معالم الإيمان في تفسير القرآن – الجزء- 197

المقدمة
الحمد لله فاطر السموات والأرض الذي رزق الإنسان بعد نعمة الخلق والإيجاد الخلافة في الأرض من غير فترة بينهما، إذ لازمت صفة الخلافة آدم قبل أن يهبط إلى الأرض، قال تعالى[إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، وفضّل الإنسان على كثير من خلقه.
الحمد لله كما هو أهله ومستحقه بآلائه اللامتناهية، وصلواته على خير خلقه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والذي ورد عنه أنه قال: لا إله إلا الله نصف الميزان، والحمد لله ملؤه)( ).
الحمد لله الذي لقّن آدم الحمد له تعالى إذ نفخ فيه من روحه وعطس آدم فقال: الحمد لله رب العالمين، ليكون الحمد الوثيقة الدائمة بين الله وذرية آدم في الدنيا والآخرة إذ جاءت الشهادة ذات صفة البشارة للمسلمين بقوله تعالى[وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ]( ).
الحمد لله الذي عرشه في السماء وهو أقرب إلينا من حبل الوريد، وأخبر المظلومين والمستضعفين وأهل المناجاة بحضوره في كل مكان قال تعالى[فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ]( )، وجعل آياته رحمة وسبيل هداية، وآلة جذب للتوبة والإنابة، ونفياً للند والشريك
ففي كل شـــــــيء له آية تدل على أنه واحـــــــــــــــد( ).
الحمد لله على عظيم مننه وتوالي إحسانه، وسعة رزقه وإتصال حلمه ونبرأ إليه سبحانه من الحول والقوة، ونسـتعينه للأمن من المخاوف والمكروه في الدنيا، والأهوال والشدائد في الآخرة.
الحمد لله الكبير المتعال، الغني عن الخلائق أجمعين، والذي جعل حرمة الربا رحمة للعالمين من وجوه:
الأول: إنها إختبار للعباد، ودعوة لعفة البطن والفرج، قال تعالى[قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ]( ).
الثاني: إنها تذكرة لأولي القلوب والأبصار.
الثالث: إنها تبصرة وحجة لأهل الإيمان.
الرابع: إنها مناسبة للإتعاظ والإعتبار.
الخامس: فيها شهادة بزهد الصالحين وعلو منزلة الأبرار.
السادس: إنها وسيلة لملازمة اليقظة والأدكار.
السابع: إجتناب الربا مصداق لطاعة الله.
الثامن: ترك الربا واقية من سخط الله وهو العزيز الجبار، قال تعالى[وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى]( ).
التاسع: لقد أراد الله من ترك الربا أن يكون زاداً مباركاً نامياً لدار القرار.
وأشهد أن لا إله إلا الله الواسع الكريم الذي تفضل عليّ بهذا الصرح العلمي الذي لم يشهد له التأريخ مثيلاً، وجعله في علوم كتابه المنزل، وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم عبده ورسوله، وحبيبه وخيرته من خلقه الداعي إلى الدين القويم، والشفيع من بين الأنبياء لأهل الكبائر قال صلى الله عليه وآله وسلم: إنما إدخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)( ).
الحمد لله في السراء والضراء، الذي جعل آية البحث وهي(لا تأكلوا ربا) واقية من الظلم والبطش، وحرزاً من غلبة النفس الشهوية والغضبية في المعاملات والصلات الإجتماعية.
وهذا الجعل من لطف الله بالعباد وعمومات قوله تعالى[إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( )، عندما رد على الملائكة الذين إحتجوا على جعل آدم عليه السلام خليفة في الأرض.
ومن اللطف الإلهي عليّ وعلى المسلمين في المقام أن هذا الجزء هو الرابع في تفسير هذه الآية وكلها علوم مستنبطة من ذات الآية الكريمة لتكون هذه الأجزاء مدرسة في السياحة في ذخائر آيات القرآن، وإستقراء المسائل والعلوم من كنوزها بما فيه النفع العام للإنسانية.
ويقال ربا المال إذا زاد وإرتفع، والاسم الرَّّبا مقصور، وهو في الإصطلاح الشرعي الزيادة على أصل القرض والمال من غير عقد سائغ شرعاً.
وجاءت آية البحث بالنهي عن أكل الربا، وتدل في مفهومها على أمور:
الأمر الأول: القبح الذاتي للزيادة الربوية وأنها ضرر وأذى محض، ويسمى آكل الربا المرُبي لأنه يسعى في نماء ماله بالربا والفائدة على أصل المال من غير كسب أو سعي.
الأمر الثاني: إمضاء الإسلام للملكية الفردية، والإستقلال في الكسب وجمع الأموال ولكن بالطرق المشروعة، ليكون من عمومات ومستلزمات الخلافة في الأرض، وهو شاهد على إرادة الله إصلاح الناس في معاملاتهم، وهذا الإصلاح مطلوب بذاته، ومقدمة لأدائهم العبادات والتوفيق في الخيرات.
وهو من عمومات قول الله تعالى الوارد أعلاه، حينما رد على الملائكة الذين إحتجوا على جعل الإنسان[فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، وموضوع الإحتجاج أن الإنسان يفسد في الأرض ويسفك الدماء، والربا من وجوه الفساد.
لتكون آية البحث من الشواهد على علم الله عز وجل بأنه ينزل الكتاب لتنزيه الأرض من الفساد، وبيان طريق السلامة في الدنيا والآخرة.
وكل شريعة من الشرائع السماوية جاءت بأمور مجتمعة:
الأول: حق الملكية الفردية.
الثاني: حرمة الربا.
الثالث: الزكاة، وإعانة الفقراء من المال الخاص وورد في التنزيل حكاية عن عيسى عليه السلام[وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا]( )، بأن يتوجه المسلمون عدة مرات في اليوم بالدعاء إلى الله في الصلاة وعلى نحو الوجوب[أهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]( )، وإن قصد من القراءة القرآنية.
ومن أبهى معاني الإستقامة الإمتناع عن الربا، وما يفتحه من أبواب للكسب الحلال.
الأمر الثالث: هداية المسلمين للصلات الإجتماعية القائمة على التعاون والتعاضد والمودة، والتآزر في سبل التجارات والصناعات، قال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم بمنزلة الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) ( ).
وتتجلى هذه المعاني الأخلاقية السامية في الإمتناع عن الربا، وهذا الإمتناع مطلق وعام وشامل للناس جميعاً، والعموم في المقام من الإعجاز في أحكام الإسلام والشواهد على أنه الشريعة الباقية إلى يوم القيامة وعمومات قوله تعالى[إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ]( )، بلحاظ التداخل في هذا الزمان بين أهل الملل والنحل وحصول التمايز والفصل بين الناس بلحاظ المواطنة والإنتساب إلى أقطار وقوميات، وتلك الأوطان والقوميات فيها مذاهب وملل مختلفة.
فتجد في الوطن الواحد المسلم والكتابي وغيرهما، وكذا في القومية الواحدة، والتجمعات السياسية والإقتصادية، وظهرت سنن وقواعد جديدة في توثيق الصلات وفق مفاهيم المواطنة والإنتماءات المتعددة.
وهل تتعارض مع سنن الأخوة والمودة والتعاضد التي تتضمنها في قوله تعالى[إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ]( )، الجواب لا، فإنها في طولها ومن أسباب توثيقها.
ومن الشواهد مجيء الإسلام بحرمة الربا رأفة بالناس جميعاً، ولم يبق من أهل الملل السماوية من يتقيد بحرمة الربا إلا أهل الإسلام، وهو من الدلائل على حاجة الناس لسلامة القرآن من التحريف، وسيبقى قوله تعالى[لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ]( )، منبراً إعلامياً يذكر الناس بوظائفهم العبادية والإجتماعية والإقتصادية، ويضع موضوعية للقيم السماوية في المعاملات.
الرابع: تقييد الملكية الفردية بأحكام الحلال والحرام، وعمومات القاعدة المستقرأة من قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: لا ضرر ولا ضرار)( ).
وقيل أن منع الإسلام للربا حرب على النظم الرأسمالية التي يشيع فيها الربا، ولا دليل على هذا القول، والإسلام موجود في تشريعه وأنظمته وأحكامه قبل أن توجد هذه الأنظمة بأكثر من ألف عام.
ولا تعارض بين المذاهب الإقتصادية والتجارية في العالم وبين الإسلام، إلا في موارد الإختلاف، لأن أحكام الإسلام ترتكز على الأوامر والنواهي الإلهية ويصاحب الأوامر جلب المصلحة، ويصاحب إرتكاب الفعل المنهي عنه حلول المفسدة ونزول البلاء.
وتلك الأنظمة تعتمد الربح ونماء الأموال أصلاً في قواعدها وقوانينها، وتزول الأنظمة الإقتصادية الوضعية والتجريبية، كما زالت أنظمة الإقتصاد الإشتراكي من غير علة، مع عجزها على مدى سبعين سنة من تطبيق نظرياتها الإقتصادية مع ثني الوسادة لها المقترن بالقسوة والقهر ومحاربة الدين مما يدل على تخلف تلك النظريات في الواقع العملي، ولكن حكم حرمة الربا يتغشى أفراد الزمان الطولية الماضي والحاضر والمستقبل القريب والبعيد.
الخامس: جاء آية البحث حربا على النهب والإحتكار، وبرزخاً دون إستحداث الفقر والعوز بسبب شروط الربا الجائرة، وما يترشح عن الفقر من الجهل والمرض والإستضعاف، وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: كاد الفقر أن يكون كفرا وكاد الحسد أن يغلب القدر) ( ).
السادس: تبعث آية البحث على السعي في طلب المعيشة، وعلى إستحضار أحكام الشريعة في البيع والشراء، والإجارة، وإختيار نوع وماهية العمل، وتحث المسلمين على الإعانة فيما بينهم والإصلاح للعمل الصالح، والكسب الحلال.
وتبين الآية في مفهومها الشرف والعز الذي يترشح عن العمل لأن الربا كسب وتوظيف للمال من غير عمل وكسب، وإذا كان الربا سبباً للإثم والعقاب الأخروي، فإن العمل والسعي باب للأجر والثواب ومحو الذنوب، وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: إن من الذنوب ذنوبا لا تكفرها الصلاة ولا الصيام ولا الحج ولا العمرة، قالوا : فما يكفرها يا رسول الله؟ قال: الهموم في طلب المعيشة)( ).
السادس: ستكون البطالة آفة هذا الزمان، وستؤدي إلى إرباك سياسي وإستقالة حكومات، وهيجان الشعوب كالبحر المضطرب خصوصاً مع حدوث أمور:
الأول: زيادة الولادات.
الثاني: كثرة الخريجين على نحو متراكم.
الثالث: إرتفاع أسعار المواد الأولية.
الرابع: زيادة النفقات ومستلزمات المعيشة.
الخامس: تقارب البلدان, وإتصال مسائل الإعلام.
السادس: تداخل الحضارات في زمن العولة.
وتحتمل حرمة الربا والنهي عن أكل المال الربوي بلحاظ هذا البلاء وجوهاً:
الأول: إنها حرب على البطالة، وسبيل لعلاجها، ومحاصرتها.
الثاني: حرمة الربا سبب في زيادة البطالة، وكثرة القاعدين عن العمل، لأنها قيود تمنع من كثرة فرص العمل.
الثالث: لا صلة بين حرمة الربا وبين موضوع البطالة كثرة وقلة.
والصحيح هو الأول لما فيه حرمة الربا من منع الإستغلال والجشع، وسرقة جهود المستضعفين، وإملاء الشروط على المحتاجين في باب الكسب إن الربا سبب لحصر الثروات بيد قلة من الأثرياء وبطريقة خالية من العمل والسعي والكسب بينما يكون في المضاربة مثلاً البيع والشراء والإجارة ونحوها لتكون حرمة الربا وإعراض المسلمين عن الربا بمرأى ومسمع من الناس جميعاً، من عمومات قوله تعالى[وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ).
ومن الآيات في التكامل في الشريعة الإسلامية أنها حين جاءت بالمنع من أكل الربا فإنها حثت على الصدقة ونزل أمر الله على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بوجوب الزكاة، وإعطائها للمحتاجين من الفقراء والمساكين والأصناف الستة الأخرى من المستضعفين.
وفي حديث الصدقة: فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل)( ).
وهل يجوز وضع أمور الزكوات في مصارف وبنوك خاصة لإقراض الفقراء والمحتاجين من غير زيادة ربوية، وإستيفاء أصل المال منهم وفق آجال مناسبة، ومع اليسر.
الجواب لا يجوز مع وجود فقراء ومحتاجين من المسلمين بذات البلد أو في غيره من الأمصار فقد جعل الله عز وجل الزكاة حقاً للفقراء والمساكين فلا تعطى لهم قرضاً لإشتغال الذمة مع القرض بخلاف الحق الذي هو تمليك، قال تعالى[وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ]( ).
لتكون الزكاة كالدّين المتعلق في أموال الأغنياء وليس قرضاً لأصحابها وهم الفقراء ونحوهم، ويدل عليه أيضاً قوله تعالى[إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابن السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ]( )، وإفادة اللام في(الفقراء)الملكية.
والمحروم في الآية أعلاه على وجوه:
الأول: الذي يطلب الرزق فلا يصله.
الثاني: الذي يترك السؤال تعففاً.
الثالث: الذي ذهب ماله، وخربت ضيعته إذ أعلن نفر من اليهود للتجار والفلاحين بأنهم يستطيعون حفظ أموالهم لهم مع فوائد قليلة آخر السنة، بدل إدّخارها في البيوت، ولما صارت عندهم الودائع أعلنوا بأن كل من عنده مشروع تجاري يقرضونه ولكن بأرباح أكثر بعد أن يرهن عقاره ونحوه، وكلما تأخر الأجل زادوا في الدين، ويدفعون لصاحب المال النزر القليل فائدة.
وصارت البنوك والمصارف اليوم حاجة في التوسط للمعاملات التجارية والمالية، وليس من مانع من توجيه أعمالها في البلاد الإسلامية وفق قواعد الشريعة السلامية، ولو على سبيل المثال والنموذج.
ويمتاز البنك الإسلامي بالتنزه عن الربا والفائدة الثابتة على الربح من غير عمل، ولكن تصل منه أرباح إلى المودعين مع حفظ تلك الأموال بأن يقوم بالمضاربة وهي في الإصطلاح مستقرأة من الضرب لضرب العامل في الأرض لتحصيل الربح.
والمفاعلة في لفظ(المضاربة) إشارة إلى تقومها بطرفين لأن المال من المالك، بينما يباشر العامل العمل( ).
نعم يمكن أن توجه معاملات البنوك الأخرى الحكومية والأهلية بصيغ المصالحة والهروب من الحرام إلى الحلال، من الربا إلى معاملات ذات صبغة شرعية.
ويأتي هذا التوجه بعناية أرباب الأموال وعملاء المصارف بالصبغة الشرعية لمعاملاتهم، وحرصهم على إجتناب الربا في المعاملات المصرفية.
لقد جعل الله عز وجل الأكل شاهداً على ملازمة الحاجة للإنسان، والحاجة علامة الإمكان وهو وفق القياس الإقتراني:
الكبرى: كل محتاج ممكن.
الصغرى: الآكل محتاج.
النتيجة: الآكل ممكن.
وفي اللجوء إلى الأكل طرد لخصلة الإستكبار والغرور عن الإنسان، ودعوة له للتدبر في ماهيته وضعفه وما عنده من النقص، لذا ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: من أكل طعاماً ثم قال: ” الحمد لله الذي أطعمني هذا من رزقه من غير حول مني وقوة ” غفر له ما تقدم من ذنبه)( ).
لقد جعل الله عز وجل الإنسان في صراع مع النفس الشهوية، والرغائب التي تتزين له، وتحاول جذبه لساحتها، وجعله يسعى إلى أفرادها واحداً بعد آخر، فتفضل الله ورزقه العقل ليستطيع التمييز بينها وفق منظار الشريعة والعدل والإنصاف، ثم تفضل وبعث الأنبياء وأنزل الكتب السماوية لمخاطبة العقل وجعله صاحب القرار في كبح جماح الجوارح والأفعال.
وتجلى هذا الخطاب بقوله تعالى(لا تأكلوا الربا) الذي صاحب ويصاحب الإنسان إلى يوم القيامة، فيدرك الإنسان أنه لازم آبائه وسوف يلازم ذريته وإن تعددت البطون والأجيال، وجاءت الملازمة في الأجيال السابقة بتوالي الكتب السماوية، أما في اللاحقة فهي ثابتة في القرآن لأنه الكتاب الباقي تلاوة وعملاً إلى يوم القيامة.
وفي النهي عن الربا شاهد على النسخ بين الشرائع ليس مطلقاً، فمن الأحكام ما هو ثابت ومتجدد في كل الشرائع على نحو الموجبة الكلية كما في عباد الله قال تعالى[يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ]( )، وعلى نحو السالبة الكلية كما في إمتناع الناس عن الربا في كل زمان.
والعبادة مناجاة لله عز وجل وإنقطاع إليه سبحانه، والإمتناع عن الربا سياحة في عالم الملكوت لأنه تنزه عن جمع لأضعاف مضاعفة مشتهاة طبعاً، محرمة قطعاً، لتكون عفة البطن والفرج سعياً في مرضاة الله، ورجاءً للثواب منه تعالى.
إن الله الذي غلق باب الربا عن الناس عامة لقبحه الذاتي، تفضل وفتح لهم أبواب الكسب والتجارة والصناعة، وجعل فيها الربح الوفير والبركة والنماء، وهذه البركة أكثر من الأضعاف المضاعفة التي تأتي عن طريق الربا لأن مآلها إلى الأكل الذي هو عنوان التلف، أما بركة الكسب الحلال فهي باقية ونماء متصل ومتجدد، وقد كان زواج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من خديجة حجة وموعظة في منافع التجارة المتصلة.
وتولى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإتجار بمالها قبل النبوة فكانت شاهداً على صدقه وأمانته، وتنزهه عن الكذب، في الوقت الذي كان فيه الربا موجوداً في المعاملات عند قريش وغيرها.
وحينما نزلت آيات الربا وحرمته علم الناس المصداق العملي المتقدم لها، وجاءت السنة النبوية بآية تأريخية إذ قال صلى الله عليه وآله وسلم: إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع و أول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب)( ).
مما يدل على حاجة الناس للتنزيل والسنة، وأن وظيفة السنة لا تنحصر بالبيان والتفسير للقرآن وأنها المصدر الثاني للتشريع، بل هي إمامة في الحكم والقضاء بين الناس وفق الأوامر والنواهي الإلهية، لذا ورد في الحديث عن الإمام الصادق: حلال محمد حلال أبداً إلى يوم القيامة، وحرامه حرام أبداً إلى يوم القيامة) ( ).
ومن إمامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للناس نشر مفاهيم الرأفة والرحمة، والأخلاق الحميدة بينهم، وهو من مصاديق قوله تعالى[وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( )، بلحاظ أن نبوته إصلاح إخلاقي وإرتقاء للناس في مراتب التهذيب ومن الأخلاق الحميدة إجتناب الربا، وما فيه من الظلم والأذى.
ومن الشواهد على تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الأنبياء السابقين في المقام وجوه:
الأول: أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أكثر الأمم، وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة) ( ).
الثاني: يتنزه المسلمون عن أكل الربا، وهذا التنزه من الأخلاق الحميدة.
الثالث: يقوم المسلمون بالأمر بالمعروف والإحسان بين الناس، ويجتهدون في النهي عن أكل الربا.
فإن قلت إن حاجة الإنسان المحدودة من الأكل والشرب واللبس تجعل التجارة كالربا في إنتفاع الإنسان منهما بحيث أن أسباب البركة والنماء التي ذكرت أعلاه في المائز بينهما لا يترتب عليها أثر على نحو القضية الشخصية.
والجواب لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار إمتحان وإختبار، ومن أهم موارد الإبتلاء فيها المال وكيفية الكسب والإنفاق ، لتترشح أولوية الإبتعاد عن مواطن وأسباب الضرر والإضرار، وورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه) ( ).
لقد تفضل الله بجعل مصالح العباد لا تستقيم إلا بالتنزه عن الظلم في التجارات والزراعات والصناعات ومختلف العقود الجارية بين الناس، فتفضل وبعث النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بالنهي عن الربا، بعد أن جاء الأنبياء السابقون جميعاً بذات النهي، وهل هو من تحصيل ما هو حاصل، الجواب لا، من وجوه:
الأول: تأكيد قانون وهو إتحاد سنخية النبوة.
الثاني: عدم وجود نسخ في أحكام الربا، فلس من نبي يأذن به سواء على نحو الموجبة الكلية أو الجزئية أو في حالات الضرورة.
الثالث: مجيء كلاً الأنبياء بحرمة الربا دليل على موضوعيتها في التشريع.
الرابع: يمكن تأليف مجلدات خاصة بتقسيم أحكام الشريعة إلى أقسام:
الأول: العبادات الثابتة في كل شريعة كما في قوله تعالى[كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ]( ).
الثاني: الأحكام التي صار فيها النسخ والتبديل، كما في الجمع بين الأختين، وتحريمه في الإسلام.
الثالث: بيان حقيقة وهي الملازمة بين المصالح والفرائض، وبين الأضرار والنواهي.
الرابع: تأكيد القبح الذاتي للربا.
الخامس: يتجلى في حرمة الربا حب الله عز وجل للناس جميعاً، ورحمته بهم، وندبهم إلى التنزه عن الظلم.
السادس: طرو التحريف على الكتب السماوية السابقة ، وإنحصار وإستمرار الرحمة الإلهية في التنزه عن الربا بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
السابع: شريعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم هي الديانة الباقية إلى يوم القيامة، فتفضل الله وجعلها جامعة مانعة، جامعة للأحكام الشرعية، ومانعة من أسباب الفرقة والخلاف، وأبواب الإثم قال تعالى[أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ]( ).
لقد أراد الله عز وجل بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم السلامة من الغشاوة التي تمنع الأنوار الربانية وإزاحة الران والحجاب الذي يحول بين القلب والسياحة في عالم الملكوت، ومنع رسوخ الظلمات الجسمانية بأكل الربا والباطل.
فجاء القرآن بحرمة الفضل الخالي من العوض والذي يأتي بالشرط الربوي، لذا فمن مصاديق الجرد المجرح في الإصطلاح الذي يفقد معه الشاهد العدالة، ولم يوجب حقاً للشرع أكل الربا،، وهو لا يتعارض مع عقوبة الإصرار على أكل الربا.
وفي قوله تعالى[فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ]( )، قال ابن عباس: من كان مقيماً على الربا لا ينزع عنه فحق على إمام المسلمين أن يستتيبه ، فإن نزع وإلا ضرب عنقه)( )، وعن الصادق عليه السلام آكل الربا يؤدب بعد البينة فإن عاد أدب و إن عاد قتل:) ( ).
الثامن: تأكيد حاجة الأجيال المتعاقبة من الناس إلى سلامة التنزيل من التحريف والتبديل، وإنفرد القرآن بهذه الخصوصية المباركة، فليس في القرآن نقص أو زيادة، وما بين الدفتين هو الذي نزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من عند الله، ومنه تعدد الآيات التي جاءت بحرمة الربا.
وهذه الخصوصية من وجوه فوز المسلمين بمرتبة[خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( )، وترك المسلمين للربا، ودعوتهم الناس للكف عنه، وسنخصص في هذا الجزء قانوناً لصلة الآية أعلاه بآية البحث( ) وما فيها من النكات العقائدية.
ومن مصاديق التكامل في أحكام الإسلام مجيء الإسلام بالجمع بين الفقه والأصول والأخلاق الحميدة، والسنن الرشيدة وأسباب الصلاح، وسبل النجاة في النشأتين وجعل الدنيا ذات بهجة فيها سكينة وأمن، وإن تبدلت أحوال الناس، وإتسعت المعاملات، وتداخلت الأمصار، وعمّ سلطان الحكم والقانون .
وكان الربا بين أفراد وأشخاص يسلفون، ثم يأخذون رأس المال والفائدة الربوية عند حلول الأجل، وبالنقدين من الدينار الذهبي، والدرهم الفضي.
أما في هذه الأزمنة فهناك المصارف وإمارات البنوك ذات السطوة المالية والإقتصادية، وأحياناً السياسية، وهي تعمل بقواعد الربا، وفيه تراكم للأرباح، وإزدياد الهوة بين الأغنياء والفقراء، ويقال مثلاً إن ديون الدولة الفلانية مليار دولار، بينما أصل الدين على فرض شراء البضائع والتجارات بالحال لا يتجاوز عشر مقدار هذا الدين.
وتحصل في هذا الزمان نسمة وتخفيف في المعاملات والتجارات من إسقاط بعض الدول والمؤسسات الكبرى لشطر من ديونها عن الدول الفقيرة، ولا نعلم ما يحدث في مستقبل الأيام، ويخشى من فرض شروط وقيود جائزة على الدول والمؤسسات والفقراء، ليكون الربا آفة تهدم النظم الإجتماعية، وتهدد السلم العالمي.
وفي التقارب بين البلدان، وتداخل صيغ المعاملات أمور:
الأول: إنه ميدان للصبر والتقوى.
الثاني: إنه ساحة للجهاد الأكبر للمسلمين بالتنزه عن الربا بقصد القربة إلى الله.
الثالث: هو بلب للدعوة إلى الإسلام، وتكون في آية البحث فيه على وجوه:
الأول: إنها سلاح إيماني متجدد.
الثاني: إنها سبيل هداية وصلاح.
الثالث: هي حرز من الإفتتان بالأضعاف المضاعفة التي تأتي من الربا,سواء بتلاوتها أو العمل بمضامينها القدسية .
وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أعطيت الكنزين الأحمر، والأبيض) ( ).
والمراد ما أفاء الله على المسلمين من الغنائم، وكنوز ملوك الفرس والروم،(الأَحمر الذهب والأَبيض الفضة، والذهب كنوز الروم لأَنه الغالب على نقودهم)( ).
وقيل المراد من الكنزين العرب والعجم لأن الله عز وجل جمعهم على ملة الإسلام.
لقد أراد الله عز وجل تأديب الناس، وإخبارهم بعدم جواز إتخاذ الملكية وسيلة لإيذاء الناس وقهرهم، وهو من الشواهد على أن الملك مطلقاً لله عز وجل، قال تعالى[لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ]( ), ليكون ملك الناس للأموال من التصرف المؤقت المشروط بأحكام الحلال والحرام .
وتبين آية البحث(لا تأكلوا الربا) بأن فلسفة الإسلام لم تبتن على إشباع غريزة البطن والفرج، بل هي إرتقاء في سلم المعارف، وأداء للوظائف العبادية ببهجة وغبطة، وتجاف عن الفعل القبيح، وترك الربا حرب على الفقر والجهل، ليكون هذا الترك من مقدمات ومصاديق قوله تعالى[اقْرَأْ بِاسم رَبِّكَ]( )، في أول سورة من القرآن، إذ أن ترك الربا علم، وكذا التفقه في أحكامه ومعرفة أفراده، ويحتاج الأمر بتركه والزجر عن فعله علماً ومعرفة في الدين وسنن الأحكام.
وليس من ملازمة بين الطرق غير المشروعة في الكسب وبين الربح العظيم، وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده، وكان داود لا يأكل إلا من عمل يديه)( )، وفيه أمور:
الأول: الترغيب بالكسب الحلال.
الثاني: بعث الأمل في نفوس المسلمين لجني الأضعاف المضاعفة، بالسعي والعمل.
الثالث: صيرورة النفرة من الربا ملكة ثابتة عند المسلمين.
الرابع: التأسي بالأنبياء في الرضا بالقليل.
الخامس: الإنقطاع إلى عبادة الله، وعدم الإنشغال بالمال , واللهث وراء زينة الدنيا.
السادس: تأكيد حقيقة وهي أن العمل عز وفخر.
السابع: لزوم الإبتعاد عن الكسل.
إنما جاء الربا من الرغبة بجميع الأموال من غير عمل ومضاربة، وعقود للبيع والشراء.
الثامن: ذكر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لقصص الأنبياء، وما فيها من الحكمة إتعاظ وإعتبار للمسلمين، وهو من عمومات بيان السنة النبوية لسنن وأحكام القرآن وقوله تعالى[فَاقْصُصْ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ]( ).
التاسع: يحفظ المسلمون في سيرتهم سنن النبوة، وآداب الكسب، وأسباب التنزه عن الربا، وأكل الحرام.
العاشر: جاء الحديث النبوي أعلاه مركباً من أمرين:
الأول: بيان عظيم نفع الأكل من كسب اليد.
الثاني: ذكر سيرة أحد الأنبياء أسوة وقدوة.
الحادي عشر: ترى لماذا ذكر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم داود بالذات، الجواب لأنه كان ملكاً على بني إسرائيل إذ جمع الله له النبوة والملك، ليكون إقتداء المسلمين به من باب الأولوية، وفيه تأديب للحكام والأمراء المسلمين.
وزجر عن إتخاذ السلطان وسيلة لجمع الأموال الطائلة، وإصابة المشاريع العامة بالشلل , والفقراء بالحسرة , ثم الهيجان كالبحر المضطرب.
وليس من فترة بين نزول آية (لا تأكلوا الربا) وبين فتح الأمصار للمسلمين، ومجيء الغنائم الكثيرة على نحو دفعي للمدينة المنورة فلا غرابة أن تبدأ آية البحث بخطاب الإكرام والتشريف (يا أيها الذين آمنوا)، وتعقب النهي عن الربا بالأمر بالخشية من الله (واتقوا الله) وإختتامها بالخير العظيم، والبشارة الكريمة بالتوفيق والبقاء والخلود(لعلكم تفلحون).
وتجتمع في آية البحث أمور:
الأول: الوعد على الهدى.
الثاني: الوعيد على الفساد.
الثالث: البعث على الصلاح وما يدل عليه بالدلالة التضمنية والإلتزامية من البشارة بالثواب على الإمتناع عن الربا.
الرابع: الإنذار والتحذير من أكل الربا، وما يترشح عنه من البلاء العاجل العام .
(عن عطاء، قال: إذا كان خمس على خمس، إذا أكل الربا كان الخسف والزلزلة، وإذا جار الحكام قحط المطر، وإذا ظهر الزنا كثر الموت، وإذا منعت الزكاة هلكت الماشية، وإذا تعدى على أهل الذمة كانت الدولة)( ), ولعل حرفاً سقط من أول الحديث يتعلق بجواب الشرط، أو هناك تصحيف من النساخ، وكلمة أخرى بدل حرف الجر(على).
وقد سادت المعاملات الربوية في أنحاء العالم في هذا الزمان فهو كل خسف وزلزلة بسببه، الجواب لا، ولكن في مصيبة الخسف آية وموعظة إذ تتعدد وجوه الإبتلاء والإمتحان ويدفع الله عن الناس كثيراً من وجوه الإبتلاء، قال تعالى في خطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم[فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ]( ).
وصدر الجزء الرابع والتسعون، والخامس والتسعون من هذا التفسير في تفسير هذه الآية الكريمة، وصلتها بالآيات المجاورة لها والقوانين والمسائل المستنبطة من هذه الصلة والعلوم الخاصة بها.
وتضمن الجزء السادس والتسعون علوماً وقوانين من فضل الله ترى النور لأول مرة في تأريخ العلم، وكلها رشحات في آية البحث الكريمةودلالاتها العقائدية منها:
الأول: بحوث بلاغية.
الثاني: إعجاز الآية.
الثالث: الآية سلاح.
الرابع: مفهوم الآية.
الخامس: إفاضات الآية.
السادس: الآية لطف.
السابع: الصلة بين أول وآخر الآية.
الثامن: من غايات الآية.
التاسع: التفسير الذاتي للآية.
العاشر: علم المناسبة.
إلى جانب بحوث إعجازية وبلاغية وأخلاقية وأصولية ومنطقية وكلامية متعددة , وأخّرت البحوث الفقهية إلى هذا الجزء المبارك الذي يبدأ بتفسير قوله تعالى(لا تأكلوا الربا).
وأقوم بكتابة التفسير ومراجعته وتصحيحه بمفردي، وأشرف على طبعه ولا يؤازرني بالعمل إلا ولدين صغيرين لي، يباشران التنضيد من أول النهار وحتى مضي ساعات من الليل.
ولو كانت تحت يدي مؤسسة وموظفون يقومون بالمراجعة والتنقيح والتصحيح , وكان هناك من يتولى أمور ونفقات الطبع لكن النفع أعظم ولصدرت ثلاثة أجزاء أو جزءان من هذا السفر بدل الجزء الواحد , إلى جانب التيسير في بحوثي الفقهية والأصولية ومستلزماتها الحوزوية.
ولكن ما أنعم الله عز وجل به عليّ عظيم , وقد صدرت ثلاثة وثمانون جزء هي أساس وبيان لفيض متصل في كنوز القرآن , وظهرت بهية للملأ ,وصار بوسع العلماء في الأجيال القادمة إتباعها والزيادة فيها، وإستقراء العلوم وإستخراج المسائل من ذخائر القرآن , وتجلى لعموم الشباب الرسالي كنز قرآني يبعث الغبطة في نفوسهم [وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ]( ).

[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] الآية 130

تفسير قوله تعالى[لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا] ( )
بعد خطاب الإكرام وما فيه من التخصيص للمسلمين، ومعاني التفضيل والثناء عليهم بالشهادة لهم من الله بالإيمان ، جاء النهي من عند الله عن فعل معين، ومن الإعجاز في الصلة بين الخطاب والنهي أمور:
الأمر الأول: عدم وجود فاصلة بين الثناء والنهي.
الأمر الثاني: تعقب النهي للمدح والثناء.
الأمر الثالث: مجيء الأمرين الثناء والنهي بصيغة الجمع، وكل فرد منهما إنحلالي ينبسط على المسلمين والمسلمات على نحو العموم الإستغراقي، وفيه مسائل:
الأولى: عدم تخلف فرد أو جماعة من المسلمين أو المسلمات عن لغة الثناء في الآية.
الثانية: النهي الوارد في الآية حكم تكليفي شامل لكل المسلمين والمسلمات.
الثالثة: لغة العموم وإرادة المسلمين كافة من مصاديق قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
الرابعة: لقد جعل الله الحياة الدنيا مدرسة ومناسبة للموعظة وأسباب الهداية، وصلاح المسلمين سبيل لجذب الناس للإيمان، وسلامتهم من عذاب الخزي يوم القيامة، قال تعالى[فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ]( ).
وهل من صلة بين لغة العموم في الأمرين، الجواب نعم، وفيه وجوه:
الأول: بعث المسلمين على التقيد بأحكام النهي.
الثاني: إدراك المسلمين لحقيقة وهي أن النهي عن الربا خير محض، ونفع متصل لهم .
ويحتمل هذا النفع وجوهاً ثلاثة.
الأول: إنه خاص بالعزم والقصد مرة واحدة على عدم أكل الربا.
الثاني: تجدد الخطاب عند الإبتلاء بعقد الربا أو عند أكله.
الثالث: الإطلاق في خطاب النهي، وشموله لآنات وساعات حياة المسلم في الحياة الدنيا.
والصحيح هو الثالث، فالنهي عن الربا حكم تشريعي ثابت ومتجدد، وفيه وجوه:
الأول: مجيء الثواب للمسلمين على نحو الإستمرار والإستدامة.
الثاني: الدلالة على أن المسلمين في حال جهاد متصل للإمتثال لأوامر الله عز وجل.
الثالث: إقامة الحجة على الناس في تفضيل المسلمين بتوجه الخطاب التكليفي لهم في كل آن.
الرابع:بعث الفزع والخوف من المسلمين في قلوب الكفار، وجعلهم يدركون حقيقة، وهي أن المسلمين في حال يقظة وتوثب لأنهم ملتفتون إلى وظائفهم العبادية.
الخامس:طرد الغفلة عن المسلمين في باب العبادات والمعاملات.
السادس: تفقه المسلمين في الدين على نحو دائم ومتجدد.
السابع: بعث السكينة في نفوس المسلمين، لما في الصلاح وإجتناب السيئات من البشارة بالفوز والسلامة من العذاب، قال تعالى[فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ]( ).
الثالث: رحمة الله بالمسلمين بجعلهم في حال من الغبطة والرضا دائم للخطاب التشريفي الذي يتوجه لهم ليكون واقية لهم، وسبباً لإجتنابهم المستمر للربا، قال تعالى[قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ]( ).
الرابع: تعضيد المسلمين والمسلمات بعضهم لبعض في الإمتناع عن أكل الربا، فبعضهم يذّكر بعضاً بأمور:
الأول: الخطاب التشريفي للمسلمين والمسلمات.
الثاني: الشهادة من الله عز وجل للمسلمين بالإيمان.
الثالث: لزوم الإمتناع النوعي العام عن الربا.
الرابع: الفضل الإلهي الذي إختص الله عز وجل به المسلمين بعدم أكل الربا.
وهذا التذكير متجدد ودائم، وهو من أسرار ديمومة الحياة الدنيا وعمومات قوله تعالى[إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ]( )، والمنافع العظيمة لهذه الأخوة على المسلمين والناس جميعاً في إستدامة ذكر الله في الأرض وإعلاء كلمة التــوحيد وإزاحة معاني الكفر والفسوق عن المنتديات والأسواق ومنها الربا الــذي جاءت هذه الآية لتنزيه المجتمعات منه رأفة ورحمة من الله عز وجل بالمسلمين والناس جميعاً.
فان قلت النهي عن الربا شامل للناس جميعاً على نحو العموم الإستغراقي فما من نبي إلا وجاء بحرمة الربا، والجواب: القدر المتيقن من آية البحث إختصاص المسلمين بالخطاب التشريفي والنهي عن الربا، ليفوز المسلمون بأمور:
الأول:إختصاص المسلمين بالنهي عن أكل الربا المقرون بالتشريف والإكرام.
الثاني: شمول المسلمين بالخطابات العامة التي جاءت على لسان الرسل والأنبياء السابقين والكتب المنزلة بحرمة الربا.
الثالث: إنفراد المسلمين بالتقيد بأحكام حرمة الربا، وصيرورتهم قدوة حسنة وتقيدهم هذا حجة وموعظة، قال تعالى[وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ]( ).
الرابع: إستقلال المسلمين كأمة في عباداتهم ومعاملاتهم بمنهج سماوي باق إلى يوم القيامة، وهو من عمومات قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
وتقدير الآية أعلاه بلحاظ المقام على جهتين:
الأولى: كنتم خير أمة بأمور:
الأول: تعاهد التنزيل وما جاء به الأنبياء في حرمة الربا.
الثاني: تذكير الناس بقيام الأنبياء بالنهي عن الربا.
الثالث: إحياء سنن الأنبياء.
الرابع: الإمتثال للأمر الإلهي بحرمة الربا.
الخامس: التصديق بما جاء به الأنبياء.
الثانية: كنتم خير أمة أخرجت للناس بأمور:
الأول: بيان حقيقة وهي أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم مصدق للأنبياء السابقين، قال تعالى[ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ]( ).
الثاني: طرد النفرة من نفوس الناس من النهي عن الربا بلحاظ أن جميع الأنبياء السابقين جاءوا بالنهي عنه.
الثالث: لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا مزرعة للآخرة، وأنعم الله على الناس بخروج المسلمين لهم للإنتفاع الأمثل من الحياة الدنيا، وإتخاذها مناسبة لجني الحسنات.
الرابع: خرج المسلمون للناس بإعلان وجوب التصديق بنبوة محمد والإقرار بنزول القرآن من عند الله عز وجل.
الخامس: خرج المسلمون للناس بتوكيد حقيقة وهي أنهم [خَيْرَ أُمَّةٍ]( )، يتقيدون بالنهي عن الربا.
السادس: تبليغ الناس رسالة وهي بإمكان كل إنسان الإنتماء لخير أمة وبلوغ هذه المرتبة بالنطق بالشهادتين.
الأمر الرابع: من خصائص إكرام المسلمين تجدد التكليف والأمر بالإمتناع عن أكل الربا , ليكون كل من ذات التكليف وتجدده رحمة الله بالمسلمين متعددة من وجوه:
الأول: عدد آنات الزمان.
الثاني: تكرار حال الإبتلاء بأكل الربا وإستحضار خطاب التشريف والإكرام حينئذ.
وهو من الإعجاز في إبتداء الآية بقوله تعالى(يا أيها الذين آمنوا) والمنافع العظيمة المستقرأة منه، ومنها أن تلاوة الخطاب التشريفي واقية من أكل الربا، وسبب للتنزه عنه، وهو من عمومات قوله تعالى[كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ]( ).
فمن إعجاز القرآن أن يأتي خطاب التشريف ليكون باعثاً للمسلمين على التقيد بالأوامر والنواهي.
الثالث: إمتلاء نفس المسلم بالرضا عند الإمتناع عن أكل الربا في معاملة وعقد أمر مطلقاً، فإنه يشعر بالسعادة والغبطة لمرور اليوم والشهر عليه، وهو في سلامة وأمن من آفة الربا وأضرار أكله.
والسعادة في المقام على وجوه:
الأول: السعادة الشخصية بالسلامة من الربا.
الثاني: السعادة النوعية العامة لتنزه الفرد الواحد من المسلمين من الربا، وطرفا السعادة العام والخاص من عمومات قوله تعالى[يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ]( ).
الثالث: السعادة الشخصية لتنزه عموم المسلمين من أكل الربا، ولو قام فرد من المسلمين بأكل الربا فإن الحسرة والألم يملآن نفس المؤمن لأنه يدرك موضوعية خطاب التشريف والإكرام من الله وعمومات النهي عن الربا، ويتطلع إلى توبته وهجرانه الربا.
وهل هذه الحسرة والألم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الجواب لا، لفقد شرط يتقوم به الأمر والنهي وهو البيان والإجهار، نعم هذا الذم مقدمة لقيام المسلم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويجب ألا يكون سبباً للإتيان بمرتبة أشد من مراتب الأمر والنهي بسبب هذ ا الألم،أي إذا كان الحال يستلزم التحذير والتنبيه للإنزجار عن الربا , فيجب ألا يقوم المكلف بالتعدي بالكلام الغليظ أو اللجوء إلى إستعمال اليد آلة في الأمر والنهي المباركين.
ولو قام بتلاوة آية البحث وما فيها من النهي عن الربا، أو ذكر حديث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في اللعن لأطراف الربا فهل هو من الكلام الغليظ.
الجواب لا، وتلك التلاوة وذكر الحديث أمران مستحبان في كل حال، ويصلحان لكل مرتبة من مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحتى في غير مناسبة لما فيهما من الحسن الذاتي والثواب العظيم، وتثبيت مفاهيم الإيمان في النفوس، وتذكير الناس بحرمة الربا.
الرابع: السعادة النوعية العامة لإمتناع المسلمين عن أكل الربا، ليفوز المسلمون بالرضا عن أنفسهم كأمة، وهو من عمومات قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
الخامس: سعادة الأبناء بفوز آبائهم بالإمتناع عن الربا، وفيه أمارة على أن المسلم يتلقى تركة إجتناب الربا بالقبول والإمتثال، وفيه أمور:
الأول: تلك التركة ليست قهرية بل هي أمر روحاني ينفذ إلى الجوانح والجوارح.
الثاني: جعل المسلم في بهجة دائمة.
الثالث: أنه من شكر المسلمين لله عز وجل على وراثة الإمتناع عن الربا أكلاً وتأكيلاً، وما في غلق هذا الباب من أسباب العمل والسعي في ميادين الكسب والصلاح.
الرابع: هذه السعادة والتركة مجتمعتين ومتفرقتين من عمومات قوله تعالى[ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ]( ).
وصحيح أن الآية أعلاه نزلت في يوسف وشكره لله على وراثته التوحيد عن آبائه إلا أن القرآن يبين النعم العظيمة على المسلمين بتركهم الربا، وما فيه من معاني وراثته ملة التوحيد عن آبائه إلا أن القرآن يبين النعم العظيمة على المسلمين بتركهم الربا، وما فيه من معاني وراثة التوحيد والتقيد بأحكام الشريعة، فلم يكن أهل البيت والصحابة وحدهم الذين يتقيدون بآداب ترك الربا، بل المسلمون والمسلمات جميعاً الذين ينتشرون في مشارق الأرض ومغاربها يتقيدون بها، ويكون هذا التقيد شاهداً على إصلاحهم لنظم المعاشات فيها وفق منهج سماوي باق إلى يوم القيامة.
بحث قرآني
يرفع المسلمون شعار(لا تأكلوا الربا) في الأسواق والمنتديات، وتكون المساجد عضداً للأسواق، وواقية لها من إستحواذ المعاملات الباطلة وما يترشح عنها من نزول البلاء بالناس.
وتتجلى آية في تشريع الصلاة ووجوب القراءة فيها وهي الأثر المترتب على القراءة في المسجد والصلاة على المعاملات في الأسواق.
وهل هو من إعجاز القرآن أم أن القدر المتيقن من إعجازه هو البلاغة والتحدي الذي يتضمنه.
الجواب هو الأول فإن هذا الأثر والبركة من الإعجاز الغيري للقرآن، ليكون تقسيم إعجاز القرآن على قسمين:
الأول: الإعجاز الذاتي من البلاغة ونظم الآيات وجزالة المعاني وتعدد مفاهيم اللفظ القرآني وعذوبته وتضمنه معنى الحقيقة والمجاز، وحلاوة تلاوته، وقدسية كلماته وما فيه من دلالات وأسرار التنزيل ومن كنوز القرآن العقائدية أن منافعه لا تنحصر بتلاوته وقصد قراءته بل تشمل الإستماع له وسماعه عرضاً، لذا جاء الأمر الإلهي[وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ]( ).
وجاء الخطاب في الآية أعلاه على نحو الإطلاق الزماني والمكاني ولكن الأخبار وردت بالتقييد على وجوه:
الأول: إرادة الصلاة جماعة وإنتشار قراءة الإمام فلا يجوز للمأمومين الكلام بل عليهم الإصغاء والإستماع للإمام.
الثاني: ذكر في أسباب النزول أن المسلمين كانوا يتكلمون في صلاتهم ويسلم بعضهم على بعض، وإذا دخل واحد منهم وهم في الصلاة سألهم: كم ركعة صليتم، وهم يجيبونه، فأمرتهم الآية بالإستماع إلى القراءة، ويدل في مفهومه على نهيهم عن الكلام أثناء الصلاة وهو المروي عن ابن عباس وابن مسعود، وعن الإمام محمد الباقر عليه السلام وسعيد بن جبير، وسعيد ابن المسيب ومجاهد وهذا القول هو المشهور( ).
وقال أحمد بن جنبل:أجمعت الأمة على أنها نزلت في الصلاة)( ).
الثالث: الأمر بالإستماع إلى الإمام في خطبة الجمعة وهو المروي عن عطا وعمر بن دينار، وزيد بن أسلم.
الرابع: الإستماع في الخطبة والصلاة جميعاً، عن الحسن البصري، والإستماع هو الإصغاء عن قصد، والإنصات السكوت المقرون بالإستماع، يقال(نَصَتَ الرجلُ يَنْصِتُ نَصْتاً وأَنْصَتَ وهي أَعْلى وانْتَصَتَ سكَتَ)( ).
ترى ما هي النسبة بين الإنصات للقرآن في الصلاة، والإنصات له في غيره.
الجواب نعم، لحال الخشوع التي تتغشى المؤمن في صلاته، ووقوفه بين يدي الله، وهذا لا يمنع من تلقي الخشوع دفعة عند سماع الآية خارج الصلاة أيضاً. وكم من إنسان تاب وإهتدى لسماعه آيات القرآن , وأعلن
إسلامه لتدبره في آيات القرآن عند سماعها، وإقراره بتنزيلها من عند الله عز وجل, لذا فإن إنصات المسلمين لآيات القرآن تأديب لغيرهم وإرشاد للتدبر في آيات القرآن، وهو من عمومات خروجهم للناس في قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
وهل هذا الإنصات حينئذ من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الجواب نعم، ولكنه ليس من الأمر والنهي بالقلب، بل هو مرتبة أرقى من وجوه:
الأول: ما فيه من القصد.
الثاني: إرادة العبرة وبعث الناس على الإتعاظ من آيات القرآن.
الثالث: فيها من الحكمة وأسباب الأمن والسلامة في الدنيا والآخرة .
وفي نصر الله للمسلمين بآية منه، وبديع صنعه والشواهد العقلية والحسية على بديع صنعه، قال تعالى[إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِ]( ).
وهل الإنصات مطلوب بذاته، أم أنه مناسبة لمقاصد وغايات حميدة أخرى، الجواب هو المعنى الجامع لهما ,ومن الغايات الحميدة في الإصغاء للتلاوة أمور:
الأول: التدبر والتفكر في آيات القرآن.
الثاني: حفظ آيات القرآن، والمنع من ضياعها أو طرو التبديل على بعض ألفاظ القرآن، وهو من عمومات قوله تعالى[إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون]( ).
الثالث: الإنصات للآيات مقدمة للعمل بمضامينها، فالإصغاء لآية البحث وما فيها من الأمر بالتقوى، والنهي عن أكل الربا حث للمسلمين على التقيد بأحكامها وسننها.
الرابع: التباين في تلقي الكلام بين كلام الخالق والمخلوقين، ماهية وحكماَ وإن إتحدا لفظاَ , فلابد من الإنصات لكلام الخالق، لأن منافعه من اللامحدود في الدنيا والآخرة.
الخامس: نزول شآبيب الرحمة بالإنصات للقرآن.
السادس: بعث الفزع والرهبة في قلوب الكفار، عندما يرون المسلمين وهم ينصتون بخشوع لآيات القرآن.
السابع: تدبر الحجج الواضحة، والبراهين الساطعة التي تتجلى في آيات القرآن والتي تدل على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثامن: إدراك المسلمين للحاجة لشكر الله عز وجل على النعم الظاهرة والباطنة.
التاسع: بعث المسلمين للسعي لمقامات الخلود في النعيم، وجعلهم يحذرون من السبل التي تؤدي إلى غضب الله.
العاشر: الإنصات للقرآن سبيل للهداية والتوبة والإنابة، قال تعالى[وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ]( ).
فمن حكمة الله أنه أمر بتلاوة القرآن، وأمر بالإنصات له، ليكون الأمران مجتمعين سبباً لصلاح الناس، وإستدامة كلمة التوحيد في الأرض، ومن الناس من لا يحسن القراءة والكتابة، فيأتي الأمر له بالإستماع للتدبر في آيات القرآن.
إن قوله تعالى[هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ]( )، دليل على أن القرآن في موضوعاته وآياته وأحكامه وسيلة سماوية ليبصر بها الإنسان أمور دينه ودنياه .
ويكون الإستبصار والهداية بأمور:
الأول: تلاوة آيات القرآن.
الثاني: الإنصات لقراءة القرآن.
الثالث: التدبر في إعجاز الآيات ومضامينها القدسية، وبديع صنع الله، والدلائل الظاهرة التي تؤكد لزوم عبادته.
الرابع: العمل بأحكام القرآن، وما فيه من الأوامر والنواهي، ومنها النهي عن الربا الذي جاءت به هذه الآية، ليأتي النهي عن الربا للمسلم بأمور:
الأول: نص آية البحث الذي لا يقبل التعدد في التأويل، ولا يحمل إلا على القطع بحرمة الربا.
الثاني: مجيء آيات أخرى بالنهي عن الربا، وبيان قبحه، وأضراره العاجلة والآجلة، قال تعالى[الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ]( ).
الثالث: تلاوة المسلم لآيات القرآن، وما فيها من الوعد والوعيد والبشارة والإنذار، وإدراك الإنسان بما رزقه من العقل لأمرين:
الأول: الملازمة بين البشارة وترك الربا.
الثاني: الملازمة بين الإنذار وأكل الربا، قال تعالى[يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا]( ).
وقال البلخي في الآية أعلاه: يمحقه في الدنيا بسقوط عدالته والحكم بفسقه وتسميته به) ( ).
ولكن القدر المتيقن من الآية هو محق ذات الربا أي نقصانه حالاً بعد حال، وليس شخص المربي وإنتفاء أسباب البركة فيه وهو الذي تدل عليه آية البحث(لا تأكلوا الربا) بلحاظ أن الأكل إفناء للشيء .
وهل يمكن القول بأن المراد من الآية أعلاه النهي عن الإنتفاع من الربا بالأكل، وجواز ما عداه كما لو إستعمل المال الربوي لأغراض الإعمار والمشاريع الخيرية وبناء المستشفيات .
الجواب لا، من وجوه:
الأول: جاءت حرمة الربا مطلقة في القرآن , بقوله تعالى[َأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا]( ).
الثاني: النهي عن الأكل لإستعماله مجازاً في القبض والتملك، ولأنه أهم موارد النفع.
الثالث: جعل المسلمين ينفرون من الربا، لأنهم يستحضرون النهي حتى عند الأكل والشرب .
وجاءت الآيات والنصوص من السنة النبوية بالترغيب بأكل الطيب والحلال .
وعن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا رفع مائدته، قال: كَانَ إِذَا رَفَعَ مَائِدَتَهُ قَالَ « الْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ ، غَيْرَ مَكْفِىٍّ, وَلاَ مُوَدَّعٍ وَلاَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ ، رَبَّنَا) ( ).
الرابع: إنصات المسلم لآيات القرآن، والتدبر في معانيها ومضامينها، ليكون الإنصات عوناً للمسلمين في تجدد التنزه من الربا، وإستدامة الإبتعاد عن السيئات والإنصات لآيات القرآن والإنتفاع الأمثل منه من خصائص[خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
الثاني: الإعجاز الغيري، يكون على وجوه:
الأول: الإعجاز المباشر الذي يكون مرآة للقرآن في الواقع العملي، قال تعالى[إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ]( ).
الثاني: الإعجاز غير المباشر الذي يكون بالواسطة كما في وجوب قراءة القرآن في الصلاة، ويتلو الإمام أو المصلي المنفرد آية البحث , فيتجدد عند المسلم الإحتراز من الربا، وتكون تلك التلاوة واقية من المعاملة الربوية والشهادة عليها.
الثالث: الوقائع والحوادث التي تأتي بقادم الأيام، وتؤكد صدق مضامين الآية القرآنية، سواء تلك التي توافق أسباب النزول أو التي تتجلى مصاديق أحكام الآية القرآنية عليها وعللها وآثارها.
ومن الإعجاز الغيري للقرآن في باب القراءة أن التقصير في صلاة السفر لا يسقط القراءة للسورة والآيات التي تكون بعد الفاتحة، قال تعالى[وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا]( ).
الأمر الخامس: تجلي معاني الأخوة الإيمانية بين المسلمين في الأوامر والنواهي، قال تعالى[إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ]( ).
ويتجلى في الجمع بين الآية أعلاه وآية البحث شاهد على أقسام إعجاز القرآن المتقدم بقسميه:
الأول: الآية من الإعجاز الذاتي للقرآن لما فيها من التحدي للكفار والمشركين، والإخبار عن أولوية الأخوة المستحدثة في هذا الزمان والأزمنة اللاحقة من معاني الوطنية وشرائط الجمعيات والأحزاب، وعدم التعارض بينهما، بعد أن جاءت الآية أعلاه لإضعاف سلطة القبيلة إلا في مرضاة الله، ومعاني الإيمان.
الثاني: من معاني الإعجاز الغيري للآية أعلاه في موضوع الربا وبلحاظ التقسيم أعلاه له وجوه:
الأول: الإعجاز المباشر لأخوة المسلمين حال نزول الآية من جهات متعددة منها:
الأولى: إسقاط الأرباح والمنافع الربوية.
الثانية: الإكتفاء بإسترداد رأس المال ومقدار القرض.
الثالثة: دعوة الأغنياء للرأفة بالفقراء.
وهذه الدعوة مركبة ومتعددة في جميع أفراد الأحكام التكليفية من وجوه:
الأول: الرأفة على نحو الوجوب كما في لزوم دفع الأغنياء زكاة أموالهم للفقراء، قال تعالى[ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ]( )، ومن إعجاز الآية أعلاه أن كلاً من إقامة الصلاة وإطاعة الرسول واجب على كل مسلم ومسلمة .
أما بالنسبة لإتيان زكاة المال فهي واجبة على الأغنياء , لذا يشترط لها قصد القربة.
الثاني: الرأفة المندوبة كما في الصدقات المستحبة.
الثالث: المباح من الرأفة كإستدامة حسن الخلق وطيب عشرة الأغنياء للفقراء.
الرابع: الرأفة في إجتناب المكروه في المعاملة والصلات الإجتماعية بين الأغنياء والفقراء، كما في ترك الشروط الشرعية ذات التشديد في القرض وقضائه.
الخامس: الرأفة في ترك المحرم، كما في ترك الأغنياء أخذ الربا والزيادة الربوية على الفقراء ومطلقاً.
الثاني: بعث المسلمين على التجارة والمضاربة والإجارة والرهن، وشيوع القرض بينهم رجاء الثواب.
الثالث: تجلي مفاهيم الإحسان والإعانة بين المسلمين.
الرابع: إدراك المسلمين لمعاني الأخوة بينهم بآية الربا بالذات لدلالتها على أمور:
الأول: إنتفاء الظلم والتعدي بين المسلمين.
الثاني: التكاليف رحمة بالمسلمين، قال تعالى[إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ]( ).
الثالث: ترك الربا سبيل لسعادة المسلمين في الدنيا ونيلهم المراتب العالية في الآخرة.
فإن قلت هذا في المعاملات فهل للتكاليف العبادية موضوعية في أخوّة المسلمين في ترك الربا.
الجواب نعم، فمع أن آية البحث كافية لبعث وتعاهد سنن وقواعد الأخوة بين المسلمين، فإن التكاليف العبادية البدنية والمالية عون للمسلمين في إجتناب الربا، من وجوه:
الوجه الأول: في العبادات تنمية لملكة الخشية من الله عز وجل، قال تعالى[وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ]( )، وفي الآية أعلاه بخصوص الربا مسائل:
الأولى: الإستعانة بالصبر والصلاة للكف عن الربا، فمن إعجاز الآية أعلاه لغة الإطلاق في متعلقها.
فإن قلت إن القول بالإستعانة بالصبر والصلاة مجتمعين ومتفرقين على عدم أكل الربا يفتح الباب واسعاً بذكر مصاديق كثيرة للإستعانة بالصبر والصلاة.
والجواب هذا صحيح , وفيه وجوه:
الأول: إنه آية في إعجاز القرآن.
الثاني: فيه دعوة للعلماء لإستقراء الدروس والمواعظ والعبر من الصلة بين آيات القرآن , ووجوه الحكمة فيها.
الثالث: السعة والإطلاق في المقاصد السامية من الآية القرآنية والمدار على الدليل والأمارة والقرينة .
إن الإستعانة بالعبادات مركبة من أمرين:
الأول: السعي للكسب الحلال.
الثاني: الإمتناع عن أكل الباطل.
وجاء التكليف بكل منهما على نحو مستقل، لتكون الإستعانة بالصبر والصلاة بخصوص آية البحث من وجوه:
الأول: من خصائص المؤمنين الإمتثال لأمر الله بالإستعانة بالصبر والصلاة، لذا إبتدأت آية البحث والآية أعلاه بقوله تعالى(يا أيها الذين آمنوا) .
