معالم الإيمان في تفسير القرآن – الجزء- 192

المقدمة
الحمد لله الذي أنزل القرآن كتاباً جامعاً مانعاً، جامعاً للأحكام الشرعية وما يحتاج إليه الناس إلى يوم القيامة، ومانعاً من غلبة الضلالة ومفاهيم الغواية، وجعله مائدة سماوية مبذولة في الأرض للناس جميعاً، ينهلون منها الغذاء العقائدي والروحي، وما يكون سبباً لتغشي مبادئ المودة والبهجة الحياة الدنيا، وسيادة الحكمة والهداية، ومعاني الأخوة بين الناس بقيد الصلاح والتقوى قال تعالى[إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ] ( )، لتكون هذه الأسباب مجتمعة ومتفرقة ترغيباً بدخول الإسلام، وبرزخاً دون محاربته، وحاجباً دون البقاء على الكفر والضلالة.
وبعد أن جاءت أجزاء من التفسير كل واحد منها بآية واحدة، ومنها الجزء السابق الذي يقع في أربعمائة وعشرة صفحات والذي إختص بتفسير الآية السابقة للآية محل البحث .
جاء هذا الجزء والحمد لله في تفسير قوله تعالى[لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ] ( )، وكله علوم مستنبطة من المضامين القدسية لذات الآية الكريمة، وقوانين من الدرر العلمية التي تتجلى أنوارها لعشاق رسالة الخاتم، وشواهد جلية تؤكد وتبين قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( )، وبيان لأفراد البشارة والمدد الإلهي للمسلمين في بداية الإسلام عندما كانوا قلة وأذلة، ومصاحبة المدد لهم في كل زمان إلى يوم القيامة، وليكون هذا الجزء ندباً ودعوة جديدة لإستخراج ذخائر القرآن.
إنه مرآة للفضل الإلهي على العلماء في السياحة في خزائن آيات القرآن، ودعوة لتسخير الجهود وبذل الوسع للإرتقاء في علوم التفسير والتأويل، فمع مضي أكثر من ألف وأربعمائة سنة على نزول القرآن، فان هذه العلوم لاتزال في بداياتها ، وتصدى كثير من العلماء للثناء على الجهود المتواضعة المبذولة في هذا الباب الشريف، وهي تستحق هذا الثناء , والأولى الإجتهاد في إستنباط المسائل والأحكام والبراهين والسنن من الآيات القرآنية , وإقتباس أنوار الهداية من ألفاظها ومضامينها الإعجازية , ومن التداخل والتضايف بينها، وإستحداث أبواب جديدة من علوم التفسير، كما قمنا به في تفسيرنا هذا وعلى نحو التعدد ومنه الأبواب التأسيسية المستحدثة التالية :
1- سياق الآيات.
2- إعجاز الآية.
3- الآية سلاح.
4- مفهوم الآية.
5- الآية لطف.
6- الصلة بين أول وآخر الآية.
7- الآية نعمة.
8- التفسير الذاتي.
9- من غايات الآية.
10- علم المناسبة.
11- الآية حاجة
12- الآية مدد
وأكثر هذه الأبواب أفاض الله عز وجل علي بها أثناء كتابة التفسير وبعد صدور أجزاء منه، مما إستلزم رجوعي للأجزاء الأولى لإضافتها، وكلما ينعم الله عز وجل عليّ بعلم منها أرجع إلى بدايات التفسير مع الإمكان، مع الإنشغال بإعطاء بحوث الفقه والأصول والتفسير والأخلاق على فضلاء الحوزة العلمية على نحو يومي عدا أيام العطل، وما يتطلبه من الإعداد للبحوث وتدوينها فليس من عون ومدد عندي إلا من عند الله عز وجل، إذ أقوم بكتابة وتنقيح وتصحيح كتبي بنفسي إلى حين صدورها. وأتطلع إلى فضل الله عز وجل في تأسيس أبواب جديدة في تفسير الآية القرآنية غير تلك المذكورة أعلاه وكل واحدة منها نعمة لأصل الإستصحاب بتوالي العلوم وأسباب إستظهار ذخائر القرآن قال تعالى [وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ]( ).
إلى جانب البحوث الأصولية والكلامية والبلاغية والمنطقية والتأريخية المستقرأة من ذات الآية لتكون شواهد على الإطلاق والتعدد في إعجاز الآية القرآنية موضوعاً وحكماً ودلالة، وإذ تم في تأريخ الإسلام تأليف كتب معدودة عن إعجاز القرآن، وكل واحد منها أو أغلبها بمجلد واحد، وهي جهد علمية عظيمة فقد جاء تفسيرنا بفيض ورحمة من عند الله بأمر عظيم وآية في العلم وهو تخصيص باب في تفسير كل آية قرآنية خاص بإعجازها على نحو التأسيس .
وسيقوم العلماء في الأجيال اللاحقة بالتوسعة والإضافة فيه وستنشأ جامعات خاصة بالتفسير يكون تفسيرنا هذا الأساس والأصل في مناهجها , وسوف يدرس بثروته وبلحاظ المقارنة بينه وبين ما سبقه من التفاسير والكتب الخاصة بعلوم القرآن مع الإقرار بأنه تثوير لآيات القرآن لم يعهده تأريخ العلم.
وتتجلى أسرار علمية في كثرة القوانين المستنبطة من دلالات الآية القرآنية، وأغلبها يصلح أن يكون دراسة ماجستير أو دكتوراه، والمعروف بين رجال القانون أن الأهم بالنسبة للقانون هو تطبيقه والعمل بمضامينه، وجاءت قوانين تفسيرنا هذا قواعد كلية وأغصان متجددة من إشراقات الآية القرآنية , وتقع مضامينها في طريق إستنباط الدروس والعبر والمواعظ والأحكام من الآية القرآنية، ويلاحظ في باب سياق الآيات من كتابنا بحث الصلة بين الآية القرآنية محل التفسير وبين الآيات المجاورة لها مما قبلها وما بعدها، وقمنا قبل أيام باصدار بيان يتضمن قراءة هذا الباب المبارك بلغة الإطلاق بأن تؤخذ صلة الآية القرآنية التي يراد تفسيرها مع جميع آيات القرآن ليكون مجموع فصول هذه الباب هي 38881460 علماً كما مذكور في نص البيان أدناه) ( ).
وهو أمر يستلزم الغوص في أمواج التداخل والتلازم بين آيات القرآن وتفسير فتح علمي، ومنزه من الطائفية والذم لأي فرد أو جماعة من المسلمين وهو ملك للمسلمين والمسلمات جميعاً قال تعالى(وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب)( ).
وكنت أبذل الوسع في التحقيقات والقوانين عسى أن يكون هذا الجزء خاصاً بتفسير هذه الآية والآية التالية[وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ]، مع قلة كلماتهما ولكن الفيض الإلهي علي وعلى المسلمين في هذا التفسير ظاهر وباطن، وغير محدود موضوعاً ومحمولاً، فصار هذا الجزء خاصاً بهذه الآية الكريمة .
إن قيامي بالتأليف والتصحيح والمراجعة والإشراف على طبع الكتاب من غير مساعدة من الآخرين سبب للتخلف عن إصدار أجزاء أكثر من هذا السفر الخالد[ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ]( ).

قوله تعالى [لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ]الآية 128
الإعراب واللغة
ليس: فعل ماض ناقص، لك: جار ومجرور، متعلقان بمحذوف خبر ليس المقدم، شيء: اسم ليس المؤخر.
أو: حرف عطف، يتوب: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حرف العطف (أو) لإحتمال معنى (إلى)أو (إلا) أي أن(يتوب عليهم) فتبشرهم أو يعذبهم عقوبة ومنهم من جعل(أو) بمعنى(حتى) أي ليس لك من أمر إيمانهم شيء حتى يتوب الله عليهم، فإيمانهم منحصر بتوبة الله عليهم، ولكن هذا المعنى من المسلمات، والآية أعم منه، لذا لم تأت بخصوص الكفار، بل جاءت بلغة (الأمر) والشيء وهو أعم من إيمان الكفار.
عليهم: جار ومجرور متعلقان بيتوب.
أو يعذبهم: معطوف على يتوب عليهم.
فأنهم: الفاء للتعليل، إن: حرف مشبه بالفعل، الضمير(هم) اسم إن، ظالمون : خبر إن مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه جمع مذكر سالم والجملة التعليلية لا محل لها من الإعراب.
ويأتي (الأمر) بمعان متعددة منها الشأن، والفعل، والحادثة، والشيء، والغرض، ويأتي بمعنى الطلب من العالي إلى الداني( ).
و(ليس) فعل ماض ناقص، وذكر الخليل أن أصلها (لا أيس)، طرحت الهمزة والزقت اللام بالياء، فتكون(ليس) مركبة من حرف نفي هو(لا) والفعل(أيس) وهذا التركيب يحتاج إلى دليل(قال الليث: أيس كلمة قد أميتت إلا أن الخليل ذكر أن العرب تقول جيء به من حيث أيس , وليس لم تستعمل أيس إلا في هذه الكلمة، وإنما معناها كمعنى حيث وقال: إن معنى لا أيس أي لا وجد) ( )، ترى لماذا لم تقل الآية(ما لك من الأمر شيء) فيه وجوه:
الأول: إرادة إبتداء الجملة بالفعل، لأن الجملة الاسمية أثبت من الجملة الفعلية، وفيه شاهد على التخصيص في النفي وإرادة أحوال الكفار، وما ينتظرهم من سوء العاقبة، مع إمكان التدارك والتوبة والإنابة، قال بعض النحاة(أن ليس لا تنفي إلا الحال) ( )، وقيل هي كذلك إذا أطلقت فإذا قيدت فنفيها على حساب القيد، وقد يكون العكس هو الصحيح فتفيد الإطلاق الزماني أو الموضوعي إذا لم تقيد خصوصاً مع القرائن والأمارات الدالة على الإطلاق وإنعدام التقييد بالحال .
وتتجلى إرادة الإطلاق بقوله تعالى[لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ]( ).
الثاني: وردت(ليس) في واحد وأربعين موضعاً من القرآن، وأسمها نكرة، ومنها لفظ(شيء) في هذه الآية الذي هو اسم (ليس) المؤخر، وجاءت(ما) في واحد وتسعين موضعاً من القرآن ومرفوعها نكرة أيضاً.
الثالث: من خصائص القرآن أن كلماته فرائد، ولا يمكن أن تأتي كلمة بدل أي كلمة منه وتستوفي مضامينها ومعانيها وإن كانت من الأشباه والنظائر ويفسر القرآن بعضه بعضاً
سياق الآيات
الصلة بين هذه الآية والآيات المجاورة، وهي على شعبتين:
الأولى: الصلة بين هذه الآية والآيات السابقة، وفيها وجوه:
الأول: الصلة بين آية(لن تغني) ( )، وبين هذه الآية، وفيها مسائل:
الأولى: في الآية أعلاه شاهد على مضامين الآية محل البحث من وجوه:
الأول: ذم الذين كفروا.
الثاني: الإنذار والوعيد للكفار.
الثالث: لا تنفع الكفار أموالهم وأولادهم في دفع العذاب عنهم، فلابد أنه نازل بهم إن لم يتداركوا أنفسهم بالتوبة والإنابة.
الرابع: بعث اليأس في نفوس الكفار من الناصر والعون.
الخامس: إن القوة لله جميعاً وهو الذي يعذب الذين يجحدون بربوبيته.
السادس: بيان وتفسير العذاب المذكور في هذه الآية بأنه خلود في النار إذ وصف الله عز وجل الكافرين بالآية أعلاه بقوله سبحانه(أولئك أصحاب النار).
السابع: يفيد الجمع بين الآيتين أن عذاب الكفار هو الخلود في النار لقوله تعالى في خاتمة الآية أعلاه(هم فيها خالدون).
الثامن: الذين يتوبون إلى الله خارجون بالتخصص من لغة الإنذار الواردة في الآية أعلاه.
الثانية: إتحاد موضوع الآيتين بتحذير وإنذار الكفار، وبعث السكينة والطمأنينة في قلوب المسلمين.
الثالثة: تحذير الظالمين مطلقاً من العذاب، وعدم الإنتفاع من الأموال والأولاد.
الرابعة: الآيتان من عمومات قوله تعالى[أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ]( )، فإن الله عز وجل يدافع عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين.
الثاني: الصلة بين آية (ريح فيها صر) ( )، وبين هذه الآية، وفيها مسائل:
الأولى: من عذاب الله للكفار ذهاب أموالهم وما ينفقون هباء.
الثانية: التحذير من الظلم وسوء عاقبته.
الثالثة: عدم إنحصار عذاب الكفار بعالم الآخرة بل يغزوهم ويحيط بهم في الدنيا.
الرابعة: وصف الآيتين للكفار بأنهم ظالمون.
الخامسة:عذاب الله للكفار ليس من الظلم، لقوله تعالى في الآية أعلاه(وما ظلمهم الله) ولتنزيه مقام الربوبية عن الظلم، وجاءت الآيتان رحمة بالكفار ليتخلصوا من الظلم ويختاروا التوبة والإنابة.
السادسة: تعدد الإنذار للكفار في الآيتين.
السابعة: وصفت هذه الآية الكفار بأنهم ظالمون، وقيدت الآية أعلاه ظلمهم بأنه لأنفسهم.
الثالث: الصلة بين آية (البطانة) ( )، وبين هذه الآية، وفيها مسائل:
الأولى: جاءت الآية أعلاه خطاباً للمسلمين وإلى يوم القيامة، أما هذه الآية فجاءت خطاباً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثانية: تتضمن الآيتان التحذير من الكفار، ومن الميل والركون إليهم.
الثالثة: بيان المائز بين المسلمين والكفار، ويتجلى في الجمع بين الآيتين إكرام المسلمين، ولغة الإنذار والتحذير للكفار.
الرابعة: بشارة المسلمين بعدم مجيء الضرر الفادح من الكفار لأن الله عز وجل يصرف كيدهم سواء بخزيهم وعقوبتهم، أو بهدايتهم وصلاحهم، وقد جاءت الآيات بإنذار الكفار الذين يموتون على الكفر والجحود ونزول لعنة الله والملائكة والناس عليهم بإستثناء الذين تابوا قال تعالى[إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ] ( ).
الخامسة: من ظلم الكفار كرههم للمسلمين لأنهم إختاروا سبيل الهداية، قال تعالى[قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ] ( ).
السادسة: جاءت الآية محل البحث حجة لأرباب العقول لما يلحق الكفار من الضرر والخسارة بما هم ظالمين , وهو من إعجاز القرآن الغيري لتجلي المصاديق الخارجية لإنذارات القرآن.
الرابع: الصلة بين آية[هَاأَنْتُمْ أُوْلاَءِ]( )، وبين هذه الآية، وفيها مسائل:
الأولى: تحذير المسلمين من الكفار والميل والركون إليهم.
الثانية: نعتت هذه الآية الكفار بأنهم ظالمون ومن مصاديق ظلمهم بلحاظ الجمع بين الآيتين وجوه:
الأول: بغضهم للمسلمين مع حب المسلمين لهم، ويتجلى هذا الحب ببذل الوسع والجهاد من أجل هدايتهم.
الثاني: إدعاؤهم الإيمان كذباً بحضرة المسلمين.
الثالث: من ظلم الكفار عندما يخلو بعضهم ببعض إظهارهم الغيظ والبغض للمسلمين وجحودهم بالتنزيل.
الرابع: توبيخ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لهم بأمر من الله عز وجل[قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ] ( )، وإستحقاقهم لهذا التوبيخ وتلقيه، بينما جاءت الآيات بإكرام المسلمين.
الثالثة: تحذير الكفار من الظلم والتعدي على المسلمين.
الخامس: الصلة بين آية [إِنْ تَمْسَسْكُمْ]( )، وبين هذه الآية، وفيها مسائل:
الأولى: بيان وجوه أخرى من ظلم الكفار وهي:
الأول: حزن وكآبة الكفار حين نزول الخير والنفع على المسلمين.
الثاني: ظهور علامات الفرح عليهم عندما يأتي أدنى سوء وأذى للمسلمين.
الثالث: تدل الآية أعلاه على أن الكفار يواصلون الكيد بالمسلمين.
الثانية: مجيء الآية أعلاه خطاباً للمسلمين، بينما جاءت الآية محل البحث خطاباً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالثة: تحذير الكفار من الإنشغال بمراقبة حال المسلمين , والفرح بما يصيبهم من سوء، لأن العذاب قريب من الكفار.
الرابعة: دعوة الكفار والناس جميعاً للتدبر في أحوال المسلمين وآيات النصر التي يمنّ الله عز وجل بها عليهم، ووجوه الإبتلاء في جنب الله.
الخامسة: حث الناس على الإتعاظ والإعتبار من حال المسلمين في صبرهم في جنب الله.
السادس: الصلة بين آية [وَإِذْ غَدَوْتَ] ( )، وبين هذه الآية، وفيها مسائل:
الأولى: بين الآيتين عموم وخصوص من وجه، فمادة الإلتقاء هي توجه الخطاب فيها للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , ومادة الإفتراق مجيء الآية أعلاه في إستعداد المسلمين للقتال في سبيل الله، ومجيء هذه الآية في ذم وتحذير الكفار.
الثانية: خرج المسلمون لقتال الكفار الذين زحفوا من مكة إلى المدينة، ومع هذا فإن باب التوبة مفتوح لهم.
الثالثة: يفيد الجمع بين الآيتين أن من ظلم الكفار هجومهم على المدينة وإرادتهم قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين.
الرابعة: من مصاديق عذاب الله للكفار في الدنيا نزول الملائكة مدداً للمسلمين قال تعالى[سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ] ( ).
السابع: الصلة بين آية[إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ]( )، وبين هذه الآية، وفيها مسائل:
الأولى: بيان التباين بين المؤمنين والكفار، فالله عز وجل ولي المؤمنين، ويدفع عنهم أسباب الفشل والخوف والجبن، بينما جاءت هذه الآية في تحذير وإنذار الكفار.
الثانية: الآية محل البحث من مصاديق ولاية الله للمسلمين ببعث السكينة في نفوسهم من الكيد والبشارة بنزول العذاب بالكفار.
الثالثة: جاءت الآية أعلاه بالثناء على المسلمين ووصفهم بالمؤمنين، وجاءت الآية محل البحث بذم الكفار ونعتهم بالظالمين.
الرابعة: من مصاديق التوكل على الله تفويض الأمور إليه سبحانه، وإدراك أن الله عز وجل ينتقم من الكفار أو يتوب عليهم.
الثامن: الصلة بين آية (بدر) ( )، وبين هذه الآية، وفيها مسائل:
الأولى: قال الله تعالى للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم(ليس لك من الأمر شيء) بعد أن نصر المسلمين ببدر وأظهرهم على الكفار.
الثانية: قيام الحجة على الكفار بنصر المسلمين مع قلتهم وضعفهم.
الثالثة: نصر الله للمسلمين من عذاب الكفار، ودعوتهم للتوبة والإنابة.
الرابعة: جاءت الآية أعلاه بحث المسلمين على التقوى وشكر الله، بينما جاءت هذه الآية في ذم الكفار ونعتهم بأنهم ظالمون.
التاسع: الصلة بين آية [أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ] ( )، وبين هذه الآية، وفيها مسائل:
الأولى: مجيء الآيتين خطاباً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم،
وتعدد هذه الخطابات شاهد على المسؤوليات العظيمة التي يقوم بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإخباره بالبشارة للمسلمين وإنذاره للكفار، وهو من عمومات قوله تعالى[إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا]( ).
الثانية: المدد الذي أنزله الله لنصرة المسلمين له منافع عديدة، منها وبلحاظ الجميع بين الآيتين أمور:
الأول: إنه من عذاب الكافرين.
الثاني: إنه مقدمة لتوبة فريق منهم.
الثالثة: بعث السكينة في نفوس المسلمين من جهة نزول الملائكة، ومن جهة إنذار وعذاب الكفار.
الرابعة: تخويف وإنذار الكفار بقرب العذاب منهم، وتحذيرهم من التعدي على المسلمين وبيان سوء عاقبة من يقوم بقتال المسلمين، لأن الملائكة مدد وعون لهم.
العاشر: الصلة بين آية [بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا]( )، وبين هذه الآية، وفيها مسائل:
الأولى: جاءت الآية أعلاه خطاباً للمسلمين، وهذه الآية خطاباً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثانية: تفيد الآيتان هزيمة وخسارة الكفار سواء في حال الحرب أو السلم.
الثالثة: تفويض المسلمين أمرهم إلى الله، وهو الذي يرد كيد الكفار وينتقم منهم.
الرابعة: من مصاديق عذاب الكفار الوعد الإلهي للمسلمين بنزول الملائكة مدداً وعوناً للمسلمين.
الحادي عشر: الصلة بين آية [وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى]( )، وبين هذه الآية، وفيها مسائل:
الأولى: بعد البشرى والوعد الكريم بالنصر جاء قوله تعالى (ليس لك من الأمر) ليكون مدرسة في المعرفة الإلهية، وسبباً لبعث السكينة في نفوس المسلمين.
الثانية: هذه الآية من عمومات الطمأنينة التي جاءت الآية أعلاه بذكرها, والإخبار عن كون النصر من أسبابها.
الثالثة: إن الله عز وجل هو العزيز الحكيم الذي ينزل العذاب بالكفار لتبقى الحياة الدنيا داراً لعبادته.
الرابعة: بعث السكينة والرضا في نفوس المسلمين، وزيادة إيمانهم بعظيم قدرة الله، وجعل الكفار أمام أمرين :
الأول : التوبة النصوح .
الثاني : الموت على الكفر.
الثاني عشر: الصلة بين الآية السابقة (ليقطع طرفاً) ( )، وبين هذه الآية، وفيها مسائل:
الأولى: جاءت الآيتان في ذم وتوبيخ الكفار، وبيان ما يصيبهم من العذاب.
الثانية: لغة التعدد والترديد في الآيتين، فجاءت الآية السابقة بالإخبار عن قطع وهلاك طرف وطائفة من الذين كفروا أو خزيهم، وجاءت هذه الآية بالإخبار عن التوبة عليهم أو عذابهم، مع التباين في موضوع الترديد، فكلا طرفي الترديد في الآية أعلاه عقوبة للكفار، بينما جاءت هذه الآية بذكر التوبة عليهم إن شاء الله.
الثالثة: إستحقاق الكفار للقطع والخزي والكبت والهزيمة بخيبة وخسران لأنهم ظالمون.
الشعبة الثانية: الصلة بين هذه الآية والآيات التالية، وفيها وجوه:
الأول: الصلة بين هذه الآية والآية التالية(ولله ما في السموات) ( )، وفيها مسائل:
الأولى: لما جاءت هذه الآية بنفي المشيئة في الأمر عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو صاحب الكمالات الإنسانية، جاءت هذه الآية لتوكيد أن الأمر كله بيد الله عز وجل لبيان حقيقة أن مقاليد الأمور كلها بيد الله.
الثانية: توبيخ الكفار في محاربتهم للمؤمنين الذين يقرون بأن السماوات والأرض ملك لله عز وجل.
الثالثة: بين هذه الآية والآية التالية عموم وخصوص مطلق، فأخبرت هذه الآية عن حال الكفار الذين يحاربون المسلمين وما ينتظرهم فأما أن يتوب الله عز وجل عليهم أو يعذبهم، وجاءت الآية التالية بالمعنى الأعم والقانون الكلي وهو أن المشيئة لله عز وجل في الحساب والجزاء.
الرابعة: أختتمت الآية أعلاه بإسمين من أسماء الله وأنه سبحانه الغفور الرحيم، وفيه ترغيب للناس بالتوبة، ودعوة للمسلمين للصبر، وتلقي من يتوب من الكفار ويدخل الإسلام بمعاني الأخوة الإيمانية.
الثالث: الصلة بين آية (لا تأكلوا الربا) ( )، وبين هذه الآية، وفيها مسائل:
الأولى: جاءت هذه الآية خطاباً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيما يخص عاقبة الكفار والإشارة إلى إحتمال توبة طائفة منهم، أما الآية أعلاه فجاءت خطاباً للمسلمين، وبياناً لأحكام شرعية في المعاملات.
الثانية: تتضمن هذه الآية ذم الذين كفروا وتخويفهم وزجرهم، أما الآية أعلاه فتدل في مفهومها على إكرام المسلمين، وأنهم أهل لتلقي أحكام الحلال والحرام والتقيد بمضامينها.
الثالثة: يفيد الجمع بين الآيتين الترغيب بالتوبة والإنابة والعمل بأحكام الإسلام وما فيها من التكامل العقائدي وتهذيب الأسواق وإصلاح النفوس، والتنزه من الظلم والتعدي وأكل المال بالباطل.
الرابعة: لما إحتج الملائكة على جعل آدم خليفة في الأرض رد الله عز وجل عليهم بقوله[إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( )، ومن علم الله عز وجل بلحاظ الجمع بين الآيتين أمور:
الأول: تنزيه الأرض من المعاملات الربوية الضارة بالناس.
الثاني: وجود أمة تخشى الله وتأتي ما أمرها الله، وتتجنب ما نهاها عنه وهو من عمومات قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ).
الثالث: دعوة الناس جميعاً للإقتداء بالمسلمين في إجتناب المعاملات الباطلة.
الرابع: عاقبة الظلم العذاب الأليم، ومن أهم مصاديق الظلم الإفساد في الأرض وسفك الدماء.
الخامسة: دلالة توجه الأمر الإلهي إلى المسلمين للتقيد بأحكام الحلال والحرام، وإجتناب الربا بقسميه القرضي والمعاملي( ).
السادسة: دعوة المسلمين للجمع بين قتال الكفار والدفاع عن الإسلام وبين العمل بأحكام الحلال والحرام، وأداء الفرائض.
السابعة: أختتمت هذه الآية بنعت الكفار بأنهم ظالمون، وجاءت الآية أعلاه بالبشارة بالفلاح والتوفيق.
الرابع: الصلة بين هذه الآية وآية (واتقوا النار) ( )، وفيها مسائل:
الأولى: بيان التباين والتضاد بين المسلمين والكفار في عواقب الأمور.
الثانية: توكيد البعث والنشور ووقوف الناس بين يدي الله للحساب وفيه دعوة للكفار للتوبة والإنابة، وتذكير بقوله تعالى(أو يتوب عليهم).
الثالثة: لما جاءت هذه الآية بقوله تعالى(أو يعذبهم) أخبرت الآية أعلاه بأن عذاب الكفار هو الخلود في النار التي أعده الله لهم.
الرابعة: أختتمت هذه الآية بذم وتوبيخ الكفار والإخبار عن كونهم ظالمين، وجاءت الآية أعلاه ببيان سوء عاقبة الكافرين، وخلودهم في نار الجحيم.
الرابع: الصلة بين هذه الآية وآية [وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ] ( )، وفيها مسائل:
الأولى: لم يترك الله الناس حينما قال للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم(ليس لك من الأمر شيء) بل توجه لهم الخطاب التكليفي بوجوب طاعة أوامره وأوامر رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثانية: لا يجوز للناس ومنهم الكفار الإعراض عن أوامر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فلا بد من طاعة الله وطاعته.
الثالثة: قوله تعالى(ليس لك من الأمر شيء) خاص بالإنتقام الإلهي من الكفار، وإلا فإن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بشير ونذير وإمام للناس في سبل الهداية والصلاح.
الرابعة: بيان التباين في لغة الخطاب بالإنذار للكفار بالعذاب الأليم، والبشارة بنزول الرحمة للمسلمين.
الخامسة: جاءت الآية محل البحث بالترغيب بالتوبة، وأهم مصاديق طاعة الله ورسوله.
السادسة: دعوة الناس للنجاة من العذاب، والتي تتجلى بالإمتثال للأوامر الإلهية، قال تعالى[وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا]( ).
السابعة: التضاد الذاتي والعرضي بين الإيمان والكفر، فطاعة الله والرسول سبب لنزول الرحمة من عند الله.
الثامنة: الجمع بين الآيتين عون للمسلمين للتفقه في الدين، ومعرفة أحكام الشريعة، والحيطة والحذر من الكفار، والنفرة منهم.
التاسعة: دعوة المسلمين للتآخي والتآزر فيما بينهم، لسمو ورفعة الجامع المشترك بينهم وهو طاعة الله والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهو من عمومات قوله تعالى[وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا] ( ).
الخامس: الصلة بين هذه الآية وآية(وسارعوا) ( )، وفيها مسائل:
الأولى: الترغيب بالتوبة والإنابة.
الثانية: التنزه من الظلم طريق إلى الفوز بالجنة.
الثالثة: جعل موضوعية لبلوغ الجنة في عالم الأفعال والأقوال.
الرابعة: توكيد التباين بين المسلمين والكفار في عالم الآخرة.
الخامسة: أختتمت هذه الآية بالوعيد للظالمين، أما الآية أعلاه فأختتمت بالبشارة للمتقين.
السادس: الصلة بين هذه الآية وبين آية(والكاظمين الغيظ) ( )، وفيه مسائل:
الأولى: بيان حال الإرتقاء التي بلغها المسلمون بفضل الله ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثانية: الإنفاق في سبيل الله وسيلة لجذب الناس إلى منازل الإيمان.
الثالثة: حث المسلمين على الإنفاق في كل الأحوال لمواجهة الكفار ومنعهم من التعدي.
الرابعة: حث المسلمين على التحلي بالأخلاق الحميدة، وترغيب الناس بالإسلام لحسن سمت المسلمين.
الخامسة: يفيد الجمع بين الآيتين أموراً:
الأول: دعوة المسلمين للصبر والمرابطة.
الثاني: إن قوله تعالى(ليس لك من الأمر شيء) شاهد على إنتقام الله عز وجل من الكفار.
الثالث: تعاهد المسلمين للإنفاق في حال اليسر والعسر أذى للكفار.
الرابع: ظهور أسباب النصر للمسلمين بمسارعتهم في الخيرات وصبرهم.
الخامس: إقامة الحجة على الكفار، ودعوتهم للإسلام بحسن خلق المسلمين وتحملهم الأذى في مرضاة الله.
السادس: دعوة المسلمين للعفو عن الناس، ونشر مفاهيم التسامح والتجاوز عن السيئات، وترغيب الناس بالإسلام وما فيه من مكارم الأخلاق.
السادس: الصلة بين هذه الآية وآية(والذين إذا فعلوا فاحشة) ( )، وفيها مسائل:
الأولى: إرشاد المسلمين إلى الإستغفار والتوبة.
الثانية: فوز المسلمين بسلاح الإستغفار، وترغيب الكفار بدخول الإسلام, وترك منازل الجحود والضلالة.
الثالثة: ذكر الله عز وجل طرد للظلم، وسبيل للصلاح والهداية.
الرابعة: يفيد الجمع بين منطوق الآية محل البحث ومفهوم الآية أعلاه ذم الكفار لإقامتهم على المعاصي وإصرارهم عليها، بينما جاء ذكر الفاحشة بالنسبة للذين آمنوا بصيغة الشرط(إذا فعلوا) مع مبادرتهم إلى التدارك والإنابة.
الخامسة: بيان قبح الإصرار على الكفر والضلالة وتوكيد سوء عاقبته، والعذاب الأليم الذي يلقاه الكفار يوم القيامة، وذلهم لأنهم يعلمون بقبح الكفر وما يرتكبون من السيئات.
بحث منطقي
القسمة أمر مصاحب لحياة الناس فيكون كل واحد منها(قسماً) وبلحاظ الأقسام الأخرى يسمى قسيماً، وليس من حصر لوجوه القسمة بل هي متعددة وتوليدية بإعتبار موضوعها وبما يفيد التفريق والتخصيص، فالإنسان يقسم إلى ذكر وأنثى، ويقسم ذات الإنسان أو خصوص الذكر والأنثى بحسب العمر إلى الرضيع والصبي غير المميز، والمميز، والبالغ، والشاب والكهل، والشيخ وهكذا، ويقسم بحسب السكن واللون والمهن وغيرها، والملة كما في قوله تعالى[إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا] ( )، لتكون القسمة في الآية أعلاه توليدية، فبعد القسمة على أهل الملة، ورد تقسيم ثنائي مرتكز على الإيمان والعمل الصالح أو عدمهما.
ووضعت أنظمة وقواعد خاصة للقسمة في بعض العلوم والأبواب لحصر وضبط الأفراد والأصناف المتباينة، فتجد مثلاً في عالم المكتبة نظاماً مشهوراً معتمداً في تقسيم المكتب وفق العلوم والموضوع والمؤلف ليسهل الوصول إلى الكتاب بيسر وتوفير الجهد في البحث عنه.
ومن شرائط القسمة أن تكون جامعة مانعة، بأن تكون الأقسام مساوية للمقسم، ومانعة من دخول غير أقسامه وأفراده فيها.
فالكلمة تكون من اسم وفعل وحرف، فهذه الأقسام الثلاثة جامعة للكلمات، يدخل فيها غيرها.
وينقسم الفعل مثلاً إلى ماض ومضارع وأمر، فلا يخرج عن هذه القسمة فعل، ولا يدخل فيها غير الفعل.
ومن شرائط القسمة أن تكون على أساس واحد بأن تعتبر جهة واحدة في التقسيم من غير خلط أو تداخل يؤدي إلى الترديد والإرباك، وإن كان هناك تباين بين أفراد القسم من جهات أخرى، فتقسيم الجمع إلى جمع مذكر, ومؤنث، وتكسير لا يمنع من التباين في صيغة الرفع والنصب والجر، والتباين في ألفاظ الجمع الواحد.
وجاءت هذه الآية بذكر قسمين فيما ينتظر الكفار:
الأول: توبة الله عز وجل عليهم.
الثاني: عذاب الكفار لأنهم ظالمون.
وتحتمل هذه القسمة أموراً:
الأول: أنها خاصة بالحياة الدنيا، وأن أوان التوبة والعذاب في الحياة الدنيا.
الثاني: إرادة عالم الآخرة وأن المقصود بالتوبة العفو عنهم والتجاوز عن سيئاتهم وإدخالهم الجنة ونجاتهم من النار، والمراد من قوله تعالى(أو يعذبهم) هو خلودهم في نار جهنم.
الثالث: المراد المعنى الأعم وهو الحياة الدنيا والآخرة.
والصحيح هو الأخير لأصالة الإطلاق، وعدم ورود مقيد في البين، ولأن الدنيا دار إبتلاء وإمتحان، والآخرة دار الحساب والجزاء[فَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالْأُولَى] ( )، ويدل التقسيم إلى أمرين هما التوبة على الكفار أو عذابهم على عدم وجود قسيم ثالث لهما وليس من برزخ بينهما، وقد يقال بالتباين الزماني بين القسمين بأن التوبة في الدنيا، والعذاب في الآخرة، ولكنها شبهة بدوية تزول بأدنى تأمل، إذ أن التوبة عليهم متعقبة لتوبتهم وهدايتهم وقد ذم الله تعالى الذين يلعنهم الله واللاعنون لإخفائهم البينات، وخصّ التائبين منهم بالاستثناء بقوله تعالى[إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ]( ).
وفي حصر هذه القسمة التي تختص بالكفار بقسمين أمور:
الأول: إنه من عمومات قاعدة نفي الجهالة ليكون الناس على بينة من أمرهم.
الثاني: شمول الكفار جميعاً بهذه القسمة.
الثالث: بشارة المسلمين بسلامتهم من العذاب فان قلت إن إثبات شئ لشئ لايدل على نفيه عن غيره.
فالجواب لقد تضمنت الآية الوعد بالأمن والسلامة لمن تاب من الكفار، مما يدل على فوز المسلمين به بالأولوية القطعية لسبقهم في منازل التوبة والصلاح.
الرابع: منع حصول الضرر عند الناس، بالكفار لسوء العاقبة التي تنتظر من يموت على الكفر.
الخامس: قيام الناس بزجر الكفار عن الكفر.
السادس: إعانة المسلمين في الجهاد في أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لما في التقسيم من الوضوح وهو من أفراد العلم المكتسب بخصوص عاقبة أعداء المسلمين وإمكان دخول شطر منهم الإسلام، وكثرة عدد المسلمين، وهل يمكن تقسيم المسلمين بلحاظ السبق في دخول الإسلام إلى قسمين:
الأول: من سبق في الإسلام أو تلقاه بالوراثة.
الثاني: الذي ترك منازل الكفر وتاب إلى الله .
الجواب لا , لأن الإسلام يجب ما قبله , وصدق صفة الإسلام على من يدخله.
إعجاز الآية
إبتدأت الآية بنفي موضوعية إرادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مصير الكفار وما ينتظرهم من العذاب الأليم، فمع عظيم منزلة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنه سيد الأنبياء والمرسلين وحجة في مصير الكفار وما ينتظرهم من العذاب الأليم، أخبرت الآية بأنه (ليس له من الأمر شيء)، مما يدل ومن باب الأولوية القطعية أن غيره من البشر لا إرادة ومشيئة له في عاقبة الكفار , فقد قضى الله عز وجل بهزيمة الكفار وإنقلابهم خاسرين.
وتحتمل الآية وجهين:
الأول: إرادة الإطلاق في الأمر وأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ليس له في أي أمر وشيء شأن.
الثاني: المقصود هو موضوع هزيمة وسوء عاقبة الكفار على نحو التعيين والدلالة.
والصحيح هو الثاني، وهو القدر المتيقن، وقد جاءت الآيات بطاعة الرسول، وإمامته للأمة، وأنه بشير ونذير , قال تعالى[وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا] ( )،
ويستدل في علم الأصول في أن الأصل في الواجبات أنها تعبدية وليس توصلية بقوله تعالى[وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ]( )، وجاءت الآية في باب التوبيخ للكفار وذكر ما يلحق بهم من الهزيمة والخزي فأنها ذكرت بقاء باب التوبة مفتوحاً لهم، مما يدل على فتحه لعموم الناس من باب الأولوية القطعية لأن الذين يقاتلون النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين هم شر الناس، فإذا كانت توبتهم مقبولة، فتوبة غيرهم مقبولة أيضاً، وفيه ترغيب بالتوبة ولزوم إجتناب أسباب العقوبة، وتحصر الآية عاقبة الكفار بأمرين:
الأول: التوبة.
الثاني: العذاب الأليم.
لتكون هذه الآية رحمة إضافية للكفار نازلة على صدر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليقوم بتبليغها لهم، وهم يحاربونه ويقاتلونه.
ومن إعجاز الآية مجيء الإخبار عن التوبة بصيغة الجمع(يتوب عليهم) وفيه توكيد لسعة رحمة الله، لذا جاءت الآية بذكر توبة الله عز وجل عليهم ولم تذكر توبتهم هم، وإن كانت مقصودة في المقام، وعلى المعنى بأن الآية من مصاديق كفاية الله للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين فإنها تتضمن التحدي بنصر الإسلام وعلو رايته، وهزيمة الكفر والكافرين، وتدل عليه لغة الترديد الجامعة لمضامين الآية السابقة وهذه الآية.
ومن إعجاز القرآن بيان البرهان للناس، فمع أن العقل يدرك أن الكفار ظالمون لأنفسهم، وأن الله عز وجل سبحانه[لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ] وأنه سبحانه أقام الحجة على الناس، وأنه خلقهم لعبادته، ولعمارة الأرض بالتقوى والصلاح، والتنزه عن الكفر والجحود كما تدل عليه الآية التالية بقوله تعالى[لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ]( )، فإن هذه الآية جاءت ببيان علة نزول العذاب بالكفار بوصفهم ظالمين ومن غير تقييد وتعيين لهذا الظلم، مما يدل على ملازمته لهم وإمتناعهم عن الإنفكاك والتنزه عنه ماداموا متلبسين بالكفر.
ومن إعجاز هذه الآية أنها جاءت لأمور:
الأول: توكيد قبح الظلم الذاتي والغيري.
الثاني: بعث النفرة من الظلم والظالمين.
الثالث: بيان قبح آخر للظلم وهو سوء عاقبته، والخلود بسببه في النار.
الرابع: الكفر ذاته ظلم.
ويمكن أن نسمي هذه الآية آية(ليس لك من الأمر) ولم يرد هذا اللفظ في القرآن إلا في هذه الآية الكريمة.
الآية سلاح
تبين الآية قانوناً في الإرادة التكوينية، وهو أن الأمور كلها بيد الله عز وجل، وأنه سبحانه يبعث الأنبياء مبشرين ومنذرين، أي مبشرين بالسعادة والجنة للمؤمنين، ومنذرين من النار للكفار الذين يرتكبون المعاصي والذنوب، وجاء قوله تعالى(ليس لك من الأمر شيء) لتوكيد إنذار الكفار، والإخبار بأن الكفار أمام خيارين لا ثالث لهما أما التوبة وأما العذاب الأليم، وفيه زجر عن تجهيز الجيوش لمحاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين .
ومن معاني الآية أن قرابة قريش من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لن تشفع لهم إذا لم يؤمنوا ويدخلوا الإسلام.
والآية حجة للمسلمين ودعوة لهم للصبر والقتال في سبيل الله، وعدم الركون إلى الذين ظلموا لملازمة العذاب الإلهي للظالمين، وتحث الآية على التوبة، وفيه عون للمسلمين بالسعي لإصلاح الناس للتوبة والهداية، وفيه نفع عظيم للجميع، فبدل أن يكون الإنسان آلة وتابعاً لرؤساء الكفر والضلالة فأنه يصبح من جند الله، ويقاتل تحت راية الإسلام وهذه الآية من عمومات قوله تعالى[أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ] ( )، فقوله تعالى(ليس لك من الأمر شيء) أي أن الله يكفيك والمسلمين شر وكيد الكفار، فلا غرابة أن تنزل آلاف الملائكة لنصرة المسلمين في معارك الأولى.
أسباب النزول
ذكرت في أسباب نزول الآية وجوه:
الأول: لما جُرح النبي في وجهه، وشجّ على قرن حاجبه وكسرت رباعيته، همّ بالدعاء على الكفار، أو أنه دعا عليهم، فأنزل الله(ليس لك من الأمر شيء) إنما أنت رسول إلى الناس، مأمور بالبشارة والإنذار، وأمرهم بيد الله، إن شاء هداهم وإن شاء عذبهم , وقيل : وإنما نهاه عن الدعاء عليهم لعلمه بأن منهم من يسلم ويجاهد في سبيل الله , وفيه مسائل:
الأولى: ليس في الآية ما يدل على إنحصار موضوعها بالدعاء، أو النهي عنه.
الثانية: لا يصلح القول بالنهي لمعارضة عمومات قوله تعالى[ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ]( )، وما فيه من دعوة المسلمين جميعاً للدعاء وطلب الحاجات من عند الله سبحانه.
الثالثة: مضامين هذه الآية من الدعاء والإستجابة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في دعائه بهداية فريق من أهل الكتاب , وعذاب من يصر على الكفر.
الرابعة: تؤكد خاتمة الآية أن الكفار ظالمون، مما يدل على إستحقاقهم اللعنة والدعاء عليهم.
الخامسة: مجيء بعض الروايات بأنه لما شج وجه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد قال له أصحابه: لو دعوت عليهم، فقال: إني لم أبعث لعاناً، ولكني بعثت داعياً ورحمة، اللهم أهد قومي فأنهم لا يعلمون.
الثاني: عن أنس بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته يوم أحد ، وشج في وجهه حتى سال الدم على وجهه فقال، كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم) ( )، أي في حال أنه يدعوهم إلى الخير عند ربهم فنزلت الآية، وقيل معناه لا تستبعد فلاحهم، وليس من دليل على الملازمة بين الآية وهذا القول وتأويله.
الثالث: أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم دعا على أربعة من المشركين، وسمى أناساً، فنزلت هذه الآية، وقيل أنه إستأذن الله أن يدعو عليهم بالإستئصال.
الرابع: أخرج أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وابن جرير، والبيهقي في الدلائل عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، اللهم إلعن أبا سفيان، اللهم إلعن الحرث بن هشام اللهم إلعن سهيل بن عمرو، اللهم إلعن صفوان بن أمية، فنزلت هذه الآية[ليس لك من الأمر شيء]( ).
الخامس: أخرج البخاري ومسلم وابن جرير والبيهقي في سننه عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع، اللهم أنج الوليد بن الوليد ، وسلمة بن هشام ، وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين. اللهم اشدد وطأتك على مضر ، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف يجهر بذلك وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر اللهم العن فلاناً وفلاناً، لأحياء من أحياء العرب يجهر بذلك حتى أنزل الله[لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ] ( ).
السادس: أخرج عبد بن حميد والنحاس في ناسخه عن ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعن في صلاة الفجر بعد الركوع في الركعة الآخرة فقال: اللهم العن فلاناً وفلاناً أناساً من المنافقين دعا عليهم فأنزل الله(ليس لك من الأمر شيء).
السابع: أخرج البيهقي عن خالد بن أبي عمران قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على مضر إذ جاءه جبريل فأومأ إليه أن اسكت فسكت ، فقال يا محمد : إن الله لم يبعثك سباباً ولا لعاناً ، وإنما بعثك رحمة للعالمين ، ولم يبعثك عذاباً ، ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ، ثم علّمه هذا القنوت : اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونؤمن بك ونخضع لك ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد ، ولك نصلي ونسجد، إليك نسعى ونحفد ، نرجو رحمتك ونخشى عذابك ، إن عذابك الجد بالكفار ملحق) ( ).
الثامن: ذهب الكلبي إلى القول بأن النبي محمداّ صلى الله عليه وآله وسلم همّ أن يلعن الذين إنهزموا من الصحابة يوم أحد، فنزل(ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم) يعني الذين إنهزموا (أو يعذبهم فهم ظالمون) قال: فلما نزلت هذه الآية، كفّ ولم يلعن المشركين، ولا الذين إنهزموا من الصحابة، لعلم الله فيهم أنهم سيتوبون، وأن المشركين سيؤمن كثير منهم، وقد آمن كثير منهم فمنهم خالد بن الوليد، عمرو بن العاص، عكرمة بن أبي جهل وغيرهم .
ولكن هذا التأويل بعيد وخلاف سياق الآيات، وسمو مرتبة النبوة، ولا مناسبة للجمع بين الصحابة الذين خرجوا للدفاع عن الإسلام إلا أنهم إنسحبوا من المعركة آناً ما لشدة القتال، وبين المشركين الذين جاءوا لإستئصال الإسلام وأخبرت الآيات بأن الله ولي المؤمنين قال تعالى[إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ] ( ).
التاسع: إنها نزلت في أهل بئر معونة وهم سبعون رجلاً من القراء بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بئر معونة وهي بين مكة وعسفان وأرض هذيل وذلك في صفر سنة أربع من الهجرة على رأس أربعة أشهر من أحد بعثهم ليعلموا الناس القرآن والعلم وأمر عليهم المنذر بن عمرو فقتلهم عامر بن الطفيل فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك وجداً شديداً وقنت شهراً في الصلوات كلها يدعوة على جماعة من تلك القبائل باللعن, عن ابن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر يقول : اللّهم العن فلاناً وفلاناً وفلاناً بعدما يقول سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد، فأنزل الله تعالى عليه ليس لك من الأمر شيء إلى قوله فإنهم ظالمون) ( ).
العاشر: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما وقف على عمه حمزة، ورأى ما صنعوا به من المثلة أراد أن يدعو عليهم فنزلت هذه الآية.
والآية أعم من الدعاء، كما أنها تختص بذم الكفار الذين زحفوا من مكة المكرمة للإجهاز على الإسلام والمسلمين وفيها وعد ووعيد، وتدل في مضامينها على إستجابة الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في دعائه، وسؤاله النصر، وتتجلى مضامين النصر في هذه الآية من وجوه:
الأول: إنها مقدمة للنصر والغلبة، لأنها تفيد تشتت الكفار، وضعفهم، ودخول فريق منهم الإسلام.
الثاني: الآية ذاتها مصداق من مصاديق النصر والغلبة لأنها تتضمن تفويض الأمور إلى الله.
الثالث: تهدي الآية إلى سبل النصر.
الرابع: تبين الآية أن النصر من عند الله، وليس من حصر لأسبابه وكيفياته، والله عز وجل لا تستعصي عليه مسألة، فيقاتل المسلمون من أجل البقاء ودفع الضرر عن أنفسهم والذب عن النبوة والتنزيل ، فجاءت الآية للبشارة بتنزيه الأرض من الفساد والعدوان.
الحادي عشر: نزول الآية بخصوص واقعة أحد، وهو المشهور، ولكن أختلف في متعلقه على جهات:
الأولى: أراد الكفار قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وكسروا رباعيته وشجوا رأسه الشريف حتى جرت الدماء على وجهه، ومع هذا ظلّ حريصاً على دعوتهم للإسلام، لقد كانت معركة أحد تهديداً لبيضة الإسلام، إذ إنكشف المؤمنون أمام هجوم الكفار وشدته وقساوة قلوبهم، وعزمهم على قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم والبطش بأصحابه.
وجاءت ثغرة الجبل ونزول الرماة المسلمين منه للإستحواذ على الغنائم وعدم الحرمان منها مقدمة لفرار الشطر الأكبر من المؤمنين من وسط المعركة ليبقى رسول الله ومعه عدد قليل من أهل بيته وأصحابه يقاتلون دونه، ويذبون عنه، وفي مثل هذه الحالة قد يصيب سهم غارب( ) القائد الذي في وسط المعركة إن لم يأته سهم مقصود.
وفي التدبر في وقائع معركة أحد يتجلى الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأن الله عز وجل يدفع عنه ويحفظه وهو من عمومات قوله تعالى[وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ] ( ).
وإن كان نزول الآية أعلاه متأخراً زماناً عن معركة أحد لتكون سلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد من مصاديق هذه العصمة وفق الاستحصاب القهقري، وصحيح أن الأصوليين لا يقولون به في باب نقض الشك السابق باليقين اللاحق، إلا أن المقام مختلف لوحدة الموضوع وهو حفظ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من وجوه :
الأول : الحفظ اللاحق شاهد وتجديد للحفظ السابق .
الثاني : إنه من عمومات قوله تعالى[إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون]( )، الثالث : أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم واسطة نزول القرآن، وشاء الله عز وجل أن يحفظه إلى حين تمام نزول القرآن ووجود الأمة التي تحفظ نزول آيات القرآن، وتتعاهدها وأحكام الشريعة من التحريف والتبديل والتغيير .
ومما أصاب النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد:
الأول: رماه عتبة بن أبي وقاص بالحجارة، فكسر رباعيته اليمنى السفلى، وجرح شفته، روي عن أبي سعيد الخدري.
الثاني: شجه عبد الله بن شهاب الزهري في جبهته.
الثالث: جرح رجل من هذيل هو عبد الله بن قمئة شفته فدخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته.
الرابع: وقع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حفرة من الحفر التي عملها أبو عامر ليقع فيها المسلمون وهم لا يعلمون، فأخذ علي بن أبي طالب عليه السلام بيد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
(وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يمسح الدم عن وجهه وسالم مولى أبي حذيفة يغسل عن وجهه الدم، والنبي يقول: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم) ( ) وفي رواية ان الإمام علي عليه السلام يغسل الدم عن وجهه.
الثانية: نزلت الآية بعد المثلة التي فعلها المشركون بالحمزة بن عبد المطلب يوم أحد، وقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(لامثلن منهم بثلاثين) وكان الحمزة رضي الله عنه عم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأخاه في الرضاعة .
ومن المصاديق العملية لهذه الآية بأن النبي ليس له من الأمر شيء وأن الله يتوب على الكفار أو يعذبهم كيف أن وحشياً قاتل حمزة دخل الإسلام وجثى بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليسأله عن كيفية قتله، وفي حديث وحشي لإثنين من قريش مرّا بحمص وكان وحشي يسكنها وسألاه عن قصة قتله للحمزة
(فقال: أما أني سَأُحَدّثُكُمَا كَمَا حَدّثْت رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حِينَ سَأَلَنِي عَنْ ذَلِكَ كُنْتُ غُلَامًا لِجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ وَكَانَ عَمّهُ طُعَيْمَةَ بْنَ عَدِيّ قَدْ أُصِيبَ يَوْمَ بَدْرٍ فَلَمّا سَارَتْ قُرَيْشٌ إلَى أُحُدٍ ، قَالَ لِي جُبَيْرٌ إنْ قَتَلْتَ حَمْزَةَ عَمّ مُحَمّدٍ بِعَمّي فَأَنْتَ عَتِيقٌ قَالَ فَخَرَجْتُ مَعَ النّاسِ وَكُنْتُ رَجُلًا حَبَشِيّا أَقْذِفُ بِالْحَرْبَةِ قَذْفَ الْحَبَشَةِ ، قَلّمَا أُخْطِئُ بِهَا شَيْئًا ؛ فَلَمّا الْتَقَى النّاسُ خَرَجْتُ أَنْظُرُ حَمْزَةَ وَأَتَبَصّرُهُ حَتّى رَأَيْته فِي عُرْضِ النّاسِ مِثْلَ الْجَمْلِ الْأَوْرَقِ يَهُدّ النّاسَ بِسَيْفِهِ هَدّا ، مَا يَقُومُ لَهُ شَيْءٌ فَوَاَللّهِ إنّي لَأَتَهَيّأُ لَهُ أُرِيدُهُ وَأَسْتَتِرُ مِنْهُ بِشَجَرَةِ أَوْ حَجَرٍ لِيَدْنُوَ مِنّي إذْ تَقَدّمَنِي إلَيْهِ سِبَاعُ بْنُ عَبْدِ الْعُزّى ، فَلَمّا رَآهُ حَمْزَةُ قَالَ لَهُ هَلُمّ إلَيّ يَا ابن مُقَطّعَةِ الْبُظُورِ . قَالَ فَضَرَبَهُ ضَرْبَةً كَأَنّ مَا أَخَطَأ رَأْسَهُ .
