معالم الإيمان في تفسير القرآن – الجزء- 168

المقدمة
الحمد لله حمداً دائماً سرمداً الذي هدانا لمقامات الحمد والثناء , وكما أثنى على نفسه وهو[غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ]( ) الذي جعل الخلائق عاجزة عن استيفاء الثناء عليه ، وقاصرة عن إحصاء نعمه مع تواليها حال الإحصاء في أي آن.
الحمد لله الذي جعل الدنيا مزرعة للآخرة ، ومرآة لها ، وحجة في الإقبال على عالم الحساب .
وذات الدنيا والوقائع التي فيها ترغيب للناس باللجوء إلى عبادة الله والإستجارة به ، واللجوء إليه , وهو سبحانه الذي يمدهم ويكفيهم ، وفي التنزيل[أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ]( ).
الحمد لله الذي جعل أسباب ومصاديق الرزق تفوق الحاجة أضعافاً مضاعفة يدركها أي إنسان بأدنى تأمل وتدبر ، لبيان سعة رحمة الله وعظيم سلطانه ، وفيه دعوة للناس لإجتناب الخصومة والقتال بينهم، فان يغلق الناس باباً عن أمة أو طائفة أو جماعة فان الله عز وجل يفتح لهم ألف باب من غير إضرار أو فساد في الأرض , وهو من مصاديق إحتجاج الله على الملائكة حينما قالوا[أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ]( ) مع قرب الحساب الأخروي للظالم والمتعدي ، قال تعالى[إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا]( ).
وهل يرى المؤمنون الحساب بعيداً أم قريباً، الجواب هو الثاني، وقيل هذا القرب ليس مكانياً ، والجواب إنه قرب زماني ومكاني بلحاظ التصور الذهني وهو حتمي الوقوع إذ يستحضره المؤمن مع كل آية كونية ، وتلاوة آية من التنزيل ، وكل ما هو آت قريب .
وعن أبي سعيد الخدري (سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن { يوم كان مقداره خمسين ألف سنة }( ) ما أطول هذا اليوم ، فقال : والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أهون عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا)( ).
والحمد لله أن تفضل علينا بهذا الجزء من التفسير لسفر الإستدلال على عدم غزو النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للقبائل والمدن ، وليس من حصر لمصاديقه , فان قيل المتعارف في كتب المسلمين تعدد غزوات النبي صلى الله عليه وآله وسلم , ومنهم من قال أنها تسع وعشرون غزوة ومنهم من قال أنها سبع وعشرون، وقال المقل أنها سبع عشرة غزوة .
والمختار إنما أرادوا المعنى المجازي وبيان تمييز خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم للدفاع عن خروجه لغير الدفاع والقتال , ومنه خروج الإستطلاع والدعوة إلى الله بالإضافة إلى إرادة بيان عز المؤمنين ، وقوة ومنعة الإسلام .
لقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخرج إلى الدفاع والقتال بكل خضوع وخشوع ومسكنة لله عز وجل ، لا يروم الفخر أو المباهاة ، لبيان أنه مضطر للدفاع والقتال ، لقد كان أشخاص معدودون من رؤساء الكفر تولوا تحريض الناس على الإسلام.
وحشد الجيوش والزحف بها إلى المدينة، ومن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في السنة الدفاعية رجوع جيوش المشركين بالمذلة والخسران، ليدركوا مجتمعين ومتفرقين عدم تحقق أي نفع أو مكسب لزحفهم وهجومهم على الإسلام ، وهل هذا الإدراك من مصاديق الخيبة في قوله تعالى[لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ]( ) الجواب نعم ، وصحيح أن الآية أعلاه نزلت بخصوص معركة أحد إلى أن موضوعها عام , وشامل لكل معارك الإسلام ، ليكون من معاني قوله تعالى[فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ]( ) زجر المشركين عن العودة إلى الغزو والقتال مرة أخرى .
فان قلت لماذا لم تنزل الآية أعلاه في معركة بدر كي يمتنع المشركون عن الزحف في معركة أحد، الجواب كانت وقائع معركة بدر وكثرة قتلى المشركين فيها، وعدد الأسرى الذين خلفوهم وراء ظهورهم سبباً للخيبة والجزع وظهور القنوط عليهم ، ولكنهم أصروا على العناد .
وهل يصح تقدير الآية أعلاه : فينقلبوا خائبين في الدنيا والآخرة ) الجواب نعم إلا من تدركه التوبة، لذا فمن أسرار عدم إبتداء النبي صلى الله عليه وآله وسلم المشركين بالقتال المندوحة والسعة في أفراد الزمان والتدبر في معجزات التنزيل والنبوة لتدركهم التوبة ، ولا يفارقون الدنيا على الكفر ، وهو الذي تجلى في واقع الحال إذ أن أغلب الذين قاتلوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في معارك الإسلام الأولى صاروا مسلمين ويقيمون الصلاة , ويشكرون الله على نعمة الإسلام , ومنهم من بعثه النبي صلى الله عليه وآله وسلم أميراً على طائفة من المهاجرين والأنصار فلم يظهروا الإمتناع أو حتى الإمتعاض .
الحمد لله الذي لا يشرك في حكمه ولا يشاور في مشيئته أحداً ، وأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمشورة بقوله تعالى [وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ]( ) لبيان انفراد الله عز وجل وحده بالإستغناء عن المشورة ، فمع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يتكلم ولا يفعل إلا بأمر من الله عز وجل فإن الله عز وجل أمره بمشاورة أصحابه.
وأنى تأتي المشورة وهو القائل سبحانه[إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ]( ) لبيان قرب رحمة الله من العباد وحثهم على الرجاء والسؤال منه تعالى ، وتعلق قلوبهم بحبه والإنقطاع إليه ، لذا يؤتي المؤمنون أفعالهم العبادية بقصد القربة إلى الله عز وجل.
وفي التنزيل[إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ] ( ) لبيان أن الرحمة في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم عامة تشمل الناس جميعاً، وما خروجه للدفاع والذب عن الإسلام ، وعن أهل المدينة المنورة إلا من مصاديق هذه الرحمة ، فتمر الأيام وإذا الذين يحاربونه يقيمون الصلاة ويحرصون على أدائها في أوقاتها ويمتنعون عن وأد البنات وعن الظلم والغزو الذي كان سائداً بين القبائل قبل الإسلام وما يترشح عنه من القهر والسبي.
فالمرأة التي هي في خدرها وبيتها أو خيمتها في حال استقرار تفاجئ قبل الإسلام وعند الصباح بغزو رجال قبيلة أخرى ، فيقتلون زوجها ويأخذونها وصبيانها سبايا، يباعون في الأسواق عبيداً مقهورين ، وليس من لوم عام يتوجه للغزاة، ولا واعز ذاتي يزجرهم عن هذا الفعل القبيح ، فتفضل الله عز وجل ورحم الناس جميعاً الغازي والمغزو , والسابي والمسبي والمسبية، والقاتل والمقتول ، والناهب والمنهوب برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التي تلزمهم بالإيمان بالله، وهو الأصل الذي تتقوم به الحياة الدنيا لأنه علة الخلق وسر الحياة، وسبب الرزق الكريم وملاك الأخوة بين الناس بصبغة الهدى والإيمان ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا] ( ).
ومن خصائص أوائل المستجيبين لدعوة الأنبياء أنهم من المستضعفين للدلالة العملية على الأذى الذي كانوا يلاقونه من الطواغيت وكبار كفار قريش ، وهل دخل المستضعفون كلهم الإسلام في بدايات الدعوة , الجواب لا .
إنما دخل الأقل منهم الإسلام وبقى الأكثر تساق طائفة منهم إلى قتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين ، ولكن مع صبر وجهاد النبي صلى الله عليه وآله والمسلمين، والنصر من عند الله عز وجل للإسلام صار الناس يمتنعون عن الإنقياد لرؤساء الكفر الذين أصيبوا بالقطع وقتل طائفة منهم وتعطيل تجارتهم والنقص في هيبتهم بين القبائل، وعند الدول الكبرى آنذاك كالدولة الرمانية والدولة الفارسية ، فقد ذهب إليهم جماعة من كفار قريش وأعوانهم يستنصرونهم والقبائل الحليفة لهم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، ولكن كفار قريش كانوا في حال وهن مع عزوف القبائل التي حول مكة والتي في الجزيرة عن نصرة قريش ، فأمتنعت الجيوش الكبيرة عن المجازفة واقحام قواتها في عمق الصحراء لخشيتهم من أمور :
الأول : عمق الصحراء، وطول المسافة بين مدن الدولة الرومانية والدولة الفارسية وبين مكة والمدينة .
الثاني : قلة المياه في الجزيرة، وعدم كفاية ماء الآبار لأفراد الجيوش، وقد لاقى المسلمون ذات الأمر، ولكن حضور المعجزة كان سبباً في التدارك والنجاة ، إذ كان الماء ينبع ويجري على يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليرتوي الصحابة ويزدادوا إيماناً، ويسقوا رواحلهم ويعطفوا على الناس، ويمتنعوا عن البطش وسفك الدماء وسيأتي مزيد بيان في باب الإستسقاء( ).
الثالث : خشية جيوش الدول العظمى من مباغتة الأعراب لهم ، فقد يصاحبونهم أدلاء في النهار ويغيرون عليهم في الليل طمعاً برواحلهم وسيوفهم ودروعهم ومؤنهم ، وللنفرة العامة عند عرب الجزيرة من الجيوش التي تأتي من خارجها .
الرابع : موضوعية دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم للقبائل قبل البعثة أثناء موسم الحج، وطوافه عليهم ، وتلاوته لآيات القرآن عليهم، وترغيبهم بالإسلام .
فان قلت ليس كل أفراد القبائل الذين كانوا يحضرونه يكونون رسلاً للإسلام في طريق العودة إلى أهليهم ، وعند الرجوع إليهم، الجواب نعم، ولكن حتى الذي يعود من الحج إلى أهله وهو ينقل قول وإفتراء قريش على النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكون حجة عليهم عند الناس ومناسبة للترقب ومتابعة آيات التنزيل والإصغاء إليها، وتلك معجزة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بفضل من الله ، وفي التنزيل[وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ]( ).
الخامس : تغير موازين القوى ، ورجحان كفة الإسلام حتى وفق مقدمات وأسباب وأفراد التعادل والترجيح الظاهرية من جهات :
الأولى : سلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من القتل والإغتيال ، وهذه السلامة سبب لفزع الكفار لأنها شاهد على منعة الإسلام ، لقد أدرك المشركون أن بقاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حياً يؤدي إلى أمور :
أولاً : توالي نزول آيات القرآن .
ثانياً : كثرة وتنامي أعداد المسلمين ، ومن الآيات أن الذي يدخل الإسلام لا يرتد عنه وان سعى الذين كفروا في تعذيبه وهمّوا بقتله , وقد نزل القرآن بما يبعث اليأس والقنوط في قلوب المنافقين والكافرين من إرتداد نفر من المسلمين بعد انتقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى لقوله تعالى [وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ] ( ).
والذي يدل في مفهومه على عدم حصول إرتداد عند المسلمين في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بينما يتناقص ويتضاءل عدد المشركين من وجوه :
الأول : قتل عدد من رؤساء المشركين في غزوهم المدينة المنورة وأطرافها , وإصرارهم على القتال .
الثاني : إصابة طائفة من المشركين بالجراحات البليغة , وقعودهم عن القتال , وفيه زجر لأصحابهم عن التعدي على المسلمين خاصة مع رؤيتهم لأمارات تدل على حضور الملائكة القتال .
بينما كان جرحى المسلمين يخرجون إلى سوح القتال مع شدة جراحاتهم كما في خروجهم إلى حمراء الأسد في اليوم التالي لمعركة أحد إمتثالا لأمر الله ورسوله , قال تعالى [الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ] ( ).
لتعقب جيش المشركين والذين نووا العودة للإغارة على المدينة المنورة ليعودوا بالنعمة والعز والفضل من الله عز وجل، قال تعالى[فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ….]( ).
ثالثاً : إمتناع الناس عن نصرة وتعضيد رؤساء الكفر .
رابعاً : تناقل الناس لآيات القرآن وما ينزل منها ، وأسباب وموضوع النزول .
خامساً : شيوع سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم القولية والفعلية بين الناس وميلهم لها لما فيها من معاني الرأفة وصبغة الإعجاز بلحاظ أنها شعبة من الوحي , قال تعالى [وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى , إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى] ( ).
سادساً : ضرب الذين كفروا بالعوز ونقص الأموال وتعطيل التجارات, ومن مصاديق قوله تعالى[فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ]( ), قيام المشركين بإنفاق أموالهم على اعداد الجيوش التي تحارب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والإنفاق عليها .
وإنشغال الذين كفروا عن المكاسب الأمور العامة، وهذا الإنشغال من وجوه :
الأول : مقدمات القتال.
الثاني : الطواف على أهل مكة والقبائل لتحريضهم على قتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم , وفي إستعداد وندب المشركين لمعركة بدر أبى أمية بن خلف الخروج معهم في البداية , والسبب توعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم له بعد كثرة إيذائه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وتهديده بقتله.
وبعد هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة دخل سعد بن معاذ وهو من رؤساء الخزرج مكة معتمراً فنزل ضيفاً على أمية بن خلف، فجاء أبو جهل إلى أمية ووجه له اللوم لإستضافته سعد بن معاذ فقال سعد: قل ما شئت، أما إن طريق عيركم علينا .
قال أمية بن خلف : مه ، لا تقل هذا لأبي الحكم، فإنه سيد أهل الوادي)( ).
فلم يرض سعد بكلام أمية خاصة وأنه لم يتجاوز أو يعتدي بالكلام على أبي جهل، فقال سعد بن معاذ له : والله سمعت محمداً يقول لأقتلن أمية بن خلف ، قال أمية: أنت سمعته .
قال: نعم، فوقع في نفس أمية، وأصابه الفزع لإدراكه بأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لا يقول إلا الصدق والحق، وعندما عزم رجال قريش على الخروج إلى معركة بدر، إمتنع أمية عن الخروج معهم، فأتاه عقبة بن أبي معيط، ومعه مجمرة فيها بخور ، ومعه أبو جهل ومعه مكحلة ومرود، فأدخل عقبة المجمرة تحت أمية، وقال: تبخر، فأنما أنت امرأة وقال أبو جهل: أكتحل، فإنما أنت إمرأة.
عندئذ قال أمية (ابتاعوا لي أفضل بعيرٍ في الوادي. فابتاعوا له جملاً بثلاثمائة درهم من نعم بني قشير، فغنمه المسلمون يوم بدر، فصار في سهم خبيب بن يساف)( ) , وقد قتل الثلاثة يوم بدر على الشرك .
وكان أول داخل إلى مكة من معركة بدر الحيسمان بن عبد الله الخزاعي، فسأله أهلها: ما وراءك؟ فصار يعدد القتلى من أكابر قريش فقال: قتل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام أي أبو جهل، وأمية بن خلف وزمعة بن الأسود، ونبيه ومنبه أبنا الحجاج وأبو البختري بن هشام، وأخذ يخبرهم عن أسماء القتلى من أشراف قريش .
عندئذ (قَالَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ ، وَهُوَ قَاعِدٌ فِي الْحِجْرِ : وَاَللّهِ إنْ يَعْقِلُ هَذَا فَاسْأَلُوهُ عَنّي ؛ فَقَالُوا : ( و ) مَا فَعَلَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ ؟ قَالَ هَا هُوَ ذَاكَ جَالِسًا فِي الْحِجْرِ ، وَقَدْ وَاَللّهِ رَأَيْتُ أَبَاهُ وَأَخَاهُ حِينَ قُتِلَا)( ).
الثالث : رصد صبر وجهد المسلمين في المدينة، والسرايا التي يبعثها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد أفزع قريشاً دخول الناس الإسلام طوعاً وعلى نحو يومي ومن غير إكراه أو قتال.
الرابع : إعداد قريش للأسلحة والمؤن، وشراؤهم الرواحل والخيل، فمع كثرة الإبل والخيل التي جاءوا عليها إلى معركة أحد، فأنهم ساقوا معهم مائتي فرس لم تركب ظهورها ليمتطوها يوم المعركة.
الخامس : دفع الأموال إلى الشعراء ورؤساء القبائل لتحريضهم وقومهم على قتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
سابعاً : إخلاص المسلمين في دينهم وتعاهدهم للفرائض .
ثامناً : تفقه المسلمين في الدين وارتقاؤهم في المعارف ، ومن الآيات في المقام حرص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على أدائه الصلاة اليومية جماعة ، فليس من حاجز أو برزخ بين المسلم أو المسلمة وبين أداء الصلاة جماعة بامامة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليكون ميثاقاً رسالياً بعدم منع أو حجب عامة الناس عن الصلاة خلف الملك والحاكم ، إذا كان اماماً أو كان وذووه حاضرين الصلاة .
وهل كان بامكان الكافر الحضور إلى المسجد النبوي , ورؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه يؤدون الصلاة ، الجواب نعم ، وهو رحمة وحجة على الناس وسبب في دخول كثير من الناس الإسلام ، ولا ينحصر هذا الدخول بمن يحضر ويشاهد الصلاة إنما يشمل غيره من الرجال والنساء ، ممن ينقل لهم هيئة وحال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في الصلاة والخشوع الذي يدل على صدق النوايا واخلاص العزائم والثبات على الإيمان .
وتدل ذات أفعال الصلاة على دلالات خاصة ، مثل هيئة الركوع التي تدل على الصبر في طاعة الله، والسجود الذي يفيد التطامن والخضوع لله عز وجل, وفي التنزيل[الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ]( ).
وإقامتهم البرهان وإحتجاجهم بالدليل على وجوب عبادة الله والتصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
تاسعاً : فشل وهزيمة وخزي الذين كفروا في هجومهم على الإسلام ، ومن الآيات أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم قاد معارك الدفاع الأولى بنفسه , ولا يعلم بمنافع حضوره الميدان بنفسه إلا الله عز وجل وفيه حجة على الذين كفروا لتعريضهم حياة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للخطر وإصابته بالجراحات الشديدة , ولم تنزل آيات القرآن كلها بعد .
وعندما أقبلت جيوش المشركين في معركة أحد ، وصارت على بعد بضعة كيلو مترات عن المدينة المنورة ، لبس النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأمة القتال ، وتوجه بنفسه إلى ميدان المعركة ، ووّثق القرآن هذا الأمر بقوله تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] ( ) .
فاًبتدأت الآية أعلاه بالإخبار عن خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه ثم ذكرت قيامه بتعيين مواضع أصحابه في القتال لتدل الآية بالدلالة التضمنية على أنه كان في ميدان المعركة , من بدايتها , والذي يدل على أن المسلمين لم يبدأوا بالقتال يومئذ .
عاشراً : بيان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأحكام الشريعة ، وتجدد هذا البيان في كل يوم سواء عند إرتقاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم المنبر أو وهو في المسجد , أو في السفر وقيامه بتفسير آيات القرآن .
الثانية : توالي نزول آيات القرآن ونفعها العظيم من وجوه :
أولاً : إحاطة آيات القرآن بالوقائع والأحداث , قال تعالى [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ] ( ) .
ثانياً : موضوعية أسباب نزول آيات القرآن في تدبر الناس في دلالاتها وإعجازها .
ومن الآيات في المقام خشية المنافقين والمشركين من نزول آية قرآنية تفضحهم وتؤثق وإلى يوم القيامة قبح فعلهم .
ثالثاً : انقياد المسلمين والمسلمات إلى مضامين آيات القرآن , وما فيها من الأوامر والنواهي .
رابعاً : قيام المسلمين بحفظ آيات القرآن ، وتلاوتها ، لتكون بديلاً عند الناس عن أبيات الشعر وترديدها , مع التباين الكبير بينهما من وجوه :
الأول : القرآن كلام الله عز وجل وفيه مائز عظيم ومتصل غير منقطع بينه وبين كلام البشر سواء كان شعراً أو نثراً .
الثاني : يعتني الشاعر بقصيدته ويجتهد بتأليف أبياتها ، وقد يأخذ منه إعداد القصيدة أو بعض أبياتها أشهراً وسنوات ، بينما تنزل الآية القرآنية من مصاديق قوله تعالى [إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ]( ).
وهو لا يتعارض مع القول بأن القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ .
الثالث :النظم والتكلف في الشعر وحصول المؤاخذة في نظم وكلمات القصائد بينما يخلو القرآن من اللحن والتعارض والتزاحم نحوه .
الرابع : الأجر والثواب في قراءة حروف وكلمات القرآن (عن عوف بن مالك الأشجعي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قرأ حرفا من القرآن كتبت له حسنة ، ولا أقول [ الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ] ( )ولكن الألف حرف ، واللام حرف ، والميم حرف ، والذال حرف ، واللام حرف، والكاف حرف)( ).
وقد يكون في الشعر غيبة وذم وقدح وجرح خاص أو عام , وأكثره ليس بصحيح .
الخامس : كل كلمة وآية من القرآن سبيل للهداية والصلاح والرشاد وقد يكون الشعر باباً للفتنة , قال تعالى [وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمْ الْغَاوُونَ , أَلَمْ تَرَى أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ , وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ , إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ] ( ).
السادس : يحرص الشاعر على النظم الموزون والقافية ، لذا فان اسم الشاعر مأخوذ من الإنتباه والإلتفات إلى أنه يقول شعراً موزوناً ، إما إذا لم يقصد الشعر فلا يسمى شاعراً وان جاء كلامه نظماً موزوناً .
والقرآن ليس شعراً وهو منزه عن مراتب الشعر ، وإن جاء موزوناً ، لأنه كلام الله عز وجل ، كما في قوله تعالى[وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ* وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ] ( ).
وقد وردت أخبار في تسليم فحول الشعراء وأهل البلاغة واللغة بأن القرآن ليس بشعر ، ولا ينطبق على قواعد نظم الشعر .
وعن أبي ذر قال : خرجنا من قومنا غفار وكانوا يحلون الشهر الحرام ، أي أنهم اجتنبوا العيش بين ظهرانيهم لعدم تقيدهم بحرمة الأشهر الحرم وهي ذو القعدة وذو الحجة ومحرم أشهر متصلة وشهر رجب منفرداً .
قال فخرجت أنا وأخي أنيس وأمنا ، فنزلنا على خال لنا ، والذي قام باكرامهم وأحسن ضيافتهم .
ولكن أهل قريته حسدوهم فافتروا عليهم وبعثوا الشك في نفسه منهم وقالوا له : انك إذا خرجت خالف أنيس إلى أهلك ، وحينما سمع خالهم هذا الكلام لم يطق السكوت وكتمه وتركه ، ولم يختر رصد الحال وملاحظة الضيوف وشؤون المنزل ، إنما جاء وأخبر أبا ذر وأنيساً وأمهما بما يقول قومه من القذف والطعن بأنيس .
وكان العرب يهابون الضيافة ويصونون المضيف في نفسه وأهله فقال أبو ذر لخاله (أما ما مضى من معروف فقد كدرت ولا جماع لك فيما بعد. قال: فقربنا صرمتنا فاحتملنا عليها وتغطى خالنا بثوبه وجعل يبكي) ( ).
أي أنه بكى لإخباره عن الشك والريب في ابن اخته ، وما فيه من المخالفة لأصول الضيافة وخروج أخته وولديها غير راضين ، لذا غطى رأسه ووجهه كيلا يراهم ساعة المغادرة ، ومن موارد جواز الغيبة غيبة الضيف للمضيف. والمختار أنه ليس من أفراد الغيبة إنما بيان حال وتقصير ، وقد ذكرته في رسالتي العملية (الحجة).
وعن عبد الله بن الصامت أن أبا ذر قال له : (فانطلقنا حتى نزلنا بحضرة مكة، فنافر أنيس عن صرمتنا وعن مثلها فأتيا الكاهن فخبر أنيسا بما هو عليه، قال فأتانا بصرمتنا ومثلها معها , وقد صليت يابن أخي قبل أن ألقى رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، ثلاث سنين، فقلت: لمن؟ قال: لله. فقلت: أين توجه؟ قال: أتوجه حيث يوجهني الله ،أصلي عشاء حتى إذا كان من آخر السحر ألقيت كأني خفاء حتى تعلوني الشمس.
ومعنى نافر أي تفاخر بالنسب على نوقهم وجعل الطرف الآخر منهما فيتنافران إلى طرف ثالث ليحكم بينهما .
قال الأعشى في مدح عامر عند منافرته لعلقمة .
(قد قلت شعري فمضى فيكما * واعترف المنفور للنافر) ( ).
(والصرْمَةُ: القَطِيْعُ من الإبلِ نحو الثَّلاثين) ( ).
أي أن أنيساً خاطر مفاخرة بكل الإبل والمال الذي يملكون ، فلما جاء أنيس وخصمه إلى الكاهن أخبرهم بما تكون الغلبة فيه لأنيس ، فجاء بابله وبمثلها معها واسم أبي ذر جندب بن جنادة , واختلف في اسم أبيه وقيل عبد الله السكن ، كما أختلف في اسم أبي ذر نفسه وقيل برير بن جنادة( )، والصحيح هو الأول أعلاه .
وقال انيس يوماً : إن لي حاجة بمكة فأكفني حتى أتيك ويظهر أن أنيساً وأبا ذر يتقاسمان الأعمال وأمور الابل وحال الأسرة ، فأبطأ أنيس ، ثم رجع فقال أبو ذر : ما حبسك يا أخي .
قال : لقيت رجلاً بمكة على دينك يزعم أن الله أرسله ، قال أبو ذر ، فما يقول الناس عنه ، قال يقولون شاعر ، كاهن ، ساحر ، وكان أنيس شاعراً فقال (والله لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر فلا يلتئم على لسان أحد , بعيد أنه شعر والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون) ( ).
ولم يبطأ أو يتأخر أبو ذر في أمر الذهاب إلى مكة .
إذ أدرك أن هذا الذهاب حاجة له , فقال لأخيه أكفني حتى أذهب فأنظر ، فدخل مكة وهو في حال حذر وحيطة ، إذ يخاف بطش رؤساء الكفر وقد شاعت أخبار تعذيبهم للمسلمين الأوائل واظهارهم العداوة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته .
والتقى أبو ذر بالإمام علي عليه السلام وأخذه إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في دار الأرقم فأسلم وحسن أسلامه من أول يوم دخل فيه الإسلام وجهر باسلامه , وصبر على الأذى , وعاد إلى أمه وأخيه واخبرهما باسلامه , وتيقنه من صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ورسالته (فقالا ما لنا رغبة عن الذي دخلت فيه فأسلما قال أبو ذر : ثم خرجنا حتى أتينا المدينة) ( ) .
وقد وردت قصة أخرى في كيفية دخول أبي ذر إلى مكة وأن أحدهم أشار إليه بأنه الصابىء وأنهم أنهالوا عليه بالحجارة والعظام حتى خرّ مغشياً عليه .
الثالثة : من أسباب رجحان كفة المسلمين السعة والمندوحة ودخول الأموال إلى المدينة من وجوه :
الأول : كثرة الزراعة في المدينة .
الثاني : بركات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : التجارة والكسب وسعي المسلمين في البيع والشراء وجلب البضائع ، قال تعالى [وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِ وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ] ( ).
الرابع: بدل الأسرى في معركة بدر ، إذ كانوا سبعين أسيراً وكان بدل بعض الأسرى أربعة الآف درهم كما في عوض أبي عزيز وهو أخو الصحابي مصعب بن عمير ، نعم قد قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم باطلاق عدد من الأسرى من غير عوض كما طلب من بعضهم قيام كل واحد منهم بتعليم عشرة من صبيان أهل المدينة القراءة والكتابة لفكه من الأسر ، وفكّ عدداً منهم من غير عوض أو بدل .
ومن الصحابة من فك بعض الأسرى من غير عوض , أو أطلقوه على أن يوفيهم العوض فيما بعد .
وتتضمن آيات القرآن دعوة المسلمين للأمر بالمعروف والدعوة إلى ولاية الله ، والنهي عن المنكر ومنه ولاية الشيطان .
وهل قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عند التقاء الصفين (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا) منه , الجواب نعم , وفيه مسائل :
الأولى : بعث الفرقة والخلاف في صفوف جيش الذين كفروا , وفي التنزيل [قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ] ( ), أي قل يا محمد للناس جميعاً ومنهم المشركون أن الله عز وجل أتم الحجة على الناس ببعثة الأنبياء, وانزال الكتب السماوية والآيات الكونية , ولو شاء شاء لهدى الناس جميعاً , ولا يقدر أحد أن يقيم الحجة البالغة على الناس إلا الله عز وجل , وهو مما ينفرد به سبحانه لإحاطته علماً بكل شىء ولحكمته التامة وإطلاق مشيئته .
ومن خصائص الحجة الغنى عن القتال , إذ أن البرهان خطاب عقلائي وعن (عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل افتتح صلاته: اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل{فاطر السماوات والأرض }( ) { عالم الغيب والشهادة ) ( )، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون }( )اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك انك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم .) ( ).
الثانية : إقامة الحجة على الذين كفروا .
الثالثة : بيان قانون وهو عدم وجود برزخ وحاجب بين الإنسان والإيمان .
الرابعة : تنبيه كل فرد من جيش المشركين إلى قانون من الإرادة التكوينية ، وهو حقه في الإختيار بما ينفعه في أمور دينه ودنياه بالهداية والرشاد ، إذ يصل نداء التوحيد إلى عامة جيش المشركين الذين جاء بهم الرؤساء إلى ساحة المعركة ليقاتلوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيفاجأوا بأنه يدعوهم إلى ما فيه مصلحتهم وخيرهم ، فيدركون انتفاء العلة لقتاله .
الخامسة : توجه نداء التوحيد إلى كل فرد من جيش المشركين على نحو مستقل يدعوه إلى الإيمان , قال تعالى [وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلاَلَةُ]( ).
السادسة : ترغيب الناس عموماً بالإيمان ، ونبذ مفاهيم الشرك والضلالة ، إذ يرجع أفراد جيش الذين كفروا إلى أهليهم ومدنهم وقراهم فيكونون دعاة للتوحيد .
السابعة: التمييز بين المسلمين وأهل الكتاب من جهة وبين الذين كفروا من جهة أخرى ، وبيان خسارة الذين كفروا لإخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن اقتران الفلاح بكلمة التوحيد .
الثامنة : بيان قانون وهو مجئ الخير واستدامة النعم مع الإيمان بالله عز وجل وعدم الشرك ، وهو المستقرأ من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا) وفي معنى قوله تعالى [حي على الفلاح] أي بادروا إلى فعل الخير وما فيه النجاح والفوز .
التاسعة : من معاني نداء التوحيد تخلف الذين كفروا عن الفلاح والرشاد لخوفهم من الشيطان ، وهل سماع ذات النداء وحده باعث على الإبتعاد عن الشيطان ، الجواب نعم ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ).
العاشرة : بيان قانون وهو أن السنة النبوية تفسير للقرآن الكريم , وجاء الجزء السابق من هذا السِفر بتفسير قوله تعالى [إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ] ( ).
وتتضمن الآية أعلاه أموراً :
الأول : الإخبار عن عداوة الشيطان للناس , وتخويفه للذين كفروا .
الثاني : نهي المسلمين عن الخوف من الذين كفروا .
الثالث : وجوب الخوف من الله عز وجل , وتجلي هذا الخوف بالإستقامة , ومن بديع الآيات في أداء المسلمين للفرائض العبادية تلاوة كل واحد منهم ذكراً أو أنثى عدة مرات في الصلاة اليومية [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( ).
وبالنسبة للأمر الأول أعلاه أخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينادي بكلمة التوحيد ، ويدعو الناس إليها وإلى النطق بها والعمل بمضمونها لبعث النفرة في نفوس الناس عامة من الشيطان .
أما بالنسبة للأمر الثاني فان نداء التوحيد يبعث المسلمين على الإقامة في رياضه ، والثبات على الهدى والإيمان عند ملاقاة الذين كفروا ، وهو من مصاديق قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ).
وتدل الآية أعلاه على إرادة دفاع المسلمين عن أنفسهم , وليس الهجوم من جهات :
الأولى : إبتداء الآية بنداء الإيمان الذي يتضمن التسليم بالعبودية لله عز وجل والعمل بأوامره ، وإجتناب ما نهى عنه .
الثانية : ذكر لقاء العدو على نحو الجملة الشرطية [إِذَا لَقِيتُمْ] ( ).
الثالثة : التخفيف عن المؤمنين بتسمية جيش العدو [فِئَةً] .
الرابعة : الأمر من الله عز وجل بالثبات في الميدان والذي يدل وفق مفهوم الموافقة على عدم الهروب ، ووفق مفهوم المخالفة على عدم الغزو والهجوم ، أي إذا انهزم العدو فاتركهم ، وهو أكبر وأعظم من مسألة الأسر ليرجع أفراد العدو إلى أهليهم .
فان قلت إنما يرجعون إلى فئة وإلى رؤساء الكفر الذين يجمعونهم مرة أخرى ويهجمون بهم ، الجواب لا يحصل هذا مع كثير من الأفراد ، إذ أنهم يرجعون من المعركة مع إدراك معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، والتسليم ببطلان محاربتهم له ، وإنحصار نتيجة المعركة بهزيمة الكفار .
فيدل قوله تعالى [فَاثْبُتُوا] على الإمتناع عن مطاردة العدو ، فان قلت قد خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بعد معركة أحد بيوم واحد إلى حمراء الأسد لملاحقة جيش المشركين ، والجواب هذا صحيح ، إنما خرجوا لبعث الرعب والفزع في قلوبهم ، ولم يقع قتال ، ولم يلق النبي صلى الله عليه وآله وسلم في خروجه هذا حرباً , إنما عاد وأصحابه بنعم متعددة وفضل من الله عز وجل ، قال تعالى[فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ]( ).
الخامسة : وجوب ذكر الله عز وجل ذِكراً كثيراً عند لقاء العدو ، وفيه النصر للمسلمين ، والزجر والرعب للذين كفروا ، وهل قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (قولوا لا إله إلا الله) من هذا الذكر ، الجواب نعم ، إذ يأتي به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , فيحسبه الله للمسلمين جميعاً .
وأما بالنسبة للأمر الثالث فان نداء التوحيد يطرد عن نفوس المسلمين الخوف من الذين كفروا ، سواء بخصوص اللقاء والمواجهة أو في أمور الرزق والمعيشة وأداء الفرائض والعبادات .
فقوله تعالى [فَلاَ تَخَافُوهُمْ] ( ) أعم من أن يختص بساعات القتال ، ومن الآيات أن أغلب أيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم في فترة النبوة ليس فيها قتال ومواجهة مع المشركين .
ويأتي نداء التوحيد في ساحة المعركة لأمور :
الأول : صرف القتال .
الثاني : دعوة الذين كفروا للتدبر في أسباب وعلة القتال والغاية منه ، وتأكيد قانون وهو أن اصرارهم على محاربة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عناد واستكبار لا يجلب لهم إلا الندامة والخيبة .
الثالث : مع نداء التوحيد يدخل الخوف من الله إلى قلوب الناس ، ومنهم المشركون , ليزيح عنها الخوف من الشيطان على نحو دفعي أو تدريجي .
الرابع : إمتناع الذين كفروا عن الخروج في معركة لاحقة لقتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فما أن يدعوهم رؤساء الكفر إلى النفير حتى يستحضر كل واحد منهم نداء التوحيد ، ويدرك أنه يحارب حملة هذا النداء الذي هو قريب من نفسه ونفوس الناس ، وهذا القرب من مصاديق قوله تعالى بخصوص آدم [وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ] ( ).
ومجموع آيات القرآن هو (6236) آية وإذا أجريت إحصائية لآيات القتال الخاصة بالمسلمين لكانت آيات قليلة نحو ست وخمسين آية وبلحاظ أسباب نزول وموضوع الآية فان هذه الآيات تنزل على إرادة الدفاع عن النبوة والتنزيل وعن المؤمنين وأهلهيم ، ومنها الآيات التي تنهى عن القتل والقتال .
ولا تدخل معها آيات القتال الخاصة بولدي آدم , وتلك التي تخص الرسول موسى عليه السلام وبني إسرائيل , وظلم فرعون , وقضية يوسف وأخوته , وأحكام القصاص , وقتل العمد , والقتل الخطأ , قال تعالى [وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا] ( ).
إذ كان المشركون يزحفون بقصد القتل والفتك مع إرادة أسر الذين يبقون أحياء من الصحابة وسبي النساء ، فصار الدفاع واجباً .
ومن آيات الدفاع قوله تعالى [وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ] ( ), لبيان قانون وهو أن المسلمين يدافعون عن أنفسهم وأن الذين كفروا هم الذين يطلبون القتال ويدعون إليه , ويتناجون به .
وهل منها قوله تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ]( ) الجواب نعم ، لبيان خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من بيوتهم للدفاع ، إذ كانوا في حال استقرار ودعة وكانوا في غبطة لأدائهم فريضة الصلاة اليومية ، واضطروا للخروج للدفاع بعد صلاة العصر من يوم الجمعة , وبعد أن حث المسلمين في صلاة الجمعة على الدفاع حينما بلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه اقتراب جيش المشركين من المدينة ، ووصل إلى الشعب من جبل أحد صباح يوم السبت ,فتدل الآية أعلاه على الدفاع الاضطراري .
لقد جاءت الأجزاء 164-165-166 من هذا السفر في قانون (لم يغزُ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحداً ) ثم جاء الجزء السابق وهو السابع والستون بعد المائة في تفسير الآية (175) من سورة آل عمران ، ثم أنعم الله عز وجل علينا بهذا الجزء ، ويتعلق بالقانون أعلاه ، وكيف أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم كان يدفع القتال ، ويرجو إنصراف الذين كفروا عنه ، وهذا الرجاء ليس أمراً عدمياً ، بل هو أمر وجودي إذ كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينادي بنداء التوحيد ، ويجتهد بالدعاء [لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً] ( ) .
وحتى الذين يبلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنهم يريدون الهجوم على المدينة المنورة فانه يخرج إليهم حتى إذا ما علموا بقدومه فأنهم يهربون إلى رؤساء الجبال أو إلى الفيافي فيتركهم ، ولا يأمر أصحابه بالإغارة عليهم وقد يعقد معهم نوع عقد وموادعة وصلح , ومثل هذا العقد مناسبة ومقدمة لتدبرهم بمعجزات التنزيل والنبوة ومما امتاز به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إقتران المعجزات الحسية له بالمعجزات العقلية.
ومن لا يعتدي على المدينة ، ولا ينوي الإعتداء على المؤمنين فان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتركه ولا يغزوه ، وتؤكده الآية التي جاء الجزء السابق بتفسيرها ، وهو قوله تعالى [إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ] ( ) وفيها دعوة للمسلمين بعدم الخوف من الذين كفروا ، مع بيان لزوم الخشية والخوف من عند الله عز وجل ، وإذا كان عدم الخوف من الذين كفروا سبباً لترك قتالهم بلحاظ كبرى كلية وهي أن عدم الخشية من الذين كفروا إمهال لهم , وشاهد على عدم الإنتقام منهم .
وخوف المسلمين من الله أكبر أسباب الإنزجار عن الغزو والهجوم ، وهذا الخوف من مصاديق الصبر والعفو والصفح ، ويتوالى نزول آيات القرآن وكل آية تدعو الناس إلى الإيمان ، وتنهى عن أمور :
الأول : الكفر والجحود .
الثاني : التعدي والهجوم على ثغور المسلمين .
الثالث : محاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ويتضمن هذا الجزء ذكر بعض البراهين التي تدل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدفع القتال , ويجتنب الغزو ، وفي التنزيل [ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ] ( ) ويحتمل الأحسن في المقام وجوهاً :
الأول : القتال .
الثاني : الدفاع .
الثالث : الغزو .
الرابع : الصبر وصرف القتال .
والصحيح هو الأخير ، وهل يمكن أن يقال إن لم تقدر على الدفع بالأحسن فادفع بالحسن ، الجواب نعم ، ولكن تدل الآية أعلاه على وجود وقرب الأحسن في كل أمر وقول وفعل ، ويحتمل هذا الأحسن بلحاظ الكم وجوهاً :
الأول : الأحسن فرد واحد .
الثاني : الأحسن أفراد متعددة .
الثالث : التباين حسب الموضوع والحال .
ومن الأحسن ما يكون فرداً واحداً ، ومنه ما يكون افراداً متعددة ، والصحيح هو الثاني ، وهو من الإعجاز في مجئ الآية بلفظ [التي] وما فيها من معاني التعدد .
فلم تقل الآية (ادفع بالذي هو أحسن ) لإحتمال انصراف لفظ التفضيل إلى فرد واحد ، بينما يدل لفظ الاسم الموصول المونث (التي) على الكثرة حتى في أفراد جنس الأحسن ومصاديق الفضل ، وفيه مسائل :
الأولى : إرادة المندوحة والسعة في إختيار الأفضل .
الثانية : إكرام النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بتيسير وجوه الأفضل .
الثالثة : المقصود الأفضل بحسب الحال والزمان والمكان ، فقد يكون الأفضل والمتيسر في زمان غير الذي يكون الأفضل في زمان ومكان آخر، مع إزدياد مصاديق أكثر على نحو متعاقب وهو من فضل الله عز وجل ، ومن الإعجاز في المقام أن كل فرد من الأحسن يتصف بالتمام , ويتضمن أداء الواجب وفيه الثواب العظيم .
الحمد لله الذي جعل الحمد مفتاحاً لذكره ،وسبيلاً للتزلف والتقرب إليه ، فمن مصاديق قوله تعالى [أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ]( ) أنه سبحانه الشافع والمُشفع والذي تفضل بتعليم العباد كيفية التقرب إليه بالثناء عليه ، والذي ينعم عليهم ليحمدوه ويشكروه طوعاً وانطباقاً وقهراً .
وهل يمكن القول أن كل آية قرآنية تدل في منطوقها أو مفهومها على لزوم الحمد لله وتدعو إليه ، وترّغب فيه , الجواب نعم ، وذات تلاوتها من الحمد والشكر له سبحانه ، إذ أراد الله عز وجل تقريب العباد من منازل الحمد بمصاحبة الوحي والتنزيل لهم إلى يوم القيامة، فتوالت آيات التنزيل على الأنبياء من أيام آبينا آدم ، فقد كان أول الأنبياء ، ومع أن الله عز وجل كلّمه قبلاً وأسكنه وزوجه الجنة فانه لم يتركه في الأرض من غير الوحي ، بل تفضل وأنزل عليه الكتاب (وقال أبو ذر : قلت : يا رسول الله كم الأنبياء؟
قال : «مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً قال : قلت : يا رسول الله كم المرسلون منهم؟
قال : ثلاثمائة وثلاثة عشر وبقيّتهم أنبياء قلت : أكان آدم نبياً؟
قال : نعم كلمه الله سبحانه وخلقه بيده،
يا أبا ذر أربعة من الأنبياء عرب : هود وصالح وشعيب ونبيك. قلت : يا رسول الله كم أنزل الله من كتاب؟
قال : مائة وأربع كتب،
منها على آدم عشر صحف،
وعلى شيث خمسين صحيفة،
وعلى أخنوح،
وهو إدريس ثلاثين صحيفة،
وهو أوّل من خطّ بالقلم،
وعلى إبراهيم عشر صحائف،
والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان)( ).
الحمد لله كما ينبغي لعظيم قدرته , وحضور مشيئته , وإحاطته علماً بكل شئ ، ومن سلطان الله الملازمة بين مشيئته وبين علمه بكل شئ ، وهو الذي ينفرد بحبه لجنس الخلائق كلها، وإستدامة هذا الحب , ومنها الناس ,ً ويحتمل حب الله للناس وجوهاً :
الأول : حب الله عز وجل للناس بذات المرتبة لحبه سبحانه إلى الخلائق لوحدة الموضوع في تنقيح المناط ، وأن الكل مخلوق له سبحانه ، ولم يخرج من العدم إلى الوجود إلا بمشيئته ، وفي التنزيل [لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ] ( ).
الثاني : حب الله عز وجل للناس أكثر من حبه للخلائق كلها لموضوعية خلافة الإنسان في الأرض والشأن العظيم الذي تتضمنه بدليل احتجاج الملائكة حينما أخبرهم الله عز وجل بخلافة الإنسان في الأرض إذ [وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ] ( ).
الثالث : يحب الله عز وجل الملائكة أكثر من حبه للناس .
الرابع : التفصيل فان حب الله عز وجل للأنبياء والأولياء الصالحين أكثر من الخلائق كلها لأنهم يحبونه ويطيعونه , بخلاف الذين كفروا الذين يتبعون الشيطان ، وفي التنزيل [إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ]( )، قال تعالى [وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ] ( ).
والمختار هو الرابع والعلم عند الله .
وهل يختص حب الله عز وجل بالمؤمنين الذين يقاتلون في سبيله كما في قوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ] ( ).
الجواب لا ، إنما ذكرت الآية أعلاه عملاً جهادياً من أحب الأعمال إلى الله عز وجل ، وتحتمل الآية أعلاه في دلالتها وجوهاً :
الأول : المقصود القتال دفاعاً وضرورة .
الثاني : إرادة قيام المؤمنين بالغزو والهجوم .
الثالث : المقصود المعنى الأعم للغزو والدفاع , بلحاظ أن القتال عنوان جامع لها .
والمختار هو الأول بدليل ذكر الآية لقوله تعالى [كَأَنَّهُمْ بُنيَانٌ مَرْصُوصٌ]( ) وهذا التشبيه لا يتحقق بالهجوم والإغارة إنما يدل على الدفاع الصرف ، وقد رص بعضهم بعضاً والتصقوا كالجدار من دون فرجة أو ثغرة ، وثبتوا في مواضعهم , ولم يغادروها .
ولعله لم يُستدل في علم التفسير والسنة على إرادة معنى الدفاع من الآية أعلاه ، وقد يتبادر إلى الذهن الهجوم والغزو ، ولكن ظهورها في الصبر والدفاع وعدم الهجوم جلي .
ولا يختص حب الله للمؤمنين بالمدافعين إنما يشملهم جميعاً المجاهد والقائد وأكثر المسلمين ليس في أيامهم وأزمنتهم قتال ، والله عز وجل يحبهم ، وهذا الحب من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ).
لينوي المسلم الدفاع وإن لم يتحقق موضوعه ، وهل يثاب عليه , الجواب نعم ، وورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (إنما الأعمال بالنيات).
ومن حبه ورحمته بالناس تفضله بالآيات الكونية، وقضاء حوائجهم وتنجز رغائبهم.
ولا يختص هذا التنجز والتحقق بالمؤمنين من بين الناس، قال تعالى[كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاَء وَهَؤُلاَءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا]( ) نعم ينتفع المؤمنون مما ينعم به الله عز وجل عليهم ، وبما يرزقه لغيرهم من الناس بالدعاء وسؤال الله عز وجل من وجوه :
الأول : سؤال المؤمنين الله عز وجل ليرزقهم مثل الذي عند الكفار وهذا ليس من الحسد في شئ ، إنما هو إقرار وتسليم بأن خزائن السموات والأرض بيد الله عز وجل .
الثاني : إرادة العز للمؤمنين في الدنيا بالسعة والرزق الوافر .
الثالث : تسخير المؤمنين لما يرزقهم الله في سبيله تعالى، ومنه إخراج الزكاة والخمس والحقوق الشرعية ، وهل منه الإنفاق على العيال ، الجواب نعم ، قال تعالى [وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ]( ).
وقد ورد قول مشهور وهو أن آية السيف [فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ] ( ) نسخت أكثر من مائة آية من القرآن ، ولا دليل عليه ، من جهات :
الأولى : من شروط النسخ التعارض ، وليس من تعارض بين آيات الصلح والموادعة وبين الآية أعلاه التي يسمونها بآية السيف، ولا نقول بهذه التسمية من جهات متعددة .
الثانية : يشترط بالنسخ إمكان عدم الجمع بين الآيتين ، والجمع بين آية السيف وكل آية من آيات الصلح والموادعة ممكن .
الثالثة : التباين في الموضوع بين آية السيف وآيات الصلح , وإذا اختلف الموضوع تعدد الحكم.
الرابعة : إختصاص آية السيف بحال المشركين بخصوص أشهر من السنة التاسعة للهجرة النبوية، إذ كانت المدة بلحاظ آية السيف على جهتين :
الأولى : العهد بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبين كفار قريش لمدة أربعة أشهر وهي:
الأول عشرون يوماً من شهر ذي الحجة من السنة التاسعة ، لإبتداء مدة الأشهر الأربعة من بعد يوم عيد الأضحى ، وهو العاشر من شهر ذي الحجة .
الثاني : شهر محرم من السنة العاشرة .
الثالث : شهر صفر الذي يليه.
الرابع : شهر ربيع الأول .
الخامس : عشرون يوماً من شهر ربيع الآخر , وهي بقية المدة والعهد الذي لهم مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتسمى هذه الشهور(شهور العهد)( ).
الثانية : الذين ليس لهم عهد أو مدة عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يجر بينه وبينهم صلح وموادعة ، وأجلهم خمسون يوماً، تبدأ مثل بداية المدة أعلاه، فتكون عشرين يوماً من ذي الحجة وشهر محرم كله لأنه بانقضائه تخرج الأشهر الحرم.
وبعد العهد يلزم أهل الحرم دخول الإسلام أو القتال لخصوصية البيت الحرام وشرط الإسلام في مجاوريه , قال تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا]( ).
ولم يعاهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحداً بعد هذه الآية .
اللهم لك الحمد في السراء وإستجابة الدعاء بصرف الضراء ، وفي الصحة مع اتضرع لجلاء وجهك الكريم لدفع آفة المرض ، وطرد الأوجاع والعلل , ولك الحمد على كثرة النعم والزيادة فيها كماً وكيفاً , واستحداثاً وتوسعة فضلاً منك سبحانك .
اللهم لك الحمد أن رزقنا من النعم ما لا يطرأ على التصور الذهني في المال والبدن والذرية وطول العمر ، ومحو الحوادث والأضرار والخسارة .
الحمد لك اللهم على صدور هذا الجزء من التفسير وهو الثامن والستون بعد المائة في آية علمية لم يشهد لها التأريخ مثيلاً من جهة كثرة وتوالي الأجزاء ، والكيف والمادة والموضوع ، ومنها نعمة قانون (لم يغزُ النبي(ص) أحداً ) وما يلزم بيانه وذكر الحجة والبرهان فيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يهاجم ويباغت قرية أو أهل بلدة إنما كان المشركون هم الذين يقومون بالغزو ، والعزم والمناجاة للتعدي على حرمات المسلمين، وإلى جانب هجومهم في معركة بدر ومعركة أحد ومعركة الخندق ، فقد كانوا يرسلون السرايا للهجوم على أطراف المدينة ، وأخذ السرح والمواشي التي تعود لأهلها في إيذاء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وإرادة إثارة أسباب الكدورة والهياج في المدينة والذي تجلى على لسان المنافقين في التنزيل [يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ] ( ) .
اللهم اجعل الهدى والفضيلة منهاجاً دائماً لنا والفردوس في الآخرة مأوى لنا ، وأرزقنا اللبث الدائم[فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ] ( ) فضلاً واحساناً منك بمضاعفة الثواب على فعل الصالحات ، ومحو السيئات.
اللهم أكتب لنا بكل حرف من هذا السفِر حسنات واجعله غبطة لنا ، وزد علينا من فضلك بتوالي الأجزاء ببسطة من العلم فانك ذو الفضل العظيم .
اللهم أجعل التقوى حصناً ضياءً وصراطاً مستقيماً في عملنا وواقية لنا وارزقنا عدم مفارقة الإستغفار فانه أعذب ما يرد على اللسان ، سبحانك اللهم ولك الحمد أنت الذي تستأصل الظلم ، وتنزه الأرض منه ، وتمنح المؤمنين الصبر والتحمل لإقامة الشعائر وجعلها تركة للأجيال .
وتحتمل الحياة الدنيا كدار ومقام وجوهاً :
الأول : إنها محل لرحمة الله عز وجل .
الثاني : إنها دار سلام وأمن .
الثالث : إنها دار تجمع بين السلام والقتال .
الرابع : الدنيا مكان ومناسبة للصلاح والرشاد .
الخامس : الدنيا مزرعة الآخرة , وطريق لجني الحسنات والثواب .
وبإستثناء الوجه الثالث , فإن الوجوه الأخرى أعلاه صحيحة , فإن قلت قد وقع القتال بين الناس , وأخبرت عنه الملائكة قبل وقوعه , الجواب نعم , ولكن هذا القتال أمر عرضي باغواء الشيطان للذين كفروا وتفضل الله عز وجل ببعثة الأنبياء لمنع هذا القتال ,ودرء الفتن وتنقية الأرض من الفساد .
ومن الآيات أن كل نبي جاهد الذين كفروا ولاقى هو وأصحابه أشد ضروب الأذى منهم , ومن الأنبياء من قاتل الذين كفروا , قال تعالى[وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ] ( ) .
وتدل الآية أعلاه على تعدد وكثرة الأنبياء الذين قاتلوا في سبيل الله عز وجل , ويحتمل قتالهم وجوهاً :
الأول : الدفاع والذب عن ملة التوحيد .
الثاني : الغزو والهجوم .
الثالث : الجمع بين الدفاع والغزو .
والصحيح هو الأول , ومنه قاتل في الآية أعلاه أي دافع بدليل تقييد القتال في الآية بأنه في سبيل الله عز وجل , فإن قلت قد وردت بعض الأخبار بغزو أحد الأنبياء للكفار .
والجواب المقصود من الغزو في المقام إرادة الدفاع , والثبات على الإيمان , وصد الذين كفروا عن حاضرة ومصر أهل الإيمان , ومن الإعجاز في السنة التالية أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم كان يقاتل وليس عنده بلدة غير هي المدينة المنورة , بينما يحيط بالذين كفروا فلهم الشأن والحكم والقرار في مكة , وفي الطائف والقرى والقبائل المحيطة بها , وليس له مدد يأتيه من قرية أو بلدة أخرى , وليس كل المدينة ضالعة في ولائها خالصة له وللإسلام , فيوجد فيها كل من :
الأول : الأنصار من الأوس والخزرج .
الثاني : المهاجرون .
الثالث : اليهود .
الرابع : المنافقون .
الخامس : الكفار من عامة أهل المدينة .
لقد نزل الملائكة لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في معركة بدر وأحد والخندق , وبخصوص معركة بدر نزل قوله تعالى [فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ] ( ).
ترى هل نزل بعض الملائكة في المدينة لمنع الكفار والمنافقين من الإنقلاب والتمرد والنهب , الجواب لا دليل عليه , ولكن حتمية وعدم تعديهم خاصة في معركة أحد وخسارة المسلمين فيها من المدد الإلهي للنبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي كان يستخلف بعض أصحابه على المدينة عند خروجه للدفاع , ولا ينحصر هذا الإستخلاف بشخص النائب وحده , إنما يكون معه رجال وعيون ورصد وحفظة للنظام العام , فإن قلت قد يسبب هذا التعيين النقص في عدد أفراد جيش المسلمين , الجواب نعم , ولكنه نوع ضرورة وهو حجة على الذين كفروا , وقد تفضل الله عز وجل بنزول الملائكة مدداً وعوناً للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين والأنصار ,كما أنعم الله عز وجل عليهم بهداية طائفة من الناس للإيمان , فالأصل أنه ليس من نقص في أفراد جيش المسلمين وقد انتصروا على الذين كفروا كما في معركة بدر , إذ أن عددهم [يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ] ( ), لا يتجاوز ثلث جيش الذين كفروا .
ومن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم والشواهد على صدق نبوته أن كل معركة له مع المشركين سبب ومناسبة متجددة في دخول فوج من الناس , وهو من مصاديق قوله تعالى [إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ , وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً] ( ) .
فصحيح أن سورة النصر من آخر سور القرآن نزولاً إلا أن موضوعها أعم , بدليل أن معركة وقائع ونتائج معركة بدر نصر للمسلمين , قال تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ] ( ) .
وتخص الآية أعلاه معركة بدر والتي وقعت في السنة الثانية للهجرة الموافق نحو سنة 624ميلادية , ونسبت الآية النصر فيها إلى الله عز وجل , لتكون هذه الآية ثناء من عند الله عز وجل على نفسه , ويتجلى هذا الثناء بمصاديق وشواهد كثيرة قبل واثناء المعركة وبعدها , وليس من حصر أو توقف لهذه الشواهد , وهي متجددة في كل زمان , وتدعو العلماء ورجال الفكر , وقيادات الجيش إلى استقراء المواعظ , واستنباط المسائل من معركة بدر بما يدل على عدم تحقق نصر المسلمين إلا بالمعجزة .
الحمد لله الذي علّم الناس عبارات الحمد والثناء عليه لتكون شكراً له، ونوع طريق للجزاء الكريم منه تعالى , وهو من مصاديق قوله تعالى [وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ] ( ) ليكون سبباً في زيادة الرزق وتوالي النعم الخاصة والعامة ، وفي الإبدان والنفوس والكثرة في الأولاد والأموال ، ويتجلى في مصاديق قوله تعالى [لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ] ( ) .
الحمد لله الذي لم يجعل حداً مخصوصاً أو كيفية معينة للشكر له سبحانه، إذ يقبل الله عز وجل الشكر باللسان والجوارح والأفعال .
الحمد لله الذي تسبح له الشمس والقمر والنجوم والشهب ، والطير والدواب وعالم الشجر والنبات ، وفي التنزيل [يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ] ( ) ليكون هذا التسبيح وإخبار القرآن عنه حجة على الناس في كل يوم ، وقد تفضل الله عز وجل وهدى المسلمين إلى الثناء عليه على نحو الوجوب العيني على كل مسلم ومسلمة بقول كل منهم في الصلاة اليومية الواجبة [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ]( )في سورة الفاتحة التي هي تأديب وإصلاح للمسلمين .
اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله الذي أكرمته والمسلمين والناس جميعاً بأن جعلته خاتم النبيين وسيد المرسلين , وجعلت الكتاب المنزل عليه الأبقى والحاضر بين الناس إلى يوم القيامة , ومن غير أن يطرأ عليه نقص أو زيادة أو تحريف .
اللهم صل على محمد وآله الذي تحمل أشد الأذى في أعلاء كلمة التوحيد ، ودعوة الناس للإسلام ، ولم يغادر الدنيا إلا وقد هدمت الأصنام في مكة وما حولها ، وصار الإسلام ديانة أهل الجزيرة ، وتتوافد القبائل والوفود من العراق والشام والحبشة وغيرها لدخول الإسلام .
اللهم صل على محمد رسولك الكريم الذي لم يغزُ أحداً ، إنما كان يتلقى وأهل بيته وأصحابه الأذى وغزو المشركين بالصبر والتحمل والدعاء وتعاهد الصلاة ، فتفضلت وأنزلت الملائكة لنصرته .
الله صل وبارك وترحم على محمد وآله الذي جعلت قرة عينه في الصلاة، نعم يجمع من حطام الدنيا ، ولم يقصد تملك الأراضي والبساتين ، إنما كان ينفق ما يرده في عامة أبواب الخير والإحسان لتكون مدرسة انفاق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اليومية شاهداً جلياً على صدق نبوته بلحاظ كبرى كلية وهي أن كيفية هذا الإنفاق من مختصاته ، ولم تأت إلا أنها مصداق لقوله تعالى [وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى] ( ) .
وهل دلالة هذا الإنفاق على نبوته خاصة بأيام النبوة ، الجواب لا ، فهي برهان وحجة في كل زمان ودعوة للناس من جميع الأديان والملل .
وفي هذه الإنفاق اليومي المنفصل غنى وكفاية عن توجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم لغزو القبائل في ديارها ، لأنه دعوة للإسلام ، وقد قرض الله عز وجل زكاة الأموال في السنة الثانية للهجرة ، قال تعالى [خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] ( )لتكون موجودة دائماً لا يحتاج معها المسلمون الغنائم التي أن جاءت أعيد لأهلها أكثرها ووزع الباقي على المسلمين .
وبين الغزو والجهاد عموم وخصوص من وجه , فهناك مادة للإلتقاء , وأخرى للإفتراق , نبينه في الجزء التالي إن شاء الله .