وجاء النداء للمسلمين في الآيتين بصيغة المدح والثناء، وكأن تقدير الجمع بين الآيتين من وجوه:
الأول: يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا بالإستعانة بالصبر والصلاة.
الثاني: يا أيها الذين آمنوا إستعينوا بالصبر والصلاة ولا تأكلوا الربا.
الثالث: لا تتخذوا الإستعانة بالصبر والصلاة طريقاً لأكل الربا.
الرابع: الإستعانة بالصبر والصلاة عصمة من أكل الربا.
وفيه شاهد على المنافع العظيمة للعبادات، وحاجة الناس إليها.
الثاني: التداخل والتعاضد بين مضامين آيات القرآن لبعث المسلمين في ميادين الصلاح، وأسباب الهداية والرشاد , فيتلو المسلم آية تتضمن الأمر وصيغة(إفعل) فتكون عوناً له في الإمتثال لآية أخرى تتضمن صيغة (لا تفعل).
ويأتي إنذار ووعيد للكفار وبيان الأضرار التي لحقت بهم بسبب الجحود والكفر، فيزداد المسلمون هدى وتقوى وصلاحاً، قال تعالى في خطاب للنبي محمد صلى الله وآله وسلم[قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ]( ).
وهل أكل الربا جناية، الجواب نعم، لأنه معصية لله عز وجل وهو ظلم وتعد، وبين الجناية والكبيرة عموم وخصوص مطلق، فكل كبيرة جناية، وليس العكس ويقال(جَنَى الذنْبَ عليه جِنايةً : جَرَّه)( ).
الثالث: لقد جعل الله عز وجل الإنسان كائناً محتاجاً، وتحتمل هذه الحاجة وجوهاً:
الأول: إنها حاجة شخصية.
الثاني: إنها حاجة نوعية، وكل إنسان محتاج.
الثالث: العنــوان الجامع , والناس مجتمعين ومتفرقين محتاجون إلى الله عز وجل.
والصحيح هو الثالث، قال تعالى[يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ]( ).
ويأتي قوله تعالى[وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ]( )، لهداية المسلم لحاجته في التغلب على النفس الشهوية، وتجعله في أمن من أكل الربا بالإستعانة بالصبر والصلاة، وهو من مصاديق إنفراد المسلمين بنعم عقائدية مخصوصة.
الرابع: لقد أنعم الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بالمدد بجنود من الملائكة لنصرتهم في معارك الإسلام الأولى، ليتفضل بالمدد على المسلمين بآيات قرآنية نازلة من السماء تكون عوناً لهم في العبادات والمعاملات .
فإن قلت إنه من القياس مع الفارق، فالمدد الملكوتي أثره حال وظاهر في ساحة المعركة.
والجواب إن آثار ومنافع الآية القرآنية أكثر من أن تحصى كماً وكيفاً بلحاظ أمور:
الأول: إنتفاع كل مسلم منها.
الثاني: ذات الموضوعات التي يتحقق فيها النفع العظيم من الآية القرآنية.
الثالث: كل آية ضياء وواقية متجددة.
الرابع: تنمية ملكة الإستنباط عند المسلم مطلقاً، ولو على نحو الموجبة الجزئية، وهو من عمومات قوله تعالى[عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ]( )، بتقريب أن القرآن مصدر العلوم المتعلقة بأفراد الزمان الطولية الماضي والمضارع والمستقبل.
الوجه الثاني: من الآيات في الشريعة الإسلامية أن العبادات فيها تأتي وفق معاني الأخوة الإيمانية .
فتؤدى الصلاة جماعة وفراداً، ولكن ثواب الجماعة يزيد أضعافاً على ثواب صلاة المنفرد.
ويؤدي المسلمون الحج على نحو العموم المجموعي لأهل الموسم، فلا بد أن يقفوا في موضع ضيق في عرفة والمشعر في وقت واحد، مع تأكيد القرآن والسنة على موضوعية هذا الوقوف .
(وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال : الحج عرفة فمن أدرك عرفة فقد أدرك الحج)( ) .
وعند الطواف يردد كل فرد من وفد الحاج كلمات تعبدية يجب الإجهار بها.
وهي التلبيات الأربعة (لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك)( ).
وفريضة الزكاة حرب على الربا لما فيها من إعانة الغني للفقير، ونماء لمال الغني، قال تعالى[وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُضْعِفُونَ]( ).
وتبعث الأخوة الإيمانية المسلمين على إتيان الفرائض والعبادات , وتنمّي العبادات مفاهيم هذه الأخوة، وتجعلها ملكة نوعية عامة عند المسلمين، وهما معاً أي العبادات والأخوة مجتمعين ومتفرقين عون للمسلمين للتنزه عن الربا، وعقده.
فحتى لو توجه أحد الطرفين للمعاملة الربوية فإن الطرف الآخر معدوم.
الوجه الثالث: من وظائف المسلم القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وعن أنس بن مالك عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: والذي نفسي بيده، لا تقوم الساعة على رجل يقول: لا إله إلا الله ، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر)( ).
ومن ميادين كل منهما ترك الربا، وبيان أضراره، ودعوة الناس لإجتنابه، وفيه بشارة إستدامة الحياة الدنيا مع قيام[خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( )، بوظائف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وليس من حصر لمواضيع كل من الأمر والنهي، وتدخل فيهما بلحاظ المقام وجوه:
الأول: الأمر بالأخوة الإيمانية.
الثاني: النهي عن أسباب الفرقة والتشتت.
الثالث: الأمر بأداء الفرائض العبادية.
وهذه الأخوة أعم من شرائط الأخوة النسبية، فتكون الأخوة الإيمانية بين الزوج وزوجته، والأب وإبنه , والحاكم والمحكوم، ليكون هذا العموم باباً للإطلاق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى[وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا]( ).
وتلك الفرائض تصاحب الإنسان في يومه وليلته مما يعني أن الأمر والنهي بخصوصهما مصاحبان للمسلم بصفته آمراً بالمعروف ومأموراً به، وناهياً عن المنكر ومنهياً عنه، وإجتناب الربا من موضوعات الأخوة في المقام وتوثيقها.
ويصح النهي عن الربا بالذات بلحاظ أنه فعل قبيح يستلزم تناهي المسلمين عنه، وقد ورد في القرآن ذم قوم قبل الإسلام لتخلفهم عن النهي عن المنكر، قال تعالى[كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ]( ) . إن إنتساب بني إسرائيل للأنبياء، وكون شطر من الأنبياء من بني إسرائيل لم يمنع من دعاء الأنبياء عليهم .
وفيه وجوه:
الأول: لعن داود عليه السلام للذين كفروا منهم، وعن الإمام محمد الباقر عليه السلام: أما داود فإنه لعن أهل إيلة لما اعتدوا في سبتهم , وكان إعتداؤهم في زمانه .
فقال اللهم ألبسهم اللعنة مثل الرداء و مثل المنطقة على الحقوين فمسخهم الله قردة) ( ).
وقال الحسن ومجاهد وقتادة: لما ذكر داود أغنى عن ذكر سليمان لأن قولهما واحد)( ).
وفي القول أعلاه إشكال من جهات:
الأولى: القدر المتيقن من الآية أعلاه داود عليه السلام.
الثانية: الإخبار عن لعن سليمان لهم يحتاج إلى دليل آخر، وإلا فيمكن القول أن لعن داود أغنى عن ذكر الأنبياء الآخرين من بني إسرائيل وغيرهم.
الثالثة: لعل الحال تختلف في أيام سليمان لأن الملك إجتمع لسليمان وسخّر الله عز وجل له جنوداً من خلائق متعددة، قال تعالى[وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ] ( )، [وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنْ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ]( )، ولم يخرج رأس الكفر وأهل الفتنة في زمانه.
الرابعة: ظهور آثار لعنة نبي الله داود أيام سليمان عليه السلام، فمنهم من تاب وأصلح ومنهم من إجتثه الله عز وجل خصوصاً وأن لعنة النبي تتعقبها لعنة الصالحين.
الثاني: لعن عيسى عليه السلام للذين أنزلت عليه المائدة في آية من عند الله، ثم كفروا بعدها.
الثالث: المراد لعن الذين كفروا في الزبور الذي أنزل على داود، والإنجيل الذي أنزل على عيسى، وهو المروي عن ابن عباس( ).
الرابع: بيان الآية أعلاه من سورة المائدة بذكر علة لعنهم وهي عصيانهم وظلمهم وتعديهم، لقوله تعالى[ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ]( ).
الخامس: إن داود وعيسى عليهما السلام علما أن محمداً نبي مبعوث، ولعنا من يكفر به، عن الزجاج أي أن هذا اللعن تحذير وإنذار، ويدل في مفهومه على حث الأنبياء قومهم للتصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليكون من وظائف الأنبياء السابقين أمور:
الأول: البشارة بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: تبليغ الناس بلزوم التصديق بنبوته، وأنه خاتم الأنبياء، قال تعالى في الثناء على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والأنبياء السابقين[الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ]( ).
الثالث: الإنذار من الصدود والإعراض عن نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم والجحود بالمعجزات التي يأتي بها.
وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم(لو كان موسى حياً لما وسعه إلا إتباعي)( ).
الرابع: مجيء ذم الذين يجحدون بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يولدوا، ليتوارث المليون لزوم الوقاية من هذا الذم، وتجلى بتصديق عدد من علماء بني إسرائيل بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم منهم عبد الله بن سلام وأخوه.
ومن إعجاز الآية أعلاه من سورة المائدة أنها قيدت اللعن بالذين كفروا من بني إسرائيل، وحرف الجر(من) يفيد التبعيض.
ولم تحصر الآية علة اللعن بموضوع واحد، ومن أفرادها عدم قيامهم لنهي من يرتكب المعصية ويتعدى من بينهم .
فلم يأتهم اللعن لأنهم إمتنعوا عن نهي من يرتكب المعصية ويتعدى من غيرهم .
ولم يأتهم اللعن لأنهم إمتنعوا عن نهي آل فرعون مثلاً عن المعاصي والإستكبار والجحود.
بل جاء اللعن لعدم التناهي بينهم، لإقامة الحجة عليهم , ولأن هذا التناهي واجب على الأمة وأهل الملة الذين فضلهم الله عز وجل على أهل زمانهم، وبعث فيهم النبي تلو النبي، قال تعالى في خطاب لبني إسرائيل[وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ]( ).
والربا من المنكر الذي شاع تعاطيه بينهم، وتتجلى وحدة السنخية في موضوع توجه اللعنة من الأنبياء، بأن داود وعيسى عليه السلام لعنا الذين كفروا من قومهم لعدم تناهيهم عن المنكر .
وجاء الحديث عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بلعن أطراف الربا بلحاظ أنه من أفراد المنكر، والفعل القبيح الذين يتضمن المعصية والتعدي كما ورد في الآية أعلاه وبيان علة النهي[ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ]( ).
لقد أراد الله عز وجل للمسلمين التعاون في سبل الخير والصلاح والعصمة من المعاصي والكبائر فأنعم عليهم واليهم وجعلهم أخوة، وقيد هذه الأخوة بصيغة الإيمان , وفيه مسائل:
الأولى: تبعث هذه الآية الثقة والعز في النفوس.
الثانية: تجعل الآية المسلمين يحرصون على الأمر والنهي بينهم بما يترشح عن الإيمان من المعاني السامية والأخلاق الفاضلة.
الثالثة: مناجاة المسلمين لإجتناب آفة الربا التي هي عداء للأخوة والإنسانية لما فيها من أسباب النفرة والأذى وسلب جهد الغير بشروط القرض والمنافع التي يجرها.
فإن قلت لو كان مقترض المال الربوي يكسب المال من غير جهد وسعي بل يستعمل ذات الكيفية والمعاملة الربوية ولكن بربح أكثر أي أنه يأخذ المال بفائدة قليلة ثم يقرضه إلى غيره بفائدة كثيرة فهل يسلم صاحب المال الأصلي من الإثم لأنه لم يستحوذ على مال المقترض، الجواب لا يسلم، من وجوه:
الأول: تعلق الإثم بذات العقد الربوي , وشرط الزيادة فيه للإطلاق في النهي عن الربا بقوله تعالى[وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا]( ).
الثاني: تعاقب الأيدي في المال الربوي لا يحول دون ترتب الإثم عليه، لبقاء حكم حرمة الربا، وتعلقها بذات المال.
الثالث: شمول الحرمة للتعاقب في الربا من إعجاز آية البحث وتعلق النهي فيها بأكل الربا، وليس بأصل العقد أو قبض المال الربوي، فالمال الذي يقبضه صاحب المال الأصلي ربا وزيادة يجرها القرض.
الرابع: مجيء آية البحث بالنهي عن أكل الربا مطلقاً سواء من قبل الذي يقبضه أو غيره، ليكون التقيد بهذا النهي من عمومات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
قانون(لا تأكلوا)
بين التكاليف الخمس تباين وتناف، وقد يكون بين بعضها عموم وخصوص مطلق كما في إرادة الكراهة والحرمة من النهي وهناك إختلاف وتباين في الكم وأفراد الزمان في مصاديق وأفراد كل تكليف، ويحتمل وجوهاً:
الأول: أفراد الأوامر هي الأكثر وتستغرق أكثر أوقات المكلف، كأدائه الصلاة والصوم والحج.
الثاني: أفراد المحرمات والمنهي عنها هي الأكثر.
الثالث: المستحبات هي أكثر الأفراد.
الرابع: المكروهات التي جاء الأمر بتركها وإجتنابها مع عدم الإثم والعقاب بإتيانها.
الخامس: المباحات هي الأكثر والتي تأخذ أكثر أوقت المكلف.
والصحيح هو الخامس .
فالعبادات لا تأخذ من وقت المكلف إلا الجزء اليسير، ومنها من يتخلل المباح ويكون في طوله، بإستثناء الصلاة فإن فريضة الصوم مثلاً إنما هي إمساك عن الطعام والجماع ساعات أيام شهر رمضان من غير إمساك من عن المباحات الأخرى ز
قال تعالى[قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ]( ).
ولعل مصاديق وأفراد المباح أكثر من مصاديق التكاليف الأربعة الأخرى مجتمعة، وفيه وجوه:
الأول: إنه آية في بديع صنع الله عز وجل.
الثاني: فيه دعوة للناس للشكر لله سبحانه.
الثالث: فيه مندوحة للمكلف للعمل بالتكاليف الأخرى، في أمور الدين والدنيا.
الرابع: فيه حجة على الناس بلزوم طاعة الله، والتقيد بالأحكام الشرعية، شكراً له سبحانه على نعمة الخلق والإيجاد وكثرة النعم والمباحات، قال تعالى[اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ] ( ).
وبلحاظ نظم الآية أعلاه هل يمكن إعتبار الموت نعمة من عند الله لأنها جاءت في بيان تعدد النعم الإلهية على الناس، أم أنه من باب تعقب الإنذار لذكر النعم ليكون أثره في النفوس أبلغ، ووقعه أشد، خصوصاً وأن الآية أعلاه جاءت بعد آية الزجر عن الربا والتحذير والوعيد منه بقوله تعالى[وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ]( ).
الجواب لا تعارض بين الأمرين، والإنذار بذاته نعمة، وكذا التذكير بحدث الموت ، نعم الموت وما بعده نعمة على المؤمن وولوجه للسعادة الأبدية بسلاح الصالحات والتنزه عن الربا، قال تعالى[وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ]( ).
ومن الإعجاز في الآية أعلاه أنها جاءت بحرف الإستقبال للقريب (السين)، ولم تقل سوف ندخلهم، وفيه أمور:
الأول: البشارة بقرب أوان الآخرة على المؤمنين.
الثاني: اليسر والسهولة في مواطن الحساب فضلاً من الله عز وجل.
الثالث: الترغيب بالإمتناع عن الربا والإعراض عن الأضعاف المضاعفة التي تأتي منه، طمعاً بالثواب العظيم القريب، قال تعالى[يَرَوْنَهُ بَعِيدًا* وَنَرَاهُ قَرِيبًا]( ).
ومن نعم الله عز وجل على الناس كثرة المباحات وتغشيها لآنات الليل والنهار، والمندوحة في طلبها، والتخيير فيها كما في قوله تعالى[وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ حَلاَلاً طَيِّبًا]( ).
وإرادة التبعيض من حرف الجر(من) في قوله تعالى(مما) لما فيه من السعة والكثرة، وهذا الكثرة متعددة في موضوعها فهي تشمل جنس الرزق والحلال بحيث يكون الناس في غنى عن الحرام في ذاته وموضوعه.
ومن إعجاز آية البحث إنتفاء تعارضها مع الآية أعلاه التي تأمر بالأكل مما في الأرض، ولكن التعارض يتعلق بأمر عرضي طارئ وخارج عن جنس المأكول الذي جعله الله في الأرض من الحبوب والغلات والفواكه والثـمار والأنعام والأسماك وغيرها من النعم، لتوكيد فضل الله عز وجل بالإطلاق في إباحة خيرات الأرض.
والنسبة بين آية البحث والآية أعلاه ليست هي الإطلاق والتقييد بل تتعلق الحرمة بالسبب وطريق الأكل وليس جنس ونوع الأكل ولحاظ إرادة المعنى الحقيقي له وهو إدخال الطعام في الحلق، وتعلق النهي بكسب المال وتوظيفه في المعيشة.
ولا يصح الجمع بين الآيتين (كلوا مما في الأرض حلالا طيباً إلا الربا) إلا على القول بأنه من الإستثناء المنفصل وليس المتصل، بالإضافة إلى أن المستثنى المنهي عنه أعم من الربا.
ومن إعجاز القرآن تكرار لفظ(لا تأكلوا)في آيتين من القرآن إحداهما تتضمن النهي( )، والأخرى تفيد الإباحة ونفي الحرج في غير المنهي عنه( ).
وكل منهما جاءت خطاباً للمسلمين، وفي بيان لقانون أن التحريم مخصوص ومنحصر في موضوعه أما الإباحة والندب ففيهما نفع من وجوه:
الأول: السعة والمندوحة للفرد والجماعة والأمة.
الثاني: مساعدة المسلمين في الإمتثال لأوامر الله عز وجل.
الثالث: الإحتراز من الحرام ومنه الربا وإكتناز الأموال بواسطته.
لتكون العصمة من الربا على وجوه:
الأول: إنها صفة تميز المسلمين عمن سواهم من الأمم.
الثاني: تكون علامة وآية على الإيمان.
الثالث: دعوة للناس للإمتناع عن الربا , فليس من دعوة أفضل من الأسوة الحسنة، والتنزه عن الفعل لقبحه الذاتي، قال تعالى[فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدْ اهْتَدَوا]( )، وفي تنزيه الأسواق منه، أو لا أقل عدم التمادي في الكسب الحرام.
وفي سعة وكثرة المباحات دعوة للناس للشكر لله ومن مصاديق الشكر في المقام إجتناب ما حرّم الله من الأكل، ومنه القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في باب الأكل والتعاون بين المسلمين للتمييز بين الجائز والمحرم.
وبين الجائز والمباح عموم وخصوص مطلق، إذ أن الجائز أعم ويشمل الواجب والمستحب والمباح، ليكون المنهي عنه أمراً ضئيلاً وقليلاً في مقابل الجائز وسعته وما فيه من الثواب العظيم.
ولقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار إمتحان وإختبار، وتفضل وهدى المسلمين لأسباب النجاح والتوفيق فيها بإجتناب أكل الربا والباطل مطلقاً، قال تعالى في وصف القرآن وترغيب أهل الكتاب بإتباع نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم[يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ]( ).
ومن الآيات أن الإمتحان ليس في المباح والجائز إنما هو في الإمتناع عن الحرام، ليحمل المسلمون لواء الإيمان في الدنيا، ويجاهدون من أجل بقائها (دار رحمة الله) بالناس جميعاً بسلامتهم وأموالهم من المعاملات الربوية، ولا تنحصر معاني الرحمة في ترك الربا بالأموال وباب الإقتصاد بل هو شامل، ونفعه مطلق بميادين الحياة المتعددة
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ مِنْ أَدَمٍ فِي نَحْوٍ مِنْ أَرْبَعِينَ رَجُلًا فَقَالَ إِنَّكُمْ مَفْتُوحٌ عَلَيْكُمْ مَنْصُورُونَ وَمُصِيبُونَ فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ وَلْيَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَلْيَنْهَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَلْيَصِلْ رَحِمَهُ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ وَمَثَلُ الَّذِي يُعِينُ قَوْمَهُ عَلَى غَيْرِ الْحَقِّ كَمَثَلِ بَعِيرٍ رُدِّيَ فِي بِئْرٍ فَهُوَ يَنْزِعُ مِنْهَا بِذَنَبِهِ)( ).

بحث أصولي
تكرر خطاب التشريف بصفة الإيمان تسعاً وثمانين مرة في القرآن، وكل واحدة منها مدرسة عقائدية وأخلاقية ودعوة للناس لدخول الإسلام بلحاظ مضامين ذات النداء وعوارضه الذانية وحيثياته وموضوعه في التكليف ويكون على وجوه منها:
الأول: الأمر.
الثاني: النهي.
الثالث: الأمر الجامع للأمر والنهي كما في آية البحث.
الرابع: البشارة.
الخامس: التحذير والإنذار.
ومن خصائص آية البحث أن هذا النداء تعقبته أمور ثلاثة وهي:
الأول:النهي الذي يحمل على التحريم، خصوصاً وأنه ورد بصيغة (لا تفعل) وفيه مسائل:
الأول: القطع بالنهي.
الثاني: عدم حصول الترديد فيه.
الثالث: إدراك الناس أنهم مكلفون في الحياة الدنيا , وفيه مسائل:
الأولى: أنه دليل بـأن الدنيا(دار التكاليف).
الثانية: المنع من تسرب الغرور إلى النفس الإنسانية.
الثالث: فيه زجر عن الإستكبار والإستعلاء , قال تعالى[إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ]( ).
فمتى ما علم الإنســان أنه مكلف بأوامر ونواهي فانه يشعر معها بالعبودية لله عز وجل، وتأتــي الشـــواهد اليومية المتجددة لتؤكد أنه محتاج إلى الله عز وجل قال تعالى [يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ] ( ).
وهل في التكاليف ذلة للإنسان.
الجواب لا، فهي من مصاديق الإكرام والتشريف لذا إبتدأت آية البحث بقوله تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] وما يدل عليه من البشارة بالثواب العظيم في الآخرة، وفي هذا الخطاب وخصائصه ودلالاته أمور:
الأول: بيان الحسن الذاتي للإيمان.
الثاني: إنه شاهد بأن الإسلام لم ينتشر بالسيف، ولكنه إنتشر بما في لغة الترغيب في الإسلام من الإعجاز والتحدي.
الثالث: إقتران التكليف بالإكرام.
وقد يتجنب الإنسان التكليف خصوصاً إذا كان متكرراً ومستمراً إلا أن التكاليف العبادية تجذبه إليها، وتجعله يميل إليها بشوق ولا يشعر بالرضا والسكينة إلا عند الإمتثال، وهو من عمومات قوله تعالى[أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ] ( ).
ومن الآيات في التكاليف وأسباب إنجذاب النفوس لها، أن المصلحة ملازمة للأوامر، والمفسدة ملازمة لما نهى الله عنه، وما أن يفعل الإنسان المعصية حتى تتبين له أضرارها العاجلة.
وتحتمل هذه الملازمة وجهين:
الأول: نتبع الأوامر المصالح، ونتبع النواهي المفاسد.
الثاني:المصالح هي التي تتبع الأوامر، والمفاسد تتبع النواهي، والمصالح والمفاسد على شعبتين:
الأولى:الدنيوية.
الثانية:الأخروية.
لتكون المصالح توليدية، فكل مصلحة تتفرع عن الإمتثال للأمر الإلهي وتتولد عنها مصالح كثيرة، وتكون واقية من إرتكاب المعصية، وفعل الفساد، ومرة يأتي الأمر بإقامة الصلاة , قال تعالى [وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ]( )، وتأتي آية أخرى تتجلى فيها منافع عظيمة متجددة للصلاة، قال تعالى[إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ]( ).
ولما إحتج الملائكة على جعل آدم عليه السلام خليفة في الأرض أقام الله عز وجل الحجة في بديع صنعه وما فيه من تمام الحكمة بما تعجز الخلائق عن إدراكها بلحاظ أن الملائكة عقل بلا شهوة .
فحينما يعجز الملائكة عن بلوغ الغايات السامية من جعل الخليفة في الأرض إلا بفضل من الله فان غيرهم من الخلائق يتخلف عن إدراك هذه الغايات التي تتكشف في تقادم الأيام وأشرقت أنوارها بهية ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذ يؤدي المسلم الصلاة فتكون سبباً للتنزه عن المعصية.
ويحتمل هذا التنزه وجوهاً:
الأول: إنه خاص بالمكلف الذي يؤدي الصلاة.
الثاني:يتعلق إجتناب الفحشاء والمنكر بغير المصلي، لذا جاءت الآية بصيغة الفعل المضارع وتقديره (تنهى الصلاة غيره عن الفحشاء).
الثالث:إرادة المعنى الأعم فتشمل ذات المصلي وغيره.
والصحيح هو الثالث، ليكون من خصائص الأداء الشخصي للتكاليف صلاح نوعي يشمل الموجود والمعدوم، إذ أن الصلاة تركة مباركة فيها إصلاح للذات والذرية، والكبير والصغير , ليكون من علم الله عز وجل في فعل تكليفي واحد وهو الصلاة أمور وأسباب متعددة للنهي عن الفساد منها:
الأول: ذات الصلاة.
الثاني: حرص المؤمن على عدم الخلط بين الصلاة وضدها.
الثالث:إتعاظ الناس من فعل المصلي.
الرابع:إنشغال المؤمن بالصلاة.
الخامس: تلاوة القرآن أثناء الصلاة زاجر عن الفساد، ومن الإعجاز في أحكام الصلاة وجوب القراءة وما فيها من البشارة والإنذار، واللجوء إلى الله ويرقا المسلم في كل يوم عدة مرات[اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]( ).
السادس: حث المسلمين بعضهم بعضاً على الصلاة ومنه أداؤها جماعة وقد وردت النصوص بالندب إلى صلاة الجماعة على نحو الإستحباب المركب .
وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (قَالَ صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ عَلَى صَلاَةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً) ( ).
وهل في صلاة الجماعة عون للمسلمين في التنزه عن الربا.
الجواب نعم، من وجوه:
الأول: إنها مناسبة لإجتماع المسلمين في مرضاة الله.
الثاني: فيها موعظة وتذكير بلزوم تقوى الله.
الثالث:في صلاة الجماعة تلاوة لآيات القرآن، ومنها الآيات التي تنهى عن الربا، والآيات التي تحث على التقوى.
الرابع: أفعال الصلاة ذاتها من الوقوف بين يدي الله والركوع والسجود دعوة للصلاح، وترك الفساد.
الخامس:يمتنع عموم المسلمين عن الربا، ومن يدخل في جماعتهم يحاكيهم على نحو الوجوب أيضاً في الكف عن الربا.
السادس: صلاة الجماعة مناسبة لنشر الأخلاق الحميدة، وإشاعة صبغة الإقراض والإعانة بين المسلمين.
وبالإسناد(عن ابن أم مكتوم ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استقبل الناس في صلاة العشاء فقال: لقد هممت أن آتي هؤلاء الذين يتخلفون عن هذه الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم.
فقام ابن أم مكتوم ، فقال : يا رسول الله ، لقد علمت ما بي ، وليس لي قائد قال: أتسمع الإقامة، قال: نعم قال: فاحضرها)( ).
وفيه شاهد من السنة النبوية على أمور:
الأول: تعاهد صلاة الجماعة.
الثاني: قهر النفس والموانع الوضعية التي تحول دون حضورها.
الثالث: حضور السليم غير ذوي العاهة والحاجة إلى الصلاة من باب الأولوية القطعية، لأن الثواب العظيم المترشح عن الجماعة يستحق من المسلم السعي لأدائها في أوانها.
الرابع: بذل الوسع لحضور الصلاة مع جماعة المسلمين.
الخامس: فيه مساهمة شخصية في بناء صرح الإيمان.
السادس: واقية نوعية من الربا، من جهات:
الأولى: تعاهد أخوة المسلمين في مرضاة الله.
الثانية: شهادة كل مسلم لأخيه في أداء الصلاة، وهذه الشهادة دنيوية وأخروية.
ومن الدنيوية التوفيق والعدالة وقبول الشهادة لمن يواظب على حضور صلاة الجماعة.
ومن الأخروية البشارة في قوله تعالى[لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ] ( ).
الثالث: إقامة المسلمين للصلوات في أوقاتها، وجعلها منسكاً عبادياً يعرف به المسلمون.
الرابع:الفوز بالثواب العظيم المركب من وجوه:
الأول: أداء صلاة الفريضة.
الثاني: إتيان الصلاة جماعة.
الثالث: تعاهد القراءة وأحكام الصلاة من قبل المسلمين على نحو العموم المجموعي.
الخامس:إصلاح حال شطر من المنافقين من وجوه:
الأول: حضورهم للصلاة.
الثاني: التقيد بآداب الصلاة.
الثالث: فضح الذين يصرون على النفاق ويعرضون عن أداء الصلاة.
السادس: صلاة الجماعة مناسبة لأمور:
الأول: سماع تلاوة القرآن.
الثاني: إستحضار التقوى.
الثالث: بعث السكينة في نفوس المسلمين لما في صلاة الجماعة من أسباب العز والمنعة.
وفي أسباب نزول قوله تعالى[حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ]( )، ورد عن زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي بالهاجرة وكانت أثقل الصلوات على أصحابه فلا يكون وراءه إلا الصف أو الصفان.
فقال: لقد هممت أن أحرق على قوم لا يشهدون الصلاة بيوتهم فنزلت هذه الآية( ).
السابع: إذا كان الأعمى ينبغي أن يحضر لصلاة الجماعة مع تعذر وجود من يقوده إليها، فمن باب الأولوية أن يحضرها عامة المسلمين، وهذه الأولوية تهيئ القائد للأعمى على نحو الجري والإنطباق.
الثامن: حرص المسلمين على صلاة الجماعة، ووقوفهم بين يدي الله خمس مرات بصفوف متراصة يبعث الفزع والخوف في قلوب الكفار ويجعلهم يترددون في التعدي على الإسلام والمسلمين.
وهل هو من عمومات قوله تعالى[وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ]( )، الجواب لا، لأن القدر المتيقن من الآية أعلاه تهيئة مقدمات المعركة مع العدو، وأسباب النصر والظفر على الكفار.
التاسع:صلاة الجماعة ومقدماتها من عمومات قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ).
العاشر: صلاة الجماعة مناسبة لإجتماع المسلمين , وتذاكر أمور الآخرة، والإستعداد لمواطنها بالصلاح والتقوى.
السادس: الصلاة ذكر لله عز وجل، وهذا الذكر زجر عن الفساد وعن معصية الله.
وفيها دلالة على أن إتيان الأوامر باب للإمتناع عما نهى الله عنه، فلا غرابة أن تأتي الملازمة بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في آيات القرآن لأن كل فرد منهما مطلوب بذاته وهو مقدمة للإتيان بالآخر، ومما إنفرد به المسلمون هو عدم الخلط بين المعروف والمنكر، وبين الحلال والحرام، فلا تجدهم يجمعون بين الإمتثال للأوامر وإرتكاب ما نهوا عنه.
لذا حينما جاء قوله تعالى[وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا] ( )، فانهم إتخذوا البيع والشراء وسيلة للمعاملة، وإمتنعوا عن الربا والزيادة الربوية التي ليس لها عوض وبدل.
قراءة عقائدية في(لا تأكلوا)
تنزل كلمة من عند الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيتصبب عرقاً في اليوم الشديد البرودة لثقل تلك الكلمة متحدة كانت أو متعددة وتكون حاله تلك آية وحجة لمن حضرها وللناس إلى يوم القيامة , وتتبين أسباب إستدامتها بما في القرآن من إعجاز وأسرار سماوية قال تعالى[لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ]( ).
لتتجلى حقيقة وهي أن إستدامة حكم تلك الكلمة إلى يوم القيامة من مصاديق ثقل وقع الآية القرآنية، وآثارها الوضعية على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويتلقفها المسلمون بالتلاوة والحفظ والعمل بمضامينها، لتبقى عهداً متجدداً في أجيالهم المتعاقبة.
وهي صلة بين المتقدم والمتوسط والمتأخر من طبقاتهم، وإذ عُرفت ومضت الأجيال الأولى منهم فإن تعيين الأجيال المتوسطة بلحاظ أفراد الزمان الطولية المتعاقبة أمر يختص به الله عز وجل، لأن آخرها من اللامتناهي الذي لا يعلمه وأوان الساعة إلا الله عز وجل, قال تعالى[إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ]( ).
وهذا الإختصاص من رحمة الله عز وجل بالناس في الحياة الدنيا والآخرة.
وهو من عمومات قوله تعالى[إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( )، في إحتجاج الله عز وجل على الملائكة عندما أنكروا خلافة الإنسان في الأرض وما ينشره من الفساد ويشيعه من القتل فيها .
فأجابهم الله بأنه ينزل الكلمة من القرآن فتبقى حكماً مستديماً في الأرض يتعاهده المسلمون وهم يجمعون بين تلاوة تلك الكلمة القدسية والعمل بمضامينها بمفاهيم الشوق والرغبة، بما يجعل الملائكة يدعون للمسلمين ويثنون على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في أمته والصلاح الذي تعقب بعثته في الأرض، كما يتجلى في قوله تعالى[إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ]( ).
ويــفيد الجــمع بين الآيتين أعلاه أموراً:
الأول: إقرار وإعتراف الملائكة بعلم الله عز وجل.
الثاني: حكمة الله وبديع صنعه في جعل خليفة في الأرض، لذا قال الملائكة عند إخبار الله لهم بجعل آدم خليفة في الأرض، وعلمه بعواقب الأمور[سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا]( ).
وهو من أسمى معاني التنزيه لمقام الربوبية والإقرار بالتسليم لله عز وجل.
الثالث: إن موضوع الخلافة إزاحة الفساد، وتنزيه الأرض من القتل بغير الحق.
الرابع: من مواضيع الخلافة الجهاد لمنع الربا في الأرض، والإمتناع عنه أكلاً وتأكيلاً.
وفي إجتناب الربا مسائل:
الأولى: إنه برزخ دون الفساد.
الثانية: إنه دعوة لصلاح أهل الأرض، لموضوعية المكاسب والمعاملات في ماهية الصلات بين الناس وأسباب الود أو البغضاء بينهم.
الثالثة: سلامة المجتمعات من الظلم.
الرابعة: بعث الناس إلى سبل الشكر القولي والفعلي لله عز وجل .
لقد أخذت الدعوة إلى الإسلام صبغة الإحتجاج والبرهان، فليس من فتوحات وغزو متصل في أغلب آنات الزمان وأجيال المسلمين، قال تعالى[ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ]( ).
وما من حصر لمصاديق الحكمة التي يتخذها المسلمون وسيلة ومادة لجذب الناس للإسلام،ومنها الإمتناع عن أكل الربا، مع ظهور علة وموضوع هذا الإمتناع وهو قصد القربة وطاعــة الله عز وجل، ولا أحد يعلم أن المسلمين يتخذون من باب المكاسب سلاحاً من وجوه:
الأول: إنه دعوة صامتة للإسلام.
الثاني: مخــاطبة العــقول بالحكمة في التنزه عن الفساد في الأرض.
الثالث: من دلالات ترك الأضعاف المضــاعفة من الأموال الربوية طاعـة لله عــز وجل.
الرابع: سيبقى عمل المسلمين في كيفية الكسب آيةة في التقوى ولزوم الخشية من الله.
الخامس: يتخذ المسلمون كيفية الكسب وسيلة في الآخرة للعبور على الصراط والنجاة من النار، قال تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ] ( ).
إن قيام المسلمين بالإمتناع عن الربا مع إستمرار تلاوتهم لآية البحث شاهد على حضور الوحي والتنزيل بين الناس، وتأكيد للصلة بين الأرض والسماء، تلك الصلة التي تتقوم بالنبوة والتنزيل، وتتجلى ومصاديقها بأمور:
الأول: عمل المسلمين بأحكام التنزيل.
الثاني: سلامة أسواق المسلمين من الربا.
الثالث: إجتناب الظلم في المعاملات بكلمة (لا تأكلوا) من بين سبع وسبعين ألفاً وأربعمائة وثلاثين كلمة هي مجموع كلمات القرآن.
وفيه دلالة على أن ميادين ومصاديق دعوة المسلمين إلى الله من غير المنتهي، والتي تعجز أي قوة وحكم ودولة في الأرض منع سلطانها على النفوس، ومنافعها في المجتمعات.
وهل إمتثال المسلمين لقوله تعالى(لا تأكلوا الربا) من عمومات قوله تعالى[وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ]( ).
الجواب لا، من وجوه:
الأول: القدر المتيقن من الجدال هو الإحتجاج بأمور منها:
الأول: البينة القاطعة.
الثاني: نزول القرآن من عند الله، قال تعالى[أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا]( ).
الثالث: تجلي الإعجاز الذاتي والغيري للقرآن.
الثاني: ذكر البرهان والدليل على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث: بيان معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم العقلية والحسية.
ليس من حصر لمواضيع جدال المسلمين لأهل الكتاب، وكذا بالنسبة لمفاهيم ومسائل الموضوع الواحد الذي يكون فيه الجدال , ومنها الربا إذ يقع الجدال في أمور:
الأول: حرمة الربا في الملل السماوية كافة.
الثاني: بيان علة حرمة الربا.
الثالث: تأكيد أضرار الربا.
الرابع: الإثم والمعصية في الربا.
الخامس: العقاب الأليم الذي ينتظر آكل الربا.
السادس: بيان النفع العظيم في العزوف عن الربا.
السابع: وحدة الحكم الذي جاء به الأنبياء وحرمة الربا من عمومات قوله تعالى[وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ]( ).
الثامن: الإطلاق في حرمة الربا، وبيان ذم فريق من أهل الكتاب الذي يقول[لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ] ( )، في إستحلال أموال المسلمين، وخيانة وديعتهم، وأكل أموالهم.
التاسع: تنزيه الأرض من الكذب على الله، ومن تحريف الكتب السماوية، وهذا التنزيه أعم من الجدل، إذ يتجلى بما يقوم به المسلمون من أداء العبادات وإجتناب المحرمات وهو من عمومات الخلافة في الأرض وقوله تعالى[لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( ).
وفي إمتثال المسلمين للنهي عن الربا أمور:
الأول: تعضيد مضامين الجدال.
الثاني: مادة وموضوع للجدال.
الثالث: إنه مناسبة لبيان حقيقة وهي وحدة المضامين التي جاء بها الأنبياء.
فما من نبي إلا وأنذر قومه من الربا، ودعاهم إلى الإمتناع عنه، وإنفرد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من بين الأنبياء في المقام بأمور:
الأول: تجلي حرمة الربا في القرآن الذي أنزل عليه، بالنص الممتنع عن الترديد والتخيير، وتجدد تلاوة المسلمين لتلك الحرمة كل يوم.
الثاني: بقاء الحكم الذي جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بحرمة الربا إلى يوم القيامة.
الثالث: إمتثال أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهم المسلمون لآية النهي عن الربا طاعة لله قال تعالى[الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ]( ).
الرابع: تذكير الناس بما جاء به الأنبياء من الأحكام، ودعوتهم للتقيد بها بلحاظ وجودها بين دفتي القرآن , قال تعالى[وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( ).
الخامس: تعدد مصاديق السنة النبوية القولية والفعلية في باب النهي عن الربا، وفيه عون للمسلمين للتفقه في أحكام حرمة الربا.
لقد أراد الله عز وجل لحال وحسن سمت المسلمين في الأسواق أن يكون على وجوه:
الأول: نشر المحبة والمودة بين المسلمين.
الثاني: نزع أسباب الخصومة والعداوة التي كانوا عليها.
الثالث: إنه مناسبة لجني الحسنات، قال تعالى[وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا]( ).
الرابع: إنه عون لأداء العبادات والمستحبات فإنتفاء الغل والحسد من أسباب شوق المسلمين لصلاة الجماعة وما فيها من الثواب العظيم.
الخامس: التنزه من الحرام والكذب والغش وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم(من غشنا فليس منا)( ).
لقد ذكرت الآية أعلاه حصول الألفة بين المسلمين، ولم تذكر مصاديقها وأسبابها ومواضيعها، وفيه مسائل:
الأولى: إنه إعجاز إضافي لآيات القرآن.
الثانية: فيه دعوة للناس للتدبر في سعة رحمة الله بتعدد وتجدد تلك المصاديق إذ أنها في إزدياد وتجدد مندوحة.
الثالثة: تضاف في كل زمان مصاديق جديدة لمعاني المودة والأخوة بين المسلمين، وأسباب نزع الغل وإجتناب الغضاضة والنفرة بينهم.
وهو من عمومات فضل الله على المسلمين ومصداق عملي لقوله تعالى[وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ]( ).
قانون”التنافي بين الربا والبركة”
البركة هي لغة النماء والزيادة وهي نعمة وفضل من الله، قال تعالى[رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ]( )، فتأتي البركة من عند الله لتكون مادة وسبباً للعز والرفعة والكثرة المقيدة بالصلاح بلحاظ أن كلاً من الكثرة والصلاح من البركة.
وقال الفراء في الآية أعلاه(إن البركات السعادة) ولكن الآية أعم في مضمونها وموضوعها ودلالاتها، لاسيما وأنها جاءت بصيغة الجمع(البركات).
وليس من حصر لمعاني البركات التي تأتي من عند الله، وهو سبحانه يعطي بالأوفى والأتم، ومنها ما هو ثابت ومنها ما هو مستحدث لذا قيل(البركات: الخيرات النامية) ( ).
وليس من حصر للبركات النازلة من السماء ولا البركات والكنوز التي تخرجها الأرض، وفيه آية وبشارة إستدامة النعم بالإيمان، وأن التقوى واقية من نضوبها، قال تعالى[وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ]( ).
لقد جعل الله عز وجل الدنيا (دار البركة) من وجوه:
الأول: تتغشى مصاديق البركة ميادين الحياة المختلفة.
الثاني: تصاحب البركة الإنسان متحداً ومتعدداً في أمور الدين والدنيا.
الثالث: تتجلى البركة في كثرة عدد الناس فلا أحد غير الله يعلم أن آدم وحواء ستكون لهما ذرية تبلغ المليارات من الناس.
وأسباب البركة في الأرض من عمومات قوله تعالى[إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( )، في رد الله على الملائكة حينما إحتجوا على جعل الإنسان خليفة في الأرض مع قبح فعله[قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ] ( ).
فلم يعلم الملائكة أن الله عز وجل يبارك في ذرية آدم وبالخصوص أهل البيت بما يحفظ كلمة التوحيد، ويمنع من شيوع الفساد في الأرض، قال تعالى[رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ]( ).
وهل الربا من الفساد في الأرض الذي حذرت منه الملائكة الجواب نعم.
فجاءت آية البحث لأمور:
الأول: النهي عن سبب من أسباب الفساد.
الثاني: بيان الأضرار التي تترشح عن الربا.
الثالث: دعوة المسلمين للإحتراز في المأكل والملبس بإجتناب الحرام فيه.
الرابع: تنزه المسلمين عن الظلم، وإلى جانب البركات للذات المقدسة ولاسم الله عز وجل وصفاته الحسنى وإفاضاتها على الخلائق فإن هناك بركات عديدة منها ثابتة ومتجددة ومستحدثة في الأرض وهي على أقسام منها:
الأول: ما ينزل من السماء من الكلمات وهو على شعب:
الأولى: بركات التنزيل، ونعمة القرآن، وما فيه من أسباب الهداية والصلاح، قال تعالى[كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ]( ).
الثانية: نعمة نزول المطر، تلك النعمة التي تكون سبباً للبركة في الرزق، وتعدد موارد الكسب.
الثالثة: نزول الملائكة بالوحي والبركة، ونزولهم مدداً للمسلمين، وما فيه من أسباب تكثير المسلمين وزيادة قوتهم، وظهورهم على الكفار.
الثاني: نزول الملائكة لنصرة المسلمين، قال تعالى[فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ] ( ).
الثالث: البركة الأرضية وهي كثيرة وتفوق الحصر، منها وجوه:
الأول: ما تخرجه الأرض من النبات على نحو متصل ومتجدد.
الثاني: نمو النبات بما يبعث البهجة والرضا في نفس الإنسان ويجعله يعيش الأمل.
ومن الإعجاز في القرآن أن مادة (بهج) لم ترد في القرآن إلا بخصوص نبات الأرض، وفي ثلاث آيات، قال تعالى[فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ]( )، (والبهجة: حسن لون الشيء ونضارته)( ).
الثالث: ذات الإنسان وبديع صنعه، قال تعالى[لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ]( ).
الرابع: أسباب الصلاح بين الناس.
الخامس: إشاعة فعل الخيرات وإقامة الصلاة، قال تعالى[الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ]( ).
الثالث: البركة الجامعة والمتصلة بين السماء والأرض ومنها:
الأول: النبوة والبركات في معجزات الأنبياء، وقد فاز النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالنصيب الأدخر لأنه إنفرد من بين الأنبياء بالمعجزات العقلية والتي جعلت أمته في إزدياد وبركة وهو من عمومات قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
بلحاظ تصديق المسلمين بالمعجزات العقلية التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وهل حرمة الربا معجزة عقلية أو حسية ونزول الوحي على الأنبياء.
الثاني: نعمة الغيث وما فيها من أسباب النماء والزيادة في الإيمان، وعمارة الأرض.
الثالث: إستدامة الحياة الدنيا لموضوعية تعظيم شعائر الله وأداء الفرائض، وهي علة لهذه الإستدامة، قال تعالى[وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ]( ).
وهل ترك الربا من عبادة الله أم لا.
الجواب هو الأول لوجوه:
الأول: إن الله هو الذي حرّم الربا.
الثاني: إجتناب الربا طاعة لله عز وجل وعبادة له سبحانه.
الثالث: ترك الربا بقصد القربة، وترتب الثواب عليه.
الرابع: الإمتناع عن الربا مادة للبركة من وجوه:
الأول: جني الصالحات في كل آن بلحاظ أن الإمتناع عن الربا أمر وجودي، وإرادة وفعل مقصود.
الثاني: ترك الربا مناسبة للتفقه في الدين والإحتراز من المكاسب المحرمة مطلقاً.
الثالث: بعث المسلم في ميادين التجارة والكسب الحلال، وما فيه من أسباب البركة.
الرابع: إشاعة مفاهيم الإحسان بين الناس، قال تعالى[إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ]( ).
الخامس: حث الناس على التنزه عن الظلم الظاهر والذي يأتي بالواسطة كما في شروط الربا التي تتضمن الإجحاف والغبن والقهر.
ومن الدلائل على مصاحبة البركة للناس في الحياة الدنيا مجئ كل نبي من الأنبياء بحرمة الربا وإبتداء بآدم عليه السلام، وهذه الحرمة من عمومات قوله تعالى[وَعلم آدم الأَسْمَاءَ كُلَّهَا] ( ).
ليكون هذا التعليم عاماً، وليس خاصاً بذات الاسم بل يشمل مضامين ودلالات الأسماء وأحكامها وسننها.
ويكون من معاني التعليم في الآية الكريمة الجمع بين الأسماء والمسميات، وشمول لفظ الأسماء للذوات والعروض والمعاني والمفاهيم، [وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ]( ).
ويستقرأ هذا الإطلاق من إقرار الملائكة ببديع صنع الله في تأهيل آدم للخلافة في الأرض بهذا التعليم، المانع من إشاعة الفساد في الأرض.
مسائل في الربا القرضي
وهو الإقتراض مع شرط الزيادة للمقرض , وهو حرام كتاباً وسنة وإجماعاً , وفيه مسائل فقهية منها:
(مسألة 1) لا يجوز أن يشترط المقرض زيادة على الذي يقترض منه سواء كان الشرط صريحاً أو مضمراً ما دام القرض إبتنى عليه.
(مسألة 2) لا فرق في الزيادة بين أن تكون عينية كما إذا أقرضه مائة ديـنار وإشــترط أن يــؤدي مائة وخمســة أو مائة وعشرة، أو إشترط عملاً كخياطة ثــوب أو منفعة أو انتفاع كالسكن مجاناً في داره أو إستعمال العين المرهونة أو صفة بإن يقرضه حنطة رديئة على أن يؤدي حنطة جيدة.
(مسألة 3) لا فــرق في حــرمــة الربــا بين أن يكـون المال المقترض ربوياً من المكيــل والمــوزون، أو أن يكــون معــدوداً كالبيــض وأرغفــة الخبــز.
(مسألة 4) إذا أقرضه شيئاً وشرط عليه أن يبيعه منه شيئاً بأقل من قيمته أو يؤجره بأقل من أجرته يكون داخلاً في شرط الزيادة، نعم لو باع المقترض من المقرض مالاً بأقل من قيمته وشرط عليه أن يقرضه مبلغاً معيناً فلا بأس به إلا أن يجر الشرط نفعاً وزيادة ربوية.
(مسألة 5) تحرم الزيادة في القرض مع الشرط وإبتناء القرض عليها، أما مع عدمه فلا بأس به، بل يستحب للمقترض الإهداء وهو من حسن القضاء وخير الناس أحسنهم قضاء( ).
كما لو تقرض مائة دينار مع قصد إعادة المبلغ نفسه من غير زيادة، ولكن عند قضاء الدين أعطى معه هدية ونحوها وتجوز قبل القضاء أيضاً، نعم يستحب للمقرض أن يحسب تلك الهدية من القرض ويسقط منه بمقدارها.
(مسألة 6) يجوز أن يكون شرط الزيادة للمقترض، وهو ليس من الربا فلو أقرضه عشرة دنانير على أن تؤدى ثمانية، أو أقرضه حنطة جيدة على أن تؤدى رديئة صح وهو من الإحسان.
(مسألة 7) حصول الربا القرضي مع العلم به وقصده لا يبطل أصل القرض، بل ينحصر الفساد والحرمة بالزيادة المشروطة.
(مسألة 8) تعاقب الأيام على المعاملة الربوية لا يمنع من رد ما أخذ زائداً على أصل القرض إلى أهله، ولو كان صاحب المال مجهولاً يكون المال من مجهول المالك ويكون أمانة شرعية بيده، لعمومات قوله صلى الله عليه وسلم : الناس مسلطون على أموالهم) ( ) .
وعليه الفحص عن مالكه وبعد اليأس من الظفر به يتصدق به بإذن الحاكم الشرعي، ولو كان المال الزائد على القرض قد أتلفه المقرض والآخذ للربا فيبقى حينئذ بالذمة ويلحقه حكم المظالم ووجوب ردها لأن المظالم التي يجب ردها عبارة عن مال الغير الذي أصبح في الذمة أو حقه الإعتباري والشرعي، قال تعالى[وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ]( ).
(مسألة 9) لو كان يعلم بحصول عقد ربوي في معاملاته ولكنه يجهل عدد تلك العقود ومقدار الزيادة المستوفاة مع القرض، فإذا علم أصحاب تلك الزيادة فيكفي دفع القدر المتيقن، والأحوط المصالحة مع أهلها ومع عدم معرفتهم فمع الحاكم الشرعي.
(مسألة 10) إذا علم أجمالاً بوجود الربا في ماله المعلوم ولكنه إختلط به، ولم يعلم مقدار الربا وعينه، فمع معرفة المالك الذي أخذت منه الزيادة يتصالح معه لإفراغ الذمة، ومع الجهل بمقدار الزيادة والمالك يجب تخميسه.
(مسألة 11) لو إرتكب الربا مع الجهل بالحكم أو ببعض الخصوصيات أو بالموضوع فعليه مصالحة المالك وأرضائه إن أمكن، ومع التعذر تجري عليه أحكام مجهول المالك.
(مسألة 12) إذا ورث مالاً وشك بان فيه ربا فلا شيء عليه، إما لو علم بالربا فان علم مقدار المال الربوي وصاحبه فلابد من رده إلى صاحبه، ومع تعذر العلم بصاحبه فيجري عليه حكم مجهول المالك.
(مسألة 13) لو أودع ماله في المصرف ونحوه بعنوان الوديعة والحفظ مع الإذن في تصرفه فيها وجعل له المصرف زيادة من غير شرط فيجوز اخذ تلك الزيادة والأحوط أن يكون بأذن الحاكم الشرعي.
(مسألة 14) حرمة الربا مطلقة في حال الإختيار أو الإضطرار، لقوله تعالى[لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ]( ).
(مسألة 15) لو اســلم الكافــر وكان عنده مال ربوي صح، لعمومات قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم(الإسلام يجّب ما قبله) ( )، نعم لو كان له في ذمة الآخرين قرض ربوي فلا يحق له أخذ الزائد عن أصل القرض.
(مسألة 16) يجوز اخذ المال قرضاً صحيحاً من البنوك والمصارف إسلامية كانت أو مشتركة أو غيرها وان علم باشتمالها على أموال محرمة لوجوه:
الأول: إن جميع الأطراف ليست محلاً للإبتلاء.
الثاني: إنه من الشبهة غير المحصورة.
الثالث: قاعدة نفي الحرج، قال تعالى[وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ]( ).
الرابع: أصالة البراءة في الشبهة البدوية وان كانت تحريمية وهو المشهور، إلا إذا اقترنت الشبهة بعلم إجمالي باشتمال ما أخذ على الحرام فلابد من الرجوع إلى الحاكم الشرعي.
(مسألة 17) من إقترض مقداراً من المال وأنخفضت أو زادت قيمته السوقية فلا يجب القضاء إلا بذات المقدار، ولو كان الانخفاض أو الزيادة كبيرة , فالأولى المصالحة والتراضي خصوصاً في الأول.
(مسألة 18) لو باع عيناً كالدار أو البستان أو السيارة أو غيرها , وتأخر الثمن عن الأجل ففيه مسألتان:
الأولى: لا يستحق صاحب العين المُباعة إلا مقدار الدين، والمبلغ الذي باع به , وان ارتفعت وازدادت الأسعار.
الثانية: إذا كان المشتري معسراً وعاجزاً عن أداء الدين فلا أثم عليه، ولو كانت عنده القدرة على الأداء ولم يؤد يؤثم، والمماطلة في أداء الدين عند حلول الأجل والقدرة معصية كبيرة.
(مسألة 19) المبلغ الزائد الذي يأخذه الدائن على أصل الدين وثمن السلعة والعين فيه صور أربع:
الأولى: ربا محرم، وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “كل قرض جرّ منفعة فهو ربا”( ).
وكان متعارفاً في أيام الجاهلية ربا النسيئة, وهو أن يدفع المال إلى المقترض, وتؤخذ كل شهر عليه فائدة معينة مع بقاء مقدار الدين، فإذا حلّ أجله وتعذر على المديون الوفاء زادوا في أصل الدين وفي الأجل، وقد حرمه الإســلام ونهى عنه، قال تعالى [ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا] ( ).
وفي الخبر: “إن رجــلاً أتى علياً عليه السلام فقال: إن لي على رجل ديناً فأهــدى إليّ هــدية، قال عليه الســلام: احسبه من دينك عليه”( ).
الثانية: أخذ الزائد بالغصب والإكراه.
الثالثة: أخذه بالغيلة والتغرير , وشدة الحاجة , والقوانين الوضعية, كما لو كتب عليه شيكاً وتعهداً بمبلغ أكبر من مقدار الدين.
الرابعة: الهدية والمصالحة والتراضي على زيادة معينة.
والوجوه الثلاثة الأولى محرمة، والرابعة جائزة ولا ضير فيها، وللربا أضرار إجتماعية وإقتصادية وأخلاقية، وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه”.
ولا فرق في الزيادة الربوية بأن تكون على أحد وجهين:
الأول: فائدة عينية كالمال الزائد على القرض.
الثاني: فائدة حكمية كالأعمال والمنافع والصفات.
قانون(عدم أكل الربا رحمة)
لقد بعث الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رحمة بالناس جميعاً، وهذه مناسبة وآية لهدايتهم وجذبهم إلى منازل الإيمان، ويطل قوله تعالى[وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( )، على الناس كل يوم بمضامين التحدي في المصاديق العملية لهذه الآية، وفيها وجوه:
الأول: إنها مصاديق يومية متجددة.
الثاني: تتجلى هذه المصاديق بالوقائع الأحداث.
الثالث: يمكن إستقراؤها بالجمع بين سنين وعقود وأحوال الناس عامة، والمسلمين خاصة فيها.
الرابع: عمل وعبادات المسلمين التي هي مرآة لهذه الرحمة.
وليس من حصر لأفراد ومصاديق الرحمة الإلهية ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وهو من عمومات قوله تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ]( ).
ففي كل يوم هناك دلالات وعلامات بين الناس تدل على صدق الآية أعلاه وفي ميادين مختلفة ومتعددة منها العبادات والمعاملات والأحكام والسنن، إلى جانب حقيقة وهي أن كل آية من آيات القرآن رحمة متعددة بالناس.
لتكون الرحمة والنعمة في الآية أعلاه من اللامتناهي في موضوعها وأثرها وعظيم نفعها، ومنها آية البحث وما فيها من النهي عن الربا.
ومن بديع صنع الله عز وجل أن الرحمة تأتي بالأمر بالفعل وتأتي بالنهي، ويحتمل النهي في المقام وجوهاً:
الأول: إرادة الكف والإمتناع عن الربا بالذات من غير النظر لما يترتب عليه من الأثر.
الثاني: جاء النهي بلحاظ النفع المترتب على ترك الربا، وهذا النفع في الدنيا والآخرة، قال تعالى[إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ]( ).
الثالث: علة النهي عن الربا هي دفع الضرر عن المسلمين.
الرابع: الغاية من ترك الربا البعث لفعل الصالحات، وإشاعة صيغ القرض.
الخامس: القبح الذاتي للربا، وما فيه من الظلم الظاهر والخفي.
وهذه الوجوه من علل حرمة الربا , وفيها مسائل:
الأول: كل فرد من هذه الوجوه رحمة من عند الله ببعثة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: إنها دليل على حاجة الناس لبعثته ونزول آيات القرآن وما فيها من الأوامر والنواهي.
الثالثة: فيها شاهد بأن إعجاز القرآن متعدد وغير منقطع، ولا يختص بباب البلاغة وتخلف العرب في أشعارهم وفصاحتهم عن بلوغ وإدراك أسراره وكنه البديع فيه.
فمن إعجاز القرآن أمور:
الأول: تجدد المصاديق الخارجية في الواقع العملي لمضامين آيات القرآن.
الثاني: في إعجاز القرآن المتعدد دعوة للناس لإتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث: البعث للإنتفاع الأمثل من التنزيل بالتقيد التام بأحكام الآيات، وما فيها الأوامر والنواهي، قال تعالى[وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ]( ).
ومن مفاهيم الرحمة في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ترشح الخير والبركة عن العمل بالمضامين القدسية التي جاء بها، ومنها حرمة الربا، ولزوم تركه والإبتعاد التام عنه.
