معالم الإيمان في تفسير القرآن – الجزء- 172

المقدمـــــــــــة
الحمد لله الذي جعل في الأرض رواسي كمقدمة لعمارة الناس لها وإمتناعها عن أن تميد وتتحرك وتضطرب وتميل إلى جهة ، وأقام الله عز وجل الحجة على الناس بهذه النعمة المستديمة ، إذ قال [وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ] ( ) وبيان قانون وهو إنتفاع البِر والفاجر من نعمة السكينة والقرار في الأرض ، وفيه دعوة للناس للشكر لله عز وجل على نعمة ثبات الأرض ، والرواسي والجبال الثوابت التي ترسخها وتمنعها من الإضطراب .
الحمد لله الذي جمع بين اليابسة ومياه البحار والمحيطات ، وكأن كل قارة من اليابسة يقابلها محيط واسع للماء ، ولا يدرك عمقه إلا الله عز وجل .
وتتجلى آيات بديع خلق الله في المحيطات والبحار في زمان العلم هذا وكشف أسرار في خلقها والكائنات التي فيها ، وفيه دعوة للناس للهداية ، وإجتناب الإقتتال والغزو ، فالأرض وما فيها من الرواسي والفجاج نعمة كبرى ، والفجاج جمع فج ، وهو الطريق الواسع ، سواء كانت نافذة غير منقطعة أو مغلقة دعوة للناس للتنعم والإنتفاع الأعم منها مع الإتعاظ ، لذا قال تعالى [وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ] ( ) .
ومن الهداية تلاوة القرآن والتدبر في آياته والإطلاع على علوم التفسير والمسائل المستنبطة فيه ومنه ، ليكون الإنتفاع من السكن في الأرض والأكل مما تخرجه من بطونها من الكنوز دعوة للناس للهداية والإيمان ، ومن مصاديق الهداية نشر شآبيب المودة والرأفة بين الناس حباً لله عز وجل ، وشكراً له على توالي النعم ، ومنها التصديق ببعثة الأنبياء وبه تتقوم الحياة الدنيا ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( ) .
ويمكن القول أن الله عز وجل خلق الأرض ليعبد الناس الله وجعل فيها الرواسي رحمة بالناس وليعبدوه لا يشركون به شيئاً .
الحمد لله الذي جعل مدة بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة متقومة بالصبر على الأذى الشديد الذي كان يأتي من قبل كفار مكة إلى كل من :
الأول : شخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : أهل البيت ، إذ يأتيهم الأذى بالذات وبافتراء الكفار على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : الأذى الشديد للصحابة من الرجال والنساء .
الرابع : عزم الكفار على قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقد قتلوا بعض الصحابة ومنهم سمية أم عمار .
الحمد لله الذي أنعم علينا بصدور هذا الجزء وهو الثاني والسبعون بعد المائة من (معالم الإيمان في تفسير القرآن )ويتضمن تفسير بعض آيات الدفاع ، والتي تبين رحمة الله عز وجل بالمسلمين والناس في دفع القتال عنهم ، وصرف ملاقاة الجيوش إلا ما شاء الله أن تكون شواهد على تأديب وزجر الذين كفروا كما يتضمن عدداً من القوانين القرآنية والتي تبين البراهين التي تدل على عظيم فضل الله عز وجل على المسلمين والناس جميعاً .
الحمد لله الذي جعل الحياة الدنيا دار الفضل العظيم منه سبحانه والذي يتغشى الناس جميعاً ، ويعم الموجود والمعدوم .
ويحتمل وصف الفضل بالعظيم وجوهاً :
الأول : يصدق الفضل العظيم بلحاظ صبغة العموم على الناس.
الثاني : لله عز وجل فضل عظيم على كل إنسان , وجماعة وطائفة .
الثالث : التباين بين الناس ومنهم من يكون فضل الله عليه عظيماً ، ومنهم من يكون فضل الله عليه وعلى جماعة وطائفة آخرين ليس بعظيم .
والصحيح هو الثاني ، وهل مجموع فضل الله عز وجل على أي إنسان عظيم ، أم في كل يوم ، وكل ساعة يكون فضل الله عليه عظيما .
الجواب هو الثاني ، لتكون مصاديق قوله تعالى [وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ] ( ) من اللامتناهي ، وتعجز الخلائق عن عدّ فضل الله العظيم .
ومن الآيات أن كل فضل من الله عظيم من جهات :
الأولى : لا يقدر على الفضل من عند الله إلا هو سبحانه .
الثانية : يأتي فضل الله للإنسان عن حاجة , وفيه نافلة وزيادة ، ومقدمة للنعمة .
الثالثة : فضل الله عظيم على الإنسان سواء شكر الله عز وجل أم لم يشكره ، ومن مصاديق الفضل العظيم أن الذي لا يشكر الله يأتيه هو الآخرالفضل من عند الله عز وجل .
الرابعة : الفضل العظيم من عند الله نوع طريق ومقدمة لفضل عظيم متعدد وهكذا ، وهل يلزم التسلسل ، الجواب لا ، لأن فضل الله من اللامتناهي .
وقد يوصف الكرب والشدة والحزن والمصيبة بالعظيم ويمحوه ويزيله الله بفضله العظيم ، قال تعالى [وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنْ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ]( ) .
وكرب وحزن نوح لأن قومه كانوا يكذبونه ويؤذونه ويعلم أنهم بجحودهم هذا يصيرون مقدمة سلوكية لينهج كفار قريش نهجهم مع التباعد الزماني بينهم ، فكما يتوارث المؤمنون سنن الإيمان فان الذين كفروا يتوارثون عبادة الأوثان وتكذيب المعجزات ، وإيذاء الأنبياء وأتباعهم فتفضل الله عز وجل برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لاستئصال الذي يحارب النبوة والتنزيل ، وليبنى صرح الإيمان ويبقى ثابتاً شامخاً إلى يوم القيامة ، قال تعالى [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا]( ).
الحمد لله الذي يزيد بالحمد النعم كماً وكيفاً ومدة استدامة وكيفاً .
الحمد لله الذي يبارك بالحمد ويجعله شجرة [تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ] ( ).
الحمد لله الذي ينمي بالحمد ويجعله مستفيضاً ، ومتجدداً في ذاته ونفعه وأثره .
الحمد لله حمداً لا يحصي عدده إلا هو سبحانه والذي تفضل وجعل الحمد له سبحانه ملازماً لوجود الإنسان في الأرض .
وهذا الحمد من مصاديق قوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( ) .
الحمد لله الذي جعل القرآن ربيع القلوب ، ونوراً يملأ الصدور ، ومادة للصبر وسكينة للجوارح ، وذخيرة للبصيرة ، وجلاء للحزن ، والآلة السماوية للتمييز بين النور والظلام ؟
(عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أصابه هم أو حزن فليقل : اللهم إني عبدك ، وابن عبدك ، وابن أمتك ، ناصيتي في يدك ، ماض فيّ حكمك ، عدل فيّ قضاؤك ، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك ، أو أنزلته في كتابك ، أو علمته أحداً من خلقك ، أو استأثرت به في علم الغيب عندك ، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ، ونور بصري ، وذهاب همي ، وجلاء حزني.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ما قالهن مهموم قط إلا أذهب الله همه وأبدله بهمه فرجاً . قالوا : يا رسول الله أفلا نتعلم هذه الكلمات؟ قال : بلى ، فتعلموهن وعلموهن) ( ).
الحمد لله الذي سمّى قراءة السورة وبضع آيات قرآناً تشهده ملائكة الليل والنهار ، قال تعالى بخصوص صلاة الفجر [وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا] ( ) لبيان قانون وهو افتتاح المسلم والمسلمة اليوم بقراءة القرآن ، وما يترشح عنها من أسباب الخير والبركة .
الحمد لله الذي جعل القرآن صاحباً ومرشداً وهادياً للمسلمين والمسلمات فليس معه حزن أو كآبة فهو خير محض وسلامة في البدن وأمن في السرب ، وبرزخ دون موت الفجأة ، ولا يعلم ما يصرف الله عز وجل في القرآن من البلاء إلا هو سبحانه .
وجاء هذا الجزء في بيان وقراءة في آيتين( )، يتجلى فيها قانون وهو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يغز أحداً ، ولم يكن ينو القتال ، إنما كان مبلغاً داعياً إلى الله بالمعجزة التي تصاحبه .
وعن جابر قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على الله ، ثم قرأ { فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر }( )( ).
ويبين هذا الحديث أن كلمة التوحيد عصمة وأمارة , وتدل السنة النبوية على عدم قتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأهل الكتاب من اليهود والنصارى ، نعم فرضت الجزية على بعضهم للدفاع عنهم في ظل دولة النبوة ، أما في دول المواطنة والدساتير الحديثة فهل تفرض الجزية في البلاد على غير المسلم .
والمختار لا ، لأن الدفاع عنهم بلحاظ كونهم مواطنين ومسؤولية الدولة الذب والدفاع عن عموم مواطنيها وتوفير الخدمات والبنى التحتية لهم ، ألا ترى عندما يكون نفير وتجنيد إلزامي فانه يشمل المسلم وغير المسلم ، ومن غير المسلمين من يكونون قادة ووزراء وحكاماً , بينما كان أهل الكتاب لا يخرجون للدفاع أو في المرابطة .
الحمد لله الذي فتح للناس باب الدعاء ، ولم يجعل له شرطاً ، وفي التنزيل [وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ] ( ) لبيان الأمر بالدعاء والوعد من عند الله بالإستجابة ، ولم يرد لفظ [أَسْتَجِبْ] في القرآن إلا في الآية أعلاه مع ورود آيات باستجابة الله عز وجل للأنبياء وشمول منافع الإستجابة لغيرهم من الأهل والمؤمنين ، ومنه قوله تعالى [وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنْ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ] ( ).
وتتقوم الحياة الدنيا بالدعاء وهو سر ديمومة الحياة فيها إذ يدعو المؤمن فتعم النعم الناس ، ويبتلى الإنسان فيلجأ إلى الدعاء طوعاً وانطباقاً وقهراً إذ يمر الإنسان بأحوال يدرك معها حاجته إلى رحمة الله عز وجل .
(عن الإمام الصادق عليه السلام قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله دعا الله عز وجل يوم الاحزاب فقال : الحمد لله وحده لا شريك له .
الحمد لله الذي ادعوه فيجيبني وإن كنت بطيئا حين يدعوني، والحمد لله الذي أسأله فيعطيني وإن كنت بخيلا حين يستقرضني.
والحمد لله الذي أستعفيه فيعافيني وإن كنت متعرضا للذي نهاني عنه.
والحمد لله الذي أخلو به كما شئت في سري، وأضع عنده ما شئت من أمري من غير شفيع فيقضي لي ربي حاجتي) ( ).
لقد جاء هذا الجزء في تفسير بعض آيات من القرآن في سياق ونظم قانون (لم يغز النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحداً)، لبيان منهج السلم والموادعة والصلح الذي جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو ذاته منهاج الأنبياء ، وتدل عليه آيات القرآن وقصص الأنبياء فيه ، فيكونون مظلومين ، ويتلقون الأذى بصبر حتى ينتصر الله لهم ، ومن أسرار الحياة الدنيا إجتماع المتضادين في موضوع متحد ، فذات الأذى الذي يتلقاه الأنبياء والصالحون ، ونصرهم من العز في قوله تعالى [وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ] ( ) وشاء الله عز وجل أن يجعل الدعاء طريقاً للعز ، وواقية من الذل والضعف .
وإبتدأ هذا الجزء بقراءة وتفسير لقوله تعالى [كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ] ( ).
وهذا الجزء وبضعة أجزاء سابقة من التفسير خاصة برشحات علم (لم يغز النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحداً ) إذ أن منهجيتنا بالتفسير أعم فبدأت رحلته المباركة بالجزء الأول من هذا السٍفر (معالم الإيمان في تفسير القرآن ) بتفسير سورة الفاتحة ثم جاء نحو خمسين جزءً في تفسير سورة البقرة ، ولا زلنا في تفسير سورة آل عمران والحمد لله , وسيأتي الجزء التالي وهو الثالث والسبعون بعد المائة خاصاً بتفسير الآية السادسة والسبعين بعد المائة من سورة آل عمران [وَلاَ يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ]( ).
وقد صدرت الأجزاء (164-165-166-168-169-170-171) بتفسير خاص بهذا القانون لقراءة جديدة في السنة النبوية من خلال القرآن والسنة النبوية تبين أن الإسلام دين السلام ، وأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم يبدأ أحداً قتالاً , وكان يدفع أسباب القتال ، وإذا انصرف أو إنهزم المشركون فانه يتركهم وشأنهم ، وإذا بلغه أن قوماً أو قبيلة يعدون العدة للهجوم على المدينة فانه يتوجه إليهم وإذا تفرقوا وصعدوا رؤوس الشعاب يتركهم وشأنهم مع إمكان ملاحقتهم ومطاردتهم , وجلبهم إلى المدينة أسرى أذلة .
ومن خصائص بعثة الأنبياء بيانها لحب الله عز وجل للعباد، ورأفته ورحمته بهم في الدنيا وهدايتهم إلى سبل الفلاح في الآخرة ، ومنه توالي المعجزات على أيدي الأنبياء ، وكل معجزة سواء كانت حسية أو عقلية تخاطب العقول ، وتدعو الناس إلى كلمة التوحيد ، وأداء الفرائض والعبادات،والتنزه عن المعاصي ، وفي التنزيل [فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ] ( ) .
اللهم إنا نسلّم ونقطع بأنك العفو الغفور الهادي إلى سواء السبيل ، وأنت [الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ]( ).
وقد ورد لفظ القوة في القرآن ثلاث مرات , منها مرتان في صفات الله عز وجل ، والآية الثانية هي [أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا]( ).
لبيان أن إختصاص القوة بالله عز وجل رحمة بالناس ، وسبيل إلى الرزق العام في الدنيا والآخرة ، وليس من حصر لرزق الله ، وكل الأشياء مستجيبة له سبحانه .
لقد أقر كفار قريش بالله رباً وخالقاً ورازقاً ومميتاً ، ولكنهم أشركوا بعبادته الأصنام وتوسلوا إليها ، واتخذوها وسائط وآلهة ، قال تعالى [وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ]( ).
وجاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأمور مباركة وهي :
الأول : لزوم الإقرار بالتوحيد .
الثاني : نبذ عبادة الأصنام ، وترك إتخاذها وسائط .
الثالث : وجوب أداء الصلاة لله خمس مرات في اليوم ، إذ فرضت الصلاة في مكة ، بينما فرضت الزكاة والصيام في السنة الثانية من الهجرة النبوية الشريفة ، لبيان موضوعية الصلاة ولإقامة الحجة على كفار قريش بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يفرض عليهم الزكاة في أموالهم ، ولكنهم ولكفرهم انفقوا في حربهم على النبوة والتنزيل أضعاف ما يجب من الحق الشرعي .
الرابع : التصديق بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والأنبياء السابقين , والإيمان بالملائكة .
الخامس : التسليم بالبعث بعد الموت وأنه حق .
لقد بعث الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم إلى الناس جميعاً بأجيالهم المتعاقبة فآمن به المهاجرون والأنصار وامتنع الذين كفروا من قريش عن التصديق بنبوته فتركهم وشأنهم ، ولكنهم لم يتركوه إنما قاموا بتجهيز الجيوش وحمل الأسلحة وإنفاق الأموال الطائلة لمحاربته ، ومنع الدعوة إلى الحق والهدى ، وأنما يحاربون بضلالتهم ما فيه خيرهم وفلاحهم في النشأتين .
فكان لابد من الدفاع عن النبوة والتنزيل والنفوس والأموال ، ومن خصائص المدينة المنورة امتناعها عن الغزو ويسطر التاريخ الحال بينها وبين قريش بعجز قريش عن إختراقها وقتل أو سبي أهلها .
ولكن كتاب السيرة أكدوا على اسم الغزوة والغزوات وسمّوا كل خروج للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة بأنه غزوة وليس بتام ، إنما كان يخرج تعظيماً لشعائر الله ، ولمنع قيام العدو الكافر بالغزو ، فكل خروج للنبي هو برزخ دون الغزو ، ومنع منه سواء الخروج الذي وقع فيه قتال أم الخروج الذي لم يقع فيه قتال ، وهو الأغلب والأكثر .
وكل خروج للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ) لبيان أن الرحمة من مصاديق الحق في قوله تعالى [كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ]( ) فبرحمة ولرحمة الله خرجت من المدينة إلى ميدان معركة بدر ، ومن معاني الرحمة في المقام عدم علم الصحابة بأن معركة بدر ستقع ، فان قلت قد يكون فيه نوع جهالة ، والجواب لا ، لأن الله عز وجل ضمن للمؤمنين النصر والغلبة ، قال تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ]( ).
ومن مصاديق عدم إرادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الغزو كراهة فريق من الصحابة لذات الخروج على ظاهر قوله تعالى[وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ]( ) فلا يمكن أن يغزو القائد بجيش يكره ذات الخروج من المدينة ، لموضوعية وأثر هذه الكراهة في ضعف همم الجيش في القتال ، وقد تكون سبباً في إلحاق الضرر بذات القائد باغتياله أو التخلية بينه وبين العدو ، وإن كانت آية البحث تنفي هذا الإحتمال بنعتها للذين كرهوا الخروج بأنهم مؤمنون ، لبيان قانون وهو : الإيمان عصمة من الخيانة .
الحمد لله الذي بعث الأنبياء بالحكمة والموعظة ، وجريان المعجزات الحسية بين أيديهم لتكون على وجوه :
الأول : إنها شاهد على صدق النبوة .
الثاني : المعجزة واقية للنبي ، وبرزخ دون التعدي عليه , ومانع من الحاق الضرر به ، فان قلت من الأنبياء من أوذي من قبل قومه الجواب هذا صحيح , و( عن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ما أوذي أحد مثل ما أوذيت في الله( ).
ولكن الأذى من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة ، وبين الضرر والأذى عموم وخصوص مطلق ، فالضرر أشد وأعم.
الثالث : المعجزة من اللطف الإلهي بالناس وقاعدة اللطف ضابطة كلية من الإرادة التكوينية في أمور وشؤون الناس جميعاً ، إذ أنها تقرب الناس من منازل الإيمان .
الرابع : المعجزة زاجر لعامة الناس من نصرة رؤساء الكفر في حربهم ضد النبوة والأنبياء .
ولا تختص هذه الحرب بأيام وحياة النبي ، بل يلحقه واتباعه الأذى بعد مغادرته إلى الرفيق الأعلى بتحريف وتشويه معجزاته ، والإفتراء عليه والإستهزاء بسنته وسيرته وأصحابه ، فتفضل الله عز وجل بالقرآن معجزة عقلية ووثيقة سماوية لمناهج والمعجزات الأنبياء ، وهو من مصاديق الحفظ في قوله تعالى[إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون]( ).
بلحاظ المعنى الأعم للذكر الشامل لما نزل على الأنبياء من الوحي والصحف والتنزيل , فحفظها الله عز وجل في القرآن إذ جعله [تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( ).
الخامس : في المعجزة النبوية غنى للنبي وأصحابه عن الهجوم والغزو ، إذ تغزو ذات المعجزة القلوب والأبصار والأسماع وتدعوها طوعاً وقهراً إلى التفكر ببديع صنع الله ووجوب عبادته ، ونبذ الشركاء والأنداد وتجذب الناس إلى مقامات الإيمان ، حتى إذا أراد رؤساء الكفر غزو النبي وأصحابه في ديارهم قابلهم عامة الناس بالإعراض والصدود.
السادس : المعجزة فضل على الناس جميعاً ، لما فيها من التحدي والبيان ، وعجزهم عن الإتيان بمثلها ، وتثبيطها وأبطالها سحر الذين كفروا ، وهي تتحدى الطواغيت ، وتبقى شاهداً على ظلمهم وجورهم حتى بعد إنقضاء أيامهم ، قال تعالى[قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ]( ).
وتأتي معجزة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبما هو شائع في زمانه من الأمور التي تبهر الناس ويزاولها عدد مخصوص من ذوي العلم وذات الفن ، ففي زمان موسى عليه السلام كان السحر شائعاً ، ويهاب الناس السحرة ، ويلجأون إليهم ، وجعلهم فرعون له ظهيراً ، وليس عندهم إلا إيهام الناس ، وخداع الأبصار ، فبعث الله عز وجل موسى عليه السلام بمعجزة عصا تتحول إلى حية على نحو الحقيقة تمشي باذن الله ثم تلتهم حبال السحرة ، وفي التنزيل [قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى] ( ).
وكان طولها عشرة أذرع ، وهي بالأصل عصا آدم نزلت معه من الجنة إذ ورد عن ابن عباس [خرج آدم من الجنة بين الصلاتين : صلاه الظهر : وصلاة العصر ، فأنزل إلى الأرض . وكان مكثه في الجنة نصف يوم من أيام الآخرة ، وهو خمسمائة سنة من يوم كان مقداره اثنتي عشرة ساعة ، واليوم ألف سنة مما يعد أهل الدنيا.
فأهبط آدم على جبل بالهند يقال له نود ، وأُهْبِطَت حواء بجدة ، فنزل آدم معه ريح الجنة ، فعلق بشجرها وأوديتها ، فامتلأ ما هنالك طيباً ، ثم يؤتى بالطيب من ريح آدم وقالوا : أنزل عليه من طيب الجنة أيضاً ، وأنزل معه الحجر الأسود ، وكان أشد بياضاً من الثلج ، وعصا موسى وكانت من آس الجنة , طولها عشرة أذرع على طول موسى . ومر ولبان . ثم أنزل عليه بعد السندان ، والكلبة ، والمطرقتان ، فنظر آدم حين أهبط على الجبل إلى قضيب من حديد نابت على الجبل .
فقال : هذا من هذا! فجعل يكسر أشجاراً قد عتقت ويبست بالمطرقة ، ثم أوقد على ذلك القضيب حتى ذاب ، فكان أول شيء ضرب منه مدية ، فكان يعمل بها ، ثم ضرب التنور وهو الذي ورثه نوح ، وهو الذي فار بالهند بالعذاب ( ) .
وتوارث الأنبياء العصا ومن مصاديق ما ورد حكاية عن موسى في التنزيل [وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى] وجوه :
الأول : استعانة موسى بالعصا عند المشي .
الثاني : إرتكاز موسى عليه السلام على العصا في الوقوف .
الثالث : ضرب موسى بعصاه أغصان الشجر لتتساقط الأوراق ، لتأكلها غنمه ، إذ كان للعصا شعبتان ومحجن .
الرابع : الهش على الغنم ، وإعادة الشاردة والمبتعدة عن القطيع بالعصا .
الخامس : تعليق موسى لقوسه وكنانته وثيابه بالعصا .
السادس : إذا كان مع موسى زاد وطعام علّقه بالعصا .
السابع : إلقاء موسى العصا على عاتقه أحياناً .
الثامن : ينبت موسى عليه السلام العصا في البرية إذا لم يكن هناك ظل ، ليلقي كساءه عليها .
التاسع : إذا ورد موسى عليه السلام ماء ولا يصل الرشاء( ) إليه يوصله بالعصا .
العاشر : يقاتل موسى عليه السلام السباع بعصاه إذا أرادت غنمه .
الحادي عشر : كانت العصا تضئ لموسى في الليل .
الثاني عشر : حاجات ومنافع أخرى منها ما يأتي عرضاً ، وعلى نحو طارئ .
الثالث عشر : غرس موسى عليه السلام العصا ، وتكون كالشجرة تظله.
الرابع عشر : حراسة الغنم إذا نام موسى .
وأنكر ابن كثير هذه الأمور الخارقة للعصا ، وقال (والظاهر أنها لم تكن كذلك، ولو كانت كذلك لما استنكر موسى، عليه الصلاة والسلام، صيرورتها ثعباناً، فما كان يفر منها هارباً، ولكن كل ذلك من الأخبار الإسرائيلية ( ).
ولكن أكثر هذه المعجزات حصلت بعد ثبوت المعجزة وصيرورتها أفعى بيد موسى واطمئنانه للمعجزة , ثم أن معجزة إنقلاب العصا إلى حية تمشي معجزة أكبر وأعظم , من المعجزات أعلاه .
وحينما ألقى موسى عليه السلام عصاه أمام فرعون والسحرة وأهل مصر فهل هي المرة الأولى التي تصير فيها حية أم ليست المرة الأولى ، الجواب هو الثاني ، إذ تفضل الله عز وجل بأن جعل موسى عليه السلام يرى هذه الآية ويطمئن لها ، بعد خوف شديد لحقه .
وكذا في نزول جبرئيل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أول مرة فقد خاف منه وارتجفت أركانه ، ودخل على خديجة وقال (زملوني زملوني )( ).
وعن جابر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : فنزعني الوحي مرّة فبينما أنا أمشي إذ سمعت صوتاً من السماء فرفعت بصري قبل السماء فإذا الملك الذي أتاني بحراء قاعد على الكرسي بين السماء والأرض فجثثت منه فرقاً حتى هويت إلى الأرض , فجئت إلى أهلي فقلت : زمّلوني , فأنزل الله سبحانه يا أيها المدثر( ).
وكذا بالنسبة لموسى ففي قوله تعالى [أَلْقِهَا يَامُوسَى] ( ) ظن موسى أن ارمها وارفضها فالقاها على الأرض ، والتفت عرضاً إلى موضع العصا ، وإذا هو يرى ثعباناً عظيماً وهو يسعى لإلتقام ما يأكل ، فيمر بالصخرة التي هي كالناقة فيلتقمها ، مع أن الزواحف والحيوانات لا تأكل الصخور .
وصار محجن العصا وهو رأسها المعوج عِرقاً ، وفي حديث طويل لوهب بن منبه (وعاد الشعبتان فهما مثل القليب الواسع فيه أضراس وأنياب لها صريف ، فلما عاين ذلك موسى { ولى مدبراً ولم يعقب }( )( ).
فانهزم موسى من الأفعى خائفاً واستحضر إدراكه أنها عصاه ذاتها ، فوقف في حياء من الله عز وجل فأمره الله عز وجل أن يرجع إلى ذات العصا ، قال تعالى [وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى * قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى *فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى * قَالَ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى] ( ) لبعث الطمأنينة في نفسه وأنها ذات العصا ، وحالما يأخذها موسى عليه السلام فستعود هيئتها كحية .
فامسك موسى عليه السلام مدرعته بيده ، وجعلها وسيلة لقبض الأفعى فكلمه ملك : وهل تنفع المدرعة مع الأفعى في دفع المحذور فأقر موسى عليه السلام بضعفه وألقى المدرعة ، وكشف عن يده ليمسك بها الأفعى من فمها ، لتتلاشى الأضراس ولها صوت حتى عادت العصا إلى سابق عهدها ، لتكون هذه الآية خاصة لطفاً , ومقدمة للإحتجاج على السحرة وإلقائها أمام الحشود الغفيرة من غير خوف أو وجل , ولمنع الحرج والأذى , واحتمال أنها قد تبقى على هيئتها كعصا فيبطش به فرعون .
ومن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن كل آية قرآنية معجزة عقلية تترشح عنها العلوم والفيوضات إلى يوم القيامة بما يكون سبباً لصلاح الناس.
وجاء القرآن ليحفظ معجزات الأنبياء في الأجيال ، ويجعلها موعظة ويستقرأ منها العبر والدروس بلحاظ أنها نعمة وأن الله عز وجل إذا أنزل نعمة فانها لا تغادر الأرض ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ]( )، بتقريب وهو نزول النعمة من السماء وعدم مغادرتها الأرض كنوع صلة وإتصال متجدد بين أهل السماء والأرض ، وهو من مصاديق احتجاج الله عز وجل على الملائكة بقوله تعالى [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) حينما أنكروا خلافة الإنسان في الأرض مع إفساد شطر من الناس في الأرض ، وقيام أفراد وجماعات منهم بالقتل .
ومنهم كفار قريش الذين جمعوا بين الفساد والقتل من جهات :
الأولى : شرك كفار قريش بالله عز وجل .
الثانية : عبادة كفار قريش للأصنام .
الثالثة : تكذيب قريش للنبي محمد , وذات التكذيب فساد وظلم للذات والغير ، ومن مصاديق قوله تعالى[فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ]( ) توالي المعجزات الحسية والعقلية على يد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وإيمان نفر من أهل بيت النبوة وطائفة من قريش وعموم أهل مكة ببعثته وتصديقهم برسالته .
الرابعة : إيذاء كفار قريش للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتعذيبهم للمسلمين الأوائل .
الخامسة : عزم كفار قريش على قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في فراشه .
السادسة : تجهيز كفار قريش الجيوش لمحاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلى نحو متكرر ، فمع أنهم خسروا معركة بدر، وفقدوا فيها سبعين من صناديدهم وأسر منهم سبعون آخرون، فقد عادوا في معركة أحد للثأر والبطش والانتقام .
السابعة : قيام كفار قريش بقتل المؤمنين وهو من مصاديق إحتجاج الملائكة كما ورد في التنزيل [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ]( )، وكان قتلهم للمؤمنين على وجوه :
الأول : القتل وسفك الدماء في التعذيب ، كما في قتل أبي جهل لسمية أم عمار في رمضاء مكة ، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يمر على آل ياسر وهم يعذبون ( فيقول : صبراً يا آل ياسر فان موعدكم الجنة ( ).
الثاني : قتل الأسرى ، كما في قتل كفار قريش خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة بعد واقعة بدر ، والأصل أنهم ليسوا أسرى حرب أو سلم ، انما كانا في سرية استطلاع مع أربعة آخرين وقيل مجموع أفراد السرية عشرة ولم تكن سرية قتال ، وأحاط بهم مائة من بني لحيان وهم حي من هذيل وأعطوهم الأمان والعهد والميثاق بأن لا يقتلوا منهم أحداً ، فسلم خبيب وزيد نفسيهما لهم ، فبعثوا بهما إلى مكة ، وباعوهما إلى قريش فقاموا بقتلهما ثأراً لقتلى قريش في معركة بدر ، مع أن الله عز وجل أخبر بأنه هو الذي قتل كفار قريش [فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى]( ).
الثالث : قتل المؤمنين في ميدان المعركة وعلى نحو متكرر كما في معركة بدر وأحد والخندق وحنين ، وفي كل معركة كان كفار قريش هم الغازون المعتدون .
الرابع : قتل المؤمنين غيلة وغدراً ، وهذا القتل تارة يكون متحداً وشخصياً ، وأخرى يكون بقتل المتعدد من المؤمنين كما في قتلهم لأفراد سرية التبليغ في بئر معونة , وعددهم نحو أربعين .

حرر في 22 آيار 2018
6 شهر رمضان 1439

الآية السادسة عشرة
قوله تعالى [كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ] ( ) .
إبتدأت الآية بحرف الكاف الذي يفيد التشبيه , ويحتمل تقديره مقيداً بمحذوف كاسم اشارة لما تقدم قبله أي حال المؤمنين حقاً لهم ذات الدرجة والشأن مثلما أخرجك ربك من بيتك بالحق ، لبيان أن المنزلة الرفيعة للمؤمنين لا تختص بالخروج للقتال والدفاع وإن كان هذا الخروج بأمر ووحي من عند الله ، وأنه حق وصدق .
وهل يحتمل التشبيه بلحاظ قسمة الأنفال مع كراهة طائفة من المسلمين ، مع أنها خير محض , وتتضمن إرادة التذكير بمسألة , وهي أن الأنفال لم تأت للمسلمين لولا خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالحق إلى بدر ، فهذا الخروج مقدمة وسبب للأنفال ، كما أن الأنفال لم تأت بطلب وسعي من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، إنما جاءت باعتداء وعدوان الذين كفروا ، وفي التنزيل[وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ]( ).
ولم يرد لفظ [أَخْرَجَكَ] في القرآن إلا في الآية أعلاه لإرادة التخفيف عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
ولم يكن خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم لإرادة القتال أو الغزو ، ومع هذا فان فريقاً وطائفة من المسلمين كارهون لهذا الخروج مما يدل على عدم وجود مناجاة للقتال بين الصحابة ، فمع هذه المناجاة تنحسر وتتضاءل الكراهة وتصير بذاتها مكروهة .
وقيل أن قوله تعالى [وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ]( ) أي كرهوا قتال العدو ( ) .
وهو لا يتعارض مع كونهم كارهين لذات الخروج , وإن لم يكن فيه قتال ، لقد كان المهاجرون والأنصار في غبطة وسعادة وهم في المدينة من جهات :
الأولى : وجود النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين ظهراني الصحابة.
الثانية : توالي نزول آيات القرآن.
الثالثة : قيام الصحابة بالرجوع إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في تفسير آيات القرآن ، مع تدارسها والإجتهاد للعمل بمضامينها .
و(عن ابن مسعود قال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن، والعمل بهن.
وقال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا أنهم كانوا يستقرئون من النبي صلى الله عليه وسلم، فكانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يخلفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل ، فتعلمنا القرآن والعمل جميعاً ( ).
الرابعة : الشكر لله عز وجل على نعمة الإيمان، والهداية إلى الرشاد.
الخامسة : التدبر في عالم الآخرة، والإستعداد لما فيه من الأهوال.
السادسة : العيش برضا في كنف الأخوة الإيمانية، وهو من مصاديق قوله تعالى[إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ]( ).
السابعة : النفرة من القتال , وبغض الغزو والنهب.
الثامنة : الرضا بالقليل من الرزق.
التاسعة : التنعم بأداء الصلوات الخمسة بامامة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
العاشرة : حضور نزول الوحي والآيات , وكيفية نزول القرآن على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , قال تعالى[لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ]( ).
الحادية عشرة : الإنصات لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في خطبه وأقواله.
الثانية عشرة : العلم بما ينتظر الذين كفروا من العذاب الأليم.
ويمكن انشاء أصل لفظي في علم الأصول , وهو إرادة المعنى الأقرب ، فان قلت أنه من مصاديق أصالة الظاهر ، الجواب: النسبة بين أصالة الظاهر وبينه عموم وخصوص مطلق .
فان قيل كيف يكره فريق من المؤمنين الخروج مع أنه من عند الله وأنه حق ، إنما يدفع هذا الإشكال تعلق الكراهة بالقتال خاصة مع قوله تعالى [كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ] ( ) .
والجواب بيان حال المؤمنين وأنهم شغوفون بحال الهجرة وحضور النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين ظهرانيهم ، ويصلّون بامامته خمس مرات في اليوم .
لذا يكون تقدير الآية على وجوه :
الأول : وأن فريقاً من المؤمنين لكارهون لهذا الخروج .
الثاني : وأن فريقاً من المؤمنين لكارهون للقتال .
الثالث : وأن فريقاً من المؤمنين لكارهون لقتال ذوي قرباهم من قريش.
ويذكر علماء التفسير الوجه الثاني أعلاه ، والمختار أنه لا تعارض بين هذه الوجوه , وكلها من مصاديق الآية الكريمة ، وفيه مسائل :
الأولى : بيان تعدد وجوه جهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيأتيه الأمر من عند الله بالخروج من الأهل والبيت والمدينة فيبادر إلى الخروج ، ويظهر فريق من الصحابة الكراهة لخروجهم ، فلا يغضب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يقوم بتوبيخهم ، إنما يصبر عليهم ، ويحثهم على الخروج ، ويبين لهم منافعه , وفي التنزيل[وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ]( ).
الثانية : نزول الآية القرآنية لتكون عوناً ومدداً للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في استجابة الصحابة لأمر الله ، وقهر الطبع في الميل إلى حياة الدعة وعدم اختيار المشقة , إذ أن تقدير الآية : كما أخرجك ربك أنت وأصحابك من بيوتكم بالحق ..)، وفي التنزيل[وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ]( ).
الثالثة : بيان حقيقة وهي أن خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى ميدان معركة بدر حق وضرورة ونعمة عظمى على المسلمين ، ولا أحد يعلم ماذا لو لم يخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم الخروج الذي تذكره هذه الآية ، والذي صار من مقدمات معركة بدر ونصر النبوة والتنزيل فيها.
ويتجلى الجواب في مقدمات معركة أحد والخندق إذ زحفت جيوش المشركين لإرادة قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقتل أو أسر باقي الصحابة، وكان غيظ وحنق مشركي قريش على المهاجرين أكثر منه على الأنصار.
الرابعة : لقد بايع الأنصار النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم في العقبة قبل هجرته إلى المدينة على الذب والدفاع عنه، ما دام بين ظهرانيهم ، وليس الخروج معه لقتال أو إستيلاء على قافلة ونحوه .
الخامسة : يكره فريق من المسلمين الخروج لما فيه من إحتمال تأليب الكفار عليهم ، أو لظنهم بأن أوان الخروج لم يأت بعد ، أو لتعدد حالات خروجهم مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ خرجوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى كل من :
الأول : هجرة المؤمنين من أهل مكة إلى المدينة.
الثاني : هجرة طائفة من المسلمين الأوائل إلى الحبشة .
الثالث : عودة بعض المهاجرين من الحبشة إلى المدينة .
الرابع : خروج ثلاثين من الصحابة في سرية حمزة بن عبد المطلب إلى سيف البحر أي ساحل البحر ..
الخامس : خروج ستين من الصحابة في سرية عبيدة بن الحارث إلى بطن رابغ في شهر شوال من السنة الأولى للهجرة ، ثم قتل عبيدة شهيداً في معركة بدر.
السادس : سرية سعد بن أبي وقاص إلى الخرار( ).
السابع : خروج المسلمين مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الأبواء في شهر صفر من السنة الثانية .
الثامن : الخروج مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى نجد وإرادة قبيلة غطفان .
التاسع : توجه مائتين من الصحابة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى بواط في شهر ربيع الأول من السنة الثانية .
العاشر : خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة الى بدر الأولى ومعه مائتان من أصحابه.
الحادي عشر : خروج ثلاثمائة من المهاجرين والأنصار مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى ذي العشيرة في جمادى الأولى من السنة الثانية للهجرة ، أي قبل معركة أحد بخمسة أشهر.
الثاني عشر : خروج ثلاثمائة من المهاجرين والأنصار مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى بحران( )، في شهر جمادى الأولى من السنة الثانية للهجرة، ليكون هذا الخروج وكثرة عدد المسلمين فيه مقدمة لمعركة بدر ، والتي حضر فيها ثلاثمائة وثلاثة عشر من الصحابة.
ولم يرد لفظ [ لكَارِهُونَ] إلا في آية البحث ، وورد لفظ كَارِهُونَ] ست مرات في القرآن ، وجاءت الخمسة الأخرى في ذم الكافرين والمنافقين وبيان جحودهم بالنعم ، ومنها نعمة النبوة ، وفي التنزيل[أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ]( ).
ومن أسرار مجئ اللام في لفظ [لَكَارِهُونَ] بيان أن الآية لا تتضمن ذم المؤمنين ، وأنهم في تضاد مع الذين كفروا ، والمختار خلو القرآن من ذم المؤمنين .
ومن الإعجاز في الآية عدم وصفها الصحابة إلا بالمؤمنين لبيان عدم التعارض أو التنافي بين الإيمان وهذه الكراهة .
ومن الآيات عدم تغشي الكراهة لجميع المؤمنين إنما هي خاصة بفريق منهم ، وقد جاءت الآيات السابقة لها بالثناء عليهم بذكرها لخصال المؤمنين ، قال تعالى [وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ]( ).
ترى ما هي علة هذه الكراهة ، فيه وجوه :
الأول : خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة مع أصحابه ، وتدل الآية بالدلالة التضمنية على أن أكثر المؤمنين غير كارهين للخروج ، لتقييد الكراهة بفريق منهم .
الثاني : كارهون قتال المشركين ، وهذه الكراهة من جهات :
الأولى : نفرة النفوس من القتال .
الثانية : وجود آباء وإخوان وأقارب للمهاجرين في جيش المشركين وكما أن فريقاً من المؤمنين كارهون للقتال فان طوائف من المشركين كانوا على وجوه :
أولاً : الذين رجعوا من وسط الطريق خاصة عند قدوم رسول أبي سفيان وهم بالجحفة يخبرهم عن سلامة القافلة .
ثانياً : الذين اعتزلوا القتال .
ثالثاً : الذين نادوا باجتناب القتال .
الثالثة : إنشغال المسلمين بحلاوة العبادة وأداء الفرائض .
الرابعة : المشقة في القتال وسفك الدماء وحدوث القتل أو الجراحات البليغة ، (وقال ابن جريج قلت لعطاء : قوله : {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ}( ) أواجب الغزو على الناس من أجلها أو كتب على أولئك حينئذ؟
وأجرى بعضهم الآية على ظاهرها فقال : الغزو فرض واجب على المسلمين كلّهم إلى قيام الساعة) ( ) .
وعلى فرض أن عطاء قال هذا الكلام فهو ليس بحجة ، ولم تذكر الآية أعلاه الغزو ، ولم تقصده فقيد الكتابة والفرض ،وقيد كراهة القتال يدل على أن المراد هو الدفاع وليس الغزو والهجوم .
(روى ابن أبي أنيسة عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :ثلاث من أصل الإيمان : الكفّ عمّن قال : لا إله إلاّ الله ما لم يره بذنب، ولا يخرجه من الاسلام بعمل، والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أُمتي الدّجال لا يبطنه ضنّ ولا شك، والإيمان بالأقدار) ( ).
ومنهم من رواه عن (أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ثلاثة مِنْ أصل الإيمان : الكفّ عمّن قال : لا إله إلا الله ، ولا تُكَفِّرُهُ بذَنْبٍ ، ولا يُخرجُه من الإسلام بِعمَلٍ ، والجهاد ماضٍ مُنذُ بَعَثَنِي الله عز وجل إلى أن يُقاتِلَ آخِرُ أمتي الدَّجّالَ ، لا يُبْطِلُه جَوْرُ جائرٍ ولا عدلُ عادل، والإيمانُ بالأقدار) ( ).
والحديث ضعيف , كما أن المراد من الجهاد هو الدفاع والإنذار من الدجال لأنه ضال ويفتن الناس في آخر الزمان ، ولم يمن زمانه بعير .
ومن الإعجاز في المقام عدم تقييد الكراهة بفريق من الأنصار مثلاً أو بخصوص الأنصار لأنهم تعهدوا بالذب والدفاع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما دام في المدينة ، وبين ظهرانيهم .
الثالث : لقد تمنى فريق من المؤمنين الإستيلاء على قافلة أبي سفيان ، فلما أصطف الجيشان للقتال ، كما في قوله تعالى [يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ] ( ) كرهت طائفة من المسلمين القتال .
وهل تتضمن هذه الكراهة الندامة على الخروج مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، الجواب لم تثبت هذه الندامة .
ومن إعجاز الآية أنها ذكرت أموراً:
الأول : خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بوحي وأمر من عند الله عز وجل وما كان بوحي من الله فانه خير محض ونفع عام ، وهو الذي تجلى في نتائج معركة بدر التي نصر الله عز وجل فيها المسلمين .
الثاني : جاء الأمر من عند الله عز وجل بالخروج ، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة ، وبين أزواجه فاستجاب لأمره تعالى من غير تردد أو إبطاء .
ومن معاني الآية : كما أخرجكم ربكم من بيوتكم بالحق ، لبيان التباين والتضاد بين خروج المؤمنين بأمر من عند الله عز وجل [فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ] ( ) وبين خروج الذين كفروا إلى معركة بدر باغواء من الشيطان ومن رؤساء الكفر والضلالة .
وقد كانت البشارات تصاحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في خروجه بالوحي والرؤيا ودلائل النبوة ،وهم في طريقهم إلى بدر، بينما تصاحب مشركي قريش الإنذارات وضروب الوعيد ، وجاءتهم قبل أن يصل ضمضم إلى مكة رسولاً من أبي سفيان باحتمال تعرض قافلتهم للخطر ، كما في رؤيا عاتكة بنت عبد المطلب .
الثالث : تقييد وتزيين إخراج الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من بيته بالحق والهدى وإرادة الخير والصلاح للناس جميعاً .
ومن الإعجاز أن الحق ورد قيداً وظرفاً لخروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من بيته ، وهو أعم من لقاء القوم في القتال ، بالإضافة إلى تأكيد الآية لقانون وهو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم ينو القتال عند خروجه ولم يعزم عليه .
الرابع : نسبة خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى أمر ومشيئة الله عصمة وواقية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو من عمومات قوله تعالى [وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ] ( ) .
الخامس : إرادة بيان قانون وهو أن خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من بيته في السرايا إنما هو دعوة إلى الله ، وحث للناس لدخول الإسلام .
ترى كيف أخرج الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم من بيته إلى معركة بدر ، الجواب بالوحي ونزول جبرئيل عليه السلام ، وأمره النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالنداء بأصحابه بالخروج .
ولم تقل الآية : كما أخرجك ربك من المدينة مع أن لفظ المدينة ورد في القرآن أربع عشرة مرة، ويراد منها أهلها والمقيمون فيها ، ولزوم تدبرهم بالآيات، وإجتناب الكفر والجحود، ولبيان قانون وهو كانت في أيام الأنبياء مدن آهلة بالسكان ، وحضارات وأنظمة سياسية واجتماعية، وقرى عامرة بأهلها.
ومن آيات المدن ما يتعلق بقصة موسى عليه السلام كما في قوله تعالى[وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا]( )، [فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ]( )، [وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى]( ).
وهناك آيات تتعلق بمدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتبين جهاده وصبره أذى الذين كفروا والمنافقين ، منها[وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً]( ).
وفي ذم المنافقين ورد قوله تعالى[يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ]( ).
وفي شطر من الأعراب ورد قوله تعالى[وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ]( ).
وذكر المدينة في آية البحث لكشف حقيقة وهي أن أول خطوات النبي صلى الله عليه وآله وسلم للخروج كانت بأمر من عند الله عز وجل .
ومن الإعجاز أن لفظ [بيتك] ورد مرتين في القرآن ، وجاء في الثانية لإرادة بيت الله الحرام في دعاء إبراهيم عليه السلام [رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ] ( ).
فهل من معاني الجمع بين الآية أعلاه وآية البحث الإخبار عن صيرورة مسجد وبيت النبي محمد صلى الله عليه وآله سلم مزاراً للمسلمين، ومحلاً للعبادة والنسك في موسم الحج وطيلة أيام السنة ، الجواب نعم ، وهو من الإعجاز في مواضع اللفظ المتحد في القرآن .
وورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (من حج ولم يزرني فقد جفاني) ( ).
وهو حديث صحيح ، ويحمل على الإستحباب المؤكد , وقيل هو واجب وفي حكم الواجب .
وعدّه ابن الجوزي وابن تيمية من الموضوعات ، ولكن سنده حسن ولا عبرة بالقليل النادر الذي قال أنه موضوع خاصة مع سيرة أجيال المسلمين من أيام الصحابة عليه , وورود أحاديث كثيرة عن النبي في فضل زيارته ، وزيارة قبره منها: من زار قبري وجبت له شفاعتي)
وعن ابن عباس عن النبي (من حج إلى مكة ثم قصدني في مسجدي كتب له حجتان مبرورتان) ( ).
وعن الإمام الباقر عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم( قال من زارني حيا وميتا كنت له شفيعا يوم القيامة) ( ).
الرابع : من معاني قوله تعالى [كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ] ( ) أي أن الله عز وجل ضمن النصر للنبي والمسلمين إن قاتلهم الذين كفروا .
وهل فيه تحريض للمسلمين على القتال، الجواب لا ، لمبغوضية القتال مطلقاً ولأن الآية نزلت بعد واقعة بدر ، وهو المستقرأ من صيغة الفعل الماضي [أَخْرَجَكَ]واختتام الآية عن كراهية طائفة من المؤمنين للقتال .
نعم الآية دعوة للدفاع إذا أصرّ الذين كفروا على القتال.
ومن الإعجاز في الآية بيان موضوع الحق بخروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من بيته ، وليس بالهجوم والغزو ، فلم تذكر الآية القتال والهجوم والغزو ، إنما ذكرت ذات الخروج لبيان أن فيه الكفاية والنجاة وأن القتال لم يأت من طرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، إنما كان بسبب عناد وإصرار الذين كفروا ، كما تبين خاتمة الآية ومضمون الآية التالية كراهة بعض الصحابة لهذا الخروج وجدالهم في الحق .
(عن عبد الرحمن بن عوف قال : نزل الإِسلام بالكره والشدّة فوجدنا خير الخير في الكره ، خرجنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مكة فأسكننا سبخة بين ظهراني حرة فجعل الله لنا في ذلك العلا والظفر ، وخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بدر على الحال التي ذكر الله { وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون }( ) إلى قوله { وهم ينظرون } فجعل الله لنا في ذلك العلا والظفر فوجدنا خير الخير في الكره .) ( ).
ومن معاني الآية تنمية ملكة الإنقياد إلى أمر الله ورسوله عند المسلمين .
ويحتمل خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى معركة بدر قوله تعالى [مِنْ بَيْتِكَ] وجهين :
الأول : المراد بين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة.
الثاني : المقصود خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من المسجد النبوي .
الثالث : إرادة خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة المنورة لأنها دار الهجرة ، ولا تعارض بين هذه الوجوه ، إذ تدل الآية على خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كتيبة من أصحابه مع اللواء مغادرين المدينة ، وتقدير الآية : كما أخرجك وأصحابك ربك بالحق ).
فصحيح أن الآية وصفت حال الصحابة بأن فريقاً منهم كارهون لهذا الخروج إلا أنها تدل بالدلالة التضمنية على خروجهم معه ، فلذا أكرمتهم الآية بأمور :
الأول : الوصف بالإيمان ، وأنهم مؤمنون لبيان قانون , وهو أن كراهيتهم للخروج بالحق لا يضر في صدق إيمانهم .
الثاني : دعوة الصحابة للإمتناع عن كراهة ما هو حق وصدق ، فلإن خرجوا إلى معركة بدر بالحق وحققوا النصر المبين وجلبوا الغنائم ، وتقدمهم الأسرى حين دخولهم المدينة المنورة ، فان معركة أحد التي وقعت بعد معركة بدر بثلاثة عشر شهراً تكبد فيها المسلمون الخسارة إذ سقط منهم سبعون مما يدل على زيادة كراهة المسلمين لهذا الخروج للتباين بينه وبين الخروج إلى معركة بدر من وجوه :
الأول : خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى معركة بدر وهم لم يغزوا المدينة ، بينما في معركة أحد أطل جيش المشركين على المدينة .
الثاني : كان عدد أفراد جيش المشركين في معركة بدر ألفاً ، بينما عددهم في معركة أحد ثلاثة آلاف رجل .
الثالث : كان المسلمون في معركة بدر يرغبون بالإستيلاء على القافلة ، قال تعالى [وَإِذْ يَعِدُكُمْ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ] ( ) وليس في الخروج إلى معركة أحد إلا القتال .
الرابع : لم يرجع أحد من الصحابة في معركة بدر ، أما في معركة أحد فقد انخزل رأس النفاق عبد الله بن أبي بن أبي سلول من وسط الطريق إلى المعركة بثلث جيش المسلمين .
(وأخرج ابن إسحق وابن جرير وابن المنذر عن ابن شهاب وغيره قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أحد في ألف رجل من أصحابه ، حتى إذا كانوا بالشرط بين أحد والمدينة انخذل عنهم عبد الله بن أُبَيَّ بثلث الناس ، وقال : أطاعهم وعصاني والله ما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا ، فرجع بمن اتبعه من أهل النفاق وأهل الريب ، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام من بني سلمة يقول : يا قوم أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم عندما حضرهم عدوهم .
قالوا : لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم ، ولكن لا نرى أن يكون قتال) ( ).
والأصل أن يحدث إرتباك ووهن وخصومة في بقية أفراد الجيش عند إنسحاب هذا العدد خصوصاً وأن عبد الله بن أبي هذا من رؤساء الخزرج وعامة أهل المدينة ، ولكن المؤمنين صبروا وبقوا مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفازوا بالذكر الحسن .
الرابع : لقد تواترت الأخبار إلى المدينة عن كثرة جيش المشركين وشدة بأسهم ، وإصراهم على قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، مما جعل أهل المدينة في حال خوف ورعب واجتهد المنافقون في بث السموم والتحريض على القعود لولا أن منّ الله على المؤمنين بالصبر وحسن التوكل على الله ، وفي التنزيل [الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ] ( ).
بينما في معركة بدر وهي أول معارك الإسلام فان أهل المدينة لم يعلموا بوقوعها وإنقضائها إلى أن دخلت الغنائم والأسرى من المشركين المدينة ، لبيان مسألة وهي إزدياد درجة كراهة المسلمين للخروج إلى أحد أكثر منه في خروجهم إلى بدر التي لم يظنوا معها بوقوع قتال ، ولكن العكس هو الذي وقع إذ كان المسلمون يتشوقون للقاء العدو في معركة أحد ، وهو من الإعجاز في السنة الدفاعية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ولم يرد لفظ [لَكَارِهُونَ] في القرآن إلا في آية البحث , وكأنها اشارة إلى إنقطاع الكراهة عند المسلمين في حال الخروج في الكتائب والسرايا دفاعاً عن الإسلام .
وتقدير أول آية البحث [كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ] على وجوه :
الأول : كما أخرجك ربك من بيتك بالحق إلى بدر فان كل مرة يخرج فيها هي بالحق والعدل والحكمة .
الثاني : كما أخرجك ربك من بيتك بالحق فانه سبحانه يعيدك سالماً ، وفي قوله تعالى [إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ] ( ) أي إلى مكة ، ونزلت الآية أعلاه على النبي بالجحفة عندما هاجر إلى المدينة لذا فهذه الآية ليست مكية ولا مدنية ، وباقي آيات وسور القرآن أما مكية أو مدنية ( ).
الثالث : كما أخرجك ربك من بيتك بالحق إلى بدر فانه يخرجك بالحق إلى معركة أحد ومعارك الإسلام الأخرى .
الرابع : كما أخرجك ربك من بيتك بالحق إلى بدر فانه سبحانه لا يخرجك إلى الغزو والنهب .
الخامس : كما أخرجك ربك من بيتك بالحق فانه يخرج معك المهاجرين والأنصار بالحق ، ولم تقل الآية كما أخرجكم ربكم من بيوتكم بالحق ، وفيه نكتة إعجازية فمن الصحابة الذين يخرجون في الكتائب والسرايا هم من أهل الصفة وهي نوع ظلة وسقيفة بجوار المسجد النبوي ، وقيل عند مؤخرته يأوي إليها المهاجرون الأوائل فليس لهم أهل وبيوت بالمدينة ، ويكون تقدير الآية : كما أخرجك ربك من بيتك وأخرج أصحابك بالحق .
وفي الآية ذم وتبكيت للمنافقين، فقد سعوا في قعود المؤمنين عن الخروج فأخبرت آية البحث عن خروج النبي بالحق والحكمة وبعلم الله عز وجل بأسباب جلب المصلحة ودفع المفسدة ، فلا ينصت المؤمنون للمنافقين والمنافقات .
السادس : كما أخرجك ربك من بيتك في مكة بالحق لتنجو من القوم الظالمين فانه تعالى أخرجك من بيتك في المدينة بالحق .
السابع : ليس من خروج للنبي إلا بأمر من عند الله عز وجل .
الثامن : بيان قانون وهو إتصاف خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الكتائب بأمور :
الأول : لا يخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا بأمر من عند الله .
الثاني : خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الكتائب من مصاديق قوله تعالى[وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى]( ).
الثالث : البشارة بالثواب والمنزلة الرفيعة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين والأنصار الذين يخرجون تحت لوائه ، قال تعالى[مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلاَ يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ]( ) .
وتدل خاتمة الآية أعلاه على أن الثواب والأجر سبب للبعث على العمل الصالح , وأن خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الكتائب إحسان , وفيه وجوه :
أولاً : خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الكتائب خير محض وإحسان .
ثانياً : تعدد وجوه الإحسان في خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليشمل جهات :
الأولى : الإحسان للمهاجرين والأنصار بتثبيت إيمانهم .
الثانية : الإحسان لعموم أهل المدينة بدفع تعدي وغزو المشركين لها .
الثالثة : الإحسان للذين كفروا يزجرهم عن التعدي وغلبة الرغبة في القتال ، والمناجاة فيه .
الرابعة : الإحسان إلى أهل القرى حول المدينة والأمصار , فذات خروج وعودة الكتائب دعوة لهم للإسلام .
الخامسة : الإحسان لأهل مكة بأن الإسلام باق , وإن معالم الكفر الى زوال .
وهناك مسائل :
الأولى : هل الكراهة في قوله تعالى [لَكَارِهُونَ] من الكلي المتواطئ الذي يكون على مرتبة واحدة ، أم أنها من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً .
الثانية : هل تستمر هذه الكراهة بعد العودة من السرايا أم تنقطع بالرجوع إلى المدينة .
الثالثة : هل من أثر وتأثير بين الصحابة الذين لم يكرهوا الخروج وبين الذين هم كارهون له .
الرابعة : ما هو متعلق الكراهة .
الخامسة : هل تنفع آية البحث في رفع هذه الكراهة .
أما المسألة الأولى فالمختار أن الكراهة في المقام من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة من القوة والضعف ، ولكنها لا تصل إلى مرتبة القلق والحزن والكآبة والتشاؤم وضيق الصدر والنفور من الخارج ، إنما المقصود من الكراهة في الآية عرضاً طارئاً بخصوص الخروج لغلبة رجاء التصدي للقافلة وليس القتال .
وتقدير الآية ، وأن فريقاً من المؤمنين لكارهون مع خروجهم وعدم تخلفهم ، وهذه الكراهة ليست لإنكار الخروج إنما هي من طبائع النفس الإنسانية ، وملكة الميل إلى السلم عند عامة المسلمين ، وجاء ذكر الكراهة في سياق الثناء على المهاجرين والأنصار بنعتهم في آية البحث بالمؤمنين , لأنهم خرجوا في الكتيبة مثل كل مرة فكانوا يخرجون ويعودون من غير قتال ، فلما أخبرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بزحف جيش قريش , وإرادتهم القتال كرهوا اللقاء ، وتمنوا عدم وقوع القتال لما فيه من القتل وسفك الدماء .
