معالم الإيمان في تفسير القرآن – الجزء- 182

المقدمـــــــــــة
الحمد لله الذي جعل الحمد مفتاحاً لذكره , وشاهداً على سعة رحمته , وتوالي نعمه , ودليلاً على حال الناس في المسكنة والحاجة إليه والثناء عليه سبحانه , وفي التنزيل [يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ] ( ).
لقد جعل الله سبحانه في الحمد له غنى حاضراً وآجلاً عن غيره ، فالحمد لله ثروة وكنز وذخيرة .
الحمد لله الذي جعل ذكره إشراقة على القلوب ، وسكينة للنفوس وتطامناً وعنوان خشوع له سبحانه ، وواقية من إتباع الهوى والغواية , والحمد لله الذي جعل الحمد مقدمة وشاهداً على الإقرار بالعبودية له سبحانه .
الحمد لله الذي جعل الحياة الدنيا دار الحمد والثناء عليه , وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( ) فالحمد لله عبادة ، و منهاج هدى ، ورشحة عن العبادة ، وإرتقاء في المعارف الإلهية .
لقد أراد الله عز وجل لمدرسة الحمد لله أن تكون سور الموجبة الكلية الذي يجمع بين المؤمنين والمؤمنات على نحو طولي بين الأجيال المتعاقبة ، وعرضي بين المؤمنين بالوحدانية في مشارق الأرض ومغاربها.
الحمد لله الذي جعل الصلاة واجباً عينياً على المؤمنين من أيام آدم وليس من صلاة تخلو من الحمد له سبحانه ، وهو من أسرار قوله تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ) وإخبار الله عز وجل الملائكة بهذه المنزلة الرفيعة للإنسان ، وتقدير الآية أعلاه بلحاظ الحمد لله على وجوه :
الأول : إني جاعل في الأرض خليفة يكثر من الحمد لله .
الثاني : إني جاعل في الأرض خليفة يعمرها بالحمد لله .
الثالث : إني جاعل في الأرض خليفة ليقول الحمد لله .
الرابع : إني جاعل في الأرض مؤهلاً للخلافة فيها بقول الحمد لله .
الخامس : إني جاعل في الأرض خليفة يتعاهد الحمد لله إلى يوم القيامة.
السادس : إني جاعل في الأرض خليفة افتح له خزائنها بقول الحمد لله ، وفي التنزيل [هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا]( ).
السابع : إني جاعل في الأرض خليفة أهديه لقول الحمد لله .
الثامن : إني جاعل في الأرض خليفة يترك الحمد لله إرثا مباركا من بعده .
ومن حب الله عز وجل للعباد ترغيبهم بالحمد له سبحانه ، وتقريبهم من منازل الشكر له ، ومنعهم من الإعراض والعزوف عنه ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ]( ).
فما في الإنسان من نعمة في الخلق والهيئة يستلزم الشكر والثناء عليه تعالى ، وكون الإنسان شبيهاً لعامة الناس في الخلق والحواس والفعل لا يمنع من الشكر والتفكر في النعم الخاصة عليه ، فيجب أن يدرك الذي رزقه الله البصر أن لو شاء الله لجعله أعمى ، أو لفقد إحدى عينيه ، والذي أنعم الله عز وجل عليه بنعمة السمع أن لو شاء الله عز وجل لجعله أصم ، وكذا بالنسبة للحواس الأخرى والجوارح.
ومن الآيات أن الإنسان يرى غيره ممن أبتلي بفقد حاسة أو أصيب بعاهة في عضو من جسمه ليشكر الله على هذه النعمة .
وجاءت نعمة التنزيل لتتغشى الناس جميعاً ، فهم فيها شرع سواء ، وسخّر الله الحواس والجوارح للإنسان للانتفاع منها في طاعة الله واحراز رضاه واتحاذها وسائط للنعيم الأبدي ، وللتدبر في معانيها.
فتكون هذه الحواس حجة على الإنسان ، وشاهداً على بلوغ رسالة السماء بالتنزيل ، ودعوة سادة الأنس وهم الأنبياء للتوحيد وعبادة الله ، فالحمد لله على نعمة التأهيل والإصلاح لتلقي سبل الهداية إلى الإيمان ، والتوفيق للسعي في مسالكه بالتقوى ، قال تعالى [وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ] ( ).
الحمد لله الذي جعل عبادة الإنسان لله عز وجل تتغشى اليوم والأسبوع والشهر والسنة من غير حرج أو ضيق وتشديد على العبد إذ أوجب الله الصلاة على المسلمين ذكوراً وأناثاً في اليوم والليلة خمس مرات كل واحدة منها موقوفة على وقت مخصوص ، وأن تؤدى صلاة الجمعة كل أسبوع ، وأن يصام شهر رمضان الذي لا يحل على أهل الأرض إلا مرة واحدة في السنة ، فقال تعالى [فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ] ( ) مع الرخصة بالإفطار للمريض والمسافر.
وأوجب الله تعالى الحج مرة واحدة في العمر مع قيد الإستطاعة ، والقضاء عن الميت عند حصول الموانع أيام حياته (عن أنس، أن معاذ بن جبل حدثه قال: بينا أنا رديف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليس بيني وبينه إلا آخرة الرَّحْل .
قال: يا معاذ ، قلت: لبيك يا رسول الله وسَعْديك ، قال: ثم سار ساعة، ثم قال: يا معاذ بن جبل ، قلت : لبيك يا رسول الله وسعديك (ثم سار ساعة ، ثم قال : يا معاذ بن جبل ، قلت : لبيك يا رسول الله وسعديك) .
قال : هل تدري ما حق الله على العباد ، قلت: الله ورسوله أعلم ، قال: (فإن) حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا ، قال : ثم سار ساعة ثم قال : يا معاذ بن جبل، قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك .
قال : فهل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك ، قال : قلت : الله ورسوله أعلم. قال: “فإن حق العباد على الله أن لا يعذبهم)( ).
ورواه الإمام أحمد بن حنبل عن طريق ( كُمَيْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ فِي نَخْلِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَوْ يَا أَبَا هِرٍّ هَلَكَ الْمُكْثِرُونَ إِنَّ الْمُكْثِرِينَ الْأَقَلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا مَنْ قَالَ بِالْمَالِ هَكَذَا وَهَكَذَا وَقَلِيلٌ مَا هُمْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا مَلْجَأَ مِنْ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ .
قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا , وَإِنَّ حَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ ) ( ).
وقد أنعم الله عز وجل على كل مسلم ومسلمة بأن يقرآن في كل ركعة من مجموع سبع عشرة ركعة واجبة في الصلاة اليومية ما خلا الصلوات الكثيرة المستحبة قوله تعالى [إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ] ( ) لتشهد لهم الخلائق كلها باخلاص العبودية لله ، والتنزه عن عبادة الشيطان وأسباب الغواية والضلالة.
ويستعين المسلم بالله عز وجل من أجل تعاهد الحمد والإستعانة به سبحانه ، وفي التنزيل[وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ]( )، ويلزم ذات النطق بالحمد لله الحمد والثناء على الله سبحانه للتوفيق إلى الشكر لله ، والوقوف بين يديه واستحضار ذكره في حال الرخاء والشدة ، والسراء والضراء ، وهذا العموم من مصاديق اتيان المسلم الصلاة كل يوم وعلى كل حال.
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار إختبار ولم يترك الناس وشأنهم إنما أنزل الكتب وبعث الأنبياء لهداية الناس إلى سبل الصلاح والتنزه عن الفساد وذكّرهم بعالم الآخرة التي يقوم فيه الجزاء على عمل الصالحات وإجتناب التجبر والغصب وركوب المعاصي ، قال تعالى [تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ] ( ).
(عن ابن جريج ومقاتل وعكرمة ومسلم البطين : الفساد : أخذ المال بغير حق) ( ).
ولكن مضمون الآية أعم ، فمن الفساد محاربة النبوة والتنزيل ، ومنه نصب الأوثان في البيت الحرام ، وتجهيز الجيوش لغزو المدينة المنورة واستباحة القرى الآمنة ، فجاء القرآن بالترغيب بالنعيم في الآخرة ، والذي يدل بالدلالة التضمينة على التسليم بالبعث والنشور ، وعالم الحساب ولزوم حضوره في الوجود الذهني .
الحمد لله الذي جعل آياته الظاهرة للناس أكثر من أن تحصى ، وكل آية نعمة ، قال تعالى [وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا] ( ) وبين النعم التي تذكرها الآية أعلاه وبين الآيات الظاهرة عموم وخصوص مطلق ليكون عجز الإنسان عن عدّ ما تفضل الله عز وجل به على وجوه :
الأولى : الآيات الكونية .
الثانية : الآيات الأرضية .
الثالثة : الآيات السماوية .
الرابعة : أسرار ومنافع كل آية كونية كالشمس والقمر .
الخامسة : النعم التي تترشح عن الجمع بين كل آيتين من جهة الخلق والوظيفة والنفع .
السادسة : الآيات والنعم في ذات الإنسان ، وخلقه ونشأته .
ومن خصائص قوله تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( ) الانسان إلى كيفية خلقه ومراحل نموه ، وعمل جوارحه وأسرار قوله تعالى [فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا] ( ) .
ومن تجليات الآية أعلاه حتمية إلتفات الإنسان إلى الإعجاز في خلقه ، ليكون هذا الإلتفات حجة عليه في الدنيا والآخرة ، وهو من مصاديق قوله تعالى [فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ] ( ) ويكون الحمد لله والشكر على نعمه إقراراً بأن النعم كلها من عند الله عز وجل ، وفيه الأجر والثواب ، وهو من النعم الإلهية بأن يكون قول (الحمد لله ) على وجوه :
الأول : إنه شكر لله على النعم .
الثاني : قول الحمد لله عبادة .
الثالث : قول الحمد لله رزق كريم ، وهو باب لنزول الفضل من الله عز وجل على الذات والغير .
وفي المرسل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ما أعطي أحد أربعة فمنع أربعة ، ما أعطي أحد الشكر فمنع الزيادة ، لأن الله تعالى يقول [لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ]( ).
وما أعطي أحد الدعاء فمنع الإِجابة ، لأن الله يقول {ادعوني أستجب لكم}( )، وما أعطي أحد الاستغفار فمنع المغفرة؛ لأن الله يقول {استغفروا ربكم إنه كان غفاراً}( )، وما أعطي أحد التوبة فمنع التقبل؛ لأن الله يقول {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده( ) ( ).
الرابع : دعوة للناس للهداية والإيمان ، وهل يختص الثواب على قول (الحمد لله) بعالم الآخرة أم يشمل الحياة الدنيا , الجواب هو الثاني ، فبقول الحمد لله تأتي النعم ، ويصرف البلاء ، وبما ينفع في الصبر والمواظبة على الشكر لله.
الخامس : في قول الحمد لله الأجر والثواب .
السابعة : نعمة التنزيل ومصاحبة الوحي للناس في حياتهم العامة فلم ينزل آدم وحواء إلا كان آدم نبياً يوحى إليه ، وهو نعمة عظمى على الناس ليكون الإيمان مصاحباً لعمارة الإنسان الأرض ، بل إنها تعمر بالوحي والإيمان ، ثم يأتي أداء الفرائض وعمل الصالحات ليكون من الشواهد على أهلية الإنسان للخلافة في الأرض والصلاة التامة ، والسلام الكامل على سيد ولد آدم محمد وآله الطاهرين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.
(عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر ، وبيدي لواء الحمد ولا فخر ، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي ، وأنا أوّل من تَنْشَقُّ عنه الأرض ولا فخر ، فيفزع الناس ثلاث فزعات فيأتون آدم عليه السلام فيقولون : أنت أبونا فاشفع لنا إلى ربك .
فيقول : إني أذنبت ذنباً( )، أهبطت منه إلى الأرض ، ولكن ائتوا نوحاً .
فيأتون نوحاً فيقول : إني دعوت على أهل الأرض دعوة فأهلكوا ، ولكن اذهبوا إلى إبراهيم.
فيأتون إبراهيم فيقول : ائتوا موسى . فيأتون موسى عليه الصلاة والسلام فيقول : إني قتلت نفساً ، ولكن ائتوا عيسى . فيأتون عيسى عليه السلام فيقول : إني عُبِدْتُ من دون الله.
ولكن ائتوا محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ، فيأتوني فأنطلق معهم فآخذ بحلقة باب الجنة فأقعقعها ( ).
فيقال : من هذا.
فأقول : محمد.
فيفتحون لي ويقولون : مرحباً . فأخرّ ساجداً فيلهمني الله عز وجل من الثناء والحمد والمجد.
فيقال : ارفع رأسك ، سل تُعْطَ ، واشفع تُشَفّعْ ، وقل يسمع لقولك . فهو المقام المحمود الذي قال الله{ عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً }) ( ).
الحمد لله الذي يختص بالخلق والقدرة المطلقة والإختيار ، وهو الذي بعث الأنبياء بعلمه وحكمته ..
لقد أخبرت بلقيس بأن الملوك بهجومهم وغزوهم يجعلون أعزة البلد أذلة كما ورد في لتنزيل[قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ]( ).
أما النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقد جاء بالعز للناس من عند الله ، لتكون رسالته إشراقة العز ورفعة التقوى ، وما يترشح عنها من السكينة والقناعة ونشر مفاهيم الود والمحبة .
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا جاءه قوم لدخول الإسلام أقامهم عنده عدة أيام حتى يتعلموا الصلاة وآدابها وأحكام الحلال والحرام ثم يأذن لهم بالعودة إلى بلدهم وقراهم ويجعل عليهم أكبرهم ، ولم يُنزل من شأن رؤسائهم .
وبعد هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الى المدينة خرج مع أصحابه في عدة كتائب ثم يعود الى المدينة من غير قتال قبل أن تقع معركة بدر .
ترى ما هي النسبة بينها وبين خروجه إلى معركة بدر , الجواب من جهات:
الأولى : حال النفير والدعوة العامة التي تسبق الخروج .
الثانية : بيان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لموضوع الخروج والغاية منه والمعروف أنه كان إذا أراد الخروج أخبر عن الجهة التي يريد إلا في خروجه إلى تبوك فانه قام بالتورية .
ومن الآيات أنه لم يقع قتال في تبوك , لتكون هذه التورية وإخفاء الغاية والمقصد من أسباب عدم وقوعه .
الثالثة : الإستعداد والتهيئ للخروج .
الرابعة : عدد الصحابة الذين رافقوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الخامسة : الرواحل والأسلحة التي كانت مع الصحابة .
الجواب هناك نوع تساو في الاستعداد ومقدمات كيفية الخروج .
ويدل عدد مرات خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة مع أصحابه وعودتهم من غير غزو أو قتال على عدم إرادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم القتال في معركة بدر من وجوه :
الأول : أصل الإستصحاب ، وهو دليل عقلي قبل أن يكون من مفردات علم الأصول ، ويتقوم بقاعدة : لا تنقض اليقين بالشك .
الثاني : عدم إعلان النبي صلى الله عليه وآله وسلم النفير في المدينة عند الخروج إلى معركة بدر .
الثالث : عدم أخذ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه معهم أسلحة تدل على الإستعداد لدخول معركة والله عز وجل يقول [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ]( ) .
ومن الإستطاعة التهيئ وشراء الخيل والرواحل والسيوف والدروع ، واستعارتها .
الرابع : كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه يتعاقبون في الطريق إلى معركة بدر كل ثلاثة على بعير واحد، وقطعوا على هذه الحال مائة وخمسين كيلو متراً مما يدل على أنهم لا ينوون دخول معركة لما في هذا المشي من الجهد والعناء الذي قد يسبب الضعف في القتال .
الخامس : لم يرد في السنة النبوية ما يدل على حث النبي لأصحابه على القتال إلا في عشية وصبيحة يوم بدر عندما تأكد للجميع إصرار قريش على القتال.
(عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى عن صهيب قال كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحرك شفتيه بشئ لا يفهم (فقلنا يا رسول الله انك تحرك شفتيك بشئ لا يفهم ) فقال ان نبيا من الانبياء اعجبه كثرة قومه فقال من يفي لهؤلاء أو من يقوم لهؤلاء قال فقيل له خير أصحابك بين ان نسلط عليهم عدوا فيستبيح بيضتهم أو الجوع أو الموت فخيرهم فاختاروا الموت .
قال فمات منهم في ثلاثة أيام سبعون ألفا , قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا اقول : اللهم بك اقاتل وبك أحاول وبك أصاول ولا حول ولا قوة الا بك) ( ).
الحمد لله الذي جعل الشكر والحمد لله سبباً لزيادة ومضاعفة النعم ، وهناك مسألتان :
الأولى : هل إستدامة النعمة من الزيادة في قوله تعالى [لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ] ( ) الجواب نعم , وبين الزيادة التي تذكرها الآية أعلاه وبين استدامة النعمة عموم وخصوص مطلق ، فتكون الزيادة على وجوه :
الأول : استدامة النعمة .
الثاني : مضاعفة النعمة .
الثالث : مجئ نعمة مستحدثة .
الثانية : لو لم يشكر الإنسان الله عز وجل فهل تزداد عليه النعم ،أم أن الزيادة فيها مقيدة ومشروطة بالشكر له سبحانه ، الجواب هو الأول .
فمن فضل الله زيادة النعم على العباد مجتمعين ومتفرقين ، ويدركها الإنسان بالتدبر في حاله بين الأمس واليوم ، ليكون من معاني الآية أعلاه [لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ]( )، زيادة على زيادة.
وكذا بالنسبة للأمم والشعوب وأجيال الناس ، والنعم التي جاءت للتالي أكثر مما جاءت للأول في الجملة ، وهو من الآيات في التدبر في قصص الأمم السابقة ، وقوله تعالى [لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ] ( ) إذ يكون توثيق وبيان قصص الأمم السابقة مناسبة لشكر العباد لله عز وجل على ما عندهم ، والنعم في الصحة والرزق الكريم وسعة العيش والهداية والإيمان .
وحتى في نعمة التنزيل فقد توالى نزول الكتب السماوية إلى أن جاء القرآن جامعاً لأحكام الشريعة ، وجعله الله [تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ] ( ) وصانه وعصمه من التحريف والتبديل والزيادة أو النقص .
وتتوالى النعم على الإنسان بفضل ولطف من عند الله عز وجل لأنه هو الرحيم والحليم والكريم ، وهذا التوالي من خصائص جعل الإنسان [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ) فحينما أخبر الله عز وجل الملائكة بأنه جاعل الإنسان خليفة في الأرض فانه سبحانه كفل استدامة وكثرة النعم عليه ، وليكون يوم القيامة محل وأوان الحساب .
الحمد لله هذا الجزء وهو الثاني والثمانون بعد المائة من تفسيري للقرآن يصدر وبلطف وفيض ومدد من عند الله عز وجل ، إذ يتضمن هذا الجزء عدة قوانين لبيان الملازمة بين النبوة والسلام ، وأن الأنبياء يأتون بالدعوة إلى الله بالمعجزة والصبر ، وكل منهما حرب على الإرهاب وسفك الدماء.
وقد خاطب الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بأن يدعو الناس الى الإيمان بالحجة والبرهان والبيان ، قال تعالى [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ]( ).
وتدل الآية أعلاه في مفهومها على لزوم إجتناب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين القسوة والعنف في الدعوة الى الله ، وتقدير الآية أعلاه (أدع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وإن أوذيت، وأنكرت طائفة من الناس الدعوة ).
ولما نزل جبرئيل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أول مرة وقال : يا محمد أنك رسول الله ، جثى النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ركبته ، وأصابه الفزع والخشية الشديدة ، ودخل على خديجة وقال : زملوني زملوني ، الى أن ذهب عنه الروع ، ثم آتاه جبرئيل وعرّف له نفسه ، وفي حديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال.
فقال جبرئيل (يا محمد، أنت رسول الله. قال: فلقد هممت أن أطرح نفسي من حالقٍ من جبل، فتبدى لي حين هممت بذلك.
فقال: يا محمد، أنا جبريل، وأنت رسول الله.
ثم قال : اقرأ، قلت: ما أقرأ ، قال: فأخذني فغتنى ثلاث مرات، حتى بلغ مني الجهد، ثم قال [اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ]( )، فقرأت.
فأتيت خديجة. فقلت: لقد أشفقت على نفسي، فأخبرتها خبري.
فقالت : أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبداً ، ووالله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتؤدي الأمانة، وتحمل الكل( )، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق . ثم انطلقت بي إلى ورقة بن نوفل بن أسد، قالت: اسمع من ابن أخيك ، فسألني فأخبرته خبري .
فقال: هذا الناموس( )، الذي أنزل على موسى بن عمران، ليتني فيها جذعٌ ! ليتني أكون حياً حين يخرجك قومك ! قلت: أمخرجي هم ؟ .
قال: نعم؛ إنه لم يجيء رجلٌ قطُّ بما جئت به إلا عودي، ولئن أدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً)( ).
لقد كان الخلق الكريم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل النبوة تنمية لملكة الصبر عند المسلمين ، وزاجراً عن التعدي والظلم ، انما بعثه الله لإستئصال الظلم للذات والغير ، ونجاة الأجيال المتعاقبة من الشرك ومفاهيم الضلالة بسلاح التنزيل والبرهان والتذكير بعالم الآخرة ، ووقوف الناس بين يدي الله للحساب.
وفي خبر ضعيف عن محمد بن النضر قال (قال آدم : يا رب شغلتني بكسب يدي فعلمني شيئاً فيه مجامع الحمد والتسبيح . فأوحى الله إليه : يا آدم إذا أصبحت فقل ثلاثاً ، وإذا أمسيت فقل ثلاثاً . الحمد لله رب العالمين ، حمداً يوافي نعمه ، ويكافئ مزيده فذلك مجامع الحمد والتسبيح) ( ).
الحمد لله الذي جعل الحمد معراجاً للإرتقاء في سلم المعارف , وبصيرة ونوراً يشع على الجوارح فيكون سبيل هداية .
الحمد لله الذي جعل الحياة تزهر وتطيب بالحمد له سبحانه ، فيدرك المؤمن أن الحمد لله نعمة وشجرة يانعة [تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ] ( ) وتدخل مع صاحبها القبر فتجعل قبره روضة من رياض الجنة ، وتضيئ له حياته في الدنيا .
وقول الحمد لله صاحب مؤنس وباعث للصلات الحسنة مع الناس والتي تتقوم بالحمد والثناء ، وهل قول العبد الحمد لله حاجة له ، أم أنه أمر مندوب .
الجواب هو الأول فالقول الحمد لله حاجة للإنسان وخير محض ينفعه في الدنيا والآخرة ، ويقدح البصر والسمع ويجعل الإنسان يدرك حقائق الأمور ، ويمنعه من الزلل ويطرد عنه الجهالة ، وهو ثقل في ميزان الحسنات ، قال تعالى [فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ] ( ) .
وجاء هذا الجزء من سِفر التفسير بقوانين تتعلق بالحمد وهي :
الأول : قانون الحمد لله .
الثاني : قانون الحمد حرز من القتال .
الثالث : قانون الحمد سور .
ويمكن تسمية الحياة الدنيا (دار الحمد ) إذ خلق الله الناس ليلهجوا بالحمد له سبحانه ، والحمد مصداق لقوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( ) .
وعندما هاجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة هل هاجر معه الحمد ، الجواب هاجر معه وبقي في مكة أيضاً فقد أبى الله عز وجل إلا أن يجعل الأرض كلها محلاً ووعاءً للحمد له ، وهو من أسرار اقامة الصلاة يومياً في مشارق الأرض ومغاربها ، فما أن يعمر الإنسان المحل والموضع حتى تحل فيه الصلاة .
ومن الآيات أن آدم عليه السلام وحواء هبطا إلى الأرض بتحفة الصلاة وهي أمانة ووديعة عندهما .
(عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما هبط آدم من الجنة ظهرت فيه شامة سوداء في وجهه من قرنه إلى قدمه، فطال حزنه وبكاؤه على ما ظهر به، فأتاه جبرئيل عليه السلام فقال له: ما يبكيك يا آدم ؟ قال: لهذه الشامة التي ظهرت بي، قال: قم
فصل فهذا وقت الاولى، فقام فصلى فانحطت الشامة إلى صدره، فجاءه في الصلاة الثانية فقال: يا آدم قم فصل فهذه وقت الصلاة الثانية، فقام فصلى فانحطت الشامة إلى سرته .
فجاء في الصلاة الثالثة فقال: يا آدم قم فصل فهذه وقت الصلاة الثالثة، فقام فصلى فانحطت الشامة إلى ركبتيه، فجاءه في الصلاة الرابعة فقال: يا آدم قم فصل فهذه وقت الصلاة الرابعة، فقام فصلى فانحطت الشامة إلى رجليه .
فجاءه في الصلاة الخامسة فقال: يا آدم قم فصل فهذا وقت الصلاة الخامسة، فقام فصلى فخرج منها .
فحمد الله وأثني عليه ، فقال جبرئيل : يا آدم مثل ولدك في هذه الصلوات كمثلك في هذه الشامة من صلى من ولدك في كل يوم وليلة خمس صلوات خرج من ذنوبه كما خرجت من هذه الشامة) ( ).
وذات الصلاة حمد وشكر فعلي من العباد لله عز وجل ، وأنعم الله عز وجل على المسلمين وجعلهم يحمدون الله في الصلاة ـ ليقول كل مسلم ومسلمة [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ] ( ) سبع عشرة مرة لتدل على وراثتهم وعمارتهم للأرض بالتقوى والثناء على الله عز وجل ، وهو من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمْ الْفَاسِقُونَ] ( ).
ويكون الحمد لله بلحاظ الآية أعلاه على وجوه:
الأول : الحمد لله معروف واحسان .
الثاني : النطق بالحمد لله أمر معروف .
الثالث : تعاهد قول [الْحَمْدُ لِلَّهِ] انتهاء عن المنكر .
الخامس : النطق بالحمد لله شاهد على الإيمان بالله والتسليم بأن النعم من عنده تعالى ، وفي التنزيل [وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ] ( ).
الحمد لله الذي جعل القرآن فيصلاً وبياناً وحاكماً وحجة للذي يصدر عنه ويعمل بأحكامه ، وبرهاناً يجذب القلوب إلى مقامات العبودية ، والخضوع لله عز وجل.
وعن عبد الله بن عمرو (قال:خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن وراء حجرته قوم يتجادلون في القرآن . فخرج محمرة وجنتاه كأنما تقطران دماً فقال: يا قوم لا تجادلوا بالقرآن ، فإنما ضَلَّ من كان قبلكم بجدالهم،إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضاً ولكن نزل ليصدق بعضه بعضاً،فما كان من محكمه فاعملوا به ، وما كان من متشابهه فآمنوا به( ).
لقد دخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى معركة بدر على نحو الإكراه ، وهو من مصاديق قوله تعالى [كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ] ( ) فجاء النصر بآية ومدد من عند الله ، وهل من مصاديق الذلة يومئذ في قوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ] ( )، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لا يريدون الغزو ، ولا يطلبون القتال .
الجواب نعم ، ويدل عليه قوله تعالى [وَإِذْ يَعِدُكُمْ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ] ( ) فذكرت الآية أعلاه بصيغة الفعل الماضي الوعد من عند الله [إِذْ يَعِدُكُمْ].
بينما جاء ذكر ودّ ورغبة المسلمين بصيغة المضارع ، وكأن الآية تقول : وتودون اليوم وغداً أن ذات الشوكة تكون لكم ، ومن الشواهد على عدم إرادة المسلمين الغزو حتى مع منعتهم وقوتهم .
ولا ينحصر معنى ذات الشوكة بقافلة أبي سفيان أو قوافل قريش مطلقاً إنما يراد منه المال والكسب والغنيمة باختيار الإيمان وتعاهده والفوز بالثواب العظيم بالإقامة في الجنة .
(عن الربيع قوله: ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله”( ) الآية، قال: كان رجل من أهل مكة أسلم، فأراد أن يأتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويهاجر إلى المدينة، فمنعوه وحبسوه.
فقال لهم: أعطيكم داري ومالي وما كان لي من شيء! فخلُّوا عني، فألحق بهذا الرجل ( ) فأبوْا.
ثم إنّ بعضهم قال لهم: خذوا منه ما كان له من شيء وخلُّوا عنه ، ففعلوا، فأعطاهم داره وماله، ثم خرج ، فأنزل الله عز وجل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة [وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ]( ).
الحمد لله الذي جعل العلماء وذوي الألباب والعقلاء عامة يتلقون بالقبول والرضا قانون (لم يغزو النبي ص أحداً ) والأجزاء الأربعة عشر من هذا التفسير الخاصة بهذا القانون ، وفيه نسخ للقول المتوارث بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم غزا سبعاً وعشرين أو تسعاً وعشرين غزوة .
إذ كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حال بناء صرح دولة التوحيد ومحاربة الشرك بالتنزيل والمعجزة ولكن المشركين أصابهم الغرور وخشوا على تجارتهم وشأنهم بين القبائل فاتفقوا على قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم , وهو في فراشه في مكة مع أنه لم يجرح أو يقتل أحداً منهم.
وكان يدخل المسجد الحرام ويصلي فيه من غير أن يتعرض لثلاثمائة وستين صنماً نصبت فيه والأزلام ، نعم كان يتلو القرآن ويبين قبح الشرك وحرمة اللجوء إلى هذه الأصنام والتوسل بها ، ونصبها داخل البيت في مكة وخارجها .
وتوارث أهل العلم والى زماننا هذا قاعدة في تفسير القرآن وهي كون أجزاء التفسير الواحد منها قد تصل إلى عشرين جزءّ كما يسمى تفسير الرازي والذي يتألف من اثنين وثلاثين جزءً بالتفسير الكبير ، وكل جزء منه بمقدار الجزء من تفسيرنا هذا أو أقل منه ، وكأن من معاني تسميته بالكبير الدعوة لعدم الزيادة عليه .
نعم ليس المدار على الكثرة في الصفحات والأجزاء والكم ، إنما المدار على الكيف والمسائل العلمية والإستنباط والإستنتاج والأدلة في إعجاز القرآن ، وهو الذي جاء في تفسيرنا بفيض ولطف من عند الله ، ففيه كشف واستقراء للعلوم من ذات آيات القرآن .
الحمد لله الذي جعل من إعجاز القرآن صيرورة أجزاء وعلوم التفسير من اللامتناهي ، وكلما غاص العلماء في بحور آياته رسماً وتلاوة وتدبراً استخرجوا لآلئ وذخائر وأدركوا والناس جميعاً أن كنوز القرآن خزائن ينهل منها العلماء إلى يوم القيامة لتترشح فيوضات من ثنايا آيات القرآن .
ومن فضل الله عز وجل وعظيم منّه وإحسانه أنني اقوم بالتأليف والمراجعة المتعددة لأجزاء التفسير قبل صدورها إذ أراجع الكتاب على الورق مع إضافات ثم في الحاسبة ، من غير عون إلا من عند الله عز وجل ، وكذا بالنسبة لكتبي الفقهية والأصولية والكلامية ، كما أواصل القاء البحث الخارج على فضلاء الحوزة العلمية والذي شرعت فيه منذ أكثر من عشرين سنة .
وجاءت هذه الأيام نعمة أخرى وهي تسجيل محاضرات على اليوتيوب لعموم الفائدة وبيان مصاديق لقانون(لم يغز النبي محمد(ص) أحداً) وفيه الأجر والثواب ، قال تعالى [قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ]( ).
وكانت معجزات الأنبياء حسية ومعجزة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عقلية وهو القرآن , فهل مجمل آيات القرآن هو المعجزة أم أن كل سورة معجزة مستقلة أم أن كل آية قرآنية هي معجزة بذاتها المختار هو الأخير .
ونضيف له أن الجمع بين كل آيتين أو اكثر هو معجزة مستقرأة من مضامين هذا الجمع .
لبيان ان معجزات القرآن من اللامتناهي .
الحمد لله بأن كل آية من القرآن تدعو إلى الإيمان وإلى الصلاح والإصلاح قال تعالى [يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ] ( ).

حرر في 30 جمادى الأولى 1440
6/2/2019

قانون نداء الإيمان أمن من الغزو
ترى هل تدل آيات نداء الإيمان على قانون (لم يغز النبي ص أحداً) أم أن شطراً منها يدل على هذا المعنى وليس كلها ، الجواب هو الأول ، فان قيل جاءت بعض هذه الآيات بالحث على الإنفاق والمرابطة ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمْ الظَّالِمُونَ]( )، قلنا لا يدل هذا الإنفاق على طلب الغزو والقتال ، إنما يدل على تحقق الثواب والفوز بالأجر يوم القيامة بالإنفاق في طاعة الله ، وإعانة الفقراء ، وبر الوالدين ، وإخراج الحقوق الشرعية ، ويدل عليه قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ]( ).
لبيان أن المراد من الإنفاق إعانة المحتاجين والصدقة الواجبة والمستحبة، وقال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ]( ) لبيان أن الإستعانة بكل من الصبر والصلاة دعوة لإجتناب القتال ، وبعث للنفرة من الغزو ، وتقدير الآية على وجوه :
أولاً : يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر عن القتال .
ثانياً : يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر في الدفاع .
ثالثاً : يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر على الأذى الذي يأتي من المشركين .
رابعاً : يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصلاة وأداء الفرائض على عدوكم.
خامساً : يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة ، في رجاء وقرب الفرج وانكشاف الغم .
سادساً : يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة فان الله عز وجل يمدكم وينصركم وهو من مصاديق طاعة الله [إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ]( ).
وقد يرد ذكر الذين آمنوا من غير نداء , قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا] ( )وابتدأت الآية بالحرف المشبه بالفعل (ان) مما يدل على وجود اسم وخبر لها ، ومن الإعجاز تعدد اسمها في الآية بصيغة العطف المتكرر إذ ذكرت كلاً من :
الأول : الذين آمنوا .
الثاني : الذين هاجروا .
الثالث : الذين جاهدوا .
ويحتمل العطف وجوهاً :
الأول : عطف صفات ، وأن الذوات متحدة ، ولكن الصفات متعددة فالمراد من الآية الذين آمنوا وهم أنفسهم المهاجرون والمجاهدون في سبيل الله.
الثاني : إرادة تعدد الذوات وان الذين هاجروا ، غير الذين آمنوا ، والذين جاهدوا غير الذين هاجروا أو أنهم أخص منهم.
الثالث : إتحاد الذين آمنوا والذين هاجروا , أما الذين جاهدوا فيشمل المهاجرين والأنصار .
ويتجلى التعدد في ذكر الاسم الموصول (الذين) مرتين في الآية إذ عطفت الذين هاجروا على الذين آمنوا ، فلم تقل الآية : إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا ، ولم تقل : إن الذين آمنوا والذين هاجروا والذين جاهدوا ، مما يدل على أن الذين آمنوا أعم وأوسع ومن الدلائل عليه انقطاع الهجرة بفتح مكة بينما يبقى الإيمان متجدداً الى يوم القيامة .
فمن إعجاز الآية تكرار (الذين) في الآية وصيرورة هذا التكرار باباً وسبيلاً للتفسير ، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : لا هجرة بعد الفتح إنّما هي الشهادة( ).
وقال الإمام علي عليه السلام : لأصحابه: فيم أنتم، قالوا: نَرْجُو ونَخاف، قال: مَن رجا شيئاً طَلَبَه، ومن خافَ شيئاً هَرَب منه.
وقال الشاعر:
تَرْجُو النَّجَاةَ وَلم تَسْلُك مَسَالكها .. إنّ السَّفِينَةَ لا تَجْرِي عَلَى اليَبس
وقال آخر:
اعمل وأنتَ من الدُنيا على حَذَر .. وآعلم بأنكَ بعد المَوْت مَبْعُوثُ
واعلم بأنك ما قَدَمْت من عَمَل..يُحْصىَ عَليك وما خَلَّفْتَ مَوْرُوث( ).
والجهاد مصدر جاهد جهاداً ، وهو بذل الطاقة والوسع ، والمبالغة في العمل والجهَد بفتح الجيم ، المشقة ، والجهد بالضم ، الوسع .
ومن الجهاد ما يكون من غير قتال ، مثل جهاد النفس ، وجهاد المنافقين ، ومراتب من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والجهاد بالقلب واللسان ، وهل الدعوة في قوله تعالى [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ]( ). من الجهاد الجواب نعم.
وقال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ] ( ) لتتضمن هذه الآية مع قلة كلماتها أحكاماً:
الأول : النداء المخصوص للذين آمنوا بالله ورسوله .
الثاني : النهي .
الثالث : الأمر المتعقب للنهي في ذات الموضوع .
الرابع : الخبر العام فيما يخص الذين كفروا .
كما يمكن ذكر مضامين الآية بتقسيم آخر من جهة أفراد الزمان:
الأول : الأمر السابق لنزول الآية وهو الإيمان .
الثاني : الفعل الحال في الأمر والنهي والمتصلين والمتلازمين إلى يوم القيامة لقانون إتحاد التكاليف وان تباين الزمان .
الثالث : الإخبار عن حال الكافرين يوم القيامة ، ودلالته على تأكيد عالم الحساب (عن عطاء في قوله [لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا]( )، قال : كانت لغة في الأنصار في الجاهلية ونهاهم الله أن يقولوها ، وقال {قولوا انظرنا واسمعوا}( )( ).
لبيان مجئ القرآن بالآداب الحميدة والسنن الكريمة في لغة الخطاب مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكما ورد في التنزيل [لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا] ( ) .
وهل تعني هذه الآيات حصر التهذيب بخصوص خطاب المسلمين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، الجواب لا ، إنما هي مدرسة الأدب والتربية في المحادثة والجدال والإحتجاج على نحو العموم .
إذ تشمل لغة التخاطب والحديث بين المسلمين أنفسهم وبين المسلمين وأهل الكتاب والناس جميعاً ، وهو من مصاديق قوله تعالى [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ]( ).
ومن معاني قوله تعالى [وَقُولُوا انظُرْنَا] ( ) وجوه :
الأول : أمهلنا .
الثاني : أفهمنا وبيّن لنا .
الثالث : أقبل علينا وأنظر إلينا( ) .
الرابع : لا تقولوا للنبي ما لا يتناسب ومقام النبوة والرسالة .
وتفسر آيات القرآن بعضها بعضاً ، إذ ورد ما يدل على ذات معنى آية البحث بقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ]( )، وقوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ]( )، وقوله تعالى [لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ]( ) فلابد من مخاطبته باكرام وتبجيل يناسب مقام النبوة ، ويكون شاهداً على الإيمان ، ومقدمة لتلقي الأوامر والنواهي منه بالقبول.
وعن ابن عباس في الآية أعلاه قال : كانوا يقولون : يا محمد . يا أبا القاسم . فنهاهم الله عن ذلك اعظاماً لنبيه صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا نبي الله يا رسول الله( ).
وذكر معنى آخر في الآية أعلاه (عن ابن عباس في قوله تعالى [لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ]( ) يقول : دعوة الرسول عليكم موجبة ، فاحذروها( ).
ومن معاني قوله تعالى [وَقُولُوا انظُرْنَا]( )، الدعوة الى الصبر عن الجهاد والقتال ، وفيه منع للمسلمين من الطلب الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لقتال الذين كفروا أو الهجوم عليهم ، وهذا الصبر والإنتظار وقول (انظرنا) ليس مطلوباً لذاته وحده إنما هو مقدمة للتفقه في الدين ، والتطلع بشوق إلى نزول آيات القرآن ، والتدبر في معانيها ومضامينها القدسية ، والتعاون لحفظ القرآن ، ورجاء التخفيف .
وتقدير الآية بلحاظ القانون محل البحث وهو : نداء الإيمان أمن من الغزو على وجوه :
الأول : وقولوا انظرنا عن الغزو .
الثاني : وقولوا اسأل الله عز وجل أن يمهلنا عن القتال .
الثالث : وقولوا انظرنا حتى تنزل آيات القرآن .
الرابع : وقولوا انظرنا حتى نتفقه في الدين.
قانون نداء الإيمان دعوة للصبر
لقد أكرم الله عز وجل الذين آمنوا ، إذ يتكرر نداء الإيمان [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] تسعاً وثمانين مرة في القرآن ويمكن أن نسمي الآيات التي ورد فيها آيات (نداء الإيمان) وفيه مسائل :
الأولى : الدراسة والتحقيق في هذه الآيات .
الثانية : تقسيم آيات (نداء الإيمان) تقسيماً استقرائياً بحسب اللحاظ والموضوع والحكم .
الثالثة : وجوه الإلتقاء والإفتراق بين آيات النداء هذه.
الرابعة : الأوامر والنواهي التي تتضمنها آيات نداء الإيمان .
الخامسة : المقارنة بين آيات نداء الإيمان وآيات النداء العام للناس كما في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ]( )، والتي وردت عشرين مرة في القرآن ، وهل يشمل النداء فيها الذين آمنوا أيضاً .
الجواب نعم ، إذ أن النسبة بين الناس والذين آمنوا هي العموم والخصوص المطلق ، وكل من آمن بالله والنبوة هو من الناس وليس العكس.
السادسة : النسبة بين الذين آمنوا وبين المؤمنين ، قال تعالى [وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا]( )، وتحتمل النسبة بينهما وجوهاً :
الأول : التساوي .
الثاني : هما مما إذا اجتمعا افترقا ، وإذا افترقا اجتمعا.
الثالث : العموم والخصوص المطلق ، وهو على شعبتين :
الأولى : الذين آمنوا أعم وأكثر من المؤمنين .
الثانية : المؤمنون أكثر من الذين آمنوا .
الرابع : نسبة العموم والخصوص من وجه ، فهناك مادة للإلتقاء بين الذين آمنوا والمؤمنين ، وأخرى للإفتراق بينهما.
الأصل هو الشعبة الأولى من الوجه الثالث أعلاه ، وقد تكون النسبة بينهما هو الأول أو الثاني بحسب اللحاظ والموضوع.
ولقد صدرت عدة أجزاء من هذا السِفر بخصوص نداء الإيمان( )، ليكون نزوله ولغة الخطاب فيه تنمية لملكة الصبر عند المسلمين ، وإصلاحاً لهم للتفقه في الدين وحمل مسؤوليات الإيمان في الأرض ، قال تعالى [وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ]( ).
ويتجلى موضوع الصبر في آيات نداء الإيمان من وجوه :
الأول : مجئ الآية بالأمر بالصبر ، كما في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ]( ).
الثاني : آيات نداء الإيمان التي تتضمن ترغيب الآية بالصبر وبيان منافعه [ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ]( ).
الثالث : آيات نداء الإيمان التي تدعو المسلمين الى الشكر لله على نعمة الصبر وما يترشح عنها من الخير والنفع المتصل ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ]( ).
لقد جعل الله القرآن مدرسة الصبر ، وكل آية منه تدعو إلى الصبر والحلم ، وتبين منافع الصبر ، ومن إعجاز الآية القرآنية أن العامل بمضامينها يدرك النفع الخاص والعام المترشح عن العمل بأحكام الآية القرآنية ، ترى ما هي النسبة بين الصبر والإيمان ، الجواب على وجوه :
الأول : ذات الإيمان هو الصبر .
الثاني : نسبة العموم والخصوص المطلق ، وهو على شعبتين :
الأولى : الصبر أعم من الإيمان .
الثانية : الإيمان أعم من الصبر .
الثالث : نسبة العموم والخصوص من وجه ، فهناك مادة للإلتقاء وأخرى للإفتراق .
الرابع : التباين بين الإيمان والصبر .
والصحيح هو الشعبة الثانية من الوجه الثاني أعلاه ، بالنسبة للمؤمنين , فالصبر جزء من الإيمان ، وهو مظهر من مظاهر الإعتقاد الإيماني إذ يترشح عن الإيمان الصبر في القول والفعل .
فلابد أن يتجلى الإيمان في الخارج بأداء الفرائض والعبادات والتنزه عن المعاصي .
وعن الإمام علي عليه السلام قال : الصبر من الإِيمان بمنزلة الرأس من الجسد ، إذا قطع الرأس نتن باقي الجسد ، ولا إيمان لمن لا صبر له( ).
مما يدل على أن الصبر فرع الإيمان ، ولا يتقوم الإيمان إلا بالصبر ، والصبر طريق لتثبيت الإيمان في النفوس ، ودعوة للناس للهداية والإيمان ، وهو برزخ دون مقدمات القتال ، وأسباب الهجوم ، وهو مانع من الغزو .
و(عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا أنس الإيمان نصفان نصف شكر ، ونصف صبر)( ).
ومن خصائص السنة النبوية الدفاعية أنها مدرسة في الصبر ، إذ امتنع النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن القيام بغزو المشركين في قراهم وبلدانهم نعم قد تصله أخبار بعزم قوم على الإغارة على المدينة فيخرج إليهم ، حتى إذا ما تفرقوا تركهم وشأنهم ، وقد رزقه الله آية نبوية وهي خشية عدوه منه قبل أن يصل اليهم.
وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : أعطيت خمساً لم يعطهن نبي قبلي ، بعثت إلى الناس كافة الأحمر والأسود ، وإنما كان النبي يبعث إلى قومه ، ونصرت بالرعب يرعب مني عدوّي على مسيرة شهر ، وأطعمت المغنم ، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ، وأعطيت الشفاعة ، فادخرتها لأمتي إلى يوم القيامة ، وهي إن شاء الله نائلة من لا يشرك بالله شيئاً( ).
وفي الحديث أعلاه بخصوص قانون الصبر مسائل وهي :
الأولى : إنفراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمعجزات خاصة من بين الأنبياء تدعو المسلمين للشكر لله عز وجل .
الثانية : مجئ الحديث بالبيان والذكر للآيات الخمسة التي اختص بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالثة : ترغيب الناس بالإسلام ، وأن رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم دعوة للناس جميعاً ، وذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الناس بالصفة واللون الأحمر والأسود ، لإرادة العموم وبيان التساوي بين الناس وان اختلف لون البشرة .
ومن الإعجاز في الحديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكر أسود البشرة على نحو الخصوص ، لبيان موضوعية التساوي والتكافؤ في الإسلام ، ولزوم اجتناب المسلمين التفرقة بسبب اللون ، قال تعالى [إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ] ( ).
وقد كان اسلام بلال وإكرام النبي صلى الله عليه وآله وسلم له من مصاديق حرب النبوة على العنصرية ، وتنزه المؤمنين منها ، وهذا التنزه من أسباب نصر المسلمين في معارك الإسلام الأولى مع قلة عددهم ، وكان بلال مؤذن رسول الله ، وفي يوم فتح مكة ويأتمنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويوصيه بالعناية ببعض الوفود .
فلما جاء وفد تُجيب وهم من السكون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في السنة العاشرة للهجرة وقيل في السنة التاسعة أمر بلالاً أن يكرمهم, وكانوا ثلاثة عشر رجلاً .
وتُجيب – بضم التاء – قبيلة من كندة ، وتجيب جدتهم فنسبوا إليها ، ووفد تجيب من أوائل الوفود التي قدمت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد فتح مكة ودخول قريش الإسلام ، وانقطاع مظاهر الشرك فيها .
وأختلف في عدد الوفود التي قدمت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أقوال :
الأول : مائة وفد .
الثاني : فوق سبعين وفداً .
الثالث : فوق الثلاثين وفداً.
وسبب هذا الإختلاف الضابطة التي تعتمد في تسمية الوفد فبعضهم لا يسمي العدد القليل من الرجال وفداً ، أو أنه لا يذكر المتعدد من الوفود من القبيلة الواحدة مع إختلاف البطون التي تنتمي لها هذه الوفود ، أو لإجتماع أكثر من وفد في أوان قدومهم إلى المدينة .
وكان مع وفد تجيب صدقات أموالهم من الزكاة الواجبة فيها،وأكرمهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنزلهم منزلاً كريماً .
وقالوا : يا رسول الله سقنا إليك حق الله في أموالنا فأجابهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ردوها فاقسموها على فقرائكم( ).
ومما يدل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يطمع بالغنائم أو الزكوات إنما هي ترد إلى الفقراء ، وهو أمر جلي لكل من تدبر في سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن الشواهد على صدق نبوته.
فاجابوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يا رسول الله ما قدمنا عليك إلا بما فضل عن فقرائنا .
فقال أبو بكر : يا رسول الله ما وفد علينا وفد من العرب مثل ما وفد به هذا الحي من تجيب.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن الهدى بيد الله عز وجل فمن أراد به خيرا شرح صدره للايمان( ).
ولعله لأن الوفود لا تأتي بالصدقات معها في الغالب ، ثم سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أشياء فكتب لهم بها ، أي أمضاها وأذن بدفعها لهم ، وجعلوا يسألونه عن القرآن والسنن .
لبيان قانون وهو أن الوفود التي تأتي للمدينة يأتون للتفقه في الدين ، وأن سؤالهم عن القرآن وآياته ، ومضامينه القدسية له الأولوية عندهم ، لبيان قانون وهو لم يغادر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحياة الدنيا إلا وقد صارت عناية المسلمين في أرجاء الجزيرة بالقرآن كبيرة.
وهل هو من مصاديق قوله تعالى [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون]( ), الجواب نعم .
وصار النبي صلى الله عليه وآله وسلم يجيبهم على أسئلتهم في القرآن والسنن وأظهر الميل لهم ، والعناية بهم لتكون بياناً لأصحابه والوفود بأن السؤال عن القرآن سبب لحسن المنزلة ، وفيه شاهد على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنه لا يخشى من كثرة الأسئلة عن القرآن والسنن ، إنما يريد أن يسأله الناس ليبين الأحكام للمسلمين والناس جميعاً ليكون هذا البيان من معاني [يَسْأَلُونَكَ].
(وأمر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بلالاً أن يحسن ضيافتهم فأقاموا أياماً) ( ) مما يدل على قرب بلال من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتوليه مسؤولية العناية بالوفود ومتابعة شؤونهم ، وأن عنده فريقاً من العمال والخدم يقومون بالأمر ، فمن صفات النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه يكرم وفادة الوفود ، ويأمر أصحابه بإكرامهم ومساعدتهم في التفقه في الدين .
ولم يبق هذا الوفد مدة طويلة في المدينة إنما عجلوا في الرجوع إلى قومهم فقيل لهم ، ما يعجلكم فأجابوا عن غبطتهم وسعادتهم برؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم وشوقهم ورغبتهم باخبار قومهم بهذا النعمة ، وذكر الأسئلة التي سألوا بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإجابته لهم بما يدل على صدق نبوته .
وعندما أراد وفد تجيب مغادرة المدينة جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يودعونه فأمر بلالاً ، فأجازهم بأرفع ما كان يجيز الوفود ،وقال لهم (هل بقي منكم أحد؟
قالوا : نعم ، غلام خلفناه على رحالنا هو أحدثنا سناً.
قال : فارسلوه إلينا ) ( ).
مما يدل على عناية ورعاية النبي صلى الله عليه وآله وسلم للصبيان ، وحرصه على تنمية الإيمان عندهم , وأن يشبوا على الهدى والتقوى .
فلما رجعوا إلى رحالهم ، قالوا للغلام : انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاسأله حاجتك ، فأقبل الغلام حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , فقال : يا رسول الله أني أمرؤ من بني أبذى ، وأبذى من عدي بن أشرس بن شبيب السكون ، وتجيب بنت توبان هي أم عدي .
وقال اني من الرهط الذين أتوك آنفا ، فقضيت حوائجهم فاقض حاجتي يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، قال النبي : وما حاجتك ؟.
قال : ليس حاجتي كحاجة أصحابي وان قدموا راغبين في الإسلام ، إنما أريد أن تسأل الله عز وجل أن يغفر لي ويرحمني وأن يجعل غناي في قلبي ، حينئذ أقبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الغلام ورفع يديه , وقال : اللهم أغفر له وارحمه واجعل غناه في قلبه( ) .
وبعد أن دعا له النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر له بمثل ما أمر لأعضاء الوفد الآخرين لبيان أن إختياره دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يمنع عنه رزقه وسهمه وعطيته من هدية النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
وتجلت بركات دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم له ببقائه على الإيمان أيام الردة وقيامه بدعوة قومه للثبات على الإسلام ، والتنزه عن الإرتداد .
ومن الآيات أنه حينما حضر وفد تجيب إلى موسم الحج سنة عشر وهي السنة التي حج فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حجة الوداع ، وحضروا عنده ، وعرّفوه بأنفسهم قال (مَا فَعَلَ الْغُلَامُ الّذِي أَتَانِي مَعَكُمْ ؟ .
قَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ مَا رَأَيْنَا مِثْلَهُ قَطّ وَلَا حُدّثْنَا بِأَقْنَعَ مِنْهُ بِمَا رَزَقَهُ اللّهُ لَوْ أَنّ النّاسَ اقْتَسَمُوا الدّنْيَا مَا نَظَرَ نَحْوَهَا وَلَا الْتَفَتَ إلَيْهَا فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ الْحَمْدُ لِلّهِ إنّي لَأَرْجُو أَنْ يَمُوتَ جَمِيعًا فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَوَ لَيْسَ يَمُوتُ الرّجُلُ جَمِيعًا يَا رَسُولَ اللّهِ ؟
فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ تَشَعّبُ أَهْوَاؤُهُ وَهُمُومُهُ فِي أَوْدِيَةِ الدّنْيَا فَلَعَلّ أَجَلَهُ أَنْ يُدْرِكَهُ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْأَوْدِيَةِ فَلَا يُبَالِي اللّهُ عَزّ وَجَلّ فِي أَيّهَا هَلَكَ قَالُوا : فَعَاشَ ذَلِكَ الْغُلَامُ فِينَا عَلَى أَفْضَلِ حَالٍ وَأَزْهَدِهِ فِي الدّنْيَا وَأَقْنَعِهِ بِمَا رُزِقَ فَلَمّا تُوُفّيَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ , وَرَجَعَ مَنْ رَجَعَ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ عَنْ الْإِسْلَامِ قَامَ فِي قَوْمِهِ فَذَكّرَهُمْ اللّهَ وَالْإِسْلَامَ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْهُمْ أَحَدٌ) ( ).
وفي الحديث آية في استجابة الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في دعائه للغلام ، والإنتفاع العام من هذا الدعاء وان جاء على نحو القضية الشخصية ، ومع أن هذا الغلام بلغ وصار له شأن في قومه إذ قام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وتصدى لرد الدعوة للضلالة والإرتداد فانه لم يرد ويوثق اسمه ، ولم يعرف بالاسم .
لقد قال النبي بخصوص الغلام (أني لارجو أن يموت جميعاً ) ( ) أي لا يفارقه الإيمان طرفة عين ، ولا تستحوذ عليه النفس الشهوية ولا يتبع الهوى ، ولا يغادر الدنيا إلا برداء الإيمان وزينة التقوى والخشية من الله ، قال تعالى [وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ] ( ).
