معالم الإيمان في تفسير القرآن – الجزء- 201

المقدمــــــة
الحمد لله الذي جعل الحياة الدنيا (دار الحمد) والثناء عليه سبحانه,وفي تفضله برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رحمة وفيض وبركة ، قال تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ) .
ومن هذه الرحمة تثبيت الإيمان وسيادة الأمن في الأرض , وبعث النفرة في النفوس من الإرهاب ورِهابه عند الأفراد والمجتمعات والدول خاصة , مع وسائط الإعلام الحديثة , ومن خصائص الكتب السماوية بيان قانون (التضاد بين القرآن والإرهاب) وهو عنوان بكر , وقد صدرت بخصوصه الأجزاء (184) (185) (188) (194) (197) (199) من هذا السِفر في آية واستقراء لمفاهيم الرحمة العامة من القرآن ودلالة آياته .
وبيان القبح الذاتي للإرهاب وكيف أن القرآن نزل بالزجر والنهي عنه مع إعلان الحاجة العامة إلى السلم المجتمعي , وهو حال مناسب لبيان الآيات والبراهين التي تدل على وجوب التوحيد , مع براءة الإسلام والشرائع السماوية منه ونشر مفاهيم المودة والرأفة بين الناس , قال تعالى [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ]( ) وصدرت أجزاء هذا التفسير مع مزاولتي لتدريس الفقه والأصول والفتوى على نحو مستمر , وقد ذكرت معاني ملكة الإجتهاد والعدالة والورع , ومفهوم العدالة كما في الجزء الأول من الحجة( ) .
الحمد لله على فضائله اللامتناهية من جهة الموضوع والأثر والدلالة حمداَ بملئ السموات والأرض وما فيهن وما بينهن وما تحتهن وما فوقهن عدداَ وكماَ وكيفاً واستدامة.
الحمد لله عدد ذرات الكون والرمال ، وما وراءها من العوالم التي لا يعلمها إلا الله عز وجل .
الحمد لله بعدد انفاس الخلائق والناس جميعاَ من الأولين والآخرين , وببركة الإيمان , ومن أبى أن يغادر الدنيا إلا بالتقوى .
الحمد لله على نعمة السموات والأرض , وإشراقة الشمس وغروبها كل يوم , وإطلالة القمر خيطاَ ضعيفاَ بأول الشهر فيستبشر به الناس ثم يأخذ بالإتساع حتى إذا ما كمل في وسط الشهر ابتدأ بالنقصان والتأخر في أوان الخروج على الأرض لبيان مرآة لحياة الإنسان وكيف أنه يبدأ من النطفة والحمل ثم يولد طفلاَ صغيراَ ثم يكبر ويشب حتى إذا بلغ أشده وصار عمره أربعين سنة ونحوها , ابتدأ بالنقصان وظهر الشيب والعلامات البدنية التي هي إنذار للرحيل عن الدنيا ولزوم الإستعداد لعالم الآخرة , والذي نستقبله بالحمد لله , والإكثار من الشكر له سبحانه في السراء والضراء.
الحمد لله الذي أوجب الفرائض لنشكره ونحمده , ويكون أداؤها حمداً له , وتكون أنفاس الصائمين تسبيحاً لله .
وكما يذكر عنوان مستقل لآيات الأحكام في القرآن وعددها , لابد من إحصاء آيات الحمد لله من وجوه :
الأول : الآيات التي تذكر الحمد لله بالنص الظاهر الجلي كما في قوله تعالى [وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ]( )منها فاتحة خمس سور من القرآن وهي :
الأولى : سورة الفاتحة إذ ابتدأت بعد البسملة بقوله تعالى [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ]( ).
الثانية : سورة الأنعام وأولها الحمد لله الذي خلق السموات .
الثالثة : سورة الكهف وأولها [الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا] ( ) وترتيب سورة الكهف بعد سورة الإسراء التي تختتم بآية من آيات الحمد والتوحيد وهي [وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنْ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا] ( ).
الرابعة : سورة سبأ وأولها [الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ] ( ).
والخبير هو العالم بما كان وما يكون , وهو بالغ الخبرة في معرفة كل شئ .
من صيغ المبالغة الذي لا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء.
فعله خبر يخبر خبيراَ , ويقال خبرت بالأمر .
الخامسة : سورة فاطر وأولها [الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] ( ).
الثاني : الحمد الخاص الصادر من النبي أو الرسول , وهو على شعب:
الأولى : حمد النبي لله عز وجل على نعمته لشخص النبي نفسه كما ورد في التنزيل بخصوص [إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ] ( ).
الثانية : حمد النبي لله عز وجل على نعمته في قوم النبي ، وفي نوح ونجاته وأهل بيته من الطوفان والإغراق والهلكة ، قال تعالى [فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ] ( ) و(عن الحسين بن علي عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أمان لأمتي من الغرق إذا ركبوا في السفن أن يقولوا : بسم الله الملك الرحمن { بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم })( ).
الثالثة : الحمد الصادر من نبيين مجتمعين , كما في إبراهيم وإسماعيل , [رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ]( ).
الرابعة : الحمد الصادر من النبي على النعم الإلهية على الناس والخلائق .
الخامسة : الحمد الذي يصدر من الأنبياء للنعم التي تأتي إليهم ولعوائلهم , وفي التنزيل [اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا] ( ).
السادسة : حمد وشكر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لله عز وجل في القرآن , وشكره لله في السنة النبوية القولية والفعلية .
السابعة : شكر المؤمنين لله عز وجل في القرآن ، وفي ثناء وشكر أهل الجنة لله عز وجل ورد في التنزيل [وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ] ( ).
الثامنة : جهاد الأنبياء لتهيئة مقدمات شكر الذرية والأتباع في الأجيال المتعاقبة لله عز وجل , وفي التنزيل حكاية عن إبراهيم [رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ] ( ).
التاسعة : النعم الخاصة المترشحة عن الحمد والشكر لله عز وجل , كما في نجاة آل لوط بقوله تعالى [كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ* إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ * نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ]( ).
الثالث : لا يختص إحصاء آيات الحمد والشكر لله عز وجل بالآيات التي تتضمن النص بذكر الحمد والشكر على نحو التعيين إذ ذكرت كلمة الشكر ومشتقاتها نحو خمس وسبعين مرة في القرآن .
لكن الحمد والشكر لله في القرآن أضعاف هذا العدد وبما يشمل المفهوم والدلالة , ومنها العبادة وذكر الله عز وجل والتسبيح والتهليل , وهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الشكر لله عز وجل , الجواب نعم , لذا ورد قوله تعالى [اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا] ( ) لإفادة أمر وهو الشكر أعم من الحمد والثناء باللسان (عن جابر بن عبد الله : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : أفضل الذكر لا إلا إله إلا الله ، وأفضل الشكر الحمد لله) ( ), إنما يشمل الحمد لله الذي جعل مفتاحاً للسعادة , وسبيلاً لزيادة النعم في ذات موضوع الشكر وغيره , وفي الدنيا والآخرة لأصالة الإطلاق في قوله تعالى [لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ] ( ).
وليس من إنسان إلا ويحب الزيادة في الخير ويسعى إليها ويجتهد في تحصيلها , وهو من الشواهد على أنه ممكن محتاج , فتفضل الله عز وجل ودلّ الناس على طريق للزيادة والسعة من غير جهد وعناء وهو الشكر له سبحانه (وقد روي في الأثر: أن داود، عليه السلام، قال: يارب، كيف أشكرك وشكري لك نعمة منك علي؟
فقال الله تعالى: الآن شكرتني يا داود، أي: حين اعترفت بالتقصير عن أداء شكر النعم) ( ) وبدل أن يعشق الإنسان المال , ينشغل بحب الله عز وجل , ويجتهد في طاعته فتنقاد إليه الزيادة في الخيرات ويطول عمره .
وقد مدح الله عز وجل نوحاً فقال [إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا]( ).
و(وأخرج ابن عساكر عن أبي جحيفة( ) قال : كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقوم حتى تفطر قدماه .
فقيل له : أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟
قال : أفلا أكون عبداً شكوراً؟) ( ).
الحمد لله الذي أنعم علينا بنعمة البصر والسمع , ونعمة القلم وجعل تسخيرها في إكتساب العلوم نعمة أخرى مترشحة عنها , وخير العلوم كتاب الله عز وجل وتفسيره واستخراج درره والكشف عن ذخائرها , وليس في هذا الكشف إلا الزيادة فيها .
لقد ورد عن أنس بن مالك (أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : حُفَّت الجنَّة بالمكاره وحُفَّت النَّار بالشهوات)( ).
وهذا الحديث من جوامع الكلم , ورشحات الوحي , لبيان وجوب السعي والجهاد إلى الجنة بفعل الطاعات , وتعاهدها كالصلاة يؤديها المسلم خمس مرات , وإذا كان الحج الواجب مرة في العمر , فإن الصيام يتكرر كل سنة مع اطلالة شهر رمضان , قال تعالى [فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ] ( ) ليستمر حتى رؤية هلال شوال أو إتمام العدة , وما فيها من التكليف والجهد والعناء , والعزوف عن اللذات والمحرمات.
ومن صفات النبي مصاحبة المعجزة له , فيأتي بأمر خارق للعادة , فيكون على وجوه :
الأول : المعجزة شاهد على صدق النبوة .
الثاني : التخفيف عن الناس بحضور الدليل القاطع , والبرهان الساطع على صدق الرسالة .
الثالث : إكرام النبي والناس بالمعجزة , وفيه لطف خاص وعام من عند الله عز وجل .
الرابع : جذب الناس إلى الهدى والإيمان .
الخامس : قطع الطريق على الكفار والجاحدين , ومنعهم من البطش بالنبي , أو إعانة الناس عليه وعلى أصحابه وأنصاره .
ومما يمتاز به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن الأنبياء السابقين أن معجزاته عقلية وحسية , وليس حسية وحدها , وكل آية من القرآن هي معجزة له , فتترشح عنها السلامة لكل من :
الأول : حفظ شخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , قال تعالى [يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ]( ) بتقريب أن من أسباب هذه العصمة جهات :
الأولى : توالي نزول آيات القرآن , فلم ينزل القرآن دفعة واحدة , إنما نزل منجماً أي على دفعات بلحاظ الوقائع والأحداث , والاسئلة الموجهة إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , والناسخ والمنسوخ , وفي التنزيل [وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا]( ).
ومن الإعجاز في نزول القرآن مفرقاً على دفعات تكرار وتوالي نزول الملك جبرئيل وتبليغه النبي صلى الله عليه وآله وسلم والآيات , ورؤية المسلمين وغيرهم حال النبي والتغيير الذي يطرأ عليه , والعناء الذي يبدو عليه بسبب تلقي القرآن , وثقل وطأته , قال تعالى [إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً]( ).
و(عن عبادة بن الصامت : أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا نزل عليه الوحي كُرِب لذلك وتربَّد له وجهه) ( ).
الثانية : المضامين القدسية لآيات القرآن .
الثالثة : لغة البشارة والإنذار الواردة في آيات القرآن , ودلالتها على أنها حقيقة , وقريبة , قال تعالى [فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلاً * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا] ( ).
الرابعة : موضوعية أسباب النزول في تدبر الناس في آيات القرآن .
الخامسة : بلاغة القرآن وادراك الناس أنها فوق كلام البشر , وقد أظهر فصحاء العرب العجز عن الإتيان بمثلها , مع تحدي القرآن لهم .
السادسة : نفاذ معاني آيات القرآن إلى القلوب والبيوت .
الثاني : سلامة صحابة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من إنتقام الكفار , فإن قلت قد لاقى أهل البيت والصحابة الأوائل أشد الأذى في بداية الإسلام .
والجواب هذا صحيح , ولكن هاجرت طائفة منهم إلى الحبشة فصاروا رسل الإسلام , ودعاة السلام , وفضح الله عز وجل بهم ظلم قريش , وإصرارهم على الكفر إذ أرسلوا وفداً خلفهم إلى النجاشي لإعادتهم قهراً إلى مكة , فكان الإحتجاج والجدال بحضرته .
فاقتنع النجاشي بأنهم موحدون , وأن قريشاً كفار ظالمون فامتنع عن تسليمهم , ليكون أذى قريش في الجملة من مصاديق قوله تعالى [لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى]( ).
الثالث : سلامة التابعين وتابعي التابعين من أذى ومكر كفار قريش , ومن الآيات أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يغادر الدنيا إلا بعد أن تم فتح مكة , ودخول أهلها الإسلام , وتناقص عدد المنافقين ولحوق الخزي بهم لتجلي المعجزات والنصر المتعدد للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
ليبقى ضياء القرآن يشع على القلوب المنكسرة , وتنذر الآية السابقة الذين كفروا , وتحذر الناس جميعاً من سوء عاقبة الكفر , وأن عقوبته الخلود في النار , ثم جاءت بعدها وفق ترتيب القرآن آية البحث التي تنهى عن القيام بسؤال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بمعجزات خاصة للذوات والجماعات , لكثرة معجزاته العامة .
لقد أخذ الله عز وجل العهد على الناس , وهم في عالم الذر بوجوب عبادته لتتجلى من رشحات هذا العهد قوانين :
الأول : قانون بعثة الأنبياء والرسل .
الثاني : قانون إقرار الناس جميعاً بقدرة الله المطلقة .
الثالث : قانون صيرورة الفطرة الإنسانية على التوحيد .
الرابع : قانون تلقي عامة الناس لسنن الإيمان بالقبول والرضا .
الخامس : قانون النفرة العامة من مفاهيم الشرك الضلالة .
السادس : قانون إقامة الحجة على الناس .
السابع : إمكان التوبة والتدارك , وجذب الناس إلى منازل الإستغفار والإنابة , وهو من مصاديق إحتجاج الله عز وجل على الملائكة [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ) حينما تساءلوا عن أهلية الإنسان للخلافة مع أنه يفسد في الارض ويقتل النفس التي حرم الله عز وجل .
الحمد لله الذي جعل أجزاء هذا التفسير تترى بفضل منه سبحانه ، ولا أحد كان يظن عند الشروع فيه بلوغ صدور أجزائه هذا العدد .
و سيصل إلى هذا الكثرة في الكم والكيف ، إذ يحمل هذا الجزء رقم الواحد بعد المائتين ، ومن الكم والكيف في المقام أنه يختص بتفسير آية واحدة من سورة آل عمران وهي [فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِير] ( ) إذ توثق هذه الآية التراكم فيما لاقاه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من التكذيب ، ومراتب ومراحل هذا التكذيب مع بيان الآية لقانون مصاحبة تكذيب الكفار للرسل ، فمع بعثة كل رسول هناك طائفة من قومه تكذّب به ، قال تعالى [وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنْ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ] ( ).
وأيهما أشد على النبي محمد صلى الله التكذيب برسالته قبل الهجرة أم بعدها ، المختار هو الأول ، إذ كانت البعثة والتنزيل في أوله مع قلة الأتباع .
وحال الإستضعاف فكانت الآيات المكية واقية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسلاحاً سماوياً يتصف بلغة التخويف والتهديد والوعيد وما يتصل بها من الأمر والنهي والتحذير والإستفهام وغيرها ، والوعيد على العزوف عن الحلال وعن اقتراف الأثام .
والجذر اللغوي للوعيد هو الفعل الثلاثي (وعد) ويكون الوعيد بالشر والأذى .
أما الوعد فهو رجاء الخير وقد يستعمل الوعد أيضاً في التهديد ، ولكنه يأتي في الغالب في الخير وهو المتبادر ، وفي التنزيل [وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ] ( )
والأصل في الوعد إرادة الخير إلا مع القرينة التي تدل على إرادة التخويف وإيصال الضرر إلى الغير على نحو التعليق والشرطية كما لو قيل الوعيد بالنار لمن يكذب بالتنزيل .
وقد يأتي الوعيد بغير لفظه إنما يدل عليه المعنى ، وهو في القرآن أكثر من الوعيد بذات اللفظ ، ومنه قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ] ( ).
وهل آية البحث التي اختص بها هذا الجزء من التفسير من الوعيد والتخويف ، الجواب نعم، ومن معانيها :
الأول : الوعيد للذين يكذبون ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : الإخبار عن سوء عاقبة الذين كذبوا بالأنبياء والرسل ، قال تعالى [قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ] ( ).
الثالث : إنذار ومنع الناس من الإنصات للمكذّبين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في رسالته .
لتدل الآية على الثناء على الذين آمنوا برسالته ، وترغيب الناس بالإيمان ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا] ( ).

حرر في 26شعبان 1441
20/4/202
قوله تعالى [فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ]الآية 184
الإعراب واللغة
( قرأ ابن عامر : وبالزبر ، وكذا هي في مصاحف أهل الشأم . وقرأ هشام بخلاف عنه وبالكتاب . وقرأ الجمهور : والكتاب) ( ) والصحيح ما مرسوم في المصاحف .
فإن : الفاء حرف عطف وإن شرطية جازمة .
كذبوك : فعل ماض مبني على الضم في محل جزم .
الواو : فاعل .
الكاف : ضمير مفعول به .
فقد : الفاء حرف رابط لجواب الشرط , قد : حرف تحقيق .
كذّب : فعل ماض مبني للمجهول , وجملة ( فقد كُذب ) في محل جزم جواب الشرط .
رسلُ : نائب فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة على آخره .
من قبلك : جار ومجرور متعلقان بنعت لـ [رُسُلٌ].
قال تعالى [فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ]( ) وسيأتي مزيد كلام في باب الصلة بين أول وآخر الآية .
الكاف : مضاف إليه .
جاءوا : جاء : فعل ماض مبني للمجهول .
الواو : فاعل .
بالبينات : جارو ومجرور متعلقان بـ [جَاءُوا].
والزبر : الواو حرف عطف ، الزبر : اسم معطوف على البينات مجرور بالكسرة .
والكتاب : اسم مجرور مثل [َالزُّبُرِ] ( ).
المنير : نعت للكتاب مجرور بالكسرة .
وجملة [كَذَّبُوكَ] لا محل لها من الإعراب لأنها معطوفة على جملة [قُلْ] في الآية السابقة [قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ].
وقيل جواب الشرط محذوف , تقديره : فأصبر كما صبر رسل من قبلك , وسيأتي مزيد كلام في (قانون استقراء جواب الشرط المحذوف من آيات القرآن الأخرى) ( ) .
وجملة [فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ] لا محل لها من الإعراب , وهي تعليلية , وقد يظن أنها جملة جواب الشرط .
وجملة [جَاءُوا] لا محل لها من الإعراب ، في محل نعت رسل .
والزبر : جمع زبور , وهو الكتاب الذي يتضمن الموعظة ، والحكمة وهو من أسرار تسمية كتاب داود بالزبور .
وقد جاءت بالباء (بالزبر) في قوله تعالى [وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ] ( ).
وحرف الباء هنا للتأكيد والفصل , وهل فيه إشارة إلى التعدد في المعنى بين الكتاب والزبر , الجواب نعم.
وينقسم العطف إلى قسمين
الأول : عطف البيان .
الثاني : عطف النسق .ويكون بأحد الحروف التالية :
الأول : الواو .
الثاني : الفاء .
الثالث : ثم .
الرابع : حتى .
الخامس : أو .
السادس : أم .
السابع : بل .
الثامن : لا .
التاسع : لكن .
وتفيد الستة الأولى المشاركة بين المعطوف والمعطوف عليه في اللغة (الإعراب) وفي الحكم (المعنى) .
أما الثلاثة الأخيرة أعلاه فتفيد المشاركة بينهما في الإعراب دون المعنى والحكم .
وصحيح أن الفاء مثل الواو باستثناء إفادة الفاء الترتيب والتعقيب , كما لو قلت (صليت الفريضة فالنافلة) إلا أنه هناك مواطن لا تستعمل فيها إلا الواو من أفعال المشاركة كما في قوله تعالى [وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ]( ) [إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ] ( ).
ونذكر هنا قوانين في العطف وهي :
الأول : قانون عطف المساوي .
الثاني : قانون عطف الضد على ضده .
الثالث : قانون عطف الخاص على العام .
الرابع : قانون عطف العام على الخاص .
الخامس : قانون العطف الترتيبي بأن يكون المعطوف عليه أعلى رتبة .
السادس : عطف الحاضر على الماضي .
السابع : عطف الأخروي على الدنيوي .
وقد تجتمع هذه الوجوه في آية واحدة أو موضوع واحد منها بلحاظ تعدد معاني اللفظ القرآني .
فقوله تعالى [فَإِنْ كَذَّبُوكَ] فالنسبة بين التكذيب الذي أشارت إليه الآية السابقة وبين التكذيب في هذه الآية هو العموم والخصوص المطلق ، وكذا ذات النسبة بين الذين كذّبوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبين الذين اشترطوا عليه نار القربان في الآية السابقة , والعطف عليها في هذه الآية من عطف الخاص على العام لتضمن الآية السابقة قتل الرسل.
كما أنها عطف الحاضر على الماضي ، والماضي على الحاضر (فإن كذبوك ) من وجوه :
الأول : فان كذبت طوائف بالبشارات التي جاءت بنبوتك .
الثاني : فان كذبت قريش قبل الهجرة بنبوتك خاصة وان آية البحث مدنية .
الثالث : وان كذبك المنافقون وأخفوا هذا التكذيب .

الرابع : وإن كذب قوم بالبشارة بنبوتك ، قبل بعثتك بل وقبل ولادتك .
ليكون من معاني قوله تعالى [فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ] أي كذبت طوائف من الناس ببشارتهم بنبوتك ورسالتك كما لو قالوا ليس من رسول بعد موسى ، أو ليس من رسول إلا أن يأتينا بقربان تأكله النار ، كما ورد في الآية السابقة [الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ] ( ) .
ليكون من إعجاز آية البحث الإتحاد والتعدد بموضوع التكذيب , اما التعدد فهو أن كل قوم كذبوا بنبوة رسول زمانهم ، وأما الإتحاد فهو إتحاد موضوع التكذيب وهو رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيكون العطف في الآية من عطف التكذيب السابق على التكذيب اللاحق.
ومن فضل الله عز وجل العطف المكرر بين نعم الله عز وجل على الأنبياء والناس بين كلمة من نعمة :
الأولى : نعمة البينات بصيغة الجمع .
الثانية : نعمة الزبر جمع زبور والكتاب الذي يتضمن الأحكام التكليفية .
الثالثة : نعمة الوحي والتنزيل .
الرابعة : بيان النفع العظيم من نعمة الكتاب وأنه ينير ومنير ويغير سبل الهداية .
هل ينير للمؤمنين يوم القيامة , الجواب نعم , قال تعالى [يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمْ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ] ( ).
وفي الآية أعلاه , وعن الحسن البصري في رسالته
(عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : مِنَ المُؤْمِنِينَ مَنْ نُورُهُ أَبْعَدُ ما بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَدنِ أبْيَنَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ نُوُرُه لَا يُجَاوِزُ قَدَمَيْهِفقال : { نُورُهُمْ يسعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ }( ) يعني : يضيء بين أيديهم) ( ).
و (عن عبد الله بن عمرو : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة ، يقول الصيام : أي رب منعته الطعام والشهوة فشفعني فيه ، ويقول القرآن : منعته النوم بالليل فشفِّعْني فيه ، قال : فيشفعان) ( ).
وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في حديث صوموا تصحوا , وسافروا تستغنوا.
ومن الآيات في هذه الأيام تعطيل السفر بسبب جائحة كورونا فلحقت الخسارة الفارضة الجميع , وعلى هذا فإن فريضة الصيام باقية وهي التي تأتي بالسفر والغنى فيما بعد , وتكون مناسبة للدعاء ورجاء الفوز بالمكاسب الحلال وتطهيرها بالزكاة والخمس والصدقة .

