معالم الإيمان في تفسير القرآن – الجزء- 174

المقدمـــــــــــة

الحمد لله هدانا للإيمان ، وبصرنا سبل الصلاح ، ورزقنا والناس جميعاً العقل للتمييز بين الحق والباطل , وللتدبر في الآيات الكونية التي هي شاهد على الربوبية المطلقة لله عز وجل ، وباعث على الحمد لله في الصباح والمساء ، وقد تفضل الله عز وجل وفرض على المسلمين الصلاة خمس مرات في اليوم ، قال تعالى [أَقِمْ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا] ( ) ليكون كل أداء لفرض شكراً لله عز وجل .
وهل هذا الشكر متحد أم متعدد ، الجواب هو الثاني ، ومن الإعجاز التشريعي في المقام وجوب قراءة سورة الفاتحة في كل ركعة , والتي تبدأ بالبسملة , ومن آيلتها قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( ).
لبيان تسليم المسلمين بأن الله عز وجل رب الناس ومالك السموات والأرض ، وأن أي إحسان يصدر من الناس هو بمشيئة واذن من عند الله ، قال تعالى [وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ] ( ).
(وعن الإمام علي عليه السلام قال: فاتحة الكتاب أعطاها الله محمدا صلى الله عليه وآله وامته، بدأ فيها بالحمد والثناء عليه، ثم ثنى بالدعاء لله عز وجل: ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: قال الله عز وجل: قسمت الحمد بيني وبين عبدي: فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل، إذا قال العبد: (بسم الله الرحمن الرحيم) قال الله عز وجل: بدأ عبدي باسمي حق علي أن اتمم له اموره، وابارك له في أحواله. فإذا قال: (الحمد لله رب العالمين) ( ).
قال الله عز وجل: حمد لي عبدي، وعلم أن النعم التي له من عندي، والبلايا التي اندفعت عنه بتطولي، اشهدكم أني اضعف له نعم الدنيا إلى نعيم الآخرة، وأدفع عنه بلايا الآخرة، كما دفعت عنه بلايا الدنيا، فإذا قال: (الرحمن الرحيم) قال الله عز وجل: شهد لي بأني الرحمن الرحيم اشهدكم لاوفرن من رحمتي حظه، ولاجزلن من عطائي نصيبه، فإذا قال: (مالك يوم الدين) ( ).
قال الله عز وجل: اشهدكم كما اعترف بأني أنا المالك ليوم الدين، لاسهلن يوم الحساب حسابه، ولا تقبلن حسناته، ولا تجاوزن عن سيئاته. فإذا قال العبد: (إياك نعبد) قال الله عز وجل: صدق عبدي إياي يعبد، لاثيبنه عن عبادته ثوابا يغبطه كل من خالفه في عبادته لي، فإذا قال: (وإياك نستعين) قال الله عز وجل بي استعان وإلى التجاء، اشهدكم لاعيننه على أمره ولاغيثنه في شدايده، ولاخذن بيده يوم القيامة عند نوائبه. وإذا
قال: (اهدنا الصراط المستقيم) إلى آخرها، قال الله عز وجل: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل، قد استجبت لعبدي، وأعطيته ما أمل، وآمنته مما منه وجل) ( ).
الحمد لله أقصى مبلغ الحمد مع , إقرارنا بالتقصير في الثناء عليه سبحانه ، والعجز عن تعداد شذرات من النعم التي أكرم الناس بها ، وهو فضل آخر منه تعالى يستلزم الحمد والشكر ، ومن مصاديق[وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ] ( )، بتقريب وتدير : يجعلكم خلفاء في الأرض بتعاهد الشكر لله عز وجل.
الحمد لله الذي تفضل بالحلم والإمهال والعفو والتذكير بلزوم الإستغفار.
الحمد لله الذي جعل الإنابة والندم على فعل المعصية توبة (عن ابن مسعود قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : الندم توبة) ( ).
ولا يختص الندم على فعل المعصية بالمؤمنين ، بل هو شامل للناس جميعاً للقبح الذاتي للمعصية ليكون قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (الندم توبة) من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ) إلا أن يقال أن القدر المتيقن من الحديث هو ندم خصوص المؤمن ، وقصد القربة الندم , ومن التوبة.
نعم وردت الآيات والنصوص بأن التوبة النصوح هي الندم والإستغفار، قال تعالى [وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ] ( ).
الحمد لله الذي قهر الخلائق بقدرته وتغشاها برحمته ، وأقام الحجة على الناس ، ولم يؤاخذهم بذنوبهم ، وتفضل عليهم بحلمه ، وجعل شكر أمة من الناس له سبباً في إمهال الناس جميعاً ، قال تعالى[وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ]( ).
الحمد لله الذي يرحم الأموات بعمل الأحياء الصالحات ، ويرحم الأحياء بتراث الأموات من فعل لخيرات (عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن الله ليصلح بصلاح الرجل المسلم ولده وولد ولده وأهل دويرته ودويرات حوله ، ولا يزالون في حفظ الله ما دام فيهم) ( ).
الحمد لله الذي علّمنا الحمد له سبحانه ، والتوجه إليه بالشكر والثناء والرجاء والتسليم بأن ما عندنا من النعم منه سبحانه .
الحمد لله الذي جعل الناس جميعاً من أب وأم واحدة ، وتتسالم الأمم وأهل الملل بأن آدم أبو البشر ، وإن اختلف اسمه عند الأمم ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ] ( ) وفيه دعوة للأخوة الإنسانية والنسبية بين الناس وإن كان نسباً بعيداً ، ولكن الناس جميعاً يدركون أنها الأبوة والأمومة المتحدة .
الحمد لله الذي لا يشرك في حكمه أحداً ، ولا يرضى من عباده الشرك ، وهو الذي أحصى كل شئ عدداً , وجعل لكل شئ أمداً .
اللهم أنا نسألك لزوم الحمد والشكر لك في السراء والضراء ، وهذا الحمد يزيد من السراء كماً وكيفاً ، وينقص ويدفع الضراء والبلاء ، ليكون الحمد لله من مصاديق وأسباب محو الشدائد , وتثبيت النعم ويتجلى في عمومات قوله تعالى [يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ] ( ).
وهذا هو الجزء الرابع والسبعون بعد المائة من تفسيري للقرآن وجاء في قراءة بـأربع آيات من آيات الدفاع عن النبوة والتنزيل ، وكل آية شاهد على أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم يغز أحداً ، ولم يقصد قتال المشركين أو غيرهم في كل من معارك الإسلام الأولى ، ومنها :
الأولى : معركة بدر .
الثانية : معركة أحد .
الثالثة : معركة الخندق .
الرابعة : صلح الحديبية .
الخامسة : معركة حنين .
السادسة : فتح مكة .
وهل قصد القتال في فتح مكة الجواب لا ، فقد بعث إلى أهل مكة بالأمان وقال يوم الفتح (من أغلق بابه فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن وهل ترك عقيل لنا من رباع) ( ).

وورد في قوله تعالى [وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا] ( ).

(عن ابن عباس في قوله { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً } قال : حرم الله على المؤمنين أن يقولوا لمن يشهد أن لا إله إلا الله لست مؤمناً كما حرم عليهم الميتة ، فهو آمن على ماله ودمه ، فلا تردوا عليه قوله) ( ).
الحمد لله الذي جعل الحمد مفتاحاً لذكره ، وطريقاً لمرضاته ووسيلة لبعث السكينة في النفوس ، ومقدمة لجلب المنافع , ودفع المفاسد ، فلا يعلم أحد ما في الحمد والشكر لله عز وجل من أسباب الرحمة وشآبيب المغفرة إلا هو سبحانه .
الحمد لله الذي لم يجعل برزخاً وحاجباً أو مانعاً دون حمد العباد له .
ومن بديع خلق الله عز وجل أن الحمد سور الموجبة الكلية الذي يجمع الناس ، وإن تخاصموا واختلفوا فانهم يلتقون بالحمد له سبحانه ليكون مادة للوئام ، والصلح بينهم ، ومن خصائص الحياة الدنيا أنها دار النعم الإلهية على الناس والتي لا يحصيها إلا هو سبحانه لتكون حجة على الناس في الدنيا والآخرة ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا] ( ).
وهل الحمد لله من هذه النعم ، الجواب نعم من وجوه :
الأول : نعمة مقدمات التلفظ بالحمد لله .
الثاني : نعمة الهداية والتوفيق إلى الحمد لله .
الثالث : وجود أمة في كل زمان تتعاهد الحمد لله لفظاً وعملاً .
الرابع : توالي الجزاء العاجل على قول الحمد لله .
ويحتمل هذا الجزاء وجوهاً :
الأول : أنه بمقدار ذات الحمد لله وعدده .
الثاني : انه أقل من مقدار الحمد لله بلحاظ أنه جزاء إبتدائي وليس الجزاء الأكبر .
الثالث : إنه أكبر وأعظم من مقدار الحمد لله .
والصحيح هو الثالث ، وهو من مصاديق النعمة الإلهية على الناس جميعاً في الأرض ، وأسباب استيلاء الحسرة على نفوس الذين يتخلفون عن الحمد لله عز وجل استكباراً ، ومن الآيات أن قول الحمد لله والشكر له سبحانه يطرد الغفلة عن الفرد والجماعة , قال تعالى[أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ]( ).
وعن المسور بن مخرمة أن عمرو بن عوف وهو حليف بني عامر بن لؤي ، كان شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هو صالح أهل البحرين وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي ، فقدم أبو عبيدة بمال البحرين فسمعت الأنصار بقدومه فوافت صلاة الصبح مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما انصرف تعرضوا له فتبسم حين رآهم ، وقال : أظنكم سمعتم بقدوم أبي عبيدة ، وأنه جاء بشيء ، فقالوا : أجل يا رسول الله .
قال : فأبشروا وأملوا ما يسركم ، فوالله ما أخشى عليكم الفقر ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم ، فتنافسوها فتلهيكم كما ألهتهم( ).
وهل النطق بالحمد لله علانية من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، الجواب نعم .
الحمد لله الذي جعل المسلمين يرثون كنز الحمد لله الذي هو من اللامتناهي من جهات :
الأولى : الكثرة والتوالي .
الثانية: السعة والمندوحة عن إتيان كل مسلم الحمد لله .
الثالثة : المناجاة بين المسلمين بالحمد لله .
الرابعة : ترغيب الأمم وأهل النحل بقول الحمد لله .
وهو من مصاديق الكلمة السواء في قوله تعالى[قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ..]( ).
الخامسة : إبقاء كل جيل من المسلمين كلمة (الحمد لله) ميراثاً للذين من بعدهم ، ليكون باعثاً على فعل الصالحات ، وواقية من فعل السيئات .
الحمد لله الذي يسمع الثناء عليه ، ويجيب عليه بالمنّ والإحسان والعطاء العاجل والآجل .
الحمد لله الذي يبارك بالحمد ويجعله حاضراً في الأجر والثواب سواء الخاص بالحمد أو بغيره ، وقد أنعم الله عز وجل علينا باصدار هذا الجزء ، من (معالم الإيمان في تفسير القرآن )في آية علمية تتجلى فيها النعم من عند الله ، والتي تجعلنا مقصرين عن الحمد لله اليوم وغداً ، فبعد أن كانت أجزاء تفسير القرآن في تأريخه يقع الواحد منها في أجزاء معدودة حتى أنهم سموا تفسير الرازي بالتفسير الكبير ، وعدد أجزائه اثنان وثلاثون جزء في تفسير كل سور وآيات القرآن ، وكل جزء بمقدار جزء كم أجزاء تفسيرنا هذا أو أكبر أو أقل منه ، وكأن هذه التسمية نوع دعوة ومنع عن البسط والبيان التفصيلي في تفسير القرآن ، ولكن فضل الله عز وجل في المقام من اللامتناهي ، وقد صدر الجزء السابق وهو الثالث والسبعون بعد المائة في تفسير الآية (176) من سورة آل عمران ، وهو قوله تعالى [وَلاَ يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلاّفَ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ] ( ) مع التقيد في تفسير آيات القرآن بالتوالي والتعاقب .
ومن منهجيتنا في هذا التفسير إستقلال تفسير كل آية بجزء أو أو جزئين أو ثلاثة ، وهذا السِفر المبارك ملك للمسلمين وأجيالهم المتعاقبة ، بل هو ملك للناس جميعاً ، وهو من رشحات قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ) لبيان قانون وهو أن ذخائر وكنوز القرآن غير منقطعة ، ولا يستطيع العلماء والناس الإحاطة بها ، وسيأتي من العلماء من يقوم بالتفسير والتأويل باستخراج ذخائر أكثر وأعظم كامنة في ذات آيات القرآن ، وفيه خزائن من جهات :
الأول :كل آية من القرآن خزينة للعلوم .
الثاني : كل شطر من آية قرآنية كنز وآلاء .
الثالث : الصلة بين كل آيتين خزينة وكنز للعلوم .
الرابع : تلاوة آيات مناسبة لإستظهار علوم مستحدثة منه .
الخامس : العمل بمضامين آيات القرآن مفتاح لتفسير وتأويل مستحدث .
السادس : إنشطار علوم القرآن واستنباط المسائل من ذات آيات القرآن.
السابع : السنة النبوية مرآة للقرآن ومنها ما جاء في تفسيره ، وهي برزخ دون الشطط فيه ، ومن مصاديق قوله تعالى[وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ]( ).
وقد تضمن الجزء السابق بابين جديدين في تفسير الآية القرآنية وهما :
الأول : مفهوم الموافقة .
الثاني : مفهوم المخالفة .
ونسأل الله عز وجل أن نرجع إلى الأجزاء السابقة لإضافتهما إلى تفسير الآيات التي تم تفسيرها من سورة الفاتحة وسورة البقرة وسورة آل عمران .
وجاء هذا الجزء ضمن قانون (لم يغز النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحداً ) ببيان الآيات التي تؤكد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان مأموراً من عند الله بالدعوة إلى السلم ، ويتجنب القتال ، قال تعالى[فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ]( )، وعند الخروج للدفاع يأمر أصحابه بعدم البدء بالقتال , ويحثهم على الصبر وإتخاذ هيئة الدفاع ، ودفع القتال , وهو الذي بعثه الله رحمة ، ولإشاعة الرحمة بين الناس ، ونبذ العنف لإستدامة الحياة الإنسانية في الأرض .
وعن أبي موسى قال : كان رسول صلى الله عليه وآله وسلم يسمي لنا نفسه أسماءً فقال أنا محمدٌ وأحمد والمقفي ونبي التوبة ونبي المرحمة( ).
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحث على حسن الخلق مع عامة الناس، وأهل الملل والنحل ، عن الإمام الصادق عن آبائه عليهم السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله: أقربكم غدا مني في الموقف أصدقكم للحديث، وآداكم للامانة، وأوفاكم بالعهد، وأحسنكم خلقا، وأقربكم من الناس ( ).
، وتضمن هذا الجزء قراءة في كل الآيات :
الأولى : [وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ] ( ).
الثانية : [هَذَان خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمْ الْحَمِيمُ]( ).
الثالثة : [وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ] ( ).
الرابعة : [وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ] ( ).
وهي من آيات الدفاع عن النبوة والتنزيل كما تضمن عشرة قوانين , لبيان أن الإسلام دين السلام والصفح والرفق والحجة والبرهان .
وقد ذكر عدد من كبار علماء التفسير أن آية السيف نسخت مائة آية من القرآن من آيات الصلح والموادعة ونحوها ، ومنهم من زاد عليها وقال أنها نسخت مائة وأربع وعشرين آية ، وآية السيف هي [فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ] ( ).
والمختار أن هذه الآية لم تنسخ آيات الصلح والموادعة ، والقدر المتيقن منها هو إرادة سنة مخصوصة ، وحال المشركين من قريش في السنة التاسعة للهجرة ، ولا يصار إلى النسخ إلا عند تعذر الجمع بين الحكمين في ذات موضوع متحد .
والجمع هنا أمر ممكن إلى جانب التباين الموضوعي والسعة في العمل ، قال تعالى [لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ] ( ).
لقد تضمنت الأجزاء القليلة السابقة قراءة في آيات تخص معركة بدر وأحد وحال الدفاع عند المسلمين لتأكيد قانون وهو أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم كان يكره القتال ، ولم يسع إليه , إنما كان يدعو إلى الله بصيغ الحجة والبرهان ، قال تعالى [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ]( ) وهذه الآيات هي :
الأولى : قوله تعالى[قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِ]( ).
الثانية : قوله تعالى [وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ]( ).
الثالثة : قوله تعالى[قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ]( ).
الرابعة : قوله تعالى[إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ] ( ).
الخامسة :قوله تعالى[إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ]( ).
السادسة : قوله تعالى[يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَنْفَالِ قُلْ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ]( ).
السابعة : قوله تعالى[وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]( ).
الثامنة : قوله تعالى[وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ] ( ).
التاسعة : قوله تعالى[يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنْ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمْ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ] ( ).
العاشرة : قوله تعالى[إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمْ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ] ( ).
الحادية عشرة : قوله تعالى[وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]( ).
الثانية عشرة : قوله تعالى[إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ…] ( ).
الثالثة عشرة : قوله تعالى[إِذْ يُرِيكَهُمْ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ] ( ).
الرابعة عشرة : قوله تعالى[وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ] ( ).
الخامسة عشرة : قوله تعالى[الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ] ( ).
السادسة عشرة : قوله تعالى[كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ] ( ).
السابعة عشرة : قوله تعالى[فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاَءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ]( ).
الثامنة عشرة : قوله تعالى[وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ] ( ).
لقد أراد الملائكة تعليم الناس قانوناً , وهو وجوب التسبيح والتحميد لله عز وجل وأنه سبب ومناسبة للإرتقاء في منازل الرفعة والعلو والتنزه عن الفساد وإرتكاب الآثام عندما أخبرهم الله عز وجل بجعل خليفة في الأرض إذ قالوا [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ]( ).
وكانوا أسوة للناس في الطواف بالبيت الحرام كعبادة ونسك ، وعن السيوطي أخرج ابن أبي الدنيا عن أنس قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن أول من لبى الملائكة قال الله { إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء }( ) قال : فزادوه فأعرض عنهم ، فطافوا بالعرش ست سنين يقولون : لبيك لبيك اعتذاراً إليك ، لبيك لبيك نستغفرك ونتوب إليك) ( ).
ولم نجد هذا الحديث في كتاب التوبة لابن أبي الدنيا في النسخة التي بين يدينا ، وابن أبي الدنيا هو الحافظ أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبيد البغدادي القرشي من موالي بني أمية غلب لقبه على اسمه ، ولد في مدينة بغداد سنة (208) وأدّب المعتضد العباسي وابنه المكتفي بالله ، قال ابن حجر (عبدالله ابن محمد ابن عبيد ابن سفيان القرشي مولاهم أبو بكر ابن أبي الدنيا البغدادي صدوق حافظ صاحب تصانيف من الثانية عشرة , مات سنة إحدى وثمانين وله ثلاث وسبعون سنة ) ( ).
ولا يعلم عدد الملائكة ولا يحصيهم إلا الله عز وجل لكثرتهم وتعدد منازلهم في السماء ، وعن أبي ذر قال : قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إني أرى ما لا ترون ، وأسمع ما لا تسمعون . إن السماء أطت ، وحق لها أن تئط ، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجداً لله) ( ).
وهل من معاني وتجليات كثرة الملائكة نزول آلاف منهم لنصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة في معارك الإسلام الأولى : الجواب نعم لبيان مصداق لقانون وهو [وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ] ( ).
الحمد لله الذي بعث محمداً صلى الله عليه وآله وسلم نبياً رسولاً وجعله خاتم النبيين ، وأنزل عليه القرآن [تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ] ( ) ليتجدد إعجازه كل يوم وفي كل مكان ، فهو الدستور الملائم لأحوال الناس من غير تشديد عليهم ، لقد جعل الله عز وجل الإنسان كائناً محتاجاً , والحاجة إلى ملازمة لعالم الإمكان ، وهو وفق القياس البرهاني :
الكبرى : كل ممكن محتاج .
الصغرى : الإنسان كائن ممكن .
النتيجة : الإنسان محتاج .
ولا تنحصر حاجة الإنسان بالعلة بلحاظ أن الماهية الممكنة معتلة في اتصافها بشئ إلى العلة وأسباب الترجيح للوجود أو العدم .
ويحتاج الإنسان التلفظ بالحمد لله في الدنيا ليكون ذخيرة له في الآخرة ، لذا أنعم الله عز وجل على كل مسلم ومسلمة بتلاوة قول [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ] ( ) بصيغة القرآنية سبع عشرة مرة في الصلاة اليومية الواجبة ، ليكون نوع توسل بالله عز وجل ورجاء رفده وإحسانه ليتكرر هذا الرجاء كل يوم .
لقد أنعم الله عز وجل علينا بهذا التفسير لكشف حقائق في سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التي هي بيان وتفسير عملي لآيات السلم والوئام في القرآن ، وتقسم السنة النبوية إلى أقسام وهي :
الأول : السنة القولية : وهي ما نقل عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من أقوال.
الثاني : السنة الفعلية : وهي الأفعال التي قام بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سواء في عباداته ومناسكه أو في الأحكام أو في الأمور العامة ، وهل تشمل المباحات الجواب : نعم .
الثالث : السنة التقريرية : وهو الفعل الذي أقر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أهل البيت والصحابة عليه ، بمعنى أنه صدر منهم ولم يمنع منه ، والسنة القولية والفعلية مقدمتان على السنة التقريرية في الحجة والدليل .
وقد ذكرنا وجوهاً أخرى للسنة بلحاظ ماهية التقسيم ، منها السنة التدوينية وهي الكتب والرسائل التي بعثها النبي صلى الله عليه وآله وسلم للملوك والأمراء ، والتي أرسلها للعمال والولاة ، والسنة الدفاعية وهو منهاج النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الدفاع .
ومن خصائص آيات القرآن أن كل آية منه ذخيرة للعلوم ومدرسة للأجيال تترشح منها السنن الحميدة ، وهي صراط مستقيم ، وتهدي الى الصراط المستقيم في الدنيا والآخرة ، لذا تفضل الله عز وجل على كل مسلم ومسلمة بتلاوة قوله تعالى[اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]( )، عدة مرات في اليوم ، فان قلت إذا كانت الآية القرآنية صراطاً مستقيماً فكيف يكون تقدير قوله تعالى[اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] الجواب على وجوه :
الأول : اهدنا لتلاوة الآية القرآنية .
الثاني : اهدنا لزيادة الإيمان بالآية القرآنية.
الثالث : اهدنا للتدبر في الآية القرآنية .
الرابع : اهدنا للعمل بمضامين الآية القرآنية من الأوامر والنواهي والأحكام .
الخامس : اهدنا لتعاهد تلاوة الآية القرآنية في الصلاة وخارجها .
السادس : اهدنا للسنن التي جاءت بها الآية القرآنية .
السابع : اللهم انك الهادي الى سواء السبيل .
وفي التنزيل [قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ]( )، ومن إعجاز القرآن ورود لفظ (اهدنا) مرتين في القرآن ، إذ ورد في دخول الملكين على داود كما ورد في التنزيل[فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ]( )، والمراد من اشطط الميل والجور والإبتعاد عن الحق والصراط السوي .
وهل تدل الآية أعلاه على حاجة الملائكة للإقتباس من الأنبياء والإقتداء بسنتهم ، أم أن القدر المتيقن من الآية هو إرادة الملائكة تنبيه داود بصيغة الكناية ، المختار هو الثاني وفيه نكتة إضافية وهي أن العدل نوع طريق للهداية والصلاح وباعث للسكينة في النفوس ، قال تعالى[هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ]( ).