أما المسألة الثانية فان هذه الكراهة انقطعت في يوم معركة بدر عندما تجلت معالم النصر المبين للمسلمين بمعجزة حسية وعقلية ، ومن معاني قوله تعالى [لَكَارِهُونَ] كراهة المسلمين كوت طائفة من قريش وحلفائهم على الكفر والجحود إذ كانوا يرجون لهم التوبة والإيمان .
أما المسألة الثالثة فالجواب نعم , فان الذين تلقوا الخروج والإخبار عن لقاء كفار قريش يعظون الذين كرهوا هذا اللقاء , بما يؤدي إلى إزالة تلك الكراهة ، وفي التنزيل [إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ] ( ).
وأيهما أشد الهم بالفشل الذي تذكره الآية أعلاه أم الكراهة التي تذكرها آية البحث ، الجواب هو الأول ، ومع هذا صرفه الله عز وجل لأنه ولي المؤمنين فكذا فان الكراهة التي تذكرها آية البحث يرفعها الله عن المؤمنين ويصرف أسبابها , وهو القتال والبغض العام من المسلمين والمسلمات له .
ومن مصاديق قوله تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ) نفرة النفوس من القتال والحروب والتي تبدأ بالنجوى من طرف واحد أو من الطرفين ، ولكنها تنتهي بالندامة والرغبة في الصلح المقرون بالتنازل الذي لو قدم معشاره قبل المعركة لما وقع القتال ، ولم يكن يريد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من المشركين إلا قول (لا إله إلا الله ) وهو حق وواجب على كل إنسان ، وتدركه النفس الإنسانية بالفطرة .
وقد سعى بعض رجالات قريش صبيحة يوم بدر إلى إجتناب القتال ، وترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وشأنهم ، ولكن أبا جهل وبعض رؤوس الكفر أصروا على القتال .
وأما المسألة الرابعة فان متعلق الكراهة هو قتال قريش وعدم الإستعداد له بالعدة والسلاح والنفير العام بين المهاجرين والأنصار في المدينة ، وقال الثعلبي في تفسير الآية ({وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ}( ) لطلب المشركين [يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ]( )، أي في القتال وذلك أن المؤمنين لمّا أيقنوا (الشوكة) والحرب يوم بدر وعرفوا أنّه القتال كرهوا ذلك وقالوا : يا رسول الله إنّه لم تعلمنا إنّا نلقي العدو فنستعد لقتالهم وإنّما خرجنا للعير فذلك جدالهم {مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ} إنّك لا تصنع إلاّ ما أمر الله به) ( ).
لتبين الآية إعجازاً وهو علم الله عز وجل بما في نفوس المهاجرين والأنصار فرداً فرداً ، وأنه سبحانه أخبر عن خلجلات نفوسهم الأجيال المتعاقبة من المسلمين وغيرهم ، لتكون موعظة وتنبيهاً للناس بأن الله عز وجل يعلم ما في نفوسكم .
لقد جاء بعد آيتين قوله تعالى [وَإِذْ يَعِدُكُمْ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ] ( ) لبيان الوعد من عند الله عز وجل للمسلمين أما القافلة أو لقاء كفار قريش وتحقيق النصر عليهم ، بلحاظ تعلق الوعد في الآية أعلاه بالنصر وليس بذات القتال ، وكان المسلمون يتمنون القافلة وهي غير ذات الشوكة ، والمراد من الشوكة السلاح في الحرب .
ومن إعجاز آية البحث أنها لم تخبر أن القتال في معركة بدر بالحق ، إنما خصت ذات الخروج ومن البيت في المدينة لقطع المسافة لقوله تعالى [كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ] ( ) .
لتحمل الآية في موضوعها تقديراً وهو : كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وأن فريقاً من المؤمنين لكارهون لأصل هذا الخروج ، أي أنهم يحبون حياة الدعة والسكينة والإقامة مع العيال وأداء الصلاة في المسجد النبوي ، خاصة وأن شرط الأنصار في بيعة العقبة التعهد بسلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والذب عنه عندما يصل إليهم وإلى المدينة لتخرج وجوه :
أولاً : مدة إقامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مكة .
ثانياً : ما يتعرض له النبي صلى الله عليه وآله وسلم في طريق الهجرة ، فتفضل الله عز وجل وحفظ رسوله في مكة ، وفي طريق الهجرة ، وهو من مصاديق قوله تعالى [أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ] ( ).
ثالثاً : الخروج من المدينة بعد هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لها ، ولما أوشك المسلمون على لقاء الذين كفروا في معركة بدر أخذ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يكثر من القول (أشيروا على أيها الناس) ( ).
لإرادة الإذن والرضا من الأنصار بملاقاة القوم فعلموا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقصدهم فاعلنوا الرضا والإستعداد للقاء القوم ، إذ أن هذا اللقاء قهري وذو صبغة دفاعية محضة ، أمام إصرار الذين كفروا على القتال وإرادة قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
أما المسألة الرابعة بخصوص متعلق الكراهة ، فهو على وجوه محتملة :
الأول : كراهة النفير والخروج من المدينة إذ أن فريقاً من المؤمنين يكرهون السفر ، ولا يريدون الخروج من المدينة وتعطيل الأعمال والزراعات .
الثاني : المقصود الخروج إلى النفير والقتال ، فمن الناس من دخل الإسلام للإيمان ولأنه حق ، ولكنه لا يريد القتال ، وهل هو ممن قال فيهم الله عز وجل [وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ] ( ) الجواب لا ، إنما وردت الآية أعلاه في المنافقين ومن كان اسلامه ضعيفاً ، ومتزلزلاً لا ثبات فيه وبحسب المصلحة الخاصة والنفع أو الأذى بينما نعتت آية البحث الصحابة الذين كرهوا الخروج بأنهم مؤمنون .
الثالث : إرادة تلقي نبأ قتال الذين كفروا .
فعندما أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه بأن قريشاً جاءوا غازين محاربين , كره فريق منهم القتال , وهو ليس جبناً ، ولكن رحمة ورجاء ايمان المشركين ، ولأن المسلمين لم يستعدوا للخروج ، فيكون تقدير آية البحث : كما اخرجك ربك من بيتك بالحق إلى معركة بدر ، وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون للقتال .
وفيه شاهد بأن اللقاء يوم بدر لم يكن صدفة , إنما كان من إستدراج الله عز وجل لقريش لتماديهم في الغي , وخروجهم حين بلوغ نبأ قافلة أبي سفيان لهم ، وإعلانهم النفير ، وفزع كل رجالهم للقتال , وتركهم الرجوع إلى مكة عندما وصلتهم رسالة أبي سفيان بسلامة القافلة .
الرابع : المقصود كراهة فريق من المؤمنين ساعة اللقاء بقوله تعالى [يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ]( )، فعندما أيقن المسلمون بحتمية القتال وبدأت سهام المشركين تصل إليهم كرهت طائفة منهم هذا الخروج ، وتمنوا لو كانوا في المدينة بين أهليهم , والذين لم يعلموا بحال الملاقاة والقتال .
والمختار هو الثالث والرابع أعلاه ، فقد خرج المهاجرون والأنصار مع النبي قبل معركة بدر إلى كل من الأبواء ومعه ستون من الصحابة ، ثم إلى غطفان ، ثم إلى بواط ومعه سبعون من الصحابة ، ثم إلى بدر الأولى ومعه مائتان ، ثم إلى ذي العشيرة ومعه مائتان.
وليس من كراهة عندهم لأنه لم يقع قتال ، ولكن في معركة بدر وقع قتال فترشحت عنه وعن مقدماته الكراهة عند فريق من المؤمنين ، ولم تقل الآية وان طائفة من المؤمنين لكارهون .
والمختار أن النسبة بين الفريق والطائفة هو العموم والخصوص المطلق ، وأن الفريق أكثر من الطائفة التي تصدق على الفرد الواحد ، قال تعالى[وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ]( )، وتسمى كل جماعة طائفة وكأنها تطوف في البلاد ، وذكر أن الطائفة أكبر من الفرقة وأختلف في عدد الطائفة في الآية أعلاه وقيل يكفي واحد ، وقال مالك اثنين ومنهم من قال عشرة ، والملاك هو توبيخ الزناة .
وعن طريق عبيد الله بن عبد الله بن عمر؛ أن جارية لابن عمر زنت ، فضرب رجليها وظهرها فقلت : {ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله}( ) فقال: إن الله لم يأمرني أن أقتلها ، ولا أن أجلد رأسها ، وقد أوجعت حيث ضربت( ).
والفريق من الناس أكبر من الفرقة وتبين الآية أن كراهة القتال وقعت عنه عدد غير قليل من الصحابة , ترى ما هي النسبة بين الذلة التي وردت في آية (ببدر) والكراهة التي تذكرها آية البحث ، الجواب من وجوه :
الأول : الكراهة من لقاء القوم الكافرين من مصاديق الذلة التي تذكرها آية ببدر .
الثاني : ليس من أثر وتأثير للذلة والكراهة في المقام .
الثالث : الذلة فرع كراهة لقاء القوم الكافرين لما في الكراهة من أسباب الضعف والوهن .
والمختار أن الكراهة المذكورة في الآية فرع ومصداق للذلة الواردة في آية (ببدر ) .
وأما المسألة الخامسة وهي هل تنفع آية البحث [كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ] ( ) في دفع كل الكراهة التي تذكرها ذات الآية .
الجواب نعم وهو من الإعجاز الغيري للآية القرآنية تبين موضوعاً ويكون هذا البيان وسيلة مباركة لتثبيته إن كان خيراً ونافعاً أو لدفعه وصرفه إن كان مكروهاً وضاراً .
فتطرد آية البحث الكراهة والكدورة عن نفوس الصحابة عند خروجهم مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الكتائب من جهات :
الأولى : إفادة الآية تكرار خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمدينة لإبتدائها بحرف التشبيه الكاف .
الثانية : عودة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه سالمين في كل مرة يخرجون فيها من المدينة .
الثالثة : سلامة المدينة وأهلها من الغزو وعدم تعرضها للنهب عند خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لبيان ثبوت معاني الأمن والنظام في المدينة بعد هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابعة : نسبة خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة إلى الله عز وجل ، فما دام الله عز وجل هو الذي أخرج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فلابد أن هذا الخروج خير محض ونعمة جلية .
وهذا القانون من المسلمات عند الموحدين من غير أن تصل النوبة إلى نظريه الصلاح والأصلح بدقتها التي قال بها المعتزلة والمراد من الصلاح جلب المنفعة ودفع الضرر , أما المراد من الأصلح هو الفعل الأولى والأحسن الذي يجب على المكلف اتيانه ، وليس المراد نظرية التعليل التي إبتدأ ذكرها في علم الكلام ثم انتقلت الى علم الأصول ، وظهرت في الصناعة النحوية إنما ذكرت الآية أمرين :
الأول : خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة .
الثاني : نسبة اخراج النبي صلى الله عليه وآله وسلم الى الله عز وجل.
وهل تشمل هذه النسبة الصحابة الذين خرجوا معه ، ليؤثم المنافقون الذين قصروا عن الخروج من غير علة أو سبب .
وهل يختص نفع آية البحث بطرد الكراهة من الخروج عن الصحابة الذين صاحبوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في خروجه أم يشمل المؤمنين والمؤمنات مطلقاً .
الجواب هو الثاني ، فما دام الخروج بأمر ومشيئة ولطف وعناية وحفظ من الله فان المؤمنين يتلقونه بالرضا والإستجابة .
وهل لآية البحث نفع في كثرة خروج المؤمنين إلى معركة أحد وعدم إنجرارهم إلى إغواء رأس النفاق عبد الله بن أبي سلول بالعودة من وسط الطريق الى المعركة ، الجواب نعم ليكون من وظائف وإعجاز آية البحث بعث المهاجرين والأنصار على الخروج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى معركة أحد عندما أطلت جيوش المشركين على المدينة ، فتكون آية البحث من مقدمات قوله تعالى[وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ]( ) .
الخامسة : كشف آية البحث عن كراهة فريق من المؤمنين معجزة قرآنية ، وشاهد على نزول القرآن من عند الله لأن الكراهة كيفية نفسانية ، وخلجات لايعلم بها إلا الله عز وجل ، وهذا العلم من مصاديق قوله تعالى[وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ]( )، إذ تقسم آية البحث المؤمنين بلحاظ الخروج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم الى قسمين :
الأول : فريق راض بالخروج .
الثاني : فريق غير راض بالخروج .
وهذا التقسيم باعث لأن يلحق القسم الثاني بالأول في سؤال الكراهة ، ومن إعجاز الآية الغيري إزالتها الكراهة من نفوس المسلمين من الخروج ، وحصانة المسلمين من إشاعة كراهة الخروج بينهم .
وحينما جاء النصر في معركة بدر توجه الخطاب فيه إلى كل المسلمين والمسلمات بعرض واحد بقوله تعالى[وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ]( ).
السادسة : تقييد الخروج بانه بالحق والعدل ولبيان أنه حاجة وضرورة لأهل الإيمان ، وهل فيه أمارة على كثرة منافع هذا الخروج وعدم انقطاعها الى يوم القيامة , الجواب نعم .
ويحتمل موضوع كراهة فريق من الصحابة الخروج وجوهاً :
الأول : خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ يخشى المؤمنون عليه ويتمنون بقاءه في المدينة محاطاً بالصحابة وفي هذا البقاء كان شرط الأنصار الذب والدفاع عنه .
الثاني : خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
الثالث : احتمال حدوث القتال مع المشركين .
الرابع : تعلق الكراهة بترك الأهل والأحبة .
الخامس : خروج الصحابة أنفسهم من المهاجرين والأنصار .
السادس : كراهة الفريق الذين ذكرتهم الآية بقوله تعالى[َكَارِهُونَ] لخروجهم هم أنفسهم ، إذ تمنوا أن يكون الخروج بغيرهم.
والمختار هو الأول والثاني والثالث أعلاه ، وهو من الإعجاز بذكر آية البحث خصوص خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم [كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ] وتوكيد صبغة هذا الخروج السماوية بأنه بالحق .
السابعة : تأكيد آية البحث لقانون وهو أن خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى معركة بدر بأمر من عند الله عز وجل ، وهل هذا الأمر خاص بواقعة بدر .
الجواب لا ، إنما ذكرته الآية لبيان المصداق ، وتقدير الآية : كما أخرجك ويخرجك ربك من بيتك بالحق ليتصف كل خروج للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة بأمور :
الأول : الخروج بأمر من عند الله عز وجل بالوحي ونزول جبرئيل .
الثاني : النفع العام والمصلحة في الخروج .
الثالث : وجوب خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بدليل قوله تعالى [بِالْحَقِّ].
الرابع : ترتب الضرر عند التخلف عن الخروج فما دام الخروج إلى النفير بالحق ، فان القعود عنه خلاف الحق ، فمن معاني الحق في المقام الوحي والتنزيل ، وفيه دعوة للمسلمين للمناجاة بالخروج وبيان نفعه وحث بعضهم بعضاً على الخروج .
وهل تشمل الآية النساء ، الجواب نعم بالدعوة والترغيب بنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الخروج ، وهو من التوصية في قوله تعالى [وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ] ( ).
ومن الإعجاز في آية البحث أن الخروج والتواصي به الذي تذكره سورة العصر من مصاديق الآية أعلاه بلحاظ أمور :
الأول : إنه من الإيمان لذا ذكرت آية البحث الصحابة بصفة الإيمان بقوله تعالى [وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ] ( ).
الثاني : الخروج والمناجاة فيه عمل صالح وخير محض .
الثالث : إنه من التواصي بالحق وموضوع الخروج والغايات الحميدة منه إذ يدل قوله تعالى [كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ]( ) على تجدد المنافع العظيمة من خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى ميدان معركة بدر .
الرابع : تقّوم خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من المدينة بالصبر , وذات الخروج صبر وتحمل لوعثاء السفر ، ومفارقة للأهل ، ودخول المعركة والتعرض لللهيب السيوف وسقوط بعض القتلى ، وحتى الذي ينجو من القتل فانه يحزن لفقد أخيه القتيل .
وهو من أسرار قوله تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ]( ) ولشدة معاني المودة والألفة بين المسلمين ، تفضل الله بمواساتهم بقوله تعالى [وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لاَ تَشْعُرُونَ] ( ) ليكون من معاني ودلالات الآية أعلاه مواساة المسلمين والمسلمات بفقد الأخوة والأحبة ، وهل تختص المواساة بالصحابة .
الجواب لا ، إنما تشمل أجيال المسلمين المتعاقبة خاصة وأن موضوع الخطاب في الآية كان على وجوه :
الأول : توجه الخطاب من عند الله للمسلمين عز وجل بصبغة الإيمان ، لعطف الآية أعلاه على آية نداء التشريف التي سبقتها بقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ] ( ) .
الثاني : لقد دعت الآية أعلاه المسلمين للتحلي بالصبر وتعاهد إقامة الصلاة وأختتمت بقانون وهو أن الله عز وجل مع الصابرين ، ومن أصدق معاني الصبر تلقي نبأ فقد الأخوة الشهداء بالصبر والإحتساب والتصديق بأنهم أحياء عند الله .
الثالث : تقييد الآية القتل بأنه في سبيل الله , وفيه إسكات وتوبيخ للمنافقين الذين كانوا يحثون على القعود ، ويظهرون الشماتة المبطنة بالشهداء ، إذ ورد حكاية عنهم في التنزيل لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ.
الرابع : بيان موضوع قتل الشهداء وأنه في سبيل الله , وتعظيم الشعائر الله ، ودفاع عن النبوة والتنزيل ، وهل يدل قيد [في سبيل الله ] على عدم قيام النبي وأصحابه بالغزو والهجوم ، الجواب نعم ، إنما يدل على إرادة الدفاع .
وهل من مصاديق هذا القيد ما ورد في آية البحث بخروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى بدر بالحق من عند الله ، الجواب نعم لأن قتل الشهداء فرع الخروج الذي هو بأمر من عند الله عز وجل .
مفهوم الموافقة في الآية
وفيه مسائل :
الأولى : آية البحث هي الخامسة من سورة الأنفال والتي ابتدأت بلفظ [يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَنْفَالِ قُلْ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ] ( ) ثم جاءت بعدها ثلاث آيات في وصف المؤمنين بما يتضمن الثناء عليهم لتعود آية البحث بالخطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في موضوع الخروج .
ويكون من إعجاز القرآن صيرورة سياق ونظم الآيات مادة وموضوعاً للإحتجاج من وجوه :
الأول : من وظائف الإيمان عدم كراهة ما يأمر به الله سبحانه .
الثاني : من أبهى ساعات المؤمن أن يكون مصاحباً للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في حله وترحاله ، وأداء الصلاة معه , فان قلت أنها نعمة خاصة بأهل البيت والصحابة ، وقد حرم منها التابعون وتابعيهم .
والجواب تتجلى هذه النعمة لأجيال المسلمين بتلاوة القرآن والإطلاع على السنة النبوية لتبقى حاضرة في الوجود الذهني ، ليكون من معاني (صلّوا كما رأيتموني أصلّي) ( ) محاكاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الأفعال العبادية وكأنها نوع صحبة مباركة.
الثالث : موضوعية سياق الآيات في إزاحة الكراهة من نفوس المؤمنين عند خروجهم مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم , وخوضهم معارك الدفاع .
الرابع : يدل توجه المسلمين بالسؤال إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن الأنفال على إنتفاء الكراهة في الخروج ، لأن الأنفال ثمرة لهذا الخروج , وشاهد على صحته وأنه حق .
الخامس : مجئ السؤال عن الأنفال بعد الخروج وكراهته ، وإذا كانت كراهة الخروج محصورة بفريق من المؤمنين فان السؤال عن الأنفال يحتمل وجوهاً :
أولاً : إنحصار السؤال عن الأنفال بذات الطائفة من المؤمنين .
ثانياً : صدور السؤال عن الأنفال من طائفة أخرى غير الذين كرهوا الخروج .
ثالثاً : صدور السؤال عن عموم البدريين من المهاجرين والأنصار .
رابعاً : توجه السؤال عن الأنفال من طائفة جامعة منهم من كان كارهاً للخروج , ومنهم من لم يكن كارهاً له .
والمختار هو إنقطاع الكراهة التي تذكرها آية البحث ، وهو كيفية نفسانية لا يعلم بها إلا الله عز وجل ، ولم يذكر الله عز وجل أسماء الذين كانوا كارهين للخروج ، كما لم تبين السنة النبوية أسماءهم ، ولم يأت حديث في ذمهم ، مما يدل على ستر الله لهم وعفوه عنهم ، وعدم ترتب الأثر على هذه الكراهة لأنها لم تترجل إلى الخارج بفعل مذموم , خاصة وأن الآية ذكرت الكراهة في طول مسائل :
الأولى : خروج الصحابة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى معركة بدر ، وهذا الخروج طاعة لله ورسوله ، لتكون آية البحث من مصاديق قوله تعالى[وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ]( )، بلحاظ أن الخروج المتكرر مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من طاعة الله ورسوله لأن هذا الخروج بأمر من الله ، ومن معاني الرحمة في آية البحث أمور :
الأول : نعت المسلمين بأنهم مؤمنون ، وكلما يتسع متعلق الكراهة ويشمل عير البدريين تكون الآية محظ فخر واعتزاز للمسلمين لأنها تصفهم بالمؤمنين .
الثاني : تحذير المسلمين من محاكاة المنافقين في الذين لم يكتفوا بكراهة الخروج، إنما تعدوا عن الخروج ، وصاروا يحرضون ويرغبون بالقعود ، ويبعثون الخوف في النفوس من الخروج إلى ميدان المعركة .
الثالث : تنزه المسلمين من معاني كراهة الخروج ، وعدم ترجلها في القول والفعل ، إذ تحصرها الآية بالكيفية النفسانية لتخلط المسلمين منها .
الثانية : نسبة خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة المنورة إلى الله عز وجل , وأنه هو الذي أخرجه , ويتضمن قوله تعالى[كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ] التحدي المستديم والمتجدد إلى يوم القيامة لبيان خلو هذا الخروج من الخطأ والنقص .
الثالثة : لقد قيدت آية البحث محل خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأمر من الله عز وجل بأنه من بيته لبيان أن الخروج الى ميدان معركة بدر لم يكن من المسجد وبعد أحاديث ومشورة مع الصحابة , أو لورود أنباء بان قافلة أبي سفيان صارت قريبة في الطريق العام المؤدي الى مكة أو لمجئ أخبار بأن المشركين زحفوا بالجيوش .
فان قلت لعل مثل هذه الأحاديث والمشورة قد حدثت , فدخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيته ولبس لأمة الحرب وخرج ، الجواب لا دليل عليه في معركة بدر , وقد وقع هذا الأمر في معركة أحد .
ففي معركة أحد أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفريق من الصحابة خاصة الأنصار التحصن بالمدينة , وكانوا قد سكوا أزقة المدينة بالبنيان فصارت كالحصن المنيع , ولكن طائفة من الصحابة ألحوا بالخروج لملاقاة العدو خاصة الذين لم يحضروا معركة بدر .
وصلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلاة الجمعة الثانية من شهر شوال من السنة الثانية للهجرة ، ووعظ الناس وذكرهم ، ودعاهم الى الصبر والجد والجهاد في خطبته ثم انصرف من الصلاة .
فدعا بلامته فلبسها، ثم أذن في الناس بالخروج.
فلما رأى ذلك رجال من ذوي الرأي قالوا: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نمكث بالمدينة وهو أعلم بالله , وما يريد ويأتيه الوحي من السماء .
فقالوا: يا رسول الله امكث كما أمرتنا.
فقال : ما ينبغي لنبي إذا أخذ لامة الحرب وأذن بالخروج إلى العدو أن يرجع حتى يقاتل، وقد دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم إلا الخروج، فعليكم بتقوى الله والصبر عند البأس إذا لقيتم العدو وانظروا ماذا أمركم الله به فافعلوا( ).
أي أن كتب التأريخ تذكر لبس النبي صلى الله عليه وآله وسلم للأمة الحرب بخصوص معركة أحد , أما معركة بدر فقد خرج في الطريق إلها موضعها وليس عنده سيف .
وجاء النصر في معركة بدر ، والسؤال عن الأنفال , وكيفية تقسيم الغنائم من بعض الصحابة على نحو القضية الشخصية كما تعدد السؤال وصارت حاجة للبيان ، فتفضل الله بنزول الآية ، لتكون مرآة لعموم المسلمين ، وضابطة تمنع من التعدي ، ويكون ذات السؤال , والجواب عليه واقية من الغزو من قبل المسلمين أو غزو الكفار لهم .
(عن سعد قال : أصاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غنيمة عظيمة فإذا فيها سيف ، فأخذته فأتيت به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت : نفلني هذا السيف فأنا من علمت .
فقال : رده من حيث أخذته .
فرجعت به حتى إذا أردت أن ألقيه في القبض لأمتني نفسي ، فرجعت إليه فقلت : اعطنيه . فشدَّ لي صوته وقال : رده من حيث أخذته . فأنزل الله { يسئلونك عن الأنفال })( ).
(عن عبادة بن الصامت قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فشهدت معه بدراً ، فالتقى الناس فهزم الله العدوّ ، فانطلقت طائفة في آثارهم منهزمون يقتلون ، وأكبت طائفة على العسكر يحوزونه ويجمعونه ، وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يصيب العدوّ منه غرة ، حتى إذا كان الليل وفاء الناس بعضهم إلى بعض , قال الذين جمعوا الغنائم : نحن حويناها وجمعناها فليس لأحد فيها نصيب .
وقال الذين خرجوا في طلب العدوّ : لستم بأحق بها منا ، نحن نفينا عنها العدو وهزمناهم .
وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لستم بأحق بها منا نحن أحدقنا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخفنا أن يصيب العدوّ منه غرة واشتغلنا به ، فنزلت[يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَنْفَالِ قُلْ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ]( ).
فقسمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين المسلمين ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أغار في أرض العدوّ نفل الربع ، وإذا أقبل راجعاً وكل الناس نفل الثلث ، وكان يكره الأنفال ويقول : ليرد قويُّ المسلمين على ضعيفهم) ( ).
ومن مفهوم الموافقة التقيد بأحكام الشريعة في حال السلم والحرب ، وأداء الفرائض , ومنها الصلاة والزكاة من غير كراهة أو تردد .
الثانية : إبتدأت آية البحث بحرف التشبيه الكاف ليكون من إعجاز الآية وفق مفهوم الموافقة التدبر في التشبيه الوارد في الآية وموضوعه بلحاظ أمور:
الأول : نظم وسياق الآية .
الثاني : موضوع الخروج .
الثالث : حالات الكراهة عند المؤمنين .
الرابع : أثر الكراهة التي تكون عند طائفة من المؤمنين .
الخامس : كراهة الكراهة أو أستحبابها وهي في آية البحث من الأول.
السادس : موضوعية الآية القرآنية في زوال الكراهة إن تكرر ذات الأمر والسبب .
الثالثة : يتوجه الخطاب في آية البحث إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفيه إكرام وتشريف له ، ويمكن تأسيس قانون وهو (قانون الإكرام للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في القرآن) وفيه وجوه :
الأول : دلالات خطاب الإكرام للنبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : إحصاء الخطابات القرآنية الموجهة إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث : ذكر القرآن لقول وفعل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع : إلحاق المسلمين بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في خطابات القرآن كما في قوله تعالى [وَلاَ تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ] ( ) .
إلا أن يكون هناك دليل أو قرينة على الإختصاص في الخطاب ، كما في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ] ( ) وهل الخطاب في آية البحث [كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ] ( ) من مختصات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أم أنه أعم ، الجواب هو الثاني ، وتقدير الآية : كما أخرجك ربكم من بيوتكم بالحق ، وفيه شاهد على لزوم انتفاء الكراهة عند الصحابة لقانون وهو أن خروج كل واحد منهم بأمر من الله عز وجل لنبيه ، ويتجلى هذا القانون بالنصر العظيم في موضوع الخروج وهو تحقق النصر للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين في معركة بدر ، ويكون تقدير الآية على وجوه :
الأول :كما أخرجك ربك بالحق لينعم عليكم بالنصر المبين .
الثاني : كما أخرجك ربك بالحق لينزل قوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ] ( ) .
الثالث : كما أخرجك ربك بالحق فيجب أن لا يكره فريق من المؤمنين هذا الخروج .
الرابع : كما أخرجك ربك بالحق فان الملائكة ينزلون لنصرتكم .
الرابعة : إرادة بعث السكينة في نفوس المهاجرين والأنصار وعموم المسلمين والمسلمات في المدينة بأن أي خروج للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في كتيبة ، وأي سرية يبعثها لا تكون إلا بأمر من عند الله ، وهو حق وصدق ، وفيه تثبيت معالم الإيمان في المدينة ، ودخول الناس الإسلام ، وتوافد الأفراد والجماعات إلى المدينة لإعلان إسلامهم ، أو الإستقراء دلائل النبوة والرجوع إلى قومهم لإبلاغهم صدق رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أظهر بعض الذين أقاموا على الكفر الإيمان، ولما تفارقهم مفاهيم الكفر ، فصاروا يكثرون من الجدال والمغالطة .
ويقومون بتحريض المؤمنين على القعود ، وتطوف المنافقات على البيوت للتشكيك بالخروج والحاجة إليه ، فجاءت آية البحث لدفع ضرر المنافقين والمنافقات ، ولتكون واقية من أذاهم ، وبرزخاً دون الصدّ عن الخروج في سرايا النبي صلى الله عليه وآله وسلم الدفاعية .
الخامسة : من معاني قوله تعالى [بالحق ] ( )،إنتفاء التعدي والغزو في كتاب نبي وسريا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وأنها لا تهدف إلا إلى الإصلاح ومحاربة الكفر والضلالة ، ومنع الناس من الإقامة على عبادة الأصنام ، لتحث الآية الصحابة على الخروج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من وجوه :
الأول : خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة بأمر من عند الله سبحانه .
الثاني : إرادة الوعد الكريم بالحفظ والسلامة للمؤمنين .
الثالث : لزوم المبادرة إلى الخروج .
الرابع : بيان قانون وهو ليس للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإبطاء والتأخر أو الإمتناع عن الخروج ، وتكرر حرف الخطاب الكاف في آية البحث ثلاث مرات والمقصود به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويصرح بلفظ الجماعة .
وتقدير الآية : كما أخرجك ربك من بيوتكم بالحق ) لبيان النعمة العظمى على المسلمين بوجود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين ظهرانيهم ، وفي التنزيل [وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ] ( ).
السادس : أخبرت آية البحث عن كراهة فريق من المؤمنين لخروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى معركة بدر ، وهل هو من مصاديق قوله تعالى [كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ] ( ) .
الجواب لا ، لأن الخروج الذي تذكره الآية أعم من القتال ، فقد يكون فيه قتال ، وقد لا يكون ، ثم أن موضوع الخروج هو إعتراض قافلة أبي سفيان كما قيل .
ومن مصاديق اللطف الإلهي في خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالحق تجلي المنافع العظيمة لهذا الخروج في حينه وقبل العودة إلى المدينة ، وهو من مصاديق حضور النعمة والفضل من عند الله عز وجل ، فلما دخلت نعمة النصر على كراهة الخروج عند طائفة من الصحابة أزاحتها ، ولم تبق لها أثراً .
لتكون آية البحث دعوة لهم للشكر لله من وجوه :
الأول : شكر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لله عز وجل من جهات :
الأولى : الشكر لله عز وجل على نعمة البيت والسكن في المدينة ، قال تعالى [أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى] ( ) .
(عن ابن عباس قال : قالت الأنصار : فعلنا وفعلنا , وكأنهم فخروا ، فقال ابن عباس لنا الفضل عليكم ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فأتاهم في مجالسهم ، فقال يا معشر الأنصار ، ألم تكونوا أذلة فأعزكم الله؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : أفلا تجيبوني؟.
قالوا : ما نقول يا رسول الله؟ .
قال : ألا تقولون ألم يخرجك قومك فآويناك؟ أو لم يكذبوك فصدقناك؟ أو لم يخذلوك فنصرناك؟ فما زال يقول : حتى جثوا على الركب ، وقالوا : أموالنا وما في أيدينا لله ورسوله ، فنزلت { قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى })( ).
السابعة : من خصائص الآية القرآنية أنها تتضمن الأوامر والنواهي في منطوقها ومفهومها ، وتبعث على العمل الصالح وتنهى عن الفعل القبيح .
ومن معاني آية البحث إخبار المسلمين بأن خروجهم في الكتائب والسرايا بالحق ، وبأمر من عند الله بلحاظ قانون حضور وموضوعية الوحي في قول وفعل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى [وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى] ( ) والكاف في قوله تعالى [كَمَا أَخْرَجَكَ] ( ) حرف جر وقيل محله خبر مبتدأ محذوف .
و(ما) حرف مصدري ، ومن وجوه تقدير الآية : ستكون حالكم كحال إخراج النبي .
ومن أشق الأمور على الجنود تكرار النفير أو طول المرابطة في الثغور ، وقد يترتب عليه استياء وقعود وشغب وتمرد ، فجاءت آية البحث لتدفع عن المسلمين الكراهة من بدايات الخروج من المدينة ، وحيث لم يكونوا ينوون القتال ، ولم يكن هناك جيش للذين كفروا قد زحف إلى قتالهم ، إنما كانوا يريدون الإستطلاع وتعظيم شعائر الله ، وقيل كانوا يطلبون قافلة أبي سفيان.
ولم تكن قريش قد جهزت الجيش لقتال المسلمين في بدر إلى أن وصلهم رسول أبي سفيان ضمضم بن عمرو يحثهم على إنقاذ القافلة فتناجوا بالباطل ، وهذا الباطل من وجوه :
الأول : خروج الكفار من مكة بقصد القتال .
الثاني : المناداة بقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : إرادة محاربة النبوة والتنزيل ، ومع ما يتصف به رجالات قريش من التدبر في أمور الحرب والسلم فأنهم اكتفوا بخبر الواحد عن واحد ، إذ جاءهم ضمضم يدعوهم للنفير بأمر من أبي سفيان فاستجابوا للأمر .
ولم يكونوا اثناء الخروج يفكرون بالصلح والموادعة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم والتفاوض من أجل إطلاع القافلة في حال التعرض لها ، وإبداء الإستعداد لتعويض المسلمين عن أموالهم وأملاكهم التي استحوذت عليها قريش إنما تناجوا بالقتال .
ترى لماذا انحصرت مناجاتهم بالقتال ، الجواب من جهات :
الأولى : غلبة مفاهيم الكفر والجحود على الذين كفروا .
الثانية : استصحاب العزم على قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هذا العزم الذي ما انفك يراودهم من ليلة الفراش والهجرة ، بل أنه يزداد كما وكيفاً مع أنباء زيادة عدد المسلمين وانتشار أخبار معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم وميل النفوس إلى الإسلام ، وصيرورة آيات القرآن حديث المنتديات والركبان ، وإختيارهم لها بديلاً عن السفر العربي ، وكذا المعجزة دائماً
إذ أنها تغلق على المشهور عند الناس في زمانها والذي يولونه العناية كما في معجزة العصا بالنسبة لموسى إذ كان الناس يهتمون بالسحر ، وكما في إبراء عيسى عليه السلام للمرض والشفاء من الأمراض المزمنة [وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ] ( ).
الثالثة : حسد وعناد وجحود الذين كفروا .
وفيه مسائل :
الأولى : تبين الآية قانوناً وهو أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم يخرج هو وأصحابه في الكتائب و السرايا إلا بأمر ووحي من عند الله، وفيه شاهد على صحة هذا الخروج مطلقاً من وجوه :
الأول : أوان الخروج .
الثاني : عدد وأشخاص الذين يخرجون مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المهاجرين والأنصار .
الثالث : موضوع الخروج .
الرابع : الطريق الذي يتخذه النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند الذهاب والإياب.
الخامس : الجهة التي يتوجه إليها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في خروجه ، وفي التنزيل[فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ]( ) .
السادس : قول وفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مدة الخروج بوحي من الله ، وهو من عمومات قوله تعالى [وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى] ( ).
السابع : مدة غياب النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن المدينة .
الثامن : أوان العودة إلى المدينة .
الثانية : بيان قانون وهو أن خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الكتائب له غايات حميدة ومقاصد سامية منها :
الأول : الدعوة إلى الله ، وهل تختص الدعوة بالذين تصل إليهم السرايا أو تمر بديارهم ، الجواب لا ، إنما هي دعوة للناس جميعاً ، بما فيهم أهل المدينة المنورة .
الثاني : الإعلان الحاسم عن حال المنعة عند المسلمين ، وأنهم صاروا أمة تسيّر السرايا مع بقاء فريق من المؤمنين في المدينة لأمور :
الأول : إقامة الصلاة .
الثاني : حفظ الأمن في المدينة .
الثالث : استقبال المسلمين الوافدين .
الرابع : التفقه في الدين , ليكون بقاء ورباط طائفة من المسلمين في المدينة عند خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم منها من مصاديق قوله تعالى [وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ] ( ) .
ولو خرجت سرية أو سرايا من المدينة وبقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيها فكيف يكون مصداق الآية أعلاه ، فيه وجوه :
أولاً : وجود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يغني عن بقاء جماعة من المسلمين للتفقه في الدين .
ثانياً : تبقى طائفة من المؤمنين مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليتفقهوا في الدين ، ويتلقوا نزول آيات القرآن ويستمعوا إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ثالثاً : التفصيل أحياناً تبقى طائفة من المؤمنين مع النبي ، وأخرى لا تبقى معه طائفة لغرض الفقاهة .
والصحيح هو الثاني لإطلاق الآية والحاجة العامة ، لأمور كل فرد منها تفقه في الدين ، وهي :
أولاً : أداء الصلاة جماعة بإمامة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
ثانياً : تلقي آيات القرآن التي تنزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
ثالثاً : الإنصات لأقوال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سواء على المنبر أو عامة حديثه المبارك .
رابعاً : التوجه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالسؤال ، وقد ورد لفظ [وَيَسْأَلُونَكَ] خمس عشرة مرة في القرآن ، منها قوله تعالى [وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً] ( ).
خامساً : المرابطة في ثغور المدينة .
السادس : جدال المنافقين والإحتراز منهم .
السابع : دفع الأعداء .
وهم غير الطائفة ذات الإختصاص بالفقاهة التي ورد ذكرها في قوله تعالى [وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ] ( ).
الثالث : تأكيد طاعة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لله عز وجل وامتثاله لأمره ، إذ يبادر إلى الخروج , وترك الأزواج وحياة السكينة عندما يأمره الله عز وجل بالخروج في السرايا , وهو من عمومات قوله تعالى[وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ]( ) .
(عن أنس، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: حُبِّبَ إليَّ الطِّيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة)( ).
وبخروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الكتائب إبتعاد عن النساء إلا أن الصلاة مصاحبة له ، وهو من الإعجاز في ذكرها في الحديث بأنها قرة عينه ، ولتكون الصلاة سبباً لخشوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لله عز وجل في خروجهم ، قال تعالى [قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ] ( ).
ومن مصاديق الخشوع إجتناب الغزو , والتنزه عن النهب والحرق والقتال وإبادة الدواب أو قطع الماء .
الرابع : استئصال عادة الغزو والنهب وما يتفرع عنهما مثل الوأد قال تعالى [وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ] ( ) إذ كانت بعض القبائل العربية تدفن البنت حية خشية تعرضها للسبي عند غزو العدو لهم ، وما فيه من الذلة على أهلها ، وقد يكون هذا العدو ابن عم لهم ، ولكنها العصبية وحمية الجاهلية والثأر ، فأنعم الله عز وجل على الناس بخروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بأمر من الله عز وجل ، وباقامة الصلاة خمس مرات في اليوم في الإقامة والسفر .
وصحيح أن الصلاة الرباعية تقصر في السفر إلى ركعتين إلا أن عدد مرات أدائها يبقى في خمس أوقات في اليوم في السفر ، ومن الآيات أن كل فريضة مقترنة ومتعلقة بآية كونية ثابتة من حين خلق آدم وإلى يوم القيامة مع سعة زمانية في الأداء , فلا يختص بأول الوقت وإن كان هو الأفضل والأولى .
وقد جاء القرآن ببيان أوقاتها بقوله تعالى [أَقِمْ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا] ( ) فدلوك الشمس زوالها عن وسط وكبد السماء , وأخذها بالميل إلى جهة الغروب والمغيب ، وفيه دلالة على إرادة صلاة الظهر والعصر .
قال تعالى [إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا] ( ) أي واجباً حتماً له أوقات مخصوصة تجب الصلاة بدخولها ، ثم جاء القرآن والسنة ببيانها ، قال تعالى [أَقِمْ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا]( ).
وهل تدل الآية أعلاه على جواز الجمع بين الصلاة الظهر والعصر، الجواب نعم ، وتدل عليه السنة النبوية إذ جمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم بينهما .
وقوله[إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ] ( )، والمراد ظلام الليل ، والمقصود صلاة المغرب والعشاء .
وقرآن الفجر: أي صلاة الصبح ذكرها الله باسم القراءة لبيان موضوعيتها في الصلاة وجزئيتها منها ، ووجوب تعاهد المسلمين لها، وبصيغة الجهر .
وعن مالك بن الحويرث: أتينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونحن شببة متقاربون فأقمنا عنده عشرين ليلة فظن أنا قد اشتقنا إلى أهلينا سألنا عمن تركنا في أهلنا فأخبرناه .
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رحيما رفيقا فقال ارجعوا إلى أهليكم فعلموهم ومروهم وصلوا كما رأيتموني أصلي فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم وليؤمكم أكبركم( ).
والصلاة عمود الدين ، وجاء القرآن والسنة ببيان أجزائها وضبط أفعالها ، قال تعالى [فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ] ( ) المراد بالتسبيح في الآية الصلاة .
[حِينَ تُمْسُونَ]صلاة المغرب والعشاء .
وحين تصبحون الفجر و[َعَشِيًّا] العصر [وَحِينَ تُظْهِرُونَ] الظهر ، وهو المروي عن ابن عباس [وقرأ : ومن بعد صلاة العشاء]( ).
لإرادة ذكر صلاة العشاء بالاسم والتعيين ، ومن الإعجاز في القرآن عدم ورود لفظ العشاء فيه إلا في الآية أعلاه لبيان قدسية وموضوعية الصلاة في حياة الناس مجتمعين ومتفرقين.
وورد عن الإمام علي عليه السلام في حديث نفر من اليهود: جاءوا إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في عدة مسائل منها أن أحدهم قال (فأخبرني عن الله لاي شئ وقّت هذه الخمس الصلوات في خمس مواقيت على امتك في ساعات الليل والنهار.
قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : إن الشمس عند الزوال لها حلقة تدخل فيها ، فإذا دخلت فيها زالت الشمس فيسبح كل شئ دون العرش لوجه ربي .
وهي الساعة التي يصلي علي فيها ربي ، ففرض الله عز وجل علي وعلى أمتي فيها الصلاة، وقال: ” أقم الصلوة لدلوك الشمس إلى غسق الليل( ) ” وهي الساعة التي يؤتى فيها بجهنم يوم القيامة، فما من مؤمن يوفق تلك الساعة أن يكون ساجدا أو راكعا أو قائما إلا حرم الله عز وجل جسده على النار .
وأما صلاة العصر فهي الساعة التي أكل فيها آدم من الشجرة فأخرجه الله تعالى من الجنة فأمر الله ذريته بهذه الصلاة إلى يوم القيامة، واختارها لامتي، فهي من أحب الصلوات إلى الله عز وجل، وأوصاني أن أحفظها من بين الصلوات.
وأما صلاة المغرب فهي الساعة التي تاب الله فيها على آدم عليه السلام، وكان بين ما أكل من الشجرة وبين ما تاب الله تعالى فيها عليه ثلاث مائة سنة من أيام الدنيا.
وفي أيام الآخرة يوم كألف سنة من وقت صلاة العصر إلى العشاء.
فصلى آدم ثلاث ركعات: ركعة لخطيئته، وركعة لخطيئة حواء، وركعة لتوبته.
فافترض الله عز وجل هذه الثلاث الركعات على أمتي، وهي الساعة التي يستجاب فيها الدعاء، فوعدني ربي أن يستجيب لمن دعاه فيها، وهذه الصلوات التي أمرني بها ربي عز وجل فقال: ” سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون “.
وأما صلاة العشاء الآخرة فإن للقبر ظلمة، وليوم القيامة ظلمة، أمرني الله وامتي بهذه الصلاة في ذلك الوقت لتنور لهم القبور وليعطوا النور على الصراط، وما من قدم مشت إلى صلاة العتمة إلا حرم الله تعالى جسدها على النار ، وهي الصلاة التي اختارها الله للمرسلين قبلي لبيان قانون وهو مصاحبة الصلاة للنبوة والناس من أول عمارة آدم الأرض .
وأما صلاة الفجر فإن الشمس إذا طلعت تطلع على قرني الشيطان فأمرني الله عز وجل أن اصلي صلاة الفجر قبل طلوع الشمس وقبل أن يسجد لها الكافر فتسجد امتي لله، وسرعتها أحب إلى الله، وهي الصلاة التي تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار( ).
ليكون أداء المسلمين لصلاة الصبح من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
ويستقرأ من حديث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أعلاه قانون وهو حاجة الإنسان في عالم البرزخ إلى صلاته في الدنيا، إذ تنير له صلاة العشاء ظلمة القبر، شكراً وجزاءً من عند الله عز وجل له لأنه كان يصلي في الليل.
ولا ينقطع فضل الصلاة بخصوص عالم البرزخ، إنما يشمل نفعها عالم الحساب والجزاء فهي واقية من النار.
الخامس : تبين الآية حال المسلمين عند ملاقاة الذين كفروا في معركة بدر إذ كانوا على أقسام :
أولاً : الذين تكلموا وأحسنوا وأظهروا العزم على ملاقاة القوم لأنه دفاع في سبيل الله , ومنهم المقداد بن الأسود .
إذ ورد عن عبد الله بن مسعود أنه قال (لقد شهدت من المقداد مشهداً لأن أكون أنا صاحبه أحب إليَّ مما عدل به ، أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يدعو على المشركين قال : والله يا رسول الله ، لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى { اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون }( ) ولكن نقاتل عن يمينك وعن يسارك ، ومن بين يديك ومن خلفك .
فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يشرق لذلك وسر بذلك) ( ).
ثانياً : إعلان رؤساء الأنصار نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والذب عنه في الميدان إذ قالوا : (والذي بعثك بالحق لو ضربت أكبادها إلى برك الغماد( ) لاتبعناك) ( ).
ثالثاً : الصحابة الذين يتبعون أوامر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقبول ورضا لأنهم يعلمون أنها من عند الله عز وجل .
رابعاً : الصحابة الذين هم مستعدون للقتال والدفاع على كراهة منهم لأنهم أرادوا القافلة , وفيه سلامة لهم ولغيرهم من القتال ، وقد ورد في التنزيل [وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ] ( ).
الثالثة : من مفهوم الموافقة في آية البحث توثيق خروج النبي محمد صلى الله عليه آله وسلم وأصحابه إلى معركة بدر ، وأن خروجهم بأمر من عند الله عز وجل ، ليكون مناسبة وأوان حلول نصره للمسلمين وغضبه على الذين كفروا .
لقد دأب كفار قريش على إيذاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت والصحابة الأوائل , وفي التنزيل[وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ]( ).
وإبتدأت الآية أعلاه بالحرف (إذ) لدعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأًصحابه لشكر الله عز وجل على هذه النعمة والرحمة بالناس، وكان أذى المشركين على وجوه :
أولاً : في الأبدان ، إذ لاقى المؤمنون التعذيب والإستهزاء والسخرية والتبكيت .
ثانياً : الأذى في المعاش والأرزاق ، إذ ضيّق كفار قريش على المسلمين في معاشاتهم وقاطعوهم ومنعوا البيع والشراء معهم , ونهوا عن مناكحة بني هاشم فلا يتزوجون من نسائهم ، ولا يزوجون رجالهم، فاثابهم الله بالاكرام إلى يوم القيامة، قال تعالى[قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى]( ).
ثالثاً : السعي في منع المسلمين من أداء عباداتهم , ومن المحادثة والتذاكر بينهم في آيات القرآن , ودلالاتها والمناجاة فيما ينزل حديثاً من آيات القرآن ، وأخبار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابعة : من وجوه مفهوم الموافقة أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم سيخرج إلى معركة أحد وغيرها بأمر من عند الله ، فيجب أن تنقطع الكراهة .
ومن علل إنقطاعها النصر المبين الذي تحقق للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في معركة بدر .
ليكون من معاني الآية : خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى أول معارك الإسلام وفريق من أصحابه كارهون للقتال ، وخرج إلى المعركة الثانية وهي معركة أحد ، وهم يتشوقون للقاء الكافرين ، وفي التنزيل [وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَتَمَنَّوْن الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ] ( ).
الخامسة : عفو الله عز وجل عن الصحابة الذين كرهوا الخروج من المدينة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سراياه مع أن هذا الخروج بالحق ، وفي خصوص معركة أحد نزل قوله تعالى [وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ] ( ).
وهل يشمل العفو في الآية أعلاه العفو عن الطائفة من الصحابة الذين كرهوا الخروج في معركة بدر ، الجواب نعم ، كما تشملهم خاتمة الآية بأن الله عز وجل ذو فضل عظيم عليهم .
ومن آيات عفو الله عز وجل عن المؤمنين حضور العفو لهم في ذات ميدان معركة بدر ، وتحقق النصر فيها .
وتوجه لغة الخطاب لهم جميعاً في قوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ] ( ) شاهد على عفو الله عز وجل عليهم .
ومن معاني العفو العامة في المقام :
الأول : منع تحقيق جيش المشركين النصر في معركة أحد.
الثاني : عفو الله عز وجل عن الرماة الذين تركوا مواضعهم، وعن الذين انهزموا من ميدان المعركة مع ثبات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيه.
الثالث : عزم الذين كفروا على قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابع : طلب ابن أبي طلحة صاحب لواء المشركين المبارزة , وتكراره لنداء التحدي العام، كما تقدم في الجزء السابق( ) .
الخامس : عجز الذين كفروا عن الإغارة على المدينة قبل وأثناء وبعد معركة أحد.
السادس : خوف وهروب جيش الذين كفروا عندما بلغهم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه يطلبونهم في اليوم التالي لمعركة أحد، مع أنه لم يخرج معه في طلبهم إلا أقل من ثلاثمائة من المهاجرين والأنصار وأغلبهم جرحى وجراحاتهم شديدة، حتى وصلوا الى حمراء الأسد التي تبعد عن المدينة اثني عشر كيلو متراً.
وسميت غزوة حمراء الأسد وليس فيها قتال , وصار الموضع في هذا الزمان من ضواحي وأحياء المدينة ببركة نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يخرج لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا عندما بلغه أن جيش قريش يريدون العودة الى القتال والإغارة على المدينة , وقتله وأصحابه , ونزل قوله تعالى[الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا]( ).
ومن فضل الله عز وجل حجب سفك الدماء من قبل حملة لواء المشركين ومنعهم من قتل المؤمنين ، إذ برز إلى أولهم الإمامُ علي عليه السلام فقتله ، ليكن من الإعجاز في إحتجاج الملائكة [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ] ( ) تضمن استفهامهم الإنكاري هذا معنى الدعاء والتضرع إلى الله عز وجل بمنع فساد المشركين وحجبهم عن سفك دماء المؤمنين ، فاستجاب الله عز وجل لهم بأن قُتل الذي دعا إلى المبارزة وأصر عليها ، وأراد إشاعة القتل ، ولو قتل واحداً أو اثنين من المسلمين فانه لا يكتفي بطلب المبارزة مرة أخرى ، ليكون قتل الإمام علي عليه السلام له من عمومات قوله تعالى [وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ] ( ) .
وصحيح أن الآية أعلاه نزلت في واقعة الخندق وزحف قريش وبعد مرور سنتين على معركة أحد إلا أنه لم يمنع من تحقق مصداق الآية أعلاه على نصر المؤمنين في المعارك السابقة ، وهو من الإعجاز القرآني بالإستصحاب القهقري لموضوع آياته .
السادسة : تتضمن الآية الثناء على المهاجرين والأنصار بتسميتهم جميعاً بالمؤمنين بما فيهم الذين كرهوا الخروج، ولو كان المنافق كارهاً للخروج فهل يشمله وصف الإيمان.
الجواب لا ، لخروج المنافق بالتخصص من هذا الوصف ، ويكون الإيمان في الآية من وجوه :
الأول : الإيمان بالله عز وجل إلهاً أحداً فرداً صمداً ، لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، وليس له شريك في الملك، وقد جاءت سورة الإخلاص خاصة بالتوحيد ، وهي[قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ *وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ]( ).
الثاني : الإيمان بصدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وأنه رسول من عند الله عز وجل.
الثالث : الإيمان بالملائكة وأنهم رسل وجنود لله سبحانه .
الرابع : الإيمان باليوم الآخر والوقوف بين يدي الله للحساب، وأنه سبحانه عادل رحيم لا يظلم أحداً.
الخامس : التسليم بأن الدنيا والآخرة بيد الله عز وجل، وتجري المقادير بمشيئته وأمره سبحانه.
السادس : الإيمان بأن الخروج إلى بدر بأمر ومشيئة الله عز وجل وما دام بمشيئة الله فان النصر حليف النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين .
السابع : بيان قانون وهو أن خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة في الكتائب بأمر من عند الله عز وجل، وهو من مصاديق قوله تعالى[وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى]( ).
الثامن : لقد أكرم الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وجعل له بيتاً في المدينة بعد هجرته، وتغلق الأبواب حول المسجد النبوي الا باب بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبيت علي عليه السلام.
وعن زيد بن أرقم قال: كَانَ لِنَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أَبْوَابٌ شَارِعَةٌ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ يَوْمًا سُدُّوا هَذِهِ الْأَبْوَابَ إِلَّا بَابَ عَلِيٍّ قَالَ فَتَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ النَّاسُ قَالَ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ .
ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَمَرْتُ بِسَدِّ هَذِهِ الْأَبْوَابِ إِلَّا بَابَ عَلِيٍّ وَقَالَ فِيهِ قَائِلُكُمْ وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا سَدَدْتُ شَيْئًا وَلَا فَتَحْتُهُ وَلَكِنِّي أُمِرْتُ بِشَيْءٍ فَاتَّبَعْتُهُ ( ) .
وفي قوله تعالى[مِنْ بَيْتِكَ] مسائل :
الأولى : بيان الملكية الشخصية للنبي كشأن عامة الناس .
الثانية : تفضل الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ببيت في المدينة بدل بيته في مكة الذي غادره مهاجراً، وفي حجة الوداع ورد عن أسامة بن زيد أنه قال:
قلت: يا رسول الله، أتنزل غدًا في دارك بمكة، فقال: “وهل ترك لنا عَقيل من رباع( ).
الثالثة : ترك النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حياة الدعة والعيال بأمر من عند الله عز وجل بالخروج للدفاع ، وهل فيه وعد من عند الله عز وجل له بالعودة سالماً .
الجواب نعم، وهذا الوعد متعدد من وجوه :
الأول : الوعد للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني : لطف ووعد لأزواج النبي .
الثالث : الوعد للصحابة والصحابيات .
الرابع : الإحسان من عند الله للمسلمين والمسلمات .
الرابعة : لم يرد لفظ(أخرجك) في القرآن إلا في آية البحث، وورد بصيغة الجمع(أخرجكم) مرة واحدة في خطاب للناس جميعاً، قال تعالى[وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]( )، لبيان حصر العموم والخصوص بالمشيئة الإلهية , واختصاص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بنعمة الذكر في الخروج بالحق.
التاسع : ذكر صفة الحق في خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من بيته ومن المدينة لبيان أن في هذا الخروج قهراً للذين كفروا، وتبكيتاًَ للمنافقين، وبياناً لعز الإسلام، وصيرورة المسلمين أمة تستطيع الخروج للدفاع، والذب عن الثغور.
العاشر : إبتدأت الآية بالحرف الكاف في قوله تعالى[كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ]( )، وفيه وجوه :
أولاً : إرادة التشبيه كما في قوله تعالى[فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنْ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ]( )، ومعنى التشبيه هو الغالب في الكاف.
ثانياً : التأكيد، كما في قوله تعالى[لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ]( )، وحتى على هذا المعنى فهو لا ينفصل تماماً عن التشبيه، إذ أن نفي التشبيه ظاهر في ثناياه .
ثالثاً: التقدير.
ومعنى الكاف في قوله تعالى[كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ] على وجوه :
أولاً : بيان أن قسمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الأنفال حق مثلما كان خروجه الى معركة بدر حق وبأمر من عند الله، وهو من مصاديق قوله تعالى[وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى]( ).
ثانياً : دعوة المسلمين للشكر لله عز وجل على النصر في معركة بدر ، وما الغنائم إلا رشحة منها.
ثالثاً : تأكيد عودة الأنفال لله والرسول، مثلما خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من بيته إلى معركة بدر بالحق.
رابعاً : لقد جادلوك بالأنفال التي جاءت في معركة بدر، مثلما جادلوك في خروجك من المدينة لبيان أن طائفة من المؤمنين تميل إلى الجدال في أمور هي حق وصدق.
خامساً : المراد من الكاف في الآية القسم واليمين، معناه : والذي أخرجك من بيتك بالحق وان المعنى الأنفال لله والرسول الذي أخرج ) عن أبي عبيدة( ).
ولكن معنى القسم لا يستقيم، والكاف ليس من حروف القسم.
سادساً : لم يرد لفظ (أخرجك) في القرآن إلا مرة واحدة في آية البحث في خطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وهل يحتمل هذا الإنفراد إرادة خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من بيته في مكة مهاجراً إلى المدينة المنورة.