في سياق الآيات
السياق مادة ساق يسوق .
والسياق : مهر المرأة لأن الإبل والغنم كانت تساق سوقاً وسياقة .
(قال الأصمعي: يقال للرجل إذا كان جيِّدَ السِياقِ للحديث: هو يسرده سرداً ويَهُتُّهُ هَتًّا) ( ).
(و المَريضُ سَوْقاً وسِياقاً: شَرَعَ في نَزْعِ الرُّوحِ) ( ).
ويقال فلان في السياق أي في النزع ، إشارة إلى حضور سوق الروح ، وفي صفة مشي النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يسوق أصحاب أي يجعلهم يمشون بين يديه تواضعاً منه , وبيان منزلة الذي يمشي في الخلف (فَكَانُوا يَمْشُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ خَلْفَهُمْ وَيَقُولُ دَعُوا ظَهْرِي لِلْمَلَائِكَة وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ وَكَانَ يَسُوقُ أَصْحَابَهُ) ( ) .
وتسمى الأشياء التي يتبع بعضها بعضاً بالسياق والنسبة بين السياق والنظم هي العموم والخصوص المطلق .
فالسياق أعم إذ يشمل المعنى والدلالة المستقرأة من النظم وتتابع الألفاظ ، وجاء هذا التفسير بعلوم مستحدثة في سياق الآيات ، وقد صدرت أجزاء متعددة منه خاصة بالسياق والصلة بين الآيات المتجاورة، وهي :
الأول : الجزء الخامس العشرون بعد المائة ويختص بصلة الآية 152 من سورة آل عمران بالآية التي قبلها.
الثاني : الجزء السادس والعشرون بعد المائة ويختص بصلة شطر من الآية 153 بشطر من الآية 151.
الثالث : الجزء السابع والعشرون بعد المائة ويختص بصلة شطر من الآية 154 بشطر من الآية 153.
الرابع : الجزء الواحد والخمسون بعد المائة , ويختص بصلة شطر من الآية 161 بشطر من الآية 164 .
الخامس : الجزء الواحد والتسعون بعد المائة الذي اختص بالصلة بين الآية 180, والآية 181 من سورة آل عمران .
إلى جانب بحث مستقل عن صلة كل آية تم تفسيرها في هذا السِفر بالآيات المجاورة ليكون والحمد لله تأسيساً لمنهاج جديد في التفسير يتسع لآلاف الأجزاء ، وتستخرج معه ذخائر من كنوز آيات القرآن ، والصلة بينها ، وفي سعي العلماء في هذا العلم ونحوه من كنوز القرآن شاهد على قانون وهو أن علوم القرآن من اللامتناهي .
صلة هذه الآية بالآيات المجاورة السابقة :
الوجه الأول : صلة آية البحث بالآية السابقة [الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ] ( ) وفيه مسائل:
المسألة الأولى : لقد ابتدأت الآية السابقة بالاسم الموصول (الذين) وفيه دلالة على اتصال موضوعها بالآية التي سبقتها واتحاد الموضوع بينهما ، وقد ذكرت ايضاً وجهاً آخر في تأويل هذا الإبتداء إلى جانب الإتصال وهو استقلال الآية وإبتداؤها بتفسير خاص ، وهل تحتمل آية البحث هذا التعدد أو أكثر منه أم أنها تختلف لإبتدائها بحرف العطف الفاء.
الجواب هو الأول فان إبتداء الآية بحرف العطف ودلالته على الصلة الموضوعية بينها وبين الآية السابقة لا يمنع من المعنى المستقل لها .
فيكون من معانيه وجوه :
الأول : فان كذّبك الذين اشترطوا برهان تقديم قربان تأكله النار .
الثاني : فإن كذّبك مشركوا قريش فقد كذب أقوام رسلاً من قبلك .
الثالث : فإن كذبوك الذين رآوا المعجزات ، وسيأتي مزيد بيان في باب التفسير وقانون (قانون استقراء جواب الشرط المحذوف من آيات القرآن الأخرى) ( ) .
المسألة الثانية : ابتدأت آية البحث بالقول [فَإِنْ كَذَّبُوكَ] بصيغة الفعل الماضي , ويحتمل وجوهاً :
الأول : إرادة الذين ذكرتهم الآية السابقة ممن اشترط على النبي صلى الله عليه وآله وسلم تارةَ لنظم الآيات والسياق .
الثاني : خصوص الرؤساء الذين اشترطوا قربان النار .
الثالث : المقصود عموم الذين كذبوا النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم من قريش وغيرهم , سواء قبل الهجرة أو بعدها .
الرابع : الإخبار عن وقوع تكذيب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في رسالته من قبل أناس آخرين غير كفار قريش بلحاظ مجئ الآية بصيغة المضارع والشرطية [فَإِنْ كَذَّبُوكَ].
ولا تعارض بين هذه الوجوه وتقديرها بخصوص الآية السابقة على وجوه :
الأول : فإن كذبوك وقالوا ان الله عهد الينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان .
الثاني : فإن كذبوك بأن قالوا ان الله عهد إلينا كذا ..حتى نصدق برسالتك ، فمن الإعجاز في الآية السابقة أنها قطعت إدعاء الناس القول بعهد بين الله وبينهم .
الثالث : فإن كذبوك وانكروا قتل الأنبياء .
الرابع : فإن كذبوك باكتفاء شطر من الأنبياء والرسل بالمجئ بالبينات غير معجزة القرآن .
الخامس : فإن كذبوك بنفي اشتراطهم معجزة القربان .
السادس : فإن كذبك كفار قريش بخصوص معجزة القربان ، فمن إعجاز القرآن مجئ كذبوك بصيغة الجمع والتنكير من غير تعيين طائفة خاصة ، لتكون النسبة بين الذين ذكرتهم الآية في قوله تعالى [فَإِنْ كَذَّبُوكَ] ( )وبين [الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا] ( ) عموم وخصوص مطلق ، فالذين كذّبوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أكثر من الذين اشترطوا معجزة القربان .
المسألة الثالثة : لقد تكررت مادة [قال ] في آية السياق ثلاث مرات وهي :
الأولى : الذين قالوا .
الثانية : فعل الأمر (قل) .
الثالثة : الفعل الماضي في [وَبِالَّذِي قُلْتُمْ].
ولم ترد مادة (قال ) في آية البحث ، ولكن ورد ما يدل عليها بقوله تعالى [فَإِنْ كَذَّبُوكَ] ترى ما هي النسبة بين القول والتكذيب ، الجواب هو العموم والخصوص المطلق ، فالقول أعم ، نعم قد يرد التكذيب بالفعل من الإشارة وخلجات الوجه .
وهل يشمل قوله تعالى [فَإِنْ كَذَّبُوكَ] محاربة النبي في ميدان القتال ، الجواب لا ، لأن الحرب فرد إضافي زائد ، والقدر المتيقن من التكذيب في آية البحث هو التكذيب باللسان .
وتقدير الآية : فإن كذبوك بألسنتهم … نعم قد يكون هذا التكذيب سبباَ لتحريض وتأديب الناس على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فنزلت الآية بوقفه ومنعه.
وتحتمل النسبة بين قوله تعالى [الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا] ( ) وبين [فَإِنْ كَذَّبُوكَ] ( ) وجوهاً :
الأول : النسبة التساوي بين القولين .
الثاني : نسبة العموم والخصوص المطلق ، وفيه شعبتان :
الأولى : الذين قالوا هو الأعم .
الثانية : التكذيب هو الأعم .
الثالث : نسبة العموم والخصوص من وجه ، فهناك مادة للإلتقاء بين القولين وأخرى للإفتراق بينهما .
والمختار هو الشعبة الثانية من الوجه الثاني أعلاه ، كما أن التكذيب بالنبوة فرع قولهم [إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا] ( ) وكذا فان هذا القول فرع التكذيب بالرسالة من غير أن يلزم الدور بينهما .
المسألة الرابعة : ورد في آية السياق قوله تعالى [قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي] ( )وجاء في آية البحث [رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ] ( ) فتكررت في الآيتين مواضيع :
الأول : الشهادة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأنه رسول من عند الله عز وجل .
الثاني : إخبار القرآن بمجئ رسل من عند الله عز وجل قبل النبي محمد صلى الله عليه وآل وسلم .
الثالث : تكذيب الرسل الذين جاءوا من قبل .
ترى ما هي النسبة بين المخاطَبين بآية السياق [قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي] ( ) وبين الذين أخبرت آية البحث في مضمونها بأنهم كذبوا الرسل ، الجواب هو العموم والخصوص المطلق ، فالذين كذبوا الرسل أعم سواء من جهة المذهب أو الأفراد والطوائف أو عدد الرسل ، إذ تشمل الآية الكفار والمشركين في كل زمان .
وهل تشمل الآية الذين صدّقوا ببعض الرسل وكفروا ببعضهم، الجواب نعم .
ومن معاني النسبة أعلاه مجئ آية البحث بصيغة الخطاب [قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي] ( ) فالرسل الذين ذكرتهم آية البحث وأخبرت بأنهم كذبوا أعم وأكثر .
وفيه موَاساة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودعوة له ولأصحابه بالصبر ، وفيه تثبيت لقلوبهم في منازل الإيمان .
وكل من آية البحث والآية السابقة من مصاديق قوله تعالى [وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ] ( ).
المسألة الخامسة : ابتدأت آية البحث بحرف العطف وأداة شرط [فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ]( ) يكون تقديرها بلحاظ الآية السابقة على وجوه :
الأول : فإن كذبوك في رسالتك .
الثاني : فإن كذبوك بإنكارهم المعجزات التي جئت بها .
الثالث : فإن كذبوك وكذبوا أصحابك .
الرابع : فإن كذبوك بنفي وجود عهد بين الله عز وجل وبينهم .
الخامس : فإن كذبوك لإشتراطهم القربان .
السادس : فإن كذبوك بمجئ الرسل السابقين بالبينات والحجج الباهرات.
السابع : فإن كذبوك وانكروا قتل الأنبياء , أو أنكروا مجيئهم بالبينات .
الثامن : فإن كذبوك فيما تقوله من السنة والأحاديث مع أنها شعبة من الوحي , قال تعالى [وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى] ( ).
التاسع : فإن كذبوك فهم ليسوا بصادقين .
المسألة السادسة : فإن قيل يختص صدور التكذيب في هذه الآية من الذين ذكرتهم الآية السابقة إذ تذكر الآية الذين كذبوا النبي محمداَ صلى الله عليه وآله وسلم على نحو التعيين كما لو قالت : فإن [الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ] ( ).
والجواب من خصائص الآية القرآنية أنها تأتي بصيغة المعنى الأعم والمفهوم الكلي الذي يتعلق بخصلة أو صفة معينة سواء صفة محمودة أو صفة مذمومة.
ومن إعجاز القرآن في مثل هذه الآية كون الصفات المشار إليها في الآية موجودة في كل زمان وظاهرة للعيان , او أنها تستبين عند التدبر والتأمل .
المسألة السابعة : ذكرت آية البحث تكذيب طائفة من الناس الأنبياء ، بينما ذكرت الآية السابقة قتل طائفة للأنبياء , والنسبة بين التكذيب والقتل عموم وخصوص مطلق ، فقد يكّذب قوم نبي زمانهم ولكن لا يقتلونه ، وقد يكذبون ويحرضون على قتله وهو أشد مراتب التكذيب .
وهل وقفت قريش عند التكذيب لرسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، الجواب لا ، إنما سعوا إلى قتله ببذل المال وبمحاولات الإغتيال ثم بهجوم الجيوش ، وكأن قوله تعالى في آية السياق [فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ]( ) منع لهم , وواقية من الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتقديرها : فلان قتلتموهم فلن تصل أيديكم إلى خاتم النبيين ، ويكون من معاني الجمع بين الآيتين فضح جريمة قتل الأنبياء ، ودعوة الناس إلى النفرة من هذا القتل ، ويترشح عن هذه النفرة الإنصات لما جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والأنبياء السابقون عليهم السلام من عند الله عز وجل.
وتستقرأ قصص الأنبياء من القرآن ومن الكتب السماوية السابقة ومن السنة النبوية الشريفة لبيان قانون وهو من إعجاز القرآن وجوه :
الأول : قانون الصيغة السماوية لقصص القرآن , وهو من مصاديق الحسن والأحسن في قوله تعالى [نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الْغَافِلِينَ] ( ).
الثاني : جهل الناس لكثير من القصص التي وردت في القرآن ، مما يدل على أنها من الوحي والتنزيل ، وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أمياً , وفي التنزيل [قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِ وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ]( ).
الثالث : قانون استقراء واقتباس المواعظ من قصص القرآن .
الرابع : موافقة حال الناس أيام التنزيل لشواهد من قصص القرآن , قال تعالى [لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ]( ).
الخامس : قانون صيرورة قصص القرآن وسيلة مباركة لرفع لواء التوحيد ، وقيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتبليغ الرسالة كاملة خاصة وأن القرآن لم ينزل دفعة واحدة ، وكذا الناس لم يدخلوا الإسلام مرة واحدة ، وقد بدأ الإسلام والتنزيل غريباً ، ولم يغادر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحياة الدنيا إلا وقد صار عدد الصحابة الذين رآوه وهم مسلمون أكثر من مائة ألف صحابي وصحابية .
السادس : قانون تعاهد الآية القرآنية لسلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو من الإعجاز الغيري للقرآن ، ومن الإعجاز الذاتي للسنة النبوية الإستجابة لهذا الإعجاز والتوافق معه ، وهو من عمومات إنتفاء التعارض بين القرآن والسنة .
المسألة الثامنة : من إعجاز القرآن والبيان في هذه الآيات تأكيد قانون وهو أن الرسل الذين بعثهم الله جميعاً إنما عاشوا وغادروا الدنيا قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بمئات السنين , وليس من رسول في ايامه أو بعده ، ومع هذا إدَعى مسيلمة الكذاب وطليحة وسجاح النبوة ، وكانت دعوة مسيلمة في أيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ي ثم حدثت معارك شديدة بين المسلمين وبين مسيلمة وقومه بعد إنتقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى .
ومسليمة بن ثمامة بن كثير بن حبيب الحنفي ، ولد في اقليم اليمامة في قرية تعرف اليوم باسم الجبيلة ، وتبعد عن مدينة الرياض أربعين كم .
واليمامة أقليم مشهور في الأزمنة السابقة ، وكانت قبل الإسلام وفي بداياته محلاً لزراعة القمح والشعب ، وتزود مكة والطائف بهما , وقد ورد في قصة اسلام الصحابي ثمامة بن أثال رئيس بني حنيفة أنه أول من فرض الحصار على أهل مكة إذ أنه لما اسلم توجه إلى مكة معتمراَ (فلما سمع به المشركون جاءوه فقالوا يا ثمامة صبوت وتركت دين أبائك .
قال لا أدري ما تقولون إلا إني أقسمت برب هذه البنية لا يصل إليكم من اليمامة شيء مما تنتفعون به حتى تتبعوا محمدا عن آخركم.
وكانت ميرة قريش ومنافعهم من اليمامة ثم خرج فحبس عنهم ما كان يأتيهم منها من ميرتهم ومنافعهم فلما أضر بهم كتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن عهدنا بك وأنت تأمر بصلة الرحم وتحض عليها وإن ثمامة قد قطع عنا ميرتنا وأضر بنا فإن رأيت أن تكتب إليه أن يخلي بيننا وبين ميرتنا فافعل فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ” أن خل بين قومي وبين ميرتهم ” .
وكان ثمامة حين أسلم قال يا رسول الله والله لقد قدمت عليك وما على وجه الأرض وجه أبغض إلي من وجهك ولا دين أبغض إلي من دينك ولا بلد أبغض إلي من بلدك وما أصبح على وجه الأرض أحب إلي من وجهك ولا دين أحب إلي من دينك ولا بلد أحب إلي من بلدك.
وقال محمد بن إسحاق ارتد أهل اليمامة عن الإسلام غير ثمامة بن أثال ومن اتبعه من قومه فكان مقيماً باليمامة ينهاهم عن اتباع مسيلمة وتصديقه ويقول إياكم وأمراً مظلماً لا نور فيه وإنه لشقاء كتبه الله عز وجل على من أخذ به منكم وبلاء من لم يأخذ به منكم يا بني حنيفة.
فلما عصوه ورأى أنهم قد أصفقوا على اتباع مسيلمة عزم على مفارقتهم ومر العلاء بن الحضرمي ومن تبعه على جانب اليمامة فلما بلغه ذلك قال لأصحابه من المسلمين إني والله ما أرى أن أقيم مع هؤلاء مع ما قد أحدثوا وإن الله تعالى لضاربهم ببلية لا يقومون بها ولا يقعدون وما نرى أن نتخلف عن هؤلاء وهم مسلمون وقد عرفنا الذي يريدون وقد مر قريباً ولا أرى إلا الخروج إليهم فمن أراد الخروج منكم فليخرج فخرج ممداً العلاء بن الحضرمي ومعه أصحابه من المسلمين فكان ذلك قد فت في أعضاد عدوهم حين بلغهم مدد بني حنيفة.
وقال ثمامة بن أثال في ذلك :
دعانا إلى ترك الديانة والهدى … مسيلمة الكذاب إذ جاء يسجع
فيا عجبا من معشر قد تتابعوا … له في سبيل الغي والغي أشنع
في أبيات كثيرة ذكرها ابن إسحاق في الردة وفي آخرها :
وفي البعد عن دار وقد ضل أهلها … هدى واجتماع كل ذلك مهيع) ( )
واليمامة موضع قصة زرقاء اليمامة ، وأقوام طسم وجديس قبل الإسلام ، ووقعت فيها أشد حروب الردة في السنة الثانية عشرة للهجرة النبوية الشريفة .
وفي هذا الزمان غلب عليها اسم الإقليم المجاور لها (نجد).
وبقيت منها قرية صغيرة فيها تحمل ذات الاسم اليمامة وتبعد عن مدينة الرياض (78)كم ، ولا تزال أسوار حديقة الموت في الجبيلة ظاهرة إلى الآن .
وإدعاء النبوة من أشد الكذب والتكذيب والإفتراء ، لقد أرادوا بهذا الإدعاء إضعاف الدعوة إلى الله وسنن التوحيد ، وفي التنزيل [وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ] ( ).
وهل يدخل المرتدون بعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في عمومات قوله تعالى [فَإِنْ كَذَّبُوكَ] الذي إبتدأت به آية البحث أم أنه خاص بالذين سألوا البرهان والقربان ونحوه ، الجواب هو الأول ، وهو من إعجاز القرآن بالإخبار عن وجود طائفة من الناس تكّذب بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته وفيه شاهد إعجاز من وجوه :
الأول : استدامة أحكام شريعة الإسلام بعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : إخبار القرآن عن الوقائع والأحداث التي تقع بعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على نحو الإجمال , قال تعالى [أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ]( )
الثالث : بيان قانون وهو إجتماع وجوه متباينة في ذات الآية واللفظ القرآني وهي :
الأول : وجود أسباب نزول الآية القرآنية .
الثاني : إزاحة الموانع عن العمل بمضامين الآية القرآنية .
الثالث : منع حدوث مكر وكيد بخصوص مضامين الآية القرآنية .
الرابع : موضوعية الآية القرآنية في تهذيب النفوس وإصلاح المجتمعات.
الخامس : تكرار أسباب النزول إن كانت خيراً وأمراً حسناً ، أما إذا كانت ظلماً وإفتراءً وتعدياً فان الآية القرآنية تستأصلها من الأصل .
والنسبة بين الضلالة وتكذيب الأنبياء عموم وخصوص مطلق ، قال تعالى [وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلاَلَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ] ( ) .
وقيل أن الشركامن في نفوس بعضهم وأنهم لا يريدون تغييره ، ولا دليل على هذا القول وهو مناف للفطرة وعمومات منافع تفضل الله عز وجل بالنفخ من روحه في آدم ، وفي التنزيل [وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ] ( ) إنما هو غلبة الشقاء وحب الدنيا , والإمتناع عن الإنقياد للأنبياء والمعجزات التي جاءوا بها ، وكان الناس في تلقي دعوة الأنبياء على أقسام :
الأول : الذين آمنوا برسالة النبي رجالاً ونساءً .
الثاني : الذين توقفوا .
الثالث : الذين آمنوا وخشوا بطش الرؤساء والجبارين .
الرابع : الذين قاموا بشتم النبي والنيل من المسلمين الأوائل .
الخامس : الذين طردوا النبي من أرضيهم كما في أهل الطائف أو في المحل الذي هم فيه .
ومن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يدعو القبائل إلى الإسلام أيام موسم الحج في مكة ، وهم ابن مكة ، ومن ذرية إبراهيم عليه السلام الذي رفع قواعد البيت ونادى بالناس بالحج .
ليكون من مصاديق قوله تعالى [وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ]( ) إن هذا الأذان مقدمة لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودعوة لأفراد القبائل جملة في أيام معدودة في أرض مكة من غير أن يجرأوا على طرده ، وهو من عمومات قوله تعالى [وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ]( ) إذا يقوم الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم بدعوة الناس إلى الإسلام حتى قبل إسلام وفد من الأوس والخزرج الذين أكرمهم الله عز وجل بأن سمّاهم في القرآن باسم اختصوا به من بين الأولين والآخرين ، وهو اسم (الأنصار ) وإن كانت هذه التسمية لا تختص ببيعة العقبة إنما تشمل الذين استقبلوا النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين في المدينة ، ودافعوا عنه ، قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ] ( ).
المسألة التاسعة : أخبرت كل من آية البحث وآية السياق عما جاء به الأنبياء ، وبينهما عموم وخصوص من وجه ، فمادة الإلتقاء فيما ذكرته الآيتان هي البينات ، إذ ذكرت بالآيتين .
أما مادة الإفتراق فقد ذكرت آية السياق وهي الآية السابقة أن الرسل جاءوا بالقربان الذي تأكله النار ، [قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ] ( ) .
بينما ذكرت آية البحث أن الرسل جاءوا إلى جانب البينات بكل من :
الأولى : الزبر ، والزبر لغة هو الكتاب غليظ الكتابة ، ويقال زبرت الكتاب أي كتبته ، والزبر جمع زبور وهو في الإصطلاح الكتاب الذي أنزل على داود , أما معناه بصيغة الجمع فهو الكتب التي أنزلت على الأنبياء , ومن معاني غلظة الكتاب ما فيه من الأوامر والنواهي , وفي التنزيل [وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا]( ).
المسألة العاشرة: لقد ذكرت آيتا البحث والسياق الرسل السابقين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وبينهما بلحاظ هذه المسألة عموم وخصوص مطلق ، فالرسل الذين ذكرتهم آية البحث أعم من جهات :
الأولى : الرسل الذين كذب بهم قومهم أكثر من الرسل الذين قتلوا ، فكل رسول قُتل كُذب وليس العكس .
الثانية : الذين كذّبوا الرسل أعم نسباً وانتماءً من الذين قتلوهم ، إذ تضمنت الآية السابقة لغة الخطاب [قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ] ( ) بينما أخبرت آية البحث عن تكذيب الرسل من غير أن تذكر أنهم جاءوا لخصوص الذين كذبوهم .
الثالثة : ذكرت آية البحث أن الرسل جاءوا بكل من :
الأول : البينات .
الثاني : الزبر .
الثالث : الكتاب المبين .
بينما ذكرت آية السياق أن الرسل جاءوا بكل من :
الأول : البينات .
الثاني : الذي قاله الذين اشترطوا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم القربان وأيهما أكثر , المختار التساوي لإتحاد الموضوع .
المسألة الحادية عشرة : لقد ورد ذكر الذم للذين لم يصدقوا بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ووقفوا عند اشتراط المعجزات الخاصة ، وإدعاء أن المشروط عهد بينهم وبين الله عز وجل .
واذا كان هناك عهد بين الله وبينهم فلابد انه جاء بواسطة الرسل السابقين ، فلم كذبوهم برسالاتهم ، فلا يعقل أن يصدقوا بالرسل بخصوص العهد ويكذبوهم بالفرائض والعبادات والبشارات التي جاءوا بها ، ومنها البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رسولاً من عند الله ، فعند التسليم بأن هذا أو ذاك النبي هو رسول من عند الله ، فلابد من التصديق بكل ما جاء به .
وقد جاءت آية السياق بما هو أقبح من فعالهم ، إذ أخبرت بأنهم قتلوا الرسل الذين جاؤهم بصفة الرسالة ، فلم يقتلوهم قبل أن يبعثوا من عند الله ، ولم يقتلوهم بعد أن بعثوا وقبل أن يعلنوا نبوتهم ، ولم يقتلوهم وهم لم يعلموا أنهم رسل من عند الله عز وجل , بل قتلوهم مع العلم بأن كل واحد منهم رسول من عند الله عز وجل جاءوا بالمعجزات التي تدل على أنه نبي رسول ارسله الله لهداية الناس وصلاحهم ، فكان قتلهم جريمة لإيقاف هذا الصلاح ، ولكن ورد في التنزيل [يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ] ( ) .
وتقدير الآية : قتلتموهم وبعثنا غيرهم لكم ولعامة الناس وهو من رحمة الله عز وجل ، فالأصل أن الذي يُقتل رسله يمتنع عن ارسال الرسل ، وينزل العقاب بالذين قتلوهم ، إذا كان مقتدراً على هذا العقاب ، وفي التنزيل [وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ * كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ] ( ).
وفيه إنذار للذين كذبوا بالرسالات وأنكروا البينات ، وجحدوا بالمعجزات الحسية والعقيلة .
لقد أراد الله عز وجل في آية البحث بيان قانون وهو نصر الرسل بعضهم لبعض من وجوه :
الأول : نصر الرسول اللاحق للرسول السابق ، كما في آية البحث .
الثاني : نصر النبي للرسول المعاصر له في زمانه .
الثالث : البشارة ونصر الرسول السابق للرسول اللاحق ، ويدل عليه قوله تعالى [وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ] ( ) فهذه الآية جامعة للتصديق والتوثيق من جهات :
الأولى : تصديق عيسى لرسالة موسى عليه السلام التي سبقته ، وشهادته بأن موسى عليه السلام جاء بالمعجزات التي تؤكد صدق نبوته .
الثانية : إعلان عيسى لنبوته ، وأنه رسول من عند الله عز وجل ودعوته للتصديق برسالته ، والأحكام التي جاء بها .
الثالثة : بشارة عيسى علسه السلام برسالة النبي محمد صلى على عليه وآله وسلم وتعيين اسمه ، وندب الناس إلى التصديق بنبوته واتباعه .
الرابعة : حال التكذيب الذي لاقاه الرسل السابقون , وفي التنزيل [وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ]( ).
المسألة الثانية عشرة : من معاني الجمع بين آية البحث والآية السابقة البشارة بسلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من القتل وأن سعي الكافرين والمنافقين لا يتعدى التكذيب .
لتمنع كل من آية البحث والسياق دبيب الجزع إلى صدر النبي محمد واله وسلم وأصحابه ،ولتبقى كل منهما مصاحباً سماوياً يومياً للنبي في دعوته إلى الله بحيث لا يلتفت إلى الذين يكذبونه ، وتقدير الآية على وجوه :
الأول : فإن كذبك هؤلاء فان غيرهم لم يكذبوك .
الثاني : فان كذبك فريق من الناس فاشكر الله عز وجل على إيمان فريق آخر من الناس برسالتك ، وهم المهاجرون والأنصار .
الثالث : فإن كذبك أهل الشروط فقد نزلت آية السياق لتمنع الناس من محاكاتهم .
ومن معاني الجمع بين الآيتين بيان طلب نفر وطائفة من الناس شرط المعجزة الخاصة بهم ، وهي (نار القربان ).
وعندما أخبرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنه بشر أرسله الله عز وجل بمعجزات هي من عند الله من جهة النوع والجنس والحكم والكيف ,اتجه فريق منهم إلى التكذيب بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , قال تعالى [قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَرًا رَسُولاً]( ).
المسألة الثالثة عشرة : ابتدأت آية البحث بصيغة الجملة الشرطية [فَإِنْ كَذَّبُوكَ] وهو من إعجاز القرآن لبيان أن احتجاج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا يذهب سدى فلابد من إيمان طائفة منهم عقب هذا الإحتجاج النازل من عند الله عز وجل لبيان قانون وهو ترتب الأثر والنفع العظيم عند نزول الآية القرآنية وأوان نزولها ، وفيما بعد إلى يوم القيامة .
فمن فيوضات الآية السابقة أمور :
الأول : الإمتناع عن اشتراط (نار القربان ) للتصديق بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : التدبر العام بمعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم العقلية والحسية .
الثالث : عدم التفات الناس للذين يشترطون المعجزات الخاصة ، قال تعالى [وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأْ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ] ( ).
الرابع : إصلاح المسلمين للإحتجاج على الذين كفروا .
الخامس : بيان قانون وهو الإتحاد والتشابه بين ما لاقاه الرسل وما يلقاه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من التكذيب من قبل أهل الجحود والعناد ، وفي التنزيل [وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ] ( ).
السادس : الإنذار والوعيد بالعذاب الأخروي في الآخرة للذين يكذبون بالرسالات ، قال تعالى [وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمْ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ] ( ).
لقد أخبرت آية السياق عن قانون وهو مجئ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالبينات ، أي الدلالات الباهرات التي تدل على صدق نبوته وأنه رسول من الله عز وجل ، ليكون من معاني [ فإن كذبوك ] أي فان كذبوا البينات التي جئت بها ، وهذا التكذيب ظلم للنفس والغير لحكم الشرع والعقل بوجوب التصديق بالبينات ، وليكون من معاني هذا التكذيب :
الأول : فإن كذبوا بآية السياق .
الثاني : فإن كذبوا بأن الرسل من قبل جاءوا بالبينات .
الثالث : فإن كذبوا وأنكروا بأن شطرا من الرسل لم يأتوا بآية القربان.
وهل يصح القول فان كذبوا قتل الأنبياء ، الجواب أخبرت التوراة عن وقوع هذا القتل , وإن كان كثير من الأنبياء والرسل ماتوا على فراشهم مثل موسى وهارون وداود وسليمان عليهم السلام .
المسألة الرابعة عشرة : ابتدأت آية البحث بحرف العطف الفاء بقوله تعالى [فإن كذبوك] وتفيد الفاء العطف والتعقيب من غير فترة أو مهلة ، أي أن هؤلاء المعاندين لجأوا إلى تكذيب البينات التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من غير تدبر فيها ، وفيه حجة عليهم إذ رزق الله عز وجل الإنسان العقل للتمييز بين الحق والباطل ، وقد جعله الله عز وجل واسطة التصديق بالمعجزات والدلائل التي تدل على صرف النبوة ، ولزوم الإمتثال للأوامر التي جاء بها الأنبياء من عند الله عز وجل ، قال تعالى [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا] ( ).
وتقدير الآية أعلاه بلحاظ آية البحث على وجوه :
الأول : يا أيها الناس لا تكذبوا الرسول فيما آتاكم .
الثاني : يا أيها الناس خذوا ما آتاكم الرسول لبيان مسألة وهي توجه الآية بالأمر إلى الأخذ والعمل بما جاء به الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم للمنع من التردد والشك والوهم والهّم بتكذيب المعجزات أو الإصغاء للمكذبين .
وهل يتعلق موضوع [فإن كذبوك ] بخصوص موضوع الآية السابقة ، الجواب لا ، وكذا بالنسبة للرسل السابقين وتكذيب قومهم لهم ، فلم يكن هذا التكذيب بخصوص معجزة مخصوصة أو حكم معين ، إذ كان هذا التكذيب على اقسام :
الأول : التكذيب بأصل الرسالة وإنكار القوم للرسول الذي يأتيهم ويدعوهم إلى عبادة الله عز وجل .
الثاني : التكذيب بالوحي والتنزيل ، والقول بأنه من عند الرسول نفسه أو أنه تعلمه من غيره ، أو أنه من تلقين الجن ، وفي التنزيل [وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ] ( ) .
الثالث : إتصاف نفر من الناس بالإستكبار والعناد والإمتناع عن الإنصياع للأوامر والنواهي الإلهية ، أي أن المانع ذاتي ، وفي تكذيب عاد لهود عليه السلام , قال تعالى [فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ] ( ).
الرابع : الزهو والغرور وحرص بعض الرؤساء على ملكهم وسلطانهم على شعبهم ورعيتهم ، كما في رؤساء قريش وخشيتهم على شأنهم ، وحينما دعا موسى عليه السلام فرعون للتوحيد ورد في التنزيل [قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ] ( ).
الخامس : خصلة الحسد وغلبة النفس الغضبية ، فكيف تكون النبوة عند هذا النبي ، ولا تكون عند غيره من الوجهاء أو الصلحاء ، وكيف تكون عند آل فلان ولا تكون عند آل فلان ، وفي التنزيل [أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا] ( ) ولما توالى نزول آيات القرآن ، وصار الناس يصغون لها ، ويدركون قانوناً من الإرادة التكوينية وهو أن آيات القرآن فوق كلام البشر في البلاغة والدلالة ، [وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ] ( ) ولا إختلاف بأن المراد من القريتين مكة والطائف .
واختلف في المراد بالرجلين على أقوال متعددة :
الأول : (الوليد بن المغيرة من مكّة وكان يسمى ريحانة قريش) ( ).
الثاني : ( عتبة بن ربيعة من مكة وابن عبد ياليل من الطائف ) والمراد من ابن عبد ياليل هو عمير .
الثالث : (الوليد بن المغيرة من أهل مكة ، ومسعود بن عمرو الثقفي من أهل الطائف) ( ).
الرابع : (هو الوليد بن المغيرة المخزومي ، أو كنانة بن عمر بن عمير ، عظيم أهل الطائف) ( )عن الشعبي.
الخامس : رجل ذو شأن من مكة أو الطائف أي المراد رجل واحد سواء من مكة أو الطائف , ومع تعدد التقسيمات الإدارية وتوسع المدن وكثرة الإنشطار فيها , في هذه الأزمنة , فإن مدينة الطائف تتبع إدارياَ وإلى يومنا هذا لمنطقة مكة وهو من مصاديق قوله تعالى [لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا]( ).
وفيها ميقات للإحرام للحج والعمرة ويسمى قرن المنازل كما يسمى السيل الكبير ويبعد عن مكة (73)كم وهو ميقات أهل نجد والعراق والبحرين وايران ومن حاذاه أو مرّ به .
وقد حصر المراد من عظيم مكة برجلين :
الأول : الوليد بن المغيرة , وهو المروي عن ابن عباس .
الثاني : عتبة بن ربيعة .
أما الرجل العظيم من الطائف ففيه أقوال :
الأول : حبيب بن عمر الثقفي ، عن ابن عباس .
الثاني : عمير بن عمرو بن مسعود الثقفي.
الثالث : عروة بن مسعود ( ).
الرابع : كنانة بن عبد بن عمرو .
والمختار إنهما الوليد بن المغيرة من مكة .
وعروة بن مسعود بن متعب بن مالك الثقفي من الطائف .
وعروة هذا صحابي مشهور .
وكان أبوه زعيم ثقيف وقيس عيلان في حرب الفجار أمام قريش وكنانة ، يوم كانوا في يوم عكاظ ، وهو أحد أيام حرب الفجار ، وليس المراد سوق عكاظ ، وهو القائل لولده خشية أن تبتاع قريش أمواله التي ترك إرثاً لهم
(لا أعرضا قرشياً يشتري عجلي … يا ابني أمية من زرع وحجران
وابنا يسيعة لا أخشى ضياعهما … على موالي من سود وحمران
(هؤلاء أولاده)) ( ) كما في حديث الإسراء عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في وصف النبي (وكان عروة يشبه بالمسيح عليه السلام في صورته) ( ).
وفي أيام الحديبية جاء عروة من قبل قريش وأصحابهم للتفاوض مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث طويل .
ويدل كلامه مع قومه عندما رجع إليهم على علو شأنه ودخوله على الملوك.
(فرجع عروة إلى أصحابه فقال أي قوم والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على كسرى وقيصر والنجاشى والله إن رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا والله إن يتنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده وإذا أمرهم ابتدروا أمره وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه .
وإذا تكلموا عنده خفضوا أصواتهم والنظر إليه تعظيما له .
وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها .
فقال رجل من كنانة دعوني آئيه فقالوا ائته فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له فبعث له واستقبله قوم يلبون .
فلما رأى ذلك قال : سبحان الله ما ينبغى لهؤلاء أن يصدوا عن البيت) ( ).
(قال ابن إسحاق : لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم من الطائف اتبع أثره عروة بن مسعود بن معتب حتى أدركه قبل أن يصل إلى المدينة فأسلم وسأل رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم أن يرجع إلى قومه بالإسلام.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ” إن فعلت فإنهم قاتلوك ” .
فقال له عروة : يا رسول الله أنا أحب إليهم من أبصارهم .
وكان فيهم محببا مطاعا فخرج يدعو قومه إلى الإسلام فاظهر دينه رجاء ألا يخالفوه لمنزلته فيهم فلما أشرف على قومه وقد دعاهم إلى دينه رموه بالنبل من كل وجه فأصابه سهم فقتله رضي الله عنه ) ( ).
وكان قتله في السنة التاسعة للهجرة ، وفي التنزيل [وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ] ( ).
أي أن الله عز وجل هو الذي يتعاهد خلق الناس ويحفظ الذي يريد أن يبعثه نبياً في أصلاب آبائه ، وفي إختيار أمه ويحفظه وهو حمل وبعد الولادة ، ويجعله الأصلح والأحسن من بين الناس ، ولا يدعو إلا إلى الخير والفلاح ، فليس للناس أن يكذبوا أياً من الرسل والأنبياء .
المسألة الخامسة عشرة : لقد ذكرت آية البحث مجئ الرسل بكل من :
الأول : البينات والدلالات على نبوتهم , وأحكام الحلال والحرام .
الثاني : الكتب السماوية لقوله تعالى [وَالزُّبُرِ] ( ) وهي الكتب المزبورة أي المكتوبة , من زبرت أي كتبت واحدها زبور مثل رسول ورسل ، وتقول زبرت الكتاب أي كتبته.
الثالث : الكتاب النازل من السماء ، ووصفته الآية بالمنير أي الواضح والجلي ينير دروب الرشاد , ويهدي إلى الحق ويبشر برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
بينما ذكرت آي السياق مجئ الرسل بأمرين :
الأول : البينات .
الثاني : الذي قاله وسأله أهل شرط قربان النار وما هو أعم .
لتكون النسبة بين موضوع الآيتين العموم والخصوص المطلق ، وهو من إعجاز القرآن إذ ذكرت آية البحث المعنى الأعم ، وهو تكذيب طائفة من الناس للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , بينما ذكرت آية السياق خصوص صدور شرط من فئة منهم .
نعم يصح القول أن لفظ البينات جامع للمعجزات ، لذا تكرار في الآيتين ، فذكر الزبر والكتاب المنير في آية البحث على نحو الإستقلال ، بينما ذكر ضمناً في لفظ البينات في آية السياق ، وهو من إعجاز القرآن في باب المجمل والمبين ، فما يكون مجملاً في آية يكون مفصلاَ في آية أخرى من وجوه :
الأول : أسباب ودلالات اعجازية للمورد الذي جاء فيه اللفظ مجملاً.
الثاني : المعاني والدلالات في اللفظ مفصلاَ في موضوع ذاته أخرى .
الثالث : الصلة بين آيتي المجمل والمفصل , والمسائل المستنبطة من هذه الصلة .
الرابع : لماذا جاء المجمل في هذه الآية , وجاء التفصيل في تلك الآية .
الخامس : دلالات الجامع بين المجمل والمفصل .
السادس : ترى ماذا لو جاء المجمل وحده أو المفصل وحده في القرآن .
السابع : أسباب نزول الفرد المجمل , وأسباب نزول المفصل .
وذكرت آية البحث تكذيب شطر من الناس للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتضمنت مواساته وإيناسه ودعوته والمسلمين إلى التأسي بقصص الأنبياء .
المسألة السادسة عشرة : أختتمت الآية السابقة بقوله تعالى [إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ] ( ).
وتقدير الجمع بينه وبين أول آية البحث[فَإِنْ كَذَّبُوكَ] ( ) فلماذا تكذبون الرسول ان كنتم صادقين بالعهد بينكم وبين الله , وهناك ملازمة بلحاظ سنخية الصدق بين كل من :
الأول : النبوة والصدق .
الثاني : الرسالة والتبليغ .
الثالث : تصديق النبي للأنبياء السابقين .
الرابع : تصديق القرآن للكتب السماوية السابقة .
الخامس : تصديق الوقائع والشواهد لآيات التنزيل .
السادس : وجود أمة تصدق بالكتب السماوية المنزلة في كل زمان .
السابع : الملازمة بين الإيمان والصدق .
ليكون من معاني قوله تعالى [إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ] ( ) التذكير بوجوب الصدق وإجتناب الكذب وتكذيب من هو صادق , ومن خصائص وخصال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يسمى قبل البعثة (الصادق الأمين).
المسألة السابعة عشرة : لقد تكررت مادة (كذب) مرتين في آية البحث ، وهما [كَذَّبُوكَ][ كُذِّبَ] أما آية السياق فلم تذكر التكذيب ولكنها أختتمت بالقول [إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ].
لبيان التضاد بين الصدق والكذب ، وأن التكذيب بالحق يجلب الضرر للذات والغير ، فقد تكذب جماعة النبي ومعجزاته فيأتي فرد يبطش بالنبي ويعتدي عليه ، وقد يقتله كما ورد في آية البحث [قَتَلْتُمُوهُمْ] فيكون سبباَ لنزول البلاء , إذ أن قتل الأنبياء لم يتركه الله عز وجل , إنما ينزل البلاء والعذاب بالذين قتلوهم , وقد ذكر القرآن عذاب لإستئصال الذي لحق الذين حرضوا على قتل ناقة صالح , ثم قيام أحدهم بقتلها , وقتل النبي والمؤمن أكبر عند الله عز وجل .
و(عن جابر بن عبد الله قال : لمّا أُمر النبيّ {صلى الله عليه وآله وسلم} بالحجر في غزوة تبوك قال لأصحابه : لا يدخلن أحدّكم القرية ولا تشربوا من مائهم ولا تدخلوا على هؤلاء المعذّبين إلاّ أن تكونوا باكين خائفين فإن لم تكونوا فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم.
ثمّ قال :أمّا بعد فلا تسألوا رسولكم الآيات، هؤلاء قوم صالح سألوا رسولهم الآية فبعث الله عزّ وجلّ لهم الناقة فكانت ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج فتشرب ماءهم يوماً فيردها وراءهم مرتقى الفصيل حين ارتقى في الغار فعتوا عن أمر ربّهم وعقروها فأهلك الله مَنْ (تحت) أديم السماء منهم إلاّ رجلاً واحداً كان في حرم الله.
قيل : من هو؟
قال : أبو رغال.
فلمّا خرج أصابه ما أصاب قومه (فدفن ههنا) ودُفن معه غصن من ذهب وأراهم قبر أبي رغال فول القوم فابتدروه بأسيافهم وبحثوا عليه فاستخرجوا ذلك الغصن،
ثمّ قبع رسول الله {صلى الله عليه وآله وسلم} رأسه وأسرع السير حتّى جاز الوادي.
قال أهل العلم : توفي صالح (عليه السلام) بمكّة وهو ابن ثمان وخمسين (سنة فلبث) في قومه عشرين سنة.
عن الضحاك بن مزاحم قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : يا عليّ أتدري مَنْ أشقى الأوّلين؟
قال : قلت : الله ورسوله أعلم.
قال : عاقر الناقة.
قال : أتدري مَنْ أشقى الآخرين؟
قال : الله ورسوله أعلم.
قال : «قاتلك.)( ).
وتقدير آية السياق على وجوه :
الأول : فلم تباشروا قتل الأنبياء .
الثاني : فلم تحرضوا على قتل الأنبياء( ) .
الثالث : فلم ترضون بقتل الأنبياء .
وجاءت آية البحث بلفظ [قَتَلْتُمُوهُمْ] ( ) ويحتمل وجوهاً :
الأول : إرادة قتل الرسل حقيقة وسفك دمائهم .
الثاني : المراد التحريض على قتل الأنبياء .
الثالث : الإجهار بتكذيب الرسل كما ورد في آية البحث ، ليكون هذا الإجهار سبباً لدفع بعض الأشقياء لقتل الأنبياء .
الرابع : المقصود تكذيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في رسالته للتحريض عليه وإرادة قتله , قال تعالى [وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ]( ) لبيان مسألة وهي أن آية البحث من مكر الله عز وجل ولطفه ورحمته , ليصرف الناس عن قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمنع مقدمات هذا القتل .
وهو من عمومات قوله تعالى [وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ]( ).
وفي باب المرادفات في القانون قاعدة وهي الدفع بسبق ما يكذب الدعوة محضاً ، وعدم التناقض بين الدعوة وبين أمر سبق صدوره من المدعي ، كما لو أقرّ شخص بأن العين التي بيده ملك لغيره ، ثم أدعى أنه اشتراها بتأريخ سابق لهذا الإقرار .
وكما في مسيلمة الكذاب ، حيث جاء مع قومه بني حنيفة في السنة العاشرة للهجرة ، ليبايعوا النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان من قبل يتكهن ويطوف في الأسواق والبلدان يتعلم الحيل ، وعلم النجوم والعيافة والسحر .
ويسأل عن أمر من قبل أن يبعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذ عمر مسيلمة اكثر من مائة سنة ، وفي ذات السنة العاشرة للهجرة (كتب مسيلمة الكذاب إلى رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، يذكر أنه شريكه في النبوة، وأرسل الكتاب مع رسولين، فسألهما رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، عنه، فصدقاه. فقال لهما: لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكما.
وكان كتابه : من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، أما بعد فإني قد أشركت معك في الأمر وإن لنا نصف الأرض ولقريش نصفها، ولكن قريشاً قوم يعتدون.
فكتب إليه رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم: (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمّد رسول الله إلى مسيلمة الكذّاب، أمّا بعد فالسّلام على مَنِ اتّبع الهُدى، فإنّ الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتّقين).
وقيل: إن دعوى مسيلمة وغيره النبوة كانت بعد حجة الوداع ومرضته التي مات فيها. فلما سمع الناس بمرضه وثب الأسود العنسي باليمن، ومسيلمة باليمامة، وطليحة في بني أسد) ( ).
وهل في تكذيب الأنبياء إغراء لمدعي النبوة , الجواب ، نعم ، لذا من إعجاز آية البحث منع هذه الدعوة ، حال ظهورها فان آية البحث تلاحقها وتضعفها ، وتسهل القضاء عليها ، ويمكن القول بموضوعية آية البحث في استنفار المسلمين في حروب الردة والقضاء على المرتدين ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوْ انفِرُوا جَمِيعًا] ( ) ليكون من إعجاز آية البحث المنع من نصر وإعانة مدعي النبوة ، وهو من أسرار تلاوة كل مسلم ومسلمة آيات القرآن كل يوم لتحث المسلمين على التقوى ، وتزجر الناس عن التكذيب بالنبوة ، لذا أمر الله عز وجل بالإنصات إلى القرآن ، قال تعالى [وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ] ( ).
ليكون من المقاصد السامية للإستماع للقرآن الإحتراز من الإرتداد ، ومن الميل إلى أهل الردة .
وهل كان كل قوم الذين ادعوا النبوة معهم ، الجواب لا ، فمن مصاديق البركة في القرآن قوله تعالى [وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا] ( ) لبيان قانون وهو من مصاديق الإنذار في الآية أعلاه إنذار أهل مكة والقرى والبلدان المجاورة من الإرتداد وإعانة المرتدين عند انتقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى .
فان قلت وردت الآية أعلاه بصيغة الخطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والقدر المتيقن منه أيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، والجواب من جهات :
الأولى : استدامة إنذارات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حتى بعد وفاته .
الثاني : المراد من الخطاب في الآية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجميع المسلمين والمسلمات إلى يوم القيامة ، وتقدير مضمون الآية [وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا] ( )
ومعنى من حولها أعم من البلدات القريبة إذ يشمل اللفظ كل بقاع الأرض لأنها دحيت من تحت الكعبة ، ولإستقبال أهل المشرق والمغرب من المسلمين مكة خمس مرات في الصلاة اليومية .
الثالث : بقاء الآية القرآنية غضة طرية في ألفاظها وأحكامها تتوارثها الأجيال.
ليكون الإنذار من الإرتداد متصلاَ من أيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وفي الفقه حرمة الإرتداد سواء بالنسبة للملي الذي كان غير مسلم ودخل الإسلام ، أو الذي ولد لأبوين مسلمين أو أحدهما مسلم , وإذ تنهى آية البحث عن تكذيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم مطلقاً ، وهذا التكذيب لا يصح في أي حكم من أحكام الإسلام ، وآيات التبليغ سواء قبل دخول الإسلام أو بعده .
وقد ورد ذم في القرآن للذين قالوا لأصحابهم [وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ] ( ) للمكر ولإرادة اللبس على الناس .
المسألة الثامنة عشرة : صحيح أن آية البحث جاءت بصيغة الجملة الشرطية [فَإِنْ كَذَّبُوكَ] ( ) ولكنها تدل على وقوع هذا التكذيب وأنه لا ينحصر بعالم الإمكان بدليل قوله تعالى في ذات آية البحث [فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ] ( ) ولآيات أخرى ، والشواهد والسنة النبوية ، ليكون من معاني الجمع بين آية البحث وآية السياق أمور :
الأول : التحذير والإنذار من تكذيب الناس لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في نبوته .
الثاني : التخويف للذين يكذبون برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : زجر الكفار والمنافقين عن إرادة قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو التحريض عليه .
قوانين مستحدثة في العطف
ابتدأت آية البحث وهي الرابعة والثمانون بعد المائة من سورة آل عمران بحرف العطف الفاء ، والعطف لغة هو الميل وإصطلاحاً هو على قسمين :
الأول : عطف البيان ، وهو التابع الجامد الذيى يكون مبيناً وموضحاً للمتبوع مثل [وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ] ( ) ومثل [جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ] ( ) فالبيت معطوف عطف بيان على الكعبة ويجوز أن يكون بدلاً ، ولم يرد لفظ صديد في القرآن إلا في الآية أعلاه من سورة إبراهيم .
الثاني : عطف النسق وهو الذي يتوسط بين التابع ومتبوعه أحد حروف العطف التسعة ( ).
وتأتي الفاء للترتيب والتعقيب .
والترتيب هو مجئ الثاني بعد الأول ولو بعد آن ما ، والتعقيب مجئ الثاني بعده من غير فصل , ومادة الإلتقاء العطف والترتيب ، ومادة الإفتراق إفادة الفاء التعقيب وإفادة (ثم) التراخي .
نعم لا تفيد الفاء التعقيب الفوري دائماً إنما هي بحسب اللحاظ العقلي والواقعي ، كما في قوله تعالى [فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ] ( ) فالأجل متراخ ، وقوله تعالى [أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً ] ( ) وقوله تعالى [وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ] ( ) .
ويقال تزوج فولد له ، أي لم يكن بينهما إلا مدة الحمل ، وهنا نطرح مسألة جديدة في العطف بلحاظ آية البحث ، وهي العنوان الجامع وان الفاء في قوله تعالى [فَإِنْ كَذَّبُوكَ] تفيد أموراً :
الأول : الإخبار عن سبق التكذيب على بعثة البعثة النبوية ونزول آية البحث .
الثاني : عطف السابق على اللاحق .
الثالث : عطف المعاصر .
وهو من أسرار وإعجاز القرآن وقانون أن اللفظ القرآني أعم من قواعد النحو التي لم توضع إلا بعد نزول القرآن وأول من ضبطها أبو الأسود الدؤلي ظالم بن عمرو بتعليم وأمر من قبل أمير المؤمنين عليه السلام بعد أن سألت ابنة أبي الأسود أباها والحت في السؤال فأخبر الإمام , (ثم كان أول من رسم للناس النحو أبو الأسود الدؤلي، وكان أبو الأسود أخذ ذلك عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وكان أعلم الناس بكلام العرب؛ وزعموا أنه كان يجيب في كل اللغة) ( ).
ولم يكن أبو الأسود أسود البشرة ، وليس عنده ولد اسمه أسود ، ولكنه رضي بهذه الكنية لأن اسمه (ظالم) ثقيل على السمع خاصة ، وأنه تولى القضاء في البصرة ويلزم منه العدل .
وشارك تحت لواء الإمام علي عليه السلام في معركة الجمل ، وصفين وقتال الخوارج ، وهو من الشعراء المجُيدين وله قصائد كثيرة منها .
( تلقى اللبيب محسدا لم يجترم … عرض الرجال وعرضه مثلوم )
( حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه … فالقوم أعداء له وخصوم )
( كضرائر الحسناء قلن لوجهها … حسدا وبغيا إنه لذميم )
( وإذا عتبت على الصديق ولمته … في مثل ما تأتي فأنت مليم )
( وابدأ بنفسك وانهها عن غيها … فإذا انتهت عنه فأنت حكيم )( ).
وقد أثنى عليه العلماء ، وسأل الإمام علياَ عليه السلام أن يكون مع الحكمين في صفين ، ولكن الناس ابوا لمعرفتهم بحنكته ودهائه وحضور جوابه ، كما حالوا دون مشاركة عبد الله بن عباس ورشحوا أبا موسى الأشعري.
وبعد استشهاد الإمام علي عليه السلام دخل على معاوية ، و(وروى عن الشعبي انه قال قاتل الله أبا الاسود ما كان أعف أطرافه وأحضر جوابه دخل على معاوية بالنخيلة فقال له معاوية أكنت ذُكرت للحكومة .
قال : نعم .
قال : فما كنت صانعا قال كنت أجمع ألفا من المهاجرين وأبنائهم وألفا من الانصار وأبنائهم ثم أقول يا معشر من حضر :
أرجل من المهاجرين أحق أم رجل من الطلقاء فلعنه معاوية وقال الحمد لله الذي كفاناك) ( ).
وتوفى أبو الأسود الدولي بالطاعون الجارف في البصرة , ومدحه الرجاليون من عامة المسلمين يسمون الطاعون بالجارف هي ذات التسمية التي يسمون فيها كورونا هذه الأيام وباء جائحاً .
وسمي هذا الطاعون بالجارف لأنه يجرف الناس إلى الموت بالجملة , ويذكر ابن الجوزي هذا الطاعون ورجح أنه من أحداث السنة الرابعة والستين للهجرة , وفيها مات يزيد بن معاوية .
قال ابن الجوزي (وفي هذه السنة: وقع الطاعون الجارف بالبصرة.
فماتت أم ابن معمر الأمير، فما وجدوا من يحملها حتى استأجروا لها أربعة أنفس، وكان وقوع هذا الطاعون أربعة أيام، فمات في اليوم الأول سبعون ألفاً، وفي اليوم الثاني واحد وسبعون ألفاً، وفي اليوم الثالث ثلاثة وسبعون ألفاً، وأصبح الناس في اليوم الرابع موتى إلا قليلاً من الآحاد.
أخبرنا محمد بن ناصر الحافظ، قال: أنبأنا أحمد بن أحمد الحداد، قال: أخبرنا أبو نعيم الحافظ، قال: حدثنا عبيد الله، قال: حدثنا أحمد بن عصام، قال: حدثني معدي عن رجل يكنى أبا النفيد وكان قد أدرك زمن الطاعون، قال: كنا نطوف في القبائل وندفن الموتى، ولما كثروا لم نقو على الدفن، فكنا ندخل الدار قد مات أهلها فنسد بابها .
قال: فدخلنا داراً ففتشناها فلم نجد فيها أحداً حياً، فسددنا بابها، فلما مضت الطواعين كنا نطوف على القبائل ننزع تلك السدد التي سددناها، فانتزعنا سد ذلك الباب الذي دخلناه ففتشنا الدار فلم نجد أحداً حياً، فإذا نحن بغلام في وسط الدار طري دهين كأنما أخذ ساعته من حجر أمه. قال: ونحن وقوف على الغلام نتعجب منه فدخلت كلبة من شق في الحائط تلوذ بالغلام، والغلام يحبو إليها حتى مص من لبنها، فقال معدي: رأيت هذا الغلام في مسجد البصرة قد قبض على لحيته.
وقيل: كان هذا الطاعون في سنة تسع وستين) ( ).
و(قال المدائني: كان بالبصرة في شهر رجب واشتد في رمضان ثم خف في شوال وبلغ كل يوم ألف جنازة) ( ).
المسألة التاسعة عشرة : ذكرت آية السياق إدعاء قوم بأن عهداً بين الله عز وجل وبينهم ومضمون هذا العهد هو إذا جاءكم رسول من عند الله فلابد أن يقدم قرباناً ثم تنزل نار بيضاء من السماء تختلف عن نار الدنيا بلونها لدفع احتمال أنها سحر ويبدو أنهم يستحضرون عمل السحر , ورمي النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالسحر , لأن الساحر لا يستطيع تنجز أمور بخصوص القربان وهي :
الأول : نزول النار من السماء من غير أن تصعد من الأرض .
الثاني : لون النار أبيض أي أنه خلاف نار الدنيا , وكأنها تذكير بنار الآخرة .
و(عن أنس قال : تلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذه الآية { وقودها الناس والحجارة }( ).
فقال : أوقد عليها ألف عام حتى احمرت ، وألف عام حتى ابيضت ، وألف عام حتى اسودت ، فهي سوداء مظلمة لا يطفأ لهبها.
(عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال : فإن جبرئيل جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وهو قاطب وقد كان قبل ذلك يجئ وهو متبسم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا جبرئيل جئتني اليوم قاطبا.
فقال: يا محمد قد وضعت منافخ النار.
فقال: وما منافخ النار يا جبرئيل ؟
فقال: يا محمد إن الله عزوجل أمر بالنار فنفخ عليها ألف عام حتى ابيضت، ثم نفخ عليها ألف عام حتى احمرت، ثم نفخ عليها ألف عام حتى اسودت فهي سوداء مظلمة، لو أن قطرة من الضريع( ) قطرت في شراب أهل الدنيا لمات أهلها من نتنها.
ولو أن حلقة واحدة من السلسلة التي طولها سبعون ذراعا وضعت على الدنيا لذابت الدنيا من حرها.
ولو أن سربالا من سرابيل أهل النار علق بين السماء والارض لمات أهل الدنيا من ريحه.
و(عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب ، فيستغيثون بالطعام ، فيغاثون بطعام { من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع }( ).

