معالم الإيمان في تفسير القرآن – الجزء- 181

المقدمـــــــــــة
الحمد لله الذي جعل في كل شئ آية ظاهرة تدل على وحدانيته وبديع صنعه ، ورزق الإنسان العقل والقدرة على التفكر لتكون غبطته في التدبر في هذه الآيات ، والتفكر بعظيم قدرة الله ، وهل هذا التدبر من عمومات الصراط في قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( ) الذي يتلوه كل مسلم ومسلمة سبع عشرة مرة على نحو الوجوب العيني في الصلاة ، الجواب نعم ، ليشمل الصراط العقيدة والقول والفعل .
وقد أخبر الله عن نفسه بأنه [يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ] ( ) لتكون السياحة الذهنية بالمخلوقات مناسبة لجني الحسنات بالذات ، وبالفعل الذي يترشح عنها مما يصدق عليه أنه من التقوى ، قال تعالى [الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ] ( ) وقد ورد لفظ [يَتَفَكَّرُونَ] إحدى عشرة مرة في القرآن كلها في خاتمة الآيات إلا في الآية أعلاه .
الحمد لله الذي شرّف الناس بالخلافة في الأرض وأمدهم بأسباب الرزق وتغشاهم برحمته وجعل أرزاقهم متيسرة وقريبة منهم , وحال بينهم وبين العناء والإرهاق ، ولم يجعل بينهم وبينه حجاباً أو واسطة ، وفي التنزيل [وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ]( ).
فالقرب موضوع مستقل عن إجابة الدعوة وسبيل ووسيلة ترغيب بالدعاء والمناجاة والأمل , إذ إن الله سبحانه أحاط بكل شئ علماً , وتفضل وأنزل آيات القرآن نجوماً وعلى نحو التدريج ، وعلى وجوه :
الأول : لحاظ الوقائع والأحداث وهو الذي يسمى علم أسباب النزول .
الثاني : بيان أحكام الشريعة من الأمر والنهي والحلال والحرام.
الثالث : قصص وأخبار الأمم السالفة ، قال تعالى [لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ]( ) .
الرابع : بيان أهوال وأحوال عالم الآخرة , ومواطن الحساب والتضاد في العاقبة بين المؤمنين والكفار ، قال تعالى [فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ]( ) .
وفي نزول القرآن نجوماً وفي أيام وأشهر وسنين متعاقبة مسائل :
الأولى : دعوة المسلمين للتطلع للتنزيل .
الثانية : التدبر في الآيات النازلة من القرآن .
الثالثة : تنمية ملكة الفقاهة والصبر عند المسلمين ، قال تعالى [وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا] ( ).
الرابعة : صرف المشركين عن الغزو والهجوم ، إن توالي نزول الآيات على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سبب لرغبة الصحابة بالبقاء إلى جواره وعدم مغادرة المدينة إذ كانوا يحرصون على أداء الصلاة خلفه .
لقد كان المسلمون عند خروجهم في الطريق إلى معركة بدر يتمنون الإستيلاء على قافلة أبي سفيان مقاصة لأموال المهاجرين التي استولت عليها قريش ، قال تعالى [وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ] ( ) فشاء الله أن يلتقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه مع جيش المشركين وتكون واقعة بدر في شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة ، ليتحقق ما يوده المسلمون من جهات :
الأولى : إنكسار شوكة المشركين بهزيمتهم في معركة بدر .
الثاني : مجئ الأموال للمسلمين من الغنائم وبدل الأسرى .
الثالثة : قتل رؤساء المشركين الذين كانوا يسومون النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه أشد الأذى .
الرابعة : البشارة للمسلمين بتوالي الأموال عليهم بفضل من الله (عن أبي سعيد ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : إن أخوف ما أخاف عليكم ، ما يفتح الله لكم من زهرة الدنيا . قالوا : وما زهرة الدنيا يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟
قال : بركات الأرض) ( ) .
ولا يتعارض الحديث أعلاه مع البشارة بتوالي النعم وتدفق الأموال على المسلمين ولكنه دعوة لتعاهد التقوى وسنن الأخوة الإيمانية والعبادات مع كثرة الأموال .
فلا ينحصر الود بغير ذات الشوكة بخصوص معركة بدر ، فمع توالي الأيام تأتي الأموال والأرزاق للمسلمين ، قال تعالى [وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا *وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ]( ).
وقال تعالى [وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى] ( ) ولم يكن رمي سهام ونبال ، إنما كان حفنة من تراب فدخلت ذراته عيون المشركين يوم بدر وعددهم ألف وأصابت وجوههم وهو من مصاديق قوله تعالى [وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ] ( ) بلحاظ أن هذه الكتابة على نحو الموجبة الكلية والجزئية .
لقد خرج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى معركة بدر وليس عنده سيف للدلالة على أنه لا ينوي القتال ، ولا يحث أصحابه عليه ، كما خرج وهو أصحابه من المدينة عدة مرات قبل معركة بدر ولم يقع قتال فيها وهي :
الأولى : توجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الأبواء مع ستين من أصحابه في شهر صفر من السنة الثانية للهجرة أي قبل معركة بدر بسبعة شهور ، وعقد ميثاق أمان مع عمرو بن مخشي الضمري ، وفيه :
(بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمّدٍ رَسُولِ اللّهِ لِبَنِي ضَمْرَةَ فَإِنّهُمْ آمِنُونَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ , وَأَنّ لَهُمْ النّصْرَ عَلَى مَنْ رَامَهُمْ إلّا أَنْ يُحَارِبُوا فِي دِينِ اللّهِ , مَا بَلّ بَحْرٌ صُوفَةً وَإِنّ النّبِيّ إذَا دَعَاهُمْ لِنَصْرِهِ أَجَابُوهُ, عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ ذِمّةُ اللّهِ وَذِمّةُ رَسُولِهِ , وَلَهُمْ النّصْرُ عَلَى مَنْ بَرّ مِنْهُمْ وَاتّقَى )( ).
الثانية : توجه النبي إلى نجد يريد غطفان في ذات السنة ( ).
الثالثة : توجه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى بواط في شهر ربيع الأول من السنة الثانية للهجرة مع سبعة من أصحابه( ) .
الرابعة : توجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى بدر الأولى في ربيع الأول من السنة الثانية للهجرة مع مائتين من أصحابه ( ).
الخامسة : توجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى ذي العشيرة مع مائتين من أصحابه في جمادي الأولى من السنة الثانية من أصحابه ( ).
السادسة : توجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى نجران في شهر ربيع الآخر إلى جانب السرايا الكثيرة التي أرسلها قبل معركة بدر ، كما ورد في الجزء الرابع والستين بعد المائة من تفسيرنا هذا للقرآن في جدول بياني ( ).
الحمد لله الذي جعل ملائكة تحف بعرشه مسبحين ولا يعلم عددهم إلا هو سبحانه ، خلقهم بعظيم قدرته وأشهدهم على جعل الإنسان [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ) بفضل ولطف منه لتتقوم هذه الخلافة بالحمد له سبحانه في الليل والنهار .
ومن الشواهد عليه أن جعل الله عز وجل صلاة المسلمين خمس مرات في اليوم وفق آيات كونية متعددة ومتباينة ، ويجوز تأخيرها عن وقتها من غير تسويف وتفريط ودون العكس فلا يصح أداء الصلاة قبل وقتها ، قال تعالى [أَقِمْ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ] ( ) .
و(عن العباس بن عبد المطلب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا تزال أمتي على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب حتى تشتبك النجوم) ( ).
فليس من بقعة من الأرض إلا ويحل فيها وقت إحدى الصلوات اليومية وهي :
الأولى : صلاة الفجر ، قال تعالى [وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا] ( ).
الثانية : صلاة الظهر .
الثالثة : صلاة العصر .
الرابعة : صلاة المغرب .
الخامسة : صلاة العشاء .
ومما يدل على تعيين أوقات الصلاة في القرآن قوله تعالى [فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ] ( ) وقيل إنما ذكرت صلاة العشاء في قوله تعالى [وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ] ( ).
وجاءت السنة النبوية دليلاً وحجة في تعيين أوقات الصلاة ، ومن الإعجاز في السنة النبوية العبادية أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يترك صلاة الجماعة في يوم من أيام النبوة وإلى حين مغادرته إلى الرفيق الأعلى ، لبيان موضوعيتها ولانها الأهم في حياة المسلمين ، وللدلالة على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين لا يريدون القتال أو الغزو أو مهاجمة الغير .
ويمكن القول هناك أذان في كل دقيقة وإقامة في كل دقيقة في عموم الأرض ، فيؤذن في بقعة من المشرق لأذان المغرب ويؤذن لصلاة الصبح معه في بقعة في مشرق الأرض , ويبدأ بعث أذان بقعة أخرى ويقام لها في بقعة مجاورة لها ، ويؤذن في بقعة من قارة أسيا وأفريقيا لصلاة الظهر والعصر في آية تدل على أن تشريع الصلاة من عند الله [الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ]( ).
الحمد لله عدد ذرات رمل عالج ورمال الأرض كلها ما موجود منها وما معدوم ولا يعلمه ولا يحصيه إلا هو سبحانه ، ونسأله تعالى أن ينزل علينا شآبيب رحمته بالحمد لله ، وهو الذي تفضل وجعل كل مسلم ومسلمة يتلوان عدة مرات في اليوم قوله تعالى [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ] ( ) ليتفضل الله عز وجل بمضاعفة ذات الحمد وثوابه أضعافاً مضاعفة ليكون من معاني قوله تعالى [مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا] ( ) .
وتحتمل الآية وجوهاً :
الأول : مضاعفة ذات لفظ الحمد ، وكأن العبد الذي قال الحمد لله قد قاله عشر مرات .
الثاني : صيرورة ثواب الحمد عشرة أضعاف ثواب المرة الواحدة .
الثالث : مضاعفة لفظ [الحمد] وأجر حسنات أفراد هذه المضاعفة .
فاذا قال المسلم [الْحَمْدُ لِلَّهِ] كتبه الله عشرة أضعاف ، وجعل أجر كل واحدة منها عشر مرات ، ويتفضل الله سبحانه بالمضاعفة من عنده .
والمختار هو الثالث اعلاه ، ولذا قالت الآية أعلاه [عَشْرُ أَمْثَالِهَا] ، ولم تقل (عشر مثالها) وهو من الإعجاز في الالفاظ القرآنية التي تتعلق بواسع رحمة الله وعظيم إحسانه وفضله ، ويدل عليه قوله تعالى [مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ] ( ) .
إن ترغيب القرآن بالإنفاق في سبيل الله على نحو مستقل شاهد على إنقطاع المسلمين إلى العبادة وعمل الصالحات وليس الغزو والقتال ، ومن مصاديق ( في سبيل الله ) أداء الزكاة الواجبة والصدقة المستحبة ، والإنفاق في عمارة المسجد وإعانة الفقراء ، قال تعالى [فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا] ( ) .
وهل يصح إعطاء طلبة العلوم الشرعية من سهم (سبيل الله) في الزكاة والخمس ، الجواب نعم لأغراض النفقة والكسوة والمسكن والكتب التي يحتاج إليها والآلة الحاسبة لأن طلب العلم نوع جهاد.
الحمد لله الذي يحول دون قلوبنا وألسنتنا ونسيان ذكره تعالى .
والحمد والشكر له سبحانه توفيق منه ونعمة على الذي يحمده سبحانه وعلى غيره من الناس سواء كان الحمد كتابة أو لفظاً أو فعلاً ، ومن الفعل سنن الطاعة وسبل الهداية والرشاد .
الحمد لله الذي تسلم الخلائق بالعجز عن إحصاء نعمه المتتالية على نحو دفعي وتدريجي على المتحد والمتعدد منهم ، وله الشكر سبحانه ، كما ينبغي لجلال وجهه [الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا اللَّهُ] ( ) .
ومن فضل الله تعالى الهداية إلى سبل طاعته وشكره والثناء عليه ، والصدقة رجاء رضوانه ، وعن الإمام علي عليه السلام أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قوله تعالى [يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ] ( ) (فقال له : لأقرن عينيك بتفسيرها ، ولأقرن عين أمتي بعدي بتفسيرها ، الصدقة على وجهها ، وبر الوالدين ، واصطناع المعروف؛ يحول الشقاء سعادة ، ويزيد في العمر ويقي مصارع السوء)( ).
الحمد لله الذي أنعم علينا بكتابة واصدار هذا الجزء وهو الواحد والثمانون بعد المائة من تفسيري للقرآن إذ أقوم وبفضل من الله بكتابته وتصحيحه مرتين إحداهما على الورق والثانية في جهاز الكومبيوتر ومن غير مساعدة إلا اللطف والمدد من عند الله تعالى ، كما نطبع أجزاءه المتتابعة على نفقتنا الخاصة مع أنه من أفضل موارد الخمس والزكاة والحقوق الشرعية ، وفي التنزيل [إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ]( ).
حرر في 12 جمادى الأولى 1440
19/1/2019

تفسير قوله تعالى [سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ] ( )
الآية أعلاه هي الخامسة والأربعون من سورة القمر ، وهي مكية ، ولم يرد لفظ [سَيُهْزَمُ] في القرآن إلا في الآية أعلاه ، وكذا لفظ (الدُّبُرَ) بينما ورد لفظ [الْجَمْعُ] ثلاث مرات في القرآن إذ ورد مرتين بخصوص يوم القيامة فمن أسمائه يوم الجمع ، قال تعالى [وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لاَ رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ] ( ).
فان قيل ربما يراد من يوم الجمع في الآية أعلاه ذات اليوم المقصود في سورة القمر ، الجواب لا , من جهات :
الأولى : وردت الآية أعلاه بصيغة الإنذار .
الثانية : بيان صفة يوم الجمع وهو إقامة شطر من الناس في الجنة وشطر في النار حسب أعمالهم في الحياة الدنيا ، لتكون هزيمة المشركين في معركة بدر مقدمة وإنذاراً لدخولهم النار.
الثالثة : مجئ آية أخرى تبين المراد من يوم الجمع هذا ، وأنه يوم التغابن بالتباين في الدرجات والمنازل , وفوز المؤمنين بالشفاعة ، وحجبها عن الذين كفروا فذات الفعل الواحد من المعصية قد يقوم به المؤمن والكافر ، أما المؤمن فانه يفوز بأمور :
الأول : تعقب المعصية بالإستغفار والتوبة ، قال تعالى [وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى] ( ) .
الثاني : فضل الله عز وجل في محو السيئة عن المؤمن، قال تعالى [وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ] ( ).
الثالث : مجئ الشفاعة للمؤمن يوم القيامة .
(عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) ( ).
وأصل الغبن النقص في المعاملة والمبايعة والقسمة والشركة، أستعمل مجازاً في الآية لإرادة خسران الذين كفروا ، فكل من الحسنات والسيئات لها مقادير وأوزان .
الرابع : المقاصة يوم القيامة ، والأخذ من حسنات الظالمين والمنافقين لمن غبنوهم حقهم (عن سالم مولى أبي حذيفة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ليجاءن بقوم يوم القيامة معهم حسنات مثل جبال تهامة حتى إذا جيء بهم ، جعل الله أعمالهم هباء ، ثم قذفهم في النار.
قال سالم : بأبي وأمي يا رسول الله ، جل لنا هؤلاء القوم حتى نعرفهم ، فوالذي بعثك بالحق إني لأتخوف أن أكون منهم ، قال : كانوا يصومون ، ويصلون ، ويأخذون هنة من الليل ، ولكن كان إذا عرض عليهم شيء من الحرام وثبوا عليها ، فأدحض الله أعمالهم) ( ).
وتدل تسمية جيش المشركين بالجمع والتقائه لفظاً مع معنى حشر الناس يوم القيامة على كثرة عدد جيش المشركين ، وأنهم عازمون على أمر واحد وهو القتال والإجهاز على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وإنعدام الخلاف بينهم على القتال وعلى غزوهم للمسلمين .
وجاء قوله [سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ] ( ) بصيغة الإستقبال بدليل وجود علامته وهي السين في [سَيُهْزَمُ] والمراد المستقبل القريب ، وحينما نزلت هذه الآية لم تكن أي أمارات على وقوع قتال بين المسلمين والمشركين ، إذ كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مكة لم يهاجر بعد ، لتكون هذه الآية على وجوه :
الأول : إنها بشارة صيرورة المسلمين جماعة وأمة تلاقي الذين كفروا ، كما في قوله تعالى بخصوص معركة بدر [يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ] ( ) وكذا في موضوع معركة أحد في سورة آل عمران [وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ] ( )ومن معاني الآية حتى وأن لم يكن المسلمون جمعاً فان النصر ملازم لهم .
الثاني : الإخبار عن وقوع قتال ، ونزول الهزيمة والخسران بالذين كفروا بعد تماديهم في الغي وزهوهم وخيلائهم وإعلانهم بأن النصر سيكون إلى جانبهم لكثرة عددهم وعدتهم وأسلحتهم .
الثالث : مع قلة كلمات الآية فانها جاءت في صيغتين :
الأولى : البناء للمجهول في الجملة الأولى [وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ] ( ) ووقوع الهزيمة بالمشركين من غير تعيين الفاعل .
الثانية : ذكر الفاعل بقوله تعالى [وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ] ( ) أي أن المشركين سيختارون الهزيمة لأنهم سيكونون بين أمرين:
الأول : الهزيمة المقرونة بالخزي.
الثاني : القتل والأسر .
وقد اجتمعا في معركة بدر .
ويحتمل المراد من قوله تعالى [سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ] ( ) وجوهاً :
أولاً : المقصود هزيمة المشركين مرة واحدة ، وفي معركة مخصوصة ، وقريبة في أوان وقوعها .
ثانياً : إرادة التعدد في المعارك التي سيهزم بها المشركون .
ثالثاً : سيهزم المشركون في بعض المعارك دون أخرى ، كما قد يظن بعضهم أنهم لم ينهزموا في معركة أُحد ، ولكن القرآن والسنة والتأريخ تنفي هذا الظن ، قال تعالى [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ] ( ).
رابعاً : المراد النتيجة والمحصلة للمعارك بين المسلمين والمشركين بأنها ستنتهي بهزيمة المشركين ، وتحقق فتح مكة .
الخامس : سيهزم الجمع في ضلالتهم وكفرهم لأن علو كلمة التوحيد نصر ، وفي التنزيل [وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا]( ).
والمختار هو الثاني والرابع والخامس أعلاه ، وهو من إعجاز القرآن وتقدير الآية على جهات :
الأولى : سيهزم الجمع إن إختاروا القتال والغزو .
الثانية : سيهزم الجمع فليمتنعوا عن القتال .
الثالثة : سيهزم جمع وجيش المشركين في كل مرة يقاتلون المسلمين فيها .
الرابعة : ليس من نهاية للمشركين إلا الهزيمة وأن أعادوا جمع الجيوش ، فمن خصائص الآية القرآنية بقاؤها حاضرة حية طرية ، ويتجدد مصداقها مع الزمان ، وهو من أسرار ورود الآية بلفظ الإستقبال القريب [سَيُهْزَمُ]فعندما انتهت معركة بدر بهزيمة المشركين ، بقيت ذات الآية أعلاه تبشر المسلمين بالنصر والغلبة في المعركة القادمة وتنذر المشركين منها، وتدعوهم للإمتناع عن القتال وتقدير الآية على وجوه :
الأول : سيهزم جمع المشركين في معركة بدر .
الثاني : بعد هزيمة المشركين في معركة بدر سيهزمون في معركة أحد .
الثالث : سيهزم الجمع فلا تدوم كل معركة إلا بضع ساعات من ذات اليوم الذي إبتدأت به.
الرابع : يا أيها الناس لا تمتنعوا عن دخول الإسلام بسبب الخشية من سطوة الذين كفروا فسيهزم جمعهم .
الخامس : يا أيها النبي بشراكم سيهزم الجمع , قال تعالى [وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ]( ).
السادس : يا أيها الذين آمنوا سيهزم جمع المشركين ، وهل تدل الآية على عدم إرادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الغزو وعدم سعيه له ، الجواب نعم من جهات :
الأولى : إخبار الآية عن هزيمة جمع والذي يعني التقاء الصفوف إذ تدل الهزيمة على وجود أطراف :
الأول : الغالب في القتال .
الثاني : وقوع قتال .
الثالث : المنهزم .
الثانية : دلالة هزيمة الجمع على أن القتال ليس بغتة إنما بالمقابلة والتلاقي ولمعان السيوف .
الثالثة : بيان قانون الإطلاق في هزيمة الذين كفروا ، فسواء بدأوا القتال أو داهموا المسلمين أو باغتوهم ليلاً أو نهاراً فان الهزيمة هي عاقبتهم.
الرابعة : إعداد الذين كفروا أنفسهم للقتال ، وجمعهم الجيوش وحشدهم الأعوان والرجال وأفراد القبائل لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ليكون من معاني الآية وأسرار نزولها في مكة دعوة النبي محمد وأهل بيته وأصحابه إلى الصبر على أذى المشركين لأن حال القتال الذي سيأتي يكون أشد وأمر إذ يدل قوله تعالى [سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ] ( ) على وقوع القتال واشتداده وضراوته بلحاظ أن العدو جمع وجيش .
(قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَقَدْ ارْتَحَلَتْ قُرَيْشٌ حِينَ أَصْبَحَتْ فَأَقْبَلَتْ فَلَمّا رَآهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ تَصَوّبَ مِنْ الْعَقَنْقَلِ – وَهُوَ الْكَثِيبُ الّذِي جَاءُوا مِنْهُ إلَى الْوَادِي – قَالَ اللّهُمّ هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ أَقْبَلَتْ بِخُيَلَائِهَا وَفَخْرِهَا ، تُحَادّك وَتُكَذّبُ رَسُولَك ، اللّهُمّ فَنَصْرَك الّذِي وَعَدْتنِي ، اللّهُمّ أَحِنْهُمْ الْغَدَاةَ) ( ).
ليكون من مصاديق النصر الذي وعد الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم آية البحث بقوله تعالى [سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ] ( ) وهو من أسرار مجئ الآية بحرف السين سيهزم .
ولن تقل (سوف يهزم) وقد ورد لفظ سوف في القرآن اثنتين وأربعين مرة وأكثرها بخصوص يوم القيامة .
وذكر الثواب والجزاء الحسن للمؤمنين ، والعقاب والعذاب للذين كفروا ، قال تعالى [فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا] ( ) .
وجاء لفظ (سوف) بالوعد للمسلمين بالرزق الكريم مع الإستغناء عن الذين كفروا بخصوص الحج والعمرة والمكاسب مدتها، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ] ( ).
وحينما كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة قبل الهجرة يطل عليه ويصاحبه وأصحابه قوله تعالى [سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ] ( )،ليكون بشارة لهم .
حتى إذا ما وقعت معركة بدر ، حضرت هذه الآية مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين والأنصار وكأنها تدعوهم لتكون سلاحاً ومدداً لجميع الصحابة ، وتبين حاجتهم لها في ساعة الشدة ، إذ كان المشركون ثلاثة أضعاف المسلمين في الميدان ، أما بالنسبة للخيل وموضوعيتها في المعركة فقد كانت النسبة (1%) فمقابل الفرس الواحد التي عند المسلمين هناك مائة عند المشركين ، هذا على القول بأن عند المسلمين يومئذ فرسين ، إذ كان مجموع خيل المشركين مائتين.
(قال ابن إسحاق: وكان معهم فرسان على أحدهما المقداد بن الاسود واسمها بعزجة، ويقال سبحة، وعلى الاخرى الزبير بن العوام واسمها اليعسوب) ( ).
وقد ورد عن الإمام علي عليه السلام خبران :
الأول : عن أبي اسحاق عن حارثة بن مضرب عن علي عليه السلام قال : ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد .
الثاني : (عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن عليا قال له: ما كان معنا إلا فرسان: فرس للزبير وفرس للمقداد بن الاسود، يعنى يوم بدر)( ).
والأرجح هو الثاني وهو المشهور .
أما النسبة بخصوص الإبل فهي نسبة 10% إذ كان عند المسلمين سبعون بعيراً ، وعند المشركين سبعمائة , والإنتفاع في المعركة من الخيل أكثر في الكر والفر ، فالخيل سهلة الإنقياد لصاحبها في المعركة وتقتحم به الصفوف ، وتنقّض كالصقر وهي سريعة الإنسحاب ،وتجنح الفرس بمن ركبها كأنها طير وتضع حافرها القوي على الأرض بتماسك , ويصهل الفرس فيخيف صهيله العدو ، ويبعث الحمية وأسباب الشجاعة في قلوب أصحابه .
وقد تقاتل الفرس مع صاحبها واستعمل العرب الخيول ذكوراً وأناثاً في المعارك إلا أنهم يجهزون ذكور الخيل لأنها أشد ، وأثبت في القتال ، وقد تخذل أنثى الخيل صاحبها في القتال إذا كانت وديقاً أي لا تمتنع عن الفحل( ) .
نعم يفضل العرب أنثى الخيل عند الغارات والمطاردة للعدو لأنها تقدر على دفع البول أثناء الجري بخلاف الذكر فانه لا يتبول أثناء الجري ، ولأن الأنثى لا صهيل لها ، فلا يعلم العدو بقدومهم ، وللعرب أشعار كثيرة في الخيل والعناية بها.
قال عنترة بن شداد وهو شاعر جاهلي :
ورماحنا تكفُ النجيعَ( ) صدورها
وسيوفنا تخلي الرقابَ فتختلي
والهامُ تنذرُ بالصعيد كأنما
تُلْقي السُّيوفُ بها رُؤوس الحنظل
ولقد لَقيتُ الموْتَ يوْمَ لَقيتُه
متَسرْبلاً والسَّيفُ لم يَتسرْبل
فرأيتنا ما بيننا من حاجزٍ
إلاّ المجنُّ ونصلُ أبيض مقصل
ذكرً أشقُّ به الجماجم في الوغى
وأقولُ لا تقطعْ يمينُ الصيقل
ولرُبَّ مشعِلة ٍ وَزَعتُ رعالَها
بمقلصٍ نهدٍ المراكل هيكل
سلس المعذر لا حقٍ أقرابه
مُتقلّبٍ عَبَثاً بفأْس المِسْحَلِ
نَهْدِ القَطاة ِ كأَنها منْ صَخْرَة ٍ
مَلْساءَ يَغْشاها المسيلُ بمَحفَلِ
وكأَنَّ هادِيَهُ إذا اسْتَقْبَلْتَهُ
جذعٌ أذلَّ وكان غيرَ مذلل
وكأنَّ مخرج روحهِ في وجههِ
سَرَبَانِ كانا مَوْلَجينِ لجيأَل
وكأنَّ متنيهِ إذا جردتهُ
ونزعتَ عنهُ الجلَّ متنا أيلِ
ولهُ حوافرُ مُوثَقٌ ترْكيبُها
صمُّ النسور كأنها من جندل ( ).
ولهُ عَسِيبٌ ذُو سَبيبٍ سابغٍ
مثل الرداء على الغنيَّ المفضل
سلسُ العنانِ إلى القتالِ فعينهُ
قبلاءُ شاخصة ٌ كعين الأحول
وكأنَّ مشيتهُ إذا نهنهتهُ
بالنّكْلِ مِشْية ُ شارِبٍ مُسْتَعجلِ
فعليهِ أَقْتَحِمُ الهِياجَ تقَحُّماً
فيها وأنقضُّ انقضاضَ الأجدلِ.
وجاء الإسلام ليبين أن وظيفة الخيل ليس الغزو والقتال إنما الخير والبركة والمرابطة في الثغور لدفع العدو ومنعه من غزو بلاد الإسلام .
و(عن أبي كبشة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : الخيل معقود في نواصيها الخير ، وأهلها معانون عليها ، والمنفق عليها كالباسط يده بالصدقة) ( ).
أي أن الخير ملازم لها، في دعوة للعناية بها .
والنواصي جمع ناصية وهي الشعر المسترسل على الجبهة ، لإرادة مقادم الخيل ، وقد تأتي الناصية كناية عن ذات الفرس كما بخصوص العتق في قوله تعالى [فَكُّ رَقَبَةٍ]( )، فالمطلوب عتق عبد أو أمة وصيرورتهما بحرية تامة .
(وفي الحديث نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن إِذالة الخيل وهو امْتِهانُها بالعمل والحملِ عليها ) ( ).
لبيان قانون التباين بين أيام الجاهلية وما فيها من الغارات والمعارك بين أيام النبوة والإسلام ، وما فيها من حياة الدعة والأمن ، وكان أبناء العم وفروع القبيلة الواحدة يتقاتلون فيما بينهم فجاء القرآن بالأخوة بين المسلمين ذكوراً وأناثاً , والحرب على الغيبة والنميمة والخداع والنفاق والمكر السئ ، لمنع الكتاب والسنة لمقدمات الفتنة ، كما في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ]( ).
والغيبة ذكر أخاك بما يكره مما هو عنده فعلاً من الخصال أو الصفات غير الحميدة التي لو علم أنك أخبرت عنها وتحدثت بها لكره الأمر للزجر عن الإفتراء وبث أسباب الشحناء من باب الأولوية القطعية ، وكان الناس في الجزيرة قبل الإسلام يخشون مغادرة قراهم خشية أمرين :
الأول : الإجهاز عليهم في الطريق، وسلب ما عندهم .
الثاني : الإغارة على بيوتهم أيام غيبتهم وسبي النساء والصبيان ، وهو من أسباب انتشار وأد البنات عند العرب ، قال تعالى [وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ] ( )ساد أيام الإسلام الأمن في المدن والقرى والطرق العامة ، وأدرك الناس المنافع الإجتماعية والإقتصادية والمحاسن الأخلاقية ببركة بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وهذا التبدل والتحول من معجزاته الحسية بلحاظ أن كل فرد منهم على وجوه :
الأول : إنه معجزة مستقلة .
الثاني : لحاظ التبدل في الميادين المختلفة ، فيؤخذ السلم المجتمعي مثلاً بالجمع بينه وبين الإنتعاش الإقتصادي وتقيد المسلمين بدفع الزكاة والخمس.
الثالث : التبدل في المجتمعات بعد البعثة النبوية مرآة لآيات القرآن ، فبينما تتضمن السور المكية الإنذار والوعيد نزلت السور المدنية بالأحكام والسنن .
وهل إنحسار الأخلاق المذمومة للجاهلية عن المجتمعات ومقامات الحكم من عمومات قوله تعالى [سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ] ( ) أم أن القدر المتيقن منه خسارة وهزيمة المشركين في ميدان المعركة كفرارهم يوم معركة بدر .
المختار هو الأول ، فالمراد من الآية المعنى الأعم ، فهي بشارة زوال عبادة الأوثان ، وسقوط عروش الظالمين ، وإزاحة رؤساء الشرك عن منازل الرياسة في المجتمع والسلطان.
وهذا المعنى في تأويل الآية مستحدث يشرق في هذا السِفر ، وفيه بيان لتنزيه المجتمعات من الغزو والإقتتال ، لقد كانت المعارك بين العرب تدوم لسنوات ومنها ما استمرت لأربعين سنة كما في معركة البسوس وبسبب قتل ناقة ، فانهزمت ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الضغائن والأحقاد ، وهجر الناس الثأر والقتل العشوائي في طلب الدم ، إذ نزلت آية من بضع كلمات فصارت فيصلاً وزاجراً عن القتل ، قال تعالى [وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ] ( ).
فالآية أعلاه في منطوقها حكم جزائي ، ولكنها تتضمن في مفهومها الوقاية من القتل والإقتتال ، وهو من الإعجاز الغيري للقرآن فتنزل آية لتبين حكماً وجزاءً ، ولكنها تدل على المنع من وقوع الجناية التي تؤدي إلى هذا الحكم ، ولقد كان القتل شائعاً عند العرب إبتداءً وثأراً ، وفي الغارات والتعدي من غير سبب.
فجاء الإسلام بالأخلاق الفاضلة وآية القصاص ليكف الناس عن القتل لقبحه الذاتي ولأن الذي يهّم بالقتل يعلم بأنه سيقتل قوداً ، وهذا الكف من مصاديق قوله تعالى [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) في احتجاج الله سبحانه على الملائكة حين تساءلوا عن خلافة الإنسان في الأرض وفساده وسفكه الدماء كما في التنزيل [قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا]( ).
وذكرت الآية هزيمة الجمع من غير تعيينه بينما وردت آيات بالإخبار عن إلتقاء الجمعين كما في قوله تعالى [يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ] ( ) .
والمراد معركة أحد حيث خرج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومعه سبعمائة من أصحابه مدافعين عن المدينة وعن الإسلام والتنزيل لملاقاة ثلاثة آلاف فرد من المشركين قطعوا أربعمائة وخمسين كيلو متراً لقتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، وفيه شاهد بأن غزوة أحد إنما هي لغزو المشركين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين.
ومن مصاديق قوله تعالى [فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ] ( ) عدم خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم للقائهم إلى أن صاروا في أطراف المدينة وأشرفوا عليها ، وصار هجومهم عليها وغزوها أمراً ظاهراً كما وصلت منهم وسائل تهديد بهذا الصدد .
فكيف يكون المراد من الجمع المذكور في قوله تعالى [سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ] ( ) هو جمع الذين كفروا ، الجواب من جهات :
الأولى : ورود الآية بصبغة الوعيد.
الثانية : إرادة بعث السكينة في نفوس المسلمين.
الثالثة : لحاظ الآية السابقة التي تتضمن صبغة التحدي التي يتصف بها كفار قريش بقوله تعالى [أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ] ( ) أي أن قريشاً جيش لا يقهر وجماعة لا تضام ، وأن القبائل تخشى سطوتهم ، وأنهم يسخرون أموالهم الطائلة للغلبة على عدوهم ، وقد قام أبو جهل يوم بدر [نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ] ( )] لتقيم خزنة النار عليه الحجة يوم القيامة .
الرابعة : لقد كان المشركون يصدون الناس عن الإسلام ، ويخوفون الذي يظهر الميل للإيمان ، ويزجرونهم بايذاء المسلمين والتجاهر بالعزم على غزو المسلمين ، فتفضل الله وأخبر عن هزيمتهم ليكون هذا الإخبار دعوة للناس لدخول الإسلام ، ومعجزة في تحدي الذين كفروا وابطال سحرهم ، ومنع إضرارهم بالمؤمنين والناس جميعاً.
ويدل قول الكافرين [نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ] ( ) على عزمهم على القتال وغزو المدينة ، ومواصلة الحرب حتى تحقيق النصر بزعمهم ، إذ يظنون أن عددهم وعدتهم سبب للنصر والغلبة على المسلمين ، فنزلت آية البحث لتكذيبهم وتبكيتهم وصيرورة تعاقب الأيام مادة لتحديهم وقهرهم .
ترى لماذا يطلب الذين كفروا النصر ، الجواب من جهات :
الأولى : للآلهة والأصنام .
الثانية : للذات والمقام وسطوة قريش .
الثالثة : لإستدامة تجارة قريش داخل مكة , وبينها وبين الشام واليمن ومدن وبلدان أخرى.
ويدل قوله تعالى [سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ] ( ) على إجتماع الذين كفروا على قتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذ أنه كان يدعو إلى الله عز وجل بآيات القرآن والبرهان ، فلم يحمل سيفاً ولم يأمر بقتال وهو في مكة ، ولم يطلب إيذاء أو اغتيال بعض الذين آذوه وأهل بيته وأصحابه إيذاءً شديداً.
ليكون هذا انهج من مصاديق قوله تعالى [وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ] ( ) وفيه حجة على الذين كفروا ، وتدل الآية السابقة لهذه الآية وهو قوله تعالى [أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ] ( ) على أن الكفار مطمئنون للنصر ،وليس عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الأصحاب والجيوش ما يجعل المشركين يضامون .
لقد تباهى المشركون باجتماعهم واتحاد رأيهم وعزمهم على قتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأنهم لن يختلفوا عند اللقاء ، وتجلى هذا المعنى باصرار رؤساء الكفر وتدل على أن الذين أصروا على القتال يومئذ ليس أبا جهل وأمية بن خلف ، إنما كان أكثر رؤساء الكفر مجتمعين على القتال ، بلحاظ التباين الرتبي والعددي بين إجتماع المشركين على محاربة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أيام نزول الآية أعلاه في مكة والتغيير الحاصل في النفوس ودخول طائفة من أهل مكة الإسلام خلال المدة ما بين نزول آية البحث وبين واقعة بدر.
وهل يحتمل دخول عدد من الذين قالوا [نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ] ( ) الإسلام اثناء تلك المدة ، الجواب نعم ، لذا ذكرت الآية تعلق الهزيمة بالجمع وليس الأفراد لأنهم في تبدل وتغيير ، وهو من الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن أكثر الناس عداوة له يدخل الإسلام دفعة أو يدخل الإسلام قلبه على نحو التدريج .
ومن إعجاز القرآن في الجمع بين الآية أعلاه وآية البحث وهما متجاورتان في نظم القرآن أن يصدر التهديد والوعيد من الذين كفروا في الآية السابقة فيتعقبه الوعد الكريم من عند الله عز وجل بهزيمة الذين كفروا ، وإذا أعطى الله فانه سبحانه يعطي بالأتم والأوفى لهذا أخبر في الآية عن مسائل :
الأولى : قرب أوان هزيمة الذين كفروا بدلالة السين في [سَيُهْزَمُ] ( ) والتي تفيد المستقبل القريب ، وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا] ( ) ومع أن مجموع كلمات هاتين الآيتين أربع كلمات فان ثلاثة منها لم ترد في آية أخرى ، وهي:
الأولى : يرونه .
الثانية : بعيداً .
الثالثة : نراه .
وتدل آية البحث وقوله تعالى [سَيُهْزَمُ] ( ) على إدراك المسلمين والكفار قرب أوان هزيمة الذين كفروا ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنْ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا] ( ).
وليفيد الجمع بين آية البحث والآيتين أعلاه من سورة المعارج تعدد الوعيد للذين كفروا ، ويكون على أقسام بلحاظ آيات القرآن منها :
الأول : التخويف بالهزيمة العاجلة .
الثاني : الإنذار بالعذاب والأذى والضيق في الدنيا .
الثالث : لحوق الخزي بالذين كفروا في الحياة الدنيا ، ومن الشواهد عليه آية البحث .
الرابع : الوعيد للذين كفروا بدخول النار في الآخرة .
وتتجلى الوجوه أعلاه بقوله تعالى [كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمْ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ * فَأَذَاقَهُمْ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ] ( ).
وقد تحقق مصداق هزيمة الذين كفروا في معركة بدر في السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة النبوية والموافق يوم 13 آذار سنة 624 ميلادية ، ليكون دليلاً على تحقق الوعيد الثالث والرابع أعلاه ، بل أن هزيمة الذين كفروا هي خزي لهم ، وبين خزيهم وهزيمتهم عموم وخصوص مطلق ، إذ يشمل الخزي حال الذين كفروا في الجدال والإحتجاج , والقتال , وفي الدنيا والآخرة ، وذات معركة بدر خزي لهم أيضاً.
ويمكن تأسيس قانون وهو من مصاديق خلافة الإنسان في الأرض مصاحبة الخزي للذين كفروا .
فعندما تساءلت الملائكة عن جعل آدم [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ) جاء الرد من عند الله عز وجل [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ) ليكون من علم الله عز وجل مصاحبة الخزي للذين يفسدون في الأرض بالكفر والضلالة ، ويقتلون الأنبياء والأبرياء والذين يؤمنون بالله إلهاً واحداً ، وفي التنزيل [وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ] ( ).
وذكرنا الأبرياء أعلاه والنسبة بينهم وبين المؤمنين في وقوع القتل عليهم هو العموم والخصوص المطلق ، فمن المفسدين من يقتل المؤمنين ، ومنهم من يعبث في الأرض ويقوم بالقتل على نحو عشوائي فيصيب الأبرياء قتلاً وجرحاً واستيلاء على أموالهم والإضرار بهم , فجاءت آية البحث بالألف واللام العهدية [سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ] ( ) لتعيين جمع المشركين ، ويحتمل حال الجمع في الآية وجوهاً :
الأول : أوان نزول الآية .
الثاني : المراد بأن المشركين سيؤلفون جمعاً .
الثالث : استعداد المشركين لصيرورتهم جيشاً .
والأصل هو الأول إلا مع القرينة الصارفة إلى الوجه الثاني أو الثالث ، وهل يصلح نفير قريش للخروج إلى معركة بدر بعد مجئ رسول أبي سفيان إلى مكة يستنفزهم لإنقاذ قافلته بأن يكون قرينه على إرادة المستقبل القريب وأنه ليس من جمع للمشركين أوان نزول آية البحث.
الجواب لا ،ففي آية البحث حجة على الذين كفروا بأنهم كانوا مجتمعين على القتال ومحاربة النبوة والتنزيل ، ولم يكن المسلمون يومئذ إلا أفراداً متعددين [فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ] ( ) من أسباب الهداية إلى سنن الإيمان .
وتقدير آية البحث على وجوه :
الأول : سيهزم هذا الجمع .
الثاني : سيهزم جمع كفار قريش .
الثالث : سيهزم الذين صاروا جمعاً واجتمعوا على قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
فمن مصاديق الأصل أعلاه أن اسم الجمع ينطبق على المشركين قبل هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى مكة .
الرابع : سيهزم الذين انفقوا الأموال الطائلة على جمعهم لمحاربة الإيمان.
وفي الآية تنبيه وإنذار للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بأن المشركين جمع محارب , لا يرضون إلا بقتالهم .
ومن خصائص آية البحث انها تجعل وعيد الذين كفروا للمسلمين لا أثر له ، ليكون من معانيه وجوه :
الأول : بعث السكينة في قلب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقلوب أصحابه خاصة , خاصة وأن بعضهم حديثوا عهد بالإيمان , ليكون موضوع آية البحث مصداقاً لقوله تعالى [هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ] ( ).
الثاني : دعوة الناس لدخول الإسلام , وعدم الخوف والخشية من الذين كفروا وجمعهم .
الثالث : بيان إعجاز قرآني بالإخبار عن صيرورة الذين كفروا في حال ضد وعكس ظاهرهم , فهم في حال خوف وفزع في ذات الوقت الذي يتباهون بجمعهم وأموالهم وأسلحتهم ويستهزئون بالمؤمنين وقلة عددهم وضعفهم ويرمون النبي محمدا صلى الله عليه وآله وسلم بالسحر والكذب كما ورد في التنزيل ({ وعجبوا أن جاءهم منذر منهم * فقال الكافرون هذا ساحر كذاب ، أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب })( ).
(عن ابن عباس في قوله { وانطلق الملأ منهم . . }( ) قال : نزلت حين انطلق أشراف قريش إلى أبي طالب يكلموه في النبي صلى الله عليه وآله وسلم .) ( ).
وفي نوح وقومه حيث كان يدعوهم إلى الله عز وجل بالليل والنهار وسراً وعلانية , فانهم قابلوه بالتكذيب ويأتي الرجل منهم بإبنه فيقول له وهو يشير إلى نوح .
(يا بني إحذر هذا فإنه ساحر كذاب) ( ).
فمع تهيأ الذين كفروا للقتل والقتال فإنهم كانوا يفترون على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويكذبون بآيات التنزيل , فجاءت آية البحث لتؤكد صدق التنزيل بهزيمة الذين كفروا، قال تعالى[مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ]( ).
وحينما نزلت آية البحث في مكة لم يكن المسلمون جمعاً , إنما كان المشركون وحدهم هم الجمع , بدليل (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ) وما فيه من الأمارة على إنفرادهم بصفة الجمع يومئذ , وتدل عليه آيات القرآن والسنة النبوية والوقائع والوجدان , وقد أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو في مكة طائفة من أصحابه بالهجرة إلى الحبشة مع بيان علة إختيار الحبشة مع بعد المسافة بين مكة وبينها .
(وقال محمد بن إسحاق فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء وما هو فيه من العافية بمكانه من الله عز و جل ومن عمه أبي طالب( )، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء قال لهم لو خرجتم إلى أرض الحبشة فان بها ملكا لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة وفرارا الى الله) ( ).
ولم تكن هجرة الصحابة إلى الحبشة هجرة نشر للإسلام أو إقامة حكم خاص بالمسلمين ولو في قرية من أرض الحبشة إنما كانت لجوء وطلباً للأمان ، وهروباً بدينهم وأبدانهم من القوم الظالمين إلى أن يندفع الضرر عن المسلمين وهو الذي أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم به أصحابه المهاجرين.
كما ورد في حديث ام سلمة إذ طلب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من أصحابه الإقامة المؤقتة في الحبشة قالت (لما أمرنا بالخروج إلى الحبشة، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين رأى ما يصيبنا من البلاء: إلحقوا بأرض الحبشة فإنّ بها ملكا لا يظلم عنده أحد، فأقيموا ببلاده حتى يجعل الله لكم مخرجاً مما أنتم فيه، فقدمنا عليه فاطمأننّا في بلاده الحديث) ( ).
لقد إقترنت علة الهجرة إلى الحبشة بوجود ملك عادل فيها , ولو مات أو تنحى عن الملك أو تم خلعه فقد يتعرض المسلمون المهاجرون إلى أذى شديد , ولكن فضل الله عز وجل عليهم عظيم بهجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الى المدينة ونصرة الآوس والخزرج له وعودة مهاجرين الحبشة إليها ، قال تعالى [وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ]( )، فكتب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى النجاشي كتاباً يطلب فيه إرسال جعفر الطيار وأصحابه المهاجرين وبعث الكتاب مع عمرو بن أمية الضمري .
فأرسلهم النجاشي في سفينتين ووصلوا إلى المدينة وحضروا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم في خيبر في أوائل السنة السابعة للهجرة النبوية وسرّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
وحينما قدم وفد النجاشي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قام يخدمهم بنفسه (عن أبى قتادة، قال: قدم وفد النجاشي على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخدمهم، فقال أصحابه: نحن نكفيك يا رسول الله.
فقال: إنهم كانوا لاصحابنا مكرمين، وإنى أحب أن أكافئهم)( ).
وتوفي النجاشي واسمه اصحمة بن أبحر في شهر رجب من السنة التاسعة للهجرة بعد تبوك .
وصلى عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلاة الغائب , إذ خرج بأصحابه إلى الصحراء وصنفهم صفوفاً إذ قال صلى الله عليه وآله وسلم (اخرجوا فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم) ( ).
وكتب النبي صلى الله عليه وآله وسلم كتاباً إلى الملك الذي تخلف على عرشه .
ويمكن قراءة قوله تعالى [سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ]( ) بلحاظ المفرد والمتعدد على وجوه :
الأول : سيهزم رؤساء جمع المشركين في أول معركة بينهم وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بدلالة السين في [سَيُهْزَمُ].
الثاني : سيهزم جيش الكفار في معركة بدر .
الثالث : ستهزم مفاهيم الشرك في الإحتجاج والجدال ، ويولي المشركون الدبر عند سماع آيات القرآن.
الرابع : ستهزم عبادة الأوثان ، ويولي المشركون الدبر في ميدان القتال.
وهل هزيمة الكفار يوم بدر من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ) .
الجواب نعم من جهات :
الأولى : إصابة الكفار بالوهن والضعف .
الثانية : زحزحة رؤساء الكفر عن منازل الزعامة .
الثالثة : دعوة الناس للمناداة بازاحة الكفار عن ولاية المسجد الحرام خاصة بعد أن نصبوا ثلاثمائة وستين صنماً في داخل الكعبة وعلى جدرانها ، قال تعالى [وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ]( ).
الرابعة : تحذير وإنذار الناس من إعانة الذين كفروا ، والخروج معهم إلى محاربة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وفيه رحمة وتخفيف عن الناس .
وكانت الأشهر الحرم مناسبة لتدبر الناس بمعاني ومضامين ودلالات قوله تعالى [سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ]( ) والإحتراز من محاربة النبوة والتنزيل .
الخامسة : تدارك أعوان الظالمين بالإمتناع عن الإستمرار في مضرتهم .
السادسة : يدعو قوله تعالى [سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ]( ) الناس إلى دخول الإسلام ويبشرهم بقانون سيادة مفاهيم التوحيد في الأرض ، قال تعالى [وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ] ( ) ، لقد أفلت أيام الذين كفروا من حين نزول أول آيات القرآن ، وصارت الأيام تتعاقب بسرعة لتطوي أيام الضلالة وتزاح سنن الجهالة بلطف وعون من الله عز وجل .
السابعة : لما قال تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ) فانه تفضل وجعل البشارات بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإنذارات من محاربته من مصاديق هذه الرحمة لينتفع الناس منها ، ويمتنعوا عن حجبها عن أنفسهم وأبنائهم ، وإن أصر الذين كفروا على هذه الإمتناع فانهم يعجزون عن حمل عامة الأعوان عليه، ويتخلفون عن إكراه أولادهم على البقاء على الكفر لأن شآبيب الرحمة تنفذ إلى شغاف قلوبهم بالمعجزة ، من وجوه :
الأول : نفاذ ذات المعجزة إلى قلوب الناس .
الثاني : من المعجزات ما لا تنفذ إلى قلوب الناس إلا بالمعجزة واللطف من عند الله ، وهو على قسمين :
الأول : اللطف المحصل وهو تفضل الله عز وجل بالمقدمات ولأسباب التي تحفظ عمارة الأرض بالعبادة ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( ).
الثاني : اللطف المقّرب وهو تقريب العباد إلى الطاعة من غير ان يصل إلى مرتبة الإلجاء لأن الدنيا دار امتحان واختبار ومنه الوعد والوعيد والبشارة والإنذار الذي يرد في التنزيل والسنة النبوية.
وقد يأتي الأمر من عند الله ليكون مصداقاً للقسمين أعلاه ، كما في قوله تعالى [سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ]( ) إذ أنه يتضمن في منطوقه ومفهومه عدة معاني منها:
الأول : البشارة بغلبة ونصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورجحان كفة الإيمان ، ولم تمر الأيام حتى جاء المصداق العملي لآية البحث بقوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ] ( ).
لقد حضر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى معركة بدر يصحبه قوله تعالى [سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ] ( ) وهو من وجوه تفضيله على الأنبياء وأسباب نصره في معركة بدر ، ويمكن تقدير آية ببدر على وجوه :
الأول :ولقد نصركم الله ببدر بحضور القرآن معكم .
الثاني : ولقد نصركم الله ببدر ببشارات القرآن .
الثالث : ولقد نصركم الله ببدر لأنه وعد وعهد من عند الله عز وجل .
الرابع : ولقد نصركم الله ببدر بعد أن أنزل الذين كفروا بقوله تعالى [سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ] ( ).
الخامس : ولقد نصركم الله ببدر موعظة للناس.
