معالم الإيمان في تفسير القرآن – الجزء- 204

المقدمـــــــة
الحمد الذي وسعت رحمته كل شئ ،وليس من حصر أو حدود أو رقعة مخصوصة لنزول رحمته تعالى ، فمن قوانين الإرادة التكوينية مصاحبة رحمة الله عز وجل للخلائق ومنهم الناس مجتمعين ومتفرقين ، فهناك أفراد من النعمة من جهات :
الأولى : الرحمة الخاصة بكل إنسان على نحو مستقل ، وهل صرف البلاء نعمة ، الجواب نعم , فانه نعمة عظمى , وفي التنزيل [لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ] ( ) .
الثانية : رحمة الله عز وجل بالإنسان في صِلاته مع غيره .
الثالثة : رحمة الله عز وجل بالأسرة الواحدة ونظامها ، ومن إعجاز القرآن شمول آياته لكل جهة من هذه الجهات ، فمن الرحمة في الأسرة تأكيد القرآن على برّ الوالدين ، واقتران الإحسان لهما وبرهما بوجوب عبادة الله ، قال تعالى [وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا]( ).
ولزوم تربية الأبناء على بيان التوحيد وسنن العبادة ، وفي وصية لقمان لابنه ورد في التنزيل [وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ] ( ).
الرابعة : رحمة الله بالناس في أسواقهم وتجارتهم ، ولولا حضور رحمة الله في الأسواق لكثرت الخصومة بين أربابه ، وساد الظلم ونقّص الميزان , وخربت تلك الأسواق ، قال تعالى [وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا] ( ).
الخامسة : رحمة الله بالناس بالهداية إلى الإيمان وبعث النفرة في نفوسهم من الكفر ومفاهيم الضلالة .
السادسة : استدامة قانون التراحم بين الناس لأنه من الفطرة التي يولدون عليها .
الحمد لله الذي جعل القرآن شاهدا على الملازمة بين صفة الرحمن والرحيم إلى يوم القيامة.
فأول آية من القرآن هي [بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] ( )ومن إعجاز القرآن ورود البسملة في بداية كل سورة من القرآن باستثناء سورة براءة إلا أن البسملة وردت مرة أخرى في سورة النمل بقوله تعالى [إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِاِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ]( ) ليكون مجموع البسملة في القرآن (114) مرة .
ولبيان مسألة وهي أن البسملة جزء من القرآن ، وفيه تأكيد متجدد لرحمة الله لمن يتلو القرآن أو يستمع له .
الحمد لله الذي بعث النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رحمة ورأفة بالناس وجاءت رسالته لهداية الناس لسبل الرشاد والصلاح ، قال تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ) ومن مصاديق رحمة الله ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن كل حكمة سماوية تدعو الناس إلى الإيمان ، وتمنع من العنف وتبين قانوناً وهو عدم الحاجة إلى العنف والإرهاب .
الحمد لله الذي جعل لكل أجل كتاب , وقدّر الأمور بحكمته وفيه دعوة للناس للتدبر في مصاديق الإعجاز وبديع صنع الله عز وجل , ليكون وسيلة لتقريبهم إلى منازل الطاعة .
الحمد لله الذي جعل الدنيا دار الرجاء والأمل , والبلغة والوصول إلى الغايات الحميدة من وجوه :
الأول : السعي الحثيث .
الثاني : الصبر الجميل .
الثالث : الدعاء , قال تعالى [ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ]( ).
الرابع : تحقق الأماني وبلوغ الغايات بفضل من عند الله عز وجل , فقد يرغب الإنسان بأمر ويدعو الله عز وجل , ثم ينسى هذا الأمر وسط مشاغل الدنيا أو رجحان رغائب أخرى أو استحضار الموانع , ولكن الله عز وجل لا ينسى هذا الأمر ويعلم الأفضل والأحسن للعبد , وما يصلحه لأمور الدين والدنيا .
وهل في تلاوة القرآن بلغة لتحقيق الرغائب , الجواب نعم , وهو من البركات التي في القرآن والحسنات العاجلة التي تترشح عن قراءته , ومنها القراءة في الصلاة والتي تجمع بين أمور :
الأول : قراءة سورة الفاتحة كاملة .
الثاني : قراءة سورة أخرى أو آيات مع الفاتحة .
الثالث : التلاوة في حال الخشوع والوقوف بين يدي الله عز وجل , والإمتناع عن إتيان ما ينافي الصلاة (عن زيد بن أسلم قال : كنا نتكلم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة ، يكلم الرجل منا صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت { وقوموا لله قانتين } فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام .
وأخرج الطبراني عن ابن عباس في قول الله { وقوموا لله قانتين } قال : كانوا يتكلمون في الصلاة ، يجيء خادم الرجل إليه وهو في الصلاة فيكلمه بحاجته ، فنهوا عن الكلام) ( ).
الرابع : التدبر والتفكر في الآيات طوعاَ , أو انطباقاَ .
الخامس : السكينة والطمأنينة والرضا بتلاوة القرآن .
السادس : تلاوة كل مسلم ومسلمة القرآن عدة مرات في اليوم .
السابع : التلاوة اليومية للقرآن من مصاديق الحمد والشكر لله عز وجل , لبيان قانون وهو أن الجامع بين قول : المسلمين والمسلمات الحمد لله , لذا يقرأ كل مسلم ومسلمة سورة الفاتحة سبع عشرة مرة والتي تبدأ بعد البسملة ب [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ] ( ).
الحمد لله الذي جعل تلاوة القرآن حرزاَ وواقية من اتباع الهوى , وشياطين الإنس والجن قال تعالى [وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا] ( ).
الحمد لله الذي جعل القرآن أحسن الحديث في السموات والأرض لأنه كلامه تعالى , أنزله على سيد المرسلين , وهو خطاب لطف بجميع أهل الأرض , قال تعالى [اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ] ( ).
ولو دار الأمر هل كلام الله عز وجل أحسن الحديث في الأرض أم في الأرض والسماء , المختار هو الثاني لأصالة الإطلاق , وفي التنزيل [وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ]( ) وسمي القرآن مثاني لوجوه :
الأول : القرآن جامع للبشارة والإنذار , والوعد والوعيد , والثواب والعقاب , وبيان أحوال الدنيا وأهوال الآخرة ,والسعادة والشقاء .
الثاني : في القرآن أحسن القصص ، ومن حسنها استنباط المسائل والإتعاظ منها .
الثالث : أحوال الناس يوم القيامة وتناول الكتب يومئذ باليمين أو بالشمال , قال تعالى [فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ* فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ

  • فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ] ( ).
    الرابع : أحوال وصبر الأنبياء , وظلم الطواغيت , والتضاد بين الاثنين , والاثنين لا يثنى ولا يجمع لأنه مثنى , وثاني اثنين أي أحد الاثنين , ومنه قوله تعالى [إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ]( ) وهمزة الاثنين همزة وصل , وإذا قدرت أنه مفرد والأيام كلها تثنى وتجمع إلا الاثنين فهو مثنى .
    (وفي الصحاح يوم الاثنين لا يثنى ولا يجمع لانه مثنى فان احببت ان تجمعه كانه صفة للواحد وفي نسخة كانه لفظ مبنى للواحد قلت اثانين قال ابن برى اثانين ليس بمسموع وانما هو من قول الفراء وقياسه قال وهو بعيد في القياس والمسموع في جمع الاثنين اثناء على ما حكاه سيبويه.
    وحكى السيرافى وغيره عن العرب انه ليصوم الاثناء قال واما قولهم اليوم الاثنان فانما هو اسم اليوم وانما اوقعته العرب على قولك اليوم يومان ، واليوم خمسة عشر من الشهر ولا يثنى والذين قالوا اثنين جاوا به على الاثن وان لم يتكلم به وهو بمنزلة الثلاثاء والاربعاء يعنى انه صار اسما غالبا) ( ).
    الثالث :التشابه بين آيات القرآن .
    الرابع : يفسر القرآن بعضه بعضاً .
    الخامس : مثاني صفة للقرآن .
    الحمد لله الذي جعل فريضة الصلاة تقترن بالبعثة النبوية ثم تفضل الله عز وجل وفرض زكاة الأموال , وزكاة الفطر في السنة الثانية والمشهور فرض الصيام في السنة الثانية للهجرة أيضاً ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ]( ) .
    وفرض الحج في السنة الثامنة للهجرة , وفي إنشاء هذه الفريضة رحمة عامة بالمسلمين والناس , وشاهد على أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم يغزٌ أحداً , وأنه كان يتجنب أسباب ومقدمات القتال وفيه منع للمناجاة بين المسلمين بالزحف لفتح مكة وصيرورته مقدمة لأدائهم مناسك الحج والعمرة , قال تعالى [وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا] ( ).
    وهل صبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وسيرهم لأداء مناسك الحج والعمرة من مصاديق قوله تعالى [وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ] ( ).
    أم أن الآية أعلاه من سورة التوبة خاصة بمعركة الخندق , الجواب هو الأول , لأن المدار على عموم المعنى وليس سبب النزول .
    وهل الفرائض العبادية مانع من الغزو الجواب نعم , إذ فتقوم هذه الفرائض بالصبر فهو وعاء لها وواسطة في أدائها , وفيها قهر للنفس الغضبية والشهوية , وكل فريضة صلة متجددة مع الله عز وجل , وهي من مصاديق حبل الله في قوله تعالى [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا] ( ).
    ومن أسباب تقريب الناس إلى رحمة الله عز وجل بخصوص الصلاة وزجرها عن الغزو مسائل :
    الأولى : نزول القرآن بإقامة الصلاة على نحو الواجب العيني , قال تعالى [وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ] ( ).
    الثانية : إتيان كل مسلم ومسلمة الصلاة خمس مرات في اليوم , لتكون تهذيباً للسلوك والسيرة .
    الثالثة : الصلاة تنمية لملكة الخشية من الله عز وجل , وهذه الخشية زاجر عن الظلم والتعدي .
    الرابعة : الملازمة بين أداء الصلاة والميل إلى الرأفة والعفو , قال تعالى [فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] ( ).
    الخامسة : مواظبة المسلمين اليومية على الصلاة كسب لود الناس , قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَنُ وُدًّا] ( ).
    السادسة : الصلاة تجارة مع الله عز وجل , وسعي حثيث لجني الصالحات , ومن يجعل جنيها غاية يمتنع عن فعل ما هو ضدها من الظلم والتعدي .
    الحمد لله الذي جعل قوانين كونية تحكم الحياة الدنيا , وتذكر الناس في كل ساعة بوجوب عبادته , والخشية منه , ومنها الدقة والضبط في طلوع الشمس وزوالها ومغيبها , وتفضل الله سبحانه وقرن بأوقاتها صلاة فريضة , قال تعالى [أَقِمْ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا] ( ).
    وجعل الله عز وجل الناس تتطلع إلى السماء رجاء نزول الغيث ، وفيه تنمية لملكة الدعاء والمناجاة , ومن فضل الله عز وجل جريان الأنهار , ومياه البحار فمع إزدياد سكان الأرض وشحة المياه يتجه الناس للنهل من مياه البحار وتحليتها وجعلها صالحة للشرب والسقي , وهو مناسبة للشكر لله عز وجل على النعم , ومن مصاديق قوله تعالى [وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا] ( ).
    ومن الشواهد المتجددة على الفضل الزيادة والنافلة توالت الخيرات , فليس من حصر لأبواب الرزق الإلهي , وهو من عمومات احتجاج الله عز وجل على الملائكة , عندما سألوا كيف يكون البشر خلفاء في الأرض وفيهم من يفسد ويقتل بغير حق , كما ورد في التنزيل [وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) .
    فمن علم الله عز وجل توالي الرسل ، وبعثة الأنبياء ونزول الكتب السماوية من عند الله عز وجل , لتكون هذه البعثة والتنزيل والرزق الواسع الكريم أسباباَ وطرقاَ للهداية والرشاد , وفيه حجة على الناس في الدنيا والآخرة , وفي التنزيل [فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَة] ( ).
    الحمد لله الذي جعل الأنبياء رسل السلام في الأرض , والدعاة إلى الله عز وجل [بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ] ( ) إذ تؤازر الآيات الكونية هذه الدعوة , ويقيّض الله عز وجل أنصاراَ وأتباعاَ للأنبياء يشدون عضدهم , ويؤازرونهم , ويجعلونهم راضين بسعيهم وجهادهم .
    ومن الآيات بقاء الأتباع على ذات نهج الأنبياء وازدياد عددهم بعد مغادرة النبي الحياة الدنيا , فمن قوانين الحياة تزايد عدد المؤمنين والمؤمنات ، وهل كان هذا القانون خافياً على كفار قريش حينما أرادوا قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في فراشه ، الجواب لا , , وهو من أسرار مجئ النبي السابق بالبشارة بالرسول اللاحق , وذكر بعض خصاله ومعجزاته .
    الحمد لله الذي أنعم علينا بصدور الجزء الثالث بعد المائتين من (معالم الإيمان في تفسير القرآن) وهو الجزء السادس من هذا السِفر الذي يختص بقانون (التضاد بين القرآن والإرهاب) ويتضمن قوانين متعددة منها :
    الأول :قانون من أدعية القرآن .
    الثاني: قانون البشارة أكثر من الإنذار.
    الثالث : قانون الإعتكاف .
    الرابع : قانون الإحتراز المتعدد من وباء كورونا .
    الخامس :قانون وجوب دفن المسلم .
    السادس : قانون الدعاء سلاح ضد الوباء .
    السابع : قانون التعاون لدفع الوباء .
    الثامن : قانون حياة أبي طالب مقدمة لبعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
    التاسع : قانون دفاع القرآن عن نفسه .
    العاشر : قانون مقدمات لم يغز النبي (ص ) أحداً .
    الحادي عشر : قانون الصبر فضيلة .
    الثاني عشر : قانون الرد على شروط قريش سلام .
    الثالث عشر :قانون الجوار في الإسلام .
    الرابع عشر : قانون الضروريات الخمس.
    الخامس عشر : قانون نية الصوم.
    السادس عشر : قانون هجرة الحبشة إعراض عن الإرهاب.
    السابع عشر : قانون التعاون الأممي العلمي ضد الأوبئة.
    إلى جانب بحوث( ) علمية منها :
    الأول : بحث منطقي ، الدلالة لغة وقراناً ومنطقاً .
    الثاني : النسبة بين الفئ والنفل والغنيمة .
    الثالث : في علم الصرف .
    الرابع : أحكام الإعتكاف .
    الخامس : شهب من قصص الأنبياء .
    السادس : قراءة في علم التفسير .
    السابع : الفرق بين السنة والعام والحول والحجة .
    الثامن : فلسفة الصيام .
    التاسع : بحث أصولي : الأمر بين الفور والتراخي .
    العاشر : دلالة الأمر على المرة أو التكرار .
    الحادي عشر : مادة وهيئة الأمر .
    الثاني عشر : تقديم زكاة الفطر أيام كورونا .
    الثالث عشر : شرط البلوغ في الإجتهاد .
    الرابع عشر : اسم رمضان .
    لقد إتخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم الصبر رداءَ , وتحمل وأهل بيته وأصحابه أنواع الأذى الجسدي والنفسي والإقتصادي والإجتماعي في الثبات على الإيمان , وقد بذل كفار قريش الجهود وقدموا الأموال الطائلة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعرضوا عليه الرئاسة العامة عليهم , والزواج من أي امرأة شاء ليترك الدعوة إلى الله عز وجل , فقال كلمته المشهورة مخاطباَ عمه أبا طالب ( يا عم , وَاَللّهِ لَوْ وَضَعُوا الشّمْسَ فِي يَمِينِي ، وَالْقَمَرَ فِي يَسَارِي عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذَا الْأَمْرَ حَتّى يُظْهِرَهُ اللّهُ أَوْ أَهْلِكَ فِيهِ مَا تَرَكْتُهُ.
    ثُمّ اسْتَعْبَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّه عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ فَبَكَى ثُمّ قَامَ .
    فَلَمّا وَلّى نَادَاهُ أَبُو طَالِبٍ فَقَالَ أَقْبِلْ يَا ابْنَ أَخِي ، قَالَ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللّه صَلّى اللّه عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ.
    فَقَالَ اذْهَبْ يَا ابْنَ أَخِي ، فَقُلْ مَا أَحْبَبْتَ فَوَاَللّهِ لَا أُسْلِمُك لِشَيْءِ أَبَدًا) ( ).
    ولم يقل النبي صلى الله عليه وآله وسلم لو وضعتم بصيغة الخطاب ، إنما قال لو وضعوا ليخرج عمه أبو طالب بالتخصيص من مقاصد الكفار في إيقاف الدعوة ، وليخبر عن قانون وهو عدم وجود بدل وعوض في الدنيا لدعوته إلى الله .
    فلم يقابل النبي صلى الله عليه وآله وسلم تهديدهم بمثله , ولم يرد عليهم بكلام خشن , ولكنه لم يطمعهم إنما أظهر العزم على المضي فيما أمره الله عز وجل , ليصير هذا العزم سبباَ لدخول فريق من الناس الإسلام .
    فقد كانت الأنظار تتطلع إلى الصراع بين رجالات قريش سدنة البيت الحرام ذوي الشأن العظيم وبين القبائل والدول آنذاك , وبين شخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
    فليس من تساو بينهما وقد يظن الناس أن الرجحان لقريش , ولكن العكس هو الصحيح إذ كان الرجحان للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من جهات :
    الأولى : النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رسول من عند الله عز وجل نصره الله عز وجل بجبرئيل والملائكة , وفي التنزيل [فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ] ( ).
    الثانية : من قوانين الحياة الدنيا إنتصار الحق , ولو بعد حين على الباطل فيدمغه , وفي التنزيل [لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ] ( ).
    الثالثة : من خصائص البعثة النبوية فضح سفاهة الكفار وحماقة المقيمين على الضلالة , وقد كان كفار قريش يعبدون الأوثان , ومن أسباب محاربتهم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قولهم أنه كان يعيب على آبائهم ما كانوا عليه من الجاهلية وتقديس الأوثان .
    الرابعة : من قوانين الحياة الدنيا نصر الرسل في أيامهم أو بعدها , قال تعالى [إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ] ( ).
    ولا ينحصر موضوع النصر في القرآن بسوح القتال , إنما يشمل أموراً :
    الأول : سلامة النبي والرسول في شخصه عند الدعوة إلى الله عز وجل وتبليغ الرسالة ، وناصرة له على كفار قريش ، وهو من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ).
    الثاني : صيرورة أمة مؤمنة بدعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم , وأنصار له .
    الثالث : إصابة الذين كفروا بالوهن والضعف .
    الرابع : دخول الإيمان إلى بيوت ومنتديات الذين كفروا .
    الخامس : ثبات المسلمين في منازل الإيمان .
    السادس : إبتلاء الذين كفروا بما يشغلهم في أنفسهم , ويبعثهم على التفكر في عظيم خلق الله عز وجل .
    السابع : خيبة الذين كفروا إن قصدوا القتال , وقاموا بالهجوم والغزو , كما في غزو المشركين للمدينة المنورة في معركة أحد , قال تعالى [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ] ( ).
    وإلى جانب ذكر القرآن لما لاقاه الأنبياء السابقون من جحود قومهم , واحتجاجهم بأنهم مقيمون على دين آبائهم وضلالتهم .
    فقد جاءت آيات مخصوصة في ذم كفار قريش ونحوهم لإصرارهم على البقاء على كفر وضلالة آبائهم ومنها :
    الأولى : [وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ] ( ).
    الثاني : [وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ] ( ).
    الثالث : [فَلاَ تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاَءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ] ( ).
    الرابع : [لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ] ( ).
    والآية الآخيرة من إعجاز القرآن لما فيها من العذر للذين دخلوا الإسلام , والذم والتوبيخ للذين أصروا على الكفر , وأن هذا الإصرار فرد زائد على ضلالة الآباء , فاذا كان آباؤهم لم يأتهم نذير , ولم يروا المعجزات الحسية بأم أعينهم , ولم ينصتوا لآيات القرآن , فإن المعاصرين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ورآوا المعجزات وأدركوا إعجاز القرآن , وفي آية أخرى [وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ] ( ).
    لإرادة الفترة بين عيسى وبين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وعدم وجود مؤمنين أتباع للأنبياء في مكة يقومون بانذار الناس , ويخوفونهم من عذاب الآخرة .
    الخامسة : إرادة الله عز وجل إظهار الإسلام في مكة , ومحاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للأصنام ونبذ عبادتها , وحتى هذه المحاربة لم تكن بتكسيرها بالفؤوس كما فعل إبراهيم عليه السلام , إنما بالدعوة إلى عبادة الله عز وجل , وبيان القبح الذاتي للتزلف إلى الأوثان , وهو من مقدمات قانون (لم يغزُ النبي ص أحداَ).
    ولبيان تعدد كيفية محاربة الأنبياء للكفر وأربابه ، وصحة ونفع وكيفية وصيغ منها .
    و (عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : يأتي الناس إبراهيم فيقولون له : اشفع لنا إلى ربك . فيقول : إني كذبت ثلاث كذبات .
    فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ما منها كذبة إلا ما حل بها عن دين الله ، قوله : { إني سقيم }( ) وقوله : { بل فعله كبيرهم هذا }( ) وقوله لسارة إنها أختي .
    وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله : { فرجعوا إلى أنفسهم }( ). قال : نظر بعضهم إلى بعض) ( ).
    السادسة : كانت أحوال الناس في مكة تتبدل كل يوم بدخول عدد من الرجال والنساء الإسلام , ويعني هذا الدخول خروجهم من مستنقع الكفر , وصيرورتهم أعداء لرؤساء قريش بعد أن كانوا تابعين لهم .
    لقد حارب كفار قريش رسول الله عز وجل عند بيت الله المحرم الذي جعله [مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا]( ) ومن مصاديق الأمن سلامة الموحدين في مكة , ووجوب عدم التعرض للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في دعوته إلى الله عز وجل خاصة وأن المعجزات مصاحبة له وعلى نحو يومي متصل .
    فمن خصائص المعجزة قانون ظهورها وشيوعها بين الناس من أهل زمانها وغيرهم ، ونزل القرآن بتوثيق معجزات الأنبياء ومنها معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
    لتكون دعوة ملحة للتوبة والإنابة , والإمتناع عن الإضرار بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو في مكة , وعن قتاله بعد هجرته إلى المدينة , ولكنهم امتنعوا عن هذا الإمتناع وآثروا اتباع الهوى , وليس من عاقبة لهذا الإتباع إلا الخسران في الدنيا والآخرة , لأنهم اتخذوه منهاجاَ ونوع طريق للصدّ عن سبيل الله عز وجل , ومحاربة الإيمان , قال تعالى [وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ] ( ).
    الحمد لله الذي جعل سعي قريش لمحاربة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأموال التي بذلوها في الصدّ عن سبيل الله عز وجل تذهب هباء ولم تجلب لهم إلا الخزي .
    وفي موضوع قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ]( ) وجوه:
    الوجه الأول : نزلت هذه الآية في رؤساء قريش الذين قاموا بإطعام الجيش المتوجه إلى معركة بدر , بأن قام كل واحد منهم بإطعام الجيش وعددهم نحو ألف رجل يوماَ واحداَ , وكان الإطعام هو ذبح تسعة أو عشرة من الإبل .
    وفيه شاهد بان قريشاَ هم الغزاة في معركة بدر , وأنهم يرّغبون الناس للخروج بالمال والإطعام , وعدد المطعمين يومئذ اثنا عشر رجلاَ وهم :
    الأول : أبو جهل عمرو بن هشام بن المغيرة (كان أبو جهل يكنى أبا الحكم فكناه رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم أبا جهل فذهبت) ( ) .
    ويوصف أبو جهل بأنه فرعون هذه الأمة ،وقتل يوم بدر ، عن عبد الرحمن بن عوف (بينما أنا واقف في الصف يوم بدر فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما فتمنيت أن أكون بين أضلع منهما فغمزني أحدهما .
    فقال : يا عم أتعرف أبا جهل قلت : نعم وما حاجتك إليه يا ابن .
    أخي قال : أنبئت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والذي نفسي بيده لو رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يقتل الأعجل منا موت .
    قال : فعجبت وغمزني الآخر فقال مثلها فلم ألبث أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس.
    فقلت : ألا تريان هذا صاحبكم الذي تسألان عنه فابتدراه بأسيافهما فضرباه حتى قتلاه ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم فأخبراه .
    فقال : ” أيكم قتله فقال كل واحد منهما : أنا قتلته .
    فقال : ” هل مسحتما سيفيكما
    قالا : لا.
    فنظر في السيفين فقال : ” كلاكما قتله .
    وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح والآخر معاذ بن عفراء) ( ) .
    وهل يحتسب قتله على سبه لرسول لله صلى الله عليه وآله وسلم وحده ، الجواب لا ، فهو زعيم الجيش والذي أصر على القتال يوم بدر .
    الثاني : عتبة بن ربيعة ، وقد تقدمت ترجمته .
    الثالث : شيبة بن ربيعة .
    الرابع : أبي بن خلف ، وقتل أمية بن خلف في معركة أحد بطعنة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد إصراره على مهاجمة الرسول وإرادة قتله .
    عن السدي (وأقبل أبي بن خلف الجمحى وقد حلف ليقتلن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: بل أنا أقتله.
    فقال: يا كذاب أين تفر، فحمل عليه فطعنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في جيب الدرع فجرح جرحا خفيفا فوقع يخور خوار الثور فاحتملوه، وقالوا: ليس بك جراحة فما يجزعك ؟ .
    قال: أليس قال: لاقتلنك ! لو كانت تجتمع ربيعة ومضر لقتلهم.
    فلم يلبث إلا يوما أو بعض يوم حتى مات من ذلك الجرح) ( ) وزوجة أمية بن خلف هي لبابة الصغرى بنت الحارث ، وهي أخت أم المؤمنين ميمونة ,
    وأخت أم الفضل لبابة الكبرى زوجة العباس عم النبي ، وأم عبد الله بن العباس وأخواتها من أمها :
    الأولى : (أسماء بنت عميس كانت تحت جعفر بن أبي طالب فولدت له عبد الله ومحمداً وعوناً، ثم لما قتل في غزوة مؤتة – اسم لمكان – خلف عليها أبو بكر الصديق ، فولدت له محمد بن أبي بكر،
    ثم خلف عليها الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام فولدت له يحيى.
    الثانية: سلمى بنت عميس، وكانت تحت حمزة بن عبد المطلب، فولدت له أمة الله بنت حمزة، وقيل: أمامة بنت حمزة، ثم خلف عليها شداد بن أسامة بن الهادي الليثي، فولدت له عبد الله وعبد الرحمن.
    الثالثة: سلامة بنت عميس، كانت تحت عبد الله بن كعب ابن منبه الخثعمي) ( ) .
    الخامس : أمية بن خلف الجمحي , وكان يكثر من تعذيب بلال في حر ظهيرة ليحمله على مفارقة الإسلام ، فقتله بلال يوم بدر فقال أبو بكر :
    (هَنئياً زادك الرحمنُ خيراً … فقد أدركْت، ثأرك يا بلالُ
    فلا نِكْسا وُجِدْتَ ولا جباناً … غداة تنوشُكَ الأسَل الطوالُ
    إذا هاب الرّجال ثبتَّ حتى … تخلِط أنْتَ ما هابَ الرّجالُ
    على مضض الكُلُوم بمشرفيٍّ … جَلاَ أطرافَ مَتْنَيْهِ الصِّقَالُ).
    السادس : نبيه بن الحجاج ، قتله يوم بدر حمزة بن عبد المطلب .
    السابع : مُنبه بن الحجاج ، قتله هو وابنه العاصي بن منبه الإمام علي عليه السلام (عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسن قال: نادى ملك من السماء يقال له: رضوان: ” لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي ” أخرجه الحسن بن عرفة العبدي. قلت: ذو الفقار هو سيف رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم غنمه يوم بدر، وكان سيف نبيه بن الحجاج فأعطاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم علياً كرم الله وجهه. قال أبو العباس: سمي بذلك لأنه كان به حفر صغار. الفقرة: الحفرة الصغيرة التي تكون فيه، والمفقر من السيوف الذي فيه خروز، والعامة تسميه المعَير. وفي ذكرى أن عدة الفقر في سيفه المذكور – كرم اللّه وجهه – ست عشرة فقرة) ( ).
    الثامن : أبو البختري بن هشام .
    التاسع : الحارث بن هشام .
    العاشر : زمعة بن الأسود .
    الحادي عشر : الحارث بن عامر بن نوفل.
    الثاني عشر : حكيم بن حزام ، وهو ابن أخي خديجة أم المؤمنين ، ومن وجهاء قريش ، وتأخر إسلامه إذ أسلم يوم الفتح فهو من مسلمي الفتح عاش في الجاهلية ستين سنة ، وفي الإسلام ستين .
    وعدّ منهم سهيل بن عمرو والعباس بن عبد المطلب , ويقبَس الجمحي.
    الوجه الثاني : نزلت الآية في أبي سفيان إذ أنه استأجر ليوم أحد ألفين من الأحابيش , إلى جانب من استجاشهم من أهل مكة والقبائل وأنفق عليهم أربعين أوقية( ) .
    الوجه الثالث : أرباب قافلة أبي سفيان , فحينما عادت هذه القافلة إلى مكة محملة بالبضائع بقيت في باب المسجد الحرام لم توزع على أهلها فمشى صفوان بني أمية وجماعة من وجهاء قريش ، وسألوهم تسخيرها في محاربة المسلمين للثأر مما لحق قريشاَ يوم بدر .

حرر في الثامن من شهر شوال لسنة 1441
31/5/2020

قانون نزول الآية القرآنية برزخ دون سفك الدماء
لقد ذكر القرآن الشأن العظيم في السماء لخلق الإنسان باخبار الله عز وجل للملائكة عن خلافة الإنسان وصيرورته [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ).
والأصل تلقي الملائكة هذا الإخبار بالرضا والشكر والإعتراف ببديع صنع الله عز وجل , ومنّه وتفضله باخبارهم عن شأنه في الأرض , ولكنهم توجهوا إلى القول [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ] ( ).
والمشهور أنه سؤال إنكاري , والمختار أنه توسل ورجاء لتنزيه الناس عن الفساد وسفك الدماء , وقد يرد على هذا القول بأنه لماذا لم تبين الآية إستجابة الله عز وجل للملائكة أو الإشارة إلى موضوع الإستجابة أو عدمها .
والجواب إن قوله تعالى [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) يتضمن معنى الإستجابة .
وتمام الآية هو [وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ).
لبيان أن الله عز وجل يمحو الأكثر من الفساد وسفك الدماء , وليس من حصر لمصاديق هذا المحو , ومنها بعث الأنبياء [فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ]( ), ومن علم الله عز وجل وقوف الناس بين يديه للحساب وإنصاف المظلوم .
وكل بشارة وإنذار زاجر عن سفك الدماء لبيان قانون وهو تضمن القرآن آلاف البشارات والإنذارات , وكل آية من القرآن تتضمن وعلى نحو متعدد البشارة أو الإنذار في منطوقها ومفهومها .
فيكون أول الآية إنذاراَ ووسطها بشارة وخاتمتها بشارة وإنذاراَ , ومن علم الله عز وجل مصاحبة آيات القرآن لأيام الحياة الدنيا مع سلامته من التحريف والنقص أو الزيادة .
ومن إعجاز القرآن أن آياته حصانة من التأويل الخاطئ والتفسير غير الصحيح , وهذه الحصانة من مصاديق قوله تعالى [لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ]( )
ومن خصائص تلاوة الآية القرآنية أنها تقهر النفس الغضبية , وتمنع من غلبة الشهوة على الجوارح , وهو من الإعجاز التشريعي في وجوب قراءة كل مسلم ومسلمة آيات القرآن سبع عشرة مرة في القرآن , لما فيه من تهذيب النفوس , ونشر لواء الأمن في الأرض والتقييد بالآخرة , وعالم الحساب .
ومع أن عدد آيات القرآن هو (6236) آية فإن الله عز وجل تفضل وأوجب في كل ركعة قراءة سورة الفاتحة وهي تتكون من سبع آيات من مجموع آيات القرآن أعلاه , وهل تكرار قراءتها كل يوم في مشارق ومغارب الأرض من مصاديق قوله تعالى [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) الجواب نعم , لأن في قراءتها منع للفساد , وهي برزخ دون سفك الدماء من جهات :
الأولى : تنزه المسلمين عن الفساد , فمن قوانين الحياة الدنيا عدم إجتماع الضدين , فحينما يتلو المسلم سورة الفاتحة بلغة الخشوع لله عز وجل فإنه يعزف عن ضده من الظلم والتعدي , وليترشح عنه إمتناع غير المسلمين التعدي عليهم , ولو على نحو الموجبة الجزئية .
فمن مصاديق رحمة الله عز وجل التي تتجلى في سورة الفاتحة أن أسباب الصلاح لا تنحصر في موضوع واحد , لذا تعددت أفراد العبادة لله عز وجل , ومنها ما كان واجباَ عينياَ على كل مسلم ومسلمة مثل الصلاة والصيام والحج والزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , وكل فساد وقتل بغير حق من المنكر .
ويظهر المسلمون والناس النفرة منه , ونزله قوله تعالى [وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ]( ) ليمتثل له في كل جيل من أجيال المسلمين , ومن إعجاز نزول آيات القرآن في أوانها أنه نزل على التوالي في ثلاث وعشرين سنة .
لبيان الصلة بين الوقائع والأحداث وبين نزول آيات القرآن , لتكون هذه الصلة تذكرة تبعث العصمة في النفوس من الفساد والظلم لما فيها من استحضار وحضور القرآن في الأحداث اليومية فيكون باعثاَ للفعل الحسن وعمل الصالحات , وزاجراَ عن إرتكاب السيئات والمعاصي , لتكون هناك مصاديق متكررة كل يوم لقوله تعالى [إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا] ( ).
وكل آية قرآنية نزلت من السماء تؤسس لقانون إنحسار سفك الدماء في الأرض من وجوه :
الأول : قانون الآية القرآنية لطف يومي من الله عز وجل بالناس .
الثاني : قانون الصلة والإتصال المتحد بين السماء والأرض في كل وقت من أوقات الصلاة الخمس , وهو من مصاديق قوله تعالى [فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ] ( ).
الثالث : لما تفضل الله عز وجل وجعل الإنسان خليفة في الأرض فإنه سبحانه جعل كلامه مصاحباَ للإنسان وفيه دعوة للتراحم بينهم ، والصدور عن الوحي والتنزيل الذي يغني وينهى عن الغزو والإقتتال .
فإن قلت قد سبقت أيام الحياة الدنيا بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بآلاف السنين .
والجواب هذا صحيح إلا أن الوحي ملازم لها , إذا كان آدم عليه السلام نبياَ رسولاَ , فحتى إذا كانت هناك فترة من الرسل فإن الوحي السماوي حاضر بين الناس , وهل بقي من الوحي الذي أوحاه الله عز وجل لآدم بعد بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , الجواب نعم .
إذ يتضمن القرآن فرائد منه وهو من عمومات قوله تعالى [وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاَء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ]( ).
وجاءت السنة النبوية بمصاديق منه و (عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال : الأنبياء أخوات لعلات ، أمهاتهم شتى ، ودينهم واحد ، وإني أولى الناس بعيسى بن مريم ، لأنه لم يكن بيني وبينه نبي ، وإنه خليفتي على أمتي ، وأنه نازل ، فإذا رأيتموه فاعرفوه ، رجل مربوع إلى الحمرة والبياض ، عليه ثوبان ممصران ، كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل ، فيدق الصليب ، ويقتل الخنزير ، ويضع الجزية ، ويدعو الناس إلى الإسلام ، ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام ، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال .
ثم تقع الأمنة على الأرض حتى ترتع الأسود مع الإبل ، والنمار مع البقر ، والذئاب مع الغنم ، وتلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم ، فيمكث أربعين سنة ، ثم يتوفى ، ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه) ( ) .
وفي رواية (إخوة لعلات) وكلاهما صحيح , والمراد أنهم كالأخوة من الأب وامهاتهم شتى , والعلات هنّ الضرائر (وقال القُطامي:
كأنَّ النّاسَ كُلُّهُمُ لأمٍّ … ونحن لِعَلَّةٍ عَلَتِ ارتفاعا
والعَلّة: الضّرة، والجمع العَلاَّت، ويقال لبني الضّرائر بنو العَلاّت، ولبني الأم الواحدة بنو أم) ( ).
فحينما يتزوج الرجل امرأة أخرى كأنها علّ على الأولى , لبيان وجوه التشابه في الدعوة إلى الله عز وجل بين الأنبياء وإجتناب الغزو .
ولا يتعارض هذا المعنى مع ذكر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لإبراهيم عليه السلام , بصفة الأبوة , كما (روي عن معاذ بن جبل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : “إن أتخذ المنبر فقد اتخذه أبي إبراهيم)( ).
فحينما يرد ذكر إبراهيم مع الأنبياء يكونوا أخوة بلحاظ الوظيفة الرسالية والإنفراد من بين الناس بتلقي الوحي , أما إذا ذكر وحده فقد يذكر بصفة النبوة أو الأبوة لرسول الله وقد اكرمه الله عز وجل بالقول [مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ] ( ).
قانون المشركون هم الغزاة في معركة بدر
قال تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]( ).
هذه هي الآية الثالثة والعشرون بعد المائة من سورة آل عمران ، وجاءت بعد آيات تتعلق في موضوعها بمعركة أحد التي وقعت في شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة ، بينما وقعت معركة بدر قبلها وفي شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة أي بينهما ثلاثة عشر شهراً ، والآيتان اللتان قبلها هما [إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ * وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ] ( ) .
(عن جابر بن عبدالله قال : فينا نزلت . في بني حارثة ، وبني سلمة { إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا } وما يسرني أنها لم تنزل لقول الله { والله وليهما } .) ( ).
وهل يعني هذا أن آية ببدر نزلت بعد واقعة أحد ، الجواب لا ، فليس من ملازمة بين نظم الآيات وبين أوان وقوعها ، إنما كان جبرئيل عليه السلام حينما ينزل بالآية القرآنية يقول للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم : يا محمد ضع هذه الآية بين الآية الفلانية والآية الفلانية .
كما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحياناً حينما ينزل عليه الوحي يأمر كتّاب الوحي أن يضعوا الآية في موضع مخصوص من بين الآيات .
(عن ابن عباس. قال : قلت لعثمان بن عفان : ما حملكم على أن (عمدتم) إلى الأنفال،
وهي من المثاني،
وإلى براءة وهي من المَئين،
فقرنتم بينهما،
ولم تكتبوا سطر بسم الله الرحمن الرحيم،
ووضعتموها في السبع الطوال؟
قال عثمان ح : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان مما يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه السور ذوات العدد،
فلا انزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب عنده فيقول : ضعوا هذه الآية في السورة التي يُذكر فيها كذا وكذا،
وينزل عليه الآية فيقول ضعوا هذه الآية في السورة التي يُذكر فيها كذا وكذا،
وكانت الأنفال مما نزلت بالمدينة،
وكانت براءة من آخر ما نزلت،
وكانت قصتها شبيهة بقصتها (فظننت أنها منها)،
وقبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يبين لنا أنها منها فمن ثم قرنت بينهما ولم اكتب سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتها في السبع الطوال.)( ).
(عن محمد بن سيرين قال : كانوا يرون أن هذه الآية نزلت في عبد الله بن سلام { وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله }( ) قال : والسورة مكية ، والآية مدنية . قال : وكانت الآية تنزل فيؤمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يضعها بين آيتي كذا وكذا في سورة كذا ، يرون أن هذه منهن .) ( ).
وتبين الآية أموراً :
الأول : الخبر القاطع الذي لا يحتمل إلا الصدق بأن المسلمين انتصروا في معركة بدر .
الثاني :حضور الأمر الإلهي فيصر المسلمين , ولابد أن تسبقه بشارات للمسلمين وإنذارات للذين كفروا , وهو الذي تجلى في أخبار ومقدمات ووقائع معركة بدر , وهو من مصاديق قوله تعالى [فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ] ( ).
الثالث : تجلي كيفية النصر في معركة بدر وهي نزول ملائكة من السماء لنصر المسلمين , إذ قال تعالى [إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ] ( ).
الرابع : بيان قانون وهو دعاء الرسول مقدمة للنصر وفيه ترغيب بالدعاء , في ساعة الحرج والمحنة والضرورية .
وتدل السنة النبوية الفعلية في المقام على إلحاح النبي صلى الله عليه وآله وسلم عشية وصبية يوم بدر , وهو من الشواهد على صدق نبوته , وأنه رسول من عند الله عز وجل , ولا يرجو إلى فضله تعالى , وهو لا يتعارض مع الخطط والتهئ للقتال حتى قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (الحرب خدعة) .
ولا يتبادر من هذا الحديث النبوي إلا الرحمة , وأن الخدعة للتحفيف عن المسلمين والناس جميعاً , ومنع التمادي في سفك الدماء كما يدل عليه أوان ومناسبة صدور هذا الحديث من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وعن ابن إسحاق (إنّ نعيم بن مسعود بن عامر بن (أنيف) بن ثعلبة بن قنفذ بن هلال بن حلاوة بن أشجع بن زيد بن غطفان أتى رسول الله {صلى الله عليه وآله وسلم} فقال : يا رسول الله إنّي قد أسلمت وإنَّ قومي لم يعلموا بإسلامي فمرني بما شئت، فقال له رسول الله صلّى الله عليه : إنّما أنت فينا رجل واحد،
فخَذِّل عنّا إنْ استطعت فإنّ الحرب خدعة. فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة، وكان لهم نديماً في الجاهلية .
فقال لهم : يا بني قريظة، قد عرفتم ودّي إيّاكم وخاصّة ما بيني وبينكم، قالوا : صدقت لست عندنا بمتّهم، فقال لهم : إنّ قريشاً وغطفان جاءوا لحرب محمّد، وقد ظاهرتموهم عليه، وإنّ قريشاً وغطفان ليسوا (كهيئتكم)، البلد بلدكم به أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم لا تقدرون على أنْ تحولوا عنه إلى غيره، وإنّ قريشاً وغطفان أموالهم وأبناؤهم ونساؤهم بغيره، وإنْ رأوا نهزة وغنيمة أصابوها، وإنْ كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل، والرجل ببلدكم لا طاقة لكم به إنْ خلا بكم، فلا تقاتلوا القوم حتى تأخذوا رهناً من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم على أنْ يقاتلوا معكم محمّداً حتى تناجزوه .
فقالوا : لقد أشرتَ برأي ونصح. ثمّ خرج حتى أتى قريشاً فقال لأبي سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش : يا معشر قريش قد عرفتم ودّي إيّاكم وفراقي محمّداً,وقد بلغني أمر رأيت أنَّ حقّاً عليَّ أنْ أبلّغكموه نصحاً لكم فاكتموا عليَّ. قالوا : نفعل.