قال فبكى رسول الله صلى الله عليه وآله وبكى جبرئيل، فبعث الله إليهما ملكا فقال لهما: إن ربكما يقرؤكما السلام ويقول : قد أمنتكما إن تذنبا ذنبا اعذبكما عليه، فقال الإمام جعفر الصادق عليه السلام : فما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله جبرئيل متبسما بعد ذلك.
ثم قال : إن أهل النار يعظمون النار وإن أهل الجنة يعظمون الجنة والنعيم، وإن جهنم إذا دخلوها هووا فيها مسيرة سبعين عاما، فإذا بلغوا أعلاها قمعوا بمقامع الحديد واعيدوا في دركها فهذه حالهم، وهو قول الله عزوجل: “
[كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم اعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق]( ) ثم تبدل جلودهم غير الجلود التي كانت عليهم) ( ).
الثالث : عدم إبقاء النار أثراَ للقربان سواء كان حيواناَ أو نباتاَ , مما يدل على أن النار بدرجة حرارة عالية حتى تذيب القربان وأنها لا تزول وتنطفأ بسرعة , ودرجة النار العالية شاهد على الإعجاز فيها .
الرابع : عدم تعدي النار إلى حرق أو إتلاف غير القربان وتعقبت آية البحث آية نار القربان وابتدأت بقوله تعالى [فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ] ( ).
وهل تشمل الآية قربان النار على فرض الإتيان به , ليكون تقدير الآية (فإن كذبوك حتى وإن جئت بنار تأكل القربان)
الجواب نعم وهو من المعنى الأعم لواو الجماعة في (كذبوك) والإخبار بأن المقصودين في الآية أعم وأكثر من الذين سألوا تلك الآية .
وقيل أن تكذيب النبي هو قتل معنوي له , وهذا على سبيل المجاز , ولكن فرّق القرآن بين التكذيب والقتل , والكلام العربي يحمل على ظاهره .
فإذا كذّب قوم الرسول فإنه يستمر في دعوته ويجد لها أنصاراَ مؤمنين برسالته , مستجيبين لما جاء به من الأوامر .
ولقد كذبت قريش النبي محمداَ صلى الله عليه وآله وسلم وأرادوا منه أن يمتنع عن أمور :
الأول : دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى التوحيد , قال تعالى [وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ]( ).
الثاني : تبليغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم الآيات وأحكام الشريعة.
الثالث : ذم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للأصنام وعبادتها .
الرابع : إنذار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لرجالات قريش من عذاب النار وبيانه لحالهم فيها .
و(عن قتادة في قوله : { أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى }( ).
قال : نزلت في عدوّ الله أبي جهل ، وذلك أنه قال : لئن رأيت محمداً يصلي لأطأن على عنقه ، فأنزل الله { أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى أرأيت إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى }( ).
قال : محمداً { أرأيت إن كذب وتولى }( ) يعني بذلك أبا جهل { فليدع ناديه }( ) قال : قومه وحيه { سندع الزبانية }( ) قال : الزبانية في كلام العرب الشرط) ( ).
وفي قوله تعالى [وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى]( ) التكذيب برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والتولي أي الإنصراف بتبختر, ليكون الجمع بينهما إحتمال إرادة انتقام قريش من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ليكون من معاني آية البحث وقوله تعالى (فإن كذبوك) دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين إلى الشكر لله عز وجل على صرف شرور وكيد كبراء قريش .
الخامس : تقبيح النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما كانت قريش تفعله من التقرب والتزلف إلى الأصنام , وفيه ذم لآباء رجالات قريش , لذا سألوا أبا طالب أن يكف النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ذمهم .
إذ (مشى رجال من أشرافهم إلى أبى طالب فقالوا يا أبا طالب ان ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل آباءنا فاما أن تكفه عنا وإما أن تخلى بيننا وبينه فانك على مثل ما نحن عليه من خلافه.
فقال لهم أبو طالب قولا رقيقا وردهم ردا جميلا فانصرفوا عنه
ومضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ما هو عليه يظهر دين الله ويدعو إليه) ( ).
لقد كان تتابع نزول القرآن ودخول أفراد وجماعات في الإسلام سبباَ لإزدياد خنق وغيظ قريش , وصاروا يؤذون كلاَ من :
الأول : النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بشخصه الكريم أي الأذى البدني , وبنبوته ورسالته , ومنه آية البحث بقوله تعالى [فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ] ( ).
الثاني : أهل البيت سواء الذين أسلموا منهم أم الذين لم يسلموا باستثناء , ابي لهب الذي كان شديد العداوة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكان يظن أن هذه العداوة تكسبه ود ورضا قريش , فنزل القرآن بذمه بالاسم , وتقبيح فعله , وسرعان ما هلك , قال تعالى [تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ] ( ).
الثالث : الصحابة الأوائل من الرجال والنساء إذ لاقوا من قريش أشد الأذى .
فقد قامت كل قبيلة بايذاء من أسلم من أفرادها , وتولى عدد من الآباء حبس وتعذيب ابنائهم المسلمين , وأذاقت قريش أكثر المسلمين الأوائل الجوع والعطش , وكانوا يخرجونهم إلى رمضاء مكة في القيظ ليفتنوهم عن دينهم , ومن لاقى التعذيب آل ياسر حتى ماتت سمية بنت خياط تحت تعذيب أبي جهل .
ومنهم بلال بن رباح إذ تولى أمية بن خلف تعذيبه , ومنهم خالد بن سعيد بن العاص , وخباب بن الأرت وغيرهم .
المسألة التاسعة عشرة : اختتمت آية السياق بقوله تعالى [إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ]( ) أي بعد إمتناعهم عن الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو عدم إتيانه بمعجزة العهد بين الله عز وجل وبينهم فيما يخص نار القربان , فلم قتلتم الرسل الذين جاءوا بها , ليكون الإحتجاج في خاتمة آية البحث على وجوه :
الأول : دعوة الممتنع عن دخول الإسلام إلى الإيمان , قال تعالى [قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا]( ).
الثاني : بطلان العهد المذكور وأنه لا أصل له .
الثالث : بيان قانون وهو أن سلاح النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو الإحتجاج وليس السيف , وهو معجزته صلى الله عليه وآله وسلم , وسيأتي (قانون الإحتجاج سلاح النبوة وليس السيف) .
وفي الآية شاهد على أن الأنبياء السابقين لم يقابلوا إرادة الذين كفروا قتلهم بالمثل , وهو مصداق التقوى الذي تجلى في إمتناع ابن آدم القتيل عن الرد بالمثل على أخيه الذي توعده بالقتل , وإجتنابه المبادرة إلى قتله .
(ومن المجاز: قول أربد لعامر: هل لك أن تتغدّى به قبل أن يتعشّى بنا؟: يريد أن نهلكه قبل أن يهلكنا) ( ).
لقد اكتفى هابيل بعد أن سمع تهديد أخيه بالقتل بالقول [إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ]( ).
و(عن الإمام الباقر عليه السلام قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه واله فقال: يارسول الله رأيت أمرا عظيما، فقال: وما رأيت ؟
قال: كان لي مريض ونعت له من ماء بئر الاحقاف يستشفى به في برهوت، قال: فتهيأت ومعي قربة وقدح لآخذ من مائها وأصب في
القربة إذا شئ قد هبط من جو السماء كهيئة السلسلة وهو يقول: يا هذا اسقني، الساعة أموت، فرفعت رأسي ورفعت إليه القدح لاسقيه فإذا رجل في عنقه سلسلة فلما ذهبت اناوله القدح اجتذب حتى علق بالشمس، ثم أقبلت على الماء أغترف إذ أقبل الثانية وهو يقول:العطش العطش يا هذا اسقني الساعة أموت، فرفعت القدح لاسقيه فاجتذب حتى علق بعين الشمس حتى فعل ذلك الثالثة، وشددت قربتي ولم أسقه فقال رسول الله صلى الله عليه واله: ذاك قابيل بن آدم قتل أخاه، وهو قوله عزوجل: ” والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشئ إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال( ).
وقام مجاهد بالذهاب إلى وادي بهروت في حضرموت , وإلى بابل لتقفي آثار هاروت وماروت.
ومجاهد بن جبر (21-104) تابعي مولى السائب بن أبي السائب المخزومي القرشي , وهو عالم في الفقه , وله كتاب بالتفسير اسمه تفسير مجاهد .
وروي عن ابن عباس , وعن عائشة , وجابر بن عبد الله , وسعد بن أبي وقاص , وأبي سعيد الخدري , وعبد الله بن عمر وغيرهم , وعرض القرآن على عبد الله بن عباس ثلاث مرات , وقيل كان يقف عند كل آية فيسأله عنها .
وعن موضوع وسبب نزولها , وروى عنه طاووس وعكرمة وعطاء بن السائب , وسليمان الأعمش , وعمرو بن دينار .
والأنبياء أئمة الناس في مسالك التقوى , والخشية من الله عز وجل , والآية السابقة شاهد عليه , إذ ذكرت قتل الرسل مع مجيئهم بالمعجزات التي طلبها قومهم , وهل يفيد الجمع بين إخبار الآية السابقة عن قتل الرسل وبين قوله تعالى [وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ] ( ).
عن كون قتل الرسل في ميدان القتال , الجواب لا , فالمورد لا يخصص الوارد , إنما ذكرت الآية أعلاه قتال الأنبياء وأصحابهم دفاعاَ , وعلى نحو الموجبة الجزئية من عموم ومجموع الأنبياء لقوله تعالى [وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ] ( ) لتكون جريمة قتل الأنبياء على وجوه :
الأول : من الأنبياء من قتل على فراشه , كما أرادت قريش قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على فراشه ليلة المبيت إذ غادر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى مكة في تلك الليلة بأمر من جبرئيل , والتفت عند مغادرته :
(وَوَقَفَ عَلَى الْحَزْوَرَةِ ، وَنَظَرَ إلَى الْبَيْتِ فَقَالَ ” وَاَللّهِ إنّك لَأَحَبّ أَرْضِ اللّهِ إلَيّ وَإِنّك لَأَحَبّ أَرْضِ اللّهِ إلَى اللّهِ وَلَوْلَا أَنّ أَهْلَك أَخْرَجُونِي مِنْك مَا خَرَجْت) ( ).
والحزورة : الرابية الصغيرة , والجمع الحزاور , الحزورة موضع بمكة قريب من البيت الحرام , وكان هناك باب للبيت اسمه (باب الحزورة) وهو أحد الأبواب التسعة عشر أيام رحلة ابن بطوطة .
إذ قال (وأبواب المسجد الحرام شرفه الله تعالى تسعة عشر باباً، وأكثرها مفتحة على أبواب كثيرة، فمنها باب الصفا، وهو مفتح على خمسة أبواب، وكان قديماً يعرف بباب بني مخزوم، وهو أكبر أبواب المسجد، ومنه يخرج إلى المسعى، ويستحب للوافد على مكة أن يدخل المسجد الحرام شرفه الله من باب بني شيبة، ويخرج بعد طوافه من باب الصفا جاعلاً طريقه بين الأسطوانتين اللتين اقامهما أمير المؤمنين المهدي رحمه الله، علماً على طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصفا، ومنها باب أجياد الأصغر مفتح على بابين ومنها باب الخياطين مفتح على بابين ومنها باب العباس رضي الله عنه مفتح على ثلاثة أبواب، ومنها باب النبي صلى الله عليه وسلم مفتح على بابين، ومنها باب بني شيبة، وهو في ركن الجدار الشرقي من جهة الشمال، أمام باب الكعبة الشريفة متياسراً، وهو مفتح على ثلاثة أبواب، وهو باب بني عبد شمس، ومنه كان دخول الخلفاء .
ومنها باب صغير إزاء باب بني شيبة لا اسم له، وقيل: يسمى باب الرباط، لأنه يدخل منه لرباط السدرة، ومنها باب الندوة ويسمى بذلك ثلاثة أبواب: اثنان منتظمان، والثالث في الركن الغربي من دار الندوة، ودار الندوة قد جعلت مسجداً شارعاً في الحرم مضافاً إليه، وهي تقابل الميزاب، ومنها باب صغير لدار العجلة محدث، ومنها باب السدرة واحد، وباب العمرة واحد، وهو من أجمل أبواب الحرم، وباب إبراهيم واحد، والناس مختلفون في نسبته، فبعضهم ينسبه إلى إبراهيم الخليل عليه السلام، والصحيح أنه منسوب إلى إبراهيم الخوزي من الأعاجم، وباب الحزورة مفتح على بابين، وباب ثالث ينسب إليه مفتح على بابين، ويتصل لباب الصفا ومن الناس من ينسب البابين من هذه الأربعة المنسوبة لأجياد إلى الدقاقين)( ).
أما باب إبراهيم فهو منسوب إلى إبراهيم الخليل عليه السلام وليس إلى شخص خياط , ولا يعقل أن يسمى باب للكعبة باسم خياط كان في سنوات معدودة مع كثرة الخياطين هناك, وهل يحتمل الباب في البداية باسم الخياط , ثم صارت التسمية تنصرف إلى إبراهيم الخليل عليه السلام , الجواب لا .
وأصبحت الحزورة وسوقها في هذه الازمنة ضمن توسعة البيت الحرام.
ولم ينته عدوان قريش عند هذا الحد , فلما بانت خيوط الفجر وعلموا أن الذي كان نائماَ في فراشه هو الإمام علي عليه السلام , أخذوا يلاحقون النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الطرقات حول مكة , ولكن المعجزة كانت حاضرة كما في بناء العنكبوت خيوطه على باب الغار .
لبيان قانون وهو مصاحبة المعجزة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في حله وترحاله , وتتجلى مصاديق متعددة لهذا القانون بتعدد المعجزات في طريق الهجرة منها قصة أم معبد ومعجزة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الشاة الهزيلة في در اللبن الوافر, ومنها نزول آيات القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الحضر والسفر .
وسيأتي عنوان مستقل بخصوص الآيات التي نزلت في السفر باسم (قانون آيات السفر) , ومن الآيات ما نزلت في السفر , وذكر أن سورة المطففين نزلت في سفر الهجرة .
وفي قوله تعالى [إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ]( ).
(وقيل : إن هذه الآية نزلت في الجحفة حين عسف به الطريق إليها فليست مكية ولا مدنية) ( ).
ونسبتها إلى القيل في الخبر أعلاه نوع تضعيف له , إلا أنه ( ورد عن ابن عباس أن المراد لرادك إلى معاد : أنها مكة)( ).
والآيات التي نزلت في الحضر أكثر بكثير من التي نزلت في السفر وإلى جانب تقسيم الآيات من جهة نزولها إلى الحضري والسفري , فإنها تقسم تقسيماً إستقرائياَ إلى قسمين :
الأول : الآيات التي نزلت في النهار , وتسمى النهاري .
الثاني : الآيات التي نزلت في الليل , وتسمى الليلي , ومنه آية الثلاثة الذين خلفوا عن كتيبة تبوك , والذي كان يسمى جيش العسرة للشدة التي كان عليها المسلمون من جهة مكة الرواحل والزاد والماء مع شدة القيض قال تعالى [وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لاَ مَلْجَأَ مِنْ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ]( ).
(قال الحسن: كان العشرة منهم يخرجون على بعير واحد يعتقبونه، يركب الرجل ساعة، ثم ينزل فيركب صاحبه كذلك، وكان زادهم التمر المسوس والشعير المتغير، وكان النفر منهم يخرجون ما معهم إلا التمرات بينهم، فإذا بلغ الجوع من أحدهما أخذ التمرة فلاكَها حتى يجد طعمها ثم يعطيها صاحبه فيمصها، ثم يشرب عليها جرعة من ماء كذلك حتى يأتي على آخرهم، ولا يبقى من التمرة إلا النواة، فمضوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى تبوك على صدقهم ويقينهم) ( ).
وهؤلاء الثلاثة الذين تخلفوا هم :
الأول : كعب بن مالك .
الثاني : مرارة بن ربيعة .
الثالث : هلال بن أمية , وجميعهم من الأنصار , وهو المروي (عن جابر بن عبد الله في قوله وعلى الثلاثة الذين خلفوا قال : كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن ربيعة وكلهم من الأنصار)( ).
ومع أن الذين تخلفوا أكثر من هؤلاء الثلاثة , ومنهم منافقون إلا أن الآية ذكرت الثلاثة فقط وأخبرت بأنهم خلفوا ولم تقل (الذين تخلفوا) وكأن غيرهم هو الذين تركهم خلفه وهو من إكرام الله عز وجل لهم وللمؤمنين , ولبيان مصداق لقوله تعالى [إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ]( ) أي أن هذا الإكرام يتجلى عند الإيمان وعمل الصالح وحتى عند الخطأ والزلل الذي تتبعه التوبة والإستغفار .
و(عن أنس بن مالك قال : لما نزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذي أوان خرج عامة المنافقين الذين كانوا تخلفوا عنه يتلقونه فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه : لا تكلمن رجلا تخلف عنا ولا تجالسوه حتى آذن لكم فلم يكلموهم فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة أتاه الذين تخلفوا يسلمون عليه فأعرض عنهم وأعرض المؤمنون عنهم حتى أن الرجل ليعرض عنه أخوه وأبوه وعمه فجعلوا يأتون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويعتذرون بالجهد والأسقام .
فرحمهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فبايعهم واستغفر لهم وكان ممن تخلف عن غير شك ولا نفاق ثلاثة نفر الذين ذكر الله تعالى في سورة التوبة) ( ).
و(عن كعب بن مالك ، قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن كلامي وكلام صاحبيَّ، فلبثت كذلك حتى طال عليّ الأمر، وما من شيء أهم إليَّ من أن أموت ولا يصلي عليّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أو يموت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأكون من الناس بتلك المنزلة، فلا يكلمني أحد منهم ولا يصلي عليّ!
وأنزل الله توبتنا على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم حين بقي الثلث الأخير من الليل، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند أم سلمة وكانت أم سلمة محسنة في شأني، معينة في أمري.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “يا أم سلمة تِيْبَ على كعب”
قالت : أفلا أرسل إليه فأبشره؟
قال : إذاَ يحطمكم الناس، فيمنعونكم النوم سائر الليلة، حتى إذا صلى صلى الله عليه وآله وسلم صلاة الفجر آذن بتوبة الله علينا)( ).
و(عن عطاء قال : قلت لعائشة أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟
قالت : وأي شأنه لم يكن عجباً! إنه أتاني ليلة فدخل معي في لحافي ثم قال : ذريني أتعبد لربي .
فقام فتوضأ ثم قام يصلي فبكى حتى سالت دموعه على صدره ، ثم ركع فبكى ، ثم سجد فبكى ، ثم رفع رأسه فبكى .
فلم يزل كذلك حتى جاء بلال فآذنه بالصلاة فقلت : يا رسول الله ما يبكيك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟!
قال : أفلا أكون عبداً شكوراً ، ولم لا أفعل وقد أنزل علي هذه الليلة { إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب }( ) إلى قوله { سبحانك فقنا عذاب النار }( ).
ثم قال : ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها .
وأخرج ابن أبي الدنيا في التفكر عن سفيان رفعهً قال : من قرأ سورة آل عمران فلم يتفكر فيها ويله . فعد بأصابعه عشراً . قيل للأوزاعي : ما غاية التفكر فيهن؟ قال : يقرؤهن وهو يعقلهن) ( ).
و(عن ابن عباس، قال: نزلت سورة الأنعام بمكة ليلا جملة، حولها سبعون ألف ملك يجأرون حولها بالتسبيح) ( ).
و(عن أسماء بنت يزيد قالت : نزلت سورة الأنعام على النبي صلى الله عليه وآله وسلم جملة [واحدة] وأنا آخذة بزمام ناقة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إن كادت من ثقلها لتكسر عظام الناقة.
وقال شريك ، عن ليث، عن شهر( ) ، عن أسماء قالت : نزلت سورة الأنعام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في مسير في زجل من الملائكة وقد نظموا ما بين السماء والأرض) ( ).
و(عن أُبي بن كعب عن النبي {صلى الله عليه وآله وسلم} قال : أنزلت علي سورة الأنعام جملة واحدة يشيعها سبعون ألف ملك لهم زجل بالتسبيح والتحميد فمن قرأ سورة الأنعام صلى عليه أولئك السبعون ألف ملك بعدد كل آية من الأنعام يوماً وليلة)( ).
والآيات والسور التي نزلت في النهار أكثر من التي نزلت في الليل , ليكون من معاني قوله تعالى [اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا]( ) إبصار ورؤية المسلمين عامة الناس لما يتغشى النبي محمداَ صلى الله عليه وآله وسلم عند نزول آيات القرآن عليه وإدراك قانون ثقل الوحي.
وعن (عن عبادة بن الصامت قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا نزل عليه الوحي كرب لذلك وترمَّد وجهه . وفي لفظ لابن جرير : يأخذه كهيئة الغشي لما يجد من ثقل ذلك)( ).
المسألة العشرون : نزلت آية السياق للشهادة على طائفة من الناس يقولون بأن بين الله عز وجل وبينهم عهداً , وقد تقدم في سورة البقرة [وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَاتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) ويحتمل المراد وجوهاَ :
الأول : نفي العهد من الله عز وجل بأن النار لا تمسهم إلا أياماَ معدودة .
الثاني : نفي العهد الخاص بين الله عز وجل وبينهم .
الثالث : نفي أي عهد بين الله عز وجل وبينهم إلا ما ورد الدليل بخصوصه .
ولا تعارض بين هذه الوجوه , وهو من مفاهيم ودلائل الآية , وتعقبت آية البحث آية السياق لتؤكد نفي العهد بينهم وبين الله عز وجل بقوله تعالى [فَإِنْ كَذَّبُوكَ] ( ) .
فمن خصائص الذين عندهم عهد من الله عز وجل التصديق بالرسل , والتدبر فيها جاءوا به من المعجزات , والإمتناع عن إيذائهم والإضرار بهم .
ومن الإعجاز في المقارنة في الموضوع المتحد في القرآن , ذكر سورة البقرة للعهد بأنهم هم الذين اتخذوه عند الله عز وجل , بينما ذكرت آية البحث قولهم إن الله عهد إلينا .
وهل من فرق بين العهدين , الجواب نعم , قال تعالى [اتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا]( ) أي هل وعدكم الله عز وجل بأن لا تقضوا في النار إلا أياماَ معدودة , وفي التنزيل [لاَ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنْ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا] ( ) .
و(عن عبد الله بن مسعود قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لأصحابه ذات يوم : أيعجز أحدكم أن يتّخذ كلّ صباح ومساء عند الله عهداً؟
قالوا : كيف ذاك؟
قال : يقول كلّ صباح ومساء : اللهمّ فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة إنّي أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا أنىّ أشهد أن لا إله إلاّ أنت وحدك لا شريك لك،
وأنّ محمّداً عبدك ورسولك،
وأنّك إن تكلني إلى نفسي تقرّبني من الشرّ وتباعدني من الخير،
وإنّي لا أثق إلاّ برحمتك فاجعل لي عندك عهداً توفّينيه يوم القيامة إنّك لا تخلف الميعاد،
فإذا قال ذلك طبع الله عليه بطابع ووضع تحت العرش فإذا كان يوم القيامة نادى مناد : أين الذين لهم عند الرَّحْمن عهدٌ فيدخلون الجنة؟)( ).
الوجه الثاني :
صلة آية البحث بقوله تعالى [لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمْ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ]( ).
وفيه مسائل :
المسألة الأولى : إبتدأت آية السياق أعلاه بالحرف (لقد) وهو مركب من لام الإبتداء , و(قد) الذي يأتي على وجوه :
الأول : التحقيق إذا جاء بعدها فعل ماض مثل قوله تعالى [قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ] ( ) وقال تعالى [قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا] ( ).
وقد تأتي للتحقيق إذا وليها فعل مضارع وبحسب القرائن كما في قوله تعالى [قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] ( ) [وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ]( ) [وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ]( ).
الثاني : التقليل إذا وليها فعل مضارع مثل قد يرى الهلال مع الغيوم وهناك مسائل في المقام :
الأولى : استعمال (قد) مع الفعل الماضي أكثر منه المضارع .
الثانية : مجئ (قد) للتحقيق أكثر منه للتقليل .
الثالثة : تأتي (قد) للتحقيق سواء كان مدخولها الفعل الماضي , أومع الفعل المضارع .
الرابعة : إفادة (قد) التأكيد والتذكير والتوثيق بحسب الموضوع والقرائن .
الثالث : التكثير , كما في قوله تعالى [قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ] ( ).
ومنهم من منع مجئ لام النافية بعد (قد) مثل (قد لا أسافر) ولكن هذه الصيغة وردت في الامثال والشعر الجاهلي مثل :
(قد لا يقاد بي الجمل. معناه : قد صرت لا يقاد بي الجمل)( ).
و(قال بعض الهذلين
أو قد لا آلوكَ إلا مهنداً … وجلد أبي عِجل وثيق القبائل) ( ).
الخامس : تأتي (لقد) للقسم كما في قوله تعالى [لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا]( ).
ويدل دخول اللام على (قد) أنها حرفية , وليست اسماَ أو حرفاَ .
لقد إبتدأت آية السياق بالقطع بسماع الله عز وجل لقول الذين ظلموا ولابد من دراسة وتأليف مجلد مستقل بموضوع (قد) في القرآن , إذ وردت فيه أكثر مئات المرات .
وجاء (قد) في القرآن مع الفعل الماضي أكثر من عشرة أضعاف مجيئه مع المضارع , وقد يتكرر في الآية الواحدة وبين كلمتين كما في قوله تعالى [كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا]( ) وأكثره في التخفيف والتأكيد وبيان فضل الله عز وجل على الناس عامة , وعلى المؤمنين خاصة [قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ] ( ) وهذا القطع من جهات :
الأولى : قانون سماع الله عز وجل لكل قول , ليكون من معاني قوله تعالى [اللَّهَ السَمِيعٌ العَلِيمٌ] ( ) الذي تكرر في القرآن خمس عشرة مرة , كما ورد بلفظ (الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ) أربع عشرة مرة أيضاَ , وورد مرة واحدة بلفظ [إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] ( ).
ومرة بلفظ (السميع) في قوله تعالى [وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ]( )
لبيان أن الله عز وجل يسمع ما يقوله الناس , ويعلم بهذه الأقوال قبل صدورها , ويعلم أثرها وعاقبتها .
ومن يتوب عن القول القبيح , ومقدار الثواب على القول الحسن , والإثم على القول السئ .
وابتدأت آية البحث بالجملة الشرطية [فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ] ( ).
لبيان تعدد صدور الكذب والتكذيب للحق من الذين كفروا والمعاندين , وفيه إنذار وتوبيخ لهم , وفيه إشارة أن (لقد) تفيد التوكيد والوقوع في قوله تعالى [فَإِنْ كَذَّبُوكَ]( ) وهو لا يتعارض مع إفادة الجملة الشرطية التعليق.
ترى ما هي النسبة بين الذين ذكرتهم آية السياق والذين ذكرتهم آية البحث , فيه وجوه :
الأول : نسبة التساوي وهي [الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ]( ) هم أنفسهم الذين كذبوا النبي محمداَ صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : نسبة العموم والخصوص من وجه , فهناك مادة للإلتقاء بينهم , وأخرى للإفتراق .
الثالث : نسبة العموم والخصوص المطلق وهو على شعبتين :
الأولى : الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء أعم وأكثر .
الثانية : الذين كذّبوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعم وأكثر .
الرابع : نسبة التباين وإن الذين كذّبوا النبي محمداَ صلى الله عليه وآله وسلم من الكفار مثل قريش , أما [الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ] ( ) فهم من المعاندين والمنافقين .
الخامس : لقد أخبرت آية السياق عن صدور قول [إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ]( ) وأن الله عز وجل سمعه , ويقتضي سياق الآية والموضوع أن الله عز وجل لم يرض لهم هذا القول , وفيه إنذار لهم , أما آية البحث فوردت بصيغة الجملة الشرطية [فَإِنْ كَذَّبُوكَ]( ) ومن معانيها إرادة إتصال التكذيب بالنبوة من الذين كفروا .
والمختار هو الشعبة الثانية من الوجه الثالث أعلاه , إذ أن الذين كذّبوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أكثر , ومن الشواهد في المقام أن قوله تعالى [فَإِنْ كَذَّبُوكَ]( ) ورد مرتين في القرآن , إذ جاء بقوله تعالى [فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ] ( ).
وسيأتي بيان النسبة بين الآيتين , أما القول [إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ] ( ) فقد ورد مرة واحدة في القرآن في آية السياق , إلى جانب آيات عديدة تتضمن الإخبار عن تكذيب الكفار للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما لاقاه من الأذى الشديد منهم , ويدل عليه الكتاب والسنة والوقائع وأسباب نزول عدد من آيات القرآن .
و(عن ابن عباس في قوله { إنا كفيناك المستهزئين }( ) قال : المستهزئون ، الوليد بن المغيرة , والأسود بن عبد يغوث , والأسود بن المطلب , والحارث بن عبطل السهمي والعاص بن وائل ، فأتاه جبريل فشكاهم إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : أرني إياهم ، فأراه الوليد .
فأومأ جبريل إلى أكحله فقال : ما صنعت شيئاً .
قال : كفيتكه . ثم أراه الأسود بن المطلب ، فأومأ إلى عينيه فقال : ما صنعت شيئاً . قال : كفيتكه ، ثم أراه الأسود بن عبد يغوث ، فأومأ إلى رأسه فقال : ما صنعت شيئاً .
قال : كَفَيْتُكَهُ . ثم أراه الحرث ، فأومأ إلى بطنه فقال : ما صنعت شيئاً . فقال : كفيتكه . ثم أراه العاص بن وائل ، فأومأ إلى أخمصه فقال : ما صنعت شيئاً . فقال : كفيتكه .
فأما الوليد ، فمر برجل من خزاعة وهو يريش نبلاً فأصاب أكحله فقطعها . وأما الأسود بن المطلب ، فنزل تحت سمرة فجعل يقول : بنيّ ، ألا تدفعون عني؟
قد هلكت وَطُعِنْتُ بالشوك في عيني . فجعلوا يقولون : ما نرى شيئاً . فلم يزل كذلك حتى عتمت عيناه . وأما الأسود بن عبد يغوث ، فخرج في رأسه قروح فمات منها . وأما الحارث ، فأخذه الماء الأصفر في بطنه حتى خرج خرؤه من فيه فمات منه .
وأما العاص ، فركب إلى الطائف فربض على شبرقة فدخل من أخمص قدمه شوكة فقتلته) ( ).
وقال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا] ( ).
والنسبة بين إيذاء النبي وتكذيبه عموم وخصوص مطلق , فالتكذيب أعم وكل تكذيب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم هو أذى له وللمؤمنين , ولكن الأذى أعم وأوسع .
قال تعالى [وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ] ( ).
(عن الإمام علي عليه السلام قال : قال أبو جهل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : إنا لا نكذبك ولكن نكذب بما جئت به ، فأنزل الله { فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون }( ))( ).
المسألة الثانية : ورد لفظ (رسل) في آية البحث والسياق وبصيغة التنكير , كما ورد لفظ رسول في آية السياق [أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى]( ).
وقد تأتي آية بذكر الرسل على نحو مكرر في ذات الآية كما في قوله تعالى [رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِأَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا] ( ).
ومن معاني هذا التكرار وجوه :
الأول : إكرام الله عز وجل للرسل والأنبياء .
الثاني : الثناء من الله عز وجل على الرسل , والشهادة لهم بأنهم أدوا رسالتهم .
الثالث : دعوة المسلمين للتصديق بما جاء به الرسل من عند الله عز وجل .
الرابع : بيان صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وأنه يتلو آيات الله عز وجل على الناس , والتي تتضمن ما لاقاه الرسل من الأذى وأن بعضهم تعرض للقتل لأدائه رسالته .
ومن الشواهد على هذا الصدق أن النبي محمداَ صلى الله عليه وآله وسلم لم يخش بهذا الإخبار سعي الكفار لقتله , للمحاكاة , والإستصحاب , فحينما يخبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن قتل عدد من الرسل فقد يكون هذا الإخبار سبباَ لتحريض الكفار عليه , لذا جاء العهد من عند الله عز وجل بأنه سبحانه يحفظه بقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ] ( ).
ليكون من معاني خاتمة الآية أعلاه عجز الكفار عن تدبير إغتيال النبي صلى الله عليه وآله وسلم , ولكنها تنقطع في آخر لحظة بمعجزة من عند الله عز وجل , لتكون نجاته منها مصداقاَ للآية الكريمة أعلاه , منها ما جرى بعد فتح مكة , فالمتبادر إلى الذهن هو دخول قريش في الإسلام يومئذ , وشكرهم لله عز وجل والرسول على نجاتهم من القتل , وعدم مؤاخذتهم على قتالهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
نعم كان منهم المؤلفة قلوبهم , ونزل القرآن بالتحذير من هذه الفئة واعطائهم من الزكاة كما في قوله تعالى [إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ] ( ).
ويدل الأمر باعطائهم من الزكاة على دفع شرهم وأذاهم , وعلى انشغالهم بالمال والتطلع إلى يد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , فيما يهبهم ونزع الغيظ , والخنق من نفوسهم .
ولكن بعضهم كان أشد من فئة المؤلفة قلوبهم يصر على إرادة قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم , (كان شيبة ابن عثمان يحدث عن اسلامه قال لما كان عام الفتح ودخل رسول الله {صلى الله عليه وآله وسلم} مكة عنوة قلت أسير مع قريش إلى هوازن بحنين فعسى ان اختلطوا أن أصيب من محمد غرة فأكون أنا الذي قمت بثأر قريش كلها وأقول لو لم يبق من العرب والعجم أحذ إلا اتبع محمدا ما اتبعته ابدا.
فكنت مرصدا لما خرجت له لا يزداد الأمر في نفسي إلا قوة فلما اختلط الناس اقتحم رسول الله {صلى الله عليه وآله وسلم} عن بغلته وأصلت السيف ودنوت أريد ما أريد منه ورفعت سيفي حتى كدت أسوره.
فرفع لي شواط من نار كالبرق كاد يمحشني فوضعت يدي على بصري خوفا عليه.
والتفتُ إلى رسول الله {صلى الله عليه وآله وسلم} فناداني يا شيبة ادن مني فدنوت فمسح صدري ثم قال اللهم اعذه من الشيطان.
قال فوالله لهو كان ساعتئذ احب الي من سمعي وبصري ونفسي وأذهب الله ما كان بي ثم قال أدن فقاتل فتقدمت أمامه اضرب بسيفي الله يعلم اني احب أن أقيه بنفسي كل شيء ولو لقيت تلك الساعة أبي لو كان حيا لأوقعت به السيف .
حتى رجع إلى معسكره فدخل خباءه فدخلت عليه فقال يا شيبة الذي أراد الله بك خيرا مما أردت بنفسك ثم حدثني بكل ما اضمرت في نفسي مما لم اذكره لأحد قط .
فقلت بأبي أشهد ان لا إله إلا الله وانك رسول الله ثم قلت استغفر لي يا رسول الله قال غفر الله لك) ( ).
وتتضمن آية السياق النهي عن التمادي في إنكار النبوة ووضع الشروط , لتبين آية البحث [فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ] ( ) إتصاف النبي بالصبر مع لزوم التأسي بالأنبياء السابقين .
واختتمت آية السياق بذم توبيخ وتحدي الذين اشترطوا القربان وقتلوا الأنبياء , ولم يكن المخاطبون في الآية السابقة هم الذين قتلوا الأنبياء , فبين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وآخر الرسل عيسى عليه السلام 570 سنة وقيل 571 سنة , وبُعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعمره أربعون سنة , والذين قالوا بشرط القربان ليس شخصا واحدا بدليل قوله تعالى [الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ] ( ) وليس للتفخيم خاصة وأنه في مقام الذم .
وسميتها آية القربان , إذ ورد لفظ القربان ثلاث مرات في القرآن كله بصيغة التنكير , وإذا كان هؤلاء يقولون بالعهد بالقربان , فغيرهم يأتي بعهد آخر فنزلت الآية السابقة لمنع تكرار هذا السؤال , وإزاحته كعقبة عن إيمان الناس .
وهل انقطع القول بالقربان بعد الآية أم استمر أو نقص أم زاد , الجواب هو الأول .
ومن الآيات وإرتقاء المسلمين في مراتب المعرفة الإلهية أنهم لم يسألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم الإستجابة لشرط القربان من أجل دخول الذين اشترطوا , والذين ينصتون له الإسلام .
مع ورود لفظ (يسألونك) خمس عشرة مرة في القرآن منها سبع في سورة البقرة لبيان أنها سورة أحكام , ومنها:
[يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ).
[يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ] ( ).
[يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ] ( ).
[فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنْ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] ( ).
[وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ] ( ).
[يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ] ( ).
[يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَنْفَالِ قُلْ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ] ( ).
[وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً] ( ).
[وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا* إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا] ( ).
[وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا] ( ).
[يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا] ( ).
وسؤال القربان نوع مغالطة فليس كل رسول جاء بالقربان ولم يأت به عيسى عليه السلام .
ثم إذا كان هناك عهد بين الله عز وجل وبينهم بالقربان الذي تأكله النار , فمن جاء لهم بهذا العهد ومن أوصله لهم .
وقام بتبليغه لابد أنهم الرسل , فلماذا قُتل عدد من الرسل .
قال تعالى [وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ الشَّاكِرِينَ] ( ).
وقال تعالى [يَابَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنْ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ] ( ).
وهل من موضوعية لقربان هابيل وقابيل , الجواب لا , إلا أن أهل الملل يسلمون بأنه آية من عند الله عز وجل , وإن نزول النار لأكل القربان أمر ممكن وللخشية من الله عز وجل فيه موضوعية , قال تعالى [إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ] ( ) ومن التقوى تلقي النبوة بالتصديق .
وهل يطلب هؤلاء قرباناَ واحداَ أم المراد الجنس , الجواب هو الثاني .
ترى لماذا ابتدأت الآية التالية [فَإِنْ كَذَّبُوكَ] ( ) الجواب لإحتمال إيمانهم بإقامة الحجة عليهم في هذه الآية وهو لا يتعارض مع المعنى العام للآية .
قال تعالى [مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ] ( ).
(عَنْ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ أَبِى الدَّرْدَاءِ فِى مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ أَتَيْتُكَ مِنَ الْمَدِينَةِ مَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لِحَدِيثٍ بَلَغَنِى أَنَّكَ تُحَدِّثُ بِهِ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم-. قَالَ فَمَا جَاءَ بِكَ تِجَارَةٌ قَالَ لاَ. قَالَ وَلاَ جَاءَ بِكَ غَيْرُهُ قَالَ لاَ. قَالَ فَإِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ « مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ وَإِنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ يَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِى السَّمَاءِ وَالأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانِ فِى الْمَاءِ وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ إِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلاَ دِرْهَمًا إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ) ( ).
ذم تكذيب الآيات
لقد جعل الله عز وجل القرآن [تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْ] ( ) ومنه تصديق شطر من الناس بالأنبياء , وتكذيب شطر آخر لهم .
ووردت آيات في الثناء على المؤمنين وبيان النفع العظيم والثواب الجزيل على الإيمان , كما وردت آيات في ذم الذين كذّبوا التنزيل ومنه قوله تعالى وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.
إذ تجمع هذه الآية بين أمور :
الأول : نعت الذم , وهو الوصف بالكفر بقوله تعالى [وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا] ( ) وهل من فارق بين صيغة الجمع في هذا الوصف وبين صيغة المفرد (الذين كفر وكذّب بآياتنا) الجواب نعم , إذ تدل صيغة الجمع على التواطئ على الكفر , والتعاون عليه , وفيه أذى إضافي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه , وقد نهى الله عز وجل عن هذا التعاون وبيّن قبحه وضرره الدنيوي والأخروي , قال تعالى [وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ]( ) وتكذيب الأنبياء من الإثم .
ومن العدوان وظلم النفس تجهيز الجيوش لمحاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : تبكيت بسبب الذين كفروا بآيات الله عز وجل , ومنها معجزات الأنبياء , وهل ذات بعثة الأنبياء آيات من عند الله عز وجل , الجواب نعم , فكل بعثة نبي من الأنبياء هي آية من عند الله عز وجل , ليكون من معاني تقدير آية البحث من جهات :
الأولى : [فَإِنْ كَذَّبُوكَ]( ) أي فإن كذبوا آية الله عز وجل في رسالتك.
الثانية : فإن كذبوا بالمعجزة العقلية التي جئت بها لإفادة التعدد في تكذيبهم , وزيادة الإثم عليهم , فيكون من معناه :
أولاَ : فان كذّبوا بنزول القرآن .
ثانياَ : فإن كذّبوا بآية البحث .
ثالثاَ : فإن كذّبوا بنزول الآيات .
رابعاَ : فإن كذّبوا بكل آية من القرآن , ويكون هذا التكذيب بعدد آيات القرآن , وكل فرد من هذا التكذيب حجة على الذين كفروا .
خامساَ : فإن كذّبوك بوجوب التلاوة .
الثالثة : فإن كذّبوا بالمعجزات الحسية التي جئت بها مثل إنشقاق القمر وآية الإسراء , وآيات النصر من غير سبب مادي ورجحان العدة والعدد , بل النقص فيهما ظاهر عند المسلمين بالمقارنة مع ما عند الكفار , كما في معركة بدر , وقد تقدم في الأجزاء السابقة جدول بالفارق بين الجيشين ورجحان كفة كفار قريش فيها .
ومع هذا تحقق النصر السريع للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين فيها , قال تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]( ) وسرعة النصر يومئذ من المعجزات المستقلة , وتقدير الآية أعلاه , ولقد نصركم الله بساعة من نهار وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ]( ).
الرابعة : فإن كذّبوك بأحكام الفرائض العبادية ووجوب أداء الصلاة اليومية وصيام شهر رمضان وأداء الزكاة والخمس وحج البيت الحرام .
الخامسة : فإن كذّبوك بقصص الأنبياء مع أنها حق وصدق .
السادسة : فإن كذّبوك بما ورد في آية السياق من مجئ الرسل بمعجزة نار القربان , وقتل عدد منهم .
الثالث : بيان حال السوء التي فيها الذين كفروا وأن جزاءهم الخلود في النار , وهل يختص هذا الخلود بالذين يجمعون بين الكفر وبين التكذيب بالآيات أم أن كلاَ من الكفر والتكذيب بالآيات جزاؤه النار , إن التكذيب بالآيات من الكفر والجحود , قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا]( ).
ومن إعجاز القرآن ذم الذين كذّبوا بآيات الله , وإخباره عن نزول العذاب الشديد بهم , ومع دعوتهم إلى التوبة والإنابة قال تعالى [وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأْ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ]( ) قال تعالى [وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ] ( ) وفي قوم نوح قال تعالى [وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ]( ).
لذا نسب الله عز وجل الآيات له سبحانه فقال [وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا] ( ).
قال تعالى [كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ] ( ).
ويختلف (التكذيب) عن الكذب , والنسبة بينهما عموم وخصوص من وجه, والكذب لغة نقيض الصدق يقال : (كَذَبَ يَكْذِبُ كَذِباً وكِذْباً وكِذْبَةً وكَذْبَةً وكِذاباً وكِذَّاباً، ككِتابٍ وجِنَّانٍ، وهو كاذِبٌ وكَذَّابٌ وتِكِذَّابٌ وكذوبٌ وكَذوبَةٌ وكَذْبانُ وكَيْذَبانُ وكَيْذُبانُ وكُذُّبْذُبٌ وكُذَبَةٌ ومَكْذُبانُ ومَكْذَبانَةٌ وكُذُبْذُبانُ) ( ). والتكذيب ضد التصديق .
والكذب في الإصطلاح هو الإخبار غير الصحيح عن ماضي أو مستقبل , وذكر بأنه يشمل العمد والسهو , ولكن هناك فارق رتبي بين الاثنين , إذ أن العهد كذب صريح , أما السهو فقد لا يختلف عن العمد في أثره .
فصحيح أن كلاَ منهما مخالف للواقع والحق , إلا أن الذي يقوله سهواَ لا يصدق عليه أنه كذّاب وأنه يكذب .
والإجماع على أن الساهي والجاهل بقول غير الواقع لا يؤثم .
ويأتي الكذب على وجوه :
الأول : الكذب في القول , وهو الأكثر والمتبادر إلى الأذهان , والإختلاق والإفتراء وهو إفتعال الكذب .
الثاني : الكذب بالفعل على نحو المخادعة والإيهام , ومنه فعل السحرة أيام موسى عليه السلام كما في قوله تعالى [يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى] ( ).
الثالث : الجمع بين الكذب في القول والكذب في الفعل , وجمعت آيتان من القرآن ذكرهما بصيغة الذم لهما كما في سورة يوسف التي اختصت بقصة نبي .
إذ ورد في التنزيل [قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ *وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ] ( ).
وقد يرد النعت بالكذب بألفاظ أخرى كما في شهادة الزور التي هي كذب وتعهد غير صادق يؤدي إلى الضرر والإضرار .

ذكر الأنبياء في الآيتين
لقد ذكر الأنبياء في الآيتين بخصوص موضوع قتل طائفة منهم ، وبين ذكرهما في الآيتين عموم وخصوص من وجه ، فمادة الإلتقاء من جهات :
الأولى : التوثيق القرآني لقتل الأنبياء .
الثانية : الذم والتوبيخ للذين قتلوا الأنبياء .
الثالثة : توثيق ما قاله المعاندون .
الرابعة : وقوع قتل الأنبياء قبل نزول آيات القرآن .
الخامسة : ذكر الآيتين لما قاله المعاندون ، ففي آية السياق ورد قوله تعالى [قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا]( ) ثم ذكرت الآية كتابة ما قالوا ، وورد في آية البحث [الَّذِينَ قَالُوا] ( ) وفيه حجة على قريش وعشيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذين ارادوا قتله في مكة قبل الهجرة ، وبعد الهجرة جهزوا الجيوش لقتله وأصحابه ،وحدثت معركة بدر وأحد والخندق ، إنما صار الحال في المدينة جدال واحتجاج , وظهور رأس النفاق .
ولقد نصر الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم في سوح المعارك وتفضل الله وأجاب عن الجدال واشتراط الآيات .
السادسة : الوعيد على قتل الأنبياء والرسل مع التفصيل في ماهية هذا الوعيد كما سيأتي في مادة الإفتراق بين الآيتين .
السابعة : من معاني الجمع بين الآيتين شمول الذين قتلوا الأنبياء بالقول [ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ]( ).
أما مادة الإفتراق فهي من جهات :
الأولى : ذكرت الآية قبل السابقة قتل الأنبياء ظلماً ومن غير حق ، فان قيل قد ورد البيان في الآية قبل السابقة بقوله تعالى [وَقَتْلَهُمْ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ] ( ) فهل هو مبين في آية البحث .
الجواب نعم من وجوه :
الأول : إخبار الآية عن كونهم رسل من عند الله .
الثاني: مجئ الرسل بالبينات ، فقد أظهروا معجزاتهم قبل أن يقتلوا لقوله تعالى في آية البحث [قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ] ( ) .
الثالث : مجئ الرسل بالقربان الذي تأكله النار .
الثانية : ذكر آية السياق لقول الذين امتنعوا عن الزكاة والإنفاق في سبيل الله بأن الله فقير وأنهم أغنياء ، أما آية البحث فقد ذكرت إدعاءهم أن الله سبحانه خصهم وعهد لهم عهداً .
والنسبة بين القولين عموم وخصوص مطلق ، فمسألة العهد أعم ، وفيها توقف عن التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا بشرط لا أصل له ، فالله عز وجل هو الذي يتفضل بما يخص كل نبي من معجزة.
الثالثة : ذكرت آية سياق قتل الأنبياء بينما ذكرتهم آية البحث بصفة الرسالة ، وتحتمل وجوهاً :
الأول : المراد الرسل في الآيتين لتقييد الإطلاق .
الثاني : ذكر الخاص بعد العام ،وهو من صيغ الإطناب بأن ذكرت آية السياق الأنبياء ، وجاءت بعدها وفق نظم القرآن آية البحث بذكر الخاص وهو الرسل ،وقد ذكر الخاص بعد العام [مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ] ( )واستدل في البلاغة بقوله تعالى [تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ] ( ).
لإرادة أن المقصود بالروح في الآية أعلاه هو جبرئيل .
وفي الروح جهات :
الأولى : ورد عن الإمام علي عليه السلام (أن الروح غير جبرئيل) ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده( ) ، فالروح غير الملائكة) ( ).
الثانية : عن ابن عباس (قال : { الروح } أمر من أمر الله وخلق من خلق الله ، وصورهم على صورة بني آدم . وما ينزل من السماء ملك إلا ومعه واحد من الروح ، ثم تلا { يوم يقوم الروح والملائكة صفاً } ( )) ( ) أي أن حرف العطف الواو في أعلاه يفيد المغايرة والتعدد.
الثالثة : الروح هي الوحي ، وهو النبوة عن ابن عباس .
الرابعة : الروح هي كلام الله وهو القرآن ، عن الربيع بن أنس .
الخامسة : الروح الرحمة ، قاله الحسن البصري وقتادة .
السادسة : الروح الهداية .
السابعة : الروح جبرئيل .
الثامنة : (أرواح الخلق . قال مجاهد لا ينزل ملك إلا ومعه روح ،أن الروح الرحمة ، قاله الحسن وقتادة ويحتمل تأويلاً ، أن يكون الروح الهداية ، لأنها تحيا بها القلوب كما تحيي الروح الأبدان) ( ) .
والروح خلق عظيم من عند الله ،وهو لا يتعارض مع تسمية جبرئيل بالروح .
الثالث : هل يدل الجمع بين ذكر قتل الأنبياء في آية السياق وبين ذكر قتل الرسل في آية البحث على تقييد الأعم بالأخص ، وأن المقصود قتل الرسل خاصة لأن كل رسول هو نبي وليس العكس .
الجواب لا .
والمختار إمكان الجمع بين الآيتين من غير تخصيص لآية السياق ، فقد قُتل عدد من الأنبياء ، وقتل عدد من الرسل .
ولكن لماذا ذكرت آية السياق الأنبياء وذكرت آية البحث الرسل ، لماذا لم يكن العكس بأن تذكر آية السياق الرسل ، وتذكر آية البحث الأنبياء ، الجواب ، ذكرت آية البحث الرسل على نحو التعيين لوجوه :
الأول : مجئ الرسل بالبينات .
الثاني :الدلالة على أن الرسل لم يأتوا بآية نزول نار تأكل القربان وحدها بل جاءوا بشرائع وأحكام ومعجزات .
الثالث : قتل الرسل تضييع لحق عامة الناس ، وتهديد للسلم المجتمعي وحجب للناس عن الفوز بالثواب العظيم في الآخرة باتباع الرسل .
أما آية السياق فذكرت قتل الأنبياء ليشمل الرسل أيضاً ، لأن الآية في مقام الإحتجاج على المعاندين .
الرابع : جاء الرسل بالبشارة برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولزوم التصديق بنبوته .
الرابعة : من مادة الإفتراق بين الآيتين تعدي المعاندين على مقام الربوبية كما في آية السياق ،وقولهم إن الله فقير ، وهو سبحانه وحده الغني في الدنيا والآخرة ، بينما جاءت آية السياق بادعاء عهد بينهم وبين الله عز وجل واتخاذهم هذا العهد شرطاً للتصديق برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الخامسة : ذكرت آية السياق أن قتل الأنبياء بغير حق ، وجاءت آية البحث بالتوبيخ على قتل الرسل ، لبيان أن من يكن بينه وبين الله عهد لا يقتل الرسل والأنبياء .
السادسة : أختتمت آية السياق بالتخويف والوعيد ، والتذكير بنار الآخرة ، وشدة حريقها ، أما آية البحث فاختتمت بالجملة الشرطية [إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ] ( ) ويأتي بيانه في باب التفسير ( ).
السابعة : أختتمت آية السياق بالوعيد بالنار للذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء وقيام اسلافهم بقتل الأنبياء ظلماً ، إذ قال تعالى [وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ] ( ) ليشمل هذا الوعيد الذين قتلوا الرسل من باب الأولوية ، لأن الرسل جاءوا بالبينات ، وبالشروط التي طلبها الناس ، ويمكن تقدير آية البحث : فلم قتلتموهم ونقول ذوقوا عذاب الحريق .
لقد جعل الله عز وجل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رحمة للناس جميعاً ، ومن مصاديق الرحمة ، تنبيه الغافلين وتذكير الظالمين بأن سفك الدماء قبيح وأن التعدي على أشخاص الأنبياء ظلم عظيم .
وتدعو آية البحث للإمتناع عن شرط القربان لكفاية المعجزات التي جاء بها رسول الله ، وتمنع من جعله سبباً للإفتراء والتحريض والتعدي على شخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ،وفي الآية إنذار وتخويف للذين يعادون النبوة والتنزيل ، قال تعالى [وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ] ( ).