السادس : ولقد نصركم الله ببدر إذ وعدكم بهزيمة جمع الذين كفروا .
السابع : ولقد نصركم الله ببدر وهزم الجمع وولوا الدبر، وسقطت طائفة منهم قتلى باصرارهم على محاربة النبوة والتنزيل، وطائفة أسرى بيد المسلمين ، ليكون هذا الأسر رحمة بهم.
الثامن : ولقد نصركم الله ببدر لحب الله لكم لإيمانكم وهزم جمع الذين كفروا لسخط الله عليهم ، وفي التنزيل [أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ] ( ).
ومن إعجاز القرآن أن قوله تعالى [سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ] ( ) تتألف من أربع كلمات ، مما يدل على استقلالها في الموضوع والحكم ، وهو لا يتعارض مع إتصال موضوعها بالآية السابقة .
وكأن السين في قوله تعالى [سَيُهْزَمُ]تفيد العطف مع وظيفة الإستقلال في الموضوع ، لقد قام الذين كفروا بالتحدي والوعيد وأنهم سينتصرون في اللقاء في المعركة ، كما تدل عليه الآية السابقة ، وكان هذا التهديد والوعيد يصل إلى أسماع لنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه فلم يردوا بمثله ولم يستعدوا للقاء بجمع الأسلحة والرواحل ، والتمرين الشديد والتدريب المتصل على الرماية والقتال ، وما يسمى عسكرة البلد , ولم ترد آيات قرآنية أو أحاديث نبوية بالتشديد عليه وتوكيده.
وهل قول [نَحْنُ جَمِيعٌ] ( ) من الوعيد أم يختص الوعيد بوعيدهم بالإنتصار ، وقول [نَحْنُ].
الجواب هو الأول فتدل كلمة [نَحْنُ]على التفخيم وأنهم أمة ، وقول [جَمِيعٌ]على إتحاد المشركين وتعاونهم على محاربة النبوة والتنزيل ، وأنه لا يتخلف بعضهم عن قتال ومحاربة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين ، وأرادت قريش بقول [نَحْنُ جَمِيعٌ] ( ) إرسال رسالة إلى النبي محمد صلى الله بأنه لن يغادر أحد منهم منازل الكفر ويدخل الإسلام ، وكلامهم هذا غير صحيح فأبى الله إلا أن يكون دخول الناس في الإسلام متتابعاً ومتصلاً ، وهو مرآة لنزول آيات القرآن بالتدريج وعلى نحو النجوم.
وهل كانت هزيمة المشركين بالتدريج ، الجواب نعم ، وهو من الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فلم ينحسر الكفر في معركة بدر ، ولم يستأصل الذين كفروا في معركة أحد مع أنها عنوان الإصرار على القتال والعدوان من قبل الذين كفروا ، ولكن قطع الله عز وجل عنهم فرقة ، وأهلك منهم جماعة , قال سبحانهلِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ وحتى مسألة القطع في الآية وردت بصيغة الفعل المضارع [لِيَقْطَعَ] وأن نزول الملائكة لنصرة المسلمين وهلاك طائفة من الذين كفروا وليس لإبادتهم أو قتل الأكثر منهم مع أنهم معتدون زحفوا بأسلحتهم وقطعوا نحو أربعمائة وخمسين كيلو متر ليحاربوا النبوة والتنزيل ، وفيه دعوة للملوك والجيوش بالإمتناع عن أمور :
الأول : الإسراف في القتل في الميدان حتى في حال النصر والغلبة .
الثاني : لزوم الأمن والأمان للأسرى وإن كان تسليمهم أنفسهم عن إضطرار , وبعد عجز عن القتال .
الثالث : عدم الإبتداء بالقتال ، فاذا تقيد طرفا النزاع بعدم البدء بالقتال حتى عند التلاقي لن تجري أنهار من الدماء ، ومن أسباب القتال ظن أحد الفريقين أو كلاهما بالنصر والغلبة عند القتال ، كما في حال المشركين بقولهم [نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ] ( ).
وكان قوم بلقيس أرجح عقولاً , وأقرب إلى الرشاد عندما جاءهم كتاب النبي سليمان عليه السلام كما ورد في التنزيل [قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ] ( ) .
بينما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين ظهراني قريش ، ورآوا أو سمعوا آيات النبوة ، وهي تتوالى عليه ، لتكون من مصاديق قوله تعالى [فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ]( ).
وفي واو العطف في قوله تعالى [سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ] ( ) أن الأصل في العطف هو التغاير بين المعطوف والمعطوف عليه ، ويحتمل وجوهاً :
الأول : توليه الدبر غير الهزيمة .
الثاني : الذين يولون الدبر هم غير الجمع .
الثالث : الذين يولون الدبر هم ذات الجمع الذي تذكره الآية .
الرابع : المغايرة والتباين الموضوعي بين الهزيمة وبين توليه الأدبار .
ولا تعارض بين هذه الوجوه ، وكلها من مصاديق آية البحث ، وقد يقال هناك تعارض بين الوجه الثاني والثالث أعلاه ، ولكن ليس من تعارض إنما النسبة بينهما هي العموم والخصوص المطلق ، وتقدير الآية بحسب هذا اللحاظ على جهات :
الأولى : سيهزم الجمع ويفرون هم والذين من خلفهم ، ومن إعجاز الآية أنها لم تأمر المسلمين باللحاق بالذين كفروا عند فرارهم ، ولم ترد إشارات لهذا اللحاق ولو بصيغة الجملة الخبرية ، نعم أخبر القرآن عن ملازمة الخيبة والحسرة لهم عند فرارهم كما في قوله تعالى [فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ] ( )، مع أن هذه الخيبة مناسبة لمطاردتهم وشد وثاقهم.
الثانية : سيهزم الجمع في الميدان ويخزون بين الناس في المدن والقرى وبين القبائل.
الثالثة :سيهزم الجمع ويعجز الذين كفروا عن الجدال والإحتجاج .
الرابعة : سيهزم الجمع في المعركة ويولون الدبر حتى يصلون مكة، فيراهم أهلها بهذه الحال , وفيه دعوة للتخلي عن اتباعهم قال تعالى [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ]( ).
الخامسة : سيهزم الجمع ويعرفون بين الناس بالمولين الأدبار .
السادسة : سيهزم الجمع بجنود لم تروها حتى يولون الأدبار .
ومن أسباب تجدد المعارك والحروب كثرة الإستعداد لها وإنفاق الأموال الطائلة على الأسلحة وعطاء ورواتب الجنود حتى يفكر الملك بالهجوم والغزو لتدارك العجز في بيت المال ، ولإرضاء الجنود ، ودفع رواتبهم من الغنائم وإجتناب سخطهم وابعادهم عن المركز إجتناباً لإنقضاضهم عليه ، وقد يجعل الذي يخشاه على عرشه رئيساً للجيش الغازي ليدفع أذاه ويتجنب الصدام معه ، ويشبع رغائبه في الرئاسة ويعرضه للخطر من جنوده ومن العدو.
فتفضل الله عز وجل على النبي والمسلمين وبشّرهم بهزيمة العدو كي لا يرهقوا بالنفقة على مستلزمات القتال ، والتهيئ للمعركة خاصة مع حال العوز التي كان يتصف بها المسلمون والضيق المستحدث الذي ترشح عن وفود المهاجرين إلى المدينة ، ففي كل يوم أو بضعة أيام يأتي إلى المدينة واحد أو أكثر منهم حتى ضاقت بهم شوارع وأزقة المدينة .
فان قلت قد خرج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثمائة عشر من المهاجرين والأنصار مع وقوع معركة بدر على رأس تسعة عشر شهراً على هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الى المدينة .
والجواب إن كثيراً من المهاجرين والأنصار لم يخرجوا إلى معركة بدر لأنهم كانوا يظنون عدم وقوع قتال حينئذ ، ولذا تلقت طائفة منهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مدخل المدينة للإعتذار منه , وقد قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم اعتذارهم.
ولم يكن شباب قريش المهاجرون يحسنون العمل في الزراعة كي يمتهنوا العمل في الزراعات التي كانت عمل أكثر الأوس والخزرج ، فكان القرآن ينزل بالأمر بالصبر وتعاهد سنن التقوى ، قال تعالى [وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ] ( ).
ويدل قوله تعالى [سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ] ( ) على أمور :
الأول : إجتماع كفار قريش وخروجهم للقتال ومحاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين .
الثاني : وقوع القتال بين المسلمين والذين كفروا .
الثالث : وحدة وتآلف الذين كفروا على الباطل ومفاهيم الشرك وهو أمر يبعث على الحزن والأسى لأنه خلاف الواجب الشرعي وحكم العقل ، فتفضل الله عز وجل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بالأمر بالصبر والحث عليه والإعانة واللطف بالتقريب إليه ودنو المسلمين منه مجتمعين ومتفرقين , ومن مصاديق هذا اللطف أمران :
الأول : تجلي الصبر في سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم القولية والفعلية , قال تعالى[فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ وَلاَ تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلاَغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ]( ).
الثاني : تأسي واقتداء المسلمين بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في صبره موضوعاً وحكماً ، قال تعالى [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا]( ).
وقال تعالى [وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ] ( ) أي أن ملكة الصبر التي عند النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين هي بلطف وعون وتوفيق من عند الله عز وجل ، ويجب ألا يحزنوا على إعراض المشركين عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورسالته .
وهل وعيد وإجتماع المشركين على قتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المكر الذي تذكره الآية أعلاه ، الجواب نعم ، فكيف يكون عدم حزن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بخصوص إجتماع الذين كفروا على قتالهم ، الجواب من وجوه :
الأول : قبح تلبس المشركين بالكفر ، ومغادرتهم الدنيا عليه .
الثاني : سوء عاقبة الذي كفروا .
الثالث : الوعد الكريم بهزيمة الذين كفروا لقوله تعالى [سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ] ( )والحزن كيفية نفسانية وانقباض للصدر يحصل عند وقوع المكروه .
الرابع : كثرة قتلى المشركين ومغادرتهم الدنيا إلى النار لموتهم على الكفر ومحاربة النبوة والتنزيل .
ويعلن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للمسلمين والناس بأن الله عز وجل خلق الناس لعبادته وعمارة الأرض بالذكر والتسبيح وإجتناب فعل المعاصي وسفك الدماء عليها ، ولكن المشركين عبدوا الأصنام ، وتركوا وظائفهم العقائدية والإيمانية وما تمليه عليهم سنخية البشر .
إذ إرتكب الذين كفروا أشد المعاصي بعبادة الأوثان ، وصدّ الناس عن البيت الحرام وسفك دماء المؤمنين بقتل بعضهم تحت التعذيب في مكة كما في سمية وياسر والدي عمار أو بتجهيزهم الجيوش وإصرارهم على خوض معركة بدر ، حيث سقط فيها أربعة عشر صحابياً من المهاجرين والأنصار مضرجين بدمائهم ثم سقط سبعون شهيداً في معركة أحد .
الخامس : أراد المشركون قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة , ويحزن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على عزمهم وهمهم بقتله والأصل أن يؤمنوا بنبوته ويصدقوا بالمعجزات التي جاء بها .
لقد تعالت أصوات بين رؤساء المشركين من قريش وفي ناديهم بترك النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وشأنه وعدم التعرض له ، فان كان نبياً حقاً فهو نفع للناس عامة ولقريش خاصة ، وإن لم يكن نبياً تقتله العرب ، فمن إعجاز النبوة فضح مدعيها للتسالم بين الناس بقانون (مصاحبة المعجزة للنبوة)( )، إذ تتوارث الأجيال في كل زمان لزوم مجئ النبي بمعجزة أو معجزات تدل على نبوته .
وعندما [الْتَقَى الْجَمْعَانِ] ( ) في معركة بدر ، ورآى كفار قريش قلة عدد أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والنقص الظاهر في اسلحتهم من جهة السيوف والدروع وخوذ الرأس ، وقلة رواحلهم والفقر الظاهر بجلاء عليهم استخفوا بهم ، وطمعوا فيهم ، وظنوا انها فرصة مناسبة للإنقضاض عليهم ، وقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي جاء إلى معركة بدر ليس معه حصان ، إنما قطع المسافة بين المدينة وموضع معركة بدر بالتناوب والتعاقب على ركوب بعير هو كل من :
الأول : الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام .
الثاني : مرتد بن أبي مرثد الغنوي ، وشهد مرثد هو وأبوه معركة بدر.
والظاهر أن البعير الذي يتعاقب عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصاحباه يعود إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن ماله ، وكان مرثد يركبه في ذهابه إلى مكة وإيابه منها .
إذ كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبعث مرثد بن أبي مرثد إلى مكة ليخرج بعض المسلمين الراغبين بالهجرة ويحملهم إلى المدينة في عمل جهادي كبير لما فيه من تحدي كفار قريش في رئاستهم وزعامتهم ، وكان يهوي قبل الإسلام امرأة اسمها عناق ، فاتته وقالت : ألا نخلو.
فأبى عليها ، وقال لها : حال الإسلام بيننا ، فعرضت عليه الزواج منها ، فقال : حتى أراجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
ولكن عناقاً أخذت تندب قريشاً وتحرضهم على مرثد وهي تقول (يا أهل الخيام هذا الرجل يحمل اساراكم ) فانجاه الله منهم ، فلما رجع إلى المدينة وأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنزل قوله تعالى [وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ] ( )لمنع المصاهرة مع مشركي مكة والذين سبق وأن منعوا النكاح من بني هاشم مع الفارق , فثبت كفرها بندائها وندبها لقريش وقيل فيه نزل قوله تعالى [الزَّانِي لاَ يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً] ( ) .
وكان الإمام علي ومرثد في الطريق إلى مكة يعرضان على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يبقى راكباً على البعير طول مسافة الطريق ولكنه يأبى عليهما رجاء الثواب .
وفي رواية عبد الله بن مسعود ذكر أبا لبابة بدل مرثد (قَالَ كُنّا نَتَعَاقَبُ يَوْمَ بَدْرٍ ثَلَاثَةً عَلَى بَعِيرٍ فَكَانَ عَلِيّ وَأَبُو لُبَابَةَ زَمِيلَيْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ فَإِذَا كَانَتْ عُقْبَتُهُ – عَلَيْهِ السّلَامُ – قَالَا لَهُ ارْكَبْ وَلْنَمْشِ عَنْك يَا رَسُولَ اللّهِ فَيَقُولُ مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى عَلَى الْمَشْيِ مِنّي ، وَلَا أَنَا بِأَغْنَى عَنْ الْأَجْرِ) ( ).
والأرجح أن الثالث الذي كان يتعاقب على البعير مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم والإمام علي عليه السلام هو مرثد بن أبي مرثد .
ويدل الخبر على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قطع مسافة مائة كيلو متر إلى معركة أحد مشياً على قدميه وكذا أكثر الصحابة ومنهم من قطعها مشياً على قدميه لعدم وجود راحلة ليعود على راحلة من رواحل قريش التي غنموها في المعركة بينما جاء المشركون إلى المعركة على الرواحل ، مما يدل على دخول المسلمين المعركة وهم في حال إجهاد وتعب إذ لم يستريحوا يومين أو ثلاثة في موضع المعركة قبل وقوعها ، وهو من مصاديق الذلة في قوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ] ( ) .
ليكون من معاني الذلة في المقام التباين في القوة والمنعة والحال وشدة الإجهاد التي كان عليها الصحابة وقلة غذائهم.
ولم تقيد الآية هزيمة جمع الذين كفروا وهروبهم بالإذن أو المشيئة الإلهية ، فلم تقل الآية :
الأول : سيهزم الجمع باذن الله ويولون الدبر .
الثاني : سيهزم الجمع إن شاء الله ويولون الدبر.
الثالث : سيهزم الجمع ويولون الدبر إن شاء الله .
الرابع : سيهزم الجمع ويولون الدبر إن شاء الله .
الخامس : سيهزم الجمع باذن الله ويولون الدبر إن شاء الله كما في قوله تعالى [فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ] ( ).
السادس : سيهزم الجمع إن شاء الله ويولون الدبر باذن الله ، كما في قوله تعالى [كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ] ( ) .
وعدم التقييد هذا جزء من وعد الله للمسلمين ، ولإفادة القطع والحتم بهزيمة المشركين ، وفيه سكينة للمسلمين ورحمة لهم ولأهل الكتاب وللمشركين ، لما فيها من الزجر عن الهجوم ومحاربة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وكأن قوله تعالى [يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ]( )، وبلحاظ آية البحث دعوة للمشركين للكف والمنع عن القتال يوم بدر.
وقيل بما يفيد النسبة بين لفظ [ِإِذْنِ اللَّهِ] ولفظ [إِنْ شَاءَ اللَّهُ] نوع عموم وخصوص من وجه ، فمادة الإلتقاء فضل الله وأن الأمر بيده سبحانه وهو الذي [يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ]( ) ومادة الإفتراق هو أن تعلق موضوع الأذن الإلهي خارج عن إرادة الإنسان في الجملة كما في قوله تعالى [وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ] ( ) [وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ] ( ).
ولا دليل على الفصل التام بين معنى [ِإِذْنِ اللَّهِ] و[شَاءَ اللَّهُ] فقد تكون موضوعية لعمل الناس في ورود لفظ [ِإِذْنِ اللَّهِ] كما في قوله تعالى [فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ] ( ) وقوله تعالى [وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ]( ).
لقد جاءت هذه الآية بصيغة الجملة الخبرية في شطريها :
الأول : سيهزم الجمع .
الثاني : يولون الدبر .
ومن إعجاز القرآن أن آياته يفسر بعضها بعضاً , ومن وجوه هذا الإعجاز بيان وتفسير قوله تعالى [قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ]( ).
إذ جاءت الآية أعلاه بصيغة الجملة الإنشائية ولغة الأمر المتوجه إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليكون التحدي فيها مركباً من جهات:
الأولى : الموضوع وهو هزيمة الذين كفروا .
الثانية : الحكم باستحقاق الذين كفروا للهزيمة والفرار .
الثالثة : مصاحبة الخسارة للكفر في الدنيا والآخرة .
ولم تذكر الآية أعلاه من سورة آل عمران من الذي يغلب الذين كفروا ، فلما وقعت معركة بدر نسب الله عز وجل نصر المسلمين إلى نفسه بقوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ]( )، وهو من مصاديق الحتم والقطع بهزيمة المشركين.
لقد كان فرار جيش المشركين من ساحة معركة بدر مصداقاً جلياً لقوله تعالى [سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ] ( ) ولكن في معركة أحد لم ينهزم جيش المشركين على نحو الفرار فرادى إنما كان إنسحابهم منظماً ، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه يخشون كرتهم على المدينة لولا فضل الله ، والخوف والفزع الذي جعله الله يملأ قلوب الكفار .
فهل تشمل مضامين آية البحث إنسحاب الذين كفروا من معركة أحد ، ويصدق على جمعهم الإنهزام أم أن القدر المتيقن من آية البحث هو تحقق مصداق الآية في معركة بدر .
الجواب هو الأول ،إذ انهزم المشركون من معركة أحد أيضا وفق الحسابات العسكرية والمتعارف عند القبائل آنذاك ، إذ جاء المشركون لغايات خبيثة منها قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإعادة المهاجرين أسرى إلى مكة .
ولكنهم انسحبوا من ميدان المعركة بدون أن يحققوا أي غاية لهم ، فان قيل قد كسبوا جولة من المعركة وسقط سبعون شهيداً من المسلمين ، وفرّ عدد من الصحابة ، وأصابت الجراحات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأكثر الصحابة ، وهذا صحيح إلا أن المدار في المعارك على خواتيمها ، وقد عاد المشركون إلى مكة منهزمين من وجوه :
الأول : حين خرج ثلاثة آلاف مقاتل من مكة متوجهين للقتال ظن أهلها أنهم لن يعودوا إلا بانجاز ما خرجوا من أجله .
الثاني : حضور ثارات معركة بدر عند التهيئ لمعركة أحد وعند الخروج إليها ، خاصة وأن المصيبة دخلت لكل بيت من بيوت مكة حتى أنهم منعوا النياحة على قتلى معركة بدر كيلا يشمت بهم المسلمون ، وتكون هذه النياحة تذكيراً لمعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : عجز جيش المشركين عن الوصول إلى المدينة واقتحامها وحتى عندما انسحبوا من معركة أحد همّوا بالعودة إليها والإغارة عليها ، فخرج لهم النبي ومعه مائتان من أصحابه جرحى ،بأمر من جبرئيل , وفي التنزيل [الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ]( ) فلما سمعوا بقدوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين والأنصار أسرعوا السير إلى مكة [وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ]( ).
وهذا الإسراع من مصاديق قوله تعالى [وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ]( ) لبيان أن هذا التولية مستمرة إبتداء من ساعة الإنسحاب من ميدان المعركة ووسط الطريق وعند العودة إلى مكة ، وهو من أسرار مجئ الآية بصيغة المضارع ، ومما يدل عليه إفادة تكرار فرار الذين كفروا .
لبيان قانون من الإرادة التكوينية وهو مصاحبة الفرار للذين كفروا ، ففي كل مرة يلتقون بها مع الذين آمنوا تكون العاقبة الهزيمة والإنكسار للذين كفروا ، لبيان غنى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه عن الغزو وإستباحة المدن ، مع أن الكفر ظلم للذات والغير ، وأن الواجب على الناس إتباع الأنبياء في مرضاة الله ، قال تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( ).
ليكون من معاني الآية أعلاه بخصوص آية البحث وجوه :
الأول : حب الله للذين يعبدونه ، ويطيعون أوامره .
الثاني : تتجلى عبادة الله بما جاء به الأنبياء من عنده سبحانه .
الثالثة : لما تفضل الله وجعل علة الخلق هي العبادة فانه سبحانه أنزل الكتب السماوية لجذب الناس إلى عبادته ، وبيان كيفية هذه العبادة باقامة الصلاة واتيان الزكاة ونحوها من الأفعال العبادية .
الرابعة : بيان قانون وهو أن الناس لم يخلقوا لجمع الأموال واللهث وراء الدنيا ، إنما تكون هذه الأموال نوع طريق وواسطة للعبادة .
وصار الناس بلحاظ آية العبادة على أقسام :
الأول : أمة من الناس عاكفون على عبادة الله بالكيفية التي يريدها وبرضاها سبحانه .
الثاني : طائفة من الناس مقصرون في العبادة مع اقرارهم بوجوبها .
الثالث : طائفة من الناس إختاروا الإمتناع عن عبادة الله تفريطاً وجهالة وغفلة .
الرابع : فرقة من الكفار قاموا بمحاربة الأنبياء وأهل الإيمان ، كما في فرعون وجنوده , وكفار قريش الذين تمادوا في الكفر والطغيان فجهزوا الجيوش لمحاربة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والإغارة على المدينة .
ومن الإعجاز أن المؤمنين الذين يواظبون على العبادة حجة على الذين كفروا في الدنيا والآخرة ، وكل أداء منهم للصلاة ترغيب للناس بالإيمان ، فتمتلأ قلوب الكفار بالغيظ والحنق فيكون قوله تعالى [سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ]( ) زاجراً لهم عن التعدي والقتال .
وهل الآية أعلاه عون لهم وتقريب لهم لمقامات الإيمان , الجواب نعم , وهو من عمومات قوله تعالى [رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ).

قانون مصداق [سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ] ( ) يوم بدر
عندما نزل المسلمون في بدر وقابلهم في [بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى] ( ) جيش المشركين ، ورآى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن عددهم نحو ألف رجل مدججين بالسلاح ، وعلى الرواحل والخيل ، بينما عدد أصحابه ثلاثمائة وثلاثة عشر لجأ إلى الدعاء واستجار بالله عز وجل ، ولهج بالمسألة وألحّ بالتضرع والتوسل إلى الله رجاء النصر والظفر ، وكان يدعو :
(اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعدها في الارض ” وجعل يهتف بربه عز وجل ويقول: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم نصرك)( ).
لبيان قانون وهو أن هزيمة جمع المشركين يوم بدر حاجة لأهل الأرض جميعاً ، ونفع للناس إلى يوم القيامة ، وهو من أسباب عدم نصرة الدول الكبرى آنذاك لهم ، إذ تدرك القلوب والبصائر أن محاربة النبوة والتنزيل ظلم للذات والغير .
وهل في قوله تعالى [سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ] ( ) من الوعد الذي ذكره النبي صلى الله عليه وآله وسلم في دعائه أعلاه ، الجواب نعم ، لبيان قانون وهو مجئ الآية القرآنية بالبشارة لتكون سلاحاً وعوناً ومقدمة للمدد من عند الله عز وجل عند اللقاء مع المشركين .
ومن معاني ودلالات صيغة المبني للمجهول في قوله تعالى [سَيُهْزَمُ]بعث المسلمين على التهيئ للقاء العدو ، قال تعالى [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ] ( ).
فلم تذكر الآية أن الله عز وجل هو الذي سيهزمهم إذ أراد الله عز وجل للمسلمين السعي في سبيله ، والبذل من أموالهم، والمرابطة في الثغور ، وتلقي العدو بالدفاع والرماح والسيوف لينقطع التعدي والهجوم عليهم ، ولكن عندما بدأت معركة بدر نزل الملائكة لنصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، قال تعالى [إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِين] ( ) .
لتأكيد قانون وهو أن الله عز وجل هو الذي يهزم المشركين بمشيئته وقدرته وملائكته والمؤمنين .
بعد أن أخبرت آية البحث عن هزيمة جيش الذين كفروا عطفت عليه الإخبار عن توليهم الدبر ، ولابد من أسرار في هذا التباين إذ تخاطب الآية أعلاه المسلمين ولبيان مسائل فيها :
الأولى : توجه الخطاب في الآية أعلاه لكل مسلم على نحو مستقل ، وجامع له مع أصحابه .
الثانية : بيان حقيقة وهي أن كل فرد من المسلمين أمة في الدفاع والثبات في الميدان .
الثالثة : إن انهزم بعض المسلمين فيجب على الباقين الثبات ، وفي معركة أحد انسحبت طائفة من الصحابة وبقي نفر منهم مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقاتل دونه ، قال تعالى [إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلاَ تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ]( ).
الرابعة : بيان التمايز بين المسلمين والذين كفروا إذ ينهزم الذين كفروا دفعة واحدة لقوله تعالى [سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ]( )، في معركة بدر بينما بقي مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم طائفة من المسلمين تقاتل حتى يرجع الآخرون لهم .
ومن الصحابة من همّوا بالفرار ، ولكن الله عز وجل صرف عنهم هذا الهّم والنية ، كما في معركة أحد ، قال تعالى [إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ]( ) .
(عن جابر بن عبدالله قال : فينا نزلت . في بني حارثة ، وبني سلمة { إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا }( ) وما يسرني أنها لم تنزل لقول الله { والله وليهما}) ( ).
وجاءت آية البحث بحرف العطف الواو [وَيُوَلُّونَ] ( ) ولم تأت بالفاء التي تفيد التعقيب والتوالي فلم تقل الآية (فيولون الدبر) لبيان مسائل :
الأولى : هزيمة المشركين في معركة بدر ، وهو الذي يدل عليه قوله تعالى [سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ] ( ).
الثانية : الإخبار عن توالي هزائم الذين كفروا .
الثالثة : إرادة المعنى الأعم من قوله تعالى [وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ] فلا يختص بميدان المعركة إنما يشمل أموراً :
الأول : عجز الذين كفروا عن جمع الجيوش للقتال .
الثاني : فضح الذين كفروا ، وقصورهم عن جلب وتحشيد الناس لقتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة .
الثالث : إنحسار مفاهيم الكفر في الأرض .
الرابع : تخلف الذين كفروا عن الجدال والإحتجاج ، فقد كانت آيات القرآن تترى مع تقادم الأيام وكذا بالنسبة لمعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحسية ، فانها تتوالى مع الأيام ، ويتناقل الناس أخبارهم وسنخيتها ودلالاتها باستبشار وغبطة باشراقة النبوة في ربوع الجزيرة .
الخامس: تجلي قانون وهو ضعف ووهن الذين كفروا ، وعجزهم عن الثبات والبقاء في منازل السلطنة والولاية ونحوها ، وفي التنزيل [ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ] ( ).
لقد كانت معركة بدر دليلاً على القبح الذاتي لمفاهيم الكفر، وشاهداً على هزيمة أهله في ميدان المعركة وباب العقائد وكونهم ثلاثة أضعاف المسلمين من جهات :
الأول : عدد أفراد الجيش .
الثاني : الأسلحة والدروع .
الثالث : الرواحل ، بل أن نسبة الخيل عند الفريقين نسبة الواحد إلى المائة ، إذ كان عند المشركين مائتا فرس ، وعند المسلمين فرسان وقيل فرس واحد .
الرابع : كثرة مؤن المشركين مع النقص فيها عند المسلمين.
(عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال وهو في قبة له يوم بدر : أنشدك عهدك ووعدك ، اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبداً ، فأخذ أبو بكر بيده فقال : حسبك يا رسول الله ألححت على ربك ، فخرج وهو يثب في الدرع وهو يقول : { سيهزم الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر })( ).
ولقد سقط سبعون قتيلاً من كفار قريش يوم بدر ، فهل يشمله قوله تعالى [سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ] ( ) الجواب نعم ، إذ أن الهزيمة أعم من الفرار ، فتتضمن أموراً :
الأول : قتل طائفة من المشركين .
الثاني : أسر طائفة أخرى من المشركين .
الثالث : هزيمة الباقين من جيش المشركين .
الرابع : الهزيمة المعنوية والإجتماعية للمشركين ، وإنحسار أثرهم ، وضعف شأنهم واصابتهم بالوهن والعجز عن الإقدام والعزائم.
(وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال : كنت أقول في نفسي أي جمع يهزم؟ فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يثبت في الدرع ويقول { سيهزم الجمع ويولون الدبر})( ).
وتحتمل تلاوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لآية البحث يوم بدر وجوهاً :
الأول : إرادة تحقق مصداق البشارة الواردة في آية البحث ، بلحاظ أن الآية مكية وواقعة بدر مدنية، ليكون من معاني تقديم زمان نزولها على وقوع المعركة لوقاية المسلمين من الخوف والفزع عند اللقاء ومعصيتهم من معصية الله والرسول ، ولمنع الإختلاف والفرقة بينهم.
الثاني : انما ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الآية يوم بدر للإستشهاد بها .
الثالث : رجاء وتوسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتحقق هزيمة جمع المشركين يوم بدر .
ولا تعارض بين هذه الوجوه ويدل تطلع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر إلى تحقق هزيمة المشركين يومئذ ، على كونها نعمة ورحمة ، وحاجة لكل من :
الأول : النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسلامته الشخصية وهو من عمومات قوله تعالى [وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ]( ).
الثاني : نجاة البدريين من القتل أو الأسر .
الثالث : منع شماتة الأعداء ، إذ كان رؤساء المشركين ينوون إعادة المهاجرين إلى مكة قهراً مع الذل ، وحملهم على ترك الإسلام ، ومنعهم من أداء الصلاة بعد أن ذاقوا حلاوتها وعذوبة صلاة الجماعة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابع : إزاحة الموانع عن دخول الناس الإسلام.
الخامس : لو غلب المشركون في معركة بدر فهل يواصلون الزحف إلى المدينة ويأتون على باقي الصحابة رجالاً ونساءً أم يكتفون بمعركة بدر ويرجعون إلى مكة ، الجواب هو الثاني .
ونجد جواباً لهذه المسألة في كل من :
الأول : آية البحث وقوله تعالى [سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ] ( ).
الثاني : عموم آيات القرآن .
الثالث : السنة النبوية .
وعلى فرض وجود تعارض بالمسائل المستنبطة من الوجوه فنرجع إلى قواعد التعارض والترجيح أي التمانع بين الأدلة الشرعية باقتضاء أحدها خلاف ما يقتضيه الآخر ، ومع إمكان الجمع بين الأدلة فهو الأولى ببيان التوافق والإئتلاف بين تلك الأدلة والجامع المشترك بينها بلحاظ البيان والـتأويل مع القرائن ولأن كل دليل ثروة وكنز، أما الترجيح فهو لغة التغليب ومنه رجوح كفة الميزان.
وفي الإصطلاح تقديم المجتهد أحد الدليلين المتعارضين سواء كان الترجيح صفة للأدلة أو لفتوى المجتهد .
ومن مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ) مجئ البشارة من عند الله للمسلمين بهزيمة عدوهم ، ويحتمل قوله تعالى [سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ] ( ) وجوهاً :
الأول : سيهزم جمع المشركين في معركة تقع مع المسلمين.
الثاني : سيهزم جمع المشركين في معركة تقع بينهم وبين أحدى الدول الكبرى آنذاك كدولة الروم أو فارس.
الثالث : وقوع القتال بين المشركين أنفسهم , قال تعالى[بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْقِلُونَ]( ).

قانون هزيمة الكفار ببدر هبة للأجيال
من معاني قوله تعالى [سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ] ( ) البشارة لأجيال المسلمين في كل زمان سواء كان المراد منه واقعة بدر وخسارة المشركين فيها , أم المعنى الأعم وان جمع المشركين يهزم في كل معركة , ويفتضح من جهة الملة وتكسَر الأصنام فلا ترفع في مكة وغيرها إلى يوم القيامة .
فإن قلت لا ملازمة بين إنهزام الجيش في المعركة وبين الملة والعقيدة , فقد تبقى العقيدة , ويتمسك بها أهلها حتى مع هزيمة الجيش , والنسبة بين الذين يحملون ذات العقيدة والجيش العموم والخصوص المطلق إذ أنهم أعم من الجيش , وهذا الكلام صحيح إلا ان ملة الكفر وعبادة الاوثان واهية بالأصل , واضمحلالها وزوالها لا يستلزم القتال , إنما يكفي التنزيل ولغة البشارة والإنذار في الكتاب والسنة , لذا أدرك المشركون هذا القانون فمالوا إلى القتال , وعجلوا بتجهيز الجيوش المتعاقبة لمحاربة الإسلام .
لقد أخبر القرآن في قوله تعالى [سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ] ( ) عن أمور :
الأول : إجتماع الكفار على الباطل .
الثاني : مناجاة الكفار بمحاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
الثالث : تجهيز المشركين جيشاً لقتال النبوة .
الرابع : حال النفير عند المشركين .
الخامس : توجه جيش المشركين للقتال .
السادس : دخول المشركين المعركة للقتال .
السابع : هزيمة جيش الذين كفروا في المعركة.
الثامن : قرب هزيمة الذين كفروا .
فان قلت بين نزول آية البحث [سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ] ( ) وبين معركة بدر سنتان أو أكثر ، الجواب إنها أيام وأشهر معدودة ، فبعد أن حكم المشركون في مكة وأشاعوا عبادة الأوثان وأصبحوا سادة في الجزيرة بشأنهم وأموالهم لعقود عديدة من السنين نزلت آية البحث لتنذرهم بهزيمة جمع جيوشهم وخيلهم التي أعدوها لمحاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأن الهزيمة تنتظرهم على نحو الحتم والقطع .
وقد يظن أكثر الناس بأن المراد من وظيفة السين [سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ]( ) المستقبل القريب في هزيمة جيش المشركين عند وقوع المعركة، وهذا الظن صحيح إلا أن معنى الآية ووظائف السين فيه أكثر منها:
الأول : سرعة تجهيز المشركين لمعركة أحد فحينما جاء الصريخ يندبهم لإنقاذ قافلة أبي سفيان بادعاء أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه تعرضوا لها ، أعلنت قريش النفير والتجهز للقتال في آن واحد ، وخرجوا في ثلاثة أيام حشدوا خلالها الأعوان من داخل مكة والقبائل المحيطة بها .
الثاني : عدم الإمهال بين الجمعين يوم بدر للرجال يمشون بينهم ، ولم يسأل المشركون النبي وأصحابه هل تم تعرضهم لقافلة أبي سفيان ، ولماذا تريدون التعرض لها ، وهل تتعهدون لنا بعدم التعرض لها ، إنما شرع المشركون برمي السهام ثم تقدموا وطلبوا المبارزة .
ومن الآيات أنه كان مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الصحابة من كان أبوه وأخوه وعمه مع جيش المشركين وكانت المدة قبل القتال فرصة للقاء والتحية والسلام أو اللوم والعتاب فمثلاً كان أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم بينما كان أبوه وأخوه الوليد وعمه شيبة مع المشركين ، وكانوا من أوائل الذين سقطوا قتلى يومئذ.
الثالث : سيهزم الجمع في ذات يوم المعركة.
ومن إعجاز الآية أنها سمت جيش المشركين (الجمع) حتى مع هزيمتهم وفيه إشارة إلى عودة المشركين للقتال في معركة أحد ، وهو من الإعجاز والتحذير والإنذار في ورود قوله تعالى [يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ] ، بخصوص معركة بدر كما في سورة الأنفال ( ) وفي معركة أحد كما في سورة آل عمران( ), ليتجلى قانون وهو أن المشركين سيعودون بالجمع حتى بعد هزيمتهم في بدر .
قانون البشارة بالجنة دعوة للصبر
ورد لفظ الجنة في القرآن ستاً وستين مرة للإخبار عن قانون مبارك بالنعيم في العالم الأخروي وما فيه من الجزاء ، ولبعث المسلمين على السعي إلى الإقامة في الجنة بالعمل الصالح ، وترغيب الناس بالإيمان وجعلهم يدركون أنه حاجة لهم ولغيرهم في الدنيا والآخرة ، فالذي يرتقي إلى مراتب الإيمان ينفع نفسه وغيره ، قال تعالى [وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى* فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى] ( ).
فلم تقيد الآية أعلاه دخول المؤمن الجنة بالقتال والقتل ، إنما أخبرت عن حاجة العبد للخشية من الله والمواظبة على طاعته ، وإتخاذ الرياضة والمجاهدة والذكر واقية من فعل السيئات ، وزاجراً للنفس عن اللهث وراء الشهوات الفانية ، واللذة المحرمة الزائلة ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ]( ).
وقد يهتم الإنسان بفعل معصية فيذكر الله ، ويستحضر شوقه إلى نعيم الجنة مع إدراك قانون وهو أن المعاصي برزخ دون الإقامة في الجنات ، فيمتنع عن المعصية ، ويصرف الذهن عنها وعن مقدماتها .
وقد تخون الإنسان عينه أو أذنه لتكون حاسة النظر أو السمع مقدمة للفتنة والإقتتال فيذكر البشارة القرآنية والنبوية بالجنة فيغض البصر ويمنع الأذن من الإنصات للمحرم ، قال تعالى في الثناء على نفسه [يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ]( ).
وعن الإمام علي عليه السلام قال : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : يا علي ، إن لك في الجنة كنزا ، وإنك ذو قرنيها ، فلا تتبع النظرة النظرة ، فإن لك الأولى ، وليست لك الآخرة( ).
ومن الإعجاز في السنة كثرة الأحاديث النبوية عن الجنة ، والترغيب بالإقامة فيها ووصفها , ومنها :
الأول : عن مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عليهم السلام أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ بِيَدِ حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ عليهما السلام فَقَالَ مَنْ أَحَبَّنِي وَأَحَبَّ هَذَيْنِ وَأَبَاهُمَا وَأُمَّهُمَا كَانَ مَعِي فِي دَرَجَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ( ).
الثاني : عن عمرو بن عبسة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال من بنى مسجدا ليذكر الله فيه بنى الله له بيتا في الجنة ( ).
الثالث : عن أم حبيبة ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من صلى في يوم اثنتي عشرة ركعة تطوعا ، بُني له بيت في الجنة( ).
الرابع : عن عبد الله بن عمرو ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، قال : إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها فقال أبو مالك الأشعري : لمن يا رسول الله ، قال : لمن أطاب الكلام ، وأطعم الطعام ، وبات قائما والناس نيام( ).
الخامس : عن عمر بن الخطاب عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : من دخل السوق ، فقال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، يحيي ويميت ، بيده الخير ، وهو على كل شيء قدير ، كتب الله له ألف ألف حسنة ، ومحا عنه ألف ألف سيئة ، ورفع له ألف ألف درجة ، وبنى له بيتا في الجنة ( ).
السادس : عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ كَانَتْ لَهُ أُخْتَانِ فَأَحْسَنَ صُحْبَتَهُمَا مَا صَحِبَتَاهُ دَخَلَ بِهِمَا الْجَنَّةَ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ تُدْرِكُ لَهُ ابْنَتَانِ فَأَحْسَنَ إِلَيْهِمَا مَا صَحِبَتَاهُ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى الْجَنَّةَ( ).
السابع : عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : يدعو الله بالمؤمن يوم القيامة حتى يوقفه بين يديه فيقول : عبدي إني أمرتك أن تدعوني ووعدتك أن أستجيب لك ، فهل كنت تدعوني .
فيقول : نعم يا رب ، فيقول : أما إنك لم تدعني بدعوة إلا استجبت لك ، فهل ليس دعوتني يوم كذا وكذا لغم نزل بك أن أفرج عنك ففرجت عنك .
فيقول : نعم يا رب ، فيقول : فإني عجلتها لك في الدنيا ، ودعوتني يوم كذا وكذا لغم نزل بك أن أفرج عنك ، فلم تر فرجا ، قال : نعم يا رب .
فيقول إني ادخرت لك بها في الجنة كذا وكذا ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : فلا يدع الله دعوة دعا بها عبده المؤمن إلا بين له إما أن يكون عجل له في الدنيا ، وإما أن يكون ادخر له في الآخرة .
قال : فيقول المؤمن في ذلك المقام يا ليته لم يكن عجل له في شيء من دعائه( ).
الثامن : عن أبي هريرة (قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أول زمرة تلج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر ، لا يبصقون فيها ، ولا يمتخطون ، ولا يتغوّطون ، آنيتهم وأمشاطهم من الذهب والفضة ، ومجامرهم من الألوّة ، ورضخهم المسك ، ولكل واحد منهم زوجتان ، يرى مخ ساقهما من وراء اللحم من الحسن ، لا اختلاف بينهم ، ولا تباغض ، قلوبهم على قلب رجل واحد ، يسبحون الله بكرة وعشيا ) ( ).
التاسع : عن أنس النبي (قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إذا كان يوم القيامة تخرج الصوّام من قبورهم يعرفون برياح صيامهم ، أفواههم أطيب من ريح المسك ، فيلقون بالموائد والأباريق مختمة بالمسك ، فيقال لهم : كلوا فقد جعتم ، واشربوا فقد عطشتم ، ذروا الناس واستريحوا فقد أعييتم إذ استراح الناس ، فيأكلون ويشربون ويستريحون والناس في عناء وظمأ) ( ).
العاشر : (وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وصححه والبيهقي في البعث عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أول زمرة تدخل الجنة وجوههم كالقمر ليلة البدر .
والزمرة الثانية أحسن كوكب دري في السماء ، لكل امرئ منهم زوجتان ، على كل زوجة سبعون حلة ، يرى مخ ساقهن من وراء الحلل ) ( ).
الحادي عشر : أخرج أحمد والترمذي عن أبي سعيد الخدري : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال :إن أدنى أهل الجنة منزلة الذي له ثمانون ألف خادم ، وإثنتان وسبعون زوجة ، ومنصب له قبة من لؤلؤ وياقوت وزبرجد ، كما بين الجابية وصنعاء ) ( ).
الثاني عشر : (عن أبي مالك الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:إن في الجنة غرفة يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها ، أعدها الله لمن ألان الكلام ، وأطعم الطعام ، وتابع الصيام ، وصلى بالليل والناس نيام ) ( ).
الثالث عشر : (عن أبي أمامة قال : سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، هل تزاور أهل الجنة؟ . قال : أي والذي بعثني بالحق إنهم ليتزاورون على النوق الدمك عليها حشايا الديباج يزور الأعلون الأسفلين ، ولا يزور الأسفلون الأعلين .
قال : هم درجات ، قال : وإنهم ليضعون مرافقهم فيتكئون ويأكلون ويشربون ويتنعمون ويتنازعون فيها كأساً لا لغو فيها ولا تأثيم لا يصدّعون عنها ولا ينزفون مقدار سبعين خريفاً ، ما يرفع أحدهم مرفقه من اتكائه .
قال : يا رسول الله هل ينكحون؟ قال : أي والذي بعثني بالحق دحاماً دحاماً وأشار بيده ، ولكن لا مني ولا منية ولا يمتخطون فيها ولا يتغوّطون رجيعهم رشح كحبوب المسك مجامرهم الالوة ، وأمشاطهم الذهب والفضة ، آنيتهم من الذهب والفضة يسبحون الله بكرة وعشياً قلوبهم على قلب رجل واحد ، لا غل بينهم ولا تباغض يسبحون الله تعالى بكرة وعشياً ) ( ).
الرابع عشر : عن عبد الله بن الزبير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قرأ القرآن ظاهرا أو نظرا أعطي شجرة في الجنة ، لو أن غرابا أفرخ تحت ورقة منها ثم أدرك ذلك الفرخ فنهض لأدركه الهرم قبل أن يقطع تلك الورقة ( ).
الخامس عشر : عن الإمام الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : السخاء شجرة في الجنة أصلها، وهي مظلة على الدنيا، من تعلق بغصن منها اجتره إلى الجنة( ).
السادس عشر : عن ابن عمر ، أن رجلا من الحبشة أتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، فضلتم علينا بالألوان والنبوة . أفرأيت إن آمنت بمثل ما آمنت به ، وعملت بمثل ما عملت به ، إني لكائن معك في الجنة ؟ .
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : نعم ، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : من قال : لا إله إلا الله ، كان له بها عهد عند الله ، ومن قال : سبحان الله ، كتب الله له مائة ألف حسنة فقال : يا رسول الله ، كيف نهلك بعد هذا ؟ .
فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : والذي نفسي بيده ، إن الرجل يوم القيامة ليجيء بالعمل ، لو وضع على جبل لأثقله ، فتقوم النعمة من نعم الله ، فتكاد تستنفد ذلك كله ، لولا ما يتفضل الله به من رحمته ، ثم نزلت : ( هل أتى على الإنسان حين من الدهر) ( )، إلى قوله (وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا) ( )، فقال الحبشي : يا رسول الله ، وهل ترى عيني في الجنة مثل ما ترى عينك.
فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : نعم فبكى الحبشي حتى فاضت نفسه قال ابن عمر : فأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدليه في حفرته( ).
ومن وجوه الإبتلاء والغبطة في الحياة الدنيا الملازمة بين الإيمان والصبر ، إذ يحتاج المؤمن الصبر لوجوه :
الأول : إختيار الإيمان , والإمتناع بالصبر عن اتباع النفس الشهوية.
الثاني : الثبات على الإيمان ، والعصمة من الإرتداد.
الثالث : أداء الفرائض والواجبات العبادية ، والصبر عليها ، وهل أداؤها في أوقاتها من الصبر , الجواب نعم ، ليكون الصبر على الطاعة متعدداً في ذات الموضوع العبادي المتحد.
ومن الآيات أن عدداً من العبادات تكون من الواجب المؤقت المضيق مثل حج بيت الله الحرام والوقوف على جبل عرفات بعد زوال اليوم التاسع من شهر ذي الحجة إلى غروبه .
ومثل صيام أيام شهر رمضان مع فضل الله عز وجل في البدل والقضاء للمعذور ، فمن فاته الوقوف الإختياري في النهار يتحقق له وقوف اضطراري في الليل ولو لدقائق معدودات , أما في شهر رمضان فقد منع الله من الحرج والضرر والخلاف بقوله تعالى [فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ]( ).
قانون لا تتمنوا لقاء العدو
التمني كيفية نفسانية لطيفة تداعب النفس والجوانح , ويتقوم برجاء تنجز أمر تحبه النفس وتميل اليه ، ومن كلماته (ليت) (لعل) وهو على وجوه :
الأول : التمني للذات وهو الأكثر .
الثاني :التمني للغير ، وهو على شعبتين .
الأولى : تمني الخير للآخر ، والتفاؤل له .
الثانية : تمني الشر للغير , ومنه الحسد الذي هو تمني زوال النعمة عن الغير ، قال تعالى [وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ] ( ) .
الثاني : التمني في الأمور الكونية ، وفضل الله في الآيات في السموات والأرض ، ويتجلى ويتقوم بالسؤال ، قال تعالى [وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ] ( ) .
وقال أمرؤ القيس :
(وليلِ كموج البحر أرخى …سدولهُ عليَّ بأنواع الهمومِ ليبتلي
فقلتُ لهُ لما تَمَطَّى بصُلبهِ … .. وأردفَ أعجازاً وناء بكلكل
أَلاَ أيُّهَا الليلُ الطويلُ ألاَ انجلي بصبحٍ وما الإصباحُ منكَ بأمثلِ
فيَا لكَ من ليلٍ كأنّ نجومه … بكل مُغَار الفَتْل شُدَّتْ بيَذْبُلِ) ( ).
واتخذ الشاعر صيغة الأمر للتمني , لبيان شدة الرغبة وللعلم بحتمية إنجلائه , ونزل القرآن بالحث على العمل وعدم الإتكال على الأماني , قال تعالى [لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاَ أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا] ( ).
الثالث : التمني في صلاح المجتمعات ، وتحسين المعاشات ، وكثرة الأمطار والخصب .
ولا يختص التمني بالمستقبل بل قد يشمل الزمن الماضي والأيام التي انصرفت من حياة الإنسان إذ يتمنى أن الذي صدر منه وما فعله من القبيح أو المكروه أنه لم يصدر منه ، أو يتمنى أن ما أصابه من مصيبة لم يتعرض لها .
وقد أنعم الله عز وجل على الناس بفتح باب التوبة وبشّرهم بالمغفرة ، قال تعالى [فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ] ( ) .
وفي مريم عند حملها بعيسى بآية ومعجزة من عند الله ومن غير أن يمسها بشر إذ ولدته وهي باكر ، قال تعالى [فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا] ( ).
وقد تمنت مريم الموت وأن تكون أمراً متروكاً لا يذكر , لما خشيت من الخزي الذي يلحقها وأهلها ، أو أن يرميها الناس بالفاحشة ، وضعت ولداً وليست متزوجة وكانت من بيت نبوة ، وعرفت بملازمة المحراب مما يجعلها في خشية وفزع من كلام الناس .
وهل كان تمنيها للموت ساعة المخاض واحتضانها للنخلة أم بعد الإنجاب ، وعندما جاءت به إلى قومها .
المختار هو الأول ، وهو المشهور أي أنها قالت [يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا] ( ) عندما جاءها الطلق .
وهل من أسرار النداء قوله تعالى [فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا] ( ) منع مريم من التخلص من عيسى ساعة ولادته خوفاً على نفسها وأهلها من الفضيحة ، وعلى نفسها من القتل ، وقد يقوم الناس بقتله أيضاً.