قَالَ وَهَزّزَتْ، وَذَهَبَ لِيَنُوءَ نَحْوِي ، فَغُلِبَ وَتَرَكْتُهُ وَإِيّاهَا حَتّى مَاتَ ثُمّ أَتَيْتُهُ فَأَخَذْتُ حَرْبَتِي ، ثُمّ رَجَعْت إلَى الْعَسْكَرِ فَقَعَدْتُ فِيهِ وَلَمْ يَكُنْ لِي بِغَيْرِهِ حَاجَةٌ وَإِنّمَا قَتَلْتُهُ لِأُعْتَقَ . فَلَمّا قَدِمْت مَكّةَ أُعْتِقْت ، ثُمّ أَقَمْتُ حَتّى إذَا افْتَتَحَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَكّةَ هَرَبْتُ إلَى الطّائِفِ ، فَمَكَثْت بِهَا ، فَلَمّا خَرَجَ وَفْدُ الطّائِفِ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِيُسْلِمُوا تَعَيّتْ عَلَيّ الْمَذَاهِبُ فَقُلْت : أَلْحَقُ بِالشّأْم ِ أَوْ الْيَمَنِ ، أَوْ بِبَعْضِ الْبِلَادِ فَوَاَللّهِ إنّي لَفِي ذَلِكَ مِنْ هَمّي ، إذْ قَالَ لِي رَجُلٌ وَيْحَك إنّهُ وَاَللّهِ مَا يَقْتُلُ أَحَدًا مِنْ النّاسِ دَخَلَ فِي دِينِهِ وَتَشَهّدَ شَهَادَتَهُ . فَلَمّا قَالَ لِي ذَلِكَ خَرَجْتُ حَتّى قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْمَدِينَةَ ، فَلَمْ يَرُعْهُ إلّا بِي قَائِمًا عَلَى رَأْسِهِ أَتَشَهّدُ بِشَهَادَةِ الْحَقّ .
فَلَمّا رَآنِي قَالَ أَوَحْشِيّ ؟ قُلْت : نَعَمْ يَا رَسُولَ اللّهِ . قَالَ اُقْعُدْ فَحَدّثْنِي كَيْفَ قَتَلْتَ حَمْزَةَ قَالَ فَحَدّثْته كَمَا حَدّثْتُكُمَا ، فَلَمّا فَرَغْتُ مِنْ حَدِيثِي قَالَ وَيْحَك غَيّبْ عَنّي وَجْهَك ، فَلَا أُرَيَنّك . قَالَ فَكُنْتُ أَتَنَكّبُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَيْثُ كَانَ لِئَلّا يَرَانِي، حَتّى قَبَضَهُ اللّهُ) ( ).
ومن مصاديق توبة وحشي أنه شهد اليرموك، وشارك في قتل مسيلمة الكذاب يوم اليمامة وكان يقول: قتلت خير الناس في الجاهلية , وشر الناس في الإسلام، ووحشي بن حرب ويكنى أبا دسمة، ولم تكن المثلة بحمزة وحده بل تعرض لها عدد من الشهداء، فقد قام الكفار بجدع الأنوف والآذان وقطع المذاكير، فقال المؤمنون لئن أدلنا الله منهم لنفعلن بهم مثل ما فعلوا بنا ولنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد قط، فنزلت الآية، عن محمد بن إسحاق والشعبي.
الثالثة: أراد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يلعن المسلمين الذين خالفوا أمره، والذين إنهزموا فمنعه الله من لعنهم، روي عن ابن عباس.
الرابعة: إن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم إستأذن ربه في يوم أحد في الدعاء على قريش الذين حاربوه، فنزلت الآية فلم يدع عليهم بعذاب الإستئصال) ( )، وقد تجلت الحكمة الإلهية بتوبتهم وصلاحهم.
الخامسة: روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم أهد قومي فإنهم لا يعلمون.
القسم الثاني: نزلت الآية بعد قتل أربعين من أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعثهم إلى أهل بئر معونة لتعليمهم القرآن وأحكام الإسلام فبعد نحو أربعة أشهر من معركة بدر(قَدِمَ أَبُو بَرَاءٍ عَامِرُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرٍ مُلَاعِبُ الْأَسِنّةِ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْمَدِينَةَ ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْإِسْلَامَ وَدَعَاهُ إلَيْهِ فَلَمْ يُسْلِمْ وَلَمْ يَبْعُدْ مِنْ الْإِسْلَامِ وَقَالَ يَا مُحَمّدُ لَوْ بَعَثْتَ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِك إلَى أَهْلِ نَجْدٍ ، فَدَعَوْهُمْ إلَى أَمْرِك ، رَجَوْتُ أَنْ يَسْتَجِيبُوا لَك ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّي أَخْشَى عَلَيْهِمْ أَهْلَ نَجْدٍ ، قَالَ أَبُو بَرَاءٍ . أَنَا لَهُمْ جَارٍ فَابْعَثْهُمْ فَلْيَدْعُوا النّاسَ إلَى أَمْرِك) ( ).
وهذا الحديث مدرسة في الدعوة الإسلامية، فمع شدة القتال بين المسلمين والكفار ووقوع معركة بدر وأحد، فإن الكفار يدخلون المدينة المنورة ولا يُكرهون على دخول الإسلام، ولا تجري ضغوط وترغيب وترهيب لإدخالهم في الإسلام، كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يستقبل هؤلاء الكفار ويدعوهم للإسلام ويترك لهم الخيار، نعم هذا الخيار ليس مجرداً، وليس من تكافيء بين طرفي القبول وعدمه فرجحان القبول ودخول الإسلام ظاهر لتجلي المعجزات التي تدل على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وَبَعَثَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْمُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو ، أَخَا بَنِي سَاعِدَةَ الْمُعْنِقَ لِيَمُوتَ فِي أَرْبَعِينَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ الْحَارِثُ بْنُ الصّمّةِ وَحَرَامُ بْنُ مِلْحَانَ أَخُو بَنِي عَدِيّ بْنِ النّجّارِ وَعُرْوَةُ بْنُ أَسْمَاءَ بْنِ الصّلْتِ السّلَمِيّ ، وَنَافِعُ بْنُ بُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيّ ، وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ الصّدّيقِ( )، وقيل(سبعين رجلاً من قراء أصحاب رسول الله) ( )، أي حملة الكتاب فساروا حتى نزلوا بئر معونة وبعثوا كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى عامر بن الطفيل الذي عدا على الرسول وقتله قبل أن ينظر في كتابه، وإستصرخ على وفد المسلمين بَنِي عَامِرٍ فَأَبَوْا أَنْ يُجِيبُوهُ إلَى مَا دَعَاهُمْ إلَيْهِ وَقَالُوا : لَنْ نَخْفِرَ أَبَا بَرَاءٍ ، وَقَدْ عَقَدَ لَهُمْ عَقْدًا وَجِوَارًا ؛ فَاسْتَصْرَخَ عَلَيْهِمْ قَبَائِلَ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ ( مِنْ ) عُصَيّةَ وَرِعْلٍ وَذَكْوَانَ ، فَأَجَابُوهُ إلَى ذَلِكَ فَخَرَجُوا حَتّى غَشُوا الْقَوْمَ فَأَحَاطُوا بِهِمْ فِي رِحَالِهِمْ فَلَمّا رَأَوْهُمْ أَخَذُوا سُيُوفَهُمْ ثُمّ قَاتَلُوهُمْ حَتّى قُتِلُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ يَرْحَمُهُمْ اللّهُ إلّا كَعْبَ بْنَ زَيْدٍ أَخَا بَنِي دِينَارِ بْنِ النّجّارِ فَإِنّهُمْ تَرَكُوهُ وَبِهِ رَمَقٌ فَارْتُثّ مِنْ بَيْنِ الْقَتْلَى ، فَعَاشَ حَتّى قُتِلَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ شَهِيدًا ( )، وقد قيلت قصائد لحسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك وغيرهم تنعى أصحاب بئر معونة على نحو العموم المجموعي والإستغراقي، أو القضية الشخصية برثاء بعضهم.
وحزن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لمقتل هؤلاء الصحابة الأخيار، ودعا على الكفار أربعين يوماً، وفيه شاهد على أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لا يبادر إلى البطش والإنتقام، بل يلجأ في المهمات إلى الدعاء الذي هو سلاح الأنبياء، وقال مقاتل: نزلت هذه الآية بقتلى بئر معونة، ترى لماذا لم يمنع رسول صلى الله عليه وآله وسلم عن بعث هؤلاء الأصحاب , والجواب من وجوه:
الأول: إن بعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لهم نفراً من أصحابه من عمومات قوله تعالى[وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى] ( )، فليس من خطأ أو سهو أو إبتعاد عن التدبير والحكمة في المقام.
الثاني: إنه من عمومات قوله تعالى[لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ]( )، سواء على القول المشهور بأن الآية أعلاه نزلت في معركة أحد أي أن بعث أصحاب بئر معونة جاء بعد نزول هذه الآية بأربعة أشهر، أو أن قتل هؤلاء الصحابة هو سبب نزول الآية للإطلاق الزماني لمضامين الآية أعلاه.
الثالث: لقد ذهب هؤلاء الصحابة شهداء قال تعالى[وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ] ( ).
الرابع: تبين هذه الواقعة حاجة القبائل والناس جميعاً للإسلام وتهذيب الأخلاق، ووجود قوانين سماوية ثابتة تحكم الصلات والمعاملات.
الخامس: بيان حقيقة وهي أن الإسلام لم ينتشر بالسيف، ولكن الكافرين واجهوا الدعوة السلمية للحق بالغدر والإبادة الجماعية، ففي هذا الزمان ومعالم العولمة يتم التأكيد على الإستماع للرأي الآخر، والإحتجاج، ولكن الكفار قتلوا الرسول الذي جاء بكتاب من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يقرأوا الكتاب ويعلموا ما فيه، ثم أجهزوا على الصحابة الذين لم يأتوا للقتال والحرب، ولم يدخلوا البلد، إذ أن بئر معونة التي نزلوا فيها تقع (بَيْنَ أَرْضِ بَنِي عَامِرٍ وَحَرّةِ بَنِي سُلَيْمٍ ، كِلَا الْبَلَدَيْنِ مِنْهَا قَرِيبٌ وَهِيَ إلَى حَرّةِ بَنِي سُلَيْمٍ أَقْرَبُ) ( ).
ويدل سياق الآيات على نزولها في معركة أحد إلا أن مضامينها عامة لا تنحصر بحال دون آخر، وفيها دلالة على نضارة القرآن وبقائه حياً غضاً, وأحكامه ساريةً وملائمة لكل واقعة ولأفراد الزمان الطولية.
مفهوم الآية
إبتدأت الآية بالنفي ولغة الخطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على نحو التعيين، ولكنه لا يفيد الحصر، بل هو عام وشامل للمسلمين جميعاً، وفيه ثناء وإكرام لهم، وهو من عمومات قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( )، فإن الله عز وجل يقيهم شر عدوهم، ويرفع عنهم أذاهم، وفي الآية مسائل:
الأولى: بيان عظيم منزلة النبي محمد عند الله بمخاطبة الله عز وجل وكفايته له.
الثانية: فتح باب التوبة للناس جميعاً.
الثالثة: ترغيب الناس بالتوبة، ومنهم الكفار الذين حاربوا النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وقاتلوا المسلمين.
الرابعة: الإنذار والوعيد للكفار بالعذاب الأليم، قال تعالى[إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ]( ).
الخامسة: ذم الكفار ونعتهم بأنهم ظالمون، ومجيء الآية بلغة الإطلاق في الظلم، لبيان إضرارهم بالإسلام وأنفسهم والناس جميعاً.
السادسة:أمن وسلامة المسلمين من لغة الإنذار ليكون من مفاهيم هذه الآية توكيد منطوق قوله تعالى [فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ] ( )، والوعيد بالعذاب الأليم الوارد في الآية الكريمة.
السابعة: جعل الكفار بين أمرين ليس من قسيم ثالث لهما , فاما المغفرة أو العذاب، وهو قانون عام ويشمل الناس جميعاً في أجيالهم المتعاقبة، جاءت هذه الآية لطفاً من عند الله لبيانه والتذكير به.
الثامنة: بيان الملازمة بين التوبة والمغفرة، فمتى ما تاب الكافر وإلتحق بالمسلمين، وأصلح نفسه وأفعاله فان المغفرة تتغشاه للوعد السماوي في هذه الآية الكريمة ,قوله تعالى ( يغفر لمن يشاء ).
التاسعة: الملازمة بين الكفر والعذاب، وبيان حقيقة وهي أن كفار قريش يعذبون لكفرهم وجحودهم، ولمحاربتهم المسلمين.
العاشرة: محاربة الإسلام، وتجهيز الجيوش على المسلمين علة لسرعة نزول العذاب بالكفار، وهلاك طائفة منهم , كما تقدم في الآية السابقة[لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا]( ).
الحادية عشرة: توكيد إنتفاء الواسطة بين الله عز وجل وبين العباد في قبول التوبة أو نزول العذاب.
الثانية عشرة: بيان رحمة الله عز وجل ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وحضوره وتوليه للأمور والزعامة والإمامة، وإعانة الكفار على التوبة، وتحمله الأذى منهم، وهو من عمومات قوله تعالى[وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( )، فان قوله تعالى [لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ] إنذار آخر للكفار، وتخفيف عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين.
الثالثة عشرة: لم تذكر الآية توبة الكفار ولم ترغبهم بها والإنابة , وفيه مسائل:
الأولى: جاءت الآية في مقام الإنذار والوعيد.
الثانية: بيان إسراف الكفار في التعدي بهجومهم وزحفهم على يثرب لإرادة قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وإستئصال الإسلام.
الثالثة: توكيد موضوعية توبة الله عز وجل على العباد، وأن كل إنسان محتاج لرحمة الله وعفوه ومغفرته.
الرابعة:جاءت الآية خطاباً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وبياناً لقانون ثابت يتعلق بشأن الكفار ليكون الحديث الشريف (أدبني ربي فأحسن تأديبي) ( ) من مصاديق الآية الكريمة.
الرابعة عشرة: ليس للمسلمين من ذكر في الآية، إذ أنها تضمنت الخطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والإنذار للكفار، مع أن الآية باقية إلى يوم القيامة مضموناً وموضوعاً وحكماً، وفيه مسائل:
الأولى: إرادة المسلمين في الخطاب على نحو الإلحاق فاذا كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليس له من الأمر شئ فالمسلمون كذلك.
الثانية: التخفيف عن المسلمين.
الثالثة: بعث السكينة في نفوس المسلمين.
الرابعة:تطلع المسلمين لنزول العذاب من عند الله بالكفار، وان كان المسلمون والمسلمات مشغولين بعبادتهم وأمورهم العامة والخاصة.
وورد لفظ (ليس) في القرآن سبع مرات، إثنان منهما خطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , والثاني منهما قوله تعالى [وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ] ( )، وفيه تأديب للمسلمين وتخفيف عنهم.
إفاضات الآية
تبعث الآية على الإنقطاع إلى الله تعالى والإخلاص في عبادته، فلا يرى المسلم في الوجود إلا الله عز وجل، لقد إجتهد المسلمون في طاعة الله عز وجل، وخرجوا إلى سوح المعارك يقاتلون في سبيل الله، فجاءت هذه الآية إشعاعاً لأنوار الحضرة الإلهية، والسياحة في عظيم قدرته تعالى وأنه سبحانه غني عن العالمين، وأن القتال في سبيله إنما هو لنفع المقاتلين وأن الله عز وجل يمدهم بالمدد والعون من عنده تعالى، ففي سوح المعارك تنزل الملائكة لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، قال تعالى[فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ]( )، وتأتي هذه الآية بالمدد المطلق في حال السلم أيضاً وفيه إثبات لصدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومقدمة لنصرته، وظهور دولة الإسلام قال تعالى[لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ]( ).
وتبين الآية حاجة الناس إلى الله بديع كل حي، ومفيض كمال كل موجود، الذي يرزق المؤمنين صفات الحسن والصلاح، ويجعلهم أئمة للناس، ويدفع عنهم العوائق التي تحول دون هذه الإمامة، والقرآن واسطة الفيض الإلهي على الناس جميعاً، وبادر المسلمون إلى تلقي نزوله على صدر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالقبول والإمتثال لما في آياته من الإحكام والأحكام مما أغاظ الكفار، فاختاروا السعي الحثيث بالسيف والمال للإجهاز على الإسلام وقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فجاءت جيوشهم العظيمة إلى يثرب حيث القلة في عدد المسلمين والنقص في مؤونهم، ونزلت الملائكة لنصرة المؤمنين ورد الله كيد الكفار وأخزاهم وإنقلبوا خائبين كما تدل عليه الآية السابقة، ولكنهم إستمروا بمكرهم وكيدهم وتحريض القبائل على الإسلام وأثار أهل الضلالة أسباب الشك والريب في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم سعياً لصد الناس عن التصديق بها.
فجاءت هذه الآية فيضاً مباركاً على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، وواقية من عدوهم، وما يمكر به في الليل والنهار لتملأ السكينة نفوس المسلمين، وتكون تلاوة هذه الآية والإستماع لها إرتقاءً في سلم الكمالات، ودعوة للتفقه في الدين والسعي لإستخراج كنوز القرآن , وما في ثنايا كلماته من الوعد والوعيد الذي هو من مصاديق الغيب.
الآية لطف
في الآية لطف ورحمة من وجوه:
الأول: تفضل الله عز وجل بمخاطبة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: إكرام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين.
الثالث: الوعد الكريم للمسلمين بدحر وهزيمة عدوهم.
الرابع: الرأفة واللطف بالناس جميعاً بالإخبار بأن الله يتوب عليهم، وأن قبول التوبة والمغفرة أمر بيد الله.
الخامس: إنذار ووعيد الكفار بالعذاب لطف بهم وتحذير لهم من الإقامة على الكفر.
السادس:بعث السكينة والطمأنينة في قلوب المسلمين لحصر مصير أعدائهم بأمرين أما التوبة، وأما العذاب، لقد أحس جناحان من الأنصار بالضعف يوم أحد، فنزلت عليهم السكينة، ومن أفرادها الغيرية ومفاهيمها عذاب الكفار ببعث الفزع والخوف في نفوسهم، قال تعالى[إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ] ( ).
وطرأ هذا الهم بعد أن نصر الله عز وجل المسلمين يوم بدر مع قلتهم والنقص في أسلحتهم ومؤونتهم فجاءت هذه الآية لبيان مصداق حاضر لولاية الله عز وجل للمسلمين ودعوة عملية ليتوكلوا على الله، وينفروا إلى سوح الجهاد لا يخشون الظالمين، لأن الله عز وجل أبى إلا أن يستأصل الظلم بالتوبة لمن يقلع ويكف عنه، والعذاب الأليم لمن يقيم عليه.
الصلة بين أول وآخر الآية
إبتدأت الآية بأداة النفي، وسور السالبة الكلية(ليس) وقد تأتي قرائن تدل على أنه للسالبة الجزئية وهو في الآية من الأول بلحاظ التنكير في(شيء) الذي ينطبق على الوجود قليلاً كان أو كثيراً، نعم هذا النفي ليس مطلقاً سواء في الموضوع أو أفراد الزمان الطولية، فالقدر المتيقن منه حال الكفار، وما ينتظرهم من سوء العاقبة، فبعد أن بينت الآية أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ليس له من الأمر شيء، ذكرت حكم الذين كفروا وأنه قانون ثابت محصور بأمرين ذكرتهما الآية على نحو الإيجاز غير المخل الذي يتضمن البيان ويرفع اللبس، ويمنع من الجهالة والغرر.
ومن الآيات ثبات هذا القانون مع عدم إستقرار وثبات المصاديق من الأفراد، فكل فرد من الكفار يمكن أن يكون من القسم الأول الذين يتوب الله عز وجل عليهم، أو من القسم الثاني الذين يبقون في منازل الظلم، ويصرون على التعدي.
وبعد إبتداء الآية بنفي الأمر للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في عاقبة الكفار جاء حرف الترديد والتخيير(أو) وفيه وجهان:
الوجه الأول: تعلق الترديد بمضامين الآية السابقة، وتقدير الجمع بين الآيتين على شعب:
الأولى: قطع طرف وهلاك طائفة من الذين كفروا الذين خرجوا لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه.
الثانية: كبت وخزي الكفار وإنقلابهم خاسرين لقوله تعالى في خاتمة الآية السابقة(فينقلبوا خائبين).
الثالثة: يتوب الله عز وجل على التائبين من الذين خرجوا لمحاربة الإسلام، وقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين.
الرابعة: يعذب الله عز وجل الذين كفروا.
الوجه الثاني: يتعلق الترديد بمضامين هذه الآية على نحو مستقل عن الآية السابقة، وفيه آية أنه يكون للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم شأن في أمر الكفار , وعلى فرض هذا المعنى فان هذا الشأن من فضل الله وسعة رحمته, ويكون في المقام على وجوه:
الأول: توبة الله عز وجل على الكفار بدعاء وسؤال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لهدايتهم وصلاحهم فكان كثير الدعاء لهم رجاء توبتهم ودخولهم الإسلام وسلامتهم من الخزي والقتل في الدنيا والعذاب في الآخرة، وهو من عمومات قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ).
الثاني: سعي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في دعوة الكفار للإيمان , ونبذ الكفر ومفاهيم الضلالة.
الثالث: عذاب الكفار على يد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين قال تعالى[قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمْ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ]( )، ويكون معنى الآية: ليس لك من الأمر شيء، وإذا كان لك شأن فإن الله يتوب عليهم أو يعذبهم.
والأرجح هو الوجه الأول إلا أن الوجه الثاني لا يتعارض معه، بل هو في طوله، وفيه شاهد على سعة رحمة الله، وإكرامه تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما جعل له من المنزلة والمرتبة في الدنيا والآخرة، وقد رزقه الله عز وجل الشفاعة في الآخرة لتكون إمتداداً لتوبة الله على المسلمين.
وعلى الوجه الثاني تتضمن الآية ترغيباً إضافياً للكفار بالتوبة، وبيان حاجتهم لرحمة الله وعناية ودعاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولزوم الإنصات له فيما ينزل عليه من الآيات والوحي مطلقاً، وما فيه من الأحكام والسنن والقوانين قال تعالى[وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا]( )، وقدمت الآية التوبة على العذاب، وفيه مسائل:
الأولى: دعوة المسلمين لعدم اليأس من إسلام فريق من الكفار.
الثانية: يدل هذا التقدير على سعة رحمة الله وأنه سبحانه رحيم بالناس جميعاً.
الثالثة: الآية من عمومات تقريب الناس إلى منازل الطاعة والإمتثال لأوامر الله.
الرابعة: سبق الرحمة من اللطف الإلهي , وورد في الحديث القدسي: (سبقت رحمتي غضبي) ( ).
الخامسة: التخفيف عن المسلمين بالإخبار عن توبة فريق من الكفار.
السادسة: البشرى للمسلمين بأن فريقاً من الكفار يدخلون الإسلام.
السابعة: التقدم الزماني للتوبة على العذاب، وإرادة توبة الله عز وجل على الكفار في الحياة الدنيا، وقد جاءت الآيات بالإخبار عن خلود الذين يموتون على الكفر في النار، قال تعالى[خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ]( ).
الثامنة: بيان حقيقة وهي إتساع رقعة الإسلام وظهور معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتصديق الناس بنبوته، وبشارة نصر المسلمين في معارك القتال قال تعالى[لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ]( ).
التاسعة: دعوة المسلمين للإحتجاج والجدال بالحكمة ولإقامة الحجة على الكفار رجاء جذب الناس للإسلام.
وجاءت الآية بثلاثة أطراف:
الأول: ليس للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الأمر شيء.
الثاني: وهو على شعبتين:
الأولى: توبة الله على الكفار الذين يبادرون إلى التوبة.
الثانية: عذاب الكفار الذي يصرون على الكفر.
الثالث: إختتام الآية بنعت الكفار بأنهم ظالمون، ويحتمل متعلق خاتمة الآية وجوهاً:
الأول: تعلقها بالشعبتين من القسم الثاني أعلاه.
الثاني: موضوعها التوبة لأن التوبة تأتي بالعفو عن الذنوب.
الثالث: إرادة العذاب وحده فإن الله عز وجل يعذبهم لأنهم ظالمون.
الرابع: المقصود الذين تدركهم التوبة والذين أقاموا على المعاصي.
الخامس: إرادة وصف الكفار عند نزول الآية، والإخبار عن حالهم أيام البعثة النبوية.
والصحيح هو الثالث والخامس، فمع إخبار الآية عن إحتمال توبة الله عز وجل عنهم فإنهم مستمرين في الإقامة في منازل الظلم والتعدي قال تعالى[وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ]( )، ليكون المسلمون على حذر وحيطة من الكفار، ويهبّوا للدفاع عن الإسلام ومبادئه في سوح القتال.

الآية نعمة
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا بذاتها نعمة تتدلى أغصان إفاضاتها على كل إنسان فيها، إلى جانب أنها وعاء مبارك للنعم الخاصة والعامة والتي يعجز الناس عن إحصائها وإن إجتمعوا قال تعالى[وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا] ( )، فيجتهد الناس في تعداد النعم ولكنهم لا يستطيعون ضبطها وحسابها فكل نعمة توليدية وإنشطارية سواء كانت نعمة أصلية أو فرعية، أي النعمة التي تتولد من غيرها تنشطر هي أيضاً إلى المتعدد من النعم، وتكون كل نعمة مقدمة لنعمة أخرى، وبرزخاً دون الأذى والضرر , وكأن تجدد النعم من العلة والمعلول، وعدم تخلف المعلول عن علته، فكل نعمة تتولد عنها نعم عديدة، وهذه النعم لا تنحصر في طول وإمتداد النعمة الأصلية، بل تكون أيضاً في عرضها وزمانها، وتلك آية في بديع خلق الحياة الدنيا، وأسرار جعل الإنسان خليفة في الأرض، ودعوة للناس للإقرار بالعبودية لله عز وجل، والتسليم بربوبيته، والتصديق بالأنبياء الذين يأتون بالمعجزات التي تؤكد صدق دعوتهم، وتكون تحذيراً عملياً من التكذيب بهم، ومنها أمور وكيفيات القتال بين المسلمين والكفار .
وجاءت هذه الآيات القرآنية وما فيها من الوعد والوعيد نعمة عظيمة على المسلمين والناس جميعاً، ومن النعم الإلهية في الآية السابقة هلاك طائفة من الكفار بقوله تعالى[لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا]( )، والذي يدل بالدلالة التضمنية على جهاد المسلمين وقتالهم في معركة أحد لدحر هجوم الكفار ومنع قربهم من المدينة، وجاءت هذه الآية بقطع دابر الكفر موضوعاً وأشخاصاً فكأن الصلة بين الآيتين العموم والخصوص المطلق وأن هذه الآية تتضمن قطع دابر الكفر بهداية شطر من الكفار، وعذاب الشطر الآخر .
ومن العدل الإلهي أن هذا التفصيل لم يحدث إلا وفق قواعد الإختبار والإبتلاء في الحياة الدنيا، ولا ينزل العذاب إلا بالذين يصرون على الكفر والجحود.
فبعد نعمة قطع طرف من الكفار وهلاك طائفة منهم، جاءت نعمة التخفيف عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين والمسلمات بقوله تعالى في أول هذه الآية [لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْ] لتتضمن هذه الآية وجهاً آخر من وجوه التخفيف غير الذي يتعلق بعدد المقاتلين كما في قوله تعالى [الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ] ( ).
وجاءت الآية بنعم متعددة تتجلى بنزول الحكم الإلهي بالعفو والمغفرة لمن يتوب من الكفار، ونزول العذاب بالذين يمتنعون عن التوبة، ومن أسرار التعاقب بين الآيتين ومفاهيم الرحمة فيه أمور:
الأول: هلاك طائفة من الكفار حجة على الباقين منهم.
الثاني: من رحمة الله عز وجل بالناس ومنهم الكفار أن الهلاك لم يأت على الكفار كلهم، بل على جماعة من صناديدهم، وكان مقدمة لعذابهم عذاباً اليماً.
الثالث: بقاء باب التوبة مفتوحاً للكفار حتى بعد هلاك طائفة منهم لقوله تعالى [أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ]مما يدل على أن العذاب لا ينزل إلا بالذين لم يغادروا منازل الظلم والتعدي والجور، لذا أختتمت الآية بقوله تعالى(فإنهم ظالمون) والذين ذكرت الآية السابقة هلاكهم عبرة وموعظة لمن بقي من الكفار وحجة عليهم إلى جانب البراهين التي تسطع في معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإنتصارات المسلمين في ميادين القتال بخلاف سنن الحروب وموضوعية العدد والعدة .
وإبتدأت هذه الآية بالعفو والتخفيف عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين ونزول الحكم الإلهي بالكفار من سبع سماوات على نحو القطع والحسم ليختاروا أحد أمرين متضادين أما التوبة والعفو وأما العذاب, مما يدل بالدلالة الإلتزامية على سلامة الإسلام والأمن من الكفار، وعجزهم بعد هذه الآية عن إلحاق الضرر بالمسلمين، لتتخذ أجيالهم المتعاقبة من نزول هذه الآية عيداً متجدداً في كل آن، وتتجلى في جانب بهي منها بتلاوتها في الصلوات، وفي المصحف، والتدبر في معانيها، وقراءة علوم التفسير لمضامينها القدسية، ومن النعم الإلهية في الآية كثرة عدد المسلمين مع قلة وضعف أعدائهم.
لقد كانت بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نعمة على الناس جميعاً، وكانت قريش من أوائل الذين حلت هذه النعمة بين ظهرانيهم فتلقاها عدد قليل منهم بالشكر ودخلوا الإسلام، وتصدى كبرائهم بها بالجحود الذي يتمثل بالحرب والعدوان فنزلت هذه الآية الكريمة زجراً وتوبيخاً ووعيداً لهم قال تعالى[أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ] ( ).
الآية حاجة
لقد إبتدأ خلق الإنسان بنفخ الروح فيه من عند الله، وتفضل سبحانه وجعله خليفة في الأرض وعلّم آدم الأسماء كلها، وهي من مصاديق حاجة الإنسان إلى رحمة وفضل الله عز وجل , والحاجة ملازمة للإنسان في وجوده، وهذه الملازمة من بديع صنع الله، ومن عمومات قوله تعالى[إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( )، في رد الله عز وجل على الملائكة عندما إحتجوا على جعله خليفة في الأرض، فحاجة الإنسان لله عز وجل ورحمته تمنع من إستبداد الفساد، وطغيان الظلم، وتجعل الناس يرجعون إلى الله عز وجل، ويستقبلون التنزيل بالتصديق، والأوامر الإلهية بالإمتثال ومن يمتنع منهم، ويصر على الفجور والفساد يأتيه العذاب الأليم من عند الله، لذا جاءت هذه الآية جامعة مانعة، جامعة لما يلقاه الناس من العاقبة والجزاء، مانعة من إستمرار الفساد والظلم المترشح عن الكفر والجحود.
لقد أظهر الصحابة الإخلاص في طاعة الله، والتفاني جهاداً في سبيل الله، وخرجوا لميادين القتال وهم يعلمون بالبون والفارق الكبير بينهم وبين الكفار عدداً وعدة، ورجحان كفة الكفار فيهما، فجاءت هذه الآية الكريمة لبعث السكينة والغبطة في نفوسهم وإعلان بداية عهد جديد يزول معه خطر الإستئصال، ويكون مناسبة كريمة لتلقي آيات الأحكام والعمل بمضامينها، إذ أن الإمتثال للأوامر والنواهي الإلهية له موضوعية عظيمة في الثواب والعقاب، وهو واقية من التحريف والتبديل في آيات التنزيل فمما أنعم الله عز وجل به على المسلمين تهيئة أسباب الإمتثال الأمثل للأوامر الإلهية وهو من مصاديق قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( )، وهذه التهيئة على وجوه:
الأول: القضية الشخصية، بأن يتفقه المسلم في أمور الدين.
الثاني: القضية النوعية العامة بتلقي المسلمين على نحو العموم الإستغراقي والمجموعي أحكام التنزيل بالقبول والإنصياع.
الثالث: توبة شطر من الكفار، وصيرورتهم جنوداً للذب عن الإسلام، ودعاة للإمتثال للأوامر الإلهية.
الرابع: ضعف ووهن الكفار ونزول العذاب بهم على نحو دفعي وتدريجي.
الآية مدد
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار مدد وعون للناس عامة، والمسلمين خاصة، وتلك آية في بديع صنع الله، ولطفه ورأفته في الناس، ومع قصورهم وتقصيرهم عن وظائفهم العبادية التي تتجلى بقوله تعالى[وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ]( )، فإن المدد منه تعالى متصل ودائم وليس من حصر لأنواع ومصاديق هذا المدد، ومنها:
الأول: الرزق الكريم ونزول الغيث من السماء وإحياء الأرض به، وإتصاف الماء الذي ينزل من السماء بالبركة والنماء والنفع قال تعالى[وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا] ( ).
الثاني: بعث الأنبياء ومصاحبة المعجزات لهم.
الثالث: نزول الكتب السماوية التي تضيء دروب الهداية للناس جميعاً.
الرابع: إعانة المسلمين في جهادهم في سبيل الله، وسعيهم في نشر لواء الإسلام، وحرصهم على الإمتثال للأوامر الإلهية.
الخامس: مجيء الآيات السماوية والأرضية، والعامة والخاصة التي تدل على الحسن الذاتي للإيمان، والقبح الذاتي للكفر.
السادس: تقريب الناس من منازل الطاعة، وتهيئة مقدمات العبادات، وتسخير ما في السماوات والأرض لنفع الإنسان في حياته وفي صلاحه وإتخاذه الدنيا مزرعة للآخرة قال تعالى[وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ] ( ).
السابع: تأهيل المسلمين لمراتب الصبر لتكون وعاء ومناسبة لأداء العبادات، وتحمل الأذى في جنب الله.
الثامن: نزول الملائكة مدداً للمؤمنين، وزاجراً للكفار عن الإستمرار في التعدي على حرمات الإسلام، فقد إحتاج المسلمون للناصر يوم بدر وأحد، وليس من بلدة أو جماعة تمدهم بالجنود أو السلاح، وليس من جهة توقف القتال بينهم وبين الكفار وترجئ الحرب، وتدعو إلى تحكيم العقل وسيادة البرهان، وتمنع مهلة يرضى بها الكفار، فقد أبوا إلا إستئصال المسلمين، وقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإجهاز على أصحابه بالقتل والأسر، فجاء المدد من الملائكة ليكون فيه قضاء لحاجة المسلمين في المدد والنصرة، وباباً لتوبة فريق من الكفار وعذاباً للذين لا يغادرون منازل الجحود، فهذا المدد الملكوتي من مصاديق الآية محل البحث بأطرافها الأربعة من جهات:
الأولى: كفاية الملائكة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في القتال وهزيمة الكفار، وفي معركة بدر نزل قوله تعالى[وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى]( )، فقد أمر الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر بواسطة جبرئيل، أن يأخذ قبضة من تراب ويرمي بها المشركين وقال: شاهت الوجوه فلم يبق مشرك إلا دخل في عينيه وفمه ومنخريه منها شيء ثم هجم عليهم المسلمون ليقع المشركون بين قتيل وأسير، وينهزم الباقون إلى مكة لا يلوون على شيء، مخلفين وراءهم عدتهم ومؤونهم، ليأتي يوم أحد بمعجزة عظيمة وهي كفاية النبي محمد صلى الله عليه وآله سلم وأن الله عز وجل هو الذي يتولى أمر عدو المسلمين، بأن ينزل الملائكة مدداً ونصيراً للمسلمين .
وتنزل هذه الآية لتكون وعداً وبشارة للنبي محمد صلى الله عليه وآله سلم والمسلمين وندباً لنشر مبادئ الإسلام بسكينة وطمأنينة من غير خشية من الكفار الظالمين إذ ينزل بساحتهم العذاب الأليم.
التفسير الذاتي
ورد قوله تعالى[يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنْ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ]( )، فالله عز وجل ينصر المؤمنين ويخذل الكفار والمنافقين، إذ كان الكفار يقولون لو كان النصر بيدنا نفعل كذا وكذا، فجاءت الآية أعلاه لتؤكد أن مقاليد الأمور بيد الله، وقيل المراد من الأمر في الآية أعلاه النصر، ولكنه أعم قال تعالى[أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ]( ).
ورد لفظ(يتوب) في القرآن إثنتي عشرة مرة، ومن إعجاز القرآن أن الفاعل فيها جميعاً الله عز وجل، ليكون هذا اللفظ مدرسة كلامية في القرآن، تستقرأ منها الدروس والمواعظ، وتوبة الله عن العبد مغفرة ذنوبه والتجاوز عن سيئاته.
وورد موضوع توبة الناس في القرآن بصيغة المفرد والمثنى والجمع )تاب) (تبت) (تابا) (تتوبا) (تابوا) (تبتم) (يتوبون) (توبوا)، وهذا التعدد من فضل الله عز وجل على الناس عامة والمسلمين خاصة، لدلالته على كثرة صيغ وطرق التوبة وأبوابها، وأن الله عز وجل هو الذي يقبل التوبة عن عباده.
وورد لفظ (يعذبهم) تسع مرات في القرآن وهو أقل من عدد لفظ (يتوب) في دلالة على سعة التوبة، ولا ينحصر العذاب بالحياة الآخرة، بل يشمل الحياة الدنيا قال تعالى[إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا]( ).
وجاء في آية من آيات القرآن تقديم العذاب على التوبة قال تعالى[وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ]( )، ونزلت في المتخلفين عن تبوك إن أصروا على القعود ولم يعتذروا فإن الله يعذبهم وهم ثلاثة: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، فبادروا إلى التوبة إذ أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه أن لا يسلموا عليهم ولا يكلموهم، وهم لم يبادروا إلى الإعتذار كما فعل أبو لبابة إلذي شدّ نفسه على السارية وأظهر الندم والأسى فلما رأوا المسلمين أعرضوا عنهم، فوضّوا أمرهم إلى الله وأعلنوا التوبة والندامة فرحمهم الله عز وجل.
وبين الآيتين تباين في الموضوع، إذ جاءت الآية محل البحث وعيداً للكفار، بينما جاءت الآية أعلاه في دعوة نفر من المسلمين للتوبة والإنابة وبيان قبح التخلف عن النفير وأضراره القريبة والبعيدة.
وورد لفظ(ظالمون) في القرآن ثلاثاً وثلاثين مرة، وفيه ذم وإنذار، وتحذير من البقاء في منازل الظلم , وزجر عن التمادي في الظلم والتعدي، كما ورد بصيغة النصب والجر ثلاثاً وتسعين مرة.
من غايات الآية
في الآية مسائل:
الأولى: بيان عظيم منزلة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عند الله، وإفتتاح الآية بتوجيه الخطاب له.
الثانية: دعوة المسلمين للتفقه في الدين.
الثالثة: توكيد مضامين الآية السابقة بالإخبار بأن النصر بيد الله عز وجل، وأنه سبحانه ناصر المسلمين.
الرابعة: دعوة المسلمين للإنقياد لأمر الله، والتدبر بمعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ميادين القتال، ونزول الملائكة لنصرته.
الخامسة: بعث الندم والحسرة في قلوب المنافقين الذين تخلفوا عن القتال، والذين إنخزلوا في الطريق إلى أحد، مع أن عددهم ليس قليلاً إذ كانوا ثلاثمائة أي ثلث جيش المسلمين الذي خرج لقتال الكفار.
السادسة: بيان قانون ثابت في الإرادة التكوينية وهو بقاء باب التوبة مفتوحاً للناس جميعاً وأنه لن يغلق حتى في وجوه الذين يقاتلون النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين.
السابعة: ينتظر العذاب من لم يتب من الكفار إذ يؤاخذه الله على تعديه على الإسلام والمسلمين.
الثامنة: يستحق الكفار العذاب لإقامتهم على ظلمهم لأنفسهم قال تعالى[وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ]( ).
التاسعة: حصر عاقبة الكفار بأمرين بلحاظ تغير الموضوع أو بقائه، فإذا بادر الكفار إلى التوبة والصلاح فإن الله عز وجل يتوب عليهم، ومع الإصرار عل الكفر والمعصية فإن العذاب هو عاقبتهم.
العاشرة: عدم ترك الكفار وشأنهم، فلابد من عقوبتهم إلا من يتوب الله عز وجل عليه.
الحادية عشرة: بيان المنافع العظيمة للتوبة وأنها واقية من العذاب.
الثانية عشرة: جعل الناس جميعاً يدركون الحاجة إلى التوبة.
الثالثة عشرة: الترغيب بالتوبة.
الرابعة عشرة: التضرع إلى الله عز وجل بقبول التوبة.
التفسير
قوله تعالى[لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ]
لقد جاءت الآيات القليلة السابقة في واقعة أحد، إذ تبدأ بخروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من بيته لإصلاح أصحابه للقتال في سبيل الله، بقوله تعالى[وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ]( )، ومن الإعجاز في الآية أعلاه وما بعدها وجوه:
الأول: التوثيق السماوي لمعركة أحد ومقدماتها من طرف واحد، وهو خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين إلى ساحة المعركة وفيه مسائل:
الأولى: بيان موضوعية وجود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع المسلمين.
الثانية: الأثر العظيم المبارك لإمامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقيادته للمسلمين في القتال والإستعداد له.
الثالثة: تأديب قواد وأمراء المسلمين بلزوم الإشراف على مقدمات التوجه إلى المعركة، وعدم التهاون فيها.
الرابعة: إمضاء خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى القتال.
الخامسة: إستعداد أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للخروج للقتال، فهو لم ينتظر حضورهم بالتتابع، فحالما أدى صلاة الصبح وخرج من بيته رآهم في إنتظاره للتوجه إلى ميدان القتال.
الثاني: لم تذكر الآيات مقدمات خروج الكفار إلى المعركة، وفيه مسائل:
الأولى: ذكر مقدمات الخروج إلى المعركة نوع إكرام، وهو خاص بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين.
الثانية: قبح خروج الكفار للقتال، وزحفهم لقتال المؤمنين.
الثالثة: آيات القرآن موعظة ومدرسة، لذا ذكرت الآيات خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه على نحو التعيين.
الرابعة: توكيد حقيقة وهي أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه يدافعون عن الإسلام.
الخامسة: تهيئ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه للقتال يدل على وجود عدو معتد.
السادسة: إقامة الحجة على الكفار للأذى الذي لحق المؤمنين، والنفير للحرب، وتعطيل الزراعات والمكاسب.
الثالث: الثناء على المسلمين الذين خرجوا للقتال بنعتهم بالمؤمنين، وتولي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه إصلاحهم للقتال، ويبعث هذا التولي السكينة في نفوسهم.
الرابع: بيان حقيقة وهي أولوية الجهاد عند النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، فقد هجر وأصحابه الأهل وغادروهم من الصباح الباكر خارجين إلى سوح المعركة.
الخامس: إبتدأت الآية أعلاه بحرف العطف الواو , وفيه مسائل:
الأولى: الإشارة إلى إتصال الآية بما قبلها من الآيات نظماً وموضوعاً وحكماً، والآية السابقة هي[إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا] ( ).
الثانية: التذكير بنصر المسلمين يوم بدر وهو حسنة ونعمة.
الثالثة: الإخبار عما سيتعرض له المسلمون يوم أحد من الأذى والخسارة، وبشارة صرف شر الكفار، ودفع الضرر عن المسلمين.
الرابعة: يخرج المسلمون إلى القتال والسكينة تتغشاهم وهم يتطلعون إلى رحمة الله والمعجزة في ساحة المعركة، وقد تفضل الله عز وجل بنزول الملائكة لنصرتهم وإبطال كيد الكفار.
الخامسة: توكيد قانون ثابت في الإرادة التكوينية وهو إنعدام الفترة بين الوعد الإلهي للمؤمنين والموعود به مطلقاً، وكأنه من العلة والمعلول , وعدم تخلف المعلول عن علته.
السادسة: جاءت الآية أعلاه خطاباً للمسلمين، أما آية(وإذ غدوت) فهي خطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفيما يخص المسلمين، وحال القتال، وهو من عمومات قوله تعالى[النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ] ( ).
السابعة: زحف الكفار على المدينة المنورة من كيدهم الذي ذكرته الآية السابقة.
الثامنة: جاءت خاتمة آية[تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ] إنذاراً ووعيداً للكفار، وجاءت خاتمة آية(وإذ غدوت) بشارة المدد الإلهي للمسلمين، وفيها ترغيب لهم بالدعاء، وقد رأى المسلمون منافع الدعاء يوم بدر وكيف أنه طريق ووسيلة لجلب النصر والظفر بالأعداء، ومقدمة لنزول قوله تعالى يومئذ[إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ]( ).
التاسعة: حاجة المؤمنين عند الخروج إلى القتال إلى الصبر والتقوى ويتجلى كل منهما في طاعة الله ورسوله وأداء الوظائف العبادية، والصبر عند المجادلة ولمعان السيوف والمرابطة، وبعد آية(إذ غدوت) وما فيها من الإخبار عن إستعداد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه للقتال وتوجههم إلى ساحة المعركة، جاءت آية (إذ همت طائفتان) ( )، بالإخبار بالدلالة التضمنية عن شدة القتال، وتعرض المسلمين للخسارة، وعزم بعضهم على الإنسحاب من المعركة، ولكن الله عز وجل لم يخل بينهم وبين الخسارة، وهو سبحانه يمنع الكفار من تحقيق النصر والفرح بعزم فريق من المؤمنين على الجبن والخور وظهور أماراتهما عليهم ، وتكرر لفظ المؤمنين في آية(وإذ غدوت) والآية أعلاه فمن أسرار قوله تعالى [إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ] ( ).
إن الكفار لايعلمون بهذا الهم أثناء المعركة، فهذا العلم في حال حصوله قد يخفف من حال الخوف والفزع الذي يملأ نفوسهم، نعم قد يعلمون به بعد إنقضاء المعركة بسبب نزول الآية أعلاه وحكايتها وتوثيقها لموضوع الهم بالفشل والخور، ولكن هذا العلم حجة على الكفار، وسبيل لبعث اليأس في نفوسهم لزواله عن المؤمنين وللوعد الكريم الوارد في ذات الآية [وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا]وفيه مسائل:
الأولى: بين الآيتين عموم وخصوص مطلق، فالمراد من المؤمنين في الآية أعلاه المسلمون رجالاً ونساءً وإلى يوم القيامة، أما آية(وإذ غدوت) فهي خاصة بالصحابة الذين خرجوا للقتال في معركة أحد، وفيه نكتة وهي وجوب توكل المجاهدين على الله عز وجل، وهذا التوكل واقية من الفشل والخور والجبن.
وإذ تتحدث هذه الآيات عن وقائع معركة أحد , وما أصاب المسلمين فيها من الضرر جاءت آية (بدر) ( )، لتذكر بنصر المسلمين في معركة بدر بآية ومدد من عند الله، وفيه شاهد بأن أسباب النصر ذاتها حاضرة في معركة أحد، وأن الإنكسار الذي يتعرض له المسلمون وقصد فريق منهم الفشل والجبن لا يكون برزخاً دون تحقيق النصر، إذ أنه يأتي إبتداء كما في معركة بدر، ويأتي بعد الخسارة والأذى كما في معركة أحد، ويأتي في معركة لاحقة فالحرب سجال (والمساجلة المفاخرة) ( ).
وقد أراد الله عز وجل للمسلمين الإفتخار بالتوكل عليه وتجلي رشحات هذا التوكل، ومنها تحقيق النصر مع تباين أحوال المسلمين، فقد نصر الله المسلمين في معركة بدر وهم(أذلة) والضعف والنقص ظاهر فيهم وفي مؤنهم وأسلحتهم وفيه مسائل:
الأولى: بشارة النصر في معركة أحد وما بعدها بالأولوية القطعية لأن وصف المسلمين بالذلة حال معركة بدر يدل على تجاوز تلك الحال بعدها.
الثانية: ترغيب الناس بدخول الإسلام، وعدم الخشية من الكفار.
الثالثة: إندفاع المسلمين في سوح القتال توكلاً على الله وسعياً إلى الظفر، وشوقاً إلى لقاء الله.
الرابعة: بعث اليأس والقنوط في قلوب الكفار، فهم وإن إجتهدوا في إعداد الجيوش وكثرتها فإن النتيجة ذاتها تنتظرهم وهي هزيمتهم وإنقلابهم خائبين أمام المسلمين ومددهم من الملائكة.
الخامسة: بيان عملي لمصداق من مصاديق إعجاز القرآن وصدق نزوله من عند الله.
السادسة: تغشي السكينة للمؤمنين عند إستعدادهم للخروج لمعركة أحد، لأن الله عز وجل نصرهم يوم بدر وهم أذلة، وقد زالت هذه الصفة بعد هذا النصر وأصبحوا أقوياء أعزة.
لقد أختتمت آية (بدر) بقوله تعالى[فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]، وبدت معالم هذا الشكر في معركة أحد ومقدماتها وإتخاذ المؤمنين مواضع القتال بتوجيه من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو من عمومات قوله تعالى[أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ] ( ).
ويفيد الجمع بين آية (بدر) والتي قبلها أن كلاً من التقوى والشكر لله واقية من الفشل والجبن لقد جاءت الآيات السبعة السابقة بخصوص واقعة أحد وجاءت بينهما آية (بدر) لموضوعيتها والنصر الذي ناله المسلمون فيها، وتبدل حالهم بعدها في وقائع معركة أحد.
وإبتدأت آيات معركة أحد هذه بخطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم[وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ] ويتعلق موضوعه في إصلاح وتهيئة المؤمنين للقتال ودعوة للدفاع، وجاءت الآيات الأخرى خطاباً للمسلمين، وبينهما خطاب ثناء وتعضيد للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم [إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ]( ).
وجاءت الآية محل البحث بالخطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم[لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ]، لتتضمن في مفهومها وبلحاظ نظم الآيات السابقة إعجازاً وهو بداية مرحلة ظهور الإسلام، وقوة دولته، وعدم الخشية على الإسلام من الكفار وجيوشهم، ففي معركتين جرتا خلال ثلاثة عشر شهراً وهما بدر وأحد تغير وجه التأريخ، وتجلى إنعطافه نحو رسوخ الإيمان في الأرض إلى يوم القيامة.
وجاءت هذه الآية لبيان التضاد بين زمان ما قبلهما وما بعدهما، فقد زحف الكفار بجيوشهم العظيمة على المدينة في شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة ليلتقي بهم المسلمون وهم قلة وفي حال ضعف، وينزل النصر من عند الله للمسلمين، وتمتلأ نفوس الكفار جميعاً بالفزع والخوف إلا أن هذا النصر وتفاصيله لم تنتشر بسرعة بين القبائل وفي الأمصار لوجوه:
الأول: قلة السفر بين البلدان.
الثاني: تولي الكفار شؤون التجارة والتنقل بين الأمصار وقد ذكر القرآن قيام قريش بالتجارة بقوله تعالى[رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ]( )، إذ كانوا يذهبون إلى الشام في الصيف لأنها بلاد باردة ويجلبون منها البضائع، ويذهبون إلى اليمن في أيام الشتاء لأنها بلاد حارة.
الثالث: قلة عدد المسلمين، وحداثة عهد الناس ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وعدم توقع حصول النصر بسرعة.
الرابع: قوة شوكة قريش، وسطوتها بين العرب، وتوليها لشؤون البيت الحرام، وما يترشح عنه من الهيبة لهم في نفوس الناس.
الخامس: مؤازرة بعض أقطاب يهود المدينة لقريش في الصدود عن بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ومن أهم أسباب زحف قريش لمعركة الخندق تحريض نفر من يهود المدينة هم سلام بن أبي الحقيق، وحيي بن أخطب، وكنانة بن أبي الحقيق، ونفر من بني وائل إذ(قدموا على قريش في مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) ( ).
السادس: إن ضعف الإعلام وقلة الأخبار في الأمصار عن بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في بداية الدعوة من الذل الذي ذكر في قوله تعالى[وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ] ( )، ليكون هذا النصر سبباً لإنتشار أخبار البعثة النبوية جرياً وإنطباقاً، وندباً للتدبر في معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ودعوة للناس للإسلام حتى إذا جاءت معركة أحد ظهر للناس قانون منعة الإسلام، وحفظ المسلمين بواقية من عند الله، وهزيمة الكفار بأمر خارق للأسباب الظاهرية، فمع قوة قريش وكثرة جيوشها، والقبائل والأحباش الذين خرجوا معها، فأنها بادرت إلى الإنسحاب من المعركة، والتعجيل بالعودة إلى مكة.