قال : تعلمُون أنَّ معشر اليهود قد ندموا على ما صنعوا في ما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه، أنْ قد ندِمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك عنّا أنْ نأخذ من القبيلتين من قريش وغطفان رجالاً من أشرافهم (فنعطيكم) فتضرب أعناقهم، ثمّ نكون معك على من بقي منهم؟
وهو يوم لا يُعمل فيه شيئاً، وكان قد أحدث بعضنا فيه حدثاً فأصابه ما لم يخفَ عليكم ولسنا مع ذلك بالذي نقاتل معكم حتى تعطونا رهناً من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمّداً، فإنّا نخشى إنْ (ضرستكم) الحرب واشتدّ عليكم القتال تسيروا إلى بلادكم, وتتركونا والرجل في بلدنا ولا طاقة لنا بذلك من محمّد.
فلمّا رجعت إليهم الرسل بالذي قالت بنو قريظة، قالت قريش وغطفان : تعلمون والله إنّ الذي حدّثكم نعيم بن مسعود لحقّ،فأرسلوا إلى بني قريظة،
إنّا والله لا ندفع إليكم رجلاً واحداً من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال،
فاخرجوا فقاتلوا.
فقالت بنو قريظة حين انتهت الرسل إليهم بهذا : إنّ الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحقّ، ما يريد القوم إلاّ أنْ تقاتلوا، فإنْ وجدوا فرصة انتهزوها،
وإنْ كان غير ذلك إنشمروا إلى بلادهم وخلّوا بينكم وبين الرجل في بلادكم،
فأرسلوا إلى قريش وإلى غطفان : إنّا والله لا نقاتل معكم حتّى تعطونا رهناً،
فأبوا عليهم وخذل الله بينهم، وبعث الله تعالى عليهم الريح في ليال شاتية شديدة البرد، حتّى انصرفوا راجعين والحمد لله ربّ العالمين.) ( ),( ).
الخامس : من خصائص النعمة الإلهية أنها إذا نزلت لا تغادر الأرض , إذ تبقى في ملك الله عز وجل , وفي التنزيل [وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ] ( ) ويحتمل نصر المسلمين في معركة بدر جهات :
الأولى : إنه قضية في واقعة , وحدث ثم في نهار السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة .
الثانية : النصر في معركة بدر حدث عقائدي , وغلبة للإيمان على الكفر .
الثالثة : شمول منافع ورشحات النصر في معركة بدر لأيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في معركة بدر إلى يوم القيامة .
والمختار هو الأخيرة أعلاه ويدل عليه الأثر العظيم لهذا النصر في تثبيت معالم الهدى وسنن التقوى , لذا فإن الخطاب في آية (ببدر) شامل لكل المسلمين , بقوله تعالى [فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]( ) فيجب على كل جيل من المسلمين أوان :
أولاً : تقوى الله عز وجل , والخشية منه سبحانه لأنه هو الذي نصرهم وجعلهم أعزة , يقفون خمس مرات صفوفاً متراصة بين يدي الله عز وجل خمس مرات في اليوم , وهو من أبهى مظاهر التقوى .
و(عن أبي أمامة قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سرية من سراياه ، فمر رجل بغار فيه شيء من ماء ، فحدث نفسه بأن يقيم في ذلك الماء فيتقوّت مما كان فيه من ماء ، ويصيب مما حوله من البقل ، ويتخلى من الدنيا ، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم .
فقال : إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية ولكني بعثت بالحنيفية السمحة ، والذي نفس محمد بيده لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها ، ولمقام أحدكم في الصف خير من صلاته ستين سنة)( ).
ثانياً : شكر المسلمين في كل جيل لله عز وجل على النصر في معركة بدر على مشركي قريش الذين أصروا على القتال , وأرادوا قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإغارة على المدينة .
فلو انهزم المسلمون في معركة بدر خاصة وأن عددهم اقل من ثلث مجموع جيش المشركين وأكثرهم مشاة على الأرض .
فهل يقف المشركون عند ماء بدر أم يزحفون إلى المدينة وهي ليست بعيدة عنهم فبينهم حينئذ وبينها (150)كم , المختار هو الثاني لإرادتهم استئصال الإسلام , سبي النساء , وبيان مسألة وهي أن المقاصد الخبيثة لقريش مستمرة , وأن موضوع قوله تعالى [وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ]( ) مستمر حتى بعد الهجرة .
وتحتمل جهة الخطاب وصيغة الجمع في قوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ] ( ) إرادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لبيان إكرام الله عز وجل له ، وكذا تستعمل صيغة الجمع للتفخيم والتعظيم .
وينخرم هذا الوجه بقانون نؤسسه بخصوص آيات القرآن ودلالاتها وهو أن لغة الجمع فيه تنحصر بالله عز وجل ، قال تعالى [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ] ( ) .
وقد ورد الخطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بصيغة المفرد مع الشهادة من الله عز وجل له بالرسالة العامة , بقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ] ( ) وقوله تعالى [يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ] ( ) .
وبصيغة [يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ] ومنها [يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ] ( )وقوله تعالى [يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ] ( ) آيتان متتاليتان تتضمن كل منهما ذات النداء التشريفي .
[وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ] .
ولم يرد في القرآن نداء (يا محمد) وفيه إكرام آخر للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى [لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] ( ) , إنما الخطاب عام للمسلمين .
ويحتمل القصد على المعركة وجوهاً :
الأول : وجود القصد للقتال عند الطرفين .
الثاني : وجود القصد للقتال عند طرف واحد ، وهو على شعبتين :
الأولى : قصد المسلمين القتال .
الثانية : قصد المشركين للقتال .
الثالث : عدم وجود قصد للقتال عند أي من الطرفين ، وقد تقع المعركة من غير تبييت النية أو الترصد.
الرابع : وجود قصد للقتال من طرف ثالث من قبل :
فتبدى لهم ابليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم الكنانى المدلجى وكان من اشراف بنى كنانة فقال انا جار لكم من ان تأتيكم كنانة من خلفكم بشئ تكرهونه فخرجوا سراعا.
وذكر ابن عقبة وابن عائذ في هذا الخبر واقبل المشركون ومعهم ابليس لعنه الله في صورة سراقة يحدثهم ان بنى كنانة وراءه وقد اقبلوا لنصرهم وان لا غالب لكم اليوم من الناس وانى جار لكم) ( ).
أولاً : إثارة بعض المنافقين لقريش على القتال خاصة وأن المهاجرين ملأوا المدينة .
ثانياً : قيام بعض القبائل الذين حول المدينة بتحريض قريش على الغزو والقتال، وفي التنزيل [وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لاَ رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ] ( ).
ثالثاً : تحريض بعض أهل الكتاب لقريش على قتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما لو ذهب بعض رجالات يهود المدينة إلى قريش وأمدوهم بالمال .
رابعاً : الشيطان ، إذ كان ابليس حاضراً في المعركة ، (قال ابن اسحق: ولما فرغوا من جهازهم واجمعوا السير ذكروا ما بينهم وبين بنى بكر بن عبد مناة بن كنانة من الحرب فقالوا انا نخشى ان يأتونا من خلفنا
والمختار هو الشعبة الثانية من الوجه الثاني أعلاه , ولا يمنع من أفراد الوجه الرابع أعلاه مع الدليل ، وحتى بالنسبة لابليس فهو لم يأت لقريش إلا بعد أن تجهزوا للقتال لإقامة الحجة عليهم وأن خروجهم لمحاربة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان بقصد وتبييت النية والترصد .
وكان نفر من رجالهم يمشون بين الناس ويذمون ويوبخون من ينوي التخلف عن الخروج .
فمثلاً خرج سعد بن معاذ معتمراً قبل معركة بدر ، وكان سيد الأوس في يثرب من قبل هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إليها ، ولما أسلم سعد على يد مصعب بن عمير أسلمت معه بنو عبد الأشهل .
فلما وصل سعد بن معاذ إلى مكة نزل في ضيافة أمية بن خلف وهو من كبراء قريش فأتاه أبو جهل وقال له بحضور سعد بن معاذ (أتنُزل هذا( )، وقد آوى محمداً وآذناً بالحرب؟ .
فقال سعد بن معاذ: قل ما شئت، أما إن طريق عيركم علينا. قال أمية بن خلف: مه، لا تقل هذا لأبي الحكم، فإنه سيد أهل الوادي! قال سعد بن معاذ: وأنت تقول ذلك يا أمية، أما والله لسمعت محمداً يقول لأقتلن أمية بن خلف. قال أمية: أنت سمعته؟ قال، قلت: نعم. قال: فوقع في نفسه) ( ) .
أي كادت فرائصه ترتعد ، وأدرك أن كلام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حق وصدق .
وهو إنذار ووعيد بعد شدة الأذى الذي لاقاه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من أمية بن خلف في مكة الذي بالغ وأفرط في تعذيب بلال لإسلامه ، وحينما وقعت معركة بدر كان سعد بن معاذ هو حامل راية الأنصار .
وعن السدي في قوله تعالى (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا ” , قَالَ: نَزَلَتْ فِي عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ, كَانَ قَدْ غَشِيَ مَجْلِسَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ وَهَمَّ أَنْ يُسْلِمَ فَلَقِيَهُ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ.
فَقَالَ: يَا عُقْبَةُ بَلَغَنِي أَنَّكَ قَدْ صَبَوْتَ فَتَبِعْتَ مُحَمَّدًا,
فَقَالَ: فَعَلْتُ, قَالَ: فَوَجْهِي مِنْ وَجْهِكِ حَرَامٌ حَتَّى تَأْتِيَهُ فَتَتْفُلَ فِي وَجْهِهِ وَتَتَبَرَّأَ مِنْهُ فَيَعْلَمَ قَوْمُكَ أَنَّكَ عَدُوٌّ لِمَنْ عَادَاهُمْ, وَفَرَّقَ عَلَيْهِمْ جَمَاعَتَهُمْ.
فَأَطَاعَهُ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ فَتَفَلَ فِي وَجْهِهِ وَتَبَرَّأَ, فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ, فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ يُخْبِرُ بِمَا هُوَ صَائِرٌ إِلَيهِ مِنَ النَّدَامَةِ وَتَبَرُّئِهِ مِنْ خَلِيلِهِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ, فَقَالَ: ” وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا) ( ).
ولما جاء النفير إلى أمية بالخروج مع قريش إلى بدر للقتال استحضر أمية قول سعد بن معاذ وتهديد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فتردد في الخروج ، ليكون هذا التهديد في مفهومه ودلالته زجراً لأمية بن خلف ومانعاً له ولغيره من الخروج إلى معركة بدر ، وهو من عمومات قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ).
ولكن جاء عقبة بن أبي معيط وأبو جهل إلى أمية ، ومع الأول مجمرة فيها بخور ، ومع الثاني مكحلة ومرود( ) .
فأدخل عقبة المجمرة تحت أمية بن خلف وقال : تبخر فانما انت امرأة .
وقدم له أبو جهل المُكحُلة بضم الميم والحاء والمِرود بكسر الميم ، وقال : أكتحل فانما أنتَ امرأة .
فقال أمية حينئذ (ابتاعوا لي أفضل بعيرٍ في الوادي. فابتاعوا له جملاً بثلاثمائة درهم من نعم بني قشير، فغنمه المسلمون يوم بدر، فصار في سهم خبيب بن يساف) ( ).
ويدل هذا الخبر ونحوه على أن عدداً من رجالات قريش يكرهون الخروج إلى بدر ومنهم من أخرج بديلاً عنه لقاء عوض من المال (قالوا: وما كان أحد ممن خرج إلى العير أكره للخروج من الحارث بن عامر.
وقال: ليت قريشاً تعزم على القعود، وأن مالي في العير تلف، ومال في بني عبد مناف أيضاً.
فيقال: إنك سيد من ساداتها، أفلا تروعها ( )عن الخروج؟
قال: إني أرى قريشاً قد أزمعت على الخروج، ولا أرى أحداً به طرق( ) تخلف إلا من علة، وأنا أكره خلافها.
وما أحب أن تعلم قريش ما أقول الآن، مع أن ابن الحنظلية رجل مشئوم على قومه، ما أعلمه إلا يحرز قومه أهل يثرب.
ولقد قسّم مالاً من ماله بين ولده، ووقع في نفسه أنه لا يرجع إلى مكة. وجاءه ضمضم بن عمرو، وكانت للحارث عنده أيادٍ،
فقال: أبا عامر، رأيت رؤيا كرهتها، وإني كاليقظان على راحلتي، وأرى كأن واديكم يسيل دماً من أسفله إلى أعلاه.
قال الحارث: ما خرج أحدٌ وجهاً من الوجوه أكره له من وجهي هذا. قال: يقول ضمضم له: والله، إني لأرى أن تجلس.
فقال الحارث: لو سمعت هذا منك يتيمنون به.
قالوا: فكيف نصنع بالرجوع إن نرجع؟
قال الأخنس: نخرج مع القوم، فإذا أمسيت سقطت عن بعيري فتقولون نهش الأخنس! فإذا قالوا امضوا فقولوا لا نفارق صاحبنا حتى نعلم أهو حي أم ميت فندفنه، فإذا مضوا رجعنا) ( ).
وفيه شاهد على عزم قريش على القتال قبل أن يخرجوا إلى بدر وأنهم يريدون قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واستئصال الإسلام بذريعة الدفاع عن قافلة أبي سفيان .
لقد خرج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى معركة بدر من المدينة ، ولم يقصد القتال وتلاحم الصفين بمعركة بدر .
وقد تقدم أنه خرج وليس معه سيف مما يدل على أنه لا يريد القتال ، إنما كان يخرج في كتائب حول المدينة للتوقي والتبليغ العملي باقامة الصلاة وايصال رسالة سلام إلى القرى والقبائل حول المدينة ، والإحتراز من الهجمات المباغتة خاصة وأن قريشاً كانت تبعث التهديد تلو التهديد إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم واصحابه .
حتى أنه حينما عاد من المعركة منتصراً ، خرج عدد من وجهاء الأنصار لإستقباله والإعتذار إليه عن تخلفهم عنه بأنهم لم يظنوا بأن قتالاً قد يقع فقبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم اعتذارهم .
فان قيل قد ورد قوله تعالى [وَإِذْ يَعِدُكُمْ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ*لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ] ( ) .
والجواب أن الشوكة هي السلاح والقوة مستعارة من حدة الشوك ومنه قول شائك , سميت به لحدتها وأنها واقية لأصحابها ، والمعنى أن الصحابة يحبون الطائفة التي ليس فيها قتال ، وصرف المعنى إلى قافلة أبي سفيان .
ولم يرد لفظ (شوك ) أو( شوكة ) أو (الشوكة ) في القرآن إلا في هذه الآية من سورة الأنفال ، وبما أن معنى الشوك هو السلاح والقوة فان الآية دليل على مقدمة إنقطاع قريش والكفار , بهزيمتهم في معركة بدر , وهو الذي تدل عليه الوقائع التالية لها .
فلم ينتصر بعدها المشركون في معركة مع أنهم كانوا يبذلون على المعركة ومقدماتها والإستعداد لها نحو مائة ضعف لما ينفقه المسلمون عليها سواء في معركة بدر أو أحد أو الخندق ، وقد يستغرب بعضهم هذا التقدير المستحدث منا ، ولكن كانت قريش تملك آلاف الإبل للتجارة بين مكة والشام ، وبين مكة واليمن وغيرها ، فمثلاً كانت قافلة أبي سفيان تتألف من ألف بعير ، وليس معها إلا أربعون رجلاً ، وهو من أسباب رغبة مرور المسلمين القاء بها أو حيازتها .
والود كيفية نفسانية علم الله بها في قلوب المسلمين فأخبر عنه في القرآن.
فمثلاً في كتيبة بواط والتي تسمى غزوة بواط خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعه مائتان من أصحابه في شهر ربيع الأول إلى بواط وهي قريبة من مدينة ينبع التي تبعد عن المدينة المنورة 230 كم وبَواط بفتح أوله اسم جبل كبير لجهينة من ناحية رضوى ، وتبعد عن مكة نحو أربعمائة كم.
وكتيبة بواط هذه قبل معركة بدر بنحو سبعة أشهر ، ومرت قريباً منهم قافلة أمية بن خلف وعير لقريش بتلك المنطقة تتألف من ألفين وخمسمائة بعير محملة بالبضائع قادمة من الشام ، وليس معها إلا مائة رجل ، ومع هذا لم يتعرض لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، ولو شاء الله لأخبر النبي صلى الله عليه ولآله وسلم بموضع اللقاء بها والإستيلاء عليها عوضاً وبدلاً لأموال المهاجرين التي أخذت منهم في مكة قبل أن تصل النوبة إلى العدالة الإنتقالية ، وما لاقاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه من الحصار والأذى الشديد من قريش .
بحث أصولي تنقيح المناط
قال تعالى[وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ] ( ).
لقد ابتدأ نظم المصحف الذي بين الدفتين بقوله تعالى [بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ]( ) لبيان سعة رحمة الله عز وجل بالناس والخلائق كلها ، ثم جاءت الآية الثالثة من سورة الفاتحة بقوله تعالى [الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] ( ) لتأكيد رحمة الله ، ودعوة الناس للتدبر في مصاديق رحمته تعالى الظاهرة والباطنة ، والسابقة والحاضرة واللاحقة ، ومن التأكيد الفعلي تلاوة كل مسلم ومسلمة لهذه الآيات سبع عشرة مرة في كل يوم من أيام التكليف في الصلاة الواجبة ، وفيه مسائل :
الأولى : كل من آية البسملة وآية [الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] ( ) وعد من الله عز وجل ، ومن فضل الله عز وجل أن يجعل وعده ظاهراً جارياً على الألسن لبيان قانون وهو أن الله سبحانه يحب تنجز وعده وتطلع الناس لتحققه .
الثانية : التذكير برحمة الله بالناس في الدنيا والآخرة .
الثالثة : ترغيب الناس بالدعاء والتضرع إلى الله عز وجل .
الرابعة : كتابة الحسنات للمسلمين وإثابتهم من فيوضات رحمة الله لتسليمهم بأنه الرحمن الرحيم .
الخامسة : بيان قانون وهو نزول رحمة الله في كل آن وساعة من ساعات الحياة الدنيا (عن زيد بن أسلم : قال : كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بعض أسفاره فأخذ رجل فرخ طائر فجاء الطير فألقى نفسه في حجر الرجل مع فرخه فأخذه الرجل فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم :
عجبا لهذا الطائر جاء فالقى نفسه في أيديكم رحمة لولده فو الله لله أرحم بعبده المؤمن من هذا الطائر بفرخه) ( ).
السادسة : تذكير الناس بحاجتهم لرحمة الله ، وأنها قريبة منهم ، ليس من حاجب أو برزخ دونها ، قال تعالى [وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ] ( ).
والبسملة في أول سورة الفاتحة آية منها ، وقد أختلف في جزئيتها من الفاتحة ، كما أختلف في جواز قراءتها جهراً أو سراً أو عدم قراءتها ، وقد بيناه في الجزء الأول من التفسير( ) .
والإجماع على أنها جزء من القرآن لأن المصحف الإمام ليس فيه حرف من غير القرآن النازل من عند الله ، كما ورد في آية من سورة النمل [إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِاِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] ( ).
وإدراك قانون وهو أن رحمة الله في الآخرة أكبر وأعظم من وجوه منها :
الأول : العفو ، من أسماء الله (العفو) وهو الذي يتجاوز عن الذنوب والسيئات (عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إذا فرغ الله من القضاء بين الخلق أخرج كتاباً من تحت العرش : إن رحمتي سبقت غضبي وأنا أرحم الراحمين ، فيقبض قبضة أو قبضتين فيخرج من النار خلق كثير لم يعملوا( ) خيراً : مكتوب بين أعينهم عتقاء الله) ( ).
الثاني : المغفرة ، ومحو الذنوب , قال تعالى [نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ] ( ).
الثالث : الشفاعة ، ومنها شفاعة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وشفاعة القرآن وجميع الأنبياء والرسل ، وهل لتكذيب الناس برسالاتهم موضوعية في شفاعة الأنبياء لأصحابهم وأنصارهم ، الجواب نعم .
لتكون هذه الشفاعة من جزاء الله عز وجل لهم على ما لاقوه من الأذى ، والشفاعة وأسبابها عديدة ، وهذا التعدد من مصاديق رحمة الله و (عن أنس قال : توفي ابن لعثمان بن مظعون فاشتد حزنه عليه ، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : إن للجنة ثمانية أبواب وللنار سبعة أبواب ، أفما يسرك أن لا تأتي باباً منها إلا وجدت ابنك إلى جنبك ، آخذاً بحجزتك يشفع لك إلى ربك؟ قال : بلى .
قال المسلمون : يا رسول الله ولنا في افراطنا ما لعثمان؟ قال : نعم ، لمن صبر منكم واحتسب) ( ).
الرابع : الستر ، ودفع أسباب الفضيحة والخزي ، قال تعالى [وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ]( ) .
الخامس : مضاعفة ثواب الحسنات مع حاجة العبد لها في الآخرة ، قال تعالى [مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا] ( ) ومنها ثواب تلاوة القرآن.
ومن رحمة الله عز وجل نزول القرآن وتكامل أحكامه ، ومناسبتها وصلاحها لكل زمان ومكان , وإن كثرت وتفرعت الحوادث والوقائع ، وسعى العلماء في وضع ضوابط وقواعد في علم الأصول للوقائع التي لابد أن يستنبط لها حكم من القرآن والسنة، وهذا القول منا أفضل من القول المكرر أنه يتعلق في الحوادث المسكوت عنها ، ومنها إستقراء العلة وتعديها إلى موضوع مشابه مثل حرمة الخمر للإسكار , فكل مسكر حرام باللجوء إلى :
الأول : النص .
الثاني : مناسبة الموضوع والحكم , وقد أنعم الله عز وجل علينا بباب مستحدث في علم التفسير وهو (علم المناسبة ) ويرد في تفسير كل آية بلحاظ الإتحاد اللفظي بين آية البحث وآيات أخرى من القرآن , وما يترشح عنها من العلوم .
الثالث : الإشارة والإيماء .
الرابع : تنقيح المناط .
والتنقيح لغة : القَشر .
و(النَّقْحُ: تَشْذِيبُك عن العَصَا أُبَنَها، وكذلك في كلِّ أذىً نَحَّيْتَه: فقد نَقَّحْتَه. ونَقَحَ العَظْمَ ونَقَّحْه: اسْتَخْرَجَ مُخَّه. وصَاقُوْرَةٌ نَاقِحَةٌ: يُكْسَرُ بها الحَجَرُ. وناقَحَ فلانٌ فلاناً بالكلام مُنَاقَحَةً أي سابَّه. ونَقَّحَهُم الدَّهْرُ تَنْقِيحاً: ألمَّ بهم. ورَجُلٌ مُنَقَّحٌِ ومُوَقَّحٌ: مُجَرَّبٌ أصَابَتْه البلايا) ( ).
(تَنْقيحُ الشِعر: تهذيبه. يقال: خيرُ الشِعر الحَوْليُّ المُنَقَّحُ) ( ).
والمعنى الجامع هو نزع الزوائد .
والمناط محل التعليق ، ويقال ناط الشئ بالشئ .إذا ألصقه وعلّقه , والجمع أنواط والمراد من المناط في الإصطلاح هو العلة لإناطة الشارع الحكم بها , فيكون من معنى تنقيح المناط نزع الزوائد وما ليس له صلة في موضوع الحكم به , وكأنه من باب تقريب المعقول بالمثال من المحسوس .
وهناك مسائل :
الأولى : تنقيح المناط طرح ما لا موضوعية له في العلة .
الثانية :تخريج المناط تعيين العلة عند تجلي المناسبة , وهو من أقسام الإجتهاد في العلة ، ويكون الحكم معه لأوصاف ظاهرة ومصاحبة له ، فيقوم المجتهد باستخراج الوصف المناسب لتعليل الحكم ، ليدور الحكم على وجود العلة بعد تعيينها ، فيثبت الحكم مع وجودها ، وينتفي مع إنتفائها ، وليس في القرآن مادة (نقح) و(تنقيح ) أو (مناط) .
الثالثة : منهم من جعل تنقيح المناط أحد فروع القياس بأنه لا يفرق عن الحاق الفرع بالأصل في القياس إلا حذف الزوائد ، فحينما يلغى الفارق يشتركان في الحكم اشتراك الفرع والأصل .
والمختار أن النسبة بينهما هي العموم والخصوص من وجه.
الرابعة : تحقيق المناط هو الإتفاق على علة الحكم بالدليل من القرآن أو السنة أو الإجماع ، ثم يقوم المجتهد في البحث والتحقيق عنها وتطبيقها على آحاد الصور .
وتخريج المناط أصعب من تنقيح المناط ومن تحقيق المناط لأنه يتعلق بوجود حكم من غير أن تذكر العلة فيه ، فيقوم المجتهد باستخراج واستقراء الحجة ، ووجودها في الفرع .
إلا أن يثبت ذات الحكم من طريق إجتهادي آخر ، فمثلاً قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء ، البر بالبر ربا إلا هاء وهاء ، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء ، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء) ( ).
ومعنى هاء الأولى في الحديث أعلاه : أي خذ , ومعنى هاء الثانية أعلاه قول الآخر هات , لإرادة قانون وهو التقابض في المجلس قبل التفرق ، وهذا القانون يقي من الربا وحرمته ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] ( ) وقد صدرت أربعة أجزاء من تفسيري للقرآن خاصة بهذه الآية ( ).
ويدل عليه ما ورد (عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذهب بالذهب مثل بمثل يد بيد ، والفضة بالفضة مثل بمثل يد بيد ، والتمر بالتمر مثل بمثل يد بيد ، والبُر بالبُر مثل بمثل يد بيد ، والشعير بالشعير مثل بمثل يد بيد ، والملح بالملح مثل بمثل يد بيد ، من زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي سواء) ( ).
ولابد من تطبيقات فقهية لتنقيح المناط ، ومنها على سبيل المثال .
ومنها ما روي عن أبي هريرة أن رجلاً جاء إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (فَقَالَ هَلَكْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَمَا ذَاكَ قَالَ وَاقَعْتُ أَهْلِي فِي رَمَضَانَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ وآله عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أَتَجِدُ رَقَبَةً ،قَالَ :لَا .قَالَ :أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ قَالَ لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ .
قَالَ أَفَلَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ، قَالَ لَا أَجِدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ فَأُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ بِعَرْقٍ وَالْعَرْقُ الْمِكْتَلُ فِيهِ تَمْرٌ .
قَالَ اذْهَبْ فَتَصَدَّقْ بِهَا فَقَالَ عَلَى أَفْقَرَ مِنِّي وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ اذْهَبْ بِهِ إِلَى أَهْلِكَ) ( ).
فالحكم هنا وجوب الكفارة لوطئ الزوجة في نهار شهر رمضان ، فلو جامع سريته فذات الحكم باق أما لو كان زنا فهو أشد .
وأختلف جمع من الفقهاء في مناط الحكم على قولين :
الأول : أنه الجماع بعينه فلا يتعدى إلى المفطرات الأخرى .
الثاني : شمول الحكم للأكل والشرب لعمومات هتك شهر رمضان .
والمختار هو الثاني أعلاه .
قال أحمد والشافعي بالأول أعلاه ، وأنه لا تجب الكفارة على من أكل أو شرب عامداً في شهر رمضان ، واستدلوا بأن شهوة الأكل والشرب يمنعها الدين ، أما شهوة الجماع فقد لا يمنعها ويدفعها الدين ، فشرعت الكفارة للزجر والورع عنها ، فاذا تذكر الزوج الكفارة امتنع عن الجماع .
وأن الكفارة مناسبة للتكفير عن المعصية ، وهي مناسبة لمن نقض صومه بالجماع .
وذهب أبو حنيفة ومالك وأكثر أصحابهما إلى القول الثاني أعلاه للإطلاق في علة حكم الكفارة ، وهو فساد الصوم ، فلا يكون مناط الحكم الجماع ، وحده إنما المناط هو الإخلال العمدي بالصوم .
فقالوا بالكفارة على من أكل أو شرب عمداً في شهر رمضان ، فذكر الجماع في الحديث من باب الوسيلة والسبب لنقض الصيام ، مثل حكم القصاص ، فمناطه هو القتل العمد ، سواء كانت الآلة هي السيف أو طلقة البندقية أو غيرها من أسباب القتل ، قال تعالى [وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ] ( ).
ولأن حكم القرآن باق إلى يوم القيامة وذات الحديث أعلاه ورد عن الإمام جعفر الصادق (أنه سئل عن رجل أفطر يوما من شهر رمضان متعمدا ؟
فقال : إن رجلا أتى النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فقال : هلكت يا رسول الله ! فقال : مالك ؟ قال : النار يا رسول الله ! قال : ومالك ؟
قال : وقعت على أهلي ، قال : تصدق واستغفر فقال الرجل : فوالذي عظم حقك ما تركت في البيت شيئا ، لا قليلا ولا كثيرا ، قال : فدخل رجل من الناس بمكتل من تمر فيه عشرون صاعا يكون عشرة أصوع بصاعنا .
فقال له رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : خذ هذا التمر فتصدق به .
فقال : يا رسول الله على من أتصدق به وقد أخبرتك أنه ليس في بيتي قليل ولا كثير ، قال : فخذه واطعمه عيالك واستغفر الله .
قال : فلما خرجنا قال أصحابنا : إنه بدأ بالعتق ، فقال : أعتق ، أو صم ، أو تصدق) ( ) .
ومناط حكم الكفارة هو الإفطار العمدي مطلقاً , حتى وإن كان بالأكل والشرب وليس الجماع وحده ، ويدل النص على عموم الحجة عن رجل أفطر يوماً من شهر رمضان متعمداً ، قال يتصدق بعشرين صاعاً ويقضي مكانه ، والصاع نحو ثلاثة كيلو غرام ، ولكن وردت النصوص أنه يطعم كل مسكين مّداً ، وهو ثلاثة أرباع الكيلو ، فيكون المجموع خمسة وأربعين كيلو غرام عن اليوم الواحد .
وعنه عليه السلام (في رجل أفطر من شهر رمضان متعمدا يوما واحدا من غير عذر ، قال : يعتق نسمة ، أو يصوم شهرين متتابعين ، أو يطعم ستين مسكينا ، فان لم يقدر تصدق بما يطيق) ( ) .
فجعل الإمام عليه السلام الكفارة تخييرية ، العتق ، أو الشهرين ، أو الستين مع قضاء ذات اليوم , ومن الفقهاء من جعلها ترتيبية العتق ثم الشهرين ، ثم الستين .
ويكون مجموع كفارة افطار الشهر عن عمد هو (1350) كغم , ومنهم من جعل تنقيح المناط أقوى حجة من القياس ، والمراد من المناط هو العلة كما تقدم , وتنقيحها حذف الأوصاف التي لا مدخل لها في موضوع الحكم .
وقيل بأن النسبة بين تنقيح المناط والسّبر والتقسيم هي التساوي ، ولكن المشهور والمختار أن هناك فرقاً بينهما وإن التقيا في بعض الخطوات ، فالنسبة بينهما هي العموم والخصوص من وجه .
فهناك مادة للإلتقاء ، وأخرى للإفتراق بينهما .
وتخريج المناط هو النظر والإجتهاد في اثبات علة الحكم ، إذا جاء النص ببيان الحكم من غير ذكر علته .
ويستخرج المجتهد علة الحكم باستنباطه ، ورجوعه إلى القرآن والسنة فشرب الخمر حرام ، وعليه الكتاب والسنة والإجماع .
أما تحقيق المناط فهو التحقيق بالعلة , ومن الفقهاء كالشاطبي لم يحصر تحقيق المناط بالعلة ولم يحصره بالنص والإجماع , بل جعل معه الإستنباط والقواعد الكلية .
ولكن مشهور الأصوليين حصر تحقيق المناط بالعلة وعن طريق النص ومن معاني هذا الحصر اختصاص المجتهد به أو الإجماع وتحقيق المناط على قسمين :
الأول : تحقيق مناط علة القاعدة الكلية التي ورد النص أو الإجماع فيها , وعليه الإجماع , والعقل .
الثاني : تحقيق مناط العلة , وهو من القياس الجلي.

الغزو في تأريخ العرب
من فضل الله عز وجل على الناس أنه ليس من أمة إلا وفيها نذير يزجرها عن الغزو والقتل والنهب ، سواء كان هذا النذير نبياً أو ولياً ، أو أتباع نبي يهتدون بهداه ،قال تعالى [إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خلاَ فِيهَا نَذِيرٌ] ( ).
و(عن أبي ذر قال : قلت : يا رسول الله كم الأنبياء؟
قال : مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألفاً . قلت : يا رسول الله كم الرسل منهم؟ قال : ثلثمائة وثلاثة عشر جم غفير . قال : يا أبا ذر أربعة سريانيون : آدم ، وشيث ، ونوح ، وخنوخ وهو إدريس ، وهو أوّل من خط بقلم ، وأربعة من العرب : هود ، وصالح ، وشعيب ، ونبيك ، وأوّل نبي من أنبياء بني إسرائيل موسى ، وآخرهم عيسى ، وأوّل النبيين آدم ، وآخرهم نبيك .
أخرجه ابن حبان في صحيحه وأخرجه ابن الجوزي في الموضوعات .
وهما في طرفي نقيض ، والصواب أنه ضعيف وليس موضوعاً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي أمامة قال : قلت : يا نبي الله كم الأنبياء؟ قال : مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً ، الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جماً غفيراً) ( ).
وهود وصالح من العرب العاربة وهم قبل إسماعيل الذي هو من العرب المستعربة .
وبلاد العرب يشمل في القديم المدن والحضر والقبائل بأنظمتها والبدو في الجزيرة العربية واليمن والهلال الخصيب وبادية الشام .
ويقسم العرب في تأريخهم إلى قسمين , والعرب أمة عظيمة من الناس سامية الأصل , والنسب إليها عربي ولسانهم عربي , واللغة عربية , وفي التنزيل [بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ]( ) وحرصوا على توارث المحافظة على النسل والتراث وأماكن السكن في الجزيرة العربية , وصمدت الأمة العربية أمام الغزو والإحتلال وتفتخر بأنسابها , وتتصف بالفصاحة والبيان .
لذا كان إعجاز القرآن في بلاغته لما فيه من التحدي لهم .
ويقال للذي يتكلم اللغة العربية وليس عربياَ : العرباني , وجمع العربي عرب , أعرُب , عُرُب , عُروب.
والأعراب سكان البادية , والجمع الأعاريب أي جماعة الأعراب( ) من جهة القدم الزماني :
الأولى : العرب البائدة أي المنقرضة وهم الذين أنقرضوا كقوم عاد وثمود ، ويؤكد القرآن هذا المعنى للهلاك العام الذي أحاط بهم إلا من أنجاه الله عز وجل من الأنبياء وأتباعهم ، وفي عاد قال تعالى [وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ] ( ) .
وفي ثمود ورد قوله تعالى [فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ] ( ) .
ليكون من اللطف الإلهي بقاء طائفة من القوم يؤمنون بالله وتتكاثر ذريتهم ليختلطوا مع القبائل الأخرى ، ليكونوا نواة للإيمان بينهم .
ويتوارث الناس أخبار النبوة , وعلوم التنزيل والمعجزات الخارقة التي جاء بها الأنبياء , وتعاهدهم لحج البيت الحرام , والبشارة برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : العرب الباقية وهم الذي بقوا وتعاقبوا , لم يلحقهم الفناء , وهم على قسمين :
الأول : القحطانيون : وهم القبائل العربية التي تعود في أصلها إلى جد واحد مشترك هو قحطان ، ويسمى في العهد القديم يقطان .
وقد يسمون أيضاً العرب العاربة ، وهم القبائل التي خرجت من اليمن أو كانت قريبة من ممالك اليمن القديم ، وسكن أكثرهم وسط وجنوب الجزيرة العربية ، ومن خليج عمان إلى نهر الفرات ، ومنها قبيلة مذحج ، وهمدان .
الثاني : العدنانيون , وهم الذين ينتسبون إلى فالج بن عابر , وقيل ينتهي نسبهم إلى سام بن نوح عليه السلام , ومنهم الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وقال ابن الرومي :
قالوا: أبو الصقر من شيبان، قلت لهم: … كلا، لعمري، ولكن منه شيبان
فكم أب قد علا، بابن، ذرى حسب … كما علت، برسول الله، عدنان ( )
كما يقسم العرب إلى :
الأول : العرب البائدة , وهم الذين بادوا وبقي منهم أفراد ومنهم جديس , وأميم , وجاسم , وجرهم الأولى والعمالقة وعبيل ومنهم قوم عاد الذين ينحدرون من نسل عاد بن عوص بن إرم ، وكانت مساكنهم بالأحقاف بين اليمن وعُمان إلى حضرموت ، وفي هود عليه السلام قال تعالى [وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتْ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ] ( ) , وقوم ثمود ، ولم يبق منهم إلا الأطلال والأخبار .
وشرذمة تفرقت في البلاد ليكونوا شهوداً على التأريخ وتفرقوا في الأمصار في الجزيرة والعراق والشام ومصر وبلاد المغرب , فحينما نزل العذاب بثمود لذبحهم الناقة هرب منهم صالح عليه السلام وأصحابه , ونزلوا على رجل من بطن آخر من ثمود فذّب عنهم , وأبى أن يسلّم النبي صالحاَ لهم .
مما يدل على أن العرب البائدة لم يهلكوا جميعاَ , (وقال ابن إسحاق : أتبع السقب ( )أربعة نفر من التسعة الذين عقروا الناقة وفيهم مصدع ابن مهرج وأخوه داب بن مهرج فرمى مصدع بسهم فانتظم قلبه ثمّ جر برجله وأنزله وألقوا لحمه مع لحم أُمّه. فقال لهم صالح : انتهكتم حرمة الله تعالى فأبشروا بعذاب الله ونقمته،
فقالوا له وهم يهزأون به : ومتى ذلك يا صالح وما آية ذلك؟
وكان يسمّون الأيام فيهم الأحد الأوّل والأثنين أُميون والثلاثاء دبار والأربعاء جبار والخميس مؤنس والجمعة غروبة والسبت شيار. وكانوا عقروا الناقة يوم الأربعاء فقال لهم صالح (عليه السلام) حين قالوا ذلك : تصبحون غداء يوم مؤنس( ) ووجوهكم مصفرّة، ثمّ تصبحون يوم غروبة ووجوهكم محمرّة ثمّ تصبحون يوم شيّار ووجوهكم مسودّة، ثمّ يصبحكم العذاب يوم الأوّل، فأصبحوا يوم الخميس ووجوههم مصفرّة كأنّما طليت بالخلوق صغيرهم وكبيرهم ذكرهم وإناثهم، فأيقنوا العذاب وعرفوا أن صالحاً قد صدقهم فطلبوه ليقتلوه( )، وخرج صالح هارباً حتّى لجأ إلى بطن من ثمود،
يقال له : بنو غنم، فنزل على سيّدهم رجل منهم يقال له : نفيل ويكنّى أبا هدب وهو مشرك فغيّبه فلم يقدروا عليه، وقعدوا على أصحاب صالح يعذّبونهم ليدلّوهم عليه. فقال رجل من أصحاب صالح يقال له مبدع بن هرم : يا نبي الله إنّهم ليعذبونا لندلهم عليك أفندلهم؟
قال : نعم ، فدلّهم عليه مبدع فأتوا أبا هدب وكلّموه في ذلك،
فقال : نعم عندي صالح وليس لكم إليه سبيل فأعرضوا عنه وتركوه وشغلهم عنه ما أنزل الله عزّ وجلّ فيهم من عذابه فجعل بعضهم يخبّر بعضاً بما يرون في وجوههم.
فلما أصبحوا صاحوا بأجمعهم : ألا قد مضى يوم من الأجل.
فلمّا أصبحوا اليوم الثاني إذا وجوههم محمرّة كأنّما خُضّبت بالدماء فصاحوا وضجّوا وبكوا وعرفوا آية العذاب،
فلمّا أمسوا صاحوا بأجمعهم ألا قد مضى يومان من الأجل وحضركم العذاب. فلما كان اليوم الثالث إذا وجوههم مسودّة كأنّما طُليت بالنار فصاحوا جميعاً ألا قد حضركم العذاب.
فلمّا كان ليلة الأحد خرج صالح (عليه السلام) من بين أظهرهم ومَنْ أسلم معه إلى الشام فنزلوا رملة فلسطين فلمّا أصبح القوم تكفّنوا وتحنّطوا وكان حنوطهم الصبر والمقر ( )وكانت أكفانهم (الإنطاع) ( ) .
ثمّ ألقوا أنفسهم بالأرض فجعلوا يقلّبون به أبصارهم فينظرون إلى السماء مرّة وإلى الأرض مّرة لا يدرون من أين يأتيهم العذاب.
فلمّا اشتد الضحى يوم الأحد أتتهم صيحة من السماء فيها صوت كلّ صاعقة وصوت كل (شيء) له صوت في الأرض فتقطّعت قلوبهم في صدورهم فلم يبق منهم صغير ولا كبير إلاّ هلك كما قال الله تعالى : {فَأَصْبَحُوا فِى دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ}( ) .
إلاّ جارية منهم مقعدة يقال لها : ذريعة بنت سلق وكانت كافرة شديدة العداوة لصالح (عليه السلام) .
فأطلق الله عزّ وجلّ لها رجلها بعدما عاينت العذاب أجمع، فخرجت كأسرع ما يُرى شيء قط حتّى أنت قزح وهي وادي القرى فأخبرتهم بما (عاينت) من العذاب وما أصاب ثمود ثمّ استسقت من الماء فسُقيت فلمّا شربت ماتت.
وروى أبو الزبير عن جابر بن عبد الله قال : لمّا أُمر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بالحجر في غزوة تبوك قال لأصحابه :لا يدخلن أحدّكم القرية ولا تشربوا من مائهم ولا تدخلوا على هؤلاء المعذّبين إلاّ أن تكونوا باكين خائفين فإن لم تكونوا فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم.
ثمّ قال : أمّا بعد فلا تسألوا رسولكم الآيات، هؤلاء قوم صالح سألوا رسولهم الآية فبعث الله عزّ وجلّ لهم الناقة فكانت ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج فتشرب ماءهم يوماً فيردها وراءهم مرتقى الفصيل حين ارتقى في الغار فعتوا عن أمر ربّهم وعقروها فأهلك الله مَنْ (تحت) أديم السماء منهم إلاّ رجلاً واحداً كان في حرم الله.
قيل : من هو؟
قال : أبو رغال.
فلمّا خرج أصابه ما أصاب قومه (فدفن ههنا) ودُفن معه غصن من ذهب وأراهم قبر أبي رغال فولى القوم فابتدروه بأسيافهم وبحثوا عليه فاستخرجوا ذلك الغصن،
ثمّ قبع رسول الله {صلى الله عليه وآله وسلم} رأسه وأسرع السير حتّى جاز الوادي.
قال أهل العلم : توفي صالح (عليه السلام) بمكّة وهو ابن ثمان وخمسين (سنة فلبث) في قومه عشرين سنة)( ).
الثاني : العرب المستعربة , وهم (الذين دخلوا في العرب العاربة فاستعربوا وتعرّبوا)( ).
ويقال منهم إسماعيل بن إبراهيم الخليل , إذ كان لسانه سريانياَ , وقد وردت كلمة (عربي) احدى عشرة مرة في القرآن , وتتعلق بالقرآن وصفته ولغته , قال تعالى [قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ] ( ) .
وقد وصف القرآن النبي محمداَ صلى الله عليه وآله وسلم بصفات ثناء ومدح , كما أخبر بأنه نبي أميّ , قال تعالى [النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ]( ) .