إعجاز الآية الذاتي
تبدأ آية البحث بشاهد على إكرام الله عز ووجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهذا الإكرام من جهات :
الأولى : الخطاب من الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من غير واسطة [فَإِنْ كَذَّبُوكَ].
الثانية : دلالة الآية على أن النبي محمداَ صلى الله عليه وآله وسلم رسول من عند الله وأن الله ينتصر له .
الثالثة : ذم الذين يكذبون بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابعة : تكذيب الكفار للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا يلحق الضرر به وبدعوته إلى الله عز وجل ، إنما يضرون أنفسهم (عن رفاعة بن رافع الأنصار قال : لما رأى إبليس ما يفعل الملائكة بالمشركين يوم بدر أشفق أن يخلص القتل إليه ، فتشبث به الحارث بن هشام وهو يظن أنه سراقة بن مالك ، فوكز في صدر الحارث فألقاه ثم خرج هارباً حتى ألقى نفسه في البحر ، فرفع يديه فقال : اللهم إني أسألك نظرتك إياي .
وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة قال : أنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم بمكة { سيهزم الجمع ويولون الدبر } ( )فقال عمر بن الخطاب: أي جمع يهزم؟! – وذلك قبل بدر – فلما كان يوم بدر وانهزمت قريش ، نظرت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في آثارهم مصلتاً بالسيف ويقول : { سيهزم الجمع ويولون الدبر }( ) فكانت بيوم بدر ، فأنزل الله فيهم { حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب }( ) الآية .
وأنزل الله { ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً }( ) الآية . ورماهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فوسعهم الرمية ، وملأت أعينهم وأفواههم حتى أن الرجل ليقتل وهو يقذي عينيه وفاه ، فأنزل الله { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى }( ) وأنزل الله في إبليس { فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون }( ). وقال عتبة بن ربيعة وناس معه من المشركين يوم بدر { غر هؤلاء دينهم } فأنزل الله { إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم })( ).
ومن إعجاز آية البحث بيانها لإتحاد سنخية الكفار والتشابه بينهم حتى مع إختلاف الزمان والمكان إذ يقومون بتكذيب الرسل ، وإذ يتعلق موضوع الآية بأيام رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والرسل الذين من قبله ، فهل تشمل الآية أيام ما بعد إنتقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى ، الجواب نعم ، ويكون تقدير الآية على وجوه :
الأول : فإن كذّبوك قبل بعثتك بامتناعهم عن تلقي البشارات برسالتك بالتصديق , وهل يتعارض هذا القول مع ما ورد في قوله تعالى [وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ]( ) الجواب لا , لأنه من البينات التي جاء بها الرسل البشارة برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : فإن كذّبوك أيام رسالتك .
الثالث : فإن يكذّبوك بعد اختتام أيامك في الدنيا ويدل عليه قوله تعالى [وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ]( ) من جهتين :
الأولى : مجئ العطف في الآية بحرف الواو الذي لا يدل على الترتيب والتعقيب مثل الفاء في قوله تعالى [فَإِنْ كَذَّبُوكَ] ( ).
الثانية : مجئ الفعل (يكذّبوك) في الآية أعلاه بصيغة الفعل المضارع ولغة الجمع .
وهل هذا التكذيب مستمر من الكفار أم أنه ينقطع بايام الإمام المهدي من آل محمد إذ يسود الإيمان الأرض ، المختار هو الأول ، ولكن هناك فارق بالرتبة والكم ، إذ ينحسر الكفر لتتجلي الشواهد التي تدل على صدق رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وهل يمكن الإستدلال عليه بافادة [فَإِنْ كَذَّبُوكَ] الإطلاق الزماني بقانون بقاء القرآن غضاً طرياً إلى يوم القيامة , الجواب نعم ، ففي الآية حجة على الكفار ودعوة للناس جميعاً للإيمان .
ومن إعجاز آية البحث إخبارها عن مجئ كل رسول بالبرهان الذي يدل على صدق رسالته وبلزوم عدم تكذيبه ، ومن الحجة في المقام تفضل الله عز وجل برزق الإنسان العقل للتمييز بين الحق والباطل ووجوب تصديق واتباع الحق ، ومنها تعدد الشواهد التي تدل على صدق الرسل ، فمن لا يؤمن بالبينات يلح عليه الزبر والكتاب المنزل بلزوم الإمتناع عن تكذيب الرسل .
وقد تفضل الله عز وجل ووصف الكتاب في آية البحث بأنه (منير ) وأنه يبعث النور في القلوب ، وجاءت مضامين آية البحث في آية مشابهة لها( ) كما سيأتي في علم المناسبة( ) .
ولم يرد لفظ [ الكتاب المنير ] في القرآن إلا مرتين ، وفيه دعوة للمسلمين للإقرار والتسليم بالكتب السماوية السابقة وهي :
الأول : التوراة .
الثاني : الإنجيل .
الثالث : الزبور .
وظاهر آية البحث عدم انحصار الكتب السماوية السابقة بهذه الكتب.
لقد أخبرت الآية السابقة عن قيام المشركين بقتل عدد من الرسل ، وجاءت آية البحث بالإخبار عن تكذيبهم للرسل ، وبينهما عموم وخصوص مطلق من جهات :
الأولى : التكذيب أعم من القتل ، والقتل أشد وطأة ، وليس كل من يكذب الرسل يقوم بقتل الرسول أو يتواطئ على قتله ، وفيه دعوة للمسلمين لعدم استعمال السيف سلاحاً ضد الذين يكذبون بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويدل عليه الأمر بالجدال الحسن ، ومنه آيات القرآن ، قال تعالى [وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] ( ) .
الثانية : لقد أمر الله عز وجل النبي محمداً في الآية السابقة بمخاطبة الذين يكذبون برسالته بان يقول لهم [فلم قتلتموهم] أي لماذا أقدمتم على قتل الرسل مع مجيئهم بالبيات والدلائل الباهرة على صدق رسالتهم ( )، وليس في آية البحث أمر إلى النبي (قل) ولكنها تدل عليه بالمعنى وعطف مضامين الآية على الآية السابقة .
الثالثة : ذكرت الآية السابقة مجئ الرسل بالبينات , أما آية البحث فلأنها اختصت بالتكذيب بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , ذكرت ما جاء به الرسل على نحو التفصيل من جهات :
الأولى : البينات .
الثانية : الزبر .
الثالثة : الكتاب المنير .
وهل الزبر والكتاب المذكوران في آية البحث واحد ، إنما يكون العطف للتغاير في الوصف والموضوع أم أن كلاً منهما موضوع مستقل ومنفصل عن الآخر ، والمختار هو الثاني وسيأتي التفصيل في باب التفسير , ووصف الكتاب بأنه منير ، والمراد من لفظ (المنير) الإطلاق وشموله للحقيقة والمجاز ، أما الحقيقة فأنه نور ، قال تعالى [إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلاَ تَخْشَوْا النَّاسَ وَاخْشَوْنِي وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ] ( ) ومن المجاز أنه بمعنى المبين ، والبرزخ والحاجز المانع من التكذيب .
لقد تكررت مادة [كذّب] مرتين في آية البحث وكل منهما في تكذيب الرسل والمعجزات التي جاءوا بها ، وفيه تغليظ على الذين كفروا ، وإنذار لهم ، بأن الله عز وجل يعلم بهذا التكذيب مثلما سمع [قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ] ( )ووعيد لهم بلحوق الخزي بهم في الدنيا والآخرة .
ويمكن تسمية آية البحث آية [فَإِنْ كَذَّبُوكَ] ولم يرد هذا اللفظ في القرآن إلا مرتين ، إذ جاء في سورة الأنعام [فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ] ( ) .
إعجاز الآية الغيري
وفي آية البحث تأديب للمسلمين والمسلمات في سؤالهم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكيفية وموضوع السؤال وهو من عمومات قوله تعالى [وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ]( ), وقد وردت كلمة (يسألونك) في القرآن خمس عشرة مرة , تبين تعدد موضوع السؤال وأنه يشمل الأحكام والسنن .
وكلمة (يسألونك) مركبة من :
الأول : الفعل , وجاء الفعل بصيغة المضارع لبيان تعدد ذات السؤال وموضوعه وأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم يعبس أو يمتنع عن الجواب .
الثاني : الفاعل وهو واو الجماعة , ولم تعين هذه الآيات السائل , ولكنها تدل على الجمع , ويكون السائل على جهات :
الأولى : يأتي السائل منفرداً , ويسمع الصحابة السؤال والإجابة , وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يحب أن يُسأل بما فيه النفع والفائدة , و(عن ابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أذن في الناس , فقال : يا قوم ، كتب عليكم الحج ، فقام رجل من بني أسد , فقال : يا رسول الله ، أفي كل عام؟
فغضب غضباً شديداً فقال : والذي نفسي بيده , لو قلت نعم لوجبت ، ولو وجبت ما استطعتم وإذن لكفرتم ، فاتركوني ما تركتكم ، وإذا أمرتكم بشيء فافعلوا ، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا عنه ، فأنزل الله { لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم( ))( ).
و (عن أنس بن مالك : نُهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن شيء، فكان يعجبنا أن يأتي الرجل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع)( ).
و(عن خالد بن عرعرة قال أتيت الرحبة فإذا أنا بنفر جلوس قريب من ثلاثين أو أربعين رجلا فقعدت فيهم فخرج علينا علي فما رأيته أنكر أحدا من القوم غيري فقال ألا رجل يسألني فينتفع وينفع نفسه)( ).
الثانية : إتفاق جماعة على التوجه إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالسؤال .
الثالثة : مجئ السؤال ابتداء من غير اتفاق .
الرابعة : سؤال المسلمين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما يتلو القرآن أو يبين الأحكام .
الخامسة : يستثمر ويفرح المسلمون بصعود النبي صلى الله عليه وآله وسلم المنبر فيتوجهون له بالسؤال فيجيبهم وهو على المنبر , أو بعدما ينزل من المنبر .
وقد يكون صعود النبي صلى الله عليه وآله وسلم المنبر بسبب توجيه سؤال له , لتعم المنفعة ويبلغ الشاهد الغائب , والحاضر اللاحق .
و(عن العباس بن عبد المطلب قال بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعض ما يقول الناس فصعد المنبر , فقال من أنا قالوا أنت رسول الله فقال أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب إن الله خلق الخلق فجعلني من خير خلقه وجعلهم فرقتين فجعلني في خير فرقة , وخلق القبائل فجعلني في خير قبيلة , وجعلهم بيوتا , فجعلني في خيرهم بيتا , فأنا خيركم بيتا وأنا خيركم نفسا) ( ).
الثالث : المفعول به , والمراد توجه سؤالهم إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , ويدل عليه الكاف في يسألونك وفيه إكرام للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتوجه الناس إليه بالسؤال الذي يدل بالدلالة التضمنية على تسليمهم برسالته وحاجاتهم إليه وإلى الوحي , ليكون لفظ (يسألونك) في القرآن , وتعدده مواساة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , بخصوص ما ذكرته آية البحث في تكذيب طائفة من الناس لرسالته ومع السؤال يأتي رجاء دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهم .
و (لما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من تبوك وكان في سنة تسع قدم عليه وفد بني فزارة بضعة عشر رجلا فقال أحدهم يا رسول الله أسنت بلادنا وهلكت مواشينا وأجدب جناننا وغرث عيالنا فادع الله لنا فصعد المنبر ودعا .
فقال ( اللهم اسق بلادك وبهائمك وانشر رحمتك وأحي بلدك الميت اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا مريعا, طبقا واسعا عاجلا غير آجل , نافعا غير ضار , اللهم اسقنا سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا غرق , ولا محق , اللهم اسقنا الغيث وانصرنا على الأعداء.
فقام أبو لبابة ابن عبد المنذر فقال يا رسول الله إن التمر في المرابد فقال اللهم اسقنا حتى يقوم أبو لبابة عريانا يسد ثعلب مربده( ) بإزاره فمطرت فما رأوا السماء ستا( ).
وقام أبو لبابة عريانا يسد ثعلب مربده بإزاره ثم قيل هلكت الأموال وانقطعت السبل فصعد رسول الله {صلى الله عليه وآله وسلم} المنبر.
فقال : ( اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الأكمام( ) والظراب( ) وبطون الأودية ومنابت الشجر فانجابت السماء عن المدينة إنجياب الثوب ) .
أخرج أبو نعيم عن كعب بن مرة قال دعا رسول الله على مضر فأتيته فقلت : إن الله قد نصرك , وأعطاك واستجاب لك , وإن قومك قد هلكوا فأدع الله لهم .
فقال ( اللهم اسقنا غيثا مريعا طبقا غدقا عاجلا غير رائث نافعا غير ضار قال فما أتى علينا جمعة حتى مطرنا) ( ).
وكان الصحابة يميزون بين أمور :
الأول : آيات القرآن التي تنزل من عند الله عز وجل .
الثاني : السنة النبوية التي هي شعبة من الوحي , قال تعالى [وَمَا ينطق عن الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى] ( ).
الثالث : الرأي الشخصي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وهذا الرأي يعضده الوحي ولا يبقى مجرداً.
ففي معركة بدر وعشية التهيئ لها بعد أن أصر كفار قريش على القتال.
نزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأصحابه في أدنى ماء من بدر .
(قال ابن إسحق فحدثت عن رجال من بني سلمة انهم ذكروا ان الحباب بن المنذر بن الجموح قال يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزل أنزلكه الله ليس لنا ان نتقدمه ولا ان نتأخر عنه أم هو الرأى والحرب والمكيدة.
قال بل هو الرأى والحرب والمكيدة.
قال يا رسول الله ان هذا ليس بمنزل فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله ثم تغور ما وراءه من القلب , ثم تبنى عليه حوضاَ فتملأه ماء فتشرب ولا يشربون.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لقد أشرت بالرأى فنهض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , ومن معه من الناس فسار حتى أتى ادنى ماء من القوم فنزل عليه ثم أمر بالقلب فغورت وبنى حوضاَ على القليب الذى نزل عليه فملئ ماء ثم قذفوا فيه الآنية.
وروينا عن ابن سعد في هذا الخبر فنزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال ما اشار به الحباب) ( ) وهذه الكلمة شاهد على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يفعل إلا بالوحي وإن جاء اقتراح ورأي من الصحابة وتسمى السنة هنا السنة التقريرية.
من خصائص النبوة مقابلة الكفار للأنبياء والرسل بالتكذيب فما من رسول إلا وقد كذبه شطر من أمته , واتصفت بنوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم قام كفار قريش يجمع الجيوش لقتاله , فلم تبدأ معارك النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الدفاعية بأقوام بعيدين عنه وأعداء له ولقومه , فقريش قبيلة النبي صلى الله عليه وآله وسلم , وقد نزل قوله تعالى [وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ] ( ) في مكة قبل الهجرة ليكون هذا الإنذار زاجراَ لهم عن القتال , وتقدير الآية أعلاه بلحاظ آية البحث على وجوه :
الأول : وأنذر عشيرتك الأقربين وتحذيرهم من التكذيب برسالتك .
الثاني : وأنذر عشيرتك الأقربين من إيذائك فإن الله عز وجل ناصره.
الثالث : وأنذر عشيرتك الأقربين من محاولات قتلك لأنها ستكون سبباَ لهجرتك , وإقامة دولة الإسلام في يثرب .
ومن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه حالما وصل إلى أطراف المدينة مهاجراَ أنشأ مسجداَ , وهو أول مسجد في الإسلام هو مسجد قباء , إذ أقام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عند بني عمرو بن عوف مدة أربع عشرة ليلة قبل أن يواصل طريقه إلى وسط مدينته يثرب وبين المسجد النبوي العامر .
وصلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مسجد قباء وهو المسجد الذي نزل في قوله تعالى [لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ]( ).
وأول شخص أخبر عن قدوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة مهاجراَ هو رجل من اليهود , إذ بلغ الأنصار ومن معهم من المهاجرين الذين وصلوا إلى المدينة قبل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه خرج مهاجراَ من مكة , وخافوا عليه في الطريق خاصة , وأنهم يعلمون أن قريشاَ تريد قتله , بالإضافة إلى أن شرط الأنصار في بيعة العقبة هو الذب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما يصل إليهم , ومنها إقامته في مكة أو في طريق الخروج منها .
وعندما حان الوقت الذي يظن به المسلمون في المدينة قطع النبي صلى الله عليه وآله وسلم المسافة من مكة إلى المدينة , صاروا يخرجون كل صباح إلى ظاهر المدينة , وينتظرون ويسألون من يقدم من الركبان والمسافرين عن أخباره , وسيأتي في الأجزاء التالية قانون علة خروج الأنصار صباح كل يوم إلى ظاهر المدينة لاستقبال النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
إلا أن ترتفع الشمس في كبد السماء ويؤذيهم الحر فيعودون .
وعن (عروة بن الزبير أنه لقي الزبير وركباَ من المسلمين كانوا تجارا بالشام قابلين إلى مكة فعرفوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبا بكر فكساهم ثياب بيض وسمع المسلمون بالمدينة بخروج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه حتى يؤذيهم حرّ الظهيرة فانقلبوا يوما بعدما أطالوا انتظاره.
فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود أطماَ( ) من آطامهم لأمر ينظر إليه فبصر برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب فنادى بأعلى صوته يا معشر العرب هذا جدِكم الذي تنتظرون.
فثار المسلمون إلى السلاح فتلقوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى أتوه بظهر الحرة فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل في بني عمرو بن عوف بقباء وذلك يوم الإثنين من شهر ربيع الأول فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر يذكر الناس.
وجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صامتا وطفق من جاء من الأنصار ممن لم يكن رآى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحسبه أبا بكر حتى أصابت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الشمس فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه فعرف الناس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند ذلك.
فلبث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة وابتنى المسجد الذي أسس على التقوى وصلى فيه ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم راحلته فسار ومشى الناس حتى بركت به عند مسجد رسول الله بالمدينة وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين وكان مربدا للتمر لسهل وسهيل غلامين يتيمين أخوين في حجر أبي أمامة أسعد بن زرارة من بني النجار.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين بركت به راحلته : هذا المنزل إن شاء الله ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الغلامين فساومهما بالمربد يتخذه مسجدا.
فقالا : لا بل نهبه لك يا رسول الله
فأبى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يقبله منهما حتى ابتاعه منهما , وبناه مسجدا وطفق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينقل معهم اللبن( ) في بنائه وهو يقول : هذا الجمال لا جمال خيبر هذا أبر ربنا وأطهر إن الأجر أجر الآخرة فارحم الأنصار والمهاجرة .
ويتمثل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشعر رجل من المسلمين لم يسم لي قال ابن شهاب : ولم يبلغني في الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تمثل ببيت من الشعر تاما غير هؤلاء الأبيات ولكن يرجزهم لبناء المسجد) ( ).
ومن إعجاز آية البحث الغيري أمور :
الأول :الثناء على الذين آمنوا برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : تحصين قلوبهم من الشك ودبيب الريب , والإيمان من الفعل (آمن).
وهو الإصطلاح الإعتقاد بالتوحيد والعبودية لله عز وجل والتسليم بالنبوة والإقرار باللسان .
ومن نطق بالشهادتين وعمل بأحكام الشريعة كالصلاة والصوم ولكنه غير معتقد بها ويضمر الكفر فهو منافق , قال تعالى [أَلَمْ تَرى إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ] ( ).
والذي نطق بالشهادتين واعتقد بها , ولكنه لم يعمل بالواجبات العبادية , ولم يجتنب المعاصي فهو فاسق , والإيمان نقيض الكفر .
(والإيمان على خمسة أوجه: إيمان مطبوع ، وإيمان مقبول، وإيمان معصوم، وإيمان موقوف، وإيمان مردود.
فالإيمان المطبوع هو إيمان الملائكة.
والإيمان المعصوم هو إيمان الأنبياء .
والإيمان المقبول هو إيمان المؤمنين.
والإيمان الموقوف، هو إيمان المبتدعين .
والإيمان المردود، هو إيمان المنافقين) ( ).
لقد أخبرت آية البحث عن تكذيب الرسل السابقين .
ومن الإعجاز في آية البحث مجئ لفظ الرسل وليس الأنبياء , لأن الرسل أعلى مرتبة من الأنبياء , إذ يأتي الرسول بالبينات المتعددة وأحكام الشريعة , ويكون رسولاَ للأكثر والأعم من الناس , ومع هذا كذّبهم الكفار لبيان أنهم كذّبوا بالأنبياء أيضاَ من باب الأولوية , ويحتمل التكذيب وجوهاَ :
الأول : كل قوم من الكفار كذبوا رسولاَ مبعوثاَ في زمانهم .
الثاني : من أخلاق الكفار المذمومة أنهم يكذّبون بكل الرسل على نحو العموم المجموعي والإستغراقي والإفرادي .
الرابع : تكذيب الكفار بمعجزات الأنبياء ونسبتها إلى السحر , قال تعالى [كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ] ( ).
ولا تعارض بين هذه الوجوه , وكلها من مصاديق آية البحث , والشواهد على شدة إيذاء الكفار لكل من :
الأول : النبي المبعوث الذي يدعو الناس إلى الإيمان ويقابله الكفار بالإعراض والصدود , [فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاَغُ]( ).
الثاني : الذين يؤمنون بما جاء به الرسول من عند الله عز وجل .
الثالث : عامة الناس , لما في صدود الكفار عن سبل الهدى , من أسباب دبيب الشك إلى قلوب شطر من الناس , أما إذا كان الكفار من رؤساء القوم فإن الناس يحاكونهم في كفرهم خشية من شرهم , ودفعاَ لأذاهم مثلما حدث في مكة , واظهار رؤساء قريش أشد ضروب العداوة والإيذاء للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
لقد أخبرت آية البحث بأن الرسل السابقين جاءوا بكل من :
الأول : البينات وورد ذكر البينات بصيغة الجمع ، ولو دار الأمر بين مجئ الرسول ببينات واحدة أو عدة بينات فالصحيح هو الثاني .
الثاني : الأمر والأحكام الشرعية الملزمة بخصوص اتيان الواجب وترك الحرام .
الثالث : آيات التنزيل ، وأخبار الأمم ، واحوال أجيال الناس ، وذكر أهوال الآخرة .
لبيان نكتة وهي ما جاء به الأنبياء السابقون هو عند النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وفي ثنايا آيات القرآن ، وفيه حجة على الذين يكذبون برسالته .
الآية سلاح
لقد كان سلاح النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل الهجرة على وجوه :
الأول : تلاوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لآيات القرآن النازلة عليه , وما تضمنته قصص الأنبياء , وضروب التخويف والوعيد على الكفر , قال تعالى [وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ] ( ).
الثاني : دعوة الناس إلى الإسلام على نحو القضية الشخصية بالإتصال بالأفراد , وعلى نحو القضية النوعية كما في ذهاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى أماكن وفود القبائل في الحج , وتلاوة القرآن ودعوتهم للإسلام , ونبذ عبادة الأصنام .
الثالث : إقامة الصلاة في البيت الحرام من أيام البعثة الأولى , وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي بمفرده , أو تكون معه خديجة والإمام علي عليه السلام.
أما الصحابة الذين دخلوا الإسلام في سنيه الأولى فكانوا يخشون قريشاَ في صلاة جماعة بإمامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , ولما اختاروا الخروج من مكة للتعبد في البيداء لحقهم رجال قريش وتوعدوهم , ليكون من نعمة الله عز وجل بالهجرة أداء المسلمين للصلاة في المدينة جماعة , وكأنها أمنية عظيمة قد تحققت بعيداَ عن بطش قريش .
(قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّه عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ إذَا صَلّوْا ، ذَهَبُوا فِي الشّعَابِ فَاسْتَخْفَوْا بِصَلَاتِهِمْ مِنْ قَوْمِهِمْ فَبَيْنَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّه عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ فِي شِعْبٍ مِنْ شِعَابِ مَكّةَ ، إذْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ نَفَرٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ يُصَلّونَ فَنَاكَرُوهُمْ وَعَابُوا عَلَيْهِمْ مَا يَصْنَعُونَ حَتّى قَاتَلُوهُمْ فَضَرَبَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ يَوْمَئِذٍ رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ بِلَحْيِ بَعِيرٍ فَشَجّهُ فَكَانَ أَوّلَ دَمٍ أُهْرِيقَ فِي الْإِسْلَامِ) ( ).
ولم يحمل النبي سيفاَ في مكة , ولم يأمر بالقتال ورد الإعتداء بالمثل , إذ كان الصبر سلاحاَ آخر مصاحباَ في أيام النبوة كلها , وفي خطاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم [ وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ] ( ).
ونزلت بعد الهجرة آيات الإحتجاج والبرهان والجدال الحسن , ويستقرأ منه أن حال أهل يثرب المدينة يختلف عن حال مكة وسطوة قريش فيها , ومنعهم المسلمين من إقامة الشعائر العبادية في ذات الوقت الذي سمحوا فيه لكل قبيلة أن تجعل صنماَ خاصاَ بها في البيت الحرام .
لقد كانت آيات الإحتجاج سلاحاَ من وجوه :
الأول : الإستغناء عن السيف , ومن الدلائل على قانون عدم غزو النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمدن والقبائل .
الثاني : إنها مدرسة في إصلاح النفوس , وعن الإمام علي (قال : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال :
وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعا إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت لبيك وسعديك والخير كله في يديك والشر ليس إليك تباركت وتعاليت أستغفرك وأتوب إليك) ( ).
الثالث : آيات الإحتجاج وسيلة لجذب الناس إلى الإيمان .
الرابع : من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمْ الْفَاسِقُونَ] ( ).
ويدل نزول مادة الإحتجاج الذي يحتجون بها من السماء على أنه من الحكمة ويتصف بالبرهان القاطع , ومن مصاديق وهو دعاء إبراهيم كما ورد في التنزيل [رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ] ( ).
وتجلى الإحتجاج في الآية السابقة وهي الآية الثالثة والثمانون بعد المائة من سورة آل عمران إذ ذكرت ما قالته طائفة من الناس بأن الله عز وجل أوصاهم بوصية وعهد وهي ألا يصدقوا برسول من عنده سبحانه حتى يأتيهم بنار القربان , فنفى الله عز وجل وجود هذا العهد عندهم من غير أن يبطش بهم وينتقم منهم .
لقد كذّبوا رسول الله بغير حق فكذّبتم بهم الله بالحق إنما أخبر الله عز وجل النبي محمداَ صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول لهم قد جاءكم رسل من قبلي بالمعجزات وبآية نار القربان ومع هذا قتلتموهم , فلماذا أقدمتم على قتلهم مع ثبوت الحجة بأنهم رسل من عند الله عز وجل , واختتمت الآية بقوله تعالى [إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ] ( ) بالإيمان بالرسول الذي يأتي بآية القربان الذي تأكله النار( ) .
ونطرح هنا مسألة جديدة بخصوص الآية السابقة ومضامين الإحتجاج فيها وهي هل هذا الإحتجاج إنذار لهم وإشارة للحرب عليهم , ومقدمة لجلائهم عند مخالفة العهود مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الجواب لا دليل عليه إنما نزلت بعدها آية البحث التي تتضمن مواساة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه وليس فيها منطوقاَ أو مفهوماً إشارة للحرب أو الإجلاء .
قانون ملازمة الإحتجاج للنبوة
آية البحث من آيات الإحتجاج في القرآن وإن جاءت بصيغة الخطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , ومن وجوه الإحتجاج فيها :
الأول : لماذا كذبتم الأنبياء والرسل السابقين .
الثاني : لقد جاء الرسل السابقون بالحجج الباهرة التي تدل على صدق رسالتهم فلماذا لم تؤمنوا برسالاتهم .
الرابع : فإن كذبوك فانما أنت بشير ونذير , قال تعالى [أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ]( ).
ومن الإعجاز في آية البحث والآية السابقة أنها تغني عن السيف ويكون أثرها ونفعها أعظم وابلغ منه .
فأثر السيف محصور بساعته , وفيه زهوق للأرواح ، والذي يريد قتل غيره أو يقدم على القتل يكون نفسه عرضة للقتل .
أما الإحتجاج القرآني فإنه باق في رسمه ومادته وعظيم نفعه وحكمه , وهو من الشواهد على سلامة القرآن من التحريف , وبرهان وحجة ، ومن مصاديق قوله تعالى [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون] ( ).
ومن أسرار تلاوة كل مسلم ومسلمة للقرآن في كل ركعة من الصلاة , صيرورة هذه التلاوة نوع إحتجاج وتجديد يومي له من غير إثارة للضغائن أو سفك دماء , ومن يكذب برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قد يهتدي عند سماعه الإحتجاج عليه من السماء .
ومن خصائص النبوة ملازمة سلاح الإحتجاج للأنبياء , فإن قلت وهل كان آدم عليه السلام يتخذ من الإحتجاج سلاحاَ , الجواب نعم .
لقد أمره الله عز وجل بالإحتجاج بتعليم الاسماء للملائكة كما في قوله تعالى [قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ]( ) .
فكان من ثمراته أن سجد الملائكة له طاعة لله عز وجل , وبالإحتجاج على آدم عليه السلام من إغواء إبليس في الأرض له ولأولاده , وليس من حصر لآيات الإحتجاج في القرآن , إذ أنه يأتي على وجوه :
الأول : الإحتجاج الشخصي كما في آية المباهلة [فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ] ( ).
الثاني : الإحتجاج اللساني الصريح والظاهر , مع إجابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الإحتجاج وفي ذات الآية كما في قوله تعالى [قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلْ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ] ( ).
إذ تكرر لفظ [قُلْ] في الآية خمس مرات كلها في الإحتجاج على الذين كفروا , مع تأكيد التوحيد والربوبية المطلقة لله عز وجل .
الثالث : الإحتجاج العملي والشواهد الحسية ، وفي التنزيل [قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ] ( ) [قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ] ( ).
الرابعة : إتخاذ صدق القرآن حجة , وموعظة ودرساَ في الإحتجاج , وبينما كان العرب يهيمون بالشعر الذي مادته تمجيد الآباء وهم في الغالب كفار , وذكر المعارك والغزو والتفاخر بينهم بالنهب والسلب , نزل القرآن بقصص الأنبياء التي تتضمن الأخلاق الحميدة , وتحمل الأذى الشديد في جنب الله والعصمة من التعدي والظلم , وكل قصة تدعو إلى التوحيد بالنص الجلي .
إن هذه القصص حرب على الإرهاب , وهو من مصاديق الحسن في قوله تعالى [نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الْغَافِلِينَ]( ).
وهل هي سبب للتخفيف عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من شدة أذى الكفار الجواب نعم , وسيأتي في مبحث مستقل مستحدث في الجزء التالي إن شاء الله بعنوان (قانون قصص القرآن حرب على الإرهاب).
ولقد كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يستشهد بالآيات التي تتضمن العناية بها .
وبينما رجل يهودي يعرض سلعته في سوق المدينة أعطى بها ثمناَ يكرهه ويظن أنه لا يناسب سلعته.
(فَقَالَ لاَ وَالَّذِى اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْبَشَرِ ، فَسَمِعَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَامَ ، فَلَطَمَ وَجْهَهُ ، وَقَالَ تَقُولُ وَالَّذِى اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْبَشَرِ ، وَالنَّبِىُّ – صلى الله عليه وآله وسلم , بَيْنَ أَظْهُرِنَا فَذَهَبَ إِلَيْهِ ، فَقَالَ أَبَا الْقَاسِمِ ، إِنَّ لِى ذِمَّةً وَعَهْدًا ، فَمَا بَالُ فُلاَنٍ لَطَمَ وَجْهِى .
فَقَالَ : لِمَ لَطَمْتَ وَجْهَهُ . فَذَكَرَهُ ، فَغَضِبَ النَّبِىُّ – صلى الله عليه وآله وسلم – حَتَّى رُئِىَ فِى وَجْهِهِ ، ثُمَّ قَالَ : لاَ تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ ، فَإِنَّهُ يُنْفَخُ فِى الصُّورِ ، فَيَصْعَقُ مَنْ فِى السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِى الأَرْضِ ، إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ بُعِثَ فَإِذَا مُوسَى آخِذٌ بِالْعَرْشِ ، فَلاَ أَدْرِى أَحُوسِبَ بِصَعْقَتِهِ يَوْمَ الطُّورِ أَمْ بُعِثَ قَبْلِى) ( ).
(عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال عجبت لمن فزع من أربع كيف لا يفزع إلى أربع: عجبت لمن خاف كيف لا يفزع إلى قوله : حسبنا الله ونعم الوكيل( ) فاني سمعت الله عزوجل يقول بعقبها : فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء ( )وعجبت لمن اغتم كيف لا يفزع إلى قوله: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت
من الظالمين( ) فاني سمعت الله عزوجل يقول بعقبها : فنجيناه من الغم وكذلك ننجي
المؤمنين( ) وعجبت لمن مكر به كيف لا يفزع إلى قوله : افوض امري إلى الله إن الله بصير بالعباد) ( ) فاني سمعت الله عزوجل يقول بعقبها: ” فوقيه الله سيئات ما مكروا( )
وعجبت لمن أراد الدنيا وزينتها كيف لا يفزع إلى قوله: ما شاء الله لا قوة إلا بالله( ) فاني سمعت الله عزوجل يقول بعقبها : إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك( ) وعسى موجبة) ( ).
ومن الإعجاز في القصص الواردة في القرآن إتصافها بالبيان والوضوح , ولا تحتاج إلى تفصيل إلا أنه يأتي لزيادة العبرة والموعظة , وتجلي مصاديق الحق وصدق التنزيل , فيتم الإحتجاج بها , وتكون ذات تلاوتها إحتجاجاَ وبرهاناَ ويأتي بيان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لها , والجمع بين آيات قصص القرآن وحسن عاقبته الأنبياء وأتباعهم وأنصارهم تعضيداَ لهذا الإحتجاج .
الخامس : إتخاذ أمثال القرآن حجة وتأديباَ , وإصلاحاَ ووسيلة في الجدال وإقامة البرهان , والإمتناع عن العنف والإرهاب , سواء كان المثل الصريح كما في قوله تعالى [مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ] ( ).
[مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا] ( ).
وقوله تعالى [مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَ يُبْصِرُونَ] ( ).
إذ أن ذات اللفظ في هذا المثل دليل وموعظة , والمثل الكامن وهو الذي لا يرد فيه لفظ ولكن مضمونه يلحق بالمثل وحكمه , وهو كثير في القرآن مثل [قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلْ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ] ( ).
قد يأتي المثل والتشبيه لبيان وجوه الإلتقاء بين المشبه والمشبه به في ذات الآية الكريمة , قال تعالى [وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] ( ).
السادس : احتجاج القرآن بالخلق والآيات الكونية ، وسعة الآفاق ، قال تعالى [أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ] ( ).
مفهوم الآية
من مفاهيم آية البحث ذم الذين يكذبون برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والأنبياء السابقين , وتقدير الآية فإن كذبوك مع أنك رسول الله وجئت بالمعجزات من عنده سبحانه .
فصحيح أن الآية خطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا أنها تتضمن الإنذار للذين كفروا .
ومن مفاهيمها الثناء والمدح للذين آمنوا برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , والإيمان إعتقاد وتصديق بالجنان , ولكنه في المقام إعتقاد وعمل , فالذين يؤمنون برسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليهم اتباعه والإتيان بما أمر به , واجتناب ما نهى عنه لقوله تعالى [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا] ( ).
فمع التسليم بأن النبي محمداَ صلى الله عليه وآله وسلم رسول من عند الله عز وجل لابد من الإمتثال لما جاء به , وفي التنزيل [وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ] ( ).
ومن مفاهيمها دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الصبر على أذى مشركي قريش وغيرهم من الناس ممن يكذب برسالته .
ومن الآيات أن الله عز وجل أصلح النبي محمداَ صلى الله عليه وآله وسلم لأسمى مراتب الصبر , ليترشح عنها قانون (لم يغزُ النبي ص أحداً) وليكون العفو والسماحة سمة ملازمة له , قال تعالى [فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ] ( ).
لتخاطب الآية النبي محمداَ صلى الله عليه وآله وسلم بأنه إذا أخبرناك بأنهم كذبوك مثلما كُذّب رسل قبلك فلا يعني هذا إطلاق أيدي أصحابك بالذين يكذبون برسالتك , إذ تمنع آية البحث من استحواذ الغضب على المسلمين بخصوص تكذيب طائفة من الناس النبي محمداَ صلى الله عليه وآله وسلم , ليكون هذا المنع مقدمة ومادة لتلقي المسلمين أحكام الشريعة ، قال تعالى [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا] ( ).
وتدل آية البحث على عدم وجود المقتضي والسبب لهذا التكذيب , إنما هناك مانع ذاتي عند الذين كفروا لغلبة الشقوة وإختيارهم إتباع الهوى, والتصديق بالرسل من أركان الإيمان .
و(عن ابن عباس قال : جلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مجلساً ، فأتاه جبريل فجلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واضعاً كفيه على ركبتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : يا رسول الله حدثني عن الإِسلام؟
قال : الإِسلام أن تسلم وجهك لله عز وجل ، وأن تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمداً عبده ورسوله . قال : فإذا فعلت ذلك فقد أسلمت . قال : يا رسول الله حدثني عن الإِيمان؟
قال : الإِيمان أن تؤمن بالله ، واليوم الآخر ، والملائكة ، والكتاب ، والنبيين ، والموت ، والحياة بعد الموت ، وتؤمن بالجنة ، والنار ، والحساب ، والميزان ، وتؤمن بالقدر كله خيره وشره . قال : فإذا فعلت ذلك فقد آمنت . قال : يا رسول الله حدثني ما الإِحسان؟
قال : الإِحسان أن تعمل لله كأنك تراه فإن لا تراه فإنه يراك) ( ).
ومن مفاهيم الآية طرد وهم , فلا يظن أحد بأن الرسل السابقين لم يأتوا بالمعجزات والدلائل التي تبين صدق رسالتهم .
وأختتمت الآية بالإخبار عن مجئ الرسل ب[الْكِتَابِ الْمُنِيرِ] ( ) أي أنه تنزيل من الله يبعث ضياءً يخترق شغاف القلوب , وينير دروب الهداية للناس لبيان إقامة الحجة على الذين كفروا .
وتبين الآية لزوم عدم تكذيب رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وهل كثرة الصحابة معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , الجواب نعم لذا ورد قوله تعالى [إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ *ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا] ( ).
وتدل الآيات أعلاه من سورة النصر على أن معجزة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من جهات :
الأولى : مجئ النصر من عند الله عز وجل , وبيان أن النصر أمر وجودي يأتي ويسعى .
الثانية : عجز الكفار عن منع مجئ نصر الله عز وجل , وإن سخّروا كل قوتهم وحلفائهم والذين من خلفهم .
وهل يأتي النصر متحداَ أم متعدداَ , الجواب هو الثاني , ويدل عليه قوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ] ( ).
إذ نزلت الآية أعلاه في السنة الثانية للهجرة , بينما نزلت سورة النصر في السنة الأخيرة من حياة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالثة : صبغة الكمال والتمام في النصر من عند الله عز وجل , فمع النصر يأتي الفتح , وهل المقصود فتح مكة أم المعنى الأعم , المختار هو الثاني .
وهل تختص الآية بتكذيب طائفة من الناس النبي محمداَ صلى الله عليه وآله وسلم في أيام حياته أم تشمل أيام ما بعده , الجواب هو الثاني .
لذا فمن إعجاز الآية أنها واقية من كثرة الإرتداد , وزاجر للناس عن إعانة ونصرة المرتدين , قال تعالى [وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ]( ).
بحث أصولي
من مناهج تفسيرنا للقرآن تخصيص باب اسمه (مفهوم الآية ) .
والمفهوم لغة اسم مفعول اي أصبح الشئ مفهوماً من مادة فهم ، أي : عرف وعَقَلَ وعلم .
ولا يختص المفهوم بتحقق الفهم باللفظ والمنطوق وحده ، فقد يتحصل بالحدث والفطريات والمشاهدات والحسيات والتجريبيات والإستقراء والإستنباط ، والفرد الجامع بين اللفظ والفعل.
والمفهوم في الإصطلاح هو الصورة الذهنية المنجزة ، والخصائص التي تحدد سنخية الموضوع الذي ينطبق عليه اللفظ .
والمختار أن المفهوم أعم وأوسع من المنطوق ، ولكنه فرع المنطوق .
وينقسم المفهوم إلى قسمين :
الأول : مفهوم الموافقة : وهو الذي دلّ النص على حكمه بلحاظ سياق الكلام والفحوى المقصود في محل النطق ، وهو على شعبتين :
الأولى : مفهوم الموافقة القطعي ، وهو الذي دل النص عليه بما لا يقبل الترديد ، كما في قوله تعالى [فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ] ( ) فيدل مفهوم الموافقة وفق مضمون الآية على تحريم الضرب والشتم والغلظة مع الوالدين , وإختار القرآن (أف) لأن الفاء أضعف الحروف .
الثانية : مفهوم الموافقة الظني : وهو الذي يرجح أنه مقصود من الكلام أو يدل عليه الظاهر .
الثاني : مفهوم المخالفة : ومن مفهوم المخالفة :
الأول : مفهوم الوصف وهو المعنى الذي يستقرأ من تقييد الحكم بوصف لخصوص إنتفاء الحكم عند زوال اللفظ .
الثاني : مفهوم الشرط ، وهو دلالة وجود شرط في الحكم على ثبوت خلافه عند انتفاء هذا الشرط كما في قوله تعالى [أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلاَ تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاَتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى] ( ) .
إذ يدل المنطوق على وجوب الإنفاق على المطلقة طلاقاً بائناً إذا كانت حاملاً بالقيد الوارد في الآية بأداء الشرط (إن) في (إن كن) والذي يدل على عدم وجوب هذا القيد إلا أن يدل دليل آخر عليه .
الثالث : مفهوم الغاية : وهو دلالة تقييد الحكم بغاية وثبوت نقيض هذا الحكم بعد هذه الغاية ، وتتحصل الغاية بلفظين (إلى ) و(حتى) كما في قوله تعالى [وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ] ( ) .
إذ تدل الآية وفق مفهوم المخالفة على تحريم الأكل والشرب بعد طلوع الفجر ، وجاء منطوق الآية الثاني بتحريم الأكل بعد طلوع الفجر ، وجاء منطوق الآية الثاني بتحريم الأكل والشرب في النهار .
وهناك وجوه أخرى لمفهوم المخالفة وتعريفه وحجيته وأقسامه وقد بيناه مفصلاً في الأجزاء السابقة ، وهي :
الرابع : مفهوم العدد .
الخامس : مفهوم اللقب .
السادس : مفهوم الحصر .
السابع : مفهوم العلة .
الآية لطف
من أسماء الله عز وجل اللطيف ، ولطف الله عز وجل حاضر في كل أوان ، وهو مصاحب للناس والخلائق ، وتنقطع أسباب وحبائل الخلق ، ولكن حبل ولطف الله متصل وحاضر في كل واقعة وحادثة ، لذا قال الله عز وجل [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا] ( ).
لقد جاءت آية البحث لطفاً من الله ، وتخفيفاً عن المسلمين بالمواساة في ذكر حال الأنبياء السابقين وأنهم لاقوا التكذيب من قومهم ، ومن وجوه التخفيف هذا تلاوة المسلمين آية البحث في الصلاة لبيان قانون وهو أن الصلاة موضوع للتفقه في الدين , وبعث للسكينة في نفوس المسلمين .
و (عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ، قَالَ : عُدْنَا رَجُلا مِنْ خُزَاعَةَ ، فَقَالَ : وَدِدْتُ أَنَّ الصَّلاةَ قَدْ أُقِيمَتْ وَصَلَّيْتُ فَاسْتَرَحْتُ ، فَأَنْكَرْنَا ذَلِكَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَقُولُ : يَا بِلالُ ، أَقِمِ الصَّلاةَ ، وَأَرِحْنَا بِهَا) ( ).
وورد الحديث بعدة ألفاظ ، ومنه رواية سالم بن أبي الجعد عن عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب ( ).
وفيه تفصيل ، وفي الرواية إيهام باسم الصحابي فلم يذكر ،وفي النسب من ذكر خزاعة واخرى من أسلم ، والظاهر أنه من العام والخاص ، وأن اسلم من خزاعة أو أنه أقرب القبائل إلى خزاعة ، وحتى الذين قالوا بأن إيهام اسم الصحابي في سند الحديث لا يضر به ، وقالوا بقبوله وعدم رده بأمور :
الأول : ليس في سند الحديث رجل مبهم .
الثاني : سلامة راوي الحديث عن التدليس ، فيجب أن لا يكون رجال الحديث قد رموه بالتدليس .
الثالث : لابد أن يقول التابعي حدثني ،أخبرني ، سمعت من رجل صحب النبي محمداً.
ونضيف له عرض الحديث على آيات القرآن بحيث لا يتعارض معها وتوفى سالم بن أبي الجعد نحو سنة 98 للهجرة ، وعن الذهبي أن ابن أبي الجعد كان يدلس إذ قال (سالم بن أبى الجعد من ثقات التابعين، لكنه يدلس ويرسل) ( ) ومنهم من نفى عنه التدليس .
والمختار أن خصوص الحديث (ارحنا بها يا بلال ) ( )حديث من غير الزيادات فيه صحيح ، وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول : قرة عيني الصلاة ) .
أما الزيادات فما ورد بأن أحدهم ذهب إلى قوم وكذب عليهم ، وقال لهم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمرني أن أحكم في نسائكم ، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بقتله ، إذ ورد عن الطبراني قال (حدثنا علي بن عبد العزيز ثنا أبونعيم ثنا أبوحمزة الثمالي ثابت بن أبي صفية حدثني سالم بن أبي الجعد حدثني عبدالله بن محمد بن الحنفية قال : انطلقت مع أبي إلى صهر لنا من أسلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله و سلم فسمعته يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم يقول : أرحنا بها يا بلال الصلاة قال قلت : أسمعت ذا من رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم ؟
فغضب وأقبل على القوم يحدثهم أن رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم بعث رجلا إلى حي من العرب فلما أتاهم قال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمرني أن أحكم في نسائكم بما شئت ) فقالوا : سمعا وطاعة لأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
وبعثوا رجلا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا : إن فلانا جاءنا فقال : إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمرني أن أحكم في نسائكم بما شئت فإن كان أمرك فسمعا وطاعة وإن كان غير ذلك فأحببنا أن نعلمك فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبعث رجلا من الأنصار وقال : ( إذهب إلى فلان فاقتله وأحرقه بالنار ) فانتهى إليه وقد مات وقبر فأمربه فنبش ثم أحرقه بالنار .
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ) ثم أقبل علي فقال : تراني كذبت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد هذا ؟) ( ).
وحديث ( من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار ) صحيح وقد روي عن غير واحد من الصحابة.
(عن عبد الله ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر ، وإن البر يهدي إلى الجنة ، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا ، وإن الكذب يهدي إلى الفجور ، وإن الفجور يهدي إلى النار ، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا) ( ).
كما ورد حديث صحيح عن الإمام علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ( من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار ) ( ).
ومن مصاديق اللطف في آية البحث تفقه الصحابة وعامة المسلمين في الدين ، وعدم دبيب الشك إلى نفوسهم بسبب تكذيب طائفة من الناس لرسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حتى في حال كون هؤلاء المكذبين من الرؤساء وأصحاب الجاه ، والآباء والأمهات ، إذ تجعل هذه الآية الخطاب التكليفي بالإيمان يتوجه إلى كل مكلف على نحو مستقل , إلى الإبن والبنت والأخت والأخ مجتمعين ومتفرقين .
ومن الإعجاز الغيري للقرآن والسنة النبوية أن الذي يؤمن من الآسرة يجذب الآخرين إلى الإسلام ، ولا يستطيعون وإن اجتمعوا على جعله يرتد عن الإسلام ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ] ( ) .
ومن اللطف من الإعجاز الغيري لآية البحث أنهم لا يقدرون على الإحتجاج بتكذيب جماعة من الرؤساء ، وأهل الملل برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأن آية البحث سلاح عند المسلم ، فلا يلتفت إلى الذين يكذبون ويستهزئون بالنبوة ، ومن وجوه تكذيبهم :
الأول : تكذيب الأحاديث النبوية وإثارة الشكوك حولها .
الثاني : تكذيب الذين ينقلون آيات القرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : فان كذّبوا التنزيل .
الرابع : فان كذّبوا إخبارك عن الوحي .
الخامس : فان كذّبوا إخبارك عن المغيبات .
السادس : فان كذّبوا الذين ينقلون آيات القرآن إلى أهل مكة والقرى .
السابع : فان كذّبوا أنباء دخول أفراد من الناس الإسلام ، فاذا سمعوا بدخول شخص له شأن في الإسلام سارعوا إلى تكذيب الخبر ، وعجلوا بالبرهان إليه وسألوه سؤالاً إنكارياً ، هل صبوت ؟
كيف تترك دينك ودين آبائك ؟
ومارسوا معه التخويف والتهديد .
الثامن : فإن كذّبوا المعجزات التي تترى على يديك .

 إفاضات الآية

لقد جعل الله عز وجل الحياة الدار دار الدعوة إلى عبادته ، وليس من زمان إلا وفيه أمة ترفع لواء التوحيد ، وتتعاهد الصلاة والفرائض العبادية ، وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ) فمن خصائص الخلافة استدامتها في الأرض , وتقومها بالعبادة التي هي علة خلق الإنسان لقوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( ) .
ترى ما هي النسبة بين علة الخلق والخلافة ، الجواب هو العموم والخصوص المطلق ، فحتى لو لم يكن الإنسان خليفة في الأرض فانه لابد أن يعبد الله عز وجل ، إذ أن هذه الوظيفة والعمل السامي في رتبته هو سبب وعلة خلقه ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً] ( ) .
فمن أهم معاني ووجوه الإكرام جعل العبادة لله علة للخلق لتأتي معها البركة والفيض من الله ، وتوالي ضروب الرزق للإنسان من حيث يحتسب ومن حيث لا يحتسب ، ولأن الله عز وجل هو [الرحمن الرحيم] ( ) فقد جعل الحياة الدنيا دار التخفيف واللطف , وفيه أمور :
الأول : تقريب الناس إلى عبادة الله .
الثاني : تيسير سبل العبادة .
الثالث : سموالنفوس عن الفحش والشر واستهجان الأسماع للكلام القبيح .
الرابع : طرد الغفلة عن الناس بأسباب الإمتحان , وسبل التذكير بوجوب العبادة ، فقد تؤدي الغفلة بالإنسان إلى التهلكة ، قال تعالى [اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ] ( ) .
وهل الذين أخبرت عنهم آية البحث بأنهم كذّبوا الرسول محمداً صلى الله عليه وآله وسلم كانوا في غفلة وهو يلعبون ، الجواب نعم ، لتدل آية البحث على إنذار كفار قريش ومن والاهم من رجال القبائل ، وخرجوا تحت ألويتهم إلى معركة أحد والخندق ، في الوقت الذي كانت فيه معركة بدر حجة عليهم من جهات :
الأولى : إصرار قريش على الزحف نحو التقاء الجيشين مع إنتفاء سبب استمرار الزحف، فقد جاءهم رسول أبي سفيان وهم في الطريق إلى بدر بأن القافلة وصلت إلى بر الأمان ، وهي تقترب من مكة ، ولم يتعرض لها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واصحابه ، فارجعوا ، ولكن كبراءهم من أبي جهل واسمه عمرو بن هشام بن المغيرة .
وأمية بن خلف ، وأبي البختري بن هشام واسمه العاص بن هشام بن الحارث أصروا على السير ، وإدعى أبو جهل قصد الإقامة في ماء بدر ثلاث ليالِ .
الثانية : حضور معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في أذهان الناس لتكون زاجراً عن نصرتهم لكفار قريش ، وهو من أسرار إمتناع النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الإستجابة لقريش عندما ألحوا على أبي طالب أن يمنع النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الدعوة على الله ، وعن تقبيح عبادة الأصنام وذم آبائهم الذين اتخذوها واسطة تقربهم إلى الله عز وجل زلفى , وفي التنزيل [أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ] ( ).
الثالثة : هزيمة كفار قريش وانكسارهم يوم بدر وقتل سبعين وأسر سبعين منهم يومئذ ، لتجتمع المعجزة العقلية والحسية وكل فرد منها زاجر للناس عن قتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، وهل آية البحث زاجر عن هذا القتال بعد معركة بدر ، الجواب نعم ، إذ تتضمن ذم إنكار وتكذيب نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتخبر عن قانون وهو أن التكذيب مصاحب للأنبياء والرسل , ولكنه لم يمنع الناس من التصديق بالرسالات ، ليكون من إفاضات الآية أمور :
الأول : دعوة الناس لعدم الإلتفات إلى التكذيب برسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإن كانوا ذوي شأن ومال وجاه .
الثاني : منع الناس من قتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهذا القتال يأتي بعد التكذيب والإستهزاء والشتم والتحريض ، وتنزل آيات القرآن بالإخبار عن لطف الله , ومنها قوله تعالى [وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ] ( ) ولو شاء الله عز وجل لجعل المشركين يقفون عند حال التكذيب ويجعل جمعهم للأعوان ممتنعاً ، كما أنهم لا يبقون في منازل التكذيب فمنهم من تدركه التوبة خاصة وأن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم متصلة ومتجددة , وآية البحث دعوة للتوبة والإنابة .
الآية بشارة
من خصائص القرآن أنه مدرسة الصلاح والإصلاح بذكر الأنبياء والصالحين لبعث الناس على الإقتداء بهم والإقرار العام بأن العمل الصالح حسن بذاته ، وسبب لثناء الناس على صاحبه حياَ أو ميتاَ , بخلاف العمل السئ وإرتكاب المعاصي فإنه سبب للضر والإضرار , وموضوع آية البحث هو تكذيب طائفة من الناس برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وظاهر هذا التكذيب أنه إنذار وتحذير , إنذار للذين يكذبون النبوة , وتحذير للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من شرورهم , قال تعالى [وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ] ( ).
وهل نعت قريش للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأنه كذاب وأنه ساحر من عمومات قوله تعالى في آية البحث [فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ] ( ) الجواب نعم , وبين نعت النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأنه كذاب وبين التكذيب بالنبوة عموم وخصوص مطلق فهذا النعت أعم لأنهم يقصدون الكتاب والسنة .
ومن البشارة في آية البحث دلالتها على ترتب الأثر على تكذيب الكفار للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في دعوته إلى الله عز وجل فهم يكذبونه ولكن جماعات يدخلون الإسلام كل يوم , والمشركون يكذبون النبي محمدا صلى الله عليه وآله وسلم .
ولكن آيات القرآن تترى في نزولها عليه , وكل آية تشهد له بالصدق وأنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهذه الشهادة وإتصاف الآية القرآنية بأنها شاهد من الإعجاز العقلي للقرآن دليل على قانون من وجوه:
الأول : قانون الآية القرآنية شاهد صدق في كل زمان .
الثاني : قانون مصاحبة الشاهد السماوي للرسول .
الثالث : قانون بقاء الشهادة السماوية على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى يوم القيامة .
إذ تبقى الآية القرآنية غضة طرية في كل زمان لتؤكد صدق رسالته ونبوة الرسل من قبله , وهذا التأكيد من الشواهد على تفضيله وعلو مرتبته , وختم النبوة به , و(عن العرباض بن سارية قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إني عند الله في أم الكتاب لخاتم النبيين ، وإن آدم لمنجدل في طينته ، وسأنبئكم بأول ذلك دعوة أبي إبراهيم ، وبشارة عيسى بي ، ورؤيا أمي التي رأت ، وكذلك أمهات النبيين يَرَيْن.
وأخرج أحمد وابن سعد والطبراني وابن مردويه والبيهقي عن أبي أمامة قال : قلت : يا رسول الله ما كان بدء أمرك؟
قال : دعوة إبراهيم ، وبشرى عيسى ، ورأت أمي أنه يخرج منها نور أضاءت له قصور الشام) ( ).
لتكون البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والضاربة في عمق التأريخ السابقة لزمان بعثته تعضيداَ له للتبليغ ، وتحمل الأذى بالصبر والثبات في مقام الإيمان.
وهل للتكذيب بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم موضوعية في ولادة طائفة من المنافقين , الجواب نعم , ليكون من الإعجاز في آية البحث أنها تتعدى وأسباب النفاق , وتمنع بقاءها في المجتمعات سواء مجتمع مكة أو المدينة أو أم القرى , لتتجلى معجزة في الإعجاز الغيري للقرآن وهي إستئصاله لأسباب النفاق والتكذيب بالرسالة .
ومن معاني آية البحث تعلق موضوعها بالمستقبل ، ووجود طائفة تكذّب برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليكون من مفاهيمه سلامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الإغتيال ، واستدامة التنزيل , وفيه دعوة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لمواصلة الجهاد في التبليغ.
وتقدير الآية : فإن كذبوك فهناك أمة تؤمن بك كما كذّبوا الرسل السابقين وآمنت بهم أمم من قومهم , فقد كان هناك يهود بني قريظة وقينقاع والنضير في المدينة , وهناك النصارى في نجران والشام والحبشة , وكل منهم اتباع لرسل كذبتهم طائفة من قومهم , إذ كذّب فرعون وملئه موسى عليه السلام , وكذّبت طائفة من الناس عيسى عليه السلام , قال تعالى [وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا] ( ).
الآية إنذار
هل تتضمن آية البحث الوعيد ، الجواب نعم ، فليس للناس أن يكذبوا أياً من الرسل ، ويأتي الإبتلاء في الدنيا والآخرة للذين يقومون بهذا التكذيب ، أما بخصوص الآخرة فان الرسل جميعاً جاءوا بالوعيد بالعقاب على التكذيب بهم وبرسالاتهم بنصر المؤمنين ، لبيان عدم إنحصار هذا النصر بأيام الأنبياء ، فيشمل أيام أتباعهم وأنصارهم .
وآية البحث مدنية ، نزلت بعد هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة ، إلا أن معنى الوعيد ظاهر في مفهومها ، وما يسمى الأسلوب وهو الطريق ، والجمع أساليب (والأسْلُوْبُ: الطوِيْلُ. وكانَ ذلك على أُسْلُوْبِ الدِّهْرِ: أي على وَجهِه، والجَميعُ الأسَالِيْبُ. وهي – أيضاً – : الطرِيْقُ والمَذْهَبُ، ومنه: أسَالِيْبُ الشِّعْرِ ومَذَاهِبُه.) ( ).
وليس في القرآن أو الأحاديث النبوية لفظ (أسلوب) كما أن أكثر كتب التفسير لا تتضمن هذا اللفظ إلا نادراً ولبيان وزن اللفظ والكتابة .
ولم يرد هذا اللفظ في كتب تفسير عديدة منها الدر المنثور للسيوطي ، والكشف والبيان للثعلبي وتفسير القرطبي .
وبعد شدة الخطاب والتصريح والبيان في الوعيد في السور المكية لحال الإستكبار والإعراض عن النبوة التي يتصف بها رجالات قريش ، وقلة عدد المسلمين أما بعد الهجرة وعندما إزداد عدد المسلمين وتجلى نصرهم في معركة بدر جاء الوعيد باللين في الخطاب وبصيغ الإحتجاج والوثائق ومنها قصص الأنبياء .
وهل آية البحث من مصاديق قوله تعالى [وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ] ( ).
الجواب نعم , وفيها ذم لرجالات قريش الذين أسسوا لتكذيب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن الشواهد على هذا المعنى نزول آيات قرآنية في ذمهم , ومنها ما نزل خاصاَ في مورده .
وفي قوله تعالى ({وَإِذَا جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌ قَالُوا لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَآ أُوتِىَ رُسُلُ اللَّهِ}( ) من النبوة ، وذلك إن الوليد بن المغيرة قال : واللّه لو كانت النبوة حقاً لكنت أولى بها منك لأني أكبر منك سناً وأكثر منك مالاً، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية) ( ).
و(عن أنس بن مالك قال : قال أبو جهل بن هشام { اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم } فنزلت { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون }( ) .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في الآية قال : ذكر لنا أنها أنزلت في أبي جهل بن هشام .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله { وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك }( ) قال : نزلت في النضر بن الحارث) ( ).
لقد ساق الذين كفروا من قريش العذاب الأليم إلى أنفسهم من جهات:
الأولى : تكذيب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : إيذاء وتعذيب أهل البيت والصحابة الأوائل .
الثالثة : قيام المشركين بالدعاء على أنفسهم بالعذاب إن كانت نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم حقاَ وصدقاَ .
الرابعة : تجهيز قريش الجيوش لمحاربة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليلقى أبو جهل والنضر بن الحارث وعدد من رؤساء الكفارالآخرين كعتبة بن ربيعة وأخيه شيبة حتفهم في معركة بدر التي أصروا على بدء القتال فيها .
قال تعالى [وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمْ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ] ( ).
ولم يرد لفظ (أغنت) في القرآن إلا في الآية أعلاه , وبصيغة النفي , لبيان أن الغنى لله عز وجل وحده , وأن الذي يريد أن يصبح غنياَ فعليه بالتصديق بالنبوة والمبادرة واكتناز الصالحات , فخير الغنى غنى النفس .
و (عن سهل بن سعد قال : جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا محمد ، عش ما شئت فإنك ميت ، واعمل ما شئت فإنك مجزى به ، واحبب من شئت فإنك مفارقه ، واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل ، وعزه استغناؤه عن الناس) ( ).
ومن أسرار آية البحث ذم الذين يكذبون بالرسالة , ومن معاني الذم النازل من عند الله عز وجل تضمنه صيغة الإنذار والوعيد , وزجر الناس عن محاكاة الذين يتوجه إليهم التخويف والوعيد لإختيارهم العناد ، وإظهار الريب والشك بالحق والتنزيل , قال تعالى [تَنزِيلُ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ] ( ).