وورد في الحديث عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: أن لله عز و جل مائة رحمة و أنه أنزل منها واحدة إلى الأرض فقسّمها بين خلقه بها يتعاطفون و يتراحمون و أخر تسعاً و تسعين لنفسه يرحم بها عباده يوم القيامة)( ).
ومن رحمة الله بالناس في الدنيا تحريم الربا، والزجر عنه جملة وتفصيلاً بمعنى أكلاً وتأكيلاً وتوكيلاً وشهادة وكتابة.
وهل يمكن قياس نسبة ثواب الربا بلحاظ مصاديق الرحمة أعلاه والنسبة بين أفرادها في الحياة الدنيا، وفي الآخرة أي يكون الثواب في الآخرة بذات النسبة في الحديث أعلاه، وأنه أضعاف مضاعفة وتسع وتسعون مرة من مصاديق معاني الرحمة.
الجواب نعم وهو من فضل الله، فإن قلت إن النهي عن الربا تكليف وعمل، والثواب في الآخرة خير محض، وجزاء من غير عمل.
والجواب ليس من تباين موضوعي في المقام بلحاظ أن التكليف بترك الربا رحمة من وجوه:
الأول: ذات التكليف فضل من الله عز وجل.
الثاني: تصاحب الرحمة التكليف النازل من السماء، ويأتي معه المدد والعون من الله للإمتثال، قال تعالى[فَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُمْ مِنْ الْخَاسِرِينَ] ( ).
الثالث: تتجلى الرحمة الإلهية في التكليف بمعاني التخفيف والتيسير من الله في الأداء، والرضا والقبول من العبد بالتكليف.
الرابع: ترشح المنافع العظيمة من ترك الربا، منها أمور:
الأول: الصلاح العام.
الثاني: نشر مفاهيم الإحسان والود بين الناس.
الثالث: السلامة من الخسارة.

الخامس: إجتناب الربا، وما فيه من الأضرار العامة والخاصة في ميادين الإقتصاد والإجتماع والأخلاق، وهو من عمومات قوله تعالى[فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ]( ).
إن ترك المسلم للأضعاف المضاعفة التي تأتي من الربا رحمة وباب لمصاديق غير متناهية من الرحمة تصاحبه في الحياة الدنيا، وتظهر آثارها, وتتجلى أفرادها في أمور منها:
الأول: الكسب من الرزق الحلال , (عن خَوْلَةُ الْأَنْصَارِيَّةُ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى حَمْزَةَ بَيْتَهُ فَتَذَاكَرُوا الدُّنْيَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الدُّنْيَا خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا بُورِكَ لَهُ فِيهَا وَرُبَّ مُتَخَوِّضٍ فِي مَالِ اللَّهِ وَمَالِ رَسُولِهِ لَهُ النَّارُ يَوْمَ يَلْقَى اللَّهَ)( ).
الثاني: حسن سمت المسلم، وعدم لهثه وراء زينة الدنيا.
الثالث: تعاهد المسلم للعبادات والفرائض.
الرابع: تدبر المسلم في الآيات الكونية، وبديع الخلق.
الخامس: إدراك المسلم حقيقة وهي تداخل تلك الآيات مع الفرائض والعبادات وفيه مسائل:
الأولى: أن كل فرد من هذه الآيات رحمة من الله عز وجل.
الثانية: سبيل للفوز بالرحمة والثواب العظيم يوم القيامة، قال تعالى في بديع الأرض وآية الثمار والليل والنهار[إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ]( ).
الثالثة: فيه موعظة وزجر عن الربا والحرام مطلقاً.
الرابعة: فيها دعوة للتوكل على الله ورجاء الرزق منه سبحانه، قال تعالى[قُلْ حَسْبِي اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ]( ).
وفي حرمة الربا شاهد على معاني الرحمة في بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بلحاظ أنها أعم من أن ينحصر بالحياة الدنيا فمن فلسفة بعثته صلى الله عليه وآله وسلم تغشي آيات الرحمة المسلمين والناس جميعاً في الحياة الدنيا، وفوز المؤمنين بالثواب العظيم في الآخرة .
وفي ترك الربا أمور:
الأول: ترك الربا رشاد وصلاح.
الثاني: تجارة مع الله عز وجل.
الثالث: إنه إدخار للحسنات.
الرابع: إنه سعي في مراتب الخلق الحميد وسنن الرشاد، قال تعالى[وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً]( ).
والباقيات هنا هي أفعال الخير التي يبقى أثرها ونفعها، وتكون سبباً للثناء على صاحبها أوان الفعل وبعده، وليس من حد لأفراد هذا الثناء مكاناً وزماناً، وقد يستمر حتى بعد وفاة صاحبها، ومنها إجتناب الربا قربة إلى الله عز وجل.
وهل بقاء هذه الأفعال بأسباب ذاتية قائمة فيها.
الجواب لا، إنما بقاؤها بفضل ورحمة من الله عز وجل لتكون على وجوه:
الأول: العمل الصالح ضياء وهدى.
الثاني: إنه وسيلة لجذب الناس لفعل الصالحات.
الثالث: إنها باعث للشوق في فعل الخيرات.
الرابع: فيها نفرة مما يكون سبباً للذم والذكر السيء كأكل الربا والمال الحرام.
وفي الباقيات الصالحات أقوال منها:
الأول: إنها الصلوات الخمس.
الثاني: قول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر( ).
الثالث: كل ما أريد به وجه الله , عن قتادة.
ولا تعارض بين هذه الأقوال، وكلها من مصاديق الآية الكريمة، وبالنسبة لقوله تعالى[وَخَيْرٌ أَمَلاً]( )، بلحاظ آية البحث فإن المسلم يمتنع عن أكل الربا ويأمل ويرجو أموراً:
الأول: زيادة الرزق الكريم من الله، قال تعالى[وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى]( ).
الثاني: الفلاح والفوز، لذا أختتمت الآية الكريمة بقوله تعالى(لعلكم تفلحون).
الثالث: الأجر والثواب العظيم في الآخرة، قال تعالى[وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا]( ).
ويجتمع في آية البحث طرفان متضادان وهما:
الأول: الخوف من معصية الله بأكل الربا.
الثاني: الأمل بالفوز بالفلاح والبقاء.
ليعمل كل من الخوف والأمل على عصمة المسلم من أكل الربا، قال تعالى في مدح المؤمنين[وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ]( ).
وتدل حرمة الربا مطلقاً على قانون ثابت في الأرض، يتجلى بمصاديق وهي:
الأول: إشاعة روح الإحسان بين الناس.
الثاني: نبذ الظلم والقهر، والإعراض عن أهله , قال تعالى[فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ]( ).
الثالث: التنزه عن إستغلال حاجة الغير وفرض شروط ربوية عليه عند إعانته أوان الحاجة بالمال والقرض.
الرابع: وجود أمة تتجنب الظلم الإقتصادي، وإملاء الشروط الجائرة في العقود.
أحكام القرض
القرض عقد يجري فيه إعطاء احد الطرفين للآخر مالاً مع ضمان اعادته بمثله او بقيمته ويقال للذي يعطي المقرض، وللذي يمتلك المقترض أو المستقرض وقد وردت نصوص مستفيضة على فضله والحث عليه لا سيما في اقراض المؤمن منها الخبر عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال: “قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أقرض مؤمناً قرضاً ينظر به ميسوره كان ماله في زكاة، وكان هو في صلاة من الملائكة حتى يؤديه”( ).
(مسألة 1) يكره الإقتراض مع عدم الحاجة اليه، وما دامت الحاجة من الأمور المشككة ولها مراتب فان الكراهة شدة وخفة تتناسب عكسياً مع تلك المراتب، فكلما خفت الحاجة اشتدت الكراهة، وكلما اشتدت والحت الحاجة خفت الكراهة الى ان تزول بل ان الأحكام الخمسة تنطبق على القرض فقد يستحب الإقتراض وقد يجب اذا كان مقدمة لواجب كما لو توقف عليه حفظ نفس او عرض او دفع فتنة، ويكون الإقتراض حراماً مع عزمه على عدم الوفاء، أو جعله أو المال المقترض مقدمة وسبباً للحرام.
(مسألة 2) إقراض المؤمن من المستحبات الأكيدة لا سيما لذي الحاجة وبما يؤدي إلى قضاء حاجته وكشف كربته.
(مسألة 3) القرض عقد يحتاج إلى إيجاب وقبول كقول المقرض أقرضتك وما يؤدي معناه وقبول دال على الرضا بالإيجاب ويصح أن يكون الإيجاب من المقترض والقبول فعلياً من المقرض، كما لو قال أقرضني ألف دينار لمدة شهرين، فدفعها إليه.
(مسألة 4) يصح إجزاء العقد باللغة العربية ويصح بغيرها من اللغات واللهجات الدارجة، بما يمنع من حصول الجهالة والغرر، وتجري فيه المعاطاة كما لو دفع المقرض العين الى المقترض وقبضها من قبله بعنوان القرض وان لم تتم صيغة الإيجاب والقبول( ).
(مسألة 5) يشترط في المقرض والمقترض البلوغ والعقل والإختيار والقصد لأنها من الشرائط العامة للعقود.
(مسألة 6) لا يصح إقراض الدَين ولا المنفعة، ولا ما لا يصح تملكه كالخمر والخنزير.
(مسألة 7) يصح إقراض الكلي ولا يعتبر كونه عيناً شخصياً، كما لو اتفق على أن يقرضه ألف دينار من غير تعيين لشخصها أو يقرضه وزنة من الحنطة من غير ان يحددها لأن الإقباض لا يكون إلا بدفع عين شخصي.
(مسألة 8) لو كان القرض مثلياً كالحبوب والقماش فلابد من ضبط اوصافه وبيان خصوصياته التي تختلف معها القيمة والرغبة والحاجة وبما يمنع الجهالة والغرر وللزوم الضمان فيه.
(مسألة 9) لو كان مال القرضي قيمياً كالأنعام من الغنم والبقر ونحوها فلابد من معرفة أوصافه وقيمته أو مشاهدته مما يناسب الحاجة والرغبة ويرفع الجهالة ويمنع من الغرر ويحول دون حصول الخصومة، وكذا بالنسبة للسيارات وكثير من الآلات الكهربائية المنزلية ومعرفة بلد الصنع وسنته.
(مسألة 10) لا يجوز الترديد والإيهام في العين المقترضة ولابد ان يقع القرض على معين سواء كان كلياً أو شخصياً، فلا يصح عقد القرض على وزنه من الحنطة أو على شاة مثلاً من غير معرفة جنس الحنطة، وأوصاف الشاة ولو إجمالاً، أو على مائة أو ألف دينار.
(مسألة 11) لابد ان يكون القرض معلوم القدر بالكيل او الوزن او العدد بحسب حاله، فلا يصح إقراض كمية من الحنطة جزافاً لم يعرف قدرها.
(مسألة 12) لا يعتبر قياسات وأحجام الوزن والكيل وفق المتعارف كالكيلو والرطل فيجوز الإكتفاء بما يكون معلوماً عند الطرفين كالصخرة الصغيرة أو الكيل بإناء معين إذا تحقق معه التعيين ووفاء الدين من غير غرر أو ضرر.
(مسألة 13) لا يمتلك المقترض المال بحصول العقد بل يشترط في صحة القرض وثبوته شرعاً قبض المقترض للمال المقترض، نعم لا يتوقف تملكه للمال على التصرف.
(مسألة 14) القرض من العقود الجائزة أي التي يجوز فسخها ورجوع كل عوض إلى مالكه، ولكن لا يجب على المقترض إرجاع ذات العين فيجوز رد مثلها لأن الحق ثبت في الذمة لذا يجوز للمقرض فسخه والرجوع بالعين المقترضة وإن كانت موجودة، نعم للمقرض عدم الإمهال ومطالبة المقترض بالأداء والقضاء ولو قبل حلول الأجل أو مضي زمن يتمكن خلاله من الأداء إلا إن يشترط أجل القرض في عقد لازم.
(مسألة 15) لو كان المال المقترض مثلياً كالحنطة والشعير وكثير مما تنتجه المعامل الحديثة بكيفية وخصوصية واحدة يثبت في ذمة المقترض مثل ما إقترض.
أما لو كان قيمياً كالشاة والجواهر فيثبت في ذمته قيمته، وهل المدار في قيمته على وقت الإقتراض أو قيمة حال الأداء والقضاء الأقوى انه قيمة وقت الإقتراض لإنتقاله إلى ملك المقترض حينها , والأحوط التصالح والتراضي في مقدار التفاوت بين القيمتين.
(مسألة 16) يجوز في القرض المثلي أن يشترط المقرض على المقترض أن يؤديه من غير جنسه، ويلزم الشرط إذا كانا متساويين في القيمة وبما يمنع من الربا والغرر والجهالة والضرر، لعمومات قوله عليه السلام(المؤمنون عند شروطهم) ( ) نعم يجوز أن يكون ما شرط عليه أقل قيمة مما إقترض.
(مسألة 17) لو كان المال المقترض مثلياً كالحنطة والشعير كان وفاؤه وأداؤه بإعطاء ما يماثله في الصفات من جنسه، سواء بقي على سعره الذي كان عليه وقت الإقتراض أو ترقى أو تنزل، وللمقرض أن يطالب المقترض به وليس للمقترض أن يمتنع وان ارتفع سعره يوم الأداء بالقياس مع يوم الأقتراض.
(مسألة 18) ليس للمقرض الإمتناع إذا أعطاه المقترض الدَين ولو كان السعر قد تنزل بفارق كبير، فلو أقرضه وزنة من الحنطة في زمن كان سعرها ألف دينار، ولكنه في زمن الوفاء والأداء مائة دينار صح لأنه لا يستحق إلا وزنة الحنطة.
(مسألة 19) يمكن إن يؤدى القرض بالقيمة، كما لو كان وزنة حنطة فيعطيه ثمنها بشرط رضا الطرفين ويكون الأداء بقيمة يوم القضاء وليس يوم الإقتراض .
وللمقرض ان يمتنع عن اخذ قيمة المثلي ويطالب بمثل الذي اقرضه كالحنطة في المثال اعلاه وان كان الذي يدفعه المقترض مساوياً لقيمة الحنطة يوم الأداء، وللمقترض ان يمتنع عن الأداء بغير الذي اقترضه.
(مسألة 20) إذا كان المال المقترض قيمياً فان ذمة المقترض تشتغل بمقداره حسب النقود الرائجة من غير إن يستلزم التراضي بإعطائها، ويمكن إن يؤدي بجنس آخر من غير النقود وبمقدار قيمته أيضاً ولكنه يتوقف حينئذ على التراضي.
(مسألة 21) لو شك في المال المقترض هل هو من المثلي أم من القيمي فالأولى دفع المثل مع الإمكان لأنه الأصل في الوفاء ومع التعذر تدفع قيمته لإنحصار الوفاء بها.
(مسألة 22) لو كانت العين المقترضة موجودة واراد المقرض اداء الدين باعطائها واعادتها يلزم المقترض بالاعادة لأن ملكيته لها متزلزلة ومؤقتة، وكذا لو أراد المقترض الوفاء بإرجاع العين ذاتها إلا أن يكون قد حدث فيها عيب , فالأولى حينئذ التصالح والتراضي.
(مسألة 23) لو شرط على المقترض أداء القرض وتسليمه في بلد معين صح ولزم وان كان غير بلد الإقتراض وبلد المقرض والمقترض وكان في حمله مؤونة، ولو طلبه المقرض فيما بعد في غير البلد المشترط لا يلزم المقترض الأداء، وكذا لو أداه المقترض في غيره لم يلزم على المقرض القبول.
(مسألة 24) لو أطلق القرض ولم يعين بلد التسليم، يكون بلد القرض هو محل الوفاء إلا إن يدل دليل على الخلاف، كما لو كان القرض أثناء سفر الطرفين خارج بلدهما، وظاهر الأجل عند عودتهما إلى البلد، والأولى بالنسبة للمقترض الأداء حيث يطلب الغريم لأنه من الإحسان في القضاء إلا أن يكون به ضرر على المقترض.
(مسألة 25) يجوز أن يشترط المقترض إعطاء الرهن أو الضامن أو الكفيل على القرض، كما تجوز بعض الشروط الأخرى إذا كانت سائغة شرعاً وليس فيها نفع للمقرض يدخل في الربا المحرم أو يكون فيه ضرر على المقترض أو غرر أو جهالة .
فلو قال له أقرضك على أن تلتزم بالفرائض صح.
(مسألة 26) لو إقترض أوراقاً نقدية من عملة البلد وأسقطها السلطان قبل الأداء فان الذمة تنشغل ببدلها ومثلها من عملة البلد الجديدة وكذا الحال بالنسبة للصكوك والمهور ونحوها.
(مسألة 27) لو أدى المديون دينه من المال غير المخمس أو غير المزكى فالأقوى براءة ذمته من الدين.
أما لو كان قضاء الدين كله أو بعضه من الحق الشرعي فلا يجوز له ويؤثم إلا أن يأذن الحاكم الشرعي أو يمضيه بما يراه من المصلحة، أما الدائن فان كان يعلم أن المال من الحق الشرعي فلا يحق له الأخذ والتصرف إلا بأذن الحاكم وان كان يجهل الحال فلا شيء عليه.
(مسألة 28) لو شك في أصل الدين ولم يثبت عنده أنه مديون إلى فلان أو الجهة الفلانية فلا شيء عليه لأصالة البراءة.
أما لو علم بالدين ثم شك هل قام بقضائه وإرجاعه أم لا، فيجب حينئذ الوفاء لأصل الإستصحاب في الحالتين.
(مسألة 29) لو إدعى ديناً على شخص ولكن هذا الشخص قال إن المال كان هبة فيقدم قول المدعي مع يمينه إلا مع البينة على الخلاف، كما لو لم تكن الهبة ومقدارها متعارفة بينهما.
(مسألة 30) لو إدعى المدين الوفاء، ولكن الدائن أنكره فيقدم قول الدائن مع يمينه إلا مع البينة على حصول الوفاء والقضاء.
بحث أصولي
يكفي في النهي ترك المنهي عنه، ولا يستلزم إستحضار النية، والتلفظ بها أو جعلها عنواناً إرتكازياً متجدداً، فيصدق الترك وان لم يكن عن قصد، وإن ترك الربا بسبب وجود المانع وهو إنعدام المال الذي يكون أصلاً ربوياً فهل هو من الترك.
الجواب نعم، ويترتب الثواب والقربة في نية الترك والعزم عليه حتى وإن لم يكن عنده مال يصح أن يكون ربوياً، أو لأن الربا بالنسبة له سالبة بإنتفاء الموضوع.
ولا يتقوم قصد القربة إلا بالنطق بالشهادتين، وفيه بيان المائز الذي يتصف به المسلم بأن يأتيه الثواب في باب ترك الربا من وجوه:
الأول: العزم على ترك أكل الربا مع قلة ما في أليد.
الثاني: إجتناب الإقتراض بالفائدة الربوية، ويكون هذا الإجتناب بقصد القربة، إنطباقاً وقهراً، فهو لا يتعارض مع قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم(إنما الأعمال بالنيات) ( ).
الثالث:ترك الشهادة على العقد الربوي أو كتابته.
الرابع:الإمتناع عن أكل الربا مع كثرة المال وتعدد طرق الكسب والتجارات، والكافر وإن ترك الربا وإمتنع عن أكله فلا يأتيه الثواب والأجر لفقد شرط الإيمان، قال تعالى[أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ]( ).
وما يذكر في أحكام الأوامر تتصف به أحكام النواهي مع موضوعية الفعل وعدمه.
وهل يقتضي النهي عن عقد مخصوص كالبيع والنكاح الفساد، فيه وجوه:
الأول: يترتب الفساد على النهي، وكأنه من ترتب المعلول على علته.
الثاني: النهي لا يقتضي الفساد، لعدم الملازمة بينهما.
الثالث: التفصيل، فإن ورد النهي عن أمر، وعقد بعينه فهو فاسد، وإن كان لغيره فلا.
الرابع: تعدد الدليل، وإمكان الجمع بين الأدلة، فإذا ورد دليل بالنهي، وآخر بالجواز، فيفيد الجمع بينهما الكراهة.
الخامس: من الأمور المنهي عنها ما يكون مركباً، ويأتي النهي على نحو السالبة الجزئية وبخصوص شطر من العقد فيتعلق الفساد بالمنهي عنه، ومنه الربا إذ يتعلق النهي بالفائدة الربوية.
أما أصل الدين فباق على حاله، لقوله تعالى[لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا].
فالربا أمر عرضي بالمبلغ الأصلي.
لذا فمن إعجاز الآية أنها لم تحرم أصل القرض والدين، أو قبضه وأكله بعد قضائه وإسترداده.
ومعنى النهي في اللغة المنع والكف، وهو خلاف الأمر(نَهاه يَنْهاه نَهْياً فانْتَهى وتناهى كَفَّ) ( ).
وهو في الإصطلاح القول الإنشائي الذي يدل على طلب الكف سواء على جهة الإستعلاء أو لا، على خلاف فيه، وكما يخرج المأمور بالإمتثال بفعل المأمور به، فإن المنهي يخرج بترك المنهي عنه.
ويفيد النهي الفورية والتكرار , أما الأمر فمختلف فيه وهو حسب الدليل، والأصل فيه التكرار إلا مع الدليل الخاص به، كما في بيت الله الحرام فان وجوبه مرة واحدة، قال تعالى[وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً]( ).
والنص والإجماع على كفاية حج بيت الله الحرام مرة واحدة، وما عداها يكون مستحباً إلا أن يأتي الوجوب على نحو عرضي كما في حال النذر واليمين .
وعن أبي أمامة(خطب بنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وقال: إن اللّه كتب عليكم الحج فقام رجل من بني أسد يقال له عكاشة بن محسن فقال : أفي كل عام يا رسول اللّه، فأعرض عنه حتى عاد مرتين أو ثلاثاً، فقال عليه السلام:ويحك وما يؤمنك أن أقول نعم، واللّه لو قلت نعم لوجبت، ولو أوجبت ما إستطعتم ولو تركتم لكفرتم فاتركوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم وإختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء، فأتوا منه ما إستطعتم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه( ).
وفي الحديث مسائل:
الاولى: إن خطب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيان للقرآن وتذكير بالأحكام الشرعية.
الثانية:يحتمل خطاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجوهاً:
الأول: التوجه للمخاطبين من الصحابة.
الثاني:إرادة المسلمين والمسلمات أيام التنزيل.
الثالث: إرادة المسلمين والمسلمات إلى يوم القيامة.
والصحيح هو الثالث، لأصالة العموم بالسنة النبوية، ولأنها تفسير لآيات القرآن والتي تتصف بخصوصية، وهي نسخها لأحكام الشرائع السابقة، وليس لها ناسخ إلى يوم القيامة.
الثالثة:بيان فضل الله على المسلمين بالمنبر النبوي.
الرابعة:تعاهد وتوارث المسلمين لخطب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الخامسة: عدم إعراض النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن الأسئلة التي تتوجه له وهو على المنبر، وفيه آية في توثيق الصحابة للحديث، وحضورهم له، وشاهد على تواضع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو من عمومات قوله تعالى[وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ] ( ).
السادسة: صعود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المنبر إبتداءً من غير أن يطلب منه الصحابة إرتقاء المنبر وبيانه للواجبات والنواهي، وبخصوص الحديث أعلاه وما يتعلق بموضوع الأمر والنهي مسائل:
الأولى: قيام بعض المسلمين بسؤال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو يتكلم على المنبر، من غير أن يحتج عليه الصحابة.
وفي رواية (أن السائل إعرابي)( ).
الثانية: تكرار السائل السؤال مما يدل على موضوعية وأهمية كلام النبي عند المسلمين، ورضاهم بالتقيد بما يأمر به.
الثالثة:بيان النبي لقانون ثابت، وهو أن كلامه تشريع.
الرابعة:إفادة مسألة أصولية وهي دلالة الأمر على الوجوب، إذ إختلف الأصوليون في الأمر على أقوال:
الأول: إرادة الوجوب إلا مع القرينة على الإستحباب.
الثاني:الأصل هو الندب والإستحباب إلا مع الدليل والقرينة على الوجوب.
الثالث: المعنى الجامع للوجوب والندب، إلا مع وجود الراجح لأحدهما، والمشهور والمختار هو الأول، وجاء قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم(والله لو قلت نعم لوجبت) دليلاً عليه، إلا أن يقال إنما لوجود قرينة على الوجوب وهي قوله صلى الله عليه وآله وسلم(كتب عليكم الحج) لإفادة الفرض والوجوب.
وفي قوله[كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ] ( )، ورد في حديث أنس بن النضر قال (كِتابُ اللّه القصاصُ أَي فَرْضُ اللّه على لسانِ نبيه صلى اللّه عليه وسلم) ( ).
والمشهور والمختار هو الأول، وهو الذي يدل عليه الحديث الشريف أعلاه.
الخامسة: تنبيه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للسائل بعدم الإلحاح ليكون هذا التنبيه على وجوه:
الأول: تفقه المسلمين في أمور الدين.
الثاني: معرفة المسلمين أحكام الكتاب والسنة.
الثالث: تحذير المسلمين من التشديد على النفس في الواجبات وتكرارها وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم:أولئك بنو إسرائيل شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم)( ).
الرابع: الإجزاء بالمتحد والأقل إلا مع الدليل على الخلاف.
السادسة: هل يدل عدم الإستطاعة النوعي على سقوط الوجوب، الجواب لا، لأن الحديث يتعلق بأمر إضافي ليس واجباً، إذ يختص الوجوب بالمرة الواحدة.
السابعة: يتجلى البديع وفصل الخطاب وجوامع الكلم في بضع كلمات للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، بالترتيب من جهات:
الأولى:ترتب الوجوب على قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني:عدم إستطاعة المكلف من المسلمين الحج سنوياً.
الثالث:الإعجاز في دلالة الحديث على إتساع الإسلام وكثرة المسلمين وبعد ديارهم وأمصارهم، وكثرة وظائفهم الخاصة والعامة، مما يتعذر معه حضور كل فرد منهم للحج كل عام.
الرابع:عدم إمتثال أمر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كفر وإن كان في الفرد المتكرر، الذي سبق إتيانه.
الخامس: التحذير من سؤال ما فيه تشديد على الفرد والجماعة.
السادس: التذكير بقصص الأمم الأخرى، وتشديدهم على أنفسهم بكثرة سؤالهم كما يظهر في قصة البقرة حينما أمر موسى عليه السلام بني إسرائيل بذبحها بأمر من الله عز وجل، كما ورد في التنزيل [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا] ( ).
السابع:تأكيد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على موضوعية الإستطاعة في الواجبات وهو القيد الذي تدل عليه آية الحج المتقدمة.
الثامن:مع مجيء حديث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الأوامر فانه ذكر النهي، ولزوم الإمتناع عما نهى عنه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على نحو الإطلاق من غير تقييد بالإستطاعة لبيان قانون مركب من وجوه:
الأول: إفادة النهي الحرمة.
الثاني: دلالة النهي على الفورية.
الثالث: لزوم تكرار الإجتناب،وعدم كفاية المرة الواحدة.
وحينما يقول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بلزوم إجتناب المسلمين لما ينهاهم عنه، فمن باب الأولوية القطعية إجتناب ما نهى الله عنه، ويتحقق في أمر الربا نهي الله عز وجل عنه بقوله تعالى في آية البحث[لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا] ونهي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عنه، وهذا النهي مؤبد ومتجدد ومتكرر فليس من زمان يستباح فيه الربا.
الأغنياء وحرمة الربا
لقد جعل الله عز وجل الناس على مراتب في الرزق والكسب والغنى، ومنهم من يأتيه المال إرثاً ويكون بذاته نامياً زاكياً، كما لو كان عقارات وجواهر وعروض ترتفع قيمتها بذاتها مع تقادم الأيام.
ومن خصائص الإنسان السعي والكسب وقد ندب الله عز وجل للعمل وطلب الرزق، قال تعالى[وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ]( )، أي يسافرون للتجارة وطلب الأرباح، وهو المروي عن ابن عباس،
ليتصف فريق من التجار المسلمين بأمور ذات حسن ذاتي منها:
الأول: إنهم دعاة إلى الله.
الثاني: كل تاجر رسول للإسلام.
الثالث: يتولى التجار المسلمون نشر آيات وأحكام القرآن.
ومن الإعجاز في خلق الإنسان وعمومات قوله تعالى[سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ]( )، أن الناس بعرض واحد في الضرورات الشخصية، والحاجات اليومية للأفراد والجماعات، إذ يشترك الناس في الحاجة إلى المأكل والملبس والإكتفاء بقدر معين منها لا يمكن تجاوزه، كما في عدد وجبات الطعام ومقدارها، وعدم إمكان لبس الإنسان أكثر من بدلة في آن وزمان واحد، وعجزه عن تناول كميات زائدة من الطعام ووجباته.
وتلك آية تجلت واضحة في عالم الطب في هذه الأزمنة، لتكون الأبحاث الطبية في بدن الإنسان والأضرار التي تأتي من الإكثار من الطعام وتعدد أنواعه آية وموعظة من وجوه:
الأول: التساوي بين الناس في الحاجات الضرورية، ولا عبرة من الفوارق القليلة في الحاجة وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم(المعدة بيت الداء) ( ).
الثاني: دعوة الناس للتعفف وعدم اللهث وراء زينة الدنيا، وجمع الأموال، قال تعالى[وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ]( ).
الثالث: بعث الأغنياء لإعانة الفقراء.
الرابع: وقاية الناس من الخوف من الفقر في قادم الأيام.
قانون الربا والأمر بالمعروف
الحمد لله الذي جعل الأمر بالمعروف منهج الأنبياء، والسلاح المصاحب لأهل الإيمان، فما أن ينطق الإنسان بالشهادتين حتى يلازمه الأمر والنهي الأمر بما فيه الصلاح، والنهي عن الفساد ومقدماته.
وليس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمرين جاهزين، فلا بد من بيانهما وتجلي معانيهما، فجاء القرآن بها كاملة تامة غير ناقصة، ومن مصاديقهما، قوله تعالى[وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا]( ).
وفيه شاهد بأن كل الكتب السماوية والأنبياء جاءوا بالنهي عن الربا، والزجر عن أكله إذ جاءت الآية بصيغة الإطلاق، بأطرافها الأربعة:
الأول: حلية البيع.
الثاني: عقود البيع.
الثالث: حرمة الربا.
الرابع: صيغ الربا عامة.
وجاءت الآية أعلاه بصيغة الجملة الفعلية التي تفيد الإستدامة والتجدد لتكون حجة في طرو التحريف على الكتب الأخرى ,ودليلاً على حاجة الناس لأمور:
الأول: بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: نزول القرآن.
الثالث: سلامة آيات القرآن من التحريف أو التبديل، قال تعالى[إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون]( ).
الرابع: إستمرار أداء الفرائض والعبادات.
الخامس: وجود أمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتجتنب الربا أكلاً وتأكيلاً.
فتظهر الحاجة عند المسلم إلى رأس المال، في كسبه وعقوده التجارية ولكنه يعرض عنه إذا رآه منحصراً بالربا والفائدة الربوية لحرمته، ولأن الحلال لا يأتي بواسطة الحرام.
ومن الإعجاز في الآية أعلاه من سورة البقرة أنها لم تقل(وأحل الله البيع ونهى عن الربا)لأن النهي أعم من الحرمة، وبينهما عموم وخصوص مطلق.
فالنهي في علم الأصول يشمل الكراهة والمنع من الفعل مع جوازه على كراهة وإن كان الأصل في النهي هو الحرمة إلا مع القرينة الصارفة إلى الكراهة على المشهور والمختار , ولكن لفظ الحرمة دال على المنع القطعي بصبغة الشرع.
وتتجلى الملازمة بين النهي والحرمة بالجمع بين الآية أعلاه من سورة البقرة وقوله تعالى[وَأَخْذِهِمْ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ]( ).
وإذا فعل الله شيئاً فإنه يتصف بالإتقان والكمال، وهو من حكمة الله وعظيم قدرته، قال تعالى[وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا]( ).
ولو شاء الله عز وجل لمنع الناس عن الربا، ولإبتلى الذي يأكل الربا بما يجعله يكف عنه في الحال ويكون عبرة لغيره، ولكن الله عز وجل جعل الدنيا دار إمتحان وإختبار .
وأراد للمؤمنين الأجر والثواب من وجوه منها:
الأول: التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: التقيد بـأحكام الحلال والحرام التي جاءت جلية في القرآن والسنة.
الثالث: تلاوة آيات القرآن، والتدبر بما فيها من الأوامر والنواهي.
الرابع: القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين الناس.
وفي الآية أعلاه ورد عن ابن عباس أن المراد من الجنود (الملائكة والجن والإنس والشياطين)( ).
أي أن الله عز وجل قادر على أن يمد المسلمين بالمدد السماوي والأرضي، وما يجعلهم يقيمون حكم الشريعة في الأرض، ويدعون الناس جميعاً لإجتناب الربا سواء في المعاملات الشخصية أو المصرفية والمؤسساتية، ولكنه سبحانه جعل الدنيا تتصف بأمور:
الأول: إنها مزرعة للآخرة،.
الثاني: الدنيا محل لجني المسلمين الحسنات.
الثالث: إنها مناسبة للإكتناز من فعل الخيرات.
وكل أمر منها رحمة بالناس عامة وبالمسلمين خاصة، والله هو الغني عن الناس عامة وليس محتاجاً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولكنه رحم الناس جميعاً، بإخراج المسلمين ليقوموا بوظيفة الأمر بالمعروف والصلاح، والنهي عن المنكر.
وفيها مسائل:
الأولى: ليس من حصر لمصاديق هذه الوظيفة الرفيعة التي إنفرد المسلمون بتعاهدها بعد أن تحملتها الأمم السابقة , ثم تخلفت عن الإستمرار بها.
الثانية: موضوع الربا من الشواهد الجلية في هذا الباب.
الثالثة: يختص المسلمون بتلاوة الآيات التي تدل على حرمة الربا وهي متعددة، قال تعالى[يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ]( )، لتكون بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وآيات القرآن رحمة بأهل الكتاب وتذكيراً بما نسوه من الأحكام، ومنها حرمة الربا.
الرابعة: كل آية مدرسة في الصلاح , وبعث النفرة من الفساد، وأسباب المنكر.
الخامسة: هذه الآيات مدد للمسلمين لبلوغهم وبقائهم في منازل[خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
وهي من مصاديق خروج المسلمين هذا إذ أنهم خرجوا بالنهي عن الربا، وتلك مسؤولية عقائدية وأخلاقية وإقتصادية نال المسلمون فيها مرتبة إمامة الناس في الأسواق وإصلاحها، ودرء أسباب الظلم والقهر فيها.
ولا يعلم أحد ماذا يحدث للمستضعفين لو كان الربا مباحاً بين الناس، إذ يتمادى معه الأغنياء بفرض الشروط التي تتضمن الذل والإستحواذ على الجهد مطلقاً، ويصبح السلطان والدولة لهم , ويكون المقترض عند عجزه عن الوفاء بالفوائد الربوية مملوكاً في عمله وكسبه للمالك ويكون المقترضون خولاً له( ) .
فأخرج الله المسلمين للناس ليكونوا على وجوه:
الأول: إنهم مرآة للصلاح وسادة الرشاد.
الثاني: المسلمون أئمة التنزه عن الربا.
الثالث: كل مسلم ومسلمة حرب على الربا وأهله الذين يريدون إضطهاد الناس بأموالهم، مع أن تلك الأموال تتصف بأمور:
الأول: إنها نعمة من الله عز وجل.
الثاني: المال أمن وعز وطرد لشبح الفقر وأضراره.
الثالث: المال مادة للإختبار والإبتلاء، قال تعالى[أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ]( ).
لقد تفضل الله عز وجل وبعث النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لأمور:
الأول: درء أضرار الربا عن الناس.
الثاني: وقاية الناس من الذل والهوان.
الثالث: الدعوة لعبادة الله وسؤال الرزق الكريم منه، قال تعالى[وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ]( ).
فقبض القرض بالفائدة الربوية، وكذا دفعه للمقترض بالشروط الربوية لن يزيد مما كتب الله عز وجل من رزق لأي منهما، إنما يكون وبالاً عليهما وسبباً لحجب الرزق الكريم الزاكي الذي يأتي من فضل الله عز وجل.
وتلك آية في علم الأوامر والنواهي الإلهية، فما نهى الله عز وجل عن شيء إلا وفيه ضرر كبير، وفي تركه والإبتعاد عنه الخير والتوفيق، لذا أختتمت آية البحث بالترغيب بالإمتثال في حال الأوامر والنواهي بقوله تعالى(لعلكم تفلحون).
لقد أراد الله عز وجل للناس التدبر في آيات الرزق الكريم التي يفتحها عليهم بتركهم الربا، قال تعالى[وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا *وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ]( )، فأخرج الله المسلمين ليكونوا عوناً للناس في أمور:
الأول: إجتناب الربا.
الثاني: إلتماس سبل الرزق الكريم، قال تعالى[هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ]( ).
الثالث: إرشاد الناس لصيغ التضرع والمسألة إلى الله.
الرابع: الإمتناع عن الحرام بالتأسي بالمسلمين، وإدراك قبح الحرام وسوء عاقبته، وورد في وصف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم[وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ]( ).
ويستلزم هذا التعدد في الأسباب السعي الدؤوب من المسلمين لجذب الناس لموارد الرزق الكريم، وينفع هذا السعي المسلمين أنفسهم بالإحتراز من الربا، وتلمس آيات وثمرات هذا الإجتناب عليهم وعلى ذراريهم في أمور الدين والدنيا.
وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في خبر ضعيف: مروا الناس بالمعروف وإن لم تعملوا به ، وانهوا الناس عن المنكر وإن لم تتناهوا عنه كله)( ).
ويحتمل الحديث وجوهاً:
الأول: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وظيفة عبادية للمسلمين قائمة بذاتها.
الثاني: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسيلة وسبب للعمل بالمعروف وإجتناب المنكر.
الثالث: جني المسلمين للحسنات، والفوز بالثواب، قال تعالى في النعيم الأخروي، وجنة الخلد[إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا]( ).
الرابع: ترشح الصلاح العام عند الناس بقيام المسلمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفيه مسائل:
الأولى: هذا الصلاح العام غاية قائمة بذاتها تستلزم سعي المسلمين لها.
الثانية: قيام الحجة على الناس بما في الأمر والنهي هذا من الإنذار والوعيد، والتذكير بالآخرة، قال تعالى[قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ]( ).
الثالثة: إن الله عز وجل يحب أن تكون الحياة الدنيا وعاء ومناسبة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الرابعة: المراد من الحديث الإخبار عن عدم الملازمة بين أمور:
الأول: الأمر بالمعروف والعمل به.
الثاني: الإمتناع عن المنكر والنهي عنه.
الثالث: فعل المعروف والإمتناع عن المنكر.
الرابع: الأمر بالمعروف والإمتناع عن المنكر.
ولا تعارض بين هذه الوجوه وكل واحد منها مدرسة وعلم من علوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وهل منها أمران:
الأول: الأمر بالمعروف من غير النهي عن المنكر.
الثاني: النهي عن المنكر من غير الأمر بالمعروف.
الجواب لا، للملازمة والتداخل بينهما ولأنهما واجب على نحو الإتحاد والإستقلال.
فإن قلت إن النهي عن الربا نهي محض، وليس فيه أمر فكيف تكون الملازمة فيه بين الأمر والنهي عن المنكر.
والجواب من وجوه:
الأول: تتجلى الملازمة بينهما في ذات الآية الكريمة من جهات:
الأولى: إبتداء الآية بخطاب الإكرام والثناء (يا أيها آمنوا) ومن مصاديقه في المقام أمور:
الأول: إيمان المسلمين بأن كلاً من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب.
الثاني: تلقي المسلمين والمسلمات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقبول والرضا والإمتثال.
الثالث: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جهاد في سبيل الله، وباب لتحمل الأذى والعناء في إصلاح الناس وزجرهم عن المعاصي.
الرابع: فوز المسلمين بالثواب العظيم، وكل فرد من الأمر والنهي بقصد القربة حسنة، قال تعالى[إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ]( ).
الثانية: دلالة النهي عن المنكر في مفهومه على أمور:
الأول: الأمر بالمعروف.
الثاني: البعث على فعل الخيرات، فينهى المسلم غيره عن الربا، ويكون هذا النهي سبباً في إقدام الغير على فعل الخير.
الثالث:جعل موضوعية للحلال والحرام في عمله، وخيارات المسلم، فيأتي بالحلال ويفعل المباح، ويتنزه عن الحرام سواء في باب المعاملات أو الأخلاق أو السنن.
الثالثة: مجيء آية البحث بالأمر بالتقوى، وتعقب هذا الأمر للنهي عن أكل الربا، ليكون على وجوه:
الأول: إنه عون للمسلمين في التنزه عن المنكر.
الثاني: فيه مادة للدعوة إلى الصلاح.
الثالث: فيه بعث للقيام بالأمر بالمعروف، قال تعالى[وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ]( ).
وفي الآية أعلاه شاهد على ملازمة عمل صالح آخر للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو دعوة إلى الخير وفعل الصالحات، ومجيء التكليف إلى الأمة الإسلامية مجتمعة ومتفرقة.
فإن قلت إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعوة إلى الخير فلماذا ذكر الدعوة إليه في الآية القرآنية أعلاه.
والجواب من وجوه:
الأول: الدعوة إلى الخير أعم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الثاني: تأتي الدعوة إبتداءً، وفيها بعث لفعل الصالحات، وهي ليس بلغة الأمر أو النهي.
الثالث: تشمل الدعوة الترغيب والحث والأسوة.
الرابع: من بديع صنع الله عز وجل أن تكون الوقائع والحوادث مدداً للمسلمين في مسالك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الخامس: الدعوة إلى الخير تأكيد للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومقدمة لهما.
السادس: قد تفنى الدعوة إلى الخير في الأمر والنهي.
السابع: يقوم من يتلقى الدعوة إلى الخير بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الثامن: الدعوة إلى الخير مناسبة للتفقه في الدين، ومعرفة سبل الخير والفلاح.
التاسع: الدعوة إلى الخير نوع طريق لمعرفة مصاديق المعروف وإتيانها، ومصاديق المنكر وإجتنابها.
العاشر: من يتمادى في أكل الربا لا يلقى إلا الخسارة، ليكون إعراضه عن نهي المسلمين له عن الربا والمنكر مطلقاً حسرة عليه.
وعن عبد الله مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ما أكثر أحد من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قل)( ).
وفيه شاهد بأن مقاليد الأمور بيد الله، وأنه سبحانه يزجر الناس عن الفواحش والسيئات بظهور أضرارها في الدنيا ومن غير علة سببية وعرضية إلا أنها قبيحة بالذات.
فلو كان هناك تاجران أحدهما جعل أمواله في الربا والآخر في التجارة كشراء البساتين وعمارة الأرض.
فإن الأول يلتفت إلى حصول النقص في أمواله، ويرى الآخر النماء والزيادة فيها، وتتجلى هذه الحقيقة في هذا الزمان بوضوح إذ أن الأموال تهبط قيمتها الشرائية .
أما التجارة الخالية من الربا فإنها في قوس صعود مستمر وأحياناً يكون حاداً.
وجاء في إستحباب طلب الرزق والإجمال فيه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال في حجة الوداع: ألا أن الروح الأمين نفث روعي إنه لا تموت نفس حتى تستكمل رزقها فأتقوا الله وأجملوا في الطلب ولا يحملنكم إستبطاء شيء من الرزق أن تطلبوه بمعصية الله، فإن الله تبارك وتعالى قسّم الأرزاق بين خلقه حلالاً) ( ) وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِى الطَّلَبِ فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِىَ رِزْقَهَا وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ خُذُوا مَا حَلَّ وَدَعُوا مَا حَرُمَ) ( )، وهو أمر ظاهر للعيان، مدرك بالوجدان، لتكون هذه الحال شاهداً على أمور:
الأول: ما ينهى عنه محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الوحي.
الثاني: يتضمن الحديث الإنذار والنصح للناس.
الثالث: دعوة الناس للأخذ بالأمر بالمعروف، وإجتناب ما جاء النهي عنه.
الرابع: لا يلقى أهل المعصية والإستكبار إلا الخسارة والخزي في الدنيا والآخرة، قال تعالى[وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا] ( ).
لقد جعل الله عز وجل المسلمين متمسكين بالتقوى والخشية منه تعالى وهو فضل من الله ورزق كريم فاز به المسلمون لتترشح منافعه على الناس جميعاً ومنها قيام المسلمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى[وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا]( ).
وقيل(كلمة التقوى قول لا إله إلا الله عن ابن عباس وقتادة ومجاهد) ( )، وهو صحيح والآية ومصاديق التقوى أعم، ومن مصاديقها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأنه من التقوى والخشية من الله لذا ورد قوله تعالى(واتقوا الله)في آية البحث ليكون الأمر بالمعروف ملازماً للنهي عن المنكر وتقدير الآية: لا تأكلوا الربا واتقوا الله وأمروا بالمعروف.
ولو كان المكلف فاعلاً للمعصية وهو ليس من أهل المعروف والعدالة فهل يسقط عنه المنع من الربا والنهي عن المعصية في باب الربا مطلقاً.
الجواب لا، فيجب عليه النهي عن المنكر بما فيه الإثم الذي يرتكبه، لأن الفرض مركب من أمور:
الأول: فعل المعروف والعمل الصالح.
الثاني: الأمر بالمعروف.
الثالث: إجتناب المنكر.
الرابع: النهي عن المنكر.
وكل فرد منها فرض مستقل بذاته ولا يصح لمن ترك واحداً أو إثنين منها ترك الباقي روي أن إعرابياً سمع ابن عباس يقرأ قوله تعالىوَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ ( ).
وعن سعيد بن جبير: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر) ( )، أي أن العصمة من الذنوب والخطايا ليس شرطاً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
نعم من يبادر إلى الخيرات، ويجتنب السيئات يكون أثر أمره ونهيه في النفوس أكثر وقعاً.
ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في موطن عديدة: ليبلغ الشاهد الغائب فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه ثم قال : ألا هل بلغت ألا هل بلغت( ).
وفيه دعوة للصحابة وأهل البيت والمسلمين والمسلمات جميعاً للقيام بالتبليغ وفيه مسائل:
الأول: تعدد الموضوعات التي يجب تبليغها وهي على شعب:
الأولى: آية قرآنية.
الثانية: حديث نبوي.
الثالثة: تفسير لآية قرآنية، أمر بالفعل.
الرابعة: بيان حكم شرعي، كما في خطبة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يوم عرفة في حجة الوداع، وإعلانه إسقاط الفوائد الربوية التي عقدتها قريش أكلاً وتأكيلاً.
الخامسة:نهي عن فعل، كما في النهي عن العاصي والسيئات.
السادسة: البشارة والإنذار في الدنيا والآخرة.
السابعة: ذكر بعض أحوال الناس في الآخرة، ومواطن الحساب فيها.
الثاني: صعود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المنبر لأمر حال، ومسألة إبتلائية عامة.
الثالث:تنمية ملكة الإصغاء العام لأقوال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عند المسلمين.
الرابع: بيان حقيقة وهي إنقياد المسلمين إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فبعد أن كانوا قوماً يغزو بعضاً على طعام الدنيا، وإذا هم يجتمعون تحت منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليتلقوا الأوامر الإلهية، ويقوموا بوظيفة التبليغ.
الخامس:بيان رفعة وعلو منزلة المسلم بأنه يبلغ الأحكام.
السادس: في الحديث مسألتان:
الأولى: يحتمل الشاهد وجوهاً.
الأول:الصحابي الحاضر تحت المنبر والذي يسمع الكلام.
الثاني:الصحابة أيام النبوة والتنزيل.
الثالث: أهل المدينة المنورة، ولزوم قيامهم بتبليغ هل المدن والقرى الأخرى.
الرابع:كل مسلم يصله التبليغ.
الثانية: يحتمل الغائب وجوهاً:
الأول: الصحابي الذي تخلف عن الحضور وسماع كلام النبي.
الثاني:الصحابة الذين هم في الغزو والجهاد، ومن هو ضارب في الأرض طلباً للرزق.
الثالث:عموم المسلمين والمسلمات.
الرابع:الناس جميعاً.
أما بالنسبة للمسألة الأولى فان القدر المتيقن عن الحاضر هو الذي يستمع للكلام، ويتلقاه من في رسول الله صلى عليه وآله وسلم، ويرى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأمر وينهى ويعظ، وكان من يتخلف من الصحابة عن الحضور يسأل غيره ماذا قال النبي أمس .
ومن الإعجاز في كلامه أنه ذكر الحاضر ولم يقل(ليبلغ السامع) لأن بين الحاضر والسامع عموماً وخصوصاً مطلقاً، فالحاضر أعم، فيشمل الأصم، ومن لم يكن ملتفتاً لتمام الخطبة .
وأما بالنسبة للثانية فكل الوجوه صحيحة، وبعضها في طول بعض، والعموم فيها من مصاديق قوله تعالى[وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا]( ), ويدل عليه ذيل الحديث في بيان علة النقل من الوعي والبيان.
والمعروف اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله)( )، وفعل الخيرات، ومفاهيم الإحسان، وما ندب إليه الكتاب والسنة مما هو راجح وجائز شرعاً، ليشمل الجائز الواجب والمندوب والمباح بل والمكروه، ولكن وصف المعروف وما يدل عليه من الحسن الذاتي والعرضي يخرج منه المكروه والمباح لأنهما أدنى مرتبة من الراجح، والمباح ما تساوى طرفاه، أما المكروه فهو الذي رجح تركه، ولكن فعله لا تترتب عليه عقوبة وإثم.
ولو إنحصر الأمر بين البقاء على المحرم والنقل بالنهي عنه إلا المكروه فهل يصح , الجواب نعم إلا أنه لا يمنع من البيان والترغيب بالراجح والمندوب.
أما بالنسبة للربا فأنه ليس من واسطة بين الواجب والمحرم فأكل الربا حرام، وإجتنابه واجب، وفيه تخفيف عن المسلمين ومنع للفرقة بينهم في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وليس من حصر لمنافع فعل المعروف في الدنيا، أو في الآخرة وهو من الشواهد على أن الدنيا مزرعة الآخرة(وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة)( ).
وفي الحديث وجوه:
الأول: تكون لفاعلي المعروف في الدنيا صفة معلمين بها، وسمة يمتازون فيقول أهل المحشر أولئك أصحاب المعروف.
الثاني: غبطة الناس يوم القيامة لصانعي المعروف في الدنيا.
الثالث: من الجزاء الأخروي لأهل المعروف الثواب العظيم بإتصافهم بصفة خاصة.
الرابع: يعرف الملائكة أهل المعروف بما سوّمهم الله عز وجل به يوم القيامة، وتلك المعرفة ليست مستحدثة في الآخرة فإن الملائكة يعرفون أهل المعروف في الدنيا ليترجل المعروف بصفة خاصة في الآخرة تذكر الملائكة بهم وبحسن سمتهم، وهو من عمومات قوله تعالى[إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( )، أي أن الملائكة سوف يرون شطراً من الناس يعملون الصالحات، وينشرون أسباب الفلاح بين الناس.
الخامس: كما أنعم الله عز وجل على المسلمين والناس بنزول الملائكة لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين يوم بدر وأحد، وجعل الملائكة مسومين بعلامات خاصة بهم، قال تعالى[بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاَفٍ مِنْ]( )، فكذا يوم القيامة ستكون أمة من الناس تتصرف بسمة وعلامة خاصة هي فعل المعروف.
السادس: لا دليل على إنحصار العلامة والسمة الخاصة بأهل المعروف، بل هو من باب المثال الأمثل وشاهد على التمايز والتفضيل يوم القيامة وفق سنن التقوى والصلاح.
السابع: ورد في معنى الحديث أعلاه عن ابن عباس قال: يأْتي أَصحاب المعروف في الدنيا يوم القيامة فيُغْفر لهم بمعروفهم وتَبْقى حسناتُهم جامّة فيُعطونها لمن زادت سيئاته على حسناته فيغفر له ويدخل الجنة فيجتمع لهم الإحسان إلى الناس في الدنيا والآخرة) ( ).
ولقد سخّر الله عز وجل ما في الأرض للإنسان بالإرادة التكوينية والتشريعية ليكون شاكراً له سبحانه بالتنزه عن الحرام، قال تعالى[فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ]( ).
ويفيد حرف الجر في الآية أعلاه التبعيض فمهما أكل ولبس وأنفق الناس تبقى سعة ومندوحة في الرزق الكريم الذي أنعم به عليهم، ويتجلى أحياناً بالمواريث التي يتركها الحي للميت.
ويدل نعت الحلال بالطيب في مفهومه على أن ما يؤكل من الربا خبيث، وله أضرار على البدن وأن كان في ظاهره مساو ومشابه لجنس الحلال ولكن التباين وسنخية الضرر في الآثار الوضعية على مرتكب الحرام من الإرادة التكوينية.
إن مجيء آية البحث بالنهي عن أكل الربا على نحو التعيين درس للمسلمين للإجتهاد بالأمر والنهي في باب الأكل، بالترغيب بالحلال الطاهر منه، والزجر عن الحرام والخبيث منه.
لتكون عند الناس ملكة التمييز في الأكل وجعل موضوعية لإختبار الحلال والنفرة من الحرام، فيكون النهي عن الربا بالبرهان الملي وهو الإستدلال بالعلة على المعلول، والبرهان الإني وهو الإستدلال من المعلول على العلة.
فخبث أكل الربا علة لإجتنابه، وكون الربا سبباً في خبث الأكل دعوة للإحتراز منه، إذ أن النفس الإنسانية تميل إلى أسباب البقاء, وتنفر مما فيه أذى وضرر، في أفراد ومصاديق البقاء.
ليكون إجتناب أكل الربا من عمومات الحديث النبوي(لا ضرر ولا ضرار في الإسلام)( ).
بتقريب وهو شمول الآية للنفس وأن المسلم كما يجتنب الإضرار بالغير فإنه يحرص على السلامة الذاتية من الضرر.
وأكل الربا ضرر بالذات والأثر، فلابد من أمور:
الأول: إجتناب أكل الكسب الربوي.
الثاني: أمر الناس بالإبتعاد والتنزه عن الربا ونهيهم عن أكله , وهو من عمومات قوله تعالى في الثناء على المسلمين[تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ]( ).
الثالث: تعاهد سلامة البدن , والإمتناع عن العبث به.
الرابع: تعريض الصحة ونعمة العافية للزوال.
مسائل فقهية
الدين هو ثبوت مال كلي في ذمة شخص لآخر، ويقال لمن إشتغلت ذمته (المديون) أو المدين، وللآخر (الدائن) والغريم، وسبب الدين أمران:
1- إختياري كالإقتراض أو أجرة في عقد أجارة أو صداق في نكاح أو ثمن في بيع نسيئة.
2- قهري كموارد الضمان ونفقة الزوجة الدائمة.

(مسألة 21) الدَين أما حال، وهو الذي يحق للدائن معه مطالبة المدين، ويجب على المدين الأداء مع التمكن واليسار في كل وقت وعليه الإجماع، وأما مؤجل وهو الذي لا يحق للدائن معه مطالبة المدين إلا عند انقضاء المدة المضروبة وحلول الأجل.
(مسألة 22) تعيين الأجل في الدين قد يكون بجعل وإتفاق بين الدائن والمدين، كما في القرض والسلم والنسيئة، أو يكون بجعل الشارع كالنجوم والأقسام المقررة في الدية.
(مسألة 23) إذا حلّ أجل الدين وجب على المدين أداؤه عند مطالبة الدائن إلا إذا كان المدين ذا عسرة، كما يجب على الدائن أخذه وتسلمه عند وفاء المدين له وسعيه لتفريغ ذمته.
(مسألة 24) لو قال: أليس لي عليك عشرة دنانير، فقال: بلى، لزمه لأنه إقرار واثبات وإبطال للنفي .
أما لو قال: نعم فلا يلزمه، لأن (نعم) جواب يتبع ما قبله في الإثبات والنفي، إلا أن تكون المحاورات العرفية في البلد بخلافه.
(مسألة 25) ليس للدائن المطالبة بالدين المؤجل قبل حلول اجله، ولو تبرع المدين بأدائه قبل الأجل لا يجب على الدائن القبول واستلام الدين إلا مع البينة أو القرينة الدالة على أن التأجيل كان من اجل الإرفاق بالمدين وليس هو حقاً للدائن ,
لوجود المقتضي وفقد المانع، وللملازمة بين وجوب الأداء على المدين القبول من الدائن.
(مسألة 26) لو امتنع الدائن عن تسلم الدين عند حلول الأجل فللحاكم إن يجبره إذا سأله المدين، وفيه وجوه:
الأول: ولو تعذر على الحاكم إجباره على تسلمه احضره عنده ومكنه من مبلغ الدين بحيث يصبح تحت يده وسلطانه عرفاً وبه تفرغ ذمة المدين.
الثاني: لو تلف بعدئذ فلا ضمان عليه , وكان من مال الدائن.
الثالث: لو تعذر إستلامه فللمدين أن يقوم بتسليمه إلى الحاكم مع قبول الحاكم، لولايته حسبة في المقام، وللمتعارف بأن السلطان ولي الممتنع ولتحقيق إبراء الذمة للمدين وبه تفرغ ذمة المدين.
ومع عدم مكان الوصول إلى الحاكم للمدين أن يعيّن الدين في مال مخصوص ويُشهد عليه.
(مسألة 27) لو كان الدائن غائباً ويتعذر إيصال المال إليه، للمدين أن يعطيه للحاكم الشرعي مع بيان موضوعه حيث يسقط إعتبار قبض الدائن، ولو لم يمكن إيصاله إلى الحاكم تبقى ذمته مشغولة إلى حين إيصاله إلى الدائن أو وكيله أو ورثته.
(مسألة 28) لو إنقطع خبر الدائن، وجب على المدين نية القضاء بالدين والوصية به عند الوفاة، وان قطع بموته يقوم بتسليمه إلى ورثته كل حسب حصته،
وإذا عجز عن معرفتهم والإهتداء إليهم أو عرفهم ولكن لم يتمكن من الوصول إليهم يسلم المال إلى الحاكم الشرعي.
والأولى ان يكون بوثيقة قبض متضمنة البيان.
(مسألة 29) لو إستقرض مع نيته بعدم الأداء فهل يبطل أصل القرض ويكون تصــرفه فيما إستدانه حراماً؟
الأقوى لا، للحكم الظاهري وللشك بأنه من التصرف في مال الغير من غير إذنه ولإشتغال الذمة واقعاً.
(مسألة 30) يجوز التبرع بأداء دين الغير حياً كان أو ميتاً وتبرأ ذمته، وإن تم الأداء من غير إذنه بل وإن منعه، ويجب على من له الدين القبول كما في أدائه عن نفسه، إلا أن تكون فيه مهانة للمدين لا تحتمل وأن المدين أحضر الدين أيضاً أو بما يفيد إحضاره.
