله تعالى [وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا] ( ) بصيغة المضارع .
بينما أخبر القرآن عن النصر في معركة بدر بصيغة الفعل الماضي وإرادة النبي والمسلمين في قوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ] ( ) مما يدل على سلامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في معارك الإسلام اللاحقة ، لأن الذي يقتل في المعركة لا يكون ذات شخصه منتصراً .
وهذا النصر من الشواهد على ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان مدافعاً في القتال ، ومع أن الآية أعلاه وعد من الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالنصر في القتال ، إلا أنه لم يغز قوماً ، ولا يبدأ أحداً بقتال أو رمي بالنبل والسهام ، ولا يستفز ويهيج جمع العدو ليقوم بالبدء بالقتال ، إنما كان يعلن للجميع أنه يريد السلم والوئام بندائه (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا) وتحقق مصداق هذا النداء على نحو جلي بشواهد كثيرة ومتعددة ومتجددة إذ صار أفراد جيش المشركين على أقسام :
الأول : قسم قتلوا في المعارك وفارقوا الدنيا على الكفر والعناد وولاية الشيطان التي تحذر منها آية البحث ، وهل كان هذا القتل مقدمة لدخول شطر منهم الإسلام ، الجواب نعم ، وهو الذي يدل عليه قوله تعالى [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ] ( ) بلحاظ أن قطع الطرف وهلاك الطائفة من القوم الكافرين إضعاف لهم .
الثاني : وقوع سبعين من المشركين أسرى عند المسلمين ، وإنشغال أهليهم بفكهم من الأسر ، وتهيئة الأموال كبدل وعوض عن الأسر ، في معركة بدر ليكون هذا الأسر مناسبة للتدبر في الإسلام والتفكر في معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحسية والعقلية.
الثالث : دخول فريق من الذين قاتلوا المسلمين يوم بدر وأحد الإسلام طواعية .
لقد أختتمت آية البحث بالخطاب للمسلمين بصيغة الجملة الشرطية [إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ] ( ) وهو ثناء عليهم ، ودعوة لهم لتعاهد الإيمان بالخوف والخشية من الله عز وجل .
فمن يخاف الله عز وجل يؤدي الفرائض والعبادات ، ويمتنع عن المعصية واتباع الشيطان ، وأختتمت آية السياق بالإنذار والوعيد للذين كفروا ، قال تعالى [وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ] ( ) لبيان حرمانهم أنفسهم من الإيمان ومنافعه في الدنيا والآخرة .
وهل تدل خاتمة آية البحث على البشارة للمسلمين بالثواب العظيم ، الجواب نعم ، ومن وجوه تقدير خاتمة الآية :
الأول : إن كنتم مؤمنين ولا تخافون الشيطان وأولياءه .
الثاني : الجنة مثواكم إن كنتم مؤمنين .
الثالث : إن كنتم مؤمنين فأحذروا من أولياء الشيطان .
الرابع : إن كنتم مؤمنين فان الذين كفروا يخشونكم ، فان قلت إنما يقاتل الذين كفروا المؤمنين ، الجواب نعم هذا صحيح , ولكن هذا القتال مقطوع ومؤقت ولن يستمر ، ويدل عليه الرسم البياني لغزو المشركين للمسلمين من جهات :
الأولى : عدد أفراد جيش المشركين في معركة بدر هو ألف من الرجال بينما كان عدد الصحابة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو ثلاثمائة وثلاثة عشر رجل ، وكان موقع المعركة يبعد عن المدينة مائة وخمسين كيلو متراً .
الثاني : عدد أفراد جيش المشركين في معركة أحد في شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة هو ثلاثة آلاف رجل بينما كان عدد الصحابة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو سبعمائة بعد إنخزال نحو ثلاثمائة من افراد الجيش مع عبد الله بن أبي سلول رأس النفاق .
ويبعد موضع معركة أحد خمسة كيلو متر عن المدينة , كما تقدمت الإشارة إليه , أي أن الذين كفروا هم الغزاة ، وكانوا يعدون لهذا الغزو سنة كاملة .
الثالث : وقعت معركة الخندق في السنة الخامسة للهجرة إذ زحف عشرة آلاف رجل من مكة والقبائل المحيطة بها لغزو واستباحة المدينة ، ليحاصروها نحو عشرين ليلة وقيل استمر الحصار شهراً ، ولم يقع قتال مواجهة بين الجيشين ، إنما كانت هناك مبارزة ومناوشات ، وتراشق بالنبال وانشغل المسلمون بالدفاع ، وأدوا صلاة العصر بعد الغروب في أحد أيام الحصار قبل أن تشرع صلاة الخوف .
وقيل أن المشركين أضاعوا على المسلمين في يوم آخر صلاة الظهر والعصر والمغرب وصلاها المسلمون مع صلاة العشاء .
ولما عاد جيش المشركين من معركة الخندق ظهرت عليهم أمارات الخيبة، وتفرق عنهم أعوانهم وأتباعهم وسئموا الحرب والقتال ، وأدركوا الظلم للذات والغير بالإشتراك في غزو المدينة والهجوم على المسلمين ، مع توالي دخول الناس الإسلام .
الوجه الثاني : صلة هذه الآية بقوله تعالى [الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ] ( ) وفيه مسائل :
المسألة الأولى : جاءت آية السياق بصيغة الجملة الخبرية من بدايتها إلى نهايتها ، أما آية البحث فابتدأت بصيغة الجملة الخبرية ثم الإنشاء والخطاب للمسلمين لبيان قانون في لغة القرآن ، وهو أن الخطاب مقدمة للإنشاء .
وهل الخبر الوارد في آية السياق مقدمة للإنشاء والنهي الوارد في آية البحث ، الجواب نعم ، وهو من إعجاز القرآن ، فمع وجود آية بين هاتين الآيتين فان لهذا الخبر موضوعية في الأحكام الواردة فيه وكذا بالنسبة للأوامر والنواهي التي جاءت فيه .
ولا تختص هذه الموضوعية بذات الأمر والنهي إنما تشمل أموراً :
الأول : مكان الأمر والنهي بالنسبة لمقدمات كل منهما ، وكذا العكس ،أي موضع ومحل المقدمة بالنسبة للأمر والنهي في القرآن .
الثاني : بيان الأوامر والنواهي بلحاظ مقدماتها .
الثالث : إعانة المسلمين على العمل بالأمر والنهي القرآني .
الرابع : بيان السنة النبوية لأحكام القرآن .
الخامس : ذكرت آية السياق تحذير الناس للمسلمين من الذين كفروا ممن يريد الإجهاز عليهم ، فمن أسباب نزول آية السياق وجوه :
الأول : قيام أبي سفيان بالإرسال إلى قريش وغطفان وهوازن يستجيشهم لقتال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما بلغ الخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ارتأوا ذهاب نفر من المسلمين ليأتوا لهم بالخبر اليقين ، وهل جاءت الأحزاب والجيوش .
فلما وصلوا إلى المكان الذي ذكر كمحل لتجمع المشركين لم يروا فيه أحداً فرجعوا .
وأختلف هل المراد مقدمات معركة أحد أو معركة الأحزاب ، والمختار هو الأول .
الثاني :قيام بعضهم بتخويف المسلمين وتحذير النبي صلى الله عليه وآله وسلم من كثرة جيش المشركين وسألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يخشاهم لقوله تعالى [إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ] ( ) وتكون الخشية على وجوه منها :
الأول : الحيطة والحذر .
الثاني : الصبر .
الثالث : صرف الملاقاة والمواجهة مع المشركين .
فلم يسكت النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو يمتنع عن الجواب ، ولم يعرض عن التحذير ولم يظهر الخشية والخوف من المشركين ، ولم يجمع أصحابه ويستشيرهم بأمر الخشية هذا إنما أجاب بصيغة الجمع [حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ] ( ) فقد لجأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الله وأخبر عن اتباع أمته له في هذ اللجوء ، ليكون من معاني هذا القانون وجوه :
الأول : ان جمع لنا المشركون فحسبنا الله .
الثاني : حسبنا الله الذي يصرف كيد المشركين .
الثالث : حسبنا الله الذي يحول بين المشركين وبين إجتماعهم لمحاربة الإسلام .
الرابع : حسبنا الله الذي نصرنا ببدر .
وتتفرع عن هذه الوجوه مسائل :
الأولى : حسبنا الله الذي نصرنا ببدر فانه ينصرنا بالمعارك اللاحقة .
الثانية : حسبنا الله الذي جعلنا في حال الدفاع وليس الغزو .
الثالثة : حسبنا الله إذ نصرنا ببدر ووقانا شر فتنة الشيطان الذي كان حاضراً مع مشركي قريش يحرضهم على المسلمين ، فقد جاء إبليس يومئذ بهيئة (سراقة بن جعشم المدلجي يحدثهم أن بني كنانة وراءهم قد أقبلوا لنصرهم وأنه لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم لما أخبرهم من مسير بني كنانة) ( ) .
وهل يأتي ابليس في هذه الأزمنة بصورة بعض الرجال ليشعل فتيل الحرب ، ومقدمات القتال بين المسلمين وغيرهم أو فيما بين الطوائف والدول من المسلمين وغيرهم .
الجواب لا دليل عليه ، ولم يثبت مثل هذه الحضور في هذه الأزمنة إنما جاء الإخبار من عند الله عز وجل على نزول ابليس في أيام النبوة والتنزيل لصدّ الناس عن التصديق بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابعة : حسبنا الله الذي يتفضل وينزل الملائكة لنصرة نبيه.
المسألة الثانية : من معاني الجمع بين الآيتين بيان جهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين والأنصار في سبيل الله من جهات :
الأولى : قيام المشركين بالهجوم والإغارة على المدينة المنورة ، كما ورد في معركة أحد في السنة الثالثة .
ثم جاءت معركة الخندق بعدها بنحو سنتين ليطوقوا المدينة ويقوم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بحفر خندق ، والذي لا زالت بعض آثاره إلى الآن كما تقدم ذكره في مقدمة الجزء السابق( ) .
الثانية :مع كثرة الجراحات التي أصابت النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في معركة أحد فأنهم خرجوا في اليوم التالي لها متعقبين للعدو ليرجعوا بالثواب العظيم من النعمة والفضل الإلهي .
ومن الإعجاز قيامهم بالخروج خلف العدو، مع تحذير وتخويف الناس لهم ، ولكنهم لم يهملوا التحذير ولم يستخفوا به ، فقد إعتنوا به وتدبروا في الأمر فأعلنوا حسن توكلهم على الله عز وجل ، وفي التنزيل [وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ]( ).
لقد حلّت في الأرض ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم علوم عقائدية تكون واقية من الشيطان ، وتأخذ بيد الناس في سلّم المعارف ، منها القانون الذي أختتمت به آية السياق [حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ] ( ).
وهل يختص قول المسلمين هذا بحال تلقي التخويف والإنذار من مجئ وزحف جيوش الذين كفروا ، الجواب لا ، إنما هو مطلق وفي كل الأحوال ، وهو من بركات نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن يبقى هذا التوكل على الله منهاجاً للمؤمنين ، وهل قوله تعالى أعلاه قانون متحد أم أنه متعدد ، الجواب هو الثاني ، إذ أنه من وجهين :
الأول : قانون حسبنا الله .
الثاني : قانون الله هو الوكيل .
وحينما أعلن النبي لجوئه والمسلمين إلى الله وحسن توكلهم عليه جاءهم الثواب بالعاجل إذ حضرت كل من نعمة الله وفضل الله لمصاحبتهم في رجوعهم من الخروج خلف العدو .
لقد صدر القول [حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ] ( ) من قبل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، وعن (عِكْرِمة، وقتادة وغير واحد: إن هذا السياق نزل في شأن [غزوة] حَمْراء الأسد”، وقيل: نزلت في بَدْر الموعد، والصحيح الأول) ( ).
لقد انصرف جيش المشركين من معركة أحد في ذات اليوم الذي إبتدأت به ومن قوانين معارك الإسلام أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين لا يبدأون القتال أبداً ، إنما ينتهز النبي صلى الله عليه وآله وسلم فرصة إلتقاء الصفين للنداء الذي جاء به كل الأنبياء (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا ).
الثالثة : تلقي المسلمين التخويف من الناس ، إذ تقسم آية السياق الناس إلى أقسام :
الأول : النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون .
الثاني : الذين قاموا بتحذير المسلمين من كيد المشركين وإعادتهم كرّة الهجوم على المدينة .
الثالث : جيش المشركين المنسحب من معركة أحد ، إذ همّوا بالعودة لقتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين .
الرابع : عامة الناس الذين ليس لهم صلة بالأمر .
الخامس : الذين رأوا جيش المشركين وسمعوا أو أدركوا عزمهم على الرجوع لقتال المسلمين ولكنهم لم يحذروا المسلمين .
المسألة الثالثة : ابتدأت آية البحث بالاسم الموصول [الَّذِينَ] الذي يتضمن الثناء على المسلمين , وبيان جمعهم بين أمور :
الأول : طاعة الله ورسوله .
الثاني : الجهاد .
الثالث: الصبر .
الرابع : الثبات على الإيمان .
ولم يرد تكرار لفظ الناس في آية قرآنية بلفظ [النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ] ( ) إلا في آية السياق لبيان أمور :
الأول : كثرة عدد المسلمين ، وصيرورتهم أمة .
الثاني : عناية الناس بحال المسلمين .
الثالث: قيام عامة الناس بنصيحة المسلمين , وفي التنزيل [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَنُ وُدًّا] ( ).
الرابع : تعدد وكثرة جيوش الذين كفروا ، وتجاهرهم بالرغبة بالإنتقام من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
لقد ذكرت آية السياق دعوة الناس للمسلمين بالخشية من الذين كفروا ، وفيه مسائل :
الأولى : هل هذه الدعوة على مرتبة واحدة أم على مراتب متعددة .
الثانية : هل يتلقى المسلمون تحذير وتنبيه الناس لهم بحسن التوكل على الله بالقبول .
الثالثة : ما هي حال ودرجة الفزع التي تلحق الذين كفروا بسبب منعة المسلمين .
أما المسألة الأولى ، فالجواب هو الثاني ، وجاء الإخبار في المقام بصيغة الإجمال من وجوه :
الأول : من الناس من يقوم بتخويف المسلمين .
الثاني : من الناس من يحذر المسلمين .
الثالث : منهم من يعلن تأييده للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين ، ويبين رغبته بهزيمة الذين كفروا كما ورد بخصوص معبد بن أبي معبد الخزاعي الذي مرّ على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وهم في حمراء الأسد فقال : (فقال يا محمد أما والله لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك ولوددنا ان الله قد عافاك) ( ) .
إذ لا ملازمة بين البقاء على مذهب الآباء في الكفر وبين الميل للإسلام، وهذا الميل مقدمة للنطق بالشهادتين .
الرابع : من الناس من يبغض كفار قريش ، وحال الغرور التي عندهم.
الخامس : من خصائص الإنسان النفرة من ، وبغض الظالم والمعتدي .
وهذه النفرة من مصاديق قوله تعالى[وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ]( ).
لقد جعل الله عز وجل المسلمين من أفراد وجند الله بقوله تعالى [وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ] ( ) لتأتي آية السياق ، وتبين قانوناً وهو أن هناك جنوداً من عامة الناس يعضدون أهل الإيمان ، ليكون من معاني الآية أعلاه وجوه:
أولاً : تخلف الناس عن معرفة كثرة وأشخاص جند الله .
ثانياً : من الناس من يكون جندياً لله عز وجل في كل الأحوال وهم المؤمنون ، ومنهم من يكون جندياً لله في حال أمر أو فعل مخصوص كما في الناس الذين ذكرهم الله عز وجل في قوله تعالى [الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ]( ) بلحاظ أن منهم غير مسلمين .
ثالثاً : حضور مصاديق جند الله في حال الرخاء والشدة عند المسلم .
رابعاً : عدم الحصر من النفع العظيم لجند الله .
خامساً : جند الله واقية من إغواء الشيطان .
سادساً : من جند الله تحذير آية البحث من الشيطان والذين كفروا ، لبيان قانون من جهات :
الأولى : كل كلمة في الآية القرآنية جندي من جنود الله .
الثانية : تلاوة الآية القرآنية من جنود الله .
الثالثة : الجمع بين الآية القرآنية وآية أخرى من جنود الله .
الرابعة : ترشح جنود الله من مضامين ومعاني الآية القرآنية .
الخامسة : تلاوة الآية القرآنية من جند الله للذات والغير .
السادسة : فزع وخوف الذين كفروا من جند الله ، أي أن ذات الفزع والخوف من جند الله أيضاً ، لبيان قانون وهو أن أفراد ومصاديق جند الله توليدية ليس لها إنقطاع سواء في الموضوع أو الحكم أو الأثر المتجدد المترتب عليها .
ويتبادر إلى الذهن من لفظ الجند إرادة الدفاع والقتال ، ولكن لفظ جند الله أعم سواء في الموضوع أو الدلالة إنما جند الله رحمة للناس ، ووظيفة الجندي في المقام أعم من أن تختص بموضوع واحد ، قال تعالى [وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ] ( ) .
إذ يقوم الجنود من الملائكة بحراسة السماء وتعاهدها ، ثم جاء الأمر من الله لطائفة منهم بالنزول إلى الأرض مدداً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، قال تعالى [إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُنْزَلِينَ] ( ) .
ومن إعجاز القرآن مجئ لفظ الجنود في قوله تعالى [كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ] ( ).
وقد تجلى في واقعة بدر وأحد قانون وهو إصرار كفار قريش على الظلم والتعدي فقام الناس بتحذير المسلمين ، لذا فان قوله تعالى [الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ]( ) نعمة عظمى على المسلمين .
وأما المسألة الثانية ، فالجواب نعم ، وهو الذي تجلى في آية السياق ، فمن مصاديق قوله تعالى [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ] ( ) لم يأت رد المسلمين في آية أخرى أو مجاورة لآية قول الناس ، بل جمعت آية السياق بين أمور :
الأول : إبتداء آية السياق بالثناء على المسلمين ، وصحيح أنها إبتدأت بالاسم الموصول (الذين) إلا أن معاني الثناء فيه متعددة بتقدير الآية على جهات :
الأولى : الذين استجابوا لله ، لبيان أن قول وتحذير الناس لهم من الجزاء والشكر من عند الله عز وجل لهم .
وهل يكون من شكر الناس لهم الذي يصدر على نحو الإنطباق والقهر مع أنهم لا زالوا في مقامات الكفر ، الجواب نعم ، وتلك آية بلحاظ أن المسلمين صبروا ، وسقط منهم سبعون شهيداً في معركة أحد دفاعاً عن الإسلام والتنزيل والنبوة والناس جميعاً ، لإرادة هدايتهم ، وهو الذي تحقق بعد بضع سنوات ، إذ وقعت معركة أحد في شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة ، وتم فتح مكة في شهر شوال من السنة الثامنة للهجرة ، ونزل قوله تعالى [إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ] ( ) .
الثانية : الذين استجابوا للرسول ، بلحاظ ندب النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمهاجرين والأنصار للخروج إلى معركة أحد ، وعدم تخلفهم عن الدفاع ، مع علمهم بأمور :
أولاً : كثرة أفراد جيش المشركين ، إذ كان عددهم ثلاثة آلاف رجل .
ثانياً : تهيئ واستعداد المشركين لمعركة أحد .
ثالثاً : شدة لغة التهديد والوعيد من قبل المشركين .
رابعاً : تجاهر وتباهي المشركين بعزمهم على قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإعلان بأن قتله من أهم الغايات الخبيثة التي يقصدونها في خروجهم هذا .
خامساً : انخزال المنافقين ، ورجوع نحو ثلث جيش المسلمين معهم من وسط الطريق .
سادساً : كثرة الخيل والإبل التي مع المشركين ، فمثلاً كانت معهم مائتا فرس لم تركب ظهورها في الطريق بين مكة والمدينة .
سابعاً : مجئ الذين كفروا بمؤن كثيرة معهم ودروع وسيوف ونحوها من مستلزمات القتال واستدامته .
الثالثة : الذين أصابهم القرح في سبيل الله بلحاظ التفكيك في آية البحث بين الإستجابة لله والرسول وبين الإصابة بالقرح ، ويكون تقدير الآية : الذين استجابوا لله والرسول في معركة أحد فاصابهم القرح والجراحات الشديدة واستجابوا لله والرسول بالخروج خلف العدو إلى حمراء الأسد مع ما فيهم من القرح والجراحات ليكون من خصائص [خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ) إصابتهم بالجراحات في معركة الدفاع ، وخروجهم في اليوم التالي بذات الجراحات لدفع شرور العدو، ومن الصحابة المسلمين من حملوه يوم الخروج إلى حمراء الأسد على ظهر البعير لعدم قدرته على القعود .
الرابعة : الذين أحسنوا ، وتقدير آية البحث : الذين أحسنوا ، قال لهم الناس ) .
لبيان أن سمت المسلمين وإخلاصهم في طاعة الله ، وحسن معاملتهم مع الناس سبب في تحذير الناس لهم ، وهو من فيوضات قوله تعالى[وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ] ( ) .
ليتجلى قانون وهو أن الخلق الحسن ينفع الإنسان في الدنيا والآخرة ، وأنه وسيلة لجذب الناس للإيمان ، وفي التنزيل [وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا]( ) .
وإبتدأت آية البحث بأداة الحصر (إنما) لبيان أن الذين صبروا في جنب الله في مأمن وحرز من تخويف الشيطان ، وقد أراد رهط من الناس تخويفهم من الذين كفروا ، فأخبرت آية البحث بأن الذين كفروا هم الذين يخافون منكم ، وأن الشيطان نفسه يقوم بتخويفهم لأنهم أولياؤه .
الثاني : بيان حقيقة تأريخية وهي أن المشركين لا ينفكون عن التعدي على المسلمين والسعي بين القبائل لحرب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو المستقرأ من قوله تعالى [قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ] ( ).
الثالث : ورد الضمير (هم) في[فَزَادَهُمْ إِيمَانًا] ( )فما المراد منه من جهات:
الأولى : المراد أن فضل الله عز وجل بزيادتهم إيماناً .
الثانية : إخبار الناس للمسلمين .
الثالثة : جمع المشركين الجيوش لقتال للمسلمين .
الرابعة : قول الناس [فَاخْشَوْهُمْ] ( ).
الخامسة : النصر في معركة بدر وهزيمة المشركين واستحضار المسلمين لهذا النصر في معركة أحد ومقدماتها كما يدل عليه قوله تعالى [وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَتَمَنَّوْن الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ]( ) .
والجواب لا تعارض بين هذه الوجوه , فمن فضل الله عز وجل زيادة إيمان المسلمين بالأسباب وحسن التوكل عليه ، وقال تعالى [هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ]( ) كما وردت نسبة زيادة الإيمان إلى آيات القرآن كما في قوله تعالى [وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ] ( ).
الثالث : جاء جمع المشركين الجيوش لحرب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بعد النصر العظيم للمسلمين في معركة بدر وإصابة الذين كفروا بالخزي والذل والهوان .
الرابع : إنقسام الناس من غير المسلمين إلى قسمين , وامتناع قسم منهم من محاربة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين ،وقيامهم بالتحذير من جمع المشركين .
الخامس : بيان قانون وهو بذل المشركين الوسع في التحريض على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجمع الناس لقتاله وبذل الأموال الطائلة في هذا السبيل ، وهذا البذل مستقرأ من قوله تعالى [قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ]ومن الأخبار التأريخية منها تسخير كفار قريش جميع الأموال في قافلة أبي سفيان وهي ألف بعير محملة بالبضائع ومنها الذهب والفضة وجعلها نفقات لمعركة أحد.
السادس :جمع أية السياق بين جمع المشركين الجيوش لقتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتحذير الناس له وللمسلمين وإعلانه وأصحابه تفويض أمورهم إلى الله عز وجل وحسن توكلهم عليه تخفيف عن الناس في جذبهم إلى منازل الهداية والإيمان .
فمن فضل الله عز وجل على الناس عدم إرجاء إجابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه على التحذير والتخويف من جموع وحشود الذين كفروا إلى آية أخرى سواء في سورة آل عمران أو غيرها ، إنما جاءت هذه الإجابة في ذات آية السياق ، ليكون من معاني الحسن في قوله تعالى [نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ] ( ) جمع الآية القرآنية الواحدة لقصة كاملة تتعلق بأطراف :
الأول : شخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : جمع المشركين الجيوش من أهل مكة والقبائل العربية ، ولم يكن هذا الجمع بالأمر الهين من جهات :
الأولى : ارادة طواف رجال قريش على القبائل وفيه تعطيل لتجاراتهم.
الثانية : حاجة رجال قريش إلى التوسل والتضرع لرؤساء ووجهاء القبائل للخروج معهم لقتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالثة : موضوعية طواف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل الهجرة على القبائل في موسم الحج يدعوهم إلى التوحيد والتصديق برسالته ويبين لهم معجزاته .
ومن منافع هذا الطواف إمتناع الكثير من القبائل وأفرادها عن نصرة قريش في قتالهم للنبي أو أن أفراد القبائل يخرجون مع قريش ولكنهم يعتزلون القتال وإن كانوا يؤثمون لإكثارهم سواد المشركين .
وكان بعض رؤساء القبائل عند دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهم للإسلام في موسم الحج يسألونه المهلة والإمهال ، ومنهم من يقول أنه في حال حرب مع غيرهم يرجون إيقافها للتوجه للتصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
المسألة الثالثة : وهي درجة وشدة الفزع التي تلحق الذين كفروا بسبب منعة المسلمين , إذ أصاب الذين كفروا الذهول ودبّ إلى صفوفهم الوهن لأمور :
الأول : إخلاص المسلمين في طاعة الله عز وجل .
الثاني : صدق إيمان المسلمين , وتفانيهم في حب الله عز وجل والدفاع عن رسوله .
الثالث : صبر المسلمين في ميدان القتال .
الرابع : بيان قانون وهو ان منعة المسلمين من أسباب ورشحات قوله تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ] ( ) .
المسألة الرابعة : هل يصح تقدير الآية : الذين قال لهم الناس إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه ، الجواب نعم ، وهو من ذخائر القرآن من وجوه :
الأول : من خصائص الآية القرآنية أنها تنزل ، فتكون قانوناً في الأرض ، وهو من الإرادة التكوينية .
الثاني : من إعجاز الآية القرآنية إمكان إحتجاج الناس بها وبمضامينها القدسية والتي تتصف بالخلو من اللبس والترديد .
الثالث : الآية القرآنية موعظة بالذات والفعل والأثر .
وهو من الإعجاز في وجوب تلاوة كل مسلم ومسلمة القرآن خمس مرات في اليوم على نحو الوجوب العيني، ليكون من مصاديق قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ) تلقي كل فرد من المسلمين الموعظة من الله كل يوم ، ولا يختص هذا التلقي بالتلاوة إنما يشمل الإستماع لآيات القرآن وهو من أسرار وجوب الإجهار بالتلاوة في صلاة الصبح والمغرب والعشاء، وجاء قوله تعالى[وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ]( ) بالمعنى والموضوع الأعم من التلاوة في الصلاة ، لتكون الحياة الدنيا دار الإنصات للقرآن ، وهذا الإنصات بذاته موعظة كما أنه مقدمة للموعظة وحرز من الشيطان ، وحرب على أوليائه .
ولا يعلم منافع الآية القرآنية في صدّ ودفع المشركين عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا الله عز وجل .
الرابع : من خصائص القرآن أن كل آية منه نداء وخطاب إلى الناس جميعاً ، ويكون نفعها وتأثيرها بالناس من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً ، فمن الناس من تنفذ كلمات ومعاني ودلالات الآية القرآنية إلى شغاف قلبه ليدخل الإسلام ويتقيد بأحكامه ، ومنهم من تبعثه على التأمل والتدبر وتزجره عن محاربة الإسلام ، ومنهم من تدفعه الآية القرآنية إلى مرتبة النصح للمسلمين والخشية عليهم .
ومن مصاديق قوله تعالى [فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ..] ( ) تجلي مصاديق من فضل الله بالسنة النبوية القولية والفعلية والتي هي من النعم على المسلمين ، وتكون عوناً للآية القرآنية في دعوة الناس إلى الإيمان ، وصدّهم وحجبهم عن الولاية للشيطان .
فمن خصائص بعثة الأنبياء إزاحة أثر ووسوسة الشيطان عن الناس ، فان كان ابليس فرداً واحداً وله جنود ، فان عدد الأنبياء الذين أوحى الله لهم هو مائة وأربعة وعشرون ألف نبي ، فان قيل أن أيام النبي في الدنيا معدودة بينما أمهل الله عز وجل ابليس بالبقاء في الدنيا ، كما ورد في التنزيل [قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنْ الْمُنْظَرِينَ *إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ] ( ).
لقد أراد إبليس ألا يموت ، ولكن الله عز وجل لم يمهله ويؤخره إلى يوم البعث (عن ابن عباس في قوله { قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون }( ) قال: أراد إبليس أن لا يذوق الموت ، فقيل {إنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم} قال : النفخة الأولى يموت فيها إبليس، وبين النفخة والنفخة أربعون سنة . قال : فيموت إبليس أربعين سنة)( ).
ليكون غياب ابليس ووسوسته عن أهل الأرض فرصة لهم للتوبة والإنابة والإمتناع عن المعصية ، وتلقي ذات التنزيل بالإيمان وعمل الصالحات وأسباب الشفاعة للآباء والأجداد ، وهل يكون القرآن باقياً بين أيديهم ، وإذا كان باقياً فهل هو باق بتمامه من غير نقص أو زيادة الجواب نعم , وهو من مصاديق قوله تعالى[إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون]( ).
فصحيح أن أيام كل نبي معدودة في الدنيا ، ولكن التنزيل ملازم لوجود الإنسان في الأرض لا يغادره ولا يفارقه ابداً ، فيموت ويهلك ابليس ولكن آيات القرآن حاضرة عند الناس ليس بينهم وبينها حجاب أو برزخ ، ومن الآيات في قوله تعالى [عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ] ( ) مجئ التقنية الحديثة بحفظ التنزيل وأخبار السنة النبوية وكشف الحقائق للناس جميعاً بوسائل الإعلام المرئية والمسموعة الحديثة بما يجعلهم على بينة من أسرار النبوة ، وأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم كان يدعو إلى الله بالحكمة والحجة والبرهان ، وليس بالسيف والقتل ، إنما شهرت السيوف لقتاله ومنعه من التبليغ .
المسألة الخامسة : لقد ذكرت آية السياق قيام مشركي قريش بجمع وتحشيد القبائل لقتال المسلمين ، فهل هو من مصاديق آية البحث من جهة تخويف الشيطان .
الجواب نعم ، إذ أن الشيطان يخوفهم من الإسلام والتنزيل ، ويحاول دفعهم إلى الحنق والغيظ , وفي التنزيل [إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ] ( ).
فيتناجى الكفار بالحرب على الإسلام ، بينما ينقطع المسلمون إلى العبادة.
ليكون من معاني آية البحث دعوتها المسلمين إلى تبصرة الناس ومنهم المشركون بما يجب عليهم من الإعراض عن الشيطان وتخويفه الذي هو وهم في ذاته وموضوعه فليس من حقيقة لما يخوّف منه الشيطان فآية البحث مدرسة في الفقاهة وبيان لحقيقة كون الدنيا دار إفتتان وإمتحان، وهذا الإمتحان ليس عسيراً فقد تفضل الله عز وجل وجعل الشيطان بعيداً عن الناس عامة والمؤمنين خاصة فقوله تعالى(ذلكم الشيطان) مطلق، يسمعه كل إنسان مسلماً أو غير مسلم ليكون من الشواهد على بعده عن الناس جميعاً، ومع هذا البعد الذي هو تخفيف عن الناس جميعاً إختار بعضهم ولايته فصار يخوفهم من الإيمان دون أداء الفرائض العبادية .
وليس في الآية ما يدل على أنه يبعثهم على قتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، ولكن حال الخوف التي تنتابهم من الشيطان تجعلهم يتناجون ويطلبون هذا القتال.
ومن الإعجاز في زمان نزول سور وآيات القرآن مجيء أوائل السور التي نزلت على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالتخويف والوعيد من العذاب للذين يختارون الكفر، ليكون هذا التخويف برزخاً دون خوف الناس من الشيطان وجنوده.
وهل تجلت منافع في هذا الباب , الجواب نعم فقد دخل رهط من أهل مكة الإسلام، ولم يخافوا من الشيطان، ولم يلتفتوا إلى وعيد وتخويف وتهديد رؤساء الكفر الذين لم يكتفوا بالتهديد والتخويف إنما لجأوا إلى عقوبات وظلم من وجوه:
الأول : الحصار على بني عبد المطلب عامة، ومنع البيع والشراء معهم، والنهي عن الزواج من نسائهم، وعن تزويج رجالهم.
الثاني : إيذاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بشخصه والإستهزاء به، والتعدي عليه، ومحاولة منعه من أداء الصلاة في المسجد.
الثالث : تعذيب المسلمين الأوائل.
الرابع : الإستيلاء على أموال المسلمين الأوائل ممن هاجر إلى مكة، ومن المسلمين من صادروا أمواله قبل هجرته.
وجاءت آية البحث لتبعثه الندامة في نفوس الذين كفروا على خوفهم من الشيطان وما دفعهم إليه من التعدي والجور والإصرار على الكفر والجحود وعلى جمعهم الجيوش لمحاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والتنزيل إذ أن قوله تعالى[إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ]( )، الوارد في آية السياق حجة على الذين كفروا عند عموم الناس في زمانهم والأزمنة اللاحقة إلى قيام يوم القيامة .
فلا يأتي أحد أو طائفة وتقول أن المشركين لم يقوموا بجمع الجيوش ضد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، أو تقول أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي غزاهم، بل الذين كفروا خوّفهم الشيطان وجنوده من الإسلام فجهزوا الجيوش وأغاروا على المدينة، ولكن المسلمين خافوا الله عز وجل، وتقيدوا بسنن هذا الخوف.
المسألة السادسة : من إعجاز القرآن أن الناس لم يقولوا للمسلمين (ان الناس قد جمعوا لكم فخافوهم ) إنما قالوا [فَاخْشَوْهُمْ] وفيه نكتة وهي أن عامة الناس أدركوا حقيقة وهي عدم خوف المسلمين من الذين كفروا ، وجاء هذا الإدراك بالبرهان الواقعي والدليل العملي في شواهد عديدة منها معركة أحد من جهات :
الأولى : تجلي حقيقة للناس والتأريخ وهي أن المشركين هم الذين جاءوا معتدين .
الثانية : عدم إرتباك وتخاذل أو وهن جيش المسلمين عند إنخزال ثلثهم مع رأس النفاق من وسط الطريق إلى معركة أحد .
ولو شاء الله عز وجل ما خرجوا مع الصحابة من المدينة من الأصل ، ولكن الله أراد الحجة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه , وكشف المنافقين بأشخاصهم وقبيح فعلهم .
فان قلت قد ورد قوله تعالى [إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ] ( ) وهي خاصة بمعركة أحد ، والجواب هذا صحيح ، ولكن الهّم غير الفعل ، وقد يكون مقدمة له ، وتدل الآية أعلاه على تحقق الفشل والجبن من الطائفتين ، إنما عصمهم الله وثبتوا في مواضعهم في القتال بفضل من الله .
وبخصوص الآية أعلاه قال (عن جابر بن عبدالله قال : فينا نزلت . في بني حارثة ، وبني سلمة { إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا}( ) وما يسرني أنها لم تنزل لقول الله { والله وليهما })( ).
الثالثة : تدارك المسلمين لخطأ الرماة الذين تركوا مواضعهم خلافاً لأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ تعقبته خسارة فادحة للمسلمين .
السادس : ثبات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في موضعه في الميدان ، وهو شاهد على أن المسلمين لم يفروا ولم ينهزموا ، ومن إنسحب منهم سرعان ما عاد إلى ميدان المعركة ، ولا عبرة بالقليل النادر .
السابعة : إنسحاب أبي سفيان وجيش المشركين من ميدان المعركة في ذات يوم نشوبها ، وهو تخفيف ومن فضل الله عز وجل على الناس جميعاً.
الثامنة : تلقي المسلمين وعوائلهم نبأ شهادة سبعين منهم بالرضا والشكر لله، والثقة بعظيم الثواب لهم .
المسألة السابعة : تكررت مادة (قال) في آية السياق من جهتين:
الأولى : قول وتحذير القبائل والركبان للمسلمين من جيش المشركين الذي مرّ عليهم سواء في قدومهم لغزو المدينة أو في رجوعهم إلى مكة ، إذ إبتدأت آية السياق بقوله تعالى [الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ] ( ) .
الثانية : جواب المسلمين على قول وتخويف الناس لهم من جيش المشركين ، إذ ردوا بالقول [حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ] ( )وفيه وجوه :
الأول : إعلان المسلمين اللجوء إلى الله في ساعة الشدة والحرج .
الثاني : دعوة عامة الناس والقبائل إلى الإسلام باظهار اللجوء إلى الله سبحانه .
الثالث : تبين خاتمة آية السياق توجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين إلى الدعاء وسؤال الله عز وجل .
(عن ابن أبي أوفى قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم الخندق يقول اللهم منزل الكتاب سريع الحساب مجري السحاب اهزمهم وزلزلهم) ( ).
الرابع : إظهار المسلمين الإنقطاع إلى الله والوثوق بكفايته لهم في مسألة التخويف من المشركين وغيره .
الخامس : إنتفاع المسلمين في الآخرة من لجوئهم إلى الله .
وورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : (كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن وأصغى بسمعه وحنى بجبهته ينتظر متى يؤمر فينفخ قالوا يا رسول الله كيف نقول قال قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا) ( ).
السادس : هل يقترن الدعاء والتسبيح من قبل المسلمين مع إعلانهم اللجوء إلى الله عز وجل ، الجواب نعم ، وهو من الشواهد على قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ) .
وليس في آية البحث مادة (قول) إلا أن الجمع بينهما جلي ، وتستنبط منه المسائل ، إذ تضمنت :
الأول : الإخبار .
الثاني : النهي .
الثالث : الأمر .
الرابع : الجملة الشرطية .
المسألة الثامنة : لقد أخبرت آية السياق عن تحذير الناس للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن المشركين جمعوا الجيوش لهم ، وقصدوا إعادة مهاجمتهم ، وسعى أبو سفيان بجعل هذا التخويف بلباس المكيدة ، إذ لقى أحد المشركين متوجهاً إلى المدينة فقال له (هَلْ لَك أَنْ تُبْلِغَ مُحَمّدًا رِسَالَةً وَأُوقِرَ لَك رَاحِلَتَكَ زَبِيبًا إذَا أَتَيْتَ إلَى مَكّةَ ؟ قَالَ نَعَمْ . قَالَ أَبْلِغْ مُحَمّدًا أَنّا قَدْ أَجْمَعْنَا الْكَرّةَ لِنَسْتَأْصِلَهُ وَنَسْتَأْصِلَ أَصْحَابَهُ) ( ).
وهل كان أبو سفيان صادقاً في وعيده ، الجواب لا ، فقد سبق هذا الوعيد تحذير معبد الخزاعي له ولجيشه من العودة للقتال ، وألح عليه بالإرتحال إلى مكة قبل وصول جيش المسلمين ، فهل قام الشيطان بتخويف المشركين من العودة إلى القتال كمصداق لقوله تعالى في آية البحث [ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ] ( ) .
لتجتمع على المشركين أمور :
الأول : بعث الله عز وجل الخوف في قلوبهم من العودة للقتال لعمومات قوله تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ..] ( ) .
الثاني : تخويف النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين للمشركين ، وهل صبر وثبات المسلمين في ميدان القتال من هذا التخويف ، الجواب نعم لما في هذا الثبات من بعث للفزع والخوف في قلوب الذين كفروا سواء الذين حضروا الميدان أو الذين من خلفهم .
الثالث : تخويف الشيطان لمنع المشركين من العودة إلى القتال .
ومن إعجاز القرآن أن تخويف الله للناس يأتي بواسطة بعث الخوف والفزع في قلوب الذين كفروا , أما الشيطان فانه لا يستطيع الإستيلاء على قلب ابن آدم إنما يخوف الذين كفروا بالوهم والتزيين والتظليل ، وقد يقال أن المقام يختلف وأن الشيطان يحث المشركين على العودة للقتال ، وكما في معركة بدر ومجيئه بهيئة سراقة بن مالك ، ولما بدأ القتال انهزم , كما ورد حكاية عنه في التنزيل [لاَ غَالِبَ لَكُمْ الْيَوْمَ مِنْ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ] ( ) .
لقد رجع أبو سفيان من الشام بقافلة من ألف بعير محملة بالبضائع ، وكان يتحسس الأخبار ويكثر من السؤال من أبناء القرى والذين على الماء ، ومن الركبان ، فبلغه خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وظن أنهم يقصدون قافلته فاستأجر شخصاً اسمه ضمضم بن عمرو الغفاري وبعثه إلى مكة ليخبر قريشاً بأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم قد عرض لعيرهم ويريد أخذ أموالهم التي في القافلة بدلاً وعوضاً عما صادروه من أموال المهاجرين وديات لمن قتلوه من المسلمين والمسلمات .
وأمره أن يستفزهم ويحثهم على الخروج ، ولابد من سر في عدم قيام أبي سفيان بارسال أحد أفراد قافلته إنما عمد إلى إيجار شخص آخر ، مع إحتمال أنه لا يصل إلى مكة أو لا يبلغ رسالته مع الحاجة لإيصالها أو لحاجته لرجال القافلة في سيرها واحتمال الدفاع عنها .
ولم يتأخر ضمضم في الخروج أو يتباطئ في الطريق بل أسرع حتى وصل مكة وأخبر قريشاً ، فتناجوا بينهم بالباطل .
(وتنادوا لا يتخلف عنا أحد إلاّ هدمنا داره واستبحناه) ( ).
المسألة التاسعة : من معاني الجمع بين آية البحث والسياق أن توكل المسلمين على الله واللجوء إليه والتسليم بكفايته لهم لا يتعارض مع وجوب خوفهم منه لقوله تعالى في آية البحث [وَخَافُونِي].
والخوف جزء من فطرة الإنسان ، قال تعالى[إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا]( ) وأراد الله عز وجل أن يكون خوف الناس منه خاصة لأنه طريق السعادة الأبدية .
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه الإمام في الخوف والخشية من الله عز وجل والعصمة من الخوف من أولياء الشيطان، وسيأتينا في الجزء التالي (قانون خوف النبي محمد من الله) .
ومن معاني ومفاهيم الخوف من الله أنه من رشحات حب العبد لله عز وجل وحب الله له ، فاذا أحب الله عز وجل عبداً هداه إلى الخوف منه ، ورجاء فضله ونواله ، وسيأتي مزيد بيان وبرهان في تفسير قوله تعالى [َخَافُونِي] ( ).
لقد أخبر النبي محمد صلى الله علي وآله وسلم والمسلمون الناس الذين خوّفوهم بجيش المشركين بأنهم متوكلون على الله ، مفوضون أمورهم إليه وهو الذي إن شاء رد الذين كفروا وان شاء أذن لهم باعادة الكرة والهجوم [لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً] ( ).
وهل يدل جواب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه [حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ]( ) على عدم العناية بأمر المشركين وتركهم وشأنهم ، الجواب لا، إنما تبين الوقائع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين والأنصار كانوا مستعدين للقاء من جديد مع العدو بدليل خروجهم خلفه في اليوم الثاني ، وهذا الخروج شاهد على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يأخذ باقتراح عبد الله بن أبي بالبقاء في المدينة في معركة أحد عن وحي وتدبر في سنخية القتال , فحينما أخافهم الناس وأبلغوهم أن أبا سفيان وجيش المشركين يريدون إعادة الكرة على المدينة لم يعتكفوا فيها ويتنظروا عودة جيش المشركين بل لبوا نداء الوحي والنبوة بالخروج خلفه .
ليكون هذا الخروج واقية من أمور :
الأول : إعداد المشركين لمعركة لاحقة لمعركة أحد .
الثاني : عزوف القبائل الموالية لكفار قريش عن نصرتهم .
الثالثة : تدبر الناس في معجزات النبوة إذ أن سماع الذين حذّروا المسلمين من جيش المشركين قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم [حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ]( )دعوة لهم للإيمان ، ومناسبة لترقبهم للوقائع وخاتمتها بخير وظفر للإسلام .
الرابع : إمتناع القبائل عن الإغارة على المدينة .
المسألة العاشرة : لقد أخبرت آية البحث عن تخويف الشيطان لأوليائه , وتلقيهم هذا التخويف بالإستجابة والشعور بالذعر والفزع لذكر الآية ولايتهم له .
ومن قبائح الشيطان أنه يزين لأوليائه التعصب للباطل والإصرار على الإعراض عن الحق , مع تعمد اختيار المغالطة، والإمتناع عن الإنصات للطرف الآخر، والحجة التي يأتي بها .
ويبعث الشيطان وليه على الظن بأن ما عنده هو الملائم والمناسب ، وقد يظن كفار قريش أن كثرة عدد جيشهم وكونه من ثلاثة آلاف يكفي في تحقيق الغلبة في المعركة .
وأرادوا جذب الناس إلى جانبهم وجعلوا القبائل مثل غطفان والأحابيش تخرج معهم ، فلما [الْتَقَى الْجَمْعَانِ] ( )ظن المشركون صحة ما ذهبوا إليه فجيش المسلمين أقل من ربع جيشهم ، ونسبة الخيل والرواحل والأسلحة والمؤن أقل منه إذ أن التباين بين الفريقين فيها ظاهر وجلي من جهة الكم ، ولم يعلموا أن أسباباً للرجحان طرأت على المعارك وهي :
الأول : حضور شخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم ميدان المعركة، وهل من وجوه ومصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ) عدم خسارة المسلمين في معارك الإسلام ، الجواب نعم ، وعدم خسارة المسلمين في المعارك التي حضرها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رحمة من جهات :
الأولى : إنها رحمة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وشاهد على صدق نبوته ، وهو فرد مبارك من لفظ [لِلْعَالَمِينَ] الوارد في الآية أعلاه .
الثانية : إنه رحمة بالمهاجرين والأنصار ، وتقوية لقلوبهم .
الثالثة : فيه مواساة لعوائل وأسر لشهداء الذين قتلوا في معارك الإسلام الأولى ، وإن كان قتلهم في السرايا التي لم يخرج فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابعة : عدم خسارة المسلمين في معارك الإسلام الأولى رحمة باجيال المسلمين إلى يوم القيامة .
الخامسة : فيه رحمة بالمشركين الذين يقاتلون المسلمين ، بلحاظ أن عدم خسارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين تلك المعارك مع كون الرجحان في العدد والعدة للمشركين دعوة لهم للإيمان .
السادسة : فيه معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في السنة الدفاعية تتجدد في كل زمان ، وتتضمن الدعوة لرجال العلوم العسكرية إلى استنباط المسائل منها .
الثاني : عزم المهاجرين والأنصار على الصبر في ميادين القتال ، رجاء الأجر والثواب بحفظ بيضة الإسلام ، وفي معركة بدر عندما أصطف الفريقان للقتال قال أبو جهل (اللهم أولانا بالحق فانصره)( ) .
وفيه دلالة على أن أبا جهل عازم على القتال، وأنه لن يرضى إلا بالنصر , وفي التنزيل[وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ]( ).
ترى لماذا توجه أبو جهل إلى الدعاء , فيه مسائل :
الأولى :إنه من عمومات لجوء الناس إلى الله عز وجل عند الشدائد .
الثانية : إدراك المشركين لتخلف الأصنام عن نصرتهم وعجزها عن الفعل والتأثير والأثر .
الثالثة : إرادة أبي جهل شحذ همّم أصحابه .
الرابعة : التمويه والتورية والكذب بأن المشركين أيضاً يعبدون الله .
الخامسة : حال الفزع والخوف عند المشركين .
السادسة : محاولة منع أفراد الجيش من التدبر في دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاصة وأنه ينادي وسط الميدان ساعة إلتقاء الصفين (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا ) وكأن أبا جهل يقول لأفراد الجيش : لم يأت النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بجديد .
وهل ينحصر نداء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكلمة التوحيد في أول المعركة ، الجواب لا ، إنما ينادي بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه أثناء المعركة وبعدها ، لتكون زاداً يرجع به الفريقان ، أما المسلمون فيشكرون الله على الثبات على الإيمان ، وأما المشركون فأنهم ينقلون إلى أهليهم هذا النداء ليكونوا دعاة إلى الله .
وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ] ( ).
وقد ذكرت آية البحث تخويف الشيطان لأوليائه ، ويأتي النداء النبوي بكلمة التوحيد ليكون نفعه على وجوه :
الأول : منع الشيطان من محاولة إغواء بعض المسلمين .
الثاني : صيرورة الناس في سلامة وأمن من تخويف الشيطان بلحاظ كبرى كلية وهي إفادة كلمة التوحيد التخويف من جهات :
الأولى : التخويف من الله عز وجل ، وهو الجبار الذي بيده مقاليد أمور السموات والأرض .
الثانية : الإنذار والتخويف من الإصرار على الكفر ، ومن عبادة الأوثان.
الثالثة : الزجر عن المعصية .
الرابعة : ترشح وجوب الطاعة لله ورسوله من الإقرار والمناداة بكلمة التوحيد ، قال تعالى [وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ] ( ) .
الخامسة : التخويف من بطش الله بالمشركين ، وفي التنزيل [إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ] ( ).
السادسة : الإنذار من قرب نزول العذاب بالكفار الذين يحاربون النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين .
السابعة : تخويف المشركين من المسلمين وجيشهم ، وعن الإمام علي عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (نصرت بالرعب ، وأعطيت مفاتيح الأرض ، وسميت أحمد ، وجعل التراب لي طهوراً ، وجعلت أمتي خير الأمم) ( ).
الثامنة : تخيف كلمة التوحيد الشيطان , وتبعده حتى الناس الذين كفروا ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ) أي الذين كفروا انتفعوا من نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليكون إبعاد الشيطان عنهم مقدمة لدخول الإسلام .
الثالث : منع نشوب القتال ، وحتى لو أصر المشركون عليه فانه لا يكون طويلاً متصلاً وشديداً .
الرابع : نداء التوحيد في ميدان المعركة من مصاديق قوله تعالى [وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا] ( ) .
الخامس : يبعث نداء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكلمة التوحيد على حبه وميل افئدة الناس إليه.
التاسعة : بيان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لقانون وهو عزمه وأصحابه على الدفاع عن كلمة التوحيد وبذل النفوس في سبيل ثباتها في الأرض وعلوها، وهو من مصاديق قوله تعالى[وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ]( ).
ولما توجه أبو جهل إلى الدعاء للإيهام والتضليل والمغالطة لم يسكت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو الرسول صاحب الحق والذي يقف في الميدان للدفاع عن كلمة التوحيد، إذ رفع يديه بالدعاء وقال (يا رب إن تهلك هذه العصابة في الأرض فلن تعبد في الأرض أبداً . فقال له جبريل : خذ قبضة من التراب فأرم به وجوههم ، فما من المشركين من أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه من تلك القبضة فولوا مدبرين)( ).
وفيه شاهد على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقصد محاربة الكفار ولم يباغتهم، ولم يرمهم بالنبال ولم يسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الله عز وجل القتال أو النصر، إنما سأله سلامة المسلمين من الهلاك والقتل لأنهم نواة الإيمان.
وهل في هذا الدعاء ميل للقتال وطلب النصر أم فيه ميل لعدم القتال، الجواب هو الأول.
المسألة الحادية عشرة : لقد ذكرت آية السياق ثلاثة طوائف من الناس هم :
الأول : الذين قاموا بتحذير المسلمين من جيش المشركين .
الثاني : المهاجرون والأنصار الذين تلقوا التحذير من المشركين ، ولا يختص الأمر بالذين خرجوا إلى حمراء الأسد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنما تلقى عامة المسلمين والمسلمات هذا التحذير لأن المشركين يريدون التعدي والظلم بغاياتهم الخبيثة من جهات :
الأولى : قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : قتل طائفة من الصحابة .
الثالثة : أسر من يبقى من المهاجرين .
الرابعة : علو كعب بعض المنافقين في المدينة .
الخامسة : سبي النساء المسلمات .
السادسة : أخذ الصبيان سبايا .
السابعة : منع إقامة الصلاة , وفي التنزيل[أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى]( ).
الثامنة : إيذاء الذي يتلو القرآن .
التاسعة : نصب الأصنام والأوثان في المدينة .
العاشرة : الإستحواذ على أموال الأنصار والمهاجرين .
الحادية عشرة : هدم المساجد ، قال تعالى [وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا] ( ).
وحينما قال المسلمون [حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ]( ) هل كانوا يَعُون ويدركون هذه المقاصد السيئة التي يسعى إليها الكفار وشدتها وعظيم هولها ، الجواب نعم .
الثالث : المشركون الذين يتوعدون المسلمين بقوله تعالى [إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ] ( ) وجاءت الآية بلفظ (قد) للتحقيق وبيان تأكد عامة الناس من حشود وجيوش الذين كفروا ، وكيف أنها أكثر عدداً وعدة من جيش المسلمين .
ومن إعجاز القرآن ذكر لفظ (جمعوا) في آية البحث ، ولم يأت في آية قرآنية أخرى لبيان فعل مركب من أمور :
الأول : الذين قاموا بالجمع والحشد .
الثاني : ذات الجمع وكيفيته .
الثالث : المجموع وهو على أقسام :
الأول : الناس .
الثاني : الأسلحة والدروع .
الثالث : المؤن .
الرابع : الأموال .
الخامس : الرواحل والرايات .
ولو دار الأمر بين إرادة العموم والخصوص في المقام ، فالأصل هو الأول ، إذ إجتهد رؤساء الكفر بالجمع والتحشيد والتحريض على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بمرأى ومسمع عامة من الناس ، ولم يعلموا أن قلوب أهل القرى والركبان صارت تميل إلى النبوة والتنزيل .
وهل يحتمل أن الناس الذين حذروا المسلمين من جيش المشركين من الذين سألهم المشركون الخروج معهم لقتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، الجواب نعم، ولو على نحو الموجبة الجزئية، وسؤالهم لشطر منهم، ويبقى قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم[حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ]( )، شاهداً تأريخياً متجدداً على قانون من جهات :
الأولى : إصرار الذين كفروا على القتال.
الثانية : تحشيد الذين كفروا الجيوش وبذلهم الأموال لحرب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليكون من معاني قوله تعالى[لِإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ]( )، إنذار قريش وتذكيرهم بلزوم الإمتناع عن محاربة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، والعودة إلى نعمة رحلة الشتاء والصيف.
الثالثة : حرص النبي صلى الله عليه وآله وسلم على إجتناب القتال حتى في حال الدفاع، وهو من مصاديق قوله تعالى[ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ]( ).
الرابعة : لجوء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ميدان المعركة إلى الدعاء وإجتهاده فيه وإخبار الفريقين أنه الفيصل ، وهو من مصاديق قوله تعالى [قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ] ( ).
ومن الإعجاز في السنة النبوية الدفاعية أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم ينقطع عن الدعاء في أي معركة من معارك الإسلام ، فمع تحقق النصر العظيم له وللمسلمين في معركة أحد ، ومع إنسحاب جيش المشركين بذل وخيبة في معركة أحد ، فأنهم حينما عادوا وغزوا المدينة المنورة في معركة الأحزاب وأحاطوا بها .
وصار المسلمون في حال كرب وشدة توجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الدعاء وقال :
(اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك ، اللهم أنك إن تشأ لا تعبد ) : فبينما هم على ذلك إذ جاءهم نعيم بن مسعود الأشجعي ، وكان يأمنه الفريقان جميعاً ، فخذل بين الناس ، فانطلق الأحزاب منهزمين من غير قتال . فذلك قوله { وكفى الله المؤمنين القتال })( ).
فتجدد المعارك بين المسلمين والذين كفروا ، ويتغير مكانها ، وزمانها، ولكن سلاح النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيها هو الدعاء ليكون على وجوه :
الأول : إنه سبيل لصرف القتال .
الثاني : الدعاء وسيلة لإرجاء القتال .
الثالث : الدعاء سلاح في المعركة .
الرابع : من مصاديق وأسباب بعث الخوف والفزع في قلوب المشركين الدعاء ، قال تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ] ( ) .
الخامس : النفع العام من الدعاء بعد إنتهاء المعركة إذ يكون الدعاء لأمور :
الأول : تدبر الناس بمعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في السنة الدفاعية .
الثاني : زيادة إيمان المسلمين .
الثالث : إنتفاء الخوف والفزع من قلوب المسلمين من الذين كفروا وجيوشهم، وهذا الإنتفاء من مصاديق قوله تعالى في آية البحث [فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي] ( ) من جهات :
الأولى : الدعاء واقية من شر الشيطان وحبائله .
الثانية : الدعاء حرز وأمن من الخوف من الذين كفروا فلما قال الله تعالى [فَلاَ تَخَافُوهُمْ] فانه سبحانه هدى المسلمين إلى الدعاء الذي هو واقية من الخوف من الذين كفروا .
الثالثة : توجه المسلمين للدعاء شاهد على خوفهم من الله عز وجل وخشيتهم منه ، وحبهم له سبحانه .
المسألة الثانية عشرة : لقد ذكرت آية السياق قانوناً وهو زيادة إيمان المسلمين ، وجاءت هذه الزيادة بسبب تخويف الناس لهم من جيوش الذين كفروا بعد معركة أحد ، ويكون من معاني هذا التحذير والتخويف وجوه :
الأول : فاخشوهم لكثرة خسارتكم في معركة أحد ، فقد علم الناس ما لحق المسلمين من الخسارة فيها وسقوط سبعين شهيداً .
الثاني : فاخشوهم وأنتم في حال قرح وجراحات لذا فان خطاب الله عز وجل للمسلمين في قوله تعالى [وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ] ( ) حرز وسلاح يتلقى به المسلمون دعوة الناس لهم بالخشية والخوف من المشركين وجيوشهم .
الثالث : فاخشوهم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ سمع أهل مكة والمدينة والقرى التي حولهما بوعيد الذين كفروا وقععة السلاح .
ليكون من مصاديق تسمية مكة [أُمَّ الْقُرَى] ( ) صيرورة أهل القرى حجة على كفار قريش في إصرارهم على قتل النبي ، وشهوداً على سلامته من القتل بمعجزة من عند الله عز وجل .
لقد تجاهر المشركون بالوعيد والتهديد لشخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فصار هذا التهديد وبالاً عليهم إذ نجا النبي صلى الله عليه وآله وسلم من هذا التهديد بمعجزة ، فكانت هذه النجاة سبباً بزيادة إيمان المسلمين ، وهو من مصاديق قوله تعالى [فَزَادَهُمْ إِيمَانًا] ( ) .
الرابع : فأخشوهم على قرآنكم .
ومن الإعجاز في نزول القرآن على نحو التدريج تدبر الناس فيما نزل من الآيات وشوقهم وتطلعهم لنزول المزيد منها ، ولا يختص هذا الأمر بالمسلمين إنما يتغشى الناس جميعاً وعلى نحو العموم الإستغراقي ، نعم ، إنه من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب لتفاوته قوة وضعفاً .
والمسلمون أكثر الناس تدبراً في آيات القرآن وأشدهم شوقاً لتوالي آيات القرآن .
وإذا تخلف أحدهم عن الحضور في المسجد النبوي يوماً سأل أصحابه هل نزل قرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هذا اليوم .
لبيان أن أهل المدينة والقرى يرغبون في توالي نزول القرآن , وقانوا بتحذير المسلمين من كيد وشرور المشركين ، وهذا التحذير مرآة لرغبتهم بتوالي نزول القرآن .
الخامس : فاخشوهم على دينكم وصلاتكم ، فان الناس رأوا تعاهد المسلمين للصلاة ، ووقوفهم جماعة بين يدي الله ، وهذه الصلاة شاهد على أن المسلمين لا يريدون القتال ، وإدراك الناس لزوم إعانتهم في أداء عباداتهم ، وهذه الإعانة من الفطرة ومن مصاديق قوله تعالى [وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ] ( ) بخصوص خلق آدم .
وهل مضامين آية البحث سبب لزيادة إيمان المسلمين ، الجواب نعم من جهات :
الأولى :تحذير الآية المسلمين من الشيطان ، ليكون من أسرار تلاوتهم القرآن في الصلاة تجدد التحذير والإنذار من شر الشيطان .
الثانية : تضمن الآية لقانون وهو تخويف الشيطان للذين كفروا لإختيارهم الولاء والإتباع والإنقياد له فيما يدعو إليه من مفاهيم الكفر والضلالة .
الثالثة : بيان الآية لسلامة المسلمين من الولاء للشيطان سبب في تعاهدهم الإيمان وبرزخ دون إفتتانهم بجنوده ، قال تعالى [شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ] ( ).
المسـألة الثالثة عشرة : لقد تضمنت آية السياق طلب الناس من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين والأنصار خشية الذين كفروا وجيشهم العرمرم ، أما آية البحث فأنها تضمنت أمر الله عز وجل لأجيال المسلمين جميعاً الخوف منه ، وقيل الخشية خوف مقرون بمعرفة .
وقد أثنى الله عز وجل على المؤمنين بقوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ] ( ).
ومن معاني الخشية في المقام الثبات وعدم الهرب والفزع , فكأن الناس يقولون للمسلمين لا تهربوا من المشركين ، إنما اصبروا واثبتوا لهم وفيه إقرار من الناس بقدرة المسلمين على الحفاظ على جمعهم , ونوع تسليم بمعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ومن معاني الجمع بين الآيتين أن الخوف من الله عز وجل واقية من الخشية من الذين كفروا ، وسبيل للغلبة عليهم .
الرابعة عشرة : لما جاء التحذير إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين من الذين كفروا وجمعهم الجيوش وإرادتهم الإغارة على المدينة أظهر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه اللجوء إلى الله عز وجل , وفيه مسائل :
الأولى : بيان قانون وهو[أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا] ( ).
الثانية : حث الناس على ترك عبادة الأصنام .
الثالثة : تأكيد قانون وهو أن الله وحده هو الكافي , وإختصاص المشيئة به سبحانه ، وفيه دعوة للمسلمين خاصة والناس جميعاً بالإمتناع عن الغلو بشخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وفي التنزيل [قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ]( ).
فصحيح أنه لم يخسر معركة ولكن النصر الذي يحققه فضل من الله .
ويبين قوله تعالى [وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ] ( ) الجمع بين الكفاية والتأييد مع إنفراد الله عز وجل بالكفاية المطلقة للنبي وغيره ، أما التأييد فيأتي من عند الله ومن المؤمنين لينالوا الأجر والثواب .
ومن أسماء الله [الحسيب] وهو فعيل بمعنى مفَعل ، ليكون قول[حَسْبُنَا اللَّهُ] إحباطاً وهزيمة للمشركين ، وبعثاً لليأس في نفوسهم من المسلمين ، وإغاظة للمنافقين بأن المسلمين في حرز وواقية وأمن في الدنيا والآخرة .
ومع هذه النعمة فهم يخافون من الله ويخشون بطشه ، ومن أسرار إقامة الصلاة خمس مرات في اليوم تعدد المرات التي يلجأون فيها إلى الله في اليوم الواحد .
الوجه الثالث : صلة آية البحث بقوله تعالى [يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ] ( ) وفيه مسائل :
المسألة الأولى : إبتدأت آية السياق بالإستبشار والغبطة والسرور وتتعلق بشهداء معركة بدر وأحد ، وهل يختص هذا الإستبشار بهم ، الجواب لا ، وهو من إعجاز القرآن ، إذ يستبشرون فيستبشر المسلمون والمسلمات جميعاً من وجوه :
الأول : الفرح والغبطة بما فاز به الشهداء .
الثاني : سعادة المسلمين وصيرورتهم في حال فخر لأن الشهداء منهم أحياء عند الله ، وفي حال استبشار .
الثالث : معرفة المسلمين لقانون وهو عدم خسارة المؤمن في صبره وجهاده ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ] ( ) .
الرابع : الإستبشار بسبب الشهادة التي هي فرع الدفاع والتصدي لغزو المشركين ونفي الخوف والخشية منهم ، ولا يجتمع النقيضان في محل واحد .
الخامس : من خصائص القتال إحتمال دبيب الخوف والخشية من القتل في نفوس الذين في الميدان خاصة عند لمعان السيوف وسقوط القتلى من ذات الطرف أو الطرف الآخر.
فجاءت آية السياق لتكون برزخاً دون خوف المسلمين من لقاء القوم الظالمين ، لأن الذين قتلوا منهم في حال استبشار وسعادة .
السادس : من وجوه تقدير آية السياق : يا أيها الذين آمنوا استبشروا بنعمة الله التي يستبشر بها الشهداء .
وهل يختص موضوع هذه النعمة بحال الشهداء وما عندهم ، الجواب لا إنما يشمل موضوعها حال المسلمين في الدنيا , بلحاظ آية البحث من جهات:
الأولى : نزول كل آية من القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نعمة على الأحياء والأموات من المسلمين، ليكون من معاني قوله تعالى[وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا]( )، وجوه:
الأول : وان تعدوا نعمة الله عليكم بنزول الآية القرآنية لا تحصوها.
الثاني : وإن تعدوا نعمة الله على الشهداء بنزول الآية القرآنية لا تحصوها.
الثالث : وإن تعدوا نعمة الله على الناس بنزول الآية القرآنية لا تحصوها.
الثانية : نهي الله المسلمين عن الخوف من القوم المشركين نعمة على الشهداء ، فهم أحياء عند الله ويدركون قانوناً وهو عدم خوف المسلمين من المشركين بسبب قتلهم للشهداء .
الثالثة : قتل المشركين للمؤمن حجة عليهم في النشأتين .
الرابعة : سلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من القتل يوم معركة أحد نعمة على الشهداء مجتمعين ومتفرقين .
الخامسة : خوف المسلمين من الله عز وجل نعمة على الشهداء لأنهم فارقوا الدنيا والمسلمون على حال التقوى .
السادسة : خشية وخوف المسلم من الله عز وجل طريق للحوقه بالشهداء ، وإن مات على فراشه .
(عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من شهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله دخل الجنة ، ثم قرأ { ولمن خاف مقام ربه جنتان }( ))( ).
السابعة : تبين آية البحث الملازمة بين الإيمان والخوف من الله ، وفيه سعادة وغبطة للشهداء لفوز المسلمين بأمر الله عز وجل لهم بالخوف منه .
الثامنة : لقد أخبرت آية البحث عن خوف المؤمنين من الله ، والقتل في سبيله أسمى مراتب الخوف منه تعالى ، وهو من مصاديق النعمة .
ومن عظيم فضل الله عز وجل على المؤمنين فوز كل من الشهداء والأحياء من المهاجرين والأنصار الذين حضروا معركة أحد بنعمة وفضل من الله عز وجل وعلى نحو النص والقطع والأمر الجلي ، إذ ذكرت آية السياق الشهداء بقوله تعالى [يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ]( ).
وذكرت الآية السابقة فوز النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بقوله تعالى [فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ] ( ) .
وتحتمل الصلة بينهما وجوهاً :
الأول : إتحاد كل من النعمة والفضل ، فذات النعمة التي عند الشهداء هي ذاتها عند المهاجرين والأنصار ، وكذا بالنسبة للفضل .
الثاني : التعدد في النعمة مع الإتحاد في الفضل .
الثالث : التعدد والكثرة في النعمة والفضل .
الرابع : الإتحاد والتشابه مرة والتباين أخرى .
والصحيح هو الثالث ، ويكون الرابع أعلاه في طوله ، وهذا التعدد والكثرة من فضل الله على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وفيه دعوة للناس للإسلام ، وبيان متجدد لقانون وهو لزوم إجتناب المسلمين الغزو على المدن والأمصار والقرى ، وعدم البطش والثأر والإنتقام ، فالشهيد الذي قتل في معركة بدر أو أحد حي يرزق عند الله عز وجل ، والذين عادوا من حمراء الأسد رجعوا بالنعم من عند الله , وكأنهم شهداء يمشون على الأرض , قال تعالى[فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً]( ).
وهذه النعم حاضرة على نحو يومي عند المسلمين ، ومن الآيات إنتفاع الأحياء من النعم التي عند الشهداء ، وانتفاع الشهداء من النعم التي عند الأحياء بارتقائهم درجة .
ليكون من معاني قوله تعالى [وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ] ( ) إنتفاع أجيال المسلمين من المنزلة التي نالها الشهداء ، وحياتهم عند الله عز وجل , ومنها الغبطة والبهجة والسرور وهو من عمومات قوله تعالى [قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ] ( ).
المسألة الثانية : لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار امتحان وإختبار وابتلاء، ومن ضروب الإبتلاء فيها سعي الشيطان لإغواء الإنسان ، مع أن
هذا السعي ضعيف في ذاته وأثره، وقد نجا الشهداء من إغوائه باختيارهم القتل في سبيل الله ، وهو من حسن العاقبة، وفي التنزيل[وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ]( ).
وتبدأ نجاة المسلم بدخول الإسلام بدلالة آية البحث التي تتضمن الخطاب للمسلمين بصيغة الإيمان .
لقد شهدت آية البحث للمسلمين الذين قتلوا في معركة بدر وأحد دفاعاً عن النبوة والتنزيل بأنهم قتلوا في سبيل الله ، لبيان قانون يتضمن إكرام كل المسلمين الذين خرجوا مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى ميدان المعركة في سبيل الله، وبما يدل على سلامتهم من الرياء وتنزههم عن زينة الدنيا ، وإرادة المكاسب والغنائم .
لقد ذكرت آية البحث الشهداء لتتضمن في ثناياها إكرام المسلمين والثناء عليهم والإخبار بأن سعيهم في سبيل الله لم يذهب سدىً .
وهل الأمر من الله عز وجل في آية البحث للمسلمين بالخوف منه سبحانه إكرام لهم، الجواب نعم من جهات:
الأولى : دلالة الأمر من الله عز وجل بوجوب الخوف منه على وجوه :
الأول : تفضل الله عز وجل بهداية المسلمين.
الثاني : تفقة المسلمين في المعارف الإلهية.
الثالث : الخوف من الله طريق السعادة في النشأتين فمن يخاف من الله يمنعه من المعاصي، ولا يثقل كاهله يوم الحساب.
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: سبعة يظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه : الإمام العدل، وشاب نشأ في عبادة الله عزّ وجلّ، ورجل قلبه معلّق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله فاجتمعا عليه وتفرّقا عليه،
ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال إلى نفسها فقال : إنّي أخاف الله تعالى،
ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتّى لم تعلم يمينه ما ينفق شماله،
ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عينا)( ).
الرابع : إتصاف المسلمين بتلقي الأوامر من عند الله، وهو من مصاديق قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
الثانية : تقدم النهي عن الخوف من أولياء الشيطان على الأمر بالخوف من الله في آية البحث لبيان قانون وهو أن من فطرة الإنسان الخوف إذ أنه من عالم الإمكان، وكل ممكن محتاج فأراد الله عز وجل إكرام المسلمين بالسلامة من الخشية من أولياء الشيطان، وفيه زجر للذين كفروا من التعدي والهجوم على المدينة وقتال المسلمين فإن الطرف الآخر إذا كان لا يخاف منك أبداً يصعب عليك قهره، وكيف وأن المسلمين يتجاهرون بالخشية والخوف من الله عز وجل وحده.
فهذا الخوف جزء من أسباب النصر، ومن مصاديق قوله تعالى[إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ]( ).
الثالثة : الخوف من اللجوء إلى الله سبحانه، فمن معاني الخوف الهروب من مصدره وسببه ، إلا الخوف من الله عز وجل فانه إقبال عليه وإنقطاع إليه، وحب له وثناء وشكر له سبحانه .
الرابعة : الخوف من الله خير محض ، ونفع متجدد للذات والغير .
وهل يرزق الأبناء من الأجر والثواب لخوف أبيهم وأمهم من الله، الجواب نعم ، ومنه تقريب الذرية إلى مقامات الخوف من الله .
الخامسة : معرفة المسلمين لقانون وهو وجود أولياء للشيطان يخافون منه ولا يخافون من الله ، ليكون من معانيه تحذير المسلمين من هجوم المشركين وإصرارهم على القتال .
وهل وعيد المشركين بقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من خوفهم من الشيطان ، الجواب نعم، ولم يجلب لهم هذا الخوف وما ترشح من القول والفعل القبيح إلا الخزي، وفي التنزيل[وَقُلْ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ * وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ]( ).
ليكون من معاني العمل في الآية أعلاه أن المسلمين يعملون برضوان الله, ويتبعون آيات التنزيل , ويحاكون النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم في سنته القولية والفعلية، وينتظرون فضله في تغشي الإيمان لربوع الأرض وهداية الناس لسبل التقوى , وإزاحة الشرك ومفاهيم الضلالة ، وفي التنزيل[وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ]( ).
فان قلت قد ذكرت آية السياق الشهداء، وليس عندهم عمل أو انتظار إنما هم في غاية السعادة عند الله , في حضرة القدس .
والجواب هذا صحيح فان الشهداء عملوا بكتاب الله واتبعوا رضوانه وأخلصوا له سبحانه، وأختاروا الشهادة فأغاظوا الشيطان وأولياءه , وبنوا صرحاً مضيئاً لإتعاظ الناس ودعوتهم للهداية، وأطاعوا الله عز وجل والرسول , ولم يخافوا من أولياء الشيطان من الذين كفروا فرزقهم الله السعادة الأبدية.
وجاءت آية البحث لينال عامة المسلمين والمسلمات مثل هذه السعادة بالعصمة من الخوف من الشيطان وأوليائه الذين يصدون عن سبيل الله.
المسألة الثالثة : جاءت آية السياق بصيغة الجملة الخبرية، وليس فيها أمر ولا نهي، ولكنها تتضمن القوانين من جهات :
الأولى : الإخبار عن العالم الآخر.
الثاني : لزوم الإقرار بالمعاد وحياة الناس في الآخرة على نحو مادي وحسي .
لقد أكرم الله سبحانه الإنسان بإخباره عن الثواب والعقاب في الآخرة، ليحرص على التقيد بمفاهيم الصلاح ويبادر إلى فعل الخيرات التي تقوده إلى الخلود في النعيم، قال تعالى[وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ]( ).
وقد اختلف المتكلمون في هل الجنة والنار مخلوقتان الآن أم أنهما سوف يخلقان ، والمشهور والمختار أنهما مخلوقتان ، إذ أن هذا الخلق من بديع قدرة الله وعظيم سلطانه ، وفيه رحمة بالناس للهداية والصلاح , والإنزجار عن فعل القبائح .
المسألة الرابعة : لقد أخبرت آية السياق عن استبشار شهداء بدر وأحد بنعمة من الله وفضل ، ويشمل موضوع النعمة والفضل أقساماً :
القسم الأول : حال الشهداء عند الله ، وهل حالهم هذه من عالم البرزخ أم أن القدر المتيقن من البرزخ هو عالم القبر، الجواب هو الأول، والمراد من البرزخ أعم من حين مفارقتهم الدنيا إلى يوم القيامة، ويمكن تقسيم حال الناس في البرزخ إلى قسمين :
أولاً : إقامة الشهيد عند الله من حين مغادرة روحه جسده بالسيف ، لقوله تعالى[وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ]( ).
ثانياً : سكان القبور، وهم على شعب :
الأولى : الذين يكون قبر كل واحد منهم روضة من رياض الجنة، وهم المؤمنون من الأولين والآخرين باستثناء الشهداء .
الثانية : الذين يكون قبر أحدهم حفرة من حفر النيران وهم الكفار، لبيان قانون وهو أن غزوهم وتعديهم على المؤمنين وبال عليهم.
الثالثة : الذين هم في حال سكون وموت إلى يوم البعث، وفي التنزيل [قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ] ( ).
القسم الثاني : وهو على شعب :
الأولى : ما ينتظر الشهداء في مدة عالم البرزخ ، ففي كل يوم يستبشرون بما رزقهم الله وما سيرزقهم من فضله .
الثانية : تغشي السعادة التامة للشهداء لما ينالون في الآخرة من الأجر والثواب .
الثالثة : صيرورة الشهداء في مأمن من الخوف والفزع .
الرابعة : بشارة الشهداء بسلامتهم من أوزار الذنوب .
القسم الثالث : استبشار الشهداء بحال المؤمنين في الدنيا .
لقد غادر شهداء بدر وأحد الدنيا ليتلقوا البشارة بسلامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من القتل ، وهل تشمل بشارتهم في ذات الوقت سلامته في المعارك اللاحقة وحفظ الله له من الغدر والإغتيال.
الجواب نعم , وهو من الإعجاز في الاطلاق في لفظ الإستبشار وتجدد وكثرة مصاديقه .
القسم الرابع : سعادة وغبطة الشهداء بحال أصحابهم من المهاجرين والأنصار ، فقد يظن بعضهم أن الذي يُقتل في المعركة يود أن يعود مع أصحابه أو أنهم يقتلون معه أو بدلاً عنه.
ولكن آية السياق تضمنت في دلالتها النفي لهذا الظن ، إذ أن الشهداء يستبشرون باقامتهم عند الله وبسلامة أصحابهم ، وهو من معاني مؤاخاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين المهاجرين والأنصار ، و (عن عمرو بن مرة الجهني وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجل من قضاعة فقال : يا رسول الله ، إن شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وصليت الصلوات وصمت رمضان وصمت الشهر وآتيت الزكاة؟ .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من فعل ذلك كان مع الشهداء والصديقين)( ).
القسم الخامس : استبشار الشهداء بعظيم منزلة المؤمنين في الآخرة وفوزهم بدرجات مثل التي نالها الشهداء (عَنِ ابن عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم : التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأَمِينُ الْمُسْلِمُ مَعَ الشُّهَدَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)( ).
لقد تضمنت آية البحث الذم للشيطان وأنه يقوم بتخويف أتباعه لبيان أن الشهداء بقتلهم في سبيل الله يمدون الناس بالعون من جهات :
الأولى : بيان مصداق عملي لعدم الخوف والخشية من الشيطان .
الثانية : الإخبار العملي عن قانون , وهو عجز الشيطان عن منع المؤمنين عن الدفاع عن بيضة الإسلام .
الثالثة : ذكرت آية السياق عظيم منزلة الشهداء في الآخرة ، بينما تكون عاقبة أولياء الشيطان في النار .
الرابعة : أفادت آية السياق بيان توالي النعم والفضل من الله عز وجل على الشهداء ، ومنها ما يأتي ثواباً على عدم الخوف من الشيطان وإغوائه .
الخامسة : بيان قانون وهو أن الإيمان واقية من إتباع الشيطان .
المسألة الخامسة : لقد أختتمت آية البحث بقوله تعالى[إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ] وبصيغة الجملة الشرطية لبيان الملازمة بين الإيمان والخوف من الله عز وجل ، فهذا الخوف عزيمة وواجب ، وفيه خير الدنيا والآخرة , ويطرد الخوف من الله همز ولمز الشيطان، بلحاظ أن هذا الخوف من مصاديق ذكر الله إلهاً ورباً، وإذا ذكر الله خنس الشيطان أي إنقبض، قال تعالى[مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ]( ) .
ومن أسماء الشيطان الوسواس ، ووسوسة الشيطان: إلقائه الإيهام، وقيل(الوسوسة: الصوت الخفي) ( )وقيل الوسوسة: ما يلقيه الشيطان في القلب، عن أبي عبيدة .
والمختار أنه لا سلطان للشيطان على النفوس، إنما هو يوسوس من خارج الإنسان.
لقد أراد الله عز وجل للقلوب أن تكون زاهرة بالإيمان، ومن لوازمه الخوف والخشية من الله في عالم القول والفعل، وهذا الخوف زاجر عن إشاعة القتل وسفك الدماء في الأرض كما في قصة ولدي آدم إذ قال هابيل كما في التنزيل[لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ]( ).
وتقدير لفظ [خَافُونِي] بلحاظ آية السياق على وجوه :
الأول : وخافون كما خافني الشهداء .
الثاني : وخافون تنالون منزلة الشهداء .
الثالث : وخافون أصرف عنكم شر الشيطان .
الرابع : ولكم في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أسوة، وخافون بلحاظ أن النبي محمداً أكثر المسلمين خشية وخوفاً من الله .
الخامس : وخافون لتستبشروا بنعمة من الله وفضل ، فان قيل ذكرت آية السياق هذه النعمة بخصوص الشهداء، والجواب أنها نعمة عامة للمسلمين بدليل ذكر الآية السابقة لعودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين والأنصار من حمراء الأسد بنعمة وفضل من الله .
السادس : وخافون لتسود المودة والمحبة بينكم , وفي التنزيل[إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ]( ).
المسألة السادسة : إبتدأت آية البحث من جهات :
الأولى : بعث النفرة من الشيطان لذات اسمه .
الثانية : صيغة الحصر (إنما) لبيان أن الشيطان ينفرد بالبعد عن الناس، وأنه مطرود عن رحمة الله ، ولكن من الناس من يتخذه ولياً والله عز وجل مع تحذير آية البحث منه بصيغة البعد.
الثالثة : أنه بعيد عن رحمة الله .
الرابعة : صيغة البعد في[ذَلِكُمْ] والتي تدل على عدم قربه من المؤمنين .
ولم تقل آية البحث يخّوف أنصاره فلا يقدر على نصرهم ولا يستطيعون هم نصره وتقريبه من الناس والوقائع والأحداث.
وأخبرت آية السياق عن نعمة من الله تتغشى الشهداء , ومنها آية البحث ومضامينها القدسية وبقاء الشيطان بعيداً عن المؤمنين.
لقد أفادت آية البحث قانوناً وهو استبشار الشهداء بالمؤمنين الذين لا زالوا في الدنيا وأنهم سيلحقون بهم ، مما يدل على سلامتهم من إغواء الشيطان ، ليكون من معاني الجمع بين الآيتين أن المؤمنين لم يخافوا الشيطان , وأنهم تحصنوا بالخوف من الله عز وجل فسينالون الدرجات العلا .
لقد أراد الله عز وجل للشهداء أن يكونوا في حال سلامة وأمن من الخوف من جهات :
الأولى : السلامة من الخوف من شدة الحساب .
الثانية : النجاة والأمن من أهوال البرزخ فقد جعلهم الله عز وجل عنده ونجوا من ضيق القبر .
الثالثة : السكينة والأمن من الخوف من النار .
الرابعة : الأمن بتوالي نزول آيات القرآن وعدم حدوث عوائق تمنع منه.
الخامسة : البشارة بنجاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من القتل.
السادسة : سلامة المؤمنين من الإرتداد وهذه السلامة برزخ دون دبيب الحزن إلى نفوس الشهداء ، ويدل عليها قوله تعالى في آية السياق[وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ]( ).
المسألة السابعة : لقد أختتمت آية السياق بقانون[أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ]( ) لبيان إمتناع وصول الخوف أو الحزن إلى الشهداء، ليشمل موضوع إنتفاء كل من الخوف والحزن ما يتعلق بقادم الأيام بخصوصهم أو بخصوص المؤمنين في الدنيا , ليكون على وجوه :
الأول : تلقي المسلمين رشحات من الأجر والثواب الذي فاز به الشهداء ، ومنها السلامة من الخوف والحزن .
الثاني : عودة الصحابة سالمين من حمراء الأسد .
الثالث : عدم تكرار قيام المشركين بالهجوم على المدينة .
الرابع : سلامة أهل المدينة من إقتحام المشركين لها ، ومن أهلها ذراري وعوائل الشهداء .
لقد استشهد سبعون من المسلمين في معركة أحد ، وجاء بعدها بنحو سنتين عشرة آلاف من المشركين لقصد غزو واستباحة المدينة لولا أن عصمها الله عز وجل .
وهل كان حفر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الخندق كافياً لصدهم، الجواب لا ، وإن كان هذا الخندق من فضل الله عز وجل في حفره ومنافعه .
لقد جاءت هذه الآيات بخصوص وقائع معركة أحد إبتداء واستدامة وما تفرع عنها، ومن رحمة الله فيها تعدد مصاديق فضل الله عز وجل فيها سواء بالنص كما في قوله تعالى[وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ]( ) الذي أختتمت به الآية السابقة أو في المضمون والدلالة، كما في قوله تعالى[وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ]( ).
ومن خصائص فضل الله نيل المحسن والمسئ منه، والذين تلقوا النبوة والتنزيل بالقبول والتصديق والذين جحدوا بها .
ومن فضل الله عز وجل الهداية إلى الإيمان لذا ترى المسلمين اتخذوا الشكر لله عز وجل جلباباً ، وليكون شاهداً على صدق إيمانهم الذي تذكره آية البحث بصيغة الجملة الشرطية[إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ]( ).
لقد تم في هذا السِفر استحداث أبواب عديدة في تفسير كل آية من آيات سورة الفاتحة وسورة البقرة وسورة آل عمران التي جاء تفسيرها في الأجزاء السابقة .وهذا الجزء وهي :
الأول : في سياق الآيات .
الثاني : صلة خاتمة آية البحث بآية السياق.
الثالث : الصلة بين خاتمتي الآيتين، فإذا كان الجزء من هذا التفسير يتضمن صلة آية البحث بثلاث آيات سابقة مجاورة لها، والصلة مع ثلاث آيات لاحقة مجاورة لها فإن هذا الباب يكون على ستة أقسام وتقبل الزيادة والحمد لله.
الرابع : إعجاز الآية الغيري.
الخامس : إعجاز الآية الذاتي.
السادس : الآية سلاح.
السابع : مفهوم الآية.
الثامن : الآية لطف.
التاسع : إفاضات الآية.
العاشر : الآية بشارة.
الحادي عشر : الآية إنذار.
الثاني عشر : الآية موعظة.
الثالث عشر : الآية رحمة.
الرابع عشر : ثناء الله على نفسه في الآية.
الخامس عشر : النعم التي تذكرها آية البحث.
السادس عشر : الحاجة لآية البحث.
السابع عشر : الصلة بين أول وآخر الآية.
الثامن عشر : اسباب النزول .
التاسع عشر : من غايات الآية.
العشرون : التفسير.
الحادي والعشرون : البحث النحوي والبلاغي.
الثاني والعشرون : علم المناسبة.
الثالث والعشرون : القوانين المتعلقة بالآية القرآنية.
الرابع والعشرون : البحث الفقهي والبحث الأصولي.
الخامس والعشرون : البحث المنطقي والبحث الكلامي.
السادس والعشرون : البحث البلاغي.
ويمكن إنشاء باب جديد في كل آية اسمه (فضل الله في الآية ) وقد يقال هناك تشابه موضوعي بين هذا العنوان وبين الآية سلاح ، أو الآية لطف وإفاضات الآية.
الجواب نعم ، ولكن هناك تباين على نحو الموجبة الجزئية بينهما بلحاظ كثرة وتعدد النعم التي تتضمنها الآية القرآنية والتي تترشح عنها ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ] ( ).
ويشمل هذا الباب الجديد أموراً :
الأول : ورود فضل الله في الآية على نحو النص .
الثاني : دلالة مفهوم الآية على فضل الله .
الثالث : فضل الله في تلاوة المسلم الآية القرآنية , والتدبر في معانيها ودلالاتها .
الرابع : استقراء فضل الله من مضامين الآية القرآنية .
الخامس : لزوم إجتهاد العلماء والمفسرين في استقراء واستنباط مسائل فضل الله في الجمع بين كل آيتين من القرآن .
ويمكن تفرع علوم متعددة عن قانون (فضل الله) في الآية من جهات :
الأولى :فضل الله بنزول الآية .
الثانية : فضل الله في أسباب وموضوع الآية القرآنية .
الثالثة : ترشح الفضل من الله عز وجل بتلاوة الآية القرآنية والعمل بمضامينها .
الرابعة : الأحكام المستنبطة من الآية القرآنية .
الخامسة : الأجر والثواب من الآية القرآنية .
السادسة : فضل الله عز وجل الخاص والعام من الآية القرآنية، ومن فضل الله في الآية القرآنية الإخبار عن الأمن والسلامة للمؤمنين في الدنيا والآخرة ، لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا مليئة بأسباب السعادة والحزن والأمن والخوف ، وهو مقدمة ومرآة لأحوال الناس في الآخرة مع قصر أيام وعمر الإنسان في الدنيا أزاء طول مدة كل من:
الأول : عالم البرزخ.
الثاني : عرصات الوقوف في يوم القيامة.
الثالث : الحشر في مواطن الحساب يوم القيامة.
الرابع : الوقوف بين يدي الله للحساب.
الخامس : عالم الجزاء الأبدي، قال تعالى[فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ *خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ *وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ]( ).
ولقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا فرصة ومناسبة للعمل الصالح والإستغفار وجني الحسنات وإمتحاناً لإجتناب فعل السيئات أما الآخرة فليس فيها أدنى فرصة للعمل ، وفي التنزيل [حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ] ( ).

