معالم الإيمان في تفسير القرآن – الجزء- 200

المقدمة
الحمد لله الذي جعل كنوز القرآن تتصف بخصائص كريمة منها :
الأولى : تجدد علوم القرآن , وهو من رشحات قوله تعالى [كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ]( ).
الثانية : كنوز القرآن من اللامتناهي , ولا تختص هذه الكنوز بالأمور العلمية بل تشمل العلم والعمل وأسباب الرزق والكسب والتحصيل , والمغيبات , والتوقي في الآفات والأدران , ومنه قوله تعالى [وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ]( ).
الثالثة : حضور كنوز القرآن عند المسلمين والناس جميعاً , فمن يعرض عنها أو ينساها تأتيه دفعة وتذكره بمقامها وعظيم نفعها , وقد خفّف الله عز وجل عن المسلمين , وجعل قراءة القرآن واجبة خمس مرات في اليوم , على كل مكلف منهم ذكراً أو أنثى .
ومن مصاديق كنوز القرآن أن ذات التلاوة كنز وتترشح عنها الكنوز في الموضوع والأثر والأجر والثواب .
الحمد لله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له , تبارك [بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] ( ) وصلى الله على محمد وآله الطاهرين الذين أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً .
الحمد لله زنة عرشه ومداد كلماته , وعدد ذرات تراب الأرض , الحمد لله عدد أنفاس الخلائق , وأسأله تعالى أن يبقى حمدنا له إلى يوم القيامة نموت وتبلى أجسادنا ويبقى حمدنا لله يتجدد كل رجاء ليكون من عمومات قوله تعالى [وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِين]( ) بفضل من عند الله تعالى .
اللهم لك الحمد حتى ترضى , ولك الحمد إذا رضيت , ولك الحمد بعد الرضا .
الحمد لله الذي أنعم علينا بصدور الجزء السابق وهو التاسع والتسعون بعد المائة من تفسيري للقرآن في آية علمية لم يشهد لها التأريخ مثيلاً , ويتعلق موضوعه بقانون (التضاد بين القرآن والإرهاب) .
وقد صدرت من هذا السِفر أجزاء متعددة بذات العنوان وهي :
الأول : الجزء الرابع والثمانون بعد المائة .
الثاني : الجزء الخامس والثمانون بعد المائة .
الثالث : الجزء الثامن والثمانون بعد المائة .
الرابع : الجزء الرابع والتسعون بعد المائة .
الخامس : الجزء السابع والتسعون بعد المائة .
السادس : الجزء التاسع والتسعون بعد المائة ، وستأتي أجزاء أخرى بذات القانون أيضاً إن شاء الله .
وتبين آيات القرآن قانوناً وهو أن الرهبة تكون من الله عز وجل , وأن الأنبياء كانوا يرهبون ويخافون الله عز وجل , مع تفضل الله عز وجل وإكرامهم بالنبوة لبيان وجوب أن يرهبه ويخافه الناس في ذات الوقت الذي يرجون فيه واسع رحمته , وفي التنزيل [وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ] ( ).
وقيل معنى يرهبون في الآية أعلاه أي يخشون ويخافون( ) .
(وقال ابن أبي حاتم : يخافون ويتقون) ( ).
ولكن النسبة بين الرهبة والخوف هي عموم وخصوص مطلق , فالرهبة أعم من الخوف لإرادة إنحصار رهبة الناس من الله عز وجل فهو وحده الذي ترهبه الخلائق , وقد أدرك المؤمنون هذا القانون ومنه شدة الخوف , والتحلي بسنن التقوى والحرص على طاعة الله سبحانه في العبادات والمعاملات .
ويتصف الجزء السابق بكثرة القوانين الواردة فيه , وكل واحد منها فيه معاني ودلالات قرآنية تتعلق بالتنزه العام عن الإرهاب , والإرهاب الموازي , وهذه القوانين هي :
الأول : قانون الملازمة بين الإنسان والعهد .
الثاني : قانون الخلق الحسن حصانة من الإرهاب .
الثالث : قانون نزول الآية القرآنية برزخ دون سفك الدماء .
الرابع : قانون الأنبياء أئمة في الشكر .
الخامس : قانون بدايات البعثة قاطعة للإرهاب .
السادس : قانون المعجزة واقية من الظلم .
السابع : قانون الصادق الأمين .
الثامن : قانون الوحي رحمة وتراحم .
التاسع : قانون آدم شاكر لله .
العاشر : قانون الجامع المشترك بين النبي والرسول .
الحادي عشر : قانون عصمة الأنبياء لطف وتنزيه عن الإرهاب .
الثاني عشر : قانون الحوار في القرآن .
الثالث عشر : قانون الأوتاد بين الناس .
الرابع عشر : قانون عداوة الوحي للإرهاب .
الخامس عشر : قانون رشحات التنزيل على الشعر .
السادس عشر : قانون التنزه عن الظلم .
السابع عشر : قانون السور المكية إنذار من الإرهاب .
الثامن عشر : قانون نعمة التوحيد في القرآن مانع من الإرهاب .
التاسع عشر : قانون الوصية رحمة عامة .
العشرون : قانون التوحيد في القرآن زاجر من الإرهاب .
الحادي والعشرون : قانون الأحكام الشرعية مانع من الإرهاب .
الثاني والعشرون : قانون الهجرة إلى الحبشة فرار من الإرهاب .
الثالث والعشرون : قانون التضاد بين التنزيل والإرهاب .
الرابع والعشرون : قانون أدعية القرآن ذخائر وأحراز من الإرهاب .
الخامس والعشرون : قانون سورة المدثر ترغيب بالتقوى .
السادس والعشرون : قانون الإيثار حصن من الإرهاب .
السابع والعشرون : قانون الضرورات الخمس دافع للإرهاب .
الثامن والعشرون : قانون كثرة وتنوع الوفود إلى النبي محمد (ص).
التاسع والعشرون : قانون تخطيط المدن درء للإرهاب .
الثلاثون : قانون مكة شعار يومي لمحاربة الإرهاب .
هذه بالإضافة إلى مقدمة الجزء وأبواب وبحوث فقهية وأصولية فيه .
وتطبع هذه الأجزاء المتتالية على نفقتنا الخاصة بمشقة مع أنه من أفضل موارد الخمس والزكاة , كما نتطلع إلى ترجمة هذه الأجزاء إلى اللغة الانكليزية والفرنسية والفارسية والأوردية وغيرها .
وهذا الجزء من (معالم الإيمان في تفسير القرآن) هو المائتين ويختص بتفسير آية واحدة من سورة آل عمران ، وهو قوله تعالى [الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ]( ) .
بلحاظ الترتيب في تفسير الآيات إذ صدر الجزء الأول من هذا التفسير بخصوص سورة الفاتحة ثم ابتدأ تفسير سورة البقرة بالجزء الثاني منه .
والآية أعلاه مدرسة في الإحتجاج إذ تضمنت توثيق قول طائفة من الناس اشترطوا على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للتصديق برسالته شرطاً وهو أن يقدم قرباناً فتنزل نار من السماء فتأكله وتأتي عليه .
فجاء الجواب من عند الله عز وجل (قل) وفيه شواهد على عصمة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتلقيه الجواب من عند الله عز وجل وتنمية ملكة الإحتجاج عند المسلمين ، وتثبيت الإيمان في صدورهم وهداية الناس لسبل الرشاد والفلاح ، وهو من مصاديق قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( ) .
الحمد لله الذي أنعم علينا ببلوغ أجزاء التفسير هذا العدد المبارك ، ولا زلت في تفسير سورة آل عمران ، بينما لا تتعدى أجزاء أي من تفاسير القرآن كله طيلة أيام وقرون الإسلام في الغالب عشرين أو ثلاثين جزء ، وليس العبرة بالكثرة أو القلة ، إنما المدار على الكيف ومسائل الإستنباط العامة من المضامين القدسية لآيات القرآن والقوانين التي تتجلى في هذا السِفر المبارك .
ومن الإعجاز في نظم آية البحث والآيتين اللتين سبقتاها والآيتين اللتين بعدها أنها إنذار ووعيد وبيان لسوء عاقبة الذين كفروا , وفيه دعوة للناس لأمور :
الأول : توثيق ما يقوله المعاندون والمنافقون.
الثاني : لزوم تلقي معجزات النبوة بالقبول .
الثالث : إمهال الناس في كتابة المعصية لساعات أو أيام رجاء التوبة والإنابة لقوله تعالى [لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمْ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ]( ).
وفيه مسألتان :
الأولى : هل مدة الإمهال هذه حجة على أرباب المعاصي .
الثانية : هل في هذا الإمهال إثم إضافي لعدم التوبة فيه .
أما المسألة الأولى فالجواب نعم , وأما الثانية : فلا , لقوله تعالى [مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ]( ).
الرابع : الإعراض عن أهل العناد والمغالطة .
الخامس : التدبر بإعجاز القرآن , ومعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحسية .
السادس : كفاية الجدال والإحتجاج , وترك العنف والإرهاب , والإمتناع عن الغزو والنهب .
السابع : إستحضار شدة أهوال الآخرة وعالم الحساب .
ويتحد الموضوع بين آية البحث والآية التالية [فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ] ( ) بما يدل على أن الشروط المتعددة للتصديق بالنبوة نوع حاجز عن الإيمان ، وسبب للجحود بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ولقد جاء رسل سابقون بقربان تأكله النار ، فلماذا كذبوهم وجحدوا برسالاتهم ، وأخبرت آية البحث عن مجيئهم بمعجزات أخرى تدل على صدق رسالتهم ، ومع هذا أجهزوا عليهم وقتلوهم .
ولعل الذين سألوهم آية القربان هم غير الذين قتلوهم ، وكذا فان الذين سألوا النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ذات الآية هم غير هؤلاء جميعاً ، إذ انقطعت النبوة والرسالة بعد عيسى عليه السلام والمدة الزمنية بينه وبين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نحو ستمائة سنة وقيل أقل .
الرابع :لقد أخبرت الآية قبل السابقة عن قانون وهو أن دخول الكفار والظالمين النار بسبب ما كسبت وقدمت أيديهم .
وذكرت آية البحث قتل طائفة من الناس لعدد من الأنبياء فهل يأتيهم الوعيد متعدداً أم متحداً , الجواب هو الثاني , وهو من الإعجاز في ورود اسم الإشارة (ذلك) وإفادة المتعدد من أنواع العذاب , وكذا ورود الحرف المصدري (ما) وإفادته الكثرة وصيغة الجمع في ( ما قدمت أيديكم ).
وليس للناس أن يحددوا نوع المعجزة وإلا فإن كل جماعة وطائفة وقبيلة تسأل أكثر من معجزة , بل قد يقوم الشخص الواحد بسؤال وطلب رؤية أكثر من معجزة كشرط لدخوله الإسلام , أو حتى النظر في دخوله الإسلام .
فتوجه القرآن إلى عامة الناس الغني والفقير , والسيد والعبد , والذكر والأنثى يدعوهم جميعاً بالمعجزات التي تستقرأ من آياته , وتدل على نزوله من عند الله عز وجل , قال تعالى [وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُونَ] ( ).
وتبين آية البحث أن الله عز وجل هو الذي يعين المعجزة بما يقيم الحجة على الناس , وينفعهم في النشأتين , وقد سأل مشركوا قريش النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم أن يجعل لهم جبل الصفا ذهباً .
و(عن ابن عباس قال : قالت قريش للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : ادع الله أن يجعل لنا الصفا ذهباً نتقوّى به على عدوّنا ، فأوحى الله إليه : إني معطيهم فأجعل لهم الصفا ذهباً ، ولكن إن كفروا بعد ذلك عذبتهم عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين .
فقال : رب دعني وقومي فادعوهم يوماً بيوم ، فأنزل الله هذه الآية { إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر }( ) وكيف يسألونك الصفا وهم يرون من الآيات ما هو أعظم من الصفا.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير قال : سألت قريش اليهود .
فقالوا : حدثونا عما جاءكم به موسى من الآيات ، فأخبروهم أنه كان يبرىء الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله .
فقالت قريش عند ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم :ادع الله أن يجعل لنا الصفا ذهباً فنزداد به يقيناً ونتقوّى به على عدونا ، فسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ربه . فأوحى الله إليه : إني معطيكم ذلك ، ولكن إن كذبوا بعد عذبتهم عذاباً لا أعذبه أحداً من العالمين .
فقال : ذرني وقومي فأدعوهم يوماً بيوم ، فأنزل الله عليه { إن في خلق السماوات والأرض . . . }( ) الآية .
فخلق السموات والأرض ، واختلاف الليل والنهار أعظم من أن أجعل الصفا ذهباً)( ) لبيان أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يدعو إلى التوحيد وإلى نبذ الشرك وعبادة الأصنام , لذا كان ينادي بين الناس (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا).
واضطر النبي صلى الله عليه وآله وسلم للهجرة إلى يثرب فانفقت قريش أموالها في قتاله وأصحابه , ولو صار جبل الصفا ذهباً لجمعوا القبائل والأعراب على قتاله , وبدل أن يكون عدد جيشهم في معركة أحد ثلاثة آلاف قد يصير عشرين ألفاً مزودين بالسلاح والمؤن يأبون الرجوع إلا بقتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه خاصة وأنه ليس من مدينة أخرى غير يثرب ينسحب إليها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لبيان أن سؤال قريش هذا بصيرورة جبل الصفا ذهباً مكر ودهاء , وقال تعالى [وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ]( ).
لذا ورد الحديث أعلاه بالوعيد لقريش إذا كفروا , ومن معانيه إن سخروا الذهب في محاربة النبوة والتنزيل , وقد لا يتم فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة , ولكن شاء الله عز وجل أن تجري الأمور بمشيئته وبما فيه نصر النبوة , وعن أهل الإيمان , ليكون من مصاديق قوله تعالى [إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا]( ).
إن جبل الصفا يكون ذهباً في كل سنة في هذه الأحقاب من جهة الموارد التي تأتي لأهل مكة في موسم الحج , وطيلة أيام السنة لوفود المعتمرين إليها , مع المنافع الإقتصادية , وأسباب الهداية .
وهو من الشواهد على أن بركات نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم والقرآن أكثر مما يريد ويطمع الناس خاصة مجاوري البيت الحرام , وهو من مصاديق البركة والفيض في قوله تعالى [إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ]( ).
ليكون من معاني آية البحث : يا أيها الناس لا تسألوا معجزات خاصة , إنما يأتي نوع وسنخية المعجزة من عند الله عز وجل , وهو أعظم من السؤال الشخصي لها .
وتدعو آية البحث الناس للتدبر بمعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , لقد أراد الله عز وجل للناس الإنتفاع الأمثل من المعجزة , وإقامة الحجة عليهم بعدم الحاجة إلى سؤال المعجزة الشخصية , لقد بعث الله عز وجل النبي محمداً رحمة من جهات :
الأولى : بناء دولة قائمة على العدل والإحسان .
الثانية : حفظ النفوس ومنه تحريم ومنع الوأد , قال تعالى [وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ]( ).
الثالثة : منع الإقتتال والغزو والنهب .
الرابعة : إصلاح المجتمعات .
الخامسة : تنمية وتثبيت ملكة الأخلاق الحميدة .
السادسة : التنزه عن الفسوق والفجور , والزنا والربا وشرب الخمور .
ومن الإعجاز في القرآن والسنة مجئ الآية والحديث بالأمر بالواجب بما يجمع بينه وبين الأخلاق الحميدة , والنهي عن الحرام بما يجمع بينه وبين الزجر عن الرذائل وسوء العشرة .
وعن(المقدادَ بن الأسود يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه : [ما تقولون في الزنا؟
قالوا : حرام حَرَّمَهُ اللهُ ورسُولُه، فهو حرام إلى يوم القيامة.
فقال : رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم] لأنْ يَزني الرَّجُلُ بِعَشْرِ نِسْوَة ، أَيْسَرُ عليه من أَن يزنيَ بامرَأَةِ جَارِهِ.
قال : ما تقولون في السَّرِقَة؟
قالوا: حَرَّمَهَا اللهُ وَرَسُولُهُ فهي حرام.
قَالَ “لأن يَسْرِقَ الرجل مِن عَشْرَةِ أَبْيَاتٍ ، أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يسرِقَ مِنْ جَارِهِ)( ).
وكلها معجزات للنبي والقرآن فيجب عدم الوقوف عند سؤال معجزة أكل النار القربان , إذ جاءت معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للناس جميعاً , قال تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ).
لقد أكرم الله عز وجل الناس بأن احتج على الملائكة بقوله تعالى [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ) حينما احتجوا على جعل الإنسان [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( ) وأنه يفسد في الأرض ويسفك الدماء , ليكون نزول القرآن استئصالاً للفساد , وبرزخاً دون سفك الدماء الكثيرة بغير حق , ومن خصائص التنزيل والوحي من عند الله عز وجل حفظ النسل واستدامة عمارة الإنسان للأرض .
ومن خصائص آية البحث وهي الثالثة والثمانون بعد المائة من سورة آل عمران بعث السكينة في نفوس المؤمنين , ومنع الجدال وفضح المغالطة , فمن مصاديق احتجاج الله عز وجل على الملائكة في الآية أعلاه نزول آية البحث وما فيها من الإحتجاج من عند الله عز وجل على الذين سألوا معجزة أكل النار القربان , وهو من فضل الله عز وجل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ يدافع عنه بالإحتجاج على الذين يضعون الشروط والقيود للإيمان برسالته .
لقد سأل أصحاب هذه الآية معجزة حسية , فهل كانت عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم معجزات حسية , الجواب نعم , فقد صاحبت هذه المعجزات النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم من حيث بعثته وطيلة أيام النبوة.
وهل هذه المعجزات من (البينات) التي ذكرتها آية البحث بقوله تعالى [قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ]( ) .
الجواب نعم ليكون من معاني وتقدير آية البحث : (قل قد جئتكم بالبينات) .
وتحتمل الآية القرآنية بلحاظ البينات وجوهاً :
الأول : كل آية قرآنية بينة .
الثاني : كل سورة قرآنية بينة .
الثالث : بعض سور القرآن بينات متعددة , وبعضها بينة واحدة خاصة مع التباين في عدد كلمات وطول آيات عدد من السور مثل سورة البقرة , آل عمران , النساء وقصر بعض السور منها سورة الكوثر التي هي أقصر سورة في القرآن , وعدد آياتها ثلاث آيات , وهي قوله تعالى [إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ]( ).
ولا تعارض بين هذه الوجوه , وكلها من تجليات ومصاديق إعجاز القرآن .
وقد تقدم في الجزء السابق قانون وهو : الملازمة بين الإنسان والعهد( ).
وفيه بيان بأن الله سبحانه أخذ العهد على الناس وهم في عالم الذر , وفي النسبة بين أوان ونبأ الخلافة في الأرض وجوه محتملة :
الأول : العهد في أوانه سابق لإخبار الله عز وجل الملائكة عن خلافة الإنسان في الأرض .
الثاني : إخبار الله عز وجل للملائكة [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( ) متقدم زماناً على العهد الذي أخذه الله عز وجل على الناس .
الثالث : إتحاد وزمان العهد والإخبار الإلهي عن خلافة الإنسان في الأرض.
والمختار هو الأول , ولا مانع من تجدده , قال تعالى [وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلاَ تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ]( ).
ومن معاني إحتجاج الله عز وجل على الملائكة [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ).
وتبين آية البحث مصداقاً للمغالطة بوضع بعض الأفراد والجماعات شروطاً خاصة للتصديق بالرسالة , وأخبرت عن أشد أنواع القتل قبحاً , كما يتجلى بقوله تعالى [قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ]( ) وفيه مسائل :
الأولى : نوع وضررالقتل وسفك الدماء .
الثانية : القتل ظلماً وجوراً , وهو الذي تدل عليه الآية قبل السابقة وإخبارها عن وقوع قتل الأنبياء [بِغَيْرِ حَقٍّ]( ).
الثالثة : يؤدي قتل الأنبياء إلى الإضرار بهم وبالناس جميعاً , وفيه حجب لأسباب الهدى .
الرابعة : مجئ الأنبياء بالدلائل والبراهين التي تدل على أنهم مبعوثون من عند الله عز وجل .
الحمد لله الذي جعل كل ساعة من ساعات الحياة الدنيا شاهداً على عظيم قدرته وسلطانه , وأنه غني على العالمين .
وهو من مصاديق رد الله عز وجل على الملائكة [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ), حينما احتجوا على جعل آدم [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ), لما في تعاقب الأيام على الناس من أسباب الإتعاظ والإعتبار , والبعث على الهداية والرشاد .
فمن علم الله عز وجل أن ترى الخلائق غناه عن الأرض والخلافة فيها , وأن الجميع محتاجون إلى رحمته ولطفه , والتوجه إليه بالحمد والثناء , فنحن محتاجون لقول الحمد لله .
ومن فضل الله عز وجل أن الحاجة إليه سبب وعلة لتوالي النعم , ودفع الضرر والبلاء .
وهل هذا الدفع من مصاديق الزيادة في قوله تعالى [لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ]( ) الجواب نعم , إذ أن الله عز وجل يعطي بالأوفى والأتم .
الحمد لله الذي يجلي القلوب بالحمد له , ويكون هذا الحمد حصناً لها من الصدأ , الحمد لله الذي جعل الحمد له نوراً في الوجه , وضياء ينير سبيل الهدى , وهو من أسرار تلاوة المسلمين لسورة الفاتحة في الصلاة اليومية , فبعد النطق بالحمد للرب العالمين , والإقرار بأن الله عز وجل [الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ]( ) جاء التوسل وسؤال الهداية إلى [الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]( ).
ومن أبهى صيغ الهداية هذه قول [الْحَمْدُ لِلَّهِ]( ) والمواظبة عليه لما فيه من التسليم بان النعم كلها من عند الله عز وجل وهو سبحانه أهل للحمد ووليه .
ولما إتخذ الله عز وجل العهد على الناس في عالم الذر فهل الحمد له سبحانه من أفراد هذا العهد , الجواب نعم .
فتفضل الله عز وجل ببعثة الأنبياء والرسل ليتعاهد الناس جميعاً هذا العهد , وتملأ الآفاق في الصباح والمساء بقول (الحمد لله) ولكن طائفة من الناس لم تكتف بالجحود والإعراض عن الحمد , إنما قامت بمحاربة الأنبياء وقتلهم .
فجاءت آية البحث لذمهم مع إنقضاء أيامهم وانقراض دولتهم [الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ]( ) ليبقى هذا الذم مصاحباً لأيام الحياة الدنيا , وفي الحشر يعلم الناس جميعاً استحقاقهم العذاب الأليم لقتلهم الأنبياء , فالأصل أن يتلقى الناس بعثة النبي والرسول بالحمد لله لأن النبوة نعمة عظمى , وتصاحبها ذخائر نازلة من السماء وكنوز من الأرض وبركاتها .
وهل إخبار آية البحث عن قتل الأنبياء نعمة تستلزم الحمد , الجواب نعم , لوجوه نبينها في باب التفسير في هذا الجزء.
الحمد لله الذي جعل القرآن مائدة السماء , تنهل منه الأجيال المتعاقبة الفرائد والعلوم , ويستنبط منه العلماء القوانين والمسائل , وفيه غذاء للروح والبدن , واشراقة الغد الأحسن , والعاقبة الحميدة , قال تعالى [وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ]( ).
إن إختيار الإنسان [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ) شاهد على حب الله عز وجل للناس , وفوزهم بمرتبة سامية بين الخلائق , قال تعالى [وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً] ( ) .
ومن مصاديق هذا الحب نزول كلام الله عز وجل من السماء , وبقاؤه مصاحباً للناس إلى يوم القيامة , لم تستطع يد التحريف الوصول إليه , قال تعالى [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون]( ) وهو من مصاديق الآية أعلاه وتلاوة كل مسلم ومسلمة القرآن خمس مرات في اليوم , وفيه مسائل :
الأولى : تعاهد المسلمين لآيات التنزيل تلاوة ورسماً .
الثانية : ضبط الآيات والسور , فكما أن القرآن بين دفتين فكذا فإن السورة الواحدة تبدأ بالبسملة وتنتهي بالبسملة من السورة الأخرى , باستثناء أول سورة وهي الفاتحة التي تبدأ بالبسملة ويتلوها المسلم كل يوم وليس من سورة قبلها , وسورة الناس التي هي آخر سور القرآن فليس بعدها بسملة , وآخر آية فيها هي [مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ]( ) وهي آخر آية في نظم القرآن , وليست آخر آية نزولاً .
الثالثة : حصر تلاوة القرآن في الصلاة بالعربية , فمن منافع هذا الحصر غلق باب التحريف عن القرآن إلى يوم القيامة .
و(عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أحب العرب لثلاث : لأني عربي ، والقرآن عربي ، وكلام أهل الجنة عربي)( ).
و(عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، تلا { قرآناً عربياً }( ).
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ألهم إسماعيل هذا اللسان العربي إلهاماً)( ).
لبيان موضوعية اللغة العربية في بيان التكاليف وأحكام الحلال والحرام لتكون الآية أعلاه من الحجج في تلاوة القرآن بعربيته في الصلاة , وعند استنباط المسائل والقوانين والأحكام منه .
الرابعة : إيلاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة وأجيال المسلمين عناية خاصة بحفظ آيات القرآن , وسلامتها من زيادة أو نقيصة حرف , أو كلمة , وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون]( ).
ومن الإعجاز في المقام أن جبرئيل عليه السلام كان عضداً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين في هذا الحفظ , إذ كان يتدارس القرآن مع النبي مرة في السنة , وفي السنة التي قبض فيها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عارضه مرتين.
لتكون سلامة القرآن من التحريف من عمومات قوله تعالى[إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون] ( ).

حرر في الثامن والعشرين من رجب 1441
23 آذار 2020

قوله تعالى [الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ]الآية 183.

الإعراب واللغة :
الذين : اسم موصول مبني في محل جر نعت للاسم الموصول (الذين) في قوله تعالى [لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا]( ) أو بدل عنه , ويجوز أن يكون مبتدأ بلحاظ وجوه التفسير التي ستأتي في ثنايا هذا الجزء , وتكون الجملة الفعلية خبره .
قالوا : فعل ماض مبني على الضم لإتصاله بواو الجماعة , وواو الجماعة ضمير مبني على السكون في محل فاعل .
إن الله : إن : حرف ناسخ .
لفظ الجلالة : اسم (إن) منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره.
وجملة (قالوا) لا محل لها من الإعراب لأنها صلة الموصول (الذين).
عهد : فعل ماض مبني على الفتح .
والفاعل ضمير مستتر تقديره هو .
إلينا : إلى حرف جر , (نا) ضمير في محل جر متعلق بالفعل عهد .
ألا : تتألف من كلمتين .
الأولى : حرف مصدري ونصب .
الثانية : (لا) نافية .
وجملة (عهد) إلينا في محل رفع خبر إن.
نؤمن : فعل مضارع منصوب وعلامة نصبه الفتحة على آخره , والفاعل ضمير مستتر فيه وجوباً تقديره : نحن .
والمصدر المؤول (ألا نومن) في محل جر بحرف الجر أي عهد إلينا بعد الإيمان .
لرسول : جار ومجرور متعلقان ب(نؤمن) , والمصدر المؤول (ألا نؤمن) في محل جر بحرف جر محذوف تقديره (في).
حتى : حرف غاية وجر .
يأتينا : فعل مضارع منصوب ب (أن) مضمرة بعد حتى , والفاعل ضمير مستتر فيه جوازاً , تقديره (هو) , و(نا) ضمير مفعول به .
بقربان : جار ومجرور متعلقان ب (يأتينا) , والمصدر المؤول من (أن يأتينا) في محل جر , والجار والمجرور متعلقان ب (نؤمن).
تأكله : تأكل : فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره
الهاء : ضمير مفعول به .
النار : فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره .
قل : فعل أمر , والفاعل ضمير مستتر فيه وجوباً , تقديره (انت) يعود إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
قد : حرف تحقيق أي أن الفعل قد تحقق فعلاً من غير شك فيه ، إذ جاءت رسل من عند الله بقربان وأكلته النار ، ومما جاءوا به البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
جاءكم : جاء : فعل ماض , والضمير (كم) مفعول به .
رسل : فاعل مرفوع بالضمة الظاهره على آخره .
من قبلي : جار ومجرور متعلقان ب (جاء) .
الياء : ضمير مضاف إليه .
بالبينات : جار ومجرور متعلقان ب (جاء).
وبالذي : الواو : حرف عطف .
الباء : حرف جر .
الذي : اسم موصول مبني في محل جر متعلق ب(جاء) وهو معطوف على (البينات) باعادة الجار .
قلتم : فعل ماض مبني على السكون , و (تم) ضمير فاعل .
فلم : الفاء : حرف رابط لجواب شرط مقدر .
اللام : حرف جر , (ما) اسم استفهام مبني في محل جر , والجار والمجرور متعلقان ب (قتلتموهم) .
قتلتموهم : قتلتم : مثل قلتم , والواو : زائدة لإشباع الضمة في الميم .
هم : ضمير مفعول به .
إن : حرف شرط جازم .
كنتم : فعل ماض , ناقص (تم) ضمير متصل مبني في محل رفع اسم (كان) .
صادقين : خبر كان , منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم .
والقربان , ما يتقرب به إلى الله عز وجل , ونوع وسيلة إلى الله عز وجل , وتزلف إليه سبحانه , ويأتي العهد على وجوه :
الأول : العهد اذا تعدى بحرف الجر فهو الوعد المؤكد وقد يأتي بمعنى الأمر ، كما في قوله تعالى [وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ] ( ).
الثاني : اذا جاء الأمر من عند الله بمعنى العهد فمعناه أن الله عز وجل يهيى مقدمات وأسباب التنجز والتوثيق في الإمتثال لهذا العهد ، لذا حينما نزل قوله تعالى [وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ] ( )
أي عهدنا إلى إبراهيم أن يخبر الناس بوجوب الحج (قال إبراهيم : يا رب وما يبلغ صوتي؟
فقال : عليك الأذان وعليّ البلاغ .
فقام إبراهيم على المقام وقيل : على جبل أبي قبيس ونادى : يا أيها الناس ألا إنّ ربّكم قد بنى بيتاً فحجّوه، فأسمع الله ذلك من في أصلاب الرجال وأرحام النساء،
وما بين المشرق والمغرب والبر والبحر ممن سبق في علم الله سبحانه أن يحجّ إلى يوم القيامة، فأجابه : لبيك اللهم لبيك.) ( ).
الثالث : العهد : الوصية والتقدم إلى الطرف الآخر بشئ( ) .
الرابع : العهد : الموثق ، وجمعه عهود .
الخامس : العهد المنزل الذي ما أن يغادره القوم حتى يرجعوا إليه ، والمنزل الذي لك فيه ذكرى طيبة(قال رؤبة:
هل تعرف العهْدَ المُحِيلَ أرسمُه *** عَفَتْ عوافيه وطال قِدَمُه) ( ).
والعهد : حفظ الوعد والصلة ونحوها وتعاهدها حالاً بعد حال ومن جوامع الكلم التي وردت عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (كرم العهد من الإيمان ) ( ) .
والعهد : المطر الذي يتعقب مطراً آخر ، كما لو كان بينهما يومين أو ثلاثة .
والعهد في الآية [عَهِدَ إِلَيْنَا] أي الوصية والموثق والأمر .
ويقال يصدق صدقاَ , والمفعول مصدوق , وصادقون جمع صادق .
وصدق قال الحقيقة , والصدق ضد الكذب .
ولا يختص الصدق بالقول فيشمل الفعل , والصدق دلالة على الكمال , ومن الصدق الأمانة , يقال رجل صادق أي لا يخون , ومن أسماء الله عز وجل الصادق , وهو الذي لا يقول إلا الحق , ويوافق فعله قوله .
ومن أسماء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم : الصادق الأمين .
ومن الصدق الوفاء بالعهد قال تعالى [الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلاَ يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ]( ).
في سياق الآيات
صلة آية البحث بالآيات المجاورة على شعبتين :
الشعبة الأولى : صلة آية البحث بالآيات المجاورة السابقة ، وفيها وجوه:
الوجه الأول : الصلة بين آية البحث والآية السابقة [ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ] ( )، وفيه مسائل :
المسألة الأولى : إبتدأت آية البحث بالاسم الموصول (الذين) ويحتمل وجوها :
الأول : تعلق الاسم الموصول بخاتمة الآية السابقة , وتقدير الجمع بين الآيتين (وأن الله ليس بظلام للعبيد الذين قالوا ….)
الثاني : إفادة المعنى الأخص من لفظ العبيد في قوله تعالى [وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ] ( ).
الثالث : الاسم الموصول (الذين) الذي إبتدأت به آية البحث نعت أو بدل للاسم الموصول (الذين) الوارد في الآية قبل السابقة [لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمْ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ] ( ).
الرابع : (الذين) اسم موصول ويكون مبتدأ لجملة مستأنفة , أي أن الآية تحث عن موضوع وحكم آخر غير الذي ذكرته الآية السابقة .
الخامس : إفادة المعنى الأعم لخاتمة الآية السابقة , ليكون بين الاسم الموصول (الذين) وبين الذين ذكرتهم الآية السابقة عموم وخصوص مطلق , فالذين هو الأعم .
وبإستثناء الوجه الثاني أعلاه فإن الوجوه الأخرى كلها من معاني الآية الكريمة .
المسألة الثانية : إبتدأت الآية السابقة باسم الإشارة للبعيد (ذلك) وفيه دلالة على تعلق موضوع الآية بما سبقها ، وكذا إبتدأت آية البحث بالاسم الموصول (الذين ) وفيه اشارة إلى ما سبق الآية ويستطيع الإنسان في علم التفسير وعند التدبر الجمع بين الآيات ، ومعرفة ضروب الصلة بينهما ، أما لو إنحصر الأمر بالتلاوة و حدها فهل يستطيع الجمع بين اسم الإشارة (ذلك) والمراد من الاسم الموصول (ذلك) الجواب نعم ولو على نحو الإجمال بالإضافة إلى قانون وهو أن ذات الآية لها معنى مستقل جلي وواضح وإن إبتدأت باسم الإشارة أو الاسم الموصول .
إذ تبين آية البحث صدور طائفة من الناس عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في رسالته ودعوته إلى الله ، ولم يجحدوا بالرسالات ، ولكنهم جعلوا شرطاً لا أصل له وهو إتيان الرسول بقربان على أن تأكله النار .
فلم يهاجر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى يثرب رغبة عن مكة ، أو لأن البشارات عند أهل الكتاب باقامة نبي آخر زمان في يثرب ، وحتى تعيين يثرب كدار هجرة لم يأت باختيار من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إنما تم بآية ومعجزة من عند الله إذ كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يعرض نفسه على القبائل في موسم الحج ، ويسألهم أن يأووه ويحفظوه من كفار قريش ليقوم بتبليغ رسالته ، ولكن ردهم كان على وجوه :
الأول : الذين يعتذرون عن الإستجابة لدعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم،وهؤلاء على أقسام من جهة أسباب اعتذارهم .
الثاني : الذين يخشون قريشاً أن تحاربهم أو أن تصدهم عن المسجد الحرام .
الثالث : الذين يتجنبون إغضاب قريش وامتناعهم عن إقراضهم ومساعدتهم .
الرابع : الذين يصدون عن دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم صدوداً ظاهراً .
الخامس : الذين يعملون بقياس الأولوية بلحاظ انه من الظواهر ومفهوم الموافقة وفحوى الخطاب التي تتصف بالحجة كما في قوله تعالى [فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ] ( ) الذي يدل بالأولوية على النهي عن الزجر والشتم للوالدين ، فعدد من القبائل قاسوا على تكذيب قريش للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في رسالته ، وهم أهله وعشيرته ، وحتى الذي لم يحضر الموسم آنذاك ويرى كيف أن أبا لهب عم النبي يمشي خلفه وينادي عليه بأنه كذاب مع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول للناس (قولوا لا إله إلا الله) .
ليخزي الله الذين يكذبونه في ذات المحل ، فيدرك الناس جميعاً أنه ليس من كذب في كلمة التوحيد .
ومن إعجاز القرآن الغيري نزول سورة كاملة من القرآن في ذم أبي لهب من غير خشية من محاكاة الناس له في عمله ، قال تعالى [تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ* سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ] ( ).
(وعن شيخ من بني مالك بن كنانة قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله سلم بسوق ذي المجاز يتخللها يقول : يا أيها الناس قولوا : لا إله إلا الله تفلحوا . قال : وأبو جهل يحثي عليه التراب ويقول : يا أيها الناس لا يغرنكم هذا عن دينكم فإنما يريد لتتركوا آلهتكم ولتتركوا اللات والعزى .
قال : وما يلتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم . قال : قلنا : انعت لنا رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم قال : بين بردين أحمرين مربوع كثير اللحم حسن الوجه شديد سواد الشعر أبيض شديد البياض سابغ الشعر) ( ).
ومن الآيات في بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه هاجر إلى الطائف قبل أن يهاجر إلى المدينة المنورة ، وفيه حجة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد سأل وجهاء يثرب إستضافته وحمايته ، ولكنهم أغروا صبيانهم والعبيد بالإعتداء عليه ، فأخذوا يرمونه بالحجارة لتسيل قدماه دماً ، وتستعرض أجيال المسلمين هذه الذكرى والأذى الذي لاقاه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الدعوة إلى الله .
ولم تمر الأيام والليالي حتى صارت المآذن تصدح باسمه ورسالته وذكره في الأذان بعد التكبير والتهليل .
وهل فيه حجة على الذين اشترطوا تقريب قربان ليؤمنوا برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، الجواب نعم .
ليكون من إعجاز القرآن إبتداء آية باسم الإشارة لتتعقبها آية تبدأ بالاسم الموصول الذي يفيد الجمع (الذين ) ويتلو المسلمون والناس هذه الآية ليدعو هؤلاء إلى النظر بمعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من جهات :
الأولى : المعجزات العقلية التي تبقى غضة طرية في كل زمان ، فلا تحتاج إلى الخبر والرواية جيلاً عن جيل إنما تكون حجة على أهل كل زمان من غير واسطة .
الثانية : آية البحث والتي تتوجه باللوم إلى الذين اشترطوا القربان للتصديق برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالثة : المعجزات الحسية التي صاحبت بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقد بعثه الله في مكة بجوار البيت الحرام ، وكانت عند أهل الكتاب بشارات بأن يثرب دار هجرته ، وقد تحققت هذه المعجزة على نحو الإكراه والإضطرار إذ أرادت قريش قتله في فراشه في ذات الليل التي هاجر فيها ، قال تعالى [وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ] ( ) .
وعندما غادر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مكة التفت إليها وأظهر أسفه وأساه على مفارقتها (عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج من مكة : أما والله اني لأخرج وإني لأعلم أنك أحب البلاد إلى الله وأكرمها على الله ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت.
وأخرج الترمذي والحاكم وصححاه والبيهقي في الشعب عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمكة : ما أطيبك من بلدة وأحبك إليّ ، ولولا أن قومك أخرجوني ما سكنت غيرك ) ( ).
وعن ربيعة بن عباد (إنى لغلام شاب مع أبي بمنى، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقف على منازل القبائل من العرب فيقول: ” يا بني فلان إني رسول الله إليكم، آمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الانداد، وأن تؤمنوا بي وتصدقوا بي، وتمنعوني حتى أبين عن الله ما بعثنى به “.
قال: وخلفه رجل أحول وضئ له غديرتان، عليه حلة عدنية، فإذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قوله وما دعا إليه، قال ذلك الرجل: يا بني فلان إن هذا إنما يدعوكم إلى أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم وحلفاءكم من الجن من بني مالك بن أقيش، إلى ما جاء به من البدعة والضلالة فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه.
قال: فقلت لابي: يا أبت من هذا الرجل الذى يتبعه ويرد عليه ما يقول ؟ قال: هذا عمه عبدالعزى بن عبدالمطلب أبو لهب.
وقد روى الامام أحمد هذا الحديث، عن إبراهيم بن أبى العباس، حدثنا عبد الرحمن بن أبى الزناد، عن أبيه أخبرني رجل يقال له ربيعة بن عباد من بنى الديل، وكان جاهليا فأسلم، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الجاهلية في سوق ذى المجاز وهو يقول: ” يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا ” والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجل وضئ الوجه أحول ذو غديرتين يقول: إنه صابئ كاذب.)( ).
وقال جابر بن عبد الله (كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعرض نفسه بالموقف، فيقول: ألا رجل يحملني إلى قومه فإن قريشا منعوني أن أبلغ كلام ربي.
قال محمد بن عمر الأسلمي: مكث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث سنين من أول نبوته مستخفيا ثم أعلن في الرابعة فدعا الناس إلى الإسلام عشر سنين، يوافي الموسم كل عام يتبع الحاج في منازلهم بعكاظ ومجنة وذي المجاز( ) يدعوهم إلى أن يمنعوه حتى يبلغ رسالات ربه ولهم الجنة، فلا يجد أحدا ينصره ولا يجيبه حتى إنه سأل عن القبائل ومنازلها قبيلة قبيلة ويقول: يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا وتملكوا العرب وتذل لكم العجم وإذا آمنتم كنتم ملوكا في الجنة.
وأبو لهب وراءه يقول: لا تطيعوه فإنه صابئ كاذب، فيردون عليه أقبح الرد ويؤذونه ويقولون: قومك بك أعلم) ( ).
المسألة الثالثة : إبتدأت آية السياق بقوله تعالى [ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ] ( ) ففي بداية الآية مسبَب وسبب ، والمسُبب هو (ذلك) أما السبب فهو موضوع حرف الجر الباء ، ليكون تقدير الآية السابقة على وجوه :
الأول : ونقول ذوقوا عذاب الحريق لكفركم وجحودكم .
الثاني : ونقول ذوقوا عذاب الحريق بظلمكم لأنفسكم .
الثالث : ونقول ذوقوا عذاب الحريق فانا لا نظلم أحداً .
الرابع : وتقول خزنة النار لأصحابها ذوقوا عذابها فان الله لا يظلم أحداً ، وفي التنزيل [وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ] ( ).
الخامس : يتلقى أهل النار التوبيخ والتقريع عندما يساقون إلى النار ، وفي التنزيل [وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا] ( ).
وتدل الآية أعلاه على أن أبواب النار لا تفتح إلا حينما يأتي أهلها لشدة حرارتها والأذى الصادر منها .
وفي حديث الإسراء أن النبي صلى الله عليه وآله سلم رآى مالك خازن النار وأراه النار .
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنه قال (إنه أتاني الليلة آتيان فقالا لي : انطلق . فانطلقت معهما ، فاخرجاني إلى الأرض المقدسة فأتينا على رجل مضطجع وإذا آخر قائم عليه بصخرة ، وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فيثلغ رأسه فيتدهده الحجر ههنا ، فيتبع الحجر فيأخذه فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان ، ثم يعود إليه فيفعل به مثل ما فعل في المرة الأولى .
قلت لهما : سبحان الله ما هذان . . . ؟!
قالا لي : انطلق . فانطلقنا .
فأتينا على رجل مستلق لقفاه وآخر قائم عليه بكلوب من حديد ، وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه فيشرشر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه .
ثم يتحوّل إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول ، فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يصبح ذلك الجانب كما كان ، ثم يعود عليه فيفعل مثل ما فعل في المرة الأولى . قلت : سبحان الله ما هذان . . . ؟!
قالا لي : انطلق . فانطلقنا ، فأتينا على مثل التنور فإذا فيه لغط وأصوات ، فاطلعنا فيه فإذا فيه رجال ونساء عراة ، فإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم ، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا قلت : ما هؤلاء . . . ؟! فقالا لي : انطلق .
فانطلقنا ، فأتينا على نهر أحمر مثل الدم ، وإذا في النهر رجل سابح يسبح ، وإذا على شاطىء النهر رجل عنده حجارة كثيرة ، وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح .
ثم يأتي الذي قد جمع عنده الحجارة فيفغر له فاه فيلقمه حجراً فينطلق فيسبح ، ثم يرجع إليه كلما رجع فغر له فاه فألقمه حجراً . قلت لهما : ما هذان . . . ؟!
قالا لي : انطلق . فانطلقنا ، فأتينا على رجل كريه المرآة كأكره ما أنت راء ، وإذا هو عنده نار يحشها ويسعى حولها .
قلت لهما : ما هذا . . . ؟! قالا لي : انطلق . فانطلقنا ، فأتينا على روضة معتمة فيها من كل نور الربيع ، وإذا بين ظهري الروضة رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولاً في السماء ، وإذا حول الرجل من أكثر ولدان رأيتهم قط .
قالا لي : انطلق . فانطلقنا ، فانتهينا إلى روضة عظيمة لم أر قط روضة أعظم منها ولا أحسن .
قالا لي : ارق فيها . فارتقينا فيها ، فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة .
فأتينا باب المدينة فاستفتحنا ففتح لنا ، فدخلناها فتلقانا فيها رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء ، وشطر كأقبح ما أنت راء . قالا لهم : اذهبوا فقعوا في ذلك النهر . فإذا نهر معترض يجري كأن ماءه المخض في البياض فذهبوا فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا ، فذهب السوء عنهم فصاروا في أحسن صورة . . . !
قالا لي : هذه جنة عدن وهذاك منزلك ، فسما بصري صعداً فإذا قصر مثل الربابة البيضاء قالا لي : هذا منزلك .
قلت لهما : بارك الله فيكما ذراني فأدخله . قالا : أما الآن فلا ، وأنت داخله .
قلت لهما : فإني رأيت منذ الليلة عجباً ، فما هذا الذي رأيت؟! قالا لي : أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه ، وينام عن الصلاة المكتوبة ، يفعل به إلى يوم القيامة .
وأما الرجل الذي أتيت عليه يشرشر( ) شدقه إلى قفاه ، ومنخراه إلى قفاه ، وعينه إلى قفاه ، فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق فيصنع به إلى يوم القيامة . وأما الرجال والنساء العراة الذين في مثل التنور فإنهم الزناة والزواني .
وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ويلقم الحجارة فإنه آكل الربا . وأما الرجل الكريه المرآة الذي عنده النار يحشها فإنه مالك خازن النار .
وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم عليه السلام . وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة . وأما القوم الذين كان شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح فإنهم قوم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً تجاوز الله عنهم ، وأنا جبريل وهذا ميكائيل) ( ).
أما بالنسبة للجنة فان أبوابها مفتحة حتى قبل وصول أهلها ، قال تعالى [مُفَتَّحَةً لَهُمْ الأَبْوَابُ] ( ).
وترى مرآة لعمل أهل النار المسجون الذي يحكم عليه فان الذين يسوقونه إلى السجن يوجهون اللوم له ، ويظهرون براءتهم من الإضرار به وأنهم ليسوا سبباً في سجنه ، إنما هو الذي جلب الضرر والحبس لنفسه ، وعندما يصلون به إلى السجن يوقف على الباب ينتظر فتح باب السجن له ، وهو باب له صرير وصوت مسموع ، وكأنه يوبخ السجين إن كان ظالماً ، ويواسيه إن كان مظلوماً ، وفي التنزيل [ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوْا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ] ( ).
ومن إعجاز القرآن ذكره لسجن مظلوم وهو يوسف النبي عليه السلام ، وقد تضمنت آية البحث ذم الذين قتلوا الأنبياء ، فهل تضمن القرآن ذم الذين سجنوا النبي يوسف ، الجواب نعم ، فذكر ذات سجنه توبيخ للظالمين وبينت الآية إنعدام السبب لسجنه الذي هو مكر , ومن الآيات أن في كل زمان هناك بريئاً مسجونا ، ومنهم من تثبت براءته مدة محكوميته ويطلق سراحه أو لا، ومنهم من تثبت براءته بعد إطلاق سراحه أو بعد موته .
وقد أكرم الله عز وجل يوسف عليه السلام بأن ثبتت براءته بمعجزة برؤيا الملك وحاجتهم ليوسف لإنقاذهم من بلاء عام قد يأتي على الملك وعرشه ، من أثر المجاعة العامة ، وهياج الناس .
السادس : وهل يختص معنى (ذلك) بعذاب الحريق ، الجواب لا ، فالآية أعم ، إذ تشمل الأذى والبلاء الذي لاقاه المشركون في الحياة الدنيا بسبب كفرهم وجحودهم ، وهو من أسرار مجئ اسم الإشارة للبعيد (ذلك) ولم تقل الآية (هذا بما قدمت أيديكم ).
فاذا نظرنا إلى تلاوة الآية في الحياة الدنيا فالمراد من البعد فيها عذاب النار والآخرة .
وأما عند دخول الذين كفروا النار فان المراد من (ذلك) أمور :
الأول : التذكير بالنعم والبلاء والآفات التي نزلت بالذين كفروا في الحياة الدنيا ، قال تعالى [وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ] ( ).
الثاني : عذاب البرزخ للذين كفروا ..
الثالث : حال الهلع والفزع والخوف ، وما يلاقيه الكفار يوم البعث والنشور , وفي مواطن الآخرة .
الرابع : شدة الحساب واتيان الذين كفروا صحفهم في شمائلهم ، وهذه علامة شؤم يعرفها أهل المحشر جميعاً ، إذ ينقسم الناس يوم القيامة إلى طائفتين :
الأولى : الذين يحملون صحفهم بايمانهم .
الثانية: الذين يحملون صحفهم في شمالهم ، (عن قتادة { يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية }( ) قال : ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول : تعرض الناس ثلاث عرضات يوم القيامة ، فأما عرضتان ففيهما خصومات ومعاذير وجدال .
وأما العرضة الثالثة فتطير الصحف في الأيدي ، اللهم اجعلنا ممن تؤتيه كتابه بيمينه قال : وكان بعض أهل العلم يقول : إني وجدت أكيس الناس من قال : { هاؤم اقرؤا كتابيه إني ظننت أني ملاق حسابية }( ).
قال : ظن ظناً يقيناً فنفعه الله بظنه . قال : وذكر أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول : من استطاع أن يموت وهو يحسن الظن بالله فليفعل) ( ).
ومن الإعجاز يومئذ أن الذي يأخذ كتابه بشماله لا يستطيع أن ينقله إلى يمينه ، ولكن لو أراد الذي أخذ كتابه بيمينه نقله إلى شماله فهل يستطيع ، الجواب هذه الإرادة سالبة بانتفاء الموضوع ، فلا يفكر ولا يهم الذي يأخذ كتابه بيمينه نقله إلى شماله .
ولو تنزلنا وقلنا همّ بعضهم بتحويله إلى شماله فالجواب : يحال بينه وبين هذا الفعل وهذه الحيلولة لطف وفضل من عند الله عز وجل .
الخامس : من معاني (ذلك) إنكشاف صحائف الأعمال للناس يوم القيامة ، ليرى الذين كفروا السيئات التي ارتكبوها ، والأضرار التي ترشحت عنها ، قال تعالى [فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ] ( ).
السادس : شكاوى الناس يوم القيامة على الذين ظلموا .
السابع : بيان أضرار وعقوبة البخل والإمتناع عن الإنفاق في سبيل الله.
الثامن : بعث الحسرة والأسى في نفوس [الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ] ( ).
التاسع : عجز الذين كفروا عن دفع الفدية والعوض لصرف العذاب ، ولا تقبل عنهم فدية ، قال تعالى [وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأَرْضِ لاَفْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ] ( ).
العاشر : من معاني (ذلك) تخلف الذين كفروا عن الإيمان مع إقامة البرهان بوجوبه ، ومجئ الأنبياء بالمعجزات .
وهو مصاديق قوله تعالى [فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ] ( ).
المسألة الرابعة : في دراسة مقارنة بين آية البحث والآية السابقة مسائل :
الأولى : جاءت الآية السابقة بصيغة الخطاب ، بينما وردت آية البحث بصيغة الغائب .