ومن المسائل المستنبطة من هذا الحديث رجاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمسلمين الصلاح والثبات على الإيمان , والعناية بالصبيان في دينهم وأنفسهم وإكرامهم ليكون هذا الإكرام وسيلة لنماء العز عندهم .
وعدد آيات نداء الإيمان تسع وثمانون آية ، ويمكن انشاء قانون من جهات :
الأولى : قانون آيات نداء الإيمان دعوة للصبر ، ويدل عليه قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ).
الثانية : قانون آيات الإيمان زيادة في الإيمان ، فمن إعجاز هذه الآيات أنها تخاطب المؤمنين والمنافقين وكل من آمن ظاهراً برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليزداد المؤمنون إيماناً ويتنزه المنافقون من النفاق ، ويتوب الضلال ، وهو من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
الثالثة : قانون نفاذ آيات نداء الإيمان إلى القلوب .
الرابعة : قانون آيات نداء الإيمان حرز من الفسوق والضلالة.
الخامسة : قانون آيات نداء الإيمان دعوة للصلاح.
السادسة : قانون نداء الإيمان من مصاديق قوله تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة]( ).
السابعة : قانون نداء الإيمان شهادة من عند الله عز وجل بايمان المسلمين والمسلمات .
الثامنة : قانون نداء الإيمان من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ).
التاسعة : قانون آيات نداء الإيمان دعوة للناس للهداية والإيمان.
العاشرة : قانون آيات النداء باعث لحب الناس للهدى والإيمان ، قال تعالى [حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ]( )، فان قلت ذكرت الآية أعلاه تحبيب الإيمان في قلوب المسلمين ، والجواب إن إثبات شئ لشئ لا يدل على نفيه عن غيره , فقد جعل الله النفوس تميل إلى الهدى ومفاهيمه .
قانون الوقاية من القتال
لقد نصب الله عز وجل الإنسان [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، لتسود شآبيب الرحمة والمودة الصلات بين الناس ، ويرأف بعضهم ببعض ، وجاءت الكتب السماوية بتنمية هذه الرأفة وبمصاديق يتجلى فيها بديع صنع الله ، بميل الإنسان بفطرته إلى هذه الرأفة منها :
الأول : بر الوالدين وحسنه الذاتي عند كل الملل والنحل.
الثاني : عطف الكبير على الصغير .
الثالث : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
الرابع : الصلح والإصلاح بين الناس .
الخامس : فطرة الناس في التعاون والتعاضد , وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء( ).
السادس : لزوم الإيمان ونبذ الكفر.
السابع : كراهية القتال ، ونفرة النفوس من سفك الدماء .
الثامن : الثناء العام على الذي يعفو عمن أساء له .
التاسع : التطلع إلى الفوز برحمة الله في الدنيا والآخرة ، وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : لاَ تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إلاَّ مِنْ قَلْبٍ شَقِيٍّ ، وخَرَّجَ عن جرير بن عبد اللَّه قال : قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : مَنْ لاَ يَرْحَمِ النَّاسَ ، لاَ يَرْحَمْهُ اللَّهُ( ).
لقد حدثت معارك وحروب بين أهل الأرض مع التعدد في كل من :
الأول : الأسباب .
الثاني : المقدمات .
الثالث : المقاصد من هذه الحروب .
الرابع : زمان ومكان هو المعارك .
الخامس : مدة المعارك .
السادس : رؤساء أطراف القتال .
السابع : كثرة القتلى والجرحى .
الثامن : حصول النصر لأحد الطرفين أو عدمه .
التاسع : النتائج من المعارك .
العاشر : الأسلحة التي استعملت في المعارك .
الحادي عشر : الأضرار العامة الناتجة عن المعارك قبل وأثناء وبعد أيام القتال .
الثاني عشر : ميل الناس إلى وقف القتال .
الثالث عشر : دعوات الصلح ، والمساعي فيه ، ومنافعها .
الرابع عشر : سعي المصلحين بمنع القتال .
الخامس عشر : تقديم بعض الملوك والرؤساء التنازلات .
وهل هناك معارك صرفها الله ، ومنع من حدوثها , الجواب نعم ، وهو من مصاديق قوله تعالى [يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ] ( ).
وهل المعارك التي منع الله من حدوثها بين الناس أكثر أم المعارك التي وقعت فعلاً هي الأكثر ، الجواب هو الأول ، وهو من أسرار جعل الله عز وجل الإنسان [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( ).
إذ يتفضل الله برحمة الناس ويدفع أسباب ومقدمات القتال عنهم ، وحتى لو نشب القتال فان الندامة تتغشى القائمين عليه ، سواء تجاهروا بها أو أخفوها وسط ضجيج وجعجعة السلاح وصاحب هذا الندم أول حادثة قتل في الأرض ، إذ أظهر قابيل الندم الشديد على قتل أخيه هابيل ، وصار يحمله على ظهره , ويطوف به لا يعلم ما يفعل بخصوصه.
كما ورد في التنزيل [فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنْ الْخَاسِرِينَ * فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنْ النَّادِمِينَ]( ).
ليكون من الإعجاز في مسألة الندامة في المقام وقف سفك الدماء ، والكف عن القتال ، وإتعاظ الناس باجتناب القتال .
وعن عبد الله بن مسعود قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : الندم توبة( ).
والندم كيفية نفسانية ، وقد تكون على نحو القضية الشخصية أو النوعية العامة ، لذا لم تقل الآية أعلاه (فاصبح نادماً) إنما ذكرته بالإنتماء الى جماعة النادمين أمس واليوم وغداً ليكون هذا الندم واقية من تجدد القتال وهدر الأموال وزهوق الأرواح فيه .
وتتجلى معاني التوبة بالندم لأن موضوعه الخوف من الله ، والحسرة على تعدي حدود الشريعة ، وعن محمد بن أبي معشر أخبرني أبي ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن عمر قال :
بينا نحن قعود مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم على جبل من جبال تهامة إذ أقبل شيخ بيده عصا فسلم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فرد عليه السلام ، ثم قال : نغمة جن وغمغمتهم ، من أنت .
قال : أنا هامة بن هيم بن لاقيس بن إبليس .
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : فما بينك وبين إبليس إلا أبوان ، فكم أتى عليك من الدهور ، قال : أفنيت الدنيا عمرها إلا قليلا ، ليالي قتل قابيل هابيل كنت غلاما ابن أعوام أفهم الكلام وأمر بالآكام ، وآمر بفساد الطعام ، وقطيعة الأرحام .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : بئس عمل الشيخ المتوسم والشاب المتلوم .
قال : ذرني من الترداد ، إني تائب إلى الله عز وجل ، إني كنت مع نوح في مسجده مع من آمن به من قومه ، فلم أزل أعاتبه على دعوته على قومه حتى بكى وأبكاني .
وقال : لا جرم أني على ذلك من النادمين و[أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ] ( ).
قال : قلت : يا نوح إني ممن اشترك في دم السعيد الشهيد هابيل بن آدم ، فهل تجد لي عند ربك توبة ، قال : يا هام هم بالخير وافعله قبل الحسرة والندامة ، إني قرأت فيما أنزل الله عز وجل أنه ليس من عبد تاب إلى الله عز وجل بالغ أمره ما بلغ إلا تاب الله عليه ، قم فتوضأ واسجد لله سجدتين .
قال : ففعلت من ساعتي ما أمرني به فناداني : ارفع رأسك فقد نزلت توبتك من السماء ، قال : فخررت لله ساجدا جزلا .
وكنت مع هود في مسجده مع من آمن من قومه ، فلم أزل أعاتبه على دعوته على قومه حتى بكى عليهم وأبكاني .
فقال : لا جرم ، إني على ذلك من النادمين ، وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين .
وكنت مع صالح في مسجده مع من آمن به من قومه ، فلم أزل أعاتبه على دعوته على قومه حتى بكى عليهم وأبكاني ، فقال : أنا على ذلك من النادمين ، وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين .
وكنت زوّار يعقوب( ) . وكنت مع يوسف بالمكان الأمين ، وكنت ألقى إلياس في الأودية وأنا ألقاه الآن ، وإني لقيت موسى بن عمران فعلمني من التوراة .
وقال : إن لقيت عيسى يعني ابن مريم فأقرئه عن موسى السلام .
وإن عيسى قال : إن لقيت محمدا صلى الله عليه وآله وسلم فأقرئه مني السلام ، قال : فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عينيه فبكى ، ثم قال : وعلى عيسى السلام ما دامت الدنيا ، وعليك السلام يا هام بأدائك الأمانة .
قال : يا رسول الله افعل بي ما فعل موسى : إنه علمني من التوراة ، فعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا وقعت الواقعةٌ و المرسلاتٌ و عم يتساءلون , و إذا الشمس كورت , و المعوذتين , و قل هو الله أحد.
وقال : ارفع إلينا حاجتك يا هامة ، ولا تدع زيارتنا ، قال : فقال عمر : فقبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم ينعه إلينا ، فلسنا ندري أحي أم ميت ، قلت : أبو معشر المدني قد روى عنه الكبار إلا أن أهل العلم بالحديث يضعفونه ، وقد روي هذا الحديث من وجه آخر أقوى منه ، والله أعلم ( ).
لقد جاء القرآن بالزجر عن القتل وسفك الدماء ، قال تعالى [مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا]( )، لبيان الضرر الفادح في قتل الشخص الواحد .
لتدعو الآية المسلمين والناس جميعاً للإمتناع عن الحروب التي يقع فيها القتل المتعدد ، ومع التطور التقني في الأسلحة البرية والبحرية والجوبة ، في هذا الزمان وما يسمى باسلحة الدمار الشامل لابد من التعاون بين الدول والشعوب لوقف النزاعات والمنع من تصعيد الخلافات ، ولغة التخويف والوعيد .
وجاء القرآن بالتحذير من مقدمات القتال ، فقال تعالى [وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ]( )، لأنه سبب لإشاعة الباطل ، وطريق للقتل المتعدد ، وقد قابل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أذى وفتنة قريش له ولأصحابه بالصبر ، وإختبار الهجرة وإعتزال المشركين ، ولكنهم جهزوا الجيوش لمحاربته وقتاله ، فانعم الله عز وجل على المسلمين بالنصر والغلبة لقطع دابر الذين كفروا ، ومنعهم من الغزو وتجديد الغارات والسبي والأسر والإرهاب والقتل العشوائي ، قال تعالى [وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا]( ).
وجاء القرآن بالتحذير من الفتنة ومقدمات القتال ، والتحريض عليه , قال تعالى [وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ]( )، وقال تعالى [وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْلِ]( )، لبيان أن مقدمات القال واشعال فتيلةً أشد كيفاً ، وأكبر كماً من القتال نفسه ، وذات القتال فتنة لكل من :
الأول : أطراف القتال .
الثاني : الذين من خلف المتحاربين .
الثالث : الأجيال اللاحقة .
لذا قال تعالى في ابن آدم [فَأَصْبَحَ مِنْ النَّادِمِينَ]( )، لتحذير الناس من القتل لأن عاقبته الندامة في الدنيا والعقاب في الآخرة ، وهل يمكن القول بقانون وهو كل آية من القرآن واقية من القتال.
الجواب نعم سواء في منطوق أو مفهوم أو دلالة الآية القرآنية , فالقرآن كتاب السلام ، والوثيقة السماوية التي نزلت به.
قانون حرمة إستحواذ قريش على أموال المهاجرين
لقد أدرك المسلمون الأوائل أن مكة لم تعد وطناً لهم ، ومقراً لدينهم ، ووعاءً مكانياً آمناً لحفظ أنفسهم ، إذ صاروا بين أمور :
الأول : تهديد قريش .
الثاني : تعذيب قريش لطائفة من المسلمين ، فصاروا مستضعفين في مكة وقد ورد لفظ (المستضعفين) بصيغة النصب أربع مرات في القرآن ، ولم يرد بصيغة الرفع ، قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً]( ) .
الثالث : عدم تمييز المشركين في التعذيب بين الرجال والنساء ، ومن النساء اللائي شملهن التعذيب سمية بنت خياط أم عمار بن ياسر .
الرابع : تضييق قريش على المسلمين لحملهم على ترك إتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهل من هذا التضييق ما يتعلق بالمكاسب والمعاملة ، الجواب نعم .
الخامس : المناجاة بين رجال قريش في إيذاء المسلمين والمسلمات بالقول والفعل .
فترفع الصحابة عن الدنيا ومباهجها ، وأبوا الذلة والمهانة واختاروا سلامة الدين والنجاة بالعقيدة بالهجرة ، ومغادرة مكة ، ولم يكن هذا الخيار سهلاً ، إذ كانت قريش تضع العيون والحراس ليلاً ونهاراً على المسلمين خشية مغادرتهم مكة .
فقد خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مكة ، ولم يأخذ معه أموالاً ، ولم يبع بعض عقاراته ، وعندما تم فتح مكة وطاف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالبيت وألقى خطبة مباركة ، قال له أسامة بن زيد (تنزل في دارك بمكة.
قال : وهل ترك لنا عقيل من دارا ودور) ( ).
وفي رواية (وهل ترك لنا عقيل من رباع) .
جمع رَبع بفتح الراء وهو المنزل الذي يشتمل على أبيات وغرف متعددة، قيل أن المذكورة في الحديث هي دار هاشم ثم صارت لابنه عبد المطلب ثم قسمها بين ولده حين عمي ، ثم صار للنبي صلى الله عليه وآله وسلم سهم أبيه من التركة .
ولكن ظاهر الحديث أن هناك داراً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ملكاً طلقاً له .
وبيوت مكة آنذاك صغيرة ولكنها ذات قيمة وشأنية لكونها بجوار البيت الحرام ومحيطة به ، إذ يقصد الناس من أنحاء الجزيرة مكة للطواف بالبيت الحرام على مدار أيام السنة ، وخاصة في موسم الحج ، ويترشح الشأن على هذه البيوت وساكنيها من عمومات تسمية مكة أم القرى ، قال تعالى [وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا] ( ) .
وكان أهل مكة يتعاطون التجارة والكسب خاصة في أيام موسم الحج ، إذ تجلب البضائع إلى مكة ، كما يقوم أهلها ببيع بضائعهم التي استوردوها من الشام وبلاد الهند وفارس .
وتتصف أسواق مكة بأنها عامرة في أيام السنة وخاصة في موسم الحج حيث الأمان للناس جميعاً في الأشهر الحرم ، وهي شهر ذي القعدة وذي الحجة ومحرم ، وشهر رجب ، إذ يقع الحج في شهر ذي الحجة فتأمن السبل ، وتعمل قريش على تعاهد الأمن والسلام للناس كي تزدهر التجارة ، ويؤدي الناس المناسك ، بفضل ولطف من عند الله ، قال تعالى[وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى]( ).
وعندما بعث الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم من بين ظهرانيهم ، ومن أشرف البيوت منهم ويعلم الجميع أنه يتصف بالأمانة والصدق والخلق الحميد حاربوه وصادروا أمواله وأموال أصحابه وبيوتهم وقطعوا عنهم أسباب الكسب والتجارة في مكة ، إذ فارقوها كرهاً ، ولم تكن تجارة تذكر في المدينة وللمهاجر إليها خاصة، وكان اليهود يديرون محلات الصياغة فيها ، وشطر من تجارة الحبوب كما لم تكن التجارة فيها ربع تجارة مكة .
وكان كثير من الأوس والخزرج يعملون في الزراعة والسقي والحرث ، والمهاجرون من قريش لا يحسنون العمل بالزراعة ومع هذا إتخذوا الصبر جلباباً .
قانون الود والرغبة بقافلة أبي سفيان
من إعجاز القرآن نزوله بالوعد وهو على أقسام :
الأول : الوعد الحاضر .
الثاني : الوعد الآجل في الدنيا ، قال تعالى [وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ] ( ).
الثالث : الوعد بالثواب في الآخرة ، قال تعالى [وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ] ( ).
وأكثر الوعد في القرآن من الوجه الثالث ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ]( ) لبيان دعوة المسلمين للتهيئ والإستعداد لعالم الجزاء ، ومن الأول أعلاه قوله تعالى [وَإِذْ يَعِدُكُمْ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ]( ).
ولم يرد لفظ [إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ] إلا في الآية أعلاه لبيان عظيم النعمة في الوعد الحال من عند الله للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، وكأن من دلالات هذا الإنفراد في اللفظ القرآني أنه باب فتحه الله عز وجل مرة واحدة ، واختص به رسوله الكريم بتقدير أن الله عز وجل لم يعد أي نبي أو وصي أو ولي بـ[إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ]إلا رسوله الكريم ، ليكون هذا الوعد مقدمة للوعد الأعظم بالنصر بحسن العاقبة في الدنيا والآخرة ، قال تعالى [قُلْ هَلْ تَتَربَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمْ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ]( ).
والمراد من الحسنيين أما النصر واستدامة العز في الحياة الدنيا أو الشهادة ولقاء الله عز وجل في ذات الوقت الذي ينتظر العذاب الأليم الذين كفروا , والشوكة والجمع الشوك ، وهو نبت في الأرض أطرافه محددة دقيقة كرأس الإبر في الحدة وفيها نوع صلابة ويقال شجرة شائكة أي كثيرة الشوك .
(عن أبي ذر قال : قال أبو القاسم صلى الله عليه وآله وسلم : كما أنه لا يجتنى من الشوك العنب كذلك لا تنال الفجار منازل الأبرار) ( ).
وعن (محمد بن إسحاق في كتاب “السيرة” أنهم وجدوا حجرا بمكة في أسِّ الكعبة مكتوب عليه: تعملون السيئات وترجون الحسنات؟ أجل كما يجتنى من الشوك العنب) ( ).
ويقال (رجل ذو شَوكة، أي حديد السِّلاح وشاكي السِّلاح وشائك السِّلاح، فأما قول العامّة: شاكُّ السِّلاح فخطأ) ( ).
ولم تذكر الآية الطائفتين بالاسم ، إنما ذكرت إحداهما وهي قافلة أبي سفيان بالوصف والدلالة بأنها غير ذات الشوكة اي ليست ذات السلاح والقوة والمنعة ، وبرغبة المسلمين بالإستحواذ عليها من غير قتال.
لقد ذكرت الآية الود عند المسلمين بأن تكون القافلة لهم ، والود كيفية نفسانية ، ويحتمل في المقام وجوهاً :
الأول : إنحصار الود بالرغبة في النفس وحديث النفس .
الثاني : المقصود تجلي الرغائب عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بالإستيلاء على القافلة بالمناجاة بينهم .
الثالث : صيرورة الإستيلاء على القافلة غاية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من حين الخروج من المدينة .
والأصل هو الأول ، وهو المتبادر من معنى الود الذي تذكره الآية ، ومن علامات الحقيقة التبادر ، وهو المعنى اللغوي للود .
ويدل الألف واللام والإضافة في [إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ] والتأكيد في قوله تعالى [أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ] ( ) على إرادة أمر مخصوص من مال أو قافلة أبي سفيان ، إذ بلغ المسلمين خروجها من الشام .
وهل من أصل ومسوغ شرعي وموضوع لهذا الود ، الجواب نعم ، إذ استحوذت قريش على أموال وعقارات الصحابة في مكة ، وحملوهم على تركها ، وصار الصحابة في ضائقة وعوز شديد .
وهل يكون هذا العوز والغاية سبباً وعلة للإستيلاء على القافلة ومصادرة ما فيها ، الجواب لا ، لعمومات قاعدة السلطنة إلا أن يرد حكم ثانوي كالمقاصة ، إذ ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : الناس مسلطون على أموالهم ) ( ).
لبعث الإستقرار في المجتمعات والأسواق وتستقرأ منه قاعدة السلطنة .
وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ) وهل ينطبق حديث السلطنة على قافلة قريش هذه أم أن حكماً ثانوياً وعرضياً يتعلق بها ، وهو إستيلاء قريش على أموال المهاجرين من مكة .
الجواب لم يقع مثل هذا الإستيلاء ، ولم يتنجز في الواقع ، إنما كان أبو سفيان رئيس القافلة بطبعه شديد الحذر والوجل .وهناك مسألتان :
الأولى : هل تعجل أبو سفيان بارسال رسول إلى مكة يستنفر قريشا لانقاذ أموالهم .
الثانية : هل كان أبو سفيان يقصد الفتنة واشعال الحرب عن عمد بارسال الرسول إلى قريش خاصة وأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لم يتعرضوا للقافلة .
أما المسألة الأولى فالجواب نعم ، وأما الثانية فلا دليل عليه خاصة وأنه حينما وصلت القافلة إلى مشارف مكة أرسل أبو سفيان رسالة إلى جيش قريش يطلب منهم العودة ز
وجاء الرسول وهو قيس بن أمرئ القيس إلى جيش قريش بالرسالة ولكنهم أبوا الرجوع كما طلب منهم أبو سفيان برد القيان فردوها من الجحفة ، وتبعد عن مكة (183) كم أي أن رسول أبي سفيان وصلهم قبلها أو عندها ، وتبعد عن بدر (170)كم مما يدل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لم يطاردوا قافلة أبي سفيان ولم يستطيعوا اللحاق بها , من جهات :
الأولى : بعد المسافة بين جيش المسلمين وقافلة أبي سفيان.
الثانية : تغيير أبي سفيان طريق القافلة بما جعلها بعيدة عن الجادة العامة والطرق القريبة من المدينة.
الثالثة : سرعة وسير القافلة ، وامتناع أبي سفيان وأصحاب القافلة عن الوقوف والمبيت في الطريق.
الرابعة : كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأًصحابه يتناوبون كل ثلاثة على ركوب بعير واحد أي أن ثلثي الجيش في كل ساعة يمشون على الأقدام ، فلا يستطيعون قطع المسافة بسرعة ، إنما كان الفارق والبعد بينهم وبين قافلة أبي سفيان في إزدياد كل ساعة.
فان قلت لقد سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه عن قافلة أبي سفيان وطريق سيرها ، والجواب لا يدل هذا السؤال على إرادة الإستيلاء على القافلة ، خاصة وأن القاطنين على طريق القافلة يتابعون سيرها من حين انطلاقها .
ويتناقل الركبان حديث القوافل خاصة كبيرة كانت أو صغيرة ، إذ أنهم يلحظون كل من يمر عليهم أو يمرون عليه أو يلتقون معه عند الماء وفي الأسواق .
فلا ملازمة بين السؤال عن القافلة وبين النية للإستيلاء عليها .
وهل يحتمل سؤال النبي صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين عن القافلة لبعث الخوف والفزع في قلوب المشركين ، الجواب نعم ، وهومن مصاديق قوله تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ]( ) .
فان قلت إنما نسبت الآية أعلاه إلقاء الرعب في قلوبهم إلى الله عز وجل ، والجواب كان سؤال النبي صلى الله عليه وآله وسلم شعبة من الوحي ، وكذا بالنسبة لتقريره لسؤال المسلمين .
لقد كانت قوافل قريش شبه متصلة ، وجعلها الله وسيلة لتآلف قريش ، ومنعتهم وعزهم ، وهو مقدمة لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , قال تعالى [لِإِيلاَفِ قُرَيْشٍ* إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ] ( ) وتتجلى العبادة بتصديقهم بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإمتناع عن التزلف إلى الأصنام ، وليكون وجود البيت الحرام في مكة ، وبشارات إبراهيم بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم حجة على عموم قريش رجالاً ونساءً ، فاستجابت طائفة منهم لدعوته للإسلام فلاقوا أشد الأذى من الرؤساء فلجأوا إلى الهجرة عن إختيار ورغبة بها ، لقد أكرهوا على ترك مكة ، وعندما غادرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليلة المبيت ، التفت إليها وودعها بكلمات هي حجة على الذين كفروا.
وقال ابن إسحاق : خَرَجَ مِنْ مَكّةَ ، وَوَقَفَ عَلَى الْحَزْوَرَةِ ، وَنَظَرَ إلَى الْبَيْتِ فَقَالَ ” وَاَللّهِ إنّك لَأَحَبّ أَرْضِ اللّهِ إلَيّ وَإِنّك لَأَحَبّ أَرْضِ اللّهِ إلَى اللّهِ وَلَوْلَا أَنّ أَهْلَك أَخْرَجُونِي مِنْك مَا خَرَجْت( ).
والحزورة ربوة صغيرة وموضع وقريب من باب الوداع وباب إبراهيم من المسجد الحرام .
وصارت في هذا الزمان ضمن توسعة المسجد الحرام ، ومنهم من ذكر هذا القول للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يوم فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة .
(قال ابن سعد ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تميم بن أسد الخزاعى فجدد أنصاب الحرم وحانت الظهر فأذن بلال فوق ظهر الكعبة وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تغز قريش بعد هذا اليوم إلى يوم القيامة يعنى على الكفر ووقف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالحزورة .
فقال إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى ولولا أني أخرجت منك ما خرجت)( ).
وكان طريق الهجرة بالنسبة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وكل المهاجرين والمهاجرات محفوفاً بالمخاطر والأضرار ، لولا فضل الله عز وجل بسلامتهم .
فمع اضطرارهم لترك أموالهم وبيوتهم ، وتحمل المشاق وهم على الحق فلا يؤاخذون على الود النفسي بامتلاك القافلة لأخذ حقوقهم وأموالهم .
ولم يكن خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى معركة بدر هو الأول من حين وصوله إلى المدينة ، إذ خرج قبله في كتائب( ) ست مرات وهي :
الأولى : خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم الى الأبواء ومعه ستون من أصحابه في شهر صفر من السنة الثانية للهجرة .
الثانية : خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى نجد يريد غطفان وتسمى ذا أمر ومعه أربعمائة وخمسون من الصحابة في شهر صفر من الثانية للهجرة , وهذا العدد من الصحابة أكثر من عددهم في معركة بدر , ولم يقع قتال فيها , مما يدل على عدم قصد النبي صلى الله عليه وآله وسلم القتال يوم بدر .
الثالثة : توجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعه مائتان من أصحابه إلى بواط.
الرابعة : توجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى بدر الأولى ومعه مائتان من أصحابه في شهر ربيع الأول من السنة الثانية للهجرة .
الخامسة : توجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى ذي العشيرة ومعه مائتان من أصحابه في شهر جمادى الأولى من السنة الثاني للهجرة.
السادسة : توجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى بحران ومعه ثلاثمائة من أصحابه في شهر جمادى الأولى ( ).
وهل كانت الحاجة وحدها سبباً لرغبة المسلمين بقافلة أبي سفيان ، الجواب لا ، إذ رزقهم الله الصبر المقرون بالتقوى والخشية من الله عز وجل ، ولكنه الحق والمقاصة لإستحواذ قريش على أموالهم .
ثم أن الود والرغبة بغير ذات الشوكة لا يتعلق بنفس أوان الود ، فقد يتمنى ويود الإنسان أمراً يحدث بالمستقبل ، كما لو كان يود إذا سافر ونال شهادة النكاح من امرأة غنية صاحبة ثروة ، أو يود أن يرزق ولداً يصير عالماً .
وعلى فرض أن المسلمين كانوا يودون الإستيلاء على قافلة أبي سفيان ، فان هذا الود لا يستلزم تجهيز الجيوش لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين في معركة بدر ، ولو كان هذا هو السبب لعرضوا قبل القتال شرطهم بعدم التعرض لقوافلهم حتى إذا أخذوا الميثاق والعهد من النبي رجعوا إلى مكة .
وهل يمتنع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن مثل هذا العهد ، ولو كان برزخاً دون القتال يوم بدر ، الجواب لا ، ولعادت قريش إلى مكة منتصرين بهذا العهد ، ولكنهم أصروا على القتال وقالوا [غَرَّ هَؤُلاَءِ دِينُهُمْ] ( ) .
وكلامهم هذا ليس بصحيح إنما غرّ قريشاً كثرة عددهم وأسلحتهم وحال الزهو والخيلاء التي هم عليها ، والحنق والسخط الذي يملأ نفوسهم بسبب حبهم للأصنام وإقامتهم على عبادتها ، فاشعلوا فتيل الحرب يوم بدر ليبدل الله الحنق والسخط الذي عندهم بأمور :
الأول : استيلاء الحزن والأسى على نفوس الذين كفروا بعد الخسارة والهزيمة التي نزلت بهم في معركة بدر .
الثاني : تغشي الحزن والكآبة مجتمع المشركين ذكورا وأناثاً ، وكأن مكة تحزن قهراً وانطباقاً على مغادرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع فقدانها للبركة المصاحبة له لقانون وفق القياس الإقتراني وهو :
الكبرى : مصاحبة البركة للأنبياء .
الصغرى : محمد نبي .
النتيجة : مصاحبة البركة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث : إمتلاء نفوس الذين كفروا بالخوف والرعب ، قال تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ] ( ) فان قلت قد أعدّ المشركون جيشاً من ثلاثة آلاف رجل لمعركة أحد وهو أمر لا يدل على الخوف ، فهل المقصود من الآية أعلاه هو ما بعد معركة أحد خاصة بلحاظ أسباب نزولها .
فقد ورد عن (ابن عباس في هذه الآية قال : قذف الله في قلب أبي سفيان الرعب فرجع إلى مكة , فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرفاً ، وقد رجع وقذف الله في قلبه الرعب) ( ).
الجواب موضوع الآية أعم وهو شامل لأيام ما قبل معركة بدر وأحد بدليل ذكرها لعلة إلقاء الرعب في قلوب الذين كفروا بقوله تعالى [بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا] ( ) .
إذ أن الباء في [بِمَا أَشْرَكُوا] للسببية وقيام الحجة على الذين كفروا ، وهل هذا الرعب يختص بحال القتال ضد النبوة ، الجواب لا ، إنما هو مصاحب للشرك والضلالة إذ تؤكد الآية قانوناً وهو ملازمة الخوف للشرك بآية من عند الله ، ولتكون هذه الملازمة على وجوه :
الأول : إنها زاجر عن الشرك .
الثاني : دعوة الناس لعدم إتباع رؤساء الكفر والضلالة .
الثالث : عجز الذين كفروا عن بلوغ الرياسة بين الناس .
الرابع : بيان الضرر النفسي والعام للشرك ، إذ أن الخوف والرعب جاثوم على الصدور ، وكابوس على النفوس ، إلا الخوف من الله عز وجل .
وفي الحديث القدسي يروي النبي صلى الله عليه وآله وسلم (عن ربه جل وعلا ، قال : وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين وأمنين ، إذا خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة ، وإذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة) ( ).
قانون اضطهاد الكفار للمرأة من أسباب معركة بدر
لقد كانت المرأة قبل البعثة النبوية تعاني في الجملة من القهر والإستضعاف سواء في الجزيرة العربية أو بلاد الروم أو فارس ، وكانت تُظلم وتُهضم كزوجة أو بنت ، ومن الشعوب من شاع عندهم القول بأنها بلا روح ، ومنهم من كان يحق له دفن امرأته حية ، ومنهم من حكم ألا تعيش المرأة بعد زوجها بل تحرق معه ، ومنهم من حكم بنجاستها أيام حيضها .
وشاع عند العرب قتل البنت عند ولادتها خشية تعرضها للسبي من قبل القبائل الغازية ، ولحوق الخزي بأهلها ، مما يدل على أن الغزو حال معروفة وظاهرة عند العرب قبل الإسلام ، وأنها تهدد وجود المجتمعات أصلاً ، فاذا إنعدمت النساء انقطع النسل ، وإذا بقيت مسألة الغزو بين القبائل ووأد البنات انتشرت وعّمت هذه الحال عند غيرهم من الأمصار ، فتفضل الله عز وجل ووأدها من أصلها بأن بعث النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رحمة مهداة إلى الناس جميعاً ، لتتغير الطبائع والعادات والسجايا ، وتكون طاعة الله هي الملاك في الحياة ، ويتبادل الناس الإكرام والإحترام ذكوراً وأناثاً ، قال تعالى [وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً]( )، ونزل القرآن بالأوامر والنواهي بخصوص إكرام المرأة ، أما الأوامر فمنها :
الأول : قوله تعالى [وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ]( )، وهو آية في المساواة في الحقوق والواجبات ، ولا يشمل الميراث .
الثاني : قوله تعالى[وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ]( ).
الثالث : قوله تعالى[أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلاَ تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاَتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى]( ).
الرابع : قوله تعالى[وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ]( ).
الخامس : قوله تعالى [فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً]( ).
السادس : قوله تعالى [وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ]( ).
السابع : قوله تعالى [وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا]( ).
الثامن : قوله تعالى [ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنفَقُوا وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ] ( )، وقد ذكر الضمير (هن) في هذه الآية عشر مرات .
التاسع : لقد خاطب القرآن المؤمنات ، كما جعل لهن نصيباً في البيعة ، فمن خصائص نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم عدم إختصار البيعة على الرجال , قال تعالى [يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لاَ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ]( ).
العاشر : قوله تعالى [فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا]( ).
الحادي عشر : قوله تعالى [وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنْ الرِّجَالِ أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ) .
وقد ورد ذكر الضمير(هن) في الآية أعلاه تسع عشرة مرة لتكون أكثر الآيات التي ذكر فيها هذا الضمير .
الثاني عشر : قوله تعالى [وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلاَ أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا]( ).
الثالث عشر : قوله تعالى [لاَ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلاَ أَبْنَائِهِنَّ وَلاَ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلاَ نِسَائِهِنَّ وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا]( ).
وأما النواهي الواردة في القرآن بخصوص المرأة فهي عديدة وتدل على لزوم إجتناب إيذائها ، ومنها :
الأول : قوله تعالى [وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ]( ).
الثاني : قوله تعالى [وَلاَ تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ]( ).
الثالث : قوله تعالى [وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ]( ).
الرابعة : قوله تعالى [وَالْقَوَاعِدُ مِنْ النِّسَاءِ اللاَّتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ]( ).
وجاءت السنة النبوية بأحاديث مستفيضة تدل على اكرام النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمرأة ، ووصيته بالنساء وفيها بيان وتفسير لآيات القرآن منها (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) ومنها (استوصوا بالنساء خيراً فانما هن عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئاً غير ذلك) ( ).
وعن المقدام بن معدي كرب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : إن الله عز وجل يوصيكم بالنساء خيرا ثلاث مرات ، فإنهن أمهاتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم إن الرجل من أهل الكتابين يتزوج امرأة فما يعلو يديها الخيط فما يرغب واحد منهما عن صاحبه حتى يموتا هرما( ).
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ إِنَّ الدُّنْيَا كُلَّهَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ ( ).
ومن الأحكام ما لا نعلم علته ولا نقف على السبب في التشريع وتسمى التعبدية ، وهي لا تنتفي بانتفاء العلة مثل عدد ركعات كل صلاة ، وصيام خصوص شهر رمضان ، وتعيين أوان الإمساك والإفطار وتحديد الحدود وكيفيتها ، والكفارات.
وهل تدخل معها سهام أصحاب الفروض , ومقدار حصة كل وارث من التركة.
الجواب نعم , وقد ورد البيان في آية المواريث , ومنه قوله تعالى [يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ]( ).
وعن الإمام علي عليه السلام : أنه سئل لم صار الميراث للذكر مثل حظ الانثيين ، فقال : من قبل السنبلة، كان عليها ثلاث حبات فبادرت إليها حواء فأكلت منها حبة، وأطعمت آدم حبتين( ).
ومن البيان أن المرأة عيال على الرجل ، وليس عليها نفقة أو وجوب كسب أو جهاد ، وكانوا في الجاهلية لا يعطون المرأة أو البنت نصيباً من الميراث ، وقد تكون الزوجة نفسها جزءاً من الميراث ، فأكرمها الله عز وجل بالربع مع عدم وجود الولد ، وبالثمن مع الولد للميت .
لتكون الزوجة في الميراث على شعب :
الأولى : الزوجة التي لها الربع من التركة لقوله تعالى [وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ]( ).
الثانية : التي تشترك مع غيرها من الضرات في الربع كما لو كان الرجل مات عن ثلاث زوجات , وليس عنده ولد ، فيقسم الربع بينهن بالتساوي .
الثالثة : الزوجة التي لها الثمن لقوله تعالى [فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ]( )، ولم يرد لفظ (الربع) و (الثمن) في القرآن إلا في الآية أعلاه.
الرابعة : اشتراك زوجتين أو ثلاث أو أربع بالثمن من التركة إذا كان للميت ولد.
وعن ابن عباس قال : كان أهل الجاهلية لا يورثون البنات ، ولا الصغار الذكور حتى يدركوا . فمات رجل من الأنصار يقال له أوس بن ثابت وترك ابنتين وابناً صغيراً ، فجاء ابنا عمه وهما عصبته فأخذا ميراثه كله ، فقالت امرأته لهما : تزوجا بهما وكان بهما دمامة فأبيا.
فأتت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت : يا رسول الله توفي أوس وترك ابناً صغيراً وابنتين ، فجاء ابنا عمه خالد وعرفطة فأخذا ميراثه.
فقلت لهما : تزوّجا ابنتيه فأبيا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما أدري ما أقول؟ فنزلت { للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون}( ) الآية .
فأرسل إلى خالد وعرفطة فقال : لا تحركا من الميراث شيئاً ، فإنه قد أنزل عليَّ فيه شيء أخبرت فيه أن للذكر والأنثى نصيباً ، ثم نزل بعد ذلك { ويستفتونك في النساء }( )، إلى قوله { عليماً } ثم نزل { يوصيكم الله في أولادكم }( )، إلى قوله {والله عليم حليم} فدعا بالميراث فأعطى المرأة الثمن ، وقسم ما بقي للذكر مثل حظ الأنثيين( ).
وفي مرسلة عطاء وهو من التابعين قال : استشهد سعد بن الربيع النقيب يوم أُحد وترك امرأة وابنتين وأخاً، فأخذ الأخ المال فأتت امرأة سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إن هاتين ابنتا سعد، وإن سعداً قُتل يوم أحد معك شهيداً، وإن عمّهما أخذ مالهما ولا ينكحان إلاّ ولهما مال.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ارجعي فلعل الله سيقضي في ذلك فأقامت حيناً ثم عادت وشكت وبكت، فنزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم[يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا]( ).
فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عمّهما وقال : أعطِ بنتي سعد الثلثين وأمهما الثمن وما بقي فهو لك ( ).
فلو كانت التركة (48) ديناراً أخذت كل بنت(16) ديناراً مقدار الثلث ، وأخذت الزوجة (6) دنانير وهو الثمن ويكون الباقي للعم وهو (10) للعم حسب هذه الرواية.
قانون جز نساء قريش شعورهن تحريض على الغزو
من عادة العرب في الجاهلية قيام المرأة بحلق أو جز شعرها عند المصيبة بلحاظ أنه زينة وبهاء للمرأة فتجزه تعبيراً عن إعراضها عن الزينة وهجرها لها ، وفيه إخبار عملي بأن المصيبة جعلتها تزهد في مباهج الدنيا .
وجاء الإسلام بحرمة حلق وجز الشعر بسبب المصيبة لأنه داخل في التسخط على قضاء الله ، إنما على المسلم والمسلمة تلقي المصيبة بالصبر والإسترجاع ، وفيه الأجر والثواب والمواساة للذات والغير ، واستحضار لذكر الله حال المصيبة والبلاء ، وفي التنزيل [الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ] ( ) .
وفي الحج والعمرة يكون على الرجل الحلق أو التقصير ، أما المرأة فلا يجوز عليها الحلق وعليه إجماع المسلمين انما عليها التقصير (عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ليس على النساء حلق إنما على النساء التقصير) ( ).
واجماع المسلمين على حرمة حلق المرأة شعرها في الحج والعمرة ، ولا عبرة بالقليل النادر ولا موضوعية في المقام لجواز حلق المرأة شعرها عند الضرورة ، لأن الضرورات تقدر بقدرها فلا يصح ولا يباح حلق المرأة شعرها لمصيبة أو لنسك أو لزينة ، ولكن نساء قريش عندما وصل خبر قتل سبعين منهم في معركة بدر قمن بحلق شعورهن ولم يكتفين بجزها .
قال موسى بن عقبة : ولما وصل الخبر إلى أهل مكة وتحققوه قطعت النساء شعورهن وعقرت خيول كثيرة ورواحل( ).
وعقر الخيل ضرب قوائمها بالسيف ، ولا يطلق العقر في غير القوائم ، ويأتي أيضاً بمعنى النحر والذبح ، وتعقر الخيل والإبل في القتال إذا استمر القتال وحميت النفوس فيكون عقر الخيل والإبل عنواناً لعدم الهزيمة أو الهمّ بها وقد جاء في الخبر النهي عن عقر الخيل في القتال لما فيه من التعطيل والضرر ، ولجواز الإنسحاب والرخصة فيه بدليل قوله تعالى [إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ] ( ) [إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ] ( ).
وكان يؤتى براحلة أو فرس الرجل الذي قتل من كفار قريش في معركة بدر ، وتوقف بين أظهر النساء .
ويضعن الستور حولها ، ثم يأخذن بالبكاء والنياحة حولها ، ويخرجن الى الأزقة على هذه الحال لإثارة حفيظة الرجال وتهييجهم ، واستمروا على النياحة شهراً كاملاً بعد واقعة بدر ثم تناجوا بينهم.
لقد توالت الأنباء بما يؤكد صدق أخبار واقعة بدر ، فناحت قريش رجالاً ونساءً على قتلاهم ، وجزت النساء شعورهن .
وعن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال أنه (برئ من الصالقة( ) والحالقة( ) والشاقة( ) ( ).
وفي نَوح وجز نساء قريش شعورهن مسائل :
الأولى : استيلاء الحزن على قلوب قريش رجالاً ونساءً .
الثانية : إصابة عموم الكفار في مكة رجالا ً ونساءً بالأسى والقنوط لفقدهم سبعين من رجالهم .
الثالثة : جز الشعر هذا من مصاديق الرعب الذي دخل على قلوب الذين كفروا كما في قوله تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ] ( ) .
فصحيح أن النياحة وجز الشعر عنوان للحزن والأسى إلا أنهما يدلان على الفزع والخوف والإرباك عند عموم أهل مكة بسبب مجئ الخبر بقتل سبعين من رجال قريش دفعة واحدة ، ومن غير تهيئة للأذهان .
ومن مصاديق هذه التهيئة مثلاً المعرفة العامة بقوة وكثرة الجيش المقابل ، ووجود فرسان وشجعان فيه ، إذ كان أهل مكة رجالاً ونساءً يعلمون على نحو الإجمال قلة عدد أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاصة من وجوه :
الأول : قلة عدد المهاجرين الذين غادروا مكة ، وعدم طول الفترة بين الهجرة ومعركة بدر.
الثاني : قصر المدة التي قضاها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة ، ولم يكن الأوس والخزرج كلهم قد دخلوا الإسلام .
الثالث : حال الفقر والعوز التي عليها المسلمون ، فمع فقر الأنصار جاء المهاجرون إلى المدينة وهم فقراء ليس معهم من أموالهم شئ مما يدل على قلة رواحلهم وأسلحتهم .
الرابع : أصالة التبادر ، فلقد بلغ قريشاً وأهل مكة بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه خرجوا للتعرض لقافلة أبي سفيان ، فيدل هذا الخروج وسببه وموضوعه على عدم كثرة عدد الصحابة الذين مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وظنوا عدم قدرتهم على هزيمة جيش المشركين , قال تعالى[وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ]( ).
الخامس : لقد خرج المشركون من مكة لحفظ قافلة أبي سفيان وتأمين وصولها سالمة الى مكة .
الرابعة : هل في جز نساء قريش شعورهن تحريض للرجال على قتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين وإعادة الكرة بالهجوم ، الجواب نعم ، وهو من عمومات قوله تعالى [إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ] ( ) بلحاظ توجه هذا الخطاب لخصوص المشركات.
وفي الآية أعلاه تحذير للمشركات من التحريض على محاربة النبوة والتنزيل ، ومن الإعجاز في المقام أن الآية أعلاه من سورة يوسف وهي مكية إلا ثلاث آيات منها ، وعليه الإجماع .
إذ نزلت هذه السورة بعد سورة هود وقبل سورة الحجر ونزلت في السنة العاشرة لبعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في عام الحزن إذ توفى أبو طالب وخديجة أم المؤمنين في ذات السنة لتكون هذه السورة مواساة له وموعظة وزاجراً لنساء قريش عن التحريض على حرب النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
وهي السورة الثالثة والخمسون في ترتيب سور القرآن من جهة أوان النزول ، والسورة الثانية عشرة في ترتيب السور في المصحف .
والآيات الثلاثة المدنية من هذه السورة تقع في أولها.
وحكى القرطبي عن ابن عباس أن السورة مكية إلا أربع آيات منها ( ).
والآية المدنية الرابعة هي [لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ]( ).
قال ابن إسحاق : وحدثني يحيى بن عباد قال: ناحت قريش على قتلاهم، ثم قالوا: لا تفعلوا يبلغ محمدا وأصحابه فيشمتوا بكم، ولا تبعثوا في أسراكم حتى تستأنسوا بهم لا يأرب عليكم محمد وأصحابه في الفداء( ).
وترك النياحة هنا ليس مطلوباً بذاته إذ أنهم يعلمون بأن البكاء على الميت يهون على صاحبه المصيبة خاصة مع تجلي قانون وهو أن كفار قريش هم الذين جلبوا المصيبة على أنفسهم ولكنهم جعلوا الأمر بترك النياحة نوع طريق للإستعداد للهجوم والغزو مرة أخرى باستعداد أكثر من التخطيط والتهيئة وكثرة الرجال والرواحل والسلاح .
وكان لجز النساء شعورهن وإصرارهن على النياحة وقول الأشعار موضوعية في هذا الهياج وحال السخط عند قريش ، والأصل أن يتناجوا بالتدبر والتفكر بهزيمتهم في المعركة مع كثرة رجالهم وأسلحتهم والإتعاظ منها .
وهل يحتمل أن علة أمر كفار قريش بترك النساء النياحة خشية الهياج العام عليهم ودخول الناس في الإسلام ، الجواب نعم ، إذ خافوا من صيرورة هذه النياحة سبباً لإعلان أهل مكة والقبائل التمرد عليهم ومحاسبتهم لسوء فعلهم ودخولهم المعركة لإدراك الناس بالفطرة لقانون وهو :
الكبرى : الذي يحارب النبي والتنزيل لابد أن يخسر .
الصغرى : محمد نبي والقرآن تنزيل .
النتيجة : الذي يحارب محمداً والقرآن لابد أن يخسر.
ولو جاءوا إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد معركة بدر لعقد صلح معه وتأمين طريق قوافلهم ، وضمان سلامتها ، فهل يرضى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويستجيب ، يحتمل وجوهاً :
الأول : يستجيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لبعض ما يطلبه ويشترطه رجال قريش .
الثاني : يملي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم شروطاً وقيوداً على قريش .
الثالث : لا يستجيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لطلب الصلح الذي تطلبه قريش .
الرابع : يستجيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لقريش في طلب الصلح.
والصحيح هو الرابع ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ]( ).
فلابد أن يتفق معهم النبي في شروط وبنود الصلح ، بدليل عقده صلح الحديبية مع أنه تم في السنة السادسة للهجرة أي أن المسلمين صاروا يومئذ في حال أكثر قوة ومنعة مما هو في السنة الثانية بعد وقوع معركة بدر , وانتصار المسلمين فيها.
وهل كان جز نساء قريش شعورهن ونياحتهن على قتلى بدر من قريش واظهارهن الأسى والحزن الشديد عليهم دعوة لكفار قريش لعدم الرضا بالصلح والمهادنة أو المطالبة بديات قتلاهم في معركة بدر .
الجواب في مظاهر الحزن هذه تهييج للرجال ودعوة لهم للثأر ولكن على الرجال أن لا يقفوا عندها ، فيجب أن يستحضروا معجزات النبوة في معركة بدر ، واستصحابها فيما إذا وقعت معركة أخرى مثل معركة أحد ، خاصة ولم تكن كل نساء قريش وأهل مكة يظهرهن الحزن الشديد والأسى على القتلى إذ كانت نساء مكة على أقسام :
الأول : الهاشميات وعموم نساء بني هاشم .
الثاني : المسلمات اللائي لم يهاجرن .
الثالث : أمهات وأخوات المهاجرين ، إذ علم أهل مكة أن قريشاً يسعون في معركة بدر لقتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه فاستهجن أكثرهم هذا السعي ، قال تعالى [وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمْ الأَنَامِلَ مِنْ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ]( ).
الرابع : المشركات ، وليس كل المشركات يحرضن على قتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما طائفة منهن.
إذ جاء القرآن بذم المشركات والتحذير منهن ، ومن الصلة معهن قال تعالى [وَلاَ تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ]( ).
وهل كانت النسوة في مكة اللائي يبالغن بالنوح ، والتحريض على الثأر لقتلى بدر كثيرات العدد أم قليلات .
الجواب هو الثاني ، فمن أسرار بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مكة تهيئة أذهان أهلها لمعركة بدر بالميل العام للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعجزاته ، وهذا الميل من عمومات قوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ] ( )، لبيان أن محل النصر في معركة بدر أعم من أن يختص بذات موضع المعركة.
من معارك قريش قبل الإسلام
لقد خاض مشركوا قريش معارك مع قبائل من العرب ، فمثلاً وقعت حرب الفجار ، والتي استمرت عشر سنوات (43 ق .هـ – 33 ق.هـ)(580 م-590 م) وكانت بين كنانة ومنها قريش وبين قبائل قيس عيلان ومنهم هوازن وثقيف ومحارب.
وسميت حرب الفجار لما استحل فيها من المحارم في الأشهر الحرم ، ولقطعهم صلات الأرحام التي بينهم .
ومنها حرب شرب ، وتسمى أيضاً يوم الشرب وهي من أكثر حروب العرب شدة في الجاهلية .
قال أبو عبيدة (أن فجار البراض بين كنانة وقيس كان أربعة أيام في كل سنة يوماً( )، فكان أوله يوم شمطة من عكاظ وعلى الفريقين الرؤساء الذين ذكرناهم غير أبي براء، فكانت هوازن من وراء المسيل وقريش من دون المسيل وبنو كنانة في بطن الوادي.
وقال لهم حرب بن أمية: إن أبيحت قريش فلا تبرحوا مكانكم، وتعبت هوازن وأخذوا مصافهم، وتعبت قريش وكان على إحدى المجنبتين( ) ابن جدعان , وعلى الأخرى كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس وحرب بن أمية في القلب، فكانت الدبرة أول النهار لكنانة على هوزان حتى إذا كان آخر النهار وصبرت فاستحر القتل في قريش .
فلما رأى ذلك الذين في الوادي من كنانة مالوا إلى قريش وتركوا مكانهم، فلما فعلوا ذلك استحر القتل بهم وصبروا، فقتل تحت رايتهم ثمانون رجلاً .
وقال آخرون: لما رأت ذلك بنو بكر بن عبد مناة قال بلعاء بن قيس: استبقاء لقومه الحقوا برخم فاعتزل بهم إلى جبل يقال له رخم( )، وقال: دعوهم فوددت أنه لم يفلت منه أحد، فكان يوم شمطة لهوازن على كنانة ولم يقتل من قريش أحد يذكر، وزالت قريش آخر النهار بانزيال بني بكر.
ثم يوم العبلاء
قال أبو عبيدة: تجمع هؤلاء وأولئك فالتقوا على قرن الحول في اليوم الأول( ) من يوم عكاظ والتقوا بالعبلاء وهو أعبل إلى جنب عكاظ، ورؤساؤهم الذين كانوا عليهم يوم شمطة بأعيانهم، فكانت الدبرة فيه أيضاً لهوازن على كنانة( ).
ثم يوم شرب .
ثم تجمع الفريقان على قرن الحول في اليوم الثاني من يومي عكاظ أي في شهر ذي القعدة أيضاً وهو شهر حرام فالتقوا بشرب من عكاظ وعليهم رؤساؤهم الذين كانوا قبل .
ولم يكن يوم أعظم منه، فحمل يومئذ ابن جدعان ألفاً على ألف بعير فالتقوا، وقد كان لهوازن على كنانة يومان على قرن الحول بالحريرة وهي حرة إلى جنب عكاظ مما يلي مهب جنوبها ثم تقبل تريد مكة من مهب صباها حتى تنقطع دوين قرن، وكان رؤساؤهم الذين كانوا إلا بلعاء فإنه وآت وكان بعده الرئيس عليهم جثامة بن قيس.
واسمه وهب ، أسلم جثامة وروى : من صام يوماً في سبيل الله باعده الله عن النار مائة عام ) ( )، وابنه صعب من المهاجرين الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحاديث كما روى عنه ابن عباس وغيره ان دخول عدد من الذين حضروا معارك قريش في الشهر الحرام الإسلام سواء يوم فتح مكة أو قبله شاهد على أن كفار قريش أيام البعثة النبوية لا يتحرزون من القتال في الشهر الحرام فجاء قوله تعالى [قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ] ( ).
ليشمل هذه المعارك وفيه دعوة للمسلمين لإستحضار أيام العرب وأخذ الحائطة من الكفار وسيأتي بعد أسطر أنهم قتلوا حتى المعتمر، مما يدل على سلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه يوم صلح الحديبية بمعجزة من عند الله عز وجل .
نعم ذات السؤال عن الشهر الحرام من هذه الحائطة ، ولكن هذا السؤال صدر من أفراد من المسلمين فأراد الله عز وجل أن يكون بنزول آية البحث قانوناً.
وقتل يومئذ سفيان بن أمية ، ومن كنانة ثمانية رهط قتلهم عمر بن أسيد بن مالك بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وقتل ورقاء بن الحارث بن مالك بن ربيعة عمر بن عامر أبا كنف وابني إياس وعمرو بن أيوب وقد ذكرهم خداش بن زهير في شعره.
فهذه أيام الفجار الخمسة التي تزاحفوا فيها في أربع سنين أولهن يوم نخلة حين تبعتهم هوازن، فكان كفافاً لا على هؤلاء ولا على هؤلاء، ثم يوم شمطة فكان لهوازن على كنانة.
ثم يوم عكاظ الأول وهو يوم العبلاء كان لهوازن على كنانة.
ثم يوم عكاظ الثاني وهو يوم شرب كان لبني كنانة على هوازن ولم يكن بينهم يوم أعظم منه.
ثم يوم الحريرة وهو آخر يوم من أيامهم، قال: ثم كان الرجل منهم يلقى الرجل والرجلين أو أكثر من ذلك أو أقل فيقتتلون فربما قتل بعضهم بعضاً فلقي ابن محمية أخو بني الديل بن بكر أبا خراش زهير بالصفاح.
فقال زهير : إني حرام جئت معتمراً، فقال: لا تلقى الدهر إلا قلت: معتمر، وقتله , ثم ندم , وقال من الرجز.