المختار نعم ، فهذا النداء معجزة لسلامة عيسى من حين ولادته ، ودعوة لمريم للإعتناء به ، وأختلف في الذي أطلق النداء على وجوه :
الأول : جبرئيل ، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها ، قاله ابن عباس( ) .
الثاني : القائل ملك ، عن البراء .
الثالث : جبريل من أسفل الوادي، قاله سعيد بن جبير أي ليس قريباً منها وتحتها مباشرة .
الرابع : فناداها من تحتها ، أي عيسى ابنها ، وبه قال مجاهد والحسن البصري ( ).
الخامس : الملك من تحت النخلة ( ).
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة : عيسى عليه السلام ، وكان من بني إسرائيل رجل يقال له جريج كان يصلي فجاءته أمه فدعته فقال : أجيبها أو أصلي؟ فقالت : اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات . وكان جريج في صومعته ، فتعرضت له امرأة وكلمته فأبى ، فأتت راعياً فامكنته من نفسها ، فولدت غلاماً .
فقالت : من جريج 0
فأتوه فكسروا صومعته ، وانزلوه وسبوه .
فتوضأ وصلى ، ثم أتى الغلام فقال : من أبوك يا غلام؟
قال : الراعي0000فقالوا له : نبني صومعتك من ذهب، قال : لا . إلا من طين .
وكانت امرأة ترضع ابناً لها من بني إسرائيل فمر بها رجل راكب ذو شارة فقالت : اللهم اجعل ابني مثله . فترك ثديها واقبل على الراكب فقال : اللهم لا تجعلني مثله . ثم أقبل على ثديها يمصه ، ثم مرا بأمة تجزر ويلعب بها فقالت : اللهم لا تجعل ابني مثل هذه . فترك ثديها فقال : اجعلني مثلها فقالت : لم ذاك.
فقال : الراكب جبار من الجبابرة ، وهذه الأمة يقولون لها زنَيْت وتقول حسبي الله ، ويقولون سرَقْتِ وتقول حسبي الله) ( ).
لقد تمنت مريم الموت قبل ولادتها عيسى عليها السلام ، ولم تعلم أن هذه الولادة آية صلاح للناس إلى يوم القيامة ، وقد يتمنى الإنسان ما فيه نفع له ، وقد يتمنى ما هو ضرر له .
وتتجلى منافع الدعاء في المقام بأن يصلح الله عز وجل الإنسان في أمانيه ويجعلها تتقوم بالدعاء ، وسؤال ما هو حق شرعاً كما أن الدعاء يصرف الأماني الباطلة والتي فيها ضرر على الذات والغير ، وهو من مصاديق قوله تعالى [قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ] ( ).
لقد نهى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين عن تمني لقاء العدو ووقوع القتال لما فيه من الأذى والضرر وسفك الدماء .
ومن إعجاز القرآن إخباره عن تمني طائفة من المسلمين الموت وليس تمني لقاء العدو ، قال تعالى [وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَتَمَنَّوْن الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ]( ) .
ويبين النهي الوارد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حثه لأصحابه على إجتناب الدعوة إلى القتال والمناجاة به ، وإذا بعض أفراد الطوائف بعضهم بالقتال يجد الإستجابة والتجاوب من فريق منهم , والحرب أولها نجوى ، وأوسطها شكوى ، وآخرها بلوى .
وقيل أولها شكوى وأوسطها نجوى وآخرها بلوى .
وتقول العرب : الحرب غشوم ) لأنها تصيب غير الجاني وقد تجلى المعنى الأعم بقوله تعالى [وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً] ( ).
وهل في نهي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين عن تمني لقاء العدو دعوة إلى الإسلام والوئام والصلح ، الجواب نعم فاذا كان أصحاب الحق لا يتمنون لقاء الذين كفروا فمن باب الأولوية أن يمتنع الكفار عن القتال ، ولكنهم أبوا إلا تجهيز الجيوش لغزو المدينة .
ومن خصائص صيغة العموم في المنع والزجر والنهي من عند الله عز وجل ومن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنها من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ) فمن معاني الآية أعلاه:
الأول :رحمة الله عز وجل بالناس ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : ذات رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأوانها ومحلها عند البيت الحرام رحمة للناس ، وهو من الأمن في قوله تعالى [وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا]( ).
الثالث : كل آية من القرآن رحمة بالناس ، وتدعوهم كل يوم إلى نبذ القتال والغزو وسفك الدماء , وهو من أسرار تلاوة كل مسلم ومسلمة آيات من القرآن سبع عشرة في اليوم على نحو الوجوب العيني لتكون هذه القراءة تربية وتأديباً [لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ]( ).
الرابع : مجئ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بدين الإسلام وهو دين السلام ( ) والوئام .
ومن إعجاز الآية صيغة العموم في رحمة الله التي تتجلى بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم للمؤمن والكتابي والكافر ، وقيل المراد الرحمة بخصوص المؤمنين ، ولكن أصالة الظاهر حاكمة ، ثم أن كل بعثة رسول هي رحمة للناس جميعاً بخصوص الدنيا ، وهي رحمة للمؤمنين في الآخرة ، ليكون من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ) تصديق المسلمين بجميع الأنبياء والرسل.
(عن ابن عباس في قوله : { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } ( ) قال : من آمن تمت له الرحمة في الدنيا والآخرة ، ومن لم يؤمن عوفي مما كان يصيب الأمم في عاجل الدنيا من العذاب؛ من المسخ والخسف والقذف) ( ).
(وذكر في الخبر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لجبريل عليه السلام : يقول الله عز وجل : { وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين }( ) ، فهل أصابك من هذه الرحمة.
قال : نعم أصابني من هذه الرحمة . أني كنت أخشى عاقبة الأمر ، فآمنت بك لثناء أثنى الله تعالى عليّ بقوله عز وجل : { ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى العرش مَكِينٍ * مطاع ثَمَّ أَمِينٍ } ( )) ( ).
لبيان شمول الخلائق بالبركة والرحمة في رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فان قلت أن القدر المتيقن من لفظ [العالمين] هم الإنس والجن ، والجواب من جهتين :
الأولى : إثبات شئ لشئ لا يدل على نفيه عن غيره .
الثانية : إرادة المعنى الأعم من العالمين بلحاظ أن السنة النبوية تفسير للقرآن .
ومن الرحمة في بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإخبار عن كون القتال أمراً مكروهاً عند المسلمين ، قال تعالى [كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ] ( ) , لتتحقق الغايات الحميدة للبعثة النبوية بالمعجزة والبينة , ومن غير قتال .
ويحتمل النهي عن لقاء العدو الصادر من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من جهة المتلقي وجوهاً :
الأول : الذين كانوا حاضرين عند النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ساعة الحديث .
الثاني : إرادة البدريين والذين اشتركوا في معركة أحد والخندق.
الثالث : المقصود عموم المهاجرين والأنصار .
الرابع : المراد أجيال المسلمين المتعاقبة .
والمختار هو الأخير لعمومات قوله تعالى [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا] ( ) والذي هو غض طري في ذاته وأحكامه إلى يوم القيامة ، لأصالة الإطلاق وعموم الموضوع .
وهل يمكن صدور القول والنهي من النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد خسارة في معركة أو كثرة قتلى من المسلمين ، الجواب لا ، إنما أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم البيان ، والتعليم والإرشاد إلى قانون وهو كراهة الغزو والقتال , والمنع من مقدماته حتى النفسية منها ، خاصة وأن التمني قد يترشح على اللسان وبالفعل بالمناجاة والتهديد ، وقبوله والرد عليه بمثله أو أكثر منه بالقول والفعل .
فجاء الحديث النبوي لإستئصال الرغبة في القتال من الأصل وهل يدخل الدفاع في هذا النهي عن هذه الرغبة .
الجواب نعم ، عَنْ سَالِمٍ أَبِى النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ – وَكَانَ كَاتِبًا لَهُ – قَالَ كَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِى أَوْفَى فَقَرَأْتُهُ فَإِذَا فِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ « لاَ تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ ، وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ ( ).
وفيه إعجاز وهو تثبيت أحكام الشريعة في الأرض من غير حاجة الى القتال ، إذ يدا على ترغيب النبوة بالعافية وحياة الدعة والسلامة من القتال ولمعان السيوف , وعن معاذ بن جبل قال : قَالَ سَمِعَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم رَجُلاً يَدْعُو يَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ تَمَامَ النِّعْمَةِ.
فَقَالَ : أَيُّ شَىْءٍ تَمَامُ النِّعْمَةِ قَالَ دَعْوَةٌ دَعَوْتُ بِهَا أَرْجُو بِهَا الْخَيْرَ. قَالَ : فَإِنَّ مِنْ تَمَامِ النِّعْمَةِ دُخُولَ الْجَنَّةِ وَالْفَوْزَ مِنَ النَّارِ. وَسَمِعَ رَجُلاً وَهُوَ يَقُولُ يَا ذَا الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ فَقَالَ : قَدِ اسْتُجِيبَ لَكَ فَسَلْ.
وَسَمِعَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- رَجُلاً وَهُوَ يَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ الصَّبْرَ. فَقَالَ : سَأَلْتَ اللَّهَ الْبَلاَءَ فَسَلْهُ الْعَافِيَةَ ( ).
لبيان نهج من السنة بتدخل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في أدعية المسلمين بما يصلحها ويقربها للإجابة.
وبينما ورد النهي من النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن تمني لقاء العدو فانه نهي أيضاً عن تمني الموت .
ترى ما هي النسبة بين النهيين ، الجواب إنه العموم والخصوص من وجه ، فمادة الإلتقاء من جهات :
الأولى : التمني .
الثانية : التمني المتعدد من الجماعة والطائفة .
الثالثة : تمني ما فيه الأذى .
الرابعة : صدور النهي من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وهو شعبة من الوحي .
أما مادة الإفتراق فمن جهات :
الأولى : الموت مفارقة الروح للجسد ، أما تمني لقاء العدو فقد يكون فيه قتل ، وقد لا يكون .
الثانية : يأتي الموت على الفراش ، أما لقاء العدو ففيه قتل في ميدان المعركة , في الأعم الأغلب .
الثالثة : يموت الإنسان على الفراش , ومن غير لقاء العدو ولمعان سيوف .
الرابعة : وقوع الموت أمر حتمي فكل إنسان لا بد وأن يفارق الحياة الدنيا بمغادرة الروح للجسد ، قال تعالى[كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ]( ).
أما القتال فقد يدخل غماره الإنسان وقد تنقضي أيام حياته ولا يشترك في معركة ، وهو الأكثر بالنسبة للناس ، ومن معاني[وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ).
استئصال القتال والغزو بالدعوة إلى الله بالحجة والبرهان وبالدفاع إن لزم ، وليس كل دفاع استئصال للقتال ، ولكن دفاع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه عن الحق بوجه الظلم والكفر والعناد أمن وسلام ، لذا قال تعالى بخصوص معركة أحد لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ، ومن معانيه وجوه :
الأول : هلاك طائفة من الذين كفروا في معركة أحد.
الثاني : تخلي بعض القبائل عن المشركين ونصرتهم في معركة أحد وبعدها.
الثالث : وضوح قانون وهو في كل معركة بين المسلمين والمشركين يقطع الله طرفاً من الذين كفروا ويهلك بعض رؤسائهم .
الرابع : تقدير الآية أعلاه بخصوص معركة بدر التي سبقت معركة أحد : ليقطع طرفاً من الذين كفروا في معركة أحد كما قطع طرفاً منهم في معركة بدر ، إذ هلك من المشركين يوم بدر سبعون ، ويوم أحد اثنان وعشرون .
والتمني كيفية نفسانية ، وحال تعتري الإنسان تتجلى فيها معاني الرغبة والنسبة بين التمني والأمل العموم والخصوص المطلق .
وورد الحديث بصيغة أخرى (وتمنوا العافية ) وهو من الإعجاز في الأوامر والنواهي النبوية ، إذ يجمع الحديث بين النهي والأمر .
ترى لماذا قدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم النهي ، الجواب لأنه موضوع ذات الحديث ويصح ذكره بمفرده ، ويكون باقي الحديث تتمة وبياناً إضافياً له .
ترى لماذا لا يتمنى المسلمون لقاء العدو ، الجواب من وجوه :
الأول : كراهة القتال ، قال تعالى [كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ] ( ).
الثاني : فوز المسلمين بالثواب العظيم وإن لم يقاتلوا العدو .
الثالث : دخول الناس الإسلام بالحجة والبرهان ، ومن غير قتال .
الرابع : هذا الحديث مصداق وتفسير من السنة النبوية لقوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ).
وليكون من مصاديق الآية أعلاه منع النبي لأسباب ومقدمات القتال النفسية حتى في حال قوة ومنعة الإسلام ، فمع كثرة عدد وعدة المسلمين فان الحديث يحجب المسلمين عن الرغبة في القتال ، إنما يدعوهم إلى الصبر والتفرغ للعبادة والذكر .
ومن الإعجاز في بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نفاذ الأوامر والنواهي القرآنية والنبوية إلى شغاف القلوب لتصبح جزء من الكيفية النفسانية للمسلمين ، مع الإدراك العام بلزوم صيرورتها عبادية محضة لا يشوبها ما يبعث على الفعل المكروه .
وهل يدل النهي عن تمني لقاء العدو لزوم ترك مقدمات وأسباب القتال ، الجواب نعم , ولا يشمل الإحتراز والمرابطة والحيطة , قال تعالى[وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ]( ).
قانون ذكر الله أمن وسلام
(عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ألا أنبئكم بخير أعمالكم ، وأزكاها عند مليككم ، وأرفعها في درجاتكم ، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق ، وخير لكم من أن تلقوا اعداءكم فتضربوا أعناقهم؟ قالوا : بلى .
قال : ذكر الله .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يقول : إن لكل شيء صقالة وإن صقالة القلوب ذكر الله ، وما من شيء أنجى من عذاب الله من ذكر الله .
قالوا : ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال : ولو أن يضرب بسيفه حتى ينقطع).
وأخرج البزار والطبراني والبيهقي عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من عجز منكم عن الليل أن يكابده ، وبخل بالمال أن ينفقه ، وجبن عن العدو أن يجاهده فليكثر ذكر الله.
وأخرج الطبراني في الأوسط عن جابر رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما عمل آدمي عملاً أنجى له من العذاب من ذكر الله .
قيل : ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال : ولا الجهاد في سبيل الله إلا أن يضرب بسيفه حتى ينقطع( ).
عن أبي أمامة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من هاله الليل أن يكابده ، وبخل بالمال أن ينفقه ، وجبن عن العدو أن يقاتله فليكثر من سبحان الله وبحمده ؛ فإنها أحب إلى الله من جبل ذهب ينفقه في سبيل الله( ).
وفي الأحاديث أعلاه مسائل :
الأولى : ترغيب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين والمسلمات بذكر الله عز وجل.
الثانية : بيان قانون وهو تفضيل الذكر على الإنفاق في سبيل الله سواء كان الإنفاق واجباً أو مستحباً , مع عظيم الثواب في كل منهما .
الثالثة : ذكر الله أعظم أجراً من الجهاد .
الرابعة : من أراد التقرب إلى الله والفوز برحمته ورضاه فعليه الإجتهاد بالذكر ، قال تعالى[فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ]( ).
الخامسة : الإنذار والوعيد لمن امتنع عن ذكر الله وعن الصلاة ، قال تعالى [وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى] ( ).
السادسة : بيان حقيقة وهي أن الجهاد والقتال فيه سفك دماء من الطرفين من المسلمين والمشركين ، أما الذكر فهو أمن وسلام ومع هذا فان ثوابه أعظم من الجهاد .
السابعة : ذكر الله جهاد مع النفس ومنع لها من الميل إلى الملذات واتباع الشهوات ، وفيه استقرار للمجتمعات وبناء للإقتصاد وتنمية للمكاسب والتجارات إذ أن الحرب تعطيل لها ، وقد اختارت قريش القتال ومحاربة النبوة والتنزيل وهم يظنون أنها تكون حرباً سريعة يحققون فيها الغلبة لتعود قوافلهم تجوب الصحراء وبما يزيد من شأنهم عند القبائل وبلاط الدول الكبرى آنذاك في الدولة الرومانية والفارسية والتجار في الشام واليمن والعراق .
ليكون من أسرار نزول القرآن نجوماً وعلى نحو التوالي والتدريج تجدد ذكر الله , ودفع وعجز المشركين عن حسم المعارك بسرعة .
ومن مصاديق رحمة الله عز وجل في الأرض وجود بديل لأي فعل حسن وعدة طرق وسبل لتحقق الغايات الحميدة ، ودفع الأذى والبلاء ، وكان كل يوم مناسبة لتوبة قريش وكفهم عن القتال .
ومن الآيات أن النبي محمداً لم يجهز الجيوش بعد معركة بدر أو أحد للهجوم على مكة كي يحتج الكفار بالتعجيل بالهجوم ، فان قيل كانت قريش تخشى على قوافلها من المسلمين.
والجواب لم يقع هجوم المسلمين على قوافل قريش ، وبامكانهم تغيير مسار القوافل وكثرة الحرس عليها وطلب الأمن والسلامة لها من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما حصل في صلح الحديبية .
وفي رجاء كفار قريش النبي صلى الله عليه وآله وسلم جلب عدد من المسلمين الذين فروا من مكة وصاروا يتعرضون لقوافلهم ، فلما رجع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من صلح الحديبية (جاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا : العهد الذي جعلته لنا.
فدفعه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرجلين فخرجا به حتى بلغا به ذا الحليفة( )، فنزلوا يأكلون من تمر لهم.
فقال أبو بصير لأحد الرجلين : والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيدا
فاستله الآخر وقال : أجل والله إنه لجيد لقد جربت به وجربت
فقال له أبو بصير : أرني أنظر إليه
فأمكنه منه فضربه حتى برد وفر الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين رآه : لقد رأى هذا ذعرا.
فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : قد قتل والله صاحبي وإني لمقتول فجاء أبو بصير فقال يا نبي الله : قد أوفى الله بذمتك قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم
فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ويل أمه ، مسعر حرب لو كان له أحد ، فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم فخرج حتى أتى سيف البحر( ).
وينفلت منهم أبو جندل فلحق بأبي بصير فجعل لا يخرج رجل من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة
قال : فوالله ما يسمعون بعير لقريش خرجت إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم
فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم تناشده الله والرحم لما أرسل إليهم فمن أتاه منهم فهو آمن فأرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله [وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ]( )، حتى بلغ حمية الجاهلية .
وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم , وحالوا بينه وبين البيت) ( ).
الثامنة : ومعنى قوله صلى الله عليه وآله وسلم كل شئ له صقالة أي حالة من الجلاء والوضوح والنقاء ، ويقال صقل السيف أي جُلي وأزيل عنه الصدأ ، وصار بهيئة أحسن وأكثر بياضاً .
وقد يقال في المثل (هْوَ نَقِيّ كالحُسامِ قَدْ صُقِلْ)( ).
وقد يأتي الجلاء بمعنى الملأ والعامة ، وقيل : أُذكروني في الخلاء والملاء أذكركم في الجلاء والملأ بيانه ما روي في بعض الكتب إنّ الله قال : أنا عند من عبدني، فليظن بي ما شاء( ).
لبيان أن ذكر الله حسن في كل الأحوال ، وتتغشى منافعه الدنيا والآخرة وهل علوم التفسير من ذكر الله ، الجواب نعم ، لما فيها من البيان والتبيين واستحضار آيات القرآن والإجتهاد في تأويلها ، وذكر قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في تفسيرها والسنة النبوية القولية والفعلية والتقريرية .
وعن عبد الله مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : إن هذا القرآن مأدبة الله فاقبلوا من مأدبته ما استطعتم ، إن هذا القرآن حبل الله ، والنور المبين ، والشفاء النافع ، عصمة لمن تمسك به ، ونجاة لمن تبعه ، لا يزيغ فيستعتب ، ولا يعوج فيقوم ، ولا تنقضي عجائبه ، ولا يخلق من كثرة الرد .
اتلوه فإن الله يأجركم على تلاوته كل حرف عشر حسنات ، أما إني لا أقول الم حرف ، ولكن ألف ولام وميم( ).

قانون التصنيف الموضوعي للآيات والأحاديث
من الأولى تصنيف موسوعات وفق الموضوع والحكم للآيات والأحاديث ولا بد من تأليف أخرى بحسب اللحاظ والموضوع خاصة مع سهولة جمع الأحاديث بالأجهزة التقنية الحديثة وتقسيمها بما يسهل للعلماء التحقيق والإستنتاج والإستنباط وعلوم تفسير النبي صلى الله عليه وآله وسلم للقرآن , وتفسير ذات الحديث النبوي من جهات عديدة منها :
الأولى : موسوعة آيات الجنة ودلالاتها .
الثانية : موسوعة الأحاديث النبوية الخاصة بالجنة .
الثالثة : موسوعة الطريق إلى الجنة كتاباً وسنة .
الرابعة : موسوعة آيات البشارة بالجنة.
الخامسة : موسوعة الصبر في الكتاب والسنة .
السادسة : الآيات والأحاديث التي تدل على أن الصبر والذكر مفتاح الفرج (وأخرج أبو نعيم في الحلية من طريق مالك بن أنس ، عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين قال – لما قال له سفيان الثوري : لا أقوم حتى تحدثني – قال جعفر: أما أني أحدثك ، وما كثرة الحديث لك بخير يا سفيان .
إذا أنعم الله عليك بنعمة فأحببت بقاءها ودوامها ، فأكثر من الحمد والشكر عليها ، فإن الله تعالى قال في كتابه [لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ]( )، وإذا استبطأت الرزق ، فأكثر من الاستغفار ، فإن الله تعالى قال في كتابه [اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ] ( ) يعني في الدنيا والآخرة [وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا]( )، يا سفيان ، إذا أحزنك أمر من سلطان أو غيره ، فأكثر من لا حول ولا قوّة إلا بالله ، فإنها مفتاح الفرج وكنز من كنوز الجنة) ( ).
السابعة : مصطلحات الحديث النبوي .
الثامنة : موسوعة أشراط الساعة ، ولا ضير في تعدد هذه الموسوعات وان اتحد العنوان (عن عمرو بن تغلب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن من أشراط الساعة أن يفيض المال ، ويكثر الجهل ، وتظهر الفتن ، وتفشو التجارة) ( ) (عن أنس قال : جاء عبدالله بن سلام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مقدمه المدينة، فقال : إنّي سائلك عن ثلاث لا يعلمهنّ إلاّ نبي، ما أوّل أشراط السّاعة؟
وما أوّل طعام يأكله أهل الجنّة؟
والولد ينزع إلى أبيه أو إلى أُمِّه؟
قال : أخبرني جبريل بهنّ آنفاً قال عبدالله : ذاك عدوّ اليهود من الملائكة.
قال : أمّا أوّل أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب،
وأمّا أوّل طعام يأكله أهل الجنّة مرارة كبد حوت،
فأمّا الولد،
فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولدَ،
وإذا سبق ماء المرأة نزعت الولدَ.
فقال : أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أنّك رسول الله. ثمّ قال : يا رسول الله إنّ اليهود قوم بهت،
وإن علموا بإسلامي قبل أن تسائلهم عنّي بهتوا عليَّ عندك،
فجاءت اليهود فقال لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أي رجل عبد الله فيكم؟
قالوا : خيرنا وابن خيرنا،
وسيّدنا وابن سيّدنا،
وأعلمنا وابن أعلمنا. قال : أرأيتم إن أسلم عبد الله. قالوا : أعاذه الله من ذلك،
فخرج إليهم عبد الله. فقال : أشهد أن لا إله إلاّ الله،
وأشهد أنَّ محمّداً رسول الله. قالوا : شرّنا وابن شرّنا. وانتقصوه،
قال : هذا ما كنت أخاف يا رسول الله وأحذر.) ( ).
التاسعة : موسوعة السنة النبوية بيان وتفسير للقرآن ، ويمكن تقسيم هذه الموسوعة إلى أقسام بحسب اللحاظ مثل :
الأول : السور المكية وتفسير النبي صلى الله عليه وآله وسلم لها .
الثاني : السور المدنية وتفسير النبي صلى الله عليه وآله وسلم لها.
الثالث : الآيات التي فسرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم حال نزولها .
العاشرة : أسئلة المسلمين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بخصوص آيات القرآن ، وهي على أقسام :
أولاً : الأسئلة التي وردت في القرآن كما في قوله تعالى [يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ] ( ).
ثانياً : الأسئلة التي لم ترد في القرآن.
وأيهما أكثر ، الجواب هو الثاني ، إنما ورد لفظ [يَسْأَلُونَكَ] خمس عشرة في القرآن لبيان تعدد وكثرة أسئلة المسلمين والناس للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، كما في الحديث أنه (جاء رجل إلى أبي ذر فقال : ما الإِيمان؟ فتلا عليه هذه الآية[لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ]( )، حتى فرغ منها .
فقال الرجل : ليس عن البر سألتك.
فقال أبو ذر : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسأله عما سألتني ، فقرأ عليه هذه الآية فأبى أن يرضى كما أبيت أن ترضى.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ادن . فدنا فقال : المؤمن إذا عمل الحسنة سرته رجاء ثوابها ، وإذا عمل السيئة أحزنته وخاف عقابها) ( ) .
ثالثاً : الآيات التي نزلت بسبب سؤال المسلمين وعامة الناس للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (عن أبي أمامة التميمي قال : قلت لابن عمر : إنا ناس نكتري فهل لنا من حج؟ قال : أليس تطوفون بالبيت ، وبين الصفا والمروة ، وتأتون المعرف( )، وترمون الجمار ، وتحلقون رؤوسكم؟ .
قلت : بلى . فقال ابن عمر : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسأله عن الذي سألتني عنه ، فلم يجبه حتى نزل عليه جبريل بهذه[لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ]( )، فدعاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقرأ عليه الآية وقال : أنتم حجاج) ( ).
رابعاً : سؤال المسلمين النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أمورهم العامة وأحوالهم الخاصة ، وفيه شاهد على إقرارهم بنبوته وأنه لا ينطق إلا عن الوحي (عن خارجة بن الصلت التميمي، عن عمّه قال : جاء عمي من عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فمرّوا بحيّ من الأعراب،
فقالوا : انّا نراكم قد جئتم من عند هذا الرسول،
إنّ عندنا رجلا مجنوناً مخبولا،
فهل عندكم من دواء أو رقية؟
فقال عمّي : نعم. فجيىء به،
فجعل عمي يقرأ أُمّ القرآن وبزاقه فإذا فرغ منها بزق فجعل ذلك ثلاثة أيام،
فكأنّما أهبط من جبال،
قال عمي : فأعطوني عليه جعلا،
فقلت : لا نأكله حتى نسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسأله،
فقال : كُلهُ، فمن الحلّ تُرقيه بذلك. لقد أكلت بِرُقية حق) ( ).
الحادية عشرة : إخبار القرآن والسنة عن كون الشفاعة طريقاً للخلود في النعيم مع تقسيم وتبويب هذه الموسوعة لوجوه:
الأول : آيات الشفاعة .
الثاني : تفسير النبي صلى الله عليه وآله وسلم لآيات الشفاعة .
الثالث : شفاعة الملائكة .
الرابع : تأكيد الشفاعة .
الخامس : قانون الشفاعة دليل على حب الله للناس .
السادس : بيان القرآن والسنة للذين تحجب عنهم الشفاعة ، قال تعالى [فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ] ( ) (عن أنس بن مالك قال : أول من يأذن الله عز وجل له يوم القيامة في الكلام والشفاعة ، محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فيقال له : قلْ تُسمعْ وسلْ تُعْطَه.
قال : فَيَخرُّ ساجداً فيثني على الله ثناء لم يُثْنِ عليه أحدٌ ، فيقال : ارفع رأسك . فيرفع رأسه فيقول : أي رب ، أمتي . . أمتي . . فيخرج له ثلث من في النار من أمته.
ثم يقال : قل تُسمع ، وسل تعط . فيخرّ ساجداً فيثني على الله ثناء لم يثنه أحد . فيقال : ارفع رأسك . فيرفع رأسه ويقول : أي رب ، أمتي . . أمتي . . فيخرج له ثلث آخر من أمته.
ثم يقال له : قل تسمع ، وسل تعط . فيخرّ ساجداً فيثني على الله ثناء لم يثنه أحد.
فيقال : ارفع رأسك . فيرفع رأسه ويقول : رب ، أمتي . . أمتي . . فيخرج له الثلث الباقي.
فقيل للحسن : أن أبا حمزة يحدث بكذا وكذا . فقال : يرحم الله أبا حمزة ، نسي الرابعة . قيل : وما الرابعة؟ قال : من ليست له حسنة إلا لا إله إلا الله . فيقول : رب ، أمتي . . أمتي . . فيقال له : يا محمد ، هؤلاء ينجيهم الله برحمته حتى لا يبقى أحد ممن قال لا إله إلا الله ، فعند ذلك يقول أهل جهنم { ما لنا من شافعين ، ولا صديق حميم فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين }( ) وقوله { ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين}) ( ).
الثانية عشرة : الآيات والأحاديث التي تدل على خلود أهل الجنة في النعيم ، وتبعث على العمل الصالح رجاء الثواب الأخروي (عن أبي الدرداء سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : قال الله تعالى : حقت محبتي للمتحابين فيّ ، وحقت محبتي للمتزاورين فيّ ، وحقت محبتي للمتجالسين فيّ ، الذين يعمرون مساجدي بذكري ، ويعلمون الناس الخير ، ويدعونهم إلى طاعتي.
أولئك أوليائي الذين أظلهم في ظل عرشي ، وأسكنهم في جواري ، وآمنهم من عذابي ، وأدخلهم الجنة قبل الناس بخمسمائة عام ، يتنعمون فيها وهم فيها خالدون.
ثم قرأ نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم { أَلا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون}) ( ).
قوله تعالى [يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ] ( ).
وهذه الآية من سورة البقرة هي الآية الثانية التي نتاول قراءتها في هذا الجزء وفق قانون : ( لم يغز النبي أحداً ) وقد تقدم تفسيرها في الجزء الثامن والثلاثين .
بدأت الآية بلفظ [يَسْأَلُونَكَ] والمقصود هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويحتمل مصدر السؤال وجوهاً :
الأول : أهل البيت .
الثاني : المهاجرون .
الثالث : الأنصار.
الرابع : أهل الكتاب .
الخامس : المشركون وفيه دعوة للعلماء لإحصاء آيات السؤال في القرآن من جهات :
الأولى : آيات السؤال الموجه إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : دلالة آيات السؤال على ترغيب الناس بالتوجه إلى النبي لسؤاله ، لتكون الإجابة التي يتفضل بها الله عز وجل من مصاديق قوله تعالى [وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي] ( ).
الثالثة : بيان موضوع السؤال .
الرابعة : بيان كيفية الإجابة النبوية على الأسئلة من جهات :
الأولى : نزول آية أو آيات من القرآن جواباً على السؤال .
الثانية : الإجابة بالحديث القدسي .
الثالثة : الجواب بالسنة النبوية القولية أو الفعلية ، وهي من الوحي .
الرابعة : مبادرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الإجابة .
الخامسة : إنتظار النبي للوحي والتنزيل .
وهل يحتمل تعدد السائل وجهة صدور السؤال، الجواب نعم ، لورود (يسألونك) بصيغة الجمع ، وهذا الجمع من أفراد متعددين ، ويحتمل وجوهاً .
الأول: اتفاق السائلين قبل السؤال .
الثاني : عدم اتفاقهم .
الثالث : ارادة السائل اختبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع : المقصود التفقه في الدين والتسليم بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الخامس : المراد البيان خاصة بعد قيام سرية عبد الله بن جحش بقتل عمرو بن الحضرمي ليلة الأول من رجب.
ولا تعارض بين هذه الوجوه لتعدد السائلين نعم المسلمون منزهون عن سؤال الإختبار ، لذلك تفضل الله عز وجل بالجواب فالمسؤول النبي والمجيب هو الله وهو من الشواهد على تفضيل النبي وعظيم منزلته , والرحمة العامة المترشحة عن توجيه السؤال له . قال تعالى [قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ]( ).
ومن إعجازها أنها لم تأت بصفة الشرط كما في قول تعالى [وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي]( )، فوردت الآية بصيغة المضارع الذي يشمل زمان الحاضر والمستقبل مما يدل على تفضل الله بالجواب الحاضر ، فحين السؤال نزل جبرئيل بالجواب الذي يتضمن البيان والحجة والبرهان .
أما بالنسبة للبيان فالجواب عن موضوع وحكم السؤال وماهيته, وأما الحجة , فالجواب شاهد على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم [وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى] ( ) , وأما البرهان فهو متعدد ومتجدد بلحاظ إعجاز الآية , والوقائع والأحداث الكاشفة عن الحاجة العامة لها .
ويكون تقدير الآية على وجوه :
الأول : يسألونك يا محمد .
الثاني : يسألونك يا رسول الله , ولماذا سيسألونه عن الشهر الحرام والقتال فيه , والمراد من لفظ الشهر الحرام هو اسم الجنس فيسألونه عن الأشهر الحرم رجب ، ذي القعدة والحجة ومحرم والثلاثة الأخيرة فهي متصلة أما رجب فهو منفرد وسبب هذا السؤال .
لقد بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم سرية في أواخر جمادي الآخرة من السنة الثانية للهجرة وجعل عليهم عبد الرحمن ابن عوف ولكنهم حينما ذهبوا بكا , فقال لا أقدر على فراق النبي فأمر عليهم عبد الله بن جحش وهو قريب النبي من جهة أمه أميمة بنت عبد المطلب عمة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وسلمه كتاباً وقال له : لا تفتحه إلا بعد ليلتين , وسار معه ثمانية من المهاجرين ليس معهم واحد من الأنصار ، وبعد أن مشى ليلتين فتح الكتاب واذا به إذا فتحت كتابي فانطلق إلى نخلة (كن بها حتى تأتينا بخبر من أخبار قريش , ولم يأمره بقتال)( ).وفي الكتاب : ولا تستكره أحداً من أصحابك ، وتقع نخلة قرب السيل الكبير ، وهو ميقات قرن المنازل فلما وصلوا رأوا قافلة وهناك مسألتان :
الأولى :ليس كل آية لها سبب نزول ولو دار الأمر أيهما أكثر الآيات التي لها سبب نزول أو الآيات التي ليس لها سبب نزول ، فالآيات التي ليس لها سبب نزول هي الأكثر .
الثانية : المدار على عموم المعنى ، وليس على سبب النزول وان كانت له موضوعية .
وورد الفعل صيغة المضارع ( يسألونك ) وهل تدل صيغة المضارع على إحتمال تجدد السؤال ، الجواب نعم وهو من جهات :
الأولى : يتجدد السؤال كل شهر حرام فمثلاً في الصيام ورد قوله [فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ] ( ) وكذا في الشهر الحرام فلا قتال فيه إلا في حال الدفاع , ويكون من معاني الآية بعث الخوف والفزع في قلوب الذين كفروا واسقاط ما في أيديهم من مباغتة المسلمين في الشهر الحرام.
الثانية : تذكير المسلمين بقدسية الشهر الحرام .
الثالثة : الإخبار عن قانون من الإرادة التكوينية في العوالم الكونية .
الرابعة : تبعث الآية القرآنية المسلمين على المرابطة , مع ضمان سلامتهم فيها , لأن الآية إنذار للذين كفروا .
قانون تساوي رتبة الشهر الحرام
هل هناك تباين رتبي بين الأشهر الحرم في تعظيمها ، وإجتناب القتل والثأر والغزو فيها ، كما في تسمية شهر محرم .
وهل تدل هذه التسمية على حصة إضافية في حرمة أيام بعض الأشهر الحرم فيحرم بعضها من جهة وبعضها من جهتين أو أكثر أم أنها في مرتبة زمانية واحدة ، الجواب هو الثاني إلا أن يرد أمر عرضي , قال تعالى [فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ] ( ) أي في هذه الأشهر بفعل الذنوب والمعاصي .
ولو اتفق تقسيم إرث في شهر حرام ، وأراد بعضهم السطو على بعض حصص الورثة كما في قوله تعالى [وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَمًّا] ( ) فقام بارجاء القسمة إلى ما بعد الشهر الحرام فهل تكون معصيته أقل وأدنى درجة .
الجواب لا ، كما في قوله تعالى [وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ] ( ) إذ أنها قرية آيلة وتطل على البحر الأحمر والذي كان يسمى بحر القلزم ، وتسمى آيلة في هذا الزمان مدينة العقبة .
وكان الماء يجري في ساحل آيلة وفق الآية الكونية المد والجزر ، فيدخل إلى أنهارهم ويسقي زروعهم ، فتخرج الأسماك ، وقد حرم الله عليهم الصيد في السبت من بين أيام الأسبوع ، فصبروا مدة ثم انقسموا إلى ثلاثة طوائف:
الأولى : طائفة بقيت على طاعة الله بالإمتناع عن الصيد ومقدماته يوم السبت .
الثانية : طائفة قامت بحجز الأسماك يوم السبت بأن يضعوا الشباك في الأنهار ليلة الأحد ، فيتعذر على الأسماك الرجوع إلى البحر ليصيدوها يوم الأحد.
الثالثة : طائفة قامت بالنهي عن حجز الأسماك يوم السبت لورود المنع على نحو الإطلاق .
الثالث : كما جعل الله عز وجل حرمة زمانية لأربعة أشهر من كل سنة فانه سبحانه جعل حرمة مكانية للمسجد الحرام وسماه المسجد الحرام كما في قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ] ( ) والبيت الحرام كما في قوله تعالى [جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ] ( ) .
وهل من موضوعية لحرمة الأشهر الحرم في التخفيف عن المسلمين والناس وصيرورتها مقدمة للعفو والمغفرة من عند الله عز وجل ، الجواب نعم ، وهي عون وحرز من إرتكاب الفواحش والقتل والفساد في ذات الأشهر والأماكن المقدسة وغيرها ، ففي الإمتناع عن فعل المعصية تنمية للعصمة من إرتكابها وللنفرة منها طيلة أيام السنة ، ومنه قوله تعالى [الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ] ( ) فان الإستعداد للحج وأدائه مناسبة كريمة للسلامة من فعل المعاصي وواقية من إرتكابها في باقي أيام السنة.
وإمتناع الناس عن القتال أيام الأشهر الحرم وسيلة للتدبر في آيات القرآن ، والتفكر في الخلق وفي معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحسية ، كما أنها مناسبة لقيام المسلمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإنصات الناس للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في دعوتهم إلى الإسلام ، وتلاوة آيات البشارة وآيات الإنذار.

قانون الشهر الحرام سبب للمودة
إن تقيد الناس بحرمة وقدسية الأشهر الحرم من مقدمات الميل إلى الإسلام ، الجواب نعم ، إذ يدرك الناس معه أن أفراد الزمان ملك لله عز وجل وأنه سبحانه خصص منها أشهراً يحرم فيها القتال لتكون مناسبة لحج بيته الحرام والإنصات إلى الدعوة إلى الهدى والصلاح .
وبلحاظ موضوع هذا الجزء وقانون (لم يغز النبي (ص) أحداً) فان كل يوم من أيام أشهر الحج والأشهر الحرم زاجر عن الغزو ، وسبيل لاكتساب المعارف ، فتؤدى مناسك الحج في بضعة أيام شهر ذي الحجة ولكن جعل الله عز وجل شهر شوال وذي القعدة أمناً ومناسبة للتدبر في بديع صنع الله عز وجل ليكون من عمومات قوله تعالى [وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا]( ).
وتبين أشهر الحج وصلات المودة بين الناس فيها القبح الذاتي للقتال والغزو ، ولو أجريت إحصائية أيهما أكثر في دخول الناس للإسلام في الشهر الحرام أو في الشهر الحل ، وفي الأشهر الحرم الأربعة والأشهر الحل الثمانية ، لتبين أن الذين دخلوا الإسلام في الشهر الحرام أكثر من الذين دخلوه في الشهر الحل .
ويكون معاني قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ) تفضل الله عز وجل بالرحمة للعالمين بتهيئة مقدمات تبليغ رسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإنصات الناس إليها طيلة أيام السنة إذ تجتمع وفود الحاج في مكة وأسواقها وفي مِنى وعرفة لينقلوا إلى قبائلهم آيات القرآن ، ومعجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكيف أن قريشاً يحاربونه وأهل بيته وأصحابه باليد واللسان ، وما يزداد النبي صلى الله عليه وآله وسلم على هذه المحاربة إلا ثباتاً وعزماً على تبليغ الرسالة وإنجذاب الناس إليه ودخول أولاد رؤساء الشرك بالإسلام ، قال تعالى[يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ]( ).
ويتناقل الناس بتفكر طوعي وقهري صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه خمس مرات في اليوم ، ونفرتهم وإنكارهم لوجود الأصنام في البيت الحرام ، ومن الآيات في التقسيم الزماني للأشهر الحرم أن ثلاثة منها سرد متصل وهي ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ، كي يحرز الناس الأمان في طريقهم إلى البيت الحرام ، وأن استغرق ثمانية وثلاثين يوماً في شهر ذي القعدة كله والأيام الأولى من شهر ذي الحجة ، إلى جانب التزود من أسواق مكة بيعا وشراء فبعث الله النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليشتري الناس أنفسهم أيام الحج وخارجها , قال تعالى [وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ]( ).
وأمن وفد الحاج في طريق العودة في خمس وأربعين يوماً بقية أيام شهر ذي الحجة وشهر محرم ، ومن الإعجاز في زيادة الأيام الحرم التي بعد الحج على الأيام التي قبله أمور :
الأول : إحتمال تأخر وفد الحاج في مكة لإتمام المناسك عند العودة من منى بعد أيام التشريق ثم الطواف .
الثاني : الإستراحة لأيام بعد أداء مناسك الحج خاصة وأنهم كانوا يقطعون الطريق بين مكة ومنى وعرفات مشياً على الأقدام أو على الرواحل وذات الرواحل يراد العناية بها ، وتوفير علفها وشربها .
الثالث : انتظار بعض وفد الحاج للرفقة .
الرابع : الميل للصلات في مكة , وتبادل الأشعار والقصائد والزيارات بين الوفود ، وهو من مصاديق تسمية عرفة وما تدل عليه من مقدمات وصيغ التعارف ، قال تعالى [فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الضَّالِّينَ]( ) .
ومن خصائص ذكر الله أنه حرب على عبادة الأصنام ، ودعوة لإزاحتها من البيت الحرام ، والتخلص من أسباب الشرك.
الخامس : عودة الحاج ببضائع وميرة من أسواق مكة فيصعب عليه المشي والسير السريع ويلزمه الإستراحة والنزول في الطريق ليكون من خصائص حرمة شهر محرم أمن وفد الحاج على أموالهم ورحالهم ، وهو سبب لإزدهار التجارة ، وهو من مصاديق قوله تعالى [سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ]( ).
وليكون من معاني قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ) عودة وفد الحاج بآيات القرآن والدعوة إلى التوحيد وهو أعظم هدية وحبوة يرجع بها الحاج إلى أهله ، وإن لم يكن يومئذ مسلما, وهو الذي تخشاه قريش .
ومن معاني الأشهر الحرم أن الذين يمر عليهم الحاج في الطريق لا يؤاخذونه على ما يحمله من الآيات ، وما يتلوه منها ويبين رضاه عنها واستبشاره بها ، فان المؤمن يتعذر عليه إخفاء ميله للآيات وتعلقه وتصديقه بها .
السادس : لحاظ حالات الطوارئ والمرض في مكة وطريق العودة وإحتمال الأخطار والآفات فيه ، وتبدل الأحوال الجوية كالمطر والبرد أو شدة الحر .
وقال تعالى [إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ] ( ) وهو من الإعجاز القرآني بلحاظ أن التلاعب والتحريف لأيام الأشهر الحرم من الكفر والتمادي فيه ، ليكون ضبط الأشهر الحرم وتعاهد ثبات أوقاتها من حدود الله ، قال تعالى [تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا]( ) ومن وجوه الحاجة إلى بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تمادي الذين كفروا بالكفر والجحود ، وتعديهم على الأنظمة الكونية التي جعلها الله عز وجل رحمة ، وأمناً للناس ، ومناسبة للتدبر في الخلق .
(عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خطب الناس فقال : أيها الناس إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ، منها أربعة حرم ، ثلاث متواليات رجب مضر حرام ، إلا وإن النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا)( ).
قانون حرمة تحريف حساب الأيام
لقد كان العرب قبل الإسلام تطول عليهم مدة الأشهر الحرم الثلاثة المتوالية ذي القعدة وذي الحجة ومحرم ويريدون الغزو والنهب والسلب وإقتياد بعض من المغزوين أسرى وسبايا ، فيحلون شهر محرم ويجعلون بدله شهر صفر .
ولا يعلم أسباب الرحمة بتوالي ثلاثة أشهر حرم إلا الله عز وجل ، بالإضافة إلى أن الحل في شهر محرم يعيق عودة وفد الحاج سالمين ، وقد يمنع الكثيرين من المجئ إلى مكة لأداء مناسك الحج خشية أن تكون بيوتهم مكشوفة .
و(عن ابن عباس قال : كان جنادة بن عوف الكناني يوفي الموسم كل عام ، وكان يكنى أبا ثمادة فينادي : ألا أن أبا ثمادة لا يخاف ولا يعاب ، ألا إن صفر الأول حلال ، وكان طوائف من العرب إذا أرادوا أن يغيروا على بعض عدوهم أتوه فقالوا : أحل لنا هذا الشهر – يعنون صفر – .
وكانت العرب لا تقاتل في الأشهر الحرم فيحله لهم عاماً ويحرمه عليهم في العام الآخر ، ويحرم المحرم في قابل { ليواطئوا عدة ما حرم الله }( ) يقول : ليجعلوا الحرم أربعة غير أنهم جعلوا صفراً عاماً حلالاً وعاماً حراماً .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : كانت النسأة حياً من بني مالك من كنانة من بني تميم ، فكان أخراهم رجلاً يقال له القلمس وهو الذي أنسأ المحرم ، وكان ملكاً ، كان يحل عاماً ويحرمه عاماً ، فإذا حرمه كانت ثلاثة أشهر متوالية ، ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ، وهي العدة التي حرم الله في عهد إبراهيم عليه السلام ، فإذا أحله دخل مكانه صفر في المحرم ليواطىء العدة.
يقول : قد أكملت الأربعة كما كانت لأني لم أحل شهراً إلا وقد حرمت مكانه شهراً ، فكانت على ذلك العرب من يدين للقلمس بملكه حتى بعث الله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ، فأكمل الحرم ثلاثة أشهر متوالية ورجب شهر مضر الذي بين جمادى وشعبان) ( ).
ترى لو لم يبعث الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم في ذات الفترة والبلد الذي بعث فيه ، فهل يكون هناك قتال في الشهر الحرام أم أن القتال بسبب بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الجواب هو الأول اذ كان المشركون يملّون الإبطاء والإرجاء في الثأر والقتال والغزو في الأشهر الحرم بالنسئ والتعدي على الحرمات ، فبعث الله عز وجل النبي محمداً لإعادة الحرمة الواقعية للأشهر الحرم ، وان كانت ثلاثة أشهر متتالية وصيرورة الناس في أمن وأمان مدتها وليتوجهوا الى حج البيت الحرام في أشهر الحج لأن شهري ذي القعدة وذي الحجة من الأشهر الحرم ومن أشهر الحج ويسبقهما شهر شوال وهو من أشهر الحج وليس من الأشهر الحرم ، ويتعقبهما شهر محرم وهو من الأشهر الحرم وليس من أشهر الحج .
لتكون فيه دعوة إلى وفد الحاج للرجوع إلى قبائلهم وديارهم ، وتجاوز الأرض التي يكون فيها خطر عليهم بقية أيام ذي الحجة وطيلة شهر محرم ، ولإمكان التفاوض وإبرام الصلح وعقود البيع والشراء والإقتراض خلال تلك المدة.
وفي قوله تعالى [يَسْأَلُونَكَ]( ) مسائل :
الأولى : التوثيق السماوي لأسئلة المسلمين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : بيان حرص المسلمين على اللجوء إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في اسئلتهم والأمور العامة ، قال تعالى [قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ]( ).
الثالثة : تفقه المسلمين في الدين ومن ضروب التفقه توجيه المسلمين السؤال الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم :
الأول : ذات السؤال للرسول فقاهة وشاهد على التصديق بنبوته ، نعم قد يسأل غير المسلمين النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولكن سؤالهم يأتي للإختبار أو لطلب البرهان ، أما سؤال المسلمين فهو مترشح عن تصديقهم برسالته وطلب رضوان الله ، قال تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا]( ).
الثاني : موضوع كل سؤال فقاهة ، وسعي في الإنتفاع الأمثل من وجود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومدرسة الوحي بين ظهراني المسلمين .
الثالث : إجتهاد المسلمين في العمل بمضامين الجواب الذي يأتي به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابع : إصلاح المسلمين للإحتجاج والمنعة في الجدال ، والعصمة من الشك والريب ، لذا ورد في آية البحث قوله تعالى [وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ]( )، فسؤال المسلمين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن أمور دينهم ودنياهم واقية من الإرتداد وأسباب الضلالة.
الرابعة : تقيد المسلمين بالأحكام الشرعية , وما نزل به القر آن , ومواريث الأنبياء .
الخامسة : امتناع المسلمين عن القتال إلا إذن من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو من عمومات طاعتهم لله ورسوله.
السادسة : بيان قبح فعل الذين كفروا بمحاربتهم للدين الحنيف , وصدهم المسلمين عن الحج والعمرة .
وهل نصبُ المشركين الأصنام في البيت الحرام من مصاديق قوله تعالى [وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ] ( ).
الجواب نعم , وتقدير الآية : وكفر بالله , وصدّ عن المسجد الحرام .
وعن (ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ: وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ, يَقُولُ: وَصَدٌ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)( ).
وقيل أن تحريم القتال في الأشهر الحرم منسوخ بآية السيف وقتال المشركين أينما وجدوا , ونسب إلى الجمهور , وليس من دليل عليه , فلم يثبت قتال المشركين أينما وجدوا , وكذا فإن حرمة القتال في الأشهر الحرم باقية إنما يجوز الدفاع لأحكام الضرورة بدليل قوله تعالى في آية البحث [وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا] ( ).
السابعة : بيان كيفية عمل المسلمين ومدى التزامهم باحكام الشريعة ، وحرصهم على الصدور عن الكتاب والسنة ، قال تعالى [وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ] ( ).
