معالم الإيمان في تفسير القرآن – الجزء- 183

المقدمـــــــــــة
الحمد لله الذي أنزل الكتاب ليكون بركة مستديمة في الأرض، وأماناً لأهلها وصراطاً مستقيماً ، ورحمة مزجاة إلى الناس جميعاً ، قال تعالى [وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ]( ).
الحمد لله الذي جعل القرآن عصمة ومعصوماً ، وكل آية منه معجزة وضياء وكذا فان الجمع بين كل آيتين أو ثلاثة منه معجزة أخرى ، ورشحات هذا الجمع علم جديد متشعب تتفرع عنه ذخائر من العلم وكنوز تدعو العلماء والمؤسسات الأكاديمية وأرباب الرسائل الجامعية إلى إيلاء عناية وسياحة وتدبر فيها.
لقد أحب الله عز وجل الناس وتفضل عليهم بالتنزيل ، فنزول التوراة والإنجيل والقرآن شاهد على حب ورأفة الله عز وجل بالناس ، وواسطة لنجاتهم في النشأتين الأمر الذي يستلزم الشكر لله عز وجل والتفاني في الإخلاص في طاعته ومحبته ، وفي خطاب من الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى [يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ]( ).
الحمد لله الذي أنعم علينا بالهدى وهو نعمة عظمى يتفضل بها الله على العبد فينتفع من هذه النعمة كل من :
الأول : ذات العبد المهتدي .
الثاني: آباء وأمهات المهتدي الأحياء منهم والأموات ، فان قلت وان كان الأب كافراً ، الجواب نعم ، ولكن انتفاعه أقل كثيراً كماً وكيفاً من انتفاع الأب والأم المؤمنة.
الثالث : عيال وذرية المهتدي .
الرابع : دائرة المهتدي وجيرانه وأصحابه .
واذا اعطى الله فانه يعطي بالأتم والأوفى ، ومنه أن الهداية توليدية والزيادة فيها تترى ، قال تعالى[وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ]( ).
الحمد لله الذي بلطفه يقرب الناس من الصالحات ويدنيها منهم ، ويزيح الموانع التي تحول بينهم وبينها لبيان قانون وهو أن لطف الله من اللامتناهي وأنه لا يختص بموضوع دون آخر ، وأن ألطافه تشمل النوع والجنس والفصل لتكون الزيادة في الهدى هدية وهداية وهبة وطريقاً إلى الإرتقاء في سلم التقوى.
الحمد لله الذي بنعمته ومدده وعونه تتم الصالحات وتنجز الأعمال وتتحقق الأماني وكلما تنجز منها فرد في المقام فهو من مصاديق قوله تعالى [سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ] ( ).
فتكون أماني الإنسان أكثر من سعيه , وسعيه أكثر من الغايات التي يبلغها , والغايات التي يصلها ويحققها أصغر كثيراً من الأماني والرغائب التي تخطر على ذهنه ، ولكن الله عز وجل ذو فضل عظيم وهو الذي لا ينسى تلك الخواطر ، قال تعالى [يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى] ( ).
وتفضل الله سبحانه وفتح باب الدعاء لتحقيقها وغيرها مما لا يقدر عليه إلا هو سبحانه , قال تعالى [ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ]( )، سواء في البلغة أو الغاية ، وفي السبب والطريق الموصل أو النتيجة والثمرة الحسنة.
ترى ما هي النسبة بين الدعاء والحمد لله ، الجواب فيه وجوه :
الأول : نسبة العموم والخصوص من وجه , فهناك مادة للإلتقاء ومادة للإفتراق بينهما .
الثاني : نسبة العموم والخصوص المطلق ، وفيه شعبتان :
الأولى : الدعاء أعم من الحمد لله .
الثانية : الحمد لله أعم من الدعاء .
الثالث : نسبة التساوي وأن الدعاء هو الحمد لله .
الرابع : نسبة التباين بين الدعاء والحمد لله ، بلحاظ أن الدعاء نوع مفاعلة ، وفيه وجوه :
الأول : الداعي .
الثاني : موضوع الدعاء والمسألة .
الثالث : التوجه الى الله عز وجل بالدعاء ، أما الحمد لله فهو قول صادر من العبد .
والمختار هو الشعبة الأولى من الوجه الثاني أعلاه فكل حمد لله هو دعاء وليس كل دعاء هو حمد إلا على نحو المجاز والرجاء .
وعن جابر بن عبد الله قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول إن أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله( ) .
وكل من الدعاء والحمد لله أمر به الله عز وجل , ووعد عليه بالخير والفلاح.
الحمد لله الذي أنعم علينا بتوالي صدور أجزاء التفسير لتأسيس جامعة في علوم القرآن بما ينفع المسلمين ويبين للناس جميعاً أن القرآن يدعو الى السلام كما يأتي في قانون مستقل في هذا الجزء( ).
إذ يدعو القرآن المسلمين إلى مدّ يد الأخوة الإنسانية إلى الناس ، ليكون الملاك في الصلات حب الله والإيمان بربوبيته المطلقة ، ونبذ الغزو والإرهاب .
الحمد لله الذي أنعم علينا بهذا الجزء المبارك , وهو الثالث والثمانون بعد المائة من كتابنا الموسوم (معالم الإيمان في تفسير القرآن).
ويتضمن نزهة فكرية بصيغة الحجة والبرهان بأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم يغز قرية أو بلدة أو بدواً في تلك البراري الواسعة ، إنما كان يمر عليهم هو وأصحابه أثناء كتائب الإستطلاع والرصد التي يخرجون فيها من المدينة ، فلا يتعرضون لتلك الجماعات مع علمه وأصحابه بأنهم كفار .
لقد خرج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع أصحابه من المدينة في كتائب ست مرات قبل معركة بدر ، وتسمى غزوات مع أنهم يخرجون ويعودون في كل مرة من غير أن يلقوا قتالاً، ويمرون بالأفراد والجماعة القليلة من المشركين ، ولم يطلبوا منهم دخول الإسلام أو يخيرونهم بينه وبين القتل أو مصادرة أموالهم ، قال تعالى[لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ]( ).
وقام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بابرام بعض المواثيق مع نصارى نجران ويهود المدينة ومع الكفار حول المدينة للأمن المتبادل .
وتضمن هذا الجزء تقدير وقراءة في[وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ] , وفق قواعد قانون ( لم يغز النبي (ص) أحدا ) .
وهذه القراءة غير تفسيرها , والذي ورد في الجزء السابع والثمانون.
وجاء هذا الجزء لبيان صفحة سلام مشرقة في معركة أحد ، وكيف أن النبي وأصحابه صاروا مضطرين لدخول المعركة مع أنهم لم يتهيئوا أو يستعدوا لها , بدليل قوله تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] ( ) .
الحمد لله الذي جعل المعارك التي خاضها النبي صلى الله وآله وسلم وأصحابه قليلة بلحاظ شدة أذى الكفار وعزمهم على استئصال المسلمين وعقيدة التوحيد في الجزيرة لتكون هذه المعارك على وجوه :
الأول : إنها حجة على الذين كفروا وتوثق ما لاقاه النبي وأهل بيته وأصحابه مع أنهم على الحق .
الثاني : انها وثيقة تأريخية تبين جهاد الأنبياء ، وأن الآيات والأخبار التي وردت في قتالهم إنما كان بصبغة الدفاع ، قال تعالى [وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ]( ).
ومن خصائص الإنسان وخلافته في الأرض إدراك قانون وهو شكر المنعم واجب ، وكان الأنبياء أئمة الناس بالحمد لله والإنقطاع إلى شكره تعالى , ونزلت الكتب السماوية وهي تتضمن الأمر من الله بالحمد والثناء عليه ، والإمتناع عن الجحود.
وقول الحمد لله عبادة وطاعة لله ، وباعث للسكينة في النفس وسبيل للوئام ، وهو وسيلة لنشر المودة بين الناس ، وفيه حرب على الكآبة والكدورة والجزع ، ووقاية من الغفلة والجهالة .
ويمكن تسمية الحياة الدنيا (دار الحمد لله ) إذ يعمرها الناس بالصلاة والدعاء ، والتدبر في المخلوقات كبدائع من صنع الله الذي اتقن كل شئ .
(وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : إذا سأل أحدكم ربه مسألة فتعرف الاستجابة فليقل : الحمد لله الذي بعزته تتم الصالحات ، ومن أبطأ عليه من ذلك شيء فليقل الحمد لله على كل حال( )
ومن أسماء أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم عند الأنبياء السابقين (الحمّادون) لأنهم يحمدون الله في السراء والضراء .
(وأخرج أبو نعيم عن كعب قال : إن أبي كان من أعلم الناس بما أنزل الله على موسى ، وكان لم يدخر عني شيئاً مما كان يعلم ، فلما حضره الموت دعاني.
فقال لي : يا بني ، إنك قد علمت أني لم أدخر عنك شيئاً مما كنت أعلمه ، إلا أني قد حبست عنك ورقتين فيهما : نبي يبعث قد أظل زمانه فكرهت أن أخبرك بذلك ، فلا آمن عليك أن يخرج بعض هؤلاء الكذابين فتطيعه ، وقد جعلتهما في هذه الكوة التي ترى وطينت عليهما ، فلا تعرضن لهما ولا تنظرن فيهما حينك هذا ، فإن الله إن يرد بك خيراً ويخرج ذلك النبي تتبعه ، ثم أنه مات فدفناه فلم يكن شيء أحب إليّ من أن أنظر في الورقتين ، ففتحت الكوة ثم استخرجت الورقتين.
فإذا فيهما : محمد رسول الله خاتم النبيين لا نبي بعده ، مولده بمكة ومهاجره بطيبة ، لا فظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ، ويجزي بالسيئة الحسنة ويعفو ويصفح ، وأمته الحمادون الذين يحمدون الله على كل حال ، تذلل ألسنتهم بالتكبير وينصر نبيهم على كل من ناوأه ، يغسلون فروجهم ويأتزرون على أوساطهم ، أناجيلهم في صدروهم وتراحمهم بينهم تراحم بني الأم ، وهم أول من يدخل الجنة يوم القيامة من الأمم) ( ).
وتسمية المسلمين (الحامدون) ( )، شاهد على مواظبتهم اليومية على الحمد في الصلاة وخارجها وهي من الشواهد على توارث الأنبياء لحقيقة أن المسلمين [خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ) ومن مصاديق تسمية المسلمين الحامدين نطق كل مسلم ومسلمة بلفظ [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ]( ) سبع عشرة مرة كل يوم ، وعلى نحو الوجوب العيني.
لقد كان صلح الحديبية في السنة السادسة للهجرة وهو معجزة وشاهد على أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يتخذ الحوار سبيلاً للإتفاق والتراضي وسلاحاً للدعوة ، ويجعل الصلح بلغة وغاية ، بلغة للسلم المجتمعي وغاية في ذاته .
وفي ذات السنة إتخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم الخاتم إذ قيل له (إن الملوك لا تقرأ كتاباً إلا مختوماً فاتخذ الخاتم) ( ).فأرسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم كتاباً مختوماً إلى كل من :
الأول : قيصر ملك الروم بيد دحية الكلبي .
الثاني : كسرى بن هرمز ملك فارس ، بعث له عبد الله بن حذافة , وعم محمد بن إسحاق :
كتب فيه (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام الله على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأدعوك بداعية الله عز وجل، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين، فأسلم تسلم، فإن أبيت؟ فإن إثم المجوس عليك ” .
فلما قرأ كسرى كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شققه، وقال: يكتب إلي بهذا الكتاب وهو عبدي، فقال : فبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : مزق ملكه حين بلغه أنه شقق كتابه)( ).
الثالث : المقوقس ، بعث له النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حاطب بن أبي بلتعة ، فبعث المقوقس هدية إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (أربع جوار، منهن مارية أم إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومعهن حماراً يقال له: عفير، وبغلة يقال لها: الدلدل، ولم يسلم.
فقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هديته، وقال: ضن الخبيث بملكه ولا بقاء لملكه ، واصطفى مارية لنفسه.
وأما الحمار فنفق في منصرفه من حجة الوداع، وأما البغلة فبقيت إلى زمن معاوية) ( ).
الرابع : كتب النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى النجاشي ، وبعث له عمرو بن أمية الضمري( ).
الخامس : بعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كتاباً إلى الحارث بن أبي شمر الغساني ، وهو ملك غسان يدعوه الى الإيمان والتوبة والهدى (وقيل : إن الحارث بن أبي شمر الغساني كان إذا أعجبته امرأة من قيس عيلان بعث إليها واغتصبها ، فأخذ بنت يزيد بن الصعق الكلابي ، وكان أبوها غائبًا ، فلما قدم أخبر . فوفد إليه فوقف بين يديه وقال : يَا أَيُّهَا المَلِكُ المُقِيتُ ! أمَا تَرى … لَيْلاً وصُبْحًا كَيْف يَخْتَلِفَانِ
هَلْ تَسْتَطِيعُ الشَّمْسَ أن تَأتِي بها … لَيْلاً، وهل لَكَ بِالْمَلِيك يَدَانِ.
يَا حَارِ، أيْقِنْ أنَّ مُلْكَكَ زَائِلٌ( ).
السادس : وارسل النبي صلى الله عليه وآله سلم سليط بن عمرو العامري إلى هوذة بن علي الحنفي .
السابع : أرسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى آخي عبد قيس.
لقد كانت قريش تشاغل وتوذي المسلمين قبل صلح الحديبية من وجوه:
الأول : قيام قريش بالغارات المتكررة على المدينة .
الثاني: قتال المشركين للمسلمين خاصة عندما يكون النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في كتيبة المسلمين طمعاً في قتله ، قال تعالى [وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ] ( ).
الثالث : مصادرة أموال وعقارات المسلمين في مكة .
الرابع : منع شباب مكة من الهجرة إلى المدينة .
الخامس : إفتراء الذين كفروا على النبي وتكذيبهم لنزول القرآن ، وهل هذا التكذيب متصل ، الجواب لا ، إنما كانوا يقرون أحياناً بنزوله وتبرههم آياته ، وفي التنزيل [وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ] ( ).
السادس : توالي مجئ رسائل التهديد من مكة إلى النبي والمهاجرين والأنصار ، فبدل أن تبعث قريش صيغ المودة واللطف يقومون بالتهديد والتخويف.
ويجب أن يقف المؤرخون عند هذه المسألة بدل التركيز على نية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه التعرض لقافلة أبي سفيان الأمر الذي لم يثبت.
فقد تعددت وجوه التعدي من قبل كفار قريش ويقابلها المسلمون بالصبر وأداء الفرائض ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ] ( ) ومع هذا يقال بأن سبب معركة بدر هو تعرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم لقافلة أبي سفيان ، وقد يجعلونه السبب الوحيد لمعركة بدر .
الحمد لله الذي جعل الوقائع التاريخية لأيام البعثة النبوية جلية وقريبة من العلماء والمحققين والعامة في كل زمان، وهذا القرب ببركة القرآن وأسباب نزول عدد من آياته خاصة بالأحداث ووثائق سماوية في موضوعها وحكمها.
وكل آية تمنع من التحريف في ذات ألفاظ الآية وفي الوقائع والأحداث مثلاً أخبر الله عز وجل عن نصر المسلمين في معركة بدر ونسب النصر إلى نفسه سبحانه بقوله [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ] ( ) لبيان تعدد مصاديق هذا النصر وتوثيقه وبقاءه سالماً من غير تبديل أو تحريف.
ولم تقل آيات القرآن بالنصر التام للمسلمين في معركة أحد والتي موضوع هذا الجزء في الحملة ولكنها ايضاً لم تقل بهزيمة المسلمين إنما أخبرت عن نصر المسلمين في بداية المعركة ، وعن لحوق الخسارة بالمسلمين .
وتضمنت البشارة بالمنزلة الرفيعة للشهداء وحياتهم عند الله من حين مغادرتهم الدنيا مضرجين بدمائهم.
وتحقق وعد من الله لهم بهذا النصر ، ولكن أصاب المسلمين الفشل والخسارة بعد ترك الرماة مواقعهم خلافاً لأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لهم بالثبات فيها على كل حال ، قال تعالى [وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ…..] ( ).
وقد تقدم البيان في تفسير الآية أعلاه( ) وستأتي قراءة أخرى للآية بلحاظ قانون (لم يغز النبي (ص) أحداً) كما بينت الآيات قانوناً وهو أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم يغز المشركين ، ولم يسر الجيش ليلاً أو نهاراً للهجوم على مكة مع توالي وصول التهديدات من قريش ، وكثرة إيذائهم للمسلمين .
لقد استمرت الأخبار تترى إلى المدينة ولمدة سنة بعد معركة بدر بأن المشركين يعدون العدة للإغارة عليها والبطش بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
ولم يجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدينة ثكنة أو يعسكر البلد أو يوجه الإمكانات المالية لشراء الأسلحة والرواحل ، أو يفرض جباية على المسلمين خاصة أو على أهل المدينة عامة خصوصاً أهل الصنائع ، ومنهم اليهود الذين كانوا يعملون بالصياغة والصناعة والتجارة ، وكانوا يتكلمون العربية ، ويقرأون في صلاتهم بالعبرية .
وحتى بدل الأسرى كان يأخذه الصحابة الذين قاموا بأسرهم ، وقد عفى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن عدد منهم ، وترك للصحابة العفو والتسامح في مقدار العوض ومنهم من وعده الأسير وأهله بقضاء البدل ، فأطلقوا سراحه ، ولكنه لم يف بالقضاء بعد وصوله إلى مكة ، وهل قاضاهم الصحابة على هذا العوض والبدل بعد فتح مكة .
الجواب لا ، إنما كان العوض العام دخول أهل مكة الإسلام ، وهل عدم دفع العوض حتى يوم الفتح من مصاديق قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (إن الاسلام يجّب ما قبله) ( ) الجواب لا.
لتعلق العوض بالحق الشخصي والديون ، إنما هو من العفو الخاص لأمر وحسن عام وهو إسلام أهل مكة ، إن جعل القرآن تأريخ أيام النبوة معصوماً من التحريف المتعدد والمقصود من إعجاز القرآن الغيري ، وهو مناسبة للنهل من ذخائر كنوزه العلمية.
ومن إعجاز القرآن أنه جاء بالحرب على الكراهية والأحقاد والثأر ، فقد تكون هذه الأسباب مجتمعة ومتفرقة سبباً للقتال والقتل.
لقد نزل القرآن وجرت السنة النبوية لإزاحة الظلم والإستبداد والمنع من الفوضى الخلاقة ومنها وأد البنات من غير حسيب أو رقيب ، قال تعالى [وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ] ( ).
فاذا دفن العربي ابنته في التراب وهي حية فليس من أحد يحاسبه أو يؤاخذه ، وعلة هذا الدفن ليس الكراهية للبنت أو المرأة ، فكل الآباء يدركون أن للبنت منافع وفوائد في البر بالوالدين .
قد لا تتحصل عند الأبناء الذكور ، ولكن هذا الدفن بسبب خشية العار نتيجة الغزو والسبي ، وكانوا يخشون العار بسبب سبي البنت من قبل قبيلة غازية .
وكانوا يخشون الفقر والعجز عن إطعامهن ، والقهر في أخذهن ، وصيرورتهن لغير الأكفاء .
وفي قوله تعالى ( قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً بغير علم }( ) قال عكرمة : نزلت فيمن كان يئد البنات من مضر وربيعة ، كان الرجل يشترط على امرأته إنك تئدين جارية وتستحبين أخرى ، فإذا كانت الجارية التي توأد غدا( ) من عند أهله أو راح وقال : أنت علي كأمي إن رجعت إليك ولم تئديها ، فترسل إلى نسوتها فيحفرن لها حفرة فيتداولنها بينهن ، فإذا بصرن به مقبلاً دسسنها في حفرتها وسوّين عليها التراب .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله { قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً بغير علم }( ) قال : هذا صنع أهل الجاهلية ، كان أحدهم يقتل ابنته مخافة السباء والفاقة ويغذو كلبه) ( ).
وقيل كثر الوأد قبل الإسلام في بني تميم ، ومنهم (جاء قيس بن عاصم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله، إني وأدت بنات لي في الجاهلية، فقال: “أعتق عن كل واحدة منهن رقبة”. قال: يا رسول الله، إني صاحب إبل؟ قال: “فانحر عن كل واحدة منهن بدنة”.)( ).
وجاء الإسلام ليحد ويمنع من عما زاد عن أربع زوجات ويرغب بالزوجة الواحدة , قال تعالى [فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً]( ).
ووفد قيس بن عاصم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع وفد بني تميم في السنة التاسعة للهجرة فلما رآه النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : هذا سيد أهل الوبر ، وكان معروفاً بالحلم والوقار .
وأسلم الأحنف أيام النبي محمد صلى الله عيه وآله وسلم ولم تره ، والأحنف سيد بني تميم ، ووفد على عمر بن الخطاب أيام خلافته فأبقاه عنده سنة ثم أذن له بالعودة ، وشهد الأحنف فتح تكريت والموصل كما شهد صفين مع الإمام علي عليه السلام .
وعندما آلى الحكم إلى معاوية قام بمعاتبة الأحنف , ومع هذا قال عنه : هذا الذي اذا غضب غضب له مائة الف لا يدرون فيم غضب ) أي لأنهم يعلمون بحلمه ، ولا يغضب إلا عند تجلي الحق والضرورة خلّفه ابن عامر على خراسان عندما خرج معتمراً ، وأجنب الأحنف في ليلة باردة فلم يوقظ غلمانه ، ولم يكتف بالتيمم ، إنما كسر ثلجاً واغتسل .
(وفد أبو موسى وفدا من أهل البصرة إلى عمر بن الخطاب فيهم الأحنف بن قيس فلما قدموا على عمر تكلم كل رجل منهم في خاصة نفسه وكان الأحنف في آخر القوم فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال أما بعد يا أمير المؤمنين .
فإن أهل مصر نزلوا منازل فرعون وأصحابه وإن أهل الشام نزلوا منازل قيصر وإن أهل الكوفة نزلوا منازل كسرى ومصانعه في الأنهار العذبة والجنان المخصبة وفي مثل عين البعير وكالحوار في السلى تأتيهم ثمارهم قبل أن تبلغ وإن أهل البصرة نزلوا في أرض سبخة زعقة نشاشة لا يجف ترابها ولا ينبت مرعاها طرفها في بحر أجاج والطرف الآخر في الفلاة , لا يأتينا شئ إلا في مثل مرئ النعامة .
فارفع خسيستنا وانعش وكيستنا وزد في عيالنا وفي رجالنا رجالا وضع درهمنا وأكثر فقيرنا ومر لنا بنهر نستعذب منه الماء فقال عمر عجزتم أن تكونوا مثل هذا هذا والله السيد فما زلت أسمعها بعد) ( )
وقيل للأحنف بن قيس ممن تعلمت الحلم .
فقال (من قيس بن عاصم المنقري، رأيته يوماً قاعداً بفناء داره محتبياً( ) بحمائل سيفه يحدث قومه إذ أتي برجل مكتوف وآخر مقتول .
فقيل له: هذا ابن أخيك قتل ابنك , قال الأحنف : فوالله ما حل قيس بن عاصم حبوته ولا قطع كلامه فلما أتمه التفت إلى ابن أخيه .
فقال: يا بن أخي بئس ما فعلت أثمت بربك وقطعت رحمك وقتلت ابن عمك ورميت نفسك بسمهك ثم قال لابن له آخر: قم يا بني فوار أخاك وحل كتاف ابن عمك. وسق إلى أمك مائة ناقة دية ابنها فإنها غريبة.) ( )( ).
(وكان قيس بن عاصم قد حرم على نفسه الخمر في الجاهلية وكان سبب ذلك أنه غمز عكنة ابنته وهو سكران وسب أبويها ورآى القمر فتكلم بشيء وأعطى الخمار كثيرا من ماله فلما أفاق أخبر بذلك فحرمها على نفسه وقال فيها أشعارا منها قوله …
رأيت الخمر جامحة وفيها خصال تفسد الرجل الحليما …
فلا والله أشربها صحيحا ولا أشفي بها أبدا سقيما …
ولا أعطي بها ثمنا حياتي … ولا أدعو لها أبدا نديما …
فإن الخمر تفضح شاربيها وتجشمهم بها الأمر العظيما) ( ).
وروى عنه أنه قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم (إني وأدت اثنتي عشرة بنتاً، أو ثلاث عشرة بنتاً! فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ” أعتق عن كل واحدة منهن نسمة) ( ).
ولا يدل هذا الفعل والوأد المتعدد حتى في أيام الجاهلية على الحلم واستدامته .
لقد جعل الله عز وجل الناس بالقرآن والسنة يتعاهدون حياة ابنائهم ذكوراً وأناثاً في مأمن من الغزو أو التعرض إلى السبي أو الإكراه والقهر في النكاح .
وكم من أسرة وعشيرة تكاثروا بسبب تحريم الإسلام للوأد ، وصيرورة هذا التحريم سببا لكثرة النكاح والمصاهرة وحسن معاملة الزوجة في الإسلام ، والمصاهرة بين القبائل وزيادة المودة والرحمة بين الناس بكثرة الأخوة والأولاد والخؤولة .
فمن خصائص التنزيل إكرام الإنسان ذكراً أو أنثى ، وبعث النفرة في النفوس من القتل والقاتل ، وفي أحكام القصاص يقتص من الولد اذا قتل والده ، ولا يقتص من والد اذا قتل ولده ، ولا يرث أي منهما الآخر بالقتل لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (لا يرث القاتل شيئا) ( ).
وورد عدم إرث القاتل في الشرائع السماوية السابقة (عن عبيدة قال : أوّل ما قضي أنه لا يرث القاتل في صاحب بني إسرائيل .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن سيرين قال : أوّل ما منع القاتل الميراث لكان صاحب البقرة .
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : إن شيخاً من بني إسرائيل على عهد موسى كان مكثراً من المال ، وكان بنو أخيه فقراء لا مال لهم ، وكان الشيخ لا ولد له ، وكان بنو أخيه ورثته فقالوا : ليت عمنا قد مات فورثنا ماله ، وأنه لما تطاول عليهم أن لا يموت أتاهم الشيطان .
فقال : هل لكم إلى أن تقتلوا عمكم وتغرموا أهل المدينة التي لستم بها ديته ، وذلك أنهما كانتا مدينتين كانوا في إحداهما ، وكان القتيل إذ قتل فطرح بين المدينتين قيس ما بين القتيل والقريتين فأيتهما كانت أقرب إليه غرمت الدية ، وأنهم لما سوّل لهم الشيطان ذلك عمدوا إليه فقتلوه ، ثم طرحوه على باب المدينة التي ليسوا بها .
فلما أصبح أهل المدينة جاء بنو أخي الشيخ فقالوا : عمنا قتل على باب مدينتكم ، فوالله لتغرمنَّ لنا ديته، قال:أهل المدينة نقسم بالله ما قتلنا ، ولا علمنا قاتلاً ، ولا فتحنا باب مدينتنا منذ أغلق حتى أصبحنا، فعمدوا إلى موسى، فجاءه جبريل فقال:قل لهم { إن الله يأمركم أن تذبجوا بقرة}( ) فتضربوه ببعضها)( ).
الحمد لله الذي جعل الحمد له سبحانه سبيلاً لصرف أنواع من البلاء ، واسباب الهم ، الحمد لله الذي جعل الحمد طريقاً للرجاء وبلغة لتحقيق الآمال الحميدة ، وفي المواظبة على الحمد هداية إلى الرشاد ، وسلامة من الزلل وإرتكاب المعاصي .
الحمد لله الذي جعل كل آية من القرآن خزينة من العلوم وشاهداً على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنه كان يدعو إلى الله [بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ]( ) .
وكل آية من القرآن حكمة سماوية ومصداق للموعظة الحسنة ، وتتفرع وتنبع منها عيون صافية في باب المواعظ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ومن إعجاز الآية القرآنية أن تلاوتها وحدها أمر بالمعروف ونهي عن المنكر ، وحصن وآله للصلاح ، وهو من أسرار قراءة كل مسلم ومسلمة آيات من القرآن في الصلاة على نحو الوجوب العيني .
ليتدبر القارئ والسامع للآية القرآنية في معانيها ، ويقتبس المواعظ منها ، ويجعل مضامينها القدسية فيصلاً وحاكماً على قوله وفعله في اليوم والليلة ، مع دعوة آيات القرآن المسلمين والناس إلى الإستغفار الذي هو أعظم كفارة وسلاح للتدارك لما مضى والوقاية فيما يأتي .
و(عن رفاعة بن رافع قال كنا يوما نصلي وراء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلمرفع رأسه من الركعة قال سمع الله لمن حمده فقال رجل وراءه ربنا ولك الحمد حمد كثيرا طيبا مباركا فيه فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال من المتكلم آنفا قال رجل أنا يا رسول الله قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقد رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أول) ( ).
الحمد لله الذي أنهم على الناس بصيرورة علوم التفسير والتأويل لآيات القرآن توليدية غير منحصرة في جهة مخصوصة ، وجعل هذه العلوم تتماشى مع أيام الحياة الدنيا ، وتتلائم مع الإكتشافات والإرتقاء في باب الصناعات والهندسة والطب ، وفي التنزيل [وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ]( ) لبيان أن الشفاء بآية وفعل من الله ، وأن الدواء لكل داء حاضر وقريب لدلالة فاء التعقيب في الآية أعلاه .
الحمد لله الذي جعل آيات القرآن حاضرة , وشاهداً وحجة في كل زمان من غير أن تصل النوبة إلى التفسير بالرأي .
(عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ” من قال في القرآن برأيه، أو بما لا يعلم، فليتبوأ مقعده من النار) ( ).
وجاء هذا الجزء بخصوص دفاع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في معركة أحد وهو من جهات :
الأولى : الدفاع عن شخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإيفاء الأنصار بوعدهم بالذب عنه ومنعه مما يمنعون منه أنفسهم وأهليهم.
الثانية : الدفاع عن النبوة التي تتمثل بشخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو خاتم النبيين .
الثالثة : دفع جيوش المشركين عن المدينة المنورة ، فلا يقتربون منها , وكان اسمها يثرب فأبدل النبي صلى الله عليه وآله وسلم اسمها وسمّاها (طيبة) وأخبر أنها تنفي الخبث ليكون معاني هذا الاسم صدّ الذين كفروا ، ومنعهم من دخولها أو اختراق الدفاعات فيها.
الرابعة : تأمين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة لتوالي نزول آيات القرآن ، وكأن تفضل الله عز وجل بجعل نزولها تدريجياً وسيلة للدفاع المتصل والمتجدد عن الإسلام وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الخامسة : الذب عن الحرائر وعموم نساء المدينة ، ومن الآيات خروج بعض المهاجرات والأنصاريات إلى ميدان معركة أحد في دلالة على التسليم العام بوجوب الدفاع ضد الغزاة المشركين .
لقد قضى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث عشرة سنة في مكة من غير أن يهّم بقتال أو يوعز به أو يأمر باغتيال أي من رؤساء الكفر من قريش مع شدة إيذائهم وظلمهم له وللمسلمين الأوائل ولأهل البيت .
ثم هاجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة وصار أصحابه في إزدياد مطرد ، ومن جهات :
الأولى : الأنصار الذين استقبلوه في المدينة بسنخية الإيمان والإستعداد للتضحية , قال تعالى [وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنت وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا] ( ).
الثانية : دخول أهل المدينة تباعاً في الإسلام ، فقد كانوا يدخلونه والنبي صلى الله عليه وآله وسلم بعيد عنهم وهو في مكة فكيف , وقد صار بين ظهرانيهم , هو والمعجزات التي تجري على يديه .
الثالثة : شهادة طائفة من يهود المدينة بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
قال تعالى [وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ]( ).
حرر في 22 جمادى الآخرة 1440هـ
28/2/2019

عشية معركة أحد
لقد أعتادت الجزيرة العربية على الغارات والقتال بين القبائل قبل الإسلام ، فلا تنتهي حرب بين قبيلتين أو أكثر حتى تندلع غيرها خاصة القضايا الشخصية تسبب النزاع المسلح بين قبيلتين أو أكثر ونادراً ما تحاصر وتوأد تلك القضايا .
لقد أخبر الله عز وجل ومن أول ما خلق آدم عن مشيئته في منع الفساد وسفك الدماء في الأرض باحتجاجه على الملائكة [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( )، بعد أن قال الملائكة [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ]( ).
فقد أحتجت الملائكة على قتال العرب حول البيت الحرام فأخبرهم الله بأنه باعث النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم [رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( )، وإذا قريش تقوم بقتاله ، والحرب الشديدة عليه ، وتقتل عدداً من أصحابه ، كما في معركة بدر وأحد ، والخندق فتفضل الله عز وجل بالفتح والنصر ليؤم السلم والسلام انحاء الجزيرة ، ويكون هذا السلم من مصاديق تسمية الله لمكة بأنها أم القرى ، قال تعالى[وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى]( ).
وكان يشترك في القتال القبلي ذي صبغة العصبية الأفراد والجماعات القليلة إلا ما ندر ، وعلة موضوع هذا القتال مسائل شخصية مثل الثأر ، وقد يكون سببه بسيطاً.
فمن أشد معارك العرب معركة البسوس وقعت بين قبيلة تغلب بن وائل ضد بني شيبان من قبيلة بكر بن وائل أي أنهم أبناء عم ، وكان سببها قتل الملك كليب بن ربيعة التغلبي لناقة تعود إلى البسوس بنت منقذ التميمية ، فقام ابن أختها وهو الجساس بن مرة الشيباني بقتل كليب ، وقيل البسوس اسم الناقة واستمرت هذه الحرب أربعين سنة من سنة 494 ميلادية وقيل بضعة وعشرين سنة .
ومن سذاجة أسباب تلك المعارك عدم التمييز بين اسم المرأة والناقة ، مع أن الأصل في حرب دامت أربعين سنة التثبيت والتوثيق.
ويلزم المقارنة بين مثل هذه الحروب في ذات جزيرة العرب وبين معارك الإسلام التوجه بالشكر لله عز وجل على نعمة سيادة الإسلام بأقل المعارك في عددها وخسائرها والتباين الزماني فيها .
وكانت معارك العرب تنتهي بالصلح بين الطرفين بعد أن ينهكها القتال ، ويؤدي إلى تعطيل الأعمال وكثرة السهر والرباط والوعيد.
ولا تلبث أن تتجدد بعد حين في ذات الجيل بين ذات القبائل أو قبائل أخرى ، أما في الإسلام فقد انقطع بغزو المشركين للمدينة حبل تلك المعارك ، فساد الإسلام والسلام والأمن وطاعة الرحمن ، أي أن المشركين أرادوا منع تغشي السلام للجزيرة العربية فأخزاهم الله [وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ] ( ).
لقد ظن المشركون أن قتالهم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ينقطع بالقضاء على الإسلام وأطمعهم بقاؤه محصوراً في المدينة ، فقاموا بغزوها على نحو متكرر ، كما في معركة أحد والخندق , قال تعالى [فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا]( ).
إلى جانب غزوات متعددة على أطرافها وعلى سروحها وأنعام أهلها ، وعندما عجزوا عن قهر الإسلام وعن قتل أو اغتيال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رضوا مكرهين بصلح الحديبية وكانت مدته عشر سنين .
ولكنهم نقضوا هذا الصلح في سنتين فتم فتح مكة ، وهل كانوا عازمين على هذا النقض من حين العقد في السنة السادسة أم أنه جاء ابتداء من غير إضمار له.
المختار هو الأول فمن خصائص الكفار الذين قاموا بالغزو عدة مرات وفتنوا المؤمنين وقاتلوهم الغدر والخيانة ، قال تعالى [وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ] ( ).
لقد وصل جيش المشركين إلى مشارف المدينة المنورة ، ولم يبق بينه وبين المسجد النبوي سوى ثمانية كيلو مترات ، والنبي وأصحابه في المدينة لم يتخذوا قراراً بالخروج للقاء المشركين إذ دار الأمر بين البقاء في المدينة إلى حين دخولهم إليها ، أو الخروج للقائهم خارجها ، وذهب عبد الله بن أبي بن أبي سلول إلى القول الأول ، ومال إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبتأويل رؤياه ، ولم يعزف عنه بسبب أن قائله رأس النفاق أو للشك في مقاصده .
ولكن نفراً من المسلمين أصروا على الخروج للقاء المشركين فدخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيته ولبس لأمة الحرب وخرج كما سيأتي بيانه تفصيلاً.
وهل يدل هذا اللبس على إرادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم القتال أو أنه يرغب فيه .
الجواب لا ، فليس كل من لبس لأمة الحرب يريد القتال، واللأمة أداة الحرب ، وتتألف من :
الأول : السيف .
الثاني : الدرع .
الثالث : الرمح .
الرابع : البيضة أي الخوذة .
الخامس : المغفر ، وهو نوع واقية ونوع درع يوضع تحت القلنسوة ، والجمع مغافر ، وقد لبس النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأمة الحرب من جهات :
الأولى : قرب جيش المشركين ، وإطلالتهم على المدينة ، فلا يفصلهم عن المسجد النبوي سوى ثمانية كيلو مترات .
الثانية : الحاح طائفة من الصحابة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالخروج .
الثالثة : إصرار الذين كفروا على القتال .
الرابعة : الدفاع عن الملة والتنزيل رجاء المدد من عند الله ، قال تعالى [وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ]( ).
لقد كان يوماً عصيباً على المسلمين والمسلمات في المدينة إذ أشرفت جيوش لا قبل لهم بها لتقاتلهم وتستبيح المدينة ، جيوش تطلب الثأر ظاهراً، والأمر الأساسي في زحفهم وغزوهم هو إرادة طمس معالم الإيمان ، وقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي يحبه المهاجرون والأنصار أكثر من حبهم لأنفسهم ، هو يوم تتجلى فيه مصاديق هذا الحب وحسن التوكل على الله عز وجل ، فجاء القرآن بالثناء عليهم قال تعالى [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْمُفْلِحُونَ]( )، وجاءت آيات الثناء على الصحابة على أقسام :
الأول : المدح والثناء على المهاجرين ، على نحو الخصوص ، قال تعالى [لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ]( )، كما مدح الله المهاجرات وأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين بامتحانهن ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنفَقُوا وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ]( ).
الثاني : المدح والثناء على الأنصار على نحو الخصوص ، قال تعالى [وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ]( )، لبيان إيثار الأنصار للمهاجرين على أنفسهم ، وتضحيتهم وسخائهم في سبيل الله ، ومنها قوله تعالى [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ]( )، وإن كان معناها أعم من أن يختص بالأنصار .
الثالث : الآيات القرآنية التي جمعت في الثناء بين المهاجرين والأنصار وهي الأكثر في مقام الثناء وقد يرد فيها اسم المهاجرين والأنصار على نحو الإشتراك والإجتماع , قال تعالى [لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ]( ).
كما جاءت آيات تجمع بين الصحابه والتابعين ، قال تعالى[وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ]( ).
واتفق قبل خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى معركة أحد أن مات أحد الأنصار ومن بني النجار وهو مالك بن عمرو فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لبيان إكرامه لأصحابه أحياءً وأمواتاً ، ولبعث السكينة في نفوس المؤمنين وتأكيد موضوعية الصلاة على الميت ، والعناية بها ، وجعل الميت يغادر الدنيا بالتوديع بالصلاة .
وهل كانت في المدينة أجواء حرب في اليوم الذي خرج فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى معركة أحد ، الجواب لا ، وهو من الإعجاز في نبوته بتغشي الأمان والسكينة لمدن المسلمين على كل حال ولم يرد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم غضب على بعض الصحابة يومئذ وحتى المنافقين حينما انسحبوا ، ولم نسمع توبيخاً من النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهم أو لرئيسهم عبد الله بن أبي على نحو الخصوص لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم متوكل على الله عز وجل ، قال تعالى [وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ]( ).
وتبين آيات القرآن حال المسلمين في المدينة عشية معركة أحد ومنها:
الأولى : وحدة المسلمين .
الثانية : تحلي المهاجرين والأنصار بصفة الإيمان بدليل قوله تعالى [تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ] ( )، وهذه الصفة شهادة من الله لهم ، وبشارة عصمتهم من الإنهزام أمام الجيش العرمرم للمشركين يوم أحد ، وإن إنسحب المنافقون بثلث جيش المسلمين وهل يسمى أفراد هذا الثلث من الصحابة أم أن هذه الصفة تزول عنهم إلا أن يتوبوا الجواب على القول بان الصحابي هو المسلم الذي رآى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصدق عليهم أنهم من الصحابة .
ولكن لا يجوز نعت شطر من الصحابة على نحو الإجمال بالنفاق إذ تبين حال المنافقين بانخزالهم من وسط الطريق إلا الذين تابوا منهم ، قال تعالى [وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ]( )، وعن زيد بن وهب في قوله {فقاتلوا أئمة الكفر} قال : كنا عند حذيفة رضي الله عنه فقال : ما بقي من أصحاب هذه الآية إلا ثلاثة ولا من المنافقين إلا أربعة . فقال اعرابي : إنكم أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم تخبروننا بأمور لا ندري ما هي ، فما بال هؤلاء الذين يبقرون بيوتنا ويسرقون اعلاقنا .
قال : أولئك الفساق ، أجل لم يبق منهم إلا أربعة ، أحدهم شيخ كبير لو شرب الماء البارد لما وجد برده( )، ورجاء توبة المنافقين مع توالي الآيات من أسرار عدم توبيخ وتقريع النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهم.
الثالثة : مبادرة الصحابة للحضور والنفير ومن الصباح الباكر ، وهو المستقرأ من قوله تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ]( ).
الرابعة : مدح الصحابة قبل دخولهم معركة أحد ، وهو فضل وإكرام من عند الله عز وجل .
والتوثيق السماوي الباقي الى يوم القيامة في استجابتهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في تعيين مواضعهم في القتال إنذار للذين كفروا ، وتحذير لهم من الهجوم على المدينة.
ومع أن القائد يحتاج جنوده قبل واثناء المعركة ، ويرجو من كل واحد منهم بذل الوسع في القتال ، ويضع لهم الجوائز والهدايا فإن الآية القرآنية جاءت خطاباً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ].
نعم مدحت الآية الصحابة ونعتتهم بالإيمان لأن الموقف ليس من باب التفصيل وذكر الهجرة أو النصرة ، إنما ذكرتهم بصفة الجامع المشترك وسور الموجبة الكلية ، وهو الإيمان .
فان قلت قد استبانت صفة الإيمان بقوله تعالى [تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ] فأين الدليل في صفة الصحبة والجهاد ، الجواب من جهات :
الأولى : دلالة الآية على الصحبة لأن قوله تعالى [تُبَوِّئُ] يتضمن نوع مفاعلة , وفيه أطراف :
الأول : المبوِء بصيغة اسم الفاعل ، وهو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : التبوء .
الثالث : المبوَئين ، وهم المؤمنون .
الثانية : انعدام الواسطة في تبوء المقاعد بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، فهو لم يأمر شخصاً للقيام بوظيفة تعيين مواقع الصحابة ، إنما قام به بنفسه ، وهو دليل على الصحبة .
الثالثة : ذكر الآية لمقاعد القتال ، وما فيه من معاني الجهاد والدفاع والصبر ، قال تعالى [وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً]( ) .
وفي الآية أعلاه شاهد على أن المشركين يسعون للبطش بالمؤمنين واستئصالهم ، ولم يأمرهم الله بالرد بالمثل أو التعجيل بالإنتقام منهم ، إنما أمر الله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بأن يحث الصحابة على الحيطة والحذر والرصد.
وفي قوله تعالى [تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ] دعوة للأنصاري أن يقاتل دون المهاجر وكذا العكس ، فلا تصح النصرة والمعونة الخاصة في القتال بين الأخوة النسبيين وحدهم أو أبناء العشيرة والطائفة الواحدة.
وعن أبي موسى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً ( ).
وكان النبي يضع عيوناً لرصد قريش والإتيان بأخبارها ، فأبلغوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن جيش قريش نزل عند سفح جبل أحد ، ورأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم رؤيا فأخبر أصحابه وقال : إنى قد رأيت والله خيرا( ).
لقد كانت ساعة شدة ومحنة ، والعدو يستعد لمداهمة المدينة بجيوش كثيرة ، فتطلع المسلمون الى رؤيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهم يدركون أن رؤيا النبي وحي .
وقال (رَأَيْت بَقَرًا لِي تُذْبَحُ ، قَالَ فَأَمّا الْبَقَرُ فَهِيَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِي يُقْتَلُونَ وَأَمّا الثّلْمُ الّذِي رَأَيْت فِي ذُبَابِ سَيْفِي ، فَهُوَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يُقْتَلُ) ( ).
لقد أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه رآى في المنام بقراً ، وهي رؤيا مباركة لما في الأنعام من أسباب المعيشة واستدامة الرزق ولعل اللفظ في الرؤيا (بقْراً )بسكون القاف أي ذبحاً وتمزيقاً للأشلاء ، إذ قامت نسوة من قريش بالتمثيل ببدن حمزة وعدد من الشهداء يوم معركة أحد .
ترى لماذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (إنّي قَدْ رَأَيْت وَاَللّهِ خَيْرًا) ( ) .
الجواب رجاء رحمة الله عز وجل والتفاؤل في الرؤيا ، ولبيان خروج الإسلام والتنزيل سالمين من معركة أحد ، وإرادة رؤية البقر والأنعام الكثيرة (قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَحَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ قَالَ رَأَيْت بَقَرًا لِي تُذْبَحُ) ( ).
لقد قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتأويل رؤياه قبل بدء المعركة فأخبر عن مسألة وهي أن عدد من أصحابه يُقتلون مما يدل بالدلالة التضمنية على وقوع المعركة.
ثم أوّل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الثلمة التي في سيفه بقتل رجل من أهل بيته ، وكان أبرزهم الإمام علي عليه السلام وحمزة بن عبد المطلب خاصة وانهما يخوضان المعارك ويقتحمان جيوش العدو ، وكذا جماعة من المهاجرين والأنصار .
وعن أنس قال : لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأبو طلحة بين يدى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مجوب عليه بحجفة( ) له، وكان أبو طلحة رجلا راميا شديد النزع كسر يومئذ قوسين أو ثلاثا، وكان الرجل يمر معه الجعبة من النبل فيقول: انثرها لابي طلحة.
قال: ويشرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينظر إلى القوم، فيقول أبو طلحة: بأبي أنت وأمي لا تشرف يصيبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك( ).
وكان الإمام علي عليه السلام يحمل الراية ، ومن يحملها يكون هدفاً للعدو ، ثم أنه حين طلب حامل لواء المشركين المبارزة وألحّ بهذا الطلب.
الرغبة في البقاء بالمدينة
ترى لماذا ألح طائفة من الصحابة على الخروج واستجاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهم لقوله تعالى[وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ]( ).
الجواب من جهات :
الأولى: المنع من قول المشركين أن المهاجرين والأنصار جبنوا .
الثانية : بيان المسلمين لقوتهم وأنهم يتحدون الذين كفروا .
الثالثة : رغبة الذين فاتتهم المشاركة في معركة بدر في خوض القتال في معركة أحد .
الرابعة : وجود رأي بأن القتال خارج المدينة أفضل من البقاء في داخلها والذي ينحصر بالدفاع بين البيوت.
الخامسة : جعل المدينة والإنسحاب إليها خطة بديلة .
السادسة : إرادة عدم إصابة الناس والصبيان بالفزع ، وحدوث الخسائر بينهم .
السابعة : عشق الصحابة للشهادة في سبيل الله كما في قوله تعالى بخصوص معركة أحد ذاتها [وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَتَمَنَّوْن الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ] ( ).
وحينما رأى المسلمون النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الحال ولبسه لأمة الحرب ندم الذين أصروا على الخروج وأظهروا الرضا بالبقاء في المدينة ، وقالوا يا رسول الله (استكرهناك ولم يكن لنا ذلك فان شئت فاقعد فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ما ينبغى للنبي إذا لبس لامته ان يضعها حتى يقاتل فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ألف من أصحابه) ( ).
لقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يميل إلى البقاء في المدينة لإقامة الحجة على الذين كفروا ، ولمنع اصطفاف والتقاء المقاتلين كما تحقق يوم أحد في قوله تعالى [يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ]( ).
ومن الإعجاز أنه زحف عشرة آلاف من المشركين في معركة الخندق فبقى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في المدينة من غير أن تعترض طائفة من الصحابة على هذا البقاء ، لتتجلى منافع الوحي في سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالإنتفاع منه في ذات الواقعة وفي غيرها مما سبقها أو لحقها لبيان قانون وهو أن منافع الوحي من اللامتناهي .
وفي الرأي بالبقاء في المدينة وجوه :
الأول : أشار النبي بالبقاء في المدينة والتحصن فيها وإن دخلها المشركون قاتلوهم المسلمون من أفواه الأزقة ، والنساء والصبيان من فوق البيوت ، أي أن جيش المسلمين يتفرق إلى جماعات متحركة تقاتل في بداية كل زقاق وشارع ، وينتقل بعض المسلمين حيث موضع القتال ليكون كالمبارزة الجماعية .
ووافق عبد الله بن أبي بن أبي سلول النبي صلى الله عليه وآله وسلم على هذا الرأي.
الثاني : أن عبد الله بن أبي هو الذي أشار على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالبقاء في المدينة إذ قال (فَإِنْ أَقَامُوا أَقَامُوا بِشَرّ مُقَامٍ وَإِنْ هُمْ دَخَلُوا عَلَيْنَا قَاتَلْنَاهُمْ فِيهَا وَكَانَ رَأْيُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أُبَيّ ابْنِ سَلُولَ مَعَ رَأْيِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ يَرَى رَأْيَهُ فِي ذَلِكَ وَأَلّا يَخْرَجَ إلَيْهِمْ .
وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ يَكْرَهُ الْخُرُوجَ فَقَالَ رِجَالٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِمّنْ أَكْرَمَ اللّهُ بِالشّهَادَةِ يَوْمَ أُحُدٍ وَغَيْرِهِ مِمّنْ كَانَ فَاتَهُ بَدْرٌ يَا رَسُولَ اللّهِ اُخْرُجْ بِنَا إلَى أَعْدَائِنَا ، لَا يَرَوْنَ أَنّا جَبُنّا عَنْهُمْ وَضَعُفْنَا.
فَقَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أُبَيّ ابْنُ سَلُولَ يَا رَسُولَ اللّهِ أَقِمْ بِالْمَدِينَةِ لَا تَخْرُجْ إلَيْهِمْ فَوَاَللّهِ مَا خَرَجْنَا مِنْهَا إلَى عَدُوّ لَنَا قَطّ إلّا أَصَابَ مِنّا ، وَلَا دَخَلَهَا عَلَيْنَا إلّا أَصَبْنَا مِنْهُ فَدَعْهُمْ يَا رَسُولَ اللّهِ فَإِنْ أَقَامُوا أَقَامُوا بِشَرّ مَحْبِسٍ وَإِنْ دَخَلُوا قَاتَلَهُمْ الرّجَالُ فِي وَجْهِهِمْ وَرَمَاهُمْ النّسَاءُ وَالصّبْيَانُ بِالْحِجَارَةِ مِنْ فَوْقِهِمْ وَإِنْ رَجَعُوا رَجَعُوا خَائِبِينَ كَمَا جَاءُوا) ( ).
الثالث : استشار النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه قال تعالى [وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ]( )، وقال الأكثر بالبقاء في المدينة ، ومال النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى قولهم خصوصاً وأنهم أصحاب خبرة بمدينتهم ، وأنهم تعهدوا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في بيعة العقبة بحفظه وسلامته ومنع الكفار من الوصول إليه .
وفي ذات يوم الجمعة الذي سبق المعركة مات رجل من الأنصار اسمه مالك بن عمرو أحد بني النجار .
فلم يترك النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الصلاة عليه ، ولم يكلف أحد أصحابه بالصلاة عليه خاصة وأن الجيوش على مشارف المدينة بل صلى عليه ثم خرج بأصحابه مما يدل على استدامة حضور السكينة عند النبي في كل الأحوال ، قال تعالى [إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا]( ).
فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ألف من أصحابه وبأسلحة بسيطة ورواحل قليلة بينما كان عدد جيش المشركين ثلاثة آلاف رجل ومعهم الخيل والإبل والأسلحة والدروع وخوذ الرأس ونزل قوله تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] ( ) .
وذكرت الآية أعلاه المؤمنين ، فلم تقل وجوهاً :
أولاً : تبوء للذين آمنوا .
ثانياً : تبوء للمهاجرين والأنصار .
ثالثاً : تبوء لأصحابك .
رابعاً : تبوء للمسلمين .
إنما وردت بذكر المؤمنين على نحو التعيين لبيان تزكية الصحابة ، واستعدادهم للدفاع.
وحين علم الصحابة بقرب جيش الكفار من المدينة ، حرص كبار الأنصار على حراسة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم و(بات سعد بن معاذ وأسيد بن حضير وسعد بن عبادة في عدة ليلة الجمعة عليهم السلاح في المسجد بباب رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرست المدينة) ( ) برجال من المؤمنين للرصد والحيطة من جهاتها الأربعة.
وصلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلاة الجمعة في المسجد النبوي وخطب بالصحابة ووعظهم وأمرهم بالجد والإجتهاد وبذل الوسع في سبيل الله وبشّرهم بأن النصر لهم ما صبروا ثم أخبر عن التهيئ للقاء المشركين ففرح الصحابة ، وبعد أن صلى بأصحابه دخل بيته ولبس لأمة الحرب ، واظهر الدرع وكان يلبس درعين وحزم وسطها بمنطقة من آدم كالحزام ، واعتم وتقلد السيف وألقى الترس على ظهره .
وخرج من البيت لتوثق آية البحث هذا الخروج إلى يوم القيام وتبين أن النبي محمدا صلى الله عليه وآله وسلم لم يلبس لأمة الحرب إلا بعد أن صار المشركون على مشارف المدينة , فندم الصحابة لأنهم استكرهوه على الخروج ، ولم يرضوا بما مال إليه من البقاء في المدينة ، وتوجه سعد بن معاذ وأسيد بن حضير باللوم إلى الذين أصروا على الخروج .
وقالوا جميعاً للنبي صلى الله عليه وآله وسلم (ما كان لنا ان نخالفك فاصنع ما بدا لك , فقال : لا ينبغي لنبى إذا لبس لامته ان يضعها حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه) ( ).
وعقد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ألوية وهي :
الأول : لواء بيد الإمام علي عليه السلام للمهاجرين .
الثاني : لواء بيد مصعب بن عمير .
الثالث : لواء بيد أسيد بن حضير للأوس .
الرابع : لواء للخزرج بيد الحباب بن المنذر .
وقيل الألوية ثلاثة (لواء الأوس بيد أسيد بن الحضير و لواء المهاجرين بيد علي بن ابي طالب و قيل بيد مصعب بن عمير و لواء الخزرج بيد الحباب بن المنذر و قيل : بيد سعد بن عبادة و في المسلمين مائة دارع) ( ).
واستعمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم على المدينة ابن أم مكتوم ، وابقى خمسين من أصحابه حرساً على المدينة يرأسهم محمد بن مسلمة .
وأولج النبي صلى الله عليه وآله وسلم في وقت السحر ، وكان دليله أبو خيثمة الحارثي ، فحانت صلاة الصبح فصلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأصحابه في الطريق ، وفي ذات الموضع انخزل عبد الله بن أبي سلول بثلاثمائة ، وكان يركب فرساً وكذا أبو بردة بن نيار مع حاجة المسلمين للخيل في المعركة .
وكان عبد الله بن أبي يقول (عصاني وأطاع الولدان ومن لا رأي له) ( )، ليريد أن يجد له عذراً للإنخزال والخذلان .
وأبو بردة بن نيار واسمه (هانئ بن نيار هذا قول أهل الحديث وقيل هانئ بن عمرو. هذا قول ابن إسحاق. وقيل بل اسمه الحارث بن عمرو وذكره هشيم عن الأشعث عن عدي بن ثابت عن البراء قال: مر بي خالي وهو الحارث بن عمرو وهو أبو بردة بن نيار.
وقيل: مالك بن هبيرة قاله إبراهيم بن عبد الله الخزاعي. ولم يختلفوا أنه من بلي وينسبونه: هاني ابن عمرو بن نيار والأكثر يقولون: هاني بن نيار بن عبيد بن كلاب بن غنم بن هبيرة بن ذهل بن هاني بن بلي بن عمرو بن حلوان بن الحاف بن قضاعة البلوي حليف الأنصار لبني حارثة منهم كان رضي الله عنه عقبياً بدرياً ( ).
وهو ممن بايع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بيعة العقبة الثانية ، وشهد معركة بدر ، ومعركة أحد وكان رامياً موصوفاً روى أبو برده الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وحديثه في كتب المسلمين على تعدد مذاهبهم ، وروى عنه عدد من الصحابة مثل ابن اخته البراء بن عازب ، وجابر بن عبد الله ، وعدد من التابعين مثل ابنه عبد الرحمن بن جابر ، وكعب بن عمير ، ونصر بن يسار وعما رواه عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال : سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أفضل الكسب؟ فقال : بيع مبرور ، وعمل الرجل بيده( ).
وقال الإمام أحمد (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ سُلَيْمَانُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ حَدِّثْ فَحَدَّثَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا جَلْدَ فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ)( ).
وتوفى أبو بردة سنة (41) من الهجرة (بعد أن شهد مع علي حروبه كلها ثم قيل: إنه مات سنة إحدى وقيل اثنتين وقيل خمس وأربعين )( ).
سرعة انتهاء معركة أحد
لقد كان إنقضاء معركة أحد معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من جهات :
الأولى : أوان انتهاء المعركة إذ انتهت في ذات اليوم الذي بدأت فيه.
الثانية : وقف القتال مع أن الرجحان كان للمشركين .
الثالثة : تسليم المشركين بأنهم لم يحققوا النصر في المعركة ، وهل انكشفت لهم المدينة خاصة وأنه لم يبق مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا نحو أحد عشر رجلاً وفرّ أكثر أصحابه ، قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ]( ).
وكان جيش المشركين ثلاثة آلاف رجل ، ويحتمل الجواب وجوهاً :
الأول : عدم نية وعزم المشركين غزو المدينة إذ كانوا يطلبون شخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين .
الثاني : تجلي حقيقة للمشركين وهي عجزهم عن غزو المدينة .
الثالث : صحيح أن أكثر الصحابة فروا أو انسحبوا من وسط ميدان المعركة ، ولكنهم سرعان ما اجتمعوا حول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ولا تعارض بين هذه الوجوه ، وقد تفضل الله عز وجل وألقى الخوف والرعب في قلوب الذين كفروا ، قال تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ] ( ) ليترشح عنه الجزع وعدم الرغبة باجتناب مواصلة القتال .
فمن إعجاز الآية أعلاه أنها ذكرت القاء الرعب في قلوب الذين كفروا على نحو العموم المجموعي والإستغراقي والبدلي لصيغة الجمع فيها ، ولم تذكر ما يترتب على هذا الرعب وهو على وجوه:
الأول : لحوق الوهن بالذين كفروا .
الثاني : بعث الفرقة والخصومة بين الذين كفروا [تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى]( ).
الثالث : مصاحبة الرعب للذين كفروا في الحل والترحال ، لأنه بالنسبة للكفر من العلة والمعلول ، والسبب والمسبب .
الرابع : سرعة انسحاب وفرار الذين كفروا من الميدان.
الخامس : تجلي حقيقة للذين كفروا وهي أن الكفر سبب لجلب الأذى النفسي والكآبة لهم .
السادس : ترتب رؤيا الكوابيس والجاثوم والأحلام المفزعة للذين كفروا .
السابع : هذا الرعب مقدمة لعذاب الذين كفروا في الآخرة .
ولا يتعارض هذا المعنى مع كونه باباً للتوبة والإنابة ، قال تعالى [ فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ]( ).
وهل من موضوعية لمعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم العقلية والحسية في وقف القتال وعودة الصحابة إلى الميدان وتعجل المشركين بالإنسحاب من ميدان المعركة .
الجواب نعم ، لبيان قانون وهو مصاحبة المعجزة للنبي في حله وترحاله ، وفي حال السلم وميدان المعركة ، وظهور منافع المعجزة جلية في السراء والضراء ، وحال الرخاء والشدة ، ليكون مما يصاحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجوه :
الأول : آيات القرآن التي نزلت عليه .
الثاني : آيات القرآن التي تنزل عليه في الحال سواء بلحاظ وجود اسباب لها ، أو من غير أسباب.
الثالث : الوحي الذي يتجلى في القول والفعل والتقرير من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهل يدخل سكوت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ضمن الوحي ، الجواب نعم ، فان هذا السكوت أمر وجودي وليس عدمياً .
الرابع : المعجزة الحسية .
الخامس : ثمار ورشحات المعجزة العقلية والحسية , فمن خصائص المعجزة اتصال واستدامة نفعها ، وحضورها الدائم كحجة وبرهان ، وهو من عمومات قوله تعالى [فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ]( ).
لقد أحب الله عز وجل أنبياءه وأتباعهم فسلّح النبي بالمعجزة ، وصار الناس يدركون ملازمتها له ، ليزداد المسلمون إيماناً ، وتتوب طائفة من الذين كفروا ، فيضعف ركن الذين كفروا وتجلى هذا الضعف بانسحاب المشركين من معركة أحد في ذات اليوم الذي بدأت فيه .
ولو كان المشركون قبل أن يخرجوا إلى معركة أحد يعلمون بنتائجها وأنها تنقضي في ذات اليوم الذي ابتدأت فيه ومن غير حسم ، فهل يستعدون لها طيلة عام كامل وينفقون عليها أموال قافلة أبي سفيان .
المختار لا ، لأنه خلاف العقل ، ولكن الذين كفروا ابتليوا بالجهالة والضلالة ، وظنوا أنهم سيحرزون النصر في معركة أحد ، قال تعالى [كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ]( ).
لقد نظروا إلى الأسباب الظاهرية في القتال من جهة العدد والعدة ، قال تعالى [فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ *أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ] ( ) .
وهل كان بين قريش من يدعوهم إلى إجتناب الخروج إلى معركة أحد خاصة بعد خسارتهم في معركة بدر ، الجواب نعم ، من وجوه :
الأول : إنه من مصاديق قوله تعالى [فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ] ( ).
الثاني : من عمومات رحمة الله عز وجل للناس جميعاً في الدنيا والآخرة .
الثالث : موضوعية معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وحضورها في الوجود الذهني عند عامة الناس , وحال إبداء الرأي بالمشورة أو ابتداء.
الرابع : إتعاظ أهل مكة من خسارتهم الفادحة في معركة بدر .
وعن ابن عباس، قال: لما تواقف الناس يوم بدر أغمي على رسول الله صلى الله عليه وآله ساعة، ثم كشف عنه فبشر الناس بجبرئيل في جند من الملائكة ميمنة الناس، وميكائيل في جند آخر على ميسرة الناس، وإسرافيل في جند آخر، وإبليس قد تصور في صورة سراقة بن مالك المدلجي يؤيد المشركين ويخبر أنه [لاَ غَالِبَ لَكُمْ الْيَوْمَ مِنْ النَّاسِ] ( ).
فلما أبصر عدو الله الملائكة نكص على عقبيه وقال : [إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ] ( ) فتثبت به الحرث بن هشام وهو يرى أنه سراقة لما سمع من كلامه، فضرب في صدر الحرث فسقط الحرث وانطلق إبليس لا يرى حتى سقط في البحر، ورفع يديه وقال: يا رب موعدك الذي وعدتني( ).
الخامس : امتلاء قلوب الذين كفروا بالرعب والخوف من ملاقاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
السادس : القبح العقلي وغزو أهل المدينة .
السابع : إتصاف مجتمع قريش بأنهم حضر ورجال تجارة فلا يميلون إلى تكرار الغزو والقتال .
الثامن : يسكن ذوو المهاجرين في مكة ولابد أن شطراً منهم يميل إلى إجتناب القتال معهم ، وفيها أكثر بني هاشم والذين يميلون إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا يريدون قتاله ، ولا يرضون بهذا القتال ، وهو من أسرار نزول قوله تعالى [وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ] ( ) في مكة قبل الهجرة .
وإذ كان النصر حليف المسلمين في المعركة وأن المشركين هم الغزاة والذين يبدأون برمي السهام وطلب المبارزة والقتال ، فهل الأفضل للمسلمين وقوع هذا المعركة لتكون سبيلاً لفضح الكفار وإماتة الضلالة ، وقهر الظالمين .
الجواب الأفضل هو عدم وقوع القتال ، وهو من مصاديق قوله تعالى [كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ] ( ) فالقتال مكروه ، وذات النفع الذي يأتي من النصر في ميدان المعركة يتحقق بالمعجزة إذ أنها تجذب القلوب إلى سبل الإيمان ، وتهد بناء الشرك وتبعد الأنصار والأتباع عن رؤساء الكفر والضلالة .
ومن خصائص الأنبياء تفرق الأتباع عن أعدائهم ، وهل يقع هذا النزف دفعة واحدة أو تباعاً ، الجواب كلاهما يحدث بفضل وعون من الله سبحانه.
ولله جنود في الهواء والماء ، وفي التنزيل [وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا] ( ).
إستطلاع النبي بنفسه
من الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم نزول القرآن على نحو التدريج لتكون كل آية دعوة سماوية لأتباع الذين كفروا للتخلي عنهم ولدخولهم الإسلام .
ونزل القرآن ببيان شدة حال المتبوع والتابع منهم يوم القيامة واضطرهم للتبرأ بعضهم من بعض ، قال تعالى [وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ * إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوْا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمْ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمْ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ] ( ).
وكما يزداد عدد آيات القرآن كل يوم أو بضعة أيام , وكل آية لها دلالات وهي خطاب للناس وتثوير لبصائرهم ، فان عدد الذين كفروا واتباعهم في تناقص مستمر ، وهذا التباين العكسي في علم مفهوم العدد من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
فمع توالي نزول آيات القرآن يزداد عدد المسلمين ، ويتناقص عدد المشركين فان قلت قد تنخرم هذه القاعدة بلحاظ عدد أفراد جيش المشركين في غزواتهم المتكررة وهي :
الأولى : كان عدد جيش المشركين في معركة بدر التي وقعت في شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة ، نحو ألف رجل وكان تقدير عدد جيش المشركين من قبل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم معجزة له في باب السنة الدفاعية بصيغة الحوار والسؤال .
فحينما نزل النبي صلى الله عليه وآله وسلم نزل قريباً من بدر (فركب هو ورجل من أصحابه) ( ).
فوقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم على شيخ من العرب فسألة النبي عن قريش وعن محمد وأصحابه ، وما بلغه عنهم ، أي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قام بالإستطلاع بنفسه .
فقال الشيخ : لا أخبركما حتى تخبراني مما أنتما ؟
فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إذا أخبرتنا أخبرناك .
أي نحن سألناك أولاً وننتظر الإجابة منك ، فقال أو ذاك بذاك ؟ أي لا تخبراني حتى أخبركما عن قريش وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، قال النبي : نعم .
أي لا نبين لك عن هويتنا حتى تخبرنا , قال : (فانه قد بلغني ان محمدا واصحابه خرجوا يوم كذا وكذا فان كان صدق الذى اخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا للمكان الذى به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم )( ).
أي أن ظن وحساب الشيخ دقيق وهو يذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالاسم مع أصحابه لبيان معرفة أهل الجزيرة برسالة النبي رأوا أن أصحابه مسلمون.
ثم قال الشيخ (وَبَلَغَنِي أَنّ قُرَيْشًا خَرَجُوا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا ، فَإِنْ كَانَ الّذِي أَخْبَرَنِي صَدَقَنِي فَهُمْ الْيَوْمَ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا لِلْمَكَانِ الّذِي فِيهِ قُرَيْشٌ . فَلَمّا فَرَغَ مِنْ خَبَرِهِ .
قَالَ مِمّنْ أَنْتُمَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ نَحْنُ مِنْ مَاءٍ ثُمّ انْصَرَفَ عَنْهُ) ( ).
وقف الشيخ يتفكر بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم من ماء ، إذ ينصرف الذهن إلى العراق ، وقال الشيخ (مَا مِنْ مَاءٍ أَمِنْ مَاءِ الْعِرَاقِ) ( ).
وكان العراق يسمى ماءً , ويحتمل الحديث وجوهاً :
الأول : إرادة أن أصل قريش من العراق لأنه مولد ابراهيم الخليل عليه السلام ، وحكي عن الإمام علي عليه السلام أنه قال : نحن نبط من العراق .
وعن ابن عباس قال : نحن معاشر قريش من النبط من أهل كوثر ريا ،وهي التي ولد فيها إبراهيم عليه السلام ، والمراد من النبط هو الماء الذي ينبط من قعر البئر إذا حفرت أو لجريان الأنهار في العراق ، وذكر أن أولاد شيث يسمون أنباط ، وأن النبط هم أهل بابل ومنهم ملوك بابل ، وقال ابن الأثير
(والنبط من ولد نبيط بن ماش بن إرم بن سام، والفرس بنو فارس بن تيرش بن ماسور بن سام.) ( ).
وقال المسعودي (فسائر النبط وملوكها ترجع في أنسابها إلى نبيط بن ماش) ( ).
وصار العرب فيما بعد ينظرون إلى النبط باستخفاف لأنهم اتجهوا صوب البداوة .
الثاني : إرادة كون الإنسان خلق من ماء وأصله نطفة وهي ماء ، وقال تعالى [وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ] ( ).
الثالث : من خصائص النبي قول الصدق حتى في المزاح والتورية كما في حديث العجوز التي جاءت للنبي صلى الله عيله وآله وسلم وسألته أن يدعو لها بأن تدخل الجنة ، و(وعن الحسن قال أتت عجوز إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال لها صلى الله عليه وآله وسلم لا يدخل الجنة عجوز فبكت .
فقال إنك لست بعجوز يومئذ قال الله تعالى ( إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا ) حديث الحسن لا يدخل الجنة عجوز أخرجه الترمذي في الشمائل هكذا مرسلا وأسنده ابن الجوزي في الوفاء من حديث أنس بسند ضعيف) ( ).
ولا تعارض بين هذه الوجوه ، فقد علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم موضع ومحل قريش ولم يخبر الشيخ بشخصه الكريم ، ولم يدعه إلى الإسلام ، إنما كان نصر المسلمين في معركة بدر بمعجزة دعوة له للإسلام خاصة وانه قريب من موضع المعركة .
وهل قام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عشية معركة أحد بالإستطلاع بنفسه ، الجواب لا ، لوجوه :
الأول : قرب جيش العدو من المدينة .
الثاني : انكشاف أمر جيش العدو من جهة موضعه وعدد جنوده ، وغاياته الخبيثة في الهجوم والقتال .
الثالث : قيام قريش بنشر العيون حول المدينة وبعث فرق الإستطلاع من حول الجيش .
الرابع : عناية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتعيين مواضع أصحابه ، ليفيد قوله تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] ( ) معنى بقاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين أصحابه ، وعدم مغادرته للإستطلاع ولتزكية عمل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتولي إمامة المسلمين في ميدان المعركة .
وأن هذه الإمامة عنوان البركة والرشاد والإختيار للفعل الشخصي والنوعي بالوحي والتنزيل ، وهل هي من عمومات قوله تعالى [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا] ( ) الجواب نعم ، وقد أمر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الرماة بالبقاء في مواضعهم ونهاهم عن تركها بأي حال ، وأخبرهم بأن سهامهم من الغنيمة محفوظة ، ولكن أغلبهم خالفوا أمره وظنوا أنه خاص غير شامل لحال هزيمة المشركين التي تجلت من بدايات المعركة بفضل من الله عز وجل ، قال سبحانه (وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ) ( ).
الثانية : حضر ثلاثة آلاف من المشركين معركة أحد في شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة أي بعد مضي ثلاثة عشر شهراً على معركة بدر مع أن الأصل هو تناقص عددهم لوجوه :
الأول : رؤية معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ميدان المعركة .
الثاني : نزول الملائكة لنصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه يوم بدر .
الثالث : توالي نزول آيات القرآن وكل آية زاجر للناس عن محاربة النبوة والتنزيل ، وفيه دعوة للصلاح ، قال تعالى [إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ]( ).
الرابع : سلامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في أمن في المدينة .
الخامس : نصر المسلمين في معركة بدر بمعجزة من عند الله ، وقد أحس الناس بهذه المعجزة للتباين بين كثرة عدد المشركين وأسلحتهم ، وفي الرد في المقام وجوه :
الأول : لقد كان خروج المشركين في معركة بدر على عجل ، واختص النفير بأهل مكة ، فلما جاء رسول أبي سفيان إلى مكة يخبر أهلها بتعرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه للقافلة (فتجهز الناس سراعا وقالوا يظن محمد واصحابه ان تكون كعير ابن الحضرمي كلا والله ليعلمن غير ذلك فكانوا بين رجلين اما خارج واما باعث مكانه رجلا وأوعبت قريش فلم يتخلف من اشرافها احد الا ان ابا لهب ابن عبدالمطلب قد تخلف وبعث مكانه العاصى بن هشام بن المغيرة وكان قد لاط له بأربعة آلاف درهم كانت له عليه أفلس بها فاستأجره بها على ان يجزى عنه بعثه فخرج عنه وتخلف أبو لهب.
قال ابن عقبة وابن عائذ خرجوا في خمسين وتسعمائة مقاتل وساقوا مائة فرس)( ).
وفي موضوع وسبب نزول قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ] ( ) ذكرت وجوه :
الأول : نزلت الآية في أصحاب أموال قافلة أبي سفيان ، إذ أنهم رضوا بانفاقها على مستلزمات غزو المشركين للمدينة في معركة أحد .
(وقال ابن شهاب ومحمد بن يحيى بن حيان وعاصم بن عمر بن قتادة والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ إنه لما قتل من قتل ببدر اجتمع أبناؤهم وقرابتهم وقالوا لمن خلص ماله في العير : إن محمداً قد نال منا ما ترون ، ولكن أعينونا بهذا المال الذي كان سبب الواقعة ، فلعلنا أن ننال منه ثأراً ، ففعلوا فنزلت الآية في ذلك ) ( ).
لتكون عليهم حسرة وسبباً للخصومة والخلاف وحجة عليهم في النشأتين ، وهو من معاني الحسرة التي تذكرها الآية أعلاه ، وهل تختص الحسرة بأصحاب الأموال ، الجواب لا ، إنما تتغشى عموم الذين كفروا بدليل صيغة العموم في هزيمتهم وغلبة المسلمين عليهم والتي اقترنت بالحسرة في الآية أعلاه بقوله تعالى [ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ] ( ).
الثاني : نزلت الآية في إيجار أبي سفيان لألفي رجل لغزو المدينة في معركة أحد (عن سعيد بن جبير في قوله { إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل . . . } ( )الآية . قال : نزلت في أبي سفيان بن حرب ، استأجر يوم أحد ألفين من الأحابيش من بني كنانة يقاتل بهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سوى من استجاش من العرب ، فأنزل الله هذه الآية ، وهم الذين قال فيهم كعب بن مالك:
وجئنا إلى موج من البحر وسطه … أحابيش منهم حاسر ومقنع
ثلاثة آلاف ونحن نظنه … ثلاث مئين إن كثرن فأربع ) ( ).
الثالث : المراد ما انفقه أبو سفيان في معركة أحد (قال الحكم بن عيينة : نزلت في أبي سفيان بن حرب حيث أنفق على المشركين يوم أُحُد أربعين أوقية وكانت أوقيته اثنين وأربعين مثقالاً.) ( ).
الرابع : نزلت الآية في المطعمين بجيش المشركين في الطريق إلى معركة بدر ، وكانوا اثني عشر رجلاً من قريش يتولى كل واحد منهم اطعام الجيش بذبح تسعة أو عشرة من الإبل .
الخامس : إرادة عموم انفاق الذين كفروا في قتالهم وحربهم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والتنزيل والمؤمنين ، وهل يأتي القرآن خصيماً للذين أنفقوا على جيش المشركين يوم أحد ، الجواب نعم ، إلا الذين أدركتهم التوبة .
الثاني : إرادة المشركين الثأر والإنتقام وهو على وجوه :
أولاً : إرادة ثأر المشركين من المسلمين .
ثانياً : الثأر لقتلى المشركين في بدر .
ثالثاً : الإنتقام من النبي صلى الله عليه وآله وسلم محمد صلى الله عليه وآله وسلم والسعي في قتله فمثلاً (أقبل أبي بن خلف الجمحي وقد حلف ليقتلن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : بل أنا أقتله.
فقال: يا كذاب أين تفر، فحمل عليه فطعنه النبي صلى الله عليه وسلم في جيب الدرع فجرح جرحا خفيفا فوقع يخور خوار الثور فاحتملوه، ليس بك جراحة فما يجزعك ؟
قال: أليس قال: لاقتلنك ! لو كانت تجتمع ربيعة ومضر لقتلهم.
فلم يلبث إلا يوما أو بعض يوم حتى مات من ذلك الجرح)( ).
رابعاً : إرادة الإضرار بأهل المدينة والإنتقام من الأوس والخزرج عامة ، والأنصار خاصة لإيوائهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين .
خامساً : مناجاة الذين كفروا بالباطل ونسيانهم لعالم الحساب والجزاء في الآخرة ، قال تعالى [وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُوْلَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ]( ).
الثالث : قيام قريش بتحشيد وجمع القبائل المتحالفة معها ، وبذل الأموال الى رؤساء القبائل والشعراء والعامة وترغيبهم بالقتال ، ووعدهم بالأموال بعد المعركة .
الرابع : إغواء الشيطان وركوب المشركين جادة الكفر والعناد ، قال تعالى [يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا * أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا] ( ) .
وسئل الحسن البصري : هل ينام إبليس ، فقال : لو ينام إبليس لاستراح الناس .
سرية الإمام علي عليه السلام
لقد أنصرف المشركون من معركة بدر منهزمين فراراً ولم يكن إنسحابا منظماً مع أن عددهم ثلاثة أضعاف عدد المسلمين وطاردهم المسلمون.
أما في معركة أحد فقد انسحبوا بانتظام ، ولكن ليس إنسحاب منتصر خاصة وأنهم هم الذين بدأوا بالإنسحاب من ميدان المعركة ، ومن مصاديق كونهم غير منتصرين في المعركة أنهم لم يأخذوا معهم أسيراً من المسلمين ، بينما أسر المسلمون منهم سبعين في معركة بدر .
ونادى ابو سفيان(إن موعدكم بدر العام المقبل، فقال رسول الله لرجل من أصحابه: قال: نعم هي بيننا وبينك موعداً،
ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب فقال: أخرج في إثر القوم فانظر ماذا يصنعون، وماذا يريدون، فإن كانوا قد جنبوا الخيل وامتطوا الابل فإنهم يريدون مكة، وان ركبوا الخيل وساقوا الابل فإنهم يريدون المدينة، والذي نفسي بيده لئن أرادوها لأسيرن إليهم فيها، ثم لأناجزنهم) ( ).
فبادر الإمام علي عليه السلام للخروج خلف جيش المشركين ليرى ما يصنعون فرآهم جنبوا الخيل وامتطوا الإبل للدلالة على أنهم يريدون قطع المسافات الطويلة ، ولم يتركهم الإمام علي عليه السلام ويعود فقد يكون هذا الفعل مكراً منهم ، فرآهم توجهوا إلى مكة ومشى في آثارهم وصار يتعقبهم حتى قطعوا مسافة وابتعدوا عن جبل أحد وعن المدينة .
فعاد وأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاستبشر هو وأصحابه بصرف المكر والكيد والأذى ، وقال الإمام علي عليه السلام (أقبلت أصيح ما أستطيع أن أكتم ما أمرني به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما بي من الفرح إذ رأيتم انصرفوا عن المدينة) ( ).
ويسمى خروج الإمام علي عليه السلام هذا سرية الإمام علي مع أنها تتصف بأمور :
الأول : خروج الإمام علي عليه السلام بمفرده خلف المشركين.
الثاني : تعقب الإمام علي لجيش المشركين مع كثرة جراحاته ، وكان أصابه (في حرب أحد أربعون جراحة، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله الماء على فمه فرشه على الجراحات، فكأنها لم تكن من وقتها) ( ).
الثالث : أخذ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحيطة وقيامه برصد حركة المشركين .
الرابع : حرص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على المدينة وبذله الوسع في سلامة أهلها ، فكما بايع الأنصار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في بيعة العقبة على منعه والدفع عنه فانه يقوم بدفع المشركين عن المدينة ، ثم لتأتيها الرئاسة بين المدن وتكون عاصمة المسلمين ، وتشتاق نفوس الذين في المشرق والمغرب لزيارتها والسلامة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قبره (وعن عبد الرحمن بن عوف (قال عبد الرحمن كنت قائما في رحبة المسجد فرأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خارجا من الباب الذي يلي المقبرة قال : فلبثت مليا ثم خرجت على أثره فرأيته قد دخل حائطا من الأسواق فتوضأ ثم صلى ركعتين فسجد سجدة أطال السجود فيها فلما تشهد رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم تبدأت له فقلت له : بأبي أنت و أمي حين سجدت أشفقت أن الله قد توفاك من طولها فقال : إن جبريل عليه السلام بشرني أنه من صلى علي صلى الله عليه و من سلم علي سلم الله عليه ) ( ).
(وعن أبي الدنيا عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : من زارني بالمدينة محتسبا كنت له شهيداً وشفيعاً يوم القيامة)( ).
وقيل أن عددا من هذه الأحاديث ضعيفة في اسنادها إلا أنها سالمة من الضعف القادح كما يفيد الجمع بينها القوة ، وفق قاعدة اسميناها بالتعدد السندي .
ولا أصل للقول بأن كل الأحاديث في هذا الباب ضعيفة .
وورد باسناد الدارقطني (عَنِ الشَّعْبِىِّ وَالأَسْوَدِ بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ هَارُونَ أَبِى قَزَعَةَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ آلِ حَاطِبٍ عَنْ حَاطِبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وآله وسلم- مَنْ زَارَنِى بَعْدَ مَوْتِى فَكَأَنَّمَا زَارَنِى فِى حَيَاتِى وَمَنْ مَاتَ بِأَحَدِ الْحَرَمَيْنِ بُعِثَ مِنَ الآمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ( ).
وقال الذهبي في لسان الميزان بخصوص أحد رواة الحديث أعلاه، وهو هارون بن أبي قزمة ، قال البخاري : لا يتابع عليه ، وقال ابن حجر : هارون أو قزمة يروي عن رجل من آل حاطب المراسيل ، وذكره للمراسيل لا يعني أنها ضعيفة منقطعة أو موضوعة .
(أخبرنا أبو سعد الماليني أنا أبو أحمد بن عدي الحافظ نا محمد بن موسى الحلواني نا محمد بن إسماعيل بن سمرة نا موسى بن هلال عن عبد الله العمري عن نافع عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
من زار قبري وجبت له شفاعتي) ( ).
وقد ورد باسناد الدارقطني عن عبيد الله بن عمر عن نافع وليس عبد الله بن عمر ( ).
ولا صلة في حديث زيارة قبر النبي بمرتبة الصحابة إذ ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم زيارته بعد مماته بالتشبيه وكأنها زيارة له في حياته ، وهو أمر صحيح عقلاً وشرعاً ، وليس في الحديث ما يدل على أن الذي يزور النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد مماته يساوي مرتبة الصحابة في إيمانهم وجهادهم ، إنما جاء الحديث على نحو القضية الشخصية .
وصيغة التشبيه بخصوص ثواب ذات الزائر ، لبيان الإعجاز في حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا وكيف أنه من الوحي ، وأنه يعلم ببقاء قبره شامخاً مقصوداً هو والمسجد النبوي من قبل المسلمين ، نعم الذي يسافر لزيارة المسجد النبوي وقبر الرسول ليس مثل الصحابي الذي قصده ، ولكنه ليس أمرا منهياً عنه .
الخامس : قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بمناجاة وقتال المشركين إذا أرادوا المدينة دعوة لأصحابه للإستعداد للدفاع عن المدينة .
ومن الإعجاز في المقام أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه خرجوا في اليوم الثاني خلف المشركين ، وهذا الخروج بأمر من الله عز وجل نزل به جبرئيل ، ليوثق القرآن هذا الخروج وبثناء على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، إذ قال تعالى [الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ] ( ).
السادس : اطمئنان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لإستعداد أصحابه للدفاع .
السابع : تأكيد شجاعة الإمام علي عليه السلام ، فمع أنه قاتل أشد القتال في معركة أحد ، ودافع عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ فانه خرج بنفسه خلف جيوش المشركين يتبعهم ويرصدهم مع ما ألم به من الجراح ونزف الدم .
الثامن : أقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في أرض المعركة حتى عاد الإمام علي وأخبره بانصراف الذين كفروا ، وقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالأشراف على مداواة الجرحى ، وجمع جثث الشهداء ، وأمر بدفنهم كل اثنين أو ثلاثة في قبر ، وقيل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يصل على شهداء أحد يوم دفنهم ، والظاهر أنه لقوله تعالى [وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ] ( ) ووقف عليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال (هَؤُلَاءِ الّذِينَ أَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَيْ أَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِالْوَفَاءِ) ( ).
و(قَالَ ابْنُ عَبّاسٍ : صَلّى رَسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ) ( ).
(وكان طلحة بن عبيد الله، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، يقولون: صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم على قتلى أحد، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: أنا على هؤلاء شهيدٌ) ( ).
(عن أنس بن مالك، قال: لم يصل عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم) ( ).
(عن عقبة بن عامر، قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على قتلى أحد بعد ثمانى سنين كالمودع للاحياء والاموات، ثم طلع المنبر فقال: ” إنى بين أيديكم فرط وأنا عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض، وإنى لانظر إليه من مقامي هذا، وإنى لست أخشى عليكم أن تشركوا، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها) ( ).
وحملت هذه الصلاة على إرادة المعنى اللغوي وهو الدعاء ، وليس صلاة الجنازة المتعارفة، وقيل أنما صلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم على شهداء أحد بعد ثمان سنوات صلاة الجنازة ، ولكنه أمر خاص بشهداء أحد .
لقد عاد الإمام علي عليه السلام من سريته بسلام لم يتعرض للمشركين ، ولم يقاتلهم ، وهل علموا بأنه يتبع أثرهم ، الظاهر لا ، وفي تسميتها سرية إكرام للإمام علي وشاهد على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبعث أهل بيته في الملمات ومع أن عمه حمزة بن عبد المطلب استشهد في ذات اليوم ، وهو الخامس عشر من شهر شوال وفي ميدان المعركة فان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قام بارسال الإمام علي عليه السلام مع كثرة جراحاته خلف المشركين لثقته به ، وعهده بدقة رصد الإمام علي للمشركين ، وحفظه للأمانة وتنفيذه لأوامر ووصايا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واستعداده للفداء والتضحية .
لقد عاد الإمام علي عليه السلام إلى النبي وأصحابه ، ولا زالوا في ميدان المعركة ، لتكون هذه العودة والإخبار عن إنصراف جيش الذين كفروا عن المدينة نوع مواساة للمسلمين للخسارة التي لحقتهم .
وتمتاز هذه السرية بأمور :
الأول : إنفراد الإمام علي عليه السلام بالخروج فيها .
الثاني : كثرة جراحات الإمام يومئذ .
الثالث : تعقب خروج الإمام علي عليه السلام لمعركة أحد.
الرابع : خروج الإمام علي عليه السلام في ذات يوم المعركة .
الخامس : عدم حمل الإمام علي عليه السلام في تلك السرية المنفردة لواء أو راية .
السادس : خروج الإمام بمفرده خلف جيش مؤلف من ثلاثة آلاف رجل .
السابع : قصر مدة هذه السرية .
الثامن : سرعة عودة الإمام علي عليه السلام ، فلم تستغرق هذه السرية أكثر من ساعتين إذ تبعهم الإمام على إلى وادي العقيق ومعناه الذي شقه السيل من العق وهو الشق ، وبداياته في أطراف المدينة ، وقد وصل أطرافه العمران والبناء في هذا الزمان ، وصارت جزءً من أحياء المدينة .
ويدل على قربه فرش أرض المسجد النبوي بحصى من وادي العقيق أيام عمر بن الخطاب وفي وادي العقيق قصور لسعد بن أبي وقاص وسعيد بن العاص ، ومروان بن الحكم وعروة بن الزبير الذي آثاره باقية إلى الآن .
وورد عن عمر بن الخطاب قال (سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يقول: العقيق واد مبارك) ( ).
وفي حديث آخر يقول (سَمِعْتُ النَّبِىَّ – صلى الله عليه وآله وسلم – بِوَادِى الْعَقِيقِ يَقُولُ أَتَانِى اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّى فَقَالَ صَلِّ فِى هَذَا الْوَادِى الْمُبَارَكِ وَقُلْ عُمْرَةً فِى حَجَّةٍ) ( ).
ويحتمل المراد من لفظ أتاني آت وجوه :
الأول : جبرئيل عليه السلام إذ أنه هو الذي يأتي بالوحي للنبي صلى الله عليه وآله وسلم من عند الله .
الثاني : ملك يعرفه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويراه .
الثالث : ملك لم يره النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولكن سمع صوته .
ولا تعارض بين هذه الوجوه في الوحي إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من عند الله ، والأرجح في المقام أنه جبرئيل عليه السلام .
والمراد من (عمرة في حجة) أي اجعل عمرتك تتصل بالحج .
التاسع : غبطة وفرح الإمام علي عليه السلام بنتائج السرية .
العاشر : تعيين انبي صلى الله عليه وآله وسلم لوظيفة الإمام علي بقول (فانظر ماذا يصنعون وماذا يريدون فان كانوا قد جنبوا الخيل وامتطوا الابل فانهم يريدون مكة وان ركبوا الخيل وساقوا الابل فهم يريدون المدينة) ( ).
ترى لماذا لم يجهز الذين كفروا على المدينة ، الجواب من وجوه:
الأول : إمتلاء قلوب الذين كفروا بالخوف والفزع .
الثاني : كثرة المسـتأجرين في جيش المشركين ، والذي لا تميل نفوسهم عادة إلى القتال .
الثالث : وجود بذور ايمان في نفوس كثير من جنود جيش المشركين تكون برزخاً دون الرغبة بتكرار الإنتقام .
الرابع : إبتداء معركة أحد بنصر سريع للمسلمين ، إذ قال تعالى [وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ] ( ) مما جعل الذين كفروا يدركون حقيقة وهي إمكان رجحان نصر المسلمين وهم في المدينة من باب الأولوية القطعية لأن أهلها رجالاً ونساءً وصبياناً سيشاركون في القتال .
وهل كان لنصر المسلمين في أول معركة أحد موضوعية في إمتناع وعجز الذين كفروا عن إجتياز الخندق الذي حفرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه حولها يوم الأحزاب بعد معركة أحد بنحو سنتين .
الجواب نعم ، وسيأتي قانون (القاسم المشترك في معارك الإسلام الأولى في العهد النبوي ) ( )، وقانون تأثير المعركة السابقة على المعركة اللاحقة ) ( ).
فمع أن عدد المشركين نحو ثلاثة آلاف ولم يخسروا في تلك المعركة إلا اثنين وعشرين ، فان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر الإمام علي باقتفاء أثرهم ورصدهم .
وعيّن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم له موضوع الرصد ودلالته إذ قال له (اُخْرُجْ فِي آثَارِ الْقَوْمِ ، فَانْظُرْ مَاذَا يَصْنَعُونَ وَمَا يُرِيدُونَ فَإِنْ كَانُوا قَدْ جَنّبُوا الْخَيْلَ وَامْتَطَوْا الْإِبِلَ فَإِنّهُمْ يُرِيدُونَ مَكّةَ ، وَإِنْ رَكِبُوا الْخَيْلَ وَسَاقُوا الْإِبِلَ فَإِنّهُمْ يُرِيدُونَ الْمَدِينَةَ ، وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ أَرَادُوهَا لَأَسِيرَنّ إلَيْهِمْ فِيهَا ، ثُمّ لَأُنَاجِزَنّهُمْ قَالَ عَلِيّ عليه السلام : فَخَرَجْت فِي آثَارِهِمْ أَنْظُرُ مَاذَا يَصْنَعُونَ فَجَنّبُوا الْخَيْلَ وَامْتَطَوْا الْإِبِلَ وَوَجّهُوا إلَى مَكّةَ ) ( ).
أي ليس لك أن تقاتلهم إنما تلاحظ فعلهم والذي يدل على الجهة التي يريدون .
ويحتمل الأمر أعلاه (اُخْرُجْ) وجوهاً :
الأول : إفادة الوجوب والقطع .
الثاني : إرادة الإستحباب .
الثالث : الجامع المشترك بين الوجوب والإستحباب .
والصحيح هو الأول أعلاه ، وهل يمكن أن تكون كثرة جراحات الإمام علي عليه السلام سبباً عرضياً طارئاً لجعل الأمر يحمل على الندب ، الجواب لا .
لقد كانت سرية الإمام علي عليه السلام من مصاديق قانون (لم يغز النبي ص أحداً) من وجوه :
الأول : خروج الإمام خلف الكفار بأمر من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي لا يقصد الغزو .
الثاني : إمتناع النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ملاحقة جيش المشركين وتعليم أصحابه هذا القانون فاذا انكفأ المشركون يتركون لأن آيات التنزيل هي التي تلاحقهم وتنفذ إلى قلوبهم طوعاً وقهراً عليهم ، وتتضمن البشارة والإنذار والوعد والوعيد ، قال تعالى [فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ] ( ) .
الثالث : تعيين النبي صلى الله عليه وآله وسلم لوظيفة سرية الإمام علي عليه السلام وبقول (فَانْظُرْ مَاذَا يَصْنَعُونَ وَمَا يُرِيدُونَ)ويدل في مفهومه على المنع من القتال أو رمي السهام أو التهديد والوعيد للمشركين والإمام شخص واحد وهو يرى جيش المشركين على كثرته ، ولكن هل يرون الإمام علي عليه السلام ، وهو منفرد وبعيد عنهم خاصة .
وان لم يكن آنذاك منظار ونحوه ، والجواب نعم قد يرونه إذ تعتمد الجيوش الرصد حتى في حال الإنسحاب ومنه الرصد بواسطة أصحاب النظر الحاد والثاقب والذي يرى إلى مسافات بعيدة .
وقصة زرقاء اليمامة معروفة وهي امرأة من أهل اليمامة ، وقيل كانت ترى على مسيرة يوم وليلة أي نحو أربعين إلى خمسين كيلو متر ، كما لو كانت تصعد على جبل أو هضبة عالية لتلافي انحناء سطح الأرض مع بعد المسافة .
وقد رأت في اليقظة شجراً يسير ويمشي فأخبرت قومها فقالوا لها كذبتِ أو كذبت عينك ، وكانت صادقة إذ جاء أعداء لهم من قبيلة أخرى لغزوهم ، استتر كل فارس منهم بشجرة خشية أن تراهم زرقاء اليمامة ، كما كانت ترى العدو فتحذر قومها ، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة ثم أخذوا الزرقاء فقلعوا عينيها لمنع انتفاع قومها منها ، فماتت بعدها بأيام .
وجاء الإسلام ليمنع هذا الغزو ويحرمه ، ويجعل صاحب البصر الحاد يسخره بالاستهلال في شهر رمضان من الأشهر القمرية الأخرى ، قال تعالى [َمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ…] ( ).
وقيل لو رآى الهلال حال البصر من بين قومه لا تكفي رؤيته .
والمختار أنها تكفي إذا رآى الهلال شاهدان عدلان ، فحدة البصر نعمة خاصة ينتفع منها عامة المسلمين في أمور عباداتهم ومعاملاتهم .
معبد الخزاعي
كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه متوجهين صوب حمراء الأسد على ثمانية أميال من المدينة إذ وصلها يوم الإثنين السابع عشر من شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة وبقي فيها الثلاثاء والأربعاء ، ومرّ بهم معبد بن أبي معبد الخزاعي ، وهو لا زال على شركه ، ولكن خزاعة كانوا على مودة وصلة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يخفون عنه شيئاً , فجاء معبد إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأظهر عزاءه ومواساته للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لما لحقه وأصحابه .
وقال : يا محمد أما والله لقد عزّ علينا ما أصابك في أصحابك ولوددنا أن الله عافاك فيهم ) ( ).
ولم يذكر معبد جراحات النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما اختص كلامه بالشهداء الذين قتلوا في معركة أحد ، لأن الجراحات والكلوم تشفى ولأنها ليست برزخاً وحاجباً دون توالي نزول آيات القرآن وانتفاع الناس منها .
وقد واسى معبد النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بالشهداء ، وفيه نكتة وهي معرفة العرب لقانون وهو حب النبي محمد لأصحابه واخلاصهم له وتسليمهم برسالته ، قال تعالى [مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا] ( ) .
وفي هذه المواساة مسائل :
الأولى : إدراك العرب بأن كفار قريش هم الغزاة وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم واصحابه في حال الدفاع .
الثانية : الخسارة الفادحة التي لحقت النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين .
الثالثة : بقاء المسلمين في حال عز وقوة بحيث يقدم الناس لهم التعازي من غير خشية من جيش الذين كفروا .
الرابعة : موالاة قبيلة خزاعة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الخامسة : وصول الأفراد من المشركين إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن غير حواجز أو حاجب ، إذ كان معبد مشركاً .
السادسة : تكلم معبد بصيغة الجمع : عز علينا .. .
السابعة : إظهار معبد النصح للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والشد على عضده .
الثامنة : معرفة عامة العرب بما لحق النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من الخسارة .
التاسعة : إزدراء واستهجان العرب للتعدي والظلم الصادر من الذين كفروا .
العاشرة : عدم ذكر معبد لجراحات النبي صلى الله عليه وآله وسلم شاهد على تفضل الله عز وجل بشفائه منها ، وأنها لم تكن مانعاً من قيامه بوظائف النبوية والإمامة .
ولان التعزية على الشهداء تتضمن أيضاً المواساة على الجراحات .
ثم غادر معبد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتوجه في طريقه صوب مكة فوجد أبا سفيان وأصحابه في الروحاء وقد أجمعوا الرجعة لغزو المدينة ، وقتل وإبادة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه واستئصال بيضة الإسلام .
فسأل أبو سفيان معبداً : (ما وراءك يا معبد ؟)( ).
ومن عادة أبي سفيان الحيطة والحذر بكثرة السؤال في الطريق ، والإستفسار من الركبان عندها أظهر معبد ميله إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسعى في الحيلولة دون الفتنة فقال ،(قَالَ مُحَمّدٌ قَدْ خَرَجَ فِي أَصْحَابِهِ يَطْلُبُكُمْ فِي جَمْعٍ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ قَطّ ، يَتَحَرّقُونَ عَلَيْكُمْ تَحَرّقًا ، قَدْ اجْتَمَعَ مَعَهُ مَنْ كَانَ تَخَلّفَ عَنْهُ فِي يَوْمِكُمْ وَنَدِمُوا عَلَى مَا صَنَعُوا ، فِيهِمْ مِنْ الْحَنَقِ عَلَيْكُمْ شَيْءٌ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ قَطّ) ( ).
قال: ويلك ما تقول ؟ قال: والله ما أراك ترتحل حتى ترى نواصي الخيل.
قال: فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل شأفتهم.) ( ).
وكأن ابا سفيان استشار معبداً ، وأطمئن إليه فيما يخبره به ، وهذا الإطمئنان ليس عن سذاجة إنما عن خبرة ومعرفة بحال المسلمين وطاعتهم لله ورسوله ، وجهادهم في الدفاع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وعن المدينة واستبسالهم في دفع المشركين عنها .
وأراد معبد أن يبعد الفتنة ، ويصرف المشركين عن اللقاء ، ويرغّبهم بالعودة إلى مكة راضين بنتائج معركة أحد ، وكان أبو سفيان كقائد يتجنب الوقوع بخسارة فادحة مثل التي وقعت فيها قريش في معركة بدر ، وهلاك طائفة من رؤسائهم إذ أن عودته إلى مكة من معركة أحدمن غير خسارة فادحة مثل التي حصلت لقريش في معركة أحد تحسب له .
لقد كان تعجيل أبي سفيان بعودة الجيش من معركة أحد تعريضاً بأبي جهل وأصحابه الذين أصروا على القتال في معركة بدر مع أنه أرسل لهم رسالة بأن القافلة سلمت وقاربت مكة فأرجعوا ولا تقاتلوا المسلمين ، ولكنهم أصروا على القتال وسقط منهم سبعون قتيلاً وأسر منهم سبعون .
فقال معبد : فأني أنهاك عن العودة إلى قتال المسلمين .
فاتخذ أبو سفيان قول معبد حجة وذريعة لسلامة جنوده والظاهر أن كلام معبد مع أبي سفيان لم يكن على انفراد أو في خلوة ، إنما كان بحضرة عدد من أصحابه وهو الذي اختاره معبد لبعث الخوف في قلوبهم ولصرفهم عن الرجوع لمحاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، وهذا الإختيار من مصاديق قوله تعال [وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا] ( ) ، وهل من موضوعية لقوله تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ] ( ) في إمتناع أبي سفيان عن الرجوع إلى قتال المسلمين .
الجواب نعم فلم يكن التلاوم بين قيادات جيش المشركين والإستماع إلى نصيحة معبد إلا فرع هذا الرعب والخوف ، والشواهد بحضور الملائكة لنصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
وأراد معبد تأكيد كلامه ، وتوثيق ما أدّعى رؤيته شعراً لأنه أكثر إشراقة وأقرب إلى الإفهام والإدراك ، وهو سبب للإصغاء والتدبر في معانيه ، (قَالَ وَاَللّهِ مَا أَرَى أَنْ تَرْتَحِلَ حَتّى أَرَى نَوَاصِيَ الْخَيْلِ قَالَ فَوَاَللّهِ لَقَدْ أَجَمَعْنَا الْكَرّةَ عَلَيْهِمْ لِنَسْتَأْصِلَ بَقِيّتَهُمْ . قَالَ فَإِنّي أَنَهَاك عَنْ ذَلِكَ فَالَ وَاَللّهِ لَقَدْ حَمَلَنِي مَا رَأَيْت عَلَى أَنْ قُلْت فِيهِمْ أَبْيَاتًا مِنْ شِعْرٍ .
قَالَ أبو سفيان وَمَا قُلْت ؟ قَالَ قُلْت :
كَادَتْ تُهَدّ مِنْ الْأَصْوَاتِ رَاحِلَتِي … إذْ سَالَتْ الْأَرْضُ بِالْجُرْدِ الْأَبَابِيلِ
تَرْدِي بِأُسْدِ كِرَامٍ لَا تَنَابِلَةٍ … عِنْدَ اللّقَاءِ وَلَا مِيلٍ مَعَازِيلِ
فَظَلّتْ عَدْوًا أَظُنّ الْأَرْضَ مَائِلَةً … لَمّا سَمَوْا بِرَئِيسِ غَيْرِ مَخْذُولِ
فَقُلْت : وَيْلُ ابْنِ حَرْبٍ مِنْ لِقَائِكُمْ … إذَا تَغَطْمَطَتْ الْبَطْحَاءُ بِالْخَيْلِ
إنّي نَذِيرٌ لِأَهْلِ الْبَسْلِ . ضَاحِيَةً … لِكُلّ ذِي إرْبَةٍ مِنْهُمْ وَمَعْقُولِ
مِنْ جَيْشِ أَحْمَدَ لَا وَخْشِ تَنَابِلَةٍ … وَلَيْسَ يُوصَفُ مَا أَنْذَرْت بِالْقِيلِ
) ( ).
وقوله (تَغَطْمَطَتْ الْبَطْحَاءُ بِالْخَيْلِ) استعارة من العظمة وهي اضطرار الأمواج ، وصوت غليانها وصوت غليان القِدر ، قال ابن منظور (والتَّغَطْمُطُ والغَطْمَطِيطُ الصوتُ وسمعت للماء غُطامِطاً وغَطْمَطِيطاً قال وقد يكون ذلك في الغَلَيانِ وغَطْمَطَتِ القِدْر وتغَطْمَطَت اشْتَدَّ غَلَيانُها والمُغطْمِطةُ القِدْر الشديدةُ الغَلَيانِ والتَغَطْمُطُ صوت معه بحَح) ( ).
ووصف معبد فطنة وبسالة أصحاب النبي وأخبر عن قانون وهو عصمة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الخسارة المستديمة والخذلان ، فالله عز وجل هو ناصره ولا يتركه كما قال تعالى [ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ ما قَلى] ( )وأن أصحابه يتفادون ويتدافعون في الدفاع عنه .
ثم توجه معبد بانذاره إلى أبي سفيان خاصة وكأنه يقول له انج بنفسك وجيشك ولا تتحمل خسارتهم وما يحل بهم من المصائب .
ويحتمل إختيار أبي سفيان العودة وجوهاً :
الأول : رجحان عقل أبي سفيان وأصحابه على أبي جهل وأصحابه الذين أصروا على القتال في معركة بدر .
الثاني : إتعاظ أبي سفيان وأصحابه من وقائع معركة بدر ، وهلاك طائفة منهم وأسر المسلمين لمثل عددهم .
الثالث : سريان الرعب في قلوب جيش الذين كفروا فيدرك أبو سفيان وقادة الجيش عدم ترتب النفع عن العودة إلى القتال .
الرابع : خشية رؤساء الشرك من إنقلاب الأتباع عليهم .
الخامس : كثرة الجنود المستأجرين في جيش أبي سفيان إذ أنهم أكثر من ضعف عدد أفراد الجيش الأصلي ، ومن الصعب تكليف عامة الجيش حينئذ بالرجوع إلى القتال .
السادس : حضور هزيمة المشركين في بداية معركة أحد في الوجود الذهني لعامة المشركين ، ومن معاني [تَحُسُّونَهُمْ] في قوله تعالى [إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ] ( )أي (تقتلونهم قتلا ذريعاً سريعاً شديداً.

قال الشاعر :
حسسناهم بالسيف حسّاً فأصبحت
بقيتهم قد شردوا وتبددوا
وقال أبو عبيدة : الحس الاستيصال بالقتل،
يقال : جراد محسوس إذا قتله البرد،
وسَنَة حسوس إذا أتت على كل شيء.