(مسألة 31) لا يرجع الدين إلى ملك الدائن إلا بقبضه له، فلا يكفي تعيين المدين له، إلا إذا تعذر الإيصال إلى الدائن كما تقدم، فلو أرسل المدين المال إلى الدائن ولكنه لم يصل إليه لا تبرء ذمة المدين إلا أن يكون الدائن هو السبب في تلف المال , وعن الإمام الباقر عليه السلام: كل ذنب يكفره القتل في سبيل الله إلا الدَين لا كفارة له إلا أداؤه) ( ).
(مسألة 32) إذا مات المدين حل الدين المؤجل وإن لم يحن أجله بعد، أما لو مات الدائن فان الدين يبقى على حاله من جهة الأجل، وعلى الورثة الإنتظار إلى حين حلوله.
(مسألة 33) لو كان الصداق أو شطر منه مؤجلاً ومات الزوج قبل حلول أجله أستحقت الزوجة المطالبة به بعد موته، بخلاف ما إذا ماتت الزوجة فليس لورثتها المطالبة قبل حلول الأجل.
أما لو طلقها الزوج فان صداقها المؤجل يبقى على حاله إن كان له أجل معين.
(مسألة 34) لو حجر على اموال المدين بسبب الفلس وكانت عليه ديون حالة وديون مؤجلة، فان ماله يقسم بين الديون الحالة دون الديون المؤجلة.
(مسألة 35) لا يجوز بيع الدين بالدين فيما اذا كان كل منهما مؤجلاً، كما لو كان لزيد على عمرو وزنة من الحنطة الى حين شهر، وكان لعمرو على زيد وزنة من الشعير الى حين شهر، فلا يجوز بيع وزنة الحنطة بالشعير.
(مسألة 36) يجوز تقديم أجل الدين المؤجل مع نقص مقداره بالتراضي، أما الدين الحال فلا يجوز تأجيله مع الزيادة في مقداره، وكذا الدين المؤجل لا يجوز الزيادة في مدته مع الزيادة في مقداره.
(مسألة 37) الأقوى عدم جواز قسمة الدين المشترك، فلو كان لإثنين دين على جماعة متعددين، فلا يجوز ان يجعل ما في ذمة بعضهم لأحدهما، وما في ذمة آخرين للثاني
وان كانت القسمة بحسب نسبة الدين لكل منهما، بل يبقى ما في الذمم على نحو الاشتراك وهو المشهور وعليه النصوص.
(مسألة 38) اذا حل الأجل وطالب الدائن بالدين، على المدين ان يسعى في ادائه بكل وسيلة شرعية ممكنة ولو ببيع الزائد من متاعه وعقاره، ويجب عليه ان يسعى لمطالبة غريمه أو إجارة أملاكه .
ويجب عليه التكسب اللائق بحاله من حيث الشرف والقدرة خصوصاً ما لا يحتاج الى تكلف، ويستثنى من ذلك بيع دار سكناه وثيابه المحتاج اليها ولو للتجمل وسيارته إذا كان مما يليق بشأنه، بالإضافة إلى المناسب لحاله ومقامه من أثاث البيت ونحوها من مستثنيات الدين مما يؤدي بيعها الى وقوعه في عسر وشدة وحرج.
(مسألة 39) لو كانت دار سكناه أزيد مما يحتاجه وركبته، الديون فعليه ببيع ما فضل عن حاجته، أو يبيعها ويشتري ما هو أدنى مما يليق بحاله أيضاً ويدفع الفارق بينهما في دينه، وكذا لو كانت عنده سيارة خاصة ونحوها من الحاجات والأثاث ويستطيع الإكتفاء بأقل منها ثمناً.
(مسألة 40) كما لا يجوز بيع دار السكن لأداء الدين في حال حياة المدين، كذلك لا تباع لو مات وترك أولاداً صغاراً له لا يستطيعون الإستغناء عنها على الأقوى.
(مسألة 41) معنى مستثنيات الدين من دار السكن ونحوها أن المدين ولحاجته لها في مؤونته لا يجبر على بيعها لأجل قضاء دينه، أما لو إختار المدين بيع الدار لقضاء الدين وإبراء ذمته جاز للدائن قبضه منه، والأولى للدائن أن لا يكون سبباً في بيعها
(وعنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا أَفْلَسَ الرَّجُلُ فَوَجَدَ غَرِيمُهُ مَتَاعَهُ عِنْدَ الْمُفْلِسِ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ)( ).
(مسألة 42) لو حلّ أجل الدين وطالب به صاحبه، وكان عند المدين حاجات أو عقار زائد عن مستثنيات الدين ولكنها لا تباع إلا بالأقل من قيمتها السوقية، فان كان النقص قليلاً فيجب بيعها وقضاء الدين .
ولا يجوز للمدين التأخير وإنتظار من يأتي ليشتريها بالقيمة، ولو كان النقص لا يحتمل ويعد البيع معه تضييعاً للمال وخسارة، فالأقوى عدم وجوب البيع حينئذ بل ينتظر من يشتري بالقيمة.
(مسألة 43) المعسر الذي يتعذر عليه أداء الدين وقضاؤه يجب على الدائن إمهاله، وإنظاره إلى حين يساره، قال تعالى [وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ].
(مسألة 44) لا يجوز للمدين المماطلة في أداء الدين مع القدرة وتعتبر معصية.
(مسألة 45) يجب على المدين إستصحاب نية القضاء مع عدم القدرة أي أنه يبني على قصد الأداء عند القدرة.
(مسألة 46) لو إمتنع المدين عن أداء الدين وجحده وحلف على إنكاره ولم يمكن إجباره يجوز للدائن المقاصة من ماله، وأخذ مقدار دينه بشرط عدم الفتنة والضرر.
(مسألة 47) إذا كان المدين حاضراً ولم يكن ممتنعاً وتعذر عليه إيصال الدين الى الدائن بسبب وجود مانع في البين، وتمكن الدائن من اخذ مقدار دينه من ماله جاز له أخذه.
(مسألة 48) تصح المقاصة في حال تحقق موردها سواء كان موضوعها الدين أو غيره، بل يجوز بيع بعض أموال المدين وأخذ عوض الدين من قيمتها بشروط وهي:
1- ثبوت الدين.
2- حلول الأجل.
3- عدم حاجة المدين لتلك الأموال أي أنها ليست من مستثنيات ديونه.
4- إمتناع المدين عن أداء الدين.
5- أن يكون البيع وقيمته بإذن الحاكم الشرعي أو من يختاره من عدول المؤمنين.
(مسألة 49) لو علم شخص باشتغال ذمته بدين وتردد بين الأقل والأكثر يجب عليه الأقل والأحوط الأكثر.
(مسألة 50) إذا علم بأن عليه مقداراً معيناً من الدين، ولا يعلم بأنه من حق الناس ويجهل صاحبه أو من الحقوق الشرعية كالزكاة أو الخمس فيدفعه إلى الحاكم الشرعي بقصد ما في الذمة مع بيان وجهه لقاء وثيقة إثبات إذا إحتمل ظهور من يدعي هذا الدين.
(مسألة 51) لو نذر أن لا يستدين أو نهاه والده عن الدين، فخالف وإستدان لا ريب في تحقق الإثم بل والكفارة في النذر، ولكنه يملك ما إستدانه لأن النهي تكليفي، ولا يوجب بطلان العقد.
(مسألة 52) لو باع الذمي بيعاً صحيحاً ما لا يصلح للمسلم تملكه كالخمر والخنزير كما لو باعهما على ذمي مثله جاز للمسلم أخذ ثمنه عوضاً عن دينه، ولو كان البائع مسلماً فلا يجوز.
قانون ثواب(لا تأكلوا الربا)
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا مزرعة للأخرة، وداراً للإمتحان والإختبار، وليس من إمتحان في الوجود أطول وأعم من إمتحان الإنسان فهو يتغشى أيام حياته بلياليها .
وقد يكون الإفتتان ومناسبة التقرب إلى الله في الليل أكثر في معاني الإبتلاء والإختبار من النهار وليس من ثواب وجزاء أعظم منه، إذ أن نتيجة النجاح فيه الخلود في النعيم، والأكل من غير حساب أو تكليف فليس على الثواب جزاء، قال تعالى[كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ]( ).
ويحتمل لفظ(كلوا) في الآية وجوهاً:
الأول: إرادة الأمر على نحو الحقيقة، ويفيد الوجوب أي لابد وأن يمتثلوا للأمر بالأكل، لأن الله عز وجل يريد لهم الأكل والشرب في الجنة، وهذا الوجوب نعمة أخرى من نعم الجنة، فمتى ما أدرك المؤمنون أن الله عز وجل يأمرهم أن يأكلوا ويشربوا من فواكه وطيبات الجنة , فأنهم يسعون حثيثاً برداء التقوى.
الثاني: المراد من صيغة الأمر الإباحة والإخبار بالأذن المطلق زماناً ومكاناً ونوعاً للأكل والشرب.
الثالث: تذكير المؤمنين بالوعد الكريم بالثواب العظيم واللامتناهي من النعم والطيبات في الجنة، جاءت الآية بصيغة الجملة الإنشائية، والمراد الجملة الخبرية، وبيان حال المؤمنين في الآخرة.
ولا تعارض بين هذه الوجوه، وكلها من مصاديق الآية وسعة رحمة الله وبيان عظيم فضله على المؤمنين، والنفع الخالص من شائبة الأذى، والخالي من الكدورات وأسباب العلل.
وجاءت آية البحث بالنهي(لا تأكلوا) وإرادة فرد مخصوص من الخبيث، وهو الربا، وخبثه ظاهر وبيّن، وتلك آية في أحكام التكاليف بأن يتصف الأمر الحرام والمنهي عنه بالقبح الذاتي، ليكون على وجوه:
الأول: ظهور أضرار الربا على من يزاوله.
الثاني: في لقصانه وغياب البركة عنه عبرة وموعظة للناس.
الثالث: إنه آية في أحكام التكاليف وقانون ملازمة النفع والصلاح للوجوب، والأذى والضرر للحرام.
وفي هذا القانون مسائل منها:
الأولى: إنه عون للناس في التقيد بالتكاليف.
الثانية: فيه تخفيف عن المكلفين في الإمتثال لأحكام التكاليف.
الثالثة: بعث الناس للسعي لبلوغ أسمى مراتب الثواب والجزاء الحسن.
الرابعة: إقامة الحجة على الناس.
الخامسة: بيان المنافع العظيمة لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والغايات الحميدة منها، بقيادة الناس إلى اللبث الدائم في الجنة بالتقيد بأحكام القرآن ومنها التنزه عن الربا، قال تعالى[وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ] ( ).
وهل قانون الملازمة هذا فضل من الله عز وجل على الناس الجواب نعم.
وهو تذكير دائم بلزوم فعل الصالحات، وهجران السيئات ليبقى النهي عن الربا مصاحباً لأجيال المسلمين والمسلمات لا يفارقهم ولا يفارقونه إلا بموتهم وإنتقالهم إلى عالم الآخرة، لينتقل ثواب التقيد بأحكامه وسنن التنزه عن الباطل،
ويأتي جيل جديد يحمل راية النهي عن أكل الباطل، فهذا النهي مصاحب للمسلمين في الدنيا وعالم البرزخ وفي الآخرة، ليكون الثواب في الجنان على وجوه:
الأول: سقوط التكليف.
الثاني: التنعم المطلق بالطيبات، قال تعالى[وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ]( ).
الثالث: إنقطاع السعي والجد والعناء، إذ أن الآخرة دار الجزاء.
الرابع: التباين بين المؤمنين والكفار يوم القيامة وتجلي منافع ترك الربا، وإجتناب أكل المال الربوي بخلود المؤمنين في النعيم ثواباً وجزاءً، وإمتلاء نفوس الكفار بالحسرة.
ويمتنع المؤمن عن أكل الربا في الدنيا ليكون الجزاء في الدنيا والآخرة.
أما في الدنيا فيأكل الطيبات بالحلال لأن الله عز وجل[هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ]( )،
وأما في الآخرة فإنه يفوز بالثواب.
وهل ينقص ترك الربا مما كتب للعبد من الرزق.
الجواب لا، ولكن الفارق في طريق الكسب فأن المسلم يطيع الله بإجتناب المعصية، والكافر يختار الكسب بطريق محرمة.
وهو من إعجاز إبتداء آية البحث بقوله تعالى(يا أيها الذين آمنوا) وما فيه من بعث المسلمين على طاعة الله والإمتثال للأوامر والنواهي التي جاءت في القرآن،
ويعلم المؤمن علم اليقين أن الرزق من عند الله تعالى، وأنه لا تستعصي عليه مسألة، ويرى الإنسان مطلقاً المؤمن والكافر في شواهد يومية كيف أنه يرجو رزقه من جهة فيأتيه من جهة أخرى، أو يظن يحصل عنده إنفاق أو خسارة في باب فيخرج منه سالماً، ويقع فيما لا يحتسبه، أو يمحو الله عز وجل عنه الخسارة مطلقاً , وهو من عمومات قوله تعالى[يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ]( ).
وهل هذا المحو خاص بالمؤمنين دون الكفار، الجواب لا، فقد تفضل الله عز وجل وجعل الحياة الدنيا دار الرحمة، إذ تصيب فيها رحمته البر والفاجر، قال تعالى[كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاَء وَهَؤُلاَءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا]( ).
نعم يختص المؤمنون برحمة الله في الآخرة، والتي تتجلى بالثواب العظيم، فمن أسرار خلق الإنسان مجيء ذات المقدار من الرزق له سواء عن طريق الحلال أو الحرام،
ولكن المائز والتباين يكون في الآخرة، فمن كان كسبه حلالاً يخلد في النعيم، ومن كان كسبه سحتاً وحراماً يلقى عذاباً أليماً، وقوله تعالى(أضعافاً مضاعفة) في مفهومه وعد من الله عز وجل بالسعة في الرزق الكريم للمسلمين إن تعاهدوا سنن الإيمان[وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ] وهو سبحانه لا يمنع المسلمين عن الأضعاف المضاعفة من الربا ليتركهم في فقر وعوز، بل سبحانه يرزقهم تلك الأضعاف بالكسب الحلال، قال تعالى[كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاَء وَهَؤُلاَءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا]( ).
ويصيب الله بعطائه ورزقه ونعمته وفضله في الدنيا المؤمن والكافر، والبر والفاجر , من خزائنه التي لا تنفد.
ولا يحجب رزق الله عز وجل عن المؤمن إمتحاناً وإبتلاء، ولا عن الكافر لكفره والفاسق لفسقه.
ولا تستطيع الخلائق أن تحجب ما كتب الله من الرزق لعباده وفي قوله تعالى[وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً]( ).
قال الطبرسي: وفي الآية دلالة على أن الطاعة لا تزيد في رزق الدنيا وإنما تزيد في درجات الآخرة)( ).
ولكن الآية لا تنفي الزيادة في رزق الدنيا، بل تؤكده من وجوه:
الأول: جاءت الآية بأفعل التفضيل وتؤكد بأن في الدنيا درجات وتفضيلاً.
الثاني: لا ينحصر التفضيل بالغنى والفقر، بل هو متعدد المصاديق، ومن أسناها وأرفعها الهداية والإيمان، قال تعالى[وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ]( ).
الثالث: في الآية ترغيب في الآخرة , ودعوة للتقيد بأحكام الشريعة، وهذا التقيد تفضيل وباب للرزق الكريم، ومن التفضيل مجيء آية البحث بالنهي عن أكل الربا،
ليكون الإمتناع عن الربا عنوان التفضيل بين الناس في الحياة الدنيا، وهو من مصاديق قوله تعالى[وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ]( ).
الرابع: للبشارة بالتفضيل في الآخرة موضوعية في الحياة الدنيا، وهي من وجوه تفضيل وإكرام المسلمين.
الخامس: إبتداء آية البحث بخطاب الإكرام(يا أيها الذين آمنوا) تفضيل إختص الله عز وجل به المسلمون، ومرتبة من التشريف لم تنلها أمة غيرهم.
السادس: من وجوه التفضيل التمايز بين الأمم، قال تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( )، إذ نال المسلمون مرتبة(خير أمة) في الدنيا وخروجهم للتفضيل تفضيل مستقل بذاته، إلى جانب وجوه إضافية من التفضيل في خروجهم تترشح عن كونهم (خير أمة).
فإن قلت قد يكون الكافر غنياً وذا جاه والمؤمن فقيراً ومستضعفاً في مكان ومصر واحد.
والجواب إنه من مصاديق الإبتلاء والإختبار في الدنيا والتفضيل لا يتقوم بالغنى وكثرة المال وسعة الجاه، وقد يكون الفقر والفاقة سبباً للتفضيل إذا كان مقروناً بالإيمان والصبر والرضا بقسم الله.
قال تعالى في بركة النكاح عند المسلمين[إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ]( )، لبيان حقيقة وهي أن زوال حال الفقر يأتي بفعل المؤمن المباح والمستحب مما يدل على مجيئه من باب الأولوية بفعل الواجب كأداء الفرائض العبادية.
وتحتمل الصلة بين الغنى الذي ذكرته الآية أعلاه وبين الأضعاف المضاعفة من جهة المقدار وجوهاً:
الأول: الغنى والسعة أكثر من الأضعاف المضاعفة، بلحاظ أن الغنى مطلق وممدود، والأضعاف المضاعفة فيها نوع حد وتعيين إجمال من طرف الكثرة.
الثاني: الأضعاف المضاعفة هي الأكثر والأغلب لأنها كثيرة متكررة، بينما الغنى فيه إجمال.
الثالث: التفصيل، فقد تكون الأضعاف المضاعفة هي الأكثر، وقد يكون الغنى هو الأكثر، لأن الغنى من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة.
والصحيح هو الأول، من وجوه:
الأول: الغنى الوارد في الآية أعلاه وعد كريم من الله عز وجل، وهو خير محض ونعمة متجددة.
الثاني: الغنى من الله باب للسعة والمندوحة في المعيشة، إذ أنه يتعلق بالحال وكثرة المال، وطيب العيش وحسن الملبس.
الثالث: تفرع الغنى عن فضل الله عز وجل، وهو وعد إضافي بالمضاعفة والسعة والسلامة من الخسارة في الدنيا والآخرة، قال تعالى[فَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُمْ مِنْ الْخَاسِرِينَ]( ).
الرابع: إختصاص الأضعاف المضاعفة بما يرد من المال، وقد يتم إنفاقه على نحو السالبة الكلية وقد يبقى منهم، وفي موضوع أضعاف الربا، فقد جاءت الآية بالإخبار عن أكل المال الربوي وأضعافه، أما الغنى فهو حال من السعة تصاحب المسلم، وقد يصبح صاحب المال الربوي فقيراً ومحتاجاً، وقد يلجأ إلى إقتراض المال بالفائدة الربوية.
أما الذي ينعم عليه الله بالغنى والسعة فأنه يبقى في بحبوحة من العيش وهل في الوعد بالغنى تحذير من المعاملة الربوية أكلاً وتأكيلاً.
الجواب نعم، ففي الجمع بين الآيتين تحذير من إتخاذ الغنى الذي هو فضل من الله موضوعاً مادة للربا، ولا يكون سبباً لزيادة السعي في أمور الدنيا والإقتراض بالفائدة الربوية لمكاسب ومشاريع تحتاج من المال والنقد أكثر مما في يده.
ويبعث الوعد من الله بالغنى السكينة في النفس، ويكون عوناً للتوجه إلى أداء الفرائض والعبادات وفيه مدد للغلبة على النفــس الشهوية، وحب جمع المال، قال تعالى[وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا]( ).
وفي الآية أعــلاه مسائل:
الأولى: ذم الكفار.
الثانية: بيــان لبــعض أفراد معصـيتهم لله عز وجل.
الثالثة: دعوة قريش لنبذ إطلاق الكفر ليكون هذا النبذ والترك مقدمة لدخول الإسلام.
الرابعة: التدبر في المعجزات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومثله ترك الربا إذ أنه واجب على المكلفين مطلقاً.
الخامسة: فيه نزع لرداء حب المال حباً شديداً، والسعي الحثيث لجمعه من غير وجهه، ولو أنفق صاحب الربا المال والفائدة الربوية في الواجبات والمنافع الشخصية، فأنه لا يرفع حرمته.
ويدل عليه قوله تعالى(لا تأكلوا الربا) إذ أن الأكل في الأصل من المباحات، ولكنه لا يطلب بالحرام، بل يكون توظيف الحرام في الجائز والذي هو أعم من المباح حجة على صاحبه.
ويبعث النهي عن أكل الربا إلى التدبر في ذات الأفعال ومقدماتها، وعواقبها، لذا جاء بعد الآية أعلاه من سورة الفجر الإنذار من إنقطاع الحياة الدنيا، وذهاب ما عليها بقوله تعالى[كَلاَّ إِذَا دُكَّتْ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا]( )،
أي يكسر ويضمحل كل ما عليها من الجبال والأشجار والأبنية لتصبح كالبيداء.
(وعن ابن عباس: دكت الأرض أي مدت يوم القيامة مد الأديم) ( )، وفيه بعث للنفرة من جمع الأموال بغير حق لإدراك حقيقة وهي أن الذخائر والكنوز والعمران إلى زوال وإضمحلال، والنهي في آية البحث مركب من وجوه:
الأول: حرمة العقد الربوي.
الثاني: الزجر عن قبض الفائدة الربوية.
الثالث: إنفاق المال الربوي.
وهذا التعدد في مصاديق النهي على مراتب بعضها يقوم على بعض، وفي كل فرد منها:
الأولى: الإنذار للإنسان مطلقاً.
الثانية: دعوة الإنسان للتوبة والإنزجار عن الربا.
الثالثة: حرمة الفعل الذي يتولد عن الحرام.
الرابعة: ترك الربا طاعة لله عز وجل , لذا جاء بعد هذا النهي الأمر بتقوى الله.
قانون لعنة كاتب وشاهد الربا
يتقوم الربا بأربعة أطراف:
الأول: صاحب المال الذي يطلب الزيادة الربوية.
الثاني: المقترض الذي يضمن دفع الزيادة الربوية.
الثالث: مبلغ القرض الذي تتعلق به الفائدة.
الرابع: الفائدة الربوية سواء كانت مقطوعة بلحاظ تحديد أجل وفاء القرض، أو غير محدودة لتوالي تأخير القرض وتعدد آجاله، ويدل حديث اللعن في الربا الذي قاله النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإدخره المسلمون ذخيرة علمية على أمور:
الأول: السنة النبوية بيان وتفسير للقرآن.
الثاني: في السنة تأكيد للأوامر والنواهي التي جاءت في القرآن.
الثالث: التوسعة والتضييق في الأحكام بلحاظ أحاديث السنة النبوية، ويسمى في الإصطلاح الأصولي(الحكومة) كما في مقدار السرقة التي يترتب عليها حكم القطع بقوله تعالى[وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا] ( )، إذ وردت الآية بصيغة الإطلاق ولم تحدد طرف القلة، فوردت السنة بتحديده لربع دينار وأكثر،
وجاءت الحكومة في موضوع الربا بالتوسعة في الذم واللوم والزجر وشموله لأطراف الربا الأخرى، وفيه أمور:
الأول: إنه من الوحي الذي تفضل الله عز وجل به على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي قال(أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ)( ).
ومنهم من رمى الحديث بضعف السند، ولكن دلالاته واضحة من السنة النبوية وآثاراها ومنافعها.
وتتجلى موضوعية السنة في المقام في أمور:
الأول: الإخبار عن نزول اللعنة والطرد من رحمة الله بأطراف الربا.
الثاني: تأكيد غضب الله عز وجل بأهل الربا.
الثالث: بعث النفرة في النفوس من الربا وأطرافه، فلا يميل الناس للذي تنزل به اللعنة بسبب سوء فعله.
الثاني: لما قال الله عز وجل[وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( )، فإن وتتجلى مصاديق هذه الرحمة في مواضيع ووجوه كثيرة ومتجددة، وليس من حصر لأفراد رحمة الله عز وجل.
ويمكن تأليف المجلدات بخصوص هذه الشواهد العملية التي تدل على صدق نزول هذه الآية بذكر كل حديث وفعل للنــبي محـــمد صلى الله عليه وآله وسلم ثم بيان مصاديق رحمة الله عز وجل فيه.
فإن قلت إنه قول وفعل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فكيف يكون من رحمة الله، ولعل القدر المتيقن من الرحمة هو ذات الرسالة (وما أرسلناك).
والجواب من جهات:
الأولى: الآية أعلاه أعم لأصالة الإطلاق، والمراد أفراد الرسالة من نزول الآيات والسنة النبوية، قال تعالى[وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى*إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى]( ).
الثانية: أخبر الله عز وجل عن قانون ثابت وهو كل كلام ينطق به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فهو من عند الله، ولا بد من تلقيه بالقبول، والعمل بالواجب منه، وترك الذي ينهى عنه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالثة: تغشى صفة الرسالة لأقوال وأفعال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى حين إنتقاله إلى الرفيق الأعلى.
الرابعة: مجيء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالبشارات والإنذارات، قال تعالى في خطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم[وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا]( ).
ومن الإنذارات حديث اللعن لأنه تخويف وإنذار إلى أطراف الربا والذين هم عون في عقده.
ولو لم يأت هذه الحديث لقال الكاتب والشاهد إننا لم نأكل الربا. ولم نوكله لغيرنا، أو لإشتراط الإجرة من مال غير ربوي، كما لو أخذت من أصل القرض الربوي، أو أنهم يتبرعون بكتابة عقد الربا والشهادة عليه، فجاء الحديث بأمور:
الأول: صبغة الإطلاق والعموم.
الثاني: تأكيد حقيقة وهي أن كتابة عقد الربا والشهادة عليه وقبول الوكالة فيه على شعب:
الأولى: كل من كتابة عقد الربا والشهادة عليه إثم.
الثانية: فيها إعانة على الإثم.
الثالثة: هي معصية تؤدي إلى الطرد من رحمة الله.
الثالث: الإنذار والوعيد من العذاب الأخروي الذي ينتظر أطراف العقد الربوي، وليس آكل الربا وحده.
وجاء حديث اللعن بياناً وتوسعة لقوله تعالى(لا تأكلوا الربا) ولا تقع هذه التوسعة في ذات النهي، بل هو باق على حاله الوارد في مضامين الآيات القرآنية لتكون الحجة بالقرآن تامة وعامة، ولكن التوسعة جاءت بخصوص الذم واللعن، لأمور:
الأول: بيان الأحكام الشرعية.
الثاني: تكامل الشريعة التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث: صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، قال تعالى[فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا]( ).
الرابع: تأكيد الضرر المترتب على الربا في الدنيا والآخرة.
الخامس: دعوة المسلمين للتناهي عن المنكر، وإجتناب ولوج أسبابه ومقدماته، والذي يخشى أن يكون سبباً في الإثم فمن باب الأولوية أنه يحرص على التنزه عن الإنغماس فيه، ومن الإنغماس في الربا أكله وقبض الفوائد الربوية.
السادس: بعث المسلمين على التفقه في الدين، بالتسليم بأن السنة النبوية بيان وتوسعة لحكم القرآني.
السابع: منع التعاون في المعصية قال تعالى[وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ]( ).
وما هو ظاهر التباين بين موضوعية أطراف العقد الربوي في وقوعه، على وجوه:
الأول: صاحب المال الذي يقبض الفائدة الربوية، وهو الطرف الأول في رتبة الأثر والتأثير في العقد الربوي.
فإذا أراد شخص أخذ القرض بالزيادة الربوية فإنه لا يجد من يدفع له، فيسلم من اللعن وليس من كاتب وشاهد تنزل بهم اللعنة، لأنها سالبة بإنتفاء الموضوع.
لذا جاء النهي في الآية عن أكل الربا على نحو التعيينـ، ليفيد النهي عن دفع الفائدة الربوية والمساهمة في تهيئة مقدماتها من الكتابة والشهادة، وهو ليس من ذكر الجزء وإرادة الكل لأن أفراده غير إرتباطية وكل مكلف له إختياره.
ولكن هذا الإختصاص من وجوه:
الأول: إرادة الفرد الأهم الذي تتم به المعصية.
الثاني: زيادة توبيخ وإنذار آكل الربا.
الثالث: يختص فعل الأطراف الأخرى بحال العقد، ودفع الزيادة الربوية، أما الذي يقبضها فإنه يقيم على المعصية بأكل المال الربوي وتوظيفه في الحلال والحرام.
الرابع: المال رزق ونعمة من الله، والمربي يجعله في معصية الله عز وجل، لذا ففي قوله تعالى(لا تأكلوا الربا) مسائل:
الأولى: التحذير من سوء إستعمال الرزق الكريم بما حرّم الله.
الثانية: الدعوة لإجتناب الجحود والكفر، وعن الإمام الصادق عليه السلام قال: الكفر في كتاب الله على خمسة أوجه فمنها كفر الجحود، والجحود على وجهين، والكفر بترك ما أمر الله، وكفر البراء ة ، وكفر النعم فأما كفر الجحود فهو الجحود بالربوبية)…الحديث( ).
الثالثة: تنمية ملكة الشكر لله على الرزق الكريم، بإجتناب إتخاذ المال أصلا ربوياً، وجعل هذا الإجتناب مقدمة لتسخير المال والرزق في مرضاة الله وفعل الصالحات، وليس من دور في المقام لتباين الموضوع قال تعالى[كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ]( ).
ومن مصاديق الشكر لله عدم مزاولة الحرام.
الرابعة: النــهي عن الــربا نعــمة من الله، وفيه شــاهد على حــب الله عــز وجل وهو من عمومات قوله تعالى[اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ]( ).
وهناك مصاديق وأفراد كثيرة لكل وجوه من وجوه الكفر أعلاه، وقد تكون المعصية المتحدة من مصاديق وجهين أو أكثر من وجوه الكفر أعلاه، فأكل الربا كفر من وجهين:
الأول: كفر بالنعمة والرزق الكريم، وهل ينحصر هذا الكفر بصاحب المربي.
الجواب لا، فيشمل أطراف الربا الآخرين.
فالمقترض كفر النعمة ما كتب الله له من الرزق، وإدخر له من النعم في مستقبل أيامه، قال تعالى[وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ]( ).
أما كتابة عقد الربا والشهادة عليه فإنهما فعلان مخالفان للتقوى والخشية من الله، وباب لحجب أسباب مباركة من الرزق، وأبواب من الخير، قال تعالى[وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا *وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ]( ).
وهل هذا الحجب من مصاديق اللعنة الواردة في حديث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأطراف الربا.
الجواب نعم، فمن الآيات في خلق الإنسان، وأفراد الزمان الطولية، والتداخل والصلة بين الدنيا والآخرة، مجيء الإنذار على لسان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والأنبياء السابقين له، ورؤية شواهد الإنذار في أيام الحياة الدنيا لتكون مرآة لعالم الآخرة، والخلود في الجزاء، وهذا الخلود متضاد ومتباين.
فأما النعيم الدائم للمؤمنين الذين يعملون الصالحات.
أو اللبث الدائم في النار للكفار، قوله تعالى[فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ] ( )، أي من نجا من الوعيد بالنار، وسلم من عذابها، ونال البغية بدخول الجنة فأنه الفلاح والفوز.
لذا جاءت آية البحث بالزجر عن الربا كي يفوز المؤمنون بالجنة ليكون من إعجازها إختتامها بقوله تعالى(لعلكم تفلحون) وكما جاءت الآية أعلاه بالسلامة من العذاب والفوز بدخول الجنة، فإن آية البحث جاءت بالنهي عن الربا، والأمر بتقوى الله، لأن الربا فيه العذاب، وأن التقوى عاقبتها الجنة، وقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها)( ).
الثاني: ترك ما أمر الله به، والجحود بالأوامر والنواهي التي جاءت من عند الله، فمن وظائف العبودية لله، والشكر على نعمة الخلق والإيجاد إجتناب ما نهى الله عنه، ومنه الربا، فيكفي فيه أن فعله معصية لله عز وجل وتلك الفلسفة تخفيف عن الناس، وبعث لهم لتلقي الأوامر والنواهي بالقبول والرضا، لما فيها من خير الدنيا والآخرة.
وعنــدما إحتج الملائكــة على جعل الإنســـان خليفة في الأرض رد الله عز وجل عليهم بقوله[إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( )، فأذعنوا خاشعين ولجأوا إلى التسبيح وتقديس مقام الربوبية.
ومن علم الله عز وجل أن أمة من الناس تؤمن بالأوامر والنواهي التي نزلت من السماء، أمة ترفع لواء التنزيل، وتتعاهد أحكامه، وتمتنع عن التحريف والتبديل فيها، وهم المسلمون، فلم يجحدوا بالأوامر والنواهي، وهم يرددون في كل يوم قوله تعالى[لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا] لتكون هذه التلاوة خيراً محضاً من جهات:
الأولى: إنها دليل على وحدة المسلمين في الإيمان بالأوامر والنواهي الإلهية.
الثانية:جاء الخطاب في آية البحث بصيغة الجمع في جميع مضامين وموضوعات الآية الكريمة، وكل فرد منها شاهد على إيمان المسلمين وتنزههم من الكفر بالنعم، ومضامين الآية هي:
الأول: خطاب التشريف والإكرام للمسلمين [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] وما فيه من تأكيد لإتصاف المسلمين بالإيمان، ويحتمل وجهين:
الأول:إنحصار الأمر بالعقائد والإيمان بالله والتصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: إرادة الإيمان بالله والنبوة والتنزيل وما فيه من الأوامر والنواهي.
والصحيح هو الثاني لوجوه:
الأول: أصالة الإطلاق، وعدم وجود مقيد ومخصص للإيمان.
الثاني: مجيء الآيات التي تشهد للمسلمين بالإيمان بالمعنى الأعم، قال تعالى[قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا إلى قوله تعالى……وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ]( )، مما ويدل على أن المسلمين لم يقفوا عند مرتبة الإيمان الذاتي , بل يقومون بدعوة الناس للإيمان بالله والتصديق بالتنزيل مطلقاً لبيان شمول دعوتهم أهل الكتاب والناس جميعاً بلحاظ تعدد الأنبياء والرسل الذين دعا المسلمون للإيمان بهم
لتشمل الدعوة كلاً من:
الأول: اليهود لأنهم لا يؤمنون بنبوة عيسى ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثاني: تشمل النصارى لأنه لا يؤمنون بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث: تشمل الكفار جميعاً بلزوم التصديق بما أنزل على الأنبياء على نحو العموم الإستغراقي.
وهو من الشواهد على قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( )، بإعتبار أمور:
الأول: إرتقاء المسلمين إلى مراتب الإيمان، وقيامهم بالتوجه للناس بدعوتهم للإيمان، وهل من فترة وتراخ بين الأمرين
الجواب لا، وتلك آية في خصال (خير أمة).
الثاني: خروج المسلمين للناس بالتصديق بجميع الأنبياء.
الثالث: كل نبي من الأنبياء جاء من عند الله سبحانه بحرمة الربا وهو وفق القياس الإقتراني:
الكبرى: يعلن المسلمون التصديق بكل نبي.
الصغرى: كل نبي جاء بحرمة الربا.
النتيجة: يعلن المسلمون حرمة الربا.
الثالث: تجلي المصاديق العملية لإيمان المسلمين في الواقع اليومي بأداء الفرائض، والتقيد بأحكام الحلال والحرام في المعاملات.
الرابع:تنزه المسلمين عن الربا لأن الله عز وجل قال[لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا] مما يدل على أن الثناء على المسلمين جاء لصدق إيمانهم، ومصاحبته لهم في ميادين الحياة المختلفة.
الخامس: من الآيات في إيمان المسلمين أنه لا ينحصر بالإعتقاد بل يشمل التقيد بمفاهيمه وسننه في المسجد والسوق والبيت ومحل العمل، ليكون على وجوه:
الأول: إنه سبب مبارك لنشر معاني السكينة بين الناس.
الثاني: فيه مساهمة في إستدامة النظم المعاشية للمسلمين وغيرهم.
الثالث: إنه من مصاديق خروج المسلمين للناس بأحسن الأفعال بقوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
الرابع: فيه شاهد بأن خروج المسلمين للناس من رحمة الله عز وجل بالناس، بأن تدعو أمة عظيمة الناس جميعاً إلى الخير والصلاح، وهذه الدعوة مركبة من أمرين:
الأول: إمتناع المسلمين للأوامر والنواهي القرآنية دعوة عملية للهداية والرشاد.
الثاني: قيام المسلمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
قوله تعالى”أضعافا مضاعفة”
بعد خطاب الإكرام والتشريف وتوجه النهي من الله للمسلمين بعدم أكل الربا، ولزوم التنزه عنه جاء وصف المنهي عنه من الربا بكونه(أضعافاً مضاعفة).
ويحتمل متعلق الأضعاف أمرين:
الأول: إرادة الأكل وتكراره مرة بعده أخرى، مرة سواء المراد منه المعنى الحقيقي وهو إدخال الطعام إلى الجوف، أو المعنى المجازي وهو إرادة قبض المال الربوي.
الثاني: المراد هو الربا، وتعدد عقوده وكثرته.
والصحيح هو الثاني إلا أن الأول في طوله، فالمراد بالأضعاف أنها حال للربا، وفيه وجوه:
الأول: زيادة التحذير والتنبيه للمسلمين.
الثاني: تكرار الإنذار في كل حال تكون مناسبة للربا كي يتنزه المسلمون عنه.
الثالث: إقامة الحجة على الناس بأهلية المسلمين لمنزلة[خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( )، وهذه الحجة رحمة بالناس من جهات:
الأولى:دعوة الناس للإصغاء للمسلمين في مرضاة الله.
الثانية: قبول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يقوم به المسلمون والذي ذكرته الآية أعلاه، وتلقي ما يبينه المسلمون من البرهان بالتدبر والتفكر.
الثالثة: ترغيب الناس بدخول الإسلام، والتصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم والدخول في مرتبة(خير أمة)( ).
الرابعة: تنمية ملكة الصبر والعفة عند المسلمين بهجران الأضعاف المضاعفة للمال الربوي لأن الله حرمه.
الرابع: جاء القرآن[تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( )، فأخبرت آية البحث عن حقيقة وهي مجيء الأرباح الكثيرة من الربا، وعدم حصول خسارة فيه، فهو ليس كالبيع والشراء وما فيهما مسائل:
الأولى:إنه إعجاز باستقراء ثابت للواقع المتغير من إحتمال الربح والخسارة.
وفي بيان القرآن لهذه الحقيقة إعجاز.
الثانية: فيه شاهد على قدرة المسلمين على ترك الربا والتنزه عنه مع ما فيه من الأرباح الكثيرة، فهم يختارون البيع والشراء والتجارة والمكاسب الحلال مع ما فيها من المشقة والعناء وإحتمال الخسارة.
الثالثة:لا يعمل المسلمون إلا ما فيه مرضاة الله , وهم يتركون ما يتعارض معها وان كان سبباً لجمع الأموال أضعافاً مضاعفة.
الخامس: بيان شدة الذنب، وسوء العقاب الذي ينتظر آكل الربا، إذ أن الأضعاف المضاعفة دليل على التمادي في الحرام، والإقامة على كسب الفوائد الربوية.
ومن الإعجاز في مجيء الآية الكريمة بصيغة الأكل(لا تأكلوا) أنها نكتة عقائدية لأن الأكل المتصل يمنع من إحصاء ما جناه الإنسان من الأموال والأرباح والمكاسب.
فلو إلتفت الإنسان إلى ما أنفقه في حياته على مأكله وملبسه ومسكنه وسفره وضيوفه ومطلق حاجاته لرأى أنها مبالغ طائلة، ولو تم إحصاؤها لكانت أرقاماً عالية تجعل منه تاجراً ومالكاً كبيراً، ولكن من رحمة الله أنه يجعل الإنسان يتنعم في ساعته بما أحل له، ويحذره من التمتع بالحرام.
فإن قلت قد يكون إنسان يتعاطى الربا ويأخذ الفوائد الربوية وليس عنده إلا ذات رأس المال الذي يتعامل به.
والجواب إن ما يأكله وينفقه من الأرباح الربوية يصدق عليه أنه أضعاف مضاعفة، وتتجلى هذه الحقيقة بأرباح المصارف والبنوك وما تعلنه من الأرقام الطويلة لأرباحها السنوية التي تتقاضاها فوائد على الديون، بلحاظ أن تلك المصارف تضبط معاملاتها في سجلات، وتدون مقدار الربح في كل معاملة، ليكون على وجوه:
الأول: إنه حجة على الناس.
الثاني:فيه شاهد على صدق إخبار القرآن قال تعالى[إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ] ( )، وحرمة الربا من حكم الله عز وجل المستديم في الأرض الذي لم ولن يقبل النسخ والتبديل، وبقاء مضامينه حية متجددة في كل زمان.
وقد يتخلف الطرف الآخر في المعاملة الربوية عن القضاء، وهذا التخلف على وجهين:
الأول: إنحصار العجز بقضاء الأرباح الربوية، دون أصل القرض.
الثاني: مطلق العجز عن قضاء أصل الدين والفائدية الربوية، فهل يؤثم صاحب المال الربوي فيه وجوه:
الأول: يؤثم بخصوص تخلف المقترض عن الوفاء بالأرباح.
الثاني: يأتي الإثم حتى في حال عدم قضاء أصل الدين.
الثالث: عدم لحوق الإثم بصاحب المال الربوي لأن ما قصد لم يقع، وما وقع لم يقصد.
فلم يتحقق أكل المال الربوي الذي قيدت آية البحث المنهي عنه بقوله تعالى(لا تأكلوا الربا).
والصحيح هو الثاني لترتب الإثم على العقد الربوي ذاته، ويدل عليه حديث اللعن وشموله للكاتب والشاهد على الربا، فمجرد العقد الربوي ذنب ومعصية.
نعم لو أجرى العقد الربوي ثم إكتفى بقبض رأس ماله، وإمتنع عن أخذ الزيادة الربوية هجراناً للحرام، فهو من عمومات قوله تعالى بخصوص الربا[فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ]( )، وأختلف في رجوع أمره إلى الله في المقام على وجوه:
الأول: إن الله عز وجل قادر على أن يثبته على الإمتناع عن الربا.
الثاني: إن شاء الله خذله وتركه يرجع إلى الربا وما فه من الإغراء والأرباح المضاعفة من غير سعي وعناء.
الثالث: المراد حكمة في الآخرة، وهل يتوب عنه الله.
الرابع: قيل معناه أمره إلى الله فلا يؤاخذه بما سلف من الربا( ).
ولا تعارض بين الوجوه، وكلها من مصاديق الآية الكريمة، وبيان أن التوبة والعفو فضل من عز وجل، وفيه دعوة للناس للرجاء والأمل عند التوبة والصلاح، قال تعالى[وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ]( )، وعلى فرض أن لفظ أضعافاً يتعلق بالأكل وتكراره ففيه وجوه:
الأول: دعوة المسلمين إلى التنزه في باب الأكل من الحرام.
الثاني: بعث المسلمين على التفحص فيما يأكلون ويشربون من الأطعمة.
الثالث: الإشارة إلى تراكم وإزدياد الآثام بسبب الإقامة على أكل الربا.
الرابع: إرادة الأيام والليالي وتعدد وتوالي الأكل فيها، فقد لا يلتفت الإنسان إلى كثرة ما ينفقه في الأكل، فجاء قوله تعالى(أضعافاً مضاعفة) لتأكيد الكثرة والتعدد والتعاقب في الأكل، ولزوم عفة وسلامة البطن من الحرام، قال تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ]( )، وبين الآية أعلاه وآية البحث عموم وخصوص مطلق، والجامع بينهما أمور:
الأول: إتحاد الخطاب وتوجهه إلى المسلمين والمسلمات.
الثاني: في الآيتين نكتة عقائدية، وهي أن النهي عن أكل الباطل لم يمنع من إفتتاح الآية بصيغة التشريف والإكرام.
الثالث:التذكير بالأخوّة الإيمانية بين المسلمين، وتأكيد حقيقة وهي لزوم إجتناب أكل مال المسلم بالباطل والكسب الحرام.
الرابع:أخذ الفائدة الربوية من الباطل.
الخامس: بيان فضل الله عز وجل على المسلمين والناس بالتحذير من أكل المال الحرام الخاص والعام قال تعالى[وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ] ( ).
وهل في الجمع بين الآيتين بشارة وإشارة إلى قيام المسلمين بالإمتثال لأحكام هذا النهي.
الجواب نعم، فيتكرر النهي عن القبائح، ولكن خطاب التشريف ملازم له، مما يدل على أن المسلمين في كل مرة يتقيدون بأحكام النهي، وأن تكراره ليس إنذاراً لهم، بل هو تشريف محض.
بعد خطاب الإكرام والتشريف للمسلمين بلغة الإيمان، ومجيء النهي والزجر عن أكل الربا والفائدة على القرض، مما يدل على أن لفظ الربا خاص بمقدار الفائدة الربوية التي لا أصل لها، إلا أنه لايمنع من إطلاق لفظ الربا على عموم العقد والمعاملة،لقد وصفت الآية الكريمة الربا بوصفين متداخلين لفظاً وموضوعاً وحكماً:
الأول:أضعاف.
الثاني:مضاعفة.
ومن الآيات إتحاد أصل اللفظ وإشتقاقه مع التباين الطولي بينهما، وهما من عمومات : إذا إجتمعا إفترقا وإذا إفترقا إجتمعا.
وتقديره أضعافاً ربوية، ومضاعفة ربوية، وتزداد وتتضاعف الأموال عند الفرد والجماعة بفضل الله، ولكن الآية جاءت للتحذير من مضاعفة مخصوصة وهي التي تأتي عن طريق الربا، وتحتمل بلحاظ البدائل وجوهاً:
الأول: إمتناع المسلم عن الأضعاف التي تأتي من الربا لايحجب مجيؤها من غيره.
الثاني: ذات الرزق والأضعاف المضاعفة تأتي عن طريق الكسب الحلال، فإذا كتب الله عز وجل للعبد رزقاً لابد أن يصل إليه، قال تعالى[اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ] ( ).
الثالث:إذا ترك المسلم الربا فان تلك الأضعاف المضاعفة التي تأتي منه ليس لها بديل، ليبقى المسلم في حاجة وعوز.
الرابع: تأتي الأموال الطائلة والأضعاف المضاعفة من أسباب للرزق غير الربا، ولكنها ليست عوضاً عن أضعاف الربا، ولو جمع المسلم بينها وبين أضعاف الربا لكانت عنده أموال كثيرة.
الخامس:أصل المال الربوي حرام، وهو كسب باطل، فلا موضوعية للبدل والعوض بعد عدم ثبوت الأصل.
السادس: بترك الأضعاف من الأموال لحرمتها، ونهي الله عنها، تأتي أكثر منها عن طريق الحلال، وهو من عمومات قوله تعالى[لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ] .
وباستثناء الوجه الثالث أعلاه فان الوجوه الأخرى من مصاديق الآية التي وان وردت من باب النهي الزجر عن الربا فانها بشارة للمسلمين، وسكينة لهم.
ولقد كان المسلمون في حال عوز وقلة في العدد والمؤون، كما جاء توثيق حالهم ضمن إكرامهم بالنصر بقوله تعالى[وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ] ( )، ليكون هذا التوثيق سبباً لشكرهم لله عز وجل، وتعاهدهم لحسن السمت الذي يتجلى بترك الربا.
وإن قلت إذا كان المسلمون محتاجين أيام التنزيل فهل أحكام آية الربا خاصة بمستقبل الأيام، أم أنها شاملة حتى لأوان نزولها، الجواب هو الثاني من وجوه:
الأول: تعدد أطراف الربا، ففيه الآكل والمؤكل والشاهد والكاتب، فجاء النهي مطلقاً.
الثاني:يسكن اليهود أيام التنزيل في المدينة، وكأن الآية جاءت للتحذير من المعاملات الربوية معهم، والحاجة إليهم في مال الربا وفي آجاله كما في (كعب بن الاشرف، وكان رجلاً من طئ ثم أحد بنى نبهان وأمه من بنى النضير) ( )،
وكان شاعراً جواداً صاحب أموال صار رئيساً لليهود، وعرف بعداوته لرسول الله وهجائه له، وقيامه بتحريض قريش على النبي والمسلمين خصوصاً بعد معركة بدر، وقتل رجالات الكفار من قريش، ويرى رغبة بعض المسلمين للإقتراض منه، فيقوم بمحاولة بعث اليأس والقنوط في نفوسهم، والتشكيك بمعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأخذ يشبّب بنساء المسلمين
فقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم(مَنْ لِي بِابن الْأَشْرَفِ ؟ فَقَالَ لَهُ مُحَمّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ أَخُو بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ أَنَا لَك بِهِ يَا رَسُولَ اللّهِ أَنَا أَقْتُلُهُ قَالَ فَافْعَلْ إنْ قَدَرْتَ عَلَى ذَلِكَ) ( ).
الثالث:ليس من فترة مديدة بين حال الذل والعوز التي عليها المسلمون، وبين حصول السعة والمندوحة عندهم، وتدل عليه الآية أعلاه وما فيها من الأخبار عن نصر المسلمين في معركة بدر التي وقعت في السنة الثانية للهجرة، وتصاحب النصر منافع عظيمة منها:
الأول: الغنائم التي يجلبها المجاهدون من ساحة المعركة.
الثاني:ضرب المسلمين في الأرض للكسب والتجارة.
الثالث:حال العز التي تصاحب النصر تجعل المسلمين يسعون في أمور الدين والدنيا.
الرابع:ترشح ثقة التجار والقبائل ببالمسلمين بعد إنتصارهم في معركة بدر.
الخامس:دخول جماعات وقبائل في الإسلام بعد النصر، وإتساع رقعة أرض المسلمين والتبادل التجاري والمقايضة بينهم.
وليس كل المسلمين في حال من الفقر والعوز، ففيهم من هو في بحبوحة من العيش وعنده مال، وعن ابن عباس: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة والناس يسلفون
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من أسلف فلا يسلف إلا في كيل معلوم ووزن معلوم( ).
وتلك آية في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فما أن هاجر إلى المدينة المنورة حتى كان له الأمر والنهي في الأسواق وباب المعاملات إلى جانب العبادات والأمر بالجهاد في سبيل الله، وهو شاهد بأن المسلمين يستجيبون لآيات النهي عن الربا حال نزولها، وعدم تخلفهم عن الأوامر والنواهي الإلهية.
فأراد الله عز وجل زجر المسلمين، فجاءت الآية لتحذيرهم من إجراء المعاملات الربوية فيما بينهم، وإنشغال المقترض بالسعي لأداء الفوائد الربوية، والمربي لتحصيل أمواله.
بينما تقتضي قاعدة تقديم الأهم على المهم إنشغال الطرفين بالجهاد في سبيل الله والتفقه في الدين، أما الرزق والأضعاف المضاعفة فان النصر بشارة مجيئها بالحلال والغنائم من غير فوائد ربوية، والنصر ذاته رزق كريم.
والآية أعلاه وإن جاءت بخصوص النصر يوم بدر إلا أنها أعم في دلالاتها من وجوه:
الأول: إنها بشارة تكرار النصر.
الثاني: توالي أسباب عز المسلمين، وصيرورتهم حال من القوة والمنعة.
الثالث: نصر المسلمين مناسبة لجلب رؤوس الأموال وإزدهار التجارات، ويحتاج المسلمون الدفاع عن الإسلام، والسعي لتكرار النصر لتهيئة المسلمين مقدمات القتال وبقائهم في حال يقظة وحيطة، ومزاولة التدريب على فنون القتال،
قال تعالى[وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ]( )، فأراد الله عز وجل للمسلمين عدم الإنشغال عن القتال والحاجة إليه.
ويكون وفق القياس الإقتراني:
الكبرى:النصر يجلب الأضعاف المضاعفة.
الصغرى:يسعى المسلمون لتحقيق النصر.
النتيجة:يسعى المسلمون لجلب الأضعاف المضاعفة.
ليكون في آية البحث أمور:
الأول: بعث الشوق في قلوب الناس للإسلام.
الثاني: ودعوة لهم للإيمان.
الثالث: التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمعجزات التي جاء بها , بلحاظ أمور:
الأول:التباين في كسب وتحصيل الأضعاف المضاعفة فتأتي الأضعاف للمؤمن عن طريق الحلال والغنائم أطيب المكاسب، مثلما أن إذن الشارع أقوى من إذن المالك، بينما الربا إنغماس في الحرام.
الثاني:الدنيا دار كسب الأضعاف المضاعفة، ولكن مع الإختلاف في الطريق لكسبها وفي ماهيتها.
وإذا كان الربا نوع طريقية للكسب وجمع الأضعاف المضاعفة فهل يؤثر في نوعيتها وسبل توظيفها.
الجواب نعم، إذ أن الأضرار الفادحة تترتب على الكيفية المحرمة للكسب المال، وتلك آية في بديع خلق الإنسان، وسبل تنزيهه عن الباطل ودفعه عن منازل الحرام، وأن الذي يقيم على أكل الربا والمعاصي يغلق عن نفسه أبواب التوبة وأسباب العفو.
وصحيح أن مقدمة الحرام حرام، إلا أن العقد الربوي بذاته حرام لنهي الله عز وجل عنه، لذا إشتبه على الكفار كما ورد في التنزيل حكاية عنهم [ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا] ( ).
ومن الإعجاز في بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فضح أقوال الكفار، وبيان التعارض والتضاد فيه، ولو وقع السكوت عن قولهم هذا لتعدوا في موضوعات أخرى لا يفصل بين الحق والباطل فيها إلا العقد والصيغة.
ومن الفوارق بين البيع والربا أن البيع في الإصطلاح إنتقال عين من شخص إلى آخر بعوض مقدر على وجه التراضي والقبول، وعرّف ايضاً بانه إعطاء المثمن وأخذ الثمن)( )،
وأما الربا فهو على قسمين:
الأول: الربا المعاملي وهو بيع أحد لمثلين بالأخر مع زيادة عينية كبيع كيلو من الحنطة بكيلوين منها أو بكيلو مع زيادة درهم، أو زيادة حكمية من المنافع ونحوها.
الثاني: الربا القرضي: وهو جعل فائدة ربوية زائدة على القرض، وكانت قريش تزاوله قبل الإسلام،
والقسم الثاني هو الأكثر في الأسواق والمعاملات.
وفي ذم أهل الشمال يوم القيامة الذين يؤخذ بهم إلى جهنم قال تعالى[إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ * وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ]( )، أي كانوا في الدنيا غارقين في النعم، لأن الترف نعمة وحجة على الإنسان في لزوم شكر الله عز وجل، والتقيد بأحكام الشريعة والتنزه عن الظلم والربا لعدم الحاجة إليهما.
والإصرار على الشئ الإقامة عليه وعدم إرادة تركه، وعن مجاهد وقتادة:الحنث العظيم : الذنب العظيم) ( ).
قانون”دار الثواب’’
التكليف بإجتناب الربا ليس حالاً متحداً، بل هو أمر متكرر ومتجدد، وفيه بشارة مضاعفة الثواب للمسلم مع كل مرة يمتنع فيها عن أكل الربا، وتلك آية في فلسفة النهي في القرآن بأن يكون ثواب الإمتثال والتقيد بمضامين النهي مضاعفاً ومتكرراً.
وهو من الشواهد على أن المسلمين نالوا درجة[خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( )، بالمراتب العالية، ويأتيهم الثواب من وجوه:
الأول: ترك الفواحش والسيئات، ومنها الربا المحرم.
الثاني: مجيء الحسنات المضاعفة والثواب بفعل الخيرات، وإتيان الصالحات.
الثالث: الثواب المترتب على الجمع بين فعل الخير والخشية والخوف من الله عز وجل في ميادين الأفعال والأقوال، والعبادات والمعاملات , وترك السيئات.
وفي التنزيل حكاية عن نبي الله نوح عليه السلام[أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ]( ).
فإن قلت إن الثواب يأتي على فعل الحسنات، ويأتي على ترك السيئات، فهل يترتب ثواب إضافي على الجمع بينهما، وما هو الدليل عليه والجواب من وجوه:
الأول: إنه من عمومات سعة رحمة الله، وعدم تقييدها بحد أو رسم.
الثاني: يتجلى الجمع بين الإمتثال والإنزجار بتقوى الله والخشية منه في باب الأمر والنهي، والوجوب والحرمة.
الثالث: ترتب الثواب على التقوى كملكة وواقية، قال تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ]( ).
الرابع: تأكيد سلامة المسلمين من الخلط بين الحق والباطل، والفعل الحسن والفعل المذموم، لذا جاءت آية البحث لإستدامة تنزه المسلمين عن الربا وأكله، وإتخاذه معاملة دائمة في الأسواق.
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا داراً لرحمته، وتتصف رحمة الله بأنها واسعة مطلقة، وتتغشى جميع أفراد الزمان والمكان، قال تعالى[وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ]( ).
وتتجلى مصاديق سعة الرحمة الإلهية في باب الثواب الذي يأتي للمسلمين في أسبابه ومقدماته وموضوعه وآثاره وتكراره ومضاعفته.
فيأتي المسلم بالفرد العبادي، ويكتب له الثواب والذي لا يبقى على مقداره بل هو في إزدياد ومضاعفة على نحو مستمر.
وتحتمل المضاعفة وجوهاً:
الأول: يضاعف الثواب بقيد مواظبة المسلم على ذات الفعل الحسن.
الثاني: مدة المضاعفة في أيام المسلم نفسه في الحياة الدنيا، لأنه إذا إنتقل إلى عالم البرزخ تنقطع صلته بعالم الأعمال.
الثالث: إستمرار الثواب الذي يأتي للمسلم حتى بعد مغادرته الحياة الدنيا.
والصحيح هو الثالث، فمن سعة رحمة الله وعظيم فضله المضاعفة المستمرة للثواب على فعل الصالحات، وتنقطع الأضعاف المضاعفة من المال الربوي في الحياة الدنيا، فلا يغادر صاحبها الدنيا إلا ويرى النقص قد دبّ إليها , وهو الذي يدل عليه لفظ الأكل في الآية.
أما أضعاف الثواب فهي مستمرة في إزدياد إلى يوم القيامة بفيض وفضل من الله عز وجل.
ومن المصاديق على أن الدنيا دار الثواب المضاعف أن أجر الحسنة يبدأ بعشر أضعافها، قال تعالى[مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا]( )، وتحتمل العشرة هنا وجهين:
الأول: إبتداء الثواب، وما يأتي دفعة واحدة.
الثاني: مجموع الثواب والحد الأعلى له.
والصحيح هو الأول، وهو بيان لحد القلة، وليس من حد لطرف الكثرة، ويدل عليه قوله تعالى[مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ]( ).
وفيه دلالة على أن الله هو الكريم الذي يأبى أن يجعل الثواب بقدر الإستحقاق، فيزيد عليه دفعة واحدة تسعة أضعاف.
(وعن الحسن البصري المراد بالحسنة في الآية أعلاه التوحيد، والمراد بالسيئة الشرك)( ).
ولكن الآية أعم، ومن معاني ومصاديق الحسنة الكثرة وتشمل الواجب والمندوب، وهل يشمل المباح.