حرر في 18 شوال 1439
2 تموز 2018

الآية الثامنة عشر
قوله تعالى [وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ] ( ).
وردت الآية أعلاه خطاباً للنبي وتشريفاً وإكراماً له ، وذكرت الآية القوم بصيغة الغائب بواو الجماعة [وَإِنْ يُرِيدُوا]فلابد من إتصالها بالآية التي سبقتها ، والجمع بين الآيتين هو : يا أيها النبي قل لمن في أيديكم ان يريدوا فقد خانوا الله …).
وورد خبر بأن الآية نزلت في العباس بن عبد المطلب إذ طلب منه النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يفدي نفسه وابني أخيه اللذين كانا معه أسيرين عند المسلمين في معركة بدر ، وهما :
الأولى : عقيل بن أبي طالب .
الثاني : نوفل بن الحارث .
فأظهر العسر وعدم توفر المال عنده .
وقال : يا محمد تركتني أتكفف قريشاً ما بقيت ، أي أنك تحملني مالاً وأعباء أبقى طيلة حياتي أسأل رجال قريش ، وكأنه يستعطف النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنه عمه ، وكانوا في ليلة الأسر ربطوا يدي العباس فلم ينم النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن فكوا وثاقه .
ومع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أطلق سراح عدد من أسرى المشركين في بدر إلا أنه لم يطلق عمه وابني عمه إنما أمرهم بالبدل والفداء .
فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم واين الذهب الذي دفعته لأم الفضل وقت خروجك ، وقلت لها : لا أدري ما القى في وجهي هذا .
فان أصابني الموت فهو لك ولأولادك ، فدهش العباس ، وقال وما يدريك؟
قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أخبرني به ربي تعالى ، قال فاشهد أنك صادق ، وأن لا إله إلا الله وأنك رسول الله صلى الله عليك وآله وسلم .
ثم قال : والله لا يعلم به إلا الله عز وجل ، وقد دفعته لها في سواد الليل .
وأم الفضل لبابة بنت الحارث زوجة العباس , وولد العباس منها سبعة ( و هم : الفضل و عبد الله و عبيد الله و قثم و معبد وعبد الرحمن و أم حبيبة شقيقتهم )( ).
وهي أخت زوج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ميمونة بنت الحارث .
ومع تواتر هذه الحادثة وهي معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فان جعلها سبباً لنزول آية البحث لا دليل عليه .
و(عن ابن عباس قال : كنت أنا وأمي من المستضعفين . أنا من الولدان ، وأمي من النساء) ( ).
ومما ذكر في أسباب النزول ما ورد عن قتادة (قَالَ : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : ” ” وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلِ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ ” ، قَالَ : إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، كَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ الْوَحْيَ، فَنَافَقَ، فَلَحِقَ بِالْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ، وَقَالَ : وَاللَّهِ أَنْ كَانَ مُحَمَّدٌ لا يَكْتُبُ إِلا مَا شِئْتُ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، حَلَفَ لإِنْ أَمْكَنَهُ اللَّهُ مِنْهُ لَيَضْرِبَهُ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ، جَاءَ بِهِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، فَكَانَتْ بَيْنَهُمَا رَضَاعَةٍ .
فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا عَبْدُ اللَّهِ قَدْ أَقْبَلَ نَادِمًا فَأَعْرَضَ عَنْهُ، وأَقْبَلَ الأَنْصَارِيُّ مَعَهُ سَيْفٌ، فَأَطَافَ بِهِ، ثُمَّ مَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ يَدَهُ لِيُبَايعَهُ، وَقَالَ لِلأَنْصَارِيِّ : لَقَدْ تَلَوَّمْتُ بِهِ الْيَوْمَ، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ : فَهَلا أَوْمَضْتَ ؟ قَالَ : لا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ يُومِضَ”) ( ).
ولكن آية البحث أخبرت عن تمكين الله عز وجل منهم ، ونزل الذل والهوان بهم أيام نزول الآية ما بعد واقعة بدر ، أما حادثة ابن أبي سرح ومجئ عثمان به شافعاً له فقد تم في فتح مكة .
نعم يمكن إحتساب هذه الواقعة من أسباب النزول بلحاظ خيانة ابن أبي سرح للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فهي من مصاديق قوله تعالى [فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ] ( ).
ويكون من معاني (فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ) إرادة المعنى العام للذين كفروا ، وأن هزيمة المشركين في واقعة بدر وسقوط سبعين قتيلاً منهم ، ووقوع سبعين منهم .
ونسبة التمكين في آية البحث من مصاديق قوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ] ( ) ويكون تقدير الآية أعلاه بلحاظ آية البحث على وجوه :
الأول : ولقد نصركم الله ببدر فأمكن منهم .
الثاني : ولقد نصركم الله ببدر بأن أمكن منهم .
الثالث : ولقد نصركم الله ببدر ليمكن منهم ، ويبين قدرته عليهم وعظيم سلطانه .
والمختار أن أسباب النزول متعددة من جهة أشخاص الأسرى والموضوع الذي يهمون بخيانة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيه , لييكون شاهداً على أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يلتقي الأسرى , ويستمع لما يقولون ويعتني بما يسألون .
ولعل المراد من واو الجماعة في قوله تعالى [وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ] ( ) الذين كفروا باظهارهم الميل إلى الاسلام إنما يقصدون المكر والخداع ، والتربص للإجهاز على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه , واتخاذهم حال السلم مناسبة للتجهز للقتال ومحاربة النبوة والتنزيل .
وجاءت آية البحث بصيغة الجملة الشرطية [وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ] ( )وهو نوع تهديد للذين كفروا وتحذير من الغدر والمكر بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وفيه بيان لقبح فعلهم , وسعيهم في الإضرار بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم .
ومن إعجاز الآية أنها لم تقل (وان يريدوا خيانتكم) إنما وردت بصيغة الخطاب الخاص بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وتقدير الآية :
يا أيها النبي إن يريدوا خيانتك ، ومن الإعجاز أن الآية السابقة إبتدأت بذات النداء التشريفي .
وهل هذا الخطاب خاص بالنبي محمد أنه عام وشامل , الجواب هو الثاني ، وتقدير الآية بالإضافة إلى أصل الخطاب على وجوه :
الأول : يا أيها المهاجرون إن يريدوا خيانتكم .
الثاني : يا أيها الأنصار أن يريدوا خيانتكم .
الثالث : يا أيها الذين آمنوا إن يريدوا خيانتكم .
ومن معاني آية البحث أن خيانة الذين كفروا للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم تتم ، ولكن الآية ذكرت وقوع خيانتهم لله عز وجل ، وأيهما أكبر ، الجواب هو الثاني ، إذ أن خيانتهم لله عز وجل هو الأكبر ، وفيه دلالة على كفرهم ظلمهم للناس جميعاً ، وتعديهم حدود الله ، قال تعالى [تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا] ( ) .
وتبين الآية قانوناً وهو أن الكفر بالله عز وجل والنبوة والتنزيل خيانة لله سبحانه لأنه هو الذي بعث الأنبياء ، وجعل المعجزات تصاحبهم لتدل على وجوب عبادة الله عز وجل .
وآية البحث من الشواهد على أن الله عز وجل لم يأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالقتال ، والإنتقام من الذين كفروا لخيانتهم أو لعزمهم على الخيانة والغدر ، إنما جاءت الآية لتحذيرهم وإنذارهم ، وهل يختص هذا الإنذار بالخيانة ، الجواب لا ، فهو أعم في موضوعه ليشمل كلاً من :
الأول : الإقامة عل الكفر .
الثاني : المناجاة بالخيانة .
الثالث : إرادة التعدي على المسلمين .
الرابع : الغدر بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين .
الخامس : إتخاذ لطف وعناية المسلمين بهم كأسرى للمكر والغدر بالمسلمين .
ومن إعجاز الآية مجيؤها بصيغة المضارع [وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ] لبيان مسألة وهي زجر الذين كفروا عن خيانة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يوم نزول آية البحث وما بعده من الأيام ، وفي حال الأسر ، وبعد الفكاك منه ، مع أن مضامين آية البحث لا تختص بالأسرى المشركين في معركة بدر .
(قال ابن جريج: أراد بالخيانة الكفر، أي: إن كفروا بك فقد كفروا بالله من قبل فأمكن منهم المؤمنين ببدر حتى قتلوهم وأسروهم) ( ) .
ولكن معنى الخيانة في الآية أعم مضموناً ودلالة خاصة وأنها تخبر وتحذر من وقوع خيانة الذين كفروا في المستقبل ، بينما كفر المشركين ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كان مستمرا , وهو من أسباب وقوعهم في الأسر .
وهل من موضوعية لحال التخفيف عن أسرى بدر في إحتمال صدور الخيانة منهم ، الجواب نعم ، ومن الإعجاز أن الآيات لم تقل بلزوم حبسهم في سجن خاص ودفع أذاهم وشرهم بالحجر عليهم .
إنما حذرت الآية من خيانتهم ، لتدل الآية بالدلالة الإلتزامية على بقائهم على حالهم يعيشون مع المسلمين في بيوتهم ، ويطعمونهم من طعامهم ويؤثرون على أنفسهم ، كما كان بعض الأسرى يقومون بتعليم صبيان المدينة القراءة والكتابة ، ليكون هذا التعليم بدلاً لفكاكهم من الأسر .
وهل كانوا يعلمونهم كتابة الآيات والسور القرآنية ؟ المختار نعم , بتوجيه من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة .
ولم تقل آية البحث وإن يريدوا خيانتك فقد أمكنك الله منهم إذ وقعوا بالأسر ، بل نسبت الآية التمكين والقدرة على الذين كفروا إلى الله عز وجل نفسه ، وهو من رحمة الله عز وجل بالناس جميعاً ، ومن مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ) وبيان نكتة وهي أن وقوع المشركين في الأسر سبيل نجاة لهم من التأليب على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين وقتالهم .
فان قلت تحتمل الآية المماثلة ، فكما أمكن الله عز وجل منهم وأخزاهم لأنهم خانوه سبحانه فأنهم إذا خانوا الرسول فانه يتمكن منهم ، الجواب أن التمكين والقدرة بيد الله سبحانه , وهو الذي نسب نصر المسلمين في معركة بدر له سبحانه ، بالإضافة إلى قانون وهو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يفعل إلا ما يأمره الله عز وجل .
ويحتمل تقدير الآية على وجوه :
الأول : يا أيها النبي يريد الأسرى خيانتك , وقد خانوا الله ربهم من قبل .
الثاني: يا أيها النبي إن يريد الذين كفروا خيانتك فقد خانوا الله سبحانه من قبل .
الثالث : يا أيها النبي إن يريد الأسرى خيانتك فقد خانوا هم والذين كفروا من أصحابهم الله من قبل .
ولا تعارض بين هذه الوجوه ، وكلها من مصاديق آية البحث ، وقال الواحدي ({ وإن يريدوا خيانتك } وذلك أنَّهم قالوا للنبيِّ صلى الله عليه وسلم : آمنَّا بك ، ونشهد أنَّك رسول الله ، فقال الله تعالى : إن خانوك وكان قولهم هذا خيانة) ( ).
ولكن بداية الجملة أعلاه خبرية ونهايتها شرطية مع إتحاد الموضوع ، نعم يمكن أن تكون الخيانة في المقام النكوص عن قولهم آمنّا لك .
وهل في الآية تحذير للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين من الأسرى وعموم الذين كفروا , الجواب نعم ، لأنها تدل بالدلالة التضمنية على إحتمال خيانة الأسرى ، ومن الخيانة في المقام وجوه :
الأول : الجدال والتشكيك بالنبوة والتنزيل .
الثاني : إيصال أخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى الذين كفروا .
الثالث : التودد إلى المنافقين بالإنصات إليهم ونشر أراجيفهم ، وقد تجلى هذا الأمر بانسحاب المنافقين من وسط الطريق إلى معركة أحد .
الرابع : محاولة الهروب من الأسر ، خاصة وأن أسرى بدر طلقاء في مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
الخامس : التعاون والتعاضد بين الأسرى خفية وخلسة للإضرار بالمسلمين .
السادس : عزم بعض الأسرى على قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة .
السابع : الإمتناع عن دفع الفدية للفكاك من الأسر .
الثامن : محاولة الأسرى التفريق بين المهاجرين والأنصار ، كما لو قاموا باثارة الحمية القبلية ، وذكروا أمجاد قريش لإرادة التعريض بالأنصار الذين هم حصن الإسلام .
التاسع : إرادة خيانة الأسرى للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد عودتهم إلى مكة ، وهذه الخيانة على جهات :
الأولى : إفشاء أسرار أحوال المسلمين في المدينة .
الثانية : ذكر عدد المسلمين في المدينة وخصوص المقاتلين منهم , واستعداد المسلمين للدفاع , قال تعالى [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ]( ).
الثالثة : بيان حال المسلمين في معركة بدر ، وكيف أنه لم يأتهم مدد أو عون من غيرهم .
الرابعة : عدد المسلمين في المدينة والذين سيخرجون للقتال عندما تزحف قريش في معركة أحد .
الخامسة : قيام الأسرى بتشويه سمعة المسلمين والكذب والإفتراء عليهم عند رجوعهم إلى مكة بعد فكهم من الأسر .
السادسة : الإضرار بالمؤمنين في مكة عند العودة إليها انتقاماً من هزيمة المشركين في معركة بدر .
السابعة : من وجوه خيانة الأسرى بعد فكهم من الأسر زحفهم مع جيوش قريش في معركة أحد أو معركة الخندق , كما في قصة الجمحي الذي منّ عليه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالفكاك من الأسر في معركة بدر .
(وممن من عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير فداء المطلب بن حنطب وصيفى بن ابى رفاعة وابو عزة الجمحى واخذ عليه ان لا يظاهر عليه احدا) ( ).
ولم يأسر المسلمون في معركة أحد سوى أبي عزة الجمحي نفسه ، فلما أحضر بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال :
يا محمد أمنن علي لبناتي ، وأعاهد ألا أقاتلك .
ولكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبخه وقال له (لا أدعك تمسح عارضيك بمكة وتقول: خدعت محمدا مرتين) ( ).
وذكر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال يومئذ : لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين ) ولم تقل الآية (وإن خانوك ) إنما قيدت الآية الأمر بارادة الأسرى الخيانة ، لبيان آية إعجازية وهي استمرار واستدامة عناية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بالأسرى ، وأن آيات القرآن لم تنزل للسخط عليهم ، أو القسوة معهم ، إنما نزلت بالرأفة بهم ، والإخبار عن الثواب العظيم في إطعامهم ، قال تعالى [وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا] ( ) إنما تدعو الآية المسلمين بأخذ الحائطة من الأسرى مع الرأفة بهم والإحسان إليهم .
وهل من منافع للآية الكريمة عند ذات الأسرى المشركين في معركة بدر ، الجواب نعم ، إذ أنها معجزة تتضمن الإخبار عما يدور في خلد الأسرى ، وما يتناجون به فيما بينهم ، ومن يهمّ بالخيانة والغدر منهم بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وعوائلهم ينصرف عن هذا الهم ليكون موضوع أو أثر آية البحث من مصاديق قوله تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ] ( ).
لتكون مدة الأسر على وجوه :
الأول : تأديب الأسرى .
الثاني : بعث الأسرى على الندامة على محاربتهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : رؤية الأسرى للمسلمين وهم منقطعون إلى الصلاة وعبادة الرحمن .
الرابع : في الأسر فراغ وتخل قهري عن المسائل العائلية والإبتلائية اليومية ، ليتفكر الأسر بالآيات الكونية وفضل الله في بعث الأنبياء وحاجة الناس إلى هذه البعثة ، ومن أسرار قوله تعالى [وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ] ( ) تفضل الله عز وجل بنفخ الروح في آدم عليه السلام ليميل الناس بالفطرة إلى الإيمان وأهله ، فيكون الأسر مناسبة لزرع شآبيب الهداية في نفوس الأسرى ، وهو من الإعجاز في حسن معاملة المسلمين لهم بأمر من عند الله فقد تمنع القسوة في المعاملة من التدبر في الحقائق , والإعتراف بالخطأ والضلالة في الحال .
بينما يدل اللطف والرأفة من قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بالأسرى على قانون وهو إجتناب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الغزو والقتال ، وعدم الخشية من رجوع الأسرى إلى قومهم وتكثير سوادهم أو إثارتهم وتحريضهم على المسلمين ، إنما صار الاسرى الذين تم فكاكهم من الأسر دعاة إلى الإسلام من حيث يعلمون ومن حيث لا يعلمون إذ يكفي في الدعوة بيان حسن معاملة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه للأسرى ، وتبعث الآية المسلمين إلى الإحتياط ، ومن يلزمه ليس بناكب عن الصراط .
ومن إعجاز القرآن أنه مدرسة وموعظة للأجيال المتعاقبة ، لتتضمن آية البحث التحذير من خيانة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والتنزيل ، ويحتمل هذا التحذير وجوهاً :
الأول : إنه زاجر عن خيانة النبوة والتنزيل .
الثاني : إنه زاجر عن الخيانة مطلقاً .
الثالث : بيان قبح وضرر خيانة الرسول .
الرابع : الإنذار والوعيد للذين يخونون النبوة والتنزيل .
الخامس : حرمة الإرتداد .
السادس : نهي الناس عن إكراه بعض المسلمين على الإرتداد ، وهل هذا الإكراه من الخيانة ، الجواب نعم ، وكذا الإستحباب له .
وهو من الإعجاز في إنذار الأسرى المشركين من الخيانة ، وفي الآية دعوة للمسلمين لإجتناب البطش والقتل بالناس وإن ظهرت منهم أمارات الخيانة ، لما في الآية من معاني الوعد من الله عز وجل بأنه يمكن من الخائنين ، ويرجع كيدهم إلى نحورهم ، وهل من صلة بين الميثاق المقصود الذي أخذه الله عز وجل على الناس وبين لزوم التنزه عن خيانة الله ورسوله ، الجواب نعم .
ومن إعجاز القرآن مجئ الحكم العام والخاص في الأمر والمسألة المتحدة ، ومن العام بخصوص الخيانة قوله تعالى [وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ] ( ) لإفادة الإستغراق في ذم الخيانة مطلقاً ، وأما الخاص فمتعدد ومنه إنذار الأسرى من خيانة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومقابلة إحسانه وإحسان المسلمين لهم بالضرر والإضرار .
وفي قوله تعالى [إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا] ( ) وردت عدة روايات بخصوص أسباب النزول منها ، وموضوعها متقارب .
فقد ذكر أن طعمة بن أبيرق استودع عنده أحد الأنصار درعا في مشربة له ، وغاب الأنصاري فلما جاء لم يجد الدرع فسأل عنها طعمة فرمى بها رجلاً من اليهود واسمه زيد بن السمين , وفيه نزل [ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا] ( ) وقيل جعلها طعمة له مع دقيق خفية لدفع الظنة عن نفسه بعد أن وصلت مسألة الدرع وفقدانه إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ونزلت الآية أعلاه ، فلحق طعمة بن أبيرق بقريش ، وإرتد عن الإسلام ، ونزل على شخص اسمه الحجاج بن عِلاط السلمي ، فنقب بيت الحجاج فسمع الحجاج الخشخشة وحركة الجلود التي في بيته .
فنظر من الذي يعبث بها ، وجاء إلى سرقته ، وإذا هو طعمة ، فقال الحجاج (ضيفي وابن عمي فأردت أن تسرقني؟ فأخرجه فمات بحرة بني سليم كافراً) ( ).
لبيان قانون وهو قبح الخيانة ، وأن السرقة والغدر من الخيانة ، وهل يمكن القول بأن آية البحث تحذر الأسرى وغيرهم من السرقة من بيت مال المسلمين ومن بيوت المسلمين خاصة , وأن الأسرى في المدينة كانوا في حال نادرة وفريدة في التأريخ ، إذ كانوا مع المسلمين في بيوتهم ، ويطعمونهم من طعامهم .
وروى بعض أسرى المشركين أن المسلمين كانوا يؤثرونه على أنفسهم عندما كان أسيراً عندهم في واقعة بدر ، ليكون أسر سبعين منهم يومئذ مدرسة في الاخلاق الحميدة ، ونشر مفاهيم المسامحة والمودة .
لقد كان الأسارى من المشركين في معركة بدر على وجوه :
الأول : الذين قاتلوا المسلمين يوم بدر بالسيف ، وضربوا بالرمح .
الثاني : الذين قاتلوا بالسيف ، ولكنهم كانوا من الجيش وسواده .
الرابع : الذين كانوا من الرماة .
الخامس : بعض رؤساء قريش الذين كان لهم أتباع في ميدان المعركة وفي عموم مكة .
وكلهم ممن يصدق عليه أنه خان الله عز وجل وتعدى حدوده ، وفعل المحرم والقبيح واستحقوا قوله تعالى [فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ] ( ) وهل يمكن إنشاء قانون وهو : لو لم يقعوا في الأسر لكانوا سبباً ومادة للفتنة والتعدي .
الجواب نعم , وهل رشحات أسر سبعين من المشركين يوم بدر , ونقلهم لأخبار المسلمين الحسنة وتجليات الإسلام سبب في وهن الكفار , ودخول طائفة من الناس الإسلام , الجواب نعم .
ومن الآيات أن الضرر الذي انصرف بأسرهم لا يعلمه إلا الله سواء من جهة الكم والكيف أو الزمان والمكان ، إذ تدل الآية على اختيارهم الخيانة سجية ومنهاجا وبما يؤدي إلى الأذى والضرر .
فجاء الأسر رحمة بهم وبالمسلمين والناس جميعاً .
وفي هذا الأسر مسائل :
الأولى : بيان وهن وضعف الذين كفروا وعجز جيوشهم عن تحقيق غاياتهم الخبيثة ، قال تعالى [ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ] ( ).
الثانية : بعث السكينة في نفوس المؤمنين فقد كانت أيام الدعوة والبعثة النبوية مليئة بالإنذارات والتهديد والوعيد من الذين كفروا ، وأنهم سيقتلون ويهجرون ويلاحقون ويحاصرون الذين آمنوا ، كما قاموا بتعذيب طائفة منهم .
فجاءت معركة بدر نصرا عظيماً للمسلمين . ونسخاً ونقضاً لتعدي وتهديد الذين كفروا ، وهذا التعذيب والتهديد من مصاديق الذلة في قوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ] ( ) .
الثالثة : إرباك الذين كفروا ومنعهم من مزاولة التجارة مثلما كانت قبل معركة بدر فقد أصابتهم الخيبة والحزن على فقد عدد من كبرائهم فيها ، حتى أنهم منعوا البكاء في مكة لما لحقهم من الذل وانشغلوا بفكاك الأسرى الذي يستلزم منهم أموالاً وجهداً وعناءً .
الرابعة : ظهور التلاوم وحال القنوط بين مشركي قريش .
الخامسة : فضح كفار قريش بين القبائل ، فقد كان لهم شأن عظيم بينها لجوارهم البيت الحرام ، ولأنهم سدنته ، وذرية إبراهيم الخليل ، والذين يتولون سقاية وفد الحاج ، وتهيئة مقدمات وأسباب طوافهم وعمارتهم ، فكانت هزيمتهم في معركة بدر موعظة للقبائل , وكشفاً لقانون وهو : أن الذين يخونون الله يمكن منهم ويفضحهم ويخزيهم بين الناس .
السادسة : عجز الذين كفروا عن إنقاذ أسراهم أو الهجوم من أجل فكاكهم من الأسر ، وقد استمر فكاكهم ودفع الفداء عنهم نحو سنة ، فمنهم من حضر ذووه إلى المدينة بعد أيام من معركة بدر , وكأن قريشاً أجلوا الهجوم والقتال حتى مرت ثلاثة عشر شهراً على معركة بدر .
(وقيل المراد بالخيانة منع ما ضمنوا من الفداء) ( )، وهل هجوم المشركين لإرادة قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسم خيانة لله عز وجل ، الجواب نعم، وتتعدد مصاديق خيانة الذين كفروا لله عز وجل قبل وبعد بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومنها :
الأول : الإقامة على عبادة الأصنام .
الثاني : حمية الجاهلية ، والتقيد بمفاهيم الوثنية .
الثالث : اللجوء الى الأنصاب والأزلام مع شرب الخمر , ولعب القمار قال تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ) .
والأنصاب هي شواخص ينصبونها ليذبحوا عندها لأصنامهم , أما الأزلام فهي أمور يستقسمون بها لحاجاتهم أشبه بالرقاع ، وهي ثلاثة مكتوب على اثنتين منها :
الأولى : إفعل .
الثانية : لا تفعل .
الثالثة : غفل وترك ليس فيها كتابة.
فاذا أراد أحدهم السفر مثلاً أجالوا له الأزلام فان خرج افعل سافر ، وأن خرج لا تفعل قعد وترك السفر ، وإن خرج غفل ليس فيه كتابة أعادوا له إجالة الأزلام فنهى الله عز وجل عنه ، وجاءت السنة النبوية بالخيرة الشرعية والتوكل على الله ، وترك الطيرة والتشاؤم.
لبيان قانون وهو حاجة الناس إلى رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويدل التوفيق والفلاح في استجابة الناس لأحكامها على صدق كونها رسالة من السماء ، وأنها خير محض ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ).
وهل كان الخمر والقمار والأنصاب والأزلام من أسباب خيانة الذين كفروا لله ورسوله ، الجواب نعم ، ولكنه لم يكن حائلاً دون تبليغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم للآيات وقيامه بالتفسير القولي والفعلي لها ، ولتبقى هذه الآيات واقية للمسلمين والناس من آفة الموبقات الأربعة أعلاه سواء على نحو الإنفراد أو الإجتماع ، وفي طاعة الله عز وجل بالتنزه عن واقية من خيانة الله ورسوله فشرب الخمر مثلاً سبب لفقد العقل وإرتكاب الآثام .
ومن معاني آية البحث وقوع خيانة الذين كفروا لله عز وجل ، وإحتمال خيانتهم للرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وأيهما أكبر خيانة الله أم خيانة الرسول ، الجواب هو الأول ، لتدل الآية بالدلالة التضمنية على أن الأسرى لا يتورعون عن خيانة الرسول ، نعم جاءت خاتمة الآية بزجرهم وتخويفهم من سوء عاقبة خيانتهم الرسول لقوله تعالى[فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ]( )، وفيه مسائل :
الأولى : مجئ شطر التمكين في الآية أعلاه بحرف التعقيب الفاء أي أن الله عز وجل لم يمهلهم بعد خيانتهم له سبحانه ، نعم لم ينتقم وببطش بهم إنما جاءت آية البحث باعجاز وهو (فامكن منهم) .
ولم يرد لفظ (أمكن) في القرآن إلا في آية البحث ، وقد يتبادر إلى الذهن سؤال لماذا لم ينتقم الله من الذين كفروا بعد خيانتهم له ، ولقطع أسباب وموضوع خيانتهم للرسول ، الجواب إنه من مصاديق رأفة الله بالناس ، وعمومات قوله تعالى[وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( )، لبيان قانون وهو أن من مصاديق الرحمة بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حجب ضروب الشدة في العقاب عن الناس ، وإمهالهم وتقريبهم إلى منازل التوبة ، ومنه قطع طرف وطائفة من الذين كفروا في قوله تعالى[لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا]( ).
فلم تقل الآية ليقطع الذين كفروا على نحو العموم ، إنما خص جماعة وطرفاً منهم ، كما لم تجمع الآية بين القطع والكبت إنما ورد الترديد بينهما فاما القطع أو الكبت .
ومن معاني قوله تعالى [أَوْ يَكْبِتَهُمْ] أي يغيظهم أشد الغيظ ، ويغمهم ويجعلهم في حزن وكمد , وأختلف في الآية أعلاه هل تختص بمعركة بدر أم أن موضوعها هو معركة أحد ، الجواب هو الثاني .
وقد صدر لنا الجزء الحادي والتسعون من تفسيرنا للقرآن ب410 صفحة وهو خاص بهذه الآية وهي السابعة والعشرون بعد المائة من سورة آل عمران ، وكله قوانين ومسائل مستقرأة من مضامين الآية الكريمة ، وهو معروض على موقعنا مع أجزاء التفسير الأخرى .
وفي تفسير الفاء من [فَيَنْقَلِبُوا] ثلاث وستون صفحة ومنها :
الأول : قانون “الفاء” في “فينقلبوا”.
الثاني : بحث عرفاني في”الفاء” .
الثالث : بحث بلاغي في فاء(فينقلبوا) .
الرابع : بحث منطقي في الفاء .
الخامس : بحث أصولي في “الفاء”.
السادس : بحث فلسفي .
السابع : قانون” فينقلبوا .
الثامن : علم المناسبة
لقد جاءت الآية بصيغة الشرطية (ان يردوا) وفيه دعوة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بعدم البطش بالأسرى أو الإنتقام منهم لأنهم خانوا الله بعبادة الأصنام والتكذيب بالنبوة والتنزيل , وزحفهم لمعركة بدر ، إذ قطعوا نحو ثلاثمائة كيلو متر من مكة الى ماء بدر ثم أصروا على القتال .
وفي الآية دليل على صبغة الرأفة في الإسلام ومن التمكين منهم ووقوع سبعين قتيلاً من المشركين وسبعين أسيراً ، وفي الآية شاهد على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يلتقي بالأسرى .
وبعضهم بعيش حياة ويأكل أحسن مما يأكل أهل الصفة , وهم المسلمون من المهاجرين الفقراء الذين تركوا ديارهم وأموالهم وموارد عملهم , وكانت قريش تعمل بالتجارة ، بينما أهل المدينة في محل الهجرة يعملون بالزراعة والسقي ، فجلس هؤلاء الأسرى في الصفة , وهي ظلة بجانب المسجد النبوي .
ومن خصائص الإقامة المؤقتة في الصفة مسائل :
الأولى : الإيواء في محل جامع ، وعدم ترتب الأثر علة التفرق بين البيوت أو في الطرقات وما فيه من الحرج الشديد .
الثانية : حضور أهل الصفة الصلوات الخمس كل يوم مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالثة : استماع أهل الصفة لخطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم , وهو على المنبر .
الرابعة : تنمية معاني الأخوة بين المهاجرين أنفسهم وسلامتهم من العداوة والبغضاء بسبب الخصومات القبلية ، وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ] ( ) وبين المهاجرين والأنصار ،فتكون هذه الأخوة امتداداً لقيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار بعد قدومهم إلى المدينة ببضعة أشهر .
الخامسة : وجود المسلمين المهاجرين في الصفة مناسبة للأجر والثواب لهم وللأنصار وعامة المسلمين الأخرين باطعامهم وإعانتهم وإصلاحهم للعمل ، وتزويجهم وانجاب ذرية صالحة لهم .
السادسة : تهيئ أهل الصفة للنفير عند قدوم جيش المشركين ، وهو من أسباب بعث الفزع والخوف في قلوبهم ، ومن ، وهو من مصاديق قوله تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ] ( ).
السابعة : إصلاح النفوس وتهذيب الألسن وتنمية الأخلاق الحميدة بين المسلمين .
الثامنة : توثيق السنة النبوية القولية والعملية مع أهل الصفة والدروس المستقرأة منها .
ولم يحتج أي من المسلمين على الحياة الآمنة للأسرى ، وتوفير الطعام والشراب لهم بيسر ، ولم يطلب منهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم العمل بالسخرة وفي المنافع العامة ، بل تركوا وشأنهم في المدينة إذ أن المسلمين فازوا بنعمة الهداية والإيمان وللتسالم على الأخلاق الحسنة .
ومن معاني خيانة الكفار في المقام أمور :
الأول : الإمتناع عن الصلح مع تهيئ مقدماته .
الثاني : إظهار الكفار الرغبة في الصلح والسعي إليه مع تثبيت النية على الإمتناع عنه .
الثالث : تجهيز قريش الجيوش بحجة فكاك الأسرى .
الرابع : مناجاة كفار قريش بعدم دفع بدل وعوض الأسرى .
وكان عمرو بن أبي سفيان أسيراً عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في معركة بدر ، وقيل لأبي سفيان : أفد عمراً ابنك فأبى أن يفديه مع كثرة أمواله .
(قَالَ أَيُجْمَعُ عَلَيّ دَمِي وَمَالِي قَتَلُوا حَنْظَلَةَ وَأَفْدِي عَمْرًا دَعُوهُ فِي أَيْدِيهِمْ يُمْسِكُوهُ مَا بَدَا لَهُمْ . قَالَ فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ مَحْبُوسٌ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذْ خَرَجَ سَعْدُ بْنُ النّعْمَانِ بْنِ أَكّالٍ ، أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ثُمّ أَحَدُ بَنِي مُعَاوِيَةَ مُعْتَمِرًا وَمَعَهُ مُرَيّةٌ لَهُ وَكَانَ شَيْخًا مُسْلِمًا ، فِي غَنَمٍ لَهُ بِالنّقِيعِ فَخَرَجَ مِنْ كَانَ عَهِدَ قُرَيْشًا لَا يَعْرِضُونَ لِأَحَدٍ جَاءَ حَاجّا ، أَوْ مُعْتَمِرًا إلّا بِخَيْرٍ فَعَدَا عَلَيْهِ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ بِمَكّةَ فَحَبَسَهُ بِابْنِهِ عَمْرٍو ، ثُمّ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ
أَرَهْطَ ابن أَكّالٍ أَجِيبُوا دُعَاءَهُ … تَعَاقَدْتُمْ لَا تُسْلِمُوا السّيّدَ الْكَهْلَا
فَإِنّ بَنِي عَمْرٍو لِئَامٌ أَذِلّةٌ … لَئِنْ لَمْ يَفُكّوا عَنْ أَسِيرِهِمْ الْكَبْلَا
فَأَجَابَهُ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَالَ
لَوْ كَانَ سَعْدٌ يَوْمَ مَكّةَ مُطْلَقًا … لَأَكْثَرَ فِيكُمْ قَبْلَ أَنْ يُؤْسَرَ الْقَتْلَا
بِعَضْبِ حُسَامٍ أَوْ بِصَفْرَاءَ نَبْعَةٍ … تَحِنّ إذَا مَا أُنْبِضَتْ تَحْفِزُ النّبْلَا
وَمَشَى بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَخْبَرُوهُ خَبَرَهُ وَسَأَلُوهُ أَنْ يُعْطِيَهُمْ عَمْرَو بْنَ أَبِي سُفْيَانَ فَيَفُكّوا بِهِ صَاحِبَهُمْ فَفَعَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . فَبَعَثُوا بِهِ إلَى أَبِي سُفْيَانَ فَخَلّى سَبِيلَ سَعْدٍ) ( )، ولا يدل على هذا الخبر على مناجاة الذين كفروا في عدم دفع البدل, ولكنه من التحريض على عدم دفعه ، ولم يلتفت ذوو الأسرى إلى فعله ومحاكاته ، بل توجهوا إلى المدينة لدفع العوض والبدل عن الأسرى.
ترى ما هي النسبة بين خيانة الذين كفروا , وبين قتالهم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في معركة بدر ، الجواب النسبة هي العموم والخصوص المطلق ، فالخيانة أعم ، والقتال أشد ضروبها ، كما تكون الخيانة مقدمة للقتال ورشحة من رشحاته لأن تعدي وقتال الذين كفروا قائم عن الخداع والمكر وأسباب الضلالة .
لذا ذكرت الآية خيانتهم السابقة لله عز وجل ، وخيانتهم لله عز وجل خيانة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين ، وهل خيانتهم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خيانة لله عز وجل ، الجواب نعم ، وقد وردت آية بخصوص طاعة المسلمين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقوله تعالى [مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ] ( ) ويكون الضد الموضوعي للآية (من يخون الرسول يخون الله ).
وفيه وعيد للأسرى من المشركين وعموم الذين كفروا بأن الله عز وجل يبطش بهم إن قاموا بخيانة الرسول لبيان قانون من وجوه :
الأول : قانون حرمة خيانة الرسول .
الثاني : قانون الإنذار السماوي من خيانة الرسول .
الثالث : قانون دعوة الناس للإمتناع عن خيانة الرسول وهو من مصاديق قوله تعالى [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ] ( ) .
الرابع : قانون علم الله عز وجل بالنوايا والمقاصد ، وفي التنزيل [وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لاَ تُبْصِرُونَ] .
ومن معاني قوله تعالى [فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ]( ) التذكير بظلم الذين كفروا من قريش باصرارهم على الكفر وجحودهم بالتنزيل .
وهل منه تجهيزهم الجيوش لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في معركة بدر أمران لفظ [مِنْ قَبْلُ] يخرج هذا التجهيز بالتخصيص ، الجواب هو الأول .
ويدل عليه قوله تعالى [فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ] ( ) بالإضافة إلى أن محاربة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أشد وجوه خيانة الله عز وجل ، فان قلت أن القدر المتيقن من الخيانة هو نقض العهد وخيانة الأمانة والغدر , وليس الحرب والقتال .
والجواب لقد عهد الله عز وجل إلى الناس بلزوم عبادته وعدم الجحود بآياته ، والإنسان أصغر من أن يجحد بها ، ولا يقدر على الإضرار بها .
ومن أشد ضروب الخيانة في المقام الكفر والجحود ، وليس من حصر للمواثيق التي أخذها الله على الناس ومنها :
الأول : عمارة الإنسان للأرض بصفة الخلافة فيها : قال تعالى [وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ] ( ) ويرى الإنسان ما حوله من البهائم والكائنات الحية والجمادات وكلها مسخرة له ولنفعه ، أما هو فيجب عليه عبادة الله عز وجل .
الثاني : أخذ الله الميثاق على الناس وهم في عالم الذر ، قبل أن يخلق آدم ، قال تعالى [وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ * وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ] ( ) .
(عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم بنعمان يوم عرفة ، فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرها بين يديه كالذر ، ثم كلمهم قبلاً قال { ألست بربكم قالوا بلى شهدنا }( ) إلى قوله { المبطلون }.)( ).
(عن مسلم بن يسار الجهني ، أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم . . . } الآية . فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سئل عنها فقال : أن الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه ، فاستخرج منه ذرية فقال : خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون ، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية ، فقال : خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون . فقال الرجل : يا رسول الله ففيم العمل؟
فقال : إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله الله الجنة ، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله الله النار) ( ).
و(عن أبي الإمام جعفر الصادق عليه السلام في قول الله: “
وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى
” قال: نعم لله الحجة على جميع خلقه أخذهم يوم أخذ الميثاق هكذا – وقبض يده) ( ).
الثالث : ميثاق الفطرة إذ فطر الله الناس على التسليم بالتوحيد والإقرار بالربوبية المطلقة له سبحانه ، لذا ورد عن الكفار توجههم إلى الله بالدعاء في قوله [اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ] ( ) لتدل الآية بالدلالة التضمنية على أن عبدة الأصنام يقرون باستقلال الله عز وجل بالإلوهية المطلقة على الناس وأن سبحانه ينزل الحق والآيات من عنده ولكنهم استكبروا عن التسليم بنزول القرآن فكانت عاقبتهم القتل في معركة بدر التي اختارها بأنفسهم من جهات :
الأولى : الزمان .
الثانية : المكان .
الثالثة : الدعوة إلى المبارزة والإصرار عليها مع إنتفاء السبب والموضوع لها .
الرابع : ميثاق الأمانة ، قال تعالى [إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً] ( ) ومن ظلم وجهالة بعض الناس في المقام خيانة الله عز وجل وإرادة خيانة الرسول .
فأخبرت الآية بأن لهم [فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ] ومن معانيه أن الله عز وجل يمكن من كل الذين يخوفون العهد والميثاق معه ، وأنه يبتليهم ويبطش بهم ، وتقدير الآية : فأمكن منهم وكذا يمكن من أمثالهم ) .
ليكون من معاني آية البحث إنذار المشركين من التقدم والزحف لمعركة أحد ومعركة الخندق .
ولكن الذين كفروا لم يتعظوا من آيات القرآن وما فيها من المعاني والدلالات ، وفيه شاهد بأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم يغز المشركين إنما هم الذين كانوا يغزونه ويعجمون على المدينة ويسعون في قتله وأصحابه ، وكان هذا الغزو منهم على وجوه :
الأول :إنه خيانة لله الذي دعاهم إلى عبادته ، وفي قريش قال تعالى [فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ] ( ).
الثاني : إقامة الذين كفروا على الشرك والضلالة خيانة لله عز وجل .
الثالث : إصرار الذين كفروا على القتال في معركة بدر خيانة له ورسوله.
الرابع : غزو المشركين المدينة في معركة أحد خيانة لهم ولرسوله .
وبعد أن أختتمت الآية السابقة بقوله تعالى [وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ] ( ) وبيان قانون وهو لزوم إنتفاع الناس جميعاً من رحمة الله ومغفرته وإقترانهما معاً وحضورهما بين ظهراني الناس ، ومن مصاديق هذا الإقتران بعثة الأنبياء وكذا كل آية من القرآن .
ولتبدأ آية البحث بالحرف الواو لدعوة الناس للجوء إلى الإستغفار والنهل من رحمة الله عز وجل ، وهل فيها حث للأسرى من قريش بالتنزه عن خيانة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، الجواب نعم ، فمن معاني اختتام الآية السابقة بقوله تعالى [وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ] ( ) فضل الله عز وجل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بالأمن والوقاية من خيانة الأسرى ، فهك وأن قاموا بالخيانة فان الله عز وجل يدفع شرور هذه الخيانة ، ومن معاني الجمع بين الآيتين سعي المسلمين للفوز بالمغفرة من عند الله ورجاؤهم بتوبة الأسرى وهدايتهم إلى الإسلام .
لقد أدرك الأسرى وغيرهم التباين والتضاد بين حال المسلمين في المدينة من الإنقطاع إلى العبادة والصلاة وبين حال الذين كفروا في مكة من التجهيز للقتال والغزو ، وفيه شاهد بأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم يسع لغزو المشركين وأعوانهم وحلفائهم ، فقد كان عدد من القبائل حول المدينة المنورة على دين الوثنية وعبادة الأصنام ، ويمر عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في خروجهم من المدينة ، وعودتهم إليها من غير أن يتعرضوا لقتل القبائل أو أفعالهم وزروعهم ليكون هذا المرور وتجلي علامات النبوة ، وصفة العبادة عند المسلمين دعوة لهم لدخول الإسلام ، ولإجتناب مؤامرة كفار قريش في حربهم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والإسلام ، وفي التنزيل [صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ] ( ).
مفهوم الموافقة في الآية
في الآية مسائل :
الأولى : بيان قانون وهو تنزه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن القسوة والبطش بالأعداء ، فمع أن كفار قريش آذوه وأهل بيته وأصحابه في مكة ثم حاربوا في معركة بدر فوقعوا بالأسر إلا أنه لم يؤذهم ، إنما نزل القرآن بتحذيرهم من خيانة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : كشف حقيقة للتأريخ وهي أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم يشدد على الأسرى طمعاً في إسلامهم ، أو إزدراء لهم أو ثأراً منهم ، إنما جعلهم شبه طلقاء في المدينة ، يردون الأسواق ويبيتون في بيوت المسلمين ، ويأكلون من طعامهم .
وكان طعام وسكن بعض الأسرى أحسن مما عليه عدد من المسلمين من أهل الصفة من فقراء المسلمين المهاجرين الذين تركوا ديارهم وأموالهم وجاءوا إلى المدينة المنورة التي كانت ذات صبغة زراعية ، والمهاجرون لا يحسنون العمل بالحرث والزراعة ، وليس لديهم أموال يوظفونها في التجارة أو يعتاشون عليها ويتزودون منها .
فأمر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في موضع جدار مؤخر المسجد النبوي وظلل وسقف بسعف النخيل من غير أن تستر أو تبنى جدرانه الأخرى وسمي الصفة أو الظلة وكان يصل عدد أهل الصفة أحياناً إلى مائة ، ولم يكن وجودهم والحاجة إلى إطعامهم سبباً في التقتير على الأسرى السبعين ، لبيان أن المسلمين يسلمون بأن الله هو [الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ] ( ) وأن المنهج الثابت في الإسلام هو العناية بالأسرى وعدم الإضرار بهم .
الثالثة : تحذير الناس من خيانة النبي ونقض العهود والمواثيق التي يعقدونها معه ، وحين جاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة عقد عهود موادعة مع اليهود ، ومع بعض القبائل العربية حوالي المدينة ، وهذا التحذير من مصاديق صيغة الشرطية والمضارع في قوله تعالى [وَإِنْ يُرِيدُوا].
ومن الإعجاز في آية البحث ورود الفاعل بواو الجماعة ، ويحتمل وجوهاً :
الأول :ذكر جماعة أو طائفة أو قوم في الآية او الآيات السابقة وجاءت واو الجماعة للدلالة عليهم .
الثاني : إرادة معنى مرتكز في الوجود الذهني .
الثالث : معنى ودلالة تستقرأ من موضوع الآية ،كما لو كانت خيانة النبي هي التي تعين المراد من واو الجماعة .
الرابع: المعنى الجامع لأكثر من وجه من الوجوه أعلاه .
والمختار هو الأخير وهو من الإعجاز في لغة القرآن ، ليكون تقدير آية البحث على وجوه :
الأول : وان يريد الأسرى خيانتك .
الثاني : وإن يريد الأسرى والمنافقون خيانتك .
الثالث : وان يريد الذين كفروا خيانتك .
الرابع : وان يريد ذووا الأسرى خيانتك .
فمثلاً كان وهب بن عمير في أسارى بدر وكان أبوه عمير بن وهب من شياطين قريش ، وكان ممن يؤذي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما كان في مكة قبل الهجرة ، وكان شديد الحنق بسبب هزيمة كفار قريش في معركة بدر ،وقيام المسلمين بأسر ابنه وأصحابه ، فجلس عمير مع صفوان بن أمية في الحج بعد معركة بدر بأيام معدودات ، وذكر عمير وجهاء قريش الذين قتلوا في معركة بدر وسحبوا إلى القليب ، وهذا السحب ذل آخر وشاهد على سوء العاقبة .
فقال صفوان (والله ما إن في العيش بعدهم خير.
قال له عمير: صدقت) ( ).
وكان أبو صفوان أمية بن خلف وأخوه علي بن أمية قد قتلا في معركة بدر ، وقتلهما بلال الحبشي الذي كان عبداً عندهم ويمعنون في تعذيبه ، ثم تمادى عمير في غيه ، وخيانته .
وقال : لولا دين علي لا أقدر على قضائه ، وعيال أخاف عليهم الضياع من بعدي ، لركبت إلى المدينة ، ودخلت على محمد وقتلته (فَإِنّ لِي قِبَلَهُمْ عِلّةً ابْنِي أَسِيرٌ فِي أَيْدِيهِمْ) ( ).
وكان صفوان من أصحاب الأموال فضمن له معيشة عياله من بعده إن قام بقتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
وقد تقدم ذكر دخول عمير على النبي صلى الله عليه وآله وسلم لتتجلى معجزة أخرى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم برضاه بدخوله عليه مع ظن وخشية الصحابة منه ، وإخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن غايته التي جاء من أجلها .
فلما قال عمير أني جئت من أجل ولدي الأسير ذكّره النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالحديث الذي دار بينه وبين صفوان بن أمية وأنه ما جاء إلا لقتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم , وقال (والله حائل بيني وبينك) ( ).
ولم يقتله النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليكون عبرة لمن ينوي اغتيال النبي ولإنذار كفار قريش من بعث الأشرار لقتل النبي والصحابة لأن الهجرة أمضى من السيف ، فايقن عمير بالنبوة , وقال في الحال (أشهد أنك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنك صادق ، وأشهد أن لا إله إلا الله).
ثم أظهر الندامة على تكذيبه بالوحي الذي يأتي للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال اتفقت مع صفوان أن يكتم أمري مدة ليالي مسيري إلى المدينة ولا يطلع عليه أحد.
فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم :علموا أخاكم القرآن وأطلقوا له أسيره)( ).
وبعد أيام مسافة طريق عمير إلى المدينة أخذ صفوان يقول لقريش بصيغة الكناية والتلميح : أبشروا بواقعة تنسيكم وقعة بدر للتوطئة وتهيئة الأذهان لقتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولنسبة صفوان تدبير القتل نفسه ، إذ أدرك رجحان قتل المسلمين لعمير إذا قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بلحاظ أنهم لا يتركونه وحيداً , خاصة مع مجئ بعض الكفار للقائه .
فصارت قريش تترقب الأخبار وتنتظر ما فيه شماتة بالمسلمين ، ووسيلة لغزوهم والإجهاز عليهم ، وكان صفوان متهلفاً لأخبار عمير وسيفه المسموم مع معرفته بجرأته وضراوته وسخطه على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاصة مع أسر المسلمين لإبنه ، فدخل مكة رجل قادم من المدينة ، فسأله صفوان فلم يذكر له نبأ يفيد تعرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم لاعتداء أو اغتيال , فسأله عن عمير : فقال له : قد أسلم عمير ، فصار صفوان والمشركون يلعنونه .
ثم صار عمير سبباً في نجاة وإسلام صفوان،بعد فتح مكة , وتحتمل إرادة قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجوهاً :
الأول : إنها خيانة لله عز وجل .
الثاني : إنها خيانة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : إنها خيانة لله ولرسوله .
الرابع : إنه أمر وفعل أكبر من الخيانة .
ولا تعارض بين هذه الوجوه ، فيشمل مضمون آية البحث كلاً من :
الأول : الذي يسعى في قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم سواء في ميدان المعركة كما في ابن قمئة يوم معركة أحد أو في حال السلم والحضر .
الثاني : الذي يحرض على قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : الذي يتبرع بالمال والسلاح لقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ومن مصاديق مفهوم الموافقة مفهوم الأولوية ، فهل يشمل الأولوية السلبية الضارة بحيث أن ما يقابل المنطوق من المفهوم يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً , الجواب نعم .
الرابعة : لقد جاءت آية البحث بالخطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بما يتضمن التحذير , ولكن معانيه ودلالاته أعم من وجوه :
الأول : يا أيها الأسرى لا تخونوا الرسول .
الثاني : يا أيها الأسرى لا تخونوا الذين آمنوا سواء الذين في المدينة أو الذين لا زالوا في مكة .
الثالث : يا أيها الأسرى توبوا إلى الله .
الرابع : يا أيها الأسرى تذكروا خيانتكم لله وأنه سبحانه يعلمها ، وقد نزل فيها قرآن ، لبيان مصداق لكونه كلام الله .
الخامس : يا أيها الناس قد جاء الإسلام بالأمانة والصدق .
ويقال خانه خوناً وخيانة ومخانة ، فهو خائن ، والجمع خونة وخوّان والمؤنثة خائنة ، والخيانة تضييع المؤتمن عليه عن عمد وخفية عن المؤتمِن أو جهرة ، وهي نقيض الأمانة ، وفي الخيانة أطراف :
الأول : الذي يقوم بالخيانة ،ويسمى الخائن .
الثاني : مادة وموضوع الخيانة ، كما لو أوتمن شخص على مال فاخفى المال أو أنكره ، أو أتلفه خلسة وغيلة .
الثالث : الذي يُخان .
وتشمل الخيانة نقض العهد والإستبداد والإستيلاء على الأموال والأعراض .
والخيانة قبيحة عقلاً وشرعاً ، وجاءت الكتب السماوية بالزجر عنها ، وهل قتل قابيل لأخيه هابيل من الخيانة ،وإذا كان خيانة فما هي الأمانة التي خانها قابيل ، ومن هو الذي خانه قابيل ، الجواب هذا القتل خيانة من وجوه :
الأول : إنه خيانة لله عز وجل ، فمن معاني قوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( ) العهد والميثاق بين الناس لعمارتهم الأرض بالعبادة مع فضل الله عز وجل بتقريبهم إلى منازلها ، ومنع العوائق وإزالة الحواجز التي تحول دونها ، وقتل قابيل لأخيه خلاف العبادة وسننها ، وقطع لعبادة هابيل لله بزهوق روحه ، ومانع من إنجابه الأولاد ووراثتهم عبادة الله وتعظيم شعائره .
الثاني : إنه خيانة لآدم بصفته نبياً رسولاً ، وأباً لكل من القاتل والمقتول ، وهل هذا القتل في مراتب الخيانة مثل خيانة الأسرى لله عز وجل وزحفهم لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في معركة بدر ، أم أكبر أم أقل منه ، المختار أن خيانة المشركين في زحفهم في معركة بدر هو الأكبر والأشد قبحاً .
الثالث : إنه خيانة لحواء أمهما .
لقد عاش آدم وحواء في الجنة في بداية خلقهما ، وشاهدا عبادة الملائكة وانقطاعهم لذكر الله عز وجل والتسبيح , وأكلا من ثمار الجنة وأدركا أن نعيمها من اللامتناهي ، وليس له إنقطاع .
الرابع : قتل قابيل لهابيل خيانة للبشر والناس ، وقيل أنه قتل ربع الناس يومئذ ، وليس بتام لوجود آدم وحواء وأبناءهما ذكوراً وأناثاً ، وكان قابيل أكبر سناً من هابيل ، وفي التنزيل [وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ] ( ).
الخامس : قتل قابيل لأخيه خيانة للنبوة لأن آدم أباهم نبي وللأخوة التي يجب أن تكون موضوعاً وسبباً للمودة والرحمة والشفقة ، ومن مصاديق قوله تعالى [فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ] ( ) وحاجة الناس إلى النبوة والتنزيل أن أول جريمة في الأرض كانت قبيحة وشديدة القبح لوجوه :
الأول : وقعت هذه الجريمة بين أخوين لأب وأم .
الثاني : والد القاتل والمقتول نبي رسول .
الثالث : السعة والمندوحة في أسباب الرزق .
الرابع : عدم وصول النوبة إلى الخصومة بين الأخوين فقد تقبل الله عز وجل قربان هابيل ولم يتقبل قربان قابيل ، فالمسألة بين الله عز وجل وبين قابيل ، وكان على قابيل الإستغفار وإعادة تقديم القربان بما فيه التضرع والتوسل إلى الله عز وجل .
والدعاء لقبول القربان وهناك مسألتان :
الأولى : هل يشمله قوله تعالى [ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ] ( ) في قبول القربان أم أن الآية خاصة بالمسلمين .
الثانية : لو دعا وسأل الله عز وجل قبل وعند تقديم القربان الأول فهل يستجيب الله عز وجل له .
والمختار في الأولى أنه نعم تشمله إطلاقات الآية لأطلاقها ولا تصل النوبة إلى الإستصحاب القهقري والحاجة إليه ، واما المسالة الثانية فالأمر والحكم راجع إلى الله عز وجل أي لا نقدر على القول بأن دعاءه يرد ، فالدعاء يرجح كفة القربان القليل .
المسألة الخامسة : لم يرد لفظ [خيانتك] في القرآن إلا في آية البحث ، ولم يذكر بصيغة الشرط الدالة على الإحتمال [وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ] ( ) نعم ذكر موضوع خيانة الأسرى للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في القرآن يرقى من مرتبة الإحتمال إلى الرجحان لولا فضل الله عز وجل أي أن الله عز وجل علم بأنهم يهمون بخيانة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والإسلام ويتناجون بالمكر .
ترى هل صارت آية البحث سبباً في إنقطاع همّ وقصد الذين كفروا خيانة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين ، الجواب لا دليل عليه لذا وردت الآية بصيغة الإنذار والوعيد للذين كفروا كما أختتمت مع قلة كلماتها بذكر ثلاثة أسماء من الله عز وجل [وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ] ( ) وقد تكرر قوله تعالى [عَلِيمٌ حَكِيمٌ]ست عشرة مرة بصيغة الرفع ، ومن معاني إخبار آية البحث عن العلم المطلق لله عز وجل بيان مسائل :
الأولى : علم الله عز وجل بخيانة الذين كفروا له سبحانه ، ومن الإعجاز في آية البحث ذكرها لخيانة الذين كفروا في الزمن الماضي بلفظ [مِنْ قَبْلُ] وفيه دعوة للعلماء والمسلمين للتحقيق في موارد وأفراد خيانة الذين كفروا لله عز وجل .
وهل يختص بمحاربتهم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، الجواب لا ، فمن وجوه خيانة المشركين لله عز وجل وجوه :
الأول : إتخاذ الأصنام آلهة .
الثاني : نصب الأصنام والأوثان داخل الكعبة وحواليها ، وعن ابن مسعود قال : (دخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مكة وحول البيت ستون وثلثمائة نصب ، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول : { جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً } { وجاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد }( ).
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو يعلى وابن المنذر ، عن جابر قال : دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكة وحول البيت ثلثمائة وستون صنماً فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأكبت لوجهها وقالجَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا.
وعن ابن عباس قال : دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكة يوم الفتح وعلى الكعبة ثلثمائة وستون صنماً ، فشد لهم إبليس أقدامها بالرصاص ، فجاء ومعه قضيب فجعل يهوي به إلى كل صنم منها فيخرّ لوجهه فيقول : { جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً } حتى مر عليها كلها) ( ).
الثالث : عزوف المشركين عن سنة إبراهيم في التوحيد والإخلاص في عبادة الله .
الرابع : جحود الذين كفروا بالنعم .
الخامس : إظهار الذين كفروا الشرك ومفاهيم الضلالة .
السادس : تجاهر الذين كفروا بفعل الفواحش قال تعالى [لاَ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ] ( ) ومثلما أن لفظ [خِيَانَتَكَ] لم يرد في القرآن إلا في آية البحث ، فكذا بالنسبة للفظ (خانوا).
لبيان خصلة مذمومة عند الكفار وهي الخيانة فما داموا أنهم خانوا الله فانهم لا يترددون في خيانة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين ، وهل يخون الكفار أنفسهم ، الجواب نعم ، لتعريضها للذم في الدنيا وشدة العقاب في الآخرة .
ويجلب الذين كفروا بكفرهم وخيانتهم على أنفسهم سخط الله ، وفي التنزيل [إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْخَائِنِينَ] ( ) ولم يرد لفظ الخائنين في القرآن إلا في الآية أعلاه وقوله تعالى [وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ] ( ) .
وجاءت آيات القرآن بنهي المسلمين عن الخيانة ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ] ( ) لبيان المائز والتضاد بين المسلمين والذين كفروا إذ يتلبس الكفار بأشد وأقبح الخيانة وهي خيانة الله ثم خيانة رسوله الأكرم ، فتفضل الله عز وجل ورحمهم بأن حذرهم في آية البحث من خيانة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ليكون إمتناعهم عن خيانته واقية من نزول العذاب العاجل بهم ، وقد يكون مقدمة لرشادهم وهدايتهم للإيمان خاصة وأن آية البحث حجة عليهم بأن الله عز وجل علم ما في قلوبهم من الغدر والخيانة ، فأخبر نبينه ، ولم يأمر بالإنتقام من الأسرى ، وكذا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لم يفعلوا ما يفيد الإضرار بالأسرى .
وهو من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
مفهوم المخالفة في الآية
في الآية مسائل :
الأولى : زجر الأسرى عن الإضرار بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين .
الثاني : لقد أمر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين الذين قاموا بتأسير سبعين من المشركين بجعلهم معهم في دورهم أو في مزارعهم ، إذ يكون بمقدور الأسير المشرك أن يخون ويغدر ، ويقوم بالنفع والفعل الحسن أو العكس ، فتفضل الله عز وجل وحذر النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم من خيانتهم ليكون زاجراً لهم ، وإخباراً بان الله عز وجل يطلع النبي محمداً على فعلهم ، ويكشف أمرهم ، ويمكّن وينتقم منهم ، ليكون من إعجاز القرآن ونزول الآية منه ، وليكون برزخاً دون إيذاء النبي والمسلمين ، وهو من عمومات قوله تعالى [وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ] ( ) وقوله تعالى [لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى] ( ) .
فآية البحث تدفع أموراً :
الأول : الأذى القادم من الأسرى .
الثاني : تسخير الذين كفروا لأسرى معركة بدر ، فجاءت آية البحث بتحذير الطرفين .
الثالث : منع الكفار من إتخاذ مسألة الأسرى وسيلة ونوع طريق لخيانة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والغدر به ، كما لو جاءوا بحجة فكاك الأسرى وهم ينوون قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
الثانية : دعوة الأسرى إلى إصلاح سرائرهم والإمتناع عن إيذاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
ومن الإعجاز في آية البحث أن هذا الإمتناع المترشح عنها مناسبة ليتدبر الأسرى في معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والدرر المترشحة عن آيات القرآن ، وفلسفة الصلاة وصيرورتها سبباً لبعث السكينة في نفوس المسلمين ، قال تعالى [أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا]( ).
الثالثة : الخيانة من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً ، ولو دار الأمر بين أمور :
الأول : الأكثر والأقل من خيانة الأسرى للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : المنفرد والمتعدد من خيانة الأسرى .
والمختار بالنسبة للأول أعلاه صدور الأكثر والتعدد من الخيانة من الأسرى لولا آية البحث ، وما في القرآن والسنة من المواعظ ، وأن بالنسبة للثاني فان المختار هو المتعدد من الخيانة ، وعدم حصر خيانة الذين كفروا بالمرة الواحدة مثلاً .
وهل يمكن أن يصدر نفع من الأسرى ، الجواب نعم ، من جهات :
الأولى : دخول طائفة من الأسرى في الإسلام .
الثانية : قيام عدد من الأسرى بتعليم صبيان المسلمين .
الثالثة : نقل الأسرى آيات القرآن إلى الناس وإخبارهم أهليهم وغيرهم عن حال المسلمين من العبادة والتقوى والصلاح ، وهو من عمومات قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ).
قانون كل آية تدعو إلى الصبر
من خصائص الإيمان الملازمة بين الصبر والشكر لله ، والصبر لغة الحبس ، وهو في الإصطلاح ترك فعل شئ منهي عنه إبتغاء وجه الله ، والصبر من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً بلحاظ الأحكام التكليفية الخمسة من جهات :
الأولى : الصبر واجب في اتيان الواجبات ، لذا سمي الصيام صبراً ، قال تعالى [وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ] ( ).
الثانية : الصبر عن المستحبات مكروه .
الثالثة : الصبر عن المكروهات مستحب .
الرابعة : الصبر عن المحرمات واجب .
الخامسة : الصبر جائز في المباحات وبما لا يكون تشديداً على النفس.
وجاء القرآن بالحث على الصبر ، وهو مطلوب بذاته كما أنه وسيلة وواسطة لعمل الصالحات وهو بلغة للغايات الحميدة ومن سفاهة كفار قريش أنهم أعرضوا عن الصبر في التدبر في معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وغلب عليهم الحسد ولم ينظروا إلى ميل الناس للإسلام وتصديق أمة من المهاجرين والأنصار بالمعجزات التي جاء بها ، فجعل الله عز وجل الخوف والرعب يملأ قلوبهم , قال تعالى[لأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنْ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ]( ).
ترى ما هي النسبة بين الصبر واتباع الهوى ، الجواب هو التباين والتضاد ، فقوله تعالى[يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ] يبين الخصومة والعداوة بين:
الأول : جمع صابرون في الله .
الثاني : جمع يتبعون الهوى والضلالة .
ومن الإعجاز في سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنها تتقوم بالصبر في شخصه وطعامه وملبسه وجهاده في سبيل الله ، فلم يقصد غزو قوم ، ولم يبدأ قتالاً ، ومن الآيات في صبره نداؤه في ساحة المعركة [قولوا لا إله الا الله تفلحوا].
وكان يقول : اللَّهُمَّ احْيِنِي مِسْكِيناً وَأمِتْنِي مِسْكِينَاً وَاحْشْرْنِي فِي زُمْرَةِ المَساكِين( ).
والصبر طريق السلامة في الدنيا والآخرة ، وهو من مصاديق الصراط في قوله تعالى[اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]( )، ومن خصائص الآية القرآنية أن لها منطوقاً ومفهوماً وتأويلاً وتفسيراً وظاهراً وباطناً ، وكل آية من القرآن تدعو الى الصبر وتحث عليه .
والصبر على أقسام :
الأول : صبر على الطاعة ، ومنه أداء الفرائض والعبادات ،قال تعالى [وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ] ( ) .
الثاني : صبر عن المعصية ، ومنه التنزه عن فعل المعصية .
الثالث : صبر عند المصيبة ، مع لزوم استحضار ذكر الله عز وجل عند البلاء ، وعدم الجزع ، قال تعالى [الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ] ( ) ليكون اللجوء إلى الله والإستجارة به والإقرار بالرجوع الحتمي إليه سبباً لإمتلاء القلوب بالصبر والتسليم في حال كرب الزمان والوقائع المؤلمة وفقد الأحبة .
ولا يعلم أحد بما في المصيبة من الموعظة إلا الله عز وجل وهي مناسبة للثواب بالتحلي بالصبر ، قال تعالى [وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) .
ومن خصائص الصبر المقرون بالإيمان الرضا بأمر الله عز وجل ، ورجاء الخلف والعوض منه تعالى .
(عن أم سلمة قالت : أتاني أبو سلمة يوماً من عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : لقد سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قولاً سررت به قال : لا يصيب أحداً من المسلمين مصيبة فيسترجع عند مصيبته ، ثم يقول : اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها إلا فعل ذلك به .
قالت أم سلمة : فحفظت ذلك منه ، فلما توفي أبو سلمة استرجعت ، فقلت : اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها ، ثم رجعت إلى نفسي وقلت من أين لي خير من أبي سلمة؟
فأبدلني الله بأبي سلمة خيراً منه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)( ).
والقرآن مدد وعون وسلاح للعمل بطاعة الله , وهو واقية وزاجر عن المعصية وصاحب مبارك يواسي المسلم عند المصيبة ، ويخفف عنه ، ومن أسرار أداء المسلمين الصلاة خمس مرات في اليوم غلبة ذكر الله على أفعال العبد في كل ضروب المصيبة ،وبعث الطمأنينة في النفس ومنع استحواذ النفس الشهوية والغضبية على الإنسان ،ويقرأ المسلم القرآن في الصلاة لتكون آيات القرآن والتدبر فيها عوناً له في صبره ، وتفكره وسعيه لجني الحسنات ، وإجتناب أسباب الإثم .
ومن إعجاز القرآن أن ذات تلاوة الآية القرآنية صبر ، ودعوة للصبر للمضامين القدسية للآية وأسباب نزولها ، والمسائل والأحكام التي جاءت بها ، وإتصافها بسنخية سماوية تنقل الذي يقرأها إلى رياض القدس.
والقرآن مدرسة الصبر وبه يبنى صرح الإيمان ، ويتم تعاهد وتوارث الفرائض والأخلاق الحميدة ، والمبادرة إلى إتيان الواجبات والمستحبات وإجتناب المحرمات ، والعزوف عن المكروهات ، ومن خصائص الآية القرآنية تعدد وظائفها القدسية التي تنفع الفرد والجماعة والناس جميعاً من جهات :
الأولى : منطوق الآية القرآنية .
الثانية : مفهوم الآية القرآنية .
الثالثة : دلالات الآية القرآنية .
الرابعة : الغايات الحميدة من الآية القرآنية .
الخامسة : تجلي المنافع من العمل بمضامين الآية القرآنية .
السادسة : التسليم بترتب الثواب على تلاوة الآية القرآنية والعمل بأحكامها .
ومن خصائص اللجوء إلى تلاوة القرآن أنه وسيلة تقرب إلى الله ، ورجاء رفده وفضله وإحسانه ، وصرف البلاء ، وهو من مصاديق قوله تعالى [يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ]( ).
وذات الصبر في طاعة الله والقربة إليه عبادة ، قال تعالى [إِنِّي جَزَيْتُهُمْ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمْ الْفَائِزُونَ] ( ) وهل المراد من الصبر في الآية أعلاه ذات الصبر أم المعنى الأعم ، وتدخل فيه العبادة وأداء الفرائض ، الجواب هو الثاني ، والصبر عما حرم الله أهون من الصبر على عذاب الله .
ويدعو القرآن المسلمين والناس إلى الصبر ويرغب فيه ، وهو نوع طريق لخير الدنيا والآخرة ، ومن مصاديق الصراط في قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( ) .
وجاءت السنة النبوية لبيان وتفسير معاني الصبر في القرآن ، وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو الإمام في الصبر وإنتظار الفرج من عند الله عز وجل .
ومرّ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بامرأة تبكي عند قبر ، فقال : اتقي الله واصبري .
قالت : إليك عني ، فانك لم تصب بمصيبتي ، ولم تعرفه ، فقيل لها أنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخذها مثل الموت .
فأتت باب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لتعتذر فلم تجد عنده بوابين .
فقالت : لم أعرفك .
فقال : إنما الصبر عند الصدمة الأولى ( ).
وقد مدح الله عز وجل الذين يسلمون بالمقدور ، وأنه كائن بمشيئة الله ، قال تعالى [إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا] ( ) .
ولا تتعارض دعوة القرآن إلى الصبر مع الآيات التي تحث على المسارعة في فعل الخيرات ، وهذه المسارعة في مفهومها من مصاديق الصبر ، قال تعالى [يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ]( ) وفي التنزيل [أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ]( ).
وقال هدمة بن خشرم :
فان يك صدر هذا اليوم ولى فان غداً لناظره قريب

قانون عمارة الأرض
من الآيات في عمارة الإنسان الأرض أمور :
الأول :خلق الله لآدم أبي البشر في الجنة , ولبثه فيها مدة يسيرة , مع أن علة وموضوع خلقه هو عمارته الأرض ، قال تعالى [وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ).
الثاني : حياة آدم في الجنة لفترة وجيزة واختلاطه بالملائكة ، وأكله من ثمار الجنة .
الثالث : خلق حواء مع آدم ، ومصاحبتها له في الجنة .
الرابع : وسوسة ابليس لآدم وحواء للأكل من الشجرة التي حرمها الله عز وجل عليهما مع أن الله عز وجل حذرهما منه ومن صيرورته سبباً باخراجه من الجنة ونعيمها الذي لا ينقطع أبداً ، قال تعالى [فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَ يَبْلَىفَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ] ( ). الخامس : هبوط آدم وحواء إلى الأرض بحلة الإيمان والإقرار بوجوب عبادة الله عز وجل ، وهو من أبهى مصاديق قوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( ). أي أن الإيمان متقدم رتبة وزماناً في الأرض على الكفر والجحود . وهل يصح القول أن وجود الإنسان في الأرض إمتداد لوجوده في الجنة ، الجواب نعم ، وهو من أسرار عودة المؤمنين إلى الجنان , ولبثهم الدائم فيها . (عن ابن عباس، قال: نزل آدم ومعه ريحُ الجنة فعلق بشجرها وأوديتها يعني الهند وأنزل معه الحجر الأسود، وكان اشدَ بياضاً من الثلج، وعصا موسى، وكانت من آس الجنة، طولها عشرة أذرع، ومُرّ، ولُبان. وقال أبو العالية: أخرج آدم ومعه غصن من شجر الجنة، وعلى رأسه تاج أو إكليل من شجر الجنة. وقال قتادة: أهبط آدم على جبل بالهند وعلى رأسه إكليل من شجر الجنة ، فعبق ريح ذلك الإكليل بشجر ذلك الجبل فصار طيباً) ( ). وكان بهاء الجنة ظاهراً على آدم عليه السلام (ولم يجمع حسنُ آدم عليه السلام لأحد من ولده إلا ليوسف عليه السلام. وقيل: إن من الثمار التي زود الله عز وجل آدم عليه السلام حين أهبط إلى الأرض ثلاثين نوعاً: عشرة منها في القشور وعشرة لها نوى، وعشرة لا قشور لها ولا نوى. فأما التي في القشور منها فالجوز، واللوز، والفستق، والبندق، والخشخاش، والبلوط، والشاهبلوط، والرانج، والرمان، والموزُ. وأما التي لها نوى منها فالخوخ، والمشمش، والإجاص، والرطب، والغبيراء، والنبق، والزعرور، والعناب، والمقل، والشاهلوج. وأما التي لا قشور لها ولا نوى فالتفاح، والسفرجل، والكمثرى، والعنب، والتوت، والتين، والأترج، والخرنوب، والخيار، والبطيخ. وقيل: كان مما أخرج آدم معه من الجنة صرة من حنطة، وقيل: إن الحنطة إنما جاءه بها جبرئيل عليه السلام بعد أن جاع آدم، واستطعم ربه، فبعث الله إليه مع جبرئيل عليه السلام بسبع حبات من حنطة، فوضعها في يد آدم عليه السلام. فقال آدم لجبرئيل: ما هذا؟ فقال له جبرئيل: هذا الذي أخرجك من الجنة، وكان وزن الحبة منها مائة ألف درهم وثمانمائة درهم، فقال آدم ما أصنع بهذا؟ قال: انثره في الأرض ففعل، فأنبته الله عز وجل من ساعته، فجرت سنة في ولده البذر في الأرض، ثم أمره فحصده، ثم أمره فجمعه وفركه بيده، ثم أمره أن يذريه. ثم أتاه بحجرين فوضع أحدهما على الآخر فطحنه، ثم أمره أن يعجنه، ثم أمره أن يخبزه ملةً، وجمع له جبرئيل عليه السلام الحجر والحديد فقدحه، فخرجت منه النار، فهو أول من خبز الملة) ( ). وهذه الحبوب والثمار ونزولها من الجنة من مصاديق قوله تعالى [وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا] ( ) ومن خصائص عموم خلافة الإنسان في الأرض بلحاظ قوانين اللطف الإلهي بالناس جميعاً ، وجعل الحياة في الأرض على وجوه : الأول : إنها مرآة لنعيم الجنة . الثاني : تذكير الناس بفضل الله ، وكل ثمرة وفاكهة معجزة من عند الله عز وجل في زراعتها ونمائها وحملها ، ويتجدد من كل عام أو في أقل من سنة ، لتذكير الناس بلزوم الشكر لله عز وجل على هذه النعم . الثالث: كفاية حبوب وثمار الأرض للناس جميعاً في كل زمان ، وعندما زار سكان الأرض في هذه الأزمنة هداهم الله عز وجل للعلم والتقنية ، ومضاعفة الإنتاج ، وهو من مصاديق الرزق الكريم من الله عز وجل لأهل الأرض والرزق هو العطاء والنفع. الرابع : بعث الناس على الشكر لله عز وجل بالدعاء والعبادة . الخامس : تجلي الآيات الكونية للناس في الليل والنهار ، ويمكن تقسيمها إلى أقسام : أولاً : الآيات الثابتة كالشمس والقمر والليل والنهار ، قال تعالى [وَسَخَّرَ لَكُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ]( ). ثانياً : الآيات المتحركة والتي تطل على الناس على نحو متقارب أو متباعد . ثالثاً : الآيات الكونية الطارئة مثل السحاب والمطر , والخسوف والكسوف ونحوها . ومن أسرار خلافة الإنسان في الأرض تكفل الله عز وجل لرزقهم من قبل أن يخلقوا ، قال تعالى [وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ] ( ) وفي لفظ السائلين أعلاه دعوة للسعي واستقراء أسباب الرزق والتعاون بين الناس ، والعمل كل فرد باختصاصه لتخرج الأرض كنوزها من الزراعات والمعادن . نعم خص الله عز وجل رزق المؤمنين بالبركة ومجيئه بالسعي وبفضل من الله عز وجل ، قال تعالى[وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ] ( ).
لبيان قانون وهو اختصاص المؤمنين بافراد إضافية من النعم العامة التي تأتي للناس جميعاً ، وذات الإيمان رزق عظيم ، بلحاظ أن الرزق لا يختص بالمال والأمور المادية بل هو أشمل .
ويأتي رزق الإيمان بالمال أما المال فقد يأتي بالإيمان بفضل من الله أو لا يأتي لذا فان الله عز وجل يرحم العبد فيجعله غنياً كي يهتدي أو يجعله فقيراً ليحجبه عن فعل الفواحش والسيئات ، وهو سبحانه أعلم بالمصالح والمفاسد ، قال تعالى [وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ] ( ).
ومن مصاديق قوله تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ) كثرة ضروب وأفراد الرزق وهو من اللامتناهي ومنه :
الأول : البصيرة والهدى .
الثاني : العلم والتفقه في الدين .
الثالث : الصحة والعافية .
(عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ) ( ).
(وقال عروة بن محمد : كنّا مع وهب بن منبه فرأينا رجلا أصمّ أعمى مقعداً مجذوماً مصاباً فقلنا : هل بقي على هذا شيءٌ من النعيم؟
قال : نعم،
أعظمه بشبعه ما يأكل ويشرب ويسهل عليه إذا خرج لذلك) ( ).
ومن النعم في المقام سلامة اللسان للذكر وأداء الصلاة ، وهو من أسرار أداء الصلاة على كل حال ، وجواز الإنتقال إلى الطهارة الترابية عند الحاجة والضرورة .
وهل يمكن القول بالملازمة بين الحياة الدنيا والنعيم ، الجواب نعم ، فلابد أن يرى الإنسان في شطر من عمره وأيام حياته نعيماً وأسباباً للغبطة والسعادة ، وهو الذي يدل عليه قوله تعالى [ثُمَّ لَتَرَوْنَهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ]( ).
الرابع : الأمن والأمان .
الخامس : نعمة الأبوين وعنايتهما بالولد .
السادس : نعمة الأبناء والسعادة والغبطة بهما .
السابع : نعمة الذرية الصالحة التي تبعث السكينة والسعادة في قلب الوالد والوالدة ، وبين الأولاد وهذه النعمة عموم وخصوص مطلقاً .
الثامن : المال ووفرته وصيرورته مادة ووسيلة لقضاء الحوائج ، قال تعالى [الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا] ( ).
التاسع : ميل وحب الناس للإنسان وفناؤهم عليه ، سواء كان غنياً أو فقيراً ، واجاه متعب أم لا ، وتتجلى هذه النعمة وإحرازها بالإيمان بقوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَنُ وُدًّا] ( ).
العاشر : نعمة طول العمر .
ومن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم دعوته الناس إلى الدعاء لطلب الرزق ، وعدم اللهث وراء الدنيا .
عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ايها الناس ان احدكم لن يموت حتى يستكمل رزقه فلا تستبطئوا الرزق واتقوا الله يا ايها الناس وأجملوا في الطلب خذوا ما حل ودعوا ما حرم( ).