الآية موعظة
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار الإتعاظ والعبرة ، وتصاحب الموعظة الإنسان في كل يوم من أيام حياته ، فيتعظ من قوله وفعله ، وهو من مصاديق قوله تعالى [بَلْ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ] ( ) ويتعظ من غيره ممن هو أعلى أو أدنى منه في الشأن والجاه والمال .
ومن خصائص الموعظة أنها تؤدي إلى رقة القلب ، وإلى إدراك أن الإنسان فقير وضعيف ، وأن الحاجة ملازمة له ، وتنفع الموعظة للذات والغير ، أي يتعظ الإنسان فيصلح نفسه ، ويسعى في إصلاح غيره .
فمثلاً حينما أخبرت الآية قبل السابقة بأن الله عز وجل سمع قول [الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ] ( ) فان النفوس تنفر من هذا القول وتظهر هذه النفرة على الألسن بصيغة الإستهجان ، ويمتنع الناس عن محاكاتهم بهذا القول ، وتتوب طائفة من الذين قالوه .
وكذا بالنسبة لآية البحث فقوله تعالى [فَإِنْ كَذَّبُوكَ] موعظة للناس ألا يكذبوا النبي محمداَ صلى الله عليه وآله وسلم ويبين القرآن وبالشواهد أن تكذيب الأنبياء مجلبة للبلاء وسبب للفقر والفاقة للمكذبين .
ليكون من معاني ومفهوم قوله تعالى [فَإِنْ كَذَّبُوكَ].
الأول : يا أيها الناس لا تكذبوا رسول الله .
الثاني : يا أيها الناس لا تتبعوا الذين يكذبون الأنبياء فيما جاءوا به من عند الله من الأوامر والنواهي (عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : خصلتان من كانتا فيه كتبه الله صابراً شاكراً ، ومن لم يكونا فيه لم يكتبه الله صابراً ولا شاكراً ، من نظر في دينه إلى من فوقه فاقتدى به ، ومن نظر في دنياه إلى من هو دونه ، ونظر إلى من هو فوقه فأسف على ما فاته لم يكتبه الله شاكراً ولا صابراً.
وأخرج مسلم والبيهقي عن صهيب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : عجباً لأمر المؤمن كله خير إن أصابته سراء فشكر كان خيراً ، وإن أصابته ضراء فصبر كان خيراً) ( ).
الثالث : شكر الله عز وجل للمؤمنين لتصديقهم بالنبوات .
وفي الآية دعوة للمسلمين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ومن المعروف التصديق بالرسالات ، ومن المنكر التكذيب بالمعجزات ،والإمتناع عن تصديقها بحجة طلب معجزة خاصة ، كما ورد في الآية السابقة( ) [الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ] ( ) .
ومن خصائص الموعظة في الآية القرآنية وجوه :
الأول : قانون الموعظة القرآنية خير محض .
الثاني : قانون مواعظ القرآن سبب للهداية والرشاد .
الثالث : قانون كل موعظة في القرآن مدرسة في العلوم.
الرابع : كل موعظة في القرآن إنها زاجر عن الفحشاء والمنكر .
الخامس : قانون كل موعظة قرآنية تذكير بعالم الآخرة ومواطن الحساب والجزاء .
الآية رحمة
من خصائص القرآن كل آية منه رحمة من وجوه :
الأول : الآية القرآنية رحمة بذاتها .
الثاني : الآية القرآنية رحمة بصلتها الموضوعية مع الآية المجاورة لها .
الثالث : صلى الآية القرآنية بآيات القرآن الآخر ى من ذات السورة رحمة وفضل من الله عز وجل .
الرابع : صلة الآية القرآنية بآيات القرآن كلها رحمة بالناس في الدنيا والآخرة .
الخامس : تلاوة الآية القرآنية والعمل بها رحمة وباب للأجر والثواب.
فنزلت آية البحث لتدل في مفهومها على الثناء على الذين آمنوا وفيها إخبار بأن الله عز وجل يحبهم ويتغشاهم برحمته فهم الذين صدّقوا برسله في ملكه في الأرض لينالوا مرتبة الصادقين ، وفي التنزيل [وَإِذْ أَخَذْنَا مِنْ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا] ( ) . وتخاطب آية البحث النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بقوله تعالى [فان كذبوك] ويكون تقدير الآية على وجوه : الأول : فإن كذبوك ورسالتك رحمة لهم ، وفي التنزيل [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ) . الثاني : فإن كذبوك في نبوتك ورسالتك . الثالث : فإن كذبوك وأنت بشر مثلهم ولكن يوحى إليك مما يلزم التصديق العام بالوحي والتنزيل ، قال تعالى [قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ]( ) . الرابع : فإن كذبوب فقد كذب رسل من قبلك كل واحد منهم رحمة لقومه واهل الأرض جميعاً . الخامس : فإن كذبوك فقد أضروا بأنفسهم في النشأتين ، قال تعالى [الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ]( ). السادس : فإن كذبوك فان باب التوبة مفتوح لهم . فمن الإعجاز الغيري لآية البحث أنها تدعو الناس جميعاً للتدارك والإيمان . ولو كانت طائفة من الناس تكّذب برسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حياته ، وبعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى ، فهل يصدق عليهم : الأول : إنهم من أهل هذه الآية أي أن صفة تكذيبهم للنبي باقية . الثاني : إنهم من المؤمنين . الثالث : إنهم من الصحابة . والصحيح هو الثاني ، إذ ورد في الحديث [الإسلام يجّب ما قبله ] ( ) ويكون من الصحابة أن كان قد رآى النبي محمداً وهو مسلم ، والقدر المتيقن من الصحابة وفق التعريف المشهور هو المسلم الذي رآى النبي محمدا صلى الله عليه وآله وسلم . وذكرت آية البحث مجئ الرسل بالبينات لبيان قانون وهو كل بينة رحمة من عند الله ، وفي التنزيل [ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ] ( ). الحاجة الى آية البحث لقد أحب الله عز وجل الإنسان إذ رزقه الخلافة في الأرض وجعل الملائكة يسجدون إليه ، قال تعالى [ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) . ويحتمل حب الله للإنسان من جهة أوانه وجوهاً : الأول : يحب الله عز وجل الإنسان قبل أن يخلقه . الثاني : أحب الله عز وجل الإنسان عندما خلق آدم وعلمّه الأسماء ، ليكون من أسباب سجود الملائكة لآدم .نعم سجدوا له امتثالاً لأمر الله ، ولأنهم علموا أن الله عز وجل يحبه . الثالث : أحب الله الإنسان عندما يعمل صالحاً بقيد الإيمان ، والمختار هو الأول ، قال تعالى [إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ] ( ) وقال تعالى [إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ] ( ) وقال تعالى [إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ] ( ) وقال تعالى [وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ]( ). ويخرج من هذا الحب الذين ظلموا أنفسهم بأيديهم وكفرهم ، قال تعالى [وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ]( ) [إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا]( )كما بيّن الله سبحانه بغضه لبعض الأفعال كقوله تعالى [لاَ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا]( ). وهل من فرق بين عدم حب الله للأفراد وللأفعال . الجواب نعم ، فقد يكون هناك مؤمن ولكن يفعل فعلاً سيئاً فجاءت آيات القرآن لزجره ونهيه عن هذا الفعل ، كما في قوله تعالى [وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ] ( ) وغيرها من الآيات . ولم تأت آية بالنص إن الله لا يحب المكذّبين ، ولكن آيات القرآن تدل عليه لأنها أخبرت عن عدم حب الله للظالمين، المفسدين ، الكافرين ، المعتدين ، المستكبرين( ). وقوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا] ( )لتبين هذه الآيات أن الله عز وجل لا يحب الذين يكذبون بآياته ويحاربون أنبياءه ،، ويسعون لمنع الناس عن الإيمان ، فتكون هذه الآية حاجة للمؤمنين والناس جميعاً في كل زمان ، إذ تجعل المؤمنين في حال فقاهة وفهم لأحوال الناس ، وتثبيت أقدامهم في منازل الإيمان ، وتزجر الناس عن محاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم . وتبشر المؤمنين بالأجر والثواب يوم القيامة ، وتنذر الذين كفروا من عذاب الآخرة ، قال تعالى [قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ]( ) . وقد يتساءل الناس ما حال الرسل السابقين الذين كذبهم قومهم ، فجاءت آيات القرآن بالإخبار عن نصر الله عز وجل لهم، للقياس منصوص العلة فيكون من معاني قوله تعالى [فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ] ( ) أي سينصرك الله عز وجل ويظهر الإسلام كما نصر الأنبياء من قبلك ، قال تعالى [إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ ] ( ) . وهل يحتاج المسلمون والناس إخبار آية البحث عن تكذيب الناس للرسل السابقين ، الجواب نعم ، فهم محتاجون لهذا الإخبار ، وللجمع بينه وبين تكذيب طائفة من الناس للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لما فيه من بيان لأسباب هذا التكذيب ورجوعها لوجود المانع عندهم من الإستكبار والعناد والرغبة على الإقامة على الفساد والإمتناع عن أداء الواجبات الشرعية خاصة وأنها سميت بالتكاليف لما فيها من الشقة والجهد والحاجة إلى الصبر . وأكتب هذه السطور في اليوم الأول من شهر رمضان من السنة (1441) للهجرة النبوية ، وفيه امتناع عن الأكل والشرب وسائر المفطرات طيلة النهار ، فمن معاني قول الكفار الوارد في التنزيل [وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ] ( ). أنهم ألفوا آباءهم لا يصلون ولا يصومون ولا يؤدون الزكاة والخمس ، لبيان مسألة وهي أن التكاليف العبادية التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم شاهد على صدق رسالته وإنه لم يهادن الذين كفروا ويسقط عنهم بعض الفرائض والعبادات والحدود ، إنما الناس متساوون في الواجبات والحقوق ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ] ( ) . النعم التي تذكرها آية البحث تبدأ آية البحث بالخطاب الموجه إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (فإن كذّبوك) وفيها إكرام وتشريف للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لما فيه إنكار وتكذيب وذم للذين إختاروا تكذيبه خلافاَ وجحودا منهم بالبينة العقلية والمعجزات الحسية . وهل في القرآن فإن صدّقوك الجواب قد أخبر الله عز وجل عن إيمان أمة من الناس , وخاطبهم بصفة الإيمان بالخطاب والنداء التشريفي [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] ( ). قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ] ( ). كما وردت آيات بذكر المسلمين والمسلمات بصفة (الذين آمنوا) من غير حرف النداء ومنادى , كما في قوله تعالى [أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرْ النَّاسَ وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ] ( ). ومن النعم التي تذكرها آية البحث الإخبار عن مجئ رسل سابقين وأنهم لاقوا مثل الذي لاقاه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأن أصحابهم صبروا معهم على هذا التكذيب ولمّا فرض القتال معهم أصحابهم دفاعاَ , والذي يدل بالدلالة التضمنية على بلوغهم رتبة اليقين في تصديق الأنبياء والرسل , قال تعالى [وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ] ( ). لقد تكرر ذكر مادة الإلتقاء بين الرسل ووجود طائفة من الناس تكذّبهم في حياتهم , وهل استمر هذا التكذيب بعد مماتهم , الجواب نعم , ومن النعم في آية البحث مجئ أمور : الأول : إخبار آية البحث عن قانون توالي بعث الرسل ليكون من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تسليم الناس بأنه خاتم النبيين , وليس من نبي بعده . الثاني : مجئ الرسل السابقين بالبينات , وفيه نعمة بأن يأتي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالبينات والدلائل القاطعة على صدق رسالته . الثالث : من الغايات الحميدة لبعث الرسل تثبيت الحكمة في الأرض , وهذه الحكمة ليس من عندهم إنما هي علم لدني , ووحي يكون ببركة الرسل في متناول الناس فتمنع من طغيان السفهاء , والاخلاق المذمومة. فيغادر الرسل الحياة الدنيا ولكن علومهم وفيوضات رسالاتهم باقية والناس فيها شرع سواء نعم الذين آمنوا وصدّقوا بالرسل أكثر إنتفاعاَ منها. لتترشح بركاتها على وقوفهم في مواطن يوم القيامة , وتكون من مصاديق [فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ]( ). الرابع : تختتم آية البحث بذكر نعمة الكتاب السماوي النازل من السماء , وكون الرسل الواسطة المباركة لنزول هذه الكتب وتقدير الآية : جاءوا بالبينات والزبر والكتب المنيرة التي يستضاء بها فتزيح عنهم وعن الناس ظلمات الضلالة والكفر , فكل كتاب جاء به الرسل هو كتاب منير بذاته , وينير سبل الهداية للناس , وهو من مصاديق تلاوة المسلمين لقوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( ) . فذات الكتب التي جاء بها الأنبياء من الصراط المستقيم , وتتجلى علومها وذخائرها في آيات القرآن , قال تعالى [يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا]( ).
(وفي السراج في الآية أعلاه قولان : أحدهما : أن القرآن سراج منير أي مضيء لأنه يُهْتدى به ، قاله ابن عباس وقتادة .
الثاني : أن الرسول كالسراج المنير في الهداية ، قاله ابن شجرة ، ومنه قول كعب بن زهير :
إن الرسول لنورُ يستضاءُ به … مُهَنّدُ من سيوف الله مَسْلول) ( ).
وقد ذم الله عز وجل الذين يجادلون بغير علم ولا رجوع إلى التنزيل قال تعالى [وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُنِيرٍ] ( ).
الصلة بين أول وآخر الآية
وهذا العنوان نوع اختصار وإلا فانه يشمل وجوهاً :
الأول : قانون الصلة بين أول ووسط الآية .
الثاني : قانون الصلة بين وسطي الآية بتقسيم الوسط إلى أقسام .
الثالث : قانون الصلة بين أول وآخر الآية .
الرابع : قانون الصلة بين مفردات خاتمة الآية .
الخامس : الصلة بين وسط وآخر الآية .
وإذا جاءت خاتمة الآية باسمين أو ثلاثة من أسماء الله الحسنى ، فان كل اسم منها له معاني متعددة بلحاظ موضوع الآية ، وهناك معنى خاص لصلة كل اسم مع مضامين ذات الآية مثل [إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ] ( ) [إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ]( ).
ابتدأت آية البحث بالخطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويدل نظم الآية على استدامة هذا الخطاب فيها ، فلم تنتقل الآية إلى خطاب غيره أو إلى حكم وأمر ونهي .
ومن إعجاز القرآن أن هذا الخطاب مدرسة كلامية وشاهد سماوي على تأريخ العقائد في الأرض ، إذ تخبر آية البحث النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين والناس جميعاً ، بأن طائفة من الناس يكذّبون النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم في رسالته ، إذ أن موضوع التكذيب هو الرسالة والتنزيل ،وليس قضايا شخصية بدليل ذكر الآية لتكذيب فريق من الناس للرسل السابقين .
وهل في الآية تزكية لهؤلاء الرسل وثناء عليهم ، الجواب نعم ، وهو من الإعجاز الغيري للقرآن بأن يتضمن الخطاب الإلهي إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المدح والثناء على الأنبياء السابقين والشهادة لهم بالقيام بالتبليغ وتحمل الأذى في جنب الله ، وعدم صيرورة تكذيب طائفة من الناس لهم مانعاً من إعلان الرسالة ودعوة عموم الناس لإتباعهم والعمل بالأحكام الشرعية التي جاءوا بها من عند الله عز وجل ، قال تعالى [وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ] ( ) .
ومن مصاديق الجهاد في المقام أن رؤساء القوم هم الذين يقومون بتكذيب الرسل مما يضاعف الأذى للرسل وأصحابه ، فمن خصائص المجتمعات ميل الناس لإتباع الملوك والرؤساء ، ولو شاء الله عز وجل لجعل ذات الملوك والرؤساء هم الرسل ، ولكنه سبحانه الذي يختار من يشاء من عباده لأسمى المراتب في الدنيا وهي الرسالة وتلقي الوحي من عند الله عز وجل بواسطة ملائكة السماء ، وفيه إمتحان إضافي للناس بأن يكون الرسل والأنبياء من المستضعفين كما في قصة موسى عليه السلام وفرعون إذ احتج فرعون بسعة ملكه وسلطانه في مقابل فقر موسى والذي دخل بلاط فرعون وعليه جبة صوف .
و(عن عبد الله بن شداد بن الهاد قال : جاء موسى إلى فرعون وعليه جبة من صوف ، ومعه عصا فضحك فرعون . فألقى عصاه ، فانطلقت نحوه كأنها عنق بختي فيها أمثال الرماح تهتز . فجعل فرعون يتأخر وهو على سريره فقال فرعون : خذها واسلم . فعادت كما كانت وعاد فرعون كافراً . فأمر موسى أن يسير إلى البحر ، فسار بهم في ستمائة ألف ، فلما أتى البحر أمر البحر إذا ضربه موسى بعصاه أن ينفرج له ، فضرب موسى بعصاه البحر فانفلق منه اثنا عشر طريقاً ، لكل سبط منهم طريق ، وجعل لهم فيها أمثال الكوى ينظر بعضهم إلى بعض .
واقبل فرعون في ثمانمائة ألف حتى أشرف على البحر . فلما رآه هابه وهو على حصان له ، وعرض له ملك وهو على فرس له أنثى ، فلم يملك فرعون فرسه حتى أقحمه وخرج آخر بني إسرائيل ، وولج أصحاب فرعون حتى إذا صاروا في البحر فاطبق عليهم ، فغرق فرعون بأصحابه) ( ).
وجاء الإحتجاج بنداء عام بين الناس مما يدل على وجود نظام دقيق في تبليغ أوامر وأقوال الملك إلى الناس ، كما لو كان أهل قرية وبلدة من بلاد مصر والسودان يجتمعون في محل واحد مخصوص وعلى دق الطبول لسماع الأوامر الملكية والبيانات ، وأن الحضور لهذا الإجتماع واجب ، ويدل ليه إحضار فرعون بساعة من النهار لمليون من الجنود كل واحد منهم على فرسه للحاق بموسى وبني اسرائيل .
وعن الثعلبي (وعلم بهم فرعون فجمع قومه وأمرهم أن لا يخرجوا في طلب بني إسرائيل حتى يصيح الدّيك. فوالله ما صاح ديك في تلك الليلة. فخرج فرعون في طلب بني اسرائيل وعلى مقدمته هامان في ألف ألف وسبعمائة ألف،
وكان فيهم سبعون ألف من دهم الخيل سوى سائر الشّيات،
وسارت بنو إسرائيل حتى وصلوا إلى البحر،
والماء في غاية الزيادة.
نظروا فإذا هم بفرعون وذلك حين أشرقت الشمس،
فبقوا متحيرين وقالوا : يا موسى كيف نصنع؟
وما الحيلة؟
فرعون خلفنا والبحر أمامنا. قال موسى : {كَلا إِنَّ مَعِىَ رَبِّى سَيَهْدِينِ}( ) فأوحى إليه : {أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ}( ) فضربه فلم يُطعه،
فأوحى الله إليه أن كنّه،
فضربه موسى بعصاه وقال : انفلق أبا خالد بإذن الله،
{فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ}( ) وظهر فيها اثنا عشر طريقاً لكلّ سبط طريق،
وأرسل الله عزّ وجلّ الريح والشمس على مقر البحر حتى صار يبساً.)( ).
ومع أن موسى عليه السلام جاء بمعجزة العصا التي يتكرر الإعجاز فيها بقهر السحرة ، وإفزاع فرعون وغيره فان فرعون أصر على تكذيبه لأنه كان يدّعي الربوبية , وأمر وزيره هامان أن يبني له صرحاً ليرى ربّ موسى ، ولا يشبه صعود المركبات الفضائية إلى السماء في هذا الزمان جحود فرعون كما ورد في التنزيل [وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنْ الْكَاذِبِينَ] ( ) فهذه المركبات علم وسعي لإكتشاف أسرار الكون التي تدل على عظمة خلق الله عز وجل .
(عن عبد الله بن سلام قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أصحابه وهم يتفكرون فقال : لا تفكروا في الله ولكن تفكروا فيما خلق.
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب التفكر والأصبهاني في الترغيب عن عمرو بن مرة قال : مرّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم على قوم يتفكرون فقال : تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق) ( ).
(عن ابن عباس قال : كتب صاحب الروم إلى معاوية يسأله عن أفضل الكلام ما هو؟ والثاني . والثالث . والرابع .
وعن أكرم الخلق على الله ، وأكرم الأنبياء على الله ، وعن أربعة من الخلق لم يركضوا في رحم ، وعن قبر سار بصاحبه ، وعن المجرة ، وعن القوس .
وعن مكان طلعت فيه الشمس لم تطلع قبله ولا بعده .
فلما قرأ معاوية الكتاب قال : أخزاه الله وما علمي ما ههنا! فقيل له : اكتب إلى ابن عباس فسله .
فكتب إليه يسأله . فكتب إليه ابن عباس : إن أفضل الكلام لا إله إلا الله كلمة الاخلاص لا يقبل عمل إلا بها ، والتي تليها سبحان الله وبحمده أحب الكلام إلى الله ، والتي تليها الحمد لله كلمة الشكر ، والتي تليها الله أكبر فاتحة الصلوات والركوع والسجود ، وأكرم الخلق على الله آدم عليه السلام ، وأكرم إماء الله مريم .
وأما الأربعة التي لم يركضوا في رحم فآدم ، وحوّاء ، والكبش الذي فدى به إسماعيل ، وعصا موسى حيث ألقاها فصار ثعباناً مبيناً . وأما القبر الذي سار بصاحبه فالحوت حين التقم يونس .
وأما المجرة فباب السماء ، وأما القوس فإنها أمان لأهل الأرض من الغرق بعد قوم نوح .
وأما المكان الذي طلعت فيه الشمس لم تطلع قبله ولا بعده ، فالمكان الذي انفرج من البحر لبني إسرائيل .
فلما قرأ عليه الكتاب أرسل به إلى صاحب الروم فقال : لقد علمت أن معاوية لم يكن له بهذا علم ، وما أصاب هذا إلا رجل من أهل بيت النبوة) ( ).
وتقدير الجمع بين أول وآخر الآية على وجوه :
الأول : فإن كذبوك وقد جئت بالبينات والمعجزات ، فقد يتساءل الناس أيام النبوة وفي الأجيال اللاحقة .
الثاني : فان كذبوك وأنت صادق .
الثالث : فان كذبوك ليضروا انفسهم ، فمن أسباب نزول البلاء بالناس تكذيب الرسل كما في غرق قوم نوح ، وفرعون وجنوده ، وفي هلاك قوم صالح ، وقم هود ، قال تعالى [أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ] ( ).
بعد إخبار آية البحث عن تكذيب قوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبرته والمسلمين والناس جميعاً بأن الرسل الذين من قبله قد لاقوا من قومهم ذات التكذيب وأنهم صبروا فأكرمهم الله عز وجل بذكرهم في هذه الآية ، وشهد لهم سبحانه بقيامهم بالتبليغ وتحليهم بالصبر ، وأن أيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الحياة الدنيا لابد وأن تنقضي فعليه بالإجتهاد بالتبليغ مع إظهار الصبر ، كما أن الذين يكذبون النبي صلى الله عليه وآله وسلم سيموتون ويأتي جيل آخر من الأبناء ، قال تعالى [إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ] ( ).
وتتضمن آية البحث الإخبار عن مجئ الرسل بالبينات والمعجزات التي تدل على صدق رسالتهم ومصاحبة الحجة والبرهان لهم ، لبيان قانون ان قومهم كذبوهم مع قييام الحجة على صدق رسالتهم ولزوم اتباعهم عقلاً وسمعاً .
وتقدير الجمع بين أول وآخر الآية على وجوه :
الأول : فان كذبوك وقد جئتهم بالبينات .
الثاني : فان كذبوك وقد جئتهم بالزبر .
الثالث : فان كذبوك وقد جئتهم بالكتاب ، قال تعالى [الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ] ( ).
الرابع : فان كذبوك وقد جئتم بالكتاب المنير .
ومما يتصف به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم توالي نزول الآيات حتى بعد إخبار هذه الآية بتكذيب القوم له مما يدل على دعوتهم للتوبة والإنابة .
وصحيح أن الآية جاءت بصيغة الجمع [فان كذبوك] إلا أنها لا تدل على العموم الإستغراقي إنما يتعلق موضوعها بالآية السابقة وخصوص الذين وضعوا الشروط الخاصة ، وطلبوا الآيات والمعجزات التي يريدون من أجل دخولهم الإسلام ، ومن خصائص الجملة الشرطية في المقام (فان كذبوك ) رجاء دخولهم الإسلام وتقع آية البحث في هدايتهم إلى سبل الرشاد ، وتقدير الآية على وجوه :
الأول : فان كذبوك ولم يؤمنوا .
الثاني : فان تابوا ولم يبقوا على التكذيب وإنكار المعجزات .
الثالث : فان كذبتك طائفة منهم .
أسباب النزول
صحيح أن الآية جاءت بصيغة الجملة الشرطية إلا أنها تدل على حقيقة وهي تكذيب شطر من الناس للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في إبلاغه أنه نبي ، وفي تلاوته آيات التنزيل وإمامته للناس في الفرائض العبادية ، أي أن هذه الإمامة ليست رئاسة وملكاً وسلطنة ، إنما هي خضوع وخشوع لله عز وجل ، وقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (اتخذني عبدا قبل أن يتخذني نبيا) ( ).
وفي الوقت الذي كان المسلمون الأوائل يخفون إسلامهم فان قريشاً كانت تتجاهر بتكذيب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإيذائه ، وإطلاق التهديد والوعيد للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لبيته وأصحابه .
فنزلت آية البحث لبيان الأذى الذي لاقاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصبره في جنب الله ، وكيف أن الكفار ظالمون ، لم يجلبوا لأنفسهم إلا الضرر، ومن معاني الآية الوعيد لهم بسوء العاقبة ، قال تعالى [سَاءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ] ( ).
وحينما هبط آدم وحواء إلى الأرض هبط معهما إبليس فهل له موضوعية في الوسوسة لطائفة من الناس بتكذيب الرسل ، الجواب نعم ، ليكون هذا التكذيب من ضروب الإبتلاء في الدنيا لكل من :
الأول : الرسول .
الثاني : الذين يؤمنون بالرسول .
الثالث : الذين يكذبون بالرسول ، قال تعالى [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ] ( ).
الرابع : عامة الناس ومنهم المستضعفون .
وذكرت الآية تكذيب الكفار للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذا التكذيب من أهم الأسباب التي تؤخر إيمان فريق من الناس ، فتفضل الله عز وجل باصلاح النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم منذ نشأته وصباه للنبوة بصدق الحديث والأمانة وسمّاه الناس (الأمين) ولما أخبر عن بعثته رزقه الله عز وجل المعجزات العقلية والحسية .
ووصلت مصاديق رسالته والشهادة عليها إلى بلاد الروم وفارس على لسان أعدائه من قريش .
ولما استدعى هرقل ملك الروم بعض تجار قريش الذين كانوا موجودين يومئذ في الشام ، ومنهم أبو سفيان الذي قال لهرقل أنه أقرب الحاضرين نسباً إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم صاحب الدعوة في مكة (سأل هرقل ملك الرومأبا سفيان ومن معه، فيما سأله من صفة النبي صلى الله عليه وسلم، قال: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان: فقلت: لا -وقد كان أبو سفيان إذ ذاك رأس الكفرة وزعيم المشركين، ومع هذا اعترف بالحق:
وَالفَضْلُ ما شَهدَتْ به الأعداءُ …
فقال له هرقل: فقد أعرف أنه لم يكن ليدَعَ الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على الله) ( ).
ومن الإعجاز في ذات هيئة وشخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن محياه يدل على أنه صادق وأنه يتنزه عن الكذب والباطل ، إذ كساه الله عز وجل بهالة من النور ، وما أن ينطق ويتكلم حتى يتجلى للحاضرين أن هذا النور مرآة للحق ومظهر لتلقي التنزيل وحديث الملائكة (عن عبدالله بن سلام قال : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة ، انجفل الناس إليه ، فجئته لأنظر في وجهه فلما رأيت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب ، فكان أول شيء سمعت منه أن قال : يا أيها الناس ، أطعموا الطعام ، وأفشوا السلام ، وصلوا الأرحام ، وصلوا بالليل والناس نيام ، تدخلوا الجنة بسلام) ( ).
ومن الإعجاز في ذات وشخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن محياه يدل على أنه صادق وأن يتنزه عن الكذب والباطل إذ كساه الله عز وجل بهالة من النور وما أن ينطق وفيكم حتى يتجلى للحاضرين أن هذا النور مرآة لحق ومظهر لتلقي التنزيل , وحديث الملائكة :

من غايات الآية
في الآية مسائل :
الأولى : بيان وتوثيق سماوي لوجود طائفة من الناس تكذب برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ولا يختص الأمر بالمعاصرين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإن كانوا سبب النزول لبيان قانون في إعجاز القرآن وهو أن أسباب النزول أعم من أن يختص بالوقائع الشخصية والأحداث ، فقد يكون بيان ووصف لحال مخصوص .
الثانية : جاء القرآن بصيغة المدح لأهل الإيمان ، والذم للذين كفروا ، وجاء بالوعد والوعيد والبشارة والإنذار ، ومنه إنذار الذين يتلقون النبوة وأخبارها بالتكذيب .
الثالثة : من أسرار ابتداء آية البحث بصيغة الشرط [فَإِنْ كَذَّبُوكَ] ( ) دعوةالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه للإجتهاد في التبليغ وجذب الناس للإيمان .
الرابعة : من غايات آية البحث تفقه المسلمين في الدين ومعرفة تأريخ وأحوال الأمم , وأن الذين أكرمهم الله عز وجل بالنبوة والرسالة لم يسلموا من الأذى .
الخامسة : دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين إلى الشكر لله عز وجل على نعمة ظهور الإسلام , وكيف أن تكذيب طائفة من الناس لم يصر برسالته , واتمام نزول آيات القرآن , إذ أنه نزل على مدى ثلاث وعشرين سنة , ولا ينزل إلا على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مما يدل على حاجة الناس إلى سلامته من القتل ولا يقدر على هذه السلامة وسط هذا التكذيب إلا الله عز وجل .
السادسة : دلالة آية البحث على إقامة الحجة على الأمم السابقة ببعثة الرسل ومجيئهم بالحجج الباهرة التي تدل على وجوب عبادة الله عز وجل وحده , وأن الرسل صادقون في إدعائهم الرسالة مما يلزم إتباعهم وطاعتهم , قال تعالى [مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا]( ).
السابعة : بيان وجوه الشعبة واتحاد السنخية بين الذين كذّبوا الرسل السابقين وبين الذين كذبوا النبي محمداَ صلى الله عليه وآله وسلم , الذي بعثه الله عز وجل ليقيم الدين والملة ولبيان جهاد الأنبياء والرسل السابقين , وعظيم فضل الله عز وجل عليهم بالآيات التي لازمتهم وصاحبت دعوتهم .
الثامنة : إلقاء السكينة على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه ، فالأصل أن هذا التكذيب مثبط للعزائم ، ولكن الله عز وجل يصرف شره بنزول آية البحث وآيات القرآن الأخرى وبهداية القلوب للإيمان , وتوالي الوحي إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
التاسعة : شهادة آية البحث للأنبياء والرسل السابقين بأنهم لاقوا الأذى ، ولم يلحقهم الضرر في رسالتهم ، إذ آمن بهم شطر من الناس ونزل القرآن بالثناء عليهم والبشارة بجزائهم جزاء حسناً في الآخرة .
العاشرة : بيان مسألة وهي وجود طائفة من الناس تكذب بكل ما يأتي به الرسل من المعجزات ، وفيه دفع للإلحاح على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالمجئ بمعجزات حسب طلب الناس ، فأخبرت آية البحث بأن الرسل السابقين جاءوا بكل البينات والمعجزات المتعددة ، وجاءوا بالحكمة والمواعظ وأحكام الحلال والحرام ، والكتاب المنير ، ولكن الكفار جحدوا برسالاتهم وبالبشارة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واهل بيته وأصحابه بأن القرآن كتاب منير يشع ضياءه في مشارق الأرض ومغاربها ، وينفذ إلى شغاف القلوب وينفث فيها الحكمة ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ] ( ).
الحادية عشرة : من غايات الآية بيان فئات الناس من جهة الإيمان والكفر وهو على أقسام :
الأول : أمة آمنت بالأنبياء السابقين ، وآمنت برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : طائفة من الناس آمنت بالرسل السابقين وجحدوا بنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : أمة آمنت ببعض الرسل وكفرت ببعض آخر منهم .
الرابع : أمة كفرت بكل الرسل ، وأنكرت النبوات .
الخامس : طائفة حاربت الأنبياء بما هم أنبياء ، قال تعالى [وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ] ( ).
وجاءت آية البحث لذم الذين يكذبون بالرسالة ، وينكرون المعجزات ويجعلون شروطاً خاصة بهم للإيمان ككفار قريش الذين اشترطوا معجزات حسية عديدة خاصة بهم وببلدة مكة فوصفتهم آية البحث بأنهم مكذبون بالرسالة ، وفيه إنذار ووعيد لهم ، وبشارة للذين آمنوا ، قال تعالى [وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ] ( ).
تفسير قوله تعالى [فَإِنْ كَذَّبُوكَ]( ).
لم تقل الآية فإن كذبوا التنزيل , أو فإن كذبوا هذه الآية , إنما ورد التكذيب بخصوص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لإفادة لمعنى الأعم ومحاولة صد الناس عن التصديق برسالته , وفيه وجوه :
الأول : فإن كذبوك في نبوتك ورسالتك .
الثاني : فإن كذبوك فيما تأمرهم به من الفرائض العبادية والطاعات .
الثالث : فإن كذبوك فيما تنهاهم من فعل المعاصي والسيئات .
الرابع : فإن كذبوك يا محمد .
الخامس : فإن كذبوك فيما تخبر عنه من نصر الإسلام .
السادس : فإن كذبك مشرك أو منافق فقد كُذّب رسل من قبلك .
السابع : فإن كذبوك وآذوك , و(عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد ، ولقد أخفت في الله وما يخاف أحد ، ولقد أتت علي ثالثة وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا ما يواري ابط بلال)( ).
الثامن : فإن المنافقون كذبوك فيما تخبر عنه من الفتح .
فمن الإعجاز في بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يبشر المسلمين بالنصر والفتح وهم في أشد الأحوال , فعندما حاصر عشرة آلاف رجل من المشركين المدينة , وقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بحفر خندق حولها , وكان أحياناَ ليس معه خلف الخندق إلا نحو ثلاثمائة من الصحابة فإنه يبشرهم بفتح فارس وبلاد الشام , ولكن المنافقين يتلقون هذه البشارات بالتكذيب .
و(عن عبدالله بن عمرو، قال: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالخندق فخندق على المدينة قالوا: يا رسول الله إنا وجدنا صفاة لا نستطيع حفرها.
فقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقمنا معه، فلما أتاها أخذ المعول فضرب به ضربة وكبر، فسمعت هدة لم أسمع مثلها قط فقال : فتحت فارس.
ثم ضرب أخرى فكبر فسمعت هدة لم أسمع مثلها قط، فقال: فتحت الروم.
ثم ضرب أخرى فكبر فسمعت هدة لم أسمع مثلها قط، فقال : جاء الله بحمير أعوانا وأنصارا.
وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم الافريقى فيه ضعف فالله أعلم.
وقال الطبراني أيضا : حدثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل، حدثنى سعيد بن محمد الجرمى حدثنا أبو نميلة، حدثنا نعيم بن سعيد الغرى، أن عكرمة حدث عن ابن عباس قال: احتفر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الخندق، وأصحابه قد شدوا الحجارة على بطونهم من الجوع، فلما رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , قال : هل دللتم على رجل يطعمنا أكلة ؟
قال رجل: نعم.
قال: أما لا فتقدم فدلنا عليه.
فانطلقوا إلى [ بيت ] الرجل، فإذا هو في الخندق يعالج نصيبه منه، فأرسلت امرأته أن جئ، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أتانا.
فجاء الرجل يسعى وقال : بأبي وأمي وله معزة ( ). ومعها جديها( ) فوثب إليها فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: الجدى من ورائها فذبح الجدى، وعمدت المرأة إلى طحينة لها فعجنتها وخبزت فأدركت القدر فثردت قصعتها فقربتها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، فوضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصبعه فيها
وقال : بسم الله اللهم بارك فيها اطعموا.
فأكلوا منها حتى صدروا ولم يأكلوا منها إلا ثلثها وبقى ثلثاها.
فسرح أولئك العشرة الذين كانوا معه أن اذهبوا وسرحوا إلينا بعدتكم.
فذهبوا فجاء أولئك العشرة فأكلوا منها حتى شبعوا، ثم قام ودعا لربة البيت وسمت عليها وعلى أهل بيتها، ثم مشوا إلى الخندق فقال: اذهبوا بنا إلى سلمان، وإذا صخرة بين يديه قد ضعف عنها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: دعوني فأكون أول من ضربها.
فقال: بسم الله.
فضربها فوقعت فلقة ثلثها فقال : الله أكبر قصور الشام ورب الكعبة، ثم ضرب أخرى فوقعت فلقة فقال : الله أكبر قصور فارس ورب الكعبة.
فقال عندها المنافقون : نحن نخندق على أنفسنا وهو يعدنا قصور فارس والروم.)( ).
فمن خصائص المنافقين إظهارهم ما يبطنون من الكفر عندما يرون النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة في حال شدة وعسر ، ولكن الله عز وجل يصرف أذاهم وأسباب الفتنة التي يسعون إليها ، قال تعالى [أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ]( ).
إبتدأت آية البحث بالخطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بصيغة الجملة الشرطية [فَإِنْ كَذَّبُوكَ] لمواساة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في تكذيب قريش لرسالته قبل الهجرة ، وقبل نزول هذه الآية ، وللتوطئة بخصوص من يظهر تكذيبه بالنبوة بالقول أو الفعل ، ومن يلمح إلى هذا التكذيب بإظهار الشك والريب والقيام بالمغالطة .
ترى لماذا جاءت الآية بصيغة الجملة الشرطية التي تحتمل أيضا التعليق والإشارة إلى المستقبل بينما صاحب التكذيب البعثة من أيامها الأولى يحتمل الجواب وجوهاً :
الأول : إرادة التكذيب بعد الهجرة وبعد نزول هذه الآية ، لبيان إنطواء أيام وأثر تكذيب قريش للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل الهجرة .
الثاني : المقصود وإن كذبوك بالأمس ويكذبوك غداً .
الثالث : وإن كذبوك في مكة فقد انطوت تلك الأيام وتجلى قانون وهو عدم إضرار هذا التكذيب بالرسالة ، قال تعالى [هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ] ( ).
الرابع : الإشارة إلى نزول أحكام مستحدثة في العبادات والفرائض والسنن ، فجاءت هذه الآية توطئة لها ، وإشارة إلى تلقي طائفة من الناس لها بالتكذيب ، مما يلزم الإستعداد والتهيئ لهذا التكذيب بالصبر ، وليس بالسيف .
ولا تعارض بين هذه الوجوه ، وذكرت الآية سيرة الأنبياء السابقين لبيان إتحاد سنخية السلاح الذي يواجه به الأنبياء هذا التكذيب ، وهو من جهات :
الأولى : التطلع إلى المدد من عند الله لدفع شرور هذا التكذيب ، وقد فاز النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بنصيب وافر وعظيم في المقام ، إذ رزقه الله توالي المعجزات العقلية والحسية , قال تعالى [فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا] ( ) .
الثانية : توبة طائفة من الذين يكذبون بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فمن سنن النبوة لجوء عدد من الذين يكذبون بالرسول إلى التوبة والإنابة .
الثالثة : تحلي الأنبياء بالصبر في تلقي التكذيب ، وما يترتب عليه من الأذى ، قال تعالى [فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ] ( ).
ترى ما هي أسباب تكذيب طائفة من الناس لرسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , الجواب من جهات :
الأولى : الإستكبار والإمتناع عن الإنصياع للحق .
الثانية : الخشية على المصالح والمنافع الخاصة من حال ما قبل النبوة ، كما في رؤساء قريش إذ خافوا على مالهم من شأن وجاه ، مع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أشار إلى هذه المسألة وأخبرهم بأن تصديقهم برسالته سبب لفوزهم برئاسة عامة بين الأمم ، ولكنهم تلقوا هذه البشارة بالسخرية والتكذيب والسخرية .
(قال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن أبى زياد، عن محمد بن كعب القرظى، قال: لما اجتمعوا له، وفيهم أبو جهل قال وهم على بابه: إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم، ثم بعثتم من بعد موتكم، فجعلت لكم جنان كجنان الاردن، وإن لم تفعلوا كان فيكم ذبح، ثم بعثتم بعد موتكم، ثم جعلت لكم نار تحرقون فيها.
قال: فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأخذ حفنة من تراب في يده ثم قال: ” نعم أنا أقول ذلك، أنت أحدهم “.
وأخذ الله على أبصارهم عنه فلا يرونه، فجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم وهو يتلو هذه الآيات: ” يس.
والقرآن الحكيم.
إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم ” إلى قوله: ” وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون ” ولم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه ترابا.
ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب.
فأتاهم آت ممن لم يكن معهم فقال: ما تنتظرون ههنا ؟ قالوا: محمدا.
فقال: خيبكم الله !
قد والله خرج عليكم محمد، ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه ترابا، وانطلق لحاجته، أفما ترون ما بكم ؟ ! قال: فوضع كل رجل منهم يده على رأسه، فإذا عليه تراب، ثم جعلوا يتطلعون فيرون عليا على الفراش متسجيا ببرد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فيقولون: والله إن هذا لمحمد نائما عليه برده، فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا، فقام علي عليه السلام عن الفراش فقالوا: والله لقد كان صدقنا الذى كان حدثنا ) ( ).
الثالثة : الإمتناع عن الإنصياع للأوامر الإلهية التي تتجلى باثبات الواجبات , والإمتناع عن الفواحش والمعاصي .
الرابعة : آفة الحسد ، ومن أسباب محاربة رجالات قريش للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ان في نبوته إعلاء ورجحاناً لمنزلة بني هاشم بين العرب .
الخامسة : الميل لمحاكاة الآباء المشركين في ملتهم ، وكان العرب يولون عناية للتفاخر بالآباء وافعالهم ، قال تعالى [وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ] ( ) (عن ابن عبّاس : فإذا قيل لهم إتبّعوا ما أنزل الله يعني كفّار قريش من بني عبد الدّار.
قالوا : بل نتّبع ما ألفينا عليه آباءنا من عبادة الأصنام.
فقال الله {أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً} من التوحيد ومعرفه الرحمن {وَلا يَهْتَدُونَ} للحجّة البالغة) ( ).
السادسة : عدم اعتياد العرب على بعثة الأنبياء ، بخلاف بني اسرائيل ، وفي التنزيل[وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ] ( ).
السابعة : رغبة قريش بالتدخل في إختيار النبي كما ورد في التنزيل [وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ] ( ).
ولم يرد لفظ [الْقَرْيَتَيْنِ] في القرآن إلا في الآية أعلاه لبيان مسألة وهي انقطاع هذا القول لإنتفاء الأصل والموضوع له ، وعدم إلتفات الناس إليه ، فمن خصائص العقل التمييز بين الحق والباطل .
ويدرك الناس أموراً :
الأول : أن الله عز وجل هو الذي يختار الأنبياء .
الثاني : أهلية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للرسالة لما كان معروف عنه من الأمانة والصدق .
الثالث : دلالة هذه الآية إقرار الكفار بنزول القرآن من عند الله ، إلا أنهم أرادوا تبعاً لهواهم أن يكون نزوله على واحد من اثنين من وجهاء وسادات قريش .
(عن ابن عباس، قوله:( لَوْلا نزلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ) ( ) قال: يعني بالعظيم: الوليد بن المغيرة القرشيّ، أو حبيب بن عمرو بن عمير الثقفي، وبالقريتين: مكة والطائف.
ومن مصاديق قوله تعالى [فان كذبوك] وجوه :
الأول : التكذيب لمرة واحدة .
الثاني : تكذيب الآيات والمعجزات على نحو العموم الإستغراقي .
الثالث : استقبال كل آية ومعجزة بالتكذيب .
الرابع : المناجاة بتكذيب نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الخامس : التحريض على تكذيب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
السادس : تلقى معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالشك والريب .
السابع : تلقي نزول كل آية من القرآن بالجدال والمغالطة .
الثامن : إظهار الإيمان والإسلام أول النهار والجحود آخره ، وفي التنزيل [وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ] ( ).
ولم يرد لفظ [اكْفُرُوا] في القرآن إلا في الآية أعلاه .
لقد كانت شمائل وخصال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تدل على أنه صادق , وأن الوحي مصاحب له , وأنه منزه عن الكذب ليكون من معاني قوله تعالى [وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ]( ) إرادة إصلاح النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمقام النبوة واللطف بالناس بتقريبهم إلى مقامات التصديق برسالته .
و(عن الإمام الحسن بن علي عليه السلام قال : سألت خالي هند بن أبي هالة ، وكان وصافا ، عن حلية النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وأنا أشتهي أن يصف لي منها شيئا أتعلق به ، فقال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخما مفخما ، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر ، أطول من المربوع ، وأقصر من المشذب ، عظيم الهامة ( ) ، رجل الشعر ، إن انفرقت عقيقته فرقها ، وإلا فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه إذا هو وفره ، أزهر اللون ، واسع الجبين ، أزج الحواجب سوابغ في غير قرن ، بينهما عرق يدره الغضب ، أقنى العرنين ، له نور يعلوه ، يحسبه من لم يتأمله أشم ، كث ( ) اللحية ، سهل الخدين ، ضليع ( ) الفم ، مفلج الأسنان ، دقيق المسربة ( ) .
كأن عنقه جيد دمية في صفاء الفضة ، معتدل الخلق ، بادن ( ) متماسك ، سواء البطن والصدر ، عريض الصدر ، بعيد ما بين المنكبين ، ضخم الكراديس ( ) ، أنور المتجرد ، موصول ما بين اللبة ( ) والسرة بشعر يجري كالخط ، عاري الثديين والبطن مما سوى ذلك ، أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر ، طويل الزندين ، رحب الراحة ، شثن ( ) الكفين والقدمين ، سائل الأطراف – أو قال : شائل الأطراف – خمصان الأخمصين ، مسيح القدمين ، ينبو عنهما الماء ، إذا زال زال قلعا ، يخطو تكفيا ، ويمشي هونا ، ذريع المشية ، إذا مشى كأنما ينحط ( ) من صبب ( )، وإذا التفت التفت جميعا ، خافض الطرف ، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء ، جل نظره الملاحظة ، يسوق أصحابه ويبدأ من لقي بالسلام) ( ).
ولابد أن لتكذيبهم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من شواهد ومبرز خارجي ومصاديق فما هي هذه الشواهد وهل هي شخصية أو نوعية ، وهل يؤتى بها علانية ، وفي المنتديات إخفاتاً أم هما معاً .
المختار أن صدور هذا التكذيب على كل هذه الوجوه من غير تعارض بينها .ويمكن استقراء مصاديق وشواهد هذا التكذيب من القرآن والسنة ، وهو من الإعجاز الغيري للقرآن بما هو أعم من تفسير القرآن بعضه لبعض ، ومن هذا التكذيب وجوه :
الأول : إنكار البعثة النبوية .
الثاني : الإستهزاء بالتنزيل ، وإدعاء بعض وجوه المشركين الإتيان بمثله ، كما ورد في التنزيل [وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ] ( ).
(عن السدي قال : كان النضر بن الحارث يختلف إلى الحيرة فيسمع سجع أهلها وكلامهم ، فلما قدم إلى مكة سمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن فقال : { قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا ، إن هذا إلا أساطير الأولين }( ) ) ( ).
وموضوع الآية أعم خاصة وأنها جاءت بصيغة الجمع [لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا] ( ) ومن الإعجاز مجئ الآية بالحرف (لو) وهو حرف إمتناع لإمتناع ، أي أنهم لم يستطيعوا القول وعجزوا عن النطق به ، وقال الله تعالى في الرد عليهم [أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنْ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ] ( ).
الثالث : تجلي التكذيب بمصادق عملية وهي تجهيز الجيوش لمحاربته ، قال تعالى [فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ] ( ) لبيان العلة الذاتية لتكذيب المشركين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابع : إظهار المشركين العناد والإستكبار في تلقي الدعوة إلى الإيمان ونبذ عبادة الأصنام ، والإمتناع عن النطق بكلمة التوحيد .
فمن الشواهد على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يدعو إلى كلمة التوحيد ، إذ كان ينادي في موسم الحج (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا ).
عن (ربيعة بن عباد الديلي يقول: إني لمع أبي رجل شاب، أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتبع القبائل –ووراءه رجل أحول وضيء، ذو جُمَّة -يَقِفُ رسول الله صلى الله عليه وسلم على القبيلة فيقول: “يا بني فلان، إني رسول الله إليكم، آمركم أن تعبدوا الله لا تشركوا به شيئا، وأن تصدقوني وتمنعوني حتى أنفِّذَ عن الله ما بعثني به”.
وإذا فرغ من مقالته قال الآخر من خلفه: يا بني فلان، هذا يريد منكم أن تسلُخوا اللات والعزى، وحلفاءكم من الجن من بني مالك بن أُقَيْش، إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تسمعوا له ولا تتبعوه. فقلت لأبي: من هذا؟ قال: عمه أبو لهب) ( ).
الخامس : التحريض على قتال ومحاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ومن معاني آية البحث [فان كذبوك ) أن النبي محمداَ صلى الله عليه وآله وسلم لم يقاتلهم ولم يرفع عليهم السيف ، إنما كان يتلو عليهم آيان القرآن ، وتتجلى في سنته شمائل النبوة ، وهو من أسرار قوله تعالى [وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ] ( ) .
السادس : من وجوه تقدير آية البحث ( فان كذبوك بالسيف ) أي برفعهم السيف وجمع الجيوش لمحاربته ، وقد قاتل قوم عدد من الأنبياء والرسل ، وهو من مصاديق مجئ لفظ (رسل) في آية البحث بصيغة التنكير.
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قَالَ:”خَرَجَ فِرْعَوْنُ فِي أَلْفِ أَلْفِ حِصَانٍ سِوَى الإِنَاثِ, وَخَرَجَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي سِتِّمِائَةِ أَلْفٍ, قَالَ فِرْعَوْنُ: ” إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ” , فَلَمَّا بَلَغَ مُوسَى الْبَحْرَ وَاتَّبَعَهُ فِرْعَوْنُ, قَالَ لَهُ فَتَاهُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟, وَكَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَوْحَى إِلَيْهِ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ, وَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى الْبَحْرِ أَنَّ مُوسَى سَيَضْرِبُكَ فَإِذَا ضَرْبَكَ فَاسْمَعْ لَهُ وَأَطِعْ, فَبَاتَ الْبَحْرُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَلَهُ أَفْكَلٌ, يَعْنِى: رِعْدَةً, لا يَدْرِي مِنْ أَيِّ جَوَانِبِهِ يَضْرِبُ مُوسَى, فَقَالَ لَهُ فَتَاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ: يَا مُوسَى أَيْنَ أَمَرَكَ رَبُّكَ؟, قَالَ: أَمَرَنِي أَنْ أَضْرِبَ الْبَحْرَ, قَالَ: فَاضْرِبْهُ”)( ).
والتكذيب نوع مفاعلة ، وفيه أطراف :
الأول : المكذِب الذي يكذب غيره شخصاً أوموضوعاً أو واقعة متفرقة ومجتمعة .
الثاني : موضوع التكذيب والإنكار .
ويتعدد في الآية الطرف الأول ، من جهة عدد الذين كذبوا برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وجاءت الآية بالإتحاد في الطرف الثالث أعلاه وهو النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولكن موضوع التكذيب متعدد من جهات :
الأولى : التكذيب بالرسالة من عند الله ، ومنهم من اشترط برهاناً وحجة خاصة به ، كما تقدم في الآية السابقة ، إذ اشترط طائفة أن يقوم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بانزال نار من السماء لها دوي وصوت مسموع فتأكل ما يقدم من قربان ، ولا تبقى منه أثراً ،وقالوا إنما هذا الشرط عهد من الله عز وجل لنا ، كما ورد في التنزيل [الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ] ( ) وذكرنا مسألة مستحدثة في موضوع الآية أعلاه ، وعلة مخاطبتهم ونعتهم بأنهم قتلوا الأنبياء مع أن زمان الأنبياء الآخرين السابق بمئات السنين لبيان أن طريق العهد بين الله وبين البشر هم الأنبياء والرسل ، فاذا كان الذين نقلوا هذا العهد لكم فكيف قتلا الأنبياء ، لأن الأصل هو أتباع وتصديق الأنبياء والذب عنهم فان قيل يمكن أن يكون الذين نقلوا العهد هم أتباع الأنبياء وبعض الذين قتلوهم ، الجواب جاءت الآية السابقة لنفي مثل هذا القول ، وتدل آيات القرآن والتأريخ على أن عدداً من الأنبياء اجتمع الناس على قتلهم ، مما يدل بالدلالة التضمنية على أمور :
الأول : قلة أتباع الأنبياء .
الثاني : خشية وخوف أصحاب الأنبياء .
الثالث : عدم إنصاف الناس لإتباع الأنبياء .
الرابع : رجحان قتل اصحال الأنبياء من باب الأولوية ، فاذا تجرأ الناس على قتل النبي الذي جاء بالمعجزات ، فمن باب الأولوية أنهم يتجرأون على قتل أصحابه .
تفسير [فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ]
من معالم مدرسة الأخلاق والسنن الحميدة في القرآن آية البحث لما فيها من تنمية خصلة الصبر والتحمل ، إذ يتبادر إلى الذهن أن الناس يتلقون الرسول ومعجزاته بالتصديق ، ولكنه في الواقع يلاقي الأذى من شطر من الناس .
وقد يتسائل بعضهم لماذا لاقى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هذا التكذيب ويظن المتساءل أن الرسل السابقين لم يتعرضوا لمثل هذا التكذيب ، فجاءت آية البحث لدفع هذا الوهم ، وفيها دعوة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للصبر .
ومن مصاديق هذا الصبر الإجتهاد في الدعوة إلى الله ، فليس هو من الصبر السلبي ، إنما هو من الصبر الجهادي ، وهذا الجهاد من جهات :
الأولى : تبليغ آيات القرآن ، قال تعالى [فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ] ( ).
الثانية : بيان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لضروريات الدين وأحكام الشريعة .
الثالثة : إقامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الفرائض والعبادات .
الرابعة : الإجتهاد ورد الجدال ودفع المغالطة , وأسباب التكذيب الذي تشير له آية البحث .
وهل من معاني قوله تعالى [رسل من قبلك] الإخبار عن بشاراتهم بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والتوطئة لرسالته ، الجواب نعم ، وفي دعاء إبراهيم عليه السلام ورد قوله تعالى [رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ] ( ) ومن التوطئة بناء إبراهيم وإسماعيل البيت الحرام من قواعده ، ودعوة الناس للحج ، قال تعالى [وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ] ( ).ليكون معنى قوله تعالى [فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ] على وجوه :
الأول : فقد كذّب رسل من قبلك في رسالاتهم .
الثاني : فقد كذّب بمعجزات الرسل الذين من قبلك ومنه إنكار معجزاتهم في حياتهم ، وبعد مماتهم ، وفيه دعوة للمسلمين للصبر والثبات في مقامات الإيمان .
الثالث : فإن يكذبوك فقد كُذّب بالبشارات التي جاء بها الرسل من قبلك .
الرابع : فإن كذبوك في إخبارك عن الرسل السابقين ومعجزاتهم .
الخامس : فإن كذبوك من قبل أيام الرسل السابقين فقد كذبوك في حياتك .
السادس : فإن كذبوك في حياتك فيكذبوك بعد مماتك .
قال تعالى [وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ] ( ).
السابع : وان يكذبوك ففوض أمرك إلى الله عز وجل قال تعالى [وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ] ( ).
الثامن : فإن يكذبونك خفية فان الله يفضحهم ويكشف أمرهم .
التاسع : فإن يكذبوك فلا تأس عليهم ، قال تعالى [قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ] ( ).
ومن معاني الآية سلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الحزن على الذين كفروا وإصرارهم على الجحود بنبوته ، وهو من عمومات قوله تعالى [وَمَنْ كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ] ( ) و[وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ]( ).
فالتكذيب الذي حصل من الذين كفروا إنما هو لضلالتهم وعنادهم ، وليس من نقص في الرسالة أو المعجزات التي جاء بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحجتها ظاهرة ، كما أن دخول الناس الإسلام شاهد على صدق الرسالة وكفاية البينات والدلائل التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
والبينات : جمع بينة , وهي الحجة والبرهان الذي بينه الحق ، ومن إعجاز القرآن أن الآية منه تشير إلى آيات القرآن الأخرى ، فمثلاً تشير آية البحث إلى الآيات التي تبين تكذيب أهل التعنت والمخالفة للأنبياء والرسل السابقين ، وهي آيات كثيرة ، منها ما وردت بشواهد تدل على التكذيب بالمتعدد من الرسل ، منها قوله تعالى [وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ * وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ] ( )ومنها ما هو خاص يقوم كما في قوله تعالى [كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلاَ تَتَّقُونَ] ( ).
ومنها ما جاءت خطاباً للمشركين بصيغة الذم منها قوله تعالى [وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ] ( ).
وأخرى تضمنت الوعيد للمكذبين ، كما في قوله تعالى [إِنْ كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ] ( ) وتبين الآية قانوناً من الإرادة التكوينية ، وهو أن ما يأتي به الرسل هو البينات والكتاب الذي تتجلى ذخائره باشعاع نوره على القلوب والأفئدة .
ترى ما هو الموضوع الذي كذّبوا به المرسلين ، الجواب على وجوه :
الأول : أصل الشريعة وعقيدة التوحيد إذ أصر الكفار على الشرك والضلالة .
الثاني : النبوة إذ أنكروا بعث الله عز وجل رسولاً من بين الناس ، ومنهم من أراد رسولاً من الملائكة لأنهم أقرب إلى الله ، وعندهم قدرات خارقة ,وفي التنزيل [وَقَالُوا لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ] ( ).
الثالث : التكذيب بالبينات والمعجزات التي جاء بها الرسل .
الرابع : تكذيب الفرائض والعبادات ، فقد أبى الكفار التصديق بأداء الصلاة والزكاة والصيام .
الخامس : إنكار نزول كتب من الله عز وجل ، ليكون من الإعجاز في وصف الكتاب الذي جاء به الرسل بأنه منير ، تتجلى فيه صبغة السماوية ، وإنارة الأحكام التي يتضمنها للقلوب ، ودلالته الذاتية بأنه نازل من عند الله عز وجل .
بحث بلاغي
من علوم البلاغة والبيان (الإدماج ) وهو قيام المتكلم بادماج غرض في غرض أو غاية في غاية ظاهرة عن قصد وعمد ، فلا يظهر في منطوق الكلام إلا أحد الغرضين أو الغايتين أما الآخر فيكون مشاراً إليه ، أو يدركه بالمفهوم ، وهو ليس من التعريض والتلميح ، لأنه غالباً يخلو من الذم والتقبيح والإدماج لغة اللف ، وإدخال الشيء بالشيء، يقال: أدمج الشيء في الثوب، إذا لفه فيه. وفي الاصطلاح: أن يتضمن كلامٌ سيق لمعنى، مدحاً كان أو غيره، معنًى آخر، وهو أعم من الاستتباع، لشموله المدح وغيره، واختصاص الاستتباع بالمدح.) ( ).
وبين الإدماج والإستتباع عموم وخصوص مطلق ، وقد يجمع الإدماج بين متضادين ، والضد يظهر حسن الضد .
ومنها (قول أبي الطيب:
اقلب فيه أجفاني كأني … أعد بها على الدهر الذنوبا
فإنه ضمن وصف الليل بالطول الشكاية من الدهر. وقول ابن المعتز في الخيري:
قد نفض العاشقون ما صنع ال … هجر بألوانهم على ورقه
فإن الغرض وصف الخيري بالصفرة فأدمج الغزل في الوصف، وفيه وجه آخر من الحسن وهو إيهام الجمع بين متنافيين أعني الإيجاز والإطناب، أما الإيجاز فمن جهة الإدماج، وأما الإطناب فلأن اصل المعنى أنه اصفر، فاللفظ زائد عليه لفائدة) ( ).
لقد أخبرت آية البحث عن تكذيب طائفة من الناس للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فان قلت كيف قيدت التكذيب بأنه صادر من طائفة مع أنه ورد بصيغة الجمع والعموم ، والجواب بلحاظ آيات القرآن الأخرى والقرائن التي تدل على إيمان طائفة من الناس ، وهم أهل البيت والصحابة من المهاجرين والأنصار ، وإستدامة الإيمان بعدهم بالتابعين وتابعي التابعين كما يدل عليه قوله تعالى [وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ] ( ) ومن المقاصد السامية التي أدمجت في آية البحث أمور :
الأول : الدلالة على الإختيار الحسن وهو إيمان طائفة من الناس ، وأشارت إلى عظيم ثوابهم للضد بينهم وبين المكذبين , فالمؤمنون يتلون هذه الآية خمس مرات في اليوم في الصلاة وفيه تبكيت وإيذاء للمكذبين .
الثاني : أدمجت آية البحث المواساة والتسلي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ثنايا الآية .
الثالث : دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى التأسي بالرسل السابقين وعدم استعمال السيف ضد الذين يكذبونه ، فقد كذّب رسل من قبل ولم يضعوا السيف والقتل بين رقاب الناس .
الرابع : من الغرض المدمج في آية البحث حث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه على الصبر , وإخبار الآية تكذيب القوم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع توالي نزول آيات القرآن ودخول الناس الإسلام جماعات شاهد على نصر الله عز وجل , وأن هذا التكذيب لن يضر إلا ذات المكذبين , نعم كانت حياة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كلها صبر ومثابرة وجهاد الجاهلية وتحمل الأذى .
فقد كان يسمى في قريش (الصادق الأمين) ولكن حالما أعلن رسالته , وأخبر عن الوحي ونزول القرآن عليه حتى عاداه كبار رجالات قريش , ثم فرضوا الحصار على بني هاشم لثلاث سنوات , ومات كافله والذّاب عنه من بين الناس ابو طالب وخديجة عليهما السلام التي شدّت عضدهُ بعد ستة أشهر من خروج أهل البيت من حصار شِعب ابي طالب (قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : ثُمّ إنّ خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ وَأَبَا طَالِبٍ هَلَكَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ فَتَتَابَعَتْ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ الْمَصَائِبُ بِهُلْكِ خَدِيجَةَ وَكَانَتْ لَهُ وَزِيرَ صِدْقٍ عَلَى الْإِسْلَامِ يَشْكُو إلَيْهَا ؛ وَبِهُلْكِ عَمّهِ أَبِي طَالِبٍ وَكَانَ لَهُ عَضُدًا وَحِرْزًا فِي أَمْرِهِ وَمَنَعَةً وَنَاصِرًا عَلَى قَوْمِهِ وَذَلِكَ قَبْلَ مُهَاجَرِهِ إلَى الْمَدِينَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ .
فَلَمّا هَلَكَ أَبُو طَالِبٍ نَالَتْ قُرَيْشٌ مِنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ مِنْ الْأَذَى مَا لَمْ تَكُنْ تَطْمَعُ بِهِ فِي حَيَاةِ أَبِي طَالِبٍ حَتّى اعْتَرَضَهُ سَفِيهٌ مِنْ سُفَهَاءِ قُرَيْشٍ ، فَنَثَرَ عَلَى رَأْسِهِ تُرَابًا قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَحَدّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ ، قَالَ لَمّا نَثَرَ ذَلِك السّفِيهُ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ ذَلِكَ التّرَابَ دَخَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ بَيْتَهُ وَالتّرَابُ عَلَى رَأْسِهِ فَقَامَتْ إلَيْهِ إحْدَى بَنَاتِهِ فَجَعَلَتْ تَغْسِلُ عَنْهُ التّرَابَ وَهِيَ تَبْكِي ، وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ يَقُولُ لَهَا : لَا تَبْكِي يَا بُنَيّةِ فَإِنّ اللّهَ مَانِعٌ أَبَاك .
قَالَ وَيَقُولُ بَيْنَ ذَلِكَ مَا نَالَتْ مِنّي قُرَيْشٌ شَيْئًا أَكْرَهُهُ حَتّى مَاتَ أَبُو طَالِبٍ)( ).
الخامس : أخذ المسلمين الحائطة والحذر من الذين يكذّبون بالرسالة ، فقد يأتي بعد التكذيب التعدي ، وجمع الجيوش لقتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، وهو الذي حصل في معركة بدر وأحد والخندق وحنين ، ومن مصاديق هذا المعنى أن معركة حنين وقعت بتعدي وابتداء من قبيلة هوازن وثقيف ، وبعد فتح مكة التي سمّاها الله عز وجل أم القرى بقوله تعالى [لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا] ( ).
السادس : إقامة الحجة على الذين كفروا بأن الرسل جاءوا بالدلائل القاطعة التي تؤكد صدق نبوتهم .
السابع : البشارة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن الله عز وجل يأتيه بكل من :
الأولى : البينات وبرهان النبوة , قال تعالى [لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمْ الْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِنْ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ]( ).
الثانية : الزبور والحكمة المتعالية النازلة من السماء .
الثالثة : القرآن والكتاب المنير الذي يضئ للناس سبل الهداية .
تفسير [جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ]
تدل آية البحث على ثناء الله عز وجل وشكره للأنبياء السابقين ، ليبقى الناس يتلون هذا الشكر إلى يوم القيامة ، وهو من معاني خلافة الإنسان في الأرض وإحتجاج الله عز وجل على الملائكة حينما تساءلوا كيف يكون الإنسان خليفة في الأرض وهو يفسد فيها ويسفك الدماء ، كما ورد البيان والبرهان في قوله تعالى [وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ).
فمن معاني الخلافة تلاوة المسلمين والمسلمات كل يوم الثناء وشكر الله للإنبياء السابقين ، وفيه ترغيب للمسلمين للعمل الصالح ولغة الإحتجاج ، والـتأسي بالأنبياء بالصبر ،والإنتفاع الأمثل من البراهين والآيات التي جاء بها الأنبياء السابقون ، وما نزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من عند الله عز وجل .
وفي مجمع البيان (قال امرؤ القيس( ) : لمن طلل أبصرته فشجاني كخط زبور في عسيب يمان تقول زبرت الكتاب إذا كتبته و زبرت الرجل إذا زجرته و الزبرة مجتمع الشعر على كتف الأسد و زبرت البئر إذا أحكمت طيها بالحجارة فهي مزبورة و الزبر العقل و إنما جمع بين الزبر و الكتاب و معناهما واحد لأن أصلهما يختلف هو كتاب بضم حروف بعضها إلى بعض و زبور لما فيه من الزجر على خلاف الحق) ( ).
والمختار أن النسبة بين الزبر والكتاب في الآية هو عموم وخصوص من وجه .
ومجمع البيان في تفسير القرآن ، تأليف أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي , ومن .منهجيته :
أولاً : اللغة الإعراب , القراءة المعنى , هل الآية مكية أو مدنية , أسباب النزول , والمعنى والتأويل .
ولم يحصر الذكر بأقوال مذهب دون آخر , إنما ذكر أقوال المذاهب كلها , مع ذكر أقوال السلف من المفسرين , وحكي في كتاب رياض العلماء كرامة له فقد اشتهر عنه أنه أصابته السكتة , وظنوا أنه قد مات فغسلوه وكفّنوه ودفنوه , ورجعوا عنه , ولكنه أفاق وهو في القبر ولا سبيل للخروج منه فنذر إن نجى من هذه الداهية أن يؤلف كتاباَ في تفسير القرآن , فجاء نباش للقبور وقصده لأخذ كفنه , فلما كشف عن وجه القبر أخذ الشيخ بيده لإرادة النجاة وعدم تضييع الفرصة فاصاب الفزع النباش كيف مسكه الميت .
ثم تكلم معه الشيخ برفق , ووهن من أثرالدفن فازداد رعباَ , ولكن الشيخ أردف لا تخف أنا حي , أصابتني السكتة فظنوا اني ميت وأدخلوني في هذه الحفرة , ولم يستطع النهوض والمشي لشدة ضعفه , فاتكأ على النباش , وجاء به إلى بيته فأعطاه الكفن , ومالاَ كثيراَ , وشرع بكتابة التفسير , وتوفى في بيته بمدينة سبزوار سنة (548) هجرية إذ قضى الخمس والعشرين سنة الأخيرة من عمره فيها , ولم يثبت هذا الخبر كما أن الشيخ الطبرسي لم يذكرها في مقدمة تفسيره.
وفي آية البحث تأديب للمسلمين والناس جميعاً إذ أنها تدعو إلى التصديق برسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم , وتزجر عن التكذيب بالأنبياء السابقين ، وتقدير الآية : فان كذبوك فقد كذب رسل من قبلك فيا أيها الذين آمنوا لا تكذبوا الرسل الذين بعثوا قبل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
فمن خصائص الحياة الدنيا بعث الله عز وجل الرسل من بين الناس ، وهؤلاء الرسل من ذات جنس البشر أنفسهم ، وإتحاد السنخية هذا من وجوه إحتجاج الله عز وجل على الملائكة [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) .
فمن علم الله عز وجل أن الله يرتقي بمرتبة الخليفة ويجعله رسولاً بينه وبين أهل الأرض وأن أمة من الناس تصدق به ، فيكون جزاؤهم الأخروي الخلود في النعيم ، والإختلاط مع الملائكة مثل اختلاط آدم وحواء بهم ، ولكن لا يكون إبليس ووسوسته معهم ، أما الذين يكذبون الرسل فان العذاب الأليم عقابهم في الآخرة ، الذين ذكر الله عز وجل صفتهم وقولهم في الدنيا ، كما ورد في التنزيل [ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ] ( ).
وعدد الأنبياء الذين ذكروا في القرآن خمسة وعشرون نبياً ورسولاً ، وجاءت آي البحث بذكر الأنبياء على نحو العموم الإستغراقي ، ولو دار الأمر بين :
الأول : تكذيب بعض الرسل ، وهو على شعبتين :
الأولى : الذين كذبوا الرسل أكثر من الذين لم يكذّبوهم.
الثانية : الذين كذّبوا أقل من الذين لم يكذّبوا .
(عن أبي ذر قال : قلت : يا رسول الله كم الأنبياء؟
قال : مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألفاً . قلت : يا رسول الله كم الرسل منهم؟ قال : ثلثمائة وثلاثة عشر جم غفير . قال : يا أبا ذر أربعة سريانيون : آدم ، وشيث ، ونوح ، وخنوخ وهو إدريس ، وهو أوّل من خط بقلم ، وأربعة من العرب : هود ، وصالح ، وشعيب ، ونبيك .
وأوّل نبي من أنبياء بني إسرائيل موسى ، وآخرهم عيسى ، وأوّل النبيين آدم ، وآخرهم نبيك ، أخرجه ابن حبان في صحيحه وابن الجوزي في الموضوعات ، وهما في طرفي نقيض ، والصواب أنه ضعيف لا صحيح .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي أمامة قال : قلت : يا نبي الله كم الأنبياء؟ قال : مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً ، الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جماً غفيراً) ( ).
وهود وصالح من العرب العاربة وهم قبل اسماعيل الذي هو من العرب المستعربة .