الجواب صحيح أن المباح حسن إلا أن الآية جاءت بذكر الحسنة بالذات والمراد ما يأمر به الله عز وجل، وتدل عليه لام التعريف في(الحسنة) التي هي لام العهد، وفيه دلالة على إتيان الفعل طاعة لله عز وجل، نعم قد يكون فعل المباح حسنة، إذا إتصف بأمور حسنة منها:
الأول: قصد القربة إلى الله عز وجل.
الثاني: الإقرار بفضل الله، وأن المال نعمة منه تعالى.
الثالث: إتخاذ المباح برزخاً دون إرتكاب المعصية ومادة لطردها، ومنعها عن الذات أو الغير، وأحكام الثواب من فضل الله عز وجل، ويأتي للعبد من وجوه:
الأول: فعل المباح.
الثاني: يأتي الثواب إبتداء وفضلاً منه تعالى.
الثالث: قد يأتي الثواب للإنسان قهراً وإنطباقاً.
الرابع: يترشح الثواب عن الإمتثال للواجبات.
الخامس: ترك المحرمات باب للأجر والثواب.
وأختلف في الثواب المضاعف عشر مرات كما في الآية أعلاه على قولين:
الأول: الثواب واحدة، أما التسع فهي زائدة وفضل من الله.
الثاني: العشرة كلها ثواب.
والصحيح هو الثاني لأن الثواب كله فضل من الله عز وجل، كما أن الفضل في المقام متصل غير منقطع، وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: “إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)( ).
فإن قلت يأتي المسلم بالفرائض ويفعل الحسنات، ولكنه لم يترك أحد الأفراد الثلاثة أعلاه وما فيها من البركة، فهل يتجدد له الثواب بعد وفاته الجواب نعم، إذ لا ملازمة بين الثواب والحسنات الباقيات بين الناس بعد مغادرته الدنيا.
وبين الثواب وتلك الحسنات عموم وخصوص مطلق، فتلك الحسنات وسيلة للثواب العظيم ولكنه لا يختص بها، بل يأتي للمسلم من وجوه كثيرة منها:
الأول: ذات الحسنات التي فعلها في حياته.
الثاني: مضاعفة الحسنات أيام حياة صاحبها في الحياة الدنيا، ولا تتعارض هذه المضاعفة مع البركة الواقعية في الدنيا وهو المستقرأ من قوله تعالى[وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ]( ).
أي ينميها بالبركة والوقاية من الآفات في الدنيا.
الثالث: ثواب الحسنات في زيادة وإتساع ومضاعفة ما دامت السماوات والأرض فضلاً من الله
(عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: إن صدقة أحدكم لتقع في يد الله فيربيها له كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله حتى يجيء يوم القيامة وإن اللقمة لعلى قدر أحد) ( ).
وتجعل مضاعفة الحسنات الناس ينفرون من أضعاف المال الربوي وإن كانت مضاعفة وطائلة للتباين في الموضوع والكم والكيف بينهما بالإضافة إلى حقيقة وهي أن مضاعفة الربا خاصة في المال وهي إلى الزوال بالأكل والإستهلاك والتلف.
أما مضاعفة الثواب فإنها أمر باق ونافع في الدنيا والآخرة، فكيف وقد جاءت المضاعفة بأمثال وأضعاف غير متناهية وهو الذي يدل عليه قوله تعالى[وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ] ( )، في سورة البقرة أعلاه، وآيات أخرى تفيد الكثرة واللامتناهي في مراتب الثواب على الحسنات.
وروي عن ابن عمر قال: لما نزلت الآية أعلاه قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ربي زد أمتي فنزل قوله تعالى[مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ]( )، قال رب زد أمتي فنزلإِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ.
وإذا كان الثواب يأتي بفعل الحسنة والنفقة في سبيل الله، فهل يأتي بترك الربا، أم أن القدر المتيقن من تركه هو السلامة من الذنوب والآثام التي تترتب عليه.
الجواب هو الأول، فترك الربا حسنة لأنه طاعة لله عز وجل، وللملازمة بين طاعة الله وبين الحسنات، وهو وفق القياس الإقتراني:
الكبرى: كل طاعة لله حسنة مضاعفة.
الصغرى: ترك الربا طاعة لله.
النتيجة: ترك الربا حسنة مضاعفة.
فيأتي الثواب مضاعفاً على ترك الربا، وتكون هذه المضاعفة على وجهين:
الأول: العدد وحساب المال الذي عزف عنه المسلم والمسلمة لأنه ربوي.
الثاني: إرادة الأجر وما يثقل كفة الحسنات يوم القيامة.
بالإسناد عن أبي ذر قال: حدثني الصادق المصدق إن الله تعالى قال الحسنة عشر أو أزيد و السيئة واحدة أو أغفر فالويل لمن غلبت آحاده أعشاره) ( ).
وفي إدراك المسلم لكون الدنيا دار ثواب أمور:
الأول: إنه مناسبة للتفقه في الدين.
الثاني:إنه سبيل للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الثالث:فيه بعث للناس لنيل الثواب، وإكتناز الحسنات.
الرابع: إنه من عمومات قوله تعالى[وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ]( ).
بلحاظ أن الحث على السعي في سبل الثواب من مصاديق الآية أعلاه، وفي هذا السعي واقية من الربا، أي أن الإنسان ينشغل بكسب الحسنات، وتحصيل أسباب الثواب فتكون عنده ملكة التوقي من الربا لأنه باب للإثم، ولما تفضل الله عز وجل وجعل الدنيا دار الثواب، جاءت هذه الآية لتكون من مصاديق حب الله لعباده، وتفضله بهدايتهم لما فيه الأجر والثواب والنفع الدائم المتصل في النشأتين.
ومن سعة رحمة الله أن ترك الربا باب للثواب ويترشح عنه بالذات الثواب إذ أن هذا الترك مقدمة لفعل الصالحات وإجتناب كثير من السيئات سواء تلك التي تتفرع عن الربا وأكله، او التي تكون قائمة بالذات ويتجنبها المسلم الذي يترك الربا لإرتقائه لمراتب التمييز بين الأفعال بلحاظ الحسن والقبح وفق أحكام الشريعة وترتب الثواب أو العقاب عليها.
فكما ينظر التاجر إلى أي عقد ومعاوضته بما تجلبه من الربح أو تؤدي إليه من الخسارة، كذا يكون المسلم أزاء دنيا الأفعال فإنه ينظر إلى أي فعل بما فيه من الحسنات والثواب، أو الآثام.
فيكون الأمل والربح عند المسلمين بجني الصالحات، وإدخار الثواب، قال تعالى[يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ]( ).
قانون”المدد القرآني’’
المدد: الزيادة التي تلحق بالأصل(والمَدَدُ العساكرُ التي تُلحَق بالمَغازي في سبيل الله)( )، وقد يأتي المدد بالخيل والرجال أو المال، ومطلق العون، وموضوعه أعم من سوح القتال، وهو شامل لميادين الحياة المختلفة، وخير مدد ما يأتي من عند الله.
ومن خصائصه أنه لا ينحصر بالمؤمنين فيصيب البر والفاجر، قال تعالى[وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ]( )، ليكون المدد من الله مناسبة للتدبر في عظيم قدرته تعالى، وسعة سلطانه، وهو مصداق لقوله تعالى[وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ] إذ يتجلى الملك في المقام في عائدية أطراف المدد وهي:
الأول: ذات المدد من الأعيان أو العروض.
الثاني: الذي يأتيه المدد.
الثالث: الأثر والنفع المترتب على المدد.
الرابع: المدد من الملائكة، إذ أن الملائكة لا يستجيبون إلا لله عز وجل، فقد يمتثل الإنسان لأمر السلطان، ومن هو أعلى منه رتبة وشأناً ولأغراض حميدة أو خبيثة، وقد يكون في هذا الإمتثال الإثم والبغي كما في إعانة الظالمين بظلمهم، قال تعالى[إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلاَّ غُرُورًا]( ).
ولما إحتج الملائكة على جعل آدم خليفة في الأرض بفساد بني آدم وإراقة الدماء بغير حق أقام الله عز وجل عليهم الحجة البالغة بقوله سبحانه[إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ).
فأدرك الملائكة مضامين هذا الجواب العظيم فخرّوا إلى الله سجداً، ومن تلك المضامين أمور:
الأول: مصاحبة مصاديق هذا الجواب للإنسان في الأرض.
الثاني: عمارة الإنسان الأرض بالعبادة والصلاح.
الثالث: إزاحة الفساد من الأرض.
الرابع: نزول الملائكةأنفسهم مدداً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لقتال المفسدين، وإستئصال الكفر من الأرض، قال تعالى[وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاَفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ]( ).
إن نزول الملائكة للنصرة يوم بدر وأحد والخندق نعمة على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وأجيال المسلمين المتعاقبة، ومن خصائص المسلمين جميعاً الإقرار والتسليم بأن نزول الملائكة في بدر وأحد نعمة عليهم وعلى أبنائهم من بعدهم وإلى يوم القيامة،
وتراهم يذكرون ويتذاكرون تلك الوقائع وكأنها حاضرة،، وقريبة في زمانها، مع مرور أكثر من ألف وأربعمائة سنة عليها وكذا بعدما تمر عليها آلاف أخرى من السنين وإنتقال شطر من الناس للسكن في الكواكب الأخرى.
لقد ورث المسلمون نعمة المدد السماوي في معارك الإسلام الأولى لأثر الملائكة في جعل كفة النصر والغلبة إلى جانب المسلمين مع أنهم قلة وقليلوا العدة والعدد، ومن المدد التوثيق السماوي لتفاصيل هذا النصر بقوله تعالى[وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ]( )، وفيه توثيق من وجوه:
الأول: تحقيق النصر من عند الله عز وجل، ويحتمل النصر الإلهي وجوهاً:
الأول: إنه خاص بالمعركة، وهزيمة كفار قريش يوم بدر.
الثاني: يشمل النصر أيام النبوة المباركة.
الثالث: يتغشى النصر وبركاته أيام المسلمين.
الرابع: إرادة الحصر المكاني، وأنه خاص بالمدينة المنورة أيام النبوة.
الخامس: تشمل دلالات ومنافع النصر المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
والصحيح هو الثالث والخامس، والوجوه الأخرى في طولها , فجهة وكاف الخطاب في قوله تعالى(نصركم) إنحلالية تشمل المسلمين المسلمات إلى يوم القيامة،
وفيه دعوة لشكر الله عز وجل في كل زمان على هذه النعمة , ومن مصاديق الشكر أمور:
الأول: تلاوة الآية أعلاه، والإمتثال للأوامر الإلهية وإجتناب الربا، لأن الله عز وجل نصر المسلمين لأنهم حاربوا الفساد في الأرض، والربا من مصاديق الفساد والإفساد، لأنه أمر منهي عنه ذاتاً، ولأن أضراره تلحق جميع أطرافه، وتصيب غيرهم،
ويدل على التعدد وشمول الغير بالضرر مجيء آية البحث بلفظ(الأكل) فقد يأكل من المال الربوي غير أطرافه من عوائلهم ويكون المال الربوي أجراً وراتباً شهرياً للعاملين عند آكل الربا.
فمن معاني وأسرار لفظ(أضعافاً مضاعفة) الوارد في آية البحث التوسعة في عمل آكل الربا، وحاجته إلى الموظفين والعمال الذي يكتبون له ويمسكون السجلات، ويتابعون جمع الأقساط والنجوم الشهرية، وملاحقة المقترضين الذين يتخلفون عن قضاء الديون الربوية، قال تعالى[وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ]( )،
ومن الركون المودة والنصيحة والمؤازرة، وعن ابن عباس في الآية أعلاه:أي ولا تميلوا إلى المشركين في شيء من دينكم) ( )، وقال الطبرسي: إن الركون إلى الظالمين المنهي عنه هو الدخول معهم في ظلمهم و إظهار الرضا بفعلهم أو إظهار موالاتهم( ).
وهل يشمل هؤلاء حديث اللعن الوارد عن النبي محمد الجواب نعم لذكر الشاهد والكاتب والوكيل في هذا الحديث وإرادة الفرد الغالب الذي يشارك في المعاملة الربوية، ودلالته على دخول الأطراف المستحدثة في الأزمنة اللاحقة فيه إن كانت معاملات رب العمل ربوية محضة، خصوصاً وأن الملاك قاعدة حرمة الإعانة على الإثم والفساد.
الثاني: تعاهد الفرائض العبادية، لأن نصر المسلمين على الكفار فرع قوله تعالى[وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ]( )، فقد أراد الله عز وجل إحياء الإنسان الأرض بعبادته، وهو من عمومات إحتجاجه على الملائكة الذي تقدم ذكره بخصوص خلق آدم وجعله خليفة في الأرض[إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ).
فما دام المسلمون يعبدون الله في الأرض , فإن الفساد ليس علة تامة للإحتجاج، وأنه إلى زوال وإندثار، للملازمة بين عبادة الله والصلاح في الأرض، وإن أراد الملائكة الإحتجاج بأن الكفار المفسدين ربما أكثر عدداً وعدة وإنهم قد يجهزون على المسلمين
ليكون من معاني قول الملائكة[أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ]( )، عدم الإحتجاج على جعل آدم خليفة في الأرض، ولكنهم تضرعوا إلى الله عز وجل بأن لا يكون هناك قوم مفسدون يمنعون الأنبياء وأتباعهم وأنصارهم من عبادة الله في الأرض.
لقد سألوا الله عز وجل التخفيف عن المؤمنين، بأن تكون الحياة الدنيا دار الصلاح الخالية من أسباب الفساد والفسوق .
فجاء الجواب من عند الله بأنه يعلم نزول الملائكة لنصرة المسلمين، وعجز الكفار مجتمعين عن الصبر في ميدان القتال في وجه ملك واحد، وأن المسلمين وإن كانوا قلة في بعض الأحيان فهم أقوياء بالمدد السماوي، قال تعالى[أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا]( ).
الثالث: إجتناب المسلمين مجتمعين ومتفرقين للربا، وحرصهم على التنزه عن أكل المال الربوي، وترى في كل مجتمع وأهل ملة فعلاً متعارفاً بينهم، يميلون إليه، ويفعلونه بشوق ورضا، ومن الصعب منعهم منه، ويعرف أهل الأرض جميعاً إختصاص المسلمين بالإمتناع عن الربا، وهو تركة عقائدية متوارثة، ويدرك كل مسلم ومسلمة أن هذا الإمتناع واجب تعييني مصاحب للمسلمين في الحياة الدنيا.
لتكون هذه المعرفة على وجوه:
الأول: إنها حجة على أهل الكتاب لأن المسلمين هم الذين حفظوا ميراث الأنبياء في ترك الربا.
الثاني: فيها شاهد على صبر المسلمين في جنب الله، وثباتهم في تعاهد أحكام التنزيل، قال تعالى[وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ]( ).
الثالث: تلك المعرفة من عمومات رحمة الله بالناس جميعاً ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن يعمل المسلمون بأحكام الشريعة التي جاء بها، ويطّلع الناس على عملهم، ليقتبسوا منهم السنن الرشيدة.
الرابع: لقد أنعم الله عز وجل على المسلمين والمسلمات وجعلهم[خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( )،
وفيه بلحاظ معرفة أهل الأرض لإمتناع المسلمين عن الربا مسائل:
الأولى: الملازمة بين مرتبة خير أمة وبين الإمتناع عن الربا.
الثانية: ترك الربا خير محض، وموضوع للصلاح.
الثالثة: التداخل والتقارب بين الناس مع إختلاف مللهم ومذاهبهم، ومن وجوه تسمية الإنسان أن يأنس بغيره(والأَنَسُ خلاف الوَحْشَةِ)( ).
الرابعة: بيان وجه من وجوه خروج المسلمين للناس، وهو معرفة الناس لتنزه المسلمين عن الربا، وأن هذا التنزه طاعة لله عز وجل.
الخامسة: إمتناع المسلمين عن أكل الربا دعوة للناس لدخول الإسلام، فمن الآيات في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن تكون أفعال المسلمين في العبادات والمعاملات وسيلة لجذب الناس للإيمان، ليكون القرآن مدداً متصلاً وعوناً للمسلمين في الهداية فيتقيد المسلمون بأحكام آية الربا فيرغب الناس في الإسلام، ويدركون أنه دين العدل والإنصاف.
السادسة: يخرج المسلمون بما يدفع ضرر الناس عنهم، وهو من أسرار حفظ ملة التوحيد وآيات القرآن إلى يوم القيامة، وعمومات قوله تعالى [لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى]( )، ولا يأتي هذا الدفع بالمداراة والمهادنة، بل بالبيان والتقيد بأحكام القرآن، وإتخاذ آيات مدداً وعوناً , وهو من فضل الله عز وجل.
نعم التقية وتعاهد الأمن والسلامة في البدن والعرض والمال من مصاديق خروج المسلمين للناس، إذ جاء القرآن بنهي المسلمين عن إتخاذ الكفار أولياء، وحذّر من الإلتجاء إليهم، وإتخاذهم بطانة ووليجة، وإظهار المحبة والود لهم من دون المؤمنين، إلا مع التقية، قال تعالى[إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً]( ).
كما لو كان الظهور والحكم للكفار، فيبدي المؤمن موافقتهم، ويحسن العشرة معهم، ليكون كل من إجتناب ولاية الكفار، وإستثناء حال التقية من خروج المسلمين للناس.
وهل يجوز أكل الربا تقية من الكفار عندما يكون المسلم بين ظهرانيهم.
الجواب لا من وجوه:
الأول: ترك الربا خارجة عن مورد التقية بالتخصيص خصوصاً وأنه أمر يتعلق بالأسواق والمعاملات التي تتصف بالسعة وكثرة طرق الكسب، وجلب أسباب المعاشر.
الثاني: من الإعجاز في قوله تعالى(أضعافاً مضاعفة) أي على المسلم أن يترك الأضعاف والأرباح الطائلة التي تأتي من الربا في زمان ومحل التقية من الكفار.
الثالث: الغاية الحميدة من التقية هي السلامة في الدنيا، وترك الربا نجاة وفوز في الدنيا والدين، أي أن منافع ترك الربا في الدنيا وحدها أكثر من ذات التقية.
الرابع:حرمة الربا مطلقة[وَحَرَّمَ الرِّبَا]( )، وليس في القرآن أو السنة النبوية إستثناء من هذه الحرمة.
الخامس: جاء قوله تعالى(لا تأكلوا الربا) بلغة الإطلاق الخالي من التقييد، والعموم السالم من التخصيص بحال التقية أو الضرورة، وبين التقية والضرورة عموم وخصوص مطلق.
فالتقية فرد ومصداق من مصاديق الضرورة ، لذا فهي أمر متزلزل غير ثابت , ولا تتغشى جميع أفعال المسلم، فكما أن الضرورة تكون بقدرها، فكذا التقية تكون بقدرها زماناً ومكاناً وموضوعاً، وأحكام الربا خارجة عنها.
ويستطيع المسلم إختيار كسب وعمل ليس فيه ربا حتى في أيام التقية.
ولو إجتمعت التقية والضرورة على المسلم في باب الربا، فإن المال الذي يدفعه يكون كالمغصوب.
السادس: ورد ذكر التقية في الآية أعلاه من سورة آل عمران إستثناء من موضوع نصرة ومودة وإعانة الكفار واللجوء إليهم، وليس هي في باب المكاسب.
قانون”محاربة الفساد في الأرض،،
من بديع صنع الله التباين في ماهية الخلائق وأجناس العوالم، فقد جعل الله عز وجل الملائكة عقلاً بلا شهوة، وجعل الإنسان مركباً في سنخيته من عقل وشهوة، والحيوان شهوة محضة.
وهذا التباين من أسباب إحتجاج الملائكة على جعل الإنسان خليفة في الأرض كما ورد في التنزيل[أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ] ( ).
ليكون هذا الإحتجاج توسلاً إلى الله عز وجل، وتضرعاً ليكون الخليفة خالياً من الشهوة، وكأن الملائكة قالوا إجعل الخليفة مثلنا عقلاً بلا شهوة، ليعيش الناس جميعاً سعداء في الدنيا بالتقوى، ويفوزوا بدخول الجنة التي يتنعم الملائكة بالسكن والإقامة الدائمة فيها،
لذا يمكن أن تكون الواو في الآية أعلاه حالية لبيان خشوعهم لله، وحسن سمتهم وعبادتهم، نعم يسألون الله أن يكون الخليفة في الأرض مثلهم في العبادة والطاعة لله عز وجل، ويستدلون بحسن حالهم للثناء على الله وأنه سبحانه قادر على جعل الناس جميعاً مصلحين، والأرض مثل السماء في السلامة والتنزه من الفساد.
إن شوق الملائكة لصلاح الناس من مفاهيم خلقهم عقلاً بلا شهوة، ليكونوا دعاة لرحمة الله بالناس جميعاً،
فان قلت إذا كان هذا المعنى المستحدث لإحتجاج الملائكة فلماذا لم يستجب لهم الله عز وجل، والجواب قد إستجاب لهم الله عز وجل بقوله تعالى[إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( )، وما فيه من البشارة بالصلاح والعدالة في الأرض، وبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لهداية الناس إلى الإسلام والثواب العظيم للمسلمين.
وتفضل الله وفتح باب التوبة للناس جميعاً، وجعلها مصاحبة للإنسان في جميع آنات حياته، لا تغادره إلا أن يغادر هو الدنيا قهراً، ويعّرف الموت بانه إنفصال الروح عن الجسد، ليكون من معانيه وفق لغة المجاز والإستعارة أيضاً إنفصال التوبة عن الإنسان.
ومن أفراد الرحمة والرأفة الإلهية خلق الإنسان، ومصاديق قوله تعالى أعلاه أن التوبة مصاحبة للإنسان مع هبوطه للأرض، قال تعالى[فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ] ( ).
وهل تشمل التوبة من الله عز وجل تعالى المعاملة الربوية، وأكل الربا بالذات أو بالواسطة أي بأن يقوم ذات الشخص بالعقد الربوي وقبض الفائدة الربوية ويوظفها في منافعه، أو أنه يأكل ويعمل عند المرُبي.
الجواب نعم فليس من قيد أو حد لتوبة الله على عباده، والتوبة من رحمة الله عز وجل بالعباد التي هي أعم موضوعاً وحكماً.
وورد عن الإمام علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (لما أرى اللّه تعالى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض أشرف على رجل على معصية من معاصي اللّه فدعا اللّه عليه فهلك.
ثم أشرف على آخر فدعا اللّه عليه فهلك.
ثم أشرف على آخر فلما أراد أن يدعو عليه أوحى اللّه عز وجل إليه أن يا إبراهيم إنك رجل مستجاب الدعوة فلا تدعونّ على عبادي فإنهم مني على ثلاث خصال.
إما أن يتوب إليّ فأتوب عليه.
وإما أن أُخرج منه نسمة تسبّح.
وإما أن (يعود) إلي فإن شئت عفوت عنه وإن شئت عاقبته( ).
وليس من حصر للأسباب التي تفضل الله عز وجل بها لمنع الإنسان من الفساد في الأرض، وإشاعة القتل ترى أيهما أقدم من الآخر:
الأول:الفساد.
الثاني:محاربة الفساد.
الجواب هو الثاني، وتلك آية من رحمة الله بالناس جميعاً وحجة عليهم، وتتجلى محاربة الفساد في المقام بأمور منها:
الأول: إحتجاج الملائكة أعلاه، وما فيه من معاني هداية الناس إلى الصلاح وإستئصال الفساد.
الثاني: تفضل الله عز وجل بتعليم آدم الأسماء كلها، ليكون هذا العلم إحترازاً من الفساد.
الأمر الثالث:سكن آدم وحواء في الجنة في بداية خلقهما لتلقي دروس الصلاح والتقوى من الملائكة، ومن الآيات أن هذا التلقي ليس فردياً وخاصاً بآدم عليه السلام بل كانت معه زوجة لتكون شاهداً آخر، وسبباً في تأديب أبنائها وأحفادها في سبل الصلاح والتقوى، قال تعالى[يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ] ( ).
فان قلت قد قام قابيل ابن آدم الصلبي بقتل أخيه هابيل، والجواب من وجوه:
الأول: إن أسباب الهداية تعم أبناء آدم وحواء الآخرين.
الثاني: مواجهة هابيل للوعيد بقتله بأمور:
الأول: إمتناع هابيل عن الرد على مقدمات القتل بمثلها , وفي التنزيل[لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ]( ).
الثاني: التقيد بالتقوى والخشية من الله.
الثالث: إعلان الإقرار بالآخرة وعالم الثواب.
الرابع:إنذار قابيل بسوء عاقبة القتل بغير حق، ليكون في واقعة قتل ابن آدم لأخيه ومقدمات القتل مصداقاً لأمرين:
الأول:إحتجاج الملائكة بجعل خليفة في الأرض كما ورد في التنزيل[أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ]( ).
الثاني: رد الله عز وجل على الملائكة بقوله سبحانه[إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ).
فقد حدث القتل، وتجلّى علم الله عز وجل في المقام بأمور:
الأول:حسن سمت هابيل.
الثاني: تقرب هابيل إلى الله بخير غنمه زبدا و لبنا( )، وكان صاحب ماشية.
الثالث:تنزه هابيل عن رد التعدي بمثله.
الرابع:إظهار هابيل معاني التقوى والخشية من الله.
الخامس:عدم إنقطاع النسل بالقتل.
السادس: ظهور الندم على قابيل بعد قتله هابيل، وفيه سر من أسرار نفخ الروح في آدم، بأن روح التعدي والقتل لا تستمر في ذات الإنسان، وكذا بالنسبة للفساد وأكل الربا، فان اللوم الذاتي يصاحب النفس الإنسانية من أجل التوبة والكف عنه.
وجاءت آية البحث زاجراً سماوياً عن الربا والفساد مطلقاً، وبياناً لحقيقة وهي لزوم ترك الفساد والربا خاصة , وان كانت فيه أرباح دنيوية عاجلة لأمور:
الأول:القبح الذاتي للربا.
الثاني:مجئ ذات الأضعاف المضاعفة من الأموال , ولكن من طرق الكسب الحلال وقد جعل الله عز وجل أسباب الرزق غير محدودة من طرف الكثرة.
الثالث:الثواب العظيم في ترك الربا، لذا أختتمت آية البحث بقوله تعالى[لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ].
الرابع:الأضرار الشخصية والعامة المترتبة على الربا ,( وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: إذا ظهر الزنا والربا في قرية ، فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله( ).
وهل المراد في الحديث أعلاه الجمع بين الزنا والربا أم يتحقق البلاء والعذاب بواحد منهما، الجواب هو الأول من وجوه:
الأول: إفادة الواو الجمع.
الثاني: يمكن تأسيس قانون وهو لو دار الأمر بين أمرين , فالراجح هو ما يكون فيه رحمة الله على نحو الإطلاق، أي سواء رحمته بالمؤمنين خاصة أم أنها شاملة للناس جميعاً، قال تعالى[إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ]( ).
الثالث:بيان حقيقة وهي إقامة الحجة على الناس عند تعدد الآثام والمعاصي في آن واحد.
الرابع:في إتحاد المعصية وإجتناب غيرها باب للإمهال، قال تعالى[وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ]( ). ومن فضل الله في الإمهال إجتماع التدارك والتوبة والمناجاة بين الناس بالصلاح .
وبين الفساد والقتل عموم وخصوص مطلق، لأن القتل من أظهر مصاديق الفساد بين بني آدم ، ليكون قوله تعالى[أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ]( )، من عطف الخاص على العام، ولبيان شدة قبح القتل، بلحاظ أن الفساد من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة، شدة وضعفاً , وحتى سفك الدماء فهو أعم من القتل و(السَّفْك الإراقة والإجراء لكل مائع) ( )،
وأيهما أقدم في الأرض الفساد أم القتل، ظاهر الآية الكريمة أعلاه هو الفساد إلا مع القرينة الصارفة كما في قتل قابيل، ووردت بعض النصوص التي تفيد حصول التعدي والفساد من قابيل قبل القتل , ففي تفسير قوله تعالى[إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ]( )، أي : إني لا أبدؤك بالقتل ولأني أريد أن ترجع بإثم قتلي إن قتلتني , وإثمك الذي كان منك قبل قتلي)( ).
وورد في التنزيل حكاية عنه [إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ] ( ).
الثالث: ظهور معاني الحسرة والأسى على هابيل بعد القتل، قال تعالى[فَأَصْبَحَ مِنْ النَّادِمِينَ] ( )، وهذا الندم من عمومات قوله تعالى [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) بلحاظ مسائل:
الأولى: إنه أثر حال مترتب على الفعل القبيح.
الثانية: إنه مقدمة لتوقي الناس لسفك الدماء وإجتنابهم القتل بغير حق، والسعيد من إتعظ بغيره.
الثالثة: بعث الفزع والخوف في القلوب من عقوبة القتل.
الرابعة: بيان فضل الله عز وجل على الناس في إنزجارهم من القتل بكثرة الأنبياء والكتب السماوية النازلة عليهم , وإلا فإن ولدي آدم إثنان، وقام أحدهما بقتل الآخر، فأنعم الله عز وجل على الناس وجعلهم يتراحمون فيما بينهم.
الرابع: كان قتل هابيل درساً لأولاد آدم وأحفاده، ولم يذكر في التنزيل حدوث قتل آخر بينهم.
الخامس: هذا القتل موعظة للأجيال المتعاقبة من بني آدم، قال تعالى[مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا] ( ).
السادس: نزول القرآن بأحكام القصاص، وإتصافها بالثبات والبقاء في الأرض إلى يوم القيامة، قال تعالى[وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ]( ).
فان قلت أحكام القصاص شبه معطلة في شطر من البلاد الإسلامية، والجواب من جهات:
الأولى: الآية أعلاه باقية إلى يوم القيامة، وهي أصل الحكم.
الثانية: قد مرت أكثر من ألف وأربعمائة سنة على نزول هذه الآية، وكان العمل بأحكام الآية أعلاه مستغرقاً لجميع البلاد الإسلامية.
الثالثة: آية القصاص دعوة متجددة للمسلمين وأولي الأمر ورجال القضاء وأرباب التشريع للعمل بمضامينها.
الرابعة: تتجلى في الحوادث والوقائع الحاجة إلى آية القصاص، ليكون إدراك المسلمين والناس للزوم العمل بأحكامها على وجوه:
الأول: إنه إعجاز إضافي للقرآن.
الثاني: فيه حجة على صدق نزول القرآن من عند الله.
الثالث: إنه من عمومات قوله تعالى[سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ] ( )، بتقريب وهو حضور الحكم الشرعي عند الهمّ بالجناية مما يؤدي إلى الصدود عنها.
الرابع: من رحمة الله عز وجل بالناس تجدد البراهين التي تذّكر الناس بالوظائف العبادية.
وإذ يتمادى الظالمون وأتباع النفس الغضبية والشهوية في القتل مع إنعدام الزاجر والعقاب التأديبي القاطع , ويترددون بالبطش بالناس عند العلم بالقصاص، تأتي الحوادث التي تجري في اليوم والليلة مدداً للمسلمين في ثباتهم في منازل الإيمان.
فان قلت من تلك الحوادث ما يكون نتيجة للظلم والتعدي.
والجواب نعم، فان تلك النتائج تبين قبح الظلم، ولزوم إجتنابه وتدعو الناس إلى الصلاح والتوبة، وهو من أسرار الخلافة في الأرض وعمومات قوله تعالى[إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ).
الخامسة: تلاوة المسلمين لآية القصاص دائمة ومتصلة إلى يوم القيامة، وفي الصلاة وخارجها وهو أمر يبعث الفزع والخوف من القصاص، ويجعل الناس يدركون القبح الذاتي والعرضي للقتل وسفك الدماء.
السادسة: في القصاص تذكير بعالم الآخرة، وعالم الجزاء والثواب.
ترى هل من صلة بين حكم القصاص وحرمة الربا، الجواب نعم، وبينهما عموم وخصوص من وجه.
فمادة الإلتقاء من جهات:
الأولى: كل منهما حكم شرعي نازل من السماء.
الثانية: إستدامة عمل المسلمين بأحكام القصاص.
الثالثة: بيات قانون دائم في الوظائف اليومية , وهو التعدد في الإمتثال في الواجبات والنواهي وإجتناب الربا، وهو من خصائص[خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( ).
الرابعة: كل منهما حرب على الفساد، وواقية منه.
الخامسة: الثناء والمدح على كل من العامل بالقصاص والمجتنب للربا.
السادسة: الأجر والثواب على كل منهما.
أما مادة الإفتراق فهي من جهات:
الأولى: القصاص فعل، وحرمة الربا ترك وإمتناع.
الثاني: نسبة الخصوص والعموم بينهما في التكليف، فتنفيذ القصاص خاص بالحاكم وأولي الأمر، أما إجتناب الربا فهو عام شامل لكل المسلمين، نعم جاء الخطاب بالحكم بالقصاص عام للمسلمين والمسلمات بدليل قوله تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى] ( )،
والخطاب أعم من التقييد والحصر، وفي لغة العموم في الخطاب القرآني أعلاه مسائل:
الأولى: بعث المسلمين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في باب القصاص.
الثانية: لزوم عدم تعطيل أحكام وسنن القصاص.
الثالثة: بيان الأضرار التي تترتب على الإعراض عنه وإختيار العمل بالأحكام الوضعية المخالفة له.
الرابعة: حصانة حكم القصاص في زمن العولمة من الدعوات لوقف الإعدام، فعلى علماء ورجال القانون والإعلام المسلمين مسؤولية بيان المائز بين القصاص وحكم الإعدام، وبينهما عموم وخصوص مطلق، ويهدي القرآن المسلمين لهذا البيان بذكر حقيقة وهي أن القصاص ذاته حياة وحرب على القتل.
الثالث: يتعلق القصاص بالجنايات، أما حرمة الربا فهي خاصة بالمكاسب والمعاملات.
وإذا كان في القصاص حياة للمسلمين، وإستدامة للعز والرفعة، فهل ذات الأمر في ترك الربا.
الجواب نعم، مع التباين في الرتبة والأثر , ففي ترك الربا أمور:
الأول: إنه سبب لدوام الحياة الكريمة للمسلمين.
الثاني: إنه موضوع للسعادة للأمن والسلامة من الظلم والتعدي.
الثالث: تجدد معاني الأخوة بين المسلمين.
الرابع: فيه شاهد على أهلية لوراثة المسلمين الأرض بالصلاح والتقوى، قال تعالى[أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ]( ).
ترك الربا ترغيب بالإسلام
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا (دار الهداية) ففي كل آن ومكان ومناسبة آيات تدعو الناس إلى التسليم بالربوبية لله عز وجل، وهذه الآيات والدلالات على وجوه:
الأول: التي تكون نوعية عامة، كالآيات الكونية الثابتة، والدائمة المتجددة كالشمس والقمر والليل والنهار , قال تعالى[وَسَخَّرَ لَكُمْ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمْ الأَنهَارَ]( ).
الثاني: ما تكون على نحو قضية عين شخصية، فيلتفت الإنسان دفعة إلى الآيات والدلالات الباهرات التي تبعث على لزوم عبادة الله، وتجذبه إلى الصلاح والتقوى.
الثالث: الآيات الحسية للأنبياء كسفينة نوح، وعصا موسى، ومنها ناقة صالح عليه السلام,
ومن الإعجاز بخصوص هذه الناقة مسائل:
الأولى: ورد لفظ الناقة في القرآن سبع مرات، كلها في معجزة نبي الله صالح عليه السلام .
ولم يرد لفظ الجمل في القرآن إلا مرة واحدة في الكفار الذين جحدوا بآيات الله [ِ وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ]( )، وأختلف في لفظ الجمل في الآية، وهل المراد البعير أم الحبل الغليظ، والمشهور هو الأول، أي حتى يدخل البعير في ثقب الأبرة لبعث اليأس في قلوب الكفار كما تقول العرب في معنى التبعيد والإستحالة: حتى يشيب الغراب و حتى يبيض القار قال الشاعر :
إذا شاب الغراب أتيت أهلي
و صار القار كاللبن الحليب)( )،
ودعوتهم للتدارك والإنابة(وسئل عبد الله بن مسعود عن الجمل (فقال هو زوج الناقة)( )، للتعريض بالسائل, بإعتبار أن الجمل معروف للجميع ,ولعل فيه رد وإستهزاء بالذين يقولون أن المراد من الآية هو الحبل .
الثانية: لم يرد في القرآن لفظ(ناقة صالح) ونسبتها لفظاً إلى صالح عليه السلام نعم تدل الآيات على أنها معجزته[وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ]( )، وفي نسبة مجيء الناقة إلى الله عز وجل مسائل:
الأولى: إنها حجة بالغة.
الثانية: فيها دعوة إضافية للإتعاظ والإعتبار.
الثالثة: فيها تحذير من العذاب الذي يتعقب الإصرار على الكفر والجحود.
الرابعة: دعوة الناس إلى التصديق بالمعجزات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم, ومن فضل الله عز وجل أنها كثيرة ومتعددة، وكل آية من القرآن معجزة مستقلة، ومعجزة بإنضمامها إلى غيرها من الآيات.
الثالثة: جاءت نسبة الناقة إلى مقام الربوبية ثلاث مرات في القرآن، وكلها على لسان صالح عليه السلام وبلغة الإنذار والتخويف والوعيد[فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا]( ).
الرابع: إتصاف معجزة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالإستدامة والتجدد لأن القرآن معجزة عقلية لا تنقطع حججها.
ومن اللطف الإلهي بالناس أنه سبحانه لم يتركهم وشأنهم بعد أن تفضل بخلقهم، ولم يجعل أهل الكفر والجحود يستحوذون على الحكم والسلطنة ومقاليد الأمور لمدة مديدة، بل بعث الأنبياء وأنزل الكتب السماوية، وفي قصة دخول موسى عليه السلام بآية العصا على فرعون آية تفضح الجبابرة، وتخزي الطغاة.
وهذا اللطف من عمومات قوله تعالى[وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ]( )، لتكون كل آية كونية وتشريعية على وجوه:
الأول: تقريب الناس للهداية والإيمان.
الثاني: إنها مقدمة وسبب لإصلاح الناس لعبادة الله عز وجل.
الثالث: كل آية مناسبة لتلقي أحكام النبوة بالقبول، وإن كانت تلك الأحكام من الآيات أيضاً،
فمن أسرار آيات الله أمور:
الأول: يدل ويرشد بعضها إلى بعضها الآخر.
الثاني:كل آية عون للأخرى في البعث على التدبر في مضامينها، والإمتثال لأحكامها.
الثالث: الآية القرآنية سبب لإظهار علوم الآية الأخرى، وبيان لها، وحجة لتوكيد مضامينها القدسية.
وتتضمن كل آية من الله التحدي للناس والخلائق بالعجز عن الإتيان بمثلها، ومنها آيات القرآن مع أنها من جنس الكلام، قال تعالى[أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ]( ).
وتنحل الآية القرآنية إلى آيات متعددة في ألفاظها، أما معانيها ودلالاتها والمسائل المستنبطة منها بالذات والأثر، والصلة مع الآيات القرآنية الأخرى المجاورة لها وغيرها فهي من اللامتناهي.
ولا يعلم منافع آية البحث كماً وكيفاً إلا الله عز وجل ، وفيه مسائل:
الأولى: إنه دعوة للعلماء والمحققين للغوص في كنوز آية البحث، والعلوم التي تستقرأ منها.
الثانية: تجلي ما يترشح عن الآية من النظم الإقتصادية ومفاتيح الصلاح للبر والفاجر .
الثالثة: إعانة الناس على عبادة الله وتقريبهم إلى الهدى من جهات:
الجهة الأولى: إبتدأت الآية بخطاب التشريف والإكرام[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] وفيه أمران:
الأول: المنطوق ودلالته على تثبيت المسلمين في منازل الإيمان، قال تعالى[قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا] ( ).
وبلحاظ الآية السابقة للآية أعلاه والتي تتعلق بالنسخ في القرآن قيل أن المراد من الضمير في(نزّله) الناسخ( )، ولكن الآية أعم والمراد نزول القرآن وآياته مطلقاً، إذ أن الناسخ والمنسوخ في القرآن كله من الحجج والبراهين والقرآن يفسر بعضه بعضاً، قال تعالى[نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ]( )، والمراد من الهاء في(نزل به) هو القرآن.
الثاني: المفهوم، وفيه ذم لغير المؤمنين لتخلفهم عن الواجب الشخصي والنوعي بلزوم التصديق بالنبوة والتنزيل، وهذا الذم من عمومات الرحمة بالناس عموماً في الحياة الدنيا، إذ أنه إنذار ودعوة للتنزه من الكفر.
والتقسيم إلى المنطوق والمفهوم تقسيم إستقرائي، ولا يعني البينونة والفصل بينهما في الموضوع والأثر، بل يتوجهان مجتمعين ومتفرقين إلى ذات الأشخاص وعامة الناس، في أمور:
الأول:إتحاذ الموضوع.
الثاني: تهذيب النفوس.
الثالث: بعث الصلاح في الأرض، قال الله تعالى في وصف القرآن ونعمته وفضله تعالى في تنزيله[يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ] ( ).
وفي خطاب التشريف بصفة الإيمان في منطوقه مسائل:
الأولى: إنه جزاء عاجل للمسلم.
الثانية: فيه ترغيب لغير المسلم بدخول الإسلام.
الثالثة: إنه بيان لقانون ثابت وهو أن الثناء والبشارة بالثواب ملازمان للمسلم في الدنيا، قال تعالى[إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ]( ).
الرابعة: في هذا الخطاب تذكير للمسلم والكافر بعالم الآخرة، والحاجة إلى الإيمان فصحيح أن الخطاب متوجه للمسلمين والمسلمات على نحو التعيين إلا أن منافعه للناس عامة , وهو من خصائص نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعموم رحمة الله فيها.
لقد أراد الله عز وجل للمسلمين بترك الربا أموراً:
الأول:إصطناع المعروف.
الثاني: بعث المسلمين على الإحسان.
الثالث: إعانة الغني للفقير.
الرابع: إخراج الزكاة والواجبات المالية، وجاء في الثناء على المسلمين قوله تعالى[وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ] ( ).
الخامس: إشاعة القرض.
السادس: الإستعداد لإمهال المعسر , وفيه مسائل:
الأولى: إدراك فلسفة هذا الإمهال.
الثانية: ما فيه الإمهال والإنطار من الثواب العظيم.
الثالثة: فيه ترغيب للناس بالإسلام لأنه من مصاديق التراحم ومفاهيم الرأفة.
الرابع: إمتلاء نفوس المسلمين بالفخر والرضا والعز لأنهم مسلمون، وهو من عمومات قوله تعالى[وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ] ( ).
السابع: إنه من مصاديق الصبر والحلم لإحتمال حلول الأجل وعدم وصول المال إلى صاحبه، وعجزه عن الإنتفاع منه، قال تعالى[وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ] ( ).
الجهة الثانية:تعقب النهي عن الربا لخطاب التشريف، وفيه إعانة للمسلمين لإجتناب الربا وما فيه من الإغراء بكسب الأموال والأضعاف المضاعفة بالزيادة الربوية، وهذا الإجتناب تنمية لملكة العفة عند المسلمين، وفيه أمور:
الأول: تأسيس قانون جديد في الأرض يتقوم بالتنزه عن الأموال الطائلة التي جاء التنزيل بحرمتها.
الثاني: تعاهد المسلمين للتنزيل مطلقاً، فاذا كانوا يحفظون باللفظ والتلاوة والتأويل والعمل الآية القرآنية التي تحجب عنهم الأضعاف المضاعفة من الأموال، فمن باب الأولوية القطعية أنهم يحفظون آيات القرآن الأخرى التي تتضمن الأوامر والوعد الكريم والبشارة، والتي هي حجة على غيرهم من أهل الملل والنحل.
الثالث: إقبال الدنيا على المسلمين، ومجيء الأموال والغنائم والخزائن لهم بحيث أنهم يختارون منها ما هو حلال،ويتركون ما هو حرام.
الرابع:موضوعية سلامة الدين في منهاج وأفعال المسلمين إذ يتنزهون كأمة وأفراد عن الربا لما فيه من الإثم والعقاب الأخروي.
الخامس: تأكيد عملي لحقيقة وهي أن الإيمان عهد كريم يتقوم بالتقيد بالإمتثال للأوامر الإلهية وترك ما نهى الله عنه، فتتبدد مفاهيم الكفر، وتزاح عن مقامات الحكم والسلطنة وينكشف للناس زيف تلك المفاهيم، وهذا الإنكشاف من بديع صنع الله في خلق الإنسان، وعمومات قوله تعالى[عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ]( )، بلحاظ أمور:
الأول: تجدد مصاديق العلم.
الثاني:العلم واقية من المعاصي والذنوب،
وورد عن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ أَيَّامٌ يُرْفَعُ فِيهَا الْعِلْمُ , وَيَنْزِلُ فِيهِنَّ الْجَهْلُ , وَيَظْهَرُ فِيهِنَّ الْهَرْجُ وَالْهَرْجُ الْقَتْلُ( ).
الثالث:بالعلم يعرف الإنسان المصالح المصاحبة للأوامر، والمفاسد المترشحة عن المعصية، ومنها أكل الربا.
وهل يكون الكفار الذين يأكلون الربا موعظة للمسلمين يعلمون من خلالهم أضرار اللربا.
الجواب لا من وجوه:
الأول: إن المسلمين لا يحتاجون صيرورة أخوة لهم في الإنسانية عرضة للفساد.
الثاني: يعلم المسلمون أضرار الربا وإن لم يزاوله أحد من الناس.
الثالث: أخرج الله المسلمين للناس بالهدى، وهو موافق للفطرة وليس العكس، أي لم يخرج الناس للمسلمين بالمعصية،
وقد أخبر القرآن عن حال المرابي بقوله تعالى[لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ]( ).
ومن خصائص المسلمين أنهم يرجون الخير للناس جميعاً، وأسمى مصاديق الخير هو الإيمان، والفوز بتلقي الخطاب السماوي[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا].
والأصل في جهة هذا الخطاب التوجه لعموم الناس، بلحاظ أن الإيمان واجب على كل مكلف، وفيه وجوه:
الأول: إنه علة خلق الناس جميعاً.
الثاني: الإيمان مادة الحياة.
الثالث: عمارة الأرض بالعبادة سبب إستدامة النعم والعبادة هي المصداق الخارجي للإيمان.
الرابع: الإيمان هو الأمن والسلامة في الدنيا والآخرة، قال تعالى[الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ] ( )، وهل يمكن القول:
الجهة الثالثة: النهي عن أسباب الفساد، بلحاظ أن آثار الربا ضارة بالغرر والأسرة والجماعة.
لقد جاءت أحكام الإسلام لتأسيس نظام أسرة مثالي يتصف بالغبطة والسعادة، وتنتفي عنها أسباب الكدورة والغضاضة بسبب معاملات ظالمة.
فمن الإعجاز في النهي عن الربا أمور:
الأول: تحذير أسر وعوائل أصحاب الأموال من الأكل من المال الربوي.
الثاني: سلامة عوائل المحتاجين المستضعفين.
الثالث: تحذير الناس من العمل عند المربي، والإشارة إلى ما يتصف به العمل عنده من الكراهة من وجوه:
الأول: أصل العمل الربوي منهي عنه.
الثاني: إنتفاء المهنأ في الكسب من الربا لمجيء النهي عنه.
الثالث: ترتب الوزر والإثم على العمل في الربا، وهذا الإعجاز والبيان من وجوه:
الأول: من عمومات رحمة الله بالناس جميعاً، الغني والفقير والكبير والصغير، والذكر والأثنى.
الثاني: فيه شاهد على إصلاح الأسر والنظم الإجتماعية ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث: إنه مناسبة وسبب لإزاحة لأسباب الظلم عنهم.
الرابع: فيه دعوة لهم للشكر لله عز وجل، إذ أن الأرباح الربوية جاثوم يخيم على الأسرة في الليل والنهار، وقد يترجل بانفعال وأزمات داخل الأسرة، وصدور لوم بين أفرادها على التورط في المعاملة الربوية
الخامس : فيه بلاغ للناس، وحجة لإنقاذهم من الظلم والإضرار بالذات قال تعالى[وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ]( ).
فجاءت آية البحث لتسود معاني المودة والرأفة بين أفراد الأسرة، قال تعالى في خطاب للزوجين[وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً] ( )، وفيه مسائل:
الأولى: إنه إعجاز في بديع صنع الله.
الثانية: الإخبار بأن حصول المودة المستحدثة بين الزوجين هي من عند الله عز وجل،
وعن الحسن البصري:المودة كناية عن الجماع والرحمة عن الولد) ( ).
وهذا التقييد غريب، وفيه إشكال من وجوه:
الأول: الآية أعم في معانيها والمقاصد السامية منها.
الثاني: الأصل حمل الكلام العربي على معناه الظاهري إلا مع القرينة الصارفة لغيره ولا دليل عليه أو على التخصيص.
الثالث: في الآية دلالات إعجازية تدل على فضل الله المستحدث الذي يأتي مع الزواج لتعاهد وجود الناس في الحياة الدنيا , ولما في المودة والرحمة بين الزوجين من منافع منها :
الأولى : إنها سبب للولد،
الثانية : هي باعث للشوق للإنجاب.
الثالثة : إنها وسيلة ووعاء لإصلاح الولد وحسن تأديبه.
إن اللطف الإلهي بالعناية بإستدامة الحياة مناسبة وآلة لعبادة الله وذكره، وهو من عمومات قوله تعالى[وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ]( )،
بلحاظ أن مضامين الآية أعلاه متجددة في خلق وإيجاد كل جيل وطبقة من الناس، ولا ينحصر موضوعها بخلق آدم وحواء، وتدل عليه صيغة الجمع (الإنس).
الرابع: قد ذكر لفظ المودة ثمان مرات في القرآن، منها قوله تعالى[قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى]( ).
وورد لفظ(الإنس) ثمان عشرة مرة في القرآن، وتتجلى فيها معاني الحجة من الله على الناس، ولزوم إنقيادهم لأحكام النبوة.
وفي النهي عن الربا إستئصال لموضوع وأحكام من الفساد، وحرز من التعدي والظلم.
فان قلت إن الربا أمر متعارف عند أمم أخرى.
والجواب إن الربا قبيح بالذات، وتئن وتعاني تلك الأمم من آثار وأضرار الربا، وستتجلى معاني الإستجارة منها في هذا الزمان زمان تقارب الحضارات وتداخل الأمصار، وتلاقح المبادئ والمفاهيم، وسيدرك الناس عموماً أسباب الصلاح والوقاية ومفاتيح النجاح التي إنتزعها المسلمون من الإمتناع عن الربا.
الجهة الرابعة:الأمر بالخشية من الله (واتقوا الله) لأن التقوى بذاتها صلاح، وهي سبيل للهداية والصلاح، وإحتج الملائكة على جعل الإنسان خليفة في الأرض[أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ]( ).
وجاء الرد من الله عز وجل بأن الله عز وجل هو الذي يعلم ما لا يعلمه الملائكة، فهو سبحانه يأمر الناس بالتقوى، وجعل المسلمين أمة تتقيد بأحكام التقوى، ويلازمها الخوف من الله في العبادات والمعاملات، فتعمر الأرض بذكر الله، وتزيح عنها مفاهيم الفساد، ومنها أكل الربا.
ترى لماذا لم يُكره الله الناس على التقوى.
والجواب، إن الدنيا دار الإبتلاء والإمتحان، وجعل الله عز وجل(التقوى) موضوعاً للإمتحان والإختبار، وسبباً لجني الحسنات , والفوز بالثواب العظيم لمن يحرص على خشية الله، ويتجنب المعاصي وصيغ الفساد.
وهل في التقوى ترغيب في الإسلام، الجواب نعم، من وجوه:
الأول: التقوى خير محض.
الثاني: في التقوى نفع متجدد.
الثالث: التقوى باعث للسكينة في النفوس والمجتمعات وسبب لإستدامة الأخوة الإيمانية بين المسلمين، قال تعالى[وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى]( ).
الرابع: الخشية من الله مادة تصديقية للبشارة والوعد الكريم بالثواب العظيم في الآخرة , قال تعالى[وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ]( ).
الخامس: فلسفة التقوى أن منافعها لا تنحصر بأصحابها بل تشمل الناس جميعاً.
السادس: التقوى من أسباب إنتشار الإسلام والترغيب فيه، وكانت ولا تزال أكثر أثراً في الدعوة إلى الإسلام، ونشر مفاهيم الإيمان في الأرض.
ومن مصاديق الإعجاز في الأمر بتقوى الله متعقباً للنهي عن الربا أن الله يعلم بأن الحكم في أكثر الأمصار وبقاع الأرض لا يكون بأحكام الإسلام بحيث يعاقب آكل الربا سأقبل السلطان.
فجاء الأمر بتقوى الله في المقام لأمور:
الأول: بعث المكلفين على الإمتناع عن الربا طواعية وخشية من الله.
الثاني: جعل المسلمين والمسلمات ينفرون من الربا وعقده وآكله وان لم يكن هناك جزاء وعقاب عاجل لآكل الربا.
الثالث: تنمية ملكة العصمة من الربا عند المسلمين، وتوارثهم لها.
الرابع: حضور التقوى في الأسواق ضداً للفساد وحرباً عليه.
وهو من عمومات قوله تعالى[إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، بلحاظ أن الفرد الواحد من المؤمنين قادر على الإمتثال للأوامر الإلهية، ويتجنب ما نهى الله عز وجل من غير حاجة إلى حكم سلطان، لأن التقوى والخشية من الله واقية من السيئات والرذائل.
وروي عن ابن عباس وقتادة والربيع: أن من عامل بالربا استتابه الإمام فإن تاب و إلا قتله , وقال الإمام الصادق آكل الربا يؤدب بعد البينة فإن عاد أدب وإن عاد قتل( ).
الجهة الخامسة: إختتام الآية بالرجاء والأمل، وهذا الرجاء يتغشى حال الخلود، وعالم الآخرة، فقد يرجو الإنسان أمراً في مستقبل أيامه، وينشغل به، ويعمل الحيلة ويجتهد لتحقيقه، وحينما يناله قد يراه أقل مما كان يأمل، ويدرك أنه بذل وأنفق الكثير من أجله،
أما بالنسبة للأمل في السعادة الأخروية ورجاء الفوز بها فان العمر لو بذل كله من أجله فانه أكبر وأعظم ويستحق السعي والبذل، قال تعالى[إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ]( ).
بحث عرفاني
إبتدأت الآية بقوله تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] وفيه غاية الإكرام لبني آدم، لما في الآية من الشهادة من السماء للمسلمين فالله عز وجل يقول لهم أنتم الذين آمنتم بي، وهذا الخطاب وعد كريم من الله عز وجل لكل مسلم ومسلمة، وهو من عمومات قوله تعالى[وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( )، للدلالة على أن الدعوة للتصديق بنبوته وإتباع نبوته مفتوحة من الله عز وجل لكل الناس رجالاً ونساءًَ والفوز بالشهادة من الله عز وجل لهم بالإيمان به عز وجل إلهاً ورباً وخالقاً.
وإذ يخاف الناس وهم في الدنيا من أهوال الآخرة، وما فيها من مواطن الشدة، وأنواع الحساب، فإن المسلمين في أمن وسلامة بما يبعثه هذا الخطاب من السكينة وهو من عمومات قوله تعالى[إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ]( ).
وتلك آية في خلق الإنسان إذ يخبره الله عز وجل بأن بقاءه في الأرض إلى أجل معلوم لا يتعداه فهو بذاته معلوم عند الله، ويكون أوان أجل الانسان من الكلي المشكك الذي له حد من طرف الكثرة عند عموم الناس، فلا يبقى الإنسان أكثر من المتعارف في أعمار بني آدم، وليس للعمر حد من طرف القلة.
فيأتي الموت للمولود والرضيع والصبي والغلام والشاب والكهل والشيخ، ومع تقادم أيام الإنسان في الدنيا يبتلى بما يدل على قرب الأجل من علامات ذاتية كالشيب، وآفات كالمرض وضعف الحواس، وقلة الأكل ويقال:ذهب منه الأطيبان، أي الأكل والنكاح) ( ).
لتذكير الشباب بنعمة القدرة على الأكل والسلامة من أضراره ونعمة الباه، وبعثهم على الشكر لله عز وجل على النعم المتجددة المتصلة المتداخلة.
ليكون في الآية محل البحث إعجاز في قوله تعالى[لاَ تَأْكُلُوا] إذ يصاب الإنسان بقلة الرغبة في الأكل، والعجز عن أكل الطيبات والأنواع المتعددة من المأكول والمشروب.
فجاء النهي عن أكل الربا لبيان أن هذا الأكل مذموم وأمر مستغن عنه الإنسان أصلاً، وأن الحاجة إليه صارت قليلة كماً وكيفاً فلا تستوجب منه تعريض نفسه إلى المهالك في الآخرة قال تعالى[وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ]( ).
وسميت القيامة بالآزفة للإخبار عن قربها ودنو قيام الساعة، لبعث الناس على الإستعداد لها، وكل ما هو آت قريب وإن إختلفت العوالم، وعن ابن عباس: إذا أخذ في حسابهم لم يَقِلْ أهل الجنة إلاّ فيها ولا أهل النار إلاّ فيها( )،
والمراد الفراغ من حساب الناس وسط يوم القيامة فيقضي أهل الجنة القائلة وهي الظهيرة في الجنة، وأهل النار في النار، قال تعالى[أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً]( )،
وإلا فان كلا من الجنة والنار لانوم فيها، أما الجنة فان نعيمها دائم لأن:القيلولة عند العرب والمقيل:الإستراحة نصف النهار، إذا إشتد الحر وان لم يكن مع ذلك نوم) ( )،
أما بالنسبة لأهل النار فان عذابهم مستمر، وليس من إستراحة منه، وإستحضار هذا التباين في أحوال الفريقين زاجر عقائدي وأخلاقي عن الربا لنفرة النفس مما فيه الأذى القليل، فكيف بالعذاب المستديم، إلى جانب ما يبعثه الشوق إلى الجنة من الحصانة الذاتية في النفس من الربا وأرباحه، لتكون تلك(الأضعاف المضاعفة) قليلة ومعدومة الأثر بالنسبة للإقامة الدائمة في النعيم، وفيه دعوة للإنفاق في سبيل الله، وإعانة المؤمنين بالقرض.
وفي الحديث أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم:كان لا يقيل مالاً ولا يبيته) ( ).
أي أنه ينفق ما يأتيه في الصباح قبل أوان الزوال، وينفق مايأتيه مساء فلا يمسكه إلى الصباح، وهو من أخلاق النبوة، والأسوة الحسنة للمسلمين في عدم الخشية من الغد والحاجة فيه، ودعوة لإجتناب الطمع في جمع الأموال من الربا وأكل الباطل.
فسبحان الذي يجعل البشارة والإنذار في ذات الخطاب فقوله تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] بشارة للمسلمين بالمن والسلامة، ووعد كريم بأن الله عز وجل هو الذي يشهد لهم يومئذ بالإيمان ليكون من معاني قوله تعالى[وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا]( )، أن أتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيما جاء به من عندالله وضوع لشهادة الله عز وجل بالإيمان.
وتحتمل شهادة الله بلحاظ أفراد الزمان وجوهاً:
الأول:في الحياة الدنيا.