الآية التاسعة عشر
قوله تعالى [هَذَان خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمْ الْحَمِيمُ]( ).
من إعجاز الآية مجيؤها بصيغة المثنى [خَصْمَانِ] وقد يتبادر إلى الذهن أن المراد شخصان ، ولكن الآية أعم إذ المراد فريقان ، فريق مؤمنون بالله والرسالات ، وفريق كافر جاحد ، ويطلق لفظ (الخصم) على المفرد والمثنى والجمع .
ومن إعجاز الآية تقييد موضوع الخصومة بأنه في الله عز وجل ، وربوبيته المطلقة ، فلم تقل الآية : اختصموا في الله أنما قالت [اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ]( )، لبيان إنتفاء موضوع الخصومة لأن الله عز وجل رب الخصمين جميعاً .
وهل الخصومة في شأن الله وصفاته وأسمائه ، الجواب أخبرت الآية بأن الخصومة بالإيمان بالربوبية المطلقة لله عز وجل والكفر والجحود بها ، والخصومة من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً إذ يشمل وجوهاً :
الأول : الجدال والمجادلة .
الثاني : التداعي .
الثالث : الخلاف .
الرابع : التجالد والنزاع .
الخامس : القتال ، لذا ذكر تعلق موضوع الآية بمعركة بدر .
وأخرج (من طريق قيس بن عبادة ، عن علي عليه السلام قال : أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة . قال قيس : فيهم نزلت { هذان خصمان اختصموا في ربهم }( ) قال : هم الذين بارزوا يوم بدر : علي وحمزة وعبيدة وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : لما بارز علي وحمزة وعبيدة وعتبة وشيبة والوليد ، قالوا لهم : تكلموا نعرفكم . قال : أنا علي ، وهذا حمزة ، وهذا عبيدة . فقالوا : أكفاء كرام ، فقال علي : أدعوكم إلى الله وإلى رسوله . فقال عتبة : هلم للمبارزة . فبارز علي شيبة فلم يلبث أن قتله ، وبارز حمزة عتبة فقتله ، وبارز عبيدة الوليد فصعب عليه فأتى علي فقتله . فأنزل الله { هذان خصمان . . . } ( ).
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية قال : لما التقوا يوم بدر قال لهم عتبة بن ربيعة : لا تقتلوا هذا الرجل ، فإنه إن يكن صادقاً فأنتم أسعد الناس بصدقه ، وإن يكن كاذباً فأنتم أحق من حقن دمه . فقا أبو جهل بن هشام : لقد امتلأت رعباً . فقال عتبة : ستعلم أينا الجبان المفسد لقومه . قال : فبرز عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة ، فنادوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
فقالوا : ابعث إلينا أكفاءنا نقاتلهم . فوثب غلمة من الأنصار من بني الخزرج ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اجلسوا . . . قوموا يا بني هاشم . فقام حمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث فبرزوا لهم ، فقال عتبة : تكلموا نعرفكم أن تكونوا أكفاءنا قاتلناكم . قال حمزة : أنا حمزة بن عبد المطلب . . . أنا أسد الله وأسد رسوله .
فقال عتبة : كفء كريم.
فقال علي : أنا علي بن أبي طالب . . . فقال : كفء كريم! فقال عبيدة . أنا عبيدة بن الحارث . . . فقال عتبة : كفء كريم! فأخذ حمزة شيبة بن ربيعة ، وأخذ علي بن أبي طالب عتبة بن ربيعة ، وأخذ عبيدة الوليد . فأما حمزة ، فأجاز على شيبة ، وأما علي فاختلفا ضربتين ، فأقام فأجاز على عتبة ، وأما عبيدة فأصيبت رجله . قال : فرجع هؤلاء وقتل هؤلاء ، فنادى أبو جهل وأصحابه : لنا العزى ولا عزى لكم .
فنادى منادي النبي صلى الله عليه وآله وسلم : قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار . فأنزل الله { هذان خصمان اختصموا في ربهم . . . }( ) .
وأخرج عبد بن حميد عن لاحق بن حميد قال : نزلت هذه الآية يوم بدر {هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار }( ) في عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة) ( ).
وفي الآية تأديب للناس جميعاً لدلالتها على أن الله عز وجل هو رب الناس جميعاً ، ومن فضل الله عز وجل على المسلمين تلاوة كل واحد منهم ذكراً أو أنثى عدة مرات في اليوم قوله تعالى [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ] ( )وعلى نحو الوجوب العيني في الصلاة لتجديد التسليم بأن الله عز وجل ربهم ورب الناس والخلائق جميعاً .
ولو كان الناس يسلمون بهذا القانون الجلي لما وقعت الخصومة التي تذكرها آية البحث .
وهناك مسألتان :
الأولى : هل تقف هذه الخصومة عند حد وهل لها منتهى .
الثانية : هل الخصومة من طرف واحد أم من طرفين .
أما المسألة الأولى ، فالجواب نعم ، لابد لها من منتهى ، فتكرر هجوم الذين كفروا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وعلى المدينة ، ثم تفضل الله بصلح الحديبية الذي يبين أموراً :
الأول : عجز الذين كفروا عن مواصلة القتال .
الثاني : ميل الذين كفروا إلى الصلح على نحو الإضطرار .
الثالث : عدم قصد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه القتال , وليس لهم رغبة فيه ، فان قلت ما هو الدليل عليه ، الجواب : لقد تجلت حقيقة وهي إصابة الذين كفروا بالوهن والضعف بعد معارك بدر وأحد والخندق ، وإرتقى المسلمون من وجوه :
الأول : زيادة عدد المسلمين والمسلمات .
الثاني : توالي مجئ المهاجرين إلى المدينة وحسن استقبال الأنصار لهم .
الثالث : تحسن مستوى المعيشة في المدينة .
الرابع : ازدياد إيمان المسلمين والمسلمات بعد كثرة معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتوالي نزول القرآن ، وظهور دولة النبي صلى الله عليه وآله وسلم على القوم المشركين ، ودخول طائفة منهم الإسلام ، وقتل طائفة من قادتهم ، وهو من أسرار قوله تعالى [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ] ( ) ويكون من مصاديق وتقدير الآية أعلاه :
الأول : ليقطع طرفاً من الذين كفروا , لتدخل طائفة أخرى منهم الإسلام.
الثاني : ليقطع طرفاً من الذين كفروا , فيصاب المنافقون بالخيبة والإرباك والحنق .
الثالث : ليقطع طرفاً من الذين كفروا لتفتح طرق الهجرة إلى المدينة .
الرابع : ليقطع طرفاً من الذين كفروا فيخفف الله عن المسلمين .
الخامس : ليقطع طرفاً من الذين كفروا كمعجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في السنة الدفاعية .
السادس : بلحاظ الجمع بين آية البحث والآية السابقة لها فان النصر من عند الله للمسلمين سبب بقطع طرف من الذين كفروا ، قال تعالى [وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ]( ) لبيان قانون وهو أن المراد من القطع في الآية أعلاه أعم من القتل فيشمل أموراً :
الأول : هلاك وموت طائفة من الذين كفروا مع تقادم الأيام .
الثاني : دخول قوم من المشركين الإسلام .
الثالث : حال الفرقة والخلاف بين الذين كفروا .
الرابع : ترك الأتباع نصرة رؤساء قريش .
الخامس : قتل طائفة من المشركين في سوح المعارك .
السادس : دخول قرى وقبائل في الإسلام ، إذ أن المراد من الطرف في الآية أعلاه أعم من أن يختص بالأفراد والرجال ، فيشمل النساء ، وتتبعه الأراضي والأمصار ، قال تعالى [أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا]( ).
فان قيل قد قيدت الآية الطرف المقطوع بأنه من الذين كفروا وهو قرينة على إرادة الرجال ، الجواب لو دار الأمر بين المعنى الأعم والأخص، فالصحيح هو الأعم إلا مع القرينة الصارفة .
ويكون تقدير الآية أعلاه بلحاظ آية البحث وهو : هذان خصمان اختصموا في ربهم ليقطع طرفاً من الذين كفروا ، فتقطع لهم ثياب من نار ) لبيان قانون وهو أن هلاك طائفة من الذين كفروا بسبب جحودهم وكفرهم وضلالتهم وأن الأمر لا ينتهي عند هلاكهم إنما يكون لهم سوء العاقبة .
لقد جاء القرآن بقصص الأمم السالفة ، وبيان أذاهم للأنبياء وأتباعهم ، وما فيها من الموعظة والعبرة ، قال تعالى [نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الْغَافِلِينَ] ( ) .
والمراد من الغفلة في الآية أعلاه عدم العلم بقصص الأمم السالفة قبل نزول القرآن لبيان مسألة وهي أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم يتلق قصص القرآن من بحيرا الراهب الذي رآى علامة النبوة فيه وهو صبي عندما سافر مع عمه أبي طالب إلى الشام في تجارة , واختبره بأن استحلفه بالات والعزى.
فقال له النبي (لا تسألني باللات والعزى شيئا فو الله ما أبغضت شيئا قط بغضهما فقال له بحيرا فبالله الا ما أخبرتني عما أسألك عنه فقال له سلني عما بدا لك فجعل يسأله عن اشياء من حاله من نومه وهيئته وأموره ويخبره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيوافق ذلك ما عند بحيرا من صفته ثم نظر إلى ظهره فرآى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التى عنده .
فلما فرغ اقبل على عمه ابى طالب فقال ما هذا الغلام منك قال ابني قال ما هو بابنك وما ينبغى لهذا الغلام ان يكون ابوه حيا قال فانه ابن أخي قال فما فعل ابوه قال مات وأمه حبلى به قال صدقت فارجع بابن اخيك إلى بلده) ( ).
ومن خصائص القصة القرآنية الدقة والصدق في ذكر الوقائع وصيرورتها حاضرة في الوجود الذهني عند القارئ والمستمع وغيرهما وكأنها وقعت في ذات زمان التلاوة مع إتعاظ الناس منها وهو من الأسباب التي جعلت كفار قريش ينعتونها بالسحر والشعر , وقول الكهنة والأساطير ، وفي التنزيل [وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ] ( )، وقال تعالى [وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ] ( ) .
أي أن الكفار لم ينعتوا القرآن بأنه سحر وأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ساحر إلا بعد أن رأوا الإعجاز الذاتي والغيري لآيات القرآن ، وأن قصصه تبعث الناس على الإيمان ، وتجعل النفرة في نفوسهم من الكفر والفسوق وأسباب الضلالة .
ويذكر القرآن أحياناً مكان القصة مثل مصر في آيات متعددة , ومدين قوم شعيب ، وهروب موسى إليها إذ بشره بنجاته لأن حكم فرعون لا يصل إليها ، قال تعالى [وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ] ( ) والأحقاف , والطور ، ووردت قصة يوسف عليه السلام [وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ] ( )لبيان أنه ليس من أهل مصر ولكن الله عز وجل أراد أن يكون هو الوزير والحاكم بصبغة النبوة .
وقد أكرم الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بذكر المكان بخصوص إقامته في مكة ونعته بالبلد الأمين ، وذكر البيت الحرام والمسجد الأقصى في آية الإسراء [الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ] ( ) وان كانت الوقائع في الإسلام ليست من القصص القرآنية ، لأن القدر المتيقن منها إقتفاء أثر الأمم السالفة ، ويدل على خروج وقائع الإسلام من معنى القصص قوله تعالى [لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ] ( ) .
ولم يسم القرآن قصصه حكايات لأنها أسمى من الحكاية التي هي محاكاة للأحداث ، ولأن الناس يحكونها ويبينون تجسيدها ، ولكن القصة القرآنية وثيقة سماوية لا تقبل المبالغة أو التشويه أو التحريف .
وذكر القرآن (جبل الجودي ) لبيان نهاية قصة نوح ووقوف سفينة نوح عنده بسلام ، لقد اختار ابن نوح صعود الجبل للنجاة من الطوفان العارم فهلك أما سفينة نوح ومن معه فقد رست على جبل الأمان وانقطاع ونهاية بلاء ومصيبة الطوفان بمعجزة من عند الله ، قال تعالى [وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ] ( ).
كما وردت آيات عديدة ذكرت المدينة المنورة ، وفي القرآن قصص لم تذكر مكان وموضع حدوثها ، منها قصة أصحاب الكهف مع أن الآية وصفت الموضع بإعجاز من جهة إشراقة الشمس على الكهف ، قال تعالى [وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَتَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ] ( ).
ومن قصص الأمم السالفة سؤال الكافرين نزول العذاب بهم الذي يتوعدهم به الأنبياء بسبب سخريتهم وعنادهم ، وفي قوم نوح [قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنْ الصَّادِقِينَ] ( ).
وفي ثمود ورد قوله تعالى[وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنْ الْمُرْسَلِينَ] ( )وفي قوم هود ورد قوله تعالى [قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنْ الصَّادِقِينَ] ( ). وفي قوم لوط [فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنتَ مِنْ الصَّادِقِينَ] ( )، لبيان قانون التشابه بين الأمم في سنخيتها وتلقي شطر منها دعوة الأنبياء بالجحود .
وذكرت في أسباب نزول هذه الآية وجوه :
الأول : نزلت الآية في النضر بن الحارث ، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير ( )، وهو تابعي وتلميذ عبد الله بن عباس ،أي أن الآية نزلت في مكة.
وكان النضر كثير السفر إلى الحيرة وبلاد فارس ، وكان يسمع كلام الإنجيل وأخبار رستم ، وحينما (سمع القرآن ورأى فيه من أخبار الأنبياء والأمم ، قال : لو شئت لقلت مثل هذا) ( ) وقتل النضر بن الحارث في يوم بدر .
وقال عطاء نزلت بضع عشرة آية من كتاب الله في النضر بن الحارث ، وهو بعيد.
الثاني : عن أنس بن مالك أن أبا جهل بن هشام هو القائل [وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ] ( ).
الثالث : عن بريدة قال : رأيت عمرو بن العاص واقفاً على فرس يوم أحد وهو يقول : اللهم إن كان ما يقول محمد حقاً فاخسف بي وبفرسي)( ).
الرابع : كان بعض قريش يقولون لبعضهم الآخر (محمد أكرمه الله من بيننا {اللَّهُمَّ إِن كَانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَآءِ}( ) . الآية فلمّا أمسوا ندموا على ما قالوا،
فقالوا : غفرانك اللهم. فأنزل الله عزّ وجلّ {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}( )( ).
الخامس : قال قتادة (قال ناس من جهلة هذه الأمة { اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم}( ).
وجاءت الآية بصيغة الجمع [فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا] ( ) والأصل فيه أن القائلين جماعة وليس شخصاً واحداً كالنضر بن الحارث ، وأن هذا القول تكرر من المشركين .
ومن خصائص السور المكية تضمنها الإنذار والوعيد للذين كفروا مع قصرها وقلة كلماتها ، وهو من الإعجاز وبيان لزوم مبادرة الذين كفروا للتوبة والإنابة .
ومن ضلالة قريش وظلمهم لأنفسهم طلبهم تعجيل العقوبة عليهم بدل سؤال المغفرة والرحمة والإمهال مع التدبر في المعجزات .
لقد بعث الله عز وجل النبي محمداً رحمة للعالمين ، فتفضل الله عز وجل وأمره بأن يبلغ ويدعو قومه للإسلام وينذرهم من عذاب الله في الدنيا والآخرة ، كما في قوله تعالى [وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ] ( ) .
ولكن فريقاً منهم أظهروا التحدي بلغة العناد ، لإرادة صدّ الناس عن الإسلام وظنوا أنه لا تنزل عليهم حجارة من السماء أو عذاب أليم ، فكيف يكون هذا الوعيد حقاً ، فامتنعوا وساروا إلى معركة بدر بغرور ومباهاة فنزل بهم ما هو أشد من الحجارة إذ سُحبوا قتلى إلى القليب .
ودخل الحزن والأسى إلى بيوت أهل مكة خاصة وأنهم كانوا يتوقعون عودتهم سالمين من جهات :
الأولى : كثرة جيش المشركين إذ كان عددهم نحو ألف في مقابل جيش المسلمين ، وكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر .
الثانية : كثرة سلاح وعدة ومؤن جيش المشركين .
الثالثة : وصول قافلة أبي سفيان إلى مكة سالمة ، وهي علة وسبب خروج قريش إلى بدر .
الرابعة : علم أهل مكة بأن النبي محمداً لا يريد القتال ، ولا يقصده ، إنما يدعو إلى كلمة التوحيد [بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ] ( ) فكان انقلاب بقايا جيش قريش إلى مكة وفقد سبعين قتيلاً وسبعين أسيراً شاهداً على خيبتهم وندامتهم .
وهو من مصاديق النصر في قوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ] ( ).
ويكون من معاني الأذلة في الآية أعلاه ظن كفار قريش وأهل مكة أن المسلمين قلة في عددهم وعدتهم .
وتقدير الآية أعلاه على وجوه :
الأول : وأنتم أذلة في نظر الذين كفروا .
الثاني : وأنتم أذلة قبل معركة بدر .
الثالث : وأنتم أذلة لله عز وجل في خشوع وخضوع له سبحانه .
لقد أنعم الله عز وجل على المسلمين إذ كانوا يتمنون التعرض لقافلة أبي سفيان فصرفها عنهم ، وصرفهم عنها ، قال تعالى[وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ]( )، والتمني غير الإرادة والفعل ، إذ تدل الآية أعلاه على عدم عزم وإرادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التعرض للقافلة ، إنما هو نوع تمن من شطر من جيش المسلمين ، فأراد الله عز وجل لهم التنزه عن كون أول عمل لهم هو استيلاء على قافلة تجارية مع ما لهم من الحق والأموال عند كفار قريش الذين استحوذوا على أملاك وأموال المهاجرين.
وعندما دخل رسول أبي سفيان وهو ضمضم بن عمرو إلى مكة مستغيثاً وطالباً منهم نجدة القافلة أصاب أهل مكة الحزن والغم والغضب ، وخرج جيشهم إلى بدر ولكن عندما دخلت القافلة سالمة إلى مكة انتقض وزال سبب خروج الجيش ، وتطلع أهل مكة إلى عودتهم من غير قتال ، أو أنهم يقاتلون فيغلبون وينتصرون ولم يكونوا يتوقعون الخسارة الفادحة لهم ، ولم تكن إلا أياماً معدودة حتى قدم عليهم الحيسمان بن عبد الله الخزاعي وكان يسمى ابن عبد عمرو وهو يرثي قتلى بدر من المشركين وقد أسلم فيما بعد ، فقال حينما دخل مكة : قتل عتبة وشيبة وابو الحكم وامية وفلان( ).
فأصاب أهل مكة الذهول والذعر ، فقال صفوان بن أمية ، وهو جالس في الحجر والله أن يعقل هذا فسلوه عني ، هل قُتلت فسألوه .
قال الحيسمان : هو ذاك جالساً في الحجر ، وقد رأيت أباه وأخاه حيث قتلا ، وكان هذا الخبر فيصلاً بين الصدق والوهم ، ونزلت على المشركين وعوائلهم في مكة كالقارعة أو أنها تذكير بعالم الآخرة وقوله تعالى[الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ]( )، لبيان أهوال يوم القيامة كالصيحة والنفخ في الصور ، وأنه يقرع الأسماع .
ولما تحقق أهل مكة من خبر مقتل أشرافهم قطعت النساء شعورهن ، وعقروا خيولاً ورواحل كثيرة .
وكان أهل مكة سمعوا عندما خرج جيشهم إلى بدر هاتفاً من الجن يقول :
أَزَارَ الْحَنِيفِيّونَ بَدْرًا وَقِيعَةً … سَيَنْقَضّ مِنْهَا رُكْنُ كِسْرَى وَقَيْصَرَا
أَبَادَتْ رِجَالًا مِنْ لُؤَيّ وَأَبْرَزَتْ … خَرَائِدَ يَضْرِبْنَ التّرَائِبَ حُسّرَا
فَيَا وَيْحَ مَنْ أَمْسَى عَدُوّ مُحَمّدٍ … لَقَدْ جَارَ عَنْ قَصْدِ الْهُدَى وَتَحَيّرَا( ).
فتساءلوا بينهم من هم الحنيفيون , قال بعضهم : هم محمد وأصحابه ، وهم على دين إبراهيم الحنيف.
وصارت قريش من يومئذ تعد العدة لغزو المدينة وكانوا يحيكون المكائد ، ويسعون في اغتيال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , وسخط صفوان بن أمية الذي قتل أبوه وأخوه في معركة بدر فجلس بعدها بأيام مع عمير بن وهب الجمحي في حجر اسماعيل الملاصق للكعبة المطهرة وكان عمير شديداً على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، وكان المسلمون يلقون عنه أذى كثيراً وهم في مكة ، وأصبح عمير حانقاً على المسلمين خاصة أن ابنه وهب بن عمير من بين أسارى بدر عند المسلمين فذكر أصحاب القليب في مواساة منه لصفوان بن أمية فقال صفوان : لا خير في العيش بعدهم .
قال عمير : صدقت ، ولولا دين على للناس ليس لي أحد يقضيه من بعدي وعيال أخشى عليهم الضيعة ، خاصة وأن ابني اسير عند المسلمين لركبت إلى المدينة ودخلت على محمد وقتلته ، ليكون من مصاديق قوله تعالى[وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ]( ).
لبيان أن مصاديق هذه الآية الكريمة أعم من أن تختص بمكر كفار قريش بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل الهجرة.
فبادر صفوان إلى القول : عليّ دينك أنا أقضيه عنك ، وأضم عيالك إلى عيالي يصيبهم ما يصيبنا ، فقال عمير : فاكتم عني شأني وشأنك قال صفوان : أفعل ( ).
وأعطاه بعض المال يتزود به ، ويجعل بعضه عند عياله وكان أهل مكة يسمون عميراً (شيطان قريش) وهل أشترك عمير بن وهب في معركة بدر ، الجواب نعم ، وبعثته قريش ليجول بفرسه ويعلم عدد جيش المسلمين وقالوا له : احزر لنا القوم أصحاب محمد( ).
ورجع إلى قريش وقال : ثَلَاثُ مِائَةِ رَجُلٍ يَزِيدُونَ قَلِيلًا أَوْ يَنْقُصُونَ وَلَكِنْ أَمْهِلُونِي حَتّى أَنْظُرَ أَلِلْقَوْمِ كَمِينٌ أَوْ مَدَدٌ ؟ قَالَ فَضَرَبَ فِي الْوَادِي حَتّى أُبْعِدَ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا ، فَرَجَعَ إلَيْهِمْ فَقَالَ مَا وَجَدْت شَيْئًا ، وَلَكِنّي قَدْ رَأَيْت ، يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، الْبَلَايَا تَحْمِلُ الْمَنَايَا ، نَوَاضِحُ يَثْرِبَ تَحْمِلُ الْمَوْتَ النّاقِعَ قَوْمٌ لَيْسَ مَعَهُمْ مَنَعَةٌ وَلَا مَلْجَأٌ إلّا سُيُوفُهُمْ وَاَللّهِ مَا أَرَى أَنْ يَقْتُلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ حَتّى يَقْتُلَ رَجُلًا مِنْكُمْ فَإِذَا أَصَابُوا مِنْكُمْ أَعْدَادَهُمْ فَمَا خَيْرُ الْعَيْشِ بَعْدَ ذَلِكَ ؟ فَرَوْا رَأْيَكُمْ( ).
وعندما أراد عمير السير إلى المدينة أمر بسيفه فشحذ ووضع له سماً حتى وصل إلى المدينة جاء إلى المسجد النبوي وأناخ براحلته على باب المسجد متوشحاً بالسيف كعنوان جلي للشر فرآه الصحابة ، وعرفوه وخشوا منه ، وقالوا : ما جاء إلا لشر، وهو الذى حرش بيننا وحزرنا للقوم يوم بدر( ).
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أرسله يا عمر، وقال أدن مني يا عمير، وأدخلوه على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجلسوا عنده حذراً لأن المهاجرين يعرفونه وأنه من شياطين قريش .
وحينما دخل سلّم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتحية الجاهلية ، قائلاً (أنعموا صباحاً) فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : قَدْ أَكْرَمَنَا اللّهُ بِتَحِيّةِ خَيْرٍ مِنْ تَحِيّتِك يَا عُمَيْرُ بِالسّلَامِ تَحِيّةُ أَهْلِ الْجَنّةِ .
فَقَالَ أَمَا وَاَللّهِ يَا مُحَمّدُ إنْ كُنْتُ بِهَا لَحَدِيثُ عَهْدٍ .
قَالَ فَمَا جَاءَ بِك يَا عُمَيْرُ .
قَالَ جِئْت لِهَذَا الْأَسِيرِ الّذِي فِي أَيْدِيكُمْ فَأَحْسِنُوا فِيهِ قَالَ فَمَا بَالُ السّيْفِ فِي عُنُقِك ؟ قَالَ قَبّحَهَا اللّهُ مِنْ سُيُوفٍ وَهَلْ أَغْنَتْ عَنّا شَيْئًا( ).
يريد أنها لم تنفعهم يوم معركة بدر ، ثم قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أصدقني ما الذي جئت به ، فأكد كلامه ، وأنه جاء يسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكاك ابنه من الأسر أو لا أقل تفقد أحواله .
وتمر الأيام ويتم فتح مكة ويدخل عمير بن وهب الإسلام ، وينسلخ عنه نعت شيطان مكة ، ليصبح من مؤمني مكة ، وهو من الإعجاز في نبوة محمد وفضل الله عز وجل في هداية الناس للإسلام قال تعالى[وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنْ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا]( )، لبيان نعمة من الله على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين بأن الذي يبالغ في محاربتهم لا يلبث أن يهديه الله فيدخل الإسلام طواعية ، قال تعالى[إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ]( ).
ويخرج صفوان بن أمية من مكة هارباً يريد جدة يركب منها إلى اليمن ، فيأتي عمير بن وهب ويخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويطلب منه الأمان لصفوان فيعطيه الأمان وقال (هو آمن) .
قال عمير : فَأَعْطِنِي آيَةً يَعْرِفُ بِهَا أَمَانَك ؛ فَأَعْطَاهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ عِمَامَتَهُ الّتِي دَخَلَ فِيهَا مَكّةَ ، فَخَرَجَ بِهَا عُمَيْرٌ حَتّى أَدْرَكَهُ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَرْكَبَ فِي الْبَحْرِ فَقَالَ يَا صَفْوَانُ فِدَاك أَبِي وَأُمّي ، اللّهَ اللّهَ فِي نَفْسِك أَنْ تُهْلِكَهَا .
فَهَذَا أَمَانٌ مِنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ قَدْ جِئْتُك بِهِ .
قَالَ وَيْحَك اُغْرُبْ عَنّي فَلَا تُكَلّمْنِي .
قَالَ أَيْ صَفْوَانُ فِدَاك أَبِي وَأُمّي ، أَفْضَلُ النّاسِ وَأَبَرّ النّاسِ وَأَحْلَمُ النّاسِ وَخَيْرُ النّاسِ ابن عَمّك ، عِزّهُ عِزّك ، وَشَرَفُهُ شَرَفُك ، وَمُلْكُهُ مُلْكُك.
قَالَ إنّي أَخَافُهُ عَلَى نَفْسِي .
قَالَ هُوَ أَحْلَمُ مِنْ ذَاكَ وَأَكْرَمُ فَرَجَعَ مَعَهُ حَتّى وَقَفَ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ فَقَالَ صَفْوَانُ إنّ هَذَا يَزْعُمُ أَنّك قَدْ أَمّنْتنِي .
قَالَ ” صَدَقَ ” ، قَالَ فَاجْعَلْنِي فِيهِ بِالْخِيَارِ شَهْرَيْنِ قَالَ أَنْتَ بِالْخِيَارِ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ .
وكان ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأربعة أشهر مهلة لعنوان إبتداء منه مقدمة للإمهال والتأجيل في قوله تعالى[فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ]( )، وهو خطاب للذين كفروا بأن يسيروا في الأرض آمنين أينما شاءوا في هذه المدة بالنسبة لمن لم يعاهده النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو كانت مدة عهود تنتهي قبل إنقضاء هذه الأشهر الأربعة وهي :
الأول : شهر شوال من السنة التاسعة للهجرة .
الثاني : شهر ذي القعدة من السنة التاسعة للهجرة .
الثالث : شهر ذي الحجة من السنة التاسعة للهجرة .
الرابع : شهر محرم من السنة العاشرة للهجرة .
قَالَ ابن هِشَامٍ : وَحَدّثَنِي رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنّ صَفْوَانَ قَالَ لِعُمَيْرِ وَيْحَك اُغْرُبْ عَنّي ، فَلَا تُكَلّمْنِي ، فَإِنّك كَذّابٌ( ).
لقد نجّى الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم من الإغتيال المتعدد ، وهذه النجاة من مصاديق قوله تعالى [وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ] ( ) .
ولقد جاءت آيات القرآن بفضح المنافقين ، وبينت ما تكنه نفوسهم من مفاهيم الكفر والجحود ، وبينت سنخية الضلالة التي يركبونها ، وأكثر سور القرآن التي بينت قبح فعل المنافقين هي سورة التوبة .
وتسمى (الفاضحة) كما جاءت سورة كاملة باسم (سورة المنافقون) وتدل هذه التسمية على الضرر الفادح للمنافقين ، والتذكير بقبيح فعلهم ، ولزوم الإحتراز منهم ، إذ حارب المنافقون النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم باللسان والأراجيف والقعود المتعدد عن القتال ، وحث المؤمنين على القعود .
ويأتي هذا الحث منهم مباشرة مع الصحابة خاصة الأنصار للنسب والقربى معهم ، وكذا مع عوائل الأنصار ، وهو من الإعجاز في ذكر المنافقات إلى جانب المنافقين، ففي آيتين متتاليتين في سورة التوبة يذكر المنافقون والمنافقات معاً [الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمْ الْفَاسِقُونَ * وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمْ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ] ( ).
ويتصف المنافقون بأمور :
الأول : الوعود الكاذبة ، والتي لا أصل لها .
الثاني : خيانة الأمانة .
الثالث : محاولة بعث الخوف في قلوب المؤمنين والمؤمنات .
الرابع : الإتصال مع الذين كفروا ونشر أسباب الخوف والفزع في المدينة.
الخامس : انشاء مسجد للضرار والتفريق بين المؤمنين، قال تعالى [وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ]( ).
السادس : خذلان المسلمين في الطريق إلى المعركة ومحاولة إنخزال أفراد الجيش ، كما في قيام رأس النفاق عبد الله بن أبي سلول في الطريق إلى معركة أحد ، إذ صار يحرض على العودة ، حتى عاد معه إلى المدينة ثلث جيش المسلمين ، وعدد الذين عادوا نحو ثلاثمائة .
السابع : التآمر وصناعة المكائد في الخفاء ضد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
الثامن : الإستخفاف بالتنزيل والسنة النبوية .
التاسع : الجدال والمغالطة في الأحكام الشرعية .
العاشر : الغدر والخيانة .
الحادي عشر : التردد في الإمتثال لله ورسوله , وإثارة أسباب الشك ، قال تعالى [وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ]( ) .
ومن مصاديق ملك الله عز وجل للسموات والأرض وكون المؤمنين في حال عز وإرتقاء وعلو على المنافقين ، صيرورة المنافقين في حال ضعف وخوف وإرباك ، قال تعالى [وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمْ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ]( ).
لقد أراد المنافقون إغتيال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في طريق عودته من تبوك مع أنه لم تقع معركة عند ذهاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى تبوك ، إنما أمضى النبي صلى الله عليه وآله وسلم معاهدات وعهوداً مع بعض الرؤساء الذين استجابوا لشروط النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتعددت المعجزات في الطريق إلى تبوك بما يلزم معه زيادة الإيمان ، قال تعالى[سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ]( ).
لقد بدأ عدد وتأثير المنافقين في تناقص بعد صلح الحديبية ، ثم جاء فتح مكة وتوالي آيات القرآن ليتنزه كثير منهم عن النفاق ، وفي غزوة تبوك كان عدد المنافقين الذين تخلفوا عن المعركة نحو ثمانين ، ولكن عدداً آخر منهم خرجوا مع المسلمين ، فمكر بعضهم في طريق العودة لإغتيال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في العقبة .
وكان حذيفة بن اليمان آخذاً بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقودها ، وعمار يسوق الناقة حتى إذا كانوا في العقبة إذا اثنا عشر راكباً اعترضوه فيها لإرادة إسقاط ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الوادي ، فصرخ بهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فولوا مدبرين.
وعن حذيفة اليماني أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لعمار (هل عرفتم القوم؟ قلنا لا يا رسول الله كانوا متلثمين ولكنا قد عرفنا الركاب . قال : هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة .
هل تدرون ما أرادوا؟ قلنا : لا . قال : أرادوا أن يزحموا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في العقبة فيلقوه منها .
قلنا يا رسول الله ، ألا تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم.
قال : لا ، إني أكره أن تحدث العرب بينها : أن محمداً قاتل بقوم حتى إذا أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم .
ثم قال : اللهمَّ ارمهم بالدبيلة . قلنا يا رسول الله ، وما الدبيلة؟ قال : شهاب من نار يوضع على نياط قلب أحدهم فيهلك) ( ).
وهل نجاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الاغتيال المتكرر من معجزاته ، الجواب نعم ، إذ يمكر الذين كفروا ويتقنوا الحيلة والتدبير للإغتيال خاصة مع إنعدام البواب والحاجب والحرس على باب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومع هذا يعجزون عن التعدي عليه ، وهم يصلون إليه .
لقد سعى المشركون في مكة لقتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومنها ليلة المبيت إذ أذن الله عز وجل له بالخروج من مكة والهجرة إلى المدينة .
ومن أسرار هذه الهجرة أمور :
الأول : تهيئة مقدمات هذه الهجرة لثلاث سنوات أو أكثر قبل الهجرة بطواف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على القبائل في موسم الحج يسألهم إيواءه ونصرته ، وهو من الإعجاز في دعوة إبراهيم الناس للحج بأمر من عند الله قال تعالى[وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ]( )، ليكون أذان ونداء إبراهيم عليه السلام مقدمة لنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني : تفضل الله عز وجل بنصرة أهل يثرب له كما في بيعة العقبة الأولى والثانية، وهم ليسوا قبيلة وبيوت وخيام متفرقة لقبيلة إنما أنعم عليهم ببلدة لها تأريخ وتعاون بين أهلها ، وصبر في القتال ، وإحتراز بالمدينة والجدران ، الأمر الذي نفعهم في معركة الخندق إذ هجم عشرة آلاف من المشركين على المدينة فحفروا الخندق بمعنى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن الذي غزا ، إنما كان المشركون هم الذين غزو المدينة ، ولو كانت قرية لما استطاعوا حفر خندق حولها واعتصام المؤمنين خلفه .
إن إختيار المدينة داراً للهجرة دون غيرها معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهناك مسائل :
الأولى : هل كان إختيار المدينة داراً للهجرة من عند الله عز وجل أم من عند الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : لو لم يتم إختيار المدينة فهل تصلح غيرها داراً للهجرة .
الثالثة : هل من موضوعية لوجود اليهود في المدينة في هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لها .
أما المسألة الأولى فان إختيار المدينة داراً للهجرة أمر من عند الله عز وجل ، وليس من عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو موضوع قوله تعالى [وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ] ( ).
فحينما اجتمع كفار قريش في دار الندوة وعزموا على إختيار فتى مفتول العضلات من كل قبيلة ليكون مجموعهم عشرة ليضربوه ضربة رجل واحد (فأتى جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه ، وأخبره بمكر القوم ، فلم يبت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بيته تلك الليلة ، وأذن الله له عند ذلك في الخروج وأمرهم بالهجرة) ( ).
لبيان حاجة المسلمين إلى شكر الله عز وجل على نعمة هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه إلى المدينة والتي هي شاهد على صبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، وأنه لا يريد القتال ، وحتى بيعة أهل المدينة له في العقبة لم يكن فيها قتال .
وعن جابر بن عبد الله أنهم بايعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم (على السمع والطاعة في النشاط والكسل .
وعلى النفقة في العسر واليسر .
وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وعلى أن تقوموا في الله، لا تأخذكم في الله لومة لائم .
وعلى أن تنصرونى إذا قدمت إليكم، وتمنعونى مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة ) ( ).
وفي رواية (تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل ، وعلى التفقد في العسر واليسر ، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وعلى أن تقوموا في الله لا تأخذكم في الله لومة لائم ، وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم يثرب ، فتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأبناءكم وأزواجكم ، ولكم الجنة) ( ).
وأما المسألة الثانية ، فالجواب نعم ، فان الله عز وجل واسع كريم ، وهو القادر على أن يجعل مدينة أخرى أو قرية ذات نفع ودفاع مثل المدينة ، وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] ( ).
وأراد الله عز وجل للمدينة المنورة وأهلها الشرف والرفعة في النشأتين ، ويمكن القول أن الله عز وجل أصلح المدينة المنورة وأهلها لعشرات أو مئات السنين لإستقبال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مهاجراً .
من حين إقامة الأوس والخزرج فيها ، ومجئ اليهود للإقامة فيها بانتظار بشارة بعثة نبي آخر الزمان .
وهو من معاني المسألة الثالثة أعلاه ، إذ يدل إختيار مدينة فيها أهل الكتاب على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإحتجاجه لبيان وتأكيد نبوته.
وقال الإمام علي عليه السلام : إني لأول من يجثو بين يدي الله يوم القيامة للخصومة .
وبينت آية البحث سوء عاقبة الذين كفروا ، إذ تقطع ثياب خاصة بهم .
وتحتمل هذه الثياب من جهة سعتها وضيقها وجوهاً :
الأول : ضيق ثياب الذين كفروا في النار.
الثاني : سعة ثياب الذين كفروا وكونها فضفاضة .
الثالث : هي ثياب من نار خاصة ، تكون في تغيير وتبدل وفق قياس الذين كفروا .
والمختار أنها نوع ثياب بلحاظ إحاطة النار بهم ، قال تعالى [كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا] ( ) بينما أثنى الله عز وجل على المؤمنين ، وذكر فضله تعالى بحسن عاقبتهم ، قال تعالى [يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ]( ).
إن ذكر آية البحث لموضوع الخصومة وهو [فِي رَبِّهِمْ] بيان لإتصاف المؤمنين بأمور :
الأول : الإيمان بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر، قال تعالى [وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ] ( ).
الثاني : الصبر على جدال ومغالطة واستهزاء الذين كفروا بهم ، وفي التنزيل [وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمًا]( ).
الثالث : نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابع : الإحتجاج وإقامة البرهان على صحة وضرورة الإيمان ، وتترشح هذه الضرورة من عمومات قوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ]( ) .
الخامس : أداء الفرائض العبادية ، قال تعالى [وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ]( ).
فمن الإعجاز في آية البحث ذكرها للفظ الخصومة وبينها وبين الإحتجاج عموم وخصوص مطلق، فكل احتجاج هو خصومة وليس العكس .
وجاءت آية البحث بصيغة الفعل الماضي [اخْتَصَمُوا] وهل يدل على إنقضاء الخصومة ، الجواب إنما يدل على إنقضاء بعض مصاديقها ، ومنها معركة بدر ، والمبارزة التأريخية بين الإمام علي عليه السلام وحمزة وعبيدة بن الحارث من جهة ، وبين عتبة بن ربيعة وأخيه شيبة وابنه الوليد والتي جعلت المعركة تتجه من بداياتها إلى النصر للمسلمين ، وهو من مصاديق نسبة النصر فيها إلى الله عز وجل بقوله تعالى[وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]( )، لأن النصر إذا جاء من عند الله عز وجل فانه لا يأتي بعد خسارة وعناء إنما يأتي على نحو الموجبة الكلية ، خاصة وأن من أسبابه نزول ألف من الملائكة لنصرة المسلمين.
وذكرت الآية خصمين ، فهل من خصماء آخرون يختصمون في ربهم ، الجواب نعم ، فاثبات شئ لشئ لا يدل على نفيه عن غيره ، خاصة وأن الآية قيدت الموضوع باسم الإشارة (هذان) وفيه أمارة على تعدد الخصومة ، وأنها ليست قضية شخصية إنما هي قضية نوعية متجددة بين المؤمنين والذين كفروا لبيان العناء والأذى الذي لاقاه المؤمنون في سبيل الله .
السادس : الدفاع عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والتنزيل .
وتدل آية البحث على موضوعية المبارزة الأولى في معركة بدر في بناء صرح الإيمان ، وإزاحة سلطان الكفر عن النفوس ، وفي المجتمعات ، وان قيل الآية عامة في الصراع والقتال بين المؤمنين والذين كفروا فهذا القول صحيح .
ولكن الآية قيدت الأمر بالتثنية [هَذَانِ خَصْمَانِ] ( ) لبيان إعجاز في اللفظ القرآني ، وهو استغراق صيغة التثنية فيه لذات التثنية والجمع، ويحتمل هذا الجمع وجوهاً :
الأول : صيغة الجمع أوان نزول القرآن .
الثاني : لغة الجمع فيما يخص الزمن الماضي ، والأمم السابقة إذ أن الصراع بين الإيمان والكفر مستمر في أيام الأنبياء السابقين ، وأيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : الصراع بين الإيمان والكفر بعد أيام النبوة وإلى يوم القيامة .
لقد ذكرت آية البحث خصمين وهم أهل الإيمان وأهل الكفر ، ولم تذكر المنافقين ، وفيه وجوه محتملة :
الأول : المنافقون طائفة كالبرزخ بين أهل الإيمان والكفر .
الثاني : المنافقون من المسلمين لأنهم نطقوا بالشهادتين .
الثالث : يحتسب المنافقون من الذين كفروا ،وجاءت آيات من القرآن بالجمع بينهم ، قال تعالى [إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا]( ).
الرابع : الحاق المنافقين بالذين كفروا وولايتهم لهم ، قال تعالى [بَشِّرْ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ]( ).
الخامس : المراد من الآية القتال بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم واصحابه من جهة وبين الذين كفروا والمنافقين ، لا يقاتل المنافقون النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم .
والمختار هو الأول والرابع والأخير ، وهو من الإعجاز القرآني .
إذ تبين آيات القرآن أن المنافقين كانوا يحضرون الصلاة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويخرجون معه إلى القتال واحياناً ينسحبون من وسط الطريق كما تقدم بخصوص إنخزالهم في الطريق إلى معركة أحد .
(عن ابن عباس في قوله { هذان خصمان اختصموا في ربهم }( ) قال : هم أهل الكتاب ، قالوا للمؤمنين نحن أولى بالله وأقدم منكم كتاباً ، ونبينا قبل نبيكم . وقال المؤمنون : نحن أحق بالله ، آمنا بمحمد وآمنا بنبيكم وبما أنزل الله من كتاب ، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تركتموه وكفرتم به حسداً ، فكان ذلك خصومتهم في ربهم ) ( ).
(عن مجاهد في قوله { هذان خصمان اختصموا في ربهم }( ) قال : مثل المؤمن والكافر اختصامهما في البعث .
وأخرج ابن جرير عن مجاهد وعطاء بن أبي رباح والحسن قال : هم الكافرون والمؤمنون اختصموا في ربهم) ( ).
ومن خصائص القرآن البيان الذي يفيد الوضوح والجلاء ، ويمنع من اللبس ، قال تعالى هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ فلم تقل الآية هذا بيان للمسلمين ، إنما ذكرت البيان لعموم الناس .
ولم تقل الآية عند ذكر الخصومة إنما بينت سنخيتها ، وحال كل طرف منها يوم القيامة.
والتضاد والتناقض بين مقامهما في الآخرة ، بما يبعث الرغبة والميل في النفوس الإنسانية إلى الإيمان ، ويبعث الكراهة والنفرة في نفوسهم من الكفر والضلالة ، وفي التنزيل[حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ]( ).
وهل في ذكر هذه الخصومة من أثر في ذاتها وأثرها ، الجواب نعم ، وهو من الإعجاز في الآية القرآنية ، وهذا الأثر من وجوه :
الأول : زيادة ايمان المسلمين .
الثاني : توبة وتنزه طائفة من المنافقين عن النفاق .
الثالث : التخفيف عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين .
الرابع : ترغيب المسلمين بالإسلام ، وإزاحة الحواجز التي قد تحول دون دخولهم فيه .
الخامس : تأكيد قانون وهو أن الإيمان صبر وجهاد .
السادس : بيان قانون وهو أن خصومة المؤمنين في الله ولله .
السابع : دعوة المسلمين إلى التحلي بالصبر ، قال تعالى في الثناء على المؤمنين [وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ] ( ) .
الثامن : التذكير بعالم الآخرة ، قبل وأثناء وبعد الخصومة والقتال .
التاسع : بيان العاقبة الحسنة للمؤمنين ، والعاقبة السيئة للذين كفروا .
العاشر : إدراك الكفار لسوء إختيارهم ، وما ينتظرهم من العقاب فهم في معارك الإسلام أما يقتلون , أو يؤسرون , أو يعودون إلى مكة بمشقة وعناء وخيبة ظاهرة , تكون دعوة للناس لللإسلام .
الحادي عشر : زجر الذين كفروا عن السعي للثأر لقتلاهم في معارك الإسلام ، لأن هذا السعي لا يجلب لهم إلا الأذى والضرر ، وتجلت هذه الحقيقة بمعركة أحد ، فجاءت قريش تزهو بالكثرة والإستعداد لمدة عام لدخول المعركة فرجعوا بالخيبة والخسران ، وهو من الإعجاز في النبوة والدفاع عنها .
فقبل وبعد معركة بدر لم يكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقصد غزو قريش أو قوافلها التي تمر بالقرب من المدينة سواء التي تخرج من مكة إلى الشام ، أو التي تأتي من الشام إلى مكة إنما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه رجالاً ونساءً يؤدون الصلوات الخمسة في المسجد النبوي ، وينزل القرآن على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيتلقاه المسلمون بالتصديق والعمل بمضامينه ، إنما نزلت الآيات في السنين الأخيرة من مدة الرسالة النبوية بالدفاع ، بلحاظ الجمع بين آيات القتال ، وتفسير بعضها لبعض ، قال تعالى[وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ]( ).
وقد يأتي لفظ المثنى للدلالة على الاثنين على نحو الحصر والبيان ، كما في قوله تعالى [إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ] ( ) إذ رمى قوم فرعون موسى وهاون موسى وهارون بالسحر ، وكما في قول النبي لوط لقومه [إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ] ( ).
وكانت أسباب نزول آية البحث والقتال يوم بدر ، ترى لماذا لم تقل الآية : هذان خصمان اقتتلا في ربهم ، الجواب بين الخصومة والقتال عموم وخصوص مطلق ، فالخصومة أعم وبينت الآية موضوع الخصومة وهو في الله سبحانه ، وربوبيته المطلقة وإضافة لفظ الرب للخصمين معاً بقوله تعالى [اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ] ( ).
لبيان مسائل :
الأولى : الأصل عدم وقوع الخصومة بين الناس في الله سبحانه لوجوب إقرارهم بأنه ربهم جميعاً .
ومن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم تلاوة كل مسلم ومسلمة عدة مرات في اليوم وعلى نحو الوجوب العيني قوله تعالى [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ] ( ).
وتأتي هذه التلاوة بحال من الخشوع والخضوع في الصلاة الواجبة مع استقبال البيت الحرام سواء كان المسلم والمسلمة في جهة المشرق أو المغرب .
وهل لهذه التلاوة موضوعية في الخصومة التي تذكرها آية البحث أم أن القدر المتيقن منها هو معركة بدر والمبارزة بين الإمام علي وحمزة وعبيدة بن الحارث من جهة وبين عتبة بن ربيعة وأخيه شيبة وابنه الوليد من جهة أخرى ، الجواب هو الأول .
فموضوع الآية متجدد في كل زمان ، ولكنه بالبرهان والإحتجاج وأداء الفرائض والعبادات ، وهو من الشواهد على كون النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم داعية إلى السلام ، وإماماَ لأمته في سبل السلم والأمن والسلام وليس القتال ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ] ( ).
وتبين خاتمة الآية أعلاه وجوب ثبات الذين آمنوا في منازل الهدى والإيمان لأنها برزخ دون الميل إلى الذين كفروا أو محاكاتهم ، فالأصل في خلق الناس هو الإيمان ، فيجب أن يترك الذين كفروا الخصومة والنزاع فان قلت إذن لماذا كان القتال في معركة بدر ، ولولا بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم يقع هذا القتال .
والجواب إن بعثة الأنبياء حق وصدق.
ولكن القتال وقع بسبب إصرار الذين كفروا على محاربة النبوة والتنزيل ، وقال تعالى [وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ]( ) .
ومن الإعجاز في آية البحث أنها تذكر القتال في معركة بدر على أنه خصومة لأن الخصومة هي الأصل , وهي باقية بين أهل الإيمان والذين كفروا .
ولبيان نكتة وهي دخول المسلمين المعركة بالتوكل على الله ، من غير خوف أو وجل من الذين كفروا أو القتل لأنه في سبيل الله , قال تعالى[ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ]( ).
الثانية : بيان آية البحث لقانون وهو التخفيف من حدة النزاع بين أهل الإيمان والذين كفروا ، فان وقع القتال فهو أمر عرضي طارئ سرعان ما ينقضي , فينصرف الجيشان ، وهو من الأسرار بعدم إطالة أمد معركة بدر أكثر من شطر من نهار .
الثالثة : بيان مسألة وهي أن هذه الخصومة ليست على مال أو عرض أو ملك أو مصالح دنيوية، إنما هي خصومة في العقيدة والمبدأ ، وفيه دعوة للمسلمين إلى الثبات على الإيمان .
الرابعة : حث المسلمين على القيام بالشكر لله عز وجل على النعم المترشحة عن الخصومة في الله ، وإعانة الله عز وجل لهم في الغلبة والسلامة والظفر في هذه الخصومة.
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار امتحان وإبتلاء ومنه الخصومة التي تقع بسبب عناد الذين كفروا ، ومن خصالهم الإستكبار ، فجاءت آية البحث بالإخبار عن خصومة المؤمنين لهم ، وعن سوء عاقبة الذين يحاربون النبوة والتنزيل.
وآية [هَذَانِ خَصْمَانِ] ( ) من سورة الحج ، التي هي مكية ولكن الآية أعلاه مدنية وتتعلق بالقتال في معركة بدر ، ولبيان النفع العظيم لأهل البيت في بناء صرح الإسلام ، وأن خصومتهم مع أبناء عمومتهم من الذين كفروا تصل إلى حد القتال .
وقد سقط شهداء من المهاجرين والأنصار في معركة بدر وأحد والخندق ، فغادروا إلى الدار الآخرة لتنزل آيات القرآن وهي تتضمن البشارة بحياتهم وسعادتهم عند الله عز وجل ، قال تعالى [وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لاَ تَشْعُرُونَ] ( ) .
أما الذين كفروا سواء الذين قتلوا في معركة بدر وعددهم سبعون أو الذين قتلوا في معركة أحد منهم وهم اثنان وعشرون فان مصيرهم إلى النار ، وكذا من مات على الكفر منهم ، ومن إعجاز آية البحث أنها أخبرت عن سوء عاقبة الذين كفروا مطلقاً سواء اختصموا مع المؤمنين وقاتلوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو لا ، فعاقبة الكفر والجحود الإقامة الدائمة في النار .
وتحتمل الآية وجوهاً :
الأول : الذين كفروا بالله والنبوة والتنزيل قطعت لهم ثياب من نار .
الثاني : الذين يخاصمون النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه قطعت لهم ثياب من نار .
الثالث : الذين قاتلوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في معركة بدر قطعت لهم ثياب من نار ، إلا من أدركتهم التوبة ، قال تعالى[وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ]( ).
الرابع : الذين كفروا بالله والنبوات من أهل الملل السابقة قطعت لهم ثياب من نار .
ولا تعارض بين هذه الوجوه وكلها من مصاديق آية البحث .
وهل تدل الآية على خلق النار ، الجواب نعم لمجيئها بصيغة الماضي [قطعت] ترى من الذي قطّع لهم هذه الثياب ، فيه وجوه :
الأول : إن الله عز وجل هو الذي قطّع للكفار هذه الثياب .
الثاني : قطع هذه الثياب ملك الموت وإعوانه خاصة مع التباين والتضاد في قبضه لروح المؤمن بلطف وأحياناً يستأذن منه ، وبين قبضه لروح الكافر بشدة .
الثالث : يقطع هذه الثياب الملائكة الموكلون بالنار ، قال تعالى [عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ]( ).
الرابع : قيام الملائكة بأمر من عند الله بتقطيع ثياب للذين كفروا وفق مقاسهم .
الخامس : ذات نار جهنم تحيط بعض أجزائها الذين كفروا بما تكون ثياباً متشابهة لهم ، فالثياب هنا نوع مجاز وتقريب وباعث للسكينة عند المسلمين إذ ان القرآن يأتي بالمدركات العقلية بصيغة المحسوسات ، فليس في جهنم إلا النار والإحتراق ، قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا]( ).
فلما احتج الملائكة على جعل الإنسان [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( ) أجابهم الله عز وجل بالحجة والبرهان [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ) .
ومن علم الله عز وجل الذي يعجز الملائكة عن ادراكه والإحاطة به في المقام ، الأمر من عند الله للملائكة بأن يعدوا ثيابا من النار للذين كفروا ، وهل تكون هذه الثياب حاضرة في عالم القبر ، والله عز وجل قادر على أن يدخلها إلى القبر ، كما في قصة فرعون ، قال تعالى في آل فرعون [النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا] ( ) أي تعرض عليهم وهم في قبورهم مواضعهم في الآخرة وما فيه من العذاب الأليم في النار، المختار لا .
والمراد من الحميم هو الماء الحار لأن الماء إذا كان شديد الحرارة وألقى على الرؤوس يبلغ حره والأذى المترشح عنه إلى البطون ، فيذيب ما فيها ، ويصهرها ، لبيان مسائل :
الأولى : بعث الناس لإستحضار عالم الآخرة في الوجود الذهني والإستعداد له بالسعي للدخول إلى الجنة والنجاة من النار .
الثانية : المسارعة في الخيرات وعمل الصالحات، فمثلاً تفتح أبواب الجنان وتغلق أبواب النار في شهر رمضان .
وعن ابن عباس قال (إنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول : إن الجنة لتنجد( )، وتزخرف من الحول إلى الحول لدخول شهر رمضان ، فإذا كانت أول ليلة من شهر رمضان هبت ريح من تحت العرش يقال لها المثيرة ، تصفق ورق أشجار الجنة وحلق المصاريع ، فيسمع لذلك طنين لم يسمع السامعون أحسن منه ، وتجيء الحور العين حتى تقف بين يدي شرف الجنة فينادين : هل من خاطب إلى الله عز وجل فيزوجه ؟
ثم يقلن : يا رضوان ، ما هذه الليلة ؟
فيجيبهم بالتلبية ، ثم يقول : يا خيرات حسان ، هذه أول ليلة من شهر رمضان ، فتحت أبواب الجنان للصائمين من أمة أحمد صلى الله عليه وآله وسلم قال : ثم يقول الله عز وجل : يا رضوان ، افتح باب الجنان ، يا مالك ، أغلق أبواب النار عن الصائمين من أمة أحمد عليه أفضل الصلاة والسلام .