تفسير [َالْكِتَابِ الْمُنِيرِ]

المراد من الكتاب في الآية اسم جنس , والمراد الكتب المنزلة من عند الله عز وجل قبل القرآن , لبيان قانون وهو من الرسل من له كتاب وينزل عليه الوحي , ومن هذه الكتب :
الأول : التوراة .
الثاني : الزبور .
الثالث : الإنجيل
وسمي الكتاب في الآية بأنه منير لوجوه :
الأول : إرادة البيان الذي يتضمنه ويأتي به الكتاب , وتقدير الآية , والكتاب المبين , وقد ورد لفظ (الكتاب المبين) خمس مرات في القرآن وكلها بخصوص القرآن وهي :
الأولى : [الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ] ( ).
الثانية : [تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ] ( ).
الثالثة : [تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ] ( ).
الرابعة : [وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ] ( ).
الخامسة : [وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ] ( ).
الثاني : من معاني المنير في الآية أن الكتب التي جاء بها الرسل هو كتاب شرائع وأحكام وسنن .
الثالث : الكتاب المنير أي المضئ الذي يجذب الأبصار , وفيه إشارة إلى المعجزات الحسية التي جاء بها الأنبياء والرسل السابقون .
الرابع : إنارة الكتاب السماوية لقلوب العباد , ولا عبرة بإنكار الكفار فقد أنار لهم أيضاَ سبل الرشاد , قال تعالى [وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ] ( ).
وقيل معنى الكتاب المنير هو الزبر , (كرر وهما واحد لاختلاف اللفظين) ( ).
ولكن المعنى متعدد ويمكن أن نؤسس قانوناَ وهو : لو دار الأمر في معنى اللفظين المختلفين هل هو معنى واحد أم متعدد , فالصحيح أنه متعدد.
ومن إعجاز القرآن أن اللفظ القرآني الواحد له معاني متعددة , فكيف إذا كان لفظان متغايرين إلا أن يدل دليل على اتحاد المعنى , وهو معدوم في المقام .
ومن معاني الزبر توثيق أعمال البشر وإقامة الحجة عليهم , ومنه قوله تعالى [وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ] ( ).
ولبيان قانون وهو أن الله عز وجل يعلم ما يفعله الناس قبل أن يخلقوا , وفيه بعث للطمأنينة في قلوب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه , بأن تكذيب الذين كفروا والمنافقين لرسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لن يضرهم , قال تعالى [لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمْ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنْصَرُونَ] ( ).
و(في كتاب المصاحف: حدثنا عبد اللّه بن محمد الزهري حدثنا سفيان عن مجالد عن الشعبي قال: سَألْنَا المهاجرين من أين تعلمتم الكتابة؟ قالوا: تعلمنا من أهل الحيرة، وسألنا أهل الحيرة: من أين تعلمتم الكتابة؟ قالوا: من أهل الأنبار) ( ).
ويحتمل ما جاء به الرسل من جهة اتحاد أو تعدد الآيات وجوهاَ :
الأول : كل رسول جاء بالبينات والزبر والكتاب المنير .
الثاني : من الرسل من جاء بالبينات , ومنهم من جاء بالزبر , ومنهم من جاء بالكتاب المنير .
الثالث : جاء بعض الرسل بالبينات والزبر وبعضهم بالكتاب .
الرابع : من الرسل من جاء ببينة واحدة , إنما ورد لفظ (البينات) بصيغة الجمع لمناسبة لفظ الرسل , وتقدير الآية , فقد جاء كل رسول من قبلك بالبينة والزبر والكتاب المنير .
والمختار هو الأول أعلاه لأصالة الإطلاق في فضل الله عز وجل , وهو من أسرار ذكر الآية للرسل خاصة دون الأنبياء لبيان أن الرسول يأتي بكتاب , وتوحى إليه أحكام في الشريعة .
ومن معاني صيغة الجمع في آية البحث والإعجاز فيها تجلي مصاديق نعمة الله عز وجل بالنبوة والرسالة على الناس , وفي التنزيل [أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ] ( ).
فالكتاب أعم بينما لم يرد لفظ (الزبر) في القرآن إلا خمس مرات وورد لفظ المفرد (الزبور ) مرة في القرآن بقوله تعالى [وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ] ( ) وقد ورد لفظ الكتاب معرفاً بالألف واللام في القرآن , وغير معرف بالالف واللام كما في قوله تعالى [قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ] ( ).
ويبين الجدول الآتي أكثر الآيات التي ورد فيها الكتاب .
آيات ورد فيها “الكتاب”
• ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴿٢ البقرة﴾
• أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ﴿٤٤ البقرة﴾
• وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴿٥٣ البقرة﴾
• وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ ﴿٧٨ البقرة﴾
• فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ﴿٧٩ البقرة﴾
• فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴿٧٩ البقرة﴾
• أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ﴿٨٥ البقرة﴾
• وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ﴿٨٧ البقرة﴾
• نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ﴿١٠١ البقرة﴾
• مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴿١٠٥ البقرة﴾
• وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا ﴿١٠٩ البقرة﴾
• وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ﴿١١٣ البقرة﴾
• الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴿١٢١ البقرة﴾
• يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴿١٢٩ البقرة﴾
• وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ ﴿١٤٤ البقرة﴾
• وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ﴿١٤٥ البقرة﴾
• الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴿١٤٦ البقرة﴾
• وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴿١٥١ البقرة﴾
• مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ﴿١٥٩ البقرة﴾
• إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ ﴿١٧٤ البقرة﴾
• ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ﴿١٧٦ البقرة﴾
• وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ﴿١٧٦ البقرة﴾
• وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ ﴿٢١٣ البقرة﴾
• وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ ﴿٢٣١ البقرة﴾
• وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ﴿٢٣٥ البقرة﴾
*أنقر على اي من كلمات الآية الكريمة لعرض التحليل اللغوي و معاني الكلمة بالإضافة للتفسير
• نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴿3 آل عمران﴾
• هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ ﴿7 آل عمران﴾
• مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ ﴿7 آل عمران﴾
• وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا
• بَيْنَهُمْ ﴿19 آل عمران﴾
• وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ ﴿20 آل عمران﴾
• أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ ﴿23 آل عمران﴾
• وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ﴿48 آل عمران﴾
• قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ﴿64 آل عمران﴾
• يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ ﴿65 آل عمران﴾
• وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ ﴿69 آل عمران﴾
• يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴿70 آل عمران﴾
• يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ ﴿71 آل عمران﴾
• وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ ﴿72 آل عمران﴾
• وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ ﴿75 آل عمران﴾
• وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ ﴿78 آل عمران﴾
• لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ ﴿78 آل عمران﴾
• كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ ﴿79 آل عمران﴾
• مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ﴿79 آل عمران﴾
• قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ﴿98 آل عمران﴾
• قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴿99 آل عمران﴾
• إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ﴿100 آل عمران﴾
• وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴿110 آل عمران﴾
• مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ ﴿113 آل عمران﴾
• يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴿164 آل عمران﴾
• وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا
أَذًى كَثِيرًا ﴿186 آل عمران﴾
• وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ ﴿187 آل عمران﴾
• وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ ﴿199 آل عمران﴾
• أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ ﴿44 النساء﴾
• يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا ﴿47 النساء﴾
• أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ ﴿51 النساء﴾
• فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا ﴿54 النساء﴾
• إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ ﴿105 النساء﴾
• وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ﴿113 النساء﴾
• لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴿123 النساء﴾
• قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ ﴿127 النساء﴾
• وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ ﴿131 النساء﴾
• نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ
بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ ﴿140 النساء﴾
• يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ ﴿153 النساء﴾
• يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ ﴿153 النساء﴾
• وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ﴿159 النساء﴾
• يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ﴿171 النساء﴾
• وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴿5 المائدة﴾
• وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ ﴿5المائدة﴾
• مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴿15 المائدة﴾
• يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا ﴿15 المائدة﴾
• يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ
﴿19 المائدة﴾
• وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ﴿48 المائدة﴾
• مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ﴿48 المائدة﴾
• الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ
﴿57 المائدة﴾
• قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ ﴿59 المائدة﴾
• وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ﴿65 المائدة﴾
• قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ
• ﴿68 المائدة﴾
• قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ ﴿77 المائدة﴾
• وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ﴿110 المائدة﴾
• الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ ﴿20 الأنعام﴾
• مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ﴿38 الأنعام﴾
• أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ﴿89 الأنعام﴾
• قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ ﴿91 الأنعام﴾
• وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ ﴿114 الأنعام﴾
• أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا ﴿114 الأنعام﴾
• ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ ﴿154 الأنعام﴾
• أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا ﴿156 الأنعام﴾
• أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ ﴿157 الأنعام﴾
• أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ ﴿37 الأعراف﴾
• فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ ﴿169 الأعراف﴾
• أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ﴿169 الأعراف﴾
• إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ﴿196 الأعراف﴾
• وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ﴿29 التوبة﴾
• الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ﴿1 يونس﴾
• وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ ﴿37 يونس﴾
• فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ ﴿94 يونس﴾
• وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ ﴿110 هود﴾
• الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ﴿1 يوسف﴾
• المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ ﴿1 الرعد﴾
• وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ﴿36 الرعد﴾
• يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ﴿39 الرعد﴾
• كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ﴿43 الرعد﴾
• الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ ﴿1 الحجر﴾
• وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴿64 النحل﴾
• وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً ﴿89 النحل﴾
• وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿2 الإسراء﴾
• وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ ﴿4 الإسراء﴾
• كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا ﴿58 الإسراء﴾
• الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴿1 الكهف﴾
• وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ ﴿49 الكهف﴾
• مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ﴿49 الكهف﴾
• يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ﴿12 مريم﴾
• وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا ﴿16 مريم﴾
• قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ﴿30 مريم﴾
• وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا ﴿41 مريم﴾
• وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا ﴿51 مريم﴾
• وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ ﴿54 مريم﴾
• وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا ﴿56 مريم﴾
• وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ﴿49 المؤمنون﴾
• وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ ﴿33 النور﴾
• وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا ﴿35 الفرقان﴾
• تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ﴿2 الشعراء﴾
• قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ
طَرْفُكَ ﴿40 النمل﴾
• تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ﴿2 القصص﴾
• وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى ﴿43 القصص﴾
• الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ ﴿52 القصص﴾
• وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ﴿86 القصص﴾
• اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ﴿45 العنكبوت﴾
• وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴿46 العنكبوت﴾
• وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ ﴿47 العنكبوت﴾
• فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴿47 العنكبوت﴾
• أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ ﴿51 العنكبوت﴾
• تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ﴿2 لقمان﴾
• تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿2 السجدة﴾
• وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ ﴿23 السجدة﴾
• كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا ﴿6 الأحزاب﴾
• وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ ﴿26 الأحزاب﴾
• وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ ﴿31 فاطر﴾
• ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ﴿32 فاطر﴾
• وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ ﴿117 الصافات﴾
• تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴿1 الزمر﴾
• إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ﴿2 الزمر﴾
• إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ ﴿41 الزمر﴾
• وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ ﴿69 الزمر﴾
• تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴿2 غافر﴾
• وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ ﴿53 غافر﴾
• وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ ﴿45 فصلت﴾
• وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ﴿14 الشورى﴾
• اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ ﴿17 الشورى﴾
• مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ ﴿52 الشورى﴾
• وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴿4 الزخرف﴾
• تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴿2 الجاثية﴾
• وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ﴿16 الجاثية﴾
• تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴿2 الأحقاف﴾
• وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ ﴿16 الحديد﴾
• وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ﴿25 الحديد﴾
• لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ﴿29 الحديد﴾
• هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ ﴿2 الحشر﴾
• يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴿11 الحشر﴾
• يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴿2 الجمعة﴾
• لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا ﴿31 المدثر﴾
• وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ ﴿31 المدثر﴾
• لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى
تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ ﴿1 البينة﴾
• وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ ﴿4 البينة﴾
• إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ﴿6 البينة﴾
هذا إلى جانب مادة [كَتَبَ ] ومشتقاتها في القرآن مثل [فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ] ( ) وبين لفظ الكتاب والقرآن عموم وخصوص مطلق .
علم المناسبة
ورد لفظ (الكتاب المنير ) مرتين في القرآن ، فقد ورد في آية البحث كما ورد في آية أخرى وهي قوله تعالى [وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ]( ) .
ومن إعجاز القرآن أن النسبة الموضوعية بين الآيتين هي العموم والخصوص من وجه ، فمادة الإلتقاء من جهات :
الأولى : توجه الخطاب في الآية إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : إبتداء الآية بصيغة الجملة الشرطية .
الثالثة : التشابه في عدد من الكلمات .
الرابعة : الإختلاف في عدد الكلمات مثل : حرف العطف الفاء في أول آية البحث ، وجاء الواو في أول الآية أعلاه .
وجاء الفعل [كذّب) في [كذبوك] بصيغة الفعل الماضي ، بينما ورد بصيغة المضارع [يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ]( ) وورد [كذّب] في آية البحث بصيغة البناء للمجهول ، بينما ورد بصيغة البناء للمعلوم في كذب الذين من قبلهم ] ، وفي حين استمر الخطاب في آية البحث في توجهه إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم [رسل من قبلك] فقد ذكرت الآية القوم المكذبين بأنهم من قبل الذين كذبوا النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ولا ينخرم الخطاب في الآية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذ يستمر بذات الموضوع .
وورد حرف الجر الباء في [بالزبر ] في الآية أعلاه من سورة فاطر بينما عطف الزبر على البينات من غير حرف الباء ، وفي تكراره تأكيد على موضوع الزبر ، وان التكذيب بها غير التكذيب بالبينات ، ولبيان موضوعية الوحي والتنزيل في لزوم تصديق الناس بالكتب التي جاء بها الرسل , قال تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ *بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ]( ).
ويدل قوله تعالى [فقد كذب الذين من قبلهم] على أن المراد من الخطاب في الآية السابقة [فلم قتلتموهم] إفادة الكافرين بالرسالات من الأمم السابقة ، وهو من إعجاز القرآن في موضوعية خطاباته .
الخامسة : من معاني الإلتقاء بين الآيتين ذم الذين يكذبون بالرسل .
لقد أنعم الله عز وجل على الإنسان إذ جعله [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( ) ومن واجبات خلافة الناس , وعمومات قوله تعالى [وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلاَءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ). العامة التصديق بالرسل الذين يبعثهم الله عز وجل خاصة ، وأنهم يأتون بالخير والبشارة باللبث الدائم في النعيم ، والإنذار والتخويف من دخول النار ، ومن أظهر أسباب دخولها التكذيب بالرسل لبيان قانون وهو من البينات التي جاء بها الرسل :
الأول : قانون لزوم التصديق بهم .
الثاني : قانون النهي عن التكذيب بالرسل , قال تعالى [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا]( ) .
الثالث : قانون إنتفاء الأسباب العقلائية للتكذيب بالأنبياء.
أما مادة الإفتراق بين الآيتين فمن جهات :
الأولى : إبتدأت آية البحث بحرف العطف (الفاء ) التي تفيد الترتيب والتعقب وتوالي ما بعدها لما قبلها من غير فترة وإن كانا من آيتين منفصلتين ، وهو من إعجاز القرآن بأن الفاصلة بين الآيتين قد تكون فصلاً موضوعياً بينهما ، وقد لا تكون فصلاً بينهما بحسب سياق الآيات وموضوعها .
وابتدأت الآية من سورة فاطر بحرف العطف (الواو ) الذي يكون معناه أعم إذ يشمل زمن النزول .
الثانية : جاء الفعل (كذبوك ) في آية البحث بصيغة الفعل الماضي ، بينما ورد في الآية أعلاه من سورة فاطر بصيغة الفعل المضارع ، وإذ انقرض زمان الرسل السابقين فان زمان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باق وتكذيب القوم له حاضر ، وهو لا يتعارض مع استدامة تكذيب المشركين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والرسل السابقين .
لقد انقطعت أيام الرسل ولكن الله حفظ لهم جهادهم وصبرهم بذكرهم في كل من هاتين الآيتين فمع ما في أيديهم من المعجزات لقيهم قومهم بالتكذيب ، فأثنى الله عز وجل على الرسل وذم الذين كذبوهم في هذه الآيات ، مع إنذار الناس من محاكاتهم والتشبه بهم والتحذير من محاولات قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وفي قصة يوسف ورد في التنزيل حكاية عن إخوته لأبيه قولهم اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوْ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ لولا أن نجاه الله .
وقد أنعم الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن كان أولى من آمن برسالته هم من أهل بيته إذ آمنت برسالته خديجة في ذات يوم الإثنين الذي بعث فيه (وَرَوَى يُونُسُ عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَيْمَنَ الْمَخْزُومِيّ قَالَ حَدّثَنَا أَبُو نَجِيحٍ قَالَ أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ جَزُورٌ أَوْ لَحْمٌ فَأَخَذَ رَسُولُ اللّهِ – صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ – عَظْمًا مِنْهَا ، فَنَاوَلَهُ الرّسُولُ بِيَدِهِ فَقَالَ اذْهَبْ بِهَذَا إلَى فُلَانَةَ فَقَالَتْ عَائِشَةُ لِمَ غَمَرْت يَدَك ؟
فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ – صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ – مُغْضَبًا : ” إنّ خَدِيجَةَ أَوْصَتْنِي بِهَا ” ، فَغَارَتْ عَائِشَةُ وَقَالَتْ لَكَأَنّهُ لَيْسَ فِي الْأَرْضِ امْرَأَةٌ إلّا خَدِيجَةَ فَقَامَ رَسُولُ اللّهِ – صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ – مُغْضَبًا ، فَلَبِثَ مَا شَاءَ اللّهُ ثُمّ رَجَعَ فَإِذَا أُمّ رُومَانَ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللّهِ مَا لَك وَلِعَائِشَةَ ؟
إنّهَا حَدَثَةٌ وَإِنّك أَحَقّ مَنْ تَجَاوَزَ عَنْهَا ، فَأَخَذَ بِشِدْقِ عَائِشَةَ وَقَالَ أَلَسْت الْقَائِلَةَ ” كَأَنّمَا لَيْسَ عَلَى الْأَرْضِ امْرَأَةٌ إلّا خَدِيجَةُ وَاَللّهِ لَقَدْ آمَنَتْ بِي إذْ كَفَرَ قَوْمُك ، وَرُزِقْت مِنّي الْوَلَدُ وَحُرِمْتُمُوهُ)( ) نعم تعرضّ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لمحاولة القتل من قبل قريش وهم عشيرته ، ولكن الله عز وجل أنجاه بالهجرة ، فكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإمام الحاكم إلى يوم مغادرته الدنيا .
وفيه شاهد على تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الأنبياء السابقين ، ومن وجوه تفضيله عليهم توثيق تكذيب الرسل في القرآن ، ليبقى هذا التوثيق في الأرض ويتلى كل يوم إلى قيام الساعة ، فيتعظ منه الناس ويدركوا قانوناً وهو أن الدنيا دار إبتلاء وجهاد .
الثالثة : ذكرت آية البحث الرسل بصيغة نائب الفاعل (كُذب رسل) بينما ذكرت سورة فاطر القوم الذين كذبوهم للبيان والتوضيح ، وتأكيد الندم للذين كفروا لإخبارها بأن الرسل جاءوا بالحجج الدامغة التي تدل على صدق نبوتهم , ولزوم اتباعهم في الأمر بالصالحات , والتنزه عن الحرام .
الرابعة : ذكر الآية الخامسة والعشرون من سورة فاطر الزبر باضافة حرف الجر (الباء) مع واو العطف بقوله تعالى [وبالزبر ]بينما لم تذكر آية السياق حرف الجر هذا .
ولا يتكرر الباء مع العطف في القرآن إلا في حالات قليلة كما في قوله تعالى [وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ] ( )وقوله تعالى [وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ]( ).
بينما وردت آيات أخرى من غير إضافة الباء كما في قوله تعالى [إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ]( )وصحيح أن حرف الجر الباء يفيد التوكيد إلا أن سياق الآيات له دلالة ومعنى .
وورد لفظ [ يكذبوك ] ثلاث مرات منها مرتان في سورة فاطر والأخرى في سورة الحج بقوله تعالى [وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ] ( ).
وورد لفظ [ يكذبونك] من غير حذف النون مرة واحدة في القرآن بقوله تعالى [ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ] ( ) .
وإذ وردت مادة [ يكذبونك] في عدة مواضع من القرآن فإن آيات كثيرة ذكرت إيمان المسلمين وحسن سمتهم ، وشرفهم الله عز وجل بأن ورد خطاب [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] تسعاَ وثمانين مرة في القرآن .
بيان قانون وهو أن التكذيب الذي تذكره آية البحث لا يضر بتصديق المسلمين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
بحث بلاغي السّبر والتقسيم
من قواعد الجدل واستنباط العلة في النص برهان السّبر والتقسيم ، ويتألف من خطوتين كما في العنوان اعلاه إلا ان التقسيم هو المقدم ، إلا أن يوجه بتقدم فرع من السّبر في هذا الإصلاح بأن يقسم السبر والتقسيم إلى مراتب وخطوات :
الأولى : وهو السّبر الأول بأن ينظر هذا الحكم تعبدي أم معلل , فإذا كان تعبدياَ , عمل به , والله عز وجل أعلم بالعلة , قال تعالى [وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ]( ) وإن كان معللاَ انتقل إلى المرحلة الثانية وهي :
الثانية : التقسيم : وهو حصر الأوصاف التي يمكن أن تصلح للعلة .
الثالثة : السّبر الثاني : وهو إختيار الأوصاف المناسبة وطرح ونزع ما لا يصلح للتعليل .
والمراد من السّبر لغة الإختبار والتجربة ، ومن التقسيم ذكر وإحصاء الأوصاف التي قد تصلح ان تكون علة وموضوعاً , وعادة ما يعمل به في القياس , ويكون :
الأولى : التقسيم وهو الفصل والحصر للأوصاف .
الثانية : السّبر : وهو إختبار الأوصاف التي جمعت وفرزت، ويحتمل أنها علة , وابعاد التي لا صلة لها بعلة الحكم .
لأن الحكم أما أن يكون تعبدياً نتخذه منهاجاً ، ووفق النص ولا نعلم بعلته ، أو يمكن الوصول إلى علته وطريق الوصول إليه على جهات :
منها النص الواضح والجلي الذي لا يحتاج إلى تفسير مثل قوله تعالى [وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ] ( ) نعم قد يدخل السّبر والتقسيم في واجبات وأركان وأجزاء الصلاة [وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ] ( ) , وقد تسمى هذه العلة بالعلة الصريحة .
ومن آيات الإستنباط من القرآن سنن الأنبياء فهو الأسوة والقدوة ، ومنها مثلاً ما ورد على لسان يوسف عليه السلام [اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ] ( ) التي تدل على جواز طلب الولاية من السلطان لمن يرى في نفسه الأهلية والنفع العام وتنظيم شعائر الله ، وإن كان السلطان ظالماً .
ومثلاً قوله تعالى [وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ] ( ) التي تدل على وجوب حفظ الزوجة للزوج في نفسها وماله وبيته وطاعتها له ، لأن الله عز وجل بينه في قوله تعالى [وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ] ( ) .
وسمّى الزوج سيداً، مع لزوم العناية بالزوجة والإحسان إليها ، لما ورد في آيات القرآن منها قوله تعالى [وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ] ( ).
وفي خطبة الوداع قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : الا استوصوا بالنساء خيراً فانما هنّ عوان عندكم ، أي أسرى بايديكم .
فهذا الإستنباط موافق لقواعد اللغة العربية ومن معاني التسّبر والتقسيم حصر الأوصاف التي يرجح ويحتمل أنها علة للحكم ، وهو التقسيم فمثلاً حرمة الربا ، قال تعالى يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ فينظر في علة حرمة الربا في البر أي في الحنطة ، وهل هو :
الأول :لأنه مكيل .
الثاني : لأنه مطعوم .
الثالث : لأنه قوت .
ويتحصل لحرمة الربا فيها فهو مطعوم ويقتات سواء كان مكيلاً أو موزوناً .
وكذا في حرمة الربا مطلقاً لوجوه :
الأول : النص بآيات قرآنية صريحة تدل على حرمة الربا، قال تعالى [الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ]( ) .
وقال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ) ( ).
الثاني : الحديث النبوي ، وفيه نصوص كثيرة وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (درهم ربا أشد على الله من ستة وثلاثين زنية . وقال : من نبت لحمه من السحت فالنار أولى به ، وأخرج الحاكم وصححه البيهقي عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : الربا ثلاثة وسبعون باباً ، أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه ، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم .
وأخرج الحاكم والبيهقي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :إن الربا سبعون باباً ، أدناها مثل ما يقع الرجل على أمه ، وأربى الربا استطالة المرء في عرض أخيه) ( ).
(عن أنس قال : خطب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فذكر الربا وعظم شأنه فقال : إن الدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم عند الله في الخطيئة من ست وثلاثين زنية يزنيها الرجل ، وإن أربى عرض الرجل المسلم .
وأخرج الطبراني عن عوف بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :إياك والذنوب التي لا تغفر . الغلول ، فمن غل شيئاً أتى به يوم القيامة ، وأكل الربا ، فمن أكل الربا بعث يوم القيامة مجنوناً يتخبط ، ثم قرأ { الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس }( ) ) ( ) .
الثالث : إجماع علماء الإسلام على حرمة الربا ، ومجئ القرآن والسنة بحرمة الربا تكفي كعلة وأصل للحكم .
الرابع : عدم بذل المرُبي جهداً في تحصيل الفائدة على القرض .
الخامس : سلب جهد العامل ، إذ يسعى ويجتهد ثم يعطى للمُربى ومع هذا يبقى القرض على حاله .
ثم تأتي خطوة السَّبر وهي :
إختيار الوجه المناسب من الوجوه أعلاه أو هي مجتمعة واسقاط ما ليس صحيحاً وما لا يكون علة .
ومثلاً الصيام في شهر رمضان واجب ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] ( ) وأما الإفطار فتحتمل فيه الرخصة وجوهاً ، وذكر هذه الوجوه يسمى : التقسيم مثلاً :
الأول : المرض .
الثاني : السفر .
الثالث : الصغر وعدم التكليف .
الرابع : الكبر والشيخوخة .
الخامس : الجوع والعطش .
السادس : كفاية صيام الغير .
البدء بسبر واختبار هذه العلل ، فنقول ان التعليل بالجوع والعطش ليس صحيحاً فيستبعد، وكذا كفاية صيام الغير لأن وجوب الصيام عيني على كل مكلف ذكراً كان أو أنثى لقوله تعالى [فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ] ( ) .
وهكذا المرض والسفر , قال تعالى [أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ] ( )وكذا بالنسبة للصغر لاشتراط البلوغ في التكاليف وحديث الرفع ، ولبيان لأن قد يجتمع وصفات أو أكثر في الوجوب أو الرخصة ، وهو من مصاديق قوله تعالى [يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ] ( ) .
ولا تعمل قاعدة السّبر والتقسيم في علة الأمور التعبدية التي لا نعلم علة الحكم فيها ، ولكن عدم الإيجاد لا يدل على عدم الوجود ، فقد يكون أصل وعلة الحكم موجودة ولكننا لا نعلم بها .
والتقسيم لغة التجزئة والتفريق .
و السّبر والتقسيم في علم الأصول حصر أوصاف المحل التي يحتمل أن تكون علة ويسمى في علم الكلام : الترديد والتقسيم ، ويسمى في علم المنطق الشرطي المنفصل ، ومنه قوله تعالى [أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ] ( ).
إذ تبين الآية التقسيم هو :
الأول : خلقوا بالطبيعة من غير علة وموجد .
الثاني : أن الكفار خلقوا أنفسهم .
الثالث : أن لا بد لهم من خالق وهو غير انفسهم .
وقد يطلق عليه اختصار (السّبر والتقسيم ).
فيحصر المستدل الأوصاف التي يحتمل أن تكون علة للحكم ثم يبطل ما لا يصلح أن يكون علة ، ويتعين الباقي متحداً كان أو متعدداً علة للحكم ، ونطرح وجهاً مستحدثاً لبرهان السّبر والتقسيم ، وهو أن هذا البرهان ينفي الإدعاء الذي لا أصل له ، فتذكر العلل المحتملة ثم يتم نقضها واحدة بعد أخرى ، كما في قوله تعالى [قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا] ( ) باثبات التباين بين ضرر الربا ، ومنافع البيع ، ومنه المناظرة والإحتجاج إبطال حجة الخصم الضال وان كانت في ظاهرها قوية كما في حجة نمرود الذي أدعى الربوبية .
إذ إدعى الربوبية وتبعه قومه ، ومن إعجاز القرآن مجئ مثال آخر لهذا الإدعاء ، وهو فرعون [فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى] ( ) وهذا التكرار والتعدد لبيان أنه ليس حالة نادرة وشاذة , وهو مناسبة لتفقه المسلمين والناس جميعاً في الدين ، وتعاهد ملة التوحيد ، وهو من فيوضات رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذ انقطع برسالته هذا الإدعاء وإلى يوم القيامة .
فحينما قال إبراهيم عليه السلام [إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ] ( ) قد قصد إبراهيم أن الناس في أجيالهم المتعاقبة لم يولدوا إلا بمشيئة من عند الله بما فيهم نمرود نفسه ، وأن الله عز وجل يقبض الأرواح وليس من إنسان يبقى حياً ومنهم نمرود ، فقد وجه إبراهيم الإنذار بهذا الإحتجاج إلى نمرود ولكنه طغى واستكبر فادعى الإحياء والإماتة .
وجاء برجلين فقتل أحدهما وترك الآخر ، لإدعاء أن الذي يستطيع هذا الفعل المتضاد من موقع السلطان فهو رب ، فانتقل إبراهيم عليه السلام إلى دليل آخر ينقض دعواه ويمنعه من المغالطة بالتشبيه والتمثيل ، إذ يتعذر عليه أن يأتي بالشمس من المغرب .
وهم كانوا يعبدون الشمس والقمر ويقولون بربوبيتهما فأبطل إبراهيم هذا القول بالإخبار عن كونهما مسخرين من عند الله عز وجل ، فان قلت قد ذكر إبراهيم عليه السلام خصوص الشمس [قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ] ( ) .
والجواب قد ذكر إبراهيم الشمس لأنها أظهر وابين من القمر إذ تطل على الناس كل يوم ، وإذ أخبر عن عظيم قدرة الله عز وجل بالمجئ بها من المغرب بدل المشرق .
فمن باب الأولوية تكون قدرة الله بخصوص القمر بالإضافة إلى دوام اشراقة الشمس من جهة المشرق على مدار أيام السنة [قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ]( ) .
وتدل خاتمة الآية أعلاه أن حاشية وقوم نمرود لم ينصتوا لهذا الحجة ، وبقوا على ظلمهم لأنفسهم بعبادة الشمس والقمر والأوثان إلا من رحم الله ، ليكون من معاني خاتمة الآية أعلاه أن الله لا يهديهم مع تفضله بقيام الحجة عليهم ، وتقريبهم إلى منازل الهدى بالبرهان .
ومن معاني السّبر والتقسيم في آية البحث إن الذين [قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا] ( ) فان هذا العهد أما أن يكون عن طريق الرسل أو الكتب السماوية أو طريق آخر ، أما الرسل فلم يثبت أنهم ذكروا هذا الشرط ، وان جاء عدد منهم بذات معجزة القربان وأكل النار له ، وأما الكتب السماوية فليس في التوراة والإنجيل ما يفيد هذا الشرط ، كما أن الله عز وجل أثنى على القرآن , وقال [وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ] ( ) وليس من طريق آخر بين الله وبين هؤلاء القوم غير النبوة والتنزيل .
وينفي القرآن مثل هذا العهد ويدعو الناس إلى عدم الإلتفات إليه ، ولم يكتف بهذا النفي بل ذات القرآن معجزة يغني عن غيره .