الثاني:في الآخرة.
الثالث:الأمر الجامع للنشأتين.
والصحيح هو الثالث وجميع الأشياء حاضرة عندالله، مستجيبة له سبحانه، لذا فان قوله تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] ضياء يملأ نفوس المسلمين بالبهجة، ويبعث الشوق فيها للإمتثال لأوامر الله عز وجل ليجتمع العمل الصالح مع الإيمان.
وليكون هذا الإجتماع من فضل وهداية الله عز وجل لهم، لما في خطاب التشريف من أسباب الترغيب بالصلاح والأمل في الفوز والنجاة في الآخرة.
وعن الإمام علي عليه السلام: كن لما لا ترجو أرجى منك لما ترجو فإن موسى بن عمران خرج يقتبس لأهله نارا فكلمه الله عز و جل فرجع نبيا، و خرجت ملكة سبأ كافرة فأسلمت مع سليمان، و خرج سحرة فرعون يطلبون العزة لفرعون فرجعوا مؤمنين( ).
إذ جاء النهي عن الربا، والأمر بالتقوى بين خطاب البشارة لعموم المسلمين والمسلمات، الذي إبتدأت به الآية، والوعد الكريم بالفلاح الذي أختتمت به الآية الكريمة، ولا يعني هذا الختم إنحصار الفلاح بعالم الآخرة بل هو يتغشى المسلمين في أيام حياتهم في الدنيا.
ومن الفلاح الخشية من الله، والتقرب إلى الله بإجتناب الربا.
لقد إجتمعت في الآية الكريمة ثلاثة أمور كل واحد منها سياحة في عالم الملكوت وباعث لعشق واجب الوجود، وهذه الأطراف هي:
الأول: الكنز الذي إدّخره الله للمسلمين [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا].
الثاني:الأمر بتقوى الله، والفناء في مرضاته، بالتقيد بآداب الشريعة.
الثالث:البشارة والوعد الكريم بالخلود في النعيم، وفي هذا التعدد والإجتماع مسائل:
الأولى: إنه برزخ دون مزاولة السلم الربا.
الثانية: فيه واقية من أكله الفائدة الربوية.
الثالثة: إنه باعث للنفرة من الفعل الحرام.
ليتعلق قلب المسلم بالله عز وجل ويعزف عن الدنيا وزينتها ويتخذ ترك الربا ذريعة يتوصل بها إلى ساحة رحمة الله والإغتراف من نهر العفو والمغفرة، قال تعالى[وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى]( ).
بحث أصولي
من إصطلاحات علم الأصول (الحكومة)وتتعلق بطرو دليل على حكم دليل آخر ليكون شارحاً ومفسراً، له، وفي طوله وليس ناسخاً له، ويأتي موسعاً للدليل الأول أو مضيقاً له، ويسمى الدليل الناظر والطارئ حاكماً، والدليل المنظور إليه محكوماً.
ومن مصاديق الحكومة ما يأتي في القرآن من الصيام الواجب إلا أنه قد يطرأ المرض والسفر، فيكون العنوان الثانوي وهو الحرج والضرر مقدماً، ويدل عليه قوله تعالى[فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ]( )،
لحكومة أدلة العناوين الثانوية على أدلة العناوين الأولية.
ويحكم الشارع مثلاً بوجوب غسل الجنابة، ولكن لو كان فيه ضرر على المكلف فيتعلق الحكم بطرو هذا العنوان، وينتقل إلى الطهارة الترابية لخلوها من الحرج والضرر لقاعدة (لا ضرر ولا ضرار) وهي قاعدة سيالة في أبواب الفقه من الطهارة إلى الديات لقول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: لا قطع إلا في ربع دينار فصاعداً) ( )، لتكون السرقة بأقل من ربع دينار خارجة عن حكم قطع يد السارق.
وقد تكون الحكومة بالتوسعة، كما في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: الطواف بالبيت صلاة) ( ).
والمثلية بخصوص الأدلة الخاصة بالصلاة والثواب العظيم الذي يلحق الذي يطوف بالكعبة.
ومن مصاديق الحكومة حديث الرفع وما فيه من أسباب العفو في حال الإكراه والإضطرار، وجاءت آية البحث في حرمة أكل الربا أي أنها خاصة بالذي يقبض المال الربوي ويأكل منه.
وورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اللعن لأطراف الربا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: “لعن الله آكلَ الرّبا، وُمؤْكِلَه، وكاتبَه، وشاهدَيْه إذا علموا به”)( ).
ويحتمل هذا الحديث وجوهاً:
الأول: إنه تفسير وبيان للآية الكريمة إذ أن الآية ذكرت طرف آكل الربا والمراد الأطراف الأخرى أيضاً بالتبعية لوحدة الموضوع في تنقيح المناط، ولأن الربا عقد لا يتم إلا بين طرفين ويستلزم كتابته والشهادة عليه.
الثاني: الحكومة وتوسعة حكم النهي والحرمة وشمولها لأطراف المعاملة الربوية.
الثالث: الحرمة واللعن في المقام ليس من النظائر، وبينها عموم وخصوص مطلق، واللعنة أعم من الحرمة.
والصحيح هو الأول، ويكون الثاني في طوله وهو جزء من البيان والتفسير، فحرمة الربا شاملة لأطرافه والقائمين عليه، وفي الحديث النبوي أعلاه أمور :
الأول: تأكيد حكم حرمة الربا.
الثاني: الزجر عن المعاملة الربوية.
الثالث: بيان القبح الذاتي والعرضي للربا.
الرابع: التذكير بسوء عاقبة الربا وأكله، قال تعالى[وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ]( ).
وتدل آية البحث وما فيها من حرمة الربا على إنعدام البركة في المال الربوي.
ومن الشواهد على كون القرآن[تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( )، أنه تضمن بخصوص الربا أموراً:
الأمر الأول: تأكيد تداول الناس للمعاملة الربوية، وهذا التداول يحتمل وجوهاً:
الأول: إنه خاص بأيام الجاهلية، إذ قال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كلمته الخالدة عند نزول آية الربا: إنّ كلّ ربا من ربا الجاهليّة موضوع وأوّل الربا أضعه ربا العبّاس بن عبد المطلب)( )،
ولم يسمع عن العباس أنه إحتج على الأمر، ولم يطلب بدلاً أو عوضاً، ليكون أمر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم شاهداً على أن أهل البيت أسوة في إقامة أحكام الشريعة.
الثاني: إنه خاص في أيام حرب الإسلام على الجاهلية، وجهاد المسلمين في مسالك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الثالث: إستدامة بقاء المعاملات الربوية بين الناس.
والصحيح هو الثالث، فإن الربا آفة إقتصادية وأخلاقية في زمان لذا تفضل الله عز وجل , وجعل المسلمين[خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( )، لتتصف في المقام بأمور:
الأول: التنزه عن الربا.
الثاني: التعاون في دفع الربا عن العقود والمعاملات.
الثالث: بيان حرمة الربا وذكر أضراره.
الرابع: الإحتجاج بأن الكتب السماوية جاءت بالنهي عن الربا.
(روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال إن الله تعالى يقبل الصدقات و لا يقبل منها إلا الطيب و يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم مهره أو فصيله حتى أن اللقمة لتصير مثل أحد)( ).
ويشترط الإنسان الفائدة الربوية طمعاً في زيادة ماله، فجاءت آيات القرآن بالإخبار عن محق ونقص الربا من الأصل، وإنعدام البركة فيه، وجاء القرآن ببيان منافع الصدقة بأنها تزيد المال.
وتجعل فيه البركة والنماء، وقد تجلى الجمع بين الضدين، وإظهار حسن كل منهما، بقوله تعالى[يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ]( )، بلحاظ أن محق ونقص الربا أمر حسن من وجوه:
الأول: إنه آية عظمى في بيان الضرر الحال المصاحب للمعصية.
الثاني: فيه شاهد على القبح الذاتي للربا , وترتب عقاب دنيوي عاجل عليه.
الثالث: زجر الناس عن المعصية والحرام.
الرابع: إعانة المسلمين من وجوه:
الأول: إتخاذ المعاملات ميداناً للأجر والثواب.
الثاني: فيه نصر للمسلمين في الأسواق وميدان المعاملات.
الثالث: دعوة المسلمين للإستمرار في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى[وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ]( ).
الرابع: التخفيف عن المسلمين إذ يتخذون من ترك الربا حرباً على الكفر والكفار.
ويدل النقص في كسب الربا على حكومة أدلة النهي على المندوحة والسعة في الدنيا، وأن الذي يتخذ من الربا سبباً للكسب ومضاعفة المال لن ينتفع منه في الدنيا، وأن تلك الأضعاف سرعان ما تتضاءل ويصيبها النقص إلى جانب الخسارة الحقيقية في الآخرة.
وتبعث النفس الشهوية الإنسان لإتخاذ الربا متاعاً في الدنيا، وجاء القرآن بجعل ذات الدنيا متاعاً للآخرة يتقوم بطاعة الله والتنزه عن أكل الباطل مطلقاً، قال تعالى[وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ]( ).
قانون”إنظار المعسر’’
من معاني صيغة الجمع في لغة الخطاب(يا أيها الذين آمنوا) دعوة للمسلمين للتعاون في إجتناب الربا، ومن مصاديق التعاون إشاعة القرض وإمهال المقترض، قال تعالى[وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ]( )،
وأختلف في موضوع إنظار المعسر وهل هو واجب بخصوص دين الربا، كما عن شريح وإبراهيم النفعي، أن أنه واجب في كل دين وقرض والصحيح هو الثاني، وهو المروي عن ابن عباس والحسن والإمام الباقر والصادق عليهما السلام
ليكون من خصائص(خير أمة) إمهال المدين، وطلب مرضاة الله بإسقاط الدّين عنه من الأصل، بالتصدق على المعسر، وفيه ترغيب للناس بدخول الإسلام وشاهد على الأخلاق الحميدة التي يتصف بها المسلمون، (وفي الحديث من أنظر معسراً أو وضع عنه أظلّه لله تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله)( ).
ومع التباين بين الإنظار ووضع الدين فإن الثواب العظيم معلق بهما بعرض واحد فضلاً من الله عز وجل، لأن إنظار المعسر في طول وضع الدّين عنه، وعلة الإنظار والإمهال عجز المدين عن القضاء.
وعن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنظر معسراً كان له بكل يوم مثله صدقة( ).
وفي الحديث بلحاظ آية البحث أمور:
الأول: يدل الحديث في مفهومه على عدم فرض زيادة ربوية عند حلول أجل الدّين، وعجز المدين عن القضاء.
الثاني: عدم وجود ملازمة بين الإقراض وبين قضاء الدين، لتكون السنة النبوية تأديباً للمسلمين، وهداية لهم لسبل الثواب العظيم، فليس في المقام عبادة وأداء فريضة، ولكنها معاملة تتقوم بالإقراض من المال والرزق الذي أنعم الله به على المسلم ليأتيه الثواب المتجدد عند عجز المدين عن الوفاء.
الثالث:ترغيب المسلمين بإمهال المدين، وتقييد هذا الإمهال بالعجز عن الوفاء، وإلا فان أداء الدين في أجله جزء من النظم الإقتصادية والإجتماعية، وهو واجب على المقترض مع القدرة عليه لحرمة المماطلة والتسويف حينئذ.
الرابع:المنع من تعطيل القرض بسبب إحتمال عجز المقترض، فجاء الحديث كيلا يشترط المقترض ضمانات فيها تشديد لإستيفاء مبلغ القرض عند حلول الأجل.
الخامس: مصاحبة السياحة في عالم الأجر والثواب للصبر على قضاء الدين، إلى جانب ما يبعثه الحديث أعلاه من السكينة في النفوس لصيرورة ناظر المدين في ظل عرش الله يوم الفزع الأكبر.
ليكون هذا الإنظار والإمهال من أسباب الفوز بمرتبة[لاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ]( ).
وهناك تضاد وتباين بين أكل الربا وبين الإمهال إلى حين قبض ذات المقدار من الدين، والإنسان مجبول بطبعه على الكسب وجلب المصلحة لنفسه، فجاء الحديث أعلاه لبعث المسلمين للتقيد والعمل بمضامين آية البحث وجعلهم يدركون أن مصلحتهم في الدنيا والآخرة في الإمتناع عن قبض الزيادة الربوية على الدين، وإن تأخر أجله وأوانه.
وهل يمكن القول إن الله الذي أمر بانظار وإمهال المعسر والعاجر عن قضاء الدين هو الذي يتفضل بإمهال الكافر في الحياة الدنيا، والجواب إنه قياس مع الفارق.
فالمعسر حال مالية صار إليها العبد قهراً وإنطباقاً وإمهاله سبب لزيادة إيمانه ومناسبة لتوجهه بالدعاء والمسألة من الله بالرزق وقضاء الدين.
أما الكافر فانه جاحد بنعم الله، وعاص لأوامره وظالم لنفسه، وإمهاله تأخير لعذابه إلا أن تدركه التوبة والإنابة، قال تعالى[وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ] ( ).
وإذا كان المدين المعسر كافراً فهل تشمله عمومات قوله تعالى[وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ]( )، أم أنه يخرج بالتخصص أو التخصيص بلحاظ أن الكافر يأخذ بأشد الأحوال.
الجواب هو الأول لأصالة الإطلاق، إلا أن يكون هناك دليل على التخصيص.
وقد جاءت آيات الربا في بداية الإسلام تأمر النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بإسقاط الربا مطلقاً، من غير تقييد بالذين آمنوا، وكذا بالنسبة لآية إمهال المعسر فانها مطلقة.
وقال القرطبي إن قوله تعالى[فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ] عامة في جميع الناس فكل من أعسر أنظر) ( )، وقال الحر يباع في الدين أول الإسلام إذا لم يكن له مال يقضيه عن نفسه حتى نسخ الله ذلك فقال عز وجل[وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ]( ).
واحتجوا بحديث رواه الدارقطني عن عبد الرحمن بن البيلماني قال كنت بمصر فقال لي رجل ألا أدلك على رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم قال قلت بلى قال فأشار إلى رجل فجئته فقلت من أنت يرحمك الله.
فقال أنا سرق قلت سبحان الله ينبغي لك أن تسمى بهذا الاسم وأنت رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم.
قال إن رسول الله صلى الله عليه و سلم سماني سرق فلن أدع ذاك أبدا قلت ولم سماك سرق قال قدم رجل من أهل البادية ببعيرين له يبيعهما فابتعتهما منه فقلت له انطلق حتى أعطيك.
فدخلت بيتي ثم خرجت من خلف لي وقضيت بثمن البعيرين حاجة لي وتغيبت حتى ظننت أن الأعرابي قد خرج.
قال فخرجت والأعرابي مقيم فأخذني وقدمني إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فأخبره الخبر.
فقال النبي صلى الله عليه و سلم ما حملك على ما صنعت قلت قضيت بثمنهما حاجتي يا رسول الله قال فاقضه قلت ليس عندي قال أنت سرق اذهب به يا إعرابي فبعه حتى تستوفي حقك.
قال فجعل الناس يسومونه بي ويلتفت إليهم فيقول ما تريدون قالوا وماذا تريد نريد أن نفتديه منك قال فوالله إن منكم أحد أحوج إلى الله مني اذهب فقد أعتقتك( ).
وقد ذكر الحديث في فصل من إشتهر بلقب أو نحوه ( أن سرق إسمه الحباب بن أسد وكان قد اشترى من أعرابي ناقتين ثم دخل بيته فباعهما وقضى حاجته فقدمه الأعرابي إلى النبي صلى الله عليه و سلم , فقص عليه القصة فقال له أقضه فقال ما عندي فقال أنت سرق( )، أي لم يذكر فيه مسألة بيعه.
ولا دليل على حصول بيع ذات المسلم الحر في الأيام الأولى من الهجرة، والمسلمون في حال حرب وقتال مع الكفار، ومن يهود المدينة من يروق له شراء الحر المسلم.
ولم تذكر هذه القصة في المدينة المنورة ومن قبل الصحابة، بل جاءت من مصر، فهي ضعيفة سنداً ودلالة، إلا أن يراد من البيع المعنى المجازي وقضاء الدين بدليل قول الصحابة(نريد أن نفتديه منك).
لذا قال النحاس:وأحسن ما قيل في هذه الآية قول عطاء والضحاك: هي لكل معسر ينظر في الربا والدين كله، وقال ابن عباس وشريح: ذلك في الربا خاصة فأما الديون وسائر المعاملات فليس فيها نظرة بل يؤدي إلى أهلها أو يحبس فيه حتى يوفيه وهو قول إبراهيم , وإحتجوا بقول الله تعالى[إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا] ( ).
ولكن هناك تباين موضوعي في كلام القرطبي وإستعراضه للأقوال على نحو المقارنة إذ أن عموم الحكم في الناس جميعاً، غير إختصاصه في الربا، لأن الربا من عموم الدين، وليس عموم الناس ولابد في المقارنة من إتحاد الموضوع.
ويحتاج الإستدلال بالآية أعلاه إلى ابن عباس وغيره لقوله (واحتجوا) يحتاج إلى بينّة، وإلا فان موضوع الأمانات مغاير للدين وإنشغال الذمة به، فالمعسر لم ينكر الدين، والمبلغ الذي إستدانه ليس أمانة بالمعنى الإصطلاحي بل هو كلي معين في الذمة.
وقد ورد في تفسير الآية أعلاه عن ابن عباس نفسه وأبي بن كعب وابن مسعود والحسن وقتاده والإمام الباقر عليه السلام(أنها في كل من أوتمن أمانة من الأمانات، وأمانات الله أوامره و نواهيه , وأمانات عباده فيما يأتمن بعضهم بعضاً من المال) ( ).
وفي أسباب نزول آية الأمانات أعلاه ذُكر أنها (خطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلّم برد مفتاح الكعبة إلى عثمان بن طلحة حين قبض منه المفتاح يوم فتح مكة و أراد أن يدفعه إلى العباس لتكون له الحجابة و السقاية عن ابن جريج) ( ).
وعلى فرض صحة هذا القول مع أنه لم يرد عن أحد الصحابة نسبة له أو مرفوعاً، فإن الآية أعم في موضوعها، وهي ظاهرة في دلالتها في عموم الأمانات.
وفي حديث سرق مسائل:
الأولى:الضعف المتعدد لسند الحديث وعدم ورود أحاديث وأدلة تثبت حقيقة بيع المدان أول الإسلام، ولو كان لشاع.
الثانية:الترديد في متن الحديث، وصفته وفق علم الدراية لأن هذا الترديد يفيد التضاد فهل صاحب الدين بائع أم مشتر، ولا يحق له أن يكون أياً منهما، لأنه جاء مدعّياً.
الثالثة: البيع لغة من الأضداد، ويأتي بمعنى الشراء أيضاً، يقال (وبِعْتُ الشيء شَرَيْتُه أَبيعُه بَيْعاً ومَبيعاً) ( ).
والعسرة قلة ما في اليد وضيق الحال، والتخلف عن إبراء الذمة ورفع(ذو) في قوله تعالى[وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ] ( )، لأن كان تامة بمعنى وجد ولا تستلزم خبراً، وبه قال سيبويه الذي أنشد:
فِدًى لِبَني ذُهْلِ بنِ شَيْبانَ ناقَتي … إِذا كانَ يومٌ ذُو كَواكِبَ أَشْهَبُ( ).
وفي مصحف أبي بن كعب[وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ]، أي وإن كان المدان ذا عسرة وعلى هذه القراءة قيل يختص لفظ الآية بأهل الربا بلحاظ نظم الآيات، ويكون تقدير الآية(وان كان الذي عليه الربا ذا عسرة) ( )، وان من قرأ(ذو) فهي عامة في جميع من عليه(دين).
ولكن التباين في حرف من ألفاظ الآية في القراءة ليس دليلاً على هذا التفضيل من وجوه:
الأول: المدار على القراءة المرسومة في المصاحف، وهي القراءة المشهورة بين المسلمين، ونسبة قراءة(ذا عسرة) إلى مصحف أبي، أو مصحف عثمان يحتاج إلى دليل، والأصل هو ما في المصاحف.
الثاني: سواء كان أصل الدين عن ربا أو غير ربا يجب أداؤه عند حلول الأجل، وعلى فرض أن الآية وردت بخصوص الربا، فانه مثال وفرد من الدين، ويكون الإمهال في عموم الدين من باب الأولوية القطعية، لأن الذي أسقط عنه الربا يمهل في أصل الدين، فكذا الذي يقترض من غير فائدة ربوية في أصل العقد.
الثالث: ذكر في أسباب نزول الآية أعلاه(لما طلبوا أموالهم التي لهم على بني المغيرة شكوا العسرة ـ يعني بني المغيرة ـ وقالوا : ليس لنا شيء وطلبوا الأجل إلى وقت ثمارهم فنزلت هذه الآية) ( ).
وليس من مانع من كون سبب النزول موضوعاً خاصاً، ودلالة الآية أعم وان كان متعدداً، بدليل بقاء الإبتلاء بموضوع وحكم الربا وكثرة وجوهه وكيفياته.
الرابع:ورود النصوص عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالثواب العظيم لمن أنظر معسراً إلى جانب السنة الفعلية التي تدل على عدم مؤاخذة أو حبس المعسر(وعن أبي سعيد قال: أصيب رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار إبتاعها، فكثر دينه.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم تصدقوا عليه” فتصدق الناس فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لغرمائه : خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك) ( ).
ولم يوبخه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يأمر بحبسه، أو ملازمته أو الأمر بحمله أجيراً بدينه عند أرباب الديون( وعن شريح أن الرجل الذي أصيب هو معاذ بن جبل).
وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي بحبس المفلس إلى أن يتبين عدم وجود مال عنده، وقيده مالك بالإتهام بأنه أخفى ماله، أما مع صدق الإعسار فلا يحبس.
(روى ابن نافع عن مالك أنه لا يترك له إلا ما يواريه والمشهور أنه يترك له كسوته المعتاده ما لم يكن فيها فضل ولا ينزه منه دواؤه وإن كان ذلك مزرياً به وفي ترك كسوة زوجته وفي بيع كتبه إن كان عالماً خلاف ولا يترك له مسكن ولا خادم ولا ثوب جمعه ما لم تقل قيمتها)( ).
وفيه تشديد ظاهر، وهو يتعارض مع البعث على الأنظار والإمهال الذي جاءت به الآية الكريمة والتي تدل على الصبر والتخفيف، كما أن معارض لقاعدة نفي الحرج في الدين، والأولى ترك مستثنيات الدين له، وإن كثرت ديونه وتعدد غرماؤه لوحدة الموضوع في تنقيح المناط(وعن أبي قتادة أنه طلب غريماً له فتوارى عنه ثم وجده فقال: إني معسر فقال:آلله؟ قال: الله، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول( من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه)( ).
والآية ظاهرة بعدم الحبس بقوله تعالى[فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ] لإفادة تعقب الإنظار والتأخير للإعسار من غير فترة بينهما، أي عدم حصول حبس ونحوه لعدم ثبوته في السنة النبوية القولية والفعلية،
وفيه آية بأن ترك المدين يعمل باب لقضاء الدين، وأن دخوله السجن أذى إضافي من وجوه:
الأول: إنه تعطيل له ومصيبة أخرى تلحقه وعياله.
الثاني: إمهال المدين من مصاديق الآية أعلاه وسجن المدين يتعارض معها منطوقاً ومفهوماً.
الثالث: إرجاء لأرباب الأموال مطالبتهم للمدين المعسر من عمومات قوله تعالى[كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( )، لما فيه من أمور:
الأول: الإمتثال لأمر الله عز وجل لما تفيده الفاء من(فنظرة) والتي تدل على عدم وجود فترة وحبس وإيذاء بين الإعسار وبين الإمهال، فحالما يكون الإعسار يكون الإنطار والإمهال، كما يقال جاء زيد فعمرو، أي بعده مباشرة، أو تزوج فولد له أي ليس بين الزواج ومجئ الولد إلا مدة الحمل.
الثاني: إن الأمة التي تصبر على مالها الذي عند الغير بسبب إعساره قادرة على التنزه عن الربا وطلب الفوائد التي حرّمها الله طاعة له عز وجل.
الثالث: معاني الأخوة والتآزر والتعاون بين المسلمين في الشدائد، وهل إنظار المعسر من عمومات قوله تعالى[وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى]( )، الجواب نعم، من وجوه:
الأول: إنه إحسان محض.
الثاني: فيه إمتثال لأمر الله عز وجل.
الثالث: إنه من مصاديق التعاون في الصالحات.
الرابع: إمهال المعسر من التقوى لما فيه من رجاء الثواب من الله عز وجل.
فإن قلت هذا الصبر على المعسر المسلم، فهل يشمل المعسر غير المسلم.
الجواب إن الصبر وإنظار المعسر مطلقاً طاعة لله عز وجل، وترغيب للناس بدخول الإسلام لأنه دين السماحة والرأفة.
ومعاني ومنافع إمهال المعسر كثيرة ومتعددة، ومنها ما هو خاص بإمهال المعسر المسلم.
الرابع: بعث المسلمين على العمل والتجارة والمضاربة والإقتراض، وعدم الخشية من الحبس إن حصل إعسار، فجاءت آية(النظرة) للمنع من تعطيل الأسواق والتجارات خشية الإعسار، وفيه دعوة للمسلمين للتوكل على الله في الكسب، ورجاء فضله عز وجل، قال تعالى[وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ]( ).
بحث فقهي
دراسة مقارنة بين الربا والمضاربة
المضاربة هي عقد يتقوم بطرفين:
الأول: صاحب المال.
الثاني: العامل الذي يزاول العمل بالتجارة أو غيرها، وكأنه مستقرأ من قوله تعالى[وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ]( ).
ويسميها أهل الحجاز القراض من القرض بمعنى القطع، ومنه المقراض، لأن المالك يقطع حصة من ماله ويدفعه إلى العامل ليتجر به على أن يكون الربح بينهما.
ولا يكون تمام الربح من المضاربة للمالك ولا للعامل، و(يقال للعامل ضارِبٌ لأَنه هو الذي يَضْرِبُ في الأَرضِ)( ).
وهو معاملة شرعية صحيحة شرعاً، وفيها غنى عن الربا، وليست بديلاً عنه، بلحاظ أن الربا ليس معاملة ثابتة بين الناس.
ولقد جاءت آية البحث بالإخبار عن حصول الأرباح الطائلة في الربا لقوله تعالى[لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً]( ).
وتحتمل المضاربة بلحاظ مسألة الأرباح وجوهاً:
الأول: المضاربة أكثر أرباحاً من الربا.
الثاني: الربا هو الأكثر لنص الآية الكريمة بأن فيه أضعافاً مضاعفة، ولو كانت الأرباح الكثيرة في طريق الكسب الحلال للجأ إليه الناس، وكفوا عن طريق الكسب الحرام.
الثالث:التفصيل فتارة تكون الأرباح الطائلة في الربا، وأخرى في المضاربة بحسب المال والأسباب والموضوع.
الرابع:الربح في الربا مضمون، أما المضاربة فتكون على وجوه مختلفة وهي:
الأول: كسب أضعاف مضاعفة من الأموال والأرباح.
الثاني: الربح القليل.
الثالث: تحصيل رأس المال، وأجرة العامل ومؤونة التجارة.
الرابع: الخسارة في رأس المال بسبب كساد التجارة وتقلبات السوق، وسوء العمل والإدارة وغيرها من الأسباب.
وتمتاز المضاربة عن الربا أنها كسب حلال، وفيها البركة وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم(الجالب مرزوق والمحتكر ملعون)( ).
والدراسة المقارنة تأسيس لعلم جديد في الفقه يتقوم ببيان الحسن الذاتي للمأمور به الحلال، وقبح الحرام المنهي عنه والنسبة بين الربا والمضاربة هي التباين الشرعي، نعم هناك مادة للإلتقاء من وجوه:
الأول: كل منهما عقد مالي.
الثاني: يتقوم العقد بطرفين، أحدهما صاحب المال، والآخر يقبض المال منه، ويكون المال في يده.
الثالث:حصول التراخي في العقد.
الرابع: تعيين المال، وعدم كونه مردداً.
وأفراد مادة التباين والإفتراق كثيرة ومتعددة منها:
الأول: حرمة الربا، وحلية المضاربة التي هي من أنواع التجارة والكسب المشترك، قال تعالى[وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ]( ).
الثاني: المضاربة عقد جائز، كما لو قال: ضاربتك بمبلغ كذا على أن يكون لك نصف الربح فيقول العامل:قبلت).
ويجوز لكل من الطرفين فسخ العقد سواء كان الفسخ قبل الشروع في العمل أو بعده.
الثالث: بقاء مال المضاربة على ملك المالك، وإن كان بيد العامل.
الرابع: يشتغل العامل في المضاربة لنفسه ولصاحب المال، لأن الربح يقسم بينهما، بينما العامل يكون في الربا مثقلاً بالهموم والحزن إذ يفكر ويسعى لقضاء الفوائد الربوية لصاحب المال.
الخامس:يسمى المالك في الربا المربي وآكل الربا، لأنه يشترط الربا والزيادة، أما في المضاربة فيسمى المالك وصاحب المال.
ويسمى قابض المال الربوي مؤكل الربا والمقترض، بينما يسمى في المضاربة العامل والمضارب، ويسمى المال في الربا القرض الربوي أو المال الربوي.
أما في المضاربة فإسمه رأس المال، أو مال المضاربة، ومع أن الاسم غير المسمى، إلا أن هذه الأسماء تدل على قبح الربا وتبعاته حتى في الأسماء، والعز والفخر في العمل والكسب والمضاربة، قال تعالى[فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ] ( ).
السادس: يأخذ المربي الفائدة الربوية كاملة سواء ربح مال القرض أم لا، أما في حال المضاربة فانه لا يأخذ فائدة إلا عند حصول الربح، بإعتبار أن الربح مشاع بين المالك والعامل، وتعيين نسبة من الربح للعامل.
السابع:موضوع المضاربة هو التجارة، فلا تجوز (ولا في القروض مع الفائدة لأنها معاملة ربوية بالزراعة مثلاً التي لها عنوانها وحكمها الخاص التابع للموضوع)( ).
وتسمى المزارعة(وهي لغة مفاعلة من الزرع، وفي الاصطلاح المعاملة على الأرض بالزراعة بحصة من حاصلها، كما هو متعارف شرعاً وعرفاً، وقد تسمى بالمخابرة من الخبرة بمعنى النصيب، أو من الخبارة وهي الأرض الرخوة، وتدل عليها معاملة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأهل خيبر.
ويمكن القول أن الزراعة قديمة في الأرض بقدم وجود الإنسان على سطحها إن لم تتقدم عليه، وان أول من زرع من الناس هو آدم عليه السلام. فلما اُهبط إلى الأرض احتاج إلى ما يقتاته، مما يدل على شرف وحسن مباشرة الأرض بالزراعة، لذا وردت في استحبابها نصوص مستفيضة)( )، زيتجلى النهي بما ورد عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من كانت له أرض فليزرعها فإن لم يستطع أن يزرعها وعجز عنها فليمنحها أخاه المسلم ولا يؤاجرها إياه) ( ).
الثامن: إذا حصلت خسارة في المال الربوي يتحملها المقترض، لأن المربي يشترط عليه أصل المال والفائدة الربوية، أما في المضاربة فان الخسارة على المالك، ولا يضمن العامل إلا مع التعدي والتفريط،
ولو إشترط المالك مشاركة العامل في الخسارة ضماناً لرأس ماله، فالأقوى صحة الشرط.
التاسع:يكون الربا بأي مقدار من المال قليلاً أو كثيرا،ً أما في المضاربة فلابد من كون رأس المال بمقدار يستطيع معه العامل المباشرة، والقدرة على المضاربة.
العاشر: لو عقدت المضاربة باطلة وغير جامعة للشرائط يكون تمام الربح للمالك، وللعامل أجرة المثل مع جهله بالبطلان، أما في حال الربا فان المعاملة باطلة بخصوص الزيادة الربوية , ومع هذا يقوم المربي بإستلامها لذا جاء النهي في آية البحث عن قبضها بقوله تعالى[لاَ تَأْكُلُوا].
ومن الإعجاز في آية البحث أنها لا تحصر النهي بخصوص قبض تلك الفائدة بل تمنع من أكله وتوظيفه في المعيشة وحاجات الذات والعيال، أما بالنسبة لمال المضاربة فانه حلال في ذاته وأكله.
وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم(كسب الحلال فريضة بعد الفريضة) ( ).
الحادي عشر: لا تصح المضاربة بالمنفعة والدين، فلو كان لزيد دين على عمرو فلا يصح أن يجعله مال مضاربة عنده قبل قبضه على الأقوى وكذا لا يصح لو قال للعامل بع هذه السلعة وخذ ثمنها قراضاً، لأن العقد يجب أن يكون بعد نض( ) الثمن.
أما في الربا فان المالك يأخذ الفائدة الربوية على الدين عند حلول الأجل وعجز المدين عن الأداء.
الثاني عشر: إذا إشترط المالك على العامل جهة ومكان العمل أو إستثنى بلداً معيناً منه كما لو قال له لا تسافر إلى البلد الفلاني فلا يجوز للعامل المخالفة وإلا يكون ضامناً للمال لو تلف أثناء المخالفة.
وكذا لو حدّد له جنساً معيناً أو أكثر للعمل كما لو قال له إشتر الحنطة والشعير والذرة أو إستثن جنساً معيناً كما لو قال له إشتر الكتب ولا تشتر كتب الضلالة.
وكذا لو قال له إشتر وبع على فلان وفلان ولا تشتر أو لا تبع على فلان أو الشركة الفلانية، نعم تلك المخالفة لا تمنع من إشتراكهما في الربح بحسب عقد المضاربة وهو المشهور وعليه جملة من النصوص.
أما في المال الربوي فان المربي يشترط الفائدة، ويكون المال متعلقاً بذمة المقترض، ويطالبه أيضاً بالزيادة الربوية، سواء إكتسب بالمال أم لم يكتسب.
الثالث عشر: لا يجوز للعامل في المضاربة السفر بالمال إلا مع إذن المالك، أو يكون السفر به متعارفاً وينصرف إليه الإطلاق، ومع المخالفة يكون ضامناً للخسارة، ولكن الربح بينهما بحسب النسبة المتفق عليها، أما في الربا فان المقترض حر في التصرف في المال لأن المطلوب منه الفائدة مع رأس المال كاملاً.
ولو إشترط المرابي شرطاً على المقترض منها عدم السفر بالمال إلا مع إذنه فهل يصح.
الجواب يصح في أصل القرض لعمومات(المؤمنون عند شروطهم) ( ) ولا يصح في الزيادة الربوية، لأنها باطلة بالأصل.
الرابع عشر: في المضاربة أجر وثواب لإتصافها بأمور:
الأول: إنها طلب للرزق الكريم الذي ندب إليه الله عز وجل ورسوله، قال تعالى[فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ] ( ).
الثاني: في المضاربة إستدامة للنظم المعاشية، ومنع للظلم والتعدي في المكاسب.
الثالث: إنها مناسبة لنشر الأمانة والأخلاق الحميدة في المعاملات والإبتعاد عن الخيانة.
وهل ينطبق على المضاربة الخلط والشركة العملية الواردة في قوله تعالى[وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ]( ).
الجواب نعم، لذا جاء الإستثناء في الآية بخصوص المؤمنين، والأصل في الإستثناء أن يكون أقل من المستثنى منه.
وفي الآية أعلاه تحذير من الخلط والشركة، وبيان للمائز والنفع العظيم في الشركة مع الزمن سواء كان صاحب المال أو المضارب، فصحيح أن المال بيد العامل وأن إحتمال البغي أو عدمه يتعلق بتصرفه بالمال إلا أن البغي من صاحب المال مع عدم إيمانه أمر محتمل.
والنسبة بين البغي المذكور في الآية أعلاه والربا هي العموم والخصوص المطلق، إذ أن البغي ظلم محض وتعد لاحق بواسطة عقد صحيح.
أما الربا فإنه أمر مركب من قسمين:
الأول: القرض.
الثاني: الفائدة الزائدة على القرض.
ويتعلق البغي بالقسم الثاني منه، إذ أنه شرط ضمن العقد.
وفي المضاربة لا يجوز للعامل خلط رأس مال المضاربة مع مال آخر له أو لغيره مع إذن المالك ولو بالفحوى أو الإطلاق، كما لو قال تصرف بما فيه المصلحة، فلو خلط بدون الإذن ضمن التلف إلا أن المضاربة باقية، والربح الحاصل بسبب الخلط يكون بين المالين.
ففي المضاربة يمكن تدارك مسألة الخلط، وتقسيم الربح بحسب نسبة المال، لأن الربح كله حلال.
أما بالنسبة للربا فان المربي يريد فائدة كاملة سواء إختلط المال مع غيره، أم لم يختلط، وتلك الفائدة سحت ولا أصل لها، وعن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(لا تبايعوا الذهب بالذهب ولا تبايعو الورق بالورق إلا مثلا بمثلا سواء بسواء، ولا تبيعوا شيئا منها غائبا بناجز ولا تشفوا بعضه على بعض) ( ).
الخامسة عشرة: يجوز في الربا أن يبيع المقترض بالنسيئة وأن يهب من المال، ولا يصح في المضاربة البيع نسيئة حتى مع إطلاق العقد، إلا أن يكون بيع النسيئة متعارفاً، وينصرف إليه الإطلاق، كما لو كانت المضاربة في جنس مخصوص لا يتم بيعه إلا بالنسيئة.
ولو خالف العامل وباع بخلاف ما إشترط عليه في عقد المضاربة وباع بالنسيئة مثلاً، فان تم الإستيفاء قبل إطلاع المال فهو وإن وقعت مخالفة.
وإن علم المالك قبل الإستيفاء وأمضى النسيئة صح، وإلا فان البيع باطل.
وللمالك الرجوع بالعين إن وجدت، ومع عدمها له الرجوع على العامل أو على المشتري مع تفصيل بخصوص الرجوع كما مبين المفصلات( ).
السادسة عشرة: إذا دفع شخص لغيره مالاً بعقد تجارة، ففيه صور أربعة:
الأولى: أن يكون الربح بينهما، أي بين صاحب المال والعامل ويسمى مضاربة.
الثانية: أن يكون تمامه للمالك ويسمى بضاعة، وان لم يشترط شيئاً فيلحق بالبضاعة، وللعامل أجرة المثل لقاعدة احترام عمل المسلم إلا إذا قصد ذات العامل التبرع بعمله.
الثالثة: ان يكون تمامه للعامل ويدخل بعنوان القرض، وان كان الدخول قهرياً.
الرابعة: أن تكون المعاملة ربوية بأن يسترجع صاحب لمال ماله كاملاً، ويأخذ زيادة معينة رابية عليه، وفي تعيينها وجوه:
الأول: تتعين بأصل العقد، كما لو كانت بنسبة العشر.
الثاني: تتعين بأصل العقد، ولكنها لا تثبت إلا عند حلول الأجل، وعجز الذي دفع له المال عن الوفاء به.
الثالث: لا تتعين تلك الزيادة والفائدة إلا عند حلول أجل الأداء والعجز عنه، فأهل الجاهلية مثلاً (كانوا يربون بتأخير الدين عن محله إلى محل آخر بزيادة فيه) ( ).
السابعة عشرة: يجوز في المضاربة أن يشتري العامل بذمة المالك، من وجوه:
الأول: مال المضاربة ملك المالك.
الثاني:العامل وكيل عن المالك.
الثالث:يشتري العامل لنفسه، ولكنه يدفع عند الوفاء من مال المضاربة.
أما في الربا فان المال ينتقل بالعقد الربوي إلى المقترض، وتكون ذمته مشغولة بأصل القرض والفائدة الربوية التي عليه وإذا ما إشترى فانه يشتري لنفسه وليس للمربي، نعم يبقى في همّ وحزن من جهات:
الأولى: إحتمال الخسارة.
الثاني:كساد السلعة المشتراة.
الثالث:البيع برأس المال.
الرابع:التخلف عن إستيفاء الربح الربوي، مع إدراك أن هذا التخلف يؤدي إلى مضاعفته للتأخر في أجل الوفاء.
الثامنة عشرة: يتوجه طرفا المضاربة بالدعاء إلى الله عز وجل لتحصيل الربح وزيادته.
أما في الربا فان المربي ينتظر الأجل كي يأخذ ربحه، وفي هذا الزمان يأخذ المربي والبنك أحياناً الربح عند العقد من غير تأخير وإنتظار إلى حلول الأجل.
التاسعة عشرة: يجوز في المضاربة طلب المالك او العامل القسمة عند ظهور الربح ونض المال او بعضه إذا رضي الآخر، أما مع عدم رضا المالك فلا يجبر عليها لإحتمال حصول الخسران بعدها، وإذا كان العامل هو الممتنع عن القسمة فهل يجبر عليها أو لا، فالمرجع قاعدة لا ضرر ولا ضرار فإذا كان في القسمة قبل نض المال ضرر عليه وإحتمال خسارة لاحقة وتأخيرها لا يضر المالك، لا يجبر عليها على الأقوى.
العشرون:لو حصل في المضاربة الفسخ والقسمة ثم ظهرت خسارة سابقة ومتعلقة بمال المضــاربة كما لو حصــلت ضــريبة لاحقة على مال المضاربة وتجارتها فتدفــع بحســب النســبة من المالك والعامل إلا أن يدل دليل على الخلاف.
وكذا لو ظهر سهو في الحساب أو شراء في الذمة لم يحتسب أما في الربا فليس من فسخ أو قسمة.
ويتحمل المقترض الخسارة كاملة، وأن المربي يطالب بماله والفائدة المترتبة عليه مع أن تلك الفائدة وهمية لا أصل لها إلا الشرط الجائز بتعلقها بالذمة، لأن المال لم يربح، وعدم الربح ليس عن تعد أو تفريط بل بأمور البيع والشراء أو أسباب طارئة.
ويتجلى في المضاربة إنصاف العامل، وعدم إرهاقه بما هو خارج عن إرادته.
وفي العبادات قاعدة فقهية وهي كل ما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر.
الحادي والعشرون: في المضاربة لو تلف رأس المال قبل الشروع في العمل كما لو سرق بعد العقد وقبل العمل فالظاهر انه موجب لإنفساخ عقد المضاربة لعدم بقاء موضوعها نعم لو كان الذي أتلفه أجنبياً وأدى عوضه تكون المضاربة باقية، وكذا لو اتلفه العامل بتفريط او تعد.
وليس في الربا موضوعية للشروع بالعمل، فحالما يتم العقد ويستلم المقترض المال تنشغل ذمته به، كاملاً.
ولو سُرق أو تلف المال فهو من ماله الخاص، ولا يسقط المربي حتى الفائدة المفروضة، لتتجلى معاني الظلم في العقد الربوي، والإعجاز في علة تحريم الله له في كل الكتب السماوية وما فيه من المنافاة مع مضامين الرأفة والرحمة الإلهية بالعباد في الحياة الدنيا، قال تعالى في وصف القرآن[وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ] ( ).
ومن مصاديق الهدى والرحمة الإمتثال للأوامر الإلهية وطلب الرزق الحلال، وإجتناب الربا.
الثاني والعشرون: العامل في المضاربة أمين فلا يضمن إلا مع التفريط أو التعدي لأن يده تتحول معهما من يد إئتمان إلى يد خيانة، كما لو سافر بالمال الى جهة نهاه المالك عن الذهاب لها، أو إشترى ما أمره المالك بعدم شرائه أما في الربا فليس من عامل بل مربي ومؤكل للربا، الذي يحق له التصرف بالمال كيفما يشاء ولكنه ملزم بقضائه وفوائده.
الثالث والعشرون: لو إقتضت المصلحة بيع المتاع والجنس في وقت معين ولكن العامل لم يبع ضمن الوضيعة التي تحصل فيما بعد إذا عد عدم بيعه له خيانة أو تفريطاً.
ولو نوى العامل الخيانة في مال المضاربة فلا يعتبر غاصباً ولا يضمن بمجرد النية والعزم ما لم يأت بما يدل على الخيانة، ويختلف الأمر في الربا.
فالمقترض له أن يبيع أو يرفض البيع، وليس من خيانة فيه، ولكن يجب عليه القضاء وهو يعدو لأجل الدين، وهذا الأجل يبعث في نفسه الحسرة والفزع، وكأنه يلاحقه.
الرابع والعشرون: تبطل المضاربة عند موت المالك لإنتقال المال بموته قهراً إلى ورثته ويحتاج إلى عقد جديد مع الورثة، ويقوم وارثه فيما له من الحق، كما تبطل بموت العامل إلا مع عدم إنحصار الإذن به، ويجوز أن تستمر المضاربة برضا الورثة وفيه باب للرزق والكسب للورثة إذ أنهم يستطيعون مزاولة العمل في ذات المضاربة وكذا بالنسبة لورثة المالك من جهة النفع والكسب من الربح.
أما في الربا فان المالك يريد مقدار القرض وأرباحه فيكون عبئاً ثقيلاًُ على الورثة، وإن لم تكن له تركة وليس من ضمان لايستحق المربي من الورثة شيئاً، بينما في المضاربة يكون مال المالك محفوظاً.
الخامس والعشرون: يكون الربح في المضاربة زاكياً طيباً وهو وقاية لرأس المال مطلقاً أي سواء ربح بالإتجار بجميع المال و خسر ببعضه أو بالعكس، أو ربح ببعضه وخسر بالبعض الآخر وكذا لو جاء الربح متأخراً عن الخسارة، ويقسم الربح بين طرفين:
الأول: المالك.
الثاني:العامل.
أما في الربا فليس من ربح على رأس المال، ولكن هناك فائدة ربوية عليه لا صلة لها بالعمل والكسب، وتتصف هذه الفائدة بأمور:
الأول: إنها حرام وليست شرعية وهو المستقرأ من قوله تعالى[لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا]( ).
الثاني: جاءت الفائدة والنفع ضمن عقد جائز.
الثالث: يدفعها المقترض من ماله وسعيه، نعم قد تكون من أرباح المال المقترض.
السادس والعشرون: تتصف المضاربة بجواز حصول الفسخ والإنفساخ، وحينئذ تجب التخلية بين المالك وماله، والتسليم والقبض وفق المتعارف، نعم لا يجب الإيصال إليه إلا مع إنحصار التخلية به وحينئذ تكون كلفة الرد على المالك.
أما في الربا فان المربي يريد ماله والزيادة الربوية.
السابع والعشرون: يجوز أن يقول المالك للعامل خذ هذا المال مضاربة، والربح بيننا، ويكون حينئذ للعامل نصف الربح إلا أن يكون الإنصراف والمتعارف غيره، أما في الربا فان المالك لا يعفي المال إلا بصفة القرض والزيادة الربوية.
الثامن والعشرون: لا يجوز للعامل في المضاربة توكيل غيره في عمله أو إستئجار أجير إلا بـأذن المالك، إلا أن تتعلق الوكالة أو الإجارة ببعض المقدمات، ووفق ما هو متعارف موضوعاً وأجراً، أما في الربا فان المقترض يمتلك المال، ولكنه ملزم بقضائه كاملاً مع فائدته الربوية سواء جعل وكيلاً عنه في العمل أو إستئجر غيره.
التاسع والعشرون: لو إختلف المالك والعامل في المضاربة على مقدار حصة العامل كما لو قال المالك أنها الثلث، والعامل يدعي أنها النصف فالقول قول المالك مع يمينه لأصالة تبعية النماء للمالك إلا مع البينة والإقرار ولأصالة البراءة عن الزائد.
أما في الربا فإن الإختلاف إذا حدث فيتعلق بمقدار القرض والفائدة عليه.
الثلاثون: إذا إتفق المالك والعامل على حصول المضاربة بينهما، وإختلفا في صحتها أو بطلانها يقدم قول مدعي الصحة لأصالتها إلا مع الدليل على الخلاف.
وإذا إدعى أحدهما فسخ المضاربة وأنكر الآخر، يقدم قول منكر الفسخ مع يمينه إذا لم تكن بينة لمدعي الفسخ أما في الربا فان طلب الفائدة أمر باطل من الأصل.
وكما تختلف المضاربة عن الربا، فأنها تختلف عن القرض إلا أن الربا أمر محرم، والقرض حلال مثل المضاربة، وفي المضاربة إحتمال الربح على رأس المال وإحتمال الخسارة.
أما في القرض فان ذات مبلغ القرض تشتغل به الذمة، وفي القرض تعيين لأجل الوفاء.
أما في المضاربة فقد يكون هناك أوان فسخها وإنتهائها أولا.
وفي القرض الثواب والأجر لحسنه الذاتي، وورود النصوص المستفيضة بالندب إليه، وله منافعه الدنيوية والأخروية.
وقيل: القرض اسم لكل ما يلتمس عليه الجزاء، (وأقرض فلان فلاناً أي أعطاه ما يتجازاه)( ) وتقدم أن أصل القرض القطع.
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أقرض أخاه المسلم فله بكل درهم وزن أُحد وثبير وطور سيناء حسنات( )، ولأنه من مصاديق الود والأخوة بين المسلمين.
وهل القرض سلاح للحرب على الربا الجواب نعم، وتلك آية في إسلامة التشريع الإسلامي، وهو من عمومات قوله تعالى[الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ] ( )، بلحاظ أن الله عز وجل نهى عن الربا، ولم يجعل المسلمين في حيرة وإرباك، بل بعثهم على القرض والإعانة بين المسلمين قال تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ]( ).
وبين الدين والقرض عموم وخصوص مطلق، فكل قرض هو دين، وليس العكس، ويدل أمر الله عز وجل بكتابة الدين على أمور:
الأول: توثيق الدين والقرض، ومنع حصول الخلاف فيه، لأن حصول الخلاف سبب لعزوف أصحاب الأموال عن القرض والبيع نسيئة.
الثاني:ضمان حقوق صاحب المال، وعدم غلبة النسيان في مقداره وأجله.
الثالث:كتابة الدين من مصاديق التقوى، ودليل على العزم على القضاء، ودعوة إلى الورثة بأداء الدين سواء كان المورث رجلاً أو إمرأة، وجاءت آيات القرآن بالتأكيد على قضاء الورثة الدين، قال تعالى[فَلَكُمْ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ] ( ).
الرابع: بيان موضوعية حفظ الحقوق، وعدم ضياعها.
الخامس: إرتقاء المسلمين إلى مراتب الكتابة والتوفيق والشهادة على المكتوب، بما يمنع من الفرقة والشقاق.
السادس: عزم المسلم على قضاء دينه بكتابته.
السابع:إقرار المسلمين بالموت وجهل أوانه بالصبر فلا يعلم طرفا القرض، أن موتهما قبل حلول أجل الدين أو بعده.
الثامن: بينما جاء القرآن بالنهي عن الربا، فانه أمر بكتابة القرض للدلالة على حسنه، وإنتفاء الحرج فيه أو في كتابته.
فان قلت إن الناس يكتبون عقد الربا أيضاً ويذكرون ما فيه من الفائدة.
والجواب هذا صحيح ولكن تلك الكتابة لا تغير من حكم بطلانه وفساده، نعم تتعلق الصحة بأصل القرض ورأس المال.
ولو إنحصرت الكتابة بمجموع القرض والفائدة لأنه المطلوب، فلا يصعب التفكيك بينهما، ومعرفة الحق من الباطل حتى من قبل الورثة، ومن الإعجاز في الآية أعلاه أن مقدار الفائدة الربوية يخرج عن مسمى الدين، فلا تشمله أحكام الآية لأنه شرط جائز متعلق بأصل الدين.
وأيهما أفضل القرض أم المضاربة.
الجواب كل بحسب الحال ومناسبة الموضوع، وذات الأشخاص، وهو من السعة في رحمة الله، ومصاديق الإحسان بين المسلمين، وأفراد الرحمة التي يتعاطف بها في الدنيا، وتعدد أسباب الأجر والثواب.
وليس بين الزوج والزوجة، والولد والوالد ربا، وفي الحديث عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم(أنت ومالك لأبيك)( ).
قانون”دار التسخير’’
لقد أراد الله عز وجل أن تكون الحياة الدنيا آية من بديع صنعه، وليس من حصر لأفراد الآيات في الحياة، الدنيا من جهات:
الأولى: عدد وكثرة الآيات في الدنيا.
الثانية: الإعجاز والتحدي في كل فرد من آيات الحياة الدنيا.
الثالثة:كل آية في الحياة الدنيا إنحلالية وهي بذاتها مركبة من آيات متكثرة تجعل الخلائق تخر إلى الله عز وجل ساجدة تعظيماً وإجلالاً وخشوعاً، لذا فحينما إحتج الله على الملائكة بقوله تعالى[إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( )، في تأهيل الإنسان لخلافة الأرض بادروا إلى المستحدثة فيهاب الخلافة لتسبيح والتقديس لمقام الربوبية، وقالوا[سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا]( ).
أي أننا نعلم آياتك وبديع خلقك في السماء، ولم نعلم سوف يكون في الأرض لامتناه من المعجزات والبراهين التي تدل على بديع الخلق والإيجاد والتكوين، وأن الأرض ستعمر بذكر الله وتضئ مساجدها لأهل السماء كما تضيئ النجوم لأهل الأرض.
ولما جعل الله عز وجل الإنسان خليفة في الأرض فانه هيئ له أسباب العز والفخر وبحبوحة من العيش.
وجاءت آيات التسخير لبيان تعدد النعم الإلهية، وإتصال وإستمرار كل واحدة منها، سواء كانت آية كونية أو أرضية، وتفضل الله عز وجل وذكر غاية التسخير وأنه من أجل الناس جميعاً وهي على وجوه:
الأول: نعمة إشراقة وضياء الشمس، قال تعالى[وَسَخَّرَ لَكُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ]( ).
الثاني: نعمة نور القمر، وإطلالته هلالاً ثم إستمراره بالزيادة إلى أن يصير بدراً فيأخذ بالنقص إلى أن يتضاءل في ليالي المحاق، ثم يطل في الشهر اللاحق، قال تعالى[وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ]( ).
لقد عبد قوم الشمس، وآخرون القمر كما تجلى في إحتجاج إبراهيم عليه السلام على قومه[فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي]( )، فجاء التغيير الحاصل في اليوم والليلة في الشمس والقمر لبيان أنهما من عالم الإمكان، ليكون وفق القياس الإقتراني:
الكبرى: كل ممكن محتاج.
الصغرى:كل من الشمس والقمر ممكن.
النتيجة: كل من الشمس والقمر محتاج.
ويقال: (سَخَرْتُه بمعنى سَخَّرْتُه أَي قَهَرْتُه وذللته) ( )، ليكون من مفاهيم قوله تعالى أعلاه[وَسَخَّرَ لَكُمْ] أي أن هذه الأفلاك زاجر عن الشرك والضلالة مثلما أن كل فرد منها دعوة للتفكر في بديع صنع الله، وعلة للإقرار بربوبيته وعبادته.
الثالث:تفضل الله عز وجل بانتفاع الناس من الليل والنهار، وتعاقبهما على الأرض والآفاق، قال تعالى[وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ] ( ).
الرابع:إنتفاع الناس من نعمة البحر، وتذليله لهم لركوبهم ونقل أمتعتهم وتجارتهم إلى جانب الثروات البحرية، قال تعالى[وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ]( )، وفيه دعوة سماوية للناس بلزوم الإنتفاع الأمثل من هذه النعم بالتنزه عن أكل الربا، وعدم توظيف هذه النعم في المعصية والحرام مطلقاً.
الخامس:جعل الله كل ما في الأرض منقاداً للناس بفضل منه تعالى.
ومن الإعجاز في آيات التسخير أن التسخير من الله عز وجل، فهو الذي ذلّ وقهر هذه الأفلاك والكائنات، وجعلها منقادة للناس جميعاً رأفة ورحمة منه تعالى.
ولو إجتمع الناس على جعل هذه الكائنات منقادة لعجزوا عن تسخير أي فرد منها مع العلوم والوسائل التقنية والأحوال التي عندهم، فهذه الأكوان والكائنات لا تستجيب إلا لله عز وجل، كما في قوله تعالى[فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ]( ).
السادس: الإطلاق في تسخير الكائنات السماوية والأرضية للناس بقوله تعالى[وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ]( )، وفيه أذن من الله عز وجل للناس بالسعي وتوظيف العلم للإنتفاع من الأرض وما في باطنها ومن الكواكب والأفلاك.
ومن إعجاز القرآن ذكر الجبال على نحو مستقل في الذكر بخصوص الأمانة، قال تعالى[إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ]( ).
فقد جاء ذكر الجبال على نحو مستقل في باب تسخير الكائنات للناس، قال تعالى[وَتَنْحِتُونَ مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ]( )، كما تفضل الله بتسخيرها لداود بقوله تعالى[وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ]( ).
وهل من صلة بين الخلافة في الأرض والأمانة المذكورة في الآية أعلاه، والنهي عن الربا.
الجواب نعم، فمن وظائف الخلافة طاعة الله، ومن الأمانة تعاهد العبادات وإجتناب المعاصي والظلم والتعدي.
السابع:جاءت آيات التسخير بغايات حميدة متعددة إلى جانب بيان نعمة التسخير والمنافع من كل فرد منها، فمثلاً ذكرت الآيات تسخير البحار للناس، وصيد الأسماك وركوب الفلك وجريان الناقلات، ليكون نظام العولمة في هذا الزمان من رشحات تسخير الله عز وجل للبحار ومسالك الأرض للناس وإنتقالهم وحمل تجاراتهم فيها، وصيرورة البلدان متقاربة، والصناعات والتجارات مزدهرة، وأن قوله تعالى[عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ]( )، بما سخّر الله عز وجل للإنسان من أسباب العلم ومقدمات الإبتكار ومواد الصناعة، ومن باب الشكر لله إجتناب الربا في المعاملات.
وذكر تسخير الله الأنهار للناس بقوله تعالى[وَسَخَّرَ لَكُمْ] وذكرها القرآن بصيغة الجمع وأنها مسخرة للمسلمين لورود الآية بصيغة الخطاب[لَكُمْ] وتلقاها المسلمون بالقبول، ولم يقل جماعة منهم أنّا لم نركب البحار.
ولم تمر الأيام والليالي حتى قام بعض الصحابة بركوب البحر في الغزو والجهاد في سبيل الله، فركبوا بحر القلزم أي البحر الأحمر لفتح مصر، وكذا غيره من البحار
وعن أنس بن مالك قال(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب إلى قباء يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه وكانت تحت عبادة بن الصامت فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فنام يوماً ثم استيقظ وهو يضحك قالت ما يضحكك قال ناس من أمتي عرضوا عليَّ غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكاً على الأسّرة , قالت فقلت ادع الله أن يجعلني منهم فدعا لها)( )،
وهو من عمومات البشارة في قوله تعالى في قصة يوسف[ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ] ( ).
وفي ذكر البحار والأنهار مجتمعات ومتفرقات في آيات التسخير مسائل:
الأولى: إنه باعث للمسلمين للتفقه في أمور الدنيا.
الثانية: معرفة أحوال أهل الأرض.
الثالثة: بيان تعدد النعم الإلهية على الناس.
وفيه أمور:
الأول:الدعوة لدراسة التباين في سنخية ووظائف ومنافع كل من البحار والأنهار.