قال روبة :
إذا شكونا سنة حسوساً
تأكل بعد الأخضر اليبيسا) ( ) .
السابع : صبر وثبات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ميدان المعركة ، وأنكشاف اشاعة قتله سبب لبعث اليأس والقنوط في قلوب المشركين والرغبة في عدم العودة للقتال .
الثامن : عدم عودة المشركين إلى القتال من معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم الغيرية في السنة الدفاعية .
وباستثناء الوجه الأول فان الوجوه الأخرى كلها من المصاديق والشواهد على عدم رجوع جيش المشركين إلى ميدان معركة أحد أو غزو المدينة وأن همّوا به لبيان قانون من فضل الله عز وجل في التخفيف عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وهو عدم تكرار المشركين الغزو عليهم .
هل يوجد مسلم مع جيش المشركين في أُحد
من خصائص بعثة الأنبياء أن دعوتهم إلى التوحيد تنفذ إلى شغاف القلوب ، وأنها تدخل البيوت ، ومن أسرار المعجزة العقلية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن آيات القرآن حضرت في المنتديات ، وفي الأسواق ، وجرت على السنة الركبان .
وبينما كانت قريش تتطلع لكثرة المعتمرين ووفد الحاج ويقومون بسقايتهم وتيسير أمورهم ، كما كانت أسواقهم تزدهر في أيام الحج والعمرة ، صارت قريش تحس بالغيظ عند الموسم وكثرة الوافدين على مكة لأمنهم يخرجون ببضاعة عقائدية وهي آيات القرآن .
وهل يختص هذا الأمر بما قبل هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، الجواب لا ، إنما يشمل ما بعد الهجرة ، وكان للمسلمين من قريش وعموم أهل مكة الأثر في الدعوة والتبليغ بآيات القرآن ، ومنهم أبناء المشركين ، إذ دخل الإسلام بيوت مكة ، وإذا نزلت آية أو آيات على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تناقلوها وتدبروا في معانيها ، وتلوها على الناس خاصة الذين يأتون للحج والعمرة .
لقد علم بعض رؤساء الكفر باسلام ابنائهم ، فآذوهم وحبسوهم كما في أبي جندل بن سهيل بن عمرو فقد حبسه أبوه في مكة ، وقام بتعذيبه ، وحضر في صلح الحديبية بحجل في قيوده كما تقدم ذكره وه يستغيث بالمسلمين ، وهل كان قيامه والمسلمين بالتبليغ في نشر الإسلام في مكة سبباً في تقييده وحبسه من قبل أبيه أم أن الأمر ينحصر باسلامه ، وإرادة أبيه سهيل بن عمرو تركه للإسلام ، المختار هو الأول ، فقد أفزع كفار قريش قيام أبنائهم بالحرص على أداء الصلاة ودعوة الناس غلى الإسلام ، ونبذ الإصنام التي كانت منصوبة في مكة .
وهل يحتمل وجود مسلمين من ضمن الآلاف الثلاثة من جيش المشركين والذين حضروا معركة أحد .
الجواب نعم ، ومنهم أبناء للمشركين الذين أخرجهم آباؤهم معهم قهراً وهم على أقسام :
الأول : الأبناء الذين أظهروا اسلامهم .
الثاني : الأبناء الذين أخفوا إسلامهم .
الثالث : الذين دخلوا الإسلام في طريق المعركة .
وهم على أقسام :
الأول : الذين اسلموا في الطريق بين مكة وجبل أحد .
الثاني : الذين اسلموا في ميدان معركة أحد .
الثالث : الذين اسلموا في طريق العودة من معركة أحد ، ولا يختص الأمر بالأبناء بل يشمل غيرهم .
فمن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم توالي دخول أفراد وجماعات من الناس كل يوم في الإسلام ، وكأن هناك نوع ملازمة وتداخل بين نزول آيات القرآن بالتدريج وبين دخول الناس الإسلام بالتتابع ليتم نزول آيات القرآن بقوله تعالى [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا] ( ) وينزل قوله تعالى بخصوص الأفواج التي دخلت الإسلام [إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً] ( ) .
وهناك مسألتان :
الأولى : هل كان للمسلمين الذين في جيش المشركين موضوعية وأثر في عودة الجيش إلى مكة مسرعين .
الثانية : هل من أثر للأفراد والجماعات المستأجرة بعودة الجيش السريعة إلى مكة .
الجواب نعم فمن الفوارق بين جيش المسلمين وجيش الكفار هو أن جيش المسلمين متآلف ، تتغشاهم الأخوة لقوله تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ] ( ) كما تجمع بينهم طاعتهم لله والرسول قبل وأثناء وبعد المعركة ، وهو الذي تجلى بقوله تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ] ( ).
وتجمع بينهم الإستجابة لله والرسول كما في قوله تعالى [الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ] ( ).
فصحيح أن الآية أعلاه تخص كتيبة حمراء الأسد إلا أنها تشمل خروج المسلمين إلى معركة أحد من باب الأولوية من جهات :
الأولى : لقد خرج المسلمون إلى معركة أحد من المدينة في سلامة في أبدانهم ، أما في كتيبة حمراء الأسد فقد كان أكثرهم جرحى ، وجراحاتهم بليغة ، إذ كان هذا الخروج بعد معركة أحد بيوم واحد .
الثانية : نعت الصحابة في الخروج إلى معركة أحد بالمؤمنين ويدل بالدلالة التضمنية على استجابتهم لله ولرسوله ، وفي الآية بشارة طاعتهم لله والرسول في الخروج إلى حمراء الأسد .
الثالثة : لقد استجاب أصحاب النبي لأمر الله ورسوله بالخروج إلى معركة أحد ، وإتخاذ مواضع للقتال ، فقوله تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ] ( ) شاهد على أن الصحابة استجابوا للرسول في إتخاذهم المواضع والأماكن الخاصة بهم في المعركة ، سواء كانوا في :
الأولى : المقدمة .
الثانية : الميمنة .
الثالثة : القلب .
الرابعة : الميسرة .
الخامسة : الساقة .
وكان جيش المشركين من حيث الجهة التي جاءوا منها على أقسام :
الأول : الذين خرجوا من مكة .
الثاني : الذين وفدوا على مكة ثم خرجوا مع الجيش منها من القبائل المحيطة بمكة مما استلزم إنفاق قريش عليهم .
الثالث : الذين التحقوا بالجيش من الطريق مثل ثقيف .
وأيهم هو الأكثر عدداً من الأقسام أعلاه ، المختار هو الأول ، فان قلت قد ورد بأن أبا سفيان استأجر ألفين للقتال في معركة أحد ، الجواب هذا لا يتعارض مع كون بعض المستأجرين من داخل مكة ، أو أنه جاء لأداء العمرة ولقضاء بعض الحوائج فخرج معهم أو حضر لقاء المال , أما التبرع لمحاربة النبي صلى الله عيل وآله وسلم فهو بعيد .
وكان لرغبتهم بالرجوع إلى أهليهم , والخوف الذي يملأ قلوبهم أثر في تعجيل جيش المشركين العودة .
لقد كان المشركون يرغمون أبناءهم على الخروج معهم كما في معركة بدر , ليكون هذا الأمر في معركة أحد من باب الأولوية.
تردد شطر من المشركين في القتال
يحتمل قتال المشركين في معركة أحد وجوهاً :
الأول : اشتراك أكثر جيش المشركين في القتال .
الثاني : كل أفراد جيش المشركين قاتلوا يوم أحد , قال تعالى [وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ]( ).
الثالث : لم يقاتل إلا الشطر الأقل من جيش المشركين ، والصحيح هو الثالث ، لأن أكثرهم مستأجرون .
وهو من رشحات معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقيامه بالتبليغ قبل الهجرة ، إذ بقي ثلاث عشرة سنة بعد البعثة النبوية في مكة ، ولم يهاجر إلا عندما أراد المشركون قتله في فراشه ، وليس ثمة مدة بين قرب أوان شروع المشركين بالإغتيال وبين الهجرة ، إذ هاجر في ذات الليلة التي أراد المشركون مع أنه سبب لإنكشاف هجرته , وسعي قريش للحاق به وجعل الجوائز لمن جاء به وبصاحبه .
ليكون من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عزوف الناس عن محاربته , والإمتناع عن اقتال وان حضروا ميدان المعركة وهو من موضوع التلاوم بين الكفار يومئذ .
وقد علم أهل مكة والقبائل أن النبي ً لم يهاجر إلا عندما أرادت قريش قتله في ليلة الهجرة نفسها , وعدم هجرته إلا في ذات الليلة التي أراد المشركون فيها قتله شاهد على إرادته السلم المجتمعي مع تعرضه للخطر في طريق الهجرة واحتمال تعرض الإمام علي عليه السلام للقتل ، فقد يكون من خطة قريش الهجوم المباغت وقتله من غير تفحص .
ومن معاني المعجزة في المقام وجوه :
الأول : حفظ الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في طريق الهجرة .
الثاني : سلامة الإمام علي عليه السلام من القتل ، مع أنه نام في فراش النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وهذا الحفظ والسلامة من مصاديق قوله تعالى [فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ] ( ) .
الثالث : إقامة الحجة على الذين كفروا بأن هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إضطرار وضرورة .
الرابع: ميل الناس للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأدراكهم للمعجزة الحسية في نجاته من بطش قريش ، قال تعالى [وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ] ( ).
الخامس : إتخاذ الدعوة الى الإسلام صفة العلنية من جهات:
الأولى : ذات الدعوة الى الله تكون علنية .
الثانية : الإخبار عن نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالثة : تبليغ آيات القرآن للناس ، وتوثيق هذه الآيات خاصة مع توالي نزول الآيات والسور من الله عز وجل، فتساعد الدعوة العلنية ووجود شأن وسلطان للمسلمين في الدية على حفظ هذه الآيات وتسابق المسلمين في كتابتها والتدبر في مما فيها ودلالاتها .
الرابعة : بناء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المسجد النبوية في معجزة حسية له ، وقد ورد في موسى عليه السلام قوله تعالى [وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً]( )، إذ كان بنو اسرائيل يخسون من فرعون وقومه فلا يؤدون الصلاة بمحضر منهم لأمور :
الأول : إدعاء فرعون الربوبية في مصر ، وفي التنزيل حكاية عنه [فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى]( ).
الثاني : إرادة بني اسرائيل قيام بني اسرائيل باعمال الخدمة على مدار الساعة سواء في الزراعة أو الصناعات .
الثالث : تبين الصلاة قانوناً وهو أن بني اسرائيل أمة مستقلة ومنفصلة عن آل فرعون وأهل الممكلة مما يزيد في غيظ وحنق فرعون وقومه على بني اسرائيل ، وعن ابن عباس في قوله تعالى [وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً]( )، قال قبل الكعبة.
الرابع : تعاهد الأنبياء والمسلمين في كل زمان المساجد حتى في الدعوة السرية الى الله عز وجل وفي التنزيل [وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا]( ).
الخامس : بشارة الإذن من الله عز وجل لموسى وقومه بمغادرة مصر والنجاة من بطش وأذى فرعون وقومه .
وقد أنعم الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن يصل قبل الهجرة في البيت الحرام ، حتى إذا ما هاجر قام ببناء المسجد النبوي ليكون ثاني أكبر مسجد في الإسلام بعد المسجد الحرام وترد الأحاديث النبوية في فضله ، وبين بيان فضل المسجد الحرام والمسجد النبوي عموم وخصوص مطلق ، فأخبار وقدسية المسجد الحرام وردت في القرآن والسنة قال تعالى [سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ]( )، كما وردت أحاديث نبوية بخصوص المسجد الحرام منها:
كما وردت أحاديث نبوية عديدة بخصوص المسجد النبوي منها:
عن بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال صلوة في مسجدي هذا افضل من الف صلوة في غيره من المساجد الا المسجد الحرام( ).

ومن الآيات أن المسجد الحرام ورد باسم البيت الحرام في القرآن كما في قوله تعالى [إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِين]( ).

ومن خصائص الحياة الدنيا وجود أمة مؤمنة في كل زمان ، وتتسع وتزداد هذه الأمة أو ينقص أفرادها وجماعتها ، ويتضمن قوله تعالى [الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ] ( ) الثناء على المؤمنين باتصافهم بالإستجابة وإن تعددت الأوامر التي تأتي من الله ومن رسوله ، سواء في التكاليف العبادية أو في الصبر والدفاع ، وفي الأوامر والنواهي .
وفي الآية بلحاظ قانون (لم يغز النبي ص أحداً) وهي تحقق الإستجابة من المؤمنين بالخروج في الكتائب والسرايا من دون أن تصل النوبة للقتال .
ترى ما هي النسبة بين التقوى والإستجابة ، الجواب هو العموم والخصوص المطلق ، فالتقوى أعم ، لذا جمعت الآية بين الإخبار عن الإستجابة لله والرسول ، وبين صفة الإيمان .
وفي الآية بشارة الأجر العظيم في الدنيا والآخرة للصحابة في خروجهم إلى حمراء الأسد مع كثرة جراحاتهم ، قال تعالى [لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْا بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ] ( ) .
ومن خصائص الآية القرآنية أنها تتضمن البشارة والإنذار في منطوقها أو مفهومها أو هما معاً ، وجاء قوله تعالى [الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ] ( ) بالبشارة في منطوقها ، لتتجلى مفاهيم عديدة منها :
الأول : دعوة الناس للإسلام .
الثاني : الزجر عن محاربة النبوة والتنزيل .
الثالث : بغض الله عز وجل للذين يحاربون على الباطل ، ويريدون الرجوع إلى ميدان المعركة .
الرابع : ترغيب الناس بالإسلام .
الخامس : تحذير الذين كفروا من العودة للقتال .
السادس : إنذار مشركي قريش ، وتأكيد ما يلحقهم من الإثم بسبب إقامتهم على الكفر والجحود .
السابع : بعث الخوف في قلوب الذين كفروا .
الثامن : الإخبار عن إيمان الصحابة , وبعث اليأس في قلوب الذين كفروا من إحتمال إرتدادهم .
قانون امتناع النبي عن الهجوم معجزة
لقد أنعم الله عز وجل على الإنسان وجعله [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ).
ومن خصائص الخلافة النبوة , وفي قول أن الأنبياء على وجه الخصوص هم خلفاء الله عز وجل في الأرض إذ يبلغون رسالة الله عز وجل للناس , والله عز وجل قادر على أن يكلم الناس شفاها فيسمعون الأوامر والنواهي العامة منه سبحانه من غير واسطة ملك أو بشر مثلهم , والله سبحانه قادر على أن يُسمع كل إنسان ما يخصه , ويصلحه في أمور الدين والدنيا , وقد جعل الله سبحانه الحياة الدنيا دار امتحان واختبار وابتلاء ، قال تعالى [أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ]( ).
فتفضل الله وبعث الأنبياء وجعلهم وسائط بينه وبين الناس , فأمدهم بالعون والنصرة , ومنه المعجزة إذ صاحبت المعجزة كل نبي ورسول , فالمعجزة هبة الله عز وجل للأنبياء وبواسطتهم للناس جميعاً , ونعمة تفضل الله عز وجل بها على الناس , وهيئ لهم مقدمات الانتفاع منها وإتخاذها وسيلة للهداية وطاعة الله عز وجل.
وهل المعجزة من الصراط في قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( ), الجواب نعم , ومن أسرار تلاوة كل مسلم ومسلمة هذه الآية في كل ركعة من الصلاة اليومية تصديقهم بمعجزات الانبياء الحسية والعقلية .
نعم لم يذكر القرآن كل معجزات الأنبياء , ولكنه جاء بما يدل على قانون الملازمة بين المعجزة والنبوة , ليتبادر إلى الذهن عند ذكر الأنبياء الأمور الخارقة التي جرت على أيديهم .
ومع أن المعجزة أمر خارق للعادة فقد استقبلها الذين كفروا بالتكذيب ونسبوها إلى السحر , مع أنها تتحداهم في الأمر الذي يبدعون فيه بتجلي عند عامة الناس ويولونه عناية فائقة , ويشيرون إلى المبرزين فيه , فتأتي المعجزة لجذبهم فيرمون النبي بأنه ساحر .
وفي التنزيل [كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ] ( ).
كأن الكفار ومع التباين في الأماكن والأزمنة قد تواطئوا على هذا الإفتراء ، وهل انقطع هذا القول بانقطاع النبوة بمغادرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى أم أنه باق ويتجدد في بعض الأزمنة والأمكنة .
الجواب هو الثاني , فاثبات شئ لشئ لا يدل على نفيه عن غيره ويتقوم السحر بالتمويه والخفة والخداع , ومحاولة تخيل الشئ على غير حقيقته , وقد يكون له تأثير ضار على الأبدان .
أما بالنسبة للمعجزة فهي حقيقة وأمن وسلامة للعقول والأبدان.
وكلما تدبر فيها الإنسان أدرك أنها أمر خارق للعادة , وسالم من المعارضة إذ تتصف بالتحدي , وليس لها معارض ولا يستطيع السحرة محاكاتها .
وينقسم السحر إلى قسمين :
الأول : السحر التخيلي الذي ليس له حقيقة إنما هو خداع وتمويه وخفة كما في قوله تعالى [فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى] ( ), مع أنها لم تتحرك وتسعى ولم تفارق صورتها .
الثاني : السحر الحقيقي : وهو الذي له مبرز وأثر خارجي , فقد يغير المزاج , ويبدل الميل إلى صدور أمر بالعكس , ومنه ما ورد في التنزيل [فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ]( ).
والسحر وفعله حرام , وكذا مزاولته .
أما المعجزة فان الإنسان لا يقدر على تعلمها او تعليمها , إنما هي خاصة بالأنبياء والتصديق بها حسنة , وكذلك نشرها وإبلاغ الناس بها , وهل يدخل فيه تلاوة الآية القرآنية , الجواب نعم مع التسليم بنزولها من عند الله عز وجل .
قانون إحصاء آيات الصلح في القرآن
الحمد لله الذي جعل الحياة الدنيا تتقوم بالصلح والوئام ، وهذا الصلح على وجوه :
الأول : الصلح بين الزوجين كما في قوله تعالى [وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا]( ).
الثاني : الصلح بين المتخاصمين وأطراف النزاع .
الثالث : المصالحة بين الطوائف المتقابلة .
الرابع : الصلح , ووقف القتال بين المؤمنين والذين كفروا ، وفيه شواهد من حياة الأنبياء .
الخامس : حال السلم التي تسبق القتال والتي تتعقبه .
السادس : الصلح بين الدول في هذا الزمان .
السابع : الصلح بين أبناء الملة الواحدة والبلد الواحد ، قال تعالى [وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ] ( ).
الثامن : الصلح بين الشركاء في العمل وعند فك الشركة .
التاسع : الإستعداد للصلح عند ظهور أمارات الخلاف .
ومن خصائص الصلح التنازل عن بعض الحقوق أو التي يرى أي طرف أنه يستحقها وتكون محل نزاع ، وهل في قوله تعالى [الصُّلْحُ خَيْرٌ]( ) وعد من عند الله عز وجل للذين يختارون الصلح بالعرض والبدل.
الجواب نعم ، وهل يشترط في إختيار الصلح قصد القربة ، الجواب لا ، لورود الآية بصيغة الإطلاق .
وتبين السنة النبوية أولوية الصلح والوئام وإجتناب القتال مع الكفار ، قال تعالى [ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ] ( ) ومن الشواهد صلح الحديبية ، فقد خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون ولم يكونوا يحملون الأسلحة ، ولم يتخذوا الدروع ، إنما كان سلاحهم الدعاء وتلاوة القرآن ودرعهم لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك .
وأرسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين يديه عيناً من خزاعة ليخبره عن قريش ومكرهم إذ علموا بتوجهه وأصحابه إلى مكة لأداء العمرة .
فجاءه العين الذي بعثه وقال (إني قد تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد جمعوا لك الأحابيش وجمعوا لك جموعا وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت) ( ).
وفيه معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن أخبر عن أمر من علم الغيب لما في هذا الخبر أمور :
الأول : النجاة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه.
الثاني : إنه سبب في زيادة إيمان الصحابة .
الثالث : بيان بركة البيت الحرام إذ يتوجه له النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه للإعتماد في أخبار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هذا من عمومات قوله تعالى [إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ] ( ) .
الرابع : بيان حجة وبرهان على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الخامس : تفويت الفرصة على الذين كفروا .
السادس : بعث الخوف في قلوب الذين كفروا إذ أدركوا أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه غيّروا طريقهم بفضل وآية من عند الله ، وهو من مصاديق قوله تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ] ( ) .
وعن (أنس، قال: لما كان يوم الحديبية هبط على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ثمانون من أهل مكة في السلاح من قبل التنعيم يريدون غرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فدعا عليهم فأخذوا، ونزلت: ( وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة)( ).
إحصاء آيات الإصلاح
الإصلاح التقويم وإزالة الإعوجاج ، ومنع الإنحراف ، وهو ضد الفساد ، قال تعالى [وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا] ( ) لبيان قانون الأصل الصلاح وأن الفساد عرض منهي عنه ، ويمكن القول أن الدنيا (دار صلاح) وإبتدأت عمارة الأرض بقوله تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ) فلابد من الملازمة بين الخلافة والصلاح ، وهو الذي تجلى في سيرة وعمل آدم عليه السلام .
وجاء الفساد بقتل قابيل لأخيه هابيل وتفضل الله عز وجل يبعث الأنبياء وانزل الكتب السماوية لإصلاح الناس ، ودفع أسباب ومقدمات الفساد .
فمن خصائص الأنبياء العصمة ، ومن فروع العصمة في المقام :
الأول : الإستقامة في القول والعمل .
الثاني : التنزه عن الذنوب كبائرها وصغائرها .
الثالث : بذل الوسع في إصلاح الناس .
الرابع : الإجتهاد في النصح والتبليغ والدعوة إلى الله .
الخامس : تحمل الأذى في الإصلاح .
وفي شعيب ورد في التنزيل [إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ] ( ) وقد تحمل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أشد الأذى في الإصلاح .
ولقد أراد الله عز وجل الرحمة والبركة والإصلاح لأهل مكة فجعل [أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ] ( ).
لقد نفخ الله عز وجل في الإنسان من روحه كما في آدم عليه السلام إذ قال تعالى [فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا] ( ).
ليكون عند الإنسان ملكة الإستجابة للحق وأسباب الهدى ، ويصير هناك نوع تداخل وتكامل بين الصلاح والإصلاح ، فالصالح يدعو إلى الصلاح من جهات :
الأولى : الدعوة الصامتة بذاته وامتناعه عن فعل السيئات ، وهل هذه الدعوة من إنكار المنكر بالقلب ، الجواب لا ، لأنها لا تختص برؤية وأوان فعل الغير المنكر .
و(عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان ) ( ).
الثانية: الدعوة إلى الصلاح بالتقيد بآداب وسنن الصلاح شرعاً وعقلاً ، لما فيه من البيان الفعلي لقدرة الإنسان على فعل الصالحات ، وتحبيب عملها إلى النفوس وميل الناس إلى صاحبها قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَنُ وُدًّا] ( ).
الثالثة : الأمر بالمعروف والأخلاق الحميدة والإستقامة والنهي عن سفك الدماء وعن الظلم والتعدي وعن فعل الموبقات .
ترى ما هي الخصوص مطلق ، فذات الصلاح إصلاح للذات وهو دعوة للغير للتنزه عن الفساد ، كما أنه دعوة للإصلاح الخاص والعام .
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا مزرعة للصلاح وأخبر سبحانه عن الثواب العظيم على فعل الصالحات ، وأنذر بالعذاب الأليم للذين يرتكبون السيئات ، قال سبحانه [فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ] ( ).
وهل يمكن القول بأن كل آية القرآن دعوة إلى الإصلاح ، الجواب نعم ، وهو لا يتعارض مع إحصاء آيات الصلاح إذ يترشح معنى الإصلاح من صبغة التنزيل للآية القرآنية ، وفيه شاهد على حب الله عز وجل للناس جميعاً بأن يطهر نفوسهم ، ويصلح أعمالهم , وقد أنعم الله عز وجل على المسلمين بأن يتلو كل مسلم ومسلمة سبع عشرة مرة كل يوم قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( ) .
فمن الصراط المستقيم في المقام أمور :
الأول : الصلاح .
الثاني : الإصلاح .
الثالث : تهيئة مقدمات الإصلاح .
الرابع : إجتناب معوقات وموانع الإصلاح .
الخامس : الترغيب بالصلاح .
السادس : تلاوة آيات الصلاح .
الثامن : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
لقد جعل الله عز وجل التنزيل وسنن الأنبياء مناهج للصلاح ، لذا فيحتاج الناس القرآن والسنة النبوية لإتباع سبل الصلاح .
ومن الآيات التي تنص على الإصلاح [وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي] ( ) وهي آية مرسلة عامة لتأديب المسلمين على الدعاء والحسن الذاتي لصبغة العموم فيه سواء من جهة الداعي أو المدعو لهم ، ولا تختص بالأولاد الصلبيين .
ومن إعجاز القرآن نسبة الإصلاح إلى الذات في الذرية بحيث ينتفع ذات الداعي من ذريته حتى بعد موته (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: من ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية من بعده، أو علم ينتفع به)( ) .
ويدل عليه قوله تعالى[إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ] ( ).

قانون تصديق النبوة
لقد ورد وصف الجاهلية في السور المدنية من القرآن , ومنه قوله تعالى[وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى]( ) وقوله تعالى [أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ] ( )
وصار مصطلح الجاهلية يطلق على المفاهيم والعادات المذمومة السائدة عند الأمم قبل الإسلام لبيان أن الإيمان خير محض وإنقاذ للناس من الجهالة والضلالة .
ولم تكن الجهالة محصورة بعرب الجزيرة العربية بل كان التخلف يسود المجتمعات ومنه شيوع الإستعباد والقسوة على المرأة ، ومنعها من الإختيار ، ومن الميراث ومنه عبادة الأوثان ، فجاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالدعوة إلى الله عز وجل وإحياء ما جاء به الأنبياء السابقون والتنزه عن الشرك ومفاهيم الضلالة ، ولم يكن إنكار النبوة مستحدثاً أوان بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إنما كان سابقاً لها سواء في الجزيرة أو خارجها .
وقد خفّف الله عن الناس بمصاحبة المعجزة للنبوة ، فلا يبعث الله نبياً إلا والأمر الخارق للعادة ملازم له ، ولابد من إقتران الإيمان ببعثة الأنبياء واتباع نهجهم بالإقرار والتسليم بالربوبية المطلقة لله عز وجل.
قال تعالى [قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ]( )، ولابد من الإيمان بجميع الأنبياء والرسل .
وورد ذكر الإيمان بالنبيين على نحو العموم المجموعي والإستغراقي في قوله تعالى [لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ]( ) .
وبين الأنبياء والرسل عموم وخصوص مطلق ، فكل رسول هو نبي وليس العكس ، ويحرم انكار نبوة واحد منهم إذ أكرمهم الله عز وجل وأنزل عليهم الوحي ، وجاءوا بالشرائع والأحكام ، كما يجب الإيمان بنبوة من ذكر منهم على نحو الإسم والتفصيل ، وقد يأتي لفظ الرسل في القرآن والسنة ويراد منه الأنبياء جميعاً ، كما في حديث عبد الله بن عمر قال (بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل حسن الوجه حسن الشارة طيب الريح .
قال فعجبنا لحسن وجهه وشارته وطيب ريحه فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قام فقال أدنو يا رسول الله قال نعم قال فدنا ثم قام قال فعجبنا لتوقيره النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال أأدنو يا رسول الله قال فدنا حتى وضع فخذه على فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجله على رجله .
ثم قال : يا رسول الله ما الايمان قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والبعث من بعد الموت والحساب والقدر خيره وشره وحلوه ومره .
قال : صدقت قال فتعجبنا لقوله لرسول الله صلى الله عليه وسلم صدقت ثم قال يا رسول الله ما الاسلام قال تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت وتغتسل من الجنابة .
قال : صدقت قال فتعجبنا لتصديقه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال يا رسول الله ما الاحسان قال تخشى الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك قال صدقت قال فتعجبنا لتصديقه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انكفأ راجعا .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بالرجل فطلبناه فلم نجده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا جبريل جاء ليعلمكم أمر دينكم وما أتاني قط إلا عرفته إلا في صورته هذه)( ).
وهناك طوائف انكرت النبوة وغاب عنهم أثر المعجزات التي جاء بها الأنبياء من عند الله عز وجل ، ومن هذه الطوائف :
الأولى : البراهمة : وهم أمة في الهند ، وهم من ولد(برهمي) أحد ملوكهم القدامى ، ويقرون بالتوحيد , وقيل أنهم أنكروا النبوات بدعوة عدم الحاجة اليها ، واذا جاء الأنبياء بما هو حسن عقلاً فيقبل ويفعل حتى وإن لم يأت به النبي ، وأما إذا كان قبيحاً فيرد ويترك حتى وان جاء به نبي ، ولكن النبوة رحمة بالناس ، ونعمة عظمى ومنّة من الله، قال تعالى [لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ]( ) .
وذكر المنّ من الله عز وجل في الآية دعوة للتدبر في منافع النبوة بما يعجز الناس عن إحصائها ومنها سلامة المجتمعات من الفساد والإقتتال الدائم ، وذكر أن البراهمة يقرون بنبوة آدم .
الثاني : الدهرية من العرب الذين لا يقرون إلا بالعالم المحسوس وما فيه من الكواكب والأفلاك ، ويقولون أن العالم دائم لا يتغير ولا يزول .
الثالث : ممن أنكر النبوات معطلة العرب إذ انكروا بعثة الأنبياء من بين البشر وان أقروا بالخالق تعالى ولكنهم عبدوا الأصنام وأظهروا الخشوع إليها لتقربهم إلى الله زلفى .
وفي قوم ثمود ورد قوله تعالى [فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ * أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ]( ). ، وقسّم بعض العلماء التعطيل إلى قسمين :
الأول : التعطيل الكلي وهو الجحود بالخالق والعبودية لله عز وجل .
الثاني : التعطيل الجزئي ، ومنه إنكار النبوات مع الإقرار بالربوبية المطلقة لله عز وجل .
وقال المعطلة أن السحرة وأهل الشعبذة يأتون بمثل ما جاء به الأنبياء فلا يدل على المعجزة ، ولكنه نوع مغالطة ، وتدليس وقياس مع الفارق ، إذ أن أعمال السحر والشعبذة تنطلي على الذي يغرر بهم وسرعان ما تنكشف لأرباب العقول وعامة الناس.
أما المعجزة فهي أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي ، سالم عن المعارضة , فان قلت قد صار في هذا الزمان ما يشابه المعجزة بالعلم الحديث والتقنية العالية ، فمثلاً في مريم كان زكريا يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء ، وفاكهة الشتاء في الصيف كما يدل عليه قوله تعالى [كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ]( ).
فهل هناك تشابه بين المعجزة والعلم الحديث ، الجواب فيه مسائل :
الأولى : تتجلى معاني العلم وتسخيره في نعمة الزراعة المغطاة ونقل الفاكهة من بلد إلى بلد ونحوه .
الثانية : هذه كرامة لمريم وليست معجزة لنبي كما في عصا موسى وضرب على الحجر فيتدفق الماء ، وفي إحياء عيسى الموتى ورد في التنزيل [وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ] ( ).
الثالثة : الفاكهة في الزراعة المغطاة ونحوها انما تطلب وتشترى بثمن ، أما الفاكهة التي كانت ترى عند مريم فانها تأتيها بها الملائكة لتضعها عندها في المحراب.
الرابع : من أسرار نعمة العقل عند الإنسان التمييز بين المعجزة في زمانها ، والنتاج العلمي المتراكم وموضوعية الزمان والسبب المادي والآلة فيه ، وانعدامها في المعجزة التي هي من رشحات قوله تعالى [إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ]( ) .
وهل المعجزة باعث على طلب العلم ، والإجتهاد في الكسب الجواب نعم ، لبيان بركة الأنبياء ونزول القرآن في توثيق معجزات الأنبياء .
وتحتمل معجزات الأنبياء وجوهاً :
الأول : المعجزة مانع من الغزو.
الثاني : لا صلة بين المعجزة وموضوع الغزو .
الثالث : تدعو المعجزة إلى الغزو .
والصحيح هو الأول ، إذ أن المعجزة حرب على الغزو وبرزخ دون وقوعه سواء من المؤمنين أو من قبل المشركين ، ولكن الجاحدين بالتوحيد والنبوة يصرون عليه فتلحقهم الخسارة والخزي , وهل نصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في معركة بدر معجزة الحقت الخزي بكفار قريش الجواب نعم ، فمن انهزم يوم بدر ذليلاً أبو معمر جميل بن حبيب الفهري الذي نزلت فيه قوله تعالى [مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ]( )، وكان من خصاله أنه لبيب ويحفظ ما يسمع .
فقالت قريش ما حفظ أبو معمر هذه الأشياء إلاّ وله قلبان. وكان يقول : إنّ لي قلبين أعقل بكلّ واحد منهما أفضل من عقل محمّد ، فلمّا كان يوم بدر وهُزم المشركون وفيهم يومئذ أبو معمر تلقّاه أبو سفيان بن حرب ، وهو معلِّق إحدى نعليه بيده والأُخرى في رِجله .
فقال له : يا أبا معمر ما حال الناس .
قال : انهزموا .
قال : فما بالك إحدى نعليك في يدك والأُخرى في رجلك،
فقال له أبو معمر : ما شعرت إلاّ أنّهما في رجلي ، فعرفوا يومئذ أنّه لو كان له قلبان لما نسي نعله في يده( ).
وحتى أشرف على مكة ورآه أبو سفيان الذي لم يكن حاضراً لمعركة بدر ، وفيه شاهد بأن الخوف والرعب ملأ قلوب المشركين يوم بدر حتى دخلوا مكة مع أن المسافة بين ميدان معركة بدر وبينها نحو ثلاثمائة كيلو متر.
قانون لم يطلب النبي (ص) قافلة أبي سفيان
من خصائص أيام النبوة امتلاء قلوب الكفار والذين يحاربون النبي بالخوف والفزع وان كانوا في مقامات السلطنة .
لقد توجهت قافلة أبي سفيان من مكة إلى الشام ، ومعها أربعون رجلاً ومنهم :
الأول : أبو سفيان صخر بن حرب (560-652)م.
الثاني : مخرمة بن نوفل .
الثالث : عمرو بن العاص .
وكانت القافلة تتألف من ألف بعير ومعهم الأموال التي يشترون ويتسوقون بها من الشام ، وحتى على القول بأنهم يشترون بالسلف فلابد أن يأخذوا معهم أموال القافلة السابقة والديون التي عليهم كلاً أو بعضا.
وحينما كان أبو سفيان وأصحابه في الشام كانوا يتحسسون الأخبار وأنباء تعرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهم ، وهل كان هناك مكر في الشام مع أبي سفيان بتحريض قريش على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بذريعة تعرضه للقافلة.
الجواب لم يثبت هذا ، ثم أن أبا سفيان بعث عندما صار قريباً من مكة بعث برسالة الى قريش يخبرهم بسلامة القافلة , ويدعوهم للرجوع واجتناب الغزو والقتال.
فان قلت قد ورد قوله تعالى [وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ]( )، والمراد قافلة أبي سفيان لأنها ليس ذات حرب انما كان معها ثلاثون رجلاً ، وفيها ألف بعير محملة بالبضائع ، وسمّي السلاح الشوكة لحدته ، وهذا الود شاهد على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لا يريدون القتال ولا يسعون إليه ، إنما يودون أن تكون القافلة لهم يقتص المهاجرون منها أموالهم وقيمة أملاكهم في مكة .
ومن الصحابة من أكرهته قريش على ترك ماله ، وأخرج الحاكم والبيهقي عن صهيب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : رأيت دار هجرتكم سبخة بين ظهراني حرة فإما ان تكون هجر وإما ان تكون يثرب قال وخرج رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إلى المدينة وخرج معه أبو بكر وكنت قد هممت بالخروج معه فصدني فتيان من قريش فجعلت ليلتي تلك أقوم لا أقعد .
فقالوا قد شغله الله عنكم ببطنه ولم اكن شاكيا فناموا فلحقني منهم ناس بعدما سرت بريدا ليردوني فقلت لهم هل لكم أن أعطيكم أواقي من ذهب وتخلوا سبيلي ففعلوا فسقتهم إلى مكة فقلت احفروا تحت اسكفة الباب فإن تحتها الأواقي وخرجت حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قباء قبل ان يتحول منها .
فلما رآني قال يا أبا يحيى ربح البيع ثلاثا فقلت يا رسول الله ما سبقني إليك احد وما أخبرك إلا جبرئيل عليه السلام( ).
وتحتمل رغبة المسلمين في قافلة أبي سفيان من جهة أفراد الزمان وجوهاً :
الأول : قبل معركة بدر .
الثاني : اثناء معركة بدر .
الثالث : بعد معركة بدر .
الرابع : قبل وبعد معركة بدر.
ومن المتسالم عليه بين العلماء وطبقات المفسرين هو الأول ، لحاجة المسلمين للمال ولنفرة نفوسهم من القتال , والقافلة غنيمة من غير مغرم أما وقد تحقق النصر في معركة بدر ، فلا يبقى موضوع ومناسبة لهذه الرغبة والود.
ولكن لا مانع من شموله للثاني والثالث خاصة وأن الآية وردت بصيغة الفعل المضارع .
ومن خصائص الآية أعلاه [وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ]( )، إرادة صيغة المفرد في الخطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وتقدير الآية : وتود ان غير ذات الشوكة تكون لكم .
فمن خصائص الأنبياء كراهية القتال ، وسفك الدماء وقد كانت المعجزات تترى على يد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وينزل عليه جبرئيل بآيات القرآن ، فتنجذب إليها النفوس .
قال الحافظ أبو بكر بن مَرْدُويه في تفسيره: حدثنا سليمان بن أحمد الطبراني، حدثنا بكر بن سهل، حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا ابن لَهِيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم أبي عمران حدثه أنه سمع أبا أيوب الأنصاري يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بالمدينة: إني أخبرت عن عير أبي سفيان أنها مقبلة فهل لكم أن نخرج قبل هذه العير لعل الله يُغْنمناهَا؟ ” فقلنا: نعم، فخرج وخرجنا، فلما سِرْنا يوما أو يومين قال لنا: ” ما ترون في قتال القوم؛ فإنهم قد أخبروا بمخرجكم؟ ” فقلنا: لا والله ما لنا طاقة بقتال العدو، ولكنا أردنا العير، ثم قال: ” ما ترون في قتال القوم؟ ” فقلنا مثل ذلك فقال المقداد بن عمرو: إذًا لا نقول لك يا رسول الله كما قال قوم موسى لموسى: { فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ } [المائدة: 24]قال: فتمنينا -معشر الأنصار-أن لو قلنا كما قال المقداد أحب إلينا من أن يكون لنا مال عظيم، قال: فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم: { كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ } وذكر تمام الحديث( ).
وفي مسند الحديث ضعف وعبد الله لن لهيعة ضعيف قال ابن معين : ضعيف لا يحتج به .
وتوفي ابو لهيعة يوم الأحد في النصف من شهر ربيع الأول سنة أربع وتسعين ومائة وهو عبد الله بن لهيعة بن عقبة الحضرمي، يكنى أبا عبد الرحمن( ).
قال محمد بن سعد في حقه : إنه كان ضعيفاً ومن سمع منه في أول أمره أقرب حالاً ممن سمع منه في آخره. وكان يقرأ عليه ما ليس من حديثه فيسكت، فقيل له في ذلك فقال: ما ذنبي إنما يجيئونني بكتاب يقرأونه عليّ ويقومون، ولو سألوني لأخبرتهم أنه ليس من حديثي( ).
قال الجرجاني (عبد الله بن لهيعة بن عقبة أبو عبد الرحمن الحضرمي ويقال الغافقي مصري قاضيها ثنا محمد بن علي السكري ثنا عثمان بن سعيد قلت ليحيى بن معين كيف رواية بن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر قال بن لهيعة ضعيف الحديث قال عثمان وفي موضع آخر بن لهيعة كيف حديثه عندك قال ضعيف ثنا بن حماد ثنا معاوية عن يحيى قال عبد الله بن لهيعة بن عقبة الحضرمي ضعيف ثنا بن أبي بكر ثنا عباس عن يحيى قال بن لهيعة لا يحتج بحديثه ثنا موسى بن العباس ثنا أبو حاتم سمعت بن أبي مريم يقول رأيت بن لهيعة يعرض عليه ناس من الناس أحاديث من أحاديث العراقيين منصور والأعمش وأبو إسحاق وغيرهم فأجازه لهم فقلت يا أبا عبد الرحمن ليست هذه الأحاديث من أحاديثك فقال هي أحاديث قد مرت على مسامعي ثنا موسى بن العباس ثنا أبو حاتم سألت أبا الأسود قلت كان بن لهيعة يقرا ما يدفع اليه قال كنا نرى انه لم يفته من حديث مصر كثير شيء وكنا نتتبع أحاديث من حديث غيره عن الشيوخ الذين يروي عنهم فكنا ندفعه اليه فيقرأ ثنا بن حماد حدثني صالح بن أحمد ثنا علي بن المديني سمعت يحيى بن سعيد يقول قال لي بشر بن السري لو رأيت بن لهيعة لم تحمل عنه حرفا ثنا الجنيدي ثنا البخاري حدثني عمرو بن خالد مات بن لهيعة سنة أربع وسبعين ومائة اسمه عبد الله بن لهيعة بن عقبة أبو عبد الرحمن الحضرمي ويقال الغافقي قاضي مصر قال لنا الحميدي عن يحيى بن سعيد قال كان لا يراه شيئا وقال بن بكير احترق منزل بن لهيعة وكتبه في سنة سبعين ومائة سمعت بن حماد يقول قال البخاري فذكر نحوا منه ثنا بن حماد ثنا صالح بن أحمد قال ثنا علي قال سمعت عبد الرحمن بن مهدي وقيل له تحمل عن عبد الله بن يزيد القصير عن بن لهيعة قال عبد الرحمن لا احمل عن بن لهيعة قليلا ولا كثيرا ثم قال عبد الرحمن كتب الي بن لهيعة كتابا فيه ثنا عمرو بن شعيب قال عبد الرحمن فقرأته على بن المبارك فأخرج إلي بن المبارك من كتابه عن بن لهيعة فإذا حدثني إسحاق بن أبي فروة عن عمرو بن شعيب ثنا عمر بن سنان ثنا يحيى بن خلف بطرسوس قال لقيت بن لهيعة فقلت ما تقول فيمن يقول القرآن مخلوق فقال كافر ثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس ثنا أبو بكر الأثرم ثنا أحمد بن حنبل ثنا إسحاق بن عيسى قال احترقت كتب بن لهيعة سنة تسع وستين ولقيته أنا سنة أربع وستين ومائة أظنه قال ومات سنة أربع وسبعين أو ثلاث وسبعين ثنا أحمد بن علي ثنا عبد الله بن الدورقي قال يحيى بن معين أنكر أهل مصر احتراق كتب بن لهيعة والسماع منه واحد القديم والحديث وذكر عند يحيى احتراق كتب بن لهيعة فقال هو ضعيف قبل أن تحترق وبعدما احترقت وقال عمرو بن علي وعبد الله بن لهيعة كان احترقت كتبه ومن كتب عنه قبل ذلك مثل بن المبارك والمقبري أصح ممن كتب بعد الاحتراق وهو ضعيف الحديث سمعت بن حماد يقول قال السعدي بن لهيعة لا يوقف على حديثه ولا ينبغي أن يحتج بروايته أو يعتد بروايته وقال النسائي عبد الله بن لهيعة بن عقبة أبو عبد الرحمن المصري ضعيف أخبرنا العباس بن محمد بن العباس سمعت أحمد بن عمرو بن المسرح يقول سمعت بن وهب يقول وسأله رجل عن حديث فحدثه به فقال له من حدثك بهذا يا أبا محمد قال حدثني به والله الصادق البار عبد الله بن لهيعة ثنا أحمد بن علي بن الحسن ثنا محمد بن عمرو بن نافع ثنا أبو صالح الحراني سمعت بن لهيعة يقول ولد يزيد بن أبي حبيب في زمن معاوية بن أبي سفيان وسمعت بن لهعية وسألته عن حديث ليزيد ثناه حماد عن محمد بن إسحاق عن يزيد قال ما تركت ليزيد حرفا ثنا أبو عروبة ثنا بن مصفى ثنا مروان قلت لليث بن سعد ورأيته نام بعد العصر في شهر رمضان يا أبا الحارث مالك تنام بعد العصر وقد حدثنا بن لهيعة عن عقيل عن مكحول عن النبي صلى الله عليه و سلم من نام بعد العصر فاختلس عقله فلا يلومن إلا نفسه قال الليث لا أدع ما ينفعني بحديث بن لهيعة عن عقيل)( ).
لقد أستأجر أبو سفيان (ضمضم بن عمرو الغفاري) ( ).
بعشرين مثقال على أن يسرع السير ويخبر قريشاً بأن محمداً قد عرض لعيرهم ، ولما أصبح أبو سفيان في بدر وعلم بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج من المدينة لطلبه مع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج قبلها عدة مرات ، لم يقم أبو سفيان ببدر ، ضرب وجه يده واتجه نحو الساحل ، وجعل بدراً على يساره ، أما أهل مكة فقد خرجوا على طريق مرّ الظهران ، ثم قديد ثم الجحفة ثم الأبواء ثم وصلوا إلى بدر.
أسباب معركة أحد
وقعت معركة أحد في شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة ، وتسمى غزوة أحد مع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن هو الذي هجم أو خرج بجيشه إنما زحفت جيوش قريش وتتصف بأمور :
الأول : الإقامة على الكفر والجحود .
الثاني : الإنقياد لأغواء الشيطان ، وقال تعالى [إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا]( ).
الثالث : أكثر الجنود مستأجرين .
الرابع : الإصرار على محاربة النبوة والتنزيل .
الخامس : التوجه لغز المدينة وتثبيت النية لقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
السادس : كثرة أفراد الجيش ، إذ يبلغ عددهم ثلاثة آلاف رجل.
السابع : كثرة الرواحل والعدة والمؤن التي مع جيش المشركين .
وفي معركة بدر حينما رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم جيوش قريش قال : اللّهُمّ هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ أَقْبَلَتْ بِخُيَلَائِهَا وَفَخْرِهَا ، تُحَادّك وَتُكَذّبُ رَسُولَك ، اللّهُمّ فَنَصْرُك الّذِي وَعَدْتنِي ، اللّهُمّ أَحِنْهُمْ الْغَدَاةَ( ).
وهل تكرر هذا الدعاء في واقعة أحد أو أنه يصدق عليها أيضاً الجواب نعم ، وفي ورود لفظ قريش على لسان النبي صلى الله عليه وآله في هذا الدعاء وإرادته جيوش الكفار شاهد على جواز تسمية جيش المشركين في تلك المعارك بقريش ، مع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأكثر أصحابه المهاجرين من قريش ، وتقدير الكلام هؤلاء كفار قريش.
وصار المشركون على مسافة ثمانية كيلو متر عن المسجد النبوي ، وعسكروا عند سفح جبل أحد ، وأرسلوا التهديد بأن يقتحموا المدينة ، وحتى لو لم يرسلوا تهديداً فان قدومهم هذا يدل على إرادتهم استباحة المدينة خاصة مع ضميمة خسارتهم في معركة بدر التي سبقتها بنحو ثلاثة عشر شهرا ، وإرادتهم الثأر والإنتقام ، نعم يمكن تسميتها غزوة أحد بمعنى أن المشركين هم الذين قاموا بالغزو ، وللبيان نقول غزوة المشركين في أحد .
وهناك مسألة وهي : هل ابتدأ المشركون العزم على الغزو في أحد أم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو وأصحابه هم الذين ابتدأوا هذا العزم.
الجواب هو الأول إذ قاموا حين عودتهم منهزمين من معركة بدر بحجز أموال التجارة التي في قافلة أبي سفيان محملة بالبضائع وقيمتها خمسون ألف دينار ذهب ، كل دينار مثقال ذهب عيار ثمان عشرة حبة أي نحو تسعة ملايين دولار في عملة هذا الزمان بالإضافة إلى قيمة ألف بعير التي تتألف منها القافلة .
وكانت بعض أموال القافلة تعود لكل من :
الأول : بنو عبد مناف ولهم عشرة آلاف مثقال .
الثاني : آل سعيد بن العاص , ولهم فيها أربعة آلاف مثقال ذهب ، وكانت أكثر العير لهم ، ولهم مع قوم قراض ومضاربة على النصف ونحوه .
الثالث : أمية بن خلف , وله الفا مثقال .
الرابع : الحارث بن عامر , وله ألف مثقال .
الخامس : بنو مخزوم ولهم مائتا بعير ( ).
وقد أرسل أهل مكة الأموال في هذه القافلة (ولم يبق بمكة قرشي ولا قرشيةٌ له مثقالٌ فصاعداً، إلا بعث به في العير، حتى إن المرأة لتبعث بالشيء التافه. فكان يقال: إن فيها لخمسين ألف دينار، وقالوا أقل) ( ).
لقد وصلت قافلة أبي سفيان إلى مكة قبل عودة جيش قريش المنكسر من معركة بدر ببضعة أيام ، ولكن أبا سفيان لم يقم بتوزيع الأموال على أهلها بانتظار رجالات قريش وفرزهم لأموالهم ، كما أنه كان يخشى الدبرة والحاجة إلى هذه الأموال ، وهل يصح حجبها عن أهلها وتسخيرها دون رغبة أهلها.
الجواب لا ، فان قلت إنما اسـتأذن رجالات قريش أصحاب الأموال في القافلة بتسخيرها في معركة أحد ، ولكن أجلوا الموضوع الجواب إنه من الغواية والضلال.
وهل يشمل [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ] ( ) عموم الذين بذلوا أموالهم التي في القافلة الجواب نعم ، لصدق انفاقها للصد عن سبيل الله ومحاربة النبوة والتنزيل إلا الذين تدركهم التوبة والإنابة ليكون من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عجز المشركين عن الإضرار به حتى مع كثرة أنفاقهم على محاربته وقتاله والمؤمنين .
ليكون من مصاديق قوله تعالى لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وجوه :
الأول : لن يضروكم إلا أذى وإن أنفقوا الأموال الطائلة في قتالكم .
الثاني : لن يضروكم إلا أذى وإن ضربوا عليكم الحصار .
الثالث : لن يضروكم إلا أذى وإن تعاونوا على قتالكم .
الرابع : لن يضروكم إلا أذى وإن سعوا للثأر منكم .
الخامس : لن يضروكم إلا أذى وإن كنتم قلة في العدد مع نقص في الأسلحة .
السادس : لن يضروكم إلا أذى لأن عندكم سلاح الإيمان والوعد من الله عز وجل بالإستجابة لكم ، قال تعالى [ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ] ( ).
السابع : لن يضروكم إلا أذى لأن الله يمدكم بالملائكة ، قال تعالى [إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ] ( ).
الثامن : لن يضروكم إلا أذى وإن سخروا أموالهم كلها في الحرب عليكم .
التاسع : لن يضروكم إلا أذى لأن الله عز وجل يلقي الرعب في قلوبهم.
وقد تقدم في تفسير الآية أعلاه أن هذا الرعب من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً ، وكلما تمادى المشركون في تعديهم ومحاربتهم للنبي والقرآن اشتدت حال الخوف والرعب عندهم ، سواء بلحاظ العموم أو الخصوص منهم ، وينال رؤساء الكفار القسط الأوفر منه.
ولا تختص أسباب معركة أحد بارادة المشركين الثأر لما لحقهم في معركة بدر بل تستصحب ذات الأسباب التي أدت إلى معركة بدر سواء عند مناجاتهم بالخروج من مكة أو إلى [يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ] ( ) .
ويذكر المؤرخون والمفسرون الثأر لمعركة بدر وكأنه السبب الوحيد لمعركة أحد ، مع دلالة هذا الأمر على أن المشركين هم الذين إختاروا القتال وأصروا عليه ، وزحفوا بالجيوش من قريش ومن والاهم من كنانة والأحابيش وأهل تهامة.
وفيه حجة بعدم جواز تسمية معركة أحد بأنها غزوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإن توارث المفسرون والمؤرخون هذه التسمية.
وهذا البيان المستحدث أمر نافع في زمان العولمة وتداخل الحضارات ، وفيه حرب على الإرهاب ، ومنع من استحواذ النفس السبعية على السلوك العام ، وتحتمل معركة أحد وجوهاً :
الأول : المشركون هم الذين قاموا بالغزو .
الثاني : النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي غزا المشركين في ديارهم .
الثالث : كل من الفريقين المسلمون والمشركون غزا الآخر .
الرابع : ليس من غزو في معركة أحد لعدم إجتماع شرائط الغزو فيها من الهجوم وإرادة الإستباحة والقتل والسبي .
والصحيح هو الأول إذ قطعوا أربعمائة وخمسين كيلو متراً على الرواحل ليهاجموا المدينة ويقاتلوا النبي والمهاجرين والأنصار.