وأطلقت على الآية السابقة إصطلاحاً عسكرياً هو[فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ] ( )، ليكون هذا الإنقلاب شاهداً على بداية إنتفاء الكفر وإنتهاء سطوته ونفوذه، وتبدد إستحواذه على النفوس.
وجاءت الآية محل البحث والآيات السبعة السابقة لتحكي إندحار الكفر، ولحوق الخزي والذل بأهله إلا من أدركته التوبة، فهذه الآية آية حسم الصراع بين الإسلام والكفر، بإنقطاع الكفر والضلالة، ومن الدلائل عليه أن الآية السابقة جاءت بالإخبار عن هزيمة الكفار بخيبة، والتي تكون لها آثار وضعية تظهر في عالم الأفعال الشخصية والنوعية، إذ يعجز الكفار عن مواجهة آيات النبوة بعدها، نعم إستطاع الكفار حشد الجيوش والزحف في معركة الخندق، ولكن لم يحصل قتال فيها، بل صاحبت الخيبة الكفار في إقامتهم حول المدينة وإلى حين إنقلابهم .
ومن الشواهد على عدم إنحصار قوله تعالى(فينقلبوا خائبين) بمعركة أحد وحدها، تغشى الخيبة المشركين في أحوالهم ومعاركهم اللاحقة، ومن مصاديق الخيبة والإنقلاب بحسرة يوم الخندق أمور:
الأول: إزدياد عدد المسلمين، فبينما كان عددهم عند الخروج لمعركة بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، تضاعف عددهم في معركة الخندق ليصبح عشرة أضعاف هذا العدد، وتعني زيادة عدد المسلمين النقص في عدد المشركين وجنودهم، فيتفرع عن دخول فرد من القبائل الإسلام أمور :
الأول : يفقد المشركون شخصاً .
الثاني : ترشح أسرة وأشخاص لدخول الإسلام .
الثالث : سريان وظهور الخوف في أوصال الكفار .
الرابع : إلتفات الناس إلى قوة الإسلام وإنجذابهم إليه .
الخامس : تزلزل وفضح مفاهيم الكفر .
السادس : دخول فرد للإسلام قوة ومنعة المسلمين .
وهل تنخرم قاعدة إزدياد عدد المسلمين بكثرة جنود قريش ومن معها من القبائل والأحابيش في الخندق إذ أنهم جاءوا بعشرة آلاف، الجواب لا، إذ يدل الأمر على إشتداد الصراع بين الإيمان والكفر، وخشية الكفار من الهزيمة، بالإضافة إلى عدم ظهور مهارات قتالية عند آلاف الكفار الذين زحفوا على المدينة إذ وقفوا عاجزين أمام خندق لم يحفر إلا قبل أيام قليلة من قبل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه.
الثاني: بعث الفزع والخوف في نفوس المشركين عند وقوفهم على الخندق، (فلما رأوه قالوا: والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها) ( ).
الثالث: قتل بطل قريش الذي عبر الخندق وهو عمرو بن ود العامري في آية إعجازية لنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذ قتله علي عليه السلام في ملحمة خالدة وبعد محاورة تأريخية تعتبر مرآة لحال الناس أيام البعثة، وقوة شوكة الكفار وإصرارهم على الباطل لولا المدد واللطف الإلهي.
الرابع: عدم حدوث حرب وقتال بين المسلمين والكفار مدة حصار الخندق، ولم يسع رؤساء الضلالة من قريش الإنتفاع من هذا العدد من الجيوش التي جاءت معهم لبدء القتال، وإعمال الحيلة والمكر بل بقوا خارج المدينة، يخشون سوء العاقبة التي واجهت بطلهم عمرو بن ود العامري.
الخامس: ظهور الخلاف بين قريش وغطفان وبني قريظة وعدم إتفاقهم على الهجوم على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين.
السادس: طول مدة الحصار إذ إستمر قريباً من شهر، وقريش أهل تجارة، وقد غادروا أهليهم وبلادهم وتعطلت الأعمال، وبقت بيوت جيوش الكفار عورة، فأصبحوا في حال بائسة من وجوه:
الأول: إصابتهم بالضجر والملل من طول المرابطة في حصار المدينة.
الثاني: تجلي معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بإقامة الكفار خارج المدينة عاجزين عن أي فعل.
الثالث: الإنفاق الكثير لقريش، وتعرض أموالهم للتلف، وحصول الخلاف بين الكفار وبني قريظة، وعن حذيفة بن اليمان أن أبا سفيان قام في آخر أيام الخندق وخاطب أصحابه (يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، إنّكُمْ وَاَللّهِ مَا أَصْبَحْتُمْ بِدَارِ مُقَامٍ لَقَدْ هَلَكَ الْكُرَاعُ وَالْخُفّ ، وَأَخْلَفَتْنَا بَنُو قُرَيْظَةَ ، وَبَلَغَنَا عَنْهُمْ الّذِي نَكْرَهُ وَلَقِينَا مِنْ شِدّةِ الرّيحِ مَا تَرَوْنَ مَا تَطْمَئِنّ لَنَا قِدْرٌ وَلا تَقُومُ لَنَا نَارٌ وَلا يَسْتَمْسِكُ لَنَا بِنَاءٌ فَارْتَحِلُوا فَإِنّي مُرْتَحِلٌ) ( ).
الرابع: حالما إنسحبت قريش إنصرف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة راجعاً ومعه أصحابه، ووضعوا السلاح، ولكن جبرئيل جاء في الظهيرة ليأمره بالزحف إلى بني قريظة، وحاصر رسول الله والمسلمون بني قريظة خمساً وعشرين ليلة.
ومن الآيات أن مدة هذا الحصار كمدة حصار الخندق تقريباً، وفيه آية وهي عجز قريش عن الرجوع لنصرة حلفائهم من اليهود ليكون هذا الحصار تحد، ومقدمة لفتح مكة، والأصل أن يصبر رسول الله وأصحابه إلى حين عودة الكفار إلى مكة لتصبح نصرتهم لبني قريظة أمراً ممتنعاً، وأن يبادر النبي إلى فتح حصون بني قريظة قبل أن يصلهم المدد من قريش أو غيرها والحرب خدعة، ولكنه صلى الله عليه وآله وسلم خرج للقتال في ذات اليوم الذي رجعوا فيه من الخندق مع العناء والشقاء الذي أصاب المؤمنين يومئذ، وتخلف فريق من المنافقين من العمل في حفره قال تعالى[قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا] ( )، وفي حصار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لبني قريظة مسائل :
الأولى : خزي وحرج لقريش.
الثانية : إشعار قريش بعجزها عن نصرة حلفائها .
الثالثة : قصور قريش عن العودة للقتال مرة أخرى.
الرابعة : بيان عملي وكشف ميداني لقدرة المسلمين على القتال وأخذ زمام الأمور .
الخامسة : ترغيب الناس بدخول الإسلام .
السادسة : بعث الفزع والخوف في قلوب الكفار .
الخامس: شماتة القبائل بقريش بعودتها بخفي حنين، وكانت كثرة الجيوش التي معهم وعودتهم خائبين حجة عليهم ومعجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وشاهداً على صدق نبوته، ودعوة للناس لدخول الإسلام.
والآية في تأويلها على وجوه:
الأول: ليس لك يا محمد من أمر توبة الكفار أو تعذيبهم شيء.
الثاني: جاءت الآية ناسخة للقنوت الذي كان النبي صلى الله عليه و سلم يقوله في صلاة الفجر بعد رفع رأسه من الركوع: ( اللهم ربنا ولك الحمد في الآخرة – ثم قال – اللهم العن فلاناً وفلاناً فأنزل الله عزوجل [لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ]( ).
الثالث: ذكر أبو داود (في المراسيل عن خالد قال: بينا رسول الله صلى الله عليه و سلم يدعو على مضر إذ جاءه جبريل فأومأ إليه أن اسكت فسكت فقال: ( يا محمد إن الله لم يبعثك سباباً ولا لعاناً وإنما بعثك رحمة ولم يبعثك عذابا ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون ….الحديث ( ).
الرابع: إتصال الآية بقوله تعالى في الآية قبل السابقة[وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ]( )،وليس لك ولا لغيرك من هذا النصر شيء، عن أبي مسلم( ).
الخامس: إنه إعتراض بين الكلامين في الآية محل البحث والآية السابقة فيكون التقدير: ليقطع طرفاً منهم أو يكبتهم أو يعذبهم فإنهم قد إستحقوا العذاب و(ليس لك) أي ليس إليك من هذه الأربعة شيء، نسبه الطبرسي إلى القيل.
السادس: إن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لا يعلم من الغيب شيئاً إلا ما علمه الله، وأن الأمر كله لله يتوب على من يشاء، ويجعل العقوبة لمن يشاء، ذكره القرطبي في تفسيره( ).
السابع: ليس لك من أمر الكفار شئ أو التوبة عليهم أو تعذيبهم.
الثامن: ليس ما تأمرهم به من عندك، وليس الأمر بيدك، ولا التوبة ولا التعذيب).
ويمكن إضافة وجوه أخرى:
التاسع: جاء قوله تعالى(ليس لك من الأمر شي) بعد خزي ووهن الكفار، وتغشيهم بالخيبة وشعورهم بالحسرة والأسى على الخسارة في الأموال والأنفس وذهابها سدى من غير غاية حميدة ولا أثر ظاهر.
وبعد أن جاهد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه بأنفسهم وأموالهم وخاضوا المعارك والحروب ولاقوا الحصار والأذى جاءت هذه الآية الكريمة فلابد من حملها على أحسن معانيها وبما يتلائم والحال الجديدة وهي غلبة المسلمين، وظهور دولتهم، وخزي الكفار والمشركين.
العاشر: إن الله عز وجل يكفي النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم من الكفار وكيدهم وهو الواسع الكريم، قال تعالى[أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ] ( ).
الحادي عشر: إن هزيمة الكفار وإنقلابهم خائبين ليست للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على نحو القضية الشخصية إنما هي لله وفيه تثبيت لمبادئ التوحيد في الأرض وإلى يوم القيامة.
الثاني عشر: التخفيف عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأنه ليس من ضرر على الإسلام بعد معركة أحد، وأما الكفار بعدها فهم على فريقين:
الأول: الذين يتوبون إلى الله.
الثاني: الذين يصرون على الكفر، وتكون عاقبتهم العذاب.
الثالث عشر: جاء حرف الترديد (أو) في [أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ] لبيان حقيقة وهي أن للنبي شأناً وموضوعية إذا تاب الله على الكفار أو نزل بهم العذاب، فالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رسول من الله يدعو الناس للإسلام ويهديهم للتوبة والصلاح، ويعذب الله على يديه وأيدي المسلمين الكفار والمنافقين.
الرابع عشر: يكون معنى الآية وبلحاظ الجمع بينها وبين الآية السابقة على وجوه:
الأول: كبت أو إنقلاب الكفار خائبين فليس للنبي من هذا الأمر شئ أي أن الله عز وجل قطع به ولابد أنه واقع.
الثاني: يتوب الكفار فيبدل الله خيبتهم بالهداية والإيمان.
الثالث: لم يقف أمر الكفار عند إنقلابهم خائبين بل يعذبهم الله عز وجل لإصرارهم على الكفر.
الخامس عشر: توكيد ما للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الأمر والشأن العظيم في أمور الناس، فلابد أن الله عز وجل يتوب ويعفو عمن يتوب، ويعذب الكفار، فهذا النفي وبلحاظ مضامين الآية إثبات فما دامت عاقبة الكفار هي التوبة أو العذاب إذن فان للنبي في المقام أمراً وشأناً بفضل الله، والناس بحاجة إلى نبوته وشخصه، فلا تنحصر وظائفه بالتبليغ وقتال الكفار، ولاتنتهي عند إنقلابهم خائبين، فمضمون الآية هو الترديد بين قسمين:
الأول: خاص بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنه من الأمر بخصوص الكفار.
الثاني: وهو ما يلقاه الكفار وما يتعلق بعاقبتهم وهو على شعبتين:
الأولى: توبة الله عليهم.
الثانية: العقوبة الأليمة والعذاب الشديد لهم.
ولابد من القسم الثاني وهو حصول العفو أو العقوبة للكافرين.
وللنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم شأن في أمر الكفار ببذل الوسع لجذبهم للإيمان وتوبتهم وإصلاحهم.
فالآية تمنع من اليأس من الكفار وتخبر بأن إنقلابهم خائبين ليس الخاتمة بل لابد من متابعة أمرهم وبذل الوسع معهم لدخولهم الإسلام وإرتقائهم إلى مراتب التوبة والإنابة، والذي يدل عليه قوله تعالى [أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ] وبلحاظ قوله تعالى [وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ] ( )، والمسلمون جنود مجاهدون في سبيل الله.
السادس عشر: تبعث الآية السكينة في نفوس المسلمين لأن الأمر بيد الله، وأن ما يقول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو يفعله هو من عند الله، فالآية من مصاديق وتفسير قوله تعالى [وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى] ( ).
فجاء النفي في الآية لطرد الخوف والوهم عن قلوب المسلمين، ومنه الخشية من الضررفي المقام.
وتتضمن الآية في مفهومها الإخبار عن عصمة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنه يخبر عن الله عز وجل ولا يأمر ولا ينهى إلا بأمر الله عز وجل.
أما الوجه الأول فهو بعيد فلا يخاطب الله رسوله بأن ليس له شأن وعلى نحو السالبة الكلية في توبة أو عذاب الكفار، وهو الذي أرسله رحمة للناس جميعاً، وأنزل القرآن على صدره واسطة ملكوتية مباركة لهدايتهم ورشادهم، قال تعالى[وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ).
أما الوجه الثاني ففيه مسائل:
الأولى: الآية أعم من موضوع القنوت الذي يفعله النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد الركوع في الصلاة.
الثانية: وروى الدارقطني باسناد صحيح عن أنس أنه قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يزل يقنت بعد الركوع في صلاة الغداة حتى فارقته( ).
الثالثة: مضامين الآية أعم من القضية الشخصية.
الرابعة: صحيح أن الخطاب في الآية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا أن المراد أعم وهي سلاح وفيض متجدد عند المسلمين.
أما الوجه الثالث ففيه مسائل:
الأولى: الحديث ضعيف سنداً ودلالة.
الثانية: الدعاء ليس سباً ولا لعناً، قال تعالى[ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ]( ).
الثالثة: النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في حال لجوء وإستجارة بالله عز وجل .
الرابعة: دعاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من عمومات الوحي، وخصائص وأسلحة النبوة.
الخامسة: جاء كلام جبرئيل متعدداً , ويتضمن النهي والخبر والأمر والدعاء، فلا دليل على صيرورة الخبر من بينها وهو [لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ]( ) آية على نحو الحصر.
أما الوجه الرابع ففيه مسائل:
الأولى: الآية أعم من الإتصال بقوله تعالى [وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ]( )، في الآية قبل السابقة.
الثانية: يأتي النصر للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين ويمدهم الله بالملائكة، بينما جاءت الآية محل البحث بخصوص الكفار والتوبة عليهم أو عذابهم.
الثالثة: النصر بيد الله عز وجل وجعله للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين.
الرابعة: لابد من موضوعية في نظم الآيات للآية السابقة والصلة بينها وبين الآية محل البحث، لوحدة الموضوع في تنقيح المناط.
الخامسة: الأمر المذكور في هذه الآية أعم من النصر الوارد قبل آيتين.
السادسة: جاءت الآيات بالأمر إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بقتال الكفار، وتضمنت الثناء على المجاهدين والذين قتلوا ويقتلون في سبيل الله منهم , قال تعالى[وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ]( ).
أما القول الخامس، فالآية أعم، والأمور الأربعة المذكورة في الآيتين رحمة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، فيجب أن يتوجهوا إلى الله عز وجل بالشكر عليها، وعلى هدايتهم لبذل الوسع لهزيمة وخيبة الكفار، وتتجلى في آيات القرآن.
أما الوجه السادس الذي ذكره القرطبي ففيه مسائل:
الأولى: إن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لا يعلم من الغيب إلا ما علمه الله، وقد تفضل الله عز وجل وأطلع النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم على علوم من الغيب , قال تعالى[ذَلِكَ مِنْ أنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ] ( ).
الثانية: الأمر المذكور في الآية أعم من الغيب، لما فيها من الإنذار والوعيد وقوانين من الإرادة التكوينية.
الثالثة: مضامين الآية ذاتها من الغيب الذي تفضل الله عز وجل وأخبر النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين به.
الرابعة: نعم الأمر كله لله عز وجل، وما ذكرته الآية [أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ] يتعلق بخصوص أمر الكفار بمشيئة الله عز وجل.
أما الوجه السابع والثامن فهما صحيحان، وفيهما تخفيف عن المسلمين وبيان لمنزلة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عظيمة عند الله، وقد بعثه الله لجذب الناس للإسلام، ومنهم الكفار.
ويمكن أن نؤسس قاعدة كلامية وهي لو دار المعنى في الآية بين الثناء على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو اللوم ونحوه فتحمل على الثناء، لأنها نزلت إكراماً وتشريفاً له.
وجاء قوله تعالى [لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ] وسط الآيات التي تظهر نصر الله عز وجل له ونزول الملائكة مدداً ونصرة له وللمؤمنين، ولهزيمة الكفار والمشركين، فلابد من حملها على وجوه الإكرام والثناء والشكر له على جهاده وبلوغ الإسلام مرتبة النصر، وثبات المبادئ في الواقع العام، وقدرة المسلمين على الدفاع والذب عنه، والمحافظة عليه.
بحث أصولي
يبحث في علم الأصول عدة مباحث لغوية تقع مقدمة لمسائل علم الأصول، ومنها الأوامر فهي ليست من هذه المسائل بناء على ضابطة المسألة الأصولية ككبرى لقياس ينتج حكماً كلياً فرعياً وجزء أخيراً لعلة الإستنباط إذ أنها تقع في طريق إستنباط الحكم الفرعي.
ولا يتعلق مبحث الأوامر بحجية الظهور التي هي من المسائل الأصولية، بل هو من مباحث أصل الظهور واثباته، وتأتي مادة الأمر (الألف،الميم، الراء) على معنيين:
الأول: إرادة شئ أو فعل مخصوص وشأن كما في قوله تعالى [وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ] ( )، ويأتي بمعنى الغرض والحادثة.
الثاني:الطلب المقترن بالإستعلاء من الآمر في الغالب.
ويجمع الأول على أمور، والثاني على أوامر، وهذا التباين من أسرار اللغة العربية، وورد لفظ(أمر) بصيغة المفرد في القرآن إثنتين وسبعين مرة.
وورد لفظ (أمور) في القرآن ثلاث عشرة مرة.
ولم يرد فيه لفظ (أوامر) نعم جاء قوله تعالى [الأمرون الْمَعْرُوفِ والنَاهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ]( )، لإرادة الكثرة، وبيان التعدد المركب من جهة الأمر والموضوع المأمور به والمنهي عنه.
ووقع الخلاف في تعدد معاني مادة الأمر، وهل هو من المشترك اللفظي الموضوع أو المستعمل المعنيين أو أكثر، أو المشترك المعنوي الموضوع لمعنى واحد، ولكن هذا المعنى مشترك ومردد بين المتعدد كما في قوله تعالى[أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ]( )، وفيه أقوال:
الأول: لفظ (الأمر) مشترك لفظي وأشكل على هذا القول.
الثاني: إنه مشترك معنوي بين الكل أي الشئ والشأن والفعل والطلب.
الثالث: إنه من المشترك المعنوي بين المعاني المتعددة عدا الطلب.
ولكن معنى( الأمر) أعم وهو شامل للمشترك اللفظي والمعنوي بحسب القرائن ومفردات المعاني، ويكون من تعدد المصاديق والمعاني، ويأتي الأمر تارة إنشائياً، كما في الطلب، وتارة خبرياً كما في الشأن والحادثة ويقال (جئت لأمر كذا) فيفهم المراد من الأمر من الحال والموضوع والقرائن.
ويمكن أن يدخل الطلب في الإشتراك المعنوي بلحاظ جهتي وهو غايته من الفعل والشأن، ومنهم من أوصل معنى(الأمر) إلى أربعة وعشرين معنى منها التهديد والإمتحان والإختبار والتعجيز والإستهزاء بلحاظ إعتبارها دواع لإيقاع الفعل.
وذكرتُ في درس الأصول (أن مباحث الأصول تستلزم التفقه في علوم القرآن وعدم تطبيق النظريات المستقرأة من العلوم العقلية والتي لم تثبت كليتها وإطلاقها على علوم القرآن، والأصل ان تكون علوم القرآن مصدراً للأصول، فعمومات قاعدة إنتفاء التعارض في القرآن، تشمل الفقه والأصول وغيرهما)( ).
لقد جاء النصر من عند الله عز وجل، وفيه عون ومدد للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين لدفع أذى الكفار، وإخبار عن إنحصارعاقبتهم بالهزيمة والخيبة والخسارة، وصار أمرهم وبالاً عليهم، وأصبحوا في حال لا يستطيعون معه الإضرار بالمسلمين.
بحث نحوي في ليس
وردت(ليس) في واحد وأربعين موضعاً من القرآن، وهو عدد قليل بلحاظ كثرة كلمات وآيات القرآن، وهي فعل ماض ناقص، مركبة من حرف نفي(وأيس) الذي هو بمعنى الكينونة ومعناها الحرفي(لا وجد)، وكانت كلمة(أيس) تستعمل بمعنى الوجود، وليس ترفع الاسم ويسمى إسمها، وتنصب الخبر ويسمى خبرها، وتأتي أيضاً على وجهين آخرين:
الأول: إستثناء فتنصب الاسم بعدها كما ينصب بعد إلا، تقول: صليت الفرائض ليس العشاء.
الثاني: تكون نسقاً ، قال لبيد: إنما يجزي الفتى ليس الجمل( ).
ومن النحويين من قال: أن ليس لا تنفي إلا الحال) ( )، ولكنه خلاف المشهور، قال تعالى[وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ]( )، وعلى هذا المبنى يكون مضمون قوله تعالى(ليس لك من الأمر شيء) خصوص معركة أحد وما ينزل بالكفار من العذاب وكفاية الله للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين.
ومن إعجاز هذه الآية القرآنية في باب النحو أنها لم تبدأ بأداة النفي(ما) والنسبة بينهما العموم والخصوص من وجوه، فهناك مادة للإلتقاء وأخرى للإفتراق، فالإلتقاء في وجوه:
الأول: الأصل ووظيفة الأداتين وهي أن كلاً منهما للنفي.
الثاني: نفي الحال إلا مع القرينة التي تفيد البيان والتفصيل.
الثالث: الدخول على المبتدأ والخبر.
الرابع: دخول الباء في خبر كل منهما، قال تعالى[وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ]( )، قال تعالى[أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ]( ).
أما مادة الإفتراق فهي على وجوه:
الأول: (ليس) من الأفعال لذا ثني وجمع وأنث يقال: ليس وليسا، وليسوا وليست، ولسنا وليستا للمثنى المؤنث، ولسن لجمع المؤنث، ولم تصرف في المستقبل وتأتي لإرادة الغائب المتراخي تقول أديت المناسك ليس الحج) أي غير الحج.
الثاني: تعدد معاني(ما) فهي تأتي على وجوه:
الأول: اسم موصول بمعنى الذي.
الثاني: أداة شرط.
الثالث: تكون اسم إستفهام.
الرابع: تأتي زائدة كافة تقول: إنما زيد منطلق، وتأتي غير كافة فتقول: إنما زيداً منطلق) أي أن زيداً متلبس بالإنطلاق.
الخامس: تأتي مصدراً.
السادس: تكون تعجباً.
الثالث: الجملة التي تبدأ بليس جملة فعلية، والتي تبدأ بما النافية جملة إسمية، والجملة الإسمية أثبت من الجملة الفعلية، ومجيء(ليس) من أسرار الآية لموضوعية التوبة والإنابة من الكفار حتى أثناء المعركة.
الرابع: ومنه أن(ما) تستعمل في توكيد النفي كما في قوله تعالى[مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ] ( ).
قانون”ليس لك”
لقد أخبرت الآية السابقة عن العذاب العاجل النازل بالكفار الذين خرجوا لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين وهو على وجوه:
الأول: هلاك طائفة من الكفار ممن يلي المسلمين لقوله تعالى [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا].
الثاني:كبت وخزي الكفار.
الثالث:هزيمة الكفار وإنسحابهم خاسرين في خيبة وحسرة وعجز عن تحقيق غاياتهم في الإجهاز على الإسلام.
وهذه الوجوه من الخسارة التي لحقت بالكفار وشاهد على بزوغ شمس الإسلام , وتجلي معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، وتوكيد لسلامتهم وأمنهم من عدوهم، وهو من عمومات قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( )، فقد جاء إندحار الكفار سريعاً مع كثرة عدوهم، وكثرة مؤونهم، وإختيارهم لزمان ومكان المعركة سواء في معركة بدر أو أحد.
وجاء قوله تعالى [لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ] لتوكيد فضل الله عز وجل بنصر المؤمنين، وللإخبار عن بدء مرحلة جديدة يتجلى فيها الفضل الإلهي على المسلمين، وبذلهم الوسع في الجهاد، وإظهارهم صدق السرائر والإخلاص في طاعة الله، والتفاني في الذب عن الإسلام ومبادئه.
فجاءت هذه الآية ببيان عظيم قدرة الله، وسعة سلطانه وتوكيد حقيقة وهي نصره لنبيه الكريم، ونزول عذابه العاجل بالكافرين وانه سبحانه ينصر النبي والمسلمين ويرجع كيد الكفار إلى نحورهم، وتذكر الآية نعمة عظيمة على النبي محمد والمسلمين بأن الأمر كله بيد الله، وهو سبحانه الرؤوف الرحيم الذي ينزل الملائكة مدداً للمؤمنين، ويجعل الكفار ينهزمون خائبين خاسرين.
لقد جاءت هذه الآية لتؤكد قانوناً ثابتاً هو أن الأمور ومفاتيحها بيد الله عز وجل قال سبحانه، [قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ] ( )، ترى لماذا جاء توكيده في هذا المقام ومناسبة معركة أحد، الجواب من وجوه:
الأول: دعوة المسلمين للشكر لله عز وجل على نعمة النصر يوم أحد.
الثاني: بيان العلة التامة للنصر وهي فضل الله ومشيئته سبحانه , ولا يتعارض معه جهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين في سبيل الله، بل يدل على أن هذا الجهاد من أمر الله عز وجل , وهو الذي تفضل بدفع الفشل والخور عن فريق من المسلمين همّ به , كما في قوله تعالى [وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ] ( ).
الثالث: لقد إنهزم الكفار خائبين، وأمرهم ومصيرهم بيد الله عز وجل.
الرابع:بيان مسألة وهي إحتمال توبة الكفار، وعدم اليأس والقنوط منهم.
الخامس: خيبة الكفار أمر ثابت، وقاعدة كلية متجددة، ولا يمكن تغييرها أو تبديلها.
وإذا لم يكن للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الأمر شئ فمن باب الأولوية أن غيره من الناس ليس له شئ وتأثير فيه، لتكون الآية دعوة للمسلمين جميعاً للتوكل على الله، وإتخاذ الدعاء سلاحاً والتطلع إلى عظيم فضله وإحسانه.
وفيها حث للمسلمين على مواصلة الجهاد في حال وجود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين ظهرانيهم وعند إنتقاله إلى الرفيق الأعلى، فان النصر من عند الله وهو الذي يؤيد المسلمين، ويمدهم بالمدد الغيبي الظاهر والخفي، وفي ميادين القتال وعند مقدماته، وبعد إنتهاء المعركة، وذات العاقبة التي تنتظر كفار قريش تنتظر أولئك الذين يحاربون الإسلام، ويسعون في الإجهاز عليه، ومنع إنتشار الدعوة الإسلامية.
وبلحاظ أطراف هذه الآية ومجئ حرف التخيير (أو) في قوله تعالى[أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ] تدل الآية على دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين إلى بذل الوسع في جهاد الكفار ودعوتهم للإسلام من غير تعارض بين الأمرين قال تعالى [وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ]( ).
قانون”ما قبل معركة أحد’’
لقد حقق المسلمون إنتصاراً ساحقاً في معركة بدر خصوصاً بلحاظ ضعفهم وقلتهم وكونها أول معارك الإسلام، ومن الآيات الإعجازية في تأريخ الإسلام أن الأجيال المتعاقبة من المسلمين يستحضرون وقائع هذه المعركة وكأنها حادثة في زمانهم، وحاضرة أمامهم، ويدركون ما فيها من الإعجاز الحسي والعقلي الذي يؤيد صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويفتخرون بها لأنها غيرت وجه التأريخ وأضاءت على ربوع المدينة ومكة ليشع منها ضياء الجهاد ومعالم نصر المسلمين إلى ربوع الأرض، ولا تستطيع حُجب الضلالة أن تمنع رؤية الناس له , والتدبر في معاني ودلالات معركة بدر.
وقد أدركت قريش مفاهيم وآثار إنتصار المسلمين في معركة بدر، وعلمت بخبرتها وحنكتها وتربعها على كرسي الزعامة بين القبائل العربية وإختلاطها بالأمم الأخرى أن هزيمتها في بدر هي البداية والنهاية التي يزول فيها سلطانها وشأنها مع أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم من أشرف بيوت قريش، وكثيراً من أصحابه هم من قريش.
فبادر أقطاب الكفر من قريش وأصحابهم إلى حشد الجيوش العظيمة للقضاء على الإسلام، وحرصوا على عدم وجود مدة مديدة بين بدر والمعركة اللاحقة كيلا يزداد المسلمون قوة، ولمنع القبائل من دخول الإسلام، وما في هذا الدخول من قوة شوكة المسلمين، وظن قريش بابتداء المسلمين حينئذ القتال والغزو.
وكان أبو سفيان لما (رَجَعَ فَلّ قُرَيْشٍ مِنْ بَدْرٍ ، نَذَرَ أَنْ لَا يَمَسّ رَأْسَهُ مَاءٌ مِنْ جَنَابَةٍ حَتّى يَغْزُوَ مُحَمّدًا) ( )، وخرج في مائتي راكب من قريش ليبر بيمينه، وجاء لأطراف المدينة ولموضع يقال له العريض وحرقوا عدداً من النخيل، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في طلبهم وإنهزم أبو سفيان وأصحابه وسميت غزوة السويق لأن الكفار طرحوا أزواداً من السويق( )، تخفيفاً عنهم من أجل الفرار.
ثم خرج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه، في غزوة ذي أمر، يريد غطفان في نجد، ولم يلق كيداً، ثم غزا يريد قريشاً حتى بلغ نجران، وأقام في شهر ربيع الآخر وجمادي الأولى من السنة الثالثة.
ورجع إلى المدينة، وعندما أراد أبو سفيان وتجار من قريش الذهاب إلى الشام محملين بفضة كثيرة خافوا الطريق التي يسلكون إلى الشام بعد الذي جرى في واقعة بدر ومقدماتها فسلكوا طريق العراق فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زيد بن حارثة فلقيهم على ماء في نجد يسمى(القردة) فاصاب العير وأعجزه الرجال، وقدم بالغنائم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
لو لم يكن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الحق بما قام بإثارة قريش والإستيلاء على أموالها، والخروج في طلبها، وهو يعلم بأسها وشدتها ومكرها ونفوذها بين العشائر فلم يختر السكوت والإكتفاء بالمهاجرين والأنصار ومن يرد المدينة ليدخل الإسلام، ولم ينتظر إشتداد عضد المسلمين وكثرة عددهم وخيلهم ومؤنهم، بل قام بالغزو بنفسه، وأرسل السرايا للتعرض لقريش وعموم الكفار وهو ابن قريش ويعلم أن هذا الأمر يستفزهم ويجعلهم يجلبون الرجال والخيل لقتاله، وتلك آية في نبوته وهي من عمومات قوله تعالى[لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ] سواء بالغزوات بعد معركة بدر أو عدم الخشية من مجئ قريش بخيلائها وزهوها وعدتها.
وأخذت قريش تجمع الأموال لغزو المدينة وقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين، وفيه مسائل:
الأولى: يدل جمع قريش الأموال على عزمها خوض حرب واسعة.
الثانية: سعي قريش لتهيئة مقدمات المعركة باتقان.
الثالثة: ترغيب القبائل والأفراد بالإنضمام إليهم.
الرابعة: تأمين مؤن المقاتلين.
الخامسة: شراء الأسلحة وتجهيز الرواحل والخيل.
السادسة: تعلم القبائل أن هذه المعركة ليس فيها غنائم كثيرة لقلة أموال المسلمين، فجاء جمع الأموال لجذب القبائل للإشتراك في المعركة.
السابعة: أعطت قريش وعوداً بالإعانة بعد المعركة لبعض من شارك معها في القتال، خصوصاً من كان شاعراً أو فارساً شجاعاً أو ذا شأن فمثلاً (كَانَ أَبُو عَزّةَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللّهِ الْجُمَحِيّ قَدْ مَنّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَوْمَ بَدْرٍ وَكَانَ فَقِيرًا ذَا عِيَالٍ وَحَاجَةٍ وَكَانَ فِي الْأُسَارَى فَقَالَ إنّي فَقِيرٌ ذُو عِيَالٍ وَحَاجَةٍ قَدْ عَرَفْتَهَا فَامْنُنْ عَلَيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْك وَسَلّمَ فَمَنّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . فَقَالَ لَهُ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ : يَا أَبَا عَزّةَ إنّك امْرُؤٌ شَاعِرٌ ، فَأُعِنّا بِلِسَانِك ، فَاخْرُجْ مَعَنَا ؛ فَقَالَ إنّ مُحَمّدًا قَدْ مَنّ عَلَيّ فَلَا أُرِيدُ أَنْ أُظَاهِرَ عَلَيْهِ قَالَ ( بَلَى ) فَأَعِنّا بِنَفْسِك ، فَلَك اللّهُ عَلَيّ إنْ رَجَعْتُ أَنْ أُغْنِيَك ، وَإِنْ أُصِبْتَ أَنْ أَجَعَلَ بَنَاتِك مَعَ بَنَاتِي ، يُصِيبُهُنّ مَا أَصَابَهُنّ مِنْ عُسْرٍ وَيُسْرٍ . فَخَرَجَ أَبُو عَزّةَ فِي تِهَامَةَ ، وَيَدْعُو بَنِي كِنَانَةَ وَيَقُولُ .
إيهًا بَنِي عَبْدِ مَنَــــــــاةَ الرّزّام … أَنْتُمْ حُمَـــــــاةٌ وَأَبُوكُمْ حَامْ
لا تَعْدُونِي نَصّرَكُمْ بَعْدَ الْعَامِ … لَا تُسْلِمُونِي لَا يَحِلّ إسْلامْ) ( ).
وأخذه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل الرجوع إلى المدينة , فقال أبو عزة : يارسول الله أقلني , فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والله لاتمسح عارضيك بمكة بعدها وتقول:خدعت محمداً مرتين، وأمر بضرب عنقه، (وعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ أَنّهُ قَالَ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّ الْمُؤْمِنَ لا يُلْدَغُ مِنْ جُحْرٍ مَرّتَيْنِ) ( ).
الثامنة: محاولة بعث السكينة في نفوس الذين يخرجون معهم خصوصاً بعد ما تعرضت له قريش من الهزيمة والخسارة والخزي يوم بدر.
التاسعة: إيصال رسالة إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين أن قريشاً تجتهد في السعي للمعركة لتكون الفيصل بينهم وبين الإسلام.
العاشرة: الإيماء بأن الهزيمة يوم بدر لم تثنهم عن القتال.
الحادية عشرة: تتصف قريش بالتدبير والحنكة، وتهيئة مقدمات القتال عندهم من الثوابت والبديهيات.
الثانية عشرة: الإستعداد للمعركة صغرى، أما الكبرى فان الملأ من قريش يعملون على دفع أسباب تقويض منازل الكفر، ويسعون للتصدي لظاهرة إنجذاب القلوب لمعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وفي إستعداد قريش لمعركة أحد أمور:
الأول: الأذى للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين.
الثاني: محاولة نشر الخوف في صفوف المسلمين وعموم الجزيرة.
الثالث:صد الناس عن الإسلام ومعرفة الحق والصدق.
وفيه شاهد على عدم أهلية الكفار لتولي مسؤولية الزعامة بين الناس، وكان الأولى لهم الإتعاظ من معركة بدر وتجلي معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم العقلية والحسية فيها، وخروج المسلمين منها بزيادة في الإيمان والتقوى وحب للتضحية، وتفان في مرضاة الله.
قانون” التباين قبل وبعد معركة أحد’’
لقد إختلفت الأمور والأحوال بعد معركة بدر، وطرأت مفاهيم جديدة، وأصبح الإسلام قوة عظمى في الجزيرة، وهو من عمومات قوله تعالى[تِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ] ( )، وكان نصر المسلمين فيها إشراقة إيمانية أضاءت للناس سبل الهدى، وصارت مقدمة ومناسبة للتدبر في معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإصغاء لآيات القرآن، وحصل التباين بعد معركة بدر من وجوه:
الأول: كان المسلمون ضعفاء فاصبحوا بالنصر يوم بدر أقوياء، وإنفتح باب للناس لدخول الإسلام.
الثاني:وصف حال المسلمين بالذل والضعف قبل معركة بدر، قال تعالى[وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ]( )، وفيه دلالة على إنقطاع حال الذل والقلة والضعف عن المسلمين بمعركة بدر والنصر فيها.
الثالث: كان الصحابة في حال من الفقر وشظف العيش، خصوصاً وان المهاجرين يتوافدون على المدينة مع قلة ما فيها من فرص العمل والمكاسب، فجاءت غنائم معركة بدر لتكون وسيلة لإنتعاش الحالة الإقتصادية في المدينة، ومناسبة لإستغناء المؤمنين عن اليهود وأموالهم.
الرابع: يدخل الناس الإسلام قبل معركة بدر على نحو القضية الشخصية، ومن يترك قبيلته وقريته مهاجراً إلى المدينة يلاقي الأذى والكلام الخشن من أبناء عمومته، ولما وقعت معركة بدر وتجلت فيها معجزة النبوة بالنصر العظيم للمسلمين، أخذ الناس يدخلون الإسلام جماعات ومن كان يخفي إسلامه في قريته وبين أهله صار يعلن إسلامه.
الخامس: إشتراك المسلم وغير المسلم بنقل معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وآيات القرآن وأخبار المغازي، والأشعار التي قيلت في نصر المؤمنين وهزيمة المشركين، فلم يستطع الملأ من الكفار منع الناس من الإجهار في الحديث عن نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وآيات رسالته، وإظهار الميل لها والإقرار بصدقها [لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ]( ).
السادس: إزدياد قوة المسلمين ومواظبتهم على التمرين على استخدام السلاح والمبارزة والمسايفة والمسابقة وتعلم فنون القتال، وما تستلزمه من الخدعة والجرأة والبسالة.
السابع: إمتلاء نفوس المسلمين بالسكينة والوثوق من النصر.
الثامن: توجه المسلمين لله عز وجل بالشكر والثناء من جهات:
الأولى: نعمة الهداية إلى الأسلام , والأخوة الإيمانية قال تعالى[وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا] ( ).
الثانية: سلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في معركة بدر.
الثالثة: نزول الملائكة مدداً لنصرة المسلمين.
الرابعة: هزيمة الكفار خائبين خاسرين.
الخامسة: كثرة عدد المسلمين.
التاسع: تغشي الطمأنينة لبيوت المدينة، ورضاهم بالنصر وغلبة المسلمين.
العاشر: سعادة المؤمنين والمؤمنات وإتساع دائرة الأمل.
الحادي عشر: ميل الأزواج من المسلمين للإنجاب وكثرة الأولاد لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ورفع لواء الإسلام.
الثاني عشر: عقد عدد من القبائل العهود والمواثيق مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومنها قبيلة خزاعة.
الثالث عشر: إمتلاء نفوس الكفار بالفزع والخوف.
الرابع عشر: إدراك القبائل الموالية لقريش بعجز قريش عن حمايتها والذب عنها.
الخامس عشر: عدد المهاجرين الذين خرجوا لمعركة بدر هم ثلاثة وثمانون رجلاً.
السادس عشر: عندما جاءت الأخبار بمسير قريش للقتال إستشار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين، وأكثر من إستشاره الأنصار على نحو الخصوص لوجوه:
الأول: كثرة عدد الأنصار وكان عدد الذين خرجوا منهم لمعركة بدر هو مائتين وواحد وثلاثين ومن الأوس أحد وستون ومن الخزرج مائة وسبعون رجلاً .
(عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ اسْتُصْغِرْتُ أَنَا وَابن عُمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ ، وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ يَوْمَ بَدْرٍ نَيِّفًا عَلَى سِتِّينَ ، وَالأَنْصَارُ نَيِّفًا وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ( ).
الثاني: هم أهل البلد، وفي المدينة أهليهم وأبناؤهم، ولابد من العناية بهم والخشية عليهم , وإحتساب أمرهم عند دخول المعركة، وتعيين موضوعها.
الثالث:الأنصار أهل زراعة وعمل يومي متصل، والحرب تعطيل للأعمال.
الرابع: إستحضار مضامين بيعة الأنصار للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالعقبة إذ قالوا(يَا رَسُولَ اللّهِ إنّا بُرَاءٌ مِنْ ذِمَامِك حَتّى تَصِلَ إلَى دِيَارِنَا ، فَإِذَا وَصَلْتَ إلَيْنَا ، فَأَنْتَ فِي ذِمّتِنَا نَمْنَعُك مِمّا نَمْنَعُ مِنْهُ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا) ( )، لكيلا يقول بعضهم أن القدر المتيقن من نصرتهم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم داخل المدينة، وليس الخروج لقتال العدو.
الخامس: تأديب المسلمين في إخلاص النية في الجهاد في سبيل الله.
السادس: بيان موضوعية الإستشارة في الإستعداد للقتال، ومقدمات دخول المعركة.
السابع: تهيئة المؤمنين للقتال، وتوجههم له بالإختيار وعدم القهر فيه.
وتجلت معاني الإتحاد والتعاون والتعاضد بين المهاجرين والأنصار في معركة بدر، وإطمأنوا لأخوّتهم وهو من عمومات قوله تعالى[إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ] ( ).
وتبعث مفاهيم الأخوة والود والوفاق بين أفراد الجيش الفزع في قلوب الأعداء، والهيبة عند الناس جميعاً، وهي إنذار للآخرين بعدم التعدي عليهم، وتخفيف ورحمة بالناس بلزوم التوقي وإجتناب الهجوم مرة أخرى على المدينة، ولكن أقطاب الكفر من قريش أصروا على التعدي وغزو المدينة.
وقد أثنى الله عز وجل على المسلمين بآيات كثيرة، منها قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( )، وجاءت معركة بدر وما قبلها وما بعدها مصداقاً لهذه الآية الكريمة، من وجوه:
الأول: قدرة المسلمين على الدفاع عن أنفسهم حالما وصل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة المنورة.
الثاني: إتصاف المسلمين بالقدرة على القتال ومنازلة الأبطال.
الثالث: تجلي أبهى معاني الأثرة والمحبة بين الأنصار والمهاجرين.
الرابع: فوز أهل البيت والصحابة بوجود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين ظهرانيهم، وتشرفهم بحضور نزول الوحي عليه، وتبليغ آيات القرآن إلى الناس.
الخامس: خروجهم للقتال مع قلتهم ونقص المؤون والأسلحة والرواحل التي عندهم، وعلمهم بقوة وكثرة جيش الكفار الزاحف نحوهم.
السادس: طاعة المسلمين لله عز وجل والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل وأثناء وبعد المعركة.
السابع: مجئ الغنائم للمسلمين وحسن تقسيمها بينهم، ورضاهم بالقسمة، وتلك الغنائم والرضا بالقسمة مقدمة لدخول معركة أحد باندفاع وتفان، وسر من أسرار سلامة المسلمين من الهزيمة يومئذ.
الثامن: ما بعد معركة بدر من مصاديق قوله تعالى[لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ] ( )، وبيان لمضامين ووجوه من العزة المقصودة في الآية أعلاه.
قانون”التخفيف معجزة للنبي محمد(ص)’’
لقد جعل الله عز وجل الدنيا دار إمتحان وإختبار وإبتلاء، وليس من حصر لوجوه وأفراد البلاء في الحياة الدنيا ولكنه من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً على نحو العموم والخصوص أي في عموم الناس جميعاً، إذ تجد من الناس من هو أخف في الإبتلاء والعناء في الدنيا كما لو كان في سعة من العيش وسلامة في البدن، وفي خصوص القضية الشخصية.
فالإنسان ذاته يكون مرة في مندوحة وسعادة، وأخرى في ضيق وألم، وهذا التقسيم لم يأت على نحو الصدفة والإتفاق، أو الحظ الفردي، بل يجري وفق قوانين من الإرادة التكوينية، وسنن من عند الله ثابتة في الأرض، ووفق حكمته تعالى.
وجاءت بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رحمة بالناس قال تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ] ( )، ومن مصاديق الرحمة في المقام التخفيف والتيسير والمجيئ بالمعجزات التي تجعل العقول مستجيبة لأمر الله، مذعنة لحكمته ومشيئته، والنفوس منجذبة لما يأتي به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من عندالله عز وجل.
وكل آية من القرآن تخفيف عن المؤمنين، ووسيلة سماوية للإرتقاء في سلم المعارف، ومناسبة لإكتناز الصالحات، وسبيل للإهتداء إلى المكث الدائم في الجنة، وواقية من الضرر والخسارة، وآيات قصة البقرة وأمر الله عز وجل لموسى عليه السلام أن يذبحوها ويتخذوها وسيلة لإحياء الميت قال تعالى[إِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً]( )، وما في تلك الآيات من التشديد على النفس( )، مدرسة تأديبية للمسلمين في الزجر عن التشديد على النفس، ودعوة للعمل بالميسور.
ثم جاءت الوقائع التأريخية والحوادث للتخفيف عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين، وهو من معجزاته التي لم تعط حقها في الدراسات والبحوث العلمية، موضوعاً ومصاديق وحكماً، فبعد الأذى والحصار الذي كان يلاقيه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته والتعذيب الذي يتعرض له أكثر الصحابة من الملأ من قريش، أصبح المؤمنون آمنين في يثرب، ونزلوا على أهل دار مؤمنين وهم الآوس والخزرج الذين نالوا فيما بعد شرف اسم الأنصار، وإختصوا به إلى يوم القيامة , وصغت الأسماع لآيات القرآن.
ومن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم نزول الآيات المدنية بالأحكام سواء في العبادات أو المعاملات وتنظيم شؤون الأسرة، وبيان ضرورة الجهاد، وما فيه من الثواب العظيم.
وقابل المسلمون هذه الأحكام والبيان بالإمتثال وحسن الإستجابة، ليكون وسيلة لتثبيت مبادئ الإسلام في النفوس، ودخول الناس فيه أفواجاً، مما جعل أقطاب الكفار يتعجلون في الإجهاز على الإسلام والدعوة في مهدها وآيات القرآن لم يتم نزولها، خصوصاً وأنهم أخذوا يستصحبون مضامين الوعيد والتخويف التي في السور المكية، والندب إلى القتال الذي جاءت به أوائل السور المدنية، والإستصحاب دليل عقلي، إتخذه الناس مرتكزاً في معاملاتهم، قبل أن يكون من مواضيع علم الأصول.
وكانوا ملتفتين إلى ما في العجلة من الهفوات والثغرات وعدم التكامل في المقدمات فاستعدوا بكثرة الرجال والسلاح، وجاءوا ليحيطوا يثرب بجنود لاعهد لها بها ليوجهوا رسالة إلى أهلها بأن الأذى والضرر جاءكم مقترناً مع نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وحلول أصحابه في المدينة، وهو أمر يزلزل ضعاف الإيمان، ويكون موضوعاً لأهل الريب والشك والجهالة والنفاق والحسد بالإرجاف في المدينة، و مناسبة لإستياء اليهود الذين يسكنون المدينة سواء من بني قريظة أوالنضير أوالقينقاع.
لقد كان الهجوم بذاته وسيلة لنفرة الناس من الإسلام وتحريض الناس عليه، ولكن النتيجة كانت بالعكس تماماً، وتلك معجزة من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التوليدية إذ وقف أهل المدينة رجالاً ونساءاً مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , ولم يكن فعل المنافقين وبعض أقطاب اليهود ذا تأثير معتد به، ولم يرتق إلى صيرورته سبباً في نتائج المعركة.
نعم، لم يكن عدد المؤمنين الذين خرجوا للقتال كثيراً، وهو أمر يجلب الرأفة والشفقة، ويعتبر وثيقة تأريخية تدل على لزوم الإقتداء بهم في الصبر والجهاد والمرابطة وصدق الإيمان وحسن التوكل على الله عز وجل، وقد مدح الله عز وجل إبراهيم عليه السلام بأنه أمة في الخير والصلاح، قال تعالى[إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ] ( ).
وباستحضار كبرى كلية وهي أفضلية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الأنبياء السابقين فانه أمة في الخير وإمام للناس جميعاً في أمور الدين والدنيا، فكان المسلمون أمة عظيمة بوجود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين ظهرانيهم لينزل الملائكة لنصرتهم، وهذا النزول بماهيته وخواصه وآثاره من أهم الشواهد الإعجازية على التخفيف عن المسلمين وكونه حقيقة مصاحبة لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وحياة المؤمنين وفيه ضمان للنصر في المعارك اللاحقة، وهو من خصائص[خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
فليس من أمة جاءها ضمان بالنصر في المعارك اللاحقة مثل المسلمين، ليكون تخفيفاً دائماً عن المسلمين ولا ينحصر موضوعه بميادين القتال بل يشمل حال السلم والرخاء، وفيه إعجاز آخر يتضمن معاني التوليد والكثرة فحتى الآية الحسية في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم باقية آثارها، متجددة منافعها، لايحجبها أهل الشك والريب، وتعضد وتوثق آيات القرآن معجزات الأنبياء السابقين، وهي شاهد حاضر على معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم السماوية والأرضية التي تؤكد حقيقة وهي لزوم إنتصار الإسلام المقترن بالتخفيف عن المؤمنين، وهو على أقسام:
الأول: التخفيف الزماني: بأن تكون الأيام وعاء للتخفيف، ويجري التخفيف مجرى الأيام والأسابيع، ففي نزول كل آية تخفيف، وفي كل مرة ينزل فيها جبرئيل بالوحي تخفيف، ومن الآيات في المقام مسائل:
الأولى: نزول جبرئيل بالآية والآيات المتعددة في النزلة الواحدة، وقد يأتي بجزء من آية.
الثانية: بين الوحي والقرآن عموم وخصوص مطلق، فكل قرآن هو وحي، وليس العكس.
الثالثة: نزول جبرئيل خير محض، وبركة متجددة، ونعمة متصلة على المسلمين.
الرابعة: نزول جبرئيل عليه السلام مدد للمسلمين، ووسيلة لتثبيت أقدامهم في منازل الإيمان.
والتخفيف بنزول جبرئيل متعدد من وجوه:
الأول: إنه تخفيف عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في رسالته، فكل مرة ينزل فيها جبرئيل دعوة للناس للتصديق بنبوته وإتباعه لما يأتي به من الآيات والدلالات الواضحات.
الثاني: تخفيف عن الصحابة، لأن آيات القرآن عون لهم في أمور دينهم ودنياهم، وسبب لزيادة إيمانهم، ووسيلة للعصمة من أسباب الشك والريب.
الثالث: حال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ساعة نزول الوحي عليه آية إعجازية، إذ يتصبب عرقاً في اليوم البارد، ويغشى عليه حتى إذا إنفصل عنه تلا آيات القرآن التي أنزلت عليه، لذا كان بعضهم يحضر عند النبي ليرى كيفية نزول الوحي وآثاره.
الثاني: نزول الملك المتكرر بالوحي على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مدرسة عقائدية قائمة بذاتها إلى جانب نزوله بالأحكام والسنن قال تعالى [وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ] ( )، ومن التخفيف الإمتثال للأوامر الإلهية، والإنقطاع إلى طاعة الله.
الثالث: التخفيف عن عموم الناس، بجذبهم للإسلام وإقامة برهان سماوي على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فنزول الوحي لطف إلهي، وتقريب إلى منازل الإيمان وكل معجزة هي رحمة للناس وبالناس جميعاً وإن جاءت على يد النبي على نحو التعيين، ومن خصائص معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تغشيها للأزمنة المختلفة، وتجددها مضموناً وتأويلاً وأثراً، وهي توليدية تتفرع عنها آيات وبراهين مستحدثة بلحاظ الزمان والمكان والموضوع.
ويحتمل لفظ (الأمر) في الآية وجهين:
الأول: الإطلاق، وعدم حصره في موضوع مخصوص.
الثاني: التقييد، وإرادة موضوع مخصوص.
ولا تعارض بين الوجهين في المقام، وهو من إعجاز اللفظ القرآني وإحاطته باللا محدود من الوقائع والأحداث، ترى لماذا لم تقل الآية الكريمة (ليس لك من الأمور شئ) الجواب من وجوه:
الأول: لفظ الأمر جامع للمعنى المتحد، ولعلم الجنس الذي يطلق على أفراد الجنس كله، فالآية إنحلالية تنبسط على كل أمر من أمور الدين والدنيا.