قانون (الملازمة بين الإنسان والعهد)
يصاحب العهد والميثاق الإنسان ومن عالم الذر , ومن قبل أن يخلق آدم , إذ يتقدم هذا العهد بوجوب التوحيد , وعبادة الله عز وجل وحده , و(عن الأسود بن سريع من بني سعد قال : غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أربعَ غزوات.
قال : فتناول القوم الذرّيّة بعد ما قَتَلوا المقاتلة ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فاشتدّ عليه .
ثم قال : “ما بال أقوام يتناولون الذرية؟
فقال رجل : يا رسول الله ، أليسوا أبناءَ المشركين؟
فقالة : إن خيارَكم أولادُ المشركين ! ألا إنها ليست نسمة تُولد إلا ولدت على الفطرة ، فما تزال عليها حتى يبين عنها لِسَانها، فأبواها يهوِّدانها أو ينصرانها .
قال الحسن : والله لقد قال الله ذلك في كتابه.
قال : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم .
حدثنا عبد الرحمن بن الوليد , قال : حدثنا أحمد بن أبي طَيبة ، عن سفيان بن سعيد بن الأجلح ، عن الضحاك , وعن منصور، عن مجاهد ، عن عبد الله بن عمرو.
قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم) ( ).
قال : أخذوا من ظهره كما يؤخذ بالمشط من الرأس، فقال لهم( ألست بربكم قالوا بلى ) ( ) .
قالت الملائكة : شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين) ( ).
وعن الحارث بن حاطب (عَهِدَ إلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أَنْ نَنْسُكَ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ ، فَإِنْ لَمْ نَرَهُ وَشَهِدَ شَاهِدَا عَدْلٍ نَسَكْنَا بِشَهَادَتِهِمَا) ( ).
(العَهْدُ: الوَصِية. والمَوثق. والإلمام. والمَنْزِل الذي لا يزالون إذا انْتَأوْا عنه يرجعون إليه.
وليس هذا كَعِهْدانِكَ : أي كَعَهدِكَ.
والعَهْدُ , واحِدُ العِهاد , : كل مَطَر بعد مطر، وعُهِدَت الروْضَ.
والعُهْدَةُ : كتاب الشرى.
وإنَ فيه لَعُهْدَةً : أي فساداً لم يُحْكَمْ بَعْد.
والاعْتِهاد والتَعَهُّدُ والتَّعَاهُد : الاحتفاظ بالشيء.
وقيل : التَّعاهُد يكون من اثنين.
وَعَهِيدُكَ : الذي يُعاهدُك.
وقرحة عَهِيْدَة : قديمة.
واسْتَعْهَدَ منه: اشترط عليه) ( ).
والقربان : ما يتقرب به إلى الله عز وجل لإرادة القربة إلى الله عز وجل .
(القُرْبان مصدر قَرُبَ يَقْرُب أَي يَتَقَرَّبُون إِلى اللّه عز وجل بإِراقة دمائهم في الجهاد, وكان قُرْبان الأُمَم السالفةِ ذَبْحَ البقر والغنم والإِبل وفي الحديث الصّلاةُ قُرْبانُ كلِّ تَقِيٍّ أَي إِنَّ الأَتْقِياءَ من الناس يَتَقَرَّبونَ بها إِلى اللّه تعالى أَي يَطْلُبون القُرْبَ منه بها .
وفي حديث الجمعة مَن رَاحَ في الساعةِ الأُولى فكأَنما قَرَّبَ بدنةً أَي كأَنما أَهْدى ذلك إِلى اللّه تعالى كما يُهْدى القُرْبانُ إِلى بيت اللّه الحرام) ( ).

مفهوم المخالفة
وهو الحكم المستقرأ من المنطوق ويكون مخالفاَ له , ويسمى فحوى الخطاب , ودليل الخطاب لأن دليله من جنس الخطاب , كما في آية البحث , مثل قوله تعالى [فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ] ( ).
إن الذي لا يأتي بالبينة أو الكتاب الذي يدل على نبوته ليس بنبي , قال تعالى [وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلاَئِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمْ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ]( ).
وقد ذكر لفظ (البينات) في آية البحث والآية السابقة وكلاهما يتعلق بالرسل , مما يدل على موضوعيتها في تأريخ النبوة , ومنه قوله تعالى [فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ]( ) أي إذا لم يُرَ هلال شهر رمضان فلا يجب الصوم إلا بعد تمام العدة فإذا تمت ثلاثون يوماَ لشهر شعبان فلا موضوعية لرؤية الهلال لأن الشهر القمري لا يقل عن تسعة وعشرين يوماَ , ولا يزيد على ثلاثين يوماَ , ومفهوم المخالفة على أقسام :
الأول : مفهوم الصفة , وهو تعلق الحكم على الذات بأحد الأوصاف مثل قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : في سائمة الغنم زكاة ) ( ), فمفهوم المخالفة هو أن الغنم إذا لم تكن سائمة ترعى في المرعى أي كان يعلف عليها فانه لا زكاة فيها .
الثاني : مفهوم العلة , وهو تعلق عموم الحكم بالعلة كما في علة حرمة الخمر وهي الإسكار , فتدل الآية على حرمة كل ما كان مسكراَ قليله أو كثيره , لبيان قانون وهو أن أحكام القرآن والشريعة صالحة لكل حال وزمان .
الثالث : مفهموم الشرط , وهو دخول أحد الحرفين (ان) و (إذا) وبخصوص الاسماء والظرف , الدالة على الشرط وعلى جواب الشرط .
كما في قوله تعالى [فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا]( ).
فمفهوم المخالفة إذا لم تطب نفس الزوجة عن شئ من مهرها فلا يجوز للزوج وغيره أخذه منها.
ولكن لو جاء الرضا والإذن منها متأخراَ على أخذ المهر فهل يصح بالإجازة اللاحقة أم أن الآية تقيد تصرف الزوج وغيره في المهر بالإذن المسبق .
تقتضي عمومات مفهوم المخالفة أن الإجازة اللاحقة لا تعمل في المقام وإن رفعت العقاب , فلا يصح التعدي على مهر المرأة من غير إذنها .
ومن مفهوم الشرط في آية البحث [فَإِنْ كَذَّبُوكَ] هو وجوب تصديقهم لرسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعدم الإختباء خلف الشروط الخاصة بقصد إنكار الرسالة .
ومن مفهوم المخالفة الثناء على الذين صدّقوا برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واكتفوا بالمعجزات الدالة على نبوته سواء العقلية أو الحسية ، ولم يشترطوا لأنفسهم معجزات خاصة وهؤلاء ليسوا قلة كما أنهم من مختلف المذاهب ومراتب الناس الإجتماعية .
ومن الشواهد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يغادر الدنيا وإلا قد بلغ عدد أصحابه نحو مائة ألف .
(قال الشافعي: توفي رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم و المسلمون ستون ألفاً ، ثلاثون ألفاً بالمدينة ، و ثلاثون ألفاً في غيرها .
و قال الحافظ أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي رحمه الله تعالى : توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم و قد رآه و سمع منه زيادة على مائة ألف .
و قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري : روى عنه صلى الله عليه وآله وسلم أربعة آلاف صحابي) ( ).
والنسبة بين عدد الصحابة وبين الذين رووا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عموم وخصوص مطلق ، فعدد الصحابة أكثر بكثير ،ويشمل الذين رآوا أو سمعوا من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهم مسلمون .
ونضيف مسألة في باب مفهوم الشرط ، وهي هل يستقرأ مفهوم المخالفة فيها :
الأول : من جملة الشرط.
الثاني : من جملة جواب لشرط .
الثالث : من الجملة الشرطية بمجموعها .
الجواب هو الآخير ، لذا قد يحتاج البيان والتفصيل الرجوع إلى جواب الشرط المحذوف ، ومع قولنا بتعدد تقدير جواب الشرط في آية البحث .
فان مفهوم الشرط يكون متعدداً ، وهو من ذخائر القرآن ، ومدرسة التأديب والإصلاح فيه ، وفي التنزيل [إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا] ( ) نستقرأ المسائل العقائدية والمواعظ الأخلاقية من الجملة الشرطية في القرآن ودلالاتها ، وإفاضات الباقية والمتجدد إلى يوم القيامة .
الرابع : مفهوم العدد , إذ يأتي النص بعدد مخصوص , وتعليق الحكم عليه .
ونقسم مفهوم العدد تقسيماَ جديداَ في علم الأصول بأن يكون على وجوه :
أولاَ : إرادة عدد مخصوص لا تجوز الزيادة أو النقيصة فيه كما في قوله تعالى [وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ]( ).
والعدد في صيام عشرة أيام , بدل الهدي لمن لم يجد الهدي أو لم يقدر على شرائه .
وقيل العشرة كاملة , أي كاملة في الثواب بدل الهدي , والمختار والمشهور المراد عشرة أيام , إذ أن مميز العدد محذوف وتقدير الآية [تِلْكَ عَشَرَةٌ أيام كَامِلَةٌ]( ) فالعشرة كلها بدل الهدي , لقوله تعالى [فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ] ( ).
والنسبة بين مفهوم الحصر وبين هذا القسم من المفهوم هي العموم والخصوص المطلق , فمفهوم الحصر أعم .
ثانياَ : جواز الزيادة في العدد بلحاظ المفهوم دون النقيصة , قال تعالى [فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ] ( ) أي أن متعلق مفهوم المخالفة بالنقيصة دون الزيادة , ومثلا (سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم عَنِ الْمَاءِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنَ السِّبَاعِ وَالدَّوَابِّ فَقَالَ : إِذَا كَانَ الْمَاءِ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ)( ).
فما زاد على القلتين أو الكر لا ينجس إلا مع تغير أحد أوصافه الثلاثة بالنجس وهي :
الأول :اللون .
الثاني : الطعم .
الثالث : الرائحة .
ثالثاَ : جواز النقيصة دون الزيادة .
رابعاَ : دلالة ذكر العدد في الخطاب على التكثير وصيغة المبالغة .
وقال بتعليق الحكم على مفهوم العدد الوارد في الخطاب من غير زيادة أو نقيصة مالك والشافعي وأحمد , فمثلاَ قوله تعالى [فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً] ( ) فالآية تمنع من الزيادة أو النقصان في عدد الجلدات وإن كان التخفيف يرد في حالات أخرى مثل الجلد بسوط ذي شعبتين ونحوه.
والمختار تعدد المعنى في مفهوم العدد , فقد يفيد تعلق الحكم عليه حصراَ , أو لا يفيد بلحاظ ذات الآية وآيات القرآن الأخرى والسنة الشريفة .
والنسبة بين أفراد مفهوم المخالفة من الكلي المشكك إذ أنها على مراتب متفاوتة في القوة والضعف من جهة موضوعيتها في الحكم .
فمفهوم الشرط أقوى من مفهوم العلة , لإنتفاء المشروط بانتفاء شرطه, ومفهوم العلة أقوى من مفهوم الصفة , ومن العلة ما يفيد إثبات شئ لشئ لا يدل على نفيه عن غيره .
ابتدأت آية البحث بصيغة الشرط .
ومنها مفهوم الإستثناء بالإثبات أو النفي .
خامساَ : مفهوم اللقب , والمراد من اللقب اللفظ الجامد الذي جاء في النص علماَ ودلالة على الذات المسند إليها الحكم , كما في قوله تعالى [مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ]( ).
فمفهوم المخالفة أن المعاصرين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , ليسوا برسل , ومن مفهوم المخالفة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا ينطق ويشرع عن نفسه إنما هو رسول من عند الله عز وجل .
قانون إعجاز السنة الغيري
لقد بعث الله عز وجل النبي محمداَ صلى الله عليه وآله وسلم في مكة , قال تعالى [وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا]( ) وقال تعالى [وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لاَ رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ]( ).
والمراد من أم القرى مكة إذ دحيت الأرض من تحتها , وهي أشرف البقاع , وهي سُرّة الارض , المراد من أم القرى وجوه :
الأول : أهل مكة .
الثاني : وفد الحاج والمعتمرين .
الثالث : عموم الذين يفدون إلى مكة .
الرابع : سكان القرى التابعة لمكة , ومكة قبلة لكل قرية , والمراد من [ لتنذر أم القرى ] , أي تنذر أهل أم القرى , حذف المضاف للإيجاز مع إرادة المعنى الأعم , وهل هو مثل وأسأل القرية , أي اسأل أهل القرية , أم أعم منها , الجواب هو الثاني فقد سمي الله عز وجل مكة للبلد , قال تعالى [وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ]( ) لأن إنذار البلد الأمين لإستدامة الأمن فيه بالتنزه عن عبادة الأصنام للتضاد بينها وبين أسباب الأمان.
فالمختار أن الحذف لا يمنع من المعنى الظاهر للآية , والرسم ، والتدبر في المعنى الأعم , لتنذر مكة ذاتها بلدة وموضوعها فينتفع الحاج والمعتمر من هذا الإنذار , ولأنها أم القرى بذاتها والبيت الحرام وليس بأهلها .
(وأخرج ابن مردويه عن بُريدَة قال : قال رسول الله صلى عليه وسلم أم القرى مكة)( ).
ويوم الجمع هو يوم القيامة لأن الناس يجمعون فيه بارواحهم وأجسادهم والخلائق تجمع فيه , قال تعالى [يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ] ( ) كما يجمع الله سبحانه يومئذ الأعمال مع أصحابها وأهلها .
وهناك مسألتان :
الأولى : هل هجرة طائفة من الصحابة إلى الحبشة من مصاديق [لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا]( ).
الثانية : هل هذه الهجرة إلى الحبشة من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , أم أن القدر المتيقن من معجزاته ما جرى على يديه مباشرة من غير واسطة وما أنزل الله عز وجل عليه من القرآن .
أما المسألة الأولى , فالجواب نعم , فهجرة الصحابة إنذار لأهل مكة والحبشة , وهو من الإعجاز ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يخرج منها نفر من المسلمين فارين بدينهم هاربين من إيذاء وبطش الذين كفروا , فيكون هذا الخروج السلمي إنذاراَ للذين كفروا , وسبباَ لبعث الفزع في نفوسهم .
وهي إنذار للناس إذ استطاع أن يقف المهاجرون في ديوان النجاشي ملك الحبشة ويتلون آيات من القرآن .
فقد هاجر أولاً اثنا عشر رجلاَ وأربع نسوة إلى الحبشة في شهر رجب سنة خمس من النبوة ومنهم عثمان بن مظعون .
ثم كانت الهجرة الثانية وكان عددهم ثلاثة وثمانين رجلاَ وزوجاتهم وابناءهم على رأسهم جعفر بن أبي طالب.
في تفسيري أسست باب إعجاز الآية وقسمته إلى قسمين :
الأول : الإعجاز الذاتي .
الثاني : الإعجاز الغيري .
ونطرح هنا علماً مستحدثاَ , وهو تقسيم السنة النبوية إلى :
الأول : المعجزات العقلية , وتنقسم إلى شعبتين :
الأولى : المعجزات العقلية الذاتية .
الثانية : المعجزات العقلية الغيرية .
الثاني : المعجزات الحسية وتقسم إلى شعبتين :
الأولى : المعجزات الحسية الذاتية .
الثانية : المعجزات الحسية الغيرية .
ويفتح هذا القانون المستحدث آفاقاً من العلم , وتتجلى فيه صفحات من العلم اللدني , ورشحات مباركة لا متناهية لقوله تعالى [وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَىإِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى] ( ). وندعو العلماء وذوي الإختصاص إلى إعداد الدراسات ورسائل الماجستير والدكتوراه في هذا الموضوع وفروعه , ونذكر في المقام هجرة نفر من الصحابة إلى الحبشة مصداقاَ ومثالاَ لبيان قواعد وشذرات من هذا القانون . ولما اشتد أذى قريش على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه , أشار على نفر من أصحابه بالهجرة إلى الحبشة . إذ ورد (عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنها قالت : لما ضاقت علينا مكة و أوذي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم و فتنوا و رأوا ما يصيبهم من البلاء و الفتنة في دينهم و أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يستطيع دفع ذلك عنهم و كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في منعة من قومه و عمه لا يصل إليه شيء مما يكره مما ينال أصحابه فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن بأرض الحبشة ملكا لا يظلم أحد عنده فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجا و مخرجا مما أنتم فيه فخرجنا إليها أرسالا حتى اجتمعنا بها فنزلنا بخير دار إلى خير جار أمنا على ديننا) ( ). وكانت أم سلمة يومئذ زوجة لأبي سلمة , وهو عبد الله بن عبد الأسد بن هلال المخزومي , غلبت عليه كنيته وأمه برة بنت عبد المطلب بن هاشم , وأسلم بعد عشرة أنفس , وذكر أنه , (أول من هاجر إلى أرض الحبشة) ( ). وهو أخو النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وحمزة بن عبد المطلب من الرضاعة , أرضعتهم ثويبة مولاة أبي لهب . وعاد أبو سلمة وزوجه إلى المدينة وشهد معركة بدر , وعندما خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى كتيبة العشيرة استخلفه على المدينة , وشهد أبو سلمة معركة أحد في السنة الثالثة للهجرة ، وجرح فيها , والتأم جرحه ثم رجع ، فانتفض عليه ، فمات جمادى الآخرة من السنة الرابعة للهجرة . وقال عند وفاته : اللهم أخلفني في أهلي بخير , فأخلفه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على زوجته أم سلمة , فصارت أم المؤمنين , وصار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ربيب بنيه عمر وسلمة وزينب. وولدت زينب في الحبشة ثم ولدت سلمة وعمر ودرة , وخطب عمر بن الخطاب أم سلمة فأبت , فأرسل إليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , فقالت : مرحباَ برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . ثم ذكرت ثلاث خلال تتصف بها مما قد يكون عائقاَ في الزواج وهي : الأولى : أنا امرأة شديدة الغيرة . الثانية : أنا امرأة مصبية . الثالثة : أنا امرأة ليس هنا أحد من أوليائي فيزوجني . عندئذ , (فأتاها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أما ما ذكرت من غيرتك فإني أدعو الله أن يذهبها عنك، وأما ما ذكرت من صبيتك فإن الله سيكفيهم، وأما ما ذكرت من أوليائك، فما أحد منهم يكرهني فقالت لابنها عمر: زوجني عليه)( ). وإذا كانت هجرة نفر من الصحابة إلى الحبشة من الإعجاز الغيري للسنة النبوية القولية , فهل هي من إعجاز القرآن الغيري الجواب نعم , من غير تعارض بين الأمرين إذ يكون التباين بحسب اللحاظ والموضوع , إذ قال تعالى في الثناء على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم [وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى] ( ).
فالأمر الذي صدر من النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه , إنما هو شعبة من الوحي , وهو من الإعجاز الغيري للقرآن .
وكذا بالنسبة لإستجابة الصحابة إلى أمر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لهم , ومن الإعجاز في المقام تعدد الشواهد التي تدل على صدق وصحة قول وإشارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالهجرة إلى الحبشة .
(قَالَ لَهُمْ لَوْ خَرَجْتُمْ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ فَإِنّ بِهَا مَلِكًا لَا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أَحَدٌ ، وَهِيَ أَرْضُ صِدْقٍ حَتّى يَجْعَلَ اللّهُ لَكُمْ فَرَجًا) ( ).
و(عن الزهري قال فلما كثر المسلمون وظهر الايمان اقبل كفار قريش على من آمن من قبائلهم يعذبونهم ويؤذونهم ليردوهم عن دينهم قال فبلغنا ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لمن آمن به تفرقوا في الارض فان الله تعالى سيجمعكم .
قالوا إلى أين نذهب ؟.
قال إلى ها هنا , واشار بيده إلى ارض الحبشة فهاجر إليها ناس ذوو عدد منهم من هاجر بأهله ومنهم من هاجر بنفسه حتى قدموا أرض الحبشة فكان اول من خرج عثمان بن عفان معه امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد قيل إن اول من هاجر إلى ارض الحبشة حاطب بن عمرو بن عبد شمس ابن عبد ود أخو سهيل بن عمرو وقيل هو سليط بن عمرو وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة هاربا عن ابيه بدينه ومعه امرأته سهلة بنت سهيل مسلمة مراغمة لابيها فارة عنه) ( ).
ويبين الخبر أعلاه معجزة حسية من السنة القولية , ففي قوله صلى الله عليه وآله وسلم (تفرقوا في الأرض فإن الله عز وجل سيجمعكم) نوع تحد وإخبار عن علم من علوم الغيب , وفيه بشارة لنجاة المهاجرين إلى الحبشة , وأنها لن تكون دار مقام لهم إنما سيجمعهم الله عز وجل في موضع آخر سواء مكة أو غيرها , لتمر الأيام سريعاَ ويجتمعون في المدينة , ويؤاخي النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد هجرته الشريفة ببضعة شهور بين المهاجرين والأنصار .
لقد عاش المسلمون المهاجرون في الحبشة بأمان , ولكن حينما جاء وفد قريش بان خطر وابتلاء شديد , لقد كان رجال قريش على صلة مع ملوك الزمان , ويتحدثون بأخبارهم في دار الندوة بجوار البيت الحرام , ويعلمون كيفية الوصول لكل واحد منهم , ونوع الهدايا التي يقدمون كحاشيته وله , وطريقة الحديث مع الملوك بأن تبين قريش شأنها بين العرب , وانهم أولياء وسدنة البيت الحرام الذي يحج إليه العرب كلهم , وبيدهم التجارة بين الروم وفارس , ولكن قريشاَ حافظت على حسن الصلة مع كل منهما , واحتاجوا إليهم , وهل لعبوا دور التجسس.
الجواب لا , وهو من أسباب الشأن والفخر الذي يتصفون به , إذ حرصوا على التجارة المفتوحة مع الجميع , واستلام أموالهم وأرباحهم منهم .
وفي قوله تعالى [لِإِيلاَفِ قُرَيْشٍ* إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ]( ) فقد كانت قريش تسافر في الصيف إلى الشام لبرودة المناخ فيها , وتسافر في الشتاء إلى اليمن لدفء المناخ هناك , ولا يتعارض هذا المعنى مع استمرار القوافل في الشتاء والصيف من مكة إلى الشام , ومن مكة إلى اليمن ذهاباَ وإياباَ على مدار أيام السنة , لذا فمن إعجاز سورة قريش الإطلاق الزماني فيها , ولبيان أن كل سنة فيها شتوة وصيفة .
بحث أصولي المطلق والمقيد
المطلق : هو ما سُرِح وأخلي , والطالق من النساء التي انقطع عقد زواجها بالتخلية والإرسال ، والطالق من الإبل التي اطلقت في المرعى، ولا قيد لها .
وفي اللغة يأتي الألف واللام على اللفظ لبيان الجمع والإشتراك والتعدد في المعنى كقولك (الكتاب) الإنسان ، الإمام . فان قيل قد يأتي الألف واللام على المفرد ولا يدل على العموم والجمع ، والجواب من جهتين :
الأولى : قد يكون الألف واللام للعهد ، وإرادة فرد مخصوص ، كما في قوله تعالى [إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ] ( ) وقوله تعالى [إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ]( ).
الثانية : امتناع اللفظ عن الجمع والإشتراك كما في لفظ (الإله) لإستحالة وجود إله غير الله عز وجل ولبطلان الشرك ، وكما في الليل والنهار والشمس والقمر ، إذ يجمعهم قوله تعالى [يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ] ( ).
وقد يأتي القيد بمعنى الضبط والمنعة ، كما في تقييد كتابة الألفاظ بحركات الإعراب .
وفي الشعر لا يكون المقيد فرع المطلق ، إنما يكون ضده (قال الأخفش: المقيد على وجهين: إما مقيد قد تم، نحو قوله:
وقاتم الاعماق خاوى المخترق
قال: فإن زدت فيه حركة كان فضلاً على البيت. وإما مقيد قد مد عما هو اقصر منه، نحو: ” فعول ” في آخر المتقارب، مد عن ” فعل ” فزيادته على ” فعل ” عوض له من الوصل.
وهو مني قيد رمح، وقاد رمح: أي قدره. والقيدة: الناقة التي يستتر بها من الرمية ثم ترمى، عن ثعلب.) ( ).
والمطلق في الإصطلاح هو ما دل على شائع في جنسه ، وقيل بالإتحاد والتشابه بين المطلق والنكرة اتباعاً للنحاة فقيل : المطلق هو النكرة في سياق الإثبات ، ولكن هناك فرق بينهما ، وهو من أسرار اللغة العربية ودقة اللفظ فيها ، وتجلي الإعجاز اللغوي والبلاغي بالفاظ القرآن ، إذ أن موضوع النحو في المقام النظر إلى صيغة اللفظ ، وقبولها لـ (أل) والمطلق يقابله المقيد ، أما النكرة فهو ما دل على غير معين فتقابلها المعرفة .
ومع الإختلاف في الحقيقة فقد يلتقيان في بعض الحالات كما في لفظ [بَقَرَةً] بقوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً] ( )إذ جاءت الآية بصيغة الإنشاء والأمر بذبح بقرة من غير ذكر صفات مخصوصة فيها ، ولكن حينما أكثر بنو إسرائيل من السؤال عن هذه الصفات استجاب الله عز وجل لهم بالتقييد بها ، كما ورد في التنزيل [قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ] ( ) .
وعندما ذبحوها ضرب موسى عليه السلام المقتول بذيلها فقام ، وسأله موسى عليه السلام لقد أحيى الله الميت بميت آخر .
(عن ابن أبي عمير، عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال: إن رجلا من خيار بني إسرائيل وعلمائهم خطب امرأة منهم فأنعمت له، وخطبها ابن عم لذلك الرجل وكان فاسقا رديئا فلم ينعموا له، فحسد ابن عمه الذي أنعموا له فقعد له فقتله غيلة، ثم حمله إلى موسى عليه السلام، فقال: يا نبي الله هذا ابن عمى فقد قتل، فقال موسى عليه السلام: من قتله؟
قال: لا أدري، وكان القتل في بني إسرائيل عظيما جدا، فعظم ذلك على موسى فاجتمع إليه بنو إسرائيل فقالوا: ما ترى يا نبي الله ؟
وكان في بني إسرائيل رجل له بقرة وكان له ابن بار، وكان عند ابنه سلعة فجاء قوم يطلبون سلعته وكان مفتاح بيته تحت رأس أبيه وكان نائما، وكره ابنه أن ينبهه وينغص عليه نومه فانصرف القوم فلم يشتروا سلعته، فلما انتبه أبوه قال له: يا بني ماذا صنعت في سلعتك؟
قال: هي قائمة لم أبعها، لان المفتاح كان تحت رأسك فكرهت أن انبهك وانغص عليك نومك، قال له أبوه: قد جعلت هذه البقرة لك عوضا عما فاتك من ربح سلعتك.
وشكر الله لابنه ما فعل بأبيه وأمر موسى بني إسرائيل أن يذبحوا تلك البقرة بعينها.
فلما اجتمعوا إلى موسى وبكوا وضجوا قال لهم موسى: (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة)( ) فتعجبوا وقالوا: ” أتتخذنا هزوا ” نأتيك بقتيل فتقول: اذبحوا بقرة فقال لهم موسى: ” أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين “
فعلموا أنهم قد أخطؤوا فقالوا: (ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر)( ).
والفارض التي قد ضربها الفحل ولم تحمل، والبكر التي لم يضربها الفحل، فقالوا: (ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها) ( ) أي شديدة الصفرة تسر الناظرين إليها (قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون)( ) قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الارض ” أي لم تذلل ” ولا تسقي الحرث ” أي لا تسقي الزرع ” مسلمة لاشية فيها ” أي لا نقطة فيها إلا الصفرة ” قالوا الآن جئت بالحق ” هي بقرة فلان فذهبوا ليشتروها.
فقال: لا أبيعها إلا بملء جلدها ذهبا، فرجعوا إلى موسى عليه السلام فأخبروه .
فقال لهم موسى: لابد لكم من ذبحها بعينها، فاشتروها بملء جلدها ذهبا فذبحوها، ثم قالوا: يا نبي الله ما تأمرنا ؟
فأوحى الله تبارك وتعالى إليه قل لهم: اضربوه ببعضها وقولوا: من قتلك ؟ فأخذوا الذنب فضربوه به.
وقالوا: من قتلك يا فلان ؟
فقال: فلان ابن فلان ابن عمي الذي جاء به، وهو قوله: ” فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون ( )”.)( ).
وتدل هذه الآية على أن علم الأصول أسس في القرآن وليس العالم أو الفقيه الفلاني هو أول من تكلم به ، فقد جاء به القرآن ، وتكلم به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في العبادات والمعاملات والأحكام .
ففي الحج مثلاً وقوله تعالى [وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً] ( ) قيد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبصيغة الإخبار الحج الواجب من جهة عدد المرات فقال بكفاية الحج مرة واحدة .
واجماع علماء الإسلام كون الحج ركناَ من أركان الدين وفيه نصوص تقيد أداء الحج بالإستطاعة , وهو شاهد على دوام النعم على المسلمين وتيسير أسباب الحج , وهو سيأخذ في عالم الملكوت , تخترق فيه النفس حجب السموات بسلاح لبيك اللهم لبيك .
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحجر الأسود يمين الله عز وجل في الأرض كما أودع الله عز وجل مواثيق الأنبياء في الحجر الأسود , إن الحج عهد الله عز وجل عهد وميثاق على المؤمنين في كل زمان , فهو تجديد فعلي للإقرار بالتوحيد والنبوة .
وهو تثبيت عملي لوحدة المسلمين يتجدد كل سنة , ونبذ للفرقة , وهو من مصاديق قوله تعالى [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا]( ).
وعن الإمام علي عليه السلام قال (لما نزلت { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً }( ) قالوا : يا رسول الله في كل عام؟
فسكت . . قالوا : يا رسول الله في كل عام؟
قال : لا . ولو قلت نعم لوجبت . فأنزل الله { لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم }( ) .
وأخرج عبد حميد وابن المنذر عن ابن عباس قال : لما نزلت { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً }( ) قال : يا رسول الله أفي كل عام؟
فقال : حج حجة الإسلام التي عليك . ولو قلت نعم وجبت عليكم)( ).
أي أن الآيات من سورة البقرة أعلاه ورد فيها المطلق بصيغة الإنشاء بينما ورد الإطلاق في الآية أعلاه من سورة آل عمران بصيغة الجملة الخبرية ، وجاء بيانه الأصولي على لسان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في خطبة حضرها آلاف من المسلمين .
إذ يأتي التقييد للمطلق بالعرض ، وهذه العوارض هي :
الأولى : ذكر فرد معين وهو المعرفة .
الثانية : ذكر فرد غير معين وهو النكرة .
الثالثة : إرادة العدد والكثرة بمعنى أن التقييد قد يكون أعم من ذات المطلق ، وليس بالضرورة أن التقييد يخصص المطلق .
وهو من الفوارق بين باب المطلق والمقيد .
وباب العموم والخصوص ، وهذا الفارق نذكره هنا لأول مرة .
وهناك تقسيم للواجب إلى قسمين :
الأول : الواجب المطلق ، ومنه الصلاة إذ لا تترك بحال , قال تعالى [إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا]( ).
الثاني : الواجب المشروط أو المقيد مثل الحج فانه مقيد بالإستطاعة ، والصيام مقيد بالصحة والحضر .
والمطلق والمقيد من مباحث الألفاظ ومنها :
الأول : باب الأمر والنهي .
الثاني : باب العام والخاص .
الثالث : المنطوق والمفهوم .
وتؤخذ من مباحث الدليل من الكتاب والسنة والإجماع , وعدم الدليل دليل العدم.
وقوله تعالى [فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ] ( ) مطلق لأنه ذكر غير معين ، وحده ما دل على الماهية بالذات والوصف الخاص .
أما المقيد فهو الذي ذكر معيناَ بوصف زائد مثل [فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ] ( ) .
وهذا القيد زيادة في جنسها .
ويبين المطلق بالأمثلة التي تدل على ضده ، والحسن يظهر حسنه الضد ، وبالضد تتميز الأشياء ، ويمكن ان نستحدث علماً خاصاً في المقام وهو تقسيم التقييد إلى أقسام :
الأول : التقييد المتحد ، كما في قيد الإيمان في قوله تعالى [فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ] ( ) .
الثاني : التقييد المتعاقب ، كما في القول : صلِ فهو مطلق .
وصل العيد ، مقيد ويكون مطلقاً للقول : صلِ العيد في المسجد ،
وهذا المقيد الأخير يكون مطلقاً بالنسبة للقول : صلِ العيد في المسجد جماعة .
وقد لا يدل التقييد على الحصر , إنما يفيد البيان والتعدد كما في حرمت الميتة والدم , وجاء لفظ الدم مطلقاَ , بينما ورد مقيداَ بقوله تعالى [إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا]( ).
الثالث : التقييد المتنوع كما في تقييد السنة للحكم .
ويكون هذا التنوع من جهات كما في قوله تعالى [وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاًمِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] ( ) فان التقييد من جهتين :
الأولى : الكيف ، إذ ورد في السنة قطع اليد من رؤوس الأصابع ، وقيل من مفصل الكف ، وقد ورد القطع من رؤوس الأصابع عن الإمام الجواد عليه السلام ، ولكن لو دار الأمر بين القطع من أصول الأصابع ومفصل الكف ، فيكون من أصول الأصابع لوجوه :
الأول : عمومات قوله تعالى [يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ]( ).
الثاني : الإكتفاء بالأقل .
الثالث : التخفيف عن الحكم والمحكوم وعامة الناس .
الرابع : عمومات درء الحدود بالشبهات .
الثانية : الحكم إذ قيدت السنة النبوية مقدار السرقة التي يكون فيها القطع إذ ورد عن (عن عائشة ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعداً .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب قال إن أول حد أقيم في الإسلام لرجل أتى به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سرق فشهدوا عليه ، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطع ، فلما حف الرجل نظر إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، كأنما سفى فيه الرماد ، فقالوا : يا رسول الله ، كأنه اشتد عليك قطع هذا! . . قال : وما يمنعني وأنتم أعون للشيطان على أخيكم! قالوا : فأرسله . قال : فهلا قبل أن تأتوني به ، إن الإمام إذا أتى بحد لم يسغ له أن يعطله) ( ).