ولقد أضر هذا القدوم المشركين كثيراً من جهات :
الأولى : الخسارة المادية بكثرة الإنفاق على الجيوش وإطعامهم ، وإعداد وجمع الرواحل وتجهيزها ، وصناعة وإصلاح الأسلحة .
الثانية : تعطيل تجارة قريش إلى الشام واليمن للإنشغال بالهجوم وتسخير الإبل والرواحل في المعارك .
الثالثة : حدوث حالة إرباك في مكة والجزيرة وتعطيل العمرة ، وقد استبق الكفار الأيام فقاموا بالهجوم في شهر شوال والقتال فيه لأن الشهر الذي يليه هو شهر ذي القعدة وهو شهر حرام ، وفيه يتوجه الناس صوب مكة لحج البيت الحرام وعمارة أسواقها ، ليكون هجوم المشركين وقتالهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في معركة أحد في شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة من مصاديق قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ] ( ).
ومعركة أحد ثاني معركة للمسلمين يحضرها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه بعد معركة بدر ، وهو الإمام والقائد ، ويختلف حاله في هذه المعركة عن معركة بدر التي كان فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في العريش .
وبعد إلحاح ثلاثة من رؤساء كفار قريش على المبارزة وطلب من يبارزهم من المسلمين ومن قريش على نحو الحصر خرج وبأمر من النبي صلى الله عليه وآله وسلم كل من :
الأول : الإمام علي بن أبي طالب .
الثاني : حمزة بن عبد المطلب .
الثالث : عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف بن قصي القرشي.
والمطلب أخو هاشم بن عبد مناف ، وقد يتبادر إلى الذهن أن المطلب هو أخو عبد المطلب ، ولكن المطلب هنا هو عم عبد المطلب جد النبي.
فيكون الحارث ابن عم عبد الله أبي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبذا فهو ليس بذات الصلة والقرابة من النبي مثل حمزة عمه والإمام علي عليه السلام ابن عمه ، ولكنه أيضاً ، وقد عانى بنو المطلب من الحصار أيضاً .
وحدث يزيد بن رومان قال: انطلق عثمان بن مظعون وعبيدة بن الحارث بن المطلب وعبد الرحمن بن عوف وأبو سلمة بن عبد الأسد وأبو عبيدة بن الجراح حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرض عليهم الإسلام، وأنبأهم بشرائعه .
فأسلموا جميعاً في ساعة واحدة، وذلك قبل دخول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم، وقبل أن يدعو فيها( ).
وكان الحارث أسن من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعشر سنوات ، وهاجر مع أخويه الطفيل والحصين وآخى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بينه وبين أبي رويحة الخشعمي .
(قال ابن إسحاق : أول سرية بعثها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع عبيدة بن الحارث في ربيع الأول سنة اثنتين في ثمانين راكبا ويقال في ستين من المهاجرين ليس فيها من الأنصار أحد وبلغ سيف البحر حتى بلغ ماء بالحجاز بأسفل ثنية المرة .
فلقي بها جمعا من قريش ولم يكن فيهم قتال غير أن سعد بن مالك رمي بسهم يومئذ فكان أول سهم رمي به في الإسلام . وانصرف بعضهم عن بعض) ( ).
ولابد أن هذا الرمي عند ضرورة ، ومن عمومات قوله تعالى [فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ]( )، ولمنع تمادي وإصرار الذين كفروا على القتال ، ولم يصب أحد بهذا السهم.
وجرح عبيدة في تلك المبارزة يوم بدر إذ قطع عتبة بن ربيعة رجله ، فحمله الإمام علي عليه السلام وحمزة بعد أن قتلا عتبة .
ومات الحارث في موضع اسمه الصفراء على بعد ليلة من بدر وعمره يومئذ ثلاث وستون سنة .
وكان عبيدة قد تزوج زينب بنت خزيمة بعد زوجها الأول في الجاهلية جهم بن الحارث الهلالي ، وبعد استشهاد عبيدة وخروجها من العدة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
وروى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نزل يوماً بأصحابه بالتاربين ، فقال له أصحابه إنما نجد ريح المسك( ) ، قال : وما يمنعكم.
وها هنا قبر أبي معاوية ، أي قبر الحارث , يفوح منه العطر وكأنه يستقبلهم , قال تعالى في قتلى بدر وأحد[وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لاَ تَشْعُرُونَ]( ).
الرابعة : من خصائص النبوة وجود معجزات مشتركة لكل الأنبياء وهي كسور الموجبة الكلية ، فكلما حارب الكفار النبي مال الناس إليه ، وإلتفتوا إلى معجزاته وصاروا يتدبرون بالآيات تتجلى على يديه وتوالى دخول الناس في الدين والشريعة الي جاء بها من عند الله .
وهو الذي حصل في رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذ اشتد عداء الذين كفروا من قريش له ، وجهزوا الجيوش لقتاله من غير مسوغ عقلي أو عرفي ، أي أن العرف والمتعارف في الجزيرة عدم تجهيز قريش للجيوش الكبيرة للحرب والغزو بسبب النبوة خاصة وأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم هاجر من المدينة بعد أن عزموا على قتله في فراشه في بلد أراد الله عز وجل الأمن والأمان لساكنيه وزائريه ، وهو من عمومات قوله تعالى [أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ] ( ).
ويتجلى التناقض بين الإيمان والكفر في ميدان العمل، فالمهاجرون والأنصار ثابتون في مقامات الهدى وإن غزاهم الظالمون ، أما الذين كفروا فانهم يصرون على الهجوم ويدقون طبول الحرب ، وبعد أن كان رجال قريش يولون العناية باكرام عُمار البيت الحرام ، ويطوفون على القبائل في أمور :
الأول : الإصلاح بين القبائل .
الثاني : الإعانة في الديات ودرء الفتنة .
الثالث : التجارة والبيع والكسب .
الرابع : جمع الديون والربا الذي لقريش على الناس .
صارت قريش تطوف على القبائل لتذكرها بالحلف الذي يربطهم مع قريش والدعوة للخروج معهم لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي لم يكن عنده سلاح إلا القرآن وتوالي نزول آياته .
مع بذل الأموال لهم ، واسقاط الديون التي عليهم لقاء امتناعهم عن الإسلام ، ومن أجل خروجهم مع قريش لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , قال تعالى [يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون]( ).
وهل كانت أسباب معركة أحد توليدية بمعنى أن السبب يتفرع عنه سبب آخر ، الجواب نعم ، إذ كان الكفار يتمادون في التعدي والغي ، وكلما نزلت آيات من القرآن ، أو دخل جماعة من الناس الإسلام ازداد غيظ الذين كفروا خاصة وأن السور المدنية كانت تنزل ببيان الأحكام واستيفاء الحقوق ومنع الظلم والجور.
لقد نزلت آيات القرآن بأداء العبادات من الصلاة والصوم والزكاة ، فقد فرضت الصلاة في مكة لتصاحب المسلم والمسلمة على نحو يومي متجدد , قال تعالى [إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا]( )، ونزلت فريضة الصيام والزكاة في السنة الثانية للهجرة ، وحرّم الإسلام الخمر والزنا والربا ، وجاء بالقصاص والتكافؤ فيه بين الناس .
وأعطى الإسلام للعبيد الحقوق ، ورغّب في عتقهم ، ونزلت الأوامر من عند الله إلى المكلفين بالإيمان على نحو التساوي فيها بين الحر والعبد ، قال تعالى [إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ] ( ).
فاجتهد العبيد في طاعة الله والتفقه في الدين ، ونالوا حريتهم وعتقوا لما بذلوه من الجهد في طاعة الله ، وصار منهم علماء وأئمة ، ومن رجال الحديث وطرق أسناده .
لقد تغير قانون العبيد في الإسلام عما قبله ، فبعد أن كان الإضطهاد والرق عن طريق الغزو والغارة والخطف ، وليس له مخرج أو عتق ، ويكون ولد العبد قناً .
جاء الإسلام بالترغيب والحث على العتق مع الثواب العظيم فيه وجعله الله عز وجل كفارة وسبيلاً للمغفرة وستر الذنوب ، كما في قوله تعالى [فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ] ( ) .
ولا يأتي الرق في الإسلام بالغارة والهجوم والسبي إنما يكون نتيجة لمحاربة الذين كفروا للإسلام ، ورفعهم السيف في قتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ليكون الرق حفظاً لهم ، وطريق هداية ، وبرزخاً دون تعدي العبد وظلمه لنفسه ولغيره بالكفر.
وصحيح أن الترغيب بالعتق خطاب موجه إلى المالك إلا أنه ضياء ينير دروب الهداية للعبد ويجعله يتحلى بالأخلاق الحميدة ، وهل كان إكرام الإسلام للعبيد بلحاظ قوله تعالى [إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ]( )، وانتشار العتق وحسنه الذاتي من أسباب معركة أحد الجواب نعم , وسيأتي مزيد بيان بخصوص العتق في الجزء التالي إن شاء الله.
لقد كانت أسباب معركة أحد مركبة من أمرين :
الأول : ذات أسباب معركة بدر في إصرار الذين كفروا على القتال ، وإرادة قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني : أمور مستحدثة بعد معركة بدر ، ومنها :
الأولى : إرادة قريش الثأر لقتلاهم في هذه المعركة .
الثانية : إمتلاء قلوب الذين كفروا بالغيظ والحنق لنصر المسلمين في معركة بدر ، إذ يبين قوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]( )، ما نزل بالمشركين من الضرر الفادح في أنفسهم وفي مكة وبين القبائل والمدن والدول في ذلك الزمان كالدولة الرومانية والفارسية.
الثالثة : خشية قريش على شأنهم وعبادة الأصنام، قال تعالى [وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ]( ).
الرابعة : كثرة عدد الذين يدخلون الإسلام ، والذين يختارون الهجرة الى المدينة منهم ، فيدرك الجميع أنه إذا كان المسلمون بعددهم القليل انتصروا في معركة بدر فكيف وقد صار عددهم يزداد بالأيام وهو من فيوضات قوله تعالى [وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ]( ).
فيتبادر إلى الأذهان أنهم هاجروا إلى المدينة ، ومنهم من لم يعرف عنه أنه دخل الإسلام ممن كان يخفي اسلامه أو دخل الإسلام حديثاً ، ثم تأتي الأخبار بوصولهم إلى المدينة .
ونطرح مسألة وهي لو لم تقع معركة بدر فهل زحف جيش المشركين إلى معركة أحد ونشبت تلك المعركة أم لا ، المختار هو الأول مما يدل على أن وقوع معركة بدر ليس علة تامة لوقوع معركة أحد .
لقد عقدت قريش العزم على قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم والإجهاز على الإسلام حينما كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة وأرادوا قتله في فراشه فهاجر إلى المدينة للنجاة والسلامة من جهات :
الأولى : السلامة الشخصية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من القتل .
الثانية :استدامة نزول آيات القرآن ، وهل هذه الإستدامة من مصاديق قوله تعالى [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون]( )، الجواب نعم ، فمن معاني الحفظ في الآية تهيئة مقدمات نزول القرآن في الليل والنهار وحفظ النبي حتى يتم نزول القرآن عليه ، وحفظ القرآن وطريقه من السماء الى الأرض من الشياطين ، قال تعالى [لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ]( ).
الثالثة : حفظ المسلمين من المهاجرين والأنصار .
الرابعة : بقاء الإسلام واحياء وتثبيت أحكامه , قال تعالى [وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ]( ).
الخامسة : تثبيت التصديق بنبوة موسى وعيسى عليهما السلام بين الناس وإلى يوم القيامة .
السادسة : بيان أحكام الشريعة الإسلامية بنزول آيات القرآن والسنة النبوية .
السابعة : استدامة فتح باب الدخول إلى الإسلام ، وفيه هداية وتربية وإصلاح لمنظومة الأخلاق في المجتمعات ، فمن يدخل الإسلام لا يئد ابنته ، ولا يغزو جاره .
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : بُعثت لأتُمّم مكارم الأخلاق( ).
وعن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم : الخلق السوء يفسد الإيمان كما يفسد الصبر الطعام( ).
قانون النصر ببدر مواساة متقدمة للخسارة يوم أحد
لقد كان نصر المسلمين في معركة بدر حاجة لثباتهم في معركة أحد التي أصر الذين كفروا على وقوعها سواء سبقتها معركة بدر أو لم تسبقها ، لتكون معركة أحد على وجوه :
الأول : ولقد نصركم الله ببدر لتستعدوا لمعركة أحد .
الثاني : ولقد نصركم الله ببدر ليمتنع الذين كفروا عن إطالة المعركة يوم أحد .
الثالث : ولقد نصركم الله ببدر لتثبتوا في ميدان المعركة يوم أحد .
الرابع : ولقد نصركم الله ببدر لإنذار الذين كفروا من العودة العاجلة إلى القتال ، فلو لم ينتصر المسلمون في معركة بدر لعجل المشركون باعداد الجيوش لمعركة فاصلة ، ولكن معركة بدر حالت دون كيدهم ، ودفعت فصولاً من شرورهم , قال تعالى [وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ]( ).
الخامس : ولقد نصركم الله ببدر لتخرجوا للدفاع في معركة أحد .
السادس : ولقد نصركم الله ببدر لتتحلوا بالصبر في معركة أحد ونتائجها ، قال تعالى [أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا]( ) .
وهل كان انسحاب ثلث جيش المسلمين وعودتهم الى المدينة من وسط الطريق الى معركة أحد مصيبة أم لا ، الجواب هو الأول ، قال تعالى [وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ * وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ]( ).
لقد كانت خسائر المسلمين يوم أحد جسيمة ، وقد إنسحب وفرّ المشركون لتضاعفت خسائر المسلمين يوم أحد ، ولأصاب النبي محمداً الضرر خاصة ، وأن المشركين صاروا على بعد خطوات منه وصارت حجارتهم تصله ، وكسرت بعض اسنانه وسالت الدماء من وجنته.
(قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَانْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ فَأَصَابَ فِيهِمْ الْعَدُوّ ، وَكَانَ يَوْمَ بَلَاءٍ وَتَمْحِيصٍ أَكْرَمَ اللّهُ فِيهِ مَنْ أَكْرَمَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِالشّهَادَةِ حَتّى خَلَصَ الْعَدُوّ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . فَدُثّ بِالْحِجَارَةِ حَتّى وَقَعَ لِشِقّهِ فَأُصِيبَتْ رَبَاعِيَتُهُ وَشُجّ فِي وَجْهِهِ وَكُلِمَتْ شَفَتُهُ وَكَانَ الّذِي أَصَابَهُ عُتْبَة بْنُ أَبِي وَقّاصٍ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَحَدّثَنِي حُمَيْد الطّوِيلُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ كُسِرَتْ رَبَاعِيَةُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَشُجّ فِي وَجْهِهِ فَجَعَلَ الدّمُ يَسِيلُ عَلَى وَجْهِهِ وَجَعَلَ يَمْسَحُ الدّمَ وَهُوَ يَقُولُ كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ خَضَبُوا وَجْهَ نَبِيّهِمْ ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إلَى رَبّهِمْ فَأَنْزَلَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ فِي ذَلِكَ {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذّبَهُمْ فَإِنّهُمْ ظَالِمُونَ }( )( ).
وهل في الآية أعلاه تذكير للمسلمين بفضل الله عز وجل بالنصر في معركة بدر ، الجواب نعم وتقديره على جهات :
الأولى : ليس لك من الأمر شئ فقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة .
الثانية : ولقد نصركم الله ببدر فليس لك من الأمر شئ.
الثالثة : ليس لك من الأمر شئ ) فكما نصركم الله ببدر فانه ينصركم يوم أحد ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ]( ).
الرابعة : ليس لك من الأمر شئ فقد استبانت نعم الله عليكم بالنصر يوم بدر .
الخامسة : ليس لك من الأمر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم كما عذبهم يوم بدر ويعذبهم في معركة الخندق .
وعن ابن عباس قال : لما كانت ليلة الأحزاب جاءت الشمال إلى الجنوب قالت : انطلقي فانصري الله ورسوله ، فقالت الجنوب : إن الحرة لا تسري بالليل ، فغضب الله عليها وجعلها عقيماً ، فأرسل الله عليهم الصبا ، فأطفأت نيرانهم ، وقطعت أطنابهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نصرت بالصبا ، وأهلكت عاد بالدبور ، فذلك قوله {فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها}( ).
الرابع : ولقد نصركم الله ببدر مواساة متقدمة لكم في معركة أحد .
الخامس : ولقد نصركم الله ببدر لتعلموا يوم أحد أنه سينصركم في معارك أخرى .
السادس : ولقد نصركم الله ببدر كيلا يشمت بكم العدو يوم معركة أحد .
الثامن : ولقد نصركم الله ببدر لتتحلوا بالصبر يوم أحد، فينزل عليكم الملائكة مدداً وعوناً ، لذا تفضل الله ، وقال [بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاَفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ] ( ).
التاسع : ولقد نصركم الله ببدر ليعجز المنافقون عن بث السموم والأراجيف يوم أحد ، ويتعذر عليه أخذ زمام المبادرة الإجتماعية .
العاشر : ولقد نصركم الله ببدر لمنع الفتنة في المدينة وخارجها بعد معركة أحد .
الحادي عشر : ولقد نصركم الله ببدر كيلا تجتمع القبائل على المسلمين بعد معركة أحد ، فمع نصر المسلمين في معركة بدر فقد زحف عشرة آلاف من المشركين في معركة الخندق ، فكيف لو لم يحصل نصر المسلمين في معركة بدر .
الثاني عشر : من الآيات في معركة بدر أن نصر المسلمين فيها من عند الله عز وجل لبيان قانون وهو ترتب النفع العام والخاص على هذا النصر إلى يوم القيامة ، قال تعالى في خطاب للمؤمنين الذين استقاموا على الصراط [نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ]( ).
الثالث عشر : ولقد نصركم الله ببدر ليكون هذا النصر حاضراً في معركة أحد ، ومعركة الخندق .
الرابع عشر : ولقد نصركم الله ببدر كيلا ترتد طائفة من المسلمين بعد الخسارة في معركة أحد .
وهل كان لنصر المسلمين في معركة بدر موضوعية في إمتناع المسلمين من الفشل والجبن يوم أحد كما في قوله تعالى [إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ]( ).
وصار كل من المهاجرين والأنصار فرحين بهداية الله عز وجل لهم ولسبل الهداية والرشاد ومقامات الإيمان (قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَقَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ :
قَوْمِي الّذِينَ هُمْ آوَوْا نَبِيّهُمْ … وَصَدّقُوهُ وَأَهْلُ الْأَرْضِ كُفّارُ
إلّا خَصَائِصَ أَقْوَامٍ هُمْ سَلَفٌ … لِلصّالِحِينَ مَعَ الْأَنْصَارِ أَنْصَارُ
مُسْتَبْشِرِينَ بِقَسْمِ اللّهِ قَوْلُهُمْ … لَمّا أَتَاهُمْ كَرِيمُ الْأَصْلِ مُخْتَارُ
أَهْلًا وَسَهْلًا فَفِي أَمْنٍ وَفِي سَعَةٍ … نِعْمَ النّبِيّ وَنِعْمَ الْقَسْمُ وَالْجَارُ
فَأَنْزَلُوهُ بِدَارِ لَا يُخَافُ بِهَا … مَنْ كَانَ جَارَهُمْ دَارًا هِيَ الدّارُ
وَقَاسَمُوهُ بِهَا الْأَقْوَالَ إذْ قَدِمُوا … مُهَاجِرِينَ وَقَسْمُ الْجَاحِدِ النّارُ
سِرْنَا وَسَارُوا إلَى بَدْرٍ لِحِينِهِمْ … لَوْ يَعْلَمُونَ يَقِينَ الْعِلْمِ مَا سَارُوا
دَلّاهُمْ بِغُرُورِ ثُمّ أَسْلَمَهُمْ … إنّ الْخَبِيثَ لِمَنْ وَالَاهُ غَرّارُ
وَقَالَ إنّي لَكُمْ جَارٌ فَأَوْرَدَهُمْ … شَرّ الْمَوَارِدِ فِيهِ الْخِزْيُ وَالْعَارُ
ثُمّ الْتَقَيْنَا فَوَلّوْا عَنْ سَرَاتِهُمُ … مِنْ مُنْجِدِينَ وَمِنْهُمْ فِرْقَةٌ غَارُوا)( ).
وتدل مضامين القصيدة أعلاه على أن حساناً نظمها بعد معركة بدر التي كانت فيصلاً بين الحق والباطل، وزاجراً عن لغزو، وبياناً لقانون وهو أن الغزو لا يجلب للكفار إلا الأذى والخسارة المفاجئة والضرر المستديم .
فحينما جاءوا غازين في معركة أحد , قال تعالى [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ]( ).
وقد سمى الله عز وجل معركة بدر الفرقان ، قال تعالى [يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ]( ).
ويأتي الفرقان والفصل بين الحق والباطل بالآية القرآنية والمعجزة النبوية ، ولكن المشركين لم يتعظوا بهذه البراهين مع قيام الحجة فيها ، فصار الفرق بالقتال والسيف .
وهل اختار المسلمون مصداق الفرقان هذا أو سعوا اليه ، الجواب إنما أراده وسعى إليه الذين كفروا من جهات :
الأولى : إعلان مشركي مكة النفير في مكة لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واستعمال الغلظة والتبكيت مع من يمتنع عن النفير , وان كان من علية القوم .
قال ابن اسحاق : وَحَدّثَنِي عَبْدُ اللّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ : أَنّ أُمَيّةَ بْنَ خَلَفٍ كَانَ أَجْمَعَ الْقُعُودَ وَكَانَ شَيْخًا جَلِيلًا جَسِيمًا ثَقِيلًا ، فَأَتَاهُ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ ، وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ قَوْمِهِ بِمَجْمَرَةٍ يَحْمِلُهَا ، فِيهَا نَارٌ وَمَجْمَرٌ حَتّى وَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمّ قَالَ يَا أَبَا عَلِيّ اسْتَجْمِرْ فَإِنّمَا أَنْتَ مِنْ النّسَاءِ قَالَ قَبّحَك اللّهُ وَقَبّحَ مَا جِئْتَ بِهِ قَالَ ثُمّ تَجَهّزَ فَخَرَجَ مَعَ النّاسِ( ).
الثانية : مناجاة المشركين بالقتال , ودقهم لطبول الحرب بحجة تعرض قافلة أبي سفيان للسلب .
الثالثة : إجتماع نحو ألف من المشركين مدججين بالسيوف والدروع والخوذ ليتوجهوا على الخيل والإبل لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، صحيح أن السبب المباشر لهذا الخروج هو إنقاذ قافلة أبي سفيان ، ولكن هذا الجمع لا يرضى بهذه الغاية ، إذ أن تجمعهم وإتخاذهم صفة الجيش العرمرم يبعث الرغبة في نفوسهم على القتال خاصة مع إجتماع أمور :
الأول : قلة عدد المسلمين .
الثاني : كثرة جيش المشركين وأسلحتهم .
الثالث : إرادة قريش تأديب القبائل بعد التعرض لقوافلها.
الرابع : حنق الذين كفروا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وشدة غيظهم على كل من :
أولاً : النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ثانياً : المهاجرون .
ثالثاً : الأنصار .
رابعاً : بنو هاشم لأنهم عشيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولمؤازرتهم له حتى أنه حدثت جدال بينهم في الطريق الى معركة بدر مما جعل طالب بن أبي طالب أن يرجع من وسط الطريق الى المعركة ، وقال :
لَاهُمّ إمّا يَغْزُوَن طَالِبَ … فِي عُصْبَةٍ مُحَالِفٌ مُحَارِب
فِي مِقْنَبٍ مِنْ هَذِهِ الْمَقَانِب … فَلْيَكُنْ الْمَسْلُوبَ غَيْرَ السّالِب
وَلِيَكُنْ الْمَغْلُوبَ غَيْرَ الْغَالِب قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : قَوْلُهُ فَلْيَكُنْ الْمَسْلُوبَ وَقَوْلُهُ وَلَكِنّ الْمَغْلُوبَ ( ).
ولم يصل طالب الى مكة يومئذ ولم يعرف حاله.
خامساً : المسلمين والمسلمات الذين بقوا في مكة .
غيظ المشركين
لقد كان إمتلاء قلوب المشركين بالغيظ والحنق على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلى أصحابه وغيظهم على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مركب لحسدهم له وحنقهم على شخصه الكريم ، ولأنه ودعوته إلى الله صارا السبب في هجرة المهاجرين الذين هم على شعب :
الأولى : طائفة من المهاجرين من أبناء المشركين من الذكور والأناث .
الثانية : طائفة من عامة أهل مكة .
الثالثة : عدد من العبيد من عشاق الحرية المستوحاة من التنزيل السماوي ، وقد اشترى عدد من الصحابة بعض المسلمين الذين كانوا عبيداً لقريش واعتقوهم ، كما في بلال الحبشي الذي كان عبداً لبني جمح وممن ولد في الحجاز.
وحينما دخل الإسلام واكتشف سادته أمره عذبه أمية بن خلف أشد العذاب فكان بلال يقول تحت التعذيب (أحد، أحد) في رفض منه للعودة إلى عبادة الأصنام ، واستهجان ما كان عليه المشركون من الجهالة والغفلة والوثنية فاشتراه أبو بكر من أمية بن خلف باربعين أوقية من فضة ، وقيل أبدله بعبد أسود مشرك .
ولما شرّع الأذان كان بلال هو مؤذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما كان يتولى العناية بضيوف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسكنهم واطعامهم ، ويقدم لهم الهدايا والعطايا التي يأمر بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وهل نزلت آية قرآنية في بلال , الجواب نعم ، قال تعالى في خطاب الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم [وَلاَ تَطْرُدْ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنْ الظَّالِمِينَ]( ).
وعن الصحابي خباب قال : جاء الأقرع بن حابس التميمي ، وعيينة بن حصن الفزاري ، فوجدا النبي صلى الله عليه وسلم قاعداً مع بلال ، وصهيب ، وعمار ، وخباب ، في أناس ضعفاء من المؤمنين ، فلما رأوهم حوله حقروهم فأتوه فخلوا به ، فقالوا : انا نحب أن تجعل لنا منك مجلساً تعرف لنا العرب به فضلنا ، فإن وفود العرب ستأتيك فنستحي أن ترانا العرب قعوداً مع هؤلاء الأعبد ، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا ، فإذا نحن فرغنا فلتقعد معهم إن شئت . قال : نعم .
قالوا : فاكتب لنا عليك بذلك كتاباً ، فدعا بالصحيفة ودعا علياً ليكتب ونحن قعود في ناحية ، إذ نزل جبريل بهذه الآية[وَلاَ تَطْرُدْ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ] ( )، إلى قوله [فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ]( ).
فألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيفة من يده ، ثم دعا فأتيناه وهو يقول { سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة } فكنا نقعد معه ، فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا ، فأنزل الله {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه}( ) .
قال : فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقعد معنا بعد ، فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها ، تركناه حتى يقوم( ).
قال ابن اسحاق : كان بلال مولى أبى بكر، لبعض بنى جمح مولدا من مولديهم، وهو بلال بن رباح واسم أمه حمامة، وكان صادق الاسلام طاهر القلب، وكان أمية بن خلف يخرجه إذا حميت الظهيرة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ثم يقول له: لا والله لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى.
فيقول، وهو في ذلك: أحد أحد.
قال ابن إسحاق: فحدثني هشام بن عروة عن أبيه قال: كان ورقة بن نوفل يمر به وهو يعذب لذلك وهو يقول: أحد أحد.
فيقول: أحد أحد والله يا بلال ! ثم يقبل على أمية بن خلف ومن يصنع ذلك به من بني جمح فيقول: أحلف بالله لئن قتلتموه على هذا لاتخذنه حنانا( )( ).
وقال النبي لبلال : يَا بِلاَلُ حَدِّثْنِى بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِى الإِسْلاَمِ ، فَإِنِّى سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَىَّ فِى الْجَنَّةِ ، قَالَ مَا عَمِلْتُ عَمَلاً أَرْجَى عِنْدِى أَنِّى لَمْ أَتَطَهَّرْ طُهُورًا فِى سَاعَةِ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ إِلاَّ صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ مَا كُتِبَ لِى أَنْ أُصَلِّىَ . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ دَفَّ نَعْلَيْكَ يَعْنِى تَحْرِيكَ( ).
وعن ثابت عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، وأخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أتت علي ثلاثون من بين يوم وليلة وما لي ولبلال ما يأكله ذو كبد إلا ما يوارى إبط بلال( ).
لبيان حقيقة وهي أن بلالاً كان مصاحباً ومرافقاً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في أيام الشدة والأذى.
ومنهم سلمان الفارسي ، ولم يكن عبداً، انما ترك أهله وبلدته لطلب الدين الحق واتبع بعض القساوسة ، وذكرت له علامات نبي آخر زمان فرافق قوماً من بني كلب لينقلوه الى بلاد العرب ولكنهم غدروا به وباعوه إلى يهودي من وادي القرى ، الذي باعه الى شخص آخر من بني قريظة الذي رحل به الى مدينة يثرب وهي المدينة المنورة.
وعندما هاجر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسمع به سلمان حضر عنده وصار يتحقق من علامات النبوة التي عنده فاطمأن لها وأسلم وأعانه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه على مكاتبة مالكه حتى أعتق.
أي أنهم لم يكرهوا صاحبه على عتقه أو يرجعوا إلى الأصل وهو حريته ولحوق الرق به ظلماً وتعدياً.
وشارك سلمان في معركة الخندق عندما غزا عشرة آلاف من المشركين المدينة وحاصروها لنحو عشرين ليلة وهو الذي أشار على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بحفر الخندق .
وفيه قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : سلمان منا أهل البيت ، وآخى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بينه وبين أبي الدرداء ، ولأن اسلام سلمان جاء بعد معركة أحد ، ففيه دليل على أن مؤاخاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين أصحابه لم تختص بالأشهر الأولى للهجرة .
وعن الإمام علي عليه السلام أنه سئل عن سلمان. فقال: علم العلم الأول والآخر بحر لا ينزف وهو منا أهل البيت( ).
وتولى سلمان إمارة المدائن في أيام عمر بن الخطاب ، وكان يعمل الخوص بيده ويأكل منه ، وله مقام يزار إزاء أطلال ديوان كسرى ، ويعرف بمقام سلمان باك وهي لفظة فارسية أي الطاهر ، وقيل عاش (150) عاماً ومات أيام عثمان بن عفان.
ان مشاركة سلمان في فتح فارس وولايته للمدائن ، وبقاء ذريحه شامخاً فيها شاهداً على أن الإسلام قام على انقاض الكفر ، وعلى عمومات قوله تعالى [وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ]( ).
وهل أخذ النبي بمشورته من الوحي أم الإجتهاد , الجواب هو الأول ، وهل هو من السنة الفعلية أم التقريرية ، الجواب هو الأول.
إذ أمر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بحفر الخندق بالوحي من عند الله مع أنه أمر مستحدث لم تعهده الجزيرة في حروبها وغزواتها ، وهو شاهد على أن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا يريد القتال .
(عن يحيى بن أبي كثير أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا تتمنوا لقاء العدو فإنكم لا تدرون لعلكم ستبلون بهم وسلوا الله العافية .
فإذا جاءوكم يبرقون ويرجفون ويصيحون بالأرض ، الأرض جلوساً ثم قولوا : اللهم ربنا وربهم نواصينا ونواصيهم بيدك وإنما تقتلهم أنت ، فإذا دنوا منكم فثوروا إليهم واعلموا أن الجنة تحت البارقة) ( ).
وفي الحديث أعلاه بلحاظ قانون (لم يغز النبي ص أحداً) مسائل :
الأولى : نهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن تمني القتال هجوماً أو دفاعاً .
الثانية : عدم إختصاص النهي بالصحابة إنما يشمل أجيال المسلمين.
الثالثة : إرادة المشركين من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (لقاء العدو) ليدل بالدلالة التضمنية على عدم جواز قتال المسلمين فيما بينهم.
الرابعة : القتال فتنة وبلاء .
الخامسة : أفضلية حال السلم والصلح والوئام ، قال تعالى [الصُّلْحُ خَيْرٌ]( ).
السادسة : من الإعجاز في الحديث النبوي تعقب الأمر للنهي ، لبيان المنهاج الذي يكون عليه المسلمون .
السابعة : سؤال المسلمين العاقبة والسلامة من القتال من مصاديق قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( ).
الثامنة : يدل قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (فإذا جاءوكم يبرقون….) في مفهومه على عدم سعي المسلمين للهجوم على المشركين ، إنما يستعدون للدفاع إذا قام الذين كفروا بالهجوم ، ويدل عليه قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ) لبيان قانون وهو أن الحديث النبوي مرآة للقرآن .
التاسعة : موضوعية الدعاء في النصر على مشركي قريش ، مع تأكيد الملازمة بين الصبر والدفاع والدعاء ، فلا الدفاع يحجب الدعاء ، ولا الدعاء يجعل المسلمين يقعدون عن الدفاع .
كما يدل الحديث على إتخاذ الدعاء مقدمة لدخول المعركة ، وقد يكون سبباً لصرف القتال ، ودفع العدو إذ ورد تكرار لفظ (إذا) كأداة شرط مرتين في الحديث .
فقول صلى الله عليه وآله وسلم (فإذا دنوا منكم فثوروا إليهم…) فقد لا يدنون ولا يقتربون ، وهل هناك شواهد على التقاء المسلمين والمشركين في الميدان ، وعدم وقوع قتال بينهم .
الجواب نعم ، فأول لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لحمزة بن عبد المطلب في شهر رمضان على رأس سبعة أشهر من مهاجره .
وخرج معه ثلاثون من المهاجرين ، فالتقوا مع عير لقريش فيها أبو جهل في ثلاثمائة رجل فالتقوا عند سيف البحر من ناحية العيص ، وتهيئوا للقتال ، فنظموا صفوفهم (فَمَشَى مَجْدِي بْنُ عَمْرٍو الْجُهَنِي ، وَكَانَ حَلِيفًا لِلْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا ، بَيْنَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ حَتّى حَجَزَ بَيْنَهُمْ وَلَمْ يَقْتَتِلُوا) ( ).
لقد خسر الذين كفروا سبعين قتيلاً في معركة بدر ، فأصابهم الفزع والكبت ، ودخل الحزن بيوت مكة وصارت هذه الخسارة دعوة للناس للتدبر في معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودخول الإسلام .
وجاءت معركة أحد ليخسر فيها المسلمون ذات العدد مع الفارق ، إذ تلقاها النبي وأصحابه وذوو الشهداء بالصبر والرضا بقضاء الله ، وليس من حصر لأسباب المواساة لهم في المقام منها نزول الآيات القرآنية ، مثل قوله تعالى [وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ] ( ) لتؤكد الآية على قانون وهو وجود عالم البرزخ .
وفيه مسائل :
الأولى : بعث الطمأنينة في نفوس المؤمنين والمؤمنات عن حال الشهداء الذين قتلوا في معركة أحد .
الثانية : منع دبيب الخلاف بين المسلمين .
الثالثة : سلامة المسلمين من اليأس .
الرابعة : نزلت الآية أعلاه بعد معركة أحد ، ليكون من معانيها الإستصحاب القهقري وشمول شهداء معركة بدر بذات الفضيلة والمنزلة ، وتقدير الآية أعلاه على وجوه :
الأول : ولا تحسبن الذين قتلوا تحت وطأة تعذيب قريش أموات.
الثاني : ولا تحسبن اللائي قتلن في سبيل الله أموات .
الثالث : ولا تحسبن الذين قتلوا في معركة بدر في سبيل الله أموات.
الرابع : ولا تحسبن الذين قتلوا في معركة أحد في سبيل الله أموات.
الخامس : لا تحسبن الذين يقتلون في معركة الخندق وحنين أموات .

الحسن الذاتي للصلح
من خصائص القرآن أنه ينمي ملكة الصلح عند المسلمين جميعاً ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ] ( ) .
وهل المراد السلم بين المسلمين على نحو الخصوص أم إرادة العموم والسلم بين المسلمين وغيرهم ، الجواب هو الثاني ، فالسلم حسن ذاتاً وأثراً والنسبة بين السلم والصلح هو العموم والخصوص المطلق ، إذ أن السلم أعم ، ولا يختص الصلح بحال ما بعد القتال والحرب ، فقد يأتي ابتداءً .
وأيهما أكثر الصلح الذي يسبق القتال ويمنع من وقوعه ، أم الصلح الذي يأتي بعد القتال ، الجواب هو الأول ، وكذا النسبة بين العفو والصلح ، فالعفو أعم ، قال تعالى [وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى]( ).
وتبين الآية أعلاه الملازمة بين الإيمان والصلح ، وهي حرب على النفاق لأن النفاق فتنة , وباعث على الفتنة والخصومة.
ويدل تعدد آيات الصلح على قانون وهو صدق نزول القرآن من عند الله ، ففي هذا التعدد مسائل متعددة :
الأولى : الصلح مناسبة لتدبر الناس في معجزات النبوة ، فقد يكون الإنشغال بالقتال والتهيئ له ، وإصلاح ما خلفته الحرب برزخ دون هذا التدبر فأراد الله عز وجل للناس التفرغ للسياحة في عالم الأكوان وبديع صنع وطاعة الله بالتقيد بما جاء به الأنبياء والمرسلون من عند الله عز وجل .
الثانية : عدم نسخ آيات الصلح .
الثالثة : ترغيب المسلمين والناس بالصلح والموادعة .
الرابعة : استقراء المسائل والقوانين من آيات الصلح متفرقة ومجتمعة .
الخامسة : موضوعية الصلح في بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذ بعثه الله عز وجل للإصلاح وجعل الصلح قانوناً في الدنيا ، وحاضراً في الحياة اليومية ، ومناهج العمل عند الطوائف والأفراد ، ففي الصلح جهات وهي :
الأولى :أطراف الصلح ، وهي أكثر من طرف واحد .
الثانية : موضوع الصلح .
الثالثة : بنود الصلح .
الرابعة : الوسائط في الصلح .
وهل يدخل الصلح في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، الجواب نعم ، إلا ما كان فيه ضرر ليس له مسوغ ، إذ أن الصلح نوع حكم ، قال تعالى [فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ] ( ).
والشفاعة باب من أبواب الصلح ومقدمة له ، قال تعالى [مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا] ( ) .
وهل في الصلح أجر وثواب أم لابد من تقييده بقصد القربة إلى الله عز وجل , الجواب هو الأول ، إذ أن الصلح طريق للهداية والصلاح ، وتوطئة لذكر الله والعبادة في الأرض .
وفي بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هل سبق الصلح أم القتال الجواب هو الأول ، ويتداخل الصلح مع القتال ولا يتداخل القتال مع الصلح ، إن وصف الصلح بأنه خبر دلالة النفع العام منه .
ومن مصاديق الخير في قوله تعالى [الصُّلْحُ خَيْرٌ]( )، إجتناب الأضرار التي تتفرع عن النزاع والقتال ، فلا تختص هذه الأضرار بالقتال إنما تشمل مقدماته وعواقبه ، وتشمل حال ما دون القتال من الخصومة والنزاع وأسباب الكدورة .
ومن مصاديق الخير ما يتفرع عن الصلح من سبل الهداية والرشاد للناس ، وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ليلة أسري بي لما نتهينا إلى السماء السابعة ، نظرت فوق فإذا رعد وبرق وصواعق ، وأتيت على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيات والعقارب ترى من خارج بطونهم .
فقلت : من هؤلاء يا جبريل؟ قال : هؤلاء أكلة الربا ، فلما نزلت إلى السماء الدنيا نظرت إلى أسفل مني ، فإذا أنا برهج ودخان وأصوات ، فقلت : ما هذا يا جبريل، قال : هذه الشياطين يحومون على أعين بني آدم ، لا يتفكرون في ملكوت السماوات والأرض ، ولولا ذلك لرأوا العجائب( ).
وفي الصلح إختيار ، أما بالنسبة لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه فهو نوع دفاع وضرورة ، وهل يمكن القول بان قتالهم هذا ضرورة وحدها ، الجواب لا ، فبين الضرورة والدفاع عموم وخصوص مطلق ، فقد يقاتل الإنسان عن ضرورة ولكنه ليس دفاعاً .
إنما هجم المشركون على المدينة عندما التقى الجمعان في معركة بدر وأحد ، ولم يبدأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم القتال ، وكان يتطلع إلى السعاة في جيش المشركين إلى الوئام والصلح ، ولكن رؤساء الكفر قد تناجوا بالقتال ، وبدأوا برمي السهام ، وتقدموا لطلب المبارزة ، فأخزاهم الله عز وجل لإتصاف قتالهم بالظلم والجور والتعدي ، وكانوا يقاتلون من أجل الأصنام وعبادة الأوثان .
أما النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه فكانوا يقاتلون من أجل إحقاق الحق ، والدعوة إلى عبادة الله عز وجل ونبذ الأوثان , ونشر ألوية الصلح , قال تعالى [قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِ]( ).
قانون الهجرة معجزة وسلام
لقد أثنى الله عز وجل على نفسه إذ قال [إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ]( ).
ولا يختص جعل كلمة الله هي العليا بالقتال والحرب بدليل أنها وردت في هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة فقد يظن بعضهم أن خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من مكة حالة من الضعف والإنسحاب ، فبينت الآية أن ذات الهجرة عز له وللمؤمنين وأن جنود الرحمن مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في هجرته ، وقد لمس الذين كفروا هذه الحقيقة وهي أن هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نصر من جهات :
الأولى : إنها نصر للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، لبيان قانون وهو أن النصر الذي ينعم الله به على الأنبياء أعم من أن يقع بقتال أو غزو ، فيأتي عن طريق إجتناب ودفع القتال ، قال تعالى [ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ]( ).
الثانية : في الهجرة أمن للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسلامة من القتل والإغتيال في مكة.
الثالثة : بالهجرة انتشار لأحكام الإسلام ، ودخول طائفة من الناس فيه ، خاصة مع وجود الأنصار في يثرب وهي بلدة يكثر فيها اليهود وهم أصحاب كتاب سماوي ويقرون بمعجزات الأنبياء ويبشرون بنبي آخر الزمان، قال تعالى [النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ]( )، وورد في سفر التكوين من التوراة : و اما اسماعيل فقد سمعت لك فيه ها انا اباركه و اثمره و اكثره كثيرا جدا اثني عشر رئيسا يلد و اجعله امة كبيرة( ).
الرابعة : هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من مكة برزخ دون عودة الصحابة الذين هاجروا إلى الحبشة والمدينة إليها ، فقد يصيب بعضهم الضجر والقنوط أو اليأس ، وما يسمى بالحنين إلى الوطن ، أو يوسوس له الشيطان بالإرتداد.
وكانت قريش تتمني عودتهم إلى مكة للإضرار بهم ، وإتخاذهم عبرة ومنع الشباب من الهجرة من مكة .
ولا بد أن المهاجرين الى الحبشة كانوا في خشية شديدة على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذ أنهم يعرفون مكر وكيد قريش ، ورأوا شواهد عديدة من إيذاء رؤساء قريش للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويدركون احتمال إنتقام قريش من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لهجرتهم إلى الحبشة ، وعجز قريش عن منعهم أو جلبهم من طريق الهجرة .
فمن الآيات والحجة في المقام أن قريشاً لم يسكتوا عن هذه الهجرة إنما قاموا باقتفاء أثر المهاجرين حالما سمعوا بنبأ هجرتهم ، ووصلوا إلى ميناء الشرائع فوجدوهم قد غادرا في سفينة جاهزة للرحيل الى الحبشة .
لقد أدركت قريش أن هذه المغادرة نصر للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فازدادوا غيظاً , قال تعالى [قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ]( )، وكان الأولى التدبر فيها كمعجزة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في أصحابه ونشر مبادئ الإسلام ، والتخفيف عن المؤمنين واجتناب القتال والقتل ، وفي هجرة لوط ورد قوله تعالى [إِنِّي مهاجر إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ]( ).
فجاءت هجرة النبي محمد معجزة في السنة النبوية الشريفة ، ولا يقدر أحد على معرفة منافع ورشحات هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا الله عز وجل ، وفي التنزيل [وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ]( ).
الخامسة : أداء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لصلاة جماعة في المدينة ، وهو الأمر الذي يبعث الخوف والرعب في قلوب الذين كفروا ، خاصة وأن الصلاة يتلى فيها القرآن ، ويصلي المسلمون الظهر والعصر باخفات ، وتضيق صدور الذين كفروا .
حتى إذا ما جاءت صلاة المغرب تلا المسلمون القرآن جهراً فتمتلأ نفوس المشركين بالغيظ والحنق ، ويهتدي بهذه القراءة طائفة من الناس، ثم تأتي صلاة العشاء ثم الصبح وكلها يتلى فيها القرآن جهراً.
ويتوالى نزول آيات القرآن مع تعاقب الأيام , قال تعالى [كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ]( ).
ليقرأها النبي والمسلمون في الصلاة ، وهذا التجديد في الآيات التي تقرأ في الصلاة والإحتجاج من الإعجاز في نزول القرآن نجوماً وعلى نحو التدريج ، قال تعالى [وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً]( ).
وذات هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم دعوة إلى السلم والسلام والأمن ، فحينما صار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين أمرين أما قتال الذين كفروا في مكة وإما الهجرة اختار الهجرة مع ما فيها من الأهوال المحتملة ، ولكنها تؤكد قانوناً وهو أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم يترك الدعوة إلى الله على كل حال.
لقد علمت قريش وعامة الناس بأن هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم سلامة لشخصه الكريم صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن عزم الذين كفروا على قتله في ذات الليلة التي هاجر فيها .
وهل في أوان هذه الهجرة وأنها نوع ضرورة , وشاهد على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يريد أن يغزو أحداً من بدايات الدعوة ، الجواب نعم .
وتجلت معالم قانون لم يغز النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحداً بابتداء الدعوة إلى الله عز وجل بالعلم والمعرفة ومنه أن أول آية نزلت من القرآن [اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ] ( ) .
إذ تحث الآية على القراءة وطلب العلم والتحصيل وتدعو المسلمين إلى الإرتقاء في سلم المعارف الإلهية ، ثم جاءت الآيات المكية بالإنذار للذين كفروا من الضلالة والإقامة على عبادة الأوثان .
لتكون هذه الآيات حاضرة في معارك الإسلام الأولى فتبعث الندامة والخوف في قلوبهم ، وتجعل شطرا من جيش المشركين يمتنعون عن القتال , وطائفة أخرى تقاتل على نحو المسمى وصرف الطبيعة , وهو من أسرار عدم مطاردة المسلمين للمشركين في فرارهم .
لقد كانت هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بذاتها دعوة للسلام والسلم المجتمعي والأمن إذ أنه أعرض عن الذين يريدون قتله ، ولم يقابلهم بالمثل ، ولم يحرض أصحابه على القتال , ولم يدعهم سراً أو علانية الى قتل أو أغتيال بعض رؤساء الكفر خاصة أولئك الذين قتلوا بعض مستضعفي المسلمين مثل سمية أم عمار.
ومن فضل الله عز وجل على الناس إنكشاف الجهة أو الشخص الذي يقف وراء القتل في الجملة والغالب ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا..] ( ) ونجاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من القتل معجزة لأن قبائل قريش أجمعت على قتله وتم اختيار عشرة من شبابهم للقيام بالإغتيال .

قانون هجرة الصحابة معجزة للنبي
إن هجرة الصحابة إلى المدينة من غير مال ولا ضمان للسكن والعمل والرزق شاهد على حسن الإيمان وعلى صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن يضحي المسلمون الأوائل بحياة الرغد التي يعيشون ، وجوارهم للبيت الحرام ويتركون الأهل والأحبة ومراتع الصبا ، ومدارج الطفولة عشقاً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهروباً بالدين.
لقد أرعب قريشاً هجرة طائفة من المسلمين الأوائل الى الحبشة مع أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسم لا زال في مكة ، فلم يخرج معهم ، ولم يبقهم الى جانبه , وهم من أخلص أصحابه بدليل رضاهم بالغربة ومغادرة مكة وأهلها ، وفضلوا الهجرة وترك جوار البيت الحرام الذي تفد إليه الناس من كل صوب على مدار أيام السنة لسلامة دينهم , ويأتي موسم الحج كل سنة فتفد الوفود ، وتعمر الأسواق الموسمية مثل :
الأول : سوق المجنة.
الثاني : سوق عكاظ .
الثالث . سوق ذي المجاز.
الرابع : الأسواق الدائمية في مكة مثل سوق الحزورة وسوق الغنم ، ويدل قوله تعالى [لِإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ]( )، على تعدد أسواق مكة وعمارتها طيلة أيام السنة من جهات :
الأولى : كل مدينة لأهلها أسواق ، ومنها مكة ، فتتعاقب الأيام والسنين ، ويتبدل أرباب ومريدوا الأسواق أفراداً وطبقات وأجيالاً والسوق عامرة ، فمن أسرار الحياة الدنيا وخلافة الإنسان فيها مغادرة الناس لها منفردا مع ولادة آخرين بدله ، وما بينهما من الناس يعمرون البيوت والمساجد والأسواق ، وهو من عمومات قوله تعالى [وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ]( ).
الثانية : مجئ المعتمرين للبيت الحرام في غير أيام موسم الحج ، وورودهم لأسواق مكة ، وتبضعهم منها.
الثالثة : جلب أفراد القبائل وأهل القرى ممن هم حول مكة الأنعام ، ومنتجاتها والبضائع الى مكة ، وتسوقهم الحاجات منها ، لتكون هذه الأسواق من مصاديق تسمية مكة [أُمَّ الْقُرَى]( )، وهو مناسبة لتبليغ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رسالته وعدم حصرها بأهل مكة حتى في أيامها الأولى ، وعدم الحصر هذا من الإعجاز في نبوته ومصاديق قوله تعالى [وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ]( ).
لقد جاءت هجرة عدد من الصحابة إلى الحبشة وكانت تسمى(مملكة أكسوم) بدعوة وأمر من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ويحتمل هذا الأمر النبوي وجوهاً :
الأول : إنه على نحو الوجوب فلابد أن تهاجر طائفة من الصحابة إلى الحبشة .
الثاني : إنه وجوب عيني على صحابة مخصوصين .
الثالث : التعدد في الوجوب العيني أو الندبي ، فمن الصحابة من أمره النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالهجرة على نحو التعيين ، ومنهم من رغّبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالهجرة ، ومنهم من اختار الهجرة طواعية .
الرابع : مجئ الأمر من النبي صلى الله عليه وآله وسلم للصحابة على نحو العموم.
الخامس : استقراء التدبر والإستحباب من أمر الني محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالهجرة الى الحبشة.
والمختار هو الأخير .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَلَمّا رَأَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَا يُصِيبُ أَصْحَابَهُ مِنْ الْبَلَاءِ وَمَا هُوَ فِيهِ مِنْ الْعَافِيَةِ بِمَكَانِهِ مِنْ اللّهِ وَمِنْ عَمّهِ أَبِي طَالِبٍ وَأَنّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِمّا هُمْ فِيهِ مِنْ الْبَلَاءِ قَالَ لَهُمْ لَوْ خَرَجْتُمْ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ فَإِنّ بِهَا مَلِكًا لَا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أَحَدٌ ، وَهِيَ أَرْضُ صِدْقٍ حَتّى يَجْعَلَ اللّهُ لَكُمْ فَرَجًا فَخَرَجَ عِنْدَ ذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ ، مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ وَفِرَارًا إلَى اللّهِ بِدِينِهِمْ فَكَانَتْ أَوّلَ هِجْرَةٍ كَانَتْ فِي الْإِسْلَامِ( ).
ترى ماذا لو لم يهاجروا إلى الحبشة ، الجواب إن الله واسع كريم ، وهو الذي يتفضل بأبواب من أسباب النجاة من القوم الظالمين.
ولكن كان النبي صلى اله عليه وآله وسلم يتلقى الأذى الشديد من قريش لإقامة الحجة عليهم ، وليدرك الناس قبح أفعال قريش ، ويمتنعون عن نصرتهم وإعانتهم ، ومن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يتوجه في دعوته الى الناس جميعاً من غير أن يتخذ من الرؤساء وسائط ، فتنفذ دعوة التوحيد إلى شغاف قلوب المستضعفين ، قال تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ]( ).
وعن عروة قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص: ما أكثر ما رأيت قريشا أصابت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كانت تظهره من عداوته .
فقال: لقد رأيتهم وقد اجتمع أشرافهم يوما في الحجر، فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط، سفه أحلامنا وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعاتنا، وسب آلهتنا، وصرنا منه على أمر عظيم.
أو كما قالوا.
قال : فبينما هم في ذلك طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل يمشى حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفا بالبيت فغمزوه ببعض القول، فعرفت ذلك في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فمضى، فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها، فعرفتها في وجهه.
فمضى، فمر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها.
فقال : أتسمعون يا معشر قريش ، أما والذى نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح.
فأخذت القوم، حتى ما منهم من رجل إلا وكأنما على رأسه طائر وقع، حتى إن أشدهم فيه وصاة قبل ذلك ليرفأه حتى إنه ليقول: انصرف أبا القاسم راشدا فما كنت بجهول.
فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم. حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم، فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم عنه.
حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه ! فبينما هم على ذلك طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم فوثبوا إليه وثبة رجل واحد فأحاطوا به يقولون: أنت الذى تقول كذا وكذا لما كان يبلغهم من عيب آلهتهم ودينهم.
فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم أنا الذى أقول ذلك .
ولقد رأيت رجلا منهم أخذ بمجامع ردائه، وقام أبو بكر يبكى دونه ويقول : ويلكم (أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله) ثم انصرفوا عنه.
فإن ذلك لاكبر ما رأيت قريشا بلغت منه قط( ).
مما يدل على تعرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم للأذى اليومي من قريش ، وفيه أخبار عديدة.
نعم كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حفظ من الله عز وجل [فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا]( )، ثم رعاية وعناية عمه أبي طالب وكذا كان الصحابة الأوائل في حفظ من الله ، وما الأمر بالهجرة لهم إلا من هذا الحفظ وهو الذي تحقق في الواقع.
ويدل على الإستحباب في المقام قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمهاجرين الى الحبشة (لو خرجتم..) إذ أنه جاء هنا للحض والترغيب ، فحرف(لو) يأتي في اللغة على معاني :
الأول : إرادة الإمتناع وعدم التمكن فهو حرف امتناع لامتناع ، أي امتناع الجواب لامتناع الشرط ، قال تعالى [وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا]( ).
الثاني : حرف للعرض والترغيب ، كما في قوله تعالى [وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ]( ).
الثالث : حرف للحض والندب ، قال تعالى [وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا]( ).
الرابع : حرف للنفي , قال تعالى [وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ]( )، وتكرر الحرف ( لو) في الآية أعلاه مرتين .
وهل سلامة المهاجرين في الحبشة وعودتهم سالمين الى المدينة ، وهم في حال عز وايمان من معجزات النبي الحسية , الجواب نعم .
الخامس : حرف يفيد التقليل كما في قوله تعالى [وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلاَّ قَلِيلاً] ( ) وقول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه الذين هاجروا إلى الحبشة (لو خرجتم إلى أرض الحبشة فان بها ملكاً لا يظلم عنده أحد) من العرض والترغيب ، خاصة وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أضاف (وهي أرض صدق) أي يعبد فيها الله عز وجل من غير منع أو أذى.
ثم تضمن الحديث البشارة بالفرج ، وهل فيه وعد ، الجواب نعم ، وهذا الوعد رشحة وجزء من وعد الله عز وجل للمسلمين في القرآن .
لقد هاجر الفوج الأول من المسلمين إلى الحبشة ومعهم رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وزوجها عثمان بن عفان وكان عددهم اثني عشر .
وغادروا مكة والبيت الحرام وديار الصبا ، ولكنهم حملوا معهم كنز الإيمان الذي يبعث السكينة في النفس ويملي على الإنسان الصبر ويجعله يتحمل المشاق .
ثم هاجر فوج آخر من الصحابة ومنهم جعفر بن أبي طالب وزوجته أسماء بنت عميس ، وعمرو بن سعيد بن العاص .
وصار مجموع المهاجرين في الحبشة ثلاثة وثمانين رجلاً ، ( ومن النساء ثمان عشرة) ( ).
وذات عدد الرجال نفسه وهو ثلاثة وثمانون هو عدد المهاجرين الذين حضروا معركة بدر وحضرها من الأوس واحد وستون رجلاً ومن الخروج مائة وسبعون رجلاً( ).
لقد استشاط المشركون غضباً بسبب هجرة الصحابة ، واحتاروا في الأمر وعواقبه ، وحرصوا على إرجاع المهاجرين وسارعوا للحاق بهم ، ولكن ما أن وصلوا إلى ميناء الشعيبة قبل أن يحل محله ميناء جدة الذي أنشأ سنة (26) للهجرة ، وقيل أن ميناء جدة موجود قبل الإسلام ، فوجدوا المهاجرين قد غادروا إلى الحبشة ، إذ كانت في الميناء حال وصولهم الميناء سفينتان تريدان أن تبحرا إلى الحبشة فركبوا فيهما .
وهل هو من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحسية في أصحابه ، الجواب نعم لقلة السفن التي تبحر إلى الحبشة في ذلك الزمان ، وإن وجدت فقد ينتظر الركاب أياماً كي تبحر سفينة بين الشعيبة وجدة وبين الحبشة ، وعندما علم الذين أشركوا بمغادرة الصحابة إلى الحبشة وكأن سفينة بانتظارهم ، وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ] ( ) فأصاب الذين كفروا الذهول والإحباط ورجعوا خائبين .
وصاروا يترصدون الأخبار ، وحال المسلمين في الحبشة فجاءت الأخبار بأن المسلمين في مأمن في الحبشة برعاية النجاشي ، وعدله ، وأنهم يشكرون الله ثم جوار النجاشي على هذه النعمة وعبادتهم الله من غير خوف ،وبعث عبد الله بالحارث بن قيس أحد المهاجرين بقصيدة إلى مكة :
(يَا رَاكِبًا بَلّغَن عَنّي مُغَلْغَلَةً … مَنْ كَانَ يَرْجُو بَلَاغَ اللّهِ وَالدّينِ
كُلّ امْرِئِ مِنْ عِبَادِ اللّهِ مُضْطَهَدٍ … بِبَطْنِ مَكّةَ مَقْهُورٍ وَمَفْتُونِ
أَنّا وَجَدْنَا بِلَادَ اللّهِ وَاسِعَةً … تُنْجِي مِنْ الذّلّ وَالْمَخْزَاةِ وَالْهُونِ
فَلَا تُقِيمُوا عَلَى ذُلّ الْحَيَاةِ وَخَزَ … ي فِي الْمَمَاتِ وَعَيْبٍ غَيْرِ مَأْمُونِ
إنّا تَبِعْنَا رَسُولَ اللّهِ وَاطّرَحُوا … قَوْلَ النّبِيّ وَعَالُوا فِي الْمَوَازِينِ
فَاجْعَلْ عَذَابَك بِالْقَوْمِ الّذِينَ بَغَوْا … وَعَائِذًا بِك أَنْ يَعْلُوا فَيُطْغُونِي
وَقَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ الْحَارِثِ أَيْضًا ، يَذْكُرُ نَفْيَ قُرَيْشٍ إيّاهُمْ مِنْ بِلَادِهِمْ وَيُعَاتِبُ بَعْضَ قَوْمِهِ فِي ذَلِك :
أَبَتْ كَبِدِي لَا أَكْذِبَنك قِتَالُهُمْ … عَلَيّ وَتَأْبَاهُ عَلَيّ أَنَامِلِي
وَكَيْفَ قِتَالِي مَعْشَرًا أَدّبُوكُمْ … عَلَى الْحَقّ أَنْ لَا تَأْشِبُوهُ بِبَاطِلِ
نَفَتْهُمْ عِبَادُ الْجِنّ مِنْ حُرّ أَرْضِهِمْ … فَأَضْحَوْا عَلَى أَمْرٍ شَدِيدِ الْبَلَابِلِ
فَإِنّ تَكُ كَانَتْ فِي عَدِيّ أَمَانَةٌ … عَدِيّ بْنِ سَعْدٍ عَنْ تُقًى ، أَوْ تَوَاصُلِ
فَقَدْ كُنْت أَرْجُو أَنّ ذَلِكَ فِيكُمْ … بِحَمْدِ الّذِي لَا يُطّبَى بِالْجَعَائِلِ
وَبَدّلْت شِبْلًا شِبْلَ كُلّ خَبِيثَةٍ … بِذِي فَجْرٍ مَأْوَى الضّعَافِ الْأَرَامِلِ) ( ).
وأرسلت خلفهم قريش وفداً الى النجاشي ليردهم على قريش ، وقد تقدم الكلام فيه ، وهو من إصرار قريش على الظلم ، وإرادتهم الانتقام من المؤمنين , ولم يعلموا أن الهجرة الى الحبشة تمت بالوحي وأن الله عز وجل كتب السلامة للمهاجرين وفي التنزيل[وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ]( ).
قراءة في [وَإِذْ غَدَوْتَ ..]
وفق قانون (لم يغز النبي ص أحداً) والغدوة لغة ما بين صلاة الغداة أي صلاة الصبح وطلوع الشمس .
وغدا الفلاح إلى زرعه أي بكّر .
والغدو : الذهاب أول النهار .
ولم يرد لفظ [غَدَوْتَ] في القرآن إلا في قوله تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] ( ) .
والمراد من أهلك أي من بيتك وأهلك وبيوت أزواجك ، وظاهر الآية أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج صباح السبت ، ولكن لا يمنع من إطلاق [غَدَوْتَ مِنْ] على إرادة الخروج والتوجه إلى المعركة ، واستعمال غدوت في وقت الظهيرة ، خاصة وان المشهور هو خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من المدينة بعد صلاة الجمعة .
نعم يمكن حمل الآية على المعنى الأعم من الخروج للقتال ، وأن قوله تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ] أي خرجت صباح يوم الجمعة لتهيئة الصحابة للقتال وتفقدهم وتعيين القسم الذي فيه كل جماعة وطائفة منهم . وسمي الجيش جيشاً لما فيه من التعبئة والتحشيد والتجهيز لمحاربة العدو ، ويسمى الجيش الخميس ، كما في حديث خيبر (عن أنس قال : صبح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خيبر وقد خرجوا بالمساحي ، فلما نظروا إليه قالوا : محمد والخميس) ( ).
وسمي الجيش بالخميس لأنه يتألف من خمس فرق وهي :
الأولى : المقدمة .
الثانية : الميمنة .
الثالثة : القلب .
الرابعة : الميسرة .
الخامسة : الساقة أي مؤخرة الجيش .
كما يطلق على الجيش العسكر موضعه لأنه يعسكر ويقيم في موضع مخصوص ومكان محصور ، ويسمى حينئذ المعسكر ويطلق على الجيش الكبير الذي يسير زحفاً الجرّار ومنه جيش المشركين في غزوهم المدينة في معركة أحد ومعركة الخندق .
وتقدير الآية : يا أيها الرسول إذ خرجت غدوة من عند أهلك لتنظم صفوف المسلمين وتعين منازلهم .
ومن إعجاز الآية أنها لم تخبر عن خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى معركة أحد ، أو إلى القتال ، والعزم على القاء مع المشركين .
ويتضمن قوله تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ]( )، معنى أعم من لقاء الكفار ، إذ يشمل أيضاً معنى المرابطة في المدينة وقرب جبل أحد في احتراز من الكفار وغاراتهم نعم ترجح الآية [إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ]( )، وقوع القتال يوم أحد وشدته بسبب إصرار الذين كفروا على القتال.
ويدل قوله تعالى [تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ] على أن المنافقين لا يريدون قتال العدو ، وان خرجوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة ، فقيد (المؤمنين) مواساة متقدمة زماناً للمسلمين والمسلمات ، ودعوة لهم للصبر وعدم اليأس أو القنوط إذا ما إنسحب المنافقون أو إعتزلوا القتال في ميدان المعركة ، وأيهما أشد على المسلمين :
الأول : ما حصل من إنسحاب المنافقين من وسط الطريق الى المعركة.
الثاني : تقدير ذهاب المنافقين إلى ميدان المعركة ثم إعتزالهم القتال في الميدان.
الثالث : انسحاب المنافقين وفرارهم عند حدوث القتال.
الجواب هو الثالث منها , فهو أخطر وأشد أذى على المسلمين.
لقد كانت مسافة طريق المسلمين إلى معركة أحد مناسبة لتنمية ملكة الصبر عندهم ، والرضا بقضاء الله والإستغناء عن الذين نافقوا ، لذا اتبع عبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر بن عبد الله الأنصاري الذين نافقوا عندما رجعوا من وسط الطريق وهو يحثهم على الرجوع إلى ميدان المعركة ، وهو يقول لهم : يا قوم أذكركم الله ألا تخذلوا قومكم ونبيكم عندما حضر من عدوهم.
قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم، ولكنا لا نرى أن يكون قتال.
فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف عنهم قال: أبعدكم الله أعداء الله، فسيغنى الله عنكم نبيه( ).
وفيه شاهد على صدق إيمان الأنصار ، وعزمهم والمهاجرين على الدفاع عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمدينة مع قلة عددهم.
وإيمانهم بأن الله عز وجل يدفع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعنهم شرور الذين كفروا ، وهو من مصاديق قوله تعالى [أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ]( )، ليكون قوله تعالى [تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ] توطئة وتهيئة لأذهان المهاجرين والأنصار لإنسحاب المنافقين ، ودعوة للمسلمين لعدم الإرتباك أو الخوف من هذا الإنسحاب والحسرة عليهم .
كما أراد بعض الأنصار الإستعانة بحلفائهم من يهود المدينة ، وعَنْ الزّهْرِيّ : أَنّ الْأَنْصَارَ يَوْمَ أُحُدٍ ، قَالُوا لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَا رَسُولَ اللّهِ أَلَا نَسْتَعِينُ بِحُلَفَائِنَا مِنْ يَهُودَ ، فَقَالَ لَا حَاجَةَ لَنَا فِيهِمْ( ).
فلم يترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم الخيار للأنصار في دعوة حلفائهم ، ولم يمنعهم من غير بيان علة المنع ، إنما ذكر عدم حصول الهزيمة للمسلمين .
وهل في قول الأنصار هذا دلالة على الأمن من يهود المدينة وأنهم لايغدرون بالمسلمين عند مغادرتهم لها ، أو عند تعرضهم لخسارة أو هزيمة يومئذ , الجواب نعم .
وبعد أن انسحب رأس النفاق عبد الله بن أبي بن أبي سلول بثلاثمائة من أفراد جيش المسلمين لم يبق مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا سبعمائة وهم أقل من ربع جيش المشركين ، أما من حيث العدة والرواحل فان الفارق بين الفريقين أكبر ، ليكون تقدير قوله تعالى [يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ]( )، على وجوه :
الأول : يوم التقى الجمعان أحدهما أقل من ربع الآخر .
الثاني : يوم التقى الجمعان , وأسلحة الذين كفروا أضعاف أسلحة المؤمنين .
الثالث : يوم التقى الجمعان والله ناصر المؤمنين .
الرابع : يوم التقى الجمعان بعد إنسحاب المنافقين من وسط الطريق.
الخامس : يوم النصف من شهر شوال من السنة الثالثة يوم التقى الجمعان .
السادس : يوم التقى الجمعان جمع بامامة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجمع الذين كفروا .
السابع : يوم التقى الجمعان جمع قطع مسافة أربعمائة وخمسين كيلو متر لقتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه.
الثامن : يوم التقى جمع يحبهم الله ويحبونه ، وجمع يكفرون بالله وملائكته ورسله واليوم الآخر.
التاسع : يوم التقى الجمعان [وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ]( )،
العاشر : يوم التقى الجمعان جمع غاز ومعتد وهم المشركون ، وجمع مدافع وهم المؤمنون .
الحادي عشر : يوم التقى الجمعان ، جمع يجمع بين المهاجرين والأنصار وجمع الذين كفروا .
الثاني عشر : يوم التقى الجمعان جمع طائع لله ورسوله وجمع كافر بالله ورسله .
الثالث عشر : يوم التقى الجمعان جمع يكون قتلاهم أحياء عند الله ، قال تعالى [وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لاَ تَشْعُرُونَ]( )، وجمع المشركين إذ يذهب قتلاهم إلى النار ، لإصرارهم على محاربة النبوة والتنزيل.
الرابع عشر : يوم التقى الجمعان جمع لا يريد القتال ويسعى إلى دفعه وهم المؤمنون ، وجمع يصر على الهجوم والغزو.
وتبين آية (وَإِذْ غَدَوْتَ)جهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الدفاع عن نفسه وعن المسلمين وأهل المدينة ، وأن قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا]( )، لا ينحصر بالتبليغ اللساني ، إنما يشمل البشارة والإنذار بالدفاع وحمل السلاح لصّد الذين كفروا ودفعهم عن المدينة محل نزول آيات وسور القرآن بعد الهجرة ، وموطن أداء المسلمين الصلاة جماعة وفرادا.
لقد خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من بيته مبكراً للنفير ، وتهيئة الصحابة للقاء المشركين الذين يريدون منع التبليغ بوجوب التوحيد . ( )
لقد نصر الله عز وجل المسلمين بمعركة بدر نصراً تتجلى فيه المعجزة ليتلقى أهل المدينة زحف المشركين في معركة أحد بالصبر والطمع بفضل الله بتجدد النصر ، لذا قابل المسلمون دعوة النبي للدفاع بالقبول والرضا ، ومنهم من أصرّ على الخروج لملاقاتهم ، ومنهم من طمع بالغنائم والأسرى ، وقد ذكرت في الجزء السابع والثمانون من هذا السِفر المبارك وفي باب التفسير (إن قوله تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ] إشراقة جهادية أطلت على الأرض، وضياء إيماني مبارك تبقى أنواره إلى يوم القيامة، لتشع على القلوب المنكسرة فتزيح عنها عبأ الخوف والفزع، وترسم لها مستقبلاً زاهراً تحت ظلال الهداية والإيمان، وإقتداء المسلمين النوعي العام بسنة وجهاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقد كان يوماً من أعظم أيام الصبر التي حددت للأجيال الصراط المستقيم والسبيل الذي يكون واقية من العذاب الأليم في الآخرة ، إنه الصبر الذي يدفع الضرر القادم من الكفار في مستقبل الأيام والسنين ) ( ).
وفي تسمية الصحابة [الْمُؤْمِنِينَ] في آية البحث دعوة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليشكر الله عز وجل على هذه النعمة ، فلم يجعله وحيداً في ملاقاة المشركين ، لقد هجم على المدينة رجال قريش وهم أبناء عمومة النبي وأقاربه لإرادة قتله بينما دافع عنه المهاجرون والأنصار لبيان قانون وهو أن الأخوة الإيمانية التي تتجلى بقوله تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ] ( ) أسمى من الصلات النسبية ، نعم قد يجتمعان كما في إيمان الإمام علي عليه السلام ، وحمزة بن المطلب ، وجعفر الطيار ومؤمني قريش الذين اختاروا الهجرة مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليكونوا حجة مركبة على الذين كفروا ، وحجة أمام الأنصار وعموم أهل المدينة لبيان سنخية النزاع , وأنه بين الإيمان والكفر وفيه دعوة للتوبة والإنابة ، قال تعالى [أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ] ( )، نعم الأصل ميل ذوو قربى النبي إلى دعوته وكانوا ينصرونه في رسالته ، ولكن جعل الله عز وجل قصص الأنبياء والأمم السالفة عبرة وموعظة ومنها ما لاقاه بنو إسرائيل من فرعون وتجاهره بالكفر وإدعائه الربوبية .
ولم يسع النبي صلى الله عليه وآله وسلم لإيجاد جامع مشترك يجمع بينه وبين قريش على كفرها إنما جعل الفيصل هو الإيمان ، فالكافر بعيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأن كان قريباً في نسبه ، قال تعالى [قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ] ( ) .
لقد أحب الله عز وجل المؤمنين في كل زمان ، وعندما زحف المشركون لقتالهم في معركة أحد أوحى إلى رسوله الكريم تهيئة المؤمنين للقتال ، لتكون هذه التهيئة مقدمة للنصر ودفعاً لشرور الذين كفروا ، وقوله تعالى [مِنْ أَهْلِكَ] لبيان الإثم الذي يلحق الذين كفروا بمحاولتهم إثارة الخوف والفزع عند عوائل المؤمنين وأهل المدينة عامة باشراف جيوشهم على جنباتها ، والتهديد باستباحتها ، وأيهما أكثر نفعاً للمسلمين :
الأول : وقوع معركة أحد .
الثاني : عدم وقوع المعركة .
الجواب هو الثاني ، إذ كانت معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم تنتشر بين الناس وتساهم في إرتقائهم في المعارف والتخلص من مفاهيم الضلالة والإنقياد لإغواء شياطين الأنس والجن ، لذا اختار المشركون نشوب معركة أحد للإضرار باتباعهم أيضاً في محاولة لإبقائهم في مستنقع الكفر وعبادة الأوثان واشغالهم عن التدبر بمعجزات النبوة والتنزيل خاصة وأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم جاء بالمعجزات العقلية والحسية ، قال تعالى [وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلاَلَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ] ( ) .
وتدل الآية أعلاه على توجه الخطاب التكليفي بالإيمان إلى الناس مجتمعين ومتفرقين ، فلم يأت لهم الأمر بالإيمان بواسطة الرؤساء أو الملوك ، لذا كان أكثر أتباع الأنبياء من المستضعفين ، ومن الشباب والعبيد ، فيلتقي في روضة الهدى والإيمان ابن السيد وعبده ، وان لم يؤمن ذات السيد يبقى وحده في مستنقع الكفر فيستشيط غضباً ويبذل الأموال لمحاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، ولم يعلم أن السعادة العامة وفي الدنيا والآخرة باللحوق بركب الإيمان ، وهل كان رؤساء قريش من الطاغوت الذي تذكره الآية أعلاه ، الجواب نعم .
والطاغوت من طغا يطغو طغياً وطغياناً أي عتا وتجاوز الحد ، وغلا في المعصية من مقام سلطان وشأن ، سواء أراد من الناس عبادته و حملهم على طاعته في المعصية والضلالة ويدل قوله تعالى [وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ] ( ) على مسألة وهي مقام الرياسة للطاغوت واتخاذه له وسيلة للجحود وإرتكاب السيئات .
ولو كان موحداً ومن اتباع الأنبياء ذا سلطان وطغا في الحكم فهل يصدق عليه أنه طاغوت ، الجواب لا .

من وجوه آية (وإذ غدوت)
مع أن عدد كلمات القرآن (هو سبعة وسبعون ألف كلمة وتسعمائة وأربع وثلاثون كلمة وقيل غير ذلك( ) .
فانه لم ترد فيه كلمة غدوت إلا مرة واحدة وهي خطاب موجه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبصيغة الجملة الخبرية ، ولم تقل الآية (أغد) بصيغة الأمر للمنفرد أو (أغدوا) لجماعة المسلمين ، إنما جاءت أمراً للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ويتعلق الموضوع بعامة الصحابة (عن المسور بن مخرمة قال : قلت لعبد الرحمن بن عوف يا خال أخبرني عن قصتكم يوم أحد؟ قال : اقرأ بعد العشرين ومائة من آل عمران تجد قصتنا { وإذ غدوت من أهلك تبوّئ المؤمنين مقاعد للقتال } إلى قوله { إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا }( ) قال : هم الذين طلبوا الأمان من المشركين إلى قوله { ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه }( ) قال : هو تمني المؤمنين لقاء العدو إلى { أَفَإنْ مات أو قتل انقلبتم ( )قال : هو صياح الشيطان يوم أحد : قتل محمد إلى قوله { أمنة نعاساً }( ) قال : ألقي عليهم النوم) ( ).
وفيه شاهد على أن المسلمين ليس لهم قائد إلا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فهو النبي والإمام ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ] ( ).
وتقدير الآية أعلاه بخصوص هذا المعنى على وجوه :
الأول : وإذ غدوت يا رسول الله من أهلك بعد صلاة الصبح من يوم الجمعة الرابع عشر من شهر شوال في السنة الثالثة للهجرة.
الثاني : وإذ غدوت من أهلك قائداً للمسلمين لتحثهم على الصبر وبيان الملازمة بين الصبر والنصر .
الثالث : وإذ غدوت من أهلك بعد صلاة الجمعة وصلاة العصر بلباس الدفاع إضطراراً .
الرابع : وإذ غدوت من أهلك , وجيوش المشركين على مشارف المدينة.
الخامس : وإذ غدوت من أهلك وأنت ترجو ألا يقع قتال .
السادس : وإذ غدوت من أهلك وأنت رسول من عند الله ، لبيان أن فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالتوجه الى ميدان معركة أحد من الوحي .
فان قلت قد مال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في البداية الى البقاء في المدينة وهو من إشارات الرؤيا التي رآها يومئذ , الجواب لا تعارض بين الميل الإبتدائي للبقاء ثم اختيار الخروج والتوجه الى جبل أحد .
ويدل قوله تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ]( )، على الإذن من الله عز وجل على خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الى معركة أحد ، ولا يتعارض مع دعوة القرآن والنبي الى السلام ، لأن هذا الخروج على جهات :
الأولى : إنه ضرورة دفاعية .
الثانية : فيه ثبات على الإيمان ، فليس من برهان أعظم من إختيار الدفاع وملاقاة لمعان السيوف في البقاء على عقيدة التوحيد ، وفي التنزيل [قُلْ هَلْ تَتَربَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمْ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ]( ).
الثالثة : فيه دعوة للناس للإيمان .
الرابعة : صدّ الذين كفروا عن الظلم والغزو فلما كان دأبهم الصد عن سبيل الله تفضل الله بصدهم ومنعهم عن هذا الصدّ.
السابع : وإذ غدوت من أهلك والله يعلم الأذى في فراق النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأهله بالذهاب للدفاع على مدخل المدينة , مع حبه لأهله وحال الأمن لأهل المدينة عامة , وفي عيسى عليه السلام ورد قوله تعالى [وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنت وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا] ( ) وذات البركة عند وحول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثامن : وإذ غدوت من أهلك أنت والمؤمنون حباً لله عز وجل وطاعة له .
فصحيح أن آية خروج المسلمين الى معركة أحد لم تتضمن النص بذكر هذه الطاعة ، ولكن أخبر القرآن عن سنخية هذا الخروج بأنه استجابة لله عز وجل في الآيات الخاصة بكتيبة حمراء الأسد التي هي فرع الخروج إلى معركة أحد , إذ قال تعالى [الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ] ( ).
التاسع : وإذ غدوت من أهلك تبوء للمؤمنين مقاعد للقتال في معركة أحد وقد خفف الله عنكم في كتيبة حمراء الأسد فليس من اصطفاف للجيوش ولا مواقع للقتال يومئذ .
العاشر: وإذ غدوت من أهلك تبوء للمؤمنين مقاعد للقتال الدفاعي.
وهل تدل الآية على الدفاع ، الجواب نعم ، إذ تبدأ بذكر خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أهله ليعين لأصحابه مواضعهم من القتال مما يدل على أمور :
أولاً : اتخاذ المشركين مواقعهم في القتال قبل المسلمين .
ثانياً : قرب موضع القتال من بيوت النبي وليس من المدينة ذاتها ، فليس ثمة فاصل يعتد به بين غدو النبي صلى الله عليه وآله وسلم من بيته وبين تعيين مواضع القتال للمسلمين .
ثالثاً : عناية النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأهله وزوجاته حتى عند الخروج إلى ميدان المعركة.
رابعاً : تسالم المسلمين على الحاجة إلى الدفاع ومن أسرار قوله تعالى [مِنْ أَهْلِكَ] تهيء المسلمين للدفاع سواء بقوا في المدينة أو خرجوا منها ، وهل يعني هذا أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم كان بالخيار بين البقاء في المدينة والدفاع في أزقتها وبيوتها ، أو الخروج إلى سفل جبل أحد حيث أناخت جيوش المشركين وعبثوا بزرع المسلمين .
أو القتال وسط الطريق بين المدينة وجبل أحد ، الجواب لا ، فمن خصائص الوحي تعيين موضع الدفاع وان سبقه حال استشارة وتخيير ، ويدل عليه مسألة ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما دخل المدينة في أول هجرته إليها ، وإذ كان كل حي من الأنصار يسألونه الإقامة عندهم ويمسكون بزمام ناقته ، ولكنه يأمرهم بتركها لأنها مأمورة ، أي أنها ستتوقف وتبرك حيث شاء الله .
وقصتها مشهورة عند المؤرخين ، قال ابن اسحاق : فأدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة في بنى سالم بن عوف فصلاها في المسجد الذى في بطن الوادي وادى رانونا فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة فأتاه عتبان بن مالك وعباس بن عبادة بن نضلة في رجال من بنى سالم بن عوف فقالوا يا رسول الله أقم عندنا في العدد والعدة والمنعة قالوا خلوا سبيلها فانها مأمورة – لناقته – فخلوا سبيلها فانطلقت حتى وازت دار بنى بياضة تلقاه زياد بن لبيد وفروة بن عمرو في رجال من بنى بياضة فقالوا يا رسول الله هلم الينا إلى العدد والعدة والمنعة .
فقال خلوا سبيلها فانها مأمورة فانطلقت حتى إذا مرت بدار بنى ساعدة اعترضه سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو في رجال من بنى ساعدة فقالوا يا رسول الله هلم الينا إلى العدد والعدة والمنعة قال خلوا سبيلها فانها مأمورة فخلوا سبيلها فانطلقت حتى إذا وازت دار بنى الحرث بن الخزرج اعترضه سعد بن الربيع وخارجة بن زيد و عبدالله بن رواحة في رجال من بنى بلحارث بن الخزرج فقالوا يا رسول الله هلم الينا إلى العدد والعدة والمنعة .
قال خلوا سبيلها فانها مأمورة فخلوا سبيلها حتى إذا مرت بدار عدى بن النجار وهم أخواله دنيا أم عبدالمطلب سلمى بنت عمرو وإحدى نسائهم اعترضه سليط بن قيس وأبو سليط أسيرة بن أبى خارجة في رجال من بنى عدى بن النجار فقالوا يا رسول الله هلم إلى أخوالك إلى العدد والعدة والمنعة قالوا خلوا سبيلها فانها مأمورة فخلوا سبيلها فانطلقت حتى إذا أتت دار بنى مالك بن النجار بركت على باب مسجده صلى الله عليه وسلم وهو يومئذ مربد لغلامين يتيمين من بنى مالك بن النجار في حجر معاذ بن عفراء سهل وسهيل ابني عمرو فلما بركت ورسول الله صلى الله عليه وسلم عليها لم ينزل وثبت فسارت غير بعيد ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع لها زمامها لا يثنيها به ثم التفتت خلفها فرجعت إلى مبركها أول مرة فبركت فيه ثم تلحلحت( )، وأرزمت( )،ووضعت جرانها( )، ونزل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم واحتمل أبو أيوب خالد بن زيد رحله فوضعه في بيته ونزل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم( ).
ويدل ذكر أهل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الآية على نحو الخصوص من بين أهالي الصحابة على إكرام الله عز وجل لأزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولفاطمة الزهراء عليها السلام والتي كانت آخر من يودعها النبي صلى الله علبيه وآله وسلم وأول من يدخل عليها عند الخروج في الكتائب .
(عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : كان رسول الله إذا سافر كان آخر عهده بإنسان من أهله وأوّل من يدخل عليه إذا قدم فاطمة عليها السلام.
فلمّا قدم من غزوة فأتاها فأذا لمحَ وقيل : لمح على بابها ورأى على الحسن والحسين قلبين من فضّة،
فرجع ولم يدخل عليها، فلمّا رأت ذلك فاطمة ظنّت إنّه لم يدخل عليها من أجل ما رأى، فهتكت الستر ونزعت القلبين من الصّبيين، فقطعتهما، فبكى الصبيّان، فقسمته بينهما نصفين، فانطلقا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهما يبكيان، فأخذه رسول الله منهما،وقال : يا ثوبان إذهب بهذا إلى بني فلان أهل بيت بالمدينة واشتر لفاطمة قلادة من عصب وسوارين من عاج , قال : فإنّ هؤلاء أهل بيتي ولا أحبّ أن يأكلوا طيّباتهم في الحياة الدُّنيا.) ( ).
(عن ابن عمر : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا خرج في غزاة كان آخر عهده بفاطمة ، وإذا قدم من غزاة كان أول عهده بفاطمة رضوان الله عليها ، فإنه خرج لغزو تبوك ومعه علي عليه السلام ، فقامت فاطمة فبسطت في بيتها بساطا ، وعلقت على بابها سترا ، وصبغت مقنعتها بزعفران ، فلما قدم أبوها صلى الله عليه وآله وسلم ، ورأى ما أحدثت رجع ، فجلس في المسجد ، فأرسلت إلى بلال .
فقالت : يا بلال اذهب إلى أبي ، فسله ما يرده عن بابي ؟ فأتاه فسأله ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : إني رأيتها أحدثت ، ثم شيئا ، فأخبرها ، فهتكت الستر ، ورفعت البساط ، وألقت ما عليها ، ولبست أطمارها ، فأتاه بلال فأخبره ، فأتاه فاعتنقها وقال : هكذا كوني فداك أبي وأمي) ( ).
مشاورة النبي (ص) لأصحابه
حالما علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقدوم جيش المشركين في معركة أحد استشار أصحابه بخصوص الفعل المناسب لملاقاتهم ودفع أذاهم، ومن الآيات في نبوته عدم إنحصار هذه الإستشارة بأهل البيت أو كبار الصحابة ، أو المقربين منهم من النبي صلى الله عليه وآله وسلم بل هي استشارة عامة للمهاجر والإنصاري وللكبير والشاب منهم ، كما توجه إلى رؤساء الأنصار ، ومنهم عبد الله بن أبي سلول رأس النفاق إذ دعاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ ولم يدعه قبلها ، إذ أنه من رؤساء الخزرج وكانوا يعدون ليكون ملكاً على المدينة قبل قدوم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وقد مات عبد الله بن أبي رأس النفاق في حياة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعوده أيام مرضه .
وجاء ابنه والذي يحمل اسمه أيضاً عبد الله وهو من خيار الصحابة ، وسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يعطيه قميصه ليكفن به أباه وأن يصلي عليه ، فاعطاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم قميصه وصلى عليه ثم نزل قوله تعالى [وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا…] ( ).
وهل كان موته من أسباب انحسار النفاق وضعف المنافقين وعجزهم عن بث الأراجيف في المدينة ، الجواب نعم .
في استشارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعامة أصحابه مسائل :
الأولى : تنمية ملكة النصيحة عند المسلمين وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (إن الدين النصيحة . قيل : لمن يا رسول الله : قال : لله ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم) ( ).
الثانية : بيان وحدة المسلمين في تلقي هجوم الذين كفروا .
الثالثة : الإنتفاع العام من خبرة الصحابة خاصة الأنصار الذين هم أعلم بأحوال بلدهم .
الرابعة : تهيئة الأذهان للقاء العدو .
الخامسة : بيان حال الأمن والسلم داخل المدينة وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يخشى من أصحابه القعود عن لقاء العدو أو العصيان .
السادسة : تنمية حال الإستشارة عند المسلمين والمسلمات .
السابعة : هذه الإستشارة مصداق عملي وتفسير لقوله تعالى [وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ] ( ) فقد استجاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأمر الله عز وجل في استشارة أصحابه ، ولابد أن في هذه الإستشارة نفعاً عظيماً.
الثامنة : قطع الطريق أمام الذين كفروا ، وجعلهم ييأسون من استمالة بعض الصحابة إلى جانبهم ، فحتى المنافقين يتوجه إليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الإستشارة .
التاسعة : بيان كيفية إعجازية في محاربة جيش المشركين باستشارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه ، والإنتفاع الأمثل من عقول الرجال ومن الخبرة والتجربة .
وبعد أن صلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلاة الصبح استشار أصحابه وندبهم للدفاع عن الدين والنفوس والعرض والأموال .
وهل دعاء النبي في معركة أحد مثل دعائه في معركة بدر (يا رب إن تهلك هذه العصابة في الأرض فلن تعبد في الأرض أبداً) ( ) الجواب نعم ، لوحدة الموضوع في تنقيح المناط ، فلم يكن على الأرض نبي غير النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وليس من أصحاب مؤمنين غير أصحابه وأكثرهم كانوا معه في الميدان .
ولم يتخلف إلا كبار السن والمرضى والزمنى ، وزاد رجوع ثلاثمائة من المنافقين من وسط الطريق في الحاجة إلى هذا الدعاء كيلا تبقى المدينة ساحة مستباحة لهم ، فقد ظنوا أن جيش المشركين الجرار وسيوفهم الحادة وعزمهم على الثأر لقتلاهم في معركة بدر سبب لوقوع الخسارة الكبيرة عند المسلمين ، وإحتمال تحقق الغاية التي جاء من أجلها المشركون ، وهي قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى [أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمْ الْمَكِيدُونَ] ( ).
ومع استشارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه فان الفيصل هو الوحي ، وفيه تأديب للمسلمين لبيان رأيهم وخبرتهم ومشورتهم ، ولكن الأمر لله ورسوله ، قال تعالى [وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ] ( ).
العاشرة : بيان حقيقة وهي رباطة جأش المهاجرين والأنصار حتى في ساعة الشدة ، ووصول جيش العدو إلى أطراف المدينة بأعداد هي أضعاف المهاجرين والأنصار .
ومن معاني [غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ] أي خرجت أوان الصبح ليكون من البديع في اللغة العربية جمع الكلمة الواحدة للفعل والزمان مع مجئ الاسم والفعل فيها ، فالذي غدا هو النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إذ ذكرتهم الآية بقوله تعالى [تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ] للدلالة على حضورهم وعدم غيابهم ساعة النفير .
لقد أشار عبد الله بن أبي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالبقاء في المدينة ، وقتال المشركين فيها ، وأيده رجال من الأنصار لقاعدة وتجربة بالوجدان وهي ما دخل عليهم عدو إلا أصابوا منه فمال النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى قولهم ، وهل كان عبد الله بن أبي ناصحاً في استشارته أم أراد الكيد والوقيعة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الجواب هو الأول ، فالنفاق عرض من غير مستقر ، لذا جاءت آيات القرآن بذمه والمنافقين ، وبيان قبحه الذاتي وضرره ليتنزه عنه المسلمون ، نعم أخرج عبد الله بن أبي نفاقه بانسحابه بثلاثمائة من جيش المسلمين في الطريق إلى معركة أحد وهو يقول (أَطَاعَهُمْ وَعَصَانِي ، مَا نَدْرِي عَلَامَ نَقْتُل أَنْفُسَنَا هَاهُنَا أَيّهَا النّاسُ فَرَجَعَ بِمَنْ اتّبَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ أَهْلِ النّفَاقِ وَالرّيْبِ) ( ).
لقد كبّر على الصحابة رجوع ثلث الجيش بتحريض من منافق ، مع أن خروجهم كان للدفاع عن الأنفس والأعراض والأموال ، ومما يعرف به أهل يثرب هو دفاعهم عن مدينتهم ومنعهم العدو من دخولها ، وقد لزم الدفاع في معركة أحد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن المدينة وأهلها .
بالإضافة إلى أصل الإستصحاب فقد انتصر المسلمون في معركة بدر مع قلة عددهم ، ليتبادر إلى الأذهان قانون وهو أن النصر قريب منهم ، وهو من عمومات قوله تعالى [إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ] ( ) .
ولما رجع المنافقون أراد بعض صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الإجهاز عليهم لتخاذلهم وخذلانهم .
(عن البراء بن عازب قال لما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أحد خرج معه بأناس فرجعوا قال فكان أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيهم فرقتين فقالت فرقة نقتلهم وقالت فرقة لا نقتلهم قال فنزلت (فمالكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا) ( ) قال فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنها طيبة وأنها تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة.) ( ).
أي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم منع الفتنة في الجيش ، ودفع عن المنافقين القتل ، ولو قاتلهم الصحابة لوقعوا في حرج واصابهم الإنهاك ودخلوا معركة أحد بتعب وجراحات وأسى على قتلهم أخوانهم من الأوس والخزرج ، فكونهم منافقين لا يمنع من الحزن عليهم عند قتلهم بأيدي المؤمنين ، وفيه مسائل :
الأولى : بيان الإعجاز الغيري للآية أعلاه .
الثانية : نزول القرآن لنجاة المسلمين من الفتنة .
الثالثة : تأكيد خسارة وضلالة المنافقين في النشأتين (عن ابن عباس [وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ]( )، يقول : أوقعهم) ( ).
الرابعة : لحوق الخزي والذل بالمنافقين عند عودتهم واختيارهم خذلان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
الخامسة : بشارة الآية باستغناء المسلمين عن المنافقين .
السادسة : لقاء أهل المدينة نساء وشيوخاً وأطفالاً للمنافقين بالتبكيت والتعيير ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ] ( ) إذ يرون الإنتكاسة ويحسون بالخزي والحزن حالما رجعوا إلى المدينة وتركوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في ملاقاة الذين كفروا .
(و عن ابن إسحاق : [ من غير طريق زياد عن الزهري أن الأنصار يوم أحد قالوا : يا رسول الله ألا نستعين بحلفائنا من يهود ؟ فقال : لا حاجة لنا فيهم ]
قال زياد : [ و حدثني محمد بن إسحاق قال : ومضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى سلك في حرة بني حارثة فذب فرس بذنبه فأصاب كلاب سيف و استله فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ و كان يحب الفأل و لا يعتاف ـ : يا صاحب السيف شم سيفك فإني أرى السيوف ستسل اليوم ]) ( ).
فذب فرس بذنبه أي حرك ذنبه ليطرد الذباب عنه فأصاب الذنب كلاب السيف ، وكلاب السيف المسمار في قائم السيف وتكون فيه علاقته .
ثم سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن طريق يوصلهم إلى جبل أحد ويصيرون معه قريبين من جيش المشركين من غير أن يمروا عليهم لإجتناب اللقاء أو قيام المشركين برمي المسلمين بالسهام , وهل هذا السؤال من مشورة النبي لأصحابه الجواب نعم .
(فقال أبو خيثمة أخو بني حارثة بن الحارث أنا يا رسول الله فنفذ به في حرة بنى حارثة وبين أموالهم) ( ).
أي أن بني حارثة هم الذين اختاروا مرور النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في أموالهم وزرعهم طلباً للسلامة والإحتراز من القتال المبكر ، ولا عبرة بالقليل النادر الذي قد لا يرضى بمرور المسلمين في أرضه ، إذ مروا على مال لمربع بن قيظي وهو من بني النبيت من الأوس , وكان رجلاً منافقاً وفاقداً للبصر ، فاغاظه مرور النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة وابلهم في بستانه وزراعته ، فقام يحثو التراب في وجوههم ، وهو يقول (إن كنت رسول الله فإني لا أحل لك أن تدخل حائطي، وزاد في القول، فابتدره القوم ليقتلوه، فقال: لا تقتلوه، فهذا الأعمى أعمى القلب أعمى البصر. وضربه سعد بن زيد أخو بني عبد الأشهل بقوسه، فشجه في رأسه.) ( ) .
وأخو مربع هذا يسمى أوس بن قيظي وهو الذي استأذن من النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم الخندق بالرجوع إلى بيوتهم وأنها مكشوفة للعدو ، فاذن لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم فانزل الله فيه [يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا] ( ).
وسار النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه حتى نزل الشعب من جبل أحد في عدوة الوادي إلى الجبل , وعدوة الوادي أي جانبه وشاطئه .
وعندما يكون جيش العدو على مشارف البلدة لابد أن تحدث مناوشات وأن يؤسر بعض أهل البلد ، ولكن الله عز وجل حفظ المسلمين من مثل هذا الأسر .
وقد خرج سلمة بن وقش يوم الجمعة حتى اذا وصل إلى أطراف منطقة العرض التي صارت إبل وخيل المشركين ترعى فيها واجهته طليعة خيل المشركين وتتألف من عشرة أفراس ، وحينما رأوه لم يتركوه بل توجهوا بخيلهم نحوه ، فلم يفر أمامهم إنما وقف على موضع مرتفع من الحرة وهو موضع بظاهر المدينة تحت واقم وأخذ يراشقهم بالنبل ويراميهم بالحجارة حتى انصرفوا عنه (فلما ولوا جاء إلى مزرعته بأدنى العرض، فاستخرج سيفاً كان له ودرع حديدٍ كانا دفنا في ناحية المزرعة، فخرج بهما يعدو حتى أتى بني عبد الأشهل فخبر قومه بما لقي منهم) ( ).
وبات ليلة الجمعة رجال من كبار الأنصار عند باب النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحرسونه خشية مداهمة المشركين لها في الليل ، إذ أنهم لا يبعدون عن المسجد النبوي سوى ثماني كيلو متر ، وكما رآى سلمة بن وقش عشرة فرسان طلائع لهم في أدنى العرض ممكن أن يتسلل جماعة منهم على خيلهم بالليل ويكرروا ما فعلوه ليلة هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إرادتهم قتله في فراشه ، وهل استحضر الصحابة تلك الواقعة ليقوموا بحراسة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمبيت على بابه ليلة الجمعة الرابع عشر من شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة عندما كان المشركون على أبواب المدينة ،المختار نعم ، قال تعالى [أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمْ الْمَكِيدُونَ] ( ) .
وهل همّ جيش الكفار بدخول فرقة منهم المدينة ليلاً لإغتيال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وهل علموا بأن الأنصار يبيتون عند بابه ، الأرجح نعم من وجوه :
الأول : الإحتراز العام عند المسلمين .
الثاني : حال النفير عند أهل المدينة المنورة ، فكل أهل المدينة إذا علموا أن عدوهم على مشارفها يبيتون بحذر ورصد .
الثالث : عمل المسلمين تلك الليلة بقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] ( ) والذي يحمل في ظاهره في المقام على الوجوب .
الرابع : إرادة المشركين استئصال المسلمين .
الخامس : تعهد الأنصار في بيعة العقبة بأن يمنعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا قدم عليهم مما يمنعون منه أنفسهم وأزواجهم وابنائهم ، ووعدهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن لهم الجنة لذا حرس رجال من أهل بيعة العقبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم تلك الليلة بأسلحتهم وهم :
الأول : سعد بن معاذ .
الثاني : أسيد بن حضير .
الثالث : سعد بن عبادة .
كما انتشر رجال من الأنصار والمهاجرين حول المدينة يحرسونها ويمنعون العدو من دخولها .
ومن أسباب مبيت رؤساء الأنصار عند باب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمور :
الأول : حث شباب الأنصار على اليقظة والرصد .
الثاني : بعث أهل المدينة على النفير والحضور والنجدة حالما يسمعون بمداهمة العدو .
الثالث : البيان العملي لقانون وهو تعاهد أصحاب بيعة العقبة لما بايعوا عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابع : التأكيد على مسألة وهي تصديق الأنصار بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فبعد هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة تجلت المعجزات أكثر لأهلها فازدادوا إيماناً .
موضوعية الرؤيا في معركة أحد
لقد خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من بيته صباح يوم الجمعة الرابع عشر من شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة فصعد المنبر ، وقد اجتمع المسلمون أي عند الصباح وقبل صلاة الجمعة لبيان أن الأمر من المهمات والمسلمون في حال نفير عام ، وابتدأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كلامه بالحمد لله عز وجل لبيان أنه مفتاح الكلام والواقية من العدو ، وهو طريق النصر ، ثم ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم رؤيا رآها ويدرك المسلمون أن رؤياه وحي ،( عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رؤيا الأنبياء وحي ) ( ).
وتقتبس من رؤيا النبي المسائل، وهناك فرق بين رؤيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أي ما يراه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المنام ، وبين رؤية النبي في المنام أي يراه المسلم وغيره في المنام سواء في أيام النبوة أو في اي زمان ، والمراد من الوحي هي الأولى فينقطع الوحي في الرؤيا بانتقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى ، ويكون فيها البيان والإرشاد وكانت رؤيا النبي من فصول :
الأول : كأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في درع حصينة .
الثاني : انفصام سيف النبي صلى الله عليه وآله وسلم من عند ظبته أي من حده .
الثالث : ذبح بقر .
الرابع : رآى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه يردف كبشاً .
فقال الصحابة : يا رسول الله ، فما أولتها ؟
قال (أما الدرع الحصينة فالمدينة، فامكثوا فيها، وأما انقصام سيفي من عند ظبته فمصيبةٌ في نفسي، وأما البقر المذبح، فقتلى في أصحابي، وأما مردفٌ كبشاً، فكبش الكتيبة نقتله إن شاء الله) ( ).
لقد جعل الله عز وجل الرؤيا الصادقة بشارة وإنذاراً ، وجاءت رؤيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم جامعة للأمرين ، وبياناً تحذيراً ، ودعوة للمسلمين للإحتراز والتدبر في الأمر ، وعن ابن عباس (يقول: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلّم: وأما انقصام سيفي، فقتل رجل من أهل بيتي) ( ).
(عن المسور بن مخرمة، قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلّم: ورأيت في سيفي فلاً فكرهته، فهو الذي أصاب وجهه صلى الله عليه وآله وسلم) ( ).
لقد قام النبي صلى الله عليه وآله وسلّم بتأويل الرؤيا على نحو دقيق وبما لا يختلف فيه المسلمون لبيان صفة من صفات الأنبياء بخصوص الرؤيا من وجوه :
الأول : بيان قانون وهو أن النبي يرى الرؤيا .
الثاني : إتصاف رؤيا الأنبياء بالصدق .
الثالث : تجلي معاني الوضوح والبيان في رؤيا الأنبياء .
الرابع : الإنتفاع العام من رؤيا الأنبياء ، وهذا لا يمنع من الرؤيا الشخصية ومن أضغاث الأحلام ، ولكن النبي يستطيع التمييز والفصل في الرؤيا من حين رؤيتها .
الخامس : قيام النبي بتأويل رؤياه ، ومن الإعجاز في المقام ورود الرؤيا في القرآن سبع مرات من جهات :
الأولى : رؤيا للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلّم وقد تكررت في القرآن منه قوله تعالى [وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذْ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ] ( ).
الثانية : رؤيا بشارة فتح مكة ، قال تعالى [لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا] ( ) .
الثالثة : [وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا] ( ).
الرابعة : رؤيا إبراهيم عليه السلام ، وتأويل إسماعيل لها بالفعل والمبرز الخارجي ، قال تعالى [فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ]( ) .
الخامسة : رؤيا يوسف عليه السلام وتأويلها من قبل يعقوب النبي بصيغة التحذير والإنذار ، وبما يتضمن الإخبار عن صدقها وتحقق مصداقها الخارجي في المستقبل ، قال تعالى [إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ * قَالَ يَابُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ] ( ).
السادسة : رؤيا غلامين كانا مع يوسف عليه السلام في السجن وتأويله لرؤيا كل منهما ، قال تعالى [وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنْ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ] ( )
إذ قدّم يوسف عليه السلام مقدمة وهي تفضل الله عز وجل بما يأتيهما من الطعام وما يحدث لهما في مستقبل الأيام وهو أعم وأعظم من الرؤيا وتأويلها ، ثم قام بتأويل رؤيا كل منهما .
السابعة : رؤيا ملك مصر بما افزعه وجعله يعلنها ويسأل الملأ عن تأويلها حتى تدّخل الغلام الخادم الذي أطلق سراحه بالإرشاد إلى الجهة التي تأولها بوحي وعلم من عند الله عز وجل ، قال تعالى [وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَاي إِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ * قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ * وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَاِدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ * يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ * قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ* ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ] ( ).
ولا تنحصر رؤيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بما ورد في القرآن فقد ترد أخبار رؤياه في أحاديث السنة النبوية ، وكان يحث على الإخبار عن الرؤيا , والتدبر في معانيها ودلالاتها .
(عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ تُعْجِبُهُ الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ( ) فَرُبَّمَا قَالَ هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا فَإِذَا رَأَى الرَّجُلُ رُؤْيَا سَأَلَ عَنْهُ فَإِنْ كَانَ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ كَانَ أَعْجَبَ لِرُؤْيَاهُ إِلَيْهِ.
قَالَ فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ( ) يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْتُ كَأَنِّي دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ بِهَا وَجْبَةً ارْتَجَّتْ لَهَا الْجَنَّةُ فَنَظَرْتُ فَإِذَا قَدْ جِيءَ بِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ وَفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ حَتَّى عَدَّتْ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا وَقَدْ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ سَرِيَّةً قَبْلَ ذَلِكَ
قَالَتْ فَجِيءَ بِهِمْ عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ طُلْسٌ تَشْخُبُ أَوْدَاجُهُمْ قَالَ فَقِيلَ اذْهَبُوا بِهِمْ إِلَى نَهْرِ الْبَيْدَخِ أَوْ قَالَ إِلَى نَهَرِ الْبَيْدَجِ قَالَ فَغُمِسُوا فِيهِ فَخَرَجُوا مِنْهُ وُجُوهُهُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ قَالَ ثُمَّ أَتَوْا بِكَرَاسِيَّ مِنْ ذَهَبٍ فَقَعَدُوا عَلَيْهَا وَأُتِيَ بِصَحْفَةٍ أَوْ كَلِمَةٍ نَحْوِهَا فِيهَا بُسْرَةٌ فَأَكَلُوا مِنْهَا فَمَا يُقَلِّبُونَهَا لِشِقٍّ إِلَّا أَكَلُوا مِنْ فَاكِهَةٍ مَا أَرَادُوا وَأَكَلْتُ مَعَهُمْ .
قَالَ فَجَاءَ الْبَشِيرُ مِنْ تِلْكَ السَّرِيَّةِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَانَ مِنْ أَمْرِنَا كَذَا وَكَذَا وَأُصِيبَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ حَتَّى عَدَّ الِاثْنَيْ عَشَرَ الَّذِينَ عَدَّتْهُمْ الْمَرْأَةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ عَلَيَّ بِالْمَرْأَةِ فَجَاءَتْ قَالَ قُصِّي عَلَى هَذَا رُؤْيَاكِ فَقَصَّتْ قَالَ هُوَ كَمَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ) ).