الثانية : ورد لفظ الجلالة مرة واحدة في كل من الآيتين ، وكل منهما سبقه حرف (إن) .
الثالثة : ذكرت الآية السابقة لفظ الجلالة في قانون من الإرادة التكوينية يشمل الحياة الدنيا وعالم البرزخ واليوم الآخر ، بينما ذكرته آية البحث في إدعاء طائفة من الناس بأن الله عز وجل عهد إليهم عهداً خاصاً .
الرابعة : قلة كلمات الآية السابقة ، بينما تكون كلمات آية البحث ثلاثة أضعافها .
الخامسة : يتعلق موضوع الآية السابقة بعالم الآخرة ، ونزول العذاب بالذين كفروا بسبب قبح إختيارهم الكفر ، أما آية البحث فتبين جدال طائفة من الناس ، وتفضل الله بالرد عليهم .
السادسة : بين موضوع الآية السابقة وآية البحث عموم وخصوص من وجه ، فمادة الإلتقاء الذم والتوبيخ للذين كفروا والجاحدين ، وأهل الريب ، أما مادة الإفتراق فقد ذكرت الآية السابقة علة ولوج الكافرين والظالمين النار ، وتضمنت الإخبار عن جزاء الذين كفروا وعلته وأسبابه .
أما آية البحث فتضمنت التوثيق لجهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الدعوة إلى الله ، وملاقاته الأذى فيه والجدال والمغالطة من قبل جماعات وطوائف ,( عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد ، ولقد أخفت في الله وما يخاف أحد ، ولقد أتت علي ثالثة وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا ما يواري ابط بلال) ( ).
المسألة الخامسة : تدل خاتمة الآية السابقة على أن المراد من لفظ [العبيد] العموم وأن الألف واللام فيه للإستغراق ، فصحيح أن الخطاب في الآية خاص بالذين كفروا وجحدوا النبوة ، ولكن معناها ودلالتها عامة من وجوه :
الأول : وأن الله ليس بظلام للعبيد [ الذين قالوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ]( ) وهل يختص انتفاء الظلم في المقام بحشرهم بالنار وذوقهم عذاب الحريق ، الجواب لا ، إنما يشمل من بداية خلقهم ونشأتهم وتكليفهم وهدايتهم إلى سبيل الحق وبعث النفرة في نفوسهم من الباطل ، وفي التنزيل [ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا] ( ) .
الثاني : وأن الله ليس بظلام للعبيد الذين يدخلون النار فقد حرموا أنفسهم حتى من الشفاعة يوم القيامة ، ترى ما هي النسبة بين الشفاعة والحمد في قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الوارد عن سلمان (إن لله مائة رحمة ، فمنها رحمة يتراحم بها الخلق ، وبها تعطف الوحوش على أولادها ، وأخر تسع وتسعون إلى يوم القيامة) ( ) فيه وجوه :
أولاً : نسبة العموم والخصوص من وجه ، فهناك مادة للإلتقاء وأخرى للإفتراق بين الرحمة الأخروية وبين الشفاعة .
ثانياً : نسبة العموم والخصوص المطلق ، وهو على شعبتين :
الأولى : الرحمة الأخروية أعم من الشفاعة .
الثانية : الشفاعة أعم من الرحمة الأخروية .
ثالثاً : نسبة التباين بين الرحمة الأخروية والشفاعة .
والمختار هو الشعبة الأولى من الوجه الثاني أعلاه ، إذ أن الشفاعة العامة والخاصة جزء من أفراد الرحمة التي ينشرها الله عز وجل يوم القيامة ، وهل تختص الشفاعة بعالم الحساب والجزاء ، المختار أنها تبدأ من أول ساعة يدخل فيها الإنسان القبر .
وقد ورد في تسمية سورة الملك عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنها المنجية (عن ابن عباس قال : ضرب بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم خباءه على قبر، وهو لا يحسب أنه قبر إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها، فأتى النَّبي صلى الله عليه وآله وسلم .
فقال : يا رسول الله ، ضربت خبائي على قبر وأنا لا أحسب أنه قبر، فإذا إنسان يقرأ سورة الملك ” تَبَارَكَ ” حتى ختمها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “هي المانعة، هي المنجية ، تنجيه من عذاب القبر)( ).
لبيان أن الميت الذي أدخل القبر كان يقرأ سورة الملك وهو في الحياة الدنيا , فأذن له وهو في القبر بقراءتها لتكون واقية له من عذاب القبر , وهل يشترط حفظه لها عن ظهر قلب أم يكفي تعلمها والمواظبة على قراءتها في المصحف .
المختار هو الثاني .
الثالث : [وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ] ( ) ليكون من معاني الآية أعلاه وجوب شكر المؤمنين لله عز وجل , شكرهم على تفضل الله عز وجل بالتنزه عن الظلم , وسلامتهم منه ومن مقدماته وأسبابه , فمن معاني الآية الكريمة أن الله عز وجل يصرف عن الناس مقدمات الفعل الذي يقود إلى العقاب وشدته .
الرابع : [وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ] ( ) إنما يتغشاهم برحمته ويزيد عليهم من فضله , وفي دعاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم : (وقد علمت أنه ليس في حكمك ظلم ، ولا في نقمتك عجلة، وإنما يعجل من يخاف الفوت ، و إنما يحتاج إلى الظلم الضعيف، وقد تعاليت عن ذلك علوا كبيرا)( ).
لبيان قانون من جهات :
الأولى : قانون أدعية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تفسير للقرآن .
الثانية : قانون أدعية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واقية من الإرهاب .
الثالثة : قانون أدعية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من مصاديق [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ).
الرابعة : قانون في أدعية النبي غنى عن الغزو .
الخامسة : أدعية النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الكمالات الإنسانية .
ومعنى اللام في [وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ] ( ) لام التقوية والتي تزاد بعد المشتق تقوية له ، والأصل هو : وما ربك بظلام العبيد ).
ترى لماذا لم تقل الآية (وأن الله ليس بظلام للناس ) الجواب لبيان مسألة إعجازية وهي ذكر الناس في الآية بصفة عبوديتهم ورقيتهم لله عز وجل ، وأنه سبحانه يفعل بهم ما يشاء فهم عبيده ، وقد يقسو المولى من البشر على عبده ، وقد يعذبه ويستولي على ماله ، ويرى أن هذا من حقوق ملكيته له .
فذكرت الآية الناس بصفة العبيد لله عز وجل لبيان تنزهه سبحانه عن الظلم قليله أو كثيره وهذا التنزه من مقام الربوبية المطلقة ، وفي التنزيل [لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ] ( ) وبلحاظ هذه المسألة فان تنزه الله سبحانه في الدنيا والآخرة عن ظلم كل من :
الأول : الأنبياء والرسل .
الثاني : المؤمنون والمؤمنات .
الثالث : أهل الكتاب من اليهود والنصارى وغيرهم .
الرابع : الكفار .
الخامس : المشركون .
وفي خاتمة الآية السابقة [وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ] ( ) مسائل متضادة :
الأولى : الوعيد للذين كفروا .
الثانية : السكينة والطمأنينة للمؤمنين والمؤمنات ، قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ] ( ).
الثالثة : الإنذار للذين يبخلون بالزكاة والحقوق الشرعية .
الرابعة : الشكر والثناء على الذين يصدقون بما جاء به الرسل من عند الله عز وجل.
الخامسة : التخويف للذين كفروا ويصرون على الجحود بما جاء به الأنبياء والرسل ، وفي التنزيل [نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ] ( ).
السادسة : المدد والعون للذين آمنوا وعملوا الصالحات .
السابعة : إقامة الحجة على الذين كفروا ، قال تعالى [فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ] ( ) فمن فاز بالإيمان والصلاح فهو من فضل الله عز وجل ، ومن تخلف عنهما فهو بما كسبت يداه وباصراره على الباطل ، وقدمت الآية أعلاه الجار والمجرور لإفادة الإختصاص وأن الله عز وجل وحده هو الذي ينفرد باقامة الحجة على الخلائق كلها .
وقد تجلى مصداق للحجة عند خلق آدم باحتجاج الله عز وجل على الملائكة بالقول [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) عندما احتجوا على جعل آدم [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ) ومن ذريته من يفسد ويسرق ويزني ويسفك الدم ظلماً .
الثامن : تنمية ملكة الإحتجاج عند المسلمين فخاتمة الآية السابقة مدرسة في الإحتجاج من جهات :
الأولى : بيان قانون من الإرادة التكوينية وهو أن الله لا يظلم أحدا أبداَ .
الثانية : حضور موضوع الآية في حالات مختلفة ، فعندما ينزل بلاء بالذين كفروا تحضر آية البحث في الوجود الذهني ، وتكون مناسبة للتدارك والإستغفار.
الثالثة : الآية السابقة زاجر عن فعل القبائح وعن الإرهاب وتخويف الناس .
الرابعة : تلاوة خاتمة الآية السابقة أو سماعها تفقه في الدين وإرتقاء في المعارف الإلهية .
الخامسة : بعث النفرة في النفوس من الظلم ، وفيها إجتناب إعانة الظالمين ، قال تعالى [إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوْا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمْ الأَسْبَابُ] ( ).
السادسة : إعانة الناس للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإستجابة لهما ، فحينما أمر الله عز وجل بالأمر والنهي فانه سبحانه هيئ أسباب قبولهما ، قال تعالى [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ] ( ) ليكون من معاني الآية أعلاه وجوه :
الأول : ولتكن منكم يدعون إلى الخير ، فهناك أمة تستجيب لهم ، ومن أبهى معاني الخير الدعوة إلى الإيمان ، وتثبيت سننه وأركانه في الأرض ، وذكرت أركان الإسلام على نحو الإستقراء من الآيات والأحاديث , وعن (ابن عباس قال : جلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مجلساً ، فأتاه جبريل فجلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم واضعاً كفيه على ركبتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : يا رسول الله حدثني عن الإِسلام؟
قال : الإِسلام أن تسلم وجهك لله عز وجل ، وأن تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمداً عبده ورسوله . قال : فإذا فعلت ذلك فقد أسلمت . قال : يا رسول الله حدثني عن الإِيمان؟
قال : الإِيمان أن تؤمن بالله ، واليوم الآخر ، والملائكة ، والكتاب ، والنبيين ، والموت ، والحياة بعد الموت ، وتؤمن بالجنة ، والنار ، والحساب ، والميزان ، وتؤمن بالقدر كله خيره وشره . قال : فإذا فعلت ذلك فقد آمنت . قال : يا رسول الله حدثني ما الإِحسان؟
قال : الإِحسان أن تعمل لله كأنك تراه فإن لا تراه فإنه يراك) ( ).
الثاني : ويأمرون بالمعروف فان طائفة من الناس تستجيب لأمركم بالخير والصلاح.
الثالث : ويأمرون بالمعروف ويستجيبون لهذا الأوامر ، فذات الذي يأمر بالمعروف يستجيب لمثله في أمر آخر ، فمثلاً زيد يأمر سالماً بالصلاة في وقتها فيطيعه ، بينما يأمر سالم زيداً بالصيام حال رؤية هلال شهر رمضان فيطيعه زيد .
الرابع : ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ، فلا تصل النوبة إلى الغزو والقتال ، ومن الخير وجوب الإيمان بالله وملائكته ورسله ، والدعوة إلى الإيمان .
الخامس : بيان قانون من وجوه :
الأول : قانون التضاد بين الدعوة إلى الخير والإرهاب , وفي التنزيل [ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ] ( ) .
الثاني : قانون التضاد بين الأمر بالمعروف والإرهاب .
الثالث : قانون التضاد بين النهي عن المنكر والإرهاب .
السادس : قانون من الدعوة إلى الخير بيان قانون تنزه الله عز وجل عن الظلم( ).
السابع : ولتكن منكم أمة يدعون الله بسؤال الخير والهداية لعامة الناس ، وعن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث القدسي عن الله عز وجل (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم .
يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم .
يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا .
يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر .
يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ]) ( ).
الثامن: ولتكم منكم أمة يدعون إلى الخير بتلاوة قوله تعالى [وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ] ( ) ففيه دعوة إلى الخير والصلاح من جهات :
الأولى : ذات التلاوة خير محض ودعوة إلى الخير .
الثانية : تلاوة خاتمة الآية السابقة حجة على الناس ، وترغيب بالعمل الصالح .
الثالثة : الفوز بثواب وأجر الدعوة إلى الخير بتلاوة الآية السابقة وآية البحث .
ويحتمل هذا الثواب بلحاظ هذه المسائل وجوهاً :
الأول : ثواب تلاوة خاتمة الآية السابقة هو ذاته ثواب الدعوة إلى الخير المستقرأ من ذات التلاوة .
الثاني : نسبة العموم والخصوص المطلق بخصوص الأجر بينهما ، وهو على شعبتين:
الأولى : أجر تلاوة خاتمة الآية السابقة أعم من الدعوة إلى الخير في ذات التلاوة .
الثانية : أجر مضامين الدعوة إلى الخير في تلاوة خاتمة الآية السابقة أعم وأوسع من أجر التلاوة .
الثالث : النسبة بين أجر التلاوة وأجر الدعوة إلى الخير العموم والخصوص من وجه ، فهناك مادة للإلتقاء بينهما ، وأخرى للإفتراق .
الرابع : نسبة التعدد والتباين ، فالأجر والثواب على رشحات الدعوة إلى الخير في الآية القرآنية غير الثواب على التلاوة .
والمختار هو الرابع أعلاه .
وهو لا يتعارض مع الوجوه الأخرى أعلاه بل هو في طولها ، وهو المراد من الثواب والأضعاف العشرة الواردة في حديث (عن عوف بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من قرأ حرفاً من القرآن كتب الله له به حسنة .
لا أقول { بسم الله }( ) ولكن باء ، وسين ، وميم ، ولا أقول { الم } ولكن الألف ، واللام ، والميم .
وهل تستقرأ من الحديث أعلاه مسألة وهي أن البسملة جزء من القرآن ، الجواب نعم وبلحاظ سياق الحديث أعلاه فالأقرب أن المثال الشريف الذي جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يتعلق ببسملة سورة البقرة .
وأخرج محمد بن نصر السلفي في كتاب الوجيز في ذكر المجاز والمجيز عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : من قرأ حرفاً من القرآن كتب الله له عشر حسنات : بالباء ، والتاء ، والثاء) ( ) انما هو العنوان الجامع .
وفي الوقت الذي تتضمن فيه خاتمة الآية السابقة الإنذار والوعيد فان آيات كثيرة من القرآن نزلت في بيان الثواب العظيم للإيمان والعمل الصالح ، قال تعالى [إِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمْ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] ( ) .
وهل يدخل موضوع الآية أعلاه بمضامين خاتمة الآية السابقة [وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ] ( ) الجواب نعم ، وتقدير خاتمة الآية السابقة على وجوه :
الأول : وأن الله ليس بظلام للعبيد إنما يتفضل عليهم , وتتوالى عليهم نعمة ظاهرة وباطنة ، قال تعالى [وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا] ( ).
الثاني : وأن الله ليس بظلام للعبيد فلا يتركهم وشأنهم إنما يمدهم ويهديهم .
الثالث : وأن الله ليس بظلام للعبيد إذ جعل حاجتهم إليه مستديمة ومتجددة ، وهذه الحاجة رحمة منه .
الرابع : وأن الله ليس بظلام للعبيد ، وقد أعد الله جنات تجري من تحتها الأنهار للذين آمنوا ،قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ] ( ).
الخامس : وأن الله ليس بظلام للعبيد ، ولو يؤاخذهم بعدله لما بقي أحد على الأرض ، ولما استدامت الحياة حتى وصلت إلينا .
السادس : وأن الله ليس بظلام للعبيد ، فليشكروا الله عز وجل على هذه النعمة العظمى .
السابع : وأن الله ليس بظلام للعبيد ، وهو سبحانه يبغض الظلم ، وأعد للظالمين عذاباً اليماً ، قال تعالى [تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الكَبِيرُ] ( ).
الثامن : وأن الله ليس بظلام للعبيد فلا يشترطوا على النبي ما ليس يحق ، كمسألة القربان الذي تأكله النار ، وفي التنزيل [قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ] ( ).
التاسع : وأن الله ليس بظلام للعبيد وعليهم الرضا بما جاء به الرسل من الآيات والبينات .
وقد ورد قوله تعالى [بِظَلاَّمٍ] خمس مرات في القرآن وهي :
الأولى : ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ( ).
الثانية : ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ( ).
الثالثة : ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ( ) .
الرابعة : مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ( ) .
الخامسة : مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ( ) .
وكلها في تنزيه مقام الربوبية عن الظلم مطلقاً .
المسألة السادسة : إبتدأت آية البحث بالإخبار عن قول وشرط طائفة من الناس بأن يقدم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قرباناً ثم يدعو الله لـتأتي النار لتأكله واستدلوا بأن كل رسول يأتي بهذه الآية ، ولم يثبت هذا الإستدلال والقول ، إن في كل آية من القرآن حجة ودليل على صدق رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
فهل الذين امتنعوا عن التصديق بنبوته من الذين يصدق عليهم قوله تعالى [ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ] ( ) أم أن القدر المتيقن من الآية خصوص الذين ذكرتهم الآية السابقة ، الجواب هو الأول وهو من أسرار إبتداء آية البحث بالإسم الموصول [ذَلِكَ]للدلالة على إتصال موضوع هذه الآيات .
ليكون من معاني آية البحث الإنذار من الحساب والعقاب يوم القيامة على إتخاذ الشرط سبباً للإمتناع عن التصديق بالنبي .
المسألة السابعة : من إعجاز القرآن ورود ذات كلمات آية السياق بآية أخرى من سورة الأنفال بقوله تعالى [ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ]( ).
وهل يمكن استقراء عموم الخطاب في آية البحث من الجمع بينها وبين الآية أعلاه الجواب نعم , فلم تختص الآية أعلاه بالخطاب وتوجيه الإنذار إلى [الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ]( ).
إنما ورد الخطاب فيها وبلحاظ الآيات التي قبلها إلى جميع الكفار , قال تعالى [وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ]( ) وفيه مسائل :
الأولى : إقامة الحجة يوم القيامة على الذين كفروا .
الثانية : تلقي الذين كفروا التنكيل والتبكيت من الله عز وجل والملائكة , فإن قلت من صفات الذين كفروا أنهم لا يعبأون بالتوبيخ .
والجواب هذا في الدنيا أما في الآخرة فالأمر مختلف لأنه عالم حساب وجزاء , بالإضافة إلى إقتران التوبيخ بالعقاب الذي يشاهدون , والباء في [بِمَا قَدَّمَتْ]( ) للسببية أي نزول العذاب بكم بما اقترفتم من الأفعال , وما قلتم من مفاهيم الكفر والصدود عن النبوة .
ومع السببية هناك أمر التهويل , إذ أنهم يرون شدة العذاب وتصيبهم الدهشة والحيرة , فيتساءلون في أنفسهم وجهرة فيأتيهم الجواب .
وترى الإنسان يمكر في الدنيا ويختار المغالطة , وأسباب الإضرار بالناس ولكن الحقائق تتجلى يوم القيامة .
ويؤخذ الله عز وجل حق المظلوم من الظالم .
الثالثة : بيان قانون وهو أن الوعيد الذي في القرآن حق وصدق وليس مجازاً , وهو من الأمارات على أن الجنة والنار مخلوقتان الآن , وأن كلاً منهما تنتظر أهلها , مع فارق بينهما وهو أن أهل الجنة في إزدياد بالعفو من عند الله عز وجل والشفاعة , وعمل الأحياء الصالحات واستغفارهم للأموات وأن أهل النار في تناقص , وهو من مصاديق قوله تعالى [يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ]( ).
وفي قوله تعالى [هَلْ مِنْ مَزِيدٍ]( ) على نحو الإستفهام أي أن النار تقول ليس عندي محل لإيواء أناس جدد وكأنها لا تريدهم يدخلون النار .
وعن الإمام الباقر عليه السلام , (قال : لما نزلت هذه الآية : وجئ يومئذ بجهنم( ) سئل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله.
فقال : بذلك أخبرني الروح الامين أن الله لا إله غيره إذا برز الخلائق وجمع الاولين والآخرين أتى بجهنم يقاد بألف زمام يقودها مائة ألف ملك من الغلاظ الشداد، لها هدة وغضب وزفير وشهيق، وإنها لتزفر الزفرة، فلولا أن الله أخرهم للحساب لاهلكت الجميع ، ثم يخرج منها عنق فيحيط بالخلائق البر منهم والفاجر فما خلق الله عبدا من عباد الله ملكا ولا نبيا إلا ينادي: رب نفسي نفسي، وأنت يا نبي الله تنادي: امتي امتي ، ثم يوضع عليها الصراط أدق من حد السيف، عليها ثلاث قناطر، فأما واحدة فعليها الامانة و الرحم ، وثانيها فعليها الصلاة، وأما الثالثة فعليها رب العالمين لا إله غيره ، فيكلفون الممر عليها فيحبسهم الرحم والامانة، فإن نجوا منها حبستهم الصلاة، فإن نجوا منها كان المنتهى إلى رب العالمين.
وهو قوله: إن ربك لبالمرصاد( ) والناس على الصراط فمتعلق بيد، وتزول قدم، ويستمسك بقدم ، والملائكة حولها ينادون : يا حليم اعف واصفح وعد بفضلك وسلم سلم، والناس يتهافتون في النار كالفراش فيها، فإذا نجا ناج برحمة الله مربها.
فقال : الحمد لله وبنعمته تتم الصالحات وتزكو الحسنات، والحمد لله الذي نجاني منك بعد أياس بمنه وفضله إن ربنا لغفور شكور) ( ).
وهل مرتبة الشوق عند كل منهما لأهلها على مرتبة واحدة , الجواب لا , إنما اشتياق الجنة لأهلها أكثر لما فيها من النعيم المقيم والمصاديق اللامتناهية من الفضل الإلهي , أما النار.
فأنها تشفق على أهلها , وفي حديث الإسراء : ثم أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم واد فوجد ريحاً طيبة باردة وصوتاً , قال جبرئيل (ما هذه الريح الطيبة وما هذا الصوت؟
قال : هذا صوت الجنة.
فقال : ربّ أرني بما وعدتني فقد كثر غُرَفي واستبرقي وحريري وسندسي وعبقري ولؤلؤي ومرجاني وفضتي وذهبي وأكوابي وصحافي وأباريقي وفواكهي وعسلي ولبني وخمري ومائي ، فأتني بما وعدتني.
فقال : لك كل مؤمن ومؤمنة من آمن بي وبرسلي وعمل صالحاً ولم يشرك بي ولم يتخذ من دوني أنداداً ، ومن خشيني فهو آمن ومن سألني أعطيته ومن أقرضني جزيته( ) ومن توكل عليَّ كفيته ، إني أنا الله لا إله إلاّ أنا لا أخلف الميعاد [قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ]( ) [فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ]( ).
قال : قد رضيت, قال ثمّ أتى على واد فسمع صوتاً منكراً ووجد ريحاً منتنة .
فقال : ماهذا يا جبرئيل؟
قال : هذا صوت جهنم تقول : (يا ربّ آتني) ما وعدتني فقد كثرت سلاسلي وأغلالي وسعيري وحميمي وضريعي وغساقي وعذابي ، وقد بعد قعري واشتد حرّي إئتني بما وعدتني.
قال : لك كل مشرك ومشركة , وكافر , وكافرة , وكل خبيث وخبيثة , وكل جبار لايؤمن بيوم الحساب. قالت : قد رضيت يارب)( ).
ومن معاني اسم الإشارة (ذلك) في الآية السابقة وجوه :
الأول : إرادة البعد .
الثاني : ذم وبُعد الذين كفروا عن رحمة الله .
الثالث : تعظيم أهوال العذاب .
الرابع : الإخبار عما ينتظر الذين كفروا من صنوف العذاب الأليم , قال تعالى [وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوْا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ]( ).
الخامس : التذكير بقانون وهو سبق الإنذار للناس جميعاً , ومنهم الذين كفروا في الدنيا .
وذكرت الآية ما قدمته الأيدي استعارة , وكأنه مما جناه الإنسان وما قبضه من الثمن ، والمراد عالم الأفعال والأقوال , قال تعالى [أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ]( ).
المسألة الثامنة : لقد ذكرت الآية السابقة توبيخ أهل النار يوم القيامة في الآخرة , أما آية البحث فقد ذكرت النار ولكنها من نار الدنيا , ذكرت في الآية من باب الإختبار والبرهان بأن تأكل القربان , فهل من صلة بين النارين , الجواب ينتفع الإنسان من النار في الدنيا لتضئ له ويطهي عليها الطعام ويتدفأ بها , وتتم بها صناعات كثيرة إذ يلين وينصهر بها حتى الحديد , وفي داود عليه السلام قال تعالى [وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ]( ).
لقد كان داود يدور ويعجن الحديد بيده وكأنه طين من غير أن يحميه بالنار أو يضربه بمطرقه , فقام بصنع الدروع وحلقاتها منه لدفع المشركين , بينما كان بنو اسرائيل يحملون صفائح من حديد للدفاع , (لما ملك بني إسرائيل كان من عادته أن يخرج للناس متنكراً ، فإذا رأى رجلاً لا يعرفه ، تقدم إليه يسأله عن داوُد.
فيقول له : ما تقول في داوُد واليكم هذا؛
أي رجل هو؟
فيثنون عليه ويقولون : خيراً فينا هو.
فبينا هو في ذلك يوماً من الأيام إذ قيّض الله ملكاً في صورة آدمي ، فلما رآه داوُد تقدم إليه على عادته فسأله.
فقال له الملك : نِعمَ الرجل هو لولا خصلة فيه. فراع داوُد ذلك وقال : ما هي يا عبد الله؟
قال : إنه يأكل ويطعم عياله من بيت المال.
قال : فتنبه لذلك ، وسأل الله تعالى أن يسبب له سبباً يستغني به عن بيت المال فيتقوت منه ويطعم عياله ، فألان الله له الحديد فصار في يده مثل الشمع ، وعلمه صنعة الدروع،
وكان يتخذ الدروع وإنه أول من اتخذها.
فيُقال : إنه كان يبيع كل درع منها بأربعة آلاف ، فيأكل ويطعم عياله منها ويتصدق منها على الفقراء والمساكين.
ويقال أيضاً : إنما ألان الحديد في يده لما أُعطي من القوّة) ( ).
ومن مصاديق بقاء المعجزة بين الناس , إذ تقوم أفران حديثة بصهر الحديد بدرجة حرارة تصل إلى أكثر من ألف درجة مئوية , ثم معالجته وصبه في قوالب حسب الحاجة والطلب , وقامت الثورة الصناعية على إستخدام الحديد .
ليكون من معاني قوله تعالى [عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ]( ) ومنه ما لا يعلم من المعجزة بأن صارت قريبة من الإنسان بالعلم والكسب والتحصيل كما في معجزة داود وإلانته الحديد له , بفضل من الله عز وجل .
وقد وجدت أجسام حديدية في مصر تعود في تأريخها على نحو التقدير المختبري 7,5% من النيكل .
وفيه دلالة أنها من أصل نيزكي , وهو من مصاديق إخبار القرآن عن نزول الحديد من السماء , وفي قوله تعالى [وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ]( ) (قال ابن عباس : نزل آدم من الجنة ومعه السندان والكلبتان والميقعة) ( ) .
وقيل المراد أن الله عز وجل أخرجه من المعادن , وتتكون المعادن من الماء النازل من السماء إلى الأرض , وقيل المراد من أنزلنا أي الإلهام في استعماله , واتخاذه للدفاع , والمختار حمل الكلام على ظاهره وأن الله عز وجل أنزل الحديد من السماء , نعم شطر من الحديد الذي في الأرض .
ومن خصائص النار في الدنيا أنها تذكر الإنسان بعالم الآخرة ليكون من الصلة بين عالم الدنيا والآخرة حاجة الإنسان اليومية إلى النار وفيها دعوة للزوم إجتناب دخولها.
وترى أفراد العائلة الواحدة يحرصون مجتمعين ومتفرقين على عدم وقوع الحريق في البيت , إذ يقومون بتعاهد النار ومنعها من التعدي , وفيه دعوة لهم للتعاون من أجل النجاة من عذاب النار , وهو من مصاديق قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ]( ).
لقد جاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالبشارة بالجنة للذين آمنوا وعملوا الصالحات , وبالإنذارات من النار وعذابها , واقترنت دعوته بالمعجزات وكذا دعوة الأنبياء السابقين .
ومن الآيات أن كل نبي يأتي بمعجزة تناسب قومه وزمانه من حيث يشاء الله عز وجل , قال سبحانه [وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ]( ).
المسألة التاسعة : لقد تضمنت آية البحث الإخبار عن بعث الله عز وجل رسلاً من عنده إلى الناس , ومنهم الذين اشترطوا على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قرباناً تأكله النار , ويحتمل بلحاظ الآية السابقة وجوهاً :
الأول : جاء كل رسول بآية القربان .
الثاني : لم يأت بآية القربان إلا عدد من الرسل والأنبياء .
الثالث : لم يأت بآية القربان إلا عدد من رسل من بني إسرائيل .
والمختار هو الثالث أعلاه .
لبيان الإعجاز في آية البحث بلغة الخطاب (جاءكم) , وبذكر الرسل بصيغة التنكير [جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي]( ).
أي ليس الرسل جميعهم , ولكن بعض الرسل , ومع هذا لم يطيعوهم فيما أمروهم ولم يقاتلوا معهم المشركين .
المسألة العاشرة : أختتمت الآية السابقة بقانون [وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ]( ).
أما آية البحث فاختتمت بجملة شرطية وبصيغة الخطاب [إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ]( ). والنسبة بينهما العموم والخصوص المطلق , من جهات :
الأولى : خاتمة الآية السابقة أعم , أما خاتمة آية البحث فهي خطاب إنذار وحجة على طائفة من الناس .
الثانية : تتعلق خاتمة الآية السابقة بعالم الآخرة , أما خاتمة آية البحث فتدعو إلى الصدق في الدعوى والمسألة , وترك ما لا أصل له في مخاطبتهم النبي.
الثالثة : جاءت كل من الآيتين بصيغة الخطاب , ويمكن تسمية الخطاب في آية السياق بانه خطاب أخروي , أما الخطاب في آية البحث فهو خطاب دنيوي .
الرابعة : آية السياق تحذير من شرط القربان , وتقديره على وجوه :
الأول : ذلك بما قدمت أيديكم بالجحود بالرسالة .
الثاني : ذلك بما قدمت أيديكم بالإشتراط على الرسول ما لا أصل له.
الثالث : ذلك بما قدمت أيديكم بإدعاء عهد خاص بين الله عز وجل وبينكم .
الرابع : قد جاءكم الرسول بالبينات وأن الله عز وجل ليس بظلام للعبيد .
الخامس : قد جاءكم رسل من قبلي وأن الله عز وجل ليس بظلام للعبيد .
السادس : الرسول الذي جاءكم بالقربان أمركم بالتصديق بالرسل من بعده .
الخامسة : ورد في خاتمة آية السياق (إن) وهو حرف شرط جازم في خاتمة البحث بقوله تعالى [إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ]( ).
السادسة : من معاني خاتمة الآية السابقة أنها قانون وعيد وتخويف يتغشى الحياة الدنيا والآخرة , إذ يتلو المسلمون الآية السابقة كل يوم , وهل تتكرر ذات تلاوة كلمات الآية يوم المحشر , من قبل المؤمنين , المختار نعم لوجوه :
الأول : الشكر لله عز وجل على نعمة النجاة من اللوم والتبكيت يوم الحشر , ومما يحزن أن هذا التبكيت مقدمة لعذاب بدني أليم .
الثاني : تجلي مصداق لقوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ]( ).
الثالث : إظهار المؤمنين جهودهم وجهادهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ودعوة الناس إلى الهدى والإيمان , وتذكيرهم للذين كفروا , كيف أنهم أنذروهم من العرض وتطاير الصحف يوم القيامة .
لقد جاء الرسل السابقون بالوعيد بالنار وهل أنذروا الذين صدوا عنهم وجحدوا برسالتهم بعذاب النار , وقالوا لهم [ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ]( ).
الجواب أن الآية أعلاه تنزيل من عند الله عز وجل وهي ليست من قول الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم , ومن خصائص القرآن أنه مهيمن على الكتب السماوية السابقة .
وجاءت مضامين هذه الآية على ألسنة الرسل السابقين , وبما يفيد التخويف والوعيد من عذاب النار , قال تعالى [أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ]( ) لبيان قانون وهو أن تكذيب طائفة من الناس للرسل ليس أمراً مختصاً بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمعجزات التي جاء بها , وفيه مسائل :
الأولى : مواساة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وفي التنزيل [وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ]( ).
الثانية : تثبيت المسلمين في منازل الإيمان , ودفع الشك عن إرتياب قلوبهم .
الثالثة : دعوة الناس للهدى والإيمان , ومنعهم من الإنصات لأهل الشك والريب .
ليكون من مصاديق البينات التي جاء بها الرسل السابقون الإخبار عن قانون من جهات :
الأولى : دخول الذين كفروا النار .
الثانية : قول الله عز وجل لأهل النار [َذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ]( ).
الثالثة : التوبيخ واللوم للذين كفروا عن سوقهم إلى النار , ومن ضروب هذا التوبيخ أنكم تركتم منازلكم في الجنة , واخترتم دخول النار , وشدة عذابها الذي لا يطاق , قال تعالى [كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا]( ).
و(عن أنس بن مالك أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم قال إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه اصحابه انه ليسمع قرع نعالهم يأتيه ملكان فيقولان ما كنت تقول في هذا الرجل يعني محمدا صلى الله عليه وآله وسلم.
قال فاما المؤمن فيقول آمنت انه عبد الله ورسوله فيقال له انظر إلى مقعدك في النار قد ابدلك الله مقعدا في الجنة فيراهما جميعا)( ).
ليكون من مصاديق تنزه الله عز وجل عن ظلم الناس أنه سبحانه خصص لكل واحد منهم مقعده في الجنة , وهل تستوعب الجنة سكن كل أجيال الناس فيها , الجواب نعم , ويدل عليه قوله تعالى [َجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ]( ).
وقد جاءت الأحاديث النبوية بتعدد قصور المؤمن في الجنة , فلو دخل الناس جميعاً الجنة فهل ينقص عدد قصور المؤمن بسبب كثرة المقيمين في الجنة , ودخول أفواج أخرى معهم الجنة , الجواب لا .
وعن الحسن( ) (قال : سألنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليها فقال : قصر من لؤلؤة في الجنّة وذلك القصر سبعون داراً من ياقوتة حمراء في كل دار سبعون بيتاً من زمردة خضراء في كل بيت سبعون سريراً على كل سرير سبعون فراشاً من كل لون ، على كلّ فراش امرأة من الحور العين ، في كل بيت سبعون مائدة على كل مائدة سبعون لوناً من كل الطعام ، في كل بيت سبعون وصيفاً ووصيفة.
قال : فيعطي الله المؤمن من القوة في غذائه وحده ما يأتي على ذلك كله)( ).
المسألة الحادية عشرة : لم ترد مادة (قال) في الآية السابقة , بينما تكررت ثلاث مرات في آية البحث وهي :
الأولى : أحد الأفعال الخمسة (قالوا) .
الثانية : فعل الأمر (قل) .
الثالثة : الفعل الماضي المتصل (قلتم) .
الرابعة : موضوع الآية السابقة عالم الحساب والجزاء يوم القيامة , أما موضوع البحث فهو أيام النبوة , ونزول آيات القرآن .
المسألة الثانية عشرة: ذكرت الآية السابقة قانوناً وهو ترتب العقاب الأخروي على المعاصي والذنوب في الدنيا ، وجاءت بصيغة الجمع [ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ] ( ) لتكون على جهات :
الأولى : توجه الخطاب العام من الله عز وجل للذين يقادون إلى النار بأن هذا القود والسوق جزاء لما ارتكبوا من الذنوب والمعاصي ، فيأتي النداء والتوبيخ من عند الله ، وهو [ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ] ( ) فيسمعه كل من :
الأول : الملائكة .
الثاني : أهل الجنة ليشهد الله عز وجل على نجاتهم من النار ، وفي التنزيل [وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ] ( ).
الثالث : أهل النار فيكثر التلاوم وتظهر الندامة عليهم .
الرابع : معاشر الجن .
الثانية : نداء ولوم الملائكة لأهل النار لتأكيد تنزه الله عز وجل عن الظلم .
الثالثة : الحوار والجدال بين الملائكة وأهل النار ، فصحيح أن الآية السابقة وردت مجملة إلا أنها تتضمن بيان احتجاج الملائكة على أهل النار ، فقد يقول بعضهم لم يصلني البلاغ أو الإنذار من العذاب يوم القيامة وآخر يقول لم أتلق الأمر بالصلاة ، ولم أنه عن المنكر وأرتكاب الزنا والربا ، ولو علمت بهذا النهي لامتنعت فيقيم عليه الملائكة الحجة والدليل على تبليغهم .
ليكون من معاني الآية السابقة [ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ] ( ) الإستمرار والتوالي في أمور :
الأول : تكرار منطوق الآية السابقة .
الثاني : إقامة الحجة على الذين كفروا وهم يساقون إلى النار وبعد دخولهم إليها .
الثالث : من إعجاز القرآن قانون التفسير الذاتي ، وأن بعضه يفسر بعضاً ، والآية السابقة تفسير لقوله تعالى [وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنْ الْعَذَابِ] ( ) إذ تراجعهم خزنة النار بالإحتجاج [أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ] ( ).
الرابع : من خصائص أهل النار أنهم يودون الموت للخلاص من العذاب يوم القيامة ، ومناداتهم لمالك خازن النار [يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ] ( ) (عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب ، فيستغيثون بالطعام ، فيغاثون بطعام من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع ، فيستغيثون بالطعام فيغاثون بطعام ذي غصة ، فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالشراب ، فيستغيثون بالشراب فيرفع إليهم الحميم بكلاليب الحديد .
فإذا دنت من وجوههم شوت وجوههم ، وإذا دخلت بطونهم قطعت ما في بطونهم ، فيقولون : ادعوا خزنة جهنم فيدعون خزنة جهنم إن { ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب }( ) .
فيقولون { أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال }( ) فيقولون ادعوا مالكاً فيقولون { يا مالك ليقض علينا ربك }( ) فيجيبهم { إنكم ماكثون } فيقولون ادعوا ربكم فلا أحد خير من ربكم ، فيقولون { ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوماً ضالين ، ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون }( ) فيجيبهم { اخسئوا فيها ولا تُكَلِّمون } فعند ذلك يئسوا من كل خير ، وعند ذلك أخذوا في الزفير والحسرة والويل) ( ).
وقد يتبادر إلى الذهن أن هذا القول [ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ] ( ) قد يحدث لمرة واحدة ، والمختار أنه يتكرر على أهل النار كل يوم .
الثالثة : الذم الذاتي بين أهل النار إذ يتلاومون فيما بينهم , ومنه ما ورد في التنزيل بتبرأ بعضهم من بعض والرمي بالمسؤولية على الآخرين ، كما ورد في التنزيل [وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلاَ بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلاَ أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنْ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلاَلَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] ( ).
ولا ينقطع سيل التهم بين أهل النار ويصل إلى قول بعضهم لبعض [ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ] ( ).
فكل من المستكبرين والمستضعفين يرمي الآخر بأنه السبب في جلب الضرر وعذاب النار لنفسه ، وهو من الإعجاز في ابتداء الآيات أعلاه بالإخبار عن إمتناع الذين كفروا عن التصديق بالقرآن ونزوله من عند الله عز وجل .
المسألة الثالثة عشرة: من خصائص الآية السابقة [ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ] ( ) أنها تفسير وجواب لآيات كثيرة في ذات الموضوع والدلالة ، ومنها آية البحث فالذين ينكرون بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويشترطون عليه شروطاً خلاف التنزيل والحكمة الإلهية في بعثة الأنبياء يأتيهم الذم , مثلاً [َالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ] ( )، قال تعالى [وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ] ( ) قال تعالى [بَلْ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ] ( ) قال تعالى [لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ] ( ).
فمن خسارة الذين كفروا تلقيهم التوبيخ في الآخرة وهم في حال عذاب أليم .
كما يمكن الإحتجاج بما ورد في الآية السابقة بخصوص موضوع آيات كثيرة تبين حال الذين كفروا وهم في النار منها :
الأولى : قوله تعالى [وَجَعَلْنَا الأَغْلاَلَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ] ( ).
الثانية : قوله تعالى [ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ] ( ).
الثالثة : قوله تعالى [وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ] ( ).
المسألة الرابعة عشرة : اختتمت آية السياق بقوله تعالى [وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ]( ) وهي مطلقة من جهات :
الأولى : في الدنيا .
الثانية : في الآخرة .
الثالثة : لا يظلم الله سبحانه الناس في أعمالهم , إنما يتفضل عليهم بتقريبهم إلى عمل الصالحات , وبعث النفرة في نفوسهم من إرتكاب السيئات .
فمن رحمة الله عز وجل بالناس أنه لا يظلمهم وأيضاً لا يتركهم وشأنهم , إنما يقربهم إلى فعل الصالحات وأعمال البر والتقوى , والتنزه عن ظلم بعضهم بعضاً , فمن معاني خاتمة آية السياق , وأن الله عز وجل ليس بظلام للعبيد دعوة الناس باجتناب الظلم فيما بينهم.
ومن الشواهد على أن الكافر ينصت للقرآن تراه يتضرع إلى الله عز وجل يوم القيامة والتوسل إلى الله عز وجل بأنه سبحانه لا يظلم العبد .
و(عن السدي في الآية قال : الكافر يخرج له يوم القيامة كتاب ، فيقول : رب ، إنك قد قضيت . إنك لست بظلام للعبيد ، فاجعلني أحاسب نفسي . فيقال له : { اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً }( ))( ).
مما يدل على سعة رحمة الله عز وجل بالناس جميعاً حتى في الآخرة وأن الله سبحانه لا يعاقب الكافر حتى تقوم عليه الحجة ويدرك بنفسه أن أعماله تقوده إلى النار , وتحث خاتمة آية السياق على الرأفة بين الناس في الدنيا فإذا كان الله عز وجل لا يظلم عبيده الذين خلقهم ولا يترك الظالم منهم سواء في الدنيا , أو في الآخرة وما ينتظره من العقاب فيها , فيجب عليهم التنزه عن الظلم من أجل أنفسهم .
الوجه الثاني : الصلة بين آية البحث وقوله تعالى ,[لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمْ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ]( ) وفيه مسائل :
المسألة الأولى : جاءت كل من الآيتين بصيغة الجملة الخبرية , وبيان حال طائفة من الناس استقبلوا رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالجدال والإمتناع عن التسليم بها.
وورد في كل من الآيتين عن الطائفتين [قَالُوا إِنَّ اللَّهَ]( ) مع التباين الموضوعي والإتحاد في الغاية والقصد بإختلاق أسباب للإعراض عن الدعوة النبوية .
لقد ورد لفظ الجلالة مرتين في آية السياق :
الأولى : تتضمن كل من الآيتين الإخبار بأن الله عز وجل سمع قولاً قبيحاً صدر عن طائفة من الناس , لبيان قانون وهو أن الله عز وجل يسمع كل صوت, ويعلم كل قول قبل أن يخلق آدم والناس جميعاً , وأخبرت عن سماع الله عز وجل قولهم لبيان صدوره منهم , وأن آية المحو لم تشمل هذا القول , قال تعالى [يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ]( ) لأنه أمر واقع , نعم يتعلق المحو برفع العقاب عمن يهتدي ويستغفر.
الثانية : قولهم [إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ]( ) وهو خلاف علة خلق الناس , قال تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ]( ) ومن وجوه العبادة التسليم بعظيم قدرة الله عز وجل وملكه للسموات والأرض وأنه سبحانه الغني .
وفي التنزيل [الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا]( ) .
وهل مقدار الأموال التي عند أي إنسان من التقدير الذين تذكره الآية أعلاه , الجواب نعم , مما يستلزم الشكر لله عز وجل وعدم الجحود أو الإستحقاق بالتنزيل .
وورد اسم الجلالة مرة واحدة في آية البحث بدعوى طائفة من الناس أن الله عز وجل عهد لهم عهداً خاصاً , بخصوص التصديق بالرسالة .
وفيه شاهد على إقرارهم بالربوبية المطلقة لله عز وجل وأنه قد بعث الرسل إلى الناس إلا أنهم يجعلون مسألة القربان ونزول النار لتأكله شرطاً للتصديق برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , فجاء الرد والإحتجاج عليهم من الله عز وجل وفي ذات آية البحث , لقد بعث الله عز وجل النبي محمداً [رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ).
وكل من آية البحث والسياق من رحمة الله عز وجل .
إذ ذكرت كل منهما قول طائفة من الناس ظلموا أنفسهم بالمغالطة وجعل شرط لدخول الإسلام , وهذا الشرط لا أصل له .
المسألة الثانية : تحتمل الصلة بين أهل آية السياق والبحث وجوهاً :
الأول : الإتحاد فالذين قالوا [إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ]( ) هم أنفسهم الذين اشترطوا قرباناً تأكله النار .
الثاني : نسبة العموم والخصوص من وجه , فمادة الإلتقاء الجحود بالرسالة ومحاولة صدّ الناس عن الإيمان , أما مادة الإفتراق فهي هناك طائفة [إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ]( ) وأخرى جعلت شرطاً للتسليم بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وهي مسألة القربان .
الثالث : نسبة العموم والخصوص المطلق , وهي على شعبتين :
الأولى : الذين قالوا إن الله فقير أكثر عدداً وشأناً من الذين اشترطوا على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يأتي بقربان .
الثانية : الذين اشترطوا القربان أكثر عدداً من الذين قالوا[إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ]( ).
الثالث : التباين بين الطائفتين فالذين قالوا إن الله فقير غير الذين اشترطوا القربان .
والمختار هو الوجه الثاني أعلاه ومادة الإلتقاء من جهات :
الأولى : الإمتناع عن التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : إيجاد سبب للصدّ عن النبوة .
الثالثة : ذكر كل من الآيتين لقتلهم الأنبياء .
الرابعة : التباين الموضوعي بخصوص موضوع الآيتين إذ تتعلق آية السياق بالإنفاق في سبيل الله وعزوفهم عنه , أما آية البحث فتبين إمتناعهم عن الإيمان من الأصل .
فإن قلت يدل إبتداء آية البحث بالاسم الموصول (الذين) على الإتحاد وأن [الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ]( ) هم أنفسهم الذين اشترطوا القربان .
والجواب لا دليل على هذا القول إنما يكون الجامع المشترك بينهما صدودهم عن نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم
الخامسة : لغة التخويف والوعيد في الآيتين .
المسألة الثالثة : أخبرت آية السياق بأن الله عز وجل سمع قول الذين استخفوا بالدعوة إلى الإنفاق , وحينما سمعوا قوله تعالى [مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ]( ) قالوا إنما يقترض المحتاج , أما المقرض فهو غني .
من إعجاز القرآن تأكيده على الإنفاق والبذل , وظهور سبل وكيفية هذا التأكيد من جهات :
الأولى : تقييد الإنفاق بأنه في سبيل الله عز وجل وإعانة الفقراء , وفي قوله تعالى [وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا]( ).
(عن مقاتل والكلبي : نزلت في رجل من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم ، فلما بلغ اليتيم طلب المال ، فمنعه عمه فترافع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فنزلت هذه الآية ، فلما سمعها العم قال : أطعنا الله وأطعنا الرسول ، نعوذ بالله من الحوب الكبير فدفع إليه ماله.
قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : من يوق شح نفسه ويطع ربّه هكذا فإنه يحل داره يعني جنته ، فلما قبض الفتى ماله أنفقه في سبيل الله .
فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ثبت الأجر وبقي الوزر.
فقالوا : يا رسول الله قد عرفنا أنه ثبت الأجر فكيف بقي الوزر؟
وهو بقي في سبيل الله.
فقال : يثبت الأجر للغلام وبقي الوزر على والده) ( ).
الثانية : صيغة الأمر بالإنفاق في سبيل الله عز وجل , وأن في الإنفاق والبذل خيراً كثيراً , وهو سبب للرحمة في النشأتين , قال تعالى [فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ]( ).
الثالثة : الوعد بالثواب العظيم على الإنفاق في سبيل الله عز وجل .
وتعدد وجوه الثواب في القرآن , وتتصف بالأضعاف والكثرة , قال تعالى [مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ]( ) وجاءت السنة النبوية ببيان وتفصيل عن هذه الأضعاف .
ويجتهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالدعاء لأمته , ومن هذا الدعاء السؤال والتوسل بأن يرزق الله عز وجل المسلمين ما يستطيعون معه الإنفاق في سبيل الله , والتوفيق إليه , ومضاعفة ثواب هذا الإنفاق .
وعن (عن ابن عمر قال : لما نزلت هذه الآية : (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة) ( ) ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : رب زد أمتي ، فنزلت : (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة) ( ) .
قال : رب زد أمتي ، فنزلت : ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ( ))( ).
وهذا الترغيب زاجر للنفس عن الشح والبخل , وباعث على المبادرة إلى الإنفاق والبذل.
فكانت آية السياق مناسبة لتذكيرهم بفعل أشد قبحاً من قولهم هذا , وهو قتلهم الأنبياء , ومن إعجاز القرآن ودقة اللفظ فيه تقييد قتلهم الأنبياء بأنه [بِغَيْرِ حَقٍّ] ( ) لقطع الطريق على أهل الإفتراء والكذب .
وكيلا يقول بعضهم أن النبي إنما قُتل لأمور قبلية او عائلية , أو لخلافات مالية وشخصية , إنما قُتل الأنبياء بما هم أنبياء ليس عندهم إلا الدعوة إلى الله عز وجل , واقترنت هذه الدعوة بالمعجزة , ولكن الذين ظلموا أنفسهم أصروا على الكفر , وأرادوا من الأنبياء الكف عن الدعوة إلى الله عز وجل , وعن نهيهم عن الفواحش والسيئات , ولكن الأنبياء حملة رسالة سماوية لم يسكتوا ولم يكفوا .
المسألة الرابعة : لقد ذكرت آية السياق إمتناع جماعة عن الإنفاق مع صدور السخرية منهم وأخبر الله سبحانه أنه سيكتب قولهم [إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ]( ) أي مع إرجاء الكتابة وتدوين المعصية من أجل أن يتوبوا .
وذكرت آية البحث إدعاء طائفة بأن عندهم عهداً من الله عز وجل بأن الرسول لابد أن يأتي بدعائه بنار تنزل من السماء فتأكل قرباناً يقربهم إلى الله عز وجل , وهل كتب الله عز وجل قولهم في الحال أم أنه سبحانه سيكتب ما قالوا , الجواب هو الثاني لأصالة الإطلاق , والإستصحاب .
ومن وجوه تقدير الجمع بين الآيتين [الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ]( ) [سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا]( ).
المسألة الخامسة : تكررت مادة (قال) أربع مرات في آية السياق وهي :
الأولى : [قَوْلَ الَّذِينَ] ( ).
الثانية : قالوا [قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ]( ).
الثالثة : [سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا]( ).
الرابعة : [وَنَقُولُ ذُوقُوا]( ).
وتكررت ذات المادة ثلاث مرات في آية البحث من جهات :
الأولى : [قَوْلَ الَّذِينَ] ( ).
الثانية : [قُلْ] ( ).
الثالثة : [وَبِالَّذِي قُلْتُمْ] ( ).
والجامع المشترك بين الآيتين في هذه المادة (قال) الجدال والإحتجاج , لبيان شدة أذى الكفار والمعاندين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واصرارهم على الإمتناع عن التصديق برسالته , وإذا كان الكفار والمعاندون يكثرون من الجدال والمغالطة والشروط فان الله عز وجل يرد عليهم من وجوه :
الأول :فضح القول القبيح الذي يحتجون به .