يا جبريل اهبط إلى الأرض فصفد مردة الشياطين وغلهم بالأغلال ، ثم اقذف بهم في لجج البحار حتى لا يفسدوا على أمة حبيبي صيامهم قال:
ويقول الله عز وجل في كل ليلة من شهر رمضان ثلاث مرار : هل من سائل فأعطيه ؟ هل من تائب فأتوب عليه ؟ هل من مستغفر فأغفر له ؟ من يقرض المليء غير المعدم ، والوفي غير المظلوم .
قال : ولله عز وجل في كل يوم من شهر رمضان عند الإفطار ألف ألف عتيق من النار ( )، فإذا كانت ليلة الجمعة ويوم الجمعة أعتق في كل ساعة منها ألف ألف عتيق من النار ، كلهم قد استوجب العذاب .
فإذا كان في آخر شهر رمضان أعتق في ذلك اليوم بقدر ما أعتق من أول الشهر إلى آخره .
فإذا كانت ليلة القدر يأمر جبريل عليه السلام فيهبط في كبكبة من الملائكة إلى الأرض ومعه لواء أخضر ، فيركز اللواء على ظهر الكعبة ، وله ستمائة جناح ، منها جناحان لا ينشرهما إلا في ليلة القدر ، فينشرهما تلك الليلة فيجاوزان المشرق والمغرب .
ويبث جبريل عليه السلام الملائكة في هذه الأمة ، فيسلمون على كل قائم وقاعد ، مصل وذاكر ، ويصافحونهم ويؤمنون على دعائهم حتى يطلع الفجر ، فإذا طلع الفجر قال جبريل عليه السلام : يا معشر الملائكة ، الرحيل الرحيل فيقولون : يا جبريل ، ما صنع الله في حوائج المؤمنين من أمة أحمد صلى الله عليه وآله وسلم .
فيقول عليه السلام : إن الله عز وجل نظر إليهم في هذه الليلة فعفا عنهم وغفر لهم إلا أربعة .
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : وهؤلاء الأربعة : مدمن خمر ، وعاق والديه ، وقاطع رحم ، ومشاحن قيل : يا رسول الله ، وما المشاحن ( )، قال صلى الله عليه وآله وسلم : المصارم فإذا كانت ليلة الفطر سميت تلك الليلة الجائزة .
فإذا كان غداة الفطر يبعث الله عز وجل الملائكة فيمضون في الأرض ، فيقومون على أفواه السكك ، فينادون بصوت يسمعه جميع خلق الله تعالى إلا الجن والإنس ، يقولون : يا أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، اخرجوا إلى رب كريم يعطي الجزيل ويغفر العظيم فإذا برزوا إلى مصلاهم يقول الله عز وجل للملائكة : يا ملائكتي ، ما جزاء الأجير إذا عمل عمله؟ قال : تقول الملائكة : إلهنا وسيدنا ، جزاؤه أن يوفى أجره قال جل وعلا : فإني أشهدكم أني قد جعلت ثوابهم من صيامهم شهر رمضان وقيامهم رضاي ومغفرتي ويقول : يا عبادي ، سلوني ، فوعزتي وجلالي لا تسألوني اليوم شيئا في جمعكم لآخرتكم إلا أعطيتكموه ، ولا لدنياكم إلا نظرت لكم ، وعزتي لأسترن عليكم عثرتكم ما راقبتموني ، وعزتي لا أخزيكم ولا أفضحكم بين يدي أصحاب الحدود ، انصرفوا مغفورا لكم ، قد أرضيتموني ورضيت عنكم قال : فتفرح الملائكة وتستبشر بما يعطي الله هذه الأمة إذا أفطروا من شهر رمضان) ( ).
الثالثة : بيان مصداق لتبليغ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الرسالة وتجلي فرد من الإنذار ، قال تعالى [إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ] ( ) وفي الآية أعلاه ورد عن عكرمة وأبي الضحى انهما قالا : وضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يده على صدره فقال : أنا المنذر ، وأومأ بيده على منكب علي عليه السلام فقال : أنت الهادي يا علي ، بك يهتدي المهتدون من بعدي ) ( ).
الرابعة : بيان صفحة من شدة أذى أهل النار ، وأن عذابهم لا يطاق مما يلزم أخذ الحائطة والحذر ، ولزوم إجتناب الكفر ومحاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وخاصة أهل الإيمان .
الخامسة : بيان التضاد بين الخصمين ، وأن مضمون الخصومة في الآية لا ينحصر بأن كل طرف منهما يقول أنه على الحق ، إنما هناك طرف على الحق ومسالك الهدى ومؤمن بالله ، وطرف آخر كافر بالله عز وجل والتنزيل ، وقد أنعم الله عز وجل على المسلمين بأن جعل كل مسلم ومسلمة يتلوان قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( ) عدة مرات في اليوم على نحو الوجوب الذي يتغشى كل فرد منهم .
فان قلت من المسلمين من يؤدي الصلاة جماعة مأموماً ، والجواب تكتب قراءة الإمام وأجرها للمأمومين جميعاً ، وهو من فضل الله وعظيم الثواب على المؤمنين ، ولتكون تلاوة المنفرد من المسلمين دعاء وسؤالاً يستغرق الجميع .
فلم تقل الآية (أهدني الصراط المستقيم) إنما جاءت مضامين سورة الفاتحة بصيغة الجمع ومنه [إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ] ( ) .
وفي آية البحث حذف ، وهو باب واسع في اللغة ، فقد يحذف المضاف مثلاً ويحل محله المضاف إليه ، ففي قوله تعالى [وَلاَ يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ] ( ) والتي جاء الجزء السابق خاصاً بتفسيرها ، يكون تقدير الآية على وجوه :
الأول : الذين يصرون على البقاء على الكفر والضلالة .
الثاني :الذين يتفاخرون بالبقاء على الكفر .
الثالث : الذين يجهزون الجيوش لمحاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع : الذين يخرجون من بين صفوف المشركين لطلب مبارزة الصحابة.
الخامس : الذين يؤذون المؤمنين .
السادس : الذين أخرجوا النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين من مكة وديارهم لإيمانهم ، قال تعالى [الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ] ( ).
السابع : الذين يبذلون الأموال في الصدود عن سبيل الله .
الثامن : الذين يتجاهرون بانكار معجزات النبوة.
التاسع : الذين يسارعون في معصية الله ورسوله .
العاشر : الذين يتناجون بالإثم والباطل وتشمل الآية الكفار والمنافقين ، لذا فمن إعجاز الآية أنها لا تعين الطائفة والفرقة من الكفار ، فلم تقل الآية (ولا يحزنك الكفار الذين يسارعون في الكفر ) إنما ذكرتهم بصفتين :
الأولى : المسارعة ، وكأن كل واحد منهم يحرض بمسارعته في الكفر الآخرين من أصحابه بينما أوصى الله عز وجل بالمسارعة في الخيرات وفعل الصالحات.
الثانية : بيان الموضوع الذي يسارعون فيه وهو الكفر وطرق الجحود ، قال تعالى [وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمْ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] ( ) .
والقرآن يفسر بعضه بعضاً فقد ورد قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنْ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ] ( ) وفيه دلالة بتضمن موضوع آية البحث ذم المنافقين والمنافقات ممن يدّعون الإسلام وينطقون بالشهادتين ، ولكنهم لم يتخلصوا من مفاهيم الكفر التي تملأ قلوبهم.
وفي آية البحث حذف وتقديره على وجوه :
الأول :هذان خصمان اختصموا في ربهم فخصم منهم الذين كفروا .
الثاني : هذان خصمان أختصموا في ربهم فالذين كفروا ممن نصر وأيد الخصم الكافر قطعت لهم ثياب من نار ، لبيان قانون وهو أن موضوع آية البحث أعم من أن يختص بأفراد أطراف الخصومة ، إنما يشمل التباين والتضاد بين أهل الإيمان والكفر .
الثالث : هذان خصمان فريقان اختصموا بلحاظ المراد من صيغة المثنى طرفي الخصومة ، أما بالنسبة لسنخية وموضوع الخصومة فهو أعم إذ أنهم فريقان وطائفتان .
لقد كان الناس في جاهلية حتى بعث الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم فآمن بنبوته عدد من أهل بيته ، وطائفة من أهل مكة ، وصار عدد المؤمنين في إزدياد مطرد وهو من الإعجاز في نبوة محمد .
الرابع : هذان خصمان ظهرت خصومتهم للعيان ، وتجلى للناس موضوع الخصومة ، وهو من الإعجاز في آية البحث بورود اسم الإشارة للقريب لكل منهما [هذان].
فلم تقل الآية (ذلكما خصمان) ومن الإعجاز في آية البحث أن هذه الخصومة قريبة من الناس في كل زمان ، بلحاظ كبرى كلية وهي أن آيات القرآن غضة طرية في كل زمان , ومنه ورود نداء التشريف [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] تسعاً وثمانين مرة في القرآن ليكون خطاباً للمسلمين والمسلمات في كل زمان .
وورود النداء العام [يَا أَيُّهَا النَّاسُ] ( )عشرين مرة في القرآن منه قوله تعالى [يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا]( ) .
ومن مصاديق الآية أعلاه الخصومة التي تذكرها آية البحث ، ليكون من وجوه تقدير الآية أيضاً .
الخامس : يا أيها الذين آمنوا هذان خصمان اختصموا في ربهم .
السادس : يا أيها الناس هذان خصمان اختصموا في ربهم .
السابع : يا أهل هذا الزمان هذان خصمان اختصموا في ربهم لبيان الغايات الحميدة من صيغة القرب لاسم الإشارة وهو إتعاظ الناس ، وجعلهم يتدبرون في رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وهو من أسرار سلامة رسم وألفاظ القرآن من التغيير والتحريف ففي كل زمان يطل على المسلمين والمسلمات والناس جميعاً لفظ [هَذَانِ] في آية البحث لبيان قرب واقعة بدر وطي آنات الزمان .
ومن الشواهد على توجه الخطاب في قوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ] ( ) إلى كل المسلمين والمسلمات ، وفي كل زمان لبيان قانون وهو حضور آيات القرآن في المساجد والأسواق والأندية وفي الصلات العامة بما يبعث الناس في سبل الهداية والصلاح.
قانون الترجيح في معركة بدر
لقد أنعم الله عز وجل على المسلمين والناس بأن ذكر معركة بدر في القرآن بالاسم والتعيين ، قال تعالى وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَوليبقى اسم بدر حاضراً في الواقع العملي للمسلمين والمسلمات من جهات :
الأولى : تلاوة المسلمين للآية أعلاه في الصلاة وخارجها .
الثانية : تدبر المسلمين بواقعة معركة بدر وما جرى فيها من الأحداث .
الثالثة : سلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسلامة البدريين ، وعموم الصحابة من القتل والأسر مناسبة للشكر لله عز وجل .
الرابعة : نصر المسلمين في معركة بدر مقدمة ووسيلة لتكاثر المسلمين من وجوه :
الأول : دخول الناس في الإسلام بلحاظ قانون وهو نصر المسلمين في معركة بدر معجزة لذا تفضل الله ونسبه إليه بقوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ]( )، وليكون من مفاهيم الخطاب توجهه إلى الذين كفروا ، وتقديره : ولقد هزمكم الله ببدر .
وإذا كان الخطاب في الآية أعلاه موجها للمسلمين جميعاً فهل مفهوم الآية موجه للمشركين جميعاً ، أم أن القدر المتيقن منه الكفار من قريش في ميدان معركة بدر ، المختار هو الأول .
الثاني : سلامة المسلمين من القتل والأسر في معركة بدر ، وقلة عدد الشهداء فيها.
الثالث : عودة المسلمين من معركة بدر سالمين وسيلة للإنجاب ، وقد ورد قوله تعالى [وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ]( )، لأن في حكم القصاص سلامة للذي ينوي القتل والذي ينوي قتله , ومن باب الأولوية أن نصر المسلمين سبب لكثرة المسلمين والنكاج والإنجاب .
الرابعة : معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في معركة بدر ، وهذه المعجزات على قسمين :
الأول : المعجزات الحسية ، ومنه رمي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لحفنة من تراب في وجوه جيش المشركين ، ووصول هذا التراب إلى عيونهم ومناخرهم جميعاً مع أن عددهم ألف رجل ، قال تعالى [فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاَءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] ( ).
وهل كان انقطاع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الدعاء عشية ونهار معركة بدر من معجزاته الحسية أم لا ، الجواب هو الأول ، فليس من قائد في الميدان إلا وينشغل بترتيب صفوف أصحابه وتهيئتهم وإعدادهم للقتال .
ولكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يلح بالدعاء ويقول [يا رب إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الارض أبدا “.
فقال له جبريل: خذ قبضة من التراب.
فأخذ قبضة من التراب فرمى بها وجوههم، فما من المشركين من أحد إلا وأصاب عينيه ومنخريه , وفمه تراب من تلك القبضة، فولوا مدبرين]( ).
الثاني : المعجزات العقلية ، ومنها نزول آيات القرآن بخصوص معركة بدر ونزول الملائكة لنصرة النبي ، قال تعالى [إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ] ( ) .
وسيأتي البيان والتفصيل في :
الأول : قانون معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحسية في معركة بدر .
الثاني : قانون معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم العقلية في واقعة بدر.
الرابعة : تدبر المسلمين والناس جميعاً في حوادث معركة بدر وتحقيق النصر للمسلمين مع أن رجحان الكفة يومئذ كان لجيش المشركين من وجوه:
الأول : عدد جيش المشركين أكثر من ثلاثة أضعاف جيش المسلمين .
الثاني : كثرة أسلحة المشركين من السيوف والدروع والرماح ، وإن كان عتبة بن ربيعة حينما تقدم للمبارزة لم يجد بيضة أو خوذة رأس على قدر رأسه لكبر هامته .
وباسناد الواقدي عن عاصم بن عمر وابن رومان في حديث طويل أن عتبة (نزل فلبس درعه وطلبوا له بيضة تقدر عليه، فلم يجد في الجيش بيضة تسع رأسه من عظم هامته. فلما رأى ذلك اعتجر ثم برز بين أخيه شيبة وبين ابنه الوليد بن عتبة، فبينا أبو جهل في الصف على فرسٍ أنثى، حاذاه عتبة وسلّ عتبة سيفه.
فقيل: هو والله يقتله! فضرب بالسيف عرقوبي فرس أبي جهل، فاكتسعت الفرس، فقلت: ما رأيت كاليوم! قال عتبة: انزل، فإن هذا اليوم ليس بيوم ركوب، ليس كل قومك راكباً. فنزل أبو جهل، وعتبة يقول: ستعلم أينا أشأم عشيرته الغداة!
ثم دعا عتبة إلى المبارزة، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في العريش وأصحابه على صفوفهم، فاضطجع فغشيه النوم، وقال: لا تقاتلوا حتى أوذنكم، وإن كثبوكم( ) فارموهم ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم) ( ) وفيه مسائل :
الأولى : إقامة الحجة بأن المشركين هم الذين بدأوا القتال .
الثانية : تنزه المسلمين عن الحمية والعصبية .
الثالثة : لم يطلب المسلمون المبارزة مع شدة إيذاء المشركين للمهاجرين في مكة .
الرابعة : تقيد المسلمين بأوامر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التي في ميدان المعركة .
الخامسة : مع زحف المشركين وطلبهم المبارزة فان المسلمين لم يسلوا السيوف من اغمادها ، وهو أمر نادر في الـتاريخ لبيان قانون وهو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه كانوا لا يرغبون بالقتال ولا يسعون إليه.
ولم يكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد نام ولكنها سِنة ومقدمة للوحي إذ أراه الله عز وجل جيش المشركين قليلاً [وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً] ( ).
الثالث : وجود فرسان وشجعان في جيش قريش سواء من بينهم أو من القبائل التي جاءت معهم خاصة وأن قريشاً أصحاب أموال ويبذلون للفرسان من أجل القتال إلى جانبهم ، لبيان أن تفضل الله عز وجل برمي حفنة التراب في وجوههم حاجة للمسلمين في أجيالهم المتعاقبة ، قال تعالى [وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى..] ( ) .
بيان قانون وهو أن هذه الرمية جعلت فرسان قريش في اضطراب وعجز عن الإستبسال في القتال ، لذا ما أن بدأت المعركة حتى إنهزم المشركون ، وكانت الملائكة تطادرهم ، وكأنها تقول لهم : لا تعودوا للقتال وتعودوا إلى معركة أحد أو الخندق , ليكون من مكر الله بعم الرحمة بدفعهم عن التعدي والهجوم .
الرابع : كثرة المؤن والأزواد التي مع المشركين فلا يخشون طول طريق أو مدة إقامة في بدر .
الخامس : قلة خبرة المسلمين بفنون القتال في الجملة .
السادس : إختيار كفار قريش المكان الأنسب لهم في ميدان المعركة ، قال تعالى [إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ] ( ).
وكانت أرض الوادي رخوة لينة فأنعم الله عز وجل بنزول الماء من السماء فلبّد الأرض لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، وصاروا قادرين على السير ، وجعل المشركين عاجزين عن الهجوم العام والحركة السريعة , وهو من أسرار طلب عتبة وأخيه وابنه المبارزة.
السابعة : لقد أرسل المشركون رجالاً يطوفون حول جيش المسلمين ، ليخبروا عن عددهم ورواحلهم ، حتى قالوا (أنهم أكلة رأس) ولم يعلموا أن الله عز وجل ينزل ألفاً من الملائكة لنصرة رسوله الكريم والذين آووه ونصروه إذ توجه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالدعاء والشكوى إلى الله عز وجل (اللهم إن قريشاً قد أقبلت بفخرها وخيلائها لتجادل رسولك) ( ).
مفهوم الموافقة في الآية
ابتدأت آية البحث بالخطاب والنهي الموجه إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن لا يحزن على الذين كفروا في مسارعتهم بالكفر .
وفي الآية مسائل :
الأولى : من مفهوم الموافقة تقدير الآية : يا أيها الذين آمنوا لا يحزنكم الذين يسارعون في الكفر ، وفيه شاهد على بقاء مضامين آية البحث غضة طرية .
ومن إعجاز القرآن أن كل مرة يتلو فيها المسلم الآية القرآنية تتفتح له آفاق من العلوم ، ويدرك معها أن الآية أعم في موضوعها مما في الوجود الذهني عند الفرد والجماعة لإدراك الحاجة لتأسيس منهاج التهيء لعالم الآخرة .
الثانية : تؤسس آية البحث لقانون وهو عصمة النبي والمؤمنين من الأسى والحزن بسبب تمادي الذين كفروا في الغي واستخفافهم بالآيات واستهزائهم بالمؤمنين ،وفيه باعث للذلة والحسرة في نفوس الذين كفروا ، فمهما اجتهدوا في إيذاء المسلمين فان هذا الأذى لن يضرهم وفي التنزيل[لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى]( ).
الثالثة : تبين آية البحث دأب الذين كفروا في منهاج الضلالة وسعيهم للإضرار بالإسلام ، ومحاولتهم منع الناس من دخوله ، ووردت الآية بحذف المضاف إذ ان الذين كفروا يسارعون في الأعمال التي تدل على كفرهم والتي يحاربون فيها سنن الإيمان في الأرض ، ومن حذف المضاف في القرآن قوله تعالى [وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا] ( ) أي إسأل أهل القرية ، وقيل يحمل التلاوم على الحقيقة بلحاظ أن يعقوب نبي فيستطيع سؤال الأبنية وبيوت القرية ، كما يقدر أن يسأل العير .
وحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه من صيغ المجاز في اللغة ، وهو باب واسع ، وورد في مواضع عديدة في القرآن ، كما أنه يتجلى في منهجية تنافي التفسير بلحاظ تعدد تقدير اللفظ القرآني ودلالاته ، نعم لا يصح تقدير حذف المضاف إلا مع القرينة الدالة عليه ، ولو دار الأمر بين الحذف أو عدمه فالأصل هو عدم الحذف .
ولو دار الأمر بين أحدهما وبين الجمع بينهما فالجمع هو الأولى ، فمثلاً [وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا] ( )، أي إلى أهل مدين.
[وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا] ( ) أي جاء أمر ربك والملك .
وفي قوله تعالى [وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ] ( ) قيل مثل أمهاتهم ، ولكن المقام أقرب وأبين من المثلية في المقام إذ تلحق أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالإمهات ، كما في الأمهات بالرضاعة .
ومن معاني آية البحث الجمع بين الحقيقة والمجاز بين المسارعة في ذات الكفر بلحاظ ظاهر الآية وبين المجاز بتقدير مضاف محذوف ، ويكون الحذف في المقام على وجوه منها :
الأول : يا أيها الرسول لا يحزنك الذي يسارعون في مقدمات الكفر.
الثاني : يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في المناجاة في الكفر، قال تعالى[لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ]( ).
الثالث : يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الدعوة الى الكفر.
الرابع : يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الظلم والكفر.
الرابعة : في الآية ثناء على المؤمنين الذين خاصموا في الله ولله وعن الله ورسوله وكتبه وملائكته ، وهذا التخاصم على وجوه :
الأول : الجدال والإحتجاج .
الثاني : الصبر على الأذى الذي يأتي من الذين كفروا ، فهذا الأذى نوع خصومة ظاهرة .
الثالث : إيذاء وتعذيب المشركين للمؤمنين في مكة .
ولم يرد المؤمنون بالمثل على هذا الأذى إنما أظهروا الصبر ، وتجاهروا بالتقوى ، وصدق الإيمان ، ليصدق على حالهم أنه خصومة .
ومن وجوه تقدير الآية : هذان خصمان اختصموا في ربهم في مكة قبل الهجرة .
الرابع : المبارزة والقتال في معركة بدر ، والمشهور والمختار في أسباب نزول آية البحث أن ثلاثة من كبار المشركين طلبوا صباح يوم معركة بدر ، وهو السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة المبارزة والقتال وهم :
الأول : عتبة بن ربيعة ، وكان من وجهاء قريش ويتصف بالحلم والأناة ، وقد طاف يومئذ على أصحابه يحثهم على الإنصراف والإمتناع عن القتال ، ولكن حمية الجاهلية غلبت عليه بعد حوار وتحد بينه وبين أبي جهل يومئذ ليقتلا معاً كافرين ، قال تعالى[إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا]( )، وقد تقدم ذكر إحتجاج النبي صلى الله عليه وآله وسلم على عتبة بن ربيعة في المسجد الحرام .
والعرض السخي الذي عرضه على النبي صلى الله عليه وآله وسلم باسم قبيلة وكبراء قريش من المال والجاه والرئاسة عليهم ، فما كان جواب النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا أن قرأ عليه سورة فصلت ، وسجد عند اختتامها ، فحار عتبة وعجز عن الرد .
ليكون هذا الإحتجاج إنذاراً له وزاجراً عن الخروج إلى معركة بدر وإن خرج فيجب أن يدعو إلى ترك القتال ، وإن وقع قتال فعليه الإعتزال وإجتناب القتال ، ولكن الذين كفروا لم يتعظوا من الإحتجاج ، وهو من مصاديق نعتهم بالذين كفروا .
الثاني : شيبة بن ربيعة ، وهو أخو عتبة ، وهو من أشراف قريش ، وحينما أصاب المسلمون يوم بدر راوية لقريش جاءوا بغلامين منهم وهما :
أولا : أسلم وهو غلام لبني الحجاج .
ثانيا : غلام لبني العاص بن سعيد ، فسألهما المسلمون فقالوا نحن سقاة جيش قريش بعثونا ، ثم سألوهما عن عدد جيش قريش فلم يعلموا عددهم فضربوهما وقيل أن المسلمين كانوا يرجون أن يكونوا تابعين لقافلة أبي سفيان , وهو من عمومات قوله تعالى [وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ] ( ).
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسمعهم ولكنه كان يصلي ويتضرع إلى الله عز وجل ، فلما سلّم وفرغ من صلاته قال (إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما، صدقا والله! إنهما لقريش، أخبراني عن قريش ” قالا: هم والله وراء هذا الكثيب( ) العقنقل ( ).
فقال لهما: ” كم القوم؟ ” .فقالا: كثير. قال: ” كم عدتهم؟ ” .قالا: ما ندري. قال: ” كم ينحرون كل يوم من الإبل؟ ” قالا: يوماً تسعاً، ويوماً عشراً. فقال عليه الصلاة والسلام : ” القوم بين التسعمائة والألف.
ثم قال لهما: ” فمن فيهم من أشراف قريش .
قالا: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو البختري بن هشام، وحكيم بن حزام، ونوفل بن خويلد، والحارث بن عامر بن نوفل، وطعمة بن عديبن نوفل، وزمعة بن الأسود، وأبو جهل بن هشام، وأمية ابن خلف، ونُبيه ومنبه ابنا الحجاج، وسهيل بن عمرو بن عبد ود العامري .
فأقبل عليه الصلاة والسلام على الناس قائلاً: ” هذه والله مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها)( ) أي أن شيبة من كبار رجال قريش .
وحينما انتهت معركة بدر ، وخاطب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قتلى المشركين في جوف الليل ، ذكر عدداً من رؤسائهم بالأسماء ، ومنهم شيبة بن ربيعة ، (سمع أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم رسول الله من جوف الليل وهو يقول ” يا أهل القليب، يا عتبة ابن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة، ويا أمية بن خلف، ويا أبا جهل بن هشام، فعدد من كان منهم في القليب، هل وجدتم ما وعد ربكم حقا فإنى قد وجدت ما وعدني ربى حقا.
فقال المسلمون: يا رسول الله أتنادى قوما قد جيفوا) ( ).
وهاجرت رملة بنت شيبة مع زوجها عثمان بن عفان ، وقالت هند بنت عتبة بقصد ذمها:
(لحي الرحمن صائبة بوج … ومكة عند أطراف الحجون
تدين لمعشر قتلوا أباها … أقتل أبيك جاءك باليقين) ( ).
وهل في دخول رملة بنت شيبة الإسلام وهجرتها حجة على شيبة ، ودعوة له للإسلام ، الجواب نعم ، وهو من الشواهد على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتعدد البراهين التي تحث الناس على دخول الإسلام ، وتزجرهم عن محاربته والسعي للإجهاز عليه في سنيه الأولى .
ومن الآيات في المقام أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة كان بدرياً يقف تحت لواء النبوة ، وكان قد أسلم قبل دخول النبي صلى الله عليه وآله وسلم دار الأرقم بن أبي الأرقم.
الثالث : الوليد بن عتبة بن ربيعة ، وكان الوليد صديقاً وصاحباً للعباس بن عبد المطلب ، وعندما رأت عاتكة بنت عبد المطلب رؤيا قبل قدوم ضمضم بن عمرو رسول أبي سفيان بثلاث ليال قصت رؤياها على أخيها العباس وأوصته أن يكتمها إذ رأت راكباً وقف على الأبطح ثم صرخ بأعلى صوته :
(ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث. فأرى الناس اجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه، فبينما هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة، ثم صرخ بمثلها: ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث، ثم مثل به بعيره على رأس أبي قبيس فصرخ بمثلها، ثم أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوي، حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت، فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار منها إلا دخلها فلقة من تلك الصخرة) ( ).
لقد دهش وفزع العباس من هذه الرؤيا إذ تدل مضامينها على أنها ليست من أضغاث الأحلام (فقال لأخته عاتكة : والله إنها لرؤيا وأنتِ فاكتميها ولا تذكيرها لأحد)( ).
وحينما خرج العباس والتقى الوليد بن عتبة لم يستطع إخفاءها عنه للصلة بينهما فقام الوليد بنقلها إلى أبيه عتبة ، فاذاعها وفشا خبرها في مكة .
وتحدثت بها قريش في أنديتها .
وتصدى أبا جهل ورهط من قريش للعباس عندما دخل البيت الحرام لإرادة التعريض به وبني هاشم .
إذ فزعوا من هذه الرؤيا وظنوا أنها تهديد لشأنهم ومقاماتهم فبدل أن يتدبروا في معاني هذه الرؤيا ، ودلالاتها (فقال أبو جهل للعباس : يا بني عبد المطلب متى حدثت فيكم هذه النبيّة) ( ).
وبارز الوليد بن عتبة الإمام علي عليه السلام بلحاظ أن كلاً منهما شاب فقتله الإمام علي عليه السلام ليكون من معاني آية البحث : هذان خصمان اختصموا في ربهم ، فقتل المؤمن الكافر ، لبيان قانون انتهاء هذه الخصومة بنصر أهل الإيمان .
وفي قوله تعالى [أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لاَ يَسْتَوُونَ]( )، ورد (عن ابن عباس أن الوليد بن عتبة قال لعلي: أنا أحد منك سناناً وأبسط منك لساناً وأملأ كتيبة، فقال له علي: اسكت، إنما أنت فاسق تقول الكذب، فأنزل الله الآية تصديقاً لعلي. قال قتادة: لا والله ما استويا عند الله لا في الدنيا ولا في الآخرة)( ).
ومن أسباب ظهور نوع رئاسة لأبي سفيان في قريش وفاة أبي طالب ، وهجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وشطر من بني هاشم منهم حمزة والعباس والإمام علي بن أبي طالب ، ثم هلاك وجهاء قريش في معركة بدر منهم :
الأول : عتبة بن ربيعة من كبار بني عبد شمس وكانت هند زوجة أبي سفيان ابنته .
الثاني : أبو جهل عمرو بن هشام ، وقيل هو قائد جيش المشركين يوم بدر.
الثالث : شيبة بن ربيعة .
الرابع : عقبة بن أبي معيط .
الخامس : أمية بن خلف .
السادس : شيبة بن عتبة .
السابع : طعيمة بن عدي بن نوفل .
التاسع : النضر بن الحارث ، وكان حامل لواء المشركين .
العاشر : منبه بن الحجاج وأخوه نبيه بن الحجاج وسواء كانت رئاسة قريش عند أبي جهل أو أبي سفيان أو غيرهما فان آية البحث ذكرت موضوع الخصومة ، وبينت سوء عاقبة الذين كفروا إلا الذين أدركتهم التوبة.
وهناك مسألتان :
الأولى : هل قوله تعالى [هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمْ الْحَمِيمُ] ( ) دعوة للذين كفروا للتوبة .
الثانية : هل تشمل التوبة الذين ذكرتهم الآية كخصم للمؤمنين .
أما بالنسبة للمسألة الأولى فالجواب نعم ، والدعوة في آية البحث عامة ومتعددة من وجوه :
الأول : دعوة المسلمين والمسلمات للثبات في منازل الإيمان.
الثاني : حث المسلمين والمسلمات على الصبر ، وإدراك مسألة وهي لزوم الدفاع عن النبوة والتنزيل ، قال تعالى [الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ] ( ) .
الثالث : زجر الكافرين عن الخروج لقتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإن خرجوا فان الآية تدعوهم للإمتناع عن القتال .
الرابع : بيان قانون وهو خسارة الذين كفروا في الخصومة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، فان قلت ما هو الدليل على هذا المعنى من ذات آية البحث .
والجواب بيان سنخية الخصومة وأنها في الله عز وجل وربوبيته المطلقة ، وبما أن الموضوع هو الخصومة والتباين ، وليس الإتحاد والوفاق فان معنى الآية هو أن الخصومة بين طرفين :
أولاً : طرف يجاهد في سبيل الله باللسان واليد .
ثانياً : طرف منكر للربوبية أو أنه يجعل مع الله عز وجل شركاء .
ثم جاءت آية البحث والآيات التي بعدها لتبين حقيقة هذين الطرفين وعاقبة كل منهما .
وتخبر هذه الآيات عن عاقبة الذين كفروا من وجوه :
أولاً : ثياب الذين كفروا يوم القيامة من النار .
وهو أمر لا يقع في الدنيا وإن وقع فانه سبب للهلاك لأن هذه الثياب تحرق البدن وتتلفه ،أما بالنسبة لأهل النار فالأمر مختلف إذ تبقى هذه الثياب على البدن .
وليس من حصر لوجوه عذاب الذين كفروا في النار ، خاصة مع خلودهم فيها وإقامة الحجة عليهم من عند الله ، وتوبيخ الملائكة لهم ، وورد حكاية عنهم في التنزيل [رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ]( ).
ويأتي لفظ خسأ من الزجر للكلب، لبيان حال الذل والهوان لأهل النار، وأن العذاب لا يرفع عنهم ، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال:إن أهل جهنم ينادون مالكاً { يا مالك ليقض علينا ربك }( ) فيذرهم أربعين عاماً لا يجيبهم ثم يجيبهم { إنكم ماكثون } ثم ينادون ربهم { ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فانا ظالمون}( )، فيذرهم مثلي الدنيا لا يجيبهم ثم يجيبهم { اخسئوا فيها ولا تُكَلِّمون }( ) قال : فيئس القوم بعدها ، وما هو إلا الزفير والشهيق( ).
ومن إعجاز القرآن بيان بعض وجوه عذاب الذين كفروا بما يبعث النفرة في النفوس من الكفر والجحود ، إذ أخبر عن سحبهم في النار على وجوههم ، قال تعالى[إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ]( ) .
ويبين القرآن ذوبان جلود الذين كفروا ، وهي موضع الإحساس بالألم ، قال تعالى[ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا]( ).
ومن خصائص الإنسان الندامة على الفعل السيئ والذي يجلب الضرر، ولكن هذه الندامة تخف وطأتها مع تقادم الأيام ، وقد خفّف الله عن الناس ففتح بهم باب الإستغفار الذي فيه محو للسيئة وإبدالها بالحسنة , أما في الآخرة فان الندامة تلازم الذين كفروا قبل دخولهم النار وأثناء الإقامة فيها، قال تعالى[وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلاَلَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ]( ) .
وعن أبي بصير أنه قال للإمام جعفر الصادق عليه السلام : خوفني فإن قلبي قد قسا ، فقال: يا أبا محمد استعد للحياة الطويلة، فإن جبرئيل جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وهو قاطب وقد كان قبل ذلك يجئ وهو متبسم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا جبرئيل جئتني اليوم قاطبا، فقال: يا محمد قد وضعت منافخ النار .
فقال: وما منافخ النار يا جبرئيل ؟ فقال: يا محمد إن الله عزوجل أمر بالنار فنفخ عليها ألف عام حتى ابيضت، ثم نفخ عليها ألف عام حتى احمرت، ثم نفخ عليها ألف عام حتى اسودت فهي سوداء مظلمة، لو أن قطرة من الضريع قطرت في شراب أهل الدنيا لمات أهلها من نتنها، ولو أن حلقة واحدة من السلسلة التي طولها سبعون ذراعا وضعت على الدنيا لذابت الدنيا من حرها، ولو أن سربالا من سرابيل أهل النار علق بين السماء والارض لمات أهل الدنيا من ريحه، قال فبكى رسول الله صلى الله عليه وآله وبكى جبرئيل .
فبعث الله إليهما ملكا فقال لهما: إن ربكما يقرؤكما السلام ويقول: قد أمنتكما إن تذنبا ذنبا اعذبكما عليه .
فقال أبو عبد الله عليه السلام: فما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله جبرئيل متبسما بعد ذلك، ثم قال: إن أهل النار يعظمون النار وإن أهل الجنة يعظمون الجنة والنعيم، وإن جهنم إذا دخلوها هووا فيها مسيرة سبعين عاما، فإذا بلغوا أعلاها قمعوا بمقامع الحديد واعيدوا في دركها فهذه حالهم، وهو قول الله عز وجل [كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ]( ).
ثم تبدل جلودهم غير الجلود التي كانت عليهم. قال أبو عبد الله عليه السلام: حسبك ؟ قلت: حسبي حسبي( ).
وقد اثنى الله عز وجل على المؤمنين الذين يعملون الصالحات في الآيات التالية إذ قال تعالى [إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ]( )، وفي آية أخرى [عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا]( )، والسندس الديباج الرقيق اللطيف أما الإستبرق فهو ثخين الديباج الذي له بريق والديباج هو نوع من الحرير يعطي ألواناً زاهية .
ومنهم من فرق بين اللباس والثياب والأول ما تغطى به العورة ، وأما الثياب فهي التي يرتديها الإنسان فوق اللباس وتكون للزينة .
وقد أكرم الله عز وجل المؤمنين ورغّب الناس بالإيمان , وحثهم غلى نبذ مفاهيم الظلم والضلالة ، وذكر القرآن قانوناً وهو وجود الأنهار والعيون في الجنة ، كما وردت بعض اسمائها في السنة النبوية ، ومنها :
نهر الكوثر وهو الذي يشرب منه المؤمنون في موقف يوم القيامة فلا يظمأون ، ومن إعجاز القرآن مجئ آية منه باسم الكوثر , والتي تبدأ بقوله تعالى[إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ]( ).
وقد وردت أحاديث نبوية متعددة عن الكوثر ، كما ذكره النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث الإسراء ومنه : ثم عرج بي إلى السماء السابعة فاستفتح . . . قيل من هذا؟ .
قال : جبريل . قيل : ومن معك؟ قال : محمد . قال : وقد أرسل إليه؟ قال : نعم . ففتح فإذا إبراهيم ، قال مرحباً بالابن والرسول . ثم مضى حتى جاء الجنة فاستفتح فقيل : من هذا؟ .
قال : جبريل . قيل : ومن معك؟ قال : محمد . قال : وقد أرسل إليه؟ قال : نعم . ففتح الباب . قال : فدخلت الجنة فأُعْطِيتُ الكوثر ، فإذا نهر في الجنة عضادتاه بيوت مجوفة من لؤلؤ ، ثم مضى حتى جاء سدرة المنتهى { ( فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى }( ) .
ففرض عليّ وعلى أمتي خمسين صلاة ، فرجعت حتى أمر موسى فقال : كم فرض عليك وعلى أمتك؟ قلت : خمسين صلاة( ).
ومنها نهر بارق يجلس عنده الشهداء فيأتيهم رزقهم بكرة وعشيا.
ومن العيون :
الأولى : عين تسنيم ، وهي أسمى شراب أهل الجنة ، ويشرب منه المقربون وأهل اليمين , وعن الحسن البصري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أربع عيون في الجنة عينان تجريان من تحت العرش إحداهما التي ذكر الله { يفجرونها تفجيراً }( ) والأخرى الزنجبيل ، وعينان نضاختان من فوق إحداهما التي ذكر الله سلسبيلاً والأخرى التسنيم( ).
الثانية : عين سلسبيل : قال تعالى[عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً]( )، وقيل سميت سلسبيلاً لأنها تسيل عليهم في الطرق وفي منازلهم تنبع من أصل العرش من جنة عدن الى أهل الجنان على برد الكافور وطعم الزنجبيل وريح المسك( ).
الثالثة : عين مزاجها الكافور .
وكل هذه الأشربة لا تسبب الصداع أو فقدان العقل ، ولا يترتب على الإكثار منها أذى أو ضرر ، ويطوف عليهم بهذه الأشربة ولدان مخلدون.
ثانياً : المتبادر إلى الذهن أن الثياب لا تغطي الرأس إنما تكون من أسفل الرقبة .
فمن إعجاز آية البحث ذكرها لقانون وهو صبّ الماء الساخن على رؤوس الذين كفروا ، ولا يمكن أن يلتفت الإنسان إلى هذا الوصف الجامع والذي تتجلى فيه مسائل عديدة ، وهو شاهد على نزول القرآن من عند الله عز وجل لبيان قانون وهو شمول كل أعضاء وأجزاء الكافر بالعذاب ، فلا تنظر العينان إلى ما يعانيه البدن ، إنما تنشغل الحواس بألمها الذاتي .
وتحتمل الثياب التي على أبدان الكفار وجوهاً :
الأول : إلتصاق هذه الثياب بأبدان الذين كفروا .
الثاني : تتصف الثياب من النار بأنها فضفاضة .
الثالث : التفصيل فمرة تكون لاصقة بالبدن وأخرى تكون واسعة .
الرابع : التعدد والتباين النسبي بين الكفار إذ تختلف هذه الثياب وقربها للبدن من جهات :
الأولى : التصاق هذه الثياب بابدان رؤساء الكفر .
الثانية : اقتراب هذه الثياب من ابدان الذين يسارعون في الكفر ، قال تعالى [وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ] ( ).
الثالثة : المندوحة في ثياب اتباع رؤساء الكفر .
الرابعة : التفصيل بأن تكون هذه الثياب لاصقة بالأبدان ، وأخرى بعيدة نسبياً.
والمختار هو التعدد والاختلاف في شدة مراتب العذاب .
المسألة الخامسة : من مسائل مفهوم الموافقة تهيئة أذهان المسلمين إلى تجدد الخصومة بينهم وبين الذين كفروا ، فيكون الشخص من الكفار مخاصماً ومدافعاً عن عبادة الأوثان , ومنكراً لمعجزات النبوة ، ولكن ما أن يدخل الإسلام حتى يصير داعية إلى الله ووجوب عبادته .
وهل التحلي بطاعة الله ورسوله من هذه الخصومة ، الجواب القدر المتيقن هو وقوع الخصومة والعناد وأسباب الجدال والملاقاة ، ومن عمومات الآية قوله تعالى [يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ] ( ) .
والذي ورد في القرآن بخصوص معركة بدر [وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابن السَّبِيلِ إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] ( ) وبخصوص معركة أحد ورد قوله تعالى [وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِين]( ).
وهو من مصاديق اسم الإشارة للقريب [هَذَانِ خَصْمَانِ] ( ).
السادسة : بيان قانون وهو فضل الله عز وجل بنزول الآيات التي تبين وقائع معركة بدر ، وفيها دعوة لتوثيق تفاصيل المعركة من وجوه :
الأول : هذه الوقائع من أسباب نزول الآيات فحينما تتلى الآية القرآنية أو يقوم المسلمون بتدارسها فانهم يستحضرون أسباب نزولها ، إذ نزلت آيات تخص واقعة بدر في كل من :
أولاً : سورة آل عمران ( ).
ثانياً : سورة الأنفال ، وهي أكثر السور التي ذكرت موضوع واقعة بدر ودفاع المسلمين فيها .
ثالثاً : سورة الحج .
رابعاً : سورة الدخان ، فمثلاً ورد في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنْ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمْ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ]( ) .
وعن عائشة قالت (لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم . بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قلادة لها في فداء زوجها ، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رق رقة شديدة ، وقال : إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها.
وقال العباس بن عبد المطلب وهو بين أسرى بدر حينما طلب منه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ان يفدي نفسه وابني أخويه : يا رسول الله (احسب لي ما أحببتم مني عشرين أوقية من مال كان معي فقال : افعل . ففدي نفسه وابني أخويه وحليفه ، ونزلت { قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيراً يؤتكم خيراً مما أخذ منكم }( ).
قال العباس : فأعطاني مكان العشرين أوقية في الإِسلام عشرين عبداً كلهم في يده مال نصرت به مع ما أرجو من مغفرة الله) ( ).
الثاني : ذكر الآية القرآنية لأمور تتعلق بمقدمات المعركة ، وتفاصيلها .
الثالث : بيان آيات القرآن لفضل الله عز وجل والنفع العام للمسلمين بالخروج من المعركة بنجاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من القتل وسلامة الدين وتوالي نزول آيات القرآن ، فمن مصاديق النصر في قوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ] ( ) نزول القرآن قبل وأثناء وبعد المعركة .
وهل يمكن القول بقانون (نزول كل آية قرآنية نصر للمسلمين ) الجواب نعم ، وهل هي فرد من الخصم ضد الذين كفروا في قوله تعالى [هَذَانِ خَصْمَانِ] ( ) بلحاظ أن خصم خاصة مع التنكير فيه وإرادة الجنس والنوعية ، إذ يطلق على المفرد والمتعدد ، الجواب لا ، فالقدر المتيقن من الخصمين في المقام هم أفراد من الناس .
نعم الآية القرآنية مدد وعون للمسلمين في الجدال والخصومة ، فلما تفضل الله عز وجل وأنزل الملائكة لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين في معركة بدر ، قال تعالى[فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ]( )، فانه تعالى أنعم على أجيال المسلمين بآيات القرآن مدداً وعوناً.
مفهوم المخالفة في الآية
في الآية مسائل :
الأولى : لقد ورد لفظ [خَصْمَانِ] مرتين في القرآن ، احداهما في آية البحث وأن الخصومة من التباين والتضاد بين أهل الإيمان والكفار حتى بلغت سلّ السيوف ، وطلب الذين كفروا المبارزة في معركة بدر يدل على الشحناء والغيظ الذي يملأ قلوبهم ، وإلا فان سبب خروجهم من مكة زال وانتفى ، وهو إغاثة قافلة أبي سفيان والتي كانت تتألف من ألف بعير محملة بالبضائع ، فبعد أن أرسل إليهم أبو سفيان ينذرهم ويخبرهم أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه يرومون اعتراض قافلته ، عاد وأرسل إليهم عندما صار قريباً من مكة ، وأمن الطريق بأن يرجعوا إلى مكة لصيرورة موضوع الخروج سالبة بانتفاء الموضوع .
ولكن الذين كفروا أصروا على المسير ثم طلبوا القتال فنزلت آية البحث لتوثق مرتبة خصومتهم وأنها أشد وأقسى أنواع الخصومة ويضطر معها المؤمنون للدفاع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن أنفسهم ودينهم .
وورد مرة ثانية في قوله تعالى [قَالُوا لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ] ( ) إذ بعث الله عز وجل ملكين بهيئة البشر إلى النبي داود عليه السلام لأنه كان يتعبد في المحراب ، أي لم يُمنعا بسبب الحجاب أو صعوبة الدخول عليه ، إنما جاءا في ساعة يتعبد داود عليه السلام فيها , فصعدوا السور والحائط ونزلوا إليه .
وهل تدل الآية على أن الذي يتولى منصباً وولاية أن يفرغ نفسه للناس ، ولا ينشغل بالنوافل في أوقات العمل الجواب نعم .
ولما أسلم صاعد بن مخلد واستوزر أي صار وزيراً جاء أبو العيناء وصار على بابه، فقيل له إنه يصلي فانصرف ، ثم عاد ، فقيل له : يصلي .
فقال : معذور لكل جديد لذة( ) .
وقال الوزير عبد الله بن يحيى بن سليمان لأبي العيناء : أعذرني فاني مشغول .
فقال : إذا فرغت لم احتج إليك ، أي اذا عزلت وغادرت الوزارة تنتفي حاجتي إليك ، فانما قصدتك بصفة الوزارة التي تتلبس بها ( ).
ثم أشادت هذه الآيات إلى هذا المعنى بقوله تعالى [يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ] ( ) إذ أن وجود النبي بين ظهراني الناس نعمة عظمى ، لقد كان داود يقسم أيامه على وجوه :
الأول : يوم للقضاء .
الثاني : يوم للعبادة .
الثالث : يوم لنسائه .
الرابع : يوم لمذاكرة بني إسرائيل ، فكان دخول الملكين عليه يوم عبادته.
لقد كان موضوع خصومة الملكين للموعظة وإقامة الحجة وهي من الوحي وفيه شاهد بأن داود كان نبياً رسولاً ، إذ أن الرسول يرى الملك ، أما النبي فانه يسمع كلام الملك ولا يراه .
وكان لداود تسع وتسعون امرأة , وفي قول الملَك [إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ] ( ) اختلف في المراد من الأخوة على وجوه :
الأول : أخوة النسب ( ).
الثاني : أخي أي صاحبي .
الثالث : أخوة الدين ( ).
أما الأول وهو أخوة النسب فهو بعيد ، لأن الملائكة لا يخبرون إلا عما هو حق وصدق ، وأما الثاني فلا دليل عليه ، وأما الثالث فهو أحد مصاديق الأخوة بين الملكين .
لبيان أن صاحبي داود كانا مؤمنين بينما كان الخصمان في آية البحث مؤمناً وكافراً ، لبيان أفضلية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في صبره وتحمله الأذى من المشركين ، وهم من قومه فلم تقع معارك الإسلام الأولى بين النبي وبين قوم من قبائل أخرى غير قريش ، ولا مع جيش وطائفة من أهل ملة أخرى ، إنما كانت مع عشيرته وقومه من قريش والذين ابتدأ الإنذار بهم وخصهم الله عز وجل بآية بقوله [وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ] ( ).
وهو من مصاديق اسم الإشارة للقريب [هَذَانِ خَصْمَانِ] فهم أولاد عم ومتقاربون في النسب ولكن الخصومة في الله عز وجل لبيان قانون وهو تقديم الثبات على الإيمان على الصلة النسبية والسببية ، ومن السبب في المقام المصاهرة والولاية .
الثانية : بيان فضل الله عز وجل على المسلمين بالأمن والسلامة من الخصومة فيما بينهم ، وبوقوع خصومتهم مع المشركين في الله دفاعاً عن كلمة التوحيد في الأرض ، ليكون فيه الأجر والثواب لهم ، وهل يختص الثواب بالذي يباشر الخصومة ضد المشركين سواء بالقول أو الفعل ، الجواب لا ، إنما تشمل الآية المعنى الأعم .
وبلحاظ أسباب نزول آية البحث وأنها نزلت في واقعة بدر عندما طلب ثلاثة من المشركين المبارزة وهم عتبة وأخوه شيبة وابنه الوليد , كما تقدم بيانه , وبرز لهم ثلاثة شبان من الأنصار فلم يرضوا بهم ، وقالوا نريد الأكفاء من قريش ، فبرز لهم علي وحمزه وعتبة فان مجئ الآية بصيغة الجمع [اخْتَصَمُوا] لبيان أن المسلمين كانوا كلهم مع علي وحمزة وعبيدة ، ويرجون من الله النصر والغلبة ، وهو من مصاديق لغة الجمع في قوله تعالى [إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ] ( ) إذ كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يلح بالدعاء ليلة وصبيحة يوم بدر ، فنزلت الآية أعلاه بصيغة الجمع ، ويكون تقدير الجمع بينها وبين آية البحث :
هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين آمنوا يستغيثون ربهم فاستجاب لهم ).
الثالثة : لقد ذكرت آية البحث سوء عاقبة الذين كفروا بأن تقطع لهم ثياب من نار ، فهل لخصومتهم مع الذين آمنوا موضوعية في شدة عذابهم في النار ، الجواب نعم .
وتقدير الآية : هذان خصمان اختصموا في ربهم فالخصم الذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار ) ومن مفاهيم المخالفة في الآية الثناء الذين آمنوا يدخلهم الله عز وجل جنات عدن ، قال تعالى [إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ] ( ).
الرابعة : من مفهوم المخالفة لآية البحث دعوة المسلمين للصبر في مرضاة الله عند الخصومة والإحتجاج والمجالدة ، مع تجلي التباين فيها بين المؤمنين والكافرين ، قال تعالى [أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ]( ) .
وقد تفضل الله عز وجل وخفف عن المؤمنين في الجدال والإحتجاج ، كما خفّف عنهم عند الخصومة في ميدان القتال ، قال تعالى [الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ]( ) لبيان موضوعية هذا التخفيف في رجحان كفة الذين آمنوا في ميدان القتال ، لتدل الآية أعلاه على رجحان كفة الذين آمنوا في قوله تعالى [هَذَانِ خَصْمَانِ] ( ).
الخامسة : في الآية دعوة للمسلمين للإحتجاج وإقامة البينة على وجوب عبادة الله عز وجل والتصديق بالأنبياء والإستعداد لخصومة الذين كفروا فهم لا يكفون عن إظهار الجحود والجدال والمغالطة .
ومن فضل الله عز وجل الأخذ بأيدي المسلمين للإرتقاء في منازل الإحتجاج بتلاوة القرآن على نحو الوجوب اليومي المتكرر في الصلاة ، وهذه التلاوة على شعبتين :
الأولى : التلاوة والقراءة الثابتة في كل ركعة , وهي قراءة سورة الفاتحة.
الثانية : التلاوة والقراءة المختارة ، وهي قراءة أي سورة أو آيات أخرى من القرآن ، وهو أمر يختاره ذات المصلي ، وفي هذا الإختيار نوع شهادة وتحد على صدق نزول القرآن من عند الله عز وجل ، وكل من قراءة الفاتحة الثابتة في كل ركعة ، والقراءة المختارة الأخرى نوع تخفيف عن المسلمين ، ومن مصاديق قوله تعالى [يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ] ( ) فيتلو المسلمون في كل زمان القرآن ويدركون معها العناء والأذى الذي لاقاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته والصحابة في جنب الله .
والصبر على هذا الأذى ثم النصر والظفر من عند الله للمسلمين من دلائل النبوة ، إذ كان عدد الذين كفروا في نقصان وتضائل من جهات :
الأولى : دخول طائفة من الناس الإسلام .
الثانية : عزوف الناس عن نصرة الذين كفروا .
الثالثة : هلاك فريق من الذين كفروا ، وهو من معاني القطع الوارد في قوله تعالى [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ] ( ) وهل يتعلق بالوجوه الثلاثة أعلاه مجتمعة ومتفرقة , أم أنه خاص بالوجه الأخير منها .
المختار هو الثاني ، أما الجهتين الأولى والثانية أعلاه فيدخلان في إصابة الذين كفروا بالكبت والخيبة ، ومن وجوه تقدير الآية : ليقطع طرفاً من الذين كفروا بالقتل في المعركة من قبل الملائكة والصحابة ، أو يكبتهم بدخول فريق منهم الإسلام ، فينقلبوا خائبين بايجادهم عوائلهم وقد دخلوا الإسلام ، أو أنهم سيدخلون لما يروا من معاني وأمارات الخيبة عليهم عند وبهد عودتهم من غزوهم المدينة وأطرافها , قال تعالى [وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ] ( ).
ولم تقف الآية عند الإخبار عن الخصومة وموضوعها ، بل أخبرت عن حال الذين كفروا لبيان حقيقة وهي أنهم طرف في الخصومة فلا يصح نسبة طرفي الخصومة إلى المؤمنين ، فقال تعالى [فَالَّذِينَ كَفَرُوا] أي كفروا بربهم وبما أنزل من الكتاب على النبي ، لبيان أن الكفار لا يأتون بحجة أو برهان إنما يعتمدون المغالطة ، ويصرون على الخصومة ، ترى ما كان يضرهم لو تركوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وشأنه ، ويقوم بتبليغ رسالته .
الجواب كان هذا الرأي ظاهراً بين المشركين ، حتى في يوم معركة بدر ، وقبل بدء القتال ، وعندما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مكة قبل الهجرة رآه عتبة بن ربيعة في المسجد ، فقال لأصحابه من رؤساء الشرك في مكة : يا معشر قريش ألا أقوم إلى هذا فأكلمه فأعرض عليه أمورا لعله ان يقبل منها بعضها ويكف عنا قالوا بلى يا أبا الوليد فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكر الحديث فيما قال له عتبة وفيما عرض عليه من المال والملك وغير ذلك حتى إذا فرغ عتبة قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أفرغت يا أبا الوليد . قال نعم .
قال فاسمع مني قال فافعل فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( [بسم الله الرحمن الرحيم حم * تَنزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا]( ).
فمضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقرأها عليه فلما سمعها عتبة انصت لها وألقى بيديه خلف ظهره معتمدا عليهما يسمع منه حتى انتهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى السجدة فسجد فيها .
ثم قال سمعت يا أبا الوليد قال سمعت قال فأنت وذاك فقام عتبة إلى اصحابه فقال بعضهم لبعض نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به .
فلما جلس إليهم قالوا وما وراءك يا أبا الوليد قال ورائي إني والله قد سمعت قولا ما سمعت بمثله قط والله ما هو بالشعر ولا السحر ولا الكهانة يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه واعتزلوه فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ فان تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم وان يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس به قالوا سحرك والله يا ابا الوليد ) ( ).
وتدل هذه المشورة على عظمة الأمر ، وعلو شأن وهيبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وما يدعو إليه بحيث يخشى كبرائهم جداله إلا بعد التحريض من أصحابه ، مشركي قريش , خاصة وقد رأوا إزدياد عدد المسلمين ، ودخول حمزة بن عبد المطلب في الإسلام .