الثاني: إعتبار نظم الآيات، وموضوعها.
الثالث: الآية من موارد التفقه في شؤون القتال.
الرابع: تبعث الآية السكينة في نفوس المؤمنين لأن أمر القتال ونتائجه بيد الله عز وجل، قال تعالى [لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ] ( ).
الخامس: جاءت الآية بشارة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأن أمر إنقلاب الكفار خائبين قطعي وحتمي وليس فيه تغيير أو تبديل إلا أن يشاء الله، وتجلى هذا الإستثناء بقوله تعالى [أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ] الذي يتعلق بتوبة الكفار في الحال أوالمستقبل.
قوله تعالى[أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ]
جاءت الآية السابقة بخصوص كفار قريش الذين زحفوا لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه( )، في واقعة أحد، وذكرت العذاب الذي ينزل بهم، ومن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المقام أمور:
الأول: مجئ الأحداث مطابقة وموافقة لمضمون الآية الكريمة السابقة.
الثاني: ذكر آيات القرآن لوقائع معركة أحد وما بعدها، ليكون هذا الذكر واقية وحرزاً من تحريف الأخبار والأحداث.
الثالث: حصول المصداق الخارجي للبشارة بالنصر، والظفر على الكفار.
الرابع: توكيد قانون إنحصار النصر وأسبابه بيد الله عز وجل وقوله تعالى في الآية قبل السابقة [وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ]( ).
الخامس: مجئ هذه الآية ببيان وتفصيل جزائي .
في حال الكفر فيما بعد المعركة والتباين بين أطراف هذا التفصيل إذ أن التوبة نقيض العذاب بلحاظ أمور:
الأول: الدنيا دار إمتحان وإبتلاء.
الثاني: النشور حق.
الثالث: حتمية الحساب.
الرابع: وجوب الجزاء في عالم الآخرة.
وجاءت الإشارة إلى الفاعل في قوله تعالى[أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ] على نحو الإضمار والتقدير (أو يتوب الله عليهم بعد كفرهم ومحاربتهم الإسلام) وكذا بالنسبة للآية السابقة (ليقطع طرفاً) لعطف موضوع الآيتين على قوله تعالى [وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ]( )، ومن خصائص الإضمار والعطف في المقام أمور:
الأول: تعدد أفراد الفضل الإلهي على المجاهدين.
الثاني: بيان كثرة النعم التي يمنّ بها الله عز وجل على المسلمين.
الثالث: إذا سأل سائل عن كيفية مجئ النصر من عند الله عز وجل تأتي هذه الآيات للجواب وذكر مصاديق النصر.
الرابع: توكيد السعة في رحمة الله، وعدم تقييد التوبة في الموضوع، وتدل عليه قرائن الحال والمقال، من جهات:
الأولى: جاءت التوبة من عند الله القوي العزيز.
الثانية: من الإعجاز في المقام فتح باب التوبة للكفار في حال تتصف بأمور:
الأول: إصرار الكفار على الكفر والجحود مع توالي المعجزات من السماء والتي تدل على لزوم عبادة الله وصدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: دخول الناس أفراداً وجماعات في الإسلام.
الثالث: قدرة المسلمين على الدفاع عن الإسلام، وخروجهم إلى ميادين القتال يطلبون النصر أو الشهادة.
الرابع: نزول الملائكة لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه.
الخامس: لحوق الخزي والذل بالكفار يوم بدر .
السادس: توالي نزول آيات القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وكل آية معجزة بذاتها، ومعجزة بالتداخل مع غيرها من الآيات.
السابع: تجلي المعجزات الحسية على يد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأمام الملأ والناس مسلمين وغير مسلمين، وتناقل الركبان لها بما يحصل معه التواتر ويمتنع التواطئ على الكذب، خصوصاً وان النقل والرواية تتم أحياناً على لسان الكفار أنفسهم.
الثالثة: إصرار الكفار على الكفر والظلم ومحاولتهم إستئصال المسلمين.
الرابعة:سعي الكفار الحثيث لقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع مواصلتهم الحرب على الإسلام، وقيامهم بالهجوم على المدينة، وإفشاء الخوف والحزن بين المسلمين وعوائلهم، وسقوط الشهداء في معارك القتال، فان الله عز وجل يبقي باب التوبة مفتوحاً لهم ولغيرهم من الناس، وتأتي آيات القرآن لترغيبهم بالإنابة والإسلام، وفيه مسائل:
الأولى: إنه شاهد على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثانية: الإطلاق والسعة في رحمة الله، وعدم حصرها أو تقييدها.
الثالثة: الدنيا دار التوبة والإنابة.
الرابعة: التوبة بيد الله عز وجل، وهو الذي عنده الثواب والعقاب.
ويحتمل الضمير(الهاء) في (أو يتوب عليهم) وجوهاً:
الأول: إرادة الطرف من الكفار الذي يقطعه الله كما في ورد في الآية السابقة [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا].
الثاني: الكفار الذين خرجوا لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه.
الثالث: عموم الكفار والمشركين.
ولا تعارض بين هذه الوجوه بتقريب أن القطع الوارد في الآية أعلاه أعم من القتل فيشمل الأسر الذي هو مناسبة للتوبة والإنابة.
ولم تذكر الآية توبة الكفار، بل ذكرت توبة الله عليهم، وفيه مسائل:
الأولى: دلالة توبة الله وعفوه عنهم على توبتهم وإنابتهم، للإتيان باللازم وإفادة الملزوم.
الثانية: إن توبتهم وحدها غير كافية، فلابد أن يتوب الله عليهم، وفيه دعوة للكفار والناس جميعاً للإستغفار وإتيان العبادات والكف عن المعاصي.
الثالثة: إن مقاليد الأمور بيد الله، ولا يملك الجزاء والقدرة على محو السيئات إلا هو سبحانه.
وبلحاظ أن (أو) الواردة في قوله تعالى (او يتوب عليهم)تفيد العطف والترديد فانه يكون للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم شئ في أمرهم إن تاب الله عز وجل عليهم، وهذا الشئ على وجوه:
الأول: أمرهم بأداء الواجبات العبادية.
الثاني: رجوعهم إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في أمور الدين والدنيا.
الثالث: مشاركتهم في الجهاد تحت لواء الرسالة.
الرابع:بتوبة الكفار تعلو راية الإسلام , ويثبت الإيمان في الأرض.
الخامس:إيمان الكفار وكفهم عن قتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين مقدمة لقوله تعالى [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي]( ).
والمراد من الأمر في هذه الآية أعم من أمر وشأن الكفار، ولكن توبتهم طريق لحفظ القرآن وتفقه الناس في الدين , وتقيدهم بالفرائض وأحكام الحلال والحرام.
وفي الآية ترغيب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين وإلى يوم القيامة باسلام الكفار بما فيهم الذين يحاربون الإسلام، ويعتدون على الحرمات، وفي زمان قوة الإسلام أو حال الشدة والضعف أحياناً، فلا يقول المسلمون في أيام سيادة الإسلام وضعف ووهن الكفار لانحتاج إلى إسلامهم ونريد البطش بهم والإنتقام منهم لما فعلوه من الجور والتعدي وقتالهم المسلمين، بل إن باب التوبة مفتوح لهم، والنفع منهم عند توبتهم خير للمسلمين والناس جميعاً لذا جاء حرف العطف (أو) وما فيه من الترديد، وتقدير الآية (او يتوب عليهم فيكون لك من الأمر شئ).
فجاءت الآية لبعث السكينة في نفس النبي وأصحابه والمؤمنين إلى يوم القيامة، وهي شاهد على تفويض الأمور إلى الله عند الشدائد مع السعي وبذل الوسع لنيل المقاصد الحميدة ودفع الأذى قال تعالى[قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ]( ).
وتبين الآية التخيير للناس وعدم الجبر والإكراه مع الترغيب بالتوبة والإنابة، وبيان عظيم منافعها، ومنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكون مولى للتائبين، وبالتوبة يتخذ الإنسان القرآن إماماً، وجاءت الآية بصيغة الجمع (يتوب عليهم) وفيه مسائل:
الأولى: إمكان توبة جيوش الكفار التي خرجت لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين وأنها ليست من الممتنع، وتحتمل هذه التوبة وجوهاً وهي:
الأول: حصول توبتهم على نحو دفعي ومرة واحدة.
الثاني: توبة رؤوس الكفر والضلالة ومحاكاة أتباعهم لهم.
الثالث:توبة المستصعفين والأتباع ثم توبة الرؤساء.
الرابع: حصول التوبة على نحو الجماعة والقبيلة، فكل قبيلة تبادر إلى التوبة على نحو مستقل.
الخامس: التوبة الشخصية، فكل فرد من الكفار يدرك ضرورة التوبة والإنابة ويدخل الإسلام طواعية، ولا يلتفت إلى غيره ممن ظل مقيماً على الكفر والمعصية.
الثانية: دعوة المسلمين لعدم اليأس من توبة الكفار، وإن كانوا يقاتلون المسلمين، لذا ترى الموعظة والإرشاد مصاحبين للقتال، ومتقدمين عليه، وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يأمر قواد السرايا أن لايبدأوا القتال حتى يعظوا العدو، ويدعوه إلى الإسلام.
الثالثة: بيان سعة رحمة الله عز وجل، وأنه رؤوف رحيم قال تعالى في الثناء على نفسه [غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ]( ).
الرابعة: دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين لإستقبال التائبين من الكفار بمفاهيم الأخوة ومعاني المودة.
الخامسة: حث المؤمنين على بذل الوسع لتفقه التائبين في الدين، وعدم تركهم في حيرة وتردد، وكل أمة أو بلدة أو جماعة يدخل أو ينضم إليها عدد كبير من الناس يظهر عجزها عن إستيعابهم باليسر والبيان وإنتفاء الحرج، وسهولة إدراك وإمتثال العبد لما فيها من الواجبات، ومعرفة النواهي ولزوم إجتنابها خصوصاً وان النفس تميل بفطرتها إلى أداء العبادات، وتنفر من القبائح والرذائل.
بحث بلاغي
من البديع باب (الإلتفات) وهو تغيير جهة الخطاب من المخاطب إلى الغائب أو المتكلم وبالعكس كما في قوله تعالى[مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ] ( )، إذ إنتقل الكلام إلى لغة الخطاب والتضرع والرجاء، ومن خصائص الإلتفات جذب الأسماع، والترغيب بالتدبر في الكلام، وموافقة ميل النفوس إلى حب الإنتقال، وطرد الملل والسأم. ومن الإعجاز في هذه الآية أنها إبتدأت بلغة الخطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في عاقبة القوم الكافرين(ليس لك من الأمر شيء) إلا أنه يتضمن التشريف والكفاية، ولم تقف هذه الآية عند هذا النفي بل جاءت بما فيه البشارة وبيان عاقبة الكفار، قال تعالى[أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى] ( ). فانتقلت الآية بقول (أو يتوب عليهم) للغة الغائب وإرادة بقاء باب التوبة ليفوز بولوجه فريق من الناس ومن الآيات أن هذا الإلتفات ليس في عرض لغة الخطاب أو معارضاً لها، بل هو في طولها، لإرادة البيان للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو من تأديب الله له وإكرامه، وإقامة الحجة في صدق نبوته وعمومات قوله تعالى[وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى]( ).
فجاء الإلتفات هنا دعوة للصبر والتطلع إلى زوال سلطان الكفر بتوبة فريق من الكفار، ونزول العذاب بالفريق الآخر.
قانون”يتوب عليهم’’
لقد خلق الله عز وجل الإنسان ليكون خليفة في الأرض، وتستلزم الخلافة عمارة الأرض بالعبادة والصلاح والتقوى، فتفضل ببعث الأنبياء وأنزل الكتب السماوية التي تتضمن أحكام العبادات والمعاملات والأوامر والنواهي، ولم يمتثل شطر من الناس لتلك الأحكام عصياناً.
وجاهد الأنبياء لإصلاح المجتمعات، وجذب الناس لسبل الإيمان، وكذّب فريق منهم الأنبياء، وتعدوا على بعضهم بالأذى والقتل، فكانت نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما أحاطه الله به من العناية حاجة للناس جميعاً.
وجاءت هذه الآية لتفتح باب التوبة لألد أعداء الإسلام، وأشرار الخلق، فليس من أمة أظلم من الذين حاربوا النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وهم يرون الآيات تترى عليه نزولاً وحساً، وقاموا بتأليب الناس عليه، وتحريف المعجزات وتشويه الحقائق، ثم زحفوا بجيوش عظيمة على مدينة يثرب الآمنة التي يشع منها ضياء النبوة، والذي صار لها وقاء، ولكن الكفار لم يلتفتوا إلى أسرار ومعاني هذا الوقاء وما يترتب عليه من الآثار، ومنها الهزيمة الحتمية للكفار وان كان عددهم أضعاف عدد المسلمين، كما حصل في معركة بدر وأحد والخندق، وكان درساً للكفار جميعاً بالكف عن التعدي على ثغور المسلمين، وإجتناب التعدي على أمصارهم، وحجة عليهم، وترغيباً بالتوبة المركبة من جهات:
الأولى: الكف عن التعدي على المسلمين وأمصارهم.
الثانية: الإمتناع عن إنكار معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالثة: إجتناب إخفاء البشارات بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم, والواردة في الكتب السماوية السابقة كالتوراة والإنجيل.
الرابعة: الإمتناع عن الهجوم على بلاد الإسلام، ومحاربة المسلمين.
الخامسة: التوبة إلى الله توبة نصوحاً، ودخول الإسلام وأداء الفرائض والعبادات، رجاء رحمة الله ونيل مغفرته.
وتحتمل توبة الله عز وجل على الكفار وجوهاً:
الأول:مجئ التوبة إبتداء من عند الله.
الثاني: التوبة على الكفار سواء تابوا وأقلعوا عن الكفر , وتركوا منازل الكفر، أو بقوا مصرين على المعصية.
الثالث: لزوم توبة الكفار أولاً.
والصحيح هو الثالث، فالله عز وجل لا يتوب على الكفار إلا أن يتوبوا إليه، قال تعالى[فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ]( )، نعم يتفضل الله عز وجل على الناس بتقريبهم إلى منازل التوبة والهداية، وهو من اللطف الإلهي الذي يتغشى الناس في الدنيا، وتتجلى منافعه في النشأتين على كل من:
الأول: ذات الكفار الذين يتوبون ويصلحون أحوالهم.
الثاني: أبناء التائب وذريته إذ يدخلون الإسلام بالتبعية.
الثالث: من يتوب إلى الله حجة على أصحابه وجيرانه ومن تجمعه صلة معهم من عمل وتجارة بل وأعداء للإسلام، إذ يرى أعداء الإسلام الوهن الذي يلحق بهم بدخول فريق منهم الإسلام، وثبات المسلمين على دينهم، وإتصف الإسلام بخصوصية تدل على تسليم الناس بصدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهي أن من يدخل الإسلام لايخرج منه.
ولا يستطيع أحد إحصاء منافع التوبة الدنيوية، أما الأخروية فانها تفوق التصور الذهني، وجاءت هذه الآية للترغيب بها والسعي إليها، وإستثمار الحياة الدنيا كمزرعة للآخرة تنمو فيها بذور التوبة لتكون ظلاً مصاحباً لصاحبها في عالم البرزخ، ووسيلة مباركة للعبور على الصراط المستقيم، وواقية من عذاب النار، ونوراً يغبطه عليه أهل المحشر، وان سبق منه العداء للإسلام، ومقاتلة المؤمنين .
وكأن التوبة حق جعله الله لكل إنسان لاتقدر الخلائق على حجبه عنه، وهو من نعمة الخلافة في الأرض، والحرب على إبليس والتصديق لإغوائه ووسوسته، ومن مصاديق رد الله عز وجل على الملائكة [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] حينما قالوا [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ] ( )، بتقريب أن الذي يفسد ويظلم ويتوب يغفر الله له ويصلح أمره، ويكون داعية إلى نبذ الكفر والتخلي عن الظلم، وأن الفساد ليس مستديماً في الأرض بل تأتي عليه التوبة ليزيحه عن أسباب الأثر والتأثير بالإضافة إلى أن التوبة مقدمة للعبادة، وهي ذاتها عبادة، وفيها الأجر والثواب.
وفي التوبة مسائل :
الأول : إنها مرتكز لأداء الوظائف العبادية .
الثاني : التوبة طريق للإمتثال للأوامر الإلهية , وهي ذاتها إمتثال وخلق حسن .
الثالث : باب لتثبيت الإيمان في الأرض على نحو متصل في الأجيال المتعاقبة .
الرابع : التوبة وسيلة للفوز برحمة الله في النشأتين .
ولاتنحصر منافع التوبة بصاحبها ومن حوله، بل هي خير محض، ونفع متجدد إلى يوم القيامة، وسنة حميدة تؤدي إلى الصلاح وإشاعة مفاهيم الهداية والإيمان، لذا ترى النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه يستبشرون بتوبة أي فرد خاصة إذا كان من أقطاب الكفر، وفرسان العرب.
ومما يدل على حال الإرتقاء في مراتب المعرفة الإلهية الزيادة السريعة في عدد المسلمين والإنصات للغة الوعيد في القرآن، والتدبر في دلالات إنذاراته، والإنزجار عن تكرار إتباع للظالمين في هجومهم على المدينة المنورة، وربما خرج جماعة مع قريش في بدر وأحد ليعودوا بعدها إلى المدينة مسلمين، إلى جانب الشباب من قريش الذين أظهروا في إسلامهم أبهى مصاديق التحدي للطواغيت والظالمين ليكون من ظلم الكفار الظاهر السعي لمنع أبنائهم من دخول الإسلام، ومحاولة حجب الآيات والمعجزات عن الناس.
قانون”بشارة التوبة’’
من الإعجاز العقائدي والفكري في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم مصاحبة البشارة للأذى والإبتلاء، فقد كان المسلمون في حال ضعف وقلة مؤونة ونقص في السلاح، ويحيط بهم الأعداء ويكثر بين صفوفهم المنافقون، فتأتي البشارة في ذات الموضوع الذي يأتي الضرر والتهديد منه.
وأراد الكفار إستئصال النبوة، والقضاء على بيضة الإسلام قال تعالى[وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ]( )، وبعث الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رحمة وهدى للناس , وتتجلى أبهى معاني الرحمة بما يتغشى المؤمنين من البشارة ساعة الشدة والضيق، فقوله تعالى[وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( )، شامل للناس جميعاً، والمسلمون فازوا بالنصيب الأوفر من الرحمة المذكورة في الآية أعلاه بالهداية والرشاد، وتلقي البشارة ساعة العسرة، ومن الآيات تعدد مصاديق البشارة وعدم إنحصارها موضوعاً وحكماً.
وتضمنت هذه الآية البشارة للمسلمين بخصوص عذاب الكفار الذين يحاربون النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين، وتلك آية إعجازية غير موجودة إلا في القرآن وتتحدى الناس جميعاً بما فيهم الكفار، فلا يقدرون على مواجهة هذه الآية بالإصرار على الكفر، أو الإستخفاف بالوعد الكريم الذي تتضمنه الآية، وفي هذه البشارة مسائل :
الأول : إنها جذبة إلى منازل الهداية.
الثاني : ترغيب الناس مطلقاً بالإيمان .
الثالث : إنها سبب لبعث النفرة في نفوس الكفار من قتال المسلمين، الرابع : يأس الكفار من الإجهاز على المسلمين وثغورهم .
وتجلي الإعجاز العملي لمضامين هذه الآية وما فيها من التحدي بحصول المصاديق الواقعية للبشارة بتوبة الكفار إذ أخذ الناس يدخلون الإسلام أفواجاً فبينما جاءت الآية السابقة بالإخبار عن هلاك طائفة من الكفار بقوله تعالى [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا]( ).
جاءت هذه الآية بقطع طرف آخر منهم ولكن بالتوبة والإنابة ليكون الكفار على فرق:
الأول: فريق يهلك بالقتل والأسر.
الثاني: فريق يدخلون الإسلام ويتوب الله عليهم.
الثالث: الذين يبقون على الكفر، فيصبحون عاجزين عن التعدي على الإسلام، وكل فرد وجماعة منهم يتدبرون في أمرهم والآيات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولزوم التصديق بها، بالإضافة إلى أن هلاك فريق من الكفار وتوبة فريق آخر رسالة إلى من خلفهم من الكفار، وزاجر لهم من المعتدين بالرجال والسلاح، وعدم النفع منه، بل ان السلاح الذي يقع بأيدي المسلمين يصير غنائم، وأن الرجال في معرض الهداية والإيمان أو الوقوع في الأسر، وهو من أسرار عدم تلقي كفار قريش المدد والعون من الدول العظمى آنذاك كالدولة الرومانية والفارسية، سواء بالرجال أو المال والسلاح .
وكانت لأقطاب قريش الذين كانوا يقودون الجيوش ضد المسلمين صلات مع ملوك الروم وفارس، وهم معروفون عندهم وتربطهم مع كبار تجار الروم معاملات متصلة وتسويق للبضائع، وللتجارة والمكاسب موضوعية أيام الحروب، وتأييد بعض الأطراف، فالدولة التي تنتفع من التجار الكبار، تقدم لهم يد المساعدة والعون لتبقى طرق وأسباب التجارة والبيع مستمرة معهم كما ظهر في العصر الحديث في الحرب العالمية الأولى والثانية.
فجاءت البشارة في هذه الآية بامكان توبة الله عز وجل على الكافرين إنذاراً لعموم الكفار، وترغيباً لهم بالإسلام، فاذا كانت التوبة تشمل الذين يحاربون الإسلام، فمن باب الأولوية شمولها للذين لا يحاربون الإسلام، ولم يكن للمسلمين ظهير من أهل الأرض، وليس لهم مصر وبلد يأوون إليه غير مدينتهم يثرب.
فجاءت البشارة في هذه الآية لمنع أطراف أخرى من الكفار من التعدي على الإسلام، ومحاصرة المدينة المنورة والزحف عليها، وكان فيها اليهود وبامكانهم الإتصال بأهل الكتاب من النصارى للتحريض على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، نعم حضر وفد نصارى نجران إلى المدينة المنورة وجادلوا النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم , ورأوا الآيات وخشوا نزول البلاء بهم عند المباهلة قال تعالى[فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ]( ).
قانون”منافع التوبة’’
أخبرت الآية عن إحتمال توبة الله على الكفار، لتدل بالدلالة التضمنية على توبتهم وإنزجارهم عن الظلم والتعدي على الإسلام، وصحيح أن التوبة فعل يتخذه الإنسان بارادته إلا أنه يأتي بلطف من الله، وتقريب إلى التوبة والصلاح، وإعانة لإدراك أمور متعلقة بالمعصية :
الأول : ضرر المعصية.
الثاني : قبح الإقامة عليها .
الثالث : منافاتها للفطرة السليمة.
الرابع : حصر النجاة منها بالإسلام .
ومن اللطف الإلهي في المقام لغة الوعد والوعيد في القرآن، وتترشح عنهما مجتمعين ومتفرقين :
الأول : الدعوة إلى التوبة
الثاني : الترغيب في الإيمان والصلاح .
الثالث : بعث الخوف والفزع من البقاء في منازل الكفر والضلالة.
وجاءت هذه الآية بهما معاً، إذ تضمنت الوعد بالمغفرة للمؤمنين , والوعيد بالعذاب للكفار, وهو من مصاديق الإعجاز فيها، وشاهد بأن إعجاز القرآن ذاتي وغيري، ومن أفراد الغيري في المقام بعث الناس على التقيد بأحكام وسنن القرآن، فشطر من هذه الآية يدل على الوعد وهو (أو يتوب عليهم) وأخر يدل على الوعيد وهي(أو يعذبهم) وليس من فاصلة بينهما، لبيان حقيقة وهي عدم وجود برزخ ووسط بين الجنة والنار، فاما أن يتوب العبد توبة نصوحاً، ويكون ثوابه الجنة والنعيم الدائم، وأما أن يبقى في منازل الكفر، ويكون عقابه النار خالداً فيها.
ويبين كلا الأمرين منافع التوبة منطوقاً ومفهوماً، إذ أن الإصرار على الكفر، وركوب المعصية سبب للحرمان من منافع التوبة مع قيام الحجة على الكافر على نحو مركب، فهو إختار الكفر بنفسه أو وراثة عن آبائه.
وجاءت نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لدعوته للإقلاع عن الكفر، وتضمنت هذه الآية الكريمة الحجة على صدق نبوته بالوعد الكريم بقبول التوبة، فلا يقبل التوبة إلى الله عز وجل .
ولم تأت هذه الآية بالحث على التوبة وحدها، بل ذكرت توبة الله عز وجل على من يتوب وإن أسرف في التعدي على المسلمين.
ومن الإعجاز الغيري للآية مصاديق التوبة، ودخول بعض أقطاب الكفر وقتلة المؤمنين الإسلام وعدم إنتقام المؤمنين منهم، مثل وحشي، فهو مولى لجبير بن مطعم، وقتل سيد الشهداء الحمزة عم رسول الله، طلباً للعتق، وعندما فتحت مكة هرب إلى الطائف ثم ضاقت به الأرض، عندما خرج وفد الطائف إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليسلموا، وقيل له: ويحك أن النبي محمداً(مَا يَقْتُلُ أَحَدًا مِنْ النّاسِ دَخَلَ فِي دِينِهِ وَتَشَهّدَ شَهَادَتَهُ) ( ).
وهذا القول من عامة الناس شاهد على شيوع أمر عفو النبي عن ألد خصومه وأشدهم عداوة إن دخل الإسلام طوعاً، لتكون التوبة وسيلة للأمن والسلامة الشخصية وطريقاً للهداية والتفقه في الدين والإنتفاع الأمثل مما بقي من العمر في طاعة الله.
لقد أراد الله عز وجل للناس الصلاح والرشاد، والتوبة مقدمة الصلاح، ويكون الصلاح علة التوبة، أي أن العبد يشعر بضرورة أدائه التكاليف، وفعله الصالحات.
ويمكن تقسيم منافع التوبة إلى وجوه بحسب اللحاظ:
الأول: التقسيم بحسب أفراد الزمان الطولية، وهو على شعبتين:
الأولى: منافع التوبة في الحياة الدنيا، ومنها :
الأول : الإستقامة وإكتناز الصالحات .
الثاني : إمتلاء النفس بالسكينة .
الثالث : أداء الفرائض والواجبات .
الرابع : الإستبشار بفضل الله والإقرار بالنعم، قال تعالى[قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ]( ).
الثانية: منافع التوبة في الآخرة، وتلك الآية العظمى، والكنز المدخر في مضامين هذه الآية وفيها إخبار عن توبة الله على الكفار، فبدل العذاب الأليم تكون منازل الذين يختارون التوبة النعيم المقيم، وليس من نفع أعظم من نفع التوبة في الآخرة.
وجاء القرآن بالإخبار عن حب الله عز وجل للتائبين قال تعالى[إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ] ( )، وما يترشح من حب الله للتوابين مطلق في أفراده الطولية والعرضية، إذ يتغشاهم في الدنيا والآخرة.
ومن الآيات التداخل بين منافع التوبة في الدنيا والآخرة، فكل نفع في الدنيا مدخل للنفع الأخروي، والنعيم المقيم في الجنة، وكل نفع في الآخرة ضياء مبارك يشع على الجوارح والجوانح، ويبعث على السعي الحثيث لبلوغه والفوز به.
إن تقسيم منافع التوبة إلى دنيوية وأخروية مدرسة تفيض بالعلوم اللامتناهية، ويستحق تأليف مجلدات خاصة به تكون ثروة كلامية وعقائدية تبين الإعجاز في (مدرسة التوبة) في الإسلام والحاجة الخاصة والعامة لها.
الثاني: التقسيم بحسب أحكام العبادات والمعاملات، وهو على شعب:
الأولى: التوبة وسيلة ووعاء لأداء الوظائف العبادية، والتي لا تقبل إلا بالإسلام.
الثانية: الملازمة بين التوبة النصوح، وبين الأمانة وحسن المعاشرة، وإجتناب الخيانة والغش (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من غشنا فليس منا( ).
الثالثة: التوبة مناسبة للتفقه في الدين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الثالث: تقسيم التوبة بحسب الإتحاد والتعدد، وهو على شعب:
الأولى: التوبة الشخصية، بأن يبادر فرد إلى التوبة طواعية.
الثانية: التوبة الجماعية بأن يتفق جماعة على التوبة دفعة واحدة، وهذه الشعبة أفضل من الأولى لما في التعدد من النفع والدلالة على إستجابة الناس لدعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، كما أنها تبعث الفزع والخوف في قلوب الكفار.
الثالثة: توبة القبيلة بأن تتوقف قبيلة معينة عن مد يد العون إلى الكفار، وتمتنع عن الخروج لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين، ولهذه التوبة أثر عظيم على القبائل، وهي شاهد على ظهور الإسلام،ومن مصاديق القطع الوارد في الآية السابقة[لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا]( ).
قانون” المعجزة العقائدية’’
ليس من فترة أكثر حرجاً على الإسلام من بدايات الدعوة، سواء في مكة أو المدينة، إذ يتشخص الخطر والحرج بسعي الكفار لقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واستئصال أصحابه على قلتهم وضعفهم بالقتل أو الأسر والذل وإتجاه هذا الحرج إلى التناقص التدريجي زماناً ومكاناً بلحاظ إتساع رقعة دولة الإسلام، وتثبيت أحكامه، وتدبر الناس في آيات القرآن، وشيوع معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حتى إذا جاءت الحرب الصليبية مثلاً، والغزو المغولي خرج الإسلام قوياً مع شدة وضراوة وإقامة كل منهما، وهذا التناقص التدريجي من معجزات نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم العقائدية، وقد قسمت المعجزة إلى قسمين:
الأول: المعجزة العقلية.
الثاني: المعجزة الحسية.
لتكون المعجزة العقائدية قسيماً ثالثاً لهما , وبها تتصف نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولا يضر بها وجود مصداق آخر لها وهو نبوة عيسى عليه السلام، وإتساع دين النصرانية، وما يتصف به الإسلام هو إتساعه المطرد، وخشية الآخرين منه، وعدم خشية المسلمين من أحد.
ولاينفصل الإعجاز العقائدي عن القرآن ومعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فكل آية من القرآن بناء في صرح الإسلام، وعلو رايته، وتخفيف من الخطر الذي يحدق به وبالمؤمنين، وهو من أسرار تلاوة آيات وسور القرآن في الصلاة اليومية، ليكون كل يوم من أيام الحياة الدنيا تثبيتاً لمبادئ الإسلام، وطرداً للكفر والضلالة، ووعاء زمانياً لبعث الفزع والخوف في قلوب الكفار إلى جانب ما في الصلاة والعبادات الأخرى من الخشوع والخضوع الذي يدل على ثبات المسلمين في منازل الإيمان، وما يجعل اليأس من إرتدادهم ملكة عند الكفار، وطريقاً للتوبة والإنابة.
وتناقص الخطر على الإسلام مصداق للمعجزة العقائدية لنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم من مصاديق كثيرة ومتشعبة ومتجددة، ومنها سعي الكفار للتوبة، ولجوئهم إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رجاء قبول توبتهم، ولقائه لهم بالبشرى، وعنه صلى الله عليه وآله وسلم (الإسلام يجُّب ما قبله) ( ).
ومن الإعجاز العقائدي في المقام صيرورة التائبين من أقطاب الكفر قادة في الغزوات والسرايا، وكان بعضهم أميراً على كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار، وتقدم عليهم في إمامة الصلاة، كما في غزوة ذات السلاسل إذ بعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عمرو بن العاص ليستنفر قوماً من العرب تنتسب لهم أم أبيه العاص، ولكنه خاف وهو في أرض جذام فبعث إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يستمده(فَبَعَثَ إلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرّاحِ فِي الْمُهَاجِرِينَ الْأَوّلِينَ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَقَالَ لِأَبِي عُبَيْدَةَ حِينَ وَجّهَهُ لَا تَخْتَلِفَا ؛ فَخَرَجَ أَبُو عُبَيْدَةَ حَتّى إذَا قَدِمَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ عَمْرٌو : إنّمَا جِئْتَ مَدَدًا لِي ؛ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ لَا ، وَلَكِنّي عَلَى مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَنْتَ عَلَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ رَجُلًا لَيّنًا سَهْلًا ، هَيّنًا عَلَيْهِ أَمْرُ الدّنْيَا ، فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو : بَلْ أَنْتَ مَدَدٌ لِي ؛ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَا عَمْرُو ، وَإِنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ لِي : لَا تَخْتَلِفَا ، وَإِنّك إنْ عَصَيْتَنِي أَطَعْتُك ، قَالَ فَإِنّي الْأَمِيرُ عَلَيْك ، وَأَنْتَ مَدَدٌ لِي ، قَالَ فَدُونَك . فَصَلّى عَمْرٌو بِالنّاسِ) ( ).
وفيه درس عقائدي يتجلى بحسن الخلق والتواضع الذي يتصف به المسلمون، وأولوية وحدتهم، وأداء صلاة الجماعة، ولم يفكر أحد من الصحابة بالصلاة على إنفراد، ولم يشتك بعضهم إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ما فعله عمرو، وحرصه على تقديم نفسه.
لقد خلقت بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أمة متكاملة الأخلاق وجاءت الآية محل بحث لتؤكد المعجزة العقائدية لنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم في كل زمان بتوبة وصلاح فريق من الناس.
وهل يشمل قوله تعالى [أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ] المسلمين الذين يرتكبون المعاصي ثم يتوبون إلى الله، الجواب لا، فالآية خاصة بالكفار الذين يتوبون عن الشرك ومحاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإسلام وجاء ذكر التوبة هنا للنجاة من العذاب على الكفر والظلم لقوله تعالى[أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ]، وهي حية غضة إلى يوم القيامة، لتسير هذه المعجزة مع القرآن.
ولا تعارض بين أن تكون المعجزة العقائدية مستقلة بذاتها وبين أن تكون رشحة من رشحات القرآن التوليدية في جميع مصاديقها او شطر منها وأثراً مباركاً للسنة النبوية الشريفة.
وذات الآية القرآنية معجزة عقائدية قائمة بذاتها، وعلة لتلك المعجزة، وهذا التداخل والتعدد، وقانون العلة والمعلول في المقام من عمومات قوله تعالى[وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( )، لما فيه من اللطف الإلهي بالناس وجذبهم إلى منازل التوبة والطاعة، كما يتجلى في هذه الآية التي تتضمن البشارة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بتوبة الكفار في ذات الوقت الذي يواصلون فيه الحرب على الإسلام، وينفقون الأموال الطائلة في الهجوم على المدينة المنورة.
والمعجزة العقائدية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإسلام من خصائص الديانة الباقية إلى يوم القيامة، فمن أجل أن يبقى الإسلام دين أهل الأرض جعله الله يتصف بها لتكون حجة، ووسيلة واقعية لجذب الناس إلى الإسلام، وبرزخاً دون الإرتداد.
ويمكن أن يكون قانون (المعجزة التوليدية) علم مستقل يدل على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكنزاً تستخرج منه الدرر العلمية والشواهد التي تدل على فضل الله على المسلمين والمدد الإلهي لهم في ميادين العبادات والمعاملات والأحكام بما يؤدي إلى ترسيخ مبادئ الإسلام في الأرض، وهناك مسألتان:
الأولى: إن كان إعتبار المعجزة العقائدية فرع معجزة القرآن، فهل يصح أن يكون القرآن فرع المعجزة العقائدية الجواب لا، فكل آية قرآنية معجزة عقائدية قائمة بذاتها والقول باستقلال المعجزة العقائدية لايتعارض مع الأصل في معجزة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو القرآن.
الثانية:إذا كانت المعجزة العقائدية فرعاً لمعجزة القرآن، فكيف تكون قسيماً لها، والجواب أن الإستقلال بلحاظ الموضوع والأثر المترتب عليها بالذات.
قانون” فرح المؤمنين بتوبة الكفار’’
لقد جعل الله الدنيا دار إمتحان وإبتلاء، ولم يستثن المؤمنون من هذا الإبتلاء قال تعالى[أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ] ( )، وليس من دين واجه الإبتلاء أشد وأكثر من الإسلام والمسلمين، فما أن بعث الله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم نبياً حتى حاربته عشيرته وقبيلته إلا القليل من أهل بيته وأصحابه العزل.
ومن الإعجاز العقائدي في نبوته حصول بيعة العقبة، ونصرة أهل يثرب له، وإلا فان الأصل هو متابعة الناس لأهل مكة في صدودهم عن دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خصوصاً وأنهم كانوا يحرضون الناس أيام الموسم على عدم التصديق بنبوته .
وفي قوله تعالى[كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ * الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ]( ) ورد عن ابن عباس في المقتسمين (الذين اقتسموا طرق مكة يصدون عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم و الإيمان به، قال مقاتل و كانوا ستة عشر رجلاً بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم يقولون لمن أتى مكة لا تغتروا بالخارج منا و المدعي النبوة فأنزل الله بهم عذاباً فماتوا شر ميتة ثم وصفهم فقال ((الذين جعلوا القرآن عضين))، أي جزءوه أجزاء فقالوا سحر و قالوا أساطير الأولين و قالوا مفترى) ( ).
ولكنهم لم يستطيعوا أن يحجبوا الحق، أو يعتموا على المعجزات الباهرات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ويدل الخبر أعلاه على أن قريشاً لم يكتفوا بالجحود بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بل كانوا يسعون لصد الناس وإنذارهم من تصديقها، وكأنهم ينذرون العرب من نصرته، وفيه شاهد على جهاد الأنصار وإستعدادهم لتلقي الأذى من قريش ذات السطوة والشأن بين القبائل.
ولم يؤد هذا الإنذار إلى إمتلاء نفوس الأنصار، بالبغض والعداوة لقريش ولم يتمنوا لهم الموت على الكفر للخلود في الجحيم، بل كانوا يرجون لهم وللناس جميعاً التوبة والإنابة ودخول الإسلام، وهذا الرجاء من رشحات القرآن، وتفقه المسلمين في أمور الدين والدنيا، وإرتقائهم في المعارف الإسلامية وفيه شاهد بأن المسلمين الأوائل نواة الأمة التي تتعاهد أحكام الشريعة في الأرض إلى يوم القيامة، والمتعارف عند الناس غلبة النفس الغضبية والشهوية عند الظهور والقدرة على البطش بالعدو، ولكن المسلمين على الخلاف إذ أنهم يرجون لمن يحاربهم ويقاتلهم نيل أفضل الدرجات والفوز بالسعادة الأبدية، بدخول الإسلام، وأداء الوظائف العبادية، لذا جاء توجيه الإنذار والوعيد للكفار في بداية كل معركة.
وتضمنت آيات القرآن دعوتهم للتوبة، وحث المسلمين على الفرح بتوبتهم، وتلقيه بالود والفرح، ليكون يوم توبة الكافر عيداً له ولأهله وللمؤمنين جميعاً، وإذا كان كل يوم يشهد توبة جماعة من الكفار فان أيام السنة جميعها أعياد للمسلمين في آية من عند الله تتجلى باتصال دخول الكفار الإسلام، قال تعالى[إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا] ( ).
وفي فرح المؤمنين بتوبة الكفار ثواب متعدد من وجوه:
الوجه الأول: الثواب والأجر الذي يلحق المسلمين من جهات :
الجهة الأولى: في هذه الآية , وهو على أقسام :
الأول: الرضا بالتخفيف عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقوله تعالى(ليس لك من الأمر شيء) وفيه مسائل:
الأولى: ولاية الله عز وجل للنبي محمد والمسلمين.
الثانية:التخفيف عن المؤمنين في ميادين القتال.
الثالثة: قرب النصر والظفر بالكفار.
الثاني: مجئ الآية بترغيب الكفار بالتوبة , وهدايتهم لطرقها.
الثالث:نعت الكفار بأنهم ظالمون، مما يدل في مفهومه على التنزه عن الظلم بدخول الإسلام.
الجهة الثانية: في حال السلم، وعندما يتوافد الكفار على المدينة لإعلان إسلامهم.
الثالثة: في المساجد عند رؤية الكفار وقد أصبحوا مسلمين.
الرابعة: الثواب الذي يأتي في الجهاد ولا ينحصر بميدان المعركة بل يشمل الإستعداد لها كما في قوله [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ] ( )، للجهد المبذول في التهيئ للمعركة، والإعداد لها، وللسعة في فضل الله على المسلمين , قال تعالى [وَلاَ يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ]( ).
الخامسة: الثواب الذي يكسبه المسلمون في أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.السادسة إعانة حديث العهد بالإسلام للتفقه في الدين .
وهل الفرح بتوبة الكافر حسنة الجواب نعم لما فيه من الدلالة على الإيمان وحب الخير ,
الوجه الثاني: الثواب الذي يأتي للتائبين الذين ينزعون رداء الكفر والجحود، ويظهرون الإيمان، ويكونون أسوة لأخوانهم.
الوجه الثالث: ما يناله الذين يمدون المجاهدين بالسلاح والمال.
قانون”التوبة مدد’’
من الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم مصاحبة المدد لها، وإتصاف هذا المدد بأمور:
الأول: المدد المالي إذ جعلت خديجة زوجة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مالها في سبيل الله، ونذرته لدعوة الإسلام، فقد يؤمن الإنسان ويؤدي وظائفه العبادية ولكنه يحتفظ بماله ويكتفي باخراج الزكاة منه، وقد يكون ماله وحرصه عليه برزخاً دون إتيان أفراد من الصالحات، ولكن خديجة بادرت إلى الإسلام وسخّرت مالها في سبيل الله، ويتصف فعلها هذا بالمبادرة، وعدم المحاكاة، فلم يسبقها إليه شخص غيرها مع كثرة أموال قريش، وتلك آية في المدد الذي سخره الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكيف أنه كان قريباً منه .
وهل هو من عمومات قوله تعالى[فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا] ( )، الجواب لا، لأنه جهاد وإنفاق في سبيل الله نعم تتجلى موضوعية الزواج المبارك في المقام.
الثاني: المدد بآيات القرآن والتنزيل، وكل آية من القرآن هي مدد سماوي، وعون في تثبيت دعائم النبوة وأحكام الرسالة.
الثالث: المدد بالأصحاب والأنصار، وتلك آية عظمى، فمع إتصال الدعوة كان الناس يدخلون في الإسلام أفراداً ثم جماعات ثم قبائل ثم أمم، وهذا التدرج معجزة عقائدية وإجتماعية تدل على صدق نبوته صلى الله عليه وآله وسلم وشاهد على إقرار الناس بأن سبل الكمال والتكامل الأخلاقي والتشريعي في الإسلام، والإنتماء إليه، وأداء العبادات التي جاء بها القرآن من عند الله.
الرابع: المدد بالوحي والذي لازم النبوة وإبتدأ بنزول جبرئيل بالوحي، والذي صاحب النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم إلى حين مغادرته إلى الرفيق الأعلى، وهو من أفراد إكرام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى حين مغادرته إلى الرفيق الأعلى، ومن مصاديق تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الأنبياء السابقين، قال تعالى[ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ ما قَلى] ( ).
الخامس: المدد بالملائكة في سوح المعارك مقاتلين وذابين عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين، وتلك الآية العظمى في الأرض بأن ينزل آلاف الجنود من السماء تعادل قوة أحدهم قوة أهل الأرض مجتمعين لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وتثبيت دعائم الدين إلى يوم القيامة، فلم يكن نزولهم بخصوص معركة معينة كبدر وأحد والخندق، وآثار وبركات هذا النزول متجددة ومتصلة في كل زمان.
السادس: بقاء الإسلام ديانة ثابتة في الأرض مدد قائم بذاته، خصوصاً وان هذا البقاء بلطف وفضل من عند الله، فهو سبحانه يطرد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين أسباب الضرر والإستئصال، ويدفع عنهم كيد الكفار ومكر المنافقين.
السابع: المدد المتجدد والأمور المستحدثة التي تأتي تعضيداً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، قال تعالى[وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ]( )، وليس من حصر لمصاديق المدد الإلهي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، وهي متصلة إلى يوم القيامة، ومنها توبة الكفار ودخولهم الإسلام طوعاً وكرهاً، ففي كل توبة شخصية مسائل :
الأولى : إنها مدد للمسلمين .
الثانية : عون للمسلمين في سوح المعارك ، وإن كان التائب ليس من المقاتلين أو الذين يمدونهم بالمال والسلاح.
الثالثة : التوبة الفردية توليدية لإنبساطها على الذرية والأولاد في أوانها وفي الأجيال اللاحقة.
ومن الآيات أن التائبين عموماً يتوجهون إلى ميادين القتال جهاداً في سبيل الله، ودفاعاً عن الإسلام، والتوبة قضية شخصية تعني إقلاع التائب عن الشرك والمعصية، ولكن منافعها تشمل غيره من جهات:
الأولى: المنافع المترشحة على المسلمين من وجوه:
الأول: توكيد ملازمة إختيارهم، وحسن فعلهم بتصديق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإتباعه.
الثاني: إزدياد قوة المؤمنين بمجئ رفد جديد له، والتوبة من عمومات قوله تعالى[إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ]( )، فحالما يتوب الإنسان ويترك منازل الشرك يكون المسلمون والمسلمات أخوة له في الإيمان.
الثالث: تخلص وسلامة المسلمين من عدو كافر.
الرابع: ندب المسلمين لدعوة الكفار للإيمان، والإحتجاج عليهم، وجدالهم بالحكمة والموعظة الحسنة.
الثانية: إنتفاع الناس من توبة الكافر وهو على وجوه:
الأول: التوبة الشخصية دعوة للناس للتوبة والهداية.
الثاني: التوبة حجة على الناس، في لزوم إتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث: ترغيب الناس بالتوبة، ودخول الإسلام.
الرابع: نفرة الناس من الكفر والكفار.
الخامس: إنحسار الكفر والضلالة من الأرض.
وقد جاءت الآية السابقة بقوله تعالى[لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا]( )، بخصوص ميادين القتال، ثم جاءت هذه الآية للإخبار عن إتصال وتوالي قطع الكفار في حال السلم من وجوه:
الأول: نزول آيات القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: توبة فريق من الناس.
الثالث: إبتلاء الكفار بأنواع البلاء والأذى فيتنعم المؤمنون بتوبة من يهدي الله قلبه للإيمان، وتزداد قوتهم بالتنزيل والتوبة والمدد السماوي، بينما يعاني الكفار من النقص وضيق الصدر، وأضرار الصدود عن الحق والتنزيل.
قانون”التوبة نجاة’’
لقد أنعم الله عز وجل على الإنسان وجعله خليفة في الأرض، والأصل في الخليفة السلامة والنجاة، وهو من اللطف الإلهي بالناس، وصحيح أن الدنيا دار إمتحان وإبتلاء إلا أن الله يتفضل عليهم بالمدد والعون والجذب إلى منازل النجاة، وأسباب النفرة من الهلكة ومقدماتها، إلا أن شطراً من الناس يجلبون الضرر لأنفسهم، والإمتناع بالإختيار لا ينافي الإختيار , ومن الآيات أن الطريق إلى النجاة يتصف بأمور:
الأول: الكثرة والتعدد، وهذا التعدد على شعبتين:
الأولى: التعدد العرضي بأن تكون هناك عدة طرق أمام العبد للنجاة، وفي زمان واحد.
الثانية: التعدد الطولي بكثرة طرق النجاة في أفراد الزمان الطولية، وبعضها يكون بديلاً لغيره وناسخاً له، وبعضها الآخر مستحدثاً، وكل من البدل والمستحدث لطف إضافي بالعبد، وسبيل ترغيب بالنجاة.
الثاني: يبعث طريق النجاة الشوق في النفوس لإتخاذه منهجاً وسبيلاً.
الثالث: قرب طريق النجاة من الإنسان، فليس بينه وبين النجاة إلا اللجوء إلى الله بالتوبة والإنابة وأداء الوظائف العبادية.
الرابع: موضوعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في تهيئة وإصلاح طرق النجاة إذ تأتي أسباب النجاة والإرشاد لها من قبل الآخرين , قال تعالى[وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ]( ).
الخامس: إمكان الإقتداء بمن يهتدي إلى طرق النجاة.
ومن الآيات عدم إنحصار طرق النجاة والحاجة إليها بأهل المعاصي والذنوب بل هي عامة وشاملة للناس جميعاً، فيحتاجها المؤمن والمؤمنة أيضاً.
فمن خصائص الحياة الدنيا مداهمة الإبتلاء للناس في أبواب العبادات والمعاملات والأحكام، ليكون مناسبة لإكتناز الصالحات، وتوكيد عملي للسعي في طرق النجاة، والإهتداء بأنوار الإسلام ومبادئه وأحكامه، ولكن مفتاح النجاة هو التوبة، وقصد القربة والسعي في مرضاة الله، والتوقي من السيئات والذنوب والخطايا ومن اللطف الإلهي بالناس في الحياة الدنيا جذبهم إلى منازل التوبة قال تعالى[وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ] ( ).
وترى الذي يرتقي إلى مراتب التوبة تغمره الغبطة والسعادة، ويحرص على الثبات في منازلها، ويتغشاه اللطف بإصلاحه للشكر لله على نعمة التوبة، وتعاهد سنن التوبة، والإمتناع عن مغادرة منازلها، وهو الذي يدل عليه قوله تعالى(أو يتوب عليهم)، ليدل على بيان حقيقة وهي(ليس بعد التوبة كفر وجحود)، لذا يحرم الإرتداد عن الإسلام سواء الإرتداد الفطري للمسلم الذي وُلد لأبوين مسلمين أو أحدهم مسلم، أو الإرتداد الملي للذي دخل الإسلام بعد أن كان كافراً.
وليس من حصر لطرق النجاة ومواضيعها ومقدماتها وغاياتها، فقد يجتهد الإنسان للنجاة من الفرق والموت ويهرب من العدو، ويمتنع عن المجازفة والمغامرة خشية الضرر الفادح، وتفوته فرص كثيرة في الحياة لإختياره العافية.
وجاءت هذه الآية لترغيب الناس بالتوبة وبيان أنها السبيل الوحيد للنجاة في النشأتين، فمن أراد إحراز السلامة في الدنيا والآخرة، فعليه بالتوبة على نحو الحصر والتعيين، ومن وجوه الترغيب في المقام إخبار الآية عن توبة الله عز وجل عن الذين يظهرون توبتهم , ويقلعون عن المعاصي، ويكفون عن محاربة الإسلام والمسلمين.
وقوله تعالى(أو يتوب عليهم) بشارة النجاة والأمن في الدارين، فإن قلت من المسلمات أن التوبة طريق النجاة في الآخرة، ولكن كيف تكون طريق النجاة في الدنيا، والجواب من وجوه:
الأول: الكف عن المعاصي نجاة، ويقال ( وتاب إلى الله يتوب توباً وتوبة ومتاباً، أناب ورجع عن المعصية إلى الطاعة) ( )، فإذا تاب الإنسان إمتنع عن إرتكاب المعاصي، وفاز بعدم كتابة الملائكة عليه ذنوباً.
الثاني: التوبة صلاح وبعث للسكينة والطمأنينة في النفس.
الثالث: التوبة مقدمة ومناسبة لإتيان العبادات، وأداء التكاليف، ونجاة من فواتها والحرمان منها.
الرابع: التوبة نجاة من قرناء السوء، وإتباع الظالمين.
الخامس: لقد جعل الله التوبة سلاحاً وواقية ونجاة من الشيطان.
السادس: التوبة نجاة من ظلم النفس ومن صحبة القوم الظالمين.
السابع: في التوبة سلامة ونجاة من لغة الذم في القرآن وما ينزل من اللعنة بالكفار والظالمين.
الثامن: التوبة نجاة من ظلم الآخرين والتعدي عليهم، وقد يقال قد يتوب الإنسان ويصدق في إيمانه، ويخوض المعارك في سبيل الله، ويتعرض للإبتلاء والأذى، ولكن هذا الإبتلاء مناسبة للفوز بالأجر والثواب، فمع التوبة يأتي الثواب والأجر، وهو نعمة عظيمة، فبعد الظلم للنفس والغير تأتي التوبة بأمور:
الأول: أسباب النجاة والسلامة.
الثاني: جذب الناس لسبل الهداية والإيمان.
الثالث: السلامة من أوزار الآخرين، قال تعالى في ذم الظالمين [لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَاءَ مَا يَزِرُونَ] ( ).
لقد أراد الله عز وجل للناس الغبطة والسعادة في الحياة الدنيا والآخرة، ومن أسباب السعادة التوبة والإنابة إلى الله وليس من طريق للسعادة أعظم وأفضل من التوبة، وكل توبة نجاة لذات التائب ولغيره، إذ أنه يؤسس لمدرسة عقائدية وأخلاقية في بيته، وفي ذريته، فتأتي الأجيال المتعاقبة من ذريته لتجده قد بنى لها صرحاً وبناءً إيمانياً شامخاً يسكنون فيه بأمن، ويتجلى هذا السكن بوراثتهم الإيمان والعمل الصالح ليأتي الأجر، وتُكتب له الحسنات بما يفعله أبناؤه وإن نزلوا من الصالحات في حياته وبعد مماته لأنه السبب في إسلامهم، ونيلهم شرف الإنتماء له، وهذا الأجر من وجوه نماء حسنات المؤمن بعد موته ومجيئها يوم القيامة كجبل أحد.