الثاني : الأمر إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالرد عليهم .
الثالث : أخذ الكافرين بالإبتلاء , قال تعالى [وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ]( ).
الرابع : التخويف والوعيد بعذاب الآخرة .
المسألة السادسة : من الإعجاز في الجمع بين الآيتين إخبار كل منهما عن قتل الأنبياء , وورود آية السياق بصيغة الغائب [وَقَتْلَهُمْ الأَنْبِيَاءَ]( ).
أما آية البحث فقد ذكرته بلغة الخطاب [فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ]( ) ويحتمل وجوهاً :
الأول : المراد ذات الأنبياء , الذين قتلوا في آية البحث .
الثاني : إرادة التعدد في الأنبياء وأن الذين ذكروا في آية السياق هم غير الذين ذكروا في آية البحث .
الثالث : نسبة العموم والخصوص من وجه , فهناك من الأنبياء مقصودين في كلتا الآيتين , وهناك أنبياء مقصودين في آية السياق , وآخرون في آية البحث , وإن لم تذكر أسماؤهم .
والمختار هو الثالث أعلاه , لقد بعث الله عز وجل مائة وأربعة وعشرين ألف نبي , لتخبر كل من آية البحث والسياق عن قتل عدد منهم ظلماً وعدواناً , وفيه دعوة لبيان فضل الله عز وجل في نجاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من القتل ودعوة للمسلمين لشكر الله عز وجل على هذه النعمة .
وفي التنزيل [إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ]( ) وهو بشارة العودة إلى مكة يوم الفتح حيث بيت الله الحرام , ومولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبداية البعثة النبوية كما تدل الآية على المعاد الجسماني , وعروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الجنة , ومن معاني الآية أن فيها حذفاً , وتقديرها : إن الذي فرض عليك أحكام القرآن .
وذكر أن الآية أعلاه نزلت في طريق الهجرة فهي ليست مكية ولا مدنية.
ومن الإعجاز ذكر آية البحث للأنبياء , بينما ذكرت آية البحث الرسل , والنسبة بينهما هو العموم والخصوص المطلق , فكل رسول هو نبي , وليس العكس , وتحتمل شدة المعصية في هذا القانون وجوهاً :
الأول : قتل الرسل ظلماً أشد من قتل الأنبياء .
الثاني : نسبة التساوي في شدة الظلم بين قتل الأنبياء والرسل .
الثالث : المدار على موضوع القتل والإجهاز على النبي أو الرسول , وتجلي المعجزة للذين قتلوهم وغيرهم , والمختار هو الثاني والثالث أعلاه .
لقد دافع الله عز وجل عن الأنبياء الذين قتلوا , إذ أخبرت آية السياق بأن قتلهم [بِغَيْرِ حَقٍّ]( ) وفيه غلق لباب الجدال والإفتراء على الأنبياء , إذ منعت الآية من إيجاد عذر للمجرمين الذين قتلوهم , وتعدد التسمية مرة (الأنبياء) ومرة (الرسل) وبصيغة الجمع دليل على براءتهم , وطهارتهم , وانهم قتلوا ظلماً وعدواناً .
لقد ذكرت آية السياق قتل الأنبياء بغير حق , أما آية البحث فقد أخبرت على أن الرسل جاءوا بالبينات وبالشواهد النبوية ومع هذا عدا( ) عليهم الظالمون وقتلوهم .
وهل يمكن الإستدلال بالآية بالفرق بين الرسول والنبي , وأن الرسول يأتي بالبينات المتعددة , وهذا علم جديد نبينه هنا وإن كان الانبياء أيضاً جاءوا بالبينات فكل معجزة هي بينة , ذكر القرآن بينات الرسول على نحو التعدد , كما في قوله تعالى [وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ]( ) [وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ]( )
وقد ورد لفظ (بالبينات) في القرآن أربعاً وعشرين مرة , كلها بخصوص الرسل , وقد اختص النبي محمد صلى عليه وآله وسلم ببينة في بشارة عيسى عليه السلام برسالته وهذه الآيات هي :
الأولى : [وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ]( ).
الثانية : آية البحث وهي [الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ]( ).
الثالثة : الآية التالية , وهو قوله تعالى [فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ]( ).
الرابعة : [مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ]( ).
لقد بعث الله عز وجل الأنبياء والرسل بالبراهين الساطعة والحجج الواضحة التي تهدي إلى سواء السبيل , وتبين أن عبادة الله عز وجل حق , ويجب إجتناب الفواحش والسيئات , ولكن طائفة من الناس لم يتعظوا واستمروا في الإسراف وتجاوز الحدود , قال تعالى [تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا] ( ).
ليكون من معاني الآية أعلاه النهي عن التمادي في إنكار النبوة والإكثار من وضع الشروط للتصديق بها , والوقوف عند هذه الشروط .
فلقد سألت طائفة آية القربان , وكانت الآيات والمعجزات تترى على يدي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وهي موجهة للناس جميعاً كحجة وبيّنة ولطف من عند الله عز وجل بتقريبهم إلى منازل الهداية .
الخامسة : [إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ]( ).
السادسة : [تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ]( ).
السابعة : [أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ]( ).
الثامنة : [وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ]( ).
التاسعة : [ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ]( ).
إذ بعث الله عز وجل بعد نوح رسلاً إلى قومهم , مما يدل على عمارة الأرض بعد الطوفان , وتكذيب قوم بالأنبياء كما كذب قوم نوح برسالته , وهل يدل الإتعاظ من هلاك الناس عاماً , الجواب لا .
فمن خصائص الطوفان بداية عهد جديد على الأرض يتصف بالإيمان.
وقوله تعالى [رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ] ( ) أي غير قوم نوح , ومن هؤلاء الرسل هود عليه السلام الذي بعثه الله عز وجل إلى عاد , وصالح عليه السلام الذي بعثه الله عز وجل إلى ثمود , ورسل كثيرون , قال تعالى [وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ]( ).
العاشرة : [أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ]( ).
الحادية عشرة : [بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ]( ).
الثانية عشرة : [وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ]( ).
الثالثة عشرة : [أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ]( ).
الرابعة عشرة : [وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنْ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ]( ).
الخامسة عشرة : [وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ]( ).
السادسة عشرة : [ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ]( ).
السابعة عشرة : [وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ]( ).
الثامنة عشرة : [وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ]( ).
التاسعة عشرة : [قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ]( ) لبيان أن مضامين آيات البينات ترد على ألسنة الملائكة خزنة النار يوم القيامة لإقامة الحجة على الذين كفروا .
إذ يتمنون الموت بدل استدامة بقائهم في النار , و(عن أبي الدرداء ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يلقى على أهل النّار الجوع حتّى يعدل ما هم فيه من العذاب ، فيستغيثون فيغاثون بطعام من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع ، فيستغيثون بالطعام فيغاثون بطعام ذي غصة فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالشراب فيستغيثون بالشراب فيدفع إليهم الحميم بكلاليب الحديد فإذا دنت من وجوههم شوت وجوههم فاذا دخلت بطونهم قطعت ما في بطونهم ، فيقولون ادعوا خزنة جهنم ،فيقولون ألم تك تأتكم رسلكم بالبينات؟
قالوا : بلى.
قالوا : فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال.
قال : فيقولون إدعوا مالكاً ، فيدعون : يا مالك ليقض علينا ربّك ، فيجيبهم إنّكم ماكثون) ( ).
العشرون : [فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون]( ).
الحادية والعشرون : [وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ]( ).
الثانية والعشرون : [لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ]( ).
الثالثة والعشرون : [وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ]( ).
ليكون من معاني وغايات البينات تأكيد البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودعوة الناس للتصديق برسالته , فصحيح ان خطاب عيسى عليه السلام في الآية أعلاه أعلاه موجه إلى بني اسرائيل إلا أنه عام يشمل الناس جميعاً , ومن خصائص البينات والبراهين والمعجزات التي جاء بها الأنبياء تجليها للناس جميعاً , وجاء القرآن بتوثيقها لينتفع منها المسلمون وغيرهم .
ومن إعجاز الآية ذكرها للرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم بصفة الرسالة فلم يقل عيسى [وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي]( ) إنما ذكرته الآية بصفة للدلالة على أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم سيأتي بالبينات أيضاً .
الرابعة والعشرون : [ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ]( ).
وهل يمكن تسمية الحياة الدنيا (دار البينات) الجواب نعم , إذ تصاحب البينات الناس في حياتهم اليومية , بعالم الخلق والأكوان إلى جانب بينات وعلامات الرسالة التي جاء بها الرسل من عند الله عز وجل , لتكون بلغة للتبليغ والهداية وإقامة شعائر الله عز وجل وعمارة الأرض بعبادته تعالى .
المسألة السابعة : ذكرت آية السياق قولاً لله عز وجل (وتقول) ويتعلق موضوع القول بعالم الآخرة .
أما آية البحث فأنها تضمنت الأمر إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (قل) ترى ماهي النسبة بينهما , الجواب أن المراد من (نقول) في عالم الآخرة , فالله عز وجل هو الذي يتولى حساب الناس , وجاء (قال أعرابي يا رسول الله من يحاسب الخلق يوم القيامة ؟
قال : الله . قال : الله ؟
قال : الله قال نجونا ورب الكعبة !
قال : و كيف يا أعرابي ؟ قال : لأن الكريم إذا قدر عفا) ( ).
ومن وجوه الجمع بين (قل) و (نقول) في المقام هي :
الأول : قل للناس فليؤمنوا قبل أن نقول لهم (ذوقوا عذاب الحريق).
الثاني : قل للمؤمنين اثبتوا على الإيمان ففيه نجاة من قول (ذوقوا عذاب الحريق) فمن خصائص الآية القرآنية أنها بشارة وإنذار .
الثالث : يا أيها الذين آمنوا قولوا للناس ليحترزوا عذاب الحريق .
الرابع : قل قبل أن نقول , أي [قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ] ( ) مثل التي جئت بها فآمنوا بالله عز وجل ورسالتي قبل أن يقول الله عز وجل وملائكته لكم [ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ] ( ) لبيان مسألة وهي أن أمر الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (قل) رحمة ورأفة من الله عز وجل بالناس , وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ).
وقد ورد لفظ (قل) (332) مرة في القرآن ، وهو في الغالب خطاب تكليفي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والأمة .
وورد لفظ الجلالة (الله) عز وجل في سورة آل عمران (259) مرة.
المسألة الثامنة : لقد ذكرت آية السياق قول المانعين للزكاة والحقوق الشرعية , واستهزائهم بالتنزيل وقولهم [إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ]( ) وليس من غني إلا هو سبحانه , وغناه مطلق من جهات :
الأولى : غنى الله عز وجل في العوالم الطولية المتعاقبة , وقبل أن يخلق الزمان ومصاديق اللامتناهية .
الثانية : غنى الله عز وجل أبدي أزلي لم ولن تدب الحاجة إليه سبحانه.
الثالثة : الله عز وجل غني عن الخلائق كلها , وليس من شئ في الوجود إلا ويسجد له طوعاً أو قهراً .
وعن قتادة قال : (ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينما هو جالس مع أصحابه.
إذ قال : أتسمعون ما أسمع .
قالوا : ما نسمع من شيء يا رسول الله .
قال : إني لأسمع أطيط السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع راحة إلا وفيه ملك ساجد أو قائم)( ).
الرابعة : اقتران غنى الله عز وجل برحمته الواسعة للخلائق كلها , وفي التنزيل [وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ]( ).
وتضمنت آية السياق أموراً :
الأول : سماع الله عز وجل لقول قاله نفر من الجاحدين .
الثاني : ذكر الآية لما قالوه من التعدي على مقام الربوبية , إذ قالوا [إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ] ( ).
لقد أظهروا بهذا القول بالفقر الفاقة , فهم فقراء للعلم والمعرفة , فالله عز وجل هو الغني إنما أرادوا بعثهم على الإنفاق , وترغيبهم على التقرب إليه بإعانة الفقراء , وبإداء العبادات .
وهل كان إمتناعهم عن الإنفاق من الزكاة لذاته , الجواب إنه أعم إنما كانوا يمتنعون عن الإيمان وأداء الصلاة وبأوقاتها وعمل الخير , فقد ذكر ذات القرض إلى الله مقرونا باداء الفرائض العبادية والمسارعة في الخيرات , قال تعالى [وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ]( ).
وتقدير آية السياق : لقد سمع الله قول الذين لا يريدون أداء الصلاة , إن الله فقير.
الثالث : إخبار الآية بأن الله عز وجل لابد وأن يكتب ما قالوا ولكن يرجئ هذه الكتاب لعلهم يتوبون خاصة بعد نزول آية السياق , وتذكيرها بقتل الأنبياء , وبعد توالي المعجزات على يد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , قال تعالى في الثناء على القرآن وبيان إعجازه الخالد [قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا]( ).
الرابع : تنزيه الأنبياء جميعاً , وبيان أن طائفة منهم قتلوا ظلماً وجوراً.
الخامس : اختتام آية السياق بالوعيد بالنار للذين جحدوا واستخفوا بالأمر بالزكاة , وامتنعوا عن الإنفاق في سبيل الله .
السادس : إحياء آية البحث والسياق لذكرى الأنبياء , والثأر لهم بالتذكير بالمصيبة التي أصابت الأرض وأهلها بقتلهم , ولئن تجد الناس يحيون ذكرى سنوية لزعمائهم ومناسباتهم فإن المسلمين يحيون ذكرى الأنبياء الذين قتلوا , كل يوم من أيام الحياة الدنيا وإلى يوم القيامة بتلاوة آية البحث وآية السياق في الصلاة .
ومن وجوه أختتام آية السياق بالتذكير بأن الله عز وجل يقول لهم يوم القيامة [ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ] ( ) قولهم [وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ] ( ) لتبطل خاتمة الآية هذا القول في الدنيا والآخرة , أما في الدنيا فلنزول الوعيد والتخويف في آية البحث , ليبقى حاضراَ في الوجود الذهني عند المسلمين وغيرهم , وهذا الحضور من الإعجاز في تلاوة كل مسلم ومسلمة القرآن خمس مرات في الصلاة اليومية .
أما آية البحث فذكرت قول جماعة , وفيه أنه أعم من الإمتناع عن الإنفاق في سبيل الله , ومساعدة المحتاجين , إذ توقفوا عن التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وقالوا عندنا شرط وهو نوع عهد بين الله عز وجل وبيننا , ولم يرد في القرآن أن أمة من الأمم تشترط على النبي الإتيان بمصداق العهد بين الله عز وجل وبينهم , إذ أن بعثة النبي ذاتها عهد وتجديد للعهد بين الله عز وجل وبين الناس , فمن خصائص الأنبياء أنهم رسل من عند الله عز وجل يبلغون الشرائع , والأصل تلقي الناس أحكام البعثة بالقبول والإمتثال , وفي التنزيل [قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ]( ).
وهل يمكن القول أنه كان هناك عهد بين الله عز وجل وبين الناس فإنه سبحانه لا يبعث لهم نبياً إلا بمصداق من العهد , خاصة وأن الله عز وجل ذكر عهداً بينه وبين آدم وعهداً مخصوصاً بينه وبين ابراهيم [وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ]( ) الجواب لا , وكان إبراهيم رسولاً فقد عهد الله عز وجل إليه , فلا يبعث له رسولاً آخر إنما شرط القبول بالنبوة معجزاتها , ومعجزة كل نبي مناسبة للأمر الذي يهتم به أهل زمانه , وكان العرب أيام البعثة يولون العناية للفصاحة والبلاغة , فنزل القرآن بما يبهر عقولهم , ولو كان هناك عهد بين الله عز وجل وبين القوم بمجئ الرسول بقربان تأكله النار لتفضل الله عز وجل واستجابة لهم , بهذا الخصوص وفي التنزيل [أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ) .
ولا دليل على أن القول بأن الذين يبعث الله عز وجل لهم رسولاً ليس بينهم دين الله عز وجل , فربما عندهم عهد من الرسول السابق , جرى العهد في المقام بوصية عيسى بالتصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم , قال تعالى [وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ]( ).
المسألة التاسعة : ابتدأت آية السياق بالإخبار عن سماع الله عز وجل لقول [الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ] ( ) ولم يكتفوا بهذا القول ، فبعد أن نسبوا الفقر إلى الله لأنه أمرهم أن يقرضوه بالبذل في سبيله وإعانة الفقراء ، قالوا [وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ] ( ) وهم يعلمون بحاجتهم في كل لحظة من حياتهم إلى رحمة الله ، فلا تجري عملية الشهيق والزفير عند الإنسان البالغ نحو ست عشرة مرة في الدقيقة إلا بمشيئة من الله عز وجل ، فهو عرضة في كل مرة منها أن لا يأذن الله عز وجل بها ، فتزهق روحه ، وتغادر جسده.
وهل كانوا يقصدون أنهم أغنياء عن الله ، الجواب لا دليل عليه ، والقدر المتيقن من الآية إرادتهم اليسار وأنهم أصحاب أموال وثراء , ويقال (غني: الغِنَى، مقصور، في المال. واستغنى الرجل: أصاب غِنى.) ( ).
وقد يقال للفقير : العديم , لأنه حُرم من الغنى .
(ويجوز جمعُه على: عُدَماء، كما يجمع الفقير فُقَراء. قال:
فعَديمُنا متعفّفٌ متكرِّمٌ … وعلى الغنيّ ضمانُ حقِّ المُعْدِمِ
وأَعْدَمَ فهو مُعْدِمٌ، وأفقر فهو مفقر، أي: نزل به العُدْمُ والفقر فهو صاحبه. قال حسان بن ثابت:
ربّ حِلْمٍ أضاعه عَدَمُ الما … لِ وجهلٍ غطَّى عليه النّعيم) ( ).
لأن الناس لا ينصتون للفقير ، ولا يتبين لهم حلمه ورجحان عقله أما إذا كان غنياً فان المال يجعل له هيبة وشأناً ولا يكتشف الناس جهله .
وهل أراد الذين قالوا [وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ] ( ) إنصات الناس لهم بالصدود عن الرسالة ، الجواب نعم ، فلذا نزل القرآن بذمهم ، وفيه دعوة سماوية للناس لعدم الإصغاء إلى أقوالهم وعدم محاكاتهم في إعراضهم عن الرسالة وآيات التنزيل .
وقد يغتر الإنسان بما عنده من المال ويظن أنه يكفيه مدة عمره وينسى الشكر لله على النعمة فيبتلى ، قال تعالى [وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا * كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلاَلَهُمَا نَهَرًا * وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَرًا* وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا]( ).
واختلف في موضوع نزول الآيتين أعلاه على وجوه :
الأول : نزلت في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي مشركي مكة .
الثاني : موضوع الآية هو أَخَوان (من أهل مكّة من بني مخزوم،
أحدهما مؤمن وهو أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن عبد ياليل كان زوج أمّ سلمة قبل النبّي صلى الله عليه وآله وسلم والآخر كافر) ( ).
الثالث : نزلت الآية في سلمان وأصحابه من جهة وعيينة بن حصين وأصحابه ، والتشبيه بأخوين من بني إسرائيل أحدهما مؤمن وعن ابن عباس أن اسمه يهوذا والآخر كافر واسمه فطروس .
وكانا شريكين في مال ومقداره ثمانية آلاف دينار ، وقيل ورثاه عن أبيهما اقتسماه بينهما ، وأخبرت الآية حسب الظاهر على أنهما رجلان مما يدل على عدم وجود صلة الأخوة بينهما , (فعمد أحدهما فاشترى أرضاً بألف دينار)( ).
أما الآخر فتاجر الله عز وجل وقال : اللهم إن كان فلان قد أشترى له أرضاً بألف دينار ويريد زينة الدنيا فاني أشتري منك أرضاً في الجنة بألف دينار ، فتصدق بالف دينار ، وهو يدرك الأضعاف الكثيرة التي تترشح عن الصدقة والإنفاق في سبيل الله .
والدينار مثقال ذهب عيار ثمان عشرة حبة .
وقام الأول بعد شراء الأرض ببناء دار وسط البستان فقال هذا اللهم أن فلاناً بنى داراً بألف دينار ، وأني اشتريت منك داراً في الجنة بألف دينار ، فتصدق بألف دينار .
وقال الآخر بعد شراء الأرض والدار بالزواج من امرأة وانفق في مهرها ومستلزمات الزواج ألف دينار .
فقال هذا : اللهم أني أخطب إليك من نساء الجنة ، فقام بالتصدق بألف دينار تجارة مع الله ، ورجاء خطبة من نساء الجنة في الآخرة .
ثم أشترى الآخر خدماً ومتاعاً بألف دينار .
فقال : اللهم إن فلاناً اشترى خدماً ومتاعاً بألف دينار وإني اشتري منك خدماً ومتاعاً في الجنة بألف دينار فتصدق بالألف الأخرة التي عنده ، ثم أصابته حاجة شديدة فقال :لو أتيت بها صاحبي هذا لعله يحسن إليّ ، ويمد يد العون لي ، ويخفف عن ضائقتي ، فجلس في طريقه حتى إذا مرّ عليه وهو في حشمةً قام وسلم عليه فنظر الأخيرة إليه فعرفه ، فقال : أفلان هذا ؟
قال : نعم .
قال : ما شأنك ؟
قال أصابتني حاجة بعدك وحدث في فاقة ، وجئت أرجو نائلتك .
قال : وأين ذهب مالك .
فقد افترقنا على قسمة مال بالسوية .
فقص عليه كيف انفق ماله في سبيل الله ، وجاء الثواب في الآخرة فقال : وإنك لمن المصدقين بالبعث والنشور ، ورؤية أموالك أمامك ، اذهب لا أعطيك شيئاً .
فرجع حزيناً ، ولكنه لم يندم على ما فعل من المبادرة إلى الصدقة ثم جاء الأجل وتوفى الله كلاً منهما ، ثم قامت القيامة فكان هذا المتصدق مع أصحابه في الجنة ، وذكر لهم قصته مع صاحبه ، والتباين بينهما ، وكيف أنه جاء له لإرادة مساعدته كي يحتسبها الله له صدقة في سبيله ، ولكنه طرده ولم يعطه شيئاً ، وأراد فتنته وزلزلة إيمانه ولكنه صبر وشكر الله .
وفيهما نزل قوله تعالى [فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ] ( ).
المسألة العاشرة : أختتمت آية السياق بقوله تعالى [وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ] ( ) ومن وجوه تقديرها :
الأول : ونقول ذوقوا عذاب الحريق لقولكم إن الله فقير .
الثاني : ونقول ذوقوا عذاب الحريق لقولكم ونحن اغنياء .
الثالث : ونقول ذوقوا عذاب الحريق لأن الغنى يوم القيامة لله وحده ، ولم تستجيبوا لأوامره , وفي التنزيل [لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ] ( ).
الرابع : ونقول ذوقوا عذاب الحريق لعدم تداركهم لأنفسهم بالتوبة والإنابة .
الخامس : ونقول ذوقوا عذاب حريق نار جهنم .
السادس : ونقول ذوقوا عذاب الحريق لإرادة إفتتان المؤمنين بقول [إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ] ( ) ، وفي التنزيل [إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ] ( ).
السابع : وذوقوا عذاب الحريق لأنكم لستم صادقين ، فمن معاني خاتمة آية البحث [إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ] ( ) ونفي الصدق عن أهل الجحود والمنافقين , وفيه وجوه :
الأول : لستم صادقين بقول إن الله فقير .
الثاني : لستم صادقين بقولكم نحن أغنياء .
الثالث : ليس صادقاً الذي يقتل نبياً .
وتذكر خاتمة آية البحث بيوم القيامة ووقوف الناس بين يدي الله للحساب ، فهي تخاطب [الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ] ( ) بماذا تعتذرون يوم القيامة من قولكم هذا ، وأين الأموال التي كانت عندكم ، وهي لا تنفعكم ولا يقبل منكم بدلاً أو عوضاً عن العذاب ، قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] ( ).
الوجه الثالث : صلة آية البحث بقوله تعالى [وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ] ( ).
قد تقدم تفسير الآية أعلاه في الجزء التاسع والثمانين بعد المائة من هذا السِفر , واختص الجزء الواحد والتسعون بعد المائة بالصلة بينها وبين قوله تعالى [لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمْ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ] ( ) .
وفيه آية علمية تبين شذرات من فيوضات الصلة بين آيات القرآن ومدرسة جديدة يتجلى معها قانون وهو أن الدروس والمواعظ المستقرأة من الصلة بين آيات القرآن من اللامتناهي ، فاذا كانت الصلة بين آية قرآنية وأخرى مجاورة لها تختص بجزء كامل يتألف من أكثر من ثلاثمائة صفحة وبجهود شخصية فكيف بالصلة بين آيات القرآن في السور المتعددة .
وعندما يكون التحقيق والتأليف من قبل جماعة علماء ذوي إختصاصات متعددة في الإلهيات والعلوم الإنسانية والطب والهندسة والفلك وعلم الأرض الجيلوجي الذي يدعو للغوص فيه والعناية بالعلماء الذين يختصون به قوله تعالى [قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ] ( ).
ومن إعجاز الآية أعلاه والمصاديق العملية لرشحاتها الحث العام على إيلاء عناية خاصة بكنوز الأرض من النفط والذهب والمعادن الأخرى وفيه أمور :
الأول : قيام يوسف بنفسه بطلب توليه للوزارة مع أنه نبي سجن ظلماً لسنوات وخرج تواً .
الثاني : استجابة ملك مصر لطلب يوسف عليه السلام مع كثرة الوزراء والحكماء من حوله ، وهو معجزة ليوسف عليه السلام , ومن مشيئة الله في إنقاذ عامة الناس من المجاعة والهلاك .
ومن الضروريات الخمسة حفظ النفس , ووزارة يوسف عليه السلام حفظ من الله عز وجل للناس جميعاً ، لبيان قانون وهو أن الله عز وجل هو الذي يحفظ الناس ويتعاهد وجودهم في الأرض ، قال تعالى [لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ] ( ) .
الثالث : عدم وجود إعتراض من الملأ وحاشية الملك على تولي يوسف عليه السلام الوزارة مع أنه من الموحدين ولا يمت لملتهم بصلة ، وفي التنزيل [يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمْ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ] ( ).
الرابع : إعتماد يوسف عليه السلام نهج التدبير والتقشف استعداداً لسنوات القحط والمجاعة ، وقد يثور أهل البلد على الوزير إذا كان يعتمد هذا النهج لسبع سنوات متتالية استناداً لتأويل رؤيا خاصة إذا كان الوزير غريباً وكان في السجن ، ومع هذا لم يحتج أهل مصر والسودان ، ولم يكد ويمكر بهم الملأ والرؤساء الذين حول فرعون ، مع أن مصالحهم قد تضررت وأصاب مواردهم النقص ، وهل فيه دلالة على الضبط والنظام أيام الفراعنة .
الجواب نعم ، من غير أن يتعارض هذا المعنى مع معجزة يوسف عليه السلام ، بجعل الناس تميل إليه وترضى بحكمه وحسن تدبيره , وفي التنزيل [فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ]( ).
وفي الصلة بين الآيتين مسائل :
المسألة الأولى : إبتدأت آية السياق بصيغة الغائب [وَلاَ يَحْسَبَنَّ] ( ) وفيه إنذار للذين يحجبون الحقوق الشرعية ، ويمتنعون عن الإنفاق في سبيل الله ، ترى لماذا لم تقل الآية : ولا تحسبن …).
الجواب أراد الله عز وجل أن تكون الآية عهداً منه وإنذاراً مباشراً للجاحدين بواسطة التنزيل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ووردت آيات بذات المعنى تخاطب النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم [لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ]( ).
وهل الذين يبخلون بما آتاهم الله ممن ذكرتهم آية السياق هم أنفسهم الذين ذكرتهم آية البحث ، المختار أن النسبة بينهما هي العموم والخصوص من وجه .
فهناك مادة للإلتقاء وأخرى للإفتراق ، ليكون من إعجاز نظم آيات القرآن توالي الآيات التي تبين صدور جماعات وطوائف عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ودعوته إلى الله بعد الهجرة مع أنها لم تقطع أذى مشركي مكة عنه ، إنما قاموا بتجهيز الجيوش لمحاربته وأصحابه .
وحتى إذا كانت هناك فترة فإن قريشاً تبعث رسائل التهديد والتخويف إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بواسطة الحجيج والمعتمرين وغيرهم , كما في بعض المشركين يكتبون لإخوانهم من المهاجرين ينذرونهم , ويدعونهم للعودة إلى مكة , فاحتاج النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون إلى المال من جهات :
الأولى : الإنفاق على المهاجرين واسكانهم ومؤونتهم .
الثانية : شراء السلاح والدروع للدفاع بعد أن ازداد تهديد قريش على المدينة خاصة بعد معركة بدر .
الثالثة : إعانة فقراء المسلمين وبناء المساجد , قال تعالى [لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ]( ).
الرابعة : المؤونة اليومية لعموم المسلمين , ومنهم أصحاب الصفّة الذين كانوا يقيمون بجوار المسجد يحضرون الصلوات اليومية , ويتفقهون في الدين , وهم مستعدون للدفاع .
الخامسة : دفع شرور ومكر الذين كفروا ومنع سلطانهم على الناس .
السادسة : ضرب المسلمين في الأرض في الدعوة إلى الله , قال تعالى [فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ).
السابعة : خروج الكتائب والسرايا حول المدينة ولإخافة الكفار ، قال تعالى [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ] ( ).
وما أن وصل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة مهاجراً حتى بدأ ببناء مسجده ، وإنشاء دولة الإسلام التي تحتاج إلى المال والإنفاق ، لذا تفضل الله عز وجل على تشريع الزكاة في السنة الثانية للهجرة .
المسألة الثانية : تكرر لفظ الجلالة في آية السياق ثلاث مرات ، تبين ما أنعم الله عز وجل به على الناس عامة ، وأنه سبحانه يرزق حتى الكفار والجاحدين والذين يمتنعون عن أداء الحقوق الشرعية ، وفي التنزيل [كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاَء وَهَؤُلاَءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا] ( ).
وذكرت الآية أن كنوز الدنيا كلها تعود إلى الله عز وجل ، وتكون في قبضته يوم القيامة فتصير موضوعاً للحساب .
وأختتمت آية السياق بأن الله عز وجل خبير بما يعمل الناس جميعاً , ومن أسرار الجمع بين أول وخاتمة آية السياق أن الله عز وجل يحاسب الذين كفروا بخصوص جمعهم الأموال , وعلى إنفاقهم المال في المعاصي والسيئات , ليكون من معاني تقدير خاتمة آية السياق في خطابها للكفار وجوه :
الأول : والله بكيفية جمعكم الأموال خبير .
الثاني : والله ببخلكم بالحقوق خبير .
الثالث : والله بما تعملون خبير من قبل أن يخلق آدم .
الرابع : والله عز وجل ببذلكم الأموال في محاربة التنزيل خبير .
الخامس : والله عز وجل بإنفاقكم أموال التجارة لمحاربة الإسلام خبير .
المسألة الثالثة : لقد ذكرت آية السياق فعلاً قبيحاً صادراً من قبل طائفة من الناس وهو الشح والبخل بالزكاة , ويخشون الفقر والفاقة في الدنيا , ولم يعلموا أن الفقر هو فقر الآخرة عندما يقف الإنسان في المحشر وليس عنده واقية وثروة من العمل الصالح لذا ذكرت آيات القرآن الميزان وترجيح أصل كفاية حسب سنخية العمل , وفي قوله تعالى [وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ]( ).
وروى (عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يوضع الميزان يوم القيامة فيوزن الحسنات والسيئات ، فمن رجحت حسناته على سيئاته دخل الجنة ، ومن رجحت سيئاته على حسناته دخل النار)( ).
وهل الميزان من [مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ] ( ) الذي تذكره آية السياق الجواب نعم , وتحضر الرسل والبينات التي جاءوا بها عند الميزان ليكونوا حجة على الناس , ولبعث الطمأنينة والسكينة في نفوس الذين صدقوا بالبينات واقبلوا الرسل .
فمن معاني قوله تعالى [الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ]( ).
دعوة الناس للإرتقاء في سلم المعارف بالسعي في تحصيل سنخية المعجزات والبينات التي جاء بها الرسل من عند الله عز وجل , ومن وجوه هذا التحصيل الإنصات لآيات القرآن والتدبر في معانيها ودلالاتها وشاء الله عز وجل أن تكون آيات القرآن حاضرة عند الناس جميعاً , ومن يعرض عنها يسمع المسلمين يتلونها في الصلاة اليومية , فيستمع لها , أو يسمعها طوعاً وانطباقاً .
و(عن بشير بن جابر قال : صلّى ابن مسعود فسمع ناساً يقرأون مع الإمام فلما انصرف قال : أما آن لكم أن تفقهوا ، أما آن لكم أن تعقلوا {وإذا قريء القرآن فاستمعوا له وانصتوا}( ) كما أمركم الله) ( ).
المسألة الرابعة : من أسرار آية السياق أنها جاءت بصيغة الجملة الخبرية , والحديث عن الذين يمتنعون عن الإنفاق في سبيل الله , ولكنها أختتمت بصيغة الخطاب [وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ] ( ).
وهو من إعجاز القرآن لإرادة العموم في فاتحة الآية إذ يتوجه فيها الخطاب إلى كل من :
الأول : المسلمون والمسلمات .
الثاني : أهل الكتاب .
الثالث : الكفار .
ومن دلائل هذا الإشتراك في الخطاب أمور :
الأول : دعوة المسلمين للإجتهاد في طاعة الله عز وجل , والمبادرة إلى الإنفاق في سبيل الله بأداء الزكاة الواجبة , وإنفاقها في مصارفها المقررة , قال تعالى [إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ] ( ).
الثاني : تجلي قانون وهو أن الله عز وجل أحاط علماً بكل ما يفعله الناس من الأعمال .
الثالث : الزجر عن إرتكاب المعاصي والسيئات .
الرابع : الإنذار والوعيد للكفار والمنافقين , والذين يمكرون ويريدون قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو من مصاديق التذكير والتوبيخ الوارد في آية البحث [فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ] ( ).
الشعبة الثانية
وتتعلق بصلة آية البحث بالآية المجاورة التالية لها , وهو قوله تعالى [فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ] ( ) وفيه مسائل :
المسألة الأولى : ابتدأت آية البحث بالاسم الموصول [الَّذِينَ] وصحيح أن صيغة الآية الخبر والإخبار إلا أنه يتضمن الإنشاء والخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين للإتعاظ والإجتهاد في طاعة الله ، وعدم الإصغاء للشرائط التي تجعلها بعض الطوائف في طريق دخولهم الإسلام .
وأختتمت آية البحث بذم وتوبيخ وتحدي الذين اشترطوا القربان ، وقتلوا الأنبياء لتبدأ الآية التالية بالخطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم [فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ] ( ).
لقد أختتمت آية البحث بجملة انشائية وصيغة الشرط ، أما آية السياق فقد ابتدأت بالخطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ولكن موضوع الخطاب أعم ، إذ يتضمن التبكيت واللوم للذين كذبوا برسالته ، ليكون من معاني قوله تعالى[فَإِنْ كَذَّبُوكَ] ( ) لِم تكذبون رسول الله صلى الله عليه وآل وسلم ، وفي التنزيل [إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ] ( ) .
المسألة الثانية : ابتدأت آية السياق بالخطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم [فَإِنْ كَذَّبُوكَ] ( ) وتقدير الآية على وجوه :
الأول : فان كذبوك يا محمد .
الثاني : فان كذبوك يا رسول الله .
الثالث : فان كذبوك وقد جئتهم بالبينات مما ذكرته آية البحث .
الرابع : فان كذبوك وأعرضوا عن المعجزات التي جئت بها .
ومن معاني أول آية السياق بلحاظ آية البحث مسائل :
الأولى : فان كذبوك حينما انكرت عليهم العهد الذي ادعوا أنه بينهم وبين الله .
الثانية : فان كذبوا البينات والمعجزات التي جئت بها .
الثالثة : فان كذبوك في الدعوة إلى التوحيد ، إذ أن آية السياق لا تختص بالذي ذكرتهم آية البحث إنما تشمل كل الذين كذبوا بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل وبعد الهجرة ، وأحكام الآية باقية إلى يوم القيامة .
الرابعة : فان كذبوك فأصبر , والصبر لباس وسجية كريمة للأنبياء , قال تعالى [فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ] ( ) فمن معاني الجمع بين آية البحث والسياق ترك العنف وإجتناب الإرهاب ، إذ تدعو الآيتان مجتمعتين ومتفرقتين إلى إتخاذ الإحتجاج منهاجاً .
الخامسة : فان كذبوك وكذبوا أصحابك في دعوتكم إلى الإيمان .
السادسة : فان كذبوك بالإصرار على القربان الذي تأكله النار .
السابعة : فان كذبوك وادّعوا بأن أي نبي كان يأتيهم بالقربان يصدقون به .
الثامنة : فان كذبوك وأدّعوا بأي أي نبي كان يأتيهم بالقربان .
التاسعة : فان كذبوك وقالوا لم يأتينا الرسل بالبينات .
العاشرة : فان كذبوك وقالوا لم نقتل الأنبياء .
الحادية عشرة : فام كذبوك وقالوا لم يٌقتل الأنبياء .
الثانية عشرة : فان كذبوك فلا يفتتن بهم المسلمون وعامة الناس .
الثالثة عشرة : فان كذبوك فان الله عز وجل يشهد أنك لرسوله .
الرابعة عشرة : لقد ورد قوله تعالى [فَإِنْ كَذَّبُوكَ] مرتين في القرآن والثانية في قوله تعالى [فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ] ( ) كما ورد مرة واحدة بصيغة [وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ] ( ).
المسألة الثالثة : من إعجاز نظم القرآن ذكر كل من آية البحث والآية التي تليها مسائل :
الأولى : مجئ الرسل بالبينات , والشواهد الواضحات التي تدل على صدق بعثتهم رسلاَ من عند الله عز وجل.
الثانية : إخبار كل من الآيتين بأن هؤلاء الرسل بعثوا قبل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وفيه غلق لباب دعوى النبوة , ومن هؤلاء مسيلمة الكذاب تنبأ في قومه بني حنيفة , ووفد على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة وهو يطمع بما ليس له.
و(عن ابن عباس قال : قدم مسيلمة الكذاب على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة فجعل يقول : إن جعل لي محمد الأمر من بعده اتبعته .
وقدمها في بشر كثير من قومه .
فأقبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعه ثابت بن قيس بن شماس وفي يد النبي قطعة جريد حتى وقف على مسيلمة في أصحابه فقال : إن سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها . ولن تعدو أمر الله فيك ولئن أدبرت ليعقرنك الله . وإني أراك الذي أريت فيه ما رأيت وهذا ثابت بن قيس يجيبك عني . ثم انصرف)( ).
و(جاء طلحة النمري إلى مسيلمة فسأله عن حاله، فأخبره أنه يأتيه رجل في ظلمة، فقال : أشهد أنك الكاذب، وأن محمداً صادق، ولكن كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر. فقتل معه يوم عقرباء كافراً) ( ).
ويوم عقرباء هو معركة اليمامة , والتي وقعت في ربيع الأول سنة اثنتي عشرة وسميت العقرباء باسم الموضع الذي وقعت فيه , كما تسمى حديقة الموت لأن الحديقة حصون كان لها أسوار عالية لجأ إليها مسيلمة وأصحابه عند تقهقرهم , وتقع شمال مدينة الرياض , وتبعد عنها (40) كم , ولا تزال مشاهد مقبرة المسلمين ظاهرة وعليها سور مغلق , ومقبرة الكفار قريبة منها , وكانت حديقة الموت تسمى حديقة الرحمن لأن ملكيتها تعود لمسيلمة الذي كان يسمى رحمن اليمامة , فسميت حديقة الموت لكثرة القتلى فيها .
وقيل (وقتل من بني حنيفة في الفضاء بعقرباء سبعة آلاف ، وفي حديقة الموت سبعة آلاف) ( ).
والمختار ان هذا العدد مبالغ فيه , خاصة وأن المعركة لم تستمر إلا يوماَ واحداَ وأجرى خالد الصلح معهم مع معارضة اسيد بن خضير وجماعة من الأنصار الذين كانوا معه , (وعن أبي سعيد الخدري قال دخلت الحديقة حين جاء وقت الظهر والعصر واستحر القتال فأمر خالد بن الوليد المؤذن فأذن على جدار الحديقة بالظهر والقوم يضطربون على القتل حتى انقطعت الحرب بعد العصر فصلى بنا خالد الظهر والعصر ثم بعث السقاة يطوفون على القتلى) ( ).
وسبب الصلح كان عند المسلمين أحد رؤساء بني حنيفة اسيراَ واسمه مجاعة فارسل إلى قومه أن يلبسوا النساء والعبيد والذرية السلاح وجعلهم يطلون من الحصون , وبعد الصلح علم خالد بالخدعة إنما هم الصبيان والنساء البسوهم سلاحاَ , فقال له : (ويلك يا مجاعة خدعتني في يوم مرتين.
قال مجاعة قومي فما أصنع وما وجدت من ذلك بدا قد حضني النساء وأنشده قول امرأة من بني حنيفة :

مسيلم لم يبق إلا النساء
سبايا لذي الخف والحافر
وطفل ترشحه أمه
حفير متى يدع يستأخر
فأما الرجال فأودى بهم
حوادث من دهرنا العاثر
فليت أباك مضى حيضه
وليتك لم تك في الغابر
سحبت علينا ذيول البلاء
وجئت بهن سمى قاشر*
فمجاعة الخير فانظر لنا
فليس لنا اليوم من ناظر
سواك فإنا على حالة
تروعنا مرة الطائر) ( ) .
وبمعركة اليمامة انقطع رأس الكفر في الجزيرة .
ومنهم طليحة بن خويلد الذي تنبأ في بني أسد وبعث له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خالد بن الوليد فقاتله , وهرب طليحة إلى الشام , ثم أسلم وحسن إسلامه , ومنهم الأسود العنسي .
لبيان نفع عظيم لهذه الآيات بأن الرسل جاءوا بالمعجزات , ومنهم من قتل , وأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم خاتم النبيين , ومن منافعها أنها واقية للناس من التصديق بالذي يدّعي النبوة , إذ أن كثرة المدعين تجعل الناس في شك وريبة , إلى جانب ميل طائفة من الناس حمية للقبيلة والنسب أو للهث وراء المال .
إعجاز الآية الذاتي
إبتدأت آية البحث بالاسم الموصول [الذين ] لاستنباط مسائل من هذا الإبتداء إذ يتصل موضوع آية البحث بما تقدمها لتكون النسبة بين الآيات السابقة وأول هذه الآية هي العموم والخصوص المطلق ،وهو على وجوه :
الأول : إرادة مضمون الآية قبل السابقة من أولها .
الثاني : إرادة قتل الأنبياء المذكور في الآية قبل السابقة .
الثالث : إرادة خاتمة الآية قبل السابقة .
الرابع : الصلة بين أول الآية السابقة والاسم الموصول الذي ابتدأت به آية البحث .
الخامس : الصلة بين خاتمة الآية السابقة وأول هذه الآية ، وتقدير الجمع بينهما :وأن الله ليس بظلام للعبيد الذين قالوا ان الله عهد إلينا ) .
السادس : استقلال أول الآية في مضمونها .
وتترشح معاني هذا الإستقلال بلحاظ نظم القرآن وأن فواصل الآيات توقيفية فلما إبتدات الآية بكلمة مخصوصة فلابد أن تكون هناك أسرار ومعاني لهذا الإبتداء يقف عندها العلماء ، كما أنها تنفع علم سياق الآيات التي أسسناه على نحو التفصيل والبيان في هذا السِفر ( ).
وتبين آية البحث أن القائل بشرط القربان ليس فرداً واحداً بدليل صيغة الجمع [الَّذِينَ قَالُوا] فتفضل الله عز وجل وقام بالرد عليهم بآية نازلة من السماء تتضمن أموراً :
الأول : الإخبار عن قول وإدعاء العهد .
الثاني : مضمون العهد الذي أخبروا عنه بمجئ الرسول بقربان وتنزل نار بيضاء من السماء فتأكله ولا تترك منه أثراً أو رماداً .
و(عن ابن عباس في قوله { حتى يأتينا بقربان تأكله النار }( ).
قال : يتصدق الرجل منا فإذا تقبل منه أنزلت عليه نار من السماء فأكلته)( ).
الثالث : تعليق الإيمان على الشرط إلا مع تحقق هذا الشرط وبعثهم على إيجاد شرائط أخرى , فنزلت آية البحث لإبطال هذا الشرط والمنع من التمادي في الشرائط.
فمن إعجاز آية البحث الغيري منع أهل الكتاب والناس بسؤال النبي صلى الله عليه وآله وسلم بشرائط متعددة , وإلا لبعث كل قبيلة بوفد ومعه عدة مسائل وجعلها شرطاَ لدخولهم إلى الإسلام .
وفي التنزيل [وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنْ الأَرْضِ يَنْبُوعًا]( ).
الرابع : الأمر من الله عز وجل إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (قل) ، ومن الإعجاز في المقام أن الأمر من الله لم ينزل بالوحي في السنة أو الحديث القدسي، إنما جاء بقرآن لا تصل إليه يد التحريف وليتلوه المسلمون كل يوم .
الخامس : التفصيل فيما يحتج به النبي ،وهومن جهات :
الأولى : الإحتجاج بمجئ الرسل السابقين بالبراهين والحجج الساطعة .
الثانية : التوثيق السماوي بأن الأنبياء السابقين جاءوا بآية القربان الذي تنزل عليه نار من السماء فتأكله بمرآى ومسمع من الناس .
الثالثة : الأمر من الله إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالرد عليهم ، فمن فضل الله أنه لم يترك القول بشرط القربان ، إنما نزل الأمر منه تعالى بخصوصه لأن هذا القول لو بقي يُردد في المجالس ومنتديات المدينة لحدثت فتنة وإفتتان ولتسبب بالإضرار بسرايا الدفاع من جهات :
الأولى : الإنشغال العام بالشروط للتصديق بالنبوة .
الثانية : سماع أصوات بالتحريض على القعود عن الدفاع .
الثالثة : النقص في أعداد أفراد السرايا .
الرابعة : انتشار الإشاعات الكاذبة .
الخامسة : ظهور صوت النفاق ، ووجود آذان سامعة له ، قال تعالى [يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ]( ).
السادسة : إصغاء بعض ضعاف القلوب للمنافقين .
السابعة : الإغراء ببذل الأموال للإضرار بالنبوة والتنزيل .
الثامنة : تعضيد سعي قريش لقتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
السادس : ذكر آية البحث لبعثة رسل سابقين من عند الله عز وجل ،وفي التنزيل [قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ] ( ).
السابع : البينات والعلامات الباهرة للرسل ، فكل رسول جاء بمعجزة.
الثامن : مجئ طائفة من الرسل بمعجزة نزول نار تأكل القربان .
التاسع : كشف آية البحث لحقيقة وهي تكذيب أرباب الشروط بالأنبياء .
وفيه اشارة إلى مسألة وهي حتى لو جاء لهم النبي بشرط النار والقربان فانهم لن يؤمنوا برسالته ، إنما ينتقلون لشرط آخر ، ويمسك غيرهم عن الإيمان إلا مع الشرط الخاص به ، ومن خصائص العرب آنذاك أن كل قبيلة تتخذ لها شاناً مستقلاً وتطمع بأماني عديدة سواء التي تخص أفراد القبيلة أو رئيسها ، قال تعالى [لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاَ أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا] ( ).
العاشر : قتل عدد من الرسل والأنبياء ظلماً وعدواناً .
الحادي عشر : الدعوة لأثبات صدق دعوة إرادة الإيمان والإمتناع عنه ، ليكون من معاني الإحتجاج في آية البحث مخاطبة الذين اشترطوا القربان عدم موالاة الذين قتلوا الأنبياء وحثهم على الإمتناع عن محاكاتهم فيما اشترطوا .
ومن إعجاز آية البحث أنها ذكرت الأنبياء الذين قتلهم الكفار بصفة الرسالة والرسل , لإفادة مسائل :
الأولى : قتل الرسول أشد ظلماَ لأنه جاء بشريعة مبتدأة .
الثاني : قيام الحجة على الذين قتلوا الرسل بأنهم رأوا المعجزات التي جاءوا بها , قال تعالى [وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ]( ).
الثالثة : دعوة الناس للتدبر في البينات التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابعة : جعل الكفار ينشغلون بالتدبر في المعجزات , وفي ظلمهم لأنفسهم وجحودهم بالرسالة .
لقد قام المشركون في أيام التنزيل الأولى بالصفير والتصفيق , عندما يتلو النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم القرآن , فنزلت الحروف المقطعة , وكانت في بداية السور القرآنية , لجذب إنتباههم , ومنعهم من إنشغال أنفسهم والناس عن الإسلام لآيات القرآن .
وجاءت آية البحث بذم الذين قتلوا الرسل لمنع الكفار من التعدي على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , لتترى المعجزات , وتتوالي البينات , ويأتي النصر بعد النصر للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بمعجزة من عند الله عز وجل , إذ يتحقق النصر خلافاَ لأسباب ومقدمات المعركة , فيحسب الكفار أعداد الجيوش والخيل والرواحل والأسلحة عند كل من الفريقين , ويرون الرجحان والكثرة عندهم , وما أن يبدأوا بالهجوم حتى يلقوا الخسارة والهزيمة .
وتفضل الله عز وجل وخفّف عن المسلمين والناس , وجعل النبي محمداَ صلى الله عليه وآله وسلم , يقوم بالتوجه إلى بعض القبائل التي تنوي الهجوم على المدينة , فتقوم كتائب المسلمين بتفريق جمعهم .
وفي التنزيل [الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ]( ).
ويمكن تسمية آية البحث (آية القربان) وورد لفظ [قربان ] ثلاث مرات في القرآن ، كلها بصيغة التنكير من غير تعريف بألف ولام ، ومنها القربان الذي قربه ولدا آدم بقوله تعالى [وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ] ( ).
فمع أن كلاً من هابيل وقابيل قربّ قرباناَ فقرب هابيل كبشاً من غنمه وقرّب قابيل صبرة من قبح ، إلا أن الآية وردت بصيغة المفرد [قُرْبَانًا] مما يدل على إرادة الجنس من اللفظ.
وهل المراد اشتراط طائفة من الناس على النبي صلى الله عليه وآله وسلم نزول نار تأكل القربان كما في قوله تعالى في آية البحث [الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ] ( ).
صرف الطبيعة والإكتفاء بقربان واحد أم أن كل جماعة منهم تقدم قرباناً وتريد أن يدعو النبي أن تنزل نار بيضاء تاكله ، المختار هو الثاني .
إنما جاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالمعجزات العقلية وبيان أحكام الشريعة في العبادات والمعاملات وتبليغ آيات القرآن وأحكام وسنن الفرائض والعبادات .
ولم يرد لفظ [عَهِدَ إِلَيْنَا]في القرآن إلا في آية البحث وكأنه بشارة للمسلمين بأنهم لا يجدون قوماً غير هؤلاء يدّعون العهد بين الله وبينهم , وأن آية البحث تأتي على هذا القول ، وتنفي عنه الأصل .
ولو كان الله سبحانه قد عهد إليهم بألا يؤمنوا لرسول حتى يأتيهم بقربان فلابد أن هذا العهد جاء بواسطة الرسل أنفسهم , فليس من واسطة بين الله عز وجل وبين عامة الناس إلا الرسل والأنبياء , إذن لماذا قتلوا الرسل ؟
كيف يأخذون بالعهد الذي جاءوا به وفي نفس الوقت يقومون بقتلهم , مع أن التمسك بالعهد شاهد على صدق نبوتهم وأنهم رسل من عند الله عز وجل , ليكون من إعجاز الآية الذاتي بيان التناقض والمغالطة في إدعائهم العهد , ووقوفهم عند شروط المعجزة الخاصة .