الجواب المقصود في الآية هو خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من بيته في المدينة، ولا مانع من الجمع بينه وبين خروجه مهاجراً من مكة لإتحاد موضوع هذه الآيات من سورة الأنفال، وإرادة معركة بدر وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقصد القتال، ولم يستعد له، ولم يبيته، إنما جاء الأمر من الله عز وجل له بالخروج , ومن غير تقييد بأنه خروج قتال، وقد سبقه خروج النبي بأصحابه في الكتائب والسرايا عدة مرات، وعودتهم من غير قتال أو غنائم أو تعرض لقافلة، ومنه :
خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الأبواء في شهر صفر من السنة الثانية للهجرة، وعقد فيه عقد موادعة مع مخشي بن عمرو الحضرمي سيد بني ضمرة، وكانت مواد المصالحة هي :
الأول : لا يغزو بنو ضمرة المدينة.
الثاني : لا يكثر بنو ضمرة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين جمعاً.
الثالث : لا يعين بنو ضمرة عدواً على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أي أن القبائل لم تكن تخاف غزو أو هجوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليها.
سابعاً : ذكرت الآية السابقة لآية البحث أن المؤمنين لهم أجر عظيم كما في قوله تعالى[أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا]( )، ويفوزون بالمغفرة والعفو والرزق الكريم ، فكذا خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من المدينة المنورة بأمر من الله عز وجل فان فيه مسائل :
الأولى : درجات عند الله لتحمل المشاق والأذى في جنب الله.
الثانية : العفو والمغفرة لطاعتهم لله ورسوله.
الثالثة : الرزق الكريم، ومنه الأنفال التي استولوا عليها من الكفار المعتدين، فقد كان المسلمون يمرون في طريقهم من المدينة وإليها على قرى وأنعام وأموال للمشركين، فلم يتعرضوا لها، ولكن قريشاً أصروا على القتال , لإثارة الفتنة بين المسلمين وبين أهل تلك القرى, فخاب سعيهم .
ثامناً : إرادة التشبيه بالوقائع والأحداث اللاحقة وموضوع الآية التالية وهو قوله تعالى[يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ]( )، فمثلما أخرجك الله بالحق وفريق من المؤمنين كارهون فانهم يجادلونك بالحق.
ليكون بين الكراهة المذكورة في آية البحث وبين الجدال في الآية التالية نسبة العموم والخصوص من وجه ، فمادة الإلتقاء الحق ونزول الأمر من عند الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , ومادة الإفتراق كراهة الخروج، وفي الآية التالية الجدال في الحق.
وأيهما أشد , الجواب هو الجدال كأمر ظاهري وفعل , خاصة وأنه جاء بعد تبين الحق والصدق، وباستثناء الوجه الخامس أعلاه فان الوجوه الأخرى كلها من مصاديق ومعاني الآية الكريمة.
الحادي عشر : لا يعلم منافع خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم الى بدر والغايات منه إلا الله عز وجل .
وهل تختص هذه المنافع بأوان الخروج ونصر النبي والمسلمين في معركة بدر، الجواب لا، فهي متصلة ومستمرة إلى يوم القيامة، وهو من الإعجاز في تلاوة أجيال المسلمين لآية البحث، وسلامة القرآن من التحريف.
ويدل قوله تعالى[وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ]( )، على كراهيتهم لذات الخروج وان كان للتعرض لقافلة أبي سفيان، ولكن المقاصد السامية من خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة أكثر من أن تحصى، وهي متجددة، ومنها إنزجار الذين كفروا عن الإغارة على المدينة، وعن شنّ الهجمات عليها.
مفهوم المخالفة في الآية
وفيه مسائل :
الأولى :تبين آية البحث حاجة المسلمين لخروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى معركة بدر ، وأن كانوا قليلي العدد والعدة ، ولو قالت الآية : كما أخرجك ربك من بيتك ) لكان فيها كفاية وحجة ولكن الله عز وجل تفضل ببيان أن هذا الإخراج بالحق ، ليكون من معاني الباء في المقام وجوه :
الأول : الإلصاق أي إلصاق الخروج بالحق .
الثاني : التوكيد ، وهي التي تسمى في الصناعة النحوية الزائدة ، ومعنى الآية : أخرجك ربك من بيتك حق .
الثالث : باء الإستعانة كما في قوله تعالى [بِسْمِ اللَّهِ] ( ) وتقدير الآية : أقرأ أو أتلو مستعيناً بـالله , وقوله تعالى[وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ]( ) , ليكون الحق والغاية الحميدة من الخروج عونا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه.
الرابع : إرادة معنى المصاحبة أي أن الحق مصاحب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في خروجهم .
ومن المصاحبة قوله تعالى [قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِنَّا]( ) ومن معاني مصاحبة الحق للنبي وعدم مفارقة الوحي له العصمة , واجتناب الغزو والنهب .
الخامس : إرادة معنى الظرفية .
وتكون الظرفية على شعبتين :
الأولى : مكانية كما في قوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ] ( ).
الثانية : الزمانية كما في قوله تعالى [إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ] ( ) أي في وقت السحر .
ومن الإعجاز أن المراد من قوله تعالى [بِالْحَقِّ] الفرد الجامع للزمان والمكان ، وتدل عليه صيغة الفعل الماضي [أخرجك] وافادة أن المراد خروج معين ، كما أن ذكر لفظ البيت يدل على إرادة المكان ، ولا يعلم الإنسان أي أرض هي أحسن له ، لكن المسلمين يسلمون بأن الله عز وجل يختار لهم الأحسن والأنفع .
وجاءت آية البحث للإخبار عن أن الخروج إلى ميدان معركة بدر هو الأحسن للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين ، فان قلت إنما أخبرت الآية عن ذات أصل الخروج ، والجواب المراد مصاحبة الحق والحكمة وفضل الله , واستدامة الحق مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في خروجه ولحين عودته إلى مكة .
وهل من معاني الحق رجوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى المدينة ، الجواب نعم ، ومنه وجوه :
أولاً : رجوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم سالماً إلى المدينة بعد أن كان القتل قريباً منه لأن المشركين كانوا يقصدون قتله ، وفي التنزيل [لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ] ( ).
ثانياً : سلامة المهاجرين والأنصار من القتل أو الأسر مع أن جيش المشركين كان ثلاثة أضعاف عددهم .
نعم سقط أربعة عشر شهيداً في معركة بدر لينالوا الحياة في النعيم الدائم ، قال تعالى [وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ] ( ) .
ثالثاً : مجئ البشير إلى المدينة بالنصر في معركة بدر ، فكما أخرج الله عز وجل النبي محمداً بالحق من المدينة ، فانه أدخل البشير إليها بالنصر بالحق ، ومن معاني الحق في المقام نصر الله .
رابعاً : دخول سبعين من المشركين أسرى بأيدي المسلمين ، لقد أرادوا غزو المدينة فابتلاهم الله عز وجل بأن دخلوها أسرى مقيدين ، وبعد أن كان الضعف والذلة مصاحبين للمسلمين في خروجهم صارا ملازمين للمشركين سواء الذين أسروا منهم أو الذين عادوا إلى مكة فارين منهزمين ، ليكون من مفاهيم الآية موضوعية الحق في خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم , وصيرورة حال المشركين في ضعف ووهن .
وليدخل الخوف والفزع في قلوب الذين كفروا رجالاً ونساءً ، إذ أدركوا قانوناً وهو أن محاربة النبي صلى الله عليه وآله وسلم تجلب لهم الذل والخسارة والخزي .
ومن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم نزول الآيات المكية بالوعيد والتخويف بعذاب النار ، ومنه قوله تعالى [كَلاَّ إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِي * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ* وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتْ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ * فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى] ( ) لبيان حال الإنسان عند الإحتضار وحضور الملائكة الموت ، وتسليم المحتضر بأنه لا ولا ينجيه أحد من الموت الذي حلّ بساحته إلا الله .
وأيقن أنه مفارق الدنيا والوعد ، وانه مقبل على عالم الآخرة ، فاما إذا كام مؤمناً عمل الصالحات فالى الجنة والسعادة ، وأما إذا كان كافراً فالى النار والجحيم ، قال تعالى [وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ] ( ).
ووردت الآية بصيغة المفرد [أَخْرَجَكَ] ( ) وقد تقدم أنه لم يرد في القرآن إلا في آية البحث .وورد بصيغة الجمع مرة واحدة أيضاً [أَخْرَجَكُمْ]( )بقوله تعالى [وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ] ( ) .
لبيان الصلة بين خلق الناس وبين خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى ميدان القتال لأن في هذا الخروج إستدامة للحياة والعيش الكريم للناس بلحاظ أن العبادة علة خلق الناس ، وسر بقائهم ليكون من مصاديق الرحمة في قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ) بقاء الحياة البشرية على الأرض ببركة النبوة والتنزيل ، فتعمر أمة مؤمنة الأرض بأداء الصلاة اليومية على نحو الوجوب العيني على كل فرد منهم ذكراً أو أنثى وهو من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ) إذ تذبون بعبادتكم عن أهل الأرض أنواع البلاء والآفات وتدل عليه آية البحث من جهات :
الأولى : نزول القرآن من عند الله عز وجل .
الثانية : تجلي صفة الرسالة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ذات الخطاب الوارد في آية البحث ، وتقدير الآية على وجوه :
الأول : كما أخرجك ربك نبي الله .
الثاني : كما أخرجك ربك يا رسول الله .
الثالث : كما أخرجك ربك يا محمد فان قلت هل يدل لفظ (محمد) على النبوة والرسالة ، الجواب نعم .
الثالثة : تبعث الآية الخوف والفزع في قلوب الذين كفروا لأنها تخبر عن كون خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى معركة بدر بالحق والصدق.
قانون صبر أهل الصفة
من الإعجاز في نبوة محمد والشواهد على صدق نبوته أن الذين آمنوا برسالته هجروا أوطانهم ، وتركوا أموالهم وتباعهم في مكة وغير ليتوجهوا إلى المدينة ، التي كانت تسمى يثرب وأكثرهم لم يرها ولم يدخل إليها في أيام حياته ، فدخلوها وقد لبست حلة جديدة اسماً ومسمى ، وفارقوا الأهل والأحبة ، ومنهم من ترك زوجته وأبناءه هروباً من جور الظالمين ، وفراراً بدينهم الذي أدركوا أنه أغلى شئ في الحياة لتمر الأيام سريعاً فيجمع الله عز وجل شملهم بأسرهم ويدخلون مكة فاتحين وتأتيهم الأموال والنعم على نحو دفعي ، وهو من مصاديق قوله تعالى[إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا]( ).
لقد كانت المهنة الغالبة في المدينة المنورة هي الزراعة والعناية بالنخيل ، وليس عند المهاجرين من أهل مكة خبرة ولا رغبة بالزراعة ، فهم أصحاب أموال وتجارة ولا يطيق التجار وأبناؤهم العمل بالزراعة وما فيها من الجهد والعناء والصبر وانتظار موسم الحصاد أو قطف الثمار والتمور ، ويبدو للوهلة الأولى أن المهاجرين يصيرون غرباء في المدينة ، ولكنها شبهة بدوية تزول بأدنى تأمل .
فمن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه آخى بين المهاجرين والأنصار ، وحتى المهاجر الذي ليس له أخ من الأنصار فان أقاربه وأصحابه من المهاجرين تربطهم أخوة مع الأنصار ، كما أن الأخوة الإيمانية أعم من أن تنحصر بقانون المؤاخاة لقوله تعالى[إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ]( )، من وجوه :
الأول : المؤمن أخو المؤمن .
الثاني : المؤمنة أخت المؤمن .
الثالث : المؤمنة أخت المؤمنة .
الرابع : الأخ بالنسب أخ في الإيمان .
الخامس : الأخوة الخاصة بين المهاجرين والأنصار , إذ قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمؤاخاة بينهم في السنة الأولى من هجرته الى المدينة ، لتكون مقدمة لبناء المجتمع الإسلامي ، وتنمية لملكة الأخلاق الحميدة بين المسلمين .
وهل المؤاخاة بينهم من مصاديق قول النبي : انما بعثت لاتمم مكارم الاخلاق( )، وفي رواية : بعثت لاتمم صالح الأخلاق ( ).
الجواب نعم , وفيه دعوة للإسلام , ولباس التقوى , وكان المهاجرون الذين ليس لهم بيت أو مأوى في المدينة يأوون إلى ظلة بجوار المسجد النبوي تسمى الصفّة ، ويتصف أهل الصفة بأنهم فقراء ، وكانوا ينامون في المسجد النبوي ، وليس عند أكثرهم رداء ، إما إزار أو كساء يستر عورته .
في نظام الصفة نفع عظيم من وجوه :
الأول : حضور أهل الصفة النفير من أول النداء به لأنه ينطلق من المسجد النبوي .
الثاني : رؤية أهل الصفة حياة الزهد التي عليها النبي محمد وأهل بيته وأزواجه ، مع كثرة ما ينفعه في سبيل الله .
و(عن عروة قال : قالت عائشة : إن كنا لننظر إلى الهلال , ثم الهلال في شهرين ، وما أوقد في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم نار . قلت : يا خالة ، وما كان يعيشكم ؟ .
قالت : كان لنا جيران من الأنصار نعم الجيران ، كانوا كانت لهم منائح( ) ، من غنم ، فكانوا يرسلون من ألبانها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم) ( ).
الثالث : أداء أهل الصفة الصلاة المستحبة مثل صلاة الإستسقاء.
الرابع : مبادرة أهل الصفة لحضور خطب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عندما يرتقي المنبر .
الخامس : مناجاة ومذاكرة أهل الصفة فيما بينهم بآيات القرآن ومعجزات النبوة ، لتكون الصفّة طوعاً وانطباقا مدرسة لإكتساب المعارف .
السادس : تنمية ملكة الصبر عند المسلمين الذين يفدون إلى المدينة ، فقد تركوا أهليهم وحياة الدعة وألفة العيال والأصحاب وملاعب الصبا ليتوجهوا إلى المدينة فيقيموا في الصفة مع قلة الزاد الذي يأتيهم , وحال الضنك في المدينة بعد كثرة المهاجرين فيها وامتلاء الأزقة بهم .
السابع : تجلي معاني الأخوة الإيمانية بين الذين يدخلون الإسلام ، لبيان قانون وهو أن مضامين قوله تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ] ( ) يشمل المسلم من حين دخوله الإسلام بأن يصبح أخاً للمسلمين ، وهم يصيرون له أخوة ، فليس من غضاضة أو كدورة بينهم.
والصفة ظلّة في مؤخرة المسجد النبوي يقطنها المهاجرون الذين ليس لهم مأوى ، فلا يتيه المسلم في طرقات المدينة ، ولا يكون عالة على غيره ، ولا يدب الندم والملامة إلى نفسه لأنه إختار الهجرة ، خصوصاً وأن بعضهم يتعذر عليه الرجوع إلى قومه لعزمهم على معاقبته وقتله ، فأراد الله عز وجل لهم العز وليبدأوا مسيرة الهجرة بالعبادة وإقتباس سنن التقوى , والنهل من رياض النبوة ، وليعلموا إن الإسلام ليس فيه إلا التقوى , قال تعالى[خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِي يَاأُوْلِي الأَلْبَابِ]( ).
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتفقد أهل الصفة , كل يوم ويأنس بهم .
وفيه مسائل :
الأولى : لم يخرج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى معركة بدر من تلقاء نفسه، ولا بمشورة أصحابه، إنما بأمر من عند الله سبحانه ، مما يدل على أنهم لا يريدون القتال، ولا يطمعون بالقافلة.
الثانية : إقامة الحجة على الذين كفروا لأن النبي يوحى إليه، ولا يخرج إلا بأمر من الله عز وجل , مما يملي عليهم التصديق بنبوته , والإمتناع عن محاربته، وفي التنزيل[وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا]( ) .
الثالثة : بيان التباين بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وغيره ، فالنبي لا يخرج في الكتائب ولا يبعث السرايا إلا بأمر من عند الله عز وجل ، وبما فيه النفع العام .
الرابعة : توثيق حقيقة وهي رضا أكثر الصحابة بخروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، والذين كرهوا الخروج طائفة منهم .
ويحتمل حال الذين كرهوا الخروج من المدينة في ذات الإنبعاث من المدينة الذي وقعت فيه معركة بدر وجوهاً :
الأول : المراد فريق من المهاجرين والأنصار ممن حضروا معركة بدر .
الثاني : الذين كرهوا خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوا فيها ، وتخلفوا عن الخروج .
الثالث : التفصيل ، فمن المؤمنين البدريين من خرج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم على كراهة , ومنهم من كره الخروج مع انه لم يخرج كما لو كان معذورا .
والمختار هو الأول ، لندب الصحابة إلى الخروج وطاعتهم لله ورسوله في الخروج تحت لواء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ويحتمل المقصود من لفظ المؤمنين الذين كرهوا الخروج من جهة التذكير والتأنيث وجوه :
الأول : كل الذين كرهوا الخروج المذكورين في آية البحث من الذكور .
الثاني : الذين كرهوا الخروج من المؤمنين والمؤمنات .
الثالث : إنحصار كراهة الخروج بالمؤمنات .
والمختار هو الأول أعلاه ، إذ أن القتال ساقط عن النساء ، والقدر المتيقن من الآية هو الكراهة قبل بدء القتال , ولم يكن المسلمون والمسلمات الذين كانوا في المدينة يوم بدر يعلمون بالقتال في بدر إلى أن جاء البشير بالنصر , وهو من فضل الله عليهم ، والتخفيف عنهم في أول معركة للنبي والإسلام وهزيمة مشركي قريش ، وهو من مصاديق التخفيف العام في قوله تعالى [الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ]( ).
وفيه مسائل :
الأولى : في الآية دعوة للناس للتوحيد وإتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بما يأتي به من عند الله ، وأن الله عز وجل هو الذي يأمر نبيه محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بالخروج في الكتائب أو الإقامة في المدينة .
وفي الآية دعوة للصحابة الى عدم الطلب من النبي صلى الله عليه وآله وسلم القعود حينما يعزم على الخروج ، ولا جلب من الخروج حينما يرجئه أو يبعث السرايا وفيه تحذير وإنذار للمنافقين قال تعالى[وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا]( ).
وعن عبد الله بن عمرو قال :كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه، فنهتني قريش فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر، يتكلم في الغضب. فأمسكتُ عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: “اكتب، فوالذي نفسي بيده، ما خرج مني إلا حق( ).
الثانية : دعوة الصحابة من المهاجرين والأنصار إلى الصبر وعدم الإلحاح على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للخروج في السرايا لأنه لا يخرج إلا بأمر من الله عز وجل ، وفيه شاهد بأن الله سبحانه معهم ويتغشاهم برحمته ، فحينما يخرجون بأمره سبحانه فانه يكفل لهم الحفظ والسلامة وتنجز الغايات الحميدة التي خرجوا من أجلها ، لبيان قانون وهو أن خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الكتائب والسرايا ليس بقصد الغزو والنهب.
الثالثة : الزجر عن الغلو بشخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهو يقول ويفعل ويخرج من المدينة ويعود إليها بالوحي , فتتجلى آيات الحكمة في كل منها ، في عصمة المسلمين عامة من الغلو بشخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة وأن الناس حديثوا عهد بالجاهلية ، وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يجتهد في الخضوع والخشوع لله عز وجل لتثبيت هذه العصمة في أجيال المسلمين ، وهو من مصاديق قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
ومن القرى التي يمرّ عليها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كتائبه ما زال أهلها على الكفر ، فيرون المعجزات تترى على يديه فجاءت آية البحث رحمة بهم وبالناس ، وفيها دلالة على أن النبي محمدا صلى الله عليه وآله وسلم مأمور من عند الله عز وجل بواسطة الملك والوحي والتنزيل .
الرابعة : هل تختص الآية بخروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الكتائب أم تشمل خروج أصحابه معه والسرايا التي يبعثها ، الجواب هو الثاني إذ ذكرت الآية الفرد الأهم ، وهو خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، وفيه منع للصحابة من الجدال والخلاف بخصوص السرايا ، وفي التنزيل [وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ] ( ) .
الخامسة : بيان قانون وهو أن كراهة فريق من المؤمنين للخروج لا يمنع من توجه الأمر من الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بخروجه وخروجهم معه سواء كانت هذه الكراهية من قبل الطباع البشرية ، أو إرادة الميل إلى الإقامة وإيثار حياة الدعة والسكينة ، أو لكراهية القتال المحتمل ، ولا تصل النوبة لكراهة القلوب لأمر الله ورسوله ، ويدل عليه قوله تعالى في الآية التالية [يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ] ( ).
فمن معاني الحق في الآية أعلاه أن خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهم معه في الكتائب أمن لهم ، ودفع لضرر المشركين ، وزجر للكفار عن التعدي والإغارة عليهم ، فكل خروج للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة حرب على الغزو ، وقطع لدابره في الأرض .
السادسة : بيان التباين بين خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى السرايا وبين خروج الذين كفروا ، وهذا التباين من وجوه :
الأول : لا يخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا بأمر الله عز وجل ، أما الذين كفروا فيخرجون عصبية وحمية , وباغواء الشيطان .
الثاني : في خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الأجر والثواب ، أما خروج الذين كفروا فليس فيه إلا العناء والإثم والفزع والخوف ، وفي التنزيل [إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ] ( ).
الثالث : التباين في النية والقصد ، إذ ينوي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الإصلاح وجذب الناس الى منازل الهدى، وينوي الذين كفروا البطش والغزو .
الرابع : إقتران النصر والغلبة بخروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومصاحبة الهزيمة والإنكسار للذين كفروا في خروجهم .
الخامس : عودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بالغنائم والأسرى من معركة بدر ، بينما عاد الذين كفروا بالذل والكبت والخيبة .
السابعة : من معاني وصفة الحق في خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خلود هذا الخروج إلى يوم القيامة من وجوه :
الأول : آيات التنزيل .
الثاني : تلاوة المسلمين للقرآن .
الثالث : أخبار السنة النبوية وتوارث المسلمين لها .
الرابع :موضوعية نصر الله للمسلمين في معركة بدر في حياتهم الجهادية إلى يوم القيامة .
والمختار أن المخاطب في قوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ]( ) هم عامة أجيال المسلمين لتتجلى لهم أن كراهة فريق من الصحابة للخروج لم تضر المسلمين لأن المدار على القول والعمل وصدق طاعتهم لله عز وجل ، قال تعالى[مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ]( ).
إذ أن الكراهة كيفية نفسانية ، وهي من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً .
الثامنة : من معاني إخبار الآية عن كراهة فريق من المؤمنين لخروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى ميدان معركة بدر وملاقاة جيش الذين كفروا الحث على ترك هذه الكراهة لأن خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأمر من عند الله سبحانه.
التاسعة : ابتدأت الآية بحرف الكاف للتشبيه ، ليكون هذا التشبيه متعدداً في موضوعه من وجوه :
الأول : التشبيه بموضوع وحكم الآية السابقة .
الثاني : التشبيه بخصوص الآية التالية ، ومن وجوه تقديره :
أولاً : كما أخرجك ربك من بيتك بالحق يجادلونك في الحق .
ثانياً : كما أخرجك ربك من بيتك بالحق بعد ما تبين .
ثالثاً : كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وهم ينظرون .
الثالث : التشبيه بخصوص موضوع وحكم ذات آية البحث ، ومن وجوه تقديره :
أولاً : كما أخرجك ربك من بيتك بالحق أخرج المهاجرين والأنصار بالحق.
ثانياً : كما أخرجك ربك من بيتك في مكة مهاجراً الى المدينة، أخرجك من بيتك في المدينة في الكتائب ، وتفضل عليك بسرايا المهاجرين والأنصار.
ثالثاً : كما أخرجك ربك من بيتك لتشكر الله عز وجل على أن خروجك بأمر الله عز وجل .
عن الحسن البصري قال : لما نزلت هذه الآية [وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ]( )، عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخوف زماناً ، فلما نزلت[إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ]( )، اجتهد ، فقيل له : تجهد نفسك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر . قال : أفلا أكون عبداً شكوراً( ).
رابعاً : كما أخرجك ربك من بيتك بالحق إلى معركة بدر سيخرجك إلى معركة أحد ، وفيه بعث للسكينة في نفوس المؤمنين.
وبيان مسألة وهي إذا كان فريق من المؤمنين كارهين للخروج إلى معركة بدر ، فانه يجب عليهم ألا يكرهوا الخروج إلى معركة أحد ، وهو من إعجاز القرآن بأن يستعد الصحابة إلى معركة أحد من غير كراهة من طائفة منهم ، وهو من المقدمات وتهيئة الأذهان لأمور :
الأول : مبادرة المهاجرين والأنصار للخروج إلى معركة أحد عند العلم بدنو جيش المشركين من المدينة ، وهو الذي تجلى في قوله تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] ( ).
الثاني : تنمية ملكة طاعة الله ورسوله في الخروج في السرايا، والمبادرة إلى الرباط .
الثالث : من إعجاز آية البحث موضوعيتها في إمتناع المؤمنين عن الرجوع مع رأس النفاق عبد الله بن أبي بن أبي سلول من وسط الطريق إلى معركة أحد ، إذ إنخزل معه نحو ثلث الجيش.
الرابع : أخبرت آية البحث عن كراهة طائفة من المؤمنين للخروج ولقاء المشركين في معركة بدر، مع أن هذا اللقاء أملاه المشركون باصرارهم على القتال لتأتي معركة أحد، ويحترز الصحابة [يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ]( )، من الفرار والإنهزام , قال تعالى[إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ]( ).
وفي الآية أعلاه قال جابر بن عبد الله: فينا نزلت، في بني حارثة، وبني سلمة، وما يسرني أنها لم تنزل لقول الله [وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا]( ).
ومن الإعجاز في توثيق القرآن كراهة طائفة من المسلمين للخروج والقتال أمور :
الأول : وصف القرآن لحال المسلمين في السلم والحرب وعلى نحو الدقة والتفصيل، فلم تقل الآية أن الصحابة كلهم كارهون للخروج، أنما ذكرت طائفة منهم.
الثاني : الإخبار السماوي عن قانون ، وهو علم الله عز وجل بالسرائر ، وما تخفي الصدور من الحب أو الكراهة، والميل أو النفرة، وفيه دعوة للمسلمين للإرتقاء في مراتب التقوى، وفي التنزيل[يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ]( ).
الثالث : بيان قانون وهو أن النبي محمداً يأمر أصحابه بالصبر وليس الغزو لتأكيد قانون وهو : إجتناب المسلمين القتال ودفعهم له.

إفتخار الصحابية الممرضة
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار إمتحان واختبار وابتلاء ومنه الصحة والمرض إذ ينطبق كل فرد منهما على وجوه الإبتلاء الثلاثة أعلاه ليكون المجموع على وجوه :
الأول : إمتحان الإنسان بالصحة والعافية ، ولزوم تسخيرها في طاعة الله ، وجعلها مناسبة للشكر لله عز وجل على النعمة وهو من عمومات قوله تعالى [وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ] ( ) وموضوع الآية أعلاه وإن جاء بخصوص الصيام وفدية الإفطار إلا أنه أعم بلحاظ أنها قانون من الإرادة التكوينية .
الثاني : إمتحان الله عز وجل للإنسان بالداء والمرض لتتجلى مصاديق الصبر على الفرد والجماعة ، ويكون المرض بلغة للمغفرة , ووسيلة لتكفير للذنوب .
وعن أبي سعيد أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يقول : ما يصيب المؤمن من وصب ، ولا نصب ، ولا سقم ، ولا حزن ، حتى الهم يهمه إلا كفر الله به من سيئاته( )، وقد امتحن الله أحد الأنبياء بالمرض الشديد والمزمن وهو أيوب عليه السلام ، قال تعالى [وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ] ( ) إذ ابتلاه الله عز وجل بتلف المال وهلاك الولد ، ولم يبق عنده شئ إلا رحمة الله.
وهناك فرق بين الذي هو فقير في الأصل ومتوطن لحاله، وليس عنده ذرية ،وبين الذي يكون عنده المال الوفير والأولاد والذرية ، ثم تذهب عنه دفعة من غير تفريط أو تعد منه .
إذ يعتصر قلبه حزناً وكمداً إلا الذي يلجأ إلى الله ، ويسلم بأن مقاليد الأمور بيده سبحانه .
الثالث : بلاء الله عز وجل للإنسان بالغنى والسعة وكثرة المال ، وإمتحان وجوب العفة والشكر لله عز وجل والإنفاق في سبيل الله , قال تعالى[وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ]( )، ليكون الشكر لله تعاهدا للغنى عند ذات الشاكر وفي ذريته .
الرابع : الإبتلاء بالفقر وكثرة الديون ، وتعاقب الأيام وحلول آجالها مع العجز عن الإيفاء ، وعدم مجئ مال ورزق لقضائها ، وأحياناً يكون هذا المال متوقعاً ومحسوباً ولكن أسباباً عرضية قاهرة تحول دونه فيطير عن عينيه الكرى والإبتلاء بالخير والشر , وهو مناسبة للدعاء والتضرع إلى الله عز وجل وسؤاله قضاء الدين وصرف البلاء ، وتثبيت النعم .
وعن أبي سعيد الخدري قال : دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم ذَاتَ يَوْمٍ الْمَسْجِدَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو أُمَامَةَ فَقَالَ : يَا أَبَا أُمَامَةَ مَا لِي أَرَاكَ جَالِسًا فِى الْمَسْجِدِ فِى غَيْرِ وَقْتِ الصَّلاَةِ .
قَالَ هُمُومٌ لَزِمَتْنِى وَدُيُونٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ أَفَلاَ أُعَلِّمُكَ كَلاَمًا إِذَا أَنْتَ قُلْتَهُ أَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَمَّكَ وَقَضَى عَنْكَ دَيْنَكَ، قَالَ قُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ : قُلْ إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ .
قَالَ : فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَمِّى وَقَضَى عَنِّى دَيْنِى( ).
وقد برزت الحاجة إلى التحريض والحماسة بالذكر والدعاء في معارك الإسلام الأولى إبتداءً من معركة أحد , إذ كانت معركة بدر بعيدة عن المدينة ، ولم يتوقع المسلمون حدوث القتال فيها , وقيل كانت كعيبة بنت سعد الأسلمية حاضرة فيها .
أما في معركة أحد فقد خرجت المؤمنات لسقي المجاهدين بالماء ، ومداواة الجرحى ، ومنهن :
الأولى : فاطمة بنت محمد عليها السلام .
الثانية : عائشة زوج النبي .
الثالثة : أم عمارة والتي شاركت يومئذ في القتال والذب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابعة : صفية بنت عبد المطلب عمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الخامسة : حمنة بنت جحش الأسدية .
السادسة : أم أيمن .
السابعة : أم سليط ، وهي والدة أبي سعيد الخدري ، وقال البخاري : حدثنا عبدان، أخبرنا يونس، عن ابن شهاب، قال ثعلبة بن أبي مالك: (إن عمر بن الخطاب قسم مروطاً بين نساء من نساء المدينة، فبقي مرط جيد، فقال له بعض من عنده: يا أمير المؤمنين أعط هذا ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم – يريدون أم كلثوم بنت علي فقال عمر: أم سليط أحق، وأم سليط من نساء الأنصار ممن بايع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال عمر: فإنها كانت تزفر لنا القرب يوم أحد( ).
وفي الخبر شاهد على تسالم الصحابة بتسمية أبناء وبنات الزهراء أبناء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
الثامنة : أم سليم بنت ملحان ، وعن أنس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يغزو بأم سليم ونسوة معها بسقين الماء ويداوين الجرحى ، وعن الربيع بنت معوذ قالت : كنا نغزوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نسقى القوم ونخدمهم , ونرد القتلى والجرحى إلى المدينة ( ).
لبيان أن وظيفة النساء في حال نشوب معركة أعم من التمريض إذ تشمل أموراً :
الأول : السقاية .
الثاني : خدمة المهاجرين والأنصار واعانتهم في طبخ الزاد وجمع الحطب .
الثالث : تحريض المؤمنين على الثبات في الميدان .
الرابع : مداواة الجرحى .
الخامس : نقل جثث الشهداء إلى المدينة .
السادس : نقل الجرحى إلى المدينة .
وخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم الى خيبر من المدينة ، ومعه عشرون امرأة هن :
الأولى : أم سلمة زوج النبي .
الثانية : صفية بنت عبد المطلب .
الثالثة : أم أيمن .
الرابعة : سلمى امرأة أبي رافع مولاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الخامسة : امرأة عاصم بن عدي ولدت سهلة بنت عاصم بخيبر .
السادسة : أم عمارة نسيبة بنت كعب .
السابعة : أم منيع وهي أم شباث , ومن المبايعات في العقبة .
الثامنة : كعيبة بنت سعد الأسلمية .
التاسعة : أم متاع الأسلمية .
العاشرة : أم سليم بنت ملحان .
الحادية عشرة : أم الضحاك بنت مسعود الحارثية .
الثانية عشرة : هند بنت عمرو ابن حزام .
الثالثة عشرة : أم العلاء الأنصارية .
الرابعة عشرة : أم عامر الأشهلية .
الخامسة عشرة : أم عطية الأنصارية .
السادسة عشرة : أم سليط .
السابع : قتال النساء عند الحاجة والضرورة ، كما في دفاع أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التي لم تكن تنو القتال ، إنما خرجت إلى ميدان المعركة ومعها سقاء فيه ماء وتفتقد خبر زوجها وولديها في الميدان ولتنظر حال المعركة وإذا الريح والجولة للمسلمين فاستبشرت وفرحت .
وفجأة ترك الرماة المسلمون مواضعهم لتأتي خيل المشركين من خلف جيش المسلمين يمضون بهم السيف ، ورأت أم عمارة قلة الصحابة الذين يحيطون برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , وصيرورة الأعداء قريبين منه ، تصله سهامهم وحجارتهم فانحازت لتقاتل دونه ، وتقدم ابن قمئة وهو يقول (دلوني على محمد فلا نجوت ان نجا) ( ).
فاعترضته أم عمارة ومعها مصعب بن عمير وبعض أهل البيت والصحابة وهي (لحاجزةٌ ثوبها على وسطها) ( ).
فضربها ابن قمئة بالسيف ليبقى أثر الضربة جرحاً أجوفاً له غور ، وهو شاهد على إرادة المشركين الإفساد في الأرض ، ومعاداة الله ورسوله والذين آمنوا , ومع ضراوة المعركة فقد أعتنى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأم عمارة وجرحها ، إذ كان ابنها عبد الله بن زيد بن عاصم يقاتل هو الآخر بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : يا ابن أم عمارة .
قال (فرميت بين يديه رجلاً من المشركين بحجر، وهو على فرس، فأصبت عين الفرس فاضطرب الفرس حتى وقع هو وصاحبه، وجعلت أعلوه بالحجارة حتى نضدت عليه منها وقراً، والنبي صلى الله عليه وآله وسلّم ينظر ويتبسم، فنظر إلى جرح بأمي على عاتقها فقال: أمك، أمك! اعصب جرحها، بارك الله عليكم من أهل بيتٍ! مقام أمك خيرٌ من مقام فلان وفلان، ومقام ربيبك يعني زوج أمه خيرٌ من مقام فلان وفلان، ومقامك لخيرٌ من مقام فلان وفلان، رحمكم الله أهل البيت) ( ).
عندئذ قالت أم عمارة : أدع الله أن نرافقك في الجنة ، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : اللهم اجعلهم رفقائي في الجنة , فشعرت أم عمارة بالسكينة التي لا تأتي للرجل الشجاع في وسط الميدان إلا بفضل من عند الله فكيف وهي امرأة ينزفها جرح دماً , ويحيط بها الأعداء ، وهي خائفة على شخص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والتنزيل ، وعلى نفسها وزوجها وولديها , ولكنها قالت :
ما أبالي ما أصابني من الدنيا .
وصارت تداوي جرحها هذا سنة كاملة ، وهو أشد جراحاتها ، ولم يمنعها من الخروج في اليوم التالي إلى حمراء الأسد مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وفي التنزيل [رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ] ( ) .
وعن ضمرة بن سعيد يحدث : أنه غسّل جدته أم عمارة عندما حضرتها الوفاة ، قال (فعددت جراحها جرحاً جرحاً , فوجدتها ثلاثة عشر جرحاً)( ).
ولا تختص هذه الجراحات بمعركة أحد ، إذ أنها خرجت , بينما جاء القرآن بذم المنافقات بعرض واحد مع المنافقين كما في قوله تعالى [الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمْ الْفَاسِقُونَ]( ).
فقد كانت لمّة من المؤمنات يخرجن مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كتائبه لرفقة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأداء الصلاة مع جماعة وسقاية الصحابة وإعانتهم في طهي الطعام ونحوه ، وإن حدث قتال يتولين القيام على الجرحى ومنهن :
الأولى : أم عطية .
الثانية : ليلى الغفارية .
الثالثة : زوجة أبي ذر .
الرابعة : الربيع بنت معوذ .
الخامسة : كعيبة بنت سعد (رفيدة ) والتي كاننت لها خيمة طبية في المسجد النبوي تداوي فيها الجرحى , وتنفق من مالها الخاص ، وكان سعد بن معاذ يداوى في خيمتها من جراحه في معركة الخندق ليكون قريباً من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعوده فيها إلى أن انفجر جرحه ليلاً ومات شهيداً في تلك الخيمة .
ونصبت رفيدة الاسلمية خيمتها إبتداء من حين عودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من معركة أحد ، لكثرة جراحاتهم وكانت قد بايعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد هجرته الى المدينة ، وهي قارئة للقرآن ، وصاحبة مال ، فجعلت عملها في حرفة التمريض ومهنة التطبيب جهاداً في سبيل الله ، وإعانة للمدافعين والمرابطين ، وتخفيفاً عنهم ، إذ كانت تخرج في الكتائب والسرايا ، وتنصب خيمتها خلف الجيش ، وكأنها مستشفى ميداني ، وتساعدها بعض الصحابيات .
وقد ورد ذكر(خيمة رفيدة) بالاسم في السنة القولية لتكون محط فخر ومدرسة تدل على مشاركة الصحابيات في الدفاع بالصبر والإعانة فلما أصاب سهم سعد بن معاذ في معركة الخندق , قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : اجْعَلُوهُ فِي خَيْمَةِ رُفَيْدَةَ حَتّى أَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ( ).
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يمر عليه في الصباح ويقول له : كيف أصبحت , ويمر عليه في المساء ويقول : كيف أمسيت ، فيخبره سعد بحاله .
وعن محمود بن لبيد ( ): حتى كانت الليلة التي نقله قومه فيها فثقل فاحتملوه إلى بني عبد الأشهل إلى منازلهم، وجاء رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كما كان يسأل عنه، وقالوا قد انطلقوا به، فخرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وخرجنا معه فأسرع المشي حتى تقطعت شسوع نعالنا وسقطت أرديتنا عن أعناقنا، فشكا ذلك إليه أصحابه: يا رسول أتعبتنا في المشي .
فقال: إني أخاف أن تسبقنا الملائكة إليه فتغسله كما غسلت حنظلة. فانتهى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى البيت وهو يُغسل , وأمه تبكيه وهي تقول :
ويل أم سعد سعدا … حزامة وجدا .
فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: كل نائحة تكذب إلا أم سعد. ثم خرج به، ويقول له القوم أو من شاء الله منهم: يا رسول الله ما حملنا ميتا أخف علينا من سعد .
فقال : ما يمنعكم من أن يخف عليكم وقد هبط من الملائكة كذا وكذا، وقد سمى عدة كثيرة لم أحفظها، لم يهبطوا قط قبل يومهم , قد حملوه معكم ( ).
وكان مع رفيدة في عملها في التمريض عدة من الصحابيات يداوين الجرحى ، ويقمن بالسقاية والطهي ، وفي معركة خيبر أسهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم لرفيدة سهم رجل .
لقد تولت الصحابيات مهنة التمريض بامضاء وتقرير من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وكانت وظائفهن أعم من التمريض إذ كن مشاريع شهادة , فالملاك فيه تعظيم شعائر الله , ونصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , ومنع دبيب الحزن والكآبة إلى نفوس المسلمين ، وهل عمل الصحابيات بمهنة التمريض جهاد في سبيل الله عز وجل ، الجواب نعم ، وهو مقدمة ونوع طريق لتحريض المؤمنين على الدفاع , وفيه شاهد على أن المسلمين لم يخرجوا للغزو ، وإلا لما اصطحبوا معهم المؤمنات ، ولا عبرة بمجئ الكفار النساء معهم في معركة أحد لأنه قياس مع الفارق .
فقد حضرت خمس عشرة امرأة من نساء قريش مع أزواجهن إلى المعركة ، ومعهن بعض الجواري والإماء ، وكانت وظيفتهن :
الأولى : البكاء والنياحة على قتلى المشركين في معركة بدر ، والتذكير بهم وباسمائهم .
الثانية : التحريض على القتال .
الثالثة : قول الأشعار والضرب بالدفوف .
الرابعة : تعيير الكافر الذي يفر من الميدان .
لبيان المائز بين الصحابيات في الميدان وبين نساء الذين كفروا وهذا التمايز في الدنيا والآخرة ، وفي التنزيل [وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ]( ).
ويتضمن هذا الجزء سياحة في قوله تعالى [كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ] ( ) وهل خروج المؤمنات مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم دافع للكراهة التي تذكرها الآية أعلاه ، الجواب نعم ، وفيه آية بأن السنة النبوية وإذن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للمؤمنات بالخروج معه وسيلة لإزاحة الكراهة بلحاظ أن كراهة المؤمنين للخروج أمر مكروه في ذاته وأثره ، فذكرتها آية البحث لإستئصالها ، والمنع من تكرارها .
فيكون من غايات الآية والأثر المترتب عليها هو خروج المهاجرين والأنصار مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى ميدان الدفاع من غير كراهة .
ومصاحبة لمّة من المؤمنات لهم للسقاية والتمريض عون للصحابي ليدرك معها لزوم خروجه مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من باب الأولوية القطعية .
ومن المسلمات إنتفاء الكراهة عند الصحابية في خروجها لأنه أمر طوعي ، ومبادرة إيمانية فريدة ، وباعث على الطمأنينة عند المجاهدين وعوائلهم وذويهم .
قانون هجرة الأنبياء
لقد أنعم الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بالهجرة إلى المدينة ، وتحتمل هذه الهجرة وجوهاً :
الأول : هجرة فرار إلى الله بالنبوة والتنزيل من غير قصد قتال .
الثاني : إنها هجرة دفاع ومرابطة .
الثالث : الأمر الجامع للوجهين أعلاه .
الرابع : الهجرة لطلب السلامة والأمن والنجاة من الظالمين ، وفي موسى عليه السلام ورد قوله تعالى [فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ] ( ) .
الخامس : الهجرة مقدمة لنجاة الناس من عبادة الأوثان من جهات :
الأولى : البلد الذي يهاجر إليه النبي .
الثانية : البلد الذي هاجر منه .
الثالثة : بلدان أخرى لإشعاع ضياء الهجرة .
السادس : إرادة نشر الإسلام ، وتثبيت آيات القرآن بين الناس ، تدويناً وتلاوة .
السابع : الهجرة اضطراراً باخراج الذين كفروا للنبي من مكة، وفي التنزيل [وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ] ( ) .
الثامن : هجرة قتال .
وباستثناء الوجه الثامن أعلاه فان هجرة الأنبياء دعوة إلى الله وطلب للأمن والسلامة والحفاظ على النبوة وملة التوحيد ، فمن خصائص المشركين إرادة حمل الأنبياء ترك الدعوة إلى الله ومحاولة حمل أنصارهم على الإرتداد ، قال تعالى [وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا] ( ) .
وتبين الآية أعلاه أن هلاك الظالمين من عند الله عز وجل ، وفيه بشارة بهزيمة كفار قريش في معارك الإسلام الأولى لتصديهم وغزوهم بلدة الإسلام ، وتدل الآية أعلاه على قانون وهو لابد من هلاك الظالمين وإن لم يقوموا بالغزو ، فحملهم النبي محمداً أو أهل بيته وأصحابه على الهجرة علة تامة لهلاكهم بقوانين المشيئة الإلهية ، قال تعالى [وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا] ( ) أي أن الله عز وجل يأمرهم بالعدل والإحسان بالذات ومن مقامات الرئاسة والسلطنة ، ولكنهم سخّروا هذه المقامات للفسوق والمعصية والضلالة وهو خلاف وظائف الخلافة بقوله تعالى [وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ) .
وهذا التدبر من مصاديق احتجاج الله عز وجل على الملائكة عندما انكروا فساد الإنسان في الأرض وسفك الدماء فاجابهم الله [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ) فمن علم الله عز وجل بطشه وانتقامه بالذي يتخذ مقام الرئاسة والسلطنة للفساد العام واشاعة الفحشاء ، وهل ينزل الدمار والهلاك بالسلطان إذا كانت الحاشية أو الأبناء هم الذين يفسقون مع تنزهه من الفسوق ، المختار نعم ، مع قدرته على زجرهم ومنعهم , لأن هؤلاء يفسقون من منازل الرئاسة وباسمها وشأنها ، فلابد أن يتعاهد الحاكم تأديب واصلاح الحاشية ، مع اختيار البطانة الصالحة ، وزجر الأولاد عن الفواحش والفسق العام ، قال تعالى يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ .
وفي لوط ورد قوله تعالى [قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنْ الْمُخْرَجِينَ] ( ) .
لقد لاقى الأنبياء الأذى من قومهم ، وكانوا يهددونهم ويتوعدونهم ويطلبون منهم الخروج من المدينة أو القرية بسبب إيمانهم ودعوتهم إلى الله ، وفي التنزيل بخصوص النبي لوط وقومه ورد قوله تعالى [فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ]( ).
وهل الهجرة ملازمة للنبوة بحيث أن كل نبي من الأنبياء هاجر من البلد الذي بعث فيه ، الجواب لا ، فكان الأنبياء على أقسام :
الأول : الأنبياء الذين هاجروا من ديارهم بالإكراه والتهديد من قبل القوم الكافرين .
الثاني : الأنبياء الذين لم يهاجروا من ديارهم .
الثالث : الأنبياء الذين هاجروا باختيارهم ، وإرادة دعوة الناس للإيمان مثل هجرة يعقوب النبي إلى مصر حيث يوسف في الوزارة .
الرابع: الأنبياء الذين هجروا قراهم ومدنهم لشيوع الفساد والفاحشة فيها ، كما في هجرة لوط عليه السلام ، وفي التنزيل [فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مهاجر إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ] ( ).
وهل يحتسب ركوب نوح في السفينة من الهجرة بعد أن أقام قومه على الجحود مع دعوته لهم ليلاً ونهاراً أم أنه أمر خاص ، المختار هو الثاني لإنحصار النجاة بالركوب بالسفينة ، وإنه لم يهاجر إلى بلدة أو مصر معلوم .
وهل سياحة عيسى عليه السلام وعدم وجود مسكن خاص له من الهجرة ، الجواب لا ، إذ تتقوم الهجرة بأمور :
الأول : الموضع والبلد الذي هاجر منه .
الثاني : الهجرة ومغادرة البلد .
الثالث : طريق الهجرة .
الرابع : البلد المهاجر إليه .
وقد تتكرر الهجرة من قبل النبي , لبيان قانون في النبوة وهو أن هجرة الأنبياء نوع وقاية ودفع للقتال .
فهاجر إبراهيم عليه السلام من العراق إلى الشام ثم مصر ثم عاد إلى فلسطين ، ثم رحل إلى مكة وأسكن زوجه هاجر وابنه إسماعيل عند البيت الحرام ، وكان يزورهم ، وقام ببناء البيت الحرام من قواعده الموجودة من أيام أبينا آدم ، قال تعالى [وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ]( ) .
وأيهما أشد أذى قوم ابراهيم أم قريش في أذاهم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه الجواب هو الثاني .
إن هجرة الأنبياء مصداق لقوله تعالى [يَاعِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ] ( ) الأنبياء سادة أهل الأرض وأقرب الناس إلى الله عز وجل إذ خصهم بالتشريف والإكرام ، ومنه المندوحة والسعة في هجرتهم وسياحتهم في الأرض ، ومنه صيغ إتحاد سنخية النبوة ، ولبيان قانون وهو أن كثيراً من الأنبياء السابقين قد هاجروا من مدنهم وقراهم .
ومن معجزات الأنبياء مجئ الفيض والبركة والفلاح في هجرة كل نبي من الأنبياء ،وهو وفق القياس البرهاني :
الكبرى : هجرة الأنبياء رحمة ونصر .
الصغرى : هاجر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
النتيجة : هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رحمة ونصر .
لقد هاجر الأنبياء هربا من الظالمين ، وطلبا للأنصار والأعوان والذين يصدقون برسالتهم .
(عن أبي سعيد الخدري قال : لما نزلت هذه السورة { إذا جاء نصر الله والفتح }( ) قرأها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى ختمها ثم قال : أنا وأصحابي خير والناس خير لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية) ( ).
الآية السابعة عشرة
قوله تعالى [فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاَءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] ( ).
لم يرد لفظ [تَقْتُلُوهُمْ] و[قَتَلَهُمْ] في القرآن إلا في الآية أعلاه وبقيد أن الله عز وجل هو الذي قتلهم لبيان أن القتل من قبل المسلمين كالآلة ، كما أنه لم يتكرر لأن قتل المشركين بلحاظ ذات سببه وموضوعه ، فمع انتفاء الموضوع ينتفي الحكم .
وهل يمكن تقدير الآية (فلم تقتلوهم ولن تقتلوهم )أم أن القدر المتيقن من موضوع الآية هو حال ضعف وذلة المسلمين وعجزهم مع قلتهم عن قتل الذين كفروا أما حينما أصبح المسلمون هم الفئة الأكثر فانهم يباشرون قتل الذين كفروا بقوتهم وأيديهم .
الجواب لا دليل عليه ، إنما الآية مطلقة ، وجاءت الآية بصيغة الماضي لبيان إنقضاء الواقعة التي حدث فيها القتل ، وفيه دعوة للمسلمين للصبر والرضا بفضل الله .
وقد يقال وتقدير الآية وفق منهجية هذا السِفر ومفهوم الموافقة : فلم تقتلوهم ولن تقتلوهم ولكن الله يقتلهم ) الجواب إنما ذكرت آية البحث الزمن الماضي ، وفيه زجر للذين كفروا عن التعدي والهجوم والغزو .
وموضوع الآية هو إخبار المسلمين بأنهم لم ينتصروا بسبب عددهم أو عدتهم ، إذ أن أسباب النصر المادية غير متوفرة عندهم .
وبخصوص معركة بدر (قال ابن اسحق : وقد ارتحلت قريش حين اصبحت فأقبلت فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تصوب من العقنقل وهو الكثيب الذى جاءوا منه إلى الوادي قال اللهم هذه قريش قد اقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك .
اللهم فنصرك الذى وعدتني اللهم احنهم الغداة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورأى عتبة بن ربيعة في القوم على جمل له احمر ان يك في احد من القوم خير فعند صاحب الجمل الاحمر ان يطيعوه يرشدوا وقد كان خفاف بن ايماء بن رحضة أو ابوه ايماء ابن رحضة الغفاري بعث إلى قريش حين مروا به ابنا له بجزائر اهداها لهم وقال ان احببتم ان نمدكم بسلاح ورجال فعلنا قال فأرسلوا إليه مع ابنه ان وصلتك رحم قد قضيت الذى عليك .
فلعمري لئن كنا انما نقاتل الناس ما بنا ضعف ولئن كنا انما نقاتل الله كما يزعم محمد ما لاحد بالله من طاقة .
فلما نزل الناس اقبل نفر من قريش حتى وردوا حوض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منهم حكيم بن حزام فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعوهم فما شرب منه رجل يومئذ الا قتل الا ما كان من حكيم بن حزام فانه لم يُقتل ثم اسلم بعد ذلك فحسن إسلامه .
فكان إذا اجتهد في يمينه قال :
لا والذى نجاني من يوم بدر) ( ).
نعم يفيد نظم هذه الآيات حث المسلمين على الصبر في الميدان وعدم الفرار من الذين كفروا لقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمْ الأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ] ( ) لبيان أن المشركين هم الذين يهجمون ويزحفون ويصرون على الغزو والقتال , ولا يؤدي الفرار منهم إلا إلى الضرر العام والخاص .
ولما نسب الله عز وجل نصر المسلمين في معركة بدر إلى نفسه بقوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ] ( ) تفضل وبيّن مصاديق هذه النسبة ببيان جهة قتل المشركين بلحاظ أن قتل سبعين من المشركين يوم بدر من أهم أسباب ومصاديق نصر المسلمين ، ويحتمل القتل وجوهاً :
الأول : قتل المشركين من قبل الله عز وجل وبالكاف والنون لقوله تعالى [إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ] ( ) .
الثاني : قيام الملائكة الذين نزلوا مدداً وأنصاراً للمسلمين بقتل المشركين (وقال الواقدي: حدثنى عبد الله بن موسى بن أبى أمية، عن مصعب بن عبدالله، عن مولى لسهيل بن عمرو، سمعت سهيل بن عمرو يقول: لقد رأيت يوم بدر رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والارض معلمين يقتلون ويأسرون.
وكان أبو أسيد يحدث بعد أن ذهب بصره، قال: لو كنت معكم الآن ببدر ومعي بصري، لاريتكم الشعب الذى خرجت منه الملائكة لا أشك ولا أمتري) ( ).
الثالث : قتل المسلمين للمشركين كما في قتل الإمام علي عليه السلام لعدد من هؤلاء المشركين يوم بدر .
والمختار هو الثاني والثالث ، وتقدير الآية على وجوه :
الأول : فلم تقتلوهم بقوتكم ولكن الله قتلهم .
الثاني : فلم تقتلوهم ولكن الملائكة قتلوهم .
الثالث : فلم تقتلوهم بأيديكم إلا بمشيئة وعون ومدد من عند الله عز وجل .
الرابع : فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم .
الخامس : ولكن الله قتلهم إذ قذف في قلوبهم الرعب ، قال تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ] ( ).
ترى لماذا نسب الله قتل المشركين في معركة بدر إلى نفسه ، فيه وجوه :
الأول : جمع المشركين بين الكفر وإرادة قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني : إصرار المشركين على القتال ومحاربة النبوة والتنزيل فمن أسماء الله [الحليم ] وهو الذي يمهل العباد برأفة منه ، ولكن المشركين لم يكتفوا بالكفر والضلالة ، إنما أصروا على الحرب وقتال المؤمنين ، قال تعالى [وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ] ( ).
الثالث : التخفيف عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين لقوله تعالى [الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ] ( ) ليكون من مصاديق التخفيف هذا قتل الله عز وجل للمشركين الذين يصرون على القتال والقتل ، ولا يرضون إلا بقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابع : لقد كان سبب موضوع خروج كل من الفريقين إلى معركة بدر مختلفاً عن الآخر .
إذ كان خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه للإستطلاع حول المدينة وتعظيم شعائر الله ، وهو نوع مرابطة متحركة فلم تكن معهم أسلحة كافية للقتال .
بينما خرج جيش الذين كفروا من مكة للقتال والحرب والغزو.
فتجهزوا في ثلاثة أيام وخرجوا وهم ينوون القتال بذريعة الذب عن قافلة أبي سفيان ، وعندما جاءهم خبر نجاة القافلة لم يرجعوا لإنتفاء سبب وموضوع الخروج ومواصلة الزحف إنما أصروا على القتال ، وحاصروا النبي محمدا صلى الله عليه وآله وسلم وكبار أصحابه عند بئر بدر ليس لهم مدد أو عون إلا من عند الله عز وجل فتفضل الله سبحانه وقتل طائفة من المشركين ومنهم رؤساء لم يرضوا يوئذ إلا بالقتل والقتال .
ومن مصاديق قتل الله عز وجل للمشركين قيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتعيين موضع قتلهم قبل بدء المعركة , وقال لأصحابه :
(هذه مصارع القوم إن شاء الله) ( ).
وتقدير آية البحث بلحاظ سبب قتل الله عز وجل للمشركين وجوه :
الأول : ولكن الله قتلهم لجمعهم بين الشرك والإصرار على القتال .
الثاني : ولكن الله قتلهم لإزاحة المانع من دخول الناس الإسلام.
الثالث : ولكن الله قتلهم دفاعاً عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين لأن المشركين لم يرضوا يوم بدر إلا بقتلهم ، قال تعالى [إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ]( ).
الرابع : ولكن الله قتلهم لصدق إيمانكم واستجابة لدعائكم .
الخامس : ولكن الله قتلهم لتنزيه الأرض من القوم الكافرين الذين لا يرضون إلا بقتل النبي .
السادس : ولكن الله قتلهم ليتوالى نزول آيات وسور القرآن .
السابع : ولكن الله قتلهم تخفيفاً عن المؤمنين ، وهو من مصاديق قوله تعالى [الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ] ( ).
ويكون تقدير الآية : الآن خفف الله عنكم بقتل رؤساء الكفر .
الثامن : ولكن الله قتلهم فلا تولوا الأدبار .
التاسع : ولكن الله قتلهم لتطيعوا الله والرسول .
العاشر : ولكن الله قتلهم لانقيادهم إلى الشيطان في محاربة النبوة والقرآن .
الحادي عشر : ولكن الله قتلهم لأنه [يَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ] ( ).
الثاني عشر : ولكن الله قتلهم لتعلموا والناس صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث عشر : فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم لأنه وليكم .
الرابع عشر : فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم عزاً وتقوية لكم .
وتدل الآية على عدم همّ النبي وأصحابه بالقتل والسعي إلى القتال لقانون يتجلى في آية البحث وهو حالما يهجم الكفار ويلحّون في طلب المبارزة ، ويبدأون برمي السهام فان الله عز وجل ينتقم منهم ويقتلهم .
وأيهما أكثر نفعاً وأبقى أثراً قتل المسلمين للمشركين أم نسبة قتلهم إلى الله عز وجل ، الجواب هو الثاني ، ففي الآية شهادة سماوية بأن المسلمين على حق وأنهم لم يروموا القتال ، قال تعالى [وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ] ( ).
وهذه الآية حرز وحصن للمسلمين من طلب القتال ، أو جعله بلغة أو غاية ، وفي بداية الآية حذف تقديره على وجوه :
الأول : حذف شرط وتقديره : إن قتلتموهم بأيديكم فان الله هو الذي قتلهم .