قانون”التوبة علم’’
يتصف الإسلام بخصوصية وهي موضوعية العلم والتحصيل فيه، ويندب القرآن والسنة النبوية إلى طلب العلم ويحثان عليه، ومن معجزات القرآن المتجددة أن أول سورة منه نزولاً جاءت بطلب العلم قال تعالى[اقْرَأْ بِاسم رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ]( )، ومن أشرف مصاديق العلم التوبة، فهي علم قائم بذاته لما تتضمنه من النفع وما فيها من الصلاح، فيصل الإنسان بعقله وتدبره في الأمور إلى معرفة الحاجة إلى التوبة، لذا تراه يأتيها بشوق، والتوبة بلحاظ بدايتها على وجوه:
الأول: التوبة على نحو دفعي، ومرة واحدة، إذ تأتي نتيجة واقعة أو حادثة، فمثلاً من الناس من يستمع لآيات من القرآن فيدخل الإيمان في قلبه ويحسن إسلامه.
الثاني: مجيء التوبة بعد مقدمات وأسباب متعاقبة ومتتالية، إذ يزيح الإيمان الندب السوداء من القلب، ويرفع مفاهيم الضلالة والكفر عن النفس، ومن مصاديقها قوله تعالى[ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ] ( ).
الثالث: تأتي التوبة مترتبة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتكون مرآة للصلاح العام في المجتمع، إذ أن أداء المسلمين للفرائض دعوة لمن حولهم للتوبة والإنابة.
الرابع: مجيء التوبة لأحكام الضرورة، وطلب النجاة من الشدة والبلاء فعندما يبتلى الإنسان ويشعر بالعجز عن مواجهة الإبتلاء يدرك إنحصار النجاة بالله عز وجل، فيرجو رحمته، التي تكون التوبة باباً لها، وليس من حصر لأسباب التوبة وهي كثيرة ومتعددة، وهي من معالم وخصائص نفخ الله الروح في آدم، من جهات:
الأولى: جعل الله عز وجل التوبة ماثلة أمام الإنسان.
الثانية: لقد جعل الله عز وجل الإنسان محتاجاً، وكل مخلوق محتاج، ومما يحتاج إليه الإنسان التوبة والإنابة إلى الله عز وجل.
الثالثة: معرفة الإنسان بالفطرة لحقيقة وهي أن التوبة باب للخير، ونزول الرحمة الإلهية.
الرابعة: علم الإنسان بمنافع التوبة في الدنيا والآخرة من عمومات قوله تعالى[عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ]( ).
وكانت بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مدرسة في التوبة، ودعوة للناس للإقلاع عن المعاصي، وجاءت آيات القرآن لجذب الناس للتوبة وإزاحة الموانع التي تحول دونها، والندب لإتخاذ العلم بلغة لمراتب التوبة، وتدل بدايات خلق آدم على هذا المعنى، فبعد أن أغوى إبليس آدم وحواء، وأكلا من الشجرة، وهبطوا إلى الأرض، جاءت توبة آدم بقوله تعالى[فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ] ( )، ليكون العلم والكلمات طريقاً إلى التوبة، ووسيلة سماوية للإهتداء إليها والثبات في منازلها، ومن خصائص العلم في المقام أمور:
الأول: تعاهد التوبة، وعدم الإرتداد عن مفاهيمها وسننها، والنفرة مما قبلها من الذنوب، والغبطة والسعادة بما بعدها من الصالحات.
الثاني: دعوة التائب غيره إلى اللحاق به، والنجاة بالتوبة من عذاب الآخرة.
الثالث: تحتاج الدعوة إلى التوبة القدرة على الإحتجاج والجدال , وبيان إشراقات التوبة، وقبح الإصرار على المعاصي.
الرابع: إتصاف التوبة بأنها توبة نصوح وتأتي عن علم وتدبر بعواقب الأمور، وورد عن الإمام علي عليه السلام: العلم خير من المال، العلم يحرسك، و أنت تحرس المال) ( )، فإتخاذ العلم وسيلة لبلوغ منازل التوبة مصداق لحراسة العلم للإنسان، وشاهد على منافعه العظيمة في الدنيا والآخرة، ومنها نيل مراتب العز بإتخاذ الإيمان منهجاً وسلوكاً، قال تعالى[وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ]( )، كما تتخذ التوبة وسيلة للعلم من غير أن يستلزم الأمر الدور .
ويقسم العلم من حيث الجهة والمصدر والماهية إلى علم هبة وعلم مكتسب، والتوبة علم مكتسب، وفيه الأجر والثواب، وهو شاهد على أهلية الإنسان لمواجهة إغواء الشيطان.
قانون “التوبة سعادة متجددة’’
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار بهجة وغبطة، وممتلئة بأسباب السعادة، وكما ترد على الإنسان الأحزان والمصائب يأتي له السرور والفرح، مع فارق وهو أن الحزن يأتي قهراً وغالباً عند وقوع المصيبة مما يكون وفق قانون الأسباب والعلة والمعلول، أما الأفراح ففيها سعة ومندوحة، وتأتي للفرد والجماعة على وجوه:
الأول: السعي إليها وتهيئة مقدماتها.
الثاني: تأتي دفعة وفجاة من غير سعي وإرادة تحصيلها.
الثالث: تأتي الأفراح وأسبابها بعد ترديد لموضوعها وإحتمال وقوعه أو عدم الوقوع، فتحصل السعادة بالوقوع وعنما يكون راجحاً أو محتملاً.
الرابع: حصول السعادة بسبب أمر خارجي وسعي آخرين، ومن الإعجاز في التوبة وعظيم الفضل الإلهي فيها إستيعابها للوجوه الثلاثة أعلاه، وكل فرد منها طريق ومناسبة لنيل التوبة، وبلوغ مراتبها، وإمتلاء النفس سعادة بها.
ويسعى الإنسان للتوبة بنفسه ويتدبر الأمور، وهو من وجوه الإبتلاء في الدنيا , كما في إحتجاج إبراهيم[فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ] ( ).
وقد تأتي التوبة ببذل الغير الوسع في جذب الإنسان لمنازل التوبة طوعاً أو كرهاً، لتغمره السعادة ويدرك إحسان الذي هيئ له أسباب التوبة.
وكما يزين الشيطان للذين كفروا المعاصي والفواحش، فإن الله عز وجل يسخر شطراً من الصالحين لإمور :
الأول : بيان قبح المعاصي والذنوب .
الثاني : منع الناس من إرتكاب المعاصي .
الثالث : تقريب الناس إلى الإيمان .
الرابع : تزيين سبل التوبة لهم .
الخامس : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , وهو من خصائص[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ).
وتترشح عن التوبة مودة ومحبة الآمر والمأمور ، وهو من عمومات قوله تعالى[إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ]( )، فمن أبهى معاني الأخوة الجذب إلى منازل التوبة، وإصلاح الناس لها لتغمر السعادة التائب والذي صار سبباً لهدايته، وفي الحديث( يا علي لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما تطلع عليه الشمس أو تغرب) ( )، فتصاحب السعادة التوبة، وتلازم المؤمن في حياته وتكون على أقسام:
الأول: السعادة بسبب فوزه بالتوبة.
الثاني: الإهتداء إلى الصراط المستقيم، وجادة الصواب.
الثالث: إهتداء ناس آخرين بحسن سمته ونهجه.
الرابع: إرتقاؤه إلى مقامات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فبعد أن تلقاهما من غيره بالقبول، أصبح هو داعية إلى الله.
الخامس : الطمع والغبطة بالنجاة من النار وعذابها الوارد في هذه الآية ( أو يعذبهم) , والفوز بالجنة كما في هذه الآية ( أو يتوب عليهم ).
السادس: بعث السكينة في نفس التائب لوراثته الإسلام وفرائضه لأولاده وأحفاده .
السابع : سعادة الأبناء بتوبة أبيهم وأمهم ، فبعد أن كان حاجباً دون نفعهم أصبح سبباً في سلامتهم في النشأتين .
فمع التوبة ينتقل الإنسان إلى عالم آخر من البهجة والرضا، وتبدو الحياة في عينيه جميلة بهية، ويزول جاثوم الخوف عن نفسه من المستقبل القريب والبعيد، لأن التوبة سلاح وواقية من الإبتلاء في الدنيا وأهوال الآخرة، ويصبح من أهل قوله تعالى[فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ] ( )، والتي وردت في القرآن ثلاث عشرة مرة، وتشمل أحوال المؤمنين في الدنيا والآخرة، وكل آية منها تشع منها مصاديق متجددة للسعادة والغبطة من غير أن تتعارض مع إستقرار الخوف من الله في نفس التائب، فهذا الخوف رحمة، وفيه عشق لواجب الوجود، وشوق للقائه، وليس من فزع في هذا الخوف ولكنه يبعث على الرضا بفضل الله، والحرص على أداء الوظائف العبادية والإمتثال لما أمر به الله عز وجل.
وأداء كل فرد من أفراد الفرائض سبب للسعادة، وجلب للأمن وطرد للغفلة والجهالة، وهو من رشحات قوله تعالى(أو يتوب عليهم) وشاهد بأن التوبة مطلوبة بذاتها ولغيرها، فكما أنها نعمة عظيمة وحاجة للناس، فأنها مقدمة لأداء الفرائض وواقية من المعاصي، لتكون السعادة المترشحة من التوبة متجددة وتوليدية، وتكون الحياة الدنيا بستان بهجة وغبطة للمؤمن، ينتقل في روضاتها وما فيها من التكاليف بسعادة رجاء الخلود في النعيم ثواباً من عند الله عز وجل على إختيار التوبة والتوفيق إليها , وفي التنزيل[وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ]( ).
قانون”التوبة شكر’’
أمر الله عز وجل الملائكة أن يسجدوا لآدم عليه السلام بعد أن نفخ فيه من روحه، وعلّمه الأسماء، وقام آدم بتعليم الملائكة بها، وفيه شاهد على عظيم منزلة آدم بين الخلائق، ودعوة للناس لتعاهد هذه المنزلة بالعلم والتقوى، ويجتمعان بمعاني الشكر لله عز وجل على النعم التي تفضل بها لذا فإن الدنيا(دار الشكر) والثناء على الله عز وجل للمتصل واللامتناهي من النعم العامة والخاصة، فكل إنسان يتلقى النعم على وجوه:
الأول: النعم الخاصة المناسبة لحاله وشأنه.
الثاني: ما يتغشاه من النعم العامة التي تأتي للجماعة والبلدة والأمة.
الثالث: التوافق والتناسب والإلتقاء بين النعم العامة والخاصة بما ينفع الفرد والجماعة.
ومن أعظم النعم نعمة الهداية، وبينها وبين نعمة التوبة عموم وخصوص مطلق، فكل توبة هداية وليس العكس , بلحاظ أن الهداية أمر متجدد بعد التوبة، ومنه تعاهد التوبة وسننها وليس من حصر لأفراد الهداية وهو من عمومات قوله تعالى[وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا]( )، وهذه الأفراد على أقسام:
الأول: ما يكون مستديماً ومصاحباً للمسلم مثل التوبة والإيمان، والإقرار بالنبوة واليوم الآخر.
الثاني: الأفراد المتشابهة المتجددة للهداية، مثل أداء الصلاة اليومية، ففي كل يوم يقف المسلم بين يدي الله خمس مرات بأفعال عبادية توقيفية، ومنها ما يأتي كل سنة على نحو متعدد ومتوالي كما في وجوب صيام شهر رمضان، أو مرة واحدة في السنة كما في أداء مناسك الحج.
الثالث: المتجدد من مصاديق الهداية، والذي يأتي مع الجديدين النهار والليل، فالدنيا مزرعة للآخرة، ووعاء مبارك للهداية، ومناسبة للشكر لله عز وجل، ومن أبهى مصاديق الشكر لله عز وجل التوبة النصوح وفيها :
الأول : التوبة رفعة وخير محض .
الثاني : إنها إقرار بالنعم الإلهية .
الثالث : فيها إعراض عن الشيطان .
الرابع : تبعث التوبة النفرة من أسباب الصدود والجحود .
فلا غرابة أن تتوالى النعم على التائب , وتنفتح أمامه أبواب السعادات، لتكون كل نعمة دعوة إلى الشكر لله، بلحاظ أن التوبة طريق إلى البر والإرتقاء في مراتب المعرفة الإلهية، فمع التوبة يدرك الإنسان النعمة وجهتها وموضوعها، ولزوم تعاهدها بالشكر.
ومن أسرار الخلافة في الأرض أن الحياة الإنسانية إبتدأت بالتوبة والإنابة إلى الله من أبوي الناس جميعاً، وليس من فترة تذكر بين كل من:
الأول: هبوط آدم وحواء إلى الأرض.
الثاني: توبة آدم وحواء.
الثالث: توبة الله عز وجل عليهما، وهو من اللطف الإلهي بالناس جميعاً يتبعه بنو آدم رجالاً ونساءَ , وإذ جاءت هذه الآية بالتوبة وعفو الله عز وجل عن الكفار الذين يدخلون الإسلام فإن آيات أخرى ذكرت توبة الله عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه من المؤمنين قال تعالى[لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ] ( )، وهذه الآية الكريمة دعوة للشكر لله عز وجل من وجوه:
الأول: شكر المسلمين لله لهداية الكفار إلى الصراط المستقيم.
الثاني: يرى المسلمون عدوهم يصبح جزء منهم، والذي كان يحاربهم كما في بدر وأحد، ويحاصرهم كما في معركة الخندق رفيقاً لهم في السلاح، وتلك نعمة عظيمة لم ينلها أهل ملة من قبل، وهي شاهد على تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الأنبياء السابقين، ومن عمومات قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ).
الثالث: مجيء هذه الآية بإنذار الكفار بعذابهم لثباتهم على الكفر والجحود، إذ يشكر المسلمون الله عز وجل على تفضله بالتخويف والوعيد للكفار.
الرابع: بيان الآية للملازمة بين الكفر والظلم لقوله تعالى(أو يعذبهم فهم ظالمون) وفيه واقية للمسلمين من الشك والريب الذي يثيره أهل الضلالة والفاسقين.
الخامس: مجيء هذه الآية بلغة الخطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفيه إكرام وتشريف له وللمسلمين، وشاهد على صدق نبوته، وتخفيف عن المسلمين في مواجهة أعدائهم، وبشارة ضعف عدوهم من وجوه:
الأول: تخلي أفراده عن الكفر، وميلهم للإسلام.
الثاني: نزول العذاب الإلهي عليهم العاجل منه والآجل.
الثالث: قطع الله طرفاً من الكفار كما جاء في الآية السابقة [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا] ( )، وخزي وذل الذين يصرون على البقاء على الكفر والجحود، وكل وجه وموضوع من المواضيع أعلاه مناسبة كريمة للشكر لله عز وجل، ويحتمل الشكر في المقام وجوهاً:
الأول: شكر التائب نفسه.
الثاني: شكر الذين هم سبب في توبته.
الثالث: شكر المسلمين الذين يرد عليهم التائب، ويدخل في جماعتهم.
الرابع: شكر عموم المسلمين في أجيالهم المتعاقبة على التوبة الشخصية والنوعية مطلقاً.
والصحيح هو الأخير، ومن منافع توبة التائب أمور :
الأول : إنها نعمة على عموم المسلمين .
الثاني : فيها شهادة عملية على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : التسليم بنزول القرآن من عند الله .
الرابع : التوبة المتحدة والمتعددة بناء متجدد في صرح الإيمان إلى يوم القيامة.
فمن تاب وآمن أيام الإسلام الأولى بقت منافع توبته متجددة إلى يومنا هذا وهي مستمرة إلى يوم القيامة وتتجلى في تثبيت إيمان غيره، ووراثة أبنائه وأحفاده الإيمان وتعاهدهم له، لتكون توبته أصلاً تتفرع عنه أغصان زاهية، وثمار مباركة [تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ] ( ).
وهل يأتي للتائب ثواب من شكر الآخرين على توبته، الجواب نعم، وتلك آية في الفضل الإلهي، وسر من أسرار نماء ثواب الحسنة عامة والتوبة خاصة.
قانون”الدنيا دار التوبة’’
لقد جعل الحياة الدنيا آية يتجلى فيها بديع خلق الله، وعظيم قدرته، ومن خصائص الدنيا عدم بقائها على حال واحدة ثابتة، بل تجد التضاد والتباين فيما يلقاه الإنسان فيها، إلا أن هذا لا يعني عدم وجود قوانين ثابتة فيها، وضوابط وقواعد كلية تحكمها بل هي نظام دقيق يدل على وجود الصانع، ولزوم عبادته , ليكون هذا النظام سبباً ومادة للتوبة قال تعالى[سَبِّحْ اسم رَبِّكَ الأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى] ( ).
وليس من حصر لقوانين الحياة الدنيا والتي تتصف بالتداخل والترابط والتلازم، ومنها قانون التوبة الذي جعله الله عز وجل باباً لتهذيب النفوس، وإصلاح المجتمعات، وليس من ثمن يدفعه الإنسان لنيل التوبة، أو مدة وموانع تحول بينه وبينها، أو شروط وقيود تأخر أو تعلق أوانها، وهو أمر يجعل الإنسان يدرك خصوصيات الصلة بينه وبين الله، وتمتلأ نفسه بالسعادة والبهجة لنعمة هذه الصلة، ويحرص على الإنتفاع منها وعدم التفريط بها.
وتأتي توبة الغير لتذكره بهذه الصلة، وتجذبه إلى منازلها، وتبعث الرغبة في نفسه على ولوج مسالك التوبة , وتلك آية في فلسفة التوبة، وهي من أسرار تقديم التوبة على العذاب في هذه الآية بقوله تعالى(أو يتوب عليهم أو يعذبهم) .
وهذا التقديم لا يلغي مسألة الإتعاظ من عذاب الكفار، ويكون باعثاً على التوبة والفزع من الكفر وعقابه , ولا يكون مطلقاً في مفهومه فينتفع عموم الناس من توبة الكافر وعلى نحو الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة، ويتعظون مما ينزل بالذي يصر على الكفر من العذاب الأليم، ليكون هذا الإتعاظ مقدمة للتوبة، ودعوة سماوية تخاطب العقول وترشدها نحو الإنابة والإستغفار، تجلت في هذه الآية وآيات كثيرة قال تعالى[فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ]( )، فلا غرابة أن يدخل الناس الإسلام أفواجاً بعد المعارك التي خاضها المسلمون الأوائل وتوالي نزول آيات الوعيد.
ومن الآيات في خلق الإنسان حبه للتوبة، وعدم نفرته منها، لذا جاءت هذه الآية بالتذكير بها، وهي دعوة للمسلمين لحث الكفار على التوبة، وترغيبهم بها، وتوكيد حقيقة وهي عفو الله عمن يتوب توبة نصوحاً، فقد يخشى الكافر عدم قبول توبته لقبح أفعاله وإصراره على محاربة الإسلام، وإضراره بالمسلمين وكيده لهم فجاءت هذه الآية بالإطلاق في قبول توبة الكفار الذين يحاربون الإسلام، وفيها وجوه :
الأول : الآية ترغيب للناس بالتوبة مجتمعين ومتفرقين .
الثاني : إنها وسيلة لجذبهم لمنازل الإيمان.
الثالث : إمتلاء نفوس التائبين بالسكينة والرضا عن الله عند التوبة، لتكون هذه السكينة مقدمة لأداء الوظائف العبادية بشوق، والتوجه إلى سوح المعارك دفاعاً عن الإسلام، فتجد الإنسان نفسه وفي ذات الموضوع خرج في صفوف الكفار لقتال المسلمين، ويخرج في اليوم التالي مسلماً مدافعاً عن الإسلام , وفيه عذاب لمن بقي على الكفر أي أن قوله تعالى(أو يتوب عليه أو يعذبهم) يتضمن عذاب الكفار بتوبة بعضهم، وهو من أسرار تقديم التوبة في الآية الكريمة وتقدير الآية : فيتوب الله على من أسلم منهم )، ليكون في توبتهم وقبولها عذاب لمن إختار العناد والبقاء على الكفر والجحود، وهو من عمومات قوله تعالى[وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ] ( )، فحالما يتوب الكافر يكون من جنود الله وقبول توبته شوكة في عيون الكفار وسهم موجه إلى صدورهم، وسبب لبعث الفزع والخوف في نفوسهم.
وهل هو من عمومات قوله تعالى[قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمْ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ]( )، الجواب لا، لأن التوبة خير محض ومادة لجعل الحياة الدنيا ذات بهجة وبهاء، إذ تتغشى منافع فتح باب التوبة الناس جميعاً، من تاب ومن هو في معرض التوبة والإنابة، وهي حرب على اليأس والقنوط وبرزخ دون الوهن , قال تعالى[لاَ يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ]( ).
وتدل الآية أعلاه على التنافي والتضاد بين التوبة واليأس، وهو آية في بديع خلق الإنسان، وأسرار إتخاذه خليفة في الأرض، ومناسبة لشكر الله عز وجل على هذه النعمة التي هي من لطف الله بتقريب العباد إلى منازل الطاعة، وجعل الكفار عاجزين عن الإرتقاء ومنافسة المسلمين في ميادين الجهاد والعمل.
وجاءت نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتثبيت قانون ( الدنيا دار التوبة) مع ترغيب الناس بالتوبة، ويتجلى هذا الترغيب منطوقاً ومفهوماً في هذه الآية الكريمة بالوعد الكريم بتوبة الله على من أسلم من الكفار الذين حاربوا الإسلام، وعذاب من أصر منهم على الكفر والضلالة.
إن بقاء باب التوبة مفتوحاً للإنسان حتى ساعة مفارقة الروح الجسد شاهد على أن الإبتلاء في الدنيا لم يكن متكافئ الأطراف فليس الخير والشر على مسافة واحدة من الإنسان، فالخير أقرب إليه، ونفسه تميل إليه، والشر بعيد عنه، ونفسه تنفر منه، ويدل على هذا القانون تفضل الله بالتوبة على نحو الإطلاق في الموضوع والحكم والأشخاص والجماعات، ولا تستطيع الخلائق وإن إجتمعت حجب التوبة عن الإنسان أو تأخير ولوجه أبوابها، والنهل من إفاضاتها.
ومن الآيات فيها أنها لم ترتفع أو تبتعد عمن يصر على الكفر ويناله البلاء والعذاب الدنيوي، بل يكون هذا البلاء والأذى تذكيراً بالتوبة، وحثاً عليها، وتوكيداً لخسارة من ينتفع منها، ويركب جادة الهدى.
علم المناسبة
وردت مادة (تاب) في القرآن بصيغة الماضي والمضارع والأمر، والمفرد والمثنى والجمع، ولغة الخطاب والغائب والمتكلم، وتتصف كل آية من آيات التوبة بأمور:
الأول : إنها مدرسة في الصلاح وأسباب الهداية.
الثاني : فيها حجة على الناس جميعاً .
الثالث : إنها باعث على التوبة .
الرابع : توكيد صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنه جاء لإنقاذ البشرية من براثن الكفر .
الخامس : إنها مقدمة لتغمر الناس السعادة الملازمة للإيمان في الدنيا، ويفوزوا بالنعيم الدائم في الآخرة.
ومن الآيات أن موضوع التوبة صاحب أول إنسان نزل إلى الأرض وهو آدم عليه السلام، وقد إستقبل الهبوط من الجنة بالتوبة مما يدل على أمور:
الأول: محاربة اليأس والقنوط بالتوبة.
الثاني: حاجة الإنسان إلى التوبة.
الثالث: التوبة رحمة من عند الله.
الرابع: تفتح التوبة أبواب العمل أمام الإنسان.
الخامس: التوبة وسيلة للصلاح والإصلاح، ومناسبة لتبديل السيئات حسنات قال تعالى[إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ] ( ).
السادس: تبعث التوبة على كشف الحقائق، ومحاربة التحريف، وتمنع من إستمرار كتمان البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى[إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ] ( )، والبيان الذي يأتي بعد التوبة قهر للنفس الشهوية، وجهاد ضد الفاسقين والظالمين الذين[يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ]( )، ودعوة للناس جميعاً لعدم الإصغاء لهم، لتتجلى منافع عظيمة للتوبة لا ينحصر موضوعها بالتائب وحده بل تشمل غيره من الناس، وهو من عمومات الإصلاح الذي يترشح عن التوبة إنطباقاً وقصداً.
وتدل آيات القرآن على حقيقة وهي أن التوبة مدرسة الصلاح، وذات التوبة صلاح , وتظهر معها مفاهيم الصلاح على اللسان والجوارح , وقد ورد في بني إسرائيل حكاية عن موسى عليه السلام قوله تعالى[فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ] ( )، عندما ظلموا أنفسهم ومالوا لعبادة العجل .
وتبين الآية محل البحث ومنها قوله تعالى(أو يتوب الله عليهم)الرحمة والفضل الإلهي على الناس كافة ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم, فيكفي للكافر أن يدخل الإسلام ويعمل الصالحات ليتوب الله عز وجل عليه.
وتبين الآيات إرادة الله التوبة على الناس لذا تفضل وبعث النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وجعله يقاتل في سبيله، وأنزل الملائكة لنصرته وأصحابه، فيجمع الكفار الجيوش العظيمة ويزحفون بها على المدينة المنورة لوأد الإسلام، ومنع الوحي من النزول، وتتلقاهم هذه الآية بالندب إلى التوبة والتدارك، وتؤكد لهم وجود المقتضي لها وفقد المانع، وتحذرهم في ذات الوقت من العذاب الأليم الذي يترشح عن الإصرار على الكفر والجحود , وجاءت آيات القرآن بالوعد الكريم والبشارة للتائبين مطلقاً قال تعالى[فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ] ( ).
ومن الآيات أن الملائكة يستغفرون للذين تابوا ويتضرعون إلى الله بالعفو عنهم، والصفح عن سيئاتهم، وفي التنزيل[فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ]( )، فمن يتوب إلى الله يفوز بدعاء الملائكة والصالحين إلى جانب تلقي المؤمنين له بالفرح والغبطة، ومد يد المساعدة له في أداء وظائفه العبادية، وليس من مشقة في هذه المساعدة بل تأتي بالعرض، إذ أن أداء المسلمين للعبادات والمناسك مدرسة في تعليمها وتثبيتها في الأذهان.
بحث كلامي
تبين هذه الآية إنحصار التوبة والمغفرة بالله عز وجل، وهو وحده القادر على العفو عن الذنوب والسيئات , وفيه تأديب وإرشاد من وجوه:
الأول: تأديب المسلمين، وفيه مسائل:
الأولى: بعث المسلمين على أداء العبادات والمناسك.
الثانية: حث المسلمين على طاعة الله ورسوله.
الثالثة: وقاية المسلمين من الغلو، وما جرى للملل السابقة من الغلو بالأنبياء.
الرابعة: دلالة الآية على إرتقاء المسلمين في مراتب المعرفة بإدراكهم بأن الله عز وجل وحده هو الذي يغفر الذنوب، وهذا الإدراك وما يترشح عنه من مصاديق قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( )، وشاهد بأن الله عز وجل يمد المسلمين بما يجعلهم يبلغون هذه المرتبة ويتعاهدونها.
الثاني: تأديب أهل الكتاب، وفيه مسائل:
الأولى: زجر أهل الكتاب عن محاربة الإسلام.
الثانية: منع إستمرار التحريف في الكتب السماوية السابقة.
الثالثة: ترغيب أهل الكتاب بالتوبة والإنابة ودخول الإسلام، قال تعالى[إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ]( ).
الرابعة: التنبيه إلى وجوب التنزه من الغلو بالأنبياء , قال تعالى[وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابن اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابن اللَّهِ] ( ).
الخامسة: نهي أهل الكتاب عن منع الناس من التوبة والإنابة.
السادسة: إنذار الفاسقين الذين يحرضون الكفار على الإسلام ومحاربة المسلمين.
الثالث: في الآية تأديب وزجر للكفار، وفيه مسائل:
الأولى: الآية وعد كريم بالتوبة والعفو عمن يتوب من الكفار.
الثانية: توكيد قبح الكفر والجحود.
الثالثة: تدل الآية في مفهومها على تحذير الكفار من الإصرار على الضلالة والعناد.
الرابعة: اللطف بالكفار بالدعوة المطلقة إلى الإنتفاع من الفضل الإلهي وولوج باب التوبة.
الخامسة: منع الكفار من الجدال بالباطل وإثارة الشبهات قال تعالى[وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ] ( ).
الرابع: تأديب وإرشاد الناس جميعاً، وفيه مسائل:
الأولى: إدراك الناس لنعمة التوبة والتدبر في مضامينها القدسية، ولزوم الإنصات والإنتفاع منها قال تعالى[وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا]( ).
الثانية: دعوة الناس للتوبة، وعدم الإصغاء لأهل الشك والريب.
الثالثة: الآية واقية ومانع للناس من التعدي على الإسلام والمسلمين.
الرابعة: منع الناس عن الإمتثال والطاعة لأقطاب الكفر الذين يحاربون النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين.
الخامسة: دعوة الناس للتفقه، ومعرفة أحكام الشريعة وما يجب عليهم من الواجبات والتروك.
السادسة: تكون التوبة طريقاً لأداء التكاليف والتي تتقوم بقصد القربة والطاعة لله عز وجل [وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ] ( ).
ومن الآيات في خلق الإنسان ملازمة الحاجة له مدة الحياة الدنيا، وهذه الحاجة رحمة به، وسبيل لفوزه بالنعيم الدائم في الآخرة لأنها مقدمة ومناسبة للجوء إلى الله عز وجل في السراء والضراء، وإنعدام الإستغناء عن رحمة الله عز وجل، فيحتاج الفرد والجماعة والأمة رحمة الله، في كل مكان وزمان وموضوع وحكم.
وجاء نزول القرآن لقضاء حاجات الدنيا والآخرة، وكل آية منه تتضمن معاني قضاء الحاجة، ويمكن أن يشرع باب جديد في التفسير هو (الآية حاجة) ليضاف إلى الأبواب الأخرى التي نذكرها في بدايات تفسير كل آية من القرآن، وهذا الباب من فروع إعجاز الآية، وهو إنحلالي أي أن الآية القرآنية معجزة في موضوع الحاجة من جهات:
الأول: تضمن الآية لوجوه عديدة من الحاجة إلى الله عز وجل.
الثاني:مجئ الآية بأسباب وكيفية قضاء حاجة الإنسان عامة، والمسلم خاصة.
الثالث: توكيد فضل الله في قضاء حاجات الناس، فمن خصائص الحياة الدنيا أنها دار قضاء الحوائج، ويجعل هذا القضاء الدنيا ذات بهجة ونضارة متجددة .
ولما أنعم الله عز وجل على الإنسان وجعله[خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ]( )، فانه سبحانه سخر له يحتاجه من مستلزمات الحياة الكريمة فيها.
ومن منافع الحاجة المصاحبة للإنسان تذكيرها بالله عز وجل، قال تعالى[وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ] ( )، ومن مصاديق الذكرى في المقام المبادرة إلى التوبة والإنابة ليدرك معها الإنسان أن التوبة طريق لقضاء الحوائج والمهمات، وباب لنيل الرغائب وتحقيق الأماني.
فإن قلت إن الأماني كثيرة ومتباينة ومنها ما هو ليس شرعياً، والجواب مع التوبة تكون الأماني وفق الشريعة، وتتخذ وسيلة للفوز بالأجر والثواب، وفيها شوق إلى مرضاة الله عز وجل، وسعي في مسالك الطاعة والتقوى، بالإضافة إلى أن الأماني مقدمة للدعاء، والفزع إلى سؤال الله عز وجل والتضرع إليه رجاء الإستجابة.
لقد أراد الله عز وجل من الحاجة مناسبة لإكتناز العباد الحسنات، ووسيلة مباركة للصلاح وتهذيب الأفعال، وإعمار الأرض بالعبادة وأداء الوظائف الشرعية، وقد يحتاج الإنسان لشيء ويدعو الله عز وجل ولا يناله ولكنه يفوز بأمور:
الأول: التسليم بأن الأمور بيد الله عز وجل.
الثاني: عدم إستعصاء مسألة على الله.
الثالث: الإنقطاع إلى الله عز وجل والإستغناء عما في أيدي الناس.
الرابع: الثواب بالتوجه إلى الله بالدعاء.
لقد فاز المسلمون باللجوء إلى الله عز وجل لقضاء الحاجات، وهو من عمومات قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
قانون”التوبة نجاة من الجهل’’
الشيطان اسم لإبليس، وأصله من الشطن أي الإبتعاد، لبعد إبليس عن الحق، وإعراضه عن الوظيفة العبادية، ثم إستعمل لفظ الشيطان في كل عات متمرد من الجن والإنس.
وقد ذكر القرآن قصة فسوق إبليس وخروجه عن طاعة الله، وكيف أنه كان في زمرة الملائكة في الجنة، وعندما أمر الله الملائكة بالسجود لآدم عند خلقه كخليفة في الأرض، إستكبر إبليس، وعصى أمر الله وأبى السجود لآدم ثم إنتحل الوسوسة لبني آدم وإغواءهم في المعاصي، وهو من مصاديق الإبتلاء في الحياة الدنيا، فأنعم الله عز وجل على الناس بالتوبة لتكون نسخاً لإغواء إبليس ومنعاً لإستدامة سلطانه على الجوارح، وقد ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم) ( )، وفيه مسائل:
الأولى: الإشارة إلى ما في الدنيا من الفتنة، وزينتها من الإغواء.
الثانية: بيان آية في خلق الإنسان.
الثالثة: توكيد لفضل الله عز وجل ببعثة الأنبياء مبشرين ومنذرين، ونزول الكتب السماوية هدى.
الرابعة: فيه واقية من السيئات والمعاصي.
الخامسة: فتنة الشيطان رسالة من عند الله تتضمن الحث على التوبة، والبشارة بقبولها، فلا يستطيع الشيطان وأعوانه قطع الحبل الممتد بين الله وعباده متحدين ومتفرقين، فمن شاء التوبة لا يستطيع أحد منعه، فليس لكيفيتها حد من الإعلان والإظهار، فتكفي عند التوبة والإنابة لغة الإخفاء في التوبة قال تعالى[إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ] ( )، ومع أفضلية الإظهار فإن الإفناء في المقام له منافع عظيمة منها :
الأول : هدم صرح الكفر من داخله.
الثاني : بث روح الفزع والخوف في نفوس الكفار.
الثالث : ظهور أمارات شك بعض الكفار ببعضهم . وتترشح عن هذا الشك الفتن والفرقة والخصومة، وقلة التدبير مما يجعلهم عاجزين عن الإضرار بالإسلام والمسلمين، وهو من عمومات قوله تعالى[لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى]( ) .
الرابع : تكون لمن يخفي توبته مندوحة ومناسبة للوعظ، وجاء القرآن بقصة مؤمن آل فرعون الذي كان يخفي إيمانه، لبيان كيفية التنبيه على قبح المعصية، ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ( قال موسى بن عمران عليه السلام لإبليس أخبرني بالذنب الذي إذا أذنبه ابن آدم استحوذت عليه فقال إذا أعجبته نفسه و استكثر عمله و صغر في عينه ذنبه)( ).
وجاءت هذه الآية ليتلقى الناس بالقبول التأديب الإلهي الذي هو صلاح وخير محض، ويقال: أدبه أدباً أي علمه رياضة النفس والأخلاق السامية والسلوك الحسن، ( وفي الحديث: خير ما ورث الآباء لأبنائهم الأدب) ( )، وأحسن وجوه التأديب ما يكون بلطف وتودة من غير عنف وضرب، أما التأديب الإلهي فهو آية إعجازية من وجوه:
الأولى: إنه شاهد على بديع خلق الإنسان، ومن عمومات قوله تعالى [خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ]( ).
الثاني: كل مناسبة في الحياة الدنيا تأديب وإرشاد، وكل آية مدرسة في الصلاح والرشاد.
الرابع: آنات الليل والنهار مناسبات متجددة لوظائف العبادة.
الخامس: التأديب الإلهي مقدمة لإتيان العبادات، والصالحات، وإتيانها مقدمة للتقيد بالآداب والسنن التي جاءت بها الشريعة، من غير أن يستلزم الأمر الدور بل هو من الأثر والنفع المتبادل , و الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وتتضمن هذه الآية أسمى معاني التأديب والإصلاح، ولم تأت الذنوب إلا من جهة الجهل المركب، فمن الناس من يتخلف عن معرفة وظائفه العبادية التي هي مرآة لفلسفة خلقه وإكرامه من عند الله، وبيان لحقيقة وهي أن خلقه خير محض، ونعمة متجددة، وموضوع للفضل الإلهي المتصل، ويتبع هذا التخلف إنقياد للشهوات، وإتباع للذات.
فجاءت هذه الآية بطرد الجهل بلغة الترغيب بالتوبة، وتلك رحمة ودعوة للعلماء والمصلحين , وهداية لكيفية الدعوة إلى الله، بلغة الترغيب، وبيان قبح العناد، وعدم الإنتفاع من باب التوبة ليساهموا في محاربة الجهل، وطرد الغفلة عن الناس، ومحاربة الشيطان وأعوانه.
لقد أراد الله عز وجل للناس الإرتقاء لمراتب الخلافة، فذكرتّهم آيات القرآن بسجود الملائكة لآدم كما جاء في بدايات سورة البقرة ( )، وهي أول سور القرآن في نظمه بعد سورة الفاتحة لتكون درساً في التدبر في آيات التوبة والإنابة إلى الله، ولزوم السمو والإرتقاء إلى مراتب الخلافة، والنجاة من الجهل، والإحتراز من الغرر والإغواء.
وتحذر هذه الآية من نزول العذاب بالكفار الذين يصرون على إرتكاب المعاصي، قال تعالى[إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ]( )، وفيه دعوة للمؤمنين لمد يد المساعدة للناس ببيان الحاجة إلى الإيمان وفعل الصالحات، والتخلص من الجهالة، وما يترشح عنه فعل السيئات، والإصرار على الجحود ومحاربة الإسلام.
قوله تعالى[أَوْ يُعَذِّبَهُمْ]
بعد ذكر التوبة وما فيها من اللطف والفضل الإلهي الخاص والعام، جاءت الآية بذكر العذاب الذي ينزل بالكفار، وكأن الترديد بين التوبة والعذاب يقع على موضوع واحد، ولكنه حكم ظاهر بالتباين بينهما وتقدير الآية:(يتوب عليهم إن تابوا أو يعذبهم إن بقوا على ظلمهم) والتباين من وجوه:
الأول: التضاد الموضوعي بين التوبة والعذاب.
الثاني: كل من التوبة والعذاب جزاء على الفعل.
الثالث: وجود قرينة الظلم وترتب العذاب عليه بقوله تعالى[أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ].
لقد جعلت الآية الكفار على مفترق طريقين مختلفين، لا يمكن الإشتباه فيهما، كل طريق له سماته وعلاماته والبينات الخاصة به، والظاهرة بجلاء لكل إنسان وإن كان أعمى أو أصم، وتلك آية إعجازية، فعند مفترق الطريق يقع بعض الناس بالسهو والإشتباه فيه، أو يحتاج إلى السؤال لمعرفة الطريق وغايته ونهايته، أما مفترق الطرق هذه فتنتفي الجهالة فيه، ولا يستطيع إبليس وضع غشاوة على أبصار الناس عند إرادة الإختيار الصحيح .
ويتجلى في الآية سر من أسرار التكليف في الحياة الدنيا، وهو خلوها من الوسط والطرق الفرعية، فليس هناك إلا طريقين لا بد من إختيار أحدهما، فلا يمكن الوقوف في ذات المفترق، أو الإمتناع عن السير والمشي أو الرجوع، فتتضمن الآية الحصر والتعيين بطريق التوبة أو العذاب، وجاءت الآية بلغة الفعل من عند الله فهو الذي يتوب على من يشاء منهم، ويعذب من يشاء، ولكنه ظاهر في إرادة الجزاء على توبة العبد وفعله الصالح بالتوبة من الله، والجزاء ترى لماذا لم تقل الآية(أو يتوبون أو يعذبون) بلغة الترغيب بالتوبة، والإنذار من العذاب , والجواب من وجوه:
الأول: جاءت الآية خطاباً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: تتضمن الآية بيان حكم وقانون في الإرادة التكوينية.
الثالث: توكيد اللطف الإلهي ودوام نزول رحمة الله على الناس جميعاً في الحياة الدنيا، التي هي دار عمل.
الرابع: دعوة الناس للإنتفاع من نعمة التوبة.
الخامس: تيسير أمر التوبة، وجذب الناس لمنازلها ونفي الحرج من ولوج أبوابها، والدعوة لتعلم الأحكام والسنن والآداب الشرعية.
السادس: بعث الفزع والخوف في نفوس الكفار من البقاء على الضلالة والجحود.
السابع: ذكر المعلول يدل على العلة، أي أن التوبة أو العذاب يترشحان على فعل الناس وما يختارونه.
وجاءت الآية بصيغة الجمع، وتحتمل وجوهاً:
الأول: إرادة الحكم على نحو العموم المجموعي، بحيث يصيب الكفار جميعهم حكماً واحداً , فأما التوبة عليهم وإن بقى بعضهم على الكفر، وأما عذابهم جميعاً وإن كان عدد منهم قد تاب إلى الله.
الثاني: عدم وجود ملازمة بين التوبة منهم وتوبة الله عليهم، وبين بقائهم على الكفر وعذابهم، بل الأمر راجع إلى الله عز وجل وحده، لذا إبتدأت الآية بقوله تعالى[لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ] في خطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث: الآية إنحلالية والمراد أن الذي يتوب منهم يتوب الله عليه، والذي يبقى على كفر يعذبه الله.
والصحيح هو الثالث، لعمومات قوله تعالى[وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى]( )، وخطابات التكليف، وتوجه الأوامر والنواهي للناس رجالاً ونساء بعرض واحد، وفيه حجة على أتباع الظالمين بلزوم التخلي عن نصرتهم والإنقياد إليهم.
بحث بلاغي
ينقسم الكلام وفق مصطلح علم البيان إلى قسمين:
الأول:الخبر.
الثاني: الإنشاء، وهناك أقوال متعددة في أقسامه، فمنهم يقول أنها ثلاثة بإضافة الطلب قسيما ًللقسمين أعلاه، بإعتبار أن الطلب يتأخر معناه عن لفظه، ولكنه فرع الإنشاء.
وقيل أقسام الكلام تسعة، وقيل عشرة.
وإذا إحتمل الكلام التصديق والتكذيب فهو الخبر، والإنشاء لا يحتملهما، وأشكل على هذا التعريف بأن التنزيل لا يدخل عليه الصدق والكذب، لأنه صادق مطلقاً، (وأجاب القاضي بأنه يصح دخوله لغة) ( ).
ولا يخلو هذا الجواب من تكلف، فكلام الله عز وجل خارج بالتخصص عن هذا التعريف، وفي كلمات التعريف مندوحة وسعة، خصوصاً وأن وصف الكلام بالخبر، أو الجملة بأنها جملة خبرية هو ذاته تعريف، وإشارة إلى ما فيها من الإخبار من غير أن تصل النوبة إلى مسألة الصدق والكذب وحتى بإضافتهما، فيمكن القول بأن الخبر ما يدخل عليه الصدق، أو يدخل عليه الصدق والكذب، والإنشاء ما يتحقق مصداقه في الخارج بالكلام.
ومن الإعجاز في الآية الكريمة أنها تجمع بين الخبر والإنشاء في ذات الكلمات، وليس هو جمعاً مركباً، بل ذات الكلمة تكون خبراً وإنشاءاً في آن واحد، فقوله تعالى(أو يتوب عليهم أو يعذبهم) إخبار للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عما ينتظر الكفار من الحال المتضادة، وهو أيضاً إنشاء ووعيد وتنبيه.
ولا ينحصر موضوع التنبيه بالكفار أنفسهم بل يشمل المسلمين مع الإتحاد في الموضوع، والتباين في ماهية التنبيه، إذ أنه بشارة للمسلمين ودعوة لحسن الخلق والإستقبال الكريم للذين يتوبون من الكفار، والحذر والحيطة من الذين يصرون على الكفر والضلالة، ومعرفة ما ينتظرهم من العذاب وال عقاب الأليم , وتخويفهم وتحذيرهم .
ومن إعجاز هذه الآية التداخل بين معاني الخبر والإنشاء , لتكون شاهداً على تخلف قواعد النحو والتقسيم البياني على الإحاطة بالأسرار البلاغية لآيات القرآن , والمفاهيم الكلامية التي تترشح عنها.
قانون”منافع التلاوة إعجاز’’
وهذه الآية نبال متصلة متوجه من السماء إلى الكفار وجيوشهم، فلا غرابة أن تجد أقطابهم يجمعون الجيوش لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، فكل تلاوة من المسلمين لهذه الآية هدم في بناء الكفر والمشركين، وتلك خصوصية و إعجاز في الآية القرآنية، أي أن الإعجاز لا ينحصر بذات الآية وأسرارها البلاغية ومضامينها القدسية وتلاوتها، بل يشمل الآثار والمنافع المرتبة على تلاوتها وتلك الآثار وبلحاظ جهة المتعلق على وجوه:
الأول: منافع تلاوة آيات القرآن على المسلمين، وليس من حصر لهذه المنافع وهي متكثرة ومتجددة إلى يوم القيامة، ومنا ما هو عام ومنها هو خاص وليس من مسلم أو جماعة من المسلمين إلا وتنهل من هذه المنافع كل يوم، وفيها مسائل:
الأولى: بعث السكينة في النفوس.
الثاني: تنمية ملكة الصبر، والقدرة على تلقي الأذى في جنب الله، وتحمل المصائب.
الثالث: أداء الفرائض في أوقاتها.
الرابع: التقيد بأحكام وسنن الشريعة.
الخامس: نيل مرتبة أفضل وأحسن الأمم , قال تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ).
السادس: التأهيل للدفاع عن الإسلام، والجهاد في سبيل الله.
السابع: تعاهد الوحدة بين المسلمين وفق أحكام الكتاب والسنة , قال تعالى[وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا]( ).
الثامن: المحافظة على سنن الأخوة الإيمانية بين المسلمين، وعدم رسوخ الفرقة والشقاق بينهم، قال تعالى[إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ] ( ).
التاسع: الإرتقاء إلى مرتبة طاعة الله ورسوله وتلك آية في خلق الإنسان، وسر من أسرار جعله خليفة في الأرض، وهو من عمومات قول الله في الرد على الملائكة عندما إحتجوا على جعل آدم عليه السلام خليفة في الأرض[قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( )، فمن علم الله الذي يباهي به الملائكة وبديع صنعه طاعة المسلمين الله ورسوله في العبادات والمعاملات والأحكام.
العاشر: قيام المسلمين بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما هو أعم من الواجب الكفائي، وبما يؤدي إلى ترسيخ مفاهيم الإيمان، وتثبيت دعائم الإسلام، وسلامة النفوس والمجتمعات من الأدران.
الحادي عشر: إمتلاك المسلمين القدرة على الجدال والإحتجاج، ورد الشبهات والتصدي لأهل الزيغ والريب قال تعالى[وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] ( )، وجاءت آيات وقصص القرآن موعظة وتذكرة وموعظة قال تعالى[اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ]( ).
الثاني عشر: إزدياد المسلمين قوة ومنعة بتلاوة الآيات وما فيها من معاني النصر والظفر، وحسن التوكل على الله.
الثالث عشر: التفقه في الدين بتلاوة آيات الأحكام والسنن.
الرابع عشر: التنزه عن السيئات والمعاصي، وإجتناب الذنوب والفواحش والإثم.
الخامس عشر: التمييز بين أهل الكتاب والمشركين , قال تعالى[لَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى] ( ).
السادس عشر: الإيمان بالملائكة والأنبياء والكتب السماوية المنزلة.
السابع عشر: الخروج إلى سوح المعارك جهاداً في سبيل الله، وحب الشهادة، والشوق للقاء الله.
الثامن عشر: السلامة من الأخلاق المذمومة كالغيبة والإفتراء والحسد والكبرياء.
التاسع عشر: معرفة أحوال الأمم السابقة، وقصص الأنبياء وجهاد وصبر الصالحين في مرضاة الله قال تعالى[نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ]( ).
العشرون: تنمية ملكة الصبر والأخلاق الحميدة، ونشر الفضائل، ومعاني المودة والرأفة والتكافل الإجتماعي بين المسلمين، والتقيد بالواجبات المالية من الزكاة والخمس، والمسارعة إلى الصدقات المستحبة وإعانة الفقراء والمحتاجين.
الحادي والعشرون: التسليم باليوم الآخر، والإقرار بأن الجنة حق، والنار حق، وأن الله يبعث من في القبور.
الثاني والعشرون: بذل الوسع لإكتناز الحسنات، والرغبة في الأجر والثواب.
الثالث والعشرون: تعاهد صلة الرحمة، وإصلاح ذات البين.
الرابع والعشرون: الإعراض عن اللغو، وإجتناب أهل الخصومة والجدال , قال تعالى في مدح المؤمنين[وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمًا] ( ).
الخامس والعشرون: من منافع تلاوة القرآن الحرص على تكرار التلاوة والرغبة في ختم القرآن، والإنصات لآياته، والتدبر في معاني كلماته.
السادس والعشرون: الإكثار من الشكر لله عز وجل على النعم العظيمة التي تفضل بها، وتعاهد الحمد والشكر لله رجاء دوامها والزيادة فيها كماً وكيفاً ونوعاً , قال تعالى[لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ] ( ).
السابع والعشرون: تعاهد آيات القرآن، وحفظها ودفع التحريف عنها رسماً وتلاوةً وتفسيراً، وقد تفضل الله عز وجل وجعل تلاوته واجبة في الصلاة اليومية، فلا بد أن يتلو كل مسلم ومسلمة آيات من القرآن خمس مرات في اليوم وهو من الإعجاز في حفظ القرآن ومن عمومات قوله تعالى[إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون]( ).
الثامن والعشرون: الدقة والسلامة في أحكام النكاح والطلاق، والعدل والإنصاف في المواريث، وعدم حصول الخلاف والشقاق فيها لمجيء القرآن بها متكاملة خالية من التناقض والتباين.
التاسع والعشرون: إتباع المسلمين لسنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وحضورها في الواقع اليومي مع إنتشار الإسلام في الأقطار، قال تعالى[فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا] ( ).
الثلاثون: الإحتراز من وسوسة الشيطان، والوقاية من الغواية.
الواحد والثلاثون: العصمة من الشرك الظاهر والخفي، وفضح الكفر ومفاهيمه، وتحذير الناس من الضلالة.
الثاني والثلاثون: الإنقطاع إلى الدعاء، والتوسل إلى الله لقضاء الحاجات، والإقرار بأن مقاليد الأمور بيده سبحانه وأنه على كل شيء قدير ولا تستعصي عليه مسألة، والأشياء جميعاً مستجيبة له، قال سبحانه[إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ]( ).
الثالث والثلاثون: جاء القرآن بالنهي عن الظلم، وبيان قبحه الذاتي والعرضي، وتذكّر تلاوة آياته بلزوم الإحتراز والتنزه منه.
الرابع والثلاثون: السعي والكسب الحلال في الدنيا، وإجتناب الباطل.
الخامس والثلاثون: فضح التحريف الذي طرأ على الكتب السماوية السابقة.
السادس والثلاثون: بعث المسلمين على التعلم والتحصيل وحفظ آيات القرآن.
السابع والعشرون: الإكثار من تلاوة آيات القرآن، لما فيها من الأجر والثواب، وقصد القربة إلى الله عز وجل فتلاوة آيات القرآن سبب للمواظبة عليها، والإكثار منها.
الثاني: منافع تلاوة آيات القرآن على أهل الكتاب، وفيه مسائل:
الأولى: دعوة اليهود والنصارى إلى الإلتقاء مع المسلمين في التوحيد والإقرار بالعبودية لله عز وجل، قال سبحانه[قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ] ( ).
الثانية: حث أهل الكتاب على الإقرار بإعجاز القرآن، والتدبر في المضامين القدسية لآياته.
الثاني: الدعوة لدخول الإسلام، وطرد النفرة من التكاليف.
الثالث: فضح التحريف الذي طرأ على الكتب السماوية السابقة.
الرابع: منع الغلو في الأنبياء، ونسبة النبوة إلى الله.
الخامس: زجر أهل الكتاب عن محاربة الإسلام، وبعث الفزع في نفوسهم من قتال المسلمين , وتحذيرهم من إعانة الكفار والمشركين في تعديهم على الإسلام.
السادس: إدراك أهل الكتاب لحقيقة تصديق القرآن للكتب السماوية السابقة قال تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ]( ).
السابع: الإنصات إلى آيات القرآن، والتدبر في معانيها، وما فيها من الأحكام والسنن، فكل تلاوة درس لأهل الكتاب وشاهد على عز الإسلام، ووجود أمة مؤمنة، تدعو إلى الله عز وجل وتجاهد في سبيل الله تحت راية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث: منافع تلاوة آيات القرآن على الكفار، وفيه مسائل:
الأولى: دعوة الكفار مطلقاً إلى الإسلام.
الثانية: بيان القبح الذاتي والغيري للكفر.
الثالثة: إنذار الكفار من محاربة الإسلام.
الرابعة: وإدراك منافعه الدنيوية والأخروية.