وعتبة بن ربيعة من شخصيات قريش ، وكان يتصف بالسعي في الإصلاح بين القبائل والأفراد والبذل من ماله للإعانة في دفع الديات ، ودرء الفتنة ، فاذا مشى بين خصمين واختلفا على الذي يجب أن يدفع الدية والخسارة منهما أو على مقدار الدية دفعها من ماله وأصلح بينهم .
وقام عتبة من مجلسه حتى جلس بجوار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخاطبه : يا ابن أخي ، ثم بينّ له ما أصاب قومه من دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم للإسلام تسفيه أحلامهم وإعانة آبائهم بسوء إختيارهم عبادة الأصنام وجعلها تركة وارثاً لهم ، ثم انتقل عتبة إلى الحل والعرض ، وفيه حنكة ولباقة ، أي أنه لم يكتف بالعتاب ، ولم يتخذه مقدمة للتوبيخ ، فقد أدرك أن النبي محمداً أسمى وأرفع من التوبيخ ، فانتقل عتبة إلى ما يرتئيه من حل ، وما يعرض من أسباب النفع .
وقال عتبة بأدب : اسمع مني أموراً اعرضها عليك لعلك تقبل منها بعضها .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا أبا الوليد أسمع ، أي إني سامع لما تعرضه فعسى أن يعرض دخوله أو أبنائه الإسلام ، أو الكف عن إيذاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو الرضا بكسر الأصنام حول البيت (عن ابن عباس قال دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكة يوم الفتح وعلى الكعبة ثلثمائة وستون صنما قد شد لهم إبليس أقدامها برصاص فجاء ومعه قضيب , فجعل يهوى به إلى كل صنم منها فيخر لوجهه فيقول[جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا]( )، حتى مر عليها كلها) ( ).
وهل يحتمل مضاعفة قريش لها بعد هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة أو القيام بازالة شطر منها أم أن ذات العدد تقريباً كان موجوداً على الكعبة قبل هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، المختار هو الثاني فتكلم عتبة وذكر ما يعرضه على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، من أمور ومنافع دنيوية وهي :
الأول : قيام قريش بجمع الأموال للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حتى يكون أكثرهم مالاً إذ قال عتبة : إنْ كُنْت إنّمَا تُرِيدُ بِمَا جِئْتَ بِهِ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ مَالًا جَمَعْنَا لَك مِنْ أَمْوَالِنَا حَتّى تَكُونَ أَكْثَرَنَا مَالًا( )، فلم يقل عتبة جمعت لك بصيغة المفرد ، إنما قال تشترك قريش بجمع الأموال ، وكل واحد منهم يدفع من ماله للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، لإرادة كثرة الأموال , وترغيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بها .
وفيه أمارة على أن دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم صارت تنفذ إلى القلوب بما يخشى معه كبار قريش على شأنهم وجاههم المقترن بالكفر ومفاهيم الضلالة .
الثاني : سيادة وأمارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم على قريش ، ليصبح هو الزعيم والرئيس على قريش بشرط ترك الدعوة إلى الإسلام , قال تعالى [يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ] ( ).
الثالث : عدم قطع قريش أمراً إلا بالرجوع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفيه شهادة على تسليم برجاحة عقله وحلمه ، ولم يريدوا أن يقروا بأنه يعمل بالوحي والتنزيل ، إذ يأتي قوله وفعله موافقاً للواقع والحق، قال تعالى[يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا]( ).
الرابع : تمليك النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على قريش ، وأهل مكة وإنشاء نظام الملكية في مكة ليكون خاصاً بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ثم عرض عتبة مسألة أخرى تتعلق بالوحي لإرادة الإستخفاف به ، والإقلال من شأنه إذ ذكر عتبة وجهين :
الأول : أما أن يكون هذا الذي يأتي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نوع من مس الجن ، فتطوع عتبة للعلاج والعرض على الأطباء ، وإنفاق الأموال في طلب الشفاء منه .
الثاني : لعله إرهاص وشعر ورشحات ، من قريحة صافية ، بما وصف معه بني عبد المطلب بالذكاء وسعة الأفق .
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يستمع إلى الوليد ، ليكون هذا اللقاء حجة تأريخية ، ويطلع أهل مكة على الحوار وموضوعه بينهما وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عرضت عليه الدنيا مالاً وجاهاً وسلطاناً فأبى إلا القيام بتبليغ الرسالة .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أفرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم، قال: فاستمع مني، قال: أفعل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ( بسم الله الرحمن الرحيم حم. تنزيل من الرحمن الرحيم. كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً ) فمضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرأها عليه( ).
وهو من الإعجاز الغيري للآية القرآنية في إتخاذها جواباً ورداً ومادة للإحتجاج وحرزاً وواقية في آن واحد ، فلم يكن مجئ عتبة للجدال وعرض أمور على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وترغيبه فيها ، إنما هو مقدمة للإنتقام منه إذا لم يستجيب لرغائب وطلب قريش .
استمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتلاوة آيات سورة فصلت وعتبة يسمع منه في انبهار ، ووضع يده وراء ظهره وأتكأ عليها حتى إذا قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الآية الأخيرة منها [فَإِنْ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْأَمُونَ] ( ) سجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لله عز وجل ، وفي مضامينها تعريض بعتبة بن ربيعة وكبراء قريش ، وهذا التعريض أمر عرضي ، وليس مقصوداً من النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالذات إنما هو موضوع عام ينطبق على مصداقه في تلك الساعة .
ورفع النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأسه من سجود التلاوة و(قال: ” سمعت يا أبا الوليد ؟ ” قال: سمعت.
قال: ” فأنت وذاك) ( ).
لقد عرض عتبة على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أموراً من زينة الدنيا لم تعرضها قريش على غيره ، خاصة وأنهم تجار ورؤساء قوم يستنكفون من عرض الأموال والرئاسة والسلطنة على غيرهم ، ولكنهم أدركوا حاجتهم وشأنهم إلى وقف الدعوة النبوية ، ولم يعلموا أن حاجتهم في الدنيا والآخرة باتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم والعمل بأحكام هذه الدعوة ، فمن ضلالة الذين كفروا المغالطة والإرباك والخطأ في تعيين المصالح والمفاسد ، والتفريق بينهما ، وذات الأمر وقع به المنافقون فقال تعالى [ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ] ( ).
وقد بيّن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حاجة الناس للإيمان وتلاوة القرآن ، ترى لماذا قرأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم سورة فصلت بالذات على عتبة ، الجواب كل آية من آياتها إنذار وتحذير للذين كفروا ، وفيها رد على العرض الدنيوي الذي جاء به عتبة ، كما في قوله [مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ] ( ) وإذ قال الله تعالى [هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ] ( ).
وكان سبب النزول هو تقدم عتبة بن ربيعة ذاته وأخيه وابنه لطلب المبارزة في يوم معركة بدر ، لتأتي سورة فصلت إنذاراً متقدماً لهم ، إذ ورد فيها قوله تعالى [مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ] ( ).
ويبين الحوار بين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعتبة بن ربيعة في البيت الحرام سنخية رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنها تتقوم بالإحتجاج والبرهان العقلي ، وليس فيها قتال أو وعيد بالقتال ، وتبين قانون وهو كفاية قراءة آيات القرآن في جذب الناس لمنازل الهدى والإيمان .
ومن خصائص بعث الأنبياء تجلي الفضل الإلهي عليه وعلى الناس جميعاً بصيرورة المعجزات التي تجري على يدي النبي أضعاف ما يحتاج إليه في دعوته وما تقوم به البينة على صدق دعواه .
وجاءت معجزات الأنبياء حسية تدرك بالحواس مثل ناقة صالح ، وعصا موسى ، وإبراء عيسى عليه السلام للمرضى المؤمنين ، ليكون فيه بشارة الشفاء من هذه الأمراض في هذه الأزمنة ، وفي التنزيل [وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ] ( ).
وقيّد عيسى عليه السلام معجزاته بأنها باذن الله ، وفيه مسائل :
الأولى : دعوة الناس لعبادة الله عز وجل .
الثانية : بيان قانون وهو يجب ألا تنسي المعجزة الناس ذكر الله ،قال تعالى [أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ]( ) .
إنما هي مناسبة لذكره سبحانه والتقريب إلى طاعته وعبادته ، فيقول عيسى للناس : معجزاتي هذه باذن الله ، وأن الله عز وجل يأمركم بطاعته وأداء الصلاة .
الثالثة : لزوم الإمتناع عن الغلو بالأنبياء .
الرابعة : بيان قانون وهو لو شاء الله عز وجل لأوقف توالي ذات المعجزة ، وفي التنزيل [مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ] ( ).
الخامسة : بيان قانون في التخفيف عن الناس والتمييز بين النبي وغيره بان يأتي النبي بالمعجزة ، وهل هذا القانون من البشارات ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، الجواب نعم ، وفيه دعوة إلى الناس للإمتناع عن التصديق بدعوى النبوة كذباً ، ولزوم عدم نصرة الكاذب ، فقد يدعيّ النبوة ملك أو سلطان وتهيئ له حاشيته أسباب التبليغ ، وقد إدعى فرعون ما هو أكبر ، إذ قال [أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى] ( ) وزمان فرعون متقدم على زمان عيسى عليه السلام ، وفيه نكتة عقائدية في سنخية العقائد في الأرض وإضمحلال مدعي الربوبية ثم النبوة مع تقادم السنين وتوالي بعثة الأنبياء .
ليكون هذا التوالي معجزة أخرى وسوراً جامعاً في معجزات الأنبياء بأن لا ينظر لمعجزات كل نبي على نحو مستقل فقط بل لابد من النظر لها مجتمعة أيضاً، وهو قانون من وجوه :
الأول : قانون دلائل الجمع بين معجزات الأنبياء .
الثاني : قانون أسرار توالي معجزات الأنبياء .
الثالث : قانون أثر ونفع معجزة النبي السابق على نبوة ورسالة النبي اللاحق .
الرابع : قانون منافع معجزات النبي اللاحق على النبي السابق .
الخامس : قانون المعجزة ميراث النبوة .
السادس : قانون إنتفاع الناس من معجزات الأنبياء .
السابع : قانون موضوعية معجزات الأنبياء في تثبيت عبادة الله في الأرض .
الثامن : قانون تلقي طائفة أهل زمان النبي معجزاته بالتصديق والقبول والإيمان .
فان قلت من الأنبياء من يبعث إلى أهل قرية ، الجواب نعم فلابد أن يؤمن بنبوته شطر من أهل بيته ومن قريته لبيان فضل الله عز وجل على المسلمين بتصديقهم وإيمانهم بكل معجزات الأنبياء مجتمعة ومتفرقة .
فان قلت لا يعلم المسلمون كل معجزات الأنبياء ، الجواب نعم ، إلا أنهم يقرون بنبواتهم ، ويعلمون بقانون ، وهو إقتران المعجزة بالنبوة ، وفي التنزيل [وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ]( ).
ثم قال تعالى بعد هذه الآية بثلاث آيات [سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ] ( ).
وهل في معجزات الأنبياء رجحان لكفة الذين آمنوا في خصومتهم مع الذين كفروا ، الجواب نعم ، ويكون تقدير قوله تعالى [هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ] ( ) على وجوه :
الأول : هذان خصمان اختصموا في ربهم ، أحدهما يؤمن بمعجزات الأنبياء والآخر يجحد بها .
الثاني : هذان خصمان أحدهما مبصر ومقر بمعجزات الأنبياء ، والآخر غافل عنها .
الثالث : هذان خصمان أحدهما يدعو للتصديق بمعجزات الأنبياء، والآخر يصر على انكارها .
الرابع : هذان خصمان اختصموا في معجزات الأنبياء بلحاظ أنها نعمة من عند الله سبحانه.
الخامس : هذان خصمان أحدهما يدعو للتصديق بمعجزات الأنبياء ولا يضره صدود وإنكار الخصم ، وهو من مصاديق قوله تعالى في ذم الذين كفروا [َلنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا] ( ) .
السادس : هذان خصمان أحدهما يجني الحسنات بالتصديق بمعجزات الأنبياء ، والآخر يرتكب الآثام باصراره على إنكارها .
السابع : هذا خصمان مؤمن وكافر .
الثامن : هذان خصمان أحدهما يريد تثبيت معالم الإيمان بالتصديق بمعجزات الأنبياء ، والآخر يريد بقاء عبادة الأوثان في الأرض .
فان قلت إن قريشاً لم يعلموا بمعجزات الأنبياء ، والقدر المتيقن هو رؤيتهم وسماعهم لمعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهل من استصحاب قهقري في المقام ، والجواب لقد جاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالمعجزات الخاصة به حسية كانت أو عقلية ، وجاء بوجوب التصديق بمعجزات الأنبياء ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا] ( ) ويأتي الإستصحاب بآيات القرآن التي تبين الآيات والمعجزات التي جاء بها الأنبياء بالإضافة إلى أخبار أهل الكتاب .
ويحتمل تقدير الآية أعلاه وجوهاً :
الأول : يا قريش وما آتاكم رسول الله فخذوه .
الثاني : يا أيها الذين آمنوا ما آتاكم الرسول فخذوه .
الثالث : يا أيها الناس ما آتاكم الرسول فخذوه .
ولا تعارض بين هذه الوجوه ، وكلها من مصاديق الآية بلحاظ أن رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الناس جميعاً ، ولو تلقى الناس معجزات الأنبياء بالقبول لما وقعت الخصومة في العقائد ، لذا فان آية البحث قيدت هذه الخصومة بأنها في الربوبية المطلقة لله بقوله تعالى [هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ] ( ) وذات الآية حجة على الذين كفروا لأنهم يخاصمون الذين يدعونهم إلى عبادة الله .
وفي نوح ورد قوله تعالى [وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلاَ تُنْظِرُونِ] ( ) .
ولقد عمّر نوح في قومه ثم دعا الله عليهم ، إلى أن جاء الطوفان ، أما النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فان الله أمره بالهجرة ليدخل مكة فاتحاً محرراً لها من براثن الشرك والضلالة .
ومن الإعجاز في فتح مكة تجلي قانون دخول الناس أفواجاً وجماعات وقبائل في الإسلام , قال تعالى[إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً]( ).
الآية العشرون
قوله تعالى [ وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ] ( ).
تبين هذه الآية جحود كفار قريش بالذي جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من التنزيل والمعجزات ، وبيان عنادهم واستعدادهم لتحمل الأذى والضرر ، فيدعون على أنفسهم ، ويسعون بالإضرار بأنفسهم إذا كانت معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حقاً وصدقاً .
وذكر في أسباب نزول الآية وشخص القائل [فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ] ( ) وجوهاً :
الأول : إنه النضر بن الحارث ، عن ابن عباس( ) .
(قال عطاء : لقد نزلت فيه بضع عشرة آية من كتاب الله عزّ وجلّ)( )، وهو بعيد.
الثاني : إنه أبو جهل ، وهو القائل [فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنْ السَّمَاءِ]( ). عن أنس بن مالك .
الثالث : القائل هو الحارث بن النعمان الفهري.
الرابع : إنه قول جماعة من قريش.
ولا تعارض بين هذه الوجوه ، وكلها من مصاديق آية البحث ، وصيغة الجمع فيها [إذ قالوا].
وقد ورد لفظ [أَمْطِرْ] سبع مرات في القرآن ، وكلها في الأذى والعذاب ، قال تعالى [وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ] ( ) وأما المطر فهو أعم وقد يأتي بالرحمة والبركة .
ويبين نظم هذه الآية والآيات المجاورة لها أن موضوعها أعم من أن يختص بشخص واحد من المشركين ، إذ تبين الآية جحود كفار قريش ، واستخفافهم بالتنزيل ونعته بأنه [أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ] ( ) الله عز وجل تبكيتهم وإنذارهم وإقامة الحجة عليهم ، قال تعالى [فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ]( ).
وتبين الآية سنخية الخصومة بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين من جهة وبين الذين كفروا من جهة أخرى ، وهم في مكة وأنه لم يصل إلى مرتبة القتال .
تكشف الآية قبل السابقة مقدمات لهذا القتال تتجلى باصرار الذين كفروا على التصدي للنبوة والتنزيل ، ولو بقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقوله تعالى [وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ] ( ).
إذ تبين الآية أعلاه سعي كفار قريش للبطش بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وتقدير بداية الآية : يا أيها الرسول إذ يمكر بك أي أن مكر قريش بالنبي بصفته رسولاً من عند الله عز وجل .
والمكر هو تدبير أمر في خفاء ، وقد يكون في خير أو شر ، فهو من المتضاد في مصداقه ، وقد اجتمعا في ذات الآية أعلاه ، إذ إبتدأت بالمكر السئ من قبل المشركين ، وأختتمت بالمكر بالخير في آخرها لبيان قانون من مصاديق [لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ] ( ).
وجاء القرآن بتقييد الذم بخصوص المكر السئ ، وبيان بطلانه وسوء عاقبته ، قال تعالى [وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ] ( ).
وذات النسبة في المعنى والتضاد في لفظ الكيد ، وهو الإحتيال والإجتهاد، فقد يأتي في الخير وقد يأتي في الشر ، قال تعالى [إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا* وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلْ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا] ( ).
وبينما جعلت آية المكر كلاً من مكر الله ومكر الذين كفروا في آية واحدة ، فقد ورد في الآيتين أعلاه ذكر كيد الذين كفروا في آية ، وذكر كيد الله عز وجل في آية أخرى , ولابد له من دلالات .
لبيان أن كفار قريش يكيدون بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه وان الله عز وجل يكيد بهم ، ويقطع عليهم سبل الإضرار بالنبي والمؤمنين ، ويكيد بالخير والفلاح وسلامة والأمن للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لبيان قانون وهو أن مكر الله عز وجل هو الذي يبقى وينتصر ، ولا يختص مكر الذين كفروا في مكة وأيام إقامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيها قبل الهجرة إنما يشمل مكرهم خروجهم لقتاله في معركة بدر وأحد والخندق لبيان مصداق لقوله تعالى صلى الله عليه وآله وسلم .
(عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد ، ولقد أخفت في الله وما يخاف أحد ، ولقد أتت علي ثالثة وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا ما يواري ابط بلال) ( ).
ومع صبر الذين آمنوا في مقامات الإيمان يكون مكر الذين كفروا واهناً وضعيفاً في ذاته وأثره وأن تعدد وكثر ، قال تعالى [وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ] ( ).
ومن الإعجاز مجئ الآية أعلاه في سورة العنكبوت لبيان أن مكر وكيد الذين كفروا متشابك ومتداخل كخيوط بيت العنكبوت والتي أثبت العلم أنها بقوة الفولاذ من ذات حجمها ، ويتجلى الوهن من وجوه :
الأول : قتل أنثى العنكبوت للذكر بعد تلقيحه لها ، وتتغذى على لحمه مدة الحضانة للبيض .
الثاني : بعد تفقيس البيض تتغذى بعض اليرقات على الضعيف منها .
الثالث : بعد اشتداد عود اليرقات المتبقية تقوم العناكب بأكل أمها لأنها صارت أضعف الموجود في البيت .
فيتجلى الضعف بالبطش والقتل بين أفراد البيت الواحد ، وقد جاء القرآن بالحث على طاعة الوالدين ، والتأكيد على الآباء والأمهات بالعناية بالأبناء ، قال تعالى [وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا]( ) .
(عن أبي بكرة قال : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا : بلى يا رسول الله . قال : الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين ، وكان متكئاً فجلس فقال : ألا وقول الزور . ألا وشهادة الزور ، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت) ( ).
وأخرج ابن أبي حاتم عن بريدة قال : إن أكبر الكبائر الشرك بالله ، وعقوق الوالدين ، ومنع فضول الماء بعد الري ، ومنع طروق الفحل إلا بجعل) ( ).
(عن عبد الله بن عمر قال : جاء رجل إلى النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – يريد الجهاد ، فقال : ألك والدان؟ قال : نعم . قال : ففيهما فجاهد)( )، أي بالبقاء معهما وملازمتهما وبرهما.
وفيه آية أنه مع مكر الذين كفروا فان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدعو إلى تقدم طاعة وإرضاء الوالدين على الهجرة والجهاد .
وهل هذا التقديم من مكر الله الذي تذكره الآية أعلاه من سورة الأنفال ، الجواب نعم من جهات :
الأولى : لا ينطق النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا عن الوحي ، وبأمر من عند الله عز وجل ، قال تعالى[وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى]( ).
الثانية : بيان قانون وهو أن بر الوالدين والعناية بهما خير محض ، وشاهد على الإيمان .
الثالثة : تأكيد بناء الإسلام لصرح الأخلاق الحميدة ، وإصلاح شؤون الأسرة ، وهو مطلوب بذاته ، ووسيلة للتدبر بمعجزات النبوة ، وأداء الوظائف العبادية .
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (إنّ المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة قائم الليل صائم النهار) ( ).
الرابعة: تجلي كفاية الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين ، ودفع مكر وكيد الذين كفروا ، وعدم إنحصار هذا الدفع بالقتال ونحوه ، إنما يأتي بالإستغناء عن أفراد من المؤمنين بعدم خروجهم إلى الدفاع.
الخامسة : بيان قانون تقديم الأهم على المهم وأن الأولوية هو العناية بالأسرة ، وسلامة الصلات والمودة بين أفرادها ، والتعاون في قضاء الحاجات .
السادسة : من مقابلة الله عز وجل لمكر الذين كفروا أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم لبعض أصحابه بالعودة للعناية بالوالدين .
السابعة : هل أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا لبعض أصحابه بالعودة لبر الوالدين من مصاديق الحق الذين ذكرته آية البحث [وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً]( ).
الجواب نعم ، بلحاظ أن قول وفعل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الحق ومصداق للوحي ، ومنه حرمة الوأد والتي جاء بها القرآن والسنة.
لقد جاهد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لإزالة الأصنام عن الكعبة ، وإبعاد عبادتها عن الأذهان ، ودعا الناس إلى التنزه عن العادات المذمومة ومنها الوأد والسبي القبلي والظلم والتعدي والأسر بغير حق وإيذاء الغلمان والعبيد ورغبّهم بعتق العبيد، وصار هذا العتق نوع كفارة وستر للذنوب لبيان فضله عند الله عز وجل .
وتتصف السور المكية بصيغة الإنذار والتخويف والوعيد ونزل القرآن باخبار الأمم السابقة ، وما لاقاه الكفار من أقوام الأنبياء ، وجاء البيان والإنذار على أقسام :
الأول : عام يشمل المشركين ، قال تعالى [قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ] ( )وقال تعالى [فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ]( ).
الثاني : بيان العذاب الذي يشمل أمماً متعددة من أقوام أنبياء مخصوصين منه قوله تعالى [أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ] ( ) .
وقال تعالى [فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ]( ).
الثالث : إخبار القرآن عن العذاب الذي حلّ بأمة مخصوصة من أقوام الأنبياء ، كما في قوم نوح وثمود وصالح وقوم لوط ، وفي عاد قوم هود قال تعالى [وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ]( ).
الرابع : ذكر أمم نزل بها العذاب ، كما في قوم سبأ، قال تعالى [فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ] ( ).
وجاءت السنة النبوية بتلاوة هذه الآيات على الذين كفروا ، وبيّن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تفاصيل من قصص هذه الأمم ، فمن الناس من دخل الإسلام ، وأيقن أن هذه الآيات حق ، ونازلة من عند الله عز وجل ، ولكن رؤساء قريش أصابهم الغرور ، وأخذهم الإستكبار فأظهروا العناد ، وسألوا الله عز وجل أن ينزل عليهم حجارة من السماء إن كان القرآن نازلاً من عنده ، أي أنهم ينكرون نزوله فلا يخافون الحجارة ،فجلبوا على أنفسهم بهذه المغالطة الضرر والبلاء ، وهو وفق القياس البرهاني :
الكبرى : سأل الذين كفروا نزول الحجارة عليهم إن كان القرآن نازلاً من عند الله .
الصغرى : القرآن نازل من عند الله .
النتيجة : نزول الحجارة على الذين كفروا من عند الله إن شاء الله سبحانه.
ومن الخطأ أن يدعو الإنسان على نفسه فقد تكون تلك الساعة ساعة استجابة ، فكيف بالذين كفروا ،وهم يدعون من مقامات الإقامة على الكفر والجحود .
ليكون نزول الحجارة عليهم وعموم العقوبة من مصاديق قوله تعالى [وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ] ( ) وكلام المشركين أقرب إلى الجحود والصدود منه إلى الدعاء والمسألة .
وروي أنه لما قال النضر بن الحارث [إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ] ( ) قال له النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم : ويلك إنه كلام الله عندئذ قال النضر [فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ] ( )، ومن الإعجاز في آية البحث مجيؤها بصيغة الجمع [وَإِذْ قَالُوا].
وكما أنزل الله عز وجل حجارة من السماء على قوم لوط الذين كفروا بنبوته فاهلكتهم .
وفي قوم فرعون ورد حكاية عن موسى في دعائه [رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ] ( ) فصارت دنانيرهم الذهبية ودراهمهم الفضية حجارة منقوشة ، أي ذات النقوش الموجودة على الدنانير والدراهم تظهر على الحجارة ، وقد يأتي يوم يتم اكتشاف هذه الآية والمعجزة بالتنقيبات في الآثار في الإهرامات أو غيرها .
وفي هذا الزمان قد يبتلى قوم بكساد التجارة أو بهبوط سعر العملة فتفقد ثلاثة أرباع قيمتها أو أكثر.
ويصرف الله عز وجل البلاء بالحمد له والشكر والإستغفار .
ومن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أمور :
الأول : عدم حجب آيات القرآن عن الناس .
الثاني : عمل المسلمين بمضامين آيات القرآن .
الثالث : إستماع الناس إلى آيات القرآن كل يوم ، وهو من أسرار تلاوة كل مسلم ومسلمة لآيات القرآن في الصلاة اليومية الواجبة ، ومن لم يسمعها ظهراً يسمعها عصراً أو عند الغروب والعشاء ، وتخترق قراءة المسلمين القرآن صمت الفجر لتخالط شآبيب ضياء النهار ، وتنفذ إلى القلوب ، لتكون من مصاديق قوله تعالى [سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ] ( ).
وهذه القراءة جامعة للآيات في الآفاق والآيات في النفوس ، ومن أسرارها أنها متكررة كل يوم وهل تدفع هذه القراءة الآفات الكونية كالزلازل والصاعقة والبراكين ، الجواب نعم .
لقد قيد الذين كفروا نوع وجهة صدور الحجارة التي تأتيهم بأنها من السماء ، ويحتمل وجوهاً :
الأول : إرادة عاصفة من الحجارة .
الثاني : مجئ حجارة مع الريح والسماء ونزولها كالمطر .
الثالث : المراد حجارة مخصوصة من السماء ، وتتصف بصفات تختلف عن صفات الحجارة التي في الأرض .
والمختار هو الثالث .
لقد جاءت آية البحث بصيغة الجمع [وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ..] مما يدل على الحال العام عند الكفار بانكارهم نبوة ومعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وفيه شاهد على الأذى الذي كان يلاقيه من قومه .
ولم يرد لفظ [قَالُوا اللَّهُمَّ..] في القرآن إلا في آية البحث ، وهل تدل الآية على إيمان كفار قريش بالله عز وجل ، الجواب لا ، لأنهم قوم مشركون لجأوا إلى الأصنام ، وإتخذوها وسائط وآلهة تعبد ، ولكنهم توجهوا إلى الدعاء على أنفسهم لأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم أخبرهم بأنه رسول من عند الله عز وجل ، وهم لا يريدون أن تأتيهم الأوامر والنواهي في باب العبادة ، والأخلاق الحميدة ، والسنن والأحكام العامة ، ومن يذكرهم بعالم الآخرة والعذاب الذي ينتظر أهل المعاصي والسيئات .
وعن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به، كمثل رجل أتى قومه فقال: يا قوم، إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان، فالنجاء النجاء! فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا، وانطلقوا على مهلهم فنجوا، وكذبه طائفة منهم فأصبحوا مكانهم، فصبَّحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني واتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكَذب ما جئت به من الحق( ).
ويحتمل قصد الذين كفروا بمحل نزول الحجارة وجوهاً :
الأول : إرادة خصوص الذين كفروا ، بأن تأتي لكل فرد منهم حجارة من السماء تقتله ، وتكون آية بينة على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وتأكيداً بأن الله الذي أنزل القرآن رحمة للناس هو الذي ينزل الحجارة على الذين كفروا به.
الثاني : المقصود نزول الحجارة على بيوت الذين كفروا لتهلكهم وأهليهم وتتلف أموالهم .
الثالث : إرادة إصابة الحجارة لأهل مكة .
الرابع : نزول الحجارة من السماء كماء المطر ، فتكون معجزة وشاهداً على صدق بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ولا تعارض بين هذه الوجوه من جهة الدعوى وإرادة الذين كفروا تحقق آية من البلاء العام الذي تنزل معه العقوبة الشديدة التي تكون تصديقاً لنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وتقدير الآية وإذ قالوا اللهم ان كان هذا هو الحق من عندك فامطر على كل واحد منا حجارة ) .
وتبين الآية صدور الجحود برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى طائفة متحدة منظمة تتوافق في الرأي ، وهل في كلامهم هذا نوع مقدمة للبطش بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين .
الجواب نعم ، فحينما لم تنزل عليهم حجارة من السماء لم يحل بهم عذاب إليم فانه مناسبة لهم للإضرار بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتحريض الناس على عدم الإصغاء لدعوته إلى الله .
إذ تبين الآية بلوغ الذين كفروا مرتبة التحدي والحرب على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بدعوته إلى الله ، فاما أن تنزل عليهم حجارة من السماء او يأتيهم عذاب أليم ، لتجلي وثبوت معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبطلان إدعائهم .
لقد كان رجال قريش أهل تجارة وكثيري الأسفار ، ويختلطون مع أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، ويستمعون إلى قصص الأمم السابقة ، وهو من مصاديق قوله تعالى[لِإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ]( )، وقد ذكرت التوراة والإنجيل قصة لوط وهلاك قومه بالحجارة .
وجاء القرآن بتأكيد هذه العقوبة ، وما لحق الكفار من أمم أخرى من العذاب الأليم.
وكانت قريش تجتمع في البيت الحرام وفي دار الندوة والذي يستمع أخبار الأمم أخبار السابقة والأشعار والقصائد والقصص يأتي بها ليبلغها قومه من رجالات وشباب قريش رجالاً ونساءً .
ويأتي النضر بن الحارث ليقص عليهم قصص ملوك وأبطال فارس وتاريخ الأمم بقصد محاكاة قصص القرآن [وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ]( ).
وهل صارت هذه القصص واشاعتها نوع تحد لآيات القرآن ، الجواب لا، للتباين الموضوعي بين قصص القرآن النازلة من عند الله ، وما يكتبه البشر من الحكايات , وما وقع من الأحداث والنفع العام الذي يتجلى من كل كلمة وآية تتعلق بقصة قرآنية ، قال تعالى [لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ] ( ) .
ومن قصص القرآن :
الأولى : خلق آدم وعلة وأسباب نزوله إلى الأرض .
الثاني : قصة نوح وإنكار قومه لنبوته ، وهلاكهم بالطوفان .
الثالث : أصحاب الكهف ، قال تعالى [أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا]( ).
الرابع : معجزة ناقة صالح ، وما أصاب الذين عقروها .
الخامس : قصة النبي إبراهيم .
السادس : بناء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام للبيت الحرام .
السابع : القصص الخاصة بنبوة موسى عليه السلام ومنها :
الأولى : سلامة موسى من القتل في طفولته مع أمر فرعون بقتل الذين يولدون في بني اسرائيل في سنة ، وتركهم في السنة التالية لتبقى ذرية منهم يخدمون آل فرعون ويقومون بشؤون الزراعة والمهن البسيطة ، فولد هارون في السنة التي ليس فيها ذبح ، وولد موسى في السنة التي فيها ذبح وقتل ، وكانت نجاته معجزة متعددة من حيث ولادته ، وفي التنزيل [وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ] ( ) .
الثانية : حضانة موسى عليه السلام في بيت الملك ، ونجاته من القتل .
الثالثة : الآيات المتعددة في عصا موسى ، وصيرورة السحرة مسلمين حينما رأوا أنها معجزات وليس سحراً ، قال تعالى [وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ] ( ) .
الرابعة : قصة موسى والخضر .
الخامسة : قصة موسى عليه السلام وقارون .
الثامن : قصة ذي الكفل .
وكذا ذكر في ولادة إبراهيم عليه السلام أنه ولد في زمان نمرود بن كنعان الذي هو أحد أربعة ملكوا الأرض كما يأتي في حديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
وكان الملوك يلجأون الى المنجمين وعلماء الهيئة لقراءة الطالع ، ومعرفة أحوال الملك ومستقبل أيامهم وإن لم يصدقوا في كل كلامهم ، وفي أحد الأعوام أخبروه بأنه سيولد في ذات السنة غلامم يكون فيه هلاكهم وهلاك دينهم وتكسر أصنامهم على يديه .
فوضع نمرود القوابل على النساء ، ومنع أن يولد غلام من غير حضور القابلة ، وما ولد غلام في تلك السنة إلا قُتل أما إذا كان المولود بنتاً فانهم يتركونها .
ومن النادر في التأريخ أن تكون فيه رغبة الأبوين والأسرة أن يكون المولود بنتاً ، وكان حمل إبراهيم في بطن أمه كأنه في ظهرها بما يكون تورية على القابلات ، قال تعالى [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ]( ).
وعندما جاء المخاض إلى أمه خرجت به ، فوضعته وأدخلته سرباً ، ووضعت عليه غطاء ، وكانت تأتيه وتتعاهده ، وكان يشب على نحو سريع لا يشبه الصبيان في آية من عند الله عز وجل ، وإصلاح له للنبوة والرسالة ، وحينما خرج ابراهيم من السرب رآى الزهرة وأبهره حسنها وبهاءها فقال : هذا ربي ، ثم رآى القمر في ليلة البدر ، وقال هذا ربي ولما غاب في الأفق ، أدرك أنه ليس رباً ، وهكذا بالنسبة للشمس ، وكان كلامه حجة على الذين كفروا ، وتبكيت لهم بالأولوية القطعية لأنهم عبدوا الأصنام ، قال تعالى[وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنْ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ]( ).
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام في قول إبراهيم عليه السلام : (هذا ربي) قال : لم يكن من ابراهيم شرك أنما كان في طلب ربه ، وهو من غيره شرك)( ).
وقيل لما دخل يوسف على الملك قال له: كيف أنت يا إبراهيم ؟ قال: أنا لست بابراهيم، أنا يوسف بن يعقوب بن اسحاق بن إبراهيم قال: وهو صاحب إبراهيم الذي حاج إبراهيم في ربه، قال: فكان أربعماءة سنة شاباً.
وهو بعيد ، إذ أن الملك في أيام يوسف عليه السلام هو غير ملك مصر في أيام إبراهيم .
وأخرج ابن الجوزي في تاريخه عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ملك الأرض أربعة مؤمنان و كافران فالمؤمنان ذو القرنين وسليمان , والكافران نمروذ وبخت نصر وسيملكها خامس من أهل بيتي( ).
التاسع : قصة زكريا وتفضل الله عز وجل والمنّ عليه بمولود عن كبر هو النبي يحيى .
العاشر : قصة النبي أيوب .
الحادي عشر : قصة النبي عيسى عليه السلام وولادته بالمعجزة، ومعجزاته الحسية المتعددة.
وغيرها من قصص الأنبياء والأمم السالفة في القرآن لبيان الإعجاز فيه ، وفضل الله عز وجل على المسلمين باتخاذ كل قصة منها موعظة وعبرة، قال تعالى[لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ]( ).
ترى ما المراد من اسم الإشارة هذا في قوله تعالى [اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ] ( ) الجواب فيه وجوه :
الأول : بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنه رسول من عند الله .
الثاني : آيات القرآن التي تتلى على الناس ، فان قلت الآيات جمع مؤنث ويناسبه اسم الإشارة (هذه ) ولو كان المقصود آيات القرآن لكان تقدير آية البحث : اللهم ان كانت هذه هي الحق من عندك ) والجواب إنما يأتي التذكير لإرادة العنوان الجامع للمذكر والمؤنث ، كما في النداء القرآني [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] والذي يشمل المسلمين والمسلمات .
وهل يصح الإستدلال في المقام بقول المتنبي :
(فما التأنيث لاسم الشمس عيب … ولا التذكير فخر للهلال) ( ).
الجواب لا ، لأن كل آية فخر للإنسانية وللنبوة ، وإذا كان شطر البيت أعلاه صحيح إذ أن التأنيث ليس برزخاً دون فخر الشمس كآية كونية يومية من عند الله ، فان التذكير فخر للهلال كآية قال تعالى [هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ]( )فوصفت الآية أعلاه بصفة تذكير وأنها ضياء من عند الله عز وجل .
الثالث : دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الناس لدخول الإسلام .
الرابع : إقرار أهل مكة بأن الله عز وجل هو ربهم ، وهو من عمومات وأسباب تيسير بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن بقايا الحنيفية الإبراهيمية ، وهل فيه تخفيف عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في دعوته إلى الله ، الجواب نعم .
الخامس : إرادة مضامين آيات القرآن ، ومنها الوعيد بالعذاب الآخروي للذين كفروا ، ومن خصائص الآيات المكية أنها تذّكر الناس بعالم الآخرة ، وتبين دخول الذين كفروا النار فكأن المشركين سألوا الله تعجيل عذابهم ، وبدل أن يتدبر المشركون بالمضامين القدسية لهذه الآيات ، ودلالاتها فانهم سألوا الله العذاب ، إن كان الحساب والمعاد حقاً ، ليدل على أمور :
أولاً : عناد الذين كفروا .
ثانياً : إظهار الذين كفروا الإستكبار .
ثالثاً : إرادة الذين كفروا تحريض الناس على الكفر , وعدم مغادرة مستنقعه .
وهل في هذه الآية دلالة على أن كيفية جحود الذين كفروا هذا توطئة ومقدمة لإرادتهم قتل النبي محمد , الجواب نعم .
وهل في الآية إنذار للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بالهجرة من مكة ، الجواب لا دليل عليه ، ولكن هذا الإنذار يستفاد من آيات ووقائع أخرى .
السادس : حالما بعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالرسالة وقف يصلي في المسجد الحرام ، ليصلي خلفه في اليوم الثاني خديجة أم المؤمنين والإمام علي عليه السلام ، ليكون من مصاديق اسم الإشارة (هذا) في آية البحث ، أداء النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت الصلاة في المسجد الحرام وما فيها من الركوع والسجود .
قانون عذاب قوم لوط
قوم لوط وهم أهل (مدينتين وهما سَدُوم وعاموراءُ) ( ) في منطقة الأغوار في فلسطين والأردن ، وقد بعث الله عز وجل لهم النبي لوطاً يدعوهم لعبادة الله وتوحيده وحده لا شريك له، وينهاهم عن المنكرات وفعل الفواحش ، وكانوا يتصفون باتيان اللواط، ويأتون الرجال بدل النساء ، واجتهد لوط في بيان قبح هذا الفعل ، وكونه سبباً بتعطيل الأرحام وبيّن لهم سوء عاقبة هذا الفعل ، وعقابه يوم القيامة ، إذ ورد في التنزيل [وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْعَالَمِينَ * إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ] ( ) فلم يستمعوا له , ولم يستجب له إلا طائفة قليلة منهم .
ويحتمل معنى اللواط لغة وجوهاً :
الأول :إنه مأخوذ من فعل قوم لوط ، ونسبته إليهم .
الثاني : المراد الإلصاق (ويقال : لاط الحوْضَ بالطين لَوْطاً طَيَّنه والتاطَه لاطَه لنفسه خاصّة وقال اللحياني لاط فلان بالحوْض أَي طَلاه بالطِّين وملَّسه به فعدّى لاط بالباء قال ابن سيده وهذا نادِر لا أَعرفه لغيره إِلا أَن يكون من باب مَدَّه ومَدَّ به .
ومنه حديث ابن عباس في الذي سأَله عن مال يَتِيم وهو والِيه أَيُصِيب من لبن إِبله ؟ فقال إِن كنت تَلُوط حَوْضَها وتَهْنَأُ جَرْباها فأَصِبْ من رِسْلها قوله تلُوط حوضَها أَراد باللَّوْطِ تطيين الحوض وإِصْلاحَه وهو من اللُّصُوق ومنه حيث أَشْراطِ الساعةِ ولتَقُومَن وهو يَلُوط حوضَه) ( ).
الثالث : الجامع المشترك بين المعنيين أعلاه .
والمختار هو الأخير أعلاه .
ولوط هو ابن هاران بن تارح ، وكان عمه إبراهيم عليه السلام والذي تولى تربيته بعد وفاة أبيه ، وهو الذي أمره أن يهاجر إلى قرية سدوم ، وليس فيها مؤمن ليدعو أهلها ومن حولها من القرى في غور الأردن إلى الإسلام كما أسكن إبراهيم ولده إسماعيل وأمه هاجر عند البيت الحرام ، كما ورد في التنزيل [رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ] ( ) .
وفزع لوط من القبائح التي كان يفعلها أهل هذه القرية ، فهم يقطعون الطرق ، وابتدعوا فاحشة وهي إتيان الرجال في أدبارهم ، والتجاهر بهذا الفعل ، وقيل ان ابليس مرّ بناحيتهم بهيئة شاب ، وأرادوا إيذاءه فدعاهم إلى نفسه وفعل الفاحشة معه، وصاروا يفعلونها مع من يأتي قريتهم ، وكانت أرضهم خصبة وتكثر عندهم الثمار فيقصدهم الناس ، فامتنع الناس عنهم .
وكان لوط مثل باقي الأنبياء لم يقصد القتال ، ولم يحارب القوم الفاسقين ، مع أنه في مقام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، إنما إكتفى بالإحتجاج عليهم ، وبيان سوء عاقبة وعقاب الذين يرتكبون هذه الفواحش ، فقالوا [ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنتَ مِنْ الصَّادِقِينَ] ( ) لم يطيقوا استمرار لوط بالنصح والموعظة إذ قالوا [أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ] ( ) .
وفيه حجة عليهم بالتسليم بتزكية وسلامة ما يدعو إليه لوط ، وأن ترك اللواط والفواحش طهارة وهو أمر حسن بذاته وأثره ، ولو امتنعوا عن المغالطة والجحود فهل ينزل الملائكة لعذابهم أم يمهلهم الله عز وجل.
والمختار هو الثاني لبيان قانون وهو أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نعمة على الناس جميعاً .
لبيان أن تفضيل المسلمين في قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ) أي أن الخير والتفضيل هنا والنفع العام للناس جميعاً والمترشح عن قيام المسلمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامتهم على الإيمان بالله عز وجل وعموم هذا النفع من جهات :
الأولى : النفع للآمر والدعوة الذاتية لنفسه , والإصلاح لذات المعروف ، وفي ذم قوم ورد قوله تعالى [أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ] ( ).
الثانية : الأمر بالمعروف نعمة ورحمة للذي يتلقى هذا الأمر سواء كان مسلماً أو غير مسلم .
الثالثة : من خصائص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنتفاع الناس منه ، ليكون النفع على وجوه :
الأول : نشر الصلاح وإفشاء الإحسان ، ولما احتجت الملائكة على جعل آدم [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ) أخبرهم الله عز وجل بالإطلاق والعموم في علمه بما يقع إلى يوم القيامة وبرجحان كفة الإيمان ، وقيام الأنبياء والمؤمنين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فهو منهاج الأنبياء ، والإرث الذي تركوه للأجيال .
وهل هذا الأمر والنهي من مصاديق الإيمان الذي حببه الله إلى النفوس ، الجواب نعم ، كما أن الإصرار على الكفر والضلالة من المنكر المنهي عنه ، قال تعالى [وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ]( ).
الثاني : المتلقي للأمر بالمعروف .
الثالث : السامع للأمر .
الرابع : الذي يبلغه هذا الأمر .
الخامس : إدراك الناس للحسن الذاتي للمأمور به ، وكذا بالنسبة للنهي عن المنكر ، إذ أنه يبعث النفرة في النفوس من ذات الفعل القبيح المنهي عنه ، وهناك مسألة وهي تحتمل تلاوة الآية القرآنية وجوهاً :
الأول : تلاوة الآية الخاصة بالأوامر والنواهي وحدها التي تتضمن دعوة للناس للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
الثاني : تلاوة عدة آيات متجاورة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
الثالث : تلاوة كل آية من القرآن من مصاديق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
والصحيح هو الثاني والثالث أعلاه .
لقد ذكرت قصة لوط عليه السلام في الكتاب المقدس بلحاظ أنه نبي من الأنبياء ، وذكر أنه عاش 75 سنة ، وقيل سمي لوطاً لأن حبه لاط بقلب إبراهيم أي لصق به .
وخرج لوط مع عمه إبراهيم من أرض بابل وهاجر معه إلى الشام وأرسله إلى الروم ، وورد ذكر لوط في عدد من سور القرآن منها :
الأول : سورة الأعراف , ومنها قوله تعالى [أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْعَالَمِينَ]( ).
الثاني : وردت قصة النبي لوط في سورة هود كما في الآيات [وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ * وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلاَءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلاَ تُخْزُونِي فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ * قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ * قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ * قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنْ اللَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمْ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ * فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ]( ).
الثالث : تفصيل القصة في عدة آيات من سورة الحجر من الآيات[وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاَمًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ * قَالُوا لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ عَلِيمٍ * قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِي الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ * قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُنْ مِنْ الْقَانِطِينَ * قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ * قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنْ الْغَابِرِينَ * فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ * قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ * وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ * فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنْ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ * وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاَءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ * وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ * قَالَ إِنَّ هَؤُلاَءِ ضَيْفِي فَلاَ تَفْضَحُونِ * وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلاَ تُخْزُونِ * قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنْ الْعَالَمِينَ * قَالَ هَؤُلاَءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ * لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ * فَأَخَذَتْهُمْ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ * فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ]( ).
ومن إعجاز القرآن تعدد وكثرة المسائل المستقرأة من هذه الآيات , ليتجلى قانون وهو أن تكرار القصة في القرآن يفتح آفاقاً من العلم .
الرابع : سورة الشعراء كما في قوله تعالى[رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ]( ).
الخامس : سورة النمل في آيات منها قوله تعالى [أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ]( ).
السادس : سورة العنكبوت ، قال تعالى[أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمْ الْمُنكَرَ]( ).
لقد سأل لوط الله عز وجل أن ينجيه وأهله مما يفعل هؤلاء القوم ، والمراد من النجاة هنا على وجوه :
الأول : النجاة من فعل اللواط.
الثاني : ترك مقدمات اللواط.
الثالث : الإمتناع عن الإعانة على اللواط .
الرابع : العصمة من فعل الفاحشة مطلقاً.
ومن خصائص الأنبياء الإجهار بالتصديق والتسليم بالثواب العظيم بالخلد في نعيم الجنان للمؤمنين ، والعذاب الأليم للذين كفروا في النار ، وأخبرهم لوط بأنه رسول الله عز وجل لهم , بقوله [إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلاَ تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ*وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ] ( ).
وفي هذا الإخبار إنذار وبشارة ، إنذار للذين يصرون على الكفر وإرتكاب الفواحش ، وبشارة للذين يؤمنون منهم ، وهناك مسألتان :
الأولى : لو آمن قوم لوط برسالته ولكنهم بقوا على إرتكاب الفواحش فهل يأتيهم العذاب بحجارة من السماء .
الثانية : لو بقي قوم لوط على الكفر ولكنهم تركوا اللواط فهل يأتيهم ذات العذاب لأنهم [قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنتَ مِنْ الصَّادِقِينَ] ( ).
الجواب لقد ذكر القرآن عذاب أمم أخرى على ذات الكفر والجحود من غير إصرار على اللواط.
وتبين قصص الأمم السابقة ، والعذاب الذي أصاب الكفار منهم والرحمة العامة في بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فانه مع إلحاح بعض الصحابة عليه ليدعو على الكفار بالعذاب أسوة بأنبياء آخرين بنص آيات القرآن لا يدعو إلا بهدايتهم.
(عن ابن مسعود قال : كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحكي نبياً من الأنبياء قد ضربه قومه وهو يمسح الدم عن جبينه ويقول: اللهمَّ اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)( ).
وفي معركة أحد أصابت الجراحات رأس ووجه وبدن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسال الدم منه ، وسقط سبعون من أصحابه شهداء وكثرت الجراحات في أهل بيته وأصحابه الآخرين .
(وقال أنس بن مالك : قد شجّ وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فجعل الدم يسيل على وجهه وهو يمسح الدم ويقول : كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ خَضَّبُوا وَجْهَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم بِالدَّمِ وهو يدعوهم إلى ربهم . ويقال : إن أصحابه لما اجتمعوا قالوا : يا رسول الله ، لو دعوت الله على هؤلاء الذين صنعوا بك؟ فقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : لَمْ أُبْعَثْ طَعَّاناً وَلاَ لَعَّاناً ، وَلَكِن بُعِثْتُ دَاعِياً وَرَحْمَةً ، اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) ( ).
ومن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم يلبث هؤلاء الكفار الذين حضروا معركة أحد أن دخلوا الإسلام والذين بقوا منهم أحياء على أقسام :
الأول : الذين دخلوا الإسلام قبل فتح مكة .
الثاني : الذين أسلموا يوم الفتح .
الثالث : الذين أسلموا بعد الفتح .
والمؤلفة قلوبهم طائفة قليلة وقد ورد ذكرهم في قوله تعالى [إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابن السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ] ( ) .
والمؤلفة قلوبهم هم الذين دخلوا الإسلام ظاهراً وبنية ضعيفة ، وهم غالباً من السادة والأشراف في قومهم ، فيُعطون من الزكاة لأمن جانبهم وحثهم على الإيمان ، وترغيبا لنظرائهم بالإسلام .
وهل في الآية أعلاه تعريض بهم ، الجواب نعم ، وفيها بيان لعز الإسلام ، ومصاديق الرحمة والألفة في بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بحيث لا يُكره الإنسان على الإسلام ، ولكن يرّغب بواسطة وحوافز .
ترى لماذا لم ينزل العذاب بالمشركين عقب دعائهم على أنفسهم ، الجواب ، من صفات الله عز وجل أنه حليم ويمهل العباد وهذا الإمهال من مصاديق الرحمة في بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ) .
ومن مصاديق الآية أعلاه تفضل الله عز وجل بعدم مؤاخذة الكافرين على عنادهم وجحودهم وإصرارهم على البقاء على الكفر والضلالة .