ولم يرد في القرآن وصف للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنه عربي , ولكن ورد في السنة النبوية وفي أحاديث عديدة بأنه عربي.
و (عن أبي ذر قال : قلت : يا رسول الله كم الأنبياء؟
قال : مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألفاً . قلت : يا رسول الله كم الرسل منهم؟
قال : ثلثمائة وثلاثة عشر جم غفير . قال : يا أبا ذر أربعة سريانيون : آدم ، وشيث ، ونوح ، وخنوخ وهو إدريس ، وهو أوّل من خط بقلم ، وأربعة من العرب : هود ، وصالح ، وشعيب ، ونبيك ، وأوّل نبي من أنبياء بني إسرائيل موسى ، وآخرهم عيسى ، وأوّل النبيين آدم ، وآخرهم نبيك)( ).
وكان عموم العرب والمسلمين يتفاخرون بأن النبي محمداً منهم , ولم يكن آنذاك تقسيم إلى عرب عاربة وعرب مستعربة , ولابد من تحديد الأوان الذي يقسم فيه المؤرخون العرب إلى عاربة ومستعربة .
كما يقسم العرب إلى قسمين :
الأول : القحطانية ، وهم شعبان :
أولاً : سبأ .
ثانياً : حضرموت .
الثاني : العدنانية ، وهم شعبان :
أولاً : ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان .
ثانياً : مضر بن نزار بن معد بن عدنان .
وقد أقام إسماعيل في مكة كما ورد في دعاء إبراهيم عليهما السلام .
ولم يثبت مصطلح العرب البائدة بمعنى انقطاعهم , فلابد من وجود طائفة منهم وان تداخلت مع القبائل الأخرى , وعندما هجم أصحاب معاوية على هيت وعانة , وصعد الإمام علي عليه السلام المنبر في مسجد الكوفة وندب الناس لنصرة أهلهما لم يقم إلا عدي بن حاتم الطائي , فقال الإمام عليه السلام : لا أريد أن أبيد قبيلة من العرب , لبيان التنوع في أفراد الجيش من جهة والنسب وغيره مع أن قبيلة طي ليست في الكوفة وحدها , ومنهم من كان مع جيش معاوية , ولكن قوله عليه السلام هذا درس في حفظ النسل , والله عز وجل أرأف بالناس .
الثاني : العرب العاربة , وهم القبائل التي تعود في أصلها ونسبها إلى يعرب بن قحطان , ويسمون القحطانيين , وكان مسكنهم اليمن وجنوب الجزيرة العربية , ولكن بسبب الجفاف وتآكل سد مأرب والحروب بينهم , وطلب الكلأ هاجرت قبائل وجماعات عديدة منهم إلى أماكن متعددة من الجزيرة , والشام والعراق ، وقد يسمون (العرب العرباء ) ( ) .
قانون آيات السلم محكمة
لم يكن للإنسان أن يعمر الأرض إلا بمشئيته ورضا من الله عز وجل وهو مصاديق قوله تعالى [وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] ( ) لبيان قانون وهو أن صيرورة الإنسان [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( ) بمشيئة من عند الله عز وجل في ملكه ، فالخليفة والمخلوف عليه ملك لله عز وجل .
قول (القرآن أفضل الهدايتين ) لم يثبت عن الإمام علي عليه السلام
ينتشر على الشبكة العنكبوتية قول ينسب إلى الإمام علي عليه السلام وهو : القرآن أفضل الهدايتين ، ولم يثبت متناً وسنداً ، أما من جهة لمتن فانه لابد من البيان عن الفرد الآخر من الهداية وهو المفضول كما لو قال مثلاً : كل من القرآن والحديث هداية ، والقرآن أفضل الهدايتين .
أما من جهة السند فلم يرد سند رجالي لهذا الحديث فهو أقرب للموضوع ، ولم يذكر في الكتب المعتبرة حتى نهج البلاغة الذي يتضمن خطب وأقوال الإمام علي عليه السلام .
أنما ورد في كتاب غرر الحكم ودرر الكلم للشيخ عبد الواحد بن محمد التميمي الآمدي المتوفى سنة 510 بمنطقة آمد في منطقة ديار بكر ، ونقل عنه المجلسي ،وقيل ان ابن شهر آشوب من تلامذته ، وعلى فرض أن هذه الكلمة مذكورة في أصل الكتاب ، وليس من التعليق والحاشية عليه ، فانه لم يذكر المصدر والسند إلى جانب الإضطراب في المتن وإلا فما هي الهداية الثانية ، والمختار أنه لا أصل لهذا الكلام .
قانون آيات الدفاع سلامُ دائم
يمكن إنشاء علم خاص وهو الآيات التي نزلت في الكتائب والسرايا , فمن إعجاز القرآن , ومصاديق قوله تعالى [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ] ( ) نزول عدد من آيات القرآن بخصوص كل معركة من معارك المسلمين الكبرى لتوثيق قانون وهو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين كانوا في حال دفاع , وإن لم يعتد عليهم المشركون فهم منشغلون ومقيمون على أداء الفرائض العبادية , ومنها ما هو يومي متكرر , كما في إقامة الصلاة خمس مرات في اليوم , قال تعالى [أَقِمْ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا] ( ).
وفي (حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو قال : قال رسول الله {صلى الله عليه وآله وسلم} : أتاني جبرئيل لدلوك الشمس حين زالت الشمس فصلى بي الظهر)( ).
ويمكن ترتيب آيات الدفاع حسب تأريخ تلك المعارك , منها الآيات التي نزلت بخصوص هجرة المسلمين والمسلمات, قال تعالى [فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ]( ) .
ومنها بخصوص معركة بدر [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ] ( ) وأكثر السور التي ذكرت معركة بدر هي سورة الأنفال حتى سميت سورة بدر , وكان نزول سورة الأنفال بعد معركة بدر منها [يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَنْفَالِ قُلْ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ] ( ) ومنها ما نزل في سورة آل عمران , قال تعالى [قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ]( ) ومنها [قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِ]( ).
وتتضمن آيات معركة بدر الإنذار للذين كفروا , وزجرهم من القتال , ولو لم تقع معركة بدر فهل يصبح المسلمون أقوياء ويكثر عددهم بعد أوانها الخالي من المعركة , الجواب نعم , وهو من الشواهد على فضل الله على رسوله , وأن سلاح المعجزة أممضى من السيف .
وفيه تأكيد لقانون وهو أن حال السلم مناسبة لبيان المعجزات , ودعوة الناس للإيمان .
ومن آيات معركة أحد قوله تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ]( ), ( ).
وقوله تعالى وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ.
ومنها قوله تعالى [إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلاَ تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ] ( ) ( ).
ومن خصائص هذا القانون (قانون آيات الدفاع ) أنها برهان وحجة على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه كانوا في حال دفاع ودفع للمشركين .
ترى كيف يكون ترتيبها فيه وجهان :
الأول : حسب ترتيب نظم القرآن ، فيبدأ بما في سورة البقرة منها مثلاً قوله تعالى [الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ] ( ) لإرادة خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في شهر ذي القعدة من السنة السابعة للهجرة لإرادة عمرة القضاء وتقدير الآية : العمرة في الشهر الحرام ذو القعدة من السنة السابعة للهجرة بالشهر الحرام ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة الذي حرمكم فيه المشركون من العمرة ، فحينما خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى العمرة في ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة ، وكان معه ألف وأربعمائة من الصحابة عدا النساء والصبيان ، منعهم المشركون عند الحديبية .
وتم صلح الحديبية بأن يرجع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى المدينة ، ويعدودوا في العام القادم ، فيدخلوا مكة ويطوفوا بالبيت الحرام ، ويقيموا فيها ثلاثاً .
الثاني : ترتيب آيات الكتائب والسرايا بحسب أوان النزول وتواريخ الوقائع ، كما في قوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ] ( ).
ونزلت في تبوك آيات منها [إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] ( ).

قانون شراء النفس بالصبر
ورد في التنزيل [وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ] ( ).
ومعنى يشري أي يبيع ويبذل نفسه كما في قوله تعالى [وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ] ( ) أي باعوه ، وشرى واشترى وباع وابتاع من الأضداد .
وقيل معنى الآية أعم ، وتشمل كل مجاهد في سبيل الله ، ومن يبذل نفسه في طاعة الله ، وهذا المعنى لا يتعارض مع سبب نزول الآية وموضوعها .
والإبتغاء الطلب والسعي الحثيث ، وبذل الجهد ، وإرادة الحصول على المطلوب.
لقد عرض الإمام علي عليه السلام نفسه للقتل ، وهذا التعرض من جهات :
الأولى : مبادرة الإمام علي عليه السلام لدخول الإسلام في اليوم الثاني لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومصاحبته اليومية له وأداؤه الصلاة جماعة معه في البيت الحرام .
الثانية : المبيت في فراش النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع عزم كفار قريش على قتله في تلك الليلة ، وتدثر بذات غطائه لإيهام الكفار .
الثالثة : إنتقام الكفار من الإمام علي لخديعتهم وجعل متسع من الوقت للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليبتعد وصاحبه عن مكة في طريق الهجرة .
الرابعة : قيام الإمام علي عليه السلام بدعوة الناس إلى الإسلام ونصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة .
الخامسة : لقد اختارت قريش عشرة من شبابهم الأقوياء وذوي الشكيمة ليتولوا قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في تلك الليلة مما يعني إحتمال تجرئهم واعتدائهم على الإمام علي عليه السلام لولا فضل الله .
وذكر أن الآية نزلت في صهيب بن سنان الرومي وعن (ابن عباس، وأنس، وسعيد بن المسيب، وأبو عثمان النّهدي، وعكرمة، وجماعة: نزلت في صُهيب بن سنَان الرومي، وذلك أنَّه لما أسلم بمكة وأراد الهجرة، منعه الناس أن يهاجر بماله، وإنْ أحب أن يتجرّد منه ويهاجر، فَعَل.
فتخلص منهم وأعطاهم ماله، فأنزل الله فيه هذه الآية، فتلقاه عمر بن الخطاب وجماعة إلى طرف الحرّة. فقالوا: رَبح البيع. فقال: وأنتم فلا أخسر الله تجارتكم، وما ذاك؟ فأخبروه أنّ الله أنزل فيه هذه الآية. ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال له: “ربِح البيع صهيب، ربح البيع صهيب”)( ).
ولكن موضوع الآية ليس المال ، والتضحية به ، إنما ذكرت النفس بالذات وإن كان دفع صهيب المال لشراء نفسه ودينه .
ومن الإعجاز في مصداق آية البحث وموضوع نزولها أن علياً عليه السلام كان مجاهدا بائعاً لنفسه في مرضاة الله في كل ساعة من أيام حياته ، وهو من الإعجاز الغيري للقرآن .
ونفس علي هي نفس النبي صلى الله عليه وآله وسلم لقوله تعالى [فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ]( ).
ومن أسرار مجئ الآية بصيغة المضارع استمرار تجدد بيع الإمام علي نفسه لله عز وجل في كل يوم من أيام حياته ومنها سوح معارك الإسلام الدفاعية ، والإجماع على أنه المراد في قوله تعالى [هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ] ( ).
(عن الإمام علي عليه السلام قال : أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة . قال قيس : فيهم نزلت { هذان خصمان اختصموا في ربهم } قال : هم الذين بارزوا يوم بدر : علي وحمزة وعبيدة وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد ابن عتبة .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : لما بارز علي وحمزة وعبيدة وعتبة وشيبة والوليد ، قالوا لهم : تكلموا نعرفكم . قال : أنا علي ، وهذا حمزة ، وهذا عبيدة . فقالوا : أكفاء كرام! فقال علي : أدعوكم إلى الله وإلى رسوله . فقال عتبة : هلم للمبارزة . فبارز علي شيبة فلم يلبث أن قتله ، وبارز حمزة عتبة فقتله ، وبارز عبيدة الوليد فصعب عليه فأتى علي فقتله . فأنزل الله { هذان خصمان . . . }( ))( ).
لبيان أن الرب واحد وهو الله عز وجل ، والخصومة أي فريق آمن بالله ورسوله ، وفريق كفر بالله وبما جاء به الرسول ، لذا ذكرت الآية [فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ] ( )أي الهلاك في المعركة ، ثم تكون عاقبتهم النار ، وحتى الذي لم يقتل من الكفار يومئذ فان عقوبة الذين يحاربون الله ورسوله الخلود في النار , إلا من أدركته التوبة .
(وأخرج ابن أبي حاتم واللالكائي في السنة والخلعي في فوائده ، عن علي أنه قيل له : إن ههنا رجلاً يتكلم في المشيئة . فقال له علي : يا عبدالله ، خلقك الله لما يشاء أو لما شئت؟ قال : بل لما يشاء . قال : فيمرضك إذا شاء أو إذا شئت؟
قال : بل إذا شاء .
قال : فيشفيك إذا شاء أو إذا شئت؟
قال : بل إذا شاء .
قال : فيدخلك الجنة حيث شاء أو حيث شئت؟ قال : بل حيث شاء . قال : والله لو قلت غير ذلك لضربت الذي فيه عيناك بالسيف .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل .
عن أبي ذر أنه كان يقسم قسماً إن هذه الآية { هذان خصمان اختصموا في ربهم . . . } إلى قوله { ان الله يفعل ما يريد }( ) نزلت في الثلاثة والثلاثة الذين تبارزوا يوم بدر وهم : حمزة بن عبد المطلب ، وعبيدة بن الحارث ، وعليّ بن أبي طالب ، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة ، والوليد بن عتبة .) ( ).
وكان الإمام علي عليه السلام حامل اللواء يوم معركة أحد ، ولم ينسحب ولم ينهزم إنما بقي مصاحباً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع عدد قليل من المهاجرين والأنصار .
قانون معجزات نوح زاجر عن الضلالة
لقد قضى نوح سنوات عديدة في صنعها , مع استهزاء قومه به فليس من بحر وأنهار عندهم , وإذا يأخذهم الطوفان فجأة , قال تعالى [وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلاَ تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ] ( ).
واختلف في عدد الذين ركبوا مع نوح في السفينة , قال (قتادة والحكم وابن جريج ومحمد بن كعب القرظي : لم يكن في السفينة إلاّ نوح وامرأته وثلاثة بنيه، سام وحام ويافث أخوة كنعان وزوجاتهم (وَرَحْلِهم) فجميعهم ثمانية، فأصاب حام امرأته في السفينة فدعا الله نوحٌ أن يغير نطفته فجاء بالسودان.
وقال الأعمش : كانوا سبعة : نوح وثلاث كنائن وثلاثة بنين له.
وقال ابن إسحاق : كانوا عشرة سوى نسائهم : نوح وبنوه حام وسام ويافث وستة أناس ممن كان آمن معه وأزواجهم جميعاً.
وقال مقاتل : (كانوا) اثنين وسبعين رجلا وامرأة ، وبنيه الثلاثة ونساءهم،
فكان الجميع ثمانية وسبعين نفساً ، نصفهم رجال ونصفهم الآخر نساء.
قال ابن عباس : كان في سفينة نوح ثمانون إنساناً أحدهم جرهم) ( ) وقول ابن عباس هو الأرجح .
وقد ورد عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنه قال : (لما أراد الله عز وجل هلاك قوم نوح عقم أرحام النساء أربعين سنة فلم يلد فيهم مولود ، فلما فرغ نوح من اتخاذ السفينة أمره الله أن ينادي بالسريانية، لا يبقى بهيمة ولا حيوان إلا حضر، فأدخل من كل جنس من أجناس الحيوان زوجين في السفينة، وكان الذين آمنوا به من جميع الدنيا ثمانين رجلا.
فقال الله عز وجل : [احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ]( ).
وكان نجر السفينة في مسجد الكوفة ، فلما كان في اليوم الذي أراد الله هلاكهم كانت امرأة نوح تخبز في الموضع الذي يعرف بفار التنور في مسجد الكوفة، وقد كان نوح اتخذ لكل ضرب من أجناس الحيوان موضعا في السفينة .
وجمع لهم فيها ما يحتاجون إليه من الغذاء .
فصاحت امرأته لما فار التنور فجاء نوح إلى التنور، فوضع عليها طينا ” وختمه حتى أدخل جميع الحيوان السفينة.
ثم جاء إلى التنور ففض الخاتم ورفع الطين ، وانكسفت الشمس، وجاء من السماء ماء منهمر صب بلا قطر، وتفجرت الأرض عيونا ، وهو قوله عز وجل :[ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ]( ).
قال الله عز وجل :[ارْكَبُوا فِيهَا بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا]( ).
يقول : مجراها أي مسيرها، ومرساها أي موقفها، فدارت السفينة ونظر نوح إلى ابنه يقع ويقوم فقال له : [يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلاَ تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ]( ).
فقال ابنه كما حكى الله عز وجل : [سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنْ الْمَاءِ] ( ). فقال نوح:[لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ]( ).
ثم قال نوح :[ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ]( ).
فقال الله : [يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ]( ).
فقال نوح كما حكى الله تعالى : [رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنْ الْخَاسِرِينَ]( ).
فكان كما حكى الله : [وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنْ الْمُغْرَقِينَ]( ).
فقال الصادق عليه السلام: فدارت السفينة وضربتها الأمواج حتى وافت مكة، وطافت بالبيت وغرق جميع الدنيا إلا موضع البيت، وإنما سمي البيت العتيق لأنه اعتق من الغرق ، فبقي الماء ينصب من السماء أربعين صباحا “.
ومن الأرض العيون حتى ارتفعت السفينة فمسحت السماء، قال : فرفع نوح يده.
ثم قال : (يارهمان اتقن) وتفسيرها رب أحسن، فأمر الله الأرض أن تبلع ماءها وهو قوله : [وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي]( ) أي أمسكي [وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ]( ).
فبلعت الأرض ماءها فأراد ماء السماء أن يدخل في الأرض فامتنعت الأرض من قبولها .
وقالت: إنما أمرني الله عز وجل أن أبلع مائي، فبقي ماء السماء على وجه الأرض،
واستوت السفينة على جبل الجودي وهو بالموصل جبل عظيم، فبعث الله جبرئيل فساق الماء إلى البحار حول الدنيا، وأنزل الله على نوح : [َانُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ]( ).
فنزل نوح بالموصل من السفينة مع الثمانين وبنوا مدينة الثمانين، وكانت لنوح بنت ركبت معه السفينة فتناسل الناس منها، وذلك قول النبي صلى الله عليه وآله: نوح أحد الأبوين.
ثم قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وآله [تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ]( ).
وتبين قصة نوح قانوناً وهو وجوب الملازمة بين الوجود الإنساني والإيمان ، ولو على نحو الموجبة الجزئية ، أي بايمان شطر أو طائف أو فرقة من الناس ، مع توالي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وأن العذاب ينزل بالناس إذا كان أتباع النبي الرسول عدداً قليلاً ،ولا يرضى الله عز وجل بشيوع الفواحش ، وطغيان المفسدين في الأرض ، إذ ينزل العذاب بهم ، وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ) عند احتجاجه سبحانه على الملائكة حينما تساءلوا عن جعل الإنسان [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ).
وستبقى معجزة سفينة نوح زاجراً للناس عن الضلالة ، ومانعاً من الإرهاب ، إذ أكثر قوم نوح من إرهابه وتهديده ، وفي التنزيل [لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنْ الْمَرْجُومِينَ] ( ).
قانون آيات السفر( )
من الآيات المكية قوله تعالى [ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ ما قَلى] ( )وفيها وعد من الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بتوالي آيات القرآن في مكة والمدينة ، وفي الحضر والسفر ، وفي الليل والنهار .
(عن جندب قال : رمي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحجر في أصبعه فقال : هل أنت إلا أصبع دميت ، وفي سبيل الله ما لقيت ، فمكث ليلتين أو ثلاثاً لا يقوم فقالت له امرأة : ما أرى شيطانك إلا قد تركك ، فنزلت { والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى }( ))( ).
فيؤذي المشركون النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيصبر وتأتيه البشارة من السماء بتوالي التنزيل والحفظ والسلامة من الضرر .
(عن عمران بن حصين قال : لما نزلت { يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم }( ) إلى قوله : { ولكن عذاب الله شديد }( ) أنزلت عليه هذه وهو في سفر فقال : أتدرون أي يوم ذلك ؟
قالوا الله ورسوله أعلم! قال : ذلك يوم يقول الله لآدم : ابعث بعث النار . قال : يا رب ، وما بعث النار؟
قال : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار ، وواحداً إلى الجنة، فانشأ المسلمون يبكون.
فقال رسول الله : صلى الله عليه وآله وسلم قاربوا وسددوا فإنها لم تكن نبوّة قط ، إلا كان بين يديها جاهلية ، فتؤخذ العدة من الجاهلية ، فإن تمت ، وإلا أكملت من المنافقين،
وما مثلكم : إلا كمثل الرقمة في ذراع الدابة ، أو كالشامة في جنب البعير ،
ثم قال : إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة ، فكبروا! ثم قال : إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة ، فكبروا! ثم قال : إني لأرجوا أن تكونوا نصف أهل الجنة فكبروا! قال : فلا أدري قال الثلثين أم لا) ( ).
ومن الآيات التي نزلت في السفر أول آيات سورة من الحج .
و(عن أنس قال : نزلت { يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم }( ) إلى قوله { ولكن عذاب الله شديد }( ) على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو في مسير له ، فرفع بها صوته حتى ثاب إليه أصحابه فقال : أتدرون أي يوم هذا؟
هذا يوم يقول الله لآدم : يا آدم ، قم فابعث بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين ، فكَبُر ذلك على المسلمين ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم سددوا وقاربوا وابشروا ، فوالذي نفس محمد بيده ، ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير ، أو كالرقمة في ذراع الدابة ، وإن معكم لخليقتين ما كانتا في شيء قط إلا أكثرتاه : يأجوج ومأجوج ومن هلك من كفرة الإنس والجن)( ).
قوله تعالى [أَلَمْ تَرَى إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً] ( ).
و(عن ابن عباس قال : آخر آية نزلت { واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله }( ). نزلت بمنى وكان بين نزولها وبين موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحد وثمانون يوماً .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال : آخر ما نزل من القرآن كله { واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله . . . }( ) .
عاش النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد نزول هذه الآية تسع ليال ، ثم مات يوم الإِثنين لليلتين خلتا من ربيع الأوّل)( ).
وهناك تعارض بين الروايتين في أوان ومكان نزول الآية , لأن ظاهر خبر سعيد بن جبير أن هذه الآية نزلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد رجوعه إلى المدينة , والأصح والأرجح هو رواية ابن عباس .
ويدخل فيها الآيات التي نزلت في حصار ومعركة الخندق وإن لم تكن من آيات السفر , ومنها قوله تعالى [أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ]( ).
ومع أن سور القرآن أرضية أي نزلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو على الأرض إلا أن هناك آيات نزلت والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في السماء كما في المعراج , أو تحت الأرض كما وهو في الغار إذ نزل في حديث الإسراء والمعراج أن ست آيات نزلت [وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ *وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ]( ).
[وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ] ( ).
[آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ] ( ).
وفي قوله تعالى [وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ] ( ).
(قال ابن عمر وقتادة وزيد بن أسلم ومحمد ابن كعب : قال رجل من المنافقين في غزوة تبوك : ما رأيت مثل (قرائنا) هؤلاء أرغب بطوناً ولا أكذب ألسناً ولا أجبن عند اللقاء، يعني رسول الله {صلى الله عليه وآله وسلم} وأصحابه، فقال له عوف بن مالك : كذبت ولكنك منافق، لأُخبرن رسول الله {صلى الله عليه وآله وسلم} فذهب عوف إلى رسول الله {صلى الله عليه وآله وسلم} ليخبره فوجد القرآن قد سبقه، فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله {صلى الله عليه وآله وسلم} قد ارتحل وركب ناقة .
فقال : يارسول الله إنما كنّا نخوض ونلعب ونتحدث بحديث الركب يقطع به عنا الطريق.
قال ابن عمر : كأني أنظر إليه متعلقاً بحقب ناقة رسول الله {صلى الله عليه وآله وسلم} والحجارة تنكبه وهو ويقول : (إنا كنّا نخوض ونعلب) ( ).
فيقول له رسول الله {صلى الله عليه وآله وسلم} {أبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُون}( ) فالتفت إليه وما يزيده عليه) ( ).
قانون التدبر في القرآن حكمة
قال تعالى [كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ] ( ).
إبتدأت الآية بذكر القرآن بصفة التنكير (كتاب) ليكون إخباراًَ عن مضمر متسالم عند المسلمين والناس والتقدير على وجوه منها :
الأول : القرآن كتاب .
الثاني : هذا كتاب .
الثالث : المعجزة .
الرابع : الهبة الإلهية .
الخامس : ما يوحى كتاب .
السادس : كلام الله عز وجل .
لقد هبط آدم إلى الأرض بوظيفة الخلافة في الأرض , ويأبى الله عز وجل أن يترك الخليفة بعيداَ عن أوامر الله عز وجل ولا يحجب الله عز وجل عنه البركة والفيض , وعدم المنع هذا من مصاديق قوله تعالى [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) في رده سبحانه على الملائكة عندما احتجوا على جعل الإنسان [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ).
ومن علم الله عز وجل نزول القرآن كتاباً مباركاً .
وتعلم الملائكة أكثر من الناس في معاني المبارك في الآية فمن مصاديقه أنه وعد من عند الله عز وجل بأن يكون القرآن مباركاَ في ذاته وتلاوته ونفعه وأثره وثوابه .
ومن البركة أن كل آية منه طريق للهداية , وحرب على الإرهاب ومسالك الضلالة .
ويضفي القرآن البركة على أيام وساعات الحياة الدنيا .
وهل يستطيع الناس إدراك ومعرفة وإحصاء مصاديق وأفراد بركة القرآن أم أنهم يعجزون عنها , المختار هو الثاني , وهو من مصاديق قوله تعالى [وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ] ( ).
ومن بركات القرآن أنه يغني عن الغزو , ولا تصل النوبة معه لقيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بالغزو , ولو دار الأمر بين قوة وأثر غزو القرآن للقلوب والجوانح والمجتمعات والمنتديات , وبين الغزو بالسيف فإن غزو القرآن هو الأقوى من جهات :
الأول : يخاطب القرآن العقول , وينفد إلى شغاف القلوب , لذا ذكرت آية البحث بانه سبب لتذكر أولي الألباب , وأصحاب العقول .
الثاني : بتلاوة القرآن يرتقي الإنسان في سلم المعارف الإلهية , والتفقه في الدين .
الثالث : القرآن إصلاح للنفوس والمجتمعات , وفيه تنزه عن الظلم وسفك الدماء , وهو من مصاديق إجابة الله عز وجل للملائكة [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) .
الرابع : من بركة القرآن أنه سلاح للهدى والرشاد ، قال تعالى [يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ] ( ).
فمن خصائص القرآن أنه زاجر عن القتل من جهات :
الأولى : بيان قبح القتل .
الثانية : حكم القصاص في القتل , قال تعالى [وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ] ( ).
الثالثة : بيان شدة عقاب القاتل يوم القيامة .
الرابعة : دعوة القرآن للإيمان نهي عن القتل , وباعث للإنسان أن ينشغل بنفسه ويصلح ذاته .
الخامسة : من خصائص القرآن تنمية ملكة الإنصاف , وإعطاء الغير حقه .
الرابع : دخول الناس الإسلام بسبب تلاوة القرآن من مصاديق البركة .
الخامس : تلاوة القرآن في الصلاة اليومية باعث للسكينة والنفوس .
السادس : بركة القرآن بعثته للناس للتدبر في آياته .
وقد ورد لفظ (ليدبروا) في القرآن إلا في آية البحث مع ورود آيات عديدة تحث على التدبر والتفكر في آيات القرآن منها في قوله تعالى [أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا] ( ) وقوله تعالى [أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا] ( ).
السابع : من إعجاز القرآن انه ليس من إنسان إلا وينهل منه وينتفع من علومه عند سماعه , وهو من أسرار المناجاة بين القرآن والعقل , والملاطفة بينه وبين القلب , وموضوعية وحضور آياته في عمل الحواس .
فقوله تعالى [وَاتَّقُونِي يَاأُوْلِي الأَلْبَابِ] ( ) لا يختص بأرباب العقول والنبرة الصافية الذين تطهرت أفكارهم من الكدورات , وارتفعوا عن النقائص , ويأخذ القرآن بأيدي المتقين نحو السمو والرفعة , وهو من رشحات الإيمان .
لقد دخلت قريش النفير في محاربة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في دعوته إلى الإسلام وإلى تعضيد القرآن وتوالي نزول آياته للقرآن .
وقد انهزمت قريش في حال السلم والقتال وهو من مصاديق البركة فيه , وهل يمكن القول أن نزول آياته يقلل من سفك الدماء في الأرض , الجواب نعم , وهو من مصاديق صفة المبارك للقرآن , وتقدير الآية على وجوه :
الأول : آيات الكتاب أنزلناها إليك مباركة .
الثاني : كل آية أنزلناه إليك مباركة .
الثالث : الجمع بين كل آية وأخرى مباركة .
الرابع : كتاب أنزلناه إليك مبارك في تلاوته .
الخامس : كتاب أنزلناه إليك مبارك في كل يوم إلى يوم القيامة .
السادس : كتاب أنزلناه إليك مبارك ليعزف الناس عن الإرهاب والقتل .
لقد كان مجتمع العرب قبل الإسلام في حال ظاهرة من الإرهاب والقتل العشوائي, مع نشوب المعارك والحروب .
وتتصف أيام ما قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بكثرة القتل بين الناس ، وهو من أسبابه وموضوعه على وجوه :
الأول : المعارك والحروب منها :
الأولى : حرب البسوس بين قبائل ذهل وتغلب في القرن السادس الميلادي والتي استمرت نحو اربعين سنة .
الثانية : حرب داحس والغبراء بين قبائل عبس وذبيان .
الثالثة : الغارات بين القبائل والأفراد ، وقد تقتصر هذه الغارات على نهب الأنعام ، وما خفّ وزنه وغلا ثمنه ، ولكن أي مقاومة قد تؤدي إلى القتل .
لذا فان حديث زيد بن عمرو بن نفيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم (من قتل دون ماله فهو شهيد) ( )دعوة لدفع الغزاة وزجر الناس عن الغزو ، وهو من الشواهد على محاربة الإسلام للغزو .
وجاء رجل (إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا نبي الله آت اتاني يريد أن يبزني فما اصنع به قال تناشده الله قال أرأيت ان ناشدته فأبى ان ينتهى قال تستعين المسلمين قال يا نبي الله أرأيت ان لم يكن احد من المسلمين أستعينه عليه قال استغث السلطان قال يا نبي الله ارأيت ان لم يكن عندي سلطان أستغيثه عليه قال فقاتله فان قتلك كنت في شهداء الآخرة والا منعت مالك) ( ).
الثالثة : حرب الفجار , والتي نشبت وعمر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نحو خمس عشر سنة وقيل عشرين , وكان يسمى الصدوق الأمين .
و(عن أبي عمرو بن العلاء قال هاجت الفجار ورسول الله عليه الصلوات والسلام ابن أربع عشرة سنة أو خمس عشرة سنة وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم كنت أنبل إلى أعمامي في الفجار) ( ).
وسميت الفجار لما صنعوا فيها من الفجور في الشهر الحرام ولم تعلم قريش أن إيذائهم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وحربهم وقتالهم له حتى في الشهر الحل أشد فجوراً مما فعله طرفاً القتال في حرب الفجار , وهم :
الأول : قبائل مضر .
الثاني : قيس عيلان .
وعن محمد بن عمر وغيره (قالوا : كان سبب حرب الفجار أن النعمان بن المنذر بعث بلطيمة له إلى سوق عكاظ للتجارة، أجارها له الرحال عُروة بن عُتبة بن جعفر بن كلاب، فنزلوا على ماء يقال له: أوارة، فوثب البرَّاض بن قيس أحد بني بكر بن عبد مناة بن كنانة وكان خليعأ على عروة فقتله، وهرب إلى خيبر واستخفى بها، ولقي بشربن أبي حازم الأسدي الشاعر فأخبره الخبر، وأمره أن يعلم ذلك عبد الله بن جُدعان، وهشام بن المغيرة، وحرب بن أمية، ونوفل بن معاوية، وبلعاء بن قيس، فوافى عكاظ فآخبرهم، فخرجوا مواثلين منكشفين إلى الحرم، وبلغ قيسأ الخبر آخر ذلك اليوم .
فقال أبو براء: ما كنا من قريش إلا في خدعةٍ ، فخرجوا في آثارهم، فأدركوهم وقد دخلوا الحرم، فناداهم رجل من بني عامرٍ يقال له: الأدرم بأعلى صوته: إن ميعاد ما بيننا وبينكم هذه الليالي من قابل.
ولم يقم تلك السنة سوق عُكاظ فمكثت قريش وغيرها من كنانة وأسد بن خزيمة، ومَنْ لحق بهم من الأحابيش يتاهبون لهذه الحرب، ثم حضروا من قابل ورؤساء قريش: عبد الله بن جدعان، وهشام بن المغيرة وحرب بن أمية، وأبو أحيحة سعيد بن العاص، وعُتبة بن ربيعة، والعاص بن وائل، ومعمر بن حبيب الجمحي، وعكرمة بن عامر ابن هشام، ويقال: بل أمرُهم إلى عبد الله بن جُدعان. وكان في قيس: أبو براء عامر بن مالك بن جعفر، وسبيعُ بن ربيعة ودريد بن الصَمَة ومسعود بن معتِّب، وعوف بن أبي حارثة فهؤلاء الرؤساء.
ويقال: بل أمرهم جميعاً إلى أبي براء، وكانت الراية بيده وهو سوى صفوفهم، فالتقوا وكانت الدبرة أول النهار لقيس على قريش وكنانة ومن انضوى إليهم، ثم صارت الدبرة آخر النهار لقريش وكنانة على قيس، فقتلوهم قتلأ ذريعاً، حتى نادى عتبة بن ربيعة يومئذ وإِنَّه لشاب ما كملتَ له ثلاثون سنة إلى الصلح، فاصطلحوا على أن عدّوا القتلى وودَت قريش لقيس ما قتلت، وانصرفت قريش.
وقد قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وذكر الفجار فقال: ” قَدْ حَضَرْتُهُ مَعَ عُمُومَتي وَرَمَيْتُ فِيهِ بِأسْهُمٍ وَمَا أحب إنّي لَمْ أكنْ فَعَلْتُ ” فكان يوم حضر ابن عشرين سنة .) ( ).
الرابعة : معركة أوارة وهو جبل بين بني كندة وتميم سنة 593م ملك الجدة , وأغاروا على إبله , وقاتلهم وأقسم أن يذبحهم على قمة الجبل حتى يصل الدم إلى الوادي , ولكن الدم جمد , ولكثرة القتلى أشار عليه أصحابه أن يجري الماء على الدم ففعل .
الخامسة : يوم مرج حليمة (كان بين غسان ولخم أيضاً، وقعة يوم مرج حليمة من أعظم الوقعات، وكانت الجيوش فيه قد بلغت من الفريقين عدداً كثيراً، وعظم الغبار حتى قيل أنّ الشمس قد انحجبت وظهرت الكواكب التي في خلاف جهة الغبار، واشتد القتال فيه، واختُلِف في النصر لمن كان منهم.
السادسة : يوم الكلاب الأول , وكان بين الأخوين شراحيل وسلمة ابني الحارث ابن عمرو الكندي، وكان مع شراحيل وهو الأكبر بكر بن وائل وغيرهم، وكان مع سلمة أخيه تغلب وائل وغيرهم، والتقوا في الكلاب وهو بين البصرة والكوفة، واشتد القتال بينهم، ونادى منادي شراحيل من أتاه برأس أخيه سلمة فله مائة من الإبل، ونادى منادي سلمة من أتاه برأس أخيه شراحيل فله مائة من الإبل، فانتصر سلمة وتغلب على شراحيل وبكر، وانهزم شراحيل وتبعته خيل أخيه ولحقوه وقتلوه وحملوا رأسه إِلى سلمة.) ( ).
الثاني : السرقة والنهب وما قد يكون القتل مقدمة للإستحواذ على المال , أو أن القتل يترشح عنه .
الثالث : قتل القاتل ثأراً , وإن كان القتل خطأ احياناً , وجاء الإسلام لبيان أن قتل الخطأ فيه الدية .
الرابع : القتل عبثاً وفتنة .
الخامس : اللجوء إلى القتل فجأة بسبب كلمة او قول أو قدح أو شتم .
السادس : القتل فساداً وفجوراً .
فانحاز الناس إلى قوة قانون سماوي يوقف الفعل السائد والعادة الطاغية , فنزلت آيات القرآن تباعاَ لتستأصل هذه العادات , وتضئ سبل الهداية للناس .
فدفعت ضروبا من الفساد والظلم على النفوس والعوائل والمجتمعات لا يعلمها إلا الله عز وجل لذا جاء القرآن بأمور :
الأول : بيان قبح الظلم والشرك .
الثاني : الإنذار من الظلم والزجر عنه .
الثالث : بيان الحسن الذاتي لإجتناب الظلم , وهل هذا الإجتناب أمر وجودي أم امر عدمي , الجواب هو الأول , لأنه عن قصد وإمساك عن إيذاء الغير والإضرار به , وهل يترتب عليه الثواب , الجواب نعم مع قصد القربة وإرادة مرضاة الله عز وجل ، قال تعالى [أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ]( ).
الرابع : سوء عاقبة الظلم في الدنيا , ولحوق الضرر الشديد بالذين ظلموا ، قال تعالى [فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ] ( ).
ترى ما هي النسبة بين الظلم والإرهاب , الجواب هو العموم والخصوص المطلق , فالظلم أعم , والإرهاب شعبة منه , لبيان قانون وهو أن النهي عن الأعم دليل على النهي عن الأخص , وقد جاء القرآن والسنة بالنهي عن الظلم .
قال تعالى [وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ] ( ).
وقال تعالى [الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ] ( ) كما تفضل الله عز وجل , ورغّب بالتوبة والإنابة في آيات عديدة , قال تعالى [وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرْ اللَّهَ يَجِدْ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا]( ).
ووردت أحاديث كثيرة عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تتضمن الحث على التوبة وما فيها من الثواب , ومحو السيئات , و(عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله {صلى الله عليه وآله وسلم} من تاب قبل موته بسنة تاب الله عليه)( ).
و(عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كل مولود يولد على الفطرة , وقوله حكايةً عن ربّه : إنّي خلقت عبادي كلّهم حنفاء) ( ).
والفطرة : أي ما فطر الله عز وجل الخلق عليه من التسليم بالتوحيد والإقرار بالعبودية لله عز وجل والتنزه عن الشرك , قال تعالى [فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا] ( ).
وفي وصية لقمان لابنه ورد في التنزيل [وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ]( ).
ومن الفطرة الإتصاف بالإحسان والرأفة والصلات الإجتماعية الحسنة مع الناس , ويدل عليه قوله تعالى [يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ] ( ).
إذ توجه الخطاب في الآية أعلاه إلى كل الناس فيشمل المسلمين وغيرهم , وذكرتهم بخلقهم ونشأتهم وأنه من عند الله عز وجل وليس أمراَ من الطبيعة ونحوها , ثم ذكرت الآية التفضيل على أساس مناهج التقوى , ومن التقوى الإمتناع عن الإرهاب أو تعضيده , أو مده بالمال والسلاح .
ليتوجه المسلم إلى الله عز وجل بالدعاء لنيل مرتبة التقوى ،والخشية من الله عز وجل ويساهم في قطع روافد الإرهاب الفكرية والمالية والبشرية .
وذات الدعاء والمواظبة عليه من التقوى , وفي إبراهيم عليه السلام ورد في التنزيل [إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ] ( ) .
والأواه كثير الدعاء والذي يأتي بدعائه وهو خاشع , ومع الدعاء كان إبراهيم حليماَ يصبر على الأذى , ولا يرد عليه بمثله .
ويتجلى هذا القانون النبوي بأن إبراهيم حينما نجاه الله عز وجل من النار وشدة لهيبها بحضور نمروذ ورجاله , لم يدعُ عليهم , ولم يحرض على الإنتقام منهم , إنما انشغل بالشكر لله ، وكذا منهج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سواء في مكة قبل الهجرة أو في المدينة بعدها لتترشح قوانين مباركة من توالي نزول القرآن والسنة النبوية منها :
الأول : التضاد بين السنة القولية والإرهاب .
الثاني : التضاد بين السنة الفعلية والإرهاب .
الثالث : التضاد بين السنةالتدوينية والإرهاب .
الرابع : التضاد بين السنة الدفاعية والإرهاب .
الخامس : التضاد بين السنة التقريرية والإرهاب .
وحينما احتج الملائكة على جعل الإنسان [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ) لأنه يفسد في الأرض ويسفك الدماء , كانوا يعلمون أن آدم نبي رسول لا يأتي الفساد , وليس من غزو في أيامه وأيام أبنائه الصلبيين , نعم جرى سفك الدم بأن قتل ابنه قابيل أخاه هابيل , ويحتمل الغزو المحرم وجوهاً :
الأول : إنه من الفساد .
الثاني : إنه من قتل النفس وإزهاق الأرواح .
الثالث : الغزو المحرم ليس من الفساد أو قتل النفس .
والمختار أنه من الأول والثاني أعلاه , وقلما يقع غزو محرم ليس فيه قتل , ولو قام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالغزو فانه لا يفعله إلا بالوحي , ولأنه سبيل لهداية الناس إلى مقامات الهدى والإيمان , واستئصال لمفاهيم الضلالة , ومنع للفساد والغزو المحرم ,فيغزو النبي صلى الله عليه وآله وسلم بلواء لا إله إلا الله , لينقطع الغزو والنهب والسلب طمعاً و(حمية الجاهلية الأولى) .
ولكن هذا الغزو من قبل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم يتحقق إنما كان ينشر الرأفة والسلام والمودة , ويحرص على الوئام والموادعة , ويتجلى الأذى بصبر , قال تعالى مخاطباً النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم [ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ]( ).
وقال تعالى [ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ] ( ).
فلا يرد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الغزو بمثله , وعندما هجمت قريش في معركة أحد لم يجهز النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الجيش لدخول مكة , مع أنها في الغالب مدينة مسالمة والذين حضروا مع قريش إلى معركة أحد من الأحابيش وأبناء القبائل وبالأجرة والمال , وليس من حرب تنفق عليها الطائفة أو الدولة إلا وتكون سبباً لإرهاق بيت المال , وتعطيل التجارات , وضعف الأسواق , وتضاؤل فرص العمل , وزال حال الإستقرارالإجتماعي .
فبعث الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لمنع هذه الحروب والإقتتال وما يترشح عنه من الفساد , ودعا الله عز وجل الناس للشكر على هذه نعمة المنع بالوقوف بين يديه خمس مرات في الصلاة , ليكون هذا الوقوف سبباً لإستدامة هذا المنع .
وهو من الإعجاز في الفرائض العبادية ودلالاتها , وما يترشح عنها من الفوائد , قال تعالى [اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ الْكِتَابِ وَأَقِمْ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ]( ).