أجزاء خاصة بالصلة بين آيتين
من العلوم التي وردت في هذا السِفر التفسيري المبارك(في سياق الآيات لإرادة صلة آية البحث مع الآيات المجاورة لها، ليكون نواة وتأسيساً لعلوم تتصل وتتنامى لآلاف السنين تتعلق بالصلة بين كل شطر من أي آية من القرآن مع كل شطر من آيات القرآن الأخرى، ويستلزم هذا العمل تسخير مؤسسات علمية، وجهود وإجتهاد مفكرين ومحققين ورجال إختصاص في العلوم المختلفة ليدرس كل منهم الآية من إختصاصه ثم يبين الفرد الجامع بينها مع بقاء كل تفسير ذي صبغة الإختصاص على حاله لعدم التعارض بينهما , وليكون منهلاً يغترف منه العلماء وعشاق القرآن , وفي التنزيل[هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ]( ).
لقد جاءت بعض الأجزاء من هذا التفسير بالصلة بين الآيات منها :

  • الجزء الخامس والعشرون بعد المائة , ويختص بالصلة بين الآية (152) بالآية(151).
  • الجزء السادس والعشرون بعد المائة , ويختص بصلة شطر من الآية 153 بشطر من الآية 151.
    *الجزء السابع والعشرون بعد المائة , ويختص بالصلة بين الآية (153) والآية (152).
    *الجزء التاسع والعشرون بعد المائة ، ويختص بالصلة بين الآية (154) وشطر من الآية (153).
  • الجزء الواحد والخمسون بعد المائة ، ويختص بالصلة بين شطر من الآية (161) بشطر من الآية (164).