الثامنة : جاء سؤال المسـلمين للنبي محـمد صلى الله عليه وآله وسلم عن احكام الشهر الحرام من باب المثال ذي الموضوعية وليس الحصر.
التاسعة : مجيء القرآن بالإجابة رحمة من الله وسبيل هداية ورشاد الى يوم القيامة ، وتحتمل هذه الرحمة في متعلقها والجهة التي تنتفع منها وجوهاً :
الأول : الذي أو الذين توجهوا بالسؤال إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني : الذين كانوا حاضرين المسألة .
الثالث : الصحابة من الرجال .
الرابع : عموم الصحابة من الرجال والنساء .
الخامس : أجيال المسلمين والمسلمات .
السادس : عموم الناس من المسلمين وأهل الكتاب ، والذين كفروا ، وفي التنزيل [قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ]( ).
آية [قُلْ قِتَالٌ] ( ) أمن عام
من الإعجاز في آية البحث أنها زاجر للذين كفروا عن الهجوم على المدينة في الأشهر الحرم لأنهم يدركون الأمر من الله للمسلمين بالدفاع , كما انها تجعل المشركين في فزع وخوف حتى في الأشهر الحرم .
فمن إعجاز آية البحث تبدل الحال على نحو مضاد ، فبعد أن كان المشركون يسعون بمكر للإنقضاض على المسلمين بالشهر الحرام بذريعة أن المسلمين هم الذين تعدوا على حرمة الشهر الحرام بقتل سرية عبد الله بن جحش لعمرو بن الحضرمي صار المشركون يخافون على أنفسهم , وقوافلهم في البراري حتى في الأشهر الحرم .
فمن الآيات سير قوافل قريش محملة بالبضائع في طرق الجزيرة العامة بين مكة والشام ، ومكة واليمن ، ومكة والطائف ، وغيرها أصبحت قوافلهم في خطر وعرضة للمصادرة بسبب تعديهم على النبي وأهل بيته والصحابة في مكة والإستيلاء على املاكهم وأموالهم ، إلى جانب تهديد ووعيد المشركين لأن وعيدهم للمسلمين حجة عليهم وسبب لتعرض قوافلهم للأذى من قبل المسلمين وغيرهم ، قال تعالى [وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ]( ).
لقد ظهرت حال الندامة عند الذين كفروا على إخراج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، وحملهم على الهجرة لقوله تعالى [وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ] ( ).
وهل تشمل الآية الصحابة الذين هاجروا إلى الحبشة أم أن القدر المتيقن من الآية هو خصوص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الذين هاجروا إلى المدينة.
الجواب هو الأول , إذ تشمل الآية كل المسلمين والمسلمات الذين هاجروا من مكة , ولا تستثنى من هذه القاعدة العامة مسألة الذين هاجروا إلى الحبشة لأنهم غادروا مكة بأمر من النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما كان أمره عن ضرورة ورجاء سلامتهم .
(قال ابن إسحاق: فلمّا رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية بمكانه من الله، ومن عمّه، وأنه لا يقدر أن يمنعهم من البلاء.
قال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإنّ بها ملكاً لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه فخرج عند ذلك المسلمون مخافة الفتنة، وفراراً بدينهم إلى الله.
فخرج عثمان بزوجته، وأبو حذيفة ولد عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بزوجته سهلة بنت سهيل بن عمرو، فولدت له بالحبشة محمداً.
والزّبير بن العوّام، ومصعب بن عمير العبدريّ، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة بن عبد الأسد المخزوميّ، وزوجته أم سلمة أمّ المؤمنين، وعثمان بن مظعون الجمحيّ، وعامر بن ربيعة حليف آل الخطّاب، وامرأته ليلى بنت أبي حثمة العدويّة، وأبو سبرة بن أبي رهم بن عبد العزّى العامريّ، وسهيل بن بيضاء، وهو سهيل بن وهب الحارثي، فكانوا أوّل من هاجر إلى الحبشة.
قال: ثم خرج جعفر بن أبي طالب، وتتابع المسلمون إلى الحبشة. ثم سمّى ابن إسحاق جماعتهم وقال: فكان جميع من لحق بأرض الحبشة، أو ولد بها، ثلاثة وثمانين رجلاً فعبدوا الله وحمدوا جوار النّجاشي، فقال عبد الله بن الحارث بن قيس السّهميّ:
يا راكباً بلّغاً عنّي مغلغلةً( ) … من كان يرجو بلاغ الله والدين
كلّ امرئ من عبد الله مضطّهد … ببطن مكة مقهور ومفتون
أنّا وجدنا بلاد الله واسعة … تنجي من الذّلّ والمخزاة والهون
فلا تقيموا على ذلّ الحياة وخز … ي في الممات وعيب غير مأمون
إنّا تبعنا نبّي الله، واطرحوا … قول النّبيّ وعالوا في الموازين
فاجعل عذابك في القوم الذين بغوا … وعائذ بك أن يعلوا فيطغوني
وقال الصحابي عثمان بن مظعون يعاتب أميّة بن خلف ابن عمّه، وكان يؤذيه:
أتيم بن عوف والذي جاء بغضةً … ومن دونه الشرّ مان والبرك أكتع
أأخرجتني من بطن مكّة آثماً … وأسكنتني في صرح بيضاء تقذع
تريش نبالاً لا يواتيك ريشها … وتبري نبالاً ريشها لك أجمع
وحاربت أقواماً كراماً أعزّةً … وأهلكت أقواماً بهم كنت تفزع
ستعلم إن نابتك يوماً ملمّة ..وأسلمك الأوباش ما كنت تصنع) ( ).
ومن عمومات قوله تعالى (وَالْفِتْنَةُ أَكبرُ مِنْ الْقَتْلِ) قيام قريش بتعقب المهاجرين إلى الحبشة والذين خرج بعضهم من مكة سيراً على الأقدام , وبعضهم على الدواب , وحالما علمت قريش بخروجهم , تعقبوهم وأقتفوا آثارهم , وركبوا الجياد والإبل للسعي للإمساك بهم.
ولكن فضل الله عز وجل حاضر , فعندما وصل المهاجرون إلى ساحل البحر الأحمر عند ميناء الشعيبة في تهامة جنوب مكة وجدة قبل أن يتحول الميناء إلى جدة في أيام عثمان بن عفان وجدوا سفينتين يريد أهلها الإبحار بها إلى الحبشة , فركبوا ودفع كل واحد من المهاجرين نصف دينار ليصلوا إلى الحبشة في شهر رجب من السنة الخامسة للبعثة النبوية الشريفة.
وهل من فتنة الذين كفروا إضطرار الصحابة لركوب البحر وتحمل أخطاره وأهواله ، الجواب نعم .
لقد سأل المسلمون عن الشهر الحرام هل فيه قتال , فجاء الجواب من عند الله شاملاً لما سألوا عنه ، وما لم يسألوا عنه مما له صلة بموضوع السؤال وهذا الجواب من وجوه :
الأول : (قل) بصيغة فعل الأمر فلابد أن يقوم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتبليغ الجواب من عند الله عز وجل .
الثاني : في الشهر الحرام قتال ودفاع عن النبوة والتنزيل ، وليس عند المشركين ما يدافعون عنه .
الثالث : بيان صفة القتال في الشهر الحرام بأنه كبير من جهات :
الأولى : كثرة الذين يشتركون في القتال .
الثانية : شدة القتال .
الثالثة : إبتداء المشركين بالتعدي على حرمة الشهر الحرام .
الرابعة : إصرار المشركين على محاربة النبوة والتنزيل .
الخامسة : إرادة تشبيه المعقول بالمحسوس كما في لفظ (كبير) وفي حديث (جابر بن عبد الله قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأتى على قبرين يعذب صاحباهما فقال : إنهما لا يعذبان في كبير ، وبكى ، أما أحدهما فكان يغتاب الناس ، وأما الآخر فكان لا يتأذى من البول فدعا بجريدة رطبة فكسرها ، ثم أمر بكل كسرة فغرست على قبر ، فقال : أما إنه سيهون من عذابهما ما كانا رطبتين) ( ).
والمراد من الضمير ( فيه )في قوله تعالى [قِتَالٍ فِيهِ] الشهر الحرام لإرادة اسم الجنس , والتقدير على وجوه :
الأول : قل قتال في شهر رجب .
الثاني : قل قتال في ذي القعدة.
الثالث : قل قتال في ذي الحجة.
الرابع : قل قتال في شهر محرم .
قوله تعالى [فِيهِ كَبِيرٌ]
يحتمل لفظ (كبير) من جهة متعلقه وجوهاً :
الأول : قل قتال كبير في كل شهر حرام .
الثاني : قل قتال كبير في بعض الأشهر الحرم وبعضها فيه قتال قليل .
الثالث : قل قتال كبير بسبب النسئ ، وتبديل الذين كفروا أيام السنة .
الرابع : قل قتال كبير في أيام مخصوصة من الشهر الحرام .
الخامس : قل قتال كبير في بعض الأشهر الحرم وبعضها ليس فيه قتال .
وجاءت الآية لأمور :
الأول : احتمال القتال في الشهر الحرام .
الثاني : الإستعداد للقتال في الشهر الحرام ، ورد اعتداء الذين كفروا , قال تعالى [فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ]( ).
الثالث : الإذن للمسلمين بقتال الذين كفروا في الشهر الحرام.
السادسة : بيان احتمال وقوع قتال شديد في الشهر الحرام أكبر من مسافة , فقتل عمرو الحضرمي في اليوم المشكوك هل هو من الشهر الحرام أم لا .
و(عن مجاهد قال : إن رجلاً من بني تميم أرسله النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سرية ، فمر بابن الحضرمي يحمل خمراً من الطائف إلى مكة فرماه بسهم فقتله ، وكان بين قريش ومحمد عقد فقتله في آخر يوم من جمادى الآخرة وأول يوم من رجب . فقالت قريش : في الشهر الحرام ولنا عهد؟ .
فأنزل الله { قل قتال فيه كبير . . . } الآية . يقول : كفر به وعبادة الأوثان أكبر من قتل ابن الحضرمي) ( ).
السابعة : المراد من لفظ كبير أنه عظيم .
الثامنة : إرادة وقوع قتلى وجرحى في المعركة .
التاسعة : إنه قتال كبير عند الله عز وجل مع جور الذين كفروا وظلمهم لأنفسهم وللمؤمنين .
العاشرة : بيان قانون وهو كل قتال في الشهر الحرام كبير للجرأة فيه على الله عز وجل والنبوة والتنزيل , قال تعالى [إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ] ( ).
الحادية عشرة : القتال كبير لأنه مكروه بالذات، قال تعالى [كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ] ( ), ويكون القتال في الشهر الحرام أشد كراهة لذا ورد لفظ (كبير) في الآية, (وروى جابر بن عبد الله النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يغزو فيها إلا أن يغزى)( ).
الرابع : صد المشركين عن سبيل الله عز وجل من جهات :
الأولى : منع الناس من دخول الإسلام .
الثانية : إيذاء المسلمين .
الثالثة : الإستهزاء بالتنزيل .
(قال ابن عباس : لمّا قصّ رسول الله {صلى الله عليه وآله وسلم} شأن القرون الماضية،
قال النضر : لو شئت لقلت مثل هذا إنْ هذا إلاّ أساطير الأوّلين في كتبهم.
فقال عثمان بن مظعون : اتق الله فإن محمداً يقول الحق. قال : فأنا أقول الحق. قال : فإن محمداً يقول : لا إله إلاّ الله. قال : فأنا أقول لا إله إلاّ الله. ولكن هذه شأن الله يعني الاصنام. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم[إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَانِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ]( )، قال النضر : ألا تَرون أن محمداً قد صدقني فيما أقول يعني قوله {إِن كَانَ لِلرَّحْمَانِ وَلَدٌ} .
قال له المغيرة بن الوليد : والله ما صدّقك ولكنه يقول ما كان للرحمن ولد.
ففطن لذلك النضر فقال : اللّهمّ إن كان هذا هو الحق من عندك.) ( ).
الثالثة : استمرار قريش بالمكر بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه .
الر ابعة : صدّ الناس عن الإنصات لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , قال تعالى [وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً] ( ), أي بالصفير والتصفيق.
الخامسة : إنفاق الذين كفروا الأموال لمحاربة النبوة والقرآن , قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ] ( ).
السادسة : الخبث في المعاملة .
السابعة : نصب الأصنام في البيت الحرام .
الثامنة : منع الناس في موسم الحج وأسواق مكة حينئذ من الإستماع إلى آيات الذكر الكريم , وتحذيرهم من الإنصات إلى دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الإسلام وإلى إيوائه .
عن (ربيعة بن عباد، من بني الديل، وكان جاهليًا فأسلم قال: رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الجاهلية في سوق ذي المجاز وهو يقول: “يا أيها الناس، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا” والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجل وضيء الوجه أحولُ ذو غديرتين، يقول: إنه صابئ كاذب. يتبعه حيث ذهب، فسألت عنه فقالوا: هذا عمه أبو لهب) ( ).
التاسعة : إمتناع المشركين عن دخول الإسلام .
العاشرة : منع المشركين أولادهم من دخول الإسلام ، وإيذاء الذي يسلم منهم , كما في قصة إسلام أبي جندل ابن سهيل بن عمرو حتى إنه حضر مقيداً بالحديد إلى موضع صلح الحديبية قادماً من مكة اثناء كتابة عقد الصلح ، وهو يستجير بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين رجاء نجاته من العذاب الذي جعله أبوه سهيل فيه.
قانون (يسألونك) إكرام للنبي
ابتدأت آية البحث بالخطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المتضمن الخبر بقوله تعالى [يَسْأَلُونَكَ]لتدل الآية على أمور :
الأول : سماع الله عز وجل لقول وسؤال المسلمين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو سبحانه يسمع كل قول ، قال تعالى [قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ] ( ) .
الثاني : إكرام الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وللمسلمين في توثيق بعض أسئلتهم له ، وفيه ترغيب بالسؤال , ومن دلائل هذا الترغيب إنشغال المسلمين بالفقاهة في الدين ، ومعرفة أحكام الحلال والحرام ، والعزوف عن الغزو ، وليكون من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( )، كثرة اسئلة المسلمين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وبما فيه جلب المصلحة ودفع المفسدة.
الثالث : منع الحرج عن المسلمين ، إذ يتفضل الله عز وجل ويرفع عنهم الخلاف والإرباك والتردد ، فلو بقوا في حيرة من أمرهم غزاهم المشركون في عقر دارهم فيكون الضرر بالغاً إذ لم يكن عند المسلمين محل أو بلد آخر يلجأون إليه .
وقد ورد لفظ الشهر الحرام في القرآن ثلاث مرات واحدة في آية البحث ، واثنتين في قوله تعالى [الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ] ( ) لبيان انتهاك المشركين لحرمة وقدسية الشهر الحرام بمنع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من العمرة في ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة .
وأن الله عوّض المسلمين بأن أدخلهم مكة في الشهر الحرام من السنة السابعة ، وقيل المراد انتهاك كفار قريش لحرمة الشهر الحرام في صلح الحديبية مثلما قتلت سرية عبد الله بن جحش عمرو بن الحضرمي في الشهر الحرام والأول أصلح .
(عن ابن عباس قال : لما سار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معتمراً في سنة ست من الهجرة ، وحبسه المشركون عن الدخول والوصول إلى البيت ، وصدوه ومن معه من المسلمين في ذي القعدة وهو شهر حرام حتى قاضاهم على الدخول من قابل ، فدخلها في السنة الآتية هو ومن كان معه من المسلمين وأقصه الله منهم ، نزلت هذه الآية { الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص}( )( ).
وحالما أخبر الله عز وجل عن سؤال المسلمين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم جاء الجواب من عنده سبحانه , لتجمع الآية بين السؤال وجوابه .
وهل هو من مصاديق قوله تعالى [إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ] ( ) الجواب نعم ، لبيان فضل الله عز وجل على المسلمين من جهات :
الأولى : إجابة الله عز وجل على سؤال المسلمين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : توثيق السؤال الصادر من المسلمين .
الثالثة : مجئ الجواب من عند الله والذي يتصف بأمور :
الأول : الإذن والإباحة والرخصة .
الثاني : دفع الشك والخلاف والخصومة بين المسلمين .
الثالث : جاء السؤال من المسلمين في حال أو واقعة مخصوصة ، ولكن الجواب من عند الله يتغشى الوقائع والأيام إلى يوم القيامة.
ومن معاني ابتداء الآية بالسؤال عن الشهر الحرام تعاهد المسلمين لأوان الشهر الحرام من غير نسيئة أو تقديم أو تأخير ، قال تعالى [إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ] ( ) .
وهذا التعاهد من المسلمين للشهر الحرام مستمر إلى يوم القيامة ، وهو من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
قانون الآية دفع للضرر
تقدير آية البحث : يسألونك عن الشهر الحرام وعن القتال فيه ) فجاء الجواب من عند الله عن الشهر الحرام وعن القتال فيه ، لدفع القتال والفتن والإضرار العام الذي يقع.
والضرر لغة حصول الأذى الشديد، وهو خلاف النفع ، وفي الإصطلاح : هو جلب الأذى وحرمان الذات أو الغير من مصلحة مشروعة على نحو التعدي أو الإهمال .
وبين الأذى والضرر عموم وخصوص مطلق ، إذ أن الضرر أشد في مرتبته من الأذى , قال تعالى [لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى]( )، ومنه دفع إضرار المشركين بالهجرة ، و(عن أبى سعيد الخدري ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لا ضرر ولا ضرار من ضار ضره الله ومن شاق شق الله عليه) ( ).
ومن معانيه أن الضرر بالذات والإضرار بالغير ، (عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : الأضرار في الوصية من الكبائر ) ( ).
مما يدل على أن المراد من الإضرار هو إجحاف بعض الورثة .
وقد يكون الضرر من طرف واحد , أما الإضرار فهو من الطرفين أو أن الإضرار على نحو المجازاة بمن ابتدأ بالضرر فيكون الضرر بمعنى الحاق الأذى بالغير .
أما الإضرار فهو الرد بالضرر على الغير , وسيأتي مزيد كلام في قاعدة (لا ضرر ولا ضرار ) ( ).
وقيل الضرر ما كان من غير قصد والضرار ما كان عن قصد لأنه نوع مضارة ، وقد كان المشركون يجمعون بين الضرر والإضرار بالذات والغير ، إذ أنهم يشركون بالله عز وجل ، ويتخذون من البيت الحرام الذي أراد الله عز وجل أن يكون آمناً ومحلاً لعبادته ، قال تعالى [وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ] ( ) .
ولقد أضر مشركوا قريش من جهات :
الأولى : الإضرار بالأنفس .
الثانية : إيذاء أهل مكة .
الثالثة : تحريف القواعد في البيت الحرام وسنن الطهارة فيه .
الرابعة : نصب الأصنام في المسجد الحرام .
الخامسة : قيام المشركين بضرب الحصار على بني هاشم ليتخلوا عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واستمر هذا الحصار ثلاث سنوات فصار الصبيان من بني هاشم يشطران التمرة الواحدة بينهما ، ويفوز الذي تكون النواة في سهمه ، مما يدل على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتصديق بني هاشم بها .
وأظهر النبي الصبر الجميل مدة الحصار وبعده ، وحتى في فتح مكة لم يؤاخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم رؤساء المشركين على ما فعلوه به وبأصحابه وأهل البيت و( قال: الإسلام يجّب ما قبله).
السادسة : إضرار المشركين بالذين يدخلون الإسلام رجالاً ونساءً .
السابعة : قيام المشركين بتجهيز الجيوش لمحاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، وفي هذا التجهيز والغزو إضرار بالذات والغير.
المطلق والمقيد
من خصائص القرآن علم الإطلاق والتقييد ، فما كان مطلقاً في آية قد تجده مقيداً في آية أخرى .
ويكون التقييد من جهة موضعه على وجوه :
الأول : ورود التقييد في ذات الآية التي تتضمن الإطلاق كما في قوله تعالى [وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ] ( ) إذ أن ذكر المرافق كحد لغسل الأيدي في الوضوء تقييد للإطلاق الذي يدل عليه ذكر الأيدي .
الثاني : ورود التقييد في آية أخرى غير الآية التي تتضمن الإطلاق وهو الأكثر ، كما في قوله تعالى [تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ]( ) ، وجاء التقييد بقوله تعالى [فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ] ( ).
الثالث : ورود التقييد للآية القرآنية في السنة النبوية ، كما في قوله تعالى [وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاًمِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] ( ) (عن أيمن ابن أم أيمن رفعه : قال لا قطع إلا في المجن وثمنه يومئذ دينار) ( ).
والمِجن : التُرس ، وهو نوع درع يدوي مستدير من الجلد ونحوه يحمله المحارب ليدفع عن نفسه ضرب السيف (عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ يَقُولُ لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ) ( )( ) .
والكثر جمار النخيل وهو اللب النامي في أعلى جذع النخلة إذ يستخرج بعد قطع النخلة أو الفسيل ، ولونه أبيض ويقطع شرائح للأكل .
وفي المرسل (عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه قال : لا قطع في ثمر معلق فإذا آواه الجرين ففيه القطع) ( ).
(عن أبي الزبير عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ليس على مختلس ولا منتهب ولا خائن قطع) ( ).
(عن عائشة ، قال الزهري : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا)( ).
وعن الإمام علي عليه السلام قال (أربعة لا قطع عليهم : المختلس ، والغلول ، ومن سرق من الغنيمة ، وسرقة الأجير فانها خيانة) ( ).
والغلول هو الذي يأخذ الشئ خفية ، وعنه عليه السلام (كل مدخل يدخل فيه بغير إذن فسرق منه السارق فلا قطع فيه يعني : الحمامات والخانات والأرحية).
ومن الآيات في المقام أن التقييد رحمة وتخفيف ، وباب للتفقه في الدين وإدراك ما فيه من السعة ، وصحيح أن العلماء يعتنون بباب المطلق والمقيد في باب الأحكام ، ولكنها قد تتعلق بالأخبار والذات كما في قوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً] ( ) ثم أخذ بنو إسرائيل يسألون عن صفاتها وموسى عليه السلام يجيبهم بالوحي كما في قوله تعالى [قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ] ( ).
وقد ورد لفظ البقرة أربع مرات في القرآن كلها في موضوع متحد وفي موضع واحد وعلى نحو متوال في الآيات (67-71)من سورة البقرة ، في آية إعجازية في ألفاظ القرآن ، وتسمى السورة باسم سورة البقرة ، وهي أطول سور القرآن ، وثاني سورة في ترتيبه بعد سورة الفاتحة .
وقد يكون المطلق مقيدا بالنسبة لمطلق آخر أعم منه فقوله تعالى [يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ] ( )مطلق ، وقوله تعالى [لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ] ( ) مقيد , ولكنه يكون مطلقاً بالنسبة لقوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ] ( ) .
ووردت آيات التوبة والمغفرة مطلقة كما في قوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ] ( ) وورد التقييد من وجوه :
الأول :الإستثناء من جهة ماهية الذنب والمعصية ، باستثناء الشرك بالله من المغفرة بدليل قوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا]( ) .
ومن إعجاز الآية أنها لم تقل إن الله يغفر الذنوب إلا الشرك ، لبيان أن الذي يموت وهو مشرك بالله لا يغفر الله له ذنوبه.
وفيه مصداق لقوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ) بلحاظ كبرى كلية وهي أن الله عز وجل بعث النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لنجاة وتخليص كفار قريش ونحوهم من عبادة الأصنام .
الثاني : التباين والتمايز بين الناس في تلقي المغفرة والأهلية لها ، قال تعالى [يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ] ( ) .
الثالث :عدم تسويف التوبة لحين طرو الأجل .
الرابع : اقتران التوبة بالإيمان وفعل الصالحات , قال تعالى[ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ]( ).
علم الاحصاء الموضوعي في الحديث النبوي
لقد جعل الله عز وجل السنة النبوية المصدر الثاني للتشريع ، وهي بيان وتفسير للقرآن لتلائم آياته أهل الأرض جميعاً على اختلاف مشاربهم وأجناسهم ولغاتهم , ويدركون معانيها والغايات الحميدة منها ، لذا صان وعصم الله عز وجل السنة النبوية ، وجعل أحاديث النبي شعبة من الوحي ، قال تعالى [وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى] ( )، ولا يحق للعالم والفقيه أن يكتفي بآيات القرآن في كل أحكام الشريعة فلابد من الجمع بينها وبين السنة النبوية واستنباط المسائل والحلية والحرمة ، والأمر والنهي من أدلتها التفصيلية ، ويدخل في السنة النبوية الحديث القدسي ، وهو الذي نقله النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم منسوباً إلى الله عز وجل بمعناه ، وليس بالتنزيل واللفظ الذي لا يقبل التبديل والتغيير بالحرف والكلمة كما في آيات القرآن .
نعم تلاحظ درجة الحديث وهل هو حديث صحيح أو حسن أو ضعيف السند الى جانب الحديث المرسل والمرفوع والموقوف والمنقطع الى جانب الحديث الشاذ والمنكر والمضطرب والغريب والمدلس.
مع ترك الحديث الموضوع الذي لم يقله النبي صلى الله عليه وآله وسلم , وقد أولى العلماء طبقة بعد طبقة علم تقسيم الحديث هذا عناية خاصة وتم تنقيح كثير من الأحاديث واسقاط الموضوع والمخالف للكتاب ، ولابد من الإلتفات إلى الإحصاء الموضوعي للأحاديث للإنتفاع الأمثل منها ، والتخصيص في دراسة كل قسم منها ، وصلته بآيات القرآن ودلالته على نهج السلم الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
والإحصاء لغة هو العد المستغرق للأفراد بحسب الموضوع والحكم واللحاظ .
وجاء القرآن بالثناء على الله عز وجل في قدرته على الإحصاء المطلق ودلالته على إنفراده سبحانه بالعدّ والإحصاء لكل شئ وحضور الأشياء كلها عنده مجتمعة ومتفرقة، قال تعالى [لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا] ( ) وقال تعالى [لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا] ( ).
لقد صاحَبَ علم الإحصاء الإنسان من أول هبوطه إلى الأرض ، وهو فرع من علم الرياضيات إلا أنه حاضر في العمل والكسب والمعاملات ، وحتى في العبادات إذ تتقوم بالإحصاء ، فيتجلى في الصلاة من وجوه :
الأول : عدّ الفرائض في اليوم والليلة وهي خمسة ، صلاة الصبح ، صلاة الظهر ، صلاة العصر ، صلاة المغرب ، صلاة العشاء .
الثاني : أوان كل فرض من الصلاة بلحاظ الآيات الكونية كطلوع الفجر أواناً لصلاح الصبح ، وزوال الشمس عن كبد السماء كأول الوقت لصلاة الظهر ، ويمكن استقراء أوقات الصلوات باعتماد عقرب الساعة اليدوية وساعة الجدار والهاتف ونحوها ، وهو من فضل الله , وتعدد قيام الحجة على الناس .
الثالث : إحصاء عدد ركعات الصلاة ، وضبط أركانها وأجزائها الواجبة والمستحبة , ولزوم عدم الزيادة أو النقيصة فيها ، ومن الإعجاز أنها على أقسام ، فصلاة الصبح ركعتان ، وكل من صلاة الظهر والعصر والعشاء أربع ركعات ، أما صلاة المغرب فهي ثلاث ركعات.
إحصاء الصلوات المستحبة وموضوعها (قال ابن عباس : ما كنتُ أعْلَمُ صلاةَ الضحى في القرآن حتى سمعتُ اللَّهَ تعالى يقول : { يُسَبِّحْنَ بالعشى والإشراق }( ))( ).
واشراق الشمس ليس طلوعها إنما هو ارتفاعها في السماء وصفاء ضوئها .
وقد تكون ذات الآية القرآنية أو الحديث النبوي مناسبة ومادة للإحصاء (عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : يصبح على كل سلامي من ابن آدم صدقة . تسليمه على من لقي صدقة ، وأمره بالمعروف صدقه ، ونهيه عن المنكر صدقة ، وإماطته الأذى عن الطريق صدقة ، وبضعه أهله صدقة . قالوا : يا رسول الله أحدنا يقضي شهوته وتكون له صدقة؟! قال : أرأيت لو وضعها في غير حلها ألم يكن يأثم) ( ).
الرابع : التوالي في أفعال مخصوصة في الصلاة بعد مقدمة الطهارة إذ تبدأ بتكبيرة الإحرام ثم القراءة وتتألف من قراءة سورة الفاتحة مع سورة أو آيات من القرآن .
وإحصاء أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم على وجوه:
الأول : إحصاء وعدّ مجموع أحاديث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني : تقسيم الأحاديث حسب الموضوع والحكم .
الثالث : تقسيم الأحاديث مثل :
الأول : أحاديث المنبر والخطب النبوية .
الثاني : أحاديث الدفاع ، منها قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (من قتل دون ماله فهو شهيد) ( ) .
وقال (من تعدون الشهداء فيكم ؟ قالوا : يا رسول الله ، من قتل في سبيل الله فهو شهيد قال : إن شهداء أمتي إذا لقليل .
قالوا : من يا رسول الله ؟ قال : من قتل في سبيل الله ، فهو شهيد ، ومن مات في سبيل الله ، فهو شهيد ، ومن مات في الطاعون فهو شهيد ، ومن مات في بطن ، فهو شهيد . قال سهيل : وأخبرني عبيد الله بن مقسم ، قال : أشهد على أبيك ، أنه زاد في الحديث الخامس ومن غرق فهو شهيد) ( ).
الرابع : أحاديث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهي كثيرة تستلزم الإحصاء ، ومن خصائص الإحصاء التجلي والبيان ، وهو وعاء ووسيلة للإستدلال ومعرفة السببية والعلة والمعلول .
وقد ورد في وصف النبي محمد في التوراة والإنجيل والقرآن بأنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، قال تعالى [الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ5 النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ]( ).
ولم يرد لفظ [يَأْمُرُهُمْ] في القرآن إلا في الآية أعلاه لبيان قانون وهو أن آيات القرآن والسنة النبوية تتضمنان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
(وأخرج البزار عن حذيفة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الإِسلام ثمانية أسهم : الإِسلام سهم ، والصلاة سهم ، والزكاة سهم ، والصوم سهم ، وحج البيت سهم ، والأمر بالمعروف سهم ، والنهي عن المنكر سهم ، والجهاد في سبيل الله سهم ، وقد خاب من لا سهم له) ( ).
لقد بذل العلماء جهوداً لتصنيف وإحصاء الأحاديث المتشابهة وان تعدد الراوي والسند ، وصارت هذه الثورة التقنية والمعلوماتية مناسبة وفرصة للإحصاء المتعدد للأحاديث وضبطها والإستدلال بها ، وإستنباط المسائل منها وبيان إشراقات الإعجاز فيها .
بحث أصولي
قال تعالى [قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ] ( ).
الحمد لله الذي جعل الدنيا دار التكليف إذ صاحبت الأوامر والنواهي الإنسان من حين عمارته الأرض ، وهل هذه التكاليف من مصاديق خلافة الإنسان في الأرض الجواب نعم.
والأولى في علم الأصول الرجوع إلى آيات القرآن للإستدلال على المدرك والمطلب.
(عن أبي الجارود قال: قال أبو جعفر عليه السلام: إذا حدثتكم بشئ فسألوني من كتاب الله، ثم قال في بعض حديثه: إن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن القيل والقال، وفساد المال، وكثرة السؤال، فقيل له: يا ابن رسول الله أين هذا من كتاب الله عز وجل.
قال: قوله : لا خير في كثير من نجويهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس “
وقال: ” ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما ” وقال: (لا تسئلوا عن أشياء إن تبدلكم تسؤكم “)( ).
وكل من الحكم التكليفي والوضعي فرعا الحكم الشرعي في تقسيم استقرائي له ، ومن خصائصهما أمور :
الأول : الحكم التكليفي خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين ، من جهة الإقتضاء والتخيير والمنع ، وهل يشمل خطاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المتوجه إلى المسلمين ، الجواب نعم لقوله تعالى [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا] ( ) وللآيات التي تدل على وجوب طاعة الله النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
أما الحكم الوضعي فهو خطاب الله تعالى بخصوص السبب والشرط للشئ أو المانع منه .
الثاني : الحكم التكليفي مطلوب لذاته كأداء الصلاة والزكاة ، قال تعالى [وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ] ( ) وقد يأتي التكليف والوجوب بصيغة الجملة الخبرية ، كما في قوله تعالى [وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً]( ) .
وقد يأتي الحكم التكليفي لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ، قال تعالى [لاَ تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلاَئِدَ وَلاَ آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ] ( ) إذ كان المسلمون والمشركون يحجون البيت الحرام فنهى الله عز وجل المسلمين عن أداء المناسك أو منع أحد من الحج قبل أن ينزل النهي .
(عن ابن عباس في الآية قال : شعائر الله ما نهى الله عنه أن تصيبه وأنت محرم ، والهدي ما لم يقلدوا القلائد مقلدات الهدي { ولا آمين البيت الحرام } يقول : من توجه حاجاً ) ( ).
الثالث : من خصائص الحكم التكليفي قدرة المكلف على إتيانه وسقوطه مع العذر وعدم الإستطاعة ، وفي وجوب الصيام والرخصة للمريض والمسافر قال تعالى[شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]( ).
وقد ورد لفظ [مَرِيضًا] في القرآن ثلاث مرات ، اثنتين بخصوص فريضة الصيام ، وتتعلق الأخرى بالحج ، قال تعالى [وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ] ( ) وهذه الثلاثة كلها في سورة البقرة .
أما الحكم الوضعي فقد يكون بمقدور المكلف اتيانه أو أنه خارج عن قدرة وسلطان المكلف .
فمثلاً عقد البيع فان المكلف كمالك بائع أو مشتر دافع للثمن قادر عليه ، واختياره ورضاه شرط في صحة العقد .
وأما غير المقدور عليه فالنسب في الإرث وصلة القرابة ، فقد يرث المكلف بقرابته من الميت ، وقد لا يرث ،فاذا كان من المرتبة الأولى كالولد للميت فانه يرث ذكرا كان أو أنثى ، وكذا إذا كان من المرتبة الثانية كالجد فقد يرث مع فقد الورثة من المرتبة الأولى ، وقد لا يرث مع وجودهم .
ولا يختص الإرث بالمكلفين البالغين العقلاء ، إذ يرث المجنون والصبي ، وبالنسبة لطلوع الفجر لصلاة الصبح مثلاً إذ يتوجه الخطاب التكليفي حينئذ إلى المكلفين مع عدم قدرتهم على تعيين هذا الوقت ، وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا] ( ).
الرابع : يتعلق الحكم التكليفي بالبالغ العاقل لحديث الرفع , و(عن ابن عمر أنّ النبيّ {صلى الله عليه وسلم} قال : «رُفع عن أمّتي الخطأ والنسيان وما أُكرهوا عليه ) ( ) .
(عن ابن ظبيان قال: أتي عمر بامرأة مجنونة قد زنت فأمر برجمها، فقال علي عليه السلام : أما علمت أن القلم يرفع عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ) ( ).
فلا يشمل الحكم التكليفي الصبي ، نعم لو أتلف شيئاً يتعلق به الضمان .
قانون الاسلام والسلام توأمان
لقد تفضل الله عز وجل بالأمر إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم برفع لواء الإنذار بالقرآن والحجة والبرهان والتذكير بيوم القيامة ولزوم استعداد الناس للوقوف بين يدي الله عز وجل ، مما يدل على أن النبي لا يريد القتال ولا يسعى إلى القتل وسفك الدماء .
إنما يبين للناس حب الله لهم ، ولطفه بهم وبالنبوة والتنزيل والإنذار الذي يجري على لسان النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأمر من عند الله , ولابد من تحقيق الإستجابة له ، وهو من إعجاز الآية لقانون كل أمر إلهي له استجابة يومية من الناس .
ومن أسماء الله عز وجل السلام ، وفي التنزيل [هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّار سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ]( )، لبيان أن الربوبية المطلقة لله عز وجل سلام وأمن للخلائق كلها ، وهو من مصاديق قوله تعالى [كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ]( ) .
ومن أسماء الجنة (دار السلام) قال تعالى في ثواب المؤمنين [لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ]( )، وجعل الله عز وجل السلام تحية بين المسلمين ، وفي الترغيب به نصوص نبوية كثيرة لبيان قانون وهو حضور السلام في الصلاة اليومية وفي المجالس والمنتديات وهو دعوة لنبذ القتال والخصومة ، فان كانت أربعة أشهر من السنة حرم لا يجوز فيها القتال فان جعل الله عز وجل التحية بين المسلمين السلام زاجرا عن الشقاق والقتال بينهم ، وقال تعالى [وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلاَمَ]( ) .
وعن سعيد بن جبير قال : خرج المقداد بن الأسود في سرية بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمروا برجل فيه غنيمة له ، فقال : إني مسالم . فقتله ابن الأسود ، فلما قدموا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فنزلت هذه الآية { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا} قال : الغنيمة( ).
ومن الإعجاز في قوله تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، ملازمة الإسلام للإنسان من أول هبوط آدم وحواء ومن مناهج الإسلام السلام ، وبينهما عموم وخصوص مطلق ، فالإسلام أعم ، وهو يدخل السلام الى النفوس والمجتمعات ويطرد الكدورة والغيلة والضغائن .
وهل الأشهر الحرم من السلام , الجواب نعم ، وفيه أن السلام من الإرادة التكوينية وهو من قوانين الكائنات قبل أن يخلق آدم لقوله تعالى [إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ]( ).
ولا تنحصر الدعوة إلى السلام بالأنبياء وأتباعهم ، فهو نهج العقلاء والمصلحين في الأرض , وينفرد المؤمنون بقصد القربة في اختيار السلام والدعوة إليه والصبر عليه , والدعاء لعموماته .
ومن معاني الدوام في هذا القانون بقاء الإسلام ومصاحبة السلام له إلى يوم القيامة ، إذ يدعو التنزيل وأداء المؤمنين الفرائض كل يوم الى السلام ، ويتعاهدونه بالقول والعمل ، ليكون من مصاديق حاجة الناس لكل من :
الأول : النبوة .
الثاني : التنزيل .
وتبقى الأشهر الحرام دعاءّ زمانياً للسلام ، ودعوة للناس جميعاً لإجتناب القتال في كل أشهر السنة.
وبالإسناد عن الإمام علي عليه السلام قال :لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ” وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ” ( ) قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ :”اصْنَعْ لِي رِجْلَ شَاةٍ بِصَاعٍ مِنْ طَعَامٍ وَعِنْدَنَا إِنَاءٌ يَكُونُ فِيهِ لَبَناً، فَقَالَ لِي:”امْلأْهُ لَبَنًا”، قَالَ: فَفَعَلْتُ.
ثُمَّ قَالَ لِي : ادْعُ بَنِي هَاشِمٍ”، قَالَ: فَدَعَوْتُهُمْ وَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ لأَرْبَعُونَ رَجُلا أَوْ أَرْبَعُونَ وَرَجُلٌ، قَالَ: وَفِيهِمْ عَشْرَةٌ كُلُّهُمْ يَأْكُلُ الْجَذَعَةَ ( )بِإِدَامِهَا. قَالَ : فَلَمَّا أَتَواْ بِالْقَصْعَةِ، قَالَ : أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ مِنْ ذُرْوَتِهَا، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ :كُلُوا ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا وَهِيَ كَهَيْئَتِهَا لَمْ يَرْزِئُوا مِنْهَا إِلا يَسِيرًا.
قَالَ : ثُمَّ أَتَيْتُهُمْ بِالإِنَاءِ، فَشَرِبُوا حَتَّى رَوَوْا، قَالَ: وَفَضَلَ فَضْلٌ، فَلَمَّا فَرَغُوا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أَنْ يَتَكَلَّمَ فَبَدَرُوهُ بِالْكَلامِ.
فَقَالُوا : مَا رَأَيْنَا كَالْيَوْمِ فِي السِّحْرِ( )، قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ لِي:”اصْنَعْ لِي رِجْلَ شَاةٍ بِصَاعٍ مِنْ طَعَامٍ، قَالَ: فَدَعَاهُمْ فَلَمَّا أَكَلُوا وَشَرِبُوا، قَالَ: فَبَدَرُوهُ، ثُمَّ قَالُوا مِثْلَ مَقَالَتِهِمُ الأُولَى .
قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، قَالَ : اصْنَعْ لِي رِجْلَ شَاةٍ بِصَاعٍ ( ) مِنْ طَعَامٍ”، فَصَنَعْتُ، قَالَ: فَجَمَعَهُمْ فَلَمَّا أَكَلُوا وَشَرِبُوا بَدَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ الْكَلامَ.
فَقَالَ : أَيُّكُمْ يَقْضِي عَنِّي دَيْنِي وَيَكُونُ خَلِيفَتِي فِي أَهْلِي، قَالَ: فَسَكَتُوا وَسَكَتَ الْعَبَّاسُ خَشْيَةَ أَنْ يُحِيطَ ذَلِكَ بِمَالِهِ، قَالَ: وَسَكَتُّ أَنَا لِسِنِّ الْعَبَّاسِ، ثُمَّ قَالَهَا مَرَّةً أُخْرَى، فَسَكَتَ الْعَبَّاسُ فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ .
قُلْتُ: أنا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ : أَنْتَ ، قَالَ: وَإِنِّي يَوْمَئِذٍ لأَسْوَؤُهُمْ هَيْئَةً، وَلإِنِّي لأَعْمَشُ الْعَيْنَيْنِ، ضَخْمُ الْبَطْنِ حَمْشُ السَّاقَيْنِ( ).
لقد كان أمر الله عز وجل إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بانذار عشيرته دعوة للسلم المجتمعي , والإعانة عليه , والتخويف من محاربة النبوة .
قانون النصر ببدر أمن
يتبادر إلى الذهن أن المراد من النصر بمعركة بدر هو غلبة المسلمين يومئذ ، وهذا صحيح وموافق لقاعدة التبادر من علامات الحقيقة , والآية أعم في موضوعها ودلالتها التي تتجدد مع تعاقب الجديدان .
ويكون تقدير قوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ] ( ) على وجوه :
الأول : ولقد نصركم الله ببدر لإيمانكم .
الثاني : ولقد نصركم الله ببدر شكراً لكم ، وفي التنزيل [وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ]( ).
بلحاظ أن موضوع الآية أعلاه أعم من أن يختص بالسعي بين الصفا والمروة إنما يراد قانون من فضل الله في أداء الفرائض وفعل الخيرات ، ومصاديق الصبر ، قال تعالى [أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ] ( ).
الثالث : ولقد نصركم الله ببدر لإصرار الذين كفروا على القتال ومحاربة النبوة والتنزيل.
الرابع : ولقد نصركم الله ببدر لأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بين ظهرانيهم في ميدان المعركة ، وفي التنزيل [وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ] ( )
وقد اجتمع حضور النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودعائه واستغفار المهاجرين والأنصار يوم معركة بدر ، ليتفضل الله ويجعلها واقية من الهزيمة ، بلحاظ أنها نوع أذى وعذاب .
الخامس : ولقد نصركم الله ببدر لقانون وهو أنه سبحانه ينصر ويؤيد ويمّد الذين يدعون إلى التوحيد ، ويعظمون شعائره ، ويتجلى بالوعد الكريم في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ]( ) .
السادس : ولقد نصركم الله ببدر كما نصر الله النبي محمداً بالهجرة من مكة إلى المدينة .
ويتبادر إلى الذهن أن قوله تعالى [سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ] ( ) إنذار ووعيد ، وهذا صحيح ، ولكن من أسرار اللفظ القرآني جمعه للمعاني المتضادة بما يفيد الصلاح والإصلاح فقوله تعالى أعلاه بشارة الأمن والسلامة من الغزو والحروب المتصلة ، وتدل عليه السيرة والوجدان والوقائع التأريخية .
فبعد معركة بدر بدأت شآبيب الأمن تشرق على الجزيرة بانحسار الكفر ، وإمتناع الناس عن القتال ، فان قلت قد جاءت بعد معركة بدر معركة أحد .
والجواب هذا صحيح إذ أراد المشركون وقف زحف الأمن والسلام الذي جاء به التنزيل والنبوة بالوحشية التي عليها المشركون والتي تصاحب الجاهلية إذ لا يتورعون عن سفك الدماء ، وعند وقوعه تبدأ الشفاعة والوساطة لدفع الدية .
وكثيراً ما أظهر القاتل وقومه إنكار القتل أو الإمتناع عن دفع الديه والإتيان بالذرائع فنزل القرآن بالتفصيل بين القتل العمد والخطأ في آية إعجازية يعجز الناس عن الإلتفات إليها وإلى منافعها في وقف سفك الدماء , إذ قال تعالى [وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ] ( ) .
فصار حكم القتل العمد القصاص والقود من القاتل شريفاً كان أو وضيعاً , فأصبح الناس يخافون من الإقدام على قتل الغير خشية قتلهم ، وهو من مصاديق إحتجاج الله عز وجل على الملائكة حينما قالوا [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ] ( ) إذ أصابهم سبحانه [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ) فمن علم الله عز وجل انقطاع سفك الدماء بغير حق بالتنزيل ، وإزاحة الذين كفروا عن الحكم ومصدر القرار بمعركة بدر ، وبعد أن سقط منهم سبعون قتيلاً .
وتفضل الله عز وجل وجعل الدية في قتل الخطأ مع الكفارة ، قال تعالى[وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ] ( ).
وتقدير آية [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ] ( ) بلحاظ هذا القانون على وجوه :
الأول : ولقد نصركم الله ببدر [رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ).
الثاني : ولقد نصركم الله ببدر ليأمن أهل مكة والنواحي والقرى ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا] ( ).
الثالث : ولقد نصركم الله ببدر ليسود الأمن فيتفقه الناس في الدين .
الرابع : ولقد نصركم الله ببدر رأفة بالناس جميعاً .
الخامس : ولقد نصركم الله ببدر لبعث الأمل في النفوس .
السادس : ولقد نصركم الله ببدر , ليتوجه الناس بالدعاء إلى الله .
السابع : ولقد نصركم الله ببدر ليشيع الأمن في البيت الحرام ، وهو من مصاديق قوله تعالى [مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا] ( ) بلحاظ أن معركة بدر وسيلة لإستئصال عيادة الأوثان , وإزاحة مفاهيم الشرك من مكة .
الثامن : ولقد نصركم الله ببدر لتأمن الأسواق والطرقات والجادة العامة بين المدن .
التاسع : ولقد نصركم الله ببدر ليتنجز وعده تعالى [سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ] ( ).
العاشر : ولقد نصركم الله ببدر لتدبروا المنافع العظيمة لهزيمة جمع المشركين ، وهذه المنافع متجددة إلى يوم القيامة .
بحث نحوي في [بِبَدْرٍ]
من إعجاز قوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ] ( ) ذكر كلمة بدر بالذات من غير ورود كلمة معركة أو قتال ونحوه فلم تقل الآية (ولقد نصركم الله بمعركة بدر )أو (بالقتال يوم بدر )، ومن معاني (الباء) في ببدر وجوه :
الأول : الظرفية ، ومعنى الظرفية هي حلول الشئ في وعاء ، وعلى نحو الحقيقة ، مثل : سافر زيد في الطائرة ، وعلى نحو المجاز مثل : السلامة في التقوى .
وعلامة انطباق الظرفية على الباء هو موافقة مجئ (في) بدل الباء ، فيكون تقدير الآية : ولقد نصركم الله في بدر ، لذا يتخذ عدد من النحويين هذه الآية مثالاً لإستصحاب الباء في الظرفية( ) .
الثاني : الإلصاق أي إلصاق الفعل بالمفعول به ، ولم يذكر سيبويه معنى للباء غيره ، ولكن معنى الباء أعم وأوسع ، وحتى لفظ الإلصاق هذا لا يحيط بمعاني الباء لغة وواقعاً ، وإن كان الإلصاق على شعبتين :
الأولى : الإلصاق الحقيقي كما في قوله تعالى [يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ] ( ).
الثانية : الإلصاق المجازي ، كما في قوله تعالى [وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ] ( ) أي يأمرونهم بالإلتصاق بالبخل ، وهذا المثل من عندنا ، ويستدل على هذا القسم من الإلصاق أحياناً بالقول : مررت بزيد ، أو مررت به .
وقال الجواهري (هي من عوامل الجر وتختص بالدخول على الاسماء وهى لالصاق الفعل بالمفعول به اما ( حقيقيا ) كقولك ( أمسكت بزيد ) واما ( مجازيا ) نحو ( مررت به ) كأنك ألصقت المرور به كما في الصحاح وقال غيره التصق مروري بمكان بقرب منه ذلك الرجل) ( ).
(قال الزمخشري: المعنى: التصق مروري بموضع يقرب منه. قلت: وذكر ابن مالك أن الباء في نحو: مررت بزيد، بمعنى على، بدليل ” وإنكم لتمرون عليهم ” . وحكاه عن الأخفش) ( ).
الثالث : السببية لإرادة المعنى الأعم من النصر في معركة بدر والغايات في ذات المعركة إنما هي سبب لنصر الإسلام بدليل قوله تعالى [وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ] ( ) .
قال تعالى [إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] ( ).
وبينما ذكرت الآية أعلاه نصر الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على نحو الخصوص في طريق الهجرة فإن آية ببدر توجهت بالخطاب للمسلمين والإخبار عن نصر الله لهم , ليكون النصر الخاص للنبي في طريق الهجرة مقدمة للنصر العام للمسلمين .
الرابع : الإستعانة وهي الباء التي تدخل على آلة الفعل ، ومنه [بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] ونحو كتبت بالقلم ليكون من معاني [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ] ( ) .
أن المراد من النصر أعم وأكبر من النصر في معركة بدر ، وتقدير الآية على جهات منها :
الأولى : ولقد نصركم الله بين الناس بمعركة بدر .
الثانية : ولقد نصركم الله في مكة والمدينة في معركة بدر .
الثالثة : ولقد نصركم الله بتجلي معجزات النبي محمد بالنصر في معركة بدر .
فمن معاني الآية أن النصر في معركة بدر نوع طريق ومقدمة لنصر متعدد في الميادين المختلفة .
الخامس : إرادة معنى (إلى) كما في قوله تعالى [وَقَدْ أَحْسَنَ بِي] ( ) وتقدير الآية : ولقد نصركم الله إلى بدر ).
لبيان أن هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى المدينة ووجود الأنصار فيها نصر بذاته ومن أسباب النصر .
فدخل المسلمون معركة بدر وهم في حال نصر وغلبة على استبداد الطواغيت وسعيهم لمنع دخول الناس في الإسلام ، وهو لا يتعارض مع هيئة الذل والضعف التي كانوا يومئذ عليها خاصة مع المقارنة مع كثرة عدد جيش الكفار .