حرر في العاشر من جمادى الآخرة 1439
26/2/2018

توجه النبي ( ص ) إلى بواط
وتسمى غزوة بواط من ناحية رضوي إذ خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة المنورة في شهر ربيع الأول من السنة الثانية للهجرة أي قبل معركة بدر بنحو ستة أشهر .
وبواط جبل من جبال جهينة ، واستخلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم على المدينة السائب بن مظعون كما عن ابن هشام ( )، وقاله الواقدي: استخلف عليها سعد بن معاذ .
والمختار هو الثاني إذ كان أهل المدينة حديثوا عهد بالإسلام ، وكان سعد بن معاذ من رؤساء الأوس وهو من بني عبد الأشهل ( )، وهو بدري، نعم السائب بن مظعون أسلم في مكة وهاجر إلى الحبشة وحضر معركة بدر والمعارك الأخرى واستشهد في معركة اليمامة في شهر ربيع الأول من السنة الثانية عشرة للهجرة النبوية وهو أخو عثمان بن مظعون بن حبيب وقيل انما هو السائب بن عثمان بن مظعون أي ابن عثمان وليس أخاه.
وقيل خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مائتي راكب ، وكان لواؤه مع سعد بن أبي وقاص ، وكان لون اللواء أبيض .
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يطلب قافلة لقريش فيها أمية بن خلف الجمحي ومائة من رجالات قريش ، ومعهم ألفان وخمسمائة بعير .
وهذه هي المرة الثالثة التي يخرج فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه ، إذ تقدم أنه توجه كل من :
الأول : الأبواء .
الثاني : غطفان في نجد .
وقيل هي الثانية .
وبواط سلسلة جبال ، وهي بواطان , وأصلها واحد :
الأول : بواط الجلسي ، وهو قريب من المدينة المنورة ، ويصب سيلها في وادي الحمض .
الثاني : بواط الغوري ، وهو مما يلي ينبع النخل ، وسلسلة الجبال هذه قريبة من جبال رضوي لذا حينما تذكر غزوة بواط يذكر رضوي معها ، وتقع بواط على طريق القوافل التجارية بين مكة والشام .
وكانت قريش تضع عيوناً على المسلمين والذين يهاجرون إلى المدينة وحركة سرايا المسلمين .
ولم تكن أنباء السرايا والجيوش يومئذ خافية على الناس ، إذ يمرون على المياه والآبار والقرى ، وتنفرد مكة ما بين المدن بكثرة الداخلين إليها والخارجين منها كل يوم تقريباً إذ يأتي الناس لأمور :
الأول : أداء أعمال العمرة التي تستوعب أيام السنة كلها .
الثاني : إرادة التسوق والميرة من مكة .
الثالث : جلب البضائع إلى مكة .
الرابع : مكة موضع تجمع العرب ، ومن عنده حاجة أو فقد له ضالة أو غاب عنه شخص فانه يأتي مكة لعلى يجده أو يجد خبراً بخصوصه .
الخامس : صلات القربى والمصاهرة .
السادس : المعاملة والتجارة مع قريش ومسائل الديون وتأجيلها ، فقد كان بعض رجالات قريش يزاولون الإقراض والشراء بالنسيئة والمعاملات الربوية .
السابع : إتيان مناسك الحج في شهر مخصوص , وهو ذو الحجة , من كل سنة , وإن كانوا يعملون بالنسيئ , قال تعالى [إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ] ( ).
مع أن مجئ الناس إلى الحج لا ينحصر بهذا الشهر ، ويدل عليه قوله تعالى [الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِي يَاأُوْلِي الأَلْبَابِ] ( ).
ومن الإعجاز في مضامين الآية أعلاه أنه كان الناس يركبون الرواحل ويأتون مشياً على الأقدام إلى البيت الحرام ، ويقيمون في الأسواق التي تقام في تلك المدة .
أما الآن فمع وسائط النقل السريعة فان وفد الحاج يصلون قبل شهر ذي الحجة ، وقد يتأخرون في مكة حتى خروجه ، مع ورود النص بتعجيل العودة من الحج وهو أحسن وأعظم في الأجر ، إذ ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قولان في موضوع متحد بينهما عموم وخصوص مطلق أحدهما في السفر عامة ، وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم (السفر قطعة من العذاب ، يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه ، فإذا قضى أحدكم نهمته من سفره ، فليعجل الرجوع إلى أهله) ( ) .
والثاني بخصوص الحج ، وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم (إذا قضى أحدُكم حَجَّه فليعجل الرجوعَ إلى أهلِهِ فإنَّه أعظمُ لأجرِهِ) ( ).
وكان وفد الحاج يأتي من أطراف الجزيرة والمدينة وعن اليمن وأطراف العراق , أما الأن فأنهم يأتون من جميع أرجاء المعمورة ، ليكون من معاني قوله تعالى [وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ] ( ) ان ابراهيم عليه السلام هو الذي دعا الناس للحج وبنى البيت الذي هو آنذاك خصوص الكعبة الشريفة وحج هو واسماعيل وجرهم ، ومن هو قريب من البيت إلى أن بعث الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ليحج البيت الناس من مختلف الأمصار ، وفيه دعوة للمسلمين والناس جميعاً للحوار , والسلم المجتمعي , القائم على الصلاح , وتغليب روح التسامح والمودة ، وفتح باب الدعوة للهداية , ونبذ الإرهاب والإقتتال .
وهو من مصاديق البركة والهدى بالبيت الحرام وعمارته ، قال تعالى[إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ]( ).
وفيه تنمية لملكة ترك الجدال وملاحاة الرجال والعناد لقوله تعالى [الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ ] ( ).
وفي قوله تعالى [فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ] ( )ورد عن عبد الله بن عمرو قال ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من أحب أن يزحزح عن النار وأن يدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ، وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه) ( ).
لقد بلغ قريشاً ورجال قافلتهم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج بأصحابه وأنه يتوجه صوب قافلتهم ، فقاموا في آن واحد بأمرين :
الأول : الإسراع بالقافلة .
الثاني : سلك وطريق غير طريق القوافل والجادة العامة .
ولم يقع قتال في هذا الخروج ، ولم يقتل أحد ، وعاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه سالمين ، ووصلت قافلة قريش بأمان إلى مكة .
وهناك مسائل :
الأولى : هل كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعلم أنه لا يستولي على القافلة من حين خروجه من المدينة .
الثانية : لماذا لم يستول النبي صلى الله عليه وآله وسلم على القافلة .
الثالثة : ما هي دلالات هذا الخروج والغاية منه .
أما المسالة الأولى , فالجواب نعم , لما رزقه الله عز وجل من الوحي , وهل كانت علة خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم والغاية منه هي القافلة , الجواب لا دليل يثبت هذا الأمر وإرادة خصوص هذه الغاية إنما الظاهر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج بأصحابه لاستعراض قوة المسلمين من وجوه :
الأول : بيان حسن إنقياد المسلمين لأمر الله عز وجل وأمر رسوله , قال تعالى [وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ] ( ).
الثاني : تنمية ملكة الصبر بحال الخروج للدفاع في نفوس المهاجرين والأنصار .
الثالث : زجر القبائل المحيطة بالمدينة عن الهجوم والإغارة عليها .
الرابع : منع أفراد القبائل من نصرة كفار قريش عند إرادتهم الهجوم على المدينة .
فقد كانت هذه النوايا تصل إلى أسماع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في المدينة بصيغة التهديد والوعيد من قبل كفار قريش .
الخامس : إعطاء رسالة لأهل المدينة عامة بقدرة المسلمين على الدفاع وإلى الآن تقوم الدول بالإستعراض العسكري لأصناف من جيوشها , وعرض أسلحتها الحديثة والفتاكة منها وتعددها , وبيان كيفية إنضباط الجنود , وتقسيماتهم مع أن هذه الاستعراضات تكلف خزانة الدول مبالغ جمة , وتستغرق وقتاً من جهة مدة التمرين , واحضار الأسلحة , وخزنها في أماكن مؤقتة لموضوع الإستعراض , واحتمال وقوع بعض الخسائر والأضرار , وقد سبقهم القرآن بقوله تعالى [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ] ( ) .
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخرج بأصحابه لاجتناب الخسائر ووقوع القتلى من المسلمين وغيرهم .
وأما المسألة الثانية فان الغاية من خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم على وجوه :
الأول : إرادة الإعتراض لعير قريش ، فقد جاءت الأخبار إلى المدينة بأن قافلة قريش تضم ألفين وخمسمائة بعير ، ومعها أمية بن خلف الجمحي, ورجال من قريش .
الثاني : المقصود خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى بواط يريد قريشاً من غير ذكر لقافلة وأمر مخصوص (قال ابن إسحاق: ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شهر ربيع الاول، يعنى من السنة الثانية، يريد قريشا) ( ).
الثالث : خروج النبي إلى بواط من غير ذكر غاية مخصوصة في خروجه هذا .
ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سنته القولية أنه قال خرجنا لطلب قافلة لقريش ونحوه .
أما المسالة الثالثة ، فلهذا الخروج دلالات منها :
الأول : تنمية ملكة الدفاع عند المسلمين .
الثاني : بيان حسن اتباع المسلمين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث : تخلي المسلمين عن الأمور الخاصة والشخصية ، وترك العيال وحياه الدعة بالنفير في طاعة الله ورسوله .
الرابع : إرادة فوز المسلمين بالثواب العظيم في الآخرة ، قال تعالى [وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] ( ).
الخامس : بعث الفزع والخوف في قلوب الذين كفروا , ومنعهم من التعدي على حرمات الإسلام .
السادس : زجر القبائل المحيطة بالمدينة والتي حول مكة عن نصرة القوم الكافرين ، ليكون من معاني تسمية القرآن لمكة بأنها [أُمَّ الْقُرَى] ( ) تحذير النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين من خروج رجال القبائل مع الكفار في هجومهم على المدينة .
السابع : التمرين على الخروج للقاء العدو .
فان قلت لماذا التمرين هل لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يطلب القتال ويسعى إليه ، الجواب لا ، إنما كانت الأخبار تصل المدينة بأن قريشاً يريدون الفتك بالمسلمين ، وقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، لذا فان هذا التمرين لم يكن هو العلة التامة لخروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الثامن : بيان قانون في السنة النبوية الدفاعية وهو الخروج إلى القتال والعودة من غير قتال أو حرب أو غنائم .
التاسع : دعوة الأجيال للثناء على المهاجرين والأنصار لمبادرتهم للخروج تحت لواء النبوة ، ورجوعهم من غير مكاسب وغنائم ، وهل يشمل هذا الثناء عوائلهم .
الجواب نعم لما فيه من الصبر العام والرضا بأمر الله والحرص على اتباع رسوله ، قال تعالى [مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ] ( ).
لقد عاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الخروج إلى بواط من غير قتال أو قتل أو خسارة , لتكون هذه العودة المباركة من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ).
العاشر : توجيه الإنذار إلى الذين كفروا من قريش بعدم التعدي والهجوم على المدينة , ليكون توجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى بواط دفعاً لمعارك لاحقة ، وهو من مصاديق قوله تعالى [يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ] ( ) .
بلحاظ أن توجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أصحابه إلى بواط بوحي وأمر من عند الله عز وجل ، ولا يعلم ما أصاب المشركين من الرعب والفزع والإرباك والقعود عن التعدي بخروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه المتكرر من المدينة إلا الله عز وجل .
وأما عدم إستيلاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم على القافلة فان الله عز وجل لم يرد أن يكون أول لقاء مع المشركين بأخذ أموال القافلة وإثارة أهلها والناس , فقد يكون هذا الأخذ حجة لقريش للطواف على القبائل لإستهجان الأمر، والتحشيد مع كفار قريش ضد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، ولعل سورة قريش نوع تنبيه وإنذار وحث على عدم التعرض للقافلة لقوله تعالى[لِإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ]( )، لبيان بقاء طريق القوافل مفتوحاً.
وتؤكد دول العالم في هذا الزمان على أهمية بقاء طرق التجارة سارية حتى أيام الحروب , وهو سبيل للصلح وترك الضغائن، كما أنه وسيلة لإستمرار أرزاق ومعاشات عامة الناس، وحقوق المدنيين التي تحرص أغلب الأطراف المتحاربة على عدم الإضرار بها.
مثل : إياك أعني
كان العرب يتوارثون قواعد صارمة في الضيافة , منها إكرام الحاضر من أفراد الأسرة ذكراً أو أنثى للضيف عند غياب صاحب المنزل ، وصيانة الضيف للعرض وحفظه للمال , ويخشى كل من الطرفين الذكر السئ ، واللوم والذم الذي يلحقهم مع التقصير ومخالفة آداب الضيافة ، وقد تذهب بعض كلمات الضيافة مثلاً , كما في القول الشائع : إياك أعني واسمعي يا جارة .
الذي يضرب مثلاً بخصوص من يتكلم بكلام , ويريد منه قصداً غير الظاهر والمتبادر ، وهو شطر من بيت شعر لسهل بن مالك الفزاري ، وموضوعه هو أنه كان ذاهباً إلى النعمان بن المنذر ملك الحيرة ، فمرّ في طريقه على رهط من العرب فسأل عن سيد الحي قيل له أنه حارثة بن لأم الطائي ، وقيل كان صديقه .
فذهب إلى مسكنه فوجده غائباً ، ووجد أخته فقالت : أنزل على الرحب والسعة ، وحرصت على إكرامه فرآها وهي تخرج من خباء إلى خباء فائقة الجمال ، فأعجبته وأفتتن بها ، خلافاً لآداب الضيافة ، وقد جاء الإسلام بغض البصر ، قال تعالى[قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ]( ).
واحتار سهل كيف يبلغها ميل نفسه لها .
فجلس بفناء الخباء وأخذ ينشد ويترنم بما تسمع معه كلامه :
(يا أخت خير البدو والحضارة ….. ماذا ترين في فتى فزارة )
( أصبح يهوى حرة معطارة( ) … إياك أعنى فاسمعي يا جارة) ( ).
فأغاظها تجرأه ، ولم تتغاض عنه ، إنما حرصت على حفظ أخيها وبيتها ونفسها ، فقالت في الحال :
إنِّي أقُولُ يَا فَتَى فَزَارَهْ … لاَ أبْتَغِي الزَّوْجَ وَلاَ الدَّعَارَهْ
وَلاَ فِرَاقَ أَهْلِ هذِي الْحَارَهْ … فَارْحَلْ إلىَ أهْلِكَ بِاسْتِخَارَهْ) ( ).
أي اكتف بهذا المحاورة والرد ، وغادر المكان غير مطرود ، وقيل انما أجابته نثراً بتوبيخ : ما هذا بقول ذي عقل أريب ، ولا رأي مصيب ، ولا أنف نجيب .
فاستحيا منها وقال : واسوأتاه ما أردت مثلاً , فارتحل حتى إذا دخل على النعمان حباه , وفي طريق عودته مرّ على أخيها حارثة ، وأقام عندهم بضعة ايام وكان هو أيضاً جميلاً وسيماً ، فارسلت إليه : أن أخطبني إن كان لك إلي حاجة يوماً من الدهر.
وكانت تدرك خشيته من ردها بالرفض وما يجعله في حال من الخيبة , فأردفت : فاني سريعة إلى ما تريد .
عندئذ خطبها من أخيها ، وتزوجها وسار بها إلى قومه ، ولم تلتفت هي إلى قومها وقولها (ولا فراق أهل هذه الحارة) إنما سارعت للرحيل معه، وبقي كلامها مثلاً .
ويستشهد بهذا المثل في بعض الخطابات القرآنية الموجهة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بصيغة اللوم إذ أنها موجهة إلى غيره ، كما في قوله تعالى [وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ] ( ) فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم برئ ومنزه عن الرجز سواء بمعنى المعصية أو الإثم أو السخط ، كما يستدل به في علم التفسير عندما يكون الخطاب في الآية موجهاً للكل والمراد الطائفة والفرقة والجماعة وهو مجاز معروف
كما في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ] ( ) .
فلم يكن كل المسلمين متثاقلين عن الدعوة إلى النفير لما في هذا التثاقل من التقصير والمعصية , ولأن السنة تدل على مسارعة طائفة من المسلمين إلى النفير في كل مرة يدعوهم فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومنها خروجهم إلى معركة أحد ، ثم توجههم بجراحاتهم في اليوم التالي إلى حمراء الأسد لملاحقة جيش المشركين مع أن عدده أضعاف عدد المسلمين الذين خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتحت لوائه خلف جيش المشركين .وكما في قوله تعالى [وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ] ( ) وقوله تعالى للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم [وَلاَ
تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا] ( ) فان النبي صلى الله عليه وآله وسلم معصوم من الشرك ومفاهيمه ، ولكن المراد عامة الناس ، وهو مما نزل بلغة ( إياك أعني وأسمعي يا جارة ) وكما في قوله تعالى في خطاب لعيسى عليه السلام [وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ] ( ).
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال (إن الله بعث نبيه بإياك أعني واسمعي يا جارة) ( ).
أي بخصوص الخطاب الموجه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو عامة المسلمين ويتضمن اللوم ونحوه فالمراد غير النبي ، والمقصود بعض المسلمين أو طائفة منهم أو أرادة ذم غير المسلمين الذين تخلفوا عن دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم للهدى والإيمان .
فان قيل لماذا يستشهد بهذا المثل أليس هناك غيره في ذات الموضوع ، الجواب من خصائص الأمثال تقريب المعاني , وتقريب المعقول بصيغة المحسوس لإنتشارها بين الناس ومعرفتهم بمعناها ودلالتها .
توجه النبي ( ص ) إلى ذي أمر
وتسمى غزوة ذي أمر ، خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة في شهر محرم من السنة الثالثة للهجرة يريد طائفة من قبيلة غطفان بمنطقة نجد التي لا زالت تحمل ذات الاسم ، وتقع نجد وسط الجزيرة العربية وترتفع هضبتها فوق سطح البحر 700-1500 م .
وهي موطن ممِالك قديمة مثل مملكة كندة وبني حنيفة وبني أسد وغطفان وطئ .
وتضم الآن مناطق كثيرة من مدينة الرياض ، كما تضم حائل والقصيم.
ويتصف خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا عما سبقه بكثرة عدد الصحابة الذين خرجوا معه ، وعددهم أربعمائة وخمسون ما بين راكب وراجل ، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان .
وهل هي غزوة ، الجواب لا ، لم يغز النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحداً ، انما بلغه واهل المدينة أن بني ثعلبه ومحارب تجمعوا وصاروا يعدون العدة ويجمعون السلاح والخيل للإغارة على المدينة وأطرافها ، ترى لماذا خرج لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما بلغه أنهم ينوون الإغارة على المدينة .
بينما لم يهجم على مكة مع أن أهلها يعدون العدة آنذاك للإغارة على المدينة وإرادة قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، الجواب من جهات :
الأولى : لم يصبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن قريش ويخرج إلى غطفان إلا بالوحي ، فليس من خطأ أو قصور في المقام .
الثانية : إمتناع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن توجه الجيش مكة , البلد الحرام , كما أن رد قريش آنذاك مختلف .
الثالثة : ليس في الخروج إلى ذي أمر قتال أو غزو .
الرابعة : خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى ذي أمر زجر لقريش عن الهجوم على المدينة ، ولكنهم لم يتعظوا , قال تعالى [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا] ( ).
الخامسة : إذا سمعت القبائل بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه خرجوا إلى ذي أمر فتفرقت قبائل غطفان إمتنعوا عن نصرة كفار قريش .
فان قيل انما بلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن بني ثعلبة وبني محارب هم الذين يريدون الإغارة على المدينة وليس عامة غطفان ، والجواب ان بني ثعلبة من غطفان ، فيقال : بنو ثعلبة ين سعد بن ذبيان بن مغيض بن ريث بن غطفان، وبنو غطفان من القبائل القيسية المضرية .
ويرجع نسبهم إلى عدنان من بني النبي اسماعيل بن ابراهيم عليهما السلام ، وقد تحاربت بطون غطفان فيما بينها قبل الإسلام كما في معارك داحس والغبراء بين عبس وذبيان وكلاهما يرجعان في نسبهما إلى بغيض بن ريث بن غطفان ، وقد أنهكتهم الحروب وصار الإسلام حاجة لهم .
ومن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه حينما يخرج للقاء قبيلة , لا تقوم بندب وحشر القبائل الأخرى التي يجمعها معها النسب والأحلاف , وهو من مصاديق قوله تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ]( ).
ومن الآيات أن أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من قبائل شتى ، وكل قبيلة دخل بعض أفرادها الإسلام , ولا نسب أسمى وأشرف من الإيمان .
وهو من الفضائل التي اختص بها المسلمون الأوائل .
ويسمى خروج وتوجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه هذا على وجوه :
الأول : غزوة ذي أمرّ بتشديد الراء ، وذو أمر له معنيان :
أولاً : اسم واد .
ثانياً : اسم ماء هناك .
الثاني : غزوة أنمار ،وهو اسم شائع لها في كتب السيرة .
الثالث : غزوة غطفان .
وفي طريق المسلمين إلى ذي أمر أصابوا رجلا من بني ثعلبة أي من الذين يريدون الإغارة على المدينة واسمه حبار ، وقيل حِبان – بكسر الحاء ، وكان يعلم أموراً عن قومه وأحوالهم ، فأدخل على رسول الله ، فأخبره أنهم لن يلاقوه ولن يقاتلوه وسيهربون .
ودعاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الإسلام فأسلم , وضمه إلى بلال ليعلمه قواعد الصلاة والفرائض وأحكام الحلال والحرام .
وفيه مسائل :
الأولى : عدم إيذاء المسلمين للفرد الذي يلقونه ممن يريد الإغارة على المدينة .
الثانية : قيام المسلمين باحضار الشخص عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسمع منه .
الثالثة : تشرف حبار برؤية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومبادرته بالإخبار عن حال قومه ، بما يبعث الطمأنينة في نفوس المسلمين ، لتكون من مصاديق قوله تعالى [إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى] ( ).
الرابعة : تصديق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بما قال حِبار من غير شك بأنه قد يريد إيهام المسلمين أو الإيقاع بهم .
الخامسة : دخول حِِبار الإسلام واطمئنان المسلمين إسلامه .
السادسة : تعيين النبي صلى الله عليه وآله وسلم للصحابي الذي يتكفل تفقه حِبار بأمور دينه , وهو بلال .
السابعة : دخول حِبار الإسلام بشارة ومقدمة لدخول قومه الإسلام , وقلة الأذى الذي يصدر ممن بقى على كفره .
وعندما وصل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى ديارهم وجدهم قد فرّوا وهربوا إلى رؤوس الجبال , إذ علموا بقدوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو من الشواهد الحاضرة لما ورد (عن أبيّ بن كعب أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : أعطيت ما لم يعط أحد من أنبياء الله : قلنا يا رسول الله ما هو؟ قال : نصرت بالرعب ، وأعطيت مفاتيح الأرض ، وسميت أحمد ، وجعل لي تراب الأرض طهوراً ، وجعلت أمتي خير الأمم ) ( ).
ووصل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى ماء وآبار ذي أمر التي تقع مساكن بني ثعلبة من حولها , فوجدهم قد تركوها ، وفروا إلى ذرى الجبال القريبة ، وكان وأصحابه يرونهم فلم يلاحقوهم ، ولم يسأل الصحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالصعود إليهم وقتالهم أو أسرهم أو حتى حبس الماء عنهم , أو منعهم من الوصول إليه , إنما تركوهم وشأنهم لتحقق الغاية من هذا الخروج وهو زجرهم عن الهجوم والإغارة على المدينة .
ونزل مطر وفير ، وأصاب ثياب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الظاهرية فنزعها ونشرها على شجرة قريبة منه لتجف ، ثم اضطجع تحتها ، وقيل ذهب النبي لحاجته وصار وادي ذي أمر بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، وكان الأعراب ينظرون ويرصدون ما يفعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
فقالوا لرئيسهم واسمه دُعثور ، وكان اشجعهم :
قد أمكنك محمد من نفسه ، ها هو قد انفرد من أصحابه ، فاذا نزلت إليه فانك تصله قبل أن يستغيث بأصحابه ، لأنه مضطجع وان استغاث فلا يسمعونه حتى تقتله .
لقد كان أمراً عظيماً وحال مروعة ومخيفة ، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يجعل له حراساً يحيطون به .
وعن (عمرو بن أمية : قلت : يا رسول الله أرسل ناقتي وأتوكل ؟ قال : أعقلها وتوكل ) ( ).
فهو الذي يأمر بالإحتراز بحفظ الناقة بفعلها وشد وثاقها , ينام بمفرده من غير حراسه من أصحابه الذين يتشرفون بحراسته , ويتسايقون في بذل نفوسهم دونه ، لأن الملائكة تحرسه كما تجلى في هذه الواقعة ، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم لا يريد القتال والغزو فهذه الآيات دعوة للناس للإيمان سواء من كان يراها أو من سمع أو يسمع بها .
لقد كان بنو ثعلبة في ديارهم ومائهم وقد اغتاظوا من حالهم بالهروب إلى رؤوس الجبال ، وأرادوا الإنتقام ، فأقبلوا على دُعثور وهو سيدهم ومن أشجعهم فصاروا يحرضون على قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
فاختار دعثور سيفاً صارماً من سيوفهم ثم أقبل مشتملاً عليه ، وهو في أرضه ومحلته ويعلم الطريق الذي ينزل به من الجبل حتى يصل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من غير أن يعلم به الصحابة مع كثرتهم يومئذ[لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً] ( ) .
وهذا الأمر هو المعجزة الجلية التي تكون نوع طريق لإيمان بني ثعلبة ، وعندما وصل دُعثور إلى الموضع الذي يضطجع فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شهر سيفه وقام على رأسه ، وقال يا محمد من يمنعك مني اليوم إذ كان العربي يتكلم قبل الشروع في القتل في الغالب ليحمى ويشتد ، ويكون نوع إنذار للعدو ، فأجابه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكلمة ، إذ قال له : الله .
أي أنه سبحانه هو الذي يمنعني منك ويمنعك من قتلي ، حينئذ (دفع جبريل في صدره فوقع السيف من يده) ( ).
ويحتمل دفع جبرئيل هذا وجوهاً :
الأول : أنه دفع خفيف .
الثاني : أنه دفع بقدر الحاجة والغرض منه ، وهو سقوط السيف من يد دُعثور .
الثالث : الدفع شبه الشديد لأن دُعثور سقط على الأرض في الحال ، والظاهر انه عجز عن القيام في حينه .
الرابع : إتصاف دفع الملائكة للكافر بالشدة والقسوة .
والمختار هو الثالث أعلاه ، وبما يدل للمدفوع والرائي أن هذا السقوط معجزة ، يتجلى فيها الدفع وأثره من غير أن يرى أو يحس بوجود شخص من الصحابة يدفعه ، ولابد أنه ملك .
وهل يحتمل أن يكون الدافع في مثل هذه الحالات الجن بالنسبة لغير النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، الجواب لا ، فلا تصل مرتبة الجن وفعلهم إلى هذه المنزلة ، فلا يقدر على دفع القاتل ، وصرف القتل والجناية والفاحشة إلا الله عز وجل ، وفي قصة النبي يوسف عليه السلام ومراودة امرأة العزيز له ورد قوله تعالى [وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ]( ).
لقد قام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأخذ السيف , وقال لدُعثور : من يمنعك مني : قال : لا أحد ، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله .
لقد أدرك دُعثور المعجزة في الحال ، وأن نجاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في تلك الحال لا يقدر عليها إلا الله وهو لم يعلم أن جبرئيل هو الذي دفع بصدره ، إنما يعلم أمراً واحداً وهو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبره بأن الله يمنعه منه وقد فعل سبحانه ، بواسطة جبرئيل ، وهو من عمومات قوله تعالى [وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ] ( ), وليصبح دعثور خلال دقائق من أهل الآية أعلاه , ومن جند الله .
وأيقن دُعثور أن الإغارة على المدينة لا تجدي نفعاً لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مؤيد ومنصور من عند الله عز وجل وأن التخلف عن الإسلام لا يجلب إلا العار والشنار في النشأتين ، فاتجه دُعثور إلى نجاة قومه من الظلم والتعدي على حرمات الإسلام .
فقال (والله لا أكثر عليك جمعا أبدا) ( ).
أي أنه أعطى وعداً للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو على أقسام :
الأول : الكف عن جمع الجيوش للإغارة على المدينة .
الثاني : الإمتناع عن رئاسة فرقة أو جيش لمحاربة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
الثالث : الإمتناع عن نصرة ومدد وإعانة أي قوم يريدون قتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم سواء كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه هم الذين يهجمون أو أن عدوهم يريد أن يهجم عليهم ، ويدل قوله بالدلالة التضمنية على إمتناع قومه عن الخروج لنصرة قريش ، إذا حاربت النبي محمداً صلى اله عليه وآله وسلم في معركة أحد .
وفيه دعوة للقبائل لإجتناب قتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودفع النبي صلى الله عليه وآله وسلم سيف دُعثور إليه ، ولم يخش غدره ومكره ، وهو معجزة أخرى للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وهل هو من مصاديق [وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا] ( ) أي إذا رجع دُعثور لإرادة قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكون جبرئيل حاضراً لدفعه ، الجواب لا ، إنما وثق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باسلامه ، ولم يعد له السيف إلا بالوحي .
لقد صار دُعثور صحابياً دفعة واحدة يتصف بصفات :
الأولى : الإسلام .
الثانية : الإيمان .
الثالثة : نيل مرتبة الصحابي .
الرابعة : تلقي السيف من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فكأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أهداء ومنحه هذا السيف .
الخامسة : إنه رائد قومه وهم بنو محارب وبنو ثعلبة في الإسلام ، إذ صار يدعوهم إلى الإسلام ، وهو سيدهم فآمن كثير منهم ورجع دُعثور إلى قومه، فقالوا : ويلك ، ما لك , ورأوا التبدل وعلامات الوقار ورشحات الصلاح قد بدت ظاهرة عليه , كما أنه عاد إليهم من غير أن يحقق الغاية التي نزل من أجلها .
فقال : نظرت إلى رجل طويل فدفع في صدري ، فوقعت إلى ظهري أي أنه عجز عن الثبات والمقاومة ، وأدركت أنه ملك من ملائكة الله ، فشهدت أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , ولا أكثر عليه جمعاً بعد.
وأختلف في نزول قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ]( ).
هل نزلت قصة دُعثور وتوجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى ذي أمر أم بخصوص أعاربي اسمه غورث بن الحارث في خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى ذات الرفاع عند بني ثعلبة وبني محارب أيضاً والتي جرت في السنة الرابعة للهجرة والذي لم يسلم ولم يعاهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم على عدم قتاله ، مع عفو النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنه ، والمختار أن أوان نزول الآية أعلاه هو واقعة ذات الرفاع.
لقد خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم واربعمائة وخمسون من أصحابه إلى ذي أمر لمنع قبائل من غطفان من الهجوم على المدينة فرجع بأمور :
الأول : عدم وقوع قتال بين النبي وبين الذين كفرا .
الثاني : لم يقم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بالغزو .
الثالث : حفظ المسلمين أموال ومواشي وزراعات الناس أثناء الذهاب والإياب .
وعندما فرّ بنو ثعلبة إلى رؤوس الجبال لم يهدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بيوتهم ، وكأنهم يقولون حسبنا إسلام دُعثور بمعجزة لحوق طائفة من قومه به ، لتقوم الحجة على الباقين ، وتضعف شوكة الكفر ، وكانت غيبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن المدينة في هذا الخروج إحدى عشرة ليلة .
وهل سلامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من سيف دُعثور من مصاديق العصمة في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ] ( ) الجواب نعم .
ويكون من معانيها أيضاً : والله يعصمك من الناس فيصبحوا مسلمين ) وفي الموعظة من قصة دُعثور مسائل :
الأولى : إقامة الحجة على الذين كفروا , ودعوتهم للتوبة .
الثانية : من منافع خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في سرايا حول المدينة تجلي المعجزات والبراهين التي تدل على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقد يخشى الإنسان على نفسه من السفر ، ويحذر الملك والقائد من خروج الجيش في الفلوات وصيروتهم عرضة للمهالك ، فيقيمون في البلد .
أما النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فانه يخرج بنفسه مع أصحابه فتصاحبه المعجزة إلى جانب التنزيل .
ويمكن إنشاء علم خاص من وجوه :
الأول : معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل الهجرة .
الثاني : معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في طريق الهجرة من مكة إلى المدينة .
الثالث : معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم في خروجه في سرايا الإستطلاع .
الرابع : معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند خروجه للدفاع .
ومنها ما جرى له مع دِعثور وسلامته من القتل بفضل وواقية من الله عز وجل .
الخامس : معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع أهل بيته.
السادس : معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع المهاجرين.
السابع : معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع الأنصار.
الثامن : معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع اليهود .
التاسع : معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع نصارى نجران وعموم أهل الكتاب .
العاشر : معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم في النجاة من محاولات الإغتيال .
فهذه المعجزات حسية عقلية ، إذ وقع دُعثور على الأرض ، وسقط السيف من يده فهي آية حسية ، وكان حضور جبرئيل برهان عقلي يتجدد إرثاً وتركة للأجيال المتعاقبة .
الثالثة : بعث رسالة إلى كفار قريش بأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم معصوم من الإغتيال وأن أيديهم لا تصل إليه ، وهو من الإعجاز في نزول القرآن مفرقاً على النجوم وتوالي وتعاقب الآيات ، وتعلق شطر منها بأسباب النزول لبيان قانون وهو لابد من نزول آيات القرآن كلها ، والذي يفيد سلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حين تمام نزول القرآن لأنه لم ولن ينزل على غيره من الناس . وقال [وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً] ( ).
ومن الإعجاز أن قوله تعالى [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا] ( ) من آخر آيات القرآن نزولاً ، وكذا سورة النصر [إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا] ( ) .
إذ ورد عن ابن عباس أنه قال : لما نزلت { إذا جاء نصر الله والفتح }( ) دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة , فقال : إنه قد نعيت إلى نفسي ) ( ).
وبينما كان المهاجرون والأنصار المصاحبين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في خروجه إلى ذي أمر هذا منشغلين بالذكر والدعاء والتفقه في الدين، كانت المعجزة قريبة منهم ، إذ كتب الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم السلامة من القتل .
وكان الأعراب ينظرون من رؤوس الجبال القريبة للدلالة على قانون وهو عدم إنحصار رؤية معجزة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمسلمين ، إذ يراها الذين كفروا والمنافقون , فتكون على وجوه :
الأول : أنها حجة على الكفار والمعاندين .
الثاني : في المعجزة دعوة للإيمان ونبذ الجحود .
الثالث : المعجزة النبوية حرب على عبادة الأوثان .
الرابع : جذب الناس للتدبر في النبوة وأسرارها ، وليعلم كل إنسان تكليفه وما يجب عليه ، فاذا كان رؤساء الكفر يدعونه إلى محاربة النبوة والتنزيل فان الله عز وجل يدعوه بالمعجزة إلى الإيمان ، فلا غرابة أن تنتهي كل معركة بين المسلمين والذين كفروا بهزيمة الذين كفروا مع ذل ظاهر ، لأن عامة جيشهم لا يرون سبباً أو علة لقتالهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
فيقفون شبه معتزلين للقتال ، ويبادرون للإنسحاب بدليل أن المشركين زحفوا بثلاثة آلاف رجل إلى معركة أحد , وانسحبوا في ذات اليوم مع ظهورهم في بعض جولات القتال .
وهل من موضوعية لنجاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من دِعثور ، وإسلام دُعثور( )وشطر من قومه في سرعة إنسحاب المشركين من معركة أحد .
الجواب نعم ، لبيان نفع عظيم لخروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيما يسمى بالغزوات ، وهي ليست بغزو إنما دعوة إلى الله عز وجل بالصبر والبيان .
ولقد كان عيسى عليه السلام يسيح في الأرض ويدعو الناس إلى عبادة الله ، ويريهم المعجزات ، وتجري على يديه الآيات بما ينفع الناس .
خرج مرة يسيح في الأرض ويمشي على قدميه ومعه رغيف واحد ، فصحبه شخص ومعه رغيفان ، فقال له عيسى ، تشاركني في طعامك ، قال نعم .
لإرادة أصول الصحبة وأسباب الألفة وطرد النفرة فلما علم صاحبه أن ليس مع عيسى إلا رغيف واحد ندم على ذكره الرغيفين , وتمنى لو قال عنده رغيف واحد .
ولما صار الزوال قام عيسى عليه السلام للصلاة ، فلما أتم صلاته وفرغ منها جلسا للمائدة وقدما طعامهما ، فقال عيسى لصاحبه أين الرغيف الآخر فانكر صاحبه وجود رغيف آخر عنده ، ولم يخبره بأنه أكله ، ولم يعلم أن عيسى يعلم بحاله وأنه كان عنده رغيفان وان لم يخبره بهما ولم يعلم صاحبه أن الذي يرافقه هو نبي من الرسل الخمسة أولي العزم .
فقال : ما كان معي إلا رغيف واحد .
فسكت عنه عيسى وأكل كل منهما رغيفاً من الخبز .
وأنطلق عيسى وصاحبه حتى جاء الليل فاشار عيسى على صاحبه أن يناما تحت ظل شجرة , ولما استلقى كل واحد منهما لينام , جعل اليهودي يأكل رغيفه خفية , وكلما أكل لقمة , قال له عيسى : ما تصنع ؟ فيضطر لطرح اللقمة من فمه كي يجيبه , فيقول : لا شىء . حتى فرغ من الرغيف كله .
وفي الصباح (انطلقوا، فمروا براعي غنم، فنادى عيسى: يا صاحب الغنم، أجزرْنا شاةً من غنمك. قال: نعم، أرسل صاحبك يأخذها) ( ).
فأرسل عيسى عليه السلام , صاحبه , فجاء بشاة , فذبحوها وشووها ولما أرادوا أن ياكلوا , قال عيسى له : لا تكسرن عظماً فأكلوا وشبعوا , ثم رمى عيسى عليه السلام عظام الشاة في جلدها المسلوخ , وضربها بعصاه وقال : قومي باذن الله .
لبيان أن عيسى عنده عصا معجزة مثل تلك التي عند موسى أو أنها نفسها , وفي موسى ورد قوله تعالى [فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ]( ).
ولما ضرب جلد وعظام الشاة دبت فيها الحياة وعادت كما كانت قبل الذبح وقامت تثغو فقال عيسى عليه السلام (يا صاحبَ الغنم، خذ شاتك)( ), وأطلق عليه عيسى عليه السلام اسم صاحب الغنم لبيان مسألة وهي لو كان راعياً لما سأله شاة , أو لتأكد هل مأذون بالهبة أو البيع , وغالباً لا يؤذن للرعاة بالبيع .
فتوجه الراعي بالسؤال إلى عيسى عليه السلام : من أنت ؟
فقال : أنا عيسى بن مريم ) رجاء أن يتعظ الراعي من المعجزة كما أسلمت فيما بعد أم معبد حينما رأت المعجزة من النبي محمد صلى الله عيه وآله وسلم في طريق هجرته من مكة إلى المدينة بحلب الشاة الهزيلة الجائعة بما يكفي لشرب وارتواء جميع الحضور من لبنها .
ولكن الراعي أجاب : أنت الساحر ، وفرّ منه فتركه عيسى ، ولم يكلمه، لينتفع الناس من هذه المعجزة ويبعث الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم , ويوثق خبر هذه الواقعة وتكون موعظة للمسلمين وغيرهم، فلا عبرة بفرار الراعي وجحود المعاندين ، وفي التنزيل [وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ] ( ).
وقال عيسى لصاحبه بالذي أحيى هذه الشاة بعدما أكلناها كم كان معك رغيفاً ؟
فلم يتعظ صاحبه من المعجزة ، ولم يقر له بمسألة الرغيفين مع أنه لا يترتب على هذا الإقرار تبكيت أو عقاب ، فحلف بانه لم يكن معه إلا رغيف واحد .
فمروا بصاحب بقر فناداه عيسى عليه السلام يا صاحب البقر ، أجزرنا من بقرك هذه عجلاً .
قال : ابعث صاحبك يأخذه .
ومعنى اجزرنا أي أجعل البقرة لنا ، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث بعثاً فمروا باعرابي له غنم فقالوا أجزرنا ) ( ).
فانطلق صاحب عيسى وأخذ العجل ، وجاء به فذبحه وقاموا بشويه وصاحب البقر ينظر ، فقال عيسى لصاحبه مثلما قال له حين أرادا أكل الشاة : كل ولا تكسرن عظماً ، فلما فرغوا من الأكل ، قذف عيسى العظام في الجلد ثم ضربه بعصاه ، وقال قم باذن الله .
فقام العجل وله خُوار ، فقال عيسى للراعي : خذ عجلك .
فقال : ومن أنت ؟
قال : أنا عيسى بن مريم .
قال : أنت السحّار ثم فرّ منه .
أي أن أمر عيسى ومعجزاته مشهور بين الناس ، ولكن النقل يأتي بالتشويه والتحريف المتعمد لإرادة الصدود والتحريض ، لبيان فضل المسلمين في نقل معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فصحيح أن المشركين نعتوه بأنه ساحر مثل الأنبياء السابقين .
وكما في التنزيل [كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ] ( ) ولكن شطراً من الناس تلقوا دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالتصديق .
وصار أتباع الذين كفروا في تناقص وتضاؤل وأصبحت النفوس تنفر منهم لإنكشاف بطلان إفترائهم على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتوالي الآيات والمعجزات التي تترى بين وعلى يديه .
ثم سأل عيسى عليه السلام صاحبه : هل كان معه رغيف واحد أم رغيفان ، فأجابه بأنه رغيف واحد ، ولم يقر ويعترف مع تجلي كبرى كلية وهي أن الذي يحيى الشاة والعجل بعد ذبحها يعلم هل كان عند صاحبه رغيف واحد أو اثنان ، وكان يحلف بالله ، بأن ما عنده إلا رغيفا واحدا ، فلم يوبخه عيسى ، ولكن تركه ينطلق معه ، فدخلا قرية ، فنزل عيسى في أسفلها .
ونزل صاحبه في أعلاها ، وأخذ عصا ،وقال : أنا الآن أحيي الموتى ، ومن يبتغي طبيباً ، وكان ملك تلك القرية في حال مرض شديد ، مسجى بالفراش ، قال أنا أبرئه ، وأن رأيتموه قد مات فانا أحييه .
فانذروه وقالوا له قد عجز الأطباء من شفائه ، وكان الطبيب إذا أعطاه دواء ، ولم ينفعه صلبه ، قال : أدخلوني عليه .
أنا سأبرئه ، للدلالة على رضائه بالشرط .
فأدخل عليه , وصار يضربه بالعصا حتى مات من شدة الضرب مع وهن وضعف بدنه ، ولم يكف عن ضربه بعد أن مات ، إنما أخذ يضربه وهو يقول : قم باذن الله .
فأخذه أهل القرية ليصلبوه لأنه سبب بقتل الملك ، فبلغ الأمر عيسى ، فاقبل عليه وهو على خشبة الصلب، فقال لهم : أرأيتم أن أحيينا لكم صاحبكم ، أتتركون لي صاحبي ، قالوا: نعم ، ولم يقل عيسى أحييكم صاحبكم اتتركون لي صاحبي ، قالوا : نعم، ولم يقل عيسى احييت لكم الملك.
كما ذكر صاحبه اليهودي بلفظ الصحابة لبيان خصلة حميدة عند الأنبياء وهي الوفاء ، وأداء حق الصحبة والرفقة ولو في الطريق ولم يجعل عيسى عليه السلام مسألة الإقرار بالرغيفين شرطاً على صاحبه لنجاته من الصلب فأحيى عيسى عليه السلام الملك ، وأنزل صاحبه من خشية الذي قام بشكر عيسى عليه السلام وقال له :
أنت أعظم الناس عليّ منّه ، وقال : والله لا لأفارقك أبداً .
وبالإسناد عن السدي أنه قال له عيسى : (أنشُدك بالذي أحيى الشاة والعجلَ بعد ما أكلناهما، وأحيى هذا بعد ما مات، وأنزلك من الجِذْع بعد ما رُفعت عليه لتصلب) ( ).
ولم يقم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالسياحة وحده ، إنما كان يخرج بالسرايا معه من أصحابه ليروا هم والناس جميعاً المعجزات.
وذات خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالسرايا معجزة وآية من عند الله عز وجل ، فهو لم يقصد بها الغزو والهجوم ، ليكون خروجه وأصحابه على وجوه :
الأول : الدعوة إلى الله .
الثاني : بيان عز المسلمين .
الثالث : إنذار المشركين من القدوم إلى معركة بدر وان قدموا فان الخروج المتكرر من المدينة من قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه تحذير للمشركين من الإبتداء بالقتال ،ودعوة لهم للإنصات إلى الذين حثوهم على الرجوع والإمتناع عن القتال .
لقد كان حال قوم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مختلفاً عن حال الناس أيام عيسى عليه السلام ، إذ كان العرب في الجزيرة يغزو بعضهم بعضاً ولا يتردد بعضهم بالغدر والقتل وسفك الدماء ، وأعلن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نبوته بين قومه وعشيرته قريش ، والأصل نصرتهم له ، وفي البيت الحرام ذي القدسية الخاصة عند العرب ، ومع هذا أرادت قريش قتله في فراشه .
وعندما هاجر إلى المدينة وجعلوا الجوائز لمن يلحق به ويعيده إلى مكة ، ولم يصل إلى المدينة إلا بالمعجزة وفضل من عند الله عز وجل ، فكان خروجه في السرايا من المدينة للدعوة إلى الله والتبليغ مع الحاجة إلى السرايا من جهات :
الأولى : سلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من القتل والأسر.
الثانية : ترغيب الناس بالإسلام ، إذ يرون وجود الأصحاب من المهاجرين والأنصار يحيطون بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويتسارعون في طاعته بصفة النبوة والرسالة ، وكيف يؤدون الصلاة ، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر في الحل والسفر .
الثالثة : زيادة إيمان المسلمين ، وتثبيت أقدامهم في منازل الإيمان .
الرابعة : بعث رسالة للذين كفروا من قريش ونحوهم للإنزجار عن محاربة الإسلام ، وعن قتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويسمى خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا بالغزو , وما هو بغزو .
ومنها خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة قبل معركة بدر إلى جهات :
الأولى : غزوة الأبواء .
الثانية : غزوة غطفان .
الثالثة : غزوة بواط.
الرابعة : غزوة بدر الأولى .
السادسة : غزوة ذي العشيرة .
السابعة : غزوة بحران .
وليس في أي منها قتال أو غنائم أو أسرى أو سبايا ، إنما كان هذا الخروج المتعدد والمتكرر رحمة بالذين كفروا , وحثاً لهم لإجتناب القتال ، ودعوة لهم لإجتنابهم غزو المسلمين .
فلا يصح تسمية هذا الخروج بالغزو ، إنما هو استطلاع ودفع للقتال ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ) .
وإن كان عيسى عليه السلام يسيح بمفرده بين القرى يدعو أهلها إلى الإيمان ، فان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يسيح بين القبائل بجيش من المهاجرين والأنصار ليقيموا الصلاة ، ويجذبوا الناس إلى الإيمان وأراد صلبه وقتله بيلاطس البنطي والي مدينة الجليل للقيصر لنحو عشر سنوات ( 26- 36 )، قال تعالى [وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ] ( ) .
ويبين خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه على نحو متكرر في السرايا وجوهاً :
الأول : إنحصار دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة وحدها.
الثاني : ترغيب أهل القبائل بالإسلام .
الثالث : حضور النبوة في القرى والأرياف ، وعند الماء الذي يرده العرب .
الرابع : تشرف أهل القرى والركبان برؤية الطلعة البهية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الخامس : دعوة الناس من الأعراب والبدو بسؤال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن أمور الدين والدنيا .
ومن الإعجاز في المقام عدم وجود حاجب أو برزخ بين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعامة الناس في سفره وترحاله ، فيستطيع أي إنسان رجلاً كان أو امرأة أن يلتقي بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجهاً لوجه , وتوجيه السؤال له .
ومن الآيات بخصوص الجواب مسائل :
الأولى : عدم امتناع النبي عن الجواب .
الثانية : انتفاء النفرة من السؤال سواء عند النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو من الصحابة .
الثالثة : مجئ الجواب على اسئلة الناس من عند الله عز وجل كما في قوله تعالى [يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ] ( ).
فقد ورد توجيه السؤال إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الآية أعلاه مرتين ، للدلالة على أمور :
أولاً : كثرة الأسئلة التي توجه إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ثانياً : إجابة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن الأسئلة .
ثالثاً : نزول الإجابة من عند الله ، ولابد أن هذه الإجابة وافية كاملة ، تختلف عن إجابة الناس .
رابعاً : من أسرار إجابة الله عز وجل على الأسئلة بقاؤها وأجوبتها سالمة من التحريف والتبديل والتغيير .
وهل ينحصر سؤال المسلمين وغيرهم بأيام النبوة أم أنه متجدد إلى يوم القيامة ، الجواب هو الثاني بلحاظ البحث الأصولي أدناه.
وهل يمكن تسمية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم : محمد المسيح ، كما في تسمية عيسى المسيح ، الجواب لا ، من جهات :
الأولى : إنما ورد اسم المسيح صفة خاصة لعيسى عليه السلام , قال تعالى [إِذْ قَالَتْ الْمَلاَئِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابن مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ] ( ).
وتدل الآية أعلاه بالدلالة التضمنية على أن اسم المسيح لعيسى عليه السلام معلوم عند الملائكة ، وعند مريم عليها السلام قبل ولادته .
الثانية : كانت السياحة العبادية العمل الغالب في دعوة وتبليغ عيسى عليه السلام .
الثالثة : استقلال عيسى بالسياحة ، إذ يخرج بمفرده في كثير من الأحيان .
الرابعة : تعدد المعاني لاسم المسيح بخصوص عيسى عليه السلام من وجوه :
الأول : نزول الآية القرآنية أعلاه بتسمية عيسى كما ورد عشر مرات في ثمان آيات أخرى بذات الاسم منها قوله تعالى [إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ] ( ) .
وقد ورد مكرراً في آيتين من سورة واحدة .
الأولى : قوله تعالى [لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابن مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا] ( ) .
الثانية : [لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابن مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ]( ) .
الثاني : سمي المسيح عيسى بالمسيح لسياحته في الأرض .
(والسِّيَاحَةُ: ذَهَابُ الرَّجُلِ في الأرْضِ للعِبادَةِ،)( ).
وسمُي الدجال بالمسيح لأنه ممسوخ أحدى العينيين .
وقد يتبادر إلى الأذهان أن معنى السياحة هي السفر في البلدان وفق المعنى العرفي والسير في الأرض ، إنما السياحة السفر المقيد بصيغة العبادة ، وأن سياحة عيسى عليه السلام كانت عبادة الله عز وجل .
والمسيح فعيل بمعنى مسح الأرض أي قطعها بالسياحة , ولفظ السيد المسيح ، ولفظ المسيح الدجال واحد لغة مع التناقض والتضاد بينهما .
وقيل بأن المِسِيح الدجال بكسر الميم والسين ، ومنهم من قرأه بالخاء أي المسيخ .
الثالث : سمي الرسول عيسى عليه السلام المسيح لأنه أخمص القدم أي باطن قدمه ممسوح .
الرابع : سمي المسيح لأنه خرج من بطن أمه ممسوحاً بالدهن .
الخامس : سُمي المسيح للمعجزة التي رزقه الله ، فما يمسح على ذي عاهة إلا برئ .
السادس : من معاني المسيح الصدّيق .
وقد جعل الله عز وجل السياحة في الأرض مناسبة ، وحجة على الناس ، قال تعالى [قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ] ( ).
الخامسة :ورود لفظ المسيح مقترناً في بعض الآيات باسم عيسى كما في قوله تعالى [وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ] ( ).
وقيل (وهو في التَوراة مَشيحا) ( ).
بحث أصولي
ورد قوله تعالى [فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) إذ تدل هذه الآية على أن الذي لا يعلم بالحكم وسائل الحلال والحرام التي تواجهه يسأل العلماء ، وقيل أنما موضوع الآية هو الإحتجاج على المشركين وقوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) أي باضافة [مِنْ] في سورة النحل في قوله تعالى [مِنْ قَبْلِكَ].
إذ تضمنت الآية الأمر لم لا يعلم بأن يسأل الذي يعلم، ليكون الإسلام دين العلم والسؤال والمسألة التي يترشح عنها البيان والفهم ويتحقق معها العلم ، وفيه شاهد على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأنه يدعو إلى العلم ويحث عليه .
وقيل أن السؤال في الآية الكريمة أعلاه خارج عن محل النزاع بلحاظ نظم وسياق الآية وأنها نزلت في الرد على المشركين لما انكروا كون الرسول من عند الله بشراً ، إذ أرادوا أن يكون الرسول ملكاً من الملائكة وموضوع الآية أعم من سبب النزول والجدار على عموم اللفظ .
وفي هذا الذكر ورد في البحار وجوه :
الأول : [فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ] ( ) قال الإمام علي عليه السلام : نحن أهل الذكر ، قال عياش : ايان عني .
الثاني : أهل التوراة والإنجيل (عن ابن عباس قال : لما بعث الله محمداً رسولاً أنكرت العرب ذلك ، ومن أنكر منهم قالوا : الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً مثل محمد . فأنزل الله : { أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم }( ) وقال : { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون }( ) يعني فاسألوا أهل الذكر والكتب الماضية : أبشرا كانت الرسل الذين أتتهم أم ملائكة؟ فإن كانوا ملائكة أتتكم ، وإن كانوا بشراً فلا تنكروا أن يكون رسولاً . ثم قال : { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحى إليهم من أهل القرى }( ) أي ليسوا من أهل السماء كما قلتم .
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله : { وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً } قال : قالت العرب { لولا أنزل علينا الملائكة }( ) قال الله : ما أرسلت الرسل إلا بشراً { فاسألوا } يا معشر العرب { أهل الذكر } وهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، الذين جاءتهم قبلكم { إن كنتم لا تعلمون } أن الرسل الذين كانوا من قبل محمد كانوا بشراً مثله ، فإنهم سيخبرونكم أنهم كانوا بشراً مثله .
وأخر الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه ، عن ابن عباس { فاسألوا أهل الذكر } يعني مشركي قريش ، أن محمداً رسول الله في التوراة والإنجيل .) ( ).
الثالث : أهل العلم بأخبار الأمم .
الرابع : أهل القرآن .
الخامس : علماء الإسلام (وأخرج ابن مردويه عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا ينبغي للعالم أن يسكت عن علمه، ولا ينبغي للجاهل أن يسكت على جهله . وقد قال الله { فاسألوا أهل الذكر أن كنتم لا تعلمون } فينبغي للمؤمن أن يعرف عمله على هدى أم على خلافه) ( ).
الخامس : علماء وطلاب العلم وعامة المسلمين الذين يحرصون على ذكر الله مجتمعين ، ومنه أداء صلاة الجماعة .
وفي صحيحة أبي خالد الكابلي عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى [قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا * رَسُولاً]( ).
قال (الذكر اسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقالوا: نحن
أهل الذكر.) ( ).
وأشكل على الإستدلال بالآية أعلاه من سورة النحل بأنها حجة على المقلدة وليست حجة لهم (الشوكاني)لأن المراد يسألون أهل الذكر ليخبرهم به .
وقال الشوكاني (أن هذه الآية الشريفة واردة في سؤال خاص خارج عن محل النزاع كما يفيده ذلك السياق المذكور قبل هذا اللفظ الذي استدلوا به وبعده قال ابن جرير البغوي وأكثر المفسرين أنها نزلت على رد المشركين لما أنكروا الرسول بشرا وقد استوفى ذلك السيوطي في الدر المنثور وهذا هو المعنى الذي يفيده السياق قال الله تعالى وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون وقال تعالى أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم وقال تعالى وما أرسلنا من قبلك إلا رجال نوحي إليهم من أهل القرى وعلى فرض أن المراد السؤال العام فالمأمور بسؤالهم هم أهل الذكر والذكر هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لا غيرهما ولا أظن مخالفا يخالف في هذا لأن هذه الشريعة المطهرة إما من الله عز وجل وذلك هو القرآن الكريم أو من رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك هو السنة المطهرة ولا ثالث لذلك وإذا كان المأمور بسؤالهم هم أهل القرآن والسنة فالآية المذكورة حجة على المقلدة وليست بحجة لهم لأن المراد أنهم يسألون أهل الذكر ليخبروهم به فالجواب من المسؤولين أن يقولوا قال الله كذا فيعمل السائلون بذلك وهذا هو غير ما يريده المقلد المستدل بالآية الكريمة فإنه إنما استدل بها على جواز ما هو فيه من الأخذ بأقوال الرجال من دون سؤال عن الدليل فإن هذا هو التقليد ولهذا رسموه بأنه قبول قول الغير من دون مطالبة بحجة) ( ).
ولا تختص معاني الآية حتى في ظاهرها بأسباب النزول إنما هي عامة ومتجددة إلى يوم القيامة ، ولا يعني التقليد عدم السؤال عن الدليل من الكتاب والسنة ، إنما يتقوم بالدليل من الكتاب والسنة لأن علماء المسلمين يصدرون عنهما ، وقال القرطبي (لم يختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها وأنهم المراد بقول الله عز و جل : { فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون }( ) وأجمعوا على أن الأعمى لا بد له من تقليد غيره ممن يثق بميزه بالقبلة إذا أشكلت عليه فكذلك من لا علم له ولا بصر بمعنى ما يدين به لا بد له من تقليد عالمه وكذلك لم يختلف العلماء أن العامة لا يجوز لها الفتيا لجهلها بالمعاني التي منها يجوز التحليل والتحريم) ( ).
والمختار أن الآية دليل على الإجتهاد والتقليد ورجوع العامة إلى العلماء الذين يستنبطون الأحكام من أدلتها التفصيلية .
وقد وردت السنة النبوية باردة علماء الإسلام وأهل المعرفة من معنى أهل الذكر وأخرج البخاري ومسلم (إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر ، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تنادوا هلموا إلى حاجتكم ، فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء ، فإذا تفرقوا عرجوا وصعدوا إلى السماء ، فيسألهم ربهم – وهو يعلم – من أين جئتم؟ فيقولون : جئنا من عند عباد لك يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك . فيقول : هل رأوني؟ فيقولون : لا . فيقول : كيف لو رأوني؟ فيقولون : لو رأوك كانوا أشد لك عبادة ، وأشد لك تمجيداً ، وأكثر لك تسبيحاً . فيقول : فما يسألون؟ فيقولون : يسألونك الجنة . فيقول : وهل رأوها؟ فيقولون : لا . فيقول : فكيف لو رأوها؟ فيقولون : لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصاً وأشد لها طلباً وأعظم فيها رغبة . قال : فمم يتعوّذون؟ فيقولون : يتعوّذون من النار . فيقول : وهل رأوها؟ فيقولون : لا . فيقول : فكيف لو رأوها؟ فيقولون : لو أنهم رأوها كانوا أشد منها فراراً وأشد لها مخافة . فيقول : أشهدكم أني غفرت لهم . فيقول ملك من الملائكة : فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة . قال : هم القوم لا يشقى بهم جليسهم .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم والترمذي والنسائي عن معاوية « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه فقال : ما أجلسكم؟ قالوا : جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإِسلام ومن به علينا . قال آلله ما أجلسكم إلا ذلك؟ قالوا : آلله ما أجلسنا إلا ذلك . قال : أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم ولكن أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة .
وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن حبان والبيهقي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : يقول الله يوم القيامة : سيعلم أهل الجمع اليوم من أهل الكرم . فقيل : ومن أهل الكرم يا رسول الله؟ قال : أهل مجالس الذكر ) ( ).
(وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن إبراهيم في قوله { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي } قال : هم أهل الذكر لا تطردهم عن الذكر قال سفيان : هم أهل الفقر .) ( ).
(عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: “من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصا الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصا أميري فقد عصاني” .
فهذه أوامر بطاعة العلماء والأمراء) ( ).
وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : (لا طاعة لمخلوق في معصية الله) ( ).
ولم تقل الآية (واسألوا أهل العلم) فمن خصائص الإنسان أنه كائن يحتاج , لا يقدر على الإحاطة بالعلوم وأولة وعمل الأحكام كلها , لذا منها ما يؤديها تعبداً ورجاء الثواب والفضل من عند الله عز وجل , ويشترك بالحاجة إلى فضل الله عز وجل العالم والمتعلم , والسائل والمسؤول , لذا قال تعالى [وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ] ( ), وفي قوله تعالى (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) أطراف :
الأول : السائل المتعدد , وهو الذي تدل عليه صيغة الجمع في أو اسألوا.
الثاني : مجىء الآية بصيغة الأمر , فلم تقل الآية (يسألونك أهل الذكر) وهو يستثني أهل الذكر والعلماء من مصاديق هذه الآية لجواز أن يأتي الكلام العربي بصيغة الجمع الإستغراقي , ويراد منه الطائفة والفرقة أو الشخص الواحد , أو يأتي بالعكس بأن يأتي الخطاب بصيغة المفرد ويراد منه الجمع , كما في قوله تعالى [وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ] ( ), فالصلاة مفرد والمراد منها تكرار الفرائض اليومية الخمس كل يوم .
الثالث : تعيين الجهة التي تسئل وهو (أَهْلَ الذِّكْرِ) ومن الآيات ما تأتي بصيغة الجمع والعموم , والمراد طائفة , وفيه مسائل :
الأولى : تعدد علماء الإسلام في كل زمان [فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ] ( ).
الثانية : السعة المندوحة للمسلمين في التوجه إلى العلماء , وتحصيل الجواب .
الثالثة : وجود العلماء في مدن المسلمين , وعدم إنحصار ومصدر العلم في بلدة مخصوصة.
الرابعة : بعث المسلمين لتحصيل العلم , والترغيب والإرتقاء فيه , كما في قوله تعالى [إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ] ( ), وقوله تعالى [خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ]( ),[ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً] ( ), [أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ] ( ), أي حجاج بيت الله الحرام, [وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ] ( ) إلى مرتبة العلماء .
الخامسة : من معاني (أَهْلَ الذِّكْرِ) أن القرآن كفيل بتنمية ملكة العلم عند من يتله آياته , ويقدر في معانيها ودلالاتها , ويتفقه في مسائل الحلال والحرام التي ثنايا آياته .
الرابع : موضوع السؤال , وهو الذي يتجلى ويتعين من جهات :
الأولى : توجه الخطاب إلى المسلمين لبيان أن صيغة السؤال هو الإيمان .
الثانية : صيغة الجمع في السؤال ليكون موضوعية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في سنخية السؤال .
الثالث : تقييد المسؤول , وهم أهل البيت عليه السلام والعلماء ,والذين لا يقولون بالتقليد تراهم يرجعون إلى آئمة المسلمين , وينتسبون إليهم مع أن المدة بينهم أكثر من ألف سنة .
الخامس : تقييد اللجوء إلى السؤال في حال عدم العلم لبيان قانون وهو ان وجوب عبادة الله عز وجل وأداء الفرائض وضرورات الدين أمور قطعية ثابتة لا تصل النوبة إلى السؤال , لتجليها ووجوبها على نحو فرض العين على كل مسلم ومسلمة .
توجه النبي ( ص ) إلى بحران
ويسمى توجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا خطأ (غزوة نجران) وهو تصحيف من النساخ، إذ يتبادر إلى أذهان بعضهم أن المراد مدينة نجران وليس بحران.
إنما يسمى هذا الخروج على وجوه :
الأول : غزوة بحران .
الثاني : غزوة الفرع .
الثالث : غزوة الفُرع من بحران .
والمختار أنها سرية استطلاع وبيان لمنعة المسلمين , وليس بغزوة .
ويقع وادي الفُرع -بضم الفاء- جنوب المدينة، ويبعد عنها نحو 150كم، والفرع وقرية بحران أول قرية جلبت التمر لإسماعيل عليه السلام وأمه عندما أقاما في مكة، مما يدل على أنها أرض زراعية، ويقوم أهلها بتسويق المحاصيل، وجلب التمور إلى مكة.
وقيل: ( فأما أعراض المدينة فأضخمها الفُرْع وبه منزل الوالي وبه مسجد صلى به النبيُ صلى الله عليه وآله وسلم وقال السهيلي : هو بضمتين , ويقال هي أول قرية مارَتْ إسماعيل وأمه التمر بمكة وهي من ناحية المدينة وفيها عينان يقال لهما الرَبض والنجف تسقيان عشرين ألف نخلة)( ).
واستعمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم على المدينة عند خروجه إلى بحران ابن أم مكتوم.
لقد أقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة شهر ربيع الأول، قال ابن كثير(ثم غدا يريد قريشاً)( ) أي أنه لم يقل ثم غزا.
ولم يثبت طلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في خروجه قريشاً أو قتالهم، إنما يكون مثل هذا الخروج على وجوه :
الأول : النشاط الدوري العسكري حول المدينة.
الثاني : تنمية ملكة الصبر عند المسلمين .
الثالث : زجر المشركين عن التعدي والهجوم .
الرابع : هذا الخروج من مصاديق قوله تعالى[وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ]( )، فإن قلت كيف يكون هذا الخروج من إعداد القوة، الجواب من جهات :
الأولى : إظهار كثرة عدد المقاتلين من المسلمين.
الثانية : قيادة النبي صلى الله عليه وآلله وسلم بنفسه لجيش المسلمين , وفيه وجوه:
أولاً : ضبط حركة وفعل جيش المسلمين وفق الوحي، لعمومات قوله تعالى[وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى]( ).
ومن الآيات في المقام أن خروج السرية وأوانها وعدد أفرادها، والطريق الذي تتخذه، والجهة التي تتوجه إليها يتم بالوحي، أما الغايات منها فهي عامة وكثيرة لا يحيط بعلمها إلا الله عز وجل بلحاظ ذات الخروج والمسائل المتفرعة عنه إلى يوم القيامة.
ثانياً : تنمية ملكة طاعة الله ورسوله عند المسلمين في حال الحضر والسفر, والرخاء والشدة .
ثالثاً : إقتداء المسلمين بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في عبادته وطاعته لله عز وجل , قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ] ( ).
رابعاً : حفظ المسلمين لآيات القرآن ، ورؤيتهم لمعالم الوحي حال نزوله على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وما يصيبه من هيئة التعرق الشديد في اليوم البارد عند نزول الوحي إلى أن ينفصل عنه ، قال تعالى [لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ] ( ).
خامساً : تفقه المسلمين في أمور الدين والعناية بالتفسير إذ ليس من شؤون معاش ومكاسب وعيال تشغلهم وتشتت أوقاتهم عند الخروج في السرايا ، مع إتحاد موضع وجودهم ، إذ يكونون في السرية متقاربين .
سادساً : إتقان المهاجرين والأنصار للفرائض والعبادات فهم يصلّون مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في السرايا الصلوات الخمسة بامامته ، ولعل عدداً من لفظ [يَسْأَلُونَكَ] والذي ورد في القرآن خمس عشرة مرة قد حصل أثناء خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
سابعاً : تثبيت معاني الأخوة بين المسلمين ، وتجلي مصاديق خاصة بالسفر والدفاع لقوله تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ] ( ). ليكن من معاني القوة في الآية أعلاه من الأنفال العلم .
وتقدير الآية : وأعدوا لهم ما أستطعتم من علم .
ثامناً : جعل المسلمين في حال توثب وتهيأ للخروج للدفاع .
تاسعاً : فضح المنافقين الذين يتعمدون القعود ، قال تعالى [الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ] ( ).
عاشراً : البشارة بعودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى المدينة سالمين .
الحادي عشر : اقتباس المسلمين من الأخلاق الحميدة والسنن الكريمة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو من عمومات قوله تعالى [وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ] ( ) أي من معاني قوله تعالى أعلاه اقتباس المسلمين من أخلاق وسيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأخذهم منه كيفية المعاملة والأدب الرفيع .
وعن أنس بن مالك قال في صفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (خدمته نحواً من عشر سنين فو الله ما صحبته في حضر ولا سفر لأخدمه إلا كانت خدمته إلي أكثر من خدمتي له وما قال لي أف قط ولا قال لشيء فعلته لم فعلت كذا ولا لشيء لم أفعله ألا فعل كذا .
وكان صلى الله عليه وآله وسلم في سفر فأمر بإصلاح شاة , فقال رجل يا رسول الله على ذبحها , وقال آخر على سلخها , وقال آخر على طبخها, فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : وعلي جمع الحطب .
فقالوا : يا رسول الله نحن نكفيك , فقال قد علمت أنكم تكفونني ولكني أكره أن أتميز عليكم فإن الله يكره من عبده أن يراه متميزاً بين أصحابه وقام فجمع الحطب .
وكان في سفر , فنزل إلى الصلاة ثم كرّ راجعاً فقيل يا رسول الله أين تريد فقال : اعقل ناقتي , فقالوا نحن نعلقها قالا لا يستعن أحدكم بالناس ولو في قضمة من سواك .
وكان لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث انتهى به المجلس , ويأمر بذلك ويعطي كل جلسائه نصيبه لا يحسب جليسه أن أحداً أكرم عليه منه .
وإذا جلس إليه أحدهم لم يقم صلى الله عليه وسلم حتى يقوم الذي جلس إليه إلا أن يستعجله أمر فيستأذنه , ولا يقابل أحداً بما يكره ولا يجزي السيئة بمثلها بل يعفو ويصفح .
وكان يعود المرضى ويحب المساكين ويجالسهم ويشهد جنائزهم ولا يحقر فقيراً لفقره , ولا يهاب ملكاً لملكه , يعظم النعمة وإن قلت لا يذم منها شيئاً ما عاب طعاماً قط أن اشتهاه أكله وألا تركه .
وكان يحفظ جاره ويكرم ضيفه، وكان أكثر الناس تبسماً وأحسنهم بشراً، لا يمضي له وقت في غير علم الله أو في ما لابد منه وما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما إلا أن يكون فيه قطيعة رحم فيكون أبعد الناس منه، يخصف نعله ويرفع ثوبه ويركب الفرس والبغل والحمار ويردف خلفه عبده أو غيره ويمسح وجه فرسه بطرف كمه أو بطرف ردائه .
وكان يحب الفأل ويكره الطيرة وإذا جاءه ما يحب قال الحمد لله رب العالمين , وإذا جاءه ما يكره قال الحمد لله على كل حال وإذا رفع الطعام من بين يديه قال الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وآوانا وجعلنا مسلمين .
وأكثر جلوسه مستقبل القبلة يكثر الذكر ويطيل الصلاة ويقصر الخطبة ويستغفر في المجلس الواحد مائة مرة وكان يسمع لصدره وهو في الصلاة أزيز كازيز المرجل من البكاء .
وكان يقوم حتى تورم قدماه , وكان يصوم الاثنين والخميس وثلاثة أيام من كل شهر وعاشوراء , وقلما كان يفطر يوم الجمعة وأكثر صيامه في شعبان) ( ).
وورد الحديث أعلاه أن النبي صلى الله عليه وآله وآله وسلم (كان في سفر ) ( ) مما يدل على أن خروجه في السرايا من المدينة إنما كان سفراً ومناسبة لتجلى مصاديق من الخلق العظيم الذي يتصف به ، وهو مع مشاركته بالعمل الجماعي بجمع الحطب ، وعقله لناقته بيده فانه يبين علة وموضوع فعله بما يكون دعوة للمسلمين للعمل والتواضع .
الثاني عشر : بعث الشوق في نفوس الصحابة وعامة المسلمين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , وهدايتهم لسبل وكيفية كل منهما , وموارد اجتماعهما والمراتب التي يأتيان بها .
الثالثة : تمرين المسلمين على فنون القتال عند الخروج .
الرابعة : قيام المسلمين بالإستعداد للخروج للنفير , واعداد لوحة نظام, وضبط , يخيف الكفار , قال تعالى[لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا]( ).
الخامسة : من معاني القوة في قوله تعالى [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ]( ) ما ورد في الحديث عن عقبة بن عامر الجهني ، قال (سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل }( ) ألا إن القوّة الرمي ثلاثاً ، إن الأرض ستفتح لكم وتكفون المؤنة ، فلا يعجزنَّ أحدكم أن يلهو باسهمه) ( ).
(ومات عقبة عن سبعين قوساً في سبيل الله) ( ).
وفي الخروج المتعدد بهيئة القتال مزاولة التمرين على ركوب الخيل والتسابق والرمي ، وجعل شاخص للرمي نحوه .
السادسة : إصلاح المسلمين الدائم لأسلحتهم , والعناية بالخيل والإبل والكراع ( )، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ الآية أعلاه وهو على المنبر( ) .
وقال عكرمة : القوة : الحصون ( ).
السابع : من ضروب القوة في آية رباط الخيل العلم ، إذ جاء القرآن بالعلم , وبيان فضله وعظيم نفعه والحث على طلبه وكسب المعارف .
منها قوله تعالى [وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا] ( ).
[إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ] ( ).
[هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ] ( ).
وجاء في ذم الجهل والعناد وإتخاذ المغالطة وسيلة وطريقة للجدال[وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُنِيرٍ] ( ) وفي طلب المسلمين للعلم والإرتقاء في منازله تخويف للعدو وزجر له من التعدي عليهم .
فمن معاني القوة الإحتجاج بالعلم والبرهان ، ومن الإعجاز في الآية أنها جمعت بين القوة ورباط الخيل لإفادة التعدد والمغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه ، وهو أيضاً من عطف الخاص على العام بلحاظ أن الخيل المربوطة للدفاع من جملة القوة .
والمراد في الآية من [عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ] ( ) كفار مكة وقوله تعالى [وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ] ( ) أي من الكفار الذين يمدونهم بالمال والسلاح ، أو ينوون إعانتهم ونصرتهم في غزوهم المدينة .
الثامنة : أداء الفرائض , وإصلاح النفوس , وإظهار الإخلاص في طاعة الله ورسوله , والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
التاسعة : تجلي معاني الأخوة الإيمانية بين المسلمين ، إذ أنها قوة بذاتها ، وتبعث الفزع والخوف في قلوب الذين كفروا .
وكما قيدت آية فريضة الحج أداءها بالإستطاعة بالزاد والراحلة , وما يستحدث من مصاديقها ، كما في قوله تعالى [وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً] ( ).
فان آية إعداد القوة قيدته بالإستطاعة لقاعدة نفي الحرج في الدين ولبيان قانون وهو أن الله عز وجل يمد المسلمين بأسباب من القوة والمنعة والعز منه تعالى، وفي التنزيل [أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا] ( ) , وفيه مسائل :
الأولى : التخفيف عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين .
الثانية : قاعدة تقدير الأهم على المهم ، بتأكيد أولوية العلم وتقدير الموعظة والحكمة في الدعوة إلى الله عز وجل .
الثالثة : حث المسلمين على العناية بأداء الفرائض العبادية .
الرابعة : عمومات قوله تعالى [وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ]( ) لمنع تشديد المسلمين على أنفسهم بشراء السلاح والكراع .
الخامسة : فضل الله عز وجل على المسلمين بنزول الملائكة لنصرتهم ، وفي معركة بدر كان ميزان القوة والعدد والعدة إلى جانب جيش المشركين بأكثر من نسبة الثلاثة إلى واحد ، ولكن الله عز وجل تفضل بانزال الملائكة، قال تعالى [فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ] ( ).
السادسة : إرادة حسن توكل المسلمين على الله عز وجل ، وفي التنزيل[وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ] ( ).