قصة رستم واسفنديار
لقد كان النضر بن الحارث يقرأ الكتب التي تتحدث عن رستم واسفنديار .
ورستم هو رستم دستان وبالفارسية (رستم بسر زال ) وهو فارس خيالي مغامر ، ذكره الفردوسي في ملحمته الشاهنامه على نحو التغني ببطولاته ومأثره ونظّم الفرس قصائد كثيرة في رستم والثناء عليه كما ذكره البحتري ، ومن أخباره تخليصه الملك كيكاوس من الأسر عند الملك هاماوران.
فجازاه الملك بأن منحه مملكة سيستان وزاولستان وكابلستان ، وهناك موضع في سيستان قيل أنه مربط فرس رستم .
أما اسفنديار فهو ابن كشتاسب بعثه أبوه الملك لفتح البلدان , ودعوة الناس إلى المجوسية في بلاد فارس والهند واليمن , ثم بدا لابيه أن يسجنه ، ولكنه هرب من السجن ، ثم أرسله أبوه لقتال الكفار فانتصر عليهم وعاد ليطلب من أبيه أن يسلمه الحكم وفاء لوعد قطعه على نفسه ، ولكن أباه لم يستجب لطلبه , إنما ارسله إلى جهة سجستان ليأتي برستم بن زال ، وولده فرامرز ، وأخيه زوارة أسرى .
وأقسم له أبوه أنه إذا جاء بهم يمنحه الملك ويسلمه التاج والعرش، وحاولت أم إسفنديار منعه لشدة بأس رستم وأنه لا يجارى في مضماره ، وقالت له لا تلق بيدك إلى التهلكة ، فقال لها : نعم أعلم هذا ولكن لا سبيل إلى مخالفة أمر الملك .
وبرك جمل إسفنديار في الطريق عند تشعبه إلى شعبتين ، فتطير منه وأمر بأن يقطع رأسه في الحال ثم أرسل ابنه بهمن إلى رستم ليربيه ويرعاه ، وقام رستم بهذه الوصية أحسن قيام ، فلما عاد بهمن إلى دار الحكم استلم التاج والكرسي من جده كشتاسب ليصبح الملك السادس من الملوك الكيانيين ويقال أن أمه تنتسب إلى بنيامين بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم .
ومعنى بهمن (الحسن النية ) وكان يتصف بالتواضع , ويوقع كتبه باسم عبد الله خادم الله السائس لأموركم وغزا رومية الداخلة بمليون مقاتل ، واشتهر بحسن التدبير ، وانشأ عدة مدن وقرى ، وله ولد شجاع اسمه ساسان ، وبنت تسمى هماي تتصف برجحان العقل والحسن والجمال ، وكان يحبها بهمن فتزوجها ، لأنهم كانوا يحلون زواج المحارم بسبب نسخ منهم لشريعتهم ، ومدة ملك بهمن هي ستون سنة .
فكان النضر بن الحارث يكثر من أخبار رستم واسفنديار وهو واقف خلف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عندما يتلو آيات القرآن .
لقد جاء القرآن بقصص الأنبياء وصبرهم والمؤمنين في الدعوة إلى الله ، قال تعالى [نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ] ( ) وليس من حصر لمصاديق الأحسن واسم التفضيل , وفيه مسائل :
الأولى : من مصاديق حسن قصص القرآن أن كل قصة منها دعوة إلى الله ، ومدرسة في الأخلاق ، وهو من مصاديق [إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ] ( ) .
وهل من مصاديق الهداية إلى الأقوم في المقام أن القصة القرآنية شاهد على نزول القرآن من عند الله .
الجواب نعم لما فيها من معاني الحكمة والدلالات والبراهين .
لقد تعددت ضروب إيذاء قريش للنبي محمد وأهل بيته وأصحابه في مكة .
فقد اشتركوا في حصار بني هاشم لنحو ثلاث سنين ، ثم قام بعضهم بتعذيب الذين آمنوا من المستضعفين والشباب .
وكان النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي بن كلاب ، يلتقي مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالجد الخامس وهو قصي بن كلاب شديد العداوة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان تاجراً يذهب إلى الحيرة ، وكان قد قرأ كتاب كليلة ودمنة , وهو مكتوب آنذاك باللغة الفارسية .
وقيل وهو كتاب كتبه الحكيم الهندي (بيديا) لملك الهند (دبشليم).
نعم اعتمده الملك أنو يشيروان .
وكانت رموز الكتاب من الطيور والحيوانات ، ولكنها ترمز للبشر من جهة مقامات كالحاكم والرعية ، فالأسد يمثل الملك , والثور يمثل خادم الملك ، والمراد من كليلة ودمنة اثنان من أبناء آوى، وهما رائدان في هذه القصة . وأضاف الطبيب بروزيه طبيب كسرى بعض القصص له وترجمه، وذكر فيه سيرته الذاتية مقدمة له مع ذكر رحلته إلى الهند بعد أن طلب كسرى احضار الكتاب للإنتفاع مما فيه من الحكمة لتدبير شؤون المملكة .
وترجم الكتاب إلى العربية عبد الله بن المقفع ( )، الذي ولد لأسرة مجوسية ثم اعتنق الإسلام ، ونسب الكتاب إليه وهو بعيد إنما ترجمه عن الفارسية.
وقد قام بترجمة عدة كتب إلى العربية ، وسمي بابن المقفع إذ أتهم والده بسرقة أموال من بيت مال المسلمين ، فأمر الحجاج بعقوبته والتنكيل به ، فضربه حتى تقفعت أصابعه أي تقلصت واعوجّت .
وأضاف ابن المقفع أربعة أجزاء أخرى إلى الكتاب ، ويعتقد أن الكتاب ألف قبل الميلاد بنحو ثلاثمائة سنة ، وقد ترجم فيما بعد إلى الإنكليزية ولغات أخرى.
قانون بركة تلاوة النبي
تبين هذه الآية والآية التي سبقتها حقيقة وهي أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم كان يتلو آيات القرآن على الناس عامة من قريش وغيرهم ، وأنه لم يخش كبار كفار قريش وقيامهم بايذائه وتعذيب المؤمنين ، والآية السابقة لآية البحث هو قوله تعالى [وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ] ( ).
وذكرت الآية أعلاه التلاوة على نحو المبني للمجهول ، ولم تذكر من الذي يتلو الآيات ، وفيه وجوه :
الأول : المراد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : المقصود تلاوة جبرئيل للآيات .
الثالث : تلاوة المسلمين والمسلمات لآيات القرآن .
الرابع : تلاوة أهل الكتاب لآيات القرآن .
والصحيح هو الأول والثالث أعلاه ، وهو من أسرار صيغة المبني للمجهول في التلاوة ، وهل تدخل فيه قراءة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين القرآن في الصلاة .
الجواب نعم ، إذ تكون القراءة في صلاة الصبح والمغرب والعشاء جهرية بينما تأتي صيغة المبني للمجهول في الأوامر والنواهي في القرآن فانها خاصة من عند الله عز وجل كما في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ]( ) .
فالله عز وجل هو الذي فرض الصيام على أجيال المسلمين إلى يوم القيامة . وقد ذكرت الآية السابقة الآيات باضافتها إلى الله عز وجل ، ونسبتها إليه سبحانه بقوله تعالى [وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا] ( )وهو معجزة عقلية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وشهادة من عند الله بأن الآيات التي يتلوها النبي صلى الله عليه وآله وسلم نازلة من عند الله ، وليس من عند النبي أو من عند الملك جبرئيل الذي هو واسطة ملكوتية في نزولها ، وفي التنزيل [وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ] ( ).
وأخبر القرآن أن المشركين سمعوا هذه الآيات بما هي نازلة من عند الله ، وهل يمكن تقدير الآية : وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا سمعنا آيات الله) .
الجواب نعم لأن الله عز وجل نسبها إلى نفسه وقال أنها آياتنا .
لتكون الحجة على الذين كفروا متعددة من جهات :
الأولى : تلاوة الآيات على الذين كفروا .
الثانية : قيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بشخصه الكريم بتلاوة هذه الآيات على الذين كفروا من الأيام الأولى للبعثة النبوية , وهذه التلاوة هي السلاح الذي حمله النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في دعوته إلى الله ، ولم يكن عنده يومئذ سيف.
الثالثة : إختصاص آيات القرآن بصفة , وهي أنها آيات الله عز وجل .
الرابعة : بيان حقيقة وهي تعدد الآيات التي تتلى على الذين كفروا ، وهذا التعدد من وجوه :
الأول : تلاوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الآيات على الذين كفروا مرات متعددة .
الثاني : قراءة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم القرآن في صلاته في المسجد الحرام .
الثالث : إحتجاج النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الذين كفروا بآيات القرآن .
الرابع : قراءة أهل البيت لآيات القرآن , قال تعالى [وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمْ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ] ( ) وإحتجاجهم بها على الذين كفروا .
الخامس : ترغيب الذين كفروا بالإسلام بتلاوة الآيات عليهم .
فان قلت أن القدر المتيقن من الآيات هو استماع الذين كفروا وقولهم سمعنا ، الجواب هذا السماع أعم من أن ينحصر بأوان التلاوة فيصح تقدير الآية على وجوه منها :
الأول : قد سمعنا النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يتلو الآيات .
الثاني : قد سمعنا التلاوة يوم أمس والأيام السابقة.
الثالث : قد سمعنا في مواطن وبقاع مثل منى وعرفة حيث كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يطوف على القبائل في منازلهم ويتلو عليه آيات القرآن .
الرابع : قد سمع بعضنا من بعض فيصح أن يقوم بعض الكفار بقراءة آيات القرآن على بعضهم الآخر .
وهل يمكن تقدير لفظ سمعنا بما هو أعم من آيات القرآن مثل :
الأول : قد سمعنا أن محمداً رسول من عند الله .
الثاني : قد سمعنا بمعجزات حسية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الجواب نعم .
وكما تقسم سور القرآن إلى مكية ومدنية ، وأن الأولى هي السور التي نزلت قبل هجرة النبي محمد إلى المدينة ، أما الثانية فهي السور التي نزلت على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد هجرته إلى المدينة خاصة وأن كل آية معجزة من عند الله , فانه يمكن تقسيم المعجزات الحسية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى أقسام :
الأول : المعجزات الحسية المكية مثل معجزة انشقاق القمر ، فقد سأل أهل مكة النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم أن ينشق القمر فانشق حتى رأوا حراء بينهما ، قال تعالى [اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ* وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ] ( ) ومنها إطعام بني هاشم بفخذ شاة عندما نزل قوله تعالى [وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ]( ) .
لقد أختتمت الآية السابقة بقوله تعالى [وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ] ( ) وابتدأت آية البحث بالإخبار عن تلاوة آيات الله على الذين كفروا , فهل هذه التلاوة من مكر الله عز وجل بالذين كفروا ، الجواب نعم ، فهو مكر لطيف من جهات :
الأولى : تقريب الناس إلى مقامات الهداية .
الثانية : إشعاع ضياء ونور الإيمان على الأرض بصيرورة آيات الله تتلى على الناس ، وفيه بعث للنفرة من مفاهيم الشرك وعبادة الأصنام .
الثالثة : بلوغ آيات القرآن للذين كفروا وسماعهم لها طوعاً وقهراً .
الرابعة : اتخاذ المسلمين والناس تلاوة وسماع آيات القرآن حجة على الذين كفروا .
الخامسة : إقامة الحجة على الذين كفروا في ذات التلاوة ، وفي التدبر في دلالاتها.
السادسة : تثبيت قانون في الأرض وهو أن الذي يتلوه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون كلام الله .
السابعة : تفضل الله عز وجل بنسبة الآيات له سبحانه [وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا] ( ) عهد من عند الله عز وجل لحفظ آيات القرآن في الأرض ، وأنها ستتلى وسوف تتلى إلى يوم القيامة ، فاذا أنعم الله عز وجل على الناس بنعمة فهو أكرم من أن يرفعها .
الثامنة : تتلى آيات القرآن على الذين كفروا فيصدون عنها ، ولكن غيرهم يؤمن بها ، وهو من مصاديق قوله تعالى [آيَاتُنَا] وقد ينقلها الذين كفروا للناس على نحو السخرية ، ولكن الناس يتلقونها بالتصديق والإيمان ، وقد أثنى الله عز وجل على قوم مؤمنين ، قال تعالى [وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا] ( ).
الثاني : معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم في طريق الهجرة إلى المدينة وطريق الهجرة ، وهذه المعجزات تصح أن تكون قسيماً للمعجزات المكية والمدنية .
لقد رآى كبار كفار قريش تنامي الدعوة الإسلامية من جهات :
الأولى : ثبات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في دعوته إلى الله .
الثانية : إخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم الناس عن نبوته وأنه رسول من عند الله عز وجل.
الثالثة : تجلي معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحسية والعقلية وتدبر الناس فيها .
الرابعة : دخول جماعات من أهل مكة في الإسلام .
الخامسة : صبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم على إيذاء وتعذيب المشركين لهم ، وهذا الصبر درس وبيان للناس جميعاً ، ولم يكن هذا الصبر عن خوف وجبن من الذين كفروا ، إنما هو صبر في رضوان الله، وإمتناع عن مقدمات القتال ، وإلا فان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم كان يوبخ أحياناً بعض كفار قريش عند تجاوزهم الحد .
وعن ابن إسحق قال: حدثني عبد الملك بن أبي سفيان الثقفي قال: قدم رجل من إراش بإبل له مكة، فابتاعها منه أبو جهل بن هشام فمطله بأثمانها، وأقبل الإراشي حتى وقف على نادي قريش ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالس في ناحية المسجد ( )، فقال: يا معشر قريش من رجل يؤديني ءعلى أبي الحكم بن هشام فإني غريب ابن سبيل، وقد غلبني على حقي، وأنا غريب ابن سبيل.
فقال أهل المجلس: ترى ذلك الرجل – وهم يهزؤون به، إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لما يعلمون بينه وبين أبي جهل من العداوة – إذهب إليه فهو يؤديك عليه.
فأقبل الإراشي حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا عبد الله إن أبا الحكم بن هشام قد غلبني على حق لي قبله، وأنا غريب ابن سبيل، وقد سألت هؤلاء القوم عن رجل يؤديني عليه، يأخذ لي حقي منه فأشاروا لي إليك، فخذ لي حقي منه، رحمك الله.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنطلق إليه، وقام معه، فلما رأوه قام معه قالوا لرجل ممن معهم: إتبعه فانظر ماذا يصنع، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى جاءه، فضرب عليه بابه، فقال: من هذا؟
فقال: محمد فاخرج إلي، فخرج إليه وما في وجهه رائحة، قد امتقع لونه، فقال له: أعط هذا الرجل حقه، فقال: نعم، لا يبرح حتى أعطيه الذي له، فدخل، فخرج إليه بحقه فدفعه إليه، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال للإراشي: الحق بشأنك
فأقبل الإراشي حتى وقف على ذلك المجلس فقال: جزاه الله خيراً فقد أخذ الذي لي، وجاء الرجل الذي بعثوا معه، فقالوا له: ويحك ماذا رأيت؟ فقال: عجباً من العجب، والله إلا أن ضرب عليه بابه فخرج وما معه روحه.
فقال: أعط هذا الرجل حقه.
قال: نعم لا يبرح حتى أخرج إليه حقه، فدخل فأخرج إليه حقه فأعطاه إياه؛ ثم لم يلبث أن جاء أبو جهل فقالوا له: ويلك مالك فوالله ما رأينا مثل ما صنعت.
قال: ويحكم والله ما هو إلا أن ضرب على بابي وسمعت صوته فملئت رعباً ثم خرجت إليه وإن فوق رأسي لفحل من الإبل ما رأيت مثل هامته ولا قصرته ولا أنيابه لفحل قط، والله لو أبيت لأكلني) ( ).
ويحتمل القائل بنزول العذاب وجوهاً :
الأول :جماعة سألوا نزول الحجارة عليهم من السماء .
الثاني : جماعة سألوا نزول العذاب بهم .
الثالث : إتحاد جهة صدور السؤال والدعاء فهم جماعة واحدة سألوا الله عز وجل نزول الحجارة عليهم أو حلول العذاب الأليم بهم .
الرابع : المراد شخص واحد سأل نزول الحجارة ، وآخر سأل العذاب الأليم .
الخامس : الإتحاد في سؤال الحجارة والتعدد في الذين سألوا العذاب .
السادس : عكس الوجه الخامس أعلاه .
السابع : صدور السؤال من أفراد من الكفار ، ورضا جماعة آخرين منهم به .
ويدل لفظ [قَالُوا] بصيغة الجمع على تعدد القائلين ، ولو دار الأمر بين إرادة المنفرد والشخص الواحد أو الجماعة من هذا اللفظ وذكر واو الجماعة بعنوان الفاعل .
فالصحيح هو الثاني .
فان قلت قد يأتي لفظ الجمع للتفخيم ، والجواب هذا صحيح ولكنه ليس في هذا المقام الذي تذكر فيه الآية الذين كفروا فانهم لا يستحقون التفخيم ، وإن كان موضوعها الدعاء ، ولكنه دعاء فيه أذى من جهات :
الأولى : تضمن دعاء الكفار إنكار نزول القرآن من عند الله عز وجل , نعم فيه إقرار منهم بأن النبي محمدا لم يعبد صنماً.
الثانية : دلالة الآية على جحود الذين كفروا بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالثة : سؤال الذين كفروا نزول العذاب بهم .
الرابعة : تعيين نوع العذاب بالحجارة من السماء كما أخبر القرآن في قوم لوط .
فان قلت ورد في أسباب نزول الآية بخصوص فرد مخصوص مثل النضر بن الحارث وأبي جهل .
والجواب لقد تعددت أسباب النزول .
لقد خاطب المشركون الله عز وجل بالنداء [اللَّهُمَّ] وهو من بقايا الحنيفية الإبراهيمية ، وفيه حجة عليهم لأن الله عز وجل هو الذي بعث النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بالبراهين والحجج .
الخامسة : إقتران دعوة النبي بالمعجزات العقلية وهي نزول آيات القرآن بالمعجزات الحسية .
السادسة : دخول الناس الإسلام .
السابعة : إيمان طائفة من الأوس والخزرج بنبوة محمد .
الثامنة : هجرة عدد من المسلمين إلى المدينة المنورة ، وكانت تسمى آنذاك يثرب ، وايواء الأنصار أي المسلمين من الأوس والخزرج لهم .
الثالث : معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحسية المدنية ، وهي التي جرت على يديه في المدينة بعد الهجرة بفضل من عند الله عز وجل , فمن حكمة الله عز وجل أنه جعل معجزات كل نبي من صنف ما يعتني به قومه ، وموضوع إهتمامهم , فتأتي المعجزة أمراً خارقاً بذات الموضوع .
فمثلاً كان قوم فرعون يولون عناية بالسحر ويلجأون إليه ، ويتخذونه آلة في الخصومة وفي دفع الشرور ، فجاء موسى عليه السلام بآية العصا لتبطل سحرهم بأن تصبح ثعباناً , وتلتهم عصي السحرة الذين بادروا إلى الإيمان بنبوته وكان قوم عيسى عليه السلام يعتنون بالطب والحذق فيه فجاء عيسى عليه السلام باحياء الموتى .
وهناك أمور مشتركة بين الأمم والشعوب تصلح فيها المعجزة العامة ويتطلع إليها الناس من كل نبي ، لذا تفضل الله عز وجل ببعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالمعجزة العقلية وهو القرآن لإيلاء العرب عنايتهم بعلوم البلاغة , وورد عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة( ).
ولا يتعارض هذا الحديث مع تجلي المعجزات الحسية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم سواء في مكة أو المدينة ، انما أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيان موضوعية القرآن في صدق نبوته .
وورد (أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى للناس النجاشي اليوم الذي مات فيه ثم خرج بهم إلى المصلى فصف بهم فصلى عليه وكبر أربع تكبيرات)( ).
ليأتي الخبر فيما بعد بوفاة النجاشي في ذات اليوم الذي صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه أما الأخبار عن الوقائع في المستقبل والتي أخبر عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهي كثيرة ، ويمكن تقسيمها إلى أقسام :
الأول : الوقائع الشخصية ، ومنه ما ورد عن أبي سعيد الخدري أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَمَّارٍ تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ ( ).
الثاني : إخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأهل البيت وما يقع لهم ، كما في إخباره لفاطمة عليها السلام , و( عن عائشة قالت : ما رأيت امرأة أشبه حديثا وكلاما برسول الله صلى الله عليه وسلم من فاطمة وكانت إذا دخلت بيته أخذ بيدها فقبلها وأجلسها في مجلسه وكان إذا دخل عليها قامت إليه فقبلته وأخذت بيده فدخلت عليه في مرضه الذي توفي فيه فأسر إليها فبكت ثم أسر إليها فضحكت( ).
الثالث : إخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم طائفة من الناس لما يصيبهم .
الرابع : الإخبار عن أحوال جيل من المسلمين .
الخامس : بيان ما يأتي للأمة من أسباب الخير أو الأذى .
ومن البشارات في المقام ما جرى في واقعة الخندق ، إذ كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وأهل المدينة مُحاصرين فبشرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بفتح بلاد الشام والعراق، وتملك خزائن كسرى وملك الروم في الشام .
السادس : وقائع آخر الزمان .
السابع : علامات الساعة .
الثامن : مقدمات النفخ في الصور وكيفيته .
وقيل أن عدد معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم ألف معجزة وقيل ثلاثة آلاف معجزة ، وكل معجزة لسان ناطق يبين للناس صدق نبوته ويدعوهم للإيمان .
الرابع : معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحسية المكية المدنية ، وهي التي جرت في مكة وأخرى مثلها في المدينة مثل إطعام الجمع الغفير من الطعام القليل إذ تجلت في مصداق قوله تعالى[وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ]( )،
وقد تقدم في الأجزاء السابقة تفصيل المعجزة ، وقد تجلت في معركة الخندق عندما دعى أحد المسلمين وزوجته النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذبحوا جدياً وخبزوا قليلاً من العجين ليطعم عشرة بعد عشرة إلى أربعين من المرابطين في الخندق .
الخامس : معجزات النبي صلى الله عليه وآل وسلم في السفر وميادين القتال ، لبيان قانون وهو أن هذه المعجزات رحمة وبرزخ دون وقوع القتال ، أو دون استدامته وشدة ضراوته ، فيستعد كفار قريش لمعركة أحد نحو سنة كاملة ويأتون ثلاث آلاف رجل ، ولكن ما أن تبدأ المعركة حتى يأمر قادتهم بالإنصراف في ذات يوم المعركة مع أنهم أنتصروا في بعض جولاتها ، وما أن قطعوا مسافة في طريق العودة إلى مكة حتى صاروا يتلاومون فيما بينهم كيف يرجعون من غير أن يقتلوا النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وأسر طائفة من أصحابه وسبي النساء من أهل المدينة .
إذ سمعهم (معبد بن أبي معبد الخزاعي، وهو يومئذٍ مشركً، وكان خزاعة سلماً للنبي صلى الله عليه وسلّم، فقال: يا محمد، لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك، ولوددنا أن الله أعلى كعبك، وأن المصيبة كانت بغيرك. ثم مضى معبد حتى يجد أبا سفيان وقريشاً بالروحاء، وهم يقولون: لا محمداً أصبتم، ولا الكواعب أردفتم، فبئس ما صنعتم! فهم مجمعون على الرجوع، ويقول قائلهم فيما بينهم: ما صنعنا شيئاً، أصبنا أشرافهم ثم رجعنا قبل أن نستأصلهم، قبل أن يكون لهم وفرٌ والمتكلم بهذا عكرمة بن أبي جهل( ).
فنزل جبرئيل يأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالخروج خلفهم ، ويسمى هذا الخروج غزوة حمراء الأسد ، أي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وصلوا إلى حمراء الأسد ولم يلقوا قتالاً ، قال تعالى الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
قانون الهجرة معجزة مكية مدنية
بين الهجرة إلى الحبشة والهجرة إلى المدينة عموم وخصوص من وجه , فمادة الإلتقاء على جهات :
الأولى : تعاهد المهاجرين لسلامة دينهم حتى مع تحمل الغربة .
الثانية : بيان قانون وهو أن أذى كفار قريش أشد من الأذى المحتمل في الهجرة ومخاطر الطريق والإقامة في البلاد البعيدة .
الثالثة : الإذن من عند الله عز وجل بواسطة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للمهاجرين بالهجرة ، وكان النبي يثني على ملك الحبشة النجاشي (وأنه لا يظلم عنده أحد) ( ) وكانت الحبشة متجراً لقريش أي أنهم يعملون أحوال أهل تلك البلاد .
الرابعة : كل من الهجرتين عن حاجة واضطرار ، وبعد سعي قريش في إيذاء المسلمين .
الخامسة : رجاء المسلمين هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من مكة .
السادسة : إجتناب المسلمين القتال ونحوه في مكة وعموم الحرم .
السابعة : الهجرة دعوة إلى الله ، ومناسبة لإطلاع الناس على معالم الإيمان ، وكيفية أداء الصلاة .
الثامنة : شمول كل من الهجرتين للرجال والنساء .
التاسعة : تقدم هجرة طائفة من الصحابة على هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
العاشرة : غيظ وحنق كفار قريش من كل من الهجرتين ، وفي التنزيل [قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ] ( ).
الحادية عشرة : تحقق كل من الهجرتين ابتداء واستدامة بمعجزة من عند الله عز وجل .
الثانية عشرة : كل من الهجرتين إلى دار غربة ، فليس من أهل وأقارب للمهاجرين في الحبشة أو يثرب .
الثالثة عشرة : رحمة ولطف الله عز وجل بالمهاجرين سواء في طريق الهجرة أو الإقامة .
الرابعة عشرة : إقتران كل من الهجرتين بالبشارة بظهور الإسلام على مشركي قريش .
الخامسة عشرة : إنقطاع الهجرة بفتح مكة في السنة الثامنة للهجرة ، و(عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يُتم بعد حلم ، ولا رضاع بعد فصال ، ولا صمت يوم إلى الليل ، ولا وصال في الصيام ( )، ولا نذر في معصية ، ولا نفقة في معصية ، ولا يمين في قطيعة رحم ، ولا تعرب بعد الهجرة ، ولا هجرة بعد الفتح ، ولا يمين لزوجة مع زوج ، ولا يمين لولد مع والد ، ولا يمين لمملوك مع سيده ، ولا طلاق قبل نكاح ، ولا عتق قبل ملك( ).
أما مادة الإفتراق فمن جهات :
الأولى : هجرة الحبشة أبعد كثيراً من الهجرة إلى المدينة .
الثانية : تقدم الهجرة إلى الحبشة زماناً , وهي أول هجرة في الإسلام ، وكانت بعد خمس سنوات من البعثة النبوية ، وسنتين في الجهر بالدعوة .
الثالثة : خروج المهاجرين إلى الحبشة جماعات وبعضهم مع أزواجهم منهم عثمان مع زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وابو حذيفة بن عتبة وزوجته سهلة بنت سهيل .
وابو سلمة عبد الله بن عبيد الأسد وزوجته أم سلمة وولدت لهما سلمة في الحبشة .
وعامر بن ربيعة العنزي وامرأته ليلى بنت أبي حثمة ، ومن المهاجرات أم حبيبة بنت أبي سفيان ، ومعها ابنتها حبيبة .
وريطة بنت الحارث بن جبيلة ، وماتت في طريق العودة من الحبشة مع بنتين لها ولدتا في الحبشة وولد اسمه موسى بن الحارث بسبب ماء شربوه ، وهمينة بنت خلف بن أسعد من خزاعة هاجرت إلى أرض الحبشة مع زوجها خالد بن سعيد , وولدت هناك أمة بنت خالد ، وحدثت أنهم حينما عادوا في السفينتين .
قالت أمة (سمعت النجاشي يقول لأصحاب السفينتين: أقرئوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مني السلام. قالت أمة: فكنت فيمن أقرأه السلام من النجاشي.) ( ) .
كما روت أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منها أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستعيذ من عذاب القبر ، وتزوجت من الزبير بن العوام فولدت له عمراً وخالداً ابني الزبير .
الرابعة : عودة عدد من مهاجرين الحبشة إلى مكة ، بينما لم يعد مهاجروا المدينة إلا الفرد النادر .
الخامسة : عدد الذين هاجروا إلى الحبشة ثلاثة وثمانون رجلاً سوى الأبناء الصغار أو الذين ولدوا في الحبشة ، وعدد النساء المهاجرات هو ست عشرة امرأة .
السادسة : لقد هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة كما انه سبق وان هاجر إلى الطائف , ولكن أهلها رموه بالحجارة ، وأدموا قدميه .
السابعة : هجرة الحبشة مؤقتة , أما هجرة المدينة فهي ثابتة ومستقرة .
الثامنة : عودة المهاجرين من الحبشة إلى المدينة.
التاسعة : نزول القرآن في الثناء على الأنصار , قال تعالى [وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ] ( ) .
العاشرة : لقد أرسلت قريش وفداً إلى النجاشي ملك الحبشة , وهما عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد لتسليم المسلمين فيها إليهما فأبى النجاشي وجرى احتجاج في حضرته ، وأظهر تصديقه لما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وفي قوله تعالى[وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ]( ) .
ورد عن قتادة أنه قال: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في الذين أقبلوا مع جعفر من أرض الحبشة ، وكان جعفر لحق بالحبشة هو وأربعون معه من قريش ، وخمسون من الأشعريين ، منهم أربعة من عك ، أكبرهم أبو عامر الأشعري وأصغرهم عامر ، فذكر لنا أن قريشاً بعثوا في طلبهم عمرو بن العاص ، وعمارة بن الوليد ، فأتوا النجاشي فقالوا : إن هؤلاء قد أفسدوا دين قومهم ، فأرسل اليهم فجاؤوا فسألهم .
فقالوا : بعث الله فينا نبياً كما بعث في الأمم قبلنا يدعوننا إلى الله وحده ، ويأمرنا بالمعروف وينهانا عن المنكر ، ويأمرنا بالصلة ، وينهانا عن القطيعة ، ويأمرنا بالوفاء ، وينهانا عن النكث ، وإن قومنا بغوا علينا ، وأخرجونا حين صدقناه وآمنا به ، فلم نجد أحد نلجأ اليه غيرك فقال : معروفاً.
فقال عمرو وصاحبه : إنهم يقولون في عيسى غير الذي تقول . قال : وما تقولون في عيسى؟ قالوا : نشهد أنه عبد الله ورسوله ، وكلمته وروحه ، ولدته عذراء بتول . قال : ما أخطأتم ، ثم قال لعمرو وصاحبه : لولا أنكما أقبلتما في جواري لفعلت بكما ، وذكر لنا أن جعفر وأصحابه إذ أقبلوا جاء أولئك معهم فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم .
قال قائل : لو قد رجعوا إلى أرضهم لحقوا بدينهم ، فحدثنا أنه قدم مع جعفر سبعون منهم ، فلما قرأ عليهم نبي الله صلى الله عليه وسلم ، فاضت أعينهم( ).
أما في بالنسبة للمدينة فليس فيها ملك ، نعم كانوا يعدون العدة لتتويج عبد الله بن أبي بن أبي سلول أحد رؤساء الخزرج ، قال تعالى[وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ]( ) .
وقد وجهت قريش التهديد لأهل المدينة لإيوائهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين ثم جهزوا الجيوش لقتال أهلها .
الحادية عشرة : في المدينة تمت الأخوة الإيمانية بين المهاجرين والأنصار بعد وصول النبي صلى الله عليه وآله وسلم بنحو ستة أشهر ، قال تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ]( ).
الثانية عشرة : لقد ركب المهاجرون إلى الحبشة البحر ، وكان المشركون في اثرهم ولكنهم وجدوا سفينة تريد أن تبحر إلى الحبشة فركبوا بنصف دينار , في شهر رجب من السنة الخامسة للهجرة , والظاهر أن نصف الدينار أجرة كل واحد منهم، بعد أن (قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : لو خرجتم إلى أرض الحبشة فان بها ملكاً لا يظلم عنده أحد ، وهي أرض صدق ، حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم به , خرجوا مخافة الفتنة ، وفراراً إلى الله بدينهم).
الثالثة عشرة : بلغ المهاجرين في الحبشة أن قريشاً دخلوا الإسلام ، فعادوا إلى مكة ، فتبين لهم عدم صحة الخبر ، ولم يلبثوا في الحبشة في الهجرة الأولى إلا نحو ثلاثة أشهر ، ثم عادوا إلى الحبشة ، ومنهم من توجه إلى المدينة .
وهل هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه معجزة حسية أو عقلية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , الجواب هي على وجوه :
الأول : إنها معجزة مكية .
الثاني : إنها معجزة في طريق الهجرة .
الثالث : إنها معجزة مدنية .
والمختار أن الهجرة معجزة حسية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم , وهي من مصاديق الوجوه الأربعة أعلاه , ومن المعجزات المكية انشقاق القمر .
ومن المعجزات المكية المدنية ، كفاية الطعام القليل للجمع الكثير كما في دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لبني هاشم عند نزول قوله تعالى[وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ]( )، وكما في اطعام الجمع الكثير من الطعام القليل في حصار الخندق .
وقيل أول من هاجر من الأنبياء هو إبراهيم ولوط ، وفي التنزيل[فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مهاجر إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ]( )،
لقد كانت هجرة لوط من غير قصد القتال إنما كانت فراراً في دينه ، فهل كانت هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه هجرة قتال ، الجواب لا، إنما جاء القتال لاحقا ودفاعاً واضطراراً بسبب إصرار كفار قريش على التعدي .
وقانون الهجرة من مصاديق وعمومات الملكية المطلقة لله عز وجل للسموات والأرض.
وعن أبي الدرداء قال(قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من فرّ بدينه من أرض إلى أرض مخافة الفتنة على نفسه ودينه كتب عند الله صديقاً ، فإذا مات قبضه الله شهيداً ، وتلا هذه الآية[وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ]( )، ثم قال : والفارون بدينهم من أرض إلى أرض يوم القيامة مع عيسى ابن مريم في درجته في الجنة) ( ) .
فينال المسلم مرتبة الشهادة من غير قتال ، إنما بالهجرة وإجتناب الفتنة ، وفي التنزيل [يَاعِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ] ( ).
ومن الذين اسلموا في مكة طائفة من فتيانها لم يهاجروا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة وبقوا في مكة بين قومهم وأهليهم ، فلما تناجى كفار قريش بالخروج إلى معركة بدر ، أخرجوهم معهم ، ومنهم من أخرجه أبوه معه .
فلما التقى الجمعان في اليوم السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة كان هؤلاء مع جيش المشركين ، وكثّروا سوادهم واستخفوا بقلة عدد المسلمين والنقص في اسلحتهم ، ومنهم من قاتل إلى جانب المشركين أو يأتيه سهم فيصيبه ، فنزل قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً *فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا] ( ) .
ومن الإعجاز في هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وجوه:
الأول : خروج طائفة من المؤمنين مهاجرين إلى الحبشة وآخرين إلى المدينة قبل هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : وجود مسلمات مهاجرات لبيان أن الإيمان شمل الرجال والنساء.
الثالث : قيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالهجرة من مكة ، ولم يهاجر منها إلا بعد أن عزم المشركون على قتله في ذات الليلة التي هاجر فيها .
الرابع : سلامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في طريق الهجرة مع كثرة المخاطر وخروج قريش خلفهم وفي طلبهم .
الخامس : إتصاف الهجرة بأنها في سبيل الله ، وبقصد سلامة الدين والفرار من الفتنة والإفتتان .
السادس : إختتام الهجرة بالنصر للمسلمين ، ويصح تقدير قوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ] ( ) بلحاظ الهجرة على وجوه :
أولاً : ولقد نصركم الله ببدر بعد هجرتكم في سبيل الله .
ثانياً : ولقد نصركم الله ببدر شكرا منه تعالى لهجرتكم في سبيل الله .
ثالثاً : ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة من الهجرة ، والمراد من الذلة في الآية الضعف .
رابعاً : يا أيها المهاجرون والأنصار ، لقد نصركم الله ببدر .
خامساً : ولقد نصركم الله ببدر للأخوة الإيمانية بينكم .
سادساً : لقد نصركم الله ببدر بصفة الهجرة والإيمان ، قال تعالى في الثناء على الأنصار [وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ]( ) .
لقد صارت الهجرة سبباً في إزدياد عدد المسلمين ، وصيرورتهم أمة متحدة ، قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ] ( ).
وسبب تسمية المهاجرين أنهم هاجروا من مكة ومن ديارهم وأهليهم في سبيل الله ، وأما تسمية الأنصار وهو جمع ناصر فانه يختص بالمسلمين الأوائل من الخزرج والأوس من أهل يثرب لأنهم نصروا دين الله وآووا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وتكون الأطراف فيه على وجوه :
الأول : الناصر ، وهم المسلمون من الأوس والخزرج ، من أهل يثرب ، ولو كان أحد يهود المدينة اسلم قبل وأثناء هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فهل هو من الأنصار أم لا ، المختار هو الأول .
الثاني : ذات النصرة وكيفيتها وأفرادها .
الثالث : المنصور ، وهو دين الله ، ونصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ]( ).
ولا يختص موضوع النصرة في المقام بميدان القتال إنما يشمل إيواءهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين .
وفي بيعة العقبة الثانية في أواسط أيام التشريق من السنة الثالثة عشرة للبعثة النبوية بايع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان من الأنصار هما :
الأولى : نسيبة بنت كعب ، أم عمارة .
الثانية : أسماء بنت عمرو ، أم منيع من بني سلمة ، وكان لقاؤهم مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالخفاء من قريش خشية منهم ، وقد حضر معه عمه العباس بن عبد المطلب ، وهو يومئذ لم يدخل الإسلام ، وحينما نظر في وجوه وفد الأوس والخزرج ، قال هؤلاء أحداث ، فاني على معرفة باهل يثرب .
فلم يلتفت الأنصار إلى كلامه ، إنما توجهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقالوا (يَا رَسُولَ اللّهِ عَلَامَ نُبَايِعُكَ ؟ قَالَ ” تُبَايِعُونِي عَلَى السّمْعِ وَالطّاعَةِ فِي النّشَاطِ وَالْكَسَلِ وَعَلَى النّفَقَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ وَعَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَعَلَى أَنْ تَقُولُوا فِي اللّهِ لَا تَأْخُذْكُمْ لَوْمَةُ لَائِمٍ وَعَلَى أَنْ تَنْصُرُونِي إذَا قَدِمْتُ عَلَيْكُمْ وَتَمْنَعُونِي مِمّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَزْوَاجَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ وَلَكُمْ الْجَنّةُ) ( ).
وقيل (لأنس بن مالك يا أبا حمزة: أرأيت اسم الأنصار اسم سماكم الله به أم أنتم كنتم تسمون به من قبل؟ قال: بل اسم سمانا به الله) ( ).
وكما ورد اسم الأنصار في القرآن عدة مرات للأوس والخزرج فقد ورد اسماً لأصحاب عيسى عليه السلام .
وقال [فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمْ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ]( ).
والحواريون أصفياء وخاصة عيسى ، وأول من آمن بنبوته من بني اسرائيل ، ولم تكن هذه النصرة بالقتال إنما بالدعوة إلى الله ، لذا ذكر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال للأنصار ليلة بيعة العقبة (اخرجوا إليّ اثني عشر رجلاً منكم يكونوا كفلاء على قومهم كما كفلت الحواريون لعيسى ابن مريم) ( ).
ومن خصائص نصرة الأوس والخزرج للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أمور :
الأول : كثرة عدد الأنصار .
الثاني : توالي دخول الأوس والخزرج في الإسلام ، وكل فرد منهم يصدق عليه أنه نصير من الأنصار .
الثالث : خروج الأنصار مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الى مواطن القتال .
الرابع : هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الى حيث المدينة التي يقطنها الأنصار .
الخامس : صيرورة نصرة الأوس والخزرج للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مقدمة لظهور دولة الإسلام .
وتكشف آية البحث حقيقة وهي أن قريشاً لم يعرضوا عن دعوة النبي للإسلام إعراضاً تاماً ، بل كانوا في حال جدال معه ، ويتصف هذا الجدال بالغضب واستيلاء الغيظ على نفوسهم ، وهو الذي يتجلى بسنخية دعائهم على أنفسهم [فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ] ( ).
فان قيل لو أنهم رأوا المعجزات من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لما دعوا على أنفسهم هكذا ، والجواب إنه دأب الكافرين في كل دعوة نبي ، فقد جاء الأنبياء بالمعجزات الحسية ، ومع هذا ندبهم الملأ من قومهم وآذوهم , ومنهم من تعرض للقتل مع جريان المعجزة بين يديه بالإضافة إلى مسألة وهي أن رهطاً من قريش وأهل مكة دخلوا الإسلام ، وآمنوا ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وخرجوا معه في معركة بدر وأحد والخندق .
وهو من الشواهد على صدق نبوته ، خاصة وقد ذكر في أسباب نزول هذه الآية أنها بخصوص بعض الأفراد على سبيل الترديد والتعدد , وهل القائل [فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ] ( ) هو النضر بن الحارث أم أبو جهل وغيرهما من رؤساء الكفر .
وهل لدخول الناس الإسلام في حسد هؤلاء وإظهارهم الغضب حتى على أنفسهم بالدعاء عليها ، الجواب نعم ، فكأنهم تحدوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم والذين آمنوا بعد أن تبين لهم إن الإستهزاء بالنبي والآيات لم يمنع الناس من دخول الإسلام فهم في قولهم [اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ] ( ) يدعون المسلمين إلى الإرتداد ، ويسعون في منع غيرهم من دخول الإسلام .
ومن إعجاز القرآن أن الله عز وجل ذكر قولهم هذا من غير خشية على المسلمين في دينهم ، لتكون هذه الآية وذكرها لموضوع تحدي كفار قريش على وجوه :
الأول : انها ثناء على المسلمين في صبرهم وإعراضهم عن أراجيف الذين كفروا .
الثاني : فضح الذين كفروا ، وصيغ عدائهم للإسلام والنبوة .
الثالث : ترغيب الناس بالإسلام ونصرته .
الرابع : بيان قانون وهو إمهال الله عز وجل للذين كفروا ، وفيه دعوة سماوية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين لعدم الإنتقام والبطش بالذين كفروا بسبب جدالهم وإنكارهم للآيات وتكذيبهم بالمعجزات.
وعندما قام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ببناء المسجد النبوي كان المسلمون يرتجزون أثناء البناء(لا عيش إلا عيش الآخرة، اللهم ارحم المهاجرين والانصار “.
قال: فدخل عمار بن ياسر، وقد أثقلوه باللبن فقال: يا رسول الله قتلوني يحملون على ما لا يحملون.
قالت: أم سلمة فرأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينفض وفرته بيده، وكان رجلا جعدا، وهو يقول: ” ويح ابن سمية ليسوا بالذين يقتلونك، إنما تقتلك الفئة الباغية) ( ).
(قَالَ ابن هِشَامٍ : هَذَا كَلَامٌ وَلَيْسَ بِرَجَزِ) ( ).
ولابد من منافع عظيمة لإختيار مكان الهجرة بالتوجه إلى الحبشة وإلى المدينة المنورة ، وبينهما عموم وخصوص من وجه ، فهناك منافع تشترك فيها الهجرتان ، ومنافع تختص بها كل هجرة على نحو الإستقلال ، نعم منافع هجرة المدينة أكثر وأعظم ، وهي متصلة إلى يوم القيامة ، ومن أفرادها :
الأول : هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة وبقائه فيها إلى أن غادر إلى الرفيق الأعلى منها ، وفي معركة حنين التي أعتدت فيها ثقيف وهوازن على المسلمين ، وهجموا عليهم بغتة لإرادة قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، فهزم الله المشركين ، وصارت أموالهم غنائم بأيدي المسلمين ، أعطى النبي صلى الله عليه وآله وسلم المؤلفة قلوبهم من قريش منها وأصاب كل واحد منهم مائة ناقة ، فبلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الأنصار وجدوا في أنفسهم لأنهم الأولى بهذه الغنائم والعطايا .
فأرسل إليهم وأثنى عليهم وذكر جهادهم في سبيل الله وإيذائهم له ، ثم قال (أَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ ، أَنْ يَذْهَبَ النّاسُ بِالشّاةِ وَالْبَعِيرِ وَتَرْجِعُوا بِرَسُولِ اللّهِ إلَى رِحَالِكُمْ ؟ فَوَاَلّذِي نَفْسُ مُحَمّدٍ بِيَدِهِ لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْت امْرَأً مِنْ الْأَنْصَارِ ، وَلَوْ سَلَكَ النّاسُ شِعْبًا وَسَلَكَتْ الْأَنْصَارُ شِعْبًا ، لَسَلَكْت شِعْبَ الْأَنْصَارِ . اللّهُمّ ارْحَمْ الْأَنْصَارَ ، وَأَبْنَاءَ الْأَنْصَارِ ، وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ ” قَالَ فَبَكَى الْقَوْمُ حَتّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ وَقَالُوا : رَضِينَا بِرَسُولِ اللّهِ قَسْمًا وَحَظّا)( ).
لبيان إكرام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للأنصار ، وهذا الإكرام على وجوه :
الأول : إنه مرآة لإكرام الله عز وجل للأنصار وتشريفهم بذكرهم والثناء عليهم في القرآن .
الثاني : إنه من مصاديق قانون وهو أن السنة النبوية تفسير للقرآن .
الثالث : دعوة المسلمين للإقتداء بسنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في إكرام الأنصار ، وهل تشمل هذه الدعوة الأنصار أنفسهم ولزوم تعاهد الإكرام لأنفسهم وفيما بينهم .
الجواب نعم لبيان قانون وهو ترشح منافع الهجرة على ذات المهاجرين والأنصار وأبنائهم .
الرابع : البشارة بالثواب العظيم للأنصار في الآخرة .
وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال للأنصار : إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض( ).
مفهوم الموافقة في الآية
في الآية مسائل :
الأولى : في الآية دعوة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بتلاوة آيات القرآن على الناس .
وورد في التنزيل [وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً]( )، وفيه تحذير من دعاء الإنسان على نفسه سواء كان مسلماً أو كتابياً أو كافراً .
وهل يصدق على قراءتهم القرآن في الصلاة بأنها تلاوة على الناس ، الجواب نعم ، وفي التنزيل [إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا]( )، والمراد صلاة الصبح وذكر القرآن في الآية لبيان موضوعيته في الصلاة تشهدها ملائكة الليل الذين يعرجون الى السماء أوان الفجر ، وملائكة النهار الذين ينزلون من السماء.
وتدل الآية على شهادة الملائكة للصلاة , وفيه اشارة الى شهود الناس الصلاة المسلمين وسماعهم للقرآن.
وهل من الإعجاز في تشريع الصلاة اليومية المتعددة ووجوبها العيني على كل مسلم ومسلمة .
الثانية : بيان القرآن لإنكار المشركين لنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ولم يستح الله عز وجل من ذكر هذا الإنكار في القرآن ، وتطلع عليه الأجيال المتعاقبة من الناس والمسلمين ، لتكون هذه الآية على وجوه :
الأول : حث المسلمين للصبر , وتحمل أذى مغالطة الذين كفروا .
الثاني : دعوة المسلمين للتفقه في الدين والإحتجاج على الذين كفروا ، ورد جدالهم بالحكمة وبيان الآيات والمعجزات الحسية والعقلية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وفي التنزيل [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] ( ).
الثالث : الثناء على أهل البيت والصحابة الأوائل لثباتهم في منازل الإيمان مع إظهار الذين كفروا الإنكار الشديد لمعجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالثة : بيان مسألة وهي توجه الذين كفروا إلى الله سبحانه بالدعاء ، ولكن أسباب هذا التوجه وموضوعه وغاياته تتنافى مع مضمون الدعاء والمقاصد السامية منه ، وفيه بيان لحاجة الناس إلى بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وانبثاقها من مكة والمسجد الحرام ، لتصحيح مناهج الدعاء وجعلها بما يحب الله ، وينفع الناس ، قال سبحانه [وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ] ( ).
وهل قول الذين كفروا [وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ] ( ) من الدعاء الذي تذكره الآية أعلاه ، الجواب لا ، إذ تخرجهم واستكبارهم ذات الآية أعلاه من الذين يتوجه إليهم الخطاب بالدعاء إلى الله عز وجل لأنهم أظهروا الإستكبار عن عبادة الله عز وجل ، والإمتناع عن هذا الإستكبار على وجوه :
الأول : الإيمان بالله عز وجل إلهاً واحداً فرداً صمداً قيوماً ، وفي التنزيل [هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ] ( ).
الثاني : التصديق بالنبوة والتنزيل وأن الله عز وجل بعث الأنبياء لصفات ذاتية وعامة ينتفع منها الناس للتداخل بينها ، فقوله تعالى في سليمان [وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنْ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ]( )، بشارة ودعوه لينتفع المؤمنون والناس جميعاً من ورثه سليمان لمقام داود وشاهد على عظيم هبات الله عز وجل للأنبياء خاصة والمؤمنين عامة، ويمكن تشريع قانون وهو كل معجزة لأحد الأنبياء منفعة للناس عامة .
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال (خرج نبي من الأنبياء يستسقي ، فإذا هو بنملة رافعة بعض قوائمها إلى السماء ، فقال : ارجعوا فقد استجيب لكم من أجل شأن النملة( ).
وفي قوله [وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِي لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنْ الْغَائِبِينَ * لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ] ( )بيان لحاجة سليمان وجنوده إلى رحمة الله في تعيين موضع الماء في الصحراء والفلاة .
(عن ابن عباس وغيره: كان الهدهد مهندسا، يدل سليمان، عليه السلام، على الماء، إذا كان بأرض فلاة طلبه فنظر له الماء في تخوم الأرض)( ).
الثالث : لقد استكبر الذين كفروا عن دعوة ونبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وطلبوا منه المعجزات ، ومنها ما ورد في التنزيل [وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنْ الأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ خِلاَلَهَا تَفْجِيرًا *أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُه قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَرًا رَسُولاً] ( ).
فسألوا معجزات حسية من نحو ثمان آيات ، فأمر الله عز وجل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يخبرهم بأن عنده أعظم من هذه المعجزات وما هو أصل لها ، وهو الرسالة بقوله تعالى [قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَرًا رَسُولاً] ( ) فالرسالة تأتي بهذه النعم العظيمة ، وبالأمور الخارقة ومنها النصر الذي حققه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في معركة بدر مع أنهم كانوا الأقل عدداً وعدة وتمريناً وتهيئة واستعداداً للقتال ، ولم يخرجوا من المدينة المنورة للقتال .
وخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ وليس عنده سيف ، ولم يكن قصده الوصول إلى ماء بدر للقتال ، إنما كان خروجه وأصحابه للتبليغ والرباط المتحرك حول المدينة ، وتثبيت مفاهيم الإيمان في قلوب الصحابة .
وهل يمكن القول بقانون وهو كل معجزة للأنبياء ذكرت في القرآن إنتفع منها المسلمون إنتفاعاً حسياً وقولياً وعلمياً ، الجواب نعم ، لذا لابد من تأسيس علم جديد تذكر فيه معجزات الأنبياء على نحو التفصيل مع بيان كيفية انتفاع المسلمين منها ، وهو من مصاديق قوله تعالى[كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ]( ).
ولكن الذين كفروا إتخذوها مادة للمغالطة والتحدي والطلب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن يأتي بمثلها ، ليكون من الشواهد على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن القرآن ينزل بمعجزات الأنبياء مع العلم بأنه أخبرهم أني رسول ينزل عليّ الوحي ، ومن هذا الوحي بيان معجزات الأنبياء لأجيال المسلمين والناس ,وإلى يوم القيامة ، وفيه دليل على حاجة الناس لسلامة القرآن من التحريض .
الرابعة : في آية البحث دعوة للعلماء والمحققين ليذكر وجوه صدود واستكبار الذين كفروا عن النبوة والتنزيل وإصرارهم على إنكار البراهين الساطعة التي تدل على صدق نزول القرآن من عند الله عز وجل إذ أن الله عز وجل يخبر بأن القرآن حق وصدق ، وهو كلامه ، وهو حق ونزل بالحق ويهدف إلى الحق ، قال تعالى [وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ] ( ) .
لبيان أن ذكر القرآن للمعجزات نعمة عظمى لتثبيت المسلمين في مقامات الهدى والإيمان وأنها موعظة وسبيل هداية ورشاد ، ودروس متجددة تقتبس منها المسائل وأسباب الهداية والرشاد ، وما فيه التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمنع من الجدال بالمغالطة .
وقال تعالى [اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ] ( ) ومن الكفار من سلّم بأن القرآن نازل من عند الله ولكنه أراد نزوله على غير النبي محمد وقالوا [وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ] ( ).
ويكون ما ذكر وتعداد وجوه صدود الذين كفروا من جهات :
الأولى : ذم القرآن للذين كفروا .
الثاني : قانون بيان وفضح القرآن للمسائل الباطلة التي يذكرها الذين كفروا في جدالهم .
الثالث : توثيق القرآن لإصرار الذين كفروا على الجحود .
الرابع : بيان الأذى الصادر من الذين كفروا إتجاه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه .
الخامس : جدال الذين كفروا بالباطل ، وهل يختص هذا الجدال بأيام نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم , الجواب لا ، فقد كان الكفار يجادلون الأنبياء السابقين ، قال تعالى[وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ]( ) .
وتتضمن خاتمة الآية أعلاه التحدي بالإخبار من سوء عاقبة الذين كفروا ، وزوال سلطانهم وشأنهم وجاء بصيغة السؤال للدعوة للتفكر بما لحقهم من البلاء ، قال تعالى[قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ]( ) .
وهل في الآية أعلاه وعيد للذين كفروا من قريش , الجواب نعم.
السادس : دعاء الذين كفروا على أنفسهم إن كان القرآن نازلاً من عند الله وفيه دعوة للمسلمين لترقب نزول البلاء بالذين كفروا ، ولم تمر الأيام حتى كانت واقعة بدر في شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة ، فقتل منهم سبعون وأسر سبعون .
السابع : إرادة المشركين قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثامن : تعذيب المشركين للمسلمين والمسلمات الأوائل .
التاسع : حصار المشركين لبني هاشم في شعب أبي طالب لمدة ثلاث سنوات .
العاشر : بيان السنة النبوية القولية والعقلية لأذى الذين كفروا .
(عن عبد الله ، قال : لما كان يوم حنين آثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسا في القسمة ، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل ، وأعطى عيينة مثل ذلك ، وأعطى ناسا من أشراف العرب وآثرهم يومئذ في القسمة ، فقال رجل : والله إن هذه القسمة ما عدل فيها ، وما أريد بها وجه الله قال : فقلت : والله لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأتيته فأخبرته بما قال الرجل ، فتغير وجهه حتى صار كالصرف .
قال النبي : فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله ، ثم قال : يرحم الله موسى ، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر ، فقلت : لا جرم ، لا أرفع إليه بعد هذا حديثا) ( )( ).
وهل يتعارض الحديث أعلاه مع ما ورد عن أنس بن مالك قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد ، ولقد أخفت في الله وما يخاف أحد ، ولقد أتت علي ثالثة وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا ما يواري ابط بلال) ( ).
وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (ما أوذي نبي مثل ما أوذيت) ( ).
الجواب لا تعارض بينهما فالمراد من شدة أذى موسى بخصوص موضوع الأذى الذي صدر من بعضهم في كيفية قسمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لغنائم حنين .
ومن الإعجاز في السنة النبوية بيان صبر الأنبياء السابقين على الأذى ليدل قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (رحمة الله على موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر) ( ) على الحصر وتقدير : من هذا ) أي بخصوص هذا .
وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصبر على الأذى ، ويحث المؤمنين على الصبر ، وفي التنزيل [وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ] ( ) .
الخامسة : لقد أخبرت الآية قبل السابقة عن خبث ودهاء ومكر الذين كفروا وقصدهم الإضرار بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسعيهم في مقدمات قتله ، الأمر الذي يصيب المسلمين والمسلمات بالفزع ، فأختتمت الآية بقوله تعالى [وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ] ( )، وفيه مسائل :
الأولى : بعث السكينة في قلوب المسلمين والمسلمات ، ونسخ ونقض أسباب الخوف التي تترشح عن مكر الذين كفروا.
الثانية : التحدي والإعجاز ، وتأكيد صرف ودفع شرور الذين كفروا ، وتدل الآية التالية لآية البحث على هذا الدفع والتي تفيد بالدلالة التضمنية إمهال الذين كفروا بقوله تعالى [وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ] ( ) وفيه إنذار بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سيغادر مكة , وعلى المشركين أن يترقبوا البلاء والعذاب ، لذا يمكن تأسيس قانون وهو هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خير ونفع للمسلمين والمسلمات , وبلاء وبداية عذاب للذين كفروا .
فان قلت هل يعلم الكفار بهذا القانون ، وهل له موضوعية في خروجهم خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم هجرته للبحث عنه حول مكة .
المختار في الجواب هو نعم .
فمن خصائص النبوة تجلي البركات على الناس وإنتفاع البر والفاجر منها ، ولكن الذين كفروا يختارون الإمتناع عن الشكر لله عز وجل .
السادس : هل كان الأولى بالذين كفروا أن يقولوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأهدنا للإيمان ، أم أنه يجب عليهم التسليم بالمعجزات وعدم تعليقه بأداة الشرط (إذا ) .
الجواب لا تعارض بين الوجهين ، إنما يكون الثاني وهو المبادرة إلى الإيمان والأولى والواجب ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يمهل طائفة من الذين يأتون إلى المدينة للإطلاع على دلائل النبوة وأحكام الشريعة , قال تعالى [وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْلَمُونَ] ( ) ولم يسأل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مشركي مكة أن يستجيروا به ، إنما أراد منهم أن يمتنعوا عن إيذائه ، والإضرار به وبالمسلمين .
ومن الإعجاز في النبوة أن كل آية وبرهان فيها يزجر الناس عن إيذاء النبي.
السابعة : تبين آية البحث حال الفقاهة العامة عند الناس بخصوص قصص الأمم السالفة ، وعقوبة الذين يكّذبون بالأنبياء.
وكيف يحل بهم العذاب الأليم ، وهو الذي يتجلى بجريان موضوع العقاب هذا على ألسنة الذين كفروا ، ولكنهم لم يتعظوا منه ، ولم يتخذوه درساً ووسيلة للتدبر في حقائق الأمور، إنما جلبوا العذاب لأنفسهم ويريدون إيهام الناس بأنه لو لم تنزل عليهم حجارة من السماء فانه لا يجب عليهم الإيمان .
وارادوا حصر معجزات النبوة وصدقها بأحد أمرين :
الأول : نزول حجارة من السماء على الذين كفروا .
الثاني : مجئ عذاب أليم للذين كفروا .
الثامنة : بيان حال السخط عند الذين كفروا بسبب بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتصديق الناس بها ، وهل أدركت قريش أن في نبوته ضرراً عليهم في أشخاصهم وتجارتهم ، الجواب لا دليل عليه , وكان النبي حريصا على بيان قانون وهو أن نبوته خير محض , ونعمة على قريش في النشأتين .
ومن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان ملتفتاً إلى هذا الأمر ويحرص على نفيه ، وكان قد بين لقريش أن تصديقهم بنبوته سبب لسيادتهم على العرب والعجم.
لقد شقّ على المشركين رؤية طائفة من رجالات قريش دخلوا الإسلام مثل حمزة وعمر وغبطة المسلمين بالحال التي بلغوها، وخروجهم من دار الأرقم بن أبي الأرقم التي كانوا يتخفون فيها ، فاجتمع الملأ من قريش وهم الصناديد والأشراف، وكانوا خمسة وعشرين رجلاً منهم:
الأول : الوليد بن المغيرة وهو أكبرهم سنّاً.
الثاني : أبو جميل ابن هشام .
الثالث : أُبي وأُميّة ابنا خلف.
الرابع : عمر بن وهب بن خلف .
الخامس : عتبة بن ربيعة .
السادس : شيبة بن ربيعة
السابع :عبد الله بن أُميّة .
الثامن :العاص بن وائل .
التاسع :الحرث بن قيس .
العاشر :عدي بن قيس.
الحادي عشر : النضر بن الحرث.
الثاني عشر :أبو البحتري بن هشام.
الثالث عشر : قرط بن عمرو .
الرابع عشر :عامر بن خالد .
الخامس عشر : محرمة بن نوفل .
السادس عشر :زمعة بن الأسود .
السابع عشر : مطعم بن عدي .
الثامن عشر :الأخنس بن سريق .
التاسع عشر :حويطب ابن عبد العزى .
العشرون :نبيه بن الحجاج .
الحادي والعشرون :منبه بن الحجاج .
الثاني والعشرون : الوليد بن عتبة .
الرابع والعشرون : هشام بن عمر بن ربيعة .
الخامس والعشرون : سهيل بن عمرو .
فقال لهم الوليد بن المغيرة : امشوا إلى أبي طالب. فأتوا أبا طالب فقالوا له : أنت شيخنا وكبيرنا،وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء،وإنّا أتيناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك. فأرسل أبو طالب إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فدعاه فقال له : يابن أخ هؤلاء قومك يسألونك السواء فلا تمل كل الميل على قومك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: وماذا يسألوني ،فقال : يقولون ارفضنا( )، وارفض ذكر آلهتنا وندعك وآلهك.
فقال النبي عليه السلام : أتعطونني كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم.
فقال أبو جهل : لله أبوك لنعطينكها وعشر أمثالها.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قولوا لا إله إلاّ الله ،فنفروا من ذلك وقاموا وقالوا أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا.
وكأنهم احتجوا كيف يكون إله واحد لأهل المشرق والمغرب .
التاسعة : في إحتجاج كفار قريش ، وسؤالهم العذاب تحريض للذين كفروا من القبائل التي حول مكة وغيرها على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وحثهم على عدم دخول الإسلام، وعلى محاربته وكأن كفار قريش يعدون العدة للحرب على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقتله ، وأصحابه .
لقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يطوف على القبائل في أسواق مكة في موسم الحج ، وفي منازل تلك القبائل في منى يدعوهم للإسلام ، ويتلو عليهم آيات القرآن ليكون من معاني ودعاء كفار قريش دعوة أفراد القبائل للبقاء على الكفر والضلالة .
ولكن الله عز وجل أنزل هذه الآية لتكون ضياء ينير دروب الهداية للناس وبرزخاً دون اصغاء رجال القبائل لكفار قريش ، وفي التنزيل[إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ]( ).
مفهوم المخالفة في الآية
في الآية مسائل :
الأولى : الثناء على المسلمين والمسلمات لتلقيهم دعوة النبي صلى الله عليه وآله سولم بالتصديق والتسليم ، ولإعراضهم عن مغالطات الذين كفروا ، ولم يتم هذا الإعراض لولا المعجزة من عند الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , ويمكن تأسيس عدة قوانين في المقام من وجوه :
الأول : دخول خديجة الكبرى والإمام علي عليهما السلام في الإسلام في اليوم الثاني للبعثة النبوية معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني : فلسفة وأثر إجهار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتلاوة القرآن في الصلاة في البيت الحرام .
الثالث : توالي دخول الناس في الإسلام رغم إيذاء وتهديد الذين كفروا ، وقدمت الإيذاء هنا لأن قريشاً كانوا يجمعون بين إيذاء المسلمين وبين الوعيد بالإضرار بهم ، لتمر الأيام فيدعو رجال قريش على أنفسهم بنزول العذاب في آية البحث ، وليدل هذا الدعاء على حال اليأس التي بلغوها , قال تعالى[وَلاَ تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ]( ).
الثانية : وراء دخول كل فرد من المسلمين قصة وآية ، ففي قصة إسلام سلمان الفارسي مثلاً أنه كان غلاماً يرعى الأغنام لمرأة من جهينة يتراوح على الذهاب الى المرعى هو وغلام آخر .
وكان سلمان يجمع الدراهم من عمله هذا يسخرها ويتزود بها لرؤية نبي آخر زمان وما عنده من علامات النبوة ، وفي أحد الأيام وكانت نوبة سلمان في الرعي، وإذ جاء له صاحبه الذي يتعقبه ليخبره أنه قدم يثرب : رجل يزعم أنه نبي، فقال له سلمان: أقم في الغنم حتى آتيك .
فهبط سلمان إلى المدينة، فنطر إلى النبي صلى الله عليه وسلم , ودار حوله. فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم عرف ما يريد، فأرسل ثوبه حتى خرج خاتمه، فلما رآه أتاه وكلمه. ثم انطلق فاشترى بدينار، ببعضه شاة وببعضه خبزا، ثم أتاه به. فقال:”ما هذا”؟ قال سلمان: هذه صدقة قال: لا حاجة لي بها( ).
ليتأكد سلمان من تحقق البشارات ببعثة النبي محمد، وليت الذين كفروا لجأوا إلى سؤال النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن دلائل نبوته ، ومصاديق رسالته واتعظوا منها ، وإن كانت النوبة لا تصل إلى هذا السؤال ، إذ أن كل آية قرآنية شاهد سماوي على النبوة .
الثالثة : من مفاهيم المخالفة في آية البحث ترغيب المسلمين بالدعاء لجلب الخير واعلاء كلمة التوحيد وظهور لواء الإيمان خاصة وأن دعاء الذين كفروا على أنفسهم توهين لهم ، لنزول البلاء بهم ، قال تعالى [وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ] ( ).
ومن معاني مفهوم المخالفة دلالة الكلام على نفي الحكم الثابت في المنطوق لتقييده بوصف أو شرط أو تحديده بغاية أو عدد , ومثلاً قوله تعالى[وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً] ( )، أي الذي ليس عنده استطاعة لا يجب عليه الحج إلا أنه لا يمنع من استحبابه.
لإنتفاء قيد من قيود المنطوق ، ويكون السكوت عنه مخالفاً لحكم المنطوق به، ويسمى أيضاً دليلاً شرعياً إلا مع القرينة ، ويدل قوله تعالى [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ] ( )، على ورود الأحكام في القرآن وتجليها في السنة النبوية.
الرابعة : من المتسالم عليه عند الناس جميعاً التضاد والتناقض بين حال أهل الجنة وأهل النار، ومن بديع صنع الله عز وجل في خلق الإنسان وقوله تعالى[سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ]( )، تبادر الأذهان عند ذكر نعيم الآخرة للمؤمنين باستحضار العذاب الأليم للذين كفروا يوم القيامة ، وكذا العكس فاذا ذكر عذاب النار للذين كفروا يتبادر الى الأذهان لبث المؤمنين الذين يعملون الصالحات في الجنة إعجاز القرآن أن تأتي الآية الواحدة والآيات المتجاورة لتخبر عن حلول الذين آمنوا في دار الكرامة ، وإلقاء الذين كفروا في النار .
وفي التنزيل[وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ]( ).
قانون أقل الجمع
أختلف في أقل الجمع لغة على أقوال :
الأول : رد لفظ الجمع إلى واحد .
الثاني : الاثنان جمع ، وبه قال عمر وزيد بن ثابت ومالك وداود وغيرهم .
الثالث : أقل الجمع ثلاثة ، وبه قال ابن عباس وأبو حنيفة والشافعي .
والأصل أن الجمع ضم شئ إلى شئ ، فيصدق على الاثنين ، وما زاد ، ولكن المراد في الخلاف الإصطلاح اللغوي ، واحتج كل فريق بالكتاب والسنة واللغة وأصالة الإطلاق فبالنسبة للقول الثاني ورد قوله تعالى [إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ] ( ) والمراد موسى وهارون ورد عليه بأن المراد موسى وهارون فرعون وقومه ، كما استدل بقوله تعالى [وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا] ( ).
ولكن الإقتتال فوقع بين جماعة وأفراد من كل طائفة ، وهو من الإعجاز في لغة هذه الآية ، والعجز عن إدراك مضامينها فكل طائفة لها رأي وحجة ، وسبب للقتال ، ولكن فعل القتال يقع بين الأفراد .
ومن الإعجاز فيه إقامة الحجة على الذين يتقاتلون من جهات :
الأولى : لحاظ أنهم طائفة .
الثانية : قتال الأفراد ، فيؤثم التابع والمتبوع .
الثالثة : بالقتال هجران وظائف الأخوة الإيمانية ، قال تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ] ( ) وفي قصة يوسف عليه السلام ورد على لسان يعقوب عليه السلام [عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا] ( ).
والمراد يوسف وأخوه ويرد هذا القول بأن المراد ثلاثة ، وهو يوسف وأخوه بنيامين وأخوهم الكبير الذي تخلف في مصر ، وقال كما ورد في التنزيل [ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ]( ).
وورد قوله تعالى [وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ] ( ) والمراد حكم داوود وسليمان ، ولكنه لا يمنع إرادة تعيين داوود وسليمان نواباً لهم يحكمون في الأمصار بأمرهما ، والقوانين التي يصدرونها .
وأفرد البيهقي باباً في السنة اسمه (باب الاثنين فما فوقهما جماعة ) ( ).
وعن أبي أمامة قال : قال : رسول الله صلى الله عليه و سلم : الاثنان فما فوقهما جماعة( ).
والقدر المتيقن من الجمع لغة هو ضم الشئ إلى شئ فيصدق على الاثنين بضم أحدهما إلى الآخر ، وكذا ما زاد عليهما .
ومن جهة الإطلاق ، فان الاثنين إذا أخبرا عن فعل لهما ، فانهما يتحدثان بصيغة الجمع ، كما لو قالا : صمنا شهر رمضان ، صلينا الظهر، وإذا حجّ الزوجان معاً البيت الحرام ، يقول الزوج مثلاً ، حججت وزوجتي ، ويقول : حججنا البيت .
كما يصدق على الاثنين في الصلاة جماعة ، وهما إمام ومأموم .
ورد عليه بأن علماء اللغة قسموا الاسم من جهة الإفراد التعدد إلى أقسام وهي :
الأول : المفرد .
الثاني : المثنى .
الثالث : الجمع .
ويقال في الاثنين قاما ، وفي الجمع قاموا ، كما يصح أن يقال صليت على جنازتين ، ولا يقال على جنائز ، ويقال لك علي ديناران ، ولا يقال : دنانير .
والمختار أن الأصل في الجمع هو ثلاثة فما فوق إلا مع القرينة التي تدل على أن المراد اثنان .
لقد ورد قوله تعالى [هَذَانِ خَصْمَانِ] ( ) ويراد منه المعنى المتعدد ومنه :
الأول : شخصان مؤمن وكافر .
الثاني : طائفة من المؤمنين ، وأخرى من الكافرين .
الثالث : طائفة من المؤمنين وفرد واحد من الذين كفروا ، وهو من الإعجاز في مجئ الآية بصيغة المثنى الذي ينبسط على المفرد والجمع ، ويكون تقدير الآية على جهات :
الأولى : هذان خصمان فردان اختصما في ربهما .
الثانية : هذان طائفتان اختصموا في ربهم .
الثالثة : هذان جمعان اختصموا في ربهم .
كما ورد في قوله تعالى [يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ] ( ) بخصوص معركة بدر ومعركة أحد .
الرابعة : إرادة الجماعة من جهة والمفرد من جهة أخرى ، والتقدير مثلاً هذا مؤمن اختصم مع طائفة من الذين كفروا .
لذا يصح على المؤمن أنه أمة ، كما ورد في إبراهيم قوله تعالى [إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ] ( ) وفي علم الأصول قاعدة وهي تقديم الأهم على المهم ، والأهم في المقام التدبر في معاني ودلالات قوله تعالى [هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ] ( ) وأنه يشمل المفرد والمثنى والمتعدد من الطرفين .
لبيان صبر وجهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت وعموم المهاجرين والأنصار .
وتبين الآية إقتران صفة الخصومة بطائفة من أهل البيت والصحابة ، وهذه الصفة عنوان عز وفخر لهم ، ولعموم الصحابة رجالاً ونساءً ، لأنها في ذات الله عز وجل ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ] ( ) وفيه ذم وتقبيح للذين كفروا لخصومتهم ومحاربتهم للنبوة والتنزيل .
وعن علي عليه السلام قال: فينا نزلت هذه الآية في مبارزتنا يوم بدر – هذان خصمان اختصموا – إلى قوله – الحريق) ( ).
وقيل نزلت الآية في (فريقين أهل دِينينِ. فأحد الخصمين المسْلمونَ، والآخر اليهود النصارى) ( ).
وهو بعيد ، إنما كان موضوع الآية وبحسب الوقائع الخصومة بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من جهة وبين المشركين من جهة أخرى ، وكانت هذه الخصومة بالسلاح والقتال لأن المسلمين متمسكون بالإقرار بالربوبية المطلقة لله عز وجل ، أن الذين كفروا فيقاتلون من أجل عبادة الطاغوت واتباع الهوى .
ومن الإعجاز في مجئ اسم الإشارة (هذا) أن تلك الخصومة لن تستمر وتستديم ، إذ تكون النتيجة والغلبة للذين آمنوا ، قال تعالى [فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] ( ).
ولم يرد لفظ [الْعُلْيَا] في القرآن إلا في الآية أعلاه لبيان قانون وهو أن دين الله هو الأعلى على نحو الدوام إلى يوم القيامة .
وكذا لم يرد لفظ [السُّفْلَى] في القرآن إلا في الآية أعلاه لبيان قانون وهو أن مفاهيم الكفر والضلالة هو الأدنى والأسفل في كل زمان ، وأن القبح الذاتي والغيري لا يفارقه ، وفي نسبة جعل كلمة الله العليا ، وكلمة الذين كفروا السفلى إلى الله سبحانه مسائل :
الأولى : بيان قانون وهو أن مقاليد الأمور بيد الله عز وجل وعمومات قوله تعالى[وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ]( ).
الثانية : تفضل الله عز وجل بجعل أهل الإيمان هم الأعلى , وذوو الشأن الرفيع بالإيمان والسكينة ، قال تعالى[وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ]( ).
الثالثة : لم تأت الرفعة والعز للذين آمنوا بالقتال ، إنما جاءا بفضل من عند الله عز وجل.
الرابعة : ترغيب الناس بالإسلام وهجران عبادة الأصنام ، وهذا الترغيب قانون يحكم الحياة الدنيا أول أيام هبوط آدم وحواء الى الأرض ، قال تعالى[قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى]( ).
الخامسة : زجر الناس عن نصرة الذين كفروا في قتالهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهجومهم المتكرر على المدينة المنورة ، فما دامت كلمة الذين كفروا هي الأدنى والأسفل فلماذا ينصرونهم.
السادسة : تضمن الآية الكريمة التحدي إذ تبين قانوناً وهو : في كل زمان تكون الغلبة والبرهان إلى جانب أهل الإيمان .
السابعة : زجر المشركين عن إنفاق الأموال في محاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتجهيز الجيوش لغزو المدينة ،ومن مواضيع قوله تعالى[إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ]( )، الأموال التي كانت في قافلة أبي سفيان إذ أنهم سخروها للإنفاق على جيوش الذين كفروا في معركة أحد ، ليكون هذا الإنفاق وعدم النفع منه من مصاديق قوله تعالى[فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ]( )، بعودة المشركين من معركة أحد من غير أن يحققوا أية غاية من غاياتهم الخبيثة.
الثامنة : منع المسلمين من التحريض على القتال والهجوم على الذين كفروا ، فقد جعل الله عز وجل كلمة التوحيد وأحكام العبادات هي السائدة .
فان قلت هل تدعو الآية إلى القعود ، الجواب لا ، لذا قال سبحانه [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ] ( ).
إذ تبين الآية أعلاه أن وظيفة الإعداد هذا هو إخافة الذين كفروا ، وليس قتالهم .
التاسعة : من معاني الآية إخبارها عن التباين والتضاد بين عز الإيمان وذل الكفر بعث الخيبة في نفوس الذين كفروا .