لا هم إن العامري المعتمر … لم آت فيه عذرة المعتذر
ثم إن الناس تداعوا إلى السلم على أن يدي الفضل من القتلى الذين فيهم أي الفريقين الفضل على الآخر فتواعدوا في عكاظ ليعددوا القتلى وتعاقدوا وتواثقوا أن يتموا على ذلك وجعلوا بينهم أماناً يلتقون فيه لذلك، فأبى ذلك وهب بن معتب وخالف قومه وجعل لا يرضى بذلك حتى يدركوا بآثارهم، فقال في ذلك أمية بن حرثان بن سكر: الكامل
المرء وهب وهب آل معتب … مل الغواة وأنت لما تملل
تسعى توقدها وتجزل وقدها … وإذا تعاطى الصلح قومك تأتلي
واندس وهب حتى مكرت هوازن بكنانة وهم على وشك من الصلح، فبعثت خيلاً عليها سلمة بن سعلاء البكائي وخالد بن هوذة، وفيهم ناس من بني هلال رئيسهم ربيعة بن أبي ظبيان وناس من بني نصر عليهم مالك بن عوف فأغاروا على بني ليث بصحراء الغميم وهم غارون فقاتلوهم وجعل مالك يقاتل ويرتجز وهو يومئذ أمرد: الرجز
أمرد يهدي حلمه شيب اللحى
وهذا أول يوم ذكر فيه مالك بن عوف، فقتلت بنو مدلج يومئذ عبيد بن عوف البكائي وسبيع بن المؤمل من جسر بن محارب، ثم انهزمت بنو ليث فاستحر القتل ببني الملوح بن يعمر، فقتلوا منهم ثلاثين رجلاً سبوا نساء وساقوا نعماً، ثم أقبلوا فعرضت لهم خزاعة وطمعوا فيهم فقاتلوهم فلما رأوا أنهم لا بد لهم بهم قالوا:
عوضونا من غنيمتكم عراضة … فأبوا فخلوا سربهم.
فقال مالك بن عوف: الطويل
نحن جلبنا الخيل من بطن لية … وجلذان( ) قبا حافيات ووقحا
تواعد ضيطار وخزاعة حربنا … وما حرب ضيطار يقلب مسطحاً
ثم إن الناس تداعوا إلى الصلح ورهنوا رهنا بالوفاء بديات من كان له الفضل في القتلى , وتم الصلح ووضعت الحرب أوزارها هذا آخر الفجار الرابع عن أبي عبيدة( ).
ذكر حلف الفضول عن حبيب عن أبي البختري
قال: حدثني الضحاك بن عثمان بن عبد الله بن عروة بن الزبير قال: سمعت حكيم بن حزام يقول: كان حلف الفضول منصرف قريش من الفجار ورسول الله صلى الله عليه يومئذ ابن عشرين سنة وبينه وبين الفيل عشرون سنه.
قالوا : وكان الفجار في شوال وكان الحلف في ذي القعدة وكان هذا الحلف أشرف حلف جرى، وكان أول من تكلم فيه ودعا إليه الزبير بن عبد المطلب بن هاشم وذلك أن الرجل من العرب أو غيرها من العجم ممن كان يقدم بالتجارة ربما ظلم بمكة.
وكان الذي جر ذلك أن رجلاً من بني زبيد قدم بسلعة فباعها من العاص بن وائل السهمي فظلمه ثمنها.
فناشده الزبيدي في حقه قِبله فلم يعطه فأتى الزبيدي الأحلاف: عبد الدار ومخزماً وجمح وسهماً وعدياً فأبوا أن يعينوه وزبروه وزجروه( ).
فلما رأى الزبيدي الشر وافى على أبي قبيس( )، قبل طلوع الشمس وقريش في أنديتهم حول الكعبة وصاح: البسيط
يا للرجال لمظلوم بضاعته … ببطن مكة نأى الحي والنفر
إن الحرام لمن تمت حرامته … ولا حرام لثوبي لابس الغدر
قال: فمشى في ذلك الزبير بن عبد المطلب وقال: ما لهذا منزل، فاجتمعت بنو هاشم وزهرة وتيم في دار عبد الله بن جدعان فصنع لهم طعاماً فحالفوا في ذي القعدة في شهر حرام قياماً يتماسحون صعداً وتعاقدوا وتعاهدوا بالله قائلين لنكونن مع المظلوم حتى يؤدى إليه حقه ما بل بحرُ صوفةً.
المراد ما بلّ البحرُ صوفةً أي يرطب ماء البحر قطعة صغيرة من الصوف إذا غمست فيه كما يقال في المثل : لا أفعله حتى يرد الضب ، إذ أن الضب لا يشرب الماء، وما غرد الحمام ، ولا أفعله ما أن في السماء نجْماً؛ أي ما كان في السماء نجم، وما عنَّ في السماء نجم، أي: ما عرض، وما أن في الفرات قطرة؛ أي ما كان في الفرات قَطْرة، ولا أفعله حتى يؤوب القارِظ العَنَزى، وحتى يؤوب المُنَخَّل، وحتى يحِنُّ الضّب في أثَر الإبل الصادرة، وما دعا اللّه داع ،
وما حج للّه راكب، ولا أفعله ما أن السماء سماء، وما دام للزيت عاصر .
وما اختلفت الدِّرة والجرَّة ، واختلافهما أن الدِّرَّة تسفل والجرَّة تعلو، وما اختلف الملَوان والفتيان والعصران والجديدان والأجدّان ، يعني الليل والنهار .
ولا أفعله ما سَمر ابنا سمير، ولا أفعله سَجيس عُجيس، وسجيس الأوْجَس؛ وكله أي آخر الدهر، ولا أفعله ما غَبا غُبيس؛ أي ما أظلم الليل، ولا أفعله ما حنَّت النِّيب، وما أطّت الإبل، وما غرد راكب، ولا أفعله أُخْرى الليالي، وأُخْرى المَنُون، أي آخر الدهر، ولا أفعله يد الدهر، وقفا الدهر، وحَيْرِيّ دَهْرٍ، ولا أفعله سميَر الليالي( ).
وفي التأسي في المعاش وسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول، وقال الزبير بن عبد المطلب فيه شعراّ : الوافر
حلفت لنعقدن حلفاً عليهم … وإن كنا جميعاً أهل دار
نسميه الفضول إذا عقدنا … يعز به الغريب لدى الجوار
إذا رام العدو له حراباً … أقمنا بالسيوف ذوي الأزورار
ويعلم من حوالي البيت أنا … أباة الضيم نهجر كل عار) ( ).
قد يظن بعضهم أن قريشاً حضر وأهل تجارة ولا دراية لهم بالحرب ولا يميلون إليها ، ولكن الوقائع تثبت خلافه مما يدل على أن نصر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في معركة بدر مع قلة عددهم معجزة لذا نسب الله النصر لنفسه بقوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]( ).
فنسبة النصر لله عز وجل شاهد على شدة بأس أفراد جيش المشركين من قريش ، وأنهم خاضوا المعارك ودخلوا ميادين القتال مع قلة عدد المسلمين والنقص في أسلحتهم ولبيان استجابة الله عز وجل لدعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم والحاحه بالدعاء يومئذ ، ولبيان أن استجابة الله له بقوله تعالى [إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ]( )، لا تختص بالمدد ونزول الملائكة انما تشمل تحقيق النصر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه.
سرية عبد الله بن جحش استطلاعية
قال تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]( )، وذكر سببان لمعركة بدر وهما :
الأول : قتل سرية عبد الله بن جحش لعمرو بن الحضرمي .
الثاني : إرادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم التعرض لمقاتلة أبي سفيان والإستيلاء عليها .
ولم يثبت أي من الأمرين كسبب وعلة تامة للمعركة وإبتداء الذين كفروا بالقتال وفيما يخص السبب الأول ، فقد بعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سرية في أواخر شهر جمادى الآخرة من السنة الثانية للهجرة ، والأشهر القمرية كلها بصيغة المذكر إلا شهر جمادى الأولى والآخرة ، وجعل عليهم عبد الرحمن بن عوف ولكنهم حينما همّوا بالذهاب بكى عبد الرحمن صبابة على فراق النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال : لا أقدر على فراق النبي صلى الله عليه وآله وسلم فجعل عليهم عبد الله بن جحش وهو ابن عمة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من جهة أمه أميمة بنت عبد المطلب ، ومعه ثمانية من المهاجرين ليس معهم أنصاري واحد .
وسلمه كتاباً وقال له : لا تفتحه إلا بعد ليلتين ، وبعد أن مشوا ليلتين ، فتح الكتاب وإذا فيه إذا فتحت كتابي فانطلق إلى نخلة وكن بها حتى تأتينا بخبر من أخبار قريش ولم يأمره بقتال( ).
وقال : ولا تستكره أحداً من أصحابك .
وتقع نخلة قرب السيل الكبير وهو ميقات قرن المنازل .
ولما وصلوا رأوا قافلة لقريش فارتاب رجال القافلة منهم ولم يتوقعوا أن أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلون الى القرب من مكة ، وهذا الإرتياب من مصاديق قوله تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ] ( ) .
فكانت الغاية من هذه السرية الإستطلاع والإحتراز من مباغتة قريش للمدينة خاصة وأن تهديد قريش كان يصل اليها وهو على أقسام :
الأول : تهديد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالقتل .
الثاني : إرادة وقف نزول القرآن ، وما فيه من فضح وخزي للكفار والمنافقين خاصة وأن السور المكية تضمنت التبكيت والوعيد للذين كفروا ، قال تعالى[أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمْ الْمَكِيدُونَ]( )، ليكون من الإعجاز في نزول القرآن نجوماً وعلى نحو التدريج البشارة بسلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حتى إكمال نزول آيات وسور القرآن .
الثالث : التهديد والوعيد للمهاجرين بالقتل أو الإعادة إلى مكة ثم يكرهون على ترك الإسلام .
الرابع : التهديد للأوس والخزرج لايوائهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه باستباحة المدينة ، وهناك منافقون وكفار يبثون هذه الأراجيف في المدينة ، قال تعالى[لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً]( ).
وفي الآية أعلاه بشارة سلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبقائه في المدينة ومغادرة المرجفين لها ، ولم تقف الآية عند(لم يجاورونك) انما قيدته [لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا] لبيان بقاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة ، وهو من أسرار عودته بعد فتح مكة الى المدينة .
الخامس : التهديد والتخويف والإيذاء والتعذيب للمسلمين والمسلمات الذين بقوا في مكة ، وتعذرت عليهم الهجرة الى الحبشة أو إلى المدينة ، وكل من الهجرة بجهتيها وبقاء طائفة من المسلمين في مكة من الشواهد على قانون (لم يغز النبي (ص) أحداً) لما يتجلى فيها من الصبر والهروب بالدين في أرض الله ، وفي التنزيل [يَاعِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ]( ).
ولم تقل الآية (قل) و (قل يا محمد) إنما توجت بالخطاب للعباد على نحو مباشر .
وذكر الذين آمنوا على نحو الخصوص في الآية ترغيب للمؤمنين بالهجرة لأنهم يحملون لواء التوحيد والدعوة إلى الله وبغض الله عز وجل لهجرة وسياحة الكافر الملحد في الأرض لما يبثه من سموم ، ولم يرد لفظ(أرضي) في القرآن إلا في الآية أعلاه ، وفيه زجر للناس دولاً وأشخاصاً عن القتال والغصب ونحوه بخصوص الأرض فهي ملك طلق لله ، يغادرها المورث ثم الوارث ، طوعاً وقهراً ، قال تعالى[لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ]( ).
وتخلف في الطريق عن سرية عبد الله بن جحش سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان كانا يطلبان بعيراً يعتقبانه في الركوب ، فلم يشهدا الواقعة ولم يرجعا الى المدينة إلا بعد عودة السرية بأيام .
إذ نزل عبد الله بن جحش في نخلة كما أمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصاروا يرقبون الجادة العامة فمرت عليهم عير لقريش تحمل زبيباً وأدماً وتجارة قريش قادمين من الطائف ، والإبل إذا كانت محملة تسمى العير كما في قوله تعالى في قصة يوسف [وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ]( ) .
إذ ورد لفظ (العير) ثلاث مرات كلها بخصوص قصة يوسف وفي ذات السورة ، والآيتان الأخريان هما :
الأولى : [وَلَمَّا فَصَلَتْ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَنْ تُفَنِّدُونِ] ( ).
الثانية : [فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ]( ).
فلما رأى رجال القافلة أفراد السرية وكانوا سبعة ومنهم أمير السرية.
هابوهم وخشوا منهم ، فبادر عكاشة بن محصن وهو أحد أفراد السرية إلى حلق رأسه للإشعار بأنهم جاءوا للعمرة ، وهذا من أسرار إختيار النبي صلى الله عليه وآله وسلم أفراد السرية من المهاجرين على نحو الخصوص ، إلى جانب معرفتهم بالطريق ومكر قريش .
ولما رأوهم على هذا الحال اطمأن رجال القافلة وقالوا : لا بأس عليكم منهم ، (قوم عمّار) ( ).
فأمنوا ونزلوا ليصنعوا لهم طعاماً وقيدوا ركائبهم وسرحوها ، وأختلف أفراد السرية في أمرهم وكانوا في آخر شهر جمادى الأخرة وقيل في آخر رجب ، فشكوا إن تركوهم يدخلون الحرم ، ولان قتلوهم ليقتلنهم في الشهر الحرام .
ولم يكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أمرهم بقتال ولم يرض لهم القتال .
ثم قام واقد بن عبد الله وهو من أفراد السرية برمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، وجاءوا بالغنيمة وأسيرين معهم الى المدينة وعزلوا خمس الغنيمة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما وصلوا قال لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما أمرتكم بقتال ، وأبى أن يأخذ من الغنيمة وأفدى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأسيرين كل واحد أربعين أوقية وأسلم أحدهما وهو الحكم بن كيسان وأقام في المدينة حتى قتل يوم بئر معونة شهيداً .
وهل يسمى مهاجراً أم أن الإقامة في المدينة جاءته قهراً ، الجواب هو الأول ، وأما الأسير الثاني وهو عثمان بن عبد الله فلحق بمكة ومات كافراً.
وتفاءل بعض المنافقين بلحاظ الأسماء فالذي رمى السهم هو واقد بن عبد الله ، أي وقدت الحرب ، والذي قُتل هو عمرو الحضرمي ، أي عمرت الحرب ، والحضرمي أي حضرت الحرب ( )وهي قريبة وليست بعيدة ، وقد وقع الأمر فعلاً في معركة بدر ولكن كانت الدائرة على الذين كفروا والمنافقين وليس لهم.
وصار المسلمون يلومون عبد الله بن جحش وأصحابه على ما فعلوه ، مما يدل على أن هذا الفعل لم يكن سبباً لمعركة بدر ، كما طالب بعض أفراد جيش المشركين عتبة بن ربيعة بدفع دية ابن الحضرمي ووقف القتال يومئذ ولما اجتمع الجمعان في بدر ، وأظهر رؤساء المشركين الرغبة والعزم على القتال خاصة وأنهم رأوا قلة عدد المسلمين ، وقالوا كما ورد في التنزيل [غَرَّ هَؤُلاَءِ دِينُهُمْ]( )، سعى بعض الأشراف لمنع القتال إذ مشى (حكيم بن حزام إلى عتبة بن ربيعة .
وقال : هل لك أن تكون سيد قريش ما عشت ؟ قال عتبة فأفعل ماذا.
قال : تجير بين الناس وتحمل دم ابن الحضرمي وبما أصاب محمد من تلك العير فإنهم لا يطلبون من محمد غير هذه العير ودم هذا الرجل.
قال عتبة : نعم قد فعلت ، ونعما قلت ، ونعما دعوت إليه فاسع في عشيرتك فأنا أتحمل بها .
فسعى حكيم في أشراف قريش بذلك يدعوهم فيه وركب عتبة جملا له فسار عليه في صفوف المشركين في أصحابه فقال : يا قوم أطيعوني فإنكم لا تطلبون عندهم غير دم ابن الحضرمي وما أصابوا من عيركم تلك وأنا أتحمل بوفاء ذلك ودعوا هذا الرجل فإن كان كاذبا ولي قتله غيركم من العرب فإن فيهم رجالا لكم فيهم قرابة قريبة( ) وإنكم إن تقتلوهم لا يزال الرجل منكم ينظر إلى قاتل أبيه وأخيه أو ابن أخيه أو ابن عمه فيورث ذلك فيهم احنا وضغائن .
وإن كان هذا الرجل ملكا كنتم في ملك أخيكم وإن كان نبيا لم تقتلون النبي فتيسئوا به ولن تخلصوا إليهم حتى يصيبوا أعدادهم .
ولا آمن أن يكون لكم الدبرة عليهم .
فحسده أبو جهل على مقالته وأبى الله إلا أن ينفذ أمره وعمد أبو جهل إلى ابن الحضرمي – وهو أخو المقتول .
فقال : هذا عتبة يخذل بين الناس وقد تحمل بدية أخيك يزعم أنك قابلها أفلا تسحيون من ذلك أن تقبلوا الدية ؟
فزعموا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال وهو ينظر إلى عتبة : إن يكن عند أحد من القوم خير فهو عند صاحب الجمل الأحمر وإن يطيعوه يرشدوا فلما حرض أبو جهل قريشا على القتال أمر النساء يعولن عمر فقمن يصحن : واعمراه واعمراه ( )تحريضا على القتال فاجتمعت قريش على القتال فقال عتبة لأبي جهل : سيعلم اليوم أي الأمرين أرشد( ).
فظاهر هذا الخبر وجود نساء مع جيش كفار قريش ونسبه السيوطي في حديث طويل الى البيهقي في الدلائل عن ابن شهاب وموسى بن عقبة إذ يذكر البيهقي في الدلائل الوجهين :
الأول : وجود نساء في المعركة ، وقمن بالصراخ وندب المقتول يوم نخلة قال : فلما حرض أبو جهل قريشا على القتال أمر النساء يعولن عمرا ، فقمن يصحن : واعمراه ، واعمراه ، تحريضا على القتال ، وقام رجال فتكشفوا يعيرون بذلك قريشا ، فاجتمعت قريش على القتال( ).
الثاني : الذي صرخ واعمراه هو أخوه بتحريض وأمر من أبي جهل ، الذي صار يعيّر عتبة بن ربيعة إذ سعى في منع القتال وقال أبو جهل (انتفخ والله سحره حين رأى محمدا وأصحابه ، كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد ، وما بعتبة ما قال ، ولكنه قد رأى أن محمدا وأصحابه أكلة جزور وفيهم ابنه وقد تخوفكم عليه .
ثم بعث إلى عامر بن الحضرمي فقال : هذا حليفك يريد أن يرجع بالناس ، وقد رأيت ثأرك بعينك ، فقم فأنشد خفرتك ومقتل أخيك ، فقام عامر فاكتشف ثم صرخ : واعمراه ، واعمراه ، فحميت الحرب وحقب أمر الناس واستوسق على ما هم فيه من الشر وأفسد على الناس الرأي الذي دعاهم إليه عتبة بن ربيعة .
فلما بلغ ذلك عتبة من قول أبي جهل ، انتفخ سحره ( )قال : سيعلم مصفر استه أينا الجبان المفسد لقومه ، أنا أم هو ، ثم التمس عتبة بن ربيعة بيضة ( ) ليدخلها رأسه ، فما وجدت في الجيش بيضة تسعه من عظم هامته ، فاعتجر حين رأى ذلك ببرد له على رأسه .
وأقبل نفر من قريش حتى وردوا حوض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيهم حكيم بن حزام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : دعوهم ، فما شرب منهم رجل يومئذ إلا قتل ، إلا حكيم بن حزام فإنه لم يقتل ، وأسلم بعد ذلك فحسن إسلامه ، فكان إذا اجتهد يمينه قال : والذي نجاني يوم بدر)( ) وحكيم هذا ابن أخ خديجة بنت خويلد أم المؤمنين.
وفي يوم فتح مكة قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (من دخل دار حكيم فهو آمن – وهى بأسفل مكة – ومن دخل دار أبى سفيان فهو آمن وهى بأعلى مكة فكان هذا أمانا منه لكل من لم يقاتل من أهل مكة) ( )، وهو أمر يستدل به على أن مكة فتحت صلحاً وليس عنوة لأن الأمان ملحق بالصلح كما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يرى أن أهل مكة مالكون لرباعهم وأملاكهم وبيوتهم .
وعمرو هذا الذي طلبوا ثأره هو الذي قتلته سرية عبد الله بن جحش التي أرسلها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الى نخلة للإستطلاع في آخر جمادى الآخرة قبل معركة بدر بنحو ثلاثة شهور إذ رماه واقد بن عبد الله بسهم فقتله كما تقدم ، ولم يرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم على هذا الفعل ، ووجه اللوم الى السرية وقال : ما أمرتكم بقتال.
لقد طلب أبو سفيان بعد أن سلمت قافلته في رسالته إلى قريش باعادة النسوة ، وتم اعادتهن وليس في أخبار المعركة ذكر للنساء ، ولم تقع في الأسر أو السبي يومئذ امرأة ، انما الذي صرخ يومئذ (واعمراه) هو أخوه واسمه عامر بن الحضرمي إذ أمره أبو جهل أن يطلب دم أخيه عمرو أي لا يرضى بالدية .
وقال الواقدي : ثم ذهب أبو جهل إلى عامر بن الحضرمي أخي المقتول بنخلة، فقال، هذا حليفك – يعني عتبة يريد أن يرجع بالناس وقد رأيت ثأرك بعينيك، ويخذل بين الناس، قد تحمل دم أخيك وزعم أنك قابل الدية. ألا تستحي تقبل الدية، وقد قدرت على قاتل أخيك؟ قم فانشد خفرتك. فقام عامر بن الحضرمي فاكتشف، ثم حثا على رأسه التراب، ثم صرخ: واعمراه! يخزي بذلك عتبة لأنه حليفه من بين قريش، فأفسد على الناس الرأي الذي دعاهم إليه عتبة، وحلف عامر لا يرجع حتى يقتل من أصحاب محمد( ).
لقد شارف أبو سفيان على الوصول الى مكة بقافلته وبضائعها سالمة قبل أن تبدأ معركة بدر قال ابن إسحاق : ولما رأى أبو سفيان أنه قد أحرز عيره أرسل إلى قريش: إنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم، فقد نجاها الله فارجعوا.
فقال أبو جهل بن هشام: والله لا نرجع حتى نرد بدرا، وكان بدر موسما من مواسم العرب يجتمع لهم به سوق كل عام ، وقال : فنقيم عليه ثلاثا فننحر الجزور ونطعم الطعام ونسقى الخمر وتعزف علينا القيان وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبدا، فامضوا( ).
والقيان جمع قينة وهي الأمة المملوكة سواء كانت تغني أو لا ، وهل حدث إنشقاق في جيش المشركين ، في معركة بدر ، الجواب نعم ، فقد حدث ثلاث مرات كانذار لهم ، وهذه الإنشقاقات هي :
الأول : إمتناع أفراد وطوائف من الخروج مع الجيش من مكة ، منهم (بنو عدي بن كعب) ( ). وحتى الذين خرجوا إلى معركة بدر كان بعضهم غير راض عن خروجه .
الثاني : رجوع جماعة من الطريق ، وقبل أن يأتي خبر سلامة قافلة أبي سفيان ، فمثلاً كانت هناك مشادة كلامية ، وأشعار بين طالب بن أبي طالب وبين رؤساء جيش المشركين وهم في طريقهم إلى معركة بدر فقالوا :وَاَللّهِ لَقَدْ عَرَفْنَا يَا بَنِي هَاشِمٍ وَإِنْ خَرَجْتُمْ مَعَنَا ، أَنّ هَوَاكُمْ لَمَعَ مُحَمّدٍ . فَرَجَعَ طَالِبٌ إلَى مَكّةَ مَعَ مَنْ رَجَعَ . وَقَالَ طَالِبُ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ
لَا هُمّ إمّا يَغْزُوَنّ طَالِبْ … فِي عُصْبَةٍ مُحَالِفٌ مُحَارِبْ
فِي مِقْنَبٍ مِنْ هَذِهِ الْمَقَانِبِ … فَلْيَكُنْ الْمَسْلُوبُ غَيْرَ السّالِبِ
وَلْيَكُنْ الْمَغْلُوبُ غَيْرَ الْغَالِبِ ( ).
فرجع طالب إلى مكة من الطريق ولم يشهد معركة بدر ، وهل عاد وحده فلم يعلم مصيره ، أم عاد معه جماعة ، قال ابن إسحاق : فرجع طالب إلى مكة مع من رجع ( ).
الرابع : اعتزال بني زهرة القتال وانسحابهم من ميدان المعركة قبل ابتدائها بمشورة من الأخنس بن شريق الثقفي (وكان حليفهم ومطاعاً فيهم، فقال: إنما خرجتم تمنعون أموالكم وقد نجت) ( ).
بين الجهاد والقتال
في قوله تعالى [كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ] ( ) وجوه :
الأول : إرادة أصحاب رسول الله صلى الله عيله وآله وسلم خاصة دون غيرهم ( ).
الثاني : قصد استدامة أحكام الآية إلى قيام الساعة .
الثالث : المراد حال الدفاع عند مداهمة المشركين ، وقال الثعلبي : وأجرى بعضهم الآية على ظاهرها فقال : الغزو فرض واجب على المسلمين كلهم إلى قيام الساعة ( ).
وليس في الآية ذكر للغزو إنما ذكرت القتال ، وقد يكون دفاعاً ، وهو ظاهر الآية قال تعالى [وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ] ( ) للدلالة على أن القتال للدفاع ومنع الإكراه على الإرتداد فأبى الله عز وجل إلا أن تبقى كلمة التوحيد في الأرض ، وهذا البقاء من مصاديق قوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( ) .
(روى ابن أبي أنيسة عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ثلاث من أصل الإيمان : الكفّ عمّن قال : لا إله إلاّ الله ما لم يره بذنب، ولا يخرجه من الاسلام بعمل، والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أُمتي الدّجال لا يبطنه ضنّ ولا شك، والإيمان بالأقدار) ( ).
والحديث ضعيف سنداً ، ولكن ورد سند الحديث عن البيهقي قال (أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ الْفَقِيهُ أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى ح وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَلِىٍّ الرُّوذْبَارِىُّ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالاَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى نُشْبَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وآله وسلم : ثَلاَثٌ مِنْ أَصْلِ الإِيمَانِ الْكَفُّ عَمَّنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ لاَ يُكَفِّرُهُ بِذَنْبٍ وَلاَ يُخْرِجُهُ مِنَ الإِسْلاَمِ بِعَمَلٍ وَالْجِهَادُ مَاضٍ مُنْذُ بَعَثَنِى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى أَنْ يُقَاتِلَ آخَرُ أُمَّتِى الدَّجَّالَ لاَ يُبْطِلُهُ جَوْرُ جَائِرٍ وَلاَ عَدْلُ عَادِلٍ وَالإِيمَانُ بِالأَقْدَارِ) ( ).
أي الذي يروي عن أنس هو يزيد بن أبي نُشبة وكذا في سنن أبي داود( ).
ومسند أبي يعلى الموصلي( ) .
وابن أبي نشبة هذا مجهول ، كما في قال ابن حجر والمنذري ،وقال الذهبي : حكم عليه الأئمة بأنه مجهول ، وقال الأزدي : (عبد الله بن أبي نشبة: قال الأزدي: لا يصح حديثه انتهى) ( ).
أما بالنسبة للمتن والدلالة فان الجهاد أعم من القتال موضوعاً وحكماً ، وبينهما عموم وخصوص مطلق ، فقد يكون الجهاد مع النفس وقهر الشهوة والميل إلى الملذات .
وورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيان معنى للجهاد في أداء التكاليف وإتخاذها طريقاً إلى النعيم الأخروي ، ووجوب العصمة من الملذات المحرمة وخطوات الشيطان (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لما خلق الله الجنة قال : يا جبرائيل اذهب فانظر إليها ، قال : فذهب فنظر إليها ، فقال : لا يسمع بها أحد إلا دخلها ثم حفها بالمكاره ، ثم قال : اذهب فانظر إليها ، قال : فذهب فنظر إليها .
فقال : وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد ، ثم خلق النار ، فقال : يا جبرائيل اذهب فانظر إليها ، قال : فذهب فنظر إليها ، فقال : لا يسمع بها أحد فيدخلها .
قال : فحفها بالشهوات ، ثم قال : اذهب فانظر إليها ، قال : فذهب فنظر إليها ، فقال : يا رب وعزتك لقد خشيت أن لا يبقى أحد إلا دخلها)( ).
ولو ورد الجهاد على نحو الإطلاق ، ومن غير قوانين فينصرف إلى الصبر والدفاع ، ومنه المرابطة ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] ( ) .
وهل من جهاد للروح وشكر منها لله عز وجل خاصة وأن الإنسان مركب من روح وجسد ، الجواب نعم ، ويتجلى هذا الشكر بضبط التفكير ،وسنخية الهمّ بالفعل ورياضة النفس ومنعها من أسباب الريب ودبيب الشك ، وبتسخير الجوارح والأركان لفعل الصالحات وزجرها عن إرتكاب المعاصي والسيئات ليرى الإنسان الحياة الدنيا واحة خضراء وروضة يانعة ، فعندما يتخذها الإنسان مزرعة للثواب الحسن في الآخرة فانها تبدو في عينيه مرآة للجنان ، ووعاء لطاعة الرحمن ، ونشر مفاهيم المودة والحب بين الناس ، والتنزه عن الأخلاق المذمومة التي جاء القرآن بالنهي عنها ، والتي تكون على أقسام :
الأول : فعل المعصية على نحو شخصي وما فيه الإضرار بالذات مثل شرب الخمر .
الثاني : ما فيه نوع مفاعلة مع طرف آخر مثل الزنا ، لذا قال تعالى [الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ] ( ) ، ومثل أكل الربا .
ومن الإعجاز أن النهي القرآني فيه توجه إلى آكل الربا لأنه الأصل في هذا الفعل الذي هو نوع مفاعلة ، قال تعالى يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً.
وجاءت السنة النبوية ببيان حرمة الربا على الأطراف التي تقوم به والتي تتدخل في وقوعه ،(عن جابر بن عبد الله قال : لعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آكل الربا ، وموكله ، وشاهديه ، وكاتبه ، وقال : هم سواء ) ( )، لبعث النفرة من الربا عند الغني والفقير والهروب منه ، ومن الشهادة عليه وحضور معاملته.
ولا يستطيع أحد اقناع الناس بأن آكل الربا والذي يدفعه له والشاهد والكاتب له بمرتبة واحدة في الإثم لولا هذا البيان من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتأكيد حاجة الناس إلى السنة النبوية في تفسير القرآن ، والهداية إلى سواء السبيل.
فلولا هذه الأحاديث لربما أختصر الناس في الذم والنهي عن الربا بالنسبة لآكله وموكله ، ولكن الحديث جعل الشهادة عليه وكتابته بذات مرتبة الحرمة والإثم وكذا بالنسبة لموكله ، بالإضافة الى نهي القرآن عن الإعانة على الإثم ومباشرته المقصودة , قال تعالى [وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ]( ).
فمع أن موكل الربا يدفع أرباحاً إضافية على القرض من جهده وسعيه يأتيه ذات الإثم الذي يلحق آكل الربا لإرادة منع مقدمات الربا ، وإستئصاله من المجتمعات ومنه فرض أموال اضافية على المديون العاجز عن الدفع قال تعالى [وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ]( ) ز
فاذا وجد الذي يعرض ويعطي المال بالفائدة والربا فانه لا يجد من يأخذه منه بهذا الشرط سواء كان عن إختيار أو إضطرار لإطلاقات حرمة الربا وأن وجد الطرفان المرُبي والرابي فانهما لا يجدان شاهدين عدلين على معاملة الربا ، وفيه تبكيت وزجر عن الربا ، وهو مناسبة للإستحياء منه ، وإن وجد الشاهدان فلن يكن هناك كاتب يكتب مال الربا إنما هناك كاتب يكتب الدين والقرض بالعدل .
ومن غايات الآية مسائل :
الأولى : بيان وجود أمة من المؤمنين وطائفة من الناس استجابة لدعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم النبوية .
الثانية : ذكرت الآية [الَّذِينَ آمَنُوا] لبيان تعدد إنتساب الصحابة ، وبدل أن كانوا ينسبون إلى قبائلهم صاروا ينسبون إلى انتمائهم للإيمان وهو من مصاديق قوله تعالى[إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ]( ).
الثالثة : بيان قانون وهو مجئ الجملة الخبرية في القرآن لتكون بشارة للمؤمنين في منطوقها , وإنذاراً للذين كفروا في مفهومها .
الرابعة : ذكر فضل الله عز وجل وهو أن كل عمل صالح للمؤمنين يلحقهم كصفة في الدنيا والآخرة ، ويؤجرون عليه .
فقد تجتمع صفة الإيمان والهجرة والجهاد في عدد كثير من الصحابة كما بالنسبة للمهاجرين الذين حضروا معركة بدر إذ كان عددهم يومئذ تسعة وثمانين رجلاً.
لقد هاجر المسلمون الأوائل من المهاجرين والأنصار إلى منازل الهداية والإيمان والرشاد ، وهو من رشحات قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا].
الخامسة : إخبار الآية عن سلامة إختيار الإيمان ، والقيام بالهجرة فراراً بالدين ، وإجتناب أذى الذين كفروا ، وإرادتهم الإرتداد للذين آمنوا [وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا]( ).
السادسة : بيان رحمة الله وأنه هو العفو الغفور الذي يحيط الذين آمنوا بواسع رحمته في النشأتين .
وقد يقال المراد إتحاد الذات مع تعدد الصفة وأن المقصودين في الآية هم أنفسهم آمنوا وهاجروا وجاهدوا ، ويدل العطف على تعدد صفاتهم كما قال تعالى [الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ] ( ) .
ولكن التباين ظاهر على نحو الإعجاز بتكرار لفظ [الَّذِينَ] في آية البحث ، بقوله تعالى [الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا] ( ) .
وهل كان قصد قتال الذين كفروا حاضراً في الوجود الذهني عند المهاجرين ، أو أنهم كانوا يتوعدون به مشركي مكة عندما يشتد إيذاؤهم لهم .
الجواب لا دليل عليه ، انما وقعت معركة بدر وأحد والخندق باصرار الذين كفروا على تجهيز الجيوش ودخول المعارك.
ولا يختص (قصد في سبيل الله) بالهجرة والجهاد إنما يشمل فعل الصالحات مطلقاً ومنه الإنفاق كما في آية الصدقات والزكاة الواجبة ، قال تعالى [إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ]( ).
وقال تعالى [وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ] ( ).
لقد ابتدأ قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ] ( ) بصيغة التأكيد التي يدل عليها الحرف المشبه بالفعل [أن] لبيان أن مضمون آية البحث قانون من المحكمات خاصة وأنها تخبر عن الرجاء ، وهو كيفية نفسانية قد تبرز على اللسان وفي الفعل ، فأخبرت الآية عن وجود هذا الرجاء عند المؤمنين في الفوز برحمة الله ، وهو من مصاديق قوله تعالى [يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ] ( ).
لقد ورد الاسم الموصول [الَّذِينَ] في الآية مرتين لبيان تعدد الذوات المقصودة في الآية ، فبعد أن ذكرت الذين آمنوا عطفت عليهم [الَّذِينَ هَاجَرُوا] والنسبة بين الذين آمنوا والذين هاجروا هي العموم والخصوص المطلق ، فالذين آمنوا أعم وهم :
الأول : المهاجرون.
الثاني : الأنصار .
الثالث : الذين أسلموا وبقوا في مكة وقراهم لم يهاجروا ,
ولا يختص الأمر بالرجال من المسلمين إنما يشمل الرجال والنساء ، وجمعت آية البحث بين الهجرة والجهاد ، ويحتمل أمورا :
الأول : ذات الهجرة جهاد .
الثاني : التغاير بين الهجرة والجهاد .
الثالث : إرادة الوجهين أعلاه .
وقد ورد قوله تعالى [رَحْمَةَ اللَّهِ] ست مرات في القرآن ، قال تعالى [إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ] ( ) لبيان استجابة الله للذين يرجون رحمة ورأفة الله بأن جعلها قريبة منهم ، لأنه سبحانه يعلم بأنهم يرجونها ويتطلعون إليها ، وهي تتقرب إليهم .
ومن مصاديقها زيادة الرزق الكريم ، ودفع البلاء ، قال تعالى [فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] ( ) لبعث السكينة في نفوس المؤمنين لأمور :
الأول : حسن المعيشة والسراء في المدينة .
الثاني : زيادة الإيمان وكثرة عدد المسلمين ، وتوبة المشركين من أهل مكة وما حولها .
الثالث : النجاة والأمن يوم القيامة ، قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ] ( ) .
وبعد أن أخبرت آية البحث عن الإيمان والهجرة ، ذكرت الجهاد وقيدته بأنه في سبيل الله لمنع الفتنة والقتال تعدياً ، والغزو واستباحة المدن والقرى .
لقد أراد الله عز وجل للذين يدافعون عن بيضة الإسلام إحراز قصد القربة في قولهم وعملهم ، وبما يمنع من الفتنة والظلم ، قال تعالى [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا] ( )، مع قلة كلمات الآية [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ]( ).
فقد أختتمت بثلاث أسماء لله عز وجل وهي :
الأول : اسم الجلالة .
الثاني : غفور .
الثالث : رحيم .
وفيه شاهد على رأفة الله بالمؤمنين والناس جميعاً ، وأن الذين يرجون رحمته يمّن عليهم بالعفو ومحو الذنوب ويزيد عليهم من فضله ، قال تعالى [قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ] ( ) .
(عن ابن عمر قال : نزلت هذه الآيات في عياش بن أبي ربيعة ، والوليد بن الوليد ، ونفر من المسلمين كانوا أسلموا ، ثم فتنوا وعذبوا ، فافتتنوا فكنا نقول : لا يقبل الله من هؤلاء صرفاً ولا عدلاً أبداً . أقوام أسلموا ثم تركوا دينهم بعذاب عذبوه.
فنزلت هؤلاء الآيات وكان عمر بن الخطاب كاتباً فكتبها بيده ، ثم كتب بها إلى عياش ، والوليد ، وإلى أولئك النفر . فاسلموا وهاجروا) ( ).
لقد ذكرت الآية طائفتين من المؤمنين :
الأولى : الذين آمنوا .
الثاني : الذين هاجروا وجاهدوا ، ولا تكون الهجرة إلا مع قيد الإيمان ، ويحتمل متعلق قوله تعالى [فِي سَبِيلِ اللَّهِ] وجوهاً :
الأول : إرادة الجهاد.
الثاني : إرادة الهجرة ، وأن المهاجرين لم يتركوا أوطانهم إلا بقصد القربة لله عز وجل ، قال تعالى [وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً] ( ).
الثالث : المقصود الهجرة والجهاد والصبر وكأن الواو في [وَالَّذِينَ] للإستئناف وتقدير الآية : والذين هاجروا في سبيل الله وجاهدوا في سبيل الله .
الرابع : تعلق قصد [فِي سَبِيلِ] بمضامين الآية على نحو العموم.
والصحيح هو الأخير ويكون تقدير الآية :
الأول : الذي آمنوا في سبيل الله .
الثاني : الذين هاجروا في سبيل الله .
الثالث : الذين جاهدوا في سبيل الله .
الرابع : الذين آمنوا وهاجروا في سبيل الله .
الخامس : الذين آمنوا وجاهدوا في سبيل الله .
السادس : الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله .

قانون غزو الرعب لقلوب المشركين
لقد جعل الله عز وجل الإنسان مركباً من الروح والجسد ، ليميل الإنسان إلى ما يحب وتنفر نفسه مما يكره ، وقد تفضل الله عز وجل وجعل القلوب بيده ليدفع الناس بلطف عن منازل الغواية.
وقد رزق الله عز وجل الإنسان الدعاء لإتخاذه وسيلة للصلاح، وواقية من الضلالة.
وعن عبد الله بن عمرو أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد يُصَرِّف كيف شاء ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم مُصَرِّف القلوب، صَرِّف قلوبنا إلى طاعتك( ).
لبيان قانون وهو أن إقبال القلوب على طاعة الله حرز من الرعب وأسباب الفزع لذا جاء القرآن بالبشارة للمؤمنين في مواضع عديدة من القرآن قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ]( )، ليختص الرعب بالذين كفروا فينفذ الى قلوبهم عقوبة عاجلة من عند الله عز وجل .
وفيه وجوه :
الأول :إختراق الرعب لقلوب المشركين معجزة وآية من عند الله ، وشاهد على عظيم قدرته وسلطانه.
وهو حجة عليهم من جهات :
الأولى : تغشي هذا الرعب خصوص الذين كفروا ممن يحارب النبوة والتنزيل فتجد أخوين في بيت واحد أحدهما يصاب بالهلع والخوف بسبب إقامته على الكفر , والآخر إختار إجتناب الكفر بالنبوة ومحاربة النبي فكان في مأمن هذا الرعب .
الثانية : كيفية هذا الخوف والرعب واستحواذه على الجوارح والأركان .
الثالثة : كيفية هذا الرعب بما يفضح الذين كفروا بين الناس .
الرابعة : هذا الخوف والرعب مقدمة لنزول العذاب بالذين كفروا ، قال تعالى [لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلاَدِ]( ).
الخامسة : امتلاء قلوب الذين كفروا بالرعب برزخ دون إضرارهم بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين ، وهو من مقدمات واسباب دفع شرور الذين كفروا ، والتخفيف من شدة أذاهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين ، وهو من عمومات قوله تعالى [لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى]( ).
السادسة : لقد أراد الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يقوم بتبليغ رسالته على الوجه الأتم فبعث الله الرعب في قلوب الذين كفروا لينشغلوا بأنفسهم , قال تعالى [فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ]( ).
السابعة : إزاحة برزخ وحاجب دون تدبر الناس بمعجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم لترشح الإرباك في أفعال الذين كفروا عن الرعب الذي يملأ نفوسهم .
الثامنة : منع تكرار غزو المشركين وتحشيد الجيوش لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وهذا الرعب من مصاديق قوله تعالى [وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ]( ).
(وروى عن أسماء بنت يزيد : أنَّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم كان يُكثر في دعائه : اللهم (يا) مقلَّب القلوب ثبَّت قلبي على دينك.
قالت : فقلتُ : يا رسول اللّه وإنَّ القلوب لتقلب؟
. قال : نعم ما خلق اللّه من بني آدمَّ من بشر إلاّ وقلبه بين اصبعين من أصابع الله عزّ وجلّ فإن شاء أزاغه،
وإن شاء أقامه على الحق،
فنسأل اللّه تعالى أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا،
ونسألهُ أن يهبْ لنا من لدنه رحمةً إنَّهُ هو الوهاب.
قالت : قلت : يا رسول اللّه ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي؟
قال : بلى قولي : اللهم ربَّ محمّد النبي،
اغفر لي ذنبي،
واذهب غيظ قلبي وأجرني من مضلاّت الفتن ما أحييتني) ( ).
الثاني : من أسماء الله عز وجل الحكيم ، وهو الذي يبتلى الإنسان لما فيه نفعه وتقريبه وغيره لمنازل الطاعة ، بلحاظ أن الحياة الدنيا دار الإمتحان والإبتلاء ، ولاتعاظ من النفس والغير .
فالقاء الرعب في قلوب الذين كفروا مناسبة لدخولهم الإسلام ، وبعث للنفرة من الكفر في نفوس الناس . ، قال تعالى [وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ]( ).
ويمنع سلطان الرعب الذين كفروا من مواصلة قتال ومحاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو بذل الوسع في الكيد به وإرادة قتله ، لقد سعى المشركون في غزو المدينة وإخافة أهلها واشاعة القتل فيهم .
فجعل الله عز وجل الرعب يغزو قلوب المشركين ، ويكون برزخاً دون غزوهم المدينة .
الثالث : من فضل الله عز وجل على النبي والمسلمين إخبارهم بالأذى والعقاب العاجل للذين كفروا وأشركوا بالله بأن أحلّ الرعب في قلوبهم وشغلهم عن الغزو ، وفيه دعوة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين للشكر لله عز وجل بأداء الفرائض والعبادات ، وعدم الهجوم أو الغزو ، قال تعالى [وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ] ( ).
الرابع : القاء الرعب في قلوب الذين كفروا من عند الله سبب لوقوع الخصومة والنزاع بينهم .
الخامس : هل الرعب الذي في قلوب الذين كفروا كيف قار وعرض مستقر في ذات نفوس الذين كفروا , مثل لون السواد بالنسبة للغراب ، أو أنه عرض زائل مثل صفرة الوجل وحمرة الخجل .
الجواب إنه أمر ملازم للكفر ومترشح عنه ، وإذا تغير الموضوع تبدل الحكم ، فاذا تاب الإنسان وانتقل الى منازل الإيمان فان هذا الرعب يزول عنه , قال تعالى [هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ]( )، ليكون الرعب من جنود الله عز وجل فينسحب ويغادر الإنسان حال توبته.
السادس : حلول الرعب في قلوب الذين كفروا مقدمة لعذابهم ، إذ أن ذكر الآية لعلة وسبب هذا الرعب وهو الشرك بالله إخبار عن نزول البلاء بالذين كفروا ما داموا على الشرك ، فكيف وأنهم قد أصروا على محاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسعوا في قتله من وجوه :
الأول : في ليلة المبيت في مكة .
الثاني : في طريق الهجرة وجعل المشركين البدل والجعل لمن يقتله أو يأتي به .
الثالث : في معركة بدر .
الرابع : في معركة أحد .
الخامس : في معركة الخندق .
السادس : تعدد محاولات وسعي الذين كفروا لإغتيال النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
وقد قام قوم صالح بعقر الناقة فنزل بهم العذاب ، قال تعالى [وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ] ( ) فكيف وقد أراد الذين كفروا قتل خاتم الأنبياء وسيد المرسلين .
وهناك مسألتان :
الأولى : هل الرعب الذي يقذفه الله في قلوب الذين كفروا بمرتبة واحدة .
الثانية : هل يبقى هذا الرعب في قلوب الذي يتوب ويدخل الإسلام .
أما المسألة الأولى فان هذا الرعب من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة ، والملاك فيه دفع الضرر عن النبي والمهاجرين والأنصار ، وصيرورة الرعب بمرتبة تزجر الكافر عن التعدي ، وهو من مصاديق قوله تعالى [لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمْ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنْصَرُونَ]( ).
لبيان موضوعية الرعب الذي يلحق الذين كفروا بما كسبت أيديهم ليحول دونهم ودون عقد تمام المكر والدهاء ضد النبوة والتنزيل.
ولهذا الرعب موضوعية في فرار الذين كفروا لذا فما ورد في الآية أعلاه [وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمْ الأَدْبَارَ] ( )، وعد كريم من عند الله عز وجل للمسلمين.
ويتجدد في كل معركة وهو من معاني صيغة المضارع في الآية وفيه شاهد على أن المشركين لم ينتصروا في معركة أحد إنما اختاروا الإنسحاب من ميدان المعركة ، وهو من مصاديق أمور :
الأول : تولية الأدبار.
الثاني : إعراض الذين كفروا عن ميدان المعركة.
الثالث : عزوف الذين كفروا عن القتال.
الرابع : أثر الرعب الذي يملأ نفوس الذين كفروا في إختيارهم وما يقولون ويفعلون.
فمن إعجاز الآية أعلاه أنها لم تقل وان يقاتلوكم ينهزموا ، إنما ذكرت تولية الأدبار وبينها وبين الهزيمة عموم وخصوص مطلق ، فتشمل تولية الأدبار وجوهاً :
الأول : الهزيمة .
الثاني : الإنكسار .
الثالث : قتل طائفة من الذين كفروا ، كما في معركة أحد إذ قال تعالى [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا]( ).
الرابع : وقوع طائفة من الذين كفروا في الأسر .
الخامس : إمتناع المشركين عن القتال حتى وان التقى الجمعان .
السادس : مناجاة الذين كفروا بالصلح وترك القتال بعد أن كانوا يحشدون له ، وينفقون الأموال في مقدماته .
وأما المسألة الثانية ، فان هذا الرعب لا يبقى عند الذي يدخل الإسلام ، وهو من إعجاز الآية ببيانها لسببه بقوله تعالى[سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ]( )، فمع زوال السبب وانتفاء الموضوع يزول المسبب والعقوبة فحالما يدخل الإنسان الإسلام يبدل الرعب الذي في قلبه سكينة ، وتفتح له آفاقاً من الرحمة ومن يهاجر منهم يجد المأوى والأخوة الإيمانية والإيثار في سبيل الله ، قال تعالى [وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ]( ).
ولزوال المعلول بزوال علته ، ولأن الحكم يدور مدار علته في وجوده أو عدمه .
فمثلاً إذا زال الصغر أو الجنون عن المكلف لم يبق القلم مرفوعاً عنه ، وإذا صار الخمر خلاً زالت الحرمة والنجاسة ، وإذا تاب الإنسان وتخلص من وصف الفسق قبلت شهادته وروايته ، فيدور الحكم والوصف مدار علته ، سواء كان الحكم شرعياً أو عقلياً .
أسباب معركة أحد
تدل مقدمات ووقائع معركة أحد على أن المشركين هم الذين قاموا بالغزو من وجوه :
الأول : قيام رجالات قريش باحتجاز عير قافلة أبي سفيان والبضائع التي فيها وتقدر بخمسين ألف دينار ذهب ثم مشوا على أهلها ، وسألوهم أن يجعلوا رؤوس أموالهم في حرب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في معركة الثأر من الخسارة والهزيمة التي لحقتهم في معركة بدر ، ولم يكن يومئذ اسم معركة أحد معروفاً لأن هذا الاسم وموضع المعركة لم يكن غاية مقصودة في معركة الثأر إنما كان المشركون عازمين على التوجه لمحاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولو بغزو المدينة ، وهو أشد ما واجه المسلمين يومئذ.
الثاني : طواف رجال قريش على القبائل ، وحشدها لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبذل الأموال فلما رجع رجال قريش الذين فروا من معركة بدر إلى مكة ، ورأوا قافلة أبي سفيان قد وصلت سالمة وهي تتألف من ألف بعير ، محملة بالبضائع ومنها ذهب وفضة .
والمختار أن القافلة وصلت إلى مكة قبل وصول المشركين إلى معركة بدر ، مع إسراع القافلة في السير ، شأن أي فار منهزم ، وقد فروا من قبل من دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الإسلام ، وجعلوا أصابعهم في آذانهم ، وسعوا في قتله .
لقد انتدب رجال من وجهاء قريش للطواف على أصحاب التجارات في قافلة أبي سفيان بعد خسارتهم في معركة بدر مباشرة وفي حال الأسى والخزن ومنهم :
أولاً : عبد الله بن أبي ربيعة .
ثانياً : عكرمة بن أبي جهل .
ثالثاً : صفوان بن أمية .
ومعهم جماعة (ممن أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر)( ).
كانوا يثيرون فيهم حمية الجاهلية ويقولون لهم إن محمداً وتركم وأدخل الحزن الى بيوتكم (وقتل خياركم فأعينونا بهذا المال على حربه لعلنا ندرك منه ثأرا ففعلوا)( ).
ولم يكن السبعون الذين قتلهم المسلمون أخياراً إنما كانوا كفاراً فاسقين أصروا على القتال ، والإبتداء بمحاربة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد سألهم بعض أفراد جيشهم أن يمتنعوا عن القتال خاصة بعد وصول رسول من أبي سفيان يخبرهم بسلامة القافلة وتوجهها إلى مكة بأمان وحتى لو لم يصلهم رسول ويخبرهم عن سلامة القافلة فان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه يقابلونهم في بدر , مما يدل على أنهم لم يتعرضوا للقافلة ، ولم يدركوها.
وكان من خصائص العرب آنذاك إحاطتهم علماً بالمحل الذي وصلت إليه القافلة ، ومتى تصل الى المنزل الآخر ثم إلى مكة ، فالقبائل التي في الطريق ، والناس الذين على آبار الماء يقدرون حركة القوافل ومدة قطعها كل بريد ومسافة والأماكن التي تبيت وتستريح فيها القوافل كما يمّر بعض المسافرين والركبان على القافلة الكبيرة فيجتازها لأنها تمشي ببطئ فيخبر الذين يراهم ويمر عليهم بخبر القافلة ، خاصة وأن أمر قافلة أبي سفيان لا يخفى على الركبان وأهل القرى لأنها تتألف من ألف بعير فاذا صلت في ماء وآبار فانها تستحوذ على الماء كما يقوم أصحابها بالشراء والبيع في ذات الموضع فتكون هناك شبه سوق مؤقتة بسبب القافلة يشترك فيها أهل القرية والركبان .
ومن أسباب استقرار تلك القرى مرور القوافل عليها للتزود من الماء والإستراحة ، وإذا لم تمر القوافل على الجادة العامة تبدأ بيوت القرية بالنقصان وينتقل أهلها إلى حيث العشب والماء والتجارة.
الثالث : إعطاء قريش الوعود على المشاركة في قتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهذه الوعود خاصة وعامة ، فمن الخاصة التعهد بالإنفاق على عائلة الذي يقتل ممن يخرج معهم كما في قصة الشاعر أبي عزة والتي تبين السماحة في الإسلام ، والرأفة في الأسرى ، وعدم إتعاظ المشركين حتى مع العفو منهم ، فقال كان أبو عزة الشاعر من أسرى معركة بدر وسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يعفو عنه ويفكه من الأسر لأنه فقير ، وذو بنات وقال : يا رسول الله، إني فقير ذو عيال وحاجة قد عرفتها، فامنن علي صلى الله عليك، فمّن عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم( )، ويحتمل وجوهاً :
الأول : قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بفك واطلاق أبي عزة من الأسر باجتهاد وكرم منه .
الثاني : لم يفك النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبا عزة من الأسر إلا بالوحي .
الثالث : كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعلم أن أبا عزة سيعود في معركة أحد مع المشركين ويقع في الأسر مرة أخرى ، فمنّ عليه لإقامة الحجة عليه .
والمختار هو الثاني قال تعالى[وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى]( ).
ليتجلى الإعجاز في سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإقامة الحجة على الذين كفروا ، وفي عودة أبي عزة الشاعر وخروجه في معركة أحد والقبض عليه من بين أفراد الجيش الثلاثة آلاف آية إعجازية لبيان خبث سنخية الذين كفروا وإصرارهم على الحرب على النبوة والتنزيل.
وكان صفوان بن أمية قد فقد أباه وأخاه قتيلين في معركة بدر ، فهو مملوء حنقاً وغضباً ويسعى في الثأر والإنتقام بدل أن يتدبر بالمعجزات في نصر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والآية العظمى في نزول الخزي بالذين كفروا.