بدر الأولى
توجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في شهر ربيع الأول أيضاً إلى بدر الأولى ، وتسمى غزوة بدر الأولى وبدر الصغرى ، ولم يقصد بلدة أو قبيلة أو قرية .
وسميت غزوة بدر الأولى لوصول النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى منطقة سفوان وهو متصل مع بدر ومنهم من جعل هذا الخروج بعد خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى ذي العشيرة بعشرة أيام ، وهي سابقة في زمانها لمعركة بدر والتي سموها غزوة بدر الكبرى مع أنها دفاع محض , ويجوز تسميتها معركة بدر الدفاعية الكبرى .
وليس في خبر توجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى بدر الأولى ما يدل على أنها غزوة من جهات :
الأولى : لم يستعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهذا الخروج مع أن الذي يريد الغزو يستعد له، ويجمع أصحابه، ويوزع المسؤوليات ويشاورهم بخصوص كيفية الهجوم ، ويكون الغزو موضوعاً للمناجاة بينهم, ومادة للأشعار , خاصة وأن الأنصار تعهدوا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم للدفاع عنه في المدينة .
الثانية : لم يقصد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في خروجهم أهل قرية أو بلدة ، ولم يطلب قوماً مخصوصين .
الثالثة : سبب الخروج هو غزو المشركين لأطراف المدينة , وأخذهم سرح أهلها وبعض مواشيهم ، فلو أغاروا من غير أن ينهبوا المواشي لتركهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصبر عليهم ، لقد أرادوا الفتنة داخل المدينة وإثارة أهلها على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، وجعل المسلمين يختلفون ويختصمون فيما بينهم ، فخاب سعيهم ، قال تعالى [وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا] ( ) .
الرابعة : تقديم النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمسألة الموادعة وعقد الصلح مع القبائل في خروجه .
ومن الإعجاز أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم آخى بين المهاجرين والأنصار لبيان موضوعية الوحي في هذه المؤاخاة لدرء الخلاف والفتنة بين المسلمين، ولم يعلم كفار قريش بالمنافع العظيمة لهذه المؤاخاة التي هي مرآة وتفسير لقوله تعالى[إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ]( ).
ولعلها المرة الخامسة التي يخرج فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أصحابه من المدينة ، وكل واحدة منها يسمونها غزوة مع أنه لم يقع فيها جميعاً قتال فبعد مجئ النبي صلى الله عليه وآله وسلم من بواط وقيل ببضعة ليال ، أغار كرز بن جابر الفهري على سرح المدينة والمواشي والإبل التي لأهلها , وترعى في أطرافها .
إذ أن قريشاً لم يكفوا عن إيذاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، ولم تكن هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، وتركهم مكة كرهاً وقهراً موعظة ومناسبة للناس عامة للإعتبار وإجتناب هذا الإيذاء .
ولكنهم بعثوا كرزاً بن جابر الفهري للإغارة على أطراف المدينة ، ومعه عدد من المشركين , ويستقرأ منه أن قريشاً عاجزون عن الإغارة على المدينة نفسها وعن الوصول إلى شخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
لقد أغاظهم حال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وما عليه المسلمون.
وقاموا بنهب أنعام ومواشي عائدة للأنصار وعامة أهل المدينة .
عندها بادر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى تعقبهم ، وكان حامل لوائه الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ، واستخلف على المدينة زيد بن حارثة , وفيه مسائل :
الأولى : تعاهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأموال أهل المدينة من المؤمنين واليهود والمنافقين والكفار ، إذ أنهم تحت لواء الإسلام .
الثانية : التصدي والدفاع لمن قصد المدينة من المشركين خاصة وأنهم جاءوا لنهب المواشي لأن أهلها آووا النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين من أصحابه.
الثالثة : سعي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في استرداد أموال أهل المدينة ، ليدل بالدلالة الإلتزامية على أنه وأصحابه لا يطمعون في الإستيلاء عليها .
ولم تمر الإيام حتى دخل كُرز إلى المدينة مسلماً ، ثم بعثه النبي صلى الله عليه وآله وسلم , ومعه نفر من الصحابة خلف العريين الذين استاقوا لقاح رسول الله صلى الله عليه وآله سلم، ودخل كُرز مكة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند فتحها وقتل شهيداً يومئذ , وهو يرتجز ويقول :
(قَدْ عَلِمَتْ صَفْرَاءُ مِنْ بَنِي فِهِرْ … نَقِيّةَ الْوَجْهِ نَقِيّةَ الصّدِرْ لَأَضْرِبَن الْيَوْمَ عَنْ أَبِي صَخِرْ) ( ).
والمراد من أبي صخر هو الصحابي خنيس بن خالد الذي قتل قبل كرز في تلك المناوشة فلم يتركه كُرز إنما جعله بين رجليه , وصار يقاتل أصحاب صفوان وعكرمة حتى لحق به شهيداً ثم صارت الأموال والكنوز تترى على المدينة وأهلها وإلى يومنا هذا ، ومن أسبابها حضور وفد الحاج , والمعتمرين، وكنوز الأرض من النفط ونحوه .
ومن الآيات في المقام أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أكد على لزوم زيارة الحاج له في المدينة بعد وفاته إذ قال (مَنْ حَجَّ فَزَارَ قَبْرِي بَعْدَ مَوْتِي كَانَ كَمَنْ زَارَنِي فِى حَيَاتِي) ( ).
كما ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (من زار قبري كنت له شفيعًا أو شهيدًا , ومن مات في أحد الحرمين بعثه الله من الآمنين يوم القيامة) ( ).
(عن أنس بن مالك : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : من زارني بالمدينة محتسباً كنت له شهيداً وشفيعاً يوم القيامة) ( ).
توجه النبي ( ص ) إلى ذي العشيرة
توجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد بدر الأولى إلى ذي العشيرة في شهر جمادى الآخرة من السنة الثانية للهجرة وعلى رأس ستة عشر شهراً من الهجرة النبوية , وخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعه مائتان من أصحابه .
وحمل اللواء حمزة بن عبد المطلب , واستخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد ، وقيل أن سبب هذا الخروج وصول خبر خروج عير لقريش بأموالها من مكة إلى الشام , ومعها رجال من الحمس من قريش .
فسار النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه حتى وصلوا موضعاً اسمه ذو العشيرة بناحية ينبع .
ولم يجدوا القافلة إذ تجاوزت الموضع قبله بأيام ، وعن عمار بن ياسر في حديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقطع الإمام علي عليه السلام بذي العشيرة من ينبع ،ثم أقطعه عمر أيام خلافته قطيعة وأشترى الإمام علي إليها قطعة ( ).
وحفروا فيها عيناً طلباً للماء , فانفجر عليهم الماء يتدفق فبُشر به الإمام علي عليه السلام .
فقال يسر الوارث ثم تصدق به على الفقراء والمساكين وعامة أبناء السبيل القريب والبعيد ، وفي حال الحرب والسلم لـ [يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ] ( ).
وذكر أنه ( لما أَشرف علي عليه السلام على يَنبع فنظر إِلى جبالها قال: لقد وضعت على نقى من الماء عظيم.) ( ).
ووادع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في خروجه هذا بني مدلج وكانت أرض ينبع لهم ، كما وادع بني ضمرة .
وعن ابن اسحاق قال (وفيها كنى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليا أبا تراب حين وجده نائما هو وعمار بن ياسر وقد علق به تراب فأيقظه عليه السلام برجله .
وقال له : ما لك أبا تراب لما يرى عليه من التراب ثم قال ألا أحدثكما بأشقى الناس رجلين .
قلنا بلى يا رسول الله .
قال : أحيمر ثمود الذى عقر الناقة والذى يضربك يا علي على هذه – ووضع يده على قرنه حتى يبل منها هذه وأخذ بلحيته) ( ) ولم يثبت تسمية الإمام علي عليه السلام أبا تراب , وابن إسحاق من تابعي التابعين .
الأسير لغةً
يدل قوله تعالى [وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا] ( ) على إرادة الأسير الذي وقع بيد المسلمين في ميدان المعركة من جهات منها المعنى اللغوي .
ويقال (رنق الأسير: مدّ عنقه عند القتل كما يمد الطائر المرنق جناحه)( ), أي أن الطير وقف صافاً جناحيه , لا يسير في الهواء , فلم يرد هذا المعنى على المرأة أو المملوك , انما جاء بخصوص الأسير في الحرب الذي يؤمر بقتله, وقد رحم الله عز وجل الأسرى الذين صاروا بيد المسلمين بالسلامة من القتل للأولوية القطعية المستقرأًة من حكم اطعامهم والعناية بهم كما في آية الإطعام أعلاه .
وورد لفظ ساجُور وهو (خشبة تجعل في عنق الأسير كالغُل وتجعل في عُنقُ الكلب أيضاً) ( ).
ويأتي لفظ (العاني: أي الأسير، أقرّ بالعُنُوِّ والعَناء , وهما مصدران قال الشاعر:
ابني أمية إني عنكما عاني … وما العنا غير أني مرعش فاني
قوله: عانٍ، ماسور، أي ليس عُنُوّي إلاّ أنّي مرعش.
ويقال للأسير: عنا يعنو وعَنِيَ يَعْنَى إذا نشب في الإسار. قال:
ولا يُفكّ طَوالَ الدّهر عانيها
وتقول: أَعْنُوه، أي: أَبْقُوهُ في الإسار.
والعاني: الخاضع المُتَذَلِّل. قال الله عزّ وجلّ: ” وعَنَتِ الوجوه للحيّ القيّوم ” ( )وهي تَعْنو عُنُوّاً.
وجئت إليك عانياً: أي: خاضعاً كالأسير المرتهن بذنوبه. والعنوة: القهر. وأخذها عنوة، أي: قهراً بالسّيف. والعاني مأخوذ من العنوة، أي: الذِّلة)( ).
وكانوا قبل الإسلام (يَغُلُّون الأسيرَ بالقِدِّ فيجتمع القمل في غُلهَ فيشتدُ أذاه له) ( ) أي أن القد يصير موضع القيد في عنق الأسير محلاً لتجمعه , وهو يعجز عن دفعه , وهذا الأسير بين العرب كقبائل وأفراد وفي حال الغزو والثأر فيما بينهم , ويقال (فككت الأسير فَكّاً وفِكَاكاً، و قال زهير:
وفارقتك برهن لا فِكَاك له … يوم الوداع فأمسى الرهن قد غلقا
وفككْتُ رقبة فلان: أعتقته.) ( ) .
فتم التفريق بين الأسير وفكاكه , وبين العتق مع إتحاد الموضوع في مسألة الفكاك .
(قال عدي بن زيد العبادي وهو في سجن النعمان يخاطب ابنه يحرضه على من حبسه :
ألا هبلتك أمُّك عمرو بعدي … أتقعد لا تريم ولا تصولُ
ألم يحزُنكَ أن أباك عانٍ … وأنتَ مُغيَّبٌ غالتك غولُ
تُغنيك ابنة القين بن جسرٍ … وفي كلب وتُضحكك الشمولُ
فلو كنت الأسير ولا تكنه … إذاً علمتْ معدٌّ ما أقولُ
فإن أهلك فقد أبليت قومي … بلاءً كله حسنٌ جميلُ ( ).
(والجَنيبُ: الأسيرُ مشدُود إلى جَنب الدابَّة) ( ).
والفداء هو أخذ المال من الأسير لقاء فكاكه , أو القبول بإطلاق أسير بدله .
مقارنة بين الأسير في الإسلام واتفاقيات جنيف للأسرى
لقد تفضل الله عز وجل بانزال آيات وسور القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة لمدة ثلاث عشرة سنة قبل الهجرة، وقيل أقل من هذه المدة ، وليس في هذه السور والآيات أمر بالقتال والدفاع مع اتصال وتجدد إيذاء الكفار للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، إنما جاءت بالوعد للمؤمنين والوعيد للكافرين ، ليكون كل من الوعد والوعيد دعوة لنبذ القتال من جهات :
الأولى : الوعد للمؤمنين باعث لهم للصبر ، والإمتناع عن القتال .
الثانية : الوعد للمؤمنين ترغيب للناس بالإسلام بالوعد , واحتراز من أسباب الوعيد .
الثالثة : من معاني ودلالات الوعد زجر الذين كفروا عن التعدي على المسلمين .
الرابعة : في الوعد لأهل الإيمان دعوة للناس كافة بدخول الإسلام ، ونبذ الكفر والضلالة ، إذ أن هذا الوعد لم يتوجه لذات أشخاص المؤمنين فقط , إنما هو بلحاظ العقيدة والعمل الصالح ، قال تعالى [الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ] ( ) .
ومن فضل الله عز وجل أن الوعد بالأجر الحسن والخير من عند الله عز وجل أمر منجز ، وهو سبحانه إذا وعد وفى .
أما بالنسبة للوعيد بالعقاب فان الله تعالى هو العفو , ويعفو عمن يشاء لسعة رحمته ودوام رأفته وعظيم فضله ، وهذا العفو من مصاديق قوله تعالى [يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ] ( ) .
ومن مصاديق العفو في الوعيد باب الشفاعة وليس في هذا الأمر سبب للتمادي بفعل السيئات فان العلم بوجود عالم الحساب والأجر والثواب زاجر عن ارتكاب المعاصي .
الخامسة: في الوعد بشارة بالأجر والثواب العظيم ، وهو رسالة الى الناس جميعاً ، كما في قوله تعالى [وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ] ( ) وهذه السورة نزلت في مكة كما عن ابن عباس .
وقيل أن كل نداء [يَاأَيُّهَا النَّاسُ] ( ) نزل في مكة ، وليس بتام ، فلابد من دراسة مستقلة لكل نداء منها في القرآن , وعددها عشرون .
السادسة : في الوعيد في السور المكية رحمة بالناس جميعاً ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ) إذ أن منافع الوعيد أكثر من أن تحصى ومنها :
الأول : الإنذار والتخويف للذين كفروا ، فلم يأت الوعيد في السور المكية للمسلمين إنما جاء تخويفاً وتبكيتاً للذين كفروا , وفيه إكرام للمسلمين الأوائل وتخفيف عنهم لما يلاقونه من الأذى الشديد من قبل كفار قريش .
الثاني : في الوعيد القرآني بيان لقانون وهو أن الدنيا دار امتحان واختبار وابتلاء ، وان الناس فيها مكلفون وينتظرهم الحساب في الآخرة .
الثالث : صحيح أن الوعيد في القرآن يتوجه إلى الذين كفروا إلا أنه إكرام للمسلمين من جهات :
الأولى : فيه فخر للمسلمين والمسلمات الذين اختاروا التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين ظهراني الذين كفروا وشدة سطوتهم .
الثانية : إنه رد على الذين كفروا ، ليكون الوعيد القرآني وكيلاً ونائباً عن المسلمين في الرد على تهديد وتخويف الذين كفروا لهم .
الثالثة : أنه من مصاديق الفخر والعز للمسلمين ، وهو من عمومات قوله تعالى [وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ] ( ).
الرابعة : تنمية ملكة الإحتجاج عند المسلمين .
الخامسة : صيرورة الوعد والوعيد القرآني مادة لصبر المسلمين , وتحملهم الأذى والعذاب من المشركين .
وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ] ( ) لبيان قانون وهو عجز الناس ولو اجتمعوا عن إحصاء ماهية وسنخية وأثر وفيوضات جنود الله ، وأسباب وسبل مقدمات الهداية الخاصة والعامة ، ومنه قوله تعالى [إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً]( ).
فقد يتبادر إلى الذهن أن المراد من الجنود في المقام الذين يصدون المشركين فقط إنما يشمل اللفظ صيغ تعضيد المؤمنين وسبل نصرهم ، وقد فاز النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأسنى مراتب النصرة والمدد من عند الله عز وجل إذ تفضل سبحانه بانزال الملائكة لنصرته وإعانته ، قال تعالى [فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ] ( ) .
لقد كان المسلمون يتلقون الأذى في مكة , ولم تمر الأيام والسنون حتى أنعم الله عز وجل عليهم بأن صار رهط من المشركين أسرى عندهم ، ولم يقبضوا عليهم بغزو أو هجوم مباغت على قراهم أو على مكة حيث يقطن ذات الأسرى ، إنما هم الذين تناجوا وجاءوا لمحاربة النبوة والتنزيل ، وهم نحو ألف رجل في معركة بدر ، فصاروا على فرق :
الأولى : القتلى وعددهم سبعون مشركاً .
الثانية : الأسرى عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وعددهم سبعون أيضاً .
الثالثة : الذين إنهزموا من ميدان المعركة مذعورين , ولم يقفوا إلا في مكة مع أنها تبعد عن موضع المعركة نحو (340) كم .
الرابعة : الذين اعتزلوا القتال ، ورجعوا من وسط الطريق إلى بدر ، بعد أن وصلتهم رسالة أبي سفيان بأن القافلة مرت بسلام ، وهم بنو زهرة, وفيه حجة على الذين كفروا ممن أصر على القتال ، ومادة لتوبيخهم وذمهم، وسقوط هيبتهم ، وزاجر للناس عن نصرتهم في معركة أحد والخندق .
والأسير هو المقاتل الذي يقع حياً في يد العدو في حال الحرب ، وهناك قولان .
الأول : الأسير في الإسلام أعم فيشمل الأعداء المحاربين الذين أظهروا الجحود ، وعزموا على عداوته .
الثاني : يشمل الأسير في الإسلام كل من يحمل السلاح ضد الإسلام ، وهو قادر على الحرب سواء جندياً أو مرتزقاً أو جاسوساً .
ولا أصل لهذين القولين ويفيدان معنى نسبة العموم والخصوص المطلق بين الأسرى في الإسلام ومصطلح الأسير في القانون الدولي ، ولكن النسبة بينهما هي التساوي في أكثر المسائل والأحكام ونسبة العموم والخصوص من وجه في بعض تلك المسائل ، فلا بد من دراسات مقارنة بين أمور :
الأول : الأسير في القرآن والسنة .
الثاني : مدرسة الأسر في الإسلام مع شواهد متعددة منه .
الثالث : الأسير لغة .
الرابع : الأسير في القانون الدولي .
الخامس : تبدل وتحسين قوانين الأسر .
السادس : الأسرى في هذا الزمان , والإختلاف بين القانون والشواهد والوقائع في الحروب .
السابع : اقتباس الدول والقوانين الدولية من الإسلام أحكاماً في الأسر والأسرى .
الثامن : تطبيق قوانين الأسرى في الواقع والمخالفات التي تقع فيها .
التاسع : مقارنة بين قواعد الإسلام في معاملة الأسرى والجرحى وبين اتفاقيات جنيف الأربعة وآخرها لسنة 1949 والملاحق المتعقبة لها ، ومنها البروتوكول الثالث لسنة 2005 الذي يخص شعار منظمة الصليب الأحمر والهلال الأحمر .
وكل من آية الإطعام والآيات الأخرى التي تخص الأسرى والرأفة بهم ضياء يتلألئ في قلوب وعمل المسلمين , وهو من مصاديق قوله تعالى[اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( ).
وتبين هذه الوقائع النفع العظيم للآيات القرآنية التي تحث على العناية بالأسرى في حال الفتن والإقتتال الذي يقع بين المسلمين , فصحيح أن الآيات نزلت بخصوص الأسرى من المشركين من قريش والقبائل الأخرى ، إلا أنها كانت حاضرة في منهاج الأمراء والرؤساء وعامة المسلمين في الإقتتال الذي يقع بينهم ، لتكون عوناً , وتعضيداً للآيات التي تحث على الوفاق الصلح بينهم ، قال تعالى [وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ] ( ) .
وتبقى آية [وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا] ( ) شعاراً سماوياً يدخل كل بيت مسلم يشع نوره في ربوع الأرض ليبين قانوناً وهو أن النبي محمداً والمسلمين يكرمون الأسرى ويعتنون بهم طلباً لرضوان الله عز وجل لأن قوله تعالى [عَلَى حُبِّهِ] يجعل الرأفة بالأسرى واطعامهم من مصاديق طلب رضوان الله ، قال تعالى [أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ] ( ) وقيل المراد من الهاء في[حبه] المال أي على حب المال .
ولكن الآية لم تذكر المال انما ذكرت الطعام ، مما يدل على عدم تعلق تمام الحب به لقلته ولدلالة الآية على إطعام العيال وان كانت أسباب النزول بخصوص أهل البيت وتضورهم جوعاً في ساعة الإفطار لصيام واجب بالعرض أي بالنذر ليكونوا أسوة للمسلمين والمسلمات في اكرام المسكين واليتيم والأسير .
ومن الآيات أن سيدة النساء فاطمة عليها السلام اشتركت بالإطعام وتحمل الجوع وكذا جارية أهل البيت الصحابية فضة .
وفي مجئ الوصية بالأسرى في القرآن والسنة شاهد على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يبغي القتال واستدامته , ولا يسعى لذل الناس باحتلال مدنهم كما قال تعالى بخصوص الملوك [إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً] ( ).
لقد نشبت حروب عديدة في القرن التاسع عشر الميلادي , وأدرك رجال السياسة والفكر الحاجة إلى العناية بجرحى الجيوش في الميدان والمرضى منهم، فكانت اتفاقية جنيف في سويسرا الأولى لسنة 1864 لتحمي الجرحى والمرضى في الحرب البرية .
والدول التي ساهمت باعدادها ووقعت عليها هي :