أرواح الشهداء
(عن الربيع قال : ذكر لنا عن بعضهم في قوله { ولا تحسبن الذين قتلوا . . . }( ) الآية . قال : هم قتلى بدر وأحد ، زعموا أن الله تعالى لما قبض أرواحهم وأدخلهم الجنة ، جعلت أرواحهم في طير خضر ترعى في الجنة ، وتأوي إلى قناديل من ذهب تحت العرش ، فلما رأوا ما أعطاهم الله من الكرامة قالوا : ليت إخواننا الذين بعدنا يعلمون ما نحن فيه ، فإذا شهدوا قتالاً تعجلوا إلى ما نحن فيه فقال الله : إني منزل على نبيكم ومخبر إخوانكم بالذي أنتم فيه . ففرحوا واستبشروا وقالوا : يخبر الله إخوانكم ونبيكم بالذي أنتم فيه . فإذا شهدوا قتالاً أتوكم . فذلك قوله { فرحين . . . }الآية ) ( ).
ويضّعف الربيع الخبر من جهات :
الأولى : ذكر لنا ، ولم يذكر اسم الذي ذكره له .
الثانية : قال عن بعضهم ، ولم ينسب القول إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو أحد الصحابة.من قبل الثلاثة وهم :
الأول : الربيع وهو الربيع بن خثيم الثوري تابعي كوفي روى عن عبد الله بن مسعود وأبي أيوب الأنصاري وغيرهما .
قال عنه عامر الشعبي : كان الربيع أورع أصحاب عبد الله توفى الربيع سنة 65 هجرية .
الثاني : الذي ذكر للربيع القول عن بعضهم .
الثالث : البعض الذي ذكر عنه القول .
وسبب التضعيف هو مسألة جعل أرواح الشهداء في طيور خضر ترعى في الجنة ، إذ أخبرت آيات القرآن على أنهم أحياء ، والمتبادر أنهم أحياء بهيئتهم وصورهم ، وعلى فرض ثبوت صحة الخبر فلابد من تأويله .
لقد سقطوا شهداء دفاعاً وفي غزوة المشركين في أحد ، ولم يكن أمامهم إلا الدفاع عن ملة التوحيد والنفوس والأعراض ، ترى لماذا لم يلتفت الربيع إلى الحديث الذي أخرجه هناد ابن السري في كتاب الزاهد (وابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : إن أرواح الشهداء في طير خضر ترعى في رياض الجنة ، ثم يكون مأواها إلى قناديل معلقة بالعرش فيقول الرب : هل تعلمون كرامة أكرم من كرامة أكْرَمْتُكُموها؟ فيقولون : لا . إلا أنا وَدَدْنا أنك أعدت أرواحنا في أجسادنا حتى نقاتل فنقتل مرة أخرى في سبيلك) ( ) الجواب تقدم زمان وطبيقة الربيع بن خثيم ، إذ أنه أدرك زمان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولم يره ، فهو من التابعين وعاش بالكوفة ، وقال الصفدي (الربيع بن خثيم الثوري الكوفي، من سادة التابعين. وروى له الجماعة سوى أبي داود. وتوفي في حدود السبعين للهجرة وقيل في حدود التسعين.) ( ).
وهناد بن السري بن مصعب التميمي الدارمي كوفي من رواة الحديث ولد عام 152- وتوفى سنة 243 ،وفي قول السدي (أن أرواح الشهداء في أجواف طير خضر في قناديل من ذهب معلقة بالعرش ، فهي ترعى بكرة وعشية في الجنة وتبيت في القناديل .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور عن ابن عباس قال : أرواح الشهداء تجول في أجواف طير خضر تعلق في ثمر الجنة) ( ) (عن أبي بصير قال: قلت لابي عبد
الله عليه السلام: إنا نتحدث عن أرواح المؤمنين أنها في حواصل طير خضر ترعى في الجنة وتأوى إلى قناديل تحت العرش، فقال: لا، إذا ما هي في حواصل الطير، قلت: فأين هي ؟ قال: في روضة كهيئة الاجساد في الجنة.) ( ) ، وهذا الدفاع من رشحات نداء النبي (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا ) لبيان أنه فلاح في الدنيا والآخرة .
وسبب في ضعف ووهن المشركين ، ودخول طائفة منهم في الإسلام ، وإذ سقط سبعون شهيداً من المسلمين في معركة أحد فان الخزي لحق المشركين يومئذ ، قال تعالى [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ] ( ).
معجزة ولادة إبراهيم (ع)
بابل عاصمة دولة ما بين النهرين وقيل اسسها حمورابي وموضعها معروف إذ تقع على نهر الفرات جنوب بغداد نحو (100)كم وتسمى في هذا الزمان أيضاً الحلة لأن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام حلّ بها , وقال : هذه حُلّة من حلل الجنة لجمالها .
وقيل معنى اسم بابل : باب الإله , وهو بعيد , لأن لوكان هذا معناها لم ذكرها الله عز وجل في القرآن بهذا الاسم .
(قال الأَخفش لا ينصرف لتأْنيثه وذلك أَن اسم كل شيء مؤنث إِذا كان أَكثر من ثلاثة أَحرف فإِنه لا ينصرف في المعرفة قال الله تعالى (وما أنزل على الملكين ببابل)( ).
قال الأَعشى ببابِلَ لم تُعْصَر فجاءت سُلافَةً تُخالِطُ قِنْدِيداً ومِسْكاً مُخَتَّما وقول أَبي كبير الهذلي يصف سهاماً يَكْوِي بها مُهَجَ النفوس كأَنَّما يَكْوِيهِمُ بالبابِلِيّ المُمْقِرِ قال السُّكَّري عنى بالبابليّ هنا سُمّاً .
وفي حديث عليّ عليه السلام إِن حِبِّي نهاني أَن أُصلي في أَرض بابِلَ فإِنها ملعونة
بابِلُ هذا الصُّقْع المعروف بأَرض العراق وأَلفه غير مهموزة قال الخطابي في إِسناد هذا الحديث مقال قال ولا أَعلم أَحداً من العلماء حَرَّمَ الصلاة في أرض بابل ويشبه إِن ثبت هذا الحديث أَن يكون نهاه أَن يتخذها وَطَناً ومُقاماً فإِذا أَقام بها كانت صلاته فيها قال وهذا من باب التعليق في علم البيان أَو لعل النهي له خاصة أَلا تراه قال نهاني ؟ .
ومثله حديثه الآخر نهاني أَن أَقرأ ساجداً وراكعاً ولا أَقول نهاكم ولعل ذلك إِنذار منه بما لقي من المحنة بالكوفة وهي من أَرض بابل)( ) وبابل عاصمة الكلدانيين في الألف الثاني والأول قبل الميلاد.
وفي بابل كان ملك نمروذ وهو طاغوت وكافر , ومعه جرى احتجاج إبراهيم عليه السلام وإرادتهم حرقة بالنار , كما ورد في التنزيل [أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ] ( ).
و (عن السدي قال : كان من شأن إبراهيم عليه السلام أن أول ملك ملك في الأرض شرقها وغربها نمروذ بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح ، وكانت الملوك الذين ملكوا الأرض كلها أربعة : بن كنعان وسليمان بن داود ، وذو القرنين ، وبختنصر . مسلمين وكافرين ، وإنه طلع كوكب على نمورد ، ذهب بضوء الشمس والقمر ففزع من ذلك ، فدعا السحرة والكهنة والقافة والحازة فسألهم عن ذلك!
فقالوا : يخرج من ملكك رجل يكون على وجهه هلاكك وهلاك ملكك .
وكان مسكنه ببابل الكوفة فخرج من قريته إلى قرية أخرى ، وأخرج الرجال وترك النساء ، وأمر أن لا يولد مولود ذكر إلا ذبحه فذبح أولادهم.
ثم إنه بدت له حاجة في المدينة لم يأمن عليها إلا آزر أبا إبراهيم ، فدعاه فأرسله فقال له : أنظر لا تواقع أهلك .
فقال له آزر أنا أضُنُّ بديني من ذلك ، فلما دخل القرية نظر إلى أهله فلم يملك نفسه إن وقع عليها ، ففر بها إلى قرية بين الكوفة والبصرة يقال لها ادر فجعلها في سرب ، فكان يتعهدها بالطعام وما يصلحها .
وإن الملك لما طال عليه الأمر قال : قول سحرة كذابين ارجعوا إلى بلدكم.
فرجعوا وولد إبراهيم فكان في كل يوم يمر به كأنه جمعة والجمعة كالشهر من سرعة شبابه ، ونسي الملك ذاك وكبر إبراهيم ولا يرى أن أحداً من الخلق غيره وغير أبيه وأمه ، فقال أبو إبراهيم لأصحابه : إن لي ابناً وقد خبأته فتخافون عليه الملك ان أنا جئت به؟
قالوا : لا فائت به .
فانطلق فأخرجه ، فلما خرج الغلام من السرب نظر إلى الدواب والبهائم والخلق ، فجعل يسأل أباه فيقول : ما هذا؟ فيخبره عن البعير أنه بعير ، وعن البقرة أنها بقرة ، وعن الفرس أنها فرس ، وعن الشاة أنها شاة . فقال : ما لهؤلاء بد من أن يكون لهم رب .
وكان خروجه حين خرج من السرب بعد غروب الشمس ، وكان خروج إبراهيم عليه السلام من السرب مناسبة للتفكر في الخلق ونشأت الخلائق ووجوب وجود الخالق لها وهو رب العالمين جميعاً وقد عزف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن الناس لأيام باللجوء إلى غار حراء ليتعبد فيه , فرفع رأسه إلى السماء فإذا هو بالكوكب وهو المشتري ، فقال : هذا ربي . فلم يلبث أن غاب قال : لا أحب رباً يغيب .
قال ابن عباس : وخرج في آخر الشهر فلذلك لم ير القمر قبل الكوكب ، فلما كان آخر الليل رأى القمر بازغاً قد طلع قال : هذا ربي . فلما أفل يقول غاب { قال : لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين }( ) .
فلما أصبح رأى الشمس بازغة { قال : هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون }( ) قال الله له : اسلم . قال : أسلمت لرب العالمين .
فجعل إبراهيم يدعو قومه وينذرهم ، وكان أبوه يصنع الأصنام فيعطيها أولاده فيبيعونها ، وكان يعطيه فينادي من يشتري ما يضره ولا ينفعه ، فيرجع إخوته وقد باعوا أصنامهم ، ويرجع إبراهيم بأصنامه كما هي ، ثم دعا أباه فقال { يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً } ( ) .
ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة فإذا هن في بهو عظيم مستقبل باب البهو صنم عظيم ، إلى جنبه أصغر منه بعضها إلى جنب بعض ، كل صنم يليه أصغر منه حتى بلغوا باب البهو ، وإذا هم قد جعلوا طعاماً بين يدي الآلهة وقالوا : إذا كان حين نرجع رجعنا وقد برحت الآلهة من طعامنا فأكلنا .
فلما نظر إليهم إبراهيم وإلى ما بين أيديهم من الطعام قال : ألا تأكلون؟ فلما لم تجبه قال : ما لكم لا تنطقون؟
ثم إن إبراهيم أتى قومه فدعاهم ، فجعل يدعو قومه وينذرهم ، فحبسوه في بيت وجمعوا له الحطب حتى أن المرأة لتمرض فتقول : لئن عافاني الله لأجمعن لإبراهيم حطباً ، فلما جمعوا له وأكثروا من الحطب ، حتى إن كان الطير ليمر بها فيحترق من شدة وهجها وحرها ، فعمدوا إليه فرفعوه إلى رأس البنيان .
فرفع إبراهيم رأسه إلى السماء.
فقالت السماء والأرض والجبال والملائكة : ربنا إبراهيم يحرق فيك . قال أنا أعلم به ، فإن دعاكم فأغيثوه .
وقال إبراهيم حين رفع رأسه إلى السماء : اللهم أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في الأرض ، ليس أحد يعبدك غيري ، حسبي الله ونعم الوكيل . فقذفوه في النار ، فناداها فقال { يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم }( ).
وكان جبريل هو الذي ناداها . فقال ابن عباس : لو لم يتبع برداً سلاماً لمات إبراهيم من بردها ، ولم يبق يومئذ في الأرض نار إلا طفئت ظنت أنها هي تعنى .
فلما طفئت النار نظروا إلى إبراهيم ، فإذا هو ورجل آخر معه ورأس إبراهيم في حجره يمسح عن وجهه العرق ، وذكر أن ذلك الرجل ملك الظل ، فأنزل الله ناراً فانتفع بها بنو آدم ، وأخرجوا إبراهيم فأدخلوه على الملك ولم يكن قبل ذلك دخل عليه فكلمه)( ).
وظاهر الأخبار أن زمان إبراهيم عليه السلام متقدم على زمان نبوخذ نصر بقرون , إذ أن نبوخذنصر حارب مملكة يهوذا وهي لذرية سليمان عليه السلام .
وسليمان بن (داود بن ايشا بن عويد بن عابر بن سلمون بن نحشون بن عويناذب بن ارم بن حصرون ابن فارص بن يهوذا بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم الخليل عبد الله ونبيه وخليفته في أرض بيت المقدس) ( ).
وتفرض الممالك الجزية وتغلظ فيها لمنع تلك المدن وسكانها من الإستقلال والعصيان , أما الجزية في الإسلام فهي من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ) ففيها أمور :
الأول : الإقرار بأن اليهود والنصارى أهل كتاب سماوي .
الثاني : منع التعدي على اليهود والنصارى .
الثالث : تسمية أهل الكتاب بأنهم أهل الذمة .
ولم يرد لفظ (الذمة) أو (أهل الذمة) في القرآن , ولكنه ورد في السنة النبوية القولية والتدوينية .
و(عن سليمان بن بريدة عن ابيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه قال في اهل الذمة لهم ما اسلموا عليه من اموالهم وعبيدهم وديارهم وارضهم وماشيتهم ليس عليهم فيه الا صدقة)( ).
ويدل الحديث أعلاه على صيانة الإسلام لأموال أهل الكتاب , وأراضيهم وأفعالهم .
ومن الإعجاز في السنة النبوية تسمية الجزية صدقة , وكذا هو اسم الزكاة ليشملها قوله تعالى [إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ] ( ) مما يدل على وجوب الصدقة على أهل بلاد المسلمين عامة من المسلمين وأهل الكتاب .
نعم الزكاة تجب مع النصاب .
أما الجزية فهي مقدار مالي قليل على الرجال البالغين , كما وأن هناك صدقة وزكاة تجب على المسلمين ذكوراً وأناثاً , كباراً وصغاراً , أحراراً أو عبيداً وهي زكاة الفطر , وهي المقصودة بقوله تعالى [قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (الاعلى]( ).
قانون مواطن الآخرة
(بسند ضعيف عن أنس بن مالك قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : الشهداء ثلاثة : رجل خرج بنفسه وماله محتسباً في سبيل الله يريد أن لا يقتل ولا يقتل ولا يقاتل ، يكثر سواد المؤمنين ، فإن مات وقتل غفرت له ذنوبه كلها ، وأجير من عذاب القبر ، وأومن من الفزع الأكبر ، وزوّج من الحور العين ، وحلت عليه حلة الكرامة ، ووضع على رأسه تاج الوقار والخلد .
والثاني رجل خرج بنفسه وماله محتسباً يريد أن يَقتل ولا يُقتل ، فإن مات أو قتل كانت ركبته مع ركبة إبراهيم خليل الرحمن بين يدي الله في مقعد صدق عند مليك مقتدر .
والثالث رجل خرج بنفسه وماله محتسباً يريد أن يَقتل ويُقتل ، فإن مات أو قتل جاء يوم القيامة شاهراً سيفه واضعه على عاتقه والناس جاثون على الركب يقول : ألا أفسحوا لنا ، مرتين . فإنا قد بذلنا دماءنا وأموالنا لله .
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : والذي نفسي بيده لو قال ذلك لإبراهيم خليل الرحمن ، أو لنبي من الأنبياء لتنحى لهم عن الطريق لما يرى من واجب حقهم ، حتى يأتوا منابر من نور عن يمين العرش ، فيجلسون فينظرون كيف يقضى بين الناس.
لا يجدون غم الموت ، ولا يغتمون في البرزخ ، ولا تفزعهم الصيحة .
ولا يهمهم الحساب ، ولا الميزان ولا الصراط ، ينظرون كيف يقضي بين الناس ، ولا يسألون شيئاً إلا أعطوا ، ولا يشفعون في شيء إلا شفعوا ، ويعطون من الجنة ما أحبوا ، وينزلون من الجنة حيث أحبوا) ( ).
والحديث من الأدلة على عذاب البرزخ , ومن مراحل عالم ما بعد الموت أمور :
الأول : ضغطة القبر .
الثاني : فتنة القبر .
الثالث : عذاب القبر للذين كفروا .
الرابع : البعث والنشور .
قال تعالى [وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمْ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ]( ).
الخامس : تطاير الصحف وكشف الأعمال .
السادس : الحساب .
السابع : الميزان , و(عن ابن عباس قال : جلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مجلساً ، فأتاه جبريل فجلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واضعاً كفيه على ركبتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : يا رسول الله حدثني عن الإِسلام؟
قال : الإِسلام أن تسلم وجهك لله عز وجل ، وأن تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمداً عبده ورسوله .
قال : فإذا فعلت ذلك فقد أسلمت . قال : يا رسول الله حدثني عن الإِيمان؟
قال : الإِيمان أن تؤمن بالله ، واليوم الآخر ، والملائكة ، والكتاب ، والنبيين ، والموت ، والحياة بعد الموت ، وتؤمن بالجنة ، والنار ، والحساب ، والميزان ، وتؤمن بالقدر كله خيره وشره . قال : فإذا فعلت ذلك فقد آمنت .
قال : يا رسول الله حدثني ما الإِحسان؟ قال : الإِحسان أن تعمل لله كأنك تراه فإن لا تراه فإنه يراك)( ).
الثامن : الحوض , و(عن زيد بن أرقم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إني لكم فرط وإنكم واردون عليّ الحوض ، فانظروا تخلفوني في الثقلين قيل : وما الثقلان يا رسول الله؟
قال : الأكبر كتاب الله عز وجل . سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم ، فتمسكوا به لن تزالوا ولا تضلوا ، والأصغر عترتي وأنهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض ، وسألت لهما ذاك ربي فلا تقدموهما لتهلكوا ، ولا تعلموهما فإنهما أعلم منكم)( ).
التاسع : الشفاعة , وهو من رحمة الله عز وجل الواسعة في الآخرة وتوسط الأنبياء وأولياء الله عز وجل والمؤمنين يوم القيامة , وفيها إكرام لكل من :
الأول : الشفيع .
الثاني : المشفوع له , وهل يشفع المشفوع له لغيره أيضاَ .
الجواب نعم مع الإذن من عند الله عز وجل واتصافه بالشهادة بالحق والصدق مع العلم واليقين , قال تعالى [وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ]( ).
العاشر : الصراط , وهو من مواطن يوم القيامة , ويكون من الكلي المشكك الذي يكون مرة عريضاَ مستوياَ للمؤمنين , ويكون رفيعاَ وحاداَ للكافرين , ليقعوا في جهنم .
ومن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم دعوته المسلمين والناس جميعاَ للتوقي في موطن الصراط , وبعثهم على الإستعداد له , و (عن بريدة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من قال عشر كلمات عند كل صلاة غداة وجد الله عندهن مكفياً مجزياً :
خمس للدنيا ، وخمس للآخرة : حسبي الله لديني ، حسبي الله لما أهمني ، حسبي الله لمن بغى عليّ ، حسبي الله لمن حسدني ، حسبي الله لمن كادني بسوء ، حسبي الله عند الموت ، حسبي الله عند المسألة في القبر ، حسبي الله عند الميزان ، حسبي الله عند الصراط ، حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه أنيب) ( ).
الحادي عشر : اللبث الدائم في الجنة للذين آمنوا وعملوا الصالحات .
الثاني عشر : سوق الذين كفروا إلى النار , قال تعالى [وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ]( ).
و لابد من تأليف بمجلدات خاصة بخصوص الصراط من جهات :
الأولى : صراط الدنيا .
الثانية : صراط الآخرة .
الثالثة : الصلة والجامع والجمع بين صراط الدنيا وصراط الآخرة ويتلو كل مسلم ومسلمة سبع عشرة مرة في اليوم [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]( ).
الرابعة : الصراط في القرآن وتفسير آياته وفي الثناء على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى [وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ *صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلاَ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ]( ).
الخامسة : الصراط في السنة النبوية , و (عن أبي الدرداء : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : يؤتى بصاحب المال الذي أطاع الله فيه وماله بين يديه كلما تكفأ به الصراط قال له ماله : أمض فقد أديت حق الله فيّ .
ثم يُجاء بصاحب المال الذي لم يطع الله فيه وماله بين كتفيه كلما تكفأ به الصراط قال له ماله : ويلك ألا أديت حق الله فيّ؟! فما يزال كذلك حتى يدعو بالويل والثبور)( ).
السادسة : قانون الصراط الدنيوي وقانون الصراط الأخروي زاجر عن الإرهاب .

تقدير آية بلحاظ قانون
وسورة الأنفال مدنية , وهي من آخر ما نزل من القرآن ومع هذا جاءت الآية بصيغة الفعل المضارع [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً] ( ).
وجعلت الآية هذا الإنفاق علة لصدهم عن سبيل الله عز وجل , مما يدل على أن موضوع الآية لاحق لزمان نزولها , ليبقى إلى يوم القيامة .
ولكن من الناس من ينفق ماله في سبيل الله عز وجل ، ودفاعاً عن الإسلام , وعن الإيمان سواء في أيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو بعده , ولا يختص موضوع الآية بالحرب والقتال إنما يشمل كل باب من أبواب السعي والعمل في سبيل الله سواء في القضية الشخصية أم القضية النوعية والعامة .
وصيغة المضارع لا تمنع من إرادة الماضي والحاضر لبيان إتحاد سنخية الذين كفروا , ولتتجلي مسألة في إعجاز القرآن وهي أن على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين العناية بالمستقبل وأخذ الحائطة من الذين كفروا , وليس الوقوف عند الماضي وحده ، قال تعالى [وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا] ( )وقال (النبي صلى الله عليه وآله وسلم) : إعقلها وتوكّل) ( ).
ففي كل يوم ترى المشركين يعدون العدة للإجهاز على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه, ويبذلون في محاربة النبوة أموالهم التي هي أعز شئ عندهم وبها بنوا صرحاً من الشأن بين القبائل , والدول مثل الدولة الرومانية والفارسية ,وفي قبائل اليمن , وفي الحبشة عند النجاشي وبطارقته.
لذا جاء القرآن بلزوم أخذ الحائطة ، قال تعالى [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ] ( ).
وبلحاظ قانون (لم يغزُ النبي ص أحداَ) والذي جاء هذا الجزء بخصوصه يكون تقدير أول الآية أعلاه من سورة الأنفال على وجوه :
الأول : إن الذين كفروا واتخذوا من الأصنام أرباباَ.
الثاني : إن الذين كفروا برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالث : إن الذين كفروا بالمعجزات الحسية التي جرت وتجري على يد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع : إن الذين كفروا بتكذيبهم نزول آيات القرآن مع انها تشهد لنفسها بصدق النزول , فمن إعجاز القرآن أنها شاهد صدق على صحة نزوله وأنه كلام الله عز وجل , وفي التنزيل [أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا]( ).
الخامس : إن الذين كفروا بنعمة الله عز وجل , فقد أنعم الله عز وجل على قريش بنعم عظيمة تتجلى بالذات وبالمقارنة بينهم وبين أهل المدن والقرى والأعراب ممن حولهم وهو من مصاديق تسمية مكة (أم القرى) بقوله تعالى [لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا] ( ).
فكثير من التجارات تعمل في أشهر مخصوصة من السنة , وقد يتبادر إلى الذهن أن تجارة قريش خاصة بموسم الحج , وهذا التبادر من رشحات قوله تعالى [الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ] ( ) إذ يعلم الناس أوان الحج ويستعدون لأداء المناسك ويأتون بالتجارة والبضائع والإبل والخيل ويشترون الحبوب والثياب .
فذكرت سورة قريش نعمة الله عز وجل على قريش بالتجارة على مدار السنة سواء حلّ موسم الحج في الشتاء أو الصيف , وسير القوافل إلى الشام واليمن في موسم الحج وقبله وبعده ، وانتفاعهم والناس من هذه التجارة , وهي سبب التآلف بينهم , واتحاد المصلحة والمنافع المشتركة , ليكونوا ظهيراَ للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عند بعثته وعوناَ له في دعوته , وهذا العون من مصاديق العبادة في قوله تعالى [فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ] ( ).
والإنقطاع إلى العبادة حرز من الغزو ، ومانع من الهّم أو المناجاة به ، وهي نوع برزخ من الإرهاب المؤازي لقوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَنُ وُدًّا] ( ).

تقدير آية [فَلْيَعْبُدُوا]
لم يرد لفظ [فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ] ( ) إلا في الآية أعلاه من سورة قريش لبيان نوع ملازمة بين تعدد توالي فضل الله على قريش وبين وجوب عبادتهم لله عز وجل ، وقد ثبت في علم الأصول أن شكر المنعم واجب .
لقد تفضل الله سبحانه بتوثيق سماوي لجانب من النعم الخاصة وهو التجارة العامة طيلة أيام السنة بقوله تعالى [لِإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ]( ).
وتقدير الآية على وجوه :
الأول : فليعبدوا رب هذا البيت بالتصديق برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : فليعبدوا رب هذا البيت بالتسليم بأن القرآن كلام الله عز وجل ، إذ تجلت لهم هذه الحقيقة بجعلهم عاجزين عن الإتيان بمثله ، قال تعالى [وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ]( ).
الثالث : فليعبدوا رب هذا البيت ويهجروا عبادة الأوثان .
الرابع : فليعبدوا رب هذا البيت ويظهروا الصلاح .
الخامس : فليعبدوا رب هذا البيت ، ويدعوا الناس إلى الإيمان .
السادس : فليعبدوا رب هذا البيت ، ويتعاهدوا الأمن في البيت الحرام .
السابع : فليعبدوا رب هذا البيت ولا يجهزوا الجيوش لمحاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثامن : قد بعث الله عز وجل النبي محمداَ صلى الله عليه وآله وسلم رسولاَ فليعبدوا الله عز وجل رب هذا البيت .
التاسع : الإسلام دين السلام فليعبدوا ربّ هذا البيت .
العاشر : فليعبدوا رب هذا البيت لتدوم نعمة رحلة الشتاء والصيف .
الحادي عشر : بعث الله عز وجل النبي محمداَ صلى الله عليه وآله وسلم بجوار البيت ولإدامة النعم على قريش فليعبدوا ربّ هذا البيت .
الثاني عشر : فليعبدوا رب هذا البيت بالتصديق برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليقتدي بهم غيرهم.
الثالث عشر : فليعبدوا رب [ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ] ( ).
وبعد صلح الحديبية كتب النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى ملوك الآفاق يدعوهم إلى الإسلام , ومنهم قيصر ملك الروم الذي قام عند وصول كتاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إليه بدعوة وفد تجار قريش الموجودين في الشام , وتقدم منهم أبو سفيان , إذ أخبر قيصراَ بأنه أقربهم نسباَ إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وعن أبي سفيان أن القيصر سأله (فقال: كيف نسبه فيكم ؟
فقلت: محضا من أوسطنا نسبا.
قال: فأخبرني، هل كان من أهل بيته أحد يقول مثل قوله فهو يتشبه به؟
فقلت: لا. قال: فأخبرني هل له ملك فاستلبتموه إياه فجاء بهذا الحديث لتردوه عليه !
فقلت: لا.
قال: فأخبرني عن أتباعه، من هم ؟ فقلت: الاحداث والضعفاء والمساكين، فأما أشرافهم وذوو الانساب فلا.
قال: فأخبرني عمن صحبه أيحبه ويكرمه أم يقليه
ويفارقه ؟ قلت: ما صحبه رجل ففارقه.
قال: فأخبرني عن الحرب بينكم وبينه ؟
فقلت: سجال يدال علينا وندال عليه.
قال: فأخبرني هل يغدر ؟ فلم أجد شيئا أغره به إلا هي، قلت: لا ونحن منه في مدة ولا نأمن غدره فيها.
فوالله ما التفت إليها مني.
قال: فأعاد على الحديث، قال: زعمت أنه من أمحضكم نسبا، وكذلك يأخذ الله النبي، لا يأخذه إلا من أوسط قومه …الحديث) ( ).
الرابع عشر : فليعبدوا رب هذا البيت كل يوم ولا يتوجهوا إلى معركة بدر لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وعن (قَاسِمُ بْنُ ثَابِتٍ فِي الدّلَائِلِ أَنّ قُرَيْشًا حِينَ تَوَجّهَتْ إلَى بَدْرٍ مَرّ هَاتِفٌ مِنْ الْجِنّ عَلَى مَكّةَ فِي الْيَوْمِ الّذِي أَوْقَعَ بِهِمْ الْمُسْلِمُونَ وَهُوَ يَنْشُدُ بِأَنْفَذِ صَوْتٍ وَلَا يُرَى شَخْصُهُ
أَزَارَ الْحَنِيفِيّونَ بَدْرًا وَقِيعَةً … سَيَنْقَضّ مِنْهَا رُكْنُ كِسْرَى وَقَيْصَرَا
أَبَادَتْ رِجَالًا مِنْ لُؤَيّ وَأَبْرَزَتْ … خَرَائِدَ يَضْرِبْنَ التّرَائِبَ حُسّرَا
فَيَا وَيْحَ مَنْ أَمْسَى عَدُوّ مُحَمّدٍ … لَقَدْ جَارَ عَنْ قَصْدِ الْهُدَى وَتَحَيّرَا
فَقَالَ قَائِلُهُمْ مَنْ الْحَنِيفِيّونَ ؟
فَقَالُوا : هُمْ مُحَمّدٌ وَأَصْحَابُهُ يَزْعُمُونَ أَنّهُمْ عَلَى دِينِ إبْرَاهِيمَ الْحَنِيفِ ثُمّ لَمْ يَلْبَثُوا أَنْ جَاءَهُمْ الْخَبَرُ الْيَقِينُ) ( ).
بين لم ولمّا
بسم الله الرحمن الرحيم [هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ] ( ).
تتألف هذه الآية الكريمة من ست وأربعين كلمة وعدد حروفها هو مائة وسبعة وثمانون حرفاً وورد لفظ (تأويله) مرتين في الآية من مجموع أفراد هذا اللفظ الثمانية في القرآن ، وورد لفظ [تَأْوِيلَهُ] ثلاث مرات في سورة يوسف .
وكذا ورد هذا اللفظ مرتين في قوله[هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ] ( ) وفي قوله تعالى [بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ] ( ) وقيل (يشير إلى يوم القيامة كما يؤيده قوله تعالى: “هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل ( ) ) ( ).
ولكن المعنى أعم ، وقد يشمل عاقبة الأمور الشخصية والعامة وأحوال البلدان والشأن ، قال تعالى [وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ] ( ) وأيام الإمام المهدي عجل الله فرجه .
لتكون الآية جامعة للبشارة والإنذار مع التعدد من جهة الخطاب .
والنسبة بين (لم)و(لما) في هذه الآية عموم وخصوص من وجه ، فمادة الإلتقاء من جهات :
الأولى : صبغة الحرف فكل منها حرف .
الثانية : جزم الفعل المضارع .
الثالث : قلب الفعل المضارع من الحال أو الإستقبال إلى الماضي .
وهناك فرق بين (لمّا) الشرطية وتسمى الحينية لأنها بمعنى حين .
وبين (لمّا ) الجازمة النافية مع إتحادهما في الرسم واللفظ ، ولكن يعرف الفرق بينهما بالمعنى والسياق ، أما الأولى فهي التي تدخل على الفعل الماضي وهي اسم يتضمن معنى الشرط من غير أن تكون جازمة مثل[فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً] ( ) أي حين رأته بلقيس حسبته ماء ثقيلاً ، ومنه قوله تعالى [إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ] ( ) .
وأما الثانية فهي الجازمة النافية ، وتخص الفعل المضارع كما في قوله تعالى [ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ * كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ] ( ).
والفرق بين (لم) و(لما) من جهة المعنى والدلالة أن (لم) تفيد نفي الشئ في الزمن الماضي ، أما (لما) فتفيد نفي فعله في زمن التكلم مع إحتمال استمرار النفي .
ولم يرد لفظ (محكمات ) و(متشابهات) في القرآن إلا في الآية المتقدمة أعلاه من سورة آل عمران لبيان إختصاص هذه الآية بعلم قانون (المحكم والمتشابه ) في القرآن من غير أن يتعارض هذا المعنى مع ورود آيات آيات أخرى تتضمن دلالات في ذات المعنى، خاصة وأن القرآن يفسر بعضه بعضاً .
وعن الإمام الباقر عليه السلام قال ان حي بن اخطب واخاه ابا ياسر بن اخطب ونفرا من اليهود من اهل نجران اتوا رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا له أليس فيما تذكر فيما انزل اليك [ألم ] ( )؟
قال بلى .
قالوا اتاك بها جبرئيل من عند الله؟
قال نعم .
قالوا لقد بعثت انبياء قبلك، ما نعلم نبيا منهم اخبر ما مدة ملكه( ) أجل وما اكل امته غيرك، فاقبل حي ابن اخطب على اصحابه، فقال لهم الالف واحد واللام ثلاثون والميم اربعون فهذه واحد وسبعون سنة، فعجب ممن يدخل في دينه ومدة ملكه وأجل امته احد وسبعون سنة، ثم اقبل على رسول الله صلى الله عليه وآله .
فقال له يا محمد هل مع هذا غيره؟
قال نعم،
قال هاته،
قال آلمص
قال اثقل واطول، الالف واحد واللام ثلاثون والميم اربعون والصاد تسعون فهذه مائة واحد وستون سنة،
ثم قال لرسول الله صلى الله عليه وآله هل مع هذا غيره؟ قال نعم قال هات، قال : الر، قال هذا اثقل واطول، الالف واحد واللام ثلاثون والراء مائتان فهل مع هذا غيره؟
قال نعم، قال هات،
قال: المر قال هذا اثقل واطول، الالف واحد واللام ثلاثون والميم اربعون والراء مائتان، ثم قال فهل مع هذا غيره؟
قال نعم، قال لقد التبس علينا امرك فما ندري ما اعطيت، ثم قاموا عنه ثم قال ابو ياسر لحي اخيه ! وما يدريك لعل محمدا قد جمع هذا كله واكثر منه.
فقال ابوجعفر عليه السلام ان هذه الآيات انزلت[ منهن آيات محكمات هن ام الكتاب وأخر متشابهات] ( ) وهي تجري في وجوه اخر على غير ما تأول به حي وابوياسر واصحابه ) ( ).
وقوله (وهي تجري في وجوه اخر) شاهد على علم أهل البيت عليهم السلام بهذه الوجوه .
والواو في [وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ] ( ) تفيد العطف، ولكن هذا العطف لا يعني التساوي إنما هو من عطف الفرع على الأصل والجزء على الكل كما في قوله تعالى[قُلْ لاَ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ] ( ) وقوله تعالى [ذَلِكَ مِنْ أنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ] ( ) وقوله تعالى [وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ] ( ).
ومشهور علماء الإسلام في الواو [وَالرَّاسِخُونَ] على وجهين :
الأول : الواو حرف استئناف وإليه ذهب ابن مسعود وابن عمر ونسب إلى ابن عباس أيضاً .
وقال به من النحويين الكسائي والفراء والزجاج والأخفش .
الثاني : الواو حرف عطف ، وهو المنسوب لأئمة أهل البيت عليهم السلام ،وبه قول لابن عباس ، ومجاهد والربيع بن أنس والضحاك والزمخشري .
ومن النحاة ابو جعفر النحاس .كما يمكن أن يستدل عليه بآيات قرآنية عديدة منها قوله تعالى [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ] ( ) ومنها [كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ] ( ) واستدل عليه بدعاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لابن عباس (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) ( ).
إذ ورد (عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس أنه كان في بيت ميمونة ، فوضع للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وضوءا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من وضع ؟
فقالت ميمونة : وضعه لك عبد الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اللهم علمه التأويل وفقهه في الدين) ( ) .
وفي البخاري : اللهم فقهه في الدين .
وكلاهما عن ابن عباس أيضاً وليس فيهما ذكر للتأويل .
(عن مجاهد، عن ابن عباس أنه قال: أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله) ( ).
وعن (ابن طاوس، عن أبيه قال : كان ابن عباس يقرأ: “وما يعلم تأويله إلا الله، ويقول الراسخون: آمنا به” وكذا رواه ابن جرير، عن عمر بن عبد العزيز، ومالك بن أنس: أنهم يؤمنون به ولا يعلمون تأويله. وحكى ابن جرير أن في قراءة عبد الله بن مسعود: “إن تأويله إلا عند الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به”. وكذا عن أبي بن كعب ) ( ).
وحتى مجاهد قرأ هذه الآية وقال (أنا ممن يعلم تأويله ) ( ).
ومجاهد هو مجاهد بن جبر (21-104) هجرية تابعي مكي مولى السائب بن أبي السائب المخزومي القرشي( ) ، وهو كثير الحديث ، له كتاب في التفسير اسمه (تفسير مجاهد ) عن ابن عباس .
قال مجاهد (عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته أوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها، وقال الحميدي ثنا إبراهيم بن أبي حية التيمي حدثنا حميد الأعرج عن مجاهد قال ختمت على ابن عباس تسع عشرة ختمة كلها يأمرني أكبر فيها من ألم نشرح لك) ( ).
وروى عن جابر الأنصاري وأبي سعيد الخدري ، وغيرهما ، وإذا كان مجاهد يعلم التأويل فمن باب الأولوية أن أئمة أهل البيت يعلمونه ، وهو من مصاديق حديث الثقلين .
ومجاهد شغوف بالغرائب والأخبار العجيبة ، فذهب إلى بابل لرؤية هاروت وماروت ، وإلى حضرموت ليتقصى عن بئر بَرَهوت ، بفتح الباء والراء وضم الهاء ، وعمق هذا البئر (250) م ، وعرضه أكثر من مائة متر .
وعن (مجاهد بن جبر قال: كان من نعمة الله على علي بن أبي طالب، ومما أراد الله به أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة وكان أبو طالب ذا عيال كثيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للعباس عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يا عباس، إن أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة، فانطلق بنا إليه فلنخفف من عياله فآخذ من بنيه رجلا وتأخذ رجلا فنكفيهما عنه .
فقال العباس: نعم. فانطلقا حتى أتيا أبا طالب فقالا له: إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه. فقال لهم أبو طالب: إذا تركتما لي عقيلا فاصنعا ما شئتما.
وفي رواية إذا تركتما لي عقيلا وطالبا فاصنعا ما شئتما فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا فضمه إليه، فلم يزل علي مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى بعثه الله نبياً فتابعه علي وآمن به وصدقه، ولم يزل جعفر عند العباس) ( ).
وسأل يحيى بن أكثم (الإمام الرضا عليه السلام عن قوله تعالى: “
سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله “( ) ما هي ؟ فقال: هي عين الكبريت، وعين اليمن، وعين البرهوت، وعين الطبرية، وحمة ما سيدان، وحمة إفريقية، وعين باجوران،
ونحن الكلمات التي لا تدرك فضائلها ولا تستقصى
قال الفيروز آبادى: البرهوت كحلزون: واد أو بئر بحضر موت) ( ).
و(عن الإمام الصادق عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال: قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: شر ماء على وجه الارض ماء برهوت، وهو الذي بحضرموت يرده هام الكفار) ( ).
وأختلف في الوقف عند (إلا الله) على أقوال :
الأول : الوقف تام وهو الذي تدل عليه علامة (مـ) أي لا يعلم أحد تأويله إلا الله ، وبه قال ابن الأنباري والوقف التام هو الذي يحصل تمام الكلام به ، ويستغنى به عما بعده في ذات موضوعه .
الثاني : الوقف لازم ، وهو الذي يجب الوقف عليه والإبتداء بما بعده ، كما في الوقف بعد كلمة يسمعون في قوله تعالى [إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمْ اللَّهُ]( ) .
الثالث : التفصيل بين الوقف التام وعدم الوقف .
الرابع : لا وقف أي أن الواو عاطفة .
وهل يمكن القول بعدم التعارض بين القول بالوقوف عند [إلا الله] ، وعدم الوقوف ، الجواب نعم ، بلحاظ التأويل على نحو الحقيقة وماهية التأويل والإحاطة بعلوم الغيب لا يعلمه إلا الله .
وبلحاظ أن الراسخين في العلم يعلمون تأويله فانه فرع من البيان الذي تفضل الله عز وجل به بآيات القرآن والوحي إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، لذا فان مشهور القراء وضع في المصاحف علامة (قلى) عند قوله تعالى [إلا الله ] وتعني هذه العلامة أن الوقف جائز ، وهو أولى , وضدها علامة (صلى) وهي علامة الوقف الجائز مع أن الوصل هو الأولى.
وهل يمكن القول أن الواو في [والراسخون ] تكون على وجهين :
الأول : واو استئناف .
الثاني : واو عطف .
الجواب نعم ، إذ أن تقسيم الواو إلى حرف استئناف وعطف تقسيم استقرائي .
فمن خصائص الحرف والكلمة القرآنية تعدد المعنى مع إتحاد الرسم واللفظ ، فان قلت ولكن الموضوع متحد وهو الـتأويل ، والجواب إنه من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة خاصة وأن القرآن نزل على سبعة أحرف ، وأن التأويل التام والحقيقة لا يعلمها إلا الله ، أما التأويل الذي يحتاجه الناس فقد تفضل الله عز وجل وعلمه رسوله وتجلت شذرات منه في القرآن , وانتفعت منه الأمة والناس جميعاً وإلى يوم القيامة ، وهو من مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ).
وعن (ابن أبي داود في المصاحف من طريق الأعمش قال في قراءة ابن مسعود وإن تأويلة إلا عند الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به ) ( ).
أي أن حقيقة تأويله عند الله عز وجل ، والراسخون في العلم يقولون آمنا به .
وورد عن ابن عباس (قال التفسير أربعة أوجه وجه تعرفه العرب من كلامها وتفسير لا يعذر أحد بجهالته وتفسير تعلمه العلماء وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى) ( ).
ترى ما هي النسبة بين الراسخين في العلم وبين العلماء ، تحتمل وجوهاً :
الأول : التساوي وأن العلماء هم الراسخون في العلم .
الثاني : نسبة العموم والخصوص المطلق ، وهو على شعبتين :
الأولى : الراسخون في العلم أعلى مرتبة من العلماء .
الثانية : العلماء أعلى مرتبة من الراسخين في العلم .
الثالث : نسبة العموم والخصوص من وجه ، وهناك مادة للإلتقاء وأخرى للإفتراق.
والصحيح هو الشعبة الأولى من الوجه الثاني أعلاه .
قانون تقسيمات أوان نزول الآيات
من إعجاز القرآن أن آياته نزلت على نحو التوالي والتعاقب ، قال تعالى [وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً] ( ) لبيان حكمة الله عز وجل في نزول القرآن بوجوب تلاوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لآيات القرآن وبحسب الوقائع والأحداث ، ومناسبة الناسخ والمنسوخ والعام والخاص .
ومن الإعجاز في الآية أعلاه ذكرها للناس ، والمراد عموم الناس ولبيان قانون وهو ليس من آيات القرآن ما تختص بتلاوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين لها ، إنما كل آية تتوجه إلى الناس جميعاً ضياءَ وحجة ودليلاً وسبيلاً إلى الهداية.