لقد أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم تنمية ملكة الرؤيا عند المسلمين والمسلمات لإتخاذ الرؤيا الصادقة ضياء ، وهي باب للدعاء لتقريب البشارة وصرف الإنذار ومحو الإبتلاء .
وحينما أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين صباح يوم الجمعة وقبل معركة أحد بيوم عن رؤياه سألوه قائلين (يا رسول الله، ماذا
أولت رؤياك) ( ).
لبيان أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يتصف ومن بين الأنبياء باجتماع أمور :
الأول : رؤيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم للرؤيا الصادقة مثلما رآها الأنبياء السابقون .
الثاني : قيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم باخبار أصحابه عن رؤياه .
الثالث : كثرة الأصحاب من المهاجرين والأنصار الذين حضروا إخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن رؤياه .
الرابع : إخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو على المنبر عن رؤياه في صبيحة الليلة التي رآها فيها .
الخامس : إنصات وتصديق الصحابة برؤيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
السادس : تأويل النبي صلى الله عليه وآله وسلم نفسه لرؤياه .
السابع : تفقه المسلمين في الدين وتلقيهم الرؤيا وتأويلها بالتدبر وإختيار الفعل المناسب ، وهل هو من مصاديق دعاء إبراهيم عليه السلام الذي ورد في التنزيل [رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ]( ) ، الجواب نعم .
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد رآى في المنام من قبل أن يهاجر إلى المدينة رؤيا تتعلق بالجهة التي يهاجر إليها ، وعن ابي موسى الأشعري (عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ” رأيت في المنام أنى أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة يثرب) ( ).
قال عبيد الله سألت ابن عباس عن رؤيا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التي ذكر فيها , فقال ابن عباس ذكر لي أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال بينا أنا نائم أريت أنه وضع في يدي سوارين من ذهب فقطعتهما وكرهتهما فأذن لي فنفختهما فطارا فأولتهما كذابين يخرجان فقال عبيد الله أحدهما العنسي الذي قتله فيروز باليمن والآخر مسيلمة النفخ)) ( ).
لبيان قانون وهو : من أفراد رؤيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما يتحقق مصداقه بعد مغادرته إلى الرفيق الأعلى لتحذير المسلمين وإنذار الناس وبيان توالي معجزاته.
وعن عبد الله بن عمر عن النبي قال (رأيت امرأة سوداء ثائرة الرأس قد خرجت من المدينة حتى نزلت بمهيعة وهي الجحفة فأول رسول الله صلى الله عليه وسلم أن وباء المدينة قد نقل إلى الجحفة إذا رأى ما يكره .
وأخبرنا قتيبة بن سعيد قال ثنا بكر عن بن الهاد عن عبد الله بن خباب عن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول اذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها فإنها من الله فليحمد الله عليه وليحدث به وإن رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان فليستعذ بالله من شرها ولا يذكرها لاحد فإنها لا تضره) ( ).
الثامن : قيام النبي بقص رؤياه على أصحابه بينما جيوش المشركين على مشارف المدينة إذ نزلوا بعينين وهو موضع مجاور لجبل أحد مقابل المدينة ،ولم يقل أحد من الصحابة نحن في عالم اليقظة في خطر مداهمة العدو إنما سألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن تأويل رؤياه لاقتباس الدروس والمواعظ منها ، فقام النبي بتأويلها وابتدأ بالتفاؤل بالخير ، وقال (قد رأيت والله خيرا، رأيت بقرا تذبح، ورأيت في ذباب سيفى ثلما، ورأيت أنى أدخلت يدي في درع حصينة ) ( ).
وقد تواترت الأخبار وبالإسناد عن رؤيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم عشية معركة أحد (عن ابن عباس قال تنفل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيفه ذا الفقار يوم بدر قال ابن عباس وهو الذى رآى فيه الرؤيا يوم أحد وذلك ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما جاءه المشركون يوم أحد كان رأيه ان يقيم بالمدينة فيقاتلهم فيها فقال له ناس لم يكونوا شهدوا بدرا تخرج بنا يا رسول الله إليهم نقاتلهم بأحد ورجوا ان يصيبوا من الفضيلة ما اصاب اهل بدر فما زالوا به حتى لبس اداته ثم ندموا .
وقالوا يا رسول الله أقم فالرأي رأيك فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما ينبغى لنبي ان يضع اداته بعد أن لبسها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه قال .
وكان مما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ قبل ان يلبس الأداة اني رأيت اني في درع حصينة فأولتها المدينة وانى مردف كبشا فاولته كبش الكتيبة ورأيت ان سيفي ذا الفقار فل فأولته فلافيكم ورأيت بقرا تذبح فبقر والله خير فبقر والله خير) ( ).
لقد سأل الصحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن تأويل رؤياه فأولها ، وذكر لهم أن الدرع الحصينة هي المدينة وان الأولى البقاء فيها ومحاربة المشركين في أزقتها ، مع اقامة الحجة عليهم عند العرب والناس جميعاً لإصرارهم على الغزو والقتال ،وإفزاع المسلمين والمنافقين واليهود والكفار وقصدهم عشوائية القتل والسبي ، وتدمير الممتلكات مع حضور نصر الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
وقال لأصحابه (وأولت الدرع الحصينة المدينة ، فامكثوا واجعلوا الذراري( ) في الآطام( ) ، فإن دخل علينا القوم في الأزقة قاتلناهم ورموا من فوق البيوت) ( ).
وكان أهل المدينة قد احترزوا في أبنية دورهم من هجوم العدو عليهم فقد غطوا وقطعوا الأزقة بالبناء العالي فصارت كالحصن المنيع .
لقد أكرم الله عز وجل المسلمين يوم أحد بالوحي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فصارت كثرة الجنود والسلاح يومئذ عند المشركين ، أما المسلمون فعندهم الوحي ، فأي منها تكون كفته هي الراجحة ، الجواب هو كفة المسلمين هي الراجحة .
وقد ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند صعوده المنبر صباح يوم الجمعة وقبل المعركة بيوم أموراً :
الأول : الرؤيا النبوية المباركة .
الثاني : تأويل ذات الرؤيا .
الثالث : بيان كيفية الدفاع بالبقاء في المدينة ، وفيه شاهد على ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يطلب الغزو ولا يسعى إليه ، وحتى الدفاع يريد حصره داخل المدينة ، وإن حجب هذا النوع من الدفاع في معركة أحد فقد تحقق في معركة الخندق ، ومع هذا يسمي المفسرون والمؤرخون كلاً منهما بالغزوة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم خلافاً للواقع .
وتدل آيات القرآن على أن المشركين هم الغزاة ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ] ( ) .
(فكان الذين جاؤوهم من أسفل منهم قريشاً ، وأسداً ، وغطفان) ( ).
وحينما ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقبل الخروج إلى معركة أحد الدفاع داخل المدينة احتج جماعة من الصحابة ، وأظهروا الرغبة بالدفاع بالخروج لملاقاة المشركين .
وكان هذا الإحتجاج على نحو الطلب الإستدلالي من جهات :
الأول : أظهر الصحابة الذين لم يحضروا معركة بدر شوقهم للقاء العدو ، وهو في حال اعتداء وغزو للمدينة ، وقالوا : (كنا نتمنى هذا اليوم وندعو الله به، فقد ساقه الله إلينا في ساحتنا) ( ).
الثاني : تساءل بعض الأنصار بصيغة الإستفهام الإنكاري متى نقاتلهم يا رسول الله إذا لم نقاتلهم عند شعبنا ( )؟
والشعب الطريق في الجبل أو الأنفراج بين جبلين والمراد مداخل المدينة وزروع وأموال أهل المدينة .
أي أنهم أشرفوا على المدينة ، وكأنهم دخلوها ، وحق لنا دفعهم بعد أن وصلوا إلى شعب وأطراف المدينة وهم غزاة معتدون ويصدق على قتالنا لهم في أموالنا في مداخل المدينة أنه قتال داخلها ، وكأنهم يقولون لا طاقة لنا على الصبر حتى يدخلوا المدينة ، وأن دخولهم لها لا يخلو من أضرار على أهلها وأموالهم .
الثالث : احتج جماعة من أهل المدينة بالقول (ماذا نمنع إذا لم نمنع الحرث يزرع) ( )( ).
الرابع :عندما أشرفت جيوش الكفار على المدينة أظهر بعض الصحابة الثبات على الإيمان والرغبة بالخروج للدفاع خارج المدينة حتى لو لزم الأمر الشهادة ، وأثبتوا صدق قولهم ، منهم حمزة بن عبد المطلب الذي خاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ وهو على المنبر : والذي أنزل عليك الكتاب لنجادلهم ) ( ) لبيان أن الرغبة بالدفاع عند مشارف المدينة وليس داخلها لم تنحصر بطائفة من الأنصار ، إنما شملت عدد من المهاجرين .
الخامس : قال أحد الأنصار وهو نعيم بن مالك (وهو أحد بني سالم: يا نبى الله لا تحرمنا الجنة، فوالذي نفسي بيده لادخلنها.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: بم ؟ قال: بأنى أحب الله ورسوله ولا أفر يوم الزحف.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: صدقت.
واستشهد يومئذ.) ( ).
السادس : استحضر بعض الصحابة المنزلة الرفيعة للشهداء في معركة بدر .
بركة البيت الحرام
لقد ألحت طائفة من الأنصار والمهاجرين على الخروج للقاء العدو بعد أن تمادى في غيه وأشرف على المدينة ، وعاث في الزروع فساداً ، وصار يلاحق الذي يخرج من المدينة للحرث أو للسفر .
لقد فهم الصحابة قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالبقاء في المدينة الندب والإستحباب خاصة وأنه مترشح عن تأويل الرؤيا ويتضمن في اشاراتها سقوط الشهداء من المؤمنين ، وهو المتبادر في المقام نتيجة زحف ثلاثة آلاف رجل من المشركين يريدون الثأر والإنتقام والبطش وطمس معالم التوحيد رغبة باستدامة عبادة الأوثان وفي جوار [ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا] ( ) .
وهل تحضر بركات البيت الحرام في ميدان المعركة ، الجواب نعم ، وتحتمل وجوهاً :
الأول : صيرورة الغلبة للمؤمنين الذين يوحِدون الله ويعمرون البيت بأداء المناسك بتنزه عن الشرك .
الثاني : يكون الرجحان إلى مجاوري البيت الحرام على كل حال أي وإن كانوا مشركين .
الثالث : غلبة مجاوري البيت الحرام ، وإن كانوا يقاتلون امثالهم ، كما في قتال الكفار للكفار قبل البعثة النبوية في حرب الفجار (43-33)ق الهجرة إذ وقعت بين قبيلة كنانة ومنها قريش وبين قبائل قيس عيلان ومنهم هوازن وغطفان وسليم وثقيف ومحارب ، وسبب تسميتها الفجار لاستباحة الطرفين المحارم واستمرار القتال حتى في الأشهر الحرم ، ولقطعهم الصلات والأرحام فيها .
الرابع : تجلي بركة البيت بخصوص القتال خارج مكة .
والصحيح هو الأول ، فان بركات البيت تتغشى المؤمنين لأنهم يقاتلون دفاعاً عن أنفسهم وملة التوحيد وعن البيت الحرام وبركته وعمارته وإن كان الطرف الآخر هم مجاوروا البيت الحرام لذا قال تعالى [وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمْ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ] ( ) .
ويدل على حضور بركة البيت الحرام عضداً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في دفاعهم بدلالة آية [ِبَكَّةَ] ذاتها واقتران الهداية العامة بالبركة في ذات الآية ، قال تعالى [إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا] ( ) فنصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في دفاعهم هداية للناس جميعاًً .
وفي تعدد جهات صدور القول بالخروج للقاء العدو وكثرة الأسباب والحجج شاهد على كثرة الذين يطلبون الخروج إلى العدو ، وحينما صلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم صلاة الجمعة وعظ المسلمين وحثهم على الصبر والجهاد ، وكـأنه يقول أنكم اخترتم الخروج فأصبروا وصابروا العدو .
وأنصرف من الخطبة والصلاة ، ودعا لأمة حربه من الدرع والسيف والمغفر والبيضة ولبسها ، ثم خرج من بيته وأذن في الناس بالخروج .
ولقد أذّن جده إبراهيم عليه السلام بالناس لحج بيت الله الحرام كما في قوله تعالى [وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ] ( ).
وصار الناس يحجون إلى البيت الحرام ، وقام إبراهيم وإسماعيل بضيافتهم وسقايتهم وارشادهم إلى مناسك الحج ، ويدل على الضيافة أمور :
الأول : وجود بيت اسماعيل عند البيت الحرام وقربه من بئر زمزم .
الثاني : صبغة الكرم التي عند إبراهيم ، كما في قوله تعالى [فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ] ( ) إذ بعث الله الملائكة ليهلكوا قوم لوط لإصرارهم على إرتكاب الفاحشة ، ووطئ الرجل للرجال .
فمرّ الملائكة على إبراهيم بصفة وصورة شباب فنزلوا عنده ضيوفاً ، فلما رآى هيئتهم وما هم عليه من الوقار أكرمهم وأجلّهم ، وذهب إلى داخل البيت لدلالة قوله تعالى [فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ] أي هناك حاجز بين دار الضيافة وبين العائلة ، وقد يكون عندهم قول آخر كما لو كانوا يريدون المغادرة بالحال ويكون تقدير الآية : فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فذبحه أمامهم للطمأنينة إلى بقائهم للغذاء .
الجواب لا ، لأن القرآن يفسر بعضه بعضاً ، قال تعالى [فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ] ( ) أي مشوي على الحجر المحمي بالنار ، وأنه تعجل بذبحه وانضاجه .
ويدل الجمع بين هاتين الآيتين على حاجة الناس إلى علم (التفسير الذاتي ) أي تفسير القرآن بالقرآن ، والإستعانة بآيات من القرآن لتفسير آيات أخرى .
الثالث : ترغيب آية أذان الحج بالضيافة وإكرام وفد الحاج وحاجتهم للإعانة لقوله تعالى[ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ] ( )فنسب إتيانهم أنه إلى ابراهيم .
ولا يتعارض مع قصدهم الحج بدليل أنه موضوع الأذان بين الناس ، وفيه بيان منزلة النبي ودعوته في أداء المناسك وتعظيم شعائر الله , وبشارة مجئ وفد حاج المسلمين لزيارة قبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كل عام .
فيتفضل الله عز وجل ويجعل وفد الحاج يأتي إلى يوم القيامة إلى حج البيت الحرام وإلى زيارة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومسجده قبره إلى المدينة مع بعد المسافة بين مكة والمدينة ، ولكنها قريبة بقصد القربة والإيمان .
إذ يكون قطعها أمر بهيجاً وسياحة في عالم المناسك والسنة النبوية ، وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال (عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من جاءني زائراً لم تنزعه حاجة إلا زيارتي كان حقاً علي أن أكون له شفيعاً يوم القيامة .
وأخرج الطيالسي والبيهقي في الشعب عن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من زار قبري كنت له شفيعاً أو شهيداً ، ومن مات في أحد الحرمين بعثه الله في الآمنين يوم القيامة ) ( ).
لتكون زيارة قبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة من مصاديق الإتيان في قوله تعالى [يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ ] ( ) وقد أنعم الله على المسلمين وصاروا يأتون بوسائط النقل السريعة والمريحة في البر والبحر والجو .
وبدل أن تتعاهد قريش نداء إبراهيم وإسماعيل بالحج وعنايتهم بوفد الحاج صاروا ينصبون الأوثان في داخل الكعبة الشريفة وحولها ، ويسترضون بعض القبائل بنصب أوثانهم فيها فبعث الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لتجديد دعوة ونداء إبراهيم مع عمومه وبيان شموله للناس جميعاً ، قال تعالى [وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً] ( ) .
فقابل أكثر رجالات قريش النبوة والتنزيل بالإنكار مع قيام الحجة على صدق كل منهما وعلى موافقة البعثة للبشارات التي جاء بها الأنبياء السابقون ، ولكن الله عز وجل ذو فضل عظيم إذ هدى نخبة من أهل مكة إلى الإسلام ، وصاروا نواة لأمة الإسلام ليكون لقوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ) معنى خاص وعام متجدد إلى يوم القيامة .
فاختار النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الهجرة من جوار البيت الحرام وهو أمر شاق عليهم .ولكن فيه أولوية من جهات :
الأولى : سلامة النفوس .
الثانية : حصانة ديانة التوحيد .
الثالثة : نشر مبادئ الإسلام .
الرابعة : توالي نزول آيات القرآن .
الخامسة : الدعاء والبشارة بالعودة إلى مكة وهي ترفل بلباس التوحيد ، قال تعالى [إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ]( )والمراد رادك إلى مكة وهو المروي عن ابن عباس .
وقيل أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو بالجحفة حين خرج مهاجراً إبى المدينة( ).
السادسة : إقامة صلاة الجماعة في المسجد النبوي بأمن وسلامة من التعدي والظلم ، ولو أقامها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المسجد الحرام في ذات الوقت لهجم الكفار عليه وعلى أصحابه الذين يصلون معه والذي لم يصلوا معه وقتلوهم بدليل أنهم جمعوا الجيوش وهجموا عليهم في المدينة المنورة .
لتكون هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من معاني الجمع بين قوله تعالى [أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى] ( ) وبين قوله تعالى [يَاعِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ] ( ) .
ولم يرد لفظ [الَّذِي يَنْهَى] ولفظ [أَرْضِي وَاسِعَةٌ] إلا في الآيتين أعلاه ، فحينما آذى كفار قريش النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في مكة وعند البيت الحرام رزقهم الله الهجرة والأمن فيها وأداء الصلاة جماعة في المسجد النبوي .
وفي حديث للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال (وجعلت لي الأرض كلها ولأمتي مسجداً وطهوراً) ( ).
وفي قوله تعالى[الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ]( ).
قال نوف البكالي الحميري : لما اختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقات ربه قال الله تعالى لموسى أجعل لكم في الأرض مسجداً وطهوراً تصلّون حيث أدركتكم الصلاة إلاّ عند مرحاض أو حمام أو قبر وأجعل السكينة في قلوبكم وأجعلكم تقرأون التوراة عن ظهور قلوبكم،
يقرأها الرجل منكم والمرأة والحر والعبد والصغير والكبير.) ( ).
السابعة : تبليغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم للأحكام لعامة المسلمين والمسلمات .
الثامنة : تدوين كتّاب الوحي لآيات القرآن حال نزولها من غير تضييق أو حصار من قبل الكفار.
وقال رجل من الأنصار (أَتُرْعَى زُرُوعُ بَنِي قَيْلَةَ وَلِمَا نُضَارِبُ)( ).
أي كيف تصير زراعتنا وأموالنا محلاً للرعي والتلف من قبل المشركين ، ولا نقاتلهم ، فان هذا التعدي وحده سبب يستلزم قتال القوم .
إتلاف كفار قريش المزروعات
قال تعالى في ذم الذين كفروا [وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ]( ).
إن هجوم ثلاثة آلاف بعير ومائتي فرس على زروع المدينة واتخاذها مرعى سبب لتلفها والإتيان عليها , والإضرار العام .
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل وبعد معركة أحد يخرج في الكتائب ويعود وأصحابه من غير قتال ، ولا يصيبون الزروع وإن كان أهلها كفارا.
(وَقَدْ سَرّحَتْ قُرَيْشٌ الظّهْرَ وَالْكُرَاعَ فِي زُرُوعٍ كَانَتْ بِالصّمْغَةِ مِنْ قَنَاةِ لِلْمُسْلِمِينَ) ( ).
والمراد من الظهر : الإبل ، ومن الكراع : الخيل .
والصحيفة : موضع للمسلمين أي أن قريشاً أخذوا يعبثون في الزروع ويضرون أموال المسلمين ويستفزونهم ، وهجومهم وإرادتهم القتال أكبر واشد ، قال تعالى [وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ] ( ).
وكان المسلمون قد زرعوا منطقة العرض وأهلها بنو سلمة وحارثة وظفر وعبد الأشهل ، وكان الماء يجري فيها بالنواضح ولا ينقطع عن المزروعات ، وعندما سمعوا بقدوم جيوش المشركين أدخلوا النواضح وآلات السقي والحرث ونحوها المدينة في ليلة الخميس ( وكان لأسيد بن حضير عشرون ناضحاً يسقي شعيراً)( ).
فلما قدم المشركون يوم الخميس ورأوا الزرع وقد نما تركوا إبلهم وخيلهم ترعى فيه تعدياً وظلماً وعند المساء جمعوا الإبل والخيل وقصلوا لها( ) ، وفي صباح يوم الجمعة خلوا ابلهم وخيلهم ترعى في حقول الشعير في العرض حتى تركوها وقد غاب عنها اللون الأخضر الزاهي .
لقد شاع خبر قدوم جيش المشركين فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اثنين من أصحابه عيونا وهما : أنس ومؤنس ابنا فضالة الظفريين ليلة الخميس الثالث عشر من شهر شوال ، ولما عادا أخبرا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بخبرهم , وكانوا (قد حلوا ابلهم وخيلهم في الزرع الذى بالعريض حتى تركوه ليس به خضراء ثم بعث الحباب بن المنذر بن الجموح إليهم ايضا فدخل فيهم فحزرهم وجاءه بعلمهم) ( ).
فتأكد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من قدوم المشركين وعدد الجيوش التي معهم وأنهم جاءوا للقتال ، وإن لم يخرجوا لهم يتمادون في إتلاف المزروعات لإغاظة أهل المدينة لإيوائهم النبي وأصحابه وقتالهم معه في معركة بدر .
وصول النبي ص إلى أحد
لقد وصل إلى ميدان جبل أحد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعه سبعمائة من المهاجرين والأنصار ، فعبأهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجعلهم في مواضعهم ، وهو من عمومات قوله تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ] ( ) لبيان الإعجاز في الآية أعلاه وتغشي موضوعها لحال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وهم في المدينة وإلى أن وصلوا إلى ميدان المعركة بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يوجه في التعبئة والتهيئ للدفاع من حين الخروج من بيته وإلى أن وقع القتال .
ومن بين سبعمائة صحابي وصلوا معه إلى ميدان معركة أحد اختار النبي صلى الله عليه وآله وسلم خمسين ليكونوا رماة على الجبل ليقوموا برمي السهام على جيش المشركين ، ليحموا ظهور المسلمين في بيان نكتة وهي حتى الرماة الذين يحاربون العدو بالسهام والنبال والتي تصل إلى معسكرهم جعلهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم مدافعين ، وقد لا يحتاجون إلى الرمي إذا لم يأتهم العدو من الخلف .
وجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ظهر الجيش إلى جبل أحد للقتال من جهة واحدة ، ومنع العدو من الإحاطة بهم ، وأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم المهاجرين والأنصار بعدم البدء بالقتال ، وهذا قانون ثابت في سرايا المسلمين بامتناعهم عن الإبتداء بالقتال حتى ولو كان عنصر المباغتة كافياً لكسب المعركة وتحقيق النصر ، إنما تبدأهم الآيات والبراهين التي تؤكد صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم واذا بدأ المشركون القتال ففيه حجة عليهم وسبب لخزيهم ، وإنكار الناس لقبيح فعلهم .
وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قد بعث الحباب بن المنذر الى جيش المشركين لمعرفة أحوالهم ، فدخل فيهم وحرز عددهم وعدتهم ، وعلم أحوالهم لبيان أن إرسال النبي صلى الله عليه وآله وسلم للحباب يختلف عن إرساله لأنس ومؤنس اللذين سارا مع جيش المشركين مسافة ، إنما قام الحباب بدراسة حال جيش المشركين عن قرب وللتوثيق ، وعدم إكتفاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بطريق واحد في الإخبار عن حال جيش العدو .
وقد أوصى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحباب بأمور:
الأول : المهام التي ذهب اليها .
الثاني : إرسال الحباب سراً ، من غير أن يعلم المسلمون سلامته وعدم تفشي خبر إرساله إلى المنافقين .
الثالث : أوصى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحباب وقال له (لا تخبرني بين أحد من المسلمين إلا أن ترى قلة) ( ).
وفي هذه الوصية بشارة عودة الحباب بن المنذر سالماً من خروجه ، إذ ذهب ودخل في صفوفهم وبينهم ، وكان عددهم كثيراً ، ثم رجع وحرص على أن يخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم على انفراد , فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ما رأيت ، فقال الحباب رأيت :
الأول : ثلاثة آلاف رجل يزيدون قليلاً أو ينقصون قليلاً .
الثاني : مائتا فرس .
الثالث : دروع ظاهرة ، وحرزها الحباب بسبعمائة درع .
فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : هل رأيت أي نساء ، قال : رأيت النساء معهن الدفاف والأكبار أي الطبول .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أردن أن يحرضن القوم ويذكرنهم قتلى بدر، هكذا جاءني خبرهم، لا تذكر من شأنهم حرفاً، حسبنا الله ونعم الوكيل، اللهم بك أجول وبك أصول( ).
إذ التجأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم الى الله عز وجل في هذه المحنة والشدة ، وعادة ما يرتبك ويخاف الإنسان عند سماع كثرة جيوش العدو ، وأسلحته ، وعزمه على القتال ، وصيرورته على أبواب المدينة ، ولكن العصمة تجلت في قول وفعل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باظهاره التوكل على الله والإنقطاع إليه سبحانه في الرجاء والأمل .
ونهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحباب عن إشاعة أخبار العدو ، وما أطلع عليه من أمرهم كيلا يكون سبباً لنشر المنافقين للأراجيف في المدينة ، ولمنع دبيب حال خوف عند المسلمين منهم .
وهل توكل ولجوء النبي صلى الله عليه وآله وسلم الى الله أمر خاص به أم أنه يشمل أصحابه أيضاً .
الجواب هو الثاني ، فقد أعلن النبي صلى الله عليه وآله وسلم التجاءه والمهاجرين والأنصار الى الله رجاء دفع شرور العدو ، وفي التنزيل [أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ]( ).
ومن الآيات أن مواضع معركة أحد على حالها إلى يومنا هذا ويمكن معها بيان وتجسيد وقائع المعركة ، وجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الرماة عبد الله بن جبير ، وهو من الأنصار من بني عمرو بن عوف , وكان يومئذ يلبس ثياباً بيض مُعلمة أي فيها خطوط ليعرف من بين أصحابه الرماة .
وقد أوصى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الرماة عدة توصيات خاصة لعبد الله بن جبير وعامة لهم بحيث سمعوها جميعاً.
(وقال: إنضح عنا الخيل بالنبل لا يأتونا من خلفنا إن كانت لنا أو علينا، اثبت مكانك لا نؤتين من قبلك) ( ).
وظاهر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بدرعين أي لبس أحدهما فوق الآخر لعلم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن الكفار يطلبونه ويريدون قتله .
ولدعوة المسلمين بأخذ الحائطة والحذر ، وفي التنزيل [وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ] ( ).
لقد علمت قريش بقدوم جيش المسلمين إلى محيط جبل أحد وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم معهم ، وكما مرّ في معركة بدر ، وكيف أن قريشاً (بعثوا عمير بن وهب الجمحى فقالوا احزر لنا اصحاب محمد فاستجال بفرسه حول العسكر ثم رجع إليهم فقال ثلاثمائة رجل يزيدون قليلا أو ينقصون) ( ).
وأنهم أيضاً بعثوا يوم أحد من يحصي لهم عدد أفراد جيش المسلمين ومواضعهم ، وتعبأ جيش المشركين وعددهم يومئذ ثلاثة آلاف ، وهو جيش عظيم يميل رجحان كفة القتال إلى جانبهم لولا فضل الله والمدد من الملائكة الذين أنزلهم لنصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
وجعلت قريش خالد بن الوليد على ميمنة الخيل ، وجعلوا على ميسرة الخيل عكرمة الذي قُتل أبوه أبو جهل في معركة بدر ، لبعثه على الثأر والإنتقام باقتحام جيش المسلمين بالخيل التي معه .
وأخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم سيفاً يوم أحد وقال : من يأخذ هذا السيف بحقه فقام إليه رجالاً مسكه عنهم حتى قام أبو دجانة سمِاك بن خرشة أخو بني ساعدة فقال : وما حقه يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
قال : أن تشرب به العدو حتى ينحني .
قال : أنا آخذه يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحقه فأعطاه أياه .
ويتصف أبو دجانة بالشجاعة والبسالة ، وكان إذا أراد أن يقاتل يلبس عصابة حمراء ويعصب بها رأسه ، فيعلم الأنصار أنه سيقاتل ، ثم تقدم واستلم السيف من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتوجه إلى وسط الميدان وجعل يتبختر في مشيته ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (إنّهَا لَمِشْيَةٌ يَبْغُضُهَا اللّهُ إلّا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ) ( ).
وخرج أبو سعد بن أبي طلحة حامل لواء المشركين بين الصفين يريد المبارزة فنادى والفريقان يسمعون ويرون مكانه (فَنَادَى أَنَا قَاصِمُ مَنْ يُبَارِزُ بَرَازًا ، فَلَمْ يَخْرُجْ إلَيْهِ أَحَدٌ) ( ).
وهل خاف منه المسلمون ، الجواب لا ، فقد كانوا عاشقين للشهادة غير مبالين بالعدو وجيوشه ، ولكنهم يكرهون القتال ويعلمون أن طريق المعجزة والبرهان هو السبب إلى هداية وصلاح الناس ، وإن تمادى الذين كفروا بالغي والتعدي ، وفرح أصحابه لعدم وجود من يبارزه في جيش المسلمين وظنوا أن المسلمين خافوا من مبارزته ، فكيف وعند قريش الشجاعة والفروسية ، وكانوا يستحضرون قصص الأمم السابقة ، ثم كرر الدعوة للمبارزة مع التحدي بالقول والكلام ، إذ قال (يَا أَصْحَابَ مُحَمّدٍ زَعَمْتُمْ أَنّ قَتْلَاكُمْ فِي الْجَنّةِ وَأَنّ قَتْلَانَا فِي النّارِ كَذَبْتُمْ وَاَللّاتِي لَوْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ حَقّا لَخَرَجَ إلَيّ بَعْضُكُمْ فَخَرَجَ إلَيْهِ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ فَضَرَبَهُ عَلِيّ فَقَتَلَهُ) ( ).
كما تكشف الآية حقيقة وهي عدم قيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بارسال وفد إلى جيش المشركين للتفاوض على صلح أو موادعة ، ولم يقترح أصحابه مثل هذه الأمر لأمور :
الأول : التسليم بأن الكفار لا يرضون إلا بالقتال .
الثاني : إستصحاب مقدمات واقعة معركة بدر ، وكيف أن الكفار أصروا على القتال .
وبخصوص مقدمات معركة بدر فقد خرجت قريش لإنقاذ قافلة أبي سفيان ، ومع أنهم علموا بسلامتها ووصولها إلى مشارف مكة استمروا بالسير إلى ماء بدر حتى التقوا بالمسلمين فكانت واقعة بدر ، ولو كان النبي محمد وأصحابه في موضع أقرب إلى المدينة من ماء بدر فهل يقصدهم المشركون يومئذ للحرب والقتال أم يقفون عند ماء بدر ويبقون عنده ثلاثة أيام ثم يرجعون إلى مكة .
الجواب هو الأول ، فقد خرج جيش المشركين للقتال مع الطمع بقلة عدد المسلمين ، وحسم مسألة الخشية على قوافلهم التي تأتي من الشام باستئصال الإسلام , ووقف الهجرة إلى المدينة التي تهددهم في عروشهم وتجارتهم .
أما خروجهم لمعركة أحد فقد كان لإرادة القتال ، وكانوا يصرون ويعلنون هذه النية وعزمهم على قتل النبي واصحابه مدة سنة كاملة من حين إنقضاء معركة بدر ، وكانت قريش أهل جد وعمل ، ولم يعيشوا بالأماني والآمال ، خاصة وأنهم أصحاب تجارة عالمية وكسب دائم ويعلمون أنهم لم يجلبوا البضائع إذا لا تعمر لهم سوق ، وإذا لم يأمنوا الطريق بين مكة والشام ، ومكة واليمن لا تصل القوافل سالمة ، وإذا لم يصلحوا الحال في مكة لا يأتي وفد الحاج والمعتمرين .
واذا لم يبيعوا التجارات لا يجمعوا الأموال ولا يدفعوا إلى التجار في الشام وفارس أموالهم ، قال تعالى [لِإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ] ( ) فبدل اختيار الهداية والإيمان أصروا على الضلالة وقرروا بعزيمة ثابتة الإجهاز على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من التحدي ، ولكن الله عز وجل صرف كيدهم بأن أنزل ملائكة لنصرة رسوله وأصحابه ، وفي التنزيل [إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ] ( ).
الثالث : تجاهر المشركون بالعزم على القتال والوعيد بقتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابع : صيرورة جيش المشركين على مشارف المدينة المنورة وتهديدهم باستباحة المدينة .
وهل كانت البشارة بنصر المسلمين في معركة أحد سبباً لإمتناع المسلمين عن طلب الصلح ، الجواب لا ، إذ كانوا يرجون عدم وقوع القتال ، ويتطلعون إلى إنسحاب المشركين من غير قتال ، وتحقق مصاديق البشارة بالنصر سواء وقع القتال أو لم يقع .
لقد كانت معجزات النبي وآيات القرآن النازلة في مكة دعوة للمشركين للإمتناع عن مثل هذه العزيمة والخبث ، لذا كانت ترتفع أصوات عندهم بترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم وشأنه والإمتناع عن حربه وقتله ، ولكن آفة الحسد .
واستحوذت مفاهيم الكفر على رؤساء قريش وأغرتهم كثرة الأموال والأعوان مع الحلفاء من القبائل المحيطة بمكة والتي جعلها الله عز وجل من بركات البيت الحرام وعمومات قوله تعالى [إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ] ( ) ، ولكن الذين كفروا سخّروا هذه النعمة بالباطل فزحفت كنانة والأحابيش مع قريش لقتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليصبحوا نادمين ، ويتغشاهم الأسى على قبح ما نهوا مما أضطر قريش إلى عقد صلح الحديبية مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع أنه جاء بألف وأربعمائة من أصحابه إلى مكة معتمرين ليس معهم سلاح .
بينما جاء المشركون قبلها بسنة بعشرة آلاف رجل ليحاصروا المدينة لأكثر من عشرين ليلة .
ولم يكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يرغب بالقتال في معركة أحد ، إنما صار المشركون على مشارف المدينة فاكتفى بالدعاء وبالدفاع الضروري , وتقدر الضرورات بقدرها .
وتحتمل رغبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعدم القتال وجوهاً :
الأول : إنها كيفية نفسانية ترشحت على المسلمين أيضاً فصاروا لا يرغبون في القتال .
الثاني : انه أمر خاص بين المسلمين يتجلى في السنة القولية ، ويجتنب المسلمون إظهاره للذين كفروا .
الثالث : إنه أمر ظاهر للمسلمين والناس جميعاً .
والصحيح هو الأخير إذ أن عدم الرغبة هذا فرع آيات القرآن ورشحة من رشحاتها إذ انها تدعو إلى أمور :
الأول : تحلي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بالصبر ، وهذا الصبر بأوامر مؤكدة من عند الله تأتي على جهات :
الأولى : توجه الأمر من عند الله إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالتحلي بالصبر ، قال تعالى في خطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم [وَأَقِمْ الصَّلاَةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ * وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ] ( ).
وتبين الآية أعلاه أن المراد من الصبر غير موضوع العبادات وإقامة الصلاة وأداء العبادات ليكون من الصبر الإمتناع عن الغزو وعدم البطش بالذين كفروا أو الثأر منهم .
وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإمام في الحلم والزهد ، وقد يكون بين أصحابه الذين يقدسونه كنبي ورسول من عند الله فيأتي الأعرابي فيناديه باسمه ، ويتكلم بغلظة فلا ينهره النبي صلى الله عليه وآله وسلم بل يسمع منه ويرد عليه بلطف .
الثانية : نزول الأمر من الله عز وجل إلى النبي محمد والمسلمين التحلي بالصبر كما في قوله تعالى [اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ).
الثالثة : توجه الخطاب من الله إلى المسلمين بطاعة الله والرسول والتحلي بالصبر ، قال تعالى [وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ]( ).
الرابعة : مجئ السنة النبوية بالأمر بالصبر ، والندب إليه ، والحث عليه .
الخامسة : يبين القرآن والسنة المنافع العظيمة للصبر ، وهل الإمتناع عن الغزو من الصبر .
الجواب نعم ، ولو كان المشركون يتحلون بالصبر لما أكثروا من الإعتداء والهجوم على المسلمين في عقر دارهم ، ولو أرجأوا الهجوم والقتال في معركة بدر وأحد والخندق لعجزوا عن جمع الجيوش لمحاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولدخل أكثرهم الإسلام .
السادسة : نزول الآيات التي تدل في معناها ومفهومها على الصبر.
الثاني : التصديق العام من الناس بالتنزيل والنبوة .
الثالث : دعوة المسلمين إلى إقامة الصلاة وإتيان الزكاة وصيام شهر رمضان وأداء الحج .
الرابع : الإستعداد لعالم ما بعد الموت ، والوقوف بين يدي الله عز وجل.
الخامس : إظهار الحلم .
السادس : الثبات على الإيمان ، والإحتجاج على الذين كفروا ، قال تعالى [وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ]( ).
لقد ذكر الله عز وجل أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ] ( ) ولو شاء الله لقال (وإذ غدوت من بيتك) وقد ورد لفظ بيتك في قوله تعالى [كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ] ( ) في خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى معركة بدر أما آية [غَدَوْتَ] فذكرت أهل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى معركة أحد لبيان صبرهم والعناء والأذى الذي نزل بأمهات المؤمنين بسبب مجئ جيش المشركين العرمرم ، وهم يريدون قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صار عنده في المدينة أهل مسلمون .
ولم تذكر الأخبار والروايات وجود معارضة من أهل البيت ونساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم على خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المعركة .
وقد خرجت عائشة إلى معركة أحد لنقل الماء وسقاية الجرحى ، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد تزوجها بعد معركة بدر .
وحضرت فاطمة الزهراء عليها السلام معركة أحد ، وقامت بمداواة جراحات النبي صلى الله عليه وآله وسلم(فِي ” الصّحِيحَيْنِ ” : عَنْ أَبِي حَازِمٍ أَنّهُ سَمِعَ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ يَسْأَلُ عَمّا دُووِيَ بِهِ جُرْحُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ يَوْمَ أُحُدٍ فَقَالَ ” جُرِحَ وَجْهُهُ وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ وَهُشِمَتْ الْبَيْضَةُ عَلَى رَأْسِهِ وَكَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ تَغْسِلُ الدّمَ .
وَكَانَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَسْكُبُ عَلَيْهَا بِالْمِجَنّ فَلَمّا رَأَتْ فَاطِمَةُ الدّمَ لَا يَزِيدُ إلّا كَثْرَةً أَخَذَتْ قِطْعَةَ حَصِيرٍ فَأَحْرَقَتْهَا حَتّى إذَا صَارَتْ رَمَادًا أَلْصَقَتْهُ بِالْجُرْحِ فَاسْتَمْسَكَ الدّمُ ” بِرَمَادِ الْحَصِيرِ الْمَعْمُولِ مِنْ الْبَرْدِيّ وَلَهُ فِعْلٌ قَوِيّ فِي حَبْسِ الدّمِ لِأَنّ فِيهِ تَجْفِيفًا قَوِيّا وَقِلّةَ لَذْعٍ فَإِنّ الْأَدْوِيَةَ الْقَوِيّةَ التّجْفِيفِ إذَا كَانَ فِيهَا لَذْعٌ أَنْفِ الرّاعِفِ قُطِعَ رُعَافُهُ . وَقَالَ صَاحِبُ ” الْقَانُونِ ” : الْبَرْدِيّ يَنْفَعُ مِنْ النّزْفِ وَيَمْنَعُهُ وَيُذَرّ عَلَى الْجِرَاحَاتِ الطّرِيّةِ فَيُدْمِلُهَا وَالْقِرْطَاسُ الْمِصْرِيّ كَانَ قَدِيمًا يُعْمَلُ مِنْهُ وَمِزَاجُهُ بَارِدٌ يَابِسٌ وَرَمَادُهُ نَافِعٌ مِنْ أَكَلَةِ الْفَمِ وَيَحْبِسُ نَفَثَ الدّمِ وَيَمْنَعُ الْقُرُوحَ الْخَبِيثَةَ أَنْ تَسْعَى) ( ).
كما حضرت المعركة عمة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم صفية بنت عبد المطلب ، وهي أم الزبير .
وقد قاتلت بعض الأنصاريات دون النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في أم عمارة نسيبة بنت كعب من بني مازن بن النجار .
ويبين قوله تعالى [تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ] حقيقة وهي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه كانوا في حال دفاع ، وأنهم لم يختاروا الهجوم ومباغتة المشركين ، أو ما يسمى حرب العصابات أو حرب الشوارع ، وذكرت الآية لفظ مقاعد من القعود والإستثناء ، لتأكيد عدم النية في الهجوم على المشركين وإن ثبت عدوانهم وظلمهم بزحفهم نحو المدينة .
ترى لماذا لم تقل الآية (مقاعد للدفاع )الجواب يدل قوله تعالى [مَقَاعِدَ] على الدفاع الإضطراري ، وعلى معنى وهو عدم مطاردة الذين كفروا عند إنسحابهم ، فان قلت قد خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم متعقباً للمشركين في اليوم التالي لمعركة أحد .
والجواب حدث هذا الخروج بعد أن وصلت أنباء عن عزم المشركين الرجوع إلى القتال وغزو المدينة ، ثم أنه لم يقع قتال في هذا الخروج وإن سميت غزوة حمراء الأسد( ) .
ويدل قوله تعالى [مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ]على أنه لولا قدوم جيوش المشركين لما إتخذ المسلمون مواقع للدفاع ولا مقاعد ثابتة للرباط ، وبين القتال والدفاع عموم وخصوص مطلق فكل دفاع هو قتال وليس العكس .
وكذا ذات النسبة بين الهجوم والقتال ، ولكن الهجوم أعم وأكبر ، وبين الهجوم والدفاع نوع تضاد في ذات الموضوع ، وهذا التضاد مرآة للتضاد بين الإيمان الذي عليه الصحابة , والكفر الذي عليه جيش قريش ، ليكون من معاني [يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ] ( ) إلتقاء الجمعان المتضادان بالعقيدة والفعل والقصد والغاية ، قال تعالى [وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ] ( ).
كبت المشركين
الكبت إجتماع شدة الغيظ والحسرة والحزن .
يدل سياق قوله تعالى[لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ]( )، على سبق الكبت للإنقلاب والعودة إلى مكة ويعني بالدلالة التضمنية خروج المشركين من المعركة وهم في حال كبت وحسرة وذم للذات ، فترشح عنه التلاوم في الطريق .
ترى لماذا لم تقل الآية ويكبتهم بدل أو يكبتهم ، الجواب المراد في كل مرة تكون حال الذين كفروا إما قطع طرف وقتل طائفة منهم أو تغشي الحسرة والندامة لهم ، ولبيان مسألة وهي أن النسبة بين الكبت وقطع الطرف عموم وخصوص مطلق ، فالذين يقطعون ويقتلون وسط الميدان ، أما الكبت والحسرة فهو أمر ينزل بالمشركين والمشركات كافة .
وهل من موضوعية للكبت الذي تذكره الآية أعلاه [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ] ( ) في تعجيل الذين كفروا الإنسحاب من ميدان المعركة ، الجواب نعم ، ليجتمع عندهم أمور :
الأول : من معاني الكبت الذي يبتلى به المشركون شدة الحزن وضيق الصدر ، قال تعالى [فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ] ( ).
الثاني : من الكبت الخزي والحسرة إذ يدرك كفار قريش عند عودتهم من أحد خيبتهم ، وتقدير آية [لِيَقْطَعَ] : ليقطع طائفة من الذين كفروا أي يهلكهم يوم أحد ويكبت ويخزي الذين بقوا منهم ليرجعوا إلى مكة خائبين .
فمن لم يقتل منهم يلحقه الغيظ وضيق الصدر والخزي ،وفيه دعوة لهم ولغيرهم للتوبة والإنابة .
الثالث : امتلاء قلوب الذين كفروا بالرعب والفزع قبل الوصول إلى المعركة ، وفي الميدان لقوله تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ..] ( ) .
ويحتمل النسبة والفارق الرتبي جهات :
الأولى : الرعب الذي يملأ قلوب الذين كفروا قبل المعركة أكثر من الذي يكون عندهم أثناء المعركة .
الثانية : ذات الرعب الذي يصيب الذين كفروا من الكلي المتواطئ الذي يكون على مرتبة واحدة (عن أبي ذر ، قال : طلبت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة من الليالي ، فقيل لي : خرج إلى بعض النواحي ، فوجدته قائما يصلي ، فأطال الصلاة ، ثم سلم .
فقال : إني أوتيت هذه الليلة خمسا لم يؤتها أحد قبلي : إني أرسلت إلى الأسود والأحمر – قال مجاهد : يعني الجن والإنس – ونصرت بالرعب يرعب العدو مني وهو مسيرة شهر ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، وأحلت الغنائم ، ولم تحل لأحد قبلي ، وقيل لي : سل تعط ، فاختبأتها شفاعة لأمتي لمن لا يشرك بالله شيئا) ( ).
الثالثة : الرعب الذي يدخل قلوب الذين كفروا أثناء المعركة أكثر منه قبل نشوبها .
والصحيح هو الثالث ، خاصة وأن هذا الرعب من المتراكم ، فما يدخل قلوب الذين كفروا قبل المعركة لا يغادرهم ومع غزوهم للمدينة يأتيهم فرد آخر من الرعب فيغزو قلوبهم ليخفف الله عز وجل عن المؤمنين .
ويكون هذا الرعب وسيلة لعدم استدامة القتال بين المسلمين الذين كفروا ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ..] ( ) وكل فرد من أفراد الرعب الخاص والعام من مصاديق الجنود .
لذا جاءت الآية أعلاه بصيغة الجمع ، وهل يفارق هذا الرعب الذين أشركوا عند مغادرتهم أرض المعركة ، والمختار أنه يغادرهم إذ يبين قوله تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ] ( ) أن علة هذا الرعب هو إختيار الذين كفروا الضلالة والشرك بالله عز وجل سواء قاتلوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأرادوا قتله أو أختاروا البقاء في مكة بصفة الكفر التلبس به .
لقد عاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من معركة أحد بجراحات دامية عصر يوم السبت النصف من شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة ، وقد كانت مصيبة المسلمين بفقد سبعين منهم شديدة ، ولكن السكينة ملأت قلوبهم لسلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من القتل ، إذ كان الناس جميعاً من المسلمين واليهود والكفار يعلمون أن قتله هو الغاية الأولى لثلاثة آلاف رجل غزوا المدينة في ذلك اليوم ليحضر قوله تعالى [وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ]( ) .
الرابع : تسليم عامة جيش المشركين بالعجز عن الثأر للخزي الذي لحقهم في معركة بدر ، فصحيح أنهم قتلوا من المسلمين سبعين شهيداً بعدد قتلى المشركين في معركة بدر ، إلا أنه غير كاف في مسألة الثأر لضخامة جيوش الذين كفروا ، وكثرة اسلحتهم ورواحلهم في معركة أحد .
الخامس : الحسرة على الأموال الكثيرة التي انفقوها على الإعداد لمعركة أحد من غير تحقيق الغايات الخبيثة التي جاءوا من أجلها ، لقد سخروا أموال قافلة أبي سفيان في معركة أحد ، وكان مجموعها أكثر من خمسين الف دينار ذهب ، مما يدل على عجزهم عن تسديد ديون التجار في الشام ، فالمتعارف عند التجار هو إما البيع بالنقد ، أو بالسلف على أن يقوم تاجر المفرد والتاجر من بلدة أخرى بتسديد قيمة ومبالغ البضاعة السابقة كي يطلب البضاعة الجديدة خاصة اذا كانت كثيرة ومع تباعد البلدان ، وقد كان تجار الشام وفارس يكرمون قريشاً لأنهم مجاوروا البيت الحرام الذي تقدسه عامة العرب .
وعندما يدخلون في حرب ومعارك ضد النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي هو من أوسطهم أسرة وأكرمهم ، ويخسرون في اللقاء معه معركة بعد أخرى يصير التجار في ضرر من إقراضهم وتسليمهم البضائع الكثيرة بالسلف ، ففي عرف التجار والمجتمع أن خسارة قريش في معركة أحد أكثر منها في معركة بدر , وهذا ما نبينه في الجزء التالي إن شاء الله .
وقد كانت قريش تأتي الى الشام بألف بعير كما في قافلة أبي سفيان ، أو الف وخمسمائة بعير كما في قافلة خلف بن أمية التي سبقتها ، وبعد معركة بدر صار نادراً السماع بقوافل كبيرة لقريش ، قال تعالى [وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ]( )، وحينما يعلم تجار الشام وفارس أن قريشاً أرباب التجارة هم الذين غزوا وبدأوا القتال فانهم يسخطون عليهم ، وتتجلى لهم أمارات على نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وهل كبت الذين كفروا واقية من القتال والغزو , الجواب نعم ,إذ أشغل الله الذين كفروا بأنفسهم , وأقعدهم عن الهجوم المتتالي والإضرار العام .

جراحات النبي
لقد قد رجع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من ميدان المعركة بجراحات متعددة ومنها :
الأول : كسر الرباعية اليمنى السفلى من أسنان النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : شج وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجريان الدم واستمرار النزف منه إذ رماه عبد الله بن شهاب الزهري ، وكان النبي يمسح الدم من وجهه وهو يقول (كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم فأنزل الله تبارك وتعالى في ذلك (ليس لك من الامر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فانهم ظالمون)) ( ).
الثالث : شق شفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم السفلى إذ رماه عتبة بن أبي وقاص ،ليكون من معاني اتصاف النبوة بالدفاع وإمتناع النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الهجوم والغزو ميل عامة الناس إليه ، وصيرورة هذا الإمتناع مناسبة ووسيلة للتدبر في المعجزات التي جاء بها ، وهل هذا الدفاع وما يترشح عنه من المعجزات الجواب نعم ، خاصة مع إنتفاء الموضوع العقلائي الذي يقاتل من أجله المشركون .
الرابع : جرح ابن قمئة لوجنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأن ابن قمئة أكثر من رمى الحجارة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فدخلت حلقتان من المغفر الذي تحت القلنسوة في وجنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
الخامس : لحوق الأذى بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم لوقوعه في إحدى الحفر التي حفرها أبو عامر الفاسق ليقع فيها المسلمون فاخذ الإمام علي بن أبي طالب بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفعه طلحة بن عبيدالله حتى استوى قائما .
(ومص مالك بن سنان أبو أبي سعيد الخدرى الدم من وجهه ثم ازدرده فقال رسول الله صلى الله عليه وآله من مس دمى دمه لم تصبه النار( ).
وعندما وصل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الى المدينة صلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهم صلاة المغرب والعشاء إذ أنه لم ينقطع عن صلاة الجماعة حتى مع شدة جراحاته والمصيبة التي ألمت به بفقد عمه حمزة والشهداء الآخرين وبات عدد من الصحابة في باب المسجد النبوي وحول بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم خشية مداهمة العدو في الليل.
وأيهم أكثر الذين باتوا في باب النبي ليلة الخميس قبل الخروج إلى معركة أحد أم الذين باتوا عنده في ليلة الأحد السادس عشر من شهر شوال أي بعد اليوم الذي وقعت فيه معركة أحد .
المختار هو الثاني لبيان أن الصحابة مع شدة جراحاتهم فانهم لم يغفلوا عن حراسة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإحتراز من كيد المشركين .
وعند فجر يوم الأحد وبعد أن أدى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه صلاة الصبح أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في طلب العدو (وأذن مؤذنه أن لا يخرج معنا إلا أحد حضر يومنا بالأمس)( )، وفيه مسائل :
الأولى : منع المنافقين عن الخروج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
الثانية : بيان عدم الرضا عن الذين تخلفوا عن الخروج يوم معركة أحد ، أو لا أقل الإستغناء عنهم ، إذ يبين قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أعلاه فضل الله بكفاية المؤمنين ، والغنى عن المنافقين .
الثالثة : البشارة بعدم وقوع قتال في هذا الخروج .
الرابعة : التذكير بحضور الملائكة لنصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
الخامسة : سمو مرتبة الذين حضروا معركة أحد .
وكان جابر بن عبد الله الأنصاري ممن تخلف عن الخروج في معركة أحد وأستشهد أبوه فيها ، فجاء جابر الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم واعتذر له عن عدم الخروج ، وسأله الخروج معه إذ قال له (إنّ أَبِي كَانَ خَلّفَنِي عَلَى أَخَوَاتٍ لِي سَبْعٍ وَقَالَ يَا بُنَيّ إنّهُ لَا يَنْبَغِي لِي وَلَا لَك أَنْ نَتْرُكَ هَؤُلَاءِ النّسْوَةَ لَا رَجُلَ فِيهِنّ وَلَسْت بِاَلّذِي أُوثِرُكَ بِالْجِهَادِ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى نَفْسِي ، فَتَخَلّفْ عَلَى أَخَوَاتِك ، فَتَخَلّفْتُ عَلَيْهِنّ)( )، فاذن له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالخروج معه.