  1. دوقية بادن الكبرى (الآن ألمانيا.
  2. مملكة بلجيكا.
  3. مملكة الدنمارك.
  4. الإمبراطورية الفرنسية الثانية.
  5. دوقية هسن الكبرى (الآن ألمانيا.
  6. مملكة إيطاليا.
  7. مملكة الأراضي المنخفضة.
  8. مملكة البرتغال.
  9. مملكة بروسيا (الآن المانيا .
  10. مملكة إسبانيا.
  11. سويسرا.
  12. مملكة فورتمبيرغ (الآن ألمانيا .
    وتمت مراجعتها خلال السنوات اللاحقة ، وتعيين الثغرات فيها فاستعيض عنها بعد اثنتين وأربعين سنة باتفاقية 1906 التي تضمنت التنقيح وتوسعة مواد الإتفاقية الأولى ، كما تحمي الجرحى والمرضى وجنود البحرية وغيرهم الذين ينجون من السفن الغارقة .
    ثم نسخت باتفاقية 1929 م وتتعلق بأسرى الحرب.
    لتأتي بعدها اتفاقية عام 1949 والتي تسمى اتفاقية جنيف الرابعة والتي كان للجنة الدولية للصليب الأحمر حضور وموضوعية في إعدادها ، وتنفيذ بنودها ، وتم توسعة المواد العشرة لمعاهدة 1864 إلى ثلاث وستين مادة لحماية الجنود الذين صاروا عاجزين عن القتال ، وتأمين أفراد الهيئات الدينية والطبية والمدنيين والمنظمات الخيرية والإنسانية في مناطق المعركة .
    وشملت الإتفاقية حماية المدنيين من آثار الحرب ، ووضع الأجانب في البلد الذي يكون طرفاً في النزاع والقتال , وتركت هذه الإتفاقية الباب مفتوحاً لكل الدول للإنضمام إليها .
    وأختتمت المادة (63) منها بالقول : ويرسل مجلس الإتحاد السويسري صوراً موثقة من الإتفاقية إلى جميع الدول الموقعة ، وكذلك إلى الدول التي تنضم إلى الإتفاقية .
    أما آية الإطعام فقد ندبت كل مسلم ومسلمة إلى يوم القيامة للعناية بالأسرى , نعم أكثر المسلمين بأجيالهم المتعاقبة ليس عندهم أسرى إنما يقرون بمضامين وأحكام هذه الآية ويكونون شهوداً على الذين أحسنوا إلى الأسرى من الصحابة والتابعين ، ويتدبرون في سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الرأفة بالأسرى ، واجتناب وقوع الناس في الأسر .
    وهذا الإجتناب معجزة له في السنة الدفاعية ، فاذا بلغه أن القبيلة الفلانية ينوون الهجوم والإغارة على المدينة بغية قتله وقتل طائفة من المسلمين , وأسر طائفة أخرى ، فانه يخرج إليهم فما أن يعلموا بقدومه حتى يفرون من بيوتهم في الأودية والشعاب أو يصعدون في الجبال فيراهم على رؤوسها فلا يندب أصحابه للقبض عليهم .
    وبدأ العمل بالإتفاقية في 21 تشرين أول سنة 1950 ، وتوالى تصديق الدول عليها ، إذ صادقت عليها (74) دولة في خمسينيات القرن العشرين ، و(48) دولة في الستينيات و(20) دولة في السبعينيات و(20) دولة في الثمانينيات و(26) دولة في التسعينيات ثم سبع دول بعد عام (2000) ليكون عدد الأعضاء هو (194) دولة ، فهي أكثر الإتفاقيات التي تم تصديق أكثر عدد من الدول عليها لما فيها من صبغة إنسانية ، وإنتفاء الضرر ، وقد نزل القرآن قبل أكثر من ألف وأربعمائة سنة بآية الإطعام لبعث الناس على الرأفة في الأسرى .
    ثم تمت بروتوكولات أي ملاحق ومجموعة قواعد واجراءات لهذا الإتفاقيات .
    إذ الحق بها عام 1977 ملحقان .
    والمادة الأولى من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 هي : تتعهد الأطراف السامية بأن تحترم هذه الإتفاقية ، وتكفل احترامها في جميع الأحوال .
    وهو أمر حسن ، وان قيل لا تزال جهات عديدة تنقض العمل بالإتفاقية أيام الحروب ولا تقييد بها .
    لقد صدرت هذه الإتفاقية بعد أكثر من ألف وثلاثمائة من بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونزول القرآن ومنه آية العناية بالأسرى بقوله تعالى [وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُورًا] ( ).
    وإذ تختص هذه الإتفاقية بالأطراف التي وقعت عليها ومؤسساتها فان الآية أعلاه خطاب لكل مسلم ومسلمة بلزوم العناية بالأسرى ، وإن جاءت الآية بصيغة الجملة الخبرية ، وورد في أسباب نزولها عن ابن عباس قال (مرض الحسن والحسين فعادهما جدّهما محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعه أبو بكر وعمر وعادهما عامّة العرب فقالوا : يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك نذراً وكل نذر لا يكون له وفاء فليس بشيء.
    فقال علي عليه السلام : إن برأ ولداي مما بهما صمتُ ثلاثة أيام شكراً،
    وقالت فاطمة عليه السلام : إن برأ ولداي مما بهما صمت لله ثلاثة أيام شكراً ما لبس الغلامان العافية،
    وليس عند آل محمد قليل ولا كثير.
    فانطلق علي عليه السلام إلى شمعون بن جابا الخيبري.
    وكان يهودياً فاستقرض منه ثلاثة أصوع من شعير.
    وفي حديث المزني عن ابن مهران الباهلي فانطلق إلى جار له من اليهود يعالج الصوف يقال له : شمعون بن جابا.
    فقال : هل لك أن تعطيني جزّة من الصوف تغزلها لك بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم بثلاثة أصوع من الشعير قال : نعم .
    فأعطاه فجاء بالصوف والشعير فأخبر فاطمة بذلك فقبلت وأطاعت قالوا : فقامت فاطمة عليه السلام إلى صاع فطحنته وأختبزت منه خمسة أقراص لكل واحد منهم قرصاً وصلى علي مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم المغرب،
    ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه اذ أتاهم مسكين فوقف بالباب فقال : السلام عليكم أهل بيت محمد،
    مسكين من مساكين المسلمين،
    أطعموني أطعمكم من موائد الجنة،
    فسمعه علي عليه السلام فأنشأ يقول :
    فاطم( ) ذات المجد واليقين
    يا ابنة خير الناس أجمعين
    أما ترين البائس المسكين
    قد قام بالباب له حنين
    يشكوا إلى الله ويستكين
    يشكوا إلينا جائع حزين
    كل امرء بكسبه رهين
    وفاعل الخيرات يستبين
    موعدنا جنة عليين
    حرمها الله على الضنين( )
    وللبخيل موقف مهين
    تهوى به النار إلى سجين
    شرابه الحميم والغسلين( )
    من يفعل الخير يقم سمين
    ويدخل الجنة أي حين
    فأنشأت فاطمة :
    أمرك عندي يا ابن عمّ طاعه
    ما بي من لؤم ولا وضاعه
    غذيت من خبز له صناعة
    أطعمه ولا أبالي الساعه
    أرجو إذ أشبعت ذا المجاعه
    أن ألحق الأخيار والجماعه
    وأدخل الخلد ولي شفاعه
    قال : فأعطوا المسكين الطعام ومكثوا يومهم وليلتهم لم يذوقوا شيئاً إلاّ الماء القراح،
    فلمّا كان اليوم الثاني قامت فاطمة إلى صاع فطحنته فاختبزته وصلّى علي مع النبي(عليه السلام)،
    ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه فأتاهم يتيم فوقف بالباب فقال : السلام عليكم أهل بيت محمد،
    يتيم من أولاد المهاجرين،
    استشهد والدي يوم العقبة،
    أطعموني أطعمكم الله على موائد الجنة فسمعه علي عليه السلام فأخذ يقول :
    فاطم بنت السيد الكريم
    بنت نبي ليس بالزنيم
    لقد أتى الله بذي اليتيم
    من يرحم اليوم يكن رحيم
    موعده في جنّة النعيم
    قد حرّم الخلد على اللئيم
    ألا يجوز الصراط المستقيم
    يزل في النار إلى الجحيم
    فأنشأت فاطمة :
    أطعمه اليوم ولا أبالي
    وأوثر الله على عيالي
    أمسوا جياعاً وهم أشبالي
    أصغرهم يقتل في القتال
    بكربلا يقتل باغتيال
    للقاتل الويل مع الوبال
    تهوى به النار إلى سفال
    وفي يديه الغل والأغلال
    كبوله زادت على الأكبال. قال : فأعطوه الطعام ومكثوا يومين وليلتين لم يذوقوا شيئاً إلاّ الماء القراح،
    فلمّا كان في اليوم الثالث قامت فاطمة عليه السلام إلى الصاع الباقي فطحنته واختبزته وصلى علي مع النبي (عليه السلام) ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه إذ أتاهم أسير فوقف بالباب فقال : السلام عليكم أهل بيت محمد،
    تأسرونا (وتشدوننا) ولا تطعمونا،
    أطعموني فإني أسير محمد أطعمكم الله على موائد الجنة،
    فسمعه علي فأنشأ يقول :
    فاطم يا بنة النبي أحمد
    بنت نبي سيد مسوّد
    هذا أسير للنبي المهتد
    مكبّلٌ في غلّه مقيّد
    يشكو إلينا الجوع قد تمدد
    من يطعم اليوم يجده من غد
    عند العلي الواحد الموحّد
    ما يزرع الزارع سوف يحصد
    فأنشأت فاطمة تقول :
    لم يبق مما جاء غير صاع
    قد ذهبت كفي مع الذراع
    ابناي والله من الجياع
    يارب لا تتركهما ضياع
    أبوهما للخير ذو اصطناع
    يصطنع المعروف بابتداع
    عبل الذراعين( ) طويل الباع
    وما على رأسي من قناع
    إلاّ قناعاً نسجه انساع
    قال : فاعطوه الطعام ومكثوا ثلاثة أيام ولياليها لم يذوقوا شيئاً إلاّ الماء القراح , فلما أن كان في اليوم الرابع وقد قضوا نذرهم أخذ علي عليه السلام بيده اليمنى الحسن وبيده اليسرى الحسين وأقبل نحو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , وهم يرتعشون كالفراخ من شدّة الجوع فلمّا نظر به النبي (عليه السلام) قال : يا أبا الحسن ما أشدّ ما يسؤني ما أرى بكم،
    أنطلق إلى ابنتي فاطمة فانطلقوا إليها وهي في محرابها وقد لصق بطنها بظهرها من شدة الجوع وغارت عيناها،
    فلما رأها النبي(عليه السلام) قال : واغوثاه بالله،
    أهل بيت محمد يموتون جوعاً فهبط جبرائيل(عليه السلام) فقال : يا محمد خذها،
    هنّأك الله في أهل بيتك قال : وما أخذنا يا جبرائيل فاقرأه {هَلْ أَتَى عَلَى الإنسان} إلى قوله {وَلا شُكُورًا}( ) إلى آخر السورة.) ( ).
    وإذ تضمنت المادة الأولى من معاهدة جنيف تعهد أطراف الإتفاقية باحترامها ، فان الآية أعلاه أمر من عند الله للمسلمين باكرام الأسرى وينحل هذا الأمر ليشمل المسلمين والمسلمات إلى يوم القيامة .
    وإذ يكون الأسرى بين الدول بلحاظ انتمائهم إلى الدول وأن اتحدوا في الدين والمذهب ، فان الآية أعلاه تخص الأسرى المشركين عند المسلمين ، وإن كانوا أخوة لبعض المسلمين , أو أبناء عمومة , أو من قرية أو بلدة واحدة .
    وصار المسلمون في هذا الزمان دولاً وممالك مستقلة , والأصل ألا يكون بينهم قتال وأسرى ، وذات القتال مبغوض مطلقاً سواء بين المسلمين وغيرهم ، أو بين أهل الملل الأخرى فيما بينهم .
    وهل يدل قوله تعالى [كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ] ( ) على العموم في كراهية الناس له ، أم أن الكراهية خاصة بالمسلمين ، الجواب هو الأول ، ولا عبرة بالقليل النادر .
    وذكرت المادة الأولى من المعاهدة احترام الدول الموقعة للإتفاقية في جميع الأحوال ، وهو أمر حسن ، ولكن الآية الكريمة تندب إلى اطعام الأسرى والعناية بهم من جهات :
    الأولى : الحاكم والملك .
    الثانية : القائد العسكري وجنوده في الميدان .
    الثالثة : رجال الطب في الميدان وخارجه ، بلحاظ أن الدواء والعلاج من مصاديق وفروع الإطعام في قوله تعالى [وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ] ( ).
    الرابعة : عامة المسلمين والمسلمات .
    وتدل أسباب نزول الآية أعلاه على أن أسرى المشركين كانوا يطوفون على بيوت المسلمين يسألونهم ، ولا يختص موضوع الآية بهذا السؤال ، إنما يتضمن دعوة المسلمين والمسلمات إلى إعانة الأسرى ، وكفاية مؤونتهم ، وذكرت الآية اطعامهم في الله ولله .
    وكما استشار النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه في بداية معركة بدر فانه استشارهم عند وقوع سبعين من المشركين أسرى بايديهم ، فقال له أحد أصحابه (أرى أن تمكني من فلان قريب لعمر فاضرب عنقه وتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه وتمكن حمزة من فلان اخيه( ) فيضرب عنقه حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين وهؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم) ( ).
    ولكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ترك هذا الرأي , ولم يأخذ به وفيه شاهد بأنه لم يفعل أمراً عن غضب وانتقام من الذين كفروا ، إنما كان يريد اصلاحهم وهدايتهم ، فقد قاتلهم دفاعاً حتى إذا وقعوا في الأسر عمل بأمر الله عز وجل بالعناية بهم ليكون من معاني قوله تعالى [وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا] ( ) عدم إذلال أو تعذيب أو قتل الأسير ، ولا يختص إطعام الأسير بحال سؤاله ومجيئه وطرق البيوت بلحاظ أن المدار على عموم المعنى وليس على أسباب النزول وحدها .
    فحالما يقع الأسير في أيدي المسلمين ، يجب عليهم رعايته والعناية به من غير أن ينتظروا أمراً من الرؤساء والأمراء ، لكبرى كلية وهي مخاطبة الآية القرآنية والأمر بإطعام الأسير لكل مسلم ومسلمة لذا وردت الآية بصيغة الجمع [وَيُطْعِمُونَ].
    وفي الآية دعوة للإكثار من إطعام الأصناف الثلاثة وعدم التضييق عليهم ، وهم الفقير المحتاج , واليتيم , والأسير .
    وتنمي آية الاطعام ملكة الإحسان عند المسلمين مجتمعين ومتفرقين ، وتجعل هذا الإحسان من ضروب المناجاة فيما بينهم ، وهل إطعام الأسير من الأمر بالمعروف مع حرمة النهي عنه .
    الجواب نعم بلحاظ أن هذا الأمر واجب , وهو منهاج الأنبياء ، ليكون آلة ووسيلة للإحسان للأسرى من المشركين ، قال تعالى [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ]( ).
    وقيل بعودة الضمير الهاء في [حُبِّهِ] في قوله [وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا]إلى الطعام ، وتقدير الآية ويطعمون الطعام على حب الطعام ، وكما قالوا في قوله تعالى [وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ] ( ) أي على حبه أي على حب المال ، وأنهم يتصدقون وهم يحبون الذي يدفعونه إلى المحتاجين .
    والمختار عودة الضمير في [وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ] ( ) أي على حب الله عز وجل لوجوه :
    الأول : الظاهر من نظم الآيات ، إذ جاءت الآية السابقة بحرصهم على الوفاء بالنذر وان كان فيه جهد وانفاق لقوله تعالى [يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا] ( ) .
    الثاني : موضوعية قصد القربة في عمل المسلمين الصالحات .
    الثالث : وردت الآية التالية لقوله تعالى [إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُورًا] ( ) لبيان أن حب الله يتجلى بقصد القربة من الإطعام والإحسان, بلحاظ أن هذا الإطعام فرع الإنفاق , وهو من عمومات قوله تعالى [وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ] ( ).
    وتدل الآية أعلاه على عدم رجاء مقابل من الأسير ، أو جعل دخوله الإسلام شرطاً ارتكازياً في إطعامه .
    وقد جاءت آيات القرآن بالصدقة على الفقير والمسكين ، لبيان اليد العليا للمتصدق ، بينما جاءت آية [وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ] ( ) بصيغة الإطعام , وكأن الأسير بمنزلة الضيف عند المسلمين ، وهي مرتبة تتخلف عنها الإتفاقيات الدولية ، ولم تبلغها أمة من الأمم في حسن المعاملة للأسرى ، وهو من مصاديق الثناء على المسلمين في قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ).
    ونصت إتفاقية جنيف للأسرى في المادة الثانية منها (
    وإذا لم تكن إحدى دول النزاع طرفا في هذه الاتفاقية، فإن دول النزاع الأطراف فيها تبقي مع ذلك ملتزمة بها في علاقاتها المتبادلة. كما أنها تلتزم بالاتفاقية إزاء الدولة المذكورة إذا قبلت هذه الأخيرة أحكام الاتفاقية وطبقتها.).
    وهو أمر حسن ولكن آية [وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ] ( ) تدل على الإطلاق في الرأفة بالأسرى ،وإن كان الطرف الآخر لم يلتزم بها ، مع ضميمة وهي أن هذا الطرف الآخر مشركون مصرون على محاربة النبوة والتنزيل ، إذ أن لفظ (أسير ) نكرة في مقام الإثبات شامل لكل أسير وان كان قد أوغل قتلاً بالمسلمين .
    فالمسلم الذي يأسر قاتل أبيه عليه العناية به وإطعامه وكسوته ، وفيه الأجر والثواب ، وهذا المعنى مترشح عن الآية الكريمة أعلاه .
    لقد اشترطت المادة أعلاه التزام الدولة وطرف النزاع الآخر الذي لم يوقع على الإتفاقية ببنودها كي يلتزم ودول الإتفاقية الأخرى بها في حال نزاعه معها .
    ولكن الآية القرآنية جاءت عامة بلا شرط أو قيد في صفة الطرف الآخر ، لإخبار الأسير باكرام القرآن له ، وفيه دعوة له للإيمان لأن العناية به نوع خطاب ونداء عملي له على نحو الإستقلال لدخول الإسلام ، كأن الآية وما فيها من معاني رفق , ورأفة المسلمين به دعوة له لعدم استحضار انتسابه للكفار كمبدأ وعقيدة .
    وهل دخل نفر من الأسرى الإسلام ، الجواب نعم ، وفيه شواهد كثيرة أيام النبوة ، فمنهم من أسلم , وهم على وجوه :
    الأول : الذي أسلم حال الأسر .
    الثاني : الذي أسلم مدة الأسر .
    الثالث : الذي أطلق سراحه فذهب ليغتسل ويعود لينطق بالشهادتين ، لبيان أنه لم يدخل الإسلام خوفاً أو فرقاً كما في قصة ثمامة بن أثال الحنفي سيد أهل اليمامة .
    الرابع : الأسير الذي فك قيده ، وغادر إلى أهله ، وعاد إلى المدينة مسلما .
    الخامس : الذي أطلق من الأسر ووصل إلى أهله فاسلم وعاد إلى المدينة مهاجراً .
    ولقد وقع عدد من المسلمين في الأسر عند المشركين ليس في قتال إنما أسروهم وهم في الطريق لم يقصدوا القتال ، كما في خبيب بن عدي الأنصاري وزيد بن الدثنة اللذين أسرا وهما في سرية يوم الرجيع للتبليغ في السنة الثالثة للهجرة .
    وعدد أفرادها سبعة ، فباعهما المشركون على كفار مكة ، وقد تقدمت كيفية قتلهما بوحشية وشماتة وانتقام ، وما أظهراه من الصبر ، وعلو مرتبة الإيمان ، ومع أن أسرهما وقتلهما متأخر زماناً على معركة بدر وحسن معاملة المسلمين للأسرى فيها ، فان المشركين أقدموا على قتلهما ، لبيان قبح خصال المشركين بأن يقابلوا الإحسان بالإساءة ، ومع هذا يأمر الله عز وجل المسلمين بتعاهد الإحسان لهم بلحاظ بقاء آية [وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ] ( ) إلى يوم القيامة سالمة من التحريف في رسمها ولفظها ومضامينها ومعانيها ودلالاتها ، وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون]( ) .
    لقد تفضل الله عز وجل على المسلمين بآية الإطعام , فينظروا في معاملة الأسير أموراً :
    الأول : الإمتثال لأمر الله بالعناية بالمسكين الذي ليس عنده مؤونة ، وباليتيم أي الذي لم يبلغ الحلم وأبوه ميت ، والأسير من المشركين الذين قاتلوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصروا على محاربة التنزيل .
    الثاني : إرادة قصد القربة في إطعام الأسير ، وهل هذا القصد شرط في تحقق الثواب باطعامه ، الجواب لا ، إنما هو نفع وخير محض من جهات :
    الأولى : انه باعث على فعل الإطعام ، ومن الآيات أن لفظ [يُطْعِمُونَ] ( ) لم يرد في القرآن إلا في آية الإطعام ، فان قيل قد ورد في التنزيل [وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ] ( ) .
    الجواب هناك تباين في المعنى والمقصود من اللفظين ، وإن إتحدا من رسمهما ، إذ أن لفظ [يُطْعِمُونَ] ( ) يتألف من فعل وفاعل ، أما [يُطْعِمُونِ] ( ) أعلاه فيتألف من فعل وفاعل ومفعول به ، وجاء لبيان غنى الله عز وجل عن الجن والأنس مطلقاً ، بينما تدل آية الإطعام على حاجة الأسر والأسير إلى الله عز وجل ، وهو من معاني قصد القربة في المقام .
    وصحيح أنه يتعلق بنية المسلم في إطعامه للمسكين واليتيم والأسير إلا أنه باعث على التوبة والصلاح .
    الثانية : تنمية ملكة التقوى عند المسلمين ، واستحضار قصد القربة في الواجبات والمستحبات .
    الثالثة : البعث على المبادرة إلى أطعام المساكين واليتامى والأسرى على نحو متعدد ومتكرر من غير ملل أو ضجر ، وهو الذي تدل عليه أسباب نزول آية الإطعام ، وكيف أن أهل البيت يتصدقون باقطارهم لثلاثة أيام متتالية .
    الرابعة : بيان خضوع وخشوع المسلمين لله عز وجل وأتيانهم الأفعال المندوبة طمعاً بحبه والفوز برضاه ، وفي التنزيل [أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ] ( ).
    الثالث : إمتثال المسلمين للأوامر الإلهية في السراء والضراء .
    الرابع : الجمع بين الفقير واليتيم المسلم وبين الأسير وغيره من الذين كفروا ، بلحاظ أن المدار على عموم المعنى وليس أسباب النزول وحدها .
    وتقدير الآية على وجوه :
    الأول : ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً مسلماً .
    الثاني : ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً من كتابنا يهودياً أو نصرانياً .
    الثالث : ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً كافراً .
    الرابع : ويطعمون الطعام على حبه يتيماً مسلماً ، وقد فقد اباه في الدفاع عن النبوة والتنزيل أو مات في حتف أنفه أو بسبب آخر .
    ليكون هذا الإطعام من عمومات ورشحات قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِ وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ] ( ).
    الخامس : ويطعمون الطعام على حبه يتيماً من أهل الكتاب .
    السادس : ويطعمون الطعام على حبه يتيماً لأبوين كافرين .
    السابع : ويطعمون الطعام على حبه أسيراً من الذين كفروا .
    وجاءت المادة الثالثة من اتفاقية جنيف الرابعة لسنة 1949 بقواعد لحماية المدنيين , والسلامة والكرامة الشخصية , ومنع التعذيب في حال نشوب نزاع مسلح ليس له صبغة دولية .
    وهذه القواعد أمر حسن , وفيها منافع عظيمة ، وقد جاء الإسلام بها قبل ألف وأربعمائة سنة ، وبما هو أكثر واظهر وأبين منها .
    وقد ورد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنه قال (كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أراد أن يبعث سرية دعاهم فأجلسهم بين يديه، ثم يقول: ” سيروا بسم الله وبالله، وفي سبيل الله، و على ملة رسول الله صلى الله عليه وآله، ولا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تغدروا، ولا تقتلوا شيخا فانيا ولا صبيا ولا امرأة، ولا تقطعوا شجرا إلا أن تضطروا إليها ( )، وأيما رجل من أدنى المسلمين أو أفضلهم نظر إلى رجل من المشركين فهو جار حتى يسمع كلام الله، فان تبعكم فأخوكم في الدين، وإن أبى فأبلغوه مأمنه، واستعينوا بالله عليه) ( ) ، لعمومات قوله تعالى (وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْلَمُونَ) ( ).
    والغل : الفشل والحقد .
    والتمثيل بالقتيل وتشويهه وقطع بعض أعضائه ، وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( لا تغدروا) أي بالعدو الكافر , ثم نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن قتل المدنيين وما هو أعم فنهى عن قتل كل من :
    الأول :الشيخ الكبير .
    الثاني : الصبي الذي لم يبلغ الحلم .
    الثالث : المرأة .
    وان كانوا يعينون جيش المشركين ، وفي معركة أحد حينما قتل المسلمون حملة لواء المشركين واحداً بعد الآخر ، وكان آخرهم غلاما حبشيا لبني أبي طلحة وسيأتي التفصيل ، وسقط اللواء إلى الأرض فانكسرت شوكتهم ، وهمّوا بالفرار فتناولته امرأة منهم هي عمرة بنت علقمة بن الحارث من قبيلة كنانة فلاذ كفار قريش به , وكان بنو الحارث حلفاء لقبيلة قريش ، وزوجها هو غراب بن سفيان من بني الحارث .
    وقال حسان بهذه الواقعة أبياتاً منها :
    (منع النوم بالعشاء الهموم … و خيال إذا تغور النجوم )
    ( من حبيب أصاب قلبك منه … سقم فهو داخل مكتوم )
    ( لم تفتها شمس النهار بشيء … غير أن الشباب ليس يدوم )
    ( رب حلم أضاعه عدم الما … ل و جهل غطى عليه النعيم )
    ( لا تسبنني فلست بسبي … إن سبي من الرجال الكريم )
    ( ما أبالي أني بالحزن تيس … أم لحاني بظهر غيب لئيم )
    ( ولي البأس منكم إذ رحلتم … أسرة من بني قصي صميم )
    ( تسعة تحمل اللواء و طارت … في رعاع من القنا مخزوم )
    ( و أقاموا حتى أتيحوا جميعا … في مقام و كلهم مذموم )
    ( و أقاموا حتى أزيروا شعوبا … و القنا في نحورهم محطوم )
    ( و قريش تفر منا لواذا … أن يقيموا وخف منها الحلوم )
    ( لم تطق حمله العواتق منهم … إنما يحمل اللواء النجوم ) ( ).
    والعواتق جمع عاتق وهو ما بين الكتف والعنق ، والمراد من النجوم الأشراف ، وفيه تعيير لقريش لحمل الغلام والمرأة لواءهم .
    لقد كان فرسان عبد الدار يحملون اللواء فقتلهم المسلمون فهوى اللواء صريعاً إلى الأرض ، وحينما حملته امرأة فان الإجهاز عليها وقتلها أمر سهل .
    قبل أن يلوذ وتجتمع فلول المشركين عليه ، ولكن المهاجرين والأنصار تنزهوا عن قتلها ، وأن كان رفعها اللواء ليس العلة التامة لخسارة المسلمين بكثرة القتلى يومئذ ، نعم قام حسان حينما تقاذفوا الشعر بتبكيت كفار قريش على حمل العبد صؤاب للواء , إذ قال :
    (فخرتم باللواء وشر فخرٍ … لواءٌ حين رد إلى صواب
    جعلتم فخركم فيها لعبدٍ … من الأم من وطى عفر التراب
    ظنتم والسفيه له ظنونٌ … وما إن ذاك من أمر الصواب
    بأن جلادنا يوم التقينا … بمكة بيعكم حمر العياب
    أقر العين أن عصبت يداه … وما إن تعصبان على خضاب) ( ).
    وقال حسان في قيام عمرة بنت علقمة الحارثية برفع لواء المشركين
    (إذا عضل سيقت إلينا كأنها … جداية شرك معلمات الحواجب
    أقمنا لهم طعنا مبيرا منكلا … وحزناهم بالضرب من كل جانب
    فلولا لواء الحارثية أصبحوا … يباعون في الأسواق بيع الجلائب) ( ).
    ومن خصائص النبوة أن النبي يترك للعدو الكافر الإنسحاب والفرار والكف عن القتال ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا]( ).
    وبيان قانون وهو أن النبي محمداً أول من نادى بالسلم ، ودعا إلى السلام وتحمل الأذى في تثبيت مصاديقه في الأرض لبيان قانون وهو أن الأمن والسلام مقدمة ومناسبة لنشر معالم الإيمان بين الناس .
    وتضمن حديث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أعلاه إلى السرايا أن يكون خروجهم في سبيل الله وبقصد القربة إليه ، وهذا القصد زاجر ذاتي عن التعدي والظلم والجور ومداهمة الآمنين ، فلابد من التمييز بين الحياة اليومية وكسب المعاش وبين الباطل عند الدعوة إلى الهدى والإيمان ، وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (وعلى ملة رسول الله ) .
    تأكيد على لزوم تعاهد سلامة المدنيين وعدم افزاعهم ، ثم أمر بعدم اتلاف الأملاك والأموال العامة والخاصة لقوله (ولا تقطعوا شجرة إلا أن تضطروا إليه ) أي يحملكم العدو على قطعه عند القتال لإقامة الحجة عليه والتشديد والحث على إجتناب قطع الشجر شاهد على أن الإسلام يعتني بالبنية التحتية وأنه يكرم الأسرى والمدنيين في أموالهم وأنفسهم .
    ثم أذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالإجارة وحق أي مسلم حراً كان أو عبداً من أفراد السرايا أو من غيرهم أن يجير الكافر ويُسمعه والمؤمنون كلام الله ، ويدعونه إلى الإسلام ، فان اسلم فهو أخ للمسلمين له ما لهم وان أبى فلا يقتل لأنه في جوار وذمة أحد المسلمين ، إنما يتم ايصاله إلى مكان يكون في مأمن وسلامة فيه ، لبيان صفحة مشرقة من الضمان في الإسلام ، لقوله تعالى [وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْلَمُونَ] ( ) .
    ولم تتضمن اتفاقيات جنيف أمر الإجارة ، ولا تقول به الدول المتحاربة، إذ أن المستجير ليس بأسير ولا رهينة ، إنما يكرمه الإسلام ، ويهيئ له الأمن ويسمعه القرآن ، ويبلغه الحجة والبرهان على وجوب الإيمان ، فان آمن فنعمت هي ، وان اختار الإصرار على الكفر ، فيتم ايصاله إلى المكان الذي يطمئن به بالأمان فيه .
    وليس من دولة تمنح تخويلاً لعموم مواطنيها باجارة أفراد العدد ، ومع أحكام الإجارة في الإسلام ، جواز إجارة العبد المملوك المسلم لجماعة من الكفار على نحو الدفعة أو التدريج ، ولو كان كافراً قتل ابن السيد ثم جاءه عبده فعلى السيد أن يرضى بالإجارة ويتعاهد حفظ وأمن المستجير إلى أن يدخل الإسلام أو يبلغه مأمنه.
    فان قلت قد يحتال الكافر حينما يدرك وقوعه أسيراً بيد المسلمين أو أنهم يريدون قتله فيستجير ببعضهم طلباً للنجاة مع سبق إصراره على الكفر.
    الجواب نعم هذا صحيح ، وجاء العموم في الآية أعلاه بقبول استجارة حتى هذا المحتال ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ).
    ولأصالة الظاهر ، وعمومات الإجارة في الإسلام ، ولأنه يسمع كلام الله ويدرك حسن سمت المسلمين ، ليلقى من نفسه اللوم والعتاب على سبق اصراره هذا ، قال تعالى [وَلاَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ] ( ).
    فان قلت ان الإجارة موجودة عند العرب قيل الإسلام ، وهذا صحيح ، ولكنها كانت بين القبائل وعلى نحو القضية الشخصية , والموجبة الجزئية , فقد يستجير فرد بقبيلة ، وتتحمل تلك القبيلة الأذى الشديد بسبب هذه الإجارة .
    أما المسلمون فأنهم يتعاونون في إجارة أحدهم لعدد من المشركين ، ليكون من مصاديق الثناء على المسلمين بقوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ).
    وتضمنت المادة الرابعة من اتفاقية جنيف الرابعة مسألة وهي : لا تحمي الإتفاقية رعايا الدولة غير المرتبطة بها .
    بينما تكفل آية الإطعام جميع الفقراء واليتامى والأسرى من عموم الناس ، ومن غير حصر بالذين يؤمنون بصدق نزول القرآن من عند الله ، خاصة وأن الأسرى الذين كانوا عند المسلمين هم من المشركين .
    وهل تشمل مضامين الآية الأسرى بين المسلمين عند حدوث نزاع فيما بينهم كطوائف أو قبائل أو دول .
    الجواب نعم ، والمختار أنه لا يصدق عليهم اسم الأسرى وفق الإصطلاح القرآني , وهو من فروع قوله تعالى [وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ] ( ).
    وتضمنت المادة الخامسة من إتفاقية جنيف الرابعة الاستثناء من العمل بالقول :
    ( إذا اقتنع أحد أطراف النزاع بوجود شبهات قاطعة بشأن قيام شخص تحميه الاتفاقية في أراضي هذا الطرف بنشاط يضر بأمن الدولة، أو إذا ثبت أنه يقوم بهذا النشاط، فإن مثل هذا الشخص يحرم من الانتفاع بالحقوق والمزايا التي تمنحها هذه الاتفاقية ، والتي قد تضر بأمن الدولة لو منحت له.
    إذا اعتقل شخص تحميه الاتفاقية في أرض محتلة بتهمة الجاسوسية أو التخريب أو لوجود شبهات قاطعة بشأن قيامه بنشاط يضر بأمن دولة الاحتلال .
    أمكن حرمان هذا الشخص في الحالات التي يقتضيها الأمن الحربي حتماً من حقوق الاتصال المنصوص عنها في هذه الاتفاقية .
    وليس في آية الإطعام ، وما تتضمنه من الأوامر إلى المسلمين جميعاً من استثناء , وأسباب لحجب أفراد الإحسان عن الأسير , وحتى لو رأى الحاكم قيام الأسير بالإضرار العام , وإثارة الفتنة وهو لا يتعارض مع إطعامه .
    وليس من احتلال في المقام إنما يدافع المسلمون عن أنفسهم ويريدون الخير والصلاح للناس جميعاً , قال تعالى [وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ] ( ).
    وجاء في المادة الثامنة من اتفاقية جنيف للأسرى :
    لا يجوز للأشخاص المحميين التنازل في أي حال من الأحوال جزئياً أو كلية عن الحقوق الممنوحة لهم بمقتضى هذه الاتفاقية، أو بمقتضى الاتفاقات الخاصة المشار إليها في المادة السابقة، إن وجدت.
    وهو أمر حسن , وبيان بأن الإتفاقية تمنح حقوقاً للأسرى ولا يجوز استضعافهم للتنازل عنها , وهذا الأمر تتضمنه آية الإطعام على نحو طوعي وقهري ,إذ أنها خطاب متجدد للمسلمين بالإحسان إلى الأسرى مع الوعد الكريم على هذا الإحسان , ليدرك المسلم والمسلمة أنهما بحاجة إلى هذا الإحسان أكثر مما يحتاجه الأسير , بلحاظ كبرى كلية وهي أن حاجة الناس في الآخرة أكثر من حاجاتهم في الدنيا .
    ومن الآيات أن إطعام الأسير لا يسقط حسابه في الآخرة , وهذا القانون دعوة ملحة له للتوبة والإنابة , فاذا كان المسلم الذي لاقى الأذى , وتحمل الضرر من الأسير في ميدان القتال يكرمه ويطعمه من ذات زاده , رجاء الثواب من عند الله عز وجل في الآخرة فإن الأسير يجب عليه أن يحسن إلى نفسه بالتوبة والإنابة .
    ومن الإعجاز في آية الإطعام أن إكرام المسلمين للأسير وتوفير لقمة العيش والكسوة له يجعله يتدبر في عالم الحساب , ويستحضر الوقوف بين يدي الله من باب الأولوية القطعية ، إذ يرى المسلمين الذين يؤدون الفرائض العبادية يخشون يوم القيامة ، فيجب عليه عقلاً وشرعاً التوبة والصلاح , وحث أهله وأصحابه على التوبة , لتكون آية الإطعام معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ذاتها , وموضوعها , وعمل المسلمين بها ، وهي سبب لنجاتهم من النار ، لذا قال الله عز وجل بعد آية الإطعام بآيتين [فَوَقَاهُمْ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا] ( ).
    ومن الإعجاز عدم ورود لفظ [يُطْعِمُونَ] في القرآن إلا في الآية أعلاه [وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ] ( ) لبيان أن وجود وسؤال المسكين واليتيم والأسير نعمة على المسلمين وسبب للرزق الكريم والثواب العظيم .
    وورد في المادة التاسعة من إتفاقية جنيف الرابعة :
    تطبق هذه الإتفاقية بمعاونة وتحت إشراف الدول الحامية التي تكلف برعاية مصالح أطراف النزاع) .
    بينما جاء قوله تعالى[وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا]( )، نوع عهد وإلتزام للمسلمين للعمل بأحكام الآية، وصيرورة هذا العمل قربة إلى الله تعالى، وفيه الأجر العظيم، وإذ تخاطب إتفاقية جنيف الدول ذات الصلة فإن الآية القرآنية أعلاه تتضمن الأمر لكل مسلم ومسلمة وتدخل كل بيت من بيوتهم تبعثهم على الرأفة بالمستضعفين لتكون هذه الرأفة طاعة لله ووسيلة للأجر والثواب .
    وإذ تطبق إتفاقية جنيف بإشراف الدول فإن مضامين الآية أعلاه تطبق ويعمل بها مع تدوين الملائكة لأفعال العباد، قال تعالى[مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ]( ).
    والظاهر أن هذه الإتفاقية لم تخاطب الشعوب، وتجعل موضوعية لها في تنفيذ بنودها، بينما توجهت آية الإطعام والعناية بالأسرى إلى كل مسلم ومسلمة وإلى الأمراء والحكام المسلمين، ومسؤولية الأمراء الحكام أكبر وأعظم.
    وهل يشملهم في المقام قوله تعالى[وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ]( )، الجواب نعم، مما يدل على تعلق موضوع آية الإطعام بالحساب الأخروي، وتذكيرها به لقوله تعالى[يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا] ( ) كباعث على العناية بالأسرى
    وقد تقدم في حديث ابن عباس أعلاه أن الأسير حينما جاء يسأل أهل البيت خاطبهم (أطعموني فأني أسير محمد أطعمكم الله من موائد الجنة ) فنسب عائدية الأسر بأنه عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لبعث الرأفة في نفوس أهل البيت والمسلمين عليه ، كما ذكر الجنة وموائدها للإخبار عن تسليمه بالثواب الأخروي .
    ولم تذكر إتفاقية جنيف مواطن يوم القيامة , وتجعله واعزاً وباعثاً للصلاح والإمتناع عن الإضرار بالأسرى .
    لقد أمر الله عز وجل المسلمين أن يحسنوا للأسرى، لينالوا الثواب في الآخرة، ولبيان إتصال وتجلي معاني الرحمة في قوله تعالى[وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( )، في ميدان المعركة وبعد إنقضاء المعركة.
    وإذ تتبدل الإتفاقيات أو يجري تعديلها فإن منطوق وأحكام الآية القرآنية باقية إلى يوم القيامة لن يطرأ عليها التغيير، ليكون هذا القانون شاهداً على أمور :
    الأول : التكامل في أحكام القرآن.
    الثاني : صدق نزول الآية القرآنية من عند الله، وعصمتها من الحاجة إلى الإضافة أو النقص.
    الثالث : سلامة الآية القرآنية من التحريف، ولم يكن الأسير عند المسلمين أيام نزول آيات القرآن إلا من الكفار المشركين الذين يصرون على قتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويبذلون الوسع في منع التنزيل،
    ومع هذا تأتي آيات القرآن والوحي للرأفة والرفق بالأسرى ، والإحسان إليهم، وقال الثعلبي (أخبرني الحسن قال : حدّثنا موسى بن محمد بن علي بن عبدالله قال : حدّثنا عبدالله بن محمد بن ناجية قال : حدّثنا عباد بن أحمد العرزمي , قال: حدّثنا عمي عن أبيه عن عمرو بن قيس عن عطية عن أبي سعيد الخدري عن النبي(عليه السلام) {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا} ( ) قال: فقيراً{وَيَتِيمًا} قال: لا أب له {وَأَسِيرًا} .قال: المملوك والمسجون)( ).
    ولا بد من معرفة أحوال رجال السند في الحديث أعلاه إذ أنه يتضمن المعنى الأعم للأسير، وتدل أسباب نزول الآية على أن المراد من الأسير هو المشرك الذي أخذه المسلمون من ميدان القتال، ولو دار معنى الكلام بين الحقيقة والمجاز فإنه يحمل على الحقيقة، ويجوز إلحاق أفراد من المجاز به مع الدليل والقرينة الصارفة .
    ومن خصائص اللفظ القرآني أنه قد يجمع بين الحقيقة والمجاز، وبين الأصل والفرع، وبين الموجود والمعدوم، والأمر الحاضر والماضي والحادث والذي سيقع في المستقبل، وهو من أسرار إحاطة مضامين آيات القرآن بالوقائع والأحداث إلى يوم القيامة، وهو من مصاديق الهداية والرشاد في تلاوة آيات القرآن والعمل بمضامينها، وفي التنزيل[هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ]( ).
    وقال أبو حمزة الثمالي: الأسير المرأة، ودليل هذا التأويل قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: استوصوا بالنساء خيراً فإنّهن عندكم عوان)( ).
    ولكن هذا المعنى قد يلحق بالأسير مجازاً لبيان حال ضعف المرأة ولزوم العناية بها وعدم إيذائها، والنسبة بين عوان وأسير هي العموم والخصوص المطلق .
    وقد جاءت آية الإطعام والرأفة والإحسان للغير، والغالب من خارج الأسرة , فالمراد هو أسير الحرب، وقد جمعته الآية مع الفقير ومع اليتيم الذي لا أب له، لبيان أن المقصودين في الآية من خارج المنزل في الجملة، لذا وردت الآية بصيغة الجمع(ويطعمون) ليتعاون الزوج والزوجة والأولاد في الإمتثال لمضامين هذه الآية ونشر شآبيب الإحسان.
    ويدل قوله تعالى [وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا] ( ), بالأولوية القطعية على عدم ضرب الأسير أو التعدي عليه أو إيذائه أو التضييق عليه لأن الآية تدعو لأمر وجودي إيجابي وهو الإطعام , وما فيه من الإنفاق والبذل الذي يشمل الغني والفقير من المسلمين , وإلى تخصيص مورد في ميزانية الدولة لإطعام وإيواه الأسرى , وتلبية حاجاتهم ، وقال تعالى [لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى] ( ).
    عن عكرمة في مرسله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : جاء جبريل فقال لي : يا محمد إن ربك يقرئك السلام ، وهذا ملك الجبال قد أرسله الله إليك وأمره أن لا يفعل شيئاً إلا بأمرك . فقال له ملك الجبال : إن الله أمرني أن لا أفعل شيئاً إلا بأمرك ، إن شئت دمدمت عليهم الجبال ، وإن شئت رميتهم بالحصباء ، وإن شئت خسفت بهم الأرض .
    قال : يا ملك الجبال فإني آتي بهم لعله أن يخرج منهم ذرية يقولون : لا إله إلا الله . فقال ملك الجبال عليه السلام : أنت كما سمَّاك ربك رؤوف رحيم ) ( ).
    ترى ما هي النسبة بين الصدقات والإطعام الذي تذكره سورة الإنسان, المختار هو العموم والخصوص المطلق , فالصدقات أعم , وهو المراد من مجئ الآية أعلاه بصيغة الجمع .
    وجاء في المادة العاشرة من اتفاقية جنيف الرابعة للأسرى :
    (لا تكون أحكام هذه الاتفاقية عقبة في سبيل الأنشطة الإنسانية التي يمكن أن تقوم بها اللجنة الدولية للصليب الأحمر أو أية هيئة إنسانية أخرى غير متحيزة، بقصد حماية الأشخاص المدنيين وإغاثتهم، شريطة موافقة أطراف النزاع المعنية. ) ( ).
    ومن الإعجاز في آية إطعام المسلمين للأسرى عدم وجود تعارض بينها وبين أي آية من القرآن بالإضافة إلى الإطلاق في حكمها , وجاءت السنة النبوية لتفسيرها على نحو المصداق العملي الذي يبعث الرغبة في نفوس المسلمين للعمل بمضامينها .
    وذكرت الآية الإطعام وهو ليس مانعاً دون مصاديق الإحسان الأخرى للأسرى , إنما هو دعوة للمسارعة في الإحسان إليهم , ومنه فك قيد الأسر عنهم , وإعادتهم لأوطانهم .
    وذات آية الإطعام تجعل الأسرى يعيشون بين ظهراني المسلمين وكأنهم عند أهليهم وفي بلدانهم , وفي طول مكوثهم في الأسر مناسبة لحفظهم آيات القرآن، ومعرفة بعض أحكام الحلال والحرام ونقلها إلى أهليهم وكهدية عظيمة يرجعون بها من الأسر .
    وتدل أسباب نزولها على عدم تقييد أسرى المشركين أو حبسهم في سجن أو موضوع مخصوص , إنما كانوا يطوفون على بيوت المسلمين يسألونهم الإطعام , وهل فيه إكرام لهم , الجواب نعم , وهو أمر لم تفعله أمة مع أسراها , وهو من الدعوة إلى الخير والعمل به الوارد في قوله تعالى [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ] ( ).
    ومن الآيات في المقام , إمكان وصول الأسرى إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والكلام معه , والشكاية عنده , وطلب الصفح منه , كما كانت السبايا من النساء تستطيع الوصول إليه ورفع حاجاتهن له , وكان يبادر إلى قضائها.
    وجاء في المادة السادسة عشرة من إتفاقية جنيف :
    (يكون الجرحى والمرضى وكذلك العجزة والحوامل موضع حماية واحترام خاصين.
    وبقدر ماتسمح به المقتضيات العسكرية، يسهل كل طرف من أطراف النزاع الإجراءات التي تتخذ للبحث عن القتلى أو الجرحى، ولمعاونة الغرقى وغيرهم من الأشخاص المعرضين لخطر كبير ولحمايتهم من السلب وسوء المعاملة ).
    وجاءت هذه المادة بعد أن لاقى المدنيون الأذى الشديد من الحروب التي جرت في القرون الوسطى والقرن الثامن عشر والتاسع عشر الميلادي ، والحرب العالمية الأولى والثانية ، أما في الإسلام وما أن بدأت علامات القتال بين المسلمين والمشركين حتى صار النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوصي أصحابه بعدم الإجهاز على جريح ، وعدم التعرض للنساء والصبيان والشيوخ ، إذ بعثه الله عز وجل رحمة للناس جميعاً ، وتبقى هذه الوصايا حكماً متجدداً موجهاً للمسلمين في كل زمان .
    ولم تمر إلا بضع سنوات على بداية نشوب القتال بين المسلمين والذين كفروا حتى نزل القرآن بالتوصية القطعية الفورية بالأسرى المشركين ، وفيه تشريف للمسلمين بأن يأتيهم الأمر من عند الله عز وجل باكرام الأسرى واللطف بهم .
    ولابد عند التدبر بوجوه الإعجاز في آية الإطعام من معرفة أحوال العرب قبل البعثة النبوية وحال الغزو والثأر بين القبائل ، وما يصاحبه من البطش العام بالرجال والنساء والصبيان .
    فجاء الإسلام لينقلهم إلى مقامات الإيمان التي تجعلهم أخوة متحابين ، وهذا الأمر لا يتم إلا بفضل ورحمة من عند الله ، وهو من الشواهد على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وحاجة الناس إليها ، ولا يستطيع ملك أو سلطان أن ينقل أمة من الأمم من حال التناحر والعصبية الجاهلية والوثنية إلى التآخي بينهم .
    والوقوف خمس مرات متصافين في أداء فعا عبادي متحد وهو الصلاة إلا الله عز وجل , قال تعالى [وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ]( ).
    وهل إنتقال المسلمين من حال التفرق والتشتت قبل الإسلام إلى الأخوة فيما بينهم من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ) الجواب نعم، إذ استطاعوا نقض مفاهيم الجاهلية وتخلصوا من الرذائل ، ونبذوا عبادة الأوثان على نحو دفعي ، وهجموا على الأصنام التي كانت منتشرة في الجزيرة ، وكل قبيلة لها صنم أو أكثر فهشموها بالفؤوس ، ليكون فعل النبي إبراهيم أسوة حسنة لهم ، كما ورد في التنزيل [وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ * فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلاَّ كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ] ( ) .
    لقد تحدى ابراهيم عليه السلام المشركين بتكسير أصنامهم ولاقى الأذى بسببه لولا رحمة الله عز وجل بقوله قوله [قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ]( ) .
    وقد أمر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتكسير الأصنام ، وهو والمسلمون في مقام الحكم والعز ، ولم يجد أرباب الأصنام إلا دخول الإسلام ، وهجران الوثنية إلى يوم القيامة ، وهو من وجوه تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومصاديق الرحمة بنبوته على الناس جميعاً، فلم تكن عبادة الأوثان منحصرة بالجزيرة .
    ولا يختص مفاهيم الشرك بها ، إذ تشمل الإنقياد التام للطواغيت في غير مرضاة الله ، قال تعالى [وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلاَلَةُ] ( ).
    وجاء في المادة الحادية والثلاثين من اتفاقية جنيف الرابعة (تحظر ممارسة أي اكراه بدني أو معنوي أزاء الأشخاص المحميين ، خصوصاً بهدف الحصول على معلومات منهم أو من غيرهم ).
    وقد تجلى عدم الإكراه هذا في معاملة المسلمين لأسرى معركة بدر ، وكان تعليم عدد منهم لصبيان المدينة باختيارهم ، ولقاء فك أسرهم ، وليس فقط دفع أجورهم لهم أو العمل من أجل لقمة العيش ، فقد كفلت آية الإطعام هذا الأمر وإن كان تعليم الصبيان سبباً للرزق ورأفة أهليهم على الذين يعلمونهم ، إذ أن هذا التعليم نوع صلة ومودة .
    فان قلت في الإسلام يكون الأسر سبب للرق , والجواب لم يحدث هذا الأمر في معارك الإسلام الأولى ، إنما نزلت آيات القرآن بتسميتهم بالأسرى، وحتى مسألة الرق فهي وسيلة وواقية لدفع شرور ذات الأسرى ، وسبيل إلى عتقهم ونيلهم حريتهم وهناك فرق بين معارك الإسلام وموضوع إتفاقية جنيف وتوقيعها من قبل الدول ذات الصلة .
    إذ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين لم يهجموا على مدن وقرى المشركين في معركة بدر أو أحد أو الخندق أو حنين ، إنما كان المشركون هم الذين يهجمون ويغزون , أي أن طرفي النزاع لم يكونا بعرض واحد ، ولم يتبادلا الهجوم والغزو والمباغتة ، إنما كان الأمر كالآتي :
    الأول : طرف غاز وهم المشركون .
    الثاني : وقوع الغزو والقتال .
    الثالث : طرف مدافع وصابر وهم المسلمون .
    ولم يرد لفظ (دفاع) أو (دافعوا) في القرآن .
    إنما ورد [وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ] ( ) مما يعني أن قتال المسلمين هو دفاع ، وتقدير الآية أعلاه على وجوه :
    الأول : ودافعوا ضد الذين يهجمون ويغيرون عليكم .
    الثاني : لا تقاتلوا إلا الذين يقاتلونكم .
    الثالث : اصبروا إلى أن يقصد الذين كفروا قتالكم ، نعم ورد قوله تعالى [وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ] ( ) لبيان أن الله عز وجل يدفع بالمؤمنين الذين كفروا , ويمنعون من الفساد في الأرض , وأن اضطر المؤمنون إلى القتال دفاعاً ضد أهل الشرك .
    ورد في المادة الثالثة والثلاثين من إتفاقية جنيف الرابعة (لا يجوز معاقبة أي شخص محمي عن مخالفة لم يقترفها هو شخصياً. تحظر العقوبات الجماعية وبالمثل جميع تدابير التهديد أو الإرهاب).
    وتدل آية الإطعام في مفهومها على عدم معاقبة الأسير على الجريمة التي اقترفها في القتال ، وليس فقط الجريمة التي لم يقترفها ، كما لو كان قد قتل مسلماً أو أكثر في المعركة ثم تم أسره فلا يجوز قتله أو إيذاؤه ، إنما يجب إطعامه وكسوته .
    ومن مصاديق الإطلاق في آية الإطعام عدم تقييده أو استثناء حال وطائفة من الأسرى فأحكام الرحمة والرأفة فيها شاملة للأسرى مع كفرهم، ولو صار الأسير مسلماً هل يختلف الحكم ، الجواب نعم , وينطبق عليه قوله تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ] ( ) .
    وقد ذكرت الاتفاقية لفظ (شخص محمي) وهو أعم من الأسير إذ يشمل المدنيين في مواطن النزاع .
    وقد نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن التعرض لهم ، أو مسهم ، وكان يتدخل شخصياً لتوجيه اللوم لمن يؤذيهم .
    وورد في المادة الخامسة والثلاثين من اتفاقية جنيف ( أي شخص محمي يرغب في مغادرة البلد في بداية النزاع أو خلاله يحق له ذلك، إلا إذا كان رحيله يضر بالمصالح الوطنية للدولة. ويبت في طلبه لمغادرة البلد طبقاً لإجراءات قانونية ويصدر القرار بأسرع ما يمكن. ويجوز للشخص الذي يصرح له بمغادرة البلد أن يتزود بالمبلغ اللازم لرحلته وأن يحمل معه قدراً معقولاً من اللوازم والمتعلقات الشخصية ) .
    ولم يحبس المسلمون أهل القرى أو المدن التي يتوجهون إليها ، بل لم يضيقوا على أهل المدينة بعد قدوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم , وقيام دولة الإسلام .
    وعندما أصر أبو عامر عبد بن عمرو بن صفي بن مالك بن النعمان على الكفر .
    بعد أن دعاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للإسلام ، وهو من وجهاء الأوس ترك المدينة وغادر إلى مكة ومعه خمسون غلاماً من الأوس( ) .
    ومنهم من يقول معه خمسة عشر منهم وذهب إلى مكة وصار مع قريش في التحريض على قتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , ويعدهم بأن قومه إذا سمعوا به سينحازون إليه ولن يتخلفوا عنه ، وهل فعله هذا من النفاق , الجواب لا، انما هو أشد , وهو من الكفر .
    وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه يعلمون بخروجهم ، ولم يمنعه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يملي عليه الإقامة الإجبارية أو يخيره بين الإسلام والقتل خصوصاً وأنه يريد الفتنة والقتل ، قال تعالى [وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ] ( ) إنما تركه النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسافر ويخرج من المدينة .
    وعند عشية معركة أحد قام أبو عامر بحفر حفر عديدة وأخفاها بأغطية رقيقة ليقع فيها المسلمون عند القتال ، وقد وقع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في إحداها .
    ولما التقى الجيشان صبيحة يوم السبت الخامس عشر من شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة نادى أبو عامر بين الصفين بأعلى صوته : يا معشر الأوس أنا أبو عامر .
    وكان رجالات قريش ينتظرون هذا النداء ورتبوا عليه آمالاً لكثرة ما يعدهم أبو عامر خصوصاً وأن الأوس أكثر من الخزرج سواء من جهة عموم سكان المدينة أو خصوص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
    وفي التنزيل [يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا] ( ) وحينما سمع الأوس كلام أبي عامر (قَالُوا : فَلَا أَنْعَمَ اللّهُ بِك عَيْنًا يَا فَاسِقُ – وَكَانَ أَبُو عَامِرٍ يُسَمّى فِي الْجَاهِلِيّةِ الرّاهِبَ فَسَمّاهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ الْفَاسِقَ – فَلَمّا سَمِعَ رَدّهُمْ عَلَيْهِ قَالَ : لَقَدْ أَصَابَ قَوْمِي بَعْدِي شَرّ)( ).
    ثم صار يقاتل المسلمين قتالاً شديداً , كما قام برميهم بالحجارة .
    لقد كان أبو عامر شريفاً مطاعاً في قومه الأوس ، وقد ترهب في الجاهلية ، ولبس المسوح ، وصار يسمى أبا عامر الراهب ، وكان أرفع مرتبة منه عند قومه عبد الله بن أبي بن أبي سلول ، الذي أراد الأوس والخزرج تنصيبه ملكاً عليهم قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد اختار عبد الله بن أبي النفاق وإخفاء الكفر مع إظهاره الإسلام ، وأجهد المسلمين بالفتنة والتحريض على القعود ، ولكنه لم يخرج إلى مكة ويأتي مع الذين كفروا .
    وقد أنعم الله عز وجل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بالصحابي حنظلة وهو ابن أبي عامر الفاسق , وقد أستشهد حنظلة في معركة أحد , ونزلت الملائكة لتغسيله فسمي غسيل الملائكة .
    وأقام أبو عامر في مكة ولما تم فتحها لم يأت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ويدخل الإسلام خاصة وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يأمر بايذائه أو قتله , واختار الخروج إلى الشام وذهب إلى هرقل ، ومات ولم تطل به المدة .
    فقد مات في السنة التالية وهي السنة التاسعة للهجرة ، وقيل مات سنة عشر ، زمن خصائص السنة الدفاعية عدم ملاحقة النبي صلى الله عليه وآله وسلم للذين آذوه وحاربوه وقاتلوه ، ولو جاء أبو عامر إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأكرمه بلحاظ شأنه ولمقام ابنه الشهيد حنظلة ولزال عنه لقب (الفاسق ) ، ولكنه أصر على الكفر ، لتكون تسمية النبي صلى الله عليه وآله وسلم له (الفاسق ) معجزة ، إذ أنه مات على الكفر ولم يتب ، وكأنه مرآة لقوله تعالى [تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ] ( ) فان ذم القرآن لأبي لهب شاهد على حجبه التوبة عن نفسه إلى أن مات .
    لقد هناك تباين بين موضوع الإتفاقية والأسر في الإسلام ، فالأسير حينما يدخل الإسلام يصبح واحداً من المسلمين ، وقد يصير أميراً في السرايا أو إماماً في صلاة الجماعة على المسلمين الذين قاموا باسره ، الذين يتلقون الأمر بالقبول والرضا ، وهذا التلقي من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ) بينما يبقى الأسير في النظام الدولي على جنسية بلده.
    لقد أزاح الإسلام الحدود والإنتماء القبلي وصار الملاك وفق القانون السماوي .[إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ] ( ) وفيه دعوة للأسير للإجتهاد في طاعة الله ، وإرادة قصد القربة في عمله ، وإذ يرجع الأسرى في هذا الزمان إلى بلدانهم وقد عانى شطر منهم من الأمراض والمشاق ، بينما كان أكثر الأسرى يعودون من المدينة ليقوموا بدعوة قومهم إلى الإسلام لتصبح الحجة على الناس أبلغ , والبرهان أبين وأظهر ، فالذي خرج من المشركين لغزو المدينة متفاخراً بالشعر والرجز , وهو يريد أن يقاتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعود على ملته ويقيم الصلاة في ناحيتهم ، ويرّغب الناس بالإسلام ، ليكون حسن معاملة المسلمين للأسرى من مصاديق قوله تعالى [وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ]( ).
    وجاء في المادة السابعة والثلاثين من اتفاقية جنيف الرابعة ( يجب أن يعامل الأشخاص المحميون الذين يكونون في الحبس الاحتياطي أو يقضون عقوبة سالبة للحرية معاملة إنسانية أثناء مدة احتجازهم.
    ولهم أن يطلبوا بمجرد الإفراج عنهم مغادرة البلد).
    وذكرت المادة أعلاه الحبس الإحتياطي وتدل أسباب نزول آية إطعام الأسرى والشواهد من السنة على عدم وجود حبس احتياطي إذ جاء الأسير إلى باب أهل البيت .
    وفي خبر مرسل عن علي بن أبي حمزة الثمالي أنه (ثم أتى رسول الله (عليه السلام) أسير فقال : يا رسول الله أطعمني، فقال : والله ما معي ما أطعمك ولكن أطلب فأتى الأسير الأنصاري فقال له : أطعمني،
    فقال : لامرأته ما ترين فقالت : أطعمه ) ( ).
    مما يدل على أن الأسير يصل إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويسأله أن يطعمه ، فيقوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالإعتذار منه من جهات :
    الأولى : تقديم النبي صلى الله عليه وآله وسلم اليمين والقسم بالله عز وجل بقوله (والله ما معي).
    الثانية : التأكيد بعدم وجود طعام ومؤونة عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم لإطعام الأسير .
    الثالث : دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأسير لأن يطلب ويسأل الطعام عند بيوت الأنصار .
    وجاء أسير ووقف على باب بيت فاطمة الذي أبقاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم مفتوحاً على المسجد النبوي بأمر من عند الله سبحانه .
    وقيل كان لبيتها بابان أحدهما يفضي إلى الخوخة التي بين بيتها وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم أي أن بيت فاطمة وعلي عليهما السلام ليس له باب إلى الشارع وخارج المسجد ، فلابد أن يمران والحسن والحسين عليهما السلام من المسجد للدخول أو الخروج من البيت الذي كانت جدرانه من جريد النخل ، نعم لعل الجدران تم اكساؤها بالشعر والوبر ، أو طليتا بالطين ، وكذا حجرة عائشة .
    وقيل كان باب بيتها مصنوع من الصاج ، وكذا بالنسبة لحجرة عائشة والتي صار فيها قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , وأنها مبنية من اللبن وهو قطع الطين المجففة , والظاهر أنها بنيت من اللبن فيما بعد .
    ولعله لم يحدث في التأريخ أن يكون الأسرى طلقاء في المدينة إلا في أيام النبوة ، يستطيعون الوصول إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم والتحدث معه ، وهو لا يخشى غدرهم وكيدهم وإنتقامهم مع التباين في المبدأ والعقيدة للتضاد بين الإيمان والكفر ، وتترتب حال الأسر على سفك الدماء ووقوع القتل من الطرفين ، نعم يدرك أسرى قريش أموراً :
    الأول : إقامة الكفار على الباطل .
    الثاني : إصرار رؤساء الكفار كأبي جهل على القتال .
    الثالث : إنتفاء سبب وموضوع القتال .
    الرابع : تحقق النصر للنبي والمسلمين بمعجزة من عند الله ، فمع النبوة تترى المعجزات ، فمن بركات النبي جريان المعجزة على يديه ، وهل عناية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالأسرى معجزة له .
    الجواب نعم ، إذ لا يرضى القائد لجنوده إطلاق الأسرى في المدينة ، ولا يخرج جنوده عن التشديد على الأسرى , بينما تركهم النبي محمد قلى الله عليه وآله وسلم طلقاء .
    فكانت رأفة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالأسرى من مصاديق قوله تعالى [وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ] ( ) وقوله تعالى [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ]( )لدعوة المسلمين في كل زمان للإقتداء به .
    ومن معاني الأسر بين الدول أن الأسير يرجع إلى دولته من غير أن يتخلى عن وطنيته وانتمائه ، أما أسرى الإسلام فأنهم يصبحون عند عودتهم إلى أهليهم سفراء ورسلاً من جهات :
    الأولى : تلاوة آيات القرآن .
    الثانية : بيان معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
    الثالثة : ذكر بعض أفراد من سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم القولية والفعلية ، وبعث الشوق في نفوس الناس للإنصات لهم .
    الرابعة : نقض وإبطال ما كان تقوله قريش من الفرية على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
    الخامسة : بيان ماهية وكيفية العبادات والفرائض التي يؤديها المسلمون وان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يؤمهم في الصلاة خاشعاً خاضعاً لله عز وجل أي أنه ليس بملك أو سلطان .
    السادسة : رضا الأسرى عن حالهم في المدينة .
    السابعة : صيرورة الأسرى سبباً لدخول نفر وطائفة من قومهم الإسلام، فقد لا يدخل الأسير الإسلام ، ولكنه ينقل معالم وأحكام الإسلام فيهدي الله عز وجل به رهطاً من الناس .
    وهل نقل الأسرى والكفار وأهل الكتاب آيات القرآن وتلقي بعض الناس لها بدخول الإسلام من مصاديق قوله تعالى [إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ] ( ).
    وإذ تتجدد الحروب وحال الأسر بين الدول ، فان الأسر في أيام النبوة لم يستمر طويلاً إذ تم فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة , ويدخل الناس في الإسلام جماعات وقبائل , نعم وقعت معركة حنين بهجوم مباغت من الذين كفروا من هوازن وثقيف فاخزاهم الله عز وجل بمعجزة جلية , وقال تعالى [لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ] ( ).
    وإذ تتحدث الإتفاقيات عن سجن الأسرى , فإن الأسرى في أيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم يسجنوا , ولم يكرهوا على الإسلام مع أنهم على باطل وحملوا لواء الكفر , وقاتلوا دونه .
    لقد عجّّل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بإطلاق الكثير من أسرى بدر ومنّ عليهم من غير فدية وهو يعلم باحتمال عودتهم لقتال المسلمين ولكن حذرهم وأنذرهم , ومنهم الشاعر أبو عزة الجمحي واسمه عمرو بن عبد الله بن عثمان في بني جمح كنّي باسم ابنته الكبرى , وكانت ذريته كلهن بنات إذ أنه كلّم وهو في الأسر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا رسول الله , لقد عرفت ما لي من مال للفكاك من الأسر ) فهو لا يملك شطراً من مقدار الفداء (قَالَ ابن هِشَامٍ : كَانَ فِدَاءُ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ لِلرّجُلِ إلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ إلّا مَنْ لَا شَيْءَ لَهُ فَمَنّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَيْهِ)( ), أعطيه فداء , وأني صاحب عيال وعندي بنات .
    فلم يرّد النبي صلى الله عليه وآله وسلم طلبه بل استجاب له , وفكه من الأسر بشرط ان لا يظاهر عليه أحداً , سواء في لسانه وشعره أو في يده وفعله , فقال أبو عزة يمدح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , ويثني عليه :
    مَنْ مُبَلّغٌ عَنّي الرّسُولَ مُحَمّدًا … بِأَنّك حَقّ وَالْمَلِيكُ حَمِيدُ
    وَأَنْتَ امْرِئِ وَتَدْعُو إلَى الْحَقّ وَالْهُدَى … عَلَيْك مِنْ اللّهِ الْعَظِيمِ شَهِيدُ
    وَأَنْتَ امْرِئِ بُوّئْت فِينَا مَبَاءَةً … لَهَا دَرَجَاتٌ سَهْلَةٌ وَصُعُودُ
    فَإِنّك مَنْ حَارَبْته لَمُحَارَبٌ … شَقِيّ وَمَنْ سَالَمَتْهُ لَسَعِيدُ
    وَلَكِنْ إذَا ذُكّرْت بَدْرًا وَأَهْلَهُ … تَأَوّبَ مَا بِي : حَسْرَةٌ وَقُعُودُ( )
    وحينما سمع المسلمون شعره دعوه إلى الإسلام ولكنه أبى , وقيل أراد خداع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شعره أعلاه , وقال تعالى [وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ] ( ), ولم تنحصر أخبار إكرام المسلمين للأسرى عن طرق الصحابة , إنما وردت أيضاً على ألسنة الأسرى أنفسهم , (فقال أبو العاص بن الربيع كنت مع رهط من الأنصار جزاهم الله خيرا كنا إذا تعشينا أو تغدينا آثروني بالخبزة وأكلوا التمر والخبز معهم قليل والتمر زادهم حتى إن الرجل ليقع في يده الكسرة فيدفعها إلى وكان الوليد بن الوليد بن المغيرة يقول مثل ذلك ويزيد بل وكانوا يحملوننا ويمشون) ( ).
    وعندما أراد الذين كفروا الهجوم واستعدوا لمعركة أحد , سعوا لإغراء أبي عزة لإلقاء الشعر في التحريض على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين ودعوه لأن يخرج معهم , ومن الإعجاز أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اشترط عليه ألا يظاهر عليه أحداً , وهو أعم من الاشتراك بالقتال .
    (فقال له صفوان بن أمية يا ابا عزة انك رجل شاعر فأعنا بلسانك فاخرج معنا) ( ).
    ولكن أبا عزة امتنع في بادئ الأمر ، وقال أن محمداً قد منّ عليّ وأطلقني من الأسر من غير بدل لأني أخبرته عن كثرة بناتي وإعالتي لهن .
    ووعدته أن لا أظاهر عليه أحداً ، ولكن صفوان ألحّ عليه وأغراه ، وأعطاه عهداً من وجهين :
    الأول : إذا رجع أبو عزة سالماً يغنيه بالمال .
    الثاني : إذا قتل أبو عزة في المعركة أو أسر فان صفوان يضم بناته إلى بناته وأسرته ،ويصبحن سواء في العيش الرغيد .
    فرضي أبو عزة ، وصار هو ومسافع بن عبد مناف يستنفران الناس بالأشعار لبعثهم على قتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
    وخرج أبو عزة إلى معركة أحد مقاتلاً وشاعراً ، وصار يحرض بني كنانة في الطريق إلى أحد وهو يقول:
    (يَا بَني عَبْدِ مَنَاةَ الرُّزَّامْ … … أَنْتُمْ حُمَاةٌ وأبُوكمْ حامْ
    لا تَعِدُوني نَصْرَكم بَعْدَ العَامْ … لاَ تُسْلِمُوني لاَ يَحِلُّ إسْلامْ) ( ).
    وقيل لم يؤسر أبو عزة ولا غيره في معركة أحد، إنما رجع أبو عزة إلى مكة وأصيب بالبرص .
    (قال ابن جعيدة : برص أبو عزة بعد ما أسن، وكانت قريش تكره الأبرص وتخاف العدوى، فكانوا لا يؤاكلونه ولا يشاربونه ولا يجالسونه، فكبر ذلك عليه .
    فقال: الموت خير من هذا! فأخذ حديدة وصعد إلى جبل حراء يريد قتل نفسه، فطعن بها في بطنه،فضعفت يده لما وجد مسها، فمارت الحديدة بين الصفاق والجلد، فسال ماء أصفر، وذهب ما كان به. فقال:
    لا هُمَّ رَبَّ وَائِلٍ ونَهْدِ … والتَّهَمَاتِ والجِبَالِ الجُرْدِ
    ورَبَّ مَنْ يَرْمي بَيَاضَ نَجْدِ … أصبحْتُ عَبْداً لك وابن عَبْدِ
    أبرأتَني من وَضَحٍ بِجلْدِي … من بَعْدِ ما طَعَنْتُ في مَعَدّي
    المعد: موضع رجلي الراكب من الفرس وكان هبيرة بن أبي وهب شاعرا من رجال قريش المعدودين، وكان شديد العداوة لله ولرسوله، فأخمله الله ودحقه، وهو الذي يقول في يوم أحد:
    قُدْنَا كِنَانةَ من أَكْنَافِ ذي يَمَنٍ … عَرْضَ البِلاَد على ما كان يُزْجِيها
    قَالَتْ كِنَانة: أَنَّي تَذْهَبُونَ بِنا؟ … قُلْنَا: النَّخِيلَ! فأَمُّوها ومَا فِيهَا
    ) ( ).
    وفي قول أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عفا عن أبي عزة، ومات في الشام كافراً .
    أي لم يثبت أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم قد قتل أبي عزة بعد أسره في حمراء الأسد ، وإن كان في حال قتله إنما يكون علته ليس الأسر إنما نقضه العهد والميثاق وإضراره بالمسلمين خاصة والناس جميعاً بتحريض الذين كفروا على قتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى [وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمْ الْغَاوُونَ] ( ).
    وعندما توجه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في اليوم التالي لمعركة أحد إلى حمراء الأسد ظفروا بأبي عزة ، وجاءوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولما مثل بين يديه ، قال يا محمد أقلني ، ومن للصيبة .
    فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم اين ما أعطيتني من العهد والميثاق (وَاَللّهِ لَا تَمْسَحْ عَارِضَيْك بِمَكّةَ بَعْدَهَا وَتَقُول : خَدَعْت مُحَمّدًا مَرّتَيْنِ اضْرِبْ عُنُقَهُ يَا زُبَيْرُ . فَضَرَبَ عُنُقَهُ) ( ).
    فهو لم يكن أسيراً ، إنما كان محارباً وناقضاً للعهد وجاحداً بالنعمة والمنّ.
    وقيل هذا الخبر ضعيف ورواية ابن هشام مرسلة وأوصل سنده البيهقي من طريق محمد بن عمر ، وهو الواقدي الذي قيل بضعفه .
    (وقال ابن عباس: كان أسراؤهم يومئذ مشركين. ويشهد لهذا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر أصحابه يوم بدر أن يكرموا الأسارى، فكانوا يقدمونهم على أنفسهم عند الغداء) ( ).
    وليس من إمام وقائد يأمر باكرام الأسرى , مع اتصافهم بخصال مذمومة :
    الأول : الكفر والجحود .
    الثاني : محاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وترتب الأسر عن هذه المحاربة .
    الثالث : إيذاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه عندما كانوا في مكة .
    لقد وقع سبعون من المشركين أسرى بيد المسلمين ، منهم سهيل بن عمرو خطيب قريش المفوه الذي كان يكثر من شتم المسلمين ، ويبالغ في دعوة الناس للإمتناع عن تصديق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
    وأخرسه وأذله الأسر , وفيه شاهد عملي على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وخزي لرؤساء الكفر .
    (وَكَانَ الّذِي أَسَرَهُ مَالِكُ بْنُ الدّخْشُمِ ، أَخُو بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ فَقَالَ
    أَسَرْتُ سُهَيْلًا فَلَا أَبْتَغِي … أَسِيرًا بِهِ مِنْ جَمِيعِ الْأُمَمِ
    وَخِنْدَفُ تَعْلَمُ أَنّ الْفَتَى … فَتَاهَا سُهَيْلٌ إذَا يُظّلَمْ
    ضَرَبْتُ بِذِي الشّفْرِ حَتّى انْثَنَى … وَأَكْرَهْت نَفْسِي عَلَى ذِي الْعَلَمِ
    وَكَانَ سُهَيْلٌ رَجُلًا أَعْلَمَ مِنْ شَفَتِهِ السّفْلَى . قَالَ ابن هِشَامٍ : وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ يُنْكِرُ هَذَا الشّعْرَ لِمَالِكِ بْنِ الدّخْشُمِ . قَالَ ابن إسْحَاقَ : وَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ أَخُو بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ : أَنّ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ قَالَ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ يَا رَسُولَ اللّهِ دَعْنِي أَنْزِعْ ثَنِيّتَيْ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو ، وَيَدْلَعُ لِسَانَهُ فَلَا يَقُومُ عَلَيْك خَطِيبًا فِي مَوْطِنٍ أَبَدًا .
    فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهِ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ لَا أُمَثّلُ بِهِ فَيُمَثّلُ اللّهُ بِي وَإِنْ كُنْتُ نَبِيّا) ( ).
    وفيه غاية الخشية من الله عز وجل وإجتناب إيذاء الأسرى ، وملاك هذا الإجتناب التقوى والخوف من عند الله ، ولينزجر المسلمون عن قتل أو إيذاء الأسير , وان كان أذاه للمسلمين شديداً .
    وجاء مالك بن الدخشم مع أسيره سهيل ولم يشده إلى الناقة ، إنما كان يسير معه في الطريق قال سهيل : خلي سبيلي للغائط فبقى قريباً منه .
    (فقال سهيل: إني أحتشم فاستأخر عني! فاستأخر عنه، ومضى سهيل على وجهه، انتزع يده من القران ومضى) ( ).
    والمراد من القران هو الحبل الذي يجمع بين يديه أو الذي يقاد به .
    أي أن الأسير في الطريق يقوم بفك وثاق يده بنفسه بسهولة ويسر ، وأبطأ سهيل ، ولم يرجع إلى مالك الذي أسره ، حينئذ نادى مالك في الناس ، وطلب البحث عنه خشية عليه ، وللمنع من هروبه فخرج المسلمون في طلبه في الجهات الأربعة .
    واشترك النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في طلبه أيضاً ، فوجده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد دفن نفسه بين سمرات وشجرات فلم يوبخه أو يلومه أو يضربه ، إنما ربطت يداه إلى عنقه ، وقيل لم يركب بعدها الراحلة بل كان يمشي على رجليه .
    واستقبل الأنصار والمهاجرون الذين لم يخرجوا إلى معركة بدر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند مشارف المدينة , وهنأوه والمسلمين على النصر المبين ، واعتذروا لرسول الله صلى الله عليهم بأنهم لم يعلموا بأن قتالاً سيقع بين المسلمين والذين كفروا .
    فقبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم اعتذارهم ، مما يدل بالدلالة التضمنية على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين خروجه من المدينة لم يكن يريد القتال ، ولم يعلن النفير بين الصحابة .
    وممن لقي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أسامة بن زيد ، فرفعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ناقته القصواء , ونظر أسامة إلى سهيل بن عمرو وهو مجنوب أي إلى جانب الناقة ، وقد ربطت يداه إلى عنقه بسبب فراره واختفائه .
    (فلما نظر أسامة إلى سهيل قال: يا رسول الله، أبو يزيد!
    قال: نعم، هذا الذي كان يطعم بمكة الخبز ) ( ).
    لقد أنبهر اسامة من حال سهيل ، وحينما سأل عن حاله لم يذكره النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخصلة مذمومة كايذائه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين ، وتحريضه الناس عن الإسلام ، ومحاولته الفرار , إنما ذكر كرمه وإحسانه لنهي المسلمين عن إيذائه أو إيذاء الأسرى .
    وحينما دخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى المدينة فرّق الأسرى بينهم ، وأوصاهم بهم خيراً وأمرهم بأن يوصوا عيالهم والناس بهم خيراً .
    (وَقَالَ اسْتَوْصُوا بِالْأُسَارَى خَيْرًا) ( ).
    ليؤسس النبي صلى الله عليه وآله وسلم للسلم المجتمعي في أشق الأحوال ، فاذا أحسن الناس المعاملة مع الأسرى فان معاني المودة والرحمة تشيع وتتجلى بينهم وتدل عناية النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالأسرى وتيسير اطلاق سراحهم ، وفك أسرهم ، ونشر شآبيب الرحمة بين الناس وما يسمى بالمواطنة العالية التي هي فرع قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ).
    لقد تكرر في المواد الأخيرة من إتفاقية جنيف للأسرى ذكر دولة الإحتلال ، وليس من إحتلال في الإسلام ، إنما هو الرحمة والعز والهداية على الصراط والنهج القويم ، فمثلاً كان فتح مكة رحمة بأهلها ، وبالناس جميعاً إلى يوم القيامة ، ومناسبة لكسر الأوثان التي نصبت حول الكعبة (عن جابر قال : دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكة وحول البيت ثلثمائة وستون صنماً فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأكبت لوجهها وقال : { جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً }( ) ) ( ).
    لقد كان الحق والهدى مصاحباً للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في الجهة التي يتوجه إليها والتي يقيم فيها فلا تصل النوبة إلى القتال وسفك الدماء ، ولكن الذين كفروا يقابلون نعمة النبوة والدعوة إلى الهدى بالتحدي وإشهار السيوف ، ومن فضل الله إتصاف معارك الإسلام بالقصر الزماني , وقلة الخسائر , وترشح المواعظ والعبر منها ، وتكون على وجوه :
    الأول : شعور الكفار الذين يقاتلون النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالحسرة والندم .
    الثاني : عزم كثير من أفراد جيش المشركين على عدم العودة لقتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
    الثالث : دخول الحزن إلى بيوت المشركين لفقدهم الأحبة .
    الرابع : وقوع الأسرى بيد المسلمين , وتجلي معالم الإيمان بحسن معاملتهم للأسرى .
    فحينما دخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة وأوصى الصحابة بحسن معاملة الأسرى فانه أدخل معه سهيل بن عمرو إلى بيته .
    وكانت زوج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سودة بنت زمعة عند آل عفراء في مناحتهم على عوف ومعوذ الذين قتلا في معركة بدر .
    فلما بلغها وصول الأسرى إلى المدينة ، رجعت إلى بيتها ، وكان فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
    فرأت سهيل بن عمرو ، وهي تعرفه كوجه من وجوه قريش , وإذا يداه مغلولتان إلى عنقه , وقد جلس في ناحية البيت ، بينما كانت قد رأت الأسرى الآخرين غير مقيدين .
    عندئذ لم تصبر فقالت له ( أبا يزيد، أعطيتم بأيديكم! ألا متم كراماً؟ قالت : فوالله ما راعني إلا قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم من البيت : يا سودة أعلى الله وعلى رسوله؟ .
    فقلت: يا نبي الله، والذي بعثك بالحق نبياً ما ملكت نفسي حين رأيت أبا يزيد مجموعةً يداه إلى عنقه أن قلت ما قلت) ( ).
    ليطلق سراح سهيل ويعود في صلح الحديبية ممثلاً لكفار قريش , ويشدد على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين في الشروط .
    ومن مصاديق قوله تعالى [فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ]( ) مجئ ابنه أبي جندل مسلما إلى موضع الحديبية .
    فقد أنعم الله عز وجل على المسلمين ب(أبي جندل ) وحضر صلح الحديبية يرسف بالحديد الذي قيده به أبوه إذ أصرّ على إعادته إلى مكة ومنعه من الهجرة , وابو جندل يستغيث بالمسلمين وهو ينادي (يا معشر المسلمين أرد إلى المشركين يفتنونى في دينى) ( ).
    وانتفض بعض الصحابة , ولكن النبي محمداً منع الفتنة (فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ” يا أبا جندل اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا.
    إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله، وإنا لا نغدر بهم “.)( ).
    وفيه شاهد على أمور :
    الأول : دفع النبي صلى الله عليه وآله وسلم أسباب الفتنة بالتحلي بالصبر , والدعوة إليه .
    الثاني : مواساة الشباب المسلم .
    الثالث : البشارة بالفرج وقرب انكشاف غمة وكابوس ولاية الكفار في مكة .
    الرابع : بيان قانون وهو تنزه المسلمين عن الغزو , فلم يقل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أني لا أغدر بهم , انما تكلم بصيغة الجمع , ليبقى قانون عند المسلمين وهو تنزههم عن الغدر .
    الخامس : تحمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الأذى من أجل الصلح مع الذين كفروا , مما يدل على أنه لا يريد القتال ولا يسعى إليه , وكان خروجه وأصحابه إلى العمرة من غير اسلحة ودروع دليلاً على سعيه الجاد للسلام , فصحيح أنهم خرجوا في شهر حرام وهو ذو القعدة من السنة السادسة للهجرة (آذار 627)م , ولكن هجوم المشركين عليهم أمر محتمل ومن معاني قوله تعالى [يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ] ( ), التحذير من القوم الكافرين خصوصاً وأن الآية أعلاه نزلت قبل صلح الحديبية .
    فان قيل إذا كانت الآية أعلاه تتضمن تحذير النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين من القوم المشركين فلماذا خرج بألف وأربعمائة من أصحابه يريد العمرة , الجواب من جهات :
    الأولى : لم يأمر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالخروج ويستعد له ويتوجه إلى مكة إلا بالوحي , وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى] ( ).
    الثانية : بيان فضل الله على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بصرف الضرر الذي قد يأتي من المشركين ، قال تعالى [وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ] ( ).
    الثالثة : بيان قانون وهو حسن توكل المسلمين على الله عز وجل .
    الرابعة : تفضل الله عز وجل وبعث الفزع والخوف في قلوب الذين كفروا .
    الخامسة : إرادة عمومات قوله تعالى [يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ] ( ) فحتى لو كان المشركون ينوون التعدي على المسلمين فان الله عز وجل يصدهم ويمنعهم من المكر والكيد .
    ومن الأمثال (سيف الفرزدق ) يضرب مثلاً للسيف الردئ بيد الضعيف والجبان .
    إذ وفد جرير والفرزدق على سليمان بن عبد الملك
    وكان أخوال سليمان بنو عبس يميلون إلى جرير ويثنون عليه عند سليمان ، ويقرأون شعره في مدحهم ، ويتعصبون ضد الفرزدق لأنه هجى قيس عيلان , إذ أن أم سليمان هو وأخوه الوليد من بني عبس , وهي (ولادة بنت العباس بن جزء بن الحارث بن زهير بن خزيمة العبسية) ( ).
    وجاء أحد بني عبس وقال للفرزدق أن سليمان ينوي قتل بعض الأسرى يوم غد ، وأنه سيأمرك بضرب عنق أسير منهم ، وأنا أرفق بك , فمع أنك تصف السيوف على نحو حسن إلا أنك لا تجيد الضرب بالسيف ، ولم تمرن على الضرب بالسيف , وهذا سيفي إنما يكفيك أن تومئ به لصرامته فيأتي على ضربته .
    فسأله الفرزدق عن نسبه ، فخشي أن يقول أنه من بني عبس فيتهمه ويحذر منه , فقال له (من بني ضبة أخوالك) ( ) فأطمئن له الفرزدق .
    وفي صباح اليوم التالي حضر الفرزدق والوفود عند سليمان، وجئ بالأسرى ، فنظر سليمان إلى واحد منهم ضخم البنية مخيف ، فطلب منه سليمان أن يروع ويفزع الفرزدق عندما يريد قتله , ووعده بأن يطلق سراحه ، ثم قال سليمان للفرزدق : قم فأضرب عنقه ، فاستعفاه الفرزدق لأنه لا يريد أن يقتل أحداً ، ولا يتعدى على الأسير إذ أوصى الله ورسوله به ، وكان الفرزدق حافظاً للقرآن .
    إذ قدم أبوه من البصرة وافداً على الإمام علي عليه السلام في الكوفة نحو سنة (36) للهجرة فسأله الإمام عن اسمه (قال: أنا غالب بن صعصعة المجاشعي، قال: ذو الإبل الكثيرة؟ قال: نعم .
    قال : ما فعلت ابلك؟.
    قال: أذهبتها النوائب , وذعذعتها الحقوق .
    قال: ذاك خير سبلها، ثم قال: يا أبا الأخطل من هذا الفتى معك؟ قال: ابني وهو شاعر، قال: علمه القرآن فهو خير له من الشعر) ( ).
    فقام الفرزدق بتقييد نفسه ،وآلى على نفسه أن لا يحل قيده حتى يحفظ القرآن ، وفيه قال :
    (وما صب رجلي في حديد مجاشع
    مع القدر إلا حاجة لي أريدها)( ).
    وطلب الفرزدق إعفاءه من قتل الأسير , ولكن سليمان أبى إعفاءه .
    فتناول الفرزدق السيف من العبسي وهزه فضرب به عنق الأسير ، فما حص شعره ولم يؤثر به ، فضحك سليمان والناس .
    فأظهر الفرزدق رغبته بالعمل بأحكام القرآن والسنة ، إذ قال في أبيات كثيرة
    (فلا نقتلُ الأسرى ولكنْ نفكهمْ … إذا أثقلَ الأعناقِ حملُ المغارمِ)( ).
    وصار الناس يتغنون بهذا الشعر للتذكير بلزوم إكرام الأسرى .
    وقال الفرزدق :
    ما يُعْجِبُ الناسَ أَنْ أضْحَكْتُ خَيْرَهُمُ … خليفَةَ الله يُسْتَسْقَى به المَطَرُ
    لم يَنْبُ سَيْفِىَ من رُعْبٍ ولا دَهَشٍ … عَنِ الأَسيرِ ولكنْ أُخِّرَ القَدَرُ
    ولَنْ يُقَدِّمَ نَفْساً قَبْلَ مِيتَتهِا … …. جَمْعُ اليَدَيْنِ ولا الصَّمْامَةُ الَّذكرُ
    وفيه يقول جريرٌ:
    بَسيْفِ أَبى رَغْوَانَ قَيْنِ مُجَاشعٍ … ضَرَبْتَ ولم تَضْرِبْ بسَيْف ابن ظَالمِ
    ضرَبْتَ به عنْدَ الإِمامِ فأُرْعِشَتْ … يَدَاكَ وقالوا مُحْدَثٌ غَيْرُ صارِمِ
    فأجابه الفرزدق:
    ولا نَفْتُلُ الأَسْرَى ولكنْ نَفُكُّهُمْ … إِذا أَثْقَلَ الأَعْناقَ حَمْلُ المَغَارِم
    وهَلْ ضَرْبةُ الرُّومِّي جاعلَةٌ لَكُمْ … أَباً عن كُلَيْبٍ أَو أَخاً مثْلَ دارِمِ ( )
    للتعريض بالذي يريد قتل الأسرى , ولا يمكن أن تصل قريحة الشاعر إلى هذه المعاني لولا آيات القرآن , وأحاديث السنة النبوية الخاصة بإكرام الأسرى .
    ولقد أسست آية الإطعام قوانين عامة في الرفق بالأسرى , وصار المسلمون والمسلمات يستهجنون إيذاء الأسير أو الإضرار به .
    ولم تكن آية الإطعام وحدها التي تدعو الكفار للإنابة ، فقد ورد قوله تعالى [فَإِذا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً] ( ).
    (وأتي الحجاج بأسرى فأمر بقتلهم، فقال له رجل منهم: لا جزاك الله يا حجاج عن السنة خيراً، فإن الله تعالى يقول[فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء]( ).
    فهذا قول الله في كتابه. وقد قال شاعركم فيما وصف به قومه من مكارم الأخلاق:
    وما نقتل الأسرى ولكن نفكهم … إذا أثقل الأعناق حمل القلائد
    فقال الحجاج: ويحكم! أعجزتم أن تخبروني بما أخبرني هذا المنافق! وأمسك عمن بقي , أي لم يقتل الأسرى الآخرين . وهؤلاء الأسرى مسلمون .
    وعن الهيثم بن عدي قال: أتي الحجاج بحرورية، فقال لأصحابه: ما تقولون في هذه ؟ .
    قالوا: اقتلها، أصلح الله الأمير، ونكل بها غيرها.
    فتبسمت الحرورية ؛ فقال لها: لم تبسمت ؟ .
    فقالت: لقد كان وزراء أخيك فرعون خيراً من وزرائك يا حجاج، استشارهم في قتل موسى، فقالوا: أرجه وأخاه، وهؤلاء يأمرونك بتعجيل قتلي؛ فضحك الحجاج، وأمر بإطلاقها.) ( ).
    وقيل لما جاءه الأسرى من أصحاب عبد الرحمن بن الأشعث وعددهم نحو أربعة آلاف وثمانمائة ، وقتل أكثرهم ، واحتج أحد الأسرى وهو من كندة بالآية أعلاه .
    قال الحجاج ( أف لهذا الجيف أما كان فيهم من يحسن مثل هذا الكلام؟ وخلى سبيل الباقين ، وكانوا زهاء ألفين ) .
    وكأن الحجاج يلقي باللوم على قتله المسلمين الأسرى على أنفسهم ، في الوقت الذي تكون فيه الآية القرآنية هي الحجة والضابطة في المقام والظاهر أن عدد الأسرى أعلاه مبالغ فيه ، ويسمى هؤلاء أسرى الجماجم.
    قال ابن عبد ربه الأندلسي (لما أتي الحجاج بأسرى الجماجم أتي فيهم بعامر الشعبي، ومطرف بن عبد الله الشخمير، وسعيد بن جبير، وكان الشعبي ومطرف يريان التقية، وكان سعيد بن جبير لا يراها، وكان قد تقدم كتاب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج في أسرى الجماجم أن يعرضهم على السيف، فمن أقر منهم بالكفر في خروجهم علينا فيخلي سبيله، ومن زعم أنه مؤمن فيضرب عنقه .
    فقال الحجاج للشعبي: وأنت ممن ألّب علينا مع ابن الأشعث؟ إشهد على نفسك بالكفر؛ فقال: أصلح الله الأمير، نبا بنا المنزل، وأحزن بنا الجناب، واستحلسنا الخوف، واكتحلنا السهر، وخبطتنا فتنة لم نكن فيها بررة أتقياء، ولا فجرة أقوياء ؛
    قال: لله أبوك، لقد صدقت، ما بررتم بخروجكم علينا ولا قويتم، خلوا سبيل الشيخ. ثم قال لمطرف: أتقر على نفسك بالكفر؟ قال: أصلح الله الأمير، إن من شق العصا، وسفك الدماء، ونكث البيعة، وفارق الجماعة، وأخاف المسلمين، لجدير بالكفر، فخلى سبيله.
    ثم قال لسعيد بن جبير: أتقر على نفسك بالكفر؟ قال: ما كفرت منذ آمنت بالله، فضرب عنقه، ثم استعرض الأسرى، فمن أقر بالكفر خلى سبيله، ومن أبى قتله، حتى أتي بشيخ وشاب، فقال للشاب: أكافر أنت؟ قال: نعم. قال : لكن الشيخ لا يرضى بالكفر .
    فقال له الشيخ: أعن نفسي تخادعني يا حجاج، والله لو علمت أعظم من الكفر لقلته؛ فضحك الحجاج وخلى سبيله.) ( ).
    وقبل الإسلام كان طرفة بن العبد وخاله جرير بن عبد المسيح المعروف بالملتمس يدخلان على عمرو بن هند وصارا من ندمائه ، وهو أحد ملوك المناذرة في الحيرة قبل الإسلام توفى نحو سنة ( 45 ق الهجرة /578 ميلادية) عرف باسم أمه هند واسمه عمرو بن المنذر بن أمرئ القيس من كهلان ، وكان ظالماً جائراً واجماً لا يضحك ولا يبتسم .
    وبلغه أن طرفة وخاله قاما بهجائه ، فكتب لكل منهما كتاباً إلى عامله في البحرين وعمان المكعبر يأمره بقتلهما (فخرجا حتى إذا كانا بالنجف إذا هما بشيخٍ على لسان الطريق يُحدث , ويأكل من خبز في يده، ويتناول القمل من ثيابه فيقصعه؛
    فقال له المتلمس: ما رأيت كاليوم شيخاً أحمق! .
    فقال له الشيخ: وما رأيت من حمقي! أخرج خبيثاً، وأدخل طيباً، وأقتل عدواً؛ وأحمق مني والله من يحمل حتفه بيده) ( ).
    فارتاب الملتمس وظن أنه من الزجر والإنذار ، ورآى غلاماً من أهل الحيرة فسأله هل تقرأ يا غلام ؟
    قال : نعم .
    ففك الختم عن صحيفته بحيث أنه إذا كان فيها أمر بجائزة فلن ينتفع منها ، فقرآها الغلام : وإذا فيها : إذا أتاك الملتمس بكتابنا هذا فاقطع يديه ورجليه وادفنه حياً .
    فقام الملتمس بقذفها في نهر الحيرة ، وقام بتحذير طرفة ، وقال له : أن في صحيفتك والله ما في صحيفتي ، ولكن طرفة وهو من أصحاب القصائد المعلقات السبعة طامعاً بالجائزة ولم يظن أن عمرو يجترأ عليه , ويأمر عامله في البحرين بقتله خاصة لشرف نسب طرفة وانه من أهل البحرين إذ ولد في قرية المالكية ، بالإضافة إلى ميل طرفة للهو والملذات والإسراف مع غرور وزهو في نفسه فأبى القاء الكتاب حتى سلّمه إلى المكعبر .
    وقيل أنه لم يقتله للنسب بينهما ، وطلب من طرفة الهرب ، ولكنه أبى فحبسه الوالي ثم طلب اعفاءه من العمل وسأل الملك إرسال عامل غيره على البحرين ، وقال أني لا أقتل طرفة ، فأرسل رجلاً من تغلب ، فقال أني قاتلك فأختر القتلة التي تريد فطلب قطع الأكحل ، وهو عرق وشريان وسط الذراع ،ويسمى ميزاب البدن ، لينزف الدم من يده , ولم تشد إلى أن مات .
    وجاء الإسلام بالرحمة وحرمة الظلم والجور ، والذي يكون ظالماً على عامة الناس ، أو يقسو على الأسرى ويقتلهم فهو يتحمل بشخصه سوء فعله ، والإسلام والقرآن والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودول وأجيال المسلمين بريئون من فعله , وتحضر آيات الرأفة بالأسرى لتنفر من فعله النفوس .
    لذا جاء التحدي للأمراء من ذات الأسرى مع الإستدلال بآيات القرآن .
    إذ يدل قوله تعالى [فَإِذا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لاَنتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ] ( ) على قانون وهو عدم أسر المشركين إلا عند القتال والمواجهة في الميدان لإبتداء الآية أعلاه بصيغة الجملة الشرطية وبيان حادثة لم تقع بعد .
    والظاهر أن الآية أعلاه نزلت قبل معركة بدر ، فان قيل أن اثبات شئ لشئ لا يدل على نفيه عن غيره ، والجواب إنما جاءت آيات القرآن الأخرى بياناً وتفسيراً لهذه الآية , وهذا البيان والتعضيد بين آيات القرآن من مصاديق قوله تعالى [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ] ( ) .
    وتدل الآية أعلاه على وقوع القتال دفاعاً وعدم جواز القتل بعد إنتهاء المعركة فيترك من يفر وينهزم , ومن يقع أسيراً يتخير المسلمون بين أمرين : أما المنّ والإطلاق , وأما الفداء بالمال ونحوه .
    أي لا يجوز قتل الأسير ، وقدمت الآية المن الذي يدل على العفو .
    وجاءت السنة النبوية تفسيراً لآيات القرآن إذ يعمل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بمضمون الآية أعلاه من جهات :
    الأولى :تفويض بدل ومقدار فك الأسرى إلى الصحابة الذين أسروهم، مما يدل بالدلالة التضمنية على عدم جواز إيذاء أو قتل الأسير , والرأفة بلحاظ الحال والشأن للأسير .
    وجاءت آية الإطعام من سورة الإنسان [وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا] ( ) لبيان تحلي المسلمين بمكارم الأخلاق ، وعدم جواز إيذاء الأسير من أجل تعجيل أهله بدفع البدل , أو مع زيادة ورفع مقدار البدل .
    الثانية : العفو والمن على شطر من الأسرى باطلاق سراحهم من غير بدل ، ولم يكن أمر إطلاق الأسرى مختصاً بمعركة بدر .
    وفي سرية نخلة في رجب من السنة الثانية والتي سبقت معركة بدر بنحو شهرين أسر المسلمون اثنين هما :
    الأول : الحكم بن كيسان ، والذي دخل الإسلام أوان الأسر لما رآى من معجزات النبوة وحسن معاملة المسلمين له ، ولم يغادر المدينة ، وكان ممن أستشهد في يوم بئر معونة في السنة الرابعة للهجرة أي أنه كان من مرتبة الفقهاء , لأن الذين بعثهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ منهم .
    الثاني : عثمان بن عبد الله والذي أطلقه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فعاد إلى مكة إلى أن مات فيها كافراً , فمع شدة أذى المشركين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين ، والتخويف والوعيد الذي يأتي منهم فان النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين لم ينتقموا من الأسرى.
    لتكون الرأفة بهم مقدمة لرحمة أسارى بدر والمنّ عليهم ، والذين كانوا من ذوي القربى والأخوة وابناء العمومة , ومن ذات العشيرة, وهي قريش وبطونها .
    ومن الأسرى الذين أطلقهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم من غير فداء يوم بدر :
    الأول : المطلب بن حنطب .
    الثاني : أبو عزة الشاعر .
    وأطلق الصحابة سراح صيفي بن أبي رفاعة بعد أن أخذوا عليه عهداً بأن يبعث إليهم بفدائه ، ولكنه لم يف بما وعدهم ، ولم يبعث البدل.
    فقال حسان :
    (وما كان صيفي ليوفي ذمة … قفا ثعلب أعيا ببعض الموارد
    قال ابن هشام : وهذا البيت في أبيات له) ( ).
    أي أن هناك أبيات أخرى في ذات القصيدة التي تتضمن ذم صيفي ، فقد نكث بعهده , وبخل بالحق الذي عليه ، فتوثقت الواقعة بهذا البيت الذي يفيد في دلالته عفو وسماحة المسلمين مع الأسرى ، ونزل قوله تعالى [مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ]( ).
    وقيل نزل بخصوص أسرى بدر حينما أخذ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بمشورة أصحابه بقبول المال فداء للأسرى ، وأن الله عز وجل أنكر عليه أن يفادي الأسرى ، وهذا القول مشهور , ويلزم الدليل عليه , لأن آية الإطعام تدل على وجود الأسرى والعناية بهم ، وأنه حتى مع فقرهم ولجوئهم إلى سؤال المسلمين لا يجب إيذائهم .
    وفي الإثخان في الأرض في الآية أعلاه وجهان :
    (أحدهما هو الغلبة والاستيلاء ، قاله السدي .
    الثاني : هو كثرة القتل ليُعزَّ به المسلمون , ويُذل به المشركين . قاله مجاهد) ( ).
    والصحيح هو الأول لدعوة المسلمين للشكر لله عز وجل على نعمة النصر في معركة بدر ، ووقوع الأسرى بيد المسلمين والذين كانوا مستضعفين في مكة .، ليكون من مصاديق النصر بقوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ] ( ) النصر بجلب سبعين أسيراً إلى المدينة ، وفداؤهم بالمال من قبل المشركين ، ولبيان صيرورة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين في حال غلبة في الأرض ، وأن النصر في معركة بدر لا يختص بذات الواقعة بل هو أعم .
    الثالثة : الطلب من بعض الأسرى بأن يقوم الواحد منهم بتعليم عشرة من صبيان المدينة القراءة والكتابة ليفك من الأسر .
    وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحث على فك الأسير .
    الرابعة : من الأسرى المشركين من أطلقه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مقابل إطلاق كفار قريش لبعض الأسرى كما في عمرو بن أبي سفيان مقابل اطلاق سراح الصحابي سعد بن النعمان بن أكال الذي احتجزه أبو سفيان وهو يعتمر ظلماً .
    وفي صلح الحديبية حيث كانت الرسل تذهب وتجئ بين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ووفد المشركين برئاسة سهيل بن عمرو الذي كان أسيراً في معركة بدر تداخل الجمعان , واختلطوا لرجحان قرب الصلح وأنهم كانوا في شهر حرام وهو ذو القعدة من السنة السادسة للهجرة .
    قال الصحابي سلمة بن الأكوع (فلما اصطلحنا واختلط بعضنا ببعض أتيت شجرة فكسحت شوكها فاضطجعت في ظلها. فأتاني أربعة من أهل مكة ، فجعلوا يقعون في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأبغضتهم، فتحولت إلى شجرة أخرى، فعلقوا سلاحهم واضطجعوا. فبينا هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي: يا للمهاجرين ، قتل ابن زنيم)( ).
    وابن زنيم هذا صحابي أطلع على الثنية , فرماه المشركون بسهم فقتلوه مع أنهم في شهر حرام ، ليكون هذا التعدي والقتل من مصاديق قوله تعالى يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وجاء سلمة بن الأكوع بالأسرى الأربعة ، وجاء عمه عامر باسير اسمه مكرز إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجيئ باثني عشر أسيراً ، وقيل سبعين فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : هل لكم علي عهد ، هل لكم علي ذمة .
    لإقامة الحجة عليهم ، وللوثوق بأن أحداً من المسلمين لم يعطهم عهداً أو يقوم باجارتهم .
    قالوا : لا ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه (دعوهم يكن لهم بدء الفجور وثناه) أي بدايته ودعوتهم إليه مرة ثانية ، وعفا عنهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمر بتركهم ، وأنزل الله عز وجل قوله تعالى [وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا] ( ).
    (قال سلمة فشددنا على من في أيدى المشركين منا فما تركنا في أيديهم منا رجلا إلا استنقذناه , قال : وغلبنا على من في أيدينا منهم ثم إن قريشا بعثوا سهيل بن عمرو .
    وحويطبا فولوهم صلحهم , وبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليا عليه السلام في صلحه) ( ).
    وهل يكفي قتل العدو لأسرى المسلمين بالمقابلة بالمثل , الجواب لا.
    لإطلاق مضامين آية إطعام الأسرى , وما تدل عليه بالدلالة التضمنية على الرأفة بهم وعلى عدم قتلهم .
    فإن قلت تتجلى المثلية بقوله تعالى [فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ] ( ),الجواب من جهات :
    الأولى : أصالة الإطلاق في آية البحث , وعدم تقييدها .
    الثانية : القدر المتيقن من قوله تعالى[فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ]( ) , هو القصاص ، والدفاع , ومنه قوله تعالى[وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ] ( ) وإرادة القتال في الأشهر الحرم.
    الثالثة : الأسير حال الأسر ليس بمعتد , وحتى لو كان قد فتك بالمسلمين في ميدان المعركة , ولكنه عند وقوعه في الأسر تغير الموضوع فيتبدل الحكم إذ تنطبق عليه أحكام الأسر , وتشمله عمومات الرفق والإحسان , قال تعالى [وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى] ( ).
    الرابعة : ارادة المثلية في الرد , وعدم التجاوز على المثل وان كان المسلمون يقدرون عليه .
    الخامسة : تنمية ملكة التوقف عن القتال عند المسلمين , وتحذيرهم من البطش .
    السادسة : إرادة الإنتصار لله , وإعلاء كلمة التوحيد .
    السابعة : المراد لا تبدأوا القتال إلا أن يعتدى عليكم , فلا يكون الرد أكثر أو أشد من المثل ، قال تعالى [فَإِنْ انتَهَوْا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ] ( ).
    الثامنة : النهي عن حمية الجاهلية , ويدل اختتام الآية بالأمر بالتقوى [فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ] ( ) على خروج الأسير من موضوع التعدي في الآية لأن إطعامه والإحسان إليه من التقوى , ليكون من إعجاز الآية القرآنية بيان موضوعية التقوى , وتجلي مصاديقها بالإحسان .
    ومن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعث أفراد جيش المشركين على عدم بذل الوسع في قتال المسلمين ، وعدم الإستبسال في المعركة ، ومن مصاديقه نزول آيات القرآن التي تحث على الإحسان إلى الأسرى , وقيام المسلمين بالإمتثال لمضامين هذه الآيات ، فلا يخشى الكافر من الأسر ، ولا يخاف من القتل إن وقع في أيدي المسلمين .
    لقد أمر الله عز وجل بأطعام الأسرى ليبقى هذا الأمر مدرسة في العلوم العسكرية وموعظة للأمراء وقيادات الجيوش في عموم الأرض ، ولعل إتفاقية جنيف من رشحات آية الإطعام وأمر الله عز وجل ورسوله للمسلمين باكرام الأسرى .
    وفيه نهي عن تسخير الأسرى في البناء والإعمار وتبليط الطرق ونحوه ، فان قلت قد سخرّوا في الإسلام بتعليم الصبيان , والجواب إنه قياس مع الفارق من جهات :
    الأولى : هذا التعليم بدل فكاك الأسرى .
    الثانية : صفة المعلم إكرام اضافي .
    الثالثة : يبعث تعليم المشركين لأولاد الأنصار على المودة والرأفة في الأسرى , من قبل كل من :
    الأول :الأب .
    الثاني : الأم .
    الثالث : الأولاد الذين يحضرون الدروس .
    الرابع : أخوة وأخوات الذين يحضرون الدروس .
    الخامس : عامة المسلمين لما يترشح عن العلم من الشأن .
    ويشمل قوله تعالى [وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ ] ( ) الأسير المعلم لصدق اسم الأسير عليه .
    الرابعة : بيان قانون وهو أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون لم يخشوا من المشركين على صبيانهم في العقيدة والمبدأ , والسلوك .
    الخامسة : قيام صبيان المدينة بأمر الأسرى الذين يعلمونهم بالمعروف ودعوتهم للإسلام ، ونهيهم عن الكفر والفجور , وهو من مصاديق قوله تعالى [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ] ( ).
    السادسة : اقتباس الأسرى الأخلاق الحميدة من صبيان المدينة ، ورؤيتهم وهم يحرصون على التقيد بآداب الإسلام .
    وجاء في المادة العاشرة من اتفاقية جنيف : للاطراف السامية المتعاقدة ان تتفق في اي وقت على ان تعهد الى هيئة تتوفر فيها كل ضمانات الحياد والكفاءة بالمهام التي تلقيها هذه الاتفاقية على عاتق الدول الحامية . واذا لم ينتفع اسرى الحرب او توقف انتفاعهم لاي سبب كان بجهود دولة حامية او هيئة معينة وفقا للفقرة الاولى اعلاه ، فعلى الدول الاسرة ان تطلب الى دولة محايدة او الى هيئة من هذا القبيل ان تضطلع بالوظائف التي تنيطها هذه الاتفاقية بالدول الحامية التي تعينها اطراف النزاع . فاذا لم يمكن توفير الحماية على هذا النحو ، فعلى الدول الاسرة ان تطلب الى هيئة انسانية ، كاللجنة الدولية للصليب الاحمر ، الاضطلاع بالمهام الانسانية التي تؤديها الدول الحامية بمقتضى هذه الاتفاقية ، او ان تقبل ، رهنا باحكام هذه المادة ، عرض الخدمات الذي تقدمه مثل هذه الهيئة. وعلى اية دولة محايدة او هيئة طلبت اليها الدولة صاحبة الشأن تحقيق الاغراض المذكورة اعلاه ، او قدمت هي عرضا للقيام بذلك ، ان تقدر طوال مدة قيامها بنشاطها المسؤولية التي تقع عليها تجاه طرف النزاع الذي ينتمي اليه الاشخاص المحميون بمقتضى هذه الاتفاقية ، وان تقدم الضمانات الكافية لاثبات قدرتها على تنفيذ المهام المطلوبة وادائها دون تحيز. لا يجوز الخروج على الاحكام المتقدمة في اي اتفاق خاص يعقد بين دول تكون احداها مقيدة الحرية في التفاوض مع الدولة الاخرى او حلفائها بسبب احداث الحرب ، ولو بصورة مؤقتة ، وعلى الاخص في حالة احتلال كل اراضيها او جزء هام منها. وكلما ذكرت عبارة الدولة الحامية في هذه الاتفاقية ، فان مدلوها ينسحب ايضا على الهيئات البديلة لها بالمعنى المفهوم في هذه المادة .
    وتدعو آية الإطعام كل مسلم ومسلمة للإحسان للأسرى , والأمر بالمعروف بخصوصهم باطعامهم وكسوتهم والرأفة بهم , والنهي عن إيذائهم والإضرار بهم , ولا تصل النوبة إلى هيئات بديلة يستلزم إيجادها أمولاً ووقتاً قد يتضرر معه الأسرى .
    وبخصوص موضوع نزول آية الإطعام , أنه لما نزل جبرئيل عليه السلام وقال : خذها يا محمد , هنأك الله في أهل بيتك , فسأله النبي صلى الله عليه وآله وسلم ماذا يأخذ , فاقرأ [هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا] (فوثب النبي(عليه السلام) حتى دخل على فاطمة فلما رأى ما بهم انكب عليهم يبكي،
    ثم قال : أنتم من منذ ثلاث فيما أرى وأنا غافل عنكم،
    فهبط جبرائيل (عليه السلام) بهذه الآيات {إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا عيناً يشرب بها عباد الله يفجّرونها تفجيرا} ( ) قال : هي عين في دار النبي (عليه السلام) تفجر إلى دور الأنبياء (عليهم السلام) والمؤمنين, {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ}( ) يعني علياً وفاطمة والحسن والحسين وجاريتهم فضة {ويخافون يوماً كان شرّه مستطيراً ويطعمون الطعام على حبّه}( ) يقول على شهوتهم للطعام،
    وإيثارهم مسكيناً من مساكين المسلمين , ويتيماً من يتامى المسلمين،
    وأسيراً من أسارى المشركين،
    ويقولون إذا أطعموهم {إنّما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً إنا نخاف من ربّنا يوماً عبوساً قمطريرا}( ) قال : والله ما قالوا لهم هذا بألسنتهم،
    ولكنهم أضمروه في نفوسهم،
    فأخبر الله سبحانه بإضمارهم يقولون : لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً)( ).
    ولكن لو دار الأمر بين قول أهل البيت للأسرى بأنهم يطعمونهم لوجه الله وبين إضمارهم هذا القول في أنفسهم , فالأصل هو الأول , ولا ينتقل إلى الثاني ومعنى الإضمار إلا مع القرينة والدليل بالإضافة إلى أن النطق والبيان بأن الإطعام لوجه الله , فيه مسائل :
    الأولى : تعظيم شعائر الله .
    الثانية : صبر أهل البيت عن الأكل والطعام حباً لله عز وجل , ورجاء الثواب .
    الثالثة : إرشاد المسكين واليتيم والأسير ونحوهم إلى سبل الهداية والرشاد.
    الرابعة : دعوة الفقراء المحتاجين إلى الصبر , ومعرفة سبل اللجوء إلى الله عز وجل .
    الخامسة : التحلي بالأخلاق الحميدة ومنع الجريمة , فاذا كان أهل البيت يبذلون كل ما عندهم في سبيل الله , فعلى الفقراء التحلي بالقناعة والرضا.
    السادسة : صيرورة الإطعام تذكيراً بيوم القيامة , ودعوة الناس للإقتداء بأهل البيت والصحابة في الإستعداد له .
    السابعة : تنمية ملكة الإيثار عند المسلمين , وهذا الإطعام من مصاديق قوله تعالى [وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ] ( ).
    الثامنة : بيان تسليم أهل البيت والصحابة بأن النذر نوع طريق لشفاء المرضى وقضاء الحوائج , ودعوة المسلمين لتنجزه وإتيان ما نذروه عند تحقق مصداقه (عن عائشة : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: “من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يَعصي الله فلا يَعصِه”)( ).
    التاسعة :الترغيب بانفاق القليل , واعطاء اليسير , قال تعالى [فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه] ( ).
    العاشرة : بيان حاجة الإنسان إلى الإنفاق والتصدق من ماله لإرادة استدامة النعم والثواب في الآخرة .
    الحادي عشرة : الإخبار العملي عن الملازمة بين الإيمان والإنفاق بالميسور .
    ومن إعجاز القرآن الترغيب بانفاق القليل وعدم الزهادة فيه ، قال تعالى [وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] ( ) .
    وقدمت الآية أعلاه النفقة الصغيرة لبيان عدم الإستهانة بها ، وهي وان كانت صغيرة بذاتها إلا أنها عند الله كبيرة لما يقترن بها من قصد القربة ، ولأن الله عز وجل يضاعفها أضعافاً كثيرة .
    ويحتمل الإطعام في قوله تعالى [وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ] ( ) وجوهاً :
    الأول : التمكين بتقديم الطعام للمحتاج , وتمكينه من أكله وكما في إطعام المرء لعياله .
    الثاني : التمليك بأن يتملك الفقير والمحتاج الرغيف والمدّ , وما هو أكثر منه.
    الثالث : إرادة العنوان الجامع للأمرين معاً .
    ولا تعارض بين هذه الوجوه ، والفارق بينهما صغروي ، ومن الإعجاز أن الآية شاملة لها ، نعم تدل أسباب النزول على أن إطعام أهل البيت للمسكين واليتيم والأسير هو إطعام تمليك .
    وهل ما أعطاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لسَفَّانة بنت حاتم الطائي من النفقة والكسوة والراحلة من الإطعام والتمليك ، الجواب نعم لبيان مسألة وهي أن الأسير قد يعود إلى أهله ومعه مال وكسب ، فيكون فيه ترغيب للناس بالإسلام , وزجر عن الإنقياد لرؤساء الكفر لمحاربته ، فتكون آية الإطعام مدداً للمسلمين بدفع مقدمات تجهيز الكفار للجيوش لمحاربة المسلمين .
    سبي سَفَّانة
    وهي ابنة حاتِم الطائي ،وهو من أجود العرب كان يكنى أبا سفانه( )، وقد ذكرت السيرة قصة ابنة حاتم على وجهين :
    الأول : ذكر سَفّانة بالاسم .
    الثاني : عدم ذكر اسم مخصوص والإكتفاء بذكر ابنة حاتم .
    الثالث : ذكر أخت عدي بن حاتم ، ولم يعرف ان لحاتم إبنة غيرها ، والمقصود من الوجوه الثلاثة أعلاه هي سَفّانة .
    توجهت خيل السلمين بأمرة الإمام علي بن أبي طالب في شهر ربيع الآخر من السنة التاسعة للهجرة نحو حائل وجبلي آجا وسلمى , وكان عدد أفراد السرية مائة وخمسين أو مائتين على مائة وخمسين بعيراً , ومع الإمام علي عليه السلام راية سوداء ، ولواء ابيض.
    وكان القصد من السرية هو هدم صنم طي واسمه (الفلس) فأصابوا سَفَّانة في خزانة الفلس :
    الأولى : ثلاثة أسياف هي: رسوب-بضم الراء- والمخزم –بكسر الميم- قلده إياهما الحارث بن أبي شمر الغساني ملك تخوم الشام والذي بعث له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شجاع بن وهب وهو بدري بكتاب يدعوه فيه إلى الإسلام وسيأتي بيانه.
    أما السيف الثالث فيقال له: اليماني، وصارت هذه السيوف لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(ووهب الرسوب والمخزم للإمام علي عليه السلام)( )، ويعدهما المؤرخون من سيوف النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند ذكر سيوفه وأنه كان له تسعة أسياف( ).
    الثانية : ثلاثة أدراع.
    الثالثة : ثياب متعددة كانوا يلبسونها للصنم
    وجاء المسلمون بسفانة بنت حاتم الطائي إلى المدينة ، وهرب عدي بن حاتم بعياله إلى الشام ، وجعلت هي وسبايا طي في حظيرة في باب المسجد ، أي لم يسجنوا ، ولم يودعوا في أحد البيوت إنما في حظيرة من جريد النخل في باب المسجد لأمور :
    الأول : إطعام المسلمين للسبايا .
    الثاني : قرب السبايا من المسجد ، ورؤيتهم صلاة المسلمين وهيئة الخضوع والخشوع لله عز وجل الظاهرة عليهم .
    الثالث : تعجيل البت بأمر السبايا .
    الرابع : دعوة أهل السبايا للحضور إلى المدينة , وسؤال أخذ السبايا وإعادتهم إليهم .
    الخامس : الدعوة العملية لدخول السبايا الإسلام لما يرونه من حال الإرتقاء عند المسلمين ، وما يسمعونه من آيات القرآن وإكرام المسلمين لهم.
    السابع : بعث النفرة في نفوس السبايا من الكفر ومفاهيم الجحود .
    السادس : تيسير تقديم السبايا لطلباتهم ورغائبهم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
    وهل هو من مصاديق قوله تعالى [وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا] ( ) الجواب نعم ، بلحاظ تهيئة مقدمات الإطعام وما هو أعم منه ، ولينتفع المسلمون من السنة النبوية في العناية بالأسرى ، ولابد أن هذه الحظيرة كانت لغيرهم من السبايا أيضاً يوضعون فيها ، ثم يفرقون ويعادون إلى أهليهم ، وبما فيه البر والإحسان لهم .
    وقال الواقدي: أنزلت سَفَّانة دار رملة بنت الحارث)( )، وذكر أن عدي بن حاتم هرب حين سمع بحركة الإمام علي عليه السلام، وكان له عين بالمدينة فحذره( )، ومسألة العين , وهذا التحذير بعيد لأن عدياً هرب على عجالة وترك أخته التي ما أن وصلت إليه بعد سبيها حتى وجهت له اللوم والعتاب، وأشارت عليه بالقدوم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وألحت عليه، فقدم إلى المدينة وكانت قصة قدومه هذا ودخوله الإسلام وثيقة عقائدية لما فيها من المسائل , ورشحات معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
    وكانت سفانة (امرأة جزلة)( ).
    وجزلة على معنيين :
    الأول : ذات عقل ورأي( ) .
    الثاني : يقال ( امرأة جَزلةٌ: ذات أردافٍ وعجيزةٍ) ( ).
    وقد يقال باحتمال جمع سفانة بين الأمرين أعلاه .
    والمختار هو الأول أعلاه.
    إذ ذكر هذا الوصف لها عندما مرّ عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , وقامت له لتكلمه وتشكو إليه خصوصاً وأنها بنت الذي اشتهر بالكرم بين أجيال العرب إلى يومنا هذا ، وكان أخوها سيد قومه ويكنى عدي بن حاتم أبا طريف .
    ومن حكمتها وعقلها أنها خاطبت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بصفة الرسالة وليس مثل عدد من رجالات قريش الذين يصرون على الحديث معه باسمه الكريم .
    فقالت : يا رسول الله هلك الوالد ، وغاب الوافد ) ( ) وهي كلمة من الحكمة إذ أشارت إلى أبيها بأنه شخص كريم ولكنه مات ولم تخبر بأن أخاها عدي قد فرّ من خيل المسلمين ، إنما قالت أنه غاب عن الوفود , وفيه مسائل :
    الأولى : أرادت عدم تمكنه من الوصول إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمثول بين يديه .
    الثانية : أنه لو كان حاضراً لما وقع السبي لأنه يستجيب لما يريده المسلمون من دخول الإسلام .
    الثالثة : كان وليها غائباً ، ولم يستطع أن يشفع لها عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
    الرابعة : بيان أن أخاها ذا شأن يسمع له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويقبل شفاعته في قومه رجالاً ونساءً .
    فلم يسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أبيها ، إنما سأل عن الوافد الذي أراد الوفود على النبي صلى الله عليه وآله وسلم لولا غيابه .
    قالت : أخي هو عدي بن حاتم ، ولم تذكر اللقب لأنه كان شخصاً معروفاً عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم والعرب ، وفيه دلالة على معرفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأسماء كبراء قومهم والأنساب .
    فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم الفار من الله ورسوله ، وكأنه تعريض به , فكيف تسمته الوافد وأنه غائب بينما هو فار وهارب .
    ترى لماذا لم يقل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن عدياً هرب من خيل المسلمين ، الجواب من جهات :
    الأولى : بيان حقيقة تأريخية وهي أنه لم يكن القصد من سرية الإمام علي عليه السلام غزو قبيلة طي .
    الثانية : كان عدي بن حاتم على دين النصارى , ويرضى منه المسلمون بالجزية إلا أنه بعد أن التقى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورآى المعجزات الظاهرة أسلم وأحسن وأبناؤه اسلامهم .
    الثالثة : بيان مسألة وهي أن عدياً فرّ من الله عز وجل ومن رسوله وليس من خيل المسلمين .
    الرابعة : ذكر التفاضل بالإيمان , وليس بالشأن والوجاهة عند القبائل ، فالذي يريد العز والمنزلة الرفيعة عليه بالإيمان ، وليس الفرار من الحق والأصل أن يكون الفرار إلى الله ورسوله بالتوبة ،وفي التنزيل [فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ] ( ).
    الخامسة : دلالة نعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عدي بن حاتم بالفار من رسوله أن له الأمان إن حضر ، ولا ضير عليه أبداً .
    ومضى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وفي اليوم التالي مرّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم على حظيرة السبايا , فكلمت سفانة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأجابها بمثل جواب اليوم السابق .
    وفي اليوم الثالث مرّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأرادت عدم الكلام ، ولكن أحد الصحابة الذين خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم اشار لسفانة : أن قومي فكلمي النبي صلى الله عليه وآله وسلم , فلم تتردد بل قامت وقالت (يَا رَسُولَ اللّهِ هَلَكَ الْوَالِدُ وَغَابَ الْوَافِدُ فَامْنُنْ عَلَيّ مَنّ اللّهُ عَلَيْك) ( ).
    عندئذ قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (قَدْ فَعَلْتُ فَلَا تَعْجَلِي بِخُرُوجِ حَتّى تَجِدِي مِنْ قَوْمِك مَنْ يَكُونُ لَك ثِقَةً حَتّى يُبَلّغُك إلَى بِلَادِك ، ثُمّ آذِنِينِي) ( ).
    أي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عزم منذ أول يوم سألته على إطلاقها وارسالها إلى أهلها ، ولكنه أراد لها الصحبة والأمان ، ولم يعين الجهة التي تذهب إليها , ولم يأمرها بأن تعود إلى ذات الموضع الذي جاءت منه ،إنما ترك لها الخيار .
    قالت سفانة (فسألت عن الرجل الذى أشار إلي أن كلميه، فقيل لي : علي بن أبى طالب) ( ).
    وقيل لها : أما تعرفين علياً فهو الذي سباكم .
    قالت : (لا والله، ما زلت مدنية طرف ثوبي على وجهي , وطرف ردائي على برقعي من يوم أسرت حتى دخلت هذه الدار، ولا رأيت وجهه ولا وجه أحد من أصحابه) ( )وفيه دلالة على عفة أهل البيت والصحابة .
    ومرت أيام معدودة فقدم وفد من بلى أو قضاعة يسكنون أطراف الشام ، وهي تريد اللحاق بأخيها عدي الذي فرّ إلى الشام .
    قالت : (فجئت فقلت: يا رسول الله قد قدم رهط من قومي لي فيهم ثقة وبلاغ) ( ).
    ويدل لفظ (فجئت) على أنها والسبايا ليسوا محبوسين في تلك الحظيرة ، إنما كان يقطنون فيها ، وكانت هناك حظيرة خاصة لفقراء المسلمين بجوار المسجد تسمى ( الصفة) .
    واكتفى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقولها في تزكية الذين تريد الذهاب معهم ، واستجاب لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحال , وبالغ في إكرامها من وجوه :
    الأول : قيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكسوة سفانة .
    الثاني : دفع النبي صلى الله عليه وآله وسلم لسَفّانة ناقة تركب عليها ، كيلا تكون عالة على قومها .
    الثالث : اعطاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم لسَفّانة مالاً نفقة لها في الطريق ، كيلا تحتاج الذين تذهب معهم .
    (قَالَتْ : فَكَسَانِي رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ وَحَمَلَنِي ، وَأَعْطَانِي نَفَقَةً فَخَرَجْت مَعَهُمْ حَتّى قَدِمْت الشّامَ) ( ).