 قانون معجزات الأنبياء في القرآن 

لقد جعل الله عز وجل القرآن معجزة عقلية , متجددة كل يوم , وحاضرة في كل مكان , وقام العرب أيام التنزيل بنقل وتناقل الآيات طوعاً وقهراً وانبهاراً بما فيها من الفصاحة والبلاغة وحسن النظم والدلالة الخارقة .
فصاروا دعاة للإسلام مع أن أكثرهم يومئذ كفار يعبدون الأصنام , فهم يتلونها وينقلونها إلى أهليهم بعدما يأتون إلى مكة للحج والعمرة ,لتزيح الآية كابوس ووهم قدسية الأصنام عن النفوس , وتجعل ربات الحجال( ) يتدبرن آيات القرآن وتنفر نفوسهن من الأصنام ورؤساء الكفر , ليكون من منافع الآية القرآنية وجوه :
الأول : إنها سلاح يزيح عن البصائر والأبصار غشاوة الضلالة .
الثاني : من معاني ورشحات نفرة النساء من الأصنام وتقديسها ولادة جيل جديد يؤمن بالله والنبوة , ويمتنع عن نصرة الكفار في محاربتهم للإسلام , وقدرت سنوات الجيل في علم الإجتماع بنحو 25 سنة , ومنهم من جعل الجيل بين 23-30 سنة .
وفي قريش أيام التنزيل تكون المدة أقل إذا كانوا يتزوجون مبكرين ومع هذا فإن عمر الدعوة الإسلامية ثلاث وعشرون سنة , أي ولادة جيل جديد , وهو السادسة للهجرة أي بعد مرور تسع عشرة سنة على البعثة النبوية ثم جاء فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة أي بعد ثلاث وعشرون على البعثة النبوية .
الثالث : الوقاية والإحتراز من الشيطان , قال تعالى [يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ]( ).
ومن مصاديق عموم الرحمة في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم , تحذير الآيات أعلاه للناس جميعاً من الشيطان وعداوته , وإخبارها عن كونه نزل عدوا, ويبارز الناس في الدنيا , فلابد أن يحترس الناس منه , ويجعلوا التوقي منه من الأمر بالمعروف . قال تعالى [إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ]( ).
لتبعث آية البحث الناس على التصديق بالنبوة من غير إشتراط القربان ونحوه .
الرابع : تدعو الآية القرآنية الناس رجالاً ونساءً إلى العزوف عن طاعة رؤساء الكفر.
وجاءت السور المكية والمدنية بقصص الأنبياء , وذكر معجزاتهم وهو من الشواهد على صدق نزول القرآن من عند الله عز وجل , إذ يبعث هذا الذكر الناس على :
الأول : التدبر في معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمقارنة بينها وبين معجزات الأنبياء .
الثاني : جعل معجزات الأنبياء موضوعاً حاضراً في الوجود الذهني وفي المنتديات.
الثالث : تتبع معجزات الأنبياء المذكورة في الكتب السماوية السابقة والتي يتناقلها اليهود والنصارى وغيرهم .
الرابع : التفريق بين المعجزة , والفعل الفريد لبعض الأشخاص كالابطال والرؤساء والملوك والمصلحين.
فالمعجزة قانون خارق لقدرة الناس وإن إجتمعوا , لا يستطيعون الإتيان بالمعجزة , لانها لا تجري إلا بمشيئة الله عز وجل , وهي شاهد على عظيم قدرته ورأفته بالناس , وقد ورد ذكر خمسة وعشرين نبياً في القرآن من أصل مجموع الأنبياء والرسل , وعددهم أربعة وعشرون ومائة ألف نبي.
وقد ذكرت آية البحث بعثة الرسل وأنهم أتوا بالبينات بقوله تعالى [قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ]( ).
لقد ذكر الله عز وجل في القرآن أسماء أنبياء إلى جانب الذكر العام للأنبياء والرسل بصيغة الرفع والنصب والجر .
وهذا الذكر تشريف للأنبياء والناس جميعاً , وبيان لعظيم منزلتهم عند الله عز وجل , وتدل آية البحث على أن الرسل يأتون بالبينات , التي تعمر بها القلوب , وتغسل بها الأدران وتصلح النفوس .
وهل يمكن القول بقانون وهو كل نبي ذكر في القرآن باسمه رسول , الجواب لا دليل عليه , فقد ذكر يحيى وهو ليس برسول , وكذا لوط , وهارون , والياس , ولكن كل واحد منهم جاء بمعجزة من وجوه :
الأول : أول الأنبياء آدم عليه السلام ومن مصاديق خلافة الإنسان في الأرض هو أنه أول من هبط من الناس إلى الأرض وهو نبي رسول , وأبو البشر .
لقد هبط آدم وحواء وإبليس فهل سبقهم آدم بالوصول إلى الأرض أم نزلوا في آن ووقت واحد , وهل نزلوا بالواسطة كما لو قام ملك بإنزال كل واحد منهم .
المختار أن آدم هو أول من لامست قدماه الأرض , وأنهم هبطوا بأمر الله عز وجل من غير واسطة , لقوله تعالى [وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ] ( ) فإن قلت تدل الآية أعلاه على إتحاد الأمر بالهبوط , وهذا صحيح , وعلى فرض تحقق مصداق الهبوط في الحال لقوله تعالى [إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ]( ) فإن الأمر قد يكون متعددا بالإضافة إلى التباين في قطع المسافة بين السماء والأرض قد يختلف بين الثلاثة , وهم:
الأول : آدم .
الثاني : حواء .
الثالث : إبليس .
وفي قول أن المراد آدم من الخطاب (اهبطوا) وحواء وحدهما .
(وأضاف ابن عباس فرداً رابعاً وهو الحية)( ).
والمختار أن المراد آدم , وحواء وإبليس , إن هبوط آدم وحواء بلغة ونوع طريق للخلافة في الأرض , وهي دار الإمتحان والعمل والكسب رجاء الثواب في الآخرة , وأما إبليس فمغضوب عليه , قال تعالى [قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ]( ). وروي عن رسول الله انه قال (عن ابن عباس قال : أهبط آدم بالهند وحوّاء بجدة ، فجاء في طلبها حتى أتى جمعا ، فازدلفت إليه حوّاء . فلذلك سميت المزدلفة واجتمعا بحمع فلذلك سميت جمعا )( ).
قانون خاتم الرسل
من إعجاز النظم والسياق بين الآيتين بيان قانون وهو أن الرسل الذين بعثهم الله كانت بعثتهم قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فجاء في الآية السابقة قوله تعالى [رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي] ( ) ومن آية البحث [رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ] ( ).
فان قلت لا يدل على هذا القول على عدم وجود رسول مصاحب لأيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ورسول من بعده , والجواب من جهات :
الأولى : إخبار القرآن عن كون النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رسولاً للناس جميعاً سواء في زمانه أو الأزمنة اللاحقة ، قال تعالى [قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا] ( ).
الثانية : إتصاف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأنه خاتم النبيين كما في قوله تعالى [مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ]( ).
الثالثة : مجئ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالمعجزات التي تدل على صدق نبوته وأنه رسول من عند الله ، وإمتناع هذه الآية على غيره من الناس .
الرابعة : إتصاف معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بكونها عقلية وحسية ليكون للناس فيها غنى ، وإكرم الله عز وجل الأنبياء السابقين بالمعجزات الحسية التي جرت على أيديهم ، ثم أكرمهم بتوثيق صدق نبوتهم ، وذكر عدد من معجزاتهم في القرآن ، لتبقى هذه المعجزات حية وغضة وحاضرة بين الناس إلى يوم القيامة .
الخامسة : إنقطاع المعجزة بمغادرة النبي محمد إلى الرفيق الأعلى مع بقاء معجزاته في الأرض ، وكل آية من القرآن معجزة مستقلة بذاتها ، وهي معجزة بالصلة مع غيرها .
ومن إعجاز القرآن أن أوله شاهد على صدق نزول آخره ، وكذا العكس أي أن آخره شاهد على نزول أوله ، قال تعالى [لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ] ( ).
السادسة : افتضاح الذي يدّعي النبوة بعد رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو من مصاديق أن الأرض كلها ملك لله عز وجل ، وأنه سبحانه لا يرضى بالكذب عليه وأدعاء النبوة قبل أيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبعدها ، كما يأتينا في باب إدعاء النبوة ، والضرر الذي أصاب الذين نصروهم في الدنيا إلى جانب سوء عاقبتهم في الأخرة ، ومعركة اليمامة شاهد عليه بكثرة القتلى من أصحاب مسيلمة الكذاب .
وكانت اليمامة في قديم الزمان من أخصب الأرض وأكثرها زراعة ،وكانت تسمى أيام نشأة القبائل العربية باسم (جوّ) إذ سكنتها إلى طسم ولحقت بها جديس( ) .
(وولد إرم بن سام عوضاً وغائراً وحويلاً، فولد عوض غاثراً وعاداً وعبيلاً، وولد غائر بن إم ثمود وجديساً، وكانوا عرباً يتكلّمون بهذا اللسان المصريّ، وكانت العرب تقول لهذه الأمم ولجرهم العرب العاربة، ويقولون لبني إسماعيل العرب المتعربة لأنهم إنما تكلموا بلسان هذه الأمم حين سكنوا بين أظهرهم) ( ).
ليكون سكن ابناء إسماعيل بين العرب ونطقهم باللغة العربية وتعاهدهم لها مقدمة لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ولقد كان مسيلمة كثير السجع ، فعلم من الكهنة والسحرة ، وطاف البلدان فافتتن به قومه بنو حنيفة عصبية إلا من عصم الله ، فغلب مسيلمة على حجر اليمامة ، وأخرج ثمامة بن اثال عامل رسول الله عليها (وكتب مسيلمة إلى رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم : من مسيلمة رسول اللّه إلىِ محمد رسول اللّه، أما بعد، فإن لنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض ولكن قريشاَ قوم لا يعدلون ويعتدون.
وبعث الكتاب مع رجلين: عبد اللّه بن النواحة، وحجير بن عمير، فقال لهما رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: أتشهدان أني رسول الله؟
” قالا: نعم، قال: ” أتشهدان أن مسيلمة رسول اللّه؟
قالا: نعم قد أشرك معك، فقال: لولا أن الرسول لا يقتل لضربت أعناقكما) ( ).
لقد جاءوا بأمر عظيم ، فمع ظهور الإسلام وفتح مكة يأتي هذان الرجلان ويعلنان في المدينة وبحضرة رسول اله صلى الله عليه وآله وسلم .
أن مسيلمة الكذاب ليس بنبي وأراد الفتنة والإفتتان ومع هذا لم يتعرض لهما النبي صلى الله عليه وآله وسلم , ولكن بيّن لهما ما يستحقانه لإصرارها على الكفر والظلم والتعدي ، وبيّن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أولية وحكومة قانون (لا يُقتل الرسول) حتى في حال صدور الظلم والتعدي في الرسالة التي يحملها ، وظلم وكفر الذي بعثه وكتب له (من محمد رسول اللّه إلى مسيلمة الكذاب، أما بعد: فإن الأرض للّه يورثها من يشاء، والعاقبة للمتقين، وقد أهلكت أهل حجر، أقادك اللّه ومن صوب معك) ( ).
السابعة : بيان القرآن لإكتفاء الناس بسننه وأحكامه وإعجازه ، قال تعالى [وَاخْشَوْنِي الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا] ( ) وفيه شاهد على استغناء الناس بالقرآن وأحكام الشريعة وانتفاء الحاجة لنبي آخر .
وجاء عنوان هذا القانون لبيان مسألة وهي انقطاع الرسل بعد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد أخبر القرآن عن إنقطاع الأنبياء بعده ، والنسبة بين الأنبياء والرسل عموم وخصوص مطلق ، فكل رسول هو نبي وليس كل نبي رسول فحينما يقول الله عز وجل : خاتم النبيين ، يكون تقدير الآية على وجوه :
الأول : خاتم النبيين والرسل .
الثاني : القرآن خاتم الكتب السماوية .
الثالث : الإسلام خاتم الأديان السماوية .
وهذا الإختتام المبارك من حكمة الله عز وجل , ومصاديق قوله تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) فمن علم الله عز وجل نشر شآبيب الرحمة والأمن في الأرض ببعثة الأنبياء والرسل ، واختتام النبوة ببعثة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تعاهد لإستدامة الحياة الدنيا ، واستئصال للفساد من الأرض ،وفيه استحضار الناس في كل زمان لعالم الآخرة ومواطن الحساب والجزاء ، وفي التنزيل [وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ]( ).
ومن مصاديق الإختيار في الآية أعلاه وجوه :
الأول : إختيار آدم ابا للبشر .
الثاني : سكن آدم وحواء في الجنة برهة من الزمن ، وفي التنزيل [يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ] ( ).
الثالث : اختيار أشخاص الأنبياء والرسل .
الرابع : نيل الرسل مرتبة الرسالة إلى جانب النبوة ،وفي إبراهيم ورد في التنزيل [وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ]( ) .
الخامس : إختيار أوان ومكان بعثة كل نبي ومنها إختيار مكة لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمدينة دار هجرته (عن وهب بن منبه « أن آدم لما أهبط إلى الأرض استوحش فيها لما رأى من سعتها ، ولم ير فيها أحداً غيره فقال : يا رب أما لأرضك هذه عامر يسبحك فيها ويقدس لك غيري؟! قال الله : إني سأجعل فيها من ذريتك من يسبح بحمدي ويقدس لي ، وسأجعل فيها بيوتاً ترفع لذكري فيسبح فيها خلقي ، وسأبوّئك فيها بيتاً أختاره لنفسي ، وأخصه بكرامتي ، وأوثره على بيوت الأرض كلها باسمي ، واسميه بيتي ، أنطقه بعظمتي ، وأحوزه بحرمتي ، واجعله أحق البيوت كلها ، وأولاها بذكري ، وأضعه في البقعة المباركة التي اخترت لنفسي ، فإني اخترت مكانه يوم خلقت السموات والأرض ، وقبل ذلك قد كان بغيتي فهو صفوتي من البيوت ولست أسكنه ، وليس ينبغي أن أسكن البيوت ، ولا ينبغي لها أن تحملني .
اجعل ذلك البيت لك ومن بعدك حرماً وأمنا ، احرم بحرمته ما فوقه وما تحته وما حوله ، حرمه بحرمتي فقد عظم حرمتي ، ومن أجله فقد أباح حرمتي .
من أمن أهله استوجب بذلك أماني ، ومن أخافهم فقد أخفرني في ذمتي ، ومن عظم شأنه فقد عظم في عيني ، ومن تهاون به صغر عندي, ولكل ملك حيازة ، وبطن مكة حوزتي التي اخترت لنفسي دون خلقي ، فأنا الله ذو بكة ، أهلها خفرتي وجيران بيتي ، وعمارها وزوّارها وفدي وأضيافي وضماني وذمتي وجواري ، أجعله [إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ] ( ) ، وأعمره بأهل السماء وأهل الأرض يأتونه أفواجاً شعثاً غبراً [وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ] ( ) .
يعجون بالتكبير عجيجاً ، يرجون بالتلبية رجيجاً ، فمن اعتمره وحق الكريم أن يكرم وفده وأضيافه وزوّاره ، وأن يسعف كل واحد منهم بحاجته تعمره .
يا آدم ما كنت حياً ، ثم يعمره من بعدك الأمم والقرون والأنبياء من ولدك ، أمة بعد أمة ، وقرناً بعد قرن ، ونبياً بعد نبي ، حتى ينتهي ذلك إلى نبي من ولدك يقال له محمد وهو [خَاتَمَ النَّبِيِّينَ].
فاجعله من عماره وسكانه وحماته وولاته وحجابه وسقاته ، يكون أميني عليه ما كان حياً ، فإذا انقلب إليّ وجدني قد ادخرت له من أجره ونصيبه ما يتمكن به من القربة إلي والوسيلة عندي ، وأفضل المنازل في دار المقامة .
وأجعل اسم ذلك البيت وذكره وشرفه ومجده وسناه مكرمة لنبي من ولدك يكون قبيل هذا النبي وهو أبوه يقال له إبراهيم ، أرفع له قواعده ، وأقضي على يديه عمارته ، وأنيط له سقايته ، وأريه حله وحرمه ومواقفه ، وأعلمه مشاعره ومناسكه .
واجعله أمة واحدة قانتاً بأمري داعياً إلى سبيلي ، واجتبيه وأهديه إلى صراط مستقيم . أبتليه فيصبر ، وأعافيه فيشكر ، وآمره فيفعل ، وينذر لي فيفي ، ويعدني فينجز ، أستجيب دعوته في ولده وذريته من بعده ، وأشفعه فيهم وأجعلهم أهل ذلك البيت وحماته وسقاته وخدمه وخزنته وحجابه ، حتى يبتدعوا ويغيروا ويبدلوا .
فإذا فعلوا ذلك فأنا أقدر القادرين على أن أستبدل من أشاء بمن أشاء ، وأجعل إبراهيم إما ذلك وأهل تلك الشريعة ، يأتمُّ به من حضر تلك المواطن من جميع الإِنس والجن ، يطأون فيها آثاره ، ويتبعون فيها سنته ، ويقتدون فيها بهديه .
فمن فعل ذلك منهم أوفى بنذره ، واستكمل نسكه ، وأصاب بغيته ، ومن لم يفعل ذلك منهم ضيع نسكه ، وأخطأ بغيته ، ولم يوف بنذره . فمن سأل عني يومئذ في تلك المواطن أين أنا؟ .
فأنا مع الشعث الغبر الموبقين الموفين بنذرهم ، المستكملين مناسكهم ، المتبتلين إلى ربهم الذي يعلم ما يبدون وما يكتمون . وأخرجه الجندي عن عكرمة ووهب بن منبه رفعاه إلى ابن عباس بمثله سواء) ( ) .
السادس : تفضل الله باختيار مقدمات بعثة كل نبي .
السابع : نزول الكتب السماوية المخصوصة على الرسل , فمثلاً نزلت التوراة على موسى عليه السلام والإنجيل على عيسى عليه السلام والقرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثامن : تفضل الله بالبشارات لكل بعثة نبي .
التاسع : فضل الله عز وجل بجعل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاتم النبيين والرسل .
العاشر : إختيار أحكام الشريعة للناس بما يسوق العاملين بها إلى اللبث الدائم في النعيم ، قال تعالى [وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ]( ).
ويبين قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ] ( ) التباين الرتبي بين الرسول والنبي , ووردت آيات بوصف بعض الأنبياء بالجمع بين النبوة والرسالة , وورد في موسى قوله تعالى [وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا] ( ) وكذا بخصوص إسماعيل [وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا] ( ) .
وورد لفظ [رَسُولاً نَبِيًّا] في القرآن في الآيتين أعلاه ، ولم يرد في غيرهما من القرآن ،وهما من سورة آل عمران , وليس بينهما إلا آيتين .
الإجتهاد
الإجتهاد لغة استفراغ وبذل الجهد في فعل شاق ، والإجتهاد في علم الأصول : بذل الوسع في استنباط الحكم الشرعي ويقابله التقليد ومن معاني الخلافة الخاصة للأنبياء والرسل قوله تعالى [وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ) .
والإجتهاد في فهم النص وتفسير النص وليس في مقابل النص , أو بمعزل عنه , والقوانين التي تسمى الحقوق المكتوبة هي المصدر الحقوقي لحاجات الأمة لذا ابعدوا الإجتهاد وحسن العدالة ونحوه واسموها المصادر، إذ لا يعدو الإجتهاد حدود التفسير لمواد القانون.
وكان الفقهاء الرومان يقولون : إنّ أحسن القوانين هو القانون الذي يترك أقلّ ما يمكن من الحرية لأهواء القضاة .
ومن الدقة في هذا القول حصر المنع بخصوص الأهواء , وليس إجتهاد أو تقدير القاضي الذي فيه مندوحة وسعة للقاضي للتباين بخصوصيات الوقائع والأحداث ، وبما يترك للقاضي التخفيف في الحكم بلحاظ الحيثيات الخاصة ، ويمكن تشريع قانون وهو الأصل في الحكم الجزائي هو الرأفة والتخفيف لما جعله الله عز وجل من التراحم بين الناس في الحياة الدنيا ، وهو نوع طريق لفوزهم بالرحمة من الله في الآخرة .
ويحكى أن قاضياً من الأمم السابقة كان من الصالحين ، ولما مات رأته امرأته في المنام فسألته عن حاله فقال : أني محبوس في باب الجنة لأني حينما صارت خصومة لأقاربك فلان وددت أن يكون الحكم لصالحه أي أن القاضي لم يمل في الحكم ، ولكنه مجرد ود ورغبة فآخذه الله عليه .
وإخبار الميت صدق لأنه من عالم الخلود , ومن بركات نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعمومات قول تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ) عدم مؤاخذة المسلمين على الود والرغبة والكيفية النفسانية إلا أن يكون هناك مبرز خارجي .
وفي حديث طويل عن الإمام علي عليه السلام (ثم ألهم الله عزوجل نبيه أن قال: ” ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا “
فقال الله سبحانه: أعطيتك لكرامتك يا محمد، إن الامم السالفة كانوا إذا نسوا ما ذكروا فتحت عليهم أبواب عذابي ، و رفعت ذلك عن امتك، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: ” ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ” يعني بالآصار الشدائد التي كانت على الامم ممن كان قبل محمد، فقال عزوجل: لقد رفعت عن امتك الآصار التي كانت على الامم السالفة، وذلك أني جعلت على الامم أن لا أقبل
فعلا إلا في بقاع الارض التي اخترتها لهم وإن بعدت، وقد جعلت الارض لك ولامتك طهورا ومسجدا، فهذه من الآصار وقد رفعتها عن امتك، وقد كانت الامم السالفة تحمل قرابينها على أعناقها إلى بيت المقدس، فمن قبلت ذلك منه أرسلت على قربانه نارا تأكله، وإن لم
أقبل ذلك منه رجع به مثبورا ، وقد جعلت قربان امتك في بطون فقرائها ومساكينها، فمن قبلت ذلك منه اضاعف له الثواب أضعافا مضاعفة، وإن لم أقبل ذلك منه رفعت عنه به عقوبات الدنيا، وقد رفعت لك عن امتك وهي من الآصار التي كانت ، وكانت الامم
السالفة مفروضا عليهم صلاتها في كبد الليل وأنصاف النهار، وهي من الشدائد التي كانت ، وقد رفعتها عن امتك، وفرضت عليهم صلاتهم في أطراف الليل والنهار في أوقات نشاطهم، وكانت الامم السالفة مفروضا
عليهم خمسون صلاة في خمسين وقتا، وهي من الآصار التي كانت عليهم، وقد رفعتها عن امتك، وكانت الامم السالفة حسنتهم بحسنة واحدة، وسيئتهم بسيئة واحدة، وجعلتك لامتك الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بواحدة ، وكانت الامم السالفة إذا نوى أحدهم حسنة
لم تكتب لهم ، وإذا هم بالسيئة كتبتها عليهم و إن لم يفعلها، وقد رفعت ذلك عن امتك، فإذا هم أحدهم بسيئة ولم يعملها لم تكتب عليه، وإذا هم أحدهم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة، وكانت الامم السالفة إذا أذنبوا كتبت ذنوبهم على أبوابهم، وجعلت توبتهم من الذنب أن احرم عليهم بعد التوبة أحب الطعام إليهم، وكانت الامم السالفة يتوب أحدهم من الذنب الواحد المائة سنة، و المأتي سنة، ثم لم أقبل توبته دون أن اعاقبه في الدنيا بعقوبة، وقد رفعت ذلك عن امتك، وإن الرجل من امتك ليذنب
المائة سنة ثم يتوب ويندم طرفة عين فأغفر له ذلك كله و أقبل توبته، وكانت الامم السالفة إذا أصابهم إذا نجس قرضوه من أجسادهم، وقد جعلت الماء طهورا لامتك من جميع الانجاس، والصعيد في الاوقات، وهذه الآصار التي كانت عليهم رفعتها عن امتك. قال رسول الله صلى الله عليه واله: اللهم إذ قد فعلت ذلك بي فزدني، فألهمه الله سبحانه أن قال: ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ” قال الله عزوجل: قد فعلت ذلك بامتك، وقد رفعت عنهم عظيم بلايا الامم، وذلك حكمي في جميع الامم أن لا اكلف نفسا فوق طاقتها) ( ) .
وعن ابن عباس (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ ، والنسيان ، وما استكرهوا عليه) ( ).
وأخرج عن قتادة في حديث (يا رب أجد في الألواح أمة خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فاجعلهم أمتي . قال تلك أمة أحمد . قال : رب أجد في الألواح أمة إذا همَّ بالحسنة كتبت له حسنة وإذا عملها كتبت له عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف فاجعلهم أمتي . قال : تلك أمة أحمد . قال : رب أجد في الألواح أمة إذا هم أحدهم بالسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه وإذا عملها كتبت سيئة واحدة فاجعلهم أمتي . قال : تلك أمة أحمد) ( ) .
وتجلى معنى ومفهوم الأحسن هذا في الشريعة الإسلامية إذ أنها قيدت الحكام والقضاة في باب الحدود والسنن والمواريث ونحوها ، ويدل قوله تعالى [وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ]( ) [وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ] ( ) [وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ]( )على حضور وكفاية الحكم السماوي في الوقائع والأحداث.
وللإجتهاد معاني :
الأول : استنباط الحكم من أدلته التفصيلية .
الثاني : الإجتهاد بمعنى القياس , والذي جعل عند مشهور المسلمين المصدر الرابع بعد الكتاب والسنة والإجماع .
الثالث : الإجتهاد بمعنى الرأي
وقد لا تحيط القوانين الوضعية العامة بجميع الفرضيات والوقائع ، فلا تتناولها على نحو كافِ ، أو تكون ساكتة أزاءها ، أو أن ذات النص غامض ، مما يلزم البيان والتفسير عند تعدد وكثرة الوقائع والأحداث .
ولكن القرآن جاء [تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ] ( ) ثم جاءت السنة النبوية بياناً وتفسيراً لآياته ، وهو من أسرار كونها فرع الوحي وشعبه منه ، قال تعالى [إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ] ( ) .
المصالح المرسلة
وهي المصلحة التي لم يرد في الشرع حكم خاص لتحقيقها ، وبما أن الأصل في التشريع هو مصالح الناس ، وجلب النفع لهم ،ودفع الضرر عنهم .
والقائل ببطلان التقليد انما هو التقليد الذي يعني قبول الرأي ، أما تلقي الرواية بالقبول فهو من باب الحجة ، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ) ( ).
وحكى ابن القيم عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنهما قالا : لا يحل لأحد أن يقول بقولنا حتى يعلم من أين قلناه ) .
والعلم بالدليل لا يعني بلوغ مرتبة الإجتهاد ، وتوفى أبو حنيفة سنة 150 للهجرة ،: وفي هذه السنة ولد الشافعي .
وعن مالك قال : إنما انا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه ، وكل مالم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه ، وهو صريح بالتقليد المشروط ، وتوفى مالك سنة (179) وولد أحمد بن حنبل سنة(164) أي بعد وفاة أبي حنيفة .
وعمدة الدليل في الإجتهاد والتقليد هو كتاب الله والسنة النبوية ، ومن أدلة مشروعية الإجتهاد آيات عديدة منها قوله تعالى [وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ] ( ) وتدل هذه الآية على التخصص بالفقه وتفرغ علماء لإستنباط الأحكام الشرعية .
في الباب (29) من البحارذكر (علل اختلاف
الاخبار وكيفية الجمع بينها والعمل بها ووجوه الاستنباط) * * (وبيان أنواع ما يجوز الاستدلال به) * الايات، الانعام:
وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون( ) .
وقال تعالى “: وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين ( ) .
وقال تعالى “: فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم( ) .
وقال تعالى “: قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون( )
وقال تعالى :أتقولون على الله ما لا تعلمون ( ) .
وقال تعالى : فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون( )
وقال تعالى : وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا إن الله عليم بما يفعلون( ) .
وقال تعالى “: وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون( ) .
وقال تعالى : ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع و البصر والفؤاد كل اولئك كان عنه مسؤلا( ) .
قال تعالى : ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على امة وإنا على آثارهم مهتدون( ) .
قال تعالى : وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون( ).
قال تعالى : إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين( ).
قال تعالى : إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا( )
وروي عن الصادق عليه السلام: أن رسول الله صلى الله عليه واله قال: ما وجدتم في كتاب الله عز وجل فالعمل به لازم ولا عذر لكم في تركه، وما لم يكن في كتاب الله عز وجل وكان في سنة مني فلا عذر لكم في ترك سنتي) ( ).
وفي قوله تعالى [فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) ورد عن الإمام الرضا عليه السلام قال : قد فرضت عليكم المسألة .
وعن الإمام الباقر عليه السلام قال : الذكر القرآن .
وهناك تباين في مفهوم الإجتهاد ، فصحيح أن الاسم واحد بين الإجتهاد المقصود في أيام الأئمة عليهم السلام وبين الإجتهاد في المعنى الإصطلاحي في هذا لزمان إلا أن المسمى يختلف ، وكان معنى الإجتهاد عند السنة أن الفقيه إذا لم يجد الحكم في الكتاب والسنة رجع إلى الإجتهاد ، فيكون حينئذ الإجتهاد مصدراً للإستنباط .
أي أن الفقيه يرجع إلى رأيه وإلى القياس والمصالح المرسلة والإستحسان ، ومنه سميت مدرسة الرأي في العراق ، ونسبت إلى أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي (80 – 150) هجرية .
وأطلقت على الذين أكثروا من القياس والرجوع إليه في مقابل الحديث والنص (ثم إن الصحابة لم يكونوا كلهم أهل فتيا، ولا كان الدين يؤخذ عن جميعهم، وإنما كان ذلك مختصاً بالحاملين للقرآن العارفين بناسخه ومنسوخه ومتشابهه ومحكمه وسائر دلالاته بما تلقوه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو ممن سمعه منهم من عليتهم.
وكانوا يسمون لذلك القراء، أي الذين يقرأون الكتاب لأن العرب كانوا أمة أمية، فاختص من كان منهم قارئاً للكتاب بهذا الاسم لغرابته يومئذ. وبقي الأمر كذلك صدر الملة.
ثم عظمت أمصار الإسلام وذهبت الأمية من العرب بممارسة الكتاب، وتمكن الاستنباط وكمل الفقه وأصبح صناعةً وعلماً فبدلوا باسم الفقهاء والعلماء من القراء.
وانقسم الفقه فيهم إلى طريقتين:
طريقة أهل الرأي والقياس، وهم أهل العراق.
وطريقة أهل الحديث، وهم أهل الحجاز. وكان الحديث قليلاً في أهل العراق ، فاستكثلالاروا من القياس ومهروا فيه، فلذلك قيل أهل الرأي. ومقدم جماعتهم الذي استقر المذهب فيه وفي أصحابه أبو حنيفة، وإمام أهل الحجاز مالك بن أنس ، والشافعي من بعده.
ثم أنكر القياس طائفة من العلماء وأبطلوا العمل به. وهم الظاهرية. وجعلوا مدارك الشرع كلها منحصرة في النصوص والإجماع وردوا القياس الجلي و* المنصوصة إلى النص، لأن النص على العلة نص على الحكم في جميع محالها. وكان إمام هذا المذهب داود بن علي وابنه وأصحابهما) ( ) .
ولكن ليس من فصل تام بين مدرستي الرأي والحديث ولا يخلو هذا التقسيم من الغبن ، خاصة وأنه هناك تداخل بين المدرستين ، فهناك من يعدّ هذا الفقيه من المدرسة الأولى ، ومنه من يعده من المدرسة الثانية فمثلاً يقولون في الشافعي أنه جمع بين المدرستين .
و محمد بن الحسن الشيباني ولاء ، الواسطي ولادة ، الكوفي اقامة الحرستاني( ) أصلا تلميذ أبي حنيفة ويقال بخصوصه أنه من أصحاب الحديث داخل مدرسة الرأي ، وهو الذي نشر مذهب أبي حنيفة وأخذ عن القاضي أبي يوسف الأنصاري ، وسفيان الثوري ، وفقيه أهل الشام الأوزاعي ، ورحل إلى المدينة وأخذ من مالك عن أنس .
وتولى القضاء أيام هارون الرشيد (160-240)هجرية وهو من أشهر فقهاء المالكية ، ولد بمدينة القيروان ورحل إلى الشرق طلباً للعلم ، من أشهر مؤلفاته المدونة الكبرى وجمع فيه مسائل الفقه على مذهب مالك على نحو أسئلة .
ويحسب سحنون بانه زعيم أهل الرأي في مدرسة الحديث والإجتهاد وفق مدرسة الرأي واللجوء إلى الإجتهاد الشخصي عند عدم وجود النص لذا وردت النصوص عن أهل البيت بذم هذا المعنى للإجتهاد .
وقال السيد المرتضى : وفي الفقهاء من فصل بين القياس والإجتهاد وجعل القياس ما تعين أصله الذي يقاس عليه ، والإجتهاد ما لم يتعين فيه أصل يشاء إليه كالإجتهاد في تعيين القبلة ، وفي قيم المتلفات وأرث الجنايات ) ( ).
قال العلامة الحلي في كتابه المعارج إن الإجتهاد (في عرف الفقهاء: بذل الجهد في استخراج الاحكام الشرعية، و بهذا الاعتبار يكون استخراج الاحكام من أدلة الشرع اجتهادا، لانها (تبتنى) على اعتبارات نظرية ليست مستفادة من ظواهر النصوص في الاكثر، وسواء كان ذلك الدليل قياسا أو غيره، فيكون القياس على هذا التقرير أحد أقسام الاجتهاد. فان قيل: يلزم على هذا أن يكون الامامية من أهل الاجتهاد. قلنا: الامر كذلك، لكن فيه (ايهام) من حيث أن القياس من جملة
الاجتهاد، فإذا استثنى القياس كنا من أهل الاجتهاد في تحصيل الاحكام بالطرق النظرية التى ليس أحدها القياس) ( ).
وكان الفقيه يتخذ الإجتهاد مصدراً للفتوى والحكم ودليلاً مستقلاً عند عدم توفر الدليل من الكتاب والسنة صار في المصطلح الجديد هو الجهد الذي يبذله الفقيه لإستخراج الحكم من أدلته التفصيلية من الكتاب والسنة والإجماع .
فهو ليس مصدراً للإستنباط ، إنما هو نوع طريق وفعل استنباط الحكم ، فعلى هذا ليس للمجتهد أن يأتي بالحكم من رأيه وذوقه عند عدم حصول النص في المسألة والواقعة بل لابد أن يكون له دليل على المسألة ، ولا يصح أن يقول دليلي هو إجتهادي ، إنما لابد أن يستحضر الدليل على إجتهاده ، ويبين جهده وبذل الوسع لإستنباط الحكم من ظاهر النص .
وقد أسس لهذه المدرسة الإمام الباقر علي السلام .
(عن أبي الجارود قال : قال أبو جعفر ( عليه السلام ) : إذا حدثتكم بشيء فاسألوني عن كتاب الله ، ثم قال في حديثه : إن الله نهى عن القيل والقال ، وفساد المال وكثرة السؤال ، فقالوا : يا بن رسول الله وأين هذا من كتاب الله ؟
فقال : إن الله عزّ وجّل يقول في كتابه : ( لا خير في كثير من نجواهم ) ( ) الآية ، وقال : ( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما ) ( ) وقال : ( لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ) ( )) ( ).
قال تعالى [إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا] ( ) والمراد من الكتاب في الآية أعلاه القرآن ، وتحتمل النسبة بينهما وبين الذي تفضل الله تعالى وعلّمه لرسول الله الوارد بقوله تعالى [بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ] ( ) وجوهاً :
الأول : نسبة التساوي وأن الذي أراه الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو نفسه التنزيل وآيات القرآن .
الثاني : نسبة العموم والخصوص المطلق ، وهو على شعبتين :
الأولى : التنزيل أعم مما أراه الله للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثانية : ما أراه الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أعم وأكثر من التنزيل .
الثالث : نسبة العموم والخصوص من وجه ، فهناك مادة للإلتقاء وأخرى للإفتراق بينهما .
والمختار هو الشعبة الثانية من الوجه الثاني أعلاه .

قانون خطاب الله للنبي محمد (ص)
الخطاب لغة هو الكلام الموجه إلى الآخر , وهو على شعبتين :
الأولى : الإنشاء وإفادة الفعل أو الترك .
الثانية : الإخبار الذي يحتمل الصدق أو الكذب إلا بالنسبة للإخبار من عند الله عز وجل ورسوله فانه حق وصدق وهو من مصاديق الخلافة في الأرض وعمومات [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( ).
إبتدأت آية البحث بالخطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفيه دعوة لإحصاء الخطاب النازل من عند الله إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتأليف مجلدات بخصوصه لأنه جزء من الوحي والتنزيل ، وهو مدرسة في التأديب وأسباب الهداية والرشاد ، قال تعالى [قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا] ( ).
وورد لفظ (قُلْ) في القرآن (332) مرة , والأمر في أغلب هذه الآيات توجه إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وكثير منه في الإحتجاج والجدال الحسن لبيان قانون وهو أن الإسلام انتشر بلغة الحوار ،وإن الله عز وجل يدفع أسباب ومقدمات القتال .
ولا تختص خطابات الله للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بلفظ (قل) انما هي أضعاف عدد لفظ (قل) المذكور أعلاه .
ومنه آية البحث وابتداءها بقوله تعالى [فإن كذبوك] وهل تفيد الآية الأمر للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالإعراض عن الذين كفروا الجواب نعم ، قال تعالى [فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا]( ).
ولا يستقرأ الحكم من آية البحث وحدها بل لابد من الجمع بينها وبين آيات القرآن الأخرى في ذات الموضوع .
ويأتي الخطاب من الله عز وجل إلى النبي على أقسام :
الأول : ما يكون خاصاً في موضوعه لا يشارك النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيه أحد ، كما في قوله تعالى [قل يا أيها الناس اني رسول الله اليكم جميعاً ].
وقوله تعالى [قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ]( ) ومن الإعجاز في نظم الآيات مجئ أمر إلى النبي في الآية التالية للآية أعلاه وفيه خطاب عام في حكمه , والآية هي [قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ] ( ) .
الثاني : ما يكون خاصاً في لفظه , وشاملاً للمسلمين في لفظه وحكمه ، ومنه قوله تعالى [قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ]( ) .
فضمير الجمع (نا) في الآية أعلاه يشمل المسلمين للإخبار بأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وكيل عنهم ويتكلم باسمهم بما فيه نفعهم في الدنيا والآخرة .
وهو من مصاديق قوله تعالى [النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا] ( ) لبيان أن هذه الولاية رحمة عامة للمسلمين والناس جميعاً .
وهو من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ]( )من جهات :
الأولى : الأمر من عند الله عز وجل إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يتكلم بالنيابة عن المسلمين ، وهل تختص هذه النيابة بأهل البيت والصحابة ، الجواب لا ، إنما تشمل المسلمين والمسلمات وإلى يوم القيامة ، ومن هذا القسم من الخطاب قوله تعالى [قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ]( ) [قل اعوذ برب الفلق ] ( ) .
الثانية : قيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالقول الذي أمره الله به من غير زيادة أو نقيصة .
الثالثة : شهادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالصلاح للمسلمين الحاضر والغائب والذي لم يولد بعد .
ترى ما هي النسبة بين هذه الشهادة وبين شفاعة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأمته ، الجواب هو العموم والخصوص من وجه .
(عن ابن عمر قال : كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا من نبينا صلى الله عليه وآله وسلم { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء }( ) .
وقال : إني ادخرت دعوتي شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ، فأمسكنا عن كثير مما كان في أنفسنا ، ثم نطقنا بعد ورَجَوْنا .
وأخرج ابن المنذر من طريق المعتمر بن سليمان عن سليمان بن عتبة البارقي قال : حدثنا إسماعيل بن ثوبان قال : شهدت في المسجد قبل الداء الأعظم ، فسمعتهم يقولون { من قتل مؤمناً }( ) إلى آخر الآية فقال المهاجرون والأنصار : قد أوجب له النار . فلما نزلت { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } قالوا : ما شاء الله يصنع الله ما يشاء) ( ).
الثالثة : توجه الخطاب الخاص في لفظه إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وهو عام في حكمه ، فيشمل الناس جميعاً ، وهذا الخصوص اللفظي والعموم الحكمي ومنه .[ قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ] ( )[قُلْ لاَ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ]( ).
لبيان قوانين كلية من الإرادة التكوينية تدل على التوحيد , وتلزم الناس جميعاً , وفيها أمور :
الأول : تلقي هذه القوانين بالقبول .
الثاني : التسليم العام بهذه القوانين .
الثالث : العمل بمضامين هذه القوانين والإتعاظ منها .
ومن أجل تعاهد المسلمين لهذا اللزوم , وشكرهم لله عز وجل عليه ، قول كل فرد منهم ذكراً كان أو أنثى سبع عشرة مرة [أهدنا الصراط المستقيم ] ( ).
وفي قوله تعالى [أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنْ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ] ( ) قيل ان الخطاب في [فالم يستجيب لكم ] إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاصة ورد لتعظيم شخصه .
وفي الكشف ({وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم يستجيبوا لكم} لفظه جمع والمراد به الرسول وحده كقوله : {يا أيها الرسل} ويعني الرسول) ( ).
والمختار أن المراد توجه الخطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين ، وقد وردت الخطابات القرآنية إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بصيغة المفرد مثل [لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ] ( ) .
[عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ] ( ).
[انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً]( ).
[وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ] ( ) .
ومن إعجاز القرآن ورود لفظ [استحبنا ] اربع مرات فيه , وكلها في سورة واحدة ، وفي آيات متقاربة ، وكلها مصاديق لقانون استجابة الله لدعاء الأنبياء .
وكل واحدة منها تخص نبياً من الأنبياء وهي :
الأولى :[ وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنْ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ] ( ) وتخص النبي نوح عليه السلام.
الثانية : [فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ] ( )وتخص النبي أيوب .
الثالثة : [فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ] ( ) وتخص النبي يونس .
الرابعة : [فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ] ( ) وتخص النبي زكريا عليه السلام .
والمختار أن الخطاب من الله إذا صدر بصيغة الجمع ، لا يختص لفظه بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , إنما يشمل المؤمنين ، ويتجلى فيه الإكرام من وجوه :
الأول : ذات صيغة الخطاب .
الثاني : إنفراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالخطاب .
الثالث : مضمون وموضوع الخطاب .
الرابع : بيان الشأن العظيم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عند الله عز وجل ، قال تعالى [وَإِنَّ لَكَ لأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ ]( ).
قانون استقراء جواب الشرط المحذوف من آيات القرآن الأخرى
من محاسن اللغة العربية مستودع مفاهيمها ، والسعة والمندوحة في الأسماء والأفعال والحروف والوظائف المتعددة لكل فرد منها ، وليس العربية نسباً وصهراً ، إنما هي لسان إختارها الله لتكون لغة القرآن ، ومن علومها صيغة الشرط الذي يستلزم الإتيان بجملتين يتعلق معنى أحداهما وحصوله على الأخرى , وتسميان :
الأولى : جملة فعل الشرط .
الثاني : جملة جواب الشرط , وبينهما الفاء الرابطة لجواب الشرط , أي أن الجملة الشرطية تتألف من :
الأول : أداة الشرط .
الثاني : جملة فعل الشرط .
الثالث : الفاء الحرف الرابط لجواب الشرط .
الرابع : جملة جواب الشرط , ولا يضر بهذا التقسيم حذف جواب الشرط أو أداة ربط الجملتين أحياناَ وتسمى الجملة الجامعة لجملتي فعل الشرط وجملة جواب الشرط بالجملة الشرطية .
وقد يدل على جواب الشرط المحذوف ما قبله .
ولا بأس من إختيار اسم لها يدل على الجمع بين جملتين ، إذ أن الجملة الشرطية هي الجملة المركبة التي تشمل جملتين متلازمتين متعاقبتين تسبقهما أداء الشرط ، ولا يتم معنى الأولى إلا بالثانية.
وأدوات الشرط مبنية وهي على قسمين :
الأول : أدوات الشرط الجازمة وتقسم إلى شعبتين وهي :
الأولى : الحروف وهي : إن ، إذما , و(إن) أكثر حروف الشرط الجازمة استعمالاً .
الثانية : الأسماء وهي : مَن ، ما ، كما في قوله تعالى [وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ] ( ) مهما ، متى ، حيثما ، أيان ، كيفما ، أي ، أنّى .
الثاني : أدوات الشرط غير الجازمة : وهي التي تأتي للجمع بين جملتي فعل الشرط وجواب الشرط , ويكون الموضوع فيها تعليقياً ايضاً ،
وهذه الأدوات لا تجزم الفعل المضارع ، وتنقسم هذه الأدوات إلى قسمين :
الأول : أدوات الشرط الإمتناعية وهي لو ، لولا ، لوما ، وهي التي يكون الربط بين جملتي الشرط فيها ربطا سلبياً وهو على شعبتين :
الأولى : الأدوات التي يمتنع معها حدوث فعل الشرط ، وجواب الشرط إذ أن وجوب الشرط متعلق في وجوده على فعل الشرط كترتب المعلول على علته , وضياء النهار على طلوع الشمس فتقول النهار موجود فالشمس طالعة ، كما في (لو) .
وفي التنزيل [وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ] ( ) .
فلم يبسط الله الرزق لكل الناس فهم لا يستطيعون البغي والجور المتصل في الأرض , وهو من مصاديق رد الله سبحانه على الملائكة حينما احتجوا على جعل الإنسان خليفة في الأرض [وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ).
وفي التنزيل [وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ] ( ).
فالله عز وجل لم يؤاخذ الناس فهم باقون إلى أجل .
الثانية :إمتناع جواب الشرط دون الشرط .
الثاني : أدوات شرط غير امتناعية , أي أنها تتصف بكونها غير جازمة وغير امتناعية , فهي لا تمنع من جواب الشرط أو فعله , إنما تفيد الربط بين الجملتين , وتعليق جملة جواب الشرط على جملة فعله وهي : إذا ، امّا ، لمّا ، كلّما ، وأكثرها استعمالاً الظرف إذا ، ويفيد معنى الإستقبال ، ويتضمن معنى الشرط ومنه [وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ] ( ).
مثل [وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ] ( )وقد تكون (لو) غير امتناعية ايضاً ، فتكون حرف شرط للمستقبل ، كقوله تعالى [وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ] ( )
ولابد من دراسة خاصة لإحصاء كل من :
الأول : جواب الشرط المحذوف في القرآن ، إذ يكون عدده في القرآن نحو ثلاثمائة .
الثاني : فعل الشرط وجواب الشرط المحذوفان في القرآن.
ومن أسرار حذف جواب الشرط في الجمع بين جملتي فعل الشرط وجوابه فضلاً وتفصيلاً فيخفف بالحذف لوجود ما يدل عليه ، كما يحذف العلم المخاطب به .
ومعاني ودلالات حذف جواب الشرط في القرآن أكثر من أن تحصى لذا يأتي هذا القانون لإستقراء عدد منها بالرجوع إلى آيات القرآن ذات الصلة بموضوع لغة الشرط في الآية المخصوصة , وعد الوقوف عند جواب واحد تقديري .
لوجود قواعد وقوانين ثابتة في المقام كقانون عصمة الأنبياء , مثل [وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ] ( ) فجواب [لَوْلاَ] محذوف , وتقدير الآية : لولا أن رأى برهان ربه لهمّ بها ، أي أنه لم يهمّ بها .
والمعنى وارد عن الإمام الرضا عليه السلام في تفسير الآية ، وقالوا في النحو أن جزاء لولا لا يتقدم عليها .
ويفتح هذا القانون آفاقاً من العلم ، ويتقوم بأمور :
الأول : اقتباس واستقراء جواب الشرط من آيات القرآن القريبة والبعيدة .
الثاني : تعدد جواب الشرط المحذوف بما يناسب المعنى والدلالة .
الثالث : للمفسر أن يقدر جواب الشرط المحذوف ، ولكن بعد أن يذكر الوجوه المناسبة من القرآن , وقد تصل إلى مئات في كل آية .
وتتجلى في هذا القانون وجوه من إعجاز سياق القرآن ، وشواهد من سلامته من التحريف ، وفي التنزيل [أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا] ( ) وابتدأت آية البحث بالجملة الشرطية الخطابية واختص الخطاب فيها إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لبيان مسألة وهي وجود جواب شرط .
وتتمة للكلام في ذات الآية مع تقدير جواب الشرط والذي يكون متعدداً بحسب الموضوع والحكم ، وقد تقدم في باب الإعراب تقديره : فأصبر كما صبر رسل من قبلك .
وهل يمكن استقراء وجوه أخرى لتقديره مستقرأة من آيات القرآن ومضامينها القدسية ، الجواب نعم ، منها :
الأولى : فإن كذبوك فستأتيك بينات أخرى .
الثانية : فإن كذبوك فسنأتيك بالبينات والحجج ، كما جئنا بها إلى الرسل من قبلك ، قال تعالى [وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ] ( ).
الثالثة : فإن كذبوك [كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ] ( ).
الرابعة : فإن كذبوك فقد كذبت رسل خلوا من قبلك .
الخامسة : فإن كذبوك فيوم يجمع الله عز وجل الرسل [فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ] ( ) .
السادسة : فإن كذبوك [وَلَقَدْ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون] ( ) .
وتتضمن الآية الوعيد على هذا التكذيب , والنسبة بين الإستهزاء والتكذيب هي العموم والخصوص المطلق , فالإستهزاء أعم .
السابعة : فإن كذبوك فقد [َلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ] ( ).
الثامنة : فإن كذّبوك [فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ]( ) أي كما كانت عاقبة الذين كذّبوا الرسل السابقين من الهلاك , وصيرورة ديارهم بلقعا تكون عاقبة الذين يكذّبون برسالتك.
لبيان مسألة وهي أن هذا القانون المستحدث له ثمرة بحث وفيه استنباط لمسائل كلامية وفقهية فتدل الآية أعلاه على الخطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بخصوص آية البحث من وجوه :
الأول : بعد تكذيب القوم لك سيأتي الأذى منهم ، فهم لا يقفون عند التكذيب .
الثاني : وإذا كان هذا التكذيب لا يضر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في دعوته إلى الله عز وجل فهل الأذى يضره وفيه صدّ للناس عن دخول الإسلام , الجواب لا , إنما يضر أصحابه , وآية البحث من أسباب دفع الأذى عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث : لم تقل الآية أعلاه : لقد كذبت رسل من قبلك وأوذوا وصبروا بل قدمت الصبر على الأذى لبيان نكتة وهي أن صبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على التكذيب يتعقبه أذى من المشركين .
ومن الشواهد عليه هجوم المشركين في معركة بدر وأحد ، فحينما قامت قريش بتكذيب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو في مكة ، ونعتوه بأنه ساحر وكذّاب صبر على هذا التكذيب فقاموا بايذائه وأصحابه ، وفرضوا حصاراً اقتصادياً واجتماعياً ونفسياً على بني هاشم لمدة ثلاث سنوات ، فلا يبايعوهم ولا يناكحوهم ، ولا يختلطوا معهم ، وإذا جاءت بضاعة إلى مكة وأراد أحد بني هاشم شراءها دفعوا لصاحبها ضعف ما عرض ، وعندما ينصرف الهاشمي يمتنعون عن شرائها .
ولما عزموا على قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأحكموا الخطط وأوانها إختار الهجرة في ذات الليلة التي عينوها للقتل ، وأحكموا الإستعداد لها ، وبعد أن هاجر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة صارت الأخبار تتوالى على مكة بأن المسلمين في المدينة بخير وأمان ، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنشأ مسجده وسط المدينة يصلي فيه بأصحابه خمس مرات في اليوم ، ويزداد عدد كل من المهاجرين والأنصار كل يوم ، وفي كل صباح يفاجئ أهل مكة بمغادرة عدد من شبانها ذكوراً وأناثاً إلى المدينة .
ويأتي أهل القرى المحيطة بمكة ليخبروا عن هجرة عدد من أبنائهم إلى المدينة وهو من معاني ومصاديق قوله تعالى [وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا]( ).
فجهزت قريش الجيوش العظيمة تحت حجج واهية ، مثل تعرض النبي وأصحابه لقافلة أبي سفيان ، ولم يثبت هذا التعرض ، ولم يرق إلى صيرورته سبباَ لنشوب معركة كبرى في ماء بدر بين مكة والمدينة .
فان قلت قد نزل قوله تعالى [وَإِذْ يَعِدُكُمْ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ] ( ) .
والجواب إن الود كيفية نفسانية ، وليس فعلاً خارجياً ويحتمل حصوله بعد خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من المدينة أو صبيحة معركة بدر أو عند نشوب القتال .
وهل يحتمل نشوء هذا الود بعد معركة بدر الجواب نعم ، ولا يضر بهذا المعنى مجئ الفعل [تَكُونُ لَكُمْ] بصيغة المضارع ، لأن [َتوَدُّونَ] أيضاً بذات الصيغة , ولأن الود والرغبة والأمنية قد تستمر عند الفرد والجماعة حتى مع تغير الموضوع .
لقد ابتدأت قريش القتال يوم بدر بعد أن جاءتها رسالة من أبي سفيان بسلامة القافلة ووصولها إلى مشارف مكة ، ومن الآيات أن هذه الرسالة لم تأتهم عشية أو يوم المعركة ، إنما جاءتهم وهم في الطريق إلى بدر ،وقد رجع جماعة من وسط الطريق .
(كَانَ بَيْنَ طَالِبِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَكَانَ فِي الْقَوْمِ وَبَيْنَ بَعْضِ قُرَيْشٍ مُحَاوَرَةٌ فَقَالُوا : وَاَللّهِ لَقَدْ عَرَفْنَا يَا بَنِي هَاشِمٍ وَإِنْ خَرَجْتُمْ مَعَنَا ، أَنّ هَوَاكُمْ لَمَعَ مُحَمّدٍ . فَرَجَعَ طَالِبٌ إلَى مَكّةَ مَعَ مَنْ رَجَعَ . وَقَالَ طَالِبُ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ
لَا هُمّ إمّا يَغْزُوَنّ طَالِبْ … فِي عُصْبَةٍ مُحَالِفٌ مُحَارِبْ
فِي مِقْنَبٍ مِنْ هَذِهِ الْمَقَانِبِ … فَلْيَكُنْ الْمَسْلُوبُ غَيْرَ السّالِبِ)( ).
وكان رجوعهم حجة على قريش , وفي صبيحة يوم بدر إمتنعت قبيلة بني زهرة عن القتال يوم بدر ، وعندما أصابت قريش الهزيمة يومئذ أكرمت تلك القبيلة حليفها الذي اشار عليها بالرجوع ، وهو الأخنس بن شريق ، ولم يأمر بالإنسحاب إلا بعد أن كلّم عتبة بن ربيعة وأبي جهل وآخرين من رؤساء قريش ، وبيّن لهم زوال المقتضي للقتال مع وجود المانع منه .
(قال ابن إسحق ولما رأى أبو سفيان بن حرب انه قد احرز عيره أرسل إلى قريش انكم انما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم واموالكم وقد نجاها الله فارجعوا فقال أبو جهل بن هشام والله لا نرجع حتى نرد بدرا – وكانت بدر موسما من مواسم العرب يجتمع لهم به سوق كل عام – .
فنقيم عليه ثلاثا فننحر الجزور ونطعم الطعام ونسقى الخمر وتعزف علينا القيان( ) وتسمع بنا العرب وتحسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا ابدا بعدها.
وقال الاخنس بن شريق وكان حليفا لبنى زهرة يا بنى زهرة قد نجى الله اموالكم وخلص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل وانما نفرتم لتمنعوه وماله فاجعلوا بي جبنها وارجعوا فانه لا حاجة لكم بأن تخرجوا في غير ضيعة لا ما يقول هذا فرجعوا فلم يشهدها زهرى) ( ).
ترى لماذا جاءت الآية أعلاه من سورة الأنعام ( ) بالواو فصبروا على ما كذبوا (وأوذوا).
ولم تأت بالفاء (فأوذوا) الجواب لبيان مسألة وهي أن الأذى للرسل سابق لصبرهم ولاحق له ، فهو مصاحب لهم ، فلم يأتهم بعد أن صبروا وفيه بيان لقانون وهو أن الملازمة بين الرسالة والأذى من المشركين والمعاندين .
وعن أنس قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم ما أوذي أحد مثل ما أوذيت في الله) ( ).
التاسعة : (فإن كذبوك فما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين) لبيان أن وظيفة الأنبياء تتعلق بتبليغ الناس وبشارة الذين يصدقون بنبوتهم ، وإنذار الذين يكذبون بها .
ليكون من معاني آية البحث الإنذار والوعيد للذين يكذبون برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
العاشرة : فإن كذبوك فلنسألن الذين أرسلت إليهم ).
لبيان أن الله عز وجل يسأل الناس جميعاً التصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ] ( ) .
الحادية عشرة : فإن كذبوك [فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ]( ) لتتجلى مواساة للنبي محمد , ويتوارث المسلمون والمسلمات سنن الإيمان .
الثانية عشرة : فان كذبوك [فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمْ الْمَكِيدُونَ] ( ).
الثالثة عشرة : فان كذبوك [فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ] ( ).
الرابعة عشرة : فإن كذبوك [كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ] ( ).
الخامسة عشرة : فإن كذبوك [فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون]( ).
السادسة عشرة : فإن كذبوك [انظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ]( ).
السابعة عشرة : فإن كذبوك [إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ]( ).
الثامنة عشرة : فإن كذبوك [وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ]( ).
وقد تحذف الفاء الرابطة لجواب الشرط .
والأصل في ( إذا ) استعمالها في الأمر المقطوع وقوعه .
وقد يأتي جواب الشرط جملة أسمية ، ومنه قوله تعالى [إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ] ( ) .
التاسعة عشرة : فإن كذبوك [وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ]( ).
العشرون : فإن كذبوك [فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدْ اهْتَدَوا]( ).
الحادية والعشرون : فإن كذبوك [فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا]( ).
الثانية والعشرون : فإن كذبوك [فَقُلْ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ]( ).
الثالثة والعشرون : فإن كذبوك [فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ]( ).
الرابعة والعشرون : فإن كذبوك [فَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ]( ).
الخامسة والعشرون : فإن كذبوك [وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ]( ).
السادسة والعشرون : فإن كذبوك [يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ]( ).
السابعة والعشرون : فإن كذبوك [مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ]( ).
الثامنة والعشرون : فإن كذبوك [وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا]( ) .
وقال سيبويه (إن تأتني أنا كريم، فقال: لا يكون هذا إلاّ أن يضطرّ شاعر، من قبل أنّ أنا كريم يكون كلاماً مبتدأ، والفاء وإذا لا يكونان إلاّ معلّقتين بما قبلهما فكرهوا أن يكون هذا جواباً حيث لم يشبه الفاء. وقد قاله الشاعر مضطراً، يشبهه بما يتكلّم به من الفعل. قال حسّان بن ثابت:
من يفعل الحسنات الله يشكرها … والشرّ بالشرّ عند الله مثلان) ( ).
ونسب ابن منظور بيت الشعر أعلاه لعبد لرحمن بن حسان ( )ومنهم من نسبه إلى كعب بن مالك .
والتقدير : فالله يشكرها .
ومن السعة في تركيب ألفاظ اللغة العربية عدم الحاجة إلى ربط جواب الشرط بالفاء الرابطة ، إذ جاء جواب الشرط فعلاً خبرياً متصرفاً ، وكانت هناك مناسبة لفظية بين فعل الشرط وجواب الشرط تغني عن الربط بالفاء ، لم يقترن بقد أو لن أو ما النافية ، أو السين أو سوف .
ومنه قوله تعالى [وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ]( ) [إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ]( ). فليس فيهما الفاء الرابطة لجواب الشرط .

إمساكية شهر رمضان ــ 1441هـ
((مدينة بغداد صانها الله من الفساد))
شهررمضان اليوم التاريخ أذان الفجر الشروق الظهر المغرب
1 السبت 25/4 3:53 5:21 12:00 6:55
2 الأحد 26/4 3:52 5:20 11:59 6:56
3 الإثنين 27/4 3:50 5:19 11:59 6:57
4 الثلاثاء 28/4 3:49 5:18 11:59 6:58
5 الأربعاء 29/4 3:48 5:17 11:59 6:58
6 الخميس 30/4 3:47 5:16 11:59 6:59
7 الجمعة 1/5 3:45 5:14 11:59 7:00
8 السبت 2/5 3:43 5:13 11:59 7:01
9 الأحد 3/5 3:42 5:12 11:59 7:01
10 الإثنين 4/5 3:40 5:11 11:58 7:02
11 الثلاثاء 5/5 3:39 5:10 11:58 7:03
12 الأربعاء 6/5 3:37 5:09 11:58 7:04
13 الخميس 7/5 3:36 5:09 11:58 7:05
14 الجمعة 8/5 3:35 5:08 11:58 7:06
15 السبت 9/5 3:34 5:07 11:58 7:07

1-يكون يوم السبت 25/4/2020 أول أيام شهر رمضان، ويبقى الهلال بعد الغروب ساعة و(12) دقيقة.
2-ستعلن أكثر الدول العربية يوم الجمعة 24 / 4 أول شهر رمضان ، ويستحب إستحباباً مؤكداً صيامه , قال تعالى[وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ].
3- لا أصل للإحتياط بالإمساك قبل الأذان بسبع أو عشر دقائق، وقد يلحق بالتشديد على النفس، ويمتنع السحور بطلوع الفجر الصادق وعليه الكتاب والسنة ، فيجوز شرب الماء قبله ولو بدقيقة، قال تعالى[كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ]، و يستحب الإستهلال، ولا تثبت رؤية الهلال إلا بشاهدين عدلين.
شهر رمضان اليوم التاريخ أذان الفجر الشروق الظهر المغرب
16 الأحد 10/5 3:33 5:06 11:58 7:08
17 الإثنين 11/5 3:32 5:05 11:58 7:08
18 الثلاثاء 12/5 3:31 5:05 11:58 7:09
19 الأربعاء 13/5 3:30 5:04 11:58 7:10
20 الخميس 14/5 3:29 5:03 11:58 7:11
21 الجمعة 15/5 3:28 5:02 11:58 7:11
22 السبت 16/5 3:26 5:01 11:58 7:12
23 الأحد 17/5 3:25 5:01 11:58 7:13
24 الإثنين 18/5 3:24 5:00 11:58 7:13
25 الثلاثاء 19/5 3:23 5:00 11:58 7:14
26 الأربعاء 20/5 3:22 4:59 11:58 7:15
27 الخميس 21/5 3:21 4:59 11:58 7:16
28 الجمعة 22/5 3:21 4:58 11:58 7:16
29 السبت 23/5 3:20 4:58 11:58 7:17
1- يكون يوم الأحد 24/5/2020 أول أيام عيد الفطر المبارك إذا ثبتت الرؤية بشاهدين عدلين، ويبقى الهلال بعد الغروب ساعة ودقيقتين، وإرتفاعه عن الأفق (7) درجات و(26) دقيقة , ولكن نسبة القسم المنار منه قليلة.
2- صدرت مائة وسبعة وتسعون جزءً من تفسيرنا للقرآن في تفسير سورة البقرة وشطر من آل عمران وهي معروضة على موقعنا WWW.MARJAIAA.COM، وكلها تأويل وإستنباط لم يشهد له التأريخ مثيلاً، إلى جانب كتبنا الفقهية والأصولية والكلامية [قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ].

مشاركة

Facebook
Twitter
Pinterest
LinkedIn

مواضيع ﺫات صلة