ومن طرق النصر إلى معركة بدر سلامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في طريق الهجرة والإيواء في المدينة ، قال تعالى في الثناء على الأوس والخزرج [وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا] ( ) ، فهو نصر ومقدمة للنصر في معركة بدر ، وكذا بالنسبة لإيمان الأنصار .
وحسن سمت الصحابة باظهارهم الطاعة لله ورسوله والإنقياد للأوامر الإلهية ، وهو الذي تجلى في توجه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى معركة بدر ، وصيرورتها أمراً قريباً وواقعاً بعد تبين عزم كفار قريش على القتال إذ خاطب سعد بن معاذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قائلاً :
(قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا ان ما جئت به هو الحق واعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة فامض يا رسول الله لما اردت فنحن معك والذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد وما نكره ان تلقى بنا عدونا غدا انا لنصبر في الحرب صدق في اللقاء.
لعل الله يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله تعالى) ( ).
السادس : يمكن أن نضيف معاني مستحدثة للباء غير الوجوه التي ذكرها النحويون من وجوه :
الأول : إرادة معنى (من) لإبتداء الغاية المكانية كما لو قلت : ابتدأت البناء بالأسس أي من الأسس .
وساد الإسلام ببدر .
وبزغت شمس النصر ببدر ، أي من بدر .
نعم معنى (من) لإبتداء الغاية أعم وأظهر وهو من الشواهد على الدقة والجمال في حروف الجر .
ووردت (من) لابتداء الغاية المكانية حرف جر (من) في قوله تعالى [سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى] ( ).
وتسمى حروف الجر لأنها تجر الاسم الذي يأتي بعدها ، كما تسمى حروف الإضافة لأنها تضيف معنى الفعل إلى الاسم ، وتوصل بينهما .
وقد جمع ابن مالك عشرين حرفاً للجر في بيتين من الشعر :
(هاك حروف الجر وهي من إلى .. حتى خلا حاشا عدا في عن على
مذ منذ رب اللام كي واو وتا … والكاف والباء ولعل ومتى) ( ).
الثاني : إفادة الباء معنى إبتداء الغاية الزمانية ، كما ركبت إلى بغداد بالبصرة ، أي من البصرة .
الثالث : افادة الباء معنى (إلى ) في الغاية المكانية ، كالتي وردت في قوله تعالى [لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ] ( ).
وقد تأتي (إلى ) بما هو خارج المكان ، كما في قوله تعالى [فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً] ( ) فالله عز وجل منزه عن المكان والتحيز في جهة ، فهو سبحانه لا يحويه مكان .
ولا يحل في مكان ولا يجري عليه زمان ، ووجوده سبحانه سابق للمكان والزمان ، فلا فوق ولا تحت ولا يمين ولا يسار ، ولا جسمية ولا حد .
وهو لا يتعارض مع إحاطته بالمكان والزمان وحضور الأشياء كلها عنده سبحانه .
ويعلم الله سبحانه بالوقائع والأحداث قبل وقوعها ، وفي التنزيل [سَيَقُولُونَ ثَلاَثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَاءً ظَاهِرًا وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا] ( ).
وهو رابعهم بعلمه واحاطته بحالهم وما يؤول إليه بدليل الآية أعلاه .
وقيل : من قال إن الله في كل مكان فهو كافر مكذب لله ولرسوله ) .
ولا أصل لهذا التكفير مع النطق بالشهادتين وأداء الفرائض ، فلابد من الاستبيان , ولعل القصد هو إن الله قريب وعالم بالأمور ويرى كل شئ في أي وقت وزمان ، قال تعالى [فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي] ( ).
وقال الجهم بن صفوان رئيس الجهمية بأن الله عز وجل موجود في كل مكان إذ قيل له وهو على جسر مدينة ترمذ , صف لنا ربك , فدخل البيت وبقي أياماً .
ثم خرج وقال : هذا هو الهواء مع كل شىء وفي كل شىء ولا يخلو منه شىء , وقوله هذا ليس بصحيح , وهو نوع مغالطة .
وولد الجهم بالكوفة ونشأ فيها ولما قدم الجعد بن درهم إليها هارباً من الشام صاحبه , وقتل الجعد على يد الوالي الأموي خالد بن عبد الله القسري سنة (105) ونفي الجهم إلى ترمذ فصار ينشر آراءه فيها وفي بلخ , وقتل سنة 128 هجرية على يد الدولة الأموية لخروجه مع الحارث بن سريح التميمي .
وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة (مَنْ لَمْ يَقُلْ : إنَّ اللَّهَ فَوْقَ سَمَوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مَنْ خَلْقِهِ وَجَبَ أَنْ يُسْتَتَابَ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا ضُرِبَتْ عُنُقُهُ ثُمَّ أُلْقِيَ عَلَى مَزْبَلَةٍ لِئَلَّا يَتَأَذَّى بِهِ أَهْلُ الْقِبْلَةِ وَلَا أَهْلُ الذِّمَّةِ) ( ) ، ولا تصل النوبة شرعاً وعقلاً إلى القتل ونوع تمثيل بعد القتل .
وقال تعالى [الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى] ( ), و (عن أبي هريرة : أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بجارية سوداء ، فقال : يا رسول الله إن عليَّ عتق رقبة مؤمنة . فقال لها : أين الله؟ فأشارت إلى السماء بأصبعها فقال لها : من أنا؟ فأشارت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإلى السماء ، أي أنت رسول الله فقال : اعتقها فإنها مؤمنة .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال : أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجل فقال : إن علي رقبة مؤمنة وعندي أمة سوداء . فقال : ائتني بها ، فقال : أتشهدين أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قالت : نعم . قال : اعتقها ) ( ).
الرابع : إفادة الباء معنى (إلى) للغاية الزمانية التي منها قوله تعالى [وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى] ( ).
ومنها قوله تعالى [أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ] ( ).
ومن الأمثلة على إمكان استعمال الباء للغاية الزمانية : تنتهي الرخصة بالأكل والشرب في الصيام بطلوع الفجر .
وينتهي يوم الصيام بغروب الشمس .
قانون السنة النبوية مرآة لبشارات القرآن
من خصائص النبوة مجىء كل نبي بالبشارة والإنذار وكل منهما ينقسم إلى أقسام متعددة منها :
الأول : البشارة في الدنيا ، قال تعالى [وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنْ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيرًا] ( ) ، قال تعالى [الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ] ( ).
الثاني : الإنذار في الدنيا .
الثالث : البشارة بخصوص السعادة الدائمة في الآخرة ، وفيه آيات كثيرة ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ] ( ).
الر ابع : الإنذار بخصوص العذاب في الآخرة .
وثق القرآن صيغ البشارة والإنذار التي جاء بها الأنبياء , كما وتضمنت آيات القرآن البشارات والإنذارات القولية والفعلية والتقريرية بالبشارة والإنذار وما يؤكد مصاديقها التي في القرآن ليرتقي المسلم إلى مراتب التفقه في الدين , وتكون مواطن عالم الآخرة حاضرة في الوجود الذهني عنده , وتصبح مسألة عامة , ، ويتلقى المسلمون وغيرهم البشارات والإنذارات بالقبول والتفكر فيها .
ويصيرون في عصمة من النفرة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , ومن خصائص البشارات أمور :
الأول : تثبيت الإيمان في النفوس (عن أنس قال وقال يعني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا ) ( ).
الثاني : تأكيد عالم الحساب والجزاء في الآخرة .
الثالث : شحذ الهمم , والحث على عمل الصالحات , واكتناز الحسنات , قال تعالى [وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ] ( ).
الرابع : البعث على السعي والعمل نحو الغايات الأخروية .
الخامس : تنمية ملكة الصبر عند المسلمين , والتآزر والتعاون بينهم في التخفيف من الأذى والبلاء الذي يلاقونه , وفي التنزيل [و وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ] ( ).
السادس : تفقه المسلمين في الدين , ومعرفة العوالم الطولية ، وهي :
أولاً : الحياة الدنيا .
ثانياً : عالم البرزخ .
ثالثاً : أوان البعث والنشور .
رابعاً : مواطن الحساب وعرصات يوم القيامة .
خامساً : عالم الجزاء , قال تعالى [وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لاَ رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ] ( ).
السابع : زوال الكروب ، وبعث السكينة في النفوس ، وإنبساط حال الرجاء على الحالة العامة للمسلمين .
الثامن : إجتهاد المسلمين في السعي للبشارات ، والإمتناع عما أنذر الله منه .
التاسع : حث الناس على الإستعداد لعالم الآخرة , وبيان مصداق لقانون بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رحمة للناس جميعاً , قال تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ).
العاشر : تحقق الصداق الواقعي لقوله تعالى [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا] ( ) عند عامة الناس , وهو من الإعجاز الغيري من جهات :
الأولى : إعجاز القرآن .
الثانية : إعجاز السنة النبوية .
الثالثة : إعجاز الجامع المشترك للقرآن والسنة النبوية .
ومن معاني قوله تعالى [وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ] ( ), إنجذاب الأرواح لمقام الربوبية , والتطامن والرضا بمنازل العبودية لله عز وجل , وإتباع سبل الحق والهدى , وتتجلى معاني البشارة في السنة النبوية من وجوه :
الأول : تلقي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لآيات البشارة في القرآن .
الثاني : بيان وتفسير النبي صلى الله عليه وآله وسلم لآيات البشارة .
الثالث : إخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن وقائع وأمور غيبية تدل على بشارات القرآن .
الرابع : إخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه عن بشارات الأنبياء لقومهم , لقد بشّر الأنبياء السابقون بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتضرعوا إلى الله عز وجل لبعثته كما ورد في التنزيل حكاية عن إبراهيم عليه السلام [ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ] ( ).
وهل هذا الدعاء لذات البعثة وإبتدائها أم أنه أعم وأوسع وأعظم , الجواب هو الثاني إذ يتضمن هذا الدعاء أموراً :
الأول : تلقي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الوحي .
الثاني : تعيين نسب ونسبة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأنه من العرب .
الثالث : نزول آيات القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابع : تلاوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم القرآن على المسلمين والمسلمات .
ويحتمل الضمير (هم) في قوله تعالى (وَابْعَثْ فِيهِمْ) جهات :
الأولى : إرادة العرب لقوله تعالى [هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ] ( ).
الثانية : المقصود ذرية إبراهيم عليه السلام .
الثالثة : (أي في الأمّة المسلمة من ذريّة إبراهيم وإسماعيل) ( ), فتكون النسبة بين الضمير (هم) في (رَسُولاً مِنْهُمْ) وبين الضمير (يَتْلُو عَلَيْهِمْ) من ذات آية البحث هو العموم والخصوص المطلق , وأن الضمير في (عَلَيْهِمْ) أعم وأوسع .
الرابعة : المراد عموم المسلمين .
والمختار هو الأخير .
فتكون النسبة بين الضمائر الخمسة في الآية أعلاه هو التساوي وهذه النسبة هي الأصل , وان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بعث في المسلمين وهو من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ), ومن الآيات في المقام أن من المسلمين الأوائل من هو حبشي مثل بلال الحبشي , وصهيب الرومي اللذين أسلما في مكة في بدايات الدعوة الإسلامية , وتحملا شتى صنوف التعذيب .
وصهيب مولى بني تميم بن مرة , وذكر أنه من قبيلة بني النمر من ربيعة بن نزار , وتعرض للسبي في صغره فأقام بين الروم مدة , والصحابي سلمان الفارسي الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم كلمته المشهورة والمتوارثة بين أجيال المسلمين (سلمان منا أهل البيت) ( ) ويتلقونها بالقبول والرضا والإقرار بأنها من الحكمة النبوية.
(وروى كثير بن عبد اللَّه بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده،
قال : خطّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم الخندق في عام الأحزاب. ثمّ قطع أربعين ذراعاً بين كلّ عشرة،
قال : فاحتج المهاجرون والأنصار في سلمان الفارسي،
وكان رجلاً قوياً،
فقال المهاجرون : سلمان مِنّا. وقال الأنصار : سلمان منّا.
فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم سلمان منّا أهل البيت.
قال عمرو بن عوف : كنتُ أنا وسلمان وحذيفة والنعمان بن مقرن المزني وستة من الأنصار في أربعين ذراعاً،
فحفرنا حتى بلغنا الصدى أخرج اللَّه من بطن الخندق صخرة مروة كسرت حديدنا وشقَّت علينا. فقلنا يا سلمان : آت إلى رسول اللَّه وأخبره خبر هذه الصخرة. فإمّا أنْ نعدل عنها فإنَّ المعدل قريب،
وإما أن يأمرنا فيها بأمر،
فإنّا لا نحب أن نجاوز خطة.
قال : فرقى سلمان إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم وهو ضارب عليه قبّة تركية. فقال : يا رسول اللَّه خرجت صخرة بيضاء مروة من بطن الخندق،
وكسرت حديدنا وشقت علينا حتى ما يجيء منها قليل ولا كثير،
فمرنا فيها بأمرك فإنّا لا نحب أن نجاوز خطك،
قال : فهبط رسول اللَّه مع سلمان الخندق وبقينا نحن التسعة على شفة الخندق. فأخذ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم المعول من سلمان فضربها ضربة صدعها،
وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها،
يعني المدينة،
حتى لكأن مصباحاً في جوف بيت مظلم،
فكبَّر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم تكبير فَتْح،
وكبَّر المسلمون،
ثم ضربها صلى الله عليه وآله وسلم فكسرها،
وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحاً في جوف بيتُ مظلم،
فكبَّر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم تكبير فتح،
وكبَّر المسلمون معه. فأخذ بيد سلمان ورقى. فقال سلمان : بأبي أنت وأمي يا رسول اللَّه لقد رأيتُ شيئاً ما رأيتُ مثلهُ قط فالتفت رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم إلى القوم فقال : رأيتم ما يقول سلمان؟
قالوا : نعم يا رسول اللَّه (بأبينا أنت وأمّنا وقد رأيناك تضرب فيخرج برق كالموج،
فرأيناك تكبّر فنكبّر ولا نرى شيئاً غير ذلك) قال : ضربت ضربتي الأولى،
فبرق الذي رأيتم،
أضاءت لي منها قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب،
وأخبرني جبرائيل (عليه السلام) أنَّ أمتي ظاهرة عليها،
ثم ضربت ضربتي الثانية فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور نصرى من أرض الروم كأنَّها أنياب الكلاب،
وأخبرني جبرائيل (عليه السلام) أنَّ أمتي ظاهرة عليها. (ثم ضربت ضربتي الثالثة فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب،
وأخبرني جبرائيل أنَّ أمتي ظاهرة عليها) فأبشروا. فاستبشر المسلمون،
وقالوا : الحمد لله موعود صدق بأن وعدنا النصرُ بعد الحصر. (فطبقت الأحزاب فقال : المسلمون : {هذا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ})( ).
وكثير بن عبد الله ضعيف الحديث , وعن يحيى بن معين .
ليس بشىء , (وقال الشافعي : كثير بن عبد الله المزني ركن من أركان الكذب).
ولكن كثيراً من أحاديث كثير التي يرويها عن أبيع عن جده توافقها أحاديث أخرى عن الصحابة ولا تتعارض مع القرآن والسنة فيمكن الإنتقاء من حديثه لقاعدة (الإنتقاء من حديث الضعيف ), وروى حديث (سلمان منا أهل البيت ) , الطبراني والحاكم في المستدرك .
وعندما اسلم الفرس الذين في اليمن , قالت رسلهم إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم (إلى من نحن يا رسول الله ؟ قال: أنتم منا وإلينا أهل البيت)( ).
وعن الإمام علي عليه السلام قال : (قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم سلمان منا أهل البيت) , وعن الإمام الباقر عليه السلام , وقد ذكر عنده (سلمان فقال : ذاك سلمان المحمدي، إن سلمان منا أهل البيت إنه كان يقول للناس: هربتم من القرآن إلى الاحاديث: وجدتم كتابا دقيقا حوسبتم فيه على النقير والقطمير والفتيل( ) وحبة خردل، فضاق ذلك عليكم، وهربتم إلى الاحاديث التي اتسعت عليكم)( ).
ولا تعارض بين الجهات أعلاه ، والمراد من الضمير في (وَابْعَثْ فِيهِمْ) ( ) من الكلي المشكك , إذ بعث الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم في مكة وبين ذرية إبراهيم ثم صارت بعثته في العرب ثم في المسلمين ومن معاني الحصر بالظرفية هو بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع التوسعة في المقصود من الآية , وكأنه من عمومات قوله تعالى [وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ] ( ).

قانون فضل الله واقية من الغزو
[قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ] ( )
مع كثرة ورود لفظ [فَضْلِ] في القرآن فلم يرد لفظ (بفضل)فيه إلا في الآية أعلاه ، وكذا لفظ [فَبِذَلِكَ] و[فَلْيَفْرَحُوا] أو لفظ [لْيَفْرَحُوا] لبيان قانون وهو كثرة الكلمات المنفردة التي لم ترد إلا في آية واحدة ومن دلالات هذا الإنفراد :
الأول : لا يفرحوا بحطام الدنيا .
الثاني : [خَيْرٌ] اسم تفضيل , وكما يفرح به الجمع أيضاً يفرح به الفرد الحي .
وقيل الفضل الإسلام والرحمة القرآن ، لكن الآية أعم .
(وأخرج الخطيب وابن عساكر عن ابن عباس { قل بفضل الله } قال : النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، { وبرحمته } قال : علي بن أبي طالب عليه السلام ) ( ).
وتقدير الآية أي يا أيها الرسول بلغ المسلمين بأن يفرحوا بالإسلام ونزول آيات القرآن , وتوالي النصر وصرف أذى المشركين .
وتحتمل النسبة بين الفضل والنعمة من الله وجوهاً :
الأول : نسبة التساوي ، وأن الفضل هو النعمة .
الثاني : نسبة العموم والخصوص المطلق ، وهو على شعبتين :
الأولى : الفضل أكثر وأكبر من النعمة .
الثانية : النعمة أكبر واكثر من الفضل .
الثالث : نسبة العموم والخصوص من وجه ، وهناك مادة للإلتقاء ، وأخرى للإفتراق بينهما .
والمختار هو الشعبة الأولى من الوجه الثاني أعلاه ، والنعمة حاضرة والفضل منه ما نزل على الفرد والجماعة ومنه ما يأتي ومنه ما ينتظر الدعاء والمسألة لينزل دفعة أو تدريجاً ، قال تعالى [وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ] ( ).
وكل آية من القرآن من فضل الله عز وجل ، وهل هي فضل على المسلمين خاصة أم على عامة الناس ، المختار هو الثاني ، قال تعالى [هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ] ( ) وهو من أسرار تلاوة كل مسلم ومسلمة للقرآن في الصلاة اليومية جهراً وإخفاتاً ، وقوله تعالى [وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ] ( ) .
وهل علم التفسير والتأويل من فضل ، الجواب نعم ، وهو مصاحب لآيات القرآن من حين نزولها .
ليكون عضداً للمسلمين في عملهم بمضامين آيات القرآن والعصمة من الغواية والضلالة ، وليتجلى الخلق الحميد في سيرة المسلمين حتى مع الأسرى ، قال تعالى [وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ] ( ) .
وتدل الآية أعلاه في مفهومها على عدم بطش النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالأسرى ، سواء لإحتمال خيانتهم وغدرهم ، أو لقيامهم بالخيانة فعلاً ، إذ توصي الآية المسلمين بالأسرى خيرا وعلى كل حال إذ تفضل الله عز وجل على المسلمين بالنصر فتجلت معالمه بالرأفة بالناس جميعاً ومنهم الأسرى ليتدبروا بالإعجاز العقلي والحسي لنبوة محمد ، أما العقلي فتوالي نزول آيات القرآن وكل آية معجزة ، وهذا الإعجاز من فضل الله وهو واقية من الغزو من الطرفين :
الأول : تجعل الآية القرآنية المسلمين يرضون بفضل الله الذي يتغشاهم كل يوم ، ومع كل ساعة منه تنزل على المسلمين مصاديق من فضله لتضاف إلى ما رزقهم من فضله فاذا نزلت نعمة من عند الله فانها لا تغادر الأرض .
ومن خصائص الآية القرآنية أنها تدعو المسلمين إلى الصبر والزهد وتمنعهم من الغزو .
الثاني : تجعل الآية القرآنية المشركين في حال خوف وإرباك ولوم نفسي للتخلف عن الإسلام , وهي أسباب نفسية واجتماعية تحول دون غزوهم المسلمين ، قال تعالى [وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا *فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا] ( ).
أسماء الشهور القمرية
لقد أنعم الله عز وجل على العرب والناس بالبيت الحرام ، قال سبحانه [إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى]( ) وليس من حصر لبركات البيت الحرام التي تذكرها الآية أعلاه ، ويمكن تقسيمها إلى قسمين :
الأول : البركات الدنيوية .
الثاني : البركات الأخروية .
ومن الأول أمور :
الأول : بناء جبرئيل للبيت الحرام وطوافه والملائكة وآدم وحواء حوله (وأخرج الأرزقي عن علي بن الحسين . أن رجلاً سأله ما بدء هذا الطواف بهذا البيت؟ لم كان ، وأنى كان ، وحيث كان ، فقال : اما بدء هذا الطواف بهذا البيت فإن الله تعالى قال للملائكة { إني جاعل في الأرض خليفة }( ).
فقالت : رب أي خليفة من غيرنا ممن يفسد فيها ويسفك الدماء ويتحاسدون ويتباغضون؟! أي رب اجعل ذلك الخليفة منا فنحن لا نفسد فيها ولا نسفك الدماء ولا نتباغض ولا نتحاسد ولا نتباغى ، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ونطيعك ولا نعصيك . قال الله تعالى { إني أعلم ما لا تعلمون }( ).
قال : فظنت الملائكة أن ما قالوا رد على ربهم عز وجل ، وإنه قد : غضب عليهم من قولهم فلاذوا بالعرش ورفعوا رؤوسهم وأشاروا بالأصابع يتضرعون ويبكون اشفاقاً لغضبه ، فطافوا بالعرش ثلاث ساعات ، فنظر الله إليهم فنزلت الرحمة عليهم .
فوضع الله سبحانه تحت العرش بيتاً على أربع أساطين من زبرجد وغشاهن بياقوتة حمراء وسمي البيت الضراح .
ثم قال الله للملائكة : طوفوا بهذا البيت ودعوا العرش ، فطافت الملائكة بالبيت وتركوا العرش فصار أهون عليهم ، وهو البيت المعمور الذي ذكره الله يدخله كل يوم وليلة سبعون ألف ملك لا يعودون فيه أبداً .
ثم أن الله تعالى بعث ملائكته فقال : ابنوا لي بيتاً في الأرض بمثاله وقدره ، فأمر الله سبحانه من في الأرض من خلقه أن يطوفوا بهذا البيت كما تطوف أهل السماء بالبيت المعمور .) ( ).
ليرى الملائكة أهلية الإنسان لخلافة الأرض بتحمل العناء والمشاق وبذل الأموال من أجل حج البيت الحرام والطواف به ، مع عظيم الثواب الذي ينتظر وفد الحاج .
الثاني : حج الأنبياء للبيت الحرام .
الثالث : إعادة بناء البيت من قبل إبراهيم وإسماعيل ، قال تعالى [وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ] ( ).
الرابع : وفود القبائل العرب للبيت الحرام للحج والإعتمار ويتفرع عنه التسوق والصلات الإجتماعية ، والرغبة والنفع في السكن بجوار البيت الحرام .
الخامس : بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في جوار البيت الحرام ، وسلامته من القتل أو السجن فيها ، قال تعالى [وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ] ( ).
السادس : توارث العرب لشطر من مبادئ وسنن حنيفية إبراهيم لتكون مقدمة لبعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ودعوة للناس للتصديق برسالته .
السابع : تقيد العرب بأحكام الأشهر الحرم ، والإمتناع عن القتال فيها ، مع تغليظ الدية في قتل الخطأ في الشهر الحرام والبيت الحرام بأن يزداد على الدية مقدر ثلثها .
الثامن : إجتماع العرب سنوياً في موسم الحج في مكة وأسواقها قبل وبعد البعثة النبوية .
وذكر أنهم اجتمعوا في مكة في سنة 412 ميلادية أي قبل البعثة النبوية أيام كلاب بن مرة جد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الخامس ، وأتفقوا على لزوم تعيين أسماء لأشهر السنة القمرية يجمع عليها أهل مكة والطائف ويثرب وقبائل الجزيرة فاتفقوا على أسمائها ، ودخلت مناسبة كل شهر من جهة أوان وفصل الحر والربيع وموسم الأمطار ونحوه في التسمية ، ومن الأشهر ما أمضوا أسماءها ومنها ما استحدثوا له اسماً ، فمثلاً كان شهر شوال يسمى (واغل) والواغل في السير أي الممعن المسرع فيه .
وترتيب أشهر السنة القمرية هو :
الأول : شهر محرم وهو أول أشهر السنة الهجرية ، ومن الأشهر الحرم ، ويسمى الشهر الحرام .
الثاني : شهر صفر وهو الشهر الثاني ، وهو من أشهر الحل ، وسمي صفر ، لأن العرب يتركون بيوتهم خالية منهم لخروجهم للغزو والقتال ، وقيل لأنهم يغزون أعداءهم فيتركونهم صفراً من المتاع ، وقد يجمع العرب شهر محرم وصفر باسم واحد فيقال الصفران( ) .
الثالث : شهر ربيع أول ، وهو من الأشهر الحل لأنه صادف في الربيع فصاحبته التسمية .
الرابع : شهر ربيع الآخر وهو من الأشهر الحل ، ومتعقب في زمانه للشهر أعلاه ، ويسمى شهر ربيع الأول وربيع الآخر الربيعان وربيع الشهور .
أما ربيع الأزمنة فهو أيضاً ربيعان ، الأول وهو فصل الخريف تأتي فيه الأمطار والبرق ، وتجمع الكمأة ويسمى ربيع الكلأ ، (وجَمْعُ الربيعِ : أرْبعاءُ وأرْبِعَةٌ ورِباعٌ أو جَمْعُ رَبيع الكَلأِ : أرْبِعَةٌ ورَبيعَ الجَداوِلِ : أرْبِعاءُ) ( ) .
أما الربيع الثاني فهو فصل الربيع الذي تدرك فيه الثمار بعد فصل الشتاء ، وأشهره آذار ونيسان وآيار وقد يسمى الربيعان (التوم) أي التوأمين لأن اسميهما واحد .
الخامس : شهر جمادى الأولى ، وهو من الأشهر الحل ، وسمي به لوقوعه في الشتاء ، وقيل لأن الماء كان يتجمد فيه بسبب الزمهرير أي البرد الشديد ، وجمادى مؤنث ، وكان هذا الشهر يسمى قبل الإسلام جمادى خمسة ، وكل الشهور العربية بصيغة التذكير إلا شهر جمادى الأولى والثانية ، ولا يصح تسميته شهر جمادى الأول أو الثاني .
السادس : شهر جمادى الآخرة ، وهو من الأشهر الحل ، وتسمى آخر ليلة من جمادى الآخرة الفلتة ، يسعى فيها الموتور لأخذ ثأره لأن الوقت ينفلت منه بقدوم الشهر الحرام ، وهو شهر رجب ، وقيل المراد من الفلتة هو (الفَلْتَةُ آخِرُ يومٍ من الشَّهْر الذي يعده الشَّهرُ الحرامُ) ( ) وقد يجمع الجمادان على (جمد).
السابع : شهر رجب ، وهو من الأشهر الحرم الأربعة ، وهو أكثر الأشهر في أسمائه وصفاته وأسبابها , ومنها :
أولاً : سماه العرب رجباً لتعظيمهم إياه في الجاهلية إذ أنه شهر حرام بين شهرين حل وهما شعبان وشهر رمضان ، وفي اللغة يقال (ورَجَبت الرجل أرجبه رَجْباً، إذا أكرمته وعظّمته. وبه سُمِّي رَجب لتعظيمهم إياه) ( ).
ثانياً : شهر الله الأصم لترك العرب القتال فيه فلا تسمع فيه قعقعة السلاح ، ولا صوت ندب أو استغاثة .
ثالثاً : الأصب لتفاؤل العرب فيه بنزول الرحمة ، وكونها تصب فيه صباً ولبيان نكتة وهي أن الإمتناع عن القتال رحمة بذاته ، وسبب لنزول الرحمة وفيه شاهد على النفرة من القتال وسفك الدماء .
رابعاً : شهر الله وهو الاسم الذي سماه به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ روى عنه أنه قال : (أن رجب شهر الله ويدعى الأصم .
وكان أهل الجاهلية إذا دخل رجب يعطلون أسلحتهم ويضعونها ، فكان الناس ينامون ويأمن السبيل ولا يخافون بعضهم بعضاً حتى ينقضي) ( ).
خامساً : شهر مضرب .
سادساً : منصل الأسنة لأن العرب فيه ينزعون أسنة الرماح .
سابعاً : شهر قريش (وشهر بني أمية والهدايا … إذا سيقت مدرجها الدماء) ( ).
ثامناً : المقيم لثبات حرمته وتجددها معه في كل سنة ، فهي لم تنسخ الى حل .
تاسعاً : الرجم ، لأن الشياطين ترجم وتطرد فيه .
عاشراً : المعلى لرفعته ومنزلته من بين الشهور عند العرب ، وإذا جمعوا شهر رجب مع شعبان قالوا : رجبان( ) .
الحادي عشر : (مخرِج الأَسِنَّة : من أَماكنها كانوا إِذا دخل رَجَبٌ نزَعوا أَسِنَّة الرِّماح ونِصالَ السِّهام إِبطالاً للقتال فيه وقطعاً لأَسباب الفِتَن لحُرْمته فلما كان سبباً لذلك سمِّي به .
الثاني عشر : مُنْصِلُ( ) الأَلِّ رَجَبٌ سمي بذلك لأَنهم كانوا ينزِعون الأَسِنَّة فيه أَعْظاماً له ولا يَغْزُون ولا يُغِيرُ بعضهم على بعض) ( ) (قال الأعشى:
تَدارَكَهُ في مُنْصِلِ الأَلِّ بعدما .. مَضى غيرَ دَأْداءٍ وقد كاد يَعْطَبُ) ( ).
الثالث عشر : ذكر ان شهر (رجب) ولحرمتـه كان يسمى منزع الأسنة ومنصل الآلة أي الحربة وهي دون الرمح، كاعلان عملي لوقف القتال عند دخول رجب كما يسمى (رجب الأصم) لعدم سماع همهمة الخيل وقعقعة السلاح فيه، واصله من رجبت الشيء أي هبته .
ورجبته: عظمته فتسميته من تعظيمه لحرمته ومنع القتال فيه ( وفي الحديث: رجبُ مضر الذي بين جمادي وشعبان) ( ).
ونسب الى مضر لشدة تعظيمهم له، وقوله بين جمادي وشعبان للبيان والتوكيد ولقطع النسئ ومنعه لأن العرب في الجاهلية كانوا يزحزحونه من شهر الى شهر فيتحول عن وعائه الزماني الذي جعله الله عز وجل فيه، وجمع رجب أرجاب.
الثامن : شهر شعبان : وهو ثامن الأشهر القمرية ، وهو من الأشهر الحل ، وسمي شعباناً لأن العرب تتشعب وتتفرق فيه لأجل الحرب والقتال بعد شهر رجب الذي هو من الأشهر الحرم لتكون الأشهر الحرم سبباً لنشر الإسلام وإذاعة آيات القرآن على الناس ، وتدبرهم في معانيها ، ورؤيتهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه كيف يؤدون الصلاة ، وينبذون عبادة الأصنام .
وجاء الإسلام ليجعل العرب بدل ان يتشعبوا ويتفرقوا للحرب والقتال ، يستعدون لشهر الطاعة ويستقبلون شهر رمضان بالإستبشار والعمل الصالح .
وليس من أمة تستقبل شهر صيام وامتناع عن الأكل والشرب والجماع في أيامه بالرضا والغبطة مثل المسلمين ، وهو من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ) إذ يدل هذا الإستقبال على تفقه المسلمين في الدين ومعرفتهم بالنفع العظيم للصيام في الدنيا والآخرة .
(عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أعطيت أمتي في شهر رمضان خمساً لم يعطهن نبي قبلي : أما واحدة فإنه إذا كان أول ليلة من شهر رمضان نظر الله إليهم ، ومن نظر الله إليه لم يعذبه أبداً .
وأما الثانية فإنه خلوف أفواههم حين يمسون أطيب عند الله من ريح المسك .
وأما الثالثة فإن الملائكة تستغفر لهم في كل يوم وليلة .
وأما الرابعة فإن الله يأمر جنته فيقول لها استعدي وتزيني لعبادي أوشك أن يستريحوا من تعب الدنيا إلى داري وكرامتي .
وأما الخامسة فإذا كان آخر ليلة غفر لهم جميعاً . فقال رجل من القوم : أهي ليلة القدر؟ فقال : لا ، ألم تر إلى العمال يعملون ، فإذا فرغوا من أعمالهم وفوا أجورهم؟ ) ( ).
التاسع : شهر رمضان : وهو تاسع الأشهر القمرية ، والشهر الوحيد الذي ورد ذكره بالاسم في القرآن، قال تعالى [شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ]( ).
وسمي بهذا الاسم لأنه اتفق حلوله مع زمن الرمضاء , وشدة الحر في الجزيرة العربية.
وقيل سمي به من رمضت النصل أرمضه رمضاً أي دققته بين حجرين ليكون حاداً ، إذ كان العرب يرمضون سيوفهم في هذا الشهر ليقاتلوا ويأخذوا بثأرهم في شهر شوال وقبل حلول شهر ذي القعدة وذي الحجة ومحرم ، وهي أشهر حرم لا قتال فيها .
وقول آخر في سبب تسمية شهر رمضان وهو إرتباط هذه التسمية بفريضة الصيام وأنها ترمض الذنوب أي تمحقها وتسحقها ، وشهر رمضان من الأشهر الحل .
وأضفى عليه كونه وعاءً لفريضة الصيام قدسية خاصة ، وصار مناسبة لصلة الرحم ونشر شآبيب المودة بين الناس ، وإزاحة أسباب الكدورة بينهم ، للإخبار عن قانون وهو أن قدسية ومنزلة الأيام والأشهر تحدد وفق قواعد شرعية وسنن من الإرادة التكوينية ، فبالنسبة للأيام شرّف الله عز وجل يوم الجمعة وجعله عيداً , وقد وردت سورة كاملة باسم سورة الجمعة ، وذكر لفظ الجمعة مرة واحدة وبخصوص الصلاة بقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ] ( ).
(قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : ياعلي سيّد النبيين آدم،
وسيّد العرب محمد ولا فخر،
وسيّد الفرس سلمان،
وسيّد الروم صهيب،
وسيّد الحبشة بلال،
وسيّد الجبال الطور،
وسيّد الشجر السدر،
وسيّد الشهور الأشهر الحرم،
وسيّد الأيام يوم الجمعة،
وسيّد الكلام القرآن،
وسيّد القرآن البقرة،
وسيّد البقرة آية الكرسي.
ياعلي إنّ فيها لخمسين كلمة في كل كلمة خمسون بركة) ( ).
العاشر : شهر شوال ، وهو من أشهر الحل ، وفي أول أيامه يكون عيد الفطر للمسلمين شكراً لله على التوفيق لأداء فريضة الصيام ، وقد تقدم أنه كان يسمى شهر (واغل ) ولكن العرب حينما اجتمعوا في مكة قبل الإسلام سمّوه شوال ، ولهذه التسمية أسباب منها :
أولاً : شولان النوق بأذنابها في شهر شوال إذا حلت .
ثانياً : النقص في حليب النوق .
ثالثاً : طلب النوق الإخصاب ، أي أنها تشيل وترفع أذنابها للفحل في ذات الوقت طلباً للقاح .
وكان العرب يكرهون النكاح في شوال لما فيه من معنى الإشالة والدعوة للجماع ، وكانوا يتشاءمون من الزواج فيه .
وقيل وقع وباء الطاعون في شهر شوال من بعض سني أيام الجاهلية ، ومات فيه خلق كثير فتشاءم الناس منه .
وقد أبطل الإسلام هذا التشاؤم وكذا التشاؤم بيوم الأربعاء من أيام برد العجوز في آخر الشتاء وشهر صفر ، فلا أصل للطيرة ، وتدفع بذكر الله والصدقة وتعاهد الفرائض .
(عن عائشة، قالت: تزوجني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شوال، وبنى بي في شوال، فأي نساء رسول الله كانت أحظى عنده مني ! وكانت عائشة تستحب أن يدخل بالنساء في شوال) ( ).
وشهر شوال أول أشهر الحج إذ تبدأ من اليوم الأول منه، وهي شهر شوال وذو القعدة وذو الحجة ، قال تعالى [الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ]( ).
الحادي عشر : شهر ذي القعدة ، وهو من الأشهر الحرم ، وتدل تسميته على هذا المعنى لأن العرب يقعدون فيه عن القتال ، ومن معانيه الأخرى :
أولاً : قعود العرب عن الترحال .
ثانياً : لزوم البيوت , وعدم الرحيل لطلب الكلأ .
ثالثاً : تذليل القعدان ، وهي جمع قعود ، وهو صغير الجمل .
رابعاً : الإستعداد لحج البيت الحرام بالقعود وعدم الترحال أو الغزو ، ليكون من بركات الحج الإمتناع عن الغزو والقتال في شهر حل وهو شهر شوال .
الثاني عشر : شهر ذي الحجة ، وهو الشهر الأخير من أشهر السنة القمرية في مقابل شهر كانون الأول من الأشهر الميلادية مع التباين في زمان كل منهما على جهات :
الأولى : قد يلتقي الشهران في ذات الأيام باستثناء اليوم أو اليومين الأخيرين من شهر كانون الأول لأنه واحد وثلاثون يوماً ، أما الشهر القمري فقد يكون تسعة وعشرين أو ثلاثين يوماً بحسب رؤية الهلال ، قال تعالى [يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ] ( ).
الثانية : إتفاق بعض من آيام الشهرين معاً كما لو كنا في أول شهر ذي الحجة وآخر شهر كانون الأول أو بالعكس .
الثالثة : التباين وحلول شهر ذي الحجة في أيام غير الأيام التي يحل فيها شهر كانون الأول .
والأكثر هو الثالثة أعلاه .
(قال في الجمهرة( ): أسماء الأيام في الجاهلية: السبت: شِيَار، والأحد: أَوّلُ، والاثنين: أَهْونَ وأوْهَد، والثلاثاء: جُبَار، والأربعاء: دِبُار، والخميس: مُؤْنِس، والجمعة: عَرُوبة.
وأسماء الشهور في الجاهلية:
الأول : المُؤْتَمِر وهو المحرّم.
الثاني : صفر وهو ناجِر.
الثالث : شهر ربيع الأول وهو خَوَّان وقالوا: خُوَّان.
الرابع : ربيع الآخر وهو وَبْصَان.
الخامس : جمادى الأولى: الحَنِين.
السادس : جمادى الآخرة: ربَّى.
السابع : رجب: الأَصَمّ.
الثامن : شعبان: عادل.
التاسع : رمضان: ناتِق.
العاشر : شوَّالَ: وَعِلْ.
الحادي عشر : ذُو القعدة: وَرْنَة.
الثاني عشر : ذو الحجة: بُرَك) ( ).
قانون النبي يجيب
لقد أنعم الله عز وجل على الإنسان إذ جعله [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ) ومن معاني الخلافة مدرسة السؤال ، وفيه أطراف :
الأول : السائل :
الثاني : موضوع السؤال .
الثالث : المجيب .
الرابع : ماهية الإجابة .
وقد تفضل الله عز وجل ، وجعل التنزيل يتضمن السؤال والجواب إذ يتوجه الناس إلى الأنبياء بالسؤال وأحياناً يرجون من النبي أن يكون واسطة في السؤال ، كما في سؤال بني إسرائيل لموسى بخصوص البقرة المراد ذبحها لكشف القاتل [قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا] ( ) .
ويتقوم بيان معجزات النبوة بالسؤال ، ومجئ الإجابة التي تؤكد الأمر الخارق للعادة المقرون بالتحدي والسالم من المعارضة وبما يؤكد للناس أن الجواب جاء من فوق سبع سماوات .
(عن ابن عباس قال : ما رأيت قوماً كانوا خيراً من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض ، كلهن في القرآن ، منهن { يسألونك عن الخمر والميسر }( ) و { يسألونك عن الشهر الحرام }( ) و { يسألونك عن اليتامى }( ) و { يسألونك عن المحيض }( ) و { يسألونك عن الأنفال }( ) و { يسألونك ماذا ينفقون } ما كانوا يسألونك إلا عما كان ينفعهم) ( ).
وقد ذكرنا بان لفظ يسألونك ورد في القرآن خمس عشرة مرة، ولكن ثلاثة منها متعلقة بموضوع واحد هو يوم القيامة فربما عدها موضوعاً واحداً.
ومن إعجاز القرآن نزوله نجوماً وعلى نحو التعاقب والتوالي في نزول الآيات والسور ، إذ نزلت السور المكية والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين ظهراني المشركين ، وهم كالذئاب المفترسة لا ينظرون للأمور إلا من ناحية مصالحهم وأموالهم وأهوائهم وإقامتهم على عبادة الأوثان .
فكانت هذه السور تتضمن التخويف والوعيد ، وكأنها تطلب المهلة والإمهال لقيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالتبليغ وتدعوهم للتدبر بمضامين الآيات وما تنبأ عنه كما في قوله تعالى [إِذَا زُلْزِلَتْ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا] ( ) .
لقد بعث الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بالنبوة والرسالة ليكون الإنباء والإخبار عن الأمور الغيبية الذي تتضمنه آيات القرآن عضداً له في رسالته , وزاجراً للمشركين عن الإجتماع على محاربته .
وليهاجر إلى المدينة فيستصحب المشركون والناس جميعاً توالي نزول الآيات عليه ، لتكون على وجوه :
الأول : إنها ضياء ينير سبل الرشاد للمسلمين.
الثاني : فيها دعوة يومية متجددة للناس لدخول الإسلام .
الثالث : توالي نزول الآيات واقية من الإرتداد .
الرابع : يبعث نزول كل آية اليأس والقنوط في نفوس المشركين.
الخامس : كل آية مناسبة لإجابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الأسئلة التي توجه إليه ، وتوثيق للوقائع والأحداث بلحاظ علم أسباب النزول .
(عن ابن عباس قال : نزل القرآن جملة واحدة من عند الله من اللوح المحفوظ إلى السفرة الكرام الكاتبين في السماء الدنيا ، فنجمته السفرة على جبريل عشرين ليلة .
ونجمه جبريل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم عشرين سنة .
فقال المشركون : لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة . فقال الله { كذلك لنثبت به فؤادك }( ) .
أي أنزلناه عليك متفرقاً ليكون عندك جواب ما يسألونك عنه ، ولو أنزلناه عليك جملة واحدة ثم سألوك لم يكن عندك جواب ما يسألونك عنه .) ( ).
ويمكن تقسيم الأسئلة الموجهة إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تقسيماً استقرائياً من جهات :
الأولى : أسئلة أهل البيت وأزواج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : أسئلة المهاجرين .
الثالثة : أسئلة الأنصار .
الرابعة : أسئلة الذين يريدون دخول الإسلام ، أي في الفترة التي تسبق إسلامهم ، وكيف أن هذه الأسئلة نوع طريق لدخولهم الإسلام .
الخامسة : أسئلة أهل الكتاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
السادسة : أسئلة المشركين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
كما يمكن تقسيم هذه الأسئلة بلحاظ المكان والزمان بخصوص الهجرة إلى قسمين :
الأول : الإسئلة التي وجهت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو في مكة , ويمكن تسميتها الأسئلة المكية .
الثاني : الأسئلة التي وجهت إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو في المدينة ونسميها الأسئلة المدنية .
كما يمكن تقسيم الأسئلة في الموضوع المتحد إلى عدة أقسام كما في السنة الدفاعية ، فتقسم اسئلتها إلى :
أولاً : الأسئلة حول تفسير آيات الدفاع .
ثانياً : أسئلة المسلمين عند إرادة الخروج في السرايا .
ثالثاً : أسئلة الصحابة عند العودة من السرايا .
رابعاً : أسئلة المؤمنات للنبي عن أفراد السرايا ، وعن الشهداء ومنزلتهم .
وفي حديث (عن داود بن الحصين، عن رجال من بنى عبد الاشهل، عدة، قالوا: انكسر سيف سلمة بن حريش يوم بدر، فبقى أعزل لا سلاح معه، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قضيبا كان في يده من عراجين ابن طاب فقال: اضرب به.
فإذا سيف جيد، فلم يزل عنده حتى قتل يوم جسر أبى عبيدة)( ).
خامساً : أسئلة المؤمنين والمؤمنات عن الشهداء ، وشأنهم في عالم البرزخ ويوم القيامة .
وقد يأتي الجواب من عند الله إبتداء لمنع الفتنة أو دبيب الأذى إلى نفوس المسلمين والمسلمات ونزل قوله تعالى [وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ] ( ) في نهي المسلمين عن القول بأن شهداء بدر قد ماتوا وصاروا جماداً بلا حراك , وكانوا أربعة عشر رجلاً وهم :
الأول : عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب.
الثاني : عمير بن أبي وقاص بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة الزهري أخو سعد بن أبي وقاص.
الثالث : ذو الشمالين واسمه عمير بن عبد عمرو بن العاص بن نضلة بن عمرو بن خزاعة.
الرابع : عاقل بن البكير من بني سعد بن ليث بن كنانة.
الخامس : مهجع مولى لعمر بن الخطاب.
السادس : صفوان بن بيضاء من بني الحارث بن فهر.
ومن الأنصار ثمانية ،وهم :
السابع : سعد بن خيثمة .
الثامن : مبشر بن عبد بن المنذر .
التاسع : يزيد بن الحارث بن قيس بن فسحم .
العاشر : عمير بن الحمام .
الحادي عشر : رافع بن المعلى .
الثاني عشر : حارثة بن سراقة .
الثالث عشر : عوف بن الحارث بن رفاعة
الرابع عشر : معوذ بن الحارث بن رفاعة بن سواد , وهما ابنا عفراء وهي أمهما).
، وقيل : إن الكفار والمنافقين قالوا : إن الناس يقتلون أنفسهم ظلماً لمرضاة محمد من غير فائدة فنزلت هذا الآية وأخبر أن من قتل في سبيل الله فإنه حي] ( ).
ويأتي السؤال عن الجرحى وعن الشهداء على وجوه :
الأول : السؤال العام عن الذين يقتلون في الدفاع عن بيضة الإسلام .
الثاني : سؤال المسلمين عن شهداء معركة مخصوصة كما في السؤال عن شهداء أحد.
الثالث : سؤال المسلمين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بخصوص أحد الشهداء .
الرابع : السؤال عن الجرحى وثوابهم وأجر العناية بهم ، ومن خصائص اللجوء إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في السؤال عن المسائل الإبتلائية أنه تخفيف ورحمة ، وهو من مصاديق قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( ) .
وتتحد جهة صدور السؤال ولكن منافعه تتغشى أجيال المسلمين ، وقد يخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ابتداءً عن مسألة كما في حنظلة بن أبي عامر الذي استشهد يوم أحد (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لامرأة حنظلة: ما كان شأنه؟
قالت :كان جنباً وغسَّلت أحد شقَّي رأسه، فلما سمع الهيعة خرج، فقتل. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لقد رأيت الملائكة تغسِّله) ( ) .
ليحاكي تغسيله تغسيل الملائكة لآدم عليه السلام ، وعن ثابت البناني : ( لما أهبط آدم عليه السلام وحضرته الوفاة وأحاطت به الملائكة فجعلت حواء تدور حولهم فقال لها : خلي ملائكة ربي فإنما أصابني ما أصابني فيك . فلما توفي غسلته الملائكة بماء وسدر وتراً وحنطته وكفنته في وتر من الثياب وحفروا له قبراً ودفنوه بسرنديب بأرض الهند وقالوا لبنيه : هذه سنتكم بعده) ( ) المسلمين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من وجوه :
الأول : دلالة سؤال المسلمين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على التفقه في الدين .
الثاني : سعي المسلمين لكسب المعارف .
الثالث : إقرار المسلمين بفضل الله عز وجل بتعليمه النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابع : تقيد وعمل المسلمين بالإجابة والمسائل التي يخبرهم بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
الخامس : تصديق المسلمين بنزول الآيات التي تخص أسئلتهم.
السادس : إتخاذ أجوبة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قانوناً وعدم حصر موضوعها بذات السؤال ، وسبب نزول الآية إذ أن المدار على عموم المعنى .
ترى لماذا لم تقل آية البحث (يستفتونك عن الشهر الحرام) كما في قوله تعالى [وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللاَّتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا] ( ) .
الجواب جاء السؤال أعلاه في أحكام النكاح والميراث وحسن السمت والإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الإسلام ، أما آية البحث فإنها تتعلق بذات الشهر الحرام ، وبمسألة عدم جواز القتال فيه بين المسلمين والذين كفروا .
وفي حال الحرب والسلم بينهم ليكون هذا السؤال مقدمة للإستفتاء ، وكانت أغلب آيات السؤال في حال استقرار حكم الإسلام في المدينة .
وتفضل الله بدفع شرور جيوش الذين كفروا عن المسلمين إذ يتفرغون للتفقه في الدين والسؤال عن أمور الحلال والحرام ، وهو من الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليكون السؤال عن القتال في الشهر الحرام ، والإجابة عليه من عند الله مقدمة للإستفتاء .
وتحتمل الأسئلة المذكورة في القرآن , والموجهة خمس عشرة مرة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الناس بلفظ(يسألونك) أمرين:
الأول : حصر أسئلة المسلمين وغيرهم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بهذه المسائل.
الثاني : تعدد وكثرة الأسئلة التي توجه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
والصحيح هو الثاني، وهو المستقرأ من الكتاب والسنة ومن هذه الأسئلة ، قوله تعالى [وَيَسْتَفْتُونَكَ] ( )وكانوا في الجاهلية لا يورثون المرأة ولا الصبي ، وقد يأتي السؤؤال في القرآن بلفظ قال ، وقالوا , وفي التنزيل [وَقَالُوا لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ] ( ).
ومنها ما يتعلق بأسباب نزول الآيات وهو موضوع متعدد ومتشعب ، فقد يسأل يهود المدينة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مسائل فينزل الوحي .