لقد سألت قريش النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم عدداَ كثيراَ من المعجزات , ولكنهم لم يقولوا أن الله عز وجل عهد إلينا أن نسأل هذه المعجزات , أو أنها فيصل بين الإيمان بالرسالة والتكذيب بها .
أما هؤلاء الذين استقبلوا النبي محمداَ صلى الله عليه وآله وسلم بالشروط بعد هجرته فقد نسبوا تلك الشروط إلى كونها عهداَ بينهم وبين الله عز وجل .
فجاء الرد في آية البحث لبيان قانون وهو أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم يحارب ويقاتل قريشاَ ولا هؤلاء الذين ادّعوا العهد بين الله عز وجل وبينهم .
ليكون من معاني الجمع بينهما الإعجاز في قوله تعالى [وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا]( ).
لقد سألت قريش من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يجعل لهم سلماَ يصعدون به إلى السماء فيرون معالمها ويكتشفون من أسرارها , ويأخذون من خزائنها , وسألوه أن ينزل معه ملك من السماء يشهد بأنه رسول , قال تعالى [وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنْ الْجَاهِلِينَ] ( ).
إعجاز الآية الغيري
من خصائص آيات القرآن أن كل آية منه تدعو إلى الإيمان , وتستأصل الكفر وتنهى عن الضلالة والإقامة على المعصية , وجاء شطر من آيات القرآن بصيغة الإحتجاج ومنها إرادة الإحتجاج في الأرض إلى يوم القيامة , ومنه قوله تعالى [وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ] ( ) .
ومن الإحتجاج ما يكون خاصاَ وهو على شعب :
الأولى : الإحتجاج بخصوص الموضوع .
الثانية : الإحتجاج على طائفة وفئة من الناس , وهو على وجوه :
الأول : إقامة الحجة على الذين كفروا .
الثاني : الإحتجاج على طائفة من أهل الكتاب .
الثالث : الإحتجاج على المنافقين , قال تعالى [وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا]( ).
الثالثة : الإحتجاج على المقولات الباطلة من غير ذكر الذين قالوا بها لأن المدار في الإصلاح على القول , نعم للقائل موضوعية في الأثر , وجاءت آية البحث من الوجه الثاني من الشعبة الثانية أعلاه .
وهل يدخل الإسلام بيوت ومنتديات الذين ذكرتهم آية البحث باشتراط القربان ، الجواب نعم ، وهذا الدخول قبل وبعد نزول الآية ،وهو من فضل الله في منافع آيات القرآن .
فمن خصائص آية البحث بعث النفرة في النفوس من الجدال بغير حق ، ومن المغالطة ، كما أنها تتضمن التحدي حيث اختتمت بقوله تعالى [إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ]( ) ولا يختص موضوع الخاتمة هذا بمضامين آية البحث بل هو أعم ، وفيه زجر عن الإفتراء على الأنبياء ، وترغيب بالهدى والإيمان .
لقد قالوا أنهم إذا غنموا غنيمة أو قربوا قرباناً نزلت نار بيضاء من السماء فأكلته ،وهو علامة القبول ، أما إذا لم تنزل نار من السماء تأكله فمعناه أن الله لم يقبله منهم ، فيبقى على حاله ، وكأنهم يريدون للغنائم التي استولى عليها المسلمون من الذين كفروا في معركة بدر ونحوها تبقى على حالها ، وتترك فلا ينتفع منها المسلمون مع أن المشركين يلوحون بالهجوم الوشيك ، وكانت الأخبار تأتي من مكة بأنهم يستعدون لمعركة أحد ، وطاف بعض رؤساء قريش على أرباب الأموال في قافلة أبي سفيان وسألوهم تسخير الأموال في الثأر لمعركة بدر ،وقتلاهم السبعين فيها .
وتحتمل وجوهاً :
الأول : إرادة تسخير كل أموال القافلة والتي كانت مؤلفة من ألف بعير محملة بالذهب والفضة والقمح والشعير والثياب وغيرها .
الثاني : لقد سألوا التبرع بأرباح القافلة .
الثالث : أرادوا أموال القافلة وغيرها ، أي أنهم فتحوا أبواب الهبات والتبرع لقتال النبوة والتنزيل .
والمختار هو الثاني والثالث إذ حثوا على التبرع لتقوم الحجة عليهم ، فانما أنعم الله عز وجل عليه بالتجارة مع الشام واليمن ليتعاهدوا التوحيد ويحفظوا حرمة البيت وتنزيهه من مفاهيم الضلالة ، لا أن ينصبوا الأصنام فيه ، ويحاربوا النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى [لِإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ] ( ).
وفي التنزيل [يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا]( ) فآية البحث من التخفيف من جهات :
الأولى : صرف الناس عن محاربة وقتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : زجر الناس عن الإكثار من الشرائط على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , في باب الإعجاز .
الثالثة : إعانة المسلمين وتأهيلهم للإحتجاج على الذين كفروا من باب الأولوية القطعية , فإذا كانت الآية تتضمن الإحتجاج على أهل الكتاب فيكون من باب الأولوية الإحتجاج على الذين كفروا وصرفهم عن عبادة الاوثان .
لقد ورد في الخبر أن أربعة من وجهاء طائفة أهل الكتاب في المدينة جاءوا إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وقالوا له إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول يقول أنه نبي حتى يأتينا بقربان تأكله النار .
وتبين الآية قانوناً وهو أن غنائم المسلمين لا تحرق ولا تتلف إنما ينتفع منها خاصة مع الحاجة الشديدة لها (عن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول : أعطيت ثلاثاً لم يعطهن نبي قبلي ولا فخر . أحلت لي الغنائم ولم تحل لمن كان قبلي ، كانوا يجمعون غنائمهم فيحرقونها .
وبعثت إلى كل أحمر وأسود ، وكان كل نبي يبعث إلى قومه . وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ، أتيمم بالصعيد ، وأصلي فيها حيث أدركتني الصلاة قال الله تعالى { أن تقوموا لله مثنى وفرادى }( ) . وأعنت بالرعب مسيرة شهر بين يدي) ( ).
فان قيل ظاهر الآية إرادة قربان واحد تأكله النار ، وليس من الغنائم ، الجواب نعم ، ولكنه بداية الشروط وما نقل عن سيرة الأنبياء السابقين ، إذ أحل الله عز وجل الغنائم للنبي صلى الله عليه وله وسلم .
ولم تأت هذه الغنائم عن غزو وتعد ، إنما كان المشركون هم الذين يعتدون ، ويجهزون الجيوش للإغارة على المدينة ، وقد يخرج لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد بلوغ الأخبار عن جمعهم الجيوش من أجل تفريقهم وتشتيت جمعهم ومنعهم من إتخاذ الأموال والأنعام وسيلة لغزو المدينة المنورة ، ودعوة الناس للإيمان .
وتدعو آية البحث إلى توثيق سيرة الأنبياء السابقين ومعجزاتهم التي جاءوا بها لقوله تعالى في آية البحث [قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ] ( ) .
وهومن إعجاز القرآن الغيري بأن يأتي شطر آية فتترشح عنه علوم كثيرة ، ويبعث الناس على توثيق أخبار الأنبياء السابقين ،وفيه إرتقاء للمسلمين في المعارف الإلهية ، وشاهد على إرادة معاني متعددة من إخبار القرآن عن تصديق الجن برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم [قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ] ( ) .
لقد شهدت آية البحث على حقيقة وهي نزول النار من السماء لتأكل القربان ، كما تكررت هذه الشهادة بخصوص ولدي آدم ،وليس فيها نبي ، إنما هي معجزة في ذرية آدم ، وشاهد على فضل الله على آدم في أولاده وقرب هبوطه من الجنة إلى الأرض .
وورد ذكر النار في القرآن ( 126 ) مرة .
ومن معاني ودلالات آية البحث تنزيه المسلمين عن العنف والإرهاب ، إذ تبين قانوناً من جهات :
الأولى : قانون كفاية الإحتجاج .
الثانية : قانون إبطال كيد أهل الحسد والبغضاء بالإحتجاج .
الثالثة : قانون فضح القرآن للمكر والإفتراء .
الرابعة : قانون التحدي بالشواهد والبينات .
الخامسة : قانون الوقاية والسلامة من شروط أهل الحسد والمكر .
السادسة : قانون الصبر على الجدال والمغالطة ، وحال العناد عند الكفار كما قال تعالى [اسْتِكْبَارًا فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ] ( ).
وتبين آية البحث حال جدال وشروط توضع للتصديق برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، لقد كانوا يسمونه قبل البعثة (الصادق الأمين ) ، ولكن عندما أعلن بعثته كفروا بها ،ولم يقفوا عند الإنكار إذ قام رؤساء قريش بمحاربته وجمع الجيوش لقتاله ، وظاهر آية البحث أن الذين اشترطوا القربان في المدينة بعد هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إليها وأنهم من أهل الكتاب ، فهل كان لقريش أثر في تحريضهم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
المختار نعم ، فقد كان أبو سفيان وغيره من رجال قريش يذهبون إلى يهود المدينة للفتنة ،وكان بعضهم يغلق الباب بوجه أبي سفيان وأمثاله ويقول لهم إن بيننا وبين محمد عهداً .
ومن إعجاز آية البحث قطعها لإدعاء طوائف وجماعات من الناس عهوداً بين الله وبينهم فلولا فضل الله بنزول آية البحث ونحوها لجاءت إدعاءات من وجوه :
الأول :تكرار إدعاء الإتيان بقربان تأكله النار .
الثاني : اشتراط عصا مثل عصا موسى .
الثالث : إحياء النبي للموتى مثلما أحياهم عيسى .
الرابع : الوقوف عند كل معجزة ذكرها القرآن للأنبياء ، وسؤال النبي , مثلما ذكر القرآن ناقة صالح حجة على قومه ثمود فيطلبون مثلها .
فجاءت آية البحث لمنع هذه الأسئلة والشروط (وروي عن ابن عباس انه قال: نزل القرآن باياك أعني واسمعي يا جارة) ( ) .
وحينما سأل الخليفة العباس المأمون الإمام الرضا عليه السلام عن قوله تعالى [عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ] ( ) قال هذا مما نزل باياك أعني واسمعي يا جاره .
الآية سلاح( )
تبين آية البحث جهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وما كان يلاقيه وأهل بيته وأصحابه , فقد لاقوا من كفار قريش أشد الأذى في مكة , وكان هذا الأذى على جهات :
الأولى : رمي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالسحر والجنون , وفي التنزيل [وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ]( ) ومن مصاديق احتجاج الله عز وجل على الملائكة [قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ).
عندما احتجوا على خلافة الإنسان في الأرض بانه [يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ]( ).
ويخزي الله عز وجل الذين كفروا في الحياة الدنيا , ويلقون العذاب الأليم في الآخرة , ومن خزيهم في الدنيا إدراك الناس لبطلان إفترائهم على الأنبياء والضلالة في مغالطتهم لهم .
وهل يحضر الرسل الذين جاءوا بآية القربان والرسل الذين قتلوا ليشهدوا على الذين امتنعوا عن الإيمان بسبب هذه الشروط , الجواب نعم , قال تعالى [وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ]( ).
ومنها أنهم كانوا يرمون النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنه شاعر ومجنون , وفي التنزيل [وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ]( ).
ولا يجتمع الشعر والجنون لأن الشعر صنعة تستلزم الإحاطة بأوزان الشعر , وفن النظم , وعلوم اللغة وقواعدها , وكذا بالنسبة للسحر , ولكن أصاب المشركين الإرباك , والخوف على شأنهم ومراتبهم , وامتنعوا عن الإستجابة لذل العبودية لله عز وجل والوقوف بين يديه خمس مرات في اليوم في حال قيام وركوع وسجود , وإلى الآن من الناس من لا يطيق التقيد بالصلاة , ومن أسرار نزول القرآن نجوماً وعلى التوالي .
التعاقب والتأني على المسلمين في وجوب الفرائض العبادية , فلم يفرض الصيام على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين في مكة مع شدة أذى الكفار ويعيش وأهل بيته حصاراً قاسياً لمدة ثلاث سنوات من السنة السابعة إلى السنة العاشرة للهجرة وحداثة دخول الناس الإسلام , وقلة عدد المسلمين .
ولم تفرض الزكاة في بداية البعثة , ويكون دفعها شرطاً لدخول الإسلام , أو يتقوم هذا الدخول بدفعها .
وابتدأت آية البحث بقوله تعالى [الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا]( ).
لإفادة عدم إنحصار هذا القول بالجدال مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , إنما كان هذا القول يتكرر من قبل هؤلاء الجماعة مع الصحابة مما يحدث ريباً في المدينة فنزلت آية البحث لإبطاله قال تعالى [لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً]( ).
إذ ذكرت الآية أعلاه ثلاثة أصناف يلتقون في فعل ضار واحد وهم :
الأول : المنافقون والمنافقات , الذين يظهرون الإيمان , ويبطنون الكفر وإرادة الإضرار بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
الثاني : أهل الحسد والعداوة الذين في قلوبهم مرض ولا يرضون في إرتقاء أهل الصلاح , وسيادة شعائر الله , والإنضباط الأخلاقي في المجتمعات .
الثالث : المرجفون في المدينة الذين يبثون أخبار السوء , ويفترون الأكاذيب ويكيلون التهم , فتشمل شخص النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة المهاجرين والأنصار رجالاً ونساءً .
وتشمل حال المسلمين في المدينة وفي السرايا , فعندما تخرج كتيبة أو سرية من المدينة , يبثون الأخبار الكاذبة ويقولون , هُزموا , قُتلوا , أُسروا , لو بقوا في المدينة لنجوا وسلموا , وكذا حينما يخرج بعض الصحابة للتجارة أو يسافرون في الأرض لقضاء بعض الحوائج , ونزل قوله تعالى يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِ وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.
وهل من صلة بين الآية أعلاه من سورة الأحزاب وبين آية البحث الجواب نعم من جهات :
الأولى : الإخبار عن قيام الكفار بإغراء وتحريض الناس على كل من :
الأول : شخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : التنزيل وآيات القرآن , قال تعالى [مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا]( ).
الثالث : الإفتراء على الصحابة رجالاَ ونساءَ .
الرابع : تسخير جماعة يطلبون مسائل إعجازية من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فنزلت آية البحث لتعطيل هذا التسخير والمنع منه .
الثانية : إظهار العداوة وإرادة الكيد والمكر للنبوة والتنزيل .
الثالثة : التخويف للذين يحاربون الإسلام بالسلاح وبث الإشاعات المغرضة .
لقد أختتمت آية البحث بقوله تعالى [إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ]( ).
وفيه ترغيب بالصدق , والرجوع إلى التنزيل وأخبار الأنبياء , ففيها خبر يقين عن رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
مفهوم الآية
آية البحث من آيات الإحتجاج وهي شاهد على أن الإسلام دين الحجة والبرهان , وأنه لم ينتشر بالسيف والقتال , ووقائع التاريخ جلية تبين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان في حال دفاع , ومنه قوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]( ) فالذين هم أذلة لا يختارون القتال والهجوم , وتدل الآية أعلاه في مفهومها على أن المشركين في حال كثرة في العدد والعدة , لذا طمعوا بالمسلمين , يوم بدر , حينما ايقنوا أن عددهم ثلاثمائة رجل ونيف , وقالوا إنهم أكلة رأس , أي سرعان ما يجهز عليهم كما لو اجتمع نفر على أكل رأس شاة .
واستمر هذا القول ورمي المسلمين بالقلة والضعف حتى بعد نصرهم في معركة بدر .
و(عن قتادة في قوله { قد يعلم الله المعوقين منكم }( ) قال : هؤلاء أناس من المنافقين كانوا يقولون : لاخوانهم : ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس ، ولو كانوا لحماً لالتهمهم أبو سفيان وأصحابه ، دعوا هذا الرجل فإنه هالك { والقائلين لإخوانهم }( ) أي من المؤمنين { هلم إلينا }( ) أي دعوا محمداً وأصحابه فإنه هالك ومقتول { ولا يأتون البأس إلا قليلاً }( ) قال : لا يحضرون القتال إلا كارهين .
وان حضروه كانت أيديهم من المسلمين ، وقلوبهم من المشركين)( ).
وأخبرت الآية أعلاه عن نصرة الله عز وجل للمسلمين , وفيه تزكية لهم , لأن الله سبحانه أمرهم بالدفاع [وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ]( ).
وفي الآية دعوة للناس لعدم الإصغاء إلى الشروط التي تطلب من النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد جاء بالمعجزات .
وأخبر عن وجوب عبادة الله عز وجل وحده , والعصمة من الشرك والضلالة , وفيه دعوة لأتباع الأنبياء للتصديق برسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
لقد جاءت آية البحث بصيغة الإحتجاج والتوبيخ للذين يضعون شروطاً في طريق إسلامهم , ليكون من مفاهيم الآية الثناء على الذين أسلموا من غير أن يضعوا شرطاً أو شروطاً لإسلامهم , وكانت وفود القبائل تترى على المدينة المنورة , وإذا كان كل وفد يقدم أمانيه , ويريد آية حسية خاصة به لدبّ الشك في نفوس ضعيفي الإيمان وبعض حديثي الإسلام , ولكن نزلت آية البحث لترغيب هذه الوفود بالإسلام.
ولو تعارض إدعاء قوم العهد من الله عز وجل مع ما جاء به النبي من عند الله عز وجل , فيقدم الثاني , لأن الأولوية والصحة لقول النبي .
فكيف وقد نزلت آية قرآنية بنفي هذا العهد فإنها تقطع هذا القول إلى يوم القيامة , وتمنع من أثره وتحول دون الإصفاء إليه , وهو من إعجاز القرآن.
فيكون من مصاديق قوله تعالى [يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ]( ) ان الله عز وجل يمحو سلطان الإدعاء الذي لا أصل له عن القلوب , ويمنع من نفاذ المغالطة إلى المجالس والمنتديات , فيمحو الله عز وجل هذا الأثر بنزول الآية القرآنية ومما يمحى بآية البحث أمور :
الأول : محو تكرار الإدعاء بأن الله عز وجل عهد للناس وأهل الملل عهوداَ خاصة بخصوص التقوى , فإذا كانت طائفة قد قالت إن الله عز وجل عهد إليهم نزول نار تحرقه القربان وتأتي عليه , فإن غيرهم يقول بعهد آخر , وهكذا , فنزلت آية البحث لوقف هذه الإدعاءات .
الثاني : زجر قريش والمشركين عند إنكار الرسالات , فصحيح أن الآية تحتج على الذين قالوا إن الله عز وجل عهد إلينا عهداً , وتنفي هذا العهد فإنها تمنع الناس من إنكار النبوات .
ويتسالم الناس على أن كل نبي يدعو إلى عبادة الله عز وجل وحده , وليس من نبي إلا ويحارب الأصنام , وعبادة الأوثان لذا قالت الآية [قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ]( ) .
وهل ينحصر مجئ الرسل بالذين قالوا هذا القول , الجواب لا , وتقدير الآية : قد جاءكم والناس رسل من قبلي بالبينات .
الثالث : محو خطط المشركين والمنافقين لقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فإن قلت قد جرت بعض محاولات إغتياله سواء ببعث مشركي مكة من يقوم بقتله أو بميدان القتال أو مكر المنافقين كما في العقبة عند العودة من تبوك .
الرابع: محو إنكار الإدعاء الباطل , لأن هذا الإنكار في حال وقوعه أمر وجودي .
الخامس : محو نصرة الناس لإدعاء العهد بين الله عز وجل وبين طوائف من الناس, فالذي يدّعي العهد يبقى فريداً , سلبت آية البحث الحجة والأنصار عنه .
في الآية مسائل
الأولى : تطرد آية البحث الغفلة عن الناس بخصوص عالم الآخرة إذ أنها تذكر بالنار وعذابها , وتبشر في مفهومها بالجنة وثوابها لمن آمن ببعثة الأنبياء , وتدعو للتدبر بالمعجزات التي جاءوا بها , والقبول بالأحكام التي جاءوا بها .
الثانية : بيان مدرسة الإحتجاج في الإسلام , وأن الله عز وجل يرّغب به , ويدل في مفهومه على قبح الإرهاب , وعدم النفع فيه , وإجتناب إكراه أهل الكتاب في الدين , قال تعالى [لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ]( ).
الثالث : تدعو الآية الناس للإيمان بالله عز وجل من غير اشتراط مسائل خاصة ونسبتها لعهد بينهم وبين الله عز وجل , أو اشتراط إتيان النبي بمعجزات يحددون ماهيتها وسنخيتها .
الرابعة : إرادة الذين كفروا والمنافقين إيذاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم , ونشر الفتنة في المدينة , فنزلت الآية لزجرهم عن الكيد , وجعل المسلمين في حال إحتراز منهم , فالآية واقية وهي من مصاديق قوله تعالى [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ]( ) .
فمن مصاديق الإعتصام الإعراض عن أهل الشروط والعناد , وعدم الإصغاء لما يروجه ويبثه المنافقون في المدينة من الأقاويل ومنها أن طائفة من الناس عهد الله عز وجل إليهم بأن يأتوا بقربان فيأتي الرسول بنار وهذه النار ليست أرضية إنما تنزل من السماء فتلتهم القربان , فصحيح أن الآية تخاطب أهل هذا الشرط , ولكنها تغلق أبواباَ على الكفار والمنافقين .
وكانت قريش تسأل أهل الكتاب عن صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويرسلون الوفود إلى اليهود الذين في المدينة , وكانوا يجدون في شرط القربان ونحوه ضالتهم . فقطعت عليهم آية البحث الطريق وصارت سبباً لجذبهم إلى منازل الإيمان , فمن إعجاز القرآن إنه قد يؤمن الكافر بما يكون توبيخا للمنافق والمعاند , ونزل القرآن بلغة إياك أعني واسمعي ياجارة .
الخامس : آية البحث سلاح بيد المسلمين في باب الحجة والبرهان , ودعوة للتدبر في المعجزات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
السادسة : المنع من الأسباب التي تشغل الناس عن الفرائض العبادية وسنن التقوى , ونشر الصلاح في المجتمعات , إذ ان الجدال وإيلاء الأهمية له تشتيت للجهد العام في سبل العبادة .
ومن الإعجاز في الشريعة الإسلامية أداء كل مسلم ومسلمة الصلاة خمس مرات في اليوم والليلة لتكون سبب إنجذاب طوعي وقهري لذكر الله عز وجل , والإعراض عما يقوله أهل الحسد , قال تعالى [فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا]( ).
ومن منافع آية البحث بخصوص المحو وجوه :
الأول : منع الذين كفروا من إتخاذ جدال أهل الشرط والإشتراط عذراَ لهم للبقاء على الكفر .
الثاني : كشف زيف الإشتراط على النبي معجزات خاصة .
الثالث : الحيلولة دون دبيب الشك والريب إلى نفوس أهل الإيمان .
الرابع : محو أسباب القتال والحرب , إذ تبين آية البحث أن الأمر يتعلق بالجدال والإحتجاج , وحتى الإحتجاج فإن الله عز وجل قد كفى المسلمين فيه , إذ تفضل وأنزل آيات من عنده تتضمن الإنذار والوعيد , وتخبر عن قانون وهو أن النبي محمداَ صلى الله عليه وآله وسلم من عند الله عز وجل , وأنه سبحانه الذي يبين ويعين ما يرد به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أهل الجدال والإشتراط , وكذا مخاطبة وإنذار عامة الناس , كما في قوله تعالى [قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ]( ) والوعيد للذين كفروا بصيغة الجمع والمفرد , قال تعالى [قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ]( ).
ومن مفاهيم آية البحث الثناء على المسلمين والمسلمات الذين دخلوا الإسلام وصدّقوا برسالة النبي كمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وفق المعجزات التي جاء بها من غير أن يشترطوا معجزات خاصة لأنفسهم .
ومن مفاهيم آية البحث أنها تنفي القتال وطلبه ، والسعي إليه ، إنما تحث على الإحتجاج وتبين فضل الله عز وجل على المسلمين بأنه سبحانه هو الذي يلقى النبي محمداً الحجة والبرهان ، فالآية من مصاديق قانون (لم يغز النبي أحداً) ويدل عليه الأمر من الله عز وجل في آية البحث [قل] ، وفيه مسائل :
الأولى : الرد بالقول على الذين امتنعوا عن التصديق برسالتك ، ويدل في مفهوم المخالفة على عدم استصحاب العنف والقوة ضدهم ، قال تعالى [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ] ( ) .
الثاني : الرد بالقول على الذين إحتجوا وجادلوك بالقول .
الثالثة : الإجابة بالإثبات الحق على النفي الذي لا أصل له .
الرابعة : بيان قانون وهو كفاية الإحتجاج في نجاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مكر وكيد الذين كفروا والمنافقين ، وتبين الآية فضل الله على الناس جميعاً ، فمن مفاهيم الآية أن الله عز وجل لم يترك الناس وشأنهم إنما بعث لهم الرسل الذي يدعونهم إلى الهدى والإيمان .
إفاضات الآية
من خصائص آيات القرآن أنها تقرب العباد إلى الله وهو من مصاديق البركة في القرآن ، قال تعالى [وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ]( ) إذ جعلت الآية نوع ملازمة بين :
الأول : نزول القرآن .
الثاني : الشهادة من الله بانه سبحانه هو الذي أنزل القرآن وما جبرئيل إلا رسول من عند الله يتولى تبليغ آيات القرآن ، قال تعالى [نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ] ( ) .
الثالث : البركة والقبض واللطف من عند الله بالقرآن .
الرابع : تصديق القرآن للتوراة والإنجيل ، ومنه ما تضمنته آية البحث من بعث الرسل من عند الله إلى الناس ومجئ عدد منهم بالبراهين الساطعة وقربان النار .
الخامس : إتصاف القرآن بأنه إنذار لأهل والمدن الأخرى ، ليكون من معاني [وَمَنْ حَوْلَهَا] العموم بلحاظ استقبال المسلمين في المشرق والمغرب إلى مكة في صلاتهم عدة مرات في اليوم ، قال تعالى [فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ] ( ).
السادس : الملازمة بين الإيمان باليوم الآخر وبالقرآن وإخبار القرآن عن هذه الملازمة من إعجازه .
السابع : تعاهد المسلمين الصلاة .
الثامن : بيان قانون وهو كل من يصدق بالآخرة وبالقرآن يتعاهد الصلاة في أوقاتها، وهو وفق القياس الإقتراني :
الكبرى : الذين يؤمنون بالآخرة يحافظون على صلاتهم .
الصغرى : المسلمون يؤمنون بالآخرة .
النتيجة : المسلمون يحافظون على صلاتهم .
قال تعالى [حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَة الْوُسْطَى] ( ).
ولا يختص اللطف الإلهي بتالي القرآن بل يشمل الذي يستمع له أو يسمع آياته خاصة مع التدبر الطولي والقهري بآيات القرآن ، وهو من أسرار بقاء القرآن بين الناس إلى يوم القيامة ، مع سلامته من التحريف والزيادة أو النقصان ليدعو القرآن الناس لقبول الفيض الإلهي وبعث السكينة في النفوس ، والعصمة من غلبة النفس الشهوية والغضبية .
لقد جعل الله عز وجل لذة حقيقية عند الإنسان في تلاوة التنزيل ، وهو من الحكمة بمصاحبة الوحي للإنسان من حين هبوط آدم إلى الأرض ، فحينما أغوى إبليس كلاً من آدم وحواء بالأكل من الشجرة التي نهاهم الله عنها ، كما ورد في التنزيل [وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ] ( ) وأمرهم الله بالخروج من جواره ومن الجنة ، والهبوط إلى الأرض .
ثم أنزل الله عز وجل الوحي على آدم ليكون ضياءً له ولذريته ، وتعاقب الأنبياء في الأرض ، وترسخ الإيمان فيها , ومع تقادم السنين أختار شطر من الناس الكفر والضلالة , ومنهم فئة أقدمت على محاربة الأنبياء وقتل بعضهم ، فأخبر الله عز وجل في القرآن عن هذه المعصية التي أصاب أذاها عموم أهل التوحيد .
لقد قام الأنبياء بالنصح والدعوة إلى الله ، وبينّوا القبح الذاتي للمعاصي ، وأنذروا من عاقبة الفساد في الدنيا والآخرة ، ولكن الذين كفروا انهمكوا في المعاصي والذنوب، وأصروا على الجحود ، فقست قلوبهم وقاموا بقتل الأنبياء .
وتبين آية البحث قانوناً وهو أن النبي الذي يجادل عنه الله ويجيب بدلاً عنه لابد أن ينصره الله ، ولن يستطيعوا الإضرار بنبوته ، قال تعالى [لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى] ( ).
وقال تعالى [وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ] ( ) ليكون من معاني إرتقاء المسلمين إلى مراتب العلو والرفعة التي تذكرها الآية أعلاه نزول الرد والإحتجاج على الذين يدّعون العهد بين الله وبينهم ، وهو من أسمى مراتب اللطف والرحمة من عند الله ، إذ يأخذ الله عز وجل بأيدي العباد إلى سبل الهداية ، ويوصل لهم المنافع ويدفع عنهم الأضرار والآفات .
والله هو الذي يظهر الحسنات والمناقب ، ويستر عن الناس المثالب ويقربهم إلى الإيمان بالحجج والبراهين ، وفي التنزيل [اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ] ( ) .
لقد كان في المدينة كل من :
الأول : النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بشخصه الكريم .
الثاني : الأنصار من الأوس والخزرج رجالاً ونساءً .
الثالث : المهاجرون رجالاً ونساءً ، وإن كان عدد النسوة المهاجرات أقل من الرجال إلا أنه كان لهن حضور وعنوان ، فمع حال التقييد الإجتماعي للمرأة آنذاك ،فقد اختار عدد من المؤمنات الهجرة إلى المدينة بل ومنهن من هاجرت إلى الحبشة , ومنهن من هاجرت إلى الحبشة ثم المدينة .
الرابع : المنافقون والمنافقات , قال تعالى [لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً] ( ).
الخامس : طائفة من اليهود ممن كانوا في المدينة ، وهم بنو النضير وبنو قريظة وبنو قينقاع .
السادس : من بقي على الكفر والضلالة ، وهم في تناقص يومي ، عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنها قالت (خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل بدر فلما كان بحرة الوبرة أدركه رجل قد كان يذكر منه جرأة ونجدة ففرح أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين رأوه فلما أدركه قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جئت لأتبعك وأصيب معك قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( تومن بالله ورسوله ؟ ) قال لا قال ( فارجع فلن أستعين بمشرك) ( ).
وحينما زحف عشرة آلاف رجل من المشركين في معركة الخندق ظهر رأس النفاق وظنوا أن المشركين سيقتلون النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، وسعى المنافقون لقعود الأنصار عن الدفاع .
(عن ابن زيد في قوله { قد يعلم الله المعوقين منكم . . . }( ) قال : هذا يوم الأحزاب ، انصرف رجل من عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فوجد أخاه بين يديه شواء ورغيف .
فقال له : أنت ههنا في الشواء والرغيف والنبيذ ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين الرماح والسيوف .
قال : هلم الي لقد بلغ بك وبصاحبك – والذي يحلف به – لا يستقي لها محمد أبداً قال : كذبت – والذي يحلف به – وكان أخاه من أبيه وأمه ، والله لأخبرن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأمرك .
وذهب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخبره ، فوجده قد نزل جبريل عليه السلام بخبره ، { قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلاً }( ) .)( ).
لقد أراد الله عز وجل إصلاح الألسن ، وعدم الذهاب إلى الكذب والتشديد على النفس ، وجعل الشروط والقيود في طريق الهداية ، وأيهما أشد اثماً إيجاد الأعذار للنفس دون الإيمان أم إعاقة إيمان الغير ، الجواب كل فرد منهما فيه أثم عظيم ، والثاني أشد ، وهو من النهي عن الصلاح والخير ، قال تعالى [الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمْ الْفَاسِقُونَ] ( ).
ومن منافع آية البحث طرد الوسوسة عن النفوس ، وعدم الإلتفات إلى الشرائط التعجيزية بوجه النبوة ، وفي قوله تعالى [لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ] ( )وعن( ابن عباس قال : لما نزلت ضج المؤمنون منها ضجة ، وقالوا : يا رسول الله : هذا نتوب من عمل اليد والرجل واللسان كيف نتوب من الوسوسة؟
كيف نمتنع منها؟
فجاء جبريل بهذه الآية { لا يكلف الله نفساً إلا وسعها }( ) إنكم لا تستطيعون أن تمتنعوا من الوسوسة) ( ).
وفي الإخبار عن شرائط القربان أمور :
الأول : النهي عن البقاء على هذا الشرط .
الثاني : المنع من الوقوف عنده والإمتناع عن التصديق بالنبوة .
الثالث : التخويف والإنذار من تحريض الناس على طلب الشروط .
الرابع : إزاحة عقبة في طريق إيمان الناس ، والتخفيف عن الجميع .
ومن فضل الله على الناس أنه يستر القبيح ويظهر الجميل ، فهل جاءت آية البحث لفضح وإظهار القبيح ، الجواب لا ، إنما وردت للبيان ، ومنع ما هو أشد منه من القبيح بالذات والأثر ، ومن لطف الله عز وجل أنه يدفع الأشد والأمَر والأدهى ، ويحبب إلى الناس الرأفة والرحمة وسبل الرشاد ، وفي التنزيل [إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ] ( ) (عن الأسود بن سريع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أربعة يحتجون يوم القيامة : رجل أصم لا يسمع شيئاً ، ورجل أحمق ، ورجل هرم ، ورجل مات في الفطرة ، فأما الأصم ، فيقول : رب ، لقد جاء الإسلام ، وما أسمع شيئاً ، وأما الأحمق ، فيقول : رب ، جاء الإسلام والصبيان يحذفونني بالبعر ، وأما الهرم فيقول : رب ، لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئاً ، وأما الذي مات في الفطرة فيقول : رب ، ما آتاني لك رسول . فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه ، ويرسل إليهم رسولاً أن ادخلوا النار .
قال : فوالذي نفس محمد بيده ، لو دخلوها كانت عليهم برداً وسلاماً ، ومن لم يدخلها سحب إليها) ( ) .
إذ وردت الآية بالأمر من الله إلى النبي محمد (قل) مما يدل على أن هذا القول صادر من عند الله عز وجل ، ومن إفاضات الآية أنه سبحانه ينكر وجود عهد بينه وبين هؤلاء أو غيرهم بخصوص قربان النار .
فليس من ملازمة بين النبوة والقربان ، وقد قدّم كل من ولدي آدم هابيل وقابيل قرباناً ، وليس فيهما نبي فقد قبل الله من أحدهما فقام أخوه وهو قابيل بقتله ، ولو جاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذات القربان فلّعل الذين كفروا يقدمون على قتله .
وهل هذا المعنى وإرادة التحريض على قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من أسباب شرط القربان خاصة وأن الآية ذكّرت بقتلهم الرسل ، الجواب هو المستقرأ من الآية ، وفيه دعوة للتفكر بماهية خلق الناس والضد بين الإيمان والكفر .
الآية لطف
والآية روضة من رياض الملكوت نزلت بسحائب الرحمة والتخفيف عن المسلمين والناس فتثير نسيم البرهان في ربوع المدينة , وتسوقه إلى القلوب المنكسرة , وخلجان النفوس التي تشتاق إلى الحقيقة , فتنزل عليهم غيثاَ طاهراَ مباركاَ ينبئ عن قانون وهو أن الانبياء يأتون بالبرهان والمعجزة حسب ما يتفضل به الله عز وجل وما يناسب زمانهم , وحال أهله وما يعتنون به وكما يطهر الماء الأرض ويجعلها صالحة للإنبات فإن الآية القرآنية تزيل الشك والريب عن النفوس , وتوثق حقيقة صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
تتصف الآية القرآنية بأنها لطف ورحمة من عند الله ، ينهل منها الناس العلوم ، وهي خزينة للحكمة ، ومادة للبصيرة ، وجلاء للبصر ، ومانع من الغفلة والجهالة ، وآية البحث مدرسة في علم التأريخ ، إذ تتضمن الإخبار عن إدعاء العهود الخاصة بين الله سبحانه وبين الناس .
وتدعو الآية المسلمين للصبر على الكذب والإفتراء والظلم في القول على الأنبياء ، وقيل أن عيسى عليه السلام (قال لأصحابه : إن كنتم إخواني وأصحابي فوطنوا أنفسكم على العداوة والبغضاء من الناس ) ( ).
وتمنع آية البحث من تأصيل العداوة بين المسلمين والناس ، إذ أنها تقطع الطريق على الباطل والزيف ، وتدعو إلى الإلتقاء في سبل الإستقامة ، وفي التنزيل [قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ] ( ).
لقد كان مشركوا قريش والمنافقون يتصيدون الأخبار ويبالغون في نشر الأراجيف والإشاعات التي يُراد منها بث الوهن والضعف عند المسلمين فتصدت آية البحث لهم.
الآية بشارة
تتصف الكتب السماوية بأنها خير محض , ودعوة للرشاد والهداية والإيمان ، وتملأ النفوس بالغبطة والسعادة ، وجاء القرآن بالبشارة والوعد .
ومن أسماء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم البشير ،وهل يصح تسمية القرآن بأنه بشير وبشارة , الجواب نعم ، قال تعالى [قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ] ( ) وقال تعالى [فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا] ( ) .
وجاء القرآن بالبشارة في الدنيا والآخرة منها بشارة الرزق واستدامته للناس جميعاً ، فلما أخبر القرآن بأن الناس جميعاً ينهلون وينتفعون من رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما في قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ) فان بشارات القرآن تتغشى الناس جميعاً ، ومنها البشارة بالفضل الرزق من عند الله واستدامته لأهل كل زمان وذراريهم ، مع إدراكهم بأن آباءهم غادروا الدنيا بفيض ورزق من عند الله سبحانه، قال تعالى [وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ مِنْ إِمْلاَقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ] ( ).
وجاءت آية أخرى بتقديم رزق الأبناء على الآباء بقوله تعالى [وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاَقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ] ( ).
ليكون من معاني الآية أن الله عز وجل قد هيئ أرزاق الناس قبل أن يخلقوا , وفيه زجر عن التخويف بقلة الموارد ونقص الغذاء , فمع كثرة الأولاد أو أفراد البلد والشعب وأهل الأرض عامة فإن الله عز وجل يفتح لهم أبواباً من الرزق وتخرج الأرض من كنوزها , ويقيض أسبابا للمعيشة , وفي التنزيل [أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ]( ), وفيه شواهد كثيرة في هذا الزمان والأزمنة السابقة , وقد تحتاج الدول الصناعية الكبرى والشعوب المترفة إلى الأيدي العاملة الذين يقومون بأداء المهن والاعمال اليدوية .
وحينما أمر فرعون بقتل الأطفال الذين يولدون من بني اسرائيل خشية ولادة من يقضي على ملكه وسلطانه منهم بناء على تأويل المعبرين لرؤيا رآها كأن نارا أقبلت من بيت المقدس ,حتى اشتملت على بيوت القبط فاحرقتها إلا بيوت بني إسرائيل .
واستمر القتل لسنوات فجاء الملأ والرؤساء من آل فرعون إليه وشكوا إليه نقص اليد العاملة وأنهم كانوا يسخرون بني إسرائيل الذين معهم للزراعة والحراثة والسقي والحرف والخدمة في المنازل .
وطالت مدة القتل ولم يستبن من موضوع الرؤيا وتأويلها شيء , فأمر بأن يكون القتل في عام , ويرفع في عام , وزمان يوسف النبي متقدم على زمان موسى وفرعون , وقيل أن المدة بين تأويل يوسف عليه السلام لرؤيا الملك وبين ولادة موسى عليه السلام هي سبع وتسعون سنة لأن موسى هو اٍبن عمران بن لاوي بن يعقوب , ولاوي هو أخو يوسف عليه السلام , وهو بعيد إذ أن موسى أخرج معه ستمائة ألف من بني اسرائيل هرباً من فرعون , وهذه الكثرة في العدد لا تتكون بنحو مائة سنة , و(قال وهب : استعار بنو إسرائيل حلياً كثيراً من القبط ثم خرج بهم موسى من أول الليل ، وكانوا سبعين ألفاً فأخبر فرعون بذلك فركب في ستمائة ألف من القبط يقص أثر موسى ، فلمّا رأى قوم موسى رهج الخيل قالوا{إِنَّا لَمُدْرَكُونَ}( ).
فقال موسى : {كَلا إِنَّ مَعِىَ رَبِّى سَيَهْدِينِ}( ) فلمّا قربوا قالوا : يا موسى أين نمضي؟
البحر أمامنا وفرعون خلفنا ، فضرب موسى بعصاه البحر فانفلق فصار فيه اثنتا عشرة طريقاً يابسة ، لكل سبط طريق ، وصار بين كل طريقين كالطود العظيم من الماء ، وكانوا يمرّون فيه وكلّهم بنو أعمام فلا يرى هذا السبط ذاك ولا ذاك هذا، فاستوحشوا وخافوا فأوحى الله سبحانه إلى أطواد الماء أن تشبّكي ، فصارت شبكات يرى بعضهم بعضاً ويسمع بعضهم كلام بعض.
فلمّا اتى فرعون الساحل وجد موسى وبني إسرائيل قد عبروا فقال للقبط : قد سحر البحر فمرّ.
فقالوا له : إن كنت ربّاً فادخل البحر كما دخل ، فجاء جبرئيل على رمكة وديق ، وكان فرعون على حصان ، وهو الذكر من الأفراس ، فأقحم جبرئيل الرمكة في الماء ، فلم يتمالك حصان فرعون واقتحم البحر على أثرها ودخل القبط عن آخرهم ، فلمّا تلجّجوا أوحى الله سبحانه إلى البحر أن غرّقهم ، فعلاهم الماء وغرّقهم.
قال كعب : فعرف السامري فرس جبرئيل ، فحمل من أثره تراباً وألقاه في العجل حين اتّخذه) ( ).
و(عن ابن مسعود قال : إنما اشتري يوسف عليه السلام بعشرين درهماً ، وكان أهله حين أرسل إليهم بمصر ثلثمائة وتسعين إنساناً ، رجالهم أنبياء ، ونساؤهم صديقات ، والله ما خرجوا مع موسى عليه السلام حتى بلغوا ستمائة ألف وسبعين ألفاً) ( ).
وذكر أن هذا العدد غير النساء والصبيان , وفي قصص الأنبياء هذه دعوة للزوم إكرامهم وقبول المعجزة التي جاءوا بها .

الآية إنذار
لقد جعل الله عز وجل القرآن كتاب البشارة والإنذار , والتحذير والوعيد ، وفي التنزيل [وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ]( ).
وهل يخص الخطاب في الآية الصحابة ، الجواب لا ، إنما هو شامل للناس جميعاً في أجيالهم المتعاقبة ، وليس من إنسان إلا وهو يحتاج إلى الإنذار ، سواء بخصوص أمور الدنيا أم الآخرة , والتذكير بواجباته العبادية , وأهوال الحساب ولزوم الإستعداد له , قال تعالى [وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ]( ).
ويتلقى المؤمنون الإنذار بالإستبشار والرضا لأنهم انتفعوا منه ، وأصلحوا أنفسهم واستعدوا لعالم الحساب والجزاء ، لذا يخصهم الله عز وجل بالثناء في ثنايا الإنذار كما في قوله تعالى [كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ] ( ) ومن مصاديق الذكرى في الآية أعلاه قيام المؤمنين بانذار الناس عموماً من أجل اللحاق بهم في سبل الهداية , والتنزه عن مفاهيم الضلالة ، والإستجابة لله عز وجل وما جاء به الأنبياء وعدم الإنقياد التام للدنيا وزخرفها , والإعراض عن دعوة النبوة .
وتتضمن آية البحث الإنذار من جهات :
الأولى : الإنذار من الجدال بغير علم ، وإدعاء ما ليس له أصل والوقوف عنه والإعراض عنده المعجزات وآيات التنزيل , قال تعالى [وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً]( ).
الثانية : الإنذار من إتباع أهل الخصومة والعناد الذين يمتنعون عن التصديق بالرسالة ، ويريدون أن يتبعهم غيرهم .
الثالثة : الإنذار من ترك الصبر على الطاعات ، وما قد يصاحب الإيمان من الفقر والفاقة ، قال تعالى [وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا] ( ).
الرابعة : التخويف من الإحتجاج على النبي بمسألة لا أصل لها ، إذ يأتي الرد والإحتجاج من عند الله عز وجل ، كما في آية البحث فقد ذكرت الآية كيف أن الرسل جاءوا بالبراهين الساطعة على نبوتهم وبما سأل هؤلاء من قربان النار ، ومع هذا قام نفر بقتل عدد من الرسل .
الخامسة : الإنذار من التعدي على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإرادة قتله ، ومع أن قريشاَ كانوا يسعون لقتل النبي محمد صلى الله عليه وآل وسلم فقد كان بعضهم يشير عليهم باجتناب قتله ، كما في مقدمات معركة بدر ، وما حصل صباح المعركة من صدح بعض الأصوات في معسكر المشركين باجتناب القتال .
وفيه دلالة على أنهم هم الذين أرادوا القتال وأصروا عليه يومئذ ، وأثناء سير قريش إلى معركة بدر أرسل إليهم أيماء بن رَحضَة من بني غفار وكان سيدهم ، وكان ينزل غيقة من بلاد بني غفار مع ابنه خفاف ، وهما اسلما فيما بعد , (ولهما صحبة)( ).
أرسل أيماء مع ابنه إلى قريش بعشر جزائر( ) هدية لهم ، ونوع إطعام وضيافة لأنهم مروا عليه ، يقول ابنه خفاف (فأقبلت أسوقها وتبعني أبي، فدفعتها إلى قريش فقبلوها، فوزعوها في القبائل. فمر أبي على عتبة بن ربيعة وهو سيد الناس يومئذٍ .
فقال: يا أبا الوليد، ما هذا المسير؟
ويبدو هذا الكلام بلحاظ إجابة عتبة أنه استفهام إنكاري وأن أيماء علم بموضوع مسيرهم والغاية منه ، فاستهجنه مع تعاهده لصلته مع قريش .
قال: لا أدري والله غلبت!
قال: فأنت سيد العشيرة، فما يمنعك أن ترجع بالناس وتحمل دم حليفك، وتحمل العير التي أصابوا بنخلة فتوزعها على قومك؟ والله، ما تطلبون قبل محمد إلا هذا؟
والله، يا أبا الوليد، ما تقتلون بمحمدٍ وأصحابه إلا أنفسكم.) ( ) ، لقد كناه أيماء بأبي الوليد محذراً ومنذراً ليقتل عتبة وابنه الوليد وأخوه شيبة يوم بدر .
وسيأتي في الجزء الخاص بقانون (لم يغز النبي ص أحداً) (قانون إنذار قريش من معركة بدر ) .
وتتضمن آية البحث الإنذار لقوم قد ماتوا بسبب قتلهم الأنبياء في أيامهم ، وتقدير الآية : فلم قتلهم اسلافكم ، والويل لهم على قتلهم .
وهو من إعجاز القرآن بأن يتضمن البشارة والإنذار لكل من :
الأول : الأحياء والمعاصرون لنزول القرآن .
الثاني : الذين ولدوا وبلغوا سن الرشد من التابعين والناس جميعاً من بعد أيام التنزيل وإلى يومنا هذا .
الثالث : بقاء القرآن غضاً طرياً وإنذاراً للذين سيولدون فيما بعد وإلى يوم القيامة .
وتضمنت آية البحث إنذار طائفة من الناس اشترطوا برهان نبوة ساطع بأن تنزل نار من السماء تأكل قرباناً يقدمونه ، ويتجلى الإنذار بأن نوع وسنخية معجزة كل نبي إنما هو أمر من عند الله ، وأن الآيات الكونية حجة على الناس في لزوم الإقرار بالتوحيد .
وتعلق منطوق الإنذار في آية البحث بالذين يؤمنون بالله ويريدون آية أخرى ليكون إنذاراً من باب الأولوية للذين كفروا ومناسبة لتثبيت الإيمان في صدور المسلمين ، قال تعالى [قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ] ( ).
ولا ينحصر إنذار الذين كفروا بهذه الأولوية ، إنما يتصف القرآن بأن أكثر إنذاراته موجهة إلى الذين كفروا ، وهو من مصاديق قوله تعالى [فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ] ( ) .
وفي الآية أعلاه بيان لقانون وهو الغنى عن البطش والقتال لتحقيق أسباب الهداية والرشاد ، وتدل بالدلالة التضمنية على لزوم إجتناب القسوة والشدة مع أهل الجدال والمغالطة ، إنما هو كلام صادر منهم ، وتفضل الله عز وجل بالرد عليهم بكلام منه سبحانه ، وفي التنزيل [وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ قِيلاً]( ).
وأختتمت آية البحث بقوله تعالى [إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ] ( ) وفيه دعوة لتلمس سبل الصدق وقول الحق بخصوص النبوة والتنزيل ، وعدم الإفتراء على الأنبياء ، وهل فيه تحذير من القول على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مما لم يقله ولم يفعله ، الجواب نعم .
لقد أراد الله عز وجل بآية البحث إصلاح الألسن والإمتناع عن قول الباطل .
الآية رحمة
يتفضل الله عز وجل بسحائب الرحمة على الناس من السماء والأرض ، وتأتي الرحمة عامة وخاصة ، قال تعالى [كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ] ( ) وشاء الله عز وجل أن يكون التنزيل من الرحمة العامة ، ولا يختص بأهل زمانه ، فالتنزيل رحمة وبركة في كل زمان وإلى يوم القيامة ، ومنه آية البحث فهي رحمة من وجوه :
الأول : الآية فضل ورحمة من الله بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لما فيها من المدد السماوي والرد على الذين ارادوا الجدال والإحتجاج .
الثاني : من مصاديق الرحمة في الآية أنها إكرام للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وشهادة بأنه رسول من عند الله ، وهذه الشهادة من جهات :
الأولى : تجلي حقائق بلاغية واعجازية تدل على أن الآية القرآنية نزلت من عند الله سبحانه .
الثانية : دلالة الأمر الإلهي [قل] على قانون وهو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يرد على أهل الجدال بكلام نازل من عند الله عز وجل ، وفي التنزيل [لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ] ( ).
الثالثة : الإخبار عن وقائع تأريخية حدثت قبل مئات السنين تكذب إدعاء قوم ينتمون إليها ، فالذي يصدّق بالأنبياء ويرجو منهم الإتيان ببرهان حق يدل على أنهم مبعوثون من عند الله عليه ألا يقدم على قتلهم .
الرابعة : تضمن القول والإحتجاج من عند الله القطع واليقين واسكات الخصم.
الثالث : آية البحث رحمة بالذين اشترطوا نار القربان لما فيها من بيان التضاد بين إدعاء وجود عهد من الله عندهم وبين قتلهم الرسل ، مع أن هذا العهد لا يأتي إلا بواسطة ، وهذا المعنى من أسرار مجئ لفظ الرسل في آية البحث ، لبيان أن العهد بين الله والناس أمر عظيم فيأتي به الرسل ، ولتأكيد أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رسول من عند الله ، وفي التنزيل [قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِ وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ] ( ).
وفي التنزيل [قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ]( ) لبيان قانون أن نزول القرآن رحمة عامة من عند الله عز وجل للناس جميعاَ, وكل آية من القرآن تتضمن مصاديق من الرحمة سواء جاءت بصيغة الخطاب أو الغائب , وابتدأت آية البحث بصيغة الغائب بالإخبار عن فئة من الناس توجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهم بالدعوة إلى الإسلام فقابلهم وبشروط خاصة , وقالوا إن هناك عهداَ بين الله عز وجل وبينهم على نحو مخصوص فهم لم يعارضوا دخول أهل مكة وأهل المدينة من الأوس والخزرج الإسلام ولكنهم اشترطوا لأنفسهم شروطاَ , وهذه الشروط قد تبعث طائفة من الناس على الإمتناع عن دخول الإسلام وفرض طائفة أخرى شروطاَ لأنفسهم على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفيه ظلم للنفس وإعراض عن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة والمدينة .