وكان صفوان قد تخلف عن معركة بدر ، وورد ذكر اسمه عندما جاء الناعية والصريخ الذي ينبأ أهل مكة باسماء قتلى بدر .
وأول من وصل الى مكة بعد معركة بدر الحيسمان بن إياس الخزاعي فسأله أهلها ما وراءك قال : قتّل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ، وأبو الحكم بن هشام (أبو جهل) وأمية بن خلف وزمعة بن الأسود ، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج ، وأبو البختري بن هشام وصار يعدد كبار رجال قريش ، والناس في ذهول.
وكان صفوان بن أمية جالساً في حجر إسماعيل.
فقال : والله إن يعقل هذا ؟ لقد طار قلبه، أي من الخوف والهلع ، فسلوه عني.
(فقالوا : ما فعل صفوان بن أمية ؟ قال: هو ذاك جالسا في الحجر، قد والله رأيت أباه وأخاه حين قتلا( ).
مما يدل على أنهما لم يقتلا بعد انتهاء المعركة أو أن بلالاً أجهز عليهما بعد التسليم لأن الحيسمان رآى قتلهما أثناء المعركة .
لقد هاجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مكة إلى المدينة بعد أن عزم المشركون على قتله في فراشه في ذات الليلة التي هاجر فيها ، وليس هناك سبب لقتله ، وليس في عنقه دم لهم ، ولم يعتد بنو هاشم على بطون قريش الأخرى إنما لاقوا أشد الأذى منهم ، وتحملوا الحصار في شعب أبي طالب ولثلاث سنوات من غير أن يردوا بالسيف ونحوه .
وبعد الهجرة وفي شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة وقعت معركة بدر بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من جهة وبين مشركي قريش ، ولم يقع في تلك المدة بين الهجرة ومعركة بدر ما يستلزم القتال ، ولكن المشركين أصروا عليه .
فان قلت أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم التعرض لقافلة أبي سفيان، والجواب من جهات :
الأولى : لم يثبت هذا التعرض ، وخاصة وأنه لم يقع فعلاً .
الثانية : لم يكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه يتصدون للقافلة بكمين في طريقها ، ولم يقطعوا عليها طريقاً .
الثالثة : لم تصب قافلة أبي سفيان بأذى سواء في رواحلها أو بضائعها أو الأشخاص الذين معها .
الرابعة : قد ثبت لقريش وغيرها عدم مطاردة المسلمين لقافلة أبي سفيان .
لقد أبي كفار قريش إلا القتال يوم بدر لأنهم رأوا قلة عدد المسلمين والنقص في أسلحتهم واستصحبوا إرادة قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليلة المبيت فعزموا على القتال يوم بدر وشهروا السيوف بقصد قتله ، وأبى الله عز وجل إلا نجاته وتوالي نزول آيات وسور القرآن.
فمن خصائص نزول القرآن نجوماً حفظ الله لشخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من القتل حتى يتم نزول القرآن ، ولما كمل نزول آيات القرآن ، قال تعالى [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا] ( ).
وليس في كمال الدين موضوعية للغزو إلا أن قتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه كان يتصف بأمور :
الأول : حال الدفاع وليس الهجوم .
الثاني : أحكام الضرورة .
الثالث : الإقتصار على دفع العدو وشروره .
الرابع : أولوية الدعوة إلى الله عز وجل قبل وأثناء وبعد المعركة .
الخامس : العفو والرحمة حال القتال .
لقد كانت معركة أحد استمراراً لقصد قريش قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ووقف التنزيل , واستصحاباً لما قصدوه في معركة بدر ، ولو تنزلنا وقلنا انهم أرادوا الثأر لما لحقهم في معركة بدر ، فما هي أسباب معركة بدر فلم يسبقها قتال وخسارة لقريش ، إن معركة أحد من مكر وخبث كفار قريش , قال تعالى[وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ]( ).
قانون ملازمة التلاوم للكفار
من الإعجاز في نبوة محمد تفضل الله بجعل الكفار في حال إرباك وخصومة وخلاف إذ كثر التلاوم بين أهل مكة رجالاً ونساءً بعد معركة بدر من جهات :
الأولى : التلاوم على الجحود برسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والعزوف العمدي عن التدبر في معجزاته .
الثانية : اللوم والندامة على إيذاء قريش للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت.
الثالثة : التساؤل الإنكاري عن شدة إيذاء قريش للمسلمين الأوائل ، وتعذيب بعض المسلمين والمسلمات وبجوار بيت الله الحرام الذي جعله الله عز وجل[مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا]( )، وفيه انتهاك لحرمة البيت الذي صاروا بسببه سادة وأغنياء ، قال تعالى [لِإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ]( ).
فصار بعضهم يلوم بعض على قبيح ما فعلوه وإيذاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، وأن هذا الفعل سبب لنزول البلاء بهم .
الرابعة : توجيه اللوم إلى أبي سفيان على إرسال ضمضم بن عمرو الغفاري إلى أهل مكة سريعاً إلى مكة بعد أن دفع له أجره الذي ما أن وصل مكة حتى جدع أنف بعيره ، وحوّل رحله ، وشق قميصه ، لبيان هول المصيبة ، وقام واقفاً على بعيره .
وأخذ ينادي (يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث)( ).
لذا فان أبا سفيان لما رآى فلول قريش دخلت مكة بعد هزيمتهم في معركة بدر وعليهم معالم الحزن والذل نذر (أَنْ لَا يَمَسّ رَأْسَهُ مَاءٌ حَتّى يَغْزُوَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ فَخَرَجَ فِي مِائَتَيْ رَاكِبٍ حَتّى أَتَى الْعَرِيضَ فِي طَرَفِ الْمَدِينَةِ ، وَبَاتَ لَيْلَةً وَاحِدَةً عِنْدَ سِلَامِ بْنِ مِشْكَمٍ الْيَهُودِيّ فَسَقَاهُ الْخَمْرَ وَبَطَنَ لَهُ مِنْ خَبَرِ النّاسِ .
فَلَمّا أَصْبَحَ قَطَعَ أَصْوَارًا مِنْ النّخْلِ الْأَنْصَارِ وَحَلِيفًا لَهُ ثُمّ كَرّ رَاجِعًا ، وَنَذِرَ بِهِ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَخَرَجَ فِي طَلَبِهِ فَبَلَغَ قَرْقَرَةَ الْكُدْرِ ، وَفَاتَهُ أَبُو سُفْيَانَ وَطَرَحَ الْكُفّارُ سَوِيقًا كَثِيرًا مِنْ أَزْوَادِهِمْ يَتَخَفّفُونَ بِهِ فَأَخَذَهَا الْمُسْلِمُونَ فَسُمّيَتْ غَزْوَةَ السّوِيقِ ، وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ)( ).
ومع أن الذي هجم هو أبو سفيان وطلب المدينة إلا أنها تسمى غزوة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إنما كان خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم للدفاع ودفع المشركين ليكون خروج أبي سفيان هذا ندامة واصراراً على الكفر والعناد ، فالأصل هو الإتعاظ والتدبر وتدارك الأمر بحكمة .
ومن الآيات أنه لم يجلب أبو سفيان في خروجه إلا الخزي والخسارة له ولأصحابه ، وحينما عاد إلى مكة إزداد حزن وغيظ قريش لأنه عاد بخفي حنين.
الخامسة : التلاوم على النفير العام في الخروج إلى معركة بدر وتوجيه قريش التوبيخ لمن تخلف أو أراد التخلف عن الخروج ، فمثلاً كان أمية بن خلف رجلاً ثقيلاً ويشق عليه ركوب الراحلة وقطع المسافة ، وتكاسل عن الخروج خاصة وأنه رآى آيات ومعجزات متعددة من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عندما كان في مكة قبل الهجرة فأراد أمية عدم الخروج الى بدر فأتاه عقبة بن أبي معيط بمجمرة( ) يحملها (حَتّى وَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمّ قَالَ يَا أَبَا عَلِيّ اسْتَجْمِرْ فَإِنّمَا أَنْتَ مِنْ النّسَاءِ قَالَ قَبّحَك اللّهُ وَقَبّحَ مَا جِئْتَ بِهِ قَالَ ثُمّ تَجَهّزَ فَخَرَجَ مَعَ النّاسِ)( ).
وكان أمية حينئذ جالساً في المسجد الحرام وبين قومه ، أي أن عقبة اختار ساعة ومناسبة يوبخه فيها ويجعل الناس يتخذونه سخرياً ، ويخشى الآخرون من القعود وعدم الخروج ، وكان فعل عقبة هذا ورضا أمية بالخروج من مصاديق عدم أهلية قريش لولاية البيت الحرام ، قال تعالى [وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ]( ).
السادسة : حينما عادت جيوش قريش من معركة بدر ما خلا الذين قتلوا والأسرى منهم ، أخذوا يتحدثون عن أسباب ومقدمات ووقائع المعركة ، وتبين للناس حقيقة وهي أن رؤساء الشرك هم الذين أصروا على القتال ، وأن عتبة بن ربيعة أراد اجتناب القتال بتحمل دية عمرو بن الحضرمي ولكن أبا جهل أصر على محاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وقال أنهم أكلة رأس .
فقتل الاثنان معاً أبو جهل وعتبة بن ربيعة لأن ذات الخروج والشروع بالقتال من مصاديق الإقامة على الكفر والظلم , قال تعالى [وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ]( ).
وهل وجه أهل مكة اللوم إلى الذين قتلوا منهم بسبب إصرارهم على القتال وطلب المبارزة ، الجواب نعم ، وهو من الخزي للذين كفروا في الحياة الدنيا ، إذ يلحقهم لوم وذم أصحابهم لهم حتى بعد مماتهم ، وكأنه مقدمة وشاهد على عذابهم في عالم البرزخ ويوم تقوم الساعة ، قال تعالى [ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ] ( ).
بينما أوصى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باكرام موتى المسلمين ، وعن ابن عمر قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اذكروا محاسن موتاكم ، وكفوا عن مساويهم( ).
لقد كانت قريش تجتمع في دار الندوة ، ويذكرون أخبار الناس والوقائع , الحوادث الشخصية والعامة ، كما يستحضرون الأنساب والأشعار .
ويتشاورون في الأمور ، وحال المجتمع ومنهاج العمل وضروب التجارة والكسب ، وفي ذات الدار التي أنشأها قصي بن كلاب جد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إتخذت قريش المكائد ضد النبي صلى الله عليه وآله وسلم , وجهزوا الجيوش لقتاله ، وهل صار دار الندوة بعد معركة بدر محلاً للتلاوم بين رجال قريش ، الجواب نعم ، قال تعالى [وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ]( ).
ولا يختص هذا التلاوم بالرجال أو بالذين يحضرون دار الندوة ويؤذن لهم بدخولها ، إنما كان حديث أهل مكة عامة رجالاً ونساءً للخسارة الفادحة التي جلبوها لأنفسهم ، فكما كان نصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في معركة بدر معجزة ، فكذا هزيمة المشركين فيها معجزة أخرى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فان قلت يتحد الأمران في ذات الواقعة ، وقوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ] ( ) والجواب هذا صحيح ، ولكن مصاديق الإعجاز في معركة بدر متعددة ، ويدل عليه مفهوم الخطاب في الآية أعلاه ، ومن معانيه وجوه :
الأول : يا أيها الذين كفروا لقد نصر الله المؤمنين عليكم ببدر .
الثاني : يا أيها الذين كفروا لقد هزمكم الله ببدر .
الثالث : يا أيها الذين كفروا لقد هزمتم في معركة بدر مع قلة عدد المسلمين فكفوا عن القتال ولا تتناجوا بغزو المدينة .
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار العبرة والموعظة ينتفع فيها الإنسان والجماعة والطائفة مما يصيبهم من الخير والشر ، فكانت معركة بدر درساً بليغاً وصاعقة على الكفار جميعاً وليس قريشاً وحدها موعظة من جهات :
الأولى : أسباب معركة بدر .
الثانية : مقدمات معركة بدر .
الثالثة : خروج قريش إلى معركة بدر .
الرابعة : إمتناع رؤساء قريش عن الرجوع من وسط الطريق عندما وصلت رسالة أبي سفيان بسلامة القافلة .
الخامسة : إصرار الذين كفروا على القتال .
السادسة : سرعة هزيمة الذين كفروا مع كثرة عدوهم وخيلهم ورواحلهم ، ووجود فرسان شجعان فيهم .
السابعة : استمرار التلاوم والتوبيخ بين الكفار وفيه ألم وحزن وعبؤ اضافي عليهم.
وقال تعالى[أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ]( ).
ويتوجه النداء في الآية أعلاه من عند الله عز وجل على نحو الإستفهام الإنكاري والإرشادي , ويحتمل في الجهة التي يتوجه إليها وجوهاً :
الأول : إرادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتقدير الآية , أم حسبت أن تترك.
الثاني : المهاجرون والأنصار لشدة الأذى الذي كانوا يلاقونه من كفار قريش .
الثالث : المراد عموم أجيال المسلمين .
ويحتمل شعبتين :
الأولى : إرادة الرجال على نحو التعيين ، لأن القتال ساقط عن النساء .
الثانية : المقصود عموم المسلمين والمسلمات .
والمختار هو الشعبة الثانية من الوجه الثالث أعلاه لأصالة العموم ولأن خطابات القرآن غضة طرية , وتدل الآية بالدلائل التضمنية على عالم الحساب والجزاء , ويكون دخول الجنة بالإيمان , ويتقوم بالصبر وعموم الصالحات .
وهل من ملازمة بين الأذى الذي لاقاه المؤمنون من الأمم السالفة وبين الذي يلقاه المسلمون على نحو الحتم , الجواب لا تدل هذه الآية على هذا المعنى , ولكنها تخبر عما لاقاه المسلمون الأوائل , قال تعالى [لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ]( ) .
ومن المقاصد السامية في هذه الآية بعث المسلمين للشكر لله على عدم تعرضهم لذات البلاء الذي أصاب الأنبياء السابقين وأممهم إذ مستهم البأساء في أحوالهم العامة، والضراء في أبدانهم .
وليكون من معاني قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ).
إذ تخبر الآية عن الأمن الذي فاز به المسلمون مدة نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم , ثلاثاً وعشرين سنة ، ولم يقع القتال فيها إلا في ست سنوات وبأيام معدودة منها.
ومن الآيات أن معارك الإسلام الأولى تنتهي في ذات اليوم الذي بدأت فيه كما في معركة بدر وأحد , فإن قلت استمر حصار المشركين للمدينة , نحو عشرين يوماً.
والجواب هذا صحيح ولكن القتال لم يقع إلا في ساعة واحدة إذ عبر عمرو بن ود العامري الخندق وكان فارس قريش وعمره آنذاك تسعون سنة , وقد تخلف عن معركة أحد بسبب الجراحات التي أصيب بها في بدر، والتي كانت إنذاراً وزاجراً له عن قتال النبوة والتنزيل والصحابة , ولكنه لم يتعظ .
وحينما طلب المبارزة تقدم له الإمام علي عليه السلام فصرعه وانهزم من كان معه من المشركين أي أن القتال في الخندق لم يستمر إلا ساعة واحدة .
وهو من مصاديق قوله تعالى [يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ]( ) وحينما انسحب المشركون لم يطاردهم أو يلاحقهم المسلمون.
وهل تلاوم الكفار بعد معركة بدر من مصاديق قوله تعالى [وَلاَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ]( )، الجواب نعم ، ومن معاني الآية ورد عن ابن عباس : النفس المذمومة( ).
قانون الحمد لله
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا تتقوم بالحمد لله عز وجل وهو مقدمة وسبب لنزول البركة ورشحة لها .
وكما أن النعم الإلهية أكثر من أن تحصى فكذا يعجز الإنسان عن الشكر لله عز وجل ، قال تعالى [وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا] ( ) .
وكل نعمة تلزم الحمد والشكر لله على نحو متعدد بلحاظ أن نزول واستدامة النعمة في كل ساعة نعمة عظمى .
ومن فضل الله عز وجل على آدم والناس جميعاً أن جعل أول كلمة ينطق بها آدم هي (الحمد لله ) و (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن الله خلق آدم من تراب ، ثم جعله طيناً ، ثم تركه حتى إذا كان حمأ مسنوناً خلقه وصوّره ، ثم تركه حتى إذا كان صلصالاً كالفخار ، وجعل إبليس يمر به فيقول : لقد خلقت لأمر عظيم ، ثم نفخ الله فيه من روحه ، فكان أوّل شيء جرى فيه الروح بصره وخياشيمه ، فعطس فلقنه الله حمد ربه فقال الرب : يرحمك ربك .
ثم قال : يا آدم اذهب إلى أولئك النفر فقل لهم وانظر ماذا يقولون؟ فجاء فسلم عليهم فقالوا : وعليك السلام ورحمة الله ، فجاء إلى ربه فقال : ماذا قالوا لك وهو أعلم بما قالوا له؟ قال : يا رب سلمت عليهم فقالوا وعليك السلام ورحمة الله .
قال : يا آدم هذه تحيتك وتحية ذريتك ، قال : يا رب وما ذريتي؟! قال : اختر يدي ، قال : أختار يمين ربي ، وكلتا يدي ربي يمين . فبسط الله كفه فإذا كل ما هو كائن من ذريته في كف الرحمن عز وجل) ( ) .
لتكون أساساً وتأديباً للناس جميعاً .
ترى ما هي النسبة بين الذِكر وقول الحمد لله ، الجواب هو العموم والخصوص المطلق ، فالحمد لله ذكر لله واستحضار لفضله ، وإقرار بنعمه التي تفوق الإحصاء، ورجاء لرفده وتوالي إحسانه ، وهل يدفع قول [الْحَمْدُ لِلَّهِ] شرور الذين كفروا وغزوهم .
الجواب نعم ، ولكنه لا يتعارض مع لزوم التهيئ والإحتراز وأخذ الحائطة منهم ، وذات قول [الْحَمْدُ لِلَّهِ] من هذا الإحتراز لذا تفضل الله عز وجل وجمع في الأمر بين الصبر والمصابرة والمرابطة في آية واحدة ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] ( ) .
إن قول [الْحَمْدُ لِلَّهِ] في حال الرخاء والشدة يلين القلوب ، ويجعل الناس تميل إلى الناطقين به والعاكفين عليه ، وهل هو عمل صالح ومن مصاديق قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَنُ وُدًّا] ( ) الجواب نعم ، فهو شاهد على الإيمان وعمل صالح وخير يجري على اللسان .
لقد جعل الله عز وجل قول [الْحَمْدُ لِلَّهِ]شاهداً على الإيمان ، ومادة للصبر وتحمل الأذى في جنب الله ، وفيه انتظار للفرج من غير قتال أو غزو.
لقد جاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقول [الْحَمْدُ لِلَّهِ] وورد لفظ [الْحَمْدُ لِلَّهِ] في مواضع وآيات عديدة في القرآن ، ومن السور ما ابتدأت بعد البسملة بقول [الْحَمْدُ لِلَّهِ] وهي :
الأولى : سورة الفاتحة .
الثانية : سورة الأنعام .
الثالثة : سورة الكهف .
الرابعة : سورة سبأ .
الخامسة : سورة فاطر .
ومن إعجاز القرآن أن كل مرة يرد فيها لفظ [الْحَمْدُ لِلَّهِ] في القرآن يتضمن الثناء على الله وبيان قدرته مع الإختلاف في الموضوع والقرينة .
وورد في الخلق بقوله [الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ]( )، وفي الربوبية المطلقة لله عز وجل وورد قوله تعالى [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ] ( ) .
ومن حب الله عز وجل للمسلمين تلاوتهم هذه الآية في كل ركعة من الصلاة الواجبة والمستحبة فهو سبحانه رب كل ذي روح ، وما ليس له روح , وهو سبحانه خالق الخلائق ورازقها في كل حال من أحوالها .
وجعلهم يقرأون في الصلوات اليومية ، الحمد له سبحانه مع الإقرار بربوبيته المطلقة للخلائق ، لتكون هذه القراءة من الشواهد والمصاديق لإحتجاج الله عز وجل على الملائكة عندما [قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ] ( ) إذ أجابهم الله [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) .
وجاءت بعض آيات الحمد بالأمر إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأنبياء بالحمد والثناء على الله ، كما في قوله تعالى [وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ] ( ) .
وقد أمر الله عز وجل الأنبياء أن يقولوا الحمد لله لأنه منهاج النبوة ، وفي نوح قال تعالى [فَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ] ( ) وفي إبراهيم عليه اسلام ورد قوله تعالى [الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ] ( ) .
وفي داود وسليمان ورد قوله تعالى [وَقَالاَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ] ( ).
ويلهج أهل الجنة بقول [الْحَمْدُ لِلَّهِ] شكراً لله عز وجل على نعمة المقام الحسن واللبث الدائم في الجنان ، إذ يقول أهل الجنة [الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ] ( ).
ويتجلى حكم الله بالعدل في الآخرة فيشكر أهل الجنة والملائكة الله [وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ] ( ).
وكما كانت كلمة [الْحَمْدُ لِلَّهِ] هو ما نطق به آدم عليه السلام فإن أول كلمة نطق بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في نبوته (الحمد لله) بتعليم وإرشاد من جبرئيل .
(عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا برز سمع منادياً يناديه: يا محمد، فإذا سمع الصوت انطلق هارباً، فقال له ورقة بن نوفل: إذا سمعت النداء فاثبت حتى تسمع ما يقول لك، قال: فلما برز سمع النداء: يا محمد، فقال: لبيك .
قال: قل أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، ثم قال : قل [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ] ( )، حتى فرغ من فاتحة الكتاب) ( ).
ولم يكن النطق بالحمد لله أمراً سهلاً بل هو جهاد في سبيل الله ، وحرب على الشرك ومفاهيم الضلالة ، ومن أسباب إلقاء الرعب في قلوب الذين كفروا وورد (عن ابن عباس قال: قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمكة فقال:(بِسمِ اللهِ الرَحمَنِ الرَحيمِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العالَمينَ)، فقالت قريش: رض الله فاك.) ( ).
لقد كان قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه [الْحَمْدُ لِلَّهِ] في مفهومه دعوة لنبذ عبادة الأصنام ، وهو من مصاديق قوله تعالى [قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ* لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ] ( ) ولم يخطر باذهان الذين كفروا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحاربهم بكلمة [الْحَمْدُ لِلَّهِ] وأنهم يعجزون عن منع ميل الناس للإسلام بسلاح [الْحَمْدُ لِلَّهِ] الذي يغني عن القتال والغزو .
وهل له موضوعية في هجرة المسلمين .
الجواب نعم ، لأنه سكينة وأمل وصاحب كريم ، قال تعالى [فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ] ( ) .
وبعد الهجرة واستقرار حكم الإسلام في المدينة ، ومجئ الوفود للبيعة ودخول الإسلام كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحث على قول الحمد لله ويرغب فيه ويدعو إليه (عن ثابت عن أنس قال : جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وآله و سلم فقال يا رسول الله علمني خيرا فأخذ النبي صلى الله عليه وآله و سلم بيده فقال :
قل سبحان الله و الحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر قال : فعقد الأعرابي على يده ومضى فتفكر ثم رجع فتبسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : تفكر البائس ، فجاء فقال يا رسول الله سبحان الله والحمد لله و لا إله إلا الله والله أكبر هذا لله فما لي ؟ فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم :
يا أعرابي إذا قلت سبحان الله قال الله : صدقت وإذا قلت الحمد لله قال الله : صدقت وإذا قلت لا إله إلا الله قال الله : صدقت وإذا قلت الله أكبر قال الله : صدقت وإذا قلت اللهم اغفر لي قال الله : قد فعلت وإذا قلت اللهم ارحمني قال الله : فعلت وإذا قلت اللهم ارزقني قال الله : قد فعلت قال : فعقد الأعرابي على سبع في يده ثم ولى) ( ).
فلم يطلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الأعرابي الخروج إلى الغزو أو الإقامة في المدينة والإلتحاق بالسرايا والكتائب ، إنما دعاه إلى الذكر وجعله يرجع إلى أهله بكنز الحمد لله الذي يأتي بالفرج والنصر ، ويصرف شرور الأعداء .
وجاء أعرابي (إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة قال : تعبد الله لا تشرك به شيئاً ، وتقيم الصلاة المكتوبة ، وتؤدي الزكاة المفروضة ، وتصوم رمضان . قال : والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا شيئاً أبداً ولا أنقص منه ، فلما ولى قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا .
وأخرج مسلم عن جابر : أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : أرأيت إذا صليت الصلوات المكتوبات ، وصمت رمضان ، وأحللت الحلال ، وحرمت الحرام ، ولم أزد على ذلك شيئاً ، أدخل الجنة؟ .
قال : نعم . قال : والله لا أزيد على ذلك شيئاً ، لبيان الإكتفاء بأداء الفرائض العبادية للنجاة يوم القيامة من غير السعي للغزو ونحوه (عن جابر رضى الله عنه قال اتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم النعمان بن قوقل فقال يا رسول الله أرأيت إذا صليت المكتوبة وحرمت الحرام واحللت الحلال أادخل الجنة فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : نعم) ( ).
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم أبو داود والنسائي وابن ماجة عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث معاذاً إلى اليمن فقال : إنك ستأتي قوماً أهل كتاب ، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله .
فإن هم أطاعوا لذلك فاعلمهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة ، فإن هم أطاعوا لذلك فاعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم ( ).
فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم ، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) ( ).
لقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدعو إلى أداء الفرائض العبادية ، ويحث عليها ، وفيه انصراف عن الغزو والقتال .
ولا يتعارض هذا المعنى مع لزوم أخذ الحائطة من الذين كفروا ، فعندما يبلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن طائفة منهم يستعدون للإغارة على المدينة وسروحها يخرج لهم أو يبعث سرية فتفرق جمعهم ، وقد يتم الإستيلاء على أموالهم لمنعهم من التعدي والغزو ، ومنهم من يأتون إلى المدينة نادمين فيعيد لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم كل ما أخذ منهم.
ومن خصائص الإيمان ملازمة الحمد لله للمسلم إذ يأتي به إبتداء وعند كل نعمة وعلى أي حال من السراء والضراء ففيه استدامة للنعم وزوال للسقم وأسباب البلاء ،وهو من مصاديق قوله تعالى [لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ] ( ).
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا (دار الحمد )ومن مواطن قول الحمد لله وجوه :
الأول : عند التدبر بالآيات الكونية ، وبديع صنع الله ، وفي التنزيل آيات كثيرة تذكر عظيم قدرة الله في الخلائق وتبدأ بالحمد لله منها [الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] ( ).
الثاني : قول الحمد لله عند كل نعمة ظاهرة أو باطنة ، ومنها صرف البلاء والداء والأهوال عن الفرد والجماعة ، وأهل القرية والبلد ، وهل من موضوعية لقول الحمد لله والثناء على الله في مضامين قوله تعالى [يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ] ( ).
الجواب نعم ، وفيه ترغيب للناس بقول الحمد لله كي يمحو عنهم البلاء والأذى ومقدماته ، ويثبت لهم الخير والنعم ويديمها عليهم ، ويحول دون زوالها .
الثالث : اللجوء إلى الحمد لله ابتداءً ليلهج بها اللسان حتى من غير ذكر واستحضار نعم مخصوصة سواء كانت خاصة أو عامة ، إذ أن قول الحمد لله نعمة قائمة بذاتها ، وفيه محاكاة لعمل الأنبياء ، وإقتفاء لنهجهم (عن كعب قال : قال موسى : يا رب دلني على عمل إذا عملته كان شكراً لك فيما اصطنعت إلى قال : يا موسى قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير . قال : فكان موسى أراد من العمل ما هو أنهك لجسمه مما أمر به .
فقال له : يا موسى لو أن السموات السبع والأرضين السبع وضعت في كفة ووضعت لا إله إلا الله في كفة لرجحت بهن) ( ).
الرابع :قول الحمد لله عقب كل صلاة ، وهو سبيل لمغفرة الذنوب ومحو الخطايا ، ومنه تسبيحة الزهراء (عن ابن عباس قال جاء الفقراء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا يا رسول الله إن الاغنياء يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ولهم أموال يتصدقون بها ويعتقون.
فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : إذا صليتم فقولوا سبحان الله ثلاثا وثلاثين والحمد لله ثلاثا وثلاثين والله أكبر أربعا وثلاثين ولا إله إلا الله عشرا , فإنكم تدركون بذلك من سبقكم , وتسبقون من بعدكم .) ( ).
الخامس : عند إرادة النوم .
السادس : عند الإستيقاظ أثناء النوم .
السابع : عند القيام من النوم واستقبال اليوم الجديد بقول الحمد لله .
الثامن : عند لبس الثوب , وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : من أكل طعاما فقال : الحمد لله الذي أطعمني هذا ، ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة ، غفر له ما تقدم من ذنبه ، ومن لبس ثوبا فقال : الحمد لله الذي كساني هذا من غير حول مني ، ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه) ( ).
التاسع : عند العطاس (عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَلْيَقُلْ مَنْ حَوْلَهُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ وَلْيَقُلْ هُوَ يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ) ( ).
وقد أنعم الله عز وجل على المسلمين وجعلهم يقرأون سورة الفاتحة في كل ركعة من الصلاة ، ويأتي بها المسلم والمسلمة على نحو الوجوب العيني وحال الخشوع والخضوع فيقول [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ] ( ) ليتفضل الله عز وجل ويحسبه شكراً من العبد على نعمه .
وهل هو شكر خاص بخصوص الفرد الذي نطق به أم أنه عام ، الجواب هو الثاني ، لذا وردت سورة الفاتحة بصيغة الثناء على الله بقول [الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] ( ) والتوسل إليه بصيغة الجمع فلم تقل الآية (أهدني الصراط المستقيم ) بل قالت [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( ) لبيان أن هذا الصراط منهاج عام في العبادة والمعاملات والأحكام ، وفي أمور الدين والدنيا .
فمن خصائص (الحمد لله) وجوه :
الأول : إنه حصن للذات عن فعل المعصية ، وفيه لجوء واستجارة بالله عز وجل منها .
الثاني : يبعث قول الحمد لله السكينة في النفس ، ويمنع من استحواذ الهم والضجر عليها ، وفي التنزيل [أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ] ( ).
الثالث : الحمد لله شهادة على وحدة المسلمين واستدامة أخوتهم في رضوان الله ، وهو من عمومات قوله تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة]( ).
الرابع : بعث الخوف في قلوب الذين كفروا , وفي اجهار المسلمين بقول الحمد لله دعوة للناس جميعاً للإيمان والإقرار بالربوبية المطلقة لله عز وجل والتسليم بأن النعم كلها من عنده تعالى .
الخامس : قول الحمد لله حرب على الشرك والضلالة لذا يتلو المسلمون [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ]( )، وفيه بيان وتفقه في الدين بأن كل الخلائق ملك لله عز وجل .
السادس : في قول الحمد لله زجر للذين كفروا من غزو المسلمين والتعدي عليهم ، مجتمعين ومتفرقين ، وان قاموا بغزوهم فان قول المسلمين الحمد لله سبب لبعث الندامة في قلوب الذين كفروا على تعديهم على المسلمين وثغورهم وأموالهم ، وهو وسيلة لتوجيه الناس اللوم للذين كفروا على هذا التعدي .
قانون الحمد سور
لقد أنعم الله عز وجل على الإنسان بالعقل ، وأنز الكتب السماوية على الأنبياء ، وليس من كتاب منها إلا ويدعو إلى الحمد لله والتذكير بوجوب الشكر له سبحانه ، وهذا التذكير نعمة عظمى منه سبحانه [يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لاَ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ بَلْ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ]( )، وقول الحمد لله حسن على كل حال ، ويؤتى به بمناسبة ومن غير مناسبة ، وهو واقية من البلاء ليكون من تقدير قوله تعالى [يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ]( )، أي : يمحو الله ما يشاء بقول العبد الحمد لله.
(عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : الإِيمان نصفان : فنصف في الصبر ، ونصف في الشكر) ( ) وكل من الصبر والشكر طريق إلى الآخرة وسبيل هداية إليه ، وهما مما إذا اجتمعا افترقا ، وإذا افترقا اجتمعا .
والشكر لله مصداق التسليم بربوبيته المطلقة ، ودليل على أن النعم كلها من عنده سبحانه والرضا بقسمه وعظيم احسانه ، وبين الرضا والشكر عموم وخصوص مطلق ، فالرضا أعم ، وقال تعالى [وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ]( ) وقال [وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ]( ).
وقد أثنى الله عز وجل على الأنبياء لشكرهم له سبحانه ، وفي نوح قال تعالى [إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا]( ) .
وفي الثناء على إبراهيم ، قال تعالى [إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ]( ).
السور ما يحيط بشئ أو أشياء مثل البناء والحائط والجدران ، والجمع : أسوار وسيران ، وفي التنزيل [فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ] ( ).
والسور في علم المنطق هو اللفظ الذي يدل على كلية الأفراد التي يجمعها موضوع أو حكم واحد ، وبما يدل على الشمول والإستغراق والكلية ، ومن ألفاظ سور القضية الكلية الموجبة : كل ، جميع ، كافة ، عامة ، الف ولام الإستغراق .
وهناك سور الشرطية الكلية الموجبة مثل : كلما ، حيثما ، وكما في قوله تعالى [فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ] ( ).
والحمد لله سور يمنع من تسرب وذهاب النعم وواقية من العين والحسد ، ومانع من نفاذ الكيد والمكر إلى الإنسان وما عنده من النعم الظاهرة والباطنة .
ومن خصائص مواظبة العبد على الحمد صيرورة سور من حوله يحرسه من الشيطان وجنوده ، ويجعله يعجز عن الوسوسة له ، لقد أحب الله عز وجل الإنسان فرزقه اللسان وجعله قادراً على اللهج بالحمد والثناء عليه .
ولقد جاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى قريش برداء [الْحَمْدُ لِلَّهِ] ووعدهم بالخير والسيادة في الدنيا والآخرة بالنطق به وتعاهده بالذات وكجزء من العبادة فهو مرآة الإيمان وشاهد ظاهري على التقوى والتسليم بالربوبية لله عز وجل وبأن النعم كلها من عنده تعالى ، ولكن قريشاً حاربوا نداء التوحيد ، والتجاهر بالحمد لله ، وعلموا أنه مقدمة ونوع طريق لأداء الصلاة ودفع الزكاة والإمتناع عن أكل الربا ، وظنوا بقاء الشأن والسيادة لهم ، قال تعالى [وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ]( ).
لقد جعل الله عز وجل الحمد له سبحانه في عدة مواضع من القرآن ، ليكون منهاجاً للمسلمين ولمنع الغفلة عنهم .
وفي عكوف المسلمين على الحمد له سبحانه مسائل :
الأولى : إنه دعوة للذين كفروا لدخول الإسلام .
الثانية : فيه زجر للذين كفروا عن غزو المدينة .
الثالثة : إشغال الذين كفروا بتخلفهم وعجزهم عن الحمد لله .
الرابعة : توبة طائفة من الذين كفروا لإدراكهم لقانون وهو أن النطق بالحمد لله ضرورة وخير محض .
وقد أوجب المعتزلة وجوب شكر المنعم عقلاً ممن لم يبلغه الشرع ، وقال الأشاعرة لا حكم للعقل في المقام ، بغض النظر عن هذه الأقوال فان شكر العباد لله عز وجل واجب شرعاً وعقلاً , والهداية الى الشكر لله عز وجل لطف من عنده سبحانه قال تعالى [وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ]( ).
والحمد لله حاجة للعبد في الدنيا والآخرة , قال تعالى [وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ]( ).
الخامسة : تفرق وابتعاد الأنصار والأتباع عن رؤساء الكفر ، فما أن مرت بضع سنوات على هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة .
وبعد أن خاض المشركون معركة بدر وأحد، حتى زحفوا بعشرة آلاف رجل على المدينة في معركة الخندق والتي أكدت مجريات الأحداث فيها على التفكك في جيش العدو ، وإنتفاء ولاء عامة الجنود لرؤساء الكفر من قريش إذ عجز أبو سفيان وأقرانه عن أعطاء الأوامر باقتحام المدينة ، وبقوا في أطرافها عشرين ليلة ، وقام عمرو بن ود العامري باجتياز الخندق وطلب المبارزة من المسلمين ، وهو من رؤساء كفار قريش ، وأراد بهذا الإقتحام إغراء بعض أفراد جيش المشركين على عبور الخندق والهجوم على النبي والمسلمين .
قانون آيات الصلح
لقد جعل الله الحياة الدنيا دار تراحم ومودة ، وجعل الصلح واقية من الإبتلاء وقاطعاً للخصومة والخلاف ، وعندما احتج الملائكة على جعل آدم خليفة في الأرض احتج الملائكة و[قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ]( ).
فجاء الرد من عند الله عز وجل بالقول [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) ومن علمه تعالى هداية الناس إلى الصلح وتقريبه منهم ، وجعل نفوسهم تميل إليه ، ويدركون أنه الأولى والأحسن .
وهذا الإدراك قد يسبق الصلح وقد يصاحبه وقد يتأخر في زمانه عليه ، والأول هو الأكثر ، أي يقتنع أطراف النزاع أن الصلح هو الأولى ، وهو لا يتعارض مع استدامة بقاء هذا الإدراك ، لذا قد تجد الشاب متحمساً للخصومة والقتال ، وأبوه يزجره ويميل صوب الصلح والوئام في ذات المسألة الواحدة لكثرة إبتلاء الوالد في أيام حياته.
وفي الصلح أطراف وهم :
الأول : المتصالحان .
الثاني : ذات الصلح .
الثالث : موضوع الصلح .
الرابع : الصلح .
ويتم الصلح من جهات :
الأولى : طلب أحد الطرفين الصلح .
الثانية : رغبة الطرفين بالصلح .
الثالثة : مجئ الصلح من الغير ، وهو من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعمومات قوله تعالى [وَالصُّلْحُ خَيْرٌ] ( ) .
وقد يأتي الصلح بفضل من عند الله عز وجل كما في قوله تعالى [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ] ( ) .
وقوله تعالى [وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] ( ) .
ولا يختص الصلح والوئام بين المؤمنين بل هو عام وشامل للناس جميعاً ، وهو من مصاديق خلافة الإنسان في الأرض ، قال تعالى [عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ] ( ) , لبيان أن الصبر طريق إلى المودة فلا تصل النوبة إلى الغزو والهجوم إنما التي تغزو القلوب والمجتمعات هي آيات القرآن ومعجزات النبوة وبدائع الكون التي تدعو الإنسان إلى التفكر بلزوم عبادة الباري عز وجل .
ترى ما هي النسبة بين الصلح والإصلاح ، الجواب هو العموم والخصوص من وجه ، فمادة الإلتقاء النفع والحسن الذاتي لكل منهما والإنتقال من حال أذى وضرر إلى حال وئام وسكينة ، ومادة الإفتراق أن الصلح وفاق بين طرفين بينهما نوع تكافؤ , والإصلاح فعل قد يصدر إبتداءً ومن جهة واحدة ، ويكون إصلاحاً للذات أو للغير ، ومن الجامع بينهما قوله تعالى [وَلاَ تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ]( ).
وقد لا يؤدي الصلح إلى الإصلاح ، إلا بالواسطة.
وورد مضمون الصلح والدعوة إليه في آيات متعددة وإن لم يرد فيها لفظ [وَالصُّلْحُ] بالذات كما في قوله تعالى [وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا] ( ) وقوله تعالى [فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمْ السَّلَمَ] ( ).
ومن إعجاز السنة النبوية الشواهد التي تدل على إرادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وميله له ، وفيها دليل على عدم نسخ آيات الصلح سواء في أخبار السنة ومنه صلح الحديبية ، إذ قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لسهيل بن عمرو ( وعلى أن يخلوا بيننا وبين البيت، فنطوف به.
فقال سهيل : ولا يتحدّث العرب إنّا أخذتنا ضغطة، ولكن لك ذلك من العام المقبل، فكتب : وعلى إنّك ترجع عنّا عامك هذا، فلا تدخل علينا مكّة، فإذا كان عام قابل خرجنا عنها لك، فدخلتها بأصحابك، فأقمت فيها ثلاثاً، ولا تدخلها بالسّلاح إلاّ السيوف في القراب، وسلاح الراكب، وعلى أنّ هذا الهدي حيث ما حبسناه محلّه، ولا تقدمه علينا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : نحن نسوقه ، وأنتم تردون وجوهه ( ).
ترى لماذا لم يتصالح النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع مشركي قريش عندما كان في مكة ، الجواب كان صلحه معهم قائماً ، ولكن من طرف واحد ، إذ أنهم يصرون على إيذائه وأهل البيت وأصحابه ، ويسعون للإضرار بهم ، وهو يدعوهم إلى الله ، ويتلو عليهم آيات القرآن ، ويمنع أهل البيت وأصحابه من الرد عليهم ، فمن خصائص الأنبياء بخصوص الصلح أمور :
الأول : إتخاذ الأنبياء الصلح منهاجاً .
الثاني : ترغيب الأنبياء بالصلح .
الثالث : سعي الأنبياء إلى الصلح .
الرابع : تقديم الأنبياء للصلح والتخفيف من شروطه .
إذ أنه مفتاح الهداية للناس ، وهو حجة على رؤساء الكفر ، فاذا تم الصلح تدبر الناس في معجزة النبي ، وما جاء به ، وانشغل هو وأصحابه بالدعاء والعبادة والدعوة إلى الله ، فمن خصائص القتال صيرورة غشاوة على أبصار الذي كفروا بسبب تلبسهم بحمية الجاهلية ، والعناد ، وتندفع هذه الغشاوة بالصلح لبيان قانون وهو أن منافع صلح الأنبياء والصالحين متصلة ومتجددة ، وفيه جلب للمنفعة ودفع للمفسدة.
ولابد من إحصاء الآيات التي تتعلق بالصلح من جهات :
الأولى : الآيات التي تدعو إلى الصلح وتندب إليه كما في قوله تعالى [والصُّلْحُ خَيْرٌ] ( ).
الثانية : الآيات التي تأمر بالصلح وتحث على التعجيل به ، كما في قوله تعالى [وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا] ( ) وقوله تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ]( ).
الثالثة : الآيات التي تبين منافع الصلح والوئام ، كما في صلح الحديبية إذ سمّاه الله عز وجل فتحاً (عن مجمع ابن جارية الأنصاري قال : شهدنا الحديبية فلما انصرفنا عنها إلى كراع الغميم إذا الناس يوجفون الأباعر فقال الناس بعضهم لبعض : ما للناس؟ .
قالوا : أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فخرجنا مع الناس نوجف ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على راحلته على كراع الغميم فاجتمع الناس عليه ، فقرأ عليهم : { إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً }( ) فقال رجل : يا رسول الله : أو فتح هو؟ قال : والذي نفس محمد بيده إنه لفتح ) ( ).
وبين الرغبة بالقتال والسعي إليه وبين الصلح نوع تضاد ، ومن خصائص القرآن أنه يدعو إلى الصلح والوفاق بذاته ، إذ تتضمن آياته معاني الرحمة والرأفة والرفق والمودة والبهجة والأمل والبشارة بالإقامة الدائمة في النعيم .
ولابد من إحصاء آيات الصلح في القرآن سواء التي تذكر الصلح بالذات أو التي تخصه بالمعنى والدلالة وان لم ترد بلفظ الصلح والوئام ، كما في قوله تعالى [تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ]( )، وقد ذكر بعض المفسرين عددا من آيات الصلح بخصوص نسخ آية السيف لها ، ولم يثبت هذا النسخ ، كما بيناه في تفسيرنا هذا.
وقد تأتي المبادرة الى الصلح من طرف ثالث كما في قوله تعالى [فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ]( )، وسيأتي كل من :
الأول : قانون إحصاء آيات الصلح في القرآن( ).
الثاني : قانون إحصاء آيات الإصلاح في القرآن( ).
الثالث : قانون الأمر الإلهي بالصلح.
الرابع : قانون الأمر الإلهي بالإصلاح .
الخامس : قانون الصلح في السنة النبوية .
السادس : قانون الإصلاح في السنة النبوية .
السابع : قانون تحية السلام صلح وإصلاح .

قانون انقطاع الرق في الإسلام شاهد على السلام
قال تعالى [ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا] ( ).
الولاء في إصطلاح علم المواريث هو نوع عصبة ووراثة المعتق لمال الذي كان مملوكاً له فاعتقه لأي سبب للعتق إذا لم يترك هذا من أسباب العتق الذي صار حراً وريثاً بالنسب ، ويدل على شرعية الولاء القرآن والسنة ، قال تعالى [فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ] ( ) .
وورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : الولاء لمن أعتق .
أما من أسلم على يده مسلم آخر فليس له ولاء ،لأنه غير معتِق وليس من دليل أو ملازمة بين الولاء والسببية في دخول الإسلام .
ولا يرث العتيق مولاه ، فاذا لم يكن للعتيق وارث ورثه الإمام ، لأنه وارث من لا وارث له .
ولا يصح بيع الولاء ولا هبته ولا جعله شرطاً في بيع ونحوه ، لأنه كالنسب والسبب ، و(عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب) ( ).
ولفظ لحمة من الإستعارة لأنه مأخوذ من لحمة الثوب وتداخلها مع السدى فيصيران كالقطعة الواحدة) ويقال لحمة النسب ولحمة الثوب ولحمة البازي واحدة ، ولحمة البازي أي ما يطعمه مما يصيده .
والإجماع على حرمة أكل لحم البازي لأنه من السباع ، ويجوز التكسب به ، وهو المشهور ، وعن أبي عبيدة الحذّاء قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : ما تقول في البازي والصقر والعقاب ؟
قال : إن أدركت ذكاته فكل منه ، وإن لم تدرك ذكاته فلا تأكل .
وأختلف في بيع المكاتب بفتح التاء ، على وجوه :
الأول : الجواز .
الثاني : المنع .
الثالث : التفصيل فاذا كان يشترى للعتق فجائز ، أما إذا كان الشراء للإستخدام فلا يجوز .
والمكاتب مأخوذ لفظاً من مادة كتب أي أوجب ولزم وفرض.
وهو في الإصطلاح الشرعي إعتاق العبد نفسه من سيده بمال يتعلق بذمته ، يؤديه مؤجلاً .
ففي المكاتبة أطراف :
الأول : المكاتِب بكسر التاء وهو المالك .
الثاني : المكاتَب بالفتح ، وهو العبد الذي يطلب ويريد حريته بدفع بدل وعوض من ماله وجهده وكسبه إلى سيده .
الثالث : المكاتبة بين الطرفين ، وهي مستحبة إذا سألها العبد حسن السيرة والذي يقدر على توفير مال وبدل العتق ، قال تعالى [وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا]( ) ، كما لوقال السيد : كاتبتُ عبدي أي أعطاني ثمنه على أن اعتقه) أي أن في المكاتبة شرطاً على السيد أيضاً.
الرابع : مقدار البدل وكيفية دفعه وتسديده (عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم )ويدل الحديث على أن العبد إذا أدى ما عليه يصير حراً بالأداء .
نعم يبقى ولاء العبد لسيده لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : الولاء لمن اعتق ) فلذا يأتي في كتب الحديث فلان مولاهم ، أي ينتسب لتلك القبيلة والقوم بالولاء بعد العتق بالمكاتبة أو مطلقاً.
وعن ابن عمر وجابر بن عبد الله( )، ليس في مال المكاتب زكاة) للنقص في تصرف المكاتب وليس النقص وعدم اكتمال النصاب في المال نعم إذا أدى المكاتب نجوم مكاتبته وقضى ما عليه أصبح حراً مالكاً لماله ، فان بقي في يده نصاب يستأنف الحول من أوان عتقه ، وتجب عليه الزكاة عند تمام الحول .
لأن المكاتب لا يزال عبداً ، نعم لا يُعطى من الزكاة مع عدم حاجته إليها ، ويعطى منها مع حاجته ، وجاء القرآن واسنة بالأمر بالمكاتبة بقيد الصلاح والنفع قال تعالى [وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ]( ).
والولاء نعمة مترشحة عن العتق ، إذ كانت العبودية في الإسلام ضابطة تمنع الإنسان الذي تم اسره في المعركة من الإضرار بالإسلام والمسلمين ومن العودة إلى جماعة الكفار والمشاركة في محاربة المسلمين ، وحينما يعتق ينال حريته كاملة .
ولكي تكون له عشيرة وطائفة يرجع إليها كان الولاء ، كما أنه برزخ ومانع من صدور الضرر العام منه بعد عتقه ، وكأنها مدة نقاهة وحصانة في آية من التشريع السماوي.
والعتق حكم وضعي ، ولكن تترتب عليه أحكام تكليفية وواجبات ، وأيضاً أحكام وضعية ومنها الإرث ، فاذا كان للذي تم عتقه ورثة بالنسب كالأبناء والوالدين والأخوة والأجداد والأخوال والأعمام ومطلق العصبة فلا تصل النوبة إلى الوراثة بالولاية.
إن أحكام العبد والمكاتبة ونحوها ثم العتق والولاء من أسباب إنحسار القتال ، وهو رحمة بأهل الأرض ، ووسيلة لدرء الفتنة .
وجاء القرآن والسنة باستحباب العتق والندب إليه ، وجعله الله عز وجل فرداً من أفراد الكفارة حتى في اليمين والمظاهرة وبيّن عظيم الأجر والثواب به قال تعالى [فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ]( ).
وعن ابن عباس قال : لما ولدت مارية قال رسول الله صلى الله عليه اعتقها ولدها( ).
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : من أعتق رقبة مسلمة فهي فداؤه من النار مكان كل عظم محرره بعظم من عظامه ، ومن أدرك أحد والديه ثم لم يغفر له فأبعده الله ، ومن ضم يتيماً من أبوين مسلمين إلى طعامه وشرابه حتى يغنيه الله وجبت له الجنة( ) .
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقدم العتق في أفراد الكفارة ترغيباً به ، وعن عائشة قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا في ظل فارع فجاءه رجل من بني بياضة فقال احترقت وقعت بامرأتي في رمضان فقال اعتق رقبة قال لااجد قال اطعم ستين مسكينا قال ليس عندي فاتى النبي صلى الله عليه وسلم بعرق من تمر فيه عشرون صاعا فقال تصدق فقال ما نجد عشاء ليلة قال فعد به اهلك( ).
ووردت نصوص في عظيم ثواب الذي يعتق عبداً وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله كل إرب منه بإرب منها من النار( ).
قانون الحمد لله حرز من القتال
من فضل الله عز وجل عز وجل على المسلمين نزول القرآن بالأمر بالقول الحمد لله .
إذ توجه الأمر بالحمد والثناء على الله في ست آيات مع بيان موضوع الحمد لله فوجهت خمسة منها إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وواحدة إلى النبي نوح عليه السلام ، وهي تشمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً وآيات الحمد هذه هي :
الأولى : قوله تعالى [وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ]( )، لبيان قانون وهو أن قول (الحمد لله) على وجوه :
الأول : قانون احتجاج قائم بذاته .
الثاني : قانون في قول الحمد لله دعوة للتدبر في بديع صنع الله.
الثالث : قانون قول ( الحمد لله) تنمية لملكة الفقاهة عند الناس .
الرابع : قانون التذكير بوجوب قول الحمد لله.
الخامس : قانون قول الحمد لله حرز من جدال الذين كفروا ، وواقية من مغالطتهم .
السادس : تدل الآية في مفهومها على اتخاذ (الحمد لله) سلاحاً وسوراً جامعاً لعبودية الناس لله عز وجل .
السابع : قانون قول الحمد لله نبذ للقتال لإقرار الناس بان الله عز وجل هو خالق السموات والأرض.
الثانية : خطاب من الله عز وجل إلى نوح عليه السلام [فَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ] ( ) ومن الإعجاز أن هذا الموضوع والنجاة من الظالمين سور الموجبة الكلية الذي يتغشى حياة الأنبياء جميعاً .
الثالثة : توجه الخطاب من الله إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في قوله تعالى [قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلاَمٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى أَاللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ] ( ) .
الرابعة : تفضل الله بتوجيه الأمر إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في قوله تعالى [وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ] ( ) .
الخامسة : أمر الله عز وجل إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتعاهد الحمد له سبحانه في قوله تعالى [قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ] ( ).
السادسة : إتخاذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحمد لله حجة كما في قوله تعالى [وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ] ( ).
ولفد جعل الله عمارة الأرض بالحمد له سبحانه واقية من القتال والغزو ودعوة للصلح والمهادنة ، وهو شاهد على عدم نسخ آيات الصلح بلحاظ أن تعاهد قول الحمد لله انقطاع إلى الله ورضا بفضله وإحسانه ، ومنه النجاة من القوم الظالمين.
الحمد لله الذي أنعم على الناس بجعل قراءة القرآن واجباً عينياً في الصلاة ، ومن شرائط هذه القراءة أن يقرأ كل مسلم ومسلمة قول [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ]( ) في كل ركعة من ركعات الصلوات اليومية التي تبلغ سبع عشرة ركعة ، وتكون هذه القراءة بصفات وهي :
الأولى : صبغة القرآنية .
الثانية : قصد القربة إلى الله .
الثالثة : يؤتى بهذه القراءة بحال خضوع وخشوع لله عز وجل .
الرابعة : التدبر بقول الحمد لله طوعاً وانطباقاً وقهراً .
الخامسة : إدراك المسلم والمسلمة الحاجة إلى قول الحمد لله رب العالمين , وفي التنزيل[يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ]( ).
السادسة : هذه القراءة تنمية لملكة حب الله في قلوب المسلمين والمسلمات , وإذ تمتلأ قلوب مشركي قريش بالفزع والخوف مع إصرارهم على التعدي والظلم بدليل قوله تعالى[سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ]( )، فان قلوب المسلمين والمسلمات تمتلأ بالسكينة لإقامتهم على النطق بلفظ [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ]( ).
السابعة : قول (الحمد لله رب العالمين) مناسبة لتفقه المسلمين في الدين.
فليس من درس يومي في الإصلاح يتكرر سبع عشرة مرة , ويحضره ويتلوه الملايين مثل الصلاة وقول [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ]( )، وهو من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( )، بأن تحضروا دروس الصلاة والتي تتصف بأمور :
الأول : إنها أعظم درس فقهي متجدد .
الثاني : الصلاة مدرسة في الأخلاق الحميدة ، لتكون المواظبة اليومية عليها من مصاديق قوله تعالى [وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ]( ).
الثالث : عندما احتج الملائكة على جعل آدم [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( )، بقيام شطر من ذريته بالفساد في الأرض وسفك الدماء جاء الرد من عند الله [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) .
ومن علم الله تعالى أداء المؤمنين الصلاة في كل زمان وإلى يوم القيامة ، ويتقوم الصلاح في الأرض بدوام أداء الصلاة ، قال تعالى [إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ]( ).