قانون صرف الآية القرآنية المسلمين عن القتال
لقد جعل الله عز وجل آيات القرآن إماماً للمسلمين ، وسبيل هداية لهم في أمور الدين والدنيا ، وهي أصل الخير والبركة ، وعلة للصلاح والرشاد ، وبرزخاً دون القتال وسفك الدماء .
ومن مصاديق إحتجاج الله عز وجل على الملائكة [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) بلحاظ الآية القرآنية وجوه :
الأول : حضور الآية القرآنية بين الناس فيتلوها المسلم ويسمعها المسلم وغير المسلم ، ومن إعجاز الآية القرآنية عدم انحصار تلاوتها بالتلفظ بها ، إذ تنفذ مضامينها القدسية إلى شغاف القلوب ، ويدل قوله تعالى [وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ] ( ) على موضوعية سماع آيات القرآن في عصمة المسلمين من الإرتداد ، ومن الشك والريب في رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى [ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ]( ) .
وهذه المسألة من الإعجاز في قراءة المسلمين والمسلمات القرآن خمس مرات في اليوم في الصلاة على نحو الوجوب العيني ، لا يستثنى المريض والعاجز من قانون التلاوة اليومية هذا لأن الصلاة تؤدى على كل حال .
ومن الإعجاز في المقام تشريع صلاة الخوف وقصر الصلاة من جهات :
الأولى : قصر كيفية وأركان وعدد ركعات الصلاة عند إجتماع السفر والخشية من مداهمة العدو ، وفي حال التقاء الصفين .
ويكون قصر الصلاة بضوابط خاصة كما في خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى غطفان لبيان قانون , وهو جواز قصر الصلاة في حال الخوف، وبما لا يجوز في حال الأمن والحضر .
الثانية : قصر عدد ركعات الصلاة في السفر وحده ، قال تعالى [فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا] ( ) .
لقد فرضت الصلاة في مكة قبل هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة , أما الآية أعلاه فنزلت في المدينة المنورة وتتضمن التقصير في الصلاة خشية وخوفاً من الكفار ، مما يدل بالدلالة التضمنية على أنهم يريدون الغدر والبطش بالمسلمين حتى عند إنقطاعهم إلى الله عز وجل ، وتدل عليه أسباب النزول كما يأتي بيانه إن شاء الله .
الثالثة : قصر أركان الصلاة مع الخوف في الحضر وليس في السفر ، وقد تصلى الفريضة فرادا بالتهليل والتكبير والتلاوة من غير ركوع أو سجود عند شدة الخوف ، ووقوع القتال وعدم الفترة فيه ، قال تعالى [فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا] ( ) وفيه حجة على الذين كفروا لأنهم هم الذين يقومون بالغزو ، ويبدأون القتال ، ويتناجون بالباطل والبطش وسفك الدماء بغير حق .
وهل قصر الصلاة في صلاة الخوف من مصاديق قوله تعالى [أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى] ( ) الجواب نعم ، إذ يمنع الكفار المسلمين من أداء الصلاة أوان القتال , أو يحولون دون أداء الصلاة جامعة للشرائط والأركان والواجبات .
وهل يدل ذكر القيام في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ] ( ) على سقوط الوضوء والطهارة عن الذي يصلي صلاة شدة الخوف وهو راكب ، الجواب لا , لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم المستفيض عند المسلمين (لا صلاة إلا بطهور ) ( ).
فينتقل حينئذ إلى الطهارة الترابية بالتيمم ، ولا ينقص من ثواب المصلي شئ ، إنما يزداد الإثم على الذين كفروا .
وفي عدد ركعات صلاة الخوف وجوه :
الأول : صلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أربع ركعات ، وصلت طائفة من الصحابة صلاتهم معه تامة فانصرفوا ليقضوا في قبالة العدو ، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلاة تامة كما في صلاة الظهر أربع ركعات ، وتكون لهم فريضة وللنبي صلى الله عليه وآله وسلم نافلة .
وقيل هذه هي الصلاة التي صلاها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بطن نخل ، ولم يثبت هذا القول وهو يتعارض مع معنى القصر الذي يفيد الإختصار والتخفيف .
الثاني : صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم اربع ركعات في الرباعية ، وتصلي كل طائفة معه ركعتين ، إذ تقف طائفة في وجه العدو وتصلي مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم طائفة ركعتين ليقوموا ويحلوا محلهم ، وتأتي الطائفة الأخرى لتصلي ركعتين معه ، قال تعالى [فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ] ( ).
الثالث : صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ركعتين ، وكل طائفة تصلي ركعة واحدة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابع : صلاة التكبير والتهليل عند التقاء الصفين ، وليس فيها إعادة .
ولا ملازمة بين قصر الصلاة والخوف ، وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي في السفر بأصحابه قصراً ، وهم في حال أمن كما في حجة الوداع .
وقال مالك والأوزاعي ، وسالم بأن أهل مكة يصلون بعرفة ومزدلفة ومنى قصراً , وقال ابو حنيفة والشافعي وأحمد وعطاء ومجاهد والزهري يتم أهل مكة في عرفة ومزدلفة ومنى.
ولكن الظاهر من السنة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جمع وقصّر في الصلاة في عرفة ومزدلفة ومنى وأهل مكة يصلون معه إنما كان إتمام أهل مكة صلاتهم في مكة .
والمختار أن الصلاة في عرفة ومزدلفة ومنى قصراً سواء لأهل مكة أو المقيمين فيها أو عامة وفد الحاج ، وإن كانت المسافة بين عرفة ومحل سكن الحاج في مكة أقل من المسافة الشرعية , فالملاك هو أداؤهم مناسك الحج .
وهو من مصاديق قوله (صلّوا كما رأيتموني أصلّي) ( ) ولم يأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أهل مكة بالإتمام في عرفة ومزدلفة أو عدم الجمع بين الظهرين ، والجمع بين العشائين .
و(عن عمران بن حصين ، قال : غزوت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وشهدت معه الفتح ، فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين يقول : يا أهل البلد ، صلوا أربعا فإنا قوم سفر) ( ).
إن التخفيف عن المسلمين في الصلاة في حال السفر رحمة ، ودعوة لهم للصبر على الذين كفروا ، وعدم مؤاخذتهم بسبب هذا الخوف ، لذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي في السفر قصراً مع تحقق الأمن والأمان ،فصلاة القصر نعمة من الله عز وجل .
وفي قوله تعالى [فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا] ( ) دعوة للمسلمين لأخذ الحائطة والحذر عند أداء الصلاة في السفر ، فقد ذكرت الآية أعلاه الذين كفروا ومحاولتهم فتنة الذين آمنوا .
وقد صلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في عرفة ومزدلفة ومنى قصراً وجمعاً، وكذا فعل في أيام أبي بكر وعمر وشطر من أيام عثمان بن عفان ثم صلاها تماماً، صلاة الظهر أربع ركعات، والعصر أربع ركعات في عرفة، وصلاة العشاء في مزدلفة أربع ركعات، وكذا في منى وأعادها الإمام عليه السلام إلى القصر والجمع، وعمل المسلمين عليه إلى هذا اليوم .
وعن (عبد الرحمن بن يزيد يقول: صلى بنا عثمان بن عفان، بمنى أربع ركعات، فقيل في ذلك لعبد الله بن مسعود فاسترجع، ثم قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب بمنى ركعتين، فليت حظي مع أربع ركعات ركعتان متقبلتان ) ( ) .
(عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى إِسْحَاقَ أَخْبَرَنِى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ يُصَلِّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ إِلاَّ الْمَغْرِبَ حَتَّى رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ. قَالَ قُلْنَا لأَنَسٍ : كَمْ أَقَمْتُمْ بِمَكَّةَ؟ قَالَ : أَقَمْنَا عَشْرَةَ أَيَّامٍ.) ( ).
ترى كيف تصرف الآية القرآنية المسلمين عن القتال ، الجواب من وجوه:
الأول : إنقطاع المسلمين إلى القرآن ، والتدبر في آياته .
الثاني : تهدي الآية القرآنية إلى الصلاح والخشية من الله .
الثالث : تبعث آيات القرآن المسلمين على العمل في طاعة الله ، ومن الإعجاز في تشريع الصلاة خمس مرات في اليوم جعل المسلمين يحرصون على أدائها في أوقاتها .
الرابع : تتغشى آيات القرآن أعمال الإنسان في نهاره وليله ، لتكون بصبغة التقوى ، قال تعالى [فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ]( ).
لقد فرض الله عز وجل الصلاة خمس مرات في اليوم ، لتكون العمل العبادي الشاغل للمسلمين في اليوم والليلة عن الظلم والغزو .
ففي سورة الفاتحة وعن الإمام علي عليه السلام قال (فاتحة الكتاب أعطاها الله محمدا صلى الله عليه وآله وأمته، بدأ فيها بالحمد
والثناء عليه، ثم ثنى بالدعاء لله عز وجل: ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله
يقول: قال الله عز وجل: قسمت الحمد بيني وبين عبدي: فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي
ما سأل، إذا قال العبد: (بسم الله الرحمن الرحيم) قال الله عز وجل: بدأ عبدي باسمي
حق علي أن اتمم له اموره، وابارك له في أحواله. فإذا قال: (الحمد لله رب العالمين)
قال الله عز وجل: حمد لي عبدي، وعلم أن النعم التي له من عندي، والبلايا التي اندفعت عنه بتطولي، اشهدكم أني اضعف
له نعم الدنيا إلى نعيم الاخرة، وأدفع عنه بلايا الاخرة، كما دفعت عنه بلايا
الدنيا، فإذا قال: (الرحمن الرحيم) قال الله عز وجل: شهد لي بأني الرحمن الرحيم
اشهدكم لاوفرن من رحمتي حظه، ولاجزلن من عطائي نصيبه، فإذا قال: (مالك يوم الدين)
قال الله عز وجل: اشهدكم كما اعترف بأني أنا المالك ليوم الدين، لاسهلن يوم الحساب
حسابه، ولا تقبلن حسناته، ولا تجاوزن عن سيئاته. فإذا قال العبد: (إياك نعبد) قال
الله عزوجل: صدق عبدي إياي يعبد، لاثيبنه عن عبادته ثوابا يغبطه كل من خالفه في
عبادته لي، فإذا قال: (وإياك نستعين) قال الله عز وجل بي استعان وإلى التجاء، اشهدكم
لاعيننه على أمره ولاغيثنه في شدايده، ولاخذن بيده يوم القيامة عند نوائبه. وإذا
قال: (اهدنا الصراط المستقيم) إلى آخرها، قال الله عز وجل: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل،
قد استجبت لعبدي، وأعطيته ما أمل، وآمنته مما منه وجل. قيل: يا أمير المؤمنين
أخبرنا عن [بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] ( ) أهي من فاتحة الكتاب ؟ قال: نعم، كان رسول الله
صلى الله عليه وآله يقرؤها ويعدها آية منها، ويقول: فاتحة الكتاب هي السبع المثاني،
فضلت ببسم الله الرحمن الرحيم ، وهي الآية السابعة منها) ( ).
لقد جعل الله عز وجل الآية القرآنية ضياء سماويا ينفذ إلى شغاف القلوب فيملأها نوراً , ويجعل القارئ والسامع لها في بهجة وغبطة ، وحال تدبر في معانيها ومصاديقها في عالم الواقع ، وتنقله الآية القرآنية إلى عالم الآخرة ، ولزوم الإستعداد لمواطنها .
ومن خصائص الآية القرآنية أنها تجعل صاحبها يشفق على نفسه وعلى غيره ، لذا فالآية القرآنية على وجوه :
الأول : تحث الآية القرآنية على الصبر , وتجعله جلباباً للمؤمن ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ] ( ) .
الثاني : تبعث الآية القرآنية النفرة في النفوس من القتال .
الثالث : تبين آيات القرآن مجتمعة ومتفرقة الإستغناء عن القتال في الدعوة إلى الله ، لأن كل آية حجة وبرهان على لزوم عبادته سبحانه من جهات :
الأولى : نزول الآية القرآنية من عند الله .
الثانية : موضوعية كون الآية القرآنية كلام الله .
الثالثة : مضامين الآية القرآنية .
الرابعة : نظم آيات القرآن , والمعاني غير المتناهية المترشحة عن الصلة بين كل آيتين من القرآن.
الخامسة : تلاوة المسلمين للآية القرآنية خمس مرات في اليوم ، ولا يعلم المنافع المترشحة عن هذه التلاوة إلا الله عز وجل ، وهو من عمومات قوله تعالى [وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا] ( ).
الرابع : تدعو الآية القرآنية المسلم للإنشغال بعبادته وإصلاح نفسه بعيداً عن الرغبة في القتال ، وهل هو من مصاديق قوله تعالى [بَلْ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ] ( ) الجواب نعم .
الخامس : مجئ آيات القرآن بالرحمة والرأفة .
ومن إعجاز القرآن في المقام إبتداء كل سورة منه بالبسملة بغض النظر عن الخلاف بين العلماء ، هل البسملة جزء من كل سورة وردت في أولها أم أنها نزلت للفصل بين السور , مع الإجماع على أنها جزء من سورة الفاتحة .
والمختار أنها جزء من كل سورة ، ومن الإعجاز في المقام مجئ سور التوبة من غير بسملة من بين مائة وأربع عشرة سورة ، فجاءت البسملة في نظم سورة النمل ، قاتل تعالى [إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِاسم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] ( ) وتحتمل آية البسملة بالنسبة للقتال وجوهاً :
الأول : تبعث آية البسملة النفرة من القتال .
الثاني : تنشر آية البسملة شآبيب الرحمة بين المسلمين .
الثالث : تدعو آية البسملة المسلمين للرأفة والرحمة بغيرهم من الناس .
الرابع : تجذب آية البسملة الناس جميعاً إلى منازل الرحمة والعفو ، وتبين لهم قانوناً , وهو أن الإسلام دين الرحمة ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ) .
فان قلت من آيات القرآن ما تأمر المسلمين بالقتال ، كما في قوله تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً] ( ) والجواب من جهات :
الأولى : لم تقل الآية أغزوا الذين يلونكم ) أو اهجموا عليهم إنما قالت[قَاتِلُوا] وتدل الآيات الأخرى والسيرة والوقائع على أن المشركين هم الذين يهجمون ويغزون ثغور وبلدة المسلمين ، وهي المدينة المنورة .
ويكون من تقدير الآية أعلاه : وقاتلوا الذي يقاتلونكم من الكفار الذين يلونكم دون غيرهم من الكفار ) بدليل التقييد والبيان في قوله تعالى [وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا] ( ) .
وقد ورد الأمر من عند الله عز وجل للمسلمين بالقتال بلفظ [قَاتِلُوا] ثمان مرات منها مرة الأمر بقتال الفئة الباغية من المسلمين والتي تصر على القتال , والبغي هو الظلم والفجور والعدوان على الغير وحقه ، ولكنه في نظم الآية أعلاه ، على المختار هو العودة إلى القتال ، وليس مطلق البغي والظلم والتعدي إلى أن تستجيب لأمر الله أي أن قتال الفئة الباغية لا يقف عند توقفها عن القتال إنما يجب عليها أن تعود إلى حكم القرآن والسنة ، فأمر الله المسلمين بالقتال على وجوه :
الأول : عند الضرورة , وهذه الضرورة مقيدة بالدفاع ، ويمكن تسميتها باصطلاح (الضرورة الدفاعية ).
الثاني : منع استمرار القتال .
الثالث : دفع وصرف القتال .
الرابع : إرادة خلو الأرض من القتال ، وهذا الخلو من فيوضات تفضل الله عز وجل ببعث الأنبياء وانزال الكتب السماوية إلى أن ختمها بالقرآن ليبقى يدعو الناس كل يوم إلى الوئام والوفاق ، وهو من أسرار تلاوة كل مسلم ومسلمة آيات القرآن خمس مرات في اليوم .
قانون رجوع كفار قريش من القتال خائبين
من خصائص النبوة مجئ الفضل العظيم للذين آمنوا وتوالي مصاديق هذا الفضل وعدم إنقطاعه سواء في الدنيا أو الآخرة ، ونزول البلاء وأسباب الخزي بالذين يحاربون النبوة والتنزيل , ويصرون على إيذاء الذين آمنوا ، ومنه بعث الخوف في قلوبهم لقوله تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ] ( ) .
ويمكن تقسيم هذا الخوف عدة تقسيمات بحسب اللحاظ والموضوع منها من جهة القتال , إذ يكون على وجوه :
الأول : خوف الذين كفروا قبل وقوع القتال .
الثاني : فزع وخوف الذين كفروا عند تهيئة مستلزمات القتال وإعداد الخطط له .
الثالث : خوف ورعب الذين كفروا أثناء القتال .
الرابع : فزع وخوف الذين كفروا بعد القتال .
وقد إجتمعت وجوه الخوف هذه عند جيش الذين كفروا في معركة أحد عندما سمعوا بملاحقة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لهم بعد الواقعة مما حملهم على التعجيل وإسراع الخطى للعودة إلى مكة , وهذا التعجيل وحده من مصاديق قوله تعالى [فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ] ( ).
وهناك تراجع عن القتال ورجوع عنه ، وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يحرص على تراجع الكفار عنه ، وعودتهم إلى الرشد ، وترك الغي وعصبية الجاهلية الأولى التي تترشح من تقديس الأصنام والتزلف إليها وبها ، ولكنهم يصرون على القتال ويأبون التراجع ، فيكون رجوعهم بعد القتال خزياً لهم ، وهو الذي يدل عليه مفهوم قوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ] ( ).
وللآية أعلاه معاني وفق مفهوم المخالفة الذي يعني البيان والحكم الذي يثبت للمسكوت عنه ، نقيض وخلاف الحكم الذي يتضمنه المنطوق .
لقد بينت الآية أعلاه في منطوقها نصر المسلمين وزوال حال الذل عنهم ، فيكون تقديرها وفق مفهوم المخالفة على وجوه :
الأول : ولقد هزم الله الذين كفروا ببدر.
ومن الإعجاز في المقام أن قوله تعالى [فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى]( ) نزلت في معركة بدر ، قال عبد الله بن رواحة يوم بدر(يا رسول الله إني أريد أن أشير عليك – ورسول الله أفضل من أن نشير عليه – إن الله أجل وأعظم من أن تَنْشُدَهُ وعده .
فقال : يا ابن رواحة لأنْشُدَنَّ اللهَ وعده فإن الله لا يخلف الميعاد ، فأخذ قبضة من التراب فرمى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجوه القوم فانهزموا ، فأنزل الله { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى }( ) فقتلنا وأسرنا) ( ).
الثاني : لقد نصركم الله ببدر على القوم الكافرين .
وفي التنزيل [رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ] ( ).
الثالث : لقد نصركم الله ببدر ليصير الذين كفروا في ذل هوان .
الرابع : لقد نصركم الله ببدر فقُتل سبعون وأُسر سبعون من المشركين .
الخامس : لقد نصركم الله ببدر ليرجع كفار قريش خائبين .
السادس : لقد نصركم الله ببدر إنذاراً للمشركين .
السابع : لقد نصركم الله ببدر [وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ] ( ).
الثامن : لقد نصركم الله ببدر [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا]( ).
لقد جاء عنوان هذا القانون وهو رجوع كفار قريش عن القتال على نحو الإجمال والمفهوم ، وإلا فان الكفار الذين يخرجون إلى قتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يعودون كلهم ، وهو من معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم والشواهد على صدق نبوته ، وفيه مسائل :
الأولى : زجر الناس عن محاربة الأنبياء .
الثانية : إنه من مصاديق احتجاج الله عز وجل على الملائكة بقوله تعالى [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ) عندما احتجوا على جعل آدم [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( ) فهو سبحانه يعلم بهلاك طائفة من المشركين عند إفسادهم في الأرض وإصرارهم على محاربة الأنبياء .
ومن مصاديق أفضلية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن تأريخ جهاده , وتفاصيل دفاعه , وكيفية قتاله للمشركين وثيقة تتوارثها الأجيال المتعاقبة لتكون موعظة وعبرة للناس جميعاً ، وهل هو من مصاديق قوله تعالى [لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ] ( ) أم أن القدر المتيقن من الآية هم الأنبياء السابقون .
الثالثة : هناك تباين وتضاد بين الإيمان والكفر وما يتفرع عنهما ، ومنه حال وهيئة عودة المؤمنين من المعركة بالشكر لله عز وجل ومعاني العز والفخر ، وبين عودة الذين كفروا بالذل والخيبة ، وفي التنزيل [قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ] ( ).
الرابعة : كان المؤمنون يعودون برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سالماً ويعود الكافرون إلى أهليهم وقد فقدوا طائفة من رؤسائهم مع العجز عن تحقيق أي مكسب أو نفع من غزوهم وهجومهم .
ويرجع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من ميدان الدفاع ليجد فوجاً من الناس قد وفدوا إلى المدينة معلنين إسلامهم ، ومستعدين للخروج في سرايا الدفاع ، ويرى كيف أن الصحابة والصحابيات في المدينة يتعاهدون الصلاة والواجبات العبادية ،ويعود الذين كفروا إلى مكة ليجدوا طائفة من أهلها قد دخلوا الإسلام , وآخرين قد هاجروا إلى المدينة هربوا بدينهم ، وفي لوط ورد في التنزيل [فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مهاجر إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ]( ) إذ هاجر كل من إبراهيم ولوط من بلاد بابل التي ورد ذكرها في القرآن إلا بلاد الشام .
وقيل كانت الهجرة من كوثي من سواد الكوفة وهي أيضاً تتبع إلى بابل جغرافياً ، وهناك موضع في مكة اسمه كوثى وهو منزل بني عبد الدار ، وهجرة ابراهيم ولوط من الأول .
قال ابن الأعرابي (واختلف الناس في قول علي عليه السلام نحن من كوثى فقال: قوم أراد كوثى السواد التي وُلد بها إبراهيم الخليل، وقال آخرون: أراد بقوله كوثى مكة وذلك أن محلة بني عبد الدار يقال لها: كوثى فأراد أننا مكيون من أم القرى مكة. قال أبو منصور: والقول هو الأول لقول علي عليه السلام فإننا نبط من كوثى ولو أراد كوثى مكة لما قال: نبط، وكوثى العراق هي سُرة السواد .
وأراد عليه السلام أن أبانا إبراهيم عليه السلام كان من نبط كوثى وأن نسبنا ينتهي إليه ونحو ذلك , قال ابن عباس: نحن معاشر قريش حي من النبط من أهل كوثى، والأصل آدم والكرم التقوى والحسب الخُلُق وإلى هذا انتهت نسبة الناس وهذا من علي وابن عباس تبرؤ من الفخر بالأنساب، وردع عن الطعن فيها، وتحقيق لقول اللهَ عز وجل ” إن أكرمكم عند الله أتقاكم ” ( )”وقد نسب إليها كوثي وكوثاني) ( ).
وفي معركة أحد وبعد أن خسر المسلمون سبعين شهيداً , وظهرت الجراحات الشديدة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه مرّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند عودته إلى المدينة ببيوت بني النجار وهم أخواله ، وكانت إلى الأمس القريب مجاورة إلى المسجد النبوي من جهة مقبرة البقيع .
وفيهم امرأة (وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأحد؛ فلما نعوا إليها , قالت : فما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟
قالوا: خيراً يا أم فلان؛ هو بحمد الله كما تحبين .
قالت: أرنيه حتى أنظر إليه، فأشير لها إليه حتى إذا رأته .
قالت كلمتها الخالدة : كل مصيبة بعدك جللٌ !) ( ).
لقد كانت الإطلالة البهية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على المدينة على وجوه :
الأول : كل مرة ينقلب فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم من السرايا وميدان القتال تكون عيدا لأهل المدينة ، وباعثا للسكينة في نفوسهم ، وهو من مصاديق قوله تعالى [هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ] ( ).
الثاني : في رجوع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة تثبيت لأركان الإسلام ومعالم الدين ، وتجديد للنطق بالشهادتين , وترغيب إقامة الصلاة اليومية باتقان ، وإتيان الزكاة وأداء الحج الواجب مرة واحدة في العمر والمستحب المتعدد ، وصوم شهر رمضان , قال تعالى [وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ]( ) .
الثالث : توالي نزول آيات القرآن ، إذ أنها لا تنزل إلا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابع : خيبة وكبت المنافقين , وفي كل مرة يعود فيها النبي صلى الله عيه وآله وسلم وأصحابه إلى المدينة زجر للمنافقين , ودعوة لهم للتوبة والإنابة ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ] ( ) ليكون رجوع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه سالمين من الخروج في السرايا وميادين القتال سبباً لإمتلاء نفوس المنافقين بالحسرة والأسى .
الخامس : في عودة النبي محمد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة عزّ للمؤمنين سواء المهاجرين والأنصار أو عموم المؤمنين في مكة والقرى وعند الأعراب ، وهذه العودة من مصاديق قوله تعالى [وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ] ( ).
السادس : بيان فضل الله عز وجل بحفظ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الكيد ومكر الكافرين ، وكيف أن الله يدفع عنه كيد الفجار ، ويصرف عنه شرور عزائمهم في إرادة قتله ، وفي التنزيل [وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ] ( ).
السرايا التي بعثها رسول الله ص
الأولى : سرية حمزة بن عبدالمطلب إلى سِيفِ البحر في رمضان من السنة الأولى للهجرة.
الثانية : سرية عُبَيدة بن الحارث إلى بطن رَابِغ في شوال من السنة الأولى للهجرة.
الثالثة : سرية سعد بن أبي وقاص إلى الخَرَّار في ذي القعدة من السنة الأولى للهجرة .
الرابعة : سرية سعد بن أبي وقاص إلى حيٍّ من كنانة في رجب من السنة الثانية للهجرة.
الخامسة : سرية عبد الله بن جحش إلى نخلة في رجب من السنة الثانية للهجرة .
السادسة : سرية عمير بن عَدِي لقتل عَصْماء بنت مَرْوان في رمضان من السنة الثانية للهجرة.
السابعة : سرية سالم بن عُمَير إلى أبي عَفَك اليهودي في شوال من السنة الثانية للهجرة.
الثامنة : سرية محمد بن مَسْلمة لقتل كَعْب بن الأشرف في ربيع الأول من السنة الثالثة للهجرة.
التاسعة : سرية زيد بن حارثة إلى القَرْدة في جمادى الآخرة من السنة الثالثة للهجرة.
العاشرة : سرية أبي سلمة إلى طُلَيحة الأسدي في المحرَّم من السنة الرابعة للهجرة.
الحادية عشرة : سرية عبدالله بن أُنَيس إلى خالد الهُذَلي في المحرم من السنة الرابعة للهجرة.
الثانية عشرة : سرية الرَّجِيع في صفر من السنة الرابعة للهجرة.
الثالثة عشرة : سرية بئر مَعُونة في صفر من السنة الرابعة للهجرة.
الرابعة عشرة : سرية عمرو بن أبي أمية لقتل أبي سفيان في السنة الرابعة للهجرة .
الخامسة عشرة : سرية عبد الله بن عَتِيك لقتل أبي رافع سلاَّم بن أبي الحُقَيق في ذي الحجة من السنة الخامسة للهجرة.
السادسة عشرة: سرية محمد بن مَسْلَمة إلى القُرْطاء في المحرم من السنة السادسة للهجرة.
السابعة عشرة : سرية عُكَّاشة إلى الغَمْر في ربيع الآخر من السنة السادسة للهجرة.
الثامنة عشرة : سرية محمد بن مَسْلمة إلى ذي القَصَّة في ربيع الآخر من السنة السادسة للهجرة .
التاسعة عشرة : سرية أبي عُبَيدة إلى ذي القَصَّة في ربيع الآخر من السنة السادسة للهجرة.
العشرون : سرية زيد بن حارثة إلى بني سليم بالجَمُوم ربيع الآخر من السنة السادسة للهجرة.
الحادية والعشرون : سرية زيد بن حارثة إلى العِيص في جمادى الأولى من السنة السادسة للهجرة.
الثانية والعشرون : سرية زيد بن حارثة إلى الطَّرِف في جمادى الآخرة من السنة السادسة للهجرة.
الثالثة والعشرون : سرية زيد بن حارثة إلى حِسْمَى في جمادى الآخرة من السنة السادسة للهجرة.
الرابعة والعشرون : سرية زيد بن حارثة إلى وادي القُرَى في رجب من السنة السادسة للهجرة .
الخامسة والعشرون : سرية عبدالرحمن بن عوف إلى دُومَة الجَنْدَل في شعبان من السنة السادسة للهجرة .
السادسة والعشرون : سرية علي بن أبي طالب عليه السلام إلى فَدَك في شعبان من السنة السادسة للهجرة .
السابعة والعشرون : سرية زيد بن حارثة إلى أم قِرْفَة في رمضان من السنة السادسة للهجرة.
الثامنة والعشرون : سرية عبدالله بن رَوَاحة إلى أُسَير بن زَارِم في شوال من السنة السادسة للهجرة.
التاسعة والعشرون : سرية كُرْز بن جابر إلى العُرَنِيِّين في شوال من السنة السادسة للهجرة.
الثلاثون : سرية الخَبَط في السنة السادسة للهجرة .
الحادية والثلاثون : سرية بني عَبْس في السنة السادسة للهجرة.
الثانية والثلاثون : سرية أبان بن سعيد قِبَل نَجْد في السنة السابعة للهجرة.
الثالثة والثلاثون : سرية غالب بن عبدالله الليثي إلى بني ثَعْلبة في صفر من السنة السابعة للهجرة.
الرابعة والثلاثون : سرية أبي بكر إلى بني فَزَارة بنجد في شعبان من السنة السابعة للهجرة.
الخامسة والثلاثون : سرية عمر بن الخطاب إلى تُرْبَة في شعبان من السنة السابعة للهجرة .
السادسة والثلاثون : سرية بشير بن سعد إلى بني مرَّة بفَدَك في شعبان من السنة السابعة للهجرة.
السابعة والثلاثون : سرية غالب بن عبدالله الليثي إلى المِيفَعة في رمضان من السنة السابعة للهجرة.
الثامنة والثلاثون : سرية بشير بن سعد إلى يَمْن وجَبَار في شوال من السنة السابعة للهجرة .
التاسعة الثلاثون : سرية أبي العَوْجاء السُّلَمي إلى بني سليم في ذي الحجة من السنة السابعة للهجرة.
الأربعون : سرية غالب بن عبدالله الليثي إلى بني المُلَوِّح بالكَدِيد في صفر من السنة الثامنة للهجرة .
الحادية والأربعون : سرية غالب بن عبدالله الليثي إلى فَدَك في صفر من السنة الثامنة للهجرة.
الثانية والأربعون : سرية شجاع بن وَهْب الأسدي إلى بني عامر في ربيع الأول من السنة الثامنة للهجرة .
الثالثة والأربعون : سرية كعب بن عُمَير الغِفَاري إلى ذات أَطْلاح في ربيع الأول من السنة الثامنة للهجرة.
الرابعة والأربعون : سرية زيد بن حارثة إلى مَدْين في السنة الثامنة للهجرة .
الخامسة والأربعون : سرية مُؤتَة في جمادى الأولى من السنة الثامنة للهجرة.
السادسة والأربعون : سرية ذات السلاسل في جمادى الآخرة من السنة الثامنة للهجرة .
السابعة والأربعون : سرية أبي قتادة إلى خَضِرة في شعبان من السنة الثامنة للهجرة.
الثامنة والأربعون : سرية أبي حَدْرَد إلى الغابة في شعبان من السنة الثامنة للهجرة .
التاسعة والأربعون : سرية أبي قتادة إلى إِضَم في رمضان من السنة الثامنة للهجرة .
الخمسون : سرية أسامة بن زيد إلى الحُرقات في السنة الثامنة للهجرة.
الحادية والخمسون : سرية خالد بن الوليد لهدم العُزَّى في رمضان من السنة الثامنة للهجرة.
الثانية والخمسون :سرية عمرو بن العاص لهدم سُوَاع في رمضان من السنة الثامنة للهجرة.
الثالثة والخمسون : سرية سعد بن زيد الأَشْهَلي لهدم مَنَاة في رمضان من السنة الثامنة للهجرة.
الرابعة والخمسون : سرية خالد بن الوليد إلى بني جُذَيمة في شوال من السنة الثامنة للهجرة.
الخامسة والخمسون : سرية قيس بن سعد بن عُبَادة إلى صُدَاء في السنة الثامنة للهجرة.
السادسة والخمسون : سرية أَوطاس في شوال من السنة الثامنة للهجرة.
السابعة والخمسون : سرية الطُّفَيل بن عمرو الدَّوْسي لهدم ذي الكفَّينِ في شوال من السنة الثامنة للهجرة.
الثامنة والخمسون : سرية عُيَيْنة بن حِصْن إلى بني تميم في المحرم من السنة التاسعة للهجرة .
التاسعة والخمسون : سرية قُطْبة بن عامر إلى خَثْعَم في صفر من السنة التاسعة للهجرة .
الستون : سرية الضحَّاك بن سفيان إلى القُرْطاء في ربيع الأول من السنة التاسعة للهجرة .
الحادية والستون : سرية علقمة بن مُجَزِّز إلى الأحباش بجُدَّة في ربيع الآخر من السنة التاسعة للهجرة.
الثانية والستون : سرية الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام لهدم الفُلْس في ربيع الآخر من السنة التاسعة للهجرة .
الثالثة والستون : سرية عُكَّاشة بن مِحْصَن إلى الجِبَاب في ربيع الآخر من السنة التاسعة للهجرة.
الرابعة والستون : سرية طَلْحَة بن عُبَيد الله لحرقِ بيت سُوَيلم في رجب من السنة التاسعة للهجرة .
الخامسة والستون : سرية خالد بن الوليد إلى أُكَيدر ملك دُومَة في رجب من السنة التاسعة للهجرة.
السادسة والستون : سرية خالد بن الوليد إلى خَثْعم في السنة التاسعة للهجرة .
السابعة والستون : سرية المغيرة بن شعبة لهدم اللاَّت في رمضان من السنة التاسعة للهجرة .