وسمي هذا الخروج غزوة حمراء الأسد إنما هي كتيبة تأديب وفيها مسائل :
الأولى : هذه الكتيبة من المرابطة ومصاديق قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ).
الثانية : في هذه الكتيبة ترهيب للمشركين .
الثالثة : فيها زجر للمشركين عن الرجوع من الطريق إلى مكة .
ترى ماذا لو رجع المشركون من الطريق ، الجواب قد يتبادر إلى الذهن أنهم يقتحمون المدينة ويعبثون فيها فساداّ ، ولكن لو رجعوا فلن يجدوا إلا الخسارة والخسران ، وهو الذي أخبر عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ قال : (والذي نفسي بيده، لقد سومت لهم الحجارة، ولو رجعوا لكانوا كأمس الذاهب) ( ).
وهناك دليل وشاهد وجداني عليه وهو غزوة المشركين والأحزاب في الخندق ، إذ جاءوا عشرة آلاف رجل لغرض اقتحام المدينة بعد أن فشلت خططهم في القتال بعيداً عنها كما في معركة بدر ، والقتال على مشارفها كما في معركة أحد ، فضاعفوا أعداد الجيوش وانتسابهم القبلي وضاعفوا الأموال التي انفقوا على مقدمات القتال والتعبئة ، قال تعالى [فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ] ( ) ، وليس من حصر لمصاديق الحسرة التي تلحق الكفار في المقام ، منها :
الأول : الحسرة على فقد وضياع الأموال .
الثاني : الإنفاق بالباطل .
الثالث : دخول طائفة من الذين انفقوا عليهم المشركون الإسلام ، لما رآوا من الآيات والحجج والبراهين .
الرابع : تصيب الكفار الحسرة للعجز عن تحقق الغايات التي انفقوا من أجلها .
الرابع : صيرورة الذين كفروا مادة للإستهزاء بسبب الإنفاق على الباطل وفوات المراد .
الخامس : مصاحبة الحسرة للذين كفروا مما يدل على أن إنفاقهم الأموال على قتال النبي سبب لحسرة إضافية .
السادس : إنفاق الأموال في محاربة النبوة والتنزيل سبب للحسرة يوم القيامة .
لقد أحاط المشركون بالمدينة، وتارة لا يبقى مع النبي داخل الخندق إلا نحو ثلاثمائة من الصحابة في معجزة حسية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في السنة الدفاعية ، وهل كان المشركون الذين يحاصرون المدينة يعلمون بقلة عدد المسلمين خلف الخندق في بعض الأحيان خاصة مع شدة البرد آنذاك الجواب نعم لوجوه :
الأول : وجود عيون للمشركين داخل المدينة .
الثاني : دخول وخروج الناس من المدينة مدة الحصار .
الثالث : طول مدة الحصار إذ استمر نحو عشرين ليلة يستطيع العدو أن يرصد الحال .
الرابع : خبرة بعض المشركين بالرصد والتحري كما حدث في معركة بدر إذ قام عمير بن وهب الجمحي بالطواف على جيش المسلمين لاحراز عددهم فقال انهم ثلاثمائة أو يزيدون أو ينقصون قليلاً ( ).
الخامس : قصر المسافة بين المحاصرِين بالكسر والمحاصَرين بالفتح ، وكل منهما يرى الطرف الآخر ، وتنكشف له حركتهم ، ليكون عجز المشركين عن اقتحام الخندق ومداهمة المدينة معجزة غيرية للقرآن تتعلق بتحقق المصداق الواقعي والشاهد الفعلي للآية القرآنية ، فقد قال تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ]( )، ومن مصاديق الآية أعلاه ترتب الأثر الفعلي لهذا الرعب بشواهد متعددة منها إمتناع الذين كفروا عن اقتحام المدينة مع كثرة عددهم ، وقلة عدد المرابطين ، ومع إنسحاب المنافقين باعذار واهية ، كما قال تعالى [يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا]( ).
لقد منع النبي صلى الله عليه وآله وسلم المنافقين من الخروج معه في كتيبة حمراء الأسد لبيان الغنى عنهم ، وعدم الحاجة اليهم وهل هو من مصاديق قوله تعالى [وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ]( )، الجواب نعم ، ولم يمنعهم عن الحضور معا في الخندق لأنه دفاع عن الأنفس والعيال ، ولأن الله عز وجل مظهر لما يضمره المنافقون من الكفر ، فما لبثوا أن وجدوا الأعذار للإنسحاب بحجة إنكشاف بيوتهم للعدو ، وإحتمال إغارته عليها ، قال تعالى [يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ]( ).
وهل يمكن تسمية قوله تعالى [الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ]( )، آية كتيبة حمراء الأسد الجواب نعم ، وتدل عليه أسباب النزول ، ومجئ الآية بصيغة الفعل الماضي وابتدأت الآية بالإخبار عن قانون وهو خروج الصحابة إلى حمراء الأسد إنما هو استجابة لله عز وجل مما يدل على أن الأمر بالنفر وتتبع أثر الذين كفروا تم بالوحي، وهل تشمل الآية النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم فيه وجوه :
الأول : شمول النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالإستجابة لله عز وجل ، وتقدير الآية على وجوه :
الأول : محمد وأصحابه الذين استجابوا لله .
الثاني : المهاجرون والأنصار استجابوا لله والرسول .
الثالث : التفصيل وتقدير الآية : محمد وأصحابه استجابوا لله ، والصحابة استجابوا لله والرسول .
الرابع : محمد رسول الله وأصحابه استجابوا لله والرسول ، إذ أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يستجيب للأوامر التي تأتي من عند الله ، والأوامر التي تصدر منه كرسول .
وتشمل الآية استجابة الرسول لله عز وجل بالخروج إلى حمراء الأسد خاصة وأنه من الذين أصابهم القرح وكثرة الجراحات يوم أحد ، وهو الإمام في الإستجابة لأوامر الله عز وجل ، وفيه الأجر والثواب وعظيم المنزلة عند الله قال تعالى [لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ الْحُسْنَى]( ).
وتضمنت آية البحث في خاتمتها الإخبار عن الأجر العظيم على الإستجابة بالخروج إلى حمراء الأسد مع التقييد بتعاهد التقوى لبيان أن الإستجابة لله لا تنقطع بالخروج إلى حمراء الأسد ، إنما تشمل التعاهد اليومي للفرائض والعبادات ، قال تعالى [وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ]( ).
لقد ترك الذين خرجوا لحمراء الأسد إرثاً للأجيال يتجلى بطاعة الله ورسوله في دفع شرور العدو من غير قتال ، وتبين الآية أن موضوع الإستجابة لله عز وجل ليس الغزو والهجوم ، إنما دفع العدو عن الغزو ، وبيان الأذى الذي كان فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وشدة وكثرة جراحاتهم ، وأنها لم تمنع من الإستجابة في ركوب الإبل والخروج من المدينة في اليوم الثاني لمعركة أحد.
وهل في الخروج إلى حمراء الأسد تفقه في الدين ، أم أن الأمر يختص بالسنة والسيرة الدفاعية ، الجواب هو الأول لبيان أن موضوع الإستجابة لله عام ويشمل الطاعة في الفرائض والسنن ، وهو من عمومات قوله تعالى [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا]( )، وهل المقصود من معنى الإستجابة ذات الخروج في كتيبة حمراء الأسد أم الموضوع الأعم وشموله لإستجابة المهاجرين والأنصار لأمر الله عز وجل ورسوله في اتيان الفرائض العبادية ، وكذا الخروج إلى معركة أحد للدفاع ، وصرف العدو.
الجواب هو الثاني ، لقانون في علوم التنزيل وهو أن مضامين الآية القرآنية أعم من أن يختص بأسباب نزول الآية القرآنية إنما المدار على عموم المعنى .
فان قلت إنما قيدت آية البحث الموضوع إذ ذكرت أوان استجابة المهاجرين والأنصار وأنه بعد أن أصابت المسلمين الجراحات ونزلت بهم المصيبة في معركة أحد .
والجواب هذا صحيح ، إلا أن ذات الإستجابة بعد معركة أحد تتجلى بالطاعة لله وعدم الجزع ، أو القعود عن الدفاع ، أو الإرتداد.
قراءة في الذين استجابوا
يكون تقدير قوله تعالى[الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ]( )، على وجوه :
الأول : المهاجرون والأنصار استجابوا لله والرسول .
الثاني : الذين استجابوا لله والرسول بأن خرجوا إلى معركة أحد ، واشتركوا في الدفاع عن النبوة والتنزيل .
الثالث : الذين نجوا من معركة أحد استجابوا لله والرسول بأن خرجوا إلى حمراء الأسد .
الرابع : الذين يحبون الله استجابوا لله والرسول .
الخامس : الذين خرجوا إلى معركة أحد استجابوا لله والرسول بالخروج إلى حمراء الأسد .
السادس : الذين استجابوا لله والرسول بالخروج إلى حمراء الأسد أكرمهم الله بآية البحث لتكون وثيقة سماوية تدل على صبرهم وجهادهم في سبيل الله.
السابع : الذين أبوا إلا أن يدافعوا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في معركة أحد ويخرجوا معه الى حمراء الأسد استجابوا لله والرسول وكان عدد المسلمين الذين خرجوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة يوم الجمعة والسبت والأحد كالآتي:
أولاً : خروج ألف من الصحابة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة متوجهين الى جبل أحد للدفاع بملاقاة جيوش قريش .
ثانياً : بقاء سبعمائة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من هؤلاء الألف بسبب إنخزال ثلاثمائة من وسط الطريق بتحريض وأمر من عبد الله بن أبي بن أبي سلول رأس النفاق .
ثالثاً : بقاء أحد عشر من الصحابة حول النبي عند اشتداد القتال ، وتحول الريح إلى جانب جيش المشركين ، وهذا لا يعني أن الذين يقاتلون المشركين آنذاك فقط هؤلاء الأحد عشر ، إنما كانت أعداد من المسلمين تقاتل مجتمعين ومتفرقين ، ويدل عليه قوله تعالى [إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ]( )، أي أنهم لم يفشلوا ولم يجبنوا لعدم تحقق مصداق هذا الهمّ الذي هو النية وقصد الفعل، وليس القيام به.
رابعاً : خروج مائتين ونيف من الصحابة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى حمراء الأسد .
لقد كان عدد الذين رجعوا إلى المدينة من معركة أحد نحو ستمائة وثلاثين من المهاجرين والأنصار وكانت جراحاتهم بليغة وشطر منهم أقعدتهم جراحاتهم عن الخروج.
خامساً : من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن الذين خرجوا كان معه محمولاً لشدة جراحاته .
الثامن : الذين استجابوا لله والرسول مع إقرارهم بأنه الد أحد فرد صمد حي قيوم دائماً أبداً .
التاسع : الذين استجابوا لله والرسول محمد مع الشهادة له بالرسالة من عند الله ، وأن ما يخبر به إنما وحي ، وفي التنزيل [وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى *إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى]( ) ، وفي الآية بيان لنعمة اختص بها الصحابة وهي أنهم استجابوا للرسول الذي قد خرج معهم ، وهو أمر لا يتكرر مع اي من التابعين أو تابعي التابعين .
العاشر : الذين استجابوا مجتمعين ومتفرقين لله والرسول .
الحادي عشر : الذين استجابوا لله والرسول في اليوم التالي للدفاع في معركة أحد .
الثاني عشر : الذين استجابوا لله والرسول حباً وطاعة لله ورسوله.
الثالث عشر : الذين استجابوا لله والرسول هم[خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
الرابع عشر : الذين استجابوا لله والرسول لإستدامة كلمة التوحيد في الأرض.
الخامس عشر : الذين استجابوا لله والرسول لبعث الخوف في قلوب الذين كفروا .
السادس عشر : الذين استجابوا لله والرسول تبكيتاً للمنافقين .
السابع عشر : الذين استجابوا لله والرسول من الصحابة .
الثامن عشر : الذين استجابوا لله والرسول لهم الأجر والثواب ، قال تعالى [لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ الْحُسْنَى]( ).
التاسع عشر : الذين استجابوا لله والرسول الذي ليس في زمانه رسول غيره وهو خاتم النبيين ، ويدل عليه مجئ الآية بالألف واللام (الرسول) والمراد منه العهد والتعيين ، كما في قوله تعالى [فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ]( )، أي عصى فرعون موسى عليه السلام وفيه آية من عند الله فمثلاً رزق الله عز وجل موسى عليه السلام من لفظ (الرسول) على نحو الحصر والتعيين فقد رزق الله عز وجل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ذات الصفة المحمودة وذكره بعنوان الإستجابة من جهة المهاجرين والأنصار له بقصد الدفاع مع كثرة جراحاتهم بينما ذكرت الآية أعلاه موسى عليه السلام مع معصية فرعون له.
العشرون : الذين استجابوا لله والرسول طاعة وامتثالاً.
ترى ما هي النسبة بين الطاعة والإستجابة في المقام الجواب هو العموم والخصوص المطلق ، فالطاعة أعم .
الحادي والعشرون : الذين استجابوا لله والرسول من غير قصد الهجوم والغزو إنما أرادوا الدفاع وما يتفرع عنه ، فان قلت ليس من دفاع في المقام إنما خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لإقتفاء أثر .
وهذا الإقتفاء ليس مطلوباً بذاته إنما هو نوع واقية من عودتهم الى الهجوم على المدينة ، الجواب نعم كان خروجهم دفاعاً لدفع المشركين عن العودة للهجوم بعد أن همّوا به فجاءهم معبد الخزاعي وأخبرهم بخروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه خلفهم ونصحهم بالتعجيل بالرجوع إلى مكة .
الثاني والعشرون : الذين استجابوا لله ورسوله يصاحبهم مدد وعون من الملائكة .
الثالث والعشرون : الذين استجابوا لله والرسول نزلت آية قرآنية بالثناء عليهم .
الرابع والعشرون : الخروج إلى حمراء الأسد استجابة لله والرسول.
الخامس والعشرون : الذين استجابوا لله والرسول أسوة للمسلمين.
السادس والعشرون : الذين استجابوا لله والرسول لم يطلبوا الغنائم وأسباب الغزو .
السابع والعشرون : الذين استجابوا لله والرسول عادوا إلى المدينة سالمين بلطف ومنّ من الله عز وجل( )، ويدل قوله تعالى [الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ]( )، على مسائل :
الأولى : تفضل الله عز وجل بتوجيه الأمر من الله للمسلمين .
الثانية : بلوغ أوامر الله عز وجل للمسلمين بواسطة التنزيل والوحي الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالثة : وجود أمة مؤمنة تستجيب لله عز وجل.
الرابعة : الإتحاد بين أوامر الله وأوامر الرسول في واقعة مخصوصة بان يكون أمر الرسول مرآة وطاعة لله عز وجل.
الخامسة : استجابة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لأوامر الله على كل حال , وفي أشد الأحوال والجراحات ، وكثرة الشهداء.
الثامن والعشرون : الذين استجابوا لله والرسول مواساة للشهداء يوم أحد .
التاسع والعشرون : الذين استجابوا لله والرسول قربة إلى الله .
الثلاثون : الذين استجابوا لله والرسول قطعوا شماتة المنافقين والقاعدين.
الحادي والثلاثون : الذين استجابوا لله والرسول منعوا المشركين من الرجوع للإغارة على المدينة .
الثاني والثلاثون : الذين استجابوا لله والرسول حالوا دون تكرار هجوم وإغارة المشركين في ذات السنة , وهي السنة الثالثة للهجرة وكذا في السنة التالية لها، ولأن نصر الله عز وجل المسلمين في معركة بدر وهم قلة فانه سبحانه جعل خروجهم إلى حمراء الأسد سبباً لعزوف المشركين عن تكرار الهجوم إلا بعد سنتين وفي واقعة الخندق .
الثالث والثلاثون : الذين استجابوا لله والرسول [َقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ]( ).
الرابع والثلاثون : الذين استجابوا الله والرسول إزداد إيمانهم بهذا الخروج .
الخامس والثلاثون : الذين استجابوا لله والرسول بالخروج إلى حمراء الأسد كلهم ممن حضر معركة أحد .
السادس والثلاثون : الذين استجابوا لله والرسول لم يلقوا قتالاً يومئذ.
السابع والثلاثون : الذين استجابوا لله والرسول لمطاردة العدو بجراحاتهم في اليوم السابق يستجيبون لله بأداء العبادات والمناسك.
أبو عَزَّة الجمحي
واسمه عمرو بن عبد الله بن عمير بن وهب بن حذافة بن جمح( )، وعَزّة بفتح العين وتشديد الزاي وبعدها اسم ابنته ، كان أولاده من البنات فكنى باسم ابنته الكبرى وهو من أهل مكة ، وكان شاعراً وذكر أنه واحد من تسعة شعراء مشهورين في مكة ، ولما أظهر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نبوته ودعا الناس إلى التوحيد بقى أبو عزة على كفره وكان فقيراً ذا عيال .
وخرج أبو عزة الجمحي مع المشركين إلى معركة بدر ، فوقع في الأسر ، ولما جعل المسلمون عوضاً يدفعه كل أسير لقاء فكه من الأسر توجه أبو عزة إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم راجياً الصفح عنه ، وفكه من الأسر من غير بدل وعوض.
وقد منّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم على جماعة من الأسرى منهم المطلب بن حنطب ، وصيفي بن أبي رفاعة( ).
وكان قد أسر من بني جمح ثلاثة هم :
الأول : عبدالله بن أبي بن خلف .
الثاني : أبو عزة عمرو بن أبي بن خلف .
الثالث : وهب بن عمير بن وهب الجمحي( ).
وكان الحد الأعلى للفداء هو أربعة آلاف درهم ، والأدنى ألف درهم ، ولا يملك أبو عزة مالاً ، ويعرف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حاله ، فسأل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم أن يفكه من الأسر لأجل بناته وعياله .
وقال : يَا رَسُولَ اللّهِ لَقَدْ عَرَفْت مَا لِي مِنْ مَالٍ ، وَإِنّي لَذُو حَاجَةٍ وَذُو عِيَالٍ فَامْنُنْ عَلَيّ فَمَنّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ وَأَخَذَ عَلَيْهِ أَلّا يُظَاهِرَ عَلَيْهِ أَحَدًاً( ).
لأن مظاهرة أبو عزة باليد واللسان وقول الشعر ، وفيه تحريض للناس ضد الإسلام ، فمدح أبو عزة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وذكر فضله وعلو مرتبته وشهد له بالرسالة وقال :
مَنْ مُبَلّغٌ عَنّي الرّسُولَ مُحَمّدًا … بِأَنّك حَقّ وَالْمَلِيكُ حَمِيدُ
وَأَنْتَ امْرُؤٌ تَدْعُو فِي الْحَقّ وَالْهُدَى … عَلَيْك مِنْ اللّهِ الْعَظِيمِ شَهِيدُ
وَأَنْتَ امْرُؤُ بُوّئْتَ فِينَا مَبَاءَةً … لَهَا دَرَجَاتٌ سَهْلَةٌ وَصُعُودُ
فَإِنّك مَنْ حَارَبْتَهُ لَمُحَارَبٌ … شَقِيّ وَمَنْ سَالَمَتْهُ لَسَعِيدُ
وَلَكِنْ إذَا ذُكّرْتُ بَدْرًا وَأَهْلَهُ … تَأَوّبَ مَا بِي : حَسْرَةٌ وَقُعُودُ ( ).
وبعد معركة بدر أخذت قريش تستعد لمعركة أحد ، وصار كبار رجالها يطوفون على قبائل كنانة وأهل تهامة والأحابيش ، ومن الذين كانوا يحثون القبائل على مؤازرتهم في حربهم ضد النبي صلى الله عليه وآله وسم وأصحابه صفوان بن أمية الذي قتل أبوه وأخوه في معركة بدر.
فقال صفوان لأبي عَزة : يا أبا عزة أنت امرئ شاعر فاعنا بلسانك وأخرج معنا فامتنع أبو عزة في بادئ الأمر وقال : ان محمداً قد منّ عليّ وأطلقني من الأسر لكثرة بناتي وعيالي ولا أريد أن أظاهر عليه.
فأخذ صفوان يرغبّه بالوعود ، وقال إن رجعنا أغنيك وأزيل عنك الفقر وإن أصبت في المعركة أجعل بناتك مع بناتي (يصيبهم ما أصابهن من عسر ويسر) ( )، ولم يذكر صفوان أمره إذا قتل هو نفسه من الذي يغني أبا عزة ، ومن يؤوي بنات كل منهما .
وصفوان بن أمية بن خلف بن وهب الجمحي ، وهو رئيس قومه ، واشترك في معركة أحد مع الكفار وعند فتح مكة هرب منها، ثم أجاره واستامن له ابن عمه وصديقه عمير بن وهب الجمحي فأمنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم أربعة أشهر ، ثم أسلم وحسن اسلامه ، وتوفى سنة (41) هجرية.
وامتنع أبو عزة ورد صفوان ، فأنصرف صفوان عنه شبه آيس منه قال الواقدي : فلما كان الغد جاءه صفوان وجبير بن مطعم، فقال له صفوان الكلام الأول فأبى، فقال جبير: ما كنت أظن أني أعيش حتى يمشي إليك أبو وهب في أمرٍ تأبى عليه فأحفظه، فقال: فأنا أخرج ، قال : فخرج في العرب يجمعها( ).
فابعد أن رغب صفوان أبا عزة بالخروج ، ووعده بالنفقة عليه وعلى عياله ، ولأن المشركين كانوا يرون وأيام الإعداد للمعركة أن كفة القتال الى جانبهم مشى أبو عزة في تهامة ، وصار يثني على بني كنانة ويدعوهم للخروج ، وكان يقول :
إيهًا بَنِي عَبْدِ مَنَاةَ الرّزّام( ) … أَنْتُمْ حُمَاةٌ وَأَبُوكُمْ حَامْ
لَا تَعْدُونِي نَصّرَكُمْ بَعْدَ الْعَامِ … لَا تُسْلِمُونِي لَا يَحِلّ إسْلَامْ ( ).
وطاف أبو عزة على القبائل يؤلبهم بشعره وقصائده ، خلافاً لعهده لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (بأن لا يظاهر عليه ) ونزل قوله تعالى [وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمْ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَى أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ] ( ) في ذم شعراء المشركين ، وكيف أنهم يهجون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فينصت لهم الكفار ، وأستثنت هذه الآيات المؤمنين من الشعراء بقوله تعالى [إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا] ( ) إذ أنهم ردوا بالشعر على الذين كفروا وفضحوهم ، ومنعوا الناس من الإنصات لهم .
ثم خرج أبو عزة مع جيوش قريش إلى معركة أحد غزاة , ليكون هذا الخروج أعم من المظاهرة ، وأشد في نقض العهد الذي قطعه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وعند خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى حمراء الأسد وقع في الأسر أبو عزة الشاعر ومعاوية بن المغيرة بن أبي العاص من بني عبد شمس ، وهو جد عبد الملك بن مروان لأمه .
ولما أحضر أبو عزة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : يا رسول الله أقلني .
وأختلف بخصوص أبي عزة في مسألتين :
الأولى : أوان وقوعه في الأسر , والمشهور أنه أسر في كتيبة حمراء الأسد ، وذكر ابن كثير عن الشافعي أنه أسر في معركة أحد (ولم يؤسر من المشركين سوى أبى عزة الجمحى، وقد كان في الاسارى يوم بدر، فمن عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلا فدية واشترط عليه الا يقاتله، فلما أسر يوم أحد قال: يا محمد امنن علي لبناتي، وأعاهد ألا أقاتلك.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا أدعك تمسح عارضيك( ) بمكة وتقول: خدعت محمدا مرتين.
ثم أمر به فضربت عنقه.
وذكر بعضهم أنه يومئذ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين) ( ).
ونقل ابن كثير عن ابن هشام أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخذ أبا عزة في كتيبة حمراء الأسد قبل رجوعه إلى المدينة ، وهو الصحيح .
الثانية : مسألة قتل أبي عزة وفيها وجوه :
الأول : أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الزبير بقتل أبي عزة.
الثاني : أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عاصم بن ثابت بقتله ، وهو المروي عن سعيد بن المسيب .
الثالث : قتل الإمام علي بن أبي طالب .
الرابع : لم يقتل أبو عزة .
قال ابن جعدبة : برص أبو عزة بعد ما أسن وكانت قريش تكره الأبرص وتخاف العدوى فكانوا لا يؤاكلونه ولا يشاربونه ولا يجالسونه فكبر ذلك عليه فقال الموت خير من هذا فأخذ حديدة وصعد إلى جبل حراء يريد قتل نفسه فطعن بها فى بطنه فضعفت يده لما وجد مسها فمارت الحديدة بن الصفاق والجلد فسال ماء أصفر وذهب ما كان به فقال :
لا هم رب وائل ونهد … والتهمات والجبال الجرد
ورب من يرمى بياض نجد … أصبحت عبدا لك وابن عبد
أبرأتنى من وضح بجلدى … من بعد ما طعنت فى معدى
والمعد موضع رجلي الراكب من الفرس ( ).
ونعته بأنه أسنّ وضعفت يده دليل على تقدمه بالعمر وأنه في زمان يعجز فيه عن قول الشعر وركوب الإبل بين مكة والمدينة.
أما معاوية بن المغيرة بن العاص فقد اسـتأمن له عثمان على ألا يقيم في المدينة أكثر من ثلاثة أيام ، وأنتهت المدة ولم يغادر المدينة فبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم زيد بن حارثة وعمار بن ياسر وقال ستجدانه في مكان كذا وكذا فاقتلاه .
أما ابن هشام فقد نسب خبر هذا القتل إلى القيل (وَيُقَالُ إنّ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَعَمّارَ بْنَ يَاسِرٍ قَتَلَا مُعَاوِيَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بَعْدَ حَمْرَاءِ الْأَسَدِ) ( ).
ولفظ (قيل) تضعيف للخبر ، ولعله لأن ابن إسحاق ذكر خبر قتل أبي عزّة من غير اسناد .
لقد كان أبو عزة وأمثاله من الشعراء يحرضون على الغزو والقتال ، ويدعون للهجوم على المدينة ، ويستهزئون بالتنزيل ، ويحضون على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويجحدون بنبوته لمنع الناس عن دخول الإسلام ، وللتحريض على محاربته ، قال تعالى [الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ] ( ) .
ومن إعجاز القرآن مجئ سورة كاملة باسم سورة الشعراء ، ويبلغ عدد آياتها (227) وعدد كلماتها هو (1322) كلمة بينما يبلغ عدد كلمات سورة آل عمران (3503) كلمة أي أكثر من ضعف كلمات سورة الشعراء مع أن عدد آيات سورة آل عمران أقل إذ تبلغ (200) آية .
وسورة الشعراء ثاني سورة من جهة عدد الآيات بعد سورة البقرة ، نعم تتصف أكثر آياتها بقلة الكلمات .
وهي من سور الطواسين وهي :
الأولى : سورة الشعراء ، والتي تبدأ بقوله تعالى [طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ] ( ).
الثانية : سورة النمل .
الثالثة : سورة القصص [طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ] ( ).
وسميت سور الطواسين لأنها تبدأ ب (طس).
ومع ذم سورة الشعراء للكفار الذين يؤلفون الشعر للتحريض على القتال والغزو ومحاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فانها تضمنت المدح والثناء على الشعراء المؤمنين .
ومن دلائل توثيق شعر أبي عزة ونحوه بيان الأذى الشديد الذي لاقاه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في سبيل الله في بناء صرح الإيمان ، وصبرهم على الأذى ، وتعرض حياتهم للخطر المستمر لقوله تعالى [وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمْ الْغَاوُونَ] ( ) فأراد الله عز وجل أن يقطع هذا الإتباع بفضح هؤلاء الشعراء وإرتقاء الناس في المعارف الإلهية ، فمن خصائص المعجزة أنها تطرد الغواية والغفلة عن الناس , وتزجر عن إتخاذ القتال بلغة وغاية .
نساء المشركين في معركة أحد
لقد جمع المشركون ثلاثة آلاف رجل لقتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهم يعلمون أنه وأصحابه منشغلون بالذكر وأداء الصلوات وتلاوة القرآن مع قلة الموارد وشظف العيش ، فلم يسأل كبار المشركين عن حال المهاجرين والشدة والضيق الذي هم فيه مع أنهم أبناؤهم وإخوانهم ، ولم يرسلوا لهم الإعانة والمدد مع كثرة أموال قريش إنما قاموا بالإستيلاء على أموالهم ودورهم في مكة ، وعدّوها غنائم.
فتلقى النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين هذا الظلم والتعدي بالصبر والدعاء ، ولم يكتف الذين كفروا بهذا الإستيلاء بل زحفوا بالجيوش للقتال في بدر ، ثم معركة أحد بحجة الثأر لخسارتهم في معركة بدر ، وعندما همّوا بالخروج طرحوا مسألة أخذ بعض القادة نساءهم معهم وبعض الجواري ليقمن بالتحريض والتحميس والضرب بالدفوف ومنهم من عارض .
(قَالَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ: اُخْرُجُوا بِالظّعُنِ فَأَنَا أَوّلُ مَنْ فَعَلَ فَإِنّهُ أَقْمَنُ أَنْ يُحْفِظْنَكُمْ وَيُذَكّرْنَكُمْ قَتْلَى بَدْرٍ، فَإِنّ الْعَهْدَ حَدِيثٌ وَنَحْنُ قَوْمٌ مُسْتَمِيتُونَ لَا نُرِيدُ أَنْ نَرْجِعَ إلَى دَارِنَا حَتّى نُدْرِكَ ثَأْرَنَا أَوْ نَمُوتَ دُونَهُ.
فَقَالَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ: أَنَا أَوّلُ مَنْ أَجَابَ إلَى مَا دَعَوْت إلَيْهِ. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ مِثْلَ ذَلِكَ) ( ).
ومشى نوفل بن معاوية الديلمي بينهم محتجاً وغير راض على اخراج الظعن ، وقال يا معشر قريش هذا ليس برأي ، وبيّن أضراره واحتمال تعريض النساء للسبي خاصة وأن هزيمتهم أمر محتمل إستصحابا لواقعة بدر.
فأبى صفوان الإنصات له : فجاء إلى أبي سفيان وكلمه ودعاه إلى المنع من أخذ النسوة معهم ، وسمعت هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان مقالته فصاحت مخاطبة لنوفل بن معاوية [إنّك وَاَللّهِ سَلِمْت يَوْمَ بَدْرٍفَرَجَعْت إلَى نِسَائِك ; نَعَمْ نَخْرُجُ فَنَشْهَدُ الْقِتَالَ فَقَدْ رُدّتْ الْقِيَانُ مِنْ الْجُحْفَةِ فِي سَفَرِهِمْ إلَى بَدْرٍ فَقُتِلَتْ الْأَحِبّةُ يَوْمَئِذٍ.
قَالَ أَبُو سُفْيَانَ لَسْت أُخَالِفُ قُرَيْشًا ; أَنَا رَجُلٌ مِنْهَا ، مَا فَعَلَتْ فَعَلْت . فَخَرَجُوا بِالظّعُنِ] ( ).
تريد التعريض به لهزيمته والتذكير بقتل أبيها وعمها وأخيها في معركة بدر .
وقال الواقدي : أن العباس بن عبد المطلب عندما رآى قريشاً أجمعوا على المسير كتب كتاباً وختمه واستأجر رجلاً من بني غفار ، واشترط عليه أن يقطع المسافة بين مكة والمدينة بثلاثة ليال ، فوصل الى المدينة وقال في الكتاب ( أن قريشاً قد أجمعت المسير إليك فما كنت صانعاً إذا حلوا بك فاصنعه. وقد توجهوا إليك، وهم ثلاثة آلاف، وقادوا مائتي فرس، وفيهم سبعمائة دارع وثلاثة آلاف بعير، وأوعبوا من السلاح.
فقدم الغفاري فلم يجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم بالمدينة ووجده بقباء، فخرج حتى يجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم على باب مسجد قباء يركب حماره، فدفع إليه الكتاب فقرأه عليه أبي بن كعب واستكتم أبياً ما فيه، فدخل منزل سعد بن الربيع فقال: في البيت أحد.
فقال سعد: لا، فتكلم بحاجتك. فأخبره بكتاب العباس بن عبد المطلب.
وجعل سعد يقول: يا رسول الله ، إني لأرجو أن يكون في ذلك خيرٌ، وقد أرجعت يهود المدينة والمنافقون، وقالوا: ما جاء محمداً شيءٌ يحبه. فانصرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم إلى المدينة واستكتم سعداً الخبر.
فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم خرجت امرأة سعد بن الربيع إليه فقالت: ما قال لك رسول الله.
فقال: ما لك ولذلك، لا أم لك؟ قالت: قد كنت أسمع عليك. وأخبرت سعداً الخبر)( ).
لقد أخبرت سعد بما دار من الكلام بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبينه وأن جيوش قريش قادمة يريدون الغزو والقتال ، فاسترجع سعد ، وأخذ زوجته إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأخبره بسماعها لكلامه ، وقال له : يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا تظن اني أفشيت سرك ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : خل سبيلها .
ثم جاء عمرو بن سالم الخزاعي ومعه جماعة من مكة متوجهين إلى المدينة وساروا أربع ليالي ، فوافوا قريشاً وقد عسكروا بذي طوى ، فأخبروا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بزحف جيوش قريش وحلفائهم ، ثم عادوا إلى مكة راجعين ، فمروا على جيوش قريش وهم ببطن رابغ ، ويبعد عن المدينة (273كم).
وعن عبد الله بن عمرو بن أبي حكيمة الأسلمي قال : لما أصبح أبو سفيان بالأبواء أخبر أن عمرو بن سالم وأصحابه راحوا أمس ممسين إلى مكة، فقال أبو سفيان: أحلف بالله أنهم جاءوا محمدا صلى الله عليه وآله وسلم فخبروه بمسيرنا، وحذروه، وأخبروه بعددنا، فهم الآن يلزمون صياصيهم، فما أرانا نصيب منهم شيئاً من وجهنا( ).
والمختار تعدد طرق إخبار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بمسير جيوش قريش من جهات :
الأولى : أنباء استعداد قريش للهجوم من حين عودتهم من معركة بدر ، وكانت المدة بين تلك العودة ومعركة أحد نحو سنة.
الثانية : رسائل التهديد التي تصل من مكة وهي عامة وخاصة من وجوه :
الأول : توجه هذه الرسائل الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وشخصه الكريم ، وهل هذه الرسائل من الأذى الذي ذكره صلى الله عليه وآله وسلم بقوله : ما أوذي نبي مثل ما أوذيت( ).
الجواب نعم ، إذ أنه تخويف وتهديد وهو من مصاديق صد الذين كفروا عن سبيل الله .
ومن الإعجاز في المقام إبتداء سورة محمد بقوله تعالى [الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ]( ).
الثاني : إرهاب المهاجرين مجتمعين ومتفرقين ، وتخويفهم باعادتهم إلى مكة بالوثاق والسلاسل والقيود .
الثالث : بعث أهل مكة أخبار الشباب المسلم الذين سجنوا في البيوت وقيدوا بالحديد خشية هجرتهم ، ولحملهم على ترك الإسلام .
الرابع : تهديد رجالات قريش للأنصار ، واقتران هذا التهديد بالحث على إخراج المهاجرين من المدينة ، ولم ييأس المشركون من هذا الأمر بعد معركة بدر ، لأنهم علّقوا الأماني على هجومهم الكبير في معركة أحد.
الخامس : التهديد الى عموم أهل المدينة من المسلمين واليهود والمنافقين والكفار ففي الطريق الى المعركة تكثر المناجاة وتشتت الهمم في الغالب ، وتتعالى أصوات الوعيد والتحدي .
وقد دخل جماعة منهم الإسلام ، منهم كل من الصحابي :
الأول : عبد الله بن سلام وكان من بني قينقاع .
الثاني : أسد بن كعب القرظي وهو من بني قريظة .
الثالث : أسيد بن كعب القرظي من بني قريظة .
الرابع : يامين بن عمير من بني النضير .
الخامس : أم المؤمنين صفية بنت حي بن أخطب وأبوها حيي بن أخطب ، قال تعالى [وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا]( ).
السابع : ريحانة بنت زيد من بني قريظة ، أسلمت وأرجعها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الى أهلها.
وقال صفوان بن أمية في طريقهم الى معركة أحد بخصوص الأنصار : إن لم يصحروا لنا عمدنا إلى نخل الأوس والخزرج فقطعناه، فتركناهم ولا أموال لهم فلا يجتبرونها أبداً، وإن أصحروا لنا فعددنا أكثر من عددهم وسلاحنا أكثر من سلاحهم، ولنا خيل ولا خيل معهم، ونحن نقاتل على وترٍ عندهم ولا وتر لهم عندنا( ).
لبيان أن الذين كفروا مصرين على محاربة أهل المدينة في أرزاقهم ومعاشاتهم ، وفيه حجة على الذين نافقوا لأن الكفار يريدون الإضرار بهم وبعوائلهم ، وفيه تبكيت وذم لأبي عامر الفاسق الذي خرج من المدينة في خمسين من الأوس ليذهب الى مكة ويحرض على قتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويأتي مع جيش قريش للقتال.
لقد قامت قريش بقطع بعض النخيل ، وإتلاف المزروعات ، وتدل رسائل التهديد على إرادة قريش الهجوم على المدينة.
الثالثة : عودة المعتمرين من مكة ، وهم يحملون أنباء استعداد قريش للقتال، ودقهم لطبول الحرب .
الرابعة : مجئ الركبان بأخبار زحف جيوش قريش ، فالراكب الذين يسير منفرداً يقطع المسافة باسرع من الجيش الجرار ، وان كان جيش المشركين يركبون الإبل ، إذ كان معهم ثلاثة آلاف جمل ، وهو ذات عدد أفراد الجيش .
وكانت النساء اللائي جئن مع جيش المشركين يركبن الإبل بهوادج خاصة بهن , ومن نساء المشركين اللائي حضرن في معركة أحد كما ورد عن ابن إسحاق :
الأولى : هند بنت عتبة خرجت مع زوجها أبي سفيان .
الثانية : أم حكيم بنت الحارث بن هشام خرجت مع زوجها عكرمة بن أبي جهل .
ومن الشواهد على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن أم حكيم أسلمت قبل زوجها عكرمة ، وأستأمنت له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأمنه فلحقته باليمن فردته وأقرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وصفوان على نكاحهما الاول( ).
الثالثة : سلافة بنت سعد مع زوجها طلحة بن أبي طلحة .
الرابعة : ريطة بنت شيبة السهمية مع زوجها عمرو بن العاص وهي والدة عبد الله بن عمرو .
الخامسة : خناس بنت مالك والدة الصحابي مصعب بن عمير أول سفير في الإسلام.
السادسة : عمرة بنت علقمة بن كنانة .
السابعة : برزة بنت مسعود الثقفية خرجت مع زوجها صفوان بن أمية ، وأسلمت برزة يوم حجة الوداع فبايعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , وولدت لصفوان ولده عبد الله الأكبر ويسمى الطويل ، وقتل مع ابن الزبير ، وعندما دخل صفوان بن أمية الإسلام كان عنده ست نسوة وهن :
الأولى :أم وهب بنت أبي أمية بن قيس من العياطلة .
الثانية : فاختة بنت الأسود بن المطلب .
الثالثة : أميمة بنت أبي سفيان بن حرب .
الرابعة : عاتكة بنت المغيرة .
الخامسة : برزة بنت مسعود بن عمرو .
السادسة : بنت ملاعب الأسنة عامر بن مالك , فطلق أم وهب وكانت قد أسنت وفرق الإسلام بينه وبين فاختة بنت الأسود وكان أبوه تزوجها فخلف هو عليها ثم طلق عاتكة في خلافة عمر بن الخطاب) ( ).
وكذا دخل ابو سفيان الإسلام وعنده ست نسوة من أصل سبعة وهن :
الأولى : صفية بنت أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان , وصفية أخت عفان فهي عمة عثمان بن عفان( )، أنجبت له حنظلة وهو بكره قتل كافراً يوم بدر قتله الإمام علي عليه السلام ( )، وكذلك أم المؤمنين أم حبيبة وأميمة.
الثانية : هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان .
وأنجبت له معاوية وعتبة وجويرية وأم الحكم، أسلمت هند (عام الفتح بعد إسلام زوجها أبي سفيان بن حرب فأقرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم على نكاحهما، وكانت امرأة فيما ذكره لها نفس وأنفة، شهدت أحداً كافرة مع زوجها أبي سفيان بن حرب)( ).
الثالثة : أم الحكم زينب بنت نوفل بن خلف بن قوالة بن جذيمة بن علقمة بن فراس بن غنم بن ثعلبة بن مالك بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. وأنجبت له يزيد، وهو من مسلمة الفتح ( استعمله النبي صلى الله عليه وآله وسلم على صدقات بني فراس وكانوا أخواله قاله بن بكار.
وقال أبو عمر: كان أفضل أولاد أبي سفيان وكان يقال له يزيد الخير. وأمه أم الحكم زينب بنت نوفل بن خلف من بني كنانة يكنى أبا خالد. وأمره أبو بكر الصديق لما قفل من الحج سنة اثنتي عشرة أحد أمراء الأجناد وأمره عمر على فلسطين ثم على دمشق لما مات معاذ بن جبل وكان استخلفه فأقره عمر. قال بن مبارك في الزهد: أنبأنا معمر عن بن طاوس عن أبيه قال: رأى عمر يزيد بن أبي سفيان كاشفاً عن بطنه فرأى جلدة رقيقة فرفع عليه الدرة وقال: أجلدة كافر)( ).
الرابعة : عاتكة بنت أبي أزيهر بن أنيس بن الحمق بن مالك بن سعد بن كعب بن الحارث بن عبد الله بن عامر بن يشكر بن مبشر بن صعب بن دهمان بن نصر بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد. (قتل أبوها ببدر كافراً ثم تزوجها أبو سفيان بن حرب فهي والدة ولديه: محمد وعنبسة)( ).
الخامسة :صفية بنت أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. وأنجبت له عمرو وعمر وصخرة وهند وأمينة.
السادسة : أمامة ويقال أميمة بنت سفيان بن وهب بن الأشيم، من بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. وأنجبت له رملة الصغرى ، ( أسلمت أمامة يوم الفتح ويقال بعد ذلك بقليل)( ).
السابعة : لبابة بنت أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. وأنجبت له ميمونة.
وتزوجها عروة بن مسعود الثقفي فولدت له ثم خلف عليها المغيرة بن شعبة الثقفي( ).
وأم حبيبة زوج الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هي بنت أبي سفيان من زوجته صفية بنت أبي العاص .
وقال (ابن سعد وجعلوا على الخيل صفوان بن امية وقيل عمرو بن العاص وعلى الرماة عبد الله بن ابي ربيعة وكانوا مائة وفيهم سبعمائة دارع والظعن خمس عشرة امرأة)( ).
وكان مع نسوة قريش خادمات وجواري وفتيات للضرب على الدفوف بالإضافة الى الخمس عشرة ، وعن الزبير بن العوام والبراء بن عازب إذ رأى المسلمون نساء المشركين (قد رفعن عن سوقهن وبدت خلاخيلهن) ( ).
بينما لم تخرج النساء مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا لمداواة الجرحى مع قلة عدد النساء ، ومن الإذن من الزوج والأب .
(عن حشرج بن زياد الأشجعي، عن جدته أم أبيه: أنها غزت مع النَّبِيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم يوم خيبر سادسة ست نسوة، فبلغ النَّبِيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، فبعث إلينا فقال: ” بإذن من خرجتنّ؟ ” ورأينا فيه الغضب، فقلنا: خرجنا ومعنا دواء نداوي به الجرحى، ونناول السهام، ونسقي السَّويق، ونغزل الشعر، ونعين في سبيل الله.
فقال لنا: ” أقِمْنَ ” . فلما فتح الله عليه خيبر قسم لنا كما قسم للرجال، فقلت: ما كان؟ قالت: تمراً.) ( ).
لقد أحضر المشركون النساء معهم ليضربن بالدفوف ، ويقلن الأشعار التي تبعث الحماسة فيهم على الباطل ، وقد تقدم ذكر شعر هند في حومة الوغى ، وبعض النسوة منهن قاتلت ، وعندما علم المسلمون بأنها امرأة تركوها ، ولم يجهزوا عليها .
لقد أخرج المشركين النساء معهم إلى ميدان المعركة مع قطع مسافة 900 كيلو متر الطريق الملفق للذهاب والإياب من معركة أحد لمحاربة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو شاهد على أصرار الذين كفروا على محاربة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأراده قتله وأصحابه ، فالنساء المشركات يحرضن على القتال والقتل ، ولم تمر خمس سنوات على واقعة أحد حتى فتح مكة فصارت النسوة يقطعن هذا الطريق لأداء مناسك الحج بأمان وفضل من الله عز وجل .
وهل كان ممن حضرت كافرة يوم أحد ثم انتقلت إلى المدينة مسلمة ، وحجت البيت الحرام من المدينة ، الجواب نعم .
وعندما سقط عدد من الصحابة شهداء في معركة أحد توجهت نساء المشركين للتمثيل بهم من جهات :
الأولى : جدع أنوف الشهداء .
الثانية : بقر بطون الشهداء .
الثالثة : تقطيع أذانهم .
وقامت هند بن عتبة زوجة أبي سفيان بقطع كبد حمزة بن عبد المطلب عم النبي وجعلت تلوكه ثم لفظته .
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (لو دخل بطنها لم تدخل النار) ( ).
ولم يستثن أحد من الشهداء من التمثيل إلا غسيل الملائكة حنظلة بن أبي عامر فان أباه كان في صفوف جيش المشركين .
الرابعة : قيام بعض النسوة من المشركين بالقتال ، (قال ابن إسحق وقال ابو دجانة رأيت انسانا يحمش الناس حمشا شديدا فعمدت إليه فلما حملت عليه السيف ولول فاكرمت سيف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أضرب به امرأة.) ( ).
ولما رآى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ما صنع ببدن عمه حمزة توعد بالتمثيل باجساد للمشركين .
وأنزل الله عز وجل [وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ] ( ).
(عن قيس بن سعد بن عبادة قال : لما نظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى حمزة بن عبد المطلب قال : والله لأمثلن بسبعين منهم . فجاءه جبريل بهذه الآية { خذ الغفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين }( ) فقال : يا جبريل ما هذا؟ قال : لا أدري . . . ! ثم عاد فقال : إن الله يأمرك أن تعفو عمن ظلمك ، وتصل من قطعك ، وتعطي من حرمك)( ).
و (عن جابر بن عبد الله لما رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم حمزة قتيلاً بكى فلما رأى ما مثل به شهق.) ( ).
ولم يؤاخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم هند وصويحباتها ، وفي فتح مكة دخلن الإسلام معركة أحد وبايعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
جاء أبو سفيان يوم أحد إلى حملة لواء المشركين وهو من بني عبد الدار فذّكرهم بهزيمة قريش يوم بدر لتحريضهم على الثبات والقتال ، وقال لهم بمرآى ومسمع من أفراد الجيش (يا بنى عبد الدار أنكم قد وليتم لواءنا يوم بدر فأصابنا ما قد رأيتم وانما يؤتى الناس من قبل راياتهم إذا زالت زالوا فاما ان تكفونا لواءنا واما ان تخلوا بيننا وبينه فنكفيكموه فهموا به) ( ).
لقد بيّن أبو سفيان مسألة وهي إذا سقطت الراية أو أنهزم صاحبها انكسر الجيش وصار سقوطها مقدمة لهزيمتهم ، فتحدوه وأرادوا ضربه ، ولكن كان بتحريضه لهم سبباً لقتل حمله اللواء واحداً بعد آخر ، فقد تعاقبوا على اللواء ليخطفهم الموت تباعاً ، ولم ينحصر الأمر بالموت إنما يساقون إلى نار جهنم ، قال تعالى [وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ] ( ) وهؤلاء ماتوا وهم يحاربون النبوة والتنزيل ، وليس الكفر وحده .
لقد حرص بنو عبد الدار على توارثهم لحمل لواء قريش حتى في الباطن ، ولو دخلوا الإسلام وحضروا معركة أحد مسلمين فهل أعطاهم النبي اللواء ، الجواب نعم ، خاصة وأنه كان عند المسلمين يومئذ أكثر من راية .
وتقدم أبو عامر الفاسق إلى وسط الميدان لينادي على الأوس من الصحابة يدعوهم للإلتحاق به إذ حضر مع المشركين يومئذ هو وجماعة ممن خرج معه إلى مكة ، وكان يعد قريشاً بأن قومه وهم الأوس إذا سمعوا بحضوره المعركة لا يتخلفون عليه ، وأنهم سيتركون جيش المسلمين ويلتحقون به .
وعندما علم الأوس بموضعه وحضوره مع جيش المشركين مع أنه كان راهباً ، وعدم إكتفائه بالخروج من المدينة قالوا له (فلا أنعم الله بك عينا يا فاسق) ( ).
ولم يتركهم وشأنهم حينما سمع ردهم وتبكيتهم له ، إنما قام بأمور :
الأول : التعقيب على كلامهم بقوله : لقد أصاب قومي بعدي شر ، اي أنهم تركوا الإنصات والإستماع له ، وما كانوا يحيطونه به من الإكرام ، إنما كانوا يكرمونه لأنه يسمى الراهب فلما ذهب إلى المشركين وخرج معهم لقتال النبي وأهل المدينة سموه الفاسق .
الثاني : قيام أبي عامر برمي المسلمين عامة والأنصار خاصة بالحجارة .
الثالث : القتال إذ قاتل أبو عامر الفاسق قتالاً شديداً .
الرابع : حفر أبو عامر الحفر الكثيرة وغطاها ليقع فيها المسلمون ، وقد وقع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في إحداها .
وذكر أن أبا عامر هذا هو أول من أنشب الحرب بين الفريقين( ) وقامت النسوة من قريش بالضرب على الدفوف والقاء الأشعار لتحريض الجيش على القتال [يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ] ( ) وكانت أشعارهن على قسمين :
الأول : خاصة ، كما في مدحهن بني عبد الدار .
الثاني : عامة لعموم الجيش .
(هَا بَنِي عَبْدِ الدّارْ … وَيْهَا حُمَاةَ الْأَدْبَارْ
ضَرْبًا بِكُلّ بَتّارْ وَتَقُولُ
إنْ تُقْبِلُوا نُعَانِقْ … وَنَفْرِشُ النّمَارِقْ
أَوْ تُدْبِرُوا نُفَارِقْ … فِرَاقَ غَيْرَ وَامِقْ) ( ).
وكان مع جيش المسلمين فاطمة بنت محمد وصفية بنت عبد المطلب وعائشة ، ولكن ليس من ضرب للدفوف ونحوه إنما جئنا للدعاء للسقاء ومداواة الجرحى .

قانون الحمد لله زاجر عن الغزو
لقد جعل الله عز وجل الإنسان [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ) ليعمرها بقول الحمد لله ويكون هذا القول سبباً للرزق الكريم ، وطريقاً للأجر والثواب .
وجاءت آيات القرآن بالأمر بالحمد لله ، قال تعالى [قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلاَمٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى] ( ) .
وهل من موضوعية لقول الحمد لله في هذا الإصطفاء والإجتباء الجواب نعم ، والألف واللام في الحمد للإستغراق وليس للعهد ، فكل المحامد لله ، وهو سبحانه محمود قبل حمد الحامدين ، وهو سبحانه الذي تحمده الخلائق كلها ، ولا تنقطع أسباب وعلل وموضوعات الحمد لله خصوصاًُ وأن قول الحمد لله ذاته يستلزم الحمد والشكر لله عز وجل بلحاظ قانون وهو أن هذا الحمد نعمة من عند الله عز وجل .
وهل قول [الْحَمْدُ لِلَّهِ] ( ) عون على استحداث القول به الجواب نعم ، وهو طريق لترغيب الناس بالحمد ليلحق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فجاءت آيات القرآن بالمتعدد من الحمد لله عز وجل وبالأمر به الذي ورد في القرآن ست مرات ، منها قوله تعالى [قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلاَمٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى] ( ) و[وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ] و[قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ] ( ).
وفي قوله تعالى [التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ] ( ) أي أنهم يحمدون الله في السراء والضراء وعلى كل حال لأن ما عندهم من النعم في كل آن عظيمة وكثيرة حتى في حال العسر , والشدة والضراء .
وبين الحمد والشكر عموم وخصوص مطلق ، فالحمد أعم ، وفي السياحة في الآية أعلاه ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (سياحة أمتي الصوم) وبه قال ابن مسعود وابن عباس ، وقيل هم المهاجرون ، وعن عكرمة هم طلبة العلم ( ).
وكما تلتقي الأكوان والخلائق كلها بأنها من بديع صنع الله ، ولا يقدر على خلقها واستدامة وجودها إلا هو سبحانه فانها تلتقي وتجتمع بالحمد لله والشكر له سبحانه والثناء عليه ، ويجب أن يكون الإنسان إماماً في الحمد لله إذ شرّفه وأكرمه الله عز وجل بأن جعله خليفة في الأرض ، قال تعالى [وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً] ( ) ولم يرد في القرآن لفظ (أحمد الله ) لبيان أن المسلم يسلم بأن الحمد كله لله ، ويقوم بالنطق بالحمد نيابة عن غيره من الناس ، وفيه استدامة للنعم الإلهية على الناس ، والله عز وجل غير محتاج للحمد له سبحانه ، وملكه يريد للعباد شكره كي ينتفعوا من هذا الشكر في النشأتين .