قانون الصلاة حبل لله
الصلاة نعمة متجددة , على ذات المصلي وعلى غيره , وفيها تعاهد للأخوة الإيمانية ، ويمكن اقتباس عدة قوانين خاصة بموضوعية الصلاة في قوله تعالى [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ]( ).
وأصل الحبل هو السبب والبلغة التي توصل إلى الغاية والبغية .
واختلفوا في الحبل المعني بهذه الآية :
فقال ابن عباس : تمسكوا بدين الله.
وروى الشعبي عن ابن مسعود أنه قال في قوله : {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا} قال الجماعة.
وقال ابن مسعود : يا أيها الذين آمنوا عليكم بالطاعة والجماعة فإنها حبل الله الذي أمر به وإنّ ما تكرهون في الجماعة والطاعة خير ممّا تحبون في الفرقة.
وقال مجاهد وعطاء : بالعهد .
وعن قتادة والسدي والضحاك : هو القرآن ، يدل عليه ما روي عن الحرث أنه قال : دخلت المسجد فإذا الناس قد وقعوا في الأحاديث ، فأتيت علياً كرم الله وجهه فقلت : ألا ترى أن الناس قد وقعوا في الأحاديث؟
فقال : وقد فعلوا؟
فقلت : نعم،
فقال : أما أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : إنها ستكون فتنة قال : قلت : فما الخروج منها يا رسول الله؟
قال : كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله ، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله .
فهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم ، وهو الصراط المستقيم ، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسن ولا يشبع منه العلماء ولا يخلق عن كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه وهو الذي لم تنته الجن إذا سمعته إلاّ أن قالوا [سَمِعْنَا قُرْءَانًَا عَجَبًا]( ).
من قال به صدق ومن عمل به أجر ومن حكم به عدل ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم خذها إليك يا أعور( ).
وروى عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال : سمعت رسول الله يقول : يا أيها الناس إني قد تركت فيكم خليفتين إن أخذتم بهما لن تضلوا بعدي ، أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله جل جلاله من السماء وعترتي أهل بيتي ، ألا وإنّهما لن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض( ).
وروى سعيد بن مسروق( )، عن يزيد بن حيان قال : دخلنا على زيد بن أرقم فقلنا له : لقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصليت خلفه؟
قال : نعم، وإنه خطبنا فقال : إني تارك فيكم كتاب الله هو حبل الله من اتبعه كان على الهدى ومن تركه كان على الضلالة.
وعن يزيد بن حيّان قال : انطلقت أنا وحُصَين بن سَبْرَةَ وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم، فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيتَ يا زيدُ خيرًا كثيرًا (رأيتَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسمعتَ حديثه، وغزوتَ معه، وصليتَ خلفه، لقد لقيت يا زيد خيرًا كثيرًا) حَدّثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
قال: يا بن أخي، والله لقد كَبرَت سِنِّي، وقدم عهدي، ونسيتُ بعض الذي كنتُ أعي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فما حَدّثتكُم فاقبلوا، وما لا فلا تُكَلّفونيه .
ثم قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوما خطيبا بماء يدعى خُمًّا -بين مكة والمدينة -فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وَذَكّر، ثم قال: “أما بعد، ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين، وأولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به”. فَحَثّ على كتاب الله وَرَغَّب فيه.
ثم قال: وأهل بيتي، أذَكِّركم الله في أهل بيتي، أذكِّركم الله في أهل بيتي” ثلاثا. فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته.
قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حُرِمَ الصّدَقة بعده.
قال: ومَنْ هم؟ قال هم آل علي، وآل عَقِيل، وآل جعفر، وآل عباس. قال: كل هؤلاء حُرِمَ الصدقة ، قال : نعم( ).
وهل الصلاة من مصاديق حبل الله , الجواب نعم فهي حبل يومي متجدد في طاعة الله وجلب أسباب المنفعة , ودفع المفسدة.
ومن معاني حبل الله الصلاة فهي عنوان الطاعة لله عز وجل ، وسبيل إلى رضوانه ، وطريق إلى تنقيح عالم السلوك.
ومن القوانين الخاصة بالصلاة والتي يمكن أن تقتبس من الآية أعلاه هي :
الأول : قانون الصلاة عصمة بحبل الله .
الثاني : ذات الصلاة حبل لله , ووسيلة للتقرب إليه سبحانه .
الثالث : الصلاة عصمة وحرز لجميع المسلمين والمسلمات .
ومن الإعجاز في الآية أعلاه مجيؤها بصيغة الخطاب وبالعطف على الآية السابقة التي تبدأ بنداء الإيمان وتأمر بالتقوى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ]( ).
الرابع : قانون الصلاة عصمة وواقية من الفرقة والإختلاف.
الخامس : قانون الصلاة صلح وموادعة .
السادس : قانون الصلاة ذكر لله سبحانه.
السابع : قانون الصلاة نعمة من الله .
الثامن : قانون الصلاة ذكر لنعمة الله .
التاسع : قانون الصلاة شكر لله على النعم .
ليكون تقدير قوله تعالى [وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ] واذكروا نعمة الله بالصلاة .
العاشر : قانون الصلاة وحدة للمسلمين .
الحادي عشر : قانون الصلاة ألفة وتآلف بين المسلمين .
الثاني عشر : قانون صفاء القلوب بالصلاة وتعاهدها .
الثالث عشر : قانون الصلاة أخوة إيمانية .
الرابع عشر : قانون استحباب صلاة الجماعة .
الخامس عشر : قانون منافع الصلاة في الدنيا والآخرة .
السادس عشر : قانون حب الله للمصلين .
السابع عشر : قانون الصلاة إمتثال لقول الله [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ].
الثامن عشر : قانون الملازمة بين الوجود الإنساني والصلاة .
التاسع عشر : قانون الصلاة هدىّ وزيادة فيه .
العشرون : قانون الصلاة عون على أداء الفرائض الأخرى .
الحادي والعشرون : قانون نماء الأخوة بين المسلمين بالصلاة ، ليكون من معاني قوله تعالى [فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا]( )، أي فاصبحتم بالصلاة اخواناً ، وهناك قوانين فرعية في المقام وهي :
الأول : قانون الأخوة بالوضوء .
الثاني : قانون الوضوء عصمة بالله .
الثالث : قانون الطهارة نقاء للقلوب والأبدان , وطاعة لله , قال تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]( ).
الرابع : قانون الطهارة مقدمة للصلاة .
ولو أجريت إحصائية ودراسة مقارنة بين أمرين :
الأول : الحديث النبوي عن الصلاة .
الثاني : الحديث النبوي عن القتال والغزو .
لتبين أن الأول أضعاف مضاعفة بالنسبة للثاني مع أن المسلمين كانوا بحاجة إلى الدفاع ، وقد ورد قوله تعالى [كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ] ( ) وكتُب أي لزم ووجب ، ويدل بذل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الوسع في أداء الصلاة جماعة والحث عليها التخفيف من كراهية المسلمين للقتال أو صيرورة البلد في حال عسكرة.
ولم يأت وقت صلاة من الصلوات اليومية الخمسة ، ويأخرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بسبب تمرين على السلاح أو خطبة بخصوص القتال وشد الهمم مثلاً ، أو وبيان أولوية العناية بالسلاح والخيل ، وأسباب الدفاع.
بل كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يأمر المسلمين في كل فرض من فروض الصلاة ، ويصعد المنبر ليعظ الناس ، ويدعوهم إلى التسابق في سنن التقوى ، نعم عندما صار جيش المشركين قريباً من المدينة في معركة أحد تهيئ النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه للخروج ، وقال تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] ( ).
ومع قلة كلمات هذه الآية فقد وردت فيها كلمات لم ترد في غيرها وهي:
الأول : غدوت .
الثاني : تبوئ .
الثالث : للقتال .
وكأن عناية النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالقتال إنحصرت في حال الدفاع والضرورة عندما يكون العدو على مشارف المدينة .
ولم يخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمعركة إلا بعد أن أدى الصلاة ومعه أصحابه ، ولم يؤدها بلامة الحرب والقتال إنما أكمل الصلاة ومال في بداية الأمر إلى الرأي بالبقاء في المدينة وقتال العدو في المدينة .
(عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال يوم الخندق : شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس ، ملأ الله قبورهم وأجوافهم ناراً) ( ).
وعلى القول بأن الصلاة هي حبل لله بقوله تعالى [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا] ( ) فان الآية زاجرة عن الفرقة والإختلاف في الصلاة لتكون الآية دعوة للوحدة , والألفة بين المسلمين من جهات :
الأولى : لزوم الحرص على تعاهد أداء الصلاة الواجبة ، قال تعالى [إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا] ( ).
الثانية : اتحاد هيئة وأفعال الصلاة عند أجيال المسلمين المتعاقبة ، للكتاب والسنة ، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( صلوا كما رأيتموني أصلي)( ) .
وكأن كل مسلم في الأجيال المتعاقبة قد رآى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يصلي.
وهل يدخل أداء المسلمين الصلاة جماعة في مضامين الحديث أعلاه ، الجواب نعم ، إذ حرص النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أداء الصلاة جماعة في كل فرض من الفرائض اليومية الخمسة ، فتدخل صلاة الجماعة في عمومات ( صلوا كما رأيتموني أصلي)( ).
بالإضافة إلى النصوص الكثيرة التي تدل على استحباب أداء الصلاة جماعة وما فيها من الثواب العظيم .
الثالثة : تنمي الصلاة وأداؤها اليومي مفاهيم الأخوة بين المسلمين ، وهي وسيلة للصلح , وترك الخلافات والخصومة بينهم .
الرابعة : أداء الصلاة شاهد على أن الأخوة بين المسلمين في الله ولله (عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “انصر أخاك ظالما أو مظلوما ، قيل: يا رسول الله، هذا نصرته مظلوما، فكيف أنصره ظالما ، قال: تمنعه من الظلم، فذاك نصرك إياه)( ).
الخامسة : وجوب أداء الصلاة خمس مرات في اليوم وتقيد المسلمين به وبأحكامه مادة ووسيلة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لتكون الصلاة حبل الله وتتفرع عنها مصاديق لحبل الله عز وجل .
ومن معاني قوله تعالى [وَلاَ تَفَرَّقُوا] ( ) بخصوص الصلاة لزوم حرص المسلمين على أداء الصلاة جماعة ، ومنع الإختلاف في إمامة الصلاة وكيفيتها ، وتمنع الصلاة من القتال بين المسلمين ، وتهدي إلى الصبر والرضا بما قسم الله عز وجل وعدم الجزع ، قال تعالى [وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ] ( ).
وعن (أنس قال: جمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أربعة، كلهم من الأنصار ، أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد. فقيل له: من أبو زيد ، قال: أحد عمومتي.
وفي لفظ للبخاري عن أنس قال: مات النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يجمع القرآن غير أربعة؛ أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، ونحن ورثناه) ( ) وظاهر كلام أنس أن المراد هم أربعة من الأنصار على نحو الخصوص وكان عدد من المهاجرين ممن يحفظ القرآن.
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحث على حفظ وجمع القرآن ، ومنه ما ورد عن أبي مسعود الأنصاري يقال (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله وأقدمهم هجرة فان كانوا سواء فأعلمهم بالسنة فان كانوا فيها سواء فأكبرهم سنا و لايؤم رجل في سلطانه ولا يجلس على تكرمته في بيته الا باذنه) ( ).
وفي قوله تعالى [وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ] ( )، وفي قوله تعالى [وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ]( )، ورد عن ابن عباس : أنها آخر آية نزل بها جبريل عليه السلام ، وقال : ضعها في رأس المائتين والثمانين من البقرة . وعاش رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها أحداً وعشرين يوماً . وقيل : أحداً وثمانين . وقيل : سبعة أيام . وقيل : ثلاث ساعات( ).
وعن ابن عباس قال : كان الناس أول ما أسلموا إذا صام أحدهم يصوم يومه حتى إذا أمسى طعم من الطعام حتى يمسي من الليلة القابلة ، وأن عمر بن الخطاب بينما هو نائم إذ سوّلت له نفسه فأتى أهله ، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إني أعتذر إلى الله وإليك من نفسي هذه الخاطئة ، فإنها زينت لي فواقعت أهلي ، هل تجد لي من رخصة ز
قال : لم تكن حقيقاً بذلك يا عمر ، فلم بلغ بيته أرسل إليه فأنبأه بعذره في آية من القرآن ، وأمر الله رسوله أن يضعها في المائة الوسطى من سورة البقرة ، فقال {أحل لكم ليلة الصيام} إلى قوله {تختانون أنفسكم} يعني بذلك الذي فعل عمر ، فأنزل الله عفوه فقال {فتاب عليكم} إلى قوله {من الخيط الأسود}( ).
فأحل لهم المجامعة والأكل والشرب حتى يتبين لهم الصبح( ).
لبيان أن ترتيب آيات السور توقيفي من عند الله ، وهو الذي تدل عليه معارضة وتدارس جبرئيل مع القرآن مع النبي كل سنة ، وعارضه في السنة التي توفي فيها مرتين ، فعلم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنها أمارة على قرب أجله .
لقد كان جمع القرآن في ايام النبي ، وفي السنين الأولى التي أعقبت وفاته معجزة قرآنية أخرى ، منعت وتمنع من الخلاف والخصومة بين المسلمين في أمور :
الأول : رسم الحروف والكلمات والآيات .
الثاني : قراءة آيات القرآن .
الثالث : الناسخ والمنسوخ وبقاء آيات الصلح والموادعة على حالها في الرسم والموضوع والحكم .
الرابع : مواقع الآيات في سور القرآن ، فجاء الخبر أعلاه وتعيين جبرئيل عليه السلام نفسه لموقع الآية النازلة دعوة للتسليم بترتيب القرآن ، ودرءَ للإختلاف فيه .
وكان المسلمون يخشون من شهادة وموت الصحابة الحفاظ ، فكان جمع القرآن وثيقة وعهداً لحفظه إلى يوم القيامة وبقائه خاليا من التحريف والزيادة أو النقيصة ، قال تعالى [لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ] ( ) .
وتحتمل معارضة جبرئيل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في القرآن وجوهاً :
الأول : المعارضة والتدارس بما أنُزل في تلك السنة .
الثاني : المعارضة والتدارس فيما أنزل في السنوات التي سبقت المعارضة.
الثالث : المعارضة فيما نزل وينزل من القرآن .
الرابع : جاءت المعارضة الأخيرة فكانت معارضة وتدارساً لمجموع القرآن النازل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد يستدل في المقام بقوله تعالى [لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ] ( ). والمختار هو الثاني والرابع أعلاه. قانون جمع القرآن معجزة قال تعالى [إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ]( ).
الحمد لله الذي جعل القرآن ربيع القلوب ، ومنهاج القول والعمل في الحياة الدنيا وهو من أبهى معاني [الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]( )، والدستور السماوي الثابت ، تتغير الدساتير والقوانين ، ويظهر فيها النقص أو عدم الإحاطة بالأحوال والوقائع العامة ويصار الى الإقرار بحاجتها إلى التعديل والإضافة والبيان ، أما كلام الله فهو مناسب وملائم لكل الأزمنة والأحوال.
ومن الآيات أن كل مسلم ومسلمة يتلوان قول [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]( )، على نحو الوجوب العيني سبع عشرة مرة في الصلاة اليومية لوجوب قراءة سورة الفاتحة في كل سورة ، وقول [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]( )، هي الآية السادسة من السورة ومن الصراط المستقيم تعاهد القرآن ورسمه ولفظه والعمل بسننه.
وقد ابتدأ جمع القرآن مع الأيام الأولى لنزوله ، وهو من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذ كان أهل البيت والصحابة يكتبونه في كل من :
الأول : الرقاع وهي الجلود والورق.
الثانية : اللخاف وهي الحجارة الرقيقة .
الثالثة : العسب وهو جريد النخل .
وقيل كان القرآن مجموعاً في صدور الصحابة أيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهذا القول صحيح ولكنه ليس من مصاديق الجمع وفق المعنى الإصطلاحي إذ المراد جمع آيات وسور القرآن , ويحتمل وجوهاً :
الأول : جمع القرآن في أيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني : جمع القرآن في أيام أبي بكر .
الثالث : جمع القرآن في أيام عثمان بن عفان.
ولا تعارض بين هذه الوجوه ، فقد جمع القرآن في أيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً .
لقد جمع أبو بكر القرآن في مصحف ، والمراد من المصحف هو ما بين دفتين ، أما إذا كان أوراقاً متفرقة فتسمى صحفاً ، وفي التنزيل [إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى]( )، لبيان فضل القرآن وأنه مصحف جامع وحينما لقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم رافع بن مالك بالعقبة أعطاه ما أنزل عليه في عشر سنين ، فقدم رافع بالسور والآيات إلى المدينة.
ورافع أحد النقباء الستة في العقبة الأولى ، وأحد الاثني عشر في العقبة الثانية وقتل يوم أحد ويكنى أبا مالك ، قال أبو عمر : الستة النقباء كلهم قتلوا.
وحينما هاجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان عنده كتاب للوحي منهم الإمام علي عليه السلام وأبي بن كعب ، وزيد بن ثابت .
وقيل (كان الوحي ينزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو في المدينة كل أربعة أيام من عند الله تبارك وتعالى) ( ),
وأحياناً يتأخر الوحي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فتكون هذه الأربعة أيام مدة لحفظ المسلمين ما نزل من القرآن ، وتدوينه وكتابته والتدبر في معانيه ودلالته .
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا تسافروا بالقرآن الى أرض العدو ( ).
والمراد المصحف ، إذ أن لفظ القرآن مشتق من قرأت الشئ ، وقيل هو اسم علم لكتاب الله غير مشتق كالتوراة والإنجيل ، عن الشافعي وعن ابن عمر : قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا تسافروا بالقرآن فاني لا آمن أن يناله العدو.
وقال الحاكم في المستدرك : جمع القرآن ثلاث مرات ، إحداهما بحضرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم واستدل بقول زيد بن ثابت : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نوالف القرآن في الرقاع.
قال تعالى [وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً]( )، ومن معاني الآية الإعانة على حفظ القرآن ، لأن الحفظ توثيق في الصدور ، وهو وابعد عن ضياع آية أو التداخل في الكلمات والألفاظ ، ومن الإعجاز في قراءة القرآن في الصلاة حفظه والمنع من نسيان بعض آياته.
وهل القرآن الذي بين أيدينا هو الذي أنزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أم فيه زيادة أو نقصان أو تحريف.
الجواب هو الأول فهذا القرآن بين الدفتين هو الذي أنزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وهو لايحتمل الزيادة والنقصان لعمومات قوله تعالى [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون]( )، وأمية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المقام وأنه لايقرأ ويكتب معجزة أخرى.
وعن عثمان بن أبي العاص قال : وفدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أناس من ثقيف فقالوا لي : احفظ لنا متاعنا وركابنا . فقلت : على أنكم إذا فرغتم انتظرتموني حتى أدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه حوائجهم ثم خرجوا .
فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته مصحفا كان عنده فأعطانيه .
قال أبو بكر بن أبي عاصم : هذا مما يحتج أن القرآن جمع في المصاحف على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبما روى ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : لا تسافروا بالمصاحف إلى أرض العدو ، ودل على أنه كان مجموعا في المصاحف( ).
وقام الإمام علي عليه السلام بجمع القرآن عندما انتقل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الى الرفيق الأعلى.
وفي اسلام عمر بن الخطاب ذكر ان نعيم بن عبد الله وهو من قومه بني عدي وكان قد أسلم ولكنه يخفي إسلامه لما رأى شدة وتحامل عمر على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأرادته المكر به قال له نعيم : لقد غرتك نفسك يا عمر ، أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم.
عندها سأله عمر سؤالاً انكارياً : وأي أهل بيتي ، أي هل دخل الإسلام بيتنا وأنا لا أعلم .
فقال له ختنك وابن عمك سعيد بن زيد زوج أختك فاطمة بنت الخطاب فقد صبئا ، وتركا دينك.
توجه عمر إلى بيت أخته ، وكان عندهما خبّاب ومعه صحيفة فيها سورة طه يقرئهما إياها ، لقد كانت السور المكية ملأى بالإنذار والوعيد وتتصف بالقصر وقلة الكلمات مما يساعد في انتشارها ، وبدل أن كان العرب مولعين بالشعر ، صاروا يعتنون بآيات القرآن .
وعن زيد بن ثابت قال : كنا حول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نؤلف القرآن ، وفي رواية في الرقاع( )، مما يدل على أن القرآن جمع بحضرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وباشرافه وتوجيهه المبارك ، وهو من أسرار تعدد كتاب الوحي .
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدعو عند ختم القرآن بما يدل على أنه يقرأ القرآن أجزاء إلى أن يتمه.
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن أبي جعفر قال : كان علي بن حسين يذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا ختم القرآن حمد الله بمحامده وهو قائم ، ثم يقول : الحمد لله رب العالمين ، الحمد لله الذي خلق السموات والأرض ، وجعل الظلمات والنور [ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ]( )، لا إله إلا الله ، وكذب العادلون بالله ، وضلوا ضلالاً بعيداً ، لا إله إلا الله ، وكذب المشركون بالله من العرب والمجوس واليهود والنصارى والصابئين ومن دعا لله ولداً أو صاحبة أو نداً أو شبيهاً أو مثلاً أو سمياً أو عدلاً ، فأنت ربنا أعظم من أن تتخذ شريكاً فيما خلقت.
والحمد لله الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولداً ، ولم يكن له شريك في الملك ، ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيراً الله الله الله أكبر كبيراً ، والحمد لله كثيراً ، وسبحان الله بكرة وأصيلاً والحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب إلى قوله إلا كذباً( ).
الحمد الله الذي له ما في السموات وما في الأرض الآيتين( ).
الحمد لله فاطر السموات والأرض الآيتين( )، الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ، آلله خير أما يشركون بل الله خير وأبقى وأحكم وأكرم وأعظم مما يشركون.
فالحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ، صدق الله وبلغت رسله ، وأنا على ذلك من الشاهدين ، اللهم صلّ على جميع الملائكة والمرسلين وارحم عبادك المؤمنين من أهل السموات والأرضين ، واختم لنا بخير ، وافتح لنا بخير ، وبارك لنا في القرآن العظيم ، وانفعنا بالآيات والذكر الحكيم . ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم .
وأخرج ابن الضريس عن عبد الله بن مسعود قال : من ختم القرآن فله دعوة مستجابة( ).
وحينما قام زيد بن ثابت وجمع من الصحابة بجمع القرآن أيام أبي بكر قال : لما نسخنا المصحف في المصاحف فقدت آية من سورة الأحزاب كنت اسمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرأها لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة بن ثابت الأنصاري ، الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شهادته بشهادة رجلين والآية هي [مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ]( )، فالحقتها في سورتها في المصحف( ).
وقام عثمان بجمع القرآن أيضاً ، وتوحيده ، ومنع التعدد والخصومة فيه ويسمى مصحف عثمان أو الإمام.
ويدل على تعليم النبي صلى الله عليه وآله وسلم الصحابة الحرص على ضبط حروف وكلمات القرآن ، وتعاهدها لها في الصلاة ، والإحتجاج والسعي لمنع حذف حرف أو إضافة حرف آخر .
وأخرج أبو الشيخ عن أبي أسامة ومحمد بن إبراهيم التميمي قالا : مر عمر بن الخطاب برجل وهو يقرأ [وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ]( )، فوقف عمر ، فلما انصرف الرجل قال : من أقرأك هذه؟ قال : أقرأنيها أبي بن كعب.
قال : فانطلق إليه فانطلقا إليه فقال : يا أبا المنذر أخبرني هذا أنك أقرأته هذه الآية.
قال : صدق تلقيتها من في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . قال عمر : أنت تلقيتها من في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ قال : فقال في الثالثة وهو غضبان : نعم . والله لقد أنزلها الله على جبريل عليه السلام ، وأنزلها جبريل عليه السلام على قلب محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولم يستأمر فيها الخطاب ولا ابنه .
فخرج عمر رافعاً يديه وهو يقول : الله أكبر الله أكبر( )، أي تسليما بذكر أُبي الواو في (والذين).
ومن مصاديق قوله تعالى [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون]( )، إجتهاد المهاجرين والأنصار في حفظ القرآن ، وتدوين آياته وسوره وجعلها في مصحف بين دفتين وبين الصحف والمصحف عموم وخصوص مطلق ، فكل مصحف هو صحف وليس العكس .
وأخرج ابن سعد وأحمد والبخاري والترمذي والنسائي وابن جرير وابن أبي داود في المصاحف وابن حبان وابن المنذر والطبراني والبيهقي في سننه عن زيد بن ثابت قال : أرسل إليَّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة وعنده عمر فقال أبو بكر : إن عمر أتاني فقال : إن القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس ، واني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن الا أن تجمعوه ، وإني أرى أن تجمع القرآن . قال أبو بكر : فقلت لعمر : كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال عمر : هو والله خير . فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري ورأيت الذي رأى عمر .
قال زيد بن ثابت : وعمر جالس عنده لا يتكلم ، فقال أبو بكر : إنك رجل شاب عاقل ولا نتهمك ، كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتتبع القرآن فاجمعه ، فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليَّ مما أمراني به من جمع القرآن.
قلت : كيف تفعلان شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال أبو بكر : هو والله خير . فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر .
فقمت فتتبعت القرآن اجمعه من الرقاع والإِكاف والعسب وصدور الرجال ، حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة بن ثابت الأنصاري لم أجدهما مع أحد غيره [لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ]( )، إلى آخرهما .
وكانت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله ، ثم عند عمر حتى توفاه الله ، ثم عند حفصة بنت عمر ( ).
وهل مصحف حفصة هو المصحف الذي جمع أيام أبي بكر إذ صار عند عمر بن الخطاب من بعده ثم أودعه إلى ابنته أم المؤمنين حفصة والتي حرصت على حفظه ، أم كان هذا المصحف عندها من أيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم , الظاهر هو الأول .
وحينما أراده عثمان أبت أن تعطيه حتى تعهد باعادته لها ، وتوسط أخوها عبد الله بن عمر ، ويكاد أن يكون هو المصحف الوحيد الذي نجى من حرق عثمان للمصاحف.
وبقي هذا المصحف إلى أن أحرقه عبد الملك بن مروان عندما كان والياً على المدينة ، وقبل أن يصير خليفة .
وكانت هذه النسخ من القرآن خالية من النقط والزخارف , وسبب جمع عثمان للقرآن هو ما عرضه حذيفة بن اليمان من وقوع الإختلاف بين جند العراق وجند الشام في القراءة بعد أن اجتمعوا في أرمينية وأذربيجان فلما جاشت الروم ، طلب أمراء الشام من عثمان المدد ، فأمدهم بثمانية آلاف من العراق ، وكان منهم حذيفة بن اليمان أميراً على أهل المدائن ، وكان أمير جند الشام حبيب بن مسلمة الفهري.
وكان أهل الشام يقرأون بقراءة أبي بن كعب ، أما أهل العراق فيقرأون بقراءة عبد الله بن مسعود ، فتنازعوا بينهم في القراءة ، وصار بعضهم يخطأ بعضاً.
وكادت تحدث فتنة تؤدي الى حال ضعف وفرقة في العسكر ، إذ أنهم من التابعين ولم يعلموا بتعدد قراءة بعض حروف القرآن ، ففزع حذيفة ، وذهب إلى عثمان وأخبره كما كان الخلاف ظاهراً بين المعلمين في المدينة عند تعليمهم الصبيان القرآن.
وكان عدد منهم يحفظ القرآن ، واستودعوه في صدورهم ، فأدرك المسلمون الحاجة الى جمع القرآن على نحو الإتحاد فيه ، وصيرورته لإستدامة الأخوة بينهم.
فكيف بمن بعدت شقته عن مواطن نزول القرآن في مكة والمدينة ، خاصة وأن الكثير من الجند في العسكر من حديثي عهد بالإسلام.
وقال حذيفة لعثمان : أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب( ).
وأمر عثمان جماعة بجمع القرآن وهم :
الأول : زيد بن ثابت ، وهو أنصاري من بني النجار أخوال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان عمره يوم هاجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحدى عشرة سنة ، وأراد الخروج الى معركة بدر فرده النبي صلى الله عليه وآله وسلم لصغر سنه ، وكذا في معركة أحد ، جاء به قومه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسم وقالوا انه قرأ سبع عشرة سورة ، فقرأ على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاستحسن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قراءته.
وعن زيد بن ثابت أن رسول الله قال له : إنها تأتيني كتب لا أحب أن يقرأها كل أحد فهل تستطيع أن تعلم كتاب العبرانية أو قال السريانية فقلت نعم قال فتعلمتها في سبع عشرة ليلة ( ).
الثاني : عبد الله بن الزبير ، ولد في السنة الثانية للهجرة ، وقيل في السنة الأولى ، وبويع له بالخلافة سنة اربع وستين ، وقتل أيام عبد الملك بن مروان سنة ثلاث وسبعين.
الثالث : سعيد بن العاص ، ولد عام الهجرة وكان يجمع بين السخاء والفصاحة ، استعمله عثمان على الكوفة ومات سنة تسع وخمسين .
الرابع : عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي كان عمره يوم قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عشر سنين مات أبوه الحارث في طاعون عمواس بالشام سنة ثماني عشرة للهجرة ، فتزوج عمر بن الخطاب أمه فاطمة بنت الوليد بن المغيرة فكان في حجره ثم خرج مع عائشة في معركة الجمل , وعن محمد بن قيس قال : ذكر لعائشة يوم الجمل فقالت: والناس يقولون يوم الجمل، قالوا لها: نعم.
فقالت عائشة: وددت أني كنت جلست كما جلس أصحابي فكان أحب إلي من أن أكون ولدت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بضعة عشر رجلاً كلهم مثل عبد الرحمن بن الحارث، أو مثل عبد الله بن الزبير.
وفي رواية: لأن أكون قعدت في منزلي عن مسيري إلى البصرة احب إلي من أن يكون لي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عشرة من الولد كلهم مثل عبد الرحمن بن الحارث( )، وتوفى عبد الرحمن في أيام معاوية.
لقد كان الصحابة يكتبون القرآن على الرقاع وهي الأوراق وقطع الجلد وعلى عظام أكتاف الحيوانات ، ويجمع المكتوب في بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقيل أن القرآن لم يجمع في أيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأمور :
الأول : حفظ الصحابة للقرآن في صدورهم .
الثاني : النقص في أدوات الكتابة من الأقلام والورق ، ولكنه ليس بعذر إذ كانت طرق التجارة إلى الشام واليمن والعراق مفتوحة ، وكانت الأموال والغنائم تصل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، كما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكتب إلى أمراء السرايا والذين يبعثهم إلى المدن والقرى.
وكان صلى الله عليه وآله وسلم يجيب على الفتاوى ، أي أن عامة الناس يكتبون الكتب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم (عن خارجة بن زيد عن أبيه قال: أتى بي النبي صلى الله عليه وآله وسلم مقدمه المدينة فقيل هذا من بني النجار وقد قرأ سبع عشرة سورة فقرأت عليه فأعجبه ذلك فقال: تعلم كتاب يهود فإني ما آمنهم على كتابي ففعلت فما مضى لي نصف شهر حتى حذقته فكنت أكتب له إليهم وإذا كتبوا إليه قرأت) ( ).
قانون دليل النظام
من معاني قوله تعالى [وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا] ( ) تعدد مصاديق النعم في كل مسألة في الحياة الدنيا ، لذا لم ترد الآية بصيغة الجمع ، فلم تقل (وان تعدوا نعم الله) إنما يعجز الإنسان عن إحصاء النعمة ورشحاتها وما يتفرع عنها في كل باب وعلم ، وهو من فضل من الله عز وجل ، وليكون تقدير الآية أعلاه من اللامتناهي ومن وجوه :
الأول : وإن تعدوا نعمة الله في أبدانكم .
الثاني : وان تعدوا نعمة الله في بدن كل واحد منكم ، وهل يشمل هذا التحدي المرضى وذوي العاهات أم أنه خاص بالسالم المعافى.
الجواب هو الأول ، وكل نعمة في عضو وحاسة سالمة تستلزم الشكر الدائم ، كما أن المرض باب للدعاء وسؤال الشفاء من عند الله عز وجل ومناسبة وتذكير بالنعم الأخرى عند الإنسان.
وعن عبد الله بن مسعود في حديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول (أذهب البأس رب الناس، اشف وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سَقَمًا”)( ).
الثالث : ابذلوا الوسع في عدّ نعم الله .
الرابع : من فضل الله على الناس عجزهم عن عدّ النعم التي تفضل بها عليهم .
الخامس : وإن تعدو نعمة الله فيها حولكم من الكائنات .
السادس : وإن تعدوا نعمة الله في الكون.
السابع : وإن تعدوا نعمة الله في أصول النعم وفروعها ومجيئها دفعة أو تدريجاً بلطف وفضل من عند الله .
الثامن : وإن تعدوا نعمة الله في الشواهد التي تدل على ربوبيته المطلقة للأشياء كلها .
ومن الآيات النظام الدقيق للأكوان والكواكب ، وقد تحدى الله عز وجل الخلائق بهذه النعمة ، قال تعالى [صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ]( ).
فليس من نقص في عالم الكون والنجوم والجبال والأرض وخزائنها ، وبديع منظرها وحال التناسب بين المخلوقات ، وعدم التضاد أو التزاحم أو التصادم بينها ، ليكون من أسرار قوله تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ) خضوع وخشوع الخليفة بالتدبر في خلقه ونشأته ومغادرته الدنيا قهراً ، وعلة خلقه قال تعالى [أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ] ( ) وعن(ابن عباس قال: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وآله ونحن في المسجد حلق حلق.
فقال لنا : فيم أنتم.
قلنا : نتفكر في الشمس كيف طلعت وكيف غربت.
قال : أحسنتم كونوا هكذا تفكروا في المخلوق ولا تفكروا في الخالق، فإن الله خلق ما شاء لما شاء وتعجبون من ذلك، إن من وراء قاف سبع بحار كل بحار خمسمأة عام ومن وراء ذلك سبع أرضين يضئ نورها لاهلها ومن وراء ذلك سبعين ألف امة خلقوا على أمثال الطير هو وفرخه في الهواء لا يفترون عن تسبيحة واحدة ومن وراء ذلك سبعين ألف امة خلقوا من ريح، فطعامهم ريح، وشرابهم ريح، وثيابهم من ريح، و آنيتهم من ريح، ودوابهم من ريح، لا تستقر حوافر دوابهم إلى الارض إلى قيام الساعة، أعينهم في صدورهم، ينام أحدهم نومة واحدة ينتبه ورزقه عند رأسه، ومن وراء ذلك ظل العرش، وفي ظل العرش سبعون ألف امة ما يعلمون أن الله خلق آدم ولا ولد آدم، ولا إبليس ولا ولد إبليس، وهو قوله[وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ).
وعن ابن عباس في قوله تعالى [وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ]( )، قال: الانام الخلق، وهم ألف أمة ستمأة في البحر، وأربعمأة في البر)( ).
ومن النعم التي لا تحصى ما يتعلق بالليل والنهار وتعاقبهما في نظام يومي وسنوي ومتكرر من جهة الطول والقصر والتساوي بحسب الفصول والشهور والأيام ، والتباين في الوقت من بلد إلى آخر مع ثبات وقت الصلاة بحسب الآيات الكونية من طلوع الفجر وزوال الشمس عن كبد السماء عند الظهر ، وصلاة العصر عندما يكون ظل الشئ مثله الى أن تصغر الشمس ثم المغرب عند غروب الشمس ، وصلاة العشاء عند مغيب الشفق وهو الحمرة المغربية .
ومن الحكمة في هذا التقسيم تغشي ملكة العبادة والخشية من الله للمسلم في كل أوقاته ، والتخفيف عنه بأداء بعض الركعات في فريضة بل يؤدي في صلاة الصبح ركعتين فقط ، وعدم دبيب السأم أو الملل أو التعب الى نفسه من الصلاة.
وليكون من الإعجاز في الصلاة ومنافعها جذب الناس للتدبر في الآيات الكونية والحاجة إليها في العبادات والمعاملات ، وكيف أنها مسخرة لهم إكراماً للإنسان ودعوة له ليشكر الله عز وجل على هذه النعمة .
وهل تدخل أوقات الصلاة وأداء المسلمين لها في أوقاتها في قانون دليل النظام أم أن القدر المتيقن منه أثر المناخ على النباتات والفاكهة والثمار في نضوجها لتتعلق النفوس بفضل الله ، وتتطلع إلى رحمته ، ويكون هذا التطلع سبباً للرحمة بينهم والإمتناع عن الغزو سواء كان بين الأفراد أو الجماعات أو الطوائف والبلدان ، إذ أن استحضار فضل الله جامع مشترك بين الناس .
وذات الشجرة ونظم أوراقها ، والثمرة وشكلها وترتيب ما في جوفها كالرمان وحباته يحمل الإنسان طوعاً وقهراً على التدبر في نظام الخلق كدليل على وجود الخالق ، وليس من خالق إلا الله عز وجل ، ولا يدعي أي من الخلائق الربوبية والإشتراك في الخلق ، نعم قد إدعاه بعض الطواغيت خلافاً لسنة الخلافة في الأرض ، كما في فرعون [فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى ]( )، واختص بربوبيته الزائفة بقومه وأهل بلده , وفيه نوع قصور وتخلف عن إدعاء الربوبية.
ولما عجز فرعون عن الحجة والبيان إتجه صوب إظهار قوته وسلطانه ، وتوعد موسى [قَالَ لَئِنْ اتَّخَذْتَ إِلَهًَا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنْ الْمَسْجُونِينَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ * قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنْ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ * قَالَ لِلْمَلإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ]( )،كما قال نمرود [أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ]( )، ولم يكن سلطانه إلا بخصوص السجناء الذين عنده بأن اطلق أحدهم وقتل آخر.
وقال الإمام الباقر عليه السلام : عاب إبراهيم آلهتهم ونظر نظرة في النجوم [فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ]( )، قال : والله ما كان سقيما وما كذب، فلما تولوا عنه مدبرين إلى عيد لهم دخل إبراهيم عليه السلام إلى آلهتهم بقدوم فكسرها إلا كبيرا لهم، ووضع القدوم في عنقه فرجعوا إلى آلهتهم فنظروا إلى ما صنع بها.
فقالوا : لا والله ما اجترأ عليها ولا كسرها إلا الفتى الذي كان يعيبها ويبرء منها، فلم يجدوا له قتلة أعظم من النار، فجمع له الحطب واستجادوه حتى إذا كان اليوم الذي يحرق فيه برز له نمرود وجنوده وقد بني له بناء لينظر إليه كيف تأخذه النار.
ووضع إبراهيم عليه السلام في منجنيق وقالت الارض: يا رب ليس على ظهري أحد يعبدك غيره يحرق بالنار، قال الرب: إن دعاني كفيته ( ).
ولم ينشغل إبراهيم بالجدال والرد على نمروذ خاصة وأنه قال له عاين كيف اقتل هذا واعدم هذا .
ولم يقل له إن مرادي هو أن الله عز وجل يحييي الميت بعد مغادرة روحه الجسد ، إنما انتقل الى حجة أخرى وهي أن الله عز وجل يأتي بالشمس من جهة المشرق فان كان نمروذ إلهاً فليأت بها من المغرب ، فعجز عن الرد ، ولكنه لم يكتف بالتهديد مثل ما فعل فرعون الذي اختص وحده بتوجيه التهديد والوعيد بالسجن لموسى مع حضور الملأ والوزراء ، وكان أحدهم مؤمناً .
إنما قام نمروذ وقومه بجمع الحطب لإبراهيم لحرقه في النار ، واشترك قومه معه في جمع الحطب ، وحضور الإحراق , فجعلهم الله عز وجل شهوداً على معجزة نجاته بقوله تعالى [قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمْ الأَخْسَرِينَ]( ).
و(قيل فَهَلاَّ عارضه النمرود بأن قال : فليأت بها ربك من المغرب؟ ففيه جوابان :أحدهما : أن الله خذله بالصرف عن هذه الشبهة .
والجواب الثاني : أنه علم بما رآى معه من الآيات أنه يفعل فخاف أن يزداد فضيحة)( ).
ولا تصح هذه الشبهة وإثارتها، لأن الإحتجاج الأول ابتدأه إبراهيم عليه السلام بأن قال [رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ]( )، فكان جواب نمروذ بخصوص المسألة أن أدّعى المشاكلة والمشابهة في الحياة والموت.
فجاء الإحتجاج الثاني بخصوص جهة شروق الشمس ، وإمكان تغيير نمروذ لها ، لبيان قانون وهو أن دليل النظام حجة باهرة على الناس جميعاً، وعلى الطواغيت خاصة ، ولم يكن الطالب بحرق ابراهيم هو نمروذ نفسه إنما صدر القول من بعض الملأ منهم [قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ]( ).
وروي أن قائل هذه المقالة هو رجل من الأكراد من أعراب فارس أي من باديتها( ).
ونسب الى ابن عمر ، ومجاهد وابن جريج( ).
ولا أصل لهذا الحصر ، وعن السدي : (حتى إن كانت المرأة تمرض، فتنذر إن عوفيت أن تحمل حطبًا لحريق إبراهيم-ثم جعلوه في جَوْبة من الأرض، وأضرموها نارًا، فكان لها شرر عظيم ولهب مرتفع، لم توقد قط نار مثلها، وجعلوا إبراهيم، عليه السلام، في كفة المنجنيق بإشارة رجل من أعراب فارس من الأكراد -قال شُعَيب الجبائي: اسمه هيزن-فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة، فلما ألقوه قال: “حسبي الله ونعم الوكيل” ، كما رواه البخاري، عن ابن عباس أنه قال: “حسبي الله ونعم الوكيل” قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد حين قالوا: { إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ }( )) ( ).
(عن ابن عباس أيضًا-قال: لما أُلقيَ إبراهيم جعل خازن المطر يقول: متى أومر بالمطر فأرسله؟ قال: فكان أمر الله أسرع من أمره، قال الله عز وجل { يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ }( ) قال: لم يبق نار في الأرض إلا طفئت.
وقال كعب الأحبار : لم ينتفع أحد يومئذ بنار ، ولم تحرق النار من إبراهيم سوى وثاقه.
وقال الثوري، عن الأعمش، عن شيخ، عن علي بن أبي طالب عليه السلام { قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ }( ) ، قال: بَرَدَتْ عليه حتى كادت تقتله، حتى قيل {وَسَلامًا}، قال: لا تضرِّيه) ( ).
لبيان قانون وهو ان الله عز وجل ينصر أنبياءه ، ويدفع عنهم بالمعجزة وأن كيد الكافرين يرجع إلى نحورهم ، حتى وأن كانوا في سلطانهم وملكهم ، فلا تصل النوبة إلى غزو النبي لهم ، إذ تكون المعجزة هي التي تغزو قلوبهم ، وتهدي الذين أراد الله عز وجل نجاتهم ، قال تعالى [لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ] ( ).
ومن خصائص أدلة النظام حضوره عند الناس مجتمعين ومتفرقين وطوعاً وقهراً، وفي ساعة العمل وعند الفراغ والتأمل ، وتدخل هذه الأدلة مع الإنسان إلى بيته وتجعله يتفكر في نظام الأسرة وأسرار الرزق والرحمة الإلهية التي تتغشاهم.
وتأتي العافية لتدعو الإنسان إلى الشكر لله عز وجل ، وقد يبتلى بالمرض ليدرك حاجته إلى رحمة الله ، ومن فضل الله عز وجل على الإنسان أن أيام عافيته أضعاف أيام مرضه ، مع زوال المرض بآية من عند الله ، وإن كان هذا الزوال بالأسباب ، وفي التنزيل [وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ] ( ).
ولقد جاء الأنبياء بالمعجزة الحسية وهي تقود إلى التفكر والتدبر في الخلق ووجوب العبادة ، وجاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالمعجزة العقلية والمعجزة الحسية ، ودليل النظام جامع للآيات الحسية والعقلية وكل واحدة منها تقود إلى مثلها وغيرها .
ويدرك الإنسان خلق العالم وحاجته للخالق تعالى وفق القياس الإقتراني .
الكبرى : كل منظّم يحتاج إلى من ينظمه .
الصغرى : العالم منظم .
النتيجة : يحتاج العالم المنظم له .
لقد أكرم الله عز وجل الإنسان بنعمة العقل لتكون آلة التدبر والتفكر ، فيدرك الإنسان قدرة الله عز وجل في إيجاد الكون والمخلوقات ويظن أن الإنسان نفسه من أكثر المخلوقات إعجازاً.
وجاء العلم الحديث ليكشف أسرار المنظومة الشمسية وأحجام الكواكب الهائلة والمسافات التي تفوق التصور في طولها وبعدها والتي تفصل بينها , وأثره على فصول السنة والليل والنهار ، وهو من الإعجاز في صيغة المضارع في قوله تعالى [سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ]( ).
قانون المعنى الأعم لحفظ القرآن
لقد أنعم الله عز وجل على الناس بالخلق والنشأة والخلافة في الأرض ، وأنزل الكتب السماوية التي تخبر عن ملكه المطلق للسموات والأرض، وعودة الناس إليه للحساب ، وأنزل الله عز وجل الكتب من السماء على الأنبياء وهذه الكتب نعمة ورحمة بالناس .
وتفضل الله عز وجل بانزال القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليكون عهد الله في الأرض ، وكلامه الذي ينفذ الى شغاف القلوب ، وعنوان خلافة الإنسان في الأرض بما يتضمنه من عقائد الإيمان وسنن التوحيد وأحكام الحلال والحرام ، والبعث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وتفضل الله عز وجل وبشّر النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وأجيال المسلمين والناس جميعاً إلى يوم القيامة بعهده بحفظ القرآن من التحريف والتغيير والتبديل.
ليكون من معاني قوله تعالى [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون]( )، الوعد من الله بحفظ القرآن ، والتحدي للخلائق بعجزها عن تغييره أو تحريفه ليبقى القرآن رسالة السماء بالسلام والأمن والوئام ، وإختيار الصلح عند مقدمات الخصومة والخلاف أو حتى عند وقوع القتال ، وفي الآية لطف بالإنس والجن بمنعهم من تغيير وتبديل آيات من القرآن ، وصرفهم عن هذا الباطل ، وان همّ به بعضهم فلم يجد إلا الخيبة والخسران ، فالذي يهم بالباطل لا يخلى بينه وبين القرآن إنما هناك أمة عظيمة تحفظ القرآن ، قال تعالى [وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ]( )، إذ أكرمه الله ، وليس له بديل ، ولا يمكن تبديله .
وفي معنى الباطل في قوله تعالى [لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ]( )، قال قتادة (الباطل : إبليس لا يستطيع أن ينقص منه حقا، ولا يزيد فيه باطلا.
وقال آخرون : معناه : إن الباطل لا يطيق أن يزيد فيه شيئا من الحروف ولا ينقص، منه شيئا منها)( ).
ولكن الآية أعم في موضوعها ومعنى الباطل ، إذ أن الباطل يشمل مشركي قريش وذا الباطل ، ومتبع الهوى ، والزيغ ، والمنافقين وسوء التأويل ، والخطأ المتعمد في التفسير .
وجاء القرآن بآيات الصلح والموادعة وسنن الرأفة والرحمة بالناس ، وكراهية القتال ، والقصد إليه ، فكل آية من آيات القرآن هي حرب على الشرك والضلالة ودعوة للوئام والسلم ، من غير أن تصل النوبة إلى القتال والغزو.
قال تعالى [وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا]( )، ومن معاني الآية أعلاه توجه الخطاب لأجيال المسلمين والمسلمات بسلامة القرآن من التحريف ، ومن الزيادة فيه ، أو النقصان في كلماته ، وفيها نهي عن الإنشغال بدعوى النقص أو الزيادة في القرآن.
ويفسر القرآن بعضه بعضاً وهو الذي سميناه (التفسير الذاتي للقرآن) فلما وعد الله عز وجل المسلمين وأهل الأرض جميعاً بأنه هو الذي يحفظ القرآن بقوله تعالى [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون]( )، بلحاظ أن المراد من الذكر هو القرآن ، فانه سبحانه أنزل آيات تدل على هذا القانون.
وهو لا يتعارض مع كون كل آية من هذا الآيات التي تبين وتفسر وتؤكد حفظ الله للقرآن هي قوانين مستقلة بذاتها وتكون آية (حفظ الذكر) مفسرة لها من غير أن يلزم الدور في المقام لأنه اجنبي عنه .
ومن هذه الآيات الآية أعلاه من سورة الكهف ،ومنها قوله تعالى [ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ]( )، إذ تنفي الآية كل ريب وشك أو تحريف عن القرآن أمس واليوم وغداً .
وبالإسناد عن عياض بن حِمَار المُجَاشِعِيِّ، ، أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب ذات يوم فقال في خطبته: “وإن ربي أمرني أن أعلِّمكم ما جهلتم مما عَلَّمني في يومي هذا: كل مال نَحَلْته عبادي حلال، وإني خلقت عبادي حُنَفَاء كلَّهم، وإنهم أتتهم الشياطين فأضَلَّتْهُم عن دينهم، وحَرَّمَتْ عليهم ما أحللت لهم، وأمرَتْهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا، ثم إن الله، عز وجل، نظر إلى أهل الأرض فَمَقَتَهُمْ، عجَمَهم وعَرَبَهُم، إلا بقايا من أهل الكتاب وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك.
وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء، تقرؤه نائما ويَقْظان، ثم إن الله أمرني أن أُحَرِّقَ قريشا، فقلت: يا رب، إذن يَثْلَغُوا رأسي فيدعوه خُبْزة، فقال: استخرجهم كما استخرجوك، واغزهم نُغْزِك، وأنفق عليهم فَسَنُنفق عليك، وابعث جندا نبعث خمسة أمثاله .
وقاتل بمن أطاعك من عصاك.
وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مُقْسِطٌ مُتصدِّق موفق ورجل رحيم رقيق القلب بكل ذي قربى ومسلم، ورجل عَفِيف فقير متصدق، وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زَبْرَ له، الذين هم فيكم تَبْعًا أو تُبعاء -شك يحيى-لا يبتغون أهلا ولا مالا والخائن الذي لا يَخْفَى له طَمَعٌ وإن دَقَّ إلا خانه، ورجل لا يُصْبِح ولا يُمْسِي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك”، وذكر البخيل أو الكذب، “والشِّنْظير: الفاحش( ).
وما ورد في الحديث القدسي أعلاه وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء .
أي أن القرآن محفوظ في الصدور لا يزول , ولا يضره غسل صفحاته بالماء ، إنما هو يستحيل على الذهاب والزوال لأن قلوب المسلمين له أوعية حافظة .
وهل يمكن حمل الكلام على ظاهره أيضاً بأن يطبع وينسخ القرآن بورق وصحائف وهيئة يتعذر معها مسحه واتلافه بالماء ، وغيره.
الجواب نعم ، وكأن الحديث بشارة لعلوم الكمبيوتر والخزن فيها وفي الأقراص ، إذ يحفظ القرآن وعلوم تفسيره وتأويله وأدلة امتناعه عن التحريف في الحاسوب وغيره ، وهو لا يتعارض مع حفظ غيره من الكتب أيضاً ، لينتفع المؤمنون والناس جميعاً من نعمة الثورة التقنية الحديثة وهي فرع ورشحة من عمومات قوله تعالى [عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ] ( ).
وسيأتي في الأجزاء التالية كل من :
الأول : قانون آيات حفظ القرآن) وهو غير هذا القانون وأعم منه من جهة ذكر الآيات والتحقيق فيها .
الثاني : قانون حفظ القرآن بالسنة .
الثالث : قانون دلالة السنة على حفظ القرآن .
الرابع : قانون حفظ السنة بالقرآن.
الخامس : قانون سعي المسلمين في حفظ القرآن ز
السادس : قانون خلو القرآن من الزيادة والنقيصة إلى يوم القيامة ، فان قلت هناك دعوات من بعض الجهات والمؤسسات بحذف بعض آيات القرآن والتي تتعلق بالقتال.
والجواب لعل المراد التركيز عليها في علم التفسير ، ببيان أن القرآن لم يأمر بالقتال والغزو إنما تتضمن آياته الدفاع ضد مشركي قريش وأخذ الحائطة منهم ، أما حذف كلمة أو آية من القرآن فهو أمر مستحيل ودونه خرط القتاد لأن الله عز وجل وعد المسلمين والناس بعدم تحقق هذا الحذف أبداً.
وفي عدم حدوث هذا الحذف نعمة ورحمة بالناس جميعاً ، وهل يكون الخطاب لتلك الجهات المؤسسات بكتاب الله وقوله تعالى [وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ]( ).
الجواب نعم ، فكل كلمة من القرآن هي رحمة بالناس ، وباب لنزول الغيث والفضل من عند الله تعالى ، وسبب للأجر والثواب .
السابع : قانون موضوعية الصلاة في حفظ القرآن .
الثامن : قانون شأن العبادات والفرائض في حفظ القرآن.
التاسع : قانون النواهي القرآنية من أسباب حفظ القرآن.
العاشر : قانون الآيات الكونية وأسرار الخلق والكواكب والنجوم من أسباب حفظ القرآن.
فما أن تكتشف آية كونية ، وسر من أسرار الخلق إلا وتجده في القرآن.
وهل من حصر لوسائل وسبل حفظ القرآن ، الجواب لا ، وهو من عمومات قوله تعالى [وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا]( )، ليكون تقدير الآية بلحاظ هذا القانون على وجوه :
الأول : وإن تعدوا نعمة الله في حفظ القرآن لا تحصوها .
الثاني : وان تعدوا نعمة الله في سلامة القرآن لا تحصوها .
الثالث : وإن تعدوا نعمة الله في عصمة القرآن من التحريف لا تحصوها.
الرابع : وان تعدوا نعمة الله في توارث المسلمين آيات القرآن لا تحصوها .
الخامس : وإن تعدوا نعمة الله في تهيئة وسائط وأسباب سلامة القرآن من التحريف والتبديل لا تحصوها .
السادس : وإن تعدوا نعمة الله في حفظ الذكر والتنزيل لا تحصوها فاشكروا الله عز وجل .
السابع : وإن تعدوا نعمة الله بالمنافع العامة في حفظ القرآن لا تحصوها.
الثامن : وإن تعدوا نعمة الله في كل آية من القرآن وسلامتها من الزيادة والنقصان لا تحصوها .
التاسع : وإن تعدوا نعمة الله في تيسير حفظ القرآن لا تحصوها.