وقد تسأله قريش كما في السؤال عن فتية فقدوا في الزمان الأول [أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا] ( ) إلى آخر القصة ، ويمكن تأليف مجلدات خاصة على أبواب وأقسام متعددة:
الأول : أسئلة المسلمين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني : أسئلة المسلمات للنبي صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث : الأسئلة الموجهة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بخصوص الدفاع والقتال أو الأنفال ، كما في قوله تعالى [يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَنْفَالِ] ( ).
الرابع : الأسئلة الخاصة إلى النبي بخصوص الطهارة.
الخامس : الأسئلة الخاصة بأوقات الصلاة منها , عن أبي موسى الأشعري (أن سائلا أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسأله عن مواقيت الصلاة فلم يرد عليه شيئا .
ثم أمر بلالا فأقام حين انشق الفجر فصلى .
ثم أمره فأقام الصلاة والقائل يقول قد زالت الشمس أو لم تزل وهو كان أعلم منهم.
ثم أمره فأقام العصر والشمس مرتفعة وأمره فأقام المغرب حين وقعت الشمس .
ثم أمره فأقام العشاء عند سقوط الشمس قال ثم صلى الفجر من الغد والقائل يقول قد طلعت الشمس أو لم تطلع وهو كان أعلم منهم .
وصلى الظهر قريبا من وقت العصر بالأمس وصلى العصر والقائل يقول قد احمرت الشمس.
ثم صلى المغرب قبل أن يغيب الشفق وصلى العشاء ثلث الليل الأول ثم قال أين السائل عن الوقت : ما بين هذين الوقتين الوقت ) ( ).
السادس : الأسئلة الخاصة بكيفية الصلاة وقراءة القرآن فيها .
السابع : الأسئلة عن الصيام الواجب منه والمستحب ، و(عن عدي بن حاتم قال : لما أنزلت هذه الآية [وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ]( )، عمدت إلى عقالين أحدهما أسود والآخر أبيض فجعلتهما تحت وسادتي ، فجعلت أنظر إليهما فلا يتبين لي الأبيض من الأسود ، فلما أصبحت غدوت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فأخبرته بالذي صنعت , فقال : إن وسادك إذا لعريض ، إنما ذاك بياض النهار من سواد الليل .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عدي بن حاتم قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فعلمني الإِسلام ، ونعت لي الصلوات الخمس كيف أصلي كل صلاة لوقتها ، ثم قال : إذا جاء رمضان فكل واشرب حتى يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ، ثم أتم الصيام إلى الليل ، ولم أدر ما هو! ففتلت خيطين من أبيض وأسود ، فنظرت فيهما عند الفجر فرأيتهما سواء ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فقلت : يا رسول الله كل شيء أوصيتني قد حفظت غير الخيط الأبيض من الخيط الأسود ، قال : وما منعك يا ابن حاتم.
وتبسم كأنه قد علم ما فعلت . قلت : فتلت خيطين من أبيض وأسود ، فنظرت فيهما من الليل فوجدتهما سواء.
فضحك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى رؤي نواجذه ، ثم قال : ألم أقل لك من الفجر؟ إنما هو ضوء النهار من ظلمة الليل) ( ).
الثامن : الأسئلة عن حج بيت الله الحرام ، ومنها باب خاص بأسئلة المسلمين عند قيام النبي بأداء حجة الوداع ، وهذه الأسئلة وأجوبتها مدرسة فقهية متكاملة لذا حث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين على أخذ مناسك الحج منه لأدائها باتقان ، وصيرورتها مادة لوحدة وتآلف المسلمين .
وعن جابر قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرمي على راحلته يوم النحر ويقول : لتأخذوا مناسككم ، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه( ).
التاسع : سؤال قريش للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن يريهم معجزات حسية ، وورد عن الإمام الباقر عليه السلام (إن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم سأله قومه أن يأتيهم بآية فنزل جبرئيل وقال إن الله يقول [وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ]( ).
وكنا إذا أرسلنا إلى قرية آية فلم يؤمنوا بها أهلكناهم فلذلك أخرنا عن قومك الآيات[وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ] بسؤالهم مبصرة آية بينة فظلموا بها فظلموا أنفسهم بسبب عقرها وما نرسل بالايات إلا تخويفا وإنذارا بعذاب الاخرة فإن أمر من بعثت إليهم مؤخر إلى يوم القيامة) ( ).
العاشر : الأسئلة عن المغيبات .
الحادي عشر : الأسئلة الخاصة بالزكاة والنصاب ، وعموم الصدقة (عن السدي في قوله [يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ]( ) الآية قال: يوم نزلت هذه الآية لم يكن زكاة ، وهي النفقة ينفقها الرجل على أهله ، والصدقة يتصدق بها فنسختها الزكاة .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج قال : سأل المؤمنون رسول الله صلى الله عليه وسلم أين يضعون أموالهم؟ فنزلت [يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ]( )، فذلك النفقة في التطوّع ، والزكاة سوى ذلك كله .
وأخرج ابن المنذر عن ابن حبان قال : إن عمرو بن الجموح سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها ، فنزلت [يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ] فهذا مواضع نفقة أموالكم) ( ).
(عن مقسم عن ابن عباس في قوله { ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو } قال الفضل : على العيال ) ( ).
الثاني عشر : الأسئلة عن النفاق وصفات المنافقين المذمومة.
الثالث عشر : الأسئلة عن الديات وأحكام القصاص .
الرابع عشر : الأسئلة الخاصة بالمعاملات والبيع والشراء .
الخامس عشر : توجه الأسئلة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن الآيات الكونية (عن ابن عباس في قوله[يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ]( )، قال : نزلت في معاذ بن جبل ، وثعلبة بن غنمة ، وهما رجلان من الأنصار.
قالا : يا رسول الله ما بال الهلال يبدو ويطلع دقيقاً مثل الخيط ، ثم يزيد حتى يعظم ويستوي ويستدير ، ثم لا يزال ينقص ويدق حتى يعود كما كان لا يكون على حال واحد؟ فنزلت { يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس }( ) في محل دينهم ، ولصومهم ، ولفطرهم ، وعدة نسائهم ، والشروط التي تنتهي إلى أجل معلوم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال : سألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم : لم جعلت الأهلة؟ فأنزل الله { يسألونك عن الأهلة } الآية . فجعلها لصوم المسلمين ، ولإِفطارهم ، ولمناسكهم ، وحجهم ، ولعدة نسائهم ، ومحل دينهم في أشياء ، والله أعلم بما يصلح خلقه .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية قال : ذكر لنا أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : لم خلقت الأهلة؟ فأنزل الله { يسألونك عن الأهلة } الآية . جعلها الله مواقيت لصوم المسلمين ، وإفطارهم ، ولحجهم ، ومناسكهم ، ولعدة نسائهم ، ومحل دينهم) ( ).
السادس عشر : أسئلة أهل الكتاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله سلم ومنها أسئلة اليهود له ، خصوصاً وهم أهل كتاب، وعندهم من ميراث الأنبياء .
السابع عشر : الأسئلة عن أفراد الزمان ، كما في آية البحث قوله تعالى [يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ]لعموم السؤال عن الأشهر الحرم بما يتعلق باسماء وأيام ذات الشهور ، وخصائصها وتثبيتها ، فمن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقف النسيئة في حساب الأشهر ، قال تعالى [إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ] ( ) .
وكان العرب قبل الإسلام يمدون في أيام الأشهر الحل لإستمرار القتال والقتل وتعليق حلول الشهر الحرام الذي يمتنعون فيه عن القتال .
الثامن عشر : الأسئلة التي توجه إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد نزول الآية القرآنية لإرادة المزيد من البيان والتفصيل الذي تنتفع منه أجيال المسلمين ورجال القانون .
(وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر من طريق الثوري عن إسماعيل قال : لما نزلت هذه الآية { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء }( ) سألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا : يا رسول الله أرأيت التي لم تحض ، والتي قد يئست من المحيض فاختلفوا فيهما ، فأنزل الله{ إِنْ ارْتَبْتُمْ } يعني ، إن شككتم { فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن } بمنزلتهن { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن}) ( ).
التاسع عشر : السؤال الخاص بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , قال تعالى[وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ]( ).
العشرون : الأسئلة تتعلق بتفسير آيات القرآن وأسرار الوحي والتنزيل .
الحادي والعشرون : الأسئلة التي هي من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
الثاني والعشرون : السؤال من عالم القبر وظلمة وأهوال عالم البرزخ .
الثالث والعشرون : أسئلة وأهل الكتاب والمشركين عن كل من :
أولاً : الساعة .
ثانياً : النفخ في الصور .
ثالثاً : كيفية النفخ في الصور .
رابعاً : يوم البعث وعالم النشور، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : خلق الله عند المشرق حجاباً من الظلمة على البحر السابع على مقدار ليالي الدنيا كلها ، فإذا كان غروب الشمس أقبل ملك من الملائكة قد وكل بالليل ، فيقبض قبضة من ظلمة ذلك الحجاب ثم يستقبل المغرب ، فلا يزال يرسل تلك الظلمة من خلال أصابعه قليلاً قليلاً وهو يراعي الشفق ، فإذا غاب الشفق أرسل الظلمة كلها ، ثم ينشر جناحيه فيبلغان أقطار الأرض وأكناف السماء ، فيجاوزان ما شاء الله أن يجاوزا في الهواء .
فيشق ظلمة الليل بجناحيه بالتسبيح والتقديس لله حتى يبلغ المغرب على قدر ساعات الليل ، فإذا بلغ المغرب انفجر الصبح من المشرق ضم جناحيه وضم الظلمة بعضها إلى بعض بكفيه ، حتى يقبض عليها بكف واحدة مثل قبضته حين تناولها من الحجاب بالمشرق ، ثم يضعها عن المغرب على البحر السابع فمن هناك تكون ظلمة الليل .
فإذا حوّل ذلك الحجاب من المشرق إلى المغرب نفخ في الصور ، فضوء النهار من قبل الشمس , وظلمة الليل من قبل ذلك الحجاب .
فلا تزال الشمس تجري من مطلعها إلى مغربها حتى يأتي الوقت الذي جعله الله لتوبة عباده ، فتستأذن الشمس من أين تطلع ويستأذن القمر من أين يطلع فلا يؤذن لهما ، فيحسبان مقدار ثلاث ليال للشمس وليلتين للقمر ، فلا يعرف مقدار حبسهما إلا قليل من الناس وهم بقية أهل الأرض وحملة القرآن ، يقرأ كل رجل منهم ورده في تلك الليلة ، حتى إذا فرغ منه نظر فإذا ليلته على حالها ، فيعود فيقرأ ورده فإذا فرغ منه نظر فإذا الليلة على حالها ، فيعود فيقرأ ورده فإذا فرغ منه نظر فإذا الليلة على حالها ، فلا يعرف طول تلك الليلة إلا حملة القرآن ، فينادي بعضهم بعضاً ، فيجتمعون في مساجدهم بالتضرع والبكاء والصراخ بقية تلك الليلة ومقدار تلك الليلة مقدار ثلاث ليال ، ثم يرسل الله جبريل عليه السلام إلى الشمس والقمر ، فيقول : إن الرب عز وجل أمركما أن ترجعا إلى مغاربكما فتطلعا منها فإنه لا ضوء لكما ولا نور . فتبكي الشمس والقمر من خوف يوم القيامة وخوف الموت ، فترجع الشمس والقمر فتطلعان من مغربهما .
فبينما الناس كذلك يبكون ويتضرعون إلى الله عز وجل والغافلون في غفلاتهم إذ نادى مناد : ألا أن باب التوبة قد أغلق والشمس والقمر قد طلعا من مغاربهما ، فينظر الناس فإذا بهما أسودان كالعكمين لا ضوء لهما ولا نور ، فذلك قوله { وجمع الشمس والقمر}( ) فيرتفعان مثل البعيرين المقرونين المعقودين ، ينازع كل واحد منهما صاحبه استباقاً ، ويتصايح أهل الدنيا ، وتذهل الأمهات ،[ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا] ( ).
فأما الصالحون والأبرار فإنه ينفعهم بكاؤهم يومئذ ويكتب لهم عبادة ، وأما الفاسقون والفجار فلا ينفعهم بكاؤهم يومئذ ويكتب عليهم حسرة ، فإذا بلغت الشمس والقمر سرة السماء وهو منصفها جاءهما جبريل عليه السلام فأخذ بقرونهما فردهما إلى المغرب ، فلا يغربهما في مغاربهما , ولكن يغربهما في باب التوبة .
فقال عمر بن الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وما باب التوبة فقال : يا عمر خلق الله باباً للتوبة خلف المغرب وهو من أبواب الجنة ، له مصراعان من ذهب مكللان بالدر والياقوت والجوهر ، ما بين المصراع إلى المصراع مسيرة أربعين عاماً للراكب المسرع ، فذلك الباب مفتوح منذ خلق الله خلقه إلى صبيحة تلك الليلة عند طلوع الشمس والقمر من مغاربها .
ولم يتب عبد من عباد الله توبة نصوحاً من لدن آدم إلى ذلك اليوم إلا ولجت تلك التوبة في ذلك الباب ثم ترفع إلى الله ، فقال معاذ بن جبل : يا رسول الله وما التوبة النصوح؟ قال : أن يندم العبد على الذنب الذي أصاب فيهرب إلى الله منه ، ثم لا يعود إليه حتى يعود اللبن في الضرع . قال : فيغربهما جبريل في ذلك الباب ثم يرد المصراعين ، فيلتئم ما بينهما ويصيران كأنهما لم يكن فيهما صدع قط ولا خلل .
فإذا أغلق باب التوبة لم تقبل لعبد بعد ذلك توبة ولم تنفعه حسنة يعملها بعد ذلك إلا ما كان قبل ذلك ، فإنه يجري لهم وعليهم بعد ذلك ما كان يجري لهم قبل ذلك ، فذلك قوله تعالى { يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً }( ) .
فقال أبي بن كعب : يا رسول الله فداك أبي وأمي فكيف بالشمس والقمر بعد ذلك ، وكيف بالناس والدنيا . . . ؟! قال : يا أبي إن الشمس والقمر يكسيان بعد ذلك ضوء النور ، ثم يطلعان على الناس ويغربان كما كانا قبل ذلك ، وأما الناس فإنهم حين رأوا ما رأوا من تلك الآية وعظمها ، يلحون على الدنيا فيعمرونها ويجرون فيها الأنهار ، ويغرسون فيها الأشجار ، ويبنون فيها البنيان .
فاما الدنيا فإنه لو نتج مهراً لم يركب حتى تقوم الساعة من لدن طلوع الشمس من مغربها إلى يوم ينفخ في الصور( ).
خامساً : مواطن يوم القيامة .
سادساً : كيفية الحساب .
سابعاً : الأسئلة عن الصراط وموضوعه .
ثامناً : الأسئلة عن الجزاء في الآخرة , وحال النعيم في الجنة ونقيضها في النار .
الرابع والعشرين :أسئلة المسلمين عن الشفاعة يوم القيامة ، إذ جاءت أجوبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المقام بالبشارة وما يبعث السكينة في النفوس.
(عن أنس قال : سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يشفع لي يوم القيامة فقال أنا فاعل . قلت : يا رسول الله أين أطلبك ، قال : أطلبني أول ما تطلبني على الصراط . قلت : فإن لم ألقك على الصراط.
قال : فاطلبني عند الميزان.
قلت : فإن لم ألقك عند الميزان.
قال : فاطلبني عند الحوض ، فإني لا أخطىء هذه الثلاثة مواطن) ( ).
الخامس والعشرون : أسئلة السخرية والإستهزاء , ليأتي الجواب من عند الله والذي يتضمن البيان والزجر والتوبيخ والتخويف (عن ابن عباس قال : إن مشركي أهل مكة سألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا : متى تقوم الساعة استهزاء منهم ، فنزلت { يسألونك عن الساعة أيان مرساها }( ) يعني متى مجيئها { فيم أنت من ذكراها }( ) ما أنت من علمها يا محمد[إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا]( )، يعني منتهى علمها [إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا]( )، يعني من يخشى القيامة [كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا]( )، يعني يرون القيامة [لَمْ يَلْبَثُوا]( )، في الدنيا ولم ينعموا بشيء من نعيمها [إِلاَّ عَشِيَّةً] ما بين الظهر إلى غروب الشمس [أَوْ ضُحَاهَا]( )، ما بين طلوع الشمس إلى نصف النهار)( ).
السادس والعشرون : الأسئلة التي لا يعلم النبي صلى الله عليه وآله وسلم جوابها حتى ينزل جبرئيل بالجواب ، وهو كثيرة ومتعددة ، ومن الشواهد الحاضرة على صدق نبوة محمد ، وقيل (لابن عمر: إنا نُكْرَي( )، فهل لنا من حج، قال: أليس تطوفون بالبيت، وتأتون المُعَرَّفَ، وترمون الجمار، وتحلقون رؤوسكم؟ قال: قلنا : بلى. فقال ابن عمر:
جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسأله عن الذي سألتني فلم يجبه، حتى نزل عليه جبريل بهذه الآية [لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ]( )، فدعاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: “أنتم حجاج)( ).
السابع والعشرون : أسئلة قريش المعجزات التي ينتفعون منها لدنياهم (عن سعيد بن جبير قال : سألت قريش اليهود فقالوا : حدثونا عما جاءكم به موسى من الآيات ، فأخبروهم أنه كان يبرىء الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله . فقالت قريش عند ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : ادع الله أن يجعل لنا الصفا ذهباً فنزداد به يقيناً ونتقوّى به على عدونا ، فسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ربه . فأوحى الله إليه : إني معطيكم ذلك ، ولكن إن كذبوا بعد عذبتهم عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين . فقال : ذرني وقومي فأدعوهم يوماً بيوم ، فأنزل الله عليه [إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ]( ) الآية .
فخلق السموات والأرض ، واختلاف الليل والنهار أعظم من أن أجعل الصفا ذهباً) ( ) .
وقد أعطاهم ويعطيهم الله عز وجل المال والتجارة كل عام في موسم الحج ببركة البيت والصفا والمروة ، ومن غير عذاب بل هو رحمة متجددة كل عام قبل وأثناء وبعد الموسم .
الثامن والعشرون : الأسئلة التي تدل على حب المسلمين لله وإخلاصهم في الدين ، وتصديقهم بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
التاسع والعشرون : أسئلة المسلمين عن تأريخ وحياة الأنبياء وأيام الدول (عن عمر مولى غفرة قال : دخل بعض أهل الكتاب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسألوه فقالوا : يا أبا القاسم ، كيف تقول في رجل كان يسيح في الأرض؟ .
قال : لا علم لي به . فبينما هم على ذلك إذ سمعوا نقيضاً في السقف ، ووجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غمة الوحي ثم سري عنه فتلا [وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ]( ) الآية ، فلما ذكر السد قالوا : أتاك خبره يا أبا القاسم حسبك) ( ).
دلالة السياق على سؤال المسلمين
لقد ورد لفظ [يَسْأَلُونَكَ] خمس عشرة مرة في القرآن ، منها ستة في سورة البقرة في توضيح الأحكام ، وهذه الآيات هي :
الأولى : [ يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] ( ).
الثانية : [يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ] ( ).
الثالثة :[ يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ] ( ).
الرابعة : [يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ] ( ).
الخامسة : [فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنْ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] ( ).
السادسة : [وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ] ( ).
وفيه مسائل :
الأولى : دعوة المسلمين إلى العناية بالأحكام الواردة في سورة البقرة ، وتعاهد العمل بمضامينها .
الثانية : بعث المسلمين على تلاوة سورة البقرة وتدارسها.
الثالثة : الدلالة على قانون وهو سورة البقرة واقية من الخصومة والخلاف بين المسلمين .
الرابعة : موضوعية كل آية من آيات [يَسْأَلُونَكَ] سواء جاءت في سورة البقرة أو غيرها من سور القرآن .
الخامسة : حث العلماء على استقراء المسائل التي تجمع بين لفظ [يَسْأَلُونَكَ] في القرآن ، والتي تجمع بين التي وردت في سورة البقرة منها خاصة ، وقد تقدم تسميتنا لهذه الآيات بـ(آيات السؤال)( ).
السادسة : سورة البقرة مدنية ويدل تكرار لفظ [يَسْأَلُونَكَ] فيها على حال الإستقرار الإجتماعي فيها ، والتخفيف عن الصحابة بقلة المعارك والحروب ، وإن ورد فيها السؤال عن القتال في الشهر الحرام لبيان التفات المسلمين إلى وجوب الحيطة والحذر وفق الضوابط الشرعية , وبالرجوع إلى القرآن والسنة .
وابتدأ لفظ [يَسْأَلُونَكَ] في القرآن بسؤال المسلمين عن الأهلة ، ولم يرد هذا اللفظ في القرآن إلا مرة واحدة وبصيغة الجمع ، فليس فيه لفظ الهلال مع ما له من الموضوعية في الأحكام الشرعية المتعلقة بزمان مخصوص منها :
الأول : صيام شهر رمضان ، وقد ورد بخصوص قوله تعالى [فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ] ( )، ولم تقل الآية (فمن شهد منكم الهلال ) لتعدد المعنى والمقاصد السامية في لفظ شهر منها :
أولاً : بيان اتحاد الحكم في صيام تمام أيام شهر رمضان .
ثانياً : فضل شهر رمضان بدخول أيامه في الواقع ، وحضوره في الوجود الذهني حال رؤية الهلال لما فيه من التسليم بصيام أيامه.
ثالثاً : إرادة معنى الحضور من لفظ [فَمَنْ شَهِدَ] أي من كان حاضراً غير مسافر ، لتأتي الرخصة بعدها للمريض والمسافر كما في قوله تعالى [فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ] ( ) .
وعن (عبد الله بن عبّاس قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عام الفتح صائماً في رمضان حتّى إذا بلغ القنطرة دعا بماء فشرب) ( ).
وإذ جاء السؤال عن الأهلة في بداية أسئلة المسلمين وفق نظم القرآن فهل هو الأول من جهة الترتيب الزماني .
الجواب لا دليل عليه ، ولا ملازمة بين الترتيب في المعارف وبين أوان نزول الآيات والسور .
الثاني : إرادة ضبط أوان الحج ، ومنع الإختلاف فيه لما في هذا الإختلاف من أسباب الفتنة ، وفوات الأجر والثواب ، ومن الإعجاز ذكر آية السؤال عن الأهلة للحج ، وصيرورته معطوفاً على المواقيت للناس ، لقوله تعالى [يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ] ( ) .
لتكون النسبة بينهما العموم والخصوص المطلق من جهات :
الأولى : تعدد المواقيت التي يحتاج فيها الناس الهلال على مدار السنة ، أما الهلال بخصوص الحج فيتعلق بكل من :
أولاً : هلال شهر شوال .
ثانياً : هلال شهر ذي القعدة .
ثالثاً : هلال شهر ذي الحجة لقوله تعالى [الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِي يَاأُوْلِي الأَلْبَابِ] ( ).
الثانية : النسبة بين الناس والمسلمين هي العموم والخصوص المطلق ، إذ يحتاج الناس على اختلاف مشاربهم الهلال وضبط التواريخ ، والمسلمون من الناس في هذه الحاجة ولكنهم يختصون برصد الهلال في شهر رمضان وأشهر الحج والأشهر الحرم.
الثالثة : مواقيت الناس التي تذكرها آية البحث أعم وأكثر من مواقيت الحج ، وتقدير الآية : قل هي مواقيت للناس ومواقيت للحج ) .
لبيان موضوعية الحج في إستدامة الحياة الدنيا لأنه عبادة ومناسك تؤدى كل سنة ، وتؤكد صدق خلافة الإنسان.
وفي الآية تأكيد على وجوب تعاهد المسلمين لحج بيت الله الحرام ، وإذا كان المشركون يمنعونهم عن الحج فانهم يعرضون الوجود الإنساني على الأرض إلى المهالك والآفات ، لذا فان تفضل الله بإزاحة الذين كفروا من قريش عن ولاية المسجد الحرام حاجة للناس جميعاً ، قال تعالى [وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمْ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ] ( ).
وليكون من معاني وتقدير آية البحث : قل هي مواقيت للناس عامة ومواقيت للمسلمين في مناسكهم وعباداتهم.
وقد قام المشركون بتغيير أوان الحج بالنسيئة في الأشهر وزيادة بعضها كي يحلوا القتال في الشهر الحرام ، وصحيح أن النسئ سابق لزمان وبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا أنه كان موجوداً وباقياً وبامكان كفار قريش العمل به للإجهاز على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل المدينة ، فتفضل الله عز وجل بآية البحث بالإذن بالقتال دفاعاً في الشهر الحرام ، ليكون من معانيها التحذير من النسئ .
ومن إعجاز القرآن نعت النسئ والزيادة في حساب الشهور بأنه زيادة في الكفر وكذا بالنسبة لإصرار الذين كفروا على قتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فانه كفر سواء كان في أي يوم من الأشهر الحرام أو الأشهر الحل ، قال تعالى [إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ] ( ).
(عن ابن عباس قال : كان جنادة بن عوف الكناني يوفي الموسم كل عام ، وكان يكنى أبا ثمادة فينادي : ألا أن أبا ثمادة لا يخاف ولا يعاب ، ألا إن صفر الأول حلال ، وكان طوائف من العرب إذا أرادوا أن يغيروا على بعض عدوهم أتوه.
فقالوا : أحل لنا هذا الشهر – يعنون صفر – وكانت العرب لا تقاتل في الأشهر الحرم فيحله لهم عاماً ويحرمه عليهم في العام الآخر ، ويحرم المحرم في قابل [لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ]( )، يقول : ليجعلوا الحرم أربعة غير أنهم جعلوا صفراً عاماً حلالاً وعاماً حراماً .) ( ).
وجنادة هذا آخر من نسئ ثم انقطع النسئ بالإسلام ، إذ جاء جنادة إلى الحج في أيام عمر بن الخطاب ورآى المسلمين يزدحمون على الحجر (قال: أيها الناس، أنا له جار، فأجيزوا، فخفقه عمر بالدرة، ثم قال: أيها الجلف الجافي، قد ذهب عزك بالإسلام. فكل هؤلاء قد نشأ في الجاهلية) ( ).
(وحكى هشام بن الكلبي أنه نسأ أربعين سنة قال: وكان أبعدهم ذكراً وأطولهم أمداً) ( ).
وقال (عمير بني قيس بن جذل الطعان الكناني , وكان يفخر بالنسئ للشهور الحرم كان إليهم في الجاهلية:
لقد علمت معد أن قومي … كرام الناس إن لهم كراماً
فأي الناس لم نسبق بوتر … وأي الناس لم نعلك لجاماً
ألسنا الناسئين على معد … شهور الحل نجعلها حراماً) ( ).
ترى ما هي النسبة بين السؤال عن القتال في الشهر الحرام وبين النسئ ، الجواب لقد خشي المسلمون قيام المشركين بالنسئ ليحلوا القتال في الشهر الحرام ويباغتوا المسلمين بالهجوم فجاء الجواب جامعاً مانعاً أي جامعاً للإذن بالدفاع في الشهر الحرام سواء زاد المشركون في أيامه أو لا، وهو من إعجاز القرآن ومصاديق قوله تعالى [وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ]( ).
فقد يتخذ المشركون من النسئ نوع مكر وحيلة بان لا يعلم المسلمون بقيام المشركين بزيادة أيام شهر محرم أو جعل شهر صفر هو الشهر الحرام بدل شهر محرم يهجمون على المدينة في شهر محرم والمسلمون يظنون أن المشركين لا يهجمون في شهر محرم فيباغتونهم بالهجوم.
وحتى لو علم المسلمون بهجومهم وهم في الطريق الى المدينة فيشق على المسلمين الإستعداد للقتال على عجلة كما يكثر الجدال والقيل والقال والتساؤل باحتمال وجوه:
الأول : مجئ المشركين للتفاوض والمهادنة .
الثاني : عدم مجئ جيش المشركين لأنهم في شهر حرام.
الثالث : اعتماد أصالة الظاهر والرجحان بخصوص الأخبار بمجئ المشركين للقتال وغزو المدينة وليكون من معاني وصف القتال في الشهر الحرام بأنه كبير تجرأ الذين كفروا على أمور :
الأول : القتال في الشهر الحرام.
الثاني : إرادة غزو المدينة في الشهر الحرام .
الثالث : إتخاذ المشركين النسئ حيلة ومكراً وذريعة للقتال والتعدي في الشهر الحرام .
لقد جعل المشركون أيام السنة كلها سبباً لإثارة الخوف عند المسلمين ليكون من معاني قوله تعالى [يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ]( )، اخبار المسلمين عن حال الخوف والقلق التي يريد المشركون تلبسهم بها فتفضل الله عز وجل بمنع هذا الخوف وطرده عن المسلمين بذات السلاح الذي إتخذه المشركون ، إذ أخافوا المسلمين من القتال في الشهر الحرام فأخبر الله عز وجل المسلمين عن إمكان حدوث قتال كبير في الشهر الحرام فتلقاه المسلمون بالقبول وعدم الخوف أو الخشية من الذين كفروا ، ليسقط ما في أيديهم ، قال تعالى [فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ]( ).
لقد كان حساب النسئ والتلاعب بأوقات الأشهر الحرم ابتداء واستدامة وانتهاء من وسائل تهديد المشركين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، فجاء القرآن ببيان قبح النسئ وحكمه بأنه كفر وزيادة وإمعان واصرار على الكفر، ونزلت آية البحث بدعوة المسلمين للأخذ بالحائطة من النسئ وشروره وما يترشح عنه.
وعن مجاهد في قوله [وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ]( )، قال : صار الحج في ذي الحجة فلا شهر ينسىء( ).
ليكون من إعجاز القرآن قانون(الوقاية من القتال) وسيأتي بيانه.
ويدل قوله تعالى [يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ]( )، على تعدد السؤال من جهات :
الأولى : السؤال عن أهلة وأشهر السنة .
الثانية : السؤال عن هلال شهر رمضان وابتداء فريضة الصيام.
الثالثة : السؤال عن أهلة الأشهر الحرم .
الرابعة : توجه السؤال الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بخصوص أهلة الأشهر الحل .
الخامسة : السؤال عن أوان الحج ، وحرمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه منه مع أنهم أولياء المسجد الحرام.
السادسة : السؤال عن علة إطلالة الهلال ثم إتساع نوره حتى يمتلأ ويصبح بدراً في منتصف الشهر ثم يأخذ بالنقصان الى ليالي المحاق.
السابعة : السؤال المقرون بالذم لأقوام عبدوا القمر فجاء الجواب من عند الله عز وجل بأن الأهلة كلها مسخرة للناس في ضبط أيام حياتهم وتجاراتهم والصلات بينهم وأوقات زروعهم ومكاسبهم والديون بينهم وأوان قضائها ومدة الإجارة في العمل أو السكن .
ووقت ابتداء الصوم بهلال شهر رمضان والإفطار برؤية هلال شوال ، وضبط عدة النساء ولا تتعلق هذه الأمور باطلالة الهلال وحده أو غيابه انما تشمل زيادة نور القمر ونقصانه .
وتضمنت ذات الآية النهي عن دخول البيوت من خلفها عند الإحرام ، وعن مجاهد في قوله[وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا]( ).
قال : كان المشركون إذا أحرم الرجل منهم نَقب كُوَّة في ظهر بيته فجعل سُلَّمًا، فجعل يدخل منها. قال: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ومعه رجل من المشركين : فأتى الباب ليدخل، فدخل منه ، فانطلق الرجل ليدخل من الكوة. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما شأنك ، إنّي أحمس.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : وأنا أحمس.
وبالإسناد عن الزهري قال : كان ناسٌ من الأنصار إذا أهلُّوا بالعمرة لم يَحل بينهم وبين السماء شيء يتحرَّجون من ذلك، وكان الرجل يخرج مُهلا بالعمرة فتبدو له الحاجة بعد ما يخرج من بيته فيرجع ولا يدخل من باب الحجرة من أجل سَقف الباب أن يحول بينه وبين السماء.
فيفتح الجدار من وَرَائه.
ثم يقوم في حجرته فيأمر بحاجته. فتخرج إليه من بيته، حتى بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أهلَّ زمنَ الحديبية بالعمرة، فدخل حجرة، فدخل رجل على أثره، من الأنصار من بني سَلِمة.
فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إنّي أحمس ، قال الزهري: وكانت الحُمس لا يبالون ذلك. فقال الأنصاري : وأنا أحمس! يقول: وأنا على دينك، فأنزل الله تعالى ذكرهوَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا.
ترى لماذا لم تقل الآية (مواقيت للمسلمين) خاصة وأن أكثر أمم الأرض تعتمد الحساب الشمسي ، الجواب من جهات :
الأولى : إرادة الأمور العامة التي يبتلى بها الناس ، وشؤون معايشهم وأرزاقهم والمعاملة بينهم .
الثانية : وجود أمم من الأرض في كل زمان تعتمد الحساب القمري على نحو الموجبة الكلية أو الجزئية.
الثالثة : يصدق على المسلمين أنهم الناس ، ويكون من وجوه تقدير الآية :
الأول : قل هي مواقيت للمسلمين في صيامهم في مشارق الأرض ومغاربها إذ تكون ولادة هلال رمضان من جهة المغرب ورؤيته أواناً مباركاً لبدء فريضة الصيام ثلاثين يوماً أو تسعة وعشرين إذ ينتهي الشهر برؤية هلال الشهر التالي .
الثاني : قل هي مواقيت للمسلمين بافطارهم عند رؤية هلال شهر شوال.
الثالث : قل هي مواقيت للمسلمين في عدة المتوفى عنها زوجها فاذا كانت غير حامل فعدتها أربعة أشهر قمرية وعشرة أيام ، ويحتسب يوم الوفاة من ضمن مدة العدة فلا تكون المدة مائة وثلاثين يوماً أو أكثر ، إنما تكون نحو مائة وثمانية وعشرين يوماً ، بلحاظ أن الشهر القمري قد يكون تسعة وعشرين يوماً ، قال تعالى [وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا]( ).
وتعتد المطلقة التي لا تحيض ثلاثة أشهر قمرية كالتي لا يأتيها الحيض ويأتي أقرانها كما تعتد المفقود عنها زوجها أربعة أشهر وعشراً بعد حكم الحاكم بوفاته بعد رفع أمرها اليه ، وفحصه في الجهة التي فقد بها وعدم العثور على خبر أو أمارة تدل على بقائه حيا .
لقد أراد الله عز وجل من السؤال عن الأهلة بيان الأحكام ، وجعل المسلمين قادرين على جدال الذين كفروا والإحتجاج عليهم ، وجعل الناس عامة يتدبرون في أسرار الخلائق , وكيف أنها مسخرة لنفع ومصلحة الناس وليس للقتال بينهم.
إذ أن لفظ الناس في قوله تعالى [مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ]( )، اشتراك الناس جميعاً من الإنتفاع من القمر ومن المواقيت , وأن الناس إذ رأوا الهلال يتبادر إلى أذهانهم أنه سيكون بدراً في الليلة الرابعة عشرة والخامسة عشرة .
وبالنسبة للشهر الحرام إذا رآى الناس هلاله تملأ قلوبهم السكينة بحلول الأمن والسلام ، ولكن الذين كفروا سعوا في حجب هذه النعمة عن المسلمين الأوائل بالتلويح بالقتال والغزو في الشهر الحرام , فجاء قوله تعالى [يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ] ( ) على وجوه :
الأول : إنذار الذين كفروا وزجرهم عن الخروج عن مواقيت الأشهر الحرم .
الثاني : دعوة المسلمين للحيطة والحذر حتى عند إهلال الشهر الحرام .
الثالث : فضل الله في الثواب والأجر للمسلمين بسبب الترصد والترقب والمرابطة في الشهر الحرام ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] ( ).
الرابع : من معاني قوله تعالى [مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ] ( ) اقامة الحجة على الذين كفروا بلزوم الكف عن القتال في الشهر الحرام .
الخامس : صبغة العموم في الآية [مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ] شاهد على نفرة عامة الناس ورجال القبائل من المشركين لو هجموا على المدينة في الشهر الحرام .
لقد كانت الدعوة الإسلامية وبيان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للأحكام في سباق مع الأيام والساعات ، وأي إمهال وتوقف عن القتال مناسبة لأمور مباركة :
الأول : إدراك الناس لمعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : إزدياد المسلمين إيماناً ، قال تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ] ( ).
الثالث : توالي نزول آيات القرآن تذكير للناس بوجوب التسليم بالوحدانية ، والإقرار بالعبودية لله عز وجل ، قال تعالى [إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ] ( ).
الرابع: توبة طائفة من المنافقين خروج خصال النفاق من النفوس ويمكن انشاء قانون وهو (الملازمة بين الإيمان وصلاح النفوس) .
الخامس : سلامة المجتمعات والأفراد من القتال والمنع مما يترشح عن القتال من نزف الدماء وهدر الأموال وتعطيل التجارات وكثرة الأرامل والأيتام.
ولما قال تعالى [كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ] ( ) فانه سبحانه خفف عن الناس جميعاً بأن جعل أربعة أشهر من السنة حرماً لا تتعدى عليها الأشهر الحل في موضوع القتال إنما تزحف منافع وآثار الأشهر الحرم على الأشهر الحل إذ تسري أسباب السكينة والإستقرار من الأشهر الحرم إلى أشهر الحل التي تسبقها والتي تتعقبها ، وهو من أسرار اشتراك الناس في تلقي رشحات النفخ من روح الله في آدم , وقوله تعالى [ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ]( ).
ويسمى الذين يتولون النسيئة وزيادة حساب الشهور (النسأة) وكان أحد أفراد قبيلتهم سبباً في قدوم أبرهة لهدم الكعبة ، فعندما كتب أبرهة إلى النجاشي يخبره عن بناء كنيسة عظيمة في اليمن ليحج إليها الناس وليصرف العرب إليها بدل حجهم إلى الكعبة ، شاع أمر هذا الكتاب بين العرب ، وصاروا يتناقلونه مما يؤكد سهولة تناقل العرب لآيات القرآن أيام بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ولم يغضب العرب لبناء الكنيسة ، إنما تحدثوا عن كتاب أبرهة بصيرورتها بدلاً للكعبة.
فـ(غضب رجل من النسأة من بني فقيم، فخرج حتى أتاها فقعد فيها وتغوط، ثم لحق بأهله، فأخبر بذلك أبرهة، وقيل له: إنه فعل رجل من أهل البيت الذي تحجه العرب بمكة غضب لما سمع أنك تريد صرف الحجاج عنه ففعل هذا.
فغضب أبرهة وحلف ليسيرن إلى البيت فيهدمه، وأمر الحبشة فتجهزت، وخرج معه بالفيل واسمه محمود.
وقيل : كان معه ثلاثة عشر فيلاً وهي تتبع محموداً، وإنما وحد الله سبحانه الفيل لأنه عنى كبيرها محموداً، وقيل في عددهم غير ذلك)( ).
ولغياب الإيمان تجد المعارك والحروب تشتعل لأسباب شخصية وحال غضب وانفعال يستولي على صاحب القرار ، فلابد من الحكمة والتروي في تلقي أثر الوقائع.
لذا جاءت أحكام الشريعة بالرجوع إلى القرآن والسنة لإقتباس الحكم ، ومنه الإذن بالدفاع في الشهر الحرام ، ولم يكن النسئ موجوداً أيام إبراهيم الخليل وعند بناء البيت الحرام ، ودعوة الناس للحج ، إنما صار النسئ بعده ومعناه التأجيل والإرجاء في حساب الشهور ، وهو بدعة محرمة ، وكان يتولاه شخص واحد من بني فقيم من كنانة من بني عدنان وهم بالتوالي والتوارث :
الأول : (القلمس( ) وهو حذيفة بن عبد بن فقيم بن عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة بن خزيمة.
الثاني : قام بعده بالنسئ ابنه عباد بن حذيفة.
الثالث : قام بعد عباد قلع بن عباد.
الرابع : أمية بن قلع.
الخامس : عوف بن أمية.
السادس : أبو ثمامة جنادة بن عوف وكان آخرهم وعليه قام الأسلام) ( ) ، وقد تقدم ذكره في الصفحات السابقة.
وكان العرب إذا فرغوا من الحج يجتمعون إليه فيحرم الأشهر الحرم ذاتها ، ولكن إذا أراد أن يحل شهر محرم ، يجعل محله شهر صفر باعلان عام على الناس إذ يقف عند جمرة العقبة بعد الصدور من منى ويقول : اللهم إني ناسئ الشهور وواضعها مواضعها ولا أعاب ولا أخاب ولا يرد لي قضاء ، فيقولون صدقت ، في تعضيد له ، ورجاء إرجاء وتأخير حرمة شهر محرم عنهم لكراهيتهم توالي ثلاثة شهور حرم عليهم من غير قتال وإغارة ونهب وسلب.
إذ كان معاشهم على الغارة والسلب والسبي ، إنما جعل الله عز وجل الأشهر الحرم بقوله تعالى [إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ] ( ) رحمة للناس ومناسبة للنفرة من القتال والسلب .
ثم يقول الناسئ : اللهم إني قد أحللت أحد الصفرين ، وحرمت صفر المؤخر ، وكذا في الرجبين أي شهر رجب وشعبان .
أما المراد من الصفرين فهما شهر محرم وصفر ، والمراد من صفر الأول شهر محرم ، إذ تلاعبوا حتى بالأسماء للتعدي والتأجيل والإرجاء في حساب الشهور وليبدلوا حرمة شهر محرم بصيرورة شهر صفر محرماً من أجل إباحة القتال في شهر محرم ، فجاء قوله تعالى [يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ..] ( ) لبيان حرمة القتال في شهر محرم ، وإن قام النسأ باجازة القتال فيه ، ومن البدعة والحرمة في المقام أن العرب اكتفوا بالتقيد بمدة الأربعة أشهر الحرم مع التلاعب والتبديل في أوانها وأعيانها في كل سنة .
مفهوم الآية
بعد موضوع السؤال عن الإنفاق وتفضل الله تعالى بالإجابة عليه، جاءت هذه الآية متعقبة له وتتعلق بسؤال المسلمين ايضاً للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولكن في موضوع آخر وهو القتال في الشهر الحرام وبين موضوع هذه الآية والآية قبل السابقة عموم وخصوص مطلق فالقتال ايضاً انفاق بالمال والأنفس والبدن وتضحية بالراحة والدعة فهو انفاق بالمعنى الأعم ولا ينحصر موضوعه بالمال .
فيدل هذا السؤال على ارتقاء المسلمين في سلم الإيمان وبلوغهم درجة من التقوى والثبات على مبادئ الإسلام واستعدادهم للتضحية والجهاد، كما تبين الآية ما كان يعانيه المسلمون من المشركين وكيف انهم يتربصون الفرص بالمسلمين ويريدون مباغتتهم اثناء الصلاة وأداء المناسك، وفي الأيام التي تمثل عندهم قدسية خاصة.
فجاء الجواب دعوة للجهاد وحثاً على مواصلة الإستعداد له وعدم وضع السلاح في أي وقت كان ، وذكر الشهر الحرام من باب المثال الأهم والا فان موضوع الآية لا يتعلق به حصراً بل يشمل جميع الأوقات والمواضع التي لها حرمة خاصة عند المسلمين لذا جاءت آيات خاصة بالإذن في القتال في البيت الحرام عندما يبدأ الكافرون القتال فيه.
وفي الآية بيان لعلة جواز القتال في الشهر الحرام ، وهذا البيان لمنع الوهم والخلاف بين المسلمين في القتال في الشهر الحرام فقد يصر بعضهم على المحافظة على قدسيته وحرمته ويقول ان القتال فيه على نحو الرخصة وليس العزيمة [فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفًا] ( )، من المشركين والمنافقين.
وقد يقال الأولى إجراء الصلح والتدارك والوصول الى حلول وسط مع كفار قريش وتقديم الفداء بالمال والتنازل عن بعض الحقوق من أجل المحافظة على قدسية الشهر الحرام خصوصاً وان حرمته تهم المسلمين في دينهم وعبادتهم ومعاملاتهم ولا تهم الكافرين، ،وتوليهم شؤون المسجد الحرام ، قال تعالى [وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمْ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ]( ).
فجاءت هذه الآية لتبين اضرار القعود عن الدفاع في الشهر الحرام وانها لا تتعلق باوان القتال ومدة الشهر الحرام وحدها، فعدوان كفار قريش فيه حرب على الإسلام ومحاولة لمنع انتشاره ومن غايات المشركين تثبيط الهمم وصد الناس عن دخوله.
فالأذن في القتال في الشهر الحرام اصبح ضرورة وحاجة ويتعلق ببقاء أحكام الشريعة وأداء الفريضة والنسبة بين القتال والدفاع العموم والخصوص المطلق وكذا ذات النسبة بين الإذن في الدفاع وبين ذات الدفاع .
ولا تدل آية البحث على القتال أو الدفاع في الشهر الحرام ، إنما تتضمن الإذن من الله بالدفاع عند الحاجة ولم يأت هذا الإذن إلا بعد سؤال المسلمين ولجوئهم إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بخصوصه مما يدل على حاجتهم له بعد كثرة تهديد كفار قريش ووعيدهم ومناجاتهم بالهجوم على المدينة ، وتجاهرهم بالعزم على قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
ليكون من معاني قوله تعالى [وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ] ( ) إذن الله عز وجل للمسلمين بالدفاع في الشهر الحرام مما يدل بالأولوية القطعية على الإذن لهم في الأشهر الحل ، بمعنى ان الوجوب يترشح عن القتال في الشهر الحرام ومنه وجوب الدفاع عن بيضة الإسلام وما لا يتحصل الواجب الا به فهو واجب.
ثم بينت الآية ان قتال الكافرين وتصديهم للإسلام سيستمر ولا ينحصر بالشهر الحرام او بمدة التنزيل مما يعني أخذ الحيطة والإستعداد للقتال في الشهر الحرام وفي غيره، في مكة والمدينة والأمصار والثغور الإسلامية، في أيام التنزيل والخلافة الإسلامية وغيرها من أيام الحياة الدنيا، وهذا من فلسفة الإبتلاء في الدنيا واستدامة الصراع بين الحق والباطل، وبين الخير والشر.
وجعلت هذه الآية حالة الإستعداد المستديم عند المسلمين وفيه قال تعالى [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ] ( )
لاقامة للحجة في أخذ المسلمين الحيطة والحذر ولزوم عزوفهم عن الميل الى الراحة ، ونهتهم الآية عن الإطمئنان الى الكفار ووعودهم ومواثيقهم وتضمنت التحذير من الإرتداد والنكوص
وجاءت الآية على نحو التبعيض ” ومن يرتد منكم عن دينه” ( ) ، وهذا التحذير واقية من الإرتداد ومن هجوم الذين كفروا إذ أنه يقطع طمع الذين كفروا ، ويبعث اليأس في نفوسهم من إرتداد بعض المسلمين ، وهذا اليأس زاجر ذاتي عن الهجوم وإرادة القتال ، وفي التنزيل [وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا]( ).
وفيه بشارة بقاء الإسلام قوياً وان الإرتداد في حال حصوله بسبب قتال الكفار وهجومهم على الإسلام والمسلمين فان الإرتداد إن حصل فلا يحصل الا على نحو القضية الشخصية.
ومع هذا فان باب التوبة مفتوح سواء للمرتد الملي أي المرتد الذي اصبح مسلماً وأبواه غير مسلمين ثم ارتد، او المرتد الفطري أي المسلم الذي ولد لأبوين مسلمين او أحدهما مسلم ثم ارتد، فالتوبة مسألة سيالة شاملة لكل أنواع الذنوب والخطايا ، وهو من عمومات قوله تعالى [قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ] ( ).
فجاءت الآية بالإخبار عن تعرض المرتد لأشد أنواع العذاب لأن كفر المرء ينسخ ما قدم من عمل صالح، والنهي والتحذير من الإرتداد في هذه الآية والعقوبة التي تنتظر المرتد لا تنحصر بمن ارتد بسبب هجوم الكفار وتعديهم على بلاد المسلمين كسبب او فعل مباشر بل هو عام ، لذا تضمنت الآية التحذير من سعي الذين كفروا لإرتداد المسلمين ليكون من الإعجاز في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ] ( ) تحذير المسلمين من المقدمات التي يتخذها الذين كفروا لصدّ المسلمين عن سبيل الله ، ونشر الفرقة بينهم ، قال تعالى [وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ]( ).
ومن مفاهيم الآية انها تعاهد لبناء الإسلام خصوصاً في أيام الدعوة الأولى وبدايات رسوخ الإيمان في الصدور وكثرة أهل الشك والريب وتأثير أهل التحريف واستبداد العادات الجاهلية، والعصبية القبلية، فالآية حصانة وحفظ لوحدة المسلمين وتقويم لمجتمعاتهم ، وهو من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ).
وتحذر الآية من مقدمات القتال وأسباب الفتنة التي قد تستمر مدة مديدة، وتتفرع عنها شرور عديدة وتنتج عنها اضرار وخيمة، فالتصدي للكفر في الأشهر الحرم درء للفتنة , ومنع من طغيان النفس الغضبية والشهوية .
وإخبار الآية عن الكفر بالمسجد الحرام دعوة للمسلمين لتقديسه وإيلائه عناية خاصة ، ومنع وصول يد السوء اليه.
وفيه حث على اعطائه أولوية في السياسة والإعلام وتأديب المسلمين على حبه وتقديسه , والحرص على عمارته والتدبر في إتخاذه قبلة لعموم المسلمين والمسلمات في مشارق الأرض ومغاربها ، قال تعالى [وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ] ( ).
والآية واقية نفسية من ترتب الأثر على تعدي الكافرين، وهي حصانة للمسلمين اذا سمعوا كلاماً او فعلاً غير لائق يصدر من الكفار بخصوص البيت الحرام لأن القرآن أخبر عن صدوره وحذر منه فيكون مثل هذا الكلام او الفعل حجة وفضحاً لصاحبه وشيناً عليه.
ويدل الأمر بالدفاع في الأشهر الحرم بالأولوية على الحث على الدفاع في أشهر السنة الأخرى ، مع إجتهاد في صرف القتال لأنه مبغوض بالذات .
قانون أدوار القمر
من الإعجاز في الجامع بين الإرادة التكوينية والتشريعية أن الحساب القمري ظاهر وجلي للناس جميعاً ، وأنه لا يتم في ليلة أو ليلتين حتى يقال بالغفلة عنه أو بحجب الغيوم للقمر انما يستمر لتسع وعشرين أو ثلاثين ليلة بلحاظ أن الشهر القمري لا يقل عن تسعة وعشرين يوماً ولا يزيد على ثلاثين يوماً [صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ]( ) .