الثاني: معرفة الإختلاف في نشوء كل من البحار والنهار، ومدة إستمرار كل منهما، فقد تجف مياه كثير من النهار ولكن البحار أطول في أجلها وبقائها.
الثالث: الإعجاز في الخلق والإيجاد في كل من:
الأول:البحار.
الثاني:الأنهار.
الثالث:التباين بين البحار والأنهار في السعة وماهية الماء والمنافع.
الرابع: وجوه الإلتقاء بين البحار والأنهار.
الخامس: التداخل والإتصال بين البحار والأنهار، وإنصباب ماء الأنهار في البحار.
لقد جاء القرآن بأمهات الموجودات والآيات الكونية التي جعلها الله مسخرة للإنسان، وقد وردت مادة(سخّر) في القرآن إثنتين وعشرين مرة منها بصيغة المبني للمعلوم في ثمان عشرة آية، والتسخير فيها كلها منسوب لله عز وجل،
كما وردت بصيغة المبني للمجهول أربع مرات قال تعالى[وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ] ( )، والبناء للمجهول في هذه الآيات إعجاز قرآني من وجوه:
الأول:إنتفاء الشريك لله عز وجل في السماوات والأرض.
الثاني:إنعدام أي سلطان وأمر في الكائنات إلا سلطان وأمر الله عز وجل قال تعالى[قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ] ( ).
الثالث:حاجة الخلائق لله سبحانه في حركتها وسيرها وتأثير بعضها ببعض.
الرابع:الله وحده هو القادر على حفظ النظام الكوني.
الخامس: فيه دعوة للإستدلال على إنقياد جميع الخلائق لله عز وجل بالبرهان اللمي، وهو الإستدلال بالعلة على المعلول، والبرهان الإني وهو الإستدلال من المعلول على العلة.
وفي التسخير وذات الكائنات وطاعتها المطلقة لله عز وجل أمور:
الأول: إنه من الشواهد على ربوبية الله لكل شئ، ومن خصائص [خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( )، أن كل مكلف منهم ذكراً أو أنثى يتلو على نحو الوجوب عدة مرات في اليوم [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ]( ).
الثاني: وجوب عبادة الله.
الثالث: لزوم الإمتناع عن المعاصي والسيئات، ومنها أكل الربا.
وكما جعل الله عز وجل الكائنات منقادة له فان الملائكة والإنس والجن منقادون لأمره، قال تعالى[وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً]( )، أي أن جميع المسخرات، والذين سخرت لهم لا يستطيعون الخروج عن أمر الله عز وجل، وكل من المسخر، بالفتح، والمسَخر له محتاج إلى مشيئته وإرادته سبحانه.
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار التسخير، وكل شئ فيها مسخر للإنسان بما هو إنسان، أما مع إختياره الإيمان فإن النعم تتضاعف عليه أضعافاً مضاعفة، وهي من شكر الله عز وجل العاجل له على صلاحه وشكره لله على النعم التي سخّرها له ولآبائه وأبنائه، وفيه شاهد ومصداق لقوله تعالى[إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ]( ).
وتكون رأفة الله على الأبناء أكثر من رأفة أبيهم بهم، ولولا إدراك الإنسان للنعم التي سخّرها الله عز وجل لأبنائه من بعده، ليكون من شكر الإنسان لله عز وجل على نعمة التخفيف هذه، وأسباب الترغيب بالولد بضمان رزقه بفضل من الله عز وجل هو تأديب الأبناء بالإبتعاد عن الربا، وما نهى الله عز وجل عنه مطلقاً.
ولولا النعم المسخّرة من الله عز وجل للإنسان لعزف شطر من الناس عن إنجاب الولد وإجتنبوا الإكثار من النسل وأعرض بعضهم عن الزواج وما فيه من مشاق الكسب التي تستحدث ليكون من حكمة الله تسخير المخلوقات للناس، وجعل إنتقالهم منها غير محدود، وكل جيل يستفيد منها أضعاف إنتفاع أجيال سابقة وهو من عمومات قوله تعالى[فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ] ( ).
فجاء النهي والتحذير بقوله تعالى[لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً]( )، ليكون هذا النهي قانوناً ثابتاً في الأرض، وشكرا لله عز وجل في كل زمان على ما سخّر للناس من النعم الظاهرة والباطنة.
إن الإمتناع عن الربا شكر لله عز وجل، ويحتمل إمتناع المسلمين عن الربا في المقام أموراً:
الأول: إنه شكر لله على ما أنعم عليهم.
الثاني:إنه شكر لله على ما أنعم على الناس مجتمعين، ومتفرقين.
الثالث: شكر لله عز وجل على النعم الخاصة التي تجمع بين المسلمين والناس.
والصحيح هو الثاني وهو من معاني ومصاديق السعة في فضل الله عز وجل على المسلمين والناس فمثلاً يتلو المسلمون آيات الشكر لله عز وجل بقصد القرآنية فيحتسبها الله عز وجل لهم شكراً على نعمه وما سخّر لهم وللناس جميعاً منها، في زمان التلاوة والأزمان اللاحقة، لتتجدد نعمة التسخير كماً وكيفاً وأفراداً وهو من عمومات قوله تعالى[وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا]( ).
خروج السجناء إلى الجمعة
ومن آداب القضاء في الإسلام عناية القاضي بشؤون المسجونين والتوسعة عليهم وفق القواعد الشرعية والإجتماعية، لأنهم في بلاء وعذاب، وقد يكون بعضهم يستحق عقوبة أخف، أو أن أدلة مستحدثة تدل على براءته، أو أن مدة حكمه إنتهت.
إن إختصاص دراسة القضاء بالجامعات المدنية والأحكام الوضعية التي يكون شطر منها مستقرأ من القضاء الفرنسي وغيره يجب ألا يحول دون دراسة القضاة والمحامين لأحكام القرآن والسنة النبوية الشريفة في القضاء وقواعد الحكم.
وتأخذ وتستقرأ الدول والملل الأخرى قوانينها من الإسلام خصوصاً في زمان العولمة, وتجلي المصاديق التي تدل على التكامل في أحكام القضاء الإسلامي بما ينفع أفراد المجتمع عامة، وأطراف الدعوى والخصومة خاصة، ويساهم في عمارة الأرض بعبادة الله، وفي الخلافة الإسلامية دروس وسنن في القضاء.
إن رجال القضاء والمحاماة المؤمنين مطالبون بتأليف مؤلفات في القضاء وفق الشريعة الإسلامية، وعلى منظمة المؤتمر الإسلامي ونحوها ترجمة هذه المجلدات إلى إمهات اللغات في العالم، وإنشاء كليات خاصة بالقضاء الإسلامي ليكون خريجوها نواة للقضاء والإدعاء والمحاماة في محاكم إسلامية محصنة ولا ضير بأن تكون هذه المحاكم في عرض المحاكم الوضعية الأخرى بحيث يترك لطرفي الخصومة إختيار المحكمة التي يريدون كما يحصل في بعض البلدان.
وجاء التشديد في الحكم والقضاء في القرآن بما لم يأت في غيره، قال تعالى[وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ]( )، والندوات والبرامج الفضائية الخاصة بالقضاء الإسلامي مع دراسة مقارنة بينه وبين القوانين الغريبة والوضعية، وبيان الإعجاز والمائز الذي يرجح القضاء الإسلامي.
وما يتصف به القضاء الإسلامي إصلاح المجتمعات، وإستئصال الجريمة، كما يتجلى في أحكام القصاص، قال تعالى[كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ]( )، وما فيهمن إمتناع الإنسان عن الإقدام على الجناية خشية أن يقتص منه، وكما في حكم قطع يد السارق بقوله تعالى[وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا]( ).
ونزلت هذه الأحكام والإسلام في بداياته، ويحتاج أولئك الذين يمتلكون الجرأة والإقدام لمواجهة الأعداء والمعتدين لقريش التي زحفت بخيلها وخيلائها على المدينة المنورة في معركة بدر وأحد والخندق، فلم يخش النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من أولئك الجناة , وإحتمال إشاعتهم الفوضى والسلب في المدينة، والسعي للحيلولة دون ظهور دولة الإسلام وتطبيق أحكامه.
فكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يبلغ ما ينزل عليه من الآيات ومنها آيات الأحكام والقضاء والقصاص، قال تعالى[يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ]( ).
وكان الإمام علي عليه السلام يخرج السجناء إلى صلاة الجمعة، وفيه مسائل:
الأولى: أداء السجين صلاة الجمعة مع جماعة المسلمين ولابد أنه في موضع خاص مهيئ للسجناء.
الثانية:إنه مدرسة إصلاح للسجون، وتنمية الأخلاق الحميدة عند السجناء.
الثالثة: طرد لليأس من نفوس السجناء.
الرابع:إحتمال إسقاط الغريم الدين عن المدين وان لم يكن معسراً، إذ لا يجوز حبس المعسر.
الخامس: بيان المرتبة السامية التي عليها نظام السجون في الإسلام، فلم تستطع جمعيات حقوق الإنسان والنظم المدنية بلوغ تلك المرتبة.
السادس: تأكيد موضوعية صلاة الجمعة، وبيان أهميتها بحيث تقوم الدولة باحضار السجناء لأدائها.
السابع:الموعظة والإعتبار للناس جميعاً، وإعطاء درس للمؤمنين بلزوم إجتناب أسباب ومقدمات دخول السجن.
الثامن: بيان حقيقة وهي أن السجناء غير مظلومين، وأنهم ليسوا سجناء رأي ونحوه، وإظهار دليل بحسن معاملة السجناء، لأن السجين يكون عند إخراجه للصلاة في مندوحة وسعة وباستطاعته الكلام وإخبار الناس عن حاله.
التاسع: لزوم تعاهد صلاة الجمعة، وعدم الملازمة بين دخول السجن والإنقطاع عنها، أو إنحصار أدائها داخل السجن.
العاشر: بعث السجناء على تعاهد صلاة الجماعة والجمعة في السجن، وهو من عمومات قوله تعالى[حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى]( )، وليس كل السجناء يحضرون صلاة الجمعة، في المسجد الجامع، فان السجناء الباقين يقيمونها في السجن مع الإمكان، ثم يلتقون بالذين أدّوها في المسجد الجامع لينقلوا لهم تفاصيل ووقائع الصلاة ومضامين الخطبة.
الحادي عشر: تأكيد مذاق الحرية، وطعم السلامة من الجناية وما يلحق بها من العقاب.
الثاني عشر: تذكير الناس بالعقاب الأخروي وسجن الكافرين والظالمين في العذاب الدائم، وحثهم على اللجوء إلى التوبة والإنابة، علماً بان عدد السجناء في صدر الإسلام قليل، وهو في أغلبه في الغرماء، ومتعلق بالإنجاز والوفاء بالعهد والدين وليس سجناء إلى سنوات وآجال محددة.
الثالث عشر:من بركات صلاة الجمعة خروج السجناء من السجن ساعتها بصيغة عبادية ورجاء الفرج.
أما بالنسبة السجن النساء في الإسلام، فالأمر مختلف عن حال الرجال، فالأهم في المقام أن المرأة لا تقتل في المعركة ولا يجهز عليها، (وعن ابن عمر قال: وجُدت امرأة في بعض مغازي النبيّ صلى الله عليه وسلم مقتولة، فأنكر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قتلَ النساء والصبيان)( ).
وإذا سجنت المرأة فأنه صلى الله عليه وآله وسلم يجعلها في حضيرة من قصب في باب المسجد، ويكون موضوع السجن في الغالب لأمر إحترازي، وعندما إنهزم عدي بن حاتم( ) إلى بلاد الشام لما رأى جيش المسلمين، وترك أخته سفانة بنت حاتم، فجاءوا بها في(سَبَايَا مِنْ طَيّئٍ وَقَدْ بَلَغَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ هَرَبِي إلَى الشّامِ ، قَالَ فَجُعِلَتْ بِنْتُ حَاتِمٍ فِي حَظِيرَةٍ بِبَابِ الْمَسْجِدِ كَانَتْ السّبَايَا يُحْبَسْنَ فِيهَا ، فَمَرّ بِهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَامَتْ إلَيْهِ وَكَانَتْ امرأة جَزْلَةً فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللّهِ هَلَكَ الْوَالِدُ وَغَابَ الْوَافِدُ فَامْنُنْ عَلَيّ مَنّ اللّهُ عَلَيْك . قَالَ وَمَنْ وَافِدُك ؟ قَالَتْ عَدِيّ بْنُ حَاتِمٍ . قَالَ الْفَارّ مِنْ اللّهِ وَرَسُولِهِ ؟ قَالَتْ ثُمّ مَضَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَتَرَكَنِي ، حَتّى إذَا كَانَ مِنْ الْغَدِ مَرّ بِي ، فَقُلْت لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ وَقَالَ لِي مِثْلَ مَا قَالَ بِالْأَمْسِ . قَالَتْ حَتّى إذَا كَانَ بَعْدَ الْغَدِ مَرّ بِي وَقَدْ يَئِسْت مِنْهُ فَأَشَارَ إلَيّ رَجُلٌ مِنْ خَلْفِهِ أَنْ قَوْمِي فَكَلّمِيهِ قَالَتْ فَقُمْت إلَيْهِ فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللّهِ هَلَكَ الْوَالِدُ وَغَابَ الْوَافِدُ فَامْنُنْ عَلَيّ مَنّ اللّهُ عَلَيْك ؛ فَقَالَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ فَعَلْتُ فَلَا تَعْجَلِي بِخُرُوجِ حَتّى تَجِدِي مِنْ قَوْمِك مَنْ يَكُونُ لَك ثِقَةً حَتّى يُبَلّغُك إلَى بِلَادِك ، ثُمّ آذِنِينِي . فَسَأَلْت عَنْ الرّجُلِ الّذِي أَشَارَ إلَيّ أَنْ أُكَلّمَهُ فَقِيلَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللّهِ عَلَيْهِ وَأَقَمْت حَتّى قَدِمَ رَكْبٌ مِنْ بَلِيّ أَوْ قُضَاعَةَ ، قَالَتْ وَإِنّمَا أُرِيدُ أَنْ آتِيَ أَخِي بِالشّامِ . قَالَتْ فَجِئْت رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللّهِ قَدْ قَدِمَ رَهْطٌ مِنْ قَوْمِي ، لِي فِيهِمْ ثِقَةٌ وَبَلَاغٌ . قَالَتْ فَكَسَانِي رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَحَمَلَنِي ، وَأَعْطَانِي نَفَقَةً فَخَرَجْت مَعَهُمْ حَتّى قَدِمْت الشّامَ)( ).
ويبين الحديث أمرين:
الأول: أن سجن النساء في باب المسجد من حظيرة تصنع من أغصان الشجر والحجارة، لترى النساء عبادة المسلمين ونسكهم وصلاتهم، وصيرورتهن في أمان وحرز.
الثاني: قرب وإمكان الشكوى من النساء.
الثالث: أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم كان يتفقد السجن كل يوم إذ يمر عليه فيكون بمقدور المرأة بين حالها ومسألتها.
الرابع: التعجيل بخروج المرأة من هذا السجن الإحترازي لما فيه نفعها وسلامتها.
الخامس: خروج المرأة من السجن بإمتلاء قلبها بالإيمان لما ترى من المعجزات والبراهين الساطعة على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فعندما وصلت سفانة إلى الشام ودخلت على عدي، ما زالت معه حتى أقنعته بلزوم اللحاق بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسم وترك ما عليه من دين النصرانية(قَالَ عَدِيّ : فَوَ اَللّهِ إنّي لَقَاعِدٌ فِي أَهْلِي ، إذْ نَظَرْت إلَى ظَعِينَةٍ تَصُوبُ إلَيّ تُؤْمِنَا، قَالَ فَقُلْت ابْنَةُ حَاتِمٍ قَالَ فَإِذَا هِيَ هِيَ فَلَمّا وَقَفَتْ عَلَيّ انْسَحَلَتْ تَقُول: الْقَاطِعُ الظّالِمُ احْتَمَلْتَ بِأَهْلِك وَوَلَدِك، وَتَرَكْت بَقِيّةَ وَالِدِك عَوْرَتَك، قَالَ قُلْت: أَيْ أُخَيّةُ لَا تَقُولِي إلّا خَيْرًا، فَوَ اَللّهِ مَا لِي مِنْ عُذْرٍ لَقَدْ صَنَعْتُ مَا ذَكَرْت. قَالَ ثُمّ نَزَلَتْ فَأَقَامَتْ عِنْدِي، فَقُلْت لَهَا: وَكَانَتْ امرأة حَازِمَةً مَاذَا تَرَيْنَ فِي أَمْرِ هَذَا الرّجُلِ؟ قَالَتْ أَرَى وَاَللّهِ أَنْ تَلْحَقَ بِهِ سَرِيعًا، فَإِنْ يَكُنْ الرّجُلُ نَبِيّا فَلِلسّابِقِ إلَيْهِ فَضْلُهُ وَإِنْ يَكُنْ مَلِكًا فَلَنْ تَذِلّ فِي عِزّ الْيَمَنِ، وَأَنْتَ أَنْتَ. قَالَ قُلْت: وَاَللّهِ إنّ هَذَا الرّأْيُ)( ).
وقد وردت مادة(سجن) في القرآن عشر مرات كلها في سورة يوسف التي جاء خاصة بقصته عليه السلام، باستثناء واحدة جاءت في وعيد فرعون لموسى عليه السلام وقال[قَالَ لَئِنْ اتَّخَذْتَ إِلَهًَا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنْ الْمَسْجُونِينَ] ( ).
فلم يستطع فرعون سجن موسى عليه السلام مع أنه أعلن بحضرة فرعون أن الله عز وجل هو إله العالمين وأن فرعون مفتر كذاب.
وهل يمكن تأسيس قاعدة وهي أن الرسل الخمسة أولي العزم لم يتعرضوا للسجن وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم مع أن كل واحد منهم واجه أمة كافرة بيدها الحكم والسلطان.
الجواب نعم، وتلك آية في أسرار النبوة، وشاهد على وهن حكم الكافرين، وتأكيد بأن[أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا] ( ).
ومن كفر وتجبر فرعون أن وعيده لفرعون المذكور في الآية أعلاه جاء بعد أن إحتج عليه موسى عليه السلام بأمور:
الأول:أن الله عز وجل رب العالمين.
الثاني:بيان عظمة خلق السموات والأرض، وإتخاذها برهاناً إنياً لإدراك عظمة الخالق بلحاظ مخلوقاته.
الثالث:نفي موسى لربوبية فرعون، وإبطال إدعائه الإلوهية كما ورد في التنزيل حكاية عن موسى[قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمْ الأَوَّلِينَ]( )، وفي كلامه هذا تحد وتوبيخ إضافي لفرعون، إذ جعله في عرض واحد مع الملأ من قومه وجلسائه بأن الناس جميعاً مربوبون وعبيد لله، وكان المرتكز بينهم أن فرعون هو الإله لهم.
و(قيل:كانوا خمسمائة رجل عليهم الأساور وكانت للملوك خاصة) ( )، فلاغرابة أن يوجه الإنذار والوعيد لموسى عليه السلام، ليكون تخويفاً لأشراف قومه الذين إستمعوا إلى إحتجاج موسى عليه السلام وزاجراً لهم عن الإيمان بالله، والتسليم بربوبيته، والتصديق بنبوة موسى عليه السلام.
ولم يقل فرعون لموسى عليه السلام لأسجنك، أو كما قالت امرأة العزيز بخصوص يوسف عليه السلام[إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ]( ). بل توعد فرعون موسى عليه السلام بأن يجعله من المسجونين.
وفي هذا الوعيد مسائل:
الأولى: يدل هذا الوعيد بالدلالة التضمنية على شدة العذاب في سجون فرعون (وذكر أنه يطرح السجين في هوة عميقة في الأرض منفرداً لايبصر فيها ولا يسمع.
الثانية:منع فرعون من الدعوة إلى الله بين الناس.
الثالثة:بعث الفزع والخوف في قلوب الملأ من قوم فرعون.
الرابعة:تأكيد فرعون لإستكباره وجحوده وعناده، ليكون إنذاراً لقومه بأن عذابه قادم، وإن حكمه وسلطانه إلى زوال، وفيه زجر لهم عن الخروج معه خلف موسى وبني إسرائيل، ودعوة لهم للنجاة من الهلاك، إذ أنهم هلكوا جميعاً، وعن المقريزي أن نساءهم تزوجن عبيدهن وإشترطن عليهم ألا يفعلوا أمراً إلا ياذنهن ومشورتهن.
وفي الجمع بين الوعيد لموسى عليه السلام بالسجن، وحال يوسف عليه السلام بالسجن يبدو أن السجن في أيام يوسف وهو متأخر زماناً على أيام موسى كان أخف وطأة، وأقل شدة من أيام فرعون مما يدل بأن حقبة من التجبر والطغيان قد زالت عن الأرض بهلاك فرعون موسى، وهو من عظيم قدرة الله، وسعة سلطانه فهو سبحانه بأن هلك مدع الإلوهية في الأرض ليأتي غيره بذات الدعوى لتطوى صفحة[أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى]( )، إلى يوم القيامة.

قانون”الكسب بالحلال’’
لقد جعل الله عز وجل الدنيا مملوءة بأسباب الرزق الكريم، فما أن يسعى في سبل الكسب الإنسان حتى تتهيئ له أسباب العيش الكريم، بما يكفي لحاجاته الضرورية من المأكل والمشرب واللبس وورد الحث على الكسب، وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال: باكروا طلب الرزق والحوائج فإن الغدو بركة ونجاح( )، والتباين بين الناس في ذات الحاجات، والرغائب وكل فرد منها من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً، فما يكون حاجة عن إنسان في بيئة مخصوصة يكون أمراً زائداً وحلماً عند آخر غيره، وكذا بالنسبة للرغائب فانه ليس لها من طرف الكثرة، وإذا كانت أكبر من الق والواقع فقد تصير سبباً للبطش والغصب وأكل الربا.
فجاءت آية البحث بجعل الرغائب والأماني وفق الميسور لتكون على وجوه:
الأول: الرضا بما قسم الله.
الثاني:التنزه عن أكل الربا.
الثالث:عدم اللهث وراء جمع الأموال بالحق والباطل.
لقد جاءت السنة بالحث على الإجمال في الطب.
وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: أَجْمِلُوا فِى طَلَبِ الدُّنْيَا فَإِنَّ كُلاًّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ( ).
وفيه بعث للسكينة بأن ما كتب للإنسان من الرزق يصله بالحلال ومن غير عناء ومشقة، وفيه مسائل:
الأولى:التخفيف عن الناس مطلقاً.
الثانية: إنه بيان عملي لعظيم قدرة الله، قال تعالى[وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ]( ).
الثالثة:تأكيد رحمة الله بالناس جميعاً في الحياة اليومية، وإنعدام المانع من وصول ماكتب لهم من الرزق الكريم، قال تعالى[إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ]( ).
الرابعة:إرادة توجه المسلمين لأداء وظائفهم العبادية والجهادية.
الخامسة:دعوة المسلمين للتفقه في الدين بلحاظ صيرورة مندوحة في الوقت والفراغ عند كل مسلم ينتفعون منها في طلب العلم والتذاكر في مرضاة الله وعن عبد الله بن بشر قال: أتى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رجل فقال:يا رسول الله إن شرائع الإِسلام قد كثرت علي فأخبرني بشيء أستن به، قال:لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله( )، وهل تناهي المسلمين عن الربا من ذكر الله الجواب نعم، فانه طاعة لله، وسعي لمرضاته ومن مصاديق الوجوب العبادي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
السادسة:بناء حياة أسرية كريمة، وأداء الواجبات نحو العيال وتربية الأولاد، لأن الإنشغال بالكسب والطلب قد يستحوذ على أوقات الإنسان.
السابعة: إظهار المسلمين الرضا بما كتب الله، والتوجه له بالشكر تعالى على اليسير والكثير، فكل فرد من الرزق من المأكل والمشرب واللبس نعمة عظيمة.
وليس من تعارض بين الكسب والدعاء، وذات الدعاء كسب وسبب للكسب.
وهل الدعاء من الإجمال في الطلب، الجواب لا، ولكنه متمم للإجمال، وسبب لجعل البركة فيما يأتي بالطلب القليل، والزيادة في الكسب.
وقالوا أن الأصول المحرمة خمسة وهي:
الأول: الزنا.
الثاني: القتل.
الثالث: السرقة
الرابع: ترك الصنايع.
الخامس: الظلم.
ولا دليل على تقسيم المحرمات إلى أصول وفروع، نعم ورد تقسيمها إلى كبائر وصغائر ويدخل الربا في الظلم لأنه ظلم للذات والغير وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال(“اجْتَنبوا السَّبْعَ الموبقات” قيل: يا رسول الله، وما هن؟ قال: “الشِّرْكُ بالله، والسِّحْر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولِّي يوم الزَّحْفِ، وقَذْفُ المحصنات المؤمنات الغافلات”)( )، وقد ورد في ذم وبيان قبح الربا ما لم يرد في غيره، (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِرْهَمٌ رِبًا يَأْكُلُهُ الرَّجُلُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَشَدُّ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ زَنْيَةً)( ).
ومن خصائص الكسب الحلال أنه يبعث الغبطة والبهجة في النفس لخلوه من ظلم الذات والغير، فلا تتسرب فيه الحسرة إلى النفس لما يلحق النفس أو الغير من الضرر بسبب هذا الكسب.
وهذه الغبطة سبب للسلامة من أدران وأمراض عرضية تلحق الإنسان من الشعور بالذنب والهّم بالحزن الذي يصاحب الظلم.
وهل هذه البهجة من عمومات رد الله عز وجل على الملائكة حينما أنكروا جعل آدم خليفة في الأرض بقوله تعالى [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ).
الجواب نعم، فان النفس الإنسانية تميل بفطرتها إلى الكسب الحلال لما فيه من السعادة والغبطة المترشحة من سيادة أسباب الصلاح في الأرض، وبرزخ دون إشاعة الظلم، وسفك الدماء في الأرض، وهذا الميل من عمومات قوله تعالى[فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا]( ).
فلا أحد يعلم منافع هذا النفخ في ماهية الإنسان وإختياراته وسنخية أفعاله إلا الله عز وجل، وتتجلى تلك المنافع بآيات من الحسن في أقوال وأفعال بني آدم، وميلهم الفطري إلى عبادة الله، ونفرتهم من الربا، وما فيه من الظلم، لذا ترى الكثير من أطراف الربا في حال لوم للذات وعبوس مستمر.
فجاءت آية البحث لتكون وسيلة أخلاقية لإصلاح المجتمعات ومنسئة في الأجل لإنتفاء الشعور بالحسرة الذي يترشح عن أكل أموال الآخرين بالباطل.
ومن المدد الذي أنعم به الله عز وجل على المسلمين هو الندب إلى القرض والترغيب فيه وذكر منافعه العظيمة في الآخرة، إذ يحتسب للمقرض صدقة كل يوم بقدر القرض، وفيه ترغيب للناس بالقرض، ومن مفاهيم وآثار هذا الترغيب إجتناب الربا، وعدم الطمع في الأضعاف المضاعفة منه.
ومن خصائص القرض أنه ينشر معاني المودة والأخوّة بين الناس، ويكون سبباً للكسب الحلال، وإقتداء المقترض بالمقرض في إحسانه، بالإضافة إلى عدم وجود أرباح ابوية على القرض يتعجل جمع الأموال ويغض الطرف عن موضوعية أمرين متداخلين:
الأول: الكسب والعمل.
الثاني:الحلية في الكسب.
فلذا جاء اللعن من النبي لأطراف الربا كلها، لما يبعثه القرض الربوي من نية جمع المال حتى مع التعدي والظلم.
وأصل الكسب وتهيئته أسباب العيشة محبوب عند الله عز وجل، وحث عليه الشرع للكفاية وللتوسعة على العباد.
وقد عمل أشرف الناس وهم الأنبياء، وسعوا في الكسب لأنفسهم وعوائلهم، ولم يكونوا عالة على غيرهم، مع أن أنصار وأتباع الأنبياء من مراتب متباينة في الغنى والفقر، وشطر منهم مستعد لدفع أمواله كلها للنبي، وفي نزول قوله تعالى[قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى]( ).
ذكر أن الأنصار جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: إنا قد آوينا ونصرنا فخذ طائفة من أموالنا فاستعن بها على ما نابك فانزل الله الآية أعلاه( ).
وورد في الحديث عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلاَّ رَاعِىَ غَنَمٍ، قَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: وَأَنَا كُنْتُ أَرْعَاهَا لأَهْلِ مَكَّةَ بِالْقَرَارِيطِ( ).
وفي الخبر أن إدريس كان خياطاً، ومن فلسفة عمل الأنبياء في الرعي والزراعة أمور:
الأول:التوجه إلى الله بالدعاء لنزول الغيث وإحياء الأرض.
الثاني:معرفة كيفية العناية بالناس وشؤونهم.
الثالث:الكسب الحلال.
الرابع:التضرع إلى الله برجاء البركة.
الخامس:منع غلو الناس بالأنبياء، وفي التنزيل[قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ]( ).
والنهي عن الربا من لطف الله عز وجل بالمسلمين والناس لما فيه من البعث إلى الكسب الحلال، من التجارة والزراعة والصناعة، وتربية الأنعام، وهو مقدمة وسبب للتفقه في الدين، ومعرفة الصحيح والفاسد من الكسب، والأحكام الخاصة بكل منهما، وإلا فان الربا كسب أيضاً ولكنه فاسد.
عن رفاعة : أنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى البقيع والنأس يتبايعون فنادى: يامعشر التجار فاستجابوا له ورفعوا إليه أبصارهم وقال: إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارا إلا من اتقى وبر وصدق( ).

الإسراء وترك الربا
ورد موضوع الإسراء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيت المقدس والعروج به إلى السماء في قوله تعالى[سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى]( ).
وكما أن النهي عن الربا إكرام للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين، فكذا الإسراء فإنه غاية التشريف واللطف والإحسان، وفيه دلالة على تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الأنبياء السابقين وتفضيل المسلمين على الأمم الأخرى وهو من خصائص[خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( )، من وجوه:
الأول: خير أمة هي التي أسري بنبيها إلى السماء.
الثاني: خير أمة التي تؤمن وتصدق بالإسراء.
الثالث: تلقى المسلمون أحكام الإسراء بالرضا والقول ومنها الصلاة إذ أنها شرعت في السماء عند العروج بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (لا ترفعوني فوق حقي فإن الله تعالى اتخذني عبدا قبل أن يتخذني رسولا)( ).
وإرتقاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في سلم وطبقات السموات بصفة العبودية لا يتعارض مع صفة النبوة.
والعبد: هو الإنسان مطلقاً حراً أو رقيقاً، ذكراً أو أنثىَ، كبيراً أو صـغيراً، ويرد العبــد بمعنــى المملوك ويعـرف بالقرينة والإنسان عبد داخر لله لأنه مربــوب ومخــلوق لله، ويقال للمسلمين: عباد الله، والعابد هو الموحد، وقال ابن منظور: (عبد الله يعبده عبادة ومعبدة:تأله له)( ))( ).
ولكن ذكر صفة العبودية(بعبده) للدلالة على سمو مقام العبودية، ولمنع الناس من الإفتتان بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذ إمتاز المسلمون بالإقرار بان نبيهم وهو سيد الأنبياء عبد لله عز وجل، ولم يغالوا فيه، وفي ذم الغلو ورد قوله تعالى[وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابن اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابن اللَّهِ]( ).
لقد أراد الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يرى سعة ملك الله وبديع صنعه وعظيم مخلوقاته، ومنها عروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ذاته، وما يدل عليه من سلطان وجبروت الله عز وجل، وهو من عمومات قوله تعالى[لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ]( )، بما يفيد أن الملكية في المقام تتضمن التصرف المطلق وفق نظام دقيق.
وقوله تعالى(لنريه من آياتنا) شاهد على موضوعية العلم في الشريعة الإسلامية، دعوة للمسلمين للإحتجاج بالبرهان والحجة لبيان صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بسلاح المعجزات العقلية والحسية التي رزقه الله عز وجل، والأهم من الإحتجاج هو تسليم المسلمين بتلك المعجزات، وتعاهدهم لتقوى الله والخشية منه في السر والعلانية.
إن الله عز وجل يثني على نفسه في القرآن ويبين بديع صنعه ومن مضامين التنزيه لمقام الربوبية ما جاء في حديث الإسراء آية كونية وشرعية عظيمة وهو أمــر يتضح لك أيضاً من خلال تفاصيل ووقائع الإسراء.
إن ورود عناوين التنزيه له تعالى في مقدمة آية الإسراء برزخ وحائل دون التأويل الخاطئ لموضوع الإسراء وأوانه وغاياته فالله هو الفاعل المختار والواهب المنان.
لقد كان الإسراء من العلوم والمعارف التي خصّ بها الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وهذه الأمة المرحومة، قال تعالى[وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ]( ).
ويعتبر الإسراء مدرسة أخلاقية وتشريعية واجتماعية وتأديباً للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وللأمة، وتعليماً ورياضة للنفس على التقوى والصلاح ومحاسن الأخلاق، كما كان صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (اللهم أرنا الأشياء كما هي)( )، وقد أنعم عليه سبحانه بأن أطلعه على أحوال السماء وأسرار الكون.
والإسراء لا يحصل إلا في الليل، فالآية تحدد أوان الإسراء وانه حصل في الليل ولكن لماذا في الليل وليس في النهار، وهل هما بمرتبة عرضية واحدة، أي سواء كان الإسراء في الليل أو النهار فهو واحد أم أن الأمر مختلف، الأقوى هو الأخير وهناك خصــوصية لليل في حصول الإســراء وان كان الله واسعــاً كريماً ولو جاء عروج النبي في النهار لكانت الآيات ذاتها بفضله تعالى، ومن الآيات في حصول الإسراء في الليل:
1- أن الليل مناسبة للمناجاة والتسبيح.
2- قال تعالى [ فَلَمَّــا جَــنَّ عَلَيْهِ اللَّيْــلُ رَأَى كَوْكَبًــا قالَ هَــذَا رَبِّي]( ) أي أن ظلام الليل وما يتغشى الأرض من السكون يجعل العبد يتوجه إلى عالم الغيب والملكوت.
3- حصول الإسراء في الليل بإخبار القرآن دعوة للمسلمين للتدبر في الآيات الآفاقية وأسرار السماوات.
4- تنفي الآية الوحشة عن قلب المؤمن في ظلمة الليل الحالكة أي شديدة السواد، وتجعله ينتقل مع عالم الإسراء وعلومه المكنونة، ويسيح فكره في عالم السماوات شكراً لله وإقراراً ببديع صنعه، وعظيم فضله على المسلمين بالإسراء.
5- يعيش المؤمن في الليل إسراء روحياً يحاكي به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما يتأسى به في العبادات وأعمال البر والصلاح.
6- حصول الإسراء في الليل دعوة سماوية للإجتهاد في العبادة ساعات الليل البهيم( ).
7- عبادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإنقطاعه إلى الله تعالى مستمر في الليل والنهار.
8- النبوة جهاد متصل في جميع آنات الليل والنهار.
9- أبواب الكسب العلمي والموهبة لا تنحصر بساعات النهار.
10- في ساعات الليل وفترات السكون إفاضات من الفضل الإلهي مما لم تدركه عقول البشر.
11- الإشارة إلى حقيقة وهي صبح الإسلام قادم وأنه يطل على الناس بآية كونية سماوية.
12- تتنزل رحمة الله في أية ساعة من ساعات الليل والنهار من غير حصر بوقت محدد.
13- الناس في سكينة و يخلدون إلى النوم والنبي ينتقل إلى السماء في إكرام وتشريف خاص وعمل جهادي متصل.
14- يأتي الوحي للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو بين الناس، وأما الإسراء فانه إحتاج إلى انتقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ببدنه فأخذه الملائكة حينما إنفرد عن الناس.
15- ساعات الليل أكثر مناسبة للنجوى، ورؤية الآيات، ونفاذ البصيرة.
16- في ظلمة الليل ووسط مجتمعات الكفر والشرك ينبثق صوت الإسلام بصعود النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى السماء.
17- النبي صلى الله عليه واله وسلم ليس وحيداً في الدنيا، وغير مستوحش من أعراض الكفار وصدود مشركي قريش.
وأبواب السماء مفتحة له وهو عنوان المدد الملكوتي ومقدمة لنزول الملائكة لنصر وتثبيت رسالته كما حصل في معركة بدر قال تعالى [ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُنْزَلِينَ]( ).
ومن وجوه تفضيل النبي صلى الله عليه وآله على الأنبياء الآخرين أن موسى عليه الســلام وهو من الرسل أولي العـزم بُعث إلى بني إسرائيل وكان يخاف من فرعون، والنبي محمد صــلى الله عليه وآله واجــه الكــل بما في ذلك قريـش وأهل مكة، وفي التنزيل [ قُلْ يَا أَيُّهَـــا الْكَافِــرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُــدُونَ ]( ).
18- إنه إستقبال للنهار وللجهاد العلني في سبيل الله عز وجل، وكأن الليل عنوان الدعوة السرية في بداية البعثة النبوية.
19- يجري الإعداد للإمامة والرياسة العامة في أمور الدين والدنيا في الليل والنهار،في الليل يكون الإنقطاع إلى الله، وفي النهار الجهاد والدعوة إلى الله عز وجل.
20- وعن الإمام علي عليه السلام: “عند الصباح يحمد القوم السُرى” أي المسير بالليل وقطع المسافة بدل بقاء القوم في نفس المكان، وفيه حث على السعي والكسب وإستثمار الفرص.
21- الإسراء مقدمة جهادية لمعرفة الأحكام الشرعية وتبليغها.
22- الليل والنهار من خلق الله تعالى ومستجيبان لأمره وهما جزء من سلطانه تعالى، وجعل كل منهما آية من آياته ومناسبة كريمة لاحتواء أدق الآيات وأعظم الأسرار وسخرهما للناس جميعاً رحمة منه بالعبادة، ودعوة لهم للشكر، قال تعالى[وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ]( ).
23- الآية حث على عدم استغلال الليل في معصية الله والفواحش، فقد شرف الله الليل بان جعله وعاءً زمانيا لأعظم آية جامعة وهي الإسراء والمعراج إلى السماء.
24- تبين الآية التشريف والتفضيل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الأنبياء السابقين بخصوص الإسراء في الليل وان كان موضوع الإسراء تشريفاً ظاهراً ومستديماً، والتفضيل في الآية بلحاظ ما ورد في نبي الله موسى، قال تعالى [ فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ]( ) فكان إسراء موسى عليه السلام في الأرض مع وجل وخوف ورجاء النجاة، وإسراء النبي صلى الله وعليه وآله وسلم الأكرم صلى الله وعليه وآله وسلم إلى السماء بتكريم وعز وتحصيل للمعارف.
25- لقد اخلص النبي صلى الله عليه وآله وسلم في عبادته وانقطاعه لله تعالى، وقد جاء مدحه في القرآن بقوله تعالى[ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَي اللَّيْلِ ]( ).
26- لقد جاءت نعمة الإسراء دفعة واحدة، بينما ورد في موسى عليه السلام [ ووَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعشْرٍ ]( ) ولم يكن عروجاً إلى السماء كما في حديث الإسراء.
27- ذكر الليل جاء مطلقاً وعلى نحو التنكير ويعنى أنه في شطر وجزء من الليل، فالتنكير يدل على التبعيض والجزئية والإخبار بأن الإسراء لم يستوعب تمام الليل لبيان الإعجاز، ولأن شهر كامل مع الأسباب والرواحل تحث في الإسراء بجزء من الليل من غير آلة ووسيلة ظاهرة، بالأضافة إلى دفع وهم وسد الطريق أمام الذي يدّعي في الصباح أنه قد رأى النبي أول الليل مثلاً، لذا ترى المشركين لم يحتجوا بذلك لمحاولة نفي حصول الإسراء، كما تؤكد النصوص والروايات حصول الإسراء إلى بيت المقدس، والعروج إلى السماء في جزء وشطر من الليل، وأستشهد بقراءة عبد الله بن مسعود وحذيفة (من الليل) بدلاً من (ليلاً).
وفي نسبة الإسراء إلى الله تعالى فيها مسائل:
1- أنها حجة قرآنية.
2- تثبيت للمعجزة وشهادة قرآنية على أنها تمت بأمر وفضل الله تعالى.
3- قطع الشك والريب.
4- منع التساؤل المرتكز على المادة والأسباب الظاهرية فحسب.
5- فيها رحمة ودعوة إلى التوجه إلى الله تعالى في سؤال ما هو خارق للعادة ومفارق للأسباب والقدرة الشخصية، فقد يحصل تعارض بين آمال الإنسان وبين قدراته فغالباً ما تتخلف القدرات والإمكانيات عن الآمال والطموحات فتأتي نسبة الإسراء إلى الله تعالى لتبعث في آمال المؤمن الحياة، وتجعل نفسه مستبشرة مطمئنة.
6- في هذه التسمية المباركة بشارة التوفيق وتحقيق الأماني.
7- البعث للسعي نحو الطموحات السائغة شرعاً.
8- فيها دروس في التأسي بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وسيرته الشريفة فما يفعله إنما هو من الله تعالى وبأمره.
9- قال تعالى [ وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى ]( ) فكذا قوله وفعله وسنته صلى الله عليه وآله وسلم الفعلية لا تصدر إلا من الله تعالى، والإسراء صادر بالأولوية بأذنه تعالى لما فيه من الإعجاز والأمر الخارق.
10- فيها تشريف وأمان للمسلمين إذ أن إكرام الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم على نحو القضية الشخصية ينحل ليشمل عموم المسلمين وفي جميع الأزمنة.
11- هذه التسمية موضوع للإحتجاج على الآخرين ورد على اليهود مثلاً الذين يفتخرون بان موسى كليم الله الأمر الذي ثبته القرآن ولم ينكره ولكنه بيّن ما إنفرد به النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الخصائص والمعجزات التي تدعو الناس جميعا إلى ضرورة الإيمان برسالته وإتباعه، وقد دخل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الجنة، وصلى بالأنبياء، للدلالة على موضوعية الصلاة في الحياة اليومية للعباد، وورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم(الصلاة معراج المؤمن) ( )، فذات الصلاة عروج في عالم الملكوت، وتأكيد عملي لتنزه الله عن نقائص الإمكان، لذا جاء تشريع الصلاة في العالم العلوي ليلة الإسراء في حال الإبتعاد عن أدران الدنيا ومشاغلها، وأسباب الغفلة فيها.
وتتجلى موضوعية الصلاة بلحاظ آية البحث بالملازمة بينها وبين الإيمان ويدل قوله تعالى(يا أيها الذين آمنوا) على تعاهد المسلمين للصلاة بإعتبارها (عمود الدين) ( ) وبناء على هذه الملازمة يكون تقدير الآية(يا أيها الذين أقاموا الصلاة) نعــم الإيمان إقرار بالقلب وأمر عقائدي.
والصلاة ترجمة عملية لهذا الإقرار وشاهد عليه، أراد الله عز وجل من المسلمين إتيانه على نحو يومي متكرر، والصلاة واقية من الربا، وزاجر عنه، فسبحان الذي جعل الزاجر من الربا يومياً، وفي ذات وفعل كل مسلم ومســلمة وعلى نحو الوجوب، ليــكون من مصــاديق إيمان وإقرار المســـلم بقلبه بالربوبية لله عز وجل الإنزجار اليومي عن الربا، قال تعالى[وَلاَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ]( ).
وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في حديث الإسراء: ثم مضيت فإذا أنا بأقوام يريد أحدهم أن يقوم فلا يقدر من عظم بطنه فقلت من هؤلاء يا جبريل قال هؤلاء[الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ]( ) وإذا هم بسبيل آل فرعون يعرضون على النار غدواً وعشياً يقولون ربنا متى تقوم الساعة، وقال ثم رأيت رجالاً لهم بطون لم أر مثله قط يعرضون على النار لا يستطيعون أن يتحولوا من مكانهم ذلك فقلت يا جبريل من هؤلاء فقال هؤلاء أكلة الربا).
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(رأيت ليلة أسري بي لما انتهينا إلى السماء السابعة، فنظرت فوق فإذا رعد وبرق وصواعق”. قال: “وأتيت على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيات ترى من خارج بطونهم فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا، فلما نزلت إلى السماء الدنيا نظرت أسفل مني فإذا أنا بِرَهَج ودخان وأصوات، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذه الشياطين يحرفون على أعين بني آدم ألا يتفكرون في ملكوت السموات والأرض، ولولا ذلك لرأوا العجائب)( ).
ويبين الحديث أعلاه أن أهل الربا هم أول الناس من أصحاب النار الذين إطلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهم في حال العذاب في عالم البرزخ، وفي الحديث بيان لتفسير الآية أعلاه.
إن حديث الإسراء مدرسة في الإنذار والتحذير من قبائح الأعمال التي تجلب الخلود في العذاب، وهو آية في عالم التكوين، وإتحاد سنخية الخلائق في عائديتها إلى الله عز وجل، وقدرته تعالى في تلقي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الأحكام في السماء مثلما يتلقاها في الأرض، وهو من عمومات قوله تعالى[سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ]( )، فإن قلت إن الآية جاءت بصيغة الجمع وصيغة الخبر والإسراء آية آفاقية جرت للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بروحه وببدنه على نحو قضية عين شخصية.
والجواب من وجوه:
الأول: الإخبار عن آية الإسراء في القرآن من إراءة الله الناس الآيات والحجج.
الثاني: مجيء السنة النبوية بالإخبار عن آيات الآفاق دعوة للناس لرؤيتها لأنه من عمومات قوله تعالى[وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى *إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى]( ).
الثالث: الإسراء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم آية في النفوس، وإختراق الجسم الكثيف لطبقات السماء بمعجزة حسية من عند الله، ودعوة للناس للبحث العلمي والصعود في السماء بالعلم، قال تعالى[لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ]( ).
في شروط البيع
(مسألة 1) يصح جعل الشرط في البيع وكل عقد سواء كان عقداً لازماً أو غير لازم، ويشترط في وجوب الوفاء به أمور منها:
الأول: عدم كون الشرط حراماً شرعاً ومخالفاً للكتاب والسنة.
الثاني: كون المشروط عليه قادراً عليه ويكفي الإطمئنان العرفي بقدرته.
الثالث: أن لا يكون منافياً لمقتضى العقد.
الرابع: أن يكون العقد مبنياً عليه أما مطابقة أو تضمناً أو التزاماً بأي نحو من الإلتزامات العرفية المحاورية التي يرتكز عليها العقد ولو على نحو الإجمال والمتعارف.
الخامس: التنجز، وعدم الجهالة المؤدية إلى الغرر، وان لا يكون مستلزماً لمحال وأمر تعجيزي.
(مسألة 2) إذا امتنع المشروط عليه عن الوفاء بالشرط كان للمشروط له إجباره عليه بالطرق الشرعية، وان تعذر الإجبار كان للمشروط له الخيار وهو المسمى بخيار تخلف الشرط.
(مسألة 3) إذا تعذر على المشروط عليه الوفاء بالشرط لقصور مستحدث فيه أو لتلف الموضوع، فحينئذ يكون للمشروط له الخيار ويصير العقد جائزاً وليس له المطالبة بعوض الشرط إلا إذا كان المشروط يقابل بالمال عرفاً.
(مسألة 4) لو تعذر الشرط ولم يمكن الرجوع إلى العين لتلف أو نحوه لا يمنع ذلك من ثبوت الخيار، فلو فسخ يرجع إلى القيمة.
(مسألة 5) لا يجوز للمشروط له بعد ثبوت الخيار تأخير أعمال خياره بما يوجب الضرر على الطرف الآخر، ولو اختلفا في الشرط وعدمه، أو اختلفا في العمل به وعدمه، فالبينة على من ادعى واليمين على من أنكر، والقائل بالشرط يعتبر مدعياً.
(مسألة 6) كل شرط فاسد تختل به شرائط صحة العقد يفسد العقد به أيضاً، وكل شرط فاسد لا يسري فساده إلى أصل العقد فالعقد باق على صحته وان فسد الشرط، ومع صحة البيع وفساد الشرط يكون للمشروط له الخيار مع جهله بالحال.
(مسألة 7) لا فرق في الشرط الفاسد بين ذكره في العقد أو بناء العقد عليه.
(مسألة 8) المقبوض بالشرط الفاسد كالمقبوض بالعقد الفاسد من حيث أحكام الضمان ونحوه، والقائل بالفساد يعتبر مدعياً.
(مسألة 9) لا يجب الوفاء بالشروط التي تسبق العقد إلا إذا ابتنى العقد عليها.
ما يدخل في المبيع
يدخل في المبيع كل ما يشــمله اللفظ بحسب الانصراف والمتعارف فلو باع بستاناً دخل فيه الأرض والشجر والنخل والأبنية التي فيه وســوره وما يعتبر من توابعه ومرافقه كالبئر والناعور والحظيرة ونحوها، ولو بــاع مكتباً دخــلت فيه أثاثه ومعداته إلا مع القرينة على الخلاف، ولو باع أرضاً لا يدخل معها في العقد النخيل والأشجار والزرع الذي فيها إلا مع الشرط أو القرينة الدالة عليه عرفاً، ولو اشترى داراً دخل فيها الأرض والبناء الأعلى والأسفل والسرداب، إلا أن ينفرد الأعلى عــادة وعند أهل الخبرة كما في حال الشقق السكنية المستقلة فلا يدخل إلا مع الشرط أو القرينة وتدخل الأبواب والسلم المثبت ومفاتيح الكهرباء الثابتة في الجدار وحنفيات الماء ونحوها مما تعارف أدخاله في البيع.
(مسألة 248) يدخل الحمل في بيع الأم كالشاة والبقرة إلا مع الشرط أو جريان العرف على خلافه، أما الثمرة فلا تدخل في بيع الشجر بلا شرط أو قرينة.
(مسألة 249) لو باع نخلاً مؤبراً أي أن طلع الأناث شق وذر طلع الذكور فيه ليكون رطبها أحسن مما لم يؤبر، فالثمرة للبائع إلا مع الشرط، وان لم يكن مؤبراً كان للمشتري ويختص هذا في النخل، وأما في غير النخل فالثمرة للبائع سواء كانت مؤبرة أو لا، ولو اشترط مشتري النخل أن تكون الثمرة له صح.
(مسألة 250) إذا باع الأصول وبقيت الثمرة للبائع واحتاجت إلى السقي، يجوز لصاحبها أن يسقيها وليس لصاحب الأصول منعه وكذا العكس أي لا يجوز لصاحب الثمرة أن يمنع صاحب الأصول من سقيها، ولو تضرر احدهما بالسقي والآخر يتضرر بتركه يقدم حق المشتري ولكن بمقدار الحاجة إلا أن يكون ضرر البائع من السقي مثلاً أكثر من ضرر المشتري فالأحوط التصالح والتراضي ولو ببذل الأرش للمتضرر منهما.
(مسألة 251) لو باع بستاناً واستثنى نخلات فله الممر إليها والمخرج ومد جرائدها في الفضاء وعروقها في الأرض، وبه قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
في النقد والنسيئة
(مسألة 252) من باع شيئاً ولم يشترط فيه تأجيل الثمن يكون نقداً وحالاً فللبائع بعد تسليم المبيع مطالبته متى أراد، وليس له الإمتناع عن أخذه متى دفعه المشتري إليه، أما لو اشترط تأجيله فيكون نسيئة، ولا يجب على المشتري دفعه قبل الأجل وان طالب البائع به، كما لا يجب على البائع أخذه إذا دفعه المشتري قبل الأجل.
(مسألة 253) لابد في بيع النسيئة أن تكون المدة معينة ومحددة لا يتطرق إليها احتمال الزيادة والنقصان بالمقدار الذي يؤدي إلى الجهالة والغرر والضرر.
(مسألة 254) كان مـــوعــد عودة الحاج يعتبر من غير المعين ويضرب مثلاً بعــدم صــلاحيته ليكــون أوانــاً وأجلاً في المعاملات، وفي هذا الزمان قد يكــون محــدداً ســلفاً كما عند اغـــلب البلـدان فلا مانع من جعله أواناً لدفــع الثمن وللآجــال، لاســيما مع عــدم البأس بما يتسامح به عــرفاً في بعض المــوارد فمثلاً قــد يجعل الأجل عند أول الشهر الهلالي والطرفان يعلمان انه قد يتقدم يوماً في حال نقصان الشهر السابق.
(مسألة 255) لا فرق في المدة والأجل بين القصيرة كساعة أو ساعتين وبين الطويلة كالسنة والسنتين مع وجود غرض صحيح في البين.
(مسألة 256) لو باع شيئاً مردداً بين ثمنين احدهما حال والآخر إلى اجل وأزيد منه ثمناً، كما لو قال بعتك نقداً بمائة ونسيئة إلى شهرين بمائة وعشرين وقال المشتري قبلت، فلا يصح على الأقوى للترديد، ولكن لو عرض عليه السعرين ثم جرى العقد على احدهما صح، وهذه المعاملة شائعة في هذا الزمان.
(مسألة 257) لو باعه إلى أجل وبأزيد منه إلى اجل آخر بطل كما لو قال له بعتك بدينارين إلى شهر وبثلاثة إلى مدة شهرين، أو لو جرى العقد والإيجاب والقبول على احدهما صح وان كان المشتري يعلم بالسعر المقيد بزمان آخر.
(مسألة 258) لا يجــوز تأجيل الثمن الحال بل مطلق الدين بأزيد منه، كما لو حل دفــع الثمن وهو خمسون ديناراً ولكنه أجله شهرين مع زيادة خمسة دنانير عليه، نعم يجوز للدائن أن يزيد في المدة على نوع الإحسان.
(مسألة 259) لو باع زيد شيئاً نسيئة على عمرو فيجوز لزيد ولغيره بعد العقد شراؤه منه قبل حلول الأجل أو بعده بجنس الثمن أو بغيره وسواء كان مساوياً للثمن الأول أو أكثر منه أو اقل وسواء كان البيع الثاني حالاً أو مؤجلاً.
القبض والتسليم
(مسألة 260) يجب على المتبايعين تسليم العوضين بعد العقد لو لم يشترط التأخير، فلا يجوز التأخير مع الإمكان إلا برضا صاحبه فان أمتنع أحدهما أجبر على التسليم وكذا كليهما، ولو أشترط كل منهما تأخير التسليم إلى مدة معينة جاز.
(مسألة 261) لو إشترط أحدهما التأخير ورضي به الطرف الآخر فان الأخير لا يحــق له التأخــير أيضاً، كما لو اشـترط المشتري تأخير الثمن لمدة شــهر، ورضــي البائع فلا يجـوز له تأخير تسليم العين المباعة لمدة شــهر أيضاً لفرض أن وجــوب تسليم العين فوري وليس له حق الامتناع.
(مسألة 262) يجوز أن يشترط البائع لنفسه سكنى الدار، أو زرع الأرض، أو ركوب السيارة ونحوه من الإنتفاعات لمدة معلومة.
(مسألة 263) القبض في العقود مطلقاً بيعاً كانت أو غيره يرجع فيها إلى المتعارف، فإذا رفع البائع يده عن المبيع فيما لا ينتقل كالدار والعقار وإذن للمشتري في الدخول فيها ورفع المنافيات يتحقق القبض به، ويصدق القبض في المنقولات مع تحقق التخلية العرفية واستيلاء المشتري عليه كاستيلائه على سائر أمواله.
(مسألة 264) وجوب التسليم وجوب نفسي مطلق يعم كلاً من المتعاوضين في عرض واحد لأنه مبرز خارجي عن التزامهما بالعقد، ولو قصر أحدهما في التفريغ وكان للبقاء أجرة وجب دفعها كما لو تأخر البائع عن تسليم الدار فللمشتري أن يستوفي منه الإيجار لتبعية النماء والمنفعة للمالك الجديد.
(مسألة 265) لو تلف المبيع قبل تسليمه للمشتري كان من مال البائع فيفسخ البيع ويعود الثمن إلى المشتري، وإذا حصل للمبيع نماء من حين حصول العقد إلى حين التلف فهو للمشتري.
(مسألة 266) لو تلف النماء الذي يعود للمشتري عند البائع من غير تفــريط منه فانه غير ضــامن، ولو تعــيب قبل القبــض يتخــير المشــتري بين الفســخ والإمضـاء لكل الثمن والأحوط التصالح بالنسبة إلى الأرش.
(مسألة 267) لو بــاع جملة فتلف بعضها قبل القبض انفسخ البيع بالنســبة للتالف وعاد إلى المشتري ما يخصه من الثمن، وله فسخ العقد كله لتبعض الصفقة ولأن الذي قصد لم يقع ولقاعدة لا ضرر ولا ضرار.
(مسألة 268) يجب على البائــع بالإضافة إلى التســليم فصــل المبيع وعزلــه عما لـه من الأمتعة، كما لو كان المبيع داراً وفيه بعض أثاث البائع فيخرجها منه، أو له حنطة محصودة في الأرض المباعة فلابد من رفعها.
(مسألة 269) لو غصب العين المبتاعة غاصب من يد البائع، فان أمكن ردها في وقت لا يتضرر به المشتري فليس له الفسخ، وان تأخر التسليم يكون تلفه من مال البائع، ولو أمتنع البائع عن التسليم بغير حق ثم سلمه بعد مدة كان للمشتري المطالبة بالأجرة.
(مسألة 270) لو أشترى شيئاً ولم يقبضه فان كان مما لا يكال ولا يوزن جاز بيعه قبل قبضه، وكذا إذا كان منهما وباع تولية أي برأس المال بعد علمهما بالثمن وإذا باع مرابحة على كراهة، ولو كان الملك بغير الشراء كالميراث والصداق والخلع فيجوز بيعه قبل قبضه بلا أشكال، ويجوز جعل ما اشتراه صداقاً أو أجرة، كما أن الحكم يختص بالمبيع فلا يجري في الثمن.
(مسألة 271) لو كان له على غيره طعام من سلم وعليه مثله فطلب من غريمه أن يكتال لنفسه من الآخر صح.
(مسألة 272) مع تعيين الثمن بعملة معينة يتعين، ومع عدمه يكون بالنقد الغالب في البلد إلا مع القرينة على الخلاف.
(مسألة 273) لو أدعى البائع زيادة الثمن والمشتري عدمها، فيعتبر المشتري مدعياً فان لم تكن عنده بينة فالقول قول البائع مع يمينه سواء كان الثمن كلياً في الذمة او شخصياً خارجياً.
(مسألة 274) لو أدعـى أحدهما أن البيع نقد وقال الآخر انه نسيئة فيعتبر الذي يقول بالنســيئة مدعياً ومن يقــول أنه نقد عليه اليمين مع عدم البينة.
بيع الصرف
وهو بيع الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة بلا فرق بين المسكوك منهما وغيره، ولا فرق فيه بين الخالص والمغشوش والمركب من أحدهما مع شيء آخر.