الصلة بين خاتمتي الآيتين
أختتمت آية السياق بقوله تعالى [وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ] ( ) ومن الإعجاز في نظم الآيات أن آية البحث أختتمت هي الأخرى بلفظ [مُؤْمِنِينَ] وبصيغة الجملة الشرطية ، ويكون الجمع بينهما وفق القياس الإقتراني :
الكبرى : الذين يخافون الله مؤمنون .
الصغرى : المسلمون يخافون الله .
النتيجة : المسلمون مؤمنون .
ويصح أيضاً عكس المسألة مع إتحاد المعنى:
الكبرى : المؤمنون يخافون الله .
الصغرى : المسلمون مؤمنون .
النتيجة : المسلمون يخافون الله .
فان قيل إن الله عز وجل هو الذي أحاط بكي شئ علماً وهو يعلم بما يعلن الناس وما يخفون ، وإذا كان المسلمون مؤمنين لماذا أختتمت آية البحث بصيغة الجملة الشرطية.
الجواب إنه من بعث وإرتقاء المسلمين في منازل الإيمان وسعيهم في سبل الهداية، وتعاهد أداء الفرائض والعمل بأحكام الشريعة ، مع دلالة آيات القرآن الأخرى على إيمان المسلمين بالله ورسوله وملائكته وكتبه.
وهل يدل صبر المسلمين ودفاعهم في معركة بدر وأحد والخندق على إيمانهم وإخلاصهم في طاعة الله، الجواب نعم، وفيه شاهد على عدم خشيتهم وخوفهم من أعوان الشيطان الذين لم يكتفوا بالجحود بالتوحيد بل أصروا على محاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وحشد الجيوش وزحفها لقتاله ، ولم يلاقهم إلا بالنداء المبارك (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا ).
ومن معاني السلم والرأفة في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن ذات النداء أطلقه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مكة قبل الهجرة وعند الطواف على منازل القبائل في موسم الحج ومناسبة الأشهر الحرم .
وذكر ربيعة بن عباد الديلي أنه رآى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسوق ذي المجاز يقول (يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا ).
وكان الناس مجتمعين عليه ويتطلعون إلى طلعته البهية وإلى ثباته في دعوته ، وثقته بما أتاه ربه من الوحي والحكمة ، او يبدو للناظر أن فعله ليس أمراً فردياً أو طوعياً إنما هو واجب من واجبات النبوة ويدرك الناس أن ما بعد هذا النداء أمر عظيم لوجوه :
الأول :ذات النداء .
الثاني : موضوع النداء .
الثالث : قيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالتبليغ .
الرابع : نفرة النفوس من عبادة الأوثان .
الخامس: موضوعية نداء الإيمان في هذا البعث , وقد ورد نداء الإيمان [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] تسعاً وثمانين مرة في القرآ ن منها قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] ( ), لبيان أولولية الصلاة وضروب العبادة في الحياة اليومية للمسلمين .
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يكف عن الدعوة إلى الله , أي أنه يكرر نداء التوحيد في فجاج وشعاب مكة ، وكان الناس ينصتون له ، نعم كان خلفه عمه أبو لهب يدعو الناس إلى عدم التصديق به، وينعته بأنه مجنون .
وعن ربيعة بن عباد الديلي قال (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف على الناس في منازلهم، قبل أن يهاجر إلى المدينة يقول: يا أيها الناس إن الله يأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً. قال: ووراءه رجل يقول: يا أيها الناس إن هذا يأمركم أن تتركوا دين آبائكم. فسألت: من هذا الرجل؟ فقيل: أبو لهب.
وقال ربيعة : أما ما أسمعكم تقولون: إن قريشاً كانت تنال من النبي صلى الله عليه وسلم فإن أكثر ما رأيت أن منزله كان بين منزل أبي لهب وعقبة بن أبي معيط، فكان ينقلب إلى بيته، فيجد الأرجام والدماء والأرواث قد نضدت على بابه، فينحي ذلك بسية قوسه ويقول: بئس الجوار هذا يا معشر قريش)( ) .
وأسلم ربيعة بن عباد بعدئذ، وتوفى بالمدينة سنة ست وثلاثين.
ولم يكن أذى الكفار يختص بالإفتراء على شخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما تعداه إلى الإفتراء على التنزيل فكان النضر بن الحارث مثلاً يلفق حديثاً عن ملوك فارس والروم , لمحاولة صرف الناس عن آيات القرآن فنزل قوله تعالى[وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ]( )، [إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ]( )، أي حديث رستم واسفنديار .
لقد ساء كفار قريش ذم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لآلهتهم وتسفيه آبائهم لعبادتهم الأوثان ، وورد عن ابن عباس أن كبراء قريش اجتمعوا (اجْتَمَعَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْب ٍ ، وَالنّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ ( بْنِ كَلَدَةَ ) ، أَخُو بَنِي عَبْدِ الدّارِ وَأَبُو الْبَخْتَرِيّ بْنُ هِشَامٍ وَالْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطّلِبِ بْنِ أَسَدٍ ، وَزَمْعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ ، وَالْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ ، وَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ وَعَبْدُ اللّهِ بْنُ أَبِي أُمَيّةَ ، وَالْعَاصِ بْنُ وَائِلٍ وَنَبِيهٌ وَمُنَبّهٌ ابْنَا الْحَجّاجِ السّهْمِيّانِ وَأُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ ، أَوْ مَنْ اجْتَمَعَ مِنْهُمْ . قَالَ اجْتَمِعُوا بَعْدَ غُرُوبِ الشّمْسِ عِنْدَ ظَهْرِ الْكَعْبَةِ .
ثُمّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ ابْعَثُوا إلَى مُحَمّدٍ فَكَلّمُوهُ وَخَاصِمُوهُ حَتّى تُعْذِرُوا فِيهِ فَبَعَثُوا إلَيْهِ إنّ أَشْرَافَ قَوْمِك قَدْ اجْتَمَعُوا لَك لِيُكَلّمُوك ، فَأْتِهِمْ فَجَاءَهُمْ رَسُولُ اللّهِ – صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّم – سَرِيعًا ، وَهُوَ يَظُنّ أَنْ قَدْ بَدَا لَهُمْ فِيمَا كَلّمَهُمْ فِيهِ بَدَاءٌ .
وَكَانَ عَلَيْهِمْ حَرِيصًا يُحِبّ رُشْدَهُمْ وَيَعِزّ عَلَيْهِ عَنَتُهُمْ حَتّى جَلَسَ إلَيْهِمْ فَقَالُوا لَهُ يَا مُحَمّدُ إنّا قَدْ بَعَثْنَا إلَيْك لِنُكَلّمَك ، وَإِنّا وَاَللّهِ مَا نَعْلَمُ رَجُلًا مِنْ الْعَرَبِ أَدْخَلَ عَلَى قَوْمِهِ مِثْلَ مَا أَدْخَلْتَ عَلَى قَوْمِك .
لَقَدْ شَتَمْتَ الْآبَاءَ وَعِبْتَ الدّينَ وَشَتَمْت الْآلِهَةَ وَسَفّهْت الْأَحْلَامَ وَفَرّقْت الْجَمَاعَةَ فَمَا بَقِيَ أَمْرٌ قَبِيحٌ إلّا قَدْ جِئْتَهُ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَك) ( ).
وكان النضر بن الحارث يسافر إلى الشام وبلاد فارس للتجارة ، فأراد أن يحارب النبوة والتنزيل بالأخبار والقصص والأساطير ، فذهب إلى الحيرة ، فقرأ كتب الفرس ، وكتب بعضها ، وحفظ كتاب كليلة ودمنة , وقصصاً وأساطير أخرى وأخبار الملوك .
واختلط مع أهل الكتاب وسمع التوراة والإنجيل .
وإذا عاد إلى مكة صار يحدث الناس بهذه القصص والأخبار وإذا ما قام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يتلو آيات القرآن وما فيها من الوعيد ، ويحذر الناس من غضب الله يأتي النضر من بعده ليحدث بأخبار ملوك فارس وغيرهم (ثُمّ يَقُولُ بِمَاذَا مُحَمّدٌ أَحْسَنُ حَدِيثًا مِنّي ؟ .
قَالَ ابن هِشَامٍ : وَهُوَ الّذِي قَالَ فِيمَا بَلَغَنِي : سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللّهُ)( ).
الشعبة الثانية : صلة آية البحث بالآيات المجاورة التالية ، وفيها وجوه :
الوجه الأول : صلة آية البحث بالآية التالية [وَلاَ يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ] ( ) وفيه مسائل :
المسألة الأولى : توجه الخطاب في آية البحث للمسلمين بما يفيد التحذير والإنذار من عداوة الشيطان لهم والناس جميعاً ، لبيان قانون وهو أن بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم نفع عام للناس جميعاً .
وإبتدأت آية السياق بالخطاب إلى النبي محمد صل الله عليه وآله وسلم وبما يفيد النهي بقوله تعالى [وَلاَ يَحْزُنْكَ] ( ).
ومن معاني هذا النهي وجوه :
الأول : إكرام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : بيان حب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهداية الناس وبذله الوسع في إبعادهم عن ولاية الشيطان والخوف منه .
الثالث : بيان قانون وهو عدم إضرار أولياء الشيطان بالإسلام .
الرابع : البشارة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالسلامة من مكر وكيد أولياء الشيطان خاصة وأن آية البحث بينت مسـألة وهي خوفهم من الشيطان مع أن كيده ضعيف ، ومكره واهن .
وتخويف الشيطان لأوليائه من عداوته لنوع الإنسان ، إنما اتخذه الكافرون ولياً وهو عدو لهم مجتمعين ومتفرقين ، فبينت آية السياق الضرر الناجم عن الجمع بين عداوة الشيطان للناس وبين إتخاذ الكافرين له ولياً .
الخامس : إلحاق عموم المسلمين بالنهي الوارد في آية السياق والموجه إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقوله تعالى [وَلاَ يَحْزُنْكَ] ( ).
وتقدير الآية على وجوه :
أولاً : الخطاب العام للمسلمين الذكور (ولا يحزنكم).
ثانياً : الخطاب لمجموع الأناث (ولا يحزنكن).
ثالثاً : توجه الخطاب إلى المفرد من المسلمين (ولا يحزنكَ).
رابعاً : إرادة المرأة المفردة من المسلمات (ولا يحزنكِ).
المسألة الثانية : لما ذكرت آية البحث تخويف الشيطان لأوليائه أخبرت آية البحث عن مسارعتهم في الكفر لبيان موضوعية هذا التخويف في مسارعتهم في فعل السيئات واقتراف الذنوب ، وهل منه المناجاة لمحاربة النبوة والتنزيل ، الجواب نعم ، والمراد من [الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ] ( ) الواردة في آية السياق
(قولان : أحدهما : هم المنافقون , وهو قول مجاهد وابن إسحاق .
والثاني : قوم من العرب ارتدوا عن الإسلام) ( ).
ولكن الآية أعم ، وتشمل كفار مكة والقبائل المحيطة بها حتى الذين يلبون نداء المشركين في محاربة الإسلام ، وتشمل أيضاً المنافقين .
وهل يمكن القول أن الخوف من الشيطان واتباعه سبب للمسارعة في الكفر ، الجواب نعم ،وفيه شاهد على صبر وجهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الدفاع عن بيضة الإسلام .
ومن المسارعة في الكفر الإصرار على قتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، ولم ترد آيات القرآن بالمسارعة في قتال الذين كفروا أو غزوهم والهجوم عليهم ، إنما وردت في المسارعة في فعل الخيرات والإستغفار ، قال تعالى [إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ] ( ) وقال تعالى[وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ]( ) ليفيد الجمع بين الآيتين أعلاه أن الإستغفار من فعل الخير وأن المواظبة عليه طريق إلى الجنة , وسبب لهداية وإصلاح الناس .
ومن معاني المسارعة في الكفر محاكاة خطوات الشيطان ومن آثاره الجلية للناس جميعاً معصيته وهو في الجنة لله عز وجل لبيان مسألة وهي من الناس من يكون غارقاً في النعم ومع هذا يعصي الله ويمتنع عن أداء الفرائض ، وهو من مصاديق قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ] ( ), من المعصية والزلل وإرتكاب السيئات والمعاصي .
ومن الإعجاز في الجمع بين آية البحث وآية السياق ذكر الأخيرة لصفة قبيحة للذين كفروا لبيان قانون وهو أن ذكر الشيطان في القرآن المراد منه بيان ضرره على الذين كفروا , وكيف أنهم صاروا يسارعون في الكفر وأن سبيل للنجاة من الكفر , والمسارعة فيه هو الإمتناع عن ولاية الشيطان وعن الخوف منه .
لم يذكر القرآن أن الشيطان وهم لا أصل له أو أنه كالحلم إنما ذكر أن فريقاً من الناس وهم الكفار والمنافقون إختاروا اتباعه والخوف منه ، وكل من الفردين أعلاه يؤدي إلى الآخر ، فاتباع الشيطان يؤدي إلى الخوف منه ، وكذا فان الخوف منه يؤدي إلى اتباعه من غير أن يلزم الدور بينهما للتباين الجهتي في الموضوع .
المسألة الثالثة : هل تساعد آية السياق المسلمين في الخوف من الله وعدم الخشية من الشيطان ، الجواب نعم ، فكل كلمة منها مدرسة في البعث على طاعة الله ، والتوقي من إغواء الشيطان وجنوده , ليكون من معاني قوله تعالى [ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ] ( ), أن كل آية من القرآن مدرسة في الهداية والصلاح , وفيه شاهد على أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم يحتج إلى القتال والغزو , انما تنزل الآية القرآنية فتكون سبيلاً للهداية العامة .
لقد نزل الملائكة لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في معركة بدر وأحد بعد أن أصر المشركون على القتال ، لي المدد بالآية القرآنية ويكون نفعها متصلاً إلى يوم القيامة فهي برزخ دون خروج الجيوش والقبائل مع المشركين لمحاربة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو الذي تجلى بعد السنة الخامسة فبعد أن جمع فيها المشركون عشرة آلاف مقاتل في غزوتهم في الأحزاب عجزوا عن جمع جيش لملاقاة المسلمين لامتناع الناس عن التحزب لمحاربة النبي محمد ص ومعجزاته , وتخلصهم من شبح الخوف من أولياء الشيطان .
وهو الذي تجلى بوجوه :
الأول : عدم إعادة المشركين الكرة والهجوم على المدينة .
الثاني : لجوء المشركين إلى الرضا والموافقة على صلح الحديبية ، ومن مصاديق عجزهم في المقام تسمية النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا الصلح بالفتح .
(عن عروة قال : أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الحديبية راجعاً ، فقال رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : والله ما هذا بفتح ، لقد صددنا عن البيت وصدَّ هدينا ، وعكف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالحديبية ورد رجلين من المسلمين خرجا .
فبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قول رجال من أصحابه : إنّ هذا ليس بفتح ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : بئس الكلام، هذا أعظم الفتح .
لقد رضي المشركون أن يدفعوكم بالراح عن بلادهم ويسألوكم القضية ويرغبون إليكم في الإِياب ، وقد كرهوا منكم ما كرهوا ، وقد أظفركم الله عليهم ، وردكم سالمين غانمين مأجورين ، فهذا أعظم الفتح . أنسيتم يوم أحد إذ تصعدون ولا تلوون على أحد ، وأنا أدعوكم في أخراكم .
أنسيتم يوم الأحزاب إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا؟
قال المسلمون : صدق الله ورسوله هو أعظم الفتوح والله يا نبي الله ما فكرنا فيما فكرت فيه ولأنت أعلم بالله وبالأمور منا . فأنزل الله سورة الفتح) ( ).
الثالث: أداء النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه عمرة القضاء في السنة التالية لصلح الحديبية بمرآى ومسمع من كفار قريش .
الرابع : عجز الذين كفروا عن تحشيد القبائل لنصرتهم .
الخامس : النقص الظاهر في تجارة قريش إلى الشام واليمن .
السادس : تحقق فتح مكة في السنة الثالثة للهجرة من غير قتال شديد ، ومن الشواهد على أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لا يطلب الغزو عفوه عن كفار قريش يوم الفتح .
المسألة الرابعة : لقد ذكرت آية البحث خوف الذين كفروا من الشيطان لتتعقبها آية السياق وتبين حقيقة وهي ترجل هذا الخوف في أقوالهم وأفعالهم بصيرورتهم يسارعون في الكفر لبيان قانون ضروب الإبتلاء في الدنيا ، أن ولاية الشيطان تؤدي إلى الخوف منه ، وأن الخوف منه يؤدي إلى المسارعة في الكفر وإظهاره ، فجاءت آية السياق بالبشارة برد كيدهم إلى نحورهم بالإخبار عن شدة عذابهم في الآخرة ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنْ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ] ( ).
والمراد من المسارعة ليس مسارعة وهرولة الذوات إنما هناك حذف في الجار والمجرور [فِي الْكُفْرِ] تدل عليه القرينة والمراد منه بلحاظ آية البحث وجوه :
الأول : ينقادون إلى آثار ولاية الشيطان .
الثاني : يسارعون في الخوف من الشيطان , ويحرصون على عدم فوات فرصة السيئة والمعصية ، إذ تؤسس النفس الأمارة للإنسان أنه إذا فاتت فرصة فعل الفاحشة كالسرقة والزنا ونحوه في هذه الساعة فانها لن تتجدد مرة أخرى , فجاءت آية البحث لبحث النفرة من المعصية مطلقاً .
(عن أنس قال : جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله أنزل عليّ في القرآن يا أعرابي { لا خير في كثير من نجواهم } إلى قوله {فسوف نؤتيه أجراً عظيماً} يا أعرابي الأجر العظيم : الجنة .
قال الأعرابي : الحمد لله الذي هدانا للإسلام) ( ).
أي من وجوه تخويف الشيطان لأوليائه تخويفه لهم من فوات المعصية سواء كانت شخصية أو نوعية .
الثالث : إظهار المنافقين علامات النفاق .
الرابع : تواطئ المنافقين مع جيش المشركين .
الخامس : المناجاة في محاربة النبوة والتنزيل .
السادس : ذات الإصرار على الكفر مسارعة فيه .
السابع : المناجاة في مفاهيم الكفر .
وهل منه خروج الذين كفروا إلى معركة بدر ، الجواب نعم من جهات:
الأولى : قيام رئيس قافلة قريش أبو سفيان بن حرب بارسال ضمضم رسولاً إلى قريش يستنفرهم لحفظ أموالهم التي في القافلة لأن محمداً وأصحابه قد عرضوا لها ، مع أنه في النهاية نجا والقافلة ، ولم يتعرض له النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرون والأنصار ، إذ جاء ضمضم (يصرخ ببطن الوادي واقفا على بعيره، قد جدع بعيره وحول رحله وشق قميصه وهو يقول: يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة، أموالكم مع أبى سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه لا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث.
فتجهز الناس سراعا وقالوا: أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي ؟ ! [ كلا ] والله ليعلمن غير ذلك.) ( ).
فورد الخبر أعلاه بمسارعة الذين كفروا لقتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه نظنهم أنهم تعرضوا لقافلة أبي سفيان ، وذكرت آية السياق المسارعة في الكفر ، لتكون مسارعتهم من مصاديق وأفراد ولايته للشيطان التي تذكرها آية البحث .
الثانية: مناجاة كفار قريش بالتوجه لقتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه مع أن رسول أبي سفيان جاء من عنده وهو في قافلة لم تتعرض للسلب ، وليس من أثر لجيش للمسلمين قريب منها .
ولم يقول رؤساء الكفار بأنهم لا يقاتلون إلا اذا وجدوا القافلة قد تم استيلاء المسلمين عليها، أو إن أعادوا لنا البضائع لا نقاتل إنما عزموا على القتال على أي حال من الأحوال ، وهو من الشواهد على أن المشركين هم الذين يقومون بالغزو .
الثالثة : من السعة والمندوحة في الحياة الدنيا تعدد الفرص والأسباب التي تحول دون القتال وتجلت في معركة بدر حتى في يوم المعركة [يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ] ( ) إذ ظهرت دعوات في جيش المشركين لمنع القتال ، منها :
الأولى : إنذار العيون والرصد الذين أرسلتهم قريش لإحصاء ومعرفة حال جيش المسلمين إذ رجعوا لبيان حال استعداد الأنصار للدفاع عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
(عن إسحاق بن يسار قال : لما اطمأن القوم بعثوا عمير بن وهب الجمحى فقالوا احزر لنا أصحاب محمد فاستجال بفرسه حول العسكر ثم رجع إليهم فقال ثلاثمائة رجل يزيدون قليلا أو ينقصون , ولكن امهلوني حتى انظر أللقوم كمين أو مدد .
فضرب في بطن الوادي حتى أبعد فلم ير شيئا فرجع إليهم
فقال ما رأيت شيئاً , ولكني قد رأيت يا معشر قريش البلايا تحمل المنايا نواضح يثرب تحمل الموت الناقع قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ الا سيوفهم والله ما أرى ان يقتل رجل منهم حتى يقتل رجل منكم فإذا أصابوا منكم عدادهم فما خير العيش بعد ذلك فروا رأيكم.) ( ).
وفيه حجة على كفار قريش إذ يستبسل الأنصار في الدفاع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بينما الذين يريدون قتله كبار أبناء عمومته من قريش ، وأهل بلدته مكة ، لذا تفضل الله ورزق الأنصار منزلة لم يرق إليها أحد ، وفيها شرف الدنيا والآخرة ، قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ] ( ).
الثانية : قيام بعض رؤساء جيش المشركين بالسعي في صفوفهم لمنع القتال والإبتداء به ، كما في حكيم بن حزام الذي مشى بينهم صبيحة يوم بدر وذهب إلى عتبة بن ربيعة وسؤاله بأن يرجع بالناس , ويتحمل دية حليفه ابن الحضرمي الذي قتله المسلمون ، ورضا عتبة بالأمر وقيامه خطيباً يحثهم على الإمتناع عن القتال ، ويبين لهم أنه قتال بين الأخوة في النسب ، وسيكون سبباً لزرع الغضاضة والعداوة بينهم في مكة بلحاظ أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين إخوانهم .
الثالثة : رغبة وميل عدد من كبراء قريش وأهل الرأي فيهم إلى إجتناب القتال وقيام بعضهم بالمشي إلى بعضهم الآخر وإظهار الرغبة بعدم القتال , منهم :
الأول : الحارث بن عامر .
الثاني : أمية بن خلف .
الثالث : عتبة بن ربيعة .
الرابع : شيبة بن ربيعة .
الخامس : حكيم بن حزام .
السادس : أبو البختري .
السابع : علي بن أمية بن خلف .
الثامن : العاص بن منبه .
ولكن أبا جهل وعقبة بن أبي معيط , والنضر بن الحارث بن كلدة صاروا يوبخونهم ، ويبكتونهم ، وينعتوهم بالجبن .
الرابعة : إعتزال بنو زهرة القتال ورجوعهم إلى مكة بناء على اقتراح من حليفهم الأخنس بن شريق الذي أقنعهم بالرجوع لوجوه :
الأول : نجاة أموال بني زهرة التي خرجوا من أجلها .
الثاني : سلامة صاحبهم مخرمة بن نوفل .
إذ كانت سبب خروجهم طلب سلامته وماله ، فقد صار على مشارف المدينة مع قافلة أبي سفيان .
الثالث : انتفاء علة القتال في غير صنيعة ، وكان عدد بني زهرة مائة رجل ، وكان رجوعهم من الجحفة قبل الوصول إلى ميدان معركة بدر ، ولم يشهد معركة بدر زهري إلا رجلين هما عما مسلم بن شهاب الزهري فقتلا يومئذ كافرين .
وبعد أن تعرضت قريش للهزيمة في معركة بدر إرتقت منزلة الأخنس عند بني زهرة وصار فيهم مطاعاً .
الرابع : قيام بعض بني هاشم بالرجوع والإمتناع عن القتال إلا من أصر أبو جهل على بقائه ، إذ قال (لا تفارقنا هذه العصابة حتى نرجع) ( ) .
الخامس : وصول رسول من أبي سفيان بسلامة القافلة .
السادسة : إختيار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الصبر والإنقطاع إلى الدعاء والتسبيح , وهو من القرائن التي تدل على عدم رغبتهم بالقتال .
ومن الإعجاز في الآية أعلاه من سورة الأنفال ابتداؤها بالذين آمنوا وهو اسم عام للمؤمنين والمؤمنات إلى يوم القيامة لبيان اتحاد وتجدد الولاية والنصرة فيما بينهم وتأكيد الأخوة الإيمانية بين المهاجرين والأنصار وبين عامة أجيال المسلمين إلى يوم القيامة بما يكون برزخاً وحاجباً دون نفاذ الشيطان وأعوانه للفرقة والخصومة بينهم , وفيه تأكيد لقانون وهو أن ولاية الذين كفروا للشيطان واهنة، ولا تجلب إلا الأذى والضرر لأهلها، وفي قوله تعالى{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَشَآقُّوا الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيئا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ} قال ابن عبّاس : هم المطعمون يوم بدر)( ).
وتحتمل الجهة التي يبث الشيطان سمومه لها من ذات الإنسان جهات :
الأولى : الروح .
الثانية : النفس .
الثالثة : الجسد والجوارح كاليد والجوارح .
الرابعة : الفرد الجامع بلحاظ أن الإنسان مركب من الروح والجسد .
والمختار هو ان سموم الشيطان وهم لا تصل إلى ذات الإنسان، إذ لا سبيل للشيطان على الجوارح التي يحكمها العقل , ولا على الروح ، فهي شعبة ولطف بالإنسان من فضل الله ، وصلة بينه سبحانه وبين الإنسان ، وفي آدم ورد قوله تعالى [وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ] ( ).
ولو تمت صناعة الإنسان بالإستنساخ مثل النعجة دوللي فهل تكون عنده روح وتستعصي على الشيطان ، الجواب نعم .
المسألة الخامسة : تضمنت كل من آية البحث والسياق صيغة النهي بالأداة (لا) وهي أم أدوات النهي , وتفيد الإطلاق الزماني إذ جاءت آية البحث بالنهي عن الخوف من الذين كفروا بقوله [فَلاَ تَخَافُوهُمْ].
ولم يأت هذا النهي إلا بعد أن أخبرت الآية عن أمرين :
الأول : ولاية الذين كفروا للشيطان .
الثاني : خوف الذين كفروا من الشيطان .
وهل يمكن استنباط قانون وهو أن الذي يخاف من الشيطان لا يُخوَف ، الجواب نعم ، وتقدير آية البحث : فلا تخافوهم فأنهم أعجز من أن يخوفكم ، نعم قد يخوف الذين كفروا بعضهم بعضاً .
وهذا التخويف من مصاديق قوله تعالى [يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ] أي أنه يتخذ أولياء لتخويف بعضهم بعضاً ، وهذا التخويف أهم أسباب وقوع القتال بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من جهة وبين الذين كفروا من جهة أخرى .
فما أن أظهر النبي صلى الله عليه وآله وسلم نبوته ودعا الناس إلى التوحيد وهجران عبادة الأصنام والتزلف إليها , حتى صار المشركون يخافون على أمور :
الأول : الرئاسة والجاه الذي يتمتعون به .
الثاني : التجارة والأموال .
الثالث :الأمن في طرق تجارة قريش , ويدل عليه بالدلالة التضمنية والإلتزامية قوله تعالى [لِإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ] ( ) وتكون من مصاديق الأمن في السورة أعلاه وجوه :
الأول : لفظ اللام في [إِيلاَفِ] وهي لام الغاية لاتصالها بالسورة السابقة .
وتقدير الجمع بينهما : فجعلهم كعصف مأكول لايلاف قريش ) .
أي أن الله عز وجل انتقم من أصحاب الفيل ليكون البيت الحرام والبيت في مأمن من العدوان وتصير مقدمة لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وذكر أن ولادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانت في عام الفيل .
الثاني : فضل الله عز وجل بتهيئة مقدمات وأسباب تآلف قريش .
الثالث : بيان قانون من الإرادة التكوينية وهو أن تآلف قريش مقدمة لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وهل هو حجة عليهم في لزوم عدم تكذيبه أو الجحود برسالته ، الجواب نعم ، لبيان قانون وهو سبق النعم لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وتغشي هذه النعم أهل مكة عامة .
وهو من مصاديق دعاء إبراهيم كما في قوله تعالى [وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ] ( ) .
الرابع : ذكر قريش في السورة أعلاه بالاسم وتخصيص السورة كلها لهم وهذه السورة مكية ليتعظوا منها وفيها تذكير بفضل الله عليهم .
(قال عدي بن حاتم : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذكر عنده قريش بخير قط ، إلا سره حتى يتبين ذلك السرور للناس كلهم في وجهه ، وكان كثيراً ما يتلو هذه الآية وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ( ).
الخامس : تفسير اللام في لإيلاف من قريش على جهات :
الأولى : تعلق اللام بقوله[فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ] ( ) وأنه لأجل تآلف وبقاء مجتمع قريش إنتقم الله من أصحاب الفيل ، وصارت هزيمتهم نصرة لقريش وقوة ورفعة لهم بين القبائل .
الثانية : اللام متعلقة بما بعدها لإرادة التقرير والتثبيت له ، للفصل بين سورة الفيل وسورة قريش وبه قال ابن عباس .
الثالثة : من معاني اللام : ايلاف قريش لرحلتي الشتاء والصيف إذ كانوا يسافرون إلى الشام في طلب التجارة في الصيف , وفي الشتاء إلى اليمن ، وقدر خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الشام مع عمه أبي طالب في تجارة لقريش , ورآه بحيرا الراهب وعرف علامات النبوة التي عنده ، وقد تقدم بيانه في الأجزاء السابقة.
الرابعة : تعلق اللام بمضمر أي : أهلكنا أصحاب الفيل لإيلاف قريش .
والمختار المراد المعنى الأعم ، وجاءت السورتان في مصحف أبي بن كعب كسورة واحدة بلا فصل .
السادس : دلالة ايلافهم على استدامة الأمن , وعدم حصول الفرقة والخصومة والإقتتال بينهم ، وقد هابهم العرب بعد واقعة الفيل .
السابع : قيام رجال قريش بالضرب في الأرض للميرة والتجارة خاصة وأن القبائل العربية تفد إلى مكة للحج والعمرة ، ولم تذكر سورة قريش الجهة التي يسافرون إليها ، إنما ذكرت زمانها وتكرارها للدلالة على تجددها في كل عام وموسم.
الثامن : يدل قوله تعالى[رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ]( )، على الأمن والسلامة لقريش وقوافلهم وغلمانهم طيلة أيام السنة، وليس في الأشهر الحرم وحدها إذ يتفاوت أوان الأشهر الحرم فقد تأتي في الشتاء أو في الصيف أو بينهما.
وهذه نعمة عظمى ليكون هذا الأمن سبباً لنشر أنباء بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتناقل الركبان وعامة الناس لآيات القرآن، ومن الإعجاز في المقام أن السور المكية نزلت بلغة الإنذار والوعيد على الكفر والجحود والظلم منها قوله تعالى[أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمْ الْمَقَابِرَ * كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ]( ) .
ليكون من معاني الآية أعلاه توجيه اللوم لكفار قريش لإنشغالهم بجمع الأموال من غير أن يشكروا الله عز وجل بعبادته , وتصديق الحجج والبراهين التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , ويكون من معاني العلم في الآية أعلاه سوء عاقبتهم وإنشغالهم بتسخيرها في محاربة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لخوفهم الشيطان , هذا الخوف الذي لم يجلب لهم إلا الخزي والعار ليكون من معاني آية البحث وجوه:
الأول : ذلكم الشيطان يخوف أولياءه لتمتلأ نفوسهم بالفزع والرعب والحسرة.
الثاني : ذلكم الشيطان يخوف أولياءه ليحجب عن أبصارهم رؤية أسباب الهداية.
الثالث : ذلكم الشيطان يخوف أولياءه ليكونوا عاجزين عن إخافة المؤمنين ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ]( ) .
الرابع : ذلكم الشيطان يخوف أولياءه , وهو من العقوبة العاجلة لهم في الدنيا .
المسألة السادسة : لقد ذكرت آية البحث الشيطان والذين يوالونه , ولزوم عدم الخوف منهم ، ثم جاءت بعدها آية السياق لتخبر عن خصلة قبيحة للذين كفروا , وهي مسارعتهم في مسالك المعصية والجحود .
وهل للشيطان وولايته أثر وموضوعية في هذه المسارعة ، الجواب نعم .
لبيان قانون وهو أن ولاية الشيطان تبعث صاحبها على التخبط .
وهل هذه المحاربة من مصاديق قوله تعالى [فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ] ( ), أم لابد من تحقق القتل واقعاً , المختار هو الأول , إذ كان المشركون يهمُون ويسعون لقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , سواء قبل الهجرة بالغيلة والغدر والقضية الشخصية , أم بعد الهجرة بتجهيز الجيوش لحربه وإرادة قتله وأصحابه ولكن الله عز وجل صرف كيدهم , وكانت قريش تسمي النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم مذمماً .
فكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ( ألا تعجبون لما صرف الله عني من أذى قريش يسبون ويهجون مذمما وأنا محمد ) ( ), ولما نزلت[تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ] ( ), أقبلت أم جميل بنت حرب زوجة أبي لهب (وهي تقول : مُذَمَّماً عَصَيْنَا … وأَمْرَهُ أَبَيْنا) ( ).
وقد أكرم الله عز وجل النبي محمداً بتسميته (محمد) و (أحمد) ,
وفيه يقول حسان بن ثابت :
ألم تر أن الله أرسل عبده ببرهانه
والله أعلى وأمجد
قد شق له من اسمه ليجله
فذوا العيش محمود وهذا محمد
نبي أتانا بعد يأس وفترة من الدين
والأوثان في الأرض تعبد
فأرسله ضوءاً منيراً وهادياً
يلوح كما لاح الصقيل المهنّد ( ) .
تجعل ولاية الشيطان صاحبها يقيم في مستنقع الكفر ، ويبادر إلى فعل السيئات ، ومن المسارعة في الكفر المناجاة في محاربة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، كما حصل في مقدمات معركة بدر وإبتداء القتال فيها .
ولما بلغ قريشاً أن النبي محمداً وأصحابه يتعرضون لقافلتهم المؤلفة من ألف بعير ، تناجى رجال قريش بالقتال ، وعجّلوا في الخروج ، ومن لا يخرج يجب أن يبعث بديلاً عنه ، وأخذوا يعيرون الذي يمتنع عن الخروج ، وهل يعلمون أن من أسباب هذا الإمتناع أثر وبقاء دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في النفوس ورؤيتهم المعجزات وهو في مكة والآيات التي تبلغهم وهو في المدينة .
وفي طريقهم إلى معركة بدر وصلتهم رسالة من أبي سفيان يخبرهم فيها بأن القافلة سلمت وأبتعدت عن مواطن الإستيلاء عليها ، وصارت على مشارف مكة ، ثم دعاهم للرجوع لإنتفاء السبب والموضوع لخروجهم وتحملهم المشقة أو حدوث القتال ، ولكن عدداً من رؤساء قريش أصروا على المضي قدماً ، وقتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
وهل في قوله تعالى [لِإِيلاَفِ قُرَيْشٍ] ( ) إنذار لقريش بعدم قتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لوجوه منها : أن الله عز وجل صرف عنهم أبرهة وجيشه بعد ان فرّت قريش إلى رؤوس الجبال .
الجواب نعم بلحاظ أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم من أوسط بيوت قريش واكثرها رفعة ، وقد بعثه الله لتعاهد هذا الإيلاف ولتكون لقريش منزلة سامية بين أهل الأرض .
كان إلحاح أبي جهل وعقبة أبي معيط ونحوه على القتال يوم بدر من مصاديق قوله تعالى [يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ] ( ) وهل تختص المسارعة بهذا الإلحاح والإصرار ، الجواب لا ، فذات المناجاة بالخروج والقيام به ، والإصرار عليه من المسارعة في الكفر لتشمل كل الذين كفروا ، لذا حزن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليهم لإختيارهم الإقامة على الكفر ، ومحاربتهم له , وما ينتظرهم من العذاب ودخول النار .
المسألة السابعة : تبين آية السياق قانوناً وهو عجز الذين كفروا عن الإضرار بالمؤمنين ومنزلة الإيمان في الأرض أمس واليوم وغداً لقوله تعالى[لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ]( ) مما يدل بالدلالة التضمنية على لزوم عدم الخوف منهم، وهو من إعجاز نظم القرآن بأن تأتي آية تنهى المسلمين عن فعل ، ثم تأتي آية أخرى تكون عوناً ومدداً لهم للتقيد بهذا النهي ، ويكون تقدير آية البحث على وجوه :
الأول : فلا تخافوهم على دينكم .
الثاني : فلا تخافوهم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : فلا تخافوهم على التنزيل وآيات القرآن .
الرابع : فلا تخافوهم لأن لهم عذاباً أليماً .
الخامس : فلا تخافوهم لأنهم لا يضرون إلا أنفسهم .
السادس : فلا تخافوهم وإن سارعوا في الكفر , وتمادوا في الغي .
السابع : فلا تخافوهم وان بلغكم وعيدهم وتهديدهم .
الثامن : فلا تخافوهم إنما هم الذين يخافونكم ، ويدل على هذا الخوف إخبار آية البحث أنهم [لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ] ( ).
التاسع : فلا تخافوهم فليس للشيطان وأوليائه حظ ونصيب ، إنما ملك السموات والأرض لله وحده .
(عن أبي ذر ، عن رسول الله قال : يقول الله : يا ابن آدم ، كلكم مذنب إلا من عافيت . . فاستغفروني أغفر لكم . وكلكم فقراء إلا من أغنيت ، فسلوني أُعْطِكُم . وكلكم ضال إلا من هديت ، فسلوني الهدى أهدكم . ومن استغفرني وهو يعلم أني ذو قدرة على أن أغفر له ، غفرت له ولا أبالي .
ولو أن أوّلكم وآخركم وحيّكم وميتكم ورطبكم ويابسكم اجتمعوا على قلب أشقى واحد منكم ، ما نقص ذلك من سلطاني مثل جناح بعوضة . ولو أن أوّلكم وآخركم وحيكم وميتكم ورطبكم ويابسكم اجتمعوا على قلب أتقى واحد منكم ، ما زادوا في سلطاني مثل جناح بعوضة .
ولو أن أوّلكم وآخركم وحيكم وميتكم ورطبكم ويابسكم سألوني حتى تنتهي مسألة كل واحد منكم ، فأعطيتهم ما سألوني ما نقص ذلك مما عندي كغرز إبرة غمسها أحدكم في البحر ، وذلك أني جواد ماجد واجد عطائي كلام ، وعذابي كلام ، إنما أمري لشيء إذا أردته أن أقول له { كن فيكون } ) ( ).
المسألة الثامنة : من معاني الجمع بين آية البحث والآية التالية أن الشيطان وأولياءه وإن إجتمعوا فانهم لن يضروا المؤمنين مجتمعين ومتفرقين، وفيه وعد وحرز لأهل الإيمان إلى يوم القيامة ، وهل فيه شاهد على سلامة القرآن من التحريف , الجواب نعم ، من جهات :
الأولى : دلالة آية السياق على الوعد من عند الله عز وجل بعجز الذين كفروا من الإضرار بالتنزيل .
الثانية : من معاني الخوف من عند الله الحفاظ على سلامة التنزيل , وفيه الأجر والثواب , وفي مرسلة الحسن البصري (عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « قال الله تبارك وتعالى : وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين ولا أجمع له أمنين ، فمن خافني في الدنيا أمنته في الآخرة) ( ).
الثالثة : من خصائص الآية القرآنية عصمتها من الشيطان وأوليائه ، وهل يمكن القول بمعنى أن الآية القرآنية لا تخاف من الشيطان وأوليائه ، الجواب نعم , لتكون أسوة وإماماً للمسلمين والناس جميعاً بازدراء الشيطان وخطره .
الرابعة : دعوة الآية القرآنية المسلمين لتعاهدها وحفظها , وإتخاذها سلاحاً ووسيلة سماوية لدفع الشيطان وشروره .
الخامسة : لقد أنزل الله الآية القرآنية ليعمل بها المسلمون والناس عامة، فمن معاني قوله تعالى[لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ]( ), أي لا يقدرون على تعطيل العمل بالآية القرآنية .
المسألة التاسعة : لقد أخبرت آية البحث عن تخويف الشيطان لأوليائه لتتعقبها آية البحث بالإخبار عن إنعدام حظهم في الآخرة لبيان قانون وفق القياس الإقتراني وهو :
الكبرى : إنعدام حظ أولياء الشيطان في الآخرة .
الصغرى : الكفار أولياء الشيطان .
النتيجة : إنعدام حظ الكفار في الآخرة .
فليس من نصيب وحظ وانتفاع للكفار في كل من :
الأول : عالم البرزخ .
الثاني : عالم الحساب .
الثالث : عالم الجزاء .
لبيان الضرر الذي يلحق الذين يحاكون الشيطان في جحوده ، ليكون من خصائص آية السياق التذكير بعالم الآخرة ، ودعوة الذين كفروا للتوبة والإنابة ، وحث أهليهم وذراريهم بعدم إتباعهم في سوء فعلهم .
لقد أكرم الله عز وجل الإنسان بالعقل , ومن خصائصه التمييز بين الحق والباطل ، ومنها معرفة حقيقة البعث والحساب وإدراك قانون من الإرادة التكوينية , وهو أن الدنيا مزرعة للآخرة ، وقد قامت الحجة على الإنسان بما رزقه الله من العقل , وما أنزل من الكتب السماوية ، وتفضله ببعث الأنبياء بأمور :
الأول : وجوب عبادة الله ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] ( ).
الثاني : الإحتراز من الشيطان وعدم اتباعه .
الثالث : عدم الخوف أو الخشية من الذين كفروا .
الرابع : المسارعة في فعل الصالحات ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
ومن معاني قوله تعالى [يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ] ( ) لبيان أن حظ الذين كفروا في الدنيا وبال عليهم في الآخرة ، وقد يحرم الذين كفروا من ذات الحظ حتى في الدنيا ، أو يقطع فجأة أو على نحو التدريج , فقد آتى الله عز وجل فرعون الملك والسلطان ، ولكنه أدّعى الربوبية في مصر والسودان وما حولها ، وقال [أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى] ( ) .
فبعث الله عز وجل له موسى عليه السلام رسولاً يدعوه بالحكمة والموعظة ، ولكنه أبى إلا الجحود ، ثم جاء موسى بالمعجزة المتعددة ، ولم يتخذ السيف ولم يحرض بني اسرائيل على قتال فرعون مع كثرة عددهم ، وقيل كان عددهم ستمائة ألف إلى جانب عوائلهم ، ولا يخلو هذا العدد من المبالغة خصوصاً وان الذين دخلوا مصر منهم سبعون رجلاً وان تعاقبت عليهم بضعة أجيال ، وكانوا في أكثر أيامهم في مصر في حال استضعاف من آل فرعون ، وهو من أسباب تعجيل العذاب لفرعون .
وقد هرب موسى بقومه من فرعون كما اختار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الهجرة إلى مكة هو وأهل بيته وأصحابه ، ولم يشهر سيفاً ولم يقاتل ، وكان يتحمل الأذى في مكة ، ويمر على بعض المسلمين الأوائل وهم يعذبون ، فيحثهم على الصبر ، ومن كلامه المتوارث بين أجيال المسلمين (صَبْرًا آلَ يَاسِرٍ مَوْعِدُكُمْ الْجَنّة) ( ).
إذ كان بنو مخزوم من قريش يخرجون عمار بن ياسر وأباه وأمه إلى رمضاء مكة عندما تشتد الظهيرة ، فيأتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليمر عليهم ويدعوهم إلى الصبر الذي يدل بالدلالة التضمنية على حثهم على التمسك بالإسلام وعدم الإرتداد .
ولو خيّر الإنسان بين الخوف من الشيطان وبين الأجر والحظ في الآخرة فانه يختار الثاني ، لذا فان كلاً من آية البحث والسياق بلغة للفوز بالثواب والإمتناع عن ولاية الشيطان .
المسألة العاشرة : تصاحب إتباع خطوات الشيطان والخوف منه الغفلة والجهالة ، ولكن الله عز وجل رؤوف بالناس كافة ، وفي التنزيل [أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ] ( ) .
إذ تبين الآية أعلاه تغشي رأفة الله للناس جميعاً المسلم والكتابي والكافر , والبر والفاجر , ولا تستطيع الخلائق وإن اجتمعت حجب رحنة ورأفة الله عز وجل عن أي فرد من الناس , وهذه النعمة على الإنسان من وجوه :
الأول : نفخ الله عز وجل من روحه في آدم عليه السلام .
الثاني : تفضل الله بجعل الإنسان [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( ) .
ومن خصائص الملائكة أنهم ينزلون إلى الأرض بأمر من عند الله ، كما في نزولهم لنصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين والأنصار في معركة بدر وأحد والخندق , وهناك مسائل :
الأولى : هل يكون الملائكة في الأرض ضمن خلافة الإنسان فيها .
الثانية : هل تدل المسألة أعلاه على فرض ثبوتها بأن الأنبياء أفضل من الملائكة .
الثالثة : هل شمول خلافة الإنسان في الأرض للملائكة عند نزولهم لها ، من مصاديق سجودهم له في الجنة ، الجواب لا دليل على خضوع الملائكة لخلافة الإنسان في الأرض ، وجاءت آيات القرآن بتسخير ما في الأرض للإنسان فضلاً من عند الله عز وجل ، أما الملائكة فان أمرهم بيد الله ، قال تعالى [وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ] ( ) .
وهل تختص آية البحث بتحذير المسلمين من الغفلة والخوف من الذين كفروا ، الجواب لا ، إنما هي أعم في نفعها , وفيها إنذار وتحذير للناس جميعاً ، وهو من أسرار تلاوة المسلمين القرآن في الصلاة على نحو الوجوب العيني ، لتكون هذه التلاوة تجديداً يومياً للإنذار ، ودعوة للناس للتنزه عن مفاهيم الكفر والضلالة .
وهل يحتاج هذا التنزه الصبر ، الجواب نعم ، لذا فان آية البحث مدرسة في الصبر ودعوة له وتنمية لملكته .
وقيل : طرد الغفلة ذكر , فإذا ارتفعت الغفلة فأنت ذاكر وان سكتّ) وهذا القول ليس بتام فلابد من الذكر , وكما تؤكد آية البحث على التفاني والتضاد بين الخوف من الله عز وجل , والخوف من الشيطان فإنها تنفي الوسط والبرزخ بينهما , وكذا فإنه ليس من برزخ ووسط بين ذكر الله عز وجل وبين الغفلة , ولا يرتقي السكوت إلى مرتبة البرزخ بينهما , ويدل عليه قوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( ) , فلا تكون العبادة بالسكوت المباين للذكر .
ومن خصائص الخوف من الله عز وجل أنه مانع من دبيب الغفلة إلى النفوس , وزاجر عن السكوت , وتقدير آية البحث , وخافون فاذكروني , وفي التنزيل [فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ] ( ), ولا يصح الشكر بالسكوت المجرد .
ولم تقل آية البحث : فلا تخافوهم وتقف عند هذا النهي إنما جاءت بالأمر ووجوب الخوف من الله عز وجل , وهذا الوجوب شاهد على أن الله عز وجل يحب المسلمين , ومن حبه لهم أمرهم بالخوف منه , ليكون هذا الخوف سبباً لحبه لهم وتثبيت أقدامهم في مقامات الإيمان , والزيادة في رزقهم .
(عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن المقة من الله ، والصيت من السماء ، فإذا أحب الله عبداً قال لجبريل : إني أحب فلاناً ، فينادي جبريل : إن ربكم يحب فلاناً فأحبوه ، فتنزل له المحبة في الأرض ، وإذا أبغض عبداً قال لجبريل : إني أبغض فلاناً ، فأبغضه ، فينادي جبريل : إن ربكم يبغض فلاناً فابغضوه ، فيجري له البغض في الأرض) ( ) .
الثالث : من معاني ومصاديق الأمر والنهي في القرآن الغايات الحميدة في إصلاح الناس للهدى وإتيان سنن التقوى .
وجاءت آية البحث بالنهي عن الخوف من الذين كفروا , ولزوم الخوف من عند الله ، لبيان عدم إجتماعهما في قلب المسلم ، وأن الله عز وجل إختار للمسلمين ما يحب ويرضى وهو الخوف منه تعالى، فحينما قال الله [خَافُونِي]فلا تعلم الخلائق المنافع في الدنيا , والأجر في الآخرة لخوف الإنسان من عند الله .
وهل هذا الخوف مما تتقوم به خلافة الإنسان في الأرض ، الجواب نعم، فلابد للخليفة أن يخشى ويخاف من الله الذي نصّبه وعينّه واختاره لهذه المنزلة ، وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً] ( ), ليعين الله عز وجل المؤمنين على حفظ الأمانة بالخوف منه سبحانه.
ومن معاني الخوف أنه حالة نفسانية تتغشى الإنسان من أمر يخشى وقوعه مما يدل بالدلالة التضمنية على استحضاره لذكر الذي يخاف منه وموضوع الخوف .
لتكون كل آية قرآنية من رأفة الله ، وشاهداً على رحمته بالناس وتقريبهم من منازل الطاعة ، بلطف من لدنه ، وإبعادهم عن منازل الضلالة والجحود ، ومنه آية البحث والسياق ِإذ تتضمن كل منهما طرد الغفلة والتغافل عن الناس من وجوه :
الأول : ذكر آية البحث الشيطان والتحذير منه ، فان قيل لا يدل الذكر المطلق على التحذير ، والجواب لقد ذكرته آية البحث بصيغة البعد والطرد.
الثاني : بيان إضرار الشيطان بأوليائه لزجر الناس عن هذه الولاية، وعن التعاون والمناجاة في السيئات .
الثالث : ليس للشيطان وأوليائه نصيب في الآخرة .
الرابع : بيان قانون وهو الخوف من الشيطان في الدنيا ندامة في الآخرة .
الوجه الثاني : صلة آية البحث بقوله تعالى [وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ] ( ) وفيه مسائل :
المسألة الأولى : لقد إبتدأت آية البحث بذم الذين كفروا لإصرارهم على ذات الكفر والجحود الذي إتصف به إبليس ، وابتداء من يوم امتناعه عن السجود لآدم في الجنة ، مع أن هذا السجود يتصف بأمور :
الأول : إنه طاعة لله عز وجل ، وفي التنزيل [وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ*إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ] ( ).
(روى عكرمة عن ابن عبّاس قال : لما خلق الله الملائكة قال : إني خالق بشراً من طين فإذا أنا خلقته فأسجدوا له،
قالوا : لا نفعل. فأرسل عليهم ناراً فأحرقهم. ثمّ خلق ملائكة فقال : إني خالق بشراً من طين فإذا أنا خلقته فأسجدوا له،
فأبوا .
فأرسل الله عليهم ناراً فأحرقهم. ثمّ خلق ملائكة فقال : إني خالق بشراً من طين فإذا أنا خلقته فأسجدوا له،
قالوا : سمعنا وأطعنا إلاّ إبليس كان من الكافرين.) ( ).
ولا دليل على معصية وحرق طوائف من الملائكة وعلى نحو متكرر ، وتدل الآية أعلاه وآيات القرآن الأخرى على إستجابة الملائكة لله عز وجل من غير تردد أو إبطاء .
الثاني : إنه سجود خضوع وإكرام .
ولا يتعارض الخضوع للأنبياء مع طاعة الله عز وجل ، وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام : أن الملائكة وضعوا جباههم على الأرض مكرمة من الله تعالى لآدم لقوله تعالى [فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ] ( ) .
الثالث : كان سجود الملائكة لله عز وجل , وكان آدم قبلة لهم، وهو الذي قال به جماعة منهم الجبائي والبلخي .
وابتدأت آية البحث بالخطاب والنهي إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم (وَلاَ يَحْزُنْكَ) بما يفيد ذم الذين كفروا ليكون ذمهم في آية البحث والسياق مواساة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتكرمة له .
لقد سجد الملائكة لآدم وعصى إبليس ربه , وامتنع عن السجود ، فقد أنعم الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتلقي طائفة من أهل بيته وأهل مكة والمدينة رسالته بالقبول والتصديق ودخول الإسلام وتحمل الأذى الشديد في جنب الله من غير أن يحرضهم على القتال .
ومن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه لم يكن يتوعد المشركين , ويشير إلى معارك لاحقة عند إزدياد قوة المسلمين .
ولم يقل بأنه متى ما كثر المسلمون واشتد عودهم ، وقويت شوكتهم قاتلنا المشركين ، بل كان يظهر الحلم والأناة والصبر ، وكان يلجأ إلى الدعاء ويتبادر إلى الذهن أن النبي محمداً يفرض بعد فتح مكة الإسلام على الوفود التي تأتيه ، ولكنه لم يكره أحداً على الإسلام ، وسميت السنة التاسعة للهجرة سنة الوفود كما سيأتي في الجزء التالي إن شاء الله .
ومنه وفود مسيلمة الكذاب مع ستة عشر رجلاً من بني حنيفة وأراد أن يكون له الأمر بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي زجره ، وذات الأمر أراده عامر بن الطفيل ولم يقتله النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أنه هو الذي غدر بالصحابة في بئر معونة .
لقد كانت معاني الرحمة تتجلى في سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل الهجرة وبعدها ، وقبل فتح مكة وبعده , وهو من مصاديق قوله تعالى [وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ] ( ) .
ليدخل الناس الإسلام بالمعجزة والبرهان ، ولقد كانت آيات القرآن تنزل عليه بمحضر من هذه الوفود فيرون كيفية نزول الوحي ، وتبدل حال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتصببه عرقاً في اليوم الشديد البرودة ، فاذا انفصل عنه الوحي تلا آيات القرآن التي نزلت عليه والتي تبهر العقول في ألفاظها ومعانيها ودلالاتها .
فتأتي هذه الوفود رسلاً من عند قومهم فأنهم يرجعون إليهم رسلاً من عند النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , بعد أداء الصلاة جماعة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم , وإتقانهم كيفيتها وأدائها بشوق ورغبة ، وفيه حرب على الشيطان وأعوانه , ودعوة للناس في قراهم ومدنهم بأن لا يخشوا الذين كفروا ممن أصر على البقاء على الشرك ، فحينما يعود الوفد بآية البحث فانها رسالة سماوية تكون حاضرة في المنتديات ، وقريبة من الأذهان تدعو الناس إلى الإيمان , وتحثهم على عدم طاعة رؤساء الكفر ، وتأمرهم بالخشية والخوف من الله الذي يتجلى بالإيمان .
وإبتدأت آية السياق بالتخويف والوعيد للذين كفروا ، فان قيل نزل القرآن للمسلمين ، فلماذا يأتي الوعيد للذين كفروا بقوله تعالى [وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ] ( ) .
والجواب من وجوه :
الأول : لا يختص نزول القرآن بالمسلمين إنما يشمل الناس جميعاً ، وهو من قوانين بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفضل الله عز وجل .
الثاني : كل آية من القرآن رحمة وموعظة للناس جميعاً .
الثالث : إتعاظ المسلمين من التخويف والوعيد الذي يتوجه إلى الكفار .
الرابع : تخويف القرآن للذين كفروا سلاح بيد المسلمين في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
الخامس : دعوة المسلمين للشكر لله عز وجل لنجاتهم من الوعيد القرآني الموجه للذين كفروا .
السادس : حب المسلمين للإيمان ومقاماته , قال تعالى[وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ]( ).
السابع : إرادة إمتناع المسلمين عن الإرتداد .
المسألة الثانية : لم تذكر آية البحث لفظ (الكفر) (والذين كفروا ) انما ذكرتهم بعنوان ولايتهم للشيطان ترى ما هي النسبة بينهما ، الجواب هو العموم والخصوص المطلق ، إذ أن الولاية للشيطان باعث على الكفر وفعل السيئات وارتكاب المعاصي ، ليكون من معاني إحتجاج الملائكة [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ] ( ) سؤال الملائكة لله عز وجل منع الشيطان من إغواء الناس ، وحجبهم عن اتخاذه ولياً ومتبوعاً في معصيته لله عز وجل وإمتناعه عن السجود لآدم حسداً واستكباراً .
ومن الناس من يوجه نوع لوم إلى آدم وحواء لأكلهما من الشجرة التي نهاهما الله عنها ، وصيرورة هذا الأكل سبباً لهبوطهما إلى الأرض ، وتحمل الناس الكد والتعب فيها ، ولكن إبليس الذي عاش مع الملائكة وصلى ركعتين بستة آلاف سنة زهز في الجنة أبى طاعة الله في فعل متحد تلقى الأمر به من عند الله في حينه ، إذ توجه له الخطاب من عند الله بالسجود لآدم , وسجد الملائكة ليكونوا أسوة حسنة له ، وليس من أحد يوسوس له ويحرضه على عدم السجود والإمتناع عنه .
بينما أكل آدم وحواء من الشجرة بعد حين من النهي وبتحريض وترغيب زائف من إبليس ، لذا تفضل الله عز وجل , ونسب الخطيئة في هذا الأكل وخروج آدم وحواء من الجنة إلى إبليس ، وأنه السبب المؤثر فيه ، قال تعالى [فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ] ( ).
وهل يصح تقدير الجمع بين الآيتين : ولا يحسبن أولياء الشيطان أنِما نملي لهم خير لأنفسهم ، الجواب نعم ، فان اختيار ولاية الشيطان عداوة لله ورسوله والمؤمنين ، ولابد أن يقهر ويخزي الله عز وجل هؤلاء الكفار وان كانت القوة والمال بأيديهم ، لذا نزلت سورة قريش لبيان امتلاك كفار قريش لأمور :
الأول : الأموال .
الثاني : الكسب والتجارة .
الثالث : الصلات مع الدول العظمى آنذاك كالدولة الرومانية , والدولة الفارسية .
الرابع : الجاه عند القبائل عامة والمدن والقرى التي تمر عليها قوافل قريش .
فقد كان مع قافلة أبي سفيان التي هي سبب إندلاع ونشوب معركة بدر ثلاثون رجلاً مع أنها تتألف من ألف بعير , وهذا العدد والبضائع التي تحملها العير يغري القبائل وأفرادها باعتراضها وسلبها ونهبها ، خاصة مع كثرة رجال القبائل الذي يدل عليه جمع قريش لثلاثة آلاف في معركة أحد ثم عشرة آلاف في غزوة الخندق ، أي غزو المشركين للمدينة ، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الغازي لهم .
فقد كان وأصحابه في حال دفاع محض , وفي ذم المنافقين من الله قال تعالى [وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَتَّبَعْنَاكُمْ] ( ).
وهل لتخويف الشيطان لأوليائه موضوعية في زحف جيوش المشركين في معركة بدر وأحد والخندق وحنين ، الجواب نعم ، لذا نزلت آية البحث كحاجة للمسلمين والناس جميعاً ، لزجر أولياء الشيطان عن الإجهاز على النبوة والتنزيل وإرجاع كيدهم إلى نحورهم .
وأخبرت آية البحث عن قانون وهو أن المشركين يغزون المدينة ويعتدون على الحرمات وهم في حال خوف وفزع في الجملة ، لأن الشيطان أخافهم فأخرجهم ، وهو مصاحب لهم بتخويفه لهم .
وفيه شاهد على عدم التكافؤ بين جيش المسلمين وجيش الذين كفروا ، إذ يدخل المسلمون المعركة بالإيمان وحسن التوكل على الله ، وفي التنزيل[قُلْ هَلْ تَتَربَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمْ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ] ( ).
بينما يدخل الذين كفروا المعركة بالخوف من الشيطان الذي يكون أثره كالوهم والسراب .
وهل كثرة الجنود والأعوان مع رؤساء الشرك في معارك الإسلام الأولى من مصاديق [أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ] ( ) الجواب نعم .
ليتبين مصداق من إزدياد الإثم للمشركين ، فمع كثرة جنودهم وكونهم أضعاف عدد المسلمين في معركة بدر وأحد والخندق ، فقد رجع المشركون منها بالخيبة والخسران .
المسألة الثالثة : تكرر لفظ [أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ] ( ) مرتين في آية السياق ولم يرد لفظ [نُمْلِي لَهُمْ] في القرآن إلا في هذه الآية لتكون وعيداً لأولياء الشيطان ، ومناسبة لتفقه المسلمين في أمور الدنيا وأحوال الناس فيها وهو بشارة لهم ورجاء أن يملي الله عز وجل للمسلمين بما يقربهم من منازل التقوى والصلاح ويجعلهم يسخّرون ما رزقهم الله في تعظيم شعائر الله ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
ومن معاني الجمع بين الآيتين إنتفاء الغبطة والسعادة عند المشركين فيما ينالون من خير ونعم الدنيا لأن الشيطان يخوفهم من جهات :
الأولى : التخويف من ضياع هذه النعم .
الثانية : التخويف من مجئ الأذى والضرر بسبب هذه النعم .
الثالثة : التخويف من عامة الناس بخصوص النعمة , وبث روح الشك فيهم , حتى في الأقربين .
الرابعة : الوسوسة بالبخل والتقتير .
الخامسة : الإمتناع عن إعانة الغير خشية فقدان النعم .
وتبين آية البحث ولاية الذين كفروا للشيطان ، فلم يتركهم الله وشأنهم، إذ جعل سبحانه الحياة الدنيا داراً لعبادته وطاعته لقوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( ) لتكون وسوسة إبليس وهو من الجن بالقبيح والمنكر وولاية طائفة من الناس له مخالفة ومعصية لعلة الخلق ، فتفضل الله عز وجل بآية السياق وبيّن قانوناً وهو أن إمهال أولياء الشيطان ، والإغداق عليهم بالنعم حجة عليهم ، ومناسبة لزيادة آثامهم واستحقاقهم العذاب الأليم .
فلا يصح أن يقال ليزدادوا اثماً ليغفر لهم ، نعم من يتوب منهم توبة نصوحاً فان الله عز وجل هو الغفور الرحيم ، قال تعالى [قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ] ( ) .
وهل يمكن تسمية الحياة الدنيا (دار الإملاء) الجواب نعم ، وهو من أسرار خلافة الإنسان في الأرض ، فحينما جعل الله عز وجل الإنسان [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ) فانه أكرم من أن يتركه بلا إملاء ومدد إنما توالت وتتوالى عليه النعم والتي ينتفع منها الميت والحي والذي لم يولد بعد ، وهذا التعدد والعموم من مصاديق قوله تعالى [وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا] ( ) .
ليكون من معاني الجمع بين آية البحث والسياق حث الناس جميعاً على عدم الخشية والخوف من الشيطان بخصوص النعم النازلة إليهم ، ومنها نعمة بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وآيات القرآن ودعوة الناس للإسلام , وأيهما أشد :
الأول : تخويف الشيطان للكفار من ضياع النعم .
الثاني : تخويف الشيطان من نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الجواب هو الثاني لأن التصديق بالنبوة حفظ وتعاهد للنعم ، لذا جاءت آية البحث لترغيب الناس بالإيمان , وتحبيبه إلى قلوبهم بلحاظ كبرى كلية من جهتين :
الأولى : العصمة من الخوف من الشيطان من مصاديق الإيمان لما فيه من طاعة الله عز وجل ،والإمتناع عن ولايته ومجاهدته فهو عدو الأنبياء والناس جميعاً ، قال تعالى [إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ] ( ).
الثانية : الخوف من الله إيمان ورشحة من رشحات الإيمان ، ودعوة للصبر وحرز مما ينسج الذين كفروا من المكائد .
ومن الإعجاز في الجمع بين الآيتين عجز الشيطان عن إتخاذ ما يمليه الله عز وجل للناس ويمدهم بهم سبيلاً وسلاحاً لشره وغوائله ، لحصر الغايات من الإملاء للذين كفروا بقوله تعالى [إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا]( ).
وتدل الآية في مفهومها على أن الله عز وجل حجب عن الشيطان إتخاذ النعم التي أنعم بها على الناس وسيلة وجنداً له ، قال تعالى [إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً] ( ) ليتقيد هذا الإطلاق ، ويتبين معنى العبودية المذكورة في الآية أعلاه بقوله تعالى [إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ] ( ).
ومن الإعجاز القرآني أن كل آية منه تسد على الشيطان باباً , وتغلق عنه منفذاً يريد السعي بواسطته للوصول إلى الناس وجوارحهم .
ورزق الله المسلمين الإستعاذة وحببها إلى قلوبهم ، قال تعالى [وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ] ( ) .
(عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ يَا أَبَا ذَرٍّ هَلْ صَلَّيْتَ قُلْتُ لَا ، قَالَ قُمْ فَصَلِّ ، قَالَ فَقُمْتُ فَصَلَّيْتُ ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ .
فَقَالَ لِي يَا أَبَا ذَرٍّ اسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ.
قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهَلْ لِلْإِنْسِ مِنْ شَيَاطِين.
َ قَالَ نَعَمْ يَا أَبَا ذَرٍّ أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ.
قُلْتُ بَلَى بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي قَالَ قُلْ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ فَإِنَّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ.
قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا الصَّلَاةُ قَالَ خَيْرٌ مَوْضُوعٌ فَمَنْ شَاءَ أَكْثَرَ وَمَنْ شَاءَ أَقَلَّ.
َ قُلْتُ فَمَا الصِّيَامُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَرْضٌ مُجْزِئٌ .
قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا الصَّدَقَةُ قَالَ أَضْعَافٌ مُضَاعَفَةٌ وَعِنْدَ اللَّهِ مَزِيدٌ.
قُلْتُ أَيُّهَا أَفْضَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ جُهْدٌ مِنْ مُقِلٍّ أَوْ سِرٌّ إِلَى فَقِيرٍ قُلْتُ فَأَيُّ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكَ أَعْظَمُ.
قَالَ{ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ }
حَتَّى خَتَمَ الْآيَةَ قُلْتُ فَأَيُّ الْأَنْبِيَاءِ كَانَ أَوَّلَ قَالَ آدَمُ قُلْتُ أَوَنَبِيٌّ كَانَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ نَبِيٌّ مُكَلَّمٌ .
قُلْتُ فَكَمْ الْمُرْسَلُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ ثَلَاثُ مِائَةٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ جَمًّا غَفِيرًا ) ( ).
ومن معاني الإستعاذة الإلتجاء إلى الله والإعتصام به وسؤال الإمتناع به من شرور الشيطان .
المسألة الرابعة : لقد إختار الذين كفروا ولاية الشيطان ، ولم يعلموا أنها سبب للإثم لكونها معصية ، وتترشح عنها المعاصي ، سواء بالإنقياد للشيطان أو اتباع خطواته أو محاكاته في المعصية والخوف منه ، وإبتدأت آية البحث بنعتهم بالكفر والجحود ، وهل ولاية الشيطان من الكفر ، أم أن القدر منه الجحود بالربوبية والنبوة .
الجواب هو الأول إذ أمر الله عز وجل الناس بالإيمان والإقرار بالعبودية المطلقة له ، ومعاداة الشيطان ، وعدم إتخاذه متبوعاً وولياً فاتخاذه ولياً كفر وضلالة ، وبخصوص يوم القيامة وعالم الحساب فيه , قال تعالى[إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوْا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمْ الأَسْبَابُ]( ).
والأصل في النعم أنها تأتي لإعانة الناس مجتمعين ومتفرقين في أمور دينهم ودنياهم ، ولكن الذين يتخذون الشيطان ولياً يحجبون عن أنفسهم الإنتفاع الأمثل من هذه النعم .
ومن رحمة الله عز وجل بهم وبالناس عدم إنقطاع هذه النعم بما فيها طول العمر وزيادة الرزق حتى عن الذين كفروا لكنها تكون وبالاً عليهم في الدنيا والآخرة ، وقد جاء الجاه وتدفقت الأموال على كفار قريش ببركة البيت الحرام ، وإكرام الناس لهم لأنهم من ذرية ابراهيم ومجاوروا البيت الحرام ، ولأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم سيبعث من بين ظهرانيهم ، حتى إذا ما بعثه الله رسولاً اجتهدوا في محاربته لإتخاذهم الشيطان ولياً ، بتخويفهم وفتنتهم مع دخول كل فرد إلى الإسلام ذكراً أو أنثى .
والولي هو الذي صار بينه وبين الذي والاه نوع عهد وعقد للمتابعة أو الموادعة أو النصرة ، وليس بين إبليس والذين كفروا عقد وعهد إنما اقتفوا آثاره في اتباع الشهوات .
وتضمنت آية السياق التبكيت والوعيد على ولاية الشيطان واتباعه في المعصية ، فلا يجلب هذا الإتباع لصاحبه إلا الضرر والخزي في النشأتين .
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار الإملاء والإمهال فيغرق الناس في فضل الله ، ويتنعمون بالخير ، ليكون دعوة لهم لعبادة الله ، ولكن الذين يتبعون الهوى ، وينقطعون إلى زينة الدنيا يرتكبون المعاصي ، وقد لا تغادرهم النعم إنما تكون حجة عليهم .
ليكون من معاني الجمع بين الآيتين لزوم استحضار ذكر الله عز وجل والعمل بطاعته في حال السراء والضراء ، وهذا العمل مناسبة لإستدامة النعم ، وبلغة لجلب الكثير منها بفضل من عند الله .
المسألة الخامسة : لقد جاءت آية البحث بالخطاب للمسلمين والمسلمات مع البيان الخالي من الترديد واللبس لتكون سبيلاً للهداية ، ومن مصاديق قوله تعالى [هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ] ( ) إذ تدعو الآية المسلمين إلى وجوب الخشية والخوف من عند الله ، وما يترشح عن هذا الخوف من وجوب طاعته تعالى وطاعة رسوله ، وذكرت المسلمين بصفة الإيمان بينما أختتمت آية السياق بالوعيد للذين كفروا بما لهم من عذاب مهين .
ولم تذكر آية السياق أوان وزمان عذابهم إلا أن المستقرأ من آيات القرآن الأخرى هو عالم الآخرة .
وهو لا يمنع من العذاب في الدنيا للذين حاربوا النبوة والتنزيل ، وجهزوا الجيوش العظيمة لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حتى قتلوا في الميدان أو ماتوا على فراشهم وهم مصرون على قتاله ، وهو يدعو الناس إلى التوحيد بالحكمة والموعظة الحسنة .
ولم يمكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالذين يحاربونه من كفار مكة ونحوهم بل تركهم وشأنهم ، وتوجه إلى عبادة الله واحياء صلاة الجماعة ، وتفقه المسلمين في الدين وتعليمهم أحكام الحلال والحرام ، ولكن الذين كفروا لم يتركوه والمسلمين وشأنهم ، لذا جاءت آية البحث بلزوم عدم الخوف من الشيطان والذين كفروا , وتضمنت الوعيد لهم مجتمعين ومتفرقين بالعذاب الإليم .
وفي قوله تعالى [وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمْ اللَّهُ] ( ) يوم بدر إذ قتلوا رؤساء الكفر بالسيف وأسر سبعون منهم ، وحتى الكفار الذين بقوا في مكة فقد جاءهم العذاب بتلقي أنباء هزيمة المشركين ، وقتل طائفة من كبارهم ، إذ أن العذاب المهين الذي تذكره آية السياق من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً ، والضابطة فيه الأذى الشديد الذي يتضمن معنى الإهانة ، وهو مؤقت في الحياة الدنيا ، ولكن عذاب الكفار في الآخرة دائم ومستديم .
الوجه الثالث : صلة آية البحث بقوله تعالى [مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ] ( ) وفيه مسائل :
المسألة الأولى : جاءت كل من آية البحث والسياق بصيغة الخطاب الموجه إلى المسلمين ، فلما أمرت آية البحث المسلمين بالخوف من الله ونهتهم وحذرتهم من الخوف من الشيطان وجيوش الذين كفروا ، تضمنت آية السياق التخفيف عنهم ، وتهيئة مقدمات الخوف والخشية من الله وتضمنت الدلالة على لزوم الإمتناع عن الخوف من الذين كفروا ، بأن تكون هناك أمارات وعلامات للتمييز والفصل بين المؤمنين من جهة والكافرين والمنافقين من جهة أخرى .
وفي سبب نزول آية السياق قيل أن قريشاً قالوا : يا محمد تزعم أن من خالفك فهو في النار ، وأن من اتبعك من أهل الجنة فاخبرنا من يؤمن بك ومن لا يؤمن بك فأنزل الله الآية .
ومن معاني الجمع بين الآيتين بيان أثر الخوف من الله عز وجل على النفس وعالم الفعل وهو صيرورة الذي يخاف الله عز وجل من الطيبين ، ويكون مكرماً بين الناس بايمانه وتكرمه الملائكة حتى في ساعة الوفاء ، قال تعالى [الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلاَئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ] ( ) وبينما ذكرت آية البحث الخوف من الله فان آية السياق ذكرت الإيمان بالله ووجوبه ، وبينهما عموم وخصوص مطلق ، فالخوف من الله فرع الإيمان به ، وطريق إليه وشاهد عليه .
وتبين كل من آية البحث والسياق أن الدنيا دار امتحان واختبار ، وأن هذا الإمتحان رحمة بالمسلمين ، فيقوم الذين كفروا بالإغارة والهجوم على المدينة وهم ينوون البطش والقتل والنهب والسلب ، فيبادر المؤمنون للدفاع تحت لواء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , أما المنافقون فانهم يقصرون عن الدفاع .
المسألة الثانية : لقد ذكرت آية السياق صنفين من الناس بينهما تباين وتضاد وهما :
الأول : الذين يتصفون بالطيبة والصلاح ، وهم المؤمنون.
الثاني : الذين يتصفون بالخبث والمكر , وهم الكفار أولياء الشيطان .
وجاءت آية البحث بالبيان وتعيين الطيبين وهم الذين يخافون الله ، أما الخبيثون فهم الذين إتخذوا الشيطان ولياً ، ولأنهم انقادوا إليه ، صار يخّوفهم ويمنيهم ، فجاءت آية السياق لتكون مصداقاً يومياً متجدداً لتبكيتهم وتوبيخهم ، وهل فيه موعظة ، الجواب نعم ، من جهات :
الأولى :في تبكيت الذين كفروا موعظة للمسلمين ،ودعوة لهم للشكر لله على نعمة الإيمان وإدراك قانون وهو لزوم الثبات في منازل الهدى .
الثانية : فيه موعظة للذين كفروا لإرادة زجرهم عن محاربة الإسلام ، وبيان لقانون وهو قبح هذه المحاربة وتعقبها بالخسارة .
الثالثة : الموعظة للناس جميعاً ، ومعرفة التمايز والتباين بين أهل الإيمان وأهل الكفر ، ومن منافعه تحبيب الإيمان إلى نفوسهم ومنعهم من الخوف والخشية من الذين كفروا .
لقد أراد الله عز وجل لآية البحث أن تكون مانعاً من إنصات الناس للذين كفروا ، وتتضمن الإخبار بأنهم يخافون من الوهم والباطل فلا يجلبون لأنفسهم إلا الضرر والخزي .
ومن إعجاز آية السياق أنها عون ومدد للمسلمين للعمل بمضامين آية البحث بتثبيت أقدامهم في منازل الخوف من الله ، لأنه طاعة لله تعالى ، فقوله تعالى [وَخَافُونِي]أمر مولوي يلزم الوجوب ، وهل آية السياق مدد للناس عامة للعمل بمضامين آية البحث ، الجواب نعم من جهات :
الأولى : دعوة الناس للتدبر في معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : إحاطة الناس علماً بقانون وهو ثناء الله عز وجل على المسلمين.
الثالثة : الجزاء العاجل من عند الله على الإيمان بنعت المؤمنين بالطيبة والحسن الذاتي والعرضي ، والعقاب العاجل على الكفر والجحود بوصف الكافرين بالخبث .
إذ ورد لفظ (الطيب ) و(الخبيث ) كاسم جنس .
وجاءت آية السياق بصيغة الفعل المضارع [حَتَّى يَمِيزَ] ( ) لبيان تجدد الإمتحان وأسباب الفصل والتمييز بين المؤمنين وغيرهم في حال السلم والحرب .
ومن الإعجاز في المقام أن هذا التمييز يتجدد خمس مرات في اليوم عند إقامة الصلاة ، وفي ذم المنافقين ، قال تعالى [وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاَةِ قَامُوا كُسَالَى] ( ) .
أما الذين كفروا فقد فضحهم خوفهم من الشيطان برفعهم السيوف لقتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يناديهم في ميدان المعركة (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا).
المسـألة الثالثة : لقد أخبرت آية البحث عن حال نفسانية تتعلق بخوف المؤمنين من الله ، وفيه خير الدنيا والآخرة ، وإخافة الشيطان للذين كفروا خيبة في النشأتين .
وجاءت آية السياق بما يبين الأضرار المترشحة عن الكفر وولاية الشيطان وأن الله عز وجل يفضحهم ويكشف نفاقهم وكفرهم بالوقائع والأحداث مثل معركة أحد ، إذ تدل على أمور :
الأول : غزو الذين كفروا للمسلمين .
الثاني : قعود المنافقين عن الدفاع عن أنفسهم وعن الإسلام ، وإظاهرهم الاستكبار والجحود , قال تعالى[وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ]( ).
الثالث : دفاع المؤمنين عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والتنزيل لبيان قانون وهو أن كل واقعة من وقائع الإسلام تمحيص وتمييز للمؤمنين وشاهد على إخلاصهم في العبادة ، وفضح وخزي للذين كفروا ، قال تعالى [وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ] ( ) .
ولا يختص التمحيص والتمييز والفصل بين المؤمنين والذين كفروا بالمعارك والوقائع ، ففي كل يوم هناك مصاديق من الإبتلاء والإمتحان التي تكشف نوايا الإنسان وما يضمره في نفسه وتأتي هذه المصاديق من جهة الكم والكيف بلحاظ رحمة الله بالناس وعفوه عنهم وإمهالهم والستر عليهم .
المسألة الرابعة : لقد أخبرت آية السياق عن قانون وهو زيادة إثم الذين كفروا بسبب تلقيهم النعم وزيادتها بالجحود والخوف والخشية من الشيطان ، إذ أن الله عز وجل هو الرزاق وهو المنعم ، ولكن الذين كفروا يتبعون عدوه وعدو الأنبياء والناس جميعاً ، ويحاكونه في أعماله التي تتصف بصبغة المعصية من حيث امتناعه عن طاعة الله في السجود لآدم ، ويبغض الله عز وجل الذين يتبعون ويطيعون ويعبدون عدوه ، لأنه خلاف علة خلقهم ، وما تقوده إليه عقولهم ، وما تؤدي إليه النعم وزيادتها من وجوب الشكر لله عز وجل .
وتقدير آية السياق : إنما نملي لهم ليشكروا الله ولكنهم اختاروا الكفر فازدادوا اثماً ).
وهذه الزيادة بسبب خوفهم من الشيطان ومحاولتهم تخويف المؤمنين منه ومنهم ، ولكن الله عز وجل أرجع كيدهم إلى نحورهم بنزول آية البحث ، وصيرورتها سبباً وواقية يومية للمؤمنين من الخوف من الشيطان وأوليائه ، قال تعالى [وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ] ( ) فمن مكرهم في المقام الكذب والرياء والنفاق وإظهار الشك بمعجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم , والقيام بالجدال والمغالطة بدلائل التنزيل .
وصحيح أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم نجا في هجرته من مكة من الإغتيال إذ أرادوا قتله في فراشه ليلة الهجرة فانه واجه في المدينة أهل النفاق الذين يظهرون الإسلام ولكنهم يبطنون الكفر والجحود ، فلم يقتلهم ، ولم يطردهم من المدينة ، ولم يعقد معهم صلحاً أو يضع عليهم شروطاً وقيوداً ، إنما جاءت آيات القرآن بفضحهم وخزيهم ، ولزوم الإغلاظ عليهم .
والإخبار عن سوء عاقبتهم ، إذ تكرر قوله تعالى [يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ] ( ) في آيتين من القرآن( ) .
وجاء الخطاب والأمر إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الآيتين بمجاهدة الكفار والمنافقين وصيرورتهما بعرض واحد من جهة جهاد كل من :
الأول : الكفار .
الثاني : المنافقين .
وليس في جهاد المنافقين قتال وهجوم ، إنما هو توبيخ وذم وإنذار ومنع لسيادة المنافقين ، وهل يدل الجمع بين الكفار والمنافقين في الآية أعلاه على أن جهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للكفار ليس بغزوهم ، الجواب نعم ، وهو الذي تجلى في عالم الواقع .
فقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبلّغ آيات القرآن , ويبين أضرار الكفار وعبادة الأوثان وسوء عاقبتها .
المسألة الخامسة : لقد أختتمت آية البحث بالخطاب إلى المسلمين والمسلمات بصيغة الشرط [إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ] ( )وتخاطبهم آية السياق بلغة الإيمان وبينهما عموم وخصوص مطلق .
فالخطاب في آية البحث أعم ليشمل المسلمين والمسلمات والمنافقين الذين يظهرون الإسلام ، وأخبرت آية السياق عن تمحيص عام المسلمين وفصل وتمييز المؤمنين من المنافقين والكافرين ، وبلحاظ آية البحث فان الإيمان يتجلى بالخوف والخشية من الله عز وجل ، وعدم الخوف من جيوش الذين كفروا وإن صارت على مشارف المدينة .
لقد كان أمر جيوش قريش مخيفاً ومفزعاً سواء في معركة بدر أو أحد أو الخندق ، وكانوا في كل مرة يأتون بجيوش أكثر من المعركة السابقة ، ويتقدم فرسانهم للقتال ، ويلحون في طلب المبارزة ، مما يلزم عدم الخوف أو الخشية منه ، ولا يتم عدم الخوف منهم إلا بالإيمان وحسن التوكل على الله عز وجل .
لذا تضمنت آية السياق الثناء على الأنبياء , ووجوب إيمان المسلمين بالله وجميع الأنبياء والرسل مع التحلي بالتقوى والخشية من الله عز وجل في السر والعلانية ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ] ( ) .
ومن معاني الجمع بين آية البحث والسياق دعوة المسلمين إلى التحلي بسجايا الإيمان , ومنه التصديق بجميع الأنبياء والرسل ،وهل في الأمر بهذا التصديق دعوة للمسلمين للرأفة بأهل الكتاب من اليهود والنصارى ، الجواب نعم بلحاظ أنهم أتباع أنبياء سابقين ، فاليهود أتباع موسى عليه السلام , والنصارى اتباع عيسى عليه السلام ، وكل واحد منهما يتصف بأمور مباركة :
الأول : النبوة .
الثاني : الرسالة .
الثالث : إنه رسول من أولي العزم ، وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى [فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ] ( ).
المسألة السادسة : لقد ذكرت آية البحث أموراً :
الأول : الشيطان .
الثاني : بُعد الشيطان .
الثالث : ولاية الذين كفروا للشيطان .
الرابع : قيام الشيطان بتخويف الذين كفروا .
الخامس : النهي عن الخوف من الذين كفروا ، وقد توجه هذا النهي للمسلمين ، ولكنه عام ويشمل الناس جميعاً .
السادس :وجوب الخوف من الله .
السابع : الفضل والأجر والثواب بالخوف من عند الله لأنه أمارة وشاهد على الإيمان .
ولم تذكر آية السياق الشيطان وولايته ، إنما ذكرت الذين كفروا بلفظ (الخبيث) والمراد منه اسم جنس .
وقد جاءت الآية بلزوم عدم الإغترار بما عند الذين كفروا كما في قوله تعالى [قُلْ لاَ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ] ( ).
إعجاز الآية الذاتي
من إعجاز الآية القرآنية عدم مجئ الإنذار أو البشارة وحدها في الآية القرآنية ، إنما تأتي مع الإنذار سبل الوقاية منه ، وتأتي مع البشارة أسباب تحقيق مصداقها .
لقد تضمنت آية البحث الثناء على المسلمين بلحاظ جهات:
الأولى : صيغة الخطاب وإرادة المسلمين بصفة الإيمان.
الثانية : إخبار المسلمين عن فعل قبيح للشيطان ، وهو التخويف من الحق والصدق.
الثالثة : إنحصار تخويف الشيطان بالذين كفروا بلحاظ أداة الحصر التي بدأت بها آية البحث.
الرابعة : بيان التباين والتضاد بين المسلمين والذين كفروا بلحاظ نعت الذين كفروا بأنهم أولياء الشيطان.
الخامسة : سلامة المسلمين من تخويف الشيطان، فهو لا يقدر على تخويفهم، وليس من موضوع ينفذ منه إليهم في هذا التخويف ليكون من معاني النهي في الآية دعوة المسلمين للشكر لله على انتفاء سبب تخويف الشيطان، وتقدير الآية على وجوه ستأتي في باب التفسير.
ومن إعجاز الآية القرآنية الجمع بين الأمر والنهي من وجوه:
الأول : الإبتداء بالأمر ثم النهي.
الثاني : الإبتداء بالنهي ثم الأمر.
الثالث : إتحاد موضوع الأمر والنهي.
الرابع : التباين بين موضوع الأمر والنهي.
وجاءت الآية بالوجه الثاني والثالث أعلاه مجتمعين مع التعاقب بينهما من غير تأخير لبيان قانون وهو أن الله عز وجل جعل الخوف والرجاء ملكة عند الإنسان وإن المؤمن يجعل خوفه من الله فينال به السلامة في الدنيا والأجر والثواب في الآخرة فيخاف المسلم من الله عز وجل ويقوم بأداء الفرائض والواجبات، فيكون من الذين قال فيهم الله عز وجل[َلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ]( ).
لقد أكرم الله عز وجل الناس بآية النبوة وما بعدها وإلى يوم القيامة بآية البحث للإحتراز من همزات الشياطين بتلاوة الآية وهي باعث للجوء إلى الإستعاذة بالله من الشيطان في حال الحرب والسلم ، وكذا في الحياة اليومية الشخصية ، وفي حال اليقظة والمنام .
ومن إعجاز آية البحث بيانها لقانون وهو ترشح الخوف من الله عن الإيمان به سبحانه ، والتسليم بأن مقادير الأمور كلها بيده سبحانه ، وأن الذين يعادون النبوة والتنزيل في حال فزع وخوف ، إذ يلقي الله عز وجل الخوف والرعب في قلوبهم ، ليكون هذا الرعب سبباً للإبتعاد عن الشيطان، وهل يمكن تسمية المسلمين أنهم الأمة التي تخاف الله ، الجواب نعم ، مما يملي عليهم التنزه عن الخشية والخوف .
ومن الإعجاز في نظم آية البحث مجئ الإخبار عن إغواء وتخويف الشيطان لأوليائه بعد خاتمة الآية السابقة التي تتضمن الإخبار بأن الله عز وجل هو ذو الفضل العظيم .
ويمكن تسمية آية البحث [إِنَّمَا ذَلِكُمْ] ولم يرد هذا اللفظ في القرآن إلا في آية البحث.
إعجاز الآية الغيري
من مصاديق الإعجاز المتجددة للآية القرآنية ترشح سبل الهداية منها في كل مكان إلى يوم القيامة لملائمة مضامينها القدسية لمختلف الأهوال لبيان أن الله عز وجل هو الذي خلق السموات والأرض وجعل الإنسان خليفة فيها وأنزل القرآن خاتماً للكتب السماوية ومحيطاً بالوقائع والأحداث إلى يوم القيامة ليكون سفيراً للنبوة في كل زمان إذ انقطعت النبوة بمغادرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الدنيا لتبقى آيات القرآن حجة وبرهاناً على حضورها في كل زمان إلى جانب السنة النبوية ، وهل هو من مصاديق قوله تعالى [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُم] ( ).
الجواب نعم ، بلحاظ كبرى كلية وهي توجه الخطاب في الآية أعلاه لكل جيل من المسلمين والمسلمات في كل زمان ، ويحتمل توجه الخطاب لهم وجوهاً :
الأول : توجه الخطاب لأهل كل جيل على نحو الإستقلال .
الثاني : توجه الخطاب لأهل كل جيل بالجمع بينهم وبين الأجيال السابقة من المسلمين والأمم السالفة ، ليقتدي المسلم بالسلف الصالح .
الثالث : إرادة الخطاب لكل جيل مع لحاظ الأجيال اللاحقة ليترك المسلم عمله الصالحات ميراثاً للذرية وعامة المسلمين ، وفيه دعوة للناس جميعاً للهداية وتأكيد قانون وهو كفاية الآية القرآنية في التبليغ وإقامة الحجة على الناس بلزوم التسليم بالربوبية المطلقة لله عز وجل ، وفيها غنى عن القتال والغزو بالهجوم ليكون الناس ببركة القرآن في مأمن من القتل ، وهو من مصاديق قوله تعالى[إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ) حينما كلّم الله آدم واحتج على الملائكة في جعله[فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( ).
إذ قالت الملائكة أن الإنسان يفسد في الأرض ويقتل ، ويسفك الدماء لتكون كل آية قرآنية برزخاً دون الفساد ودون القتل من جهات :
الأولى : فيوضات نزول الآية القرآنية من عند الله عز وجل ، وفي التنزيل [هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ] ( ) .
الثانية : تلاوة الآية القرآنية ، وهو من المنافع الجلية لقراءة كل مسلم ومسلمة آيات القرآن على نحو الوجوب العيني ، لتكون زاجراً عن الهمَ بالتعدي والظلم .
ويكون من مصاديق قوله تعالى [إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ] ( ) أن كل فعل وركن من أركان الصلاة ينهى عن الفحشاء ، ويدعو للأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بذاته وبالواسطة ، ويكون نهي الصلاة عن المنكر متعدداً من وجوه :
الأول : ذات الصلاة تنهى عن المنكر .
الثاني : مقدمة الصلاة نهي عن المنكر لذا يسمى الوضوء والتيمم وغسل الجنابة طهارة وتطهر لما فيه من الحسن الذاتي والتنزه عن الدنس .
الثالث : القراءة في الصلاة نهي عن المنكر.
الرابع : الوقوف بين يدي الله في الصلاة إبتداء من تكبيرة الأحرام تذكير بعالم الحساب وتحذير من البلاء والعقاب .
وهل الغزو من المنكر ، الجواب فيه تفصيل فقد لا يكون من المنكر إذا كان بالحق ولمنع الغزو والظلم بدليل ذكر مادته في قوله تعالى [لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى]( ) وغزىَ أي خرجوا للدفاع إذ أن السنة النبوية تفسير للقرآن .
ومن الإعجاز في الآية أعلاه عطف قول المنافقين على كفرهم لبيان إستحقاقهم العذاب الشديد في النار بقوله تعالى ( في الدرك الاسفل من النار ) .
ومن الغزو ما كان ظلماً وليس له حاجة , كما في الغزو بين القبائل العربية قبل الأسلام , مع بيان قانون وهو أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم يغز أحداً ،إنما كان يدعو إلى الله عز وجل بآيات القرآن ، ولو قام بالغزو ، فليس من حرج أو خطأ لمصاحبة جبرئيل له ، ولأنه يعمل بالوحي ، قال تعالى [وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى *إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى]( ) .
الثالثة : ما تتضمنه الآية القرآنية من الأوامر والنواهي ، ومن إعجاز القرآن حضور الآية القرآنية في الوجود الذهني للمسلم عندما يهم بفعل أو يريد عقد النية على عمل .
الرابعة : سلامة الآية القرآنية من التحريف والتبديل ، وبقاؤها شاهداً على أفراد الزمان الطولية ، لتتضمن الإخبار عن موضوعيتها في إصلاح الناس وهدايتهم , ومنعهم من الغزو والتعدي .
ولا يعلم منافع الآية القرآنية في منع الظلم إلا الله عز وجل إذ أنها سبيل هداية وصلاح في كل زمان وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ) بلحاظ تجدد مصاديق رحمة الله من رشحات الآية القرآنية والتي تبقى غضة طرية في كل زمان , وهي تنبض بالحياة التي تتجلى بالدعوة إلى ذكر الله ، وتعظيم شعائره وإنشغال العبد بنفسه وطاعة ربه ، قال تعالى [بَلْ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ] ( ).
الخامسة : حاجة الناس إلى الآية القرآنية والصدور عنها , ومن الإعجاز في المقام إدراك الإنسان لقانون وهو التضاد بين العمل بالآية القرآنية وبين الخسارة الخاصة أو العامة ،وفي الدنيا أو في الآخرة ، وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ] ( ).
السادسة : تتضمن كل آية من القرآن البشارة والإنذار سواء في منطوقها أو مفهومها .
لقد جعل الله القرآن [تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ] ( ) وذكر فيه أسباب الإبتلاء والإختيار , ومنع الناس من إغواء الشيطان إذ إبتدأت آية البحث بذكر الشيطان بصيغة الذم وما يبعث النفرة في النفوس منه بلحاظ اسم الإشارة (ذلكم) الذي يفيد البعد عن رحمة الله .
وهل تدل الآية على بعده عن الناس وأيهما أقرب إليهم الآية القرآنية أم الشيطان، الجواب هو الأول، وبعد الشيطان مطلق , والآية القرآنية أقرب للناس , وتخترق شغاف قلوبهم , ويبتعد الشيطان عن كل من :
الأول : الإنسان .
الثاني : التنزيل ، وهو من الشواهد على سلامة القرآن من التحريف بلحاظ كبرى كلية وهي عجز الشيطان ويد التغيير عن الوصول إليه لذلك تفضل الله وأمر المسلمين بالإستعاذة من الشيطان عند قراءة القرآن [فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ] ( ).
الثالث : بعد الشيطان عن المؤمنين مطلقاً .
الرابع : بعد الشيطان عن التأثير على الناس في أفعالهم ، لذا فان آية البحث لم تقل أن الشيطان له سلطان على أفعال الكافرين إنما هم الذين اتخذوه ولياً .
ومن الإعجاز الغيري لآية البحث تنمية ملكة الخوف من الله في النفوس وصيرورة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين أسوة للناس في الخوف من الله .
وعن جابر قال: كثرت القالة من الناس ، فخرجنا حجاجاً حتى إذا لم يكن بيننا وبين أن نحل إلا ليالٍ قلائل أمرنا بالإِحلال ، قلنا : أيروح أحدنا إلى عرفة وفرجه يقطر منياً؟ فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام خطيباً فقال أبالله تعلموني أيها الناس ، فانا والله أعلمكم بالله وأتقاكم له ، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت هدياً ولحللت كما أحلوا ، فمن لم يكن معه هدي فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله ، ومن وجد هدياً فلينحر .
فكنا ننحر الجزور عن سبعة قال عطاء : قال ابن عباس : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قسم يومئذ في أصحابه غنماً ، فأصاب سعد بن أبي وقاص تيس، فذبحه عن نفسه)( ).
وفي الحديث شاهد على جواز تعدد الحاج في الهدي بناقة واحدة في الحج.
الآية سلاح
من خصائص الآية القرآنية أنها حرز من الشيطان وجنوده ، لذا تفضل الله عز وجل وأمر بقراءة القرآن في كل فرض من الصلوات الخمس في آية إعجازية تترشح عن حكم الصلاة , وعن ذات قراءة القرآن ، ولا يعلم منافع قراءة القرآن في الصلاة إلا الله عز وجل , ومنها آية البحث التي تتضمن التحذير من الشيطان ، والمراد منه على وجوه :
الأول : إبليس .
الثاني : شياطين الإنس .
الثالث : النفس الأمارة بالسوء .
وليس من إتصال روحي بين الشيطان والإنسان وان كان وليه ، وفيه مسائل :
الأولى : حضور خلافة الإنسان في الأرض بخصوص سلامته من الصلة مع الشيطان .
الثانية : عصمة الأرواح من نزغ الشيطان .
الثالثة : إقامة الحجة على الإنسان في الدنيا والآخرة ، فلا يقول يوم القيامة أن الشيطان كان ملاصقاً له يأمره وينهاه .
الرابعة : قد أنعم الله عز وجل على الإنسان بالعقل ليميز بين الأمور ويحذر من الشيطان ، ومن قوانين الحياة الدنيا وعمومات قوله تعالى [بَلْ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ] ( ) أن تجاهد المسئ والمذنب بجعله يدرك ما هو فيه من الخطأ والضلالة .
لقد جعل الله عز وجل الإنسان [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ) ومن خصائص الخليفة الخوف والخشية من الله عز وجل في السر والعلن ، وهذا الخوف طريق إلى العفو والمغفرة ، وسبيل إلى النجاة ، قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ]( ) .
وعن أبي مجلد عن قيس بن عباد قال صلى عمار بن ياسر بالقوم صلاة أخفها فكأنهم أنكروها قال ألم أتم الركوع والسجود قالوا بلى قال أما إني دعوت فيها بدعاء كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدعو به اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيرا لي وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة وكلمة الاخلاص في الرضى والغضب وأسألك نعيما لا ينفد وقرة عين لا تنقطع وأسألك الرضى بالقضاء وبرد العيش بعد الموت , ولذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك وأعوذ بك من ضراء مضرة وفتنة مضلة اللهم زينا بزينة الايمان واجعلنا هداة مهتدين التعوذ في الصلاة) ( ).
والخشية خوف مقترن بمعرفة ، قال تعالى [إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ]( ) وهذا لا يعني إنعدام المعرفة في حال الخوف ، نعم الخوف من الشيطان نقيض العلم والمعرفة لأن الذي يعلم بوجوب عبادة الله سبحانه ومعاداة الشيطان لا يخشى مكره وشره .
ومن معاني آية البحث أنها سلاح في الهداية والإيمان وواقية من الركون إلى الذين كفروا .
مفهوم الآية
مع قلة كلمات الآية فأنها إبتدأت بجملة خبرية ثم ورد فيها النهي ثم الأمر ثم الشرط ، إذ إبتدأت الآية بذكر الشيطان ، ولم تذكره على نحو مجرد بل بيّنت بعده بلفظ [ذَلِكُمْ] ليكون بعيداً مطروداً من رحمة الله ، وهو من معاني ورود اللعن عليه في القرآن ، قال تعالى [إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَرِيدًا * لَعَنَهُ اللَّهُ] ( ) .
وفي حديث أبي الدرداء قال (قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي فسمعناه يقول: “أعوذ بالله منك”. ثم قال: “ألعنك بلعنة الله” -ثلاثا-وبسط يَدَه كأنه يتناول شيئا فلما فرغ من الصلاة قلنا: يا رسول الله، قد سمعناك تقول في الصلاة شيئا لم نسمعك تقوله قبل ذلك ورأيناك بسطت يدك؟ .
قال: “إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي فقلت: أعوذ بالله منك -ثلاث مرات-ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامة. فلم يستأخر ثلاث مرات ثم أردت أخْذَه والله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقا يلعب به صبيان أهل المدينة”)( ) .
وقد اقترنت اللعنة مع الإستعاذة مع كثرة الإستعاذة لكفايتها، وهو من مصاديق قوله تعالى[أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ]( ).
مما يدل على جواز لعن الشيطان , وأستدل على جواز لعنه بحديث أبي تميمة (عن رديف النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : عثر بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقلت: تَعِس الشيطان. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “لا تقل تعس الشيطان. فإنك إذا قلت: تعس الشيطان تعاظم، وقال: بقوتي صرعته، وإذا قلت: باسم الله، تصاغر حتى يصير مثل الذباب”)( ).
نعم ورد القرآن والسنة بالإستعاذة من الشيطان , وهي واقية من شروره، وهل هي حرز وبرزخ من الخوف من أوليائه ، الجواب نعم , قال تعالى [وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ]( ).
وشرعت الإستعاذة عند تلاوة القرآن ، وعند دخول المسجد وإرادة الشروع في الصلاة ، وعند الوسوسة ، وفي حال الجماع ، وفي الرؤيا المكروهة لأن صرف أذاها ومصداقها من عمومات قوله تعالى [يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ] ( ) .
ومن مفاهيم آية البحث أمور :
الأول : محو خوف المسلمين من أولياء الشيطان .
الثاني : إغواء الشيطان للناس بنصرة الذين كفروا في حربهم على النبوة والتنزيل ، وهو الذي تجلى في كيفية وتأريخ وعدد أفراد جيش الذين كفروا، وعدد المسلمين في معارك الإسلام أيام النبوة ، فبعد معركة بدر , جاء المشركون بثلاثة آلاف رجل في شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة , فكانت معركة أحد ، ثم جاءوا بعشرة آلاف رجل في السنة الخامسة في معركة الخندق ، ولكنهم لم يقاتلوا إلا نفراً منهم إقتحموا الخندق , فقتل الإمام علي عليه السلام عمرو بن ود العامري وأنهزم أصحابه ، ثم اضطر جيش قريش لفك الحصار عن المدينة وأنسحبوا لم يجنوا إلا الخيبة ، وهو من رشحات ولاية الشيطان ، إذ أنها لا تجلب إلى الخسارة في النشأتين .
والأصل بقاء نسبة التصاعد في كثرة جيش المشركين ولكنهم عجزوا عن العودة إلى جمع عدد معركة بدر ، وهو نحو ألف من الرجال في السنة السابعة والثامنة للهجرة مع التزايد السريع لأعداد المسلمين ، حتى تم فتح مكة .
ولم يكن هذا التزايد سبباً للهجوم على المشركين ، إنما كان للتعاون في الإحتراز من الشيطان ، وهو الذي تدل عليه آية البحث .
ومن إعجاز الآية القرآنية أنه كلما كثر عدد المسلمين تيسر العمل بمضامين الآية .
الثالث : محو كثرة المشركين , فمن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم حصول النقص المستمر في عدد الذين كفروا على نحو يومي متصل ، وقد يقال القدر المتيقن من المحو هو الإزالة للذات والشئ وليس إنقاص الكثرة .
الجواب لقد تجلى في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم قانون وهو دخول الناس في الإسلام جماعات وأفواجاً، وهذا الدخول من مصاديق قوله تعالى [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ] ( ) من جهات :
الأولى : كل فرد يدخل الإسلام هو قطع ووهن للذين كفروا ، فلا يختص هذا القطع بقتل بعض رجالاتهم في المعركة ، ومن الآيات في المقام دخول رؤساء من الكفار فجأة في الإسلام وقد أكرمهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد إسلامهم وأرسل عدداً منهم أمراء في السرايا .
الثانية : دخول الإنسان الإسلام إضعاف لقوى الشر , وإرباك وتخويف لأولياء الشيطان .
الثالثة : كلما سمع الكفار بدخول فرد ذكراً أو أنثى الإسلام يصيبهم الكبت والوهن .
الرابعة : بيان قانون وهو دخول الفرد والجماعة الإسلام سبب لخيبة وخزي الذين كفروا .
ومن مفاهيم آية البحث إخبار الناس عن مسألة وهي سعي الشيطان ليكون رهط من الناس أولياء له مع أن عداوته لهم مجتمعين ومتفرقين ظاهرة ، لتكون ولايته هذه زيادة في تلك العداوة لهم وللناس .
أي أن إتخاذ أي إنسان الشيطان ولياً يكون على وجوه :
الأول : إزدياد عداوة الشيطان لوليه .
الثاني : سعي الشيطان في بث الخصومة بين أوليائه .
الثالث : إتخاذ الشيطان ولايته وسيلة لمحاربة النبوات والتنزيل ، والبعث على الإفتراء .
الرابع : الذي يتخذ الشيطان ولياً يبوء بالإثم والوزر الثقيل .
الخامس : الملازمة بين الكفر وولاية الشيطان .
السادس : ولاية الشيطان إعانة على أهل الإيمان ، ولكن الله عز وجل يدفعها ويصرف أذاها ، ومن مصاديق هذا الدفع آية البحث التي تنفع الناس جميعاً من وجوه :
الأول : تحذير الناس من ولاية الشيطان .
الثاني : بيان القبح الذاتي لولاية الشيطان .
الثالث : تفقه الناس عامة في كيفية النجاة من حبائل الشيطان .
الرابع : دعوة المسلمين لإتخاذ الشيطان عدواً، وزجر الناس عن ولايته.
الخامس : فضح الشيطان وطرقه لإغواء الناس ، ومن خصائص قراءة القرآن فرار الشيطان منها، فلا يقرب للذي يقرأ القرآن وينصت له ، قال تعالى[وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا]( ).
السادس : تنمية حب الله في نفوس المسلمين ، وإكثارهم من ذكر الله ، وهل أداء الصلاة من الذكر الكثير أم لابد من ذكر آخر غير الصلاة ، الجواب هو الأول .
ومن مفاهيم آية البحث بعث الرغبة في النفوس بالخوف من الله عز وجل والتنزه عن الإستكبار والصدود عن النبوة والتنزيل ، وهل يعني النهي عن الخوف من الكافرين قتالهم ، الجواب لا ، فلا ملازمة بين عدم الخوف وبين القتال ، وليس كل الذي لا يخاف شخصاً أو طائفة أو طرفاً يقوم بقتاله ، إنما عدم الخوف من الذين كفروا وسيلة ونوع طريق لدرء القتال وإجتناب مقدماته .
كما في قوله تعالى [وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ] ( ) فانه زاجر للإنسان عن القتل لأنه يعلم بالإقتصاص منه ، فيكون حكم القصاص نجاة لمن ينوي القتل ، ونجاة للمراد قتله ، وكذا فان الخوف من الله وعدم الخوف من الكافرين سبيل لعدم وقوع القتال بين المسلمين وكفار قريش ، لتبقى الموعظة والمعجزة هما الفيصل في المنتديات والأسواق والبيوت .