الثاني: إن ظن الناس أنكم قتلتموهم فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم .
الثالث : قيل الآية جواب شرط محذوف تقديره (إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم ولكن الله قتلهم) ( ) ومثله ورد عن مجاهد .
وصحيح أن في الآية حذفاً ولكن ليس من باب التعريض بالمسلمين أو لومهم على الإفتخار بقتل المشركين .
الرابع : إن سألتهم عن فضل الله في يوم بدر فمنه : لم تقتلوا المشركين السبعين ولكن الله قتلهم ، لبيان قانون في نصرة الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين بعد تمادي الذين كفروا في الغي والظلم والعدوان .
ومن إعجاز آية البحث أنها إبتدأت بصيغة الخطاب للبدريين ثم انتقلت إلى الخطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بصفة النبوة ، وتقدير الآية : يا أيها البدريون لم تقتلوا المشركين يوم بدر ولكن الله قتلهم ، يا أيها النبي لم ترم الحصى ، لكن الله رمى ليكون كف من الحصى على وجوه :
الأول : وصول الحصى من كف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى جيش المشركين .
الثاني : إمتلاء عيون المشركين من هذه الحصى مع قلتها وكثرة عدد جيش المشركين ، وهل هذا الإبتلاء من مصاديق قوله تعالى[وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ] ( )، الجواب نعم.
الثالث : صيرورة هذه الحصى مقدمة لهزيمة الذين كفروا .
الرابع : موضوعية رمي النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحصى بين قتلى المشركين يومئذ ، وتقدير الآية على وجوه :
الأول : وما يرمي النبي ولكن الله هو الذي يرمي، ويحتمل عموم نعمة رمي الله عز وجل في المقام وجوهاً :
الأول : إنها نعمة من عند الله خاصة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وتكون من مختصات النبوة .
الثاني: إنها نعمة على كل نبي قاتل المشركين بلحاظ أنها جاءت للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بصفة النبوة ، وتفضل الله عز وجل بنصره لرسله , لقانون الملازمة بين الرسالة ونصرة الله .
الثالث : تشمل هذه النعمة الأنبياء وأصحابهم ، فاذا رمى أصحاب النبي يكون رمي من عند الله ، قال تعالى [وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ] ( ).
الرابع : إرادة العموم في مضامين الآية بحيث تشمل السرايا التي بعثها النبي صلى الله عليه وآله وسلم حول المدينة .
والمختار هو الأول والثاني أعلاه.
ومن خصائص آية البحث أنها ترغيب بالإسلام ، ودعوة للناس للهداية والإيمان ، قال تعالى [وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ] ( ) ففي نسبة قتل المشركين إلى الله مسائل :
الأولى : تثبيت الإيمان في قلوب المسلمين إذ يدركون قانوناً وهو أن الله عز وجل هو الذي يدافع عنهم ، ويتولى قتل المشركين .
الثانية : دعوة الناس للإيمان ونبذ الكفر والضلالة .
الثالثة : بعث الفزع والخوف في قلوب من بقي من أفراد جيش الذين كفروا.
ومن وجوه تفسير آية البحث وفق التفسير الذاتي القرآني قوله تعالى [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ] ( ) فقطع الطرف والطائفة من المشركين من قبل الله عز وجل .
وبدأت الآية بذكر القتل ونسبته إلى الله ثم ذكرت رمي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحصى على المشركين ، فهل كان الرمي قبل القتل .
المختار لا ، إنما أراد الله عز وجل بيان الأهم ثم ذكر مقدمته فحينما أخبر الله بان قتل المشركين تم بمشيئته وأمره وعظيم سلطانه ، بّين أن مقدمة هذا القتل الخاص كانت من عنده تعالى بعد أن تضرع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالدعاء والمسألة ، وقال (هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها) ( ).
فنزل جبرئيل يوم بدر فقال للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم : خذ قبضة من تراب فأرمهم بها .
فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما التقى الجمعان لعلي عليه السلام : أعطني قبضة من حصباء الوادي( ) .
فاعطاه فرمى بها في وجوههم وقال : شاهت الوجوه ) كما ذكر الرمي بكيفية متعددة منها :
الأولى : أخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبضة من حصى بيده ، وخرج من العريش واستقبل القوم ، وقال شاهت الوجوه أي قبحت ، ثم نفخهم بها .
الثانية : قال (قال محمد بن عمر الاسلمي: وأمر جبرئيل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخذ من الحصباء كفا من التراب ، فرمى به المشركين، يخافون كرة العدو، وسعد بن معاذ قائم على باب العريش متوشح بالسيف) .
الثالثة : خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من العريش ثم قيامه برمي قبضة من تراب .
الرابعة : بعد أن ألحّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالدعاء عند اصطفاف الناس للقتال ، وقال [يا رب إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الارض أبدا “.
فقال له جبريل: خذ قبضة من التراب.
فأخذ قبضة من التراب فرمى بها وجوههم، فما من المشركين من أحد إلا وأصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة، فولوا مدبرين] ( ).
وقيل يتعلق موضوع الآية بأبي بن خلف الجمحي وهو من رؤساء قريش ، وكان شديد الخصومة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن أكثرهم إيذاء له ، وكان يكثر من الإستهزاء به وكان يقسم بأنه سيقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله قال : أنا اقتله ان شاء الله.
وفي معركة أحد تقدم أبي نحو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يريد قتله فأراد الصحابة حجزه ومنعه ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعوه ، وأخذ النبي محمد رمحاً من أحد أصحابه فطعنه في جيب الدرع ، فجرحه جرحاً خفيفاً ، ولكنه صار يجأر كخوار الثور فاحتمله أصحابه.
وقالوا : ليس بك جراحة , فما يجزعك ؟ .
قال : أليس قال لاقتلنك لو كانت بجميع ربيعة ومضر لقتلهم فلم يلبث إلا يوما أو بعض يوم حتى مات من ذلك الجرح( ).
وقال سعيد ففي ذلك نزلت [وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ]( ) ( ).
ومات أمية في سرف عند عودتهم إلى مكة , ويبعد سرف عن مكة اثني عشر كيلوا متراً ، ويسمى في هذا الزمان النوارية لكثرة مصانع النورة وأفران الآجر فيه ، وهو اليوم من ضواحي مكة .
وقيل نزل قوله تعالى [وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى] ( ) يوم خيبر إذ كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم على بابها ، فأخذ قوساً ، فرمى سهماً فقتل لبابة بن أبي الحقيق وهو على فرسه فقتله فنزلت الآية .
ولكن الآية نزلت يوم بدر ولا يمنع من تكرار الآية ، لبيان قانون وهو أن قوله تعالى [وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى] ( ) نعمة من عند الله عز وجل ، ومن خصائص النعمة الإلهية أنها إذا نزلت لا تغادر الأرض خصوصاً تلك النعم النبوية التي تصاحب النبي إلى أن يفارق إلى الرفيق الأعلى .
ولم تكن هذه أول قبضة من تراب أخذها النبي فقد قبض قبضة من التراب ساعة ولادته ، لتكون عنوان خلافته في الأرض ، وعن ابن عباس : (ان آمنة قالت لقد علقت به فما وجدت له مشقة حتى وضعته فلما فصل مني خرج معه نور أضاء له ما بين المشرق إلى المغرب ثم وقع على الأرض معتمدا على يديه ثم أخذ قبضة من تراب فقبضها ورفع رأسه إلى السماء) ( ).
كما قبض النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبضة من تراب يوم حنين عندما اقترب المشركون منه وغشوه يوم قال (الآن حمى الوطيس أن النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب ) ( ).
و(نزل عن البغلة ثم قبض قبضة من تراب الارض ثم استقبل بها وجوههم فقال شاهت الوجوه فما خلق الله منهم إنسانا إلا ملا عينيه ترابا بتلك القبضة فولوا مدبرين.) ( ).
ليكون من معاني الآية : وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ، وما ترمي إلا أن يرمي الله ).
ومن الإعجاز الملازمة بين رمي النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحصى والتراب وبين هزيمة المشركين ، وهذه الملازمة من مصاديق نسبة الرمي إلى الله عز وجل .
وفي الرمي أطراف :
الأول : الرامي .
الثاني : مادة الرمي كالسهم والنبل والحجارة والتراب .
الثالث : كيفية الرمي .
الرابع : المرمى والهدف .
ولم تذكر الآية إلا نسبة الرمي إلى الله لتبين السنة النبوية والأخبار أن هذا الرمي لم يكن بآلة جارحة إنما كان حفنة من تراب خلافاً لقواعد القتال ، فلا يستقبل أحد عدوه والمدجج بالسلاح بحفنة من تراب .
ولو رآى الجنود قائدهم كيف يقابل العدو بحفنة من التراب لاستحوذ عليهم الغضب والقنوط معاً ولكنها المعجزة التي تكون ذات موضوعية وأثر في الواقع وفي النفوس , فكلما قلّل الله عز وجل عدد جنود الذين كفروا في أعين المسلمين فانه سبحانه جعل المسلمين يكبرون هذه الحفنة من التراب ، ويسلمون بعظمتها ونفعها وأنها مقدمة للنصر والغلبة ، وهزيمة العدو ، لينزل القرآن بالإخبار عن نسبة هذه الرمية إلى الله عز وجل .
وتدل صيغة الماضي في الآية [وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى] ( ) على نزول هذه الآية بعد تحقق وصدور الرمي من قبل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ولم تقل الآية (وما ترمي إذ ترمي ولكن الله يرمي ) ومن خصائص صيغة المضارع التجدد ، بينما تفيد صيغة الماضي الانقضاء وحدوث الرمي في الزمن الماضي ، ولكنها لا تمنع من التجدد والتكرار والتوالي ، ليس لأن الفعل الماضي قد يتغشى في دلالته أفراد الزمان الطولية كلها كما في قوله تعالى [وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا] ( ) ولكن لأن المعجزة نعمة متجددة ، ويترشح عنها الأمر العظيم وإن كانت مادتها أمراً يسيراً لا يتصوره الإنسان في الوجود الذهني والوجود الحقيقي الخارجي .
ويطلق في الفلسفة على التطابق بينهما الصواب ، وعلى التباين بينهما بالخطأ ، فلا يتصور أو يقع في الخارج بأن حفنة من تراب ترمى من طرف القتال لتصل إلى أفراد جمع العدو كلهم وعددهم نحو ألف ، ويصل إلى وجوههم ويحسون بدخوله إلى عيونهم بما يفقدون معه جزءً من الرؤية , ويجعلهم عاجزين عن إصابة المسلمين بسهامهم إلا بمعجزة خاصة وأن هناك من أفراد جيش المشركين من يحسن الرمي ، وقد بدأوا رمي السهام على المسلمين قبل القتال .
وكان أول قتيل من المسلمين يوم بدر هو مهجع ، قال ابن اسحاق (وَقَدْ رُمِيَ مِهْجَعٌ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطّاب بِسَهْمِ فَقُتِلَ فَكَانَ أَوّلَ قَتِيلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثُمّ رُمِيَ حَارِثَةُ بْنُ سُرَاقَةَ أَحَدُ بَنِي عَدِيّ بْنِ النّجّارِ وَهُوَ يَشْرَبُ مِنْ الْحَوْضِ بِسَهْمِ فَأَصَابَ نَحْرَهُ فَقُتِلَ ) ( ).
ليأتي رمي النبي صلى الله عليه وآله وسلم لحفنة من التراب برزخاً دون سقوط الكثير من القتلى بين المسلمين بسبب رمي السهام ، لبيان قانون وهو : تفضل الله عز وجل بنسبة رمي حفنة الحصى والتراب له سبحانه حاجة للمسلمين من جهات :
الأولى : أوان معركة بدر .
الثانية : سلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من سهام المشركين.
الثالثة: النقص والقلة والتباعد في المعارك التي تقع بين المسلمين والمشركين .
الرابعة : عزوف الناس عن نصرة جيش الذين كفروا , قال تعالى [وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ]( ).
الخامسة : تناقل الركبان وعموم الناس لآية رمي التراب وصيرورته حديث المنتديات والمجالس ، وهل نسبة رمي التراب هذا إلى الله عز وجل من مصاديق [وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ]( )، أم أنه أخص .
الجواب هو الثاني لنسبة فعل الرمي إلى الله عز وجل , وفيه علم جديد ، وشأن عظيم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
السادسة : توثيق القرآن لمعجزة الرمي هذه ، فلولا نزول القرآن بها لما حفظت في الأجيال سالمة من التحريف لبيان قانون وهو أن القرآن يتعاهد حفظ الوقائع والأحداث ، ويمنع من تحريفها وتبديلها وتغييرها .
وعن حكيم بن حزام قال : لما كان يوم بدر سمعنا صوتاً وقع من السماء إلى الأرض كأنه صوت حصاة وقعت في طست ، ورمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك الحصباء وقال : شاهت الوجوه . فانهزمنا ، فذلك قول الله تعالى { وما رميت إذ رميت}( ).
لقد صدر الرمي من عند النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو الظاهر للحواس ، ولكنه في الحقيقة من عند الله ، ويدل قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (شاهت الوجوه ) على علمه بأن الرمي من الله عز وجل وأنه يصل إلى وجوه وعيون ومناخر وأفواه الذين كفروا .
وهل يختص المراد من قوله تعالى [وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى] ( ) بتحقيق أثر الرمي بلحاظ أن الرمي وقع فعلاً وحسياً من عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، الجواب المقصود من الآية أعم في موضوعها ، وفي كيفية الرمي وجوه :
الأول : أخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم حفنة من التراب من الأرض بأمر من عند الله عز وجل بواسطة جبرئيل الذي كان حاضراً يومئذ المعركة .
الثاني : قام النبي برمي التراب وتعيين الجهة بأمر ووحي من عند الله عز وجل .
الثالث : صيرورة حفنة من التراب تراباً كثيراً بمشيئة من عند الله ، فكما نبع الماء من بين أصابع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يوم الحديبية وغيره فان حفنة التراب صارت ذرات كثيرة وصلت إلى الذين كفروا بآية من عند الله عز وجل .
الرابع : وصول التراب والحصى الناعم إلى وجوه الذين كفروا مع أن المسافة بين الجيشين نحو مائة متر .
وهل رآى المشركون النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وهو ينحني إلى الأرض ويأخذ قبضة منها ويرميهم بها ويسمعونه وهو يقول (شاهت الوجوه) .
المختار أنهم رأوه وهو يأخذ حفنة من تراب ويرميهم بها لتدخل ذراته عيونهم ومناخرهم , وتضرب وجوههم ضرباً خفيفاً يشعرهم بأنهم على خطأ ويصرون على الإعراض عن المعجزات.
الخامس : نزول حصيات من السماء يوم بدر ليرميهن على نحو التعيين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , وعن جابر قال : سمعت صوت حصيات وقعن من السماء يوم بدر كأنهن وقعن في طست ، فلما اصطف الناس أخذهن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرمى بهن في وجوه المشركين فانهزموا ، فذلك قوله { وما رميت إذ رميت } قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي ناولني قبضة من حصباء . فناوله فرمى بها في وجوه القوم ، فما بقي أحد من القوم إلا امتلأت عيناه من الحصباء ، فنزلت هذه الآية { وما رميت إذ رميت}( ).
وهل ترتب الأثر الخاص والعام على رمي النبي صلى الله عليه وآله وسلم حفنة من التراب , الجواب نعم ، وهو على قسمين :
الأول : الأثر عند المشركين ، وصيرورتهم في حال تخبط وإرباك وإدراكهم لحقيقة وهي لزوم إختيار الهزيمة وإنهاء المعركة ، وحينما فرّ المشركون وسلّموا رواحلهم وسيقانهم للريح مولين ظهورهم للمسلمين هل بقي ذات التراب في عيونهم يمنعهم من الرؤية التامة أو أن القدر المتيقن هو إنحصاره في ساحة المعركة .
المختار هو الأول إذ كان المشركون في حال إرباك وفزع وعجز عن التمييز أثناء الفرار وأراد الله عز وجل لهذه المعجزة الثبات في الوجود الذهني للمشركين وحملهم على ذكرها ، وتذكرها .
وحينما يسمع الناس المسلمين يتلون قوله تعالى [وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى] ( ) يتذاكرون معركة أحد وما لحق الذين كفروا من الهوان والخزي ، نعم ينقص ويقل أثر هذا التراب على نحو التدريج ، كلما ابتعد المشركون عن المعركة ليعلموا أنها معجزة ، وفي التنزيل [وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا] ( ).
وقيل في سبب نزول الآية أن أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما رجعوا من معركة بدر تفاخروا ، وذكر كل واحد منهم ما فعل ، وقال بعضهم قتلت كذا ، وقال آخر أنا قتلت فلاناً فنزلت الآية .
وقيل (هذه الآية ترد على من يزعم أن أفعال العباد خلق لهم ) إنما هي خلق للرب سبحانه كسب للعبد( ) .
وجاءت الآية لبيان فضل الله عز وجل والمسلمين في ساعة الشدة والمحنة ، لقد آمنوا بالله وصدقوا برسوله وصاروا يؤدون الفرائض العبادية ، وهجروا الأهل والأقارب في سبيل الله وتزلفاً إليه تعالى ، وامتنعوا عن عبادة الأوثان وطاعة الطواغيت ، فجاءتهم جيوش الذين كفروا للبطش بهم في حرب على الله ورسوله ، فتفضل الله عز وجل وقتل طائفة منهم .
والقدر المتيقن من الآية هو الخطاب للمسلمين بأنهم لم يقتلوا بقوتهم المشركين ، بل بفضل وعون ومدد من عند الله ، والأصل في المدد هو المعونة فيكون النصر فيه على نحو الموجبة الجزئية ، وتكون نسبة النصر فيه على وجوه :
الأول : نسبة النصر إلى الجيش إنما جاء المدد لمنع الهزيمة .
الثاني : تقاسم الجيش والمدد النصر الذي يأتي وأسبابه فقد قاتل كل منهما ، وتكون النسبة بينهما من الكلي المشكك وغير الثابت ، فقد تعود أكثر أسباب النصر للجيش أو العكس .
الثالث : التساوي في نسبة وحصة كل من الجيش والمدد في النصر في حال تحققه .
أما آية البحث فهي أمر إعجازي ، إذ نسبت قتل المشركين لله عز وجل ، والرمي الذي رماه رسول الله لله سبحانه ، ليدل على أن النصر من عند الله ، وفي التنزيل [وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ]( )، وهو سبحانه يحب أن يحُمد ويشكره المؤمنون ، فهذه الآية مناسبة لشكر أجيال المسلمين لله عز وجل إلى يوم القيامة ، لبيان مسائل :
الأولى : تجلي نعمة الله على المسلمين .
الثانية : ذكر ذات النعمة على نحو التعيين ، وهي قتل الله للذين كفروا اثناء إشهارهم السيوف والهجوم على معسكر النبوة والتنزيل ، ولو شاء الله لقتلوهم في مكة أو في الطريق إلى معركة بدر ، أو في صبيحة يوم المعركة قبل القتال .
ولكنه أقام عليهم الحجة بشروعهم بالقتال نصرة للأصنام ، وهذا القتال من مصاديق قوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( ) من وجوه:
الأول : إزاحة الموانع دون دخول الناس الإسلام .
الثاني : تهيئة مقدمات عبادة المسلمين لله عز وجل .
الثالث : البطش بالذين يحاربون بالسيف عبادة الله في الأرض .
الثالثة : حضور نصر الله مع المؤمنين في ميدان المعركة .
الرابعة : بيان مصداق عاجل لإستجابة الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين في دعائهم وسؤالهم النصر من عند الله عز وجل .
الخامسة : شكر المسلمين لله عز وجل على نعمة النصر من عنده تعالى في أول معارك الإسلام .
السادسة : من خصائص قوله تعالى [فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ] ( ) أمور :
الأول : تنزيه أهل البيت والصحابة عن الرياء والمفاخرة ، وإن كانت هذه المفاخرة في تعظيم شعائر الله .
الثاني : بيان فضل الله على المسلمين .
الثالث : تأكيد قانون للأجيال بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين لم يقصدوا قتل المشركين في معركة بدر ، ولم يقتلوهم ، ولكن الله عز وجل قتلهم لتماديهم في الظلم والجور ، وتعدي الحدود .
وعن الإمام الباقر عليه السلام قال (الظلم ثلاثة: ظلم لا يغفره الله،
وظلم يغفره الله، وظلم لا يدعه الله، فأما الظلم الذي لا يغفره الله فالشرك بالله،
وأما الظلم الذي يغفره الله فظلم الرجل نفسه فيما بينه وبين الله، وأما الظلم الذي لا يدعه الله فالمدائنة بين العباد) ( ).
وكان ظلم كفار قريش يوم بدر على وجوه :
الأول : الشرك بالله .
الثاني : إنكار التنزيل .
الثالث : الجحود بالنبوة والإفتراء على النبي ، وفي التنزيل [وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ] ( ).
الرابع : محاربة الله والرسول .
الخامس : تعذيب الذين آمنوا بالله ورسوله وان كانوا أبناءهم .
السادس : صدّ الناس عن دخول الإسلام .
السابع : إنفاق الأموال في حشد الجيوش لمحاربة النبوة والتنزيل ، وإغراء القبائل والأعراب بالخروج معهم لمحاربة النبي وأصحابه ، وكان المنافقون يقولون (إنما محمد في أكلة رأس، يخرج إلى قوم موتورين معدين، ومحمد لا سلاح معه ولا عدة) ( ).
وهل يمكن المراد من قتل الله للمشركين زهوق أرواحهم وأنه هو الذي يقبضها ، كما في التنزيل [اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا]( ).
هذا صحيح ولكن المراد نسبة ذات فعل القتل إلى الله من جهات:
الأولى : يضرب الصحابي الكافر بالسيف فيجعل الله عز وجل هذه الضربة قاتلة .
الثانية : يلتقي المسلم والكافر يوم بدر مع التباين في السلاح والعدة ، فليس عند المسلم إلا سيف وقد يكون بالياً ، أما الكافر فعنده السيف والدرع والبيضة والحصان ، وأحيانا يخالف بين درعين, ويمنع الله الكافر من ضرب المسلم ، وإن قام بضربه فان الله عز وجل يحول دون ترتب الأثر والقتل على هذه الضربة إن شاء ، وهو من مصاديق قوله تعالى [يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ] ( ) إذ يمحو الله ضربة الكافر وأثرها ، ويثبت ضربة المسلم ونفعها ، وهو من مصاديق آية البحث [فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ] إذ تحضر الآية أعلاه ومضامينها لنصرة المسلمين ، والقرآن يفسر بعضه بعضاً .
الثالث : قتل الملائكة لبعض الكفار يوم بدر .
وتصح نسبة هذا القتل إلى الله ، ويكون تقدير الآية : فلم تقتلوهم ولكن ملائكة الله قتلوهم بأمر من الله عز وجل بلحاظ أنهم مطيعون لله ، وفي التنزيل [وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ] ( ) ، كما يصح تقدير الآية فلم تقتلوهم بقوتكم وأسلحتكم وأيديكم ولكن الله قتلهم بنصرته لكم لبيان قانون وهو أنه لولا نصرة الله للمسلمين لما استطاعوا تحقيق النصر والغلبة في معركة بدر ، فقد يأتي المدد والعون من الناس ، ولكنه لا يكون سبباً للنصر وعلى نحو متضاد من جهات :
الأولى : تحقق النصر من غير حاجة إلى المدد .
الثانية : وصول المدد بعد إنتهاء المعركة .
الثالثة : حصول الهزيمة للطرف الممدود , حتى جاءت آية البحث بمعجزة خارقة في السنة الدفاعية ، وهي أن المدد الإلهي وحده هو الذي ضاعف قتل المشركين وأنجز للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه النصر ، ليكون من مصاديق استجابة الله عز وجل لرسوله في دعائه صبيحة يوم بدر (اللهم انجز لي ما وعدتني) ( ).
وهل يصح تقدير الآية : فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم بأيديكم وبالمطر وبرمي الحصى وبالملائكة وبأمره تعالى [كُنْ فَيَكُونُ]( )وبآيات من عنده لا يعلمها إلا هو سبحانه ، الجواب نعم ، وهو من مصاديق الكثرة واللامتناهي في قوله تعالى [وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ]( ).
الرابعة : قتل الله عز وجل لعدد من الكفار بأمره ومشيئته .
وتبين الآية حب الله عز وجل لنبيه والمسلمين وأنه سبحانه يريد سلامتهم من القتل في أول معارك الإسلام ، وهل هو من شكر لله عز وجل لهم لإيمانهم بنصره لهم .
الجواب نعم ، وهو من الجزاء العاجل ، ويمكن انشاء قانون وهو وجود جزاء عاجل على الإيمان ، ويأتي هذا الجزاء على أقسام:
الأول : القضية الشخصية .
الثانية : القضية النوعية العامة .
الثالثة : التعدد في مصداق هذا الجزاء ، ومن فضل الله عز وجل على المسلمين والناس أنه ذكر الجزاء العاجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين والأنصار في معركة بدر ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ] ( ).
ولم يكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بدر ينو القتال ، وهو يعلم أن معجزاته كافية لجذب الناس إلى الإيمان ، وأن بقاء شطر من الناس على الكفر لن يضر الإسلام ، قال تعالى [إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ] ( ) ولكن المشركين أدركوا أن أيام سلطانهم تأخذ بالانقراض ، وكانوا أصحاب خبرة بالوقائع وأيام العرب ، فبادروا إلى الهجوم والغزو فدخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى العريش الذي بناه له أصحابه في موضع معركة بدر ، وأخذ يلح بالدعاء ويناشد الله عز وجل ويسأله النصرة لبيان أنه لا يطمع بالنصر من طريق القتال والقتل لأنه يكره القتال ، ولأن كفة جيش الذين كفروا ظاهرة في رجحانها ، ولعل هذا الرجحان حجة عليهم وسبب لإنتقام الله منهم .
فخرج ليأخذ حفة من التراب فرماها في وجوه جيش المشركين والذي عدده نحو ألف رجل ، فأوصل الله عز وجل هذه الحفنة إلى وجوههم وعيونهم وأفواههم .
وهل من أثر حال وموضوعية في الميدان لهذه الحفنة ، الجواب نعم إذ انكسرت حدة الذين كفروا وأصابهم الوهن وبان عليهم الإرباك والخوف ، ومقدمات الإنهزام فاذا كانت الرمية من عند الله عز وجل فانها مقدمة تؤدي إلى هزيمة الذين كفروا ، وفيها دعوة لهم إلى الكف عن الغزو ، وعدم الرجوع إلى الهجوم على المدينة ، والسعي لقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فالجيش الذي ينهزم برمية من حفنة تراب إلى تفرق وتشتت وهلاك ، فلا غرابة أن يقتل منهم سبعون ويأسر المسلمون سبعين في معركة بدر وحدها ، وهذا العدد نصف عدد جيش المسلمين تقريباً .
وتبين الآية قانوناً وهو نسبة قتل المشركين إلى الله عز وجل وهو سبحانه الذي يدخلهم النار يوم القيامة ، ويبعثهم من القبور ودخولهم النار أكبر وأعظم آية من قتلهم في ميدان المعركة ، وهذا القتل من مصاديق قوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( ) لبيان قانون وهو أن الله عز وجل يتعاهد عبادة الناس له في الأرض فيبعث الأنبياء وينزل الكتب السماوية ، ويجعل شطراً من الناس تهتدي إلى سبل الإيمان.
وقد تفضل وجعل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم خاتم النبيين ، وليس من نبي بعده ، ولا كتاب سماوي نازل بعد القرآن ، فحفظ الله النبي محمدا إلى حين تم نزول القرآن ، وأراد الذين كفروا إنخرام أيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقطع نزول الآيات والسور , قال تعالى[يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ] ( ).
وما كان أن يتم تقسيم سور القرآن إلى المكي والمدني لو أن المشركين قتلوا النبي ليلة الفراش ، كما أرادوا قتله في معركة بدر ، فصرف الله عز وجل شرّهم وأذاهم بحفنة من تراب لبيان قانون وهو أن الدنيا وما فيها مستجيبة لأمر الله ، وأن الشئ القليل يكون أثره عظيماً كرمي التراب باذن الله ، وأن الجيش المتغطرس والمتجبر يقهره الله بحفنة من تراب تجري على يد النبي .
وتبين الآية قانوناً وهو لا مقام ولا ثبات للمشركين في ساحة المعركة ، لقد بدأت صفحة مشرقة جديدة في الأرض بانحسار الكفر وهو في أشد حالات قوة وزهو رجاله ، وتجلى هذا الإنحسار بحفنة من تراب ترمى عليهم.
لقد حضر أبو جهل إلى ماء بدر لتهاب العرب قريشاً ، وينحر الإبل ويقيم الولائم ومجالس اللهو والغناء ، فسحب مقتولاً إلى القليب في ذات الموضع , قال تعالى[وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ]( ).
ويحتمل رمي النبي صلى الله عليه وآله وسلم لحفنة من تراب من جهة أوانه بلحاظ سير المعركة وجوهاً :
الأول : حدوث رمي النبي صلى الله عليه وآله وسلم التراب أثناء سير المعركة وقتل عدد من المشركين .
الثاني : رمي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التراب والحصى عندما كان المشركون يرمون السهام والنبال .
الثالث : رمي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التراب قبل بدء المعركة .
الرابع : قام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم برمي قبضة من تراب بعد قتل المشركين يومئذ .
والمختار هو الثاني والثالث .
وهل في هذا الرمي تخفيف عن المسلمين ، الجواب نعم ، وهو من مصاديق قوله تعالى [الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ] ( ) ليكون من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحسية في السنة الدفاعية بأن يأتي التخفيف في القتال بآيات متعددة من عند الله ، ومنها رمي حفنة من تراب فيملأ عيون الذين كفروا ، ويجعلهم عاجزين عن النظر الذي يتخذ وسيلة للهجوم والرمي وتعيين الهدف ، وليس من جيش في تأريخ الإنسانية انتصر أو ينتصر بحفنة من تراب ترمى على جيش العدو ، فتصير غشاوة على عيونهم إلا في معارك الإسلام الأولى ، وحضور النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المعركة ، وهو من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ).
وهل تتجدد هذه الآية بواسطة أمراء السرايا بلحاظ أنهم لم يخرجوا إلا بأمر من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وهذا الأمر شعبة من الوحي ، الجواب لا .
لبيان أن الإسلام لم يأت للقتل وتجدد وكثرة المعارك إنما كانت آية ليزداد المسلمون إيماناً، وينزجر الذين كفروا ويكفوا عن الهجوم ، وغزو المدينة التي هي حاضرة المسلمين الوحيدة .
فدفعهم ومكرَهم الله عز وجل بحفنة من تراب على يد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتكون سبيل هداية وصلاح للناس جميعاً ولبيان قانون وهو إذا ضاقت الدنيا على المؤمنين جاء نصر الله بآية من بديع صنعه سواء آية كونية سماوية أو أرضية أو أمر عرضي لم يكن في الحسبان ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ] ( ) .
وتبين الآية سنخية السلم التي يتصف بها المسلمون ، السلم واللطف والصبر الذي جاءت به رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكيف أن هذا السلم يتحقق بمشيئة من عند الله وأنه سبحانه هو الذي يصرف أسباب القتال بين المسلمين وغيرهم ، ليكون من منافع قبضة من تراب وجوه :
الأول : بيان كيفية مشاركة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في القتال .
الثاني : تعجل قبضة التراب بنهاية المعركة لأن المشركين هم الذين بدأوها ، وامتلاء عيونهم بالتراب يجعلهم يعزفون عن الاستمرار فيها .
الثالث : إصابة الذين كفروا بالخوف والرعب ، فكل من يدخل المعركة وهو أعمى أو أن نظره ضعيف لا يميز بين الأشياء وألوانها يبتلى بالخسارة ، ويعرض نفسه للقتل ، ليكون من معاني قوله تعالى [وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى] ( ) صيرورة المشركين بين خيارين ، أما القتل والأسر في ميدان المعركة أو الإنسحاب والفرار فأختاروا الفرار ، ومنهم من قتل أثناء الفرار والهزيمة ترى لماذا لم تكن هزيمة المشركين منظمة ووفق القواعد آنذاك ، الجواب من جهات:
الأولى : البطر والغرور والإستكبار الذي يتصف به المشركون .
الثانية : لم يطرأ على بال وحسبان الذين كفروا بأنهم سينهزمون وفي الساعات الأولى من المعركة .
الثالثة : موضوعية حفنة التراب التي رماها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في وجوه المشركين وما فيها من الإعجاز ، ومن خصائصها أنها مدد يحول دون مناجاة الذين كفروا بالإنسحاب المنظم .
الرابعة : إنعدام المندوحة وسعة الوقت عند المشركين لتنظيم الإنسحاب إذ ضاقت عليهم الأرض .
الخامسة : إنحصار همّ كل واحد من المشركين بنفسه وكيفية نجاته .
السادسة : من خصائص نزول الملائكة يوم معركة بدر زجر وإرباك الذين كفروا ، وفي التنزيل [إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلاَئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ] ( ).
السابعة : قبح إجتماع الكفر والظلم وظهورهما على الجوارح وتجلي أثررهما بالعجز عن القول السديد والفعل الرشيد .
الثامنة : من مصاديق دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما رمى الحصباء( ) وقوله (شاهت الوجوه ) عجز الذين كفروا عن الإلتفات وعن لي الوجوه للنظر إلى الخلف .
التاسعة : مجئ صوت مدو من السماء سمعه الذين كفروا فأصابهم الخوف والفزع ، وفي معركة حنين ورد (عن ابي عبد الرحمن الفهري أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم حنين اخذ حفنة من تراب فحثا بها في وجوه القوم وقال شاهت الوجوه فأخبرنا انهم قالوا ما بقي منا أحد إلا امتلأت عيناه وفمه من التراب , وسمعنا صلصلة بين السماء والأرض كمر الحديد على الطست فهزمهم الله) ( ).
العاشرة : مشيئة الله عز وجل في سابق علمه بأنه سينصر النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم في معركة بدر .
الحادي عشرة : رحمة الله عز وجل بالجمعين بأن عجّل في فرار الذين كفروا ، فصحيح أن هذا الفرار خزي لهم في الدنيا ، ولكنه باب لعدم مضاعفة الإثم عليهم ، والقتل والأسر في صفوفهم فلا يعلم كثرة قتلى المسلين إلا الله لو استمر القتال في معركة بدر ، وهو الذي أدركه الذين كفروا في معركة أحد فعجل بالإنسحاب في ذات يوم المعركة أيضاً مع كثرتهم وصيرورة الريح لهم في بعض جولات المعركة .
الثانية عشرة : حضور قانون التخفيف عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين والأنصار في ميدان المعركة ، وهل هو أكثر المواضع التي يحتاجون فيها التخفيف أم أسباب المعيشة اليومية بلحاظ أنها الجهاد الأكبر ، الجواب هو الأول لما في التخفيف في ميدان المعركة من أمور :
الأول : إنقضاء القتال بسرعة وعدم استدامته ، ولقد كان العرب قبل الإسلام يتقاتلون عدة أعوام متتالية بسبب قضية شخصية كقتل شخص من أحد القبائل ، أو ما هو أدنى من هذا كما في حرب داحس والغبراء التي نشبت بسبب رهان على فرسين بين قيس بن زهير العبسي وكان فخوراً وحذيفة بن بدر الذبياني ، وكلاهما من قبيلة غطفان .
وكان سبب وموضوع الرهان حراسة قوافل النعمان بن المنذر من ماء السماء ملك الحيرة ، ولم تنته معركة داحس والغبراء إلا بعد قيام شخصين من الوجهاء وهما الحارث بن عوف وهرم بن سنان بتحمل الفضل من الديات بعد إحصاء القتلى من الطرفين من مالهما الخاص .
ومدح زهير بن أبي سلمى هذا العمل منهما إذ أثنى عليهما في معلقته :
فَأَقْسَمْتُ بِالبيْتِ الذي طَافَ حَوْلَهُ .. رِجَالٌ بَنَوْهُ مِنْ قُرَيْشٍ وجُرْهُمِ
يَميناً لَنِعْمَ السَّيدَانِ وُجِدْتُمَا … عَلَى كُلِّ حَالٍ مِنْ سَحيْلٍ وَمُبْرَمِ
تَدَارَكْتُما عَبْساً وذُبْيَانَ بَعْدَما … تَفَانَوْا وَدَقّوا بَيْنَهم عِطرَ مَنْشَمِ
وَقَد قُلتُما إنْ نُدرِكِ السّلمَ واسِعاً . بِمَالٍ وَمَعْرُوْفٍ مِنَ الأمرِ نَسْلَمِ
فَأَصْبَحْتُمَا مِنْها على خَيرِ مَوْطِنٍ … بَعيدَيْنِ فيها مِنْ عُقُوقٍ وَمَأثَمِ
عَظِيْمَينْ في عُليا مَعَدٍ هُدِيْتُمَا،وَمَنْ يَسْتَبحْ كَنزاً مِنَ المَجْدِ يَعْظُمِ( ).
وكذا حرب الفجار ، وحرب بعاث من جهة طول أمد هذه الحروب.
الثاني : قلة القتلى من الطرفين ، وقد يظن بعضهم أن الأصل هو إشاعة القتل في المشركين ، وقلته عند الطرفين ، ولكن عمومات قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ) حاضرة في الميدان مقدمة وإبتداء واستدامة وانقضاء ، أما من جهة المقدمة فان الله عز وجل صرف عن المسلمين وغيرهم من الناس الكثير من الوقائع بدليل أن أكثر السرايا التي خرج فيها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو التي بعثها ليس فيها قتال .
وأما ابتداءً فقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يبدأ القتال ويوصي أصحابه بالصبر على رمي المشركين السهام ، ولا يقوم أصحابه بالنزول للميدان والمبارزة إلا عند إصرار القوم الكافرين على التحدي بين الصفين .
وأما الإستدامة فان المسلمين يكتفون بالدفاع ودفع الذين كفروا ، لينزل الخوف في قلوب الذين كفروا ، فليس من طرفين يتقاتلان في الميدان ، ويخشى الطرف الأكثر عدداً أو عدة ،وهو في هجومه من القلة الذين يدافعون عن أنفسهم بسيوف قديمة وصدئة .
لقد كان القتال بين طرفين , طرف مؤمن بصدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وطرف تتباين حال جنوده على وجوه :
أولاًُ : رؤساء الكفر الذين يصرون على القتال مثل أبي جهل وأمية بن خلف .
ثانياً : أفراد حضروا إلى القتال حمية .
ثالثاً : أتباع جيئ بهم إلى القتال كرهاً .
رابعاً : أشخاص وجماعات يدركون عدم الحاجة إلى القتال في معركة بدر , قال تعالى[الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلاَئِكَةُ]( ).
خامساً : الذين يخفون إيمانهم .
سادساً : طائفة أقروا بصدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذا الإقرار على نحو الموجبة الجزئية ، وهو من الإعجاز في إجهار النبي صلى الله عليه وآله وسلم في دعوته للإسلام في مكة ، وجريان المعجزة على يديه ، ولم يغادر مكة إلا وقد انتشرت آيات القرآن بين الناس ، وصارت حديث المنتديات , وحلت محل القصائد الشعرية في المجالس وعند الركبان ، ومن القصائد ما تسمى المعلقات السبعة وأنها كتبت بماء الذهب وعلقت في الكعبة ، ولم يثبت هذا الأمر ، وتعليق هذه القصائد في البيت ، إنما نالت هذه القصائد شهرة خاصة لإظهار وتأكيد حماد الراوية ت 150 للهجرة لها , وقيل هي عشرة قصائد وشعراؤها :
الأول : أمرؤ القيس .
الثاني : طرفة بن العبد .
الثالث : زهير بن أبي سلمى .
الرابع : لبيد بن ربيعة .
الخامس : عمرو بن كلثوم .
السادس : عنترة بن شداد العبسي .
السابع : النابغة الذبياني .
الثامن : الحارث بن حلزة اليشكري .
التاسع : الأعشى : ميمون بن قيس .
العاشر : عبيد بن الأبرص .
فنزلت آيات القرآن ليتوجه العرب للعناية بالقرآن وسوره وآياته ، وينقطعوا إلى التدبر في معانيها ودلالاتها خاصة وأن السور المكية نزلت بصيغة التهديد والوعيد والتذكير بيوم القيامة .
وفي الثناء على القرآن والتحدي بآياته , قال تعالى [وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ * وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ] ( ).
وليس من أحد من الناس إلا وهو يميل بالفطرة إلى كلام الله ، عند سماعه , فيعزف عن المنتظم والمقفى من كلام الناس ، وقد أصبح أهل مكة وما حولها فرحين بآيات القرآن ، وهو من مصاديق قوله تعالى [قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ]( ).
وتحتمل حال أهل مكة بعد هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وغيابه عن البيت الحرام والصلاة فيه ، وتوالي نزول الآيات في مكة وجوهاً :
الأول : بقاء ذات مرتبة العناية بالقرآن والآيات عند أهل مكة .
الثاني: إزدياد عناية واهتمام أهل مكة بآيات القرآن .
الثالث : قلة عناية أهل مكة بآيات القرآن بعد هجرة النبي منها ، والصحيح هو الثاني أعلاه ، فمن خصائص بعثة الأنبياء هو قانون الإطراد في توجه الناس إلى معجزات النبوة وأخبار البعثة والسيرة الشخصية للنبي , ومتابعة أخباره وأقواله ، وما يفعله في اليوم والليلة ، وكيفية ملاقاة الناس والأمراء لنبوته لقانون وهو : ميل القلوب بالفطرة إلى أشخاص الأنبياء ، وحب عامة الناس لهم ، إذ لا يصدر منهم إلا الخير المحض .
ويحتمل قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ) وجوهاً :
الأول : كل نبي هو رحمة للعالمين .
الثاني : الإطلاق في رحمة الله خاصة بالرسل ، وعددهم ثلاثمائة وثلاثة عشر.
الثالث : إختصاص الرحمة المطلقة بالرسل الخمسة أولي العزم ، وهم نوح، إبراهيم ، موسى ، عيسى ، محمد على نبينا وعليهم السلام .
وفي القتال أطراف :
الأول والثاني : طرفا القتال وما بينهما من العداوة الشديدة التي تؤدي إلى القتال .
ومن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن العداوة الشديدة من طرف وهم المشركون لأن المسلمين لا يضمرون العداوة للناس ، إنما يريدون لهم الهداية والصلاح ، وتدل إرادة الهداية بالدلالة التضمنية على عدم سعي المسلمين لقتل المشركين لأن الهداية فرع الحياة ، ومن تريد وتأمل توبته وهدايته لا تسعى في قتله ، ولكن الذين كفروا أرادوا قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، أو حملهم على الإرتداد ، ويدل على هذا المعنى قوله تعالى [وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا] ( ) .
وتدل الآية أعلاه على أن الذين كفروا هم الذين يقاتلون المسلمين إبتداء واستدامة مع السعي في مقدمات القتال .
الثالث : القتال والمسايفة وسفك الدماء ، وهذا السفك من المتضادين على قسمين :
أولاً : قتل الكفار بظلمهم وإصرارهم على القتال .
ثانياً : قتل المؤمن مظلوماً مستضعفاً .
الرابع : أوان ومكان القتال .
الخامس : أدوات وعدة القتال .
السادس : مدة القتال .
السابع : موضوع القتال وغاية كل من الطرفين منه .
ولقد جاءت آية البحث لينحسر ويقل القتال وتقصر مدته ، فبعد أن كانت المعارك عند العرب وفيما بينهم تستغرق سنوات ، صارت المعركة بين المسلمين والذين كفروا لا تستمر إلى ساعات قليلة من النهار ، كما في معركة بدر وأحد مع كثرة الجيوش فيها .
وهو من الإعجاز في رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والشواهد بأنه لا يريد القتال ، ولا يرغب فيه ، وفيه شاهد على المنافع العظيمة لقوله تعالى [فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ] ( ) .
فمن خصائص قتل الله للمشركين وجوه :
الأول : تعيين عدد وأشخاص الذين يقتلون من المشركين , وبما فيه النفع العام .
الثاني : التخفيف عن المؤمنين .
الثالث : قصر مدة القتال ، إذ تكون كيفية قتل المشرك بما يبعث الخوف والفزع في قلوب أصحابه ، وهل ينحصر هذا الخوف بالذين من حوله .
الجواب لا ، إنما هو أعم ، إذ يشمل كل المشركين من كان في الميدان وغيرهم ، قال تعالى [فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ] ( ).
لقد كان أشراف قريش يتحدثون عن أخبار أيام العرب والمعارك التي جرت بينهم والأشعار التي قيلت في تلك المعارك وقبلها وبعدها ، وأسبابها وكثرة الخسائر فيها .
وهل كانت قريش تظن أنهم لا يدخلون معركة ، وأنهم في مأمن من القتال ، الجواب لا ، فقد كان أهل الجزيرة سواء الذين في المدن أو الريف والبادية عرضة للقتال الذي ينشب أظفاره بين الناس بأدنى سبب شخصي للفتنة .
ومن خصائص الإنسان (غريزة البقاء ) التي تتقوم بالدفاع عن النفس ، وجاء الإسلام لمحو أسباب الحاجة إلى الدفاع بالدعوة إلى أن يعيش الناس بسلام وألفة ومودة ، وليس من سبيل إليه إلا لواء التوحيد ، وقول لا إله إلا الله الذي ينضوي تحت لوائه كل أهل الملل ، وهو الذي يتجلى في قوله تعالى [قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ] ( ).
والخوف (ويسمى بالإنكليزية Fear ) هو الشعور بالفزع ودنو الأذى وتوقع الضرر سواء في عالم التصور أو الوجود الخارجي ، ويظهر لغة الجسد الذاتية كاصفرار الوجه وزيادة ضربات القلب وعسر الهضم أو السلوك الطارئ مثل الإختفاء أو الهروب .
وفيه دعوة للناس للجوء إلى الدعاء والاستجارة بالله عز وجل لصرف الخوف وأسبابه ، ومن رحمة الله عز وجل بالناس أن ما يصرفه الله عز وجل من أسباب الخوف عن أي إنسان في نهاره وليله أكثر من أن يحصى ، سواء كان مؤمناً أو كافراً .
نعم فضل الله عز وجل على المؤمنين في المقام عظيم ، وعندما أصر الذين كفروا على محاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والتنزيل قذف الله في قلوبهم الرعب ، قال تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ] ( ) .
وبين الرعب والخوف عموم وخصوص مطلق بفارق رتبي , فكل رعب هو خوف وليس العكس .
وهل ينحصر هذا الرعب في ميدان المعركة الجواب لا ، وتدل الآية أعلاه على استدامة واستقراء الرعب في قلوب الذين كفروا وهو عرض دائم لبيانها علة هذا الرعب وهو تلبسهم بالشرك وإصرارهم على الكفر ، ومجئ الآية أعلاه ضمن آيات معركة أحد لا يعني حصر موضوع الرعب بميدان وأسباب المعركة .
قوله تعالى [وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاَءً حَسَنًا] ( )
تبين الآية فضل الله عز وجل على المؤمنين بالتخفيف عنهم، وتحقيق النصر لهم بقبضة من تراب ، وفيه دعوة للمسلمين والمسلمات للشكر لله عز وجل على نعمة قبضة التراب ،وما ترشح عنها من النعم ، ومنها وجوه :
الأول: عصمة المسلمين من الهزيمة يوم معركة بدر , وتكون نتيجة القتال في المعارك على وجوه :
الأول: نصر أحد الطرفين .
الثاني : عدم تحقق نصر لأي من الطرفين .
الثالث: عموم الخسارة عند الطرفين ، وكل فريق يدّعي أن الخسارة التي أصابت عدوه أكثر منه إلا ما قلّ .
الرابع : ظن كل من الفريقين انه انتصر في المعركة سواء بدعوى كل فريق ومبالغة من أحد الطرفين أو كلاهما .
وأبى الله عز وجل إلا أن يكون النصر للمسلمين في معركة بدر جليا ، وجاء توثيق القرآن له ليشكر المسلمون الله عز وجل على هذه النعمة في كل زمان ، وليعلموا بقانون وهو أن نصر الله عز وجل لهم رحمة بهم وبالناس جميعاً وأنه باعث على الصبر والحلم والأناة .
وذات الصبر شكر لله عز وجل وهو مقدمة للشكر والإنقطاع إلى عبادة الله ، ومن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم إتخاذه النصر بلغة للعبادة والخشوع لله عز وجل .
عن عبد الله بن مسعود (قَالَ : صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَلَمْ يَزَلْ قَائِمًا حَتَّى هَمَمْتُ بِأَمْرٍ سُوءٍ قُيل : وَمَا هَمَمْتَ بِهِ قَالَ هَمَمْتُ أَنْ أَجْلِسَ وَأَدَعَهُ) ( ).
ويدل قوله تعالى [وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاَءً حَسَنًا]( )، إختيار المؤمنين والمؤمنات بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسط تكذيب كفار قريش وتجهيزهم الجيوش وهذا البلاء من جهات:
الأولى : سقوط قتلى من المشركين بأمر ومشيئة من الله، وبأيدي الملائكة والمؤمنين.
الثانية : صيرورة سقوط قتلى من المشركين مقدمة لنصر المسلمين.
الثالثة : خذلان الكافرين وإصابتهم بالخزي والذل والهوان.
الرابعة : تحلي المسلمين بالصبر والتحمل في مرضاة الله، ومن أشد ضروب الصبر ما يكون في ميدان المعركة، وهو يوم بدر على وجوه:
الأول : تلقي نبال وسهام الذي كفروا.
الثاني : تحدي الذين كفروا بطلبهم من المسلمين المبارزة بأن يخرج واحد من المسلمين ليبارز واحداً من الذين كفروا، أو يخرج جماعة لمبارزة جماعة بذات العدد كما حصل في معركة بدر، إذ خرج ثلاثة من كبار كفار قريش وطلبوا المبارزة.
الثالث : سقوط أربعة عشر شهيداً من المسلمين في معركة بدر إذ يلزم من المسلمين الصبر والرضا بأمر الله عز وجل، لذا نزل قوله تعالى[وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ] ( ).
الرابع : إصابة عدد من المسلمين بالجراحات.
الخامس : الصبر في ميدان القتال وتوالي سهام المشركين كالمطر، إذ كان عددهم ألفاً، فاذا كان الرماة منهم مائة يأتي لجيش المسلمين نحو مائة سهم كل دقيقتين تقريبا .
وكان المسلمون مكشوفين ليس عندهم مواضع، ولم تكن على رؤوسهم خوذ واقية، وليس من دروع كافية فتفضل الله عز وجل وأنزل الملائكة لدفع وقتل المشركين، وهل قام المسلمون بصد سهام المشركين ومنعها من الوصول الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأكثر المسلمين، المختار نعم.
السادس : صبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين على إصرار الذين كفروا على الإقامة في منازل الكفر والضلالة.
الرابعة : دعوة المسلمين للشكر لله عز وجل بالقول والفعل.
الخامسة : تجلي قانون وهو دفاع الله عن الأنبياء ودفعه جيوش الأعداء عن أوليائه ليخلص المؤمنون والمؤمنات له الطاعة .
السادسة : إرادة تثبيت إقامة الصلاة في الأرض باصابة أرباب الكفر بالضعف والوهن باستئصال بعضهم ممن سار إلى ساحة المعركة لمحاربة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
السابعة : من فضل الله عز وجل على المؤمنين أن الله عز وجل يبليهم بلاء حسناً ، ويأخذ بأيديهم إلى سبل النجاة في النشأتين ، وهذا البلاء والإختبار من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً وأشدها في ساحة المعركة ، فتفضل الله عز وجل وأنزل الملائكة لقتل طائفة من رؤساء الكفر ممن أصروا على القتال .
وفي قوله تعالى [فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ]( )قال الزمخشري (والفاء جواب شرط محذوف تقديره : إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم) ( ) وكرر بعض المفسرين هذا القول .
ولا دليل على هذا التقدير من وجوه :
الأول : ذات الإيمان موضوع للعز والفخر خاصة في الأيام الأولى للإسلام .
الثانية : الفخر في طاعة الله ورسوله بيان لحلاوة الإيمان والسعادة بركوب جادة الهدى ، وهو من مصاديق قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]( ) .
الثالث : قتل الله عز وجل للكافرين باب لغبطة وفخر المؤمنين لأن الله عز وجل ذبّ عنهم ، وهو من مصاديق قوله تعالى [قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ] ( ) فعلى فرض تقدير الآية بأنها تنهى المسلمين عن الفخر بقتلهم المشركين فان قتل الله عز وجل لأعدائهم المشركين باب عظيم للفخر ، وهو من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ).
لقد كان زحف وهجوم الذين كفروا من قريش عداوة لله عز وجل من جهات:
الأولى : إقامة كفار قريش على عبادة الأوثان وفيها عداوة وحرب على الله عز وجل فان قيل أنما يتقربون ويتزلفون بالأوثان إلى الله عز وجل .
والجواب هذا التزلف نوع شرك وضلالة ، وبرزخ دون التصديق بالنبوة والرسالة .
الثانية : تفضل الله عز وجل ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومحاربة الذين كفروا كنبي ورسول إذ أنه من وسط قريش وكانوا يسمونه الصادق الأمين ليجمع بين النسب الرفيع والخلق الحميد فلما أخبرهم بنزول القرآن عليه آذوه وأهل بيته وأصحابه فاستقبل هذا الأذى بالصبر والحلم , وكان يشد عضد أصحابه بالبشارة بالجنة جزاء على الإيمان .
فكان يمر على عمار بن ياسر وأبيه وأمه وأخيه وهم يعذبون في الظهيرة في بطحاء مكة فيقول لهم (صبرا آل ياسر موعدكم الجنة) ( ).
الثالثة : إيذاء وتعذيب المؤمنين لا لشئ إلا لأنهم [قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا]( ).
الرابعة : فرض قريش الحصار على بني المطلب وبني عبد المطلب .
الخامسة : الإفتراء على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونعته بالساحر والشاعر والكذاب , وإيذائه برميه المتكرر بالحجارة ومضايقته في الصلاة ، والإكثار من جداله ومنع الناس من الإنصات إليه مع أنه جاء لنجاتهم في النشأتين .
السادسة : إرادة قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في فراشه ، وإقامة الحجة في عامة أجيال المسلمين والناس عموماً بهجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومفارقة مكة والبيت الحرام .
وهل كانت قريش تعلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سيعود إلى مكة فاتحاً ، الأقرب نعم من وجوه :
الأول : تسليم الناس بأن دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم حق وصدق .
الثاني: توالي دخول الناس في الإسلام أفراداً وجماعات .
الثالث : دخول الإسلام وأحكامه إلى بيوت مكة ، ومن النساء من آمنت خفية وخشية من أبيها أو زوجها أو أخيها ، ولكن كلاً من هذه الخفية والخشية لن تستمر إذ تزول من وجوه :
أولاً : إزدياد عدد المسلمين والمسلمات .
ثانياً : تعدد المؤمنين داخل البيت الواحد .
ثالثاً : ذكر الله وأداء الصلاة اليومية دافع وطارد للخوف والخشية من الظالمين ، قال تعالى [أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ] ( ) .
رابعاً : تجلي حقيقة وهي إدراك العز والمنعة للمؤمنين .
خامساً : دخول أرباب الأسر ورجالات من قريش الإسلام .
سادساً : توالي نزول آيات القرآن ، وكل آية باعث للرضا والسكنية في نفوس المسلمين والمسلمات .
سابعاً : الألفة والمودة بين المسلمين وإعراضهم عن الذين كفروا وعزوفهم عن عبادة الأوثان .
وهل تشمل مضامين الخطاب في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ] ( ) المسلمين في مكة أم أن الآية نزلت في المدينة وإجماع الأصوليين على عدم الإستصحاب القهقري .
الجواب هو الأول فان مضامين الآية تشمل المسلمين الأوائل بلحاظ أمور :
الأول : آيات القرآن المكية ، وما فيها من الذم والوعيد للذين كفروا ليدل قوله تعالى [تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ] ( ) بالدلالة التضمنية على إجتناب الناس لأرباب الكفر , وبعث النفرة في النفوس منهم .
الثاني : شدة إيذاء الذين كفروا للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين في البيت الحرام , وفي أزقة مكة وعموم الحرم .
الثالث : موضوعية السنة النبوية في الإحتجاج على الذين كفروا بالفطرة وبيان قبح عبادتهم للأصنام .
الرابع : التضاد بين الإيمان والكفر .
الخامس : الأخوة الإيمانية بين المسلمين وهذه الأخوة بالفطرة ، ويحتمل إجتناب المسلمين إتخاذ بطانة ووليجة وخاصة من الذين كفروا بلحاظ القتال وعدمه وجوهاً :
الأول : إنه مقدمة للقتال ومحاربة الذين كفروا .
الثاني : أنه برزخ دون القتال .
الثالث : ليس من صلة بين القتال وعدم إتخاذ المسلمين بطانة .
والصحيح هو الثاني أعلاه فقد تقود بطانة السوء إلى بعث الحمية في النفوس وإثارة العصبية ، أو تقوم باخبار العدو عن أسرار المسلمين ، فأراد الله عز وجل للمسلمين وللناس السلامة من البطانة التي تشير بما فيه الضرر , وتحذر الآية من الإنصات للمنافقين وأراجيفهم .
لقد ذكرت آية البحث أموراً :
الأول : عدم قتل المسلمين للذين كفروا ، فمع سقوط سبعين قتيلاً من المشركين فقد أخبرت الآية بأن المسلمين لم يقتلوهم ، ولكنها لم تنف هذا القتل بل تؤكده ، وتبين قانوناً وهو نسبة قتل الذين كفروا إلى الله عز وجل ، فهو الذي قتلهم ، فان قيل ان الله عز وجل هو الرحمن في الدنيا للمؤمنين والكافرين ،قال تعالى [وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ] ( ) فكيف يقتلهم الله ، والجواب من جهات :
الأولى : خلق الإنسان ونشأته ورزقه واستدامة حياته في الدنيا أمور بيد الله عز وجل ، فلا يكون أي شهيق وزفير لأي إنسان إلا بأمر منه تعالى .