وتقسم آيات القرآن عدة تقسيمات منها :
الأول : السور المكية التي نزلت قبل هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة .
الثاني : السور المدنية ، وهي التي نزلت بعد الهجرة .
الثالث : يمكن أن نضيف لها قسيماً ثالثاً وهو الآيات التي نزلت في طريق الهجرة ومنها قوله تعالى [وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ] ( ).
وأمر جبرئيل عليه السلام النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم أن يضع هذه الآية في سورة محمد ، إذ أنها تحكي الصبر والجهاد الشخصي له .
وتكون السورة مدنية إذا نزلت بعد الهجرة وإن نزلت على النبي في مكة فمثلاً سورة المائدة مدنية مع أنها نزلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مكة في حجة الوداع وبخصوص سورة النصر ورد (عن ابن عمر قال : هذه السورة نزلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أوسط أيام التشريق بمنى وهو في حجة الوداع { إذا جاء نصر الله والفتح }( ) حتى ختمها ، فعرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه الوداع) ( ).
وهذا التقسيم هو أظهر وأشهر التقسيمات لترتب الأثر والحكم عليه ، ولتعدد الثمرة في تعيين أوان نزول الآية القرآنية ، ومن التقسيمات في المقام التقسيم بلحاظ أوان نزول الآية في ساعات اليوم والليلة من غير أن يتعارض مع التقسيم أعلاه , وهو :
الأول : الآيات النهارية منها آية تحويل القبلة ، (عن أبي سعيد بن المعلى قال: كنا نَغْدُو إلى المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فنمر على المسجد فنصلي فيه، فمررنا يومًا -ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قاعد على المنبر -فقلت: لقد حَدث أمر، فجلست .
فقرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذه الآية: { قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا }( ) حتى فرغ من الآية. فقلت لصاحبي: تعال نركع ركعتين قبل أن ينزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنكون أول من صلى، فتوارينا فصليناهما. ثم نزل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فصلى للناس الظهر يومئذ) ( ) (تحولت القبلة إل الكعبة بعد ما صلى النبي صلى الله عليه وآله ثلاث عشرة سنة إلى بيت المقدس .
وبعد مهاجره إلى المدينة صلى إلى بيت المقدس سبعة أشهر، قال: ثم وجهه الله تعالى إلى الكعبة، وذلك أن اليهود كانوا يعيرون رسول الله صلى الله عليه وآله ويقولون: أنت تابع لنا تصلي إلى قبلتنا، فاغتم رسول الله صلى الله عليه وآله من ذلك غما شديدا، وخرج في جوف الليل ينظر إلى آفاق السماء ينتظر من الله في ذلك أمرا، فلما أصبح وحضر وقت صلاة الظهر كان في مسجد بني سالم قد صلى من الظهر ركعتين، فنزل عليه جبرئيل فأخذ بعضديه وحوله إلى الكعبة وأنزل عليه: “
قد نرى تقلب وجهك في السماء ” الآية، فكان صلى ركعتين إلى بيت المقدس وركعتين إلى الكعبة) ( ).
الثاني : الآيات الليلية ، ومنها سورة الأنفال وسورة الأنعام , و(عن ابن عباس قال: نزلت سورة الأنعام بمكة ليلاً جملة حولها سبعون ألف ملك يجأرون بالتسبيح. ومنها: آية الثلاثة الذين خلفوا، ففي الصحيحين من حديث كعب فأنزل الله توبتنا حتى بقي الثلث الأخير من الليل. ومنها: سورة مريم. روى الطبراني عن أبي مريم الغساني قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: ولدت لي الليلة جارية، فقال: والليلة نزلت عليّ سورة مريم سمها مريم.) ( ) .
فكني أبا مريم وأسمه نذير( ) ومنها أول سور الحج ، وآية (عن عطاء قال : قلت لعائشة أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟
قالت : وأي شأنه لم يكن عجباً! إنه أتاني ليلة فدخل معي في لحافي ثم قال : ذريني أتعبد لربي . فقام فتوضأ ثم قام يصلي فبكى حتى سالت دموعه على صدره ، ثم ركع فبكى ، ثم سجد فبكى ، ثم رفع رأسه فبكى . فلم يزل كذلك حتى جاء بلال فآذنه بالصلاة فقلت : يا رسول الله ما يبكيك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! قال : أفلا أكون عبداً شكوراً ، ولم لا أفعل وقد أنزل علي هذه الليلة { إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب }( ) إلى قوله { سبحانك فقنا عذاب النار } ثم قال : ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها) ( ) .
ومن الآيات التي نزلت في الليل أول آية من سورة الحج , إذ ورد (عن عمران بن حصين أنها نزلت والنبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد نعس بعض القوم وتفرق بعضهم فرفع بها صوته، الحديث. ومنها: آية الإذن في خروج النسوة في الأحزاب.
وقيل (عن عمران بن حصين أنها نزلت والنبي في سفر وقد نعس بعض القوم وتفرق بعضهم فرفع بها صوته
ومنها آية الإذن في خروج النسوة في الأحزاب كما في قوله تعالى[يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا] ( ) وعن عائشة خرجت سودة بعدما ضرب الحجاب لحاجتها وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها فرآها عمر فقال يا سودة أما والله ما تخفين علينا فانظري كيف تخرجين قالت فانكفأت راجعة إلى رسول الله وإنه ليتعشى وفي يده عرق فقالت يا رسول الله خرجت لبعض حاجتي فقال لي عمر كذ فأوحى الله إليه وإن العرق في يده ما وضعه فقال إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن) ( ).
وورد (عن ابن عباس قال أتيت رسول الله فقلت ولدت لي الليلة جارية فقال والليلة أنزلت علي سورة مريم سمها مريم) ( ).
وفي نزول أول سورة الفتح قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم , (لقد أنزلت عليّ الليلة سورة هي أحب إليّ من الدنيا) ( ).
وعن (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :أنزلت علي الليلة آيات لم أر مثلهن قط { قل أعوذ برب الفلق } ( ) و { قل أعوذ برب الناس}( )) ( ).
وعن الإمام علي عليه السلام (والله ما نزلت آية في كتاب الله في ليل أو نهار إلا وقد علمت فيمن انزلت) ( ) وهذا الحديث دعوة لتقسيم آيات القرآن إلى نهارية وليلية وأكثر آيات القرآن نزلت في النهار .
والمراد موضوع الآية وأسباب النزول وعظيم الأثر المترتب على نزولها
ومن التقسيمات ما يكون بلحاظ الموضع والحال والترحال , وهو على قسمين :
الأول :الآيات الحضرية .
وهي التي نزلت على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقيم في الحضر سواء في مكة قبل الهجرة , أو في المدينة بعد الهجرة , إذ تكون الآيات والسور التي نزلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مكة في طريق الهجرة من السفري , وهو لا يتعارض مع إحتسابها قسيماً ثالثاً للمكي والمدني ، ومنهم من الحقها بالمدني , وكذا ما نزل في الكتائب وميدان الدفاع.
ويمكن استحداث تقسيم جديد لآيات القرآن وهو :
الأول : الآيات المكية الحضرية .
الثاني : الآيات المكية السفرية .
وهل نزول قوله تعالى [اقْرَأْ] ( ) من المكي الحضري أو السفري ، المختار هو الأول ، إذ نزلت على النبي صلى الله عليه وآله وسل في غار حراء الذي يبعد عن المسجد الحرام (4) كم .
( قال أبو سلمة : سألت جابر بن عبدالله عن ذلك قلت له مثل ما قلت . قال جابر : لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : جاورت بحراء ، فلما قضيت جواري فنوديت فنظرت عن يميني فلم أرَ شيئاً ، ونظرت عن شمالي فلم أرَ شيئاً ، ونظرت خلفي فلم أرَ شيئاً ، فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فجثثت منه رعباً ، فرجعت فقلت دثروني فدثروني ، فنزلت { يا أيها المدثر قم فأنذر }( ) إلى قوله : { والرجز فاهجر } ) ( ).
ومن الآيات المكية السفرية ما نزل في بيت المقدس في ليلة الإسراء كما في قوله تعالى [وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ] ( ).
ومنها آيات نزلت في الطائف وهي [أَلَمْ تَرَى إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً] ( ).
وقوله تعالى [بَلْ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ*وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ] ( ) أي كفار مكة.
الثالث : الآيات المدنية الحضرية , وقد يسمى القرآن الحضري .
الرابع : الآيات المدنية السفرية , وقد يسمى القرآن السفري , وهي آيات عديدة ومنها الآيات التي نزلت في كتائب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسرايا الصحابة , وفي قوله تعالى [وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ] ( ).
وعن (ابن عباس قال : نزلت هذه الآية { وما كان لنبي أن يغل }( ) في قطيفة حمراء افتقدت يوم بدر فقال بعض الناس : لعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخذها)( ).
ومن الحكمة ودلائل الإعجاز في نزول عدد من آيات وسور القرآن في السفر مسائل :
الأولى : بيان مصاحبة الوحي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وفي التنزيل [ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ ما قَلى] ( ).
الثانية : موضوعية أسباب النزول في آيات القرآن .
الثالثة : زيادة إيمان المسلمين , فمن إعجاز القرآن الغيري أنه مع نزول كل آية من القرآن يزداد إيمان المسلمين , ويدخل فوج من الناس الإسلام .
الرابعة : شحذ همم المسلمين في الدفاع والذب عن الإسلام , وإدراك قانون وهو الحاجة إلى سلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , ومنع الضرر والخيانة من الوصول إليه , ومن مصاديق هذه الحاجة رجاء نزول آيات القرآن الاخرى .
الخامسة : توجيه عناية المسلمين إلى القرآن ونزول آياته والتدبر في معانيها ، وهو واقية من السعي إلى الغزو أو التحريض عليه ، فمن خصائص نزول آيات القرآن أنه يجعل مناجاة المسلمين بالتقوى ، قال تعالى [لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا] ( ).
ومن الإعجاز في المقام أن آية [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنْ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ] ( ) فإنها نزلت في آيات السفر كما سيأتي بيانه( ) فهناك آيات نزلت في مكة وحكمها مدني .
كما يمكن تقسيم آيات القرآن تقسيماَ مستقلاَ :
الأول : الآيات الحضرية سواء كانت مكية أو مدنية .
الثاني : آيات السفر سواء نزلت في مكة أو المدينة .
والأول هو الأكثر .
كما يمكن تقسيمها :
الأولى : الآيات الشتوية (الشتوي) .
ومن الشتوي ما نزل أيام حصار الخندق إذ كان الطقس شديد البرودة.
و(عن حذيفة قال : لقد رأيتنا ليلة الأحزاب ، ونحن صافون قعود ، وأبو سفيان ومن معه من الأحزاب فوقنا ، وقريظة اليهود أسفل نخافهم على ذرارينا .
وما أتت علينا ليلة قط أشد ظلمة ، ولا أشد ريحاً منها ، أصوات ريحها أمثال الصواعق ، وهي ظلمة ما يرى أحد منا اصبعه .
فجعل المنافقون يستأذنون النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويقولون { إن بيوتنا عورة وما هي بعورة }( ) فما يستأذنه أحد منهم إلا أذن له ، يتسللون ونحن ثلثمائة أو نحو ذلك ، إذ استقبلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً رجلاً حتى مر علي ، وما علي جنة من العدو ، ولا من البرد إلا مرط لامرأتي ، ما يجاوز ركبتي ، فأتاني وأنا جاث على ركبتي فقال : من هذا؟
قلت : حذيفة فتقاصرت إلى الأرض .
فقلت : بلى يا رسول الله كراهية أن أقوم .
فقال : قم . فقمت .
فقال : إنه كان في القوم خبر ، فأتني بخبر القوم .
قال : وأنا من أشد الناس فزعاً ، وأشدهم قراً ( )، فخرجت .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اللهم احفظه من بين يديه ، ومن خلفه ، وعن يمينه ، وعن شماله ، ومن فوقه ، ومن تحته .
قال : فو الله ما خلق الله فزعاً ولا قراً في جوف إلا خرج من جوفي ، فما أجد منه شيئاً ، فلما وليت .
قال : يا حذيفة لا تحدث في القوم شيئاً حتى تأتيني( ) .
فخرجت حتى إذا دنوت من عسكر القوم ، نظرت في ضوء نار لهم توقد ، واذا برجل أدهم ضخم يقول بيده على النار ، ويمسح خاصرته .
ويقول : الرحيل . . . الرحيل . . . ثم دخل العسكر .
فإذا في الناس رجال من بني عامر يقولون : الرحيل . . . الرحيل يا آل عامر لا مقام لكم ، وإذا الرحيل في عسكرهم ما يجاوز عسكرهم شبراً .
فوالله أني لأسمع صوت الحجارة في رحالهم ، ومن بينهم الريح يضربهم بها .
ثم خرجت نحو النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
فلما انتصفت في الطريق أو نحو ذلك ، إذا أنا بنحو من عشرين فارساً متعممين ، فقالوا : اخبر صاحبك أن الله كفاه القوم ، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يشتمل في شملة يصلي ، وكان إذا حز به أمر صلى ، فأخبرته خبر القوم أني تركتهم يرتحلون . فأنزل الله { يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذا جاءتكم جنود . . . }( ))( ) .
الثانية : الآيات الصيفية (الصيفي) ومنها آية الصيف [يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ]( ).
والتي تسمى آية الصيف لأنها نزلت في فصل الصيف , وقيل تسمى آية الكلالة .
و(عن عمر قال : ما سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن شيء أكثر ما سألته عن الكلالة ، حتى طعن بأصبعه في صدري وقال : تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء) ( ).
و(روى أبو سلمة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : التي أنزلت في الصيف هي وإن كان رجل يورث كلالة) ( ) ( ).
والمشهور والمختار هو الأول , وهو المروي عن ابن عباس وأنها نزلت في الطريق لما خرج إلى حجة الوداع , (فلما خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى حجة الوداع نزلت عليه في الطريق) ( ).
ومن الصيفي أول سورة المائدة , والآيات التي في كتيبة تبوك لأنها كانت في شدة الحر , ومنها حكاية قول بعض المنافقين قال تعالى [وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ] ( ).
إذ ورد (عن جابر بن عبدالله قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لجد بن قيس : يا جد هل لك في جلاد بني الأصفر؟
قال جد : أتأذن لي يا رسول الله؟
فإني رجل أحب النساء ، وإني أخشى إن أنا رأيت نساء بني الأصفر أن افتتن . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو معرض عنه : قد أذنت لك . فأنزل الله { ومنهم من يقول ائذن لي . . . }( ))( ).
و(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ }( ) وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَنْبَعِثُوا مَعَهُ وَذَلِكَ فِي الصَّيْفِ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْحَرُّ شَدِيدٌ وَلا نَسْتَطِيعُ الْخُرُوجَ، فَلا تَنْفِرْ فِي الْحَرِّ، فَقَالَ: {قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ}( ))( ).
وتكون الآيات على وجوه :
الأول : الآيات المكية النهارية الشتوية .
الثاني : الآيات المكية النهارية الصيفية .
الثالث : الآيات المكية الليلية الشتوية .
الرابع : الآيات المكية الليلية الصيفية .
الخامس : الآيات المدنية النهارية الشتوية .
السادس : الآيات المدنية النهارية الصيفية .
السابع : الآيات المدنية الليلية الشتوية .
الثامن : الآيات المدنية الليلية الصيفية .
و(عن أبي سعيد الخدري في قوله { ومن يولهم يومئذ دبره }( ) قال : إنها كانت لأهل بدر خاصة) ( ).
ومثلما نزلت آيات في معركة بدر , فقد نزلت آيات في معركة أحد .
كما نزلت آية الرضوان في كتيبة المريسيع ونزل قوله تعالى[فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيم]ٍ ( ) في غزوة حمراء الأسد .
بحث أصولي
الأصل أن العلوم حقيقية كالتفسير والطب والفلك والرياضيات , وضدها العلوم الزائفة كالسحر , قال تعالى [يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى] ( ).
وبلحاظ التقسيم أعلاه وهو المتعارف في ميدان العلوم والمتبادر إلى الذهن أن علم الأصول والفقه من العلوم الحقيقية .
أما العلم الزائف فالمراد منه الأفكار التي تستحضر على أنها علم حقيقي , ولكنها لا تتصف بضوابطه مثل :
الأول :فنون السحر ، وفي قصة موسى عليه السلام والسحرة، قال تعالى [قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى] ( ).
الثاني : المغالطات .
الثالث : نظرية دارون .
الرابع : دعوى نمروذ كما ورد في التنزيل [أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ] ( ) ففضحه إبراهيم [فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ] ( ).
وهناك تقسيم آخر في البلاغة بلحاظ المعنى للفظ وهو :
الأول : المعنى الحقيقي : وهو الذي يفهم السامع معناه بالتبادر من غير واسطة أو قرينة .
الثاني : المعنى المجازي , وهو المعنى الذي انتقل إليه المعنى للتشابه بينه وبين الحقيقة كما يقال للرجل الشجاع أسداَ , ووجه الشبه والقرينة الشجاعة .
والخبر في علم المنطق وغيره يحتمل وجهين :
الأول : مطابقة الخبر للواقع , وهو الصدق , ويكون الخبر صادقاَ .
الثاني : عدم مطابقة الخبر للواقع , فيكون كذباَ وزيفاَ ويكون المخبر كاذباَ , أو أنه يلحق بالكاذب مجازاَ .
وعرّف الخبر بأنه ما احتمل الصدق أو الكذب بذاته , ولكن ما من عام إلا وقد خصّ , فالخبر في التنزيل والسنة لا يحتمل إلا الصدق , قال تعالى [وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ قِيلاً]( ).
ولم يرد في كتب الأصوليين المتقدمين والمتأخرين تقسيم العلوم على نحو التفصيل كما هي الآن فقد تقسم إلى :
الأول : العلوم الحقيقية .
الثاني : العلوم الإعتبارية .
الثالث : العلوم الوجدانية .
الرابع : العلوم الخارجية , مثل التأريخ والإقتصاد والجغرافية , إذ أن موضوعها المصاديق الخارجية , والمختار أن الأصل في علم الـتأريخ أنه من العلوم الحقيقية , وسنامه قصص القرآن , لأنها حق وصدق , قال تعالى [نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الْغَافِلِينَ] ( ) .
وتدخل القصص والأخبار الكاذبة في العلوم الزائفة
الخامس : العلوم الإنتزاعية .
السادس : العلوم البرهانية كالحكمة بأقسامها الثلاثة المتعالية والطبيعية والرياضية .
وقام بعض العلماء في هذه الأيام بالفصل بين العلوم الحقيقية مثل علم طب الأبدان وعلم الفلسفة , والعلوم الإعتبارية , وجعل علم الأصول والفقه والنحو والعلوم الأدبية من العلوم الإعتبارية .
وعرفت العلوم الحقيقية هي العلوم التي خصت بقواعد خاصة , وحصرت بقيود علمية , وهو ليس من العلوم المتعلقة بالأعيان الخارجية بضوابط طبيعية كالرياضيات , وقيل علم الأصول من العلوم الإعتبارية التي ترشحت عن انتظام البشر في مجتمعات وبعثة الأنبياء لتثبيت سنن العبادات والمعاملات .
ومنهم من أنكر وجود موضوع لعلم الأصول , والمراد من العلوم الإعتبارية هو إعتبار الحقيقة وموضوعها أمور إعتبارية غير حقيقية , وهي التي تأصل وجودها في عالم الإعتبار , بحيث إذا تخلى المعتبر عن إعتبارها لا يبقى لها شأن أو وجود , ومنه قيمة الدينار الورقي في زمن مخصوص , أو الزوجية بعد عقد النكاح , فاذا تجرد عن إعتبار العقد ووقع الطلاق أو وفاة الزوج أو العكس لا يبقى له اعتبار اسما ومسمى , فتسمى المرأة مثلاً حينئذ مطلقة أو أرملة .
والأصل أن العلوم الحقيقية تقابلها العلوم الزائفة , واصطلاح العلوم الإعتبارية مستحدث , ولا يصح أن يكون في مقابل العلم الحقيقي , ولكنه قسيم له , وبينهما عموم وخصوص من وجه .
والعلم الإعتباري غير الإنتزاعي الذي يوجد مع وجود منشأ انتزاعه .
سواء كان إنتزاعه من عالم الواقع والحدوث مثل الأبوة والبنوة , وبرودة الشتاء أو حر الصيف , أو يكون إنتزاعه من عنوان إعتباري مثل الشرطية والتقييد , كما في الإستطاعة بالنسبة للحج , قال تعالى [وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً] ( ).
وقد تقسيم العلوم الإعتبارية إلى قسمين :
الأول : ما يكون على نحو الإعتبار المحض مثل الوجوب والحرمة .
الثاني : ما يكون له منشأ خارجي .
كالأمور الإعتبارية الجعلية كالملكية فانه لا يمكن إدراكها بالحواس الظاهرة , والأمور الإضافية ليس لها محل إلا الذهن .

طريق الهجرة
من خصائص المعجزة النبوية تجلي معالمها زماناَ بعد زمان , وإنكشاف مسائل ومنافع عند التحقيق فيها , ومنها هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة من جهات :
الأولى : أوان ووقت الهجرة .
الثانية : أسباب الهجرة .
الثالثة : اضطرار النبي صلى الله عليه وآله وسلم للهجرة .
الرابعة : نزول القرآن بخصوص الهجرة , قال تعالى [وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ]( ).
لبيان أن علة الخروج والظلم والتعدي من الذين كفروا لإختتام الآية الكريمة بأن تعلمهم جزء من مكرهم , فبين المكر الذي تذكره الآية وبين إخراج المشركين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه عموم وخصوص مطلق .
فالمكر أعم , وأختتمت الآية بالبشارة بالنجاة من مكرهم لأنها وعد وبيان لحضور فضل الله عز وجل في نسخ ومحو مكر الذين كفروا , وهذا المحو من الرحمة العامة.
وهل في قوله تعالى[وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ]( ) بشارة فتح مكة , الجواب نعم , ليكون من إعجاز القرآن الإشارة قبل الهجرة إلى فتح مكة .
والمكر هو السعي والتدبير لإلحاق الضرر بالغير خفية ومباغتة , أو من حيث لا يعلم .
أما مكر الله عز وجل فهو رحمة ولطف وتقريب إلى الطاعات , لذا بيّن القرآن أن المكر على وجوه , وأن التدبير الخفي للإضرار فرد منه , فقال تعالى [وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ]( ).
ولم يكن بين خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مكة وبين هجومهم على فراشه في مكة لقتله إلا ساعات قليلة , وهو معجزة أخرى للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , و (عن ابن عباس في قوله { وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك }( ).
قال : تشاورت قريش ليلة بمكة فقال بعضهم : إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق – يريدون النبي صلى الله عليه وآله وسلم – وقال بعضهم : بل اقتلوه ، وقال بعضهم : بل أخرجوه .
فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك ، فبات علي عليه السلام على فراش النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى لحق بالغار .
وبات المشركون يحرسون علياً عليه السلام يحسبونه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فلما أصبحوا ثاروا إليه ، فلما رأوه علياً عليه السلام رد الله مكرهم فقالوا : أين صاحبك هذا؟
قال : لا أدري . . . ! فاقتصوا أثره ، فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم فصعدوا في الجبل ، فرأوا على بابه نسج العنكبوت ، فقالوا : لو دخل هنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه ، فمكث فيه ثلاث ليال)( ).
وبيّن القرآن عتو الكفار في إخراج الرسول والذين آمنوا من ديارهم , قال تعالى [يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ]( ).
وتصاحب هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أجيال المسلمين بحضورها في الوجود الذهني , والكتب المدرسية , لبيان أنها معجزة حسية , وحالما علم المشركون بمغادرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أرسلوا رجالهم في طلبه , وجعلوا لمن يأتي به جعلاً , وهو مقدار ديته , أي مائة ناقة فخرج الناس في طلبه , واستعانوا بالقّافة الذين يتبعون الأثر .
ترى هل كان قرار قريش في قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في فراشه قراراَ آنياَ عن إنفعال وغضب , الجواب لا , لذا سمّاه رسول الله عز وجل مكراَ , لأن المكر تدبير بخفية ومن خصائص التدبير استغراقه لوقت يطول أو قصر .
ومنه حصارقريش لبني هاشم في شعب أبي طالب لثلاث سنوات , ومن أسباب إرادة المشركين قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجوه :
الأول : اجتهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الدعوة إلى الله عز وجل .
الثاني : زيادة أعداد المسلمين كل يوم .
الثالث : علو صوت المسلمين في مكة , وإجهارهم بالقرآن وفي سورة المزمل التي هي من أوائل السور المكية قال تعالى [فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ] ( ) ولم يرد لفظ [مَا تَيَسَّرَ] في القرآن إلا في الآية أعلاه وعلى نحو مكرر.
الرابع : كثرة المهاجرين إلى المدينة من أهل مكة وغيرها .
الخامس : أخذ عدد من المهاجرين أزواجهم وأولادهم إلى المدينة , وفيه أمارة وتباشير إقامة دولة للمسلمين في المدينة , فهذه الهجرة العائلية إعلام عملي على أنهم لا يعودون إلى مكة إلا بالفتح ، قال تعالى [إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ]( ) .
السادس : فزع قريش من إيواء الأوس والخزرج للمهاجرين الأوائل ، وتجلي معاني للأخوة الإيمانية التي لم تكن معروفة في الجزيرة .
بدأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم من بيت خديجة , ومرّ بسوق الحزورة المجاور للبيت والذي أصبح جزءاً منه في التوسعات .
واستمرت الرحلة بين مكة والمدينة ثمانية أيام , ومرّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم على (41) معلم ظاهر , ووقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم (عَلَى الْحَزْوَرَةِ ، وَنَظَرَ إلَى الْبَيْتِ فَقَالَ ” وَاَللّهِ إنّك لَأَحَبّ أَرْضِ اللّهِ إلَيّ وَإِنّك لَأَحَبّ أَرْضِ اللّهِ إلَى اللّهِ وَلَوْلَا أَنّ أَهْلَك أَخْرَجُونِي مِنْك مَا خَرَجْت) ( ).
ثم وصل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مشياً على الأقدام إلى جبل ثور فبقي في الغار ثلاث ليال , قال تعالى [إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ]( ).
ثم خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من غار ثور قبل فجر الأثنين الموافق للأول من شهر ربيع الأول من السنة الأولى للهجرة النبوية الشريفة , وسار النبي صلى الله عليه وآله وسلم باتجاه الساحل وقطع مسافة (16)كم حتى جاوز جبال بُشيمات
ففي اليوم الأول من مغادرة غار ثور انطلق الركب النبوي من الغار عن يسار جبال بُشيمات متجهين إلى الغرب، وهي سلسلة جبال متوسطة الارتفاع في جنوب غرب مكة مرورا بوادي مكة ووادي عرنة ثم الاتجاه شمالا .
ثم توجه الركب شمالا حيث أصبحت جبال بُشيمات على يمينه وجبال أبو عظام عن يساره، مرورا على روضة أم الهشيم الواقعة جنوب مرّ الظهران , وسميّ مرّ الظهران لأنه يقع في بطن الوادي ويسمى في هذا الزمان وادي فاطمة وهو من أودية تهامة .
اليوم الثاني للهجرة
وهو يوم الثلاثاء الموافق للثاني من ربيع الأول في السنة الأولى من الهجرة، بدأ الركب المبارك من غرب عسفان وقيل انتهى بالمبيت في الجحفة , والجحفة التي صارت ميقاتاً لإحرام أهل الشام , ومن يمر على طريقها .
في اليوم الثاني من الرحلة تجاوز الركب كراع الغميم , وكراع الشئ : طرفه , ويطلق على كراع الغميم أبرق , والبرقاء : أكمه , يرد فيما بعد ذكر كراع الغميم في كتيبة بني عيان غدراً , ويرد ذكره في صلح الحديبية إذ نزل قوله تعالى [إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا]( ) وتبعد كراع الغميم عن مكة نحو (64)كم.
بعد عسفان تأتي ريع وحرة نقرى على يمين الركب، ثم وادي عويجاء بمحاذاة جبل الأخل يسارا وحرة عويجاء عن اليمين.
وبعد وادي عويجاء يأتي جبل جمدان على بعد بضعة كيلومترات عن يمين الركب النبوي، ثم المرور بأسفل أَمَجَ , بفتح الألف والميم والجيم وهي قرية يمر بها وادي أَمَجَ.
وبعد المرور على حرة البكاوية أو حرة الخليصة من طرفها الغربي وصل الركب إلى خيمة أم معبد الخزاعية لتتجلى معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عند المرور عليها , وتكون بشارة إبتداء علو كلمة التوحيد في الجزيرة , ولبيان قانون وهو أن تركة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الموضع الذي يمر فيه هي المعجزة , فما أن يمر بقرية أو موضع أو حتى يترك خلفه معجزة أو ذكراً لله عز وجل وإقامة صلاة الجماعة , والتي كانت آنذاك في ذاتها وأثرها معجزة , وفي التنزيل [قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ*لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ] ( ).
وكان في الجادة العظمى في الجزيرة محطات لنزول المسافرين , ويحددها وجود الماء وآباره , والقرى والكلأ , ومنها خيمة أم معبد , واسمها عاتكة بنت خالد .
وكانت برزة , أي امرأة كبيرة في السن , ولا تحتجب عن الرجال وكان مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبو بكر , ومولى له هو عامر بن فهيرة , والدليل وهو عبد الله بن أريقط الليثي .
ويبين كلام أم معبد ووصفها النبي صلى الله عليه وآله وسلم لزوجها أنهم كانوا ثلاثة , إذ قالت ومنه (فهو أنضر الثلاثة منظرا وأحسنهم قدرا له رفقاء يحفون به إن قال أنصتوا له وإن أمر تبادروا إلى امره محفود محشود لا عابس ولا معتد)( ).
وكانت لأم معبد خيمتان , تجلس في فناء إحداهما فتطعم الناس اللحم والتمر واللبن لقاء ثمن يدفعونه , وتسقي الماء , فسألها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه اللحم والتمر , وقيل كان معهم ستة آلاف درهم .
فلم يجدوا عندها شيئاً لأنهم كانوا في حال قحط , وقد نفد زاد أم معبد وأسرتها. (فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإذا شاة في كسر خيمتها.
فقال: ما هذه الشاة يا أم معبد ؟
فقالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم.
قال: فهل بها من لبن ؟
قالت: هي أجهد من ذلك.
قال: تأذنين لى أن أحلبها ؟
قالت: إن كان بها حلب فاحلبها.
فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالشاة فمسحها وذكر اسم الله عز وجل ومسح ضرعها وذكر اسم الله عز وجل، ودعا بإناء لها يربض الرهط فتفاجت واجترت فحلب فيه ثجاحتى ملاه ، فسقاها وسقى أصحابه فشربوا عللا بعد نهل، حتى إذا رووا شرب آخرهم وقال: ساقى القوم آخرهم.
ثم حلب فيه ثانيا عودا على بدء، فغادره عندها,ثم ارتحلوا) ( ).
وقد تقدم ذكر قصة أم معبد وكيف وصفت لزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , بالبهاء والهيبة والجلال والبركة الجلية الظاهرة .
فحينما عاد أبو معبد من المرعى ومعه أعنز عجاف , تفاجئ برؤية الحليب واللبن .
فقال (من أين هذا اللبن يا أم معبد، ولا حلوبة في البيت والشاء عازب ؟ !
فقالت: لا والله إنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت.
فقال: صفيه لي، فو الله إنى لاراه صاحب قريش الذى تطلب.
فقالت: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة حسن الخلق مليح الوجه لم تعبه ثجلة( ) ولم تزر به صعلة ( )، قسيم وسيم، في عينيه دعج، وفى أشفاره وطف ( )، وفى صوته صحل، أحول أكحل أزج أقرن في عنقه سطع( ) وفى لحيته كثاثة، إذا صمت فعليه الوقار، وإذا تكلم سما وعلاه البهاء، حلو المنطق فصل لا نزر ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظم ينحدرن، أبهى الناس وأجمله من بعيد، وأحسنه من قريب، ربعة لا تشنأه ( ) عين من طول، ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرا، وأحسنهم قدا، له رفقاء يحفون به، إن قال استمعوا لقوله، وإن أمر تبادروا لامره، محفود محشود، لا عابس ولا مفند.
فقال – يعنى بعلها -: هذا والله صاحب قريش الذى تطلب، ولو صادفته لالتمست أن أصحبه، ولاجهدن إن وجدت إلى ذلك سبيلا)( ).
وتبين قصة أم معبد صفحة من قانون (لم يغزً النبي “ص” أحداً) وقانون (التضاد بين القرآن والإرهاب) .
فقد أعرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن رجالات قريش الذين أرادوا فتله لبيان قانون وهو أن الإعراض عن المشركين سبيل نجاة , وبلغة لتحقيق الأماني , ونوع وسيلة ورجاء لنزول فضل الله عز وجل , وفيه أمن وطمأنينة , ودفع للكدورة , وإصلاح للمجتمعات , واستعاذة من الفتن ما ظهر منها وما بطن , قال تعالى [لَقَدْ ابْتَغَوْا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ] ( ).
ثم سار الركب النبوي المهاجر في وادي العقيق الذي يبلغ طوله نحو (150)كم .
واجتازوا حرة المشلل , وهو (جبلُ يُهبط منه إلى قدَيد من ناحية البحر، قال العرجي :
ألا قل لمن أمسى بمكة قاطناً … ومن جاء من عَنق ونَقْب المشلل
دَعوا الحجَ لا تستهلكوا نَفَقاتكم … فما حج هذا العام بالمتقبل
وكيف يزكى حج من لم يكن له … إمام لدى تجهيزه غير دُلدُل
يظل أليفاً بالصيام نهارَه … ويلبس في الظلماءِ سمطى قَرَنْفُل) ( ).
ويسمى المشلل في هذا الزمان حرة القديدية والحرة هي الأرض التي تغطيها الصخور , ومنها الأرض البركانية .
وعند وادي كُلية عرض سراقة بن مالك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لإرادة قتله , وكانت قريش قد جعلت لمن يرجع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى مكة أو يقتله مائة ناقة , والمختار أن سراقة بن جشعم المدلجي عرض للنبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يصل إلى خيمة أم معبد , واقترب سراقة منهم , وكان على فرس , وهم على الإبل .
(فقال أبو بكر: يا رسول الله أدركنا الطلب ! فقال: (ولاَ تَحْزَنْ إنَّ اللهَ مَعَنَا) ( )، ودعا عليه رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، فارتطمت فرسه إلى بطنها وثار من تحتها مثل الدخان.
فقال: ادع لي يا محمد ليخلصني الله ولك علي أن أرد عنك الطلب، فدعا له فتخلص) ( ) ولكن سراقة لم يكف إنما عاد وتبعهم , فدعا عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فساخت قوائم فرسه في الأرض الصلبة مرة أخرى , وأشد من الأولى حينئذ أدرك سراقة أن الله عز وجل هو الذي يحفظ النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بمعجزة ظاهرة وخفية , وأن هجرته بأمر من الله عز وجل .
(فقال: يا محمد قد علمت أن هذا من دعائك علي، فادع لي ولك عهد الله أن أرد عنك الطلب. فدعا له فخلص وقرب من النبي، صلى الله عليه وآله وسلم.
وقال له: يا رسول الله خذ سهماً من كنانتي وإن إبلي بمكان كذا فخذ منها ما أحببت. فقال: لا حاجة لي في إبلك.
فلما أراد أن يعود عنه قال له رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم: كيف بك يا سراقة إذا سورت بسواري كسرى ؟
قال: كسرى بن هرمز ؟ قال: نعم. فعاد سراقة فكان لا يلقاه أحد يريد الطلب إلا قال: كفيتم ما ها هنا، ولا يلقى أحداً إلا رده) ( ).
وقال ابن خرداذبه : أخذ الدليل بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (أسفل مكة حتى جاء إلى الساحل أسفل من عُسفان، ثم عارض به الطريق حتى جاز قُديداً فسلك في الخرّار ثم علا ثنية المرأة ثم استبطن به مدلَجة مُجاج ثم سلك مَرجح من مجاج ثم بطن مرجح ذي الغضوين ثم بطن ذات كِشد ثم أخذ الأجرد ثم سلك ذا سَمُر ثم بطن أعدا مدلجة تعهن ثم بلغ العِثبانة ثم أجاز القاحة ثم هبط به العرْج ثم سلك ثنية الأعيار عن يمين ركوبة ثم هبط رئماً ثم إلى بني عمرو بن عوف يقُبا) ( ).
وهو يوم الأربعاء الموافق للثالث من ربيع الأول في السنة الأولى للهجرة، بدأ من غدير وادي الخرار وانتهى بالمبيت في وادي لقف.
وفي اليوم الثالث سار الركب نحو غدير خم و(” غَديِرُ خُمّ ” بضم أوله، وتشديد ثانيه، قد تقدم ذكره في رسم الجحفة؛ وهو أيضا مذكور في رسم هرتشي؛ قال السكوني: موضع الغدير غدير خم يقال له الخرار؛ وقال النصيب:
وقالت بالغدير غدير خم … أخي إلى متى هذا الركُوبُ
ألم تر أنني ما دمت فينا … أنام ولا أنام إذا تغيبُ
وقال الزبير، عن الأثرم، عن أبي عبيدة: خم: بئر احتفرها عبد شمس بالبطحاء بعد بئره العجول. قال: ومن حفأره أيضا زم؛ وفي ذلك يقول:
حفرت خما وحفرت زما … حتى ترى المجد لنا قد تَمَّا) ( ).
وغدير خم على ثلاثة أميال من (أول ما عمل بمصر) ( ).
وقال الإمام علي عليه السلام : من الوافر
محمد النبيُ أخِي وصِهْرِي … وحمزَةُ سيدُ الشهداءِ عَمي
وجعفَر الذي يُمْسِي ويُضْحِي … يطيرُ مع الملائكَةِ ابنُ أُمي
وبنتُ محمدِ سَكَنِي وعِرسي … توسط لَحمهَا بدمِي ولَحْمِي
وسبطا أَحْمَدٍ ولدايَ مِنْهَا … فمن فِيكُمْ له قسْم كقسْمِي
سبقْتُكُمُ إلى الإسلامِ طُرُّا … صغيراً ما بلغتُ أوانَ حِلْمِي
وأوجَبَ لي الولاءَ معاً عليْكُمْ … رسول اللّه يَوْمَ غديرِ خم( ).
ودامت الخلافة :
الأولى : دامت خلافة أبي بكر سنتين وثلاثة أشهر وثلاثة عشر يوماَ , من حين اللقاء والرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى إلى حين وفاة أبي بكر في السنة الثالثة عشرة.
الثانية : دامت خلافة عمر بن الخطاب عشر سنين وستة أشهر من ابتداء السنة الثالثة عشرة إلى أواخر السنة الثالثة والعشرين للهجرة .
الثالثة : استمرت خلافة عثمان بن عفان اثنتي عشرة سنة , إذ تولى الحكم سنة ثلاث وعشرين للهجرة , وقتل في وسط شهر ذي الحجة من السنة الخامسة والثلاثين للهجرة .
الرابعة : دامت خلافة أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام أربع سنين وتسعة أشهر , إذ بويع في يوم وفاة عثمان بن عفان سنة خمس وثلاثين واستمرت إلى شهر رمضان من السنة الأربعين للهجرة , فضرب ابن ملجم الإمام علي عليه السلام ليلة التاسع عشر من شهر رمضان , وقبض ليلة الجمعة ليلة احدى وعشرين من شهر رمضان , و(عن صهيب عن عبد الله قال , قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لعلي من أشقى الأولين قال عاقر الناقة.
قال : صدقت قال فما أشقى الاخرين قال قلت لا أعلم يا رسول الله.
قال الذي يضربك على هذه وأشار بيده إلى يافوخه .
وعن عيسى بن علي أنا عبد الله بن محمد بن سويد بن سعيد نا رشدين بن سعد عن يزيد عن عبد الله بن الهاد عن عثمان بن صهيب عن أبيه قال , قال النبي صلى الله عليه وآله و سلم : لعلي من أشقى الأولين قال عاقر الناقة .
قال : فمن أشقى الآخرين قال لا علم لي يا رسول الله.
قال الذي يضربك على هذه وأشار بيده إلى يافوخه ويخضب هذه من هذه يعني لحيته .
فكان علي يقول ألا( ) يخرج الأشقى الذي يخضب هذه يعني لحيته من هذه يعني مفرق رأسه) ( ).
ثم توجه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى ماء أحياء والتي سارت إليها فيما بعد سرية عبيدة بن الحارث في ستين من المهاجرين وقيل ثمانين في شهر شوال من السنة الأولى للهجرة إذ لقي أبا سفيان في قافلته عند رابخ وحدث بينهم مناوشة ورمي بالسهام , ولم يسلوا السيوف , ثم توجه الركب النبوي إلى ثنية الحرة .
ثم رحلوا إلى وادي يسمى لقف , وتقع في أعلاه قرية جبلة (ويزعمون أن جبلة أول قرية أتخذت بتهامة، وبجبلة حصون مبنية بالصخر، لا يرومها أحد) ( ).
ثم وصلوا إلى أبي دويمة , ولقف واد من روافد وادي الفُرع يصب فيه من حنفته الشمالية , ثم مرّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم وركبه بوادي الساد , ثم ريع أبو ديمة ثم وصلوا إلى ريع الحمّيا.
(قال ابن إسحاق: ولما خرج بهما دليلهما عبدالله بن أرقط سلك بهما أسفل مكة ثم مضى بهما على الساحل حتى عارض الطريق أسفل من عسفان، ثم سلك بهما على أسفل أمج، ثم استجاز بهما حتى عارض الطريق بعد أن أجاز قديدا، ثم أجاز بهما من مكانه ذلك فسلك بهما الخرار .
ثم أجاز بهما ثنية المرة، ثم سلك بهما لقفا، ثم أجاز بهما مدلجة لقف، ثم استبطن بهما مدلجة مجاج ثم سلك بهما مرجح مجاج، ثم تبطن بهما مرجح من ذى العضوين، ثم بطن ذى كشر ، ثم أخذ بهما على الجداجد، ثم على الاجرد، ثم سلك بهما ذا سلم من بطن أعداء مدلجةتعهن، ثم على العبابيد، ثم أجاز بهما القاحة ثم هبط بهما العرج وقد أبطأ عليهم بعض ظهرهم، فحمل رسول صلى الله عليه وآله وسلم رجل من أسلم يقال له أوس بن حجر على جمل يقال له ابن الرداء، إلى المدينة وبعث معه غلاما يقال له مسعود بن هنيدة .
ثم خرج بهما [ دليلهما من العرج، فسلك بها ثنية العائر عن يمين ركوبة، ويقال ثنية الغائر فيما قال ابن هشام، حتى هبط بهما بطن رئم، ثم قدم بهما ] قباء على بنى عمرو بن عوف، لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الاول يوم الاثنين حين اشتد الضحاء وكادت الشمس تعتدل) ( ).
وذكر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرّبكل من :
الأول : وادي الساد .
الثاني : تلعة المصيدرة .
الثالث : خشوم المستظلات .
الرابع : ريع الحميّا .
الخامس : مقرح الرجلين .
السادس : وادي الحامضة .