الخامسة: التدبر في آيات البشارة والإنذار وما في القرآن من لغة الوعد والوعيد.
السادسة: الإنصات إلى الآيات التي تتضمن الإخبار عن عالم الآخرة، وما فيه من الجزاء والثواب بالجنة للمؤمنين، والعذاب بالنار للكفار.
السابعة: تنزيه الأسماع، والإحساس بالإنتقال إلى عالم روحاني آخر ساعة التلاوة.
الثامنة: إصابة الكفار بالوهن وإمتلاء نفوسهم بالفزع والخوف عند سماع آيات القرآن لما فيها من التخويف للكفار، وبيان ما ينتظرهم من العذاب الأليم.
الثامنة: إدراك قوة الإسلام وإرتقاء المسلمين في المعارف الإلهية.
التاسعة: حصول الخلاف والشقاق بين الكفار، وظهور الضعف في صفوفهم بدخول فريق منهم الإسلام.
العاشرة: قلة عدد الأنصار والتابعين لرؤساء الكفر والضلالة.
الحادية عشرة: فضح الملازمة بين الكفر وإتباع الهوى، ومجئ آيات القرآن بالدعوة لنبذهما مجتمعين ومتفرقين.
الثانية عشرة: تذكير القرآن بالعذاب الذي حلّ بالأمم السالفة من الكفار والمشركين، والمحق الذي نزل بآولئك الذين كذّبوا بالأنبياء، وذكره لآيات الصيحة السابقة كقوله تعالى[فَأَخَذَتْهُمْ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ] ( )، والصيحة اللاحقة[يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ]( ).
الثالثة عشرة: الإتعاظ من آيات القرآن، والإستماع إلى قوانين الإرادة التكوينية، ودعوتهم للتسليم بأن[الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا] ( )، وحتمية ظهور الحق وعز المؤمنين.
الرابعة عشرة: الإلتفات إلى الآيات الكونية، التي يذكّر بها القرآن في مواضع وآيات كثيرة منها خلق السماوات والأرض , وآيات الشمس والقمر وبديع تعاقب الشمس والقمر , قال تعالى[وَآيَةٌ لَهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ]( ).
وهل إعجاز منافع التلاوة من بلاغة القرآن أم هو أعم الجواب الثاني، لوجوه:
الأول: تعدد الآثار المترتبة على التلاوة.
الثاني: نزل القرآن خطاباً للناس جميعاً، ولغاتهم شتى، وألسنتهم مختلفة ويتلقون آيات القرآن بالقبول والرضا وإن كانوا لا يفقهون العربية.
الثالث: مع إعتزاز كل أمة بلغتها فإن المسلمين خاصة والناس عامة يقفون بإكبار وإجلال أمام عربية القرآن، ويقرون في الجملة بالإعجاز الخاص للغته وبلاغته وبيانه ، وهو من الأسباب التي تبعث على التوسعة في التفسير بما يظهر خزائن القرآن، ويستخرج درراً من كنوزه وذخائره.
الرابع: يتجلى أثر التلاوة وسماعها في النفوس , بجعلها تميل إلى التنزيل بالفطرة.
الخامس: موافقة الوقائع والأحداث لما في القرآن من الأخبار وعلوم الغيب[وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( ) .
السادس: حاجة الناس للقرآن وأحكامه وما فيه من السنن، ويملي تجلي الإعجاز في التلاوة على المسلمين تعاهد قراءة القرآن والمواظبة عليها، والتدبر في معاني كلماته، والسؤال عنها وعن تفسيرها في المجالس العامة والخاصة والإستدلال بآيات القرآن، وإستحضارها في المناسبات والشهادة بها فهي حجة قاطعة، وباعث على السكينة، ومانع من التمادي في الجدال والخلاف قال تعالى[فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ]( ).
بحث منطقي
يقسم الشيء إلى أجزاء وأمور متباينة بلحاظ جهة أو موضوع، ويكون الشيء الذي يخضع للتقسيم (مقسماً) وكل فرد من الأفراد التي يقسم إليها يسمى(قسماً)، ومن شرائط القسمة أن تكون بلحاظ جهة أو موضوع أو حكم متحد ، وجاءت قسمة الكفار في الآية بلحاظ العاقبة جامعة مانعة، أي أن الأقسام مساوية للمقسم، وجامعة لأفراده ، حاصرة لها، لم يخرج منها فرد من الكفار الذين حاربوا المسلمين والذين خلفهم، ولم تشمل أحداً من المسلمين لأنها خاصة بالكفار فتضمنت تقسيم الكفار إلى قسمين:
الأول: الذين يتوبون إلى الله، ويفوزون بالعفو من عند الله.
الثاني: الذين يصرون على الكفر، فينزل بهم العذاب الشديد .
وهذه القسمة ثنائية مرددة بين العفو والعذاب، ليكونا نقيضين فلا يرتفعان أي لا يكون لهما قسم ثالث، ولا يجتمعان أي لا يكونان قسماً ونوعاً واحداً، ومن القسمة تقسيم الزمان إلى نهار وليل بلحاظ النور والظلمة تكويناً، وإن كان قياساً مع الفارق، ذلك بأن الليل باق على ظلمته، والنهار على ضيائه المتجدد ، أما القسمة في الآية الكريمة فإنها على فروع:
الأول: ما هو ثابت لا يتغير وهو خاص بالذين تابوا فأنهم لا يرتدون عن الإسلام.
الثاني: الكفار الذين يتوجه لهم لإنذار في هذه الآية، فهم على قسمين:
الأول: من تدركه التوبة، ويلتفت إلى وظيفته الشرعية.
الثاني: الذين يصرون على الجحود والكفر قال تعالى[إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ]( ) .
الثالث : الذين ولدوا على الإسلام .
بحث أخلاقي
مباحث علم الأخلاق مناسبة للتدبر بعيوب النفس،والوقاية منها, ومدرسة لجعل يوم الإنسان أفضل من أمسه، وغده أفضل من يومه، مع تعاهد القيم والعادات الحميدة، ونبذ الرذائل والسيئات، وفي هذه المباحث منافع :
الأول : إنها مقدمة لعلوم الفقه .
الثاني : رشحة من رشحات علم الفقه .
الثالث : إنها وسيلة لتنمية الفضيلة .
الرابع : إنها موضوع لظهور الحكمة في الأقوال والأفعال.
الخامس : فيها غلبة للقوة الناطقة والعاقلة على الأفعال .
السادس : مباحث علم الأخلاق مادة للإنجذاب إلى مسالك الإيمان، ومنازل الإسلام .
وجاءت مضامين هذه الآية الكريمة في وجهين:
الأول: التحلي بالأخلاق الحميدة بالشكر لله عز وجل على نعمة الخلق وبعثة الأنبياء، والإمتثال للأوامر الإلهية في الصلاح والرشاد وهي أمور تنحصر بالتوبة والإنابة.
الثاني: إستدامة التلبس بالكفر والضلالة والبقاء في منازل الجحود.
وتبين الآية النفع الأخلاقي العظيم في الأول، وكيف ينعكس في تهذيب النفوس، وصلاح المجتمعات، إذ أن الإخبار عن توبة الله عز وجل رحمة تبعث الأمل في النفس، وسكينة تملأ الجوانح والأركان وتنتشر بسبب البشارة بعفو الله عز وجل البهجة , ويظهر الإستبشار على الوجوه، وفي الصلات الإجتماعية، والوعد الكريم والبشارة بالتوبة وإن كانت على نحو القضية الشخصية إلا أنها تدخل السرور إلى جميع الذين يهمهم أمر الذي يفوز بالتوبة لأنها صلاح وخير محض، وتحتمل التوبة وجهين:
الأول: أنها مستحب نفسي، وواجب غيري.
الثاني: إنها واجب نفسي، وواجب غيري.
والصحيح هو الثاني، فهي فعل عبادي واجب، وطريق لأداء العبادات والتي لاتتقوم إلا بقصد القربة الذي لا يصح إلا من المسلم، لقد أراد الله عز وجل للناس بالتوبة كبح جماح القوة الشهوانية والبهيمية والغضبية، ولتكون التوبة كالملكة التي تصدر منها الأفعال العبادية والصالحات بالتسليم، والإقرار بصدق التنزيل.
وهل يكون قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم : بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) ( )، تفسيراً ومصداقاً لهذه الآية، الجواب نعم، إذ أن قوله عليه السلام(بعثت) يشمل جذب الناس لطرق التوبة، والعمل بآيات القرآن، وأحكام التنزيل، وتتجلى مكارم الأخلاق بلحاظ هذه الآية الكريمة من جهات:
الأولى: رفعة وسمو أخلاقي، وإنقلاب في السجايا .
الثانية: الآية دعوة ليكون فعل الإنسان مرآة للوظائف التي خلقه الله من أجلها.
الثالثة: الآية دعوة لهجران الظلم والتعدي، ويصيب الظلم بالضرر أطرافاً هي :
الأول: الظالم نفسه , قال تعالى[وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ]( ).
الثاني: الذي يقع عليه الظلم.
الثالث: الذين يرون ويسمعون بالظلم لما يلحق بهم من الفزع والخوف والألم، خصوصاً وأن الله عز وجل جعل الناس ينفرون بفطرتهم من الظلم والتعدي.
الرابع: الذين يلحقهم الأذى عرضاً بسبب الظلم.
لقد أراد عز وجل للدنيا أن تكون دار أمان وإلفة , وتتغشاها معاني المودة والمحبة بقيد الإيمان، وهذا القيد هو السبيل الوحيد لأمور:
الأول: حسن الخلق والسيرة.
الثاني: التحلي بالأخلاق المحمودة، وإجتناب التعدي خشية من الله عز وجل كما في قوله تعالى[وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُوْلِي الأَلْبَابِ]( ).
الثالث: الإمتثال للأوامر الإلهية.
الرابع: عمارة الأرض بذكر الله عز وجل وأداء العبادات .
فمن الإعجاز في فلسفة الإعلان في الشريعة الإسلامية الأذان خمس مرات في اليوم , وأداء الصلوات , وتلاوة آيات القرآن فيها على نحو يومي متجدد .
وبعد أن جاءت هذه الآية إنذاراً للذين يزحفون بالجيوش على المدينة المنورة وهي الثغر الوحيد للمسلمين أصبحت إنذاراً متجدداً يصل إلى أسماع الناس كلهم من قبل إختراع وسائل الإعلام الحديثة، والثورة المعلوماتية، والتي صارت وعاء لتبليغ الإنذارات القرآنية، ودعوة للناس لإجتناب الظلم والتعدي.
الخامس: الفوز بالنعيم الدائم والسعادة الأبدية.
السادس : تنمية ملكة التقوى في السلوك الشخصي والنوعي . قال تعالى[وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصِّدِّيقُونَ]( ).
قانون” الإعجاز في سماع القرآن’’
لقد أراد الله عز وجل للقرآن أن يكون الآية العظمى في الأرض والكنز الذي لاتنفد خزائنه، والبحر الزاخر الذي ليس فيه إلا الدرر والآلئ والشواهد على إعجازه، ويمكن تقسيم إعجاز القرآن تقسيماً إستقرائياً إلى أقسام:
الأول: الإعجاز الذاتي.
الثاني: الإعجاز الغيري.
الثالث: الإعجاز الذاتي والغيري.
وليس من فاصل دقيق بين هذه الأقسام فهي متداخلة، ويترشح بعضها عن بعض، وسماع آيات القرآن من الإعجاز الغيري للقرآن والمجتمعات، وتلك خصوصية ينفرد بها القرآن من بين الكتب السماوية السابقة.
ولتلاوة هذه الآية وسماع الناس لها منافع كثيرة منها:
الأول: التذكير بالله عز وجل وأن الحكم بيده سبحانه , قال تعالى[إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ] ( ).
الثاني: بيان عظيم منزلة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عند الله، وجهاده في سبيل الله.
الثالث: منع المسلمين من جدال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ويدل في مفهومه على حثهم على الإنصات لما يأتي به من عند الله، والمبادرة إلى فعل الصالحات.
الرابع: إنذار الكفار، فيتلو المسلم هذه الآية في الصلاة وخارجها فيسمعها الكافر عرضاً أو يستمع إليها، فتحدثه نفسه بالتوبة.
وهل يثاب المسلم الذي يتلوها بسماع الكافر بالإضافة إلى ثواب ذات التلاوة وسماع غير الكافر، الجواب نعم وهو من مصاديق إعجاز تلاوة الآية القرآنية مطلقاً، الذاتي والغيري، وما يترشح عن تلاوتها من الأثر المبارك في النفوس، والمجتمعات.
وقد لا يستجيب الكافر لمضامين هذه الآية وما فيها من الحث على التوبة، ولكن أثرها يظهر عليه في أمور وكيفيات أخرى منها:
الأول: الإمتناع عن محاربة المسلمين.
الثاني: عدم النفرة من أحكام الإسلام.
الثالث: التدبر في معاني ودلالات ما يؤديه المسلمون من العبادات مثل الصيام , وإمتناعهم أيام شهر رمضان عن الأكل والشرب طاعة وقربة إلى الله عز وجل .
وقيام المسلمين بأداء عبادات تبعث غيرهم على التدبر فيها من عمومات

الكفر والجحود ، إذ أن هذا الجحود إنحلالي ينشطر بعدد آنات الزمان التي يرتكب فيها الكافر معصية الإستكبار، وفي كل آن منها تتوجه له هذه الآية بالترهيب والترغيب.
الرابع: الآية دليل على وجود عالم الجزاء , وإخبارها عن عذاب الكفار بقوله تعالى ( ويعذب من يشاء ) من عمومات خاتمتها , وما تتضمنه من الترغيب بالتوبة
الخامس: إدراك الكافر لحقيقة وهي أن الآية القرآنية حجة عليه في النشأتين قال تعالى[أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ]( ).
ومن يصر على الكفر تطل عليه هذه الآية وهو دليل على رحمة الله عز وجل به وأنه سبحانه لن يتركه وشأنه مما يجعله في خوف وحزن.
الخامس: إرتقاء المسلمين في مراتب المعرفة بالتفقه في أحوال الناس، وسوء عاقبة الكفار.
ومن الإعجاز في تلاوة آيات القرآن التكرار في تلاوة ذات الآية القرآنية, وفيه مسائل:
الأولى: من لم يتعظ ويعتبر من سماعه للآية في المرة الأولى فإنه يتعظ ويتدبر في معانيها في المرات اللاحقة.
الثانية: الذي يقابل الآية عند سماعها للمرة الأولى بالإعراض والصدود، ولكنه ينصت لها في المرات اللاحقة.
الثالثة: الذي لا يمتثل لمضامين الآية الكريمة وإن سمعها عدة مرات، ويحتمل وجهين:
الأول: الإعراض والإصرار على الكفر والجحود على نحو السالبة الكلية قال تعالى[وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ] ( ).
الثاني: الإعراض والجحود على نحو السالبة الجزئية، والحال المتزلزلة.
ويكون الأعم الغالب من الوجه الثاني، وهو من أنظم مصاديق منافع التلاوة بين الناس وأسباب زلزلة الكفر والجحود، ومانع من إستقرار مفاهيم الكفر في الأرض والنفوس بعد نزول القرآن.
وقد جاء القرآن بالآيات التي تحث على تلاوته، ولزوم الإنصات له , قال تعالى[وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا] ( )، وفيه دعوة سماوية للتدبر في المضامين القدسية لآيات القرآن، وإستنباط المسائل منها، ومعرفة سبل السلامة في الدنيا والآخرة كما جاءت هذه الآية ببيان الحاجة إلى التوبة للنجاة من العذاب الأليم الذي يترشح قهراً وإنطباقاً عن البقاء على الكفر، وفي الإنصات لقراءة القرآن إعجاز من وجوه:
الأول: ذات الإنصات إعجاز، لما يدل عليه من الإقرار بالصبغة السماوية لآيات القرآن.
الثاني: تلقي آيات القرآن بإكرام وإجلال لما يتجلى فيها من المعاني القدسية، وإدراك حقيقة إختلافه عن كلام المخلوقين.
الثالث: يترشح عن الإنصات التدبر في الآيات، ومضامينها القدسية، والتفقه في الأحكام طوعاً وقهراً وإنطباقاً , قال تعالى[كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ]( ).
الرابع: حضور التنزيل في الواقع اليومي للناس، وصيرورته جزء من لغة الخطاب بين الناس.
الخامس: الإرتقاء في صيغ الكلام والتخاطب بين الناس.
السادس: تهذيب المنطق وإصلاح الألسن.
السابع: التفقه في الدين، ومحاربة الفساد، وفضح المعاملات الباطلة.
الثامن: الترغيب بتلاوة وسماع آيات القرآن.
التاسع: حفظ القرآن من التحريف، وسلامة كلماته من التبديل والتغيير, وهو لا يتعارض مع قوله تعالى[إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون] ( )، بل هو في طوله ومن مصاديقه
العاشر: بيان حقيقة وهي تعاهد المسلمين للتلاوة وما ترشح عنها.
الحادي عشر: معرفة علوم القرآن وتعددها كالمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، والمجمل والمبين وأسباب النزول.
الثاني عشر: الإلتفات إلى موضوعية السنة النبوية في تفسير القرآن وإستخراج خزائنه.
بحث بلاغي
من ضروب البديع(الإدماج) وهو أن يظهر المتكلم غرضاً في كلامه مع تضمنه لغرض آخر , ومن الإعجاز البلاغي في هذه الآية مجيؤها بعدة أغراض من وجوه:
الأول: الغرض الظاهر والبين بلغة الخطاب.
الثاني: الغرض الذي يأتي في ثنايا كلمات الآية.
الثالث: مصاديق البشارة والإنذار التي تتضمنها الآية.
الرابع: ثبوت إستحقاق الكفار لنزول العذاب بهم لإصرارهم على الظلم والتعدي قال تعالى[وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ]( ) .
الخامس: دعوة الناس إلى عدم الخشية من الكفار والظالمين، لأن العذاب ينزل بهم ولو بعد حين.
السادس: دعوة المسلمين للتوكل على الله , والتسليم بعظيم قدرته، والإقرار بأن الفتح والظفر بالكفار من فضله، قال تعالى[وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ] ( ).
السابع: بيان الحصر والترديد فيما ينتظر الكفار في أمرين:
الأول: إختياري ويتمثل بالتوبة والإنابة.
الثاني: قهري وهو نزول العذاب بمن يبقى في منازل الكفر.
الثامن: دعوة الناس للتفقه ومعرفة مفاهيم الظلم، والإبتعاد عنها، فقد يظن الإنسان أن القدر المتيقن من الظلم هو التعدي على الناس، وسلب أموالهم، فجاءت هذه الآية لتبين أن أشد أفراد الظلم هو الكفر والجحود، ويلزم التخلص منه طلباً للسلامةو النجاة ، والتخلف والتفريط في موضوع النجاة من الظلم سبب لنزول العذاب في النشأتين، ليكون هذا التخلف والتفريط من مصاديق ظلم الكافر لنفسه قال تعالى[وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ] ( ).
قانون”تأثير الآخرة في الدنيا’’
الحياة الدنيا من بديع صنع الله سبحانه، وكل ما فيها آية من وجوه:
الأول: آيات عظيم خلقه من اللامتناهي.
الثاني: إنها شاهد على قدرته المطلقة.
الثالث: إنها برهان على حسن تدبير وحكمة الله عز وجل جعل الآيات حجة على الناس.
الخامس: كل آية سبب لإقرارهم بالعبودية له، وجذبهم للإيمان قال تعالى[سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ] ( ).
السادس:الآية دليل على التوحيد , ودرس في لزوم عدم الشرك بالله قال تعالى[سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ].
وأنعم الله على الناس بالقرآن لتكون كل آية منه دعوة إلى الله عز وجل، وحثاً على التدبر في فلسفة الحياة الدنيا وأسرار خلقها والغايات منه والترغيب في إصلاحها بالعبادة والسنن الأخلاقية الحميدة.
وتتضمن هذه الآية بيان حال الإنسان في الدنيا والآخرة والتداخل بينهما، وتأثير كل منهما على حياة وحال الإنسان في النشأتين مع التباين في ماهية ومقدار التأثير , فعمل كل إنسان في الدنيا يجده في الآخرة ويكون منزله ومقامه في الآخرة بحسب عمله في الدنيا.
أما أثر الآخرة في الدنيا فأنه على مراتب متفاوتة بين الناس بلحاظ الإيمان وعدمه.
وتأتي هذه الآية لأمر جامع وهو تأثير الدنيا والآخرة في الدنيا وإصلاح الإنسان نفسه ودينه.
وجاء القرآن كتاباً من عند الله عز وجل ليجعل الإنسان ينتفع من الدنيا للآخرة، وينتفع من عالم الآخرة للدنيا لحاجة الإنسان في الآخرة لأمور تجب عليه في الدنيا منها:
الأول: الإيمان بالله عز وجل ورسوله.
الثاني: طاعة الله ورسوله.
الثالث: الإيمان باليوم الآخر والملائكة والنبيين.
الرابع:التصديق بالقرآن ونزوله من عند الله , قال تعالى[فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا] ( ).
الخامس: أداء الفرائض العبادية كالصلاة والصوم والزكاة، وفي كل فرد منها ثواب عظيم.
السادس: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشرائطهما.
السابع: الجهاد في سبيل الله.
الثامن: المسارعة في الخيرات، وليس من حصر للأعمال التي يأتي بها الإنسان في الدنيا، وينتفع منها في الآخرة، فقد جعل الله عز وجل كل لحظة من لحظات وساعات الإنسان في الحياة الدنيا مناسبة لإكتناز الصالحات، وجني الحسنات، أما الكافر فإنه يتبع هواه في الدنيا فتكون أعماله وبالاً عليه بإختياره، والإمتناع بالإختيار لا ينافي الإختيار.
وجاءت آيات الوعد بالجنة والبشارة بالنعيم الدائم للمؤمنين، والوعيد بالنار للكفار في القرآن متوجهة إلى الناس جميعاً، ولكن المسلمين وحدهم هم الذين ينتفعون منها، نعم يترشح عن هذا الإنتفاع إكتساب الناس منه على نحو الموجبة الجزئية، وتلك آية في رحمة الله عز وجل بالناس بما فيهم الكفار، وهو من عمومات قوله تعالى[وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ] ( ).
لقد أنعم الله على المسلمين والمسلمات بأن جعلهم يهتدون إلى الحق، ويهدون الناس إلى سبله، ومنها بيان أثر الآخرة في الدنيا بالذات والعرض والأسباب .
فإن قلت كيف يكون هذا التأثير , الجواب لقد جعل الله عز وجل الناس ينصتون إلى المواعظ، ويتدبرون في الإنذارات والبشارات، وهذا التدبر من رشحات نفخ الروح في آدم، وسر من أسرار نعمة العقل الذي جعله الله عز وجل عند الإنسان سلاحاً وواقية في الدنيا والآخرة، فصحيح أن الآخرة دار حساب وجزاء بلا عمل إلا أن أخبارها الواردة في الكتب السماوية , وفي حديث الأنبياء تبعث العقول على التدبر والتهيئ والإستعداد لها.
وجاءت هذه الآية الكريمة لتجعل الناس يتدبرون في أحوالهم يوم القيامة، ويستحضرون أنواع العذاب التي يتعرض لها الذين يحاربون الإسلام، ويصرون على الكفر، ويمتنعون على الإيمان.
وتطرد الآية الغفلة عن الناس من وجوه :
الأول : الآية جامعة مانعة، جامعة لوجوه الجزاء في الآخرة , مانعة من الجهالة والغرر .
الثاني : تدعو الآية الإنسان إلى تحكيم عقله في عاقبته، وما ينتظره في عالم الآخرة .
الثالث : تحث الآية على شراء السكينة والطمأنينة بإختيار الهداية والإيمان قال تعالى[فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْسًا وَلاَ رَهَقًا]( )
الرابع : تجعل الآية الفرد والجماعة ينفرون من الظلم ومقدماته.
قانون الإنذار هداية
من مصاديق الرحمة الإلهية في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم مجيء القرآن بصيغ الإنذار والوعيد التي تتضمن حقائق عن عالم الآخرة وما فيه من الثواب العقاب , فتأتي آيات القرآن أحياناً بالإنذار بصيغة الجملة الخبرية لبيان حال الكفار يوم القيامة، وجعل الذي يسمع الآيات يتدبر في عاقبته، وينشغل بإختيار ما يناسبه من المقام، فمن خصائص الإنسان والحيوان مطلقاً الهروب مما يجلب له الأذى والضرر ومن مقدماتهما , وليس من ضرر أشد من الإقامة الدائمة في النار، وأسبابها على قسمين:
الأول: الجحود وعدم أداء الفرائض والوظائف العبادية.
الثاني: إرتكاب ما نهى الله عنه , ويأتي الإنذار في المقام منطوقاً ومفهوماً من وجوه:
الأول: بيان سوء عاقبة عدم الإمتثال للأوامر الإلهية.
الثاني: ما يلحق العبد من الآثام لإرتكاب المعاصي والذنوب.
الثالث: تجلي منافع تقوى الله وأداء الواجبات العبادية في الدنيا والآخرة، قال تعالى[وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا] ( ).
الرابع: الترغيب بعمل الصالحات والمسارعة في الخيرات.
وجاءت هذه الآية بلغة الترغيب والترهيب وبما هو حق وصدق، فالله عز وجل لا تستعصي عليه مسألة، وهو على كل شيء قدير، فجعل الدنيا دار إمتحان وإختبار وسكن مؤقت غير دائم، ويمر الطالب والموظف بإمتحانات دراسية يبذل الوسع لدخولها ويساعده أهله ويتابع شأنه ونتيجته المقربون منه ويكون موضوعاً لمعرفة شأنه ودرجته ، وقد جعل الله عز وجل آنات الحياة الدنيا كلها إمتحاناً، يتعرض الإنسان لإمتحان أداء الصلاة خمس مرات في اليوم، ويداهمه الشيطان والنفس الشهوية عند دخول الأسواق، وعند الإفتتان .
وتكون الوقائع والأحداث مناسبة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليجني العبد الصالحات ويرتقي في الدرجات الأخروية وهو في الدنيا، وجاءت هذه الآية الكريمة لإعانة كل إنسان على إجتياز إمتحانات الدنيا، فمن الإعجاز فيها أنها شاملة لكل أفراد الإمتحان الدنيوي، فتشمل حال الإيمان والكفر، إذ أنها تبين الفشل والخيبة لمن يبقى في منازل الكفر والجحود، والعذاب الأليم الذي يجلبه الظالمون لأنفسهم .
وتتضمن البشارة لمن يتوب إلى الله ويترك منازل الكفر، قال تعالى[وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا]( )، لتكون الآية رحمة للناس جميعاً من وجوه:
الأول: البشارة والوعد الكريم لمن يكف عن محاربة الإسلام، ويهجر منازل الكفر.
الثاني: التخويف والوعيد لمن يصر على الكفر والضلالة، ويتمادى في الظلم.
الثالث: الجمع بين الوعد والوعيد، والبشارة والإنذار.
الرابع: تقديم البشارة وما يبعث السكينة في النفوس على الإنذار وأسباب الفزع والخوف.
الخامس: عموم البشارة في الآية الكريمة وشمولها للناس جميعاً فتشمل المسلمين الذين سبقوا للإسلام وتلقوه وراثة من باب الأولوية القطعية وتوبة الله عز وجل عليهم فضلاً ورحمة منه تعالى، وتشمل الذين يتركون الكفر ويتوبون إلى الله أيضاً.
ليكون الإنذار هداية من وجوه:
الأول: إنه هداية بالذات، لما فيه من التحذير من الكفر وأضراره.
الثاني: البعث على النفرة من الكفر ومقدماته.
الثالث: تتضمن الآية تحذير الكافر من أصحابه ورؤسائه الكفار، وجعله يدرك ضررهم عليهم، ولزوم ترك طاعتهم، إذ تزاحم هذه الآية أرباب الكفر في التأثير والأثر ,ويتجلى التعارض بين الطريق المستقيم الذي تدعو إليه، والتيه والضلالة الذي يسوق الكفار أتباعهم في ظلماته.
الرابع: الفزع من عواقب الإعراض عن الإنذار السماوي، لقد جعل القرآن الدنيا فرصة للتوبة والإنابة، وتؤثر لغة الإنذار في قوله تعالى(أو يعذبهم) في الكفار من وجوه:
الأول: إقامة الحجة على الكفار، قال تعالى[فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ] ( ).
الثاني: جعل العذاب مصاحباً للكفار في الوجود الذهني.
الثالث: محاربة الغفلة المستديمة عند الكفار، وجعلها متزلزلة غير ثابتة، إذ يداهمها الإنذار في كل آن، وعند سماع آيات القرآن، ووقوع المصاديق الواقعية لإنتصار الإسلام، وما يؤكد صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع: بعث الفرقة ودبيب الخلاف بين الكفار، إذ أن الشعور بسوء عاقبة الفعل يجعل الفرد والجماعة في تردد وحزن، ويظهر الإرباك في صفوفهم، والشك فيما بينهم.
الخامس: إصابة جيوش الكفر بالضعف والوهن، وقلة الهمة والنقص في الرجال.
السادس: ضعف الحجة، والتخلف في الجدال والقصور عن الإحتجاج، لذا فإن هذه الآية توطئة ومناسبة لظهور المسلمين في الجدال، وسلاح في ميادين الإحتجاج.
السابع: دعوة الكفار للتسليم بأن مقاليد الأمور بيد الله عز وجل وأنهم عاجزون عن دفع العذاب عن أنفسهم وجماعتهم، والإلتفات إلى حقيقة وهي نزول العذاب بهم لكفرهم وجحودهم مما يؤدي إلى النفرة من الكفر لذاته ولما يجلبه من الأذى والبلاء.
الثامن: تجلي التباين بين المسلمين والكفار، وظهور مصاديق العز والفخر على المسلمين، والإنكسار والخيبة على الكفار، وفيه دعوة إضافية للكفار للتنزه من براثن الكفر، وعون لهم لدخول الإسلام، لذا فإن قوله تعالى(أو يعذبهم) رحمة وباب هداية وسبيل رشاد، وتحذير دائم ومتجدد، يدعو الناس للإيمان والتصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
بحث بلاغي
من وجوه البديع(الإفتان) وهو الجمع بين فنين ونوعين مختلفين في كلام واحد، كالجمع بين الفرح والحزن، والفخر والتعزية، وجمعت هذه الآية بين أمور متباينة:
الأول: جمعت الآية بين البشارة والإنذار، والبشارة بلحاظ المتعلق على قسمين:
الأول: البشارة للمسلمين بتوبة فريق من الكفار.
الثاني: البشارة للتائبين من الكفار، فليس من شيء يناله العبد أعظم من الفوز بتوبة الله عز وجل عليه، ولما كان القرآن نازلاً رحمة ورأفة بالأجيال المتعاقبة من الناس، وهو خطابه غض طري إلى يوم القيامة، فهل تكون هذه الآية بشارة لذراري المسلمين، الجواب نعم من جهات:
الأولى: دعوة الكفار في كل زمان للتوبة والإنابة.
الثانية: إدراك المنافع العظيمة لهذه الآية بدخول فريق من الناس الإسلام، ليتوارث أبناؤهم الإسلام.
الثالثة: معرفة الإعجاز في الآثار المترتبة على الآيات القرآنية، ومجيؤها بأسباب النجاح والفلاح في النشأتين.
الرابعة: تلاوة هذه الآية من أفراد الشكر لله عز وجل على النعم العظيمة التي تتضمنها هذه الآية، والمتباينة في موضوعها وجهتها.
الخامسة: شفاء صدور المسلمين لما يلقاه الكفار والمعاندون.
أما الإنذار فجاء في الآية خاصاً بالكفار، فليس فيها إنذار وتخويف للمسلمين، وهو من الشواهد على عظيم منزلة المسلمين، ومن مصاديق قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ).
إذ يتلقى المسلمون ما يتضمن الإنذار لعدوهم، ويقومون بتبليغه بالتنزيل الذي هو حكم وعهد، وقطعي الصدور والوقوع.
وجاءت الآية بصيغة النص الذي لا يقبل الترديد والإجمال، أو وجود حكم ظاهر وآخر محتمل مخالف للظاهر، بل تضمنت الوعيد بالعذاب لكل من يصر على البقاء في منازل الكفر الضلالة، وإذ إبتدأت الآية بالخطاب التشريف للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين ومعاني كفايتهم، أختتمت بذم الكفار ونعتهم بأنهم ظالمون إشتروا العذاب لأنفسهم بسوء إختيارهم.
ومن وجوه البديع(المطابقة) ويسمى الطباق وهو الإتيان بمضادين متضادة في الجملة سواء كان التضاد حقيقياً أو مجازياً، وقيل من أملح الطباق وأخفاه قوله تعالى(ولكم في القصاص حياة) ( )، لأن القصاص قتل، وصار طريقاً وسبباً لدوام الحياة.
وجاءت هذه الآية من الطباق لما فيها من التضاد في العاقبة بلحاظ التباين في ذات الفعل، لدلالة اللازم على الملزوم، والمعلول على علته، كما يقال: النهار موجود فالشمس طالعة، فإن الله عز وجل يتوب على من تاب من الكفار.
ليكون في قوله(أو يتوب عليه) أمور :
الأول: الدعوة والندب إلى التوبة.
الثاني: الترغيب بالتوبة وبيان الحاجة إليها ,ولزوم الكف عن المعاصي والذنوب.
الثالث: إنه مناسبة ليصغي الكفار إلى آيات القرآن.
الرابع: حث الناس على الإستماع إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتدبر بما فيهما من الحكمة .
وهو من الإعجاز في مجيء الآية ببيان النتيجة والعاقبة , لتكون التوبة طرداً لليأس والشك من النفوس، وفيه وعد كريم للتائبين.
قانون”الآية مرآة للدنيا وللآخرة’’
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا آية مركبة ومتعددة من بديع صنعه، فكل ما فيها من الأنظمة والقوانين إعجاز في الخلق لا يقدر عليه إلا هو سبحانه وهي بذاتها، وبتداخلها وإتصالها مع غيرها دعوة إلى الله عز وجل، لتكون كل آية حجة على الناس، ورحمة متجددة لهم إلى يوم القيامة، وإلى جانب الآيات التكوينية جاءت آيات التنزيل لتطرد الغفلة وتذكر بلزوم الإلتفات إلى تلك الآيات، وتكون هي الأخرى دعوة إلى الله عز وجل، ومنها هذه الآية التي تبين عظيم سلطان الله عز وجل وعلمه بأفعال العباد، إن الأمر كله بيد الله وليس للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيه شيء، وهو من مصاديق قوله تعالى[قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ] ( ).
وجاءت هذه الآية لتبين حقيقة وهي أن الدنيا مرآة وترجمة متقدمة زماناً لعالم الآخرة، لما فيها من الإخبار عن إنعدام المنزلة بين المنزلتين، ونفي الوسط بين الأمرين، في منازل الناس يوم القيامة، فليس من برزخ بين الجنة والنار يمكث فيه الناس أو شطر منهم، لذا جاءت الآية بأمرين بينهما تناف وتضاد، فأما التوبة بفضل من الله، وأما العذاب، لتكون التوبة مرآة للفوز بالجنة والنعيم، والعذاب حال الذي يدخل النار من الناس يوم القيامة.
وكما أن الدنيا مرآة للآخرة، فإن هذه الآية مرآة للدنيا ودعوة لإصلاح اللسان والفعل، وإجتناب الكفر والمعصية وقبائح الأفعال وهي دعوة للسعي الحثيث لدخول الجنة، والسلامة من حر النار، ويحتمل تقديم التوبة على التعذيب الآية وجهين:
الأول: تقديم دخول المؤمنين الجنة، قبل دخول الكفار النار زماناً، ومكاناً، أي أن الجنة أقرب إلى أهل الحشر من النار وأنه من عمومات قوله تعالى[إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ] ( ).
الثاني: يتم الحساب يوم القيامة التقادم الزماني للناس في الحياة الدنيا ومغادرتهم لها، الجواب لا تعارض بين الوجهين ويمكن أن يكون الأول في طول الثاني وليس في عرضه، ولكن لا دليل على تقدم دخول عموم أهل الجنة لها، قبل أن يلقى الكفار في النار، وهذا التقدم خلاف ظاهر النصوص الخاصة بالمحشر والحساب والجزاء.
ومع هذا فإن تقديم التوبة في الآية مرآة لتقدم وفضل المسلمين وما لهم من المنزلة في الحياة الدنيا، وما يفوز به الذين يرتقون إلى مراتب التوبة وإن كانوا أشد الناس عداوة للنبوة والإسلام، وهو من الشواهد على أن هذه الآية مرآة لعالم الآخرة إنطباقاً وملائمة أحكامها لأفراد الزمان الطولية منذ أيام أبينا آدم وإلى يوم القيامة، وكان آدم عليه السلام أول وسيد التوابين قال تعالى[فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ] ( )، لتكون توبته ترغيباً بالتوبة، وبرزخاً دون التردد فيها، والإصرار على ركوب المعصية أو البقاء في منازل الكفر والضلالة.
ويشمل التقسيم المذكور في هذه الآية الناس جميعاً من الأمم السالفة واللاحقة، وفيه جذبة للتدبر في قصص القرآن، وعالم العواقب ومن عمومات قوله تعالى[نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ]( )، أي أن أحسن القصص تتجلى بعمومات الوحي، ومطلق الآيات والتدبر فيها ومنه سياق الآيات، والصلة والتداخل بينها والذي أسسناه في تفسيرنا، يستنبط منه 38881460 مسألة وعلماً ليس من حد لأفراده كماً وموضوعاً ودلالة في ثروة علمية لم يشهد لها التأريخ مثيلاً.
قانون”عدم ترك الناس وشأنهم’’
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار إمتحان وإبتلاء وإختبار مع فضل منه تعالى في إعانة الناس جميعاً على التوفيق والنجاح في إمتحانات الدنيا، ومن أهم مصاديق الإعانة بعث الأنبياء وإنزال الكتب السماوية، وأفضلها وأتمها وأطولها بقاء وأكثرها نفعاً وأظهرها أثراً بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونزول القرآن عليه من عند الله، وتلك آية بينة للناس ومن يتردد في قبولها في الأزمنة السابقة فإن الأزمنة اللاحقة كفيلة بجلائها ووضوحها، وقطع الإختلاف فيها، وفيه مسائل:
الأولى: إنها حجة إضافية على الناس وتخفيف عنهم.
الثانية: فيها إعجاز مستحدث في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم والقرآن.
الثالثة: كل آن وزمان شاهد على صدق نزول القرآن من عند الله.