الثاني : حلول وأوان أجل أي إنسان أمر بيد الله عز وجل ، قال سبحانه [إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ] ( ).
الثالث : قتل طائفة من الكفار المعتدين في ميدان المعركة رحمة بهم ، لما فيه من المنع من تماديهم في الظلم والتعدي وسفك الدماء وتراكم الذنوب والآثام عليهم في الآخرة , فلو لم يقتل هؤلاء الكفار لاستمروا هم وأصحابهم من الأحياء وعددهم ألف بالهجوم على جيش المسلمين وسعوا إلى قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
فمن إعجاز الآية ونسبة القتل إلى الله عز وجل إنحصار سلامة النبوة والتنزيل بقتل هؤلاء إذ توقف هجومهم يوم بدر وأصاب أصحابهم الوهن والضعف ، قال تعالى[يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ]( ), وفيه حث للمسلمين للشكر لله , وليكون من معاني الآية وجوه :
الأول : فلم تقتلوهم لكثرتهم وكثرة وتنوع أسلحتهم .
الثاني : فلم تقتلوهم لأنكم تقتلون أفراداً منهم فلا ينزجر الباقون ، ولكن الله قتلهم بما يؤدي إلى فرارهم .
الثالث : فلم تقتلوهم ولكن الله انتقم من الذين كفروا لإصرارهم على قتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابع : فلم تقتلوهم لأن الله عز وجل قتلهم قبل أن تهمّوا بقتلهم .
الخامس : فلن تقتلوهم لأن الله عز وجل خفف عنكم ، ليكون من معاني الجمع بين هذه الآية وأول الآية السادسة والستين من سورة الأنفال (الآن خفف الله عنكم فلم تقتلوهم) .
السادس : فلم تقتلوهم بقوتكم ومباشرتكم القتال ولكن الله قتلهم .
السابع : فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم لمنع الفساد في الأرض .
الثامن : فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم ليدخل الناس الإسلام .
التاسع : فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم لينهزم الباقون .
العاشر : فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم ليقع سبعون منهم في الأسر .
الحادي عشر : فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم لتنزيه الأرض من الكفر والفسوق .
الثاني عشر : فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم لإيمانكم وتفانيكم في طاعة الله والرسول .
الثالث عشر : فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم دفاعاً عنكم ، وفي التنزيل [إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ]( ).
الرابع عشر : فلم تقتلوهم لأنكم لم تخرجوا للقتال .
الخامس عشر : فلم تقتلوهم فلا تسرفوا في القتال .
السادس عشر : فلم تقتلوهم لأن الله هو الذي يكفيكهم قتلهم ، وفي التنزيل [أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ] ( ).
السابع عشر : فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم ليبعث الخوف والفزع في قلوب الذين كفروا .
الثامن عشر : فلم تقتلوهم لإنقطاعكم إلى عبادة الله .
التاسع عشر : فلم تقتلوهم لنزول الملائكة مدداً لكم .
العشرون : فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم لتنزيه الأرض من الطواغيت الذين يصرون على محاربة النبوة والتنزيل .
وهل تدفع آية البحث حالات الثأر والإنتقام القبلية عن المسلمين ، الجواب نعم ، وهو من إعجاز القرآن إذ كانت المعارك تقع بين القبائل بسبب قتل أحد الأفراد غيلة أو بسبب شجار وخصومة ، لتستمر هذه المعارك لسنوات ويسقط فيها المئات من الطرفين ، وقد تكون القبيلتان أبناء عمومة ، وفرعي قبيلة واحدة .
ولو انتقلت النزعة القبلية إلى الإسلام لحدثت فرقة وخصومة وثأر بينهم ، لأن بعضهم قتل أخ أو أب أو ابن عم صحابي آخر ، وقد اجتهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في منعها ، وعندما حدثت خصومة بين المهاجرين والأنصار في غزوة بني المصطلق وتسمى المريسيع في شعبان من السنة السادسة للهجرة ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (دَعُوهَا فَإِنّهَا مُنْتِنَةٌ) ( ) .
ومن الإعجاز أيضاً أن الذين دخلوا الإسلام فيما بعد لم يلتفتوا إلى قتل المسلمين لآبائهم وإخوانهم للتسليم بأن هذا القتل من عند الله من جهات :
الأولى : لقد نسب الله عز وجل الحصى التي رماها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لتصل إلى وجوه وعيون الذين كفروا .
الثانية : لقد رمى الله عز وجل الحجارة والسهام والنبال التي رماها المسلمون إلحاقاً لها بما رماه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أما ما يرميه الذين كفروا فان الله عز وجل يجعل واقية وشبكة دفاعية لمنع أكثر سهام ونبال المشركين من الوصول إلى المسلمين.
الثالثة : حضور المهاجرين والأنصار مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ميدان القتال إمتحان وإختبار من عند الله عز وجل لهم ، وينبسط هذا الإمتحان على وقائع المعركة وما لاقوه فيها من الأذى .
الرابعة : تجلي حقيقة للناس جميعاً وهي أن الذين كفروا هم المعتدون الظالمون ، وأن الله عز وجل انتقم منهم لما فيه هداية وصلاح الأبناء.
الخامسة : نسبة قتل المشركين إلى الله سبحانه .
ولو شاء الله لقتل جميع الذين كفروا في بدر وعددهم نحو ألف ، ولكن عدد القتلى كان سبعين منهم ، ومع هذا جاءت الآية بصيغة الجمع وتقدير الآية : وما قتلتم السبعين من المشركين ولكن الله قتلهم ليعود أكثر الجيش إلى مكة , وهم يحملون الإنذار لأهلها من القتل أو الأسر لمن يحارب النبوة والتنزيل .
لقد كان المشركون يتوعدون النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه قبل الهجرة وبعدها حتى دخلوا معركة بدر فسقط سبعون قتيلاً منهم .
وهل من صلة بين وعيد كفار قريش قبل الهجرة ومعركة بدر ، الجواب نعم ، مع تعدد وتوالي معجزات النبوة ، ولكن الذين كفروا اتخذوا من العناد والإستكبار صبغة ومنهاجاً للعدوان والظلم للنفس والغير ، وقال الله تعالى [وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ] ( ) فهم الذين ساقوا أنفسهم إلى القتل والموت , وتقدير الآية على وجوه :
الأول : ولكن الله قتلهم بظلمهم وجريرتهم .
الثاني : ولكن الله قتلهم لدفع الضرر عن النبوة والتنزيل .
الثالث : ولكن الله قتلهم ليعبد الناس الله عز وجل ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] ( ) .
الرابع : ولكن الله قتلهم ليسود الأمن في الأرض .
الخامس : ولكن الله قتلهم رحمة بالعباد .
السادس : ولكن الله قتلهم لعداوتهم لله سبحانه ولرسوله .
السابع : ولكن الله قتلهم لقطع دابر الكفر .
الثامن : ولكن الله قتلهم موعظة للناس وليتوب الذين كفروا .
التاسع : ولكن الله قتلهم لينعم على المؤمنين بالأجر والثواب .
ولما امتنع الملائكة على جعل الإنسان[فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ) لأنه يفسد في الأرض ويسفك الدماء ، قال الله تعالى [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) .
ومن علم الله عز وجل قتله لرؤساء الكفر إذا حاربوا خاتم الأنبياء أيام توالي نزول القرآن ليقيم الله عز وجل الحجة على الملائكة ويخروا له سجداً ، حتى إذا خرج كفار قريش بخيلهم وخيلائهم وهم يتناجون بحرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنزل الله عز وجل ذات الملائكة ليقتلوا عدداً من رؤسائهم .
ليكون من معاني الآية أعلاه [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) الوعد من عند الله للملائكة والمؤمنين بازاحة سلطان الذين كفروا من الأرض ، لإصلاح الأرض ، وقطع دابر الفساد ، وصيرورة هذه الإزاحة مقدمة لأمور :
الأول : دخول الناس في الإسلام .
الثاني : إقامة الفرائض العبادية.
الثالث : هجرة المسلمين إلى المدينة .
ومن الإعجاز في معركة بدر ، وأسباب الشكر لله عز وجل فيها أمور :
الأول : وقوع معركة بدر في موضع يبعد عن المدينة المنورة نحو (150) كم , فلم يعلم أهلها بالمعركة وتفاصيلها , ولم يدّب الخوف إلى نفوسهم .
الثاني : استصحاب أهل المدينة حال خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في كل مرة من المدينة ، إذ يغيب عنها عدة ليال ثم يعود من غير أن يلقى قتالاً .
الثالث: تلقي أهل المدينة بشارة نصر المسلمين في معركة بدر بدخول الغنائم والأسرى لها .
ليكون من معاني هذا الدخول الدعوة لطاعة الله ورسوله واستقبال المهاجرين بالود والمعونة ، فقد ضاقت أزقة المدينة بالمهاجرين مع قلة الموارد آنذاك ، فتفضل الله عز وجل بالنصر في معركة بدر ، وهذا النصر باب لزيادة عدد المهاجرين ، وحسن استقبالهم من كل من :
الأول: الأنصار .
الثاني : عموم أهل المدينة .
الثالث : المهاجرون الذين سبقوا في الهجرة ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاَءً حَسَنًا] ( ) لبيان مسألة وهي أن البلاء والإختبار بالأحسن لا ينحصر في المقام بالمهاجرين والأنصار الذين حضروا معركة بدر ، إنما يشمل المعنى الأعم لذا وردت الآية بارادة صبغة الإيمان , ليكون المقصود من لفظ المؤمنين في قوله [وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ] ( ) على وجوه :
الأول : إرادة المهاجرين والأنصار الذين حضروا معركة بدر ويسمون البدريين.
الثاني : عموم المؤمنين والمؤمنات في المدينة المنورة .
الثالث : المسلمون والمسلمات في مكة وغيرها .
الرابع : التابعون .
الخامس : أجيال المسلمين والمسلمات .
وهذا العموم من الإعجاز في قوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ] ( ).
ودلالة الخطاب في الآية على التوجه إلى جميع المسلمين والمسلمات إلى يوم القيامة ، ويتجلى عموم الخطاب بتقدير النداء في الآية : يا أيها الذين آمنوا لقد نصركم الله ببدر )، إذ تطل الآية أعلاه على المسلمين والمسلمات في كل زمان ، ومن البلاء الحسن المذكور في آية البحث بلحاظ القتال أمور :
الأول :التخفيف عن المسلمين بقلة عدد المعارك التي يخوضونها مع الذين كفروا إذ كان إشعال فتيلها ومقدماتها لا تتم إلا من طرف واحد وهم المشركون ، ومن معاني [وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ] ( ) إمتناع المشركين عن الهجوم المتكرر , وإنزجار الناس عن إتباعهم ونصرتهم .
الثاني : تجلي مصداق لعز المؤمنين بالتخفيف عنهم بقلة عدد المعارك بينهم وبين الذين كفروا .
ويحتمل هذا التخفيف وجوهاً :
أولاً : إنه مطلوب بذاته .
ثانياً : إنه مقدمة لغيره , ومن أسباب فوز المسلمين بأداء الصالحات وثوابها .
ثالثاً : الفرد الجامع للوجهين أعلاه .
والصحيح هو الأخير أعلاه من جهات :
الأولى : إتصال واستدامة البلاء الحسن للمؤمنين فاذا أنعم الله على العباد متحدين أو متفرقين بنعمة فانه أكرم من أن يرفعها .
الثانية : ترغيب الناس في دخول الإسلام ، إذ أن التخفيف سبب لجذب الناس لدخول الدين الجديد ، ومن المقاصد الخبيثة للذين كفروا في هجومهم على المسلمين صدّ الناس عن دخول الإسلام لذا ذمهم الله عز وجل بقوله تعالى [وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمْ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ] ( ).
ومن الصد عن المسجد الحرام منع الناس من دخول الإسلام وأداء الصلاة ، والطواف بالبيت طاعة لله .
وتنزيه البيت من الأصنام والأوثان وأفعال الجاهلية ، ومنه طواف كفار قريش في موسم الحج على القبائل , وحثهم على عدم التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم , ولكن معجزاته كانت قاهرة وعظيمة ، ولا يستطيع الذين كفروا الحيلولة دون إقرار وتسليم الناس بها .
ومن خصائص معجزات الأنبياء أنها مناسبة للزمان الذي يبعث فيه النبي , والأمر الذي يوليه الناس العناية ، فلما كان السحر شائعاً في أيام موسى عليه السلام أرسله الله عز وجل بالعصا لتبتلع عصي السحرة التي كانت تتحرك تحت أشعة الشمس لما فيها من الزئبق ، وفي التنزيل [فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ * فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ] ( ).
وبينما كان سحر قوم فرعون نوع تخيل وخفة وحيلة صارت عصا موسى أفعى على الحقيقة والواقع لتلقف عصيهم فلا يبقى منها أثر ، وأدرك السحرة التباين والتضاد بين الحقيقة والمعجزة التي جاء بها موسى والوهم الذي يترشح عن الحركة الذاتية لعصيهم ، فأعلنوا إسلامهم ، ليكون من معاني البلاء الحسن الموعظة للناس ، وإنتقالهم من الكفر إلى الهدى ، بلحاظ أن عصا موسى من البلاء الحسن للمؤمنين في زمانهم ، وهو نعمة باقية إلى يوم القيامة لورود قصة ومعجزات موسى , ومنها الآية أعلاه في القرآن ، وتلاوة المسلمين لها في كل زمان ومكان.
لبيان قانون وهو إنتفاع المسلمين من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والأنبياء السابقين وعلى نحو يومي متجدد ، وهو من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ).
والبلاء الحسن للمسلمين برزخ دون الرغبة في القتال والقتل ، إذ ينشغل المسلمون بآيات الله والتدبر في معانيها ودلالاتها ، ويكف الله عز وجل عنهم أيدي الذين كفروا ، لذا ورد قوله تعالى [وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا] ( ).
وهل البلاء الحسن في قوله تعالى[وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاَءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] ( ) من التخفيف ، الجواب نعم من وجوه :
الأول : إنه تخفيف عن الصحابة .
الثاني : البلاء الحسن مناسبة للشكر لله عز وجل ، واللام في قوله تعالى [لِيُبْلِيَ] للتعليل .
الثالث : تثبيت الإيمان في قلوب المسلمين في أجيالهم المتعاقبة .
الرابع : إنزجار المنافقين وبعث الحسرة في نفوسهم لإختيارهم إبطان الكفر والخشية من الذين كفروا وغزوهم للمدينة .
الخامس : بيان قانون وهو أن التخفيف عن المؤمنين لا ينقص من ثوابهم .
وهل يكون مقدار الثواب على حال التخفيف والفعل الذي يؤدون ، أم على الأصل والشدة قبل التخفيف , فقوله تعالى [الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ] ( ) .
وهل يكتب الثواب للمؤمنين في ملاقاة ضعف عددهم بعد التخفيف ، أم يكتب لهم ثواب ملاقاة عشرة أضعافهم ، الجواب أن الثواب من الله مضاعف في كل الأحوال , ومعه فضل من الله ، والمختار أن الثواب على الثاني لأن التخفيف هبة وفضل من الله تعالى , والمؤمنون مستعدون للدفاع حتى مع كثرة جيش المشركين, قال تعالى [مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا] ( ).
لقد ذكرت آية البحث نعماً متعددة وهي :
الأولى : التخفيف عن المؤمنين بعدم نسبة قتل المشركين لهم ، إنما نسبه الله لنفسه ، وهل هذه النسبة حقيقية أم مجاز ، الجواب هو الأول فمع مباشرة المسلمين للقتل فقد نسبه الله عز وجل لنفسه لوجوه :
الأول : شاء الله عز وجل أن تقتل طائفة من رؤساء الكفر .
الثاني : حاجة أهل الأرض لقتل الكفار الذين سقطوا في معركة بدر , وبعد قيام الحجة عليهم .
الثالث : هذه النسبة من التخفيف .
الرابع : قطع دابر الثأر والعصبية ، فمن يقتله الله لا يطلب أحد بثأره .
الخامس : إزدراء الناس للذين قتلهم الله , ولا يذكرهم أحد بخير ، وفي التنزيل [فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمْ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ] ( ).
الثانية : حلول التخفيف على المسلمين على نحو حال وفوري ، فحالما نزلت آية البحث نزل معها التخفيف من غير فترة بينهما ، ولا يقدر على هذه النعمة إلا الله عز وجل .
الثالثة : تغشي التخفيف حياة المسلمين في حال الحرب والسلم ، إذ يكون التخفيف في ميدان القتال سبباً للمندوحة في الحياة اليومية في المدينة ، ويستطيع معه الناس مزاولة أعمالهم اليومية والمكاسب من غير إنقطاع متكرر.
ويستقرأ شول التخفيف للمسلمين على نحو الإستغراق بلحاظ صيغة العموم في[الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ]( )، فان قلت أن قوله تعالى [وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا] تقييد وبيان أن المراد الضعف في ساحة المعركة , والجواب لا دليل على استقراء التقييد والحصر .
وصحيح أن منطوق آية البحث يتعلق بذكر قلة عدد المسلمين في مقابل كثرة عدد أفراد جيش الذين كفروا ، ولكن موضوع الضعف أعم إذ يشمل حال المسلمين من وجوه :
الأول : قلة عدد المسلمين .
الثاني : نقص أسلحة المسلمين .
الثالث : النقص في المؤن التي عند المسلمين .
الرابع : قلة الرواحل التي عند المسلمين , وإن خرجوا بالإبل مثلاً إلى سوح القتال تتعطل أعمالهم التي يحتاجونها فيها , وتفتقر العوائل الى لبنها .
الخامس : ضعف المسلمين لشدة تهديد ووعيد الذين كفروا ، ووجود المنافقين بين ظهرانيهم .
السادسة : البشارة بنيل المسلمين مرتبة الصابرين واختتام الآية بالإخبار عن قانون وهو أن الله معهم والله عز وجل معهم من وجوه :
الأول : الله عز وجل مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين في أدائهم الفرائض والعبادات .
الثاني : الله سبحانه مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين في خروجهم من المدينة , وهو من مصاديق قوله تعالى [كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ]( ).
الثالث : الله عز وجل مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين في ميدان معركة بدر , وهو من أسرار نصرهم .
الرابع : الله عز وجل مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين في صبرهم .
الخامس : الله عز وجل مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين في كيفية غلبتهم على الذين كفروا .
السادس : لما أخبرت آية البحث بأن المائة الصابرة من المسلمين تغلب مائتين فان الله عز وجل مع المائة في تحقيق غلبتهم بالسرعة وقلة الخسائر .
السابع : الله مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين في دفع كثير من المعارك .
الثامن : الله مع الصابرين في ثباتهم في مقامات الصبر والتحلي بالأخلاق الحميدة .
التاسع : والله مع الصابرين في فوزهم بالثواب العظيم ، قال تعالى[إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ]( ).
الرابعة : إنعكاس التخفيف على أعمال المسلمين العبادية بأدائهم لها كاملة وبسكينة وطمأنينة.
ومنهم من أنكر قتال الملائكة يوم بدر ، وأدعى أن هذا القتال يرده العقل ، ولم يثبت بالنقل ، إنما تأييد الله بالتأييدات الروحانية والقوة المعنوية ، وهذا الكلام لا يحيط بالحقيقة القرآنية .
وقد نزل القرآن بالإخبار بأن الملائكة مدد ، قال تعالى [وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ قِيلاً] ( ) ووردت الأخبار المستفيضة بقتال الملائكة ، ومن الروايات في المقام :
الأول : ما ورد عن ابن عباس (فبينما رجل من المسلمين
يومئذ يشتد في اثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس أقدم حيزوم إذ نظر إلى المشرك أمامه مستلقيا فنظر إليه فإذا هو قد حطم أنفه وشق وجهه كضربة السوط فأخضر ذلك أجمع .
فجاء الأنصاري فحدث ذلك رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين) ( ).
الثاني : وفي حديث طويل لعروة أنه (جاء رجل من الانصار قصير بالعباس بن عبد المطلب أسيرا , فقال يا رسول الله : والله ما هذا أسرني ولكن أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجها على فرس أبلق ما أراه في القوم , فقال الانصاري : أنا أسرته فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقد آزرك الله بملك كريم ) ( ).
الثالث : عن ثعلبة بن صعير( خفق رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم خفقة في العريش ثم انتبه فقال أبشر يا أبا بكر هذا جبريل معتجر بعمامته آخذ بعنان فرسه يقوده على ثناياه النقع أتاك نصر الله وعدته( ).
الرابع : قال أبو داود المازني , وكان شهد بدراً : اتّبعت رجلا من المشركين لأضربه يوم بدر فوقع رأسه بين يديّ قبل أن يصل سيفي فعرفت أنّه قتله غيري ( ).
وقد جاءت سورة الفيل في القرآن لتبين المدد والنصر من عند الله عز وجل ، إذ قال عبد المطلب لما التقى أبرهة الذي هدده وتوعده والبيت الحرام : إنّي أَنَا رَبّ الْإِبِلِ وَإِنّ لِلْبَيْتِ رَبّا سَيَمْنَعُهُ قَالَ مَا كَانَ لِيَمْتَنِعَ مِنّي ، قَالَ أَنْتَ وَذَاكَ( ).
وتفضل الله وانتقم من أبرهة وجيشه ، قال تعالى [وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ *تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ] ( ).
فنسبت الآية أعلاه رمي الحجارة القاتلة إلى الله عز وجل لبيان أن الله عز وجل ينتقم من القوم الظالمين ، وأنه سبحانه ينسب القتل لنفسه سواء جرى القتل على أيدي المسلمين أو الملائكة أو بآية إنتقام أخرى من عند الله عز وجل .
وفي قصة أصحاب الفيل ، وذكرها في القرآن وإفراد سورة من السور المكية لها خاصة زاجر لكفار قريش عن الزحف لغزو النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة , وفي التنزيل [وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ]( ).
الثانية : الإخبار عن قتل الله عز وجل للكافرين يوم معركة بدر، وفيه تنمية لملكة الإمتناع عن القتل وسفك الدماء إلا بالحق ، كما في القصاص ، قال تعالى [وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ] ( ).
الثالثة : الآية من مصاديق كفاية الله سبحانه للمؤمنين ودفاعه عنهم ، وهو من مصاديق العموم في قوله تعالى [أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ]( ) .
الرابعة : إنتقال الخطاب من لغة العموم , وإرادة المسلمين إلى صيغة القضية الشخصية , وتوجه الخطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على نحو الخصوص بقوله تعالى[وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ]( ).
لبيان قانون وهو أن معجزة رمي قبضة من تراب بيد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وبلوغها وجوه وعيون جيش المشركين جميعاً معجزة حسية وعقلية ، كما سيأتي البيان في الجزء الثاني والأربعين بعد المائتين من هذا السِفر ، ولا يحق لأمراء السرايا أن يحاكوه في فعله ، ويظنون أن التراب والحصى الناعم يصل إلى عيون ومناخر جيش الذين كفروا ، إنما هي آية من مختصات النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
وهل يمكن تقدير الآية : وما ترمي إذا ترمي ، ولكن الله يرمي ، الجواب نعم .
قال ابن الجوزي (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي : ناولني كفاً من حصباء ، فناوله فرمى به في وجوه القوم ، فما بقي منهم أحد إلا وقعت في عينه حصاة ، وقيل : أخذ قبضة من التراب ، فرمى بها ، وقال : شاهت الوجوه؛ فما بقي مشرك إلا شُغل بعينه يعالج التراب الذي فيها ، فنزلت : { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى }( ) وذلك يوم بدر؛ هذا قول الأكثرين) ( ).
ولا تصل رمية إنسان بيده إلى كل أفراد جيش المشركين ،ولكن تلك الرمية وأثرها من عند الله بقدرته وقوة سلطانه ، وقد ورد بخصوص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه بشر أكرمه الله بالوحي، قال تعالى [قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ] ( ) .
ومن الوحي إخبار الآية عن كون صدور الرمي ووصوله إلى كل أفراد جيش العدو هو من عند الله عز وجل .
وتقدير الآية بهذا اللحاظ أن هذا الرمي نعمة عظمى على وجوه:
الأول : وما رميت ولكن الله رمى للدلالة على أن الله عز وجل حاضر مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المعركة.
الثاني : وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى دفاعاً عن النبي والمؤمنين ، فصحيح أن الرمي هو نوع هجوم ، ولكنه دفاع أيضاً .
وهل يختص الدفاع بهذا الرمي بمعركة بدر ، الجواب لا ، إنما هو دفاع متصل ومتجدد ، وتقدير الآية : ولكن الله رمى دفاعاً عنكم في قادم الأيام ، قال تعالى[إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ]( ).
الثالث : ولكن الله رمى ليجتهد الملائكة في قتال الذين كفروا .
الرابع : ولكن الله رمى والمراد أن الملائكة قاموا بنقل ذرات التراب إلى وجوه وعيون ومناخر الذين كفروا.
الخامس : ولكن الله رمى لعداوته للذين كفروا .
السادس : ولكن الله رمى لإزاحة سلطان الكفر من الأرض.
السابع : لقد وعد الله عز وجل نبيه الكريم بالنصر ، ليكون رمي الله عز وجل الرمل والتراب من مصاديق هذه النصرة .
ومع صدور هذا الرمي من الله ومن رسوله فانه لم يقتل أحداً ، إنما هو على وجوه :
الأول : بلوغ التراب إلى وجوه وعيون الذين كفروا .
الثاني : دعوة الذين كفروا للإنسحاب ، ولو إنسحبوا لما وقع القتال ، وسقط القتلى ، ليكون هذا الرمي إنذاراً حاضراً قبل بدء المعركة ، وهو من مختصات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن يأتي الإنذار للذين كفروا قبل بدء المعركة برمي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبضة من تراب فيوصلها الله عز وجل إلى كل أفراد جيش العدو ، لتدخل ذرات التراب عيونهم، وتحثهم على الرحيل .
ولقد أغرق الله الكفار من قوم نوح بالطوفان .
واهلك قوم عاد بالريح ، وقوم صالح ثمود بالصيحة .
وأهلك الطاغوت نمرود أيام إبراهيم ببعوضة دخلت دماغه فأكلته ، ليأتي القرآن بقوله تعالى[ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا]( ).
وأرسل الله عز وجل أمطاراً من حجارة من سجيل وطين على قوم لوط لفعلهم الفاحشة , وبعد كثرة التحذير وشدة الإنذار من لوط لمدائن قومه (المؤتفكات) .
وفي قوم شعيب ورد في التنزيل[وَيَاقَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ]( )، إذ أهلك قوم شعيب بالنار يوم الظلة ، وأهلك فرعون وقومه في البحر وتفضل الله عز وجل ورمى قوم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ساحة المعركة لينهزموا مع قتل عدد منهم ليتعظوا .
الثالث : بيان عظيم قدرة الله بأن تنهزم الجيوش العظيمة بقبضة تراب يرميها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بيده فيضاعف الله عز وجل ذراتها أضعافاً كثيرة لتصل إلى عيون ومناخر كل أفراد جيش الذين كفروا .
وفيه موعظة وعبرة للذين كفروا بعدم الإعتداد بقوتهم وأسلحتهم وعدتهم ورواحلهم فاذا دخل التراب العيون وحال دون الرؤية ، فلا يستطيع الجندي التصدي ولا المبارزة ، أو العدو بالراحلة والواسطة إلى بر الأمان ، فقد تأخذ به إلى صفوف عدوه ، وفي التنزيل [مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ] ( ).
ليكون من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن حفنة من تراب تكون على وجوه :
أولاً : تغيير ميزان القوة في الميدان .
ثانياً : تضاؤل أسباب ترجيح الذين كفروا في المعركة .
ثالثاً : تبين حفنة التراب معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولابد أن تذكر هذه المسألة في معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحسية عند إحصائها .
رابعاً : حفنة التراب مقدمة لنصر المسلمين .
الرابع : بيان قانون وهو نصر الله عز وجل للمؤمنين بابسط وأقل الأسباب فلا يخطر في التصور الذهني العام للناس أن قبضة من التراب تكون مقدمة وسبباً لهزيمة جيش المشركين .
الخامس : ذم المشركين وتقبيح فعلهم وصيرورة رميهم بالتراب رمياً لهم بالخزي والهوان ، وفيه ذل لهم بين الناس .
وهل يختص هذا الذل بزمانهم ، الجواب إنه باق إلى يوم القيامة ، وهو من أسرار ورود آية الرمي هذه في القرآن وسلامة القرآن من التحريف والزيادة والنقيصة .
وأختتمت آية البحث بذكر ثلاثة من أسماء الله عز وجل بقوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] ( ) لبيان مسائل :
الأولى : الإخبار عن قانون وهو سماع الله عز وجل لدعاء واستغاثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن معاني تسمية القانون في المقام منافع دعاء النبي ومصاحبته إياها لأجيال المسلمين .
لبيان فضل الله ببقاء السنة النبوية غضة طرية في كل زمان .
الثانية : يسمع الله عز وجل تلاوة المسلمين لآية البحث وقوله تعالى [وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى] ( ) وهل لهذه التلاوة وسماعها من عند الله موضوعية في إعانة الناس على عبادة الله عز وجل ،فلما كانت علة خلقهم هي العبادة كما في قوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( )فان الله لطيف بعباده بتقريبهم إلى مقامات العبادة والطاعة .
الثالثة : يسمع الله عز وجل دعاء المسلمين ، وتلاوتهم لآية البحث وشكرهم لله عز وجل على النعم التي تذكرها هذه الآية .
الرابعة : يسمع الله عز وجل مناجاة الذين كفروا بالباطل ، واستغاثتهم حينما ملأ التراب عيونهم وأفواههم من قبضة كف واحدة ، وفيه دعوة لهم للتوبة والإنابة ، وملأ العيون بالتراب أفضل لهم من القتل والموت على الكفر ، وهو مناسبة وموعظة لترك القتال ، وللتوبة والإنابة ، وهو من مصاديق قوله تعالى [سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ]( ).
الخامسة : من معاني السميع أنه لا يقدر على سماع أقوال المسلمين والناس إلا الله عز وجل ، وذات السماع رحمة بالناس ، وهو مقدمة لمصاديق متجددة ومتكثرة من الرحمة والإستجابة والعفو .
السادسة : من معاني السميع في الآية استجابة الله عز وجل لدعاء واستغاثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين ليلة ويوم معركة بدر ، كما في قوله تعالى [إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ]( ) .
السابعة : من مصاديق [العليم ]في آية البحث أن الله عز وجل يعلم حال المسلمين ، وثباتهم في ميدان القتال مع استضعافهم .
الثامنة : إن الله عز وجل عليم بقلة عدد وعدة المسلمين مع كثرة أفراد جيش الذين كفروا .
التاسعة : إن الله عز وجل عليم بالتباين والتضاد بين المسلمين والذين كفروا ، وفي التنزيل [قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ]( ).
العاشرة :إن الله عليم بنفع وأثر قبضة التراب لتكون من أقوى الجنود أثراً في المعركة .
لقد كان المشركون يتباهون بكثرتهم وخيلهم وأسلحتهم ، ويظنون أنها تجلب النصر ، فهزمهم الله عز وجل بحفنة من تراب جرت على يد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وهل كان إنحناء النبي صلى الله عليه وآله وسلم الى الأرض لأخذ قبضة من التراب وقيامه برميها بوحي وأمر من عند الله أم أنه إجتهاد منه ، الجواب هو الأول .
الحادية عشرة : والله عليم بتلاوة المسلمين آية البحث فتكون واقية من غلبة النفس الغضبية والشهوية ، وبرزخاً دون المناجاة بالغزو والهجوم ، فما دام الله عز وجل ينتقم من الذين كفروا ، وينتصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين بحفنة من تراب فلا حاجة الى الغزو.
الثانية عشرة : الله عليم بالثواب العظيم للمؤمنين على صبرهم في ميدان معركة أحد ، وعليم بالعذاب الذي ينتظر الكفار الذين يقاتلونهم ، قال تعالى[مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ]( ).
ومن معاني الآية بلحاظ منهجية هذه الأجزاء وجوه :
الأول : ولم تغزوهم فلم تقتلوهم .
الثاني : فلم تقتلوهم فلا تغزوهم .
الثالث : فلم تقتلوهم لأن الله يكفيكم .
الرابع : فلم تقتلوهم لإنقطاعكم إلى العبادة والنسك .
الخامس : فلم تقتلوهم ولكنكم مشغولون بالدعاء .
السادس : فلم تقتلوهم لأن الله بعث النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رأفة رحمة للناس وليس للقتل ، وعن عقبة بن عامر قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا أخبرك بأفضل أخلاق أهل الدنيا والآخرة ، تصل من قطعك ، وتعطي من حرمك ، وتعفو عمن ظلمك ( ).
السابع : فلم تقتلوهم لأنكم لم تخرجوا للقتال والقتل .
الثامن : فلم تقتلوهم لأن الله عز وجل أراد التخفيف عنكم .
التاسع : فلم تقتلوهم في أول معارك الإسلام لبيان قانون وهو أن الله عز وجل ناصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم , بقتل أعدائه في سوح المعارك .
العاشر : فلم تقتلوهم إذ علم الله عز وجل ضعفكم .
الحادي عشر : فلم تقتلوهم لأن الله أراد مجازاتكم وشكركم على الإيمان بقتله للذين غزوكم .
الثاني عشر : فلم تقتلوهم لبيان قانون وهو سلامة أهل الإيمان من غزو الذين كفروا .
الثالث عشر : فلم تقتلوهم بقدرتكم وجهدكم وان جرى قتل شطر منهم بأيديكم .
الرابع عشر : فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم ليدخل الناس الإسلام .
الخامس عشر : فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم لقانون من الإرادة التكوينية وهو عدم إمكان الجمع بين الكفر وغزو النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومدينته ومن أصر على الجمع بينهما قتله الله.
وهذا القانون من مصاديق قوله تعالى[وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ]( ) بلحاظ أنها ملكية تدبير وسلطنة وإرادة ومشيئة نافذة في ذات الأرض ومن عليها، مع استدامة قانون عبادة الله في الأرض ، وهو من مقومات خلافة الإنسان فيها .
السادس عشر : يا أيها الذين آمنوا افتخروا بأن الله قتل أعداءكم .
السابع عشر : [لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ] ( ) ولكن الله قتلهم .
الثامن عشر : ولكن الله قتلهم مقدمة لنصركم .
التاسع عشر : ولكن الله قتلهم فلا يُهزم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه.
العشرون : ولكن الله قتلهم ليكون نصر الله قريباً ، وفي التنزيل [أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ]( ).
الحادي والعشرون : ولكن الله قتلهم فلا تولوهم الأدبار .
الثاني والعشرون : ولكن الله قتلهم فشدوا وثاق الأسرى .
الثالث والعشرون : ولكن الله قتل طائفة منهم ولم يستأصلهم للعبرة والموعظة .
الرابع والعشرون : ولكن الله قتل طائفة منهم ويقتل آخرين منهم إن أصروا على القتال .
الخامس والعشرون : فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم فلا تخشوا تهديدهم ووعيدهم .
السادس والعشرون : ولكن الله قتلهم فأصبروا واثبتوا في الميدان واذكروا الله كثيراً .
السابع والعشرون : ولكن الله قتلهم بالملائكة ، وعن ابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال يوم بدر : هذا جبريل آخذ برأس فرسه وعليه أداة الحرب ( ).
الثامن والعشرون : ولكن الله قتلهم فهو حاضر معكم .
التاسع والعشرون : ولكن الله قتلهم ، ولم يقتلهم إلا بعد أن أخذ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبضة من تراب , ونفخها عليهم , وقال (شاهت الوجوه ).
الثلاثون : ولكن الله قتلتهم من غير أن ينقص من أجركم وثوابكم شئ.
الحادي والثلاثون : ولكن الله قتلهم بعد أن القى الرعب في قلوبهم .
الثاني والثلاثون : ولكن الله قتلهم فأذهب عنكم الخوف والفزع .
الثالث والثلاثون : ولكن الله قتلهم كما أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن مواضع مصارعهم عشية معركة بدر ، وفيه معجزة حسية له .
الرابع والثلاثون : ولكن الله قتلهم كما جاءت الإنذارات ، ومنها رؤيا عاتكة عمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ رأت (قبل قدوم ضمضم رسول قافلة أبي سفيان إلى مكة بثلاث ليال رؤيا أفزعتها، فبعثت إلى أخيها العباس بن عبدالمطلب فقالت له : يا أخي والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفظعتني وتخوفت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة، فاكتم على ما أحدثك.
قال لها: وما رأيت ؟ قالت: رأيت راكبا أقبل على بعير له حتى وقف بالابطح ثم صرخ بأعلى صوته: ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث.
فأرى الناس اجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه: فبينما هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة، ثم صرخ بمثلها: ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث ) ( ).
الخامس والثلاثون : ولكن الله قتلهم بعد أن جاءوا بفخرهم وخيلائهم وإصرارهم على تكذيب رسول الله ، وفي التنزيل [إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ] ( ).
السادس والثلاثون : ولكن الله قتلهم بامتلاء عيونهم بالتراب .
السابع والثلاثون : ولكن الله قتلهم ليجعل انتهاء معركة بدر في ذات اليوم الذي بدأت فيه .
الثامن والثلاثون : ولكن الله قتلهم ليشفي صدور المؤمنين والمؤمنات .
التاسع والثلاثون : ولكن الله قتلهم ليخزي المنافقين ويلجم أفواههم .
الأربعون : ولكن الله قتلهم لفتح باب التوبة للناس ، ومن معجزات الأنبياء أن بعثة كل نبي نوع طريق إلى التوبة وسبيل إلى الصلاح ، قال تعالى[وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ]( ).

مفهوم الموافقة في الآية
في الآية مسائل :
الأولى : التوثيق السماوي لقانون وهو قتل الله عز وجل للذين كفروا، وهل قتل الله عز وجل لهم مثل قبضه أرواح الناس بالموت بواسطة الملائكة الجواب لا ، فانه يقتل الذين كفروا بواسطة المؤمنين والملائكة , وفي التنزيل [قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ]( ) .
وهل قتل الذين كفروا في معركة بدر هو نفسه أوان موتهم أي لو لم يخرجوا إلى معركة بدر لمات هؤلاء السبعون القتلى في ذات اليوم وهو السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة مرة واحدة ، المختار لا ، إنما إختار الذين كفروا تعجيل أجلهم ، وإنخرام أيامهم ليلقوا الخزي والعذاب .
فقد ذكرت الآية أعلاه توفي وقبض ملك الموت لأرواح الناس كافة المسلم والكافر ، والبر والفاجر فكما يتساوى الناس في أصل الخلق والإيجاد بفضل وعظيم قدرة الله فان ملك الموت يتولى مغادرتهم الدنيا قهراً ، ولكن الله عز وجل تولى قتل الذين كفروا .
فصحيح أن النسبة بين الموت والقتل هو العموم والخصوص المطلق وأن القتل فرع الموت ، إلا أن قتل المشركين يوم بدر جاء بأمر من عند الله لبيان شدة غضبه عليهم لأنهم اختاروا محاربة وقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وليقتلوا بواسطة الملائكة وعلى أيدي المسلمين .
وفي مرسلة الحسن البصري قال : أن رجلاً قال : يا رسول الله رأيت في ظهر أبي جهل مثل الشراك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ذلك ضرب الملائكة ( ).
ولم يرد لفظ ملك الموت في القرآن إلا مرة واحدة في الآية أعلاه , ومن الإعجاز أن ملك الموت يأتي للإنسان لقبض روحه مرة واحدة ، وهذا لا يتعارض مع تفقده للناس خمس مرات في اليوم ، ليرى من حان أجله ، إذ يتجلى معنى هذا التفقد بتلاوة المسلمين للآية أعلاه في كل يوم ، والإحتراز والإستعداد للقائه بالتسليم بالعبودية لله عز وجل بتلاوة [إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ]( ).
وفيها تذكير بالأجل ، ونوع صلة بين المسلم وملك الموت ليرأف به عند قبض روحه ، وليأنس به المسلم عند زيارته لحضور الأجل ، وليكون أداء المسلمين الصلاة خمس مرات في اليوم واقية من شدة ملك الموت وأعوانه عند قبض الروح ووسيلة لغفران الذنوب والخروج من الدنيا بصفحة بيضاء.
وعن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ كَمَثَلِ نَهْرٍ جَارٍ يَمُرُ عَلَى بَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ( ).
وعن ابن عباس قال : بينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم قاعداً ، وتلا هذه الآية [وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلاَئِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمْ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ]( ) .
ثم قال : والذي نفس محمد بيده ما من نفس تفارق الدنيا حتى ترى مقعدها من الجنة والنار .
ثم قال : إذا كان عند ذلك صف سماطان من الملائكة نظموا ما بين الخافقين كأن وجوههم الشمس فينظر إليهم ما يرى غيرهم ، وإن كنتم ترون أنه ينظر إليكم مع كل ملك منهم أكفان وحنوط ، فإذا كان مؤمناً بشروه بالجنة ، وقالوا : اخرجي أيتها النفس الطيبة إلى رضوان الله وجنته فقد أعد الله لك من الكرامة ما هو خير لك من الدنيا وما فيها ، فما يزالون يبشرونه ويحفون به فهم ألطف وارأف من الوالدة بولدها ، ويسلون روحه من تحت كل ظفر ومفصل ، ويموت الأول فالأول ، ويبرد كل عضو الأول فالأول ، ويهون عليه وان كنتم ترونه شديداً حتى تبلغ ذقنه ، فلهو أشد كرامة للخروج حينئذ من الولد حين يخرج من الرحم ، فيبتدرها كل ملك منهم أيهم يقبضها ، فيتولى قبضها ملك الموت .
ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ]( ).
قال : فيتلقاها باكفان بيض ثم يحتضنها إليه فهو أشد لها لزوماً من المرأة لولدها ، ثم يفوح لها فيهم ريح أطيب من المسك ، يتباشرون بها ويقولون : مرحبا بالريح الطيبة والروح الطيب .
اللهم صل عليه روحاً وصل عليه جسداً خرجت منه فيصعدون بها ، ولله خلق في الهواء لا يعلم عدتهم إلا هو ، فيفوح لها فيهم ريح أطيب من المسك ، فيصلون عليها ويتباشرون بها ويفتح لها أبواب السماء ، ويصلي عليها كل ملك من كل سماء تمر به حتى توقف بين يدي الملك الجبار .
فيقول الجبار عز وجل : مرحباً بالنفس الطبية وبجسد خرجت منه ، وإذا قال الرب عز وجل للشيء : مرحبا . رحب له كل شيء وذهب عنه كل ضيق .
ثم يقول : اذهبوا بهذه النفس الطيبة فادخلوها الجنة ، وأروها مقعدها ، واعرضوا عليها ما أعد لها من النعيم والكرامة ، ثم اهبطوا بها إلى الأرض فإني قضيت أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى .
فوالذي نفس محمد بيده هي أشد كراهة للخروج منها حين كانت تخرج من الجسد ، وتقول : اين تذهبون بي إلى ذلك الجسد الذي كنت فيه .
فيقولون : إنّا مأمورون بهذا فلا بد لك منه . فيهبطون به على قدر فراغهم من غسله وأكفانه ، فيدخلون ذلك الروح بين الجسد وأكفانه .
فما خلق الله تعالى كلمة تكلم بها حميم ولا غير حميم إلا وهو يسمعها ، إلا أنه لا يؤذن له في المراجعة ، فلو سمع أشد الناس له حباً ومن أعزهم كان عليه يقول : على رسلكم ما يعجلكم وأذن له في الكلام للعنه ، وإنه يسمع خفق نعالهم ونفض أيديهم إذا ولوا عنه .
ثم يأتيه عند ذلك ملكان فظان غليظان يسميان منكراً ونكيراً ( )، ومعهما عصا من حديد لو اجتمع عليها الجن والانس ما أقلوها وهي عليهما يسير ، فيقولان له : أقعد بإذن الله ، فإذا هو مستو قاعداً فينظر عند ذلك إلى خلق كريه فظيع ينسبه ما كان رأى عند موته .
فيقولان له من ربك، فيقول : الله .
فيقولون : فما دينك، فيقول الإِسلام ، ثم ينتهرانه عند ذلك انتهارة شديدة ، ثم يقولان : فمن نبيك؟ فيقول : محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويعرق عند ذلك عرقاً يبتل ما تحته من التراب ، ويصير ذلك العرق أطيب من ريح المسك .
وينادي عند ذلك من السماء نداء خفياً صدق عبدي فلينفعه صدقه ، ثم يفسح له في قبره مد بصره ، ويبتذله فيه الريحان ، ويستر بالحرير ، فإن كان معه من القرآن شيء كفاه نوره ، وإن لم يكن معه جعل له نور مثل نور الشمس في قبره .
ويفتح له أبواب وكوى إلى الجنة فينظر إلى مقعده منها مما كان عاين حين صعد به ، ثم يقال : نم قرير العين ، فما نومه ذلك إلى يوم يقوم إلا كنومة ينامها أحدكم شهية لم يرو منها ، يقوم وهو يمسح عينيه ، فكذلك نومه فيه إلى يوم القيامة .
وإن كان غير ذلك إذا نزل به ملك الموت صف له سماطان من الملائكة نظموا ما بين الخافقين ، فيخطف بصره إليهم ما يرى غيرهم ، وإن كنتم ترون أنه ينظر إليكم ويشدد عليه ، وإن كنتم ترون أنه يهون عليه فيلعنونه ، ويقولون : أخرجي أيتها النفس الخبيثة فقد أعد الله لك من النكال والنقمة والعذاب كذا وكذا ساء ما قدمت لنفسك ، ولا يزالون يسلونها في غضب وتعب وغلظ وشدة من كل ظفر وعضو ، ويموت الأول فالأول .
وتنشط نفسه كما يصنع السفود ( )، ذو الشعب بالصوف حتى تقع الروح في ذقنه ، فلهي أشد كراهية للخروج من الولد حين يخرج من الرحم مع ما يبشرونه بأنواع النكال والعذاب حتى تبلغ ذقنه ، فليس منهم ملك إلا وهو يتحاماه كراهية له ، فيتولى قبضها ملك الموت الذي وكل بها فيتلقاها ، أحسبه قال : بقطعة من بجاد( )، أنتن ما خلق الله وأخشنه ، فيلقى فيها ويفوح لها ريح أنتن ما خلق الله .
ويسد ملك الموت منخريه ويسدون آنافهم ويقولون : اللهم العنها من روح والعنه جسداً خرجت منه ، فإذا صعد بها غلقت أبواب السماء دونها ، فيرسلها ملك الموت في الهواء حتى إذا دنت من الأرض انحدر مسرعاً في أثرها ، فيقبضها بحديدة معه يفعل بها ذلك ثلاث مرات ، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ]( )، والسحيق البعيد .
ثم ينتهي بها فتوقف بين يدي الملك الجبار فيقول : لا مرحباً بالنفس الخبيثة ولا بجسد خرجت منه ، ثم يقول : انطلقوا بها إلى جهنم فأروها مقعدها منها واعرضوا عليها ما أعددت لها من العذاب والنقمة والنكال .
ثم يقول الرب : اهبطوا بها إلى الأرض فإني قضيت أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى للبيان وتأكيد قوله تعالى[مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى]( ) .
فيهبطون بها على قدر فراغهم منها ، فيدخلون ذلك الروح بين جسده وأكفانه ، فما خلق الله حميماً ولا غير حميم من كلمة يتكلم بها لا وهو يسمعها إلا أنه لا يؤذن له في المراجعة ، فلو سمع أعز الناس عليه وأحبهم إليه يقول : أخرجوا به وعجلوا وأذن له في المراجعة للعنه . وود أنه ترك كما هو لا يبلغ به حفوته إلى يوم القيامة .
فإذا دخل قبره جاءه ملكان أسودان أزرقان فظان غليظان ، ومعهما مرزبة( )، من حديد وسلاسل وأغلال ومقامع الحديد ، فيقولان له : اقعد بإدن الله . فإذا هو مستوٍ قاعد سقطت عنه أكفانه ، ويرى عند ذلك خلفاً فظيعاً ينسى به ما رأى قبل ذلك فيقولان له : من ربك؟ فيقول : أنت . فيفزعان عند ذلك فزعة . ويقبضان ويضربانه ضربة بمطرقة الحديد فلا يبقى منه عضو إلا وقع على حدة ، فيصيح عند ذلك صيحة فما خلق الله من شيء ملك أو غيره إلا يسمعها إلا الجن والإِنس ، فيلعنونه عند ذلك لعنة واحدة وهو قوله[أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ]( ).
والذي نفس محمد بيده لو اجتمع على مطرقتهما الجن والإِنس ما أقلوها وهي عليهما يسير ، ثم يقولان عد بإذن الله ، فإذا هو مستو قاعداً فيقولان : من ربك؟ فيقول : لا أدري .
فيقولان : فمن نبيك؟ فيقول : سمعت الناس يقولون محمد . فيقولان : فما تقول أنت؟ فيقول : لا أدري . فيقولان : لا دريت . ويعرق عند ذلك عرقاً يبتل ما تحته من التراب ، فلهو أنتن من الجيفة فيكم ، ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه فيقولان له : نم نومة المسهر . فلا يزال حيات وعقارب أمثال أنياب البخت من النار ينهشنه ، ثم يفتح له باب فيرى مقعده من النار ، وتهب عليه أرواحها وسمومها ، وتلفح وجهه النار غدوّاً وعشياً إلى يوم القيامة( ).
ولو كان الإنسان يعيش في الكواكب السماوية الأخرى ودفن فيها ، فكيف تعاد روحه , فيه وجوه :
الأول : تعاد الروح الى الأرض التي خلق منها .
الثاني : يكون جسده في تراب الكواكب كالمريخ ، وروحه في الأرض .
الثالث : تعاد روحه الى محل الدفن في الكواكب الأخرى ، بلحاظ ورود ذكر الأرض من باب المثال الأغلب والظاهر .
الأقرب هو الثالث ويدل عليه ظاهر هذا الحديث بأن تدخل الروح بين الجسد والأكفان .
ويلحق ملك الموت الناس في قبض أرواحهم حتى وهم في الكواكب الأخرى وقد يكونون أقرب له ، لأن مسكنه والملائكة في السماء .
الثانية : بيان تجلي مدد عظيم أنعم الله عز وجل به على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين ، وهو قتل الله للكفار الذين يعتدون عليهم .
وهل هذه النعمة ونعمة رمي حفنة من التراب ووصولها إلى وجوه كل أفراد جيش المشركين مصاحبتان للأنبياء عند قتال المشركين لهم ، كما في قوله تعالى [وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ] ( )أم أن هاتين المعجزتين خاصتان بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه من المؤمنين .
المختار هو التفصيل أما بالنسبة للنعمة الأولى ، فالجواب نعم ، لنصرة الله عز وجل لأنبيائه ، وأما الثانية وهي التي يتضمنها قوله تعالى [وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى] ( ) فالمختار أنها من مختصات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وجاء إخبار الآية أعلاه عن قتال شطر من الأنبياء لدفع المغالطة والجدال من المنافقين والكفار فقد يقول بعضهم كيف يقاتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو نبي أرسله الله [رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ) .
ويجتنبون في جدالهم ذكر مسألة وهي أن المشركين هم الذين اختاروا في القتال أموراً:
الأول : الإستعداد والنفير للقتال .
الثاني : زمان القتال .
الثالث : مكان القتال .
الرابع : الإبتداء بالقتال .
الخامس : طلب المبارزة والالحاح عليها .
السادس : عدم إيقاف المشركين القتال إلا عند امتلاء نفوس المشركين بالخوف والرعب .
وجاء المدد من عند الله حجة على الذين كفروا وعلى المنافقين ، إذ يدل بالدلالة التضمنية على أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم على حق في دفاعه ضد المشركين ، وعدم اختياره الهجوم أو الغزو .
ومن خصائص المدد الإلهي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه مانع من الغزو من الطرفين ، فلا يقوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالغزو ولا يأمر به لكفاية المعجزة في الدعوة إلى الله واقامة الحجة على الناس ، ولأن الله عز وجل يقتل الذين كفروا إذا قاموا بالهجوم والغزو ، كما يعزف الذين كفروا عن الهجوم والغزو ، بأن الله عز وجل يقتلهم ، لذا فان نزول آية البحث إنذار لعموم الذين كفروا ، وزجر لهم عن الهجوم على المدينة المنورة وغزوها وقتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وحتى لو جهزوا الجيوش وزحفوا للقتال فانهم يجتنبون اللقاء خشية قتلهم وهو الذي تجلى في وجوه :
الأول : سرعة إنسحاب أبي سفيان وجيش الذين كفروا في معركة أحد ، إذ رحلوا عن ميدان المعركة في ذات اليوم الذي إبتدأت بها في النصف من شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة ، وهي المعركة التي جاءت بعد معركة بدر بثلاثة عشر شهراً ، إذ بادر المشركون الى الإنسحاب ، ونادى أبو سفيان عند الإنصراف موجهاً خطاب للنبي محمد وأصحابه كنوع تحد وتعد : موعدكم بدر للعام القابل( ).
الثاني : إمتناع المشركين عن القتال العام في غزوتهم في الأحزاب في السنة الخامسة للهجرة مع محاصرتهم للمدينة نحو عشرين ليلة .
الثالث : ميل المشركين للصلح والمهادنة في الحديبية في السنة السادسة للهجرة ، مع أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لم يحملوا الأسلحة يومئذ ، ورضا الذين كفروا بعمرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في السنة التالية وهي التي تسمى عمرة القضاء .
وقد عقد النبي صلى الله عليه وآله وسلم الصلح مع المشركين لأنه لا يريد القتال ، وذات الصلح معجزة له ، ودعوة للناس لدخول الإسلام .
والعمرة اسم من الإعتمار ، وهي لغة القصد والزيارة ، وفي الإصطلاح زيارة البيت الحرام وأداء مناسك خاصة( )، كالطواف بالبيت ، وصلاته, والسعي بين الصفا والمروة والحلق ، والعمرة على قسمين :
الأول : عمرة التمتع ، المتصلة بالحج والتي تسبقه ، ولا تؤدى الا في أشهر الحج .
الثاني : العمرة المفردة ، والتي يؤتى بها في أي شهر من أشهر السنة ، وأي يوم منها ، عدا أيام الحج كيوم النحر وأيام التشريق , وهل يجوز إتيانها يوم التروية ويوم عرفة ، الجواب لا، نعم ممكن أداء مناسك عمرة التمتع صباح يوم عرفة مع سعة الوقت للوصول إلى عرفة عند زوال الظهر من ذات اليوم ، قال تعالى[وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ]( ) .
والمختار أن العمرة المفردة مستحبة ، وهو ظاهر الجمع بين النصوص، ويتأكد استحبابها في شهري رمضان ورجب .
وروي عن جابر أنه قال : يا رسولَ الله العمرةُ واجبةٌ مثلَ الحجِّ؟ قال : لا ولكن أن تعتمِرَ خيرٌ لك ، وبقوله عليه السلام : الحجُّ جهاد والعُمرةُ تطوُّعٌ فتدبر( ).
وقال باستحبابها مالك بن أنس وأبو حنيفة , واختار أحمد بن حنبل والشافعي وجوب العمرة، وعن الإمام علي عليه السلام : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: العمرة إلى العمرة كفارة ما بينهما، والحجة المتقبلة ثوابها الجنة، ومن الذنوب ذنوب لا تغفر إلا بعرفات ( ).
الرابع : إصابة الذين كفروا بالضعف والوهن والنقص في العدد والعدة والأموال ، فبعد أن كانوا يسيرون القوافل بين مكة والشام كل قافلة تتألف من ألف أو ألفي بعير ، صاروا ينحرونها لإطعام الجيوش وللتجهيز للقتال .
الثالثة : تأكيد وقوع القتل في جيش الذين كفروا في معركة بدر ، وفيه معجزة للقرآن في المنع من تحريف الوقائع والأحداث ، ليكون من معاني الحفظ في قوله تعالى [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون] ( ) حفظ الوقائع بنزول آيات القرآن .
وليكون هذا الحفظ سبيل هدى وصلاح للناس وبرزخاً دون الغزو والهجوم على ثغور المسلمين وتركهم ينشغلون بعبادتهم ومعاشاتهم لذا سمّى النبي صلى الله عليه وآله وسلم السعي والكد على العيال بالجهاد الأكبر .
وجاء تأكيد قتل الذين كفروا في معركة بدر من وجوه :
الأول : نفي نسبة قتل الذين كفروا للمسلمين ، والذي يدل بالدلالة الإلتزامية على حدوث القتل فيهم بلحاظ تتمة الآية .
الثاني : إخبار الآية عن قتل الله للذين كفروا .
الثالث : تفضل الله عز وجل بنسبة رمي حفنة من تراب بيد النبي صلى الله عليه وآله وسلم إليه سبحانه ، فالله عز وجل هو الذي رمى هذه الحفنة .
ولو قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم برمي السهام والنبال على المشركين فهل يكون الله عز وجل هو الرامي ، الجواب لا يفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمراً إلا باذن الله عز وجل , ولو أذن له سبحانه فانه إن شاء أن تكون هذه السهام برميته هو نفسه أو بعضها أو لا تكون .
والمختار أن المعجزة خاصة بالتراب ، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لو رمى سهماً فانه لا يصل إلى جميع أو شطر من الكفار.
والأصل أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم يرم السهام ولو رماها فأنها لا تكون مثل رمي الحفنة من التراب لأن التراب لم يقتل المشركين إنما ملأ عيونهم وضرب وجوههم كانذار لهم من القتال ، وعندما أصروا عليه قتلهم الله بأيدي المسلمين والملائكة .
إنما جاء رمي التراب من عند النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم برحمة الله عز وجل ، وفضله على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين وإرادة أمور :
الأول : منع المشركين من القتال .
الثاني : بيان قبح محاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين.
الثالث : تجلي قانون وهو حضور المعجزة في القتال .
الرابع : حاجة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين للمعجزة في القتال .