(مسألة 275) يشترط في صحة بيع الصرف التقابض في مجلس العقد، فلو تفرقا ولم يتقابضا بطل البيع، ولو قبض البعض صح فيه خاصة، وبطل بالنسبة إلى ما لم يقبض، ولكل منهما الخيار وحق الفسخ لتبعض الصفقة.
(مسألة 276) لو فارقا المجلس مصطحبين لم يبطل البيع، فإذا تقابضا قبل أن يفترقا صح.
(مسألة 277) إنما يشترط التقابض في معاوضة النقدين إذا كانت بالبيع دون ما إذا كانت بغيره، كالصلح والهبة المعوضة ونحوهما.
(مسألة 278) يكفي في القبض كونه في الذمة ولا يحتاج إلى قبض آخر، فلو كان في ذمة زيد دراهم لعمرو فباعها بالدنانير وأعطاها أي الدنانير لعمرو قبل التفرق صح، باعتبار أن الدراهم التي في ذمة زيد مقبوضة فعلاً.
(مسألة 279) إذا كان لزيد على شخص دراهم فقال له حولها دنانير فرضي ووافقه صح، ويتحول ما في ذمته من الدراهم إلى الدنانير وان لم يتقابضا، وكذلك لو كان عليه دنانير وقال حولها دراهم.
(مسألة 280) لو بيع الذهب بالفضة فلا ربا فيه لفقد شرط المثلية، وكذا لا ربا في بيع العملات الورقية بعضها ببعض التي تختلف في العائدية كالدينار العراقي والريال السعودي على الأقوى.
(مسألة 281) العملات الورقية في هذا الزمان إذا كانت مغشــوشــة، لا يجوز إنفاقها وإجراء المعاملة بها والمدار على العرف وهو تعاطي المصارف والبنوك لها أو عدمه، فالعملة التي وضعت لغش الناس لا يجوز إبقاؤها لقاعدة لا ضرر ولأنها مادة للفساد والأفساد.
(مسألة 282) الأحوط عدم جواز شراء خاتم أو قرط ذهب أو فضة بجنسه مع زيادة بملاحظة أجرته، ويجوز أن يشتريه بغير جنسه مماثلاً ويعين له أجرة معينة لصياغته ولو كانت من نفس الثمن، كما يجوز أن تجعل الزيادة في مقابل الفص إذا لم يكن من جنس ما صنع منه الخاتم ذهباً كان أو فضة.
(مسألة 283) لو كان في ذمته مبلغ بعملة معينة ووفى بعملة بلد آخر فيجب أن يكون بمقدار سعر الصرف يوم الوفاء.
(مسألة 284) لو كان لزيد على عمرو مبلغ بالعملة العراقية، وعلى عمرو لزيد مبلغ بعملة أجنبية أخرى فكل مشغولة ذمته للآخر بتلك العملة ولا يقع التهاتر بين الذمتين على الأقوى، نعم يجوز أن يبيع أحدهما ما في ذمته بما في ذمة الآخر مع حلول كل منهما ويسعر يوم البيع، كما تجوز المصالحة أو إبراء كل منهما الآخر.
(مسألة 285) إذا حصل دين بنقد معين كالدينار سواء كان من اقتراض أو من ثمن البيع أو غيرهما إلى أجل معلوم وزاد سعره أو نقص عنه بالنسبة لعملة البلد أو العملات الأخرى عند حلول الأجل عن سعره يوم الاشتغال لا يستحق إلا عين ذلك النقد، ولا ينظر إلى زيادة سعره ونقصانه كما لو كان ألف دينار وكان يعادل حين الاقتراض خمسين مثقالاً ذهباً ثم أصبح حين الوفاء يعادل خمسة مثاقيل لنقص قيمته، أو أصبح يعادل مائة مثقال لزيادة قيمة الدينار فإن المقرض أو البائع لا يستحق إلا أصل المبلغ نعم تستحب المصالحة والتراضي.
(مسألة 286) يجوز أن يبيع مثقالاً من فضة خالصة من الصائغ مثلاً بمثقال من فضة فيها غش متمول له قيمة ويشترط عليه أن يصوغ له خاتماً مثلاً لانتفاء الربا بصياغة الخاتم مقابل الغش.
(مسألة 287) لو باع ديناراً عراقياً بريال سعودي مثلاً صح لكن بشرط أن يعلما نسبة السعر بين العوضين، وكذا الكلام في جميع النقود الورقية العالمية.
(مسألة 288) لو تعين دفع نقد معين من مثل فئة عشرة دنانير فيجوز إعطاء مثله أو كسوره التي تعادله من نفس العملة إلا مع التباين عرفاً بالقيمة أو الضرر.
في بيع السلف
ويسمى أيضاً السلم وهو إبتياع كلي مؤجل بثمن حال أي عكس النسيئة، كما لو دفع في الحال مبلغ مائة دينار قيمة طن من الحنطة يسلم بعد شهرين وهو صحيح بشرائط البيع، ويقال للمشتري (المسلِم) بكسر السين، وللثمن (المسلَم) بفتحها، وللبائع (المُسلم إليه)، وللمبيع (المسلم فيه).
(مسألة 289) يحتاج بيع السلف إلى إيجاب وقبول ويمتاز بأن كلاً من البائع والمشتري يصح أن يكون موجباً أو قابلاً. فالإيجاب من البائع مثلاً أن يقول بعتك طناً من الحنطة بصفة كذا إلى مدة شهرين بثمن حال قدره مائة دينار، فيقول المشتري قبلت أو اشتريت.
وأما لو كان الإيجاب من المشتري فيقول للبائع : أسلمت إليك أو أسلفتك مائة دينار في طن من الحنطة بصفة كذا فيقول المسلم إليه وهو البائع (قبلت)، كما تصح المعاطاة في بيع السلف.
(مسألة 290) مورد السلم:
1- النقود الورقية مع إختلاف بلد العملة.
2- مطلق الأمتعة والأجناس مع الاختلاف وكونها من المكيل أو الموزون بعضها مع بعض.
3- الأمتعة والأجناس وغير المكيل والموزون مع النقود الورقية او الذهبية أو الفضية.
4- الأجناس بعضها مع بعض واتحاد الجنس وكونها من المكيل أو الموزون.
5- النقود الذهبية أو الفضية بعضها مع بعض مع إتحاد جنس الذهب أو جنس الفضة أو اختلافه.
والكل صحيح إلا القسمين الأخيرين.
(مسألة 308) يشترط في بيع السلم أمور:
الأول: ذكر الوصف الرافع للجهالة وكلما أمكن ضبط أوصافه التي تختلف القيمة والرغبات بإختلافها يصح فيه السلم ويكفي فيه الوصف المتعارف، وكلما إنحصرت معرفته ورفع الجهالة فيه بالمشاهدة لا موضوع للسلف فيه والمرجع في ذلك أهل الخبرة والعرف.
الثاني: قبض الثمن قبل التفرق عن مجلس العقد ولو قبض البعض صح فيه وبطل الباقي مع ثبوت الخيار للذي لم يقصر في القبض والأقباض، ولو كان الثمن ديناً في ذمة البائع فإن كان مؤجلاً لا يجوز جعله ثمناً للمسلم فيه، بل وكذا أن كان حالاً على الأحوط لإطلاق قوله صلى الله عليه وآله وسلم: “لا يباع الدين بالدين”.
الثالث: تقدير المبيع بما يعتبر فيه من الكيل أو الوزن أو العد أو الذرع ونحوها وعليه الإجماع وقاعدة نفي الجهالة والغرر.
الرابع: مما يتقوم به بيع السلم هو تعيين الأجل المضبوط للمسلم فيه سواء كان بالأيام أو الشهور أو السنين، فلو جعل الأجل مدة مجهولة كان باطلاً، ولا فرق في الأجل بعد كونه مضبوطاً بين أن يكون قليلاً كيوم أو كثيراً كسنة أو سنتين.
الخامس: إمكان وجود المبيع وقت الحلول وان كان معدوماً حال العقد.
(مسألة 309) يجــب تعيين موضع وبلد التسليم إلا إذا كان متعيناً خارجاً.
(مسألة 310) إذا جعل الأجل شهراً أو شهرين أو شهور فإن وقعت المعاملة في أول الشهر فيحتسب هذا الشهر، وان وقعت المعاملة في أثناء الشهر يحسب كل ثلاثين يوماً شهراً، فلو كانت المدة شهرين فيحل الأجل بعد ستين يوماً من تاريخ العقد ويمكن أن يعده بلحاظ ذات اليوم من الشهر اللاحق، فإذا وقع في اليوم العاشر من الشهر فيحل الأجل في اليوم العاشر من الشهر الذي يلي التالي للعقد، سواء كان الحساب المتعارف والانصراف يدل على الشهر القمري فيحتمل النقصان عن ستين يوماً، أو الشمسي فيحتمل الزيادة على الستين يوماً.
(مسألة 311) لو إشترى شيئاً سلماً لم يجز بيعه قبل حلول الأجل لأن الملك ليس تاماً بمثل هذا العقد سواء أراد بيعه بجنس الثمن الأول أو بغيره، كان مساوياً له أو أقل أو أكثر، ويجوز بيعه بعد حلول اجله وان لم يقبضه سواء على البائع أو على غيره بجنس الثمن او بجنس آخر وبالمساوي أو الأقل أو الأكثر ما لم يستلزم الربا أو تأتيه الحرمة من عنوان آخر، نعم لو كان المسلم فيه مما يكال أو يوزن يكره بيعه قبل قبضه. وقال الشيخ والعلامة وجماعة بالحرمة، ولكن المشهور حمل النهي الوارد في النصوص الصحيحة السند على الكراهة، خصوصاً وان ظاهرها نفي الجهالة والغرر بالبيع قبل الكيل.
(مسألة 312) لو حان الأجل ودفع المسلم إليه أي البائع إلى المشتري نوعية أردء أو مقداراً أقل مما سلم فيه لا يجب قبوله، نعم يجوز مع الرضــا وطيب النفس، أما لو كان مثله أو أحسن منه من حيث الصفة كما لو كان المسلم فيه نوعية متوسطة من أنواع الحنطة ولكنه سلم إلى المشتري نوعية جيدة وأحسن فيجب القبول إلا مع وجود الضرر بهذا الإختلاف.
(مسألة 313) إذا حل الأجل ولم يتمكن البائع من أداء المبيع لعارض من آفة أو عجز عن تحصــيله أو أعــوازه في البلد مع عـدم إمكان جلبه من مكان آخر أو غير ذلك من الأعذار حتى انقضى الأجل، كان المشتري بالخيار بين أن يفسخ المعاملة ويرجع بثمنه ورأس ماله وبين أن يصبر إلى أن يوجد ويتمكن البائع من الأداء، ولهما أن يتراضيا بقيمة وقت الأداء سواء زادت عن الثمن أو ساوت أو نقصت عنه، وليس للمشتري إلزام البائع بأداء قيمة وقت الأداء أن كانت أزيد من ثمن المسمى.
(مسألة 314) لا فرق في هذا الخيار بين كون التأخير بتفريط من البائع أو غيره، نعم لو كان التقصير من المشتري فلا خيار حينئذ، ولو تعذر البعض دون الجميع كان للمشتري الخيار بالنسبة إلى ما تعذر وبالنسبة للجميع.
(مسألة 315) هذا الخيار على التراضي وليس فورياً، فلو أخر لعذر أو لغيره لا يسقط خياره، ولو اختار الصبر يصح له الفسخ بعدئذ.
(مسألة 316) لو ظهر عيب في الثمن المعين فإن كان من غير الجنس وكان في بعضه بطل العقد في ذلك البعض وله خيار التبعض، ولو كان في الجميع بطل العقد.
(مسألة 317) أقسام البيع بالنسبة إلى ملاحظة الثمن أربعة:
الأول: بيع شيء معلوم بثمن معلوم مع تراضيهما كما لو قال بعتك هذا الكتاب بدينار، فلا يذكر رأس المال وسعر الكلفة والربح والخسران في العقد ويسمى بالمساومة.
الثاني: البيع برأس المال مع الزيادة ويسمى بالمرابحة، كما لو قال بعتك هـذه السيارة برأس مالها وقدره ألف دينار مع زيادة مقدارها كذا.
الثالث: البيع برأس المال مع النقيصة ويسمى بالمواضعة كما لو اشترى طناً من الحنطة بمائة دينار ثم باعه بخمسة وتسعين ديناراً، أي بنقيصة خمسة دنانير.
الرابع: البيع برأس المال من دون زيادة ولا نقيصة ويسمى بالتولية، كما لو اشترى المتاع بدينار وباعه بدينار أيضاً.
وهذه الأقسام الأربعة كلها صحيحة وعليه الإجماع لقاعدة السلطنة وأدلة تجارة عن تراض وعدم ثبوت الردع من الشارع، والأدلة على تقريرها، وأفضل هذه الأقسام هو المساومة وهو السائد والمتعارف في مثل هذه المعاملات وبفضله تعالى ترى النفوس تميل وتسكن إليه، أما المرابحة فهي مكروهة أحياناً.
(مسألة 318) يعتبر في تحقق ما تقدم من الأقسام الأربعة القصد ولفظ ظاهر في العنوان المنشأ الخاص، ويتحقق بالمعاطاة أيضا بعد المقاولة على تعيين العنوان، ويعتبر في المرابحة تعيين مقدار الربح، وفي المواضعة تعيين مقدار النقيصة، ويكفي فيه ذكر رأس المال وثمن البيع ونحوه القصد الإجمالي الذي يكفي في معرفة الزيادة أو النقيصة.
(مسألة 319) عبارة عقد المرابحة بعد تعيين رأس المال أو تعيينه من الخارج أن يقول البائع : بعتك هذا المتاع بالمقدار الذي اشتريته به وهو كذا وربح كذا ويقول المشتري قبلت، ويجوز أن يكتفي بذكر الزيادة ولم يحدد رأس المال إلا أن يكون فيه غرر أو ضرر، فمعها يلزم البيان والتفصيل بما يرفع الجهالة والغرر، وكذا بالنسبة للمواضعة ببيان النقص، وفي التولية يقول له بعتك بما اشتريت فيقول المشتري : قبلت أو اشتريت.
(مسألة 320) لو تعددت النقود والعملات في البلد وكان في قيمتها وصرفها تفاوت فلابد من تعيين نوع تلك العملة، وكذا لابد من ذكر الشروط والأجل ونحوه مما يتفاوت لأجله الثمن.
(مسألة 321) إذا اشترى متاعاً بثمن معين ولم يحدث فيه ما يوجب زيادة قيمته فرأس ماله ثمن شرائه فيقول اشتريته بكذا، أو رأس مالي كذا، وان أحدث فيه ما يوجب زيادة قيمته فإن كان بعمل منه فيقول رأس ماله كذا وعملت فيه كذا أو ما تقدر كلفته أو قيمته بكذا، أي لا يجعل عمله جزء من رأس المال عند الأخبار عن رأس ماله لما فيه من الجهــالة والتغــرير وقد يكون من الكذب، وان أنفق عليه باستئجار عامل ونحوه فله أن يحتسب تلك الأجرة ويقول : تقوّم عليّ بكذا، ولا يجوز أن يضيف الأجرة إلى رأس المال ويقول : أشتريته بكذا أو رأس ماله كذا.
(مسألة 322) لو أشترى زيد متاعاً معيباً ورجع بالأرش إلى البائع كما لو إشتراه بعشرة دنانير ثم رجع بالأرش ومقداره دينار واحد، فيجوز أن يخبر بالواقع والكيفية أي قيمة الشراء ونوع العيب ومقدار الأرش الذي رجع به، وله أن يسقط مقدار الأرش من الثمن ويجعل رأس المال ما بقي فيقول رأس المال تسعة دنانير مع بيان العيب، أما لو حط البائع بعض الثمن بعد الاتفاق أو العقد فإنه يجوز للمشتري أن يخبر بالأصل من دون إسقاط الحطيط، وضابطه أن لا يكون الحط إحساناً خاصاً أو تبرعاً من البائع له.
(مسألة 323) يمكن أن يحتــال البائع بأن يبيــع متاعاً ثم يشـتريه بزيادة كما لو كان عــنده كتـاب اشــتراه بدينار فيبيعه أو يهديه لابنه أو زوجته أو أجــنبي ثم يشــتريه منه بدينـــارين مثلاً، فإذا اخــبر وقال بأن رأس ماله ديناران لم يكذب ظاهراً في الأخبار في حال المرابحة، ولكنه غش وتدليــس لأن المتبادر هــو رأس المال الحقيقي وإنصراف الأخبار عن مثل هــذا الشــراء المركب ولإبتناء المعاملة نوعياً على عدم الخيانة، نعم لو لم يكــن عن مواطــأة وقصــد الاحتـيال وتم عن بيع ونحوه فلا إشكال.
(مسألة 324) لو ظهر كذب البائع في إخباره برأس المال كما إذا أخبر بأن رأس المال مائة وباعه بربح عشرة فظهر أنه كان تسعين صح البيع ويتخير المشتري بين فسخ البيع والشراء بتمام الثمن، ولا فرق بين تعمد الكذب أو حصوله عن سهو واشتباه ولا يسقط هذا الخيار بالتلف فيعمل المشتري خياره ويرد المثل أو القيمة.
(مسألة 325) من أذن له المالك بالبيع واخذ الزيادة، لا يجوز أن يبيع مرابحة فلو عين التاجر للدلال ثمناً معيناً كعشرة دنانير أو جعل ما زاد للدلال، فحينئذ لا يجوز للدلال أن يبيعه مرابحة أو أن يقول أن رأس ماله عشرة دنانير، فإما أن يبيع مساومة أي يعلنه بثمن معلوم من دون ذكر رأس المال ومقدار الربح ونحوه، أو أن يبين الدلال ما هو الواقع بأن المالك قوّمه عليه بعشرة دنانير وهو يريد النفع عليه بمقدار كذا، وإذا باعه بما قوّمه المالك صح البيع ويكون الثمن له ولم يستحق الدلال شيئاً إلا أن يكون المتعارف بخلافه، ويستحب إعطاؤه شيئاً لاحترام عمل المسلم وان كان هو الذي أقدم على المجانية، وإن باعه بالأقل يكون فضولياً تتوقف صحته على إجازة المالك.
(مسألة 326) لو أشــترى شــخص متاعاً أو داراً أو نحوه جاز له أن يشــرك فيه غيره بما اشــتراه بالمناصفة بتنصيف ثمن الشراء أو بالربع أو بأية نســبة أخرى، فيقــول مثلاً شـــركتك في هذا المتاع نصفه بنصف الثمن او ثلثه بثلث الثمن مثلاً وقال قبلت، ويجوز إيقاعه بالمعاطاة مع التعيين.
في الإقالة
تعريفها: وهي مركبة من ندم أحد طرفي العقد وإقالة الطرف الآخر ورضائه بالفسخ، ووردت بعض النصوص التي تفيد مشروعيتها واستحبابها، وهي فسخ وان وقعت بلفظ الاقالة، وتجري في جميع العقود سوى النكاح.
يقال قاله البيع قيلاً وأقاله إقالة، وهي فسخ العقد وتركه بعد ابرامه بسؤال احدهما للآخر إعفاءه منه، ولا تنحصر الإقالة بالبيع بل تشمل كل عقد منعقود المعاوضات إلا ما خرج بالدليل كالنكاح.
(مسألة 327) تقع الإقالة بكل لفظ أفاد المعنى المقصود عرفاً كما إذا قال المتعاقدان أو أحدهما تفاسخنا أو تقايلنا، أو يلتمس أحدهما من الآخر فيقبل الآخر ويقول أقلتك أو ما يفيد معناه، أو بقيام أحدهما بردّ ما انتقل إليه إلى صاحبه بعنوان الإقالة، وبعد تحقق الإقالة وجب على من بيده المال رده إلى صاحبه لعودة ملكيته إليه، ولأنها سبب لرد كل من العوضين إلى مالكه وعمومات قاعدة اليد.
(مسألة 328) لا تجوز الإقالة بزيادة عن الثمن أو نقصان، فلو أقال المشتري بزيادة عن الثمن الذي إشترى به، أو أقال البائع بوضيعة صحت الإقالة على الأقوى وبطلت تلك الزيادة أو الوضيعة إلا إذا كانت الزيادة من المشتري أو الوضيعة من البائع بهبة أو صلح ونحوه.
(مسألة 329) تقع الإقالة في جميع ما وقع عليه العقد وفي بعضه ويقسط الثمن حينئذ بالنسبة إلى حصته.
(مسألة 330) إذا تعــدد البائع أو المشـتري تصح إقالة احدهما مع الطرف الآخر وإن لم يوافقه صاحبه، فإذا اشترى زيد من شريكين داراً وندم وطلب الإقالة فأقاله احدهما صحت الإقالة في حصته دون صاحبه.
(مسألة 331) تلف أحد العوضين أو كليهما لا يمنع من صحة الإقالة فإذا تقايلا رجع بمثله إن كان مثلياً وبقيمته إن كان قيمياً، والمناط في القيمة على يوم الأداء.
(مسألة 332) يرجع إلى بدل البعض لو تلف، وعند حصول العيب يرجع إلى الأرش كما لو حصلت الإقالة في عقد شراء سيارة وعند الرد وجد عيب في السيارة أحدثه المشتري فانه يرجع مع السيارة الأرش الذي هو الفرق بين قيمة السيارة في العقد وقيمتها معيبة عند الرد بالإقالة.
(مسألة 333) الأقوى أن حق الإقالة غير موروث، ولكنه لا يمنع من التراضي مع الورثة مستقلاً بصلح أو هبة ونحوهما.
(مسألة 334) تصح الإقالة وان مضت مدة غير قصيرة على البيع.
(مسألة 366) لا يجوز للخطاط أن يخط لوحة فيها إعلان للحرام كحفلة للرقص والفجور أو لمطعم يبيع الخمور، ولا يجوز عمل وطبع الإعلانات الخاصة بها مما يكون فيه الفساد محضاً.
(مسألة 367) يجوز طباعة بطاقات اليانصيب ونحوها إذا كانت غاياتها غير محرمة كما لو كانت للمشاريع الخيرية أو أنشاء المستشفيات، وكذا يجوز مع إمكان توجيه وتصحيح شرائها واقتنائها شرعاً.
(مسألة 368) لا يجوز للمسلم أن يفتح جناحاً في محلاته أو مطعمه لبيع المحرم كالخمر ولحم الخنزير على مستحليه وأن كان العامل غير مسلم وفي بلاد غير إسلامية.
(مسألة 369) يجوز للمسلم أن يشتري بناية يبيع فيها بعض المستأجرين المحرم كالخمور، ويصح أخذ أجرة المحل مع لزوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسعي لإخراجه منها بالأدنى والأقرب والمتيسر وفق الشريعة والقوانين.
(مسألة 370) يجوز شراء الذهب والعملات الورقية رجاء ارتفاع قيمتها السوقية وبيعها.
(مسألة 371) لا يجوز العمل في المحلات التي تبيع المحرم كالخمر وآلات القمار المحض إلا أن يكون عمله في جانب منها ليس فيه محرم كالمحل التجاري الذي يبيع الخمر والعطور وهو يبيع العطور فيصح حينئذ، والأحــوط وجــوباً ترك بيع المحــرم الذي يحله المتبايعان في ديانتهم، كما لو كان عامــلاً في الغــرب عند رجـل نصراني ويبيع الخمر على أهل ملته.
(مسألة 372) لو باع القصاب اللحم من شاة غير مذكاة مع علمه بذلك فعليه أمران:
الأول: إرجاع الثمن إلى صاحبه.
الثاني: إستبراء الذمة منه لأنه سبب في أكله الحرام، ومع عدم العلم به فيرجع الثمن إلى الحاكم الشرعي ويستغفر لصاحبه، ولو كان يستحي من الإخبار بعد الندم ويتجنب ما يســببه له من الفضيــحة والحــرج والضرر، فليدس له المبلغ في ماله بطــريقة غير مباشــرة ولو بإعطائه مقداره من اللحم مع الاستغفار له.
(مسألة 373) مالية الشيء قد تكون لذاته كالذهب والأعيان التجارية وقد تكون اعتبارية كالإذن الخاص يريد الشخص بيعه، وحق من الحقوق الخاصة فتجري عليه أحكام الملكية والضمان.
(مسألة 374) لا يجوز بيع الحيامن أو بويضات المرأة لأغراض التلقيح من أجنبي وما فيه الحرام.
تفسير قوله تعالى(واتقوا الله)
بعد أن جاءت الآية بخطاب الإكرام والتشريف، والنهي عن الربا من وجهين:
الأول: الإطلاق في النهي، وحرمة كل مصاديق الربا، والفوائد التي تجر نفعاً، سواء في الربا القرضي أو المعاملاتي.
الثاني: عموم النهي، وشموله للمسلمين والمسلمات وإلى يوم القيامة.
وهل هذا الإطلاق والعموم من التشديد في التكاليف على المسلمين، وأن من خصائص[خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( )، تحمل أعباء تكاليف إضافية لا يقوم أهل الملل والنحل بها.
الجواب من وجوه:
الأول: ليس في هذه التكاليف تشديد.
الثاني: لقد جعل الله تكامل الشريعة في بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، قال تعالى[الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ]( )، ومن كمال الدين الإطلاق والعموم في حرمة الربا.
الثالث: ذات الحكم حرمة الربا الذي جاء به النهي محمد صلى الله عليه وآله وسلم جاء به الأنبياء السابقون، ولكن التحريف طرأ على الكتب السماوية قبل القرآن، فكأن حرمة الربا غريبة على الناس أوان البعثة، فجاءت آية البحث بالأمر بتقوى الله من جهات:
الأولى: لزوم الخشية من الله في الإمتثال لأحكام النهي عن الربا.
الثانية: قهر النفس الشهوية والرغبة في جمع الأموال وعدم الإلتفات إلى طريق وكيفية الكسب.
الثالثة: بيان حقيقة وهي أن وظائف المسلمين أعم من ترك الربا.
الرابعة: من التقوى أداء الفرائض، هو واقية من المعاملات الربوية، وجلب الزيادة الخالية من العوض والبدل.
الخامسة: عدم إفتتان المسلم بما يجري في الأسواق من المعاملات الربوية.
السادسة: دعوة الناس للإقتداء بالمسلم في إجتناب الربا، والإمتناع عن أكله.
ويحتمل عطف الأمر بالتقوى في الآية وجوهاً:
الأول: إرادة خشية الله بخصوص الإمتناع عن الربا.
الثاني: البشارة للمسلمين بالفوز في الآخرة بسلاح التقوى قال تعالى[لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ]( ).
الثالث: جاء التقوى للدلالة على ملازمتها للإيمان، والأمر بها نوع إكرام للمسلمين وبشارة بالأجر والثواب، قال تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا]( ).
وفيه بيان لعظيم النفع من التقوى، ورشحات الفضل الإلهي التي تأتي مصاحبة لها، ومن مصاديق الفرقان بخصوص آية البحث أمور:
الأول: التمييز بين الحق والباطل.
الثاني: معرفة أضرار الربا وهي على شعبتين:
الأولى: أضرار الربا في الحياة الدنيا، وهي على أقسام:
الأول: الضرر المتفرع عن الربا على كل طرف من أطرافه.
الثاني: أضرار الربا الدنيوية ومنها نقص المال الربوي بالأكل والإنفاق المستديم والعرضي الطارئ الذي هو نوع إبتلاء.
الثالث: أضرار الربا في باب الإقتصاد والإجتماع والأخلاق.
الرابع: الضرر على النظم السياسية، وتسبيبه في حال الفوضى وعدم الإستقرار.
الخامس: نزول لعنة رسول الله بأطراف الربا، وقيام الناس بلعنهم وذمهم خصوصاً آكل الربا.
الثانية: الأضرار الأخروية: وما ينتظر آكل الربا من العقاب الأليم، والإثم بالنسبة لأطراف الربا الأخرى وهل لعنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لهم خاصة بالحياة الدنيا، الجواب لا، فإنها عامة وإنذار من غضب الله عز وجل في الدنيا والآخرة.
وعن ابن عباس: يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب)( ).
والقدر المتيقن من الآية أعلاه الإنذار والوعيد بنزول العذاب الإلهي على آكلي الربا في الدنيا والتحذير من المعاملة الربوية، وإشعار بأن الربا جناية تستحق التأديب والعقاب وفيه أمور:
الأول: بشارة إنكسار وخيبة أهل الربا.
الثاني: عجز الكفار وإن إجتمعوا على الباطل عن إشاعة المعاملات الربوية في الأسواق.
الثالث: آيات النهي عن الربا.
الرابع: دعوة المسلمين لمواصلة النهي عن الربا والنهي عن المنكر لإصلاح الأسواق، وتهذيبها من آفة الربا.
الخامس: بعث السكينة في قلوب المسلمين بأن الله عز وجل ورسوله معهم في النهي عن الربا، فلا يخافوا من الكفار وأرباب المعاصي.
الثالثة: الأضرار الجامعة التي تتغشى الإنسان في العوالم الطولية المتباينة: الدنيا، البرزخ، الآخرة، ويبين هذا العموم والشمول ما في الربا من البلاء والضرر، ويكفي إدراك شطر قليل منه للنفرة الشديدة من الربا، وعدم ولوج أبوابه، ويتجلى هذا العموم في قوله تعالى[الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ]( )، وما ورد في تفسيرها من جهات:
الأولى: دلالة ظاهر الآية على إرادة الحياة الدنيا، لأن أثر الشيطان على الإنسان في الحياة، وأن جاءت الآية بصيغة التشبيه بحرف الكاف (كما يقوم) وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: آكل الربا لا يخرج من الدنيا حتى يتخبطه الشيطان)( )، أي تبدو عليه أمارات الجنون.
الثانية: إرادة الآخرة، وشدة عذاب آكل الربا يومئذ، ومعنى الآية(إلا مثل ما يقوم الذي يصرعه الشيطان من الجنون فيكون ذلك أمارة لأهل الموقف على أنهم أكلة الربا عن ابن عباس و الحسن و سعيد بن جبير و قتادة و مجاهد)( ).
الثالثة: شمول آكل الربا بالعذاب في عالم البرزخ والحساب الإبتدائي في القبر، كما يدل عليه حديث الإسراء عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في تفسير وبيان الآية أعلاه(و إذا هم بسبيل آل فرعون يعرضون على النار[غُدُوًّا وَعَشِيًّا]( ) يقولون ربنا متى تقوم الساعة)( ).
ويؤدي أكل الربا وغلبته على الأسواق إلى أمور ذات قبح عرضي:
الأول: التفاوت الطبقي.
الثاني: إنحصار الثروة بيد أرباب الأموال الذين يصير هّمهم زيادتها وجمعها في مصداق ظاهر للناس جميعاً لقوله تعالى(أضعافاً مضاعفة).
الثالث: تردي أحوال غيرهم من يدفع لهم المال الربوي أو يكون تحت وطأة تسخيرهم له في الأعمال والوظائف التي لا تكفي إلا إلى سد الرفق، والإنفاق على الحاجات الخاصة بما يذهب بالأجور التي قبضوها إلى ذات أرباب الأموال بواسطة إستحواذهم على التجارة، والشركات التي تتغشى الميادين المختلفة.
فجاءت آية البحث لأمر المسلمين بالخشية من الله عز وجل، ويتجلى في أمور:
الأول: إمتناع الغني عن أكل مال الفقير بالربا والباطل.
الثاني: منع الفقير من اللجوء إلى الربا في معاملاته.
الثالث: إحتراز المسلمين مطلقاً من الربا، وإلا فإن الغني أيضاً يهّم بالربا لمشاريع تحتاج إلى أموال أكثر مما تحت يده، ويظن أنها تدر أرباحاً أكثر مما يدفعه فائدة ربوية.
الرابع: قيام المسلمين بالتناهي عن الربا، وبيان أضراره، وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: والله لتأمرن بالمعروف ، ولتنهن عن المنكر، ولتأطرنهم على الحق أطراً ، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، وليلعننكم كما لعنهم)( ).
وجاء النهي عن الربا في سورة البقرة وسورة آل عمران والنسبة بين موضوع النهي في الآيتين العموم والخصوص من وجه، فمادة الإلتقاء من وجوه:
الأول: إرادة النهي والقطع بحرمة الربا.
الثاني: الإطلاق والعموم في حرمة الربا فليس من إستثناء أو تخصيص في المنع من الربا.
الثالث: ورود الخطاب التشريفي(يا أيها الذين آمنوا) والأمر بتقوى الله كما في آية البحث[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا]( ).
أما مادة الإفتراق فهي من وجوه:
الأول: جاء النهي عن الربا في آيات متعددة من سورة البقرة( )، ومنها ما تكرر فيها لفظ الربا ثلاث مرات( ).
الثاني: مجيء التفصيل في الكم وكثرة الأموال التي تأتي عن الربا، وفي قوله تعالى(أضعافاً مضاعفة) وفيه مسائل:
الأولى: أن الكثرة والأضعاف المضاعفة إلى فناء وتلف بالأكل، وهو وفق القياس الإقتراني:
الكبرى: كل مأكول تالف.
الصغرى: الربا مأكول.
النتيجة: الربا تالف.
الثانية: تقدير الآية: يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا وإن كان أضعافاً مضاعفة) ليكون ترك القليل منه من باب الأولوية القطعية.
الثالثة: ليس في العقد الربوي الواحد أضعاف رأس المال، بل تكون نسبة عشرية أو مئوية من رأس المال، فلذا جاءت الآية بذكر الحد الأعلى الذي يكون بحساب تراكم الأرباح خلال سنوات لاحقة للعقد، وتصور الفوائد الربوية على القرض في الوجود الذهني.
الرابعة: من إعجاز الآية قراءة خواطر صاحب المال وزجره عن السياحة في عالم الأرباح المحتملة وتراكمها ولزوم عدم إستسلامه لتلك الأماني فهي نادراً ما تتحقق في الواقع العملي.
قال أبو الطيب المتنبي:
ما كل ما يتمنى المرء يدركه تجري الرياح بما لا تشتهي الســـفن( )
وحتى على فرض حصول تلك الأماني في المستقبل فإن الآية جاءت بالإخبار عن حرمة الربا من رأس، ولزوم صرف النظر عن أرقام الربح الربوي، الأمر الذي يتطلب من الإنسان درجة من التقوى والخشية من الله بحيث يعزف عن تلك الأوهام، والشروع في المقدمات العملية لجني الأرباح الربوية لذا جاء قوله تعالى(واتقوا الله) متعقباً للنهي عن الربا والأضعاف المضاعفة من المال الذي يأتي بواسطته وما هو أقل منها.
وهل يحتمل وجود ما يدل على أكثر من الأضعاف المضاعفة في الربا، الجواب لا، لأنه من ألفاظ سور الموجبة الكلية الذي تقع تحته عناوين عديدة من مصاديق الأرباح والأماني فيها، وقد جاء في ذم فريق من أهل الكتاب[وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ]( ).
وجاءت آية البحث بالعموم والإخبار عن حصول أضعاف مضاعفة من الربا في الواقع العملي فزجرت عنه، وعن التدبير لتحصيله.
وتحتمل الأضعاف المذكورة في الآية من جهة المتعلق وجوهاً:
الأول: المراد تحصيل أضعاف رأس المال بالربا.
الثاني: إرادة أضعاف الربا نفسه، كما لو كان القرض الربوي ديناراً فيتضاعف بتأخير أجل قضاء الدين مرات متعددة.
الثالث: المعنى الأعم والجامع لأضعاف رأس المال والربا، كما لو كانت بدايات العمل بالربا سعياً لتحصيل أضعاف الفائدة الربوية، ثم يكون السعي لمضاعفة رأس المال الأصلي.
وكل هذه الوجوه صحيحة، والأول والثاني في طول الثالث الذي تدل عليه أصالة الإطلاق، ووصف المبالغة بالأضعاف.
ترى لماذا قدمت الآية النهي عن الربا على الأمر بالتقوى ولم تقل(واتقوا الله ولا تأكلوا الربا).
والجواب من وجوه:
الأول: بين التقوى وعدم أكل الربا عموم وخصوص مطلق، لأن التقوى أعم، وتشمل ميادين الحياة كلها.
الثاني: جاءت الآية بالنهي الخاص، ثم إنتقلت إلى الأمر العام.
الثالث: بيان حقيق وهي أن الأمر لا يقف عند ترك الربا، بل يجب على المسلمين التقيد بآداب التقوى لتكون حرزاً من المعاصي، وواقية من أسباب الغواية.
الرابع: تنمية ملكة الصبر عند المسلمين، والمنع من الكسل والملل والقنوط.
الخامس: جاءت آية أخرى بتقديم التقوى، قال تعالى[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا]( ).
ويفيد الجمع بين الآيتين أن التقوى أصل ومقدمة لترك الربا، وحرز مستديم منه.
وقد يأتي الأمر بتقوى الله متعقباً لأمر كما في قوله تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( )، أو متعقباً لخبر وبيان لنعمة من عند الله، كما في قوله تعالى[وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ]( ).
لتكون خشية المسلمين من الله نصراً آخر، وبرزخاً دون الغرور واللهث وراء الدنيا،
وإذا كانت التقوى في الآية أعلاه نوع شكر لله عز وجل على نعمة النصر، وباعثاً على تفاني المسلمين في الجهاد، وسعيهم في دروب الشهادة، فان التقوى في آية البحث شاهد على أن المسلمين يمتنعون عن الربا شكراً لله عز وجل وأنهم مستعدون للتقيد بأحكام الأوامر والنواهي القرآنية الأخرى.
ومن تقوى الله الكسب الحلال للنفس والعيال، فحينما حرّم الله عز وجل على أرباب الأموال الربا أمرهم بالتقوى والعمل والسعي والكسب كيلا يصابوا بالضرر وينفقوا أموالهم في مستلزمات المعيشة, ليكون من تقوى الله أمور:
الأول: تعاهد الثروة والمال.
الثاني: حفظ المسلمين لأموالهم من الضياع والتلف.
الثالث: السعي في الكسب الحلال.
الرابع: عدم ترك العمل خشية الوقوع في الربا وأكل الباطل، فأخبرت الآية الكريمة بأن التقوى واقية من الشبهات، وأكل المال الحرام.
تفسير قوله تعالى(لعلكم تفلحون)
لقد جعل الله عز وجل القرآن[تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( )، ويحتمل سور الموجبة الكلية(كل) في الآية أعلاه وجوهاً:
الأول: إرادة ما يتعلق بالناس، وما يحتاجون إليه.
الثاني: المقصود كل شيء في الحياة الدنيا.
الثالث: المعنى العام الجامع، وإرادة أمور الحياة الدنيا والآخرة.
والصحيح هو الثالث لأمور:
الأول: أصالة الإطلاق، وعدم وجود مقيد في البين.
الثاني: إن الله عز وجل إذا أعطى فأنه يعطي بالأوفى.
الثالث: ورود أنباء وأخبار الآخرة في القرآن.
فإن قلت جاءت تلك الأخبار على نحو الإجمال الجواب ولكن فيه أمور:
الأول: إنه إجمال خير مخل.
الثاني: الإجمال في آيات من القرآن تفضيلي وبما يمنع من الجهالة والغرر.
الثالث: مجيء السنة النبوية بالبيان والتفضيل.
الرابع: حدوث الوقائع في اليوم والليلة وتعاقب الأيام بما يؤكد مضامين إخبار القرآن عن الآخرة، ويكون بياناً وموعظة للناس جميعاً، وللمسلمين خاصة.
وذكرت الآية الفلاح بلغة الرجاء(لعل) وفيه لطف ورحمة من الله، على المسلمين، وفيه مسائل:
الأولى: البشارة بقرب ودنو مرتبة الفلاح من المسلمين.
الثانية: بيان حقيقة وهي أن الفلاح والبقاء فضل من الله عز وجل على العباد وليس هو ثواباً مستحقاً على التقوى وترك الربا، فكل منهما نفع محض للعبد في النشأتين، وفي التنزيل[لاَ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ بَلْ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ] ( ).
الثالثة: الفلاح مرتب أعظم من الأجر والثواب، فهي خير وإستدامة وبقاء، لذا ذكرته الآية بلغة الترجي.
الرابعة: تبعث الآية المسلمين على العمل والسعي في دروب الصلاح والتقوى للفوز بمرتبة الفلاح.
الخامسة: الآية باب لتوجه المسلمين بالدعاء إلى الله عز وجل لنالوا مرتبة الفلاح بفضل منه تعالى، وفي التنزيل[ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ]( )، ويحتمل متعلق الفلاح وجوهاً:
الأول: خطاب التشريف ونيل المسلمين لمرتبة الإيمان.
الثاني: إمتناع المسلمين عن الربا.
الثالث: سلامة أبدان المسلمين من أكل الربا.
الرابع:تقوى المسلمين لله وهو الذي جاء الفلاح معطوفاً عليه.
الخامس: الجمع بين الإطراف الثلاثة المتقدمة على الفلاح.
السادس: إرادة الجمع بين ترك الربا، وبين تقوى الله.
والصحيح هو السادس، لأن الآية شهدت للمسلمين بالإيمان إذ جاءت بصيغة الفعل الماضي[الَّذِينَ آمَنُوا].
بحث بلاغي
من ضروب البديع وصيغ البيان(حسن النسق) وهو الإتيان بجمل متلاحمات بعضها معطوفة على بعض، كل جملة لها معنى مستقل بذاته، ومن إعجاز القرآن في هذا الباب أمور:
الأول: أن الجملة والكلمة القرآنية تتضمن بذاتها دلالات عقائدية إلى جانب الصبغة البلاغية.
الثاني:تعطي الجملة بانضمامها إلى المعطوفة عليها معنى إضافياً آخر يكون مدرسة لإقتباس الأحكام، وكذا بالنسبة لإنضمامها إلى التي عطفت عليها.
الثالث:تعدد معاني إستقلال الجملة القرآنية، ومعاني إتحادها مع ما جاورها، ويتصف حسن النسق القرآني بسهولة اللفظ وسلامته من عقادة التركيب، وخلوه من الحشو والإطناب المخل، وأستدل على حسن النسق بقوله تعالى[يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ] ( )، وأستدل عليه من الشعر بأبيات وقصائد منها قول أبي الطيب المتنبي:
الخيل والليل والبيداء تعرفني
والضرب والطعن والقرطاس والقلم( ).
ولكن التباين ظاهر بين النسق القرآني والعلوم المترشحة منه في كل زمان، وما في تلاوته من الإستبهاج والإغتباط، وبين كلام المخلوق من شعر ونثر.
أما بالنسبة للبيت أعلاه فالمبالغة والتفخيم والغرور ظاهر فيه وكان سبباً لإبتلاء قائله.
ويذكر رجال البلاغة أبيات شعر قليلة وبعدد أصابع اليد ويكرونها في كتبهم البلاغية والأدبية بينما في كل آية قرآنية إعجاز في باب حسن النسق، الذي يكون بحروف العطف كلها وأفضلها ما يقع بالواو، ويقع بالفاء للتعاقب، أو بحرف العطف(ثم) وإفادة التراخي وحسن النسق القرآني أعم من أن يكون بحرف العطف الواو أو حروف العطف الأخرى فهو ظاهر من لغة تداخل لغة الخبر والإنشاء، وتعاقب صيغة الأمر والنهي.
ويتجلى التلائم بين كلمات الآيات والإتصال الحسن بين أطرافها الأربعة وقد ذكرت في الجزء السابق فرائد كثيرة لهذا الإتصال في باب الصلة بين أول وآخر الآية( )، إذ أنها إبتدأت بخطاب التشريف [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] والذي يجعل المسلمين في حال إصغاء برداء آدب العبودية والغبطة لما فيه من الإكرام والانتظار لسماع ما بعده من الجملة الإنشائية أو الخبرية، وهو المتعارف في صيغ الخطاب ولغة النداء مطلقاً، والنداء القرآني خاصة، مع التباين في موضعه إذ يأتي بقوله تعالى[يَاأَيُّهَا النَّاسُ].
وقد يتضمن الإنذار والوعيد، قال تعالى[يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ] ( )، وبعد خطاب الإكرام في آية البحث جاء النهي عن الربا ليعلم المسلمون والناس جميعاً أن هذا النهي خال من الأذى وأنه ليس تشديداً على المسلمين ولا عقوبة لهم، بل هو رحمة مزجاة متصلة ومتلاحمة من خطاب التشريف بل وبلحاظ السابقة، وما فيها من الإخبار عن ملك الله للسموات والأرض وأن الناس سيرجعون إلى الله في الآخرة ليكونوا على قسمين لا ثالث لهم:
الأول:فريق يرحمهم ويغفر لهم الله، وهم في جنة النعيم.
الثاني: فريق في العذاب الأليم.
ليكون من خصائص القرآن في باب حسن النسق أن التلاحم والإتصال في القرآن لاينحصر بالمعنى البلاغي بل يشمل الدلالة ومناسبة الموضوع والحكم، وفيه عونً للمسلمين في تلقي الأوامر والنواهي الإلهية بالقبول والرضا، إن النهي وحده تكليف، وفيه مشقة فكيف وقد ورد النهي عن معاملات تجارية، وحجب لأضعاف مضاعفة من الأموال.
فجاء النداء بأمور:
الأول: أبهى صيغ الرأفة.
الثاني: مضامين الرحمة والجذب إلى مقامات العبودية.
الثالث:الإنقياد لأوامر الله عز وجل، والتي لا يقدر على بلوغها والثبات والإقامة فيها إلا الذين آمنوا.
ولا تنحصر موضوعية نداء التشريف بذات النهي عن الربا بل تشمل لزوم ترك تلك الأضعاف المضاعفة التي تأتي من غير عناء وتعب ومن غير التعرض لمخاطر التجارة والمضاربة وإحتمال الخسارة فيها.
ومن حسن النسق في الآية مجئ الأمر بالأعم بعد النهي عن الضد الخاص، وفيه بعث لليأس في قلوب الكفار من حال المسلمين الذين يتقيدون بالأوامر والنواهي الشرعية دفعة واحدة، وهو من خصائص[خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ).
لقد توارث المسلمون الإمتناع عن الربا، وصار هذا الإمتناع ملكة ثابتة عندهم، ولكن الذي ينظر لهم من الأمم والملل الأخرى يرى أمراً خارقاً للعادة لا يتم باتفاق من البشر، ولا تنظيم متوارث بل هو فيض إلهي، وهداية من الله عز وجل لرأفة عظيمة في باب إبتلاء شديد وهو من عمومات قوله تعالى[وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ] ( )، بلحاظ أن الناس يدركون المنزلة الرفيعة التي إرتقى إليها المسلمون بفضل الله، وصاروا في قوس صعود ببركة الأوامر والنواهي القرآنية وتقيدهم وإمتثالهم لها.
فلا غرابة أن يختتم نسق الآية بالبشارة بفوز المسلمين بالفلاح والبقاء لأنهم إختاروا مجتمعين ومتفرقين ترك الربا طاعة لله عز وجل لتكون آية البحث خزينة مملوءة بالعلم والمال إدخرها الله عز وجل للمسلمين، لحسن سمتهم وإخلاصهم في إيمانهم، قال تعالى[وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا]( ).
علم المناسبة(لا تأكلوا)
ورد لفظ(تأكلوا) في القرآن عشر مرات، جاءت خمسة منها بصيغة النهي واحدة في سورة البقرة( )، وأخرى في آل عمران( )، وإثنتي في سورة النساء( )( )، وواحدة في سورة الأنعام( )، ومنها آية البحث(لاتأكلوا) وهو من إعجاز القرآن بتساوي الإيجاب والنهي في لفظ(يأكلوا) قال تعالى[وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ]( )، وتتصف الآية أعلاه بلحاظ المقام بأمور:
الأول:إنها أول آية في نظم القرآن ورد فيها لفظ(تأكلوا).
الثاني:تكرر لفظ تأكلوا في هذه الآية، وصحيح أن اللفظ الثاني لتأكلوا جاء بصيغة الإيجاب إلا أنه يتضمن الزجر والنهي.
وهل يدل هذا التعدد للنهي على ما ذهب إليه المشهور بأصالة عدم التذكية باعتبار أن التذكية من التوقيفيات فيقتصر فيها على القدر المتيقن بالكتاب والسنة، والإستدلال بقوله تعالى[إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ] ( )، بلحاظ تعلق الجواز بما تمت تذكيته وما عداه تشمله الحرمة.
الجواب لا ملازمة بين عدد الآيات التي تضمنت النهي في(لا تأكلوا) وأصالة عدم التذكية، والنقاش في الكبرى وهي وجوه الإستدلال أعلاه على أصالة عدم التذكية إلى جانب تعارضها مع أصالة الإباحة، وأصالة الحلية وهي من عمومات التخفيف وأصول التسهيل وعمومات قوله تعالى[وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ]( )، وكثرة وتعدد الإستثناء يدل على أن الأصل الإباحة، نعم يدل هذا التعدد على تقيد المسلمين بأحكام الشريعة والضبط والتكامل في الإسلام، وتغشيه قوانين الحلال والحرام في القرآن والسنة لأيام الحياة الدنيا وإلى يوم القيامة.
الثالث:بيان الأضرار الفادحة التي تتفرع عن أكل الباطل، وأن عاقبته إلى التلف، وصيرورة المال الحرام بيد الحكام وسبباً في الإستحواذ على أموال الآخرين بغير حق.
ويحتمل أكل المال الربوي بلحاظ الآية أعلاه من سورة البقرة وجوهاً:
الأول:إنه من أكل المال بالباطل.
الثاني:إنه من أكل المال بالإثم.
الثالث: موضوع أكل الربا خاص في مقابل كل من الباطل والإثم.
الرابع: أكل الربا عنوان آخر غير الوجوه أعلاه، كما في وصف أكل ما لا يذكر اسم الله عليه[وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ]( ).
والصحيح هو الأول والثالث، وبين أكل الباطل والربا عموم وخصوص مطلق، ومن الباطل الغصب والظلم واليمين الكاذبة للإستحواذ على مال الغير، ولعب القمار، وبيع الخمور، وفي معنى الباطل وجوه:
الأول: إنه الربا والقمار والبخس والظلم، عن السدي و روي عن الباقر)( ).
الثاني: الأكل بالباطل أي بغير إستحقاق من طريق الأعواض عن الحسن.
الثالث: إرادة الإطلاق في الإستيلاء على أموال الآخرين بغير حق.
ولا تعارض بين هذه الوجوه، لذا جاء النهي عن الربا في آيات متعددة من القرآن لتأكيد حرمته، وتشديد الزجر عنه، وبيان سوء مآله، وقد تكرر قوله تعالى[لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ]( )، وهو من أعجاز القرآن إذا جاء النهي العام لتنمية ملكة الصلاح والتقوى والتفقه في الدين عند المسلمين وإجتناب أفراد وصيغ كسب المال بالباطل.
ووردت الآيات بلفظ الأكل والنهي عنه بمجئ الجزء وإرادة الكل، وأن المقصود هو عموم الكسب بالباطل بلحاظ أن الأكل عنوان للحيازة والإستحواذ، كما أنه إنفاق، فيكون المراد وجوه الإنفاق المختلفة، وموارد توظيف المال.
وكما جاء قوله تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا] في آية البحث فانه تكرر في سورة النساء( )، ولكن بالمعنى الأعم، ونهي المسلمين عن أكل مالهم بينهم بالباطل.
وجاء في الآية أعلاه إستثناء [تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ] فذكرت الآية التجارة لتخرج الربا والقمار والسرقة وغيرهما من أسباب الكسب والأكل الحرام، وقيدت التجارة بالتراضي لإخراج الأكل بالظلم والغصب، فالربا يكون عن تراض، ولكنه ليس تجارة، والظلم قد يحصل بالتجارة والعقود فجاء النهي عنه بإستثناء التجارة على نحو التعيين يقال(تَجَرَ يَتْجُرُ تَجْراً وتِجَارَةً: باع وشرى)( ).
ثم جاء قوله تعالى[وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسم اللَّهِ عَلَيْهِ]( )، بعد أن تقدمت آيتان بالأمر بالأكل مما ذكر اسم الله عليه عند الذبح، وفي ذبيحة المسلم أقوال:
الأول: لا يحل أكل الذبيحة التي ترك ذكر التسمية عليها عمداً أو سهواً، وبه قال الإمام مالك وداود والحسن وابن سيرين.
الثاني: يحل أكل ذبيحة المسلم الذي ترك التسمية عليها عمداً أو سهواً عن الإمام الشافعي.
الثالث: يحل أكل ذبيحة المسلم إذا ترك التسمية سهواً، ولا تحل إذا تركها عمداً عن الإمام أبي حنيفة وأصحابه وعن الإمام الباقر عليه السلام.
ومع ورود كل من الآية أعلاه وآية البحث بلفظ(لا تأكلوا) فان التفصيل والإجتهاد من الفقهاء ورد في موضوع ترك التسمية على الذبيحة، ولكن الإجماع على حرمة الربا لأن النهي عنه جاء في القرآن والسنة النبوية على نحو القطع والبيان والنص الخالي من الإجمال.
علم المناسبة
ورد لفظ(أضعافاً) مرتين في القرآن، وبينهما عموم وخصوص من وجه , فمادة الإلتقاء من وجوه:
الأول: كل واحدة منهما بصيغة النصب(أضعافا).
الثاني: تتعلق كل واحدة منهما بخصوص المال.
الثالث: ذكرت لكل لفظ منهما صفة تابعة له.
أما مادة الإفتراق فهي من وجوه:
الأول: موضوع أحدهما الإنفاق، والآخر الكسب والإنفاق.
الثاني: أحدهما في الثواب العظيم من الله، والآخر في أكل الربا.
الثالث: صفة أحدهما(كثيرة) والآخر(مضاعفة).
الرابع: الأضعاف المضاعفة من الثواب على القرض باقية بفضل الله، أما أضعاف الربا فإنها تالفة بالأكل بمنطوق الآية الكريمة(لا تأكلوا).
ويمكن القول بأن النسبة بينهما هي التضاد والتباين في الموضوع والحكم فقد جاء قوله تعالى[مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً]( )، وعداً كريماً للمسلمين بينما جاءت آية البحث بالذم والتقبيح المتضمن للإنذار بقوله تعالى[لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً] .
وجاء الوعد الكريم في سورة البقرة ترغيباً بفعل الصالحات ويدل في مفهومه على الزجر عن المعاصي والسيئات ومنها أكل الربا.
وقد وصفت الآية الإنفاق في سبيل الله بكونه(قرضاً حسناً) وقيدته بالحسن لتأكيد أن يكون من الكسب الحلال وأن يكون في محله من الإنفاق ولا يصاحبه منّ أو أذى.
ووصفت آية القرض من سورة البقرة الأضعاف بأنها كثيرة , بينما وصفت آية الربا أضعافه بأنه (مضاعفة) .
وأيهما أكثر وأعظم الأضعاف الكثيرة أم المضاعفة.
الجواب لا تصل النوبة إلى هذه المقارنة من وجوه:
الأول: جاءت آية البحث بالنهي عن أكل الربا حتى وإن كانت الفائدة الربوية أضعافاً مضاعفة لرأس المال، أما آية القرض فأخبرت عن تحقق الثواب أضعافاً كثيرة حال الإنفاق وإن كان قليلاً ويسيراً.
الثاني: أضعاف الربا في الدنيا، أما الأضعاف التي هي ثواب فهي باقية إلى يوم القيامة.
الثالث: في أضعاف الربا الأذى والحسرة والندامة، وفي أضعاف القرض الغبطة والسعادة في النشأتين.
وآية القرض من سورة البقرة أعلاه رحمة من الله عز وجل على المسلمين وترغيب بالإسلام، وحث على النفقة في سبيل الله، وإخراج الصدقات الواجبة والمندوبة، (وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال:
لما نزلت آية[مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا] .
قال رسول الله رب زدني فأنزل الله [مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا] فقال رسول الله رب زدني فأنزل الله سبحانه [مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً]))( ).
ولفظ(الكثيرة) أكثر من(المضاعفة) لأن المضاعفة قد تكون كثيرة إلا أنها مقيدة بالأضعاف الربوية , ويدل عليه واقع الأموال الربوية فهي نسبة ومقدار من الربح والفائدة على أصل القرض، أما لفظ الكثيرة فإنه يتصف بالإطلاق في العدد والزيادة التي لا يعلمها إلا الله عز وجل .
وليس بمقدور كل إنسان أن يكون مربياً خصوصاً وأن الطرف الآخر هو الذي يدفع الفائدة الربوية، أي وجود شطر من الناس غير مربين , أما الثواب ومضاعفته فإن كل إنسان يستطيع الفوز به وبقصد القربة إلى الله في الإنفاق ويتقوم هذا القصد بالإيمان .
ومن الشواهد على ترجيح لفظ(الكثيرة) في الأضعاف قوله تعالى[مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ]( ).
ليكون من إعجاز الآية أعلاه أمور:
الأول: الإخبار عن إرتقاء عالم الزراعة , وإستنساخ النبات والشجر أضعافاً عديدة.
الثاني: البشارة في القرآن للناس جميعاً بوفرة الغذاء، ونفي الفزع والخوف من النقص في الغذاء.
الثالث: زجر الناس عن الإقتتال بسبب الطعام، والزراعة، فالأرض
القليلة تعطي الخير الكثير.
الرابع: لم تقف الآية عند سبعمائة ضعف , ليس لأن بعض الناس يقولون إن العرب تريد من السبعة وأضعافها الإشارة إلى الكثرة، فالكلام العربي يحمل على حقيقته ولا ينتقل إلى المجاز والإشارة إلا مع القرينة الصارفة، وهي مفقودة في المقام , وليس من حد لفضل الله عز وجل ولأن الآية أعلاه أخبرت عن مضاعفة هذه السبعمائة ضعف وليس زيادتها فقط، وأختتمت بما يدل على أن خزائن الله مفتوحة لعباده وإتصافها بعدم النفاد لقوله تعالى[وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ].
وذكر أن السبعمائة في السنبل رؤيت في الجاورس( ) وهو (الدخن: نبتة نجيلية حولية تنمو إلى ارتفاع خمسين سنتيمترًا، طول الورقة خمسة وعشرون سنتيمترًا وعرضها سنتيمتر واحد ونصف السنتيمتر، طول النورة( ) عشرون سنتيمترًا وعرضها أربعة سنتيمترات، ينتمي النبات إلى جنس الثمام التابع للفصيلة النجيلية. يشتمل الجنس على 600 نوع منتشرة في المناطق الاستوائية والدافئة) ( )، ويسمى(الدخن الروسي) ويزرع في شمال شرق آسيا، ويكون مصدراً للدقيق وطعاماً للحيوانات ويسمى في العراق(الدخن) وفي اليمن جاورس والكلب، وسوريا ذرة حمراء.
وهل ترك الربا من قرض الله قرضاً حسناً، الجواب إن القدر المتيقن من القرض هو الإنفاق والبذل في سبيل الله، وإتيان الفرائض والعبادات، إلا أن يقال بأن القرض يشمل كل طاعة لله عز وجل سواء بفعل العمل الصالح، أو ترك الفعل السيء والمعصية، فيكون ترك الربا من طاعة الله وتشمله أدلة القرض خاصة في أيام التداخل بين الملل والإختلاط في الأسواق، وكثرة
المعاملات، والله عز وجل واسع عليم.

مشاركة

Facebook
Twitter
Pinterest
LinkedIn

مواضيع ﺫات صلة