فنزلت آية البحث رحمة بالناس أيام التنزيل والأجيال اللاحقة بالإخبار عن إنتفاء العهد بين الله عز وجل بين طائفة من الناس بخصوص دخولهم الإسلام .
لقد نزل الإحتجاج على الذين اشترطوا القربان من عند الله عز وجل لبيان رحمة الله بهم وبالناس وفيه حجة بالغة باقية إلى يوم القيامة , لتنفي وجود عهد لطائفة أو اشخاص .
وهل لآية البحث نفع بخصوص المنع من الإرتداد بعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والقضاء على حركات الردة , الجواب نعم , وهو من خصائص الإحتجاج الوارد في القرآن بأنه رحمة لكل من :
الأول : الذين آمنوا بالقرآن , ويتخذونه سلاحاَ .
الثاني : الذين يحتج عليهم القرآن .
الثالث : إزاحة الإحتجاج للبطش والغزو في حياة الناس .
الرابع : من الرحمة الإلهية في رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تأكيد عدم الحاجة إلى الغزو والهجوم , والنهب والسلب , إنما هي دعوة إلى الله عز وجل ليتلقى الناس جميعاَ بالتسليم بالعبودية له تعالى , وهذا هو العهد بين الله عز وجل وبين الناس , قال تعالى [أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لاَ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ]( ) .
الخامس : دعوة المسلمين للتراحم فيما بينهم ونشر شآبيب الرحمة بين الناس , قال تعالى [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ]( ) .

الآية موعظة
أصل الموعظة الفعل الثلاثي ( وَعَظَ) يقال وعظ ، يعظ ، موعظة .
والذي يقوم بالموعظة هو الواعظ ، والجمع وعّاظ وواعظون , ويقال إتعظ أي قبل الموعظة .
وفي التنزيل [قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنْ الْوَاعِظِينَ] ( )
ومن الموعظة النصح والتذكير بما يلزم فعله والترغيب بالخير والصلاح، والإنزجار عن المعاصي وما فيه الضرر والأذى ، والتحذير من العواقب.
ترى ما هي النسبة بين الموعظة وبين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، المختار هو العموم والخصوص المطلق ، وفي الإستجابة للموعظة وقبولها نفع عظيم في الدنيا والآخرة .
وقد جعل الله عز وجل الإنسان محتاجاً ومن حاجاته الموعظة والإرشاد والنصح والإستشارة ، وليس من حصر لسبل الموعظة ، وشاء الله عز وجل أن يجعل التنزيل موعظة للناس ، ومن خصائصها أن يرَق القلب لها .
وجاءت الموعظة في آية البحث بالحجة والبرهان ، وإبطال المغالطة والنهي المقرون بالبشارة والإنذار من جهات :
الأولى : نهي الناس وضع شروط خاصة كقيد للإيمان .
الثانية : البشارة بالنفع والأجر العظيم على الإيمان .
الثالثة : الإنذار من الإصرار على العناد وعلى إيذاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والوعيد على اتباع نهج الذين قتلوا الأنبياء .
وتبعث آية البحث الخوف في نفوس الذين أصروا على الإقامة على الكفر ، ويسعون في محاربة النبوة والتنزيل ، قال تعالى سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ وتدعو آية البحث الناس إلى التصديق بقانون من الإرادة التكوينية ، وهو أن الله عز وجل قد بعث إلى الناس أنبياء ورسلاَ ، وهم من جنس البشر وليسوا ملائكة ، وكانت وظيفتهم خيراً محضاً بالدعوة إلى عبادة الله ، وقد تعدى على عدد منهم بعض الأشقياء فقتلوهم .
وهل ورد قتل الأنبياء في العهد القديم ، الجواب نعم كما في قصة الملك آخاب وزوجته الشريرة ايزابل إلا أن منعهم النبي إيليا .
(الم يخبر سيدي بما فعلت حين قتلت ايزابل انبياء الرب اذ خبات من انبياء الرب مئة رجل خمسين خمسين رجلا في مغارة و علتهم بخبز و ماء
18: 14 و انت الان تقول اذهب قل لسيدك هوذا ايليا فيقتلني
18: 15 فقال ايليا حي هو رب الجنود الذي انا واقف امامه اني اليوم اتراءى له
18: 16 فذهب عوبديا للقاء اخاب و اخبره فسار اخاب للقاء ايليا
18: 17 و لما راى اخاب ايليا قال له اخاب اانت هو مكدر اسرائيل
18: 18 فقال لم اكدر اسرائيل بل انت و بيت ابيك بترككم وصايا الرب و بسيرك وراء البعليم
18: 19 فالان ارسل و اجمع الي كل اسرائيل الى جبل الكرمل و انبياء البعل اربع المئة و الخمسين و انبياء السواري اربع المئة الذين ياكلون على مائدة ايزابل
18: 20 فارسل اخاب الى جميع بني اسرائيل و جمع الانبياء الى جبل الكرمل) ( ).
ومن المواعظ التي في آية البحث أنها تتضمن قانوناً وهو أن الله عز وجل عنده كل ما قاله الناس ، وهذه الأقوال لا تغيب عنه إنما هي حاضرة عنده سبحانه من جهات :
الأولى : أسباب القول .
الثانية : ذات القول .
الثالثة : نتائج وآثار القول .
قال تعالى [مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ] ( )وبين القرآن أن كل الأقوال تحضر مع أصحابها ، وفيه تحذير من منع الناس من دخول الإسلام ، ومن الطعن بالنبوة بغير حق .
وجاءت الآية بصيغة الجمع ( الذين قالوا ) مما يبين حقيقة وهي أن الذين قالوا جماعة ولابد أن الذين استمعوا أيضا جماعة ومن المتعدد ، وفي مجالس ومنتديات مختلفة وإذ صدر هذا الكلام في المدينة وفي الجدال مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فان كفار قريش وغيرهم يتخذونه وسيلة للإستهزاء بالنبوة , ويجعلونه في اشعارهم .
فتفضل الله عز وجل وأنزل آية البحث ، فمنع من صيرورة هذا الشرط ونحوه مادة وشعراً لمحاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاصة وأن العرب كانت تميل إلى الشعر ، وتفتتن به .
ومن مصاديق هذا المنع اختتام آية البحث بالجملة الشرطية [إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ] لما فيها من التحدي والموعظة والهداية إلى قول الصدق ودعوة الناس للسعي لطلب الحق والبرهان ، وهو الذي جاء به الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم والأنبياء السابقين ، فليس في الصد عن الأنبياء والإشتراط عليهم إلا الخسارة في الدارين .
ومن مصاديق الموعظة في آية البحث تكذيبها للذين يدعون وجود عهد بين الله وبينهم ، والقرآن يفسر بعضه بعضاَ فقد جاء بالعهود , وليس فيه مثل هذا العهد .
وورد لفظ (عهدنا ) مرتين في القرآن كلاهما للرسل :
الأولى : قوله تعالى [وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا] ( ).
الثانية : [وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُود] ( ).
ومن خصائص الأنبياء الوفاء بالعهد , ومنه الثناء على إبراهيم في التنزيل [وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى] ( ).
والأصل في بعثة ألأنبياء أنهم يأخذون من قومهم واتباعهم العهود والمواثيق .
(عن عوف بن مالك الأشجعي قال : كنا تسعة أو ثمانية أو سبعة ، فقال : ألا تبايعون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟
فقلنا : علام نبايعك؟
قال : أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ، والصلوات الخمس ، وتطيعوا ، ولا تسألوا الناس ، فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فلا يسأل أحداً يناوله إياه .
وأخرج أحمد عن أبي ذر قال : دعاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : هل لك إلى البيعة ولك الجنة؟
قلت : نعم . فشرط علي أن لا أسأل الناس شيئاً . قلت : نعم . قال : ولا سوطك إن سقط منك حتى تنزل فتأخذه) ( ).
والنسبة بين العهد والوعد عموم وخصوص مطلق ، فالعهد أعم ويشمل الوعد ، ومنه ما يكون مفاعلة بين طرفين بأن يتعاهدا على أمر .
وتدل آيات العهد في القرآن التي تحث على لزوم التقيد والوفاء به على نفي دعوة العهد من الله بالقربان الذي تأكله النار ، قال تعالى [وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ]( )وقال تعالى [َبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ] ( ) [وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً]( ).
ومن خصائص الآية القرآنية أنها موعظة بذاتها وتلاوتها وهو من إعجاز القرآن بأن ذات التلاوة موعظة وتنفذ معانيها إلى القلوب وتستقر فيها لتكون درعاً وواقية من إرتكاب السيئات ، ومن الميل إلى الذين ظلموا ، قال تعالى [وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ] ( ).
ومنهم من عرّف الموعظة بأنها : الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب )، ولكن الموعظة أعم إذ تشمل الخبر والقصة والمقال ، ليكون من معاني الحسن والأحسن في قوله تعالى [نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ] ( ) الموعظة التي تتضمنها كل قصة من قصص القرآن .
وهل في آية البحث نوع قصة ، الجواب نعم ، إذ انها تبين إدعاء قوم بعهد خاص بين الله وبينهم ، وأخبرت بأن من قصص الرسل أن عدداً منهم جاءوا بآية القربان ، ولكن هذه الآية ليست عهداً بين الله وبين الناس ، إنما يأتي كل رسول بالمعجزة التي يختارها الله له ، والتي يكون فيها تصديق الأكثر من الناس بنبوته ، ويكون موضوعها مشهورا , ويعتني به الناس في زمانه .
لذا جاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بمعجزة القرآن لإيلاء العرب العناية البالغة للشعر والقافية ، فجاءهم القرآن ببلاغة تفوق الشعر ، وتجمع بين البلاغة والفصاحة والدلالات غير المتناهية ، وإيجاد نظام وقوانين متكاملة لأهل الأرض وملائمة للأحوال المختلفة وإلى يوم القيامة.
الحاجة إلى آية البحث
من خصائص القرآن أن كل آية منه نبراس يضئ سبل الهداية والرشاد للناس , إذ جعله الله عز وجل [تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ]( ) .
وفاز المسلمون بالإنتفاع الأمثل من آيات القرآن , ومنه آية البحث التي إزاحة عن الناس حاجباَ عن الإيمان , فقد أراد بعضهم الصدود عن الإيمان , ولاتختص هذه الآية بالذين اشترطوا هذا الشرط , فقد يتخذه كفار قريش ذريعة ووسيلة لصد الناس عن دخول الإسلام , ويحتجون به في بقائهم على الكفر والضلالة خاصة وأنهم كانوا يسألون يهود المدينة والنصارى عن أخبار نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وصفات نبي آخر زمان عندهم , قال تعالى [وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ]( ) .
لقد حرمت آية البحث الكفار من عدد من مقدمات قتالهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه , فقد كانوا يتخذون من الشِعر والتحريف والإستهزاء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونعته بأنه ساحر وشاعر وسيلة لصد الناس عنه , وإذا ما وجدوا طائفة من أهل الكتاب تتخذ حجة للإمتناع عن دخول الإسلام , جعلوها مادة وذريعة للتحريض على قتاله , والتباكي على قوافل التجارة بينهم وبين الشام واليمن .
ولا تنحصر منافع هذه التجارة بقريش بل تشمل سكان القرى والمياه التي تمر بها , وتعمر معها أسواق مكة خاصة في موسم الحج , وتزدهر التجارة والبيع والشراء , فمنعت آية البحث الناس من الإنصات للكفار في التحريض على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكذا بالنسبة لسورة قريش فإن من إعجازها بيان حقيقة للناس جميعاً وهي أن تجارة قريش يجب أن تكون بلغة لإقرارهم بالتوحيد والنبوة وليس وسيلة لجمع الأموال لمحاربة النبوة .
وكأن آية البحث وسورة قريش تحرضان الناس على مقاطعة تجارة قريش , وعدم جعلهم يجمعون الأموال لتسخيرها للصد عن سبيل الله , قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ]( ).
وفيه بعث للأمل في النفوس , وحث للناس على الصبر , ومن معاني الآية أعلاه البشارة بقرب فتح مكة , وأن سطوة الكفار متزلزلة وغير دائمة , ليكون من إعجاز الآية القرآنية انها تتضمن مع الإخبار عن واقع حال التحدي والبشارة , ومن مصاديق الحاجة إلى آية البحث انها تخبر عن قتل الأنبياء السابقين , وفيه دعوة لعناية المسلمين بالحفاظ على سلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الإغتيال والقتل .
وقد تجلت هذه العناية بشواهد كثيرة من غير أن تتعارض مع الآيات في نجاته وسلامته صلى الله عليه وآله وسلم من الإغتيال بالمعجزة في حالات عديدة , ومنها ما كان في الحضر , ومنها ما كان في الخروج في الكتائب .
قال تعالى [يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ]( ).
الصلة بين أول وآخر الآية
قد تقدم الكلام في سياق الآيات صلة آية البحث بالآيات المجاورة ومنها صلتها بالآية السابقة خاصة وأن الآية إبتدأت بالاسم الموصول (الذين) الذي يفيد بالدلالة التضمنية الإشارة إلى ما سبقه , وقد جاءت الآية السابقة والتي قبلها بصيغة الجمع أيضاً , وقد تقدم بيان مسائل في إبتداء الآية السابقة باسم الإشارة للبعيد (ذلك)( ).
ويدل ابتداء آية البحث بالاسم الموصول على أنهم جماعة ونفر أو طائفة وعلى مجئ موضوع خاص بهم وبلحاظ سياق هذه الآيات فإن الموضوع لا يخلو من أذى وإرادة الإضرار فكان قوله تعالى [لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمْ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنْصَرُونَ]( ) لبشارة دفع الضرر عن المسلمين , ومن أسباب ووسائل هذا الدفع نزول آية البحث , وتقديم صبغة الإحتجاج في الدفاع .
وتضمنت آية البحث الإخبار عن قول جماعة بأن الله عز وجل عهد إليهم عهداً , ترى كيف جاء العهد فإن كان بواسطة الأنبياء , وليس من واسطة بين الله عز وجل وبين الناس إلا النبوة والرسالة والتنزيل ولا يأتي التنزيل إلا بواسطة الانبياء , فإن ذات الأنبياء تعرضوا للأذى والجحود بنوتهم , ومنهم من قُتل .
لذا ورد في ذات آية البحث الإخبار عن قيام ذات الفئة بقتل الأنبياء مع أن اشخاص الذين قتلوهم قد ماتوا وانقضت أيامهم , وجاءت بعدهم أجيال ولكن القرآن ينسب القتل لذات الذين اشترطوا على النبي شروطاً خاصة للتصديق بنبوته لإتحاد السنخية والفعل , ولبيان مسألة وهي زجرهم عن العمل على قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تحريضاً وفعلاً , ومن عادة العرب أنهم ينسبون فعل الآباء للأبناء , ويجري فيه مدح وذم في أشعارهم .
لقد أخبرت الآية عن قولهم إن الله عز وجل عهد إلينا , ترى لمن قالوا هذا القول , يدل إخبار الآية عن قولهم هذا على مسألة وهي أنع أعلان عام , ونوع جدال مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وقد علم به الناس , وكما أخبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قريشاً قبل الهجرة بأنه بشير ونذير , وأن آيات القرآن معجزة له قام بإخبار هؤلاء الذين احتجوا بالقربان بعد الهجرة في المدينة , فتفضل الله عز وجل بالإحتجاج عليهم في ذات الموضوع .
وأيهما أشد ضرراً تكذيب الكفار لنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم, أم هذا الجدال والشروط , الجواب هو الأول لبيان أن هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مصاديق قوله تعالى [يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ]( ).
ومع هذا جاء الجواب من عند الله عز وجل (قل) لبيان جهاد الإحتجاج والإبتعاد عن السيف وسفك الدماء , فحينما تهجم قريش بجيوشها يقوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بالدفاع الضروري من أجل حفظ الدين والنفوس , وعندما تجادل طائفة من الناس , ويجعلون شروطاً لإسلامهم يأتي الجواب من عند الله عز وجل (قل).
إن الإكرام من الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وتعضيد جهاده في سبيله تعالى بآيات القرآن , من مصاديق قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ]( ).
أي بلّغ الأحكام والله عز وجل يعضدك ويمدك بالإحتجاج , ويرد عنك كيد المنافقين والكافرين , قال تعالى [وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ] ( ).
لقد أخبرت آية البحث مجئ الرسل المتعددين قبل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , ويتصف هؤلاء الرسل بأنهم جاءوا بالبراهين الساطعة والحجج الباهرة التي تدل على أنهم رسل من عند الله عز وجل وتشهد الكتب السماوية السابقة وكذا القرآن بهذا القانون , وأن الله عز وجل تفضل على الناس وبعث الرسل وأنزل الكتب السماوية لهداية الناس .
وهل يحق لقريش القول أننا أقل شراً ممن قبلنا إذ لم نقتل النبي صلى الله عليه وآله غيلة , الجواب لا , من وجوه :
الأول : شدة أذى قريش للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه.
الثاني : إرادة قتل النبي علانية .
الثالث : حبس النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابع :الإجهاز على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في فراشه , ولم ينحصر هذا الإجهاز بذات ليلة المبيت , وصيرورته سبباً لهجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة , إنما كانت الخشية على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من سني البعثة الأولى لذا كان أبو طالب يتعاهد حراسة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مدة حصار قريش لهم والتي استمرت لثلاث سنوات .
عن ابن شهاب في حديث (وكان أبو طالب في طول مدتهم في الشعب يأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيأتى فراشه كل ليلة حتى يراه من اراد به شرا أو غائلة فإذا نام الناس امر احد بنيه أو اخوته أو بني عمه فاضطجع على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وامر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان يأتي بعض فرشهم فيرقد عليها فلم يزالوا في الشعب على ذلك إلى تمام ثلاث سنين)( ).
الخامس : تجهيز قريش الجيوش لقتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وإرادة قتله .
وذكرت آية البحث فضل الله عز وجل على الناس بمجئ الرسل بالبينات وبنار بيضاء تنزل من السماء فتأكل القربان الذي يقدمونه تزلفاً وقربةً إلى الله عز وجل , وهل هذه النار بينة أو بينات , الجواب هي أيضاً بينات للتعدد فيها وكثرتها .
وتقدير الآية (قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات العامة والبينات الخاصة).
وتدل آية البحث على تعدد المعجزات والشواهد التي تدل على صدق الرسالات مما يملي على الناس اتباع الرسل , ومن خصائص الأنبياء والرسل أنهم يأتون بالفرائض العبادية والأحكام الشرعية , فإن قلت قد وردت صفة البشارة والإنذار للرسل , قال تعالى [وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا] ( ).
والجواب أنهم مبشِرون لمن يؤمن ويعمل الصالحات , ومنذرون لمن يعصي الله عز وجل ويصر على الكفر والضلالة .
ومن معاني البشارة بالنسبة للأنبياء والرسل البشارة برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعدم وضع الشروط الخاصة , للتصديق برسالته , وقد أخبر الأنبياء السابقون عن صفاته وليس فيها قربان تأكله النار منها ما ورد في سفر التثنية من كلام الرب لموسى عليه السلام (اقيم لهم نبيا من وسط اخوتهم مثلك و اجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما اوصيه به)( ) وفيه شهادة لصدق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في تبليغ الآيات .
والمراد من الأخوة أبناء إسماعيل , وقيل المراد عيسى عليه السلام وقول آخر إنه يوشع بن نون .
ومن البشارات ما ورد في سفر التثنية (فقال جاء الرب من سيناء واشرق لهم من سعير و تلالا من جبال فاران وأتى من ربوات القدس وعن يمينه نار شريعة لهم) ( ).
وفي سفر أشعياء (وحي من جهة بلاد العرب في الوعر في بلاد العرب تبيتين يا قوافل الددانيين , هاتوا ماء لملاقاة العطشان يا سكان ارض تيماء وافوا الهارب بخبزه .
فانهم من امام السيوف قد هربوا من امام السيف المسلول ومن امام القوس المشدودة ومن امام شدة الحرب فانه هكذا قال لي السيد في مدة سنة كسنة الاجير يفني كل مجد قيدار) ( ).
وتدل هذه البشارة على نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم , إذ يرجع نسبه إلى عدنان وهو الجد الحادي والعشرون للنبي صلى الله عليه وآله وسلم , ويرجع عدنان في نسبه إلى قيدار بن اسماعيل , وليس من نبي غيره بهذه الصفة , وهي من أوضح البشارات في الكتاب المقدس بارادة رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالإضافة إلى بشارات الأنبياء به , فلا يجب الاشتراط عليه بقربان تأكله النار .
ثم توجهت الآية بالسؤال الإنكاري للذين سألوا قربان النار بالقول [فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ] ( ).
وتقدير الآية : قل يا محمد فلم قتلتم الرسل الذين جاءوا بالبينات , وهذا السؤال مقدمة لسؤالهم يوم القيامة عن قتل الأنبياء وعن سؤال قربان النار , وهل تخص الآية مباشرة قتل الأنبياء أم تشمل التسبيب والتحريض عليه , الجواب هو الثاني .
لقد أراد الله عز وجل إقامة الحجة على الذين كفروا والمنافقين , ودعوتهم لإجتناب الحرب على الإسلام , .
وأختتمت آية البحث بالجملة الشرطية , وهي حينما جاء الرسل بالذي سألتهم من القربان , واصطحبوا معهم الآيات والشواهد الباهرة التي تدل على صدق رسالتهم فلماذا لم تؤمنوا بهم .
ومن الآيات التي جاء بها الرسل السابقون البشارة برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ولم يرد لفظ [الَّذِي قُلْتُمْ]( ) في القرآن إلا في آية البحث لبيان عدم تكرار هذا القول من غير الذين ذكرتهم هذه الآية , وهل لها موضوعية في منع مثل هذا التكرار الجواب نعم , لذا وردت الآية بصيغة الماضي , (قلتم) ولم تقل (الذي تقولون) .
وفيه دعوة للناس أن لا يقولوا ذات القول أو يتبعوا ذات النهج في اشتراط الشروط على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وهل يحتمل التفصيل والتبعيض وأن من الرسل من جاء بالبينات , ومنهم من جاء بقربان النار أو نار القربان , الجواب لا , وتقدير آية البحث على وجهين :
الأول : قل يا محمد قد جاءكم رسل من قبلي كل رسول منهم جاء بالبينات , وبالذي قلتم .
الثاني : قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم , والنسبة بين الوجهين العموم والخصوص المطلق .
وهل يمكن القول بانقطاع قولهم هذا بعد نزول آية البحث فيكون تقدير الآية : ولن تقولون بعد الآن , الجواب لقد أكثر القرآن حقيقة مجئ الرسل بالبينات وآية القربان , وهو من الصدق في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأن القرآن كلام من عند الله عز وجل يخبر عن حقائق النبوة وفضل الله عز وجل في معجزات الأنبياء , نعم لقد منعت آية البحث الناس من الإقتتال بشرط القربان .
لقد قضى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مكة من حين بعثته ثلاث عشرة سنة , وقد سأله كفار قريش شروطاً عديدة منها : أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يفجر لهم ينابيع من الأرض مثل التي يرونها في الشام عند ذهابهم إليه في قوافل التجارة , قال تعالى [لِإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ]( ) إذ كانوا يرون الينابيع في ريف دمشق بين أحضان الوادي .
وسألوا أن يكون جبل الصفا ذهباً , ولو صار ذهباً لمعجزة حسية لكسروه بالفؤوس , ثم قالوا أنه سحر , وتأتي أجيال منهم فيكذبوا هذه الآية ونزل القرآن بأن ذات الصفا من شعائر الله عز وجل لقوله تعالى [إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ] ( ).
وجاءت السنة الثامنة للهجرة بفتح مكة بفضل من الله عز وجل , ليكون جبل الصفا في كل سنة ذهباً لأهلها وأهل الحجاز عامة وهو من مصاديق تسيمتها أم القرى بقوله تعالى [وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لاَ رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ] ( ).
لبيان قانون وهو ترشح النعم والبركة عن الإنذار الإلهي , فمع إنذار النبي صلى الله عليه وآله وسلم تأتي العمرة طيلة السنة , وموسم الحج بأسباب الهداية والمال والتجارة وأدعو المسلمين والمسلمات إلى التوجه إلى الله عز وجل بالدعاء بتحقق حج البيت هذا العام وإنحسار ضرر آفة كورونا .
فشهر رمضان على الأبواب , وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يجتهد بالدعاء في شهر رمضان ويحض عليه , وكذا الإمام علي عليه السلام , وللإمام علي بن الحسين دعاء خاص في الصحيفة السجادية بخصوص دخول شهر رمضان وهو الرابع والأربعون أدعية الصحيفة .
ودعاء آخر في وداع شهر رمضان وهو الخامس والأربعون منها , وقد صدر لي والحمد لله قبل أكثر من خمس وعشرين سنة خمسة أجزاء في شرح الصحيفة وفلسفة الإمامة فيها .
وعن الإمام الصادق عليه السلام يوصي ولده إذا دخل شهر رمضان فاجهدوا
أنفسكم في هذا الشهر , فإن فيه تقسم الأرزاق , وتكتب الآجال وفيه يكتب وفد الله عز وجل الذين يفدون إليه , وفيه ليلة العمل فيها خير من العمل في ألف شهر .
كما سألت قريش جريان الأنهار في مكة مثل الشام والعراق للزراعة وأن يبعد الجبال عن مكة , كما ورد في التنزيل [وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنْ الأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ خِلاَلَهَا تَفْجِيرًا* أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُه قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَرًا رَسُولاً * وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمْ الْهُدَى إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولاً]( ).
لتمر الأيام ويكون ماء الزراعة متوفراً حوالي مكة مع قلته في العراق لأغراض الزراعة , وتلك الجبال تنسف لتشيد بدلها العمارات السكنية الشاهقة التي تستقبل وفد الحاج كل سنة , لتكون من مصاديق أمر الله عز وجل لإبراهيم عليه السلام [وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ] ( ).
ويمكن إنشاء قانون من وجوه :
الأول : قانون الشروط التي وضعها الناس لإسلامهم , وتقسم تقسيماً استقرائياً بحسب اللحاظ مثل :
الأولى : الشروط في مكة قبل الهجرة .
الثانية : الشروط في المدينة بعد الهجرة.
الثاني : قانون أثر الشروط على دخول الإسلام في التحريض ضد النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين .
الثالث : قانون تعدد وكثرة الشروط سبب من أسباب ظهور النفاق في المدينة .
الرابع : قانون رد الله عز وجل على الشروط , ومنها آية البحث , ومنه قوله تعالى [قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَرًا رَسُولاً] ( ).
من غايات الآية
في الآية مسائل :
الأولى : بيان ما يلاقيه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الجدال وتعليق طائفة من الناس الإيمان على الشروط وعلى سؤال الحاجات .
الثانية : الإنذار للذين يمتنعون عن الإيمان بسبب الشروط ، وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو في مكة ينادي في موسم الحج وفي البيت الحرام (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا )وفيه جواب متقدم لأهل الجدال في المدينة .
الثالثة : مجئ آية البحث بعد الإنذار والوعيد في خاتمة الآية السابقة [وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ] ( ) بوقوف الناس بين يدي الله للحساب وجزاء الذين كفروا واستكبروا بالنار عن إستحقاق بما كسبت أيديهم من المعاصي والعناد والجحود , وفي التنزيل [وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا] ( ).
الرابعة : توثيق قول فئة من الناس دعوا إلى الإسلام ، فلم يصروا على إنكار النبوة ولم يحملوا سلاحاً بوجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه مثلما فعلت قريش، ولكنهم جعلوا شرطاً لإسلامهم ، ولأن هذا الشرط من المغالطة والعناد ، ويقصد به صرف الناس عن القرآن وإعجازه نزلت آية البحث بالإحتجاج عليهم والتذكير بأنهم قتلوا الأنبياء من قبل .
وهل في هذا التذكير تحريض للمسلمين والناس عليهم وبعث للإنتقام منهم لأنهم قتلوا الأنبياء ، الجواب لا ، للتسالم بأن قتل الأنبياء قد وقع قبل مئات من السنين وإنما أراد الله بآيات القرآن بيان حقيقة وهي ان تنجز هذا الشروط وتلبية الرسول لمثل هذا الطلب لم يمنع من التعدي عليهم وقتلهم .
(عن السدي عن أبي مالك قال : لما كان من أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واليهود من النضير ما كان ، حين أتاهم يستعينهم في دية العامريين فهموا به وبأصحابه ، فاطلع الله رسوله على ما هموا به من ذلك ، ورجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة ، هرب كعب بن الأشرف حتى أتى مكة ، فعاهدهم على محمد .
فقال له أبو سفيان : يا أبا سعيد إنكم قوم تقرأون الكتاب وتعلمون ونحن قوم لا نعلم ، فاخبرنا ديننا خير أم دين محمد؟ قال كعب : اعرضوا عليَّ دينكم .
فقال أبو سفيان : نحن قوم ننحر الكوماء ، ونسقي الحجيج الماء ، ونقري الضيف ، ونحمي بيت ربنا ، ونعبد آلهتنا التي كان يعبد آباؤنا ، ومحمد يأمرنا أن نترك هذا ونتبعه . قال : دينكم خير من دين محمد فاثبتوا عليه ، ألا ترون أن محمداً يزعم أنه بعث بالتواضع وهو ينكح من النساء ما شاء ، وما نعلم ملكاً أعظم من ملك النساء . فذلك حين يقول { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً . . . }( ))( ).
لقد أراد الله عز وجل بهذه الآية صرف الناس عن الذين يشترطون على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما ليس بحق بالتذكير بحقائق من تأريخ النبوة .
الخامسة : منع الناس وأهل الملل من إدعاء العهود بينهم وبين الله عز وجل إذ تبين الآية حقيقة وهي أن الله عز وجل لم يرد على مثل هذه الإدعاء .
السادسة : بيان قانون وهو ليس من ملازمة بين الإيمان بالرسول وبين قربان النار ، ونار القربان ، قال تعالى [فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدْ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمْ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ]( ) .
السابعة : جذب الناس إلى معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإجتناب أهل الحسد والنفاق ، وأرباب الشرائط والذين ينسبون إلى الله ما لا أصل له ، وفي التنزيل [قُلْ أَاتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] .
الثامنة : بيان معجزة لعدد من الرسل السابقين وهي تقديم قربان إلى الله عز وجل ثم يسأل النبي الرسول الله عز وجل فتنزل نار من السماء فتأكل القربان حتى إذا ما انطفئت تلك النار لم يبق من القربان شئ أو رماد ، سواء كان حيواناً أو نباتاً .
التاسعة : إرادة تفقه المسلمين في الدين ومعرفة حقيقة وهي أن الرسل الذين سبقوا النبي محمداً قد جاء كل واحد منهم بالمعجزات التي تدل على صدق نبوته ، وأنه رسول من عند الله ، وفيه شاهد على صدق نبوة محمد لأن الناس تتلمس المعجزات التي جاء بها ، وتريد أن ترى هذه المعجزات ، فكانت آية البحث من ذات المعجزات إلى جانب المعجزات الحسية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم .
وكما أن عدد معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم العقلية بالآلاف سواء بلحاظ أن كل آية معجزة أم أنها معجزة متعددة ، فكذا معجزاته الحسية من جهة العدد ، وهو من لطف الله بالناس لتقريبهم إلى منازل الهداية والإيمان بالصبر وحسن سمت وتصديق الأنبياء والإمتثال للأوامر الإلهية .
(وأخرج ابن أبي شيبة وابن الضريس عن أبيه عن جده : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : يمثل القرآن يوم القيامة رجلاً فيؤتى الرجل قد حمله فخالف أمره ، فيقف له خصماً فيقول : يا رب حملته إياي فبئس حاملي تعدى حدودي ، وضيع فرائضي ، وركب معصيتي ، وترك طاعتي .
فما يزال يقذف عليه بالحجج حتى يقال : فشأنك ، فيأخذ بيده فما يرسله حتى يكبه على منخره في النار .
ويؤتى بالرجل الصالح قد كان حمله وحفظ أمره ، فيتمثل له خصماً دونه فيقول : يا رب حملته إياي فحفظ حدودي ، وعمل بفرائضي ، واجتنب معصيتي ، واتبع طاعتي ، فما يزال يقذف له بالحجج حتى يقال له : شأنك به ، فيأخذ بيده فما يرسله حتى يلبسه حلة الاستبرق ، ويعقد عليه تاج الملك ، ويسقيه كأس الخمر) ( ).
العاشرة : توجه الأمر من الله عز وجل إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم [قل] الذي يلزم الفورية بالتبليغ ، وإن كانت ذات التلاوة تبليغاً عاماً ، إلا أن آية البحث سلاح سماوي بيد النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين ، وهو سلاح بالقول واللسان والحجة .
الحادية عشرة : البيان والتفصيل لما يحتج به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على أهل الشرائط .
لقد ذم الله عز وجل طوائف أخفوا حقائق من التنزيل ، قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ] ( ) فنزل القرآن وأمر الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بتلاوته في الحال ، وأمره والمسلمين بتلاوته خمس مرات في اليوم لبيان قانون وهو من خصائص خاتم النبيين وأمته عدم كتمان شئ من التنزيل ، قال تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ).
الثانية عشرة : تدل آية البحث بالدلالة التضمنية على النهي عن إتباع الظن , والمناجاة بما لا أصل له , وما فيه الضرر والإضرار ، قال تعالى [فَلاَ تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ] ( ) .
الثالثة عشرة : تنمية ملكة البيان والحجة عند المسلمين والرد على المغالطة وصيغ العناد، والحجة هي البرهان والأمر الذي يدل على صدق الدعوى وموافقة المستدل لوجه الحق والصدق .
الرابعة عشرة : من إعجاز القرآن أن الغايات الحميدة للآية القرآنية متعددة في موضوعها , ومتجددة في كل زمان , وتأثير الآية بخصوص موضوع واقعة وحادثة ولكن دلالاتها والواعظ المستقرأ منها كثيرة , وهو من الشواهد على أن الآية القرآنية خزينة ينهل منها الناس .
فقد ذكرت آية البحث قيام طوائف من الناس بقتل رسل ممن بعثهم الله عز وجل لهم [مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ]( ) ليكون من غايتها زجر الكفار عن قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , ومنع المنافقين من التحريض على إيذائه وقتله .

التفسير
تفسير قوله تعالى [الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا] ( ).
من معاني ابتداء آية البحث بالاسم الموصول [الَّذِينَ] هو اتصالها بالآية السابقة ، فيكون تقدير الجمع بينهما ، وأن الله ليس بظلام للعبيد الذين قالوا ان الله عهد الينا ، وفيه مسائل :
الأولى : بيان قانون إقامة الحجة من الله على الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان .
الثانية : بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رحمة , ودعوة للذين قالوا إن الله عهد إلينا للإيمان والتخلي عن شرط القربان الذي لا أصل له .
الثالثة : نزول آية البحث من الشواهد على تنزه الله عز وجل عن ظلم الذين قالوا إن الله عهد إلينا إلا نؤمن .
ورد قوله تعالى [الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا]( ) أي أن قولهم في الزمن الماضي قبل نزول آية ويحتمل في استمراره وجوهاً :
الأول : استمرار صدور هذا القول من ذات الطائفة في زمن نزول الآية وما بعده .
الثاني : إنقطاع القول بشرط القربان بعد نزول آية البحث .
الثالث : استمرار هذا القول مع عدم وجود آذان صاغية له .
الرابع : قيام المسلمين بالرد على القول بالقربان وأكل النار له كشرط للإيمان .
والمختار هو الثاني أعلاه , ومن إعجاز القرآن ذكره هذا القول بصيغة الماضي , ومن غير خشية إفتتان الناس به .
ولقد أراد بعض القائلين بشرط القربان صدّ الناس عن الإيمان فمثلاً تجده عازماً على عدم الإيمان , ولكنه يجعل هذا الشرط لمنع الناس من دخول الإسلام , كما ورد في المثل (إياك أعني واسمعي ياجارة) فنزلت آية البحث لوجوه :
الأول : دعوة الناس للإيمان .
الثاني : لزوم إعراض الناس عن الإحتجاج بالقربان .
الثالث : بيان مسألة وهي دعوى القربان نوع مغالطة ، فليس كل رسول من الرسل والأنبياء السابقين كان يأتي بقربان تأكله النار , وفيه جذب للناس للإستماع لآية البحث , وما فيها من الحجة والبرهان , وهو مناسبة لتدبرهم بآيات القرآن وما فيها من الجديد موضوعاً وحكماً ودلالة , وهو من مصاديق قوله تعالى [وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ]( ) .
ومن إعجاز القرآن أنه نزل على نحو التتابع والتوالي .
وهل يدل تقريب ولدي آدم قرباناً وقبول قربان هابيل دون قربان قابيل على موضوعية القربان في النبوة ، الجواب لا ، إنما كانت قضية شخصية ، ولم يكن أحدهما نبياً , وليس هناك يومئذ مسكين يتصدق عليه .
(عن ابن عباس قال: كان من شأنهما أنه لم يكن مسكين يُتَصَدّق عليه، وإنما كان القربان يقربه الرجل. فبينا ابنا آدم قاعدان إذ قالا لو قربنا قربانا وكان الرجل إذا قرب قربانا فرضيه الله، أرسل إليه نارا فتأكله وإن لم يكن رضيه الله خَبَت النار، فقربا قربانا، وكان أحدهما راعيا، وكان الآخر حَرّاثا، وإن صاحب الغنم قرب خير غنمه وأسمنها، وقرب الآخر بعض زرعه .
فجاءت النار فنزلت بينهما، فأكلت الشاة وتركت الزرع، وإن ابن آدم قال لأخيه: أتمشي في الناس وقد علموا أنك قَرّبت قربانا فَتُقُبِّل منك وَرُدّ عليَّ؟ فلا والله لا ينظر الناس إليك وإليَّ وأنت خير مني.
فقال: (لأقتلنك)( ) فقال له أخوه: ما ذنبي؟
(إنما يتقبل الله من المتقين)( )) ( ).
لقد بينت هذه الواقعة غلبة النفس الغضبية على بعض الناس , ووجوب قهرها , وتحمل الأذى العرضي الطارئ بدل الإنتقام والبطش , وهل هي سبب لمعرفة الإنسان كيف يدفن الميت , إذ تحير قابيل وانشغل بجثة أخيه , ولم يتركها , وكأنه كان يأمل بعثه وحياته من جديد , ولكن دون جدوى , وفي التنزيل [فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنْ النَّادِمِينَ]( ).
الجواب لا , ولو لم يقتل قابيل هابيل ومات عندهم أحد أبناء آدم مثلاً لأخبرهم آدم بكيفية دفنه لأنه من عمومات قوله تعالى [وَعلم آدم الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ]( ).
وقيل كان قابيل (لا يدري كيف يقتله ، حتى جاء إبليس فتمثل عنده برجلين ، فأخذ أحدهما حجراً ولم يزل يضرب الآخر حتى قتله .
فتعلم ذلك منه وقال بعضهم : بل كان يعرف ذلك بطبعه ، لأن الإنسان وإن لم ير القتل فإنه يعلم بطبعه أن النفس فانية ، ويمكن إتلافها فأخذ حجراً وقتله بأرض الهند ، فلما رجع إلى آدم قال له : ما فعلت بهابيل؟
فقال له قابيل : أجعلتني رقيباً على هابيل؟
فذهب حيث يشاء فبات آدم تلك الليلة محزوناً ، فلما أصبح قابيل رجع إلى الموضع الذي قتله ، فرآى غراباً وقال بعضهم : كان يحمله على عاتقه أياماً لا يدري ما يصنع به حتى رآى غراباً ميتاً ، فجاء غراب آخر وبحث التراب برجليه ودفن الغراب الميت في التراب .
فذلك قوله تعالى فقتله { فَأَصْبَحَ مِنَ الخاسرين }( ) يعني فصار من المغبونين في العقوبة)( ).
ولم تذكر آية البحث ملة [الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا]( ) وهو من إعجاز القرآن واللطف الإلهي , وفيه دلالة بأن القرآن لا يذم أهل ملة , وديانة بسبب قول جماعة أو طائفة منهم , وفيه تأديب للمسلمين بعدم رمي طائفة من أهل الكتاب بهذا القول وإن كان القائلون منهم.
والنسبة بين المتقين والأنبياء هي العموم والخصوص المطلق ، فالمتقون أعم ، وهل يدل هذا القانون [إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ] ( ) على أن موضوع القربان ليس الزواج من أختيهم , إنما هو نوع مباراة في التقوى وبيان مسألة تأديبية لأولاد وأحفاد آدم بأن الله عز وجل يقبل عبادة وذكر وقربان الذين يخشون الله بالغيب لبعثهم على تعاهد التقوى ، الجواب إنما هو نوع تأويل , إلا أنه يستلزم التدبر فيه , ولعله لم يذكر إلا هنا والحمد لله .
وتبين الآية سنخية جهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة، ومصاديق قوله تعالى [ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ ما قَلى] ( ) فبعد أن كان كفار قريش يؤذونه ويحاصرون أهل البيت ، ويعذبون الصحابة قبل الهجرة ، لاقى النبي صلى الله عليه وآله وسلم جدال واحتجاج طائفة من أهل الكتاب في المدينة ، فلم يستعمل معهم السيف ، ولم يسخط عليهم ، إنما نزل القرآن بالرد على شرائطهم ودعواهم , وفي التنزيل [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ]( ).
وهل آية البحث من الجدال الذي تذكره الآية أعلاه , الجواب إنها أعم إذ أنها تنزيل , نعم تصلح أن تكون إحتجاجا .
وهل تلاوة آية البحث في الصلاة من الجدال , الجواب هذا من بركات ورشحات القرآن , سواء استمع لها غير المسلم أو لا , لأنها ترد بقصد القرآنية والإنقطاع إلى الله تعالى , ولأن الجدال فيه أطراف :
الأول : المجُادِل – بكسر الدال.
الثاني : المجُادَل – بفتح الدال.
الثالث : موضوع الجدال.
الرابع : كيفية الجدال , فامر الله عز وجل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن يجادله بالأحسن والأتم.
لقد جعلت طائفة من أهل الكتاب شرطاًَ لإيمانهم وتصديقهم ببعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو ان تنزل نار من السماء فتحرق القربان الذي يتقرب به , وقالوا ان هذا الشرط ليس من عندهم أو هو إبتكار وتعجيز منهم , إنما هو عهد من الله عز وجل لهم جرى على ألسنة أنبيائهم , ووقع هذا الإحتجاج ,
والجواب في المدينة المنورة بعد هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع أنه شرط غير واقعي وأن المعجزة للنبي والرسول تتعين من عند الله عز وجل , وتكون حجة بنسخيتها وماهيتها .
وذكرت الآية خصوص الرسول ويحتمل وجهين :
الأول : إرادة كل نبي من عند الله عز وجل فيلزم أن تأتي نار لأكل القربان , فقد يرد لفظ الرسول في القرآن ، ويراد منه عموم الأنبياء بلحاظ الجامع المشترك بينهما من الخصائص .
الثاني : المراد خصوص الرسل , وبين الأنبياء والرسل عموم وخصوص مطلق , فكل رسول هو نبي وليس العكس .
والمراد هو الأول لاصالة العموم ولأن المراد الذين يبعثهم الله عز وجل إلى الناس رسلاً مبشرين ومنذرين ويأتون بالمعجزة والأحكام الشرعية إذ أن قولهم [لاَ نُؤْمِنُ] ( ) أي لا تتقيد ونعمل بالذي جئت به إلا بعد رؤية برهان أكل النار القربان ، في الوقت الذي لم يفت النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا بما جاء به الأنبياء السابقون من الـتأكيد على عقيدة التوحيد وأداء الفرائض والتقيد بالأوامر والنواهي السماوية ، قال تعالى [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا] ( ).
تبين الآية قانوناَ وهو أن الله عز وجل يسمع كل قول صدر من الناس ليكون من معاني [إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ]( ) أن الله عز وجل يسمع كل قول ويعلمه :
الأول : ماهية هذا القول .
الثاني : النفع أو الضرر في هذا القول .
الثالث : أسباب صدور هذا القول .
الرابع : الأثر المترتب على هذا القول .
الخامس : الثواب أو العقاب في هذا القول .
السادس : إشاعة وتكرار القول الحسن , وقطع القول خبيث والضار , ومنه آية البحث إذ أنها تبين تفرع وضع الشروط على النبي عن التعدي على الرسل السابقين , وزجر عن وضعها وتقطعه , إذ تجتمع الصفتان على ذات الموضوع المتحد , وكذا بالنسبة لقوله تعالى [وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ]( ) فإن الله عز وجل يسمع كل قول ويبعد نفعه أو ضرره على القائل والمستمع وغيرها .
وتفضل الله عز وجل وجعل قوله وكلامه هو الباقي في الأرض , وهو الذي يفضح أقوال الظالمين ويأتي عليها , ويستأصلها في المجتمعات , ويجعلها تفقد بريقها , قال تعالى [أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ]( ).
تفسير قوله تعالى [أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ]
يدل الشرط الذي ذكروه بالدلالة التضمنية على تسليمهم برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنه رسول من عند الله عز وجل , ولكنهم لا يؤمنون برسالته لقولهم بين الله عز وجل وبينهم عهداً .
فهم لم يقولوا : لا نؤمن لك .
أو لا نصدق بما جئت به , إنما ذكروه ضمناً بصفة الرسالة .
فقالوا : ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان.
فجعلوا من أنفسهم أمة مستقلة , أدركت معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , ولكن عهداً بين الله عز وجل وبينهم يريدون تحقيقه كي يؤمنوا برسالته كما آمن الناس من المهاجرين والأنصار .
وهل أهل هذه الآية من مصاديق قوله تعالى [وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمْ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لاَ يَعْلَمُونَ]( ) الجواب لا , إنما موضوع هذه الآية طائفة من الناس دعاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون إلى الإيمان فأبوا وامتنعوا بحجة وجود عهد بين الله عز وجل وبينهم .
لذا جرت عهود ومواثيق صلح بين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واليهود الذين في المدينة , ويذكر فيها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بصفة الرسالة بينما احتجت قريش في صلح الحديبية على كتابة هذه الصفة .
فحينما تم الصلح يوم الحديبية طلب سهيل بن عمرو رئيس وفد قريش أن يكتب كتاباً ببنود الصلح [فأمر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإمام علياً عليه السلام أن يكتب ، فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم .
فقال سهيل : لا أعرف الرحمن . قال : فكيف أكتب؟
قال : اكتب باسمك اللهم؛ فكتب باسمك اللهم]( ).
وهل أمر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإمام علياً عليه السلام أن يكتب البسملة في فاتحة كتاب الصلح , أم أن الإمام علي عليه السلام كتبها إبتداء للتسالم على افتتاح الكتاب بها , ظاهر الخبر أعلاه هو الثاني , وأن المسلمين اعتادوا على تلاوة سورة القرآن بالإبتداء بالبسملة , وكذا افتتاح الكتب بها , وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر)( ).
ثم كتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله .
فقال سهيل : لو أعلم أنك رسول الله لاتبعتك .
ثم أردف : أفترغب عن اسم أبيك ؟
وفيه وجوه محتملة :
الأول : استحضر سهيل هذا الكلام في الحال .
الثاني : أعد سهيل هذا القول سلفا , خاصة وأنه خطيب قريش .
الثالث : كانت قريش تنكر على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ذكره بصفة الرسالة , وعدم ذكر أبيه خاصة , وكانت قريش تكثر من التفاخر بالآباء.
الرابع : لقد لقنت قريش سهيلاً هذا القول , وقالوا له إن قال محمد رسول الله فقل له : أفتركب عن اسم أبيك؟
كما لقنت عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة عندما أرسلوهما إلى الحبشة ليكلما النجاشي وحاشيته ويطلبا منهم إعادة المهاجرين .
الخامس : إرادة سهيل الفتنة في معسكر المسلمين , وبإستثناء الوجه الأول فإن الوجوه الأخرى كلها محتملة .
ومن أسباب بقائهم على الكفر إصرارهم على اتباع نهج آبائهم , وفي التنزيل [وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ]( ).
لقد أراد سهيل إثارة بعض الصحابة خاصة المهاجرين على النبي صلى الله عليه وآله وسلم لماذا لم يذكر اسم ابيه , ولكن المسلمين احتجوا عليه وضجوا , قال الواقدي : (فضج المسلمون منها ضجةً هي أشد من الأولى حتى ارتفعت الأصوات، وقام رجالٌ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقولون : لا نكتب إلا محمدٌ رسول الله!
فحدثني ابن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبد الله، عن أبي فروة، عن واقد بن عمرو، قال: حدثني من نظر إلى أسيد بن حضير وسعد بن عبادة أخذا بيد الكاتب فأمسكاها وقالا : لا تكتب إلا محمدٌ رسول الله، وإلا فالسيف بيننا! علام نعطي هذه الدنية في ديننا؟
فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخفضهم ويومىء بيده إليهم: اسكتوا! وجعل حويطب يتعجب مما يصنعون، ويقبل على مكرز بن حفص ويقول: ما رأيت قوماً أحوط لدينهم من هؤلاء القوم)( ).
فبادر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى القول : أنا محمد رسول الله , وأنا محمد بن عبد الله , ليحول دون ما يريد وفد قريش , ويدفع الريب عن النفوس , ثم توجه إلى الإمام علي وقال : اكتب محمد بن عبد الله .
إذ كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد قال أنهم لا يسألونه شيئاً يعظمون به الحرمات إلا قبله , ولعمومات قوله تعالى [وَالصُّلْحُ خَيْرٌ] ( ) .
ويبين الحديث حسن إيمان الصحابة ولعله من أسباب اسلام عدد من رجالات قريش بعد صلح الحديبية .
وحضر مع سهيل من المشركين مكرز بن حفص , ونعته النبي صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ بأنه رجل غادر , وكان قبل الصلح بسنوات قد قدم المدينة المنورة في السنة الثانية للهجرة بعد معركة بدر يريد فكاك سهيل بن عمرو الأسر , (قال ابن إسحاق : وكان في الأسارى : أبو وداعة بن ضبيرة السهمي ، فقال رسول صلى الله عليه وآله وسلم: إن له بمكة ابناً كيساً تاجراً ذا مال ، وكأنكم به قد جاء في طلب فداء أبيه .
فلما قالت قريش : لا تعجلوا في فداء أسراكم؛
لا يأرب عليكم محمد وأصحابه قال المطلب بن أبي وداعة , وهو الذي كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عني : صدقتم لا تعجلوا ، وانسل من الليل فقدم المدينة فأخذ أباه بأربعة آلاف درهم فانطلق به، ثم بعثت قريش في فداء الأسارى، فقدم مكرز بن حفص بن الأخيف في فداء سهيل بن عمرو، وكان الذي أسره مالك بن الدخشم، أخو بني سالم بن عوف ، فقال : من المتقارب:
أَسَرْتُ سُهَيْلاً فَلاَ أَبتَغِي … أَسِيراً بِهِ مِنْ جَمِيعِ الأُمَمْ
وَخِنْدِفُ تَعلَمُ أَن الْفَتَى … فَتَاهَا سُهَيلٌ إِذَا يُظلمْ
ضَرَبْتُ بِذِي الشَفْرِ حَتَى انثَنَى … وَأَكرَهْتُ نَفْسي عَلَى ذِي العَلَمْ
وكان سهيل أعلم ؛ وهو المشقوق من الشفة العليا.
قال ابن هشام : وبعض أهل العلم بالشعر ينكر هذا الشعر لمالك بن الدخشم.