الرابعة: أفراد الزمان الطولية دعوة متجددة للناس للعمل بأحكام القرآن، ومناسبة كريمة لإنتشار الإسلام قال تعالى[إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا] ( ). وهل يكون أهل آخر الزمان أفضل ممن سبقهم لتجلي آيات الصدق في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم للعيان والوجدان الجواب إن الله ذو الفضل العظيم، وهو الذي زيّن الإيمان للناس، ورغبهم في العبادات وقربّهم إلى منازل العبادة بالحجة والبرهان، وبذا فإن الناس لم يتركوا وحالهم، ولم يدخلوا إمتحانات الدنيا إلا واللطف الإلهي يحيط بهم بالذات والعرض، فجعل الله عز وجل العقل عند الإنسان للتمييز بين الحق والباطل، والوقاية من غلبة الطبع والنفس الشهوية. وجعل الله عز وجل النفس الإنسانية تميل بفطرتها لما هو حسن كالعدل والإحسان والصلاح، وتنفى من القبيح والمنكر، ومن أهم مصاديقه الكفر والضلالة والجحود فجاءت الآية بأمور: الأول: قبح البقاء على الكفر، لأنه خلاف الفطرة، وعناد في ملك الله، وجحود بنعمه الخاصة والعامة. الثاني: سوء عاقبة البقاء على الكفر. الثالث: ضرورة التوبة والكف عن المعاصي. الرابع: كل كافر هو ظالم يستحق العقاب الأليم، وبيان الآية لهذه الأمور منطوقاً ومفهوماً رحمة بالناس، ووسيلة لنجاتهم وسلامتهم في النشأتين، وهو من مصاديق قانون عدم ترك الناس وشأنهم، إذ تحيط الرحمة بالناس في كل ميادين الحياة، لجذبهم للإيمان وحجبهم عن المعاصي، وتتجلى في قوله تعالى[وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ]( )، إذ أمر الله عز وجل السوء ان يبتعد وينصرف عن يوسف فتصبح سالبة بانتفاء الموضوع وتموت الرغبة في الحرام ، موضوعية البرهان وفضل الله عز وجل على الناس بحضور الزاجر السماوي عن المعصية ومن الناس من لا ينتفع من هذا البرهان فيقع في المعصية، وفي الآية محل البحث برهان من جهات: الأولى: مقاليد الأمور بيد الله عز وجل، فإذا كان سيد الأنبياء والرسل ليس له من الأمر شيء، في عاقبة الكفار والبطش بهم فإن قلت أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يقود الجيوش، ويأمر بقتل بعض الكفار، والجواب إن هذه الأفعال لا تتعارض مع منطوق الآية وقوله تعالى[لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ]، لأنها جزء من الوحي فهي من عند الله عز وجل وليس للنبي ردها . فمن باب الأولوية أن غيره من الأنبياء والصالحين وعموم الناس ليس لهم شيء في عواقب الناس وما ينتظرهم من الحساب. ومن مفاهيم الآية أعلاه منع الغلو بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهذا المنع وإنفراد المسلمين بعدم الغلو بنبيهم من الشواهد على أنهم [خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ). الثانية: بيان الحاجة إلى التوبة والصلاح. الثالثة: الحسن الذاتي للتوبة والتنزه عن مفاهيم الكفر والضلالة. الرابعة: الملازمة بين الكفر والعذاب. الخامسة: الإطلاق في الوعيد بالعذاب الوارد في الآية الكريمة، فلم تقيد الآية العذاب بعالم الآخرة، والإقامة في النار. السادسة: الكفر ظلم، والظلم قبيح. السابعة: ليس من برزخ وحاجز دون نجاة التائبين من العذاب وأسبابه، إذ جاءت هذه الآية بالبشارة بتوبة وعفو الله عز وجل عن الذين يقلعون عن المعاصي، ويحتمل الوعيد بالعذاب الوارد في الآية وجوهاً: الأول: إنه رحمة وخير محض. الثاني: إنه عذاب للكفار الذين يصرون على الكفر. الثالث: المعنى الأعم، وهو رحمة وعذاب في آن واحد. الرابع: فيه رحمة بالمسلمين، وعذاب الكافرين. الخامس: الآية رحمة بالمسلمين والكافرين، وعذاب للكافرين خاصة. والصحيح هو الخامس، وتنمي الآية ملكة الإيمان في نفوس المسلمين، وتكون مانعاً من الإفتتان بالكفار وما عندهم من المال والجاه، وهي دعوة للكفار لدخول الإسلام، وتعاهد ما عندهم من النعم بالتوبة والإنابة، والكف عن محاربة الإسلام. وفي الوقت الذي تبعث فيه الآية السكينة في نفوس المسلمين، فإنها تلقي الفزع والخوف في قلوب الكفار، وتجعلهم في حال من القلق والإرباك الذي يكون برزخاً دون مواجهة الإسلام والمسلمين، لتترى الآيات ومعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والتي تدعوهم للإسلام ويأتي البلاء في أموالهم وأنفسهم ليكون شاهداً ذاتياً على سوء إختيارهم الكفر، وإصرارهم على الجحود قال تعالى[مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ] ( ). وتحث الآية المسلمين لإنذار الناس، وتحذيرهم من الكفر والضلالة، وتدخل تلاوتها في مصاديق الإنذار هذا، فكل مرة يتلو المسلم بها هذه الآية إنذار وزجر الناس عن الكفر والتعدي على الإسلام، ليكون قانون(عدم ترك الناس وشأنهم) عاماً وشاملاً للمسلمين والناس جميعاً. فالمسلم يتعاهد الإسلام ويقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويتلو آيات القرآن لما فيه نفعه ونفع الناس وهو من بركة القرآن، والشواهد على النفع العظيم في كل آية من آياته، قال تعالى[أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى]( )، أي أنه لا يبقى مهملاً ولا يترك من غير بشارة وإنذار، بل يتوجه له الأمر والنهي، والخطابات التكليفية وفيها وجوه: الأول: تقريب العبد من منازل الطاعة. الثاني: تكون واقية من التمادي في المعصية. الثالث: فيها كشف وإزاحة للغشاوة التي على الأبصار. الرابع: إنها دعوة لنفي الجهالة وطرد العناد، ليكون الإنسان في أيام الدنيا كلها متلقياً للبشارة والإنذار. بحث بلاغي (حسن النسق) باب وضرب من ضروب البديع، وهو الإتيان بكلمات متتاليات بعضها معطوف على بعض، يتجلى الترابط والإتصال الموضوعي بينها، مع أن كل واحدة منها تستقل بمعنى مخصوص، ومنها هذه الآية إذ ذكرت توبة وعفو الله عز وجل عن فريق من الكفار، بقوله تعالى(أو يتوب عليهم). وجاءت الآية بصيغة العموم الإستغراقي الذي يدل عليه الضمير(هم) في عليهم، ولم يجر تقييد الإطلاق بذات اللفظ، فلم تقل الآية(أو يتوب على من يتوب منهم) ولكن التقييد تجلى بالجملة المعطوفة عليها، (أو يعذبهم) وتلك آية إعجازية في دلالات الآية القرآنية ولزوم التدبر في مضامينها وعدم الوقوف عند شطر منها، ليخرج بالتخصص الذين يصرون على الكفر. فمن خصائص الحياة الدنيا أنها دار إمتحان وإختبار وجاءت هذه الآية مصداقاً لحث الناس على التوبة، بلغة الترغيب والترهيب منطوقاً ومفهوماً، فإن الوعد بالتوبة بشارة ويدل في مفهومه على الترهيب والوعيد لمن يتخلف عن التوبة، ومنطوق العذاب للظالمين يدل في مفهومه على أمور: الأول: لزوم المبادرة إلى التوبة. الثاني: الإنتفاع الأمثل من هذه الآية وما فيها من الوعد الكريم. الثالث: تجدد الإنذارات بالعذاب للكافرين والظالمين. الرابع: إتخاذ الدنيا مزرعة للآخرة. الخامس: الإقتداء بالتائبين. السادس: عدم وجود برزخ بين العبد والتوبة. علم المناسبة لم يرد لفظ(أو يعذبهم) في القرآن إلا في هذه الآية الكريمة، مع أن لفظ(يعذبهم) ورد تسع مرات في القرآن، وتشترك كلها بأمور: الأول: الله عز وجل هو الذي يعذب الكفار، فلا يستطيع غيره أن يعذب العباد. الثاني: وقوع العذاب بالكفار. الثالث: نجاة المسلمين من العذاب وفي قوله تعالى[يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ] ( )، (قيل نزلت في اثني عشر رجلاً وقفوا على العقبة ليفتكوا برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) عند رجوعه من تبوك فأخبر جبريل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) بذلك و أمره أن يرسل إليهم و يضرب وجوه رواحلهم، و عمار كان يقود دابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) و حذيفة يسوقها فقال لحذيفة اضرب وجوه رواحلهم فضربها حتى نحاهم فلما نزل قال لحذيفة من عرفت من القوم قال لم أعرف منهم أحدا فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) إنه فلان و فلان حتى عدهم كلهم فقال حذيفة أ لا تبعث إليهم فتقتلهم فقال أكره أن تقول العرب لما ظفر بأصحابه أقبل يقتلهم عن ابن كيسان) ( ). والصلة بين الآية أعلاه والآية محل البحث العموم والخصوص المطلق من وجهين: الأول: ذكرت الآية الذين كفروا والذين يحاربون الإسلام، وجاءت الآية أعلاه بخصوص الذين يستكبرون عن عبادة الله عز وجل، والمعنى واحد إذ أن الكفر إستكبار عن عبادة الله وإمتناع عن الإقرار بالتوحيد. الثاني: ذكرت هذه الآية عذاب الكفار، أما الآية أعلاه فذكرت العذاب ووصفته وأنه أليم. ويبين قوله تعالى[قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمْ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ] ( )، مسائل: الأولى: إن العذاب الذي ينزل بالكفار هو من عند الله، وإن كان المسلمون هم الذين يقاتلونهم. الثانية: فيه شاهد على أن إستعمال السيف لقتال الكفار حاجة. الثالثة: الجهاد وخوض المؤمنين للقتال أمر من عند الله ، ولم يأت إلا بعد مرحلة ومدة الإنذار والتوبة لقوله تعالى(أو يتوب عليهم). الرابعة: فيه حجة على الناس، وشاهد بأن السيف لم يتخذ آلة إلا بعد الوعظ والإنذار والدعوة إلى التوبة، ومن أجل تهذيب النفوس وإصلاح المجتمعات. الخامسة: هداية الأجيال اللاحقة بتوارثها الإيمان وليس الكفر، وقال تعالى[فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُنْ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمْ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ]( ). وجاء الإنذار بالعذاب ونزوله بعد الترغيب بالتوبة، والإخبار عن الأمن والسكينة معها. وقيل نزلت الآية أعلاه في المنافقين الذين كانوا يؤذون النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم مما يدل على أن التوبة باب مفتوح للناس جميعاً، وإن كان عذاب الكافرين يأتي عاجلاً بينما يتجدد الإنذار للمنافقين بلغة التوبيخ وبيان قبح النفاق، وفضح أفعالهم بالتنزيل وعلى لسان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وفي أسباب نزول الآية أعلاه ذكر( أن النبي خطب ذات يوم بتبوك و ذكر المنافقين فسماهم رجسا وعابهم فقال الجلاس و الله لئن كان محمد صادقا فيما يقول فنحن شر من الحمير فسمعه عامر بن قيس فقال أجل و الله إن محمدا لصادق و أنتم شر من الحمير فلما انصرف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) إلى المدينة أتاه عامر بن قيس فأخبره بما قال الجلاس فقال الجلاس كذب يا رسول الله فأمرهما رسول الله أن يحلفا عند المنبر فقام الجلاس عند المنبر فحلف بالله ما قال ثم قام عامر فحلف بالله لقد قاله ثم قال اللهم أنزل على نبيك الصادق منا الصدق فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) و المؤمنون آمين فنزل جبرائيل (عليه السلام) قبل أن يتفرقا بهذه الآية حتى بلغ (فإن يتوبوا يك خيرا لهم). فقام الجلاس فقال يا رسول الله اسمع الله قد عرض علي التوبة صدق عامر بن قيس فيما قال لك لقد قلته و أنا أستغفر الله و أتوب إليه فقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) ذلك منه) ( ). وورد لفظ(يعذبه) بصيغة المفرد ثلاث مرات، والفاعل فيها هو الله عز وجل، ويتعلق العذاب بالكافر الذي يعرض عن دعوة الحق، ويصر على الباطل والكفر، والعذاب ضد الرحمة قال تعالى[يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ] ( ). وجاءت الآية محل البحث رحمة من عند الله عز وجل لما فيها من الدعوة إلى الفوز برحمة الله بنيل التوبة من عند الله عز وجل، والإنذار من العذاب الذي ينزل بالكفار فلا ملازمة بين التلبس بالكفر أوان سماع الآية وبين نزول العذاب بهم، فقد ينتفع الكافر من الإنذار الوارد في هذه الآية ويتوب إلى الله، لتبقى هذه الآية شاهداً متجدداً على رحمة الله بالناس جميعاً، وإنتفاع بعض الكفار منها حجة على الذين يصرون على البقاء في منازل الكفر. وقد جاء قوله تعالى في عذاب الكفار وإستثنائهم من التوبة والعفو[وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا] ( )، فهل المراد من قوله تعالى(أو يعذبهم) العذاب الأخروي أم المعنى الأعم، الجواب هو الثاني، ومنه العذاب بواسطة الملائكة قال تعالى[فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ]( )، وتكون ضروب العذاب في الدنيا مناسبة للتدبر والتفكر، ومقدمة قهرية للتوبة والإنابة. بحث بلاغي من وجوه البديع(الجمع والتقسيم) وهو ورود أفراد تحت موضوع أو حكم واحد، ثم تقسيمه، وأُستدل عليه بقوله تعالى[ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ]( )، ولكن مصاديقه في القرآن أكثر من أن تحصى، ومنه هذه الآية الكريمة، فقد ذكرت الآية أعداء الإسلام، والذين يحاربون المسلمين، وأن أمرهم بيد الله عز وجل ثم بين الله عز وجل حكم الله عز وجل بهم على نحو التقسيم الموضوعي، وتبعية الحكم للموضوع، إذ جاءت الآية ببيان الحكم المتباين ليدل على التباين في الموضوع، لأنه من عمومات العلة والمعلول، وقانون السببية. فمن دخل الإسلام، وأصلح حاله فإن الله عز وجل يغفر له ما تقدم من ذنوبه، ومن تخلف في منازل الكفر بعد هذا الوعد الكريم ينزل به العذاب الأليم لأنه ظالم لنفسه بكفره وتفويته وتضييعه لهذه النعمة العظيمة، وفيه بيان وتفسير لأول الآية وقوله تعالى(ليس لك من الأمر شيء) وتوكيد بأن حكم الله حق وعدل وشامل لجميع الأفراد، وهو من تطبيق الكلي المتباين على مصاديق أطرافه من غير تداخل أو خلط بينها , وشاهد على الحكمة والدقة في الحكم الإلهي. قانون”الإنذار سلاح’’ تتضمن هذه الآية الكريمة إنذار الكفار بالعذاب الأليم إذا بقوا في منازل الكفر وأصروا على الظلم لأنفسهم والتعدي على الإسلام، ومحاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، وكان المسلمون في بداية البعثة الإسلامية وعند معارك الإسلام الأولى قليلي العدة والسلاح، فمثلاً ليس عندهم في معركة بدر إلا فرسين بينما جاءت قريش ( ومعها مائة فرس، وعلى خيل المشركين يومئذ خالد بن الوليد ولواؤه مع عثمان بن طلحة، ولم يكن مع المسلمين فرس واحدة)( )، وعدد أفراد جيشها ثلاثة أضعاف عدد المسلمين، وزادت عليها النسبة في معركة أحد خصوصاً بعد إنخزال نحو ثلث جيش المسلمين في الطريق إلى المعركة بتحريض رأس النفاق عبد الله بن أبي بن أبي سلول لهم على الإنسحاب، وعدم القتال. فجاءت هذه الآية الكريمة سلاحاً مصاحباً للمسلمين في سوح المعارك وحال السلم والحضر، وتلك آية يختص بها المسلمون وهي من عمومات قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ). ومن اللطف الإلهي إستدامة بقاء الإسلام قوياً، والكفار عاجزين عن تحريف التنزيل أو تعطيل بعض أحكام الشريعة، فمن خصائص الإنذار تعدد وظائفه، وهي على وجوه: الأول: معرفة الناس بالعالم الآخر ووقوفهم بين يدي الله للحساب. الثاني: إدراك الكفار لما ينتظرهم من العذاب. الثالث: إمتناع الكفار عن كثرة المناجاة في التعدي على المسلمين. الرابع: شفاء صدور المسلمين لما ينتظر عدوهم من العذاب. الخامس: زيادة عدد المسلمين ونقص عدد الكفار بدخولهم الإسلام هرباً من الإنذار ومصاديقه العملية، فذات الإنذار الوارد في هذه الآية عذاب مستديم للكفار، ليمتاز القرآن بخصوصية ينفرد بها من بين الكتب السماوية وهي بالإنذار الذي يتصف بأمور: الأول: وصول الإنذار القرآني إلى الكفار على نحو متجدد بتلاوة المسلمين له، وجاءت السنة النبوية الشريفة والسيرة بإبلاغ الكفار هذا الإنذار من جهات: الأولى: في سوح القتال وقبل بداية المعركة. الثانية: في حال الجدال والإحتجاج بين المسلمين والكفار. الثالثة: أثناء الصلاة والعبادة، فينصت الكافر للمسلم أثناء صلاته ووقوفه بين يدي الله، وإذا هو يوجه سهام الإنذار إليه، ويدعوه إلى ترك منازل الكفر وإن كان يقصد في التلاوة القرآنية والواجب العبادي ليكون الكفر قاصراً عن مزاحمة الإسلام في النفوس والمجتمعات، فالمسلم يؤدي وظائفه بسكينة وغبطة، بينما يمتلك الكافر الفزع والخوف. الرابعة: عند تلاوة المسلمين لآيات القرآن خارج الصلاة. الخامسة: في الأحاديث الخاصة بين الكفار، فإذا إطمئن بعضهم إلى بعض أظهروا الذم للحال التي هم عليها، وتغرير رؤساء الضلالة لهم، وذكروا الإنذارات الواردة في التنزيل، فقد يجادل الكفار المسلمين ويظهرون إصرارهم على الكفر، ولكنهم لا يترددون في مجالسهم الخاصة عن بيان القبح الذاتي للكفر، قال تعالى[وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ]( ). السادسة: تجلي العز والسكينة على المسلمين بما هم مسلمين، وظهور مفاهيم الأخوة والنصرة بينهم، وفي الآيات في بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قيامه بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار والتي بقت آثارها ووشائجها ظاهرة بينهم، وهي شاهد على إعتزاز وإفتخار الصحابة بها، وتقيدهم بمضامينها. ( قَالَ ابن إسْحَاقَ : وَآخَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ ، وَالْأَنْصَارِ ، فَقَالَ – فِيمَا بَلَغَنَا ، وَنَعُوذُ بِاَللّهِ أَنْ نَقُولَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يُقَلْ – : تَآخَوْا فِي اللّهِ أَخَوَيْنِ أَخَوَيْنِ ثُمّ أَخَذَ بِيَدِ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، فَقَالَ هَذَا أَخِي فَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سَيّدَ الْمُرْسَلِينَ وَإِمَامَ الْمُتّقِينَ وَرَسُولَ رَبّ الْعَالَمِينَ الّذِي لَيْسَ لَهُ خَطِيرٌ وَلَا نَظِيرٌ مِنْ الْعِبَادِ وَعَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَخَوَيْنِ وَكَانَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ ، أَسَدُ اللّهِ وَأَسَدُ رَسُولِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَعَمّ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ ، مَوْلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَخَوَيْنِ وَإِلَيْهِ أَوْصَى حَمْزَةُ يَوْمَ أُحُدٍ حَيْنَ حَضَرَهُ الْقِتَالُ إنْ حَدَثَ بِهِ حَادِثُ الْمَوْتِ. كما آخى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين أبي بكر الصديق وخارجة بن زهير من الخزرج، وبين عمر بن الخطاب وعتبان بن مالك من الخزرج , وبين أبو عبيدة بن عبد الله بن الجراح وسعد بن معاذ، وبين عبدالرحمن بن عوف وسعد بن الربيع من الخرزج، وبين الزبير بن العوام وسلامة بن سلامة , وبين سلمان الفارسي وأبي الدرداء، وبين بلال مؤذن رسول الله وأبي رويحة . فَلَمّا دَوّنَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ الدّوَاوِينَ بِالشّامِ ، وَكَانَ بِلَالٌ قَدْ خَرَجَ إلَى الشّامِ ، فَأَقَامَ بِهَا مُجَاهِدًا ، فَقَالَ عُمَرُ لِبِلَالٍ : إلَى مَنْ تَجْعَلُ دِيوَانَك يَا بِلَالُ ؟ قَالَ مَعَ أَبِي رُوَيْحَةَ لَا أُفَارِقُهُ أَبَدًا ، لِلْأُخُوّةِ الّتِي كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَقَدَ بَيْنَهُ وَبَيْنِي ، فَضَمّ إلَيْهِ وَضُمّ دِيوَانُ الْحَبَشَةِ إلَى خَثْعَمَ ، لِمَكَانِ بِلَالٍ مِنْهُمْ فَهُوَ فِي خَثْعَمَ إلَى هَذَا الْيَوْمِ بِالشّامِ( ). الثاني: إقتران الإنذار القرآني بالترغيب بالتوبة، والندب إليها، وبيان حقيقة وهي عدم وجود حواجز وقيود للتوبة. الثالث: لغة التخويف والتحذير التي تصاحب الإنذار القرآني. الرابع: عدم طرو التحريف على صيغ الإنذار القرآني لسلامة آيات القرآن مطلقاً من التحريف. الخامس: مجيؤه بلغة القطع والبيان والنص، وخلوه من الإجمال والترديد. السادس: صدور الإنذار من عند الله عز وجل، وفيه غاية الوعيد والتخويف والتحذير. السابع: تعدد صيغ وأفراد الإنذار القرآني، ومن الإعجاز في نزول القرآن أن السور المكية التي نزلت في بداية الدعوة الإسلامية جاءت بلغة الإنذار والوعيد. الثامن: مجيء القرآن بقصص الأمم السابقة، وما فيها من الموعظة والإعتبار، والدعوة لإجتناب الكفر والضلالة قال تعالى[كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ]( )، فنزل بهم العذاب لتكذيبهم بالنبي صالح ومعجزة الناقة التي جاء بها، وهي معجزة توليدية تتجدد كل يوم في سقيا الناقة , وكثرة حليبها الذي يكفيهم جميعاً، وتحذير صالح عليه السلام من عقرها. التاسع: من أسماء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم النذير قال تعالى[إِنْ أَنْتَ إِلاَّ نَذِيرٌ] ( )، وليس من حصر للإنذارات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في آيات القرآن التي نزل بها جبرئيل على صدره من عند الله، والسنة النبوية القولية والعملية والتقريرية والتدوينية . ومن الإنذارات هذه الآية والآية الكريمة التالية ، وما فيها من الإخبار عن العذاب للكفار بقوله تعالى(يعذب من يشاء) , وحتى قوله تعالى[لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ]( )، يدل في مفهومه على إنذار الكفار من الطغيان والإستكبار والإغترار بالدنيا، ومن الآيات في الإنذارات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجوه: الأول: إنها من معجزات من معجزاته الحسية والعقلية. الثاني: تجدد تلك الإنذارات في كل زمان، ووصولها للناس جميعاً. الثالث: هذه الإنذارات حجة على الناس. الرابع: إنتفاع المسلمين والناس عامة من الإنذارات التي جاءت في القرآن والسنة. الخامسة: لغة البيان والوضوح فيها. السادسة: شمولها للعوالم المختلفة، فتشمل أيام الحياة الدنيا والبرزخ والآخرة. وتدل لغة الإنذار القرآنية على سعة حلم الله عز وجل، وعظيم سلطانه وأنه لا يفوته أهل المعاصي، ولا بد أن يقفوا بين يديه للحساب وأن يتحقق عذابهم، وفيه إنذار إضافي للناس، لتكون إنذارات القرآن توليدية تتفرع عنها إنذارات كثيرة تكون عوناً للناس وسلاحاً سماوياً لتقريبهم إلى منازل التوبة والهداية. ويمكن إعتبار الحياة الدنيا(دار الإنذار) لما فيها من الإنذارات المتعددة والتي تأتي بالتنزيل وعلى لسان الأنبياء، وفي الحوادث والوقائع التي تواجه الإنسان. قوله تعالى[فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ] أختتمت الآية بإعجاز كلامي بنعت الكفار بالظلم، وتوكيد حقيقة وهي أنهم جلبوا العذاب على أنفسهم ببقائهم على الظلم والتعدي، وفيه تنزيه لمقام الربوبية , وأن الله سبحانه لا يعذب الفرد والجماعة إلا بما كسبت أيديهم، وجاءت خاتمة الآية السابقة بذمهم أيضاً(فينقلبوا خائبين). أما هذه الآية فجاءت بذكر علة نزول العذاب بهم، وهل منه إنقلابهم خائبين في المعارك التي يخوضونها مع المسلمين، أم المقصود من العذاب هو العذاب الأخروي في النار، الجواب هو المعنى الأعم. فصحيح أن الآية وردت بالإنذار والوعيد بالعذاب يوم القيامة للكفار إلا أن معناها أعم وأوسع من جهة أفراد الزمان والعوالم الطولية، لتكون مضامين هذه الآية أعم من الآية السابقة وتشمل حال الحرب والسلم، وأيام البعثة النبوية وما بعدها إلى يوم القيامة فهي إنذار متجدد للكفار. ومن الإعجاز في المقام ما ورد في أول الآية(ليس لك من الأمر شيء) فالله عز وجل هو الحي الباقي وهو الذي يتوب على من تاب منهم، ويعذب الذي يصر على البقاء على الكفر والضلالة، ويحتمل متعلق قوله تعالى(فإنهم ظالمون) وجوهاً: الأول: إنه خاص بقوله تعالى(أو يعذبهم). الثاني: إنه شامل لقوله تعالى(أو يتوب عليهم أو يعذبهم) وتقدير الآية أو يتوب عليهم فهم ظالمون، أو يعذبهم فهم ظالمون. الثالث: تعلق الخاتمة بمضامين الآية، وتقدير صلة الخاتمة بأول الآية هو ليس لك من الأمر شيء فهم ظالمون، وظاهر الآية تعلق الخاتمة بما قبلها مباشرة وإرادة نزول العذاب بالكفار لظلمهم، وتخلفهم عن مراتب التوبة، ولكن الآية أعم، فبينما ذكرت الآيات القرآنية المسلمين بالمدح والثناء وتوجهت الأوامر إليهم بأداء الفرائض والعبادات ووجوب طاعة الله ورسوله، جاءت هذه الآية بالإنذار والوعيد للكفار بأن العذاب يحل بهم في الدنيا والآخرة إن لم يبادروا إلى التوبة والإنابة. وهل من التعذيب مباغتة الكافر بالموت الجواب نعم، فيغلق عليه باب التوبة لأن الآخرة دار حساب بلا عمل، وما دام كل إنسان معرض إلى الموت في أي ساعة من أيام حياته، فعليه المبادرة إلى التوبة، وعدم التسويف والإبطاء فيها. فمن إعجاز القرآن موافقة خاتمة الآية لمضامين وكلمات الآية القرآنية وإن كانت في مواضيع متعددة، وترجيح إختصاصها وتعلقها بالفرد الأخير منها لم يمنع من تعلقها بما قبله. وإبتدأت هذه الآية بالخطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبصيغة النفي والتي تدل على الولاية والمدد من عند الله للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فكلما نزل الملائكة لنصرته يوم بدر وأحد والخندق تفضل الله عز وجل بهذه الآية مدداً له وللمسلمين في كل الأحوال ومع تعاقب الأزمنة، وتحتمل خاتمة الآية جهتين: الأولى: إرادة لغة الخطاب، وإخبار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأمور: الأول: إن الله عز وجل يتوب ويعفو على من يتوب على الكفار. الثاني: يعذب الله الذين يصرون على البقاء على الكفر. الثالث: نعت الكفار بالظالمين. الثانية: وصف الكفار الذين ينزل بهم العذاب الإلهي بأنهم ظالمون، ولا تعارض بين الجهتين، وكل فرد منها آية إعجازية في مضامين القرآن، ومفتاح لعلوم عديدة، وسر من أسرار إحاطة القرآن بالوقائع والأحداث إلى يوم القيامة، وحسب الجهة الأولى أعلاه يكون المعنى على وجوه: الأول: مواساة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين لما يلقونه من أذى وتعدي الكفار وزحفهم على المسلمين في أمصارهم وقراهم، وإظهارهم العناد والإعراض عن دعوة الحق. الثاني: بعث السكينة في نفوس المسلمين والبشارة بالنصر للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى[لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ] ( ). الثالث: إتحاد لغة الخطاب في الآية ومجيؤها خطاباً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم. الرابع: إكرام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والثناء عليه في محاربته الكفار، ودعوته الناس للإسلام. الخامس: الإعجاز في بشارات الإسلام. وأما على الجهة الثانية، ففيه وجوه: الأول: إنذار الكفار. الثاني: بيان قانون ثابت وهو كل كافر ظالم. الثالث: تحذير المسلمين من الكفار وظلمهم وتعديهم على الحرمات. الرابع: إستحقاق الكفار نزول العذاب بهم لظلمهم، وهل الظلم من الكلي المتواطئ الذي يكون على مراتب متساوية شدة وضعفاً، أم أنه من الكلي المشكك الذي هو على مراتب متفاوتة ومتباينة الجواب هو الثاني، وأشد أنواع الظلم هو الكفر والجحود بالربوبية لذا ورد قوله تعالى[إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ] ( )، وجاءت الآية بصيغة الجمع(فانهم ظالمون) لوجوه: الأول: لحاظ نظم الآية وما فيها من صيغة الجمع. الثاني: الآية إنحلالية، والمراد المعنى المتعدد للظلم، وهو على وجوه: الأول: كل فرد من الكفار ظالم. الثاني: الكفار ظالمون فاجتماعهم على الباطل إغواء له للإقامة على الكفر. الثالث: مناجاة الكفار بينهم في إتيان الظلم ومصاديق الخارجية قال تعالى في ذمهم[وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ]( ). الرابع: ظلم الكفار لانفسهم مجتمعين ومتفرقين. الخامس: ظلم الكفار للناس جميعاً. السادس: سعي الكفار للإضرار بالمسلمين، وقيامهم بالهجوم عليهم. السابع: قيام الكفار بإنكار معجزات النبوة مع أنها ظاهرة للحواس والوجدان. الثامن: تعطيل الكفار لوظيفة العقل في إدراك وجوب عبادة الصانع، والتمييز بين الحق والباطل. التاسع: تلببس الكفار بالظلم على نحو مستمر ومستديم. الثالث: تحذير المسلمين من الكفار متحدين ومتفرقين. الرابع: بيان حقيقة، وهي أن إجتماع الكفار على الظلم أكثر ضرراً وأذى، ويستلزم من المسلمين إتخاذ الحيطة والحذر. الخامس: إستحقاق الكفار للعذاب لتعاونهم على الإثم والعدوان. السادس: بيان عظيم قدرة الله، وسلطانه، وأنه سبحانه قاهر للكفار والظالمين، وهو الذي يمنع تغشي الفساد في الأرض، قال تعالى[وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا] ( ). وصحيح أن الآية جاءت بخصوص الكفار إلا أنها تحذر الناس مطلقاً من الظلم وتدعو أبناء الكفار لعدم إقتفاء آثار آبائهم في الظلم والجحود، وتؤكد القبح الذاتي للظلم، والآثار التي تترتب على أهله الذين يظلمون أنفسهم ويقتدون على المؤمنين والناس جميعاً، ومن إعجاز الآية أنها لم تذكر الكفار بصفة الكفر، بل جاءت بالوعد للتائبين، والوعيد لمن يبقى في منازل الكفر، ونعتهم بأنهم ظالمون، ولكن الموضوع الكفر يتبين في نظم هذه الآيات من جهات: الأولى: مجيء الآيات السابقة بذكر وقائع معركة أحد، والمدد الإلهي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين فيها. الثانية: ذكر الآيات السابقة لنصر الله للمؤمنين. الثالثة: إخبار الآية السابقة عن هلاك طائفة من الكفار بقوله تعالى[لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا]، فقد ذكرت الآية السابقة الذين كفروا على نحو التعيين وأخبرت عما ينالهم من القطع والذل والخسارة. الرابعة: الإنذار الوارد بعد ثلاث آيات، وتخويف الكفار من النار ودعوتهم والناس جميعاً للتوقي منها قال تعالى[وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ] ( ). الخامسة: الترديد في الآية بين التوبة ونزول العذاب، فالتوبة ترك للكفر والمعاصي، ولا يأتي العذاب إلا عند الإصرار على ركوب المعاصي. نعت هذه الآية الكفار بأنهم ظالمون، وفي الظلم مسائل: الأولى: إنه من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة كما تقدم. الثانية: كثرة مواضيع وأفراد الظلم. الثالثة: تعدد جهات الظلم، أما الأولى فإن ظلم الكفار أشد أنواع الظلم التي يقترفها الإنسان في حياته، والكفر أسوء وأقبح وجوه الظلم، لذا جاءت الآية بالوعيد من عند الله بعذابهم، وأن الله عز وجل هو الذي يقوم بعذابهم لقوله تعالى(أو يعذبهم) فمع أن الله عز وجل هو الرؤوف الرحيم، فإنه سبحانه يدخل الكفار النار لإصرارهم على الكفر وتلبسهم بالظلم والعتو، وأما الثانية فليس من حصر لأفراد الظلم التي تترشح عن الكفر، فمع أن الكفر بذاته ظلم عظيم فإن الكافر يصدر منه القبيح من القول والعمل. ومن وجوه الظلم الإمتناع عن أداء الفرائض والمناسك، لأن هذا الإمتناع ليس أمراً عدمياً، بل هو جحود وعناد قال تعالى[إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ]( )، لذا يتجلى الإعجاز بقوله تعالى(أو يعذبهم فهم ظالمون) إذ تتعدد معاني الآية، ومفاهيم الظلم التي تترشح عن الكفر فلا يأتي العذاب على الكفر وحده، وإن كان علة تامة لنزول العذاب، ولكن الكفار يتمادون في الظلم والتعدي، ويحجبون عن أنفسهم أسباب التوبة، وقد يكون من أفراد والظلم ما إذا إجتمعت يحل معها العذاب في الحال ومن أهمها الكفر والظلم، فكل فرد منها يستحق العذاب، وجاءت هذه الآية بإجتماعهما معاً، ومن أفراد الظلم في المقام التخلف عن فرص التوبة، وعدم الإتعاظ من الشواهد والبراهين التي تدل على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم , ومنها في المقام وبلحاظ الآية السابقة أمور: الأول: نزول الملائكة لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم. الثاني: هلاك طائفة من الكفار لقوله تعالى[لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ] ( )، فإن قتل عدد من الكفار وأسر آخرين دعوة لمن بقي منهم للتخلي عن الكفر. الثالث: خزي الكفار ، وضربهم بالذل والهوان وفيه زجر عن الكفر، ودعوة لدخول الإسلام بلحاظ الملازمة بين الإيمان والعز من جهة، والكفر والذل من جهة أخرى. الرابع: عودة الكفار إلى أهليهم وديارهم خاسرين يظهر الإنكسار عليهم، ومن مصاديق الإنكسار بقاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حياً وتوالي نزول القرآن عليه، وعجز الكفار عن مواصلة القتال، فهم الذين بدأوا بالإنسحاب من ساحة المعركة يوم أحد. الخامس: مجيء هذه الآية بالحث على التوبة والإنابة والتدارك، إذ يزحف العذاب سريعاً نحو الكفار، وليس من ملجأ ينجيهم منه إلا التوبة والإنابة. وجاءت هذه الآية لتجعل هذا الزحف ظاهراً جلياً يراه الناس جميعاً، وبرهاناً مضافاً إلى البراهين المذكورة أعلاه، ودرساً للناس كافة ومنهم الذي تركهم الكفار من خلفهم، والذين أمدوهم بالأموال، وجهزوهم بالسلاح والمؤون لمحاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين والإجهاز على الإسلام. ومن خصائص صيغة الفعل المضارع (أو يعذبهم) الدعوة للتدارك والتوبة قبل نزول العذاب لتكون هذه الصيغة في المقام رحمة إضافية ضمن التخويف والوعيد بالعذاب، وكذا نعتهم بالظالمين فإنه زجر عن الظلم، وتقريب إلى التوبة والطاعة، لأن بيان قبح الظلم دعوة للتنزه عنه، لذا جاء تشريع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليعلم الناس ما في الظلم من الأضرار الخاصة والعامة، وما يجلبه على الإنسان من العذاب عقوبة. قانون”فهم ظالمون’’ جاءت الآية بصيغة الجملة الإسمية وما تدل عليه من ثبوت الموضوع، وتوكيد حقيقة وهي تلبس الكفار بالظلم، وفيه ذم إضافي لهم، لأن الظلم قبيح، وهو خلاف الفطرة، إذ خلق الله عز وجل الإنسان لعمارة الأرض بالعبادة، ونشر مفاهيم الصلاح وتلقي النبوة والتنزيل بالتصديق , والأوامر الإلهية بالإمتثال والإنصياع، ومن أشد الناس ظلماً الذين حاربوا سيد المرسلين محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وجهزوا الجيوش لقتاله ومن آمن برسالته. فجاءت هذه الآية لتتضمن مقاصد سامية من وجوه: الأول: الوعيد الصريح للكفار. الثاني: فيها بيان سماوي لسخط الله عز وجل عليهم. الثالث: الإنذار لهم وللناس جميعاً. الرابع: الدعوة للتنزه من الظلم والتعدي، والتخلص من الكفر الذي هو أصل الظلم. فمن الآيات في فلسفة الدعوة إلى الإسلام محو الظلم، وإزالة آثاره، توطئة لأداء الناس لعباداتهم، ونشراً لمفاهيم المودة والإحسان والرأفة بينهم وهو من إعجاز القرآن والشواهد على حاجة الناس جميعاً لنزوله، فهذه الآية القرآنية مدرسة مفتوحة ومتجددة في الصلاح ليس من حصر لتلاميذها وأعمار الداخلين فيها، فهي تشمل الناس جميعاً، وتدعوهم للأخوة والمحبة تحت لواء قوله تعالى[إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ] ( )، وتحثهم على نبذ الفرقة والشقاق، وهجران الجور والظلم، ولا يتحقق هذا الهجران إلا بالإيمان بالله ورسله وكتبه. ولم يكتف كفار قريش بالجحود والإعراض عن دعوة الحق بل سخره الجيوش الكبيرة وزحفوا بها لمحاربة الإسلام في بدايا الدعوة، وجاءت الآية بزجرهم ومن خلفهم وإلى يوم القيامة، إذ أن موضوع الآية أعم من أن ينحصر بأيام النبوة فما فيها من الوعد والوعيد والإنذار باق إلى يوم القيامة يتجدد مع آنات الزمان المتعاقبة وهو من أسرار بقاء القرآن غضاً طرياً على نحو مستديم ويتجلى هذا البقاء بأمور : الأول : تلاوة المسلمين لهذه الآية . الثاني : قيام العلماء بتفسيرها وبيانها وتأويلها. الثالث : التذكير بقبح فعل قريش، وسوء مكرهم وكيدهم للإسلام، وعجزهم وأهل الفسق والضلالة عن محو الإسلام، وحجب إشراقات ضياء مبادئه التي جذبت قلوب الناس . الرابع : أثر الآية في جعل الناس يميلون لما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهو أمر فطري متعلق بأصل نفخ الله الروح في آدم عليه السلام أي أن القرآن جاء ليجدد مضامين نفخ الروح في آدم بتلاوة آياته، ويرسخ مفاهيم التوحيد في الأرض بعمل المسلمين بما فيه من أحكام الحلال والحرام، والإجتهاد في الجهاد في سبيل الله عز وجل. وهل تلاوة هذه الآية من الجهاد ؟ الجواب نعم، لذا فإن الثواب الذي يأتي للمسلم بتلاوتها أو الإنصات لها عظيم، ولايقدر عليه إلا الله تعالى، سواء كانت التلاوة في الصلاة أو غيرها، وفيها تثبيت لقانون(فإنهم ظالمون) وما يترشح عنه من أحكام ومفاهيم ولا يعني هذا إباحة دمائهم وأموالهم من رأس لذا إبتدأت الآية بقوله تعالى(ليس لك من الأمر شيء) وفيها حجة ودعوة للمسلمين بعدم الإلحاح على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالإجهاز على الكفار وإبادتهم، ودلالة على لزوم الصبر والمرابطة وهو من عمومات رحمة الله بالناس جميعاً. ثم ذكرت الآية إحتمال توبة الكفار وتوبة الله عليهم، وعدم غلق باب التوبة والإنابة عليهم وإن قاموا بالبطش والتعدي على المسلمين. وفي الجمع بين مضامين الآية دلالة على عدم التعارض بين الجهاد والصبر وإمهال الكفار لإمكان التوبة مع إحتمال نزول العذاب بهم في أي وقت سواء بنزوله من عند الله أو بواسطة المسلمين، أو بالفتنة والخلاف بين الكفار أنفسهم، أو بآفة من السماء أو الأرض. لقد أراد الله عز وجل بهذه الآية توكيد ظلم الكفار لأنفسهم، وفيه مانع من الجدال والإحتجاج منهم، فقد يرى بعض الكفار أنه بجانب الحق وأنه ليس بظالم لنفسه وغيره ويفتتن به أو يصعب رده، فجاءت هذه الآية لفضحه وتبقى واقية سماوية من الإفتتان بالكفار وشأنهم وأقوالهم وحجبهم. وهذه الآية الكريمة حرب على أولئك الذين يكذبون بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأن صبغة الظلم ملازمة لهم، وشاهد عليهم بالكذب والتعدي. بحث فلسفي تنقسم المعقولات إلى قسمين: الأول: الموجودة، والمدركة بالعقل أو الحس. الثاني: المعدومة التي ليس لها وجود إلا في التصور الذهني. والموجود أشرف من المعدوم، وينقسم الموجود إلى نام وجماد، والنامي أرقى رتبة من الجماد، وينقسم النامي إلى ذي الحس، وعديم الحس، وينقسم ذو الحس إلى قسمين: الأول: العاقل. الثاني:فاقد العقل. وفاز الإنسان بالعقل وتجلت منافعه من أول ساعة خلق الله آدم إذ تلقى الأسماء التي علّمه الله عز وجل بالقبول وقام بتعليمها للملائكة، قال تعالى[قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ] ( )، لتترشح عن نعمة العقل نعمة التعلم والكسب والتحصيل، وكيفية تعاهد الخلافة في الأرض. والخلافة في الأرض من عمومات قوله تعالى [لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ] فكل الموجودات في ملك لله عز وجل، وكذا عالم الإعتباريات , وجاء تعليم الله لآدم الأسماء لبيان قانون (الإتقان) إذ يتصف كل خلق وفعل من الله عز وجل بالإبداع والإتقان وكما انه سبحانه له ملك السماوات والأرض فانه خالقهما لا عن مثال سابق وفي قوله تعالى[الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ] ( )، وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن جرير وابن الأنباري في الوقف والابتداء عن ابن عباس قال : كنت لا أدري ما فاطر السموات والأرض حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر ، فقال ، أحدهما : أنا فطرتها . يقول : أنا ابتدأتها( ). وينقسم العاقل إلى قسمين: الأول: العالم. الثاني:الجاهل. والعاقل أشرف وأسمى من الجاهل إذ أنه يوظف نعمة العقل في كسب العلم، وتظهر معانيها على لسانه وأفعاله، فجاءت هذه الآية لمخاطبة العقلاء، ولطرد الغفلة والجهالة عن الناس، فالجهل ليس أمراً ملازماً لشطر من الناس، بل هو أمر عرضي يأتي العلم ليزيحه ويطرده، وتفضل الله عز وجل فبعث الأنبياء والرسل وأنزل الكتب السماوية ومنها القرآن لوقاية الناس من داء الجهل . لقد جعل الله القرآن الكتاب الجامع للأحكام الشرعية وما يحتاجه الناس إلى يوم القيامة سواء في العبادات أو المعاملات أو الأحكام [الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ]( ). وجاءت السنة النبوية لبيانه وتفسيره وإعانة المسلمين والناس جميعاً على التدبر في دلالات آياته وإستنباط القواعد الكلية والمسائل العقائدية والأحكام الشرعية منها، وإجتناب الخلاف والخصومة والفرقة في تلاوته وتفسيره. وجاءت هذه الآية الكريمة لتبين أمرين: الأول: إن الله عز وجل هو الغني الذي ملك الأشياء كلها. الثاني: كل إنسان محتاج إلى رحمة الله، ونيل عفوه ومغفرته. فجاءت الآية بالإطلاق والعموم في ملك الله، وعدم إستثناء شئ من الموجودات من ملكه، وليس من موجود إلا وهو محتاج لهذه الملكية إبتداء وإستدامة، فلا تستطيع الممكنات الإستغناء عن واجب الوجود في أي أن من آنات وجودها. ومن بديع صنع الله عز وجل أنه خلق الأشياء وجعل حاجتها إليه أمراً ذاتياً مستقراً في تلك الأشياء، وتخبر هذه الآية عن هذا القانون الثابت في إطلاقه فلايدب إليه النقص والتغيير أبداً، ولا يخرج شي من الموجودات عن ملك الله عز وجل، بل هي خاضعة له، تقتبس من أنوار مشيئته، وتستجيب لأمره، وهذا القانون عون للناس للمبادرة إلى التوبة باعتبارها السبيل الوحيد للنجاة في الدارين. بحث بلاغي الفاء من حروف العطف، وتدل على أن الثاني يأتي بعد الأول من غير مهلة، وما بعدها يأتي بعد ما قبلها كما في قوله تعالى[وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ]( )، إذ يجتمع في الآية الترتيب المعنوي، والذكري الذي هو عطف مفصل على مجمل، وتأتي(الفاء) على وجوه: الأول: التعقيب. الثاني:السببية. الثالث: رابطة للجواب، كما في قوله تعالى[فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدْ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ] ( ). وجاءت هذه الآية للسببية والبيان، والإخبار عن إستحقاق الكفار العذاب لأنهم ظالمون، فجاءت الآية بصيغة الجملة الإسمية لبيان إستدامة ظلمهم لأنفسهم وأنهم لا يستطيعون الإنفكاك عنه، ويأبى الله عز وجل أن يدوم الظلم في الأرض، فلا بد وأن ينزل العذاب بالكفار ولتكون(الفاء) في المقام دلالة على قرب نزول العذاب بالكفار، وعدم فوتهم وهروبهم منه قال تعالى[وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ]( )، وفي العذاب المذكور في الآية أعلاه وجوه: الأول: عذاب القبر، عن ابن عباس والبراء بن عازب( ). الثاني: الجوع في الدنيا، والقحط سبع سنين، عن مجاهد. الثالث: مصائب الدنيا عن ابن زيد. الرابع: نزلت الآية في أهل مكة والمراد القتل يوم بدر، عن ابن عباس. ولا تعارض بين هذه الوجوه، وكلها مصاديق العذاب الإطلاق والتقييد الذي ينزل بالكفار، وتدل الفاء على قربه وحضوره. قانون”الآية أمر بالمعروف ونهي عن المنكر’’ من إعجاز الآية القرآنية مناسبتها وصلاحها للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سواء في المنطوق أو المفهوم، والموضوع أو الحكم، وتلك معجزة للقرآن بأن تتجلى في آياته مضامين الأمر والنهي من وجوه: الأول: تلاوة الآية القرآنية وما في كلماتها من معاني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما في هذه الآية التي جاءت على التوبة. الثاني: النهي عن البقاء على الكفر. الثالث: توكيد ذم الظلم لقبحه وآثاره الضارة. الرابع: ترتب العقاب للظلم كما يترتب المعلول على علته. الثاني: الإنصات للآية القرآنية، وسماع كلماتها، ومن إعجاز الآية القرآنية الغيري الإتعاظ والإعتبار من سماعها، وهو من أسرار تولي الإمام القراءة في الصلاة، وإنصات المأمومين له، قال تعالى[وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا] ( ). الثالث: التدبر في آيات القرآن ومعانيها، وما فيها من الأوامر والنواهي. الرابع: مفاهيم الآية القرآنية، ودلالاتها وما تندب إليه من السنن والأعمال الصالحة. الخامس: إتخاذ الآية القرآنية حجة وشاهداً ودليلاً. السادس: الإمتثال لما في الآية القرآنية من الأوامر والنواهي، وإجتناب ما تنهى عنه. لقد جعل الله عز وجل الدنيا دار إمتحان وإبتلاء ليكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ملازماً للإنسان في حياته الدنيا، ومن الأسرار فيه أنه لا ينحصر بالمكلفين فعلاً وتلقياً فقد يقوم بالأمر والنهي الصبي، كما أنه يتلقاه من الكبار ومن الصبيان، وهل تنفع تلاوة هذه الآية في الصبيان الجواب نعم من وجوه: الأول: إنها مقدمة لتدبرهم في القرآن، قال تعالى[إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ] ( )، والهدية المذكورة في الآية أعلاه مطلقاً لاتنحصر بالمسلمين دون غيرهم ولا بالكبار أو الرجال على نحو الخصوص بل تشمل الكبار والصغار رجالاً ونساءً. الثاني: إدراك حقيقة وهي وجود كتاب سماوي نازل، هو إمام للناس ويتضمن الأوامر والنواهي. الثالث: الصغار يكونون كباراً في مستقبل الأيام وقيل التعلم في الصغر كالنقش في الحجر. الرابع: تنمية ملكة الأخلاق الحميدة عند الصغار، والنفرة من القبائح. الخامس: معرفة وجوب الإيمان بالله عز وجل، وحرمة وقبح الكفر والجحود. السادس: تأكيد سيادة أحكام القرآن في الأرض، وتوارث الأجيال لها، والتسليم بحاجتهم لها، وتبين بداية الآية حقيقة وهي أن وظائف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تترشح عن الإرادة الإلهية أي أن الله عز وجل هو الذي يتم أحكامها، ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً، فيقوم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالتبليغ، وتتبعه أمم متعاقبة من المؤمنين، يؤدون واجباتهم ومنها الدعوة إلى الله عز وجل ليأتي المدد من عند الله بهداية فريق من الكفار والإنتقام ممن يصر على البقاء في منازل الكفر والضلالة. وقد يقال إن ظاهر قوله تعالى[لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ]، هو سقوط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حال مخصوصة. الجواب إن الآية لا تدل على هذا السقوط، وتدل الآيات السابقة على قيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقيادة المؤمنين للدفاع عن بيضة الإسلام وصد جيش الكفار قال تعالى[وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ] ( ). والقدر المتيقن من المراد من(الأمر) في الآية هو عاقبة الكفار، وما سيؤول إليه أمرهم وحالهم وفيه بشارة وبيان لمنافع وآثار الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن سعي المسلمين في الدعوة إلى الله لم يذهب أدراج الرياح، وأن خواتيم الأمور لا تقف عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بل هما مقدمة ووسيلة لقطع دابر الكفر والضلالة بالتوبة أو الإنتقام. وإبتداء الآية بقوله تعالى(ليس لك من الأمر شيء) شاهد على خاتمتها وأن الكفار ظالمون، إذ قام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالتبليغ والإنذار، وجاهد بنفسه وأهل بيته وأصحابه، وكانت المعجزات تترى على يديه في حجة أخرى على الكفار، ودعوة لنبذ محاربته والإسلام. وجاءت الآية السابقة بهلاك طائفة من أرباب الكفر وقادة المشركين لقوله تعالى[لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا]، لتأتي هذه الآية بالبشارة للمسلمين بالأعم من هلاك طائفة من الكفار كيفاً وكماً. أما الكيف فإن الآية أخبرت عن توبة وعفو الله عز وجل عن فريق من الكفار ممن ترك منازل الكفر وإختار الهداية والإيمان، لتكون أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر لوجوه: الأول: مجيء الآية بالخطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم. الثاني: تعلق موضوع الخطاب بما يفعله النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون أزاء الكفار. الثالث: دلالة قوله تعالى(ليس لك من الأمر شيء) على الإنذار والوعيد للكفار. الرابع: الإخبار عن توبة الله عز وجل عن فريق من الكفار، والذي يدل بالدلالة التضمنية والإلتزامية على توبتهم وكفهم عن محاربة الإسلام [فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ]( ). الخامس: عدم تعطيل الآية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكل فرد وكلمة وموضوع هو فيها من عمومات وأحكام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. السادس: دعوة المسلمين لجذب الكفار لمنازل التوبة، وإقامة الحجة والبرهان عليهم، وترغيبهم بالإسلام، وبيان قبح الكفر وسوء عاقبته. ومن الإعجاز في الآية أنها تهدي المسلمين إلى كيفية الإحتجاج على الكفار بالبشارة والإنذار، البشارة بتوبة الله على من تاب منهم، والإنذار لمن يصر على الكفر والجحود. السابع: في الآية بيان لعاقبة الظلم، وأنه علة للوقوع بالعذاب الأليم. الثامن: دعوة المسلمين لمحاربة الظلم وإجتثاثه من الأرض، ولا تنحصر هذه المحاربة بوجه وكيفية مخصوصة بل يشمل المقام مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المتعددة والمتباينة شدة وضعفاً، فمن إعجاز الآية في المقام أمور: الأول: إنها بالذات أمر بالمعروف ونهي عن المنكر. الثاني: تعدد الأمر والنهي في الآية منطوقاً ومفهوماً. الثالث: ترشح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن مضامين ودلالات الآية. الرابع: بيان الآية للحسن الذاتي للتوبة، وقبح الظلم، وهذا البيان دعوة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بلحاظ الأخوة في الإنسانية، وحب المسلم لنفع الناس، وتغشي الإيمان الأرض، ورؤية الآخرين وهم يشتركون معه في أداء العبادات والمناسك. بحث نحوي ( الإعجاز في(فإنهم ظالمون) جاء الإخبار عن ظلم الكفار بالحرف المشبه بالفعل(إن) في قوله تعالى(فإنهم ظالمون) وفيه توكيد لظلم الذين يحاربون الإسلام ويصرون على مغادرة الدنيا وهم مقيمون على الكفر والجحود، لأن الأصل في(إن) مجيؤها لتأكيد مضمون الجملة. وقال عبد القاهر الأصل في(إن) أن تكون للجواب وإستدل بقوله تعالى[وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ] ( ).
وليس من مانع من إجتماع المعنيين في هذه الآية الكريمة، والأول في المنطوق أما الثاني ففي المفهوم، فلو سأل سائل لماذا هذا التضاد والتباين في العاقبة، فمن يتوب ويترك منازل الكفر يتوب الله عز وجل عليه، وهذه التوبة رحمة ولطف عظيم من عند الله فلماذا لا يشمل هذا اللطف ولو على نحو الموجبة الجزئية والجواب إن الحياة الدنيا (دار اللطف) بالناس جميعاً، وهذه الآية من اللطف الإلهي بالمسلمين والكفار، إذ أنها تزجر وتنهى الكفارعن الجحود والظلم والتعدي.
وقال ابن الناظم(إن): لتوكيد الحكم ونفي الشك فيه أو الإنكار له) ( )، وجاء في التصريح وهما يعني (إن وأن ) لتوكيد النسبة بين الجزءين ونفي الشك عنها ونفي الإنكار لها بحسب العلم بالنسبة والتردد فيها والانكار لها،فان كان المخاطب عالماً بالنسبة فهما لمجرد توكيد النسبة، وان كان متردداً فيها فهما لنفي الشك عنها , وان كان منكراً لها فهما لنفي الانكار لها، فالتوكيد لنفي الشك عنها مستحسن ولنفي الانكار واجب ولغيرهما لا ولا)( ).
وفي التفصيل أعلاه نكتة تتعلق بالغايات الحميدة في الآية الكريمة وتعددها بلحاظ التالي والمستمع، وشاهد على أن الآية القرآنية خطاب للناس جميعاً، فهي توكيد للناس جميعاً، ويكون هذا التوكيد بشارة للمسلمين، وإنذاراً ووعيداً للذين ينكرون المعاد ويصرون على الجحود، وهو حجة على الناس قال تعالى[فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ] ( ).
ليكون التفصيل في معاني الحرف لغة آية في تعدد المقاصد السامية فيه, وتوكيداً للقول بأن كل حرف وكلمة من القرآن فريدة لا يمكن أن تحل محلها كلمة أخرى، وأنه مدرسة في إستنباط المسائل الكلامية والشرعية والنحوية منه، ومن مناسبة الموضوع والحكم في الآية الكريمة.
علم المناسبة
ورد اللفظ(ظالمون) في القرآن، مائة وستاً وعشرين مرة منها ثلاث وثلاثون مرة بصيغة الرفع، وثلاث وتسعون بصيغة النصب والجر، ولم يرد قوله تعالى(أنهم ظالمون) إلا في هذه الآية الكريمة، مما يدل على دلالات خاصة بها، والقرآن يفسر بعضه بعضاً، قال تعالى[وَالْكَافِرُونَ هُمْ الظَّالِمُونَ] ( )، لذا فإن العذاب ينزل بالكفار لكفرهم وظلمهم لأنفسهم وللمسلمين.
ومن إعجاز القرآن أن الآية أعلاه جاءت في الثناء على المسلمين ودعوتهم للإنفاق قبل أن يأتي يوم[لاَ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ].
وجاءت خاتمة الآية أعلاه بذم الكفار ونعتهم بالظالمين لأنهم حرموا أنفسهم من فعل الصالحات وإكتناز الحسنات، وإختاروا نزول العذاب الأليم بهم والخلود في الجحيم، وظاهر الآية أعلاه حصر صفة الظالمين بالكفار، وأن المسلمين منزهون عنها وبقرينة ما ورد في هذه الآية من توبة الله عز وجل عن التائبين , وهو من عمومات قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ).
وقال الطبرسي في الآية أعلاه: ووجه آخر في تخصيص الكافر بالظلم و هو إن ظلم الكافر هو غاية الظلم و ليس يبلغ ظلم المؤمنين لأنفسهم و غيرهم مبلغ ظلم الكافرين و نظيره قول القائل فلان هو الفقيه في البلد و فلان هو الفاضل و يراد به تقدمه على غيره فيما أضيف إليه) ( )، وهذا الإحتمال بعيد، وخلاف ظاهر هذه الآية والآيات الأخرى، فالآية لم تذكر ظلم الكفار بلغة أفعل التفضيل، ولم تقل (والكافرون هم أظلم) بل جاءت بالتساوي بين الكفر والظلم، وقال تعالى[وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ]( ).
وجاءت الآية أعلاه بخصوص السخرية من الآخرين، والتنابز في الألقاب، ليكون التحذير والدعوة إلى التوبة منها ومن المعاصي إنذاراً، ووسيلة للتوبة النصوح من الكفر والشرك والضلالة، وفيه زجر للكفار من السخرية بالمسلمين لإختيارهم الإسلام، وخروجهم للقتال في سبيل الله مع قلتهم وضعفهم وفقرهم .
وتدل الآية أعلاه على إنعدام الوسط والبرزخ بين التوبة وكذا في مسألة الجزاء فان الله عز وجل يتوب على التائبين، ولا يترك الكفار وشأنهم بل ينزل بهم العذاب الأليم، ومن العذاب الهلاك قال تعالى[هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ]( ).
وقد تقدم الكلام في إرادة المعنى الأعم للعذاب وشموله أيام الحياة الدنيا والآخرة، أما في الآخرة فهو قطع وحتم لأنها دار جزاء، وأما في الدنيا فلأنها دار إمتحان وإبتلاء، وليس من حصر لمصاديق هذا الإبتلاء، ومنه زجر الكفار بأنواع العذاب الإبتدائي، وقطع دابر الظلم لمنع إشاعة المعاصي، وطغيان المفاسد .
وهذا الزجر من عمومات قوله تعالى[إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( )، في رده سبحانه على الملائكة حينما إحتجوا على جعل خليفة في الأرض[أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ] ( )، بنزول العذاب بالكفار ليكلفوا عن التعدي على المسلمين وثغورهم، ويشغلهم بأنفسهم قال تعالى[فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنْ السَّمَاءِ]( )، لذا فإن قوله تعالى(أو يعذبهم) بشارة حالة وآجلة للمسلمين، ودعوة للتدبر بما سيحل بالكفار من البلاء وأنه لم يأت إتفاقاً وصدفة، كما أنه إنذار للكفار وجذب لهم للإيمان .
فمن لم يتعظ منهم بالمعجزات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فعليه إدراك حقيقة وهي أن ما يحل بهم من المصائب والبلوى إنما هو بسبب محاربتهم الإسلام، وإصرارهم على الكفر والضلالة.
ويأتي الضرر والعذاب للكفار لمنعهم من إغواء الناس وصدهم عن الإسلام والتدبر في آيات القرآن ومضامينها القدسية، ومعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومنها إنتصار المسلمين في معركة بدر، وخروجهم سالمين من معركة أحد وهذا الخروج بذاته إنتصار للإسلام وعذاب للكفار لأن كيدهم وتسخيرهم الأموال الكثيرة والنفور العام للقبائل للإجهاز على الإسلام ذهب هباء، وهو من مصاديق قوله تعالى في خاتمة الآية السابقة (فينقلبوا خائبين).
وجاءت خاتمة هذه الآية ليشكر المسلمون الله عز وجل على ما يلحق بالكفار من الخسارة والبلاء ليس من باب الشماتة، ولكنه إزاحة لأمور تتضمن الإضرار بالمسلمين والناس جميعاً، وزيادة في آثام الكفار أنفسهم ولولا هذه الخسارة لآل الأمر إلى بقاء موانع دون إنتشار الإسلام، ولحوق الأذى والضرر الفادح بالمسلمين، قال تعالى[فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ] ( ).
بحث أصولي
يعتبر قصد القربة عند الإمتثال في الفعل العبادي وعليه إتفاق علماء الإسلام لا مطلق الواجب، والوجوب أحد الأحكام التكليفية الخمسة وهو حكم شرعي مجعول، ويختلف عن الإستحباب من جهة داعي المولى، فإن البعث بداعي لزوم إتيان الفعل هو الوجوب، وبداعي الإستحباب وجواز الترك هو الندب وقصد القربة هو إتيان الفعل طاعة لله وتقرباً إليه وإمتثالاً لأمره تعالى، ونيل الثواب على الطاعة، والإنقياد لحكمه ومنهم من عده من الضروريات، وإضافة الفعل وقصد التقرب إليه تعالى علة تامة، ومن الفقهاء من لم يذكر قصد القربة، كما في المبسوط للشيخ الطوسي، وعلل صاحب الذكرى عدم الذكر هذا بأنه لظهورها.
ويترشح إنطباقاً على الفعل العبادي ساعة إتيانه وعند السعي إليه , وقصد القربة على وجوه:
الأول: إنه شرط شرعي من متعلق الأمر، وهو قيد في البعث للفعل، واشتغال ذمة المكلف به، وهو في عهدته شرعاً، مع لزوم قصد وجهه في متعلق الأمر.
الثاني: إنه قيد عقلي لصدق الإتيان بالمأمور به معه.
الثالث: قصد القربة أمر إضافي آخر مع الواجب المأمور به، وكأن الواجب التعبدي مركب، ينحل إلى الأمر بالإمتثال وقصد القربة، ليكون قصد القربة جزء منه وليس شرطاً شرعياً فقط، وكيفية من كيفيات الإطاعة عقلاً، لا من قيود المأمور به شرعاً.
وقد تقدم ذكر أربع عشرة معنى لقصد القربة( )،مع ظهور التداخل والتقارب بين هذه الوجوه , ومنهم من إتخذ من قول الإمام علي عليه السلام: ما عبدتك خوفا من نارك، ولا طمعا في جنتك،لكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك( ). دليلاً على بطلان العبادة مع الطمع بالثواب أو الخوف من النار، ونسبه إلى المشهور، وفيه مسائل:
الأولى: لا أصل لنسبة البطلان إلى المشهور، وأكثر الفقهاء لم يذكر هذه المسألة بالأصل.
الثانية: جاء الحديث لبيان درجة التقوى وكمال العبادات التي عليها الإمام علي، وهو أمر معروف عند جميع المسلمين ومحل إفتخار في أجيالهم المتعاقبة، ومدرسة في الورع والتقوى والصلاح.
الثالثة: الطمع بالثواب والخوف من النار إقرار بالعالم الآخر، والوقوف بين يدي الله للحساب.
الرابعة: يتضمن حديث الإمام علي بيان الحسن والأحسن، وأنه يختار الأحسن.
الخامسة: الناس عبيد الله عز وجل، والكل يرجو رحمته وفضله ونواله.
السادسة: في إتيان الفعل العبادي سقوط للتكليف، وحصول فراغ الذمة.
السابعة: إعتبار الخوف من النار، ورجاء الثواب من الجنة لا يتعارض مع إخلاص العبادة لله، وهو ليس من الرياء الذي هو ضميمة وقصد له حرمة تكليفية.
الثامنة: قد يكون الخوف من النار، والطمع في الجنة من رشحات قصد القربة، فمثلاً(قال ابن زهرة في غنية النزوع: أن مرادنا بالقربة طلب المنزلة الرفيعة عنده بنيل ثوابه) ( )، فالعبادة مع الطمع أو الخوف من النار أو هما معاً من صحيحة لتحقق الإمتثال الخارجي والمصداق وإن تباين الفعل بلحاظ مراتب النية والعشق لواجب الوجود، ومنازل الشكر له سبحانه.
وهل يكفي في قصد القربة قصد الداعي أم لا بد من الإخطار في البال، وبين الأمرين عموم وخصوص مطلق، فكل داع هو إخطار في البال وليس العكس.
الجواب يكفي الداعي إلى الفعل وهو موجود في القلب على نحو إرتكازي فمثلاً حينما يحضر وقت الصلاة أو يسمع الأذان يخطر في النفس لزوم إتيان فريضة الصلاة، وجاءت الآية محل الذكر لبيان موضوعية التقرب إلى الله عز وجل بالتوبة والإنابة شكراً له تعالى على نعمة الخلق والإيجاد والرزق والنبوة والتنزيل وغيرها من النعم قال تعالى[وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا] ( ).
وهل يشترط بالتوبة الإتيان بها بقصد القربة إلى الله، الجواب نعم وهذا القصد يحصل ضمناً، لتأتي التوبة موافقة لطاعته تعالى، ورجاء الثواب، وللتنزه عن الرياء.
قانون”الملازمة بين الكفر والظلم’’
لقد جاء القرآن بقانون(العبادة علة خلق الإنسان) ولن يرضى الله عز وجل عن الإنسان إلا بعبادته وإظهار طاعته , وإجتناب أسباب الغضب الإلهي على الإنسان، فمن شاء أن يفوز برضا الله فعليه المبادرة إلى التوبة، أما الذي يصر على المعاصي فإن العذاب يلاقيه في الدنيا، وينتظره في الآخرة.
وهل هذان الفردان من العذاب على مرتبة واحدة في الشدة أو الضعف أم هناك تباين رتبي بينهما، الجواب هو الثاني، فالعذاب الأخروي أشد وأطول أمداً، قال تعالى[إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ *فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ] ( )، ولن يستطيع الإنسان النجاة من العذاب إلا بترك منازل الكفر والجحود، ويحتمل موضوع هذا الترك وجهين:
الأول: الترك المجرد لمنازل الكفر أي من غير إختيار التوبة والإيمان.
الثاني: ترك الكفر، ودخول الإسلام وفعل الصالحات.