السابع : تلعة أم الحَب .
الثامن : حرّة القصيبة .
التاسع : وادي الفرع .
العاشر : جبل المليساء.
الحادي عشر : بئر الطلوب ,وإليه انتهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في اليوم الرابع , فبات ليلته عنده .
(بفتح أوله: مذكور في رسم العقيق ، عند ذكر الطريف من المدينة إلى مكة، وهي منمياه بني عوف بن عقيل، قال نصيب:
أقفزَ من آل سُعدى الكَثيبُ … فالسفحُ من ذات السَّنا فالطَّلُوبُ) ( ).
الثاني عشر : مدلجة لقف .
الثالث عشر : مدلجة مجاح .
الرابع عشر : وادي القاصة .
الخامس عشر : وادي أجيرد
السادس عشر : وادي ذي سلم .
السابع عشر : وادي القاحة والفاجة .
جاءت الفاجة (فِي ذِكْرِ هِجْرَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم إلَى الْمَدِينَةِ ، وَخَلَطَ الْمُتَقَدِّمُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْقَاحَّةِ ، بِالْقَافِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ، وَهُمَا مُتَجَاوِرَتَانِ . فَالْقَاحَّةُ هِيَ الْوَادِي الرَّئِيسِيُّ ، وَالْفَاجَّةُ ، رَافِدٌ مِنْ رَوَافِدِهِ ، يَصِبُّ فِيهِ مِنْ الشَّرْقِ ، يَأْتِي مِنْ جِبَالِ قُدْسٍ ، سُكَّانُهُ اللُّهَبَةُ مِنْ عَوْفٍ مِنْ حَرْب) ( ).
وقيل أنه إلتقى طريق الهجرة النبوية بطريق الجادة العظمى والقوافل .
الثامن عشر : وصل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في اليوم الخامس للهجرة إلى العرج وهي (قرية جامعة على طريق مكّة، بينها وبين المدينة تسعة وتسعون فرسخاً، وهو في الطريق الذي سلكه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين هاجر إلى المدينة وسمي العرج بتعريج السيول به، وإليها ينسب العرجي الشاعر، ووادي العرج فيه عين من يسار الطريق في شعب بين جبلين وعلى ثلاثة أميال منه مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدعى مسجد العرج، ومن العرج إلى السقيا سبعة عشر ميلاً.
ورووا أن رسول الله صلى الله وآله عليه وسلم نزل العرج فقال: ” إن الجن اجتمعوا فأسكن المسلمين منهم بطن العرج ” .
ومن حديث محمد بن المنكدر أن عبد الله بن الزبير بينا هو يسير إلى الإثاية من العرج في جوف الليل إذ خرج إليه رجل من قبر في عنقه سلسلة، وهو يشتعل ناراً ويقول: أيا عبد الله أفرغ علي من الماء، ووراءه رجل آخر يقول: يا عبد الله لا تفعل فإنه كافر، حتى أخذ بسلسلته فأدخله قبره) ( ).
وفي طريق النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة سار بين العرج والطلوب .
و(نظر إلى كلبة تهر عن أولادها ، وهن حولها يرضعنها ، فامر جميل بن سراقة أن يقوم حذاءها ، لا يعرض لها أحد من الجيش ، ولا لاولادها) ( ).
لبيان رأفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالحيوان , وفيه إعلان بأنه لم يقصد مكة للغزو أو القتل , إنما للرأفة بالناس والخلائق وفي ذات الموضع أتوا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بعين من هوازن (فاستخبره رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – فاخبره أن هوازن تجمع له فقال: ” حسبنا الله ونعم الوكيل ” فامر رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – خالد بن الوليد أن يحبسه لئلا يذهب فيحذر الناس، ولما بلغ قديد لقيته سليم هناك، فعقد الالوية والرايات، ودفعها إلى القبائل) ( ).
التاسع عشر : وفي اليوم السادس للهجرة سار النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن يمين جبل الركوبة , قال ياقوت الحموي (ركُوبَةُ: بفتح أوله وبعد الواو باء موحدة والركوب والركوبة ما يركب يقال ماله ركوبة ولا حمولة وهي ثنية بين مكة والمدينة عند العرج صعبة سلكها النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند مهاجرته إلى المدينة قرب جبل ورِقانَ وقدس الأبيض وكان معه صلى الله عليه وآله وسلم ذو البجادَين فحدا به وجعل يقول:
تعرَضي مدارجاً وسومى … تعرُض الجوزاء للنجوم) ( ).
العشرون : جبل ورقان , وهو (جبل أسود بين العرج والرويتة ، على يمين المار من
المدينة إلى مكة) ( ).
وفي كتيبة الأبواء نزل النبي صلى الله عليه وآله وسلم (بعرق الظبية ، وهو المسجد الذي دون الروحاء . فقال : أتدرون
ما اسم هذا الجبل ؟
قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : هذا حمت .
جبل من جبال الجنة ، اللهم بارك فيه وبارك لاهله .
ثم قال : هذا سجاسج للروحاء ، وهذا واد من أودية الجنة ، وقد صلى في هذا المسجد قبلي سبعون نبيا) ( ).
الحادي والعشرون : وادي حفر .
الثاني والعشرون : الخلائق وتسمى في هذا الزمان آبار الماشي .
الثالث والعشرون : وعندما أصبح اليوم السابع للهجرة ابتدأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمسير بآبار الماشي والتي تبعد عن المدينة المنورة (28)كم , وتسمى وادي النقيح .
(الجَثْجَاثَة ” بفتح الجيم، وسكون الثاء، بعدها جيم وثاء مثلها: قرية على ستة عشر ميلا من المدينة قال الزبير: وبها منازل آل حمزة وعباد وثابت، بني عبد الله بن الزبير، وأنشد لإسماعيل بن يعقوب التيمي، يمدح يحيى بن أبي بكر بن يحيى بن حمزة:
مات من ينكر الظلامة إلا … مضرحي بجانب الجثاثهْ
لعلي وجعفر ذي الجناح … ين وبنت النبي خير ثلاثهْ) ( ).
وبات النبي صلى الله عليه وآله وسلم وركبه في قرية الجَثْجَاثَة .
الرابع والعشرون : حمراء الأسد , وتبعد عن المدينة (20)كم وهي منتظمة بالعقيق , وفد خرج إليها فيما بعد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأكثر من مائتين من أصحابه بعد واقعة أحد بيوم واحد لملاحقة جيش المشركين ومنعهم من المكرّ على المدينة ونزل قوله تعالى [الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ] ( ).
الخامس والعشرون : ثم مرّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بروضة خاخ , والتي بعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إليها الإمام عليه السلام والزبير والمقداد وهم فرسان السنة الثامنة قبل فتح مكة لجلب كتاب من ظعينة كتب معها حاطب بن بلتعة إلى قريش يخبرهم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقصدهم فأوحى الله عز وجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمره.
وقال لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم (انطلقوا إلى روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب لقريش. فانطلقوا، فلما أتوا المكان الذي وصف لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وجدوا المرأى فأناخوا بها، ففتشوا رحلها كله فلم يجدوا شيئاً، فقالوا: والله ما كذب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فقال علي عليه السلام : والله لتخرجن الكتاب، أو لنلقين الثياب. فحلت قرون رأسها، فأخرجت الكتاب منها؛ فأتوا به النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فلما قرئ عليه
قال: ما هذا يا حاطب ؟
فقال حاطب: يا رسول الله، والله ما شككت في الإسلام، ولكني ملصق في قريش، فأردت أن أتخذ عندهم يداً يحفظونني بها في شأفتي بمكة وولدي وأهلي) ( ).
السادس والعشرون : تغذى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في اليوم السابع عند قرية الجَثْجَاثَة وقد أمن الطلب .
وهي آخر محطة باتوا فيها قبل الوصول إلى قباء , وفي اليوم الثامن وصل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى قباء في مشارف المدينة , لينزل عند أبي أيوب الانصاري , ويقوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أول يوم وصل فيه إلى قباء مسجد قباء وفيه نزل قوله تعالى [لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ] ( ).
قانون (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا ) سلام
قال تعالى [وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً] ( ) في الآية أعلاه بيان الفضل اللامتناهي لله عز وجل على الناس ، فصحيح أن الآية وردت بصيغة الفعل الماضي [وَلَقَدْ كَرَّمْنَا]إلا أنها تشمل أموراً :
الأول : استدامة الإكرام والفضل من عند الله عز وجل .
الثاني : لغة العموم في بني آدم ، والمراد شمول كل جيل وفرد من الناس إلى يوم القيامة .
الثالث : الشأن العظيم للناس بين الخلائق ، وهو من أسرار قوله تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ).
الرابع : النعم وصيغ الإكرام على الناس على جهات :
الأولى : ما يتغشى الناس جميعاً .
الثانية : ما يصيب طائفة أو جيل أو أهل بلد أو قرية منهم .
الثالثة : ما يأتي للفرد ، وفي التنزيل [كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاَء وَهَؤُلاَءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا] ( ).
ومن تكريم الله عز وجل لبني آدم تفضله ببعثة الأنبياء ، وهي نعمة عظمى تشمل الجهات الثلاثة أعلاه ، وقد ذكر القرآن في مواطن متعددة صفات الأنبياء والصبغة التي جاءوا بها ، وهي البشارة والإنذار ، قال تعالى [وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ] ( ).
فليس في بعثة الأنبياء الغزو والقتل ، وتشريد الناس ، وتتجلى مصاديق البشارة والإنذار ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة إذ كان ينادي (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا).
ويجتمع عليه الناس وينصتون لقوله ، وهذه من الإعجاز في الدعوة النبوية ترشح التدبر على هذا الإنصات طوعاً وقهراً .
(قال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن أبي العباس، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه قال: أخبرني رجل -يقال له: ربيعة بن عباد، من بني الديل، وكان جاهليًا فأسلم -قال: رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الجاهلية في سوق ذي المجاز ، وهو يقول: “يا أيها الناس، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا” والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجل وضيء الوجه أحولُ ذو غديرتين، يقول: إنه صابئ كاذب. يتبعه حيث ذهب، فسألت عنه ، فقالوا: هذا عمه أبو لهب) ( ).
وأبو لهب هو عم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (اسمه عبدالعزى وهو ابن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وآله و سلم وامرأته العوراء ام جميل اخت أبي سفيان بن حرب وكلاهما كان شديد العداوة للنبي صلى الله عليه وآله و سلم) ( ).
وأخبر النبي عن قانون وهو فلاح من يقول بكلمة التوحيد على نحو الإطلاق وعموم الناس من غير تعيين الأفراد ، وشأنهم ، وهذا الفلاح يشمل الدنيا والآخرة ، وفيه الدعوة إلى التصديق برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو الشهادة بأنه رسول من عند الله عز وجل ، إذ تترشح عن الإقرار بالتوحيد ، وكلمة التوحيد حرب على عبادة الأصنام وإزاحة لغشاوة الضلالة عن الأبصار والبصائر ، قال تعالى [أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ] ( ).
ليكون من معاني نداء النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا التذكير بيوم القيامة ، وحساب الناس يومئذ .
ومن الفلاح في المقام أمور :
الأول : إجتناب إيذاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : الزجر عن محاربته ، وهذا الزجر متعدد فهو يتوجه إلى كل من:
الأول : الرؤساء بعدم تحشيد الجموع لقتال النبي .
الثاني : عامة الناس بعدم اتباع رؤساء الكفر إذ أن الرؤساء بمفردهم لا يستطيعون القتال والمداومة عليه ، خاصة وأن أعداد المسلمين في تزايد مستمر ، ويدل على التقسيم أعلاه قوله تعالى [إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوْا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمْ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمْ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ] ( ).
إن قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا) وعد وبشارة فقد يسأله الناس أين هو الفلاح بقول كلمة التوحيد ،وصحيح أن مصاديق الفلاح عاجلة وآجله إلا أن الناس يريدون العاجل والله واسع كريم ، وقد تجلى هذا القانون ومصاديق الفلاح على المسلمين والناس جميعاً في أيام وسنين قليلة من جهات :
الأولى : الهداية العامة إلى الإيمان ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ] ( ).
الثانية : إنقطاع القتل والإقتتال لأسباب جاهلية ووثنية .
الثالثة : توالي النعم على المسلمين .
الرابعة : سيادة الأخلاق الحميدة ، وبر الوالدين في المجتمعات ، قال تعالى [وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ] ( ) لبيان قانون وهو أن الإسلام يمنع من الفتنة داخل الأسرة الواحدة ، وأن قول المشركين أن محمداً ساحر لأنه يفرق بين الولد وأبيه ليس بصحيح ، إنما الكافر هو الذي اختار الإفتراق ، فنزل القرآن بالصبر والشفقةمن قبل المؤمن .
الخامسة : شيوع الأمن في الجزيرة سواء في المدن أو القرى أو الطرق العامة ، وهو معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا يمكن أن تتحقق إلا بلطف ومدد وفضل من الله عز وجل ، وهو من الإعجاز الغيري للقرآن إذ تنزل آية قرآنية فتصلح المجتمعات ، وتقطع العادات المذمومة .
لقد توجه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الناس جميعاً لتكون كلمة التوحيد من الكلي الطبيعي والفعل المتحد الذي يشمل الناس على نحو العموم الإستغراقي ،وبه يكون التآخي الإيماني .
والتسليم بعالم الخلود بلحاظ أن الفلاح في الدنيا طريق إلى السعادة الدائمة في الآخرة .
وإلى جانب نداء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكلمة التوحيد في الأسواق فانه كان يخاطب الأفراد بها في المسجد الحرام وفي المنتديات وفي موسم الحج .
فقد جعل الله عز وجل نداء إبراهيم عليه السلام للناس بالحج مقدمة لدعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالتوحيد بين جموع وفد الحاج ، وهو من مصاديق ما ورد في التنزيل حكاية عن إبراهيم عليه السلام[ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ] ( ).
ومعنى الفلاح هو الفوز والظفر والنجاح واستدامة النعيم ، ومنه النداء في الأذان خمس مرات في اليوم (حيّ على الفلاح ) أي هلّم إلى الفوز بالخير والبركة بأداء الصلاة .
وبين الفلاح والنجاح عموم وخصوص مطلق ، فالفلاح أعم لأن النجاح خاص بالظفر بالبغية ، قال تعالى [الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ] ( ).
ولم يرد لفظ النجاح في القرآن ، وقال تعالى [قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ] ( ) وفيه شاهد على أن صفات المؤمنين الصلاح والتقوى ، وفيه دعوة لنبذ العنف والإرهاب، وقدمت الآيات أعلاه الصلاة ومصاحبة الخشية من الله عز وجل لها ، ومن معاني الخشية ترك الإنشغال بالدنيا أثناء الصلاة ، و(عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : كان إذا صلى رفع بصره إلى السماء ، فنزلت { الذين هم في صلاتهم خاشعون } فطأطأ رأسه .
وأخرج ابن مردوية عن ابن عمر في قوله { الذين هم في صلاتهم خاشعون } قال : كانوا إذا قاموا في الصلاة اقبلوا على صلاتهم ، وخفضوا أبصارهم إلى موضع سجودهم ، وعلموا أن الله يقبل عليهم فلا يلتفتون يميناً ولا شمالاً) ( ).
إن نداء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالتوحيد شاهد على أنه لا يريد القتال ، ولم يجعله غاية ، وتبين سيرته أنه لا يحتاج إليه أبداً ، وكذا عموم الأنبياء وأتباعهم .
إنما كان القتال دفاعاً ودفعاً للمشركين و(عن عمير الليثي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن أولياء الله المصلون ، ومن يقيم الصلوات الخمس التي كتبها الله على عباده ، ومن يؤدي زكاة ماله طيبة بها نفسه ، ومن يصوم رمضان يحتسب صومه ، ويجتنب الكبائر . فقال رجل من الصحابة : يا رسول الله وكم الكبائر؟
قال : هن تسع : أعظمهن الإشراك بالله ، وقتل المؤمن بغير الحق ، والفرار يوم الزحف ، وقذف المحصنة ، والسحر ، وأكل مال اليتيم ، وأكل الربا ، وعقوق الوالدين المسلمين ، واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتاً) ( ).
وقيل عمير الليثي له صحبة ، وقال العسكري : شهد الفتح .
وكل فرد من صفات أولياء الله من التقوى والخشية من الله ، وقد بعث الله عز وجل الأنبياء ليجتنب الناس كبائر الذنوب والإصرار على الصغائر منها ، وورد في الحديث أعلاه أن قتل المؤمن بغير حق من الكبائر ، ويجمع المشركون في حربهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بين الشرك بالله وقتل المؤمنين .
وقد سقط سبعون شهيداً في معركة أحد ، بعد أن دخلوا الإسلام بنداء (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا) ليكون من الفلاح في الدنيا ذكرهم بأجلال وإكرام ، وتسليم المسلمين والمسلمات بأنهم شهداء وأحياء عند الله عز وجل ، وفيهم نزل قوله تعالى [وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ] ( ) وسائر شهداء أحد من الأنصار ، , وأربعة منهم من المهاجرين هم :
الأول : حمزة بن عبد المطلب ، وهو عم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : مصعب بن عمير من بني عبد الدار .
الثالث : عثمان بن شماس من بني مخزوم .
الرابع : عبد الله بن جحش من بني أسد .
قانون الرؤيا مقدمة الحديبية
في رؤيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بزيارة البيت هذه بشارة منع وعجز قريش من الثأر لقتلاهم في معركة بدر وأحد وخيبتهم في معركة الخندق , قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ]( ).
وتبين هذه الرؤيا مسألة وهي إذا كانت رؤيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم منهاجاَ لتوجه ألف وأربعمائة مسلم نحو المشركين المحاربين بقانون تلقي المسلمين رؤيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالقبول والعمل مع احتمال الأهوال والمخاطر فكيف بالنسبة لموضوعية تلقيهم آيات القرآن التي يسلمون تسليماَ عاماَ أنها كلام الله عز وجل الذي [لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ] ( ) وفيه بعث للفزع والخوف في قلوب المشركين , ودعوة لهم بالإيمان .
فمن الإعجاز في السنة النبوية الغيرية صيرورة عمل المسلمين ترغيبا للناس لدخول الإسلام , وحجة عليهم وشاهداَ على صدق نبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو الذي تجلى بما رآه وفد كفار قريش في صلح الحديبية من تقديس المسلمين لشخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم من غير غلو .
وأصل الغلو مجاوزة الحد في كل شئ , وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يؤكد في الحضر والسفر , والسلم والحرب أنه عبد الله عز وجل وأنه رسوله , وفي معركة حنين حينما باغتَ المشركون المسلمين , وتراجع أغلب المسلمين كما في قوله تعالى [ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ] ( ) .
(ورد عن الصحابي أبي عبد الرحمن الفهري أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : “يا عباد الله، أنا عبد الله ورسوله”.
ثم قال : ” يا معشر المهاجرين، أنا عبد الله ورسوله”. قال: ثم اقتحم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فرسه فأخذ كفا من تراب.
فأخبرني الذي كان أدنى إليه مني: أنه ضرب به وجوههم، وقال: “شاهت الوجوه”. فهزمهم الله عز وجل) ( ) .
لبيان أن تجاهر واعلان النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعبوديته لله عز وجل باب لنزول الرحمة والنصر على المعتدين الكفار .
وهل كانت رؤيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخصوص العمرة من مصاديق قوله تعالى [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا]( ).
الجواب نعم , إذ أنه أخبر عن رؤياه مع العزم على التوجه إلى العمرة .
لقد أنارت رؤيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم طريق مكة فهي ضياء يشع من نوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم لبيان أن الرسول محمداَ نبي في يقظته وفي منامه.
وصارت هذه الرؤيا مقدمة لإعلان النفير العام لأداء العمرة , وإخباراً لقريش والناس جميعاَ أن مرحلة القتال والحرب قد أشرفت على نهايتها , وفي التنزيل [مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا]( ).
وفي رؤيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بلحاظ صلح الحديبية مسائل:
الأولى : تأكيد أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من وجوه :
الأول : فيما يخبر عن الله عز وجل .
الثاني : في تلقي آيات القرآن , فهي لم ولن تنزل على غيره .
الثالث : محمد صلى الله عليه وآله وسلم معصوم من الخطأ في قوله وفعله لأنه رسول الله .
الرابع : محمد صلى الله عليه وآله وسلم رسول الله في رؤياه التي يراها في منامه , لبيان أن من الرؤيا التي يراها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تكون ذات صبغة الوحي , وهي شعبة من النبوة .
الثانية : مبادرة أهل البيت والصحابة للخروج إلى صلح الحديبية من الشدة على الكفار , وعمومات قوله تعالى [أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ]( ).
الثالثة : توجه المسلمين إلى الحديبية بلباس وقصد العمرة قاصدين مكة باعث للخوف في قلوب الكفار.
لبيان مسألة وهي أن الشدة على الكفار لا تعني الغزو والقتل , قال تعالى [أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ]( ) وأشداء جمع شديد , ومن الإعجاز أن الآية أعلاه من سورة الفتح .
(وعن الحسن : بلغ من تشدّدهم على الكفار : أنهم كانوا يتحرّزون من ثيابهم أن تلزق بثيابهم ، ومن أبدانهم أن تمس أبدانهم؛ وبلغ من ترحمهم فيما بينهم أنه كان لا يرى مؤمن مؤمناً إلا صافحه وعانقه ، والمصافحة لم تختلف فيها الفقهاء . وأما المعانقة فقد كرهها أبو حنيفة ، وكذلك التقبيل . قال لا أحب أن يقبل الرجل من الرجل وجهه ولا يده ولا شيئاً من جسده . وقد رخص أبو يوسف في المعانقة)( ).
ويدل هذا الخبر على التسالم بأن التشدد والشدة على الكفار ليس في القتال والقتل والوعيد , إنما بالنفرة من الكفر في الصلات الإجتماعية .
الرابعة : من معاني [رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ]( ) تلقي الصحابة وأجيال المسلمين رؤيا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالتصديق ولم يكن خروجهم للحديبية على الرؤيا وحدها , إنما على أمر ونداء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالتوجه إلى العمرة .
وقد بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم الرسل إلى القرى والقبائل التي تحيط بالمدينة ودعاهم إلى العمرة , فاستجاب بعضهم , وخشي أكثرهم من بطش قريش فأنعم الله عز وجل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بصلح الحديبية , والعمرة العام التالي .
وكان معه ألفان , منهم الذين خرجوا إلى صلح الحديبية إلا من مات منهم , وعدد آخر من المسلمين .
ولم يكن الفرق في العدد بين صلح الحديبية وعمرة القضاء كبيراً .
ففي صلح الحديبية كان عددهم (1400) من الصحابة على المشهور والمختار , ويتبادر إلى الذهن أن العدد يتضاعف في عمرة القضاء لما فيها من الأمان وزوال الخطر , ولم يحصر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الخروج إلى عمرة القضاء بالذين خرجوا في الحديبية بينما أشترط في الخروج إلى حمراء الأسد , خلف جيش المشركين المنسحب من معركة أحد أن لا يخرج معهم إلا من حضر تلك المعركة مع كثرة الجراحات التي أصابته وأصحابه .
لبيان مصداق لقوله تعالى [أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ]( ) فقد خرجوا خلف المشركين مع جراحاتهم ليقذف الله عز وجل الرعب في قلوب المشركين .
وبينما فتح النبي صلى الله عليه وآله وسلم الباب لكل المسلمين بالخروج إلى عمرة القضاء التي جاءت كشرط وبند في صلح الحديبية الذي عقده النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع مشركي مكة .
و(عن عكرمة قال :كان يوم أحد السبت للنصف من شوّال ، فلما كان الغد من يوم الأحد لست عشرة ليلة مضت من شوّال أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الناس بطلب العدو ، وأذن مؤذنه أن لا يخرجن معنا أحد إلا من حضر يومنا بالأمس .
فكلمه جابر بن عبد الله فقال : يا رسول الله إن أبي كان خلفني على أخوات لي سبع وقال : يا بني أنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن ، ولست بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على نفسي فتخلف على أخواتك فتخلفت عليهن .
فأذن له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخرج معه .
وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ترعيباً للعدوّ ليبلغهم أنه خرج في طلبهم ليظنوا به قوّة ، وأن الذي أصابهم لم يوهنهم من عدوهم)( ).
والرؤيا على أقسام , ولكن رؤيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم شعبة من الوحي.
وعن الإمام الباقر عليه السلام (قال: ما استيقظ رسول الله صلى الله عليه وآله من نوم قط إلا خرّ لله عز -وجل ساجدا.
وروي أنه لا ينام إلا والسواك عند رأسه، فإذا نهض بدء بالسواك.
وقال صلى الله عليه وآله: لقد أمرت بالسواك حتى خشت أن يكتب علي. وكان صلى الله عليه وآله مما يقول إذا استيقظ: ” الحمد لله الذي أحياني بعد موتي إن ربي لغفور شكور ” وكان يقول صلى الله عليه وآله: ” اللهم إني أسألك خير هذا اليوم ونوره وهداه وبركته وطهوره ومعافاته اللهم إني أسألك خيره وخير ما فيه وأعوذ بك من شره وشر ما بعده , عن الإمام الصادق عليه السلام قال: ما من عبد يقرء آخر الكهف: ” قل إنما أنا بشر مثلكم “( ) حين ينام إلا استيقظ في الساعة التي يريد. في من أراد الانتباه للصلاة قال: قال النبي صلى الله عليه واله: من أراد قيام الليل وأخذ مضجعه فليقل ” اللهم لا تؤمني مكرك، ولا تنسني ذكرك ولا تجعلني من الغافلين ” أقوم ساعة كذا وكذا، فانه يوكل الله به ملكا ينبهه تلك الساعة. وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يستاك إذا أراد أن ينام ويأخذ مضجعه.
وكان صلى الله عليه وآله إذا أوى إلى فراشه اضطجع على شقه الايمن، ووضع يده اليمنى تحت خده الايمن. وعن الإمام الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا أوى أحدكم إلى فراشه فليمسحه بصنفة إزاره فانه لا يدري ما حدث عليه.
ثم ليقل ” اللهم إن أمسكت نفسي في منامي فاغفر لها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين في الدعاء وقت الانتباه: وكان الإمام الصادق عليه السلام إذا قام آخر الليل رفع صوته حتى يسمع أهل الدار يقول :
” اللهم أعني على هول المطلع، ووسع علي المضطجع، وارزقني خير ما قبل الموت، وارزقني خير ما بعد الموت “. عنه عليه السلام :
ما استيقظ رسول الله صلى الله عليه وآله من نوم إلا خر لله عزوجل ساجدا وكان صلى الله عليه وآله إذا نام تنام عيناه ولا ينام قلبه .
ويقول : إن قلبي ينتظر الوحي، وكان صلى الله عليه وآله إذا راعه شئ في منامه قال: ” هو الله لا شريك له ” وكان صلى الله عليه وآله كثير الرؤيا ولا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح) ( ).
وأقسام الرؤيا :
الأول : الرؤيا الصادقة , وهي التي يتحقق مصداقها في الواقع الخارجي ، وهي على شعبتين :
الأولى : رؤيا البشارة .
الثانية : رؤيا الإنذار (عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن الرسالة والنبّوة قد انقطعتا ، فلا رسول بعدي ولا نبي ولكن المبشرات . قالوا : يا رسول الله وما المبشرات؟ قال : رؤيا المسلم هي جزء من أجزاء النبوّة) ( ).
وهل تفيد رؤيا البشارة أو الإنذار لقطع وثبوت التحقق والتنجز ، الجواب لا ، لذا وصفها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأنها مبشرات ، إنما هو الدعاء والصدقة لتثبيت رؤيا البشارة ، ومحو رؤيا الإنذار .
الثاني : رشحات وحديث النفس ، وما يسمى بالعقل الباطن مما يفكر به الإنسان في اليقظة في ذات اليوم والليلة التي ينام فيها أو قبله ، وهو من عمومات قوله تعالى [يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى] ( ) .
الثالث : أضغاث الأحلام ، والوهم .
الرابع : الرؤيا المكروهة .
وفي رؤيا ملك مصر أيام النبي يوسف عليه السلام [وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَاي إِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ]( ) وقال تعالى [قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ]( ).
ومن إعجاز القرآن بيان مسألة وهي من الرؤيا ما هو أضغاث وهي تفاصيل مضطربة , وأحلام متواصلة من غير موضوع أو ترابط بينها فلا يلتفت إليها .
ويمكن أن نقسم كلاً من رؤيا البشارة إلى قسمين :
الأول : رؤيا البشارة الخاصة التي تتعلق بالرائي وغيره .
الثاني : رؤيا البشارة العامة , ومنها رؤيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخصوص العمرة .
وكذا بالنسبة لرؤيا الإنذارات فإنها على قسمين أيضاً:
الأول : رؤيا الإنذار الخاصة .
الثاني : رؤيا الإنذار العامة مثل رؤيا بعض أهل البيت وأهل مكة بزجر قريش عن معركة بدر , ومنها (رؤيا ملك مصر أعلاه).
وكان رد الملأ من حوله [قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ] ( ) إذ اعترفوا بأن من الرؤيا ما تكون صادقة ، ولها دلالات وتستقرأ منها مسائل ، خاصة وأن رؤيا الملوك قد تتعلق بعموم أحوال الرعية ، وفيه ترغيب للملوك بعدم التفريط برؤياهم وهي مناسبة لتقريب العلماء والحكماء والإنصات لهم.
وإذا كانت رؤيا الأنبياء وحي من الله فهل رؤيا الملك بحضور النبي وأيامه من الوحي أيضاً أم أن تأويلها من الوحي .
المختار هو الثاني إذا كان التأويل من قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو من بركات وجود الأنبياء بين الناس وانتفاع الملوك والأمم من الوحي ، فليس من صلة بين الملك والوحي ، إنما ينتفع الملك وعموم الناس من النبي الذي بين ظهرانيهم ، وفي التنزيل [وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ] ( ).
ويدل مسير النبي صلى الله عليه وآله وسلم نحو مكة لأداء العمرة على أنه لم يكن يقصد الغزو قبل هذا المسير وبعده لأنه أمارة على المنهج السلمي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من أول أيام دعوته من غير أن تصل النوبة إلى الإستصحاب القهقري في المقام .
لقد كانت رؤيا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بشارة ابتداء مرحلة الأمن والصلح والموادعة بين المسلمين وغيرهم ، وهو من بركات أداء الصلاة وتقوى الله ، والصبر في ميدان القتال دفاعاً عن بيضة الإسلام
.
والإستعداد لنيل الشهادة في طاعة الله عز وجل , وفي التنزيل [قُلْ هَلْ تَتَربَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمْ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ]( ).
ولحوق الخزي والوهن للذين كفروا ، فلم تمر أكثر من سنة واحدة على تطويق عشرة آلاف من الكفار للمدينة المنورة في معركة الخندق حتى أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن عزمه التوجه إلى مكة لاداء مناسك العمرة , وهذا الإخبار والإعلان وحده نصر عظيم , وتحول في موازين القوى في الجزيرة وزلزلة لمقامات قريش بين الناس , وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ]( ).
فالمسلمون من الناس , وهم أهل البيت وولاته , ليكون ذات إعلان النبي صلى الله عليه وآله وسلم التوجه إلى مكة وحده نصراً وفتحاً من غير سلاح أو هجوم أو غزو , ومن غير كيد ومكر قريش .
و(عن ابن مسعود قال : أقبلنا من الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فبينا نحن نسير إذ أتاه الوحي ، وكان إذا أتاه اشتد عليه فسرّي عنه وبه من السرور ما شاء الله ، فأخبرنا أنه أنزل عليه { إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً }( ))( ).
و(عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم { إنا فتحا لك فتحاً مبيناً }( ) قال : فتح مكة) ( ).
وعن الإمام علي عليه السلام (قال : صلّى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الفجر ذات يوم بغلس( ) وكان يغلس ويسفر ويقول : ما بين هذين وقت لكيلا يختلف المؤمنون فصلّى بنا ذات يوم بغلس فلما قضى الصلاة التفت إلينا كأن وجهه ورقة مصحف ، فقال : أفيكم من رأى الليلة شيئاً؟
قلنا : لا يا رسول الله . قال : لكني رأيت ملكين أتياني الليلة فأخذا بضبعي فانطلقا بي إلى السماء الدنيا فمررت بملك وأمامه آدمي وبيده صخرة فيضرب بهامة الآدمي فيقع دماغه جانباً وتقع الصخرة جانباً . قلت : ما هذا؟
قالا لي : أمضه . فمضيت فإذا أنا بملك وأمامه آدمي وبيد الملك كلوب من حديد فيضعه في شدقه الأيمن فيشقه حتى ينتهي إلى أذنه ثم يأخذ في الأيسر فيلتئم الأيمن.
قلت : ما هذا؟ قالا : أمضه . فمضيت فإذا أنا بنهر من دم يمور كمور المرجل على فيه قوم عراة على حافة النهر ملائكة بأيديهم مدرتان كلما طلع طالع قذفوه بمدرة فيقع في فيه ويسيل إلى أسفل ذلك النهر ، قلت : ما هذا؟
قالا : أمضه فمضيت فإذا أنا ببيت أسفله أضيق من أعلاه فيه قوم عراة توقد من تحتهم النار أمسكت على أنفي من نتن ما أجد من ريحهم ، قلت : من هؤلاء؟
قالا : أمضه . فمضيت فإذا أنا بتل أسود عليه قوم مخبلون تنفخ النار في أدبارهم فتخرج من أفواههم ومناخرهم وآذانهم وأعينهم قلت : ما هذا؟
قالا : أمضه ، فمضيت فإذا أنا بنار مطبقة موكل بها ملك لا يخرج منها شيء إلا أتبعه حتى يعيده فيها ، قلت : ما هذا؟
قالا لي : أمضه ، فمضيت فإذا أنا بروضة وإذا فيها شيخ جميل لا أجمل منه وإذا حوله الولدان وإذا شجرة ورقها كآذان الفيلة فصعدت ما شاء الله من تلك الشجرة وإذا أنا بمنازل لا أحسن منها من زمردة جوفاء وزبرجدة خضراء وياقوته حمراء . قلت : ما هذا؟ قالا : أمضه .
فمضيت ، فإذا أنا بنهر عليه جسران من ذهب وفضة على حافتي النهر منازل لا منازل أحسن منها من درة جوفاء وياقوته حمراء وفيه قدحان وأباريق تطرد قلت : ما هذا؟
قالا لي : أنزل فنزلت فضربت بيدي إلى إناء منها فغرفت ثم شربت فإذا أحلى من عسل ، وأشد بياضاً من اللبن وألين من الزبد ، فقالا لي : أما صاحب الصخرة التي رأيت يضرب بها هامته فيقع دماغه جانباً وتقع الصخرة جانباً ، فأولئك الذين كانوا ينامون عن صلاة العشاء الآخرة ويصلون الصلاة لغير مواقيتها يضربون بها حتى يصيروا إلى النار .
وأما صاحب الكلوب الذي رأيت ملكاً موكلاً بيده كلوب من حديد يشق شدقه الأيمن حتى ينتهي إلى أذنه ثم يأخذ في الأيسر فيلتئم الأيمن فأولئك الذين كانوا يمشون بين المؤمنين بالنميمة فيفسدون بينهم فهم يعذبون بها حتى يصيروا إلى النار .
وأما ملائكة بأيديهم مدرتان من النار كلما طلع طالع قذفوه بمدرة فتقع في فيه فينفتل إلى أسفل ذلك النهر فأولئك أكلة الربا يعذبون حتى يصيروا إلى النار .
وأما البيت الذي رأيت أسفله أضيق من أعلاه فيه قوم عراة تتوقد من تحتهم النار أمسكت على أنفك من نتن ما وجدت من ريحهم ، فأولئك الزناة وذلك نتن فروجهم يعذبون حتى يصيروا إلى النار .
وأما التل الأسود الذي رأيت عليه قوماً مخبلين تنفخ النار في أدبارهم فتخرج من أفواههم ومناخرهم وأعينهم وآذانهم فأولئك الذين يعملون عمل قوم لوط الفاعل والمفعول به ، فهم يعذبون حتى يصيروا إلى النار .
وأما النار المطبقة التي رأيت ملكاً موكلاً بها كلما خرج منها شيء أتبعه حتى يعيده فيها ، فتلك جهنم تفرق بين أهل الجنة وأهل النار .
وأما الروضة التي رأيت فتلك جنة المأوى.
وأما الشيخ الذي رأيت ومن حوله من الولدان فهو إبراهيم وهم بنوه .
وأما الشجرة التي رأيت فطلعت إليها فيها منازل لا منازل أحسن منها من زمردة جوفاء وزبرجدة خضراء وياقوتة حمراء فتلك منازل أهل عليين من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، وحسن أولئك رفيقاً .
وأما النهر فهو نهرك الذي أعطاك الله الكوثر ، وهذه منازلك وأهل بيتك .
قال : فنوديت من فوقي يا محمد سل تُعْطه ، فارتعدت فرائصي ورجف فؤادي واضطرب كل عضو مني ولم أستطع أن أجيب شيئاً فأخذ أحد الملكين بيده اليمنى ، فوضعها في يدي والآخر يده اليمنى فوضعها بين كتفي فسكن ذلك مني ثم نوديت من فوقي : يا محمد سل تعط .
قلت : اللهم إني أسألك أن تثبت شفاعتي وأن تلحق بي أهل بيتي وأن ألقاك ولا ذنب لي : ثم ولي بي , ونزلت علي هذه الآية { إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطاً مستقيماً }( ) .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : فكما أعطيت هذه كذلك أعطانيها إن شاء الله تعالى) ( ).
قانون مقدمات صلح الحديبية
الحمد لله الذي رغّب بالصلح ، وجعل النفوس تميل إليه ، ومن الآيات تجلي منافع الصلح في الحال وفيما بعد ، وقال تعالى [وَالصُّلْحُ خَيْرٌ] ( ) .
وصحيح أن مورد هذه الآية خاص بالنزاع بين الزوجين وأنه من رشحات المودة والرحمة بينهما إلا أنه قانون عام ، وأن الألف واللام فيه للجنس وليس للعهد .
والصلح خير من الخصومة والقتال وسفك الدماء ، ولأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم جاء بالحق والهدى من عند الله فان الصلح مناسبة لتجلي معجزاته وإحاطة الناس بها علماً ، وتدبرهم في آيات القرآن.
لقد اثنى الإسلام على الصلح والمهادنة لأنها من مصاديق الرحمة في قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ) وإن قلت هناك تضاد بين الإيمان والكفر ، فكيف يتم الصلح بين المؤمنين والكفار ، والجواب من جهات :
الأول : إستحباب الصلح مطلقاً ، وبه جاءت الآية أعلاه .
الثانية : تجلي السعي إلى الصلح وقبوله في السنة النبوية الشريفة .
الثالثة : يضمن الصلح للمؤمنين بقاءهم على الإيمان ، وعدم إكراه الكفار لهم على ترك دينهم .
الرابعة : الصلح فرصة للذين كفروا للتوبة والإنابة .
الخامسة : لما احتج الملائكة على جعل الإنسان [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ) لأنه يفسد في الأرض ويسفك الدماء ، أجابهم الله عز وجل [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ) ومن علم الله عز وجل ميل النفوس إلى الصلح والنفرة من استمرار القتال .
السادسة : إزدياد عدد المسلمين ونماء قوتهم وثباتهم في مقامات الإيمان.
السابعة : تجلي قانون وهو أن الصلح لا يضر المسلمين في إيمانهم ، إنما يغزو الصلح الذين كفروا فيفرق شملهم .
لقد كان نصر المسلمين في معركة بدر بداية لضعف قريش لأن هذا النصر جاء من عند الله ،وتم بفضله ، قال سبحانه [وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ] ( ) فمن خصائص النصر الإلهي أن المنتصر لا يبقى في حال ذل وقلة في العدد والعدة , وإذا أعطى الله فانه يعطي بالأوفى والأتم .
ولم يتعظ كفار قريش من نصر المسلمين في معركة بدر ، ونزول الآية أعلاه وإخبارها بأن هذا النصر من عند الله ، إذ ركبهم العناد ، وأظهروا الإستكبار وغلبت عليهم النفس الغضبية ، وحب الثأر خاصة وأنهم يرون إمتلاكهم للمال والسلاح وقدرتهم على تسخير القبائل والأحابيش لنصرتهم مع علمهم بقلة عدد المسلمين وحال الفقر التي هم عليها .
فزحفت جيوش المشركين بعد ثلاثة عشر شهراً على معركة بدر ، لتقع معركة أحد ، لبيان مسألة وهي أن المشركين هم الغزاة في معركة أحد ، إذ أشرفت جيوشهم على المدينة وصاروا على مسافة ستة كيلو مترات عنها .
ومشركوا قريش هم الغزاة في معركة بدرومعركة أحد بعرض واحد ، وتحتمل هذه الصفة ولصوقها بالمشركين وجوهاً :
الأول : غزو المشركين للمسلمين في معركة بدر أظهر وأبين .
الثاني : غزو المشركين للمسلمين في معركة أحد أظهر وأوضح .
الثالث : التساوي في المرتبة في كيفية الغزو .
والصحيح هو الثاني أعلاه ، ففي معركة بدر خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كتيبة من المدينة ، وحينها بعث أبو سفيان إلى قريش يستصرخهم فتناجى رجالات قريش بالنفير ، وكأن في الأمر مكيدة ,وأن قريشاً كانوا يريدون ذريعة للهجوم والقتال لإرادة استئصال المسلمين والإتيان بطائفة منهم أسرى إلى مكة .
ومن قوانين الحياة الدنيا لحوق الخزي بالذين كفروا ، وهو مقدمة لخزيهم وعذابهم في الآخرة ومن رحمة الله عز وجل بهم وبالناس جميعاً ، ومن مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ) لبيان قانون وهو الخزي الدنيوي دعوة للنجاة من العذاب والخزي الأخروي ، قال تعالى [لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ] ( ).
وكانت أخبار استعداد قريش وتجهيزهم لمعركة أحد تصل إلى كل من :
الأول : إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع التهديد بأنهم يرومون قتله .
الثاني : المهاجرون ، وكانت الرسائل تصل إليهم من ذويهم في مكة يطلبون فيها عودتهم قبل أن يقتلوا أو يدخلوا مكة أسرى مقيدين بالحبال .
الثالث : الأنصار مع تهديد قريش لهم لإيوائهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
(عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ أن كفار قريش كتبوا إلى ابن أبي ومن كان يعبد معه الأوثان من الأوس والخزرج قبل وقعة بدر: إنكم آويتم صاحبنا ، وإنا نقسم بالله لتقاتلنه أو لتخرجنه أو لنسيرن إليكم بجمعنا حتى نقتل مقاتلتكم , فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فلقيهم .
فقال: لقد بلغ وعد قريش منكم المبالغ، ما كانت تكيدكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم. تريدون أن تقاتلوا أبناءكم وإخوانكم – فلما سمعوا ذلك تفرقوا. فبلغ ذلك كفار قريش فكتبوا؛ بعد بدر، إلى اليهود: إنكم أهل الحلقة والحصن وإنكم لتقاتلن صاحبنا أو لنفعلن كذا وكذا، ولا يحول بيننا وبين خدم نسائكم شيء. وهي الخلاخيل) ( ) .