الآية الحادية والعشرون

قوله تعالى[وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ] ( ).
موضوع الآية أعلاه هو قتل المشركين يوم بدر ، وفيه وجوه :
الأول : بينت الآية أن وفاتهم ليست كباقي الناس بقبض ملك الموت لأرواحهم في سرير الموت ونحوه ، إنما كان الملائكة يقومون بعذابهم بأن [يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ] ( ) عندما كانوا يستقبلون المسلمين في القتال ، ويضربون أدبارهم عند هزيمتهم وفرارهم .
الثاني : المراد ضرب الملائكة لوجوه وأدبار الذين كفروا يوم القيامة وعند سوقهم إلى النار .
الثالث : إرادة المعنى العام الشامل للوجهين أعلاه .
والمختار هو الأول بقرينة المناسبة وهي وفاة الذين كفروا لبيان العقوبة العاجلة لهم ساعة الوفاة ، وعند انتقالهم إلى عالم البرزخ ، وهناك مسألتان:
الأولى : هل توفي الملائكة للذين كفروا في معركة بدر بضرب وجوههم وأدبارهم من مصاديق التخفيف من الله عن الذين آمنوا .
الثانية : هل هو من مصاديق قوله تعالى [فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ] ( ).
الجواب على المسألتين بنعم ، أما المسألة الأولى فالتخفيف في آية البحث من جهات :
الأولى : استئصال رؤساء وطائفة من الذين كفروا .
الثانية : فضل الله في التعجيل بانتهاء معركة بدر في ذات اليوم الذي بدأت فيه .
الثالثة : إنزجار وفرار بقية جيش المشركين , وهذه الحقيقة جلية وواضحة ، أدنى تأمل بفرار المشركين يوم معركة بدر يدرك قانوناً ، وهو أن هذا الفرار لم يتم إلا بفضل وآية من عند الله عز وجل .
وقيل المراد من الآية [يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلاَئِكَةُ] ( ) هو ملك الموت الذي عند قبض أرواحهم ، قاله مقاتل( ) .
ولكن الآية أعم موضوعاً وحكماً .
فان قلت يدل توجه الخطاب موجه للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم [وَلَوْ تَرَى] على إنحصار موضوع الآية بقتلى بدر ، والجواب لا دليل عليه ، إنما يأتي الخطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في القرآن ، والمراد الأمة ومنه قوله تعالى [يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ] ( ).
ومن خصائص الآية القرآنية بقاءها غضة طرية ، وتقدير أول الآية على وجوه :
الأول : ولو ترى يا محمد .
الثاني : ولو ترى يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : ولو تروا أيها المهاجرون .
الرابع : ولو تروا أيها الأنصار .
الخامس : ولو تروا أيها التابعون .
السادس : يا أيها الذين آمنوا لو تروا إذ يتوفى الذين كفروا الملائكةُ .
ومن إعجاز الآية إبتداؤها بحرف الشرط غير الجازم (لو) إمتناع لإمتناع وهو على شعبتين :
الأولى : امتناع الجواب لإمتناع الشرط , ويسمى في الإصطلاح امتناع الثاني لامتناع الأول ، كما لو قلت لو رأيت الهلال لصمت ، أي أن شرط رؤية هلال شهر رمضان لم يتحقق فيكون اليوم التالي مكملاً لشهر شعبان ، فامتنع الصيام الواجب لعدم ثبوت رؤية الهلال , ومنه : لو جاء زيد لأكرمته ، فلم يقع الإكرام لأن زيداً لم يأت .
الثانية : امتناع الأول لإمتناع الثاني ، وهو الذي ذهب إليه ابن الحاجب واستدل عليه بقوله تعالى[لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا]( )، فيدل إنتفاء الفساد على انتفاء تعدد الآلهة.
والأرجح والذي عليه أكثر النحويين هو الشعبة الأولى أعلاه ، ولو : حرف للتمني لا يعمل ويقترن جوابه بالفاء ، ويكون منصوباً مثل : لو استطعت فتحج البيت .
ويأتي حرف تقدير، وحرف شرط غير جازم يفيد التعليق ، ومع أن (لو) ضد الحرف(ان) التي تأتي للجزاء , وتسمى إن الجزاء وتوقع الثاني من أجل وقوع الأول كما في قوله تعالى [وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ]( )، وقوله [فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنْ الْمُعْتَبِينَ]( ) .
ولكن قد تأتي (لو) بمعنى الحرف المصدري بمنزلة (أن) وهو لاينصب ، ويأتي أحياناً بعد الفعل (ود ، يود) كما في قوله تعالى[يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ]( )، وترجع (لو) الفعل المضارع ماضياً، كما تجعل (أن) الفعل الماضي بمعنى المضارع ، وتقدير الآية على قسمين :
الأول : لو رأيت إذ توفى الذين كفروا الملائكة .
الثاني : ولو ترى إذ يتوفى…)
إذ يحتمل معنى ( لو) في الآية الوجهين بلحاظ تكرار الفعل المضارع (ترى) (يتوفى)(يضربون) ثم أختتمت بالفعل الماضي (وذوقوا) على سبيل الوعيد بالعذاب الأليم في النار ، قال تعالى[فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ]( ).
وهل يمكن رؤية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للملائكة وهم يتوفون الذين كفروا وكيف أنهم يضربون وجوههم وأدبارهم ، الجواب نعم ، إذ ينكشف غطاء الغيب في المقام للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بفضل من الله ليقوم باخبار أجيال المسلمين بحال الكفار عند الموت بما يكون موعظة وعبرة.
ومن معاني (لو) في الآية أن الآية تشمل الذين كفروا على نحو العموم الإستغراقي بقوله تعالى[الَّذِينَ كَفَرُوا] ولم يكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حاضراً عند أكثرهم ، فجاءت الآية للإخبار عن حال الكفار بتلقيهم وأعضائهم وجوارحهم الضرب من الملائكة ، فحتى لو كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يرى ضرب وإهلاك الملائكة لرؤساء الكفر في معركة بدر، فالآية أعم في موضوعها وتشمل عموم الكفار ، ليكون من معاني آية البحث وجوه :
الأول : بيان قانون من الإرادة التكوينية .
الثاني : حتمية وفاة الإنسان ، قال تعالى [كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ] ( ).
الثالث: موضوعية العقيدة والمبدأ في كيفية قبض الملائكة لروح الإنسان عند موته .
الرابع : التحذير والإنذار لعموم الذين كفروا من العذاب من حين الوفاة ، فقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار امتحان واختبار , ورزق الإنسان العقل ، وجعله آلة التمييز بين الأشياء ، وهو رسول باطني وإمام للجوارح يقودها لما فيه الخير والنفع الخاص والعام في النشأتين ، وتفضل الله عز وجل بآية البحث لبيان حال الذين كفروا عند الموت .
وفي حديث ( عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : إن المؤمن إذا قُبض، أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء، فيقولون: اخرجي إلى روح الله. فتخرج كأطيب ريح مسك، حتى إنه ليناوله بعضهم بعضا يشمونه حتى يأتوا به باب السماء، فيقولون ما هذا الريح الطيبة التي جاءت من قِبل الأرض؟ ولا يأتون سماء إلا قالوا مثل ذلك، حتى يأتوا به أرواح المؤمنين، فَلهُم أشدّ فرحًا به من أهل الغائب بغائبهم، فيقولون: ما فعل فلان؟ .
فيقولون: دعوه حتى يستريح، فإنه كان في غمّ! فيقول: قد مات، أما أتاكم؟ فيقولون: ذُهب به إلى أمه الهاوية. وأما الكافر فيأتيه ملائكة العذاب بمسْح فيقولون: اخرجي إلى غضب الله، فتخرج كأنتن ريح جيفة، فَيُذْهَب به إلى باب الأرض( ).
وهو من رحمة الله عز وجل بهم وبالناس جميعاً بآية البحث لما فيها من الإخبار والكشف عما ينتظرهم من العذاب إن لم يتوبوا ، فمن الإعجاز في آية البحث أنها لم تذكر أشخاص الذين كفروا بالذات ، إنما ذكرتهم بالصفة وقبح الإعتقاد لتكون باعثاً على التوبة والصلاح .
ويدل بيان الآية لعذاب الذين يتلبسون بالكفر والضلالة ، وهو من مصاديق قوله تعالى[فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ]( ).
وليكون من باب الأولوية القطعية إرادة شدة عذاب الكفار الذين تشملهم آية البحث بأسباب نزولها ، وهم مشركوا قريش الذين حاربوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في معركة بدر .
وأخبر القرآن عن قانون وهو أن الله عز وجل هو الذي [يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا] ( ) كما ذكر ملك الموت وقبضه لأرواح الناس ، أما آية البحث فذكرت قانوناً وهو تعدد الملائكة الذين يقبضون أرواح الذين كفروا بقوله تعالى [وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ] ( ) لبيان قانون تعدد الملائكة الذين يقبضون أرواح الذين كفروا ، وهو من الشدة والعذاب للذين كفروا ، ولبيان أن قبض أرواحهم أمر مختلف عن عامة الناس .
ومنه ما ورد في آية البحث :
الأول : قبض الملائكة المتعددين لروح الكافر ، ويسبب له إجتماع الملائكة عند قبض روحه الفزع والخوف (وسأل ابن عباس كعباً عن قوله تعالى : { كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين }( ) الآية ، قال : إن المؤمن يحضره الموت ويحضره رسل ربه فلا هم يستطيعون أن يؤخروه ساعة ولا يعجلوه حتى تجيء ساعته ، فإذا جاءت ساعته قبضوا نفسه ، فدفعوه إلى ملائكة الرحمة ، فأروه ما شاء الله أن يروه من الخير ، ثم عرجوا بروحه إلى السماء فيشيعه من كل سماء مقربوها حتى ينتهوا به إلى السماء السابعة ، فيضعونه بين أيديهم ، ولا ينتظرون به صلاتكم عليه .
فيقولون : اللهم هذا عبدك فلان قبضنا نفسه ، فيدعون له بما شاء الله أن يدعوا ، فنحن نحب أن يشهدنا اليوم كتابه ، فينثر كتابه من تحت العرش فيثبتون اسمه فيه ، وهم شهوده ، فذلك قوله تعالى {كتاب مرقوم يشهده المقربون }( ) وسأله عن قوله : { إن كتاب الفجار لفي سجين }( ) الآية ، قال : إن العبد الكافر يحضره الموت ويحضره رسل الله ، فإذا جاءت ساعته قبضوا نفسه فدفعوه إلى ملائكة العذاب ، فأروه ما شاء الله أن يروه من الشر ثم هبطوا به إلى الأرض السفلى وهي سجين ، وهي آخر سلطان إبليس ، فأثبتوا كتابه فيها ، وسأله عن [سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى]( )، فقال : هي سدرة نابتة في السماء السابعة ، ثم علت على الخلائق إلى ما دونها و { عندها جنة المأوى }( ) قال : جنة الشهداء) ( ).
وتقدير بداية آية البحث على وجوه :
الأول : ولو ترى يا محمد .
الثاني : ولو تروا أيها المهاجرون الكفار وأمهاتهم وأخوانهم الذين ماتوا على الكفر والضلالة .
وفيه دعوة لهم لترغيب من بقي من ذويهم على الكفر بالإسلام ، وكان بعض المهاجرين يبعث بالرسائل إلى مكة يبين معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وغبطته وسعادته بدخول الأفراد الإسلام ، ويرغّب الناس بدخول الإسلام بالبينة والبرهان.
كما كان بعض الكفار يقوم بالضد فيبعث الرسائل إلى المدينة بحث بعض ذويه على الإرتداد ، وهناك مسائل :
الأولى : رسائل المسلمين إلى المشركين أكثر من رسائل المشركين إلى المسلمين .
الثانية : استجابة عدد كبير لرسائل المسلمين ، بينما لم يستجب أحد من المسلمين لرسائل المشركين ، وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا* وَأَكِيدُ كَيْدًا]( ) .
الثالثة :تضمن رسائل المسلمين الحجة والإحتجاج ورضا المسلمين بما أنعم الله عز وجل عليهم بالهداية ، بينما لا تتضمن رسائل المشركين إلا التهديد والوعيد.
الثالث: ولو تروا أيها الأنصار.
الرابع : ولو تروا أيها التابعون .
الخامس : يا أيها الذين آمنوا لو تروا إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة ،لقد قبض الملائكة أرواح الكافرين في معركة بدر ، وسحبت جثثهم إلى قليب بدر ، ولكن تفاصيل موتهم وعذابهم أثناء قبض أرواحهم باقية بين الناس إلى يوم القيامة ، ببيان آية البحث، وهو من مصاديق دعوة المسلمين الى التقوى ، والتوجه بالشكر إلى الله عز وجل بقوله تعالى[وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]( ).
السادس : يا أيها الناس لو تروا إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة .
السابع : يا أيها الذين كفروا لو تروا إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة ، فلم يعلم الكافر الحي مت أصاب الذي يموت من الكفار لحظة احتضاره وقبض روحه لما بقي على الكفر ، ولكن الله عز وجل حجب عن الناس هذا العذاب كجزء من الإبتلاء والإمتحان في الحياة الدنيا .
ومن حديث البراء بن عازب قال (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في جنازة رجل من الأنصار فجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على قبره منكسا رأسه ثم قال اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ثلاثا ثم قال إن المؤمن إذا كان في قبل من الآخرة بعث الله ملائكة كأن وجوههم الشمس معهم حنوطه وكفنه فيجلسون مّد بصره فإذا خرجت روحه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض وكل ملك في السماء.
وفتحت أبواب السماء فليس منها باب إلا يحب أن يدخل بروحه منه فإذا صعد بروحه قيل أي رب عبدك فلان فيقول ارجعوه فأروه ما أعددت له من الكرامة فإني وعدته منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى .
وإنه ليسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين حتى يقال يا هذا من ربك وما دينك وما نبيك فيقول ربي الله وديني الإسلام ونبي محمد صلى الله عليه وسلم قال فينتهره انتهارا شديدا وهي آخر فرصة تعرض على الميت .
فإذا قال ذلك نادى مناد أن قد صدقت وهي معنى قوله تعالى[يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ]( )، ثم يأتيه آت حسن الوجه طيب الريح حسن الثياب فيقول أبشر برحمة ربك وجنات فيها نعيم مقيم فيقول وأنت فبشرك الله بخير من أنت فيقول أنا عملك الصالح والله ما علمت أن كنت لسريعا إلى طاعة الله بطيئا عن معصية الله فجزاك الله خيرا قال ثم يناد مناد أن افرشوا له من فرش الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة فيفرش له من فرش الجنة ويفتح له باب إلى الجنة) ( ).
وفي قوله تعالى [وَلَوْ تَرَى] دعوة للمسلمين عامة والعلماء خاصة لإستقراء مسائل :
الأولى : كيفية موت الناس وقبض الملائكة الأرواح .
الثانية : نزول العذاب بالذين كفروا من أول ساعة مغادرتهم الدنيا .
الثالثة : التباين بين المؤمنين والكافرين في قبض أرواحهم ، ليكون من الجزاء الإبتدائي السابق حتى لعالم البرزخ باكرام الملائكة للمؤمنين في كيفية مغادرتهم الدنيا .
الرابعة : أثر وموضوعية آية البحث في بعث الفزع والخوف في قلوب الذين كفروا .
وهل هو من مصاديق قوله تعالى[سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ]( )، الجواب نعم ، إذ أن تلاوة المسلمين لآية البحث ، وسماع الناس ومنهم الذين كفروا لهذه التلاوة من مصاديق إلقاء الخوف والرعب في قلوب الذين كفروا ، ليكون من معاني وغايات الآية أمور :
الأول : منع الإقتتال بين المسلمين والذين كفروا ، إذ ينشغل الكفار بأنفسهم ، ولا يبدأ المسلمون القتال .
الثاني : إدراك عامة الناس ، ومنهم الكفار قبح الكفر والتلبس به .
فمن خصائص النفس الإنسانية كراهة كل ما تكون غايته وعاقبته قبيحة وضارة ، ومنه الكفر ، ولا يعلم الناس بالتباين في كيفية قبض الأرواح وموضوعية الإيمان في إكرام الموتى ساعة الإحتضار وضرر الكفر يومئذ إلا بالتنزيل وأحاديث الأنبياء وانقطع كل من التنزيل والنبوة بمغادرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحياة الدنيا الى الرفيق الأعلى .
ولكن القرآن بقي سالماً من التحريف والنقص لبعث النفرة في النفوس من الكفر .
وهل حفظ القرآن السنة النبوية في المقام ، الجواب نعم ، لذا اثبت المسلمون الأخبار والنصوص الواردة عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهل يشمل الحفظ الوارد في قوله تعالى[إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون]( )، تفضل الله عز وجل بحفظ السنة النبوية بالقرآن ، أم أن القدر المتيقن من الآية هو حفظ ذات القرآن بدليل عائدية الضمير الهاء في قوله تعالى[وَإِنَّا لَهُ لحافظون] إلى القرآن ، المختار هو الأول .
ليكون الحفظ في المقام على وجوه :
الأول : حفظ الكتاب من النسخ .
الثاني : استدامة أحكام القرآن من غير تغيير .
الثالث : بيان حفظ الله للتنزيل بما لا يقدر عليه غيره من الخلائق ، وهذا الحفظ من مصاديق قوله تعالى[إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، فمن فضل الله على الناس وخلافتهم في الأرض حفظ الله عز وجل التنزيل وأحكامه إلى يوم القيامة .
وهل يشمل هذا الحفظ عالم الآخرة أم أنه خاص بالدنيا ، وينقطع بانتهاء عالم الدنيا كما قال تعالى[يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ]( )، الجواب الإطلاق في حفظ التنزيل ، وشموله للحياة الدنيا والآخرة بفضل ولطف من عند الله عز وجل.
وقد ورد ذات اللفظ [وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ]( )، في أخوة يوسف وتعهدهم لأبيهم النبي يعقوب بحفظ بنيامين أخ يوسف عليه السلام ، ولكن يوسف أبقاه عنده ولم يرجع معهم ، لبيان أن العهد والوعد بالحفظ لا يقدر عليه إلا الله عز وجل وتعهد الناس بالحفظ من مصاديق قوله تعالى[وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ]( ) ، ويلزم الدعاء والمسألة والتضرع إلى الله عز وجل لتعاهد الحفظ .
وتقدير الحذف في الآية على وجوه منها :
الأول : ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة لرأيت سخط الله عليهم.
الثاني : ولو ترى إذ يتوفى الملائكة الذين كفروا ظالمي أنفسهم .
الثالث : ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة ويسوقونهم إلى النار .
الرابع : ولو ترى اذ يتوفى الملائكة الذين كفروا وينتزعون أرواحهم قهراً من أجسادهم .
الخامس : ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة ليخفف الله عنكم .
السادس : ولو ترى وأهل بيتك وأصحابك إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة .
السابع : ولو ترى إذ يتوفى الملائكة الذين كفروا ليغادروا الدنيا بذل وهوان بعد أن كانوا مغترين متجبرين .
الثامن : ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يوم بدر.
التاسع : ولو ترى إذا يتوفى الذين كفروا الملائكة الذين نزلوا مدداً للمسلمين كما في قوله تعالى [إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ]( )، أي تلحون بالدعاء وتسألون الله عز وجل الغوث والنصر ، ليصدر الدعاء :
أولاً : دعاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عشية معركة بدر وصبيحة يوم المعركة وأثناء القتال ، وكان قائماً يبتهل ويتضرع إلى الله ويدعو : اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الارض.
وجعل يهتف بربه عز وجل ويقول : (اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم نصرك) ( ).
ويرفع يديه إلى السماء حتى سقط الرداء عن منكبيه، وجعل أبو بكر يلتزمه من ورائه ويسوى عليه رداءه ، ويقول مشفقا عليه من كثرة الابتهال: يا رسول الله بعض مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك( ).
ثانياً : دعاء المسلمين ، وإقتداؤهم بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الدعاء ، إذ كان هو الإمام في الدعاء والتضرع بمسكنة إلى الله عز وجل، وكان المسلمون يضجون بالدعاء : اللهم أغثنا اللهم انصرنا على القوم المشركين .
ثالثاً : دعاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتأمين المسلمين له .
أي تارة يدعو النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمفرده ، وتارة يدعو فيؤمن المسلمون على دعائه لتنمية ملكة الدعاء عند المسلمين رجاء القبول من عند الله.
العاشر : لو ترى يا محمد أنت وأمتك إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة .
الحادي عشر : ولو ترى يوم القيامة أنت وأمتك كيف يتوفى الذين كفروا الملائكة .
الثاني عشر : ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة لتقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة .
الثالث عشر : ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة ليدخل الناس الإسلام بأمان ، وفي التنزيل [وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ]( ).
الرابع عشر : ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة ، ليستريح العباد منهم ، وعن الحسن البصري قال : قال رجل: يا رسول الله، إني رأيت بظهر أبي جهل مثل الشراك ما ذاك؟ قال: ضرب الملائكة ( ).
الخامس عشر : ولو ترى حال الكفار إذ يتوفاهم الملائكة.
وتبين الآية عظيم منزلة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عند الله إذ يخاطبه سبحانه في ساعة الشدة والمحنة بلغة التخفيف والمواساة والبشارة فمن خصائص آية البحث أنها تجمع بين الإنذار والبشارة في ذات المنطوق من قبل أن تصل النوبة إلى المفهوم بخصوص البشارة .
فلغة الإنذار في الآية جلية وهي قانون قتل الله عز وجل للذين كفروا الذين يحاربون النبوة والتنزيل ليكون ذات القانون بشارة للمؤمنين الموجود والذي يولد بعد ، وهو من أسرار سلامة القرآن من التحريف ومن الزيادة والنقص ، وهو من عمومات قوله تعالى[إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون]( ).
وفي آية البحث تقديم وتأخير، مما يسمى في الصناعة النحوية تقديم اللفظ على عامله وهم الذين كفروا وتقديره : ولو ترى الملائكة يتوفون الذين كفروا ، وفيه مسائل :
الأولى : بيان شدة غضب الله عز وجل على الذين كفروا .
الثانية : من معاني تقديم اللفظ على عامله إرادة الإختصاص ، ومنه قوله تعالى [إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ] ( )، ومنه قوله تعالى[وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ]( )، إذ قدم المفعول على فعل العبادة لبيان قانون وهو اننا لا نعبد إلا الله عز وجل ولا نشرك به .
الثالثة : من معاني الآية بعث السكينة في قلوب المسلمين والناس جميعاً من كيفية الموت الشديدة التي ذكرتها الآية أعلاه وأن الملائكة لا يتوفون بهذه الطريقة إلا من يتصف بأمور :
الأول : الكفر والضلالة .
الثاني : قتال ومحاربة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين .
الثالث : الإصرار على القتال .
الرابع : إرادة الإبادة العامة والفساد في الأرض .
ومن وجوه الفساد في المقام السعي لمنع إقامة الصلاة وأداء الشعائر .
ولا تمنع هذه الصفات من عموم حكم الوفاة بهذه الكيفية للذين كفروا ويموتون على الكفر مع رؤيتهم للمعجزات بدليل أن الآية وردت بصيغة العموم ونعت الكفر بقوله تعالى [وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلاَئِكَةُ]( ) والمدار على عموم المعنى وليس سبب النزول وهو واقعة بدر وقتل الملائكة للمشركين يومئذ ، قال تعالى [إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلاَئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ] ( ) .
ومن خصائص آية البحث بيانها لقانون وهو أن الملائكة هم الذين يتوفون الغزاة الكافرين إذ أن السنة النبوية بيان وتفسير للقرآن ، وقد جاءت أخبار معركة بدر بما يدل على تمادي الذين كفروا في الغي والظلم وإرادة القتال ، وحماستهم وكيدهم لقتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه .
لقد أخبرت آيات القرآن عن نزول الملائكة يوم بدر مدداً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إستجابة لدعائهم ، ولابد أن هؤلاء الملائكة قد قاموا بوظائف قتالية في المعركة ، ومنها ما أخبرت عنه آية البحث بقبضهم لأرواح الذين كفروا .
ومن الإرادة التكوينية وفاة كل انسان وزهوق روحه ومغادرته الحياة الدنيا عند حلول أجله ، قال تعالى[اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ]( ).
ولكن آية البحث جاءت بكيفية وصيغة لوفاة الذين كفروا ، إذ تتضمن وجوهاً :
الأول : إرادة معنى الجمع في وفاة الذين كفروا بأن تتوفى الملائكة جماعة وطائفة منهم دفعة واحدة ، وهو من مصاديق قوله تعالى[لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ]( ).
الثاني : بيان سخط الله على الذين كفروا بقبض الملائكة أرواحهم بأشق حال .
الثالث : نسبة وفاة الذين كفروا إلى الملائكة مجتمعين ومتفرقين وليس ملك الموت وحده، ويحتمل وجوهاً :
الأول : قبض ملك الموت أرواح الذين كفروا ، وجاءت صيغة الجمع لبيان أن قبض الأرواح خاص بالملائكة .
الثاني : لقد نزل ألف من الملائكة مدداً للنبي محمد صلى الله عليه وآله والمسلمين يوم بدر ، ومن مصاديق المدد في المقام قبض أرواح الكفار مع ضرب وجوههم وأدبارهم وأستاهم( ) ، إذ أن القرآن يكني .
ولا يعجز ملك الموت عن قبض الأرواح جملة ، ولكن في يوم بدر نزل ملائكة ليقاتلوا مع المؤمنين ويقبضوا أرواح الذين كفروا ، وكأنه نوع استثناء, وثبت في الفلسفة أنه ما من عام إلا وقد خصّ ، وكأن الملائكة يقولون لملك الموت يوم بدر نحن نكفيك أمر الذين كفروا وأنا نزلنا بأمر خاص بقتلهم .
الثالث : إرادة التعاون والتآزر بين ملك الموت والملائكة الذين نزلوا يوم بدر في قبض أرواح الذين كفروا ، ويكون على جهات :
الأولى : يضرب الملائكة وجوه وأدبار الذين كفروا ، ويقوم ملك الموت بقبض أرواحهم .
الثانية : قبض الملائكة أرواح شطر من الذين كفروا يوم بدر ، ويقبض ملك الموت الشطر الآخر منهم .
الثالثة : لقد أراد الله عز وجل أن يقبض ملك الموت أرواح الشهداء يوم بدر بعناية ولطف ، ويقوم الملائكة بقبض أرواح الذين كفروا بالشدة والعذاب .
الرابعة : تقسيم وتوزيع قبض أرواح الذين كفروا بين ملك الموت والملائكة .
الخامسة : يقوم ملك الموت بقبض أرواح الذين كفروا ، ثم يقوم الملائكة بضرب وجوههم وأدبارهم أي أن الضرب بعد الموت ، ولا مانع من إجتماع ضرب الملائكة للذين كفروا قبل وبعد الموت.
مفهوم الموافقة في الآية
وفيه مسائل :
الأولى : تتصف آية البحث بتقدم المفعول به [الَّذِينَ]ونعتهم بالكفر ، ثم ذكرت الآية الفاعل وهم [الْمَلاَئِكَةُ]أي أنهم يقبضون أرواح الناس باذن الله عز وجل لمجئ آية أخرى تخبر بأن الله عز وجل الذي يتوفى النفوس ، قال تعالى [اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا] ( ) ويفيد الجمع بين الآيتين أموراً:
الأول : إن الله عز وجل هو الذي يتوفى الناس عند حلول آجالهم ، ولا يعلم بهذه الآجال إلا الله عز وجل لا سيما وأنه سبحانه قال [يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ] ( ) ، وقال [هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ] ( ) .
الثاني : يأمر الله عز وجل ملك الموت ومساعديه من الملائكة بقبض أرواح الناس ، وهناك مسائل :
الأولى : هل للملائكة إرجاء قبض روح إنسان أو تقديمه .
الثانية : هل يقدر الملائكة على تخفيف كيفية قبض روح الكافر .
الثالثة : هل يحتمل وقوع الملائكة بالخطأ فيقبضون روح الكافر على أنه مؤمن أو العكس خاصة مع تشابه الأسماء وإتحاد أوان قبض الروح .
أما المسألة الأولى فليس للملائكة تقديم أو إرجاء قبض الروح لثانية واحدة ، فان قلت قد ذكر قوله تعالى [فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ]( ) الساعة وليس الدقيقة أو الثانية أو طرفة العين ، والجواب ذكر لفظ الساعة لبيان المقدار الزماني القصير ، في مقابل اليوم والأسبوع والسنة ، وليس في القرآن ذكر الدقيقة أو الثانية ، كما أن هذا الأجزاء من الساعة وتسميتها لم تكن معلومة عند العرب وغيرهم من الأمم آنذاك ، وقد يأتي لفظ الساعة لبيان الأجل وأوان الآخرة قال تعالى[يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا]( )، وهذه الآية هي الوحيدة التي يتكرر فيها لفظ الساعة .
وأما المسألة الثانية فلا يقدر الملائكة على تخفيف عذاب الكافر عند قبض روحه ، لأن كيفية القبض محددة ومعلومة عندهم وهم يدركون أن الكافر يستحق كيفية العذاب عند قبض روحه ،ومن خصائص القرآن تقريب المدركات العقلية بالمحسوس بالرؤية أو السمع .
ومن إعجاز القرآن أن آية البحث والآيات التي تتضمن الإخبار عن شدة قبض روح الكافر دعوة للناس من وجوه :
الأول : حث المسلمين على الثبات في مقامات الإيمان ، وفي التنزيل [رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ] ( ).
الثاني : دعوة الكفار للتوبة والإنابة لما في الآية من التخويف والوعيد .
الثالث : زجر الناس عن محاكاة الكافرين في كفرهم وغيهم وعن إعانتهم.
وفي الآية مسائل :
الأولى : إبتدأت الاية باسم الإشارة (هذا ) لإرادة الفرد القريب ليتضمن في تقديره وجوهاً :
الأول : إرادة الخصومة بين المؤمنين والكافرين قبل الإسلام أيضاً ، ويكون تقديره : ذاك خصمان اختصموا في ربهم ، إذ أن اسم الإشارة للمثنى هو ذاك وتانك ، واستعماله قليل ، لبيان جهاد الأنبياء واصحابهم في سبيل الله ، وفي التنزيل [وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ] ( ).
الثاني : المراد الخصومة بين المؤمنين والكافرين في الأجيال اللاحقة ، ومن الآيات أن الله عز وجل أنعم على المسلمين بفتح مكة قبل أن يغادر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى ، وفيه تخفيف عن المسلمين في الخصومة في معركة بدر بالسيف وجريان الدماء .
وتحتمل هذه الخصومة وجوهاً :
الأول :إرادة القتال من الطرفين ، وكل من الخصمين يريد القتال .
الثاني : المؤمنون هم الذين يريدون القتال .
الثالث : الذين كفروا لا يرضون إلا بالقتال .
الرابع : ليس من أحد من الطرفين يريد القتال .
والصحيح هو الثالث أعلاه ، وهو الثابت كتاباً وسنة وتأريخياً ، إذ أصر رؤساء الكفر على القتال كما في معركة بدر ، وهل هذا الإصرار وحده خيانة لله ، الجواب نعم ، لأنه حرب على النبوة والتنزيل وظلم للنفس والمؤمنين والناس جميعاً ، وفي التنزيل [وَالْكَافِرُونَ هُمْ الظَّالِمُونَ] ( ) .
فكانت العاقبة نصراً مبيناً للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
الثانية : ذكرت الآية موضوع الخصومة وأنه في الله وربوبيته المطلقة للناس والخلائق ، وهو موضوع عام يتعلق بمصاديق الإيمان فيشمل وجوهاً:
الأول : الخصومة في الملائكة إذ يجب التسليم بأنهم خلق مطيع لله مسكنهم السماوات ، وورد في ذم الذين كفروا في التنزيل [أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيمًا] ( ).
الثاني : الخصومة في الأنبياء ، إذ ينكر الكفار النبوات ، ويجحدون بمعجزاتهم ، بينما يجتهد المؤمنون في دعوتهم للتصديق بها ، ليفتح لهم هذا التصديق أبواباً من الخير والفلاح .
الثالث : استهزاء الذين كفروا بالتنزيل وجدالهم بها وإيراد المغالطات والتحدي بالباطل ، ومنه ما ورد في التنزيل حكاية عن كفار قريش لما سمعوا النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يتلو القرآن ويكثر من تلاوة آياته في الصلاة وخارجها ، فقالوا [وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ] ( ) .
الرابع : ميل الذين كفروا لجعجعة السلاح , وتجهيز الجيوش ومحاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين .

مفهوم المخالفة في الآية
في الآية مسائل :
الأولى : بيان قانون وهو أن الملائكة تتوفى الناس ، وأن الموت عاقبة حتمية لكل إنسان ، وفي التنزيل [إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ] ( ).
الثانية : تذكير الناس بقانون وهو أن الملائكة هم الذين يتوفون ويقبضون أرواح الناس عند حلول الآجال ، قال تعالى [فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ]( ).
الثالثة : من مفاهيم المخالفة في آية البحث أن الملائكة يتوفون الذين آمنوا بسلام وتسليم لإختصاص الأذى وضرب الوجوه والأدبار بالذين كفروا .
الرابعة : بعث السكينة والطمأنينة في نفوس المسلمين بخصوص حال الإحتضار ورجاء حضور ملائكة الرحمة عند حلول آجالهم (عن ابن عباس قال : ملك الموت الذي يتوفى الأنفس كلها ، وقد سلط على ما في الأرض كما سلط أحدكم على ما في راحته ، معه ملائكة من ملائكة الرحمة ، وملائكة من ملائكة العذاب ، فإذا توفى نفساً طيبة دفعها إلى ملائكة الرحمة ، وإذا توفي خبيثة دفعها إلى ملائكة العذاب .) ( ).
الخامسة : لا يفعل الملائكة بالإنسان عند موته إلا ما يأمرهم الله عز وجل به من أسباب الرحمة للمؤمن ، وصيغ العذاب للكافر .
ترى كيف يعرف الملائكة الذين كفروا عند الموت ، الجواب نزلت الآية أعلاه بخصوص قتلى بدر من الكفار ، وكان الملائكة حاضرين الواقعة ، كما أن ملك الموت وأعوانه يعرفون الكفار عند قبض أرواحهم بسيماهم .
(وأخرج ابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عباس قال : بينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم قاعداً ، وتلا هذه الآية[إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلاَئِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمْ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ]( ).
ثم قال : والذي نفس محمد بيده ما من نفس تفارق الدنيا حتى ترى مقعدها من الجنة والنار .
ثم قال : إذا كان عند ذلك صف سماطان من الملائكة نظموا ما بين الخافقين كأن وجوههم الشمس فينظر إليهم ما يرى غيرهم ، وإن كنتم ترون أنه ينظر إليكم مع كل ملك منهم أكفان وحنوط ، فإذا كان مؤمناً بشروه بالجنة .
وقالوا : اخرجي أيتها النفس الطيبة إلى رضوان الله وجنته فقد أعد الله لك من الكرامة ما هو خير لك من الدنيا وما فيها ، فما يزالون يبشرونه ويحفون به فهم ألطف وأرأف من الوالدة بولدها ، ويسلون روحه من تحت كل ظفر ومفصل ، ويموت الأول فالأول ، ويبرد كل عضو الأول فالأول ، ويهون عليه وان كنتم ترونه شديداً حتى تبلغ ذقنه ، فلهو أشد كرامة للخروج حينئذ من الولد حين يخرج من الرحم ، فيبتدرها كل ملك منهم أيهم يقبضها ، فيتولى قبضها ملك الموت ، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم { قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون }( ).
قال : فيتلقاها باكفان بيض ثم يحتضنها إليه فهو أشد لها لزوماً من المرأة لولدها ، ثم يفوح لها فيهم ريح أطيب من المسك ، يتباشرون بها ويقولون : مرحبا بالريح الطيبة والروح الطب .
اللهم صل عليه روحاً وصل عليه جسداً خرجت منه فيصعدون بها ، ولله خلق في الهواء لا يعلم عدتهم إلا هو ، فيفوح لها فيهم ريح أطيب من المسك ، فيصلون عليها ويتباشرون بها ويفتح لها أبواب السماء ، ويصلي عليها كل ملك من كل سماء تمر به حتى توقف بين يدي الملك الجبار .
فيقول الجبار عز وجل : مرحباً بالنفس الطبية وبجسد خرجت منه ، وإذا قال الرب عز وجل للشيء : مرحبا . رحب له كل شيء وذهب عنه كل ضيق .
ثم يقول : اذهبوا بهذه النفس الطيبة فادخلوها الجنة ، وأروها مقعدها ، واعرضوا عليها ما أعد لها من النعيم والكرامة ، ثم اهبطوا بها إلى الأرض فإني قضيت أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى .
فوالذي نفس محمد بيده هي أشد كراهة للخروج منها حين كانت تخرج من الجسد ، وتقول : اين تذهبون بي إلى ذلك الجسد الذي كنت فيه؟ فيقولون : إنّا مأمورون بهذا فلا بد لك منه . فيهبطون به على قدر فراغهم من غسله وأكفانه ، فيدخلون ذلك الروح بين الجسد وأكفانه ، فما خلق الله تعالى كلمة تكلم بها حميم ولا غير حميم إلا وهو يسمعها ، إلا أنه لا يؤذن له في المراجعة ، فلو سمع أشد الناس له حباً ومن أعزهم كان عليه يقول : على رسلكم ما يعجلكم وأذن له في الكلام للعنه ، وإنه يسمع خفق نعالهم ونفض أيديهم إذا ولوا عنه .
ثم يأتيه عند ذلك ملكان فظان غليظان يسميان منكراً ونكيراً ومعهما عصا من حديد لو اجتمع عليها الجن والانس ما أقلوها وهي عليهما يسير ، فيقولان له : أقعد بإذن الله ، فإذا هو مستو قاعداً فينظر عند ذلك إلى خلق كريه فظيع ينسبه ما كان رأى عند موته .
فيقولان له من ربك؟ فيقول : الله .
فيقولان : فما دينك؟ فيقول الإِسلام ، ثم ينتهرانه عند ذلك انتهارة شديدة ، ثم يقولان : فمن نبيك؟ فيقول : محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويعرق عند ذلك عرقاً يبتل ما تحته من التراب ، ويصير ذلك العرق أطيب من ريح المسك ، وينادي عند ذلك من السماء نداء خفياً صدق عبدي فلينفعه صدقه ، ثم يفسح له في قبره مد بصره ، ويبتذله فيه الريحان ، ويستر بالحرير ، فإن كان معه من القرآن شيء كفاه نوره ، وإن لم يكن معه جعل له نور مثل نور الشمس في قبره ، ويفتح له أبواب وكوى إلى الجنة فينظر إلى مقعده منها مما كان عاين حين صعد به .
ثم يقال : نم قرير العين ، فما نومه ذلك إلى يوم يقوم إلا كنومة ينامها أحدكم شهية لم يرو منها ، يقوم وهو يمسح عينيه ، فكذلك نومه فيه إلى يوم القيامة .
وإن كان غير ذلك إذا نزل به ملك الموت صف له سماطان( )، من الملائكة نظموا ما بين الخافقين ، فيخطف بصره إليهم ما يرى غيرهم ، وإن كنتم ترون أنه ينظر إليكم ويشدد عليه ، وإن كنتم ترون أنه يهون عليه فيلعنونه ، ويقولون : أخرجي أيتها النفس الخبيثة فقد أعد الله لك من النكال والنقمة والعذاب كذا وكذا ساء ما قدمت لنفسك ، ولا يزالون يسلونها في غضب وتعب وغلظ وشدة من كل ظفر وعضو ، ويموت الأول فالأول ، وتنشط نفسه كما يصنع السفود ( )، ذو الشعب بالصوف حتى تقع الروح في ذقنه ، فلهي أشد كراهية للخروج من الولد حين يخرج من الرحم مع ما يبشرونه بأنواع النكال والعذاب حتى تبلغ ذقنه ، فليس منهم ملك إلا وهو يتحاماه كراهية له ، فيتولى قبضها ملك الموت الذي وكل بها فيتلقاها ، أحسبه قال : بقطعه من بجاد أنتن ما خلق الله وأخشنه ، فيلقى فيها ويفوح لها ريح أنتن ما خلق الله ويسد ملك الموت منخريه ويسدون آنافهم ويقولون : اللهم العنها من روح والعنه جسداً خرجت منه ، فإذا صعد بها غلقت أبواب السماء دونها ، فيرسلها ملك الموت في الهواء حتى إذا دنت من الأرض انحدر مسرعاً في أثرها ، فيقبضها بحديدة معه يفعل بها ذلك ثلاث مرات ، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم { ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق }( ) والسحيق البعيد . ثم ينتهي بها فتوقف بين يدي الملك الجبار فيقول : لا مرحباً بالنفس الخبيثة ولا بجسد خرجت منه ، ثم يقول : انطلقوا بها إلى جهنم فأروها مقعدها منها واعرضوا عليها ما أعددت لها من العذاب والنقمة والنكال .
ثم يقول الرب : اهبطوا بها إلى الأرض فإني قضيت أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى . فيهبطون بها على قدر فراغهم منها ، فيدخلون ذلك الروح بين جسده وأكفانه ، فما خلق الله حميماً ولا غير حميم من كلمة يتكلم بها إلا وهو يسمعها إلا أنه لا يؤذن له في المراجعة ، فلو سمع أعز الناس عليه وأحبهم إليه يقول : أخرجوا به وعجلوا وأذن له في المراجعة للعنه . وود أنه ترك كما هو لا يبلغ به حفرته إلى يوم القيامة .
فإذا دخل قبره جاءه ملكان أسودان أزرقان فظان غليظان ، ومعهما مرزبة( ) ، من حديد وسلاسل وأغلال ومقامع الحديد ، فيقولان له : اقعد بإدن الله . فإذا هو مستوٍ قاعد سقطت عنه أكفانه ، ويرى عند ذلك خلفاً فظيعاً ينسى به ما رأى قبل ذلك فيقولان له : من ربك؟ فيقول : أنت . فيفزعان عند ذلك فزعة . ويقبضان ويضربانه ضربة بمطرقة الحديد فلا يبقى منه عضو إلا وقع على حدة ، فيصيح عند ذلك صيحة فما خلق الله من شيء ملك أو غيره إلا يسمعها إلا الجن والإِنس ، فيلعنونه عند ذلك لعنة واحدة وهو قوله { أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون }( ) والذي نفس محمد بيده لو اجتمع على مطرقتهما الجن والإِنس ما أقلوها وهي عليهما يسير ، ثم يقولان عد بإذن الله ، فإذا هو مستو قاعداً.
فيقولان : من ربك؟ فيقول : لا أدري .
فيقولان : فمن نبيك؟ فيقول : سمعت الناس يقولون محمد . فيقولان : فما تقول أنت؟ فيقول : لا أدري .
فيقولان : لا دريت . ويعرق عند ذلك عرقاً يبتل ما تحته من التراب ، فلهو أنتن من الجيفة فيكم ، ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه فيقولان له : نم نومة المسهر . فلا يزال حيات وعقارب أمثال أنياب البخت( )، من النار ينهشنه ، ثم يفتح له باب فيرى مقعده من النار ، وتهب عليه أرواحها وسمومها ، وتلفح وجهه النار غدوّاً وعشياً إلى يوم القيامة) ( ).
السادسة : من معاني آية البحث زجر الذين كفروا عن القتال ومحاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإن جاءت بالمعنى الأعم ، وهو الزجر عن الكفر ومفاهيم الضلالة ، قيل أن الكفار هم الذين يقومون بضرب وجوههم لسوء فعلهم وعاقبتهم ، ولكنه ضعيف ، إنما الواو في يضربون تعود للملائكة .
وتقدير الآية : يضرب الملائكة وجوه الذين كفروا.
ومن معاني آية البحث أن المراد هو قتل الملائكة للذين كفروا يوم بدر ، خاصة ، وأن ملك الموت هو الذي وكله الله بقبض الأرواح .
والقرآن يفسر بعضه بعضاً ، وقد ورد قوله تعالى [وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلاَئِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمْ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ] ( ).
الحمد لله الذي جعل الحياة الدنيا دار إمتحان واختبار وابتلاء ، وتفضل ببعث الأنبياء وإنزال الكتب وعلى نحو متتالي ومتعاقب لهداية الناس ، وتوارث سنن العبادة في الأرض وتعاهد الشكر له سبحانه في الليل والنهار ، وهو سبحانه يحمد أن يحمده الحامدون ليس عن حاجة منه تعالى للحمد ، ولكن ليثيبهم عليه .
وهل ضرب الملائكة على وجوه وأدبار الذين كفروا في آن واحد بقوله تعالى [يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ] ( ) .
واذا كان هكذا فهل يقوم ملك بضرب الكافر على وجهه ويقوم آخر بضربه في دبره أم أن ذات الملك يضرب كافراً أو أكثر من كافر في آن واحد على مقاديمهم وعلى أدبارهم .
والظاهر أن المراد : يضرب الملائكة مقاديم الكفار إذ هجموا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ويضربون ظهورهم إذ أدبروا وولوا وعند موتهم في ساحة المعركة ، وهو من أسرار قلة عدد قتلى المسلمين ، وكثرة قتلى المشركين يوم معركة بدر .
ليكون من معاني آية البحث بعث السكينة في نفوس المسلمين بخصوص معركة بدر ، والإخبار بأن الله عز وجل حفظ النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم في نفسه وأهل بيته وأصحابه .
ولبيان قانون خصائص المدد الملكوتي الذي تفضل الله عز وجل به لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين ، وهو أن قوله تعالى [إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ] ( ) يشمل قيام الملائكة بضرب وجوه الذين كفروا عند هجومهم على جيش المسلمين ، وملاحقتهم بضربهم على ظهورهم عند رجوعهم خائبين إلى موضعهم ، وحتى عند فرارهم.
لقد كان المشركون يقولون [إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ] ( ).
تعريف علم الأصول
وهو العلم بالقواعد الممهدة لإستنباط الحكم الشرعي ، فيه مسائل :
الأولى : يشمل القواعد الفقهية مثل قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده ، وقاعدة الفراغ ، وقاعدة التجاوز .
الثانية : أنه لا يتضمن الأصول العملية لأنها أدلة عملية ، وليست أدلة محرزة ، تبين فيها الوظيفة العملية ، ولا يثبت بها حكم شرعي ، وأجيب بأضافة الأدلة التي ينتهى إليها في مقام العمل ، أو ارادة المعنى الأعم للإستنباط والإثبات فتدخل فيه الأدلة المحرزة والأصول العملية .
الثالثة : انه يشمل المسائل اللغوية مثل كلمة (الصعيد) لدخولها في استنباط الحكم ، قال تعالى[فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا]( )، وأجيب بأن مسألة الصعيد صغرى في الاستنباط ، أما الكبرى فهي حجية الظهور وهي مسألة أصولية .
وهناك تعريفات أخرى لعلم الأصول منها :
الأول : علم الأصول هو العلم بالمسائل والأمور المتعددة التي تشترك في جعل شرعي .
الثاني : العلم بالعناصر المشتركة أو القواعد العامة في عملية استنباط الحكم الشرعي أما في علم الفقه فتلحظ الروايات والمدارك التي تخص كل مسألة .
الثالث : هو علم الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس ونحوه والإحاطة بها ، والإنتفاع منها وتسخيرها لاستنباط الأحكام الشرعية .
الرابع : قواعد الإستنباط التي يستعين بها المجتهد والقاضي لبيان الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية ، والمراد من الأدلة التفصيلية هي الأدلة الجزئية الخاصة .
وقيل أن أول من ألفّ في علم الأصول هو الشافعي في رسالته ، وليس بتام فالقرآن والسنة النبوية هما اللذان أسسا لعلم الأصول .
وإذ أن العلماء جميعاً اشتركوا في بيان مسائل علم الأصول كل واحد منهم من جانب وقد كتب محمد بن أبي عمير ت 17 هـ ويونس بن عبد الرحمن ت 208 هـ في التزاحم بين الحديثين والعام والخاص وهما من نفس طبقة الشافعي الذي ولد سنة 150 هـ وتوفي سنة 205 هـ في مصر .
ولا بد من مسألة وهي هل علم أصول الفقه في القرآن ، الجواب نعم ، قال تعالى [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ] ( ).
وقد أسس النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة والصحابة لعلم الأصول .
وعن أبي البختري قال : دخل علي بن أبي طالب المسجد فاذا رجل يخوّف ، فقال : ما هذا ؟
فقالوا الرجل يذّكر الناس فقال : ليس برجل يذّكر الناس ، ولكنه يقول : أنا فلان، أنا فلان فاعرفوني ، فارسل إليه فقال : أتعرف الناسخ والمنسوخ.
فقال : لا : قال : فاخرج من مسجدنا ولا تذّكر فيه .
وعن الضحاك بن مزاحم قال : مرّ ابن عباس بقاص يقص فركله برجله وقال : اتدري الناسخ والمنسوخ ، قال : لا : قال : هلكت وأهلكت .
الإختلاف في التعريف لفظي وصغروي ، ولا يعني الإختلاف في الحقيقة والماهية .
قانون إيمان الأبناء
جاءت آية البحث لبعث السكينة في نفوس المسلمين ودعوة الناس للإسلام ، وعدم الإصغاء للذين كفروا وتهديدهم وأسباب صدودهم ، إذ ورد في آية البحث [إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا] ( ) لبيان أن الكفار يموتون ، وتنقضي أيامهم ، ويخلف الله عز وجل على المؤمنين خيراً ، وملك الله عز وجل للسموات والأرض باق على حاله لا ينقص منه شئ ، والناس يدخلون الإسلام فرادا وجماعات , ومنهم أبناء الذين كفروا كما تدل الوقائع التأريخية ولا بأس من دراسة دكتوراه تتعلق يجدول تأريخي يتضمن أبواباً :
الأول : الآباء الكفار ، ومنهم الذين حاربوا النبوة والتنزيل ، ومنهم الذين قتلوا على الكفر مثل أبي جهل وأمية بن خلف .
الثاني : الذين حاربوا الإسلام ثم دخلوا فيه مثل أبي سفيان.
وأيهم أكثر القسم الأول أو الثاني أعلاه، الجواب هو الثاني ، وهو من الشواهد على صدق بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : أبناء الذين كفروا الذين قتلوا مع آبائهم على الكفر، كما في علي بن أمية بن خلف .
الرابع : أبناء الذين كفروا الذين قاتلوا مع آبائهم النبوة والتنزيل ثم دخلوا الإسلام مثل عكرمة بن أبي جهل .
الخامس : أبناء الذين كفروا الذين قاتلوا الى جانب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في معارك الإسلام الأولى ، مثل أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة.
السادس : أبناء المشركين الذين دخلوا الإسلام في أيام آبائهم ، وتحملوا الأذى بصبر ، وفي التنزيل [وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي…]( ).
السابع : أبناء المشركين الذين اسلموا بعد موت أو قتل أبائهم ، فاحسنوا اسلامهم .
الثامن : شهادة الأبناء المسلمين في معارك الإسلام الأولى ممن قتل آباؤهم على الكفر في معركة بدر وأحد والخندق .
التاسع : المنافع العظيمة من دخول الأبناء في الإسلام .
ومن معاني عدم إضرار الذين كفروا بأهل الإيمان توالي النصر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولم ينحصر هذا النصر بالقتال وميادين المعارك ، فقد كان على وجوه :
الأول : كل فرد يدخل الإسلام هو نصر للمسلمين ، وهل مصاديق النصر بدخول الناس الإسلام بعرض واحد , أم هناك تباين رتبي بلحاظ الشخص الذي يدخل الإسلام ، فدخول من كان وجيهاً وفارساً غنياً الإسلام أعلى درجة من دخول العبد المستضعف .
المختار هو الثاني , ويرفع الله الإسلام بالذين لهم شأن في قريش وغيرها.
الثاني : فشل حصار قريش لبني هاشم في شعب أبي طالب نصر للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإسلام من جهات :
الأولى : إصطفاف بني المطلب وبني عبد المطلب خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بصفة النبوة وتحملهم الحصار والأذى ورفضهم تسليمه لقريش أو توجيه اللوم له على دعوته إلى الله والتجاهر بنبوته وقراءته القرآن ، ولا عبرة بالقليل النادر مثل أبي لهب الذي فضحه الله في القرآن بقوله [تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ] ( ) .
لبيان التباين بين لحوق النقص والجوع ببني هاشم ولكنهم نالوا العز والمجد إلى يوم القيامة ، وبين غنى وأموال أبي لهب التي صارت وبالاً عليه في النشأتين .
الثانية : توالي نزول القرآن على النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالثة : دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الناس إلى الإيمان ، ونبذ عبادة الأصنام.
الرابعة : دخول أفراد وجماعات من الناس في الإسلام .
الخامسة : إنكار بعض رؤساء قريش لحصارهم لبني هاشم مع السعي لكسر الحصار خاصة مع طول مدته ، قال ابن إسحاق: مشى هشام بن عمرو بن الحارث ( إلى زهير بن أبى أمية بن المغيرة بن عبدالله بن عمرو بن مخزوم، وكانت أمه عاتكة بنت عبدالمطلب، فقال: يا زهير أقد رضيت أن تأكل الطعام وتلبس الثياب وتنكح النساء، وأخوالك حيث علمت لا يباعون ولا يبتاع منهم، ولا ينكحون ولا ينكح إليهم ؟ أما إني أحلف بالله لو كانوا أخوال أبى الحكم بن هشام، ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه منهم ما أجابك إليه أبدا.
قال: ويحك يا هشام، فماذا أصنع ؟ إنما أنا رجل واحد، والله لو كان معى رجل آخر لقمت في نقضها.
قال: قد وجدت رجلا.
قال: من هو ؟ قال: أنا.
قال له زهير: ابغنا ثالثا.
فذهب إلى المطعم بن عدي فقال له: يا مطعم، أقد رضيت أن يهلك بطنان من بنى عبد مناف وأنت شاهد على ذلك موافق لقريش فيه ؟ ! أما والله لئن أمكنتموهم من هذه لتجدنهم إليها منكم سراعا.
قال: ويحك فماذا أصنع ؟ إنما أنا رجل واحد.
قال: وجدت لك ثانيا.
قال: من ؟ قال: أنا.
قال: ابغنا ثالثا.
قال قد فعلت قال: من هو ؟ قال: زهير بن أبى أمية.
قال : ابغنا رابعا.
فذهب إلى أبي البخترى بن هشام فقال نحو ما قال للمطعم بن عدي، فقال: وهل تجد أحدا يعين على هذا ؟ قال: نعم.
قال: من هو ؟ قال: زهير بن أبى أمية والمطعم بن عدي وأنا معك.
قال: ابغنا خامسا.
فذهب إلى زمعة بن الاسود بن المطلب بن أسد، فكلمه وذكر له قرابتهم وحقهم، فقال له: وهل على هذا الامر الذى تدعوني إليه من أحد ؟ قال: نعم. ثم سمى القوم.
فاتعدوا حطم الحجون ليلا بأعلى مكة، فاجتمعوا هنالك، وأجمعوا أمرهم وتعاقدوا على القيام في الصحيفة حتى ينقضوها، وقال زهير: أنا أبدؤكم فأكون أول من يتكلم.
فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم، وغدا زهير بن أبى أمية عليه حلة، فطاف بالبيت سبعا، ثم أقبل الناس فقال: يا أهل مكة أنأكل الطعام ونلبس الثياب، وبنو هاشم هلكى لا يبتاعون ولا يبتاع منهم، والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة.
قال أبو جهل: وكان في ناحية المسجد: والله لا تشق.
قال زمعة بن الاسود: أنت والله أكذب، ما رضينا كتابتها حين كتبت.
قال أبو البخترى: صدق زمعة، لا نرضى ما كتب فيها ولا نقر به.
قال المطعم بن عدي: صدقتما وكذب من قال غير ذلك، نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها.
وقال هشام بن عمرو نحوا من ذلك.
قال أبو جهل: هذا أمر قد قضى بليل وتشور فيه بغير هذا المكان.
وأبو طالب جالس في ناحية المسجد.
وقام المطعم بن عدي إلى الصحفة ليشقها فوجد الارضة قد أكلتها إلا ” باسمك اللهم ” وكان كاتب الصحيفة منصور بن عكرمة فشلت يده، فيما يزعمون( ).
السادسة : بيان قانون وهو أن الحصار لا يمنع إستدامة الدعوة إلى الإسلام ، ولم يثن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين عن أداء فريضة الصلاة وتلاوة القرآن .
الثالث :عجز الذين كفروا عن منع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن إقامة الصلاة في البيت الحرام , ومعه علي وخديجة عليهما السلام ، ليكون عدد المسلمين يومئذ ثلاثة ، لتبدأ مضاعفة عددهم كل يوم .
ومن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن الذين كفروا بذلوا الوسع في إيذاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم أثناء صلاته في البيت الحرام بمرآى ومسمع من الناس ، ليكون هذا الإيذاء وإنعدام أثره من مصاديق قوله تعالى [لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا] ( ).
إن تعاهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم الصلاة اليومية في المسجد الحرام بحضور رؤساء الكفر نصر له وللإسلام ، وقد تفضل الله عز وجل وسمّى صلح الحديبية نصراً وفتحاً [إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا] ( ).
لبيان قانون وهو أن مصاديق النصر أعم من أن تنحصر بميدان المعركة ، ليكون قانون نصر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من اللامتناهي في مصاديقه ، ففي كل يوم هناك نصر وآية ونعمة على المسلمين ، وهي في مفهومها وأثرها توبيخ وسخط على الذين كفروا .
الرابع : دخول أفراد وجماعات من أهل مكة كل يوم في الإسلام من غير أن يقدر رؤساء الكفر على منعهم .
ومن الآيات هو التعدد والتباين في سنخية ومرتبة الذين يدخلون الإسلام من جهة المنزلة الإجتماعية والشأن والوجاهة ، وحالما يدخل السيد في الإسلام يكون أخاً للعبد ، وقد يتقدمه في صفوف الصلاة ويؤمه كما سبقه في الإسلام .
وتعجز أي نظرية اجتماعية أو نظام أو قانون ودول على إحداث هذا التساوي في المرتبة بين المتباينين والمتضايفين والمتضادين ، ولكن شطر آية من القرآن أسس وتعاهد نعمة الأخوة في الإسلام ، قال تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ] ( ).
ومن مصاديق بقاء القرآن غضاً طرياً بلحاظ الآية أعلاه وجوه :
الأول : تجدد عمل المسلمين كل يوم بمضامين الآية أعلاه .
الثاني : تسليم المسلمين بوجوب الأخوة بينهم .
وصحيح ان الآية جاءت بصيغة الجملة الخبرية إلا أنها تتضمن معنى الوجوب وتقديرها : يا أيها الذين آمنوا كونوا أخوة في الإيمان ).
ترى لماذا لم تقل الآية (انما المسلمون أخوة ) الجواب لإرادة إخراج المنافقين والذين لم يثبت الإيمان في قلوبهم .
وهو لا يمنع من الأخوة العامة بين المسلمين والأخوة الإنسانية بين الناس بلحاظ وحدة النسب لآدم وإتحاد السنخية للبشر ، والخلق من عند الله عز وجل ، وهو من ذخائر النداء لعموم الناس في القرآن، قال تعالى [يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا]( ).
وبلحاظ إكرام الله عز وجل للناس كخلفاء في الأرض يقربهم سبحانه من مصاديق العبادة ، ويهيئ لهم الأسباب والآيات التي تجعلهم يقرون بربوبيته المطلقة ، قال سبحانه [وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ]( ).
وجاءت السنة النبوية القولية والفعلية بالرأفة والرفق بالناس عامة مع شدة إيذاء الكفار للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومسارعتهم في مسالك الغواية والضلال .
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم قال : (اتق المحارم تكن أعبد الناس ، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس ، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنا ، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما ، ولا تكثر الضحك ، فإن كثرة الضحك تميت القلب) ( ).
الثالث : بيان القرآن والسنة الواجبات أزاء المؤمنين ، وما عليهم من الحقوق .
الرابع : لزوم قيام المؤمنين بالأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وهو لا يختص بالمؤمنين أنما يشمل عامة الناس ، فيحرم الغش والظلم مع المسلم وغير المسلم .
عن أنس بن مالك قال خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى السوق فرأى طعاما مصبرا فأدخل يده فيه فأخرج طعاما رطبا قد أصابته السماء فقال لصاحبه ما حملك على هذا .
قال والذي بعثك بالحق انه لطعام واحد . قال : أفلا عزلت الرطب على حدة واليابس على حدة فيبتاعون ما يعرفون من غشنا فليس منا) ( ).
وهل الأخوة الإيمانية حرب على الكفر ، وبرزخ دون مسارعة الذين كفروا في ظلماته ،الجواب نعم ، وهو من مصاديق إحتجاج الله عز وجل على الملائكة بقوله [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ) عندما احتجوا على جعل الإنسان [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( ).
فمن علم الله عز وجل أنه جعل في كل زمان أمة مؤمنة يتعاون أفرادها لتثبيت معالم الأخوة فيما بينهم ، ويكون هذا التعاون ترغيباً بالإيمان ، وتذكيراً بوجوب عبادة الرحمن ، ودعوة لأخذ الحائطة ليوم لقيامة .
والتدبر في لزوم أخذ الحائطة هذا من سبل صدّ الذين كفروا عن المسارعة فيه ، قال تعالى [فَإِذَا جَاءَتْ الصَّاخَّةُ] ( ) أي صيحة يوم القيامة لأنها تصخ الاسماع بدويها ، حتى تكاد تصمها .
ومن أسباب منع الله عز وجل النبي من الحزن على الذين كفروا ، إحاطة أمة من المهاجرين والأنصار به ، وهم يتحلون بحلة الإيمان , قال تعالى[وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ]( )، وتقدير آية البحث على وجوه :
الأول : يا أيها الرسول لقد أنعم الله عليك بالمهاجرين والأنصار فلا يحزنك الذين يسارعون في الكفر .
الثاني : يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر فان طائفة منهم يتوبون إلى الله ويلتحقون بالمؤمنين .
الثالث : يا أيها المهاجرون والأنصار لا يحزنكم الذين يسارعون في الكفر .
وهل من ملازمة بين بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبين مسارعة الذين كفروا في الضلالة والغواية ، أم أنهم أو طائفة منهم يسارعون في الكفر في كل زمان .
المختار هو الثاني ، نعم كانت مسارعة الذين كفروا في الضلالة أيام بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بمحاربته وإيذاء المؤمنين ، فلا تختص تلك المسارعة بهجوم وإصرار الذين كفروا على معركة بدر ، ولا في غزوهم لأطراف المدينة في معركة أحد ، ولا في محاصرتهم لها في الخندق .
إنما تشمل أموراً :
الأول : إقامة الذين كفروا على الكفر والضلالة .
الثاني : إيذاء الذين كفروا للمؤمنين والمؤمنات ، لذا نزل في عمار بن ياسر وتعذيب المشركين له قوله تعالى [إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ]( ).
الثالث : إظهار الذين كفروا الإستهزاء بالمعجزات ، والإفتراء على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابع : حث الناس على البقاء على الكفر ، وتزيين اتباع الشيطان ، والتخويف من رؤساء الكفر والطواغيت .
الخامس : السعي في الإضرار بالذين يدخلون الإسلام ومحاولة صدهم عن مسالك الإيمان ، وفي التنزيل[قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا]( ).
السادس : السعي في إرجاع الذين يهاجرون إلى المدينة مسلمين بالإكراه.
قانون الفخر
الفخر هو الثناء والمدح على خصلة أو فعل مضى يقال فخر يفخر فخراً وفخرة حسنة , ومنه الإستفخار ، وهو نوع مفاعلة بين اثنين أو أكثر إذ يفتخر أحدهما على الآخر.
واعتنى العرب بالفخر والتفاخر ، وتجلى بوضوح في أشعارهم ، وأيهما أكثر في الشعر العربي الفخر والمدح أم الذم ، الجواب هو الأول ، إذ تميل النفوس بالفطرة إلى الفخر ، ويكون لذات الشاعر وفصيلته وقبيلته ولغيرهم ، ويكون بالفخر بالنسب والآباء والنفس والشجاعة والأخلاق الحميدة كالكرم والحلم والوفاء .
لتتجلى معاني الفخر والمدح بعد بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالتقوى والصبر وبخصوص يوم بدر قال ابن إسحاق: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” والذي نفسي بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة ” فقال عمير بن الحمام أحد بني سلمة وفي يده تمرات يأكلهن: بخ بخ فما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء فقذف التمر من يده وأخذ سيفه فقاتل حتى قتل وهو يقول:
ركضا إلى الله بغير زاد … إلا التقى وعمل المعاد
والصبر في الله على الجهاد
فكان أول قتيل قتل في سبيل الله في الحرب( ).
أما الذم فيكون للغير ولا عبرة بالقليل النادر كما في الحطيئة الذي ذم نفسه ووالديه .
وقال الحطيئة لعمر بن الخطاب أيام خلافته : إني والله قد هجوت أبي وأمي، وهجوت امرأتي، وهجوت نفسي. فتبسم عمر ، ثم قال: فما الذي قلت؟ قال: قلت لأبي وأمي – والمخاطبة للأمّ:
ولقد رأيتك في النساء فسؤتني … وأبا بنيك فساءني في المجلس
وقلت لها:
تنحّي فاجلسي منّي بعيداً … أراح الله منك العالمينا
أغربالاً إذا استودعت سرّاً … وكانوناً على المتحدّثينا
وقلت لامرأتي:
أطوّف ما أطوّف ثم آوي … إلى بيت قعيدته لكاع
فقال له عمر : فكيف هجوت نفسك؟ فقال: اطّلعت في بئر فرأيت وجهي فاستقبحته، فقلت:
أبت شفتاي اليوم ألاّ تكلّما … بسوء فما أدري لمن أنا قائله
أرى لي وجهاً قبّح الله خلقه … فقبّح من وجه وقبّح حامله( ).
وقال في هجاء أبيه لَحَاكَ اللَهُ ثُمَّ لَحَاكَ حَقّاً … أَباً ولَحَاكَ من عَمٍّ وخَالِ
فَنِعْمَ الشَيْخُ أَنْتَ لدى المَخازي … وَبِئْسَ الشَّيْخُ أَنْتَ لَدَى العِيالِ
جَمَعْتَ اللؤمَ لا حَياكَ رَبي … بأنواعِ السفَاهَةِ والضَّلالِ( ).
وقد قال الله تعالى في بر الوالدين [فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ]( )، ليكون من باب الأولوية القطعية عدم ذمهما أو هجائهما .
ويقال إن المرأة إذا كانت مبغضة لزوجها، فعلامة ذلك أن تكون عند قربه منها مرتدة الطرف عنه، كأنها تنظر إلى إنسان غيره؛ وإذا كانت محبة له لا تقلع عن النظر إليه ( ).
قال ابو عبيدة والمدائني ومصعبٌ: كان الحطيئة سؤولاً جشعاً، فقدم المدينة وقد أرصدت له قريشٌ العطايا، والناس في سنةٍ مجدبةٍ وسخطةٍ من خليفة، فمشى أشراف أهل المدينة بعضهم إلى بعض، فقالوا: قد قدم علينا هذا الرجل وهو شاعر، والشاعر يظن فيحقق، وهو يأتي الرجل من أشرافكم يسأله، فإن أعطاه جهد نفسه بهرها، وإن حرمه هجاه، فأجمع رأيهم على أن يجعلوا له شيئاً معدا يجمعونه بينهم له أي يكتفي بما جمعوا له ، ولا يسألهم فرادا لأن شطراً منهم ليس عندهم شئ .
فكان أهل البيت من قريش والأنصار يجمعون له العشرة والعشرين والثلاثين ديناراً حتى جمعوا له أربعمائة دينار، وظنوا أنهم قد أغنوه.
فأتوه فقالوا له: هذه صلة آل فلانٍ ، وهذه صلة آل فلان ، وهذه صلة آل فلانٍ، فأخذها؛ فظنوا أنهم قد كفوه عن المسئلة، فإذا هو يوم الجمعة قد استقبل الإمام ماثلاً ينادي: من يحملني على بغلين وقاه الله كبة جهنم( ).
وجاء القرآن بقوانين سماوية في الفخر والذم ترتكز الى سنن التوحيد ، ومعالم الإيمان ، ويمكن تأسيس قانون في المقام من وجوه :
الأول : التحلي بالتقوى والخشية من الله ، قال تعالى[إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ]( ).
الثاني : تنزه المؤمنين عن الفخر والزهد .
الثالث : القبح الذاتي للرياء .
الرابع : الثناء على أهل الإيمان .
الخامس : ذم الذين كفروا .
السادس : وجوب الإمتناع عن ولاية الشيطان .
ان عدم نسبة قتل الذين كفروا للمسلمين من البدريين وغيرهم شاهد على إكرام الله للمسلمين .
وقال القرطبي : روي أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما صدروا عن بدر ذكر كل واحد منهم ما فعل : قتلت كذا , فعلت كذا فجاء من ذلك تفاخر ونحو ذلك ، فنزلت الآية إعلاما بأن الله تعالى هو المميت والمقدر لجميع الأشياء وأن العبد إنما يشارك بتكسبه وقصده ( ).
وكرر ذات المعنى كثير من علماء التفسير، ولكن المختار أن نسبة قتل المشركين لله عز وجل يوم بدر هي غاية الفخر والعز للمسلمين ، وعلى فرض قول القرطبي أعلاه فيصح أن يقال : أن الله عز وجل أكرم المسلمين باستبدالهم بفخر عظيم غير الفخر الذي قالوا به ، ليكون من خصائص الفخر بنسبة الفعل الى الله عز وجل تجدده إلى يوم القيامة.
والفخر هو ذكر الفضائل والخصال الحميدة للذات والجماعة والطائفة ، وهو متأصل في الناس ، وقد يؤدي بالإنسان إلى الرفعة أو يكون سبباً في قعوده أو ضرره أو هلاكه .
وهل الفخر من أسباب قتل ابن آدم قابيل لأخيه هابيل إذ أثنى هابيل على نفسه وأنه من المتقين عندما تقبل الله عز وجل قربانه ، ولم يتقبل قربان أخيه ، قال تعالى [وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ] ( ) .
المختار لا ، إنما صدر الوعيد والتهديد من قابيل بقتل أخيه حسداً وغضباً لأن الله تقبل قربانه قبل أن يقول هابيل [إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ] ( )، ولا دليل على دلالة هذا القول على الفخر انما هو دعوة للهداية ، وحث على التقوى .
ومن الفخر الحماسة وهي التباهي والإفتخار بالشجاعة وخوض المعارك والمبارزة والغلبة في القتال ، والنصر في الحرب .
وبين الفخر والحماسة عموم وخصوص مطلق ، فكل حماسة هي فخر وليس العكس .
لبيان قانون وهو تغير وتبدل منهجية وسنخية الشعر بعد الإسلام ، فبدل أن يكون الشعر سبباً لإثارة العصبية ، وحمية الجاهلية الأولى صار موعظة ودرساًَ للتهذيب والإصلاح ، وطريقاً للأجر والثواب ، إذ يقترن شعر الحماسة والفخر في الإسلام بصيغة التواضع والخشوع لله عز وجل .
وعن ابن عباس قال : تهاجى رجلان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أحدهما من الأنصار؛ والآخر من قوم آخرين ، وكان مع كل واحد منهما غواة من قومه وهم السفهاء فأنزل الله[وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمْ الْغَاوُونَ]( ) الآيات ( ).
وإذا كان المسلمون يفخرون بأنهم قتلوا المشركين فان آية البحث [فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ]( )، نزلت في فخر أعظم وأكبر من جهات :
الأولى : عدم حصر قتل المشركين بالذين قتلوهم من أهل البيت والصحابة كما في تقدم عتبة بن ربيعة وأخيه شيبة وابنه الوليد وسط الميدان وطلبهم المبارزة ، وتأكيدهم على إختيار الذين يبارزونهم من بني هاشم على نحو الخصوص ، ليكون هذا الإختيار حجة عليهم بأن قتالهم كان حسداً وغضباً وعصبية ، حسداً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولبني هاشم ، أن جاءت النبوة فيهم ، ولإتخاذ الناس الإسلام ونصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم منهاجاً.
الثانية : تفاخر المسلمين في كل زمان بمضامين آية البحث إذ أنها نعمة عظمى على المسلمين والمسلمات في كل زمان بلحاظ أن قتل الله عز وجل للذين كفروا في معركة بدر تأسيس وبناء لصرح الإسلام عقيدة ومبادئ وفرائض وأحكاماً .
وهل يصح القول بترشح الفخر بتلاوة آية البحث ، الجواب نعم ، وهو من اللطف الإلهي والبركة في القرآن وتلاوته , وقد ورد نعت القرآن بالبركة والفيض في آيات منها :
الأولى : قوله تعالى [وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ]( ).
الثانية : قوله تعالى [وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ]( ).
الثالثة : قوله تعالى [وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ]( ).
الرابعة : قوله تعالى [كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ]( ).
الخامسة : قوله تعالى [وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ]( ).
وتترشح بركة القرآن مع كل من :
الأول : قارئ القرآن ، وما في القراءة من الأجر والثواب والحسنات ، ومن مصاديق بركة القرآن مجئ وتوالي ضروب من النعم التي تترشح عن نزوله ، قال تعالى [قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ] ( ) .
ومن الإعجاز في الآية أعلاه أن البركة فيه لا تختص أو تتوقف على تلاوة المسلمين للقرآن ، إنما تترشح عن ذات نزول القرآن.
الثاني : سامع القرآن .
الثالث : الذي يتدبر بالقرآن ومعاني ودلالات كلماته ، وعن (رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ما جلس قوم قط في بيت من بيوت الله يقرؤون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا غشيتهم الرحمة ، وأنزلت عليهم السكينة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده .
ومن سلك طريقا يطلب علما سهل الله به طريقا إلى الجنة ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه) ( ).
الثالثة : تفاخر المسلمين باكرام الله عز وجل لهم بنصرتهم بآية حسية بأن قتل الذين غزوهم ليدل بالدلالة التضمنية على أن المسلمين على الحق والهدى .
الرابعة : غبطة ورضا المسلمين بنصرة الله لهم ، وإتخاذ هذه النعمة مادة وموضوعاً في جدال الذين كفروا والإحتجاج عليهم ، وهذه النصرة من مصاديق الأحسن بقوله تعالى[وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ]( ).
ومن خصائص هذا الإحتجاج أمور :
الأول : إنه مانع من غزو المشركين للمدينة المنورة .
الثاني : إعلان المسلمين بأنهم لا يغزون المشركين .
الثالث : إكتفاء المسلمين بالإحتجاج , وترتب الأثر العظيم والنفع المتجدد عليه .
الخامسة : تفاخر المسلمين بآية البحث بلحاظ بعثها للسكينة في نفوس المسلمين والمسلمات لما فيها من الأمن والأمان من الغزو المعلن والمباغت .
لقد ورد عن الإمام علي عليه السلام أنه قال : ( ما لابن آدم والفخر، أوله نطفة، وآخره جيفة لا يرزق نفسه، ولا يدفع حتفه( ).
وهو لا يتعارض مع إفتخار المسلمين بفضل الله عليهم بحسن إختيارهم لمقامات الإيمان ، ونعمة الهداية لتعلق الحديث أعلاه بالزهو على نحو القضية الشخصية والبطر , وفيه دعوة لإظهار العبودية لله عز وجل ، قال تعالى[قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ]( ).
وهل نداء الإيمان [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ] الذي ورد في القرآن تسعاً وثمانين مرة مدح وعز للمسلمين والمسلمات ، الجواب نعم ، وهو باب للفخر بلحاظ وجوه :
الأول : إقتران هذا النداء بالأوامر والنواهي من عند الله عز وجل ، وقد تتضمن الآية من آيات النداء الأمر والنهي معاً كما في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ] ( ) .
وفيه شاهد على إرتقاء المسلمين لمرتبة التفكيك بينهما والعمل بالواجب وإجتناب المنهي عنه .
الثاني : فضل الله على المسلمين بذكرهم على نحو الخصوص بصفة تكريم ونعتهم بالإيمان ، وهذا الإيمان من وجوه :
أولاً : الإيمان بالله إلهاً واحداً فرداً صمداً لم يتخذ صاحبة ولا ولدا .
ثانياً : الإيمان برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنه نبي من عند الله عز وجل .
ثالثاً : الإقرار بنزول القرآن من عند الله ، وأنه الذي خصّ به النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى[هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ]( ) .
ولم يرد لفظ (أنزل عليك) في القرآن إلا في الآية أعلاه ، إذ أن كل آية تشهد أنها نازلة من عند الله ، وهذه الشهادة متجددة كل يوم من أيام الدنيا ، وتتجلى بوضوح في الآخرة إذ يأتي القرآن يومئذ بأبهى حلة وكذا لم يأت لفظ (محكمات) ولفظ (متشابهات) في القرآن إلا في هذه الآية .
رابعاً : الإيمان بالملائكة وأنهم عبيد لله عز وجل بقدرات فائقة ، ومسكنهم السماء ، ومنهم الراكع والساجد والذي ينقطع إلى التسبيح ومنهم من تكون أقدامهم في الأرض السفلى ، وتصل أعناقهم إلى السماء ، وهم ناكسوا أبصارهم من خشية الله ، ومنهم حملة العرش ، والمأمورون بانزال المطر والنبات ، وعالم المخلوقات بأمر من عند الله , قال تعالى[اللَّهُ يَصْطَفِي مِنْ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ]( ).
الثالث : التصديق بمعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحسية والعقلية .
الرابع : الإقرار باليوم الآخر ، وأن الناس يقفون بين يدي الله عز وجل يوم القيامة للحساب .
الخامس : الإقرار بالجنة والنار ، وأن الجنة مسكن ودار إقامة للمؤمنين الذين يعملون الصالحات ، والنار مثوى الذين كفروا .
وفي التنزيل [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلاَلاً بَعِيدًا] ( ) .
ومما يفتخر به المسلمون بلحاظ الآية أعلاه أنهم يؤمنون بكل الكتب السماوية النازلة لقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا] ( ).
وورد لفظ الكتاب في الآية أعلاه بصيغة المفرد لإرادة الجنس ، والمراد كل الكتب السماوية التي أنزلت على الأنبياء السابقين ، ومنها :
الأول : الصحف التي أنزلها الله على آدم عليه السلام .
الثاني : الصحف التي أنزلها الله على شيث بن آدم عليه السلام ، ومعنى شيث هبة الله ، كأن فيه نافلة وفضلاً من عند الله على آدم وحواء بعد مقتل هابيل بن آدم .
الثالث : الصحف التي أنزلها الله على إدريس عليه السلام .
قال أبو ذر : يا رسول الله كم أنزل الله من كتاب؟ قال : مائة وأربع كتب ، منها على آدم عشر صحف ، وعلى شيث خمسين صحيفة ، وعلى أخنوخ ، وهو إدريس ثلاثين صحيفة ، وهو أوّل من خطّ بالقلم ، وعلى إبراهيم عشر صحائف ، والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان ( ).
الرابع : نزول الصحف على نوح ، فهو رسول من الرسل الخمسة أولي العزم .
الخامس : نزول عشر صحف على إبراهيم ، قال تعالى[إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى]( ) ، وجاءت الآية للدلالة على سبق نزول الصحف والكتب من السماء قبل بعثة عيسى عليه السلام ورسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالإضافة الى الدلالة على نزول صحف إبراهيم وموسى وكتب سماوية أخرى ووحي من عند الله على الأنبياء السابقين لزمانهما.
السادس : نزول التوراة على موسى ، وقيل أنزلت عليه الصحف قبل التوراة .
السابع : نزول كتاب الزبور على النبي داود .
الثامن : تفضل الله عز وجل بنزول الإنجيل على عيسى ، وعن واثلة بن الأسقع : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان ، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان ، وأنزل الانجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان ، وأنزل الزبور لثمان عشرة خلت من رمضان ، وأنزل الله القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان( ).
لقد جاءت آية البحث بالفخر بنصر الله ، وبيان منزلة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين عنده ، لقد أخبر الله عز وجل عن كون الأرض ملكاً له وهو سبحانه الذي جعل الإنسان [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، ليعمرها بطاعته ، ويفخر بذات الخلافة ، وسنخية العمارة والتوفيق إليها.
وأنزل الله الكتب السماوية لتجذب الناس إلى منازل الهدى والصلاح ، ولكن الذين كفروا جحدوا بتلك الكتب وحاربوا النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم فتفضل الله عز وجل بالحاق الخزي بهم في الدنيا والآخرة ليكون سبيلاً لإستئصال الكفر والضلالة .
وهل يحق للمسلمين الفخر بأن الله عز وجل رمى القوم الكافرين بدلاً عن رمي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لهم ، الجواب نعم ، لأن هذا الرمي تشريف وإكرام للمسلمين إلى يوم القيامة ، وسلاح بأيديهم في كل يوم ، وفيه تحذير وواقية من رمي الصواريخ الحديثة المدمرة ، ومنع الإفتتان بها وبصناعتها ، لأن رمي الله عز وجل أقوى وأمضى وأكثر أثراً ، ولبيان أن الأمر البسيط والكلمة والموعظة تدفع الشر والأذى ، قال تعالى[ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ]( ).
قانون الخطاب القرآني إلى النبي محمد
ويتعدد الخطاب والأمر من الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في القرآن وهو أكثر المخاطبين من بين :
الأول : الملائكة ، وقد يأتي بصيغة الحوار والإخبار ، كما في خلق آدم فقد أكرم الله عز وجل الملائكة بأن أخبرهم عن مشيئته بخلقه وبيان علو منزلته وذريته بالخلافة في الأرض ، قال تعالى [وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ).
ومن إعجاز القرآن وإكرام الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ذكر القرآن لإخبار الله للملائكة بصيغة الخطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وهل يصح تقدير الآية (وإذ قال ربكم للملائكة)الجواب نعم ، لتشمل صيغة الجمع وجوهاً :
أولاً : المسلمون والمسلمات.
ثانياً : أهل الكتاب .
ثالثاً : الناس جميعاً .
وتقدير الآية : أيا أيها الناس قل ربكم للملائكة أني جاعل في الأرض خليفة ) وفيه مسائل :
الأولى : بيان فضل الله عز وجل الناس في خلق أبيهم آدم .
الثانية : إهلام الناس بأن الله أكرمهم بأن أخبر الملائكة عن خلقهم .
الثالثة : خلافة الإنسان في الأرض تشريف ، وهو من مصاديق الإكرام في قوله تعالى [وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً]( ) .
الرابعة : زجر الناس عن الفساد في الأرض ، وعن اشاعة القتل بغير حق ، وبيان كيف أن كل فرد منها جناية عظيمة تؤذي الملائكة في السماء .
الثاني : الخطاب من الله في القرآن إلى الأنبياء والرسل ، وهو على شعب :
الأولى : توجه الخطاب الشخصي إلى أحد الأنبياء والرسل ، كما في قوله تعالى [إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابن مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي]( ).
الثانية : توجه الخطاب في القرآن إلى الأنبياء والرسل على نحو العموم الإستغراقي والمجموعي ، ومنه قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ] ( ).
الثالثة : الخطاب الموجه لنبي الزمان من قبل قومه كما في نوح ، [قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنْ الصَّادِقِينَ] ( ).
ولم يرد لفظ أكثرت في القرآن إلا في الآية أعلاه.
الثالث : المسلمون والمسلمات ، ومنه نداء التشريف [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] الذي ورد في القرآن تسعاً وثمانين مرة ، ولا يختص خطاب المسلمين بهذا النداء ، فقد يأتي بالفاظ أخرى منها قولوا كما في قوله تعالى [وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ] ( ) .
كما يأتي بصيغة النهي ومنه [وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا] ( ).
إذ ابتدأت هذه الآية بالأمر ثم تكرر فيها النهي مع إتحاد الموضوع لسنّ قوانين رعاية اليتامى وحفظ أموالهم ، وعدم صيرورتهم عالة ويسألون الناس اثناء مدة اليتم أو بعد البلوغ ، وقوله تعالى [وَلاَ تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلاً] ( ).
ولم يأت الخطاب في هذا الموضوع إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إنما جاء للمسلمين جميعاً للزجر عن معصية معينة .
وهل يختص بالرجال من المسلمين بلحاظ أنهم هم الذين ينكحون ، كما في قوله تعالى [َانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا] ( )الجواب لا ، إنما تشمل الآية المسلمات في الموضوع والحكم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وليس لزوجة الأب أن ترضى بزواج ابنه منها ، ولا للنساء أن يسكتن عن الأمر بل يقمن بالتبليغ والنهي عن هذا الفعل ، ليكون من إعجاز وجوب تلاوة القرآن في الصلاة أنها أمر بالمعروف ونهي عن المنكر متجدد في كل زمان .
الرابع : أهل الكتاب ، فلقد أكرم الله عز وجل النبي والمسلمين وأهل الكتاب بنزول آيات تخاطب أهل الكتاب ، قال تعالى [قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ]( ).
وتدل هذه الآية على قانون وجامع مشترك بين المسلمين وأهل الكتاب من اليهود والنصارى وهو كلمة التوحيد مما يدل على عدم إرادة النبي صلى لله عليه وآله وسلم قتال أهل الكتاب ، كما تدعو الآية المسلمين الى الإمتناع عن سؤال النبي صلى الله عليه وآله وسلم قتالهم ومحاربتهم خاصة وأنه ينادي في حال السلم والحرب وعند التقاء الصفين في معارك الإسلام الأولى مع المشركين في معركة بدر وأحد والخندق (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا ).
واختتمت الآية بالشهادة بصدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتقيد المسلمين بسنن التوحيد ، كما توجه الخطاب إلى المسلمين بخصوص كيفية الصلة العقائدية مع أهل الكتاب بقوله تعالى [وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ] ( ) لبيان أن خطابات القرآن بخصوص أهل الكتاب باقية إلى يوم القيامة وهي ملزمة للمسلمين باظهار حسن السمت مع أهل الكتاب ، وهناك مسألتان فقهيتان :
الأولى : هل طعام أهل الكتاب حلال .
الثانية : هل يجوز زواج المسلم من الكتابية .
أما الأولى فالجواب نعم ، قال تعالى [الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ] ( ).
وورد عن ابن عباس وأبي أمامة وسعيد بن جبير وعكرمة أن المراد من الطعام في الآية : ذبائحهم ( ).
(عن عبد الله بن مُغَفَّل قال: دُلِّي بجراب من شحم يوم خيبر. [قال] فاحتضنته وقلت: لا أعطي اليوم من هذا أحدًا، والتفتُّ فإذا النبي صلى الله عليه وسلم يتبسم) ( ).ليكون هذا التبسم من السنة التقريرية .
وعن الإمام جعفر الصادق قال : ان علياً عليه السلام كان يقول : لا يذبح نسككم غلا أهل منكم )
أي بخصوص ذبح الأضحية والهدى ، وأما المسألة الثانية فالمختار هو جواز الزواج من الكتابية وتدل عليه الآية أعلاه , وقد ذكرته مفصلا في رسالتنا العملية الحجة .
وقد فصل القرآن بين أهل الكتاب والمشركين ، ومن منافع جواز هذا الزواج الألفة وحسن العشرة بين المسلمين وأهل الكتاب ، وقيدت الآية الإذن بالإحصان.
الخامس : توجه الخطاب القرآني إلى الناس جميعاً ، إذ ورد لفظ [يَا أَيُّهَا النَّاسُ]عشرين مرة في القرآن ، وورد لفظ الناس في القرآن عشرة أضعافه.
ومن معاني هذا النداء الدعوة إلى التوحيد والتصديق بالنبوة ، وأداء الوظائف العبادية وبعث معاني الألفة والمودة ونبذ القتال والحروب ، وهذا النداء شاهد على نبذ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للقتال ، وعدم الحاجة إليه .
وكل آية من آيات النداء هذه راية احتجاج ومنبر دائم في الدعوة إلى الله ، وهو من مصاديق بقاء القرآن غضاً طرياً إلى يوم القيامة ، ومن النداء العام قوله تعالى [يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لاَ يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ] ( ) .
وفيه إنذار للناس جميعاً وتحذير من عالم الجزاء ، وهل نفعت آيات الإنذار في التوبة والهداية إلى الإيمان ، الجواب نعم ، وفيه دليل على أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم يأت بالسيف إنما أخبر عن الله عز وجل بأن الدنيا مزرعة للآخرة ، ولابد من وقوف الناس جميعاً بين يدي الله للحساب ، قال تعالى [فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ] ( ).
وهل يختص الخطاب للناس في القرآن بهذا النداء العام .
الجواب لا ، فكل آية من القرآن هي خطاب للناس عامة ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا] ( ) بتقريب أن كل آية من القرآن هي من الرسالة ، ويكون من وجوه تقدير قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ]( ) أي يا أيها الرسول بلغ الناس ما أنزل إليك من ربك ، وآية التبليغ هذه شاهد على تقدم دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالمعجزة والبينة وصيغ الحكمة .
وهل يمكن تقدير الآية : يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك بالسيف ) الجواب لا يستقيم هذا المعنى ، لأن التبليغ بيان وإشعار وإخبار ، وتبين الآية موضوع التبليغ ، وهو آيات التنزيل النازلة من عند الله عز وجل.
(عن أبي سعيد الخدري قال : نزلت هذه الآية { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك }( ) على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم غدير خم ، في علي بن أبي طالب) ( ).
وفيه نصوص عديدة ، ويفيد المعنى العام للآية كفاية تبليغ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الآيات والتنزيل في دخول الناس الإسلام ، وأنها تنفي الحاجة إلى السيف في التبليغ .
وتتضمن الآية التحدي بأن الله عز وجل يعصم النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الناس وإصرارهم على القتال والحروب .
ليكون من معاني العصمة في الآية نصر المسلمين في معركة بدر ، وسلامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في معركة أحد ، ونجاته والمسلمين وأهل المدينة في غزوة الأحزاب حيث هجم المشركون على المدينة .
السادس : توجه الخطاب في القرآن إلى الذين كفروا ، وهو من رحمة الله عز وجل بالناس جميعاً في الحياة الدنيا ، ومصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ) إذ نزل القرآن بلغة البيان والوضوح وبما يفهمه كل إنسان ذكراً أو أنثى ، عربياً أو غير عربي .
فتنزل الآية القرآنية على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو بين أزواجه أو في المسجد وعنده نفر معدود من أصحابه أو ينزل وهو في سفر ليتلو ملايين البشر هذه الآيات من غير تبديل أو تحريض ، وفيه يرون في معانيها في كل زمان ، وهو من الإعجاز الغيري للقرآن ، والشواهد على صدق نزوله من الله وإرادة المعنى الأعم للحفظ في قوله تعالى [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون] ( ).
السابع : خطاب العين الموجه إلى شخص معين وهو غالباً ما يأتي للأنبياء وبصيغة المدح والثناء والتكليف وبيان جهاد الأنبياء ، ولما كان آدم أبو البشر ، وقد خلق الله عز وجل في الجنة وأقام فيها آنا ما قد شرّفه الله عز وجل بالنداء باسمه قبل أن يهبط إلى الأرض بصفة الخلافة ، وفي التنزيل [يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ]( ).
قال تعالى [قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ] ( ).
قال تعالى [وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ] ( ).
قال تعالى [يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ]( ).
كما جاء الخطاب القرآني بصيغة التثنية كما في قوله حكاية عن فرعون [فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى] ( ) ولم تقف الآية عند [فَمَنْ رَبُّكُمَا] من غير تقييد بالنداء إنما جاء ذكر موسى عليه السلام لوجوه:
الأول : تجلي معاني الرسالة في قول وفعل موسى عليه السلام ، فقد كان رسولاً نبياً ، بينما كان هارون نبياً فقط .
الثاني : جريان المعجزة على يد موسى عليه السلام ، وعلى نحو التعدد في ذات المعجزة وفي مصاديقها .
الثالث : بيان مصداق للناس بخصوص مرتبة هارون وأنه وزير لموسى ، كما ورد في التنزيل حكاية عن موسى [وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي]( ).
الرابع : المعرفة السابقة من فرعون لموسى إذ أنه نشأ في بيت فرعون في معجزة وسبب لحفظه .
الخامس : قيل أن فرعون تجنب مخاطبة هارون لفصاحته ، ولا دليل عليه.
وتبين الآية قلة أنصار موسى عليه السلام الذين صاحبوه للإحتجاج على فرعون .
ومن الغايات الحميدة لمدرسة الخطاب في القرآن أنها إصلاح للناس جميعاً ، ونوع طريق لتفقه المسلمين في الدين ، وتعاهد أحكام الشريعة ، وهي دعوة لهم للشكر لله عز وجل على نعمة الهداية ، إذ يقف المسلمون عند كل خطاب قرآني فيعملون بالأوامر ، ويتقيدون بما فيه ثناء ومدح بفخر واعتزاز .
ومن إعجاز القرآن الغيبي مجئ الخطاب القرآني إلى غير المسلمين من الأمم السابقة ، ولكن المسلمين والمسلمات يدركون أنهم مخاطبون به ، وهذا الإدراك من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ) بالإضافة إلى الإتعاظ من قصص الأمم السابقة ، بينما اتخذ الذين كفروا هذه القصص مناسبة للإستهزاء والتحدي والدعاء على أنفسهم كما ورد في التنزيل على لسان كفار قريش [إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ] ( ) لبيان جهاد المسلمين في إصلاح أنفسهم بالصبر والتقوى ، وعدم ملاقاة الذين كفروا بالخصومة بالسيف ، فان قلت قد وقعت معركة بدر وأحد والخندق .
والجواب كل من هذه المعارك دفاع من قبل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، وهي من مصاديق الضرورة بالنسبة للمسلمين وحاجاتهم للدفاع.
وقد يأتي خطاب العين للذم والتوبيخ كما في قوله تعالى في ذم ابليس [فَإِنَّكَ رَجِيمٌ]( ) وفي فرعون [ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ]( ).

بحث أصولي
هل الكفار مكلفون بالفروع .
الدين هو الملة والطاعة والإعتقاد ، ومن أسماء يوم القيامة يوم الدين لأنه يوم الجزاء قال تعالى في الثناء على المؤمنين [وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ]( ).
لقد خلق الله عز وجل آدم وذريته لعبادته وعمارة الأرض بسنن التقوى ، وتتجلى العبادة بالإعتقاد بالتوحيد والنبوة والمعاد وبأداء الفرائض والعبادات.
ومنهم من قيّد الإعتقاد والأصول بالاثنين أعلاه ومنهم من حصره بالأول وهو التوحيد ، وأضيف لها الإمامة والعدل , وقال تعالى[وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا]( ).
ومن الفقهاء من نفى تقسيم الشريعة إلى :
الأول : أصول الدين .
الثاني : فروع الدين .
مع التباين في سبب هذا النفي ، فمنهم من قال ان هذا التقسيم نوع طريق للبدعة ، ومنهم من قال ان الإيمان لا يقبل التجزأة والتقسيم ، فاما أن يتقيد به أو يذهب كله .
ولكن هذا التقسيم استقرائي ، ولا يتعارض مع وحدة الإيمان ويجب الإيمان بقواعد وسنن الشريعة على نحو العموم المجموعي ، وأن الإيمان بسيط غير مركب .
ولم يكن هذا التقسيم موجوداً أيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة ، ولم يرد في القرآن والحديث النبوي ، وربما يمكن استقراءه من الكتاب والسنة بما يفيد التفقه في الدين ، قال تعالى[وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ]( ).
وقيل أن الأصول هي ما استقل به العقل ، وليس بتام ، لحاجة الناس للجمع بين العقل والنقل .
وفي المسألة محل البحث وجوه :
الأول : تكليف الكفار بالفروع كتكليفهم بالأصول .
الثاني : تكليف الكفار بالأصول ، وعدم تكليفهم بالفروع ، وبه قال أبو حنيفة .
الثالث : تكليف الكفار بالمنهيات دون المأمورات ، وفيه رواية عن أحمد ، وبه قال بعض الحنفية .
الرابع : الكفار مخاطبون بالأوامر والنواهي عدا الأمر بالجهاد لأن فيه تعريضاً لنفس للقتل .
والمشهور والمختار هو الوجه الأول أعلاه .
وقد ورد لفظ الناس في القرآن نحو مائتي مرة ، وهو مدرسة لاستنباط قوانين التكليف العامة ، ومنه قوله تعالى[وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً]( )، لتشمل الآية أعلاه آدم وحواء وقد وردت النصوص بأنهما حجا البيت الحرام.
وعن ابن عباس قال : خرج آدم من الجنة بين الصلاتين : صلاه الظهر : وصلاة العصر ، فأنزل إلى الأرض . وكان مكثه في الجنة نصف يوم من أيام الآخرة ، وهو خمسمائة سنة من يوم كان مقداره اثنتي عشرة ساعة ، واليوم ألف سنة مما يعد أهل الدنيا . فأهبط آدم على جبل بالهند يقال له نود ، وأُهْبِطَت حواء بجدة ، فنزل آدم معه ريح الجنة ، فعلق بشجرها وأوديتها ، فامتلأ ما هنالك طيباً ، ثم يؤتى بالطيب من ريح آدم.
وقالوا : أنزل عليه من طيب الجنة أيضاً ، وأنزل معه الحجر الأسود ، وكان أشد بياضاً من الثلج ، وعصا موسى وكانت من آس الجنة . طولها عشرة أذرع على طول موسى . ومر ولبان . ثم أنزل عليه بعد السندان ، والكلبة ، والمطرقتان ، فنظر آدم حين أهبط على الجبل إلى قضيب من حديد نابت على الجبل فقال : هذا من هذا! فجعل يكسر أشجاراً قد عتقت ويبست بالمطرقة ، ثم أوقد على ذلك القضيب حتى ذاب .
فكان أول شيء ضرب منه مدية ، فكان يعمل بها ، ثم ضرب التنور وهو الذي ورثه نوح ، وهو الذي فار بالهند بالعذاب .
فلما حج آدم عليه السلام وضع الحجر الأسود على جبل أبي قبيس ، فكان يضيء لأهل مكة في ليالي الظلم كما يضيء القمر ، فلما كان قبيل الإِسلام بأربع سنين ، وقد كان الحيض والجنب يعمدون إليه يمسحونه فاسود ، فأنزلته قريش من أبي قبيس ، وحج آدم من الهند أربعين حجة إلى مكة على رجليه .
وكان آدم حين اهبط يمسح رأسه السماء ، فمن ثم صلع وأورث ولده الصلع ، ونفرت من طوله دواب البر فصارت وحشاً يومئذ ، وكان آدم وهو على ذلك الجبل قائماً يسمع أصوات الملائكة ، ويجد ريح الجنة . فهبط من طوله ذلك إلى ستين ذراعاً ، فكان ذلك طوله حتى مات ، ولم يجمع حسن آدم لأحد من ولده إلا ليوسف عليه السلام .
وأنشأ آدم يقول : رب كنت جارك في دارك ليس لي رب غيرك ولا رقيب دونك ، آكل فيها رغداً وأسكن حيث أحببت ، فأهبطتني إلى هذا الجبل المقدس ، فكنت أسمع أصوات الملائكة ، وأراهم كيف يحفون بعرشك ، وأجد ريح الجنة وطيبها ، ثم أهبطتني إلى الأرض وحططتني إلى ستين ذراعاً ، فقد انقطع عني الصوت والنظر ، وذهب عني ريح الجنة فأجابه الله تبارك وتعالى : لمعصيتك يا آدم فعلت ذلك بك .
فلما رأى عري آدم وحواء أمره أن يذبح كبشاً من الضأن من الثمانية الأزواج التي أنزل الله من الجنة ، فأخذ آدم كبشاً وذبحه ، ثم أخذ صوفه فغزلته حواء ونسجه هو ، فنسج آدم جبة لنفسه ، وجعل لحواء درعاً وخماراً فلبساه ، وقد كانا اجتمعا بجمع( )، فسميت جمعاً وتعارفا بعرفة فسميت عرفة وبكيا على ما فاتهما مائة سنة ، ولم يأكلا ولم يشربا أربعين يوماً ، ثم أكلا وشربا وهما يومئذ على نود الجبل الذي أهبط عليه آدم ، ولم يقرب حواء مائة سنة( ).
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال : لما أفاض آدم من عرفات تلقته الملائكة عليهم السلام فقالوا له: برّ حجك يا آدم، أما أنّا قد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام( ).
وبر أي صح وقُبل.
كما ورد قوله تعالى[مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ]( )، وفيه شاهد على أن ترك الصلاة سبب لدخول النار .
وقيل أن تكليف الكفار بالفروع ليشتد عليهم العذاب يوم القيامة، والمختار هو أن ذات هذا التكليف رحمة بهم ، ومن مصاديق قوله تعالى[وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ) ، فمن خصائص التكليف بالعبادات أمور :
الأول : بيان قانون من قوانين العبادة في الأرض يتغشى الناس جميعاً قال تعالى[وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ]( ).
الثاني : تقريب الله عز وجل الناس لأداء الفروع وهل من هذا التقريب أداء المسلمين الصلاة جماعة وتلاوتهم آيات وسور القرآن فيها ، الجواب نعم ، وهذا التقريب من مصاديق ما ورد في التنزيل [إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ]( ).
الثالث : إرادة الأجر والثواب للناس.
الرابع : تنمية ملكة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإشاعته بين الناس.
ويبين قانون التكاليف العبادية أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم يسع للقتال ، ولم يغز أحداً ، إنما كان أداؤه وأصحابه العبادات دعوة للناس لدخول الإسلام ، وكذا بالنسبة للأنبياء السابقين ، فهم أئمة في الدعوة إلى الله ، في أزمنتهم وكل الأزمنة.
وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال : الأنبياء أخوات لعلات ، أمهاتهم شتى ، ودينهم واحد ، وإني أولى الناس بعيسى بن مريم ، لأنه لم يكن بيني وبينه نبي ، وإنه خليفتي على أمتي ، وأنه نازل ، فإذا رأيتموه فاعرفوه ، رجل مربوع إلى الحمرة والبياض ، عليه ثوبان ممصران ، كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل ، فيدق الصليب ، ويقتل الخنزير ، ويضع الجزية ، ويدعو الناس إلى الإسلام ، ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام ، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال ، ثم تقع الأمنة على الأرض حتى ترتع الأسود مع الإبل ، والنمار مع البقر ، والذئاب مع الغنم ، وتلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم ، فيمكث أربعين سنة ، ثم يتوفى ، ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه ( ).
ومن فروع الدين الصلاة والصوم والزكاة والصيام والحج والخمس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي مرآة لأصول الدين ، ونوع طريق لتثبيتها في الأرض ، وتؤدى الفروع بقصد القربة ، والمراد من الكفار في المقام هم المشركون الذين لايؤمنون بالله والنبوة والمعاد .
وأدعو الأصوليين إلى الرجوع إلى القرآن ، والصدور عنه ، وعن السنة النبوية في التحقيق والإستنباط والإستنساخ.
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : الإيمان بضع وسبعون باباً، أدناها إماطة الأذى عن الطريق، وأعلاها شهادة أن لا إله إلا الله( ).
وعن أنس بن مالك قال : ما فرحنا بشيء بعد الإسلام فرحنا بحديث حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن المؤمن يؤجر في هدايته : السبيل ، وفي تعبيره : بلسانه عن الأعجمي ، وفي إماطة الأذى عن الطريق ، حتى إنه ليؤجر في السلعة تكون في ثوبه ، فيلتمسها بيده ، فتخطئها فيخفق لها فؤاده ، فيرد عليه ، ويكتب له أجرها ( ).
وإلاماطة الإزالة والتنحية ، ويدل الحديث على الإطلاق بالنسبة للطرق وإزالة الأذى عنها والعموم بالنسبة للناس ، فلم يقيد الإماطة وإزالة الأذى إنما هي عامة لبيان أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نبي الرحمة والعفو ، وأنه يريد الخير والنفع للناس ويحث المسلمين على السلم المجتمعي ، وتعاهد معاني الأخوة الإنسانية ومفاهيم المودة والإستقرار ، قال تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً]( ).

مشاركة

Facebook
Twitter
Pinterest
LinkedIn

مواضيع ﺫات صلة