أولاد عبد المطلب
واسمه شيبة الحمد بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب توفي نحو سنة 45 ق الهجرة ، سنة 578 ميلادية وعمره ثمان وتسعون سنة ، وكان من الموحدين ، وله من الأولاد الذكور اثنا عشر ولداً وكان لهم شأن وجاه في مكة وعند القبائل والدول ( وذكروا أن أكثم بن صيفي قال: دخلت البطحاء مكة، فإذا أنا ببني عبد المطلب يخترقونها كأنهم أبرجة الفضة، وكأن عمائمهم نوق الرجال ألوية، يلحقون الأرض بالحبرات، فقال أكثم: يا بني تميم! إذا أراد الله أن ينشئ دولة أنبت لها مثل هؤلاء، هذا غرس الله لا غرس الرجال. قال هشام: لم يكن في العرب عدة بني عبد المطلب أشرف منهم ولا أجسم، ليس منهم رجل إلا أشم العرنين يشرب أنفه قبل شفتيه ويأكل الجذع ويشرب الفرق وقال قرة بن حجل بن عبد المطلب يوم أجنادين: الكامل
اعدد ضرارا إن عددت فتى الندى … والليث حمزة واعدد العباسا
واعدد زبيراً والمقوم بعده … والصتم حجلا والفتى الدرفاسا
وأبا عتيبة فاعددنه ثامنا … والقرم عبد منافنا الجساسا
والقرم غيداقا تعد جحا جحا … سادوا على رغم العدو الناسا
والحارث الفياض ولي ماجدا … أيام نازعه الهمام الكاسا
ما في الأنام عمومة كعمومتي … حقاً ولا كأسنا آناسا)( ).
وأولاد عبد المطلب هم :
الأول : الحارث بن عبد المطلب أكبر أبنائه ومات على حياة أبيه ومن أبنائه عوف وعبد الله وأبو سفيان وأمية وربيعة ونوفل وعبد المطلب وأروى ، وساعد أباه في حفر بئر زمزم ، وعندما نزل قوله تعالى [وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ] ( ) جمع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بني هاشم في دار الحارث.
الثاني : عمران بن عبد المطلب , وقيل اسمه عبد مناف وهو أبو طالب سيد قريش بعد وفاة أبيه ، ومن أبنائه طالب وعقيل وجعفر وعلي وأم هانئ وجمانة( ).
(85 ق. هـ 30 ق الهجرة)(540-620) وقد غلبت عليه كنيته (أبو طالب) وهو عبد الله أبي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من أم واحدة وهي فاطمة بنت عمرو بن عائذ.
وكان أبو طالب من شجعان قريش ، ومن الخطباء العقلاء.
ولد ونشأ وتزوج من فاطمة بنت أسد بن هاشم , وهي التي تولت تربية النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان عبد المطلب يوصي ابنه أبا طالب بالعناية بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وكان أبو طالب يحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم حباً جماً ، ويقدمه على ولده للبشارات النبوية وسمته الحسن وبركته ، وكان شديد الحرص عليه ، ولا ينام إلا وهو جنبه.
وكان أبو طالب ذا عيال ولا مال له ، وإذا أكلوا جميعاً أو فرادا لا يشبعون بخلاف ما إذا كان معهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
فكان أبو طالب إذا أراد أن يغذي عياله قال (كما أنتم حتى يحضُر ابني فيأتي رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم فيأكل معهم، فكانوا يفضلون من طعامهم، وإذا لم يكن معهم لم يشبعوا.
فيقول أبو طالب : إنّك لمبارك وكان الصبيان يصبحون رُمْصاً شُعثاً، ويصبح رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم دهيناً كحيلًا) ( ).
لقد كان أبو طالب وبنو هاشم يرون الكرامات التي اختص الله عز وجل بها النبي محمداً (عن عمرو ابن سعيد أن أبا طالب قال: كنت بذي المجاز ومعي ابن أخي، يعني النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، فأدركني العطش فشكوت إليه فقلت: يا ابن أخي قد عطشت، وما قلت له ذاك وأنا أرى أن عنده شيئاً إلا الجزع.
قال : فثنى وركه ثم نزل فقال: يا عم أعطشت، قلت: نعم، قال: فأهوى بعقبه إلى الأرض فإذا بالماء، فقال أشرب يا عم، قال: فشربت)( ).
وكان من أسباب حصار قريش لبني هاشم إدراك قريش لعجزها من الوصول إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقتله بسبب حماية أبي طالب له ، وقيامه دونه مع أن قريش كانوا يرون الآيات والبركة في شخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فمرة حلت عليهم سنة جدب ليس فيها غيث ولا زرع وتوجهوا إلى الإستسقاء وعمدوا إلى الأصنام يتوسلون بها ، وعندما تبين لهم أنها لا تنفعهم بحال كما قال تعالى [وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلاَ حَيَاةً وَلاَ نُشُورًا]( ).
توجهوا إلى أبي طالب من بقية ابراهيم واسماعيل فيهم ، وكان لا يسود أحد في الجاهلية إلا بمال إلا بالنسبة لأبي طالب وعتبة بن ربيعة وسألوه الإستسقاء.
فقام بأخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم معه لعلمه بالشأن العظيم الذي له عند الله (اخرج ابن عساكر في تاريخه عن جلهمة بن عرفطة قال انتهيت إلى المسجد الحرام وإذا قريش عزين قد ارتفعت له ضوضاء يستسقون فقائل منهم يقول اعمدوا للات والعزى وقائل منهم يقول اعمدوا لمناة الثالثة الأخرى فقال شيخ منهم وسيم قسيم الوجه جيد الرأي أنى تؤفكون وفيكم باقية إبراهيم وسلالة اسماعيل قالوا له كأنك عنيت أبا طالب قال أيها .
فقاموا بأجمعهم وقمت معهم فدققنا عليه بابه فخرج إلينا رجل حسن الوجه مصفر عليه إزار قد اتشح به فثاروا إليه فقالوا له يا أبا طالب قد اقحط الوادي وأجدب العيال فهلم فاستسق فقال دونكم زوال الشمس وهبوب الريح.
فلما زاغت الشمس خرج أبو طالب ومعه غلام كأنه شمس دجن( )، تجلت عنه سحابة قتماء وحوله أغيلمة فأخذه أبو طالب فألصق ظهره بالكعبة ولاذ بإصبع الغلام وبصبصت الأغيلمة حوله وما في السماء قزعة فأقبل السحاب من ههنا وأغدق واغدودق وانفجر له الوادي وأخصب النادي والبادي ففي ذلك يقول أبو طالب شعرا :
وابيض يستسقى الغمام بوجهه
ثمال اليتامى عصمة للأرامل
تطيف به الهلاك من آل هاشم
فهم عنده في نعمة وفضائل
وميزان عدل لا يخيس شعيرة
ووزان صدق وزنه غير هائل) ( ).
وخرج أبو طالب إلى الشام في تجارة له مع قافلة من قريش ، وألح عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يأخذه معه وكان عمره اثنتي عشرة سنة ، وقال له (أي عم إلى من تخلفني ههنا فما لي أم تكفلني ولا أحد يؤويني، قال: فرق له، ثم أردفه خلفه) ( ) مما يدل على موضوعية أبي طالب في حفظ شخص النبي صلى الله عيه وآله وسلم وسلامته قبل وبعد البعثة النبوية الشريفة .
ومن خصائص النبوة توالي الأمارات والعلامات التي تدل عليها قبل البعثة لتكون مقدمة للتصديق بنبوته واتباعه بالإضافة إلى أنه يأتي بالمعجزات .
وقد تجلت بعض الآيات في سفر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الشام ورؤية بحيرا الراهب له ودلالات النبوة التي يحملها ، وعن عبد الله بن محمد بن عقيل قال في حديث (فنزلوا على صاحب دير، فقال صاحب الدير: ما هذا الغلام منك.
قال: ابني، قال: ما هو بابنك ولا ينبغي أن يكون له أب حي ، قال: ولم ، قال: لأن وجهه وجه نبي وعينه عين نبي، قال : وما النبي ،
قال: الذي يوحى إليه من السماء فينبيء به أهل الأرض، قال: الله أجل مما تقول، قال: فاتق عليه اليهود، قال: ثم خرج حتى نزل براهب أيضاً صاحب دير، فقال: ما هذا الغلام منك.
قال : ابني. قال: ما هو بابنك وما ينبغي أن يكون له أب حي، قال: ولم ذلك.
قال لأن وجهه وجه نبي وعينه عين نبي.
قال : سبحان الله، الله أجل مما تقول، وقال: يا ابن أخي ألا تسمع ما يقولون.
قال : أي عم لا تنكر لله قدرةً) ( ).
وعن عبد الله بن عمر رفعه أنه إذا كان يوم القيامة شفعت لأبي وأمي وعمي أبي طالب وأخ لي كان في الجاهلية ( ) وماتت خديجة وأبو طالب شوال من السنة العاشرة للبعثة النبوية في نصرة النبي والتنزيل ورثاه الإمام علي عليه السلام :
أرقت لنوح آخر الليل غردا … لشيخي ينعى والرئيس المسددا
أبا طالب مأوى الصعاليك ذا الندى … وذا الحلم لا جلفاً ولم يك قعددا
أخا الهلك خلى ثلمةً سيدها … بنو هاشم أو تستباح وتضهدا
فأمست قريش يفرحون لفقده … ولست أرى حياً لشيء مخلدا
أرادت أموراً زينتها حلومهم … ستوردهم يوماً من الغي موردا
يرجون تكذيب النبي وقتله … وأن يفتروا بهتاً عليه ويجحدا
كذبتم وبيت الله حتى نذيقكم … صدور العوالي والصفيح المهندا
ويبدو منا منظر ذو كريهةٍ … إذا ما تسربلنا الحديد المسردا
فإما تبيدونا وإما نبيدكم … وإما تروا سلم العشيرة أرشدا
وإلا فإن الحي دون محمد … بنو هاشم خير البرية محتدا
فإن له منكم من الله ناصراً … ولست بلاقٍ صاحب الله أوحدا
نبي أتى من كل وحي بخطةٍ … فسماه ربي في الكتاب محمدا
أغر كنور البدر صورة وجهه … جلا الغيم عنه ضوؤه فتعددا
أمين على ما استودع الله قلبه … وإن قال قولاً كان فيه مسددا)( ) .
وقيل توفت خديجة زوج النبي بعد أبي طالب بخمسة وثلاثين يوماً ، وقيل توفت قبله فاجتمعت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم مصيبتان .
ولو كان أبو طالب حياً إلى ليلة الهجرة النبوية فهل تتم الهجرة أم لا لإحتمال أن قريشاً لا يعزمون على قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في فراشه لمكان أبي طالب .
المختار هو الأول فشاء الله عز وجل أن تتم الهجرة بذات أوانها، وتكون نصراً للإسلام ، قال تعالى [إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا]( ).
الثالث : ضرار بن عبد المطلب مات قبل البعثة ولم يُعقب.
الرابع : الزبير بن عبد المطلب شاعر قريش مات قبل البعثة ، ولد له الطاهر وعبد الله (اسلم ولم يعقب) ( )، وحجل .
(وللزبير بنات منهن ضباعة بنت الزبير كانت تحت المقداد بن الأسود و أم حكيم بنت الزبير)( ).
الخامس : عبد العزى بن عبد المطلب وهو أبو لهب مات كافراً بعد بعثة الرسول من أبنائه عتبة وعتيبة ومعتب ودرة ، وقد نزل القرآن بذم وتبكيت أبي لهب ، وزوجته وهي أم جميل بنت حرب بن أمية عمة معاوية بن أبي سفيان ، قال تعالى [تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ]( )، أي خسر وخاب أبو لهب.
ولما نزل قوله تعالى {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الاقربين}( ) صعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الصفا ونادى فاجتمعوا فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ” أَمَرَنِي رَبِّي أَنْ أُنْذِرَ عَشِيرَتِي الأَقْرَبِينَ وَأَدْعُوهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إله إلاَّ الله ، فَقُولُوا أَشْهَدْ لَكُمْ بِهَا عِنْدَ رَبِّي ” فأنكروا ذلك فقال أبو لهب : تباً لك سائر الأيام ألهذا دعوتنا.
وروي في خبر آخر أنه اتخذ طعاماً ودعاهم ثم قال : ” أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا وَأَطِيعُوا تَهْتَدُوا.
فقال أبو لهب : تبّاً لك سائر الأيام ألهذا دعوتنا فنزلت {تَبَّتْ يَدَا أَبِى لَهَبٍ} يعني : خسرت يدا أبي لهب عن التوحيد {وَتَبَّ} يعني : وقد خسر ويقال : إنما ذكر اليد وأراد به هو.
وقال مقاتل : تبت يدا أبي لهب وتب يعني : خسر نفسه وكان أبو لهب عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم واسمه : عبد العزى ولهذا ذكره بالكنية ولم يذكر اسمه لأن اسمه كان منسوباً إلى صنم وقال بعضهم : كنيته كان اسمه) ( ) .
السادس : مصعب بن عبد المطلب ولقب بالغيداق وليس له عقب (ومنهم من يقول أن الغيداق هو حجل).
السابع : المقوم بن عبد المطلب ولد له عبد الله وبكر وهند، وآخر من بقي من ذريته عبد الله بن بكر بن المقوم، مات ولم يُعقب ، وقيل أن المقوم هو عبد الكعبة.
الثامن : قثم بن عبد المطلب مات صغيرا وليس له عقب.
التاسع : المغيرة بن عبد المطلب لقب بحِجْل وليس له عقب ، وقيل واسمه (الغيداق : وسمي بذلك لكثرة جوده وأصل اسمه نوفل( ).
العاشر : عبد الله بن عبد المطلب وُلد له : النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الحادي عشر : العباس بن عبد المطلب ولد له: الفضل وعبد الله وعبيد الله وقثم ومعبد وعبد الرحمن وكثير والحارث وتمام وأم حبيب وصفية وآمنة.
و(عن مجاهد بن جبر أبي الحجاج ، قال : كان من نعم الله على علي بن أبي طالب عليه السلام ما صنع الله له وأراده به من الخير أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة ، وكان أبو طالب في عيال كثير.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعمه العباس : وكان من أيسر بني هاشم يا أبا الفضل :إن أخاك أبا طالب كثير العيال ، وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة ، فانطلق بنا إليه نخفف عنه من عياله آخذ من بنيه رجلا ، وتأخذ أنت رجلا فنكفلهما عنه.
فقال العباس : نعم ، فانطلقا حتى أتيا أبا طالب ، فقالا : إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى تنكشف عن الناس ما هم فيه.
فقال لهما أبو طالب : إذا تركتما لي عقيلا فاصنعا ما شئتما ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليا فضمه إليه.
وأخذ العباس جعفرا فضمه إليه ، فلم يزل علي مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى بعثه الله نبيا فاتبعه وصدقه وأخذ العباس جعفرا ، ولم يزل جعفر مع العباس حتى أسلم ، واستغنى عنه) ( ).
الثاني عشر : حمزة بن عبد المطلب أسد الله توفي شهيداً يوم أحد وولد له: يعلى وعمارة وعامر وفاطمة.
أما ابن هشام فقال أن أولاد عبد المطلب عشرة إذ قال (فَوَلَدَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ عَشَرَةَ نَفَرٍ وَسِتّ نِسْوَةٍ الْعَبّاسَ وَحَمْزَةَ وَعَبْدَ اللّهِ وَأَبَا طَالِبٍ – وَاسْمُهُ عَبْدُ مَنَافٍ – وَالزّبَيْرَ وَالْحَارِثَ وَحَجْلًا ، وَالْمُقَوّمَ وَضِرَارًا ، وَأَبَا لَهَبٍ – وَاسْمُهُ عَبْدُ الْعُزّى – وَصَفِيّةَ وَأُمّ حَكِيمٍ الْبَيْضَاءَ وَعَاتِكَةَ ، وَأُمَيْمَةَ ، وَأَرَوَى ، و بَرّةَ) ( ) فلم يذكر ابن هشام كلاً من :
الأول : مصعب بن عبد المطلب .
الثاني : قثم بن عبد المطلب .
بنات عبد المطلب الإناث :
الأولى : أم حكيم بنت عبد المطلب، وقيل هي توأمة عبد الله بن عبد المطلب وتلقب البيضاء جدة عثمان بن عفان لأمه أروى بنت كريز.
الثانية : عاتكة بنت عبد المطلب، والدة عبد الله بن أبي أمية وهي صاحبة رؤيا الإنذار قبل واقعة بدر , فقد استأجر أبو سفيان وهو في الطريق مع قافلة من الشام الى مكة ضمضم بن عمرو الغفاري لبيعته إلى مكة ويستنفر قريشاً لانقاذ القافلة بعد أن وردته أخبار بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه يتعرضون لقافلته .
وأقبل ضمضم مسرعاً إلى مكة وقبل وصوله بثلاث ليال رأت عاتكة رؤيا إنذار مفزعة كأن راكباً على بعير أشرف على مكة (ثم صرخ باعلى صوته أن انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث ! قالت: فأرى الناس قد اجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد، فمثل بعيره على الكعبة، ثم صرخ مثلها، ثم مثل بعيره على رأس أبي قبيس فصرخ مثلها، ثم أخذ صخرة عظيمة وأرسلها، فلما كانت بأسفل الوادي ارفضت فما بقي بيت من مكة إلا دخله فلقة منها( ).
وشاع خبر الرؤيا ، واستهجنها أبو جهل , وأغلظ للعباس بن عبد المطلب وهو أخو عاتكة القول .
وفي اليوم الثالث أطل عليهم ضمضم بن عمرو وهو يصرخ بالويل والثبور ويستصرخ القوم ويقول (يا معشر قريش، اللطيمة اللطيمة ! أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث)( ).
ولم يكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد تعرض للقافلة ، ويدل الخبر أعلاه على أن قريشاً خرجوا للقتال وللإغارة على المدينة بضميمة أن القافلة قد تم الإستيلاء عليها بينما غادر ضمضم القافلة وهي ورجالها سالمون.
الثالثة : برة بنت عبد المطلب، والدة أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي.
الرابعة : أميمة بنت عبد المطلب، والدة عبد الله بن جحش وأم المؤمنين زينب بنت جحش.
الخامسة : أروى بنت عبد المطلب، والدة طُلَيْب بن عمرو.
السادسة : صفية بنت عبد المطلب، والدة الزبير بن العوام أسلمت وهاجرت.
وقام أبو جهل وأبو سفيان بالإستيلاء على أملاك المهاجرين والتصرف فيها وبيعها .
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين وصل الى موضع الحديبية لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها. ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هنالك( ).
وهذا الحديث للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من جوامع الكلم ، إذ أخبر عن رغبته بالصلح ، واستعداده للوئام والوفاق مع كفار قريش بضابطة وهي صلة الرحم ، فما يتصل بها ويكون فرعاً لها أو رشحة من صلة الرحم فان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوافق عليه ، ويدخل أمن قوافل قريش في صلة الرحم.
وفيه شاهد بان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يريد القتال ، ولا يسعى إلى الغزو والهجوم وسفك الدماء ، انما يريد الصلح مع الكفار فمن باب الأولوية أنه يريد الصلح مع أهل الكتاب ، وفي التنزيل [قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ]( ).
فان قيل تم صلح الحديبية في شهر ذي القعدة من السادسة للهجرة بينما كانت معركة بدر في شهر رمضان في السنة الثانية للهجرة أي قبله بأربع سنوات وشهرين ولم يثبت في علم الأصول الإستصحاب القهقري.
والجواب لا تصل النوبة الى هذا الإستصحاب الذي يتعلق بموضوع أو أمر موجود ولكن شككنا بوجوده في الزمن الماضي فهل نستصحب وجوده في الزمن الماضي أيضاً .
فاذا علمنا بأن زيداً اليوم أنه قد مات فهل نستصحب موته قبل خمسة أشهر عند أول غيابه عنا حتى يترتب على غيابه مسألة عدة الوفاة لزوجته الجواب لا ، ولا دليل على حجية الإستصحاب القهقري ولا يشمله قوله عليه السلام : لا تنقض اليقين بالشك .
ولا يزال اليقين بالشك ، الجواب لا تصل النوبة في المقام إلى الإستصحاب القهقري انما هو من جهات :
الأولى : الأولوية القطعية إذ كان المسلمون أيام معركة بدر قليلي العدد.
الثانية : يتجلى الضعف عند المسلمين في السلاح والرواحل ، صحيح أنهم غنموا من معركة بدر غنائم وأسروا سبعين منهم , وفادت قريش أكثرهم بالمال ، ودفعت عن كل واحد منهم أربعة آلاف درهم
الثالثة : عدم نزول تمام الآيات وخاصة آيات الأحكام.
الرابعة : وجود مسلمين في مكة لم يهاجروا بعد ، ومنهم من تتعذر عليه المغادرة والهجرة ، فمن بنود الصلح الإذن للمسلمين بالهجرة من مكة ونواحيها.
الخامسة : دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في كل آن وزمان إلى السلام والوئام وهو من مصاديق قوله تعالى [وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ]( )، وعنه صلى الله عليه وآله وسلم : بعثت لأتمم مكارم الأخلاق( ).
السادسة : تقوم الأديان السماوية بالعفو والإحسان ، ومن أسماء الله تعالى العفو ، وليس من حدّ لمصاديق عفوه تعالى ، والموضوعات التي يكون فيها العفو.
وعن كعب بن مالك قال : كان المشركون واليهود من أهل المدينة حين قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يؤذون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه أشد الأذى ، فأمر الله رسوله والمسلمين بالصبر على ذلك والعفو عنهم ، ففيهم أنزل الله ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً.
لقد ورد قوله تعالى [وَإِنَّا لَهُ لحافظون]( )، مرتين في القرآن الأولى بخصوص القرآن إذ أخبر الله الله عز وجل عن تفضله بنزول القرآن نعمة منه سبحانه ، وأتم هذه النعمة بحفظه للقرآن ، وإذا كان نزول الآية قد حدث مرة واحدة بنزول جبرئيل بها وقيامه بتبليغها لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالنص من غير زيادة أو نقيصة وتفضل الله عز وجل وسماه الأمين بقوله تعالى [نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ]( )، فان الله عز وجل يحفظ كل آية من آيات القرآن في كل دقيقة ، ويحفظها في مشارق ومغارب الأرض كلها ، وهو أمر لا يقدر عليه إلا هو سبحانه ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا]( )، بلحاظ أن حفظ كل آية وفي أي ساعة من الليل والنهار هو نعمة عظمى ، ولطف وفضل من الله عز وجل على الآولين والآخرين .
فحفظ الله لكل آية قرآنية هذا اليوم نعمة على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت والصحابة والتابعين وعلى أهل هذا الزمان والأجيال اللاحقة إلى يوم القيامة.
أما الآية الثانية في قوله تعالى [وَإِنَّا لَهُ لحافظون] فهو قوله تعالى في أخوة يوسف [أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ]( ).
لقد تعهدوا لأبيهم بأن لا يصيب يوسف مكروه ، ولا يمسه سوء ، ولكنهم ألقوه في الجب ، وهل يدل هذا الأمر على أن الحفظ المستديم لا يقدر عليه إلا الله.
الجواب نعم إن الله عز وجل هو الذي يحفظ ما لا يقدر على حفظه غيره ، ولكن يستطيع الإنسان حفظ الوديعة والأمانة ، والعفة وعقيدة الإيمان لذا تفضل الله عز وجل وسمّى نفسه بأنه خير حافظ كما ورد في التنزيل [فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا]( ).
وفي مصحف عبد الله بن مسعود (والله خير الحافظين) وقيل ( قرأ ابن مسعود : فالله خير حافظ وهو خير الحافظين) ( ).
وهل يدل حفظ الله عز وجل للقرآن على حفظه تعالى لشخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من القتل مدة نزول القرآن ، الجواب نعم ، من جهات :
الأولى : نزول القرآن على نحو التدريج والنجوم .
الثانية : لقد شاء الله عز وجل أن ينزل القرآن كاملاً غير منقوص ، وفيه كمال الدين ، وتمام النعمة ، وثبوت الإسلام عقيدة في النفوس والمجتمعات.
الثالثة : نزول القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على نحو التعيين والحصر مما يدل على فضل الله عز وجل ببقاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حياً وبصفة النبوة والرسالة حتى تمام نزول آيات القرآن.
الرابعة : نزول القرآن بحسب الوقائع والأحداث وهو علم أسباب النزول ، فقد تقع حادثة فينزل القرآن بخصوصها من وجوه:
الأول : الإخبار عن الحادثة وتهيئة الأذهان لها .
الثاني : نزول الآية مقدمة للحادثة ، كما في قوله تعالى [قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنْ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ] ( ).
الثالث : نزول الآية القرآنية اثناء الواقعة بما يكون ضياء ومناراً ، وهو من مصاديق قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( ).
الرابعة : نزول الآية القرآنية بعد الواقعة بما يكون حجة وموعظة.

مقولة الإنسان حيوان ناطق
الحمد لله الذي أنعم على الإنسان بنعمة البيان ، ورزقه النطق وبكلمات مفهومة ولغة تخاطب بين الناس ، حتى أن علماء المنطق يسمون الإنسان (الحيوان الناطق) للتمييز بينه وبين سائر الحيوانات بالنطق ، وليس فيه بالأصل قدح أو تعريض بالإنسان لأن المراد المثال بأن فيه حياة وهو متحرك.
والمراد أن لفظ الحيوان جنس ، وكلمة (ناطق) فصل يفصل ويميز المعرّف عن غيره من أفراد الجنس لبيان أن المائز بين الإنسان وعالم الحيوانات والبهائم متعدد ، إذ يتصف الإنسان بخصائص من جهات :
الأولى : العقل .
الثانية : الماهية.
الثالثة : النطق ، وقيل المراد من النطق هنا هو التفكير والتدبر والتأمل .
الرابعة : التمييز بين الأشياء والقدرة على الفصل والحكم .
الخامسة : خلافة الإنسان في الأرض ، وتسخير الحيوانات له أكلاً وركوباً وانتفاعاً عاماً ، وقضاء للحوائج ، قال تعالى [وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ]( ).
وهذا التسخير للناس كافة البر والفاجر والمؤمن والكافر ، ومع الإرتقاء في عالم التقنيات ، واستخدام الآلة فلا يأتي يوم على الإنسان يستغني فيه عن الحيوانات والإنتفاعات منها إلا أن يشاء الله .
السادسة : تلقي الإنسان التنزيل ، والتصديق بالأنبياء ، وعمارة الأرض بالعبادة ، وكل خصلة من هذه الخصال نعمة عظيمة تملي على الناس مجتمعين ومتفرقين التوجه الى الله عز وجل بالحمد والشكر له سبحانه.
السابعة : صيرورة الدنيا دار امتحان واختبار للإنسان .
الثامن : عالم الحساب الذي ينتظر الإنسان .
قال تعالى [وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً]( )، ومن وجوه تكريم الله لبني آدم خلقهم بأبهى وأجمل هيئة ، وأحسن صورة ، ويمشي الإنسان على رجليه ، ويأكل بيديه أما الحيوانات فتمشي على أربع وتأكل بأفواها.
وقد أكرم الله عز وجل بني آدم بالنبوة والتنزيل ، والعبادة وأداء المناسك ، وقال المفسرون في [وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ] ( ) أي على الأنعام ، وفي البحر على السفن .
وجاء زمان الثورة الصناعية ليتنقل الناس بالسيارات والقطارات ، ويركبوا الطائرات .
ويقسم الوجود :
الأول : واجب الوجود وهو الباري عز وجل.
الثاني : ممكن الوجود ، ومنه الإنسان ، ويسمى عالم المخلوقات عالم الحدوث ، وعالم الإمكان .
الثالث : ممتنع الوجود وهو شريك الباري .
وقد ذم الله الذين كفروا الذين اتخذوا شريكاً للباري عز وجل ، ليكون ذكر الشريك من عالم الوجود من المجاز وإرادة البيان ، قال تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ] ( ).
ومقولة (الإنسان حيوان ناطق) لرجال المنطق بقصد أن لفظ (حيوان) جنس ، وكلمة (ناطق) فصل وتمييز للإنسان عن نوعه بلحاظ أن المفهوم ينقسم إلى قسمين :
الأول : الكلي .
الثاني : الجزئي .
وينقسم المفهوم الكلي إلى :
الأول : النوع .
الثاني : الجنس .
الثالث : الفصل .
الرابع : الخاصة .
الخامس : العرض العام .
وتسمى هذه المفاهيم الكلية (الكليات الخمسة) ، وتقع تحت قسمين رئيسين هما :
الأول : الذاتي ويشمل : النوع والجنس والفصل .
الثاني : العرضي ويشمل الخاصة ، والعرض العام .
فمن مفهوم الذاتي يقال : زيد إنسان .
فالإنسان هو تمام هيئة وحقيقة زيد ، ولا يمكن الفصل بين زيد وإنسانيته ، ويقال في تعريف الإنسان : إنه حيوان ناطق ، فصفة حيوان هو الجنس ، أما (الناطق) فهو الفصل الذي يميزه عن باقي الحيوانات ، فحقيقة الإنسان أنه مفهوم كلي ذاتي يتألف من جزئين :
الأول : الحيوان .
الثاني : الناطق .
والجنس هو الحقيقة المشتركة بين أفراد متعددة ، فتلتقي عدة هيئات في نوع واحد مثل الأسد ، والحصان ، فالأسد حيوان مفترس ، والحصان حيوان صاهل وينقسم الفصل إلى :
الأول : الفصل القريب مثل التغيير والكبر والصغر في القمر بالنسبة للكواكب.
الثاني : الفصل البعيد ، وهو الذي يأتي في المرتبة والبعد مثل : الحساس المتحرك.
ومن وجوه إكرام الله عز وجل في القرآن للإنسان قوله تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، وتسخير الأشياء له.
وقوله تعالى [لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ]( )، وقوله تعالى [وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ]( )، [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ]( ).
وصحيح أن الإنسان يشترك مع الحيوان في الحياة إلا أن الفصل بينهما متعدد وكثير ، فحياة الإنسان للعلم والعمل والتحصيل الفكري والتدبر في الخلق والنشأة ، وإتخاذ الإنسان الحياة لعمارة الأرض بالعبادة .
ويستهجن العامي مقولة الإنسان حيوان ناطق ، مع أنها خالية من القدح بالإنسان ، وهل الإستهجان لها عن جهالة وعامية أم عن فطرة وعمومات قوله تعالى [وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ]( )، الجواب هو الثاني .
وأختلف في علم الكلام هل النوع أعم من الجنس ، أم الجنس أعم من النوع ، والمشهور والمختار هو الأول ، ومن وجوه تعريف النوع أنه ماهية تامة ، وله آثار واقعية .
ويمكن تعريف الإنسان في علم المنطق بأنه جنس مستقل بذاته ,
فقد أكرمه الله عز وجل وسمّاه الإنسان ، ويأتي المناطقة بالتمييز بين الجنس والفصل بأمثلة أخرى سواء من عالم الحيوان أو النبات أو الجمادات كوسائط النقل ، فنقول مثلاً : الطائرة واسطة نقل جوية ، للفصل بينها وبين السيارة والقطار والسفينة ، ويقال السفينة واسطة نقل بحرية .
وذات الإنسان يصلح أن يكون جنساً وماهية ناقصة ويكون الفصل بين الناس بوجوه غير محدودة من جهة :
الأول : العمر .
الثاني : التعليم .
الثالث : لون الشعر .
الرابع : لون البشرة .
الخامس : الطول والقصر .
السادس : بصمة الأصابع .
السابع : بصمة العين .
الثامن : الذكورة والأنوثة .
التاسع : المهنة .
العاشر : التعليم .
الحادي عشر : الإيمان والكفر .
الثاني عشر : الغنى والفقر .
أدعو المناطقة إلى ترك مقولة الإنسان حيوان ناطق كمثال لبيان الجنس والفصل والإتيان بغيرها في الموجودات ، ليكون المثال بغيره من مصاديق قوله تعالى [وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ]( )، كما أنها مقولة (الإنسان حيوان ناطق) ليست تامة ولا تتناسب مع إكرام العالم لنفسه ولجنسه ، وإن ورد من باب المثال ، وليس المناقشة في المثال من دأب المحصلين ولكن المقدمة مكروهة .
وتحتمل مقولة ( الإنسان حيوان ناطق ) وجوهاً :
الأول : الإباحة .
الثاني : الإستحباب .
الثالث : الكراهة .
الرابع : الحرمة .
والمختار هو الثالث أعلاه ، خاصة مع التركيز عليها ، فهي مجرد مثال جيء به قبل أكثر من ألفي سنة تنسخه وتمحوه علوم التنزيل ، والنبوة وما فيها من إكرام الإنسان .
فيجب أن يؤتى بالمثال على الجنس والفصل بين الحيوانات نفسها كجنس ، كالنسر حيوان مفترس طائر ، والدجاج حيوان داجن .
وبين النبات والأشجار والفصل بينها في الثمرة ونوعها وعدمها وبين الناس أنفسهم فذات الناس جنس .
والإكثار في دراسة علم المنطق من قول (الإنسان حيوان ناطق) أمر زائد.
ولم يذكر لفظ الحيوان في القرآن إلا بخصوص الآخرة , ومعنى الحياة قال تعالى [الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ] ( ).
ووردت بعض أسماء حيوانات في القرآن.
ومن الإعجاز أنها كلها حيوانات معروفة عند الناس بأجيالهم المتعاقبة ، وهي متعددة ومتباينة في الهيئة والفعل فمنها البرية ومنها البحرية ومنها الكبيرة كالفيل والأسد والحوت.
ومنها الصغيرة كالنمل والنحل والبعوض.
ومنها الزواحف كالأفعى والعنكبوت والنمل والقمل، ومنها البرمائيات كالضفدع.
ومن هذه الحيوانات ما ورد ذكرها في القرآن بصيغة المفرد والجمع مثل البقرة البقر ، النملة : النمل ، الجمل : الإبل ، كما تكرر لفظ (الذباب) قال تعالى [لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمْ الذُّبَابُ شَيْئًا لاَ يَسْتَنقِذُوهُ]( ).
وجاءت سور باسماء بعض الحيوانات وهي :
الأولى : سورة البقرة وهي أطول سورة في القرآن وعدد آياتها .
الثانية : سورة الأنعام وهي مكية إلا بعض آياتها نزلت في المدينة ، وذكر لفظ الأنعام ست مرات منها قوله [وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ لاَ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لاَ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ]( ).
وتسمى أيضاً سورة الحجة لما تتضمنه من البرهان على التوحيد ، وسنن الإيمان وأحكام الحلية والإباحة والذباحة لذا ابتدأت السورة بالحمد لله.
و(عن جابر قال : لما نزلت سورة الأنعام سَبّح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قال : ” لقد شيع هذه السورة من الملائكة ما سدّ الأفق.
وقال أبو بكر بن مَرْدُوَيه: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا إبراهيم بن دُرُسْتُويه الفارسي، حدثنا أبو بكر بن أحمد بن محمد بن سالم، حدثنا ابن أبي فديك، حدثني عمر بن طلحة الرقاشي، عن نافع بن مالك أبي سهيل، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ” نزلت سورة الأنعام معها موكب من الملائكة، سَد ما بين الخَافِقَين لهم زَجَل بالتسبيح والأرض بهم تَرْتَجّ ” ، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ” سبحان الله العظيم، سبحان الله العظيم) ( ).
الرابعة : سورة النمل ، وتسمى سورة الهدهد .
الخامسة : سورة العنكبوت .
السادسة : سورة الفيل .
كما تقسم المخلوقات إلى :
الأول : الوجود المادي المحض كالجمادات .
الثاني : الوجود الجامع للمادة والروح كالإنسان .
الثالث : الوجود الروحي المحض كالملائكة ، وإن كان بامكانها التشبه بالمخلوقات الكريمة ، وكان جبرئيل ينزل أحياناً على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهيئة دحية الكلبي .
وفصل (الناطق) ينطبق على الإنسان ، وقيل المراد من الناطق المتدبر والمفكر بقوة , ولكن الكلام العربي يحمل على ظاهره وفي العرف تستعمل كلمة الحيوان للسب والتعريض .
ولو قال أحدهم لغيره : أنت حيوان ناطق، فهل يدخل في الشتم والذم وعمومات قوله تعالى [وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ]( )، وما ورد عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليس المؤمن بالطعان ، ولا اللعان ، ولا الفاحش، ولا البذيء( ).
الجواب لا ، لأنه تعريف متعارف عند أهل العلم إلا مع القرينة الصارفة إلى التعريض ولحاظ مناسبة الحال ، نعم لابد من ذكر أمثلة أخرى في الجنس والفصل غير الإنسان ، وعن وصف ومفهوم آخر للإنسان فمثلاً هو جنس مستقل بذاته لا تلتقي معه الحيوانات ، إذ أكرمه الله عز وجل بالخلافة قال تعالى [وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( ) .
كما أنه جنس مستقل بفوزه بالإكرام من عند الله وهو النفخ فيه من روحه قال تعالى [وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ]( )، كما أكرمه الله عز وجل بالعقل والتمييز والفصل ، ليختار بهذا العقل الإصطلاح المناسب في وصفه ، فلا يختار تسميته بما يجمع بينه وبين الحيوانات بل يجب أن يختار التسمية التي تدل على المنزلة الرفيعة التي شرّفه الله عز وجل بها ، خاصة إذا كان الذين يختارون هم العلماء وان كانت تسمية الإنسان حيوان ناطق ليست اسلامية إنما هي مأخوذة من الفلسفة اليونانية ، وقيل أول من قال بهذا التعريف هو أرسطو (384 ق.م -322 ق.م)وهو فيلسوف يوناني وتلميذ افلاطون ومعلم الاسكندر الأكبر وقال : إن الإنسان هو الحيوان الناطق ، أي أنه كائن حي ناطق وعرّفه غيره من الفلاسفة بوجوه :
الأول : الحيوان العاقل.
الثاني : الحيوان المفكر.
الثالث : الحيوان الأخلاقي.
الرابع : الحيوان العابد.
الخامس : الحيوان الإجتماعي .
وان كان الاسم غير المسمى ، والتسمية وان تعددت فان المسمى واحد.
وفي بيان الحد التام الذي هو التعريف بالجنس والفصل القريبين يؤتى بمثل متوارث وهو الإنسان حيوان ناطق ، وأن الجنس هو الحيوان ، والفصل القريب هو الناطق بخلاف الحد الناقص وهو التعريف بالجنس البعيد والفصل القريب أو بالفصل وحده ، ولا تصل النوبة اليه إذ أن الدلائل القرآنية والعقل والوجدان وإكرام الإنسان لنفسه أمور تدل على أن ذات الإنسان نوع وجنس مستقل ، مع التسليم بأن الاسم غير المسمى والوصف غير الموصوف .
فقد أراد الله عز وجل للإنسان أن يكون [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( )، يصاحبه التنزيل إلى يوم القيامة .
ومن إعجاز القرآن اختتامه بلفظ (الناس) سواء من جهة اسم السورة (الناس) أو آخر كلمة منه إذ وردت آخر آية من هذه السورة بقوله تعالى [مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ]( ).
لبيان أن القرآن نزل للناس جميعاً ، وهو يصاحبهم مادامت الحياة الدنيا وهم بحاجة مستمرة الى القرآن ، وأن الناس نوع خاص من الخلائق أكرمهم الله وأنهم غير الجن ، وكذا غير البهائم والحيوانات.
ويمكن القول بأن القرآن الكتاب السماوي الذي يكرم الإنسان وتدل عليه النداء العام في وجهته بلفظ [ يَاأَيُّهَا النَّاسُ] ( ), أو الخاص بنداء الإيمان [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] ( ), أو بذكر خلق الإنسان وعلة هذا الخلق .
قال تعالى [وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ] ( ),وقال تعالى [هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا] ( ).
ومن إكرام الله عز وجل للناس والتمايز بينه وبين عالم الحيوان أن الله عز وجل خلق أدم في الجنة ونفخ فيه من روحه , ثم لقنه العلم وسبل المعرفة ,قال تعالى [وَعلم آدم الأَسْمَاءَ كُلَّهَا] ( ).
حيوانات ذكرت في القرآن
لقد جعل الله عز وجل القرآن [تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ] ( )، فذكر الخلق والكائنات ، والكواكب ، وهبوط آدم وحواء الى الأرض بعد السكن المؤقت في الجنة والذي كان نعممة وإصلاحاً لهما لعمارة الأرض ، وتهيئة للأرض لسكن آدم وذريته ومن بديع صنع الله عز وجل عالم الحيوان وأسراره وتسخيره للإنسان , ويمكن إنشاء قوانين بخصوص النفع من الحيوانات من وجوه :
الأول : قانون نفع كل حيوان للإنسان .
الثاني : قانون منافع الحيوانات مجتمعة للإنسان .
الثالث : قانون عدم استغناء الإنسان عن الحيوانات .
الرابع : قانون فضل الله على الناس بخلق وتسخير الحيوانات لهم.
الخامس : قانون كل حيوان آية من بديع صنع الله ، في ذاته وحياته وفعله ، وهو من مصاديق قوله تعالى [رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى]( ).
وذكر القرآن نحو ثمانية وعشرين صنفاً من الحيوانات منها الجوارح والأنعام والثدييات والركوبة والطيور والحشرات والسمك والزواحف كما ذكر القرآن الضفدع بصيغة الجمع , وهو من البرمائيات ، وقد ورد ذكر الحيوانات في الآية التالية : ( )
1- الأسد – سورة المدثر :[ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ] ( )، قسورة أي الأسد ، وقيل القسورة : القناص ، أو الرماة( ).
2- البغل – سورة النحل[ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ).
3- البقرة – قال تعالى [ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ]( )، وقال تعالى [وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنْ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوْ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ]( ).
ـــــ العجل – قال تعالى [يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنْ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمْ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا] ( ) – سورة هود ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾( )- سورة الاعراف ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ سورة البقرة وذكر في ثلاث مواضع( ).
4- البعوضة – سورة البقرة [إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ]( ).
5- الثعبان – قال تعالى [قَالَ إِنْ كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنتَ مِنْ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ]( ) وقال تعالى[قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنْ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ]( ) .
6- الجراد – قال تعالى [فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ]( )، َقال تعالى [خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ]( ).
7- الجمل وذكر بصيغ عديدة قال تعالى[إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ] ( )، وقال تعالى [إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ] ( ).

  • الابل – سورة الأنعام [ وَمِنْ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنْ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ أَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمْ الْأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمْ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ] ( ) قال تعالى ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾( ) ، وجاءت بصيغة الناقة والبدن والبعير.
    8- الحمار – قال تعالى ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾( ) ، وقال تعالى ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾( ) ، سورة لقمان ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾( ).
    9- الحوت – قوله تعالى ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾( ) ، وقوله تعالى ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾( ).
    10- الخيل – قوله تعالى ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾( )، قال تعالى ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ( ).
    11- الخنزير – قوله تعالى ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾( )، وقوله تعالى ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَـئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ﴾( )، وقوله تعالى ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾( ).
    12- الذباب – قال تعالى﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾( ).
    13- الذئب – سورة يوسف ﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَقَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ وقال تعالى[قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ * قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ * فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ * قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ]( ).
    14- طائر السلوى – قال تعالى ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾( ) قال تعالى ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾( )،
    15- الضأن – سورة الأنعام ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ نَبِّؤُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ( ).
    16- الضفدع – سورة الأعراف ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ( ).
    17- العنكبوت – سورة العنكبوت ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾( ).
    18- الفراشة – قال تعالى ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾( ).
    19- القرد – قال تعالى [وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ] ( ) ,[ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمْ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ( ).
    20- القمل – قوله تعالى﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ﴾( ).
    21- الكلب – قوله تعالى﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾( )، سورة الكهف ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِٱلْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِّنْهُمْ أَحَداً( ).
    22- الماعز – قوله تعالى [ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ نَبِّؤُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ]( ).
    23- النحلة – قوله تعالى [وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ] ( ).
    24- النمل – قوله تعالى [حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ]( ).
    25- الهدهد – قوله تعالى[وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ]( ).
    26- الفيل – قوله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾( )
    27- السبع – قوله تعالى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) ( )، والسبع هو الأسد وقد يكون اسم السبع عنواناً للحيوان المفترس ، وهو أعم من الأسد.
    28- الغراب – قوله تعالى ﴿فَبَعَثَ اللّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾( ).
    قانون البرزخ
    البرزخ لغة هو الحاجز بين شيئين ، والفاصل بينهما والمانع من الإختلاط والتداخل والإمتراج بينهما ، وهو في الاصطلاح عالم بين موت الإنسان الى يوم النشور , ليكون لكل إنسان برزخ مستقل من جهة مدته , فمنهم من يكون برزخه آلاف السنين ومنهم أقل منه بكثير , ومن الإعجاز عجز الناس عن معرفة أوان النشور وانقطاع عالم البرزخ .
    وقد ورد لفظ البرزخ في ثلاثة مواضع من القرآن:
    الأول : قال تعالى [مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ* بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَ يَبْغِيَانِ]( ).
    الثاني : [وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا]( ).
    الثالث : قال تعالى [حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ]( ).
    ولم يرد لفظ (قائلها) في القرآن إلا في الآية أعلاه ويذكر عالم البرزخ في القرآن تارة باسمه وأخرى من غير اسم البرزخ ، كما في قوله تعالى بخصوص آل فرعون [النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ]( ).
    فان قيل لماذا بعض الكفار يعذب في البرزخ مدة أطول من غيره بلحاظ التباين في فترة ما بعد الموت الى يوم القيامة ، فمنهم من مات قبل ألف أو الفي سنة ومنه من يموت فيما بعد والجواب لأن السابق أسوة وسبب في تجرأ اللاحق على المعصية , وقد يكون نوع تساو من جهة التخفيف عن السابق والتشديد على اللاحق .
    ومن صفات الله عز وجل العدل ، فطول المدة في البرزخ لا تزيد من عذاب صاحبها ، وكذا فان قصر مدة اللاحق لا تدفع عنه ما يستحقه من العذاب في البرزح ، فقد يكون عذاب السابق محدوداً أو خفيفاً بخلاف اللاحق.
    ورد ذكر البرزخ في قوله تعالى [وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لاَ تَشْعُرُونَ]( )، وقوله تعالى فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ.
    وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا سلمان حب فاطمة ينفع في مائة موطن ايسر تلك المواطن الموت ، والقبر ، والميزان ، والمحشر، والصراط والمحاسبة( )،والمراد من القبر في الحديث أعلاه عالم البرزخ.
    وعن عمرو بن يزيد قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام : وما البرزخ ، قال : القبر منذ حين موته إلى يوم القيامة ، وقال الإمام الصادق عليه السلام : البرزخ القبر ، وهو الثواب والعقاب بين الدنيا والآخرة( ).
    والبرزخ هو عالم القبر ما بين مغادرة الإنسان الدنيا والى حين يوم القيامة للتباين في إقامة الناس فيه من جهة الزمان ، وكذا من جهة الحال وله أسماء وهي :
    الأول : عالم البرزخ .
    الثاني : عالم القبر .
    الثالث : وقد يسمى القبر ، وفيه نصوص.
    الرابع :عالم الأرواح .
    الخامس :العالم الأثيري ، وهي تسمية فريق من العلماء وهو العالم الموجود بين الأرض والسموات ، وأن الأرواح تعيش طليقة فيه.
    السادس : عالم المثال وكما يرى الإنسان في المنام الموتى فانه من عالم المثال وهو غير معنى ذات الاسم عند الفلاسفة لأنه الحد الفاصل بين عالم المادة وعالم المجردات، ، بلحاظ أنه من عالم الممكنات ، وهي ما سوى الله عز وجل ، وتسمى أيضاً العوالم الكلية ، ولها مراتب في الوجود وهي :
    الأول : عالم العقل .
    الثاني : عالم المثال .
    الثالث : عالم المادة والطبيعة.
    وقالوا أن عالم العقل علة لعالم المثال ، وعالم المثال على لعالم المادة ، فكل مرتبة من الوجود علة للتي تليها .
    فيكون عالم المثال بين عالم العقل وعالم الطبيعة ، ولا أصل لهذا الخلط والإبهام ، إنما خلق الله عز وجل الخلائق من العدم بالكاف والنون وجعلها ملكاً طلقاً له سبحانه، وله المشيئة فيها , قال تعالى [بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ]( ).
    وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : لما خلق الله عز وجل العقل قال له : قم ، فقام ، ثم قال له : أدبر ، فأدبر ، ثم قال له : اقعد ، فقعد ، فقال : وعزتي ، ما خلقت خيرا منك ، ولا أكرم منك ، ولا أفضل منك ، ولا أحسن ، بك آخذ ، وبك أعطي ، وبك أعرف ، وبك أعاقب ، وبك الثواب ، وعليك العقاب ( ).
    ولعالم المثال عند بعض الطرق معنى آخر وهو أن الشخص الولي منهم قد يكون في موضعين متباعدين في آن واحد ، ففي قرية دمامين في صعيد مصر الأعلى وتسمى المفرجية بمحافظة قنا ، ذكر أن شيخاً اسمه مفرج رآه أحد أهل القرية في عرفة في موسم الحج ونازعه بعد عودته شخص آخر بان الشيخ لم يفارق القرية ولم يذهب للحج ، فحلف كل واحد منهما بطلاق زوجته ، فالذي كان في الحج حلف بأن امرأته طالق إن لم يكن قد رآى الشيخ في الحج ، وحلف الآخر بطلاق زوجته أنه لم يغادر دمامين ، ويسمى الحلف بالطلاق ، أو الطلاق المعلق وهو تطليقة واحدة.
    والمختار أن هذه اليمين لا موضوعية لها ، والحمد الله جاءت القوانين الوضعية لتجعل أثرها ضعيفاً وفيها مع الحنث الكفارة وهي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم ومع العجز فيصوم ثلاثة أيام فهي كفارة تخييرية ثم بدلية ، وتعليق الطلاق على يمين بغير الله لا يجوز قال تعالى [لاَ يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ]( ).
    ولما جاء الحالفان بالطلاق إلى الشيخ مفرج وهذا يقول رآه في عرفة ، وهذا رآه في دمامين ولم يفارقها حكم الشيخ بأن أبقى كل واحد على حاله وأقره على زوجته لأن الولي إذا تحقق في ولايته صور في صور عديدة ، ويتلبس بصور متعددة في آن واحد ، ويعطى التطور في الأطوار , فصورته بعرفة حق ، وصورته في دمامين حق .
    والله عز وجل قادر على إعطاء هذه النعمة لأوليائه , وكتابة الحج لهم وهم في بلدانهم وقراهم , ولكن لم يقع هذا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يتصور بذات شخصه في موضعين في آن واحد ، وحينما أسري به إلى السماء لم يبق في فراشه بجسده ، إنما أسري به بجسده وروحه ، قال تعالى [سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ]( ).
    وأستعمل لفظ (البرزخ) في الفلسفة بمعنى العالم الذي يتوسط العقول المجردة.
    ومن الآيات التي تدل على الحياة في عالم البرزخ ما ورد في التنزيل [قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ]( )، ومعاد الأبدان مما يتفق عليه المسلمون واليهود والنصارى.
    وأحاديث منكر ونكير في القبر عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم متعددة ومتواترة وحديث البراء حال الإنسان في القبر من أطول أحاديث السنن اختصره بعضهم ، وفي بعض الأحاديث أن عذاب القبر الإبتدائي تسمعه الخلائق كلها إلا الإنسان والجن لأنهم في عالم ابتلاء وامتحان في الدنيا.
    إن مباحث علم البرزخ تذكرة وتذكير بالموت ودعوة للإستعداد له ، وعن أنس بن مالك (عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال : أكثروا ذكر هادم اللذات( ).
    وفي حديث طويل عن جابر بن عبد الله وابن عباس ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم حينما كان مشغولاً بنفسه يوم قبض روحه سمع (ضجيج الناس فقال : ما هذه الضجة ؟ قالوا : ضجة المسلمين لفقدك يا رسول الله فدعا النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وابن عباس فأتكأ عليهما.
    فخرج إلى المسجد فصلى بالناس ركعتين خفيفتين ثم أقبل بوجهه المليح عليهم.
    فقال : يا معشر المسلمين أستودعكم الله أنتم في رجاء الله وأمانه والله خلفتي عليكم معاشر المسلمين عليكم باتقاء الله وحفظ طاعته من بعدي فإني مفارق الدنيا هذا أول يوم من الآخرة وآخر يوم من أيام الدنيا.
    فلما كان يوم الاثنين اشتد به الأمر وأوحى الله عز و جل إلى ملك الموت صلى الله عليه و سلم أن اهبط إلى حبيبي وصفيي محمد صلى الله عليه و سلم في أحسن صورة وارفق به في قبض روحه فهبط ملك الموت صلى الله عليه و سلم فوقف بالباب شبه أعرابي ثم قال : السلام عليكم يا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة أدخل.
    فقالت عائشة لفاطمة : أجيبي الرجل فقالت فاطمة : آجرك الله في ممشاك يا عبد الله إن رسول الله صلى الله عليه و سلم مشغول بنفسه فدعا الثانية فقالت عائشة : يا فاطمة أجيبي الرجل.
    فقالت فاطمة : آجرك الله في ممشاك يا عبد الله إن رسول الله مشغول بنفسه ثم دعا الثالثة السلام عليكم يا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة أأدخل ؟ فلا بد من الدخول فسمع رسول الله صلى الله عليه و سلم صوت ملك الموت .
    فقال : يا فاطمة من بالباب.
    فقالت : يا رسول الله إن رجلا بالباب يستأذن في الدخول فأجبناه مرة بعد أخرى فنادى في الثالثة صوتا اقشعر منه جلدي وارتعدت فرائصي.
    فقال لها النبي صلى الله عليه و سلم : يا فاطمة أتدرين من بالباب ؟ هذا هادم اللذات مفرق الجماعات هذا مرمل الأزواج وموتم الأولاد هذا مخرب الدور وعامر القبور هذا ملك الموت صلى الله عليه وسلم ادخل رحمك الله يا ملك الموت فدخل ملك الموت على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا ملك الموت جئتني زائرا أم قابضا .
    قال : جئتك زائرا وقابضا وأمرني الله عز و جل أن لا أدخل عليك إلا بإذنك ، ولا أقبض روحك إلا بإذنك ، فإن أذنت وإلا رجعت إلى ربي عز وجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا ملك الموت أين خلفت حبيبي جبريل.
    قال : خلفته في السماء الدنيا والملائكة يعزونه فيك فما كان بأسرع أن أتاه جبريل عليه السلام فقعد عند رأسه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا جبريل هذا الرحيل من الدنيا فبشرني ما لي عند الله.
    قال : أبشرك يا حبيب الله أني قد تركت أبواب السماء قد فتحت والملائكة قد قاموا صفوفا صفوفا بالتحية والريحان يحيون روحك يا محمد.