الثامنة والستون : سرية خالد بن سعيد بن العاص إلى اليمن في السنة التاسعة للهجرة .
التاسعة والستون : سرية خالد بن الوليد إلى بني عبد المَدَان بنَجْران في ربيع الآخر من السنة العاشرة للهجرة.
السبعون : سرية إلى رِعْية السُّحَيمي في السنة العاشرة للهجرة .
الحادية والسبعون : سرية الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام إلى اليمن في رمضان من السنة العاشرة للهجرة .
الثانية والسبعون : سرية جَرير بن عبدالله البَجَلي لهدم ذي الخَلَصة في رمضان من السنة العاشرة للهجرة .
الثالثة والسبعون : سرية أسامة بن زيد إلى البَلْقاء بالشام في صفر من السنة الحادية عشرة للهجرة
سرية سعد إلى حي من كنانة
لقد اختار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الهجرة من مكة إلى يثرب ، وهذا الإختيار نوع ضرورة , وتفضل الله عز وجل وهيئ مقدماته ، وجعله مناسبة ووسيلة للنصر والغلبة ، إذ بايعه طائفة من الأوس والخزرج من أهل المدينة ، وهو في مكة وتعهدوا بالذب عنه عند وصوله إليهم ، أي أنهم غير مسؤولين عما يحدث له في مكة بين أهله وقومه الذين كان أكثرهم على الكفر والضلالة ، كما أنهم لا يرسلون وفداً يصاحبه من مكة إلى المدينة عندما يقوم بالهجرة ، ولا يستقبلونه وسط الطريق .
ولا يدل هذا التعهد على إرادة القتال والعزم عند وصول النبي صلى الله عليه وآله وسلم إليهم ، إنما هو دفاع محض ، ومحدود ومقيد بحدود ذات المدينة ، وأمر محتمل , وعدم الخروج حتى للدفاع .
وكانت ليلة الخروج من أشق الليالي في تأريخ الإنسانية جميعاً إذ اختار كبار رجالات قريش عشرة من الفتيان , كل واحد من قبيلة ليقوموا بقتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو نائم في فراشه ويتفرق دمه بين القبائل ، فيرضى بنو هاشم بالدية ولا يثأرون له ، خاصة بعد الأذى الذي لاقوه بالحصار في شعب أبي طالب نحو ثلاث سنين ، وبعد وفاة أبي طالب الذي كان مهاباً في قريش ، ويقوم بالذب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة , وأدرك الناس الشأن العظيم للنبوة وانبساط حكم الإسلام في المدينة ، وقيام سرايا المسلمين بالخروج منها والعودة إليها مدججين بالسلاح ، مع إزدياد أعداد أفراد السرايا وكثرة رواحلهم ، وصارت أخبار بناء المسلمين المساجد في المدينة , وإقامتهم الصلاة فيها , وفي البيوت تنتشر في أطراف الجزيرة وعند القبائل .
وصارت النفوس تميل إلى الإطلاع على هذه الرياض الناضرة لعمومات قوله تعالى [فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ] ( ) واشتاق الناس لرؤية الطلعة البهية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والإنصات له في تلاوته آيات القرآن وفي خطبه وأحاديثه ، والإنجذاب إلى حال الخشوع لله التي تظهر على محياه عند الحديث مع الناس أي أنه لا ينسى ذكر الله واستحضار الخوف والخشية منه حتى في خضم الإنشغال مع الناس ، وهو من مصاديق تفضل الله عز وجل بالإجابة بالتنزيل عن الأسئلة التي توجه له كما في قوله تعالى [وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا]( ).
وكما في قوله تعالى [يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ] ( )
وممن جاء إلى المدينة بعد إقامة النبي فيها رجال من قبيلة جهينة ، وعن سعد بن أبي وقاص أنهم ( قالوا له إنك قد نزلت بين أظهرنا فأوثق حتى نأتيك وقومنا، فأوثق لهم، فأسلموا.
قال : فبعثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في رجب ولا نكون مائة) ( ).
وتوجهوا نحو حي من بني كنانة , وكان عدد أهل الحي كثيراً وهم الذين هجموا على المسلمين الذين لجأوا إلى جهينة ، فمنعوهم وردوا بني كنانة عنهم .
ولكن جهينة سألوهم وقالوا لهم (لم تقاتلون في الشهر الحرام ؟
فقال بعضنا لبعض: ما ترون ؟ .
فقال بعضنا: نأتي نبي الله فنخبره.
وقال قوم: لا بل نقيم ها هنا.
وقلت أنا في أناس معي : لا بل نأتي عير قريش فنقطعها) ( ).
بلحاظ أن سرية المسلمين خرجت في شهر رجب , وهو شهر حرام ليدل هذا الخبر في ظاهره على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يأمرهم بالقتال ولا الإغارة على عير قريش ، ولو أمرهم بأحدهما لما اختلفوا وتخاصموا ، وقالت طائفة منهم بالرجوع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإخباره .
ثم انقسمت السرية إلى قسمين :
الأول : الذين ذهبوا إلى عير قريش لقطع طريقها , ومعهم سعد بن أبي وقاص.
الثاني : الذين ذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليخبروه بما جرى لهم ، وكيف أن بعضهم أراد الإغارة على عير لقريش , وهم في شهر حرام ، ولما أخبروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بما جرى لهم ، غضب وقام معمر محمر الوجه .
وقال : (أذهبتم من عندي جميعا ورجعتم متفرقين إنما أهلك من كان قبلكم الفرقة لابعثن عليكم رجلا ليس بخيركم أصبركم على الجوع والعطش فبعث علينا عبد الله بن جحش الاسدي فكان أول أمير في الاسلام) ( ).
سرية عبد الله بن جحش إلى نخلة
في شهر رجب من السنة الثانية للهجرة بعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عبد الله بن جحش الأسدي في اثني عشر من المهاجرين وقيل ثمانية إلى نخلة وهي بين مكة والطائف ، وكتب النبي صلى الله عليه وآله وسلم كتاباً لعبد الله بن جحش وأمره ألا يفتحه وينظر فيه إلا بعد أن يسيروا يومين ، فقطعوا مسافة اليومين في الطريق ففتح الكتاب وقرأه ، وإذا فيه :
إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف ، فترصد بها عير قريش وتعلم لنا من اخبارهم .
وفي الكتاب مسائل :
الأولى : تقييد وظيفة السرية بالرصد .
الثانية : تعيين موضوع الرصد ، وهو عير وقافلة لقريش .
الثالثة : عدم التعرض للقافلة , وتدل عليه أمور :
الأول : قلة عدد أفراد السرية .
الثاني : عدم استعداد السرية للقتال في العدة والسلاح والكراع .
الثالث : ليس من وصية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للسرية بخصوص القتال أو الدفاع .
الرابع : خروج السرية في شهر حرام , وهو شهر رجب .
الخامس : أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم لآمر السرية بعدم فتح كتابه إلا بعد مسيرة يومين كي يدرك أفراد السرية أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يريد لهم القتال والتهيئ له .
السادس : عدم حدوث سابقة في السرايا التي خرج فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتعرض للقوافل ، فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يخرج إلى المدينة بأصحابه أو يبعثهم في سرايا ويعودون إلى المدينة من غير تعرض لقوافل قريش مع أنها متعاقبة ، ويدل على هذا التعاقب قوله تعالى [لِإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ] ( ).
لبيان نكتة وهي رجحان كون خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الأبواء وغطفان وبواط وبدر الأولى وذي العشيرة وبحران من غير قصد الإستيلاء على قوافل قريش ، ليس للإستصحاب القهقري وان كان صحيحاً في المقام ، ولكن لوحدة الموضوع في تنقيح المناط وحجية الظاهر , وسنخية النبوة , وملازمة الأخلاق الحميدة لها .
ترى لماذا كتب النبي صلى الله عليه وآله وسلم الكتاب وأمر عبد الله بن جحش ألا يفتحه إلا بعد يومين ، فيه مسائل :
الأولى : تنمية ملكة السرِّية والكتمان في تعيين الجهة التي تتوجه إليها سرايا المسلمين .
الثانية : بيان طاعة المهاجرين والأنصار للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيما يأمرهم به , وهو من عمومات قوله تعالى [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ] ( ).
الثالثة : دعوة المسلمين للإقرار بأن ما يأمر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم شعبة من الوحي .
الرابعة : حث المسلمين على العمل بكتاب وتوصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى في حال البعد في السفر عنه ، وهل فيه مقدمة لعمل التابعين وتابعي التابعين بقول وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى ، الجواب نعم .
الخامسة : إرادة وثوق أفراد السرية بالأمير .
السادسة : منع الإختلاف بين أفراد السرية .
السابعة : بيان معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بملائمة ما يكتبه مع الحال ، وصيرورة أوامره سبباً للفلاح .
الثامنة : تأكيد نهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه عن القتال.
التاسعة : بيان الضبط والإنضباط عند المسلمين .
العاشرة : كبت المنافقين , ومنعهم من تثبيط عزائم المؤمنين .
(عن معاذ بن جبل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان ، فإن كل ذي نعمة محسود) ( ).
ويتصف المنافقون بخصال وهي :
الأولى : إضمار الكفر في ذات الوقت الذي يظهرون فيه الإسلام , ويدّعون الإيمان , وفي التنزيل [وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمْ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لاَ يَعْلَمُونَ] ( ).
الثانية : الحضور مع المسلمين في الصلاة .
الثالثة : عدم كشف المنافقين عن حال الكفر التي يضمرون ، فقد يطمأن لهم المسلمون ويخبرونهم عن نواياهم في الخروج في السرايا ونحوه .
الرابعة : خروج المنافقين مع المسلمين في السرايا ، وحضورهم القتال طمعاً بالغنائم , وإرادة حبط عمل المؤمنين .
وجاءت سورة المنافقين بما يدل على هذا المعنى والمفهوم ، وفي التنزيل [يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ] ( ).
الخامسة : إدّعاء المنافقين أنهم يريدون الإصلاح ودفع الضرر ، وفي التنزيل [وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ] ( ).
السادسة : إثارة المنافقين والمنافقات الفتن ، وتوجيه اللوم للصحابة لأنهم اختاروا الدفاع عن النبوة والتنزيل .
السابعة : التربص بالمؤمنين ، وتمني شطر من المنافقين مجئ جيوش المشركين إلى المدينة للفتك بهم .
الثامنة : اكتئاب وحزن المنافقين عند نصر المسلمين ، وفرحهم إذا نزلت خسارة ومصيبة بالمسلمين ، وفي التنزيل [قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا] ( ).
التاسعة : لجوء المنافقين إلى الإعتذار والإمتناع عن أداء الواجبات باعذار واهية ، وفي التنزيل [وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا] ( ).
العاشرة : بث الإشاعات الضارة واثارة الشكوك والرياء .
ولما وصلت سرية عبد الله بن جحش إلى موضع نخلة صاروا يترصدون قريشاً من غير خوف أو وجل مع شدة الخطر من جهات :
الأولى : إبتعاد السرية عن المدينة .
الثانية : قلة أفراد السرية .
الثالثة : كثرة رجال قريش ، وحرصهم على الدفاع عن قوافلهم ، وعزمهم على إيذاء المسلمين والبطش بهم ، وفي التنزيل [لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلاَ ذِمَّةً] ( ).
الرابعة : عدم توجه الأمر من النبي صلى الله عليه وآله وسلم لآمر وأفراد السرية بالقتال ، إنما كانت وظيفة السرية الإستطلاع والرصد والإحاطة باخبار قريش , وليس قتالهم ، إنما لدفع أذاهم ، والمنع من مباغتتهم المسلمين قال تعالى [وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا] ( ) .
لقد حرص النبي صلى الله عليه وآله وسلم على تنمية ملكة الحيطة والحذر عند المسلمين ، ومنها ارسال سرايا الإستطلاع التي صارت الجيوش الحديثة توليها عناية خاصة ، وتقدم فيها التضحيات ، ثم أولت اهتماما بأجهزة الرصد الحديثة كالرادار والأقمار الصناعية والطائرة من غير طيار .
وقد قام أفراد السرية بالتعرض لقافلة لقريش .
فمرت عليهم عير لقريش فيها أصناف من التجارة فترددوا في التصدي لها ، وظن بعضهم بانقضاء شهر رجب الحرام ، ثم قام بعضهم برمي سهم على ابن الحضرمي فقتله .
وقال عبد الله بن جحش أبياتاً :
(تَعُدّونَ قَتْلًا فِي الْحَرَامِ عَظِيمَةً … وَأَعْظَمُ مِنْهُ لَوْ يَرَى الرّشْدَ رَاشِدُ
صُدُودُكُمْ عَمّا يَقُولُ مُحَمّدٌ … وَكُفْرٌ بِهِ وَاَللّهُ رَاءٍ وَشَاهِدُ
وَإِخْرَاجُكُمْ مِنْ مَسْجِدِ اللّهِ أَهْلَهُ … لِئَلّا يُرَى لِلّهِ فِي الْبَيْتِ سَاجِدُ
فَإِنّا وَإِنْ عَيّرْتُمُونَا بِقَتْلِهِ … وَأَرْجَفَ بِالْإِسْلَامِ بَاغٍ وَحَاسِدُ
سَقَيْنَا مِنْ ابن الْحَضْرَمِيّ رِمَاحَنَا … بِنَخْلَةَ لَمّا أَوْقَدَ الْحَرْبَ وَاقِدُ
دَمًا وَابن عَبْدِ اللّهِ عُثْمَانُ بَيْنَنَا … يُنَازِعُهُ غُلّ مِنْ الْقَدّ عَانِدُ) ( ).
وقيل أن الله فرض على المسلمين القتال بعد وقعة سرية عبد الله بن جحش في شهر رجب وأنزل الله عز وجل قوله تعالى [وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ] ( ) .
ولا تدل الآية أعلاه على فرض القتال والهجوم ، فالقدر المتيقن منها هو الدفاع لقيد [الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ] ( ) ومن دلالات مفهومها أن الذين لا يقاتلونكم لا تقاتلوهم وان كانوا كفاراً خصوصاً مع قانون الإحتراز في الدماء الذي جاء به الإسلام .
وكان مع عبد الله بن جحش سبعة من الصحابة , وقيل ثمانية , وقيل اثنا عشر وكلهم من المهاجرين .
وتقع نخلة قرب مكة ، فأراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يبعث من أهلها ومن يعرف شعابها ، ولما نزلوا نخلة مرت عليه قافلة لقريش محملة بالبضائع منها الزبيب .
واختلفوا هل يتعرضوا ، ولم يكن اختلافهم بخصوص الأصل وهو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يأذن لهم بالقتال ، إنما كان اختلافهم على وجهين :
الأول : هل هم في آخر يوم من رجب فيكون من الأشهر الحرم ، أم أن الشهر قد خرج .
الثاني : أن تركوا القافلة حتى يدخل شهر شعبان ، وهو ليس من الأشهر الحرم ، فانها تدخل الحرم ولا يصح قتالهم ، فتفوتهم القافلة ، ولم يؤمروا بخصوص القافلة والتعرض لها ، وقال ابن القيم الجوزي (ثُمّ أَجْمَعُوا عَلَى مُلَاقَاتِهِمْ) ( ).
ولا دليل على هذا الإجماع ، لأن كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لهم جلي ولابد من جماعة من السرية يعمل به ويتقيدون بمضامينه ، ولا يتعدونها وفيه (سر حتى تأتي بطن نخلة على اسم الله وبركاته، ولا تكرهن أحداً من أصحابك على المسير معك، وامض لأمري فيمن تبعك حتى تأتي بطن نخلة فترصد بها عير قريش) ( ).
والرصد غير القتال وغير الغزو والهجوم أو الإستدلال على الأموال وسبي الأسرى .
ثم أن أفراد السرية حينما سمعوا مضمون كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالوا (نحن سامعون ومطيعون لله ورسوله ولك) ( ).
ومن سمعهم وإطاعتهم عدم القيام بالهجوم على القافلة .
وتذكر هذه السرية في كتب التفسير وأسباب النزول بخصوص قوله تعالى [يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ]( ), بعد أن قتل أحدُ أفراد هذه السرية ابن الحضرمي في آخر يوم من الشهر الحرام وهو شهر رجب من السنة الثانية للهجرة , وتذكر في كتب الحديث والسنة , ومنها السنة التدوينية وهو مصطلح جديد في هذا التفسير , ويعني الكتب التي كتبها وبعثها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , وكتاب سرية عبد الله بن جحش أمر خاص , لأنه أول كتاب لتعيين أمير سرية , إذ كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعين أمراء السرايا على نحو شفوي , وتذكر هذه السرية في كتب الفقه والتاريخ وهي أول سرية للمسلمين يقع فيها قتل , ولم يكن بأمر من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي أراد تعيين أبي عبيدة عامر بن الجراح أميراً للسرية , وأراد الإعتذار فلم يستطع ولكن بكى جزعاً من مفارقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاختار النبي صلى الله عليه وآله وسلم ابن عمته عبد الله بن جحش بن رئاب , إذ ان أمه هي أميمة بنت عبد المطلب , وكان قد اسلم قبل أن يدخل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم دار الأرقم , وأخته زينب بن جحش زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم , والتي ورد الاذن من الله عز وجل في القرآن بزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم منها .
وعن (عن قتادة في قوله { إذ تقول للذي أنعم الله عليه }( ) قال : زيد بن حارثة أنعم الله عليه بالإِسلام { وأنعمت عليه } أعتقه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم { أمسك عليك زوجك واتق الله } يا زيد بن حارثة , قال : جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا نبي الله إن زينب قد اشتد عليّ لسانها ، وأنا أريد أن أطلقها فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : اتق الله وامسك عليك زوجك قال : والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يحب أن يطلقها ، ويخشى قالة الناس إن أمره بطلاقها . فأنزل الله { وتخفي في نفسك ما الله مبديه }( ).
قال : كان يخفي في نفسه وذاته طلاقها قال : قال الحسن البصري : ما أنزلت عليه آية كانت أشد عليه منها ، ولو كان كاتماً شيئاً من الوحي لكتمها { وتخشى الناس } قال : خشي النبي صلى الله عليه وآله وسلم قالة الناس { فلما قضى زيد منها وطراً } قال : طلقها زيد { زوّجناكها } ( )فكانت تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم تقول : أما أنتن زوّجكن آباؤكن، وأما أنا فزوّجني ذو العرش { لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهن إذا قضوا منهن وطراً } ( ).
قال : إذا طلقوهن ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تبنى زيد بن حارثة { ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل } يقول : كما هوى داود النبي عليه السلام المرأة التي نظر إليها فهواها فتزوّجها ، فكذلك قضى الله لمحمد صلى الله عليه وسلم فتزوّج زينب ، كما كان سنة الله في داود أن يزوّجه تلك المرأة { وكان أمر الله قدراً مقدوراً }( ) في أمر زينب) ( ) .
وفي طريق السرية إلى نخلة أضلّ سعد بن أبي وقاص , وعتبة بن غزوان بعيراً لهما يتعاقبان الركوب عليه فتخلفا في طلبه , وسار عبد الله بن جحش بالباقين من أصحابه , إلى أن نزلوا نخلة كما أمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كتابه , فمرت بهم قافلة لقريش تحمل زبيب وجلوداً , وبضائع تجارية قادمة من الشام ومتوجهة إلى مكة , وفيها كل من :
الأول : عثمان بن عبد الله بن المغيرة .
الثاني : نوفل بن عبد الله بن المغيرة وهما من بني مخزوم .
الثالث : عمرو بن الحضرمي .
الرابع : الحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة , وهشام هو أبو أبي جهل , لأن اسم أبي جهل هو عمرو بن هشام بن المغيرة , ولما رآى رجال القافلة أفراد السرية قريبين منهم , أوجسوا منهم خيفة ولكن عكاشة بن بن محصن أحد أفراد السرية حلق رأسه , وأطّل على رجال قافلة قريش , للتمويه عليهم بأنهم يرومون العمرة , حينئذ اطمأن رجال القافلة , وقالوا : لا بأس عليكم منهم , فانهم عمّار.
واختلف أفراد السرية هل يقاتلون رجال القافلة مع أن الأمر من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدل بالدلالة التضمنية على إجتناب القتال .
أم يتركوهم وشأنهم .
وقام واقد بن عبد الله التميمي برمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله واستاسروا عثمان بن عبد الله, والحكم بن كيسان وانهزم من بقي من رجال القافلة , وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير والأسيرين إلى المدينة .
وحينما رآى النبي صلى الله عليه وآله وسلم العير والأسيرين لم يرض بفعلهم , إنما قال لهم : (” ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام ” فوقف العير والاسيرين، وأبى أن يأخذ من ذلك شيئا) ( ) .
فتوجه عامة المسلمين باللوم لأفراد السرية , وهاج كفار قريش , وقالوا استحل محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الدم في الشهر الحرام , وأخذوا الأموال , وأسروا الرجال .
وصاروا يذّكرون الناس بحرمة الأشهر الحرم من أيام إبراهيم عليه السلام , وان كانت أحكام قوله تعالى [إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ] ( ) ثابتة من أيام أبينا آدم .
وقالوا : قتل عمرو : فحدث الحرب بين المسلمين وقريش امر الحضرمي أي حضر أوان الحرب والقتال والقاتل اسمه واقد : أي وقدت الحرب ولم تمر ستة أشهر , وفي قول شهران ,حتى كانت معركة بدر بغزو وهجوم من الذين كفروا , وحلّ الخزي فيها بالذين كفروا .
وكانت وقائع هذه المعركة تدعو المشركين إلى الكف عن القتال , ليكون من معاني قوله تعالى [يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ….. ] ( ) بيان قبح فعل المشركين من وجوه :
الأول : عدم احتراز المشركين من القتال في الشهر الحرام , ولم تذكر الآية الغزو ونحوه من قبل المسلمين , انما تفيد أن المشركين هم الذين يقصدون القتال بلحاظ صدور السؤال من المسلمين , ودلالته على التسالم بينهم بحرمة القتال في الشهر الحرام .
لتؤكد الآية هذه الحرمة , ومنه تسمية الشهر بالحرام ولكنها تبين وجوب الإحتراز من الذين كفروا في كل شهر حرام لأنهم لا يرعون للأشهر الحرم ولأهل الإيمان حرمة .
الثاني : إصرار المشركين على القتال الشديد في الشهر الحرام لقوله تعالى (قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) لتدل الآية أعلاه في مضمونها على تحذير المسلمين من أن المشركين في الأشهر الحرم من باب الأولوية القطعية .
الثالث : جحود الذين كفروا بالدعوة الرسالية إلى التوحيد , ونبذ الأصنام وعبادتها .
الرابع : إصرار المشركين على الكفر بالله وملائكته وأنبيائه وكتبه .
وإنكارهم لنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الخامس : هتك المشركين للبيت الحرام , وقدسيته بنصب الأوثان في داخل الكعبة وحول البيت , وإيذاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو يصلي في البيت الحرام على نحو متكرر عندما كان في مكة .
السادس : حمل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الهجرة إلى المدينة وخروج أصحابه إلى المدينة وإلى الحبشة مهاجرين هاربين بدينهم بعد سعي قريش لإرتدادهم عن الإسلام .
وعندما خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مكة يوم الهجرة قال كمن ورد (عن ابن عباس : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أخرج من مكة : أما والله إني لأخرج منك وإني لأعلم أنك أحب البلاد إلى الله ، وأكرمها على الله ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت ، يا بني عبد مناف ، إن كنتم ولاة هذا الأمر بعدي فلا تمنعن طائفا يطوف ببيت الله عز وجل أية ساعة شاء من ليل أو نهار .