الآية لطف
تتضمن آية البحث في كل كلمة من كلماتها الثناء على المسلمين، وهو من اللطف الإلهي بهم ، وبالناس عامة، فان قيل قد علمنا أنه لطف بالمسلمين فكيف يكون لطفاً بعامة الناس ، الجواب من جهات :
الأولى :بيان سلامة وتوقي المسلمين من إغواء الشيطان دعوة للناس للإقتداء بهم .
الثانية : إخبار آية البحث الناس عن كون ترك الخوف من الشيطان أمراً يسيراً وسهلاً .
الثالثة : تلاوة المسلمين آية البحث حث للناس للإمتناع عن ولاية الشيطان .
الرابعة : نزول البركة على أهل الأرض بعصمة المسلمين من الخوف من الشيطان ، وهذا الإمتناع أمر وجودي بذاته وبما يترشح عنه من قهر الشيطان ، وفيه سلامة من دبيب الشرك والضلالة .
لقد بعث الله الأنبياء لمنع الشيطان من جعل سلطان له على النفوس والجوارح ، وورد حكاية عن إبراهيم عليه السلام [يَاأَبَتِ لاَ تَعْبُدْ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَانِ عَصِيًّا] ( ) وتفضل الله وأنزل آية البحث لتطرد عن الناس الخوف من الشيطان، وتبعثهم على تحديه وعدم الإنحراف عن جادة الهدى .
ومن اللطف في المقام تلاوة كل مسلم ومسلمة عدة مرات في اليوم لقوله تعالى[اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]( ) بلحاظ أن الخوف من الله عز وجل من الصراط المستقيم ، وكذا بالنسبة لعدم الخوف من الشيطان .
ومن أسرار الخوف من الله إستيلاؤه على القلب والجوارح بما يمنع الإنسان من المعصية.
فهو خوف محمود ونافع لأنه حاضر مع الإنسان في السر والعلانية ، وفي السر والعلانية ، وفي السوق والمنتدى والعمل يزجره عن السرقة والكذب والغيبة ، ويبعثه على فعل الصالحات والمسارعة في الخيرات ، ويطرد عنه الغفلة والميل إلى اللهو .
(عن أبي بن كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من خاف أدلج ، ومن أدلج بلغ المنزل ، ألا إن سلعة الله غالية ، ألا إن سلعة الله الجنة ، جاءت الراجفة ، تتبعها الرادفة ، جاء الموت بما فيه) ( ).
أي أن الذي يخاف الله عز وجل ويرجو الجنة ويخشى من العقاب في الآخرة يجتهد بضروب الطاعة ، ووجوه العبادة من أول أيام التكليف ليحرز طريق الجنة والثواب العظيم .
وجاءت آية البحث بالأمر بالخوف من عند الله عز وجل مطلقاً من جهات:
الأولى : أيام الصحة والعافية .
الثانية : عند المرض والوهن .
الثالثة : حال المنعة والقوة .
الرابعة : رجحان الخوف عند تدفق الثروة والمال .
الخامسة : حال الفقر والفاقة، وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لرجل وهو يعظه: اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناءك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك)( ).