والآيات التي تضمنت [الْحَمْدُ لِلَّهِ] في القرآن كثيرة وهي :
الأولى : [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ]( ).
الثانية : [الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ]( ).
الثالثة : [وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَالِهَٰذَا]( ).
الرابعة : [وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ]( ).
الخامسة:[الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ]( .
السادسة : [هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ]( ).
السابعة : [ وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ]( ).
الثامنة : [الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا]( ).
التاسعة :[فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ]( ).
العاشرة : [وَقَالاَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ]( ).
الحادية عشرة :[قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَىٰ]( ).
الثانية عشرة :[ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا]( ).
الثالثة عشرة:[ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ]( ).
الرابعة عشرة : [قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ]( ).
الخامسة عشرة : [وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ]( ).
السادسة عشرة : [قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ]( ).
السابعة عشرة : [الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ]( ).
الثامنة عشرة : [وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ]( ).
التاسعة عشرة : [الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً]( ).
العشرون : [وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ]( ).
الحادية والعشرون : [هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ]( ).
الثانية والعشرون : [وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ]( ).
الثالثة والعشرون : [وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ]( ).
الرابعة والعشرون : [فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ]( ).
الخامسة والعشرون : [فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ]( ).
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار الحمد له سبحانه ، ولا ينقطع هذا الحمد في أي لحظة ودقيقة من دقائقها وساعاتها ، ومن الإعجاز في المقام موضوعية الحمد في الصلاة من جهات :
الأولى : وجوب قراءة كل مسلم ومسلمة آية [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ]( )، في كل ركعة من ركعات الصلاة .
الثانية : أداء كل مسلم ومسلمة الصلاة الواجبة خمس مرات في اليوم ، وتنبسط الصلاة على آنات الليل والنهار .
الثالثة : إتيان المسلم والمسلمة الصلاة حسب الآيات الكونية اليومية الثابتة من طلوع الفجر ، وزوال الشمس وغروبها والغسق والشفق ، والغسق هو أول ظلمة الليل بعد الغروب ، وهو أول الليل ، قال تعالى [أَقِمْ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا] ( ).
والشفق هو الضوء الذي يظهر من جهة الغرب بعد غروب الشمس ، قال تعالى [فَلاَ أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ] ( ).
الرابعة : ذات أداء الصلاة حمد لله عز وجل ، وتسليم بلزوم الشكر والثناء عليه سبحانه ، لذا لازمت الصلاة الإنسان منذ أول أيام هبوط آدم وحواء إلى الأرض .
ليكون قول الحمد لله سور الموجبة الكلي العبادي وخيمة الأمان التي يجتمع تحت سقفها الناس جميعاً ، فمن يقول الحمد لله لا يَغزو ، ومن يقول الحمد لله لا يُغزى ، ومن يقول الحمد لله ينهى عن الغزو .
وقد بعث الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ليقول العرب والناس الحمد لله رب العالمين أي النطق بالحمد لله مع التسليم بالربوبية المطلقة له سبحانه على الخلائق ، والإقرار بأنه ليس من رب غيره .
ومن معاني تسمية الدنيا (دار الحمد ) أنها دار السعادة والغبطة والسلامة من الآفات والأدران فالحمد لله واقية وعلاج ، وباعث على السكينة ، وهو سنام الذكر ، قال تعالى [أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ] ( ) وأراد الله عز وجل للمسلمين التفقه في الدين والإرتقاء في سلم المعارف الإلهية بتقييد الحمد لله بالإقرار بربويته المطلقة للخلائق كلها بقول [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ] ( ) وصيرورة الحمد لله من الواقع اليومي لكل مسلم ومسلمة ، وتطرد تلاوة الآية أعلاه مفاهيم الشرك والنفاق عن المسلمين ، لقد بعث الله عز وجل الأنبياء لقول الحمد لله فهو منهاج الأنبياء ، وسنة دائمة لهم ، وهو تركتهم في الدنيا .
ومن مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ) عمارة المسلمين الأرض بالحمد لله ، ومن الآيات في المقام تلاوتهم قول [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ] ( ) على نحو الوجوب العيني على كل مسلم ومسلمة ليكون شعار الوحدة والألفة بينهم ، والتذكير بالأخوة الإيمانية بينهم ، والحمد زاجر عن الغزو من جهات :
الأولى : إنه مانع للمسلمين من الغزو لما فيه من الشكر لله على ما عندهم من النعم العظيمة .
الثانية : تطلع المسلمين لدخول الناس الإسلام لأن قول [الْحَمْدُ لِلَّهِ] دعوة إلى الإيمان .
الثالثة : إمتناع المشركين عن غزو المسلمين للإدراك بعدم وجود سبب عقلاني لمثل هذا الغزو ، وهو الأمر الذي انكشف للناس بعد معارك الإسلام الأولى .
الرابعة : إمتناع عامة الناس عن محاربة النبي وأنصاره الذين يواظبون على قول الحمد لله .
لقد نزلت آيات القرآن بذم الذين قعدوا ، ولا يختص هذا الذم بذات القعود إنما يشمل ما اقترن به من قبيح فعلهم [الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ] ( ) إذ جمع هؤلاء المنافقون بين القعود عن الدفاع وعن توجييهم اللوم إلى الشهداء الذين دافعوا عن النبوة والتنزيل وعنهم ، ولم يرد لفظ [َقَعَدُوا] في القرآن إلا في الآية أعلاه .
وكأن الآية بشارة على إنقطاع القعود عن الدفاع وهلاك طائفة من المنافقين وتوبة طائفة أخرى .
وفي قتل الشهداء في حال الدفاع عن النبوة والتنزيل والمدينة حجة على المنافقين وتوبيخ لهم ، ودعوة للناس لعدم الإصغاء لهم.
معجزة عصا موسى
لقد أكرم الله عز وجل موسى عليه السلام بأن تعددت المعجزات التي جرت على يديه ، لتعدد وتباين الأحوال التي مرّ بها إذ صار راعياً في الغنم ، واحتج على فرعون الذي ادعى الربوبية وخاض غمار التحدي مع أساطين السحر , وتولى الإمامة والحكم فيهم ، فكانت هذه العصا عضداً له ، وأنعم الله عز وجل عليه بارتقاء هارون إلى مرتبة النبوة ، وفي التنزيل[وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي]( ).
وعصا موسى عليه السلام أنزلها الله عز وجل من الجنة على آدم لينتفع منها في الأرض وتكون سلاحاً له ، وهي مقدمة لبعثة موسى والتصديق به .
وعن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : كان البيت قبل هبوط آدم ياقوتة من يواقيت الجنة ، وكان له بابان من زمرد أخضر ، باب شرقي وباب غربي ، وفيه قناديل من الجنة ، والبيت المعمور الذي في السماء يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون فيه إلى يوم القيامة حذاء الكعبة الحرام ، وأن الله عز وجل لما أهبط آدم إلى موضع الكعبة وهو مثل الفلك من شدة رعدته .
وأنزل عليه الحجر الأسود وهو يتلألأ كأنه بيضاء فأخذه آدم فضمه إليه استئناساً ، ثم أخذ الله من بني آدم ميثاقهم فجعله في الحجر الأسود .
ثم أنزل على آدم العصا ، ثم قال : يا آدم تخط . فتخطى فإذا هو بأرض الهند ، فمكث هناك ما شاء الله ثم استوحش إلى البيت ، فقيل له : احجج يا آدم . فأقبل يتخطى ، فصار كل موضع قدم قرية وما بين ذلك مفازة حتى قدم مكة ، فلقيته الملائكة فقالوا : بر حجك يا آدم ، لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام . قال : فما كنتم تقولون حوله؟ .
قالوا : كنا نقول : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ، وكان آدم إذا طاف بالبيت قال هؤلاء الكلمات ، وكان آدم يطوف سبعة أسابيع بالنهار( ).
ثم صارت العصا الى موسى عليه السلام سلّمها له جبرئيل وذكر أن شعيباً هو الذي أعطاه هذه العصا لأنها من مواريث الأنبياء ، وكانت العصا تضئ لموسى في الليل وفي النهار يضرب بها الأرض فيخرج له رزقه وطعامه ، وقد ورد في التنزيل [قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى]( ) .
وكان طول عصا موسى عشرة أذرع والذراع من مرفق اليد إلى طرف الأصبع الوسطى ، واختلف في تحديد طوله وفق القياسات الحديثة وهو نحو خمسين سنتمتر .
ومن منافعها :
الأول : كان موسى يتوكأ على عصاه في المشي والوقوف أيضاً ، وهو معنى العموم من قوله [أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا] أي في حال المشي ، وحال الوقوف.
الثاني : كان موسى عليه السلام يخبط بها أغصان الشجر فيتساقط ورقها ، فيناولها غنمه لبيان سعة بركة النبي إذ تنتفه حتى الأنعام منه ومن وجوده وما من نبي إلا وقد عمل راعياً للغنم لبيان قانون وهو أن الغنم التي يرعاها النبي تختلف وتمتاز عن غيرها لتكون بذاتها حجة على الناس وحينما تخبط عصا موسى الشجر فهل تخبطه كأي عصا أم في هذا الخبط معجزة , الجواب هو الثاني من جهات :
الأولى : طول عصا موسى عليه السلام الزائد على الحد ، والذي يستطيع معه ضرب ورق الشجر العالي ، فمن الصعب على الإنسان السيطرة على عصا طولها نحو خمسة أمتار أو أكثر في الضرب إلى الأعلى .
الثانية : تجارب ورق الشجر مع عصا موسى عليه السلام وتساقطه حال مسها له .
الثالثة : سقوط ورق كثير حالما تمر عصا موسى على ورق الشجر .
الرابعة : سقوط الورق الذي تنتفع منه الأغنام بعلفها ، وهل يختص النفع من عصا موسى عليه السلام بغنمه أم أن غنماً وانعاماً أخرى تنتفع منها .
الجواب هو الثاني وهو من بركات النبوة ، فما يتساقط من الورق بعصا موسى عليه السلام ينفع الإنسان والدواب والزواحف وعن الإمام علي عليه السلام : وإن شئت ثنيت بموسى كليم الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ يقول : رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير .
والله ما سأله إلا خبزا يأكله لانه كان يأكل بقلة الارض . ولقد كانت خضرة البقل ترى من شفيف صفاق بطنه ، لهزاله وتشذب لحمه ( ).
وإن شئت ثلثت بداود صلى الله عليه صاحب المزامير وقارئ أهل الجنة ، فلقد كان يعمل سفائف الخوص بيده ( )، ويقول لجلسائه أيكم يكفيني بيعها . ويأكل قرص الشعير من ثمنها ، وإن شئت قلت في عيسى بن مريم عليه السلام ، فلقد كان يتوسد الحجر ويلبس الخشن ويأكل الجشب . وكان إدامه الجوع ، وسراجه بالليل القمر . وظلاله في الشتاء مشارق الارض ومغاربها ( )، وفاكهته وريحانه ما تنبت الارض للبهائم . ولم تكن له زوجة تفتنه ، ولا ولد يحزنه ، ولا مال يلفته ، ولا طمع يذله . دابته رجلاه ، وخادمه يداه .
فتأس( ) بنبيك الاطيب الاطهر صلى الله عليه وآله ، فإن فيه أسوة لمن تأسى ، وعزاء لمن تعزى وأحب العباد إلى الله المتأسي بنبيه والمقتص لاثره . قضم الدنيا قضما ( ) ، ولم يعرها طرفا . أهضم أهل الدنيا كشحا( )، وأخمصهم من الدنيا بطنا . عرضت عليه الدنيا فأبى أن يقبلها .
وعلم أن الله سبحانه أبغض شيئا فأبغضه ، وحقر شيئا فحقره ، وصغر شيئا فصغره( ).
الخامسة : ما يتساقط بسبب عصا موسى أعم من الورق ، إذ تسقط الثمار من الأشجار البرية غير المملوكة لأحد .
السادسة : رؤية الرعاة والناس لمعجزة موسى عليه السلام في عصاه ، وادراكهم لقاعدة وهي أن عصا موسى أمر خارق للعادة .
الثالث : إذا ابتعدت بعض غنمات موسى عليه السلام عن القطيع مدّ عصاه فاعادتها إلى القطيع باذن الله عز وجل.
لقد صار موسى راعياً عند النبي شعيب ، وهذا الرعي مهر لنكاح موسى لابنة شعيب كما في قوله تعالى [قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّالِحِينَ]( )، وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال : إِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ أَجَّرَ نَفْسَهُ بِعِفَّةِ، فَرْجِهِ وَطُعْمَةِ بَطْنِهِ ( ). لتكون عصا موسى عليه السلام وسيلة مباركة لحفظ غنم شعيب لأمانة شرعية عنده .
الرابع : إذا هجم سبع أو ذئب على غنم موسى عليه السلام تحاربه عصا موسى وتطرده عنها ، وقد تقاتله ، ليكون فعلها هذا مقدمة وباعث للطمأنينه عند موسى في لقاء الإحتجاج العملي مع سحرة فرعون ، ومع هذا فحينما القوا حبالهم وعصيهم [فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى]( )، إذ ملأ السحرة جوف العصي بالزئبق فصارت مع أشعة الشمس تتحرك وتضظرب وكأنها تقفز باختيارها ، وكان عدد السحرة كثيراً ، ومنظرهم مهيباً فصار الوادي وكأنه مملوء بالحيات ، مع انجذاب عامة الناس الحضور لهم ، بدليل مناجاة الناس بالميل الى السحرة قبل اللقاء كما في قوله تعالى [لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمْ الْغَالِبِينَ]( ).
ومن منافع تجلي المعجزات في عصا موسى عليه السلام تعيين يوم اللقاء بانه يوم عيد وقعود الناس عن الأعمال [قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى]( ).
الخامس : سير غنم موسى بانتظام ونسق بما يبهر الناس ، في غدوها وعودتها .
السادس : بعث الطمأنينة في نفس شعيب وعياله لسلامة مالهم ، وصيرورته في حرز وأمان بآية من عند الله عز وجل .
السابع : دلالة عصا موسى عليه السلام على معجزة وهي غنى الأنبياء عن القتال والغزو ، إذ تؤدي المعجزة وظائف عظيمة تعجز السيوف عن تحقيقها ، بالإضافة إلى مسألة وهي أن المعجزة برهان يهدي الناس إلى الإيمان من غير سفك للدماء وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( )، في احتجاج الله عز وجل على الملائكة حينما تساءلوا عن عمارة الإنسان في الأرض مع سفكه الدماء.
فان قلت قد جاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالمعجزة العقلية والحسية ، ومع هذا وقعت المعارك وسالت الدماء ، بينه وبين كفار قريش فكيف تكون المعجزة هادياً الى الله عز وجل من غير قتال .
والجواب من جهات :
الأولى : المشركون هم الذين اختاروا القتال ، وأصروا على الهجوم والغزو .
الثانية : كان المشركون هم الذين يجهزون الجيوش ويقومون بالغزو ، ويحددون موضع القتال .
الثالثة : لا يبدأ القتال في كل معركة إلا المشركون .
الرابعة : انحسار المعارك بين المسلمين والمشركين بفتح مكة ، ودخول الناس الإسلام ، لينقطع سفك الدماء والغزو والوأد ونحوه ، وهل الوأد من عمومات قوله تعالى [يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ]( )، الجواب نعم ، فالوأد من الفساد العام ، ومن سفك الدماء والقتل والدفن بغير الحق للأبناء ، قال تعالى [وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاَقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا]( ).
الثامن : من خصائص عصا موسى عليه السلام أنها كانت تماشي موسى عليه السلام وكأنها صاحب له ، وتحادثه في الطريق وفي البيداء .
وروي عن ابن عباس : أنها كانت تماشيه وتحدثه ( )، الحديث من تأديب الله عز وجل لموسى عليه السلام ، وقد ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : أدبني ربي فاحسن تأديب( ).
لقد هرب موسى عليه السلام من آل فرعون ، وصار راعياً في غنم شعيب فأراد الله عز وجل أن يزيل وحشته ويخفف عنه ، ويبين إكرامه له ، وهل حديث العصا مع موسى عليه السلام مقدمة لكلام الله عز وجل معه ، الجواب لا دليل عليه.
التاسع : كان لعصا موسى عليه السلام رأسان يتشعبان عنها ، ولها محجن ، فيضرب ثمر أو غصن الشجرة بالمحجن ، فاذا أراد أن يكسره لواه بالشعبتين .
قال وهب : كانت ذا شعبتين ( ومحجن ، فإذا طلبَ ثمرَ الشجرة جناه بالمحجن ، فإذا حاول كسره لواه بالشعبتين ) . فإذا سارَ وضعهَا على عاتقه يعلق عليها أداته من القوس والكنانة والثياب ، وإذا كان في البرية ركزها وألقى عليها كساء فكان ظلاً .
العاشر : كانَ في عصا موسى من المعجزات أنه كان يستقي بها فتطولُ طولَ البئر ، وتصير شعبتاها دلواً ، ويصيران شمعتين في الليل .
الحادي عشر : إذا ظهر عدو لموسى حاربت العصا عنه ، وإذا اشتهى ثمرة ركزها فأورقت وأثمرت .
الثاني عشر : كان موسى يحمل عليها زاده وماءه .
الثالث عشر : كانت يابسة ويركزها فينبع الماء ، وإذا رفعها نضب .
الرابع عشر : كانت العصا تقي موسى الهوام قال مقاتل : كان اسمها نبعة( ). وهل كان هارون وبني إسرائيل ينتفعون من عصا موسى , الجواب نعم .
وفي السكينة التي كانت عند بني إسرائيل ورد أن لها رأسين ، قال تعالى [وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلاَئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ]( ) .
وصحيح أن الآية أعلاه وردت في قصة طالوت ، إلا أن السكينة سابقة له ، وهي مما أعطاه الله لموسى عليه السلام ، وهو المروي عن ابن عباس( ).
الخامس عشر : كان موسى يثبت عصاه في الأرض ، ويعلق عليها أحماله وقوسه وسهامه ، وكان يستظل بها من حرارة الشمس إذ يلقي كساءه على شعبتيها .
فن قيل من خصائص العصا أنها غير سميكة ، ولا تصلح للظل ، والجواب يتسع ظلها بمعجزة من عند الله عز وجل كما أن ما يعلق عليها موسى يكون ظلاً له .
السسادس عشر : يضئ رأس العصا في الليل ، وهذه الإضاءة ليست كالمصباح إنما يكونا كالشمع في إنارته لتأكيد المعجزة ، وطرد الوحشة عن موسى ، وليناجي ربه ويشكره على هذه النعمة المصاحبة له ، فمن خصائص المعجزة والنعمة الظاهرة الإنقطاع الى الشكر لله عز وجل ودفع الغفلة .
السابع عشر : قد يعطش موسى في الصحراء فيغرس عصاه في الأرض لينبع منها الماء باذن الله واذا رفعها موسى نضب الماء وليكون هذا النبع مقدمة لسقي بني اسرائيل منها في التيه .
وفي التنزيل [فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ]( )، فلا يضطر بنو اسرائيل لخصومة أو قتال على الطعام والشراب والسقي انما كان يأتيهم رزقهم من عند الله وينزل عليهم المن والسلوى من السماء .
الثامن عشر : تدفع عصا موسى عنه هوام الأرض والحشرات والعقارب والأفاعي ، تلك الهوام التي تملأ الصحراء .
التاسع عشر : عندما خرج موسى عليه السلام ببني اسرائيل هروباً من فرعون ، ووصلوا الى ساحل البحر ، وعددهم ستمائة الف ، لحق بهم فرعون ومعه مليون وستمائة ألف مقاتل حتى صاروا قريبين منهم ، أوحى الله الى موسى أن يضرب البحر بعصاه ، فضربه فانفلق اثني عشر فرقاً ليدخل كل سبط في فرق منه ، وفرعون وجنوده ينظرون لهذه المعجزة فلم يتعظوا منها ، إنما سعوا لاقتحام البحر طلباً لهم , وإرادة قتل موسى وأصحابه , فغرق فرعون وجنوده جميعاً ، قال تعالى [وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمْ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ]( ) , وهذا الغرق جزاء الذي يدّعي الربوبية .
ولو أعلن فرعون وجنوده إسلامهم ثم اقتحموا البحر خلف موسى لاخباره عن اسلامهم , فهل يغرقون أم لا ، الجواب هو الثاني ، فاذا تبدل الموضوع تغير الحكم.
وهناك مسألتان :
الأولى : هل كانت معجزة العصا واقية من القتال والغزو .
الثانية : هل كان لعصا موسى عليه السلام نفع في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم والسلامة من القتال والغزو .
أما المسألة الأولى فالجواب نعم ، إذ أن العصا المعجزة تبعث الخوف والفزع في قلوب أعداء موسى والذين صدقوا برسالته وكانت واقية له من الأعداء إلى أن عاد إلى مصر وقام بالإحتجاج على فرعون ، واخراجه بني اسرائيل منها.
لقد صار فرعون وجنوده على مقربة من بني إسرائيل ، وتراءى الجمعان وابصر بنو اسرائيل رهج وحركة الخيل من خلفهم.
لقد خرج بنو إسرائيل في الليل خفية عن القبط ومع أن فرعون وجنوده من القبط خرجوا خلفهم بعد شروق الشمس لقوله تعالى [فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ]( ) .
لقد أدركوهم لسرعة خيل فرعون وجنوده ، وكان على مقدمته هامان فاصاب الخوف بني اسرائيل [قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ]( )، فاجابهم موسى عليه السلام [كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِي]( )، ليتماسك ويطمئن بنو اسرائيل .
وكان مؤمن آل فرعون مع موسى عليه السلام فسأله : أين أمرت ، قال موسى : البحر ، فاراد أن يقتحم البحر فمنعه موسى لموضوعية المعجزة والحاجة إليها في المقام ، فكيف يعبر ستمائة ألف بحر القلزم ، وهو الذي يسمى في هذه الأزمنة البحر الأحمر ، وكان على المقدمة هارون النبي ، أما موسى عليه السلام فكان في الساقة أي المؤخرة فان قلت إن الضعاف ونحوهم في الساقة ، الجواب الموضوع مختلف ، وفيه وجوه :
الأول : كان موسى عليه السلام يرقب قدوم جيوش فرعون .
الثاني : قيام هارون عليه السلام بحث المؤخرة على الأسراع.
الثالث : منع دبيب الوهن والفزع إلى مؤخرة صفوف بني إسرائيل عند رؤية جيش فرعون وهم يقتربون منهم بخيولهم وهم يعلمون شدتهم وقسوتهم ، وظلمهم واضطهادهم لهم وهم يقومون بخدمتهم وأعمال الزراعة والفلاحة والصناعة لهم ، فكيف وقد هربوا منهم في الليل البهيم وذكر أن القمر خسف تلك الليل , وقد يصيب القنوط بعض بني اسرائيل عند رؤية جيش فرعون خلفهم خاصة الكبار الذين لا يقدرون على العدو السريع , وقد يوجه بعضهم اللوم إلى موسى , وفي التنزيل [قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ]( ).
وتقدم هارون فضرب البحر ، فقال البحر : من هذا الجبار الذي ضربني ، حتى وصل موسى عليه السلام إلى البحر ، وضربه بعصاه عندئذ استجاب البحر[فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ]( )، ليعبر بنو اسرائيل ويتجنبوا القتل والقتال ، فقد هربوا بدينهم ، وكانت العصا آية وسبباً لنجاتهم .
ورآى فرعون وجنوده البحر كيف ينشق وتكون فيه الطرق اليابسة ويتراكم الماء على جنباتها ، وكان الأولى بهم التسليم بالمعجزة والإيمان لموسى بنبوته خاصة وأن الآيات كانت تترى على يديه وهو في مصر ، ويراها فرعون وقومه ولكنهم أصروا على الكفر خاصة وأن فرعون كان يدعي الربوبية ، وقال فرعون إنفلق البحر من أجلي , فلا يرضى أن يكون تابعاً لموسى وهو من بني اسرائيل الذين سخّرهم فرعون وقومه لخدمتهم ، مع أن هذا الإيمان لا يتعارض أو يتزاحم مع ملك وسلطان فرعون ، إذ يبقى فرعون في ملكه ، وقد صارت شواهد منه في بني إسرائيل إذ صار طالوت ملكاً على بني إسرائيل باختيار نبي الزمان آنذاك.
حينما رأى فرعون البحر كيف انفلق (قال : ألا ترون إلى البحر منفلقاً قد فرق مني ، فانفتح لي حتى أدرك أعدائي فاقتلهم ، فلما قام فرعون على أفواه الطرق أبت خيله أن تقتحم ، فنزل على ماذيانة ، فشامت الحصن ريح الماذيانة فاقتحمت في أثرها حتى إذا هم أولهم أن يخرج ودخل آخرهم . أمر الله البحر أن يأخذهم ، فالتطم عليهم وتفرد جبريل بفرعون يمقله من مقل البحر ، فجعل يدسها في فيه)( ).
وهل كانت معجزة العصا سبباً بهلاك هذا العدد الكبير من جيش فرعون , الجواب لا ، إنما كانت سبباً لنجاة موسى والمؤمنين برسالته ليحفظ الله عز وجل أمة مؤمنة في الأرض ولكن فرعون وأصحابه هم الذين اختاروا الموت غرقاً ، وكان بهذا الموت فرع إدعاء فرعون الربوبية وعدم قيام الملأ من قومه واتباعه بتكذيبه ووعظه ونهيه ، خاصة مع قيام الحجة عليهم بتوالي المعجزات على يد موسى عليه السلام وعدم انحصارها بالعصا فقد رزق الله [تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ]( )، وهي :
الأولى : عصا موسى .
الثانية : يد موسى ، قال تعالى [وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى]( )، إذ كان موسى آدم اللوم أي يميل إلى السمرة ، فاخرج يده من مدرعته وإذا هي بيضاء لها شعاع سالمة من البرص ونحوه.
الثالثة : فلق البحر .
الرابعة : الطمسة ، كما ورد في التنزيل [رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الأَلِيمَ]( ).
الخامسة : الطوفان ، قال تعالى [فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ]( )، وهو مطر شديد متصل مع فيضان نهر النيل ، وهدم بيوت قوم فرعون ، وتعطيل الزراعة ، وذكر (أنهم مطروا ثمانية أيام في ظلمة شديدة لا يرون شمساً ولا قمراً ، ولا يقدر أحدهم أن يخرج من داره . وقيل : أرسل الله عليهم السماء حتى كادوا يهلكون ، وبيوت بني إسرائيل وبيوت القبط مشتبكة ، فامتلأت بيوت القبط ماء حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم ، فمن جلس غرق ، ولم تدخل بيوت بني إسرائيل قطرة ، وفاض الماء على وجه أرضهم وركد فمنعهم من الحرث والبناء والتصرف ، ودام عليهم سبعة أيام . وعن أبي قلابة : الطوفان الجدري ، وهو أوّل عذاب وقع فيهم ، فبقي في الأرض . وقيل : هو المُوتان وقيل : الطاعون ، فقالوا لموسى : ادع لنا ربك يكشف عنا ونحن نؤمن بك ، فدعا فرفع عنهم ، فما آمنوا ، فنبت لهم تلك السنة من الكلأ والزرع ما لم يعهد بمثله ، فأقاموا شهراً ، فبعث الله عليهم الجراد فأكلت عامة زروعهم وثمارهم ، ثم أكلت كل شيء حتى الأبواب وسقوف البيوت والثياب ولم يدخل بيوت بني إسرائيل منها شيء ، ففزعوا إلى موسى ووعدوه التوبة ، فكشف عنهم بعد سبعة أيام : خرج موسى عليه السلام إلى الفضاء فأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب ، فرجع الجراد إلى النواحي التي جاء منها .
فقالوا : ما نحن بتاركي ديننا ، فأقاموا شهراً ، فسلَّط الله عليهم القمل وهو الحمنان في قول أبي عبيدة كبار القردان .
وقيل : الدبا ، وهو أولاد الجراد . وقبل نبات أجنحتها . وقيل : البراغيث .
وعن سعيد بن جبير : السوس ، فأكل ما أبقاه الجراد ، ولحس الأرض ، وكان يدخل بين ثوب أحدهم وبين جلده فيمصُّه ، وكان يأكل أحدهم طعاماً فيمتلىء قملاً ، وكان يخرج أحدهم عشرة أجربة إلى الرحى فلا يرد منها إلا يسيراً( ).
السادسة : الجراد ، إذ جاءت أفواج منه ، فصارت تأكل زروع وثمار آل فرعون ، وتقرض الأبواب وسقوف البيوت ، والثياب .
السابعة : القُمل , وقيل هو البراغيث ، وقيل السوس , والمراد القُمل ، بفتح القاف والمفرد قملة وهي الحشرة المعروفة تدخل في الثياب والشعر .
الثامنة : الضفادع ، إذ تكاثرت ، وخرجت من النهر ، وصارت في الأفرشة والأواني ، وإذ تكلم أحدهم قفز الضفدع في فيه ، قال تعالى [وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ]( ).
التاسعة : الدم ، بصيرورة الماء بالنسبة للقبطي دماً ، فاذا ملأ إناءه من البئر صار دماً ، بخلاف الإسرائيلي إذ يخرج له ماء لبيان حاجة آل فرعون من بني اسرائيل ، ولزوم إكرامهم ، وعدم التعدي عليهم وقتلهم.
لقد تجلت المعجزات على يد موسى عليه السلام ، وظهرت الآيات لآل فرعون لتكون مناسبة لإيمانهم وإشاعة كلمة التوحيد في مصر ، ولكنهم استكبروا فأمهلهم الله عز وجل ولكن عندما خرجوا من بلدهم للحوق بموسى وصلوا البحر ورأوا معجزة أخرى وكأنها إنذار أخير لهم ودعوة لهم للإيمان ، أو لا أقل الرجوع إلى بلدهم والكف عن بني اسرائيل إذ أنقذهم الله بمعجزة انفلاق البحر وصيرورة الطرق اليابسة فيه ، ولكن فرعون وملئه كانوا بحاجة الى بني اسرائيل ، إذ كانوا يقومون بأعمال الخدمة في البيوت والفلاحة في المزارع ، والصناعات ، وكبر عليهم أن يغادروا مصر جميعاً وفي حال من العز والشأن والإتحاد , وتجلي إمامة موسى عليه السلام الذي تربى في بيت فرعون نفسه .
ولما اقتحم فرعون وجنوده البحر هلكوا جميعاً لتبقى نساؤهم أرامل ، وكثير منهن تزوجن العبيد واشترطن عليهم أن لا يبرموا عقداً أو صفقة إلا باذن منهن .
وأما المسألة الثانية وهي هل كان لعصا موسى نفع في نبوة محمد وأيام بعثته الجواب نعم ، فقد كان هلاك فرعون وأكثر من مليون من جنوده مقدمة لفتح المسلمين مصر من غير قتال يذكر قال تعالى في أولاد يعقوب عليه السلام [ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ]( )، لتكون هذه الآية بشارة اسلام أهل مصر ، وإقامة الصلاة والشعائر فيها إلى يوم القيامة، ونزل القرآن بالتأكيد على معجزة العصا وفيه شاهد على ملازمة المعجزة للنبوة ، وبيان قانون وهو (ما من نبي إلا وعنده معجزة ) .
فيترشح عن ذكر القرآن لمعجزة العصا السؤال من الناس عن معجزة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ثم أن القرآن ذكر المعجزات المتعددة لموسى عليه السلام وتفرع المعجزات عن معجزة العصا مما يدل على لزوم جريان المعجزات على يد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كبلغة ووسيلة لتصديق الناس بنبوته ، وإمتناعهم عن نصرة الذين كفروا في حربهم وقتالهم له ، فانعم الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالمعجزة العقلية والحسية ، وصاحبته المعجزات في مكة وفي طريق الهجرة ، وعند إقامته في المدينة ، وكان لفتح مكة معجزات مستقلة بها ، خصوصاً وأن كل آية قرآنية معجزة ومنها ما تتضمن الإشارة والبيان والتأكيد والتوثيق للمعجزة الحسية ، ويبين انتفاع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من معجزة عصا موسى قانوناً وهو أن معجزات الأنبياء ثروة وكنز سماوي ينتفع منها النبي صاحب المعجزة والأنبياء والرسل الذين يأتون من بعده ، لذا كان النبي السابق يبشر بالرسول اللاحق قال تعالى [كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ]( ).
اختتام النبي (ص) لمعركة أحد بقول(الحمد لله)
من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحسية مصاحبة قول (الحمد لله) له في العبادة والنسك وفي النوافل والمعاملات ، وفي الصلات العامة , ومن خصائص الأنبياء عشقهم لقول ( الحمد لله) وإدراكهم , لقانون وهو توالي النعم بقول الحمد لله سبحانه.
ولقد فرض الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأمته الصلاة خمس مرات في اليوم وتتألف الصلاة من عدد من الركعات ، ومجموع ركعات الصلاة اليومية سبع عشرة ركعة ، وفي كل ركعة يجب على كل مسلم ومسلمة قول [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ]( )، وبصيغة القرآنية وتمام الخشوع والخضوع لله عز وجل أثناء الصلاة .
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : نزل عليى جبريل فقال إن خير الدعاء أن تقول في الصلاة اللهم لك الحمد كله ولك الخلق كله وإليك يرجع الأمر كله أسألك من الخير كله وأعوذ بك من الشر كله( ).
ودخل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه معركة أحد مضطرين مدافعين عن النفوس والملة والأعراض فسقط منهم سبعون شهيداً.
وانسحب جيش المشركين من ميدان المعركة فقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم حينئذ بجمع أصحابه ، وتوجه مع شدة جراحاته بالدعاء والحمد لله عز وجل لبيان الشكر له تعالى في السراء والضراء والتسليم والرضا بما أصاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين من الأذى والخسارة الفادحة .
وعن عبيدة بن رفاعة الزرقي عن أبيه قال : لما كان يوم أحد انكفأ المشركون قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استعدوا حتى أثني على ربي فصاروا خلفه صفوفا فقال اللهم لك الحمد كله لا قابض لما بسطت ولا باسط لما قبضت ولا هادي لمن أضللت ولا مضل لما هديت ولا معطي لما منعت ولا مانع لما أعطيت ولا مقرب لما باعدت ولا مباعد لما قربت اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول اللهم إني أسألك النعيم يوم العلية والامن يوم الخوف اللهم عائذ بك من شر ما أعطيتنا وشر ما منعتنا اللهم حبب إلينا الايمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين اللهم توفنا مسلمين وأحينا مسلمين وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك ويصدون عن سبيلك واجعل عليهم رجزك وعذابك إله الحق آمين ( ).
دراسة مقارنة بين معركة بدر ومعركة أحد
تحتمل النسبة بين معركة بدر ومعركة أحد وجوهاً :
الأول : التساوي بين المعركتين .
الثاني : نسبة العموم والخصوص المطلق ، وهو على شعبتين :
الأولى : معركة بدر أعم وأوسع من معركة أحد .
الثانية : معركة أحد أعم وأوسع من معركة بدر .
الثالث : نسبة العموم والخصوص من وجه ، أي هناك مادة للإلتقاء وأخرى للأفتراق بين المعركتين.
الرابع : نسبة التباين بين المعركتين .
والصحيح هو الوجه الثالث أعلاه ، خاصة مع التباين الزماني بينهما :
مادة الإلتقاء : وهي من وجوه :
الأول : قيام المشركين بالغزو في كل من المعركتين .
الثاني : إبتداء المشركين بالقتال فيها .
الثالث : جيش المشركين أكثر من ثلاثة أضعاف جيش المسلمين.
الرابع : حصول كل من المعركتين في شهر من أشهر الحل وليس في شهر حرام قال تعالى [إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ]( ).
الخامس : خروج المشركين للقتال من مكة ، وخروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من المدينة ، لبيان فضل المدينة في إصلاح المسلمين لهيئة الجيش ، وتلقيهم التدريب على الرماية واستعمال السلاح فيها .
السادس : خيل المشركين أضعاف خيل المسلمين وقد يصل إلى نسبة فرس واحد عند المسلمين مقابل مائة عند المشركين .
السابع : الإبل التي جاء بها المشركون للمعركة أضعاف إبل المسلمين.
الثامن : ذكر كل من المعركتين بقوله تعالى [يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ]( )، إذ وردت هذه الآية في سورة الأنفال بخصوص معركة بدر، وردت في سورة آل عمران مرتين بخصوص معركة أحد( ).
التاسع : حضور النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كل من المعركتين إماماً وقائداً .
العاشر : طلب المشركين المبارزة ، واصرارهم عليها .
الحادي عشر : كل من المعركتين خارج المدينة ، بينما حاصر المشركون المدينة في معركة الخندق .
الثاني عشر : إنتفاء السبب للقتال وسفك الدماء إلا إصرار الكفار على التعدي والهجوم ومخاربة النبوة والمؤمنين ، قال تعالى [وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ]( ).
الثالث عشر : سقوط قتلى من الفريقين .
الرابع عشر : وقوع أسرى من المشركين بيد المسلمين .
الخامس عشر : قتال المسلمين دفاعاً عن الإسلام وقتال المشركين أتباعاً للهوى والشيطان .
السادس عشر : أمر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه بأن لا يبدأوا القتال أو الرمي .
السابع عشر : نداء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في كل من المعركتين قولوا لا اله الا الله تفلحوا .
بحث منطقي فقهي النسب الأربعة
علم المنطق : هو آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ ، أي أنه من العلوم التي تتألف من قوانين وأسس وضوابط وقواعد عامة ، وهو العلم الذي يدرس القواعد والقوانين العامة للتفكر والتدبر وانتهاج القول والفعل الصحيح .
وقد تجلى علم المنطق ساعة خلق آدم إذ رزقه الله العقل ، وقد جاءت الكتب السماوية بعلم المنطق وان قيل أن ارسطوا أول من اسسه.
ومن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم قول كل مسلم ومسلمة كل يوم وعلى نحو الوجوب العيني في الصلاة [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( )، وحينما يعمل الإنسان نكره فقد يهتدي للأحسن والأقوم أولا يهتدي ، فتفضل الله عز وجل وهدى المسلمين للجوء اليه سبحانه وسؤال الهداية منه سبحانه ، بتلاوة القرآن.
من مباحث علم المنطق النسب الأربعة وهي نوع التشابه والتداخل والرابطة بين كليين عند المقارنة أو القياس بين مصاديق وأفراد كل منهما.
وتنحصر حال الربط أو التفرق بينها بلحاظ المصداق إلى أربع نسب وهي :
الأولى : التساوي : إذ يتطابق الكليان من ناحية المصاديق ، وان تباينت في الاسم فالمدار على المسمى ، وتكون جميع أفراد الكلي الأول موافقة ومطابقة لأفراد الكلي الثاني فيصدق على الكليين أنهما متساويان لتساوي مصاديقهما.
مثل النبي والخلافة في الأرض ، وفصول الأذان في الصلوات الخمسة وان كانت النسبة بين ذات الصلوات العموم والخصوص من وجه.
ومثل الإنسان والبائع والإنسان والمشتري ، والإنسان والضاحك ، وقد لا تكون نسبة التساوي بين الكليين في المقام تامة إلا على نحو التقريب ، فلا يكون الإنسان دائماً بائعاً أو مشترياً أو ضاحكاً ، أو باكياً ، ولكن المراد إجتماع الصفتين بكلي متحد .
الثانية : نسبة العموم والخصوص المطلق أو مطلقاً ، إذ تنطبق مصاديق أحد الكليين على الآخر دون العكس كما في الأهلة وهلال رمضان ، إذ تنطبق مصاديق هلال شهر رمضان على الأهلة دون العكس فلا تنطبق مصاديق الأهلة على هلال رمضان ، فهناك هلال رجب وشعبان وشوال وذي القعدة وذي الحجة وغيرها من الشهور قال تعالى[الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ]( )، وقد ورد قوله تعالى [فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ]( )، لخصوص إطلالة هلال شهر رمضان أما الأهلة فمصاديقها أعم قال تعالى [يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ]( ).
فكل هلال شهر رمضان هو هلال وليس العكس فأحد عشر هلالاً في السنة ليسن أهلة لشهر رمضان ، ومثل الحيوان والطير فان مصاديق الطير تنطبق على مفهوم الحيوان وليس العكس ، وكذا بالنسبة لأنواع الطيور بالنسبة لجنس الطير ، فجنس الطير أعم.
ومنه النسبة بين الأنبياء والرسل ، فكل رسول هو نبي ، وليس العكس ، إذ أن الأنبياء أكثر عدداً ، ولا يكون الرسول رسولاً إلا بعد نيل مرتبة النبوة ، وفي التنزيل [وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ]( ).
وبخصوص كثرة عدد الأنبياء وقلة عدد الرسل منهم ورد (عن أبي ذر قال : قلت : يا رسول الله كم الأنبياء؟ قال : مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألفاً . قلت : يا رسول الله كم الرسل منهم ، قال : ثلثمائة وثلاثة عشر جم غفير . قال : يا أبا ذر أربعة سريانيون : آدم، وشيث ، ونوح ، وخنوخ وهو إدريس ، وهو أوّل من خط بقلم ، وأربعة من العرب : هود ، وصالح ، وشعيب ، ونبيك ، وأوّل نبي من أنبياء بني إسرائيل موسى ، وآخرهم عيسى ، وأوّل النبيين آدم ، وآخرهم نبيك)( ).
وقد يرد لفظ النبي ويراد منه الرسول ، فالتفريق بين الأنبياء والرسل ليس مطرداً في كل حال ، إنما يكون من وجوه :
الأول : عند إجتماع النبي والرسول كما في دعاء موسى عليه السلام الذي ورد في التنزيل [وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا * قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى]( )، وتتجلى الإستجابة بقوله تعالى [وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا]( )، وقوله تعالى [وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا]( )، ومع أن هارون نبي وليس رسولاً فقد ورد بصفة الرسالة الخاصة الى فرعون بقوله تعالى [فَأْتِيَاهُ فَقُولاَ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلاَمُ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى]( )، وذات نسبة العموم والخصوص المطلق بين الرسل والرسل أولي العزم وهم خمسة :
الأول : نوح عليه السلام .
الثاني : ابراهيم عليه السلام .
الثالث : موسى عليه السلام .
الرابع : عيسى عليه السلام .
الخامس : محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
قال تعالى [وَإِذْ أَخَذْنَا مِنْ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ]( )، وقال تعالى [فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ وَلاَ تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلاَغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ]( ).
والعزم لغة القصد الواضح ، وعقد النية نحو غاية جلية وإرادة السعي بثبات نحو غاية بينّة ، ترى ما هي النسبة بين معجزات الأنبياء السابقين وبين معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يحتمل الجواب وجوهاً :
الأول : نسبة التساوي ، فما جاءت الأنبياء من معجزات جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني : نسبة العموم والخصوص المطلق ، وهو على شعبتين :
الأولى : ما جاء به الأنبياء من المعجزات أعم مما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : المعجزات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أكثر وأعم .
الثالث : نسبة العموم والخصوص من وجه ، فهناك مادة للإلتقاء مثل معجزة الوحي وأخرى للإفتراق بين معجزات الأنبياء ومعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مثل المعجزات العقلية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
والمختار هو الشعبة الثانية من الوجه الثاني أعلاه.
فقد كانت معجزات الأنبياء حسية ، أما معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فهي عقلية وحسية وكل آية قرآنية هي معجزة عقلية في مضمونها القدسي ودلالتها وخلودها ، وكذا من إعجاز القرآن الصلة بين كل آيتين منه ، ومت تستقرأ من النسبة بينهما من جهة الموضوع والحكم وهو باعث على التفقه في الدين ، ومرآة للغوص في ذخائر القرآن ، وبيان أن التنزيل هو أصل العلوم وأن القرآن آله سماوية تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ وتمنع من الزلل ، ولو دار الأمر من جهة الأثر والتأثير بين الآية القرآنية والقاعدة المنطقية ، يكون الرجحان للآية القرآنية من جهات :
الأولى : الآية القرآنية قاعدة منطقية نازلة من السماء .
الثانية : إمتناع القاعدة القرآنية على النقض .
الثالثة : تعدد القواعد المستقرأة من ذات الآية القرآنية في الموضوع المتحد والموضوع المتعدد ، وهو من مصاديق قوله تعالى [لاَ تَرَى فِيهَا عِوَجًا] ( ).
الرابعة : استقراء القواعد المنطقية والكلامية من الآية القرآنية مناسبة للثناء الجميل على الواهب الكريم الذي تفضل بأنزال القرآن .
الخامسة : بيان قانون وهو أن القرآن أصل للعلوم وهذا التأجيل من النعم الجليلة والإحسان السابغ من عند الله عز وجل .
السادسة : قواعد القرآن حقيقة في ومقاصد سامية .
السابعة : في البحث والتحقيق في قواعد القرآن أجر وثواب وفيها منع من الزيغ والزلل .
الثامنة : يصدر العلماء عن القرآن في إنشاء العلوم وتأسيس القواعد والأحتراز من الوهم والخطأ فيها .
التاسعة : في القواعد القرآنية وحدة للعلماء في اقتباسها وإعمال للفكر في استنباطها وتخفيف من الناس من جهة تلقيها بالقبول والرضا ، وفيه الأجر ، وهو دعوة للإيمان .
كذا ذات النسبة بصيغة الأمر في قول صلىّ ، وصلّ جماعة ، فالصلة بين أداء الصلاة وأدائها جماعة عموم وخصوص مطلق ، وفي الوقت الذي يكون أداء صلاة الجماعة خاصة بالنسبة لأداء الصلاة فانه يكون مطلقاً بالنسبة لأدائها جماعة في المسجد وكما في عموم الصلوات في قوله تعالى [حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَة الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ]( )، وصلاة الصبح في قوله تعالى [وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا]( ).
الثالثة : نسبة العموم والخصوص من وجه ، إذ يجتمع الكليان في بعض أفرادهما ، ويفترقان في بعض آخر ، فكل منهما عنده ما يتحد به مع الآخر ، وما يستقل ويتميز به وقيل هما كالدائرتين المتقاطعتين اللتين تتداخلان وتجتمعان في في أفراد ويفترقان في افراد أخرى ، وهذا المثل والتشبيه ليس بتام لأنه ليس من إجتماع حقيقي بين أفراد الكليين في المقام إلا على نحو الحصر والتقييد كما في النسبة بين الإنسان والسواد ، فبعض مصاديق السواد تصدق على الإنسان وبعضها لا يصدق عليه مثل ظلمة الليل ، وبعض مصاديق الإنسان لا تصدق على السواد مثل الإنسان الأبيض.
إنما هو تشابه مع بقاء كل منهما على نحو مستقل ، والمراد من القيد (من وجه) أي من جهة ولحاظ مثل الصلاة والصيام ، فمادة الإلتقاء من جهات :
الأولى : العبادة والنسك.
الثانية : الإتيان بهما بقصد القربة .
الثالثة : كل من الصلاة والصيام واجب وجوباً عينياً على المكلفين.
الرابعة : كل منهما عبادة بدنية،وليس عبادة مالية مثل الزكاة والخمس.
الخامسة : لكل من الصلاة والصيام وقت مخصوص .
السادسة : قضاء ما فات من الصلاة والصيام .
السابعة : ورود الأمر في القرآن والسنة بأداء الصلاة والصيام، قال تعالى [وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ]( )،
الثامنة : كل من الصلاة والصيام علامة الإيمان .
التاسعة : الصلاة والصيام من علامات التقوى .
العاشرة : لكل من الصلاة والصيام ثواب عظيم .
الحادية عشرة : كل من الصلاة والصوم فرض على الملل السابقة .
الثانية عشرة : يشمل التكييف بالصلاة والصوم كلاً من الرجل والمرأة .
الثالثة عشرة : حرمة النهي عن الصلاة وعن الصوم .
الرابعة عشرة : حرمة ترك الصلاة والصيام عن عمد أو تهاون .
الخامسة عشرة : يمكن اجتماع وصدق كون المسلم مصلياً وصائماً في ذات الوقت كحاله في صلاة الجمعة من شهر رمضان.
السادسة عشرة : كل من الصلاة والصيام أمر وجودي ، فحتى الإمتناع عن الأكل والشرب عن قصد.
وأما مادة الإفتراق بين الصلاة والصيام فمن جهات :
الأولى : الصلاة واجب يومي ، والصيام واجب سنوي .
الثانية : يؤدي المكلف الصلاة خمس مرات في اليوم ، أما الصيام فيؤديه طيلة شهر رمضان .
الثالثة : في الصلاة ركوع وسجود وتلاوة ، أما الصيام فهو امتناع عن المفطرات طيلة نهار الصوم.
الرابعة : تستحب صلاة الجماعة ، قال تعالى [وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ]( )، أما الصيام فهو عبادة فردية .
الخامسة : يرى الناس المسلم عند أداء الصلاة ، أما الصيام فهو عبادة خاصة بين العبد وربه لذا ورد في الحديث القدسي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ : كُلُّ عَمَلِ ابنِ آدَمَ لَهُ إِلاَّ الصَّومَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ، وَلَخَلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِندَ اللهِ مَن رِيحِ المِسْكَ( ).
السادسة : إبتداء الصلاة بالتكبير وانتهاؤها بالتسليم وابتداء الصيام بالإمساك عن المفطرات ، وانتهاؤه بحلول وقت الأفطار عند الغروب .
السابعة : معرفة أوقات الصلاة بالآيات الكونية اليومية كطلوع الفجر لصلاة الصبح ، وزوال الشمس من كبد السماء لصلاة الظهر ، وغروبها لصلاة المغرب ، أما أوان الصيام فيعرف باشراقة هلال شهر رمضان لصيام اليوم التالي .
الثامنة : تؤدى الصلاة في كل حال ، بينما وردت الرخصة والعزيمة بالإفطار للمريض والمسافر ، قال تعالى [فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ]( ).
التاسعة : في السفر تقصير للصلاة لقوله تعالى [أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا]( )، وليس من قضاء أما الذي يفطر يوماً من شهر رمضان بسبب السفر فيجب عليه القضاء .
العاشرة : ليس مع قضاء الصلاة كفارة ، ولكن مع قضاء الصيام في الإفطار العمدي كفارة إطعام ستين مسكيناً.
والعموم والخصوص من رشحات اجتماع النسب الثلاثة التساوي والعموم والخصوص والتباين ، فبلحاظ مادة الإجتماع بينهما فهما متساويان ، لصفة العبادة وقصد القربة في الصلاة والصيام .
وبلحاظ الإفتراق بينهما فهما متباينان ، كما في الصلاة والزكاة قال تعالى [وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ]( )، ومن مادة الإتفاق العبادة وقصد القربة ، ومن مادة الإفتراق أن الصلاة عبادة بدنية ، والزكاة عبادة مالية ، وأن الصلاة تؤدي على كل حال ، والزكاة تؤدى عند تحقق النصاب بأعيان مخصوصة من من الغلات الأربعة وهي الحنطة والشعير والتمر والزبيب والأنعام الثلاثة وهي الإبل والبقر والغنم والنقدين الذهب والفضة.
فالتساوي بينهما ليس كلياً ، وكذا فان التباين بينهما ليس كلياً بل هو جزئي ، وكل منهما لا ينطبق على الثاني .
الرابعة : التباين : وهي النسبة بين الكليين الذين لا يجتمع مصاديقهما أصلاً ، كما في البر والبحر ، فلا مصاديق البر تنطبق على البحر ولا العكس ، وكذا بالنسبة ، للمشرق والمغرب فكل منهما للآخر إلا أنهما معاً ملك لله عز وجل.
وكلها تنشغل بالتسبيح لله عز وجل وفي التننزيل [رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ]( ).
ومن الأمثلة على التباين : العالم والجاهل ، والمؤمن والكافر ، والبصير والأعمى ، ولكن لا يخلوا من اشكال لوجود مادة للإلتقاء بينهما وهو نوع الإنسان ومنهم من عده جنس بلحاظ أن النوع أعم فيشمل الحيوان مطلقاً.
و (قال النبي صلى الله عليه واله ساعة من عالم يتكئ على فراشه ينظر في عمله خير من عبادة العابد سبعين عاما.) ( ).
لبيان أن القرآن والسنة هما اللذين اسس علم المنطق وعصمة الفكر من الذلل أو ترجيح الوهم أو ترك القطع واليقين .
إذ تتقوم العبادة بالإيمان ، وهو فرع اليقين لذا لا يصح التقليد في ضروريات الدين وفي اليقينيات.
وهل المراد من النظر في العمل في الحديث أعلاه بخصوصها إنما ورد ذكره للمثال الأمثل ، ولعمومات قوله تعالى [إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ]( ).
وليقتدي الناس بالعلماء ، ولا ينحصر التفكير والتدبر فيها معنى من العمل إنما يشمل الآتي واللاحق من الأعمال ، إن التفكر بالعمل حرز وسلاح وطريق للأستغفار ، وبلغة لفعل الصالحات بالذات .

مشاركة

Facebook
Twitter
Pinterest
LinkedIn

مواضيع ﺫات صلة