ولولا أن تطغى قريش لأخبرتها بما لها عند الله عز وجل ، اللهم أذقت أولها وبالا ، فأذق آخرها نوالا) ( ) .
السابع : بيان الآية لقانون وهو أن النبي محمداَ صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه هم أهل البيت الحرام لقوله تعالى [وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ] ( ) , أي أكبر من القتل لما فيه من الضرر العام , وتجدد القتال فلم تمر الأيام حتى قال الله تعالى (يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ) ( ) والمراد معركة أحد ولو بقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في مكة فهل يحدث قتال في بدر وأحد أم يحدث ما هو أشهر منها .
الجواب قال تعالى [قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا] ( ) , ولم يهاجر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا عندما عزم المشركون على قتله في ذات الليلة التي غادر فيها مكة , لبيان تعذر واستحالة بقاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين ظهراني المشركين .
توجه النبي ( ص ) إلى بدر الكبرى
لقد تفضل الله عز وجل وذكر معركة بدر في القرآن من جهات :
الأولى : ورود اسم بدر في القرآن بقوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ] ( ) ترى لماذا ذكر الله عز وجل اسم (بدر ) في القرآن ، الجواب من وجوه :
الأول : بيان قانون من الإرادة التكوينية ، وهو كل كلمة في القرآن فضل ونعمة من عند الله .
الثاني : من خصائص القرآن أن كل كلمة فيه فريدة لا تصلح غيرها بدلاً لها ، وان كانت مرادفة لها في المعنى والدلالة .
الثالث : إرادة التدبر في مضامين آية ببدر ، وبيان ما يترتب على النصر فيها من وجوب التقوى والخشية من الله عز وجل .
الرابع : التأكيد السماوي لنصر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من وجوب التقوى والخشية من الله عز وجل .
الخامس : ذكر (بدر) في القرآن من مصاديق قوله تعالى [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ] ( ).
السادس : لقد إنتهت وقائع معركة بشطر من اليوم السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة أما شكر المسلمين والمسلمات على النصر فيها فهو باق ومتجدد كل يوم إلى يوم القيامة ، وهو من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
السابع : إرادة شكر أجيال المسلمين لله عز وجل ، فمع قلة كلمات آية (ببدر) فقد ورد ذكر لزوم شكر المسلمين لله عز وجل على النصر فيها ، وتمام الآية هو [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]( ) .
ليكون من مصاديق الشكر تفضل الله عز وجل بذكر اسم بدر في القرآن فان قلت المدار على المسمى وليس الاسم ، الجواب كل فرد منها يستلزم الشكر لله عز وجل .
الثامن : إحاطة المسلمين والناس علماً بجهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في سبيل الله ، وقوله تعالى [قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِ]( ) نزل بخصوص معركة بدر ( )فجمعت الآية بين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين والأنصار بلفظ [فئة] لأن المقام مقام الدفاع والقتال في سبيل الله ، ولتأكيد صبغة الإيمان التي يتصفون بها , ولابد من تمييز النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الآية وإن كانت جامعة له مع أصحابه ، وكذا بالنسبة لآية ببدر فانها جمعت بين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين والمسلمات إلى يوم القيامة بلحاظ أن تقدير آية ( ولقد نصركم الله ببدر): يا أيها الذين آمنوا لقد نصركم الله ببدر وانتم أذلة ) وهو الذي يدل عليه نظم الآيات ، إذ جاءت الآية أعلاه هي والآيات الأربعة السابقة لها معطوفة على آية النداء في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ] ( ).
ويكون تقدير آية ببدر على وجوه :
الوجه الأول : تقدير [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ] ( ) وفيه مسائل :
الأولى : ولقد نصركم الله لأن فيكم رسوله .
الثانية : ولقد نصركم الله لأنه وليكم ، وفي التنزيل [اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ] ( ) وهل كان في النصر في معركة بدر خروج إلى النور ، الجواب نعم ، لما فيه من عز للمؤمنين .
الثالثة : ولقد نصركم الله لتكون كلمته هي العليا .
الرابعة : ولقد نصركم الله على القوم الظالمين .
الخامسة : ولقد نصركم الله لصبركم .
السادسة : ولقد نصركم الله لأنكم أولياؤه .
السابعة : ولقد نصركم الله على القوم الظالمين .
الثامنة : ولقد نصركم الله على أولياء الشيطان من الذين دخلوا المعركة وهو يخّوف بهم ، وفي التنزيل [إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ]( ) .
التاسعة : ولقد نصركم الله لأنكم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ، قال تعالى [وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ]( ).
العاشرة : ولقد نصركم الله ببدر لتقوموا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فان قيل هل من فرق بين هذه المسألة والمسألة السابقة ، الجواب نعم، لبيان أن النصر في معركة بدر جاء شكراً من الله عز وجل للمسلمين على حسن سمتهم وصلاحهم وقيامهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، كما جاء هذا النصر ليتعاهد المسلمون ذات الأمر والنهي ، ويواظبوا عليه للملازمة بينه وبين الإيمان .
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منهاج الأنبياء , شاء الله عز وجل أن يرث القيام به المسلمون ، وهو من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ) وورد لفظ [أولياء] في القرآن ستاً وثلاثين مرة أكثرها في ذم الذين كفروا والتحذير منهم لولايتهم للشيطان , ولزوم عصمة المؤمنين من هذه الولاية .
الحادي عشرة : ولقد نصركم الله ببدر من غير أن تقوموا بغزو الذين كفروا .
الثانية عشرة : ولقد نصركم الله ببدر بعد إقامة الحجة على الذين كفروا باصرارهم على القتال .
الثالثة عشرة : ولقد نصركم الله ببدر بمشيئة وعظيم قدرته , وملكه للسموات والأرض .
الرابعة عشرة : ولقد نصركم الله ببدر , ليكون هذا النصر موعظة وعبرة للأجيال المتعاقبة ، قال تعالى [وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِ] ( ) .
الخامسة عشرة : ولقد نصر الله نبيه ببدر .
السادسة عشرة : ولقد نصركم الله على القوم المشركين .
السابعة عشرة : ولقد الله ، وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا]( ).
الوجه الثاني : ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة ، وتقديره على جهات :
الأولى : ولقد نصركم الله وانتم أذلة لتعلموا عظيم قدرة الله .
الثانية : ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة لبيان أن الله عز وجل لا تستعصي عليه مسألة .
الثالثة : ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة رحمة بكم وبالناس .
الرابعة : ولقد نصركم الله ببدر وأنتم اذلة ليكون هذا النصر رزقاً كريماً .
الخامسة : ولقد نصركم الله ببدر وأنتم اذلة لبيان عدم الملازمة بين القوة والنصر ، وبين الذلة والضعف والهزيمة .
السادسة : ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة لتأكيد الملازمة بين الإيمان والنصر .
السابعة : ولقد نصركم الله ببدر وأنتم اذلة لتشكروا الله .
الثامنة : ولقد نصركم الله ببدر وأنتم اذلة لتزدادوا ايماناً ، قال تعالى[الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ] ( ).
التاسعة : ولقد نصركم الله ببدر وأنتم اذلة بأن أعانكم , وجعل لكم الغلبة وهناك فرق بين النُصرة والنصر ، فالنصرة اعانة المظلوم أما النصر فهو الغلبة التي قد تأتي عن نُصرة الغير وتكون فيه أطراف :
الأول : الناصر .
الثاني : المنتصر .
الثالث : النصر .
الرابع : المنهزم .
أما النصر فيكون على وجوه :
الأول : مع وجود ناصر ومدد ومعين متحد .
الثاني : وجود ناصر متعدد .
الثالث : النصر من غير وجود ناصر ومعين .
الرابع : النصر بفضل من الله عز وجل .
وجاءت آية (ببدر )من الوجه الرابع أعلاه ، إذ نسبت النصر إلى الله وأكدت بأن أخبرت عن حال المسلمين عند النصر وهو الذلة والضعف حتى تحقق تمام النصر ، أي لم يتخلص المسلمون من حال الذلة أثناء المعركة خاصة وأنهم لم يأتهم مدد من غيرهم وهو الذي دلت عليه الأخبار ، إذ بعثت قريش قبل بدء المعركة من يجول بفرسه حول معسكر المسلمين ، ويبتعد في الآفاق لينظر هل من أثر لمدد لهم .
وعندما اجتمع جيش المسلمين وجيش قريش في موضع وميدان بدر ، قامت قريش بارسال عمير بن وهب الجمحي لينظر عدد المسلمين فطاف على المعسكر ثم رجع لهم وقال أن عددهم نحو ثلاثمائة ، وقد يزيدون ، ثم طلب من رؤساء قريش أن يمهلوه , وينظر هل من مدد ونصير أو كمين للمسلمين .
(فَضَرَبَ فِي الْوَادِي حَتّى أَبْعَدَ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا ، فَرَجَعَ إلَيْهِمْ فَقَالَ مَا وَجَدْتُ شَيْئًا ، وَلَكِنّي قَدْ رَأَيْتُ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، الْبَلَايَا تَحْمِلُ الْمَنَايَا ، نَوَاضِحُ يَثْرِبَ تَحْمِلُ الْمَوْتَ النّاقِعَ قَوْمٌ لَيْسَ مَعَهُمْ مَنَعَةٌ وَلَا مَلْجَأٌ إلّا سُيُوفُهُمْ وَاَللّهِ مَا أَرَى أَنْ يُقْتَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ حَتّى يَقْتُلَ رَجُلًا مِنْكُمْ فَإِذَا أَصَابُوا مِنْكُمْ أَعْدَادَهُمْ فَمَا خَيْرُ الْعَيْشِ بَعْدَ ذَلِكَ ؟ فَرُوا رَأْيَكُمْ) ( ) ومع هذا فقد جاء النصر من الله عز وجل للمسلمين , وليس بقواهم وجهودهم , وإن بذلوا الوسع في الدفاع .
العاشرة : ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة لينصركم في المعارك اللاحقة وأنتم في منعة وقوة .
الحادية عشرة : ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة ، فعلى المشركين إجتناب قتالكم لتحقق نصركم بعد أن أصبحتم في عز وقوة , بالذات وبالغلبة على المشركين .
الثانية عشرة : ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة لتغادركم الذلة إلى يوم القيامة ، لقانون وهو عدم إجتماع نصر الله مع الذلة ، فهذا النصر طارد للذلة، وهل هو من المتضادين اللذين لا يجتمعان في محل واحد ، الجواب لا، فذات الذلة فضل عز وجل لأنها في الله ولله ، وكذا النصر فانه فضل من الله عز وجل إنما هو ارتقاء رتبي ، ونعمة مستحدثة وهو من عمومات قوله تعالى [وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا] ( ) .
الثالثة عشرة : يا أيها الذين آمنوا لقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة ) ولا يختص هذا الخطاب بالمهاجرين والأنصار أنما هو يشمل المسلمين والمسلمات إلى يوم القيامة .
الرابعة عشرة : لقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة من غير غزو أو هجوم منكم .
الخامسة عشرة : لقد احتج الملائكة على جعل آدم خليفة في الأرض لأن بعض ذريته يفعلون المعاصي كما ورد في التنزيل [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ] ( ) ليكون مضمون هذا الإستفهام الإنكاري على وجوه :
الأول : الإفساد في الأرض ، ولم يرد لفظ [يُفْسِدُ] في القرآن إلا في الآية أعلاه .
الثاني : القتل ظلماً بغير حق .
الثالث : الجمع بين الفساد والقتل .
الرابع : ذات القتل ظلماً من الفساد ، فيكون بين الفساد والقتل في المقام عموم وخصوص مطلقاً , وكأنه من عطف الخاص على العام وإرادة بيان شدة وطأة القتل ، والظلم فيه ، فقد يكون الفساد على نحو الإيقاع ، ولا يضر إلا صاحبه أو يكون فيه ضرر على الغير ، ولكنه ليس مثل ضرر القتل، وحبل التوبة فيه مفتوح ، ففي القتل أطراف :
الأول : القاتل .
الثاني : القتل .
الثالث : المقتول الذي تزهق روحه .
ولا تنفع الندامة القاتل في التدارك الفعلي ، نعم ليس من حّد للتوبة والإنابة ، وفي التنزيل [قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ] ( ).
والآية أعلاه من وجوه الرد على الملائكة في احتجاجهم على فساد الإنسان في الأرض فان الله عز وجل يقيل العثرة ويهدي الناس إلى الصلاح ونبذ الفساد ، ومن أعظم مصاديق وسبل الهداية في المقام تفضل الله ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
إن وصف الآية للمسلمين بأنهم أذلة شاهد على حقيقة تأريخية وهي عجزهم عن الغزو ، وعدم امتلاكهم لمستلزماته ، بأي معنى ووصف لذات الذلة ، فمع دلالتها على الضعف وقلة العدد والمؤون والسلاح والكراع ، فهي أمارة على عدم قدرة المسلمين على الغزو .
فان قلت قد يهجم المسلمون على قرية عدد أهلها أقل من عدد المسلمين المهاجرين ، الجواب هذا صحيح ، ولكنه سبب لتأليب القبائل الأخرى ، إلى جانب توظيف قريش لمثل هذه الحادثة في حشد وتحريض القبائل ضد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، لذا فان قوله تعالى [وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ] ( ) حجة سماوية ثابتة على مدى التأريخ بان المسلمين انتصروا من غير غزو أو قدرة على الغزو .
وهل يدل وصف المسلمين بالذلة على أن المشركين هم الذين قاموا بالغزو , الجواب نعم .
وعندما صار المسلمون في حال عز ومنعة لم يلجأوا إلى الهجوم والغزو، فبعد مرور أكثر من سنة على غزو المشركين للمدينة في معركة الخندق ورجوعهم خائبين ، خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأصحابه في شهر ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة لأداء مناسك العمرة وليس معهم أسلحة .
ولو كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يريد الغزو لإتخذ من ضعف واختلاف قريش وتعطيل تجارتهم والنقص الذي أصاب أموالهم سبباً لغزوهم والقبائل التي ناصرتهم وزحفت معهم على المدينة في معركة أحد والخندق ، ولكنه اختار الخروج الإيماني المحض , والإنقطاع إلى طاعة الله عز وجل .
وهل في خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا إلى العمرة تعريض لنفسه وأصحابه والجهة والقصد , الجواب لا , لأنه خروج بأمر ووحي من عند الله عز وجل ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى *إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى] ( ) .
السادسة عشرة : يا أيها الذين آمنوا لقد نصركم الله وأنتم أذلة ) وصدق وعده .
السابعة عشرة : ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة ) رحمة بكم وبالناس جميعاً .
الثامنة عشرة : ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة ) لزجر الذين كفروا عن عبادة الأوثان .
التاسعة عشرة : ولقد نصركم الله ببدر مقدمة لفتح مكة .
العشرون : ولقد نصركم الله ببدر ، كما نصرتم النبي محمداً في الهجرة والإبواء والنصرة .
الوجه الثالث : ولقد نصركم الله ببدر وأنتم اذلة فاتقوا الله ، وفيه مسائل :
الأولى : ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة ) متقون فاتقوا الله , أي تعاهدوا التقوى .
الثانية : ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة ) فاتقوا الله في أنفسكم بالرضا والصبر والإستكانة لله عز وجل .
الثالثة : ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله في الناس بالرأفة بهم واصلاحهم .
الرابعة : ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله) بالرأفة في عدوكم, سواء الذين تم أسره بالعناية به كما في قوله تعالى[وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا] ( ), أو بالنسبة للذي جرح فلا يجهز عليه وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم النهي بخصوص القتال والدفاع أمور :
الأول : النهي عن القتل صبراً , وأصل الصبر الحبس , والقتل صبراً هو أن يقتل في غير معركة أو حرب أو خطأ أو قصاصاً , بان يمسك الذي يراد قتله , ويرمى بشىء حتى الموت , أو يقتل بكيفية أخرى بعد تقييده (عن عبد الله بن مطيع ، قال : سمعت مطيعا ، يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم فتح مكة : لا يقتل قرشي صبرا بعد هذا اليوم إلى يوم القيامة ، ولم يدرك المسلمون أحدا من كفار قريش غير مطيع ، وكان اسمه العاص ، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم مطيعا) ( ).
الثاني : النهي عن ضرب أو قتل النساء .
الثالث : الزجر عن المثلة , ومنها قطع وجدع الأطراف , وتشويه الجسد تنكيلاً أو انتقاصاً أو ثاراً .
الرابع : المنع من النهب وأخذ المال قهراً وظلماً .
وعن الإمام علي عليه السلام يوم أصيب (قال للحسن ابنه: يا بني اقتل قاتلي وإياك والمثلة، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله كرهها , ولو بالكلب العقور) ( ).
فان قيل قد حدث في التاريخ الإسلامي مثله بين المسلمين أنفسهم ومع غيرهم , الجواب على فرض وقوع المثلة من بعض المسلمين فانه خطأ من صاحبه , ولا يصلح المحاكاة والتعدي بالمثل عذرا له , وما محاه الله من ضروب المثلة كما وكيفا بالكتاب والسنة لا يعلمها إلا الله سبحانه .
ومن دلائل إكرام النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة في الآية قوله تعالى[وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ]( ).
ولقد كان ابليس حاضراً في معركة بدر لإغواء الذين كفروا وجذبهم للقتال ولتخويفهم ، فلما جاء ضمضم بن عمرو الغفاري رسولاً من أبي سفيان يستنفر قريشاً لنجدة قافلته لما بلغه أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه خرجوا من المدينة ، تناجت قريش فيما بينهم للخروج ، ثم ذكروا ما بينهم وبين بني بكر بن عبد مناة من كنانة ، وقالت قريش (إنّا نَخْشَى أَنْ يَأْتُونَا مِنْ خَلْفِنَا) ( ).
وكان لكنانة دماء عند قريش ، ولكنهم قتلوا غلاماً من قريش خرج من مكة يطلب ضالة له ، وكان وضيئاً نظيفاً عليه حلة جديدة ، وفي رأسه ذؤابة فمرّ على عامر بن يزيد ، وهو سيد بني بكر آنذاك فأعجبه وسأله : من أنت يا غلام ؟ .
فعرّف نفسه بأنه من قريش ، ولما ولى الغلام ، قال عامر لقومه أليس لكم دم في قريش ، وقد قتلوا منكم .
قالوا : نعم والله .
قال : هل من رجل يقتل هذا الغلام بالرجل الذي قتل منه ويستوفي دمه ، أي أن عامراً لم يقم بالقتل بنفسه ليسهل عليه التفاوض مع قريش ، وعرض الدية عليهم وكيلا يطالبونه بدم الغلام ، ولأن أولياء المقتول هم الأولى بالثأر .
فقال رجل من بني بكر باللحاق بالغلام القرشي وقتله , فتكلمت قريش وتوعدت بالقتال .
وقام مكرز بن حفص وهو أخو الغلام القرشي بالأخذ بثأره فقتل عامر بن يزيد نفسه , لأنه المحرض والمسبب للقتل ، وخاض بسيفه في بطنه نوع تمثيل وتحد وإثارة لقومه ، وفي الليل قام مكرز بتعليق عامر بأستار الكعبة ، وهل هذا التعليق من مصاديق قوله تعالى [وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ] ( ) الجواب نعم ، وهو أيضاً من مصاديق قوله تعالى [وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ] ( ).
بلحاظ كبرى كلية وهي أن الفتنة عامة ، والقتل قضية شخصية ، ولما أرادت قريش الخروج إلى قتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خشوا من مداهمة كنانة لهم ، فهمّوا بالإمتناع عن الخروج لقتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم حينئذ حضر إبليس بهيئة سراقة بن مالك بن جشعم المدلجي، وهو من أشراف بني كنانة ، وتعهد لهم بالأمن من جهة كنانة ، وأنهم لا يهجمون على مكة ، ولا يأتون لجيش قريش من الخلف ، فخرج رجال قريش مسرعين ، وهو من معاني قوله تعالى [وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ * وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمْ الْيَوْمَ مِنْ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتْ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ]( ).
الثانية : مجئ آيات عديدة بخصوص معركة بدر , وبقي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد نزول الوحي عليه ثلاث عشرة سنة في مكة يدعو إلى الإسلام من غير أن يرفع سيفاً أو يشتم أو يضرب أحداً ممن كانوا يؤذونه داخل وخارج البيت الحرام ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ]( ) .
وهل فيه دعوة متقدمة لقريش للإمتناع عن قتاله في معركة بدر وأحد والخندق ، الجواب نعم ، وهو من الإعجاز الغيري للسنة النبوية بأن تبعث السنة الكفار على الكف عن إيذاء النبي ، وتدعوهم إلى التوبة والإنابة وأن أصر بعض رؤساء قريش على قتاله فان هذه السنة النبوية برزخ دون نصرة الناس لهم ، ولقد بذلت قريش الوسع في التأليب على النبي صلى الله عليه وآله وسلم من جهات :
الأولى : الطواف على القبائل وتحريضها على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتختلف القبائل آنذاك ، إذ كانت الحمية والعصبية واتباع الرؤساء فيها ضابطة كلية عند الحرب على غيرهم , ويبادر عامة أفراد القبيلة إلى حمل السلاح ، لذا فان بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودعوته إلى الإسلام إصلاح للمجتمعات ، وفيها جذب للناس على نحو الأفراد مشقة وعسر ، ولكن المعجزة قاهرة لهذه المشقة ، إذ صار الناس يدخلون في الإسلام كأفراد وبعضهم يدخلون كقبائل .
وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يجتهد في دعوة رؤساء القبائل والأفراد إلى الإسلام ، ولم تمر الأيام حتى جاءت وفود القبائل إلى المدينة تعلن دخولها في الإسلام ، وهو من مصاديق قوله تعالى [إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا] ( ).
وهل في الآية أعلاه شاهد على عدم قيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالغزو ، وأن الآية تأمره باجتناب الغزو والقتال ، الجواب نعم .
لتختتم أيام النبوة بالدعوة إلى الله من غير قتال ، ليس لإنتفاء الحاجة إليه، إنما هذه الحاجة معدومة من الأصل ، ولكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدافع عن نفسه وعن الإيمان ، وعندما كفّ الكفار عن القتال صار سالبة بانتفاء الموضوع .
وهل دخل الناس في الإسلام أفواجا بسبب قتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم أم بسبب المعجزات الباهرات ، الجواب هو الثاني .
ومن المعجزات في المقام :
الأولى : كل آية قرآنية معجزة تدعو الناس إلى الإيمان ، وهجران مفاهيم الجحود ، لما في الآية القرآنية من المواعظ والأوامر والنواهي .
الثانية : صبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه درس من دروس الإيمان .
الثالثة : تمادي كفار قريش بالإفتراء على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومحاولة محاكاة التنزيل .
ومن إعجاز القرآن صيرورة تشكيك الذين كفروا بها سبباً ووسيلة لجذب الناس للإيمان .
ومن خصائص مصاديق الحق أنها بذاتها حجة , وأن الحرب عليها ظلم للنفس والغير ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا]( ).
الرابعة : السنة النبوية حجة وبرهان في جذب الناس إلى منازل الإيمان ، ومن معاني قوله تعالى [وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى]( ) ترشح الوحي في قول وفعل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وصيرورتهما وسيلة سماوية مباركة لجذب الناس إلى الإيمان ، وبرزخا وغنى عن إختيار السيف لحملهم على دخول الإسلام أو أداء الفرائض .
وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يرتقي المنبر ويخطب في الناس في صلاة الجمعة ، وأتفق أن جاء دِحية الكلبي بتجارة من الشام أثناء الخطبة ، وكان يصاحب القافلة ذوو قربى لدِحية مع وقع وضرب خاص بالتجارة كإعلان ودعوة للناس للشراء وقيل أن الواقعة قيل إسلام دِحية ، فخرج أكثر من في المسجد ، وبقي مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم جماعة قليلة .
(عن ابن عباس في قوله : { وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً }( ) قال : قدم دحية الكلبي بتجارة ، فخرجوا ينظرون إلا سبعة نفر .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله : { وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً}( ) قال: جاءت عير عبد الرحمن بن عوف تحمل الطعام ، فخرجوا من الجمعة ، بعضهم يريد أن يشتري ، وبعضهم يريد أن ينظر إلى دحية ، وتركوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائماً على المنبر ، وبقي في المسجد اثنا عشر رجلاً وسبع نسوة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لو خرجوا كلهم لاضطرم المسجد عليهم ناراً) ( ).
وكان الجلب والتجارة ينزل في البطحاء ، وهو مجلس بفناء المسجد النبوي الذي يلي بقيع الغرقد كما عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، وقيل صار يعرف بالمناخة .
ويتعاهد المسلمون صلاة الجمعة في كل زمان ومكان اقتداء برسول الله وصارت الآية أعلاه من سورة الجمعة حرزاً وواقية لكل من :
الأول : صلاة الجمعة .
الثاني : أئمة الجمعة .
الثالث : المصلون في صلاة الجمعة .
الرابع : مضامين خطبة الجمعة .
الخامس : إجتماع المسلمين في صلاة الجمعة ودلالاته والمنافع العظيمة المترشحة عنه .
ليكون من الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم إنتفاء الإكراه في دعوته الناس للإسلام ، وفي بعث المسلمين على تعاهد أحكام الشريعة وأداء الفرائض .
فنزلت آية قرآنية تتضمن اللوم لنفر من المسلمين تركوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صلاته وذهبوا إلى التجارة ليتقيد المسلمون والمسلمات في كل جمعة وإلى يوم القيامة بحضور الخطبة في صلاة الجمعة وأداء الصلاة فيها مع إمام البلدة أو القرية أو المحلة أو المسجد ، فلا يعلم منافع قوله تعالى[وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا] ( ) إلا الله عز وجل ، ومنه الرزق الكريم والثواب العظيم العاجل والآجل على حضور صلاة الجمعة .
لبيان تعضيد منهاج نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بآيات القرآن ، وهو من الإعجاز في الحاجة لسلامتها من التحريف والتبديل والزيادة والنقصان , ومنه وجوه :
الأول : مقدمات معركة بدر , منها لغة الإنذار للذين كفروا كما في قوله تعالى [قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ] ( ) ومنها حال المسلمين قبل الخروج إلى معركة بدر ،وكيف أنهم لم ينووا القتال, وأن فريقاً منهم كانوا يكرهون الخروج , ولم يعلموا أن فيه خير الدنيا والآخرة ،قال تعالى [كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ] ( ) .
وعلى فرض أن النبي محمداً كان غازياً في خروجه هذا فان هذا الخروج بأمر من الله عز وجل وهو حق ودليل صدق ، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يخرج من تلقاء نفسه ، وليس لرغبة في قافلة أبي سفيان .
فمن خصائص الأنبياء العزوف عن الدنيا والتخلي عن حطامها ، وعدم اللهث وراء زينتها .
وهل يمكن الإستدلال بذكر قيد الحق في قوله تعالى [كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ] ( ) على أن هذا الخروج ليس غزواً ، الجواب نعم ، إنما هو خروج للدعوة إلى الله مع البشارة والإنذار ، والمراد من الباء في ( بالحق ) معنى الإلصاق ، قال تعالى [وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا]( ) وتكرر لفظ بالحق في الآية أعلاه مرتين لبيان التفصيل والإعجاز في كل من :
أولا :إنزال القرآن من عند الله .
ثانيا : نزول القرآن , وتلاوة جبرئيل آيات التنزيل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لبيان أن القرآن يصل إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بفضل من الله من غير نقص أو تبديل أو زيادة .
وفي الثناء على جبرئيل قال تعالى [نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ] ( ).
ثالثاً : تلقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم القرآن من الملك من غير واسطة بشر ويكون من وجوه تقدير الآية : وبالحق أنزلناه عليك .
وبالحق نزل به جبرئيل ، ولم يذكر القرآن أن القتال أو الغزو بالحق ، إنما ذكر تنزيل القرآن لبيان كفايته في دعوة الناس إلى الهدى والإيمان .
الثاني : إجتهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بالدعاء قبل المعركة .
الثالث : من الآيات أن الله عز وجل ذكر هذا الدعاء من جهة الإستجابة له بقوله تعالى [فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ] ( ).
لبيان حاجة المسلمين للإستجابة الفورية لدعائهم , وتفضل الله تعالى بنزول الملائكة لنصرتهم .
الرابع : بيان رغبة المسلمين باجتناب القتال ، مع أن المشركين مصرون عليه .
الخامس : ذكر القرآن للأنفال والغنائم في معركة بدر , وقطع الإختلاف بين المسلمين بخصوصها , قال تعالى وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ وسيأتي مزيد بيان في الجزء التالي .
السادس : ذكر القرآن لنصر المسلمين في أول معارك الإسلام بنزول آية (ببدر ) ذات الإشراقة البهية التي تطل على المسلمين في كل يوم , وإلى قيام الساعة ، وهي تخاطب أجيالهم المتعاقبة [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ] ( ).
والباء في الآية أعلاه (ببدر) للظرفية التي تكون على قسمين :
الأول : الظرفية الزمانية بمعنى خلال ، كما في قوله تعالى [نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ]( ) وتتسم الظرفية الزمانية إلى قسمين : الظرفية الحقيقية والظرفية المجازية .
الثاني : الظرفية المكانية ، ومنه آية البحث لأن النصر كان عند موضع ماء بدر .
وهل يمكن احتساب الباء في (ببدر) زمانية حقيقية ومكانية حقيقية.
الجواب نعم .
السابع : وقوع طائفة من المشركين أسرى بيد المسلمين , وعناية المسلمين بهم .
الثالثة : بيان حال العز التي صار عليها المسلمون بعد معركة بدر .
الرابعة : نزول الملائكة لنصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين.
الخامسة : حال الذل التي لحقت الذين كفروا في معركة بدر وما بعدها، قال تعالى [أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمْ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ] ( ) .
إذ تدل الآية أعلاه على وقوع نكث ونقض للعهد من قبل قريش ومن وجوه نقضهم العهد عزمهم على اخراج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مكة في عمرة القضاء وإعانة قريش لحلفائهم من بني بكر بالرجال والسلاح ضد خزاعة حلفاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاستجارت خزاعة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجاء وفد منها إلى المدينة .
وعن المسور بن مخرمة قال (كان في صلح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم الحديبية بينه وبين قريش : إن من شاء أن يدخل في عقد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعهده دخل فيه ، ومن شاء أن يدخل في عهد قريش وعقدهم دخل فيه .
فتواثبت خزاعة فقالوا : ندخل في عقد محمد وعهده ، وتواثبت بنو بكر فقالوا : ندخل في عقد قريش وعهدهم ، فمكثوا في تلك الهدنة نحو السبعة عشر أو الثمانية عشر شهراً ، ثم إن بني بكر الذي كانوا دخلوا في عقد قريش وعهدهم وثبوا على خزاعة الذين دخلوا في عقد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعهده ليلاً بماء لهم يقال له الوتير قريب من مكة ، فقالت قريش : ما يعلم بنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهذا الليل وما يرانا أحد ، فاعانوهم عليهم بالكراع والسلاح فقاتلوهم معهم للضغن على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وركب عمرو بن سالم عندما كان من أمر خزاعة وبني بكر بالوتير حتى قدم المدينة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأبيات أنشده اياها :
اللهمَّ إني ناشد محمداً … خلف أبينا وأبيه إلا تلدا
كنا والداً وكنت ولداً … ثَمَّتَ أسلمنا ولم ننزع يدا
فانصر رسول الله نصراً عندا … وادعُ عباد الله يأتوا مددا
فيهم رسول الله قد تجردا … إن شئتم حسنا فوجهه بدر بدا
في فيلق كالبحر يجري مزبدا … ان قريشاً اخلفوك موعدا
ونقضوا ميثاقك المؤكدا … وزعموا أن ليس تدعو احدا
فهم أذل وأقل عددا … قد جعلوا لي بكداء رصدا
هم بيوتنا بالهجير هجدا … وقتلونا ركَّعا وسجَّدا
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نصرت يا عمرو بن سالم ، فما برح حتى مرت غمامة في السماء فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن هذه السحابة لتشهد بنصر بني كعب ، وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الناس بالجهاد وكتمهم مخرجه ، وسأل الله أن يعمي على قريش خبره حتى يبغتهم في بلادهم) ( ).
ومن الآيات أن الإذن للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بالقتال أمر للدفاع وسيلة ومقدمة للفتح وليس سبباً لسفك الدماء ، إذ تم الفتح من غير ملاقاة وقتال شديد .
وقيل أن سبب واقعة بدر هو قتل سرية عبد الله بن جحش ابن الحضرمي ، مع أسرهم لاثنين من قريش فيهم أحد بني المغيرة ، وابن كيسان مولاهم .
وهو بعيد إذ أن هذه الواقعة قبل مخرج أبي سفيان في قافلته إلى الشام ، بستة أشهر , ولكن الأحداث كانت تجري سراعاً، ويتوافد المسلمون على المدينة المنورة ، ويدخل الإسلام في مكة وبين ظهراني المشركين كل يوم شباب وكهول , رجالاً ونساءً .
وهذا الدخول ليس اسماً من غير مسمى ، أو أنه يقف عند النطق بالشهادتين ، إنما هو عقيدة ومنهاج يتجلى في قولهم وعملهم من جهات :
الأولى : إعلان الإنتماء للإسلام .
الثانية : تلاوة آيات القرآن في البيت الحرام وفي البيوت والمنتديات .
الثالثة : تحدي رؤساء الكفر بما فيه إضعاف هيبتهم .
الرابعة : إكرام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من وجوه :
الأول : إظهار التسليم برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : الحرص على تلقي أنباء معجزاته وأخباره ، وعمارة المساجد في المدينة من قبل المهاجرين والأنصار , وفي التنزيل[مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ]( ).
الثالث : الذب والدفاع عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , ومنع تعدي كفار قريش عليه ، فلم يكن التعريض به وقول : شاعر ، مجنون ، ونحوه يسمع في مكة .
الرابع : إحياء ذكر أخبار وسنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عندما كان في مكة ، وذم الذين كانوا يؤذونه , ويؤذون أهل البيت والصحابة.
الخامس : ذكر إخبار المهاجرين ، وحال الغبطة التي هم عليها في المدينة.
السادس : السؤال عن مهاجري الحبشة ، والثناء عليهم لحسن إختيارهم الفرار بدينهم ، وتوجيه اللوم للكفار الذين حملوهم على الهجرة إلى دار الغربة والمكان البعيد والنائي .
ومات أحد المهاجرين في الحبشة وهو عدي بن نضلة القرشي العدوي ، وهو أول من ورّث في الإسلام ورثه ابنه النعمان بن عدي ، وكان مهاجراً معه في الحبشة .
وقد استعمل عمر بن الخطاب (النعمان على ميسان، وكان يقول الشعر فقال:
ألا هل أتى الخنساء أن خليلها … بميسان يسقى في زجاج وحنتم
إذا شئت غنتني دهاقين قرية … ورقاصة تجثو على كل منسم
فإن كنت ندماني فبالأكبر اسقني … ولا تسقني بالأصغر المتثلم
لعل أمير المؤمنين يسوءه … تنادمنا في الجوسق المتهدم) ( ).
فلما بلغ عمر شعره قال : من لقيه فليخبره أني قد عزلته ، فأخبره رجل من قومه بعزله ، فجاء ‘لى المدينة ، قال : والله ما صنعت شيئاً مما قلت ، ولكني أمرء شاعر فلم يوله بعدها عمر عملاً .
السابع : أداء المسلمين في مكة الصلاة في البيت الحرام جهاراً وعلناً بمرأى من رجال قريش , ومن المعتمرين وحجاج بيت الله الحرام .
لقد كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يطوف على القبائل في منازلهم أيام موسم الحج يدعوهم إلى التوحيد والتصديق بنبوته ، ويجتهد كفار قريش في ذمه , وحث الناس على الإعراض عن دعوته ، فهاجر إلى المدينة .
ليقوم العشرات من مسلمي مكة بالطواف على القبائل يدعونهم إلى الإسلام والتصديق برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويتلون عليهم آيات القرآن ، وبما يجعل المشركين عاجزين عن صدهم أو منع الناس عن الإنصات لهم ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ] ( ).
وبخصوص قتل ابن الحضرمي , وأسر سرية عبد الله بن جحش لرجلين من قريش ، قال الطبري (وكانت تلك الوقعة هاجت الحرب بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش، وأول ما أصاب به بعضهم بعضاً من الحرب، وذلك قبل مخرج أبي سفيان وأصحابه إلى الشأم.) ( ).
ولا دليل على هذا القول ، وليس من هياج للحرب بين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقريش ، وكأن الطرفين في عرض واحد في القصد إلى الحرب ، إنما كان طلب القتال والحرب من طرف المشركين وحدهم .
ثم أن قتل شخص في واقعة آنذاك أمر متعارف سواء كان القتل عمداً أو خطأ لتأتي الوفود وتسأل أو تعرض القبول بالدية ، وغالباً ما يقبل العرب التسوية بدفع الدية .
وبعد الهجرة تعددت المرات التي يخرج فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم , والسرايا التي يبعثها , ولم يأت بغنائم ، فلما قتل عمرو بن أمية رجلين من بني كلاب ، ثأراً لشهداء بئر معونة ، وهو لا يعلم أنهما يحملان أماناً من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : بئس ما صنعت، قتلت رجلين كان لهما مني أمانٌ وجوار، لأودي ديتهما! فكتب إليه عامر بن الطفيل وبعث نفراً من أصحابه يخبره: إن رجلاً من أصحابك قتل رجلين من أصحابنا , ولهما منك أمانٌ وجوار.
فأخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم ديتهما، دية حرين مسلمين، فبعث بها إليهم)( ) مع أن ظاهر الحديث أنهما ليسا مسلمين .
وفيه مسائل :
الأولى : حدوث القتل على نحو القضية الشخصية أمر شائع في الجزيرة.
الثانية : مطالبة أولياء الدم بالدية عند القتل ، نعم قد يتضاعف الأمر ويقع ثأر وقتال ، ولم ترسل قريش الوفود للمطالبة بدية ابن الحضرمي .
الثالثة : علم المشركين وعامة الناس بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يأمر السرية بقتال ، ولم يرض بالذي فعلوه .
الرابعة : تفضل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بفكاك الأسيرين اللذين جاء بهما عبد الله بن جحش وأصحابه من غير أن يقبض منهما بدلاً وعوضاً .
الخامسة : إعلان عتبة بن ربيعة الإستعداد لدفع دية عمرو بن الحضرمي لأنه حليفه .
السادسة : إعطاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم الدية كاملة على عادة العرب .
السابعة : التساوي في الدية بين المسلم وغيره لموضوعية الأمان من النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الثامنة : درء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للفتنة .
التاسعة : عناية النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعيال المقتول سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين .
العاشرة : دعوة عيال المقتول وذويه إلى الإسلام .
الحادي عشرة : بيان صفة العدل والإنصاف في الإسلام .
الثانية عشرة : تأكيد مسألة وهي أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم يأمر أفراد السرية بالقتال والقتل ، وأنه لم يبعثهم إلا للإستطلاع .
الثالثة عشرة : إلجام المنافقين والذين كفروا ، ومنعهم من القول أن أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يقتلون من يجيرونه .
الرابعة عشرة : بعث الطمأنينة في نفوس عامة الناس من الإسلام والمسلمين .
ويدل قوله تعالى [يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ] ( ) على المقابلة في ساحة المعركة بين المسلمين والذين كفروا ، وهناك مسائل :
المسألة الأولى : لحاظ القصد وفيه كل فريق منهما في الخروج ، وفيه وجوه :
الأول : كل من الفريقين خرج من بلده ينوي القتال .
الثاني : أحد الفريقين ينوي القتال دون الآخر ، وهو على شعبتين :
الأولى : كان المسلمون هم الذين يقصدون القتال .
الثانية : الذين كفروا من قريش هم الذين كانوا ينوون القتال ويتشوقون إليه .
الثالث : لم يكن أي من الفريقين ينوي القتال إنما حدث القتال يوم بدر على نحو عرضي ، وبسبب طارئ ، والصحيح هو الشعبة الثانية من الوجه الثاني أعلاه ، وتلك حجة في عصمة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الغزو وأنه لا يطلب القتال حتى خارج المدن ، وفي البيداء ومع كثرة أصحابه الذين معه ، وتفانيهم في الدفاع عن النبوة والتنزيل ، ولم يقصد الثأر من كفار قريش أو الإنتقام منهم .
لقد أمر الله بالدعوة إليه [بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ] ( ) والذي يدل بالدلالة التضمنية على كفاية المعجزة والبرهان بجذب الناس إلى الإسلام ، ومن أصر على الكفر فان حسابه على الله عز وجل ، قال سبحانه [إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ] ( ).
وحتى لو لم تكن هناك رؤى للإنذار ، فان واقع الحال يدل على لزوم الإيمان ، ونبذ مفاهيم الشرك والضلالة .
وهل تنحصر هذه الرؤى برؤيا عاتكة بنت عبد المطلب ، ورؤيا جهيم بن الصلت ، الجواب لا ، إنما ذكر هذان المنامان لشيوعهما وما فيهما من الحجة العامة ، ومن بديع خلق الله للإنسان عنايته في كل زمان بالرؤيا فهي حبل متصل بين الله عز وجل والعبد .
وهل يمكن أن يأتي العلم الحديث والتقنية ذات الإرتقاء المستمر بنسج أحلام للإنسان وفق ما يريد أثناء نومه ، الجواب أنه أمر بعيد ، وعلى فرض حدوثه ، فيمكن للإنسان الفصل والتمييز بينه وبين الرؤيا الصادقة ، وهو الذي جاء به القرآن لقوله تعالى [قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ] ( ).
وفي قوله تعالى [إِنَّمَا النَّجْوَى مِنْ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ] ( ) ورد عن الإمام جعفر بن محمد عليه السلام (كان سبب نزول هذه الآية أن فاطمة (عليها السلام) رأت في منامها أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) هم أن يخرج هو وفاطمة وعلي والحسن والحسين (عليهم السلام) من المدينة فخرجوا حتى جاوزوا من حيطان المدينة، فتعرض لهم طريقان، فأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات اليمين حتى انتهى بهم إلى موضع
فيه نخل وماء، فاشترى رسول الله (صلى الله عليه وآله) شاة كبراء – وهي التي في إحدى أذنيها نقط بيض – فأمر بذبحها فلما أكلوا ماتوا في مكانهم، فانتبهت فاطمة باكية ذعرة فلم تخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بذلك. فلما أصبحت جاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) بحمار فأركب عليه فاطمة (عليها السلام) وأمر أن يخرج أمير المؤمنين والحسن والحسين (عليهم السلام) من المدينة كما رأت فاطمة في نومها فلما خرجوا من حيطان المدينة عرض له طريقان فأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات اليمين كما رأت فاطمة حتى انتهوا إلى موضع فيه نخل وماء، فاشترى رسول الله (صلى الله عليه وآله) شاة كما رأت فاطمة (عليها السلام) فأمر بذبحها، فذبحت وشويت. فلما أرادوا أكلها قامت فاطمة وتنحت ناحية منهم تبكي مخافة أن يموتوا فطلبها رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى وقع عليها وهي تبكي
فقال: ما شأنك يا بنية ؟ قالت: يا رسول الله إني رأيت البارحة كذا وكذا في نومي وقد فعلت أنت كما رأيته فتنحيت عنكم فلا أراكم تموتون. فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) فصلى ركعتين ثم ناجى ربه، فنزل عليه جبرئيل
فقال: يا محمد هذا شيطان يقال له: الدهار وهو الذي أرى فاطمة هذه الرؤيا ويؤذي المؤمنين في نومهم ما يغتمون به، فأمر جبرئيل فجاء به إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال له: أنت أريت فاطمة هذه الرؤيا ؟ فقال: نعم يا محمد فبزق عليه ثلاث بزقات فشجه في ثلاث مواضع.
ثم قال جبرئيل لمحمد: قل يا محمد إذا رأيت في منامك شيئا تكرهه أو رأى أحد من المؤمنين فليقل: أعوذ بما عاذت به ملائكة الله المقربون وأنبياؤه المرسلون وعباده الصالحون من شر ما رأيت [و] من رؤياي ويقرأ الحمد والمعوذتين وقل هو الله أحد ويتفل عن يساره ثلاث تفلات، فإنه لا يضره ما رأى وأنزل الله على رسوله (إنما النجوى من الشيطان)( ))( ).
ولا يتعارض هذا الخبر على فرض صحته مع العصمة إنما جاءت لإراشاد المسلمين والمسلمان إلى كيفية صرف الرؤيا الضارة وشرور الشيطان، وليكونوا في مأمن من أضغاث الأحلام ووساس الشيطان بالدعاء وقراءة القرآن والصدقة كما ورد في اسباب نزول الآية أعلاه .
لقد شاء الله عز وجل أن تكون معركة بدر أول لقاء بين المسلمين والمشركين , وأول ملاقاة في ميدان قتال ، وبدأ المشركون فيها بأمور:
الأول : الغزو، والإقتراب من المدينة المنورة.
الثاني : الإصرار على القتال.
الثالث : رفض أي دعوة لإجتناب القتال.
الرابع : المناجاة بالحرب والبطش وقطع الأرحام.
الخامس : إبتداء الرمي بالنبال والسهام.
السادس : دعاء أبي جهل بخيبة الباطل , ليكون حجة عليه .
وعن ابن إسحاق باسناده قال : لما التقى الناس ودنا بعضهم من بعض قال أبو جهل : اللهم اقطعنا للرحم وآتانا بما لا يُعرف فاحنه الغداة فكان هو المستفتح على نفسه)( ).
السابع : الدعوة إلى المبارزة، وتقدم رجالات قريش للنزال لتقوم الحجة عليهم ويتحقق النصر للمسلمين في معركة بدر، وينزل القرآن بتوثيقه بآيات قرآنية في سورة آل عمران وسورة النساء، وسورة الأنفال , وسورة الحج، وسورة الدخان، وسورة القمر ، منها قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً] ( ) .
ومنها [كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ] ( ) لبيان تعلق موضوع نصر الله للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في معركة بدر من حين الخروج إلى المعركة ، وفيه شاهد على غرور وطغيان كفار قريش ، وإصرارهم على محاربة الإيمان , ومن تلك الآيات قوله تعالى [قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ] ( ).
و(عن ابن عباس قال : لما بارز علي وحمزة وعبيدة , عتبة وشيبة والوليد ، قالوا لهم : تكلموا نعرفكم . قال : أنا علي ، وهذا حمزة ، وهذا عبيدة .
فقالوا : أكفاء كرام! فقال علي : أدعوكم إلى الله وإلى رسوله . فقال عتبة : هلم للمبارزة . فبارز علي شيبة فلم يلبث أن قتله ، وبارز حمزة عتبة فقتله ، وبارز عبيدة الوليد فصعب عليه فأتى علي فقتله . فأنزل الله { هذان خصمان . . . }( ) .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية قال : لما التقوا يوم بدر قال لهم عتبة بن ربيعة : لا تقتلوا هذا الرجل ، فإنه إن يكن صادقاً فأنتم أسعد الناس بصدقه ، وإن يكن كاذباً فأنتم أحق من حقن دمه . فقال أبو جهل بن هشام : لقد امتلأت رعباً .
فقال عتبة : ستعلم أينا الجبان المفسد لقومه . قال : فبرز عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة ، فنادوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقالوا : ابعث إلينا أكفاءنا نقاتلهم . فوثب غلمة من الأنصار من بني الخزرج ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اجلسوا . . . قوموا يا بني هاشم .
فقام حمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث فبرزوا لهم ، فقال عتبة : تكلموا نعرفكم أن تكونوا أكفاءنا قاتلناكم . قال حمزة : أنا حمزة بن عبد المطلب . . . أنا أسد الله وأسد رسوله . فقال عتبة: كفء كريم! .
فقال علي : أنا علي بن أبي طالب . . . فقال : كفء كريم! فقال عبيدة . أنا عبيدة بن الحارث . . . فقال عتبة : كفء كريم! فأخذ حمزة شيبة بن ربيعة .
وأخذ علي بن أبي طالب عتبة بن ربيعة ، وأخذ عبيدة الوليد .
فأما حمزة ، فأجاز على شيبة ، وأما علي فاختلفا ضربتين ، فأقام فأجاز على عتبة ، وأما عبيدة فأصيبت رجله .
قال : فرجع هؤلاء وقتل هؤلاء ، فنادى أبو جهل وأصحابه : لنا العزى ولا عزى لكم ، فنادى منادي النبي صلى الله عليه وسلم: قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار . فأنزل الله { هذان خصمان اختصموا في ربهم…}( ))( ).
وسمى بعضهم سورة الأنفال سورة بدر , ولعله لقول سعيد بن جبير قلت لابن عباس : سورة الأنفال؟ قال : نزلت في بدر.
قال تعالى[سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ] ( ).
ومن مصاديق الآية أعلاه تجلي البرهان في كل واقعة بما ينفع الناس ويصلح حالهم , ويزجرهم عن فعل السيئات والآثام .
وكانت أمارات النهي عن القتال في معركة بدر جلية في كل أمر وواقعة من قبل أن يخرج المشركون من مكة إلى ميدان معركة بدر ، وكل فرد منها يدعوهم إلى الإمتناع عن القتال ، ويمكن تقسيمها إلى أقسام :
الأول : ما قبل خروج جيش المشركين من مكة .
الثاني : الموانع عن القتال في الطريق ولزوم الإنصراف عن القتال والرجوع إلى مكة ومنها مجئ الرسالة من أبي سفيان رئيس القافلة يحثهم على الرجوع .
الثالث : الأمارات الزاجرة للذين كفروا عن القتال عشية وصبيحة السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة .
الرابع : أسباب دفع القتال في ميدان المعركة عند إبتداء وأثناء القتال .
ومن القسم الأول أعلاه:
رؤيا عاتكة
لقد جعل الله عز وجل الرؤيا حبلاً بينه وبين أرواح العباد لتتضمن البشارة والإنذار الشخصي والجمعي ، وتكون موعظة وسبباً للتدبر في ماهية الخلق ، وتأكيداً لعالم الغيب ، ولزوم تدبر الإنسان فيه ، ووجوب عبادته وخضوعه لله عز وجل .
وستبقى الرؤيا الصالحة رحمة عامة لأهل الأرض تصيب البر والفاجر وينتفع منها الناس .
نعم إنتفاع المؤمن من الرؤيا الصالحة أكثر من غيره ، إذ أنه يلجأ إلى الدعاء عند رؤيا البشارة لتقريب مصداقها والدعاء والصدقة لمحو مصداق رؤيا الإنذار وهو من مصاديق قوله تعالى [يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ] ( ) .
لقد جاء أبو سفيان بقافلته من الشام ومعه مخرمة بن نوفل وعمرو بن العاص ، واختلف في مجموع عدد الرجال مع القافلة على وجوه :
الأول : ثلاثون رجلاً من قريش .
الثاني : أربعون رجلاً .
الثالث : سبعون رجلاً ، وبه قال ابن عقبة ( ).
والمختار والمشهور هو الأول , ويمكن الجمع بين الوجوه أعلاه بارادة السبعين من مجموع رجال قريش والغلمان والرعاة الذين معهم .
وكان أبو سفيان في طريق القافلة من الشام إلى مكة يتحسس الأخبار ويكثر من السؤال عن حركة الركبان في الطريق ، وما فيه من الثوابت والعوارض الطارئة ويتوجه بسؤاله إلى كل من :
الأول :أهل القرى .
الثاني : القاطنون على الماء والآبار .
الثالث : الركبان والمسافرون .
فبلغه أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم استنفر أصحابه ، وأنه خرج من المدينة فقام أبو سفيان باستئجار ضمضم بن عمرو الغفاري ، ودفع له عشرين مثقالاً من الذهب ، وبعثه إلى مكة يستصرخهم ويستنفرهم وأمره بأمور :
الأول : طي المراحل والتعجيل في السفر .
الثاني : جدع بعيره والمراد قطع أنفه ، كما يطلق الجدع على قطع الأذن ، وفي المثل : أنفك منك وان كان أجدع ، يضرب في ذوي القربى ونحوه غير الصالح ، والذي يسبب المتاعب .
الثالث : تحويل الرحل ، وهو مركب البعير والناقة ، وما يوضع على ظهر البعير لركوبه ، ويسمى الذي يوضع على ظهر الفرس السرج ، ليدخل ضمضم إلى مكة وكأنه في مصيبة عامة تستلزم الإغاثة والإعانة العاجلة ويبعث كفار قريش على النفير .
وقبل قدوم ضمضم بثلاث ليال رأت عاتكة بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رؤيا هالتها وأعظمتها ، وأدركتها أنها رؤيا إنذار عام .
وفي صباح بادرت عاتكة لإخبار أخيها العباس بالرؤيا ، مع مقدمة إذ قالت له : يا أخي لقد رأيت الليلة رؤيا أفظعتني ، ليدخلن على قومك شر وبلاء .
لقد كان أهل بيت النبوة وعامة أهل مكة يتوقعون حلول بلاء بقريش لأمور :
الأول : إيذاء قريش للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والتي هرب بالإستهزاء به والسخرية منه ، وفي قوله تعالى [وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُوًا]( ).
قال السدي (مرّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أبي سفيان وأبي جهل وهما يتحدثان ، فلما رآه أبو جهل ضحك وقال لأبي سفيان : هذا نبي بني عبد مناف . فغضب أبو سفيان فقال : ما تنكرون أن يكون لبني عبد مناف نبي . فسمعها النبي صلى الله عليه وسلم فرجع إلى أبي جهل فوقع به وخوّفه وقال : ما أراك منتهياً حتى يصيبك ما أصاب عمك . وقال لأبي سفيان : أما إنك لم تقل ما قلت إلا حمية فنزلت هذه الآية { وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزواً }( ) الآية .) ( ).
الثاني : تلقي المسلمين الأوائل أشد الأذى من رجالات قريش كما في تقديمها لبلال وشهادة ياسر وسمية والدا عمار بن ياسر .
الثالث : الحصار الإقتصادي على أهل البيت لنحو ثلاث سنين .
الرابع : عكوف قريش على عبادة الأوثان ، وفي البيت الحران الذي أقامه الله عز وجل للناس أمناً ومحلاً ، وفي التنزيل [إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا] ( ) .
الخامس : العناد والإصرار على الجحود , وأنكار النبوة والتنزيل .
السادس : عدم إكرام قريش لقدسية البيت الحرام , وامتناعهم عن الشكر لله عز وجل على نعمة الجوار والتجارة المتصلة على مدار أيام السنة بدليل قوله تعالى [لِإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ] ( ).
وإذ وقعت الحرب بين الدولة الرومانية والفارسية آنذاك ، وتقطعت طرق التجارة بينهم بقيت تجارة قريش مزدهرة ، إذ تمتنع القبائل العربية نهبها وقطع الطريق عليها ، واحتاجت الدول العظمى لقريش في التجارة والمعاملة إذ صار رجالها يأتون بالبضائع القادمة من بلاد الهند والصين من موانئ الهند إلى الشام بعد أن كانت القوافل تسير بين العراق والشام .
ومن الآيات في علم الرؤيا أن رؤيا البشارة ذات النفع العام , ورؤيا الإنذار التي تحذر من الضرر العام أكبر من أن يخفيها صاحبها ، فلابد من طريق إلى بيانها واشاعتها ، وان كتمها واحد ، فان غيره يرى مثلها أو ما يفيد ذات الدلالة وعلى نحو أوضح فيبينها لغيره كي يتعظوا ويعتبروا ، وينتفعوا منها .
وهل هذه الرؤيا من مصاديق قوله تعالى [يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ] ( ) الجواب نعم ، فبالدعاء والصدقة يتحقق المصداق الواقعي لرؤيا البشارة ، وتنصرف شرور رؤيا الإنذار .
لقد ذكرت عاتكة لأخيها العباس بن عبد المطلب مقدمة عن الرؤيا واشترطت عليه كتمانها إذ قالت له (فَاكْتُمْ عَنّي مَا أُحَدّثُك بِهِ) ( ) .
ترى لماذا سألته أن يكتم الرؤيا ؟ الجواب للخشية والخوف من رؤساء الكفر ، وزيادة إيذائهم لأهل البيت بالقول والفعل .
فسألها العباس : ماذا رأيتِ ؟
ومع سؤالها للعباس أن يكتم الرؤيا فانها وبصفتها صاحبة الرؤيا لم تكتمها بل بعثت على أخيها العباس وهو من سادات قريش وأخبرته بمضمونها ، وقالت له : رأيت في المنام راكباً على بعير أقبل حتى وقف في الأبطح ، وأطل على مكة ، وصار صوته مسموعاً فصرخ باعلى صواته متحدياً منذراً (أَلَا انْفِرُوا يَا لَغُدُرَ لِمَصَارِعِكُمْ فِي ثَلَاثٍ) ( ).
أي الموعد بعد ثلاث ليال فتخرجون إلى مصارعكم ) أي يا أصحاب الغدر ، وأنتم تريدون الغدر وترك الوفاء , وكأنهم مثل قوم النبي صالح لما عقروا الناقة كما ورد في قوله تعالى [فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ] ( ).
فاجتمع إليه الناس وكأنهم هبوا للنفير بالباطل وتبعه الناس وهو ينادي بذات صيغة التحذير والإنذار ، وفجأة صار هو وبعيره على ظهر الكعبة ، ليسمعه الناس كلهم وصرخ بمثلها .
ثم توجه هذا الراكب إلى جبل أبي قبيس ، وهو مطل على الكعبة من جهة جبل الصفا حيث كانت هناك بعض بيوت مكة ، فصرخ بمثلها لإقامة الحجة على الناس .
ثم أخذ صخرة من جبل أبي قبيس فأخذت بالتدحرج ، وصارت تهوي ، ولما صارت باسفل الجبل أرفضّت وتفرقت إلى قطع صغيرة لتدخل كل بيت من بيوت مكة للدلالة على المصيبة والحزن الذي يلحقهم ، فانبهر العباس من تلك الرؤيا التي هي ظاهرة في دلالتها ، وطلب منها أن تكتم هي تلك الرؤيا ولا تذكرها لأحد .
وأبى الله إلا أن تشيع هذه الرؤيا لما فيها من الحجة وأسباب الإنزجار ، فحينما خرج العباس من عند اخته لقيه الوليد بن عتبة بن ربيعة والذي قتل هو وأبوه وعمه شيبة في معركة بدر ، وكان الوليد صديقاً للعباس .
فلم يكتم عنه تلك الرؤيا للصلة والمودة التي بينهما، فقصها عليه ، وذكر له أنها رؤيا أخته عاتكة بنت عبد المطلب ، ثم أمره أن يكتمها ولا يذيعها ولكن الوليد إنشغل بالرؤيا وأصابه الفزع منها فذكرها لأبيه عتبة الذي أخبر بها رجالات من قريش ، وسرعان ما شاع أمر هذه الرؤيا في صبيحة الليلة التي رأتها فيها عاتكة .
وصارت قريش تتحدث بها في أنديتها .
وأدرك كبار رجال قريش الضرر الذي يلحق بهم نتيجة شياع هذه الرؤيا التي تجمع بين أمور :
الأول : رؤية امرأة مهيبة من أهل البيت للرؤيا .
الثاني : الإنذار المتعدد في الرؤيا .
الثالث : تضمن الرؤيا لذم قريش ونعتهم بالضرر وعدم الوفاء لبيان أنكم إن خرجتم إلى بدر فانه من الغدر والخيانة ، وغدركم هذا عام يضر بالناس .
الرابع : تعيين أوان وموعد نزول البلاء , وهو ثلاث ليال .
الخامس : دخول الفاجعة لكل بيت من بيوت مكة .
قال العباس (فَغَدَوْت لِأَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ فِي رَهْطٍ مِنْ قُرَيْشٍ قُعُودٍ يَتَحَدّثُونَ بِرُؤْيَا عَاتِكَةَ فَلَمّا رَآنِي أَبُو جَهْلٍ قَالَ يَا أَبَا الْفَضْلِ إذَا فَرَغْت مِنْ طَوَافِك فَأَقْبِلْ إلَيْنَا ، فَلَمّا فَرَغْت أَقْبَلْت حَتّى جَلَسْت مَعَهُمْ فَقَالَ لِي أَبُو جَهْلٍ يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطّلِبِ مَتَى حَدّثَتْ فِيكُمْ هَذِهِ النّبِيّةُ ؟ .
قَالَ قُلْت : وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَ تِلْكَ الرّؤْيَا الّتِي رَأَتْ عَاتِكَةُ قَالَ فَقُلْت : وَمَا رَأَتْ ؟ قَالَ يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطّلِبِ أَمَا رَضِيتُمْ أَنْ يَتَنَبّأَ رِجَالُكُمْ حَتّى تَتَنَبّأَ نِسَاؤُكُمْ قَدْ زَعَمَتْ عَاتِكَةُ فِي رُؤْيَاهَا أَنّهُ قَالَ انْفِرُوا فِي ثَلَاثٍ فَسَنَتَرَبّصُ بِكُمْ هَذِهِ الثّلَاثَ فَإِنْ يَكُ حَقّا مَا تَقُولُ فَسَيَكُونُ وَإِنْ تَمْضِ الثّلَاثُ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ نَكْتُبُ عَلَيْكُمْ كِتَابًا أَنّكُمْ أَكْذَبُ أَهْلِ بَيْتٍ مِنْ الْعَرَبِ) ( ).
لقد قابل أبو جهل وأصحابه الإنذار الوارد في الرؤيا بانذار حقيقي , ومن عالم اليقظة بارادة لأهل البيت والتعريض بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم .
وهل كان كفار قريش يؤمنون بالرؤيا وصدق الإنذار الذي تتضمنه ، الجواب نعم ، ولكنهم أصموا آذانهم عن الرؤيا التي تأتي من أهل البيت لبيان استمرار حصارهم وأنه لا يختص بالمعاش والمكاسب ، بل يشمل الإعراض عما يأتون به لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جاءهم بالحرب على الأصنام والوثنية .
وحينما توعد أبو جهل العباس بكتابة كتاب أنكر العباس رؤيا عاتكة ، وقال : أن عاتكة رأت رؤيا بهذا المعنى , أما ابن عقبة فقال : أن العباس رد على أبي جهل وقال له أن الكذب فيك وفي أهل بيتك ، ولكن الحاضرين في المجلس سعوا إلى تهدئة العباس ، وقالوا (ما كنت يا ابا الفضل جهولا ولا خرفا) ( ).
وصار استياء عند نساء بني عبد المطلب بسبب تعدي أبي جهل ، وتوجهت عاتكة باللوم للعباس لأفشاء رؤياها ، أم ان هذا الإفشاء فيه نفع عام .
ومن خصائص رؤيا الإنذار الإخبار عنها ، والتحذير بها .
ولزوم الصدقة والدعاء لصرفها .
وبدل أن يتعظ كفار قريش منها فأنهم صاروا يتهجمون على أهل البيت وفي اليوم الثالث رآى العباس أبا جهل يشتد خارجا من المسجد فظن أنه خشي شتم العباس له ، ولكنه سمع ما لم يسمعه العباس ، أنه صوت ضمضم بن عمرو الغفاري الذي بعثه أبو سفيان، وهو واقف على بعيره قد جدعه ، وحول رحله وشق قميصه ، كما أخبرت عاتكة في رؤياها وعند تمام ثلاثة أيام .
ولم ينتظر ضمضم رجال قريش يجتمعون عليه ويسألونه الخبر ، إنما كان ينادي ابتداء وقبل أن يدخل مكة (يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، اللّطِيمَةَ اللّطِيمَةَ أَمْوَالُكُمْ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ قَدْ عَرَضَ لَهَا مُحَمّدٌ فِي أَصْحَابِهِ لَا أَرَى أَنْ تُدْرِكُوهَا ، الْغَوْثَ الْغَوْثَ) ( ).
فلم تستحضر قريش رؤيا عاتكة حينئذ ، وكيف أنها صادقة في الشطر الأول منها ، ولزوم الإحتراز من الشطر الثاني الذي يتضمن الإشارة إلى خروج رجال قريش إلى مصارعهم ، ودخول فلقة من الصخرة لكل بيت من بيوتهم في اشارة إلى وقوع القتل فيهم ، ودخول المصيبة في كل بيت ، وحتى على فرض التعرض إلى القافلة فأن إجتناب القتل المتعدد أفضل وأحسن لقريش .
ويدل قوله تعالى [لِإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ] ( ) على كثرة أموال قريش ولا تنقص منها أموال قافلة واحدة على فرض التعرض ، ثم أن التعرض للقافلة لا يعني الإستيلاء عليها ، ولا احتجاز الأموال وعدم ردها .
وقد وقع في سرية عبد الله بن جحش أن جئ بأسيرين والعير إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأوقفها ، فأبى أن يأخذ منها شيئاً .
وعندما نزل قوله تعالى [يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ] ( ) أمر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بإطلاق الأسيرين عندما يعود سعد بن أبي وقاص ، وعتبة بن غزوان إذ أنهما تخلفا عن سرية عبد الله بن جحش لفقد البعير الذي كانا يتعاقبان عليه .
وقد خشي النبي صلى الله عليه وآله وسلم أسر قريش لهما في الطريق ، فلما عادا أطلق النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأسيرين من غير فداء أو عوض فان قيل كان عدد عير قافلة أبي سفيان ألف بعير محملة بالبضائع ، وهو عدد كبير بلحاظ ذاته والتجارة والبضائع التي فيها .
فقد سخّرت قريش بضائع وتجارة هذه القافلة لمعركة أحد والتي لم تجلب لهم إلا الخيبة ، وكانت قافلة أخرى لقريش قد جاوزت إلى مكة قبلها بأشهر تتألف من ألفين وخمسمائة بعير يقودها أمية بن خلف , ويحرسها مائة رجل .
وقال عدد من كتّاب السير أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قصد الإستيلاء عليها في توجهه إلى بواط في شهر ربيع الأول من السنة الثانية ، ولو كان هذا القول صحيحاً لما جاء مع قافلة أبي سفيان في شهر رمضان من ذات السنة ثلاثون رجلاً فقط ، لأن الأصل هو مضاعفة عدد الرجال والغلمان الذين يحرسون القافلة ، وكان بينهما نحو ستة أشهر .
ولم تستحضر قريش رؤيا الإنذار ، ولم يتدبر رجالها عواقب النفير للقتال ، إنما سارعوا في التجهز للخروج مع لغة الوعيد للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين والأنصار .
وكانت قريش تردد (أَيَظُنّ مُحَمّدٌ وَأَصْحَابُهُ أَنْ تَكُونَ كَعِيرِ ابن الْحَضْرَمِيّ كَلّا وَاَللّهِ لِيَعْلَمُنّ غَيْرَ ذَلِكَ . فَكَانُوا بَيْنَ رَجُلَيْنِ إمّا خَارِجٍ وَإِمّا بَاعِثٍ مَكَانَهُ رَجُلًا . وَأَوْعَبَتْ قُرَيْشٌ ، فَلَمْ يَتَخَلّفْ مِنْ أَشْرَافِهَا أَحَدٌ) ( ).
وتحتمل رؤيا الإنذار بلحاظ تحقق مصداقها وجوهاً :
الأول : تحقق مصداق رؤيا الإنذار في كل مرة تُرى فيها .
الثاني : أنحصار تحقق رؤيا الإنذار بالقوم الكافرين والفاسقين .
الثالث : ليس من مصداق لرؤيا الإنذار .
الرابع : يمحى أثر رؤيا الإنذار بفضل الله , وبالصدقة والدعاء .
الخامس : الإتعاظ والإعتبار من رؤيا الإنذار يصرف أذاها وضررها .
والمختار هو الرابع والخامس ، وهو من نعمة الله في الغايات الحميدة من رؤيا الإنذار بأن يلجأ المؤمنون إلى الدعاء والصدقة ، وأن يبادر عامة الناس إلى أخذ الحائطة واجتناب مقدمات حدوث مصداق رؤيا الإنذار .
فان قيل لو لم يخرج كفار قريش بالنفير لما وقعت معركة بدر وخلّد الله عز وجل نصر المسلمين فيها ، والجواب أن الله عز وجل قادر على أن يكرم المسلمين بنصر في معركة أخرى ، وأن يكتب لهم نفعَ وأجر النصر من غير معركة .
ومن منافع رؤيا الإنذار استحضارها في مقدمات مصداق الرؤيا ، والعمل على إجتناب ما يؤدي إلى الضرر العام ، فلو أن قريشاً استحضروا رؤيا عاتكة وما تخبر عنه من العواقب عند دخول ضمضم ، منادياً ومستنفراً لأحتمل رجوعهم إلى الرشد وتحليهم بالصبر ، وانتظار أربعة أيام لجاءهم رسول أبي سفيان بسلامة القافلة ، إذ أنه أدركهم في الجحفة التي تبعد عن مكة نحو 180 كم وأن كانوا وصلوا اليها في عشرة أيام .
وعندما (نَزَلُوا الْجُحْفَةَ ، رَأَى جُهَيْمُ بْنُ الصّلْتِ ابن مَخْرَمَةَ بْنِ الْمُطّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ رُؤْيَا ، فَقَالَ إنّي رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النّائِمُ وَإِنّي لَبَيْنَ النّائِمِ وَالْيَقِظَانِ . إذْ نَظَرْت إلَى رَجُلٍ قَدْ أَقْبَلَ عَلَى فَرَسٍ حَتّى وَقَفَ وَمَعَهُ بَعِيرٌ لَهُ ثُمّ قَالَ قُتِلَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ ، وَأَبُو الْحَكَمِ بْنُ هِشَامٍ وَأُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ ، وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ فَعَدّدَ رِجَالًا مِمّنْ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ ، ثُمّ رَأَيْتُهُ ضَرَبَ فِي لَبّةِ بَعِيرِهِ ثُمّ أَرْسَلَهُ فِي الْعَسْكَرِ فَمَا بَقِيَ خِبَاءٌ مِنْ أَخْبِيَةِ الْعَسْكَرِ إلّا أَصَابَهُ نَضْحٌ مِنْ دَمِهِ) ( ) .
وهذا الرؤيا أكثر بياناً وأشد إنذاراً , وأقرب عهداً .
وورد فيها ذكر اسماء طائفة من رؤساء قريش حاضرين في ذات الموضع وإتجه أبو جهل إلى السخرية والمغالطة حيث قال بالملازمة بين النبوة والرؤيا الصالحة .
وليس من ملازمة بينهما ، إنما الرؤيا الصالحة رحمة من عند الله بالناس جميعاً (وروي عن أبي رزين قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وآله: الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة، وهي على رجل طائر
فإذا حدثت بها وقعت، وأحسبه قال: لا تحدث بها إلا حبيبا أو لبيبا) ( ) .
لقد أراد الله عز وجل زجر الذين كفروا ، وصرفهم عن القتال ، وهل هذا الزجر مقدم زماناً على اقامة الحجة عليهم بقوله تعالى [فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ]( ) الجواب لا .
فذات الرؤيا ودلالاتها من الحجة والتي ليس لها كيفية مخصوصة ومنها رسالة أبي سفيان لقريش بالرجوع إلى مكة وعدم السير إلى ملاقاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .ومنها رجوع بني زهرة حينما وصلت رسالة أبي سفيان إذ حثهم الأخنس بن شريق على الرجوع إذ قال لهم (وقد نجاها الله فارجعوا .
فقال أبو جهل بن هشام والله لا نرجع حتى نرد بدرا وكان بدر موسما من مواسم العرب يجتمع لهم به سوق كل عام فنقيم عليه ثلاثا فننحر الجزور ونطعم الطعام ونسقى الخمر وتعزف علينا القيان وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا أبداً بعدها .
وقال الاخنس بن شريق وكان حليفا لبنى زهرة يا بنى زهرة قد نجى الله اموالكم وخلص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل وانما نفرتم لتمنعوه وماله فاجعلوا بى جبنها) ( ).
وعندما رآى أبو جهل تعدد الأصوات التي تنادي بالرجوع إتجه إلى التورية والتمويه , وعدم ذكر القتال , وقال : والله لا نرجع حتى نرد بدراً وهو ماء ومحل سوق من أسواق العرب يجتمعون فيه كل موسم حج ، وقال نقيم فيه ثلاثة أيام ، وننحر الجزور ونطعم الطعام ونسقي الخمر ، وتعزف علينا القيان أي المغنيات ، وأراد أن تهابهم العرب ويجتنبون دخول الإسلام ونصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والتصرف لقوافلهم ، ولكنه ما أن رآى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه , حتى أصر على القتال والعدوان ، وحرّض جيش المشركين عليه .
وحتى على القول بعدم موضوعية الرؤيا في الوقائع والأحداث وأن كفار قريش كانوا يتهمون بني هاشم بالميل إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وانهم يكرهون قتاله ومحاربته ، فان دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الإيمان بالله عز وجل ليست علة تامة لمحاربته خاصة وأنه من أوسط وأشرف بيوت قريش ، وكان معروفاً عندهم بالصادق الأمين .
ولقد صاحب دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم توالي نزول آيات القرآن ، وكل آية منها تدعو قريشاً ومن والاهم إلى عدم إيذائه وأصحابه ، وتزجرهم عن محاربته وقتاله ، وتحثهم على التدبر في مضامينها القدسية ، وإتخاذ المواعظ منها ، وما تحمله في ثناياها من العز والفخر لهم بين الأجيال .
وهل كان النبي محمد يذكرهم بهذه الحقائق ، الجواب نعم ، وهذا التذكير من وجوه تفسير القرآن وآياته , ومنها قوله تعالى [وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ] ( ) .
وقيل لما نزلت الآية أعلاه ، اشتد على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجلس في بيته كالمريض (فأتته عماته يعدنه، فقال: ما اشتكيت شيئاً ولكن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين. فقلن له: فادعهم ولا تدع أبا لهب فيهم فإنه غير مجيبك. فدعاهم، صلى الله عليه وآله وسلم، فحضروا ومعهم نفر من بني المطلب بن عبد مناف، فكانوا خمسة وأربعين رجلاً، فبادره أبو لهب وقال : هؤلاء هم عمومتك وبنو عمك , فتكلم ودع الصباة، واعلم أنه ليس لقومك في العرب قاطبةً طاقة ، وأن أحق من أخذك فحبسك بنو أبيك؛ وإن أقمت على ما أنت عليه , فهو أيسر عليهم من أن يثب بك بطون قريش وتمدهم العرب ، فما رأيت أحداً جاء على بني أبيه بشر مما جئتهم به. فسكت رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يتكلم في ذلك المجلس، ثم دعاهم ثانيةً , وقال: الحمد لله ، أحمده وأستعينه , وأؤمن به وأتوكل عليه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له .
ثم قال: إن الرائد لا يكذب أهله، والله الذي لا إله إلا هو إني رسول الله إليكم خاصة وإلى الناس عامة، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، وإنها الجنة أبداً والنار أبداً.
فقال أبو طالب: ما أحب إلينا معاونتك وأقبلنا لنصيحتك وأشد تصديقنا لحديثك، وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون، وإنما أنا أحدهم، غير أني أسرعهم إلى ما تحب، فامض لما أمرت به فوالله لا أزال أحوطك وأمنعك) ( ).
ولكن أبا لهب أصر على إيذاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم والتحريض عليه في ذات المجلس ، وفي كل موضع ومناسبة ، لذا كان نزول قوله تعالى [تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ] ( )حاجة من جهات :
الأولى : حاجة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للأمن وسلامته من الحبس والقتل فاذا كان عمه وأخو أبيه يحرض عليه فان الناس يحاكونه ، ويعملون بما يأمرهم به من التعدي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : إزاحة برزخ دون إيمان الناس بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، إذ أن ذم أبي لهب دعوة لهم جميعاً إلى عدم الإلتفات إلى قوله فهو عدو مبين .
الثالثة : حاجة كفار قريش لنزول سورة (المسد) وذم أبي لهب لمنعهم من إقتفاء اثره واتخاذه رائداً لهم في محاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإسلام .
من محاولات اغتيال النبي (ص)
كانت الوفود تأتي إلى المدينة ، لدخول الإسلام والتشرف بلقاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ومنهم من يأتي للجدال أو لطلب منافع أو يريد دخول الإسلام ولكن بشروط ، وفي السنة التاسعة للهجرة قدمت وفود عديدة إلى المدينة ، منها وفد عامر وفيهم أربد بن قيس بن جزء ، وعامر بن الطفيل بن مالك المدينة للقاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ،لقد كانت الوفود تأتي المدينة للنطق بالشهادتين , وخلع رداء الكفر .
ولكن عامر بن الطفيل جاء وهو يريد الغدر ، فقد كان كبير السن وقال له قومه إن الناس قد أسلموا فأسلم .
ولكنه أبى , وقال أنه يريد أن تتبع العرب عقبه ، وقال : لا اتبع عقب هذا الفتى من قريش ، وكان عامر معروفاً بالشجاعة والفروسية ، وعنده عدة أفراس أصيلة تذكر كتب الـتاريخ أسماءها إذ أنه كان يذكرها ويخاطبها في أشعاره ، وقيل كان قيصر يسأل بعض من العرب الوافدين عليه عن صلتهم بعامر بن الطفيل .
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم جالساً بين أصحابه في المسجد فجلس أربد وعامر بين يديه .
وقال عامر بن الطفيل : يا محمد ما تجعل لي إن أسلمت ؟
يريد عامر أن شأنه عظيم ، ولابد من خصوصية وعوض يناسب قدره وشأنه بين العرب لأنه إذا اسلم اقتدى به كثيرون من قومه وغيرهم .
فأجابه رسول الله بقانون عام يتغشى الغني والفقير والسيد والعبد ، والملك وعامة الناس : لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم ) كما ورد عن ابن عباس( ) .