إفاضات الآية
لقد ابتدأت الآية بقانون من الإرادة التكوينية وهو أن الذين كفروا يأتيهم التخويف والفزع من قبل الشيطان وجنوده لأنهم إختاروا اتباعه والإنقياد إلى الشهوة والإنقطاع إلى الدنيا .
وتبين الآية قانوناً آخر ، وهو وجوب عدم الخوف من الذين كفروا وإن توعدوا المؤمنين وبعثوا رسائل التهديد بقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
لقد تقومت بيعة العقبة بقانون وهو حفظ الأوس والخزرج لشخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إن وصل إلى المدينة سالماً ، فلو طلبه كفار قريش هو أو المهاجرين الآخرين فأنهم يذبون عنهم.
وهل هو من مصاديق قوله تعالى[إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ]( ) الجواب نعم ، إذ تفضل الله بنجاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين والأنصار من كيد المشركين .
ولم يلح المشركون على الأنصار باعادة المهاجرين من يثرب بينما أرسلوا الوفود والهدايا إلى النجاشي رجاء تسليم جعفر الطيار وأصحابه من المهاجرين والمهاجرات مع بعد المسافة، وسبب عدم الإلحاح هذا وجوه:
الأول : دخول وفد الأوس والخزرج الإسلام وأخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليهم البيعة قبل هجرته إلى المدينة .
الثاني : تجلي معاني الولاء عند أهل المدينة للنبوة والتنزيل .
الثالث : معرفة العرب بإعلان الأوس والخزرج الذب عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والعزم على الدفاع عنه.
الرابع : إقامة صلاة الجماعة والجمعة في المدينة، وتعدد المساجد فيها .
الخامس : خوف الأوس والخزرج من الله عز وجل , وعدم خوفهم أو خشيتهم من الذين كفروا وعباد الأوثان، وهو من فيوضات آية البحث إذ أظهر الأنصار معالم الإيمان في القول والفعل .
السادس : صيرورة المهاجرين في المدينة المنورة أخوة للأنصار من الأوس والخزرج، فليس من مهاجرين يدخلون مدينة ليصبحوا أخوة لأهلها يشاطرونهم أموالهم، مثل الأنصار والمهاجرين، وهو من مصاديق قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
ومن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم إقامته للمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار في السنة الأولى للهجرة.
ومن التباين والتضاد بين الخوف من الله والخوف من الشيطان أن الأول يقظة وباعث على الفطنة، والثاني جهالة وسبب الغفلة، والخوف من الله يحرق الهوى ويزجر النفس الشهوية ويمنعها من الإستيلاء على الأعضاء والبدن، أما الخوف من الشيطان فانه شرود وتيه للنفس، وإلقاء للجوارح في غمرات الفسوق.
والخوف من الله محمود لأنه استجابة لما ورد في آية البحث[وَخَافُونِي] لبيان قانون وهو كل استجابة لله عز وجل حسنة وأمر محمود ، وأما الخوف من الشيطان فهو مذموم .
إذ ورد النهي عنه في آية البحث، ليكون من إعجازها الجمع بين البعث على الخوف من الله وفيه النفع الخاص والعام ، والزجر عن الخوف من أولياء الشيطان، وهل في هذا الزجر دعوة للذين كفروا للتوبة والإنابة، الجواب نعم.

الآية بشارة
من رشحات أمر الله عز وجل للمسلمين بقراءة آيات وسور القرآن في الصلاة أن كل آية منها بشارة ونعمة وغبطة وسعادة ليكون من معاني [فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ] ( ), أي لتجدوا البشارة في ألفاظ وثنايا ومضامين الآية القرآنية , ومن خصائص هذه البشارة عدم إختصاصها بالذي يقرأ الآية القرآنية أو عامة المسلمين , إنما تأتي للناس جميعاً , وهو من معاني ومصاديق الرحمة في قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ).
فإن قلت قد تأتي الآية للإنذار والوعيد كما في قوله تعالى[وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ]( ), أو للإخبار عن سوء العاقبة لفرد مخصوص أو جماعة أو طائفة من أهل الضلالة ، الجواب المدار على عموم معنى الآية ، وليس على سبب وموضوع النزول وحده .
فمع أن أبا لهب عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم, فقد قوله تعالى[تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ]( ) عندما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدعو الناس إلى الإسلام في مكة , وكان عمه أبو لهب من أشد أعدائه الذين يحاربونه ويجاهرون بعداوته.
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدعو أهله مرة , وأخرى عشيرته, وأخرى عامة قريش وأهل مكة , حتى إذا جاء موسم الحج والأشهر الحرم توجه بالدعوة إلى التوحيد إلى الناس جميعاً من غير أن يرفع سلاحاً أو يدعو إلى قتال .
صعد الصفا يوماً ونادى: يا بني عبد المطلب يا بني هاشم, يا بني عبد مناف, أي أنه بدأ بالأقرب ثم الأعم في النسب .
ثم قال (لا املك لكم من الله شيئاً) وفيه دعوة له وللناس جميعاً أن يخافوا من الله , ولا يخشوا الذين كفروا .
(وعن ابن عباس قال : لما نزلت[وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ]( ), ورهطك منهم المخلصين خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى صعد على الصفا فنادى يا صباحاه فقالوا من هذا الذي يهتف؟ قالوا : محمد . فاجتمعوا إليه ، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً لينظر ما هو ، فجاء أبو لهب وقريش فقال : أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقيَّ .
قالوا: نعم . ما جربنا عليك إلا صدقاً قال : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد فقال أبو لهب : تباً لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا! فنزلت{تبت يدا أبي لهب وتب})( ).
أي أن سورة المسد نزلت في حياة أبي لهب , وفيه إعجاز بأنه قد غلق باب التوبة على نفسه , وأصر على التمادي في الكفر والجحود , فجاءت آية البحث لتدعو المسلمين إلى عدم الخوف منه ومن أمثاله , لأن عاقبتهم الخسران.
ومعنى تبّ: أي خسر وهلك, وقُطع من الخير, لتكون آية البحث بشارة الفوز بالنجاة والربح وتوالي الخير لمن يخاف الله عز وجل , وهل في سورة المسد بشارة للمؤمنين لخسارة الذين كفروا , الجواب لما فيها من بيان لسوء عاقبته الذين كفروا, فيشكر المسلمون الله عز وجل لأنهم يخافونه ولأنه سبحانه أنجاهم من مسالك الكفر والضلالة, وسوء عاقبتها .
لقد تضمنت آية البحث النهي عن الخوف من الكفار، فهل فيها بشارة للمؤمنين , الجواب نعم للملازمة بين أمور :
الأول : النهي القرآني والرحمة التي يتضمنها هذا النهي , وتتفرع عنه وفي التنزيل[وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى]( ).
الثاني : الفوز بالنهي من عند الله عز وجل عن الرذائل والقبائح , فلولا دخول الإسلام لم ينل المسلمون رتبة تلقي النهي عن الخوف من الذين كفروا بلحاظ كبرى كلية، وهي التباين بين الخائف والذي يخاف منه , إذ أن الخوف يتقوم بأطراف :
أولاً : الخائف .
ثانياً : موضوع الخوف .
ثالثاً : ذات الخوف .
رابعاً : المخاف منه .
والدنيا هي ملك طلق لله عز وجل مثل الآخرة, فأراد الله سبحانه أن يخبؤ المسلمين والناس أن لا يصح الخوف في الدنيا من الشيطان وأعوانه , فهم أعداء الله عز وجل .
الثالث : إتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم والخوف من الله عز وجل فمن خصائص إتباع الأنبياء الخشية والخوف من الله عز وجل .
الرابع : الخوف من الله عز وجل أمن من الفقر في الرزق والعمر والظلم والتعدي , قال تعالى [فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْسًا وَلاَ رَهَقًا] ( ).

الآية إنذار
لقد جعل الله عز وجل الشواهد والوقائع اليومية في الحياة الدنيا موضوعاً ومناسبة للإنذار والتخويف , وحتى حينما يأتي للإنسان خير وكسب فانه يخشى فقدانه أو يبتلى به ولو على نحو السالبة الجزئية ، وقد يأتي هذا الإبتلاء من الذات أو الأهل أو من المبغض والعدو .
ويأتي على نحو القول أو الفعل أو الحسد فلا تستطيع تعيين الحاسد والعاين كي تحذر منه ، إنما يكفي اللجوء إلى الله عز وجل والدعاء وقراءة القرآن ، لصرف شره وكذا بالنسبة للشيطان فانك لا تراه ، ولكن الله عز وجل تفضل وأخبر عنه وعن مقاصده الخبيثة في إغواء بني آدم وصرف بعضهم عن سبل الإستقامة .
وبيّن الله ما يجب على الناس من عبادة الله عز وجل , وفي التنزيل[يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ]( ).
وأنزل الله آية البحث للإنذار من أمور :
الأول : الشيطان .
الثاني : جنود الشيطان من الجن والأنس .
الثالث : خطوات الشيطان أي فتنته وطرقه وحيله لمنع الناس من التدبر في الآيات الكونية ومعجزات النبوة، وتزيينه الباطل واشغال الذي يتولاه عن أداء الفرائض، وبث العداوة بين الناس ومنها تأليب قريش على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
وقد حضر إبليس في معركة بدر بهيئة سراقة بن جعشم المدلجي يخبرهم بأن قومه بني كنانة خلفهم قد أقبلوا مدداً وعوناً لهم.
وورد حكاية عنه في التنزيل [وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمْ الْيَوْمَ مِنْ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتْ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ]( ).
وفيه شاهد بأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لا يريد القتال، وإنما المشركون هم الذين يطلبونه بتحريض من إبليس لأنهم اتخذوه ولياً بعبادتهم للأصنام وجحودهم بالنبوات والتنزيل ، وتمكينهم الجهالة من أنفسهم ، وإعراضهم عن معجزات النبوة مع تعددها وكثرتها، وفي التنزيل[قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونَنِي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ]( ).
ومن خصائص الحياة الدنيا تفضل الله عز وجل بجعل إبليس في حال ضعف وإنحسار في كل الأحوال ، ولم يترك الله عز وجل المشركين وإبليس يتطاولون في الميدان يوم بدر، فأنزل الله سبحانه جبرئيل فلما رآه ولى مدبراً منهزماً .
وكانت يد إبليس بيد أحد المشركين فناداه : يا سراقة أنك جار لنا ، ولم يعلم أنه إبليس وليس سراقة ، فأجابه إبليس [إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ]( ) ترى لماذا أقبل جبرئيل في ميدان معركة بدر قبل ابتدائها ، الجواب من وجوه :
الأول : بيان قانون وهو دفع الملائكة القتال عن الناس ، فاذا انهزم إبليس فان اسباب الفتنة وأفراد التخويف والعداوة تخف وطأتها عن الناس.
الثاني : بعث جيش الذين كفروا إلى التدبر في أضرار القتال .
الثالث : دعوة رجالات قريش الذين في ميدان المعركة لإستحضار معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عندما كان في مكة .
الرابع : بعث الخوف والوهن في قلوب المشركين .
الخامس : إرجاء بداية المعركة .
السادس : نشر شآبيب الرحمة عند الفريقين ، لذا علت أصوات في جيش المشركين تدعو إلى الإمتناع عن القتال ، وترك المواجهة مع بيان أضرار القتال وانتفاء الحاجة إليه ، إذ مشى حكيم بن حزام بينهم يتوسل بكبار رجال قريش أن يجتنبوا القتال وينصرفوا عن المواجهة وسفك الدماء.
السابع : نزل جبرئيل لتقوية عضد المسلمين .
الثامن : إرادة بعث السكينة في نفوس المسلمين .
التاسع : : نزول جبرئيل مقدمة لنزول ألف من الملائكة لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين ، قال تعالى [إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ] ( ) .
العاشر : دعوة الذين كفروا لعدم بدء القتال ، فالجمع الذي معه الملائكة لا يستطيع أهل الأرض قهره ، ليكون من مصاديق قوله تعالى[وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ] ( ) الإخبار عن تحقق نصر المسلمين في أي حال من الأحوال ، وإن جاء مدد للمشركين من اليمن أو الشام أو فارس ، وهو من البشارة وأسباب بعث السكينة في نزول ألف من الملائكة يوم بدر ثم نزول ثلاثة آلاف وخمسة آلاف في معركة أحد .
قال تعالى [بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاَفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ]( ) وفيه زجر للأفراد والقبائل من نصرة قريش لذا عجز رجالات قريش عن تحريض الدول العظمى آنذاك عن نصرتهم .
فضل الله في آية البحث( )
الفضل هو الإحسان والزيادة في الخير ، والإبتداء بالإنعام من غير علة، والفضل خلاف النقص .
والفضل والإفضال : المنّ والإحسان ، والله عز وجل هو [ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ]( ) وهو المتفضل على الخلائق ، وليس من مخلوق إلا وهو محتاج إلى فضله سبحانه ، ومن خصائص فضل الله أنه من اللامتناهي من جهات :
الأولى : ذات الفضل .
الثانية : أسباب ومقدمات فضل الله ، فمن لطف الله عز وجل تقريبه العباد إلى فضله وإصلاحهم لمقدماته والإنتفاع الأمثل منه .
الثالثة : كل فرد من فضل الله توليدي يتفرع إلى فروع كثيرة .
الرابعة : الإستفادة العامة من الفضل الخاص ، فيأتي فضل الله للفرد الواحد ولكن منافعه تعم غيره .
الخامسة : الأجر والثواب بفضل الله ، فمن خصائص خلافة الإنسان في الأرض ، أن الله عز وجل ينزل عليه فضله ثم يثيبه على نيله هذا الفضل وإنتفاعه منه .
وهل يمكن القول أن كل أمر أو نهي في القرآن هو فضل من الله ، الجواب نعم أنه من مصاديق قوله تعالى [يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ] ( ).
السادسة : فضل الله وسيلة للنجاة في النشأتين، وهو من مصاديق قوله تعالى [فَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُمْ مِنْ الْخَاسِرِينَ] ( ) .
لقد تضمنت آية البحث النهي عن الخوف من الشيطان وأوليائه ليكون هذا النهي من مصاديق الفضل في قوله تعالى [وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً] ( ) .
وهل يختص فضل الله بالحياة الدنيا ، الجواب لا ، إنما هو حاضر في الدارين.
ويحتمل فضل الله في المقام وجوهاً :
الأول : فضل الله في الدنيا هو الأكثر والأعظم .
الثاني : فضل الله في الآخرة هو الأكثر.
الثالث : التساوي في مراتب ومصاديق الفضل بين الدنيا والآخرة.
والصحيح هو الثاني.
ومن الإعجاز في الآية أعلاه تقييد فضل الله في الدنيا والآخرة بالمسلمين والمسلمات، وجاءت آيات أخرى تبين فضل الله على الناس جميعاً في الحياة الدنيا.
وليس من تساو بين فضل الله على المؤمنين في الدنيا وفضله على الكافرين، إذ تأتي مصاديق متكثرة ومضاعفة من فضل الله على المسلمين في الدنيا لتكون باباً للأجر والثواب لهم في الآخرة , وهو من مصاديق الدنيا مزرعة الآخرة، إذ ينعم الله عز وجل على العباد بالفضل العظيم في الدنيا، ويبادر المؤمنون والمؤمنات إلى الإنتفاع الأمثل منه في رضوان الله ، أما الذين كفروا فإن الشيطان يخوفهم من فضل الله ويحثهم على تسخيره في غير رضوان الله ، قال تعالى[أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ]( ).
ويتجلى فضل الله في آية البحث من جهات :
الأولى : ذات نزول الآية القرآنية فضل من عند الله عز وجل.
الثانية : سلامة الآية القرآنية من التحريف فضل من الله عز وجل.
الثالثة : إعانة آية البحث المسلمين بالإخبار عن بعد الشيطان عنهم، وهذا البعد مطلق من وجوه :
أولاً : بُعد الشيطان عن المسلمين في أشخاصهم.
ثانياً : بُعد وإبتعاد الشيطان عن المسلمين في عباداتهم.
ثالثاً : نفرة المسلمين من خطوات الشيطان ، وإبتعادهم عن أوليائه، لأن من مصاديق اسم الإشارة للبعيد (ذلكم) إنتفاء المودة بين المسلمين والذين كفروا.
رابعاً : عجز الشيطان عن زرع الفتنة بين المسلمين.
خامساً : سلامة المسلمين من الظلم والتعدي.
سادساً : تقيد النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين والأنصار بعدم الغزو أو الهجوم على بلدة أو قرية أو قوم.
سابعاً : عدم إبتداء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بالقتال ورمي النبال، وهو الأمر الذي يحزن الشيطان ويدل على بعده عنهم، ويزيد عدم الإبتداء هذا ببعد الشيطان عن المسلمين وغيرهم من الناس ويجعل تخويفه لأوليائه أقل حدة وأثراً، لذا تبادر طائفة منهم لدخول الإسلام ، لتكون السنة الدفاعية مناسبة للتدبر بمعجزات النبوة .
الآية موعظة
الموعظة : اسم , يأتي بمعنى النصح والتخويف والتذكير بالمعروف والخير وبصيغ يرق ويلين معها القلب .
وفي الموعظة أطراف :
الأول : الواعظ , والجمع (وعّاظ) .
الثاني : موضوع الموعظة .
الثالث : كيفية وصيغة الموعظة .
الرابع : الموعوظ .
ويقال : وعظت الرجل أعظه عظة وموعظة .
وفي الموعظة الأجر والثواب سواء قبِلها الموعوظ , واتعظ منها أو لا ، وهل هذا الأجر من الكلي المتواطئ أم أنه من الكلي المشكك بحسب الحال والموضوع .
الجواب هو الثاني ، ومن الحكمة القول (السعيدُ من وُعِظَ بغيره، والشقيُّ من اتَّعَظَ به غيره) ( ).
وفي التنزيل [قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى] ( ) أي أوصيكم وأدعوكم وآمركم .
وفي آية البحث موعظة من جهات :
الأولى : بعد الشيطان عن المسلم ، وكل أداء لفرض عبادي برزخ دون وصول كيد الشيطان إليه ، وكذا كل تلاوة للقرآن ، وهل يكون هذا البرزخ خاصاً بالذي يؤدي الفريضة ، الجواب لا ، إنما هو أعم إذ ينتفع من المؤمن ذريته وجيرانه ، وفيه موعظة لهم وترغيب بالإيمان ودعوة إلى الصلاح .
الثانية : تسميته عدو الناس والذي يوسوس بالشر ، ويسعى في الفرقة بينهم بالشيطان ، والبعيد عن رحمة الله لإرادة قانون وهو : كلما اقترب الإنسان بايمانه إلى رحمة الله إزداد بعداً عن الشيطان , وصارت نفسه تنفر منه .
وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) في رد الله عز وجل على الملائكة عندما احتجوا على فساد الإنسان في الأرض لبيان أن هذا الفساد ليس من ذات الخليفة ، إنما هو من إغواء وإزلال الشيطان له ، كما في قصة آدم وخروجه من الجنة ، قال تعالى [فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ] ( ) .
ويكون من معاني وتقدير الآية أعلاه وجوه :
الأول : اني أعلم أن الشيطان يغويهم .
الثاني : اني أعلم أن العقاب يلحق الشيطان وجنوده .
الثالث : اني أعلم أن المؤمنين لا يتبعون خطوات الشيطان .
الرابع : اني أعلم أن التحذير من الشيطان في التنزيل وعلى لسان الأنبياء ينفع الناس .
الخامس : اني أعلم أني سأنزل القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وليبقى المسلمون يعملون بمضامينه إلى يوم القيامة ، ويتعاهدون آياته ويدفعون عنه يدّ التحريف ، ليكون سبباً لإنزواء الشيطان وحاجباً دون الخشية أو الخوف منه .
الثالثة : إخبار آية البحث عن وجود طائفة من الناس هم أولياء للشيطان ليتساءل المسلم كيف يتخذون عدوهم ولياً , وإلى ماذا يقودهم هذا العدو الذي يضمر لهم الحسد والحقد والغيظ ، ويسعى في إضلالهم ، وليس من عدو في الخلائق مثل عداوة الشيطان للإنسان كما وصفه الله في إنذاره لآدم وحواء بقوله تعالى[إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ]( ).
فجاءت آية البحث للتحذير منه ومن عداوته ، ولتدعو الناس إلى الهدى والإيمان ، وفيه طرد للغفلة عن المسلم وغير المسلم .
الرابعة : لقد نزل قوله تعالى [فَلاَ تَخَافُوهُمْ]ليطرد الغفلة عن ذات الذين كفروا أيضاً من وجوه :
الأول : إخبار آية البحث للذين كفروا بولايتهم للشيطان .
الثاني : معرفة الذين كفروا لقانون نهي الله عز وجل المسلمين عن الخوف والوجل منهم ، وهو وفق القياس الإقتراني :
الكبرى : يمتنع المسلمون عما نهى الله عنه .
الصغرى : نهى الله عن الخوف من الذين كفروا .
النتيجة : يمتنع المسلمون عن الخوف من الذين كفروا .
الثالث : من منافع آية البحث عدم خوف بعض الكافرين من بعض ، إذ أنها تكسر حاجز الخوف ، وتخترق جماعة أولياء الشيطان لتستقر في أذهانهم ومنتدياتهم ، وتذكرهم بالقبح الذاتي للشيطان وأفعاله ، وتدعوهم للإقتداء بالمسلمين بلزوم الخوف من الله سبحانه.
ومن مصاديق هذا الخوف التقيد بما نهى عنه المؤمنين لأنه لا ينهاهم إلا عما فيه أذاهم وضررهم ، وعندما تفضل الله تعالى وقال [لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى] ( ) فانه تلطف بدفع أسباب ومقدمات الضرر ، ومنها الخوف من الذين كفروا , والذي قد يؤدي إلى القعود مع المنافقين والإمتناع عن الدفاع .
لقد رآى المشركون في معركة بدر وأحد والخندق كيف أن المسلمين لا يخافون منهم ولا من كثرتهم وخيلهم وأسلحتهم ليدل قوله تعالى في خاتمة الآية قبل السابقة [وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ] ( )على قانون عدم خوف المسلمين من أولياء الشيطان بأي حال من الأحوال ، وكيف يخاف الذي تنزل الملائكة لنصرته ودفع الذين كفروا عنه .
الرابع : تبعث آية البحث الناس على التفقه في سنخية الحياة وأسباب الإبتلاء والإمتحان فيها ويعلمون بقانون وهو أن الخوف من الشيطان لا يجلب لهم إلا الشر والأذى .
ومن المواعظ التي في آية البحث أنها تفتح آفاق المعرفة للمسلمين من جهات :
الأولى : قبح فعل الشيطان .
الثانية : قانون الخوف من الشيطان مذموم .
الثالثة : قانون الإنتفاع العام من الخوف من الله عز وجل ، فهذا الخوف هداية ورشاد وباب للرزق الكريم .
الرابعة : تعاون المسلمين في الحث على الخوف من الله والترغيب به ، وبيان قانون للناس عامة وهو أن الخوف من الله سبيل لقهر النفس الشهوية والغضبية .
ولم تنته الآية عند مسألة الخوف الممدوح ، والخوف المحرم فقد أختتمت بتذكير المسلمين بسنخية الإيمان الذي يتصفون به وأنه أم ومصدر لأفعال الخير ، فلا يقف المؤمن عند الشهادتين ولا أداء الفرائض فلابد له من الخوف من الله عز وجل .
وهذا الخوف رادع عن الظلم والجور ، وعن الغزو والنهب والسلب.
ومن معاني الخوف من الله العناية بالأسرى لأنه سبحانه جعل هذه لعناية في حبه ورجاء رضوانه ، قال تعالى [وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا] ( ).
الآية رحمة
في كل آية قرآنية رحمة من عند الله ، وتحتمل هذه الرحمة من جهة الذات وجوهاً :
الأول : إنها فرع الرحمة ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويكون من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ) أن كل آية قرآنية من مصاديق وفروع هذه الرحمة .
الثاني : ذات الآية القرآنية رحمة في نزولها وموضوعها .
الثالث : الغايات الحميدة من الآية القرآنية رحمة .
الرابع : سلامة الآية القرآنية من التحريف رحمة ، وحضورها في الوجود الذهني للمسلمين وواقعهم اليومي رحمة .
الخامس : تلاوة المسلمين للآية القرآنية رحمة ، ومن الأسرار في المقام أنهم يتلون آيات القرآن كل يوم على نحو الوجوب والندب .
وهل آية البحث من مصاديق قوله تعالى [وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ] ( ) الجواب نعم ، إذ أنها تمنع المسلمين من الخوف من القوم الظالمين , وتدعوهم إلى الإجتهاد في طاعة الله بلحاظ الملازمة بين الخوف من الله الذي تأمر به آية البحث وبين طاعته سبحانه .
والخوف من أعمال القلوب ، ولكنه ينعكس على الجوانح والجوارح ، مع التباين بين خوف الإنسان من الله عز وجل والخوف من غيره ، فكل خوف من غير الله ينصرف ويزول ، وقد يخاف الإنسان من شخص آخر ثم لا يلبث ان يكون المخاف منه هو الخائف ويرجو الرحمة ، ويتوسل رجاء العفو والرأفة .
والخوف والخشية والرهبة متقاربة في معناها .
(عن ابن عمر قال : قلما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقوم من مجلس حتى يدعو بهؤلاء الدعوات لأصحابه : اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك ، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك ، ومن اليقين ما يهون علينا مصيبات الدنيا ، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا) ( ) .
وبين الخوف والخشية عموم وخصوص مطلق ، فأراد الله عز وجل من عباده أن يعبدوه ، ويخشوه ويرهبوه ، وتوجل قلوبهم منه سبحانه ، قال تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ] ( ).
الحاجة إلى آية البحث
هناك مسألتان :
الأولى : تتعلق بالإنسان ، وهو أنه كائن محتاج وفق القياس الإقتراني .
الكبرى : كل مخلوق محتاج .
الصغرى : الإنسان مخلوق .
النتيجة : الإنسان محتاج .
الثانية : تتعلق بالآية القرآنية ، وهي نعمة ينهل منها كل إنسان ،وهل هي حاجة للإنسان ، الجواب نعم ، فلابد من حاجته لها ، في كل من :
الأول : الحياة الدنيا .
الثاني : عالم البرزخ .
الثالث : مواطن الحساب والجزاء يوم القيامة .
ليكون تلقي التنزيل والعمل بمضامينه من مصاديق قوله تعالى [وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ] ( ) وبخصوص الحاجة للآية القرآنية في عالم القبر والبرزخ .
سمّى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سورة الملك بأسماء منها :
الأول : المانعة .
الثاني : المنجية من عذاب القبر .
الثالث : المجادلة .
(عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : سورة في القرآن خاصمت عن صاحبها حتى أدخلته الجنة { تبارك الذي بيده الملك })( ).
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام (عن آبائه عليهم السلام، قال: دخل علي أمير المؤمنين مقبرة ومعه أصحابه فنادى: يا
أهل التربة، ويا أهل الغربة، ويا أهل الخمود، ويا أهل الهمود أما أخبار ما عندنا
فأموالكم قد قسمت، ونساؤكم قد نكحت، ودوركم قد سكنت فما خبر ما عندكم ؟ ثم التفت
إلى أصحابه فقال: أما والله لو يؤذن لهم في الكلام , لقالوا: لم يتزود مثل التقوى زاد) ( ).
وجعل الله عز وجل الآية القرآنية مصداقاً للتقوى من جهات :
الأولى : التصديق بنزول الآية القرآنية من عند الله سبحانه .
الثانية : قراءة الآية القرآنية ، ليكون من أسرار وجوب التلاوة في الصلاة تجدد إعلان المسلم والمسلمة لصيغة التقوى التي يتصفان بها خمس مرات في اليوم ، وهو وفق القياس الإقتراني :
الكبرى : قراءة القرآن من التقوى .
الصغرى : يقرأ المسلم القرآن خمس مرات في اليوم .
النتيجة : قراءة المسلم للقرآن من التقوى .
الثالثة : عمل المسلم بمضامين الآية القرآنية .
الرابعة : تقيد المسلم بالأوامر والنواهي الواردة في القرآن.
الخامسة : طاعة المسلم لله عز وجل ورسوله لأن وجوب طاعة الرسول ورد في القرآن , قال تعالى [مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ] ( ).
ومن الحاجة إلى آية البحث أمور :
الأول : ذم الشيطان ، وأنه موجود في الأرض ويسعى لغواية الناس ، وقد أنعم الله عز وجل على المؤمنين في كل زمان بالنجاة من همزه وإغوائه ووسوسته .
لقد قام إبليس بغواية وإزلال آدم وحواء ودفعهما إلى الأكل من الشجرة التي نهاههما الله عز وجل عنها ، فأمر الله بهبوطهما إلى الأرض وإقامتهما وذريتهما فيها إلى يوم ينفخ في الصور .
وهبط إبليس معهما لقوله تعالى [قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ] ( ) وطال عمر آدم في الأرض وعمّر فيها تسعمائة وثلاثين سنة .
فهل استطاع إبليس اغواءه أو اغواء حواء وهما في الأرض ، الجواب لا ، إذ كان آدم عليه السلام نبياً ، وقد أولى وحواء عناية خاصة لإحترازهما وأولادهما من الشيطان عناية خاصة ، ولكن هذا لم يمنع من فتنته لابن آدم قابيل وقيامه بقتل أخيه هابيل .
الثاني : بعث السكينة في نفوس المسلمين لبيان الآية لمسائل :
الأولى : طرد الشيطان من رحمة الله .
الثانية : بعد الشيطان عن الناس .
الثالثة : إنحصار تخويف الشيطان بأوليائه .
وهل يبعث الأمر من عند الله (وخافون) السكينة في قلوب المسلمين ، الجواب نعم ، بلحاظ مسائل :
الأولى : ذات الخوف من الله عز وجل أمن وسكينة .
الثانية : الخوف من الله واقية من إرتكاب الفواحش والسيئات التي تجلب للإنسان الأذى والضرر في النشأتين .
الثالثة : الخوف من الله ذكر له سبحانه كما أنه مقدمة للذكر واللجوء إلى الإستغفار .
الرابعة : الخوف من الله مرآة الإيمان , وهناك نوع ملازمة بين الإيمان والسكينة ، لتكون سبباً لزيادة الإيمان , وشاهداً عليها .
وعن رسول الله صلى الله عيه وآله وسلم قال (لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة ، وغشيتهم الرحمة ، ونزلت عليهم السكينة ، وذكرهم الله فيمن عنده .
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم : إن لأهل ذكر الله أربعاً . ينزل عليهم السكينة ، وتغشاهم الرحمة ، وتحف بهم الملائكة ، ويذكرهم الرب في ملأ عنده) ( ).
وتحتمل الحاجة إلى السكينة وجوهاً :
أولاً : يحتاج الناس السكينة .
ثانياً : تنحصر الحاجة إلى السكينة بالمسلمين .
ثالثاً : لا يحتاج أحد من الناس السكينة .
والصحيح هو الأول ، إذ يحتاج الناس السكينة من جهات :
الأولى : العموم الإستغراقي بأن يحتاج الناس متفرقين السكينة لتنفعهم مجتمعين ومتفرقين .
الثانية : العموم المجموعي بأن يحتاج الناس مجتمعين السكينة سواء بصفتهم أهل الأرض أو كأمم وشعوب وقبائل ، قال تعالى [وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ] ( ) ليكون من معاني التقوى والإكرام من عند الله الفوز بالسكينة .
الثالثة : العموم البدلي ، إذ يحتاج كل فرد من أهل الأرض السكينة من جهات :
الأولى : تغشي السكينة للعبد .
الثانية : موضوعية السكينة في هداية الإنسان ، وهو من مصاديق قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( ).
الثالثة : أثر ونفع السكينة في سلوك وعمل الإنسان .
وهل من ملازمة بين السكينة والتكليف ، الجواب لا ، إذ يحتاج السكينة الكبير والصغير , والصحيح والسقيم.
وهي رحمة الله المسجاة لأهل الأرض ، وقد فاز بها المؤمنون لمصاحبتها للإيمان ، ومن خواص السكينة بلحاظ آية البحث أمور :
الأول : العصمة من اتباع الشيطان .
الثاني : عدم الخوف من أولياء الشيطان حتى وإن جهزوا الجيوش العظيمة لمحاربة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، كما في معركة بدر وأحد والخندق .
الثالث : إظهار الخوف من الله عز وجل بالقول والعمل ، وورد عن الإمام علي عليه السلام أنه قال (إن قوما عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار، وإن قوما عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وإن قوما عبدوا الله
شكرا فتلك عبادة الاحرار) ( ).
ولا يدل هذا الحديث على إنحصار العبادة التامة بالعبادة شكراً لله عز وجل، لأن كل فرد من الأفراد الثلاثة أعلاه هو عبادة يثاب عليها المسلم في النشأتين .
ثناء الله على نفسه في آية البحث
لقد جعل الله عز وجل عالم الأكوان والمخلوقات محلاً ومناسبة للثناء عليه سبحانه ، وليس من حصر لمصاديق الثناء عليه في كل جزء وفرد من الخلائق ومنها الإنسان بخلقه وهيئته وخلافته في الأرض ، قال تعالى [لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ] ( ) .
وتبين آية البحث عظيم سلطان الله ، وأنه سبحانه هو الذي أذن للشيطان أن يقيم في الأرض إلى حين ، بأن يكون بعيداً عن رحمة الله ، ويكون أولياؤه وبالاً عليه ، ويكون هو وهمزه وبالاً عليهم وسبباً بعذابهم ، فمن وجوه الثناء على الله في آية البحث تفضله بالتحذير والإنذار من الشيطان وبيان خوف الناس عامة من الله سبحانه، لأنه سبحانه رب السموات والأرض ، وهو القادر على كل شئ .
ومن نعم الله عز وجل على الناس أنه سبحانه يحب الذين يخافون منه ، كما أن خوفهم منه شاهد على حبهم له .
لقد خلق الله عز وجل الإنسان [فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ] ( ) وأنعم عليه بالخلافة في الأرض ، وتفضل سبحانه وأمر الناس جميعاً بأجيالهم المتعاقبة بالخوف منه سبحانه ، إذ تتقوم وتستديم الحياة الدنيا بهذا الخوف ، ومن يخاف الله عز وجل يمتنع عن الفساد وعن القتل وسفك الدماء .
ليكون من معاني قوله تعالى [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ) ثناء الله عز وجل على نفسه بانفراده بالعلم المطلق ، وعلمه بأن خوف المؤمنين منه سبحانه سبيل للإنزجار عن فعل المعاصي ، وبرزخ دون إتباع خطوات وخطرات الشيطان .
وأختتمت آية البحث بالمدح والثناء على الله عز وجل لأن الإيمان به أصل ونوع طريق للخوف منه تعالى ليكون فيه الأجر والثواب .
لقد أنعم الله عز وجل على الناس بآية البحث لتبقى بين ظهرانيهم تحذرهم من الشيطان ونزغه ، وهل يشمل هذا التحذير الكفار وأولياء الشيطان .
الجواب نعم ، بلحاظ عدم الملازمة بين هذه الولاية وأشخاص الكفار ، لأن باب التوبة مفتوح للناس جميعاً .
ومن خصائص الحياة الدنيا إصابة ولاية الشيطان بالنقص والضعف والوهن مع إزدياد عدد المؤمنين وهو من مصاديق الرحمة في بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ولا يعلم تخويف الشيطان لأوليائه إلا الله عز وجل ليفضحه والقوم الكافرين في آية البحث ، وهو من ربوبية الله المطلقة في العالمين .
ومن الإعجاز في تشريع الصلاة وكونها عمود الدين إبتداء القراءة فيها بالبسملة وقول [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ] ( ) ليكون المسلمون [خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ) بمواظبتهم على الحمد والثناء على الله عز وجل .
ومن خصائص الأمة التي يحبها الله تعاهدها الحمد والثناء عليه سبحانه، فتفضل سبحانه وأنزل آية البحث لإزاحة عقبة وبرزخ دون حب العبد له سبحانه .
وهذا البرزخ مركب من وجوه :
الأول : ولاية الشيطان .
الثاني : تلقي التخويف من الشيطان .
الثالث : الخوف من الشيطان وما يخّوف منه .
ومن الثناء على الله عز وجل بيان منافع القرآن وآياته ، قال سبحانه[تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا] ( ).
لقد أراد الله عز وجل للمسلمين الخوف منه سبحانه بترطيب ألسنتهم بذكره والثناء عليه ، كما يكون هذا الذكر والثناء مناسبة ومقدمة للخوف منه سبحانه في السر والعلانية من غير أن يلزم الدور بينهما أي بين الذكر والخوف .
ومن خصائص الحياة الدنيا أنها دار رضا ومرضاة الله عز وجل ، ومن وجوه رضا الله عز وجل خوف المؤمنين منه .
وهل يتفرع الرجاء من الخوف من الله ، الجواب نعم ، وهو من بديع صنع الله ، فالخوف من الشيطان لا يجلب إلا الخسارة والندامة والضياع وسرعة الغضب والإنفعال ، أما الخوف من الله فانه يبعث على العمل الصالح ويجعل الإنسان يتدبر في عالم الآخرة .