    فقال : لوجه ربي الحمد وبشرني يا جبريل قال : أبشرك أن أبواب الجنان قد فتحت وأنهارها قد اطردت وأشجارها قد تدلت وحورها قد تزينت لقدوم روحك يا محمد قال : لوجه ربي الحمد فبشرني يا جبريل قال : أنت أول شافع وأول مشفع في القيامة قال : لوجه ربي الحمد.
    قال جبريل : يا حبيبي عم تسألني ؟ قال : أسألك عن غمي وهمي من لقراء القرآن من بعدي ، من لصوم شهر رمضان من بعدي ، من لحاج بيت الله الحرام من بعدي ، من لأمتي المصفاة من بعدي ، قال : ابشر يا حبيب الله فإن الله عز و جل يقول : قد حرمت الجنة على جميع الأنبياء والأمم حتى تداخلها أنت وأمتك يا محمد قال : الآن طابت نفسي إذن يا ملك الموت فانته إلى ما أمرت .
    فقال علي : يا رسول الله إذا أنت قبضت فمن يغسلك ، وفيم نكفنك ، ومن يصلي عليك ، ومن يدخل القبر .
    فقال النبي صلى الله عليه و سلم : يا علي أما الغسل فاغسلني أنت و الفضل بن عباس يصب عليك الماء وجبريل عليه السلام ثالثكما فإذا أنتم فرغتم من غسلي فكفنوني في ثلاثة أثواب جدد وجبريل عليه السلام يأتيني بحنوط من الجنة فإذا أنتم وضعتموني على السرير فضعوني في المسجد واخرجوا عني فإن أول من يصلي علي الرب عز وجل من فوق عرشه ثم جبريل عليه السلام ثم ميكائيل ثم إسرافيل عليهما السلام ثم الملائكة زمرا زمرا ثم ادخلوا فقوموا صفوفا لا يتقدم علي أحد فقالت.
    فاطمة : اليوم الفراق فمتى ألقاك.
    فقال لها : يا بنية تلقيني يوم القيامة عند الحوض وأنا أسقي من يرد علي الحوض من أمتي قالت : فإن لم ألقك يا رسول الله ؟ قال : تلقيني عند الميزان وأنا أشفع لأمتي.
    قالت : فإن لم ألقك يا رسول الله ، قال : تلقيني عند الصراط وأنا أنادي ربي سلم أمتي من النار.
    فدنا ملك الموت صلى الله عليه وسلم يعالج قبض رسول الله صلى الله عليه و سلم فلما بلغ الروح الركبتين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أوه فلما بلغ الروح السرة نادى النبي صلى الله عليه وسلم : واكرباه.
    فقالت فاطمة عليها السلام : كربي يا أبتاه فلما بلغ الروح إلى الثندؤة( ) نادى النبي صلى الله عليه وسلم : يا جبريل ما أشد مرارة الموت فولى جبريل عليه السلام وجهه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا جبريل كرهت النظر إلي.
    فقال جبريل صلى الله عليه وسلم : يا حبيبي ومن تطيق نفسه أن ينظر إليك وأنت تعالج سكرات الموت.
    فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسله علي بن أبي طالب وابن عباس يصب عليه الماء وجبريل عليه السلام معهما.
    وكفن بثلاثة أثواب جدد وحمل على سرير ثم أدخلوه المسجد ووضعوه في المسجد وخرج الناس عنه فأول من صلى عليه الرب تعالى من فوق عرشه ثم جبريل ثم ميكائيل ثم إسرافيل ثم الملائكة زمرا زمرا.
    قال علي : لقد سمعنا في المسجد همهمة ولم نر لهم شخصا فسمعنا هاتفا يهتف ويقول : ادخلوا رحمكم الله فصلوا على نبيكم صلى الله عليه وسلم.
    فدخلنا وقمنا صفوفا صفوفا كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبرنا بتكبير جبريل عليه السلام وصلينا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بصلاة جبريل عليه السلام ما تقدم منا أحد على رسول الله صلى الله عليه و سلم ودخل القبر أبو بكر الصديق و علي بن أبي طالب وابن عباس ودفن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    فلما انصرف الناس قالت فاطمة لعلي: يا أبا الحسن دفنتم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    قال : نعم قالت فاطمة : كيف طابت أنفسكم أن تحثوا التراب على رسول الله صلى الله عليه و سلم ، أما كان في صدوركم لرسول الله صلى الله عليه و سلم الرحمة ، أما كان معلم الخير.
    قال : بلى يا فاطمة ولكن أمر الله الذي لا مرد له فجعلت تبكي وتندب وهي تقول : يا أبتاه الآن انقطع جبريل عليه السلام وكان جبريل يأتينا بالوحي من السماء( ).
    ويحتمل حال الإنسان في عالم البرزخ وجوهاً :
    الأول : الجسد وحده ، وهو الذي تقع عليه ضغطة القبر ، ويتلقى الثواب أو العذاب.
    الثاني : الروح وحدها ، ويتوجه إليها سؤال منكر ونكير ، ويأتيها الثواب أو العقاب .
    الثالث : المراد الروح والجسد .
    والصحيح هو الأخير ، إذ يعيد الله عز وجل الروح إلى الجسد وإجماع المسلمين والمليين على أن مفارقة الروح للجسد عند الموت ليس دائمية إنما هي ما دامية ، إذ تعاد الروح إلى الجسد ، مع الإختلاف في أوان هذه العودة ، وإستدامة وجودها في الجسد.
    وتعود الروح للبدن عند حساب منكر ونكير الملكين الذين يأتيان الإنسان في أول ليلة يدخل فيها القبر ، ومجيؤهما وحسابهما غير ضغطة القبر ، وقد ورد ذكرهما عدة مرات في الحديث النبوي .
    منها ما أخرجه أحمد وأبو داود في سننه وابن جرير والحاكم والبيهقي في كتابه ( عذاب القبر عن البراء بن عازب قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار ، فانتهينا إلى القبر ولما يلحد ، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله ، وكأن على رؤوسنا الطير , وفي يده عود ينكث به في الأرض.
    فرفع رأسه فقال : استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثاً.
    ثم قال : إنَّ العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة ، نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأنَّ وجوههم الشمس ، معهم أكفان من كفن الجنة وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسوا منه مدّ البصر ، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه ، فيقول : أيتها النفس الطيبة أخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان . فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء ( ) وإن كنتم ترون غير ذلك.
    فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها ، فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط ، فيخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على الأرض ، فيصعدون بها فلا يمرون على ملإٍ من الملائكة إلا قالوا : ما هذا الروح الطيب.
    فيقولون : فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا ، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا ، فيستفتحون له فيفتح لهم ، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهي به إلى السماء السابعه.
    فيقول الله : اكتبوا كتاب عبدي في عليين واعيدوه إلى الأرض ، فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى ، فتعاد روحه في جسده .
    فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له : من ربك ، فيقول : ربي الله . فيقولان له : ما دينك ، فيقول : ديني الإِسلام . فيقولان له : ما هذا الرجل الذي بعث فيكم.
    فيقول : هو رسول الله . فيقولان له : وما عملك.
    فيقول : قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت.
    فينادي مناد من السماء : أن صدق عبدي فافرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له باباً إلى الجنة ، فيأتيه من روحها وطيبها ، ويفسح له في قبره مد بصره.
    ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول : ابشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد . فيقول له : من أنت ، فوجهك الوجه يجيء بالخير.
    فيقول : أنا عملك الصالح فيقول : رب أقم الساعة ، رب أقم الساعة حتى ارجع إلى أهلي ومالي .
    قال : وإن العبد الكافر إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا ، نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح ، فيجلسون منه مد البصر.
    ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول : أيتها النفس الخبيثة أخرجي إلى سخط من الله وغضب ، فتفرق في جسده فينتزعها كما يتنزع السفود( ) من الصوف المبلول ، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح ، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض ، فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملإٍ من الملائكة إلا قالوا : ما هذا الروح الخبيث .
    فيقولون : فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا ، فيستفتح فلا يفتح له ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم [لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ]( )، فيقول الله عز وجل : اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى ، فتطرح روحه طرحاً ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { ومن يشرك بالله فكأنما خرّ من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق}( ).
    فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان ، فيجلسانه فيقولان له : من ربك؟ فيقول : هاه هاه ، فيقولان له : ما دينك ، فيقول : هاه هاه لا أدري ، فيقولان له : ما هذا الرجل الذي بعث فيكم ، فيقول هاه هاه لا أدري ، فينادي مناد من السماء : إن كذب عبدي فافرشوه من النار وافتحوا له باباً إلى النار ، فيأتيه من حرها وسمومها ، ويضيق عليه قبره حتى تختلف في أضلاعه ، ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح.
    فيقول : ابشر بالذي يسوءك هذا يومك الذي كنت توعد ، فيقول : من أنت فوجهك الوجه ، يجيء بالشر، فيقول : أنا عملك الخبيث . فيقول : رب لا تقم الساعة)( ).
    وفي قوله تعالى [ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ]( )، قال البراء بن عازب : نزلت الآية في عذاب القبر . يسأل من ربك ، ومن نبيك ، وما دينك؟ يعني : إذا أجاب فقد ثبّته الله تعالى( ).
    وفي زماننا هذا لو وضعت أجهزة تنصت وكاميرا في القبر على الميت ولم تثبت أي حركة له في القبر أو دخول أحد عليه ، إلى أن يتفسخ فهل يعني هذا عدم وجود حساب ابتدائي للميت في القبر ، الجواب لا ، لأن عودة الروح إلى البدن أعم من أن تكون بذات الصورة ، والهيئة التي في الدنيا لذا سماها بعض الفلاسفة العالم الأثيري.
    وقد وضع بعضهم زيبقاً على صدر أحد الذين ماتوا في ناحيتهم ، ثم كشفوا عنه فوجدوه بحاله ، ولم يجدوا ملائكة في القبر ولا مطارق من حديد ، وليس من حيات ولا عقارب ولا نيران ، فانكروا عذاب القبر لقاعدة وهي القطع بتخطئة ناقل ما يخالف العقل.
    كما استشهدوا بالمصلوب على الخشبة لمدة طويلة ، فانه لا تظهر عليه معالم سؤال وجواب او تحرك وأثر توقد النار في جسمه ، وكذا بالنسبة للذي تأكله الحيوانات المفترسة ويصير في حواصل الطير وفي البحار في بطون الحيتان ، كيف يسأل وليس له من قبر فيكون روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران ، وكيف يتسع قبره أو يضيق ، ولكن الله عز وجل قادر على كل شئ ، وهو سبحانه [يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ]( ).
    وأخبار البرزخ وردت في الكتاب والسنة ، والأحاديث فيه متواترة ولابد أن عالم البرزخ له نواميس تختلف عن نواميس الحياة الدنيا ، كما تختلف حياة آدم وحواء في الجنة عنها في الأرض ، وأمور عالم البرزخ من الغيب ، والنار التي في القبر ليست من نار الدنيا ، وليست من نار الآخرة ، وهي عقاب ابتدائي يتقوم بما فيه من العذاب الذي يلامس الروح والبدن أو لا يلامسه ، كما آل فرعون مدة البرزخ ، قال تعالى [النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ]( ).
    ومن أمور الغيب في الدنيا أن جبرئيل ينزل الى الأرض ويكون الى جانب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويتحدث معه ، والذين إلى جانبه لا يحسون به ولا يرونه إلا أن يشاء الله .
    والعباد أضعف قدرة عن الإحاطة بالبصر أو السمع بمشاهدة عذاب القبر.
    واستشهد عبد الله بن حرام الأنصاري في معركة أحد , وكان رجلاً كبيراً فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (لجابر بن عبد الله: ما كلم الله أحدا إلا من وراء حجاب، وإنه كلم أباك كفاحا ، وكان أبوه قد قتل يوم أحد، ولكن هذا في عالم البرزخ)( ).
    وهذ التكليم في عالم البرزخ.
    وفي حال الناس في عالم البرزخ وجوه :
    الأول : يتم الحساب الإبتدائي للإنسان بدخول منكر ونكير الى قبره ، وتعاد روح الميت إلى حقويه( ) ثم يترك إلى يوم النشور ، وفي التنزيل [قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا]( ).
    الثاني : يكون الناس على ثلاثة أقسام :
    أولاً : الذين يكون قبر الواحد منهم روضة من رياض الجنة ، وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وعصموا من شوائب الشرك .
    ثانياً : الذين يكون قبر أحدهم حفرة من حفر النيران وهم الذين كفروا.
    ثالثاً : طائفة من الناس مسكوت عنهم لم تقم عليهم الحجة ، وفي التنزيل [قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ]( ) ، وهناك مسائل :
    الأولى : هل كانت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تتعلق بعالم البرزخ زاجراً للمشركين عن قتال النبي وعن تعذيب المؤمنين وغزو المدينة أم أن الكفر برزخ دون الإنصات لها والإنزجار بمضامينها.
    الجواب هو الأول إذ أن أثر الكفر في عدم الإستماع والتدبر في آيات القرآن من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة ، وأن مسائل عالم البرزخ تخص الإنسان في نفسه وبدنه ، وأحواله في العوالم المختلفة .
    الثانية : هل كان العرب يتوارثون أخبار عالم البرزخ وحال الإنسان في قبره وأنه يبعث فيه للحساب.
    الجواب نعم ، لأن الأنبياء جاءوا بما يتعلق بعالم البرزخ وأخباره ولو على نحو الإجمال ، ومن مصاديق قوله تعالى لإبراهيم [وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ]( )، بأن يؤدي الناس مناسك الحج رجاء الأمن في الدنيا والثواب في الآخرة ، لأن الطواف بالبيت وأداء المناسك لجوء واستجارة بالله عز وجل .
    وهل من مصاديق قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( )، أي اهدنا الى حسن الإجابة والأمن في عالم البرزخ الجواب نعم .
    الثالثة : لقد جاءت السور المكية بصيغة الإنذار والوعيد ، فهل تتضمن التخويف بعالم البرزخ والتذكير به ، الجواب نعم ومنها قوله تعالى [لَتَرَوْنَ الْجَحِيمَ]( )، وقوله تعالى [وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ]( )، من سورة المؤمنون وهي سورة مكية.
    روت عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا : نرجعك الى الدنيا ، فيقول : الى دار الهموم والأحزان ، بل قدما إلى الله عزَّ وجلّ ، وأمّا الكافر فيقول [رَبِّ ارْجِعُونِ] ( )، الآية، {وَمِن وَرَآهِم} أمامهم [بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ] أي حاجز بين الموت والرجوع الى الدنيا عن مجاهد.
    ابن عباس : حجاب.
    السدّي : أجل.
    قتادة : بقيّة الدنيا.
    الضحّاك وابن زيد : ما بين الموت إلى البعث.
    أبو أمامة : القبر( ).
    وبخصوص قول مجاهد أعلاه فأن البرزخ أعم مما بين الموت والرجوع الى الدنيا بأن القرآن يفسر بعضه بعضاً ، وقد ورد ذكر البرزخ في قوله تعالى [وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا]( )، أي فاصلاً كما جاء لفظ (من وراء) في القرآن بمعنى الأمام والمستقبل كما في قوله تعالى [فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ]( )، فيعقوب هو ابن اسحاق ، ويكون من وراء بمعنى من بعد لبيان آية البحث لطول الفترة بين الموت وأوان النفخ في الصور والمبعث وكما في قوله تعالى [وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ]( )، وكأن جهنم بانتظار الجبار والجاحد ، وكذا في قوله تعالى [وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ]( )، وكذا في قوله تعالى [َإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتْ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا]( ).
    الموالي : أي خفت الأقارب على الدين ووراثته وقيل كان بنو عمه أشرار بني اسرائيل.
    لقد خاف زكريا ان يبقى بلا وارث ، وترثه العصبة وأبناء العمومة فاراد ولداً من صلبه يرثه.
    (روى ان رجلاًدخل مقبرة فحدث نفسه فقال لو كشف لي عن بعضهم فسألته بم لقي ربه قال فنمت فرأيت في منامي رجلاًيقول لا تغتر بتشييد القبور من فوقهم التراب فإن القوم قد بليت خدودهم في التراب فمنهم من ينتظر ثواب الله وجنته ومنهم مغموم أسفا على عقابه فإياك والغفلة.) ( ).
    انما نذكر البرزخ لأنه حق وجاء به القرآن والسنة وليكون التذكير به موعظة للناس ودعوة للعمل الصالح , وإدخار الحسنات , لقد أوصى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باستحضار ذكر الموت ليتفرع عنه التدبر في عالم ما بعد الموت والتهئ للحياة الأبدية إذ جعل الله عز وجل الحياة الدنيا مزرعة للأخرة , وذكر مسائل البرزخ واقية من القتل وسفك الدماء لأن الإنسان يدرك أموراً .
    الأول : الحساب على القتل .
    الثاني : ملاقاة الميت بعد الموت .
    الثالث : مطالبة الميت بحقه من القاتل , ولا يعلم هذا الحق كماً وكيفاً إلا الله عز وجل لأنه يتعلق بمسائل :
    الأولى : شدة الأذى بالجرح وزهوق الروح .
    الثانية : حرمان المقتول من الدنيا , ومغادرتها على نحو الإنخرام .
    ولا تتعارض هذه المطالبة مع معاني ومصاديق قوله تعالى [إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ] ( ).
    الثالثة : الحرمان من الزوجية واستدامتها والذرية سواء الإنجاب أو التربية والإصلاح .
    الرابعة : ضياع الفرصة على المقتول لعمل الصالحات في أيام حياته .
    الخامسة : الحزن والأسى الذي يلحق ذوي المقتول وانقطاع أيامه بين ظهرانيهم , وهو يلحق الأذى بالقتل ذوي القاتل الجواب نعم .
    فإن القتل أمر مبغوض بذاته وتنفر منه النفوس , وتكرهه الملائكة , وهو من مصاديق احتجاجهم على جعل الإنسان [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ).
    إذ قالوا [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ] ( ).
    فقد أخبر الملائكة بأن القتل في الأرض يؤذيهم وهم المشغولون بالتسبيح وطاعة الله عز وجل وقال [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ).
    فمن علمه تعالى أمور.
    أولاً : منع الإبادة الجماعية .
    ثانياً : صرف الناس عن القتل في أكثر الأوقات .
    ثالثاً : ظهور الندم على القاتل حين القتل وبعده , وإعلانه لهذا الندم أمام الملأ بما لو عادت ذات الحال لتحلى بالصبر واجتناب القتل .
    رابعاً : بعث الأنبياء لإقامة الحق والعدل , وصرف الناس عن القتل فوجود الحاكم صارف عن القتل , وكذا فإن الحكم بالعدل باعث للطمأنينة والرضا في النفوس , لذا قال تعالى [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا] ( ).
    وهل يدل خلق الإنسان البديع على وجود عالم البرزخ ، الجواب نعم إذ رزق الله عز وجل الإنسان العقل وجعله يتدبر في الكائنات ، وينصت إلى التنزيل وما جاء به الأنبياء ، ومن أسرار الحياة الدنيا أن كل موت لإنسان هو تذكير للأحياء من حوله بعالم البرزخ ، قال تعالى [قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ]( )، وجاء زمان العولمة هذا لتكون أخبار الوقائع والموت تذكير متكرر كل ساعة بعالم ما بعده .
    قانون مصاحبة المعجزة للنبوة
    لقد صاحبت النبوة بدايات وجود الإنسان في الأرض ، إذ هبط آدم إلى الأرض بصفات :
    الأولى : الخلافة في الأرض .
    الثانية : النبوة .
    الثالثة : كليم الله ، وعن أبي ذر قال : قلت يا رسول الله أرأيت آدم أنبياً كان؟ قال : نعم . كان نبياً رسولاً كلمه الله قبلاً ، قال له { يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة( ).
    الرابعة : عمارة الأرض بذكر الله وإقامة الصلاة ، وقد أنعم الله على المرأة بأن خلق حواء مع آدم في الجنة ، ولو إنفرد آدم في الجنة لسمعت في كل زمان التبكيت للمرأة ، ولكن الله أكرمها بتنعم حواء بالخلق والحياة في الجنة برهة من الزمن وهبطا معاً ليعضد أحدهما الآخر في أمور الدين والدنيا ولتكون حواء شاهداً على الوحي الذي يأتي لآدم ، ويتوارث أبناؤها تصديقها له ، كما يكون هذا التصديق حجة على الذراري ، ودعوة لهم للتصديق بالأنبياء ، الذين يختارهم الله عز وجل من بينهم ، قال تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ]( )، وما من نبي الا ويوحى اليه من عند الله بواسطة الملائكة، وتحتمل والنسبة بين الوحي والمعجزة وجوهاً :
    الأول : نسبة التساوي ، وأن الوحي هو المعجزة .
    الثاني : نسبة العموم والخصوص المطلق ، وهو على شعبتين :
    الأولى : المعجزة أعم من الوحي .
    الثانية : الوحي أعم من المعجزة .
    الثالث : نسبة العموم والخصوص من وجه ، فهناك مادة للإلتقاء وأخرى للإفتراق بين الوحي والمعجزة.
    والمختار هو الشعبة الأولى من الوجه الثاني أعلاه فان قلت من خصائص المعجزة التحدي ، والوحي إخبار من الملك لذات النبي ، قد لا يشعر به الناس , والجواب من وجوه :
    الأول : قد يدرك الناس الوحي ، وقد يسمع بعض القريبين من النبي ما يوحى إليه أو يدرك أمارات الوحي الظاهرة ، وإذا جاء الوحي الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أطرق الصحابة إذ أنه حال جلية وبينة إذ يحمر وجهه ، ويتصبب عرقاً لساعة ثم يسري عنه ويرفع رأسه ، فيخبر الناس عن الآيات التي نزلت عليه أو الحكم الخاص أو العام .
    عن عمر بن الخطاب قال : كان إذا نزل على رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم الوحي يسمع عند وجهه كدوي النحل ، فأنزل عليه يوماً فمكثنا ساعة ، فسري عنه فاستقبل القبلة فرفع يديه.
    فقال : اللهم زدنا ولا تُنْقِِِِِِِِصْنَا ، وأكرمنا ولا تهنا ، وأعطنا ولا تحرمنا ، وآثرنا ولا تؤثر علينا ، وارض عنا وارضنا.
    ثم قال : لقد أنزلت علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة ثم قرأ[قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ]( )، حتى ختم العشر( ).
    وعن يعلى بن أمية في قصة الرجل الذي سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو بالجعرانة فقال: كيف ترى في رجل أحرم بالعمرة وعليه جُبة وخَلُوق.
    فسكت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم جاءه الوحي، ثم رفع رأسه فقال : أين السائل.
    فقال : ها أنا ذا، فقال: “أما الجبة فانزعها، وأما الطيب الذي بك فاغسله، ثم ما كنت صانعًا في حجك فاصنعه في عُمْرتك( ).
    وتحتمل أجوبة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الأسئلة التي توجه إليه وجوهاً :
    الأول : إنها معجزة.
    الثاني : التفصيل بعض الأجوبة معجزة.
    الثالث : إنها ليس بمعجزة .
    والصحيح هو الأول لأن هذه الأجوبة شعبة من الوحي.
    الثاني : مجئ الوحي بالمعجزة ، إذ ينزل الملك بما يصدق نبوة النبي في القول والعمل .
    الثالث : من مصاديق الوحي الإخبار عن المغيبات وهو من فضل الله عز وجل على الأنبياء والناس جميعاً قال تعالى [ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ]( )، لتكون هذه الأنباء رحمة من الله بالناس ، ودعوة لهم للتصديق بالأنبياء والإستعداد للوقوف بين يدي الله للحساب.
    وأيهما أكثر في تلقي الناس الدعوة للنبوة والتنزيل كل من :
    الأول : المعجزة .
    الثاني : الوحي والتنزيل .
    الثالث : القتال .
    الرابع : الغزو .
    الجواب هو الأول والثاني ، لذا لم يبادر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى القتال ولم يسع إليه ، وكان يحث أصحابه على الهجرة ، إذ هاجرت طائفة منهم الى الحبشة ، ومنهم ابن عمه جعفر الطيار وابنته رقية وتسمى ذات الهجرتين ، لأنها هاجرت الى الحبشة مع زوجها عثمان وهاجرت الى المدينة ، وأمها خديجة بنت خويلد .
    ولدت رقية قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بسبع سنوات ، وتزوجها ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عتبة بن أبي لهب وهي في العاشرة , وأمه أخت أبي سفيان ، كما زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ابنته أم كلثوم لأخيه عتيبة من أبي لهب.
    ولما أظهر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رسالته ، وصار يدعو الناس إلى الإسلام أسلمت رقية ، وبقي عتبة على دين الوثنية ، وأظهر أبو لهب العداء الشديد للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فنزلت سورة المسد [تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ]( )، وزوجة أبي لهب أم جميل أروى بنت حرب بن أمية.
    وأمر أبو لهب ولديه بتطليق ابنتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفيه شاهد على شدة الأذى الذي لاقاه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في نفسه وعياله من الذين كفروا.
    ولم يدخل عتبة برقية ، ولما نزلت السورة أعلاه قال أبو لهب لولديه (رأسي من رأسكما حرام أن تطلقا ابنتيه ففارقهما ولم يكونا دخلا بهما فتزوج عثمان بن عفان رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم فولدت له عبد الله بن عثمان الذي تكنا به وبلغ ست سنين فنقره ديك على عينه فمات وتوفيت رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ببدر .
    فقدم زيد بن حارثة المدينة بشيرا بما فتح الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ببدر فجاء حين سوي التراب على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)( ).
    ولقد غضب أبو لهب وأولاده بسبب نزول سورة المسد مع أنها حق فجاء عتيبة بن أبي لهب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقال : كفرت بدينك وفارقت ابنتك لا تحبني ولا أحبك).
    ثم تجرأ واعتدى على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو ابن عمه ، وشق قميصه ، وكان عتيبة يريد الخروج إلى الشام في تجارة فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (اللهم أرسل عليه كلباً من كلابك) ( )، وكان أبو طالب عم النبي حاضراً ، وسمع دعاء النبي فعلم بترتب الأثر على دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : ما أغناك يا ابن أخي عن هذه الدعوة.
    رجع عتبة إلى أبيه فأخبره بذلك ثم خرجوا إلى الشام ، فنزلوا منزلا فأشرف عليهم راهب من الدير فقال لهم : هذه أرض مسبعة ، فقال أبو لهب لأصحابه : أعينونا يا معشر قريش هذه الليلة فإني أخاف على ابني دعوة محمد ، فجمعوا أحمالهم وفرشوا لعتبة في أعلاها وناموا حوله ، فجاء الأسد فجعل يتشمم وجوههم ثم ثنى ذنبه فوثب وضرب عتبة بيده ضربة ، وأخذه فخدشه ، فقال : قتلني ومات مكانه. فقال في ذلك حسان بن ثابت :
    سائل بني الأصغر إنْ جئتهم
    ما كان أنباءُ أبي واسع
    لا وسّع الله له قبره
    بل ضيّق الله على القاطع
    رمى رسول الله من بينهم
    دون قريش رمية القاذع
    واستوجب الدعوة منه بما
    بُيّن للنّاظر والسامع
    فسلّط الله به كلبه
    يمشي الهوينا مشية الخادع
    حتى أتاه وسط أصحابه
    وفد عليهم سمة الهاجع
    فالتقم الرأس بيافوخه
    والنحر منه قفرة الجائع
    ثم علا بعدُ بأسنانه
    منعفراً وسط دم ناقع
    قد كان هذا لكمُ عبرة
    للسيّد المتبوع والتابع
    من يرجعِ العامَ إلى أهله
    فما أكيل السبع بالراجع( ).
    وتستقرأ من هذا الخبر مسائل بلحاظ المناسبة والموضوع منها لم يرد أبو طالب على عتيبة لتعديه على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وشق قميصه لانهم أولاد عم ، ولأن دعاء النبي أمضى سلاح ، فقام أبو طالب بتأكيده وتوثيقه وفيه دعوة للناس لترقب أثر دعاء النبي وليكون دعوة لهم جميعاً للإمتناع عن إيذاء النبي ، وحثاً لهم لدخول الإسلام.
    وتحتمل الصلة بين المعجزة والغزو وجوهاً :
    الأول : المعجزة برزخ دون الغزو على نحو الإطلاق .
    الثاني : المعجزة مقدمة ووسيلة وحجة لقيام النبي وأصحابه بالغزو .
    الثالث : المعجزة سبب لقيام الذين كفروا بالغزو والتعدي .
    والصحيح هو الأول إذ تمنع المعجزة الذين آمنوا من الغزو ، كما تمنع الذين كفروا من الغزو والظلم والتعدي ، وهو من اللطف الإلهي بالمعجزة لأنها شاهد على صدق دعوة النبي الرسالة من عند الله.
    وفيه حجة على الناس للإيمان ولا يعلم أثره وموضوعية المعجزة في اصلاح المجتمعات ، ومنع الغزو والقتال بين الناس إلا الله عز وجل.
    وحينما احتجت الملائكة على جعل آدم [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( )، قال تعالى [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( )، ومن علم الله عز وجل مصاحبة المعجزة للنبوة وبقاؤها في الأجيال المتعاقبة سواء المعجزة الحسية أو العقلية بحفظ القرآن واتباع الأنبياء لها.
    قانون التضاد بين المعجزة والسحر
    لقد جعل الله عز وجل المعجزة سلاحاً بيد الأنبياء وبرهاناً على صدق حملهم أمانة التبليغ والبشارة والإنذار من عند الله وأن الوحي ينزل عليهم ، والمعجزة هي أمر خارق لسنن الحياة ، ويفوق قدرات الناس في زمانهم ، والسحر لغة هو كل أمر يخفى سببه ، ويصرف عن حقيقته إلى غيره ، ومن خصائص معجزات الأنبياء أنها تتعلق بالموضوع والمسائل التي أعتنى الناس بها في زمانهم لتكون دعوة لهم للإلتفات للمعجزة وحجة عليهم .
    ويأتي السحر بمعنى البيان وحسن التعبير ، واستحضار الفطنة في الحديث ووضوح القصد في النطق .
    ولما قدم قيس بن عاصم والزبرقان ، على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، سأل الرسول (عمراً عن الزبرقان فأثنى عليه خيراً، فلم يرض الزبرقان بذلك وقال: والله يا رسول الله إنه ليعلم إنني أفضل مما قال، ولكنه حسدني لمكاني منك. فأثنى عليه عمرو شرا، ثم قال : و الله يا رسول الله ما كذبت عليه في الأولى ولا في الآخرة، ولكنه أرضاني فقلت بالرضا، ثم أسخطني فقلت بالسخط ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن من البيان لسحراً) ( ).
    ولما أختتمت النبوة بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وجاء زمان العلم والتكنلوجيا فهل انحسرت معجزات النبوة ، الجواب لا ، إنما هي باقية إلى يوم القيامة ،بالتنزيل وآيات القرآن التي هي معجزة عقلية كما يحفظ القرآن معجزات الأنبياء التي لا يستطيع العلم الحديث الإرتقاء إليها ، ومنها عصا موسى ، فلا يأتي العلم بعصا تضرب بحجر ليتدفق منه الماء بما يكفي لسقاية أفراد جيش ، ولا إبراء للأكمه والأبرص من غير دواء وعلاج وجراحة ، إذ قيد عيسى عليه السلام هذا الشفاء بأنه باذن الله ، كما ورد في التنزيل [وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ] ( ) .
    وهل بين المعجزة والسحر تضاد أم تناقض أم تضايف .
    والتضاد هو التنافي بين شيئين ، كالبياض والسواد وهما عرض ولا يوجدان في محل وموضع واحد ، وقد يرتفع المتضادان معاً ، فيحل غيرهما كاللون الأحمر والأصفر في المثال أعلاه .
    وأما التناقض فهو أيضاً بمعنى التنافي بين شيئين ولكن لا يمكن أن يرتفع المتناقضان معاً مثل الليل والنهار ، والصيام والأفطار ، والصدق والكذب في الخبر ، فمن صفات الخبر أنه يحتمل الصدق والكذب ، نعم الخبر الذي يأتي به القرآن والسنة النبوية وقول المعصوم هو حق وصدق ، أما التضايف فهو تعلق أحد فردين بالآخر بلحاظ جامع مشترك بينهما في الوجود الذهني أو العالم المحسوس بحيث إذا تصور أحدهما تبادر إلى الذهن الآخر ، أو أن تصوره موقوف على تصور الآخر ، كالأبوة والبنوة فيقال زيد بن عمرو .
    والنسبة بين المعجزة والسحر هي التضاد فهما لا يجتمعان في شخص واحد أبداً ، لذا قام المشركون برمي أنبياء زمانهم بالسحر لصرف الناس عنهم .
    ولكن المعجزة أبطلت هذا الإدعاء ، ليتجلى قانون وهو حاجة النبي والناس جميعاً للمعجزة.
    والوحي والنبوة ليست من النبوغ والملكات الذهنية العالية ، وليس هو ثمرة كسب علمي متصل ، إنما هو فضل من الله عز وجل ، وعلوم غيبية تفوق النبوغ بمراتب كثيرة إذ يعجز النابغة والإنسان فائق الذكاء عن الإخبار عن أحوال الأمم السالفة والأمور المستقبلية وتفاصيل من عالم الآخرة ، كما لا يمكن أن تجري على يدي النابغة المعجزة ، وحتى إن كان النبي نابغة فان ما عنده من الوحي ليس من النبوغ إنما هو أعظم وأعم نفعاً , وهو من العلوم اللدنية .
    وعندما نعت المشركون النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بأنه شاعر ليصرفوا الناس عن التصديق بنبوته ، وجعلهم يتغنون بآيات القرآن وكأنها شعر فيه شطر وعجز تواليِ نزول الآيات مع بيانها للأحكام وإخبارها عن الحوادث والوقائع .
    فكان الناس يومئذ مهتمين بمسألة الحرب بين الروم والفرس وتتابع قريش أنباء هذه الحرب لأثرها على تجارتهم إلى الشام وفارس ، وانتشر خبر هزيمة الروم وهم أهل كتاب ، فتطاول الذين كفروا من قريش لأن الروم أهل كتاب وعلى دين النصارى ، وقالت قريش لما انهزمت الروم ستكون الهزيمة عاقبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه فنزل قوله تعالى [غُلِبَتْ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ* فِي بِضْعِ سِنِينَ] ( )والبضع من ثلاثة إلى تسعة .
    وفي هذه المسألة شاهد على أن قريشاً على إتصال مع العالم ودوله وأنهم يتابعون أخبار الدول , خاصة وأن الأمر يتعلق بتجارتهم .
    لقد تكلم عيسى عليه السلام في المهد وهو أمر خارق للعادة ، ولا صلة له بالنبوغ الذي يترشح عن سن البلوغ أو مقاربته ، كما أخبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن كونه يتبع الوحي والتنزيل ، وأنه لا يأتي بالفعل باجتهاد من عنده ، وفي التنزيل [إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ] ( ).
    لقد أدرك المسلمون هذا القانون وصاروا يسألون النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أمور الدين والدنيا ويجتنبون الجدال معه ، وقال تعالى [مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ] ( ) أي أن النبي يأتي بالأوامر والنواهي بصفته رسولاً .
    ومن معاني الرسول أنه ناقل للأمر والخبر والرسالة فالنبوة لطف من عند الله بالناس ليروا هيئة ملكوتية بصورة بشر فيأخذهم إلى جادة السواء ، وسبيل الفلاح في النشأتين .
    وهناك مسألة وهي هل كل نبي نابغة ، وهل من ملازمة بين النبوة والنبوغ ، الجواب لقد جعل الله عز وجل الأنبياء سادة الأمم ، ورزقهم من الذكاء والعلم والمعرفة ما لم يكن عند أحد من أهل زمانهم ، فهم نالوا مرتبة النبوغ بفضل من الله عز وجل ، ولكن الوحي والنبوة أعظم بدرجات من النبوغ .
    ويستطيع النبي أن يبلغ درجة النبوغ ، ولكن لا يستطيع النابغة أن يبلغ معشار مرتبة النبوة ، وإن كان هذا النبوغ من فضل الله على صاحبه ليقوده إلى التصديق بالنبوات وتسخير العقل والذكاء لطاعة الله وأداء الفرائض ، وتنمية الذكاء الخاص والعام من مصاديق الرحمة في قوله تعالى [وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ] ( ).
    وتتصف نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بمصاحبة المعجزة الحسية والعقلية لها ، وفيه مسائل :
    الأولى : انه من فضل الله عز وجل على قريش والقبائل المحيطة بمكة ليبادروا الى دخول الإسلام ، وعندما أصر أكثرهم على الكفر والجحود أبدل الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بالأنصار من الأوس والخزرج , قال تعالى [وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا] ( ).
    فان قلت كيف كان الأكثر من قريش هم الذين كفروا وجحدوا الجواب هو لأن الكفار زحفوا إلى معركة بدر نحو ألف رجل بينما كان عدد الصحابة الذي مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثمائة وثلاثة عشر ، فان قلت هناك كثير من الصحابة لم يحضروا معركة بدر كما ورد في هذا الجزء .
    والجواب هذه صحيح ، وكذا بالنسبة للمشركين فلم يحضروا جميعاً إلى المعركة بدليل خبر عودة الحيسمان واجتماع من بقى من أهل مكة حوله ومنهم صفوان بن أمية .
    بالإضافة إلى مجئ الكفار بثلاثة آلاف رجل في معركة أحد في شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة ثم حضروا في معركة الخندق في السنة الخامسة للهجرة عشرة آلاف رجل , قال تعالى [إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ *هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا] ( ).
    وأحاط المشركون بالمدينة وحاصروها لنحو عشرين ليلة ، والأصل أن يقع شقاق وصراع بينهم لوجوه:
    الأول : طول مدة الحصار .
    الثاني : انتفاء الغاية والنفع من هذا الحصار.
    الثالث : ذات الحصار وطول مدته معجزة حسية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أدركها الفريقان ، واليهود الذين في المدينة ، وهل كان هذا الحصار سبباً في ايمان طائفة من الناس ، وتوبة بعض المنافقين .
    الجواب نعم ، ومن الإعجاز في المقام أنه لم يكن مع النبي في بعض أيام الحصار إلا ثلاثمائة من أصحابه .
    الرابع : لحوق الخزي بالذين كفروا بقتل الإمام علي عليه السلام لفارس قريش عمرو بن ود العامري والذي عبر الخندق وأصر على المبارزة وقام بتحدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بمكر وغرور , فصرع في الحال ليكون قتل الإمام علي عليه السلام له من مصاديق قوله تعالى [قُلْ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا] ( ).
    ولم تدم كثرة عدد المشركين إذ صاروا في نقصان وفي ذات الوقت يزداد عدد المسلمين , وهو معجزة أخرى للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
    الثانية : تعدد المعجزات نوعاً وكماً دعوة للناس للإسلام والإمتناع عن نصرة كفار قريش .
    الثالثة : في كثرة معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فضل من الله على المسلمين ، ودعوة لهم للثبات على الإيمان , قال تعالى [فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتْ الذكرى]( ).
    الرابعة : لقد كانت نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم الخاتمة للنبوات والرسالات فأراد الله عز وجل بها توثيق المعجزة وتثبيتها في الأرض الى يوم القيامة ، فحتى معجزات الأنبياء الحسية صارت معجزات عقلية ببركة وفيض القرآن، وهو من الشواهد على الحاجة لسلامته من التحريف والتبديل والتغيير ، وهو من عمومات قوله تعالى [وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ]( ).
    احتجاج النبي (ص) على الكفار
    لقد أنكرت قريش نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وفاتهم أن [اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ] ( ).
    ورغب بعضهم بنزول القرآن على غيره حسداً وجفاءاً وعزوفاً عن التصديق بالنبوة وامتناعا عن أداء الفرائض.
    قال تعالى [وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ] ( ) .
    والمراد من القريتين مكة والطائف ، أي أن الكفار سلّموا بأن القرآن كلام الله ونازل من عند الله سبحانه .
    وأختلف في الرجلين ، و (عن ابن عباس في قوله { لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم } قال : يعنون أشرف من محمد ، الوليد بن المغيرة من أهل مكة ، ومسعود بن عمرو الثقفي من أهل الطائف) ( ).
    وهو المروي عن الإمام علي الهادي عليه السلام في باب احتجاج النبي صلى الله عليه وآله وسلم على المشركين إذ قال عبد الله بن أبي أمية المخزومي : أنا إلى ذلك، أفما ترضاني له قرنا حسيبا ومجادلا كفيا ، قال أبو جهل بلى فأتوه بأجمعهم، فابتدأ عبد الله بن أبي امية المخزومي.
    فقال: يا محمد لقد ادعيت دعوى عظيمة وقلت مقالا هائلا، زعمت أنك رسول رب العالمين، وما ينبغي لرب العالمين وخالق الخلق أجمعين أن يكون مثلك رسوله ، بشرا مثلنا، تأكل كما نأكل، وتمشي في الاسواق كما نمشي ( )، فهذا ملك الروم وهذا ملك الفرس لا يبعثان رسولا إلا كثير مال عظيم حال، له قصور ودور وفساطيط وخيام وعبيد وخدام، و رب العالمين فوق هؤلاء كلهم وهم عبيده.
    ولو كنت نبيا لكان معك ملك يصدقك و نشاهده.
    بل لو أراد الله أن يبعث إلينا نبيا لكان إنما يبعث إلينا ملكا لا بشرا مثلنا ما أنت يا محمد إلا مسحورا ولست بنبي.
    فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : هل بقي من كلامك شئ.
    قال: بلى لو أراد الله أن يبعث إلينا رسولا لبعث أجل من فيما بيننا مالا وأحسنه حالا، فهلا نزل هذا القرآن الذي تزعم أن الله أنزله عليك وانبعثك به رسولا على رجل من القريتين عظيم: إما الوليد بن المغيرة بمكة، وإما عروة بن مسعود الثقفي بالطائف.
    فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: هل بقي من كلامك شئ يا عبد الله ، فقال: بلى[لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنْ الأَرْضِ يَنْبُوعًا]( )، بمكة هذه فإنها ذات أحجار وعرة وجبال، تكسح أرضها وتحفرها وتجري فيها العيون فإننا إلى ذلك محتاجون( )، [أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ]( )، فتأكل منها وتطعمنا فتفجر الانهار خلالها ، خلال تلك النخيل والاعناب ، تفجيرا [أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا]( ).
    فإنك قلت لنا :[ وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنْ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ]( ).
    فلعلنا نقول ذلك، ثم قال: أو تأتي بالله والملائكة قبيلا، تأتي به وبهم وهم لنا مقابلون [أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ]( ) تعطينا منه وتغنينا به فلعلنا نطغى، فإنك قلت لنا [كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى]( )، ثم قال : أو ترقى في السماء، أي تصعد في السماء، قال تعالى [وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ] ( ) .
    أي لصعودك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه : من الله العزيز الحكيم إلى عبد الله بن أبي أمية المخزومي ومن معه بأن آمنوا بمحمد بن عبد الله بن عبد المطلب، فإنه رسولي فصدقوه في مقاله، فإنه من عندي، ثم لا أدري يا محمد إذا فعلت هذا كله اومن بك أو لا أومن بك، بل لو رفعتنا إلى السماء وفتحت أبوابها وأدخلتناها لقلنا: إنما سكرت أبصارنا أو سحرتنا.
    فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا عبد الله أبقي شئ من كلامك ، فقال : يا محمد أو ليس فيما أوردته عليك كفاية وبلاغ ؟ ما بقي شئ، فقل ما بدا لك وافصح عن نفسك إن كانت لك حجة، وأتنا بما سألناك.
    فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : اللهم أنت السامع لكل صوت، والعالم بكل شئ، تعلم ما قاله عبادك، فأنزل الله عليه: يا محمد [وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ]( )” إلى قوله[رَجُلاً مَسْحُورًا]( ).
    ثم قال الله تعالى [انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً]( )، ثم قال : يا محمد [تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا]( )، وأنزل عليه : يا محمد [فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ]( )، وأنزل عليه : يا محمد [وَقَالُوا لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأَمْرُ]( )، إلى قوله [وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ]( ).
    فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: يا عبد الله أما ما ذكرت من أني آكل الطعام كما تأكلون، وزعمت أنه لا يجوز لاجل هذه أن أكون لله رسولا ، فإنما الامر لله، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وهو محمود .
    وليس لك ولا لاحد الاعتراض عليه بلم وكيف ألا ترى أن الله كيف أفقر بعضا وأغنى بعضا، وأعز بعضا وأذل بعضا، وأصح بعضا وأسقم بعضا، وشرف بعضا ووضع بعضا، وكلهم ممن يأكل الطعام، ثم ليس للفقراء أن يقولوا : لم أفقرتنا وأغنيتهم ، ولا للوضعاء أن يقولوا: لم وضعتنا وشرفتهم، لا للزمنى والضعفاء أن يقولوا: لم أزمنتنا وأضعفتتنا وصححتهم ، ولا للاذلاء أن يقولوا: لم أذللتنا و أعززتهم ، ولا لقباح الصور أن يقولوا لم أقبحتنا وجملتهم ، بل إن قالوا ذلك كانوا على ربهم رادين، وله في أحكامه منازعين وبه كافرين، ولكان جوابه لهم: أنا الملك الخافض الرافع المغني المفقر المعز المذل المصحح المسقم، وأنتم العبيد ليس لكم إلا التسليم لي والانقياد لحكمي، فإن سلمتم كنتم عبادا مؤمنين، وإن أبيتم كنتم بي كافرين وبعقوباتي من الهالكين، ثم أنزل الله عليه : يا محمد [قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ]( )، يعني آكل الطعام [يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ]( )، يعني قل لهم: أنا في البشرية مثلكم، ولكن ربي خصني بالنبوة دونكم ؟ كما يخص بعض البشر بالغنى والصحة والجمال دون بعض من البشر، فلا تنكروا أن يخصني أيضا بالنبوة.
    ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : وأما قولك: هذا ملك الروم وملك الفرس لا يبعثان رسولا إلا كثير المال عظيم الحال له قصور ودور وفساطيط وخيام وعبيد وخدام، ورب العالمين فوق هؤلاء كلهم فإنهم عبيده، فإن الله له التدبير والحكم، لا يفعل على ظنك وحسبانك ولا باقتراحك، بل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وهو محمود.
    يا عبد الله إنما بعث الله نبيه ليعلم الناس دينهم ويدعوهم إلى ربهم، ويكد نفسه في ذلك آناء ليله و نهاره، فلو كان صاحب قصور يحتجب فيها وعبيد وخدم يسترونه عن الناس أليس كانت الرسالة تضيع والامور تتباطأ ، أوما ترى الملوك إذا احتجبوا كيف يجري الفساد و القبائح من حيث لا يعلمون به ولا يشعرون ، يا عبد الله إنما بعثني الله ولا مال لي ليعرفكم قدرته وقوته وأنه هو الناصر لرسوله .
    لا تقدرون على قتله ولا منعه من رسالته، فهذا أبين في قدرته وفي عجزكم، وسوف يظفرني الله بكم فاوسعكم قتلا وأسرا.
    ثم يظفرني الله ببلادكم، ويستولي عليها المؤمنون من دونكم ودون من يوافقكم على دينكم. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: وأما قولك: ولو كنت نبيا لكان معك ملك يصدقك ونشاهده، بل لو أراد أن يبعث إلينا نبيا لكان إنما يبعث لنا ملكا لا بشرا مثلنا، فالملك لا تشاهده حواسكم، لانه من جنس هذا الهواء لا عيان منه، ولو شاهدتموه بأن يزاد في قوى أبصاركم لقلتم: ليس هذا ملكا، بل هذا بشر، لانه إنما كان يظهر لكم بصورة البشر الذي قد ألفتموه لتفهموا عنه مقالته وتعرفوا خطابه ومراده، فكيف كنتم تعلمون صدق الملك وأن ما يقوله حق.
    بل إنما بعث الله بشرا وأظهر على يده المعجزات التي ليست في طبائع البشر الذين قد علمتم ضمائر قلوبهم، فتعلمون بعجزكم عما جاء به أنه معجزة، وأن ذلك شهادة من الله بالصدق له.
    ولو ظهر لكم ملك وظهر على يده ما يعجز عنه البشر لم يكن في ذلك ما يدلكم أن ذلك ليس في طبائع سائر أجناسه من الملائكة حتى يصير ذلك معجزا، ألا ترون أن الطيور التي تطير ليس ذلك منها بمعجز لان لها أجناسا يقع منها مثل طيرانها، ولو أن آدميا طار كطيرانها كان ذلك معجزا.
    فالله عزوجل سهل عليكم الامر، وجعله بحيث يقوم عليكم حجته، وأنتم تقترحون علم الصعب الذي لا حجة فيه.
    ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: وأما قولك: ما أنت إلا رجل مسحور فكيف أكون كذلك وقد تعلمون أني في صحة التمييز والعقل فوقكم ، فهل جربتم علي منذ نشأت إلى أن استكملت أربعين سنة خزية أو ذلة أو كذبة أو جناية (خناء خ ل) أو خطأ من القول ، أو سفها من الرأي.
    أتظنون أن رجلا يعتصم طول هذه المدة بحول نفسه وقوتها أو بحول الله وقوته ، وذلك ما قال الله تعالى [انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً]( )، إلى أن يثبتوا عليك عمى بحجة أكثر من دعاويهم الباطلة التي يبين عليك التحصيل بطلانها.
    ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: وأما قولك: لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم: الوليد بن المغيرة بمكة، أو عروة بالطائف ، فإن الله ليس يستعظم مال الدنيا كما تستعظمه أنت، ولا خطر له عنده كما له عندك، بل لو كانت الدنيا عنده تعدل جناح بعوضة لما سقى كافرا به مخالفا له شربة ماء، وليس قسمة رحمة الله إليك، بل الله هو القاسم للرحمات والفاعل لما يشاء في عبيده وإمائه، وليس هو عز وجل ممن يخاف أحدا كما تخافه أنت لماله وحاله، فعرفته (فتعرفه خ ل) بالنبوة لذلك، ولا ممن يطمع في أحد في ماله أو حاله كما تطمع فتخصه بالنبوة لذلك، ولا ممن يحب أحدا محبة الهوى كما تحب فيقدم من لا يستحق التقديم، وإنما معاملته بالعدل فلا يؤثر لافضل مراتب الدين وخلاله إلا الافضل في طاعته والاجد في خدمته، وكذا لا يؤخر في مراتب الدين وخلاله إلا أشدهم تباطئا عن طاعته.
    وإذا كان هذا صفته لم ينظر إلى مال ولا إلى حال، بل هذا المال والحال من تفضله، وليس لاحد من عباده عليه ضريبة لازمة، فلا يقال له: إذا تفضلت بالمال على عبد فلا بد أن تتفضل عليه بالنبوة أيضا، لانه ليس لاحد إكراهه على خلاف مراده، ولا إلزامه تفضلا، لانه تفضل قبله بنعمة، ألا ترى يا عبد الله كيف أغنى واحدا وقبح صورته ، وكيف حسن صورة واحد وأفقره ، وكيف شرف واحدا وأفقره ، وكيف أغنى واحدا ووضعه ، ثم ليس لهذا الغني أن يقول: هلا اضيف إلى يساري جمال فلان ، ولا للجميل أن يقول: هلا اضيف إلى جمالي مال فلان ، ولا للشريف ” أن يقول: هلا اضيف إلى شرفي مال فلان ، ولا للوضيع أن يقول: هلا اضيف إلى ضعتي شرف فلان.
    ولكن الحكم لله، يقسم كيف يشاء، ويفعل كما يشاء، وهو حكيم في أفعاله، محمود في أعماله، وذلك قوله [وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ] ( )، قال الله تعالى[أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ]( )، يا محمد [نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا]( ).
    فأحوجنا بعضا إلى بعض: أحوج هذا إلى مال ذلك، وأحوج ذلك إلى سلعة هذا وإلى خدمته، فترى أجل الملوك وأغنى الاغنياء محتاجا إلى أفقر الفقراء في ضرب من الضروب: إما سلعة معه ليست معه.
    وإما خدمة يصلح لها لا يتهيأ لذلك الملك أن يستغني إلا به.
    وإما باب من العلوم والحكم هو فقير إلى أن يستفيدها من هذا الفقير الذي يحتاج إلى مال ذلك الملك الغني وذلك الملك يحتاج إلى علم هذا الفقير أو رأيه أو معرفته، ثم ليس للملك أن يقول : هلا اجتمع إلى مالي علم هذا الفقير ، ولا للفقير أن يقول: هلا اجتمع إلى رأيي وعلمي وما أتصرف فيه من فنون الحكم مال هذا الملك الغني ، ثم قال [وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ]( ).
    ثم قال: يا محمد قل لهم [وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ]( ).
    أي ما يجمعه هؤلاء من أموال الدنيا.
    ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: وأما قولك: لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا إلى آخر ما قلته، فإنك اقترحت على محمد رسول الله أشياء: منها ما لو جاءك به لم يكن برهانا لنبوته، ورسول الله يرتفع أن يغتنم جهل الجاهلين، ويحتج عليهم بما لا حجة فيه. ومنها ما لو جاءك به كان معه هلاكك، وإنما يؤتى بالحجج والبراهين ليلزم عباد الله الايمان بها لا ليهلكوا بها، فإنما اقترحت هلاكك ورب العالمين أرحم بعباده وأعلم بمصالحهم من أن يهلكهم بما يقترحون. ومنها المحال الذي لا يصح ولا يجوز كونه، ورسول رب العالمين يعرفك ذلك ويقطع معاذيرك ويضيق عليك سبيل مخالفته، ويلجئك بحجج الله إلى تصديقه حتى لا يكون لك عند ذلك محيد ولا محيص.
    ومنها ما قد اعترفت على نفسك أنك فيه معاند متمرد، لا تقبل حجة ولا تصغي إلى برهان، ومن كان كذلك فدواؤه عذاب الله النازل من سمائه أو في جحيمه أو بسيوف أوليائه.
    وأما قولك يا عبد الله [لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنْ الأَرْضِ يَنْبُوعًا]( )، بمكة هذه فإنها ذات حجارة وصخور وجبال، تكسح أرضها وتحفرها، وتجري فيها العيون فإننا إلى ذلك محتاجون.
    فإنك سألت هذا وأنت جاهل بدلائل الله، يا عبد الله أرأيت لو فعلت هذا كنت من أجل هذا نبيا ؟ قال: لا، قال: أرأيت الطائف التي لك فيها بساتين ، أما كان هناك مواضع فاسدة صعبة أصلحتها وذللتها وكسحتها وأجريت فيها عيونا استنبطتها ؟ قال: بلى، قال: وهل لك فيها نظراء ، قال: بلى، قال: أفصرت بذلك أنت وهم أنبياء .
    قال : لا ، قال: فكذلك لا يصير هذا حجة لمحمد لو فعله على نبوته، فما هو إلا كقولك : لن نؤمن لك حتى تقوم وتمشي على الارض، أو حتى تأكل الطعام كما يأكل الناس.