لقد خلق الله عز وجل الإنسان كائناً محتاجاً ، لينقطع إلى الله في حاجاته ويشكره سبحانه على توالي النعم ، وتحتمل نسبة النعم بلحاظ حاجة الإنسان إلى وجوه :
الأول : نسبة التساوي بين حاجة الإنسان والنعم التي يتفضل بها الله عز وجل .
الثاني : ما يأتي للإنسان من النعم أكثر وأعظم من حاجته .
الثالث : حاجة الإنسان أكثر من النعم التي تأتيه .
الرابع : التفصيل ، فما يأتي من النعم من عند الله للمؤمنين أكثر من حاجتهم وبخلاف الذين كفروا .
والصحيح هو الثاني أعلاه ، إذ أن نعم الله على كل إنسان لا تحصى ، هي أعظم وأكثر من حاجته بكثير ،ومن مصاديق قوله تعالى [وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا] ( ).
ومن معاني وتقدير الآية وجوه :
الأول : يا أيها الإنسان إن تعدوا نعمة الله عليك لا تحصيها .
الثاني : يا أيها الناس إن تعدوا نعمة الله على أي فرد منكم لا تحصوها.
الثالث : يا أيها الإنسان إن تعد نعمة الله على غيرك لا تحصيها .
وفي التحدي بكثرة النعم والعجز عن إحصائها دعوة للناس لعدم الغزو أو خوض المعارك والقتال .
ولم يرد لفظ (تقتلوهم) في القرآن إلا في آية البحث وبصيغة النفي [فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ] لبيان أن الإسلام ليس دين القتل والإقتتال ، إنما هو دين الرحمة والرأفة والمودة والعفو والتسامح ، ولكن الذين كفروا أصروا على محاربته فتفضل الله عز وجل فقتل طائفة منهم ، ومن الإعجاز بنسبة القتل الى الله لحوق الذم والى يوم القيامة لهم ، وفيه موعظة لأجيال الناس لإجتناب قتال المؤمنين .
وفيه منع من دبيب الخوف والفزع لقلوب المسلمين من القتال المنكر ، مع الذين كفروا ، ودعوة للناس لدخول الإسلام ، وهل تتوجه هذه الدعوة إلى ذات الذين يحاربون الإسلام أنفسهم.
الجواب نعم ، وهؤلاء يرون ويعلمون بمعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع عامة الناس ، كما يرون معجزات السنة الدفاعية بحضورهم معركة بدر وأحد والخندق ، وهو من مصاديق قوله تعالى[سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ]( ).
ومن الإعجاز في بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم صيرورة الذين يحاربونه دعاة لنبوته حتى , وهم باقون على الكفر ، من وجوه :
الأول : سماع الذي كفروا للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو يدعوهم إلى التوحيد عندما يرمونه وأصحابه بالسهام والنبال .
الثاني : تجلي النصر للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع قلة أصحابه والنقص في أسلحتهم ومؤنهم .
الثالث : رؤية جيش المشركين صدق إيمان المهاجرين والأنصار ، وتفانيهم في الدفاع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والتنزيل .
ولما استقر كفار قريش عند ماء بدر بعثوا رجلاً اسمه عمير بن وهب الجمحي للطواف حول أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعرفة عددهم ، فاستجال بفرسه حول معسكر المسلمين الذين لم يتعرضوا له ، ولم يرموه بسهم مع أن إرادته الإستطلاع أمر ظاهر ، فتركوه وشأنه لإدراكهم أموراًً :
الأول : قانون وهو أن النصر بيد الله، وهو الذي ينصر نبيه ولقانون وهو أن المسلمين لا يبدأون القتال ، ولو تقيد أي طرفين يتلاقيان للقتال بهذا القانون لما وقع قتال.
وهل هدم بدء المسلمين القتال من معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحسية الجواب نعم ، مع إضافة معجزة وهي مجئ النصر للنبي وأصحابه مع عدم بدئهم بالقتال , ورجع عمير الجمحي إلى كفار قريش فأخبرهم بأن عدد الصحابة هم ثلاثمائة رجل أو يزيدون قليلاً أو ينقصون ، ومعهم سبعون بعيراً وفرسان( ) .
ولم يكن كل المسلمين مكشوفين له ، ويظهر أنه ملتفت إلى هذه المسألة ، بمواضع إقامتهم البسيطة ثم قال : أَمْهِلُونِي حَتّى أَنْظُرَ أَلِلْقَوْمِ كمين أو مدد( ).
فجال بفرسه مرة أخرى مبتعداً في بطن الوادي ينظر يمنة ويسرة ، فلم يرّ مدداً من جيش أو خيل ، ولم يعلم والمشركون أن المدد يومئذ ينزل من السماء ، ولا يرونه حتى يكثر القتل في صفوف الذين كفروا ، إذ رجع إلى كفار قريش وقال : ما وجدت شيئاً .
وهل فيه استدراج للذين كفروا ؟ الجواب نعم ، قال تعالى [وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ] ( ) وأردف مخاطباً رؤساء وعامة الجيش (يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، الْبَلَايَا تَحْمِلُ الْمَنَايَا ، نَوَاضِحُ يَثْرِبَ تَحْمِلُ الْمَوْتَ النّاقِعَ قَوْمٌ لَيْسَ مَعَهُمْ مَنَعَةٌ وَلَا مَلْجَأٌ إلّا سُيُوفُهُمْ وَاَللّهِ مَا أَرَى أَنْ يَقْتُلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ حَتّى يَقْتُلَ رَجُلًا مِنْكُمْ فَإِذَا أَصَابُوا مِنْكُمْ أَعْدَادَهُمْ فَمَا خَيْرُ الْعَيْشِ بَعْدَ ذَلِكَ ؟ فَرَوْا رَأْيَكُمْ) ( ).
والمراد من البلايا في الخبر وجوه :
الأول : البلايا جمع بلية ، وهي المحنة والشدة .
الثاني : الناقة التي تعقل في الجاهلية عند قبر صاحبها إذا مات ، فلا تعلف ولا تسقى حتى تموت بعد لحاجته إليها عند البعث بظنهم .
الثالث : المعنى الجامع للأمرين أعلاه ، وفي خبر آخر أن عمير الجمحي قال (رأيت الحوايا عليها المنايا) ( ).
والنواضح : جمع ناضح وهو الجمل الذي يستسقى عليه (قال أبو عُبيدة: حجَّ معاوية فلما قرب من المدينة تلقّته قريش على اثني عشرَ ميلاً وتلقّته الأنصار على ميلين فعاتبهم فشكَوا الأَثَرَة .
فقال: فأين أنتم عن النواضح ، فقال له قيس بن سعد: تركناها لقومك عامَ قتلنا حَنْظَلَةَ. فقال معاوية: واحدةٌ بواحدة والبادىء أظلم) ( ).
والمراد أنهم سخّروا النواضح في معركة بدر يوم قتل المسلمون حنظلة بن أبي سفيان أخا معاوية .
وهل نفع هذا الإنذار الناس واتعظ منه كفار قريش ، الجواب نعم ، ولكن على نحو الموجبة الجزئية ، إذ إنسحب بنو زهرة ولم يشهدوا القتال، وسعى عتبة في إجتناب القتال ، ولكن أبا جهل أصرّ عليه ، ليكون فيه شاهد على إمتناع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه عن الإبتداء بالقتال ، وإنتظارهم إنسحاب جيش المشركين ، ولو إنسحبوا فهل فيه معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وهل هذه المعجزة على فرض تحققها أكبر من النصر الذي ذكره الله بقوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ] ( ).
المختار أن هذا الإنسحاب معجزة للنبي وانه وما يصاحبه ويتعقبه كمعجزة النصر في معركة بدر ولا ملازمة بين النصر والقتال ، فقد يتحقق النصر من غير قتال ، وقد تحقق في صلح الحديبية فتح مبين مع عدم وقوع قتال يومئذ ، والفتح أعظم وأكبر من النصر .
وعن عامر الشعبي : أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية : أفتح هذا؟ قال : وأنزلت عليه { إنا فتحا لك فتحاً مبيناً } فقال النبي صلى الله عليه وسلم : نعم عظيم ، قال : وكان فصل ما بين الهجرتين فتح الحديبية قال لاَ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ.
الرابعة : تتضمن الآية الإنذار والوعيد للذين كفروا من وجهين :
الأول : في الحياة الدنيا ، فاذا كان الله عز وجل هو الذي قتل الذين كفروا في معركة بدر فانه يقتلهم في المعارك اللاحقة ، مما يدل على استحالة تحقيقهم النصر فيها .
وتجلت هذه الإستحالة في الوجود الخارجي فلم يحرز الذين كفروا النصر في أي من معارك الإسلام الأولى : فان قيل قد انتصروا في معركة أحد ، فالجواب لا دليل عليه ، فصحيح أنه كسبوا جولة فيها ، ولكنهم لم ينتصروا.
الثاني : في عالم الآخرة فلا يقتل الله إلا الذين يغضب ويسخط عليهم ليكون [َمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ]( ).
وغضب الله ليس صفة نفسانية لتنزه الله عنها وعن الإنفعال ، والمراد من غضبه تعالى : عقابه وعذابه ، وفي فرعون وقومه ، قال تعالى [فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ] ( ) .
وهل كفار قريش من الآخرين الذين تذكرهم الآية أعلاه ، إذ كانت قصة آل فرعون وغرقهم لأصرارهم على الجحود ومحاربة النبوة والإفراط في المعصية وعبادة الطاغوت والصنم عظة لهم ، أم لم تصل أخبار غرق فرعون وعلته إلى قريش للبعد الزماني والمكاني .
الجواب هو الأول ، فان قريشاً يعلمون بأخبار فرعون وموسى في الجملة ، ويطلعون على التوراة وقصصها ، وكانت دار الندوة المجاورة للبيت الحرام محلاً للمذاكرة بأخبار الأمم ، وزادت عناية قريش بها بعد بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ترى ما هي النسبة بين غرق آل فرعون وقتل كفار قريش في معركة بدر ، والجواب ، هو العموم والخصوص من وجه ، فهناك مادة للإلتقاء وهي من وجوه :
الأول : محاربة النبي الرسول إذ حارب فرعون موسى عليه السلام ، وحاربت قريش الرسول محمداً صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : تلقي آل فرعون المشركين الإنذارات المتكررة وعدم إتعاظهم منها .
الثالث : توالي الآيات والمعجزات التي تزجر عن محاربة النبوة والتنزيل.
الرابع : قيام كل من آل فرعون ومشركي قريش بايذاء وتعذيب المؤمنين ، وفي التنزيل [إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ] ( ).
الخامس : توثيق القرآن لواقعة هلاك آل فرعون بالغرق ، وقتل الذين كفروا من قريش يوم معركة بدر ، وبخصوص آل فرعون ورد الخطاب القرآني لبني إسرائيل [وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمْ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ]( ).
السادس : إدّعى فرعون موسى الربوبية ، وإتخذ كفار قريش من الأوثان آلهة.
أما مادة الإفتراق فهي من وجوه :
الأولى : وقوع غرق آل فرعون في زمن النبي موسى عليه السلام ونزول التوراة ، بينما وقعت معركة بدر أيام نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وصدود الذين كفروا عن آيات القرآن فاستحقوا العقاب ، قال تعالى [وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمْ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ]( ).
الثانية : هلاك فرعون وجنوده في بالغرق في بحر القلزم ، والذي يسمى في هذه الأزمنة البحر الأحمر ، وتكون مياهه الجنوبية عند مدخل بحر المحيط الهندي الذي يقع بين أفريقيا وآسيا ، ويتصل بالمحيط عند مضيق باب المندب وخليج عدن ، أما حدّه من الشمال فهو عند سيناء وخليج العقبة وقناة السويس .
وقيل أن موسى عليه السلام وقومه ساروا عند هربهم من فرعون في وادي وطير والذي يقع في نهايته شاطئ نويبع جنوب سيناء ، والذي يطل على خليج العقبة ، ومنه كان العبور ، وتبعد عن قناة السويس نحو (465) كم .
وذكر أن موسى عاصر عدداً من الفراعنة هم :
أولاً : أحمس مدة أربع عشرة سنة .
ثانياً : تحتمس الأول مدة تسعاً وثلاثين سنة ، وقيل كان عمر موسى عليه السلام عندما غادر مصر إلى أرض مدين بعد أن قتل رجلاً من قوم فرعون ستين سنة , وبقي ثمان سنوات في مدين ، ثم عاد إلى مصر ليظهر المعجزات ويدعو فرعون إلى التوحيد ونبذ الشرك ، والتخلي عن دعوة الربوبية ، وأشكل على هذا القول من وجوه بلحاظ التباين الزماني ووقوع هذه الحوادث في أيام تحتمس .
ثالثاً : تحتمس الثاني وهو فرعون موسى على قول ، وكان زمن الخروج سنة (1495 ) ق.م.
رابعاً : تحتمس الثالث وهو فرعون الحاكم .
والقائل بهذه الفرضية يذهب إلى أن الملكة حنشبسوت أنقذت موسى بأن أخرجته من البحر سنة (1527) ق.م
البحر بعد أن القته فيه أمه بأمر من عند الله ، قال تعالى [إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (طه/38) أَنْ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي]( ) .
وقد حكمت حنشبسوت بعد موت زوجها الملك تحتمس الثاني كوصية على الملك الصغير تحتمس الثالث ثم صارت ملكة وابنة الإله آمون .
وعاش موسى في البلاط ثم تولى تحتمس الثالث العرش وكان يبغض حنشبسوت فخشي موسى غضبه وبطشه ، ففر من مصر سنة (1447)ق.م
وأشكل على هذا الإحتمال من وجوه :
الأول : التباين في التواريخ وزمان الوقائع .
الثاني : لم يدعِ تحتمس الثالث الربوبية , وكان متواضعاً يتجنب الفخر والزهو .
الثالث : كان تحتمس رجلاً محارباً ,و ينسب انتصاراته إلى تأييد الإله أمون .
الرابع : قضى تحتمس الثالث (1504-1450)ق.م أكثر ايامه في الغزوات والقتل ، وهو من أكبر ملوك الأسرة الثامنة عشرة ، وعقد تحالفاً مع الكنعانيين والسوريين وخضعت له أرض كنعان (فلسطين ) بلاد الشام مدة من الزمن ، مما يصعب معه إختفاء موسى عنه عند ذهابه إلى شعيب ، وإن كان الملك وسلطانه لا يشمل الأفراد وملاحقتهم الدقيقة وقصور السلطان هذا في الجملة من عمومات قوله تعالى[أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا]( ).
خامساً : تمت هجرة موسى عليه السلام في زمن أمنوفيس الثاني كما ورد في سفر القضاء .
سادساً : وقوع هجرة موسى عليه السلام أيام حكم رمسيس الثاني بين السنة (1250-1275)ق.م .
وأن العبرانيين كانوا قد بنوا مدينة باسم (رعمسيس )وهو الفرعون الذي وقع الخروج في أيامه .
وفي القرن الثالث عشر قبل الميلاد تم اكتشاف الحديد في مصر ، مما زاد من إكراه العمال على العمل الشاق ساعات طولية .
ومنهم بنو اسرائيل فبعث الله عز وجل موسى عليه السلام نبياً رسولاً لنجاتهم ، وجعل معه هارون أخاه نبياً ووزيراً ، وفي التنزيل [هَارُونَ أَخِي *اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي] ( ) .
فهاجر موسى ببني اسرائيل بأمر من عند الله لبيان سنخية , وقانون ثابت في تأريخ النبوة ، وهو إعراض الأنبياء عن أسباب القتال ، وإجتنابهم وأتباعهم مقدماته ، وليس أفضل من الهجرة والهروب بالدين ، وإذا كان في مصر هناك بحر القلزم ، فليس في الجزيرة بحر فهاجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة .
مفهوم المخالفة في الآية
وفي الآية مسائل :
الأولى : ترى ماذا لو قام المسلمون بقتل الذين كفروا , فيه وجوه :
الأول : المشاق والعناء للمسلمين .
الثاني : كثرة قتلى المسلمين في معركة بدر ، بلحاظ أن الحرب سجال ، فلو كانت المسلمون هم الذين قتلوا المشركين لكان قتل المسلمين أكثر من الأربع عشرة الذين سقطوا شهداء في معركة بدر ، ليدل قوله تعالى [فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ] ( ) على قانون وهو قلة قتلى المسلمين بسبب قتل الله للذين كفروا ، وهو من مصاديق قوله تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ]( ).
فمتى ما علم الجمع والجيش بقلة عدد قتلى عدوهم إذا نشبت المعركة فأنهم يفزعون ويخافون ويتدبرون في الأمر , وفي بدر يكون من مصاديق تجلي المعجزة ، وهو من مصاديق قول النبي (نصرت بالرعب ، وأعطيت مفاتيح الأرض ، وسميت أحمد ، وجعل التراب لي طهوراً ، وجعلت أمتي خير الأمم ) ( ).
الثالث : لو كانت نسبة قتل المشركين إلى المسلمين خاصة فان عدد قتلى المشركين يكون قليلاً ، مما قد يكون سبباً لتجرأ المشركين في طلب القتال مرة أخرى ، وتحريض الناس على المسلمين .
الثانية : من حب الله عز وجل للناس ورحمته بهم في الدنيا تفضله بقتل المشركين المعتدين بتجلي الحب والرحمة الإلهية في المقام من وجوه :
الأول : سلامة شخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : توالي نزول آيات القرآن بلحاظ قانون من الإرادة التكوينية وهو إنحصار نزول القرآن بشخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فلم ولن ينزل على غيره ، ولا يغادر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى حتى يستوفي نزوله , ليمتاز في موضوع رزقه عن الناس باختصاصه بنزول القرآن .
عن عبد الله بن عمر قال: نزلت هذه السورة[إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ]( )، على رسول الله صلى الله عليه وآله في أوسط أيام التشريق، فعرف أنه الوداع، فركب راحلته العضباء فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أيها الناس كل دم كان في الجاهلية فهو هدر وأول دم هدر دم الحارث بن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعا في هذيل فقتله هذيل .
وكل ربا كان في الجاهلية فموضوع، وأول ربا وضع ربا العباس بن عبد المطلب، أيها الناس إن الزمان قد استدار فهو اليوم كهيئة يوم خلق الله السماوات والارضين، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والارض منها أربعة حرم: رجب مضر الذي بين جمادى وشعبان: وذو القعدة وذو الحجة والمحرم فلا تظلموا فيهن أنفسكم، فإن النسئ زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطؤا عدة ما حرم الله.
وكانوا يحرمون المحرم عاما، و يستحلون صفر، ويحرمون صفر عاما ويستحلون المحرم .
أيها الناس إن الشيطان قد يئس أن يعبد في بلادكم آخر الابد، ورضي منكم بمحقرات الأعمال.
أيها الناس من كانت عنده وديعة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، أيها الناس إن النساء عندكم عوان لا يملكن لانفسهن ضرا ولا نفعا، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمات الله، فلكم عليهن حق، ولهن عليكم حق، ومن حقكم عليهن أن لا يواطؤا فرشكم ولا يعصينكم في معروف، فإذا فعلن ذلك فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، ولا تضربوهن.
أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله عز وجل فاعتصموا به، يا أيها الناس أي يوم هذا ؟ قالوا: يوم حرام، ثم قال: يا أيها الناس فأي شهر هذا ؟ قالوا: شهر حرام، ثم قال: أيها الناس أي بلد هذا ؟
قالوا: بلد حرام، قال: فان الله عز وجل حرم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم كحرمة هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا إلى يوم تلقونه، ألا فليبلغ شاهدكم غائبكم، لا نبي بعدي، ولا أمة بعدكم، ثم رفع يديه حتى أنه ليرى بياض إبطيه، ثم قال: اللهم اشهد أني قد بلغت) ( ).
الثالث : ثبات المسلمين في ميدان المعركة وعدم التخلية بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسيوف ورماح المشركين ، فان قلت قد انهزم أكثر المسلمين في معركة أحد .
والجواب من وجوه :
أولاً : لم يثبت إنهزام الأكثر من المسلمين نعم حصل هذا الإنهزام من طائفة منهم ، قال تعالى بخصوص معركة أحد [إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ] ( ) .
ثانياً : بقاء عدد من أهل البيت والصحابة يقاتلون حول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويذبون عنه , ويتلقون الرماح بصدورهم وظهورهم لمنع وصولها إليه مع قتال طائفة أخرى من المسلمين في الميدان .
ثالثاً : ثبات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ميدان المعركة مع حاجة المسلمين والناس جميعاً لسلامته ، وليكون هو الإمام المقتدى في الإمتثال لأمر الله تعالى .
رابعاً : عودة المسلمين الذين انهزموا من الميدان إلى المعركة وإلى الإلتفاف حول النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
ويدل على عدم هزيمتهم كثرة الجراحات التي أصابت كل واحد منهم ، ولو دار الأمر بين كون هذه الجراحات عند المبارزة والقتال مواجهة أم أنها عند الفرار ، فالصحيح هو الأول .
الرابع : نزول الملائكة لنصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين في ساعة المحنة والشدة ولمعان سيوف المشركين , وسقوط نبالهم سهامهم كالمطر على معسكر المسلمين .
وبين السهام والنبال عموم وخصوص مطلق ، لإختصاص النبال بالسهام العربية ، وكذا ذات النسبة بين السهام والنشاب التي تختص بالفارسية ، وقيل أنها من المترادفات ، والمختار أن تعدد أسمائها في المقام ، يدل على تعدد المسمى خصوصاً وأن العرب كانوا يجعلون اسماً لكل سيف أو سلاح يتصف بخصوصية معينة ، وتصل أسماء السيف عندهم إلى أكثر من مائة اسم.
(عَنْ أَبِى مُوسَى عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ : إِذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ فِى مَسْجِدِنَا أَوْ فِى سُوقِنَا وَمَعَهُ نَبْلٌ فَلْيُمْسِكْ عَلَى نِصَالِهَا بِكَفِّهِ أَنْ تُصِيبَ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِشَىْءٍ أَوْ فَلْيَقْبِضْ عَلَى نِصَالِهَا( )) ( ).
وتجلت في معركة بدر معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بنسبة قتلى المشركين لله عز وجل ، وليس من أحد أشد ظلماً لنفسه وللغير ممن يقتله الله عز وجل .
فان قلت قد ورد لفظ [فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ..] في عدة آيات من القرآن وليس فيه ذكر للذين قتلهم الله ، والجواب هذا القتل نتيجة إرتكاب الظلم الذي ذكرته هذه الآيات مجتمعة وهي :
الأولى : قوله تعالى [فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ *وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ] ( ) .
الثانية : قوله تعالى [وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا] ( ) .
الثالثة : قوله تعالى [فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ] ( ) .
الرابعة : قوله تعالى [وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ] ( ) .
ليكون من الخزي للمشركين في الدنيا الذي تذكره الآية أعلاه قتل الله عز وجل لهم يوم معركة بدر ، وهناك مسائل :
الأولى : هل ينحصر الخزي في الدنيا بالذين قتلهم الله يوم بدر .
الثانية : هل الخزي من الكلي المتواطئ أو المشكك .
الثالثة : هل تشمل الآيات أعلاه التابعين للمشركين يوم بدر .
أما المسالة الأولى فالخزي في الدنيا أعم من أن يختص بالمشركين الذين قتلوا يوم معركة بدر , إذيشمل الكفار مطلقا.
وأما الثانية فان الخزي في الدنيا من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً ، والمشركون شهروا السيوف في معركة بدر وقتل الله لهم أشد خزياً بلحاظ شدة قبح فعلهم [إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ]( ).
وأما الثالثة فتشمل مضامين الآيات أعلاه التابعين للمشركين يوم بدر , وحضروا معهم المعركة من الأبناء والغلمان والعبيد لمشاركتهم في الصد عن سبيل الله بالقول والفعل وحمل السيوف بوجه النبوة والتنزيل ، فهم ليسوا كالآلة أو الطفل في الحكم الشرعي والتكليف .
ومن الحجج الباهرة في بعثة الأنبياء مخاطبتهم للناس جميعاً بوجوب الإيمان , ونبذ الكفر والضلالة .
وحينما دخل المهاجرون والأنصار الإسلام لم يعلموا بأن القتال سيجري بينهم وبين الذين كفروا الذين لا يرضون إلا بقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ومن الأذى الذي لاقاه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون الأوائل مصاحبة تهديد ووعيد الذين كفروا لهم ، ولم يردوا بالمثل ، ولم يتخذوا صيغ الإستعداد لدفع شرورهم إنما كانوا منقطعين إلى طاعة الله عز وجل وأداء الفرائض العبادية ، فحينما نشبت معركة بدر ، تولى الله عز وجل بنفسه الدفاع عن المسلمين ، وقام بقتل طائفة من رؤساء الكفر والضلالة .
والظاهر أن الفاء في [فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ] ( ) فصيحة تفصح عن مقدر قبلها شرطاً أو غيره ، فما دام الله عز وجل يقتل المشركين فيجب عدم الفرار منهم لإنتظار نصر الله في كل آن .
وهل يحتمل أن الله عز وجل قتل شطراً من مجموع قتلى المشركين السبعين يوم بدر .
وتقدير الآية على وجوه :
الأول : فلم تقتلوهم جميعاً ولكن الله قتل طائفة منهم .
الثاني : فلم تقتلوا الرؤساء منهم ولكن الله قتلهم .
الثالث: فلم تقتلوا الذين أصروا على القتال ، ولكن الله قتلهم .
الرابع : فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم جميعاً .
والمختار هو الأخير لأصالة الإطلاق إذ ينسب الله عز وجل قتل المشركين له سبحانه من غير استثناء أو تخصيص ، ويدل عليه ما ورد في معركة أحد بقوله تعالى [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ]( ).
وهل يصح تقدير خاتمة الآية أعلاه فيغلبهم الله خائبين ، الجواب نعم ، لتكون هذه الخيبة من مصاديق الآية أعلاه من جهات :
الأولى : كف الذين كفروا عن الهجوم , وغزو المدينة لأن الخيبة والحسرة سبب للضعف والوهن والإخفاق والنكوص .
الثانية : الرحمة بالمسلمين للمندوحة والسعة التي تترشح عن عزوف الذين كفروا عن الهجوم .
الثالثة : فضل الله عز وجل على الناس بازاحة المانع من تدبرهم في معجزات النبوة ، ودخولهم الإسلام .
الرابعة : قعود رؤساء الكفر عن تحريض القبائل والجماعات والأفراد على قتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
لقد كان المنافقون يحثون المؤمنين خصوصاً الأنصار على القعود عن الدفاع ، قال تعالى [الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ] فلم يقعد الصحابة عن الدفاع ، ولكن الناس قعدوا عن نصرة الذين كفروا ، وفي التنزيل [إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلْ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا] ( ).
ومن الآيات في هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأسباب التخفيف عنه في المقام أمور :
الأول : ليس من سلطان جائر في الجزيرة .
الثاني : أهل مكة الذين حاربوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ويدل عليه مفهوم قوله تعالى [وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ] ( ) أي هناك أفراد عشيرة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ليسوا بقريبين له في المرتبة ، ومن الأقربين أبو لهب وهو عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان شديد العداوة له ، واثبات شئ لشئ لا يدل على نفيه عن غيره ، إذ كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نذيراً لقريش والعرب والناس جميعاً ، وفي التنزيل [إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا] ( ) .
الثالث : جاء القرآن يفسر بعضه بعضاً ، ويدرك معه العموم والخصوص وأصالة الإطلاق إذ ورد ما يدل على أن النبي محمداً نذير لكل الناس ، قال تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ] ( ) كما تدل آيات القرآن أن هذا الإنذار وعمومه رحمة بالناس لقوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ).
الرابع : كانت هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه شخصية ومتتابعة فراداً وجماعات ، إذ كان الصحابة يخرجون فراداً وجماعات صغيرة .
الخامس : وجود أمة من المؤمنين في المدينة وهم الأنصار يستقبلون ويأوون الذين هاجروا ، قال تعالى [وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلاَيَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنْ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمْ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ]( ) .
السادس : ليس من تيه في البوادي في هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وان كان طريق الهجرة مليئ بالمخاطر والمهالك بسبب مطاردة الذين كفروا للمهاجرين، ووعورة الطريق ، واحتمال التعرض لقطاع الطرق ، وللهلاك جوعاً وعطشاً ليكون هذا الطريق من مصاديق الجهاد , والذي لا يختص بالهجوم والغزو ، وفي هجرة لوط ورد في التنزيل [وَقَالَ إِنِّي مهاجر إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ]( ).
وهذه الوجوه من مادة الإفتراق بين هجرة موسى وهجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الخامسة : لقد انقطع تهديد فرعون لموسى عليه السلام وبني اسرائيل بغرقه وجنوده في البحر ، ففي التهديد أطراف وهي :
الأول : الذي يقوم بالتهديد .
الثاني : موضوع التهديد .
الثالث : مادة التهديد ، وما يهدد به .
الرابع : الذي يتلقى التهديد .
وقد هلك الطرف الأول أعلاه ، وهو فرعون، ومن الآيات عدم وجود نائب أو أهل أو جنود له ينتقمون له ، أو يسيرون على نهجه في التهديد وتنجز مصداقه ، فقد تزوجت نساء آل فرعون العبيد , وهو من الخزي لهم في الدنيا .
ومن الآيات رؤية بني إسرائيل لهذا الغرق ليشكروا الله ، ولا يؤذوا موسى بالإكثار من إعلان الخوف والخشية من هجوم فرعون عليه وسبيه لهم ، وفي قوله تعالى[وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ]( ).
وعن ابن عباس قال : أوحى الله جل وعز إلى موسى أن أسر بعبادي ليلا إنكم متبعون. قال: فسرى موسى ببني إسرائيل ليلا فاتبعهم فرعون في ألف ألف حصان سوى الإناث، وكان موسى في ستمائة ألف. فلما عاينهم فرعون قال [إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ* وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ]( )، فسرى موسى ببني إسرائيل حتى هجموا على البحر، فالتفتوا فإذا هم برَهَج دواب فرعون .
فقالوا: يا موسى [أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا]( )، هذا البحر أمامنا، وهذا فرعون قد رَهِقنا بمن معه ، [قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ] ( ).
قال: فأوحى الله جل ثناؤه إلى موسى[أَنْ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ]( ).
وأوحى إلى البحر أن اسمع لموسى وأطع إذا ضربك ، فبات البحر له أفكل يعني: له رعدة – لا يدري من أي جوانبه يضربه.
فقال يوشع لموسى: بماذا أمرت؟ قال: أمرت أن أضرب البحر.
قال: فاضربه ، فضرب موسى البحر بعصاه، فانفلق فكان فيه اثنا عشر طريقا، كل طريق كالطود العظيم؛ فكان لكل سبط منهم طريق يأخذون فيه. فلما أخذوا في الطريق قال بعضهم لبعض: ما لنا لا نرى أصحابنا؟ قالوا لموسى: أين أصحابنا لا نراهم؟ قال: سيروا فإنهم على طريق مثل طريقكم. قالوا: لا نرضى حتى نراهم ( ).
قال موسى : اللَّهم أعني على أخلاقهم السيئة . فأوحى إليه : أن قل بعصاك هكذا ، فقال بها على الحيطان . فصارت فيها كوى . فتراؤا وتسامعوا كلامهم[وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ]( )، إلى ذلك وتشاهدونه , لا تشكون فيه( ).
والخبر ضعيف ، ولم يذكر الزمخشري جهة الصدور ، أنما نسبه للرواية بقوله (وروي) ومن المستبعد أن يقول موسى عليه السلام لفظ (أخلاقهم السيئة) بدليل صبره معهم على كثرة ترددهم عليه في قصة البقرة ، ولجوئه في كل مرة إلى سؤال الله عز وجل .
السادسة : بيان آية البحث لموضوع وهو قتل رؤساء الكفر الذين زحفوا لقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولغزو المدينة وأسر أو قتل الصحابة ، ولم يكن يومئذ عند المسلمين إلا مدينة ومصر واحد هو المدينة ، وكان اسمها يثرب وقد سمّاها الله ورسوله المدينة ، قال تعالى[مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلاَ يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ]( ).
ليكون هذا الاسم ناسخاً لاسم يثرب كما ورد في التنزيل[وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا]( ).
وعن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : لا تدعونها يثرب ، فإنها طَيْبَة يعني المدينة ، ومن قال : يثرب ، فليستغفر الله ثلاث مرات ، هي طَيْبَة ، هي طيبة ، هي طيبة( ) )، وتسمى أيضاً طابَة .
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم : أمرت بقرية تأكل القرى يقولون يثرب وهي المدينة تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد ( ).
والمستقرأ من هذه الأحاديث كراهة تسميتها يثرب إلا مع الحاجة أو القرينة أو إرادة البيان ، خاصة وقد وردت بهذا الاسم في القرآن ، وفيه مسائل :
الأولى : لقد ورد في الآية أعلاه تسمية المدينة يثرب من قبل المنافقين ، وأراد الله عز وجل للمؤمنين عدم محاكاتهم ، قال تعالى[وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمْ]( ) .
الثانية : بيان قانون وهو موضوعية الأسماء في الأثر لذات المسميات .
الثالثة : قيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتغيير أسماء عديدة نحو الأحسن والأفضل والأبهى من جهات :
الأولى : تغيير أسماء بعض الأشخاص فسمى حرباً مسلماً ، وشعب الضلالة : شعب الهدى .
وعن رائطة بنت مسلم عن أبيها قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا، فقال: ما اسمكَ ؟ قلت: غراب، قال: لا بل اسمك مسلم.
وروى البخاري في الأدب وأحمد برجال ثقات وابن أبي شيبة عن مطيع بن الاسود قال: كان اسمي العاص فسماني رسول الله صلى الله عليه وسلم مطيعا.
وروى الطبراني عن زياد عن جده مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سماه مطاعا وقال: يا مطاع ، أنت مطاع في قومك , وحمله على فرس أبلق وأعطاه الراية .
وقال: يا مطاع امض إلى أصحابك، فمن دخل تحت رايتي هذه، فقد أمن من العذاب ( ).
وعن ابن لسعيد بن المسيب عن أبيه عن جده حزن قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اسمك قلت حزن ، قال بل أسمك سهل .
قلت : يا رسول الله بعد كبر السن أغير إسمي .
قال فلم تزل فينا حزونة بعد .
وأخرج ابن سعد عن سعيد بن المسيب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجدي حزن ( أنت سهل فقال إنما السهولة للحمار وأبى أن يقبل قال فنحن والله نعرف الحزونة فينا ( ) ، أي لأنه لم يستجب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في تبديل اسمه إلى سهل .
وعن مطعم والذي كان يسمى حازماً قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بصيد صدته: شاة من الأروي , فأهديتها إليه فقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم
وأكل منها وكساني عمامة عدنية , وقال لي: (ما اسمك) قلت: حازم، قال: (لست بحازم، ولكنك مطعم ( ).
الثانية : كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتفاءل بالأسماء ، ولما جاء سهيل بن عمرو إليه ممثلاً لقريش يوم الحديبية تفاءل النبي صلى الله عليه عليه وآله وسلم لتأوله معنى السهولة .
وَنَدَبَ جَمَاعَةً إلَى حَلْبِ شَاةٍ فَقَامَ رَجُلٌ يَحْلُبُهَا ، فَقَالَ ” مَا اسْمُكَ ؟ ” قَالَ ” مُرّةُ فَقَالَ اجْلِسْ فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ ” مَا اسْمُكَ ؟ ” قَالَ أَظُنّهُ حَرْبٌ فَقَالَ اجْلِسْ فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ ” مَا اسْمُكَ ؟ ” فَقَالَ يَعِيشُ فَقَالَ ” اُحْلُبْهَا”( ).
وسيأتي بحث خاص في تبديل النبي صلى الله عليه وآله وسلم للأسماء وكراهته لبعضها ، والعلة والدلالة منه .
الثالثة : كراهية النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأسماء منكرة لبعض الأمكنة ، وترتيب الأثر على هذه الكراهة كاجتناب المرور أو الإقامة فيها .
ومرّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بعض كتابته التي خرج فيها (بَيْنَ جَبَلَيْنِ فَسَأَلَ عَنْ اسْمَيْهِمَا فَقَالُوا : فَاضِحٌ وَمُخْزٍ ، فَعَدَلَ عَنْهُمَا ، وَلَمْ يَجُزْ بَيْنَهُمَا)( ).
وسبب تسمية جبل فاضح أنه بعد أن تولى النبي إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام عمارة البيت الحرام ، انفرد بالعمارة إسماعيل بعد وفاة إبراهيم ، وبعده ابنه نابت بن اسماعيل ، ثم ولى بعده مضاض بن عمرو الجرهمي .
قال ابن إسحاق : وَبَنُو إسْمَاعِيلَ ، وَبَنُو نَابِتٍ مَعَ جَدّهِمْ مُضَاضِ بْنِ عَمْرٍو وَأَخْوَالِهِمْ مِنْ جُرْهُمَ ، وَجُرْهُمُ وَقَطُورَاءُ يَوْمَئِذٍ أَهْلُ مَكّةَ ، وَهُمَا ابْنَا عَمّ وَكَانَا ظَعَنَا مِنْ الْيَمَنِ ، فَأَقْبَلَا سَيّارَةً وَعَلَى جُرْهُمَ : مُضَاضُ بْنُ عَمْرٍو ، وَعَلَى قَطُورَاءَ : السّمَيْدَعُ رَجُلٌ مِنْهُمْ .
وَكَانُوا إذَا خَرَجُوا مِنْ الْيَمَنِ لَمْ يَخْرُجُوا إلّا وَلَهُمْ مَلِكٌ يُقِيمُ أَمْرَهُمْ . فَلَمّا نَزَلَا مَكّةَ رَأَيَا بَلَدًا ذَا مَاءٍ وَشَجَرٍ فَأَعْجَبَهُمَا فَنَزَلَا بِهِ . فَنَزَلَ مُضَاضُ بْنُ عَمْرٍو بِمَنْ مَعَهُ مِنْ جُرْهُمَ بِأَعْلَى مَكّةَ بِقُعَيْقِعَانَ فَمَا حَازَ . وَنَزَلَ السّمَيْدَعُ بِقَطُورَاءَ أَسْفَلَ مَكّةَ بِأَجْيَادِ فَمَا حَازَ .
فَكَانَ مُضَاضٌ يَعْشُرُ مَنْ دَخَلَ مَكّةَ مِنْ أَعْلَاهَا ، وَكَانَ السّمَيْدَعُ يَعْشُرُ مَنْ دَخَلَ مَكّةَ مِنْ أَسْفَلِهَا ( ).
والمراد من لفظ يعشر أنه يأخذ ضريبة العشر وعموم الضريبة على من يدخل مكة من جهته من التجار والكسبة ، وتكاثرت جرهم وتطراء وبغى بعضهم على بعض ، فخرج كل فريق إلى الآخر لقتاله وكان بنو اسماعيل مع مضاض ، وسمي الجبل الذي خرجوا منه نحو القتال قعيقعان لقعقعة السلاح من السيوف والرماح والدرق والجعاب .
وخرج السميدع من جبل أجياد الذي سمي بهذا الاسم لإمتلائه بالرجال والخيل فاقتتلوا قتالاً شديداً ، وقيل هو أول بغي وقتال في مكة ، وقُتل السميدع ، وفضح قومه قطوراء , فسمي الجبل من يومئذ فاضحاً ثم تداعوا إلى الصلح فتصالحوا في موضع المطابخ وصار مضاض رئيساً عليهم ، وجمع له أمر مكة فنحر الإبل وأطعم الناس عدة أيام .
فسمي المطابخ ، وقيل سمي به لأن تبعاً من قبل نحر فيه , وأطعم الناس.
السابعة : بيان الآية لقانون وهو أن قتل الله للمشركين استئصال لعداء طائفة من المشركين ، ولا يعلم ضررهم لو بقوا أحياءً إلا الله عز وجل ، ومن خصائص قتل الله عز وجل للذين كفروا علمه بحاجة الناس والأجيال إلى هذا القتل .
ولو لم يأت الكفار إلى معركة بدر ويصرون على القتال فهل يُقتلون وهم في بيوتهم ، المختار لا ، أن الله عز وجل استدرجهم الى بدر وإلى مصارعهم لسوء فعلهم وظلمهم وتعديهم وهو سبحانه قدّر الأمور بحكمته .
فان قلت قد ورد قوله تعالى[قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ]( ).
الجواب جاءت الآية أعلاه في تحدي المنافقين وإقامة الحجة عليهم ودفع الريب ولبيان قانون وهو أن الحذر لا يدفع القدر ، ولكن الدعاء والصلاح يدفعه .
الثامنة : قتل الله عز وجل للمشركين يوم أحد من عذابهم العاجل ومقدمة لدخولهم النار ، ومن معاني الآية تحذير الناس من قانون قتل الله عز وجل للذي يحارب النبوة والتنزيل ولحوق الخزي بهم في النشأتين .
وهل يلحق الخزي ذريته , الجواب لا لعمومات قوله تعالى[وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى]( )، ولبقاء باب التوبة مفتوحاً للناس ، ومن الآيات أن أبناء الكفار الذين قتلوا في معركة بدر دخلوا الإسلام , وصار عدد منهم أمراء وأئمة .
التاسعة : لم يرد لفظ (تقتلوهم) (قتلهم) في القرآن إلا في آية البحث لبيان أن قتل الله عز وجل للذين كفروا أمر يختص به سبحانه من جهات :
الأولى : الموضوع ، وإرادة قتل رؤساء الكفر الذين يقومون بتحشيد الجيوش لمحاربته ورسوله .
الثانية : كيفية قتل الله عز وجل للكافرين ، فهي تختلف عن قتل المؤمنين أو الملائكة لهم، فان قلت باتحاد موضوع القتل ، وأن الذين قتلوا من المشركين في معركة بدر كان قتلهم بأيدي المسلمين وأيدي الملائكة .
الجواب نعم ، ولكن نسبة قتلهم الى الله عز وجل تؤكد غضب الله عز وجل على الذين كفروا وأنه سبحانه أعان المسلمين والملائكة على قتلهم .
الثالثة : ندرة وقلة قتل الله عز وجل للمشركين ، فقد وقع هذا القتل في معركة بدر .
الرابعة : لا يعلم كيفية قتل الله للمشركين إلا هو سبحانه ، وعن الإمام جعفر بن محمد عليه السلام قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالسا إذ أقبل إليه نفر من قريش فقالوا: يا محمد إنك تنحل نفسك بامر عظيم، وتزعم أنك نبي وأنه يوحى إليك والملائكة تنزل الوحي عليك، فان كنت صادقا فاخبرنا عن جميع ما نسألك به .
فقال أسالوني عما بدا لكم، فان يكن عندي منه علم وخبر أنبئكم به، وإن لم يكن عندي منه علم استاجلتكم أجلا حتى ياتيني رسول ربي جبريل عن الله عز وجل فاخبركم به.
وقال أبو جهل لعنه الله اخبرني عما صنعت في منزلي، فان عيسى بن مريم عليه السلام كان يخبر بني اسرائيل بما كانوا ياكلون وما يدخرون في بيوتهم، فان كنت نبيا كما تزعم فاخبرنا عما نعمل في بيوتنا وما ندخر فيها. فقال النبي صلى الله عليه وآله : يا أبا جهل لو كنت رأيت الملائكة نزلت علي وكلمتني الموتى ما كنت تؤمن أنت ولا أصحابك ابدا، وساخبرك بجميع ما سألتني عنه .
أما أنت يا أبا جهل فانك دفنت ذهبا في منزلك في موضع كذا وكذا، ونكحت خادمتك السوداء سرا من اهلك لما فرغت من دفن المال. واما أنت يا هشام بن المغيرة فانك جهزت جهازا وأمرت المغيرة ليخرج في ذلك الجهاز، فان أنت أتممت ما نويت في نفسك عطب ابنك في ذلك الطريق ولم تلق ما تحب فاخرج هشام ابنه المغيرة معاندا كلام رسول الله صلى الله عليه وآله فلما توجه لم يسر الا قليلا حتى قطع عليه الطريق وقتل ابنه ورأى جميع ما قاله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكتم هشام ما أصابه في ابنه.
فجاءه النبي صلى الله عليه وآله وجماعة من قريش، فقال النبي: ما منعك يا هشام ان تخبرنا ما أصبت به في مالك وولدك لئن لم تخبرهم لاخبرتهم انا، فقالت قريش: يا ابا المغيرة ما الذي أصبت به ؟ قال: ما اصبت بشئ ولم يمنعه ان يخبرهم الا بصدق رسول الله صلى الله عليه وآله فقال رسول الله: اخبرني جبريل عليه السلام عن الله عز وجل ان اللصوص قطعوا على ابنك الطريق واخذوا جميع مالك واصبت بابنك في موضع كذا وكذا .
فاغتم لذلك هشام، وقال: لئن لم تكفف قتلناك عنوة فانك لم تزل تؤذينا وتخبرنا بما نكره. فقال النبي صلى الله عليه وآله : تسألونني حتى إذا أنبأتكم تجزعون ليس لكم عندي بقول الحق عن الله .
فسكت هشام فقام مغتما بشماتته، وقال لابي جهل: ما تقول في الذهب الذي دفنته في بيتك في موضع كذا وكذا ونكاحك السوداء ؟ قال ما دفنت ذهبا ولا نكحت سوداء، ولا كان مما ذكرت شيئا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لئن لم تقر عليه، دعوت الله ان يذهب مالك الذي دفنته، ولارسلن الى السوداء حتى اسالها فتخبر بالحق. فقال أبو جهل – لعنه الله – نحن نعلم ان معك رجالا من الجن يخبرونك بجميع ما تريد وأما أنك تريد أن نقول فيك نبي ورسول فلست هناك .
فقال: ولم يا لكع ؟ ألست اكرمكم حسبا، وأطولكم قصبا، وأفضلكم نسبا، وخيركم أما وأبا، وقبيلتي خير قبيلة ؟ أتجزع ان تقول اني نبي والله لاقتلنك وأقتلن شيبة، ولاقتلن الوليد، ولاقتلن جبابرتكم وأشراركم ولاوطين دياركم بالخيل ، وآخذ مكة عنوة ، ولا تمنعوني شيئا ، شئتم أم أبيتم .
قال أبو عبد الله: فوالله ما ذهبت الايام والليالي حتى قتل رسول الله صلى الله عليه وآله قريشا بيده شر قتلة، وجميع من سماه النبي صلى الله عليه وآله وسلم سبعون رجلا من اكابرهم وخيارهم فصح جميع ما قاله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما غادر منه حرفا فكان هذا من دلائله عليه السلام( ).
ويبدو أن أبا جهل ليس كبيراً حينما قتل في معركة بدر ، مع أن ابنه عكرمة كان من أميراً في خيالة قريش يوم معركة أحد ، وكان عمر أبي جهل يوم قتل في السنة الثانية من الهجرة اثنتين وخمسين سنة .
فقد ورد عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر عن ربيع بنت معوذ، قالت: دخلت في نسوة من الأنصار على أسماء بنت مخربة أم أبي جهل في زمن عمر بن الخطاب، وكان ابنها عبد الله بن أبي ربيعة يبعث إليها بعطرٍ من اليمن، وكانت تبيعه إلى لأعطيه ( ).
أي الى أن يأخذ الناس عطاياهم من بين المال واسلمت أسماء وانتقلت الى المدينة ، وكانت تزاول التجارة والبيع والشراء .
وطلبت أسماء أن تكتب الديون على النسوة لانها تبيع العطر بالآجل والدين وبعد أن كان أبو جهل وأخوته من أكبر تجار مكة .
قالت الربيع : فكنا نشتري منها، فلما جعلت لي في قواريري ، ووزنت لصواحبي قال أسماء بنت مخربة :
اكتب لي عليكن حقي فقالت الربيع : نعم ، أكتب لها على الربيع بنت معوذ ، فقالت أسماء : خلّفي ، أي ارجعي الى الوراء ثم أردفت وأنك لابنة قاتل سيده ، أي أن معوذ بن عفراء أبو الربيع قاتل أبي جهل يوم بدر وكأنه عبد عند أبي جهل .
وقد ورد عن ابن إسحاق قال : ثم مرّ بأبي جهل، وهو عقير، معوذ بن عفراء فضربه حتى أثبته، وتركه وبه رمق، وقاتل معوذ حتى قتل( ).
فردت عليها الربيع بعز المؤمنين ، وصبر وافتخار الأنصار بدفاعهم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
لا ، ولكن ابنة قاتل عبده .
أي أن أبا جهل قتل وهو عبد لقاتله الأنصاري، وكأن كلامها تفسير لقوله تعالى[فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ]( )، قالت : والله ، لا أبيعك شيئاً أبداً .
فقالت الربيع : وأنا والله لا أشتري منك شيئاً أبداً ، فو الله ما هو بطيب ولا عرق .
ثم قالت لمحدثها : والله يا بني ما شممت عطراً قط كان أطيب منه ، ولكن يا بني غضبت وروت الربيع عن رسول الله ، وعاشت الى سنة (45) للهجرة , وماتت أم أبي جهل أيام عثمان .

في رثاء النبي (ص)
الرثاء لغة من رَثى ، رثياً ، ورثاية ، ومرثاة .
ويقال رثى الميت أي ذمر محاسنة وأظهر الحزن لفقده وفراقه ، وعرف الإنسان الرثاء نظماً وشعراً من أيام آدم عليه السلام .
ولا يختص الرثاء بالشعر ولا بالقول والبكاء واللوعة لفقد الميت بل قد يظهر بالفعل ، وكانت النساء أيام الجاهلية يحلّن شعورهن , ويلطخن رؤوسهن بالطين ، ومنهن من تحلق شعرها كما برزت بعض النساء في الرثاء مثل الخنساء في رثائها لأخويها صخر ومعاوية الذين قتلا أيام الجاهلية واسمها تماضر وسميت الخنساء ، لأرنبة أنفها ، وهي من نجد ، وتعد من الصحابيات ، وماتت سنة (24) للهجرة , وعمرها إحدى وسبعون سنة ، وكانت تستلم أرزاق أولادها الشهداء الأربعة من بيت المال في أيام عمر ، عن كل واحد مائتي درهم .
وسعدي بنت الشمردل الجهنية التي رثت أخاها أيام الجاهلية أسعد بن مجدعة الهذلي ، وقيل هو أخوها لأمها قتلته بهز من بني سليم بن منصور فقالت قصيدة من الكامل مطلعها :
أمنَ الحوادِثِ والمَنونِ أروَّعُ … وأبيتُ ليْلي كلَّهُ لاأهجَعُ
وأبيتُ مُخْليَةً أُبكّي أسعداً … ولِمثْلِهِ تبْكي العيونُ وتهْمعُ
وتبيَّنُ العيْنُ الطليحةُ أنَّهَا … تبْكي من الجزَعِ الدخيلِ وتدمَعُ
ولَقَدْ بدا لي قبلُ فيما قدْ مضى … وعلمْتُ ذاكَ لوَ أنَّ علْماً ينفعُ
أنَّ الحوادثَ والمَنونَ كليهِما … لا يُعْتِبانِ ولوْ بَكى منْ يجزَعُ
ولقدْ علمْتُ بأنَّ كلَّ مؤَخَّرٍ … يوماً سبيلَ الأَوَّلينَ سيتْبَعُ
ولقدْ علمتُ لوَ أنَّ علْماً نافعٌ … أنْ كُلُّ حيٍّ ذاهبٌ فمودِّعُ
أفليْسَ فيمنْ قدْ مضى لي عِبْرةٌ … هلَكوا وقدْ أيقَنْتُ أنْ لَنْ يرجعُوا
ويْلُ أمِّ قتْلي بالرِصافِ لوَ أنَّهم … بلَغُوا الرَجاءَ لِقَوْمِهمْ أوْ مُتِّعوا
كمْ منْ جميعِ الشمْلِ ملْتَئِمِ الهَوى … كانوا كذلكَ قبلَهمْ فتصدَّعُوا
فلْتَبْكِ أَسْعَدَ فتْيةٌ بسَباسبٍ … أقْوَوْا وأصبحَ زادهُمْ يتمرَّعُ
جادَ ابن مجْدعةَ الكميُّ بنفسِهِ … ولقدْ يرَى أنَّ المَكَرَّ لأشْنَعُ
وَيْلُمِّهِ رجلاً يليذُ بظهرهِ … إبلاً ونسَّألُ الفَيافي أرْوَعُ
يردُ المياهَ حضيرَةً ونفيضَةً … ورْدَ القَطاةِ إذا أسْمَأَلَّ التُبَّعُ
وبهِ إلى أخرى الصحابِ تلفُّتٌ … وبهِ إلى المكروبِ جرْيٌ زَعْزَعُ
ويكبِّرُ القِدْحَ العنودَ ويَعْتَلي … بأُلَي الصحابِ إذا أصابَ الوعْوعُ
سبَّاقُ عاديَةٍ وهادي سُرْبَةٍ … ومقاتلٌ بطلٌ ودَاعٍ مِسْقَعُ
ذهبَتْ بهِ بَهْزٌ فأصبحَ جدُّها … يعْلو وأصْبحَ جدُّ قومِي يخْشَعُ
أجعَلْتَ أسْعَدَ للرماحِ دريَّةً … هبِلَتْكَ أمُّكَ أيَّ جرْدٍ ترْقَعُ
يا مُطعمَ الركْبِ الجياعِ إذا همُ … حثُّوا المطيَّ إلى العلَى وتسرَّعوا
وتجاهَدُوا سيْراً فبعْضُ مطِيِّهمْ … حسْرى مخَلِّفةٌ وبعْضٌ ظُلَّعُ
جوّابُ أوديةٍ بغيرِ صحابةٍ … كشَّافُ داريِّ الظلامِ مشيَّعُ
هذا على إثْرِ الَّذي هوّ قبْلهُ … وهوَ المنايَا والسبيلُ المهْيَعُ
هذا اليقينُ فكيفَ أنسَى فقدَهُ … إنْ رابَ دهرٌ أوْ نَبا بِيَ مضجعُ
إنْ تأتِهِ بعدَ الهُدوِّ لحاجةٍ … تدعو يُجبْكَ لها نجيبٌ أرْوَعُ
متحلِّبُ الكفَّيْنِ أمْيثُ بارِعٌ … أنقٌ طُوالُ الساعديْنِ سميْدَعُ
سمْحٌ إذا ما الشَوْلُ حارَدَ رسْلُها … واسْتَرْوحَ المرَقَ النساءُ الجوَّعُ
منْ بعدَ أسعدَ إذْ فُجِعْتُ بيَوْمِهِ … والموتُ ممَّا قد يريبُ و يفْجعُ
فوَددْتُ لوْ قُبِلَتْ بأسْعدَ فديةٌ … ممَّا يضنُّ بهِ المُصابُ الموجَعُ
غادرتْهُ يومَ الرصافِ مجدَّلاً … خبَرٌ لعمْرُكَ يومَ ذلكْ أشْنَعُ( ).
لقد كان لمغادرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الى الرفيق الأعلى أعظم الحزن والأسى عند المسلمين والناس جميعاً، فلقد أنقطعت بفقده أمور :
الأول : التنزيل , نعم ، لم يفارق النبي صلى الله عليه وآله وسلم الدنيا إلا وتم نزول تمام آيات القرآن، قال تعالى[الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا]( ).
الثاني : الوحي الخاص بالنبوة .
الثالث : فقد شخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم من بين ظهراني الناس .
الرابع : السنة النبوية.
ومن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن رثاءه متجدد في كل زمان باحياء الشعر والرثاء الذي قيل عند وفاته وشهادته ، وتوالي القصائد في بيان فضل الله على الناس في رسالته ، وفي خصاله الحميدة قال تعالى[وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ]( )، وكذا بالنسبة لقصائد رثاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فانها مستمرة في كل زمان , وفيها موعظة وعبرة ، وبيان لشكر المسلمين الله عز وجل على النعمة في نبوته ، وعلى حبهم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ورثاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مدرسة عقائدية وأخلاقية وعلم يحكي دلائل التنزيل وتلقي المسلمين لدعوته بالتصديق والنصرة .
ومن الرثاء بفقد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
مرثية الإمام علي بن أبي طالب , ومنها :
ألا طرق الناعِي بلَيل فراعَنِي … وأرقني لما استقل منادياً
فقلتُ له لما رأيتُ الذي أتى … أغَيرَ رسولِ اللهِ إنْ كنتَ نَاعِيا
فحقفت ما أشفقتُ منهُ ولم ينل … وكان خليلي عدَةً وجماليَا
فواللهِ ما أنساكَ أحمَدُ ما مَشَت … بِىَ العيسُ في أرضٍ وجاوزْتَ واديَا
وكنتُ متى أهبطْ من الأرضِ بقعة … أرَى أثراً منه جديداً وعافيَا
مِنَ الأسدِ قد أخفى العرين مخافةً … تهادي سباعُ الطيرِ مِنْهُ تَعَاديا
شديد حوى الصدرِ مِنهُمْ مشددٌ … هو المَوْتُ معدياً عليه وَعَادِيا.