النعم التي تذكرها آية البحث
من إعجاز القرآن أن كل كلمة منه نعمة عظمى على الناس عامة والمسلمين خاصة ، وهي سبب لإستدامة الحياة في الأرض بلحاظ أن تلاوتها من أقسام العبادة .
ومن البراهين في المقام تفضل الله عز وجل بجعل قراءة القرآن واجباً عينياً يومياً على كل مسلم ومسلمة .
ويختص هذا الوجوب بحال الخضوع والخشوع لله عز وجل عند أداء الصلاة لتتجلى به مصاديق لقوله تعالى [خَافُونِي] الواردة في آية البحث، وفيه شاهد على تجلي الإعجاز في الأوامر والنواهي القرآنية بتحقق مصداقها بالأعمال العبادية .
لقد هبط إبليس مع آدم وحواء إلى الأرض بقوله تعالى [قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ]( ), وقد يتبادر إلى الأذهان الصحبة بينهم أو الإجتماع في موضع واحد .
فأخبرت آية البحث عن بعد وعجز الشيطان عن الإقتراب من آدم وحواء والمؤمنين لقوله تعالى [ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ] ( ) وهل هذا الإخبار نعمة، الجواب نعم .
وهو من مصاديق قوله تعالى [وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ] ( ).
لقد انقسم الناس إلى قسمين :
الأول : المؤمنون الذين وليهم الله عز وجل .
الثاني : الكفار الذين اتخذوا الشيطان ولياً.
فجاءت بداية آية البحث بالثناء على المؤمنين وتوبيخ وتبكيت الذين كفروا ، ليكون من سمات بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم دعوة الناس كافة للإبتعاد عن الشيطان وغوايته , وإلى التوبة والإنابة , ومن النعم التي في آية البحث تذكير المسلمين بقبح فعل الشيطان للإستعاذة منه ، واستحضارهم لزوم عدم الخوف أو الرهبة منه ، ومن جنوده وأعوانه وأوليائه .
والنعم من عند الله عز وجل على وجوه أكثر من أن تحصى أي أن ذات وجوه وأصول النعم يعجز الناس عن إحصائها ليكون من باب الأولوية القطعية عجزهم عن إحصاء ذات النعم ، ومن هذه النعم :
الأولى : نعمة جاءت للإنسان في أوانها ، وتحتمل وجوهاً :
الأول : بقاء أثر النعمة .
الثاني : يكون بقاء أثر النعمة على نحو الموجبة الجزئية .
الثالث: عدم بقاء أثر النعمة .
والصحيح هو الأول ، فاذا أنعم الله عز وجل على العبد بنعمة فانه أكرم من أن يرفعها ، ولابد من بقاء ذات النعمة أو نفعها وأثرها .
الثانية : نعمة مصاحبة للعبد وهو يعلم بها ، منها الصحة والأمان والرزق الكريم .
الثالثة : نعمة حاضرة عند العبد لا يشعر بها ، ولا يلتفت إليها .
الرابعة : نعمة يرجوها العبد ويتطلع إليها ، وتشمل نعم الدنيا والآخرة ، قال تعالى [مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً] ( ).
وآية البحث نعمة حاضرة عند المسلمين والناس جميعاً وتتفرع عنها النعم في أمور الحياة اليومية ، وفي دفع أسباب القتال وتعدي وغزو الذين كفروا للمدينة المنورة ، بخطابها للمسلمين وعامة الناس ومنهم المشركون بحرمة ولاية الشيطان وبلزوم إجتنابه والإبتعاد عن ولايته .
ومن النعم في آية البحث أنها باعث على الصبر والتدبر والإحتراز من القوم المشركين ، إذ أن النهي عن الخوف من الذين كفروا ، لا يعني قتالهم إنما يدل على الصبر المقرون بالحيطة والحذر ، وتذكر خاتمة آية البحث المسلمين بنعمة الإيمان ، وتبين تفرع النعم العظيمة على هذه النعمة منها السلامة والتوقي من أولياء الشيطان ، وحصر تلك الولاية باشخاص الذين كفروا مع زجرهم بعدم الخوف منهم ، إذ أن الإمتناع عن الخوف من الذين كفروا تضييق عليهم ومنع من علو صوتهم وجدالهم ، وفضح لما يأتون به من المغالطة .
الصلة بين أول وآخر الآية
اًبتدأت آية البحث بأداة الحصر واسم الإشارة للبعيد لبيان أن الشيطان فرد متحد وليس متعدداً ، وأنه يقوم بتخويف الذين كفروا ، وفي هذا التخويف وجوه :
الأول : علة هذا التخويف .
الثاني : موضوع التخويف .
الثالث : أثر التخويف .
أما الأول أعلاه فعلته هو إتخاذ الذين كفروا الشيطان ولياً ، ليستقرأ قانون من مضامين آية البحث ، وهو لولا اختيار الذين كفروا اقتفاء أثر الشيطان واتباع خطواته لما استطاع تخويفهم .
وبعد بيان آية البحث لبعد الشيطان ذكرت قرب المسلمين بتوجه الأمر لهم من عند الله عز وجل ، إذ ليس بينهم وبين تلقي الأمر والنهي من عند الله من حاجز ، إنما يكون جبرئيل عليه السلام واسطة ملكوتية ، قال تعالى [نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ] ( ) ويكون النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واسطة نبوية للتبليغ ، وقال تعالى[يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ] ( ).
وأما موضوع التخويف فهو احتمال الفقر والفاقة ، والخوف من الإيمان لما يترتب عليه من أداء العبادات والتي تسمى أيضاً التكاليف لما فيها من المشقة الجسدية واستغراقها لوقت قليل من يوم وعمر الإنسان .
ومن الشواهد على هذه القلة وجوب حج البيت الحرام لمرة واحدة في العمر ، وحتى هذه المرة مقيدة بالإستطاعة , والتي هي من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً من جهة الزاد والراحلة بلحاظ الشأن والواسطة والقرب والبعد عن البيت الحرام .
(عن أبي أمامة الباهلي قال : قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الناس فقال : إن الله تعالى كتب عليكم الحج . فقال رجل من الأعراب : أفي كل عام؟ فسكت طويلاً ثم تكلم .
فقال : من السائل؟ فقال : أنا ذا . فقال : ويحك . . ! ماذا يؤمنك أن أقول نعم؟ والله لو قلت نعم لوجبت ، ولو وجبت لتركتم ، ولو تركتم لكفرتم ، ألا أنه إنما أهلك الذين من قبلكم أئمة الحرج , والله لو أني أحللت لكم جميع ما في الأرض من شيء ، وحرمت عليكم منها موضع خف بعير لوقعتم فيه ، وأنزل الله عند ذلك { يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء }( ) إلى آخر الآية ) ( ).
أما الثالث فان هذا التخويف يجعل الذين كفروا في حال ضيق وحسرة، وخوف مما لا أصل له من الأمور والوقائع .
وهل يضر تخويف الشيطان للذين كفروا المؤمنين ، الجواب إنما يضر الكفار فهم يؤذون أنفسهم ، لذا جاء بعد آيتين قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] ( ).
وإذا كان اسم الإشارة [ذَلِكُمْ] ( ) يدل على بعد الشيطان عن رحمة الله ، وعن المؤمنين فهل يدل قوله تعالى [يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ] ( )على بعده أيضاً ، الجواب نعم ، من جهات :
الأولى : قيام الشيطان بالتخويف بالباطل والوهم والشك , وأسباب المغالطة .
الثانية : إختيار الشيطان التخويف بما هو قبيح .
الثالثة : إختصاص تخويف الشيطان بأوليائه من الذين كفروا .
الرابعة : سعي الشيطان وجنوده للصد عن سبيل الله عز وجل .
الخامسة : نفرة عامة الناس من ولاية الشيطان ، وفي التنزيل[وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ]( ) ولا تختص هذه النفرة بالمسلمين ، إنما هي عامة، وتشمل الذين كفروا ، إذ يبغض بعضهم ولاية بعضهم الآخر للشيطان وإنقيادهم له .
ثم أشرقت الآية بالأمر من عند الله [وَخَافُونِي] لتكون شاملة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة والأئمة وجميع أجيال المسلمين رجالاً ونساءً إلى يوم القيامة .
ومن مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ) تلقي المسلمين هذا الأمر بالقبول والرضا والإمتثال ، ويكون من مصاديقه وجوه :
الأول : شكر المسلمين لله عز وجل على أمره بالخوف منه تعالى ، ومن الإعجاز في المقام تلاوة كل مسلم ومسلمة قوله تعالى [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ]( ) سبع عشرة مرة في الصلاة اليومية ، وعلى نحو الوجوب العيني ، ليتفضل الله عز وجل ويحتسبه شكراً وحمداً له سبحانه من المسلمين على نهيه لهم عن الخوف من الذين كفروا ن وعن أمره لهم بالخوف والخشية منه سبحانه .
الثاني : تقيد المسلمين والمسلمات بالخوف من الله عز وجل في السر والعلانية , وإجتهادهم في مسالك هذا الخوف وتحقيق مصاديقه .
الثالث : شكر المسلمين لله عز وجل لأن الخوف منه سبحانه من الشواهد على الإيمان والتقوى ، وهو طريق إلى الرزق الكريم ، والسعادة في النشأتين .
ومن الإعجاز في آية البحث الترتيب بين :
الأول : الخبر ، بأن أخبرت الآية عن الشيطان وقبحه وبعده ، ليكون هذا الإخبار مقدمة لما يأتي فيها من النهي والأمر .
الثاني : الخبر مع ذكر مصداقه ، بما يمنع من اللبس والترديد ببيان أن أولياء الشيطان هم الذين يخوّفهم ، وليس عامة الناس , وفيه دعوة للمسلمين إلى عدم الغضب والسخط على غير المسلمين مطلقاً .
وبين غير المسلمين وأولياء الشيطان عموم وخصوص مطلق ، فليس كل من كان غير مسلم هو ولي للشيطان ، وهناك أهل الكتاب وهناك المستضعفون .
الثالث : ذكر فعل قبيح للشيطان وشاهد على بعده ، وهو قيامه بتخويف أوليائه ومحاولة اشغالهم عن حجب الحقائق والمعجزات أي أنه لا يقدر على حجبها عنهم ، ولكنه يقوم بتخويفهم ليصرفهم عنها .
الرابع : مجئ النهي في الآية القرآنية ، ولزوم عدم الخوف من أولياء الشيطان .
الخامس : إكرام المسلمين من عند الله عز وجل بتفضله باختصاصهم بالنهي عن الخوف من أولياء الشيطان ، وتحتمل مضامين قوله تعالى [فَلاَ تَخَافُوهُمْ] ( ) وجوهاً :
أولاً :إنها من مصاديق نعمة الله عز وجل على الناس في قوله تعالى[وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا] ( ).
ثانياً : إنها من وجوه النعمة الخاصة بالمسلمين .
ثالثاً : ليس من صلة بين النهي الوارد في آية البحث وبين مصاديق النعمة التي تذكرها الآية أعلاه .
والصحيح هو أولاً وثانياً أعلاه ، فهذا النهي نعمة خاصة وعامة ، خاصة بالمسلمين ، وعامة للناس جميعاً .
السادس :صيرورة النهي الوارد في آية البحث عن الخوف من القوم الكافرين مقدمة للأمر بالخوف من عند الله عز وجل .
السابع : تعقب النهي بالأمر في ذات الموضوع مع التباين الجهتي بينهما، إذ جاء النهي عن الخوف من الذين كفروا ، وجاء الأمر بالخوف من الله عز وجل .
لتبين حقيقة الخوف في الدنيا ، وكيف أنه لا يصح إلا من الله عز وجل وفي الله ولله لقوله تعالى [وَخَافُونِي] ( ) وليس من حصر لمصاديق موضوع الخوف من الله عز وجل وستأتي شذرات منه في باب التفسير .
أسباب النزول
من آيات القرآن ما كان لنزولها سبب وموضوع، وهو مدرسة للتدبر بمضامين الآية القرآنية وتثبيت لمضامينها في الأذهان مع الإجماع على أن معنى ودلالات الآية القرآنية أعم من سبب النزول.
وقد يتعلق سبب متحد أو متعدد للنزول بآيتين متجاورتين أو أكثر تخص موضوعاً واحداً، كما في آية البحث والآيتين اللتين قبلها.
وورد عن عمرو بن دينار أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استنفر الناس بعد معركة أحد حين انصرف المشركون، فاستجاب له سبعون رجلا، فطلبهم فلقى أبو سفيان عيرا من خزاعة، فقال لهم: إن لقيتم محمدا يطلبني فأخبروه أني في جمع كثير، فلقيهم النبي صلى الله عليه وسلم، فسألهم عن أبي سفيان .
فقالوا: لقيناه في جمع كثير ونراك في قلة ولا نأمنه عليك، فأبى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا أن يطلبه، فسبقه أبو سفيان، فدخل مكة، فأنزل الله تعالى فيهم – الذين استجابوا لله والرسول – حتى بلغ – فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين)( ).
وعمرو بن دينار من التابعين (46-126) هجرية , ولم يرفع الحديث أعلاه ولا بأس بذكره في باب التفسير , وذكر الحديث ضعيف السند في باب فضائل الأعمال، وقد وردت أخبار قريبة منه في تفسير الآية السابقة ومضامين آية البحث أعم من أسباب النزول الواردة أعلاه، وهي باقية في الأرض إذ تدعو آية البحث كل جيل من المسلمين للخوف من الله , ويتجلى هذا الخوف بطاعة الله وإجتناب معصيته .
من غايات الآية
في الآية مسائل :
الأولى : تأكيد حقيقة وجود الشيطان في الأرض وعداوته للناس جميعاً بما فيهم الكفار الذين يتولونه .
الثانية : بعث الطمأنينة في نفوس المسلمين من عداوة الشيطان لبيانها بعده عنهم في ذاته وأثره ، وفيه حجة على الناس لوجوب طاعة الله والإنقطاع إلى عبادته .
الثالثة : ذكر آية البحث لوهن وضعف الذين كفروا لأن ولايتهم لله عز وجل جلبت لهم الخوف منه ومن خطره ، بينما يجب عليهم الخوف من الله عز وجل .
فصحيح أن الخطاب في آية البحث [وَخَافُونِي ] ( ) موجه للمسلمين إلا أنه يشمل الناس جميعاً ، وهو من بركات نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن تنزل الآية القرآنية أمراً أو خطاباً أو نداء للمسلمين ، ولكنها تشمل الناس جميعاً لهدايتهم إلى النجاة من الوهم والزيف وحبائل الشيطان.
الرابعة : بيان قانون وهو أن الذين كفروا لا يستطيعون إخافة أحد ، لأنهم في ذاتهم خائفين من الشيطان ، فهم أنفسهم خائفون من الوهم ، ويمكن القول بقانون وهو من وجوه :
الأول : قانون الخوف من الشيطان غشاوة دون الخوف من الله .
الثاني : المؤمنون لا يخافون من أولياء الشيطان .
الثالث : قانون مناجاة المسلمين بعدم الخوف من الشيطان .
الرابع : قانون عدم إجتماع الخوف من الله والخوف من الشيطان ، قانون الخوف من الله جنة ، والخوف من الشيطان طريق إلى النار ، قال تعالى [وَمَنْ يَكُنْ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا] ( ).
الخامس : آية البحث من مصاديق قوله تعالى [وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ]( ) من وجوه :
الأول : إزدراء المسلمين للشيطان وخطواته وأثره عز وشرف لهم .
الثاني : عدم خوف المسلمين من الذين كفروا منعة وقوة لهم .
الثالث : الخوف من الله نعمة وواقية .
ترى ماذا لو لم تنزل آية البحث ، وكان المسلمون يخافون من الذين كفروا ، الجواب لا يعلم الخسارة التي تحيق بالمسلمين والناس جميعاً من هذا الخوف إلا الله عز وجل ، فجاءت آية البحث لحصانتهم من الفزع والرهبة من سيوف وكثرة جيوش الذين كفروا .
ومن فضل الله عز وجل على المسلمين أنه نصرهم في معركة بدر ، قال تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ] ( ) ليكون هذا النصر مدداً وعوناً لهم لعدم الخوف من شر الشيطان وأوليائه ، فصحيح أن الدنيا دار إمتحان وإختبار إي أن الله عز وجل خفّف عن المسلمين بأن جعل نصرهم في معركة بدر مقدمة للإحتراز من الخوف من هجوم ثلاثة آلاف رجل في معركة أحد وعشرة آلاف في معركة الخندق ، وهو من فيوضات النصر في معركة بدر واتصال موضوعه وأثره بالشكر لله عز وجل ، وعدم الخوف من الذين كفروا ، فمن البديهيات أن النصر على العدو برزخ دون الخوف منه فكيف وقد جاء نصر المسلمين من عند الله عز وجل ، ليكون من وجوه تقدير الآية أعلاه بلحاظ آية البحث وجوه:
الأول : ولقد نصركم الله ببدر على أولياء الشيطان .
الثاني : ولقد نصركم الله ببدر لأن الشيطان يخّوف عدوكم .
الثالث : ولقد نصركم الله ببدر لأنكم تخافون الله، وهذا الخوف نصرة ورحمة من الله عز وجل، قال تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ]( ).
الرابع : ولقد نصركم الله فلا تخافوا من الذين كفروا .
الخامس : ولقد نصركم الله ببدر لتخافوا من الله ويصاحبكم هذا الخوف في الدنيا ، ويكون أمناً وسلاماً في الآخرة أما الذين كفروا فأنهم لا يخافون من الله ، إنما يخافون من الشيطان ، ليكون هذا الخوف وبالاً عليهم في الدنيا والآخرة ، وسبباً لغضب الله عز وجل عليهم ، وهل آية البحث من هذا الغضب أم أنها رحمة عامة ، تشمل الذين كفروا وإن اتخذوا الشيطان ولياً .
الجواب لا تعارض بين الأمرين , وهو من بديع صنع الله عز وجل وأسرار خلافة الإنسان في الأرض وبركات نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
السادس : ولقد نصركم الله ببدر ليخاف الناس من الله , ولا يخافون من أولياء الشيطان .
وجاء الخطاب [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ]( ) موجهاً إلى الناس لأنه نصر على الشيطان ، الذي هو عدو لهم جميعاً ، ليشمل هذا النصر ذات الذين كفروا لأنه نصر للمسلمين لإيمانهم فيكون نوع إنذار ووعيد للكفار والمنافقين ، ودعوة لهم لنبذ الكفر ومفاهيم الجحود .
السابع : ولقد نصركم الله ببدر لأنكم مؤمنون بقانون وهو تفضل الله عز وجل بنصر المؤمنين في الدنيا , وفوزهم بالأجر والثواب في الآخرة .
الثامن : لقد نصركم ببدر ليكف ويتوب الذين كفروا عن ولايتهم للشيطان .
وهو من الإعجاز والذخائر في نصرة الله للمؤمنين في كل زمان من بدايات وجود الإنسان في الأرض ، واختارت طائفة من الناس حب غلبة الهوى والنفس الشهوية , واتباع زيغ الشيطان .
وأثنى الله على المؤمنين , وبشرهم بالجنة , قال تعالى [أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ] ( ).
التاسع : لقد نصركم الله ببدر ولم ينفع الذين كفروا تخويف الشيطان لهم .
العاشر : لقد نصركم الله على الذين يخوفهم الشيطان من أولياءه.
الحادي عشر :لقد نصركم الله ببدر لينزجر أولياء الشيطان في أم القرى وما حولها .
الثاني عشر : لقد نصركم الله ببدر وسينصركم في المعارك اللاحقة لأنكم مؤمنون تخافون الله , وفي التنزيل[لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ]( ).
ومن الإعجاز في ألفاظ القرآن عدم ورود لفظ مواطن إلا في الآية أعلاه.
ليكون من معاني الآية أعلاه اقتران السكينة بالنصر ، وهو من شكر الله سبحانه للمسلمين ، بلحاظ كبرى كلية وهي أن مصاديق شكر الله عز وجل للعباد متعددة من جهات :
الأولى : الكم والمقدار .
الثانية : الماهية والكيف .
الثالثة : التوالي والتعاقب .
الرابعة : التعدد والكثرة .
الخامسة : حضور شكر الله عز وجل للمسلم عند الحاجة .
السادسة : مضاعفة شكر الله عز وجل بالدعاء ، وهل تختص هذه المضاعفة بالدعاء والمسألة ، الجواب لا ، إنما تأتي إبتداء من فضل الله ، كما في قوله تعالى [فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ] ( ) إذ يتعدد ويتوالى الفضل والشكر من الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه على دفاعهم في معركة أحد ، وعلى خروجهم إلى حمراء الأسد .
وهل قوله تعالى [وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ] ( ) من هذا الشكر والفضل من عند الله ،الجواب نعم ، وتقدير الآية : فانقلبوا باتباع رضوان الله ، وهو لا يتعارض مع الثناء عليهم لإختيارهم الهداية ، وعدم الخوف أو الرهبة من أولياء الشيطان الذين جهزوا الجيوش لقتالهم في معركة أحد ، ثم تناجوا بالكرة والرجوع إلى المسلمين لقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإجهاز على أهل بيته وأصحابه .
ومن إعجاز الآية القرآنية أن غاياتها توليدية، ولا تقف عند حدّ مخصوص، فيترشح عن كل غاية كريمة منها غايات متجددة ومستحدثة، وهو من أسرار بقاء الآية القرآنية غضة طرية إلى يوم القيامة.
لقد أراد الله عز وجل للمسلمين أن يكونوا في حال عز وشأن وسلامة من الوهن من الضعف، قال تعالى[وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ]( )، وتفضل الله عز وجل ونجّاهم من الوهن بالسلامة من الخوف من الذين كفروا، ليكون عدم الخوف منهم مقدمة للقائهم في ميدان المعركة، والدفاع عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والتنزيل .
وهل تنمي لغة الشرط في خاتمة آية البحث[إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ] ملكة الإيمان عند المسلمين , الجواب نعم، ليكون كل من الخوف من الله، وعدم الخوف من الذين كفروا شاهداً على الإيمان ونوع طريق لتقوية إيمان المسلمين.
التفسير
قوله تعالى [إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ]
ابتدأت آية البحث بأداة الحصر (انما ) الذي يدل على أن الشيطان لا يقدر على تخويف غير أوليائه .
وفيه بشارة للمسلمين وهو من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ) بلحاظ أن من مصاديق [خَيْرَ أُمَّةٍ] سلامتهم من كيد وتضليل الشيطان .
وفيه ترغيب للناس بدخول الإسلام ، فمن شاء أن ينجو من تخويف الشيطان له ، فعليه بالإيمان ، قال تعالى [أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ] ( ) والخوف داء يصيب النفس ، وقد يسبب أمراضاً بدنية، ويجعل الإنسان في ضيق وحسرة ، وقد يمنعه من إتخاذ السير في جادة الصواب ، لذا ترى كل مسلم ومسلمة يتلوان قوله تعالى[اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]( ) عدة مرات في اليوم .
وهل هذه التلاوة واقية من تخويف الشيطان ، الجواب نعم .
وذلكم اسم اشارة للبعيد ، وهي كلمة مركبة من :
الأول : اسم الإشارة (ذا) إذ حذف الألف منه لدخول لام البعد عليه .
الثاني : لام البعد .
الثالث : كاف الخطاب .
الرابع : ميم جمع المخاطب بالكلام.
ووردت [ذَلِكُمْ] نحو أربعين مرة من القرآن .
وقد يأتي فيها معنى البعد للتعظيم والتفخيم كقوله تعالى[ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ]( ).
وجاء اسم الإشارة للبعيد بقصد تعظيم المشار إليه كما في قوله تعالى[ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ]( ) وتقدم اسم الإشارة في الآية أعلاه وتعقبه صفات حسن تميزه عن غيره.
والقطمير القشرة الرقيقة في شق النواة أي لا يملك الشركاء ومنهم الأصنام شيئاً وان كان حقيراً ، لتكون مضامين الآية أعلاه دعوة كريمة دعوة من جهات :
الأولى : دعوة للمسلمين للثبات على الإيمان .
الثانية : زجر الذين كفروا عن الإقامة في مستنقع الخوف من الشيطان .
الثالثة : حث عامة الناس على عدم إتباع الذين كفروا ، الذين يجلبون إلى الأرض الحرب والقتال , ويحاولون نشر مفاهيم الباطل وعبادة الأصنام.
وقد تأتي ذلكم للتبكيت والتفظيع كما في آية البحث وقوله تعالى[وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ] ( ) .
لقد إبتدأت آية البحث بأداة الحصر ( انما ) واسم الإشارة ( ذلكم) للدلالة على وجوه :
الأول : صيرورة الشيطان بعيداً عن المسلمين ، وهل يختص الأمر وهذا البعد بالذي يتلو القرآن ، الجواب لا .
الثاني : بيان فضل الله عز وجل على الناس في الحياة الدنيا ، بجعل ذات الشيطان بعيداً عنهم ، ليكون خطره وغمزة أبعد عنهم بلحاظ نزول آيات القرآن .
الثالث : دعوة المسلمين وأهل الكتاب والناس جميعاً لشكر الأنبياء ، على جهادهم في دفع الشيطان وإغوائه عن الناس ، وهو من مصاديق وجوب تصديق المسلمين بنبوة الأنبياء على نحو العموم الإستغراقي من غير تفريق بينهم ، وفي التنزيل[وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا]( )والإيمان بالرسل هو التصديق الجازم ببعثتهم , وأن كل واحد منهم صادق في رسالته وتبليغه عن الله ، وقام بتبليغ الرسالة وما أنزل إليه من عند الله ، ومع أن لفظ النبي أعم من لفظ الرسول فانه قد يأتي أحدهما والمراد منه الجميع ، وقد ورد الخطاب في القرآن للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باسم بصفة النبوة، قال تعالى[يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا]( ).
وجاء الخطاب له في القرآن باسم الرسول كما في قوله تعالى[يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ]( ) ومن إعجاز القرآن ورود لفظ النبي والرسول في آية واحدة ، قال تعالى[وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ]( ).
الرابع : دلالة بعد الشيطان عن المسلمين والناس في مفهومه على قانون وهو قرب الله عز وجل من الناس ، قال تعالى[وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ] ( ).
لقد ورد ذكر الشيطان في الآية والمراد اسم الجنس والمعنى الأعم من شياطين الإنس والجن ، وهل يكون أولياء الشيطان شياطين ، الجواب ، قد يتمادى بعضهم في الغي والفسوق ، وهو من وجوه احتجاج الملائكة على جعل الإنسان [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( ) فمن صيغ الشيطنة الفساد في الأرض، وسفك الدماء بغير حق ، فانزل الله عز وجل آية البحث لقيام المسلمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وكل من الأمر والنهي في المقام شاهد على الخوف من الله عز وجل ، والمبادرة في طاعته ، ورجاء الثواب والأجر منه ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ] ( ).
فمن خصائص المتقين القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ومن مقوماته الخشية من الله عز وجل ، وعدم الخوف من الذين كفروا ، فان قلت قد تكون الحكومة للتقية لقوله تعالى [شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً]( ).
قوله تعالى [يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ]
لقد جاء القرآن بتقسيم الناس بحسب الولاء والإعتقاد وسنخية الفعل وهم :
الأول : أولياء الله الذين يتصفون بالتقوى ، وقد أكرمهم الله بالثناء عليهم في القرآن ، ووعدهم حسن الجزاء والعاقبة الحميدة ، قال تعالى [أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ] ( ) ولا تختص ولاية الله في المقام بالعلماء والفقهاء وحملة القرآن ، إنما تشمل أهل الصلاح من الرجال والنساء سواء من [خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ) أو من الأمم السالفة ومن أيام أبينا آدم , وبين أولياء الله والأنبياء عموم وخصوص مطلق فأولياء الله أعم ومنهم أتباع الأنبياء .
الثاني : أولياء الشيطان الذين يرتكبون المعاصي وينقادون لأمر الشيطان ويفعلون ما يأمرهم ، قال تعالى [وَمَنْ يَتَّخِذْ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا * يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا * أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا] ( ) ويتجلى في هذه الآيات الإعجاز من جهات:
الأولى : قانون وجوب ولاية الله عز وجل .
الثانية : لا يتخذ أحد الشيطان ولياً من دون الله عز وجل .
الثالثة : الخسران المبين في النشأتين لمن اتخذ الشيطان ولياً , وذكر هذا الخسران في الآية أعلاه بيان لواقع حال في الحياة الدنيا ، وهو التخويف والوعيد للذين كفروا .
ترى ما هي النسبة بين الذين كفروا وأولياء الشيطان , تحتمل وجوهاً :
الأول : التساوي .
الثاني : نسبة العموم والخصوص المطلق ، وهو على شعبتين :
الأولى : الذين كفروا أعم من أولياء الشيطان .
الثانية : أولياء الشيطان هم الأعم والأكثر .
الثالث : نسبة العموم والخصوص من وجه , فهناك مادة للإلتقاء ومادة للإفتراق بينهما .
والمختار هو الشعبة الثانية من الوجه الثاني ، لذا فان قوله تعالى [فَلاَ تَخَافُوهُمْ]( ) ثناء على المسلمين , وتنزيه لهم من الخوف والخشية من الذين كفروا .
ومن المسلمات شدة عداوة الشيطان للناس مجتمعين ومتفرقين ، ذكوراً وأناثاً ، وقد جاء القرآن والكتب السماوية السابقة بالتحذير منه , ومن مكره , والإيمان هو الواقية منه ، ومن قبائح الشيطان أمور :
الأول : التدليس إذ يخفي الشيطان العيب والضرر في فعل المعصية .
والتدليس في اسناد الحديث أمر آخر ، إذ يسقط الراوي اسم الذي سمع منه ، ويذكر الذي قبله وأعلى منه طبقة ممن لم يره ولم يسمع منه للتباين في الطبقة .
ومن الإعجاز في آية البحث أنها لم تقل بأن أولياء الشيطان يخافون منه، لبيان عجزه عن جعل الناس يخافون منه ، ويطيعونه خشية من سلطانه أو إنتقامه ، فليس له سلطان على أحد من الخلائق ، إنما ذكرت آية البحث ذات تخويف الشيطان ليبقى متعلق وموضوع التخويف مفتوحاً يشمل الوقائع والمسائل المستحدثة .
ومنه ما يمليه الله عز وجل للكافرين من الخير فانه يصير سبباً لتخويف الشيطان لهم ، وليس لخوفهم من الشيطان ، لبيان قانون وهو أن الله عز وجل ينعم على العباد ولا يجعل النعمة سبباً للفتنة والإفتتان إنما تكون ولاية الشيطان والإنقياد إلى النفس الشهوية نوع سبب للفتنة .
لقد أخبرت آية البحث عن كون الكافرين أولياء للشيطان ترى ما هي النسبة بين جنود الشيطان وبينهم ، الجواب هو العموم والخصوص المطلق ، لأن معنى الجند في المقام أعم وأكثر ، وللشيطان جنود من الجن ، وهل له جنود من الدواب والأنعام كما قال بعضهم ، الجواب لا دليل عليه ، إنما القدر المتيقن من جند إبليس هم من الجن والإنس ، قال تعالى [فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ] ( ).
(عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: “خمس فواسق يُقتلن في الحل والحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور”)( ).
ولكن هذا لا يعني أنها من جند الشيطان أو أنه يحرضها على الفساد ، فلا سلطان له عليها .
إنما تكون بذاتها من أسباب الفساد .
ومعنى الكلب العقور أي الذي يعقر ويجرح ويعض .
وقال مالك بالمعنى الأعم من الكلب بأن كل ما عض الناس وأخافهم وأفزعهم مثل الأسد والنمر والفهد والذئب فهو من الكلب العقور .
والقدر المتيقن في المقام هو الكلب الذي يعتدي على الناس , ولأنه مع الناس في حراسة بيوتهم ومواشيهم الأمراض وداء الكلب ، وتصعب السيطرة عليه لقاعدة لا ضرر ولا ضرار .
وتضمن حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم الدواب التي تعايش الناس في يومهم وليلتهم وليس الحيوانات البرية التي لا تدخل المدن ، والتي يباح قتلها عند الدفاع عن النفس ، والخشية من مباغتتها ، ولكن ليس بقصد الإفناء للنوع .
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (لولا أنّ الكلاب أُمّة من الأُمم لأمرت بقتلها ) ( ).
لبيان أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يرضى بفناء أمة وجنس من الحيوانات أو إتلاف جيل من الخلائق , وفيه معجزة من السنة النبوية ، إذ تجتهد بعض الدول ومنظمات حماية الحيوان بالحفاظ على الحيوانات المهددة بالإنقراض ، وينفقون لأجله الأموال , ليكون إجتهادهم هذا إستجابة لدعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لتعاهدها ، وليعلم أهل الأرض أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم حافظ على البيئة وأجناس الحيوان كلها ، فقد بعثه الله عز وجل في مجتمعات تقتل البنت حال ولادتها ، وتدفنها حية لا لشئ إلا لأنها ولدت انثى وليس ذكراً فمن باب الأولوية أن تفني أنواعاً من الدواب ، فجاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليحرم الوأد ويتلو عليهم الآيات التي تحذر منه ، كما في قوله تعالى [وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ] ( ) .
ثم بيَن للناس قانوناً وهو كل جيل من الحيوانات هو أمة من الأمم يجب الإمتناع عن اتلافها وانقراضها ، قال تعالى [وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ] ( ) .
والولي هو الله عز وجل وحده ، وفي التنزيل [فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ] ( ) وليس من ولي في الدنيا والآخرة إلا هو سبحانه وهو الرب والمعبود والمنعم على الخلائق كلها .
(والمَوْلَى: الوَلِيُّ، واللهُ تَعالى مَوْلاَه: أي وَلِيُّه) ( ).
(عن البراء قال : لما نزلنا مع رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع كنّا بغدير خم فنادى إن الصلاة جامعة وكسح رسول اللّه عليه الصلاة والسلام تحت شجرتين وأخذ بيد علي،
فقال : ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟
قالوا : بلى يا رسول اللّه،
قال : ألست أولى بكل مؤمن من نفسه؟
قالوا : بلى يا رسول اللّه،
قال : هذا مولى من أنا مولاه , اللهم والِ من والاه وعاد من عاداه.
قال : فلقيه عمر فقال : هنيئاً لك يا ابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة) ( ).
وتدل آية البحث على كون تخويف الشيطان للذين كفروا من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً بلحاظ تعلقهم بولايته وانقيادهم إليه ,إذ أن مصاديق الكفر والتلبس فيه على درجات ، فلذا حينما [الْتَقَى الْجَمْعَانِ] ( ) يوم بدر .
انقسم جيش المشركين إلى أقسام :
الأول : الذين أرادوا إجتناب القتال .
الثاني : الذين كرهوا القتال .
الثالث : الذين مشوا بين المشركين يدعونهم إلى الإمتناع عن القتال .
الرابع : الذين يرغبون بالانصراف من غير قتال .
الخامس : الذين أصروا على القتال مثل أبي جهل وعقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث .
والقسم الأخير هو أقل الأقسام أفراداً وعدداً ، ومع هذا بدأ المشركون القتال , وهو من أسرار تحذير القرآن من الطاغوت , قال تعالى [وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلاَلَةُ] ( ) .
أما النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه فلم يكونوا يرغبون بالقتال ولم يكونوا مستعدين للقاء نحو ألف من المشركين بدليل قوله تعالى [وَإِذْ يَعِدُكُمْ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ] ( ).
على حتمية هزيمة جيش المشركين في معركة بدر ، الجواب نعم ، لأصالة الإطلاق في الخسران الذي تذكره الآية أعلاه ، فان قلت قد تنخرم هذه القاعدة بعدم خسارة جيش المشركين في معركة أحد ، والجواب بلى قد خسروا خسارة عظيمة من جهات :
الأولى :كثرة قتلى المشركين يومئذ إذ سقط منهم اثنان وعشرون رجلاً .
الثانية : قتل حملة لواء المشركين يوم أحد، واحداً بعد آخر ، وسقط اللواء في الأرض ، حتى حملته امرأة منهم ، وهي عمرة بنت علقمة الحارثية فاجتمعوا حوله .
الثالثة : إختيار الذين كفروا الإنسحاب من المعركة .
الرابعة : ثبات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الميدان إلى حين مغادرة جيش المشركين .
الخامسة : مصاحبة الخيبة والندامة للذين كفروا في خروجهم وعودتهم من المعركة .
السادسة : دلالة قوله تعالى [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ] ( )على خسارة جيش الذين كفروا وعجزهم عن تحقيق النصر .
ولقد أشار القرآن لحضور إبليس لمعركة بدر ، فهل حضر معركة أحد أم لم يحضر ، الجواب هو الأول ، لوحدة الموضوع في تنقيح المناط .
وبخصوص معركة أحد قال ابن سعد (ونادى ابليس ان محمدا قد قتل واختلط المسلمون فصاروا يقتتلون على غير شعار ويضرب بعضهم بعضا ما يشعرون به من العجلة والدهش ونادى المشركون بشعارهم بالعزى بالهبل.
فأوجعوا في المسلمين قتلا ذريعا وولى) ( ).
ولكن آية البحث تنفي أن يكون نداء إبليس وكذبه وادعائه زوراً بأن النبي محمداً قد قُتل سبباً في إرباك المسلمين ، وقتل بعضهم بعضاً .
إنما جاءت الخسارة لأن الرماة المسلمين تركوا مواضعهم ,خلافاً لأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولم ترد الأخبار بأن المسلمين اقتتلوا فيما بينهم يوم معركة أحد ، إنما ورد الخبر بقتل حسيل بن جابر والد حذيفة إذ كان هو وثابت بن وقش في الأطام ( ) مع النساء والصبيان لكبر سنهما , فتناجا بينهما بالدفاع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والإسلام, وطلب الشهادة وأنهما أشرفا على الموت , فخرجا حتى دخلا في الناس , ولم يعلم بهم (فأما ثابت بن وقش فقتله المشركون وأما حسيل بن جابر فاختلفت عليه أسياف المسلمين فقتلوه ولا يعرفونه فقال حذيفة أبي والله أبي .
قالوا : والله ان عرفناه , وصدقوا .
فقال حذيفة يغفر الله لكم وهو ارحم الراحمين فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يديه فتصدق حذيفة بديته على المسلمين فزاده عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خيرا.) ( ).
وسبب قتل حسيل أنه جاء إلى الميدان متأخراً ، ولم يكن من ضمن الجيش .

علم المناسبة
ورد لفظ [أَوْلِيَاءَ] في القرآن اثنتين وأربعين مرة , منها أربع وثلاثون مرة بلفظ [أَوْلِيَاءَ] على نحو مستقل ، وجاء في آية البحث بصيغة الإضافة إلى المفرد [أَوْلِيَاءَهُ] ولم يرد في القرآن إلا في آية واحدة أخرى وعلى نحو متكرر فيها بقوله تعالى [وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمْ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ] ( ).
وهل منع المشركين للمسلمين من حج البيت الحرام وأداء العمرة من ولاية الشيطان والخوف منه ، الجواب نعم ، لإقامة الحجة على المشركين بآية البحث بأن الذي يتخذ الشيطان ولياً لا يصلح أن يكون وليا للبيت الحرام ، وفيه تكذيب لرؤساء الشرك في مكة الذين أدعوا أنهم أولياؤه ، وكانوا يحرضون الناس على قتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باسم هذه الولاية .
لقد أرادوا الخلط على الناس وتشويه رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعزوف الناس عن آيات التنزيل .
لقد نزل القرآن بنفي ولاية الذين كفروا للبيت الحرام مع الإخبار عن ولايتهم للشيطان ، وبيان التعارض بين تولي الشيطان وبين ولاية البيت ، فالذي يكون منقاداً للشيطان في مسالك الضلالة , وتابعاً لهواه لا يصلح لأن يتولى البيت ، ويتعاهده ويعتني بعماره ، بل إن أولياء الشيطان يصدّون الناس عن البيت .
ومن وجوه هذا الصدود محاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونصب الأصنام في البيت الحرام .
وفي قوله تعالى [إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ]( ) مسائل :
الأولى : البشارة بفتح مكة .
الثانية : حث المسلمين على التقيد بسنن التقوى والخشية من الله عز وجل .
الثالثة : بيان قانون وهو أن التقوى سلاح وطريق للولاية والرئاسة العامة .
الرابعة : الإخبار عن عجز المشركين عن استئصال الإسلام .
الخامسة : البشارة بظهور الإسلام وقهر الشرك والضلالة في مكة وما حولها ، وهو من أسرار تسميتها أم القرى في قوله تعالى [وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لاَ رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ] ( ) .
السادسة : اتخاذ الشيطان ولياً ومتبوعاً حاجب ومانع من التولية على البيت الحرام ، وهو من مصاديق الصدود في قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ] ( ).