قال ابن إسحاق : وقد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لعمر , في هذا الحديث : إنه عسى أن يقوم مقاماً لا تذمه وقد ذكر هذا المقام ابن هشام.
قال ابن إسحاق : فلما قاولهم فيه مكرز، وانتهى إلى رضاهم ، قال: هات الذي لنا.
قال: اجعلوا رجلي مكان رجله، وخلوا سبيله؛ حتى يبعث إليكم بفدائه.
فخلوا سبيل سهيل، وحبسوا مكرزاً عندهم، فقال مكرز: من الطويل:
فديتُ بأذوادٍ ثَمَانٍ سِبَا فَتى … يَنَالُ الصمِيمَ غُرمُهَا لاَ الموالِيَا
رَهَنتُ يَدِي والمالُ أَيْسَرُ من يَدِي … علي وَلَكِني خَشيتُ المخَازِيَا
وقلتُ سُهْيل خَيْرُنَا فاذهَبُوا بهِ … لأبنَائِنَا حتَى ندِيرَ الأَمَانِيَا) ( ).
ذكرت آية البحث موضوع القربان وأخبرت عن حال بعض الأمم بأن يأتيهم رسول من عند الله عز وجل فيقدم قرباناً كحيوان يأكل اللحم أو يقدمون نباتاً , فتنزل نار بيضاء من السماء فتأكله فيؤمنون برسالته.
وكان القربان والغنيمة لا يحلان لبني إسرائيل , أما إذا لم تأكل النار القربان فإنهم لا يصدقون بالذي يخبر بأنه رسول من الله عز وجل , ومن الإعجاز في المقام التسليم بأن نزول النار وأكلها القربان ليس من السحر , ولا يرمى الذي يفعله بأنه ساحر إنما يجري التسليم بأنه نبي , وهو من فضل الله عز وجل في فصل عامة الناس بين المعجزة والسحر , وأن النسبة بينهما التباين , إذ تتصف المعجزة بخصائص :
الأولى : المعجزة أمر خارق للعادة .
الثانية : إقتران المعجزة بالتحدي للناس .
ولقد انقطعت النبوة بإنتقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى فلو افترضنا مع وجود نبي كثرة ودقة العلوم والإختراعات فهل يأتي النبي بمعجزة أم يقوم العلماء باختراع مثلها بالعلم , يأتي النبي بمعجزات تعجز عنها الإختراعات .
فمثلاً كان النبي زكريا عليه السلام , يرى عند مريم عليها السلام فاكهة الصيف في الشتاء , ويرى فاكهة الشتاء في الصيف , قال تعالى [كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ] ( ) وكان هو كفيلها فسألها فأخبرته أنه آية من عند الله عز وجل .
ومثلاً ذات المعجزة الآن موجودة بين عموم الناس بالزراعة المغطاة , والنقل السريع بين الأمصار , إذ ينتقل الأفراد والبضائع والفواكه والثمار والخضروات الطازجة مئات الكيلومترات في ذات اليوم .
لقد كان نبي أي زمان يأتي بما يعجز أهله , ويجعلهم يدركون أنها فعل وأمر لا يقدر عليه إلا الله عز وجل .
الثالثة : سلامة المعجزة من المعارضة , فلا يستطيع أحد أو جماعة الإتيان بمثلها وإن إجتمعوا , وتجلى في معجزة عصا موسى عليه السلام عندما أقر السحرة بها وأعلنوا إسلامهم , وتجلى بآيات القرآن إعجازها العقلي , قال تعالى [قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا]( ).
واللام في [لَنُؤْمِنَ] :حرف جر ، ويكون تقدير الآية : أن لا نؤمن لرسول .
ترى ما المراد من الإيمان المقصود في الآية ، الجواب على وجوه :
الأول : ألا نؤمن لرسول في نبوته .
الثاني : ألا نؤمن لرسول فيها يأمر به ، وينهى عنه .
الثالث : ألا نؤمن لرسول يأتي من عند الله إلا أن يأتينا بقربان .
الرابع : ألا نؤمن لرسول يدعونا للتصديق برسالته .
الخامس : ألا نؤمن لرسول وإن جاء بالمعجزة التي تدل على صدق نبوته .
السادس : ألا نؤمن لك يا رسول الله إلا أن تأتينا بقربان تأكله النار .
السابع : ألا نؤمن لرسول مثلما آمنا برسل سابقين إلا أن يأتينا بقربان تأكله النار ، لذا جاء التبكيت والتوبيخ لهم على قتلهم الأنبياء .
وأيهما أشد عد الإيمان برسول أم قتل الرسل ، الجواب هو الثاني .
وآية القربان مركبة من وجوه :
الأولى : إعداد جماعة وتهيئة القربان .
الثانية : تهيئة مقدمات تقديم القربان .
الثالثة : وضع القربان في مكان مخصص ومنفرد بحيث يراه كل الذين حضروا المكان .
الرابعة : قيام الرسول بالدعاء لنزول نار من السماء .
الخامسة : نزول نار من السماء لتأكل القربان .
السادسة : مغادرة النار ، وعدم ترك أثر للقربان في الموضع .
وتكون هذه المعجزة شاهداً على صدق بعثة الرسول ، وهذا الشرط لم يوجه إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا بعد هجرته من مكة إلى المدينة ، وقد قضى في مكة ثلاث عشرة سنة تترى عليه الآيات .
وتجري على يديه معجزات حسية أخرى فيلزم الناس التدبر والتصديق بها ، كما أن شرط القربان لم يأت بعد الهجرة إلى المدينة مباشرة .
وتوالت معجزات أخرى للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد الهجرة ، ومنها نصره مع قلة أصحابه في معركة بدر على جيش قريش الكثير ذي الاسلحة والعدة والرواحل والخيول ، قال تعالى [كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ] ( ).
وهل لنصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين في معركة بدر موضوعية في لجوء بعض المعاندين والمتكبرين لمسألة اشتراط الآيات الخاصة ، الجواب نعم ، كما هو حال المنافقين ، إذ لم تكم هناك فئة منهم قبل معركة بدر ، ولكن لما اشتدت شوكة الإسلام وازداد عدد المسلمين وتجلت البراهين لجات هذه الفئة إلى التظاهر بالإسلام مع البقاء على الكفر في بواطنهم ، لتظهر معجزة أخرى للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهي فضح هؤلاء المنافقين ومنعهم من إظهار مكرهم وزجرهم عن الكيد ، وعن مناصرة الذين يسألون الآيات والبراهين ، قال تعالى [لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً] ( ) وهل يدخل المنافقون في عمومات قوله تعالى [فَإِنْ كَذَّبُوكَ]الوارد في الآية التالية بقوله تعالى [فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ] ( ) أم أن الآية التالية خاصة بالذين اشترطوا معجزة القربان الخاصة المذكورة في آية البحث ، المختار هو الأول إلا أن يراد مخصص .
فنزلت آية البحث في ذم طائفة من الناس سألوا معجزة نار القربان ، وتضمنت توبيخهم والإخبار عن معجزات متعددة للأنبياء ، وتفضل الله بالرد عليهم وتلقين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مضمون الإحتجاج عليهم ، ليكون فيه إنذار للمنافقين والمنافقات ،وزجر لهم عن تحريض الناس عن سؤال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بمعجزات خاصة بهم ، فهذا التحريض من المنكر الذي أخبرت عن كونهم يأمرون به ، وبيان أن آيات القرآن تضيق هذا المنكر ، وتمنع من اتساعه ، قال تعالى [الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمْ الْفَاسِقُونَ] ( ) .
إن مجئ قولهم بصيغة المضارع [حَتَّى يَأْتِيَنَا] يدل بالدلالة التضمنية على علمهم ببعثة رسول من الله في آخر الزمان ، وتدل الروايات على أن أهل الكتاب واهل مكة كانوا يتطلعون إلى بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويعلمون أنه حان أوانها بعلامات كونية وأمارات متوارثة وتجلي مقدمات ظاهرة جلية .
(أبي سفيان قال : كنا بغزة أو بإيلياء فقال لي أمية بن أبي الصلت: يا أبا سفيان أيه عن عتبة بن ربيعة ؟ قلت: إيه عن عتبة بن ربيعة.
قال: كريم الطرفين ويجتنب المحارم والمظالم ؟ قلت: نعم وشريف مسن.
قال: السن أزرى به.
قلت: كذبت بل ما ازداد سنا إلا ازداد شرفا.
قال: لا تعجل علي حتى أخبرك.
فقال: إني أجد في كتبي نبيا يبعث من حرتنا هذه فكنت أظن أني هو، فلما دارست أهل العلم إذا هو من بني عبد مناف، فنظرت في بني عبد مناف فلم أجد أحدا يصلح لهذا الأمر غير عتبة بن ربيعة، فلما أخبرتني بسنه عرفت أنه ليس به حين جاوز الأربعين ولم يوح إليه.
قال أبو سفيان: فرجعت وقد أوحى الله إلى وسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فخرجت في ركب في تجارة فمررت بأمية فقلت له كالمستهزئ به: خرج النبي الذي كنت تنعته.
قال: أما إنه حق فاتبعه وكأني بك يا أبا سفيان إن خالفته ربطت كما يربط الجدي حتى يؤتى بك فيحكم فيك.
وروى ابن عساكر عن عبد الرحمن بن عوف قال: سافرت إلى اليمن قبل مبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم بسنة، فنزلت على عثكلان بن عواكن الحميري، وكان شيخا كبيرا وكنت لا أزال إذا قدمت اليمن أنزل عليه فيسألني عن مكة وعن الكعبة وزمزم يقول: هل ظهر فيكم رجل له نبه له ذكر ؟ هل خالف أحد منكم عليكم في دينكم ؟ فأقول: لا.
حتى قدمت القدمة التي بعث فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فوافيته قد ضعف وثقل سمعه فنزلت عليه فاجتمع عليه ولده وولد ولده فأخبروه بمكاني فشدت عصابة على عينيه أسند فقعد فقال لي: انتسب يا أخا قريش.
فقلت: أنا عبد الرحمن بن عوف بن عبد عدي بن الحارث بن زهرة.
قال: حسبك يا أخا زهرة ألا أبشرك ببشارة هي خير لك من التجارة ؟ قلت: بلى.
قال: أنبئك بالمعجبة وأبشرك بالمرغبة، إن الله تعالى بعث في الشهر الأول من قومك نبيا ارتضاه صفيا وأنزل عليه كتابا وجعل له ثوابا، ينهى عن الأصنام ويدعو إلى الإسلام يأمر بالحق ويفعله وينهى عن الباطل ويبطله فقلت: ممن هو ؟ قال: لا من الأزد ولا ثمالة، ولا من سرو ولا تبالة، هو من بني هاشم وأنتم أخواله، يا عبد الرحمن أحسن الوقعة وعجل الرجعة ثم امض وآزره وصدقه
واحمل إليه هذه الأبيات:
أشهد بالله ذي المعالي وفالق الليل والصباح
إنك في السر من قريش يا ابن المفدى من الذباح
أرسلت تدعو إلى يقين يرشد للحق والفلاح
أشهد بالله رب موسى أنك أرسلت بالبطاح
فكن شفيعي إلى مليك يدعو البرايا إلى النجاح
قال عبد الرحمن: فحفظت الأبيات وأسرعت في تقضي حوائجي وانصرفت فقدمت
مكة فلقيت أبا بكر فأخبرته الخبر فقال: هذا محمد بن عبد الله قد بعثه الله رسولا إلى خلقه.
فأتيته في نفر في بيت خديجة فلما رآني ضحك وقال: أرى وجها خليقا أجو خيرا ما وراءك ؟ قلت: وما ذاك يا محمد ؟ قال: حملت إلي وديعة أم أرسلك مرسل إلى برسالة هاتها.
فأخبرته وأسلمت فقال: أما إن أخي حمير من خواص المسلمين ثم قال: (رب مؤمن بي ولم يرني ومصدق بي وما شاهدني أولئك إخواني حقا).) ( ).
قانون القربان
القربان : الوسيلة التي يتقرب بها , والبلغة , من القرب وهو ضد البعد .
ويقال (هذا قُرْبانٌ من قَرابينِ الملك أي وزير، هكذا يجمعون بالنون، وهو في القياس خلف، وهم الذين يستنفع بهم إلى الملوك) ( ).
(قال الأعشى:
كأنّك لم تشهد قرابينَ جَمَّةً … تَعيث ضِباع فيهمُ وعَواسلُ
وقُراب كل شيء: ما قارب الامتلاءَ.
وفي الحديث : يقول الله تعالى : لو أتاني ابنُ آدم بقُراب الأرض خطايا تلقَّيتُه بقرابها مَغْفِرَةً ما لم يُشرك بي شيئاً)( ).
والقربان في الإصطلاح ما تقرب به إلى الله عزوجل من النسك والعبادة , وقد ورد ذكر القربان في ثلاثة مواضع من القرآن .
الأول : آية البحث .
الثاني : قربان ولدي آدم , قال تعالى [وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ]( ).
الثالث : قوله تعالى [فَلَوْلاَ نَصَرَهُمْ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ] ( ).
لقد إتخذت طوائف من المشركين أصناماً آلهة من دون الله عز وجل وأوثاناً يظنون أنها تقربهم إلى الله عز وجل , زلفى , قال تعالى [أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ]( ) أو يقولون [وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ]( ).
فجاء القرآن بإبطال قولهم , وفيه إرتقاء للناس في المعارف الإلهية , لما تبعثه هذه الآيات من النفرة في النفوس عن الشرك والضلالة .
ومن منافعه , جعل الناس يمتنعون عن نصرة مشركي قريش في تعديهم وتجهيزهم الجيوش لمحاربة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
والقربان وزن فُعلان بضم الفاء وهو مصاحب للملل .
وقال بولس الرسول (ان المسيح يسوع جاء الى العالم ليخلص الخطاة الذين اولهم انا.
لكنني لهذا رحمت ليظهر يسوع المسيح في انا اولاً كل اناة مثالا للعتيدين ان يؤمنوا به للحياة الابدية) ( ).
وجاء الأنبياء والرسل ببيان قانون وهو أن الإنسان كائن مكلف ويقف بين يدي الله عز وجل للحساب يوم الحساب , لتحضر معه أقواله وأعماله وهو من مصاديق الآية السابقة [وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ]( ) .
وبعث الله عز وجل خاتم النبيين محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بالقرآن لتبقى آياته وسوره دستوراً للحياة اليومية .
وكانت سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرآة لهذه الآيات , إذ كان يقف بين يدي الله عز وجل للصلاة ويأمر المسلمين والمسلمات بالصلاة , وقال (صلوا كما رآيتموني أصلي)( ).
ومن معانيه أن النبي لا يتحمل عن أي مسلم التكاليف العبادية من الصلاة والصيام والزكاة والخمس والحج , وهو لا يتعارض مع قانون الشفاعة .
وفيه منع للغلو بشخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونهي عن الإتكال على الشفاعة مطلقاً وعلى شفاعته خاصةً وإن كانت هذه الشفاعة حق وصدق , وعنه صلى الله عليه وآله وسلم (إني ادخرت دعوتي شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) ( ).
فمن إعجاز القرآن الغيري إصلاح آياته للمجتمعات وعقائد الناس , وقبض أيديهم عن محاربة الإسلام إلى يوم القيامة , والمنع من الإرهاب والقتل العشوائي , وتجلى هذا الإعجاز بعزوف الناس عن طاعة رؤساء الكفر من قريش في تحريضهم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم , وسعيهم لجمع الجيوش لقتاله , مع أنهم كانوا ينفقون الأموال الطائلة في هذا السبيل .
فقد رزقهم الله عز وجل الإستحواذ على التجارة بين مدن وبلدان متعددة , ولايقدر غيرهم على مزاولتها , فحينما يريد قيصر بضاعة من الشرق كالعطور والطيب من الهند , أو الحرير من الصين فإنه لايقدر على جلبها مباشرة للحرب القائمة بين الدولة الرومانية والفارسية , فتأتي التجارات وتنقل في السفن عبر اليمن أو ميناء جدة , فتتولى قريش نقلها .
ولا يستطيع تجار الروم أو فارس قطع الصحراء بين اليمن ومكة والشام لما يستلزمه من الصبر وركوب الإبل وطول المدة , واحتمال إصابتهم بالعطش أو الهلاك بالتيه في الصحراء والبراري , وحتى لو استطاعوا قطعها فإنهم يتعرضون للنهب والسلب من الأعراب , وربما ساعدهم ذات الدليل الذي يكون مع التجارة , فتراه مع القافلة في النهار , ويسعى في نهبها في الليل , أما قريش فهم أولياء الحرم وذرية إبراهيم , ولهم شأن عند عموم قبائل العرب , وتوارثوا الصلات الطيبة معها , ويبذلون الأموال , ويقدمون القروض , وكانوا يبالغون في إكرام رؤساء ووجهاء القبائل حينما يأتون إلى مكة للعمرة أو الحج , وهذه المعاني مجتمعة ومتفرقة من مصاديق قوله تعالى [لِإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ] ( ) والقرابين عند الناس على أقسام .
الأول : الأنعام التي تحرق ولا تأكل .
الثاني : قرابين التوبة من فعل مخصوص , بظن أن القرابين تكفر الخطايا وتكون في الغالب للكنهة .
الثالث : قرابين التوسل والتقرب إلى الله عز وجل , ورجاء السلامة .
لقد قالت بعض الملل السابقة بأن القربان يدفع الموت لأنه عوض عن نفس الإنسان .
وفي التوراة (لأن نفس الجسد هي في الدم فانا اعطيتكم اياه على المذبح للتكفير عن نفوسكم لان الدم يكفر عن النفس)( ) .
وفي إنجيل متي بخصوص السيد المسيح وولادته (فستلد ابنا و تدعو اسمه يسوع لانه يخلص شعبه من خطاياهم) ( ).
ومن الأمم الوثنية ما كانت تقدم إلى جانب الحيوان الإنسان قرباناً لبعض الآلهة , وهو من الفساد وسفك الدماء الذي احتجت الملائكة عليه في خلافة الإنسان , كما ورد في التنزيل [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ).
إذ يجمع هذا الفعل بين الفساد وسفك الدماء بغير حق , مما يدل على حاجة أهل الأرض إلى النبوة والتنزيل وسلامته من التحريف مع الإستعداد للدفاع , و(قال محمد بن إسحاق : كان عند هبل في الكعبة سبعة قداح ، كل قدح منها فيه كتاب ، قدح فيه العقل ، إذا اختلفوا في العقل من يحمله منهم ضربوا بالقداح السبعة عليهم ، فإن خرج العقل فعلى من خرج حمله ، وقدح فيه نعم للأمر إذا أرادوه ، يضرب به في القداح ، فإن خرج قدح فيه نعم عملوا به ، وقدح فيه لا ، فإذا أرادوا الأمر ضربوا به في القداح ، فإذا خرج ذلك القدح لم يفعلوا ذلك الأمر ، وقدح فيه منكم ، وقدح فيه ملصق ، وقدح فيه من غيركم ، وقدح فيه المياه ، فإذا أرادوا أن يحفروا للماء ضربوا بالقداح وفيها ذلك القدح ، فحيثما خرج به عملوا به .
وكانوا إذا أرادوا أن يختنوا غلاما ، أو ينكحوا منكحا ، أو يدفنوا ميتا ، أو شكوا في نسب أحدهم ، ذهبوا به إلى هبل وبمائة درهم وجزور ، فأعطوها صاحب القداح الذي يضرب بها ، ثم قربوا صاحبهم الذي يريدون به ما يريدون .
ثم قالوا : يا إلهنا هذا فلان أردنا به كذا وكذا فأخرج الحق فيه ، ثم يقولون لصاحب القداح : اضرب ، فإن خرج عليه منكم كان منهم وسيطا ، وإن خرج عليه من غيركم كان حليفا ، وإن خرج عليه ملصق كان ملصقا على منزلته فيهم لا نسب له ولا حلف ، وإن خرج عليه شيء مما سوى هذا مما يعملون به نعم عملوا به ، وإن خرج لا , أخروه عامه ذلك حتى يأتوا به مرة أخرى ، ينتهون في أمرهم ذلك إلى ما خرجت به القداح ، وبذلك فعل عبد المطلب بابنه حين أراد أن يذبحه .
وقال محمد بن إسحاق : كان هبل من خرز العقيق على صورة إنسان ، وكانت يده اليمنى مكسورة ، فأدركته قريش ، فجعلت له يدا من ذهب ، وكان له خزانة للقربان ، وكانت له سبعة قداح يضرب بها على الميت والعذرة والنكاح ، وكان قربانه مائة بعير ، وكان له حاجب ، وكانوا إذا جاءوا هبل بالقربان ضربوا بالقداح .
وقالوا : إنا اختلفنا فهب السراحا ثلاثة يا هبل فصاحا الميت والعذرة والنكاحا والبرء في المرضى والصحاحا إن لم تقله فمر القداحا) ( ) لأن الكفار توارثوا عبادة الأوثان وتقديمهم القرابين زلفى لها .
ولم يبطل الإسلام القربان إنما أظهر الوجه الناصع والسليم له وإلى يوم القيامة من جهات :
الأولى : لا يصح القربان إلا لله عز وجل , فهو عنوان العبودية والذل والخضوع لله عز وجل .
الثانية : القربان نوع عبادة وطاعة إلى الله عز وجل .
الثالثة : قربان الخطيئة الإستغفار .
الرابعة : من القربان النسك في الحج , والكفارات المنصوصة , وقد وردت مادة الكفارة مرتين في آية واحدة وبخصوص الحلف واليمين , قال تعالى [لاَ يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]( ).
وقد تكون الكفارة عن قصور وارتكاب بعض تروك الإحرام في حج بيت الله عز وجل , قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ]( ).
ومن الإعجاز في الشريعة الإسلامية أن العفو عن الغير كفارة لذنوب الذي يعفو سواء كان هو المجني عليه , أو أنه ولي الدم , وفي قوله تعالى [وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ]( ).
ورد(عن رجل من الأنصار عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : في قوله { فمن تصدق به فهو كفارة له }( ).
قال : الرجل تكسر سنه ، أو تقطع يده ، أو يقطع الشيء ، أو يجرح في بدنه ، فيعفو عن ذلك ، فيحط عنه قدر خطاياه ، فإن كان ربع الدية فربع خطاياه ، وإن كان الثلث فثلث خطاياه ، وإن كانت الدية حطت عنه خطاياه كذلك.
وأخرج الديلمي عن ابن عمر قال , قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :{ فمن تصدق به فهو كفَّارة له }( ) الرجل تكسر سنه ، أو يجرح من جسده ، فيعفو عنه فيحط من خطاياه بقدر ما عفا من جسده ، إن كان نصف الدية فنصف خطاياه ، وإن كان ربع الدية فربع خطاياه ، وإن كان ثلث الدية فثلث خطاياه ، وإن كانت الدية كلها فخطاياه كلها) ( ).
وليس القربان الذي تأكله النار فلقد جاءت قصة ولدي آدم في القرآن وكيف أن قابيل قتل هابيل لسبب قبول قربان هابيل , وعدم قبول ما قدمه قابيل , ليبقى موضوع القربان خاصاً بالعبادات والتزلف إلى الله عز وجل بإتيان الواجبات والمستحبات .
و(عن عياض بن سليمان و كانت له صحبة, قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم , خيار أمتي فيما أنبأني الملأ الأعلى قوم يضحكون جهرا في سعة رحمة ربهم عز و جل و يبكون سرا من خوف شدة عذاب ربهم عز و جل يذكرون ربهم بالغداة و العشي في البيوت الطيبة المساجد , و يدعونه بألسنتهم رغبا و رهبا , و يسألونه بأيدهم خفضا و رفعا , و يقبلون بقلوبهم عودا و بدءا فمئونتهم على الناس خفيفة و على أنفسهم ثقيلة يدبون في الأرض حفاة على أقدامهم كدبيب النمل بلا مرح و لا بذخ , يمشون بالسكينة و يتقربون بالوسيلة , و يقرأون القرآن و يقربون القربان و يلبسون الخلقان , عليهم من الله تعالى شهود حاضرة و عين حافظة يتوسمون العباد و يتفكرون في البلاد أرواحهم في الدنيا و قلوبهم في الآخرة ليس لهم هم إلا امامهم , اعدوا الجهاز لقبورهم و الجواز لسبيلهم و الاستعداد لمقامهم ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم { ذلك لمن خاف مقامي و خاف و عيد( ))( ).
لقد خلق الله عز وجل الناس لإحياء ذكره في الأرض , وجعل الأرض مزدانة بالتسبيح والتهليل ويحب الله عز وجل من الناس أن يلجأوا إليه في حال اليسر والعسر , والسراء والضراء , قال تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( ).
ليكون كل ذكر لله عز وجل , وكل عبادة هي قربى وقربان .
ومن الإعجاز في السنة النبوية توجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخطاباته إلى الناس جميعاً .
(عن جابر بن عبد الله قال :خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
فقال : يا أيها الناس توبوا إلى الله قبل أن تموتوا ، وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا ، وصلوا الذي بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم له وكثرة الصدقة في السر والعلانية ، ترزقوا وتنصروا وتجبروا)( ).
وربما يكون الحاضرون اثناء خطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المسلمين فقط , ومع هذا قد يخاطبهم بالنداء : يا أيها الناس , فهل يقصد وجود منافقين بينهم , فخاطبهم بصيغة العموم , الجواب لا , ولكن هذا النداء فيه مسائل :
الأولى : مخاطبة المسلمين بصفة الإنسانية , وفي التنزيل [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ]( ).
الثانية : المقصود من اللام في (الناس) العهد وهم الناس الحاضرون اثناء الخطبة .
الثالثة : إرادة عموم الناس من أهل الملل المختلفة والأجيال المتعاقبة .
ولاتعارض بين هذه المسائل , ففيها الخاص وهو النصر , وعام وأن هذه الخطبة تبدأ بالأمر بالتوبة , والحث عليها , وهي حاجة لكل إنسان , وليس من شخص إلا وتلزمه المبادرة إلى التوبة والإنابة , قال تعالى [وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ]( ).
ويدعو النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المبادرة والمسارعة إلى فعل الخيرات , وعدم إرجائها أو حصول التسويف فيها .
وجاء القرآن بتعاهد الصلة بين العباد وبين الله عز وجل وتتقوم هذه الصلة بذكرهم لله عز وجل , والصدقة والإكثار منها فلم يكتف النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالأمر بالصدقة , إنما أمر بالإكثار منها أي بالإكثار منها في السر وخفية , وكذا بالإكثار من الصدقة في العلانية , ثم بيّن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفي ذات الخطبة والحديث منافع التوبة والذكر والصدقة بأنها بلغة وقربان ووسيلة للفوز بكل من:
الأول : الرزق الكريم .
الثاني : النصر والغلبة .
الثالث : الجبر والتدارك وتفضل الله عز وجل بالعوض لما فات .
والجبّار اسم من أسماء الله عز وجل أي أنه يجبر عباده على حكمه , ويحملهم على عبادته وذكره .
(والجبَّار من الملوك: العاتي.
وقيل كل عات جَبَّار، وجِبِّير.
وقلب جَبَّار: لا تدخله الرحمة.
ورجل جَبَّار: مسلَّط قاهر، قال الله عز وجل: (و ما أنت عليهم بجَبَّار)( ). أي مسلط تقهرهم على الإسلام)( ).
وفي الآية أعلاه دعوة لنبذ العنف , وإجتناب الإرهاب , وورد في عيسى عليه السلام [وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا]( ).
وفي يحيى ورد قوله تعالى [وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا]( ).
والمراد من (تُجبروا) أي يتفضل الله عز وجل عليكم بسد فقركم ورجوع التدارك ما فات , وما ضاع وفقتدموه .
(يقال : جَبَرَ اللهُ فلاناً فاجْتَبَرَ أي سَدَّ مَفاقِرَه قال عَمْرُو بن كُلْثُومٍ :
مَن عالَ مِنّا بعدَهَا فلا اجْتَبَرْ … ولا سَقَى الماءَ ولا راءَ الشجَرْ .
معنى عالَ : جارَ ومالَ) ( ).
و(عن كعب بن عجرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا كعب بن عجرة إنه لا يدخل الجنة لحم ودم نبتا على سحت , النار أولى به ، يا كعب بن عجرة الناس غاديان فغاد في فكاك نفسه فمعتقها ، وغاد موبقها .
يا كعب بن عجرة الصلاة قربان .
والصوم جنة ، والصدقة تطفىء الخطيئة كما يذهب الجليد على الصفا)( ).
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار القربان الذي به يتقرب به إلى الله عز وجل , وليس من حصر لضروب القربان , ولا يختص بالأغنياء فيشمل حتى الفقراء , وكل عبادة بدنية كانت أو مالية هي قربان وتزكية للنفس , لقد سأل جماعة النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم قرباناً تأكله النار , وقد جاء القرآن بالدفاع عن بيضة الإسلام والفداء دون النبوة والتنزيل قربة وقرباناً .
وهل تلاوة آية البحث قربان , الجواب نعم , فكل تلاوة هي قربان لأنها كلام الله عز وجل , ولما فيها من التدبر والهداية للعمل الصالح , والإحتراز من فعل السيئات .
وتبين آية البحث أن المعجزة أمر تعبدي يأتي من عند الله عز وجل بواسطة الأنبياء , لا ندري بعلته على نحو الخصوص .
تفسير[تَأْكُلُهُ النَّارُ]
من خصائص النار الإحراق بالطبع والماهية , وليس بالإختيار , كما يقال : النار تحرق والماء يسقي , والسيف يقطع , ولم تذكر الآية صفة الإحراق للنار إنما ذكرت صفة الأكل لبيان موضوعية مشيئة الله عز وجل بذات الفعل حتى لا يبقى للقربان أثر أو رماد , للتأكد من المعجزة وأن النار نازلة من السماء .
وعن أبي أبو هريرة : (سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : إن نبيا من الأنبياء قاتل أهل مدينة حتى إذا كاد أن يفتتحها ، خشي أن تغرب الشمس فقال لها: أيتها الشمس إنك مأمورة وأنا مأمور بحرمتي عليك ، إلا ركدت ساعة من النهار ، قال : فحبسها الله حتى افتتحها ، وكانوا إذا أصابوا الغنائم قربوها في القربان ، فجاءت النار ، فأكلتها ، فلما أصابوا ، وضعوا القربان ، فلم تجئ النار تأكله ، فقالوا : يا نبي الله ما لنا لا يقبل قرباننا ؟
قال : فيكم غلول قالوا : وكيف لنا أن نعلم من عنده الغلول؟
قال : وهم اثنا عشر سبطا قال : يبايعني رأس كل سبط منكم فبايعه رأس كل سبط قال : فلزقت كف النبي بكف رجل منهم فقال له : عندك الغلول فقال : كيف لي أن أعلم عند أي سبط هو ؟
قال : تدعو سبطك فتبايعهم ، رجلا رجلا ، قال : ففعل فلزقت كفه بكف رجل الغنائم ، فجاءت النار فأكلته ، فقال كعب : صدق الله ورسوله هكذا والله في كتاب الله يعني في التوراة ثم قال : يا أبا هريرة أحدثكم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أي نبي كان ؟
قال : لا . قال كعب : هو يوشع بن نون . قال : فحدثكم أي قرية هي؟
قال : لا . قال : هي مدينة أريحا) ( ).
ومن خصائص الأنبياء أن المشيئة في تعيين معجزاتهم لله عز وجل , نعم قد يستجيب الله عز وجل لبعض المسائل في باب المعجزة لطفاً ورحمة منه تعالى خاصة للمؤمنين , وفي الآية تذكير بنار الآخرة , وأنها تأكل جلود الذين كفروا وعملوا السيئات .
(رُوِي أن بعض الملوك زار قبر أبي يزيد البسطامي ، فقال : هل هنا أحد ممن أدرك الشيخ أبا يزيد البسطامي؟
فأتى بشيخ كبير ، فقال : أنت أدركته ، فقال : ما سمعتَه يقول؟
فقال : سمعتُه يقول : ( من رآني لا تأكله النار ) .
فقال الملك : هذا لم يكن للنبي عليه الصلاة والسلام ؛ فقد رآه كثير من الكفار فدخلوا النار ، فكيف يكون لغيره؟
فقال له الشيخ : يا هذا ، الكفار لم يروه صلى الله عليه وآله وسلم على أنه رسول الله ، وإنما رأوه على أنه محمد بن عبد الله ، فسكت . والله تعالى أعلم)( ) ولا أصل لهذا القول وموضوعه .
ولا دليل على أن الذي رآى النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لا تأكله النار , ولم يقل النبي صلى الله عليه وآله وسلم من رآني لا يدخل النار , إنما كان يكثر من تحذير أصحابه من النار , (وروى الحاكم عن أبي سعيد الخدري , قال شج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد فتلقاه أبي فلحس الدم عن وجهه بفمه وازدرده فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : {من سره أن ينظر الى رجل خالط دمه دمي فلينظر الى مالك بن سنان})( ) .
بالإضافة إلى التباين بين شخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورسالته , وبين الصالحين في زمانهم .
لقد علقوا ايمانهم على معجزة وهي نزول نار بيضاء من السماء لها دوي لتأكل القربان الذي يقربونه (قال السدي : إن الله تعالى أمر بني إسرائيل في التوراة : من جاءكم من أحد يزعم أنه رسول فلا تصدقوه حتى يأتيكم بقربان تأكله النار حتى يأتيكم المسيح ومحمد،
فإذا أتياكم فآمنوا بهما فإنهما يأتيان بغير قربان) ( ) ولم يثبت قول السدي هذا ، ولا دليل عليه ، وإنما تنفي آية البحث مثل هذا العهد والشرط .
ومن خصائص العهد تطاوله في أفراد الزمان وتوارث الأجيال له ، فقولهم [عهد الينا )أي بواسطة الأنبياء السابقين والكتب السماوية ، ومن وظائف خاتم الأنبياءأمور :
الأول : تصديق وتأكيد ما جاء به الأنبياء السابقون .
الثاني : نفي التزاحم والتعارض عما جاء به الأنبياء السابقون والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : تبليغ الرسالة للناس جميعاً .
الرابع : الدفاع عن كلمة التوحيد .
قانون بطلان شرط القربان
وردت كلمة القربان في آية البحث , وكيف أن طائفة من الناس سألته , فجعلته جزء علة لإيمانهم بالتصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم , أما الجزء الثاني من هذه العلة فهو نار بيضاء لها دوي فتنزل من السماء , وشرط النزول هذا , وكذا لون النار بيضاء لتأكيد أنها ليست سحرا , فتأكل القربان حتى إذا ما ارتفعت لم يعد أثر للقربان , وهذا الجزء وهو النار هو الأهم إذ كان معجزة لعدد من الانبياء , كما تدل عليه آية البحث.
وهل تدل الآية بالدلالة التضمنية على إقرارهم برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولكنهم علقوا التصديق بها واتباعه بقربان النار أم أنهم لم يقروا من الأصل بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم , الجواب من جهات :
الأولى : مثل هذه المسألة لابد من الرجوع فيها إلى آيات القرآن الأخرى أيضاَ بلحاظ أن القرآن يفسر بعضه بعضاَ , وهل هناك آيات تتعلق بحال جماعة القربان هؤلاء.
الثانية : موضوعية وأسباب نزول ذات آية البحث وآيات القرآن الخاصة بالمقام .
وتدل أسباب نزول آية البحث على أنهم لم يؤمنوا أو يصدقوا بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالثة : إستحضار السنة النبوية القولية والفعلية وأخبارها .
الرابعة : ما ترتب على آية البحث من الأثر بعد نزول آية البحث , فلا بد أن شطرا من أهل القربان قد دخلوا الإسلام , كما انتفع كثير من الناس من آية البحث من جهات :
الأولى : الإعراض عن الذين يشترطون لإيمانهم شروطاَ .
الثانية : إجتناب وضع الشروط وطلب المعجزات على النبي .
الثالثة : إتخاذ آية البحث وثيقة سماوية وحجة لنصر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابعة : الإكتفاء بالمعجزات التي جاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودخول الإسلام .
ليكون من معاني قوله تعالى [وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا]( ).
وهذا النصر أعم من ان يختص بميدان القتال وساحة المعركة إذ يكون واقية من القتال ودفعاً له , ليكون من وجوه تقدير الآية أعلاه :
الأول : وينصرك الله عز وجل بدفع القتال من الأصل .
الثاني : وينصرك الله عز وجل بآيات القرآن .
الثالث : وينصرك الله عز وجل بالحجة والبرهان , وهذه الحجة وسيلة لجذب الناس للإيمان , وإبطال الدعاوى التي أصل لها .
الرابع : وينصرك الله عز وجل بصيرورة الحجة والبرهان أكثر نفعاَ من السيف .
الخامس : وينصرك الله عز وجل فيكف عنك وعن المؤمنين أيدي الكفار .
ومن الإعجاز في الآية أعلاه أنها وردت معطوفة على الفتح بقوله تعالى [إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا* وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا]( ).
لقد مضى على قربان النار الذي ذكروه أكثر ستمائة سنة ومن المدة التي كانت بين عيسى والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولم يذكر أن عيسى عليه السلام جاء بقربان النار , بل جاء بما هو أعظم وفيه فائدة للناس , وكذا الذي جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مما يدل على أن الذين جاءوا به مضى عليه أكثر من ستمائة سنة , ومع هذا فإن القر آن لم يصف هذه المعجزة , ولم ينكرها , إنما شهد أنها صدق وحق , وهو دليل على أن القرآن نازل من عند الله عز وجل .
لقد جعل الله عز وجل أيام الحياة الدنيا دار المعجزات , وكل معجزة صدقة وهبة من عند الله عز وجل للانبياء والناس جميعاَ , ومن كرم الله عز وجل أنه إذا أنزل معجزة إلى الأرض فإنها لا تغادر الدنيا ولا تفارقها , فأراد الله عز وجل بآية البحث تثبيت حقيقة معجزة عدد من الرسل بنزول قطعة من النار تنزل فتأكل ما يقدمون من قربان , فيصدقون برسالته , وهي آية يعجز عنها السحرة وإن إجتمعوا , كما لم يصل إليها العلم الحديث مع إرتقائه في هذا الزمان , فحتى على فرض نزول نار بالعلم فلابد أن يكون لها أصل من الأرض فترتفع ذات النار أو المركبة التي تحملها أو أصلها ثم تثب على القربان على نحو التعيين , وحتى لو حرقته فإنها تبقي له أثراَ من رماد ونحوه .
إما المعجزة المذكورة فهي نار بيضاء تتكون في السماء ثم تهبط على القربان والناس من حوله فلا تحرق ثياب أحدهم , وهو من حقائق المعجزة فهي رحمة عامة للناس , فذكرها القرآن لتبقى شاهداَ على صدق رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , ومن إعجاز القرآن في المقام أمور :
الأول : التوثيق السماوي لمعجزة نار القربان .
الثاني : مجئ كل رسول بمعجزة خاصة به ملائمة لأحوال الزمان .
الثالث : كفاية معجزة القرآن لهداية الناس .
الرابع : مجئ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بمعجزات حسية متعددة .
الخامس : دخول الناس الإسلام جماعات وأفواجا , ولآية البحث موضوعية في إزاحة الشك عن النفوس بخصوص رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
قال تعالى [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا]( ).

علم المناسبة
وردت كلمة القربان ثلاث مرات في القرآن , وفيه شاهد على أن الناس ستتخذ القربان وسيلة وزلفى , ولبيان قانون وهو أن القربان لا يصح إلا لله عز وجل , لبيان أمور :
الأول : قانون مصاحبة القربان لوجود الإنسان في الأرض .
الثاني : من إعجاز القرآن إخباره عن القربان المتعدد لولدي آدم الصلبيين هابيل وقابيل , قال تعالى [وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ]( ).
الثالث : عدم صحة القربان إلا لله عز وجل , وتقدير الآية أعلاه : إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا إلى الله .
الرابع: قانون قبول الله عز وجل قربان المتقين .
لقد بينت الآية أعلاه أن الله عز وجل لا يضيع قرباناَ يقدم إليه بلباس التقوى والخشية من الله عز وجل , وفيه تنمية لملكة التقوى عند الناس , وإتخاذ الإسلام طريقاَ للخشية من الله عز وجل بإتيان الطاعات وإجتناب السيئات .
وكأن موضوع القربان سبب لوقوع أول قتل في الأرض , إذ قَتل الذي لم يتقبل الله عز وجل قربانه وهو قابيل بقتل أخيه هابيل الذي تقبل الله عز وجل قربانه .
وهل فيه تحذير من وقوع الخلاف في القربان الجواب , نعم , وكأن في هذه الواقعة إنذارا للذين يقفون عند مسألة أكل النار للقربان كسبب لإمتناعهم من دخول الإسلام , وهو من الإعجاز في البشارة بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم , ومقدمات هذه البعثة من أيام أبينا آدم عليه السلام , الذي كان يخبر أبناءه عن هذه النبوة وهو أول من بشّر بها .
ومن دعاء إبراهيم عليه السلام في التنزيل [رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ]( ).
لقد كانت البشارات والكتب السماوية السابقة برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سبباَ لدخول طائفة من الناس الإسلام .
قال (قال ابن إسحاق : وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن رجال من قومه قالوا : إن مما دعانا إلى الإسلام مع رحمة الله تعالى وهداه لنا لما كنا نسمع من رجال يهود وكنا أهل شرك أصحاب أوثان وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس لنا وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا :
إنه قد تقارب زمان نبي يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم فكنا كثيرا ما نسمع ذلك منهم
فلما بعث الله رسوله صلى الله عليه وآله و سلم أجبناه حين دعانا إلى الله تعالى وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به فبادرناهم إليه فآمنا به وكفروا به)( ).
وورد القربان في قوله تعالى [وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنْ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * فَلَوْلاَ نَصَرَهُمْ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ]( ).
لقد كانوا يتوسلون بالأصنام , ويخافون من بطشها ثم يقومون بتقديمها قربانا إلى الله عز وجل , كما لو كان بعضهم يعبد صنماَ ثم يجعل هذا الصنم قرباناَ إلى الله عز وجل في ضلالة ووهم منهم , [بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ]( ).
أي عندما حل بهم العذاب والهلاك غابت عنهم تلك الآلهة ولم تنصرهم ولم تنفعهم لأن التقرب بها جهالة وافتراء على الله عز وجل فهو سبحانه لا يرض بعبادة غيره ولا يتقرب له بالأصنام , وقد نهى عن الشرك , وتبين الآية أعلاه قانوناَ وهو أن رحمة الله عز وجل تسبق غضبه , وأنه تعالى يقرب الناس للتوبة بما فيهم أهل الضلالة والفسوق , لقوله تعالى [وَصَرَّفْنَا الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ]( ).
ومن معاني الآية أعلاه , تجلي رحمة الله بعثة الأنبياء بالإنذار ومجئ الآية أعلاه التي تتضمن النهي عن كل من :
الأول : إتخاذ الأصنام والأوثان آلهة , والزجر عن التقرب إليها , وبها.
الثاني : عبادة الأوثان .
الثالث : التزلف بالأصنام إلى الله عز وجل .
الرابع : النهي عن مفاهيم الضلالة , وعن إتخاذ الشريك لله عز وجل , قال تعالى [إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا]( ).
و(عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : تعرض أعمال بني آدم بين يدي الله عز وجل يوم القيامة في صحف مختتمة ، فيقول الله : ألقوا هذا واقبلوا هذا . فتقول الملائكة : يا رب ، والله ما رأينا منه إلا خيراً .
فيقول : إن عمله كان لغير وجهي ولا أقبل اليوم من العمل إلا ما أريد به وجهي)( ).
كما جاءت الأحاديث بالنهي عن الرياء , وبطلان العمل معه ليكون من باب الأولوية بطلان إتخاذ القربان إلى الأوثان كما أن إتخاذها قرباناَ شاهد على أنها ليست آلهة , ولا تقدر الرفع عن نفسها أو عن غيرها .
ومن قبل قام إبراهيم عليه السلام بكسر الأوثان التي كان يتقرب إليها قومه , ليكون موعظة للناس , وسبباَ لإمتناع الناس من عبادة الأوثان .
وحينما كسّر الأصنام , ورد في قوله تعالى [قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ]( ) لبيان مسألة وهي إقرارهم على أنفسهم بإتخاذ الأصنام آلهة.
ولم يترك الناس بعد هذه الموعظة وشأنهم , فقد أمر الله إبراهيم عليه السلام بنقل إسماعيل عليه السلام وأمه هاجر إلى موضع البيت الحرام , وفي التنزيل [رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ]( ).
فقد ذكر إبراهيم اسم البيت الحرام وموضعه مع أنه لم يبنه بعد ولم يرفع القواعد منه , مما يدل على ان قواعده موجودة قبل إبراهيم .
لقد أراد الله عز وجل من قيام إبراهيم ببناء البيت دعوة الناس للحج والإتعاض من قصة إبراهيم نفسه وجهاده في محاربة الأصنام من أجل أن يجتنب عبادة الأوثان , وليكون هذا الإجتناب مقدمة للتصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم , ولكن الناس مع تقادم الأيام عادوا لعبادة الأوثان وجاءوا بالأصنام فنصبوها بالبيت الحرام , بإذن وإشراف من قبل قريش الذين هم من ذرية إبراهيم عليه السلام , وهو من أسباب القتال والحروب بين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمشركين , أي أنهم يتحملون وزر هذه المعارك لانهم اختاروا عبادة الأوثان على دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للتوحيد.
وجاء ذكر القربان في آية البحث لبيان عدم الملازمة بينه وبين النبوة فعلى الناس أن يقبلوا بمعجزات الأنبياء التي يصلحهم الله عز وجل لها , ويجعلها وسيلة لهداية الناس والقبول بما جاء به من التكاليف العبادية , وإذ كان هناك في زمان سابق من تعدى على الأنبياء وقتلهم , فهناك من يصدون عن بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وإن جاء لهم بالمعجزة التي سألوا , و(عن ابن مسعود قال : انشق القمر على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقالت قريش : هذا سحر ابن أبي كبشة ، فقالوا : انتظروا ما يأتيكم به السفار فإن محمداً لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم ، فجاء السفار فسألوهم فقالوا : نعم قد رأيناه فأنزل الله { اقتربت الساعة وانشق القمر }( ))( ).
أي أن قريشاَ انتظروا المسافرين تلك الليلة الذي يقدمون في النهار إلى مكة هل رآوا إنشقاق القمر في المواضع التي كانوا سألوهم (فما ورد أحد إلا أخبر بانشقاقه)( ).
بحث لغوي
لام البرزخ .
تحتمل اللام في [تَأْكُلُهُ النَّارُ] وجوهاً :
الأول : إرادة العهد , وأنها نار تنزل من السماء لخصوص القربان .
الثاني : نار تنزل من السماء للقربان وغيره .
فقد تنزل للبلاء والعذاب , وقد تنزل للقربان , وقد يصرف القربان شر العذاب بهذه النار , وتكون لام العهد على أقسام :
الأول : العهد الذكري وهي التي يتقدم للاسم المعرف بها ذكر في سياق الكلام , كما في قوله تعالى [فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلاً]( ) فالمراد من الرسول في الآية هو موسى عليه السلام , وفي لفظ (الفريضة) في قوله تعالى [وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا]( ).
الثاني : لام العهد الذهني , ويسمى العلمي , أي التي يتقدم للاسم المعرف بها علم , قال تعالى [وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ]( ).
الثالث : العهد الحضوري : أي يكون الاسم الذي يعرف بالألف واللام حاضراً في ذاته وموضوعه , كما في قوله تعالى [قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنْ الْمَاءِ قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنْ الْمُغْرَقِينَ]( ).
ومنه قوله تعالى [وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا]( ) فالمراد القتال في معركة الخندق , وانصراف عشرة آلاف رجل من المشركين عن المدينة بعد حصارها لأكثر من عشرين ليلة .
كما تحتمل اللام أن تكون لام الجنس التي هي على أقسام أيضاً :
الأول : لام الحقيقة والماهية , وهي التي لا تأتي (كل) بدلاً عنها , ومنها قوله تعالى [وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ]( ).
فلا يصح القول (وجعلنا من كل ماء كل شئ حي) .
الثاني : لام الإستغراق وهي التي تشمل أفراد الجنس أو الموضوع أو الحكم , والضابطة فيها مجئ (كل) بدلاً عنها .
الثالث : لام الإستغراق للمجاز والمبالغة .
ويمكن القول هناك لام برزخ بين لام الجنس ولام العهد , فلا تختص بمعهود ذكري أو ذهني , ولا تستغرق كل أفراد الجنس , وهذا مبحث جديد نأسسه في هذا السفر , ومنه مثلاً في قوله تعالى [يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون] ( ).
فليس كل العباد يستهزئون بالرسل , وليس هم من العهد والفرد المعلوم .
وكما في قوله تعالى [وَقَتْلَهُمْ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ]( ) فاللام في الأنبياء لم تكن للعهد ولا للإستغراق إنما هي برزخ بينهما .
ليس هم انبياء معهودون , ولا يستغرق الاسم الأنبياء كلهم , فلا يمكن القول : وقتلهم كل الأنبياء .
تفسير قوله تعالى [قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ]
الآية من مصاديق قوله تعالى [ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ ما قَلى] ( ) فعندما اشترطت طائفة القربان الذي لابد أن تأكله النار بمرآى ومسمع من الناس ، لم يتركهم الله وشأنهم ، إنما أنزل الجواب والرد على شرطهم ، وهو معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن الله عز وجل يسمع ما يقوله الناس للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويجيب عليه بنفسه .
لتدل الآية بالدلالة التضمنية على أنه كان يدعو الناس للإيمان ، ويتلو عليهم القرآن ويبين لهم معجزاته ، ونزلت آية البحث في المدينة ، وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل الهجرة يطوف على القبائل في موسم الحج يدعوهم إلى الإسلام ، ومن لم يرض ويقبل دعوته يطلب منه أن يكتم أمره خشية بطش وافتراء قريش .
وكان يدعو الناس في موسم الحج على نحو الخصوص لأنها أشهر حرم إذ يجتمع الحجيج من القبائل والبلدات المختلفة في مكة شهري ذي القعدة وذي الحجة ، أما بعد الهجرة إلى المدينة فقد كان يقيم الصلاة في المسجد النبوي ويصطف خلفه أصحابه ، ويخرج من المسجد ويزور بعض وجهاء المدينة ويجلس معهم ويدعوهم إلى الإسلام ، ويقرأ عليهم القرآن ، فاشترط بعض رجالات أهل الكتاب الذين فيها لإتباعه وتصديقهم برسالته رؤية نار تأتي من السماء لتأكل قرباناً يقربونه ولا تبقي منه أثراً أو رماداً .
فجاء الجواب من عند الله عز وجل [قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ] ( ) .
وتحتمل جهة الخطاب في الآية وجوهاً :
الأول : إرادة خصوص الأشخاص الذين اشترطوا قربان النار ونار القربان .
الثاني : توجيه الخطاب لأهل الكتاب الذين في المدينة .
الثالث : إرادة غير المسلمين لمنع تقديم الشروط , ودعوتهم لعدم الإلتفات إلى مثل هذه الشروط أو الإنقياد لأربابها .
الرابع : المراد الناس جميعاً .
الخامس : منع المنافقين من الإرجاف في المدينة , وبث الاشاعات وأسباب الريب والفتنة , وفي التنزيل [وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ]( ).
السادس : زجر المشركين عن اتخاذ شرط نار القربان سبباً للتحريض على قتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
والمختار هو الأول مع إنتفاع الناس جميعاً من موضوع الخطاب ، لبيان قانون وهو أن النسبة بين صيغة الخطاب وموضوعه في القرآن هي العموم والخصوص المطلق ، فالموضوع أعم .