والصحيح هو الثاني، وكما أن هناك ملازمة بين الكفر والظلم، فإن الملازمة بين التوبة ودخول الإسلام ظاهرة وجلية، لذا حصرت الآية حال الكفار بأمرين متناقضين لا يجتمعان ولا يرتفعان، ذاتاً وعاقبة، فلا بد من إختيار الإيمان أو البقاء على الكفر، وتترتب على كل واحد منهما عاقبته التي تلازمه بحيث لا يحصل بينهما تداخل أو خلط، وجاءت الآية بصيغة النص الذي لا يقبل الترديد والإجمال، فيجوز قصد القربة خصوصاً وأن الثواب يترشح للمسلم من قيامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وجاءت هذه الآية لبيان نصر الله للمسلمين وإن قام الكفار بالتعاون والمناجاة والتعاضد فيما بينهم لقتال المسلمين قال تعالى[وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ]( ).
فالآية تبعث السكينة والغبطة في نفوس المسلمين، وهي وعد إلهي كريم بالنصر والغلبة وإنكسار عدوهم، وتقليص عدده وظهور النقص في جيشه وعدته ورميه بضعف الهمة، والإرباك والفتنة فيما بين أفراده بتوبة فريق من الكفار.
ومن الآيات عدم إنحصار التوبة بالأدنى والمستضعفين من الكفار، وكل فرد منهم تدركه التوبة يكون أسوة وقدوة للآخرين، نعم توبة الرأس من الكفار أكثر نفعاً وأثراً , وقد يكون في توبة الأدنى والعبد النفع العظيم والأثر الحميد.
لقد نعت الله عز وجل الذين يحاربون الإسلام بالكفر والظلم قال تعالى[وَالْكَافِرُونَ هُمْ الظَّالِمُونَ] ( )، وفيه شاهد على إستحقاقهم العذاب الأليم، ومع هذا تفضل الله عز وجل ورغبّ بالتوبة والإنابة، ووعد بقبولها، وتقدم موضوع التوبة في الآية على العذاب ونزوله بهم مجتمعين ومتفرقين، وفي الدنيا والآخرة.
إن نعت الكفار بالظالمين دعوة إضافية لهم، لإصلاح أمورهم، وتهذيب أفعالهم، وإجتناب السيئات، وترك الإصرار على الكفر والجحود، وهو من النعم الإلهية على الناس بصيغ الإنذار وما لها من المنافع والدلالات.
وفي الملازمة بين الكفر والظلم مسائل:
الأولى: إنها مناسبة لنفرة النفوس من الكفر والكفار.
الثانية: فيها دعوة للناس لدخول الإسلام.
الثالثة: إنها شاهد على أن الكفر خلاف الفطرة التي فطر الله الناس عليها.
وكما أن الكفر قبيح ذاتاً فإن الظلم قبيح ذاتاً، ولا تمنع هذه الملازمة من ترشح الظلم عن الكفر فهو أثر من آثار الكفر وإتباع النفس الشهوية والغضبية , وإجتماع قبحين من أسباب نزول العذاب الإلهي .
بحث بلاغي
من البديع(الإيغال) وهو ختم الكلام بنكتة وقاعدة يتم المعنى بدونها، (قال السيوطي: وزعم بعضهم أنه خاص بالشعر) ( )، والإيغال في القرآن أعم من المبالغة إذ أن له معان متعددة وإضافية بحسب اللحاظ والموضوع والحكم.
وجاءت خاتمة هذه الآية بوصف الكفار بأنهم ظالمون، وفيه مسائل:
الأولى: بيان علة العذاب النازل بالكفار.
الثانية: وصف حال الكفار، وإضافتهم لقبيح الأفعال.
الثالثة: دعوة المسلمين لمحاربة الظلم والظالمين.
الرابعة: الملازمة بين الكفر والظلم، فكل كافر هو ظالم.
الخامسة: تفقه المسلمين في الدين.
السادسة: إعانة المسلمين في الجدال والإحتجاج، فكل آية قرآنية مدد لهم في ميادين الإحتجاج، وبرهان سماوي حاضر، وقاعدة كلية تتجلى مصاديقها بالواقع الحسي الظاهر.
السابعة: عجز الكفار عن إيجاد الناصر والمعين لهم في الدنيا والآخرة، قال تعالى[وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ]( ).
قانون(ترشح الظلم عن الكفر)
أختتمت هذه الآية بأمرين متداخلين:
الأول: نزول العذاب بالكفار.
الثاني: نعت الكفار بأنهم ظالمون، وجاء الأمر الثاني أعلاه متداخلاً ومترشحاً عن الكفر من غير أن يفنى فيه.
ويحتمل الظلم في المقام وجوهاً:
الأول: الظلم علة تامة لنزول العذاب بالكفار.
الثاني: الظلم جزء علة لنزول البلاء.
الثالث: الظلم مترشح ومتفرع عن الكفر وملازم له.
ولا تعارض بين هذه الوجوه بلحاظ الجهة واللحاظ والحيثية، فالكفر ذاته ظلم، والأفعال المتفرعة عن الكفر ظلم , والكفر سبب لنزول لعنة الله، وحلول الغضب الإلهي بالكافر قال تعالى[بَلْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ]( )، وهي جزء علة لنزول العذاب، فكما يكون أحياناً الفعل حراماً ومقدمة للحرام كما في شرب الخمر وما يترشح عنه من الإفتراء والفسق والفجور، فإن الكفر ظلم بذاته ويتولد عنه الظلم والضرر للنفس والغير، ويحتمل هذا التولد وجوهاً:
الأول: المرة والدفعة الواحدة.
الثاني: تكرار وتعدد الظلم المتولد عن الكفر وهو على جهتين:
الأولى: تكرار ذات الوجه والنوع من الظلم.
الثانية: تجدد وجوه أخرى من الظلم ثم تكرارها.
الثالث: إتصال أنواع الظلم.
ولا تعارض بين هذه الوجوه، وكلها من مصاديق الآية الكريمة، والشواهد على ترشح الظلم عن الكفر، وإستحقاق الكفار العذاب الأليم, فهذا الإستحقاق بالأصل وبما يترشح عنه وإن تباينت الصفة أي أن الأصل هو الكفر، والفرع هو الظلم، ليأتي الإستحقاق على نحو دفعي وتدريجي وليس دفعياً أو تدريجياً فقط فأصل الكفر يستحق العذاب والعقاب وقد جاءت الآيات بما يفيد أن الكفر علة تامة للعذاب قال تعالى[وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ]( )، ترى لماذا لم تقل الآية أو يعذبهم فهم كافرون، والجواب من وجوه:
الأول: نعتهم بالكفر من تحصيل ما هو حاصل، إذ تدل الآية على كفرهم وجحودهم.
الثاني: بيان علة نزول العذاب وأنه الظلم للنفس.
الثالث: جاءت الآية بذكر اللازم وإرادة الملزوم، وبيان المعلول لدلالته على علته، فهو من البرهان الإني أي الإستدلال من المعلول على العلة، منطوقاً ومفهوماً، فوصف الظالمين يدل على البقاء على الكفر، وترشح الظلم عنه.
الرابع: إقامة الحجة على الكفار، وبيان قبح فعلهم.
الخامس: الكفر إعتقاد وجحود، أما الظلم فهو فعل وقوة ويدخل فيه الكفر، فكأن بين الكفر والظلم عموماً وخصوصاً مطلقاً، ليأتي العذاب على المعنى الأعم من الكفر، وفيه إشارة إلى شدة العذاب الذي يلاقيه الكفار.
السادس: جاءت آيات تدل على عذاب الكفار لكفرهم , قال تعالى[وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ]( ).
السابع: الآية دعوة لنبذ الظلم من جهات:
الأولى: نبذ المسلمين للظلم، وفيه وجوه:
الأول: محاربة المؤمنين للظالمين وجاءت الآيات بالترغيب بالجهاد والوعد عليه بالجزاء الحسن قال تعالى[أن الله يحب الذين يقاتلون في سبيلِه صَفّاً] ( ).
الثاني: فضح المسلمين للظالمين، وبيان قبيح أفعالهم , وهذا الفضح من جهات وصيغ ووسائط متعددة منها :
الأولى : تلاوة آيات القرآن
الثانية : أداء الفرائض والعبادات
الثالثة : الثبات على الإيمان والتصديق بكل ما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابعة : الجهاد في سبيل الله , ومقاتلة الكفار .
الخامسة : جدال المسلمين للكفار وإقامة الحجة عليهم .
السادسة : بيان السفه والجهالة التي يترشح عنها الكفر وتترشح عنه
الثالث: جعل الناس ينفرون من الظلم.
الرابع: ندب الناس للنفرة من الظلم، وإجتناب إعانة الظالمين والركون إليه.
الخامس: الزجر عن الظلم، والتصدي للظالمين.
السادس: نبذ الظلم من مصاديق النهي عن المنكر الذي هو واجب كفائي على المسلمين.
السابع: الإحتراز من الظلم ولو بأدنى مراتبه.
الثانية: وقاية الناس من الظلم وفيه وجوه:
الأول: بيان الآية الكريمة لقبح الظلم، ومجيؤها خطاباً للناس جميعاً.
الثاني: التخلي عن الظالمين وإعانتهم.
الثالث: حرص الناس على التوقي من الظلم والإنتقال إلى منازل الظالمين.
الرابع: إدراك وجوب التبرأ من الظالمين وإتباعهم في الدنيا، قبل نزول العذاب الأخروي، قال تعالى في وصف وذم الكافرين يوم القيامة[إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوْا الْعَذَابَ] ( )، ومن وظائف العقل كنعمة وآلة تمييز وإختيار جعلها الله عز وجل عند الإنسان الإبتعاد عن الظلم وأسبابه.
الخامس: الميل والإنجذاب لدخول الإسلام.
السادس: الصدود عن أسباب الشك والشبهات التي يأتي بها أهل الريب والكفار، إذ أن صبغة الظلم برزخ دون إصغاء الناس للمتلبس بها.
السابع: دعوة الناس للنفرة والإبتعاد عن الظالمين، بلحاظ أن الأمر بالمعروف واجب شرعي وعقلي يترشح من تجلي منافع المعروف والصلاح لأرباب العقول، وإدراك الأضرار المتفرعة عن الظلم والركون للظالمين.
الثامن: إنصات الناس لآيات القرآن.
الثالثة: نبذ الظالمين لأفراد الظلم، وفيه وجوه:
الأول: دعوة الكفار للتدبر في حقيقة أفعالهم، وما فيها من الضرر على أنفسهم وعلى الناس.
الثاني: إدراك الكفار لقبح ما هم عليه من الكفر وملازمة الظلم للكفر.
الثالث: توبة فريق من الكفار لنفرة النفوس من الظلم، وترك أسباب العذاب.
الرابع: عندما يدرك الكفار ملازمة الظلم للكفر فإنهم يفكرون ملياً، ويتتاجى فريق منهم للإقلاع عن الكفر.
الخامس: جهاد المسلمين في محاربة الكفار، وبعث الفزع والخوف في نفوسهم، وهلاك طائفة منهم، قال تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّارِ]( ).
قانون (التنزه عن الظلم مائز)
لقد وصفت الآية الكافرين الذين يصرون على البقاء على الكفر والجحود بالظالمين، وجاءت بالمدح والثناء على المسلمين، منطوقاً ومفهوماً، أي أن الذم للكفار يتضمن في مفهومه مدحاً للمؤمنين، ويتضمن المدح للمسلمين في خواتيم الآيات في مفهومه ذماً للكفار.
ومن الآيات مجيء تلك الخواتيم بعد بيان موضوع وإستحقاق الذم أو المدح، وبما يبعث الشوق لبلوغ سبل ومراتب المدح، والإبتعاد عن مقدمات وأسباب الذم.
وجاءت هذه الآية الكريمة بالمدح والذم منطوقاً ومفهوماً، ويتجلى المدح منطوقاً بلغة الخطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والثناء عليه في أول الآية، ثم يأتي وسطها وخاتمتها في ذم الكفار وبذات لغة الخطاب نفسها التي تبعث السكينة في نفوس المسلمين، وتدعو الناس لإتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإدراك قانون سماوي ثابت وهو نصرة الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ومن وجوه:
الأول: دفع الأذى والكيد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتدل عليه آيات كثيرة، وشواهد يومية واقعية في حياة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , قال تعالى[يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ] ( ).
ومن الآيات أن هذه العصمة والحفظ الإلهي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم متصل فيما قبل وبعد النبوة.
الثاني: تفضل الله بالمدد للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهو على وجوه:
الأول: المدد بالملائكة ونزولهم لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ميادين القتال.
الثاني: إحاطة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأصحابه، وقتالهم تحت لوائه.
ومن وجوه تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في موضوع أصحاب الأنبياء أن أصحابه في إزدياد مطرد مع مواصلتهم خوض المعارك, وهو من عمومات قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
وتعرض بعض المسلمين الأوائل الذين نالوا شرف السبق للإصابة والقتل، وبعضهم للتعذيب على أيدي رؤساء الكفر والضلالة , فلم يزدهم إلا إيماناً , وذكر أن قوله تعالى [الَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ]( )، نزل في المعذبين في مكة مثل صهيب وعمار وبلال وخباب) ( ).
وإستمر أذى قريش لهؤلاء الصحابة حتى بعد الهجرة وعلو راية الإسلام.
روى الثعلبي بإسناده عن عبد الله بن مسعود قال مر الملأ من قريش على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) و عنده صهيب و خباب و بلال و عمار و غيرهم من ضعفاء المسلمين فقالوا يا محمد أ رضيت بهؤلاء من قومك أ فنحن نكون تبعا لهم أ هؤلاء الذين منّ الله عليهم أطردهم عنك فلعلك إن طردتهم تبعناك فأنزل الله تعالى[وَلاَ تَطْرُدْ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ] ( )، قال سلمان و خباب فينا نزلت هذه الآية جاء الأقرع بن حابس التميمي و عيينة بن حصين الفزاري و ذووهم من المؤلفة قلوبهم فوجدوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) قاعدا مع بلال و صهيب و عمار و خباب في ناس من ضعفاء المؤمنين فحقروهم و قالوا يا رسول الله لو نحيت هؤلاء عنك حتى نخلو بك فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن يرونا مع هؤلاء الأعبد ثم إذا إنصرفنا فإن شئت فأعدهم إلى مجلسك فأجابهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) إلى ذلك فقالا له اكتب لنا بهذا على نفسك كتابا فدعا بصحيفة و أحضر عليا ليكتب قال و نحن قعود في ناحية إذ نزل جبرائيل (عليه السلام) بقوله (و لا تطرد الذين يدعون ، إلى قوله أ ليس الله بأعلم بالشاكرين، فنحى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) الصحيفة و أقبل علينا و دنونا منه و هو يقول كتب ربكم على نفسه الرحمة , فكنا نقعد معه فإذا أراد أن يقوم قام و تركنا فأنزل الله عز و جل[وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ]( ) .
قال فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) يقعد معنا و يدنو حتى كادت ركبتنا تمس ركبته فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها قمنا و تركناه حتى يقوم و قال لنا الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمتي معكم المحيا و معكم الممات المعنى( ).
وتنطبق مصاديق الآية محل البحث على المقارنة بين حال الصحابة وحال المشركين، إذ يزداد عدد الصحابة، ويظهرون أسمى معاني الإخلاص والتفاني دفاعاً عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبيضة الإسلام( )، فكانوا يجاهدون بأنفسهم وأموالهم وأهليهم لمنع الكفار من الوصول إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومن إستباحة المدينة، وفيه دعوة للكفار لدخول الإسلام من وجوه:
الأول: الإقتداء بالصحابة في مبادرتهم لدخول الإسلام.
الثاني: ظهور معاني السكينة والرضا والغبطة على أهل البيت والصحابة.
الثالث: حرص الصحابة على أداء الصلاة والوظائف العبادية من غير ملل أو ضجر.
الرابع: تفقه الصحابة في أمور الدين.
الخامس: ترشح زيادة المعارف من تلاوة القرآن والتدبر في آياته.
السادس: توالي نزول آيات القرآن، وتفقه الصحابة في علوم القرآن، وأداء العبادات، ففي كل يوم يمر على المسلمين بناء وإرتقاء في الصرح العقائدي والإجتماعي للإسلام.
السابع: إنها دعوة لمواصلة الجهاد، والدفاع عن الإسلام.
الثامن: توكيد لقبح الظلم وتنزه منه ومن أسبابه، وهو مصاديق قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( )، فكل مسلم يؤدي وظائف متجددة في إزاحة بناء الكفر والظلم والعدوان، حتى في حياته اليومية المعتادة وخروجه للسوق وميادين العمل وطلب الرزق من جهات:
الأول: يخرج المسلم للسوق وهو ثابت الجنان، مملوء بالإيمان.
الثاني: تعاهد المسلم لأداء الصلاة اليومية.
الثالث: حرص ومتابعة الصحابة على ما ينزل من الآيات على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ففي كل يوم يسأل بعضهم بعضاً عما نزل منها، وأسبابه ومعانيه ودلالاته، وفيه أمور:
الأول: المساهمة لإزاحة للظلم من على وجه الأرض.
الثاني: محاربة للكفر، وتهديم له من أطرافه قال تعالى[لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا]( ).
الثالث: المنع من بقاء الكفر في منازله.
الرابع: زلزلة رؤساء الكفر وتخويفهم وإنذارهم بالعذاب.
فالمسلمون يتنزهون عن الظلم، ويحاربون الظلم، ويجاهدون لتخلص الناس من علة الظلم وهي الكفر.
لقد جعل الله عز وجل الدنيا دار إمتحان وإبتلاء، ويواجه الإنسان أسباب الظلم كل يوم من وجوه:
الأول: إغواء مباهج الدنيا بأن يكون الإنسان ظالماً إذا لم يتسلح بالإيمان والعفة.
الثاني: تلقي الإنسان الظلم من الآخرين.
الثالث: الإفتتان بنصرة الظالمين.
الرابع: لزوم الإعراض عن الظلم والظالمين.
الخامس: التصدي للظالمين ومحاربتهم.
السادس: محاربة الهوى والنفس الشهوية والغضبية قال تعالى[بَلْ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ]( )،
وجاءت هذه الآية حرباً على الظالمين، ودعوة للناس جميعاً للتنزه من الظلم، وبيان قبحه بالإخبار السماوي عن ترشحه عن الكفر، ومن لا يدرك سوء وأضرار وعواقب الكفر يدرك سوء وأضرار الظلم لأنه ظاهر للبيان، ومخالف للفطرة والعقل والإنصاف، فيجتنب الكفر لذاته ولوازمه.
قانون”تلاوة الآية عذاب للكافرين’’
لقد تفضل الله عز وجل وأنزل القرآن كتاباً جامعاً للأحكام السماوية، ودليلاً وإماماً يقود المسلمين نحو سبل الهداية والرشاد، ويدعو الناس للتوبة والإنابة بلغة البشارة والإنذار , وهذه الآية حرب على الكفار، ومن مصاديق قوله تعالى في هذه الآية(أو يعذبهم فهم ظالمون) من وجوه:
الأول: الآية عذاب على الكفار لأنها تهديد ووعيد لهم.
الثاني: الآية من الإعجاز الغيري للقرآن بما تبعثه في نفوس الكفار من الخوف والذعر، وبما تتضمنه من التحدي لهم، فمن يصر على الكفر والجحود ينتظر ما ينزل به من العذاب الأليم.
الثالث: تزيد الآية المسلمين قوة ومنعة وتنمي ملكة الصبر، مما يجعل الكفار في حزن دائم.
الرابع: الآية واقية من أسباب الشك والريب، وتخفيف عنهم لأن لغة الوعيد التي فيها برزخ دون سعي الكفار في الجدال والمغالطات، والشك.
الخامس: دعوة الناس جميعاً لرؤية المصاديق العملية لما في القرآن من الوعد الوعيد، فقد ذكرت الآية عذاب الكفار إن لم يتوبوا، ليتطلع الناس إلى وقوع العذاب، ومقدماته في الدنيا قبل العذاب الأكبر يوم القيامة.
وفي الآية مسائل:
الأولى: تدعو هذه الآية المسلمين لتلاوتها وقراءتها , والتدبر في معانيها ومضامينها القدسية.
الثانية: في الآية عز للمسلمين والمسلمات، ورضا بفضل الله قال تعالى[لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ]( ).
الثالثة: حث المسلمين على القتال لنزول البلاء بالكفار، قال تعالى[قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمْ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ] ( ).
لقد حارب الكفار الإسلام، وأصروا على عدم الإقرار بنزول القرآن من عند الله فأخذوا يرون المسلمين يتلون آيات القرآن، ومنها هذه الآية مع التسليم بنزولها من عند الله.
ولم ينحصر الخلاف والتعارض بين الفريقين في التصديق بنزول الآيات أو عدمه، بل كانت تلاوة المسلمين لآيات القرآن سبباً لأمور منها:
الأول: إزدياد غيظ وحنق الكفار، وعجزهم عن منع التلاوة، قال تعالى[قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ]( ).
الثاني: إنصات الناس للتنزيل، وحرصهم على سماع آيات القرآن .
الثالث: بلوغ الإنذارات للكفار،وعلى نحو القطع الذي يتصف به التنزيل.
الرابع: التخفيف عن المسلمين في تبليغ الكفار، فلا يستلزم تحذير وتخويف الكفار إعمال الحيلة وبذل الأموال والجهد الجماعي المشترك، فيكفي تلاوة هذه الآية لتحذيرهم، وما زاد من بذل الأموال والسعي يزيد في الأثر، ومن إعجاز القرآن الغيري في المقام وجوه:
الأول: تلاوة الآية القرآنية أكثر أثراً من الموعظة والنصح الذي يأتي من قبل الناس، فإن قلت إن التلاوة تأتي من جهة المسلمين، الجواب إن المسلمين واسطة لنقل وتبليغ الآيات، والطرف الآخر والسامع مطلقاً يعلم أن الكلام ليس من عند الذي ينطق به لما فيه من الإعجاز والتحدي، أما المسلم فيعلم أنه كلام الله عز وجل، ويسمعه الكافر بهذه الصفة فيتدبر في معانيه، ويصيبه الفزع والخوف.
الثاني: حث المسلمين على تلاوة الآيات، وإتخاذها وسيلة للتبليغ.
الثالث: تلاوة آيات الإنذار لتحذير الكفار وسيلة لحفظها من التحريف والتغيير، وهذه الآية من آيات الإنذار.
الرابع: في تلاوة هذه الآية ونحوها من آيات الإنذار عذاب الكفار، فان قلت من الكفار من لم يسمع هذه الآية، والجواب إن نزول العذاب بهم بسبب الآية أعم من السماع المباشر لكلماتها.
الخامس: الآية برهان ودليل حاضر، فلا يحتاج المسلم الإستعداد والتكلف في لغة الإنذار فتكفي تلاوة الآية القرآنية لتحقيق مصداق وفرد من أفراد عذاب الكفار.
السادس: يسمع غير المسلم الآية فيكون ناقلاً للإنذار لغيره، ومحذراً من العذاب الأليم الذي يتعقب الكفر وإرتكاب الظلم، قال:[ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ] ( ).
فذكرت الآية القول والتحذير بصيغة البناء للمجهول لبيان تعدد جهة صدور القول، ومجيء التحذير للكافر من جهات وأشخاص مختلفين، فيأتيه الإنذار من داخل بيته وأسرته وفي السوق والنادي والحضر مطلقاً والسفر.
السابع: إنعدام الترديد واللبس في الإنذار القرآني، وهو من رحمة الله عز وجل بالناس جميعاً.
الثامن: بعث اليأس في قلوب الكفار من إرتداد بعض المسلمين، لأن التلاوة شاهد على ثبات المسلمين على الإيمان، قال تعالى[وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا]( ).
الخامس: من الإعجاز الغيري في تلاوة هذه الآية أداء المسلمين لوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتلاوة هذه الآية شاهد على أن ميدانهما أعم من أن ينحصر بالمسلمين بل يشمل الناس جميعاً.
السادس: العذاب الذي ينزل بالكفار بتلاوة الآية وتسبيبها للحسرة والألم والغيظ في نفوسهم مقدمة للعذاب الأخروي.
السابع: عذاب الكفار الذي يترشح من سماع هذه الآية تحذير وإنذار من العذاب الأخروي، ومناسبة للوقاية منه.
ومن إعجاز الآية أنها جاءت بكيفية هذه الوقاية التي تنحصر بالتوبة والإنابة.
الثامن: قد يظن فريق من الكفار أنه يستطيع مواجهة ومحاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه من المؤمنين , فجاءت هذه الآية لبعث اليأس في نفسه وزجره عن تحمل أوزار إضافية.
التاسع: تمنع الآية من الحيرة والتردد، إذ جاءت بالنقض والإبرام، وتضمنت الوعيد بالعذاب لمن يبقى على الكفر والضلالة، والترغيب بالسلامة والنجاة بالتوبة والإنابة، والإمتثال لأوامر الله عز وجل , وطاعة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , قال تعالى[وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا]( ).
العاشر: دعوة الناس للتفقه في الدين، ومعرفة قبح ما يترشح عن الكفر، فالظلم وحده يستلزم الترك والنفرة منه، مما يستلزم ترك الأصل وهو الكفر، والتنزه عنه.
وفي الآية بشارة وإرشاد أنه بترك الكفر، وبتحقق توبة الناس، ينتفي الظلم من الأرض، وتمتلأ الأرض بالعدل والإحسان وتسود قيم الإيمان والصلاح، وهو الأمر الذي يجعل الكفار يستحقون العذاب لأنهم يحولون دون إنتفاع الناس من العدل والإنصاف.
قانون”الآية ومدد الملائكة’’
كانت قريش تسمي من يدخل في دين الإسلام مصبواً، ويسمون المسلمين الصباة) ( )، ويدل على أمور:
الأول: دخول المسلمين الإسلام أفراداً.
الثاني: عدم رضا رؤساء الكفر والضلالة عمن يتبع النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم في رسالته.
الثالث : إعتياد عامة الناس على الكفر وحاجتهم لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كمنقذ لهم وللأجيال اللاحقة.
الرابع: الكثرة والعدد مع قريش.
الخامس:إستعداد قريش للبطش والإنتقام.
وفعلاً ما أن مرت نحو ثمانية عشر شهراً على هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة المنورة ولحقه المهاجرون من مكة وحواليها، حتى خرجت قريش بجيوش عظيمة للقضاء على الإسلام، ولا بد أن قريشاً كانت تعرف عدد المسلمين وعدتهم والنقص في أسلحتهم ورواحلهم ومؤنهم خصوصاً وأن بعض أعداء الإسلام كانوا كالعيون للكفار في نقل أخبار المسلمين، والتجسس على عوراتهم.
فسارت قريش في السنة الثانية لهجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بجيش من ثلاثة أضعاف عدد المسلمين ومزود بالسيوف والأسلحة الكافية، وكأنها تركت النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين حتى إستقر الإسلام في مدينة مخصوصة وهي يثرب فزحفت من مكة للإجهاز عليهم مرة واحدة، ولتمنع من إنتشار الإسلام، وتوقف نزول الوحي والآيات القرآنية على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فنزل الملائكة مدداً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من السماء، وبين القوتين تباين من وجوه منها:
الأول: بينما كانت قدرات جيوش قريش القتالية يوم بدر عالية وتبعث الرعب, والمؤمنون قلة ، نزل الملائكة بقوة غير متناهية , لتصاب جيوش قريش ومن معها بالوهن والفزع والإرباك , ليكون من عمومات قوله تعالى [وَلَوْ قَاتَلَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوْا الأَدْبَارَ] ( ).
الثاني: إحتاجت قريش ومن معها من الجيوش أياماً عديدة لقطع المسافة في سفر معصية بين مكة والمدينة، وليس ثمة مسافة أو زمان في نزول الملائكة , قال تعالى[إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ] ( )، وهذه الآية في واقعة بدر .
الثالث: تقاتل قريش على الباطل والكفر، وتنزل الملائكة لهزيمة الكفار، إن مدد الملائكة للمؤمنين من أصدق معاني التعذيب للكفار.
فمن الآيات في الإرادة التكوينية أن الأمر المتحد يكون للمتعدد من البشارة والإنذار، إذ يتعلق المدد الملكوتي بالأطراف الأربعة لهذه الآية وهي:
الأول: قوله تعالى(ليس لك من الأمر شيء) وفيه مسائل:
الأولى: يتضمن الخطاب معاني الكفاية والنصرة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وأهل بيته، وهو من عمومات قوله تعالى[أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ] ( ).
الثانية: نزول الملائكة إلى الأرض للنصرة أمر لا يقدر عليه إلا الله، ويتبين من النصوص أن قتال وفعل الملائكة في ميدان المعركة ليس بأوامر من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بل بأمر من الله (وعن ابن عباس: أن الملائكة قاتلت يوم بدر وقَتلت) ( ).
الثالثة: نزول الملائكة مدداً شاهد على أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم أدى وظائفه الرسالية في التبليغ والبشارة والإنذار، وصار ميدان القتال أواناً ومناسبة لرؤية مصداق البشارة للمسلمين في أشد أحوال القتال، وفرد من أفراد الإنذار للكفار في ساعة بطشهم وإرادتهم الإنتقام من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه.
الرابعة: بشارة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بمجيء المدد السماوي والذي يتضمن التخفيف عنه وعن أصحابه، وثبوت النصر في المعركة.
الخامسة: (ليس لك من الأمر شيء) فإن الله سيتوب على الذين يدخلون الإسلام من الكفار حين رؤية آية نزول الملائكة مدداً لك ولأصحابك، ويعذب الذين يصرون على البقاء في منازل الكفر والجحود.
السادسة: بعث السكينة في نفوس أصحاب النبي فلا يستلزم الأمر بذل الوسع والمشقة لحثهم على الصبر والمرابطة ومنع الفشل والخور والجبن، إذ أن نزول الملائكة علة للنصر الذي هو كالمعلول الذي لا يتخلف عن علته وهو من عمومات ولاية الله في قوله تعالى[إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا] ( ).
الثاني: المدد الملكوتي وسيلة سماوية لتوبة الكفار، ومقدمة لقوله تعالى(أو يتوب عليهم)، وتأتي التوبة بلحاظ نزول الملائكة في ميدان القتال من جهات:
الأولى: رؤية معجزة حسية عظيمة بإشتراك الملائكة في القتال، وحتى على القول بإن الملائكة لم يقاتلوا فإن حضورهم للنصرة والمعونة حجة وبرهان على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثانية: تجلي معالم نصر المؤمنين في المعركة بخلاف أسباب العدد والعدة.
الثالثة: دنو الموت من الكفار، وعجزهم عن مواجهة الملائكة.
الرابعة: حضور الشواهد على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الخامسة: نصرة الملائكة للمسلمين، وما فيها من مفاهيم العز والترغيب بالإسلام.
السادسة: إدراك الكفار مجتمعين ومتفرقين أنهم عرضة للقتل، ويلتفتون إلى لزوم المبادرة إلى التوبة، والإنتفاع منها كوسيلة للأمن والنجاة.
الثالث: المدد الملكوتي حجة ومناسبة لقوله تعالى(أو يعذبهم) وفيه مسائل:
الأولى: نزول الملائكة بذاته عذاب للكفار، فلو لم يكن إلا نزولهم وحضورهم لميدان المعركة، وإدراك كفار قريش أو بعضهم أن الملائكة موجودون فإنه خزي وعذاب للكفار.
الثانية: قتل الملائكة لعدد من الكفار وفيه وجوه :
الأول: إنه عذاب لمن قتل من الكفار، وهل ينجو الكافر الذي تقتله الملائكة من العذاب الأخروي , الجواب لا، فإن الكافر يؤخذ بأشد الأحوال، وجاءت الآيات بحشر ودخول الكفار بالنار، ولا دليل على التخصيص، أو خروج فريق منهم بالتخصص أو الإستثناء هذا الإطلاق قال تعالى[وَمَنْ يُشَاقِقْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ]( )، وعن ابن عباس في الدنيا بالإهلاك وفي الآخرة بالتخليد في النار.
الثاني: فيه عذاب للأحياء من الكفار لقتل صناديدهم وأبطالهم، وهذا العذاب لا ينحصر بالكفار الذين في ميدان المعركة بل يشمل الذين من خلفهم، والذين تصل لهم أخبار القتل هذه.
ومن الآيات أن هذا العذاب متجدد يتعلق بالأجيال المتعاقبة للكفار، ويدعوهم للتوبة والإنابة، ومن يصر على الكفر فإنه حينما يسمع هذه الآية أو الآيات التي تبين نصرة الملائكة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقتلها للكفار فإنه يصاب بالفزعـ ويستولي عليه الخوف المقرون بالخزي والذل.
الثالث: إمتلاء قلوب الكفار بالرعب والألم، وإصابة بعضهم بالجروح، قال تعالى[سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ] ( )، أي الأطراف من اليدين والرجلين كما عن ابن عباس، وتدل الآية أعلاه على أن عذاب الكفار لم يأت من الملائكة وحدهم بل جاء من عند الله، فأول ما يأتي للكفار من العذاب هو من عند الله عز وجل ببعث الرعب والفزع في قلوبهم، وفيه مسائل:
الأولى: إن الرعب يملأ قلوب الكفار فيترشح على الجوانح والجوارح منهم.
الثانية: تغشي ونزول الرعب بجميع الكفار الذين حضروا معركة بدر وفي الآية حذف وتقديره: سألقي في قلوب الذين كفروا الذين حضروا معركة بدر الرعب.
الثالثة: جاءت الآية بحرف الإستقبال السين، ويفيد المستقبل القريب بينما تفيد(سوف) المستقبل البعيد، ويحتمل الرعب الذي ينزل بالكفار وجوهاً:
الأول: أوانه وإبتداؤه قبل وقوع المعركة.
الثاني: بعد بدء المعركة وقبل ضرب الملائكة لهم.
الثالث: أثناء قتال الملائكة وضربهم وقتلهم للكفار.
الرابع: بعد قتل الملائكة للكفار، وقبل إنقضاء المعركة.
الخامس: عند إنقضاء المعركة، وأثناء فرار الكفار.
والصحيح هو الأول والثاني مع إستمرار الرعب في قلوب الكفار ، نعم عند بدء المعركة يكون الرعب أشد وأكثر، ومن الشواهد عليه:
الأول: الوقائع التي إبتدأت بها معركة بدر، وفي قوله تعالى[وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ] ( )،(قيل أن قريشاً وردوا بدراً ليروا الناس أنهم لا يبالون بالمسلمين، وفي قلوبهم من الرعب ما فيه فسمى الله سبحانه ذلك رئاء) ( ).
الثاني: تخلف الشيطان عن نصرة قريش بعد أن حرضها ووسوس لها قال تعالى[فَلَمَّا تَرَاءَتْ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ]( )، إذ رأى إبليس الملائكة وقد نزلوا للقتال، وكان يعرفهم ويعرفونه(وعن ابن عباس: فلما رأى إبليس الملائكة نزلوا من السماء وعلم أنه لا طاقة له بهم نكص على عقبيه) ( ).
الثالث: أصالة الإطلاق في اللفظ القرآني وإرادة المعنى الأعم.
الرابعة: بعث الرعب والفزع في قلوب الكفار رأفة من الله بهم، وتحذيراً من دخول المعركة ومحاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه.
الخامسة: الرعب إنذار لنزول العذاب الإلهي بالكفار، وهو مقدمة لنزول الملائكة وتنبيه للكفار للتوبة والإنابة.
السادسة: رؤية الكفار للمسلمين متسلحين بالإيمان، فهم مع قلة عددهم وعدتهم عازمون على القتال والجهاد في سبيل الله وإلى جانب قتال الملائكة فإنهم كانوا يقومون بأمور:
الأول: بعث الرعب في قلوب الكفار ومؤازرة المؤمنين(ورد عن مقسم عن ابن عباس قال كان الذي أسر العباس أبا اليسر كعب بن عمرو أخا بني سلمة و كان أبو اليسر رجلا مجموعا و كان العباس رجلا جسيما فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) لأبي اليسر : كيف أسرت العباس يا أبا اليسر؟ فقال : يا رسول الله لقد أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ذلك و لا بعده هيأته كذا و كذا فقال (صلى الله عليه وآله وسلّم) لقد أعانك عليه ملك كريم) ( ).
الثاني: مصاحبة جبرئيل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المعركة، وتلك المصاحبة ذات نفع متعدد إذ أنه ينزل بأمور:
الأول: الوحي والإرشاد للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: إلقاء آيات القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سواء التي تخص المعركة وشؤون القتال وما يتعلق بالأحكام وغيرها مما يكون أمارة على النجاة من الهزيمة والخسارة، وبشارة الظفر والنصر.
الثالث: قتال جبرئيل إلى جانب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين.
الرابع: الذب عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتعاهد سلامته ونجاته، فينزل جبرئيل بالقرآن وبالوسائط والأسباب التي يتم معها نزوله، وهو من الإعجاز في نزول القرآن نجوماً.
وتلك مسألة عقائدية مستحدثة أي من منافع نزوله نجوماً تعاهد سلامة وحياة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليستمر نزول القرآن عليه ولأن وظيفته في تلقي القرآن وتبليغه له لم تنته بعد، (وعن ابن عباس: لما نزلت(إذا جاء نصر الله) قال النبي نعيت إلي نفسي بأنها مقبوضة في هذه السنة) ( )، (و روى عكرمة عن ابن عباس أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) قال يوم بدر هذا جبرائيل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب) ( ) عن البخاري، وقد أخبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه عن حضور جبرئيل وتهيئة للقتال لبعث السكينة في نفوسهم، وهو معجزة وتحد، ودعوة للمسلمين للخروج تحت لوائه لقتال الكفار.
الثالث: قيام جبرئيل بالوحي إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بخصوص كيفية القتال، وفي قوله تعالى[وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى] ( )، أن جبرئيل قال للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يوم بدر: خذ قبضة من تراب فأرمهم بها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لما إلتقى الجمعان لعلي أعطني قبضة من حصا الوادي فناوله كفاً من حصا عليه تراب فرمى به في وجوه القوم وقال شاهت الوجوه، فلم يبق مشرك إلا دخل في عينه وفمه ومنخريه منها شيء، ثم ردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم وكانت تلك الرمية سبب هزيمة القوم) ( ).
وعن أنس وقتاده(ذكر لنا أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم) أخذ يوم بدر ثلاث حصيات فرمى بحصاة في ميمنة القوم و حصاة في ميسرة القوم و حصاة بين أظهرهم و قال شاهت الوجوه فانهزموا) ( )، وقد نزل جبرئيل لهلاك قوم لوط، وقيل أنه أهلكهم بريشة واحدة من جناحه، ولكنه خرج مع النبي محمد وأصحابه ليبقى المسلمون يقاتلون في سبيل الله إلى يوم القيامة، ويلقى الكفار العذاب من عند الله وعلى أيديهم، ولتبدأ مرتبة جديدة لأهل الإيمان تتجلى بالجهاد الذي يتعقبه الظفر لتثبيت أحكام الإسلام، وبقاء كلمة التوحيد في الأرض، وهو من عمومات قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
وفي مدد الملائكة للمسلمين درس كلامي لدلالته على حاجة الملائكة لله عز وجل، وأنهم لا يستغنون عنها في القتال في الأرض، مع أن قدرات الملك الواحد عظيمة، قال تعالى[إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلاَئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا]( )، أي أن الله عز وجل يمد الملائكة بأسباب النصر.
قانون”عجز الكفار من العذاب’’
تضمنت الآية الوعيد بتعذيب الكفار، وأن هذا التعذيب من عند الله تعالى، فهو الذي يتولى عذاب الكفار لإصرارهم على معصية الله، ومخالفتهم علة الخلق، قال تعالى[وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( )، وهذه المخالفة مركبة من وجوه:
الأول: إمتناعهم بالإختيار عن عبادة الله.
الثاني: مجيء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالمعجزات التي تدل على صدق نبوته.
الثالث: محاربة الكفار للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين.
الرابع: قبح الغايات التي يحارب من أجلها الكفار، فهم يريدون قتل النبي والقضاء على الإسلام في أيام الدعوة الأولى.
الخامس: إعراض الكفار عن البشارات والإنذارات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
السادس: عدم إنتفاع الكفار من فتح باب التوبة لهم، وإصرارهم على الكفر والجحود، والإمتناع عن عبادة الله التي هي وسيلة النجاة .
السابع: تخلف الكفار عن الإقتداء بالمسلمين في سنن الإيمان والصلاح، فجاءت هذه الآية بلغة الخطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وتتضمن الوعيد للكافرين.
ترى لماذا لم يأت الوعيد بصيغة الخطاب للكفار مباشرة فتقول لهم(أو يعذبكم فأنتم ظالمون) الجواب على وجوه:
الأول: لغة الخطاب في الآية إكرام وتشريف للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والمسلمين، قال تعالى[وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ]( ).
الثاني: مضامين الآية بشارة وسكينة للنبي محمد وأصحابه.
الثالث: الإطلاق الزماني لمضامين الآية الكريمة وما يترتب عليها من الأثر والنفع العظيم فهي مصاحبة لأفراد الزمان الطولية، لتكون بشارة لأجيال المسلمين المتعاقبة، وتخويفاً وحزناً للكفار في كل زمان.
الرابع: الآية وعد كريم ومعجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودعوة للناس للتصديق بنبوته لما فيها من الوعيد للكفار، وتحقيق مصاديق هذا الوعيد في الخارج بالمعجزة ومنها نزول الملائكة للقتال ونصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه.
الخامس: دعوة المسلمين للقيام بإنذار الكفار ودعوتهم للتوبة والإنابة، فالأصل في الخطاب القرآني للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه عام للمسلمين إلا أن يرد دليل خاص على إرادة خصوص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلى نحو التعيين.
ومع أن حياة الإنسان في الدنيا من المحدود والمتناهي إلا أن العذاب الذي يلقاه الكفار فيها ليس له حد سواء في موضوعه أوكيفيته أو أوانه.
ويمكن تقسيم العذاب الدنيوي الذي يلحق الكفار إلى قسمين:
القسم الأول: العذاب الذاتي وهو على وجوه:
الأول: عند خروج الكفار لقتال المسلمين وفي ميدان المعركة، وجاءت آيات القرآن لبيان مراتب هذا العذاب بأن يبدأ بالتردد من الخروج للمعركة نتيجة الفزع والخوف ولإدراك حقيقة وهي إنتفاء الثمرة من الخروج لقتال المسلمين.
الثاني: إمتناع أفراد القبائل عن الخروج، وعدم الإستجابة لدعوة رؤساء الكفر والضلالة لقتال المسلمين.
الثالث: الخسارة المالية التي تلحق الكافر بخروجه إلى القتال، وتعطيل التجارة والمكاسب العامة عند الكفار.
الرابع: الفرقة بين أفراد جيش الكفار، وحصول الخلاف لأسباب قبلية عصبية , قال تعالى[بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى] ( ).
الخامس: وقوع القتل الذريع بالكفار حالما تبدأ المعركة.
السادس: هزيمة الكفار، وعجزهم عن الإنسحاب المنظم.
السابع: لحوق الذل والخزي بالكفار في المنتديات وتنظيم قصائد الشعر التي توثق تلك المعارك، وهزيمة الكفار.
الثامن: إصابة الكفار بالضعف والوهن.
القسم الثاني: العذاب الغيري: وهو الذي يلقاه الكفار بالواسطة، ومن الغير وهو على وجوه:
الأول: دخول أبناء وبنات الكفار في الإسلام، فمع أوزار الذل والهوان التي يعود بها الكافر إلى بيته قادماً من المعركة، يفاجيء بدخول أولاده وأفراد أسرته الإسلام.
ومن الإعجاز في المقام إصابته بالضعف والعجز عن صدهم والبطش بهم، خصوصاً وأنه أدرك المعجزات بالحواس والدلالات البينات.
الثاني: متابعة الناس لأخبار النبوة، وتناقلها للوقائع والمعارك التي خاضها المسلمون.
الثالث: شيوع وإنتشار آيات القرآن، وتلاوة وقراءة الناس لها، والإصغاء لها طوعاً وإنطباقاً، والتدبر في معانيها.
الرابع: هجرة الشباب المؤمن إلى المدينة المنورة، ولحوقهم بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الخامس: إزدياد قوة المسلمين وكثرة عددهم وأموالهم ومجيء الغنائم إليهم.
السادس: تجلي معاني الأخوة بين المسلمين، وهجرانهم للعصبية القبلية والعداوات والثأر المترشح عنها , قال تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ]( ).
السابع: دخول الناس أفراداً وجماعات في الإسلام وقوله تعالى[إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا] ( )،يتضمن في مفهومه مسائل:
الأولى: رؤية الكفار لدخول الناس الإسلام.
الثانية: إصابة الكفار بالحزن لترك فريق من الناس منازل الجحود.
الثالثة: إنحسار الفساد من الأرض.
الرابعة: عجز رؤساء الضلالة عن أمور منها:
الأول: بلوغ آيات القرآن وأخبار النبوة إلى الناس.
الثاني:صد الناس عن دخول الإسلام.
الثالث: إيجاد الأعوان والأنصار لمحاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين.
الرابع: دخول الإسلام إلى بيوتهم.
الخامس: مقاومة جحافل المجاهدين.
السادس: منع المسلمين من أداء وظائفهم العبادية البدنية الظاهرة كالصلاة والصوم.
الثامن: ظهور دولة الإسلام، وإنتشار مبادئه.
التاسع: أداء المسلمين العبادات بأمن وسلام.
العاشر: منع الخسارة التي تلحق بهم، والأضرار في زراعاتهم وتجاراتهم، والنقص في أموالهم، وعدم إنتفاعهم منها في دفع العذاب الإلهي، وهو من مصاديق العذاب الوارد في هذه الآية وقال تعالى[لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا] ( ).
ومن الآيات أن عجز الكفار على وجوه:
الأول: إنه عذاب بالذات والأصل، كما في تعريضهم للقتل ووقوع فريق منهم في الأسر، لأن الأسر عذاب لكل من:
الأول: الكافر الذي يقع في الأسر.
الثاني: الجيش الذي يفتقد عدداً من جنوده أسرى.
الثالث: ذ وو الأسير ومن خلفه.
الرابع: حال الهداية التي تطرأ على الأسير بعد رؤيتهم المسلمين في عباداتهم ومناسكهم وصلاحهم، وإن رجع الأسير إلى قومه فإنه يكون داعية إلى الله، ورسولاً إلى قومه ينقل لهم المعجزات وأخبار النبوة، ويعجز الكفار عن منع وصولها إلى بيوتهم وذراريهم.
وتدل أخبار السيرة والوقائع على صيرورة أخبار النبوة والتنزيل حديث منتدياتهم ومجالسهم، وأهم ما يتناقله الركبان،فبدل قصائد الشعر وأخبار الحوادث الماضية، جاءت معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحاضرة لتجذب الحواس والعقول.
الحادي عشر: إنتفاء القدرة عن دفع العذاب الأخروي، فيدرك الكافر ما ينتظره من العذاب، وعجزه عن دفعه عن نفسه وعن أعوانه وأصحابه الكفار.
قانون”السيف من العذاب’’
لقد بدأ نزول القرآن بآيات التوحيد، ومعاني الإنذار والوعيد للقوم الكافرين، وكانت كل آية صاعقة تدخل منتدياتهم، ويترشح عنها أمران:
الأول: ما يتصف بالحسن الذاتي أو العرضي أو هما معاً، وفيه وجوه:
الأول: مبادرة عدد منهم للتوبة ودخول الإسلام والصلاح.
الثاني: التسليم بصدق نزولها من عند الله لما فيها من الإعجاز البلاغي والعقلي والحسي.
الثالث: الإنصات لآيات القرآن والتدبر في معانيها.
الرابع: الذب عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ودفع الأذى والكيد عنه.
الخامس: تناقل آيات القرآن وما فيها معجزات وأخبار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بصيغ الإيمان بها.
السادس : بشارة نجاة النبي محمد من الكفار وهم بقوتهم وبطشهم , والإسلام في أيامه الأولى .
الثاني: فعل الكفار الذي يتصف بالظلم والتعدي وهو:
الأول: إصرار الكفار على الجحود.
الثاني: التعدي على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بالشتم والضرب، وقد مات أبو وأم عمار بن ياسر تحت التعذيب، روى البلاذري عن أم هانئ رضي الله عنها: أن عمار بن ياسر وأباه ياسراً وأخاه عبد الله بن ياسر وسمية بنت عمار كانوا يعذبون في الله، فمر بهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة، فمات ياسر في العذاب وأغلظت سمية لأبي جهل فطعنها في قلبها فماتت، ورمي عبد الله فسقط) ( ).
الثالث: الإستهزاء بآيات القرآن، وإنكار نزولها، ليكون العذاب الذي تذكره هذه الآية إنتقاماً من الكفار على سوء تلقيهم للتنزيل قال تعالى[قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ]( ).
الرابع: جمع الجيوش ضد الإسلام.
الخامس: محاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بالسيف، والسعي المتصل للإجهاز على الإسلام وإستئصال المسلمين فواجه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنون تعدي الكفار بالصبر والتحمل، والإنقطاع إلى العبادة، وهذا الصبر مدرسة قائمة بذاتها في الدعوة إلى الله عز وجل .
فإن قلت إن الله قال(ليس لك من الأمر شيء) فهل يدل على عدم موضوعية الصبر في توبة الكفار أو عذابهم، والجواب إن الآية أعلاه لا تتعارض من الأوامر الإلهية بلزوم إتيان الفرائض والعبادات، وهي في طولها أي أن إنقطاع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون للعبادة، وتحليهم بالصبر سبب لنزول الرحمة الإلهية، ودفع لكيد الكفار قال تعالى[وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ] ( )، ومن مصاديق الصبر بلحاظ مضامين هذه الآية وجوه:
الأول: إتخاذ السيف وسيلة لتثبيت دعائم الدين.
الثاني: دعوة الناس لدخول الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة.
الثالث: التحلي بالأخلاق الحميدة، وتحمل الأذى في جنب الله، قال تعالى[وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ]( ).
الرابع: إستقبال الداخلين في الإسلام بمصاديق الأخوة والتنزه عن الضغائن، قال تعالى[فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا] ( ).
الخامس: بذل الوسع في الوعظ والإنذار والإحتجاج.
السادس: تلاوة آيات القرآن، وتعاهد العبادات والفرائض.
السابع : هداية فريق من الكفار، ورمي من يبقى منهم على الكفر بالعذاب.
ولو دار الأمر في عذاب الكفار بين القلة والكثرة، والضعف والقوة، فيحمل على أشد أنواع العذاب، وبما يجعل الكفار عاجزين عن الهجوم والتعدي مرة أخرى، وأن قاموا بالتعدي فإنه يكون على نحو المرة الواحدة والأمر المتحد والأبتر، فنزلت الآية في واقعة أحد، ولم تجر بعدها إلا معركة الخندق ولم يكن فيها قتال يعتد به، ولم يلتق الجيشان، بل رجع الكفار خائبين، ولم يعودوا بعدها للهجوم والتعدي على المدينة المنورة .
لتؤسس هذه الآية قانوناً كلياً ثابتاً يتجلى بخزي الكفار، والنقص الدائم والمتصل في عددهم وعدتهم ويأتيهم النقص على وجوه:
الأول: هلاك فريق منهم، بالقتل في ميادين المعارك.
الثاني: تعرض عدد منهم للأسر.
الثالث: دخول جماعات منهم الإسلام.
الرابع: تخلف أولادهم عن نصرتهم وإعانتهم.
الخامس: النقص والتلف في أموالهم والذي يكون سبباً في نقص عددهم، وبرزخاً دون كثرة نسلهم وأولادهم.
السادس: دخول قبائل وقرى في الإسلام، وعجز الكفار عن صدهم ومنعهم عن الإسلام.
السابع: تخلف الكفار عن فنون ومهارات القتال، وإصابتهم بالفزع والخوف.
الثامن: ظلم الكفار لأنفسهم علة لهلاكهم، وسبب لإصابتهم بالوهن والضعف قال تعالى[هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ] ( ).
التاسع: هلاك الكفار بسيوف المسلمين في سوح المعارك وهو من عمومات قوله تعالى ( أو يعذبهم ) الذي جاء في هذه الآية، بلحاظ أمور:
الأول: إن العذاب الذي تذكره الآية أعم من أن ينحصر بالعذاب الأخروي، فهو يشمل أيام الحياة الدنيا.
الثاني: يقاتل المسلمون في سبيل الله، قال تعالى[وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ]( ).
الثالث: سيوف المسلمين طريق لتوبة الكفار، من جهات:
الأولى: الدلالة على ثبات مبادئ الإسلام.
الثانية: إستحواذ اليأس على نفوس الكفار من إرتداد فريق من المسلمين .
الثالثة: مواصلة المسلمين الجهاد مقدمة لإتساع رقعة الإسلام، ودخول الناس فيه.
الرابعة: إدراك الكفار لحقيقة وهي إنحصار نجاتهم من القتل والعذاب بالتوبة والإنابة.
الخامسة: ترغيب الناس بدخول الإسلام، لأن السيف عنوان الشجاعة والقوة والفتوة.
العاشر: رجحان كفة المسلمين بإزدياد قوتهم وكثرة عددهم، وإستبانة معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعجز الكفار عن إخفائها وتحريفها.

مشاركة

Facebook
Twitter
Pinterest
LinkedIn

مواضيع ﺫات صلة