بحث بلاغي
من ضروب البلاغة الحصر ويسمى أيضاً القصر ، وهو تخصيص أمر بآخر لا يتعداه إلى غيره ، وهو أيضاً إثبات حكم لذات ونفيه عما عداها، سواء كانت هذه الذات متحدة أو متعددة ، وجاءت آية البحث بقصر صفة ولاية الشيطان على المتعدد من رؤساء الكفر بقوله تعالى [يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ] ( ).
فان قلت اثبات شي لشئ لا يدل على نفيه عن غيره ، والجواب من جهات :
الأولى : بيان آية البحث لبعد الشيطان شاهد على عجزه عن تخويف غير رؤساء الكفر .
الثانية : موضوعية اختيار ولاية الشيطان في الخوف منه ، فمن لم يتخذ الشيطان ولياً لا يقدر ، الشيطان على فتنته وتخويفه ، قال تعالى [إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ] ( ) .
الثالثة : لم يرد لفظ (سلطانه) في القرآن إلا في الآية أعلاه ، ومن إعجاز نظم القرآن إبتداء الآية أعلاه وآية البحث بأداء الحصر (إنما) وتعلق كل منها بتولي الذين كفروا للشيطان .
لبيان معنى ولايتهم له في آية البحث ، إذ أنها تحتمل وجوهاً :
الأول : ولاية الشيطان للذين كفروا .
الثاني : تولي الشيطان لأمور الذين كفروا .
الثالث : إختيار الذين كفروا ولاية الشيطان .
والصحيح هو الأخير لبيان قانون وهو عجز وتخلف الشيطان عن الولاية والتولي والتولية ، لذا فهو يتبرأ من الذين كفروا وولايتهم له في الدنيا والآخرة .
وفي التنزيل [لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] ( ) في القرآن إلا في آية البحث .
علم المناسبة
ورد لفظ [يُخَوِّفُ] مرتين في القرآن ، إذ جاء بقوله تعالى [لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنْ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ] ( ) لبيان قانون وهو أن تقوى وخوف وخشية الإنسان من الله تنجيه من أهوال يوم القيامة .
ومن التقوى التي تذكرها الآية أعلاه السلامة والوقاية من تخويف الشيطان ، ومن الخوف من أوليائه .
وهذه السلامة مقدمة للخشية من الله والإستعداد لمواطن الحساب في يوم القيامة .
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (“إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله، عز وجل، يرسلهما يخوّف بهما عباده، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره”)( ).
وتتغشى هذه الآيات الكونية الناس جميعاً لتشملهم لغة التحذير والإنذار ، وكل من الشمس والقمر يدعوان الناس إلى الصلاح .، أما تخويف الشيطان فهو محصور بأوليائه ويريد منه غوايتهم والإضرار بهم في الدار الدنيا وفي الآخرة ، فهناك تباين بين تخويف الله عز وجل , وتخويف الشيطان من جهات :
الأولى : تخويف الله عز وجل عام للناس جميعاً وينحصر تخويف الشيطان بأوليائه .
الثانية : في تخويف الله عز وجل للناس رحمة بهم ، ونوع طريق لرقيهم، وهو سبيل إلى هدايتهم ، قال تعالى[هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ] ( ).
الثالثة : من رحمة الله عز وجل بالناس شمول الذين كفروا وأولياء الشيطان بتخويفه وانذاره وتحذيره ، سواء بالآيات الكونية أو آيات التنزيل، قال تعالى [فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ]( ).
الرابعة : الخوف من الله عز وجل صلاح وباب للثواب ، أما الخوف من الشيطان فهو خزي وشر محض .
الخامسة : يدعو الخوف من الله إلى الكف والتوبة والتخلص من الخوف من الشيطان .
السادسة : الخوف من الله عز وجل روضة ناضرة , وأمن في الآخرة، أما الخوف من الشيطان فهو كدورة , ووبال على صاحبه في الدارين .
السابعة : يقود الخوف من الله إلى الإيمان، وهو فرع منه, أما الخوف من الشيطان فانه يسوق صاحبه إلى النار .
الثامنة : الخوف من الله إنزجار عن المآثم، ومانع من إرتكاب المعاصي التي يدعو لها الشيطان .
ولم يرد [تخافوهم] ولفظ (خافون) في القرآن إلا في هذه الآية الكريمة، ليتفقه المسلمون في الدين ، ويرتقوا في المعارف الإلهية، وتتوارث أجيالهم الخوف من الله عز وجل ، وعدم الخوف من القوم الظالمين الذين أصروا على إتباع الشيطان .
قوله تعالى[فَلاَ تَخَافُوهُمْ]
وردت آية البحث جامعة لصيغة الجمع والنهي وتقديرها : يا ايها الذين لا تخافوا أولياء الشيطان ، وكيف تخافون منهم وهم اتباع عدوهم وعدوكم الذي لا يأتي إلا بأسباب الغواية والضلالة .
ومن إعجاز الآية اكرام المسلمين والمسلمات بخطابهم بالآية مجتمعين ليتحدوا ويتعاونوا في العصمة من الخوف من الذين كفروا ، وهذه العصمة والطريق إليها من مصاديق قوله تعالى [وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى] ( ) وتقدير الآية بصيغة المفرد على وجوه :
الأول : يا أيها الذي آمن لا تخف من أولياء الشيطان .
الثاني : يا أيتها اللائي آمنّ لا تخفنّ من الذين كفروا .
الثالث : يا أيها الذي آمن لا تخف من ولي الشيطان .
الرابع : يا أيها الذين آمن لا تخف من ولّيات الشيطان .
الخامس : يا أيتها التي آمنت لا تخافي من ولّيات الشيطان.
السادس : يا أيتها اللائي آمنت لا تخافي من ولية الشيطان .
وهل يختص وجوب عدم الخوف من الذين كفروا بالمسلمين الذكور، الجواب لا , إنما تشمل الآية المسلمات، ومن معانيها وجوه :
الأول : عدم إختصاص مضامين آية البحث بميدان القتال.
الثاني : بعث المسلمات على تعظيم شعائر الله، وقيامهن بحث المؤمنين على الدفاع، والصبر في ميادين القتال.
الثالث : من عموم الإعجاز في آية البحث قيام بعض الصحابيات بالقتال والذب عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما في أم عمارة يوم معركة أحد.
ومن رشحات الخوف من المخلوق الإبتعاد عنه ، لذا فان آية البحث تدل بالدلالة الإلتزامية على إجتناب أولياء الشيطان ، قال تعالى [وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ] ( ).
أما الخوف من الله عز وجل فهو شاهد على الإيمان به ، ولجوء إليه واستجارة به .
ومن الإعجاز في آية البحث مجيؤها بحرف العطف الفاء الذي يفيد التعقيب والتوالي ( فلا تخافوهم ) فحالما يختار الإنسان الضلالة وولاية الشيطان يجب على المسلمين عدم الخوف والخشية منه ، ولا يصح هذا الخوف على أمل ورجاء توبته .
وتسعى الدول والمؤسسات إلى تحقيق الأمن الفكري وسلامة العقل من حال القلق والإضطراب، والجوارح من الإرتباك، وجاءت آية البحث قبل أكثر من ألف واربعمائة سنة بالأمن الفكري، وهو فرع الإيمان بالله عز وجل ، ومن مصاديق قوله تعالى[أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ]( ) لزوم إقتران الإيمان بالله بذكره تعالى في السر والعلانية ، ليكون هذا الذكر على وجوه :
الأول : الأمن في الدنيا ، وهو على شعب :
الأولى : الأمن الفكري .
الثانية : الأمن العقدي .
الثالثة : الأمن النفسي والقلبي .
الرابعة : الأمن السلوكي .
الخامسة : الأمن من الذات للغير والتنزه عن الظلم .
السادسة : التحلي بالصبر لدفع ظلم الآخرين .
السابعة : الأمن المجتمعي .
ويتحد الأمن والإيمان في أصل الإشتقاق ليكون من معانيه أن النسبة بينهما هو العموم والخصوص المطلق ، فبالإيمان يأتي الإطمئنان , وبالجحود والكفر يكون الخوف والفزع والفوع المتجدد.
وقد يأتي الأمن على نحو عرضي رحمة من الله كما في تغشي النعاس للمؤمنين آنا ما في معركة أحد لدفع الخوف المتوقع ، كما في قوله تعالى [إِذْ يُغَشِّيكُمْ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ] ( ) .
الثاني : الأمن في الآخرة : وهو حاجة وضرورة , إذ يتعطل العمل ويحشر الإنسان قهراً في مواطن الحساب ، ليفوز الذين غادروا الدنيا بقلوب وجلة من الله عز وجل .
وورد[فَلاَ تَخَافُوهُمْ] في آية البحث بعد أن ذكرت الذين كفروا بصفة ولايتهم وانقيادهم للشيطان , وجاءت بالنهي عن الخوف منهم لبيان قانون من جهتين :
الأولى : الذي يتخذ الشيطان ولياً هو خائف بذاته .
الثانية : وجوب عدم خوف المسلمين من الذين كفروا وان زحفوا بالجيوش العظيمة للقتال , وتجلى هذا القانون بمبادرة المهاجرين والأنصار إلى الخروج إلى معركة أحد كما في قوله تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ] ( ).
وهل في الآية منع من غلبة النفس الغضبية عند المسلمين ، الجواب نعم، إذ تزجر الآية في دلالتها الإلتزامية عن البطش بالكفار وعن المبادرة إلى غزوهم والهجوم على ديارهم ونهبهم ، فقد تقدم قوله تعالى[الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ] ( ) لبيان معرفة الناس جميعاً والمسلمين وغيرهم بقيام المشركين بحشد الجيوش للإغارة على المدينة ، وفيه شاهد على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لم يغزوا ديار وقرى المشركين ولم يهجموا عليهم ، إنما المشركون هم الذين يهجمون ويغيرون على المسلمين وفيه حجة في قانون (لم يغزُ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحداً) ( ), كما ورد في مقدمة الجزء الثالث والستين بعد المائة .
ترى لماذا جاءت آية البحث بصيغة الجمع [فَلاَ تَخَافُوهُمْ] ( ), الجواب من وجوه :
الأول : الآية إنحلالية ويتوجه الخطاب والنهي فيها لكل مسلم ، وتقدير الآية بلحاظ المفرد على جهات :
الأولى : فلا تخاف الشيطان .
الثانية : فلا تخاف ولي الشيطان .
الثالثة : فلا تخاف أولياء الشيطان.
الثاني : دعوة المسلمين مجتمعين للحيطة والحذر من شر الشيطان .
الثالث : لزوم قيام المسلمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للأمن والسلامة من الشيطان وشروره .
الرابع : تآزر وتعاون المسلمين للسلامة من تخويف الشيطان ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ] ( ) فمما يغيض الشيطان ويطرده من أسباب ومواضع تجمع الناس التعضيد والتأييد بفعل الصالحات ، ومما يفرحه وجنوده التعاون في فعل المعاصي والسيئات .
ومعنى الآية أن نعمة الله سبب لانقلاب ورجوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من حمراء الأسد سالمين ، وكذا بالنسبة لرجوعهم قبله من معركة أحد، ومن وجوه عدم الخشية أو الخوف من أولياء الشيطان استحضار المسلمين لنعمة الله كسبب وعلة لنجاتهم من كيد كفار قريش .
ومن نعمة الله صرف جيش الكفار عن نية الرجوع إلى المدينة لقتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين .
وهل هذا الإستحضار من مصاديق سلامة المسلمين من تخويف الشيطان ، الجواب نعم .
الخامس : الظرفية : من معاني الباء الظرفية وتكون في دلالتها مثل الحرف (في) لبيان أن المسلمين عادوا وقد فازوا بأمرين :
الأول : نعمة الله .
الثاني : فضل الله .
لقد إبتدأت آية البحث بذكر الشيطان ، والتحذير من وسوسته وكيف أنه يقوم بتخويف الذين يتبعونه من الإسلام والتوحيد , وترك عبادة الأصنام .
ترى لماذا لم تقل الآية فلا تخافوه ، الجواب بيان قانون وهو سلامة المسلمين من الخوف والخشية من الشيطان .
وورد حكاية عن الشيطان في التنزيل [قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ] ( ) لبيان إرتقاء المسلمين في سلم المعارف الإلهية ونجاتهم من الزخرف والفتنة التي يسعى إبليس لتقريب أوليائه إليها ، ومن غلبة النفس الشهوية والغضبية .
وتفضل الله ورحم المسلمين والناس في آية البحث , وأنذرهم من الخوف من أولياء الشيطان.
والآية إنحلالية ، وتقديرها على وجوه :
الأول : يا أيها الذين آمنوا لا تخافوا الذين كفروا .
الثاني : يا أيها المسلم لا تخاف الذين كفروا .
الثالث : يا أيتها المسلمة لا تخافي الذين كفروا .
الرابع : يا أيها الذين آمنوا لا تخافوا الكافر وان كان ذا منصب وشأن ومال .
الخامس : يا أيها المسلم لا تخاف الكافر .
السادس : يا أيتها المسلمة لا تخافي الكافر .
السابع : يا أيتها المؤمنات لا تخفن من الذين كفروا .
الثامن : يا أيتها المؤمنة لا تخافي الذين كفروا .
التاسع : يا أيها الذين آمنوا لا تخافوا المرأة التي تتولى الشيطان وأن كانت ذات جاه ومنصب وشأن .
وتدل الآية بالأولوية القطعية على وجوب عدم خوف المسلمين من ذات وحبائل الشيطان .
قوله تعالى [وَخَافُونِي]
والنسبة بين الخوف والرجاء هو التضاد ، ومن خصائص المتضادين استحالة إجتماعهما في محل واحد، ولكنهما إجتمعا في قلب الإنسان بأن يخاف المؤمن الله عز وجل في ذات الوقت الذي يرجو فضله ونواله.
وهل يجتمعان في الموضوع المتحد والزمان الواحد .
الجواب نعم، وهو من الشواهد على تخلف القواعد المنطقية والأصولية عن ماهية خلق الإنسان وأسرار وكنه ذاته، وقد تأتي آية قرآنية واحدة تجمع في منطوقها بين الأمرين كما في قوله تعالى[أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا]( ) .
وجاء إجتماعهما جلياً في الحديث النبوي إذ ورد عن أنس(قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل وهو في الموت , فقال : كيف تجدك؟
قال : أرجو وأخاف قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الذي يرجو ، وأمنه الذي خاف)( ).
وتقدير آية البحث على وجوه منه :
الأول : يا أيها الذين آمنوا خافونِ .
الثاني : يا أيها المسلم خافني .
الثالث : يا أيتها المسلمة خافيني .
الرابع : يا أيتها المسلمات خفن مني .
الخامس : يا أيها الذين آمنوا يجب أن تخافوني .
السادس : يا أيها الذين آمنوا خافون ولا تخافوا من الشيطان [إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ] ( ).
السابع : يا أيها الناس خافون ، فصحيح أن الخطاب موجه إلى المسلمين بدليل خاتمة الآية [إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ].
إلا أن إثبات شئ لشئ لا يدل على نفيه عن غيره ، إنما يأتي الأمر والنهي للمسلمين , ولكنه يشمل الناس جميعاً بلحاظ لزوم عبادة الناس جميعاً لله عز وجل .
ومن معاني ورشحات الخوف من الله عز وجل أمور :
الأول : الخشوع والخضوع لله عز وجل.
الثاني : إجتناب الظلم ، الذي هو قبيح ذاتاً وأثراً.
الثالث : إستحضار ملكة التمييز بين الحق والباطل، وبين الخير والشر.
الرابع : المبادرة إلى أداء حقوق الناس عامة، وبين هذا الأمر والأمر الثاني أعلاه عموم وخصوص مطلق .
الخامس : الإستعاذة بالله من الشيطان الرجيم.
السادس : التنزه عما يوجب سخط الله عز وجل، والعقاب الأخروي، وفي ذم المنافقين , قال الله تعالى[فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ *ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ]( ).
السابع : تزين القلب وشغفه بنور الخوف والخشية من الله عز وجل.
الثامن : الإمتناع عن القول المحرم مثل الغيبة والنميمة .
التاسع : إجتناب الفواحش علانية وخفية .
العاشر : الإدراك المتصل والدائم لقانون من الإرادة التكوينية وهو أن الله عز وجل يراقب ويلحظ العباد جميعاً ، ويدّون ملائكته أقوالهم وأفعالهم، قال تعالى[مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ]( ).
الحادي عشر : من ضروب التباين بين الخوف من الله والخوف من الشيطان وأوليائه، أن الخوف من الله عز وجل يملأ القلب بحب الله عز وجل، بينما يجعل الخوف من الشيطان الإنسان في ضيق وكدر وهمّ.
الثاني عشر : التنزه عن الرياء، وإتيان العمل الصالح لترضية ومدح وإطراء الناس، إنما يأتي الذي يخاف الله عمله الصالح رجاء تحصيل الأجر والثواب من عند الله عز وجل.
وعن شداد بن أوس قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا جمع الله الأولين والآخرين ببقيع واحد ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي ، قال : أنا خير شريك ، كل عَمل عُمل لي في دار الدنيا كان لي فيه شريك ، فأنا أدعه اليوم ولا أقبل اليوم إلا خالصاً . ثم قرأ { إلا عباد الله المخلصين} {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً})( ).
وقيل في الرياء أمران:
الأول : إنه شرك.
الثاني : بطلان العبادة بالرياء .
ولكن آية البحث تبين قانوناً وهو أن الخوف من الله عز وجل أمان من الشرك ومن بطلان العبادة، نعم قد وردت النصوص بالتشديد بلزوم ترك الرياء الذي ورد النص بوصفه:
أولاً : الرياء شرك أصغر.
ثانياً : الرياء: شرك خفي.
ثالثاً : شرك خفي .
وعن أبي سعيد الخدري(قال: كنا نتناوب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فنبيت عنده، تكون له الحاجة، أو يطرقه أمر من الليل، فيبعثنا. فكثر المحتسبون وأهل النُّوب، فكنا نتحدث، فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
فقال: “ما هذه النجوى؟ [ألم أنهكم عن النجوى] .
فقلنا: تبنا إلى الله، أي نبيّ الله، إنما كنا في ذكر المسيح، وفرقنا منه، فقال : “ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم من المسيح عندي؟” .
قلنا : بلى.
قال: “الشرك الخفي، أن يقوم الرجل يصلي لمكان الرجل”)( ).
رابعاً : شرك السرائر .
وهل يجتمع الرياء مع الخوف من الذين كفروا ، الجواب نعم ، فجاءت آية البحث للنهي عنهما مجتمعين ومتفرقين ، إذ أن الخوف من الله عز وجل سلاح وحصن منهما .
الثالث عشر : التفكر في عظيم سلطان الله , وسعة قدرته ، وبديع خلقه وبهاء صنعه , والإطلاق في قوله تعالى[إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ]( ).
الرابع عشر : تذكر الموت ، وأنه خاتمة حتمية لحياة الإنسان في الدنيا ، وهذا التذكر أعم من أن يختص بالقضية الشخصية ، إنما يشمل تذكر موت الغير ، فان تذكر موت الوالدين سبب للمبادرة إلى برهما ، والمسارعة في طاعتهما ، وتذكر موت الظالم دعوة للصبر ، وعدم التعجل في البطش ونحوه .
وفي التنزيل [إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ] ( ) وفيه تذكير بانقطاع أيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وغيره من الناس في الحياة الدنيا ، ولا يبقى إلا العمل الصالح الذي يتقوم بقصد القربة (عن ابن عمر قال : عشنا برهة من دهرنا ونحن نرى هذه الآية نزلت فينا { إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون}( ) فقلت : لم نختصم . أما نحن فلا نعبد إلا الله ، وأما ديننا فالإِسلام ، وأما كتابنا فالقرآن لا نغيره أبداً ولا نحرف الكتاب ، وأما قبلتنا فالكعبة ، وأما حرمنا فواحد ، وأما نبينا فمحمد صلى الله عليه وسلم . فكيف نختصم؟ حتى كفح بعضنا وجه بعض بالسيف ، فعرفت أنها نزلت فينا) ( ).
الخامس عشر : من مصاديق الخوف من الله الثناء عليه ومدحه واتيان العبادات وفعل الصالحات بقصد القربة .
ترى ما هي النسبة بين الخوف من الله وقصد القربة المختار هو العموم والخصوص من وجه ، وأن قصد القربة من مصاديق الخوف من الله , وفيه طاعة لله سبحانه .
وهو لا يتعارض مع كونه من رشحات حب العبد لله عز وجل ، ورجاء ثوابه .
السادس عشر : الخوف من الله نوع طريق للتوكل عليه ، وتفويض الأمور له سبحانه واستجارة به سبحانه ، إذ يدرك المؤمن قانوناً وهو أن كل الخلائق تخاف من الله عز وجل .
لقد أنعم الله عز وجل بالأمر في آية البحث [خَافُونِي]وهو كنز من بطنان العرش ، وذخيرة في يوم القيامة ، ومن منافعه والثمرات العظيمة المترشحة عنه أمور :
الأول : شكر الله عز وجل للعبد الذي يخاف منه .
الثاني : توالي النعم على العبد جزاء من عند الله على الخوف منه .
الثالث : الرفعة والهيبة والإكرام بين الناس .
الرابع : إمتناع الناس عن الإضرار به .
الخامس : إمتلاء النفس بالطمأنينة .
السادس : سلامة القلب من وسوسة الشيطان .
السابع : صرف الأذى والبلاء ليكون من معاني قوله تعالى [يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ] ( ) أن الله عز وجل يمحو البلاء والفتنة الأذى والكرب والشدة والضيق عن المؤمن ويثبت له النعم لخوفه من الله عز وجل ، وهذا الخوف مصداق للتقوى ، ودليل عليها، قال تعالى[وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ] ( ).
الثامن : الخوف من الله عبور على الصراط يوم القيامة ، وتيسير في ذات الصراط من جهة عرضه وسعته وسرعة المرور عليه .
وأخرج عن ابن عباس قال : (فيما ناجى موسى ربه فيما وهب الله لمحمد وأمته حيث قرأ التوراة وأصاب فيها نعت النبي وأمته قال : يا رب من هذا النبي الذي جعلته وأمته أولاً وآخراً؟ قال : هذا محمد النبي الأمي العربي الحرمي التهامي من ولد قاذر بن اسمعيل ، جعلته أوّلاً في المحشر ، وجعلته آخراً ختمت به الرسل ، يا موسى ختمت بشريعته الشرائع ، وبكتابه الكتب ، وبسنته السنن ، وبدينه الأديان قال : يا رب إنك اصطفيتني وكلمتني؟ .
قال : يا موسى إنك صفيّ وهو حبيبي أبعثه يوم القيامة على كوم أجعل حوضه أعرض الحياض وأكثرهم وارداً وأكثرهم تبعاً قال : رب لقد كرمته وشرفته . قال : يا موسى حق لي أن أكرمه وأفضله وأفضل أمته ، لأنهم يؤمنون بي وبرسلي كلهم وكلمتي كلها وبغيبي كله ما كان فيهم شاهداً يعني النبي صلى لله عليه وسلم ومن بعد موته إلى يوم القيامة . قال : يا رب هذا نعتهم؟ .
قال : نعم . قال : يا رب وهبت لهم الجمعة أو لأمتي؟ قال : بل لهم الجمعة دون أمتك . قال : يا رب إني نظرت في التوراة إلى نعت قوم غير محجلين فمن هم ، أمن بني إسرائيل هم أمن من غيرهم؟ قال : تلك أمة أحمد الغر المحجلون من آثار الوضوء . قال : يا رب إني وجدت في التوراة قوماً يمرون على الصراط كالبرق والريح فمن هم؟ .
قال : تلك أمة أحمد . قال : يا رب إني وجدت في التوراة قوماً يصلون الصلوات الخمس فمن هم؟ قال : تلك أمة أحمد . قال : يا رب إني وجدت في التوراة قوماً يتزرون إلى أنصافهم فمن هم؟ قال : تلك أمة أحمد . قال : يا رب إني وجدت قوماً يراعون الشمس مناديهم في جوّ السماء فمن هم؟ .
قال : تلك أمة أحمد .
قال : رب إني وجدت في التوراة قوماً الحسنة منهم بعشرة والسيئة بواحدة فمن هم؟ قال : تلك أمة أحمد . قال يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم شاهرين سيوفهم لا ترد لهم حاجة؟ قال : تلك أمة أحمد . قال : يا رب إني وجدت في التوراة قوماً إذا أرادوا أمراً استخاروك ثم ركبوه فمن هم؟ .
قال : تلك أمة أحمد .
قال : يا رب إني أجد في التوراة نعت قوم يشفع محسنهم في مسيئهم فمن هم؟ قال : تلك أمة أحمد . قال : يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم يحجون البيت الحرام لا ينأون عنه أبداً لا يقضون منه وطراً ابداً فمن هم؟ قال : تلك أمة أحمد .) ( ).
التاسع : العفو ومغفرة الذنوب بفضل من الله عز وجل .
العاشر : فوز العبد الخائف من الله بحب الله سبحانه له ، قال تعالى [وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ] ( ).