ورثى أبو بكر رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم بقصيدة، منها قوله:
أجدكَ ما لعينِكَ لا تنامُ … كأن جفونَهَا فيها كلامُ
بوقعِ مصيبةِ عظُمَت وجلت … فدمعُ العينِ أهونُهُ انسجامُ
فُجعنا بالنبي وكان فينا … مقدمنا وسيدنا الإمامُ
وكان قوامنا والرأس فينا … فنحنُ اليومَ ليس لنا قوامُ
ننوحُ ونشتكِى ما قد لَقِينا … ويشكُو فقدَهُ البلدُ الحرامُ
كأن أنوفنا لاقينَ جدعاً … لفقدِ محمدٍ فيها اصطلامُ
لفقدِ أغر أبيض هاشمي … إمام نبوَّةٍ وبه الختامُ
أمين مصطفًى للخيرِ يدعو … كضوءِ البدرِ زايله الظلامُ
سأتبعُ هديهُ ما دمتُ حياً … طوالَ الدهرِ ما سجع الحمامُ
كأن الأرضَ بعدك طارَ فيها … فَأشعَلَهَا لساكنها ضرامُ
وفقد الوَحى إذ وليت عنا … وودعنا مِنَ الله الكلامُ
سوَى أن قد تَرَكت لنا سراجاً … تواريه القراطيسُ الكرامُ
لقد ورثتنا مِرآة صدقٍ … عليكَ به التحيةُ والسلامُ
من الرحمنِ في أعلَى جنانٍ … من الفردوسِ طابَ بها المقامُ
رفيق أبيكَ إبراهيمَ فيه … وما في مِثل صحبتِهِ ندامُ
وإسحاق وإسماعيل فيه … بما صَلوْا لربهمُ وصاموا
وقال عمر شعراً منه :
ما زلتُ مذ وضع الفِرَاشَ لجنبه … وَثوَى مريضاً خائفاً أتوقعُ
شفقاً عليه أن يزولَ مكانه … عنا فنبقَى بعْدَهُ نتوجعُ
وإذا تحدثنا الحوادثُ منْ لَنَا … بالوحيِ من رب رحيمِ يسمعُ
ليتَ السماءَ تفطَرَت أكنافُهَا … وتناثَرَت فيها النجومُ الطلعُ
لما رأيتُ الناسَ هد جمعيهم … صوت ينادي بالنعِي فيسمعُ
وسمعتُ صوتَا قبلَ ذلك هدني … عباس ينعاه بصوتٍ يقطع
فليبكِهِ أهلُ المدائنِ كلّها … والمسلمونَ بكُل أرضٍ تجدعُ( ).
مرثية حسان بن ثابت
وقال حسان في قصيدة له :
ما بال عينك لا تنام كأنما … كحلت مآقيها بكحل الأرمد
جزعا على المهديّ أصبح ثاوياً … يا خيرَ من وطيء الحصى لا تبعد
يا ويح أنصار النبي ورهطه … بعد المغيَّب في سواء المسجد
جنبك يقيك التربَ لهفي ليتني … غيبتُ قبلك في بقيع الغرقد
أأقيم بعدك في المدينة بينهم … يا ويح نفسي ليتني لم أولد
بأبي وأمي من شهدتُ وفاته … في يوم الاثنين النبي المهتدي
فظللتُ بعد وفاته متلدداً … يا ليتني جرعت سم الأسود
والله أسمع ما بقيتُ بهالك … إلا بكيتُ على النبي محمد
ضاقت بالأنصار البلاد فأصبحوا … سوداً وجوههم كلون الأثمد
ولقد ولدناه وفينا قبره … وفضولَ نعمته بنا لم نجحد
والله أهداه لنا وهدّى به … أنصاره في كل ساعة مشهد
صلى الإله ومن يحفّ بعرشه … والطيبون على المبارك أحمد
وقال حسان أيضاً :
يا لهف نفسي عيله حين ضمنه … بطنَ الضريح عليٌّ وابن عباس
ما دت بي الأرض حتى كدت أدخلها … بعد النبي رسول الله والآسي
مرثية صفية بنت عبد المطلب عمة النبي
يا عين جودي بدمع منك منحدر … ولا تملّي وبكي سيدَ البشر
بكّي الرسول فقد هدّت مصيبته … جميعَ قومي وأهلَ البدو والحضر
ولا تملي بُكاكِ الدهر مُعْولةً … عليه ما غرد القمري بالسحر
وقالت أيضاً:
ألا يا رسولَ الله كنتَ رجائيا … وكنتَ بنا برّا ولم تكُ جافيا
كان على قلبي لذكر محمد … وما خفتُ من بعد النبي المكاويا
أفاطم حيّ الله رب محمد … على جدث أمسى بيثربَ ثاويا
فدى لرسول الله نفسي وخالتي … وأميّ وعمي قُصْرةً وعياليا
فلو أن رب الناس أبقاكَ بيننا … سعدنا ولكنْ أمره كان ماضيا
عليك من الله السلامُ تحيةً … وأدخلتَ جنات من العدن راضيا( ).
وقد برز شعراء في الجاهلية في الحماسة منهم عمرو بن كلثوم ، إذ تتجلى معاني الحماسة في معلقته ، وعنترة العبسي الذي قال :
ولقد ذكرتك والرماح نواهل … مني وبيض الهند تقطر من دمي
فوددت تقبيل السيوف … لأنها لمعت كبارق ثغرك المتبسم) ( ).
وقال الفند الزماني وهو شهل بن شيبان بن ربيعة:
(صفحنا عن بني ذهلٍ … وقلنا القوم إخوان
عسى الأيام أن يرجع … ن قوماً كالذي كانوا
فلما صرّح الشرّ … فأمسى وهو عريان
ولم يبق سوى العدوا … ن جنّاهم كما دانوا
مشينا مشية الليث … غدا والليث غضبان) ( ).
ويجد شعر الفخر والحماسة قبولاً عند الناس بحسن الإنتماء والولاء والحب كما يكون سبباً للكسب المالي ، ونيل الشاعر منزلة القرب من الأمير والزعيم .
ومع أن حسان بن ثابت شاعر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فانه كباقي الصحابة في القرب من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من غير خصوصية لقوله الشعر وانتفاع المسلمين منه , لأنه صدر بقصد القربة إلى الله سبحانه .
وتجلى ديوان الإيمان في قصائده ، وحرصه على مدح النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , والدفاع عنه قبيل فتح مكة , إذ قال :
(عفتْ ذاتُ الأصابع فالجواءُ … إلى عذراءَ منزلُها خلاءُ
ديارٌ من بني الحسحاسِ قفْرٌ … تعفتها الروامِسُ والسماءُ
وكانتْ لا يزالُ بها أنيسٌ … خلالَ مروجها نعمٌ وشاءُ
فدعْ هذا ولكنْ منْ لطيفٍ … يؤرقنِي إذا ذهبَ العشاءُ
لشعثاءَ التي قدْ تيمتهُ …… فليْسَ لقلبهِ منْها شفاءُ
كأنَّ خبيةً منْ بيتٍ رأسٍ … يكونُ مزاجَها عسَلٌ وماءُ
على أنيابها أوْ طعمُ غضٍّ … منَ التفاحِ هصرهُ اجتناءُ
إذا ما الأشرِباتُ ذكرنَ يوماً … فهنَّ لطيبِ الراحِ الفداءُ
نوليها الملامَةَ إنْ ألمْنا … .. إذا ما كانَ مغثٌ أو لحاءُ
ونشربُها فتتركنا ملوكاً … وأسداً ما ينهنهنا اللقاءُ
عدمنا خيلَنا إنْ لَمْ تروْها … تثيرُ النقْعَ موعدُها كداءُ
يبارِينَ الأسنةَ مصغياتٍ … على أكتافِها الأسلُ الظماءُ
تظلَّ جيادُنا متمطراتٍ … يلطمُهُنَّ بالخمرِ النساءُ
فإمّا تعرضُوا عنا اعتمرنا … وكانَ الفتحُ وانكشفَ الغطاءُ
وإلاَّ فاصبرُوا لجلادَ يومٍ … يعينُ الله فيهِ من يشاءُ
وقالَ اللهُ قدْ يسرتُ جنداً … همُ الأنصارُ عرضتُها اللقاءُ
لنا في كلِّ يومٍ منْ معدٍّ … قتالٌ أو سبابٌ أو هجاءُ
فنحكم بالقوافِي من هجانا … ونضربُ حينَ تختلطُ الدماءُ
وقال اللهُ قدْ أرْسلْتُ عبداً … يقولُ الحقَّ إنْ نفَعَ البلاءُ
شهدتُ بهِ وقومِي صدَّ قوهُ … فقلتم ما نجيبُ وما نشاءُ
وجبريلٌ أمينُ اللهِ فينا … وروحُ القدسِ ليس لهُ كفاءُ
ألا أبلغْ أبا سفيانَ عنِّي … فأنتَ مجَّوفٌ نخبٌ هواءُ
هجوتَ محمداً فأجبتُ عنهُ … وعندَ الله في ذاكَ الجزاءُ
أتهجُوهُ ولستَ لهُ بكفوءٍ … فشرُّكُما لخيركُما الفداءُ
فمَن يهجُو رسولَ اللهِ منكمْ … وينصرُهُ ويمدحُهُ سواءُ
فإنَّ أبي ووالداهُ وعرضِي … لعرضِ محمدٍ منكمْ وقاءُ
فإما تثقفَنَّ بنِي لؤيٍّ ….. جذيمةُ إنَّ قتلَهُمُ شفاءُ
أولئكَ معشرٌ نصرُوا علينا … ففي أظفارِنا منهمْ دماءُ
وحلفُ الحارثِ بن أبي ضرارٍ … وحلفُ قريظةٍ منا براءُ
لسانِي صارِمٌ لا عيْبَ فيهِ … وبحرِي ما يُكدرُهُ الدلاءُ) ( ).
قانون البلاء الحسن
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار الامتحان والإختبار ، ويبتلى فيها الإنسان بالأمور الصغيرة والكبيرة ، وقد يفاجئه الإبتلاء أو يأتيه على نحو تدريجي أو يكون متوقفاً، ويكون منتظراً له لإحتمال شرائطه ومقدماته ، وهل يمحو الدعاء والصدقة هذا الإبتلاء أم أن إجتماع شرائطه برزخ دون محوه ودفعه .
الجواب هو الأول لعمومات قوله تعالى [يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ] ( )إذ تعلق الآية المحو ودفع البلاء بمشيئة الله فلا تكون الأسباب والمقدمات الوضعية مانعاً دون المحو أو دون تثبيت نعمة البلاء الحسن .
(وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أشد الناس بلاء الأنبياء ، ثم الصالحون ، ثم الأمثل فالأمثل ” .
وفي الحديث الآخر: “يبتلى الرجل على قدر دينه ، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه) ( ).
ومن خصائص الحياة الدنيا تعدد وتباين ضروب الإبتلاء فيها ، فتارة يكون بلاء حسناً , وأخرى بلاء فيها أذى .
وتبين الآية فضل الله على المؤمنين بالبلاء الحسن ، وهل هو خاص بهم أم أن البلاء الحسن للناس عامة ، الجواب هو الثاني ، وهو من مصاديق رحمة الله المطلقة في الدنيا والتي تتغشى الناس جميعاً ، ولكن الله عز وجل خصّ المؤمنين في آية البحث بالبلاء الحسن ، ليكون على وجوه :
الأول : النفع العاجل والخير الوفير للبدريين .
الثاني : بيان قانون وهو نجاح وتوفيق الصحابة بالإبتلاء في معركة بدر .
الثالث : إنتفاع الناس جميعاً من البلاء الحسن الذي فاز به المؤمنون ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ).
الرابع: بيان عظيم قدرة الله عز وجل في نزول البلاء الحسن للمؤمنين .
الخامس : تأكيد المنزلة الرفيعة للمؤمنين .
السادس : الإخبار عن كون نعمة الله عز وجل من اللامتناهي .
السابع : يبعث البلاء الحسن الأمل في النفوس لتوالي النعم العامة والخاصة .
الثامن : بيان التباين بين المؤمنين والذين كفروا إذ يأتي البلاء الحسن للمؤمنين ، بينما يأتي البلاء الأليم للذين كفروا .
وهل يجتمع الأمران في مصداق واقعي واحد ، الجواب نعم ، ومنه آية البحث من جهات :
الأولى : إبتدأت الآية بقوله تعالى [فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ] وهو من البلاء بأن يهجم المشركون على معسكر الإسلام والنبوة فيتساقطون مضرجين بدمائهم .
ويكون من معاني وتقدير الآية : فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم لسلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من القتل .
ومن مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ) الإبتلاء الحسن من عند الله بقتله لأعدائهم .
ويتصف هذا القتل بخصوصية وهي أن الله عز وجل يعلم من الذي يستحق القتل يومئذ ، والذي في قتله بلاء حسن للمسلمين والناس جميعاً ، فقد يقتل المسلمون في المعركة أناساً هم في طريقهم للتوبة ، أو أنهم قد أسلموا في مكة ولكنهم خرجوا مع المشركين إلى معركة بدر مكرهين كخروج الابن مع أبيه ، ولكن الله عز وجل لا يقتل إلا من يشاء سبحانه ، وأن في قتله مصلحة ونفعاً للمسلمين والناس .
ومن الإعجاز في المقام هلاك رؤوس ورجال من المشركين كانوا يحرضون على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويؤذونه ويتوعدونه بالقتل .
ومن خصائص البلاء الحسن أنه حاجب وبرزخ دون البلاء بالمحنة بلحاظ عدم إجتماع المتضادين ، فمن معاني قوله تعالى [وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاَءً حَسَنًا] ( ) وجوه :
الأول : سلامة المؤمنين من بلاء المحنة .
الثاني : التخفيف عن المؤمنين بالسلامة من الشدائد والصبر عليها .
الثالث : شكر المسلمين لله عز وجل على نعمة البلاء الحسن .
الرابع : تغشي الأمن والسلام الحسن للمؤمنين .
وتبعث الآية الحسرة في قلوب الكافرين والمنافقين فمن إعجاز الآية أنها لم تقل (وليبلي الذين آمنوا) لدخول المنافقين بأهل الإيمان بلحاظ إتيانهم الشهادتين ووقوفهم في صفوف المصلين مع إضمارهم الكفر والضلالة والشك ، وقيامهم بتحريض المؤمنين على القعود عن الدفاع المقدس ، كما ورد في التنزيل [الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ] ( ) .
وتبين آية البحث خطأ وزيف إدعاء المنافقين إذ أنعم الله عز وجل على المؤمنين بالبلاء الحسن من وجوه :
الأول : الخروج من المدينة في السرايا .
الثاني : التخفيف في ميدان القتال للدفاع مع عدم النية والعزم على القتال ، فتارة يأتي الجيش للقتال ، فيكون على استعداد للهجوم والدفاع ، واحتمال القتل ، أما الذين يزجون في المعركة من غير استعداد ولا عزم على دخولها فقد يصابون بالإرباك والحزن .
ولم يكن المسلمون يتوقعون حدوث معركة بدر ولمعان السيوف فيها ، وحينما وقعت بسبب إصرار الذين كفروا على القتال تفضل الله عز وجل وقتل الذين كفروا ، ورمى بدلاً عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فبلغت الرمية وجوه الذين كفروا ، وتوزعت ذرات التراب التي قذفها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من يده والتي هي بمقدار كفه الشريفة لتصل إلى عيون ومناخر الذين كفروا جميعاً ، ولو كان التراب والحصى الصغار هذا ينطلق مستقيماً لما تعدى الصف الأول من المشركين ، ولكنه كان يسير بالمعجزة حتى وصل للخطوط الخلفية والمقدمة والميمنة والقلب والميسرة والمؤخرة من جيش المشركين ، وهل منه حركة الصواريخ بالليزر الآن التي تسير في إتجاه متغير حتى تصل إلى هدفها .
الجواب المعجزة أكبر وأعظم ليكون قوله تعالى [وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى] ( ) باباً لإستنباط المسائل واستقراء الطرق والكيفية المتعددة للرمي الإلهي بما فيه الدفاع وإرادة السلم .
وهو باب مفتوح للعلماء إلى يوم القيامة ، وينتفع منه أرباب الصناعات العسكرية بالحق وسبل الصلاح .
الثالث : عودة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سالماً من معركة بدر مع أن غاية كفار قريش من زحفهم نحو بدر , وإشعال فتيل المعركة هو قتله ،وكل مرة يعود فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة سبب وموضوع لإمتلاء قلوب المنافقين والحنق والحسد .
الرابع : نزول آية البحث من البلاء الحسن للمؤمنين والذي يغيظ الكفار ، والمنافقين .
ومن الإعجاز الغيري للقرآن أنه حالما تنزل الآية القرآنية يتلوها المسلمون والمسلمات فيسمعها المنافقون والمنافقات ليدركوا قانوناً وهو عجز الذين كفروا عن الإضرار بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإسلام ، وتحتمل تلاوة آية البحث بلحاظ قوله تعالى [جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ] ( ) وجوهاً :
الأول : إنه من جهاد الكفار والمنافقين .
الثاني : هذه التلاوة من الإغلاظ على الذين كفروا والمنافقين .
الثالث : القدر المتيقن من موضوع الجهاد والإغلاظ على الذين كفروا والمنافقين هو الفعل والتوبيخ بالقول وليس تلاوة الآية القرآنية .
الرابع : تلاوة آية البحث من جهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم للكفار .
الخامس : من خصائص آية البحث أنها إغلاظ على المنافقين .
ولا تعارض بين هذه الوجوه ، وكلها من مصاديق آية البحث لبيان أن النبي محمداً لا يحتاج السيف والقتال لتتصف الآية القرآنية بوجوه :
الأول : قانون : الآية القرآنية جهاد .
الثاني : الآية القرآنية إغلاظ على الذين كفروا .
الثالث : قانون في الآية القرآنية غنى عن السيف ، وهل فيه شاهد على عدم صحة الدعوى بأن آية السيف , وهي قوله تعالى [فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ] ( ).
نسخت أكثر من مائة آية من القرآن ، الجواب نعم ، إذ أن كل آية من هذه الآيات بديل عن السيف ، وفيها غنى عنه.
ومن خصائص النبوة إجتناب الأنبياء الإصطدام مع المشركين في ميدان القتال ، إنما يكون اللقاء بالجدال والإحتجاج بالبرهان ، قال تعالى [وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] ( ) وفي سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم شواهد كثيرة على هذا الإجتناب ، وليس فيها ما يدل على رغبته بالقتال ، فان قلت آيات القرآن مقدمة في الحكم , وترتب الأثر على السيرة النبوية ، وجاءت الآيات بالأمر إلى المسلمين بالقتال ، قال تعالى [وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ]( ) .
والجواب من جهات :
الأولى : لم تنزل هذه الآية وآيات القتال إلا في المدينة المنورة وبعد هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مكة لبيان قانون وهو أن أكثر سنوات نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بلا قتال ، إذ أنها تبلغ ثلاثاً وعشرين سنة ، منها ثلاث عشرة سنة في مكة قبل الهجرة ، ليس فيها قتال.
الثانية : لم تنزل الآية أعلاه بعد الهجرة مباشرة .
الثالثة : الآية أعلاه ضرورة دفاعية لإشتداد هجمات الذين كفروا على المدينة .
الرابعة : تقييد القتال بأنه في سبيل الله ، ومن إعجاز الآية تقديم قصد القربة وأن القتال في سبيل الله لدفع العدو ومقاتلته لبيان قانون وهو لزوم استحضار نية وقصد القربة إلى الله قبل بدء القتال للفوز بالأجر والثواب .
الخامسة : لا يقاتل المسلمون إلا من قاتلهم وحاربهم .
السادسة : دلالة الآية على عدم قيام المسلمين بالهجوم والغزو واستباحة القرى والأمصار .
السابعة : بيان قانون يتصف به المسلمون وهو التنزه عن الإعتداء حتى في حال القتال ، وهو من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ).
لقد آتى الله عز وجل الأنبياء المعجزة ، وسخّر لهم آيات كونية وهدى لإتباعهم قلوب طائفة من الناس نالوا مرتبة الإيمان بهذا الإتباع ، وصاروا مستعدين للتضحية والفداء ، وقد أنعم الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بكل من المهاجرين والأنصار يتلقون التنزيل بالتصديق ، والأوامر الإلهية والنبوية بالإمتثال ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ] ( ) .
وقد علم الله عز وجل بمكر وخبث الكفار في الجزيرة خصوصاً قريش وإصرارهم على محاربة النبوة ، وسعيهم لقهر الذين آمنوا ، وحملهم على الإرتداد .
فتفضل الله وأوحى إلى نبيه الكريم بالخروج المتكرر في الكتائب حول المدينة وبعث أصحابه في السرايا ، وفيه مسائل :
الأولى : بيان حال المنعة والعز عند المسلمين ، قال تعالى [وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ]( ) وتتجلى العزة والرفعة بطاعة الله عز وجل واتباع أوامره والتنزه عن عبادة الأوثان .
الثانية : بيان قانون وهو استعداد المهاجرين والأنصار للبلاء والتصدي للذين كفروا ، وليس من حصر لضروب البلاء فقد يصاب ذات الإنسان في بدنه ، أو يقع البلاء في الولد أو في المال وأشد البلاء ما كان في الدين (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “مثل المؤمن كمثل الزرع لا تزال الريح تفيئه ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء، ومثل المنافق كمثل شجرة الأرزة( ) لا تهتز حتى تستحصد”)( ).
الثالثة : ترغيب الناس بدخول الإسلام وإزاحة الخوف من الذين كفروا من نفوسهم .
الرابعة : إطلاع الناس على أحكام الإسلام ، وحرص النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه على أداء الصلاة في أوقاتها مع بيان كيفيتها .
الخامسة : إرسال رسالة إلى قريش بصيرورة المسلمين في حال عز ومنعة ، وهذه الرسالة من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ) .
السادسة : عودة النبي من أكثر كتائبه من غير قتال من مصاديق الآية أعلاه ، وترغيب للناس جميعاً بالإسلام ، وبعث للنفرة في النفوس من كفار قريش ، فقد حاربوه هو وعشيرته وأهله بمرآى ومسمع من وفود القبائل في موسم الحج ، وتمر الأيام سريعاً ويبلغ القبائل خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكتائب من أصحابه حاملين الألوية ، وكأنهم في إحرام مكبرين وملبين فيدرك الناس ضلالة قريش وخيبتها .
السابعة : في العودة المتكررة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من كتائبه بغير قتال شاهد على أنه لا يريد الغزو ، ولا يطلب الهجوم ، ومن وجوه ومصاديق خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بغير قتال :
الأول : توجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الأبواء في صفر من السنة الثانية للهجرة , ومعه ستون من المهاجرين .
الثاني : توجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى غطفان في نجد في شهر صفر من السنة الثالثة .
الثالث : مسير النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى بواط ، ومعه سبعون من الصحابة في شهر ربيع الأول من السنة الثانية .
الرابع : خروج النبي إلى بدر الأولى , ومعه مائتان من الصحابة في شهر ربيع الأول من السنة الثانية للهجرة .
الخامس : قيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمسير إلى ذي العشيرة , ومعه مائتان في شهر جمادى الأولى من السنة التالية .
السادس : توجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى نجران في شهر ربيع الآخر من السنة الثانية ، هذا إلى جانب السرايا العديدة التي كان يبعثها( ).
وابتدأت آية البحث بالفاء للعطف والتعقيب على موضوع الآية السابقة وهي [وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ] ( ) لبيان قانون وهو عدم حاجة المسلمين مجتمعين ومتفرقين إلى الفرار من ميدان المعركة ، فما دام الله عز وجل هو الذي يقتل الذين كفروا ويصيبهم بالوهن والضعف ، وهو الذي يتفضل برمي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حفنة من التراب ليجعلها الله تتوالد وتقطع أكثر من مائة متر فتصل إلى كل فرد من جيش المشركين ، ويبتلي الله سبحانه المؤمنين بالنعم , ومنها الخروج إلى معركة بدر بالنصر والظفر والغنائم والأسرى فيجب أن يشكر المسلمون الله عز وجل بعدم الفرار من ميدان المعركة .
ترى لماذا تأخر في نظم الآيات الإخبارُ عن قتل الله للمشركين عن النهي عن الفرار من الزحف الوارد بصيغة الجملة الشرطية والخبرية في الآية أعلاه ، الجواب لبعث المسلمين على الصبر في ميدان المعركة بقصد القربة إلى الله ، فيكون إنتقام الله من الذين كفروا جزاء وشكراً منه تعالى للذين آمنوا ، ويكون الجمع بين الآيتين على وجوه :
الأول : يا أيها الذين آمنوا لا تولوا الأدبار فان الله عز وجل ينجيكم .
الثاني : يا أيها الذين آمنوا سيقتل الله الذين كفروا فاثبتوا في ميدان القتال ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] ( ) .
الثالث : إقامة الحجة على الناس بأن الله عز وجل يهلك طائفة من الذين كفروا ، ويبتلي الباقين منهم بالهزيمة والفرار .
الرابع : من معاني الجمع بين الآيتين هزيمة الذين كفروا بثبات المؤمنين في مواضعهم إذ يأتي معه المدد والعون من الله عز وجل .
لقد أراد الله عز وجل لأهل الأرض النجاة من القتال والسلامة من سفك الدماء ، وبعث الأنبياء وأنزل الكتب السماوية لهداية الناس للإيمان، وهو من مصاديق قوله تعالى[يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ]( ).
ولكن الكافرين شهروا السيوف على خاتم الأنبياء والمؤمنين بالله وبنبوة جميع الأنبياء والرسل فتفضل الله عز وجل بنصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
قانون هجرة النبي (ص) برزخ دون القتال
لقد كانت هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة المنورة بداية لتأريخ جديد من التبليغ وتثبيت أحكام الشريعة ، وقد كانت الآيات والسور المكية تتضمن التخويف والوعيد لنهي الكفار عن البقاء في منازل الجحود , وزجرهم من جهات :
الأولى : منع الذين كفروا من إيذاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : بيان قانون وهو إصابة الذين كفروا بالخزي على حصارهم لبني هاشم بسبب نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم من وجوه :
الأول : دلالة هذا الحصار على إصطفاف بني عبد المطلب وبني المطلب خلف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , بصفته رسولا من عند الله , فأكرمهم الله بالخمس وبآية المودة , وبقوله تعالى [وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ]( ).
الثاني : ميل الناس إلى جانب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبني هاشم للظلم الذي لحقهم من غير وجه حق .
الثالث: شماتة الناس بقريش لظهور الفرقة والإختلاف بينهم وقيامهم بحصار أحد أشرف الأفخاد فيهم .
الرابع : التباين والتنافي بين جوار البيت الحرام ومعاني الرحمة والرأفة والأمن فيه وبين فرض الحصار على أبناء العمومة من مجاوريه ، قال تعالى[وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ]( ) .
ومن الإعجاز في الآيات أعلاه أنها مكية بدليل اسم الإشارة في قوله تعالى [وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ] لتكون إنذاراً وتوبيخاًً لكفار قريش على إيذائهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه .
الخامس : توالي نزول آيات القرآن ومعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حتى مع الحصار .
السادس : إنجذاب عامة الناس بالفطرة للدعوة إلى التوحيد وهذا الإنجذاب من مصاديق قوله تعالى [وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ] ( ) لتبقى نفس الإنسان ذكراً أو أنثى تميل إلى السكينة بذكر الله ، والتدبر في عظمة آياته .
الثالثة : نهي الكفار عن تعذيب الذين يدخلون الإسلام ، والإضرار بهم وبممتلكاتهم .
الرابعة : دعوة الذين كفروا إلى عدم الحيلولة بين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتبليغ رسالته .
ولو ترك الذين كفروا النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يقوم بالتبليغ وهو في مكة فهل يمتنع عن الهجرة ، الجواب لا ، من وجوه :
الأول : شاء الله عز وجل أن يهاجر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : في هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نصر للإسلام ، وتثبيت لعبادته في الأرض.
الثالث : لم يهاجر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا بعد أن عزم وتواطئ الذين كفروا على قتله , في ذات الليلة التي هاجر فيها .
وقد كان قبلها يسمع من كفار قريش التهديد والوعيد بالقتل ، ولكنه لم يهاجر إلا بعد أن شرعوا في تنفيذ التهديد , لتكون هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليلتئذ من مصاديق قوله تعالى [فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ] ( ).
وقيل أراد بعض الصحابة قبل الهجرة قتال الذين كفروا لشدة إيذائهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت وعموم المسلمين , ولكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رفع لواء الصبر والسلم والموادعة .
فان قلت كان عدد المسلمين يومئذ قليلاً ، والجواب إن عددهم ليس بقليل فقد هاجر منهم إلى الحبشة أكثر من ثمانين شخصاً والذين بقوا في مكة أكثر منهم ، وإذا قاتلوا فانهم يستبسلون في القتال وتنزل الملائكة لنصرتهم ، وقد ورد قوله تعالى [يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ * الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ]( ).
ومن الإعجاز أن لفظ [يَغْلِبُوا] ورد أربع مرات في الآيتين أعلاه ، ولم يرد في أي آية قرآنية أخرى ، وتكون الغلبة في كل من هذه الأربعة للمؤمنين .
لبيان أن موضوع القتال ومستلزماته أمر عرضي زائل ، وأن المسلمين عند التخفيف عنهم يتوجهون لأداء الفرائض والسنن ، ويمتنعون عن الغزو .
لقد أظهر المسلمون الصبر وهم في مكة ، وهذا الصبر ملكة وسنخية مستقرة عندهم ، للملازمة بين الإيمان والصبر ، فقد تحلوا بالصبر قبل وبعد الهجرة .
وجاءت آيات القرآن بنعتهم بالصابرين ، والثناء من عند الله على الذين يتخذون الصبر منهاجاً في السراء والضراء ، قال تعالى [إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا] ( ) وقال تعالى [وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ] ( ).
وإن قيل كانت هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مفتاحاً للقتال .
والجواب لا دليل على هذا القول ، إنما فرّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بأنفسهم ، وعندما وصلوا إلى المدينة توالى نزول آيات القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فانشغل المهاجرون والأنصار بالتفقه في الدين .
ولو لم يهجم المشركون في معركة بدر , ومعركة أحد , ومعركة الخندق لما جرى قتال بين المسلمين وغيرهم فقد هيّج كفار قريش القبائل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وسعوا في تحريض يهود المدينة الذين أبوا وامتنعوا لسنوات عن إعانة كفار قريش على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأخبروهم بوجود عهود وعقود بينهم وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يريدون نقضها لولا أن ألحّ عليهم بعض الرؤساء بنقض هذه العهود، ولا عبرة بالقليل النادر .
فان قلت قد عقد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في السنة الأولى للهجرة عهود موادعة مع القبائل المحيطة بالمدينة ومنهم المشركون ، ومع اليهود القاطنين فيها من بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة .
فلماذا لم يعقد معاهدة وموادعة مع قريش خاصة وأنهم عشيرته ، ولو لم تهجم عليه قريش لما قاتلته العرب ، الجواب من جهات :
الأولى : إصرار قريش على محاربة النبوة والتنزيل .
الثانية: إمتناع قريش عن الإنصات لقول الحق ، ومنطق العقل ، ولغة الحوار والإحتجاج .
الثالثة : استخفاف كفار قريش بالمسلمين وعددهم والنقص في أسلحتهم ، حتى كان المنافقون يقولون أن محمداً وأصحابه (أكلة رأس)( ).
الرابعة : بُعد مسكن قريش عن المدينة إذ تكون المسافة بينهما نحو (400) كيلو متر .
الخامسة : لا يرضى كفار قريش بالصلح والموادعة إنما يبغون استئصال الإيمان وفروعه ، وفي التنزيل[وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا]( ).
فان قلت قد عقدت قريش مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلح الحديبية ، والجواب هذا صحيح ، ولكنه لم يعقد إلا في السنة السادسة للهجرة بعد أن أنهكت الحروب قريشاً وتضاعفت أعداد المسلمين أضعافاً كثيرة ، لذا سمّى الله عز وجل هذا الصلح فتحاً (عن مجمع ابن جارية الأنصاري قال : شهدنا الحديبية فلما انصرفنا عنها إلى كراع الغميم إذا الناس يوجفون الأباعر .
فقال الناس بعضهم لبعض : ما للناس؟
قالوا : أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخرجنا مع الناس نوجف ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته على كراع الغميم فاجتمع الناس عليه ، فقرأ عليهم [إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا]( )، فقال رجل : يا رسول الله : أو فتح هو؟ قال : والذي نفس محمد بيده إنه لفتح) ( ).
لقد أدركت قريش عجزها بعد معركة الخندق عن تسيير القوافل من مكة إلى الشام , ومن مكة إلى اليمن ذهاباً وإياباً لإجهارهم بمعاداة النبي محمد صلى الله عليه آله وسلم ومحاربة الإسلام .
خاصة مع سطوع ضيائه ونفاذ مبادئه إلى شغاف القلوب ، وكثرة المسلمين في المدينة وعموم القبائل ، وفي الطرق العامة للقوافل ، ويدل عليه قوله تعالى [إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِ وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ] ( ) أي أن المهاجرين والأنصار ، صاروا يخرجون للتجارة والضرب في الأرض للكسب.
فأخذت قريش تخشى على قوافلها ، ثم أن ذات القوافل أصابها النقص من جهة عدد المرات التي تخرج فيها والإبل التي تتألف منها ، إذ كانت كل قافلة تضم ألف بعير أو ألفي بعير ثم أفنتها الحروب ضد الإسلام وإطعام آلاف الجنود التي تخرج بها قريش لقتال النبي صلى الله عليه آله وسلم .
فقد تولت قريش إطعام ثلاثة آلاف رجل في معركة أحد ولمدة شهر ، وعشرة آلاف في معركة الخندق ولنحو مدة شهرين لأن حصارهم للمدينة استمر أكثر من عشرين ليلة .
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه يتضورون من الجوع لولا فضل الله وحضور المعجزة ، وفي التنزيل [وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ] ( ).
عن جابر بن عبد الله قال : لما حفر الخندق رأيت بالنبي صلى الله عليه وسلم خمصا شديدا فانكفأت إلى امرأتي فقلت هل عندك شيء فإني رأيت برسول الله صلى الله عليه وسلم خمصا شديدا فأخرجت إلى جرابا فيه صاع من شعير ولنا بهيمة داجن فذبحتها وطحنت الشعير ثم وايت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئته فساررته .
فقلت : يا رسول الله ذبحنا بهيمة لنا وطحنا صاعا من شعير فتعال انت ونفر معك فصاح النبي صلى الله عليه وسلم يا أهل الخندق إن جابرا قد صنع سؤرا فحيهلا بكم .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تنزلن برمتكم ولا تخبزن عجينكم حتى أجيء فجئت وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم الناس فأخرجت له عجينا فبصق فيه وبارك ثم عمد إلى برمتنا فبصق وبارك .
فأقسم بالله لقد أكلوا وهم ألف حتى تركوه وانحرفوا وان برمتنا لتغط كما هي وان عجيننا ليخبز كما هو ( ). ويدل الخبر على أن المسلمين المرابطين في الخندق نحو ألف .

مصطلح الكتيبة بدل الغزوة
دأب علماء التفسير والسيرة والتأريخ على تسمية خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أصحابه من المدينة بالغزو ، ويذكرون عدد غزوات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وينخرم هذا الإصطلاح :
بأن من الغزوات ما كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باقياًُ في المدينة يدافع عنها وعن أهلها كما في غزوة الخندق ، ومن الإعجاز أن الله عز وجل سمّاها الأحزاب , وجاءت سورة من القرآن بذات الاسم لبيان أن الذين كفروا تحزبوا وهجموا على المدينة .
وفي ذم المنافقين يومئذ قال تعالى [يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلاَّ قَلِيلاً] ( ).
(عن زر قال : قلت لعبيدة : سل علياً عن صلاة الوسطى . فسأله فقال : كنا نراها الفجر ، حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول يوم الأحزاب شغلونا عن صلاة الوسطى صلاة العصر ، ملأ الله قبورهم وأجوافهم ناراً) ( ).
وعن سعيد بن المسيب قال : لما كان يوم الأحزاب حصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بضع عشرة ليلة حتى خلص إلى كل امرىء منهم الكرب ، وحتى قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك ، اللهم أنك إن تشأ لا تعبد ، فبينما هم على ذلك إذ جاءهم نعيم بن مسعود الأشجعي ، وكان يأمنه الفريقان جميعاً ، فخذل بين الناس ، فانطلق الأحزاب منهزمين من غير قتال . فذلك قوله { وكفى الله المؤمنين القتال })( ).
ويسمى خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة مع أصحابه بالغزوة ، وتسمى الوحدة التي يبعثها النبي صلى الله عليه وآله وسلم السرية ، وأصلها من سُرى الليل ومداهمة العدو ليلاً ، قال تعالى [سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ]( ) .
ثم اتخذت إصطلاحاً للقطعة من الجيش وللذين يتوجهون للقاء عدوهم ، والسرية من خمسين إلى أربعمائة ، وقد كانت بعض السرايا التي يبعثها النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقل من خمسين وتليها الكتيبة .
ولأن أكثر المرات التي يخرج فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس فيها قتال نطلق عليها اسم الكتيبة بدل الغزوة .
وان قيل قد ورد لفظ الغزو في أحاديث السنة النبوية منها ما ورد من طريق (مجاهد عن أم سلمة أنها قالت : يا رسول الله تغزو الرجال ولا نغزو ولا نقاتل فنستشهد ، وإنما لنا نصف الميراث . فأنزل الله [وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ]( )، وأنزل فيها { إن المسلمين والمسلمات }( )( ).
الجواب صحيح أن لفظ الغزو من الحديث أعلاه لم يصدر عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , ومع هذا فانه على فرض صحته ومطابقته لذات الحديث فانه يحمل على الدفاع عند الضرورة لقانون وهو عدم قيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بالغزو .
ولأن تسمية السرية خاصة بالصحابة الذين يبعثهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حول المدينة , فان تسمية السرية التي يخرج بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الكتيبة ، والكتيبة لغة أكبر من السرية ، والجمع كتائب ليكون بديلاً لتسمية الغزوات .
فبدل أن يقال أختلف في عدد غزوات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فالأولى أن يقال أختلف في عدد الكتائب التي خرج فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أقوال :
الأول : مجموع الكتائب التي خرج فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والتي تسمى الغزوات تسع وعشرون كتيبة .
الثاني : سبع وعشرون كتيبة .
الثالث : ست وعشرون كتيبة .
الرابع : تسع عشرة كتيبة (عن زيد بن أرقم أنه سئل: كم غزا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟
قال: تسع عشرة، شهد منها سبع عشرة أولهن العسيرة، أو العشيرة) ( ).
الخامس : ثمان عشرة كتيبة .
السادس : ورد عن بريدة أنها ست عشرة كتيبة( ) وقال ابن هشام بأنها (سبع وعشرون) ( ).
والمختار أنها تسع وعشرون كتيبة كما تقدم ( ).
ولم يقع قتال إلا في ثمان منها ، وكان هذا القتال للدفاع ، وربما لم يكن فيها خروج من المدينة ، ففي معركة أحد وعندما علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون بقدوم جيش زاحفين غازين استشار أصحابه ، وكان يميل للبقاء في المدينة وقتالهم فيها ولكن طائفة من المسلمين ألحوا عليه بالخروج لقتالهم ، فلبس لأمة الحرب، وخرج , وقال الله تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] ( )، ومنها معركة الخندق الذي هو حصار للمدينة .
ومن الإعجاز في الآية أعلاه أنها تنطبق على حال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه سواء خرجوا إلى جبل أحد للدفاع أو تحصنوا في المدينة ريثما يأتيهم العدو ، ثم جرى هذا التحصن في معركة الخندق ، وهو من الشواهد على أن المشركين هم الذين يصرون على أمور :
الأول : جمع وتحشيد الجيوش .
الثاني : غزو المدينة المنورة .
الثالث : الهجوم واشهار السيوف وطلب المبارزة في الميدان .
الرابع : إرادة قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الخامس : مناجاة المشركين بالقتال ، وتعاضدهم في محاربة النبوة وآيات التنزيل , قال تعالى[وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً]( ).

تقسيم جديد لمعجزات النبي الحسية
من خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه جاء بالمعجزة العقلية وهو القرآن إلى جانب معجزاته الحسية ومنها :
الأولى : انشقاق القمر.
الثانية : جريان الماء بين أصابعه .
الثالثة : سلام الحجر عليه.
الرابعة : تكثير الطعام القليل ليشبع العشرات ، كما تقدم في قصة ذبح الجدي يوم الخندق .
الخامسة : سقاية أهل الصفة كلهم من قدح واحد , وكان عددهم سبعين رجلاً .
السادسة : شفاء عدد من الصحابة على يد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن (يزيد بن أبي عبيد، قال: رأيت أثر ضربة في ساق سلمة، فقلت: يا أبا مسلم ما هذه الضربة ؟ .
قال : هذه ضربة أصابتني يوم خيبر، فقال الناس : أصيب سلمة.
فأتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فنفث فيه ثلاث نفثات، فما اشتكيتها حتى الساعة) ( ).
السابعة : نزول الغيث من السماء حالما استسقى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بفضل ولطف من عند الله ، وهو من مصاديق قوله تعالى[ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ]( ).
الثامنة : معجزات طريق الهجرة , ومنها معجزته في نزول الحليب الوفير من شاة هزيلة لأم معبد لا تستطيع المشي مع الغنم للرعي ، وقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (أَتَأْذَنِينَ لِي أَنْ أَحْلِبَهَا ؟ قَالَتْ نَعَمْ بِأَبِي وَأُمّي إنْ رَأَيْتَ بِهَا حَلْبًا فَاحْلُبْهَا فَمَسَحَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِيَدِهِ ضَرْعَهَا وَسَمّى اللّهَ وَدَعَا فَتَفَاجّتْ عَلَيْهِ وَدَرّتْ فَدَعَا بِإِنَاءٍ لَهَا يُرْبِضُ الرّهْطَ فَحَلَبَ فِيهِ حَتّى عَلَتْهُ الرّغْوَةُ فَسَقَاهَا فَشَرِبَتْ حَتّى رَوَيْت وَسَقَى أَصْحَابَهُ حَتّى رَوَوْا ثُمّ شَرِبَ وَحَلَبَ فِيهِ ثَانِيًا حَتّى مَلَأَ الْإِنَاءَ ثُمّ غَادَرَهُ عِنْدَهَا فَارْتَحَلُوا) ( ).
ويمكن تأسيس قانون يقسم معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحسية بلحاظ الوقائع مثل :
الأولى : معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في بداية البعثة النبوية .
الثانية : معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة .
الثالثة : معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مدة حصار قريش لأهل البيت في شعب أبي طالب .
الرابعة : المعجزات الحسية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في البيت الحرام .
الخامسة : معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الدعوة إلى الله في مكة .
السادسة : معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحسية التي صاحبة التنزيل .
بينما اتصفت معجزات الأنبياء السابقين بأنها حسية مثل سفينة نوح، وناقة صالح، وعصا موسى، ومعجزات عيسى عليه السلام في براء الأكمه وإحياء الموتى .
ثم ذكر القرآن سبباً من أسباب استحقاق نعت المشركين بأنهم[اشْتَرَوْا الضَّلاَلَةَ] لأنهم طلبوا الدنيا ومتاعها القليل وأحبوا الشهوات وهو المراد من قوله تعالى[وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً]( ).
ومن إعجاز نظم القرآن تكرار لفظ الشراء في آيتين متعاقبتين لبيان أثر وضرر إخفاء البراهين التي تدل على صفة نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: من كتم علماً مما ينفع الله به الناس في أمر الدين ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار( ).
بحث أصولي الإستصحاب
وهو دليل عقلي ونقلي , وفي معنى الإستصحاب ورد عن موسى عن أبي سعيد الخدري قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا فَلْيَطْرَحْ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا كَانَتْ شَفْعًا لِصَلَاتِهِ قَالَ مُوسَى مَرَّةً فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامَ أَرْبَعٍ كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ ( ).
والمراد مما استيقن أي يبني على الثلاث ان شك بين الثلاث والأربع ، ثم يأتي بركة رابعة , ويسجد سجدتي السهو .
وعن زرارة قال : قلت للإمام الصادق عليه السلام : أصار ثوبي دم رعاف أو غيره أو شئ من مني إلى أن قال : فان ظننت أنه قد أصابه ولم أتيقن ذلك فنظرت فلم أر شيئاً ثم صليت فرأيت فيه ، قال تغسله ولا تعيد الصلاة .
قلت : لم ذلك ؟ قال لانك كنت على يقين في طهارتك ثم شككت ، فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبداً .
قلت : فهل علي إن شككت في أنه أصابه شئ أن أنظر فيه .
قال : لا , ولكنك إنما تريد أن تذهب الشك الذي وقع في نفسك ، الحديث .
وعن الإمام علي عليه السلام : إذ طفت بالبيت فلم تدر أتممت أم لم تتم فأتم ما شككت فان الله لا يعذب على الزيادة ، أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ، وفي سنده ضعف , لأن الحارث ضعيف .
ولم تقل آية البحث (كما أخرجك ربك من بيتك الى معركة بدر) لتدل عليه الآية بالدلالة التضمنية , وليس هناك في الآية حذف ، إنما يحمل الكلام العربي على ظاهره ، ولم يكن خروج النبي بقصد التوجه إلى معركة بدر أو إلى القتال ، إنما هو خروج كتيبة للإستطلاع والتبليغ ، ودفع الذين كفروا .
وتقدير الآية : كما أخرجك ربك في شهر رمضان من السنة الثانية كما أخرجك قبلها الى الأبواء في ذي القعدة من السنة الأولى ، والى الأبواء في صفر من السنة الثانية ، والى غطفان في ذات الشهر والى بواط في شهر ربيع الأول من السنة الثانية وإلى بدر الأولى في ذات الشهر ، ولم يقع قتال في كل مرة من هذه المرات التي خرج فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لبيان أن الأصل هو الإستصحاب ، وأن المسلمين والمسلمات لم يظنوا وقوع قتال عند خروجهم هذا , ولكن المشركين جاءوا بخيلهم وخيلائهم الى ماء بدر ، ثم أصروا على القتال فلحقهم الخزي لبيان أن أصل الإستصحاب لا يعمل دائماً ، وأنه قد يوقع الإنسان أو الجماعة والطائفة في بلاء ومصيبة ولكن الإيمان وحضور شخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وعظيم فضل الله على المؤمنين واقية من هذا البلاء والمصيبة .
ومن مصاديق الإستصحاب في المقام قوله تعالى[وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ]( ) أي أن المسلمين لم يسعوا للقتال ولم يتوقعوه وعندما خرجوا من المدينة , لم يكن رسول أبي سفيان قد وصل إلى مكة لينذر أهلها بخصوص قافلتهم , ولو إستولى عليها المسلمون لكان أفضل لقريش وأقل خسارة لهم , وهو الذي نبينه تفصيلا في الجزء الرابع والسبعون بعد المائة من هذا السفر إن شاء الله .
اللفظ المشترك
هو اللفظ المتحد الموضوع والمقصود به أكثر من معنى، مثل لفظ(العين) الذي يطلق على الآلة الباصرة والجاسوس، والعين الجارية قال تعالى[فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ]( )، كما يطلق على الذهب والفضة .
من اللفظ المشترك في القرآن مادة الصلاة في قوله تعالى[إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا]( )، فالصلاة من الله رحمة ومغفرة، ومن الملائكة دعاء واستغفار، ومن المسلمين والمسلمات الدعاء والإكرام وقول: اللهم صل على محمد وسلم تسليماً.
والنصر يقابله الخذلان ، والغنى يقابله الفقر ، والجنة تقابلها النار ، تقابل التضاد والتناقض.
ومن علوم القرآن التقابل في الألفاظ فحلاوة الإيمان يقابلها قبح الكفر , وقد يأتي المتقابلان والمتضادان في آية واحدة .

في القلب
ويسمى الإقلاب , وهو لغة التحويل، والمراد منه تحويل النون الساكنة والتنوين الى ميم إذا جاء بعد النون حرف الباء على نحو الخصوص، كما في قوله تعالى[أَنْبِئُونِي]( ).
ويختص القلب في اللفظ دون الخط، وسبب الإقلاب العسر والكلفة في القراءة وأنه بحسن الإدغام , والمختار أنه لو قرأ الحرف نوناً كما هو مرسوم في المصاحف مثل(انباء) فالقراءة صحيحة لموافقتها للتنزيل وبينته وأحكام الإدغام في رسالتي العملية (الحجة) ( ) في المسائل الآتية .
(مسـألة365) الإدغام مستحب اذا كان بعد النون الساكنة او التنوين أحد حروف يرملون، والاقوى عدم وجوبه لصدق الكلام بدونه وللأجر والثواب بقراءة كل حرف من القرآن، نعم متابعة علماء القراءة والتجويد فيه مستحبة، وكذا الغنة فيما عدا اللام والراء.
(مسـألة366) تكون القراءة على النهج العربي , والأحوط ان يؤتى بها على احدى القراءات السبعة .
(مسـألة367) مما اشتهر وجوبه ادغام اللام في أل التعريف عندما تلتقي بواحد من اربعة عشر حرفاً وهي: التاء والثاء، والدال والذال، والراء والزاي، والسين والشين، والصاد والضاد، والطاء والظاء، واللام والنون، وسميت بالحروف الشمسية لأن منها الشين الذي يكون أول حرف من كلمة الشمس، في مقابل الحروف الهجائية الأخرى والتي تسمى بالحروف القمرية لأن منها حرف القاف الذي هو أول كلمة القمر.
(مسـألة368) الاقوى ان ترك الإدغام هذا لا يعتبر عرفاً خارجاً عن صيغ المحاورة بالإضافة الى قاعدة نفي الحرج في الدين واصالة البراءة وعمومات نية الرجاء في قراءة الحرف القرآني بقصد الجزئية والنصوص الواردة بأن في قراءة كل حرف من القرآن عشر حسنات، كما ان تمام الكلية التي ذهبوا اليها بان ما هو واجب في النحو واجب عند الفقهاء لم يثبت عندي، نعم تلك الشهرة كافية في الإستحباب.
(مسـألة369) يستحب الإدغام فيما اجتمع فيه المثلان في كلمتين متجاورتين مع كون الأول ساكناً مثل [اذْهَب بِكِتَابِي].
(مسـألة370) لا يجب ما ذكره علماء التجويد من المحسنات كالإمالة بالحركة وهي ان ينحو بالفتحة نحو الكسرة، وبالألف نحو الياء كثيراً، والتفخيم والترقيق وهما في الحرف دون الحركة كما في اللام والراء، والروم وهو حركة مختلسة مسموعة.. ونحوه. ولا بأس بمتابعتهم.
(مسـألة371) قلب النون ميماً اذا كان بعدها حرف الباء كما في انباء مثلاً تقرأ امباء لم يثبت دليله وعمومه، وما ذكر في علة ابدالها ان الميم مؤاخية للباء ومن مخرجها وتشاركها في الجهر والإخفات وهي ايضاً مؤاخية للنون في الغنة والجهر وعدم امكان ادغام النون بالباء لبعد المخرجين، ولا تكون ظاهرة لشبهها باخت الباء وهي الميم فابدلت ميماً ليس بكاف للوجوب، بلحاظ موضوعية التنزيل واعتبار مدار الثواب عليه، والأصل ان يقرأ على التنزيل , وفيه الثواب والفراغ وان قلب وفق قواعد التجويد هذه جاز.
(مسـألة372) ينبغي ان يميز بين الكلمات، ولا يقرأ بحيث يتولد بين الكلمتين كلمة مهملة كما لو تولد كلمة (كيو) بين كلمتي مالك يوم.
(مسـألة373) مما تعارف في احكام القراءة ترقيق اللام من اسم الجلالة اذا كان قبله مكسوراً وتفخيمه اذا كان قبله مفتوحاً او مضموماً وجعلها الفقهاء قاعدة كلية لإتباعهم القراء وعلماء النحو، ووجوبه ووصوله الى أيام النبوة والتنزيل يحتاج الى دليل، بالإضافة الى ان اسم الجلالة واحد هيئة ومادة، ولكن اعتبار ترقيق اللام من خصائص هذا الاسم الشريف اجلالاً وتكريماً وتعظيماً، والاتيان بما هو متعارف عند القراء يجعلان استحبابه أمراً راجحاً.
قانون علوم القرآن
القانون لغة هو القاعدة والإستقرار بنظام ونمط مخصوص ، والأصل في كلمة القانون أنها يونانية (Kanun) ومعناها العصا المستقيمة للدلالة على النظام والضبط ومثلما انتقلت العصا المستقيمة للدلالة على النظام والضبط ومثلما انتقلت إلى العربية فانها انتقلت إلى الفارسية بمعنى الأصل والقياس واستعارته العربية ، وأكثر أمهات كتب اللغة لم تذكر أصل ومعنى ومشتقات هذه الكلمة وهو أمر كلي تلتقي فيه الأفراد المتشابهة وجزيئات الموضوع مثل قاعدة النحاة كالمبتدأ مرفوع واسم إنّ منصوب .
ومنه قوانين الرياضيات والحساب ، ومن القوانين ما يكون قاعدة أو مجموعة قواعد عامة ملزمة تساهم في تنظيم وضبط السلوك العام الإجتماعي ، ومنه ما يكون ثواباً لمن امتثل له ، ومنه ما يكون جزاء وعقوبة لمن خالفه ، وهو من عمومات قوله تعالى[عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ]( ).
وقد يكون القانون مكتوباً ومدوناً ، وقد يكون متعارفاً ومتوارثاً مثل الأعراف والسنن العامة ، ومن الإعجاز في القرآن أن قوانينه مدونة ومكتوبة ولا تقبل التغيير والتبديل .
ويمكن تقسيم القانون تقسيماً استقرائياً جديداً إلى :
الأول : القانون الطبيعي ، قال تعالى [سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ] ( ) .
الثاني : القانون السماوي .
الثالث : القانون العبادي ، كقانون الصيام المستقرأ من قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ]( ).
الرابع : القانون السياسي .
الخامس : القانون الوضعي والتشريعات في الأنظمة والحكومات .
السادس : القانون الإجتماعي وضبط قواعد التصرف والسلوك العام .
السابع : القانون الجنائي .
الثامن : القانون العلمي ، وهذا القانون ينشطر إلى عدة قوانين بلحاظ جهات :
الأولى : موضوع العلم .
الثانية : مسائل العلم .
الثالثة : الغاية من العلم .
التاسع : القانون الدولي وهو الذي ينظم الصلات بين الدول والضوابط العامة التي تملي التقيد بها .
العاشر : القانون التجاري .
الحادي عشر : القانون المدني .
الثاني عشر : القانون العسكري ، ومنه آية البحث [الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا] ( ) لبيان أن التعبئة للقتال لا تعني حمل الناس على النفير العام وتعطيل الأعمال , ومنه قوله تعالى[وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ]( ).
الثالث عشر : قوانين الأسرى .
الرابع عشر : قانون العمل .
الخامس عشر : قانون الميراث .
السادس عشر : قانون الشركات .
السابع عشر : قانون الأحوال الشخصية .
الثامن عشر : القانون المالي .
التاسع عشر : القانون الإداري .
العشرون : القانون الإجتماعي .
الحادي والعشرون : القانون الأخلاقي ، قال تعالى [وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ] ( ) لبيان أن مراتب الخلق العظيم من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً ، فاز الأنبياء بالمرتبة العليا منه وهو من فضل الله على الناس في صيرورة الأنبياء أئمة وأسوة للناس , قال تعالى[أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ]( ).
الثاني والعشرون : القانون القرآني، وهذا القانون ينشطر إلى قوانين كثيرة ومتجددة , وتضمن هذا التفسير والحمد لله المئات منها .
الثالث والعشرون : قانون الرزق .
الرابع والعشرون : قانون الإستقامة ، ويدل قوله تعالى[ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ]( )، على أن أحكام الإستقامة والصلاح في القرآن والسنة جلية وواضحة .
الخامس والعشرون : قانون اليسر والتيسير ، قال تعالى[يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ]( ).
السادس والعشرون : قانون التوبة ، وأن الله عز وجل يقبل من عباده التوبة .
السابع والعشرون : قانون نصر الأنبياء والمؤمنين .
الثامن والعشرون : قانون نفي الحرج ، قال تعالى[وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ]( ).
التاسع والعشرون : قانون الشفاعة ، قال تعالى[وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنْ ارْتَضَى]( )،
الثلاثون : قانون العدل , وميل النفوس له ونفرتهم من الظلم .
الحادي والثلاثون : قانون الحب في الله .
الثاني والثلاثون : قانون وجوب الصلاة .
الثالث والثلاثون : قانون الفرائض العبادية مثل الصلاة.
وتحتمل قوانين القرآن من جهة الكثرة الذاتية وجوهاً :
الأول : قوانين القرآن أكثر من عدد آيات القرآن وهي (6236) آية .
الثاني : عدد قوانين القرآن أكثر من كلمات القرآن .
الثالث : تبلغ قوانين القرآن أمس واليوم وغداً أكثر من عدد كلمات القرآن ، وقام (الحسن البصرى وأبو العالية ونصر بن عاصم وعاصم الجحدرى ومالك بن دينار بعدّ حروف القرآن فبقوا أربعة أشهر يعدون بالشعير فأجمعوا على أن كلماته سبع وسبعون ألف كلمة وأربعمائة وتسع وثلاثون كلمة وأجمعوا على أن عدد حروفه ثلاثمائة ألف وثلاثة وعشرون ألفا وخمسة عشر حرفا) ( ).
الرابع : عدد قوانين القرآن أكثر من عدد حروفه وهي (ثلاثمائة ألف حرف وثلاثة وعشرون ألف حرف وستمائة حرف وأحد وسبعون حرفاً( )
والمختار أن قوانين القرآن أكثر من عدد حروفه ، وهي توليدية وإذ انقطع التنزيل بمغادرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الى الرفيق الأعلى فان قوانين القرآن متجددة من جهات :
الأولى : كل آية قرآنية تتضمن القوانين من وجوه :
الأول : بداية الآية .
الثاني : وسط الآية .
الثالث : خاتمة الآية .
الثانية : استقراء القوانين من مضامين كل آية من القرآن .
الثالثة : دلالة الآية القرآنية قانون متجدد .
الرابعة : الغايات الحميدة من الآية القرآنية قوانين متعددة .
الخامسة : إستنباط القوانين من لغة العطف في ذات الآية القرآنية ، والعطف بين الآيتين المتجاورتين .
السادسة : إنشاء القوانين من الصلة بين آيتين من القرآن ، وبين ثلاث آيات أو أكثر .
ونزل القرآن على نحو النجوم والتوالي ، وكان نزوله على وجوه متعددة:
الأول : نزول آية من القرآن .
الثاني : نزول سورة من القرآن .
الثالث : نزول عدد من الآيات .
الرابع : نزول شطر من آية ، ثم نزول شطر آخر منها بلحاظ سبب جلي للنزول ، ومصداق من مصاديق الرحمة والتخفيف من عند الله ، قال تعالى [الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ] ( ).