    وأما قولك يا عبد الله: أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتأكل منها وتطعمنا وتفجر الانهار خلالها تفجيرا، أو ليس لاصحابك ولك جنات من نخيل وعنب بالطائف تأكلون وتطعمون منها، وتفجرون الانهار خلالها تفجيرا ، أفصرتم أنبياء بهذا ، قال: لا.
    قال: فما بال اقتراحكم على رسول الله صلى الله عليه وآله أشياء لو كانت كما تقترحون لما دلت على صدقه، بل لو تعاطاها لدل تعاطيها على كذبه، لانه حينئذ يحتج بما لا حجة فيه، ويختدع الضعفاء عن عقولهم وأديانهم، ورسول رب العالمين يجل ويرتفع عن هذا. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا عبد الله وأما قولك: أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا فإنك قلت [وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنْ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ]( )، فإن في سقوط السماء عليكم هلاككم وموتكم، فإنما تريد بهذا من رسول الله صلى الله عليه وآله أن يهلكك، ورسول رب العالمين أرحم بك من ذلك، لا يهلكك ولكنه يقيم عليك حجج الله، وليس حجج الله لنبيه على حسب اقتراح عباده لان العباد جهال بما يجوز من الصلاح وبما لا يجوز من الفساد، وقد يختلف اقتراحهم ويتضاد حتى يستحيل وقوعه، والله لا يجري تدبيره على ما يلزم به المحال. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: وهل رأيت يا عبد الله طبيبا كان دواؤه للمرضى على حسب اقتراحاتهم ؟ وإنما يفعل به ما يعلم صلاحه فيه، أحبه العليل أو كرهه، فأنتم المرضى والله طبيبكم، فإن أنفذتم لدوائه شفاكم، وإن تمردتم عليه أسقمكم، وبعد فمتى رأيت يا عبد الله مدعي حق من قبل رجل أوجب عليه حاكم من حكامهم فيما مضى بينة على دعواه على حسب اقتراح المدعى عليه ؟ إذا ما كان يثبت لاحد على أحد دعوى ولا حق، ولا كان بين ظالم ومظلوم ولا بين صادق وكاذب فرق. ثم قال: يا عبد الله .
    وأما قولك[أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ قَبِيلاً]( )، يقابلوننا، ونعاينهم فإن هذا من المحال الذي لا خفاء به، لان ربنا عز وجل ليس كالمخلوقين يجئ و يذهب ويتحرك ويقابل شيئا حتى يؤتى به.
    فقد سألتموه بهذا المحال، وإنما هذا الذي دعوت إليه صفة أصنامكم الضعيفة المنقوصة التي لا تسمع ولا تبصر ولا تعلم ولا تغني عنكم شيئا ولا عن أحد.
    يا عبد الله أو ليس لك ضياع وجنات بالطائف وعقار بمكة وقوام عليها( ).
    قال : بلى ، قال : أفتشاهد جميع أحوالها بنفسك أو بسفراء بينك وبين معامليك ؟ قال بسفراء، قال: أرأيت لو قال معاملوك واكرتك وخدمك لسفرائك: لا نصدقكم في هذه السفارة إلا أن تأتونا بعبدالله بن أبي امية لنشاهده فنسمع ما تقولون عنه شفاها كنت تسوغهم هذا، أو كان يجوز لهم عندك ذلك ؟ قال: لا، قال: فما الذي يجب على سفرائك ؟ أليس أن يأتوهم عنك بعلامة صحيحة تدلهم على صدقهم يجب عليهم أن يصدقوهم ؟ قال: بلى.
    قال : يا عبد الله أرأيت سفيرك لو أنه لما سمع منهم هذا عاد إليك وقال: قم معي فإنهم قد اقترحوا علي مجيئك معي أليس يكون لك مخالفا ؟ وتقول له: إنما أنت رسول لا مشير وآمر ، قال: بلى.
    قال: فكيف صرت تقترح على رسول رب العالمين ما لا تسوغ على اكرتك ومعامليك أن يقترحوه على رسولك إليهم ؟ وكيف أردت من رسول رب العالمين أن يستذم على ربه بأن يأمر عليه وينهى وأنت لا تسوغ مثل هذا على رسولك إلى اكرتك وقوامك ، هذه حجة قاطعة لابطال جميع ما ذكرته في كل ما اقترحته يا عبد الله. وأما قولك يا عبد الله [أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ]( )، وهو الذهب ، أما بلغك أن لعظيم مصر بيوتا من زخرف ، قال: بلى، قال: أفصار بذلك نبيا ، قال: لا.
    قال : فكذلك لا توجب لمحمد لو كانت له نبوة ومحمد لا يغتنم جهلك بحجج الله.
    وأما قولك يا عبد الله: أو ترقى في السماء، ثم قلت: ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه، يا عبد الله الصعود إلى السماء أصعب من النزول عنها، وإذا اعترفت على نفسك أنك لا تؤمن إذا صعدت فكذلك حكم النزول، ثم قلت: حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه.
    ثم من بعد ذلك لا أدري اومن بك أو لا اومن بك.
    فأنت يا عبد الله مقر بأنك تعاند حجة الله عليك، فلا دواء لك إلا تأديبه على يد أوليائه البشر، أو ملائكته الزبانية، وقد أنزل الله علي حكمة جامعة لبطلان كل ما اقترحته، فقال تعالى قل يا محمد [سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَرًا رَسُولاً]( )، ما أبعد ربي عن أن يفعل الاشياء على ما تقترحه الجهال بما يجوز وبما لا يجوز ” وهل كنت إلا بشرا رسولا ” لا يلزمني إلا إقامة حجة الله التي أعطاني، وليس لي أن آمر على ربي ولا أنهى ولا اشير، فأكون كالرسول الذي بعثه ملك إلى قوم من مخالفيه فرجع إليه يأمره أن يفعل بهم ما اقترحوه عليه .
    فقال أبو جهل: يا محمد ههنا واحدة، ألست زعمت أن قوم موسى احترقوا بالصاعقة لما سألوه أن يريهم الله جهرة ؟ قال: بلى.
    قال : فلو كنت نبيا لاحترقنا نحن أيضا، فقد سألنا أشد مما سأل قوم موسى، لانك زعمت أنهم [فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً]( )، ونحن نقول: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلا نعاينهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أبا جهل أما علمت قصة إبراهيم الخليل عليه السلام لما رفع في الملكوت ؟ وذلك قول ربي [وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ]( )، قوى الله بصره لما رفعه دون السماء حتى أبصر الارض ومن عليها ظاهرين ومستترين، فرأى رجلا وامرأة على فاحشة فدعا عليهما بالهلاك فهلكا، ثم رأى آخرين فدعا عليهما بالهلاك فهلكا ثم رأى آخرين فهمّ بالدعاء عليهما فأوحى الله إليه: أن يا إبراهيم اكفف دعوتك عن عبادي وإمائي، فإني أنا الغفور الرحيم الجبار الحليم، لا تضرني ذنوب عبادي وإمائي كما لا تنفعني طاعتهم ، فإنما أنت عبد نذير، لا شريك في المملكة، ولا مهيمن علي، وعبادي معي بين خلال ثلاث: إما تابوا إلي فتبت عليهم وغفرت ذنوبهم وسترت عيوبهم، وإما كففت عنهم عذابي لعلمي بأنه سيخرج من أصلابهم ذريات مؤمنون، فأرفق بالآباء الكافرين، وأتأنى بالامهات الكافرات وأرفع عنهم عذابي ليخرج ذلك المؤمن من أصلابهم، فإذا تزايلوا حق بهم عذابي وحاق بهم بلائي، وإن لم يكن هذا ولا هذا فإن الذي أعددته لهم من عذابي أعظم مما تريده بهم.
    فإن عذابي لعبادي على حسب جلالي وكبريائي، يا إبراهيم فخل بيني وبين عبادي، فإني أرحم بهم منك، وخل بيني وبين عبادي فإني أنا الجبار الحليم العلام الحكيم، ادبرهم بعلمي وانفذ فيهم قضائي وقدري.
    ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن الله يا أبا جهل إنما دفع عنك العذاب لعلمه بأنه سيخرج من صلبك ذرية طيبة: عكرمة ابنك، وسيلي من امور المسلمين ما إن أطاع الله فيه كان عند الله جليلا، وإلا فالعذاب نازل عليك، وكذلك سائر قريش السائلين لما سألوا من هذا إنما امهلوا لان الله علم أن بعضهم سيؤمن بمحمد وينال به السعادة فهو لا يقتطعه عن تلك السعادة ولا يبخل بها عليه، أو من يولد منه مؤمن فهو ينظر أباه لايصال ابنه إلى السعادة، ولولا ذلك لنزل العذاب بكافتكم.
    فانظر نحو السماء، فنظر إلى أكنافها وإذا أبوابها مفتحة، وإذا النيران نازلة منها مسامتة لرؤوس القوم تدنو منهم حتى وجدوا حرها بين أكتافهم.
    فارتعدت فرائص أبي جهل والجماعة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ولا تروعنكم فإن الله لا يهلككم بها، وإنما أظهرها عبرة لكم ثم نظروا وإذا قد خرج من ظهور الجماعة أنوار قابلتها ورفعتها ودفعتها حتى أعادتها. في السماء كما جاءت منها.
    فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: بعض هذه الانوار أنوار من قد علم الله أنه سيسعده بالايمان بي منكم من بعد، وبعضها أنوار ذرية طيبة ستخرج عن بعضكم ممن لا يؤمن وهم يؤمنون( ).
    لقد نزل القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليكون [رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( )جميعاً وليس لأهل القريتين ، وفي مدينة مكة والمدينة والطائف بانفاذ شرع الله عز وجل ، مع الأمن والسلامة من الغزو والقتل ، فهو نبي رأفة ورحمة وليس ملكاً ، وورد في التنزيل حكاية عن بلقيس حينما جاءها كتاب سليمان [إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ]( ) ولم يفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا الدعوة إلى الهداية , وجاء للناس بالإيمان والعز والبركة والنجاة ، قال تعالى [وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ] ( ) .
    عن أبي رافع قال : قال رسول الله حق الولد على الوالد أن يعلمه الكتابة والسباحة والرمي.
    وعن ابن عمر عنه صلى الله عليه وآله وسلم : علموا أبناءكم السباحة والرمي ، والمرأة المغزل( ).
    وليس في الحجاز أنهار وبحيرات ومع هذا أكد النبي صلى الله عليه وآله وسلم على تعليم السباحة ، وبشارة توسعة وتعدد بلاد الإسلام ، وتوجه الخطاب النبوي الى كل المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
    مسائل في معركة أحد
    الحمد لله الذي جعل القرآن [تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ] ( )، لقد ذكر القرآن قصص الأنبياء السابقين والأمم السالفة لتكون موعظة وعبرة للمسلمين والناس جميعاً ، قال تعالى [لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ]( )، فهل من مصاديق العبرة في المقام تأكيد هذه القصص لصدق رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
    الجواب نعم ، لإرادة المعنى العام للعبرة والإتعاظ في الآية ، فمن خصائص قصص القرآن عدم انقطاع الإعجاز فيها إلى يوم القيامة.
    ولما جاء القرآن بقصص عدد من الأنبياء فانه يذكر الوقائع التي جرت للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه لتكون شاهداً على الإعجاز العقلي والحسي الذي صاحب نبوته ، ومن هذه الوقائع كل من :
    الأولى : معركة بدر .
    الثانية : معركة أحد .
    الثالثة : معركة الخندق .
    الرابعة : معركة حنين.
    ويمكن دراسة معركة أحد قرآنياً من عدة بلحاظ مسائل :
    الأولى : أسباب المعركة.
    الثانية : مقدمات المعركة .
    الثالثة : الآيات النازلة بخصوص المعركة .
    الرابعة : الشواهد من القرآن والسنة والأخبار والوقائع التي تدل على أن المشركين هم الذين قاموا بغزو النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
    الخامسة : إنسحاب المنافقين من وسط الطريق إلى المعركة .
    السادسة : السنة الدفاعية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في معركة أحد .
    السابعة : تأريخ معركة أحد بلحاظ ذات أوانها ، وكذا بالنسبة لمعركة بدر ومعركة الخندق .
    الثامنة : معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في معركة أحد.
    التاسعة : نزول الملائكة في معركة أحد لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى [بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاَفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ]( )، وعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقّاصٍ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَوْمَ أُحُدٍ وَمَعَهُ رَجُلَانِ يُقَاتِلَانِ عَنْهُ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ كَأَشَدّ الْقِتَالِ مَا رَأَيْتُهُمَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ( ).
    العاشرة : ابتداء معركة أحد بنصر سريع للمسلمين وتهيئ جيش الذين كفروا للهروب مع أن عددهم أكثر من أربعة أضعاف جيش المسلمين .
    الحادية عشرة : ثبات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المعركة مع إنسحاب ولم يبق معه في الميدان إلا عدد قليل من أصحابه .
    الثانية عشرة : كثرة الشهداء من المسلمين .
    الثالثة عشرة : إصابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعامة أهل بيته والمهاجرين والأنصار بالجراحات .
    الرابعة عشرة : تفضل الله عز وجل بانزال السكينة على المسلمين ، وفي ميدان المعركة ، قال تعالى [ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا]( )، فهذا النعاس من مصاديق السكينة ولا يقدر عليه إلا الله عز وجل .
    الخامسة عشرة : أدعية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في معركة أحد .
    السادسة عشرة : تفضل الله عز وجل باستجابة دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين والأنصار .
    السابعة عشرة : هل قام بعض المشركين بالدعاء ، الجواب نعم ، سواء في معركة بدر أو معركة أحد ، للتورية على الأتباع ، وصرفهم عن مقامات الإيمان ، وما لها من البهاء , وفي التنزيل[فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ]( ).
    الثامنة عشرة : تعاهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه للصلاة في ميدان معركة أحد.
    إذ توجه أبو جهل الى الدعاء في معركة بدر ورد في توثيق دعاء الكافرين قوله تعالى [اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ]( )، وفي خبر آخر أن الداعي هو النضر بن الحارث .
    وفي معركة أحد ورد عن بريدة أنه قال : رأيت عمرو بن العاص واقفاً على فرس يوم أحد وهو يقول : اللهم إن كان ما يقول محمد حقاً فاخسف بي وبفرسي( ).
    عمل الملائكة في معركة أحد
    لقد خلق الله الملائكة من نور [وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ]( )، وخلق الإنسان من التراب وفضله بأن [َنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ]( )، ويدل قوله تعالى [وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( )، على عدم وجود بينونة وانفصال بين عالم الملائكة والناس ، وإن كان مسكن الملائكة في السماء ، والناس في الأرض ، فنزل الملائكة بالوحي والتنزيل للأنبياء ، ويحضر ملك الموت كل دقيقة بين الناس لقبض أرواح الذين يحين أوان موتهم.
    وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال في وصف جبرئيل : رأيته منهبطاً من السماء . ساد أعظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض( ).
    لقد أكرم الله عز وجل كلاً من الملائكة والناس باخباره تعالى عن خلافة الإنسان في الأرض وقبل أن يهبط إليها ، ليكون هذا الإخبار نوع عهد بعناية الملائكة ببني آدم بالدعاء لهم وبالنزول بالوحي على الملائكة ونصرة الأنبياء حتى إذا ما وقعت معركة بدر أدرك الملائكة إصرار المشركين على القتال ، وارادتهم محو ذكر الله ، ومنع توالي نزول القرآن فقد أغاظهم نزول عدة آيات من القرآن في اليوم الواحد أو في كل أربعة أيام ، وأرادوا قطع التنزيل ولم يعلموا ان الخلائق كلها تعجز عن هذا القطع .
    ولما اصطف الفريقان كما قال تعالى [يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ] ( )، توجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم للدعاء وأراد أبو جهل أن يضل ويغوي قومه بالدعاء إذ قال (اللهم أولانا بالحق فانصره) ( )، وكان يعتمد على كثرة أفراد جيشه ورواحلهم ومائتي فرس بينما لم يكن مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلا فرس واحدة ، حينئذ توجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الدعاء.
    وقال : اللّهمّ أنجز لي ما وعدتني اللّهمّ إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض( ).
    وفي هذا الدعاء نوع تحد ، إذ أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل المعركة بأن الله وعده بالنصر ، فلو لم يتحقق النصر لطعن المنافقون والذين في قلوبهم مرض بنبوته خاصة وأنه مع الهزيمة تشتد الأقاويل فأبى الله عز وجل إلا الوفاء بوعده للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بالنصر ليكون معجزة بتحقق المصداق العاجل لوعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونزل قوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]( ).
    وليس من حصر لعدد ومرات نزول الملائكة والوظائف والأعمال التي تقوم بها ، إذ أنهم يعضدون الأنبياء والمؤمنين في تثبيت دعائم التوحيد في الأرض ، ومنع تفشي الفساد في الأرض ، فكأنهم حينما احتجوا [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( )، يكون من علم الله عز وجل نزول الملائكة لنشر الصلاح، ومنع الفساد في الأرض .
    وكان الملائكة ينصرون القرآن ، وينصتون له ، و(عن أبي سعيد الخدري : أن أسيد بن الحضير بينما هو ليلة يقرأ في مربده إذ جالت فرسه فقرأ ثم جالت أخرى فقرأ ثم جالت أيضا قال أسيد فخشيت أن تطأ يحيى فقمت إليها فإذا مثل الظلة فوق رأسي فيها أمثال السرج عرجت في الجو حتى ما أراها .
    فقال فغدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله بينا أنا البارحة من جوف الليل في مربدي إذ جالت فرسي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقرأ بن حضير فقرأت ثم جالت أيضا .
    فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اقرأ ابن حضير فقرأت فكان يحيى قريبا منها فخشيت أن تطأه فرأيت مثل الظلة فيها أمثال السرج عرجت في الجو حتى ما أراها .
    فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تلك الملائكة كانت تسمع لك ولو قرأت لاصبحت تراها الناس لا تستتر منهم( ).
    عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ، يقول: “بَيْنَمَا رَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الْكَهْفِ لَيْلَةً إِذْ رَأَى دَابَّتَهُ تَرْكُضُ، أَوْ قَالَ فَرَسَهُ يَرْكُضُ، فَنَظَرَ، فَإِذَا مِثْلُ الضَّبَابَةِ أَوْ مِثْلُ الْغَمَامَةِ. فَذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: تِلْكَ السَّكِينَةُ نَزَلَتْ لِلْقُرْآنِ، أَوْ تَنَزَّلَتْ لِلْقُرْآنِ.
    عَنْ سَعْدِ بْنِ مَسْعُودٍ،”أَن ّرَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي مَجْلِسٍ فَرَفَعَ نَظَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ طَأْطَأْ نَظَرَهُ، ثُمَّ رَفَعَهُ، فَسُئِلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنَّ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ كَانُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ يَعْنِي أَهْلَ مَجْلِسٍ أَمَامَهُ فَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ تَحْمِلُهَا الْمَلائِكَةُ كَالْقُبَّةِ، فَلَمَّا دَنَتْ مِنْهُمْ تَكَلَّمَ رَجُلٌ بِبَاطِلٍ فَرُفِعَتْ عَنْهُمْ( ).
    وهل كان نزول الملائكة يوم أحد حاجة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه أم لا ، الجواب هو الأول إذ أنهم محتاجون الى المدد والعون والنصرة من عند الله عز وجل ، فتفضل الله سبحانه بانزال الملائكة لنصرتهم ، وما يتصف به الملائكة أنهم عباد مكرمون ويفعلون ما يأمرهم الله عز وجل به من غير نقصان أو كسل أو تراخ .
    ولا يأكلون ولا يشربون ، وفي ضيف إبراهيم من الملائكة ورد قوله تعالى [فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ]( ).
    ولا يتعب الملائكة وليس عندهم نكاح ، وهم قادرون على التشكل بهيئات متعددة وبصفات حميدة ، فهم لا يتشكلون بهيئة الحيوانات النجسة كالكلب .
    ويقوم الملائكة بالتأمين على أدعية المؤمنين ، والصلاة على النبي كما ورد في التنزيل [إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا]( )، كما يقوم الملائكة بلعن الكافرين .
    ولا يعلم عدد الملائكة من جهة الكثرة إلا الله عز وجل ، ويتصف الملائكة بالسرعة الفائقة ، في الإنتقال والهبوط إلى الأرض ، فيتوجه السؤال إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من بعض أصحابه أو من عامة الناس ، فيطرق قليلاً فينزل جبرئيل من السماء بالجواب ، وقد نزل خمسة آلاف من الملائكة يوم معركة أحد ، وكانت وظائفهم متعددة منها:
    الأولى : حراسة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وتعاهد سلامته من سيوف ورماح الذين كفروا في معركة أحد .
    الثانية : حفظ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليتوالى نزول آيات القرآن ، ليكون هذا الحفظ من مصاديق[إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون]( )، أي بحفظ النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسلامته لحين تمام نزول القرآن فأبى الله عز وجل إلا أن ينزل القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم دون غيره .
    الثالثة : بعث الخوف والفزع في قلوب الذين كفروا .
    الرابعة : منع الكافرين من استباحة جيش المسلمين .
    الخامسة : صرف سيوف ورماح المشركين عن أكثر المهاجرين والأنصار ، فان قلت قد سقط سبعون شهيداً من المسلمين يومئذ ، والجواب هذا صحيح ، ولولا فضل الله لكان عدد الشهداء أكثر من هذا العدد خاصة بعد أن ترك الرماة المسلمون مواضعهم التي رتبهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيها ، ومجئ خيالة المشركين من خلف جيش المسلمين .
    السادسة : قتال الملائكة في المعركة ، وهو معجزة حسية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وشاهد على صدق نبوته ، ودعوة للصحابة للصبر .
    السابعة : قيام الملائكة بتغسيل بعض الشهداء ، وعن ابن عباس قال : نظر رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى حنظلة الراهب وحمزة بن عبد المطلب تغسلهما الملائكة ( ).
    الثامنة : تكثير عدد جيش المسلمين ليبدو للمشركين أنه كثير وأضعاف ما هو عليه واقعاً.
    فان قلت قد ورد القرآن بما يدل على تقليل عدد جيش المسلمين في عيون المشركين كما في قوله تعالى [الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ]( )، والجواب من وجوه :
    الأول : نزلت الآية أعلاه في معركة بدر ، حتى قال أبو جهل حينما نظر الى أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنهم (أكلة جزور) ( )، أي كما يأكل القوم رأس الشاة.
    الثاني : متعلق الآية أعلاه ما قبل المعركة .
    الثالث : عند نزول الملائكة يتغير الحال سواء من جهة صيرورة جيش المسلمين كثيراً أو شدة الضرب والمطاردة للذين كفروا من قبل الملائكة والمسلمين .
    الرابع : لقد أخبرت الآية عن نزول الملائكة لنصرة المسلمين ، فلابد من ظهور الأثر على عدد المسلمين في كثرتهم وتحتمل وجوهاً :
    الأول : إدراك المسلمين لكثرتهم وزيادة عدد جيشهم بنزول الملائكة .
    الثاني : إصابة المشركين بالفزع برؤية كثرة عدد المسلمين .
    الثالث : ظهور معالم وأمارات كثرة المسلمين في الميدان .
    ولا تعارض بين هذه الوجوه ، فلو جاء المدد من طرف فرقة وسرية من المسلمين لظهر الأثر جلياً في الميدان ، فكذا بخصوص المدد الملكوتي .
    التاسعة : قيام الملائكة بالعناية بالجرحى والشهداء من المسلمين ومنهم عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري والد جابر الأنصاري.
    وعن ابن المنكدر قال : سمعت جابراً قال : لما قُتِل أبي جعلتُ أبكي وأكشفُ الثوب عن وجهه، فجعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينْهَوني والنبي صلى الله عليه وسلم لم يَنْه، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “لا تَبْكِهِ أو: مَا تَبْكِيهِ ما زَالَتِ الْملائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأجْنِحَتِها حَتَّى رُفِعَ( ).
    العاشرة : قيام الملائكة بتغسيل بعض الشهداء كما في تغسيلهم لحنظلة ابن الراهب وحمزة بن عبد المطلب ، ليدل هذا التغسيل بالدلالة الإلتزامية على ذبّ الملائكة عن الشهداء ، فان قلت قد قطع المشركون من بعض الشهداء آذانهم وأنوفهم الجواب لتقوم الحجة عليهم في النشأتين ، ولتعجيل النصر للمسلمين ، وليكون سبيلاً لنفرة الناس من الذين كفروا وامتناعهم عن نصرتهم ، وهو سبب للهداية والتوبة ونزول البلاء بالذين كفروا قال تعالى[ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ]( ).
    دراسة بيانية في كتائب النبي محمد (ص)
    لقد هاجر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الى المدينة بعد أن اشتد أذى كفار قريش له ولأصحابه ، وقد ابتدأ هذا الأذى من حين إعلان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نبوته ، ودعوته الناس الى الإسلام ، ونبذ عبادة الأصنام التي تحيط بالكعبة الشريفة ، وفرض المشركون حصاراً اقتصادياً واجتماعياً على بني المطلب وبني عبد المطلب لتأييدهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقيامهم بالذب عنه ، واستمر هذا الحصار ثلاث سنوات ، وقد يستغرب الإنسان هل يمكن أن يفرض حصار قبل أكثر من ألف وأربعمائة سنة.
    وهل من تنظيمات في مجتمعات مكة وما حولها بما يؤهلها لفرض حصار والإلتزام به ، ومن المواعظ في المقام أن الذين فرضوه يدركون أنهم على باطل ، وبعد وفاة أبي طالب وخديجة خرج النبي صلى الله عليه وآله وسم الى الطائف رجاء حماية وذب قبيلة ثقيف عنه وحكم أشرافهم ولكنهم صدوا عنه ، وخشوا قريشاً وأمروا ابناءهم بإيذائه .
    وتمر الأيام ويثبت لقريش عجزهم عن الإضرار بالدعوة إلى الله ، وحملهم إصرارهم على الكفر ونزعة البطش التي يتصفون بها على الإتفاق بينهم لقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى [وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ]( ).
    وأخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعرض نفسه على القبائل في موسم الحج وهي أيام وأشهر حرم فيها أمن وأمان له ولهم ، ليخبرهم بأن قريشاً منعوه من ابلاغ كلام الله.
    فانعم الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلى المسلمين بوفد من الأوس والخزرج للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في بيعة العقبة الأولى في السنة الثانية عشرة للبعثة النبوية ، ثم جاء وفد آخر منهم في السنة التالية وهي السنة الثالثة عشرة للهجرة ، وبينما كان عدد الأنصار في بيعة العقبة الأولى اثني عشر رجلاً ، صار عددهم في الثانية سبعين رجلاً وامرأتين .
    وعن قتادة في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ] ( )، قال : قد كان ذلك بحمد الله جاءه سبعون رجلاً فبايعوه عند العقبة ، فنصروه وآووه حتى أظهر الله دينه ولم يسمّ حيّ من السماء قط باسم لم يكن لهم قبل ذلك غيرهم ، وذكر لنا أن بعضهم قال : هل تدرون ما تبايعون هذا الرجل ، إنكم تبايعونه على محاربة العرب كلها أو يسلموا ، وذكر لنا أن رجلاً قال: يا نبي الله اشترط لربك ولنفسك ما شئت ، فقال : أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأبناءكم ، قالوا : فإذا فعلنا ذلك فما لنا يا نبي الله ، قال : لكم النصر في الدنيا والجنة في الآخرة ، ففعلوا ، ففعل الله)( ).
    ويطلق مصطلح الغزوة بالنسبة للسيرة النبوية على الحروب التي اشترك فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه والمرات التي خرج فيها بالكتائب سواء حدث فيها قتال أو لم يحدث مع اختلاف في عدد هذه الغزوات ، والمختار أنها ليست غزوات.
    إنما هي كتائب استطلاع ، وكانت مدة النبوة ثلاثاً وعشرين سنة ، ولم يخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الكتائب وما يسمى بالغزوات إلا بين السنة 15- 22 منها ، أي بين السنة الثانية والتاسعة للهجرة النبوية .
    وتقسم هذه الكتائب حسب التوالي الزماني إلى :
    الأول : عدد الكتائب في السنة الثانية للهجرة ثمانية ، وليس فيها قتال إلا واحدة منها وهي معركة بدر ، وكانت الخامسة منها وفق التسلسل الزماني ، إذ كانت كالآتي ( ):
    الأولى كتيبة الأبواء في شهر صفر من السنة الثانية
    الثانية كتيبة ذي بواط في صفر ، وقيل في شهر ربيع الأول
    الثالثة كتيبة بدر الأولى ربيع الأولى .
    الرابعة كتيبة ذي العشيرة في جمادى الأولى ، ومنهم من جعل بدر الأولى قبل ذي العشيرة
    الخامسة معركة بدر الكبرى في شهر رمضان
    السادسة كتيبة بني سليم في شوال من السنة الثانية
    السابعة كتيبة بني قينقاع في شهر شوال من السنة الثانية
    الثامنة كتيبة السويق في ذي الحجة من السنة الثانية للهجرة
    الثاني : عدد كتائب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في السنة الثالثة للهجرة أربعة وهي :
    الأولى كتيبة ذي أمر في شهر محرم من السنة الثالثة ، وتسمى غزوة غطفان في نجد (وقال الواقدي : بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن جمعا من غطفان من بنى ثعلبة بن محارب تجمعوا بذى أمر يريدون حربه, فخرج إليهم من المدينة يوم الخميس لثنتى عشرة خلت من ربيع الاول سنة ثلاث، واستعمل على المدينة عثمان بن عفان، فغاب أحد عشر يوما، وكان معه أربعمائة وخمسون رجلا.
    وهربت منه الأعراب في رءوس الجبال حتى بلغ ماء يقال له ذو أمر فعسكر به، وأصابهم مطر كثير فابتلت ثياب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فنزل تحت شجرة هناك ونشر ثيابه لتجف، وذلك بمرأى من المشركين) ( ).
    الثانية كتيبة بحران في شهر ربيع الأول.
    الثالثة معركة أحد في شهر شوال
    الرابعة كتيبة حمراء الأسد في شهر شوال
    الثالث : كتائب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في السنة الرابعة للهجرة وهي :
    الأولى كتيبة بني النضير في ربيع الأول من السنة الرابعة
    الثانية كتيبة ذات الرقاع في شعبان من السنة الرابعة
    الثالثة كتيبة بدر الموعد في شهر شعبان ، وتسمى بدر الآخرة
    الرابعة : كتائب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في السنة الخامسة للهجرة .
    الأولى كتيبة النبي إلى دومة الجندل في شهر ربيع الأول من السنة الخامسة
    الثانية كتيبة بني المصطلق من خزاعة ويجتمع بنو المصطلق مع الأوس والخزرج في جدهم جذيمة بن سعد بن عمرو بن حارثة بن عمرو بن عامر ماء السماء في شهر شعبان ، وتسمى غزوة مريسيع نسبه إلى ماء لهم في ذات الموضع في ناحية قديد ويبعد عن مكة نحو ثمانية كيلو مترات
    ومن بين هذه الكتائب وعددها ثمان وعشرون لم يقع القتال إلا في تسع منها وهي :
    الأول : معركة بدر وتسمى أيضاً بدر العظمى ، وبدر القتال ، وبدر البطشة( ) .
    الثاني : معركة أحد .
    الثالثة : معركة الخندق .
    الرابعة : قريظة .
    الخامسة : المصطلق بطن من خزاعة ، وتسمى أيضاً غزوة المريسيع .
    السادسة : خيبر .
    السابعة : فتح مكة .
    الثامنة : معركة حنين .
    التاسعة : حصار الطائف ولم يقع فيه قتال وملاقاة جيوش ، ولكنه كان نوع تأديب للمشركين وكان مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم (مِنْ نِسَائِهِ أُمّ سَلَمَةَ وَزَيْنَبُ فَضَرَبَ لَهُمَا قُبّتَيْنِ وَكَانَ يُصَلّي بَيْنَ الْقُبّتَيْنِ مُدّةَ حِصَارِ الطّائِفِ ، فَحَاصَرَهُمْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، وَقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : بِضْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً)( ).
    قانون الإسلام مرآة السلام
    الإسلام لغة يعني الإستسلام والإنقياد وتسليم الأمر ، أما في الإصطلاح فهو الدين السماوي والشريعة التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين ، ويمكن أن يكون في الإصطلاح على شعبتين :
    الأولى : شرائع التوحيد التي جاء بها الأنبياء من عند الله عز وجل ، فكل نبي إبتداء من آدم جاء بالإسلام ، قال تعالى [إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ]( ).
    الثانية : شريعة التوحيد التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى [قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ]( ).
    وجاء القرآن بالفرائض العبادية والصلاة والزكاة والصوم والحج.
    والعمرة والخمس ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ]( )، لبيان إتحاد التكليف وسنخية مصاديق الإسلام بين المسلمين والأنبياء وأتباع الأنبياء السابقين وإن اختلف الكيفية , كما جاء الإسلام بالعدل والإنصاف والأخلاق الحميدة ، وبر الوالدين وحفظ حقوق الجيران ، وحل الخصومات بالصلح ونبذ القتال.
    وقال الراغب الاصفهاني : الإسلام هو الدخول في السلم.
    ومن الآيات إتحاد الجذر ومادة (سلم) لكل من :
    الأول : الإسلام .
    الثاني : السلام .
    الثالث : السلم .
    بمعنى الصلح وحال الدعة ، وبين حال الدعة والوئام وبين الصلح عموم وخصوص مطلق ، لأن هذه الحال أعم من الصلح الذي قد يكون فرع الخصومة والشقاق ، ومتعقباً لهما.
    الرابع : السلامة من الآفات والأمراض .
    ومن أسماء الله الحسنى (السلام) فهو الباقي الدائم الذي له الصفات والكلمات التامة ، والذي كل فضله وأفعاله خير محض ، ونفع للخلائق , وهو سبحانه [غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ]( ).
    وفي التنزيل [هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّار الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ]( ).
    وهل في هذه الآية ترغيب للمسلمين بالسلام مع الناس , الجواب نعم ، لأن الله عز وجل له الربوبية المطلقة ورحمته تتغشى الناس جميعاً ، وقيل السَلم بالفتح الصلح ، والسِلم بالكسر الإسلام .
    ويدعو القرآن إلى السلام والأمن بذات تحية الإسلام ، قال تعالى [وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا]( )، لقد أمر الله عز وجل المسلمين بتلقي التحية والسلام بمثلها أو أحسن منها ، ليكون السلام شاهداً على إكرام الإنسان ، وفاتحة لحسن الصلات والمودة والأمن بين الناس .
    وفي قصة اسلام عمير بن وهب ورد (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ قَالَ جَلَسَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ الْجُمَحِيّ مَعَ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيّةَ بَعْدَ مُصَابِ أَهْلِ بَدْرٍ مِنْ قُرَيْشٍ فِي الْحِجْرِ بِيَسِيرِ وَكَانَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ شَيْطَانًا مِنْ شَيَاطِينِ قُرَيْشٍ ، وَمِمّنْ كَانَ يُؤْذِي رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَصْحَابَهُ وَيَلْقَوْنَ مِنْهُ عَنَاءً وَهُوَ بِمَكّةَ وَكَانَ ابْنُهُ وَهْبُ بْنُ عُمَيْرٍ فِي أُسَارَى بَدْرٍ .
    قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : أَسَرَهُ رِفَاعَةُ بْنُ رَافِعٍ أَحَدُ بَنِي زُرَيْقٍ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : حَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزّبَيْرِ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ ، قَالَ فَذَكَرَ أَصْحَابَ الْقَلِيبِ وَمُصَابَهُمْ فَقَالَ صَفْوَانُ وَاَللّهِ إنْ فِي الْعَيْشِ بَعْدَهُمْ خَيْرٌ.
    قَالَ لَهُ عُمَيْرٌ صَدَقْت وَاَللّهِ أَمَا وَاَللّهِ لَوْلَا دَيْنٌ عَلَيّ لَيْسَ لَهُ عِنْدِي قَضَاءٌ وَعِيَالٌ أَخْشَى عَلَيْهِمْ الضّيْعَةَ بَعْدِي ، لَرَكِبْت إلَى مُحَمّدٍ حَتّى أَقْتُلَهُ فَإِنّ لِي قِبَلَهُمْ عِلّةً ابْنِي أَسِيرٌ فِي أَيْدِيهِمْ.
    قَالَ فَاغْتَنَمَهَا صَفْوَانُ وَقَالَ عَلَيّ دَيْنُك ، أَنَا أَقْضِيهِ عَنْك ، وَعِيَالُك مَعَ عِيَالِي أُوَاسِيهِمْ مَا بَقُوا ، لَا يَسَعُنِي شَيْءٌ وَيَعْجِزُ عَنْهُمْ فَقَالَ لَهُ عُمَيْرٌ فَاكْتُمْ شَأْنِي وَشَأْنَك ، قَالَ أَفْعَلُ .
    ثُمّ أَمَرَ عُمَيْرٌ بِسَيْفِهِ فَشَحَذَ لَهُ وَسَمّ ثُمّ انْطَلَقَ حَتّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ ، فَبَيْنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ فِي نَفَرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَتَحَدّثُونَ عَنْ يَوْمِ بَدْرٍ وَيَذْكُرُونَ مَا أَكْرَمَهُمْ اللّهُ بِهِ وَمَا أَرَاهُمْ مِنْ عَدُوّهِمْ( ) إذْ نَظَرَ عُمَرُ إلَى عُمَيْرِ بْنِ وَهْبٍ حِينَ أَنَاخَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ مُتَوَشّحًا السّيْفَ فَقَالَ هَذَا الْكَلْبُ عَدُوّ اللّهِ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ وَاَللّهِ مَا جَاءَ إلّا لِشَرّ وَهُوَ الّذِي حَرّشَ بَيْنَنَا ، وَحَزَرْنَا لِلْقَوْمِ يَوْمَ بَدْرٍ . ثُمّ دَخَلَ عُمَرُ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ .
    فَقَالَ يَا نَبِيّ اللّهِ هَذَا عَدُوّ اللّهِ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ قَدْ جَاءَ مُتَوَشّحًا سَيْفَهُ.
    قَالَ فَأَدْخِلْهُ عَلَيّ قَالَ فَأَقْبَلَ عُمَرُ حَتّى أَخَذَ بِحِمَالَةِ سَيْفِهِ فِي عُنُقِهِ فَلَبّبَهُ بِهَا ، وَقَالَ لِرِجَالِ مِمّنْ كَانُوا مَعَهُ مِنْ الْأَنْصَارِ : اُدْخُلُوا عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَاجْلِسُوا عِنْدَهُ وَاحْذَرُوا عَلَيْهِ مِنْ هَذَا الْخَبِيثِ فَإِنّهُ غَيْرُ مَأْمُونٍ ثُمّ دُخِلَ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ .
    فَلَمّا رَاهَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَعُمَرُ آخِذٌ بِحِمَالَةِ سَيْفِهِ فِي عُنُقِهِ قَالَ أَرْسِلْهُ يَا عُمَرُ اُدْنُ يَا عُمَيْرُ فَدَنَا ثُمّ قَالَ انْعَمُوا صَبَاحًا ، وَكَانَتْ تَحِيّةَ أَهْلِ الْجَاهِلِيّةِ بَيْنَهُمْ.
    فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ أَكْرَمَنَا اللّهُ بِتَحِيّةِ خَيْرٍ مِنْ تَحِيّتِك يَا عُمَيْرُ بِالسّلَامِ تَحِيّةِ أَهْلِ الْجَنّةِ .
    فَقَالَ أَمَا وَاَللّهِ يَا مُحَمّدُ إنْ كُنْت بِهَا لَحَدِيثُ عَهْدٍ قَالَ فَمَا جَاءَ بِك يَا عُمَيْرُ ،قَالَ جِئْت لِهَذَا الْأَسِيرِ الّذِي فِي أَيْدِيكُمْ فَأَحْسِنُوا فِيهِ( ).
    قَالَ فَمَا بَالُ السّيْفِ فِي عُنُقِك ، قَالَ قَبّحَهَا اللّهُ مِنْ سُيُوفٍ وَهَلْ أَغْنَتْ عَنّا شَيْئًا ، قَالَ اُصْدُقْنِي ، مَا الّذِي جِئْت لَهُ .
    قَالَ مَا جِئْت إلّا لِذَلِكَ قَالَ بَلْ قَعَدْت أَنْتَ وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ فِي الْحِجْرِ ، فَذَكَرْتُمَا أَصْحَابَ الْقَلِيبِ مِنْ قُرَيْشٍ ، ثُمّ قُلْت : لَوْلَا دَيْنٌ عَلَيّ وَعِيَالٌ عِنْدِي لَخَرَجْت حَتّى أَقْتُلَ مُحَمّدًا ، فَتَحَمّلَ لَك صَفْوَانُ بِدَيْنِك وَعِيَالِك ، عَلَى أَنْ تَقْتُلَنِي لَهُ وَاَللّهُ حَائِلٌ بَيْنَك وَبَيْنَ ذَلِكَ.
    قَالَ عُمَيْرٌ أَشْهَدُ أَنّك رَسُولُ اللّهِ وَقَدْ كُنّا يَا رَسُولَ اللّهِ نُكَذّبُك بِمَا كُنْت تَأْتِينَا بِهِ مِنْ خَبَرِ السّمَاءِ وَمَا يَنْزِلُ عَلَيْك مِنْ الْوَحْيِ وَهَذَا أَمْرٌ لَمْ يَحْضُرْهُ إلّا أَنَا وَصَفْوَانُ فَوَاَللّهِ إنّي لَأَعْلَمُ مَا أَتَاك بِهِ إلّا اللّهُ.
    فَالْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي هَدَانِي لِلْإِسْلَامِ وَسَاقَنِي هَذَا الْمَسَاقَ ثُمّ شَهِدَ شَهَادَةَ الْحَقّ .
    فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ” فَقّهُوا أَخَاكُمْ فِي دِينِهِ وَأَقْرِئُوهُ الْقُرْآنَ وَأَطْلِقُوا لَهُ أَسِيرًا ، فَفَعَلُوا( ).
    ثُمّ قَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّي كُنْت جَاهِدًا عَلَى إطْفَاءِ نُورِ اللّهِ شَدِيدٌ لِلْأَذَى لِمَنْ كَانَ عَلَى دِينِ اللّهِ عَزّ وَجَلّ وَأَنَا أُحِبّ أَنْ تَأْذَنَ لِي ، فَأَقْدَمَ مَكّةَ ، فَأَدْعُوهُمْ إلَى اللّهِ تَعَالَى صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَإِلَى الْإِسْلَامِ لَعَلّ اللّهُ يُهْدِيهِمْ وَإِلّا آذَيْتهمْ فِي دِينِهِمْ كَمَا كُنْت أُوذِيَ أَصْحَابَك فِي دِينِهِمْ ؟ قَالَ فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَلَحِقَ بِمَكّةَ .
    وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ حِينَ خَرَجَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ يَقُولُ أَبْشِرُوا بِوَقْعَةِ تَأْتِيكُمْ الْآنَ فِي أَيّامٍ تُنْسِيكُمْ وَقْعَةَ بَدْرٍ وَكَانَ صَفْوَانُ يَسْأَلُ عَنْهُ الرّكْبَانَ حَتّى قَدِمَ رَاكِبٌ فَأَخْبَرَهُ عَنْ إسْلَامِهِ فَحَلَفَ أَنْ لَا يُكَلّمَهُ أَبَدًا ، وَلَا يَنْفَعَهُ بِنَفْعِ أَبَدًا .
    قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَلَمّا قَدِمَ عُمَيْرٌ مَكّةَ ، أَقَامَ بِهَا يَدْعُو إلَى الْإِسْلَامِ وَيُؤْذِي مَنْ خَالَفَهُ أَذًى شَدِيدًا ، فَأَسْلَمَ عَلَى يديه) ( ), جمع من الناس إذ كان هو نفسه حجة على الناس فقد انتقل من منازل الكفر والإصرار على محاربة النبي صلى الله عليه وآله وسلم , والعزم على إغتياله إلى التصديق بنبوته .
    وأدرك الناس أن هذا الإنتقال عن بينة وبعد أن ذهب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليقتله , فاطلعه النبي صلى الله عليه وآله وسلم على علم من الغيب لا يعلمه إلا الله عز وجل , وهو من مصاديق قوله تعالى [عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلاَّ مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا] ( ).
    ليكون من معاني هذا الرصد عدم طرو الشك إلى نفوس الذين يخبرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالغيب حتى وان كانوا كفاراً , فهو علم وإخبار ورصد لهداية الناس .
    وقد أمر الله النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بتلقي الدعوة الى السلم بالقبول والرضا ، قال تعالى [وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ]( )، وقال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ]( ) .
    وجاءت الآية أعلاه بصيغة الجمع ومخاطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين لبيان قانون مخاطبة أجيال المسلمين بمضامينها وإلى يوم القيامة .
    وبقاء واستدامة أحكامها , وعصمتها من النسخ .
    لقد جعل الله عز وجل أربعة أشهر من أشهر السنة حرماً ليس فيها قتال , قال تعالى [إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ]( )، لتأكيد القبح الذاتي للقتال والقتل .
    قانون الملازمة بين الإيمان وصلاح النفوس
    لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا (دار الإيمان) إذ يهتدي فيها الناس إلى سبل الهدى بالتنزيل والنبوة وتعضيد الآيات الكونية , والبراهين التي يلقاها الإنسان في حياته بما يقوده إلى مسالك الهدى , وهو من مصاديق قوله تعالى [سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ] ( ).
    لبيان أن هذه الإرادة حجة بذاتها , وهي نوع طريق لأسباب وسبل من الآيات والبراهين التي يدرك معها الإنسان وجوب التحلي بالإيمان , وإنتهاج سبل الصلاح , والإمتناع عن أكل الحرام , وعن الظلم والتعدي , ومن خصائص الآيمان أنه يطرد الغفلة ويكون برزخاً دون الجهالة فهو إعتقاد ومنهاج باتباع سنن التقوى والرشاد وتقوية للقلب في الإقبال على الله , وفي التنزيل [وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ] ( ).
    وتحتمل الصلة بين الإيمان والصلاح وجوهاً .
    الأول : يؤدي الإيمان إلى صلاح النفوس .
    الثاني : صلاح النفوس طريق إلى الإيمان .
    الثالث : ليس من ثأثير للإيمان في صلاح النفوس وكذا العكس.
    الرابع : ينفع الإيمان في صلاح النفوس وكذا العكس .
    والصحيح هو الأخير أعلاه من غير أن يلزم بينهما الدور , والصلاح فرع الإيمان , وشاهد عليه وسبب لتثبيت الإيمان في النفوس , قال تعالى [يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ] ( ).
    والإيمان اعتقاد وإقرار بالربوبية المطلقة لله عز وجل وتصديق بالملائكة والأنبياء واليوم الآخر وعالم الثواب والعقاب , وطاعة الله عز وجل ورسوله , والصلاح استقامة ورشاد وسلامة من فعل المعاصي والسيئات لقد أراد الله عز وجل للحياة الدنيا الإستدامة , وللناس الأمن والرزق الكريم بالصلاح , قال تعالى [وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ] ( ). ويحتمل الإيمان وجوهاً .
    الأول : إنه صلاح .
    الثاني : الإيمان إصلاح للذات والغير .
    الثالث : التغاير والتعدد بين الإيمان والصلاح .
    والصحيح هو الأول والثاني أعلاه خاصتي الإيمان صلاح وبه جاء الأنبياء .
    لذا لم يأت النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالحرب والقتال , إنما جاء بالدعوة إلى الصلاح ولكن الذين كفروا امتنعوا عن الهدى ولم يرضوا بالصلاح فأرادوا قتله ومنع توالي نزول آيات القرآن التي تدعو إلى الصلاح وتبين حسنه الذاتي , وتبين قبح الظلم والجور والتعدي , وتبعث النفرة في النفوس من الكفر ومفاهيم الضلالة .

رسم همزة هيئة
من الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن أول آية نزلت عليه هي [اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ]( )، لبيان أن القراءة مركبة من وجوه :
الأول : القارئ .
الثاني : المقروء .
الثالث : المقروء منه .
فهناك ملازمة بين القراءة والكتابة وذكر في تأريخ الحروف الأبجدية أن أول من وضع الخط والكتابة هم نفيس ونضر وتيماء ودومة من أولاد اسماعيل بن ابراهيم عليهما السلام ، وأنهم وضعوها متصلة ببعضها حتى الألف ، قال ابن قتيبة (حدثني سهل بن محمد عن الأصمعي أو غيره، قال: أول من كتب بالعربية مرامر بن مرة من أهل الأنبار، ومن الأنبار انتشرت في الناس، وقال الأصمعي: ذكروا أن قريشاً سئلوا: من أين لكم الكتاب؟ قالوا: من أهل الحيرة. وقيل لأهل الحيرة: من أين لكم الكتاب ، قالوا : من الأنبار. وقال غيره: كان بشر بن عبد الله العِباديّ علّم أبا سفيان بن أمية وأبا قيس بن عبد مناف بن زهرة الكتاب فعلما أهل مكة)( ).
ووقع الخلاف في رسم الحروف لأنه إصطلاح .
وقد وضع علماء الرسم قواعد لرسم الحروف والكلمات للتسهيل والتيسير ، ومنع الإختلاف بين الناس فيها ، ومنها قاعدة (أقوى الحركات) ولكن جعلوا استثناءات متعددة في مسائل الرسمٍ , وما من عام إلا وقد خص ، ولا قاعدة إلا ولها شواذ .
ولكن بعض المعاصرين جعل قوانين الإملاء حكماً مطلقاً, لا يقبل الإستثناء .
وقاعدة الحركات في الهمزة المتوسطة بأن ترسم على أقوى الحركتين ، حركة ذات الحرف وحركة ما قبله.
ويكون هذا الترتيب من حيث القوة والتقديم :
الأول : الكسر .
الثاني : الضم .
الثالث : الفتح.
الرابع : السكون .
لذا مال بعض المعاصرين ، إلى كتابة (هيأة) بالألف .
ولكن المشهور وكتابة القدماء لها كتابة الهمزة على الكرسي (هيئة) وهو الراجح والمختار ، فتكتب على نبرة (رأس ياء صغيرة) مثل (مليئة، ،جريئةً ،رديئة ،خطيئة.
ومن الكلمات المشابهة لها الحطيئة ، فلا أحد يكتبها حطيأة ، ومن أسباب كتابتها على الكرسي أن الياء الساكنة إذا سبقت الهمزة تكون بمنزلة الكسرة .
وقد ورد لفظ هيئة في القرآن ففي حكاية عن عيسى قال تعالى [وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ] ( ).
وقال تعالى [وَإِذْ تَخْلُقُ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ] ( ).
وتقييد صيرورة هيئة الطير من الطين طيراً طائراً على نحو الحقيقة ، باذن الله لمنع الغلو بعيسى عليه السلام وكذا منع المسلمين من الغلو بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وفي التنزيل[قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ] ( ).
وحرف الهمزة هو الحرف الوحيد من حروف المعجم الذي يأتي منفصلاً ، فلا يتصل بما قبله ولا بما بعده في رسمه عند الكتابة ، ويحتاج في أكثر الأحوال حرفاً يتكأ عليه ليشكل الرسم الإملائي الملائم لوضعه في الكلمة ابتداء أو توسطاً أو تطرفاً .
وحروف العلة هي أضعف الحروف , وتتطوع بتشكيلة مختلفة ، فتنقاد لتكون مطية للهمزة في أحوالها المتعددة من حركة الضم أو الفتح أو الكسر.
وترسم الهمزة على حرف الياء الذي أصطلح على تسميته على وجوه:
الأول : الكرسي .
الثاني : النبرة .
الثالثة : السنة الصغيرة .
وتكتب همزة (هيئة) على الكرسي لوجوه :
الأول : لأن الياء الساكنة التي تسبقها بقوة الكسرة .
الثاني : لإرادة عدم الفصل بين حروف الكلمة ، فلو كتبت الهمزة في هيئة على الألف (هيأة) لصارت التاء المربوطة منفردة وغير متصلة بالكلمة.
الثالث : نضيف وجهاً آخر أكثر أهمية ، وهو أن لفظ (هيئة ) جاء في القرآن مرتين ، وكلاهما على الكرسي ، وهل الأخذ به من مصاديق وعمومات قوله تعالى [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ]( )، الجواب نعم.
وصحيح أن رسم القرآن توقيفي ولكن لسنا في باب حذف حرف مثل السموات إذ كتبت في القرآن بلا ألف , قال تعالى [وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ] ( )، ولا زيادة حرف كما في (مائة).
وقد تم رسم حروف القرآن باملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكتابة كتاب الوحي .
نعم تم تنقيط القرآن فيما بعد وتشكيلات الحركات لوضوح الحروف ومنع الخلط بينها عند النطق .
وأول من نقط المصحف هو أبو الأسود الدؤلي بأمر من الإمام علي عليه السلام ، فكانوا يكتبون (مائة) بالألف كي لا تختلط مع (منه) ولكنها تقرأ مئة كما في قوله تعالى [وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ] ( ).
و(عن سعيد بن جبير قال : لما ألقي يونس عليه السلام في بطن الحوت ، طاف في البحور كلها سبعة أيام ، ثم انتهى به إلى شط دجلة ، فقذفه على شط دجلة ، فأنبت الله [عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ] ( ). قال من نبات البرية ، [وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ] ( ), قال : يزيدون بسبعين ألفاً ، وقد كان أظلهم العذاب ، ففرقوا بين كل ذات رحم ورحمها من الناس والبهائم ، ثم عجوا إلى الله ، فصرف عنهم العذاب ، ومطرت السماء دماً) ( ).
[أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ] ( ) .
وبعد أن تم تنقيط حروف القرآن استمرت كتابة مائة بالألف إلى يومنا هذا في القرآن وغيره في عموم الكتابة مع أنها تقرأ (مئة) وهو من بدائع العربية رسماً وخطاً وقراءة ودلالة ، وفيه حجة بالأخذ بكتابة (هيئة) بصيغتها القرآنية .
وعند الإختلاف في كتابة حرف الهيئة فيرجع إلى القرآن ثم إلى المتقدمين من اللغويين والنحويين ، وقد اختاروا كتابة (هيئة) على النبرة وهو موافق لرسم القرآن في المصاحف .
وهل كتابة الحرف بقصد محاكاة رسم القرآن والصدور عنه باب للأجر والثواب ، الجواب نعم وقال تعالى في الثناء على القرآن ووصفه [وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ]( ).

مشاركة

Facebook
Twitter
Pinterest
LinkedIn

مواضيع ﺫات صلة