وفيه مسائل :
الأولى : يدل هذا الجواب النبوي على أن السابق في الإسلام وان كان عبداً مملوكاً له مرتبة سامية سبقك إليها .
الثانية : إنه دعوة للإيمان تنفذ إلى شغاف القلب , وأن كان السامع لها ذا جاه ومنصب ومال .
الثالثة : لم يخاطب عامر النبي محمداً بصفة النبوة , إنما قال له : يا محمد، ولكن جواب النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا يدل على نيله درجة النبوة السامية ، وأنه رسول للخاص والعام .
ولكن عامراً لم يتعظ من الجواب النبوي ، ولم يتلقاه بالقبول والذي تقترن به البركة .
فقال : إن انا أسلمت أتجعل لي الأمر من بعدك .
أي أنه أراد أن يكون هو الخليفة من بعد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ولم يهادنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم , ولم يحبه باجمال بما يمنيه في الإسلام ، بل قال له على نحو البيان والقطع ، ليس ذلك لك ولا لقومك لبيان قانون وهو أن الأمر يخص أهل البيت والمهاجرين والأنصار فاتجه عامر إلى طلب آخر ، إذ قال (أفتجعل لي الوبر ولك المدر) ( ) .
والأعنة جمع عنان , وهو سير اللجام الذي تمُسك به الدابة ، والمراد أن لك ركوب الخيل في الدفاع عن الإسلام .
والمراد من الوبر : البدو وسكان الخيام , وأهل البادية لأنهم يسكنون أخبية من الوبر ، والوبر هو الشعر الذي يكسو ظهر البعير .أما المدر فهو جمع مدرة ، وهو قطع الطين المتماسك اليابس والذي إذا فخر بالنار سمي طابوقاً .
والمدر لغة هو قطع الطين اليابس ، والمراد من المدر إرادة الحضر من أهل المدن والقرى لأنهم يسكنون دوراً , ومبان من الطين والآجر ونحوه ، فقال عامر :فما تجعل لي .
قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أجعل لك أعنة الخيل .
أي أبعثك أميراً في بعض السرايا تدافع في سبيل الله .
قال عامر : أنا الآن في أعنة خيل نجد ) أي أنه يريد مكسباً عظيماً مستحدثا بدخوله الإسلام , وأنه رئيس قومه في نجد , ويقدمهم في الغزو ، ولم يميز بين الدفاع بصبغة الإيمان , وما فيه من الثواب العظيم ، وبين الغزو والنهب في الجاهلية .
فأجابه النبي صلى الله عليه وآله وسلم : لا .
فقال عامر وهو يهمّ بالإنصراف : أما والله لاملأنها عليك خيلاً جرداً ، ورجالاً مرداً ولأربطن بكل نخلة فرساً .
ومع أن هذا الحوار كان في السنة التاسعة وبعد نزول آية السيف [فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ] ( ) وكان الإسلام في حال عز ومنعة لم يضره هؤلاء الأفراد والطائفة التي خلفهم من قومهم ، فان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يأمر بقتله ، ولا حبسه ، ولم يوص إلى بعض أصحابه بزجره وتوبيخه إنما قال له :
يمنعك الله ، ثم قال اللهم أكفني عامراً واهد قومه .
وهذا الجواب من الشواهد على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنه لا يتخذ السيف والبطش وسيلة للأنتقام ، إنما كان يلجأ إلى الله عز وجل في حال الإستضعاف والمنعة ، وحال السراء والضراء .
ولم يتعظ عامر من الجواب ، فحينما خرج من النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لصاحبه أربد (يا أربد أنا أشغل عنك محمداً بالحديث فاضربه بالسيف، فإن الناس إذا قتلت محمدا لم يزيدوا على أن يرضوا بالدية ويكرهوا الحرب، فسنعطيهم الدية.
قال أربد: أفعل.
فأقبلا راجعين إليه، فقال عامر: يا محمد قم معي أكلمك) ( ).
وكان عامر من فتاك العرب ، ويكنى في الحرب أبا عقيل ، وفي السلم أبا علي ، ولد ونشأ في نجد ومع أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يعرف غدر عامر ، ولكنه قام معه .
وهذا القيام شعبة من الوحي ، ورحمة بعامر وأربد ونحوهما لإتمام الحجة عليهم فوقفا إلى الجدار ليس معهما أحد، وكان أربد قريباً منهما ، فسلّ السيف ، فما لبث أن يبست يده على قائم السيف ، فأبطأ وارتبك ، فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , ورأى ما يصنع فتركهما وأنصرف عنهما .
ولم يحرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم الصحابة عليهما للشروع بالقتل الذي دفعه الله عز وجل بفضله ، وفي التنزيل [وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ]( ).
وعندما خرجا من النبي صلى الله عليه وآله وسلم توجه عامر باللوم والتبكيت لأربد , وقال : ويلك يا أربد أين ما كنت أمرتك به ، والله ما كان على ظهر الأرض رجل هو أخوف عندي على نفسي منك ، وايم الله لا أخافك بعد اليوم أبداً .
قال أربد : (لَا أَبَا لَك لَا تَعْجَلْ عَلَيّ وَاَللّهِ مَا هَمَمْت بِاَلّذِي أَمَرْتنِي بِهِ مِنْ أَمْرِهِ إلّا دَخَلْتَ بَيْنِي وَبَيْنَ الرّجُلِ حَتّى مَا أَرَى غَيْرَك ، أَفَأَضْرِبك بِالسّيْفِ) ( ).
ولما وصلا إلى حرة واقم , وتقع شرق المدينة ، وسميت الحرة لأن أكثر سطحها مغطى بصخور وحجارة بركانية سوداء تكون شديدة الحرارة في الصيف , وكانت فيها منازل للأوس من الأنصار ، ومنازل لبني قريظة وبني النضير (واقم)حصن بناه بنو عبد الأشهل فسميت الحرة به .
فخرج إليهما سعد بن معاذ وأسيد بن الحضير ، وقالا : أشخصا يا عدوي الله .
أي ابتعدا عن المدينة ، لأن في بقائهما خطر واحتمال صدور المكر والكيد منهما .
فقال عامر : من هذا يا أربد ؟ قال : هذا أسيد بن الحضير ، فخرجا ، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد دعا الله , وقال : اللهم أكفني عامر بن الطفيل بما شئت وابعث عليه داء يقتله )وذكر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لبث ثلاثين صباحاً يدعو بهذا الدعاء ( ) .
ومع أن عامراً أراد قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتوعده بالرجال والخيل تغير وتهجم على المدينة فانه لم يقتله ، إنما سأل الله عز وجل أن يبتليه ليكون من مصاديق قوله تعالى [أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ] ( ) .
ويدل إمتناع النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن القتل والقتال حتى مع القدرة والمكنة منه ، على أنه لا يريد إشاعة القتل وسفك الدماء .
وفي الطريق نزل عامر بن الطفيل على امرأة سلولية أي من قومه من بني سلول من بني عامر باسم أمهم إذ أن صعصعة بن معاوية تزوج عدداً من النساء فسمي أولاده وذريته بأسماء أمهاتهم وهم :
الأول : بنو سلول .
الثاني : بنو تماضر .
الثالث : بنو عادية .
الرابع : بنو عدية .
الخامس : بنو غويضرة .
السادس : بنو وائلة .
ومن الذين وفدوا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم من بني سلول حبشي بن جناد ، وكانت له صحبة ورواية ، ونهيك بن قصي بن عوف .
وأصابت عامر قرحة في عنقه فجعل يمسحها ويقول : يا بني عامر أغدة كغدة البكر في بيت امرأة من بني سلول .
ونسب إلى ابن عباس أن عامرا كان (يرغب أن يموت في بيتها) ( ) .
والظاهر أنه متأسف لأنه لم يقتل في ميدان الوغى والكر والفر أو بين أهله وقومه، لذا فانه طلب فرسه وركبها وأخذ رمحه وأقبل يجول حتى سقط من فرسه ميتاً لتتحقق الإستجابة من عند الله عز وجل لدعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم في عامر بن الطفيل .
ويكون امتناع النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن قتله عند وفادته إلى المدينة وتهديده للنبي صلى الله عليه وآله وسلم معجزة له ، وكيلا يقال بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قتل بعض الذين قدموا عليه ، فقد تركه النبي صلى الله عليه وآله وسلم يغادر هو وأربد بأمان ، كما أنه ترك المنافقين , وصبر عليهم , لم يقتلهم ، مع شدة إيذائهم له وللمؤمنين ، وكان كفار قريش يؤذونه ويقولون (لَقَدْ صَبَرْنَا مِنْهُ عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ) ( ) أي لأنه كان يسب آلهتهم.
وعامر بن الطفيل هذا هو الذي أغار على الوفد الذي بعثه النبي صلى الله عليه وآله وسلم الى عصيّة وبني لحيان في شهر صفر من السنة الرابعة للهجرة ، بعثهم بناء على سؤال من أبي البراء عامر بن مالك ملاعب الأسنة ليفقهوا المسلمين في ناحيتهم في الدين ، ويدعوا الناس إلى الإسلام .
وعامر بن مالك هو عم عامر بن الطفيل الذي أخفر ذمة عمه فيهم وأجهز عليهم وقتلهم .
وكان الرجال الذين حاربوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه يدخلون المدينة مسلمين مثل وحشي قاتل حمزة عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا القليل منهم ، ومع أن عامر بن الطفيل قد قتل الدعاة يومئذ غدراَ وظلماً فان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يثأر منه ولن يأمر بقتله، إنما أجابه ورده وأفحمه ودعا الله عز وجل عليه ، وهو من الشواهد بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لا يخافون أولياء الشيطان ولا يخشون من عودتهم من المدينة بالغيظ والحسد .
أما صاحبه أربد فانه لما رجع إلى قومه , فقالوا له : ما وراءك يا أربد ؟ قال :لا شئ لقد دعانا إلى عبادة شئ لوددت أنه عندي الآن فأرميه بالنبل حتى أقتله ، لبيان إصراره على الكفر والجحود .
وبعد يومين من مقالته هذه خرج ومعه جمل له يتبعه ، فأرسل الله عز وجل عليه صاعقة فأحرقته وجمله ، وقال لبيد وهو أخوه لأمه يرثيه
(ما إن تعد المنون من أحد … لا والد مشفق ولا ولد
أخشى على أربد الحتوف ولا … أرهب نوء السماك والأسد
فجعني الرعد والصواعق بال … فارس يوم الكريهة النجد
وقال أيضاَ في رثائه :
ذهب الذين يعاش في أكنافهم … وبقيت في خلف كجلد الأجرب
يتآكلون مذمة وخيانة … ويعاب قائلهم وإن لم يشغب
يا أربد الخير الكريم فعاله … أفردتني أمشي بقرن أعصب
إن الرزية لا رزيّة مثلها … فقدان كل أخ كضوء الكوكب) ( ).
وفي رواية ابن عباس أن عامرا قتل بصاعقة من السماء :
(عن ابن عباس :أن أربد بن قيس وعامر بن الطفيل ، قدما المدينة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فانتهيا إليه وهو جالس ، فجلسا بين يديه فقال عامر : ما تجعل لي إن أسلمت؟
قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : لك ما للمسلمين , وعليك ما عليهم .
قال : أتجعل لي إن أسلمت ، الأمر من بعدك؟ قال : ليس لك ولا لقومك ، ولكن لك أعنة الخيل . قال : فاجعل لي الوبر ولك المدر . فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : لا .
فلما قفى من عنده قال لأمَلأَنَّها عليك خيلاً ورجالاً .
قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : يمنعك الله .
فلما خرج أربد وعامر ، قال عامر : يا أربد ، إني سألهي محمداً عنك بالحديث ، فاضربه بالسيف ، فإن الناس إذا قتلت محمداً لم يزيدوا على أن يرضوا بالدية ويكرهوا الحرب ، فسنعطيهم الدية . فقال أربد : أفعل . فأقبلا راجعين فقال عامر : يا محمد ، قم معي أكلمك . فقام معه فخليا إلى الجدار، ووقف معه عامر يكلمه وسل أربد السيف ، فلما وضع يده على سيفه يبست على قائم السيف ، فلا يستطيع سل سيفه . وأبطأ أربد على عامر بالضرب ، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرأى أربد وما يصنع فانصرف عنهما . وقال عامر لأربد : ما لك حشمت؟ قال وضعت يدي على قائم السيف فيبست ، فلما خرج عامر واربد من عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، حتى إذا كانا بحرة واقم ، نزلا . فخرج إليهما سعد بن معاذ وأسيد بن حضير فقال : اشخصا يا عدوَّي الله، لعنكما الله ، ووقع بهما .
فقال عامر : من هذا يا سعد ؟ .
فقال سعد : هذا أسيد بن حضير الكتائب ، قال : اما والله ان كان حضير صديقاً لي ، حتى إذا كانا بالرقم أرسل الله على أربد صاعقة فقتلته، وخرج عامر حتى إذا كان بالخريب أرسل الله عليه قرحة فأدركه الموت فيها : فأنزل الله { الله يعلم ما تحمل كل أنثى….}( ) إلى قوله {… له معقبات من بين يديه }( ) قال : المعقبات من أمر الله ، يحفظون محمداً صلى الله عليه وآله وسلم . ثم ذكر أربد وما قتله، فقال {هو الذي يريكم البرق…}( ) إلى قوله{… وهو شديد المحال}( )) ( ).
وتبين وفادة عامر بن الطفيل وأربد على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قانوناً في السنة النبوية ، وهو عدم لجوء النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى القتل والثأر ومعاقبة الغادر، فقد آذى عامر بن الطفيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين وقتل المبلغين في بئر معونة ، وكان الصحابة يرثونهم ، وقال حسان :
(على قتلى المعونة فاستهلي بدمع العين سحّا غير نزر ) ( ).
وكان خال أنس وهو حرام بن ملحان من بين قتلى بئر معونة ، ولم ينتقم أهل القتلى من عامر بن الطفيل الذي دخل المدينة بعد مرور خمس سنوات على قتله لهم ، ولم يظهر الأسف والأسى على غدره بهم .
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار التبليغ والهداية إلى الإيمان ، وتفضل بالوحي والتنزيل مدداً وعوناً للأنبياء والصالحين في الدعوة والتبليغ، ولم يترك الأمر خاصاً بالعقل والجهد الشخصي والمبادرة .
وتلقى أولياء الشيطان الدعوة إلى الإيمان بالجحود وإظهروا الإستخفاف بالأنبياء ونعتوهم بالجنون .
وقد ورد لفظ (مجنون ) احدى عشرة مرة في القرآن منها ثمانية في نعت الذين كفروا الأنبياء بالجنون , منهم :
الأول : الرسول نوح عليه السلام ، كما في التنزيل [كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ] ( ).
الثاني : الرسول موسى عليه السلام ، إذ ورد عن فرعون في التنزيل[قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمْ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ]( ).
الثالث : الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
والنسبة بين هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة وهجرة وخروج موسى عليه السلام من مصر وهروبه من فرعون قبلها .
الجواب النسبة بينهما العموم والخصوص من وجه , ومادة الإلتقاء من وجوه :
الأول : كل من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وموسى عليه السلام رسول من الرسل الخمسة أولي العزم .
الثاني : هجرة كل منهما من القوم الظالمين .
الثالث : لم يهاجر كل من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وموسى عليه السلام إلا بالوحي .
الرابع : تجلي المعجزة في طريق الهجرة .
الخامس : عجز القوم الظالمين عن اللحاق بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكذا بالنبي موسى عليه السلام من قبل .
السادسة : ذكر القرآن لكل من الهجرتين توثيق لموضوعها , ليبقى موعظة للأجيال في كل زمان .
السابعة : نجاة كل من موسى عليه السلام والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في طريق الهجرة بآية ومعجزة من عند الله عز وجل , أما مادة الإفتراق فمن وجوه :
الأول : خروج موسى عليه السلام مع قومه من بني اسرائيل وفي سِفر الخروج , (فارتحل بنو اسرائيل من رعمسيس الى سكوت نحو ست مئة الف ماش من الرجال عدا الاولاد و صعد معهم لفيف كثير ايضا مع غنم و بقر مواش وافرة جدا) ( ) . بينما لم يخرج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا أبو بكر , نعم سبقه بعض الصحابة , وبعد أن نام الإمام علي عليه السلام في فراشه ليلة عزم قريش على قتله , قال تعالى [إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ]( ).
الثاني : مصاحبة المعجزة الحسية , وآية العصا لموسى عليه السلام , قال تعالى [وَإِذْ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ] ( ), وصاحب القرآن وتوالي نزول آياته والوحي النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم في طريق هجرته, وهو معجزة عقلية , إلى جانب المعجزات الحسية .
الثالث : خرج موسى عليه السلام وقومه من مصر خوفاً من فرعون إلى البيداء والتيه , وقد توجه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى مدينة يثرب حيث الأنصار ممن الأوس والخزرج بانتظاره .
الرابع : غرق فرعون وجنوده عندما أرادوا اللحاق بموسى عليه السلام وأصحابه , وقد عجزت قريش عن اللحاق بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , نعم أخذوا يواصلون الغارة على المدينة , وقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
الخامس : كان مع موسى عليه السلام أخوه هارون نبياً , وليس مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (نبي) وهو خاتم النبيين وسيد المرسلين .
وأكثر الآيات في هذا المقام تتعلق بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لبيان شدة الأذى الذي لاقاه من قومه ، وصبره وعدم اختياره القتال والقتل، إنما كان يدعوهم بالحجة والبرهان ، كما أن آيات القرآن تتوالى بالنزول، وفي كل يوم هناك دعوة سماوية ناضرة جديدة تدعوهم إلى الهدى والإيمان ، وفي التنزيل[وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ]( ).
وتدل الآية أعلاه على أن المشركين يقرون ويسلمون بأن القرآن نازل من عند الله عز وجل ، ولكنهم يتخذون المغالطة علة لعنادهم وجحودهم، ومنع الناس من التصديق برسالته ، إذ يدّعون أن آيات الذكر والتنزيل تأتي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو مجنون يمسه الشيطان ، والجنون فساد العقل ، لبيان حسد واستكبار بعض رجالات قريش .
ومن إعجاز القرآن نفي سلطان الشيطان وأعوانه عن الذين آمنوا ، ليكون من باب الأولوية القطعية سلامة الأنبياء من المس ، وأثر وإغواء الشيطان وأعوانه مطلقاً .
وقد جاء الجزء السابق وهو السابع والستون بعد المائة من هذا السفر المبارك خاصاً بتفسير قوله تعالى [إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ] ( ) .
والذكر هو القول أو الكتاب المقروء ، وهو مصدر سمّي ذكراً لأنه يذكر أموراً أو أنه يذّكر الناس بما يجب عليهم .
والقرآن مصدر قرأ أطلق على اسم المفعول ، والمراد الكلام المقروء .
وقيل أن الآية أعلاه من سورة الحجر نزلت في :
الأول : عبد الله بن أمية .
الثاني : النضر بن الحارث .
الثالث : نوفل بن خويلد .
الرابع : الوليد بن المغيرة .
الخامس : عقبة بن أبي معيط .
ومن خصائص الذين كفروا ذم النبوة وملاقاة نبي زمانهم بالإعتداء عليه ، كما في قوله تعالى [كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ] ( ) .
وفي الآية حجة على الذين كفروا الذين كرهوا التسليم بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم حسداً وتكاسلاً عن أداء الفرائض العبادية ، ولم يكتف القرآن بنفي الجنون عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إنما خاطب المسلمين والناس جميعاً ، بقوله تعالى[وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ] ( ) .
وهل يمكن القول بقانون : أن كل آية من القرآن تنفي الجنون عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والأنبياء السابقين ، الجواب نعم ، وهو من فضل الله بالقرآن .
وكانت السنة النبوية شاهداً كالشمس في رابعة النهار على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وتنزهه عن مس الشيطان والسحر والكهانة والجنون ، وسرعان ما زال سحر الذين كفروا والغشاوة التي أرادوا جعلها على أعين الناس ، فأمتنعوا عن الخروج معهم لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وصاروا يدخلون الإسلام أفواجاً ، وكانت قبائل العرب ترقب حال النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع قريش كما في حديث عمرو بن سلمة الذي إذ قال :
(كنا بماء ممر الناس، وكان يمر بنا الركبان فنسألهم: ما للناس ما للناس ؟ ما هذا الرجل ؟ فيقولون: يزعم أن الله أرسله وأوحى إليه كذا، فكنت أحفظ ذاك الكلام، فكأنما يغرى في صدري، وكانت العرب تلوم( ) بإسلامهم الفتح فيقولون: أتركوه وقومه، فإن إن ظهر عليهم فهو نبى صادق.
فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم فلما قدم قال: جئتكم والله من عند النبي حقا.
قال: صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم , وليؤمكم أكثركم قرآنا فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنا منى لما كنت أتلقى من الركبان.
فقدموني بين أيديهم وأنا ابن ست أو سبع سنين، وكانت على بردة إذا سجدت تقلصت عنى، فقالت امرأة من الحى: ألا تغطون عنا است قارئكم؟ فاشتروا فقطعوا لي قميصا، فما فرحت بشي فرحي بذلك القميص)( ).
وحتى الذي يبعثه المشركون لقتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويعدونه فانه سرعان ما يرى المعجزة التي تحول دونه ودون اغتيال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيبادر إلى دخول الإسلام .
ولقد عاش النبي صلى الله عليه وآله وسلم نحو أربعين سنة بين ظهراني قريش في مكة قبل النبوة ، وخرج بالتجارة ، وكانوا يسمونه بالقاب حميدة منها :
الأول : الصادق .
الثاني : الأمين .
الثالث : راجح العقل .
وكان رجالات قريش يستشيرون النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويجعلونه حكماً .
وكان عمر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خمساً وثلاثين سنة أي قبل البعثة النبوية ، عندما أعادت قريش بناء الكعبة ، واختلفوا بينهم أيهم يضع الحجر الأسود في موضعه لما في القيام بوضعه في محله من الفخر ، وكاد يقع بينهم قتال .
ثم اتفقوا على أن يحكّموا أول داخل من باب الصفا ، وهو الذي يختار من يضع الحجر الأسود محله ويقضي بينهم فتراضوا على هذا ، فكان الداخل إلى البيت هو النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (فَلَمّا رَأَوْهُ قَالُوا: هَذَا الْأَمِينُ رَضِينَا ، هَذَا مُحَمّدٌ) ( ) وفيه مسائل :
الأولى : تسليم وإقرار كبار رجالات قريش بأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم أمين مؤتمن ، وهو منزه عن الخيانة وعن الكذب .
الثانية : إقامة الحجة على الذين كفروا بلزوم تصديقه إذا جاءته النبوة ، فاذا كان أميناً في أمور وحقوق الناس ، فمن باب الأولوية أنه أمين فيما يخبر عنه من الوحي والتنزيل الذي يأتيه .
ومن الآيات في المقام الحجة التي تختص بقياس الأولوية فآيات القرآن وما تتضمنه من الإعجاز شاهد على صدق نزولها من عند الله عز وجل ، وهل يمكن انشاء قانون وهو : كل آية من القرآن تدل على صدق وأمانة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ) الجواب نعم من وجوه :
الأول : إعجاز الآية القرآنية .
الثاني : سمو ألفاظ وتركيب الآية القرآنية ، وأنها تفوق بلاغة العرب ، وما يتداولونه وينتقونه من الشعر ، فليس من حصر للقصائد وأبيات الشعر العربي ، وكانوا يقولونه على السليقة ، ولكن الذي وثّقوه وتداولوه وتوارثوه قليل منه ، بينما يتعاهد المسلمون كل حرف , وكل كلمة من القرآن .
الثالث : مضامين الآية القرآنية .
الرابع : المعاني المتعددة للفظ القرآني .
الخامس : دلالات الآية القرآنية .
السادس : الغايات والمقاصد السامية للآية القرآنية .
السابع : سلامة الآية القرآنية من اللحن ونحوه ، وفي التنزيل [أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا] ( ).
الثامن : خلو القرآن من التعارض ، فمع أن عدد آيات القرآن هو(6236) آية ونزلت على مدى ثلاث وعشرين سنة ، فانه ليس من اختلاف أو تزاحم أو تعارض بينها .
التاسع : سلامة القرآن من التحريف أو الزيادة أو النقصان .
لقد استبشر رجال قريش بدخول النبي صلى الله عليه وآله وسلم البيت الحرام ساعتئذ , وصيرورته الحكم والقاضي بينهم , فلما وصل إليهم , أخبروه عن خلافهم ورغبة كل واحد منهم أن يقوم بوضع الحجر الأسود في موضعه ، وأنهم فوّضوا الأمر إليه .
فوضعه بيده الشريفة في الثوب ثم قال : ليأخذ كل من يمثل قبيلة بناحية من الثوب وأن يرفعوه جميعاً , ففعلوا وسارعوا به إلى محله من ركن البيت والذي له اسمان :
الأول : الركن الشرقي لأنه بإتجاه الشرق .
الثاني : ركن الحجر الأسود , لأن الحجر مثبت فيه .
وعندما وصلوا إلى الركن , قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأخذ الحجر بيده المباركة ووضعه في محله الذي هو عليه اليوم , وقال ابن هشام (حَتّى إذَا بَلَغُوا بِهِ مَوْضِعَهُ وَضَعَهُ هُوَ بِيَدِهِ ثُمّ بَنَى عَلَيْهِ) ( ).
ليكون وضع النبي صلى الله عليه وآله وسلم للحجر في محله قبل النبوة على وجوه :
الأول : إنه أمارة لبعثته .
الثاني : بشارة فتح مكة .
الثالث : فيه حجة على قريش .
الرابع : إنه مقدمة في البرهان عند إعلان نبوته .
وهل هو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ), أم ان القدر المتيقن من الآية ومصاديق الرحمة هو ما بعد النبوة والرسالة وليس الإستصحاب القهقري لسني عمره وفعله قبل نبوته .
الجواب هو الأول فدفع النبي صلى الله عليه وآله وسلم الفتنة عن قريش ومنع الإقتتال بينهم , بوضعه الحجر الأسود بيده الشريفة من الرحمة التي تذكرها الآية أعلاه ، ولم ينظر إلى أن فرقتهم وخلافهم سيمنع من شدة أذاهم له عند بعثته .
ولا تنحصر مصاديق الرحمة في هذا الوضع بخصوص أوانه بل هي متجددة إلى يوم القيامة , ومنها بيانها في هذا السِفر , ويقوم العلماء باستخلاص المواعظ والعبر منها .
ولم يأت لقب الصادق والأمين إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على نحو عفوي إنما جاء بالشواهد والتجربة المتكررة والوجدان العام, ومنه توليه شأن تجارة خديجة , واخلاصه فيها , وحسن السمت في صلاته الإجتماعية العامة , ونشره ضروب الفضيلة , ومنه قوله تعالى[وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ] ( ).
وتقدير الآية أعلاه على وجوه منها :
الأول : وأنك لعلى خلق عظيم قبل النبوة .
الثاني : وأنك لعلى خلق عظيم بعد النبوة .
الثالث : وأنك لعلى خلق عظيم في الإمامة .
الرابع : وأنك لعلى خلق عظيم في تبليغ الرسالة .
الخامس : وأنك لعلى خلق عظيم في حسن المعاملة .
السادس : وأنك لعلى خلق عظيم في التودد إلى الناس ، والعشرة الحسنة معهم .
السابع : وأنك لعلى خلق عظيم في معاملة الأسرى .
الثامن : وأنك لعلى خلق عظيم في دفع وصرف القتال عن المسلمين والناس .
التاسع : وإنك وكل نبي ورسول لعلى خلق عظيم .
صلاة الإستسقاء
وهي سنة نبوية مباركة ، دأب عليها الأنبياء وفي الإستسقاء بيان لحاجة الناس إلى رحمة الله ، وإقرار منهم بالإفتقار إلى منّه ولطفه ، وهو اعتراف بتوالي نعمته ، ورجاء لنواله ، وفيه تنزه عن الإستكبار والعفو ، ومصداق لقوله تعالى [وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ] ( ).
والإستسقاء تسليم بأن الله عز وجل وحده هو الذي ينزل المطر أو يحبسه وهو الذي يتفضل بمقداره وأوانه ، ولا يعلم قطره إلا هو سبحانه، وأنه سبحانه يستجيب الدعاء ، ويقبل الإستغفار .
وقد ورد في قوله تعالى [يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا] ( ) مرتين في القرآن ، إحداهما في خطاب نوح لقومه ، وأخرى في خطاب هود لقومه ليكون نزول الغيث أو حبسه على وجوه :
الأول :أنه مناسبة للتوبة والإنابة .
الثاني : فيه إصلاح للنفوس .
الثالث : إنه شاهد على صدق النبوة لما في هذا الخطاب من الوعد والتحدي ، واثبات للمعجزة .
الرابع : بعث المؤمنين والناس على الدعاء والتضرع إلى الله وهو من مصاديق قوله تعالى [قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ] ( ) ومن خصائص المقام، قيام الناس بالدعاء العام وإشتراكهم بالتوجه إلى الله عز وجل برداء الخشوع والخضوع ، ليكون الإستسقاء سور الموجبة الكلية المتوارث الذي تغشى ويتغشى الناس من أيام أبينا آدم وإلى يوم القيامة .
ويبين قوله تعالى [فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا] ( )أن الأنبياء يستسقون لأصحابهم وقومهم ، وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يقوم بالإستسقاء بنفسه ، لبيان حاجته والمسلمين إلى الله عز وجل ، وهو من مصاديق قوله تعالى [قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ] ( ).
وليس من أمة ومجتمع إلا ويتوجهون إلى الإستسقاء والتضرع إلى الله عز وجل لنزول الغيث ، ولهم عادات وطقوس خاصة فيه ، وحتى فرعون كان ينزل إلى النيل عند الجفاف , ويقر بالعبودية لله عز وجل ويسأله الغيث والمطر .
وليس من كيفية خاصة لدعاء الإستسقاء ، لأنه نوع تضرع ومسألة ولجوء إلى الله عز وجل واستجارة به ، وفي التنزيل [فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ]( ) وكان استسقاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم على جهات :
الأولى : الإستسقاء في دعاء خطبة الجمعة مع رفع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يديه عند الدعاء .
الثانية : استسقاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالدعاء وهو جالس في المسجد فيرفع يديه ويقول في دعائه : اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً طبقاً عاجلاً غير رائث ، نافعاً غير ضار .
وقد يجمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين الدعاء واللجوء إلى الله عز وجل للشكوى على المشركين بين مفردات الإستسقاء كما ورد عن كعب بن مرة ( قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعا على مضر فأتيته فقلت :
يا رسول الله، إن الله قد أعطاك واستجاب لك، وإن قومك قد هلكوا، فادع الله لهم فقال: اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا سريعا غدقا طبقا عاجلا، غير رائث ، نافعا غير ضار)( ).
الثالثة : استسقى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند أحجار الزيت، قريباً من الزوراء من سوق المدينة ، وهو خارج من باب المسجد الذي يسمى باب السلام ، وسميت أحجار الزيت لأن الزيت رشح للنبي صلى الله عليه وآله وسلم منه .
وذكر أنها احجار يضع عليها الزياتون رواياهم ، وهو موضع صلاة استسقاء صلاها النبي صلى الله عليه وآله وسلم واحجار الزيت دفنت , ولم يبق إلا موضعها .
الرابعة : في إحدى المرات التي خرج فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة مع أصحابه للدفاع سبقه المشركون إلى الماء فأصاب المسلمين العطش، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , فظهر لسان النفاق الخفي , وقال بعض المنافقين أنه لو كان نبيا لسأل الله الماء مثل سؤال موسى لقومه , ولقد نزل القرآن باستسقاء موسى هذا فاتخذه المنافقون مسألة للمغالطة , فتوجه النبي بالدعاء لينزل الغيث .
وَحُفِظَ مِنْ دُعَائِهِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ : اللّهُمّ اسْقِ عِبَادَكَ وَبَهَائِمَك وَانْشُرْ رَحْمَتَك وَأَحْيِ بَلَدَكَ الْمَيّت اللّهُمّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا مَرِيئًا مَرِيعًا نَافِعًا غَيْرَ ضَارّ عَاجِلًا غَيْرَ آجِلٍ).
ومن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تفضل الله سبحانه بالإستجابة له في كل مرة يستسقي فيها .
الخامسة : مرة قام إليه أبو لبابة فقال : يا رسول الله إن التمر في المرابد ، وما في السماء سحاب, والمرابد جمع مربد وهو المحل الذي يبسط فيه التمر ليجفف ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
اللهم اسقنا حتى يقوم أبو لبابة عُرياناً فيسد ثعلب مربده بأزاره ، فأمطرت السماء واستمر الغيث بالنزول فاجتمع الأنصار إلى أبي لبابة , وقالوا : لن تمسك السماء حتى تقوم عرياناً فتسد ثعلب وفوهة المربد ففعل فامسكت السماء ) .
(وَلَمّا كَثُرَ الْمَطَرُ سَأَلُوهُ الِاسْتِصْحَاءَ فَاسْتَصْحَى لَهُمْ وَقَالَ اللّهُمّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا اللّهُمّ عَلَى الْآكَامِ وَالْجِبَالِ وَالظّرَابِ وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشّجَرِ) ( ).
السادسة : استسقاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم خارج المسجد .
السابعة : جاء اعرابي وشكى إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الجدب فصعد المنبر واستسقى بالدعاء .
وعن الإمام الصادق عليه السلام في حديث استسقاء النبي صلى الله عليه وآله قال: فجاء أولئك النفر فقالوا : يارسول الله، أدع لنا الله أن يكفّ عنّا السماء فقد كدنا أن نغرق، فاجتمع الناس فدعا النبي ( صلى الله عليه وآله )، فقال له رجل: أسمعنا يا رسول الله، فإن كلّ ما تقول ليس نسمع، فقال: قولوا اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم صبّها في بطون الأودية، ونبات الشجر، وحيث يرعى أهل الوبر، اللهمّ أجعلها رحمة ولا تجعلها عذاباً .
الثامنة : قيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالإستسقاء أثناء خروجه من المدينة للدفاع .
التاسعة : استسقاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديبية.
العاشرة : عن عباد بن تميم: أَن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إِلى المصلى يستسقي، فاستقبل القبلة، وحول ظهره إِلى الناس، وقَلَب رداءه، وصلى ركعتين، وجهر بالقراءة)( ).
وصلاة الإستسقاء من مصاديق قوله تعالى[قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ]( ).
الحادية عشرة : عن محمد بن أبان عن جعفر بن محمد عن أبيه عليه السلام: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج يستسقي، فاستقبل القبلة وحوّل رداءه، وأَومأَ إِلى الناس أن قوموا، فدعا قائمَا والناس قيام قال محمد: فقلت لجعفر: ما أَراد بتحويل ردائه? قال: أَن يتحول القَحْطُ)( ).
ويستحب الدعاء في صلاة الإستسقاء بالمأثور عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة أهل البيت عليهم السلام ومنه: اللهم اسق عبادك وبهائمك وأنشر رحمتك وأحيي بلدك الميت) ( ).
والتكبير مائة مرة , ثم التسبيح عن اليمين ، ثم التهليل ، ثم الحمد , كل واحد منها مائة مرة مع رفع الصوت بها , ويجهر في هذه الصلاة بالقرآن ، ويستحب الخروج إليها عند طلوع الشمس ويجوز تقديم الخطبة على صلاة الإستسقاء ويجوز تأخيرها، ويستحب قلب الرداء وجعل اليسار إلى اليمين وبالعكس تفاؤلاً لتحويل الجدب إلى خصب.
ومن لا يتقن أداء صلاة الإستسقاء كصلاة العيد يجزيه ركعتان كصلاة الصبح مع الدعاء والقنوت، كما أدعو أئمة الجمعة والجماعة إلى الدعاء بالإستسقاء وكذا الفضائيات والمواقع الإسلامية، عند موسم الأمطار , وخاصة حال حبس السماء , وهو من عمومات قوله تعالى[ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ]( ).
ويدل حرص النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الإستسقاء على مسائل:
الأولى : بيان عبودية النبي صلى الله عليه وآله وسلم لله عز وجل.
الثانية : المنع من الغلو بشخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والأولياء .
الثالثة : تنمية ملكة الدعاء عند المسلمين في حال الضراء , والإستسقاء من مصاديق قوله تعالى[ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ]( ) من وجوه :
الأول : تعلق الإستجابة من عند الله بأمر مخصوص .
الثاني : هداية المسلمين إلى قانون , وهو اللجوء إلى الدعاء في المهمات وحال البأساء .
الثالث : يدعو المسلمون الله عز وجل فينتفع الناس جميعاً بلحاظ كبرى كلية وهي أن الله عز وجل ينزل الغيث فيصيب به البر والفاجر ليكون رحمة للمؤمن ، وشكراً له من الله .
وأما الكافر فان الغيث دعوة له للتوبة وحجة عليه , قال تعالى [نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ]( ).
الرابع : منع دبيب اليأس إلى نفوس المسلمين فبعد الجفاف والجدب يأتي الغيث والفضل من الله عز وجل .
ومن الإعجاز في المقام مجئ مسألة وفرة الزرع ثم الجدب ثم الغوث والخصب في قصة نبي الله يوسف وبلحاظ السنوات , وليس الأيام إذ ورد قوله تعالى [قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ]( ).
وهل استسقى يوسف لأهل مصر , الجواب نعم ، إذ أن الإستسقاء منهاج الأنبياء وله موضوعية في إخبار يوسف عما يأتيهم من الخصب والحبوب ثم القحط ثم سنة الإغاثة .
ولا يعلم بركات نبوة يوسف عليه وحضوره في مصر وتوليه شؤون الوزارة فيها إلا الله عز وجل ، وهو مقدمة لرسالة موسى عليه السلام ورسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، لبيان قانون وهو أن سيرة النبي السابق توطئة لنبوة الرسول اللاحق ، وهما معاً مقدمة وتوطئة لرسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ومن معاني قوله تعالى [ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ] ( ) بخصوص الإستسقاء وجوه :
الأول : ادعوني للإستسقاء استجب لكم .
الثاني : ادعوني لأمور دينكم ودنياكم استجب لكم بالغيث وكثرة الأمطار .
الثالث : ادعوني في حال السراء والضراء استجب لكم .
الرابع : ادعوني فان مفاتيح السماء بيدي .
الخامس : ادعوني فقد خلقتكم لتدعوني فاستجاب لكم .
السادس : ادعوني فأني أحب الذي يدعوني فاستجب لكم .
السابع : ادعوني فان الناس بحاجة إلى دعائكم فاستجب لكم ، وهذا من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ).
الثامن : ادعوني كما دعاني رسول الله فأستجب لكم .
التاسع : ادعوني في الصلاة فاستجب لكم .
العاشر : ادعوني عند هطول الأمطار فاستجب لكم , وكان النبي صلى الله عليه وسلم ( إذا رأى المطر قال اللهم صيبآ ( )هنيآ) ( ).
لقد أنعم الله عز وجل على الإنسان وجعله [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ) ليتوجه إلى الله عز وجل بالدعاء والمسألة ، وليتضرع إليه سبحانه رجاء الغيث وكثرة الأمطار التي تجلب النفع له ، قال تعالى [وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى] ( ) لبيان قانون وهو لزوم إتخاذ الغيث وهطول الأمطار موعظة وعبرة ، وكذا بالنسبة للإستسقاء ، وفي لجوء النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الدعاء والإستسقاء ، عند الجدب وقلة الأمطار مسائل :
الأولى : تنمية ملكة اللجوء إلى الله عند المسلمين .
الثانية : بيان قانون وهو تجلي معاني الصبر عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين في حال شحة الماء .
الثالثة : عدم قيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالهجوم والغزو على المشركين أو الإستيلاء على أموالهم ومواشيهم عند قلة الماء والنقص في الزراعات .
الرابعة : انتفاع الناس جميعاً من دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين في الإستسقاء ، وبيان مصداق لقوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ).
الخامسة : دعوة الناس جميعاً على اختلاف مللهم ونحلهم إلى الدعاء والتضرع إلى الله عز وجل في حال شحة المياه وغور الأنهار ، وعند الشدائد مطلقاً .
السادسة : تذكير الناس بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهم (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا) في حال السلم وعند التقاء الصفين .
السابعة : دعوة الناس جميعاً للشكر لله عز وجل على نعمة الماء وما يترشح عنها من النعم التي لا تعد ولا تحصى ، ليكون من معاني قوله تعالى [وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا] ( ) عجز الناس عن إحصاء وحصر النعم التي تترشح عن النعمة الواحدة وهي الأمطار ، وزيادة منسوب المياه .
فان قلت قد تكون هذه الزيادة سبباً للفيضان والأضرار .
الجواب من أسرار أدعية الإستسقاء سؤال الله عز وجل ألا تكون الأمطار سبباً للأذى والضرر .
ومن هذه النعم :
الأولى : نزول المطر بقدر الحاجة .
الثانية : انتفاع الأرض من ماء المطر .
الثالثة : خزن الأرض لماء المطر للأجيال اللاحقة .
الرابعة : مجئ الصحو بعد الغيم ، ودعوة الناس للتدبر ببديع خلق الله واشراقة الشمس ، وفي التنزيل [فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ] ( ).
الخامسة : تذكير الناس بقانون وهو دوام حالهم من المحال فلابد من الإستعداد لعالم الحساب والجزاء , وفي التنزيل [وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ]( ).
السادسة : بيان قانون وهو انقطاع الأمطار رحمة فلو استمر نزول المطر لتلفت المزروعات حبوباً أو ثماراً وتقطعت الطرق ، وتعطلت التجارات .
السابعة : استمرار جريان العيون والآبار والأنهار .
الثامنة : نقاء الهواء وصحة الأبدان , وبعث الناس رجالاً ونساءً على العمل إذ يفتح المطر أبواباً من الرزق .
التاسعة : من منافع نزول الغيث دفع الفتن والاقتتال عن الناس ، ولما احتجت الملائكة على خلافة آدم في الأرض لأن بعضاً من ذريته [يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ] ( ) والله عز وجل عليم بالناس قبل وبعد خلقهم ، ومن إطلاق علمه وسعة سلطانه وعظيم قدرته قوله تعالى [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ).
إذ يتفضل الله عز وجل وينزل الغيث فيكون دعوة للناس لطلب الرزق الحلال والإنشغال بالكسب واحياء الأرض , والتجارة والإمتناع عن الفساد والقتل .
(عن زيد بن خالد الجهني قال صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلاة الصبح بالمدينة في أثر سماء كانت من الليل فلما انصرف
أقبل على الناس فقال هل تدرون ماذا قال ربكم عز وجل قالوا الله ورسوله أعلم قال :
قال الله : أصبح من عبادي مؤمن فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب) ( ).
وفيه مسائل :
الأولى : عناية النبي والمسلمين بنزول المطر , والتوسل إلى الله لنزوله .
الثانية : إنقطاع المسلمين إلى الله عز وجل بالدعاء والمسألة ، وفيه غنى عن الغزو ونحوه .
الثالثة : ترغيب الناس جميعاً بالدعاء والمسألة .
الرابعة : إخبار الناس عن قانون من الإرادة التكوينية وهو أن الغيث والمطر بيد الله عز وجل ، وفي التنزيل [وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ] ( ).
الخامسة : إنشغال الناس بالدعاء ورجاء الغيث برزخ دون قصد القتال، وإرادة الغزو ، فمن معاني قوله تعالى [لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ] ( ) أن الله سبحانه هو الذي يرزق الناس كافة من السماء والأرض ليشكروه , ويجتنبوا الإقتتال والغزو والسبي والوأد ونحوه .
ويوماً نزل الغيث من السماء , وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معه أصحابه فحسر عن ثوبه حتى أصابه من قطرات المطر النازلة ، فسألوه لم صنعت هذا ؟
قال : لأنه حديث عهد بربه تعالى .
وميكائيل ملك من كبار الملائكة ، وهو موكل بنزول المطر ، ترى ماذا لو صارت الغيوم تأتي بالتصنيع والتقنية الحديثة وتحويل ماء البحار إلى بخار وغيوم يتحكم عن بعد حركتها وإتجاهها ، وموضع هطول المطر منها فهل تكون موضوعية لكل من :
الأول : الملك الموكل بنزول المطر .
الثاني : الإستسقاء .
الثالث : صلاة الإستسقاء .
الرابع : الدعاء وسوال الغيث .
الجواب نعم ، إذ لا تعارض بين فضل الله وضروب العبادة والعلم وأسباب كسب الرزق .
وعن (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اسم السحاب عند الله ، العنان ، والرعد ، ملك يزجر السحاب . والبرق ، طرف ملك يقال له روقيل) ( ).
العاشرة : من معاني تغشي المطر لأقطار الأرض بيان قانون وهو إتحاد الناس في العبودية لله عز وجل والحاجة إلى رحمته ، وفيه دعوة لهم للتعاون في الصالحات , ونبذ مفاهيم الكفر والشرك ، وترك البطر بالنعمة ، فليس من تأريخ معلوم لنزول المطر وحال الخصب ، فلابد من التدبر والإقتصاد والدعاء ، ورجاء الفضل من عند الله ، وعدم إنفاق الأموال على شراء الأسلحة وخوض المعارك والقتال .
عن أنس بن مالك قال (دخل رجل المسجد يوم الجمعة من باب كأن رجاءه المنبر ، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخطب ، فاستقبله قائما، فقال : يا رسول الله ، هلكت المواشي وانقطعت السبل ، فادع الله ليغيثنا، فرفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يده ، يقول : اللهم اسقنا، اللهم اسقنا .
قال أنس : والله ما نرى في السماء سحابة ولا قزعة بيننا وبين سلع من بيت ولا دار ، فطلعت من ورائه سحابة مثل ترس ، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت ، فوالله ما رأينا الشمس ستا . ثم دخل رجل من الباب يوم الجمعة المقبلة ، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخطب ، فاستقبله قائما .
ثم قال : يا رسول الله ، هلكت الأموال وانقطعت السبل ، فادع الله أن يكفها عنا ، فرفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يديه ، يقول : اللهم حوالينا ولا علينا ، اللهم على الآكام والظراب والأودية ومنابت الشجر ، قال : فأقلعت وخرج صلى الله عليه وآله وسلم يمشي في الشمس ، فسألت أنسا أهو الرجل الأول ؟ ، قال : لا أدري) ( ).
استسقى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند احجار الزيت ، قريباً من الزوراء من سوق المدينة ، وهو خارج من باب المسجد الذي يسمى باب السلام ، وسميت أحجار الزيت لأن الزيت رشح للنبي صلى الله عليه وآله وسلم منه .
ولا تعارض بين هذه المعجزة وبين وضع الزياتين رواياهم عليها , كما تقدم .
وفي احدى المرات التي خرج فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة مع أصحابه للدفاع سبقه المشركون إلى الماء , فأصاب المسلمين العطش، فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (وَقَالَ بَعْضُ الْمُنَافِقِينَ لَوْ كَانَ نَبِيّا لَاسْتَسْقَى لِقَوْمِهِ كَمَا اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَبَلَغَ ذَلِكَ النّبِيّ صَلّى اللّه عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ فَقَالَ أَوَقَدْ قَالُوهَا ؟ عَسَىَ رَبّكُمْ أَنْ يَسْقِيَكُمْ ثُمّ بَسَطَ يَدَيْهِ وَدَعَا فَمَا رَدّ يَدَيْهِ مِنْ دُعَائِهِ حَتّى أَظَلّهُمْ السّحَابُ وَأُمْطِرُوا فَأَفْعَمَ السّيْلُ الْوَادِيَ فَشَرِبَ النّاسُ فَارْتَوَوْا .
وَحُفِظَ مِنْ دُعَائِهِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ اللّهُمّ اسْقِ عِبَادَكَ وَبَهَائِمَك وَانْشُرْ رَحْمَتَك وَأَحْيِ بَلَدَكَ الْمَيّت اللّهُمّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا مَرِيئًا مَرِيعًا نَافِعًا غَيْرَ ضَارّ عَاجِلًا غَيْرَ آجِلٍ) ( ).
عدم جواز الإستسقاء بالأنواء
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار إمتحان وإبتلاء تتوالى فيها النعم من عند الله عز وجل لتكون دعوة وجذباً لهم إلى منازل الإيمان والحمد القولي والثناء على الله، والتدبر في أسرار الكون وفي التنزيل[وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ]( ).
ومن وجوه الإبتلاء نزول أو حبس المطر، وهل الأكثر هو هطول الأمطار أم حبسها بلحاظ أمرين:
الأول : حاجة الناس , فقد جعل الله عز وجل الإنسان كائناً محتاجاً.
الثاني : عموم الأرض.
والصحيح هو الأول، فإن نزول الغيث نعمة دائمة ومتصلة، وأن حبسه أمر طارئ ومحدود، ويأتي الإستسقاء وصلاته لمحوه، وهو من مصاديق قوله تعالى[يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ]( ).
وعن الإمام الباقر عليه السلام قال : ثلاثة من عمل الجاهلية : الفخر بالأنساب والطعن بالأحساب والإستسقاء بالأنواء .
وقيل كانت العرب في الجاهلية إذا سقط نجم وطلع آخر قالوا : لابد أن يكون عند ذلك رياح ومطر فينسبون كل غيث يكون عند ذلك إلى النجم الذي سقط حينئذ فيقولون : مطرنا بنوء الثريا أو الدبران ، فينسبون التغير في الأنواء إلى النجوم , فجاءت بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لإصلاح أمور معاشاتهم .
كما أن صلاة الاستسقاء وأدعيته لا تتعارض مع لزوم الإنصاف في توزيع حصص مياه الأنهار ونحوها بين الدول والقبائل والمزارع والأفراد والتقيد بالمعاهدات والإتفاقيات الدولية في هذا المقام لدرء الفتنة والخصومة ولقاعدة لا ضرر ولا ضرار ، ليكون من الغايات الحميدة للإستسقاء منع حدوث الفساد والقتل وسفك الدماء بين الناس ، وهو من بركات نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بهدايتهم إلى الدعاء وسؤال الإستسقاء والرجاء كل يوم لنزول الغيث .
وهل يشمل الرجاء الأيام التي يقطع الناس بأنها ليست من أيام المطر كما في أيام الصيف وشدة الحر ، الجواب نعم ، إذ يرجو الناس مع تعاقب الأيام مجئ الغيث والإعانة والبركة من عند الله عز وجل ، قال تعالى[وَنَزَّلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ] ( ) .
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال ( إن سليمان
ابن داود عليه السلام خرج ذات يوم مع أصحابه ليستسقي، فوجد نملة قد رفعت قائمة من قوائمها إلى السماء وهي تقول: اللهم إنا خلق من خلقك لاغنى بنا عن رزقك، فلا تهلكنا بذنوب بني آدم، فقال سليمان عليه السلام لاصحابه: ارجعوا لقد سقيتم بغيركم) ( ).
وفي إحدى المرات التي خرج فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع أصحابه شكوا إليه العطش، فنزل ودعا الإمام علي عليه السلام وشخصاً آخر من الصحابة لم يسمه الراوي ، (فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهما : اذْهَبَا فَابْتَغِيَا الْمَاءَ فَانْطَلَقَا فَتَلَقَّيَا امرأة بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ – أَوْ سَطِيحَتَيْنِ مِنْ مَاءٍ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا، فَقَالاَ لَهَا أَيْنَ الْمَاءُ .
قَالَتْ : عَهْدِى بِالْمَاءِ أَمْسِ هَذِهِ السَّاعَةَ، وَنَفَرُنَا خُلُوفًا)( ).
والمزادة أو السطيحة هي الراوية , وإناء يوضع فيه الماء، وقد تكون صغيرة أو كبيرة، وقد أخبرت المرأة عن نضوب الماء في البئر، وصيرورة قومها في حال عطش , وأن الماء مفقود من يوم كامل، حتى أن غيرها من الرعاة والسقاة لم يحضروا إلى الموضع لعدم وجود الماء، فقالا لها: ما دام ليس من ماء فأنطلقي معنا .
قالت : إلى أين، هل من ماء قريب، وهي تعلم بالموضع وأنه ليس من بئر قريبة، ولم تعلم أنها ستحضر بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث المعجزة .
فقالا لها: إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
قالت: الذي يقال له الصابئ، للدلالة على أنها من قوم مشركين وأن أهل القرية التي تسكنها من الكفار، قالا لها: هو الذي تعنين فأنطلقي، فجاء بها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحدثناه خبرها وكيف أن الماء ناضب فقام المسلمون بأعانة المرأة للنزول من بعيرها وفق القواعد الشرعية ومن غير المساس بها.
فدعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأناء، ففرّغ فيه من أفواه المزادتين وأمال فوهتيهما ، وأطلق العزالى، والعزالى جمع عزلاء وهو مصب الماء من الراوية ليستفرغ ما فيها من قطرات الماء، ومنه القول(أرْسَلَتِ السماءُ عَزالِيَها)( ).
ونودي في أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن يسمع من عامة الناس وإن كانوا من أهل القرى القريبة (اسقوا واستقوا) أي ارتوا واسقوا رواحلكم، وإحملوا معكم الماء .
وأعطى النبي صلى الله عليه وآله وسلم للذي أصابته جنابة إناء من ماء وقال له: إذهب فأفرغه عليك، وكان صلى الله عليه وآله وسلم يغتسل بمقدار صاع من الماء، والصاع إناء يكال فيه، وهو أربعة أمداد، وكل مدّ بمقدار ملأ كفي الإنسان , وعلى نحو متوسط، وهو بالوزن أكثر من كيلوين ونحو ثلاثة كيلوات .
وكانت المرأة تنظر إلى هذه المعجزة الحسية، وتغشتها الهيبة والأنبهار، وترى كيف أنه كلما أعطى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الماء إزداد ولم ينقص .
ثم قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: اجمعوا لها، أي للمرأة , فجمعوا لها من التمر والدقيق والسويق، وجعلوه في ثوب، ثم حملوها على بعيرها، ووضعوا الثوب بين يديها، وهي على البعير، وقال لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم : تعلمين ما رزئنا من مائك شيئاً، ولكن الله هو الذي أسقانا ).
لبيان الحجة وتأكيد تجلي المعجزة فعادت إلى أهلها ، وقد تأخرت عليهم خلافاً للعادة ، خاصة ليس من ماء تشتغل معه بملأ السقاء مع تقيد وحذر أثناء المسير .
فقالوا لها : (ما حبسك يا فلانة قالت العجب لقيني رجلان فذهبا بي إلى هذا الذي يقال له الصابي ففعل بي كذا وكذا الذي قد كان فوالله إنه لأسحر من بين هذه إلى هذه أو إنه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حقا)( ).
وكان المسلمون يمرون على القرية والصرم( ) الذي فيه هذه المرأة فلا يمسونهم بشيء.
فقالت يوماً لقومها : أن المسلمين لم يتركوكم وشأنكم بعدم دخول الإسلام إلا عن عمد لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نزل بناصيتكم ورأيتم بالمعجزة وشربتم من الماء الذي تدفق على يديه ، ثم قامت بترغيبهم بدخول الإسلام فاسلموا جميعاً .
وفيه شاهد بأن الإسلام لم ينتشر بالسيف مع إمكان اتخاذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين له وسيلة لجذب الناس للإيمان مع تحليهم بالصبر في الدعوة إلى الإسلام ، وإنتفاع الناس من هذا الصبر ، إذ يدل على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فمع تقادم الأيام تنكشف مصاديق وشواهد ومعجزات تدل على أنه رسول من عند الله، وفي التنزيل[قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِ وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ]( ).

                                                                  بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ                                    

التاريخ : 5/2/2018
م/ عدم جواز كتابة (باسمه تعالى) بدل البسملة أو حذف اسم الجلالة من الأسماء مثل(عبد الله)
الحمد لله الذي جعل البسملة كنزاً سماوياً حاضراً عند المسلمين ينتفعون منه وذخيرة في النشأتين, وقد أصدرت قبل نحو ثلاث عشرة سنة فتوى بعنوان (التحذير من تضييع البسملة كتابة وخطاً وفاتحة) في النهي عن الإكتفاء بكتابة(باسمه تعالى).
وبين الذكر والتسمية أي بسم الله عموم وخصوص مطلق، فكل تسمية ذكر وليس كل ذكر هو تسمية، وبين التسمية والبسملة أي بسم الله الرحمن الرحيم عموم وخصوص مطلق أيضاً فكل بسملة هي تسمية وليس العكس، لذا تكون البسملة تسمية وذكراً.
لقد كتب سليمان النبي إلى بلقيس بالبسملة ودعاها إلى الإسلام وكانت على الكفر هي وقومها، فلم يخش أن يمسوا البسملة، والمختار أنه كتبها باللغة العربية ، وفي التنزيل حكاية عنها[إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِاسم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] وكان هذا الكتاب من أسباب دخولها وأهل مملكتها الإسلام والبسملة من مصاديق قوله تعالى[ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ].
ولا يقوم بعضهم هذه الأيام بكتابة الاسم كاملاً إذا كان من اسماء العبودية لله عز وجل، فيكتفي بالألف مثلاً: (عبد ا…) ويضع نقاطاً, ولا دليل عليه .
ولا بد من التفكيك بين كتابة اسم الجلالة ومسه، فالمس أمر عرضي طارئ وكذا إلقاء الورقة التي عليها اسم الله في الأرض، وهو ليس علة تامة لعدم كتابة اسم الجلالة , مع لزوم الإحتراز من هذا الإلقاء.
وعن أمير المؤمنين عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: مَا مِنْ كِتَابٍ يُلْقَى بِمَضْيَعَةٍ مِنَ الأَرْضِ فِيهِ اسم مِنْ اسماءِ اللَّهِ تَعَالَى إِلا بَعَثَ اللَّهُ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يَحُفُّونَهُ بِأَجْنِحَتِهِمْ ، وَيُقَدِّسُونَهُ حَتَّى يَبْعَثَ اللَّهُ وَلِيًّا مِنْ أَوْلِيَائِهِ فَيَرْفَعُهُ مِنَ الأَرْضِ ، وَمَنْ يَرْفَعْ كِتَابًا مِنَ الأَرْضِ فِيهِ اسم مِنْ اسماءِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى رَفَعَ اللَّهُ اسمهُ فِي عِلِّيِّينَ، وَيُخَفَّفُ عَنْ وَالِدَيْهِ الْعَذَابُ وَإِنْ كَانَا كَافِرَيْنِ.
ويدل الحديث بالدلالة الإلتزامية على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم ينه عن كتابة البسملة أو اسم من اسماء الله، مع الترغيب عن رفعه عن الأرض إن وجد وفيه الأجر والثواب.
ويجب على كل مسلم ومسلمة المحافظة على المصحف وأوراقه، وتعاهد الأوراق التي يذكر فيها اسم الله والآيات القرآنية، ولا بأس بالمبادرة إلى وضع حاويات صغيرة في الشوارع خاصة للكتب والمجلات والصحف التي فيها ذكر اسم الله لجمعها وإعادة تصنيعها أو إلقائها في الماء للزوم صيانة اسم الجلالة مما يسئ له، إلا أن هذا لا يعني الحرمان من كتابة البسملة واسم الجلالة في مواضعها , ولم يعهد في تأريخ الإسلام أن يكتب أحدهم اسم عبد الله (عبد ا…) أو كتابة (بسمه تعالى) .
وقد تحمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأذى بسبب البسملة ليحرص المسلمون والمسلمات في كل زمان على تعاهدها لفظاً وكتابة، وعن ابن عباس قال: قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال بسم الله الرحمن الرحيم، فقالت قريش: دق الله فاك)، والبسملة روضة سماوية ناضرة، والنظر إليها نزهة وتقوية للبصر.

وأدناه فتوى سماحة آية الله العظمى السيد علي السيستاني بخط يده الشريفة قبل ثلاثة أيام ويفتتحها بالبسملة

مشاركة

Facebook
Twitter
Pinterest
LinkedIn

مواضيع ﺫات صلة