وأيهم أكثر انتفاعاً من هذا الإحتجاج المستقرأ من [قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ] ( ) الجواب ليس من حكم عام بخصوص الأكثر نفعاً فقد يكون المسلم أكثر نفعاً من غيره ، كما انتفع منه الناس وصار حجة وسبباً للتوبة والإنابة .
ولا يعلم منافع هذا الإحتجاج وكل أمر نازل من عند الله عز وجل إلى النبي [قُلْ] إلا الله عز وجل ، ومن الآيات في المقام أن هذه المنافع متجددة وفي كل عام ، وهل تشمل أبناء وذراري الذي اهتدوا بالأمر القرآني [قُلْ] أم أنه خاص بالذين انتفعوا منه ، الجواب هو الأول ، وهو من أسرار تمسك المسلمين بدينهم وحرمة الإرتداد .
ومن إعجاز القرآن شمول الخطاب الخاص للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لعموم المسلمين إلا ما خرج بالدليل مثل [يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ] ( ) .
ومنها قوله تعالى [مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا] ( ) والإستدلال في المقام في هذه الآية لأول مرة .
والخطاب في آية البحث موجه إلى النبي وبواسطته إلى الأمة ، وكذا لفظ [قل] في القرآن إلا ما دل على الدليل على الخلاف .
والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاتم الأنبياء لذا ذكرت الآية مجئ الرسل قبل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وليس من آية في القرآن تتضمن الإخبار أو الإشارة إلى نبي أو رسول من بعده ، وهو من إعجاز القرآن ، وقد وردت آية تخبر أنه خاتم الأنبياء ، قال تعالى [مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا] ( ) ونزلت الآية أعلاه عندما تزوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم زينب بنت جحش ، وقال بعضهم تزوج حليلة ابنه لأن زيد بن حارثة كان يسمى زيد بن محمد .
ولم يرد لفظ خاتم في القرآن إلا في الآية أعلاه وخاتم النبيين أي آخرهم .
ومنه من قرأ بكسر التاء أي أنه ختمهم وكالطابع الذي ختموا به .
وإن قيل أن عيسى عليه السلام ينزل في آخر الزمان ، والجواب إنما كان عيسى رسولاً قبل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو قد رفع إلى السماء ، قال تعالى [وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا] ( ).
(عن العرباض بن سارية قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إني عند الله في أم الكتاب لخاتم النبيين ، وإن آدم لمنجدل في طينته ، وسأنبئكم بأول ذلك دعوة أبي إبراهيم ، وبشارة عيسى بي ، ورؤيا أمي التي رأت ، وكذلك أمهات النبيين يَرَيْن) ( ).
(عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل ابتنى داراً فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة ، فكان من دخلها فنظر إليها قال : ما أحسنها! إلا موضع اللبنة ، فأنا موضع اللبنة فختموا بي الأنبياء) ( ).
فجاء القرآن بالشواهد التي تدل على أن الأنبياء ختموا برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذا الختم معجزة بذاتها .
بينما يشترط نفر من الناس للإيمان برسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم نزول نار لتأكل قربان يقدمونه , وتنزل آية عقلية باقية إلى يوم القيامة وهي آية البحث تدعو الناس إلى الإيمان , وتبعث النفرة من الإشتراط على الأنبياء مع بيان مسألة وهي أن هذه الشروط على الأنبياء من أسباب التحريض على قتل بعضهم , وهو من أسرار جمع آية البحث بين شرط القربان وتوجيه اللوم والتوبيخ على قتل الأنبياء , ليكون من معاني آية البحث :
الأول : لا تتخذوامسألة الشرط على النبي سبباً للتحريض عليه .
الثاني : يا أيها الناس تلقوا معجزات النبوة بالتدبر .
الثالث : يا أيها الذين آمنوا كونوا على حذر وحيطة من كفار قريش .
ومن إعجاز آية البحث إخبارها عن قانون وهو مجئ الرسل السابقين بأمور :
الأول : قربان تأكله النار .
الثاني : البينات الباهرات .
الثالث : الدلالات الواضحات على صدق رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وكل واحد منهم جاء بالمعجزات , ومع هذا أقدم أفرادعلى قتلهم بما هم أنبياء , فيكون هذا القتل والجحود سبباً لغضب الله عز وجل عليهم .
ويحتمل قوله تعالى [قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ]( ) وجوهاً :
الأول : كل رسول جاء ببينة واضحة .
الثاني : شطر من الرسل جاء كل واحد منهم ببينة واحدة تدل على صدق نبوته , وشطر جاء كل واحد منهم ببينات متعددة .
الثالث : كل رسول جاء ببينات وبراهين متعددة تدل على أنه رسول من عند الله عز وجل .
الجواب هو الثالث , وهو من فضل الله عز وجل على الأنبياء , والناس جميعاً ولتأتي الحجة في آية البحث قاطعة , وهل يستطيع المخاطبون بهذه الآية استحضار البينات التي جاء بها الرسل خاصة وأنها تتضمن توبيخهم على قتلهم .
الجواب نعم , ومن وجوه وأسباب هذا الإستحضار ذكر القرآن لشطر من معجزات الأنبياء كما يأتي في قانون (معجزات الأنبياء في القرآن) إلى جانب المعجزات المذكورة في التوراة والإنجيل , وأخبار النبوة المتواترة والمتوارثة جيلاً عن جيل .
ويبعث اللوم القرآني على قتل الأنبياء النفرة في النفوس من القتل مطلقاً , ومن الإرهاب والرِهاب والتخويف للمؤمنين , وعامة الناس .
لقد احتج الملائكة على حدوث القتل في الأرض عندما أخبرهم الله عز وجل بأنه متخذ الإنسان خليفة في الأرض , قال تعالى [وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( ).
لتدل آية البحث على قانون وهو أن الملائكة ضجوا وتوسلوا بالله عز وجل لنجاة الأنبياء من القتل , فتفضل الله عز وجل وأجابهم [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ).
وهل سأل الملائكة نجاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من القتل بحسب الآية أعلاه وآيات أخرى , المختار نعم , فتفضل الله عز وجل وصرف عنهم عزم قريش على قتله , وحوادث الإغتيال المتكررة التي وقعت له .
وفي التنزيل [وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنْ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لاَ يَلْبَثُونَ خِلاَفَكَ إِلاَّ قَلِيلاً]( ).
و(عن ابن عباس في قوله { وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك }( ).
قال : تشاورت قريش ليلة بمكة فقال بعضهم : إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق يريدون النبي صلى الله عليه وآله وسلم , وقال بعضهم : بل اقتلوه ، وقال بعضهم : بل أخرجوه .
فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك ، فبات علي عليه السلام على فراش النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى لحق بالغار ، وبات المشركون يحرسون علياً عليه السلام يحسبونه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فلما أصبحوا ثاروا إليه ، فلما رأوه علياً عليه السلام رد الله مكرهم.
فقالوا : أين صاحبك هذا؟
قال : لا أدري . . . ! فاقتصوا أثره ، فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم فصعدوا في الجبل ، فرأوا على بابه نسج العنكبوت.
فقالوا : لو دخل هنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه ، فمكث فيه ثلاث ليال)( ).
وتتضمن آية البحث التنبيه والإنذار والوعيد :
وفي الآية تنبيه وتحذير لأهل البيت والصحابة بلزوم الذب عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمحافظة على شخصه الكريم , وهذه المحافظة حاجة للناس وأجيالهم المتعاقبة .
لأن القرآن لم ينزل دفعة واحدة إنما نزل على نحو التوالي والنجوم , ولم يتم نزوله إلا في الأيام الأخيرة من حياة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , فنزل قوله تعالى [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنْ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ]( ).
فإن قلت قد نزل القرآن بما يدل على عصمة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من كيد المشركين وإرادته القتل , [يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ]( ).
الجواب من أسباب العصمة نزول الآيات بما يبعث المسلمين على الإحتراز والتوقي , قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوْ انفِرُوا جَمِيعًا]( ) ويحتمل مجئ الرسل بالبينات وجوهاً :
الأول : كل رسول جاء ببينة تدل على صدق رسالته .
الثاني : التفصيل والتباين في الكلمة من جهة البينات والمعجزات , فمن الرسل من من جاء بمعجزة متحدة , ومنهم من جاء بمعجزات متعددة .
الثالث : كل رسول جاء بمعجزات وبينات متعددة .
والصحيح هو الأخير , وهو من فضل الله عز وجل على الناس , والحجة عليهم.
وتقدير آية البحث : وقد جاءكم كل رسول من قبلي بالبينات وتتكرر البينة الواحدة في مناسبتها وأوانها , كما في عصا موسى , إذ كان موسى عليه السلام يتخذها آية وبلغة وحجة , فكلما القاها تلقف وتأكل عصي سحرة فرعون , فقد ضرب بها البحر ليعبره بنو إسرائيل مشياً على أرض لم تر الشمس إلا مرة واحدة .
وضرب بها الحجر لتنفجر عيوناً من الماء , قال تعالى [وَإِذْ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ]( ), وفيه دلالة على النفع في كل ساعة وليس مثل آية القربان , إذ أنها بينة واحدة .
ومن معاني آية البحث التأكيد بأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم , جاء بالبينات أيضاً , فحينما أخبر القرآن عن كون الرسل جاءوا بالبينات فلابد أن يأتي الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم بمثلها .
ومن الإعجاز في المقام أنه جاء بالمعجزات الحسية والعقلية مجتمعة ومتفرقة , وكل آية قرآنية معجزة بذاتها , ومنها آية البحث من جهات :
الأولى :بلاغة الآية وتجلي نظم يفوق كلام البشر , وأشعار العرب مع أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم أمي لا يقرأ ويكتب .
الثانية : مضامين الآية القرآنية , قال تعالى [أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا]( ).
الثالثة : دلالة الآية القرآنية .
الرابع : أسباب وموضوع النزول , ويحتمل وجوهاً :
الأول : أكثر آيات القرآن لها سبب نزول .
الثاني : كل آية قرآنية لها سبب نزول .
الثالث : أكثر آيات القرآن ليس لها سبب نزول .
والمختار هو الأول , مع أن جملة من أسباب النزول لم توثق بالرواية والخبر , وأسباب وموضوع النزول من دلائل وصدق نزول القرآن من عند الله عز وجل .
الخامس : أثر نزول الآية القرآنية في النفوس والمجتمعات .
السادس : تجلي الإعجاز الذاتي والغيري للآية القرآنية , وفي التنزيل [إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا]( ).
فقد جاء الرسل بالمعجزات بما اشتهر به قومهم , واعتنوا به من العلوم أو الصنائع , ومع هذا قابل الرؤساء من قومهم الرسالة بالإعراض والجفاء والإنكار , ومنهم من حرض العامة على إيذاء النبي .
وتبين آية البحث حقيقة تأريخية وهي أن بعض الأنبياء قد قتلوا من قبل قومهم , وليس من قبل أعداء هجموا عليهم , ولم يميزوا بين النبي وغيره , إذ تخبر الآية عن مجئ الرسل لقومهم بقوله تعالى [قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ]( ) أي خالط القوم النبي الرسول واستمعوا إلى حجته , ورأوا الآيات التي تترى عليه , وقربوا قرباناً فسألوا الله عز وجل أن ينزل عليها ناراً لتأكله ومع هذا أقدم جماعة منهم على قتل الرسول .
نعم نزلت آيات قرآنية بالإخبار عن قيام عدد من الانبياء بالقتال دفاعاً عن التوحيد والشعائر , قال تعالى [وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ]( ).
وعلى فرض أن بعض الأنبياء قتلوا في ساحة المعركة فهل شملتهم آية البحث وأنهم من الذين قتلوا , الجواب نعم , وهو من الدلائل على أن الرسول يبعث للناس جميعاً , بالإضافة إلى مسألة وهي أن المخاطبين في آية البحث ليس هم باشخاصهم الذين قتلوا الأنبياء والرسل , لكنهم اتبعوا ذات النهج من التكذيب بالمعجزات , وسؤال الشروط الخاصة للتصديق بالرسالة , ومن الأنبياء الذين قتلوا يحيى وزكريا عليهما السلام .
و(روى مجاهد عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : بَابُ التَّوْبَةِ مَفْتُوحُ مِن قِبَلِ المَغْرِبِ ، فَالتَّوْبَةُ مَقْبَولَةٌ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثَةٍ : مِنْ إِبْلِيس رَأْسِ الكُفْرِ .
وَمِنْ قَابِيل قَاتِلِ هَابِيلَ .
وَمَنْ قَتَلَ نَبِيَّا لاَ تَوْبَةَ لَهُ .
فَإِذَا طَلَعَت الشَّمْسُ مِن ذَلِكَ البَابِ كَالعَكَرِ( ) الأَسْوَدِ لاَ نَورَ لَهَا حَتَّى تَتَوَسَّطَ السَّماءَ ثُمَّ تَرْجِعُ فِيُغْلَقُ البَابُ وَتُرَدُّ التَّوبَةُ فَلاَ يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُن ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيراً ، ثُمَّ تَرْجِعُ إِلَى مَشَارِقَهَا ، فَتَطْلُعُ بَعْدَ ذلِكَ عِشْرِينَ وَمِائَة سَنَة إِلاَّ أَنَّهَا سُنُونَ تَمُرُّ مَراً)( ).
وهل هذه البينات خاصة بالذين تخاطبهم الآية الجواب لا .
إنما هي ثروة وملك للناس جميعاً , وهي هبة من عند الله عز وجل , ومن مصاديق خلافة الإنسان في الأرض , فعندما احتج الملائكة على هذه الخلافة للفساد الذي ترتكبه طائفة من الناس , وللقتل وسفك الدماء بغير حق , جاء الجواب من عند الله عز وجل [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ) ومن علم الله عز وجل أمور :
الأول : نفخ الله عز وجل من روحه في آدم عليه السلام , وفي التنزيل [ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ]( ).
الثاني : خلق حواء في الجنة مع آدم لتكون المرأة سبباً للإنجاب واستدامة الخلافة , وعصمة وسلامة الناس من كثير من الفساد , ومنه الزنا والفحشاء , وصار عقد النكاح وما فيه من معاني الإختصاص والإنفراد واقية من القتل والإقتتال والمكر بسبب النساء , ولولا عقد النكاح لا يعلم أضرار كيد النساء في قوله تعالى [قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ]( ) إلا الله عز وجل .
الثالث : إقامة آدم وحواء برهة من الزمن في الجنة , والإختلاط بالملائكة فيها , والأكل من ثمارها .
الرابع : خداع إبليس لآدم وحواء واغوائهما بالأكل من الشجرة التي نهاههما الله عز وجل عنها , بقوله تعالى [وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ]( ) ليكون هذا الخداع مناسبة وسبباً لإحتراز آدم وحواء وذريتهما من إغواء إبليس عند هبوطهم إلى الأرض .
ومن الإعجاز في المقام نسبة علة أكل آدم وحواء من الشجرة إلى إبليس وأنه هو الذي أزلهما وغرر بهما , قال تعالى [فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ]( ).
واتخذ إبليس من إقامته في الجنة , ومصاحبته للملائكة وكأنه منها وسيلة لحمل آدم وحواء على التصديق بقوله , وهو أمر يحصل في الدنيا بأن يعد بعضهم الإنسان بمشروع ووعد حتى إذا ما سار في الطريق تبين له أنه سراب وكذب .
لتكون قصة الأكل من الشجرة درساً وموعظة لبني آدم جميعاً , وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ) في رد واحتجاج الله عز وجل على الملائكة بقوله تعالى [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ) عندما اشتكوا من فساد الإنسان في الأرض وسفكه الدماء , فمن علم الله عز وجل وحده أنه لا تستطيع الخلائق احصاء إنتفاع الناس من قصة إغواء إبليس لآدم وحواء بالأكل من الشجرة إلا هو سبحانه من جهات:
الأولى : تنزه الناس عن إغواء الغير .
الثانية : ميل الناس بالفطرة إلى النصيحة , وبها جاء الأنبياء , وليس من نبي إلا وقد نصح لقومه , وفي هود ورد قوله تعالى [وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ *قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنْ الْكَاذِبِينَ * قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ]( ).
وقام إبراهيم بنصح أبيه بلطف ورفق , وفي التنزيل [قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا* قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا]( ).
الثالثة : إنصات الناس للأنبياء والرسل فيما جاءوا به من عند الله عز وجل .
الرابعة : قهر النفس الشهوية والغضبية , قال تعالى [وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ]( ).
الخامسة : تلقي الناس لأخبار الأنبياء والكتب السماوية المنزلة بأن إبليس عدو لهم بالقبول والرضا .
ومما تركه آدم لأولاده وأحفاده من إغواء إبليس وفتنته , و(عن ابن عباس قال : بعث عيسى يحيى في اثني عشر رجلاً من الحواريين يعلمون الناس ، فكان ينهى عن نكاح بنت الأخ ، وكان ملك له بنت أخ تعجبه ، فأرادها وجعل يقضي لها كل يوم حاجة فقالت لها أمها : إذا سألك عن حاجتك ، فقولي : حاجتي أن تقتل يحيى بن زكريا فقال الملك : حاجتك . . . ؟
قالت حاجتي أن تقتل يحيى بن زكريا . فقال سلي غير هذا .
قالت : لا أسألك غير هذا . فلما أبت أمر به فذبح في طست ، فبدرت قطرة من دمه فلم تزل تغلي حتى بعث الله بختنصر ، فدلت عجوز عليه فألقى في نفسه أن لا يزال يَقتل حتى يسكن هذا الدم ، فقَتَل في يوم واحد ، من ضرب واحد ، وسن واحد ، سبعين ألفاً فسكن) ( ).
وكان قتل يحيى عليه السلام في دمشق و(عن قتادة . أن نوحاً بعث من الجزيرة ، وهوداً من أرض الشحر أرض مهرة ، وصالحاً من الحجر ، ولوطاً من سدوم ، وشعيباً من مدين ، ومات إبراهيم وآدم وإسحق ويوسف بأرض فلسطين ، وقتل يحيى بن زكريا بدمشق)( ).
والمراد من البينات في المقام وجوه :
الأول : الدلائل الواضحات .
الثاني : الآيات الفاصلة بين الحق والباطل .
الثالث : الحجج الظاهرة .
الرابع : الأمور القاهرة التي تدل على التوحيد والتصديق بالنبوة.
و( قل ) الوارد في آية البحث : فعل أمر وفيه أطراف :
الأول : الآمر وهو الله عز وجل .
الثاني : صيغة الأمر في الفعل , قال يقول قل .
الثالث : موضوع الأمر وهو الإحتجاج والرد على الذين وضعوا شرطاً لإسلامهم.
الرابع : المأمور , وهو النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وهل يختص الأمر بشخصه الكريم , الجواب لا , إنما يشمل المسلمين والمسلمات إلى يوم القيامة , وتقدير الآية (قولوا قد جاءكم رسل من قبلي الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم) وفيه دعوة لنبذ الإرهاب والإرهاب الموازي والمضاد , فكأن الآية الكريمة تخبر عن كفاية الرد بأمور:
الأول : قول نازل من عند الله عز وجل .
الثاني : التذكير بأحوال الأمم وحياة الأنبياء , والظلم الذي وقع عليهم.
الثالث : كفاية الرد القرآني على أصحاب الشروط .
الرابع : استقراء مسألة من آية البحث وهي عدم ترتب الضرر العام على هذا الشرط .
الخامس : كفاية الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين في الرد على الذين يجادلونهم في النبوة , ويثيرون أسباب الريب بين الناس , لتكون آية البحث من مصاديق قوله تعالى [أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ]( ).
ويحتمل الأمر في الآية من جهة أوان الإمتثال وجوهاَ :
الأول : إرادة الفورية وأن النبي محمداَ صلى الله عليه وآله وسلم يجب أن يخاطب الذين اشترطوا قربان النار .
الثاني : التراخي والإبطاء في الإمتثال .
الثالث : التخيير للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في أوان القول ومخاطبة الذين احتجوا بالقربان .
الرابع : إرادة وقت مناسب من الجدال والإحتجاج ليخبرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمضمون الآية .
الخامس : نزول الآية ذاته بتبليغ , فمن صفات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بخصوص التنزيل تلاوته للآية القرآنية حالما تنزل , وارساله على كتاب الوحي لكتابتها وتدوينها , فذات تلاوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم للآية تبليغ للذين احتجوا بآية القربان وللناس جميعاَ .
المختار هو الوجه الأول , ويكون الوجه الخامس أعلاه في طوله , ولا يتعارض معه .
وفي الآية دعوة للمسلمين للتفقه في الدين ومعرفة تأريخ النبوة والرسالات ، وأن تكذيب النبي عند بعثته وبعدها من سنخية شطر من الناس غلبت عليهم شقوتهم واستحوذت عليهم النفس الشهوية ولم يرضوا باجتماع أمور :
الأول : أتباع النبي ، وهو شخص مثلهم ، وفي التنزيل [فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ] ( ).
الثاني : أداء الفرائض العبادية من الصلاة والزكاة والصيام والحج والخمس .
الثالث : فقد الرياسات ، فمن خصائص الأنبياء مجيؤهم بالمساواة بين الناس في الحقوق والواجبات .
ومن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه الإمام في أداء الواجبات العبادية ، ومنها أيضاً تجلي هذه المعجزة كل يوم بوقوفه بين يدي الله عز وجل خاشعاً خاضعاً في الصلاة خمس مرات في اليوم ، ولم يأمر المسلمين بأكثر من الذي يؤدونه منها ، وهو من عمومات قوله صلى الله عليه وآله وسلم (صلوا كما رأيتموني أصلي) ( ).
ويحتمل قوله تعالى [مِنْ قَبْلِي]وجوهاً :
الأول : قبل ولادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أي أن النبي محمداً ولد وليس في الأرض نبي ، وولد النبي في مكة في شعب أبي طالب في شهر ربيع الأول من عام الفيل أي العام الذي هجم فيه أبرهة وجيوشه على مكة لإرادة هدم الكعبة الشريفة ، ونقل موسم حج العرب إلى اليمن لصرح وعمارة بناها أبرهة ، وتوافق ولادته شهر نيسان سنة (571)م وفي السنة الثالثة والخمسين قبل الهجرة .
وفيه شاهد بأن آية البحث نازلة من السماء وأن الله عز وجل وحده هو الذي يعلم أنه ليس من نبي في الأرض إلا النبي محمداً ، فان قلت قد وردت الآية بصيغة التنكير (رسل) ولم تقل (الرسل) .
والجواب جاء الإحتجاج عاماً , والقرآن يفسر بعضه بعضاً .
وفي خطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , قال الله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى] ( ) .
كما جاءت آية بالإخبار عن كون النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم [مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ] ( ).
الثاني : المراد من قوله تعالى [رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي] أي قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، إذ بعث الله عز وجل النبي محمداً وعمره أربعون سنة ، وفي شهر آب من السنة (610) م.
الثالث : إرادة الأنبياء السابقين للنبي بأحقاب وقرون .
والصحيح الأخير إذ كان آخر الأنبياء والرسل قبل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو عيسى عليه السلام , وبينه وبين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نحو (570) سنة , وبشّر بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولم يخرج شخص يدّعي النبوة من بعده , ويتبعه الناس .
وقيد (ويتبعه الناس) أعلاه لإحتمال خروج من إدعى النبوة ويفضح كذبه ولم يتبعه الناس .
إنما ذكرت آية البحث الرسل الذين جاءوا بالبينات والمعجزات لبيان وجوب تصديقهم , وعدم التعدي عليهم وقتلهم .
وذكرت الآية لفظ المجئ [قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ] ( ) مع أن الرسل كانوا موجودين بين ظهراني قومهم قبل البعثة , لبيان قانون وهو أن الرسول بعد البعثة غيره قبلها , فهو يأتي بالوحي والتنزيل والمعجزة التي تدل على صدق نبوته وكأن الرسل جاءوا من السماء .
وفيه دعوة للمسلمين والناس جميعاَ بالشكر لله عز وجل على بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وأنه جاء بحلة وعصمة الرسالة فعل الناس اتباعه , ومن مصاديق صدق رسالته أن زوجة خديجة بنت خويلد وابن عمه الإمام علي عليه السلام , قد آمنا به في اليوم الثاني لبعثة , وتحمّل بنو هاشم مؤمنهم وكافرهم أشد الأذى من قريش دون أن يحملوه على ترك التبليغ والدعوة إلى الله عز وجل من منازل النبوة والرسالة , وتلاوته القرآن وإخباره الناس القريب والبعيد بأنه كلام الله عز وجل الذي أوحى له بواسطة الملك جبريل , وفي التنزيل [نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ] ( ).
لقد تضمنت آية البحث التوبيخ للذين امتنعوا عن التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم من وجوه :
الأول : الذم على التكذيب بالرسل السابقين , وصحيح أنهم ليسوا في زمانهم , إنما تقدم الرسل قبل خلقهم بمئات السنين , ولكن المراد إتحاد السنخية في الحجة بالرسالات .
ويدل هذا الذم بالدلالة التضمنية على شهادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بصدق الرسل الذين جاءوا من قبله , قال تعالى [فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا] ( ).
الثاني : التوبيخ على عدم الإنتفاع من البينات والمعجزات الباهرات التي جاء بها الرسل , إذ تفيد آية البحث فضل الله عز وجل على الناس في أمور مجتمعة ومتفرقة .
أولاَ : مجئ الرسل للناس .
ثانياَ : كل رسول يأتي بالبينات والبراهين التي تدل على وجوب التوحيد وعبادة الله عز وجل , والتصديق بالرسول ومعالم الإعجاز والبشارات والإنذارات التي جاء بها , ومنها البشارة ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
فمن لم يصدق بالرسول عليه أن يصدق بالبينات والآيات الباهرات .
ثالثاً : تفضل الله عز وجل بكثرة الأنبياء والرسل الذين بعثهم إلى أهل الارض وعددهم مائة وأربعة وعشرون ألف نبي .
رابعاً : تذكير آية البحث ببعثة الأنبياء , وفوات الإنتفاع الأمثل منها , وجعل الناس في كل زمان يتسألون إذا لم تصدقوا بالرسل فاتركوهم ولا تقتلوهم .
ومثل هذا التساؤل ظهر بين رجالات قريش على نحو التلاوم , إذ ناشدهم عتبة بن ربيعة صبيحة يوم بدر قائلاَ (إن يك محمد كاذباً يكفيكموه ذؤبان العرب – ذؤبان العرب صعاليك العرب – وإن يك ملكاً أكلتم في ملك ابن أخيكم، وإن يك نبياً كنتم أسعد الناس به! يا قوم، لا تردوا نصيحتي، ولا تسفهوا رأيي! فحسده أبو جهل حين سمع خطبته وقال: إن يرجع الناس عن خطبة عتبة يكن سيد الجماعة وعتبة أنطق الناس، وأطولهم لساناً، وأجملهم جمالاً) ( ).
وتقدير الآية على جهات :
الأولى : قد جاءكم رسل من قبلي فلم قتلتموهم .
الثانية : قد جاءتكم بينات من قبلي فلم لم تصدقوها .
الثالثة : قد جاءتكم بينات من قبلي , وهي حاضرة بينكم فاظهروها وآمنوا بها .
الرابعة : البينات التي جئت بها إليكم مثل البينات التي كذبتم بها من قبل .
الثالث : التوبيخ على التناقض بين قولهم إن الله عز وجل عهد إلينا , وبين قتلهم الرسل , فلا يأتي العهد من الله عز وجل للأمر السابق إلا بواسطة الرسل , لذا تفضل الله عز وجل وجعل آدم نبياَ رسولاَ , وتقدير الآية : (إن الله عهد إلينا بواسطة رسله ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)
فكيف تقومون بقتل الذي جاء لكم بالعهد من عند الله عز وجل , أيعقل أن تقبلوا العهد منه وتقومون بقتله , إذ أن هذا القبول شاهد على إقراركم برسالته ونبوته , فإن قلت قد يكون الرسول الذي جاء بالعهد غير الذي قتلوه من الرسل .
فجاءت آية البحث بما يدفع هذه الشبهة من جهات :
الأولى : صيغة الجمع بالنسبة للرسل الذين قتلوا , فليس المقتول من الرسل واحداَ أو اثنين .
الثانية : وقوع القتل بمناجاة من القوم بدلالة صيغة الخطاب [فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ]( ) فقد يكون القاتل واحداَ ولكن المحرض متعدد كما أن الذين رضوا بالقتل كثرة , فلذا خاطبت الآية المعاصرين لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع أنهم لم يشهدوا هذا القتل , ولم يعينواعليه .
وهل يؤثمون على قتل اسلافهم الرسل لدلالة صيغة الخطاب في آية البحث , الجواب لا , للتباين الموضوعي والرتبي بين اللوم وبين ترتب الإثم على المعصية والذنب المنصوص , قال تعالى [وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى]( ).
بحث لغوي
وكلمة رسل : جمع رسول ووردت بصيغة تجمع بين التعيين في الصفة والتنكير في العدد , إذ تطلق صيغة الجمع على القليل والكثير سواء في صفة أو نوع أو صنعة وغيرها , مثل : زهاد , تجار , ماء , كتب , أيام .
فإذا أريد بيان الكمية أو العدد فلابد من البيان أو القرينة , ترى لماذا لم تذكر الآية أسماء الرسل الذين قتلوا في التنكير وعلته وجوه :
الأول : المراد بيان الموضوع .
الثاني : المدار في الفائدة على ذكر المسألة , ونوع البرهان وإقامة الحجة , فمثلاَ [وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ] ( ).
الثالث : موضوعية السنة النبوية في الإخبار عن أسماء الأنبياء الذين قتلوا .
وقد ورد (عن ابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة أسري به رأى زكريا في السماء فسلم عليه فقال له : يا أبا يحيى ، خبرني عن قتلك كيف كان؟ ولم قتلك بنو إسرائيل؟
قال : يا محمد ، إن يحيى كان خير أهل زمانه ، وكان أجملهم وأصبحهم وجهاً ، وكان كما قال الله : { سيداً وحصوراً }( ) وكان لا يحتاج إلى النساء ، فهويته امرأة ملك بني إسرائيل وكانت بغية فأرسلت إليه ، وعصمه الله وامتنع يحيى وأبى عليها ، وأجمعت على قتل يحيى ، وَلَهُم عيد يجتمعون في كل عام ، وكانت سنة الملك أن يوعد ولا يخلف ولا يكذب .
فخرج الملك للعيد فقامت امرأته فشيعته ، وكان بها معجباً ، ولم تكن تسأله فيما مضى ، فلما أن شيعته قال الملك : سليني فما تسأليني شيئاً إلا أعطيتك ، قالت : أريد دم يحيى بن زكريا . قال لها : سليني غيره .
قالت : هو ذاك .
قال : هو لك ، فبعثت جلاوزتها إلى يحيى وهو في محرابه يصلي ، وأنا إلى جانبه أصلي ، فذبح في طست ، وحمل رأسه ودمه إليها .
فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : فما بلغ من صبرك؟
قال : ما انفتلت من صلاتي ، فلما حمل رأسه إليها ووضع بين يديها ، – فلما أمسوا – خسف الله بالملك وأهل بيته وحشمه ، فلما أصبحوا قالت بنو إسرائيل : لقد غضب إله زكريا لزكريا ، فتعالوا حتى نغضب لملكنا ، فنقتل زكريا ، فخرجوا في طلبي ليقتلوني ، فجاءني النذير ، فهربت منهم وإبليس أمامهم يدلهم علي : فلما أن تخوفت أن لا أعجزهم ، عرضت لي شجرة فنادتني فقالت : إلي إلي ، وانصدعت لي ، فدخلت فيها .
وجاء إبليس حتى أخذ بطرف ردائي ، والتأمت الشجرة وبقي طرف ردائي خارجاً من الشجرة ، وجاء بنو إسرائيل
، فقال إبليس : أما رأيتموه دخل هذه الشجرة! هذا طرف ردائه دخل به الشجرة ، فقالوا : نحرق هذه الشجرة ، فقال إبليس : شقوه بالمنشار شقاً) ( ).
الرابع : يأتي التنكير , ويراد منه شعبتين متضادتين :
الأولى : التكثير .
الثانية : التقليل .
ويعرف المقصود بلحاظ القرائن بخصوص الكثرة والزيادة أو التقليل , والظاهر في المقام والخبر إرادة التكثير .
الخامس : عدم علم الناس بذات الأفراد , المقصودين بالتنكير , وهذا الوجه ظاهر في المقام لأن القرآن كلام الله عز وجل , وهو الذي , قوله تعالى [أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا] ( ).
السادس : بيان قانون وهو أن التنكير لا يتغشى أفراد النوع كلها , فقوله تعالى [جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ] ( ) للإخبار بان الله عز وجل أرسل لآباء المخاطبين رسلاَ , وأرسل رسلاَ إلى أمم وأهل ملل أخرى .
السابع : وجود غاية مخصوصة من التنكير من البشارة والترغيب أو الإنذار والترهيب .
والمختار بخصوص آية البحث كل الوجوه أعلاه باستثناء الشعبة الثانية من الجه الرابع أعلاه .
معجزات النبي محمد ( ص ) بالآلاف
قال تعالى [مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا] ( ).
وخاتم هنا بمعنى به أختتمت النبوة ، وليس من نبي بعده ، ونزلت الآية أعلاه في السنة الخامسة للهجرة عندما تزوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم زينب بنت جحش وهي ابنة عمته ، وكانت عند زيد بن حارثة فقال بعضهم : تزوج النبي حليلة ابنه لأنه كان يسمى زيد بن محمد .
ولا يتعارض هذا المعنى مع كون الحسن والحسين ولدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للقرآن والنص والنسب .
ومنهم من قرأ (خاتِم) بكسر التاء أي أنه ختم الأنبياء كالطابع الذي ختموا به .
وقيل كيف يكون النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم آخر الأنبياء ، وينزل عيسى في آخر الزمان ، والجواب إنما كانت المعجزة نبوة عيسى سابقة لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولم يقتل إنما رفع ويدل عليه قوله تعالى [وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ] ( ) ويدل على أن نبوة عيسى قبل النبي محمد صلى الله عليه وآل وسلم قوله تعالى [وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ] ( ) .
وعن العِرباض بن عارية قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أني عند الله في أم الكتاب لخاتم النبيين ، وإن آدم لمنجدل في طينته وسأنبئكم بأول ذلك دعوة لابي ابراهيم ، وبشارة عيسى بي ورؤيا أمي التي رأت ، وكذلك أمهات النبيين ) ورأت آمنة حين وضعت النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن نوراً خرج منها أضاءت لها منه قصور الشام .
ومعنى آدم منجدل أي ملقى على الجدَالة وهي الأرض ،وفي رواية بين الروح والجسد .
لقد جاء الأنبياء والرسل السابقون بالمعجزات الحسية ، ولكل نبي معجزة ،وهي الأمر الخارق لقوانين الكون تأتي من عند الله لتعضيد الأنبياء واثبات صدق نبوتهم ، ومعجزة نوح السفينة ، ومعجزة صالح الناقة , ومعجزة إبراهيم النجاة من النار وسلب خاصية الأحراق منها ، وحينما قال الله عز وجل [قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ] ( ) لم تبق نار على الأرض ساعتئذ إلا انطفات ، ومعجزات موسى متعددة منها العصا ، وكذا معجزات عيسى عليه السلام ، وفي التنزيل قال تعالى [وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ]( ).
وجاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالمعجزات الحسية والعقلية ، وكل آية قرآنية معجزة عقلية .
وليس من حصر لمعجزاته الحسية وخلافاً لحصر العلماء لها في عدد محدود ، فقد ذكرت في تفسيري المئات من المعجزات الحسية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد قسمتها تقسمياً استقرائياً بما قبل الهجرة وما بعدها .
فمن المعجزات في مكة ، ومنها انشقاق القمر والإسراء ، وهل هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتعيين ليلتها من معجزاته صلى الله عليه وآله وسلم الجواب نعم ، إذ عزمت قريش على الفتك به وقتله في تلك الليلة ، فنزل جبرئيل وأمره بالهجرة ،وبات الإمام علي عليه السلام في فراشه يحرسه رجال قريش الذين يريدون قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى إذا طلع الفجر انقضوا إليه لإراده قتله فنهض في وجههم فعرفوا أنه ليس محمداً .
وتسمى هذه الليلة (ليلة المبيت ).
فحينما اجتمعت قريش في دار الندوة للبحث فيما يفعلون لوقف الدعوة الإسلامية بعد أن عجزوا عن اقناع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالسكوت وإخباره لهم بانه مأمور من عند الله بالدعوة , قال (أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ فَقَالَ وَهُمْ عَلَى بَابِهِ إنّ مُحَمّدًا يَزْعُمُ أَنّكُمْ إنْ تَابَعْتُمُوهُ عَلَى أَمْرِهِ كُنْتُمْ مُلُوكَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ ، ثُمّ بُعِثْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ فَجُعِلَتْ لَكُمْ جِنَانٌ كَجِنَانِ الْأُرْدُنّ ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ لَهُ فِيكُمْ ذَبْحٌ ثُمّ بُعِثْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ ثُمّ جُعِلَتْ لَكُمْ نَارٌ تُحْرَقُونَ فِيهَا) ( ).
ويمكن تقسيم السنة تقسيماً استقرائياً آخر بلحاظ مناسبة الموضوع والحكم من جهات :
الأولى :معجزات السنة القولية لعمومات قوله تعالى [وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى] ( ).
الثانية : معجزات السنة الفعلية ، فيما كان يقوم به النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الأفعال ، ودلالتها واستنباط المسائل والأحكام منها .
الثالثة : معجزات المنبر النبوي ، ويترشح عنه علم خاص يتعلق بخطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
وهل تنحصر مفردات هذا العلم بالمنبر في المسجد النبوي ، الجواب لا ، إنما يشمل كل خطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومنها خطبة في حجة الوداع .
الرابعة : معجزات السنة التدوينية ، إذ تحصى معها كتب ورسائل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ثم تستقرأ منها مسائل الإعجاز ودلائل النبوة .
الخامسة: معجزات السنة الدفاعية، وكيف أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يغز أحداً إنما كان في حال دفاع ، وكان يذم مفاهيم الإرهاب وينهى عن الغيلة والغدر والخيانة.
السادسة : معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم في علوم القرآن وتأويل وتفسير آياته ، وكيف أن السنة النبوية مرآة لآيات القرآن ، وشاهد عملي على صدق نزولها من عند الله .
السابعة : معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم في علوم الإجتماع والأسرة وتنظيم الصلات الإجتماعية ، وأبواب أخرى تترشح عن السنة النبوية الشريفة ، قال تعالى [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا] ( ).
تفسير قوله تعالى [وَبِالَّذِي قُلْتُمْ]
جاء حرف الباء في الآية بمعنى الإلصاق , وقد تكرر حرف (الباء) [بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ] ( ) ويحتمل الذي قاله هؤلاء وجوها ً:
الأول : إرادة القربان الذي تأكله النار .
الثاني : وجود شرط آخر غير القربان .
الثالث : الإمتناع عن التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأن هذا الإمتناع أمر وجودي .
الرابع : الإشارة إلى ما يقوله المعاندون في منتدياتهم من صفات الأنبياء , والحج التي جاءوا بها .
ومن خصائص الأنبياء أنهم جاءوا بتحدي ما هو مشهور في زمانهم وعند قومهم , فمثلاً جاء موسى عليه السلام بالعصا لتلقف عصي السحرة , فلم يأت عيسى بذات الآية إنما جاء بما هو مشهور في زمانه من العناية بالطب , فصار يشافي الأكمه المبتلى بالعمى من حين ولادته والأبرص لبيان أن هذا الشفاء إعجاز , وفيه دعوة للمؤسسات العلمية والطبية بإيجاد علاج للأمراض المستعصية إذ أن معجزة عيسى عليه السلام وبفضل الله لم ترتفع من الأرض إنما بقيت تدعو الناس إلى تحصيلها بالعلم والتقوى.
وتكررت مادة قال في آية البحث ثلاث مرات :
الأولى : في قوله تعالى [الَّذِينَ قَالُوا]( ) في بداية آية البحث , لتوثيق قول صادر من أهل العناد الذين شددوا على أنفسهم وحجبوا عنها الإيمان بالشروط والقيود , [مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا]( ).
لقد رزق الله عز وجل الإنسان اللسان والنطق بالحروف والألفاظ التي تدل على معاني مخصوصة تكون معروفة عند السامع , ومن الإعجاز في خلق الإنسان أن أول ما بدأ في خلق آدم تعليم الله عز وجل له الأسماء ثم تولى الملائكة إبلاغ الوحي له وللرسل , فما دام آدم في الجنة في بداية خلقه فهو في ضيافة الله عز وجل , فتفضل الله وقام بنفسه بتعليمه الأسماء , قال تعالى [وَعلم آدم الأَسْمَاءَ كُلَّهَا]( ) ثم أن الملائكة لم يكونوا يعلمون تلك الأسماء لأنها كانت من مختصات الخليفة في الأرض الذي لم يهبط إليها بعد .
فشرّف الله عز وجل آدم بتعلم تلك الأسماء ثم تعليمها الملائكة والأصل أن يصون الناس آلة النطق , وأن تسخر في طاعة الله عز وجل ولكن الذين كفروا إتخذوا من القول والمحادثة وسيلة للصد عن سبيل الله عز وجل , فتفضل الله عز وجل وانذرهم من هذا القول وحذر الناس جميعاَ منه , ليكون من معاني تقدير قوله تعالى [الَّذِينَ قَالُوا]( ) هو : الذين قالوا ليتهم لم يقولوا ..لما جلبوه على أنفسهم من الأذى والخزي إلى يوم القيامة.
الثانية :مجئ الآية بالفعل (قل) وهو أمر من الله عز وجل إلى رسوله الكريم لبيان أن النبي محمداَ صلى الله عليه وآله وسلم عبد لله عز وجل أكرمه الله عز وجل بأن يتلقى الأمر منه مباشرة من غير واسطة , ولا يضر بهذا المعنى نزول جبرئيل بالآية الكريمة , لأن جبرئيل رسول أمين لتبليغ الوحي وفي هذا الأمر نصر من الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو أعظم من السيف , لبقاء الآية سلاحا إلى يوم القيامة , لبيان قانون وهو أن معجزة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عقلية , ومن الشواهد عليه أن كل مسلم ومسلمة يقولان وعلى نحو يومي ذات القول الذي أمر الله عز وجل النبي محمداَ صلى الله عليه وآله وسلم بقوله في صلاتهم اليومية ,وقراءة وختم القرآن الطوعية , فلا يمر يوم على أهل الأرض إلا وهناك من يقرأ لفظ (قل) الذين أمر الله عز وجل النبي محمداَ صلى الله عليه وآله وسلم.
ويطرد الأمر من الله عز وجل (قل) عن المسلمين الشك , ويمنع الناس من الشرك الظاهر والخفي , إذ يلاحق قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذين جحدوا , ويبطل إدعاءهم العهد الخاص بينهم وبين الله .
وهل يمكن القول بقانون وهو حينما أمر الله عز وجل النبي محمداَ صلى الله عليه وآله وسلم (قل) فإنه سبحانه يضمن له نفع هذا القول الجواب نعم , وهو من مصاديق وصف القرآن بالبركة , قال تعالى [وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ]( ) ليكون من معاني (قل) في آية البحث .
الأول : قل بأمر من الله عز وجل .
الثاني : قل والله عز وجل يوصل قولك إلى الناس .
الثالث : قل ويجعل الله عز وجل قولك ينفذ إلى القلوب .
الرابع : قل فإن قولك واقية لك وللإسلام .
الخامس : قل فإن الناس محتاجون لهذا القول بنفي مجئ الرسل بشرط القربان للإسلام .
السادس : قل فيتفضل الله عز وجل بإيصال قولك إلى الناس .
السابع : قل فإن أجيال المسلمين ستردد هذا القول كل يوم .
الثامن : قل فإن الله عز وجل يحب الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
التاسع : قل فإن الناس محتاجون لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي هو عن وحي وتنزيل .
العاشر : قل فيأتي قولك على قول الذين يلحدون ويجحدون بالآيات .
ومن خصائص معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنها حسية وعقلية , ومن المعجزات العقلية أمر الله عز وجل له (قل) ويمكن المقارنة بينه وبين عصا موسى وهي آية حسية وكيف أنها أتت عصي السحرة وابتلعتها , قال تعالى [وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ]( ).
فإن قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يأتي على أقوال الذي يدّعون العهد الخاص بينهم وبين الله عز وجل , فينقضها , ويحجب أثرها عن الناس , ويمنع الناس من الإنصات لها .
ويذهب قولهم أدراج الرياح , ويبقى المسلمون يتلون أمر الله عز وجل لرسوله (قل) وتتضاعف حسناتهم بخصوص هذه التلاوة من وجوه :
أولاَ :ذات التلاوة , وعن عوف بن مالك قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من قرأ حرفاً من القرآن كتب الله له به حسنة . لا أقول { بسم الله } ولكن باء ، وسين ، وميم ، ولا أقول { الم } ولكن الألف ، واللام ، والميم) ( ).
ثانياَ : تلاوة آية البحث إحتجاج وبرهان وإن قرئت الآية ليس بقصد الإحتجاج , ليكون من خصائص الآية القرآنية تعدد معاني التلاوة , والمقاصد السامية التي تترشح عنها .
ومنه الإخبار عن مجئ الرسل بآية القربان , ولو قرأها أو سمعها الذي يدعي ويطلب معجزة القربان , فهل هي حجة واحتجاج عليه , الجواب نعم , وهو من أسرار وجوب الجهر في أكثر ركعات الصلاة اليومية ليسمعها الناس ويتدبروا في معانيها ودلالاتها وكأن صاحب الدعوى الكاذبة يخاطب نفسه ويحتج عليها .
ثالثاً : دلالة تلاوة المسلمين لآية البحث على تصديقهم بمضامينها , وفي هذه الدلالة أجر وثواب .
وهل هذا التصديق من الحسنات العشر لكل حرف الذي ورد في الحديث النبوي أعلاه أم غيره , الجواب هو الثاني , و(عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من قرأ ثلث القرآن أعطي ثلث النبوة ، ومن قرأ نصف القرآن أعطي نصف النبوّة ، ومن قرأ ثلثيه أعطي ثلثي النبوة ، ومن قرأ القرآن كله أعطي النبوّة ، ويقال له يوم القيامة : اقرأ وارق بكل آية درجة حتى ينجز ما معه من القرآن . فيقال له : اقبض .
فيقبض فيقال له : هل تدري ما في يديك؟ فإذا في يده اليمنى الخلد ، وفي الأخرى النعيم.
وأخرج الطبراني والحاكم وصححه والبيهقي عن عبد الله بن عمرو : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : من قرأ القرآن فقد استدرج النبوة بين جنبيه غير أنه لا يوحى إليه ، ومن قرأ القرآن فرأى أن أحداً أعطي أفضل مما أعطى فقد عظم ما صغر الله وصغر ما عظم الله ، وليس ينبغي لصاحب القرآن أن يجد مع من وجد ولا يجهل مع من جهل وفي جوفه كلام الله) ( ).
رابعاَ : سلامة القرآن من التحريف إلى يوم القيامة , لتكون آية البحث نبراساً يهتدى به , وهل هذه السلامة آية وحجة على ادعياء القربان , الجواب نعم , إذ أكرم الله عز وجل النبي محمداَ صلى الله عليه وآله وسلم بآية سلامة الكتاب الذي أنزل عليه من التغيير والزيادة والنقيصة اللفظية والحرفية , قال تعالى [لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ]( ).
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام (كل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف) ( ).
خامساً :كسشف التلاوة للإفتراء على الأنبياء , وقول ما ليس بحق , فلا يعلم منافع آية البحث إلا الله عز وجل في وقاية الأنبياء من الإدعاء عليهم بأنهم أبلغوا الناس بعهود مخصوصة تتعلق بالرسالة .
لقد صدر القول [إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ]( ) من فئة قليلة من الناس في المدينة المنورة , ولكن الذين يستمعون لهذا القول ويفتنون به , ويتخذونه حجة كثيرون , ولا ينحصر محل سكناهم بالمدينة وكذا الذين يشيدون بهم وبشرطهم .
فنزلت آية البحث لتمنع هذا القول الإتساع , وتجعل الناس يكذبون هذا الإدعاء ليلتفتوا إلى معجزات النبوة التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
لقد كان كفار قريش يصفرون ويصفقون عند قراءة النبي صلى الله عليه وآله وسلم القرآن في البيت الحرام , للتخليط على الناس , ومنعهم من الإنصات إلى آيات القرآن , وقيام زوار البيت الحرام بنقل الآيات إلى قراهم ومدنهم .
قال تعالى [وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ]( ).
وعن(عن ابن عباس. أن نافع بن الأزرق قيل له : أخبرني عن قوله عز وجل { إلا مكاء وتصدية }( ) قال : المكاء ، صوت القنبرة . والتصدية ، صوت العصافير وهو التصفيق) ( ) .
الثالثة :مجئ الفعل الماضي [قُلْتُمْ] بقوله تعالى [وَبِالَّذِي قُلْتُمْ] ( ) ، على وزن (فعلتم ) لبيان أن الذين اشترطوا القربان كانوا يعلنون هذا الشرط هناك ، ويقولون أنه عهد بين الله وبينهم ، أي أنهم لا يستطيعون تجاوزه وتركه .
ترى ما هي النسبة بين القول في أول الآية [الَّذِينَ قَالُوا] ( )وبين [وَبِالَّذِي قُلْتُمْ] ( )فيه وجوه :
الأول : نسبة العموم والخصوص المطلق ، وهي على شعبتين :
الأولى : الذين قالوا يشمل القول في الزمن الماضي والحاضر والمستقبل فهو أعم مما ذكر في [الَّذِي قُلْتُمْ] الذي يختص بالزمن الماضي .
الثانية : الذين قلتم ، أعم لأنه يشمل القول الماضي مما يتعلق بشرط القربان الذي تأكله النار وغيره ، وقد تقدم في الآية قبل السابقة [الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ] ( ) .
الثاني : نسبة العموم والخصوص من وجه , فهناك مادة للإلتقاء وأخرى للإفتراق بين القولين .
الثالث : نسبة التساوي وأن المراد من الذي قلتم هو اشتراط نار القربان.
والمختار هو الشعبة الثانية من الوجه الأول أعلاه .
وهناك مسألة وهي موضوع القول ، وفيه وجوه :
الأول : ما ذكرته آية البحث من إدعائهم العهد بينهم وبين الله .
الثاني : الإخبار بأن الأنبياء السابقين جاءوا بالقربان .
الثالث : أقوال أخرى تتعلق بالرسالات السماوية ، لتكون النسبة بين [الَّذِي قُلْتُمْ] وبين [قَالُوا] في أول الآية عموم وخصوص مطلق ، فالذي قلتم يشمل أقوالاً أخرى بخصوص الأنبياء ومعجزاتهم ، وجاء القرآن بتصديقه مما يدل على أنهم الذي قالوا إنما هو من التوراة والعهد القديم .
وتبين آية البحث حقيقة وهي من الأنبياء من جاء بذات آية النار التي تأكل القربان ومع هذا قاموا بقتله , لتحذير النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بأن مجئ النبي بالشروط التي يطلبها الناس في باب الإعجاز لا يمنع بعضهم من التعدي عليه وقتله , قال تعالى [وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ]( ).
تفسير قوله تعالى [فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ]
لقد بعث الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم على فترة من الرسل , وبينه وبين عيسى عليه السلام نحو ستمائة سنة ليس فيها نبي والذين طلبوا من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قرباناً تأكله النار لم يقتلوا نبياً , إنما الذين قتلوهم انقرضوا من مئات السنين , ولكن لإتحاد السنخية , جمع الله عز وجل بينهم في الآية مسائل :
الأولى : زجر الذين كفروا عن قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : توثيق أشد ضروب الظلم بقتل الأنبياء .