إذ يظهر الهلال خيط رقيقاً من النور ثم يأخذ بالإتساع إلى أن يصبح بدراً وسط الشهر ثم يأخذ بالنقصان إلى ليالي المحاق ولا عبرة بولادة الهلال في ضبط الحساب الشرعي ، وإن كان الحساب الفلكي في هذا الزمان دقيقاً فالمدار على ظهور الهلال ورؤية الناس له .
إذ يمر الهلال بمراتب :
الأولى : الهلال : وهو ظهوره في الليلة الأولى والثانية ، وفيه قوله تعالى [فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ] ( ) (وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : سأل الناس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الأهلة ، فنزلت هذه الآية { يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس }( ) يعلمون بها حل دينهم ، وعدة نسائهم ، ووقت حجهم .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله { يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس }( ) قال : لحجكم ، وصومكم ، وقضاء ديونكم ، وعدة نسائكم .
وأخرج الطستي عن ابن عباس . أن نافع بن الأزرق قال له : أخبرني عن قوله { مواقيت للناس } قال : في عدة نسائهم ، ومحل دينهم ، وشروط الناس ، قال : وهل تعرف العرب ذلك؟ قال : نعم ، أما سمعت قول الشاعر وهو يقول :
والشمس تجري على وقت مسخرة …
إذا قضت سفراً استقبلت سفرا
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : جعل الله الأهلة مواقيت للناس فصوموا لرؤيته ، وافطروا لرؤيته ، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوماً ) ( ).
الثانية : التربيع الأول : وهو أن يرى نصف القمر ، كما لو كان في الليلة السابعة من الشهر القمري ، ويرى في أول الليل وساعات من النهار .
الثالثة : الأحدب المتزايد بأن يُرى أكثر من نصف القمر مضيئاً كما في الليلة التاسعة والعاشرة والحادي عشرة ، إذ يرى على هذه الحال بعد الزوال ، وفي أكثر ساعات الليل ليحمل البشارة بقرب صيرورته بدراً ، لذا قيد اسم الأحدب هنا بأنه متزايد .
الرابعة : البدر بأن يطل القمر مضيئاً بتمامه وعلى نحو كلي في منتصف الشهر القمري ، إذ تتموضع الأرض بين الشمس والقمر.
الخامسة : أحدب متناقص : وهو الذي يكون في الليالي التي تتعقب منتصف الشهر القمري لليلة السابعة عشرة والثامنة عشرة والتاسعة عشرة ، والمدار على رؤية أكثر من نصف القمر مضيئاً ، ويرى في أغلب الليل وعند الصباح .
السادسة : التربيع الثاني : إذ يأخذ ضياء القمر بالتناقص إلى ما دون النصف منه ، ويطلع في آخر الليل ومعظم ساعات النهار .
السابعة : المحاق : فلا يرى القمر فيها ، ومنهم من جعل هذه الهيئة للهلال أول هذا الترتيب وفق الحساب الفلكي الغربي إذ تسمى (new moon) ولكن الحساب الشرعي وعند العرب قبل الإسلام هو من حين رؤية الهلال وكذا بالنسبة لحساب الأشهر الحرم ، قال تعالى [وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ] ( ).
وتسمى الليلة الخامسة والعشرين والسادسة والعشرين والسابعة والعشرين من الشهر القمري الداديُّ ( ).
آية ( يسألونك ) رحمة
تمنع الآية ظهور الخلاف عند المسـلمين فلولا الآية لتمسك شطر منهم باطلاقات حرمة القتال والدفاع في الشهر الحرام واستدل آخرون باحكام الضرورة وقاعدة لا ضــرر ولا ضرار ، وان عدم القتال والرد فيه على الكافرين تفويت لفرصة مؤاتية وتضييع لحقوق المسلمين وفقدان للنفوس والأموال ولجاء من قال بحكومة قاعدة نفي الحرج في الدين ولزوم تقديم أمر مخصوص ، كل يأتي برأي واجتهاد وما يترتب عليه من الفرقة والميل الى الراحة والسكينة , وترك الأولى .
فجاءت هذه الآية لتمنع الخلاف وتعطي اذناً الهياً بالقتال في الشهر الحرام عند اجتماع اسبابه او شرائطه ليكون هذا الإذن على وجوه :
الأول : الرخصة للمسلمين في الدفاع والقتال في الشهر الحرام.
الثاني : بعث الفزع والخوف في قلوب المشركين من هجوم المسلمين عليهم حتى في الشهر الحرام .
الثالث : صيرورة وفود القبائل في الحج في ترقب للوقائع .
الرابع : عدم خشية الناس من قريش وسطوتها .
الخامس : آية البحث وما تتضمنه من الإذن للمسلمين بالقتال في الشهر الحرام مقدمة لمعركة بدر .
السادس : سلامة المسلمين من الخوف من قيام الذين كفروا بالثأر والرد في الأشهر الحرم التي بعدها .
وليس بين شهر رمضان من السنة الثانية الذي وقعت فيه معركة بدر وبين الأشهر الحرم ذي القعدة وذي الحجة ومحرم إلا شهر شوال الذي وصل فيه جيش المشركين إلى مكة بخزي وحرموا البكاء والنياحة على قتلاهم ببدر مع كثرتهم ، مع أن المسلمين كانوا يفتخرون بالشهداء الأربعة عشر الذين تضرجوا بدمائهم دفاعاً عن النبوة والتنزيل ، ولم يخرجوا من المدينة لقتال ، ولم يودعوا أهليهم الذين استصحبوا عودتهم لأنهم في كل مرة يخرجون في الكتائب والسرايا ويعودون بسلام ، وخروجهم من المدينة لم يكن للقتال في معركة بدر ، وقد خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى معركة بدر وهو لا ينوي القتال .
مما يدل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لا يظنون وقوع قتال ، وفي التنزيل [وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ]( ) .
لقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في الطريق إلى معركة بدر منقطعين إلى ذكر الله ، ويتطلعون إلى الآيات القرآنية من طلوع الفجر لأول صلاح الفجر ، وزوال الشمس عند الظهيرة لأداء فريضة الصلاة لأداء صلاة العصر ، وغروب الشمس ليصدح الصحابة بالأذان إيذاناً بحلول وقت صلاة المغرب، وترقب وقت صلاة العشاء لأدائها جماعة ، فكل هذه الفرائض بامامة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في آية وبركة أطلت على الأرض مرة واحدة ولن تعود إلى يوم القيامة .
ولكن شاء الله عز وجل أن يكون اسم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حاضراً في كل صلاة سواء في مقدماتها من الأذان والإقامة أو عند التشهد ، وفي المستحبات وعند تلاوة القرآن ، إلى جانب إستحضار المسلمين سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة ، ويمكن إنشاء قوانين من جهات :
الأولى : قانون ذكر المسلمين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مقدمات الصلاة .
الثانية : ذكر المسلمين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة .
الثالثة : تأسي ومحاكاة المسلمين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في أفعال الصلاة (عن مالك بن الحويرث ، قال : أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن شببة متقاربون ، فأقمنا عنده عشرين ليلة ، فظن أنا قد اشتقنا إلى أهلينا .
سألنا عمن تركنا في أهلنا ، فأخبرناه .
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رحيما رفيقا.
فقال : ارجعوا إلى أهليكم فعلموهم ، ومروهم ، وصلوا كما رأيتموني أصلي ، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم ، وليؤمكم أكبركم) ( ).
الرابعة : قانون الصلاة واقية وحرز من القتال .
الخامسة : قانون الصلاة دفاع عن النفس والإسلام .
السادسة : قانون تعاهد المسلمين والمسلمات الصلاة في حال السلم والحرب ، قال تعالى [حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَة الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ * فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ] ( ) .
السابعة : قانون الصلاة دعاء وسبيل للأمن والكفاية والسلامة من القتال في الشهر الحرام ، ومن معاني الصلاة الدعاء (ومما جاء في الشرع: الصلاة، وأصلُه في لغتهم الدّعاء) ( ).
وأخبرت آية البحث عن موضوع السؤال وهو من مصاديق قوله تعالى [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ] ( )، ولمنع الجهالة والغرر، ولقد أراد الله عز وجل تشريع قانون عام من الإرادة التكوينية بالقتال في الشهر الحرام في حال الدفاع .
وهل يشمل حال الضرورة الجواب إنما يختص الأمر بالدفاع ولا يتعارض الأمر مع كون هذا الدفاع ضرورة ، أما الضرورة وحدها من غير دفاع فلا دليل عليه ، إذ أن حرمة القتال في الشهر الحرام مطلقة إلا ما خرج بالدليل ، وهو من أسرار تقديم الشهر في الآية , وان كانت الضرورات تبيح المحذورات .
وجاء الجواب من عند الله بالإذن بالقتال , وفيه منع للخلاف بين المسلمين، فاذا زحف جيش المشركين من مكة إلى المدينة فلا يبقى المسلمون في حال خلاف وشقاق هل يخرجون للدفاع أم يبقون في المدينة للدفاع ، أم يمتنعون عن إشهار السيوف لأنهم في شهر حرام .
ومن إعجاز الآية أنها تتضمن الإذن بالقتال في الشهر الحرام إلا أنها في الحقيقة تحول دون حدوثه ، وهو من إعجاز القرآن في المجئ بأمر واذن لفعل فيه أذى ليمنع من وقوعه كما في قوله تعالى [وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ]( ) .
فهذه الآية مانعة من كثرة القتل وسفك الدماء وذكرت آية البحث وقوع الصدّ والحجب عن سبيل الله وفعل الصالحات ، ومنع المسلمين من حج البيت الحرام ، ومن الإعتمار ، ومثلما يكون الصد والمنع هذا من طرف المشركين فان القتال الكبير في الشهر الحرام هو من جهة المشركين أنفسهم لوحد الموضوع في تنقيح المناط .
لقد جعل الله عز وجل آية البحث شاهداً على عتو وظلم الذين كفروا في الأشهر الحرم مما يدل على تماديهم في الجور بالأشهر الحلّ أيضاً.
وهل من موضوعية لتهديد ووعيد المشركين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في سؤال المسلمين عن الشهر الحرام الجواب نعم ، ليكون من وجوه تقدير آية البحث :
الأول : يا أيها النبي يسألك المهاجرون والأنصار عن الشهر الحرام .
الثاني : يا أيها النبي يسألك المسلمون عن الشهر الحرام ، وجواز القتال فيه خلافاً للأصل وهو الحرمة .
الثالث : يا أيها النبي يسألك المسلمون عن القتال في الشهر الحرام بعد كثرة التهديد والوعيد من المشركين .
الرابع : يسألك المسلمون عن جزاء هجوم المشركين في الشهر الحرام.
الخامس : يسألك أصحابك هل يجوز رد هجوم المشركين في الشهر الحل بقتالهم في الشهر الحرام .
السادس : يسألونك عن صد المشركين لهم عن المسجد الحرام في الشهر الحرام هل يقاتلونهم فيه ، وتدل السنة النبوية التي هي بيان وتفسير للقرآن على أن الصدّ عن المسجد الحرام ليس علة تامة للقتال ، بدليل عقد صلح الحديبية ، وتفضل الله بتسميته فتحاً ، قال تعالى [إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا] ( ) سواء كان بذاته فتحاً أو مقدمة للفتح .
فجاء صلح الحديبية شاهداً على عدم قتال المشركين في الشهر الحرام إن صدوا المسلمين فيه .
وعن مجاهد في قوله { الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص }( ) قال : فخرت قريش بردها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم الحديبية محرماً في ذي القعدة عن البلد الحرام ، فأدخله الله مكة من العام المقبل ، فقضى عمرته وأقصّه بما حيل بينه وبينهما يوم الحديبية( ) .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال : أقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه معتمرين في ذي القعدة ومعهم الهدي ، حتى إذا كانوا بالحديبية فصدهم المشركون ، فصالحهم نبي الله أن يرجع عامه ذلك حتى يرجع من العام المقبل ، فيكون بمكة ثلاث ليال ولا يدخلوها إلا بسلاح الراكب ، ولا يخرج بأحد من أهل مكة ، فنحروا الهدي بالحديبية وحلقوا وقصروا حتى إذا كان من العام المقبل ، أقبل نبي الله وأصحابه معتمرين في ذي القعدة حتى دخلوا فأقام ثلاث ليال .
وكان المشركون قد فخروا عليه حين ردوه يوم الحديبية ، فأقصه الله منهم وأدخله مكة في ذلك الشهر الذي كانوا ردوه فيه في ذي القعدة ، فقال الله { الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص }( ).
ليكون هناك تباين ، إذ يفرح المشركون بصدّ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين والأنصار عن البيت الحرام ، بينما يلجأ الصحابة الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم للسؤال عن الشهر الحرام ، وعن القتال فيه ليكون المعنى يسألونك هل يصح قتال المشركين عندما منعونا عن المسجد الحرام ، ويكون تقدير الآية بلحاظ الأحكام التكليفية الخمسة على وجوه :
الأول : يسألونك عن الشهر الحرام هل يحرم القتال فيه .
الثاني : يسألونك عن الشهر الحرام هل يكره القتال فيه .
الثالث : يسألونك عن الشهر الحرام هل يباح القتال فيه .
الرابع : يسألونك عن الشهر الحرام هل يستحب القتال فيه .
الخامس : يسألونك عن الشهر الحرام هل يجب القتال فيه .
فجاء الجواب بالسنة النبوية بالصبر على هذه الحال ، فمن الآيات في الصبر عن القتال حتى مع تعدد الأذى من الذين كفروا تحقق فتح مكة بعد صلح الحديبية بسنتين وليدخل الإسلام رؤساء قريش ومنهم سهيل بن عمرو رئيس وفد قريش إلى صلح الحديبية والذي أكثر من التشدد في الشروط على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقام بضرب ابنه أبا جندل يومئذ بحضرة المسلمين وأصر على إعادته يرسف بالحديد إلى مكة .
كما يمكن تقدير الآية بلحاظ توجه الخطاب إلى المسلمين والمسلمات على وجوه:
الأول : تسألون النبي عن الشهر الحرام قتال فيه، فيه قتال كبير.
الثاني : تسألون النبي عن الشهر الحرام قتال فيه ، ليدل بالأولوية على القتال في الشهر الحلّ .
الثالث : تسألون عن القتال في الشهر الحرام .
وذات آية البحث من اللطف الإلهي بالمسلمين إذ تبين إكرام الله عز وجل لهم من جهات :
الأولى : توثيق سؤال المسلمين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : بيان الحال التي صار عليها المسلمون من الفقاهة ، وسعيهم للإرتقاء في المعارف مع التهيئ للدفاع .
الثالثة : إمتناع المسلمين عن القتال إلا باذن من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فبيّن الله عز وجل أن المسألة تستلزم نزول آية قرآنية ليكون الحكم عاماً وظاهراً للناس رحمة بهم ومنعاً من القتال في الشهر الحرام .
فحينما قال تعالى [قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ] ( ) لم يظهر المسلمون الجزع والخوف من الذين كفروا إنما تلقوا الآية وأحكامها بالرضا والقبول ، ولم ينقطع المسلمون معها عن السؤال عن الأحكام الشرعية مما يخص الأهلة ، وعن الإنفاق والصدقة والصلة والمعاملة مع اليتامى .
وعن الحياة العائلية والأسرة وقواعد الصلة بين الزوجين كما في قوله تعالى [وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ] ( ).
ومن إعجاز القرآن مجئ لفظ السؤال المتوجه إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من قبل أهل الكتاب وغيرهم بصيغة (يسألك)كما في قوله [يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنْ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمْ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا] ( ) .
وكما في قوله تعالى [يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنْ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا] ( ) لبيان تعدد السؤال عن يوم القيامة من قبل كل من :
الأول : المسلمون .
الثاني : أهل الكتاب .
الثالث : المشركون .
ترى ما هي النسبة بين [يَسْأَلُونَكَ] و[يَسْأَلُكَ] في القرآن ، الجواب هو العموم والخصوص من وجه ، فهناك مادة للإلتقاء وأخرى للإفتراق .
ومن وجوه الإلتقاء :
الأولى : توجه السؤال إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : تعدد السائلين ، فاذا ورد لفظ يسألك فانه يحتمل إتحاد أو تعدد السائل للنبي محمد ، ولكن الآية تقطع هذا الإحتمال لتخبر على أنه من الثاني بدليل قوله تعالى [يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ] ( ) [يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنْ السَّاعَةِ]( ) ولو تردد الأمر بين المفرد والمتعدد من لفظ أهل الكتاب ولفظ الناس في الآيتين أعلاه فالظاهر هو الثاني من وجوه :
أولاً : يأتي شخص واحد يسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم يأتي آخر بذات السؤال وهكذا .
ثانياً : إتفاق جماعة على توجيه السؤال إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , عن عبد الله بن مسعود (قال : كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة وهو متكيء على عسيب فمرَّ بقوم من اليهود.
فقال بعضهم : سلوه عن الروح،
وقال بعضهم : لاتسألوه،
فقام متكأ على العسيب،
قال عبد الله،
وأنا خلفه فظنيت أنه يوحي إليه فقال {وَيَسْأ لُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أمْرِ رَبِّي}( ) {وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا}( ) .
فقال بعضهم لبعض : قلنا لكم لا تسألوه)( ).
ثالثاً : مجئ جماعة من المدينة أو من أهل القرآن لسؤال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونقل الجواب إلى أهليهم للتفقه في الدين ، أو للتأكد من النبوة أو الإستزادة من نعم الوحي أو للإحتجاج ودفع المغالطة من الذين [فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ] ( ).
رابعاً : تعدد موضوع السؤال في المجلس الواحد ، فقد يأتي بعضهم بعدة أسئلة إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيجيب عليها من غير أن يظهر عليه الغضب أو علامات الضيق .
(عن مجاهد ، أن قريشاً اجتمعت فقالوا : يا محمد ، قد رغبت عن ديننا ودين آبائنا ، فما هذا الدين الذي جئت به؟ قال : هذا دين جئت به من الرحمن . فقالوا : إنا لا نعرف الرحمن ، إلا رحمن اليمامة – يعنون مسيلمة الكذاب – ثم كاتبوا اليهود فقالوا : قد نبغ فينا رجل يزعم أنه نبي ، وقد رغب عن ديننا ودين آبائنا ، ويزعم أن الذي جاء به من الرحمن . قلنا : لا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة ، وهو أمين لا يخون . . وفيّ لا يغدر . . صدوق لا يكذب ، وهو في حسب وثروة من قومه ، فاكتبوا إلينا بأشياء نسأله عنها . فاجتمعت يهود فقالوا : إن هذا لوصفه وزمانه الذي يخرج فيه .
فكتبوا إلى قريش : أن سلوه عن أمر أصحاب الكهف ، وعن ذي القرنين ، وعن الروح . فإن يكن الذي أتاكم به من الرحمن ، فإن الرحمن هو الله عز وجل ، وإن يكن من رحمن اليمامة فينقطع .
فلما أتى ذلك قريشاً أتى الظفر في أنفسها فقالوا : يا محمد ، قد رغبت عن ديننا ودين آبائك . . . فحدثنا عن أمر أصحاب الكهف وذي القرنين والروح .
قال : ائتوني غداً . ولم يستثن ، فمكث جبريل عنه ما شاء الله لا يأتيه ، ثم أتاه فقال : سألوني عن أشياء لم يكن عندي بها علم فأجيب حتى شق ذلك عليّ . قال : ألم ترنا لا ندخل بيتاً فيه كلب ولا صورة؟ – وكان في البيت جرو كلب – ونزلت [وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا]( )، من علم الذي سألتموني عنه أن يأتي قبل غد؟ ونزل ما ذكر من أصحاب الكهف ونزل { ويسألونك عن الروح . . . }( )الآية)( ).
وقد تأتي الآية بالأمر إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتوجيه السؤال ، فكما يكون مسؤولاً فانه يكون سائلاً ومستفهماً أيضاً ، وفي التنزيل [سَلْهُم أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ] ( ) لإرادة الإنكار والتبكيت لكفار قريش إذ يعجزون عن الكفالة والضمان بأن المسلمين متساوون مع المجرمين والظالمين ، إنما بينهم تضاد إذ يفوز المسلمون بالنعيم ، أما الذين كفروا فيقيمون بالنار قال تعالى [وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا] ( ).
خامساً : اتحاد موضوع السؤال وتعدد جهة صدوره فقد يأتي سؤال عن يوم القيامة من المسلمين وأهل الكتاب والذين كفروا ، فمن أسرار قوله تعالى [وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ] ( ) أن جعل الله عز وجل الناس يولون عناية خاصة بعالم الآخرة ، والأخبار التي ترد فيه ، وهو من المغيبات.
وجاء القرآن والسنة النبوية بالبيان الكافي والشافي الذي يجعل وقائع يوم القيامة حاضرة في الوجود الذهني العام للناس في الجملة وبما يكفي لبعث الناس على الإستعداد له .
وهناك مسألتان خاصة وعامة ، والخاصة هي هل لإستحضار أهوال يوم القيامة شأن في سؤال المسلمين عن الشهر الحرام .
والعامة هي ما أثر ذكر القرآن والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لوقائع يوم القيامة في دخول الناس .
أما الأولى وهي الخاصة فالجواب نعم لما في الأشهر الحرام من التكاليف بالأمر والنهي ، والأمر بالعبادة وأداء فريضة الحج ، ويدخل فيه قوله تعالى [الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ] ( ).
والشهر الحرام وعاء للسلم والأمن والتنزه عن القتال والغزو والسبي للنساء والصبيان ، نزل القرآن لتثبيته إلى يوم القيامة , لينعم الله عز وجل على الناس ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فتكون أشهر السنة كلها كالأشهر الحرم بعد فتح مكة فلا قتال ولا غزو إنما كانت وقائع على نحو القضية الشخصية بالقتل غيلة وتعدياً وثأراً ليلاقي القاتل الإستهجان والتقبيح والتوبيخ من عامة الناس ، وتتعطل معه القواعد القبلية لسيادة قوله تعالى [وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ]( ).
لقد كانت الأشهر الحرم جسراً زمانياً مباركاً للتوقي من الحروب والإقتتال المتجدد .
وفي تأريخ أيام نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم شواهد تؤكد أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم يغز ولم يسع إلى الغزو ، إنما كان جهاده وأصحابه لمنع الغزو ولإيقاف عجلة الإقتتال بين القبائل التي كانت تنذر بالإبادة العامة للعرب وسهولة غزو الأجنبي لبلادهم والجزيرة , وكانت الدولة الفارسية من المشرق , والرومانية من المغرب ، وفي اليمن حاكم تابع لكسرى .
وأما المسألة العامة في أثر ذكر القرآن والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في بيان أهوال يوم القيامة والذي كان سبباً بدخول طائفة من الناس الإسلام .
ويثبت الأمر الواقعي والحكم الشرعي من الوجوب والندب والإباحة أو الكراهة أو الحرمة بأحد طرق :
الأول : آيات القرآن .
الثاني : السنة النبوية القولية والفعلية .
الثالث : الإجماع .
وأختلف المسلمون في اثبات الحكم الشرعي في أدلة أخرى وهي :
الأول : قول الصحابي الذي لم يثبت رفعه إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : العقل .
الثالث : القياس .
الرابع : الحديث المرسل .
الخامس : الحديث الضعيف .
السادس : الإستحسان .
وهذا الخلاف صغروي بعد مجئ القرآن والسنة بالأحكام والبيان والوضوح ، قال تعالى [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً] ( ) وأجمعوا على طرح الحديث الموضوع ، واجتهدوا في كشفه وبيان زيفه وبطلانه .
لقد نزل القرآن ببيان وقائع وشواهد من يوم القيامة بما يكفي لتثبيت موضوعه في الوجود الذهني للناس جميعاً ، ويكون مرآة حاضرة ، ولساناً ناطقاً في المنتديات ، قال تعالى [إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ] ( ).
وبينت آيات القرآن إقتران أوان انقطاع الحياة الدنيا , وبعث الناس للحساب ، قال تعالى [اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ] ( ) (عن جابر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول في خطبته : نحمد الله ونثني عليه بما هو أهله .
ثم يقول : من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدى هدى محمد ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار ، ثم يقول : بعثت أنا والساعة كهاتين) ( ).
وذكرت آيات القرآن التباين والتضاد بين المؤمنين والذين كفروا في الآخرة من وجوه :
الأول : الحال والهيئة الشخصية ، قال تعالى [يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ( ).
الثاني : كيفية توجه سؤال التوبيخ إلى الذين كفروا ، وعصمة المؤمنين منه ، قال تعالى [يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ] ( ) .
الثالث : الأمن والسلامة للذين آمنوا يوم القيامة ونزول العذاب الأليم بالذين كفروا [فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ* خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ] ( ).
لقد أدرك المسلمون صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فصاروا يظنون موافقة الناس لهم بهذا الإدراك خصوصاً مع توالي معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإقامة الحجة على وجوب إتباعه .
فكشفت آية البحث عن حقيقة وهي إصرار الذين كفروا على محاربة النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى مع تتابع وإتصال المعجزات ، فهم لا يتورعون عن السعي في الإضرار بالمؤمنين حتى في الشهر الحرام إذ قال تعالى [قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ] ( ) فعطفت آية البحث هذا الصدً على القتال ، وفيه وجوه :
الأول : ذات قتال المشركين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم صدّ عن سبيل الله .
الثاني : الصد عن سبيل الله غير القتال ، وهو ظاهر في صيغة العطف في قوله تعالى [وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ] ( ).
الثالث : الصد عن سبيل الله فرع إباحة المشركين القتال في الشهر الحرام ، سواء بالنسبة للأشهر الحرم أو في غيرها من الأيام والشهور .
الرابع : استباحة الذين كفروا للشهر الحرام مقدمة للصد عن سبيل الله .
الخامس : النسيئة والإرجاء في حساب الشهور صدّ عن سبيل الله .
السادس : ذات تعدي وتهديد الذين كفروا بالقتال في الشهر الحرام صدّ عن سبيل الله ، إذ أن العطف لا يعني المغايرة التامة بين المعطوف والمعطوف عليه ، فهناك صور وحالات من العطف تفيد التداخل بين الاثنين بحسب القرائن والأمارات .
ولا تعارض بين الوجوه أعلاه لبيان أن آية البحث زاجر للذين كفروا , ومانع من محاربتهم للنبوة .

ويشمل قوله تعالى [أَهْلِهِ]الوارد في الآية كلاً من :
الأول : المقصود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : أهل بيت النبوة ، قال تعالى [رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ] ( ) .
الثالث : الصحابة المهاجرون .
الرابع : المهاجرات المؤمنات .
الخامس : الذين أسلموا ولم يقدروا على الخروج من مكة .
لبيان أن إخراج المسلمين من جوار البيت مستمر ، وهو من أسرار مجئ الآية بصيغة المصدر ، نعم ورد قوله تعالى [الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ] ( ) فيجب أن يكون إعلان التوحيد سبباً للإكرام ، والإقرار ، وليس الإخراج والطرد.
وجاءت الآية بصيغة الفعل المضارع [أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ]لبيان ثبات المهاجرين على الإيمان ، ولم يفرطوا بكنز الإيمان الذي اهتدوا إليه ، ولم يرتدوا رغبة في البقاء في مكة ، وحرصاً على أموالهم وعقاراتهم فيها .
وقد سبب لهم هذا الإخراج والإستيلاء على أموالهم صيرورتهم بحال الفقر والفاقة واستحقاقهم للفئ والصدقة ، قال تعالى [لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ] ( ) فمع أموالهم في مكة سماهم الله الفقراء ومع هذا لم يستولوا على قوافل قريش التي تجوب الصحراء وجزاء الجزاء العاجل من الله بالنصر والغنائم في معركة بدر وباصرار المشركين على القتال يومئذ .
وقال أكثر المفسرين بأن المراد من قوله تعالى الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ أي من مكة إلى الحبشة والمدينة كما ورد (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:” ” الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ} أي مِنْ مكة إِلَى المدينة ” بِغَيْرِ حَقٍّ} يَعْنِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ واصحابه”)( ).
والمختار أن النسبة بينهما هي العموم والخصوص المطلق من وجوه :
الأول : المؤمنون الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق أكثر عدداً من الصحابة ، وهي سنة في الإبتلاء والأذى الذي لاقاه الأنبياء وأصحابهم من الذين كفروا .
الثاني : المهاجرون إلى المدينة أعم من الذين هاجروا إليها من مكة ، لأن بعض المهاجرين جاءوا من القبائل المحيطة إذ تعرضوا للأذى من أهلها , ومن كفار قريش وتحريضهم العام على المسلمين .
الثالث : نسبة العموم والخصوص بين إخراج النبي والصحابة من مكة وبين إخراج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالذات كما في قوله تعالى [وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ] ( ) لبيان تعدي الذين كفروا على الحرمان باخراج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مكة ، وفي قوله تعالى [وَ وَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى] ( ) قال (وجدك بين ضالين فاستنقذك من ضلالتهم) ( ).
لقد خصّ الله عز وجل إخراج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مكة بآية خاصة لبيان عظم الذنب الذي اقترفه المشركون باخراج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مكة كما ورد ذكر هذا الإخراج في آية أخرى , هو وصاحبه بقوله تعالى [إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] ( ).
إذ إتفق مع أيام هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى المدينة تفشي وباء الملاريا فيها ، وأصابت عدداً من الصحابة منهم أبو بكر وبلال ، وإذا أخذت الحمى أبا بكر يقول من الرجز :
كل امرئ مصبحٌ في أهله … والموت أدنى من شراك نعله
قال: وكان بلال إذا أقلع عنه رفع عقيرته يقول: ” من الطويل “
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلةً … بوادٍ وحولي إذخرٌ وجليل
وهل أردن يوماً مياه مجنةٍ … وهل يبدون لي شامةٌ وطفيل
اللهم العن عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأمية بن خلف كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء.
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ” اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، اللهم بارك لنا في صاعها ومدها، وصححها لنا وانقل حماها إلى الجحفة “)( ).
السؤال وجوابه إنذار
في الآية مسائل :
الأولى : تبعث الآية الفزع في قلوب الكافرين لعزيمة المسلمين واصرارهم على الدفاع.
الثانية : مضمون السؤال هل استثناء الشهر الحرام من الوعاء الزماني للقتال مطلق ام مقيد فاخبرت الآية بانه مقيد وبلحاظ الحال.
الثالثة : تفتح الآية باباً فقهيا واسعاً للقواعد الإمتنانية واحكام الضرورة وفتوى الإمام والحاكم الشرعي عند مداهمة الأخطار للمسلمين في عقر دارهم ، قال تعالى [لاَ يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ]( ).
الرابعة : قيل ان السائلين هم أهل الشرك على جهة الذم للمسلمين لإستحلالهم القتال في الشــهر الحرام، أي انه سؤال استنكاري منهم، ونســبه في مجمع البيان الى الحسن واكثر المفسرين( ) والأقوى ان السؤال من المســـلمين وصــدر على نحــو التقرير ومعرفة الفتوى ، ولا مانع من صدور السؤال أيضاً من المشركين مع ثبوته أو وجود أمارة عليه خاصة .
الخامسة : ورود الآية بصيغة الجمع يدل على كثرة المسلمين حول النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والظاهر انهم كانوا يتواطئون على موضوع السؤال لتعم الفائدة ويمنع من الخلاف، وليكون مناسبة لإكتناز الصالحات وحجة على صدق افعال المسلمين في سوح المعارك والدفاع عن النفس والإسلام.
السادسة : السؤال مركب عن الشهر الحرام وعن القتال فيه ، وهو شاهد على تفقه المسلمين ، والعقلانية في مسائلهم ، واحترازهم من الدماء وهو من علامات التقوى ، قال تعالى (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنْ اتَّقُوا اللَّهَ) ( ).
الشهر الحرام
في باب البلاغة وما يتعلق بالسؤال قد يأتي الجواب أدنى من موضــوع الســـؤال لضـــرورة الحــال، وفي هذه الآية لم يقـل سبحانه (يسألونك عن قتال في الشهر الحرام) لأنهم لم يسألوا الا من أجل القتال فيه، فكان ذكــره أولى، قيل: لم يقــع الســـؤال الا بعد القتــال فكــان الإهتمام بالسؤال عن هذا الشهر، هل ابيح فيه القتال ؟ واعاده بلفظ الظاهر( ).
ولكن ذكر القتال ورد في السؤال على نحو الإعجاز بما يحمل التعدد , فكأنهم سألوا عن الشهر الحرام وعن القتال فيه بما يفيد عطف الخاص على العام، ويظهر السؤال تقديسهم للشهر الحرام وحرصهم على التقيد باحكامه، مع عدم التفريط بصيغ الجهاد وقواعده والشوق الى مرضاة تعالى ، قال تعالى [أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ] ( ).
وتدل سنخية السؤال على الإنضباط العام عند المسلمين واستعدادهم للتضحية بحسب أحكام الشريعة المتعلقة بأفراد الزمان وما لبعضها كالشهر الحرام من خصوصية.
وجاءت الآية بصيغة الجمع [يَسْأَلُونَكَ] في دعوة للمسلمين للعناية بأمور :
الأول : جهة صدور السؤال , وعدم تعيين الآية لأوانه ، مما يدل على أصالة الإطلاق في سؤال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أي وقت واستعداده للإجابة .
الثاني : موضوع السؤال وتعدده إذ أنه يشمل جهات :
الأولى : الشهر الحرام .
الثانية : تعدد الشهر الحرام .
الثالثة : جواز وإباحة القتال في الشهر الحرام .
الرابعة : حرمة القتال في الشهر الحرام .
الخامسة : التفصيل وإحتمال الإذن المقيد .
ومن الإعجاز في هذا السؤال أن حرمة الشهر الحرام متوارثة عند العرب فكيف لجأ المسلمون للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للسؤال عنها .
الجواب من جهات :
الأولى : قيل ان المراد بالشهر الحرام هو رجب ، وظاهر الآية المعنى الأعم، ويشمل الأشــهر الحرم الأربعة من كل سنة وان وقع السؤال في شهر رجب، أي انهم أرادوا المعنى الأعم للشهر الحرام.
الثانية : [ يَسْأَلُونَكَ ] كاف الخطاب تعود للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وفي الآية تثبيت لمقام النبوة والتشريع بذكر ذات السؤال وتفضل الله عز وجل بالإجابة .
الثالثة : تدل الآيــة بالدلالــة الإلتزامية على إجابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أسئلة المسلمين بفضل ولطف من الله خصوصاً ما تعلق منها بسنن التشــريع وتأسيـس الأحكام وعدم تركها او الإعراض عنها ويلاحظ المتتبع لتأريخ الســنة النبوية الشــريفة حرص النبي صلى الله عليه وآله وسلم على إجابة كل سؤال وحل كل معضلة ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ).
قوله تعالى [ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ]
الأولى : جاء الجواب ســريعاً من عــند الله تعالى وعلى لسـان نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وفيه غاية الفضل والإكرام.
الثانية : تحث الآية على عدم التفريط بالرخصة والإذن الإلهي بالدفاع عن النفس في الشهر الحرام.
الثالثة : في الآية تهويل ووصف لشدة القتال في الشهر الحرام ولماذا هو كبير.
الرابعة : رد الإعتداء الصادر من المشركين.
الخامسة : القبح المركب لتعدي المشركين لوقوعه في شهر حرام.
السادسة : الأصل عدم القتال في الشهر الحرام.
السابعة : لأنه خلاف الأحكام التشريعية الثابتة.
الثامنة : للتنبيه على الرد على الإعتداء ، وكأن العقوبة للكفار فيه مضاعفة.
التاسعة : لأن التعدي فيه على المسلمين مركب من أمور:
الأول : التعدي نفسه.
الثاني : اختيار اوانه.
الثالث : التعدي على الشهر.
العاشرة : لشدة العقاب وأهوال العــذاب الذي يســتقبل في الآخرة المعتدي على المؤمنين .
الحادي عشرة : لخلق حالة من الإستعداد عند المسلمين للقتال فيه ، قال تعالى [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ] ( ).
الثانية عشرة : لطرد وهم ومنع ميل المسلمين الى الراحة والسكينة.
الثالثة عشرة: لكي لا يفاجئوا بالإعتداء ويتعذر عليهم الدفاع المناسب خصوصاً وان الكفار يحاولون المباغتة والغدر.
الرابعة عشرة : الحيطة والحذر مطلقاً من الكفار.
الخامسة عشرة: قال قتـادة وســعيـد بن المســيب ان حــرمة القتــال في الشـــهر الحرام وعند المســجد الحـرام منسوخة بقوله تعالى [ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ]( ) وقوله تعالى [ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ]( ).
وقال عطاء: انه باق على التحريم ولا يحل الغزو في الحرم، ولا في الأشهر الحرم الا على سبيل الدفع، عن عمر بن يزيد قلت للإمام الصادق عليه الســلام: “ان المغـيرية( ) يزعمون ان هذا اليوم لهذه الليلة المســتقبلة، فقــال: كذبوا هـذا اليوم لليلة الماضية، ان اهل بطن نخلــة حيث رأوا الهلال، قالـوا: قد دخل الشهر الحرام”( )، أي بلحاظ الواقعة وسبب النزول وان الشهر يبتدأ من ظهور الهلال.
والحق انه باق على التحـريم الا ما خرج بالدليل كحال الدفاع وصد الهجوم.
السادسة عشرة : قال الطبرســي: (ومن لا يرى منــهم حرمة الحرم وحرمة هذه الأشهر جاز قتاله أي وقت كان والتحريم منسوخ في حقه)( )، ولكن يتعلق التحــريم بالأشهر الحرم ذاتها وببعدها الزماني وحرمة القتال فيه على المسلمين الا ما خرج بالدليل في إصرار الذين كفروا على الهجوم فيه ، ولو كانت طائفة من المشركين لا ترى حرمة للشهر الحرام من جهات :
الأولى : شهر مخصوص من الأشهر الأربعة كشهر رجب لأنهم يرون أنه منفرد وخارج موسم الحج .
الثانية : أن يرى المشركون عدم حرمة الأشهر الحرم في سنة مخصوصة مع إقرارهم بحرمتها في السنوات الأخرى .
الثالثة : أيام مخصوصة من شهر رجب .
الرابعة : أيام معدودات من كل شهر من الأشهر الحرم ، كما لو قالوا بعدم حرمة الأيام الأخيرة من الشهر .
الخامسة : القول بالنسيئة وزيادة أيام شهر حل ، ليحلوا القتال في شهر محرم .
فهل يصح قتالهم على هذا الرأي ، الجواب لا ، إذ أنهم قالوا بما هو أعظم وأشد قبحا إذ أشركوا بالله ، ونفوا نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم إنما يكون القتال فقط للدفاع ، والله يعلم أن الفتح قريب ، لذا تفضل الله عز وجل وقال الشهر الحرام بالشهر الحرام لبيان قانون وهو إن قاتلوكم في الشهر الحرام فقاتلوهم فيه ليس على نحو المجازاة والمحاكاة والثأر ، إنما للدفع والدفاع ، ويمكن انشاء قانون وهو إذا لم يهجم المشركون فلا قتال ) وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ) .
(عن عكرمة قال : قيل يا رسول الله ، ألا تلعن قريشاً بما أتوا إليك؟ فقال : لم أبعث لعاناً إنما بعثت رحمة : يقول الله { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}( )( ).
السابعة عشرة : من منافع التحريم في الأشهر الحرم انها مناسبة لتنظيم الصفوف واستعادة القوة والمنعة ومراجعة ودراسة التجربة والمعارك وصيغ الدفاع في المدة السابقة وكيفية استثمار النتائج الإيجابية وتجاوز السلبيات وتدارك الأضرار.
الثامنة عشرة : بعد انتهاء الأشهر الحرم يعود المسلمون إلى القتال بخطط دقيقة مقرونة بالحساب والإستعداد للطوارئ.
التاسعة عشرة : الأشهر الحرم ليست متتالية فشهر منها منفصل هو رجب، بينما ثلاثة أخـرى سرد ومتتابعة وفيه نوع اعجاز لما فيه من التعدد في المهلة والفترة والتوقف عن القتال ، فشهر رجب يأتي بعد خمسة اشهر من الإذن في القتال، وشهر ذي القعدة وهو أول الأشهر الثلاثة الحرم المتتالية يأتي بعد ثلاثة أشهر يحل فيها القتال.
وفي قوله تعالى [وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ] مسائل :
الأولى : قد يحدث في الشهر الحرام الى جانب القتال الكبير صد عن سبيل الله تعالى.
الثانية : قد يكون الصد عن سبيل الله تعالى من غير قتال ويتم بالاذى والقهر ، وتحريف الحقائق والمنع من وصـول الذين يريدون اعلان اسلامهم الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما كانت قريش تجعل لها رجالاً حول المدينة لإقناع الناس بالرجوع وعدم دخول المدينة المنورة لمبايعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ومن معاني قوله تعالى [يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ] ( ) أي يصرف عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من صرف إذ جعل مشركوا مكة رجالاً على أعقاب مكة يصرفون الناس ويمنعونهم من الإنصات للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والتصديق بما جاء به من عند الله عز وجل.
فمن الناس من يستمع لهم ويرجع ، فهو الذي صرفه الله عن الإيمان ويصدق عليه قول[يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ] ( ).
الثالثة : لا ينحصر موضوع آية ( يسألونك عن الشهر الحرام ) باسباب نزولها وهــي قصة عبد الله بن جحش، بل هي أعــم وبلحـــاظ اللفظ والمعنـــى فيدخل فيها صد المشركين للمسلمين في عام الحديبية عن عمرة البيت الحرام.
(عن محمد بن إسحاق قال : قال حمزة بن عبد المطلب عليه السلام في قتل عمرو بن الحضرمي يحث قريشا ، ويذكر حرمة زمزم والمقام فقال : وقالوا حرمة ربهم أباحوا فحلت حرمة الشهر الحرام وهم كانوا هناك أشد جرما بمكة بين زمزم والمقام) ( ).
الرابعة : الآية رد على المشركين الذين قامـوا بمؤاخـذة المسلمين على قتل ابن الحضرمي في الشهر الحرام.
الخامسة : تبين الآية قبيح ما يفعل المشركون في الشهر الحرام، فهم لا يكتفون بالتعدي على المسلمين فيه بل يقومون بالصد عن سبيل الله ، ومنع الناس من الإيمان بالله ، والتصــديق برســالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
السادسة : من الصدّ عن سبيل الله ما يقومون به من تحريف الكتاب والنهي عن الإستماع لآيات الله ، ومتابعة أخبار نبوته صلى الله عليه وآله وسلم.
السابعة : تحريم القتال في الأشهــر الحرم لا يخلو من منافع منها انصات الناس للآيات والتدبر بأحكام الإسلام ، وهذه الحالة عامة تشمل المسلمين وغيرهم ولكن على مراتب متفاوتة، فالمشركون وأعداء الدين يقومون بالتشويه وتحريف الحقائق , وإثارة الشغب وما يحول دون الإلتفات للآيات.
الثامنة : منهم من يجتنب القتال في الأشهر الحرم على عادة العرب وتعاهد إرث ابراهيم , ولكنه يقوم باثارة الفتن والرعب والخوف والفزع في النفوس.
التاسعة : الصد عن سبيل الله أعم من القتال ويحصل بصيغ شتى وقد يأتي المشركون بمقدمات القتال والتهيئة لأسباب القوة، والإضرار بالمؤمنين وقطع موارد المعيشة او المنعة عنهم وما يجعلهم يشبهون الذين حرم عليهم الصيد يوم السبت فاخذوا يحجزون الأسماك يوم السبت ليصيدوها فيما بعده من الأيام ، وقيل (فيقرب الحوت ويكثر حتى يمكن أخذه باليد فإذا كان ليلة الأحد غاب بجملته وقيل غابت كثرته ولم يبق منه إلا القليل الذي يتعب صيده ، قاله قتادة ففتنهم ذلك وأضر بهم فتطرقوا إلى المعصية بأن حفروا حفراً يخرج إليها ماء البحر على أخدود فإذا جاء الحوت يوم السبت وحصل في الحفرة ألقوا في الأخدود حجراً فمنعوه الخروج إلى البحر فإذا كان الأحد أخذوه فكان هذا أول التطرق( ).
العاشرة : صيغة النكرة في الإثبات تفيد نفي العموم.
الحادية عشرة : الظاهــر ان الصــد عن سبيل الله يستحق الرد ولو في الشهر الحرام.
السابع : ولقد نصركم الله ببدر , ولا يختص بالقتال وميدان الوغى , فالصلح نصر للمؤمنين , وهو من مصاديق قوله تعالى (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) .
الثامن : ولقد نصركم الله ببدر مقدمة لفتح مكة .
التاسع :ولقد نصركم الله ببدر فلا تغالوا بشخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم , وفي التنزيل [قُلْ لاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ] ( ).
أي جاء النصر ليغير هيئة الذل التي عليها المسلمون إلى حال منعة .
الصلة بين الهجرة وهزيمة المشركين
هل من صلة وموضوعية بين هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من مكة وبين هزيمة جمع المشركين ، الجواب نعم ، ويتجلى الإنذار في المقام بآيات متعددة من القرآن وأخبار من السنة النبوية ، قال تعالى يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْلِ.
إذ بعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سرية بأمرة عبد الله بن جحش في شهر رجب من السنة الثانية للهجرة ، ومعه ثمانية من المهاجرين لغرض الإستطلاع ، ورصد تحركات قريش جيشاً وجماعات وقوافل خشية مباغتتهم المدينة .
وكتب له النبي صلى الله عليه وآله وسلم كتاباً ودفعه إليه وأمره أن لا يفتحه إلا بعد مسير ليلتين ، فلما سار عبد الله بن جحش وأصحابه ليلتين فتح الكتاب وإذا فيه (إذَا نَظَرْت فِي كِتَابِي هَذَا فَامْضِ حَتّى تَنْزِلَ نَخْلَةَ ، بَيْنَ مَكّةَ وَالطّائِفِ ، فَتَرَصّدْ بِهَا قُرَيْشًا وَتَعَلّمْ لَنَا مِنْ أَخْبَارِهِمْ) ( ).
كما أمره أن لا يستكره أحداً من أصحابه ، إذ أن السرية ليست للقتال ، ولكن أفراد السرية حينما وصلوا الموضع الذي يسمى نخلة بين مكة والطائف من جهة السيل الكبير مرت بهم عير لقريش محملة بالزبيب والأدم وتجارة لقريش ، ورمى أحد أفراد السرية وهو واقد بن عبد الله( ) أحد أفراد القافلة وهو عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله ، وقد تقدم البيان والتفصيل.
فعابت قريش على المسلمين قتله في شهر حرام مع أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم أرسل السرية للإستطلاع ، ولم يرض بالذي فعلوه ، ونزلت الآية أعلاه لتبين قبح فعل الذين كفروا وشدة ظلمهم لأنفسهم وللمسلمين من جهات :
الأولى : تعدي الذين كفروا على حرمة الشهر الحرام والمسجد الحرام بمنع المسلمين من الحج والاعتمار .
الثانية : أداء المشركين صلاة مبتدعة بلهو وهرج وتشويش قال تعالى [وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ]( ).
الثالثة : صدّ المشركين عن سبيل الله من وجوه :
الأول : إيذاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : حصار بني هاشم لثلاث سنوات في شعب أبي طالب ، وهم صابرون ولم يحملوا سلاحاً ، ولم يحرضهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو يأمر أصحابه بالقتال أو إغتيال بعض رؤساء الكفر .
الثالث : إيذاء وتعذيب الذين كفروا لأصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من المسلمين والمسلمات وموت بعضهم تحت التعذيب ، وشدة عذابهم لبلال وخبّاب بن الأرت وهما من أوائل الذين أسلموا في مكة .
وكان خباب قد سُبي وهو صغير من قبيلته بني تميم، وبيع في سوق النخاسة في مكة فاشترته أم انمار الخزاعي، فامتهن خباب صناعة السيوف وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يجالسه ، وهو العشرون في ترتيب الذين اسلموا ، وقيل السادس ، فهو من أوائل الذين أظهروا اسلامهم ، ولما اسلم صارت مولاته أم انمار تعذبه بالنار والحديدة الحامية تضعها على رأسه فلم يعط الكفار ، من دينه وكانت أم انمار برزة من النساء ، وقتل حمزة بن عبد المطلب ابنها سباع بن عبد العزى الخزاعي يوم بدر( ).
هاجر خباب مع المقداد بن عمرو الى المدينة ، وشهد مشاهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الدفاعية كلها ، ثم انتقل إلى الكوفة ومات فيها سنة (37) للهجرة وعمره (73) ودفن بظهر الكوفة ، ورثاه الإمام علي عليه السلام .
وروى الطبراني من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم مولى عمر عن أبيه وهو في نسخة معتمدة بضم السين فيكون من بني سليم فهو غير الذي قبله. ويؤيده أن يزيد بن أسلم ولد بعد اليمامة بدهر أيضا.
وقد ذكر الباوردي فيمن شهد صفين من الصحابة مع علي عقبة بن عامر السلمي وهذا مما يؤيد أنه غير الذي اسم جده نابي فإن اليمامة كانت سنة اثنتي عشرة وصفين كانت سنة سبع وثلاثين( ).
الرابع : دفع المسلمين إلى الهجرة فهاجرت طائفة منهم إلى الحبشة وأخرى إلى المدينة مع الأذى الذي يصاحب هذه الهجرة والذي يترشح عنها سواء بالنسبة لأهوال طريق البر والبحر أو لحال الغربة والضعف لولا فضل الله عز وجل على المهاجرين ، وهو من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الغيرية التي تجلت بحفظ أصحابه في طريق الهجرة والمأوى والإقامة ، قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ] ( ).
الخامس : وضع المشركين الأصنام في البيت الحرام والنذر لها والتوسل بها لتقربهم إلى الله ، قال تعالى [وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ] ( ).
السادس : نصب المشركين أنفسهم أولياء على المسجد الحرام بغير حق ، قال تعالى [وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمْ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ] ( ) .
السابع : منع الناس من الإصغاء إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في دعوته إلى الله ، خصوصاً في موسم الحج ، إذ كان يطوف على القبائل في منازلها في أسواق مكة مثل سوق عكاظ ، ومجنة ، والمجاز ، ويحضر عندهم في أماكنهم في منى ، وهو ينادي في كل هذه الحالات (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا).
فقامت قريش بوضع رجال على مداخل مكة لتحذير الوافدين إليها من الإستماع إلى آيات القرآن والدعوة إلى التوحيد ، كما جعلوا بعض رجالهم ومنهم عمه أبو لهب يتبعون النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهم ينادون بأنه [سَاحِرٌ كَذَّابٌ] ( ) ويحثون الناس على العزوف عن الإستماع له.