آية الخوف
لقد جاء القرآن بالفاء الرجاء والأمل والخوف ليكون الجامع لها هو التحلي بلباس الإيمان بالله عز وجل والتهيئ والإستعداد لليوم الآخر .
ومن أسرار آيات الخوف والرجاء في القرآن بعثها السكينة في النفوس ، كما أنها تجعل الطمأنينة والألفة تتغشى المجتمعات للخشية والخوف من الله وحده [هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ] ( ) .
ومن القواعد الظاهرة أنه إذا ساد الأمن ارتفع الخوف بلحاظ التباين بينهما ، ولكن هذه القاعدة تنخرم ولا تتم لأن الخوف من الله عز وجل أمن بذاته وطريق للأمن .
ووردت مادة (الخوف) في نحو أربعة وعشرين ومائة مرة في القرآن منها ثلاث مرات في آية البحث وهي أكثر الآيات التي ذكر فيها الخوف ، من جهات لفظية :
الأولى : يخّوف .
الثانية : فلا تخافوهم .
الثالثة : خافوني .
لينسخ وينقض الأمر من الله بالخوف منه تخويف الشيطان لأوليائه ، وخوفهم منه ، ويمنع من خوف المسلمين منه ومن أوليائه .
وهل يمنع قوله تعالى[وَخَافُونِي] الجواب نعم ، وهو طريق لتوبة الكفار والمنافقين ، وسبيل إنابة وهداية لهم , وآية البحث قانون في الخوف من جهة الدعوة إلى الواجب منه وهو الخوف من الله ، والنهي عن الزائف منه وهو الخوف من رؤساء الكفر .
ترى لماذا لم تقل آية البحث (فلا تخافوه) أي لا تخافوا الشيطان الجواب لبيان قانون وهو نجاة وعصمة المسلمين من الخوف من الشيطان .
وهو من الرحمة في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن يصبح الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة في مأمن من تخويف الشيطان ، وأداء كل فرد من أفراد العبادة شاهد ودليل على النجاة من الخوف منه ، لذا تفضل الله عز وجل وجعل الصلاة فرض عين على كل مسلم ومسلمة خمس مرات في اليوم ، وفي كل مرة منها إعلان لعدم الخوف من الشيطان ومكره وغدره ، وتطرد الصلاة والتلاوة وحال الخشوع فيها النسيان ، قال تعالى[وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ]( ).
لقد جاءت الآية بالأمر بالخوف من الله لبعث الأمل والرجاء في نفوس المسلمين ، ليكون من معاني تعدد مادة الخوف في الآية الرحمة بالمسلمين ، وترغيب الناس بالإسلام فهو دين عدم الخوف والخشية من الشيطان ومن رؤساء الكفر ، وهو طريق السعادة الأبدية لتقومه بالخوف من الله عز وجل ورجاء رفده وفضله .
قوله تعالى [إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ]
لقد جاء القرآن بلزوم الخشية والخوف من الله عز وجل لأنه واجب ومقدمة للواجب ، وطريق للأجر والثواب ، وتتضمن آية البحث الترغيب بالإيمان والدلالة على منافعه في النشأتين .
ومن معاني الخوف من الله عز وجل طاعته وطاعة رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم بدليل قوله [وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ] ( ) ليكون الخوف من الله على وجوه :
الأول : إنه طاعة لله .
الثاني : إنه طاعة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
ولا تعارض بين خوف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الله عز وجل وكونه أشد المسلمين خشية من الله عز وجل وبين طاعة المسلمين له ، لأن هذه الطاعة بأمر من الله عز وجل ، ومصداق للخوف من عنده سبحانه ، ولينفرد الله عز وجل وحده بالخوف والخشية منه سبحانه .
وليكون من معاني قوله تعالى [قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ] ( ) نزول الوحي من الله عز وجل إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبلزوم خوفه والمسلمين من الله عز وجل , ومصاحبة هذا الخوف لهم وعدم مغادرته الأرض لبقاء آية البحث وعمل المسلمين بمضامينها إلى يوم القيامة، وهو من مصاديق قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ).
وفي التنزيل [فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ]( ) ومن خصائص الإيمان البعث على الخوف من الله ، وترشح هذا الخوف عنه ، وجاء في القرآن في ذم قوم من الأمم السالفة [قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ]( ).
وهل يمكن القول أن الإيمان يأمر بالخوف من الله عز وجل ، الجواب نعم ، فلذا جاء الأمر من عند الله عز وجل للخوف منه ليرتقي المسلمون إلى مراتب الإيمان السامية وليتنزهوا عن النفاق والرياء .
لقد جاءت آيات بذم المنافقين , والتحذير منهم , ولزوم جهادهم بالتبكيت والتوبيخ ، وتتضمن آية البحث جذبهم إلى منازل الصلاح والهداية وتدعوهم إلى التخلص من النفاق ، ومن مصاديق الخوف من الذين كفروا ، لتطل عليهم آية البحث وتحثهم كل يوم على الخوف من الله عز وجل , والتخلص من الخوف من الذين كفروا ومن ولاية الشيطان .
وفي الآية دعوة للمسلمين للعمل بسنن الإيمان من إتباع الواجبات العبادية وترك المحرمات ، ويكون تقدير الآية على وجوه :
الأول : ان كنتم مؤمنين بالله عز وجل إلهاً ورباً .
الثاني : ان كنتم مؤمنين برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث : ان كنتم مؤمنين بالملائكة والتنزيل [آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ] ( ).
الرابع : الإيمان بنزول القرآن من عند الله عز وجل .
الخامس : الإيمان باليوم الآخر .
ومن معاني خاتمة آية البحث تأكيد الفصل والتمييز بين المؤمنين من جهة وبين الكفار والمنافقين من جهة أخرى ، لبيان تعدد وجوه وضروب التمييز بين المؤمنين وغيرهم .
فلا تصل النوبة إلى ميادين القتال وكشف الكفار بتحشيد صفوفهم لملاقاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، وفضح المنافقين بقعودهم عن القتال ، إنما يتجلى التمييز بخوف المؤمنين من الله واصرار الذين كفروا على اتباع الهوى .
وقد لا يظهر الخوف من الشئ على الجوارح والأركان ، إنما يكون حالة نفسانية ، وقد ينصرف ويتجدد بزوال سببه ومصدره ، ولكن الخوف من الله يتصف بأمور :
الأول :استدامة الخوف من الله عند الناس وبين ظهرانيهم ، بمعنى أن الخوف من الله لا ينحصر بالكيفية النفسانية ، إنما يكون ظاهراً جلياً في الواقع وعالم الأفعال .
الثاني : مصاحبة الخوف من الله للمسلم والمسلمة إلى حين مغادرة كل واحد منهما الدنيا ، وتدل عليه خاتمة آية البحث التي تفيد بالدلالة الإلتزامية على تقيدهم بسنن الإيمان .
الثالث : ترجل الخوف من الله عز وجل على أقوال وأفعال المسلمين سواء كأمة أو كأفراد .
(عن عياض بن سليمان ، وكانت له صحبة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : خيار أمتي فيما أنبأني الملأ الأعلى ، قوم يضحكون جهرا في سعة رحمة ربهم عز وجل ، ويبكون سرا من خوف شدة عذاب ربهم عز وجل ، يذكرون ربهم بالغداة والعشي في البيوت الطيبة – المساجد – ويدعونه بألسنتهم رغبا ورهبا ، ويسألونه بأيديهم خفضا ورفعا ، ويقبلون بقلوبهم عودا وبدءا ، فمئونتهم على الناس خفيفة ، وعلى أنفسهم ثقيلة يدبون في الأرض حفاة على أقدامهم كدبيب النمل ، بلا مرح ولا بذخ ، يمشون بالسكينة ، ويتقربون بالوسيلة ، ويقرءون القرآن، ويقربون القربان ، ويلبسون الخلقان .
عليهم من الله تعالى شهود حاضرة ، وعين حافظة يتوسمون العباد ، ويتفكرون في البلاد أرواحهم في الدنيا ، وقلوبهم في الآخرة ، ليس لهم هم إلا إمامهم أعدوا الجهاز لقبورهم ، والجواز لسبيلهم والاستعداد لمقامهم ، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد) ( ).
وهل الحرص على أداء الصلاة في أوقاتها من الخوف من الله ، الجواب نعم ، وهو لا يتعارض مع أداء الصلاة حباً لله عز وجل وامتثالاً لأمره .
الرابع : خوف المسلم من الله عز وجل ، ولو بالكيفية النفسانية شاهد على إيمانه ، وفي الثناء على الله عز وجل ورد قوله تعالى [يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ]( ), فيعلم الله من الذين يخافه ويخشاه و ولا يخاف الذين كفروا .
وتبعث آية البحث المسلمين للإحسان إلى أنفسهم وإلى الناس جميعاً بالسعي في سبل الإيمان ، وتعاهد الفرائض والعبادات ، ويتوجه الخطاب في الآية إلى المسلمين مجتمعين ومتفرقين ، وتقدير الآية بصيغة الفرد : ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافهم وخافنِ ان كنت مؤمناً .
ومن خصائص مجئ آية البحث بصيغة الجمع تعاون المسلمين في أمور :
الأول : التذكير بالإستعاذة بالله من الشيطان الرجيم .
الثاني : الإحتراز من الذين كفروا ، وهل الإمتناع عن الخوف منهم من هذا الإحتراز ، الجواب نعم .
الثالث : التفقه في مسائل الخوف من الله في القول والعمل , وفي الأمور الشخصية والعامة .
الرابع : بيان حاجة المسلمين كأمة إلى الخوف من الله , والعصمة من الخوف من الشيطان والذين كفروا الذين يصرون على اتباعه.
بحث أصولي
النسبة بين الإطلاق والعموم
من مصطلحات علم الأصول في المقام:
الأول : الإطلاق.
الثاني : المطلق.
الثالث : المقيد.
الرابع : العموم.
الخامس : الأعم.
السادس : العام.
ولا بد من مؤسسة علمية تتصدى إلى توحيد إصطلاحات علم الأصول ليسهل على الطلبة دراستها والإنتفاع منها، والنفع بها إذ يتباين تعريف الكثير منها بين العلماء.
والإطلاق هو إرادة جميع ما وضع له اللفظ على نحو الرجحان.
والمطلق هو ذات اللفظ الذي يتعلق بجميع ما وضع له من غير تقييد أي أن اللفظ المطلق يوضع لصيغة الإطلاق .
والتقييد هو الربط سواء كان حسياً أو معنوياً ، وقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: الإيمان قيد الفتك)( ).
ويحتمل هذا الحديث وجوهاً:
الأول : تنزه المؤمن عن الفتك بالغير.
الثاني : إمتناع الناس عن الفتك بالمؤمن.
الثالث : إرادة المعنى الأعم الجامع للوجهين أعلاه.
والمختار هو الأول أعلاه، وهو شاهد على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يغز أحداً ولم يأمر أصحابه بالغزو والقتل والفتك بالناس، وإلا فهناك شواهد عديدة تدل على فتك المشركين بالمسلمين، والهجوم على الدعاة منهم وقتلهم كما في سرية بئر معونة، إذ جاء أبو براء عامر بن مالك ملاعب الأسنة إلى المدينة وحضر بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فعرض عليه الإسلام وأخبره عن نبوته وتلا عليه آيات من القرآن فلم يسلم، ولكنه لم يبق مصراً على الكفر وكأنه طلب الإمهال .
ثم سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يرسل معه بعض أصحابه إلى أهل نجد لبيان معجزاته والترغيب بدخول الإسلام(فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اني أخشى أهل نجد عليهم , قال أبو براء . أنا لهم جار فابعثهم فليدعوا الناس إلى أمرك)( ).
فبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم أربعين من أصحابه، وكانوا دعاة للهدى , وفي الطريق بعثوا أحدهم إلى عامر بن الطفيل وهو ابن أخي أبي البراء ومعه كتاب من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم له، ولكنه أجهز عليه فقتله قبل أن ينظر بالكتاب , ثم هجموا على الوفد وقتلوهم إلا النادر منهم مثل كعب بن زيد وسيأتي بيانه.
وتعريف المطلق في الإصطلاح هو الذي يدل على حقيقة وماهية شائعة من غير قيد لفظي كما في قوله تعالى[فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ]( )، الذي جاء بصيغة مصدر الأمر، أو بصيغة فعل الأمر كما في قول النبي ( اعتق ) عند مجيء (رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال : إني أفطرت يوما من رمضان متعمدا ، ووقعت على أهلي فيه .
فقال : أعتق رقبة .
قال: لا أجد .
قال : أهد بدنة( ) .
قال: لا أجد .
فقال: تصدق بعشرين صاعا( ) من تمر، أو تسعة عشر، أو أحد وعشرين قال : لا أجد . فأتي النبي صلى الله عليه وسلم بمكتل، فيه عشرون صاعا من تمر.
فقال: تصدق بهذا. فقال: ما بالمدينة أهل بيت أحوج إليه منا قال: فأطعمه أهلك)( ).
وقيل أن المطلق هو النكرة في سياق الإثبات ، ولا يصح المطلق إذا جاء الخبر بصيغة الماضي والتعيين كما في قولك صمت يوماً، لأن الإخبار عن صومه تعيين له من بين الأيام.
وهل للمجتهد والعالم تقييد إطلاق اللفظ القرآني , الجواب بشرط الدليل من القرآن والسنة، وكما في قوله تعالى[إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ]( ).
فبينت الآية أعلاه أن الوضوء واجب سواء كانت الصلاة واجبة أو مستحبة , وتامة أو تؤدى قصراً، إلا مع العذر فينتقل إلى الطهارة الترابية.
أما المقيد في الإصطلاح فهو على وجوه :
أولاً : الماهية المقيدة بقيد.
ثانياً : الدلالة على معين.
ثالثاً : ذكر غير معين ، ولكنه موصوف بأمر زائد على الحقيقة الشاملة لجنسه.
والعموم هو الذي يتعلق بجميع ما وضع له على نحو الإشتمال.
أما العام فهو ذات اللفظ الذي يتعلق بجميع ما وضع له إشتمالاً، ويتعلق الحكم بالعام بجميع أفراد جنسه ، وينقسم العام إلى أقسام :
الأول : العام اللغوي.
الثاني : العام العرفي.
الثالث : العام العقلي.
ومن معاني الاسم أنه يدل على معنى في نفسه من غير موضوعية لزمان مخصوص، وهو على ثلاثة أقسام :
أولاً : ما يدل على العموم مثل الأسماء الموصولة، كما في قوله تعالى[الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ]( ).
ثانياً: ما يدل على الإطلاق كالنكرة في سياق الإثبات كما في قوله تعالى[فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ]( )، لإرادة تعدد العيون الجارية ، وأن المقصود اسم جنس أي عيون كثيرة جاريات بدليل قوله تعالى [فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ] ( ) للملازمة بين العيون الجارية وبين الأنهار التي تترشح عنها ، نعم قد يراد عيناً مخصوصة معينة .
ولفظ (العين ) مشترك بين الباصرة والجارية ، ولكن تقييدها بالجارية يخرج الأول .
وإذا قلت : قرأت سورة فقد جاء لفظ (سورة ) نكرة بعد إثبات وهو القراءة ، فهي مطلقة وليست عامة ، لأن النكرة جاءت في سياق الإثبات ، فلا تدل على أنك قرأت كل سورة من القرآن ، إنما تقصد إحدى السور من بين مائة وأربع عشرة سورة ، سواء كانت من السور المكية والتي عددها اثنتان وثمانون سورة نزلت في مدة ثلاث عشرة سنة , أو من السور المدنية وعدد السور المدنية سبع وعشرون سورة نزلت في مدة عشر سنوات بعد هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة .
ثالثاً : ومما يفيد العموم الأسماء المؤكدة مثل (جميع ) (اجمعون ) (كافة ) وفي التنزيل [فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ] ( ) ومنها لام الإستغراق , والمعرف بالإضافة ونحوه .
الخوف المحرم
يقال : خفت الشئ خوفاً وخيفة .
من معاني الخوف أنه توقع مكروه بلحاظ أمارة ظنية أو قرينة ومن الخوف ما هو حسن ومحمود ، وهو النفرة والإبتعاد عما حرم الله عز وجل.
ومن الخوف ما يكون محرماً أي يجب أن لا يخاف منه الإنسان وجاءت آية البحث بمصداق جلي منه وهو الخوف من أولياء الشيطان ، فهذا الخوف منهي عنه .
وهل يختص هذا النهي بالمسلمين ، الجواب لا ، إنما يشمل الناس جميعاً وهو من معاني مجئ رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للناس جميعاً ، قال تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا] ( ) لبيان قانون وهو تضمن آية البحث الإنذار والبشارة ، الإنذار من ولاية الشيطان , والخوف المحرم الذي يبعث عن الفزع من أمر لا أصل له إذ لا سلطان للشيطان على الإنسان إذا امتنع عن اتباع الهوى .
ومن إعجاز القرآن أن كل آية تدعو إلى المسارعة في طاعة الله والخوف منه سبحانه .
وكانت السنة النبوية دعوة للناس للإيمان والتنزه عن اتباع الشيطان .
والخوف على وجوه منها ما يكون خوفاً من الله عز وجل ، وفيه الأجر والثواب ، ويمكن تقسيم هذا الخوف تقسيماً استقرائياً منها :
الأول : الخوف من الله عز وجل الذي يترشح عن الإيمان ، وهو على جهات :
الأولى : الخوف المطلق , وتشترك الخلائق في هذا الخوف ، ومنه خوف الملائكة من الله عز وجل كما ورد في التنزيل [يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ] ( ) .
الثانية : خوف العبادة والطاعة ، وهذا الخوف مصاحب لوجود الإنسان في الأرض ، ولما أراد قابيل بن آدم قتل أخيه هابيل امتنع عن محاكاته وقتاله ، وردّ عليه بقانون [إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ] ( ) ، وجاءت آية البحث لتثبيت هذا القانون في الأرض ببركة نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولتكون من مصاديق قوله تعالى [نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ] ( ) بلحاظ دلالة آية البحث على الثناء على المقتول من ولدي آدم وذم القاتل , وفيه مسائل :
الأولى : آية البحث رحمة بالناس جميعاً لما تبعثه من وجوب نبذ الغدر والقتل .
الثانية : الخوف من الله واقية من إشاعة القتل بين الناس , ومن التسابق فيه .
الثالثة : بيان أضرار تخويف الشيطان للإنسان ، فقد يجعله يميل إلى الفساد والقتل .
ليكون من معاني احتجاج الملائكة على جعل آدم [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( ) سؤالهم الله عز وجل أن لا يفتنه ابليس ، ويوسوس له ، ويجعله يقتل أخاه وشريكه وخصمه ، وقد يقتل أباه أو ابنه ، ، فتفضل الله عز وجل وأجابهم [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) .
ومن علم الله عز وجل نزول قوله تعالى [وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ]( ).
وإذا كانت صبغة الحكم إيمانية تجد قلة الغدر والخيانة والإغتيال والإنقلاب لموضوعية الخشية والخوف من الله ، وهو أكبر من الوفاء لشخص السلطان ، لذا جاء القرآن بالتحذير من بطانة السوء ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ] ( ).
الرابعة : الخوف من الملوك والحكام والقوانين سواء كانت الشرعية كاقامة الحدود ، أو الدساتير والقوانين الوضعية ، ولزوم التقيد بموادها ومسائلها ، والملوك ليسوا على مرتبة واحدة فمنهم من يحكم بالحق ، ومنهم من يتصف بالظلم ، ولكن الخوف حاصل من الجميع مع التباين في سنخية هذا الخوف ودرجته وموضوعه ، فالذي يعمل بطاعة الله في مأمن من الملك والسلطان .
وعن (عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : قال الله : يا ابن آدم إذا ذكرتني خالياً ذكرتك خالياً ، وإذا ذكرتني في ملأ ذكرتك في ملأ خير من الذين تذكرني فيهم وأكثر .
وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله عز وجل يقول : أنا مع عبدي إذا هو ذكرني وتحركت بي شفتاه) ( ) .
ومن الإعجاز في المقام عدم وجود تعارض بين طاعة الله ورسوله وبين الأحكام الوضعية في أي بلد من البلدان مع اسقاط أسباب الغلو والإرهاب التي لا أصل لها .
ومن الشواهد أنه ليس من قانون أو حكم يمنع أداء الصلاة أو يستخف بالصيام ، أو يحرم دفع الزكاة إلى الفقراء وفيه معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودعوة للمسلمين لتعاهد السلم المجتمعي ، ونبذ خطاب الكراهية خاصة وأن الآية أعلاه تتضمن الإخبار عن قانون وهو ضعف كيد الشيطان .
الخامسة : خوف الإنسان من الجماعة , وهذا الخوف يشمل ذات الملوك والسلاطين إذ يخشون الحسد والكيد والمكر ، وفي حوادث التأريخ مصاديق كثيرة منها ، وقد يخشى ويخاف صاحب السلطان والمال من ابنه , ويمنعه من بعض الحقوق من غير أصل لهذا الخوف ، أو أنه يطمئن لفرد أو جماعة فيكيدون له وينقلبون عليه .
ليكون الإيمان زاجراً عن الغدر الذي هو من كيد الشيطان وأسباب الفتنة التي يثيرها بين الناس .
لقد أراد الله عز وجل للناس الأمن والسعادة في الدنيا بأن ينالوها بالكسب والتحصيل الذي يتجلى في الهدى والعمل الصالح ، قال تعالى[أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ]( ) .
لتدل الآية أعلاه على أن الخوف من الله في الدنيا يقود إلى الأمن في الدنيا والآخرة وأن ولاية الشيطان سبب في نزول سخط الله على من يتولاه, وفي إقامته الدائمة في نار جهنم .
وروى عمر بن يزيد عن الإمام الصادق عليه السلام قال: إني لأركب في الحاجة التي كفاها الله ما أركب فيها إلا التماس أن يراني الله أضحى في طلب الحلال أما تسمع قول الله عز اسمه: “فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله”( )؟.
أرأيت لو أن رجلا دخل بيتا و طين عليه بابه ثم قال: رزقي ينزل علي أكان يكون هذا؟
أما أنه أحد الثلاثة الذين لا يستجاب لهم. قلت: من هؤلاء؟ قال: رجل يكون عنده المرأة فيدعو عليها فلا يستجاب له لأن عصمتها في يده لو شاء أن يخلي سبيلها، و الرجل يكون له الحق على الرجل فلا يشهد عليه فيجحده حقه , فيدعو عليه فلا يستجاب له , لأنه ترك ما أمر به، و الرجل يكون عنده الشيء فيجلس في بيته ولا ينتشر ولا يطلب ولا يلتمس حتى يأكله ثم يدعو فلا يستجاب له)( ).
الخامسة : خوف الإنسان من نفسه إذ يخشى أن تسوقه إلى ما فيه الضرر عليه أو على غيره ، قال تعالى [إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي] ( ) لتكون آية البحث من رحمة الله التي تذكرها الآية أعلاه ،إذ أنها تتضمن دعوة المسلمين للخوف والرهبة من الله وحده ، وفيه قهر للنفس الأمارة وتصفيد لها .
إن التحلي بالأخلاق الحميدة واقية من الخوف من النفس ، ومن إعجاز القرآن أن كل آية فيه تدعو لهذه الأخلاق ، وتنمي ملكة الفضائل عند الإنسان ، ويدل قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (انما بعثت لاتمم مكارم الاخلاق)( ) على أن الإسلام دين الأخلاق الكريمة مما يدل على تنزه النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين عن الغزو وحب القتال ، وان كانوا هم الأكثر والأقوى ، بالإضافة إلى قانون كلي وهو أن الحق مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يهدي إلى الحق والسلم.
(عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحسنكم أخلاقاً)( ).
قانون استدامة منافع دعوة النبي قبل الهجرة
ولقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو في مكة قبل الهجرة يطوف على القبائل في منازلها في موسم الحج يدعوهم إلى الإسلام ويعرض عليهم آيات القرآن ، فكان أكثرهم يعرض عن دعوته ، ولكن إعراضهم هذا ليس على نحو السالبة الكلية ، إذ كان هناك نوع قبول وفهم لدعوته على نحو الموجبة الجزئية من وجوه :
الأول : إنصات وفود القبائل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في دعوته إلى التوحيد وإخباره عن رسالته للناس بالبرهان ، وما جاء به من المعجزات الحسية والعقلية .
الثاني : تناقل الناس لآيات القرآن التي يتلوها عليهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقد كان العرب يتناقلون الأشعار، وما تعكسه من الوقائع وأخبار الإقتتال بين القبائل .
فجاءت آيات القرآن لتخاطبهم جميعاً من مقام الربوبية , وتتضمن في ثناياها قانون التساوي بينهم في العبودية لله عز وجل ، فليس من أفراد قبيلة أفضل من غيرهم إلا بالخوف والخشية من الله ، وليس من ملك أو سلطان يخرج عن حدود العبودية لله عز وجل .
فالكل متساوون بلغة البشارة والإنذار التي نزل بها القرآن ثم نزل قوله تعالى [يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ] ( ).
الثالث : لقد كانت أسواق موسم الحج عامرة بالسلع والتجارات إذ ينتفع الناس من الأشهر الحرم ذي القعدة ، وذي الحجة , والمحرم ، وحرمة القتال والقتل فيها ، ويعودون لأهليهم بالبضائع والسمن والطيب والتمر والأدم والمواشي والمؤن الأخرى ، وعندما بعث الله النبي صلى الله عليه وآله وسلم صار يطوف على منازل القبائل في تلك الأسواق , ليعودوا لهم بثروة التنزيل , ورسالة التبليغ قال تعالى[يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ]( ).
ومن تلك الأسواق يومئذ :
أولاً : سوق عكاظ ، إذ يعكظ الناس بعضهم بعضاً , أي يقهره في التفاخر.
ثانياً : سوق المجنة .
ثالثاً : سوق ذي المجاز .
وكان لكل سوق أيام معدودة ثم ينتقل الناس إلى سوق أخرى أقرب إلى البيت الحرام حتى يحين أوان الحج ، وقد ذكرنا في جزء سابق أسواق العرب على نحو التفصيل .
الرابع : لقد كان الشعراء يلقون قصائدهم في أسواق العرب، ويتنافسون في الشعر والأدب ، وهناك لجان للتحكيم , وأكثرهم من بني تميم ، ليتبدل الأمر عند بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وصار الناس يتلون آيات القرآن بقصد التدبر في معانيها ودلالاتها مع إدراك أنها أسمى وأرقى رتبة من قصائد الشعر .
وصار العرب يرجعون إلى مدنهم وقراهم بآيات القرآن ، ليكون كل فرد منهم سفيراً إلى قومه ينقل لهم خبر بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع شواهد التنزيل .
وهو من الإعجاز في عموم رسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومصاديق قوله تعالى[وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ] ( ) وليكون نقل وتناقل أخبار نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم والآيات دعوة للناس لاجتناب نصرة كفار قريش إذا أرادوا قتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد الهجرة.
وليكون من معاني صفة النذير للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الواردة في الآية أعلاه من سورة سبأ إنذار القبائل قبل الهجرة بأنه إذا هاجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة , وقامت قريش بجمع الجيوش لقتاله فلا تخرجوا معهم .
فان قلت قد ورد ما يدل على جمع قريش للجيوش لمحاربته كما ورد في الآية قبل السابقة بقوله تعالى [الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا] ( ).
والجواب هذا صحيح إلا أن الآية أعلاه تدل على وجود طائفة من الناس تتصف بأمور :
أولاً : الإمتناع عن نصرة كفار قريش أو الخروج معهم .
ثانياً : الميل إلى الإسلام والنبوة .
ثالثاً : القيام بتحذير النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين من جيش المشركين .
رابعاً : الرغبة بسلامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من اذى وبطش الذين كفروا .
ليكون من معاني إبتداء الآية السابقة [فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ] ( ) البشارة للذين حذّروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من الجيش الذي حاربهم في معركة أحد الذين ذكرتهم الآية السابقة بلفظ الناس في أولها بقوله تعالى [الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا] ( ) لبيان قانون وهو أن الله عز وجل قد يتفضل ويثيب الذي ينصح المسلمين ويخشى عليهم من القوم الظالمين ، لدلالة قول وتحذير الناس للنبي صلى الله عليه وآله وسلم على خوفهم عليه من القوم الظالمين ، ويدل هذا الخوف على نوع تسليم برسالته , ورجاء لاستمرار دعوته ، ونزول آيات القرآن وهو برزخ دون إعانة القوم الظالمين ، ومقدمة للدخول في الإسلام .
الخامس : تحقق بيعة العقبة الأولى ثم الثانية التي بايع فيها ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان من الأوس والخزرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ،وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (أخرجوا إلى منكم اثنى عشر نقيبا، يكونون على قومهم بما فيهم “.
فأخرجوا منهم اثنى عشر نقيبا، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس)( ).
وهل من موضوعية لدعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم القبائل في موسم الحج قبل الهجرة بدخولهم الإسلام بعد الهجرة وتوالي النصر للمسلمين .
الجواب نعم ، وعندما بعثت بنو سعد بن بكر ضِمام بن ثعلبة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليستقرأ أمر النبوة والدعوة إليها ،دخل المدينة ثم أناخ بعيره على باب المسجد وعقله ودخل المسجد ، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم جالساً بين أصحابه، فوقف ضِمام وقال : أيكم ابن عبد المطلب ، وكأنه تعمد الجفاء المبطن ، ولم يذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالنبوة والرسالة ، فلم يغضب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يعرض عن سؤاله أو يترك لأصحابه الإجابة إنما أجابه : أنا ابن عبد المطلب ، قال : أمحمد ؟
لأنه يريد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالذات لتعدد أبناء ذرية عبد المطلب من المهاجرين , ومنهم الإمام علي عليه السلام والعباس وغيره ، خاصة وأن وفود ضمام كان في السنة التاسعة للهجرة بعد فتح مكة وشيوع الإسلام في أرجاء الجزيرة ودخول الناس في الإسلام أفواجاً ، وقيل إنما وفد سنة خمس وقيل سبع .
ثم قال ضمام : يا ابن عبد المطلب أني سائلك ومغلظ عليك في المسألة فلا تجدن في نفسك .
قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : لا أجد في نفسي ، فسل عما بدا لك وورد هذا الخبر عن ابن عباس ( ).
وفيه شاهد بأن الأسئلة التي كانت توجه إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أكثر من التي ذكرت في القرآن بقوله تعالى [يَسْأَلُونَكَ] كما في قوله تعالى [يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا…] ( ).
كما يدل هذا الخبر على تعدد صدور الأسئلة المتعددة من الشخص الواحد وكان الصحابة يتمنون مجئ أحد الأعراب لسؤال النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن بعض المسائل فينتفعون منها ، مما يدل على تكرار الأسئلة وعدد السائلين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حتى في اليوم الواحد , وتوثيق الصحابة لها وللأجوبة النبوية .
ومن الإعجاز أن هذه الأسئلة تؤدي إلى هداية وصلاح الناس كما أنها تبقى ثروة وذخيرة لأجيال المسلمين ، ثم قال ضمام (أَنْشُدُكَ اللّهَ إلَهَك وَإِلَهَ أَهْلِكَ وَإِلَهَ مَنْ كَانَ قَبْلَك وَإِلَهَ مَنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَك آللّهُ بَعَثَك إلَيْنَا رَسُولًا ؟ قَالَ ” اللّهُمّ نَعَمْ “)( ).
لقد ذكر ضمام أهل النبي وأقر بأنهم يعبدون الله ، وفيه شاهد على منزلة النبي وبني هاشم عند القبائل العربية ومعرفتهم لهم بتوارث التوحيد ثم قال ضمام : ( فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك، آلله أمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده ولا نشرك به شيئا، وأن نخلع هذه الانداد التى كان آباؤنا يعبدون ؟ قال: اللهم نعم.
قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك، آلله أمرك إن نصلى هذه الصلوات الخمس ؟ قال: ” نعم “.)( ).
وكان ضمام يذكر الله عز وجل بأنه إله النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , والذين من قبله والذين من بعده , فهل يشمله هذا الذكر بأنه الهه أيضاً , الجواب نعم , إنما كان يسأله عن الرسالة والفرائض , فكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يجيبه بصيغة التوكيد والصبر من غير غضب , وفي التنزيل [فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ] ( ).
ثم جعل ضمام بن ثعلبة يسأل عن الفرائض , فذكر فريضة الزكاة , والصيام , ووجوب حج بيت الله الحرام , وشرائع الإسلام , وفي كل فريضة يناشد النبي صلى الله عليه وآله وسلم , ويقول له أن الله إلهك وإله من كان قبلك , وإله من هو كائن بعدك هو سبحانه الذي أمرك بها ؟.
وفي كل مرة يجيبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بنعم ,لبيان قانون وهو أن هذه الفرائض من عند الله عز وجل على العباد , وليس من عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
ولما فرغ من أسئلته واستمع إلى جواب النبي صلى الله عليه وآله وسلم نطق ضمام بالشهادتين بمسمع ومرآى من الصحابة فقال (فإنى أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، وسأؤدى هذه الفرائض وأجتنب ما نهيتني عنه، ثم لا أزيد ولا أنقص، ثم انصرف إلى بعيره راجعا.
قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” إن صدق ذو العقيصتين دخل الجنة “.)( ), العَقيصَةُ: الضفيرةُ، ( ويقال لفلان عَقيصَتانِ.) ( ).
ولم يتأن أو يتأخر ضمام في المدينة إنما أتى بعيره الذي عقله في باب المسجد النبوي فأطلق عقاله وركبه بما يدل على أنه ذاهب بأمر وحامل لرسالة , فلما وصل إلى قومه بني سعد بن بكر فأجتمعوا إليه , فكان أول ما تكلم به بئست اللات والعزى لبيان براءته من الأصنام (قَالُوا : مَهْ يَا ضِمَامُ اتّقِ الْبَرَصَ اتّقِ الْجُذَامَ اتّقِ الْجُنُونَ) ( ).
ليكون جوابهم هذا من مصاديق تخويف الشيطان لأوليائه من إضرار الأوثان له , مع أنها جوامد عاجزة عن الضرر أو النفع , ليجيبهم ضمام بما يتجلى معه إدراكه لمضامين آية البحث وعمله بها بفطرة الإيمان الذي يأتي للإنسان دفعه بفضل من الله عز وجل .
(ويلكم، إِنهما واللّه ما يضران ولا ينفعان، إِن اللّه قد بعث رسولاً وأَنزل عليه كتاباً فاستنقذكم مما كنتم فيه، وإِني أَشهد أَن لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له وأَن محمدًا عبده ورسوله، وقد جئتكم من عنده بما أَمركم به ونهاكم عنه .
فوالله ما أَمْسَى من ذلك اليوم وفي حاضره رجل ولا امرأة إِلا مسلمًا. قال يقول عبد اللّه بن عباس: فما سمعنا بوافد قوم كان أَفضل من ضِمَام بن ثعلبة.) ( ).
وسيأتي مزيد كلام في باب عام الوفود وكيف أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدعو إلى التوحيد وتعظيم شعائر الله عز وجل , ويبادر عامة الناس إلى الإستجابة .
نقباء بيعة العقبة الثانية
لقد اختار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اثني عشر نقيباً، وهم:
الأول : أسعد بن زرارة ، ويكنى أبا أمامة ، وغلبت عليه كنيته (ويقال إن أبا أمامة هذا هو أول من بايع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة العقبة كذلك زعم بنو النجار) ( ).
الثاني : سعد بن الربيع بن عمرو بن أبي زهير بن مالك بن امرئ القيس ابن مالك بن ثعلبة بن كعب أستشهد في معركة أحد وقد نادى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه بين القتلى مرة لعد أخرى ، فلما لم يسمع جواباً بعث محمداً بن مسلمة ، فوجده بين الجرحى وبه رمق ، فكانت آخر كلماته وصيته لقومه بالذب والدفاع عن رسول الله ، ولم يحثهم على غزو أو هجوم أو إنتقام أو ثأر من المشركين إنما طلب منهم الحفاظ على سلامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ،إذ قال له محمد بن مسلمة (ان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمرنى أن أنظر له أفى الاحياء أنت أم في الاموات قال فأنا في الاموات أبلغ رسول الله عنى السلام وقل له ان سعد بن الربيع يقول لك جزاك الله خير ما جرى نبى عن أمته وأبلغ عنى قومك السلام وقل لهم إن سعد بن الربيع يقول لكم إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم وفيكم عين تطرف ثم لم أبرح حتى مات فجئت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبرته خبره) ( ).
الثالث : رافع بن مالك بن العجلان بن عمرو بن عامر بن زريق .
الرابع : البراء بن معرور بن صخر بن خنساء بن سنان بن عبيد بن عدي ابن غنم بن كعب بن سلمة بن سعد بن عليّ بن أسد بن ساردة بن تزيد بن جشم بن الخزرج.
الخامس : عبد الله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة بن حرام بن كعب بن غنم ابن سلمة بن سعد؛ والد جابر بن عبد الله الأنصاري ، وبه كان يكنى وهو أول قتيل من المسلمين يوم أحد ، وقد صلى عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم أثناء المعركة وعن جابر قال (جيء بأبي يوم أحد إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد مثل به فوضع بين يديه فذهبت أكشف عن وجهه فنهاني قوم فسمعوا صوت صائحة فقيل : ابنة عمرو أو أخت عمرو فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ” فلا تبكي ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها ” ) ( ).
وروى عنه ابنه جابر قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتختم بيمينه .
السادس : سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن أبي خزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج بن حارثة ، يكنى أبا ثابت ، وكان سيداً وجيهاً في الأنصار وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرسل عليه يشاوره كما في يوم الخندق ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ] ( ).
السابع : المنذر بن عمرو بن خنيس بن حارثة بن لوذان بن عبد ود بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج بن حارثة.
الثامن : عبادة بن الصامت بن قيس بن أصيرم بن فهر بن ثعلبة .
التاسع : عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس بن مالك الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج.
وهؤلاء التسعة كلهم من الخزرج .
وثلاثة من الأوس وهم :
العاشر : أسيد بن الحضير بن سماك بن عتيك بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن عمرو ابن مالك بن الأوس.
ولم يحضر أسيد معركة بدر ، ولكنه تلقى النبي صلى الله عليه وآله وسلم على مشارف المدينة واعتذر منه وقبل اعتذاره ، إذ قال (يا رسول الله، الحمد لله الذي أظفرك وأقر عينك، والله يا رسول الله ما كان تخلفي عن بدر وأنا أظن أنك تلقى عدواً، ولكنني ظننت أنها العير، ولو ظننت أنه عدو ما تخلفت؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” صدقت) ( ).
وكان لواء الأوس بيده في معركة أحد ، وفي السنة السادسة (أن أبا سفيان أرسل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من يقتله غدراً، فأقبل الرسول ومعه خنجر ليغتاله، فلما رآه النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن هذا ليريدُ غدراً، فجذبه أسيد بن الحضير بداخلة إزاره، فإذا بالخنجر فسقط في يده.
فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ” اصدقنى ما أنت؟ ” قال: وأنا آمن؟ قال: ” نعم ” ، فأخبره بخبره، فخلى عنه صلى الله عليه وآله وسلم) ( ).
وتوفى اسيد في سنة عشرين للهجرة .
الحادي عشر : سعد بن خيثمة بن الحارث بن مالك بن كعب بن النحاط بن كعب بن حارثة بن غنم بن السلم بن امرئ القيس بن مالك بن الأوس بن حارثة .
الثاني عشر :رفاعة بن عبد المنذر بن زبير بن زيد بن أمية بن زيد ، (قَالَ ابن هِشَامٍ : وَأَهْلُ الْعِلْمِ يَعُدّونَ فِيهِمْ أَبَا الْهَيْثَمِ بْنَ التّيّهَانِ وَلَا يَعُدّونَ رِفَاعَةَ . وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ يَذْكُرُهُمْ فِيمَا أَنْشَدَنِي أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ :
أَبْلِغْ أُبَيّا أَنّهُ قالَ رَأْيُهُ … وَحَانَ غَدَاةَ الشّعْبِ وَالْحَيْنُ وَاقِعُ
أَبَى اللّهُ مَا مَنّتْك نَفْسُك إنّهُ … بِمِرْصَادِ أَمْرِ النّاسِ رَاءٍ وَسَامِعُ
وَأَبْلِغْ أَبَا سُفْيَانَ أَنْ قَدْ بَدَا لَنَا … بِأَحْمَدَ نُورٌ مِنْ هُدَى اللّهِ سَاطِعُ
فَلَا تَرْغَبَنْ فِي حَشْدِ أَمْرٍ تُرِيدُهُ … وَأَلّبْ وَجَمّعْ كُلّ مَا أَنْتَ جَامِعُ
وَدُونَك فَاعْلُمْ أَنّ نَقْضَ عُهُودِنَا … أَبَاهُ عَلَيْك الرّهْطُ حِينَ تَتَابَعُوا
أَبَاهُ الْبَرَاءُ وَابن عَمْرٍو كِلَاهُمَا … وَأَسْعَدُ يَأْبَاهُ عَلَيْك وَرَافِعُ
وَسَعْدٌ أَبَاهُ السّاعِدِيّ وَمُنْذِرٌ … لِأَنْفِك إنْ حَاوَلْت ذَلِكَ جَادِعُ
وَمَا ابن رَبِيعٍ إنْ تَنَاوَلْت عَهْدَهُ … بِمُسْلِمِهِ لَا يَطْمَعَنْ ثَمّ طَامِعُ
وَأَيْضًا فَلَا يُعْطِيكَهُ ابن رَوَاحَةَ … وَإِخْفَارُهُ مِنْ دُونِهِ السّمّ نَاقِعُ
وَفَاءً بِهِ وَالْقَوْقَلِيّ بْنُ صَامِتٍ … بِمَنْدُوحَةِ عَمّا تُحَاوِلُ يَافِعُ
أَبُو هَيْثَمٍ أَيْضًا وَفِيّ بِمِثْلِهَا … وَفَاءً بِمَا أَعْطَى مِنْ الْعَهْدِ خَانِعُ
وَمَا ابن حُضَيْرٍ إنْ أَرَدْت ، بِمَطْمَعِ … فَهَلْ أَنْتَ عَنْ أُحْمُوقَةِ الْغَيّ نَازِعُ
وَسَعْدٌ أَخُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَإِنّهُ … ضَرُوحٌ لِمَا حَاوَلْتَ مِلْأَمْرِ مَانِعُ
أُولَاكَ نُجُومٌ لَا يُغِبّكَ مِنْهُمْ … عَلَيْك بِنَحْسٍ فِي دُجَى اللّيْلِ طَالِعُ
قَالَ ابن إسْحَاقَ : فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ : أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ قَالَ لِلنّقَبَاءِ أَنْتُمْ عَلَى قَوْمِكُمْ بِمَا فِيهِمْ كُفَلَاءُ كَكَفَالَةِ الْحَوَارِيّينَ لِعِيسَى ابن مَرْيَمَ ، وَأَنَا كَفِيلٌ عَلَى قَوْمِي – يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ – قَالُوا : نَعَمْ) ( ).

لقد عاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من حمراء الأسد ، بالنعمة والبركة ، وفيه وجوه:
الأول : يدل عليه حرف الفاء في [فَانْقَلَبُوا] ( )وقيل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث ثلاثة نفر من أسلم طليعة في آثار جيش قريش فبصروا برجلين من جيش المشركين فقتلوهما .
وأقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حمراء الأسد يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء ، وكان المسلمون يوقدون في الليل خمسمائة نار لترى من مكان بعيد ، وينتشر خبر معسكرهم ، وفيه وجوه :
أولاً : إرادة بيان كثرة جيش المسلمين ، فان قلت قد ورد قوله تعالى[وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذْ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ ر وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ]( ) بينما كثرة النيران تدل على إعلان كثرة وتكثير عدد المسلمين ، والجواب إنما وردت الآية بخصوص اللقاء وميدان المعركة إنما أوقد المسلمون النار لدفع مثل هذا اللقاء في حينه وفيما بعد .
ثانياً : بعث الخوف في قلوب المشركين .
ثالثاً : في كثرة النيران التي اوقدها المسلمون رد عملي على تحذيرهم من جيش المشركين وكثرتهم ووعيدهم .
رابعاً : بيان مصداق لقانون وهو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه يريدون دفع القتال ومنع المواجهة مع المشركين .
خامساً : كثرة النيران التي أوقدها المسلمون من مصاديق قوله تعالى[سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ] ( ).
الثاني : مع أن ذات رجوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من حمراء الأسد سالمين لم يدخلوا معركة مع العدو نعمة عظمى فان الله عز وجل أبى إلا أن تصاحبهم نعمة جديدة لا يعلمها إلا هو من أسرار صيغة التنكير في (نعمة) .
الثالث : وصفت آية السياق النعمة والتي عاد بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من حمراء الأسد بأنها من عند الله عز وجل وحده لبيان مسائل :
الأولى : لا يقدر على هذه النعمة إلا الله عز وجل .
الثانية : بيان الثواب العاجل على خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين والأنصار إلى حمراء الأسد .
الثالثة : البشارة بقانون وهو كل مرة ينقلب ويرجع فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من السرايا بعودة من نعمة مستحدثة تبقى في أجيال المسلمين ، ومن أسرار لغة الجمع [فَانْقَلَبُوا] ( ) شمول الآية ومصاديق النعمة للسرايا التي يبعثها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإن لم يخرج فيها بنفسه .
الرابع : لم يرجع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من حمراء الأسد إلا وفضل الله معهم ليكون الفضل الحاضر في المدينة على وجوه :
الأول : الفضل الإلهي قبل معركة أحد .
الثاني : الفضل الإلهي المترشح عند دفاع النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين والأنصار في معركة أحد .
الثالث : الفضل الذي عادوا به من حمراء الأسد .
الرابع : الفضل الذي يأتي ثواباً من عند الله لقولهم [حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ]( ) عندما خوّفهم الناس من جيش المشركين .
ومن فضل الله عز وجل في آية البحث الرزق الكريم والبشارة بالحياة الرغيدة، قال تعالى[وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ]( ) ليكون خروج المهاجرين والأنصار تحت لواء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للدفاع وعودتهم سالمين سبباً ومادة للرزق الكريم .
ومنه الظفر والنصر ، فصحيح أن المسلمين عادوا من غير أن يلقوا قتالاً إلا أن ذات الخروج إلى حمراء الأسد والعودة منها ظفر ونصر .
بحث أصولي
القياس لغة مصدر قاس أي قدّر كما يقال ، قال الأرض بالأمتار ، ويتعدى بالباء .
ويقال : قاس يقيس قيساً وقياساً ، وقال يقوس من القياس .
وفي الشرع يتعدى القياس بحرف الجر (على) فيقال : قاس النبيذ على الخمر ، لما فيه من معنى البناء والإتحاد والإلحاق في الحكم .
ويعد القياس عند مذاهب اسلامية عديدة المصدر الرابع في التشريع بعد كل من :
الأول : الكتاب، قال تعالى[وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( ).
الثاني : السنة قال تعالى [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا]( ).
الثالث : الإجماع .
وصيرورته رابعاً بلحاظ الترتيب في قوة الدليل ، وقدم عليه الإجماع في الدلالة لقلة المخالف في حجيته ولأن دلالة القياس ظنية في الجملة .
وقيل أن القياس متقدم زماناً على الإجماع الذي لم يكن موجوداً أو منعقداً في أيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
والقياس هو إلحاق ما ليس فيه نص على حكمه بما ورد فيه نص على حكمه للإشتراك والتشابه في علة الحكم .
وحمل معلوم على معلوم للتشابه في علة الحكم عند الحامل أي هو المجتهد الذي يقوم بالقياس ، والقياس اثبات حكم الأصل في الفرع بجامع العلة .
ولا يختص القياس بما هو صحيح وصائب إذ قد يشمل القياس الباطل والفاسد ، الذي لا يرتكز إلى علة شرعية .
وقيل أن القياس ضرورة في التشريع لتعدد وكثرة الحوادث الواقعة ، وأن الله تعالى جعل القياس هو الذي تسد به الحاجة في الإستنباط ، ويكون فيه استيفاء الأحكام ، ولكن نسبة جعل القياس إلى الله عز وجل يستلزم الدليل.
ومن معاني العلة أنه إلحاق ما لم يرد فيه نص على واقعة ورد نص وحكم بخصوصها للتساوي والتشابه بينهما في علة هذا الحكم للملازمة بين الحكم وعلته فمتى ما وجدت العلة وجد الحكم .
ومن الأدلة على القياس أمور :
الأول : يدل قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ] ( ) .
لعلة وهي شغل المسلمين عن الصلاة بلحاظ أن البيع فيه أطراف وهي :
الأول : البائع .
الثاني : المشتري .
الثالث : الكاتب .
الرابع : الشاهدان .
فيلحق بالبيع وفق القياس الإجارة والرهن ونحوه , ومنه الحاق الموصى إليه بالوارث في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (لا يرث القاتل).
ومن وجوه تعريف القياس ترشح حكم مسألة فيها نص على مسألة أخرى ليس فيها نص ولكنها تشترك معها في علة الحكم ، وأستدل على حجية القياس بقوله تعالى [وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ] ( ) ومعناه أن الله عز وجل رد على الذين يجحدون بالبعث بأن قيسوا أحياءكم في المرة الثانية على خلقكم في المرة الأولى ، ويمكن أن يجاب عليه بما ورد في التنزيل خطاباً وسؤالاً إنكارياً لإبليس [قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ]( ).
وأستدل بقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً] ( ).
وقيل وجه الإستدلال بالآية هو إذا تنازع المؤمنون في شئ ليس لله ولا لرسوله ولا لأولي الأمر منهم فيه حكم أن يردوه إلى الله ورسوله , ومنه إلحاق ما لا نص فيه بما فيه نص لتساويهما في علة حكم النص .
ولكن المعنى الظاهر من الآية الكريمة هو الرجوع إلى القرآن والسنة عند الإختلاف مما يدل بالدلالة التضمنية على دخول ذات حكم مسـألة التنازع في الكتاب والسنة ، ومعنى التنازع أن كل واحد ينتزع ويُذهب حجة الآخر، والرد إلى الله الرجوع إلى القرآن ، والرد إلى الرسول سؤاله في حياته، والنظر في سنته بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى ، وبه قال مجاهد والأعمش وقتادة والسدي( ) .
وفي أسباب نزول الآية أعلاه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث سرية فيها عمار بن ياسر (وأميرها خالد بن الوليد ، فقصدوا قوماً من العرب ، فأتاهم نذير فهربوا تحت الليل وجاء منهم رجل إلى عسكر خالد ، فدخل إلى عمار فقال : يا أبا اليقظان ، إن قومي قد فروا ، وإني قد أسلمت ، فإن كان ينفعني إسلامي بقيت ، وإلا فررت ، فقال له عمار : هو ينفعك ، فأقم .
فلما أصبحوا أغار خالد فلم يجد سوى الرجل المذكور فأخذه وأخذ ماله، فجاء عمار فقال : خلّ عن الرجل فإنه قد أسلم وإنه في أمان مني ، فقال خالد : وأنت تجير؟ فاستبّا وارتفعا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فأجاز أمان عمار ، ونهاه أن يجير الثانية على أمير ، واستبّا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
فقال خالد : يا رسول الله أتترك هذا العبد الأجدع يسبني؟ .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا خالد لا تسب عماراً ، فإنه من سب عماراً سبه الله ، ومن أبغض عماراً أبغضه الله ، ومن لعن عماراً لعنه الله ، فغضب عمار ، فقام فذهب ، فتبعه خالد حتى اعتذر إليه فتراضيا ، فأنزل الله عز وجل قوله : { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم }( ) وطاعة الرسول هي اتباع سنته ، قاله عطاء وغيره ، وقال ابن زيد : معنى الآية { وأطيعوا الرسول}( )) ( ).
ولكن قد(ثَبَتَ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ وَثَبَتَ عَنْهُ أَنّه أَجَارَ رَجُلَيْنِ أَجَارَتْهُمَا أُمّ هَانِئٍ ابْنَةُ عَمّهِ وَثَبَتَ عَنْهُ أَنّهُ أَجَارَ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرّبِيعِ لَمّا أَجَارَتْهُ ابْنَتُهُ زَيْنَبُ ثُمّ قَالَ يُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ يُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ وَيَرُدّ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ فَهَذِهِ أَرْبَعُ قَضَايَا كُلّيّةٌ أَحَدُهَا : تَكَافُؤُ دِمَائِهِمْ وَهُوَ يَمْنَعُ قَتْلَ مُسْلِمِهِمْ بِكَافِرِهِمْ . وَالثّانِيَةُ أَنّهُ يَسْعَى بِذِمّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ وَهُوَ يُوجِبُ قَبُولَ أَمَانِ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ)( ).
وأستدل بقوله تعالى [هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنْ اللَّهِ فَأَتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الأَبْصَارِ ] ( ).
ووجه الإستدلال هو الإعتبار أي المجاوزة , وهو معنى القياس بالعبور من حكم الأصل إلى حكم الفرع .
واستدل بحديث معاذ حينما بعثه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى اليمن (قال له : كيف تقضي إذا عرض عليك قضاء ؟
قال : أقضي بما في كتاب الله ، قال : فإن لم يكن في كتاب الله ؟ قال : بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، قال : فإن لم يكن في سنة رسول الله ؟ قال : أجتهد رأيي لا آلو ، قال : فضرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صدره, وقال: الحمد لله الذي وفق رسول الله لما يرضي رسول الله)( ).
أخرج الحديث أحمد وابو داود والترمذي وقد ضعفه جمع من أهل العلم بسبب الجهالة في أصحاب معاذ , والحارث بن عمرو .
وسنده هكذا عن الحارث بن عمرو ابن أخي المغيرة بن شعبة عن أناس من أهل حمص من أصحاب معاذ بن جبل .
وقال الترمذي : هذا حديث لا يعرف إلا من هذا الوجه ، وليس اسناده عندي بمتصل .
وقال البخاري : لا يعرف الحارث إلا بهذا ولا يصح .
وأستدل عليه بحديث المرأة من جهينة التي جاءت فقالت : أن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها ، قال نعم حجي عنها ، أرأيتِ لو كان على أمك دين أكنت قاضيته فالله أحق بالوفاء .
أي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : بتقديم الدّين الذي لله عز وجل على الدّين الذي للناس : فكما يجب قضاء دين الناس فيجب قضاء دين الله بقياس الأولوية .
وقالوا لا يصح القياس إلا مع عدم النص ، أما مع وجود الدليل من القرآن أو السنة النبوية فالقياس مردود , وعليه اجماع المسلمين .
فلا يصح قياس البنت على الولد في الميراث بلحاظ التساوي في البنوة والقربى لأن الله عز وجل يقول [يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ] ( ).
أما الإستحسان فهو العدول بالمسألة عن حكم نظائرها إلى حكم مخالف لدليل أرجح وأظهر اقتضى العدول ، سواء كان هذا الدليل هو النص أو الإجماع أو القياس الخفي أو العرف الصحيح أو المصلحة .
وينقسم علماء المسلمين إلى أقسام :
الأول : مثبتوا القياس .
الثاني : نفاة القياس ، ومنهم الظاهرية والنظامية.
الثالث : القول بالقياس على نحو الموجبة الجزئية، كالقياس المنصوص العلة وقياس الأولوية.
وأكثر المسلمين على الأول .
وهل تدل الآية في مفهومها على الخوف من أولياء الله , وليس الخوف من أولياء الشيطان , الجواب لا، إنما يكون الناس في عرض واحد بوجوب الخوف من الله عز وجل، ويتحلى المسلمون بالإمتثال لهذا الأمر فتزكى به نفوسهم، وتتزين به أقوالهم وأفعالهم.
لقد أراد الله عز وجل للحياة الدنيا أن تكون دار الخوف منه، وهو لا يتعارض مع كونها دار التوحيد، ودار الشكر له سبحانه، وفي التنزيل[وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنْ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ]( )، وفي الخوف من الله واقية من الخشية والخوف مستقبل الأيام .
ترى ما هي النسبة بين الإجتهاد والقياس ، الجواب هو العموم والخصوص المطلق ، إذ أن الإجتهاد بذل الوسع , أما القياس فهو الحاق الفرع بالأصل والحكم بجزئي على آخر والإستدلال بحكم شئ على شئ ، ويسمى في علم المنطق التمثيل ، ومن القياس أمران :
الأول : القياس منصوص العلة كما في القول : حرمة الخمر لأنه مسكر، فيفهم من الأمر أن النبيذ محرم لأنه مسكر .
وكما في قول الإمام علي عليه السلام في : ماء البئر واسع لا يفسده شئ لأن له مادة ) ليعلم منه أن كل ما له مادة واسع لا يفسده شئ .
الثاني : قياس الأولوية : ويسمى مفهوم الموافقة ، وفحوى الخطاب ، وكما في قوله تعالى [فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ] ( )
وعرّف الآمدي الإجتهاد بأنه استفراغ الوسع في طلب الظن بشئ من الأحكام الشرعية على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد عليه .
لكن وفق القياس المنطقي أن المقدمات إذا كانت ظنية فان النتيجة تتبعه وتكون ظنية بلحاظ قاعدة كلية وهي أن النتيجة تتبع أضعف المقدمات.
والآمدي (551-631 ) هو سيف الدين أبو الحسن علي بن أبي علي بن محمد بن سالم بن محمد العلامة الآمدي التغلبي الحنبلي ثم الشافعي ، ولد في آمد من ديار بكر ونسب إليها .
مفهوم الشرط
المراد من المفهوم لغة هو اسم مفعول من فهم يفهم , أي صار الأمر مفهوماً ومعلوماً (( المفهوم ) مجموع الصفات والخصائص الموضحة لمعنى كلي ويقابله المصداق) ( ).
والمفهوم في الإصلاح هو المستقرأ من اللفظ المنطوق ، ومن معانيه في الإصطلاح المعنى الذي لا يرتكز على النطق على نحو الحصر والتعيين بلحاظ كبرى كلية وهي أن معاني اللفظ أعم من ان تنحصر بالمستفاد من اللفظ ، إنما تشمل التعريف والإشارة وعموم الدلالة المستقرأة منه .
والشرط لغة إلزام وتقييد الشئ , والجمع شروط ، وقد يأتي بلفظ أشراط , كما في قوله تعالى [فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ] ( ).
وليس من حصر لوجوه الشرط ، إنما تكون بحسب الموضوع والحكم ، منها :
الأول : الشرط الشرعي ، وهو والذي جعله الشارع شرطاً ، سواء كان شخصياً كما في شرط الطهارة للصلاة ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ] ( ) .
أو أنه شرط كوني كما في أوان ابتداء وجوب صيام شهر رمضان في قوله تعالى [فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ]( ) .
والشرط الشرعي هو الأصل في المقام فيما يخص علم الأصول .
الثاني : الشرط العقلي : وهو الذي يلزم وجوده عقلاً لتنجز الفعل وتحقيق الغاية ، وقد لا يلزم من وجود الشرط العقلي تنجز المشروط أو المأمور به ، كما في قطع المسافة لأداء الحج ، فهو شرط ومقدمة عقلية وفي علم الكلام : شرط العلم الحياة ، وفي باب المعاملات : التراضي شرط البيع والإجارة والرهن .
إلا أنه لا يتحقق أداء المناسك إلا باتيانها بشرائطها مثل الوقوف على عرفة في اليوم التاسع من ذي الحجة .
الثالث : الشرط اللغوي : ويتعلق بموضوعية اللغة ومعنى المشروط وكذا الشرط والموضوع لغة عند التشريع والإشتراط .
الرابع : الشرط العادي ، وهو الذي يترتب على العادة والعرف , ومنه مثلاً غذاء الحيوان لأن حرمانه من الغذاء هلاك له .
وللشرط أدوات منها :
الأول : (إن) وهي أم أدوات الشرط فهي لا تخرج عن الشرط ، وتفيد التوقع وإرادة التنجز ، ومنه آية البحث لقوله تعالى [إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ].
الثانية : (إذا) لإرادة المحقق والمنجز .
ومن خصائص (إذا) الشرطية أنها تقلب الماضي إلى ما يفيد المستقبل .
الثالث : (لو) وهو حرف امتناع لإمتناع , وتتعلق بالشرط في الماضي ، مع القطع بانتفاء المشروط لانتفاء شرطه ، كما في قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ]( ) .
ومن معاني مفهوم الشرط في آية البحث دعوة المسلمين للإجتهاد في مسالك الإيمان .
وقالوا أن مفهوم الشرط فرع من مفهوم المخالفة ، ولكنه أعم في معناه ، ومن معاني مفهوم الشرط :
الأول : تنجز الجزاء عند تحقق الشرط لوجود المقتضي وفقد المانع .
الثاني : انتفاء الجزاء عند عدم الشرط .
الثالث : إفادة المنطوق وذكر الشرط على تحقق الجزاء عند ثبوت الشرط.
واختلف الأصوليون في مسألة وهي ، إذا لم يتحقق الشرط هل ينعدم الجزاء ، وقال بثبوت عدم الجزاء عند عدم تحقق الشرط القائلون بالمفهوم لأن التنجيز يتعلق عليه .
أما الذين ينفون دلالة المفهوم ، ولا يقولون به فانهم يقولون بذات الثبوت أيضاً , ولكنهم يختلفون في علته وأنها أصالة البراءة وليس دلالة التعليق عليه .
والخلاف بينهم صغروي .
ولكن موضوع الشرط في خاتمة آية البحث يدل في مفهومه على تنجز الشرط وثبوت الإيمان للمسلمين ، فلابد أن يترشح عنه خوفهم من الله عز وجل .
وكل تلاوة لآية قرآنية مصداق توليدي لهذا الخوف ، ومن مصاديق هذا الخوف العملية وقوف المسلمين بخضوع وخشوع بين يدي الله مجتمعين في صلاة الجماعة ، ومتفرقين في الصلاة الإنفرادية كشاهد على الإيمان ، لتكون خاتمة آية البحث دعوة للناس جميعاً للإقتداء بهم في طاعة الله ، وإظهار لغة التسامح والمودة والإكرام في جنب الله ، والتنزه عن حبائل الشيطان وأسباب الفتنة التي يسعى في إثارتها بين بني آدم .
وتدل آية البحث على وجود قوم يقومون بتخويف المسلمين من الذين كفروا ومكرهم وكيدهم ومن الأصنام التي اتخذها الذين كفروا آلهة من دون الله ، مع أنها أحجار جامدة لا تضر ولا تنفع .
وعن جابر بن عبد الله قال : (قال أبو جهل والملأ من قريش : قد انتشر علينا أمر محمد صلى الله عليه وسلم ، فلو التمستم رجلاً عالماً بالسحر ، والكهانة ، والشعر .
فقال عتبة : علمت من ذلك علماً ، وما يخفى علي إن كان كذلك ، فأتاه فلما أتاه قال له : يا محمد أنت خير أم هاشم ، أنت خير أم عبد المطلب. فلم يجبه قال : فيم تشتم آلهتنا ، وتضلل آباءنا؟ فإن كنت إنما بك الرياسة عقدنا ألويتنا لك فكنت رأسنا ما بقيت ، وإن كان بك الباءة زوّجناك عشرة نسوة تختار من أي بنات قريش ، وإن كان بك المال جمعنا لك من أموالنا ما تستغني به أنت وعقبك من بعدك – ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت لا يتكلم – فلما فرغ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بسم الله الرحمن الرحيم، { حم * تَنزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ }( ) فقرأ حتى بلغ { فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود}( ).
فأمسك عتبة على فيه ، وناشده الرحم أن يكف عنه ، ولم يخرج إلى أهله ، واحتبس عنهم فقال أبو جهل : يا معشر قريش ما نرى عتبة إلا قد صبأ إلى محمد وأعجبه طعامه ، وما ذاك إلا من حاجة أصابته انتقلوا بنا إليه. فأتوه فقال أبو جهل : والله يا عتبة ما حسبنا إلا أنك صبوت إلى محمد وأعجبك أمره ، فإن كنت بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن محمد .
فغضب وأقسم بالله لا يكلم محمداً أبداً , وقال : لقد علمتم أني أكثر قريش مالاً ولكني أتيته . فقص عليهم القصة ، فأجابني بشيء والله ما هو بسحر ، ولا شعر ، ولا كهانة ، فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ، { حم تنزيل من الرحمن الرحيم ، كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً }( ) حتى بلغ { أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عادٍ وثمود }( ) فأمسكت بفيه وناشدته الرحم فكف , وقد علمتم أن محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب فخفت أن ينزل بكم العذاب) ( ).
ولم يكن التخويف بالأصنام والآلهة الزائفة منحصراً بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بل هو ابتلاء لاقاه الأنبياء السابقون وأنصارهم ، وتضمنت آيات القرآن قصة ابراهيم , وقيامه بكسر الأوثان , فجمعوا الحطب لحرقه في النار ، (عن سليمان بن صرد . وكان قد أدرك النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – أن إبراهيم لما أرادوا أن يلقوه في النار ، جعلوا يجمعون له الحطب فجعلت المرأة العجوز تحمله على ظهرها ، فيقال لها : أين تريدين ؟ .
فتقول : أذهب إلى هذا الذي يذكر آلهتنا . فلما ذهب به ليطرح في النار {قال إني ذاهب إلى ربي سيهدين }( ) فلما طرح في النار قال : حسبي الله ونعم الوكيل .
فقال الله : { يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم}( ) فقال أبو لوط وكان عمه إن النار لم تحرقه من أجل قرابته مني . فأرسل الله عنقاً من النار فأحرقته)( ). لتكون فيه أسوة حسنة للمسلمين بعدم الخوف من كيد أولياء الشيطان, ومقدمة من تأريخ النبوة لنزول آية البحث .

مشاركة

Facebook
Twitter
Pinterest
LinkedIn

مواضيع ﺫات صلة