الثالثة : بعث السكينة في نفس النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأنه لا يكف عن الدعوة إلى الله عز وجل .
لقد اجتهد المشركون من أول أيام الدعوة الإسلامية في المكر لمنع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الدعوة إلى الله عز وجل فخابوا وقاموا بأمور :
الأول : الترهيب والتخويف , لقد مشى عدد من وجهاء قريش إلى أبي طالب عم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وقاموا بالتهديد والوعيد إن لم يكف عنهم وعن آلهتهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
و(قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : أَوْ مَنْ مَشَى مِنْهُمْ .
فَقَالُوا : يَا أَبَا طَالِبٍ إنّ ابْنَ أَخِيك قَدْ سَبّ آلِهَتَنَا ، وَعَابَ دِينَنَا ، وَسَفّهَ أَحْلَامَنَا ، وَضَلّلَ آبَاءَنَا ، فَإِمّا أَنْ تَكُفّهُ عَنّا ، وَإِمّا أَنْ تُخَلّيَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ فَإِنّك عَلَى مِثْلِ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ مِنْ خِلَافِهِ فَنَكْفِيكَهُ فَقَالَ لَهُمْ أَبُو طَالِبٍ قَوْلًا رَفِيقًا ، وَرَدّهُمْ رَدّا جَمِيلًا ، فَانْصَرَفُوا عَنْهُ . وَمَضَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ يُظْهِرُ دِينَ اللّهِ وَيَدْعُو إلَيْهِ ثُمّ شَرِيَ الْأَمْرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ حَتّى تَبَاعَدَ الرّجَالُ وَتَضَاغَنُوا ، وَأَكْثَرَتْ قُرَيْشٌ ذِكْرَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ بَيْنَهَا ، فَتَذَامَرُوا فِيهِ وَحَضّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَيْهِ ثُمّ إنّهُمْ مَشَوْا إلَى أَبِي طَالِبٍ مَرّةً أُخْرَى .
فَقَالُوا لَهُ يَا أَبَا طَالِبٍ إنّ لَك سِنّا وَشَرَفًا وَمَنْزِلَةً فِينَا ، وَإِنّا قَدْ اسْتَنْهَيْنَاكَ مِنْ ابْنِ أَخِيك فَلَمْ تَنْهَهُ عَنّا ، وَإِنّا وَاَللّهِ لَا نَصْبِرُ عَلَى هَذَا مِنْ شَتْمِ آبَائِنَا ، وَتَسْفِيهِ أَحْلَامِنَا ، وَعَيْبِ آلِهَتِنَا ، حَتّى تَكُفّهُ عَنّا ، أَوْ نُنَازِلَهُ وَإِيّاكَ فِي ذَلِكَ حَتّى يَهْلَكَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ)( ).
الثاني :الرجاء ولغة التودد إلى أبي طالب , واظهار الشكوى من النبي صلى الله عليه وآله وسلم , و(عن عقيل بن أبى طالب قال جاءت قريش إلى أبى طالب فقالوا إن ابن أخيك يؤذينا في نادينا وفى كعبتنا وفى ديارنا ويسمعنا ما نكره فان رأيت أن تكفه عنا فافعل .
فقال لي يا عقيل التمس لي ابن عمك فأخرجته من كبس( ) , من كباس أبى طالب فجاء يمشى معى يطلب الفئ يطأ فيه لا يقدر عليه حتى انتهى إلى أبى طالب فقال يا ابن أخي والله لقد كنت لي مطيعا جاء قومك يزعمون أنك تأتيهم في كعبتهم وفى ناديهم فتؤذيهم وتسمعهم ما يكرهون فان رأيت أن تكف عنهم فحلق بصره إلى السماء وقال والله ما أنا بقادر أن أرد ما بعثني به ربي ولو أن يشعل أحدهم من هذا الشمس نارا.
فقال أبو طالب : والله ما كذب قط فارجعوا راشدين)( ).
الثالث : الترغيب , وعرض الأموال ورئاسة قريش على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , بشرط أن يمتنع عن الدعوة إلى التوحيد , وعن ذم آلهتهم والأصنام المنصوبة في الكعبة .
و(عن جابر بن عبد الله قال قال ابو جهل والملأ من قريش لقد انتشر علينا أمر محمد فلو التمستم رجلا عالما بالسحر والكهانة والشعر فكلمه ثم أتانا ببيان من أمره.
فقال عتبة لقد سمعت قول السحر والكهانة والشعر وعلمت من ذلك علما وما يخفى علي إن كان كذلك.
فأتاه فلما اتاه قال عتبة : يا محمد أنت خير أم هاشم أنت خير أم عبد المطلب انت خير ام عبد الله فلم يجبه .
قال فبم تشتم آلهتنا وتضلل آباءنا فإن كنت إنما بك الرئاسة عقدنا ألويتنا لك فكنت رأسنا ما بقيت.
وإن كان بك الباءة زوجناك عشر نسوة تختار من أي بنات قريش شئت.
وإن كان بك المال جمعنا لك من أموالنا ما تستعين بها أنت وعقبك من بعدك ورسول الله {صلى الله عليه وآله وسلم} ساكت ولا يتكلم.
فلما فرغ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسم الله الرحمن الرحيم (حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون) ( ) فقرأ حتى بلغ (فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد و ثمود )( ).
فأمسك عتبة على فيه وناشده الرحم ان يكف عنه ولم يخرج إلى أهله واحتبس عنهم.
فقال أبو جهل يا معشر قريش والله ما نرى عتبة إلا قد صبأ إلى محمد وأعجبه طعامه وما ذاك إلا من حاجة أصابته انطلقوا بنا اليه فأتوه فقال ابو جهل والله يا عتبة ما حسبناك إلا أنك صبوت إلى محمد وأعجبك أمره فإن كانت بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد فغضب وأقسم بالله لا يكلم محمدا أبدا.
قال ولقد علمتم اني من اكثر قريش مالا ولكني أتيته فأجابني بشيء والله ما هو بسحر ولا شعر ولا كهانة قرأ بسم الله الرحمن الرحيم (حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته)( ) حتى بلغ فقل (انذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود) ( ) فامسكت بفيه وناشدته الرحم ليكف ولقد علمتم ان محمدا اذا قال شيئا لم يكذب فخفت ان ينزل بكم العذاب)( ).
الرابع : رضيت قريش بأن يتركهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وشأنهم ويتركوه ودينه ولكنه أجابهم بأن الإسلام طريق تملكهم للعرب , وتبعية العجم لهم , وراجعت قريش أبا طالب أكثر من مرة .
(وعن ابن عباس , قَالَ : مَشَوْا إلَى أَبِي طَالِبٍ فَكَلّمُوهُ ؟
وَهُمْ أَشْرَافُ قَوْمِهِ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ ، وَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ وَأُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ فِي رِجَالٍ مِنْ أَشْرَافِهِمْ .
فَقَالُوا : يَا أَبَا طَالِبٍ إنّك مِنّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتَ وَقَدْ حَضَرَك مَا تَرَى ، وَتَخَوّفْنَا عَلَيْك ، وَقَدْ عَلِمْتَ الّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَ ابْنِ أَخِيك ، فَادْعُهُ فَخُذْ لَهُ مِنّا ، وَخُذْ لَنَا مِنْهُ لِيَكُفّ عَنّا ، وَنَكُفّ عَنْهُ وَلِيَدَعَنَا وَدِينَنَا ، وَنَدَعَهُ وَدِينَهُ فَبَعَثَ إلَيْهِ أَبُو طَالِبٍ فَجَاءَهُ .
فَقَالَ يَا ابْنَ أَخِي : هَؤُلَاءِ أَشْرَافُ قَوْمِك ، قَدْ اجْتَمَعُوا لَك ، لِيُعْطُوك ، وَلِيَأْخُذُوا مِنْك .
قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ نَعَمْ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ تُعْطُونِيهَا تَمْلِكُونَ بِهَا الْعَرَبَ ، وَتَدِينُ لَكُمْ بِهَا الْعَجَمُ .
قَالَ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ نَعَمْ وَأَبِيك ، وَعَشْرَ كَلِمَاتٍ قَالَ تَقُولُونَ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ وَتَخْلَعُونَ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ .
قَالَ فَصَفّقُوا بِأَيْدِيهِمْ ثُمّ قَالُوا : أَتُرِيدُ يَا مُحَمّدُ أَنْ تَجْعَلَ الْآلِهَةَ إلَهًا وَاحِدًا ، إنّ أَمْرَك لَعَجَبٌ ( قَالَ ) : ثُمّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ إنّهُ وَاَللّهِ مَا هَذَا الرّجُلُ بِمُعْطِيكُمْ شَيْئًا مِمّا تُرِيدُونَ فَانْطَلِقُوا وَامْضُوا عَلَى دِينِ آبَائِكُمْ حَتّى يَحْكُمَ اللّهُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ .
قَالَ ثُمّ تَفَرّقُوا)( ).
الخامس : تجاهر قريش بالعزم على قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بنبوة نبي الزمان , (قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : ثُمّ إنّ قُرَيْشًا حَيْن عَرَفُوا أَنّ أَبَا طَالِبٍ قَدْ أَبَى خِذْلَانَ رَسُولِ اللّه صَلّى اللّه عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ وَإِسْلَامَهُ وَإِجْمَاعَهُ لِفِرَاقِهِمْ فِي ذَلِكَ وَعَدَاوَتِهِمْ مَشَوْا إلَيْهِ بِعُمَارَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ .
فَقَالُوا لَهُ فِيمَا بَلَغَنِي يَا أَبَا طَالِبٍ هَذَا عُمَارَةُ قُرَيْشٍ وَأَجْمَلُهُم فَخُذْهُ فَلَك عَقْلُهُ وَنَصْرُهُ وَاِتّخِذْهُ وَلَدًا فَهُوَ لَك ، وَأَسْلِمْ إلَيْنَا ابْنَ أَخِيك هَذَا ، الّذِي قَدْ خَالَفَ دِينَك وَدِينَ آبَائِك ، وَفَرّقَ جَمَاعَةَ قَوْمِك ، وَسَفّهُ أَحْلَامَهُمْ فَنَقْتُلَهُ فَإِنّمَا هُوَ رَجُلٌ بِرَجُلِ فَقَالَ وَاَللّهِ لَبِئْسَ مَا تَسُومُونَنِي أَتُعْطُونَنِي ابْنَكُمْ أَغْذُوهُ لَكُمْ وَأُعْطِيكُمْ ابْنِي تَقْتُلُونَهُ هَذَا وَاَللّهِ مَا لَا يَكُونُ أَبَدًا .
فَقَالَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيّ : وَاَللّهِ يَا أَبَا طَالِبٍ لَقَدْ أَنْصَفَك قَوْمُك ، وَجَهَدُوا عَلَى التّخَلّصِ مِمّا تَكْرَهُهُ فَمَا أَرَاك تُرِيدُ أَنْ تَقْبَلَ مِنْهُمْ شَيْئًا ؛
فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ لِلْمُطْعِمِ وَاَللّهِ مَا أَنْصَفُونِي ، وَلَكِنّك قَدْ أَجْمَعْتَ خِذْلَانِي وَمُظَاهَرَةَ الْقَوْمِ عَلَيّ فَاصْنَعْ مَا بَدَا لَك .
أَوْ كَمَا قَالَ فَحَقَبَ الْأَمْرُ وَحَمِيَتْ الْحَرْبُ وَتَنَابَذَ الْقَوْمُ وَبَادَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا .
فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ عِنْدَ ذَلِكَ يُعَرّضُ بِالْمُطْعِمِ : بْنِ عَدِيّ وَيَعُمّ مَنْ خَذَلَهُ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَمَنْ عَادَاهُ مِنْ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ ، وَيَذْكُرُ مَا سَأَلُوهُ وَمَا تَبَاعَدَ مِنْ أَمْرِهِمْ
أَلَا قُلْ لِعَمْرٍو وَالْوَلِيدِ وَمُطْعِمٍ … أَلَا لَيْتَ حَظّي مِنْ حِيَاطَتِكُمْ بَكْرُ
مِنْ الْخُورِ حَبْحَابٌ كَثِيرٌ رُغَاؤُهُ … يَرُشّ عَلَى السّاقَيْنِ مِنْ بَوْلِهِ قَطْرُ
تَخَلّفَ خَلْفَ الْوِرْدِ لَيْسَ بِلَاحِقِ … إذَا مَا عَلَا الْفَيْفَاءَ قِيلَ لَهُ وَبْرُ
أَرَى أَخَوَيْنَا مِنْ أَبِينَا وَأُمّنَا … إذَا سُئِلَا قَالَا إلَى غَيْرِنَا الْأَمْرُ
بَلَى لَهُمَا أَمْرٌ وَلَكِنْ تَجَرْجَمَا … كَمَا جُرْجِمَتْ مِنْ رَأْسِ ذِي عَلَقِ الصّخْرِ
أَخُصّ خُصُوصًا عَبْدَ شَمْسٍ وَنَوْفَلًا … هُمَا نَبَذَانَا مِثْلَ مَا يُنْبَذُ الْجَمْرُ
هُمَا أَغْمَزَا لِلْقَوْمِ فِي أَخَوَيْهِمَا … فَقَدْ أَصْبَحَا مِنْهُمْ أَكُفّهُمَا صِفْرُ
هُمَا أَشْرَكَا فِي الْمَجْدِ مَنْ لَا أَبَا لَهُ … مِنْ النّاسِ إلّا أَنْ يُرَسّ لَهُ ذِكْرُ
وَتَيْمٌ وَمَخْزُومٌ وَزُهْرَةُ مِنْهُمْ … وَكَانُوا لَنَا مَوْلًى إذَا بُغِيَ النّصْرُ
فَوَاَللّهِ لَا تَنْفَكّ مِنّا عَدَاوَةٌ … وَلَا مِنْهُمْ مَا كَانَ مِنْ نَسْلِنَا شَفْرُ
فَقَدْ سَفُهَتْ أَحْلَامُهُمْ وَعُقُولُهُمْ … وكانوا كَجَفْر بئس ما صنعت جَفْر)( ).
لقد قام الكفار بمحاربة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والتنزيل , وهذه المحاربة من الكلي المشكك من جهات :
الأولى : إختيار قريش أوان وكيفية المحاربة .
الثانية : وقيام المشركين بالغزو , كما في معركة بدر وأحد والخندق.
الثالثة : عدد الجنود وأفراد القبائل الذين يتم حشدهم لقتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه , وقد استأجر أبو سفيان ألفين من الرجال في معركة أحد , وإذا كان مجموع جيش الذين كفروا ثلاثة آلاف , فإن الباقي ألف من عموم قريش وأهل مكة .
ولم يحقق هذا المجموع نصراً في معركة أحد , فكيف لو حضر ألف فقط منهم إلى المعركة , وقد حضر منهم ذات العدد تقريباً معركة بدر , فكانت الهزيمة والخزي نصيبهم , ولم يكن يومئذ عدد المسلمين إلا بعدة أصحاب طالوت ثلاثمائة وثلاثة عشر .
ولم تكن عندهم أسلحة كافية , إذ خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة , وليس معه سيف , لتأتي الغنائم للمسلمين في تلك المعركة , ثم بدل وعوض الأسرى ليقتني المسلمون الخيل والإبل والسلاح , وهو من مصاديق قوله تعالى [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ]( ).
جاءت الآية بصيغة الخطاب وكأن المخاطبين هم الذين قتلوا هؤلاء الأنبياء , ولكن للقطع بأن الأنبياء قتلوا في أزمنة سابقة ومن قبل أفراد انقرضوا , فتحتمل الآية وجوهاً:
الأول : الذين قتلوا الأنبياء آباء المخاطبين في هذه الآية .
الثاني : الذين تخاطبهم آية البحث رضوا بقتل الأنبياء .
الثالث : الإتحاد في الرأي والمغالطة بين الذين قتلوا الأنبياء والمخاطبين بآية البحث.
والمختار هو الثالث , فمطالبة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بشروط لا أصل لها من أجل التصديق بنبوته يشابه أفعال أولئك الذين قتلوا الأنبياء , ويكون مقدمة للإجهاز على النبي وأصحابه .
وتلقي آية البحث ضياء على كل من :
الأول : علم الأديان وتكون الملل , وموضوعية جهاد الأنبياء فيه , إذ ينقسم هذا العلم إلى شعبتين :
الأولى : تأريخ الأديان , والمعتقدات الروحية , وكيفية أداء الفرائض والعبادات والنسك .
الثانية : فلسفة الأديان والتي تبين القواعد والأسس التي تستند عليها الأديان ووجود التوافق والإختلاف بينها , وكثرت في هذا الزمان الدراسات المقارنة بين الأديان السماوية :
الأول : الإسلام .
الثاني : المسيحية .
الثالث : اليهودية .
ووجوه الإتفاق بينها , منها التوحيد , وبر الوالدين , والأخلاق الحميدة , ونبذ الإرهاب , وترك المعاصي , قال تعالى [يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ]( ).
وقال تعالى بخصوص التعايش السلمي وإجتناب العنف , في قصة إبراهيم [قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا]( ).
وقد خاطب موسى وهارون عليهما السلام فرعون بالحجة والبرهان من غير أن يثيرا حفيظته [قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلاَمُ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى]( ).
لترغيب فرعون ووزرائه وقواد جيشه بالهدى والإيمان , فأخبر القرآن عن مؤمن آل فرعون .
الثاني : قواعد الدين , لبيان قانون كلي في الأديان وهو وجوب عبادة الله عز وجل , ومجئ كل رسول بالبينات الجلية التي تدل على أنه رسول من عند الله عز وجل , وأن الله عز وجل جعل المعجزة تجري على يديه .
ويناقش بعض المفكرين في هذا الزمان تأريخ الدين وهو ملازم لوجود الإنسان في الأرض , إذ كان آدم عليه السلام وحواء أول من هبطا إلى الأرض , وكانا على عقيدة التوحيد .
ولم تفارق أي منهما إلى أن غادرا الحياة الدنيا , قال تعالى [كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ]( ).
إن التداخل العام بين الأمم والشعوب في هذا الزمان , ووسائط الإعلام وسرعة إنتشار الخبر في أرجاء العالم , سيجعل البحوث والتحقيقات في وجوه الإلتقاء بين الأديان السماوية متعددة وستؤلف فيه الرسائل الجامعية بما يفيد منع الفتنة الدينية والمذهبية , وينفع في محاربة الإرهاب .
وتدعو آية البحث إلى عدم إدعاء عهد بين الله عز وجل وبين الناس مما لا أصل له , فالعهد في المقام هو العبودية المطلقة لله عز وجل والتصديق بما جاء به الأنبياء , والعمل بأحكام الشرائع , قال تعالى [وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ] ( ).
لقد ذكر الله عز وجل عهداً بينه وبين آدم , قال تعالى [وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا] ( ).
ولقد عهد الله عز وجل إلى آدم ان لا يأكل من الشجرة , فغلب عليه النسيان بسبب وسوسة إبليس , وذكر النسيان في الآية من اللطف الإلهي , لعدم ترتب العقوبة على النسيان.
فإن قيل هل يتعارض هذا النسيان مع العصمة خاصة وأنه نسيان في مورد التكليف , الجواب لا , لأنه في الجنة , وقبل هبوط آدم إلى الدنيا وتوجه الأوامر التكليفية له .
وفي قوله تعالى [فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ ]( ) إرادة كل من الرسل:
الأول : نوح عليه السلام .
الثاني : إبراهيم عليه السلام .
الثالث : موسى عليه السلام .
الرابع : عيسى عليه السلام .
الخامس : النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
أي أن (من) في قوله تعالى [مِنْ الرُّسُلِ]( ) للتبعيض , لتكون النسبة بين الرسل أولي العزم , ومطلق الرسل العموم والخصوص المطلق , فكل رسول من أولي العزم هو من الرسل وليس العكس .
وورد عن ابن عباس أنه قال : كل الرسل أولوا عزم ) ( ) أي أن (من) في الآية بيانية والمشهور والمختار هو الأول أعلاه وإفادة (من) التبعيض
لقد أخبرت آية البحث عن حقيقة تأريخية في عالم الأديان وهي قتل عدد من الأنبياء , وذكرتهم آية البحث بصفات وهي :
الأولى : إنهم رسل .
الثانية : إنهم رسل من عند الله عز وجل وهو الذي بعثهم للدعوة لعبادته وتبيلغ الأحكام .
الثالثة : مجئ الرسل إلى الناس المخاطبين بآية البحث , فليس لهم أن يقولوا أننا لم نعلم بأنهم أنبياء مرسلون من عند الله عز وجل .
الرابعة : مجئ الرسل بالدلالات والبراهين الساطعة التي تؤكد صدق نبوتهم , إذ تخاطبهم الآية بأن هؤلاء الذين بعثهم الله عز وجل لهم رسل من عنده مما يدل على ان الله عز وجل أقام عليهم الحجة , وفي التنزيل [قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ]( ).
الخامسة : أخبرت آية البحث بأن من الرسل من جاء بآية القربان الذي تنزل عليه النار من السماء , ومع هذا قاموا بقتلهم مما يدل على مسألة وهي حتى لو جاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بذات الآية والبرهان فإنهم لايؤمنون بنبوته , وقد يقومون بقتله أو يتولى غيرهم قتله جحودا وكفرا أو لأنه سأل النبي محمدا صلى الله عليه وآله وسلم معجزة خاصة .
ليكون من معاني آية البحث أنها إنذار وتحذير للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فإذا كان هؤلاء قد قتلوا الأنبياء الذين جاءوا بالآيات والبراهين الدالة على صدق نبوتهم , فإن مشركي قريش قد حاربوا النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم , وأصروا على الكفر برسالته سواء جاء بالآيات التي سألوها , أم دعاهم للتصديق بالآيات والمعجزات التي جاء بها من عند الله عز وجل .
وتبين الآية أن الله عز وجل يعلم باشخاص كل من :
الأول : الذين باشروا قتل الأنبياء والآلة التي قتل بها كل نبي .
الثاني : يعلم الله عز وجل بالذين تواطئوا أو حرضوا على قتل الأنبياء , وفي التنزيل [يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ]( ).
الثالث : يعلم الله عز وجل بالذين رضوا بقتل الأنبياء أو بعضهم وإن كانوا من بلد أو جيل النبي , ومن معاني الآية : فلِم تحرضون على قتلهم , لأن هذا التحريض جناية, وسيأتي مزيد كلام في سياق الآيات من الجزء التالي من التفسير .
ليكون من معاني آية البحث بعث النفرة في نفوس الناس جميعاً من قتل الأنبياء , ومطلق التعدي عليهم , ومن التحريض عليهم .
وفيه دعوة للناس لإكرام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإجتناب الإفتراء عليه , وتحث على تقيد الناس بقانون عدم التعدي على الأنبياء وحرمة الرضا بهذا التعدي لما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وتدعو للتدبر في المعجزات التي جاء بها , وفي التنزيل [أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا]( ).
فلو اجتمع الناس على الإتيان بكتاب مثله في عدد الكلمات لظهر التفاوت والتعارض بين كلماته وجمله ومعناه ولوقع الخلاف بين الذين كتبوه ومن بعده في مضامينه ودلالاته , ولتخلف عن قوانين البلاغة , وقصر عن استشراق المستقبل , وولد فاقداً لعلوم الغيب ما دقّ منها وما كبر , ولتخلف عن وصف عالم الآخرة , قال تعالى [وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ]( ).
الرابع : دعوة الناس إلى عدم مؤاخذة المؤمنين على إيمانهم سواء المسلمين أو مؤمني الأمم السابقة ممن صدّق بالرسالات .
الخامس : من معاني قوله تعالى [فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ] ( ) نهى الناس عن القتل وسفك الدماء مطلقاً , إذ تبين الآية قبح القتل , وسفك الدماء ظلماً.
فقد ورد في الآية قبل السابقة بيان قانون وشهادة من عند الله عز وجل وهي أن قتل الناس للأنبياء كان بغير حق , فكل نبي قتل إنما كان قتله بغير حق , ومن غير سبب, وهل يحتمل أن يكون المراد من القتل في الآية المجاز كإنكار رسالتهم , الجواب لا , إنما المراد حقيقة القتل وزهوق الروح للتبادر , والآيات الأخرى , والسنة .
وعندما أخبر الله عز وجل الملائكة عن جعل الإنسان [وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ) احتجوا على أمرين :
الأول :الفساد في الأرض .
الثاني : القتل , من الضروريات التي أكدت عليها الشريعة حفظ النفس , والإمتناع عن مقدمات الوقوع في الهلكة , ومن هذه المقدمات التجرأ في سفك الدماء وقتل الغير فإنه يعرض الإنسان للعقوبة في الدنيا والآخرة .
وفي الثناء على المؤمنين بالله , قال تعالى [وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا*إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا]( ).
و(عن ابن مسعود . أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : أشد الناس عذاباً يوم القيامة رجل قتل نبيا أو قتله نبي ، وإمام ضلالة وممثل من الممثلين)( ).
من صانعي تماثيل كاملة لذوات الأرواح بقصد العبادة والتقرب بها إلى الله عز وجل زلفى .
ويدل قوله تعالى [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ) على أنهم لم يحتجوا على أصل خلافة الإنسان في الأرض وهم يعلمون أن الأرض والسماء والكواكب كلها ملك لله عز وجل وأنه سبحانه لا يفعل إلا ما هو حكمة وما يدل على بديع صنعه وعظيم سلطانه وقدرته , ولكنهم أردوا تنزيه الأرض من هذين الأمرين , وإجتناب عامة الناس لكل من الفساد والقتل خاصة وأن كلاً منهما تترشح عنه أضرار وأذى شديد على النفوس وفي المجتمعات وعالم الإقتصاد , والأخلاق , والسياسة .
فجاء الجواب من عند الله عز وجل [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ) فمن علم الله عز وجل أن كل آية نازلة من السماء تصلح أمة من الناس , وأن الغلبة تكون للصلاح وأن الله عز وجل يقيم الحجة على المفسدين والظالمين في الدنيا عسى أن يتوبوا , أما في الآخرة فتجتمع أمور الحساب والجزاء , منها :
الأول : بعث الناس جميعاً .
الثاني : حضور صحائف الأعمال , وفي التنزيل [وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا]( ).
الثالث : إقامة الحجة على الناس .
الرابع : الختم على الأفواه والإذن من الله عز وجل للجوارح والأعضاء بالكلام .
الخامس : حال الفزع العام عند الناس وخفقان القلوب وطيشان العقول يوم القيامة إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات , قال تعالى [َياعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ وَلاَ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ]( ).
السادس : الشفاعة , وحرمان الذين كفروا منها .
السابع : الجزاء والخلود في النعيم لأهل الإيمان والتقوى , والعذاب للذين كفروا , قال تعالى [وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ * وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ]( ).
وتدل الآية على أن سلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الإغتيال والقتل معجزة له ، وشاهد على صدق نبوته إذ دفع الله عنه القتل ،وقد يقال قد تبعث الآية الذين كفروا على إرادة قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، والجواب إنما هي زاجر لهم ، وصرف لهم عن هذا القصد كما أن الله عز وجل عصم النبي محمدا صلى الله عليه وآله وسلم من شرورهم ، قال تعالى [وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ] ( ).
لقد اقترن تكذيب الكفار للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بإيذائه المقرون بالإستهزاء به في عبادته لله عز وجل ، وهو من الشواهد على أن قتل الرسل بغير حق ، وأن الذين كفروا بنبوتهم عمدوا إلى قتلهم مع رؤيتهم لزهدهم وإخلاصهم في عبادتهم لله ، لذا ورد قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ] ( ).
(عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يُصَلِّى عِنْدَ الْبَيْتِ وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ وَقَدْ نُحِرَتْ جَزُورٌ بِالأَمْسِ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ أَيُّكُمْ يَقُومُ إِلَى سَلاَ جَزُورِ بَنِى فُلاَنٍ فَيَأْخُذُهُ فَيَضَعُهُ فِى كَتِفَىْ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ .
فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ فَأَخَذَهُ فَلَمَّا سَجَدَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وآله وسلم وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ قَالَ فَاسْتَضْحَكُوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَمِيلُ عَلَى بَعْضٍ وَأَنَا قَائِمٌ أَنْظُرُ. لَوْ كَانَتْ لِي مَنَعَةٌ طَرَحْتُهُ عَنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم.
وَالنَّبِىُّ صلى الله عليه وآله وسلم سَاجِدٌ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ .
حَتَّى انْطَلَقَ إِنْسَانٌ فَأَخْبَرَ فَاطِمَةَ فَجَاءَتْ وَهِىَ جُوَيْرِيَةُ فَطَرَحَتْهُ عَنْهُ. ثُمَّ أَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَشْتِمُهُمْ .
فَلَمَّا قَضَى النَّبِىُّ صلى الله عليه وآله وسلم صَلاَتَهُ رَفَعَ صَوْتَهُ ثُمَّ دَعَا عَلَيْهِمْ وَكَانَ إِذَا دَعَا دَعَا ثَلاَثًا. وَإِذَا سَأَلَ سَأَلَ ثَلاَثًا ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ . ثَلاَثَ مَرَّاتٍ فَلَمَّا سَمِعُوا صَوْتَهُ ذَهَبَ عَنْهُمُ الضِّحْكُ وَخَافُوا دَعْوَتَهُ .
ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِى جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِى مُعَيْطٍ . فَوَالَّذِى بَعَثَ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وآله وسلم بِالْحَقِّ لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ سَمَّى صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى الْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ غَلَطٌ فِى هَذَا الْحَدِيثِ.) ( ).
بحث بلاغي
من الآيات التي تصاحب الرسل أنهم يأتون بالأمر الخارق للعادة الخاص بما يهتم ويعتني به قومهم ، فحينما كان السحر شائعاً في مصر جاء موسى عليه السلام بالعصا التي أبطلت سحرهم ، وأكلت عصيهم التي [يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى] ( ) لتؤسس مدرسة رسالية إلى الناس جميعاً لقبح السحر وحرمته ولزوم محاصرته ونبذ السحرة . وفيه بارقة أمل للناس بالقضاء على الأوبئة والأمراض المستعصية ، ليكون الإرتقاء في الطب في هذا الزمان من مصاديق هذه المدرسة الرسالية ، أذ أنها تبعث النار وعلماء الأبدان ورؤساء الدول على بذل الوسع لإكتشاف العلاج للأمراض المختلفة ، ومن الآيات أن هؤلاء الرؤساء وعوائلهم يصابون بتلك الأمراض ليروا الحاجة إلى الدواء ، وورد في التنزيل [وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ] ( ).
(عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء فعليكم بألبان البقر فإنها ترم من كل الشجر) ( ).
وكان العرب في أيام البعثة النبوية يهتمون بالبلاغة شعراً ونثراً .
وتتصف قريش بأنهم أهل تجارة ، تجوب قوافلهم الصحراء وتتألف كل قافلة من ألف بعير ونحوه ، وقد تصل إلى ألفي بعير ، تقطع المسافة محملة بالبضائع بين مكة والشام ذهاباً واياباً ، أو بين مكة واليمن ، وجاء توثيقه في القرآن بقوله تعالى [لِإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ] ( ).
وكانوا في الطريق يتبادلون الأحاديث ويلقون القصائد الشعرية ، وكذا عندما يمرون بالقرى والمياه التي في الطريق , وعندما يلتقون بالقبائل التي في الطريق وفي الشام واليمن يتبادلون المعارف ، ومنهم من كان يكتب الشعر ويترجم القصص لينقلوا تلك المعارف إلى دار الندوة في مكة , فمن لم يسافر في القافلة ويضرب في الأرض ويستمع إلى أقوال وأشعار العرب , وقصص الماضين يتلقاها من رجال القافلة عند رجوعهم إلى مكة .
ولا يختص بالنقل رجال قريش بل يشترك فيه العمال والكراء والعبيد والجواري ، فهي جامعة متنقلة لكسب العلوم ، ويحتل الشعر الموزون فيها شأناً إلى جانب التعليم والـتأديب بخصوص أساليب المجاز من التشبيه والإستعارة والكناية والقصر ، وفي صبغة وعذوبة اللفظ السجع والجناس والطباق والمقابلة ونحوها من المحسنات اللفظية .
ومعنى الطباق في الإصطلاح هو الجمع بين متضادين كما في قوله تعالى [وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ] ( ) وقوله تعالى [لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ] ( ) ويسمى طباق ايجاز ، ومنه في آية البحث إذ ورد فيها ذكر أمرين متضادين وهما :
الأول : بعثة الرسل .
الثاني : قتل الرسل .
فالأصل هو وجوب اتباع الرسل والسعادة والغبطة ببعثهم ووجودهم بين ظهراني الناس يتلقون الوحي والتنزيل فيقومون بالتبليغ ، قال تعالى [وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ] ( ) لقد جاء بلاغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أشعار العرب لبيان التضاد بينها مثل التضاد بين الخالق والمخلوق ، والرب والمربوب ، فكلام الله عز وجل فوق كلام الناس وإن كان نظماً وشعراً .
تفسير قوله تعالى [إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ]
أختتمت آية البحث بجملة شرطية جاءت بصيغة الخطاب وتحتمل من جهة الصدور وجوهاً :
الأول : يتوجه الكلام من عند الله عز وجل على نحو مستقل عن الأمر الذي توجه إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (قل).
الثاني : الجملة الشرطية جزء من الأمر من الله عز وجل إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالقول , ليكون تقدير الآية على جهات :
الأولى : قل قد جاءكم رسل من قبل الله عز وجل .
الثانية : قل قد جاءكم رسل من قبل الله عز وجل بالذي قلتم .
الثالثة : قل قد جاءكم رسل من قبل الله عز وجل بالبينات .
الرابعة : قل قد جاءكم رسل بالبينات , وآيات التنزيل , قال تعالى [لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ]( ).
و(عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا)( ).
الخامسة : قل قد جاءكم رسل من قبل الله عز وجل بالذي قلتم من القربان الذي تأكله النار .
السادسة : قل قد جاءكم رسل من قبل الله عز وجل بالبينات والذي قلتم فلم قتلتموهم .
السابعة : قل قد جاءكم رسل من قبل الله عز وجل فلم قتلتموهم , أي حتى لو لم يأتوكم بالذي قلتم من موضوع عهد القربان وأكل النار له , فيجب أن تصدقوا بهم لا أن تكذبوهم , وتعتدوا عليهم وتقتلوهم .
الثامنة : قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم تقتلوهم إن كنتم صادقين بدعوى العهد بين الله عز وجل وبينكم .
قد تقدم الكلام في باب الإعراب واللغة في معنى الصدق وأنه أعم من القول فيشمل الفعل وإرادة الكمال وقد كان الكفار يتحدون الأنبياء بسؤال المعجزة التي تؤكد صدق نبوتهم , حتى إذا ما جاءوا بها اسلمت طائفة وأصرت أخرى على الجحود والكفر , كما ورد في ثمود قوم صالح عليه السلام , إذ ورد في التنزيل [فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنْ الصَّادِقِينَ]( ).
فسأل صالح الله عز وجل فجاءهم بآية الناقة التي ظهرت لهم من صخرة ومن غير أن تكون في رحم , وكانوا يحلبون منها في اليوم ما يكفي القوم كلهم .
وتبين الآية أعلاه أن قوم صالح اشترطوا آية على نحو التنكير فأتت آية يكتفون بها حسب دعواهم , اما الذين سألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في آية البحث ففي سؤالهم مسائل :
الأولى : تقدم معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على سؤال وشروط القربان .
ومن هذه المعجزات وصول أنباء نبوته ومعجزاته إلى يثرب قبل هجرته إليها من وجوه :
الأول : البشارات ببعثة نبي آخر الزمان التي كان يهود المدينة يتوارثونها.
الثاني : أهل بيعة العقبة الأولى والثانية من الأوس والخزرج .
الثالث : المهاجرون الأوائل إلى المدينة والذين سبقوا هجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , ومنهم السفير مصعب بن عمير .
الرابع : عامة الناس الذين قاموا بنقل آيات القرآن , وأخبار نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم سواء الذين زاروا مكة للعمرة والحج أو الذين سمعوا من الركبان .
الثانية : توالي نزول آيات أحكام وسنن تتجلى فيها صبغة الإعجاز وتتصف بالتكامل وهو من العهد الذي عهده الله عز وجل للناس .
الثالثة : النصر العظيم الذي أنعم الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين في معركة بدر .
وخلاف قاعدة الصلة والموصول , والسبب والمُسبَب لقوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]( ).
وهل أنزل الله عز وجل آية البحث على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون في حال ذلة أم منعة وقوة , المختار هو الثاني , ليكون من منافع معركة بدر وجوه :
الأول : معركة بدر مقدمة لذم الإدعاء الباطل .
الثاني : منع صدور الأذى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم من قبل الذين تنفي آية البحث إدعاءهم العهد .
الثالث : إنذار الذين كفروا وأهل الجحود .
الرابع : عناية المسلمين بالإحتجاج , ووجود آذان صاغية للقرآن وآياته .
الخامس : منع المنافقين من إتخاذ شرط القربان وسيلة لصد الناس عن الإسلام ,
فمن خصائص نصر المسلمين في معركة بدر صيرورة طائفة من الناس يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام خشية من المسلمين , فنزل القرآن بفضحهم وذمهم بلحاظ أقوالهم وأفعالهم , وإن جاءت السنة النبوية , بذكر بعضهم بالأسماء لبيان معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في تفسير سنته للقرآن بوجود مصاديق وأفراد تنطبق عليهم صفات المنافقين كيلا يأتي من يقول أن النفاق من عالم الإمكان والتصور وليس التصديق والحقيقة الشخصية .
و(عن أبي مالك في قوله { سنعذبهم مرتين }( ) قال : كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعذب المنافقين يوم الجمعة بلسانه على المنبر ، وعذاب القبر .
وأخرج ابن مردويه عن أبي مسعود الأنصاري قال : لقد خطبنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم خطبة ما شهدت مثلها قط فقال : أيها الناس إن منكم منافقين فمن سميته فليقم ، قم يا فلان ، قم يا فلان ، حتى قام ستة وثلاثون رجلاً .
ثم قال : إن منكم وإن منكم وإن منكم فسلوا الله العافية)( ).
ومن معاني قوله تعالى [إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ]( ) بيان قانون وهو أن الله عز وجل أراد للحياة الدنيا أن تكون دار الصدق , وأن الصادقين يفوزون بالمرتبة السامية في الدنيا والآخرة , وجعل الله عز وجل الأنبياء الآية في الصدق والصلاح , وهناك ملازمة بين النبوة والصدق .
السادس : وفي أسباب نزول قوله تعالى [إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ]( ).
ذكر أن المشركين عجبوا من قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن إله الناس جميعاَ واحد وهو الله عز وجل , إذ قالوا أن محمداَ صلى الله عليه وآله وسلم يقول [قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ]( ) وقال تعالى [وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ * لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلاَئِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنْ الصَّادِقِينَ] ( ).
فقد كان المشركون يقولون إن كان محمد صادقاَ فيما يقول وكونه رسولاَ من عند الله عز وجل لتنزل بعد الهجرة الآيات التي تخاطب الجاحدين بنبوته [إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ]( ) لبيان قانون وهو إطمئنان الناس لصدق النبي صلى الله عليه وآله وسلم في رسالته .
وتقدير الآية على وجوه منها :
الأول : إن كنتم صادقين بالإعتقاد بأن الله عز وجل يبعث الرسل .
الثاني : إن كنتم صادقين باتباعكم الرسل .
الثالث : إن كنتم صادقين بطلب شرط نار القربان ، لأن الذين يطلبون هذا الشرط من الرسل ويأتي به يجب ألا يعتدوا عليه ولا يقتلوه .
الرابع : إن كنتم صادقين بسؤالكم الشروط من أجل الإيمان فلا يجوز قتل الرسل .
الخامس : إن كنتم صادقين باعتذاركم في الإمتناع عن التصديق بالرسالة .
السادس: إن كنتم صادقين بالعهود التي بينكم وبين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبينكم .
السابع : من معاني إن كنتم صادقين بعث الناس على تحري الصدق في القول والعمل سواء الذين تخاطبهم آية البحث أو غيرهم ،وتقدير قوله تعالى [إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ] ( )كونوا صادقين وقابلوا التنزيل بالصدق والتسليم .
لماذا الإحتجاج في الآية
تبين آية البحث أن الله عز وجل يعلم النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين كيفية الإحتجاج , ومن معاني ودلالات هذا التعليم أمور :
الأول : بيان قانون وهو كفاية الإحتجاج ولغة البرهان في الهداية إلى الإسلام , قال تعالى [وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ]( ).
الثاني : دعوة المسلمين والناس جميعاً إلى السلم المجتمعي , ونبذ العنف والإرهاب.
الثالث : قانون عدم الحاجة إلى العنف والإكراه في الجذب إلى الإيمان , قال تعالى [لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ]( ).
الرابع : الآية من الشواهد على قانون (لم يغزُ النبي “ص” أحداً ) لأن الله عز وجل أمره بالإحتجاج , وهو سبحانه يعلم بكفاية الإحتجاج في دفع أذى المشركين والمنافقين وعامة الناس , وفي التنزيل [أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ] ( ).
قانون انتفاع الصحابة من آية البحث والسياق
لقد شاء الله عز وجل أن تفيض كل آية من القرآن بالبركة , ليكون من معاني قوله تعالى [كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ] ( ) إتصاف كل آية قرآنية بالبركة والخير والكثير , لذا أمر الله عز وجل في الآية أعلاه بالتدبر فيها , ولم تقل الآية (لتتدبروا) بصيغة الخطاب , إنما جاءت بصيغة الغائب لشمول الناس جميعاً بلزوم استقراء المسائل من القرآن , ومن وجوه التدبر بلحاظ آية البحث :
الأول : إدعاء طائفة أن الله عز وجل عهد إليهم عهداً بخصوص بعثة كل رسول .
وهل يدل هذا الإدعاء على الإقرار ببعثة رسول بعد موسى وعيسى عليهما السلام , الجواب نعم , وقد جاء القرآن مصدقاً لنبوتهما والمعجزات التي جاءوا بها , قال تعالى [نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ]( ).
الثاني : التحقيق في صدق هذه الدعوى وفق الكتب السماوية السابقة وأخبار النبوة.
الثالث : معجزة القربان في تأريخ النبوة , ويحتمل المجئ بها من جهات:
الأولى : كل رسول جاء بمعجزة أكل النار للقربان .
الثانية : جاء أنبياء بني اسرائيل بمعجزة القربان .
الثالثة : بعض أنبياء بني إسرائيل جاء بمعجزة القربان.
والمختار هو الأخير .
ولما أصر نمرود وجنوده على إلقاء إبراهيم عليه السلام في النار , وأيدهم عامة أهل البلد ولم يكن مع إبراهيم ناصر من الناس في دعوته إلى التوحيد , فنصره الله عز وجل فأمر النار التي ألقوه فيها بأن تمتنع عن إحراقه , وسلب عنها صبغة الإحراق مع بقاء صفة الإشراق فيها لتتجلى المعجزة , ولو ألقى مع إبراهيم عليه السلام أحد من أهل البلد من المشركين فهل ينجو من الحرق الجواب لا , إلا أن يشاء الله , وهو من الإعجاز في تقييد آيتها بأن تكون برداً وسلاماً على خصوص إبراهيم عليه السلام بقوله تعالى [قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ]( ).
لبيان معجزة وأن مشيئة الله عز وجل مؤثرة بالأشياء , ومعطلة للأسباب في أشياء دون أخرى , إذ أحرقت تلك النار الحطب فصار رماداً , وكانت الطير التي تمر عليها تحترق لشدتها , فمنها ما يقع في تلك النار , ومنها ما يسقط خارجها ليتعظ الناس , ويفجأوا بسلامة إبراهيم وإطلالته من وسط النار بعد إنطفائها , لتكون معجزة إبراهيم هذه وتوثيقها في القرآن إلى يوم القيامة , مرآة وشاهدا على قوله تعالى [وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا* ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا]( ).
و(عن يعلى بن منبّه أن النبي {صلى الله عليه وآله وسلم} قال : تقول النار للمؤمن يوم القيامة جزْ يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي)( ).
وفي حديث لاٍبن عباس قال : (فجعل إبراهيم يدعو قومه وينذرهم ، وكان أبوه يصنع الأصنام فيعطيها أولاده فيبيعونها ، وكان يعطيه فينادي من يشتري ما يضره ولا ينفعه ، فيرجع إخوته وقد باعوا أصنامهم ، ويرجع إبراهيم بأصنامه كما هي ، ثم دعا أباه فقال { يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً }( ).
ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة فإذا هن في بهو عظيم مستقبل باب البهو صنم عظيم ، إلى جنبه أصغر منه بعضها إلى جنب بعض ، كل صنم يليه أصغر منه حتى بلغوا باب البهو ، وإذا هم قد جعلوا طعاماً بين يدي الآلهة .
وقالوا : إذا كان حين نرجع رجعنا وقد برحت الآلهة من طعامنا فأكلنا ، فلما نظر إليهم إبراهيم وإلى ما بين أيديهم من الطعام .
قال : ألا تأكلون؟ فلما لم تجبه قال : ما لكم لا تنطقون؟
ثم إن إبراهيم أتى قومه فدعاهم ، فجعل يدعو قومه وينذرهم ، فحبسوه في بيت وجمعوا له الحطب حتى أن المرأة لتمرض .
فتقول : لئن عافاني الله لأجمعن لإبراهيم حطباً ، فلما جمعوا له وأكثروا من الحطب ، حتى إن كان الطير ليمر بها فيحترق من شدة وهجها وحرها ، فعمدوا إليه فرفعوه إلى رأس البنيان ، فرفع إبراهيم رأسه إلى السماء.
فقالت السماء والأرض والجبال والملائكة : ربنا إبراهيم يحرق فيك قال أنا أعلم به ، فإن دعاكم فأغيثوه .
وقال إبراهيم حين رفع رأسه إلى السماء : اللهم أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في الأرض ، ليس أحد يعبدك غيري ، حسبي الله ونعم الوكيل . فقذفوه في النار ، فناداها فقال { يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم }( ).
وكان جبريل هو الذي ناداها . فقال ابن عباس : لو لم يتبع برداً سلاماً لمات إبراهيم من بردها ، ولم تبق يومئذ في الأرض نار إلا طفئت ظنت أنها هي تعنى ، فلما طفئت النار نظروا إلى إبراهيم ، فإذا هو ورجل آخر معه ورأس إبراهيم في حجره يمسح عن وجهه العرق ، وذكر أن ذلك الرجل ملك الظل ، فأنزل الله ناراً فانتفع بها بنو آدم ، وأخرجوا إبراهيم فأدخلوه على الملك ولم يكن قبل ذلك دخل عليه فكلمه)( ).
ومن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه ربط بين النار في حيث الروح والعقل والإدراك من غير جسم كثيف , ونار إبراهيم , والنار في الآخرة .
(عن أبي سمية قال : اختلفنا في الورود فقال بعضنا : لا يدخلها مؤمن ، وقال بعضهم : يدخلونها جميعاً { ثم ينجي الله الذين اتقوا }( ).
فلقيت جابر بن عبد الله ، فذكرت له فقال : وأهوى بأصبعيه إلى أذنيه صمتا ، إن لم أكن سمعت رسول الله , صلى الله عليه وآله وسلم , يقول: لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها ، فتكون على المؤمن برداً وسلاماً ، كما كانت على إبراهيم ، حتى أن للنار ضجيجاً من بردهم { ثم ينجّي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثياً }( ))( ).
وهل عالم البرزخ مثل عالم الذر بخصوص العذاب فيه , الجواب لا , إذ ترد الأرواح إلى الأبدان , مدة الحساب الإبتدائي فيه .
فعالم الذر حال وهيئة لطيفة قبل الخلق أخذ الله عز وجل بها العهد والميثاق على الناس ثم انقطع إلى الأبد , فبعد الخلق وهبوط آدم وحواء إلى الأرض إبتدأ عالم التكليف ثم الحساب عليه .
ومن بركة الآية القرآنية انتفاع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة منها الإنتفاع الأمثل , ليترشح عنه انتفاع التابعين وتابعي التابعين من :
الأول :الآية القرآنية , وما فيها من الإحتجاج , وتثبيت سنن الشريعة .
الثاني : تنمية ملكة الجدال والإحتجاج عند المسلمين المقرونة بالتفقه بالدين .
الثالث : عدم صيرورة شروط طائفة من الناس لدخول الإسلام سبباً بالإمتناع عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
ومن معاني فعل الأمر (قل) في قوله تعالى [قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ] ( ) بعث الصحابة لتلقي معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالقبول والرضا , وعدم سؤال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما لا نفع فيه , قال تعالى [لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ] ( ).
لقد جعل الله عز وجل القرآن مدرسة الأجيال , وكل جماعة وأفراد ينهلون منه العلوم , ويضئ لهم سبل الفلاح والنجاح بالذات والعرض , لذا يتلو كل مسلم ومسلمة سبع عشرة مرة في اليوم قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( ).
ومن مصاديق الصراط الإنتفاع الأمثل من وجوه :
الأول : قانون الإنتفاع من الآية القرآنية .
الثاني : قانون الإنتفاع من تلاوة الآية القرآنية , والتدبر في معانيها .
الثالث : قانون إتخاذ الآية القرآنية إماماَ ومنهاجاًَ في أمور الدين والدنيا.
وورد في سورة الجن [قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا* يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا] ( ).
وأخبر الجن عن الإطلاق والعموم في هداية القرآن للرشد , وشمول هذه الهداية للناس , وهل من ضمنه أن الجن رأوا أهل البيت والصحابة كيف يصلون ويتلون القرآن , ويجتنبون فعل المعصية , أم أن القدر المتيقن من الآية هو سماعهم القرآن لأول مرة , المختار هو الأول .
و(عن معاذ بن جبل قال : ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوماً الفتن فعظمها وشددها فقال علي بن أبي طالب عليه السلام : يا رسول الله فما المخرج منها؟
قال : كتاب الله فيه المخرج ، فيه حديث ما قبلكم ونبأ ما بعدكم وفصل ما بينكم ، من تركه من جبار يقصمه الله ، ومن يبتغي الهدى في غيره يضله الله ، وهو حبل الله المتين والذكر الحكيم والصراط المستقيم . هو الذي لما سمعته الجن لم تتناه أن قالوا : { إنا سمعنا قرآنا عجباً يهدي إلى الرشد }( ) هو الذي لا تختلف به الألسن ولا تخلقه كثرة الرد) ( ).
ومن خصائص الآية القرآنية أنها تدعو إلى مكارم الأخلاق , ومنها الصدق وإجتناب الكذب , لذا تحث آية البحث على لزوم إجتناب دعوى العهد من الله عز وجل بخصوص معجزة معينة لطوائف من المليين .
وتنمي ملكة الجدال الحسن والإحتجاج عند المسلمين , وهي مدد في إنتفاع المسلمين وغيرهم من الآية القرآنية , تحارب الآية القرآنية الإرهاب وتمنع من سفك الدماء قال تعالى [كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ] ( ).

, وتبين آية البحث قانوناً وهو أن كل رسول يأتي بالمعجزة التي يتفضل الله عز وجل بها , وخصّ الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم بمجزات عقلية وحسية كثيرة, ليؤمن برسالته أكثر الناس , فكان القرآن المعجزة العقلية الباقية إلى يوم القيامة , التي تمنع الضلالة وتحول دون تكذيب الناس لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , ومن مصاديق هذا المنع الآية الكريمة [فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ]( ).
والآية أعلاه هي التي سيصدر الجزء التالي وهو المائتين خاصاً بتفسيرها قال تعالى [وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ]( ).

مشاركة

Facebook
Twitter
Pinterest
LinkedIn

مواضيع ﺫات صلة