ليكون من المقاصد الخبيثة لهذا الإتباع إنذار قريش للقبائل والتخويف من الإنصات للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتصديقه وإتباعه ، قال تعالى [وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ] ( ).
الثامن : عزم المشركين على قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذ أجمعوا على اختيار عشرة من رجالهم الأقوياء بأن إختاروا من كل قبيلة واحداً ، ولا تقوم ذات القبيلة بهذا الإختيار ، إنما يقوم الرؤساء ليقوم هؤلاء العشرة بضرب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بسيوفهم الحادة ضربة رجل واحد فلا يقدر بنو هاشم على أخذ الثأر ، ويرضون بقبول الدية عن قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ولم تعلم قريش إن من أسرار نزول القرآن على نحو التدريج والتوالي سلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من القتل إلى أن يتم تنزيل كامل آيات وسور القرآن ، ولم ينزل عليه وهو في مكة إلا أقل من نصفه .
ويمكن معرفة عدد السور المكية والمدينة رقماً بواسطة عدد آيات سورة البقرة وهو (286) فاذا طرحنا منه رقم المئات (2) بقي (86) وهو عدد السور المكية ، أما إذا طرحنا رقم الآحاد (6) يبقى الرقم(28) وهو عدد السور المدينة على المشهور ، إذ أن مجموع سور القرآن هو(114) .
نعم آيات السور المكية قصيرة وتتصف بقلة الكلمات وتتضمن التخويف والوعيد ومنها قوله تعالى [سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ]( )، ومن منافع قصرها حفظ العرب رجالاً ونساءً لها ، وسرعة نقلها وانتقالها بين الناس ، والتدبر في دلالاتها وهي مقدمة لنزول آيات الأحكام في المدينة.
ولما تم نزول القرآن والتبليغ بسنن الرسالة وأحكام الحلال والحرام ، وكمال الدين والملة نزل قوله تعالى [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا] ( ).
و(عن ابن عباس قال : لما نزلت { إذا جاء نصر الله والفتح }( ) قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : نعيت إلي نفسي إني مقبوض في تلك السنة) ( ).
التاسع : عزم المشركين على قتال المسلمين بعد أن هاجروا ، والتهيئ بالإقدام على مقدمات غزوهم في المدينة .وفيه مسألتان :
الأولى : قوله تعالى [يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ] ( ) آية مدنية ، بينما قوله تعالى [سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ]( ) مكية أي أن الثانية نزلت قبل الأولى أعلاه , ليكون من معاني الجمع بين الآيتين على وجوه :
الأول : سيهزم الجمع وان هجموا في الشهر الحرام , لأن الآية أعلاه تطرد الغفلة عن المسلمين .
الثاني : سيهزم جمع المشركين لتعديهم على حرمة الشهر الحرام.
الثالث : سيهزم جمع المشركين للتضاد بين الحق الذي جاءت به النبوة ، والباطل الذي عليه المشركون ، قال تعالى[بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمْ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ]( ).
الثانية : مجئ قوله تعالى [وَصَدٌّ] بصيغة الجملة الاسمية التي تتغشى أفراد الزمان الطولية الثلاثة الماضي والحاضر والمستقبل ، ولبيان تعدد مصاديق هذا الصد وجهة صدوره ، فقد يصدر من طرفين متضادين من الذين كفروا من قريش والقبائل الأخرى والمنافقين ، ولكنهم يجتمعون على محاربة النبوة والتنزيل ، وصدّ الذين كفروا عن سبيل الله سابق لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومصاحب لها .
لقد وصف الله عز وجل هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بأنها إخراج لهم ، وعلى نحو الإكراه من قبل المشركين ، وفق قانون السببية وعدم جعل المشركين النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين القتل أو الهجرة في ذات الليلة التي هجموا فيها على فراشه ، ومصادرتهم أموال المسلمين في مكة ، قال تعالى [لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ]( ).
وتدل الآية أعلاه على استيلاء كفار قريش على أموال النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة المهاجرين فكانوا يتمنون إعتراض قافلة أبي سفيان لإسترداد أموالهم أو تخويف قريش لرد ذات أموالهم , ومنها عقارات النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في مكة لحال العوز التي كانوا عليها في المدينة ، ومع هذا فان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يهاجم القافلة ولم يعترض سبيلها ، وهذا الود عند طائفة من البدريين وليس جميعهم ، ولا يعني إرادة الإستيلاء على القافلة وسيأتي البيان في قانون : لماذا الود والرغبة بقافلة أبي سفيان في الجزء التالي ان شاء الله.
قال تعالى [وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ] ( ) وهذا الود كيفية نفسانية وليس فعلاً خارجياً وإعتراضاً للقافلة أو مطاردتها ، وقال تعالى [فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ] ( ) إذ تتضمن الآية أعلاه الإخبار عن قيام المشركين باخراج المؤمنين من مكة ومن قراهم ، وهو من مصاديق قوله تعالى [لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا] ( ) إذ أدى هذا الإنذار إلى إصرار الذين كفروا على الجحود ، والقيام باخراج المؤمنين من مكة .
فنزلت الآية أعلاه بالبشارة لهم بالمغفرة وستر الذنوب والإقامة في قصور الجنة ، والتنعم بأنهارها وأشجارها ذات الزينة والثمار الدائمة والضلال البهيجة .
بحث نحوي
اختلف النحويون في الآية على اقوال:
الأولى : ان قوله تعالى [صَدٌّ] [وَكُفْرٌ] [وَإِخْرَاجُ] كل منها مبتدأ، وخبرها مجتمعة [أَكْبَرُ]، الواو بينها عاطفة وهو قول البصريين واختاره الزجاج.
الثانية : [صَدٌّ] مبتدأ، وكذا [ كُفْرٌ بِهِ]، والخبر محذوف لدلالة ما تقدم عليه وتقديره: صد عن سبيل الله كبير وكفر به كبير.
الثالثة : [الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ] عطف على الهاء في [ كُفْرٌ بِهِ]، ونسب الى الأكثر انه عطف على [ سَبِيلِ اللَّهِ ]، وهو الأنسب على قاعدة تفسير القرآن بالقرآن، قال تعالى [ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ]( ) وبذا لا تصل النوبة الى القول بانه لا يجوز العطف على الضمير، والأرجح جوازه.
وقال الفراء: (ان المسجد الحرام عطف على الشهر الحرام والتقدير: يسألونك عن قتال في الشهر الحرام والمسجد الحرام)، وهو بعيد خصوصاً وان الشهر الحرام جاء ضمن السؤال، والمسجد الحرام جاء في الجواب وبعد الإنتقال الى موضوع الكفر، وقيل ان الواو في المسجد الحرام واو القسم، والظاهر خلافه.
ويجوز ان الواو في [وَإِخْرَاجُ] استئنافية للتباين الموضوعي والإخبار عن اخـراج أهله وهـو غير القتال والكفر، وكذا فان الواو في [وَالْفِتْنَةُ] واو استئنافية.
قانون الصدّ سراب
وفي قوله تعالى [وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ] ( ) دعوة للعلماء والمؤرخين لبيان وتوثيق أفعال مشركي قريش ومن والاهم في الصدّ عن سبيل الله ومنه :
الأول : منع المسلمين من الحج والعمرة .
الثاني : إيذاء المسلمين في مكة .
الثالث : السخرية والإستهزاء بالنبوة والتنزيل .
الرابع : منع المشركين الناس من الإنصات للقرآن الكريم ، وفي التنزيل [وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ] ( ), وفي هذه الزمان تتحد المؤسسات والدول لإيصال الخبرة والرأي والمعلومة ذات الصبغة السياسية أو الإجتماعية , أما الذين كفروا فمنعوا الناس من الإنصات إلى كلام الله عز وجل وفيه الصلاح والفلاح وخير الدنيا والآخرة ، وفي التنزيل [إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ] ( ).
الخامس : بذل الذين كفروا الأموال الطائلة لمحاربة النبوة والتنزيل , وإغراء شياطين الإنس لإيذاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه والإستهزاء بالتنزيل , وقول الشعر في هجائهم , قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ] ( ).
السادس : إجتهاد الذين كفروا في وضع العوائق دون دخول الناس الإسلام , والموانع دون هجرة المسلمين إلى المدينة فصار الذي يريد دخول الإسلام يهم بالأذى الذي سيلاقيه من الكفار وهو في مكة , والمخاطر التي تحيط به عندما يريد الهجرة إلى المدينة .
وقد أنعم الله عز وجل على أهل الإيمان بأن قامت نسوة مؤمنات بالهجرة إلى المدينة ومنهن من هاجرت بمفردها ، لتكون أسوة كريمة للمسلمين ومن باب الأولوية القطعية كما في هجرة أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط (وقيل هي أول من هاجر من النساء) ( ).
وهاجرت في السنة السابعة للهجرة وبعد صلح الحديبية, وقد هاجر قبلها عدد من المؤمنات إلى الحبشة وإلى المدينة , وفيها نزل قوله تعالى [إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ] ( ) للثناء بصفات مباركة وهي :
الأولى : المؤمنة .
الثانية : المهاجرة .
الثالثة : تحمل الأذى والمخاطر في طاعة الله واتباع الرسول وهجرتهن هذه من مصاديق طلب رضوان الله ، قال تعالى [أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ] ( ).
الرابعة : التشريف والإكرام للمهاجرات .
وصارت أم كلثوم بنت عقبة ونحوها سبباً لنزول آية من القرآن بينما كان والدها يؤذي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في مكة ثم قتل يوم بدر والأرجح أن الذي قتله هو الصحابي عاصم بن ثابت ، وقيل قُتل صبراً .
السابع : إحتجاج الذين كفروا بالجحود بالنبوة والتنزيل ببقائهم على دين آبائهم ووراثة التقرب والتزلف إلى الأصنام عنهم (عن ابن عباس في قوله { وإذا فعلوا فاحشة قالوا : وجدنا عليها آباءنا }( ) قال : كانوا يطوفون بالبيت عراة فنهوا عن ذلك)( ).
الثامن : صدّ الأفراد عن دخول الإسلام بالإغراء وبذل المال ومحاولة بعث النفرة في النفس فلما خرج أعشى قيس ميمون بن قيس بن جندل يريد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليعلن إسلامه مدح النبي بقصيدة (من الطويل منها :
فآليت لا أرثي لها من كلالة …
ولا من حفاً حتى تلاقي محمدا) ( ).
أي أنه حلف بعدم الإلتفات إلى تعب وعناء ناقته حتى يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويلاقي الطلعة البهية ، وقال في قصيدته :
(ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا …
وبت كما بات السليم مسهدا
وما ذاك من عشق النساء وإنما …
تناسيت قبل اليوم صحبة مهددا
ولكن أرى الدهر الذي هو خائن …
إذا أصلحت كفاي عاد فأفسدا
كهولا وشبانا فقدت وثروة …
فلله هــــذا الدهـــــر كيف ترددا
وما زلت أبغي المال مذ أنا يافع …
وليدا وكهلا حين شبت وأمردا
وأبتذل العيس المراقيل تغتلي …
مسافة ما بين النجير فصرخدا
ألا أيهذا السائلي أين يممت …
فإن لـــها في أهل يثرب موعدا
فإن تسألي عني فيا رب سائل …
حفي عن الأعشى به حيث أصعدا
أجدت برجليها النجاء وراجعت …
يداها خنافا( ) لينا غير أحردا
وفيها إذا ما هجرت عجرفية …
إذا خلت حرباء الظهيرة أصيدا
و آليت لا آوي لها من كلالة …
ولا من حفى حتى تلاقي محمدا
متى ما تناخي عند باب ابن هاشم …
تراحي وتلقى من فواضله ندى
نبيا يرى ما لا ترون وذكره …
أغار لعمري في البلاد وأنجدا
له صدقات ما تغب ونائل …
وليس عطاء اليوم مانعه غدا
أجدك لم تسمع وصاة محمد …
نبى الإله حيث أوصى وأشهدا
إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى …
ولاقيت بعد الموت من قد تزودا
ندمت على أن لا تكون كمثله …
فترصد للموت الذي كان أرصدا
فإياك والميتات لا تقربنها …
ولا تأخـــذن سهما حديدا لتفصدا( )
وذا النصب المنصوب لا تنسكنه …
ولا تعبد الأوثان والله فاعبدا
ولا تقربن حرة كان سرها …
عليك حراما فانكحن أو تأبدا
وذا الرحم القربى فلا تقطعنه …
لعــاقبة ولا الأسير المقـــيدا
وسبح على حين العشيات والضحى …
ولا تحمد الشيطان والله فاحمدا
ولا تسخرن من بائس ذي ضرارة …
ولا تحسبن المال للمرء مخلدا) ( ).
فلما كان الأعشى قريباً من مكة سمعت به قريش وأدركوا أثره وقصائده في جذب الناس إلى الإسلام فاعترضوه وسألوه عن أمره والجهة التي يقصدها ، والظاهر أنه كان في شهر حرام فأخبرهم أنه يريد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليسلم.
فقالوا له : يا أبا بصير إن محمداً يحرم الزنا فقال الأعشى ما لي أرب بالزنا ، فقالوا: أنه يحرم الخمر .
فقال : أما هذه فوالله ان في النفس منها لعلالات ولكني منصرف فاتروى منها عامي هذا ثم آتيه فأسلم .
ولقب بالأعشى لأنه ضعيف البصر ، وسمي أبا بصير تفاؤلاً والأعشى هو الذي لا يرى ليلاً .
وعمّر الأعشى طويلاً وهو من شعراء الجاهلية غزير الشعر وكان يكثر من الوفود على الملوك العرب والفرس ، وهناك ألفاظ فارسية في شعره .
وسمي أعشى بني قيس لوجود شعراء آخرين يحملون لقب الأعشى مثل أعشى بني سليم ، وأعشى باهله ، وأعشى بني ربيعة.
وينتهي نسب أعشى بني قيس إلى نزار وأطلق على أبيه قيس بن جندل لقب قتيل الجوع ، لأنه دخل غاراً ليستريح ويستظل من شدة الحر فسقطت صخرة من الجبل فغلقت فم الغار فمات فيه من الجوع والعطش .
(وفيه يقول جهنام، واسمه عمرو، وكان يتهاجى هو والأعشى من الطويل:
أبوك قتيلُ الجوع قيسُ بن جَنْدَلٍ …
وخالك عبدٌ من خماعة راضعُ( )
والأعشى: أحد الأعلام من شعراء الجاهلية وفحولها.
وسئل يونس النحوي: من أشعر الناس؟ فقال: لا أومئ إلى رجل بعينه، ولكني أقول: امرؤ القيس إذا ركب، والنابغة إذا رهب، وزهير إذا رغب، والأعشى إذا طرب( ) .
وقال أبو عبيدة: من قدم الأعشى احتج بكثرة طواله الجياد، وتصرفه في المديح والهجاء، وسائر فنون الشعر، وليس ذلك لغيره، ويقول: هو أول من سال بشعره، وانتجع به أقاصي البلاد، وكان يغني بشعره، فكانت العرب تسميه صناجة العرب.
وحدث يحيى بن سليم الكاتب قال: بعثني أبو جعفر المنصور بالكوفة إلى حماد الراوية أسأله من أشعر الناس؟ قال: فأتيت حماداً، فاستأذنت وقلت: يا غلام، فأجابني إنسان من أقصى بيت في الدار.
فقال: من أنت؟
فقلت: يحيى بن سليم رسول أمير المؤمنين.
فقال: ادخل رحمك الله، فدخلت أتسمت الصوت حتى وقفت على باب البيت، فإذا حماد عريان وعلى سوءتيه شاهشفرم – قلت: وهو الريحان – فقلت له: إن أمير المؤمنين يسألك عن أشعر الناس، قال: نعم ذلك الأعشى صناجها.) ( )( ).
ومات الأعشى في قرية منفوحة باليمامة وهي التي ولد فيها .
وذكرنا سقوط صخرة من الجبل على فم الغار الذي مات فيه أبو الأعشى ، لبيان فضل الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين في مسألة دخوله غار ثور ومجئ المشركين يسعون خلفه حتى صاروا عند فم الغار فانجاه الله عز وجل منهم ومن وقوع صخرة على فم الغار أو في داخله ومن القائهم صخرة أو صخر في فم الغار وسده ، قال تعالى [إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا] ( ) إذ يدل ذكر الغار في الآية على الإعجاز والعناية الإلهية بنجاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسلامته من الآفات القبيحة وشرور المشركين حتى خرج وصاحبه من الغار سالمين .
بعد أن بات فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث ليال ، وقد نسج العنكبوت على باب الغار ليكون آمنا للنبي وصاحبه.
لقد عزم المشركون على قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في فراشه فنزل جبرئيل بالخبر والأمر إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلما طلع الفجر هجموا على فراش النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليفاجئوا بأن النائم على الفراش هو الإمام علي عليه السلام لتكون هذه الواقعة شاهداً على بطش قريش وعزمهم على قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم والحاجة إلى الهجرة والتعجيل بها .
(وبات المشركون يحرسون عليا يحسبونه النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
فلما أصبحوا ثاروا عليه، فلما رأوا عليا رد الله عليهم مكرهم.
فقالوا: أين صاحبك هذا ؟ فقال: لا أدري.
فاقتفوا أثره، فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم، فصعدوا الجبل فمروا بالغار، فرأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخل ها هنا أحد لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ليال.) ( ).
وهذه الواقعة من صدّ المشركين عن سبيل الله ، قال تعالى [وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ] ( ) كما قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بدايات طريق الهجرة تحت ظل صخرة طويلة وجاء أحد الرعاة لينام تحت ظلها أيضاً .
وقيل كان إذا سأل أحدهم أبا بكر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من هذا ؟
يقول هذا رجل يهديني السبيل للتورية فيفهم السامع أنه يدله على الطريق والمقصد من السفر ، والمراد يهديه السبيل إلى الله .
وهل كان طلب قريش للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في طريق الهجرة ، وجعلهم مائتي ناقة للذي يأتي به وأبي بكر من الصدّ عن سبيل الله .
الجواب نعم .
قانون الصادون في مهب الريح
من خصائص الشمس أنها تأتي على الظلام وتزيحه وتطرده من الآفاق بل انه ينسحب بالتدريج من حين طلوع الفجر في آية كونية معجزة تتجدد كل يوم لتذكر الناس بوجوب عبادة الله عز وجل [الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ] ( )، وللظلام عودة بعد الغروب لأنه نعمة وآية أما الكفر فلا عودة لسيادته .
ولقد بعث الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وأنزل عليه آيات القرآن على نحو التدريج وابتدأت بصيغة الإنذار والوعيد ، لتزيح كل آية قرآنية جانباً من بناء الشرك ومفاهيم الضلالة وتعضد الآية المعجزة والسنة النبوية والخلق الحميد الذي يتصف به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وصبره وأصحابه على أذى كفار قريش .
وبدل ان تنشغل عامة قريش بعمارة المسجد الحرام ، وتسهيل أداء الناس للحج والعمرة ، وبدل العناية بالتجارة والمكاسب و[رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ]( ) لقوافل البضائع التي تمتلكها قريش والتي تجوب الصحراء صعوداً إلى الشام ونزولاً إلى اليمن صار همهم محاربة النبوة والتنزيل ، وإيذاء المسلمين والمسلمات ثم إتجهوا إلى تجهيز الجيوش للهجوم على المدينة وقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، وهو أشد ضروب الصد عن سبيل الله .
ترى ما هي النسبة بين صدّ الذين كفروا عن سبيل الله وبين إصرارهم على القتال في الشهر الحرام ، الجواب هو العموم والخصوص المطلق في سنخية وكيفية الفعل وفي الزمان ، بلحاظ أن صدّ المشركين عن سبيل الله متصل في أيام السنة ، ويكون في الأشهر الحل أكثر منه في الأشهر الحرم ، ومن مكر قريش وقصدها من الصدّ عن سبيل الله أمور :
الأول : الإبقاء على كثرة الأتباع والقبائل المتحالفة مع قريش والمؤيدة لها .
الثاني : قلة عدد المسلمين .
الثالث : منع وصول الأموال إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
الرابع : إثارة حفيظة المنافقين ضد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين , قال تعالى [لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً]( ).
الخامس : استدامة ولاية قريش للمسجد الحرام .
السادس : تعاهد شأن كفار قريش بين القبائل وفي بلاط ملك الروم وفارس .
السابع : بذل قريش الوسع والأموال من أجل هذا الصدّ إذ جعلوه بلغة وغاية وهو من خصال الذين كفروا ، قال تعالى [لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ] ( ) .
ومن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وامتناعه عن القتال والغزو صبره وعدم رده بالقتال أو الغزو على كل من :
الأول : اختيار الذين كفروا القتال كما في معركة بدر وأحد .
الثاني : قيام الكفار بغزو المدينة .
الثالث : جمع المشركين بين الكفر والقتال والغزو والصدّ عن سبيل الله .
وهل يمكن تقدير قوله تعالى [وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ] ( ) بأنه كبير مثلما كان القتال في الشهر الحرام كبير ، فيقال : قل قتال فيه كبير وصدّ عن سبيل الله كبير ، الجواب نعم .
وتتضمن الآية التحذير من القتال في الشهر الحرام بالنسبة للذين يعتمدونه في الحساب وغيرهم ممن يعتمد الحساب الشمسي أو القمري بترتيب آخر غير حساب الأشهر الذي يبدأ من شهر محرم .
لقد أخبرت آية البحث عن قيام مشركي قريش باخراج المسلمين من مكة بقوله تعالى [وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ] ( ) لبيان مسائل :
الأولى : المؤمنون هم أهل المسجد الحرام .
الثانية : إخراج المسلمين تعدِِ على ذات المسجد الحرام .
الثالثة : بخروج المسلمين صار المسجد بلا أهل ، وأبى الله عز وجل إلا أن يكون له أهل وأولياء وهم المؤمنون .
الرابعة : نعت الآية لإخراج المسلمين من مكة بأنه أكبر عند الله إنذار للذين كفروا .
الخامسة : لقد لاقى الذين خرجوا من مكة ومن ديارهم الأذى في طريق الهجرة وعند دخول المدينة ومنهم من ابتلي بالمرض أو أصابتهم الحمى في المدينة ، وعدم ملائمته مناخها لهم حتى رفعها الله ببركة دعاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
قوله تعالى [وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ] في الآية مسائل :
الأولى : أي وكفر بالله عز وجل، فالهاء في (به) تعود إلى الله تعالى ، لبيان قبح الكفر وضرره على الذات والغير ، إذ أن الكفر يضر صاحبه ويضر غيره ، ولا ينحصر هذا الكفر بالشهر الحرام لإقامة الذين كفروا عليه ، وأيهما أشد قبحاً الكفر بالله أم القتال في الشهر الحرام.
الجواب هو الأول ، إنما القتال فرع الأول وبين الذين كفروا والذين يقاتلون النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه عموم وخصوص مطلق ، لتشمل آية البحث العموم والخصوص ، وليكون التحذير من القتال في الشهر الحرام .
الثانية : كان السـؤال عن جــواز القتـال في الشهر الحرام فجاء الجواب بما هو اعم وذكر الفرد الأهم للتوكيد على جواز القتال في الشهر الحرام عند الحاجة.
الثالثة : كأن في الآيـــة اطلاقاً للقصــاص، فكما ان الكــفار لم يجعــلوا للشهر الحرام حرمة فقاموا بالإعتداء فيه، فمن القصاص الرد بالمثل.
الرابعة : في الآية مصداق لأحكـام الأولوية، فاذا كان تعـدي الكفار وارادتهم قتــال المسلمين في الشــهر الحرام يســتلزم الرد والقــتال فيه.
فهل من بــاب الأولوية أن اظهار الكفـر في الشـهر الحرام يستلزم القتال، الجواب لا ، لأن إظهار الكفر يقابله الدعوة إلى الله والتبليغ والحث على الإيمان وبيان المعجزات النبوية ، وهو من عمومات قوله تعالى [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ]( ).
إذ تدل الآية أعلاه في مفهومها على أن الإيمان بالحجة والبرهان وسبل الترغيب وليس بالغزو والقتال والذي هو قبيح في ذاته حتى وإن كان دفاعاً إلا أنه حينئذ ضرورة والضرورات تبيح المحذورات .
الخامسة : من وجوه الكفر بالله انكار بعثة الأنبياء وعدم الإقرار بالتوحيد والإمتناع عن العبادات جحوداً.
السادسة : على القول بان المسجد الحرام معطوف على الباء في الضمير (به) فيكون المعنى كفر بالله وبالمسجد الحرام، ويتجلى الكفر بالمسجد الحرام بالصد عن أداء الحج والعمرة ، ومنع المسلمين من الطواف والصلاة فيه واداء مناسك الحج والعمرة، وهي أفراد داخلة في مفاهيم الكفر بالله والصد عن سبيله تعالى.
ويدل قوله تعالى [وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ] ( ) على لزوم إجتناب مشركي مكة منع المسلمين من أداء الحج والعمرة ، ولكن المشركين منعوا المسلمين أفراداً وجماعات.
ومنع الجمع في صلح الحديبية في السنة السادسة للهجرة ، فصحيح أن الصلح تم وهو فتح عظيم ، وقال تعالى [إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا] ( ) واشترط فيه أن يأتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه السنة التالية للعمرة ، إلا أنهم رجعوا إلى المدينة في تلك السنة من غير أن يؤدوا مناسك العمرة ليكون من مصاديق صد المشركين عن البيت الحرام .
قوله تعالى [وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ] في الآية مسائل :
الأولى : الضمير في أهله يعود للمسجد الحرام ، لبيان إكرام المسلمين وتسخيرهم أهل المسجد الحرام لتدل الآية بالدلالة الإلتزامية على أن المشركين ليسوا أهل المسجد الحرام.
ليكون في الآية بتفعيل تجارات قريش ، لأن نعمة الرزق الكريم في مكة لأهل الإيمان ، قال تعالى [وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ] ( ).
الثانية : [أَكْبَرُ] أفعل تفضــيل، فلابـد أن إخــراج المســلمـين من مكــة أكبر من أمر آخر قد تقدم فهل هو الكفــر بالمسجــد الحــرام ام المعنى الأعم، يجوز المعنيان.
وعلى الثاني كيف يكون اخراج المسلمـــين من المسـجـــد الحرام أكـــبر من الكفــر به ولا شــيء اكــبر اثماً ومعصية من الكفر لأنه أكبر الكبائر، قال تعالى [إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا] ( ).
الجواب يأتي إخراج المسلمين من المسجد من قبل أهل الكفر والجحود أي انه أمر واقعي إضافي وفعل مضاف إلى سوء الإعتقاد، فصفة الأكبر بما انه مصداق خارجي للكفر ترتب عليه أثر وضرر نوعي وليس عنواناً مستقلاً.
الثالثة : الآية وثيقة إكرام للمســلمين بنعتهـم بصفة أهل المسجد الحرام ، وتدل في مفهومها على ان الكفار الساكنين في مكة كالغرباء عن المسجد الحرام ، وفيه إنذار لهم .
الرابعة : الآية بشارة الفتح وحصر السكن في مكة بالمسلمين ، قال تعالى [وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ] ( ).
الخامسة : الآية موطئة لقوله تعالى [ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا …]( ).
السادسة : الآية بشارة عودة المسلمين الى مكة سكناً وأداء للمناسك ، قال تعالى [لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا] ( ).
السابعة : تدل الآية بالدلالة التضمنية على الجزاء العاجل بفضل الله تعالى على المسلمين اذ عوضــهم عن الإخـراج من مكة بحسن الإقامة في المدينة ورزقهم فيها أمناً وسكناً وجعلها مثوى كريماً.
وقد اختار النبي الأكرم صــلى الله عليه وآله وسلم العودة الى المدينة بعد الفتح وعاد معه المهاجرون والأنصار، (عن أنس : سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول : اللهمَّ اغفر للأنصار ، ولأبناء الأنصار ، ولنساء الأنصار ، ولنساء أبناء الأنصار ، ولنساء أبناء أبناء الأنصار.
وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وحسنه والنسائي عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر.
وأخرج ابن أبي شيبة عن معاذ بن رفاعة عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اللهمَّ اغفر للأنصار ، ولذراري الأنصار ، ولذراري ذراريهم ، ولمواليهم ، ولجيرانهم)( ).
الثامنة : اخراج المسلمين من مكة اعــم من ان ينحصر بالشهر الحرام فخطره وعظيم امره في حصوله واقعاً سواء حدث في الشهر الحرام او في غيره، نعم وقوعه في الشهر الحرام اكبر وقعاً واكثر ظلماً وتعدياً وجرأة على الله ورسوله والمؤمنين ، وعلى حرمة المسجد الحرام ، وفيه دليل على عدم أهلية المشركين لولايته، لقد كان الكفار يتفاخرون بولاية المسجد الحرام ، ويحسبونها أرثاً ملكاً طلقاً لهم فيقولون : نحن ولاة البيت الحرام ، فنصد من نشاء وندخل من نشاء ، فقال تعالى[إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ]( ).
التاسعة : روي انه لما انزلت الآية كتب عبد الله بن جحش صاحب السرية الى مؤمني مكة: اذا عيركم المشركون بالقتال في الشهر الحرام فعيروهم انتم بالكفر، واخراج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من مكة ومنع المؤمنين عن البيت الحرام( ).
وفي قوله تعالى [وَالْفِتْنَةُ أَكبرُ مِنْ الْقَتْلِ] مسائل :
الأولى : الآيــة قاعــدة عقائديـــة كلــية، وقــد وردت في القـرآن مرتين، الأولى في الآيــة الواحــدة والتســعــين بعــد المائــة مــن ســـورة البقرة ولكن بلفظ[الْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ] فبدل(أكبر) ورد لفظ (أشد ) مع إتحاد الموضوع وإرادة فتنة الذين كفروا من قريش ومحاربتهم النبوة والتنزيل، ولا يعــــني هــذا اتحــاد المعــنى في الآيتـــين وان كـان موضــوعهمــا واحداً وهو اخــراج النبي صلى الله عليه وآله وسلم المؤمنــين مــن مكـة، بالإضافة الى ما يفيده التكرار من التوكيد وبيان الأهمية.
ومن معاني الفتنة الشرك بالله والردة والترغيب بالكفر وإثارة الشبهات مغالطة ، قال تعالى [فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ]( ).
الثانية : مــن الفتنــة تعــذيب المؤمنــين وتعرضهم لصنوف الأذى كمــا في تعذيــب المشـــركــين لعمـار بــن ياســر وابــيــه وأمه، وبعض الصحابة كبلال وصهيب ، قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ] ( ).
(عن صهيب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “كان فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مَلِكٌ، وَكَانَ لَهُ ساحِرٌ، فَأَتَى السَّاحِرُ الْمَلِكَ فَقَالَ: قَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَدَنَا أجَلِي، فَادْفَعْ لِي غُلامًا أُعَلِّمْهُ السِّحْرَ، قال : فَدَفَعَ إلَيْهِ غُلامًا يُعَلِّمُهُ السِّحْرَ.
قَالَ : فَكَانَ الغُلامُ يَخْتَلِفُ إلى السَّاحِرِ، وكَانَ بَيْنَ السَّاحِرِ وَبَيْنَ المَلِكِ رَاهِبٌ( ).
قال : فَكَانَ الغُلامُ إذَا مَرَّ بالرَّاهِبِ قَعَدَ إلَيْهِ فَسَمِعَ مِنْ كَلامِهِ، فَأُعْجِبَ بِكَلامِهِ، فَكَانَ الغُلامُ إذَا أَتَى السَّاحِرَ ضَرَبَهُ.
وَقَالَ : مَا حَبَسَكَ وَإذَا أَتَى أَهْلَهُ قَعَدَ عِنْدَ الرَّاهِبِ يَسْمَعُ كَلامَهُ، فَإذَا رَجَعَ إلى أَهْلِهِ ضَرَبُوهُ وَقَالُوا: مَا حَبَسَكَ؟ فَشَكَا ذَلِكَ إلَى الرَّاهِبِ.
فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ : إذَا قَالَ لَكَ السَّاحِرُ: مَا حَبَسَكَ؟ قُلْ حَبَسَنِي أَهْلِي، وَإذَا قَالَ أَهْلُكَ: مَا حَبَسَكَ؟ فَقُلْ حَبَسَنِي السَّاحِرُ . فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إذْ مَرَّ في طَرِيقٍ وَإذَا دَابَّةٌ عَظِيمَةٌ فِي الطَّرِيقِ قَدْ حَبَسَتِ النَّاسَ لا تَدَعُهُمْ يَجُوزُونَ، فَقَالَ الْغُلامُ : الآنَ أَعْلَمُ : أَمْرُ السَّاحِرِ أَرْضَى عِنْدَ اللهِ أَمْ أَمْرُ الرَّاهِبِ، قَالَ : فَأَخَذَ حَجَرًا.
قَالَ : فَقَالَ : اللَّهُمْ إنْ كَانَ أمْرُ الرَّاهِبِ أحَبَّ إلَيْكَ مِنْ أَمْرِ السَّاحِرِ، فَإنِّي أَرْمِي بِحَجَرِي هَذَا فَيَقْتُلَهُ وَيَمُرُّ النَّاسُ، قَالَ: فَرَمَاهَا فَقَتَلَهَا، وَجَازَ النَّاسُ؛ فَبَلَغَ ذَلِكَ الرَّاهِبَ.
قَالَ : وَأَتَاهُ الْغُلامُ فَقَالَ الرَّاهِبُ لِلْغُلامِ: إنَّكَ خَيْرٌ مِنِّي، وَإنِ ابْتُلِيتَ فَلا تَدُلَّنَّ عَلَيَّ ، قَالَ: وَكَانَ الْغُلامُ يُبْرِئُ الأكْمَهَ وَالأبْرَصَ وَسَائِرَ الأدوَاءِ.
وَكَانَ لِلْمَلِكِ جَلِيسٌ، قَالَ: فَعَمِيَ، قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: إنَّ هَا هُنَا غُلامًا يُبْرِئُ الأكْمَهَ وَالأبْرَصَ وَسَائِرَ الأدْوَاءِ فَلَوْ أَتَيْتَهُ ، قَالَ: فَاتَّخَذَ لَهُ هَدَايا ، قَالَ : ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ : يَا غُلامُ، إنْ أَبْرَأْتَنِي فَهَذِهِ الهَدَايَا كُلُّهَا لَكَ، فَقَالَ: مَا أَنَا بِطَبِيبٍ يشْفِيكَ، وَلَكِنَّ اللهَ يَشْفِي( )، فَإذَا آمَنْتَ دَعَوْتُ اللهَ أَنْ يَشْفِيَكَ ، قَالَ : فَآمَنَ الأعْمَى.
فَدَعَا اللهَ فَشَفَاهُ ، فَقَعَدَ الأعْمَى إلى الْمَلِكِ كَمَا كَانَ يَقْعُدُ، فَقَالَ لَهُ المَلِكُ: أَلَيْسَ كُنْتَ أَعْمَى ، قَالَ : نَعَمْ، قَالَ: فَمَنْ شَفَاكَ، قَالَ: رَبِّي.
قَالَ : وَلَكَ رَبٌّ غَيرِي ، قَالَ : نَعَمْ رَبِّي وَرَبُّكَ اللهُ.
قَالَ : فَأَخَدَهُ بِالْعَذَابِ فَقَالَ: لَتَدُلَّنِي عَلَى مَنْ عَلَّمَكَ هَذَا.
قَالَ : فَدَلَّ عَلَى الغلامِ، فَدَعَا الغُلامَ فَقَالَ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ ” ، قَالَ : فَأَبَى الْغُلامُ ، قَالَ : فَأَخَذَهُ بِالْعَذَابِ ، قَالَ : فَدَلَّ عَلَى الرَّاهِبِ، فَأَخَذَ الرَّاهِبَ فَقَالَ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكِ فَأَبَى، قَالَ : فَوَضَعَ المِنْشَارَ عَلَى هَامَتِهِ فَشَقَّهُ حَتّى بَلَغَ الأرْضَ ، قَالَ : وَأَخَذَ الأعْمَى فَقَالَ: لَتَرْجِعَنَّ أوْ لأقْتُلَنَّكَ.
قَالَ : فَأَبَى الأعْمَى، فَوَضَعَ المِنْشَارَ عَلَى هَامَتِهِ فَشَقَّهُ حَتّى بَلَغَ الأرْضَ.
ثُمَّ قَالَ لِلْغُلامِ: لَتَرْجِعَنَّ أوْ لأقْتُلَنَّكَ ، قال : فَأَبَى ، قَالَ : فَقَالَ : اذْهَبُوا بِهِ حَتَّى تَبْلُغُوا بِهِ ذِرْوَةَ الْجَبَلِ، فَإنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ، وَإلا فَدَهْدِهُوهُ.
فَلَمَّا بَلَغُوا بِه ذِرْوَةَ الْجَبَلِ فَوَقَعُوا فَمَاتُوا كُلُّهُمْ. وَجَاءَ الغُلامُ يَتَلَمَّسُ حَتّى دَخَلَ عَلَى الْمَلِكِ.
فَقَالَ : أَيْنَ أصْحَابُكَ ، قَالَ: كَفَانِيهمُ اللهُ.
قَالَ : فَاذْهَبُوا بِهِ فَاحْمِلُوهُ فِي قُرْقُورٍ فَتَوَسَّطُوا بِهِ البَحْرَ، فَإنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإلا فَغَرِّقُوهُ ، قال : فَذَهَبُوا بِهِ، فَلَمَّا تَوَسَّطُوا بِهِ الْبَحْرَ.
قَالَ الْغُلامُ : اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ، فَانْكَفَأَتْ بِهِمُ السَّفِينَةُ.
وَجَاءَ الغُلامُ يَتَلَمَّسُ حَتّى دَخَلَ عَلَى الْمَلِكِ.
فَقَالَ المَلِكُ : أَيْنَ أصْحَابُكَ ، قَالَ : دَعَوْتُ اللهَ فَكَفَانِِيهمْ ، قَالَ: لأقْتُلَنَّكَ، قَالَ: مَا أَنْتَ بِقَاتِلِي حَتّى تَصْنَعَ مَا آمُرُكَ ، قَالَ : فَقَالَ الْغُلامُ لِلْمَلِكِ: اجْمَعِ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اصْلُبْنِي، ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي فَارْمِنِي.
وَقُلْ : باسْمِ رَبِّ الْغُلامِ فَإِنَّكَ سَتَقْتُلُنِي ، قَالَ : فَجَمَعَ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ.
قَالَ : وَصَلَبَهُ وَأَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ فَوَضَعَهُ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ ثُمَّ رَمَى.
فَقَالَ : باسْمِ رَبِّ الغُلامِ، فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِ الْغُلامِ، فَوَضَعَ يَدَهُ هَكَذَا عَلَى صُدْغِهِ وَمَاتَ الْغُلامُ.
فَقَالَ النَّاسُ : آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلامِ، فَقَالُوا للْمَلِكِ: مَا صَنَعْتَ، الَّذي كُنْتَ تَحْذَرُ قَدْ وَقَعَ، قَدْ آمَنَ النَّاسُ، فَأَمَرَ بِأَفْوَاهِ السِّكَكِ فَأُخِذَتْ، وَخَدَّ الأخْدُودَ وضَرَّمَ فِيهِ النِّيرَانَ، وَأَخَذَهُمْ وَقَالَ: إنْ رَجَعُوا وَإلا فَأَلْقُوهُمْ فِي النَّارِ ” ، قَالَ: ” فَكَانُوا يُلْقُونَهُمْ فِي النَّارِ ” ، قَالَ: ” فَجَاءتِ امْرأةٌ مَعَها صَبِيٌّ لَهَا ” ، قَالَ: ” فَلَمَّا ذَهَبَتْ تَقْتَحِمُ وَجَدَتْ حَرَّ النَّارِ، فَنَكَصَتْ ” ، قَالَ: ” فَقَالَ لَهَا صَبِيُّهَا يا أُمَّاهُ امْضِي فَإنَّكِ عَلَى الْحَقِّ، فَاقْتَحَمَتْ فِي النَّارِ”.
وقال آخرون : بل الذين أحرقتهم النار هم الكفار الذين فتنوا المؤمنين.) ( ).
الثالثة : الآية تحذير وتنبيه للمسلمين، وبيان لما في الفتنة من الأضرار الجسيمة.
الرابعة : فيها حث على المبادرة إلى قطع دابر الفتنة ،ومنع استفحالها.
الخامسة : في الآيــة بيان وتعليل لجــواز الدفاع في الشهر الحرام فقد يقوم الكفـــار بالفتنـــة، المقرون بلوم الكفار بأنهم السبب في وقوع القتال وأن العذاب سيحل لهم .
ولكــن تركـهم والاعــراض والسكوت عن تعديهم اكراماً والتزامــاً بحرمــة الشهـــر الحــرام يـؤدي الى اضـــرار وخســائر تفــوق مــا يحـــدث في القتـــال، خصــــوصـاً وان الخســـائر عــادة مــا تكـــون مـن الطرفين.
اما الفتنة فقد تقع أضرارها على المسلمين خصوصاً وانهم اصحاب عقيدة ومبدأ ويسعون لغايات حميدة وبناء صرح ايماني خالد يثبت معالم التوحيد في الأرض اما الكفار المعاندين فلا يفكرون إلا بيومهم ومصالحهم ولذاتهم الآنية القريبة [أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً] ( ).
السادسة : في الآية دعوة للمسـلمين لأخذ الحائطة للإمتحان والإبتلاء والتصدي لمكائد الكفر ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] ( ).
السابعة : لزوم يقظة المسلمين في الأشهر الحرم ومنع الغفلة، والإلتفات الى ما قد يصدر من الكفار من الغدر والغيلة ، قال تعالى [وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً] ( ) .
وهل يختص ود الكفار هذا بالأشهر الحل أم يشمل الأشهر الحرم ، الجواب هو الثاني .
الثامنة : تمنع الآية الإرباك وحالات اليأس التي تنجم عن مداهمة الفتنة والإبتلاء، وتجعل هذه الآية المســلمين يقظين ويتوقعون الشر والسوء من الكفار ، وهو لا يتعارض مع بركة الآية في دفع أذى الذين كفروا .
التاسعة : تبين الآية خطورة الفتنة، فقد تؤدي الى الإفتتان في الدين ومحاولة اثارة الشك والريب في قلوب بعض المسلمين ، فجاءت الآية واقية وحرزاً لهم ، وهو من مصاديق الجهاد في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ] ( ).
العاشرة : تمنع الآية من اســتفحــال أمـر المنافقين ،وفيها تحجيم وتقليل لأذاهم.
الحادية عشرة : في الآيــة كشــف وفضح لكفار قريش والمنافقين ورصد لسلوكهم ، قال تعالى [كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا] ( ).
الثانية عشرة: مضامين الآية سلاح في مواجهة الفتنة والإمتحان والإبتلاء.
الثالثة عشرة : الآية رادع لأعداء الدين ، وحجة عليهم في بيان اضرار ما يقومون به والتحذير منه .
الرابعة عشرة : في الآية تخــويف من العذاب عقوبة على الفتنة وأنـه أشد من عذاب القتل الذي يكون على نحـو القضية الشخصية لأنها أي الفتنة قد تؤدي الى قتل الكثير من المسلمين الى جانب أثارها السلبية الضارة الأخرى ، قال تعالى[وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ]( ).
لبيان أن الدنيا دار إمتحان واختبار ، وأما المؤمن فانه يدعو الكافر إلى الإيمان ونبذ الكفر ، ومن ضروب هذه الدعوة ، الدعوة الصامتة ، ويبتلى المؤمن بإيذاء الكافر له .
ومن خصائص الدنيا أنها دار إفتتان إذ يفتتن الفقير بالغني ، وما عنده من الأموال , والسقيم بالصحيح ويقول لو شاء الله لجعلني مثله سالماً معافى ، وقد يفتتن الشيخ والهرم بالصبي والشاب ، ويقول ليتني أرجع مثله.
أما المؤمن فان الكافر لا يفتتن به ، لأن باب دخول مسالك الإيمان مفتوح للناس جميعاً في كل آن ومكان ، وليس من في السلم والحرب وقبل الهجرة وبعدها أو برزخ دون الإيمان ، لذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينادي في قبل الهجرة وبعدها بكلمة التوحيد .
الخامسة عشرة : علة الجناية أحد أمرين أما المباشرة أو التسبيب وقد يجتمع الأمران معاً في الفتنة فيؤثم المسبب والمباشر لها معاً.
السادسة عشرة : الفتنة أشد من القتل لحصول القتل فيها على نحو متعدد ومع زيادة أضرار وأهوال أخرى ، قال تعالى [وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً] ( ).
السابعة عشرة : آية البحث رسول إلى المسلمين والمسلمات في مكة للثبات على دينهم ، وعدم إفتتانهم بالذين كفروا ،( عن ابن عباس قال: كان قوم من أهل مكة أسلموا، وكانوا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم، فأصيب بعضهم بفعل بعض قال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا، فاستَغْفَروا لهم، فنزلت [إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ]( )، إلى آخر الآية.
قال : فكتب إلى من بقي من المسلمين بهذه الآية: لا عذر لهم. قال: فخرجوا فلحقهم المشركون فأعطوهم الفتنة، فنزلت هذه الآية وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ.
الثامنة عشرة : من الفتنة التهديد والوعيد من قبل كفار قريش ، وكانوا يرسلون الرسائل إلى المهاجرين والأنصار , إلى المهاجرين ترغيباً لهم بالعودة إلى مكة ، وتخويفاً لهم , وإنذارا من الهجوم على المدينة وقتلهم , قال تعالى[إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلْ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا]( ).
ليكون من معاني قوله تعالى [وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْلِ] ( ) بعث اليأس في قلوب الكفار والمنافقين بأن المسلمين يصبرون , ولا يعودون إلى مكة والسيادة والشأن فيها للكفار ، وعدم العودة هذا سبب للحزن والقنوط عند الذين كفروا .
ويرسل كفار قريش الرسائل إلى الأنصار لتحذيرهم من نصرتهم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه , مع دعوتهم لإخراجهم , وتحريض المنافقين خاصة .
وقد تأتي الفتنة بمعنى المحنة والشدة إذ أذاق الذين كفروا المسلمين والمسلمات المحن والشدائد .
ومن المتسالم عليه أن القتل هو أقبح وأشد شئ على الناس لما فيه من زهوق الروح ومغادرتها الجسد وسفك الدماء ، ولكن الملائكة في احتجاجها على جعل الإنسان في [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، قدمت الفساد على القتل بالقول [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ).
لتأتي آية البحث بقانون يطرد الغفلة عن الناس ويكشف لهم أمراً عظيماً وهو أن الفتنة أكبر وأشد من القتل لأنها مقدمة له ، وسبب في إشاعة القتل ونشر الرذيلة والأخلاق المذمومة فيما هو أعم من القتل من جهة المكان والزمان إذ أن آثار الفتنة تتسع ، وقد تبقى متوارثة ، فانعم الله عز وجل على الناس بالنبوة والتنزيل لقطع دابر الفتنة .
ولأن من خصائص القرآن نفي الجهالة والغرر ، فقد بينت الآية سنخية الفتنة التي اتبعتها قريش في نهجها بايذاء النبي والمؤمنين والسعي لصدهم عن الإسلام وأداء الفرائض.
والمراد من الفتنة في الآية على قسمين :
الأول : الفتنة الذاتية ، بالإقامة على الشرك .
الثاني : الفتنة الغيرية وهي على شعب منها :
الأولى : إغراء الناس للبقاء على الكفر.
الثانية : المناجاة بمحاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة .
الثالثة : تجهيز الجيوش لمحاربة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابعة : إيذاء المؤمنين والسعي في إرتدادهم , لذا ورد في آية البحث[وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا] ( )، فجاءت آية البحث لكبت الذين كفروا ومنعهم من هذه الإستطاعة , لتبقى هذه الآية رحمة وواقية وأمناً وحرزاً.
حلية لحم الكنغر( )
قال تعالى [قُلْ لاَ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ]( ).
والكنغر هو الحيوان الأكثر في استراليا, ويظهر على الشعار الوطني للبلاد ولحمه غني بالبروتين وتنخفض فيه نسب الدهون , ويصل مجموع أعداد الكنغر فيها إلى خمسين مليون لكثرة هطول الأمطار ، والطقس الحسن , ووفرة الأعشاب والمراعي ، وسرعة نمو الأعشاب , والعناية العامة بالثروة الحيوانية.
إذ أن الكنغر حيوان يعتاش على الأعشاب مثل الإبل والبقر والغنم ، ولا يأكل اللحوم ، وليس من الحيوانات التي تحيض نعم ذكر أن في رجله الخلفية مخلباً ، وهو من الثدييات ، ورأسه شبيه برأس الغزال ، ويقفز كالضفدع ، ويقف على رجليه الخلفيتين كالإنسان ويكثر في استراليا وفي غينيا والجزر المجاورة لها.
ومن الأصول العملية في باب الفعل المشكوك الحرمة ، في موارد الشبهة الحكمية أصالة الحلية إذا وقع الشك في عين مخصوصة إذا فقد الدليل الإجتهادي فعند غياب الحكم الواقعي يتجه إلى الحكم الظاهري ، وفي صحيحة عبد الله بن سنان عن الإمام الصادق عليه السلام قال : كل شئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال أبداً حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه ، وقبل الرواية ظاهرة في الشبهة الموضوعية وليس الحكمية.
وكذلك بالنسبة لأصالة الإباحة ، ومن الأدلة اللفظية على الحلية في باب الإطعام ، قوله تعالى [خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا]( ).
وعن ابن عباس ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن أكل ذي ناب من السباع ، وذي مخلب من الطير ، وعن الإمام الرضا عليه السلام في كتابه الى المأمون كما في الوسائل وعن شطر من علماء المالكية وغيرهم عدم ثبوت النهي عن أكل ذي المخلب من الطير والكنغر ليس من الطيور.
وقد ورد حديث للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، يذكر فيه السباع فقط (كل ذي ناب من السباع فاكله حرام)
ومنهم من قال أن الكنغر حيوان برمائي أي يعيش في البر والبحر ، ولا أصل لهذا القول ، وان ذهب الحنفية الى القول بحرمة الحيوان البرمائي .
وحكم لحم الكنغر مسألة ابتلائية لكثرة وجوده في أسواق استراليا والأسواق العالمية مع التداخل بين البدان وظاهرة استيراد الدول العربية والإسلامية اللحوم .
ويجوز أكل لحم الكنغر بشرائط التذكية لأصالة الحلية ، وعدم ثبوت المانع , ولقاعدة نفي الحرج في الدين.

مشاركة

Facebook
Twitter
Pinterest
LinkedIn

مواضيع ﺫات صلة