و(عن ابن عباس قال : كان الناس أول ما أسلموا إذا صام أحدهم يصوم يومه حتى إذا أمسى طعم من الطعام حتى يمسي من الليلة القابلة ، وأن عمر بن الخطاب بينما هو نائم إذ سوّلت له نفسه فأتى أهله ، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا رسول الله إني أعتذر إلى الله وإليك من نفسي هذه الخاطئة ، فإنها زينت لي فواقعت أهلي .
هل تجد لي من رخصة؟ قال : لم تكن حقيقاً بذلك يا عمر . فلم بلغ بيته أرسل إليه فأنبأه بعذره في آية من القرآن ، وأمر الله رسوله أن يضعها في المائة الوسطى من سورة البقرة ، فقال [أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ]( )، إلى قوله {تختانون أنفسكم} يعني بذلك الذي فعل عمر ، فأنزل الله عفوه فقال {فتاب عليكم} إلى قوله {من الخيط الأسود} فأحل لهم المجامعة والأكل والشرب حتى يتبين لهم الصبح) ( ).
(عن سهل بن سعد قال : أنزلت[وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ]( )، ولم ينزل من الفجر ، فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود ، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما ، فأنزل الله بعد { من الفجر } فعلموا إنما يعني الليل والنهار) ( ).
و(عن عدي بن حاتم قال : علمني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصّلاة والصّيام قال : صل كذا،
وصم كذا،
فإذا غابت الشمس : فكل واشرب حتى يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود،
وصم ثلاثين يوماً إلى أن ترى الهلال قبل ذلك،
قال : فأخذت خيطتين من شعر أبيض وأسود،
وكنت أنظر فيهما فلا يتبين لي.
فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ،
فضحك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتّى بدت نواجذه وقال: يا ابن حاتم إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل) ( ).
وهي العلوم التي تترشح عن فيوضات القرآن أو تكون مقدمة لإستقراء ذخائره والغوص في خزائنه والعلوم التي تتفرع عن القرآن ، والتي تنفع في استنباط المسائل منه ، وهذه العلوم انشطارية ، وليس لها حدّ في موضوعها وما يترشح عنها من المسائل والفرائد ، لقاعدة كلية وهي : كل آية قرآنية خزينة للعلوم وخزائن القرآن لا تنفد .
ولكل علم موضوع وغرض مثلاً يصون علم المنطق الفكر من الخطأ في الإستنتاج ، ويمنع علم النحو اللسان من الخطأ في المقال .
ففي علم النحو لابد من معرفة قاعدة رفع المبتدأ والخبر ، ونصب المفعول ، وتقسيم الكلام إلى اسم وفعل وحرف وغيره ، ولابد من معرفة ثبوت المحمول للموضوع وعلم الأصول طريق ومادة للإستنباط والقدرة عليه ولابد من معرفة المسائل والقواعد لكل علم .
وفي علم الأصول مثلاً لابد من معرفة حجية ظواهر الكتاب ، وخبر الثقة والأوامر والنواهي والإستصحاب وغيرها .
ويبحث علم الأصول في القواعد التي تضبط الأحكام الشرعية الفرعية فمثلاً هل خبر الواحد حجة أو لا , النتيجة مسألة أصولية فاذا رآى الهلال شخص واحد عدل ، فالفقيه يرجع للنص أو للأصولي أو لعلم الأصول في حجية خبر الثقة ، وقيد بالفرعية لتخرج المسائل الأصولية الشرعية الثابتة والتي هي من البديهيات كالتوحيد والنبوة والمعاد .
وعلم الفقه وموضوعه أفعال المكلفين والأحكام الشرعية الكلية وهي على شعب :
الأولى : الأحكام التكليفية وهي :
الأول : الوجوب .
الثاني : الاستحباب .
الثالث : الإباحة .
الرابع : الكراهة .
الخامس : الحرمة .
الثانية : الأحكام الوضعية مثل الملكية والزوجية والشرطية والسببية ، وعلوم القرآن كثيرة ومتعددة منها :
الأول : القطع بنزول القرآن من عند الله عز وجل وأنه كلامه الذي تفضل به وشاء أن يبقى بين الناس إلى يوم القيامة ، قال تعالى [وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْلَمُونَ] ( ) والمضاف إلى الله عز وجل على قسمين :
أولاً : المعاني مثل كلام الله وقدرة الله ، قال تعالى [وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] ( ) لبيان عظمته وسلطانه المطلق وعزته ، وحياته وكبرياؤه وعلمه ونحوه من صفاته تعالى .
ثانياً : الإعيان وإضافتها لله للتشريف وبيان القدسية ، والإعجاز في الخلق ولزوم الإقرار بعبادته وبديع صنعه ، ومن المضاف في المقام بيت الله، وناقة الله ، وفي نبي الله صالح قال تعالى [وَيَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ] ( ) وهذه الأعيان مخلوقة لله عز وجل ، ولا تصح عبادتها .
الثانية : علم نزول القرآن من عند الله عز وجل وكيفية نزوله .
وجاءت آيات عديدة تبين أن القرآن نزل من عند الله عز وجل منها قوله تعالى [شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ] ( ) .
الثالث : نزول جبرئيل بالقرآن من عند الله على صدر النبي محمد صلى الله عليه آله وسلم قال تعالى [قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ] ( ) .
الرابع : الوحي من عند الله سبحانه.
والنسبة بين الوحي والقرآن وهي العموم والخصوص المطلق ، إذ أن الوحي أعم .
الخامس : أوان وزمان نزول القرآن ، قال تعالى [إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ]( ) .
السادس : علة ومنافع نزول القرآن على النجوم والتوالي ، قال تعالى [وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً]( ) .
السابع : بدايات الوحي على رسول الله ، وأنه كان في بداية نبوته يرى الرؤيا الصادقة فيأتي مصداقها كفلق الصبح (عن عائشة أنها قالت : أوّل ما بدأ به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم،
فكان لا يرى رؤيا إلاّ جاءت مثل فلق الصبح .
ثم حبّب (الله) إليه الخلاء .
فكان يأتي حراء فيتحنث فيه .
وهو التعبد (في) الليالي ذوات العدد ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فتزوده بمثلها،
حتى فجأه الحق .
وهو في غار حراء.
قال : فجاءه الملك وقال : اقرأ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقلت له : ما أنا بقارئ قال : فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد،
ثم أرسلني فقال : اقرأ فقلت : ما أنا بقارئ .
فأخذني فغطني الثانية .
حتى بلغ مني الجهد .
ثم أرسلني فقال : اقرأ فقلت : ما أنا بقاري .
فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد .
ثم أرسلني فقال : اقرأ باسم ربّك الذي خلق .
حتى بلغ ما لم يعلم ) ( )( ).
الثامن : أول نزول القرآن إلى اللوح المحفوظ ، ليكون وثيقة سماوية جامعة سالمة من التحريف أو التبديل أو التغيير إلى يوم القيامة .
وهل تختص هذه السلامة وقوله تعالى [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون] ( ) بهذا التنزيل الأول ، الجواب لا ، فالآية أعلاه مطلقة ، وتشمل وجود القرآن بين ظهراني الناس ، وفي أيديهم سالماً من التحريف ، ولو دار الأمر بين الإطلاق والتقييد فالأصل هو الأول .
ثم نزل القرآن جملة واحدة إلى بيت العزة ، وهو في السماء الدنيا ، وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ] ( ) لينزل به جبرئيل من بيت العزة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على مدة ثلاث وعشرين سنة ، لتثبيت قلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقلوب المؤمنين وملاقاة أذى وظلم الذين كفروا بصبر وحلم ، وإمتناع عن القتال وعن الغزو والهجوم ، فقد كانت كل آية تنزل من عند الله مدرسة في إصلاح النفوس ، وتهذيب الأخلاق .
ومن خصائص علم نزول القرآن مفرقاً أنه توليدي ، تتفرع عنه علوم متعددة مثل علم أسباب النزول ، وعلم الناسخ والمنسوخ ، وهو لا يتعارض وعلم المكي والمدني ، مع كون كل فرد من هذه العلوم مستقل بذاته وله موضوعه .
التاسع : يمكن الحاق مقدمات أمهات كتب التفسير برشحات علوم القرآن لأنهم ذكروا فيها مناهجهم ، وزبدة أفكارهم وأهم المسائل في تصانيفهم وأقوالهم في علوم القرآن ، وأسباب أيصال المقاصد إلى القارئ ، علماً بأن علوم القرآن مصاحبة لأوان نزول آياته ، وكتب التفسير هذه متأخرة عنها .
وكانت بحاجة إلى علوم القرآن ، وأسرار التنزيل و(عن عبد الله بن مسعود والذي لا اله الا هو ما نزلت آية في كتاب الله إلا وأنا اعلم فيمن نزلت وأين نزلت ولو اعلم مكان احد اعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته وقال ايضا كان الرجل منا اذا تعلم عشر آيات لم يتجاوزهن حتى يعلم معانيهن والعمل بهن) ( ) .
لظهور معاني ودلالات الآية القرآنية على الظاهر , وفي الجملة ورجوعهم الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في تفسيرها وتأويلها ، وهو من أسرار قوله تعالى [إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ] ( ) وكان كثير من علماء التفسير يصدر عن أهل البيت والصحابة في التفسير ، ومنهم من يجعل حديث الصحابي بمنزلة المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، كما قاله الحاكم في تفسيره .
ولكن بعض الصحابة أخذ من بعضهم الآخر , ومنهم من تأول القرآن بتفسيره , ويدل عليه الحديث أعلاه .
وعن التابعي (أبي عبد الرحمن السلمي قال : حدثنا من كان يقرئنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنهم كانوا يأخذون من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عشر آيات فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل ، قال : فتعلمنا العلم والعمل) ( ).
نعم لتفسير النبي صلى الله عليه وآله وسلم للقرآن( ) وللسنة النبوية موضوعية في تفسير الصحابة للآية القرآنية .
الأول : تفسير القرآن العزيز لعبد الرزاق الصنعاني.
الثاني : جامع البيان عن تأويل القرآن لابن جرير الطبري.
الثالث : تفسير القرآن العظيم لأبي الليث السمر قندي .
الرابع : النكت والعيون في تأويل القرآن الكريم لابن حبيب الماوردي .
الخامس : الوسيط في تفسير القرآن المجيد لأبي الحسن الواحدي .
السادس : معالم التنزيل لأبي محمد البغوي .
السابع : المحرر الوجيز في تفسير كتاب الله العزيز لابن عطية الأندلسي .
الثامن : تفسير التبيان للشيخ الطوسي .
التاسع : مجمع البيان في تفسير القرآن للطبرسي .
العاشر : زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي .
الحادي عشر : الجامع لأحكام القرآن للقرطبي .
الثاني عشر : تسهيل السبيل لعلوم التنزيل لابن جزي الكلبي .
الثالث عشر : لباب التأويل في معاني التنزيل للخازن .
الرابع عشر : البحر المحيط في التفسير لأبي حيان .
الخامس عشر : تفسير القرآن العظيم لابن كثير .
وقد أخذ النبي أكثر المفسرين ممن سبقهم من المفسرين سواء كان بنقل النص والقول ، أو المعنى والرواية ، وأعتنوا بمسألة القراءة على الأحرف السبعة ، وجمع وتدوين القرآن ، وبيان فضائل القرآن ، وفضل كل سورة .
إلى أن أنعم الله عز وجل علينا وعليكم بهذا السِفر (معالم الإيمان في تفسير القرآن) وكله تأويل واستنباط واستقراء ودلالات من ذات مضامين آيات القرآن , وفي التنزيل[قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ]( ).
ترى لماذا خفف الله عز وجل عن المسلمين ، الجواب لابد من التسليم بأن علل الأحكام والغايات منها لا يحيط بها علماً إلا الله ، وهو العالم بدقائق الأمور ، ويتعدد الموضوع والمحمول ، وفيه مسائل :
الأولى : لما خلق الله عز وجل الإنسان [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ) فانه سبحانه يتفضل عليه بالمدد والعون , ومنه التخفيف .
الثانية : من أسماء الله [الرحمن ][الرحيم] وتتجلى رحمته على الخلائق في كل آن وزمان ، ومنها الإنسان ، ومن مصاديق الرحمة التخفيف عن الناس مجتمعين ومتفرقين .
الثالثة : إكرام المؤمنين بالتخفيف ، وبيان التباين بينهم وبين الذين كفروا الذين يملأ قلوبهم الفزع والخوف ، وينهزم الإثنان والثلاثة منهم أمام الواحد من المسلمين .
الرابعة : بيان مصداق لقوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( )بأن يتوالى التخفيف عن المسلمين في كل موضوع.
الخامسة : التخفيف من الله عز وجل مدد وعون للمسلمين في ميدان المعركة .
السادسة : لما كانت علة خلق الناس هي العبادة لقوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( ) فان الله عز وجل يتفضل على المسلمين بالتخفيف ليعبدوه والناس جميعاً .
قانون إستدامة الإيمان في مكة
لقد أكرم الله عز وجل مكة إذ كان البيت الحرام أول ما خلق الله من الأرض ، ومنها دحيت وبسطت الأرض ، ولما سئل الإمام علي عليه السلام لم سميت مكة أم القرى .
(قال لان الارض دحيت من تحتها) ( ).
ويقع في مكة البيت الحرام وهو شرف وعز لمكة وللمسلمين والناس جميعاً ، قال تعالى [إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا] ( ).
وتولت الملائكة بناء البيت , وحضر آدم البناء وشاركهم فيه (عن ابن عباس ، قال : لما أهبط الله آدم إلى الأرض من الجنة ، كان رأسه في السماء ، ورجلاه في الأرض ، وهو مثل الفلك من رعدته ، قال : فطأطأ الله عز وجل منه إلى ستين ذراعا .
فقال : يا رب ، ما لي لا أسمع أصوات الملائكة ، ولا أحسهم .
قال : خطيئتك يا آدم ، ولكن اذهب ، فابن لي بيتا ، فطف به ، واذكرني حوله ، كنحو ما رأيت الملائكة تصنع حول عرشي ، قال : فأقبل آدم عليه السلام يتخطا ، فطويت له الأرض ، وقبضت له المفاوز ، فصارت كل مفازة يمر بها خطوة ، وقبض له ما كان من مخاض ماء ، أو بحر فجعل له خطوة .
ولم تقع قدمه في شيء من الأرض إلا صار عمرانا وبركة حتى انتهى إلى مكة ، فبنى البيت الحرام .
وأن جبريل عليه السلام ضرب بجناحه الأرض فأبرز عن أس ثابت على الأرض السفلى ، فقذفت فيه الملائكة من الصخر ما لا يطيق حمل الصخرة منها ثلاثون رجلا ، وأنه بناه من خمسة أجبل من لبنان ، وطور زيتا ، وطور سينا ، والجودي ، وحراء ، حتى استوى على وجه الأرض .
قال ابن عباس : فكان أول من أسس البيت ، وصلى فيه ، وطاف به آدم عليه السلام حتى بعث الله الطوفان ، قال : وكان غضبا ورجسا .
قال : فحيثما انتهى الطوفان ذهب ريح آدم عليه السلام ، قال : ولم يقرب الطوفان أرض السند والهند ، قال : فدرس موضع البيت في الطوفان ، حتى بعث الله تعالى إبراهيم ، وإسماعيل فرفعا قواعده ، وأعلامه ، وبنته قريش بعد ذلك ، وهو بحذاء البيت المعمور ، لو سقط ما سقط إلا عليه) ( ).
لقد أكرم الله عز وجل مكة بأن جعلها قبلة للمسلمين في صلاتهم إذ يجب على كل مسلم ومسلمة استقبال البيت في الصلاة سواء كانوا في المشرق أو المغرب ، وفي الأرض أو في الأفلاك السماوية التي قد ينتقل شطر منهم للعيش فيها .
وهل يلزم الذي يسكن المريخ مثلاً أن ينكس رأسه كثيراً عند القيام في الصلاة، كي يكون متوجها بمقاديم وجهه إلى البنية المباركة.
الجواب لا ، إنما يكفي التوجه إلى ذات جهة البيت بلحاظ أن ما بين تخوم الأرض وعنان السماء قبلة , وشاء الله عز وجل أن يكون الإيمان متوارثاً في مكة منذ أن هبط آدم إلى الأرض ، فلابد من أمة مؤمنة في مكة لبيان قانون وهو أن المسلمين لم يتوجهوا إلى مكة في كل زمان إلا والإيمان موجود وحاضر فيها ، وصحيح أنه قد تسود مفاهيم الكفر والضلالة فيها ، ولكن هناك مؤمنون يعبدون الله ، ويتبعون الأنبياء ، ويرجون بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويبشرون بها ، وهو من أسرار دعاء إبراهيم عليه السلام للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل مكة ، وتوارث العرب لهذه الدعوة ، وجاء حكاية عنه في التنزيل [رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ] ( ).
وتقع مكة المكرمة في الجانب الغربي من جزيرة العرب في بطن [بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ] ( ) ويسميه أهل مكة وادي إبراهيم ، وبين جبل قعيقعان غرباً وجبل أبي قبيس شرقاً ، ومن محلة المعابدة طولاً إلى محلة المسفلة جنوباً قبل التوسعات الأخيرة ، وتحيط بها الجبال الجرداء ، والتلال الصخرية الصلبة على نحو الدائرة .
ومن أهم جبال مكة :
الأول : جبل أبي قبيس ، ويطل على جبل الصفا والمسجد الحرام .
الثاني : جبل قعيقعان .
الثالث : جبل فاضح .
الرابع : جبل المحصب .
الخامس : جبل ثور ، والذي يشبه السفينة الصغيرة المقلوبة ، ويقع في جنوب مكة .
السادس : جبل الحجون .
السابع : جبل حراء ، ويقع في الشمال الشرقي من مكة ، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعتكف فيه لليال متعددة ، وعنده نزلت عليه أول آيات القرآن ، وقوله تعالى[اقْرَأْ بِاسم رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ]( ).
الثامن : جبل تفاحة .
التاسع : جبل الفلق .
وتسمى الأراضي السهلة والمنخفضة من مكة بالبطحاء ، وما كان إرتفع عن الحرم المكي يسمى المصلاة وما أنخفض منها يسمى المسفلة ، وترتفع مكة عن سطح البحر نحو (278) متراً وتقع عند تقاطع درجتي عرض (21/25) شمالاً ودرجتي (39/49) شرقاً .
وهذا الموقع من أشد التكوينات الجيولوجية لصلابة صخورها ، وتبعد مدينة جدة وساحل البحر الأحمر عن مكة (72) كم وهي أقرب الموانئ إلى مكة وتبعد مدينة الطائف عن مكة (120)كم ، وتبعد المدينة المنورة عنها نحو 400 كم .
ولقد أسكن الله عز وجل آدم وزوجته حواء في الجنة ، وصارا يتنعمان في رياضها ، ويأكلان مما يشتهيان ، وحرم الله عليهما شجرة مخصوصة فاغواهما إبليس للأكل منها ، فبانت عورة كل واحد منهما ، فشعرا بالإستحياء وندما لما فيه من الخزي ، قال تعالى [وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنْ النَّاصِحِينَ * فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ] ( ).
وقد وردت مادة [طَفِقَ] ثلاث مرات في القرآن ، مرتين بصيغة المثنى وتتعلقان بآدم وحواء ، وأخرى بصيغة المفرد وتخص نعمة عظيمة على سليمان في كثرة الخيل والجياد[فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ] ( ).
وذكر أنه إنشغل عن صلاة العصر ، وكان مهاباً فلم يخبره أحد عن دنو إنقضاء وقتها ، وأنه مسح تلك الجياد بالسيف ونحرها تقرباً إلى الله , ورجاء عفوه ورضاه .
(عن أُبيّ بن كعب :عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله { فطفق مسحاً بالسوق والأعناق }( ) قال : قطع سوقها وأعناقها بالسيف) ( ).
وأمر الله عز وجل بخروج آدم وحواء وابليس من الجنة وهبوطهم إلى الأرض ، ونزل كل من آدم وحواء في موضعين متفرقين ، وشاء الله أن يجتمعا في جبل عرفات في مكة ، وهو من أسباب تسميته بهذا الاسم ، لتبدأ رحلة عمارة الإنسان للأرض .
ومن الآيات أن أول الذين عمروها هم الذين كانوا يقطنون الجنة ، ليأتي معهم اليقين والأخبار القطعية بعالم الملائكة والجنان والخلود .
لقد نزل آدم وحواء بأداء الصلاة والصيام عند طلوع الفجر ومغيب الشمس لتكون الفرائض العبادية ميراثهما إلى الأجيال المتعاقبة من ذريتهما ، وقد أنعم الله عز وجل على آدم وعمّر في الأرض ، فلم يغادر الأرض إلا وقد بلغ عمره ألف سنة .
(عن ابن عباس قال : لما نزلت آية الدين قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن أوّل من جحد آدم أن الله لما خلق آدم مسح ظهره فأخرج منه ما هو ذار إلى يوم القيامة فجعل يعرض ذريته عليه ، فرأى فيهم رجلاً يزهر قال : أي رب من هذا؟ قال : هذا ابنك داود . قال : أي رب كم عمره؟ قال : ستون عاماً .
قال : رب زد في عمره .
فقال : لا إلا أن أزيده من عمرك . وكان عمر آدم ألف سنة ، فزاده أربعين عاماً ، فكتب عليه بذلك كتاباً وأشهد عليه الملائكة .
فلما احتضر آدم وأتته الملائكة لتقبضه قال : إنه قد بقي من عمري أربعون عاماً .
فقيل له : إنك قد وهبتها لابنك داود . قال : ما فعلت .
فأبرز الله عليه الكتاب وأشهد عليه الملائكة ، فكمل الله لآدم ألف سنة ، وأكمل لداود مائة عام) ( ).
ولم يغادر آدم الدنيا إلا وقد بلغ عدد أبناؤه وأحفاده أربعين ألفاً .
لبيان فضل الله عز وجل عليه وعلى الناس وأن قتل قابيل ابن آدم لأخيه هابيل الذي هو ربع سكان الأرض آنذاك لم ينقص من الذراري ، وهل نسبة القتل أعلاه إنذار من الحروب العالمية المدمرة ، الجواب نعم ،وتقترن بها البشارة بأن هذه الحروب لا تفني أهل الأرض ، ولا تقطع عمارة الناس فيها بالعبادة والتقوى , وعجز الملوك والدول وحروبهم عن افناء الناس من مصاديق قوله تعالى[وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ]( ).
وقد وردت قصة قابيل وهابيل في الكتب السماوية السابقة ، وفي القرآن للعبرة والموعظة وبعث النفرة في النفوس من الإقتتال والقتل .
قانون الإنذار من الرياء
لقد تضمنت آية البحث إنذار الناس من الرياء، وهو على شعب:
الأولى : إنذار الإرنسان من اتيان الفعل مراءاة للناس.
الثانية : إنذار الناس من الذي يأتي بالفعل مراءاة لهم.
الثالثة : زجر الذين كفروا عن الرياء والمراءاة.
الرابعة : تحذير الناس جميعاً من مراءاة الكفار.
الخامسة : دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم , قال تعالى[إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ]( ).
السابعة : إنذار المنافقين والمنافقات من الصدّ عن سبيل الله، فهم لا يحملون سيوفاً يحاربون بها النبي محمداً والمسلمين، انما كانوا يرجفون في المدينة، ويبثون الأقاويل، ويحرضون بعض الصحابة من أقاربهم ونحوهم على عدم الخروج في سرايا الدفاع، وقال تعالى في المنافقين[اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ]( )، والرياء نوع مفاعلة من أطراف :
الأول : المرائي .
الثاني : الفعل الذي يتعلق به الرياء.
الثالث : القصد من فعل الرياء.
الرابع : الذي يراءى له.
وهل يختص الرياء بالقضية الشخصية والفعل الفردي , الجواب لا، إنما يشمل المتعدد في الأطراف الأربعة الأولى، وليس فقط في المرائي والمراءى لهم.
ليكون من إعجاز آية البحث أنها مدرسة وحرب على الرياء مطلقاً، وتدل الآية بالدلالة التضمنية على تنزه المسلمين من الرياء، فاذا كان المشركون يخرجون الى القتال لاراءة الناس كثرتهم وقوتهم وغناهم وكثرة أموالهم ورواحلهم، وسعيهم في الغزو ومنعهم من الإسلام، فان المسلمين يخرجون الى سوح الدفاع بخشوع وخضوع لله عز وجل ، وعلامات العوز والنقص في العدة والسلاح والمؤن ظاهرة عليهم فتفضل الله عز وجل ونصرهم كما في قوله تعالى[وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ]( )، لبيان أن نصر الله للمسلمين في معركة بدر جاء غلبة ونصرا على مراءاة الذين كفروا للناس , وهو نسخ منع من أثره ، ولم يبق له سلطان في النفوس أو المجتمعات.

قانون عودة النبي إلى المدينة بلا قتال
لقد تضمن هذا الجزء قراءة عقائدية في الآية الكريمة [كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ] ( ) والتي تدل على أن خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى معركة بدر ليس بأمر واجتهاد وتدبير منه إنما هو بحكمة ولطف من الله سبحانه، وعلم لا يحيط به إلا هو سبحانه من جهة الأسباب والغايات والنتائج ، وفي التنزيل [لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ]( ).
وتدل الآية بالدلالة التضمنية على أن الله عز وجل ضمن للشهداء الذين قتلوا في سبيله الحياة الأبدية في النعيم لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يخرجهم معه إلا بأمر من عند الله ، وهذا الأمر حق وصدق ، ولابد أن يقع بعد أن تمادى الذين كفروا في غيهم وغرورهم وطغيانهم .
وحالما رآهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مقبلين إلى ماء بدر أدرك أنهم يطلبون الشر والإنتقام فتوجه إلى الله عز وجل بالدعاء وسأله الإجارة والنصر .
(قَالَ ابن إسْحَاقَ : وَقَدْ ارْتَحَلَتْ قُرَيْشٌ حِينَ أَصْبَحَتْ فَأَقْبَلَتْ فَلَمّا رَآهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ تَصَوّبَ مِنْ الْعَقَنْقَلِ – وَهُوَ الْكَثِيبُ الّذِي جَاءُوا مِنْهُ إلَى الْوَادِي – قَالَ اللّهُمّ هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ أَقْبَلَتْ بِخُيَلَائِهَا وَفَخْرِهَا ، تُحَادّك وَتُكَذّبُ رَسُولَك ، اللّهُمّ فَنَصْرَك الّذِي وَعَدْتنِي ، اللّهُمّ أَحِنْهُمْ الْغَدَاةَ) ( ).
ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أشجع الناس ، وكذا الأنبياء السابقون ، فلا يخشى النبي إلا الله سبحانه .
وهو يتوكل عليه في السلم والحرب ، مع تعاهد الدعوة إليه سبحانه ، وهل هذه الشجاعة من معجزات الأنبياء والسور الجامع للموجبة الكلية في النبوة ، الجواب نعم .
فترى النبي محمدا صلى الله عليه وآله وسلم يثبت في ميدان المعركة في كل الأحوال , فلا يفر ولا ينهزم ولا يدبر وأن ابتعد عنه أكثر أصحابه .
وعن الإمام علي عليه السلام قال (كنا إذا حمى البأس ولقى القوم( )، اتقينا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) ( ).
وعن البراء قال ( كنا اذا حمى البأس نتقي برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإن الشجاع الذي يحاذى به) ( ).
لقد كان ثبات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الميدان قانوناً من قوانين السنة النبوية ، والشمائل المحمدية ، وهو طريق إلى تحقيق النصر والغلبة على الذين كفروا ، وهل هو من مصاديق إخراج الله عز وجل النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة بالحق .
الجواب نعم ، فحينما تفضل الله عز وجل وأمر نبيه بالخروج بأصحابه لصدّ ودفع جيوش الذين كفروا في معركة بدر فانه تعالى أعانه بالمدد الذاتي وهو الثبات في ميدان المعركة ليكون أسوة لأصحابه .
(وقال شعبة : عن أبي إسحاق سمع البراء وقال له رجل : يا أبا عمارة أفررتم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم حنين قال : لكن رسول الله لم يفر . إن هوازن كانوا رماة فلما لقيناهم وحملنا عليهم انهزموا فأقبل الناس على الغنائم فاستقبلوا بالسهام فانهزم الناس . فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم وأبو سفيان بن الحارث آخذ بلجام بغلته والنبي صلى الله عليه و سلم يقول :
أنا النبي لا كذب … أنا ابن عبد المطلب) ( ).
وكما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يذكر آبائه في الثبات في الميدان فانه يعتز بشرف ورفعة أمهاته .
وعن (ابن عاصم السلمى، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال يوم حنين: ” أنا ابن العواتك ” ]) ( ).
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد : انا ابن الفواطم .
وعن الإمام علي عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أجرى فرسه مع أبي أيوب الأنصاري فسبقه فقال : انا ابن العواتك إنه لهو الجواد البحر أي فرسه .
وعتكت المرأة أي شرفت وطهرت ( العاتك ) الكريم والخالص من الألوان والأشياء , يقال أحمر عاتك شديد الحمرة.
( العاتكة ) مؤنث العاتك , والتي تكثر من الطيب حتى تحمر بشرتها ) ( ).
والمراد في الحديث اسم عائلة مع إرادة المسمى ومعنى الشرف .
(وإما الفواطم اللائي ولدن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فخمس: قرشية وقيسيتان ويمانيتان. أما القرشية فأم أبيه عبد الله بن عبد المطلب فاطمة بنت عمرو بن عايذ بن عمران بن مخزوم المخزومية.
وأما القيسيتان فأم عمرو بن عايذ بن فاطمة بنت عبد الله بن رزاح بن ربيعة ابن جحوش بن معاوية بن بكر بن هوازن، وأمها فاطمة بنت الحارث بن بهثة بن ليم بن منصور.
وأما اليمانيتان فأم قصي بن كلاب فاطمة بنت سعد بن سيل بن أزد شنوءة وأم حبى بنت حليل بن حبشية بن كعب بن سلول، وهي أم قصي فاطمة بنت نصر بن عوف بن عمرو بن ربيعة بن حارثة الخزاعية.
وأما العواتك فاثنتا عشرة: اثنتان من قريش، وواحدة من بني يخلد بن النضر، وثلاث من سليم، وعدويتان، وهذلية، وقضاعية، وأسدية.
فأما القرشيتان فأم أمه آمنة بنت وهب برة بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار، وأم برة أم حبيب بنت أسد بن عبد العزى، وأم أسد ريطة بنت كعب بن سعد بن تيم، وأمه أميمة بنت عامر الخزاعية، وأمها عاتكة بنت هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهم، وأم هلال هند بنت هلال ابن عامر بن صعصعة، وأم أهيب بن ضبة عاتكة بنت غالب بن فهر، وأمها عاتكة بنت يخلد بن النضر بن كنانة.
وأما السلميات فأم هاشم بن عبد مناف عاتكة بنت مرة بن هلال بن فالج ابن ذكوان بن بهثة بن سليم بن منصور، وأم عبد مناف عاتكة بنت هلال بن فالج، والثالثة أم جده لأمه وهب، وهي عاتكة بنت الأوقص بن مرة بن هلال.
قال ابن الأثير : هكذا ذكر بعض العلماء عواتك سليم، وجعل أم عبد مناف عاتكة بنت مرة، وليس بشيء، فإن أم عبد مناف حبى بنت حليل الخزاعية، وقال غيره: أم هاشم عاتكة بنت مرة، وأم مرة بن هلال عاتكة بنت جابر ابن قنفذ بن مالك بن عوف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم، وأم هلال بن فالج عاتكة بنت عصية بن خفاف بن امرئ القيس.
وأما العدويتان فمن جهة أبيه عبد الله، فإن أم عبد الله فاطمة بنت عمرو، وأم فاطمة تخمر بنت عبد قصي، وأمها هند بنت عبد الله بن الحارث بن وائلة بن الظرب، وأمها زينب بنت مالك بن ناصرة بن كعب الفهمية.
وأما عاتكة بنت عامر بن الظرب بن عمرو بن عباد بن بكر بن الحارث، وهو عدوان بن عمرو بن قيس عيلان، وأم مالك بن النضر عاتكة، فهي عكرشة، وهي الحصان بنت عدوان.
وأما الأزدية فأم النضر بن كنانة بنت مرة بن أد أخت تميم، وأمها ماوية من بني ضبيعة بن ربيعة بن نزار، وأمها عاتكة بنت الأزد بن الغوث، وقد ولدته هذه الأزدية مرة أخرى من قبل غالب بن فهر، فإن أم غالب ليلى بنت الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل، وأمها سلمى بنت طابخة بن إلياس ابن مضر، وأمها عاتكة بنت الأزد هذه.
وأما الهذلية فعاتكة بنت سعد بن سيل، هي أم عبد الله بن رزام جد عمرو بن عايذ بن عمران بن مخزوم لأمه، وعمر وجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أبو أمه.
وأما القضاعية فأم كعب بن لؤي ماوية بنت القين بن جسر بن شيع الله بن أسد بن وبرة، وأمها وحشية بنت ربيعة بن حرام بن ضنة العذرية، وأمها عاتكة بنت رشدان بن قيس بن جهينة.
وأما الأسدية فأم كلاب بن مرة هند بنت سرير بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كلاب، وأمها عاتكة بنت دودان بن أسد بن خزيمة) ( ).
وهل في قوله تعالى [كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ] ( ) بشارة العودة من غير قتال في أكثر المرات التي يخرج فيها رسول الله عليه وآله وسلم من المدينة .
الجواب نعم ، ويكون من معاني [الْحَقِّ] في المقام وجوه :
الأول : خروج النبي صلى الله عليه وآله سلم من المدينة تثبيت للإيمان في نفوس المؤمنين والمؤمنات من أهلها .
الثاني : بيان قانون وهو إعراض المؤمنين عن تحريض المنافقين لهم على القعود .
الثالث : بعث السكينة عند القبائل والأعراب الذين هم حول المدينة بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه يمرون عليه في الذهاب من المدينة والإياب إليها ليس عندهم إلا الصلاة وتلاوة القرآن ، وإجتناب القتال ، فيمرون على القرية والرعاة والركبان ممن هم ليسوا مسلمين فلا يكرهونهم على دخول الإسلام ، ولا يجعلون عليه شروطاً وقيوداً في مساكنهم ، وهو من مصاديق قوله تعالى [لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ] ( ).
الرابع : تنمية ملكة الإمتناع عن الغزو عند المسلمين بخروج الكتائب والسرايا من المدينة ثم العودة إليها من غير غزو أو قتال .
وهل من موضوعية لقوله تعالى في آية البحث [بِالْحَقِّ] في تنمية هذه الملكة .
الجواب نعم ، وتقدير الآية على وجوه :
أولاً : خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من المدينة من غير عزم على القتال حق .
ثانياً : مرور النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه على القبائل والأعراب من غير أن يناجزوهم القتال حق .
ثالثاً : بقاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الكتائب خارج المدينة لأيام متعددة في كل مرة يغادرها من غير قتال أو غزو حق , وشاهد على صدق النبوة .
رابعاً : سلامة المدينة من غزو المشركين عند خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه حق ، وفضل من الله وتقدير الآية : كما أخرجك ربك عن بيتك وحصّن المدينة بالحق .
قانون رجحان كفة الإيمان
لقد هبط آدم وحواء إلى الأرض بصبغة الإيمان ومعالم حياة الجنان، وصحبة الملائكة الذين [لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ] ( ) وزاد الله عز وجل من فضله فجعل آدم نبياً رسولاً ، ليكون مبشراً ونذيراً لذريته أولاداً وأحفاداً ، فالأصل في عمارة الإنسان للأرض هو الإيمان.
فان قلت قد هبط إبليس مع آدم وحواء للإغواء والفتنة .
والجواب هذا صحيح ، إنما الإغواء لمحاولة الإزلال عن مقامات الإيمان ، ليكون هذا الإغواء عرضاً من غير ذات وأصل ومحل مستقر ، وفي إغوائه لآدم في الجنة موعظة وعبرة إذ فتح الله عز وجل باب التوبة لآدم ورغبّه بها وقربه إليها ، وما أن أعلن آدم توبته حتى تفضل الله عز وجل بالقبول ، قال تعالى [فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ] ( ) لترغيب الناس جميعاً بالمبادرة إلى التوبة وإتباع نهج أبينا آدم وأمنا حواء في التوبة .
وكما تفضل الله عز وجل بقبولها منهما فانه سبحانه يقبلها من ذريتهما بفضل ولطف ، قال تعالى [قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى] ( ).
وإبتدأت الآية بالخطاب لآدم وحواء قال [اهْبِطَا مِنْهَا] ( ) ولكن مضامين الآية الأخرى تشمل عموم الناس إلى يوم القيامة لوحدة الموضوع في تنقيح المناط ، ولإنتقال الخطاب إلى صيغة الجمع [فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ] ( ) .
(عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من اتبع كتاب الله ، هداه الله من الضلالة في الدنيا , ووقاه سوء الحساب يوم القيامة وذلك أن الله يقول : {فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى}( )( ).
ليبقى الإيمان هو الأصل والراجح في الأرض من جهات :
الأولى : تفضل الله عز وجل بهبة العقل لبني آدم ، وصيرورته آلة التمييز بين الحق والباطل ، وإدراك لزوم الإيمان وإجتناب الكفر ، ومن وظائف العقل التدبر بالآيات الكونية ، وفي التنزيل [وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ] ( ).
ومن وظائف التسليم بمعجزات الأنبياء وصيرورة هذا التسليم مرآة للهداية والإيمان ومقدمة للمناجاة في الدفاع عن الأنبياء والتعاون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وتفضل الله عز وجل وجعل آدم وحواء يقيمان عند البيت الحرام ليقوم جبرئيل ببنائه بأمر من عند الله عز وجل ويطوف آدم وحواء والملائكة حوله ثم يأتي إبراهيم ليعيد بناءه , كما قال الله تعالى [وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ] ( ) ليكون بناء جبرئيل للبيت وعمارة آدم وحواء له ، وقيام إبراهيم وإسماعيل ببنائه ، ودعوتهما الناس لحجه وعمارته على وجوه :
الأول : إعانة الناس بتقريبهم إلى منازل الهدى والإيمان ، وهو من اللطف الإلهي .
الثاني : رجحان كفة الإيمان في الأزمنة المتعاقبة ، وقد جعل الله عز وجل قلوب العباد بيده ، وهو الهادي إلى سبل الصلاح ، لذا تفضل وجعل كل مسلم ومسلمة يقرآن وعلى نحو الوجوب العيني عدة مرات في اليوم قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( ).
(عن أنس قال : كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكثر أن يقول : يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك . قالوا : يا رسول الله آمنا بك وبما جئت به ، فهل تخاف علينا؟
قال : نعم . قال : إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلبها) ( ).
وهل رجحان كفة الإيمان على الكفر في الأرض بعرض ومرتبة واحدة في كل زمان بلحاظ الجامع المشترك بين بقاع الأرض وعمارة الناس لها ، أم أنه من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً ، زماناً ومكاناً.
الجواب هو الثاني ، وعندما اشتد طغيان الذين كفروا في مكة وما حولها تفضل الله عز وجل وبعث النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رسولاً إلى أهلها والناس جميعاً ، وفي التنزيل [قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا] ( ) لتكون نبوته إصلاحاً للناس وحرباً على مفاهيم الضلالة والفساد.
ومن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن كل آية وسورة تنزل من القرآن ترجح كفة الإيمان في الأرض من وجوه :
الأول : أوان نزول الآية القرآنية .
الثاني : أسباب نزول الآية القرآنية .
الثالث : موضوع الآية القرآنية وبما ينفع المسلمين في الإتعاظ منها .
الرابع : تنمية ملكة الإيمان عند المسلمين بتلقي الآية القرآنية بالتدبر والعمل بمضامينها .
الخامس: تلاوة المسلمين والمسلمات في كل زمان للآية القرآنية .
وهل ينفع نزول آيات القرآن في منع الغزو والقتال ، الجواب نعم ، إذ أنها واقية من تعدي وغزو المشركين ، وباعث للسكينة في نفوس المسلمين وكل آية تدعو المسلمين إلى الصبر والرضا ، قال تعالى [ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ] ( ).
ويرجح هذا الدفع بالأحسن كفة الإيمان لما فيه من مكارم الأخلاق المصاحبة للإيمان ، ولما قال الله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( ) فانه سبحانه يقرب الناس إلى منازل العبادة ، ويزيح عنهم الموانع التي تحول دونها ، وتفضل بالتنزيل , وجعله مصاحباً للناس إلى يوم القيامة .
وهل من منافع لرجحان كفة الإيمان ، الجواب نعم فانه سبيل هداية من وجوه :
الأول : إنه سبيل هداية وصلاح لعموم الناس .
الثاني : فيه حجة على الذين كفروا .
الثالث : انه برزخ دون إشاعة مفاهيم الكفر والضلالة .
الرابع : فيه ترغيب للناس بالهدى والإيمان ، إذ أن الطريق الخالي يكون موحشاً والسير فيه مملاً ، فأراد الله عز وجل للناس الإقبال على الفرائض والعبادات بشوق ورغبة .

النساء في ميدان المعركة
لقد كان المشركون يسعون لغزو المدينة المنورة ، وهي المصر الوحيد للمسلمين ، فيجب الدفاع حينئذ على كل القادرين على حمل السلاح سواء كانوا كباراً أو صغاراً ، ذكوراً وأناثاً ، بحسب الإمكان والمقدرة والخبرة والمهارة .
وبالنسبة لمعركة بدر يبعد ميدانها عن المدينة نحو (150كم) وليس فيها نساء يقاتلن , أما في معركة أحد فالأمر مختلف إذ صار العدو والكافر على بعد خمسة كيلو متر عن المدينة وهم يرومون استباحتها ، ومع هذا لم يخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم النساء معه للقتال , ولم يأمرهن بالتدريب والإستعداد للقتال حتى في معركة الخندق وحصار الذين كفروا للمدينة ، وكذا في طول أيام نبوته .
قال تعالى [وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ]( )، ومع هذا فان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يدع النساء للقتال ولم يندبهن كبديل وعوض عن المنافقين سواء في معركة أحد حيث يرجع ثلاثمائة منهم من وسط الطريق إلى جبل أحد ، أو في معركة الخندق حيث كانوا يتسللون منسحبين إلى بيوتهم خشية مداهمة وعبور المشركين الخندق، قال تعالى[وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا]( ).
لقد كانت السنة النبوية بياناً وتفسيراً للقرآن وهي تبين المعنى والدلالة الفعلية من الآية القرآنية فلم يدع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم النساء للتمرين والقتال، حينما نزل قوله تعالى[وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ]( )، مما يدل على ثقة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين بنصر الله لهم ، وأنهم لا يحتاجون دعوة النساء الى القتال ، وهو لا يتعارض مع خروج النساء المؤمنات معهم لسقاية الماء وطهي الطعام ومداواة الجرحى .
أما كفار قريش فان خسارتهم البالغة في معركة بدر ، وما لحقها من الذل في دفع بدل وعوض الأسرى ، جعلتهم يلجأون حتى لتحريض النساء على القتال .
لقد كانت قريش تتذاكر في دار الندوة أيام العرب والمعارك التي جرت بين القبائل ، ومن الذي ربحها والذي خسرها ، والفرسان الذين برزوا فيها والذين قتلوا فيها وكذا يتذاكرون الوقائع بين العرب وغيرهم كالفرس والروم ليأتي يوم بدر فتكون ذات قريش وخسارتهم في معركة بدر حديث القبائل والركبان .
ومن إعجاز النبوة أن الحديث عن واقعة بدر وفي كل زمان له لذة وطعم خاص إذ يتذوق الناس هذا الحديث .
ثم تفضل الله عز وجل بانزال آيات خاصة بمعركة بدر لتكون مدرسة لمعرفة تجليات معجزات النبوة ، والتداخل والأثر المتبادل فيها بين حال الحرب والسلم ، بمعنى أن المعجزة النبوية في السلم تؤثر وتنفع في حال الحرب ، وكذا فان المعجزة في حال الحرب تؤثر وتنفع في حال السلم .
ومن فيوضات القرآن وبركته كمعجزة عقلية أن الذين ينتفعون من هذا الأثر المتبادل من اللامتناهي من حيث الكثرة وفي تعاقب الأجيال ، وهم أعم من أن ينحصروا بالمسلمين بل يشمل هذا الإنتفاع الناس جميعاً .
ومن مصاديق قوله تعالى[وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ]( )، نصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في معركة بدر ، وعدم اللجوء لإشراك النساء في القتال ، وزجهن في أتون الحرب ، ولا عبرة بالقليل النادر كأم عمارة التي قاتلت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد حينما رأت الأعداء يحيطون به ، أما بالنسبة للمشركين فان عدداً من نساءهم كنّ يقاتلن مع الرجال .
( قَالَ ابن إسْحَاقَ : وَقَالَ أَبُو دُجَانَةَ سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ : رَأَيْت إنْسَانًا يَخْمُشُ النّاسَ خَمْشًا شَدِيدًا ، فَصَمَدْتُ لَهُ فَلَمّا حَمَلْتُ عَلَيْهِ السّيْفَ وَلْوَلَ فَإِذَا امرأة فَأَكْرَمْت سَيْفَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ أَضْرِبَ بِهِ امرأة ( ).
وكان عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيف ، فقال : من يأخذ هذا السيف بحقه فقام إليه الزبير بن العوام وجماعة من الصحابة ، فامسكه عنهم إلى أن جاء أبو دجانة واسمه سِماك بن خرشة من الأنصاري من بني ساعدة .
فقال : وما حقه يا رسول الله قال : أن تضرب به العدو حتى ينحني قال : أَنَا آخُذُهُ يَا رَسُولَ اللّهِ بِحَقّهِ فَأَعْطَاهُ إيّاهُ . وَكَانَ أَبُو دُجَانَةَ رَجُلًا شُجَاعًا يَخْتَالُ عِنْدَ الْحَرْبِ إذَا كَانَتْ وَكَانَ إذَا أُعْلِمَ بِعِصَابَةِ لَهُ حَمْرَاءَ ، فَاعْتَصَبَ بِهَا عَلَى النّاسِ أَنّهُ سَيُقَاتِلُ فَلَمّا أَخَذَ السّيْفَ مِنْ يَدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَخَرَجَ عِصَابَتَهُ تِلْكَ فَعَصَبَ بِهَا رَأْسَهُ وَجَعَلَ يَتَبَخْتَرُ بَيْنَ الصّفّيْنِ( ).
وحينما رأه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يتبختر قال : أنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن .
لبيان قانون في آداب المشي والتواضع وترك الزهو والفخر ، قال تعالى[وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ]( )، وفي رواية الزبير أن أبا دجانة قتل أحد المشركين ( ثم رأيته قد حمل السيف على مفرق رأس هند بنت عتبة، ثم عدل السيف عنها( ).
وحينما ترك أبو دجانة هنداً مع أنها تقاتل ، لم يوجه له النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا الصحابة لوماً على عدم قتلها , خاصة وأنها كانت تجتهد في تحريض الكفار على القتال , ومثلت بالشهداء ومنهم حمزة عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وكذا بالنسبة للمرأة التي حملت لواء المشركين يوم أحد عمرة بنت علقمة الحارثية , إذ سقط مطروحاً على الأرض بعد أن قتل المسلمون حملته واحداً بعد الآخر ، فحملته ، ومع حملها للواء من أثر في إجتماع المشركين حولها فان المسلمين لم يجهزوا عليها .
وفي السنة السادسة للهجرة خرج زيد بن حارثة الى بني فزارة ، وقتل عدد من أصحابه ، وظنوا أن زيداً قتل ولكنه جرّ نفسه من بين القتلى ، وآلى على نفسه أن لا يمس رأسه غسل من جنابة حتى يغزو بني فزارة ، أي أنه يبقى على تيمم إلى أن يغزوهم ، ولعله لجراحاته أنه لايغتسل فلما التأمت جراحاته بعثه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بني فزارة في جيش وأصاب فيهم .
وذكر أن زيدا قتل أم قرفة وهي فاطمة بنت ربيعة بن بدر الفزارية والتي تزوجت مالكاً بن حذيفة بن بدر ، وولدت له ثلاثة عشر ولداً ، أكبرهم قرفة وبه كانت تكنى .
وساد أولادها في قومهم ، وكانت شاعرة ويضرب بعلو شأنها المثل ، ولكنها كانت تؤلب الناس على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وتقاتل ضد المسلمين ، وذكر أنها كانت مسلمة , ولكنها إرتدت في معركة أحد.
(لقد جهزت أم قرفة جيشاً قوامه أربعين رجلاً من أولادها وأحفادها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليقتلوه ) ( ).
فقتل زيد بن حارثة بعضهم ، وقتلها ، لقد كان قتلهم دفاعاً عن النبوة وعن الإسلام , والسلم المجتمعي , وتأمين الطرق العامة، وبعد أن قتلوا رجال قافلة زيد بن حارثة أي أن زيداً بن حارثة وأصحابه لم يكونوا سرية قتال إنما كانت عندهم تجارة وبضاعة في طريقهم إلى الشام فضربهم وقتلهم بنو فزارة ، فالمشركون هم الذين تعرضوا لهم وقتلوهم .
وقيل أن زيداً ربط أم قرفة بين بعيرين حتى ماتت ، ولا أصل لهذا الكلام ، ونسب قتلها إلى أبي بكر وأنه كان أمير السرية التي قتلت فيها( ) .
وقيل أن أم قرفة أسرها زيد بن حارثة وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي أمر زيداً بن حارثة أن يقتلها (بين بعيرين وأرسلهما حتى شقاها نصفين ) ( ).
أي أن زيداً الذي أختار هذه القتلة ، ولا دليل عليه ، ولو كان لبان ولذكره الصحابة في المدينة من الرجال والنساء ، وقال العسقلاني في ذات كتاب الإصابة ، أن زيداً قتلها يوم غزا بني فزارة أي لم يأت بها إلى المدينة وفي ترجمة (ورد بن قتادة: من بني مداس بن عبد الله بن دبيان بن الحارث بن سعد هديم.
قال ابن الكلبي: هو الذي ربط أم قرفة الفزارية بين فرسين فشقها نصفين وكان ذلك بأمر زيد بن حارثة لما غزا بني فزارة. وأسر أم قرفة.) ( ).
وقيل الذي تولى قتلها هو قيس بن المحسر في ذات الغزوة ، ولم تحضر إلى المدينة ، نعم ذكر أن زيداً (أرسل بدرعها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنصبه بالمدينة بين رمحين.) ( ).
وعن الزهري عن مروة عن عائشة (عن الزهري، عن عروة، عن عائشة – أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بلغه أن امرأة من بني فزارة يقال لها أم قرفة جهزت ثلاثين راكبا من ولدها وولد ولدها .
فقالت: اقدموا المدينة فاقتلوا محمدا صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: اللهم أثكلها ولدها.
وبعث إليهم زيد بن حارثة، فقتل بنى فزارة، وقتل ولد أم قرفة، وبعث
بدرعها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنصبه بين رمحين) ( ).
ويدل إرتداؤها الدرع على أنها تقاتل ، إذ أنه يلبس في الحرب للحماية والأمن من السيف والمقذوفات مثل السهام والرماح .
ويكون نصب رمحها في المدينة حجة للمسلمين بأنهم لم يقتلوا امرأة على تحريضها الجيوش ضد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إنما قتلوها لأنها مقاتل تفتك بالمسلمين .
وفيه توبيخ للذين كفروا وأن لا يلتفتوا للذين يحرضون على قتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم من النساء او الرجال وهو من عمومات قوله تعالى[وَلاَ يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ] ( ).
ويفيد ظاهر رواية سلمة بن الأكوع أن أم قرفة لم تقتل إنما جاءت نع الأسرى وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم استوهب منه ابنتها وفادى بها أسرى مسلمين عند المشركين (قال أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علينا أبا بكر فغزونا ناسا من بنى فزارة
فلما دنونا من الماء أمرنا أبو بكر فعرسنا فلما صلينا الصبح أمرنا أبو بكر فشننا الغارة عليهم قال فوردنا الماء فقتلنا به من قتلنا , قال فأبصرت عنقا من الناس وفيهم النساء والذراري قد كادوا يسبقون إلى الجبل فطرحت سهما بينهم وبين الجبل فلما رأوا السهم وقفوا فجئت بهم أسوقهم إلى أبى بكر وفيهم امرأة من بنى فزارة عليها قشع أدم معها ابنة لها من أحسن العرب قال فنفلني أبو بكر ابنتها قال فقدمت المدينة فلقيني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالسوق فقال يا سلمة لله أبوك هب لى المرأة .
فقلت يا رسول الله والله لقد أعجبتني وما كشفت لها ثوبا .
قال فسكت عني حتى إذا كان من الغد لقيني في السوق فقال يا سلمة لله أبوك هب المرأة .
فقلت يا رسول الله والله ما كشفت لها ثوبا وهي لك يا رسول الله .
قال فبعث بها رسول الله إلى مكة , ففادى بها أسارى من المسلمين كانوا في أيدى المشركين) ( ).
وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهب ابنة أم قرفة لخاله حزن بن أبي وهب .
(قال الكلبى فيما ذكر له ان رسول اله صلى الله عليه كان يقول لقريش” ارايتم ان قتلت (ام قرفة) وهى فاطمة بنت ربيعة بن بدر ابن عمرو بن جوية بن لوذان اتؤمنون ؟ ” فيقولون: ” ايكون ذلك .
فلما قتلها زيد بن حارثة أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم برأسها فدير به في المدينة ليعلم قتلها وصدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)( ).
والخبر ضعيف ، ولم تعين جهة صحة الصدور ، كما أن سرية زيد بن حارثة كانت في شهر رمضان من السنة السادسة للهجرة وسميت السرية باسمها (سرية أم قرفة بوادي القرى ).
ولم تكن سرية قتال ابتدائي قتال إنما كانت بسبب قتل بني فزارة للمسلمين الذين هم في طريقهم إلى الشام في بضاعة وتجارة.
وقام المنافقون بتحريض المؤمنين على القعود عن الخروج للتجارة وفي السرايا ، كما ورد في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِ وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ] ( ).
ليكون من أسباب الحسرة في قلوب الكافرين والمنافقين أن المسلمين اقتصوا من الذين قتلوا المسلمين الذين ضربوا في الأرض للتجارة والكسب ، ولتأمين طرق التجارة للناس جميعاً ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ) .
ولو لم يرسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم زيداً لدفعهم لتعطلت طرق التجارة ، وخاف الناس في المسالك والطرق العامة على أنفسهم وأموالهم ، وخاف المسلمون خاصة على دينهم وأنفسهم وأموالهم ، بالإضافة إلى أن أم قرفة أرسلت ثلاثين راكباً من ولدها وولد ولدها إلى المدينة ، وقالت أقتلوا محمداً ، أي يغيرون على المدينة وقت السحر بغتة ويهجمون على بيوت النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى[وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ]( ).
كما نسب قتل أم قرفة إلى خالد بن الوليد .
فمن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان ينهى عن قتل النساء , وعن حنظلة الكاتب (أنه رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة غزاها وعلى مقدمته خالد بن الوليد، فمر رباح وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على امرأة مقتولة مما أصابت المقدمة، فوقفوا ينظرون إليها ويتعجبون من خلقها، حتى لحقهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على راحلته، فانفرجوا عنها، فوقف عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ” ما كانت هذه لتقاتل ! ” فقال لاحدهم: ” الحق خالدا فقل له: ” لا يقتلن ذرية ولا عسيفا “)( ).
وفي رواية أن بعضهم قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن هذه المرأة كانت تقاتل فأجاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ما كانت هذه لتقاتل .
ثم جاءت وصيته لخالد وللأمراء بعدم قتل النساء والصبيان والعمال مطلقاً لأنهم مستضعفون .
(عن ابن عمر قال: وجدت امرأة مقتولة في مغازي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , فأنكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قتل النساء والصبيان، وفي لفظ: ” فنهى).
وفي سفر يشوع بخصوص بني اسرائيل وقتلهم الملوك وقيل هم نوع أسرى فقال يشوع افتحوا فم المغارة , واخرجوا إلي هؤلاء الخمسة الملوك من المغارة ففعلوا كذلك و اخرجوا اليه اولئك الملوك الخمسة من المغارة ملك اورشليم و ملك حبرون و ملك يرموت و ملك لخيش و ملك عجلون و كان لما اخرجوا اولئك الملوك الى يشوع ان يشوع دعا كل رجال اسرائيل و قال لقواد رجال الحرب الذين ساروا معه تقدموا و ضعوا ارجلكم على اعناق هؤلاء الملوك فتقدموا و وضعوا ارجلهم على اعناقهم فقال لهم يشوع لا تخافوا و لا ترتعبوا تشددوا و تشجعوا لانه هكذا يفعل الرب بجميع اعدائكم الذين تحاربونهم و ضربهم يشوع بعد ذلك و قتلهم و علقهم على خمس خشب و بقوا معلقين على الخشب حتى المساء و كان عند غروب الشمس ان يشوع امر فانزلوهم عن الخشب و طرحوهم في المغارة التي اختباوا فيها و وضعوا حجارة كبيرة على فم المغارة حتى الى هذا اليوم عينه)( ).
وفي واقعة خيبر لما أفتتح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم القموص حصن بني أبي الحقيق جاء بلال بصفية بنت حُبي بن أحطب ومعها ابنة عم لها فمّر بهما على القتلى (صَاحَتْ وَصَكّتْ وَجْهَهَا وَحَثَتْ التّرَابَ عَلَى رَأْسِهَا)( ).
فقال النبي حينما رآى تلك المرأة (أَنُزِعَتْ مِنْك الرّحْمَةُ يَا بِلالُ، حِينَ تَمُرّ بِامْرَأَتَيْنِ عَلَى قَتْلَى رِجَالِهِمَا) ( ).
واصطفى النبي صلى الله عليه وآله وسلم صفية لنفسه لتكون زوجته وتفوز والى يوم القيامة بمرتبة أم المؤمنين ، قال تعالى [النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ] ( ).
مما يدل على أن الأسر في الإسلام رحمة بالأسير وسبيل الى صلاحه وعامة المجتمع .

مشاركة

Facebook
Twitter
Pinterest
LinkedIn

مواضيع ﺫات صلة