ودافع الأنصار عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في معركة بدر ، وحينما عاد أسرى المشركين في بدر من المدينة نقلوا إلى أهلها إخلاص والتفاف الأنصار حول النبي صلى الله عليه وآله وسلم واستعدادهم للتضحية دونه ، وهو الذي تجلى في معركة أحد ، فحينما صار المشركون قريبين من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتصله حجارتهم تصدى نفر من الأنصار للذب عنه ، وتلقي السهام والحجارة دونه وبخصوص معركة أحد ، قال تعالى [وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ] ( ) .
وشاركت بعض النساء الأنصار بالدفاع عن النبي , وعن (أم سعد بنت سعد بن الربيع كانت تقول: دخلت على أم عمارة فقلت لها: يا خالة أخبريني خبرك.
فقالت: خرجت أول النهار أنظر ما يصنع الناس ومعى سقاء فيه ماء، فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في أصحابه، والدولة والريح للمسلمين، فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقمت أباشر القتال وأذب عنه بالسيف وأرمى عن القوس، حتى خلصت الجراح إلي.
قالت: فرأيت على عاتقها جرحا أجوف له غور، فقلت لها: من أصابك بهذا ؟ قالت: ابن قمئة أقمأه الله، لما ولى الناس عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أقبل يقول: دلوني على محمد لا نجوت إن نجا.
فاعترضت له أنا ومصعب بن عمير وأناس ممن ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فضربني هذه الضربة، ولقد ضربته على ذلك ضربات، ولكن عدو الله كانت عليه درعان.
قال ابن إسحاق: وترس أبو دجانة دون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه، يقع النبل في ظهره وهو منحن عليه حتى كثر فيه النبل) ( ).
وليس من حصر لبركة نصر الله للمسلمين في معركة بدر ، إذ كانت تطل كل يوم عليهم بفيض متجدد، ومنه :
الأول : زيادة المال .
الثاني : بدايات انتفاء الفاقة عند المسلمين .
الثالث : دخول جماعات من الناس في الإسلام .
الرابع : من بركاتها عندما أشرف جيش المشركين على المدينة خرج ألف من الصحابة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونزل قوله تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] ( ) لبيان لهفة وحرص الصحابة على لقاء المشركين وإرادة صدهم عن حرمات المدينة وأهلها ، وما فيها من الذراري والنساء.
ومن معجزات القرآن والسنة النبوية الغيرية أن أهل المدينة لم يظهروا الجزع والهلع عند بلوغهم تهديدُ قريش , ولم يقولوا أن مجئ النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة جلب لهم قتال قريش وكثرة المعارك ، فقد أظهروا الولاء للإسلام ورأوا أن قتال المشركين الغزاة من مصاديق قوله تعالى [حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَة الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ] ( ) لأن الصلاة نوع طريق وسبب للثبات على الإيمان ومحاربة الكافرين كما أن محاربتهم سبب لزيادة الإيمان من غير أن يلزم الدور بينهما للتباين الجهتي .
نعم إنخزل في وسط الطريق إلى جبل أحد ثلث جيش المسلمين بتحريض من رأس النفاق عبد الله بن أبي بن أبي سلول .
وفيه شاهد على ما ذهبنا إليه هنا من عدم وجود جزع وهلع في المدينة ، أو تذمر ولوم من زحف المشركين ، لأن رأس النفاق لم يستطع إظهار خبثه ومكره عند النفير العام .
لقد كانت معركة أحد غزوة للمشركين وليست هي غزوة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ولم يفلحوا ولم يحققوا نصراً ، وصحيح أن خسارة فادحة لحقت المسلمين ، واستشهد منهم يومئذ سبعون وتعدد جراحات النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في معركة أحد ، ولكنهم لم يخسروا المعركة .
ولم تفر ثلة من الصحابة بل بقوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسط الميدان ، إلى أن أعلن المشركون إنسحابهم بأن نادى أبو سفيان بأعلى صوته إيذاناً بالإنسحاب .
(قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : ثُمّ نَادَى أَبُو سُفْيَانَ : إنّهُ قَدْ كَانَ فِي قَتْلَاكُمْ مُثُلٌ وَاَللّهِ مَا رَضِيت ، وَمَا سَخِطْت ، وَمَا نَهَيْتُ وَمَا أَمَرْت . وَلَمّا انْصَرَفَ أَبُو سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ نَادَى : إنّ مَوْعِدَكُمْ بَدْرٌ لِلْعَامِ الْقَابِلِ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِرَجُلِ مِنْ أَصْحَابِهِ قُلْ نَعَمْ هُوَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُم مَوْعِدٌ
ثُمّ بَعَثَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ، فَقَالَ اُخْرُجْ فِي آثَارِ الْقَوْمِ ، فَانْظُرْ مَاذَا يَصْنَعُونَ وَمَا يُرِيدُونَ فَإِنْ كَانُوا قَدْ جَنّبُوا الْخَيْلَ وَامْتَطَوْا الْإِبِلَ فَإِنّهُمْ يُرِيدُونَ مَكّةَ ، وَإِنْ رَكِبُوا الْخَيْلَ وَسَاقُوا الْإِبِلَ فَإِنّهُمْ يُرِيدُونَ الْمَدِينَةَ ، وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ أَرَادُوهَا لَأَسِيرَنّ إلَيْهِمْ فِيهَا , ثُمّ لَأُنَاجِزَنّهُمْ .
قَالَ عَلِيّ عليه السلام : فَخَرَجْت فِي آثَارِهِمْ أَنْظُرُ مَاذَا يَصْنَعُونَ فَجَنّبُوا الْخَيْلَ وَامْتَطَوْا الْإِبِلَ وَوَجّهُوا إلَى مَكّةَ .) ( ).
ويدل هذا الخبر على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لم يغادروا ميدان المعركة إلى أن اطمئن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتوجه المشركين إلى مكة وأن الإمام علياً عليه السلام كان قريباً من النبي ولم يتردد باللحاق بالقوم ورصدهم مع كثرة الجراحات التي أصابته يوم أحد بسبب ظلم وتعدي وغزو المشركين .
لقد رجع المشركون من غزوتهم في أحد نادمين خائبين يجرون أذيال الخيبة قد طأطأوا رؤوسهم أمام أهل مكة والقبائل وذهب تهديم المتكرر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه أدراج الرياح .
وأدرك الجميع فشل وخذلان قريش ، ونزل القرآن بقانون بقوله تعالى [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ] ( ).
وفي الآية أعلاه إنذار ووعيد للذين كفروا من الهجوم وغزو المدينة مرة أخرى , وهذا الإنذار من الإعجاز في مجئ الآية بصيغة الفعل المضارع (فَيَنْقَلِبُوا) وتقدير الآية , إن هجموا في معركة الخندق فسينقلبوا خائبين , ويحتمل إدراك هذا المعنى وجوهاً :
الأول : إدراك المسلمين لهذا المعنى , واستبشارهم به , وهو من مصاديق إلقاء السكينة في نفوسهم .
الثاني : إقرار المشركين بالعجز, قال تعالى [وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا]( ).
الثالث : معرفة القبائل والناس حال الخيبة التي تغشت قريشاَ , خاصة وإن معركة أحد وقعت في أول أشهر الحج , وهو شهر شوال , وقبل دخول الأشهر الحرم الثلاثة , ذي القعدة , وذي الحجة , ومحرم بخمسة عشر يوماَ , وهو من أسرار إستعجال قريش في الغزو ونشوب القتال .
لقد ظنت قريش أنهم سيتباهون بالنصر في معركة أحد أمام وفود الحاج ، ويردون لإنفسهم الإعتبار ، وما انثلم من الجاه والشأن بسبب هزيمتهم في معركة بدر ،فانكسروا في معركة أحد ، ليكون من معاني قوله تعالى [فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ] ( ) عجز قريش عن إدّعاء النصر في معركة أحد ، وأن وفد الحاج كلهم يعلمون بخيبة قريش ، وأن هذه الخيبة تظهر على أقوالهم وأفعالهم ، وفيه دعوة للمسلمين لنشر مبادئ التوحيد في موسم الحج في ذات السنة وهي السنة الثالثة للهجرة ، قال تعالى [وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ]( ) , كما أنها تنتشر طوعا وقهرا كرشحة عن خيبة قريش .
فلما أن وصلت أول وفود الحاج إلى مكة مع دخول جيش قريش خائباَ , ليس معهم أي أسير من المسلمين ولا أموال ولا ما كانوا يطمعون من سبي نساء المسلمين , ولا يستطيعوا أن تصل أيديهم إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
لقد تلقاهم أهل مكة رجالاَ ونساءَ : هل دخلتم المدينة يثرب , هل قتلتم النبي محمداَ صلى الله عليه وآله وسلم , أين الغنائم التي جئتم بها .
الرابع : لقد أُسر منكم سبعون في معركة بدر , وأرسلتم الأموال والعوض صاغرين لفكهم من الأسر فهل أسرتم جماعة من المسلمين .
الخامسة : لقد أنفقتم الأموال الطائلة على معركة أحد واستأجرتم الأحابيش , وعطلتم التجارة , فلم تجنوا إلا الخيبة .
وأصابت الدهشة والذهول والصغار قريشاً موسم الحج سواء في السنة الثانية للهجرة حيث معركة بدر , أو في السنة الثالثة حيث معركة أحد , وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمْ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ] ( ) .
ولابد أن الأسعار ترتفع في الموسم بسبب لحوق الخسارة لقريش وكثرة إنفاقهم ومع إرتفاعها يقل البيع والشراء ، وتفتر التجارة في الوقت الذي يطلب تجار الشام أموالهم وديونهم , وتبين كثرة المعارك هذه قانون الحاجة لهجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم , ولو على نحو الإستصحاب القهقري , فتضطر قريش للإستدانة وبالربا .
ترى ماذا يقع لو لم يهاجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم , وكانت آيات القرآن تترى في نزولها لتخالط الناس بمجالسهم , وتكون موضوع الساعة , ومنها أنباء القتال , وعزّ المؤمنين , وسلامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من القتل ومحاولات الإغتيال , وتطلع الناس للاحق والتالي من آيات التنزيل , والتدبر في معانيها , واستقراء الوقائع منها , لما فيها من علوم الغيب , فلما نزل بخصوص معركة أحد ، قال تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ]( ).
لقد رآى الناس معاني هذا الرعب ظاهرة على وجود رجالات قريش وفي أفعالهم كما يتجلى بفقد عدد من وجهائهم وأشرافهم ممن كان معروفاً عند وفد الحاج ورؤساء القبائل الذين يزورون مكة على نحو التكرار .
لقد علم الناس إن خطأ صدر من الرماة المسلمين حال دون إنكسار وهزيمة قريش بما حال دون هزيمتهم في معركة أحد مع أن جيشهم ثلاثة آلاف رجل .
وعندما جاء الخبر إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن جيش الكفار يريد الرجوع من وسط الطريق إلى مكة ليقوموا بغزو المدينة , أمر بلالاَ في اليوم التالي لمعركة أحد بالنداء والنفير والخروج خلف جيش المشركين وخرج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم مائتان ونيف من الصحابة , وعندما سمع جيش المشركين بهم , مع كثرة عددهم ولوا هاربين إلى مكة ونزل قوله تعالى [الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ]( ).
لقد انكفأت قريش بعد معركة أحد , وظلوا في حيرة من أمرهم , ويطاردهم الوهن واللوم والذل بين الناس , ودخلت جماعات منهم الإسلام , ونقصت تجارتهم, وقلّ عدد الإبل والرحلات التي تتوجه إلى الشام واليمن , وصاروا يخشون القبائل التي في الطريق , خصوصاَ وأن أفراداَ منهم دخلوا الإسلام , ومنهم من هاجر إلى المدينة.
لقد إنكسرت هيبة قريش وكذا من يحارب الأنبياء في كل زمان لأنه يحارب الله عز وجل في ملكه , ويريد أن يمنع الأنبياء من البشارة والإنذار وتبليغ الأحكام فيرميه الله عز وجل بالعجز , ويبتليه بصنوف الأذى والضرر ، قال تعالى [إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ] ( ).
لقد هاجر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة قبل معركة بأكثر من سنتين , فعمرت بالصلاة , ودخل أهلها الإسلام , وامتنع الأوس والخزرج عن الإقتتال فيما بينهم ليتجلى مصداق حاضر لقوله تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ]( ) وبيان منافع هذه الآية في نبذ الفرقة والخلاف بين الصحابة , وفيه مقدمة للصبر والثبات في وجه هجمات قريش .
وجلس الأوس والخزرج يوماَ يتحدثون ثم دخل رجل بينهم ثالث وذكّرهم الذي دار بينهم في يوم بُعاث (وَتَنَازَعُوا وَتَفَاخَرُوا حَتّى تَوَاثَبَ رَجُلَانِ مِنْ الْحَيّيْنِ عَلَى الرّكْبِ أَوْسُ بْنُ قَيْظِيّ أَحَدُ بَنِي حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ مِنْ الْأَوْسِ ، وَجَبّارُ بْنُ صَخْرٍ ، أَحَدُ بَنِي سَلَمَةَ مِنْ الْخَزْرَجِ .
فَتَقَاوَلَا ثُمّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ إنْ شِئْتُمْ رَدَدْنَاهَا الْآنَ جَذَعَةً فَغَضِبَ الْفَرِيقَانِ جَمِيعًا ، وَقَالُوا : قَدْ فَعَلْنَا ، مَوْعِدُكُمْ الظّاهِرَةُ – وَالظّاهِرَةُ الْحرّةُ – السّلَاحَ السّلَاحَ ، فَخَرَجُوا إلَيْهَا .
فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فِيمَنْ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ الْمُهَاجِرِينَ حَتّى جَاءَهُمْ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ اللّهَ اللّهَ أَبِدَعْوَى الْجَاهِلِيّةِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ بَعْدَ أَنْ هَدَاكُمْ اللّهُ لِلْإِسْلَامِ وَأَكْرَمَكُمْ بِهِ.
وَقَطَعَ بِهِ عَنْكُمْ أَمْرَ الْجَاهِلِيّةِ وَاسْتَنْقَذَكُمْ بِهِ مِنْ الْكُفْرِ .
وَأَلّفَ بِهِ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ.
فَعَرَفَ الْقَوْمُ أَنّهَا نَزْغَةٌ مِنْ الشّيْطَانِ وَكَيْدٌ مِنْ عَدُوّهِمْ فَبَكَوْا وَعَانَقَ الرّجَالُ مِنْ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا .
ثُمّ انْصَرَفُوا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ سَامِعِينَ مُطِيعِينَ)( ).
وفي كتيبة بني المصطلق وتسمى أيضاَ المُريسيع ووقعت في شهر شعبان من السنة السادسة ( ) وذكر أنها في شعبان من السنة الخامسة للهجرة كادت تحدث فتنة بين المهاجرين والأنصار .
إذ تزاحم على الماء أجير عند عمر بن الخطاب اسمه جهجاه بن مسعود مع سنان بن وَبَر الجُهيني حليف بني عوف من الخزرج فاقتتلا , (فَصَرَخَ الْجُهَنِيّ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ ، وَصَرَخَ جَهْجَاهٌ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ فَغَضِبَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أُبَيّ ابْنُ سَلُولَ وَعِنْدَهُ رَهْطٌ مِنْ قَوْمِهِ فِيهِمْ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ غُلَامٌ حَدَثٌ .
فَقَالَ : أَوَقَدْ فَعَلُوهَا ، قَدْ نَافَرُونَا وَكَاثَرُونَا فِي بِلَادِنَا ، وَاَللّهِ مَا أَعُدّنَا وَجَلَابِيبَ قُرَيْشٍ إلّا كَمَا قَالَ الْأَوّلُ سَمّنْ كَلْبَك يَأْكُلْك ، أَمَا وَاَللّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنّ الْأَعَزّ مِنْهَا الْأَذَلّ .
ثُمّ أَقْبَلَ عَلَى مَنْ حَضَرَهُ مِنْ قَوْمِهِ فَقَالَ لَهُمْ هَذَا مَا فَعَلْتُمْ بِأَنْفُسِكُمْ أَحْلَلْتُمُوهُمْ بِلَادَكُمْ وَقَاسَمْتُمُوهُمْ أَمْوَالَكُمْ أَمَا وَاَللّهِ لَوْ أَمْسَكْتُمْ عَنْهُمْ مَا بِأَيْدِيكُمْ لَتَحَوّلُوا إلَى غَيْرِ دَارِكُمْ .
فَسَمِعَ ذَلِكَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ فَمَشَى بِهِ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ وَذَلِكَ عِنْدَ فَرَاغِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ مِنْ عَدُوّهِ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ ، وَعِنْدَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ ، فَقَالَ مُرْ بِهِ عَبّادَ بْنَ بِشْرٍ فَلْيَقْتُلْهُ .
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ : فَكَيْفَ يَا عُمَرُ إذَا تَحَدّثَ النّاسُ أَنّ مُحَمّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ , لَا وَلَكِنْ أَذّنْ بِالرّحِيلِ وَذَلِكَ فِي سَاعَةٍ , لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ يَرْتَحِلُ فِيهَا)( ).
وذكر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج حينئذ وقال (ما بال دعوى الجاهلية ؟ ! فأخبر بالحال فقال: ” دعوها فإنها منتنة ، ولينصر الرجل أخاه ظالما كان أو مظلوما، فإن كان ظالما فلينهه، وإن كان مظلوما فلينصره) ( ).
أي أنها دعوة جاهلية حمقاء مذمومة تجلب الفرقة والشقاق , وفيها ضرر حاضر ولاحق , إنما جعل الله عز وجل المسلمين أخوة .

النسوة في الحديبية
لقد كان مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم عدد من النساء والصبيان الذين لم يبلغوا الحلم ، ومن النساء كل من :
الأولى : أم المؤمنين أم سلمة ، قال تعالى [النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا] ( ).
الثانية : أم عمارة , نسيبة بنت كعب الأنصارية , وهي ممن شهد بيعة العقبة .
الثالثة : أم منيع , أسماء بنت عمرو الأنصارية .
و(عن كعب بن مالك أن أباه كعب بن مالك حدثه وكان ممن شهد العقبة قال حتى إذا اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن سبعون رجلاً ومعهم امرأتان من نسائهم نسيبة بنت كعب أم عمارة وأسماء بنت عمرو بن عدي) ( ).
الرابعة : أم عامر الأشهلية , وهي ممن بايع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة , وتروي أحاديث عنه , و(عن عبد الله بن مغيث قال أرسلت أم عامر الأشهلية بقعبة فيها حيس إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وهو في قبته وهو عند أم سلمة فأكلت أم سلمة حاجتها ثم خرج بالبقية فنادى منادي رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إلى عشائه فأكل أهل الخندق حتى نهلوا وهي كما هي) ( ).
وهل النساء والصبيان من مجموع العدد المذكور وهو أعلاه أم أنهم غير هذا العدد ، وكذا من التحق بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم في الطريق تباعاً جماعات وأفراداً .
الجواب منهم من ذكرهم في العدد الكلي ومنهم من لم يحسب إلا المقاتلة مع أن الخروج كان بقصد العمرة ، لذا اختلف المؤرخون في العدد على أقوال : 700 , 1300, 1400 , 1500 , 1600 , 1700 .
والمشهور والمختار أنهم (1400) والذي قال بالعدد الأقل (700) نظر إلى البدن التي ساقوها ، وكانت سبعين بدنة ، وأنه لكل عشرة بدنة واحدة .
وفي رواية لكل سبعة أشخاص بدنة ، ولكن موضوع العمرة أعم فليس كل من اعتمر ساق معه البدن خاصة ممن لا يقدر على الشراء ، قال تعالى [وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ] ( ).
لقد كان تقديم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه البُدن شاهداً على أنهم لا يريدون القتال ، والإضرار بأحد إنما ينشدون حقاً لهم بزيارة البيت الحرام مما يجعل الناس يميلون إليهم ، وينهون قريشاً من الإعتداء عليهم أو منهم .
لقد أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فتح صفحة جديدة مع قريش ملاكها الجامع المشترك من عمارة البيت الحرام والطواف به ، وهل كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مطمئناً في مسيره نحو البيت الحرام بأن قريشاً لن يفتكوا به وبأصحابه الذين ليس معهم إلا سيوف في أغمادها ، إذ جرى العرف آنذاك بأن المسافر يحمل معه سيفاً ، ويضعه في غمده أو يجعله هو وغمده في القراب للإحتراز في الطريق ، ولم تمر الأيام حتى صار الناس يقطعون الجادة العظمى بين المدن من غير سلاح المسافر ، إذ كان السلاح المصاحب هو آيات القرآن التي تزجر عن الإعتداء ، وتحرس المسافر .
ومنه أوقات الصلوات الخمس ، إذ يحين وقت الصلاة فيقف الحاضر والمسافر في صف واحد لأداء صلاة الجماعة ، ليكون الأمان والسلم والطمأنينة من الآخر من مصاديق قوله تعالى [إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ] ( ).
ولابد من مشروع علمي للنظر في تفسير القرآن الموضوعي من جهة الغايات الحميدة التي تستظهر من مجموع آيات القرآن ومضامينه القدسية ، إلى جانب السيرة النبوية ، فقد اختار النبي صلى الله عليه وآله وسلم الخروج إلى الحديبية بقصد أداء العمرة .
لقد كان المسلمون يتوقعون في مسيرهم نحو مكة أداء مناسك العمرة للرؤيا المباركة التي رآها رسول الله ، قال تعالى [لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ] ( ).
ومن الإعجاز في الآية أعلاه أنها مانع من الهجوم والغزو ودخول مكة بالقوة لدلالتها على ذهاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى البيت الحرام بملابس الإحرام ولا هّم لهم إلا أداء المناسك .
فان قلت إنما نزلت الآية أعلاه عند صلح الحديبية عندما طعن المنافقون في رؤيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعدم تحقق زيارتهم للبيت الحرام في تلك السنة .
والجواب لم يخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى العمرة إلا بعد أن أخبرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن رؤياه في المنام بأنهم يدخلون المسجد الحرام آمنين ، ومنهم من هو حالق شعره ، ومنهم قد قصّره .
ويدل هذا الإخبار عن الرؤيا على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فلم تنزل آية قرآنية بخصوصه ، ولم يقل النبي أنه حديث قدسي أو أن الله عز وجل أوحى له ، إنما ذكر هذا الدخول عن طريق رؤيا منام .
قانون صلح الحديبية
الحديبية موضع معروف ويقع على طريق جدة القديم ، ويبعد عن المسجد الحرام نحو 25 كم ، وفي هذا الزمان هناك مسجد انشئ في ذات الموضع وسمي باسمه ، وأطلق اسمه على المنطقة ، ويأتي الزوار إليه على أنه عقد عنده صلح الحديبية ، وبيعة الرضوان.
ولكن في المنطقة نفسها هناك مسجد آخر اسمه مسجد الرضوان ، وكانت هناك شجرة وقربها بئر ، وأنشئ مسجد سُمي مسجد الشجرة ، إذ كانت هناك شجرة حدباء في المحل وهي التي بايع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحتها وفي الموضع قرية ، ونصفها الأكبر في الحرم ونصفها الآخر في المحل .
ويسمى خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الحديبية على جهات :
الأولى : غزوة الحديبية كما في كثير من كتب السيرة والتأريخ منها :
الأول : تفسير الطبري ، جامع البيان في تفسير القرآن لمحمد بن جرير الطبري (224-310 هجرية )(839-923 ميلادية ).
الثاني : تفسير ابن كثير الجزء 7/337 .
الثالث : تفسير الكشف والبيان للثعلبي الجزء 3/182 .
الرابع : تفسير الكشاف لمحمد بن عمر الخوارزمي الزمخشري الجزء 6/349 .
الخامس : التسهيل لعلوم التنزيل لمحمد بن أحمد بن جزي الكلبي الغرناطي ت 741 هجرية الجزء 3/54 .
السادس : تفسر البحر المحيط لمحمد بن يوسف بن علي بن حيان النحوي .
السابع : تفسير الدر المنثور للسيوطي( ) (وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في البعث في قوله { إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً } قال( ) : نزلت في الحديبية ، وأصاب في تلك الغزوة ما لم يصب في غزوة ، أصاب أن بويع بيعة الرضوان فتح الحديبية ، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وبايعوا بيعة الرضوان ، وأطعموا نخيل خيبر ، وبلغ الهدي محله ، وظهرت الروم على فارس ، وفرح المؤمنون بتصديق كتاب الله وظهور أهل الكتاب على المجوس ) ( ).
الثامن : جوامع السيرة لابن حزم .
التاسع : الفصول في السيرة 1/184 ، والسيرة النبوية 4/431 ، وقصص الأنبياء لابن كثير 2/202 ، والروض الأنف 4/38 .
العاشر : السيرة النبوية لابن هشام 2/608 .
الحادي عشر : الكامل في التأريخ لابن الأثير 1/351 ، الإكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء لسليمان بن موسى .
الثاني عشر : الكلاعي الأندلسي 2/244 .
الثالث عشر : كتاب المغازي للواقدي 1/ 227 .
الرابع عشر : تأريخ الرسل والملوك للطبري 2/31 .
الخامس عشر: مروج الذهب للمسعودي 1/282 .
السادس عشر : تأريخ اليعقوبي 1/124 .
السابع عشر : البداية والنهاية لإسماعيل بن عمر بن كثير القرشي 1/320 .
الثامن عشر : الوافي بالوفيات لمؤلفه صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي 1/36 ، توفي 764 .
التاسع عشر : الروض الأنف في شرح السيرة النبوية لابن هشام لأبي القاسم السهيلي (508-581) هجرية (1114-1185) ميلادية ، الذي ذكر العنوان بقوله (غزوة الحديبية 4/ 38) على أنها بالتخفيف .
الثانية : صلح الحديبية إذ يجري تسميته بالصلح وقد تشمل التسمية بداية خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة .
الثالثة : عمرة الحديبية كما في الدر المنثور للسيوطي ففي قوله تعالى [لَيَبْلُوَنَّكُمْ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ] ( ) ورد عن (عن مقاتل بن حيان قال : أنزلت هذه الآية في عمرة الحديبية ، فكانت الوحش والطير والصيد يغشاهم في رحالهم ، لم يروا مثله قط فيما خلا ، فنهاهم الله عن قتله وهم محرمون { ليعلم الله من يخافه بالغيب }( ))( ).
الرابعة : بيعة الرضوان (وكان سبب هذه البيعة أنّ رسول الله {صلى الله عليه وسلم} دعا خراش بن أُمية الخزاعي،
فبعثه إلى قريش بمكّة،
وحمله على جمل له يقال له : الثعلب ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له،
وذلك حين نزل الحديبية.
فعقروا له جمل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأرادوا قتله فمنعه الأحابيش،
فخلّوا سبيله حتّى أتى رسول الله،
فدعا رسول الله (عليه السلام) عمر بن الخطّاب ليبعثه إلى مكّة،
فقال : يا رسول الله إنّي أخاف قريشاً على نفسي،
وليس بمكّة من بني عدي بن كعب أحد يمنعني،
وقد عرفت قريش عداوتي إيّاها،
وغلظتي عليهم،
ولكنّي أدُّلك على رجل هو أعزّ بها منّي،
عثمان بن عفّان،
فدعا رسول الله عثمان،
فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنّه لم يأت لحرب،
وإنّما جاء زائراً لهذا البيت،
معظّماً لحرمته،
فخرج عثمان إلى مكّة،
فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكّة،
أو قبل أن يدخلها،
فنزل عن دابّته وحمله بين يديه،
ثمّ ردفه وأجازه حتّى بلّغ رسالة رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقال عظماء قريش لعثمان حين فرغ من رسالة رسول الله : إن شئت أن تطوف بالبيت فطف به،
فقال : ما كنت لأفعل حتّى يطوف به رسول الله.
فاحتبسته قريش عندهم،
فبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين أنّ عثمان قد قُتل،
فقال رسول الله : لا نبرح حتّى نناجز القوم. ودعا الناس إلى البيعة،
فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة،
فكان الناس يقولون : بايعهم رسول الله على الموت،
وقال بكير بن الأشج : بايعوه على الموت،
فقال رسول الله (عليه السلام) : بل على ما استطعتم.
وقال عبدالله بن معقل : كنت قائماً على رأس رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ذلك اليوم،
وبيدي غصن من السمرة،
أذبّ عنه،
وهو يبايع النّاس،
فلم يبايعهم على الموت،
وإنّما بايعهم على أن لا يفرّوا،
وقال جابر بن عبدالله : فبايع رسولَ الله {صلى الله عليه وسلم} النّاس ولم يتخلّف عنه أحد من المسلمين حضرها إلاّ الجد بن قيس أخو بني سلمة،
لكأنّي أنظر إليه لاصقاً بإبط ناقته مستتر بها من النّاس.
وكان أوّل من بايع بيعة الرضوان رجل من بني أسد يقال له : أبو سنان بن وهب. ثمّ أتى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} إنّ الّذي ذُكر من أمر عثمان باطل،
واختلفوا في مبلغ عدد أهل بيعة الرضوان،
فروى شعبة،
عن عمرو بن مُرّة،
قال : سمعت عبدالله بن أبي أوفى يقول : كنّا يوم الشجرة ألف وثلاثمائة،
وكانت أسلم يومئذ من المهاجرين.
وقال قتادة : كانوا خمسة عشر ومائة. وروى العوفي عن ابن عبّاس،
قال : كان أهل البيعة تحت الشجرة ألفاً وخمسمائة وخمسة وعشرون. وقال آخرون : كانوا ألفاً وأربعمائة) ( )
وفي قوله تعالى [وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ] ( ) ورد عن الشعبي (من أدرك بيعة الرضوان ، وأول من بايع بيعة الرضوان سنان بن وهب الأسدي ) ( ) .
الخامسة : الفتح ، وأن صلح الحديبية المقصود بقوله تعالى [إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا] ( ).
السادسة : يوم الحديبية وعن أبي إسحاق عن البراء قال (تعدون أنتم الفتح فتح مكّة،
وقد كان فتح مكّة فتحاً،
ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية) ( ) .
السابعة : كتيبة الحديبية للمبنى الذي اعتمدناه ما كان يسمى بالغزوة نسمية كتيبة .
الثامنة : عمرة معلقة ،إذ لم تتم العمرة بسبب منع قريش للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من أدائها .
التاسعة : عمرة الحديبية والأقرب أنها عمرة من جهات :
الأولى : كانت الغاية من بداية الخروج هي العمرة .
الثانية : لم يخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بالرايات والسيوف والدروع ، إنما خرجوا بسلاح الراكب .
الثالثة : إحرام النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه للعمرة من ذي الحليفة
وهو ميقات أهل المدينة، ومن يمر على طريقهم، وهو نفسه مسجد الشجرة وبه أشتهر، كما يمر عليه في هذا الزمان أهل العراق والشام، ويبعد عن المسجد الحرام ( 437 ) كم , وعن المسجد النبوي (14 ) كم .
وسمي ذا الحليفة لأن أناساً إجتمعوا فيه قبل الإسلام وتحالفوا. وعن القاموس أنه ماء لبني جشم، وقد أحرم منه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأنه لما أسري به إلى السماء، وصار بحـــذاء الشجرة نودي يا محمد فقال صلى الله عليه وآله وسلم: لبيك، قال : ألم أجدك يتيما فآويتك ، ووجدتك ضالا فهديتك ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن الحمد والنعمة والملك لك لا شريك لك . فلذلك أحرم من الشجرة دون المواضع كلها( )، وذو الحليفة هو الموضع الغربي أدرك فيه الإمام علي عليه السلام وهو على ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العضباء ابا بكر ليدفع إليه (براءة) بعد أن نزل جبرئيل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقال له: ( لن يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك )( ).
الرابعة : لو دار الأمر بين تسمية غزوة وعمرة فان الإسم الصحيح هو العمرة .
لقد صار الإسلام دولة ذات شأن ، والمسلمون فرقة من الناس لها شأنها الخاص والضابطة فيه عبودية الله والخشية منه ، والبيت الحرام عنوان العبادة ، والشاخص الذي يجمع الناس على ملة التوحيد ، ويأتي موسم الحج في كل عام فيتوجه الناس آنذاك من كل حدب إلى البيت الحرام إلا المهاجرين والأنصار ، إذ منعهم المشركون من غير فثار الله عز وجل للمسلمين ، وأخبر بصيغة الوعد والبشارة لهم ، والإنذار والوعيد للمشركين فقال تعالى [وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ] ( ).
ومن خصائص المسلمين العبادية وجوب التوجه إلى البيت أحد وأستقبل كل واحد منهم له كل يوم ،وقد بني البيت للناس جميعاً ، قال تعالى [وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً] ( ) فلهم الحق بأداء العمرة والحج ، ولكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إختار العمرة منعاً للفتنة .
ومن المتسالم عند العرب جميعاً أن الكعبة لكل الناس وليس لقريش منع أحد ، فاذا قامت قريش بمنع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه فان أهل الأمصار والقبائل يستنكرون هذا الفعل من قريش أو أي طرف يمنعهم خاصة وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه جاءوا بلباس الإحرام ملبين ومكبرين ومهللين .
لقد كان خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى عمرة الحديبية معجزة له وشاهداً على أن رؤياه شعبة من الوحي ،وهي رحمة وتخفيف ،إذ رآى أنه يدخل البيت وصحبه محلقين رؤوسهم ومقصرين ، ونزل قوله تعالى [لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا] ( ) .
لقد استبشر المسلمون برؤيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأيقنوا من دخول مكة ، والذي يدل بالدلالة التضمنية على أن قريشاً صارت عاجزة عن قتال المسلمين .
لقد كان عدد المسلمين الذين مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين كتيبة بني المصطلق وصلح الحديبية من المهاجرين والأنصار في كتيبة بني المصطلق سبعمائة ، وليس بينها وبين صلح الحديبية إلا ثلاثة شهور .
لقد بلغ النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه أن بني المصطلق يجمعون الحشود لغزو المدينة ،وجاءت الأخبار على نحو التفصيل بأن (أَنّ الْحَارِثَ بْنَ أَبِي ضِرَارٍ سَيّدَ بَنِي الْمُصْطَلِق ِ سَارَ فِي قَوْمِهِ وَمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ الْعَرَبِ يُرِيدُونَ حَرْبَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ) ( ) .
ويدل تولي الرؤساء جمع الجيوش على ميل الناس لهم وتلبية نداءهم ، وأن قريشاً تبذل لهم الأموال ومع ورود هذه الأخبار لم يتعجل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولم يتخذها ذريعة للهجوم وغزو بني المصطلق ، ولا أحد يوجه اللوم حينئذ للمسلمين لأن الأخبار وردتهم بعزم بني المصطلق ورؤسائهم الإغارة على المدينة وأنهم يجمعون الجيوش ، فقام النبي بارسال بُريدة بن الخصيب الأسلمي إلى بني المصطلق يستطلع حقيقة الأمر .
وفيه دلالة على العمل بخبر الواحد اذا كان ثقة مع أن المسألة مما تعم به البلوى .
إذ اشترط بعضهم في علم الأصول الأخذ بخبر الآحاد في المسائل التي لا تعم بها البلوى ، فأستأذن برُيدة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول فاذن له أي أنه قال انه محتاج لإظهاره موالاتهم والمجئ لنصرتهم ، وقد يقول كلاماً في التعريض بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم والإسلام لبعث الطمأنينة في نفوسهم ، وهل هذه الإستئذان من مصاديق قوله تعالى [إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ] ( ) الجواب لا للتباين الموضوعي وبينهما عموم وخصوص من وجه ، فمادة الإلتقاء جواز التقية بالقول .
ومادة الإفتراق استئذان برّيدة لتنجز ما أمره به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ودلالة الآية أعلاه على الإكراه في حمل الصحابي على السب (أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى سب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وذكر آلهتهم . بخير ، ثم تركوه فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : شر ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير قال : كيف تجد قلبك؟ قال : مطمئن بالايمان . قال : إن عادوا فعد . فنزلت { إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان }( ))( ).
ليبقى المسلمون والمسلمات في حال فزع وخوف ، ولا يعلمون متى يقع هذا الغزو ، وقد يباغتون المسلمين في الليل ووقت السحر والناس ينام ، وحتى لو كانت هناك حراسات راتبة فانها لا تكفي في صدّ هجوم كبير وواسع ومباغت .
فكما اضطر النبي صلى الله عليه وآله وسلم للهجرة من مكة وعندما أراد المشركون قتله في ليلة الهجرة ، فان بني المصطلق يريدون قتله وقتل المهاجرين والأنصار وسبي النساء ، فلا بد أن يخرج إليهم فهذا الخروج من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ) لأن الرحمة بالذات والمؤمنين والمؤمنات أولى .
ومن الشواهد على تنجز وتحقق مصاديق قوله تعالى [ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ] ( ).
ترى ماذا لو لم يخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأصحابه إلى بني المصطلق ، وليس من بلدة أخرى عند المسلمين إلا المدينة ، وفي معركة بدر كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكثر من الدعاء والإبتهال والتوسل والتضرع إلى الله عز وجل :
(اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعدها في الارض ” وجعل يهتف بربه عز وجل ويقول : ” اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم نصرك) ( ).
ويتكرر الحال عندما تهم قريش أو بعض القبائل بغزو المدينة ، وتجمع الأسلحة والأفراد وتمدهم قريش بالمال والسلاح والإبل ، هذه الإبل وكونها وسيلة التجارة التي هي مصدر عيش قريش وسبب مكانتهم وعلة شأنهم بين العرب ، وفي البلدان فسخروا شطراً منها في الحرب على النبوة والتنزيل ، قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ] ( ) .
لذا فان خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى بني المصطلق تبكيت لكفار قريش .
وهل هو من مصاديق قوله تعالى لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ.
أم أن الآية أعلاه خاصة بمعركة أحد ، المختار هو الأول .
وقد يقال كيف يبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجلاً من الأنصار ، وبنو المصطلق يعلمون أن الأوس والخزرج قد أسلموا ، والجواب أن بريدة ليس من الأنصار ، وليس من المهاجرين من أهل مكة إنما هو من قبيلة أسلم ، ومرّ عليه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في طريق هجرته إلى المدينة عند كراع الغميم فأسلم ، وقيل تلقاه في ثمانين نفساً من أهله فأسلموا وصلى بهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم صلاة العشاء ، وعلّمه النبي صلى الله عليه وآله وسلم صدراً من سورة مريم ، (وقيل: أسلم بعد منصرف النبي صلى الله عليه وسلم من بدر وسكن البصرة لما فتحت.) ( ).
(عن الحسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يتطير ولكن يتفاءل فركب بريدة في سبعين راكبا من أهل بيته من بني سهم ، فتلقى النبي صلى الله عليه و سلم فقال له نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم : ” من أنت ” . قال أنا بريدة فالتفت إلى أبي بكر فقال : ” يا أبا بكر برد أمرنا وصلح ” . ثم قال لي : ” ممن أنت : فقلت من أسلم قال لأبي بكر ” سلمنا ” . قال ثم قال من بني من قلت من بني سهم قال : ” خرج سهمك) ( ).
فخرج بريدة ولم يأت لبني المصطلق من طريق المدينة أكتشاف أمره وسلامته ، فوصل ماءهم ، والآبار التي يجتمعون عليها للسقيا والشرب ، فوجد الجموع تتألب وقد أخذهم الحماس والطيش ، فلما رآوه سألوه عن سبب مجيئه (قال: رجل منكم قدمت لما بلغني عن جمعكم لهذا الرجل، فأسير في قومي ومن أطاعني، فنكون يدا واحدة حتى نستأصله) ( ).
فأخذوه إلى رئيسهم الحارث بن أبي ضرار فلما سمع منه ، قال : فنحن على ذلك فعجل علينا ، فأدرك بُريدة أن هجومهم على المدينة وشيك ، وأمره قريب .
فقال ما دمتم على عجلة من أمركم ونحن نريد إعانتكم والإشتراك معكم فسـاركب الآن فأتيكم بجمع كثيف من قومي ، ففرحوا بما سمعوه منه ، ولم يضطر للتعريض بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبالإسلام ، فقد اطمأنوا له ، ولم يبق عندهم مدة مديدة ، ورجع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره بخبرهم .
فجمع النبي صلى الله عليه وآله سلم أصحابه وأبلغهم ما ينوي المشركون ، وهو مصاديق قوله تعالى [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ] ( ) عندئذ أسرع الصحابة بالتهيئ والخروج، وعلموا أنه ليس ثمة وقت للإبطاء ، وهذا الإبطاء فيه ضرر عليهم وعلى الناس ، خاصة وأن منازل بني المصطلق قريبة من المدينة ،إذ أنها تقع في أعالي وادي قديد ويطلق عليه في هذا الزمان وادي ستارة على طريق الهجرة الذي يربط بين مكة وجدة والمدينة .
ولا تعني هذه التسمية لهذا الطريق أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم اتخذه حصراً في هجرته ، إنما يكون منه موقعان مرّ بهما النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وقيل تبعد ستارة هذه عن جدة 120 كم .
لقد تلقى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه خبر بُريدة بالقبول فهل يدل على العمل بخبر الواحد ، أم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تلقاه وصدّقه بالوحي ، الجواب لا تعارض بين الأمرين .
(عن أبى عبيد القاسم بن سلام رفعه قال: اختصم رجلان إلى النبي صلى الله
عليه وآله في مواريث وأشياء قد درست فقال النبي صلى الله عليه وآله لعل بعضكم أن يكون ألحن لحجته من بعض، فمن قضيت له بشئ من حق أخيه فانما أقطع له قطعة من النار، فقال كل واحد من الرجلين: يارسول الله حقى هذا لصاحبي فقال: لا ولكن اذهبا فتوخيا ثم استهما ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه) ( ).
وكان عدد المسلمين في كتيبة بني المصطلق سبعمائة ومعهم (ثلاثون فرسا، للمهاجرين عشرة، منها فرسان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لزاز – بلام فزاي فألف فزاي أخرى – والظرب – بظاء معجمة مشددة مفتوحة فراء مكسورة فموحدة.) ( ).
وخرج مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عدد من المنافقين ليس رغبة في الجهاد ، إنما لإصابة عرض الدنيا ولقرب السفر ، ولعلهم أدركوا أن هجوم بني المصطلق على المدينة يعرضهم للقتل ونساءهم وأولادهم للسبي ، وفيها نزلت سورة المنافقون ، بينما كان عدد الصحابة الذين خرجوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صلح الحديبية ضعف عدد الذين خرجوا إلى بني المصطلق لبيان شوق المسلمين إلى البيت الحرام ،وصبرهم وتحديهم لأذى وعتو كفار قريش .
وسار النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأصحابه وسلك على منطقة الخلائق ونزل بها ، وتسمى الآن أبيار الماشي نسبة للمسافرين الذين يمشونه على أرجلهم ، وتبعد عن المدينة نحو ثمانية وعشرين كيلو متر .
وقد مرّ بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في طريق الهجرة من مكة إلى المدينة .
وعندما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الخلائق في طريقه إلى بني المصطلق جاء رجل من عبد قيس فسلم عليه ، فرد عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسأله : أين أهلك؟
قال : بالروحاء ، فقال : أين تريد ؟
قال : إياك جئت لأؤمن بك وأشهد أن ما جئت به حق ، وأقاتل معك عدوك ، أي أنه كان قاصداً المدينة ليعلن اسلامه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلقيه في الطريق ، وهو فأل حسن .
قَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: ” الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي هَدَاك لِلْإِسْلَامِ “. قَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ أَيّ الْأَعْمَالِ أَحَبّ إلَى اللّهِ؟
قَالَ: ” الصّلَاةُ فِي أَوّلِ وَقْتِهَا “،
فَكَانَ الرّجُلُ بَعْدَ ذَلِكَ يُصَلّي حِينَ تَزِيغُ الشّمْسُ وَحِينَ يَدْخُلُ وَقْتُ الْعَصْرِ وَحِينَ تَغْرُب الشّمْسُ. لَا يُؤَخّرُ الصّلَاةَ إلَى الْوَقْتِ الْآخَرِ ) ( ).
قانون وهن قريش
لقد لحق الهوان والخسارة والخسران كفار قريش , إذ انتقل الكثير من أبنائهم ذكوراَ وأناثاَ إلى المدينة مسلمين ويدل ذات الإنتقال على صدق إيمانهم ونزلت البشارة لهم من الله عز وجل [وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ]( ), وبقي رؤساء الشرك كهولاَ وشيوخاَ يخشون دنو شبح الموت وقد خلت بيوتهم وديارهم ممن يعمرها , وكانت قريش على معرفة بتأريخ القبائل والأمم , ويعرفون كيف تنهك الحرب القبائل وتضعف شأنها ليأتي غيرهم لم يدخلوا حرباَ فيستحوذوا على ديارهم وأرضيهم , ويقوموا بإذلالهم .
ولم تأمن قريش ولاية البيت الحرام وتطمئن لها على نحو الإطلاق , ولم يكونوا أولياءه من الأزل أو حتى من حين رفع إبراهيم القواعد من البيت إذ تعاقبت القبائل على ولايته , قال تعالى [وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ]( ).
و (عن ابن جريج وعن ابن إسحاق – يزيد أحدهما على صاحبه – قالا : أقامت خزاعة على ما كانت عليه من ولاية البيت والحكم بمكة ثلاثمائة سنة .
وكان بعض التبابعة( ) قد سار إليه وأراد هدمه وتخريبه .
فقامت دونه خزاعة ، فقاتلت عليه أشد القتال حتى رجع ، ثم آخر( ) فكذلك.
وأما التبع الثالث الذي نحر له وكساه ، وجعل له غلقا ، وأقام عنده أياما ، ينحر كل يوم مائة بدنة ، لا يرزأ هو ولا أحد من أهل عسكره شيئا منها ، يردها الناس في الفجاج والشعاب ، فيأخذون منها حاجتهم ، ثم تقع عليها الطير فتأكل ، ثم تنتابها السباع إذا أمست لا يرد عنها إنسان ولا طير ولا سبع .
ثم رجع إلى اليمن إنما كان في عهد قريش ، فلبثت خزاعة على ما هي عليه ، وقريش إذ ذاك في بني كنانة متفرقة) ( ).
إنما تولت قريش ولاية البيت الحرام أيام الجد الرابع للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو قصي بن كلاب , وجمع قريشاَ وجعل بيوتهم حول البيت وبنى دار الندوة.
وعن(محمد بن إسحاق ، أن قصي بن كلاب بن مرة ، قال لقريش : يا معشر قريش ، إنكم جيران الله وأهل الحرم ، وإن الحاج ضيفان الله وزوار بيته ، وهم أحق الضيف بالكرامة ، فاجعلوا لهم طعاماً وشراباً أيام هذا الحج ، حتى يصدروا عنكم ففعلوا .
فكانوا يخرجون لذلك كل عام من أموالهم خرجا تخرجه قريش في كل موسم من أموالهم ، فيدفعونه إلى قصي فيصنعه طعاما للحاج أيام الموسم بمكة ومنى .
فجرى ذلك من أمره في الجاهلية على قومه ، وهي الرفادة ، حتى قام الإسلام وهو في الإسلام إلى يومك هذا ، وهو الطعام الذي يصنعه السلطان بمكة ومنى للناس حتى ينقضي الحاج) ( ) .
ولكن قريشاً كانت تخرج نفقة الضيافة من مالهم الخاص .
إبتداء السير نحو الحديبية
كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا أراد الخروج في كتيبة يوري في الجهة التي يقصدها , ورآى رؤيا في السنة السادسة للهجرة كأن يدخل المسجد الحرام ويطوف هو وأصحابه بالبيت فبادر للإخبار عنها , فاستبشروا لعلمهم بان رؤيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحي , قال تعالى [لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا]( ).
فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم منادياَ أن ينادي بالتوجه إلى مكة لأداء العمرة، وليس الحرب أو القتال , ففرح المسلمون خاصة وانهم حرموا من زيارة أو حج البيت لست سنوات وتلهف المهاجرون وودوا زيارة قبلتهم , قال تعالى [وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ]( ) ودخول مكة لرؤية الأهل والأحبة , ومواطن الصبا وليخبروا أهليهم وأصدقاءهم بما أنعم الله عز وجل عليهم من نعمة الإيمان وأداء العبادات من غير خوف أو أذى من كفار قريش , وتحتمل تسمية هذا الخروج وجوهاَ :
الأول : غزوة .
الثاني : كتيبة .
الثالث : سفرة .
الرابع : استطلاع .
الخامس : عمرة .
والمختار هو الاخير , فهي ليست كتيبة أو سرية , إنما هي عنوان خاص فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يريد حرباَ مع قريش أو غيرهاَ , ولا يطلب القتال , وقد علم الناس في هذه السنوات الست بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يغزو أحداَ.
والأصل أن يخاف المسلمون من غدر وبطش كفار قريش , ولكنهم إمتازوا بأخلاق حميدة وهي طاعة الرسول فيما يأمر به وتصديقه فيما يقول , وفي التنزيل [مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ]( ) وكان الوقت هو شهر ذي القعدة وهو شهر حرام , وليس فيه قتال .
فاجتمع مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ألف وخمسمائة من المهاجرين والأنصار .
و عن (جابر الأنصاري قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم الحديبية: ” أنتم خير أهل الأرض ” وكنا ألفا وأربعمائة ولو كنت أبصر اليوم لاريتكم مكان الشجرة)( ). و(عن البراء بن عازب من طريق ابن سعد وغيره كانوا ألفا وأربعمائة) ( ).
وأرسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم على القبائل والأعراب ممن حول المدينة ويريد الذهاب معهم للعمرة بأن يتجهزوا وأبطأ عنه كثير من الأعراب خشية قريش أن يغدروا به .
وفي التنزيل [سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنْ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا]( ).
ولم يحمل المسلمون معهم سلاحاَ إلا سلاح المسافر وهي السيوف في أغمادها , ويسمى سلاح الراكب , كعنوان لعدم التوثب للقتال والهجوم.
وساقوا أمامهم الهدي من الإبل والأنعام , وساق النبي صلى الله عليه وآله وسلم سبعين بعيراَ لتكون شاهداً على إرادتهم العمرة , وإيذاناَ بصبغة السلمية .
واستخلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم على المدينة (نميلة بن عبد الله بن فقيم بن حزن بن سيار بن عبد الله بن كلب بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث الليثي. ويقال له الكلبي نسبة لجده) ( ).
ونميلة هذا هو الذي قتل مقيس بن صُبابة( ) ، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أهدر دم مقيس بن صبابة .
وقد سبق أن قتل رجل من الأنصار خطأ أخاَ لمقيس بن صُبابة , فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمقيس بدية أخيه , فأخذها , ثم رصد مقيس قاتل أخيه فقتله بعد قبضه الدية , كما أن القتل كان خطأ , وحكمه الدية وليس القصاص , ولأن نميلة من قوم مقيس بن صبابة , قالت أخت مقيس
لعمري لعمري لقد أخزى نميلة رهطه … وفجع أضياف الشتاء بمقيس
فلله عينا من رأى مثل مقيس … إذا النفساء أصبحت لم تخرس ( ).
وخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من المدينة المنورة ووصلوا إلى ميقات ذي الحليفة وأحرموا بالعمرة لبعث رسالة إلى قريش أنه لا يريد قتالاَ , ولترغيب قريش بطي صفحة الإقتتال ويبعد ذو الحليفة عن المسجد النبوي نحو (14)كم ، وتسمى أيضاَ في هذا الزمان بيار علي .
ومرّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الطريق إلى الحديبية على قبائل (مِنْ مُزَيْنَةَ وَجُهَيْنَةَ وَبَنِي بَكْرٍ، وَاسْتَنْفَرَهُمْ إلَى الْحُدَيْبِيَةِ فَاعْتَلَوْا وَتَشَاغَلُوا بِأَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ. وَذَلِكَ أَنّهُمْ قَالُوا: إنّمَا خَرَجَ مُحَمّدٌ فِي أَكَلَةِ رَأْسٍ يَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ مَوْتُورِينَ فَأَبَوْا أَنْ يَنْفِرُوا مَعَهُ) ( ).
ومن معاني [الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ] في قوله تعالى [وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا] ( ) (قال الضحاك : ظنت أسد وغطفان في رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج إلى الحديبية أنه سيقتل أو ينهزم ولا يعود إلى المدينة سالماً ، فعاد ظافراً .
{ عَلَيْهِمْ دَآئرَهُ السَّوْءِ } يحتمل وجهين :
أحدهما : عليهم يدور سوء اعتقادهم .
الثاني : عليهم يدور جزاء ما اعتقدوه في نبيهم) ( ).
وقد وصلت إلى قريش أخبار خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لأداء العمرة , ولما وصل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى عُسفان جاء من يخبره بخروج قريش من مكة نحوه.
وتبعد عُسفان عن مكة (80)كم , وحينما مرّ به النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع قال : ( لَقَدْ مَرّ بِهِ هُودٌ وَصَالِحٌ عَلَى بَكْرَيْنِ أَحْمَرَيْنِ خُطُمُهُمَا اللّيّفُ وَأُزُرُهُمْ الْعَبَاءُ وَأَرْدِيَتُهُمْ النّمَارُ يُلَبّونَ يَحُجّونَ الْبَيْتَ الْعَتِيقَ)( ).
أرسل رجلاَ اسمه بشر بن سُفيان الكعبي من ذي الحليفة ليستطلع أخبار قريش خاصة وأنهم علموا بخروجه للعمرة , فلقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند غدير الأشطاط (فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ هَذِهِ قُرَيْشٌ ، قَدْ سَمِعْت بِمَسِيرِك ، فَخَرَجُوا مَعَهُمْ الْعُوذُ الْمَطَافِيلُ قَدْ لَبِسُوا جُلُودَ النّمُورِ وَقَدْ نَزَلُوا بِذِي طُوًى ، يُعَاهِدُونَ اللّهَ لَا تَدْخُلُهَا عَلَيْهِمْ أَبَدًا .
وَهَذَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي خَيْلِهِمْ قَدْ قَدّمُوهَا إلَى كُرَاعِ الْغَمِيمِ .
فقال رَسُولُ اللّهِ – صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ – : يَا وَيْحَ قُرَيْشٍ لَقَدْ أَكَلَتْهُمْ الْحَرْبُ ، مَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ خَلّوْا بَيْنِي وَبَيْنَ سَائِرِ الْعَرَبِ ، فَإِنْ هُمْ أَصَابُونِي كَانَ الّذِي أَرَادُوا ، وَإِنْ أَظْهَرَنِي اللّهُ عَلَيْهِمْ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ وَافِرِينَ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا قَاتَلُوا وَبِهِمْ قُوّةٌ فَمَا تَظُنّ قُرَيْشٌ ، فَوَاَللّهِ لَا أَزَالُ أُجَاهِدُ عَلَى الّذِي بَعَثَنِي اللّهُ بِهِ حَتّى يُظْهِرَهُ اللّهُ أَوْ تَنْفَرِدَ هَذِهِ السّالِفَةُ)( ).
لقد بيّن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حقيقة وهي أن الحرب أضعفت قريشاَ واستحضر النبي صلى الله عليه وآله وسلم احتجاجه عليهم وهو في مكة بأن يتركوه ويخلو بينه وبين عامة العرب , يدعوهم إلى الإسلام , وتكون نتيجة هذه الدعوة أحد أمرين :
الأول : قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : إظهار الإسلام , قال تعالى [لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا]( ).
وفي كل من الأمرين تخفيف عن قريش , ثم قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (مَنْ رَجُلٌ يَخْرَجُ بِنَا عَلَى طَرِيقٍ غَيْرِ طَرِيقِهِمْ الّتِي هُمْ بِهَا) ( ).
لقد تلقَى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الخبر بالتصديق مع أنه لم يثبت أن ناقله مسلم , ولم يسأل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن عدد جيش قريش , وهيئتهم وأسلحتهم , ولم يصر على السير بذات الطريق الذي يسير به أصحابه , إنما اختار العافية , إذ سأل أصحابه عن طريق آخر غير الجادة العامة التي يسيرون فيها لإجتناب ملاقاة قريش .
فقال صحابي من أسلم : أنا يا رسول الله فسلك بهم طريق وعراَ أجرل ( ) أي كثير الحجارة , وكثرتها تعيق المسير , وتدمي الأقدام بين شعاب فشق على المسلمين , ولكنهم اعتادوا الصبر .
واختاروا العدول عن الجادة العظمى والإبتعاد عن ملاقاة المشركين , قال تعالى [الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِي يَاأُوْلِي الأَلْبَابِ]( ).
وعند منقطع الوادي افضى المسلمون إلى أرض سهلة فاستبشروا (فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه قُولُوا نَسْتَغْفِرُ اللّهَ وَنَتُوبُ إلَيْهِ فَقَالُوا ذَلِكَ فَقَالَ وَاَللّهِ إنّهَا لَلْحِطّةُ الّتِي عُرِضَتْ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ . فَلَمْ يَقُولُوهَا)( ).
لقد قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو في مكة بمناداة قريش (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا) ولم يستجب أكثرهم مع أنهم في سعة وغنى .
أما الآن فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو الإمام والقائد ويأمر المسلمين بالإستغفار والتوبة من منازل الإيمان , فيبادرون إلى ذات القول بشوق ورغبة وهم في طريق سفر ثم سار المسلمون مسافة , فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحمش .
وأراد طريقاً يخرج على ثنية المرار ، ويكون مطلاً على الحديبية أسفل مكة فسار المسلمون كما أمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مما يدل على حسن إيمان المسلمين في الحضر والسفر وإتباعهم لأوامر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمعروف أن طبائع وأخلاق الجنود تتبدل في السفر وحال القتال ومقدماته فتصعب السيطرة على بعضهم أو ضبطه وفق النظام والخطة العامة .
ولكن صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع كثرتهم وهم ألف وأربعمائة ،وحال الخشية من غدر ومكر قريش لم يعترض أحد منهم عندما غيروا طريق الجادة العامة , وساروا في طرق وعرة .
ثم أمرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالسير باتجاه مخصوص , وهم لا يعلمون ماذا يريد النبي صلى الله عليه وآله وسلم , ولكنهم يعلمون قانوناَ وهو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم [وَمَا ينطق عن الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى]( ).
وكان مائتان من فرسان قريش برئاسة خالد بن الوليد يترقبون وصول النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لمنعهم والهجوم عليهم , ولكنهم رآوا قترة وغبرة الجيش ،وقد خالفوا عن طريقهم , أي أنهم رآوا غبار جيش المسلمين لكثرتهم وآثارهم قد ساروا في طريق آخر عندئذ لم يتبعوهم واحتاروا في أمرهِم , فرجعوا مسرعين إلى مكة وأخبروا قريشاَ ليقرروا ماذا يفعلون .
وهل خرجوا من مكة للرصد أم انهم كمين لمباغتة المسلمين , المختار هو الثاني , ترى ماذا تكون النتيجة لو هجم هؤلاء الفرسان المائتان على جيش المسلمين وهم عزل من غير سلاح إلا سيف في غمده .
الجواب يستطيع المسلمون وهم عزل التصدي لهذه الخيل واشاعة القتل بينهم , لذا اختار هؤلاء الخيالة الفرار والرجوع إلى مكة وهو من مصاديق قوله تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ]( ).
لقد اختار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إجتناب الصدام معهم لتأكيد أنه وأصحابه جاءوا للعمرة فانحرفوا عن الجادة العظمى , واختاروا طرقاَ وعرة ولم يكن تغيير النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمسارهم عن خوف من المشركين , لأن الذي يخاف منهم يبتعد عن مركز قيادتهم كي يصعب عليهم ملاحقته وتوفير امدادات هذه الملاحقة , ثم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قاصد لمركز قيادتهم في مكة .
فحينما وصل إلى الحديبية صار قريباَ من مكة , وسار النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسلك في ثنية المُرار فبركت ناقته .
(فَقَالَتْ النّاسُ خَلَأَتْ ( )النّاقَةُ قَالَ مَا خَلَأَتْ وَمَا هُوَ لَهَا بِخُلُقٍ ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ عَنْ مَكّةَ .
لَا تَدْعُونِي قُرَيْشٌ الْيَوْمَ إلَى خُطّةٍ يَسْأَلُونَنِي فِيهَا صِلَةَ الرّحَمِ إلّا أَعْطَيْتُهُمْ إيّاهَا( ).
ثُمّ قَالَ لِلنّاسِ انْزِلُوا ؛ قِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللّهِ مَا بِالْوَادِي مَاءٌ نَنْزِلُ عَلَيْهِ.
فَأَخْرَجَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ . فَأَعْطَاهُ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ فَنَزَلَ بِهِ فِي قَلِيبٍ مِنْ تِلْكَ الْقُلُبِ .
فَغَرّزَهُ فِي جَوْفِهِ فَجَاشَ بِالرّوّاءِ حَتّى ضَرَبَ النّاسُ عَنْهُ بِعَطَنٍ .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَحَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَسْلَمَ : أَنّ الّذِي نَزَلَ فِي الْقَلِيبِ بِسَهْمِ رَسُولِ اللّهِ – صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ – نَاجِيَةُ بْنُ جُنْدُبِ بْنِ عُمَيْرِ بْنِ يَعْمُرَ بْنِ دَارِمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ وَائِلَةَ بْنِ سَهْمِ بْنِ مَازِنِ بْنِ سَلَامَانِ بْنِ أَسْلَمَ بْنِ أَفْصَى بْنِ أَبِي حَارِثَةَ ، وَهُوَ سَائِقُ بُدْنِ رَسُولِ اللّهِ – صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ – .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : أَفْصَى بْنُ حَارِثَةَ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَقَدْ زَعَمَ لِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنّ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ كَانَ يَقُولُ أَنَا الّذِي نَزَلْت بِسَهْمِ رَسُولِ اللّهِ – صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّم) ( ).
قانون نسب النبي (ص)
يتجلى في بعثة الأنبياء قانون وهو ما من نبي إلا وبعث من أوسط قومه , ويكرمه الناس لنسبه كمقدمة من فضل الله عز وجل لإنصات الناس له .
و كانت البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تترى و(قال علماء النسب منهم محمد ابن إسحاق : اسم سبأ عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان قالوا : و كان أول من سبى من العرب فسمى سبأ لذلك و كان يقال له الرائش لأنه كان يعطي الناس الأموال من متاعه قال السهيلي : و يقال إنه أول من تتوج وذكر بعضهم أنه كان مسلما وكان له شعر بشر فيه ببعثة رسول صلى الله عليه وآله و سلم وظهوره , فمن ذلك قوله :
( سيملك بعدنا ملكا عظيما … نبي لا يرخص في الحرام )
( و يملك بعده منهم ملوك … يدينون العباد بغير ذام )
( و يملك بعدهم منا ملوك … يصير الملك فينا باقتسام )
( و يملك بعد قحطان نبي … تقي مخبت خير الأنام )
( يسمى أحمدا يا ليت أني … أعمر بعد مبعثه بعام )
( فأعضده وأحبوه بنصري … بكل مدجج وبكل رامي )
( متى يظهر فكونوا ناصريه … و من يلقاه يبلغه سلامي ) ( ).
وأبو النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو عبد الله بن عبد المطلب , وأم عبد الله هي فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم , تلتقي مع زوجها عبد المطلب في الجد الرابع .
وهي من المنجبات , ولا تعد المرأة منجبة إلا إذا ولدت ثلاثة أبناء ذكوراَ من الأشراف إذ ولدت كلاَ من :
الأول :الزبير بن عبد المطلب .
الثاني : أبو طالب أبو الإمام علي عليه السلام , واسمه عمران , وذكر أن اسمه عبد مناف وهو المشهور .
الثالث : اسمه شيبة ولكن والده عبد المطلب ويدعى شيبة الحمد , وقد ذكرت وصية لعبد المطلب بصيغة الشعر يوصي بها أبا طالب بالعناية بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
(أوصيت مَنْ كنيته بطالب … بابن الذي قد غاب ليس بآئب) ( ).
(وأوصى عبد المطلب إلى ابنه الزبير بالحكومة وأمر الكعبة وإلى أبي طالب برسول الله وسقاية زمزم، وقال له: قد خلفت في أيديكم الشرف العظيم الذي تطأون به رقاب العرب. وقال لأبي طالب:
أوصيك يا عبد مناف بعدي … بمفرد بعد أبيه فرد
فارقه وهو ضجيع المهد … فكنت كالأم له في الوجد
تدنيه من أحشائها والكبد … فأنت من أرجى بني عندي) ( ).
ويكنى عبد الله أبو النبي : أبا قثم , وأبا محمد , وأبا أحمد بن عبد المطلب , وهو أصغر أولاد أبيه , وأحسنهم , وأحبهم إلى أبيه عبد المطلب.
وقد أنعم الله عز وجل على عبد المطلب برؤيا منام تتعلق بحفر بئر زمزم , فلما حفرها وسال ماؤها في الوادي نازعته قريش .
و(عن عبد الله بن زرير الغافقي أنه سمع علي بن أبي طالب عليه السلام يحدث حديث زمزم : حين أمر عبد المطلب بحفرها.
قال : قال عبد المطلب إني لنائم في الحجر إذ أتاني آت فقال : احفر طيبة ، قال : وما طيبة ؟ قال : ثم ذهب عني فرجعت إلى مضجعي ، فنمت ، فجاءني ، فقال : احفر برة ؟
قال : قلت : وما برة ؟ قال : ثم ذهب عني ، فلما كان من الغد رجعت إلى مضجعي ، فنمت فيه ، فجاءني ، فقال : احفر زمزم ؟
قال : قلت : وما زمزم ، قال : لا تنزف أبدا ، ولا تذم تسقي الحجيج الأعظم ، عند قرية النمل (أي في موضع يكون فيه جحر النمل , وفي رواية الزهري (احفر زمزم خبئة الشيخ الأعظم فاستيقظ فقال: اللهم بين لي، فأتى في المنام مرة اخرى فقيل له: اجفر زمزم بين الفرث والدم عند نقرة الغراب في قرية النمل مستقبلة الانصاب الحمر فقام عبد المطلب فمشى حتى جلس في المسجد الحرام ينظر ما سمي له من الآيات فنحرت بقرة بالحزورة فانفلتت من جازرها بحشاشة نفسها حتى غلبها الموت في المسجد في موضع زمزم فجزرت تلك البقرة في مكانها حتى احتمل لحمها فأقبل غراب يهوي حتى وقع في الفرث فبحث عن قرية النمل.
فقام عبد المطلب فحفر هنالك فجاءته قريش فقالت لعبد المطلب: ما هذا الصنيع ? إنا لم نكن نزنك بالجهل لم تحفر في مسجدنا ? .
فقال عبد المطلب: اني لحافر هذا البير ومجاهد من صدني عنها فطفق هو وابنه الحارث وليس له ولد يومئذ غيره فسفه عليهما يومئذ ناس من قريش فنازعوهما وقاتلوهما وتناهى عنه ناس من قريش لما يعلمون من عتق نسبه وصدقه واجتهاده في دينهم يومئذ.
حتى إذا أمكن الحفر واشتد عليه الأذى نذر إن وفى له عشرة من الولد أن ينحر أحدهم ثم حفر حتى أدرك سيوفاً دفنت في زمزم حين دفنت فلما رأت قريش انه قد أدرك السيوف قالوا: يا عبد المطلب أجزنا مما وجدت.
فقال عبد المطلب: هذه السيوف لبيت الله الحرام فحفر حتى انبط الماء في القرار ثم بحرها حتى لا ينزف ثم بنى عليها حوضاً فطفق هو وابنه ينزعان فيملآن ذلك الحوض فيشرب به الحاج فيكسره ناس من حسدة قريش بالليل فيصلحه عبد المطلب حين يصبح فلما أكثروا فساده دعا عبد المطلب ربه فأري في المنام فقيل له :
قل : اللهم اني لا أحلها لمغتسل ولكن هي للشارب حل وبل ثم كفيتهم، فقام عبد المطلب يعنى حين اختلفت قريش في المسجد فنادى بالذي أري ثم انصرف فلم يكن يفسد حوضه ذلك عليه أحد من قريش الا رمي في جسده بداء حتى تركوا حوضه وسقايته، ثم تزوج عبد المطلب النساء فولد له عشرة رهط)( ).
قال : فلما أبان له شأنها ودلّ على موضعها ، وعرف أن قد صدق ، غدا بمعوله ، ومعه ابنه الحارث بن عبد المطلب ليس له يومئذ ولد غيره ، فحفر ، فلما بدا لعبد المطلب الطي كبر .
فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته فقاموا إليه .
فقالوا : يا عبد المطلب إنها بئر إسماعيل ، وإن لنا فيها حقا فأشركنا معك فيها .
فقال عبد المطلب : ما أنا بفاعل ، إن هذا الأمر خصصت به دونكم ، وأعطيته من بينكم قالوا : فأنصفنا فإنا غير تاركيك حتى نحاكمك فيها .
قال : فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه قالوا : كاهنة بني سعد بن هذيم ، قال : نعم ، وكانت بأشراف الشام.
فركب عبد المطلب ومعه نفر من بني عبد مناف ، وركب من كل قبيلة من قريش نفر.
قال : والأرض إذ ذاك مفاوز فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض المفاوز بين الحجاز والشام فني ماء عبد المطلب وأصحابه فظمئوا حتى أيقنوا بالهلكة .
واستسقوا ممن معهم من قبائل قريش ، فأبوا عليهم ، وقالوا : إنا في مفازة نخشى فيها على أنفسنا مثل ما أصابكم ، فلما رأى عبد المطلب ما صنع القوم وما يتخوف على نفسه وأصحابه ، قال : ماذا ترون ؟
قالوا : ما رأينا إلا تبع لرأيك ، فأمرنا بما شئت ، قال : فإني أرى أن يحفر كل رجل منكم لنفسه بما بكم الآن من القوة ، فكلما مات رجل دفعه أصحابه في حفرته ، ثم واراه حتى يكون آخركم رجلا واحدا فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركب جميعا .
قالوا : سمعنا ما أردت .
فقام كل رجل منهم يحفر حفرته ، ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشا .
ثم إن عبد المطلب قال لأصحابه : والله ، إن إلقاءنا بأيدينا لعجز لا نبتغي لأنفسنا حيلة فعسى الله أن يرزقنا ماء ببعض البلاد ، ارتحلوا ، فارتحلوا حتى إذا فرغوا ، ومن معهم من قريش ينظرون إليهم ، وما هم فاعلون .
تقدم عبد المطلب إلى راحلته فركبها .
فلما انبعثت به انفجرت من تحت خفها عين ماء عذب ، فكبر عبد المطلب ، وكبر أصحابه ، ثم نزل فشرب وشربوا واستقوا حتى ملئوا أسقيتهم ، ثم دعا القبائل التي معه من قريش ، فقال : هلم إلى الماء فقد سقانا الله عز وجل فاشربوا واستقوا .
فشربوا واستقوا فقالت القبائل التي نازعته : قد والله قضى الله عز وجل لك علينا يا عبد المطلب ، والله لا نخاصمك في زمزم أبدا الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة ، هو الذي سقاك زمزم فارجع إلى سقايتك راشدا فرجع ورجعوا معه ولم يمضوا إلى الكاهنة ، وخلوا بينه وبين زمزم) ( ).
ونسب النبي صلى الله عليه وآله وسلم (وهو محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مَنَاف بن قُصَي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لُؤي بن غالب بنِ فهر بن مالك بن النَّصْر بن كنانة بن خُزَيمة بن مدركة بن إلياس بن مُضر بن نزار بن معد بن عدنان بن أُدد بن ناخور بن سود بن يعرب بن يشجب بن نابت بن إسماعيل ابن إبراهيم بن فالغ بن عابر بن شالخ بن إرفخشذ بن سام بن نوح بن لمك بن متوشلح بن أخنوخ بن يرد بن مهلاييل بن قينان بن أنوش بن شيث بن أدم عليه السلام) ( ).
ولا يختلف النسابون إلى عدنان , ويقع إختلافهم فيما فوقه , و (روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انتسب فلما بلغ إلى عدنان وقف وقال كذب النسابون .
وقد روى ابن اسحق عن يزيد بن رومان عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال استقامت نسبة الناس إلى عدنان ويدلك على هذا القول لبيد :
فإن لم نجد من دون عدنان والدا … ودون معد فلترعك العواذل) ( ).
وفي مصدر آخر : فلترعك القبائل , والأول أعلاه هو الأصح , وقد ذكر محمد بن اسحاق أنزل الله عز وجل هذه الآيات أي (قول الله تعالى { لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ*ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ *وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِي وَأَيَّامًا آمِنِينَ * فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } ( ))( ).
وهذا التوقف في النسب من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو المناسب للعلوم في هذا الزمان في تأريخ عمارة الإنسان للأرض وأنها لآلاف السنين , وإن احتمل تفضل الله عز وجل بخلق أكثر من آدم .
وقال ابن المطهر والمتوفى سنة 355 هجرية (اختلف الناس في نسب العرب فقال بعضهم كلهم من ولد إسماعيل بن إبراهيم وقال آخرون ليست النمر من ولد اسماعيل ولكنها من ولد قحطان بن عابر بن شالخ بن ارفخشد بن سام بن نوح فهم أنسب وأقرب من غيرهم ولذلك تفتخر أعراب اليمن على غيرها من العرب.
وقال ابن اسحق لم أجد أحد من نساب اليمن له علم إلا وهو يزعم أنهم ليسوا من ولد اسماعيل.
ويقولون نحن العرب العاربة كنا قبل اسماعيل وإنما تكلم إسماعيل بلساننا لما جاورته جرهم إلا هاذين الحيين الأنصار وخزاعة فإنهم يزعمون أنهم من ولد اسماعيل ثم قالوا أخو قحطان يقطر بن عامر بن عابر فولد يقطر جرهم وجزيلا فلم يبق في جزيل بقية فنزلت جرهم مكة فنكح فيها إسماعيل عليه السلام .
وقد قال رجل من قحطان بن هميسع بن نابت بن إسماعيل والنساب على أنه قحطان بن عابر بن شالخ بن ارفخشد بن سام بن نوح والله أعلم.
وقحطان ونزار هما جرثومتان لأنه نسبة ولد إسماعيل من نزار ونسبة اليمن من قحطان هذا هو الأصل قال الشاعر :
بجيلة حين جاءت ليس تدري … أقحطان أبوها أم نزار
ونزار : نزاران , فهذا نزار بن معد بن عدنان .
والثاني : نزار بن انمار.
ثم اختلفوا في نسب عدنان فقال بعضهم عدنان بن أدد بن يخنوخ بن مقوم بن ناحور بن تيرخ بن يعرب بن يشجب بن اسماعيل هذا قول محمد بن اسحق.
وقال بعضهم عدنان بن مبدع بن يسع بن الأدد بن كعب بن يشجب بن يعرب بن الهميسع بن حميل بن سليمان بن ثابت بن قيدر بن اسماعيل) ( ) جرثومتان مثنى جرثومة , وهو أصل الشئ , والأرومة .
و(قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: الأزد جرثومة العرب) ( ).
و(في حديث الأزْدُ جُرثومة العرب فمن أضَلَّ نَسَبَه فليأتِهم) ( ) وتأتي الجرثومة بمعنى التراب المجتمع في أصول الشجر تسفيه الرياح .
والمختار أن العرب ليسوا كلهم من ذرية إسماعيل إنما نزل إسماعيل على جرهم الذين هم من العرب القحطانية وكانوا يقطنون قريباَ من مكة ويدل دعاء إبراهيم كما ورد في التنزيل[رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ]( ) وليس مع إسماعيل إلا أمه , ونزل مع القوم الذين جاءوا على الماء حينما رأوا الطير تهوي عليه وهم من العرب العاربة , عندما انفجرت ينابيع زمزم وتحتمل زمزم كمعجزة من عند الله عز وجل وجوهاَ :
الأول :إنها معجزة لإبراهيم .
الثاني : إنها معجزة لإسماعيل .
الثالث : إنها معجزة للبيت الحرام .
الرابع : بئر زمزم من مقدمات بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ولا تعارض بين هذه الوجوه , فبئر زمزم مصدر بركة ورحمة واستدامة للحياة بجوار البيت الحرام , وفي مائه شفاء ورجاء قضاء الحوائج.
و(عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , ماء زمزم لما شرب له ، من شربه لمرض شفاه الله ، أو جوع أشبعه الله ، أو لحاجة قضاها الله)( ).
قانون الإحتجاج بالتلاوة وليس السيف
الحجاج والمحاججة من معاني القصد والبيان عند الخلاف في الرأي والحجة هي البرهان ، ومنه الإحتجاج وهو الإتيان بالدليل لتفنيد وإبطال قول الخصم ، قال تعالى [وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ]( ).
وقد تأتي المحاجة للمعنى الأعم فتشمل الجدال والخصومة بالرأي ، وإن كان مجانباً للصواب ، قال تعالى [فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِي لِلَّهِ وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدْ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ]( ) .
قال تعالى [وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا] ( ).
وتبين آيات القرآن أن الجدال على قسمين :
الأول : الجدال المحمود ، والذي فيه دعوة إلى الله ، وبيان للحجج العقلية والنقلية التي تقود إلى الهدى ، ويؤكد وجوب الإيمان وما فيه الإنتفاع وطرد الوهم .
وقال تعالى [وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ] ( ) مخاطباً النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم , وقال تعالى مخاطباً المسلمين [وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] ( ) .
وتدل هذه الآية في مفهومها على جواز جدال أهل الكتاب وغيرهم بالحسنى واللطف , وهو شاهد على الغنى عن السيف والقتال .
الثاني : الجدال المذموم ، ومنه المغالطة ،والمحاكاة والإصرار على الباطل والعناد ، قال تعالى [وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ] ( ).
وهل مصطلح الحوار في هذا الزمان من القسم الأول أم من الثاني ، الجواب إنه عنوان جامع ، وهو أقرب إلى الأول , ومناسبة لبيان الحق ، فقد ينتفع منه غير المجادل وغير المحاور ، وهو فرصة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
ومن إعجاز القرآن أن كل آية منه إحتجاج من وجوه :
الأول : الآية القرآنية بذاتها احتجاج .
الثاني : تلاوة الآية القرآنية احتجاج .
الثالث : قراءة المسلمين الآية القرآنية في الصلاة وسيلة لحفظها والتدبر في معانيها ، ثم اتخاذها سلاحاً في الإحتجاج .
الرابع : سماع المسلمين وغيرهم لتلاوة الآية القرآنية مناسبة للتفكر في معانيها ، وهو من الإعجاز في تلاوة كل مسلم ومسلمة القرآن في الصلاة ،بأن تكون الآية القرآنية مجادلاً ومحتجاً على الغير عند تلاوتها وسماعها .
ومن أبهى مصاديق الإحتجاج في المقام قيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتلاوة آيات القرآن على الذين كفروا في مكة ، وحين يعرضون عنه أو يتابعونه بالإستخفاف والسخرية والتصفيق فانه حين يحين وقت الصلاة يقف بين يدي الله بخشوع ويتلو القرآن عند قيامه ، فلم يطق كفار قريش الأمر فحاربوه حتى في سجوده ، قال تعالى [أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى] ( ).
و(عن عبد الله بن مسعود قال (ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا على قريش غير يوم واحد، فإنه كان يصلي ورهط من قريش جلوس وسلا جزور نحرت بالأمس قريبا فقالوا – وفي رواية فقال أبو جهل – من يأخذ سلا( ) هذا الجزور فيضعه على كتفي محمد إذا سجد فانبعث أشقاهم عقبة بن أبي معيط فجاء به فقذفه على ظهره صلى الله عليه وسلم، فضحكوا وجعل بعضهم يميل إلى بعض والنبي صلى الله عليه وآله وسلم ما يرفع رأسه، وجاءت فاطمة عليها السلام فطرحته عن ظهره ودعت على من صنع ذلك) ( ).
لقد جاء الأنبياء بالمعجزات الحسية ، فقد كان نوح يصنع سفينة كبيرة في اليابسة وليس من ماء أو نهر قريب منه إلى أن جاء الطوفان ، ليكون من الإعجاز أن سفينة بدائية بسيطة تجري وسط أمواج متلاطمة ، كما قال تعالى [وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ] ( ) لبيان مسألة أن كل دقيقة تجري بها هذه السفينة هي معجزة لنوح عليه السلام .
ولا بأس من قيام علماء الإختصاص في شؤون البحار أنه إذا كانت الأمواج عالية كالجبال ماذا تحتاج السفينة التي تجري فيها من جهة صناعتها وأسباب السلامة فيها ، وتكاليفها ، فقد أمطرت السماء بأجمعها مرة واحدة ، وتفجرت الينابيع من الأرض فالتقى الماء بين السماء والأرض ظن وقد يصيب الإنسان الفزع عند تلاوة الآية اعلاه وسماع قصة نوح والطوفان الذي تغشى الأرض ، وهو أشد من الطاعون لقوله تعالى [لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ] ( ) فبعث الله عز وجل السكينة في نفوس المسلمين بأن الذين آمنوا نجوا مع نوح عليه السلام .
كما ورد (عن الحسين بن علي عليهما السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أمان لأمتي من الغرق إذا ركبوا في السفن أن يقولوا : بسم الله الملك الرحمن { بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم) ( ).
ورزق الله عز وجل صالحاً عليه السلام معجزة الناقة ، وموسى عليه السلام العصا وغيرها ، وعيسى عليه السلام إبراء الأكمه والأبرص ، وفي التنزيل [وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ] ( ) .
ورزق الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم معجزة تلاوة آيات القرآن في الصلاة قبل الهجرة وبعدها .
وفي هذه التلاوة إحتجاج , ودعوة إلى الإيمان , وغنى عن السيف , وزاجر للمشركين من استعمال السيف ضد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين .
وقد أنعم الله عز وجل بالمدد الزماني وتوقيت الأشهر الحرم قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فكانت العرب تأتي للحج في هذه الأشهر ، وتحرص قريش على تعاهد الأمن فيها لترغيب الناس بالوفود إلى مكة وتسهيل التجارة والبيع والشراء ، ورؤية الناس لشأن ومقام قريش التي يقوم رجالاتها باستضافة شيوخ ووجهاء القبائل وإقراضهم لتأمين طريق القوافل .
والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من أوسط قريش فصار يطوف على القبائل في منازلهم في أسواق مكة ، وفي منى يدعوهم إلى الإسلام ، وتتجنب قريش البطش به خشية الفضيحة عند القبائل ، وهو من فضل الله عز وجل وأسباب نجاة الرسول الأكرم منهم .
وحينما عزمت قريش على قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في فراشه إختارت أحد الأشهر الحل وهو شهر ربيع الأول حالما انقطعت الأشهر الحرم الثلاثة المتصلة , وهي :
الأول : شهر ذي القعدة .
الثاني : شهرر ذي الحجة .
الثالث : شهر محرم .
فامره الله عز وجل بالهجرة في ذات الليلة ، قال سبحانه [وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ] ( ).
وقد يقول قائل ما دام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كيف يجرأ المشركون على إرادة قتله ألا صرفهم الله عن هذا القصد وجعلهم عاجزين منه كما جعلهم عاجزين عن الإتيان بعشر سور من القرآن ، قال تعالى [أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنْ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ] ( )، والجواب من جهات :
الأولى : إقامة الحجة على الذين كفروا .
الثانية : بيان لقانون وهو أن هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إضطرار .
الثالثة : قد سعى المشركون إلى قتل الأنبياء السابقين ، كما في موسى ، وفي التنزيل (وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنْ النَّاصِحِينَ) ( ).
الرابعة : قد صرف الله عز وجل المشركين عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فلم تصل أيديهم إليه , ونجاته من محاولات الإغتيال المتعددة قبل الهجرة وبعدها معجزة متعددة له وشاهد على صدق نبوته , وكذا بالنسبة لسماحته وعدم إنتقامه من الذين أرادوا اغتياله وقتله مع إعترافهم ساعة الفعل بعزمهم على قتله .
ولم يرد لفظ [َقْتُلُوكَ] أو [لِيَقْتُلُوكَ] في القرآن إلا في الآيتين أعلاه وبخصوص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وموسى عليهما السلام لبيان إتحاد سنخية المشركين وأذاهم الذي يكون على مراتب متفاوتة ، وأشده القتل ، ومع شدة إيذاء قريش للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فانه لم يأمر باغتيال بعضهم ونشر الخوف في منتدياتهم ، ولكنه آثر الصبر الإيجابي بمعنى استمرار الإحتجاج وتلاوة القرآن ، وفيه شاهد على الغنى عن السيف أو الرد بالمثل ، وفي التنزيل [فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ] ( ).
قانون التضاد بين إدعاء العهد وقتل الأنبياء
الأصل أن الملك أو الرئيس الذي يقوم الناس بقتل رسله يمتنع عن إرسال الرسل ، ويعاقب الذين قتلوهم مع قدرته .
ولكن رحمة الله وسعت كل شئ ، ومن فضل الله انه يمهل الناس ، حتى الذين يكذبون الرسل والأنبياء ويقتلونهم , لا يعجل لهم العقوبة ، وهو من أسرار خلافة الإنسان في الأرض ، قال تعالى [وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ] ( ).
إن الله عز وجل أنزل العقاب بطائفة من الناس من الذين أدعوا الربوبية والذين انقادوا واتبعوا هذا الإدعاء ، كما في آل فرعون ، قال تعالى [وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ * كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ] ( ) .
فليس كل الذين كذّبوا بالأنبياء نزل بهم عذاب الإستئصال لحكمة من عند الله باستدامة الحياة الدنيا في الأرض ولوجود أمة مؤمنة في كل زمان وقوله تعالى [فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ] ( ) معجزة ذاتية للقرآن ، وهل موضوعها معجزة ذاتية في السنة النبوية ، الجواب نعم .
دستور المدينة
لقد أراد المشركون غزو المدينة , ولو دخلوها هل يتعرض يهود المدينة حينئذ للقتل ونهب الأموال الجواب نعم , خاصة وأنهم عقدوا المعاهدات وأظهروا الموادعة مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , فحالما وصل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة عقد معاهدة مع طائفة من اليهود فيها , إلا أن أحكامها وبنودها عامة , ومما جاء فيها هذه الوثيقة التأريخية التي يجب أن تؤلف مجلدات خاصة بها , وأن تحفظ في الأمم المتحدة والمنظمات الإسلامية والدولية , وصحيح أن الوثائق الرسمية للأمم المتحدة هي منشورات مطبوعة تتعلق بعمل الأجهزة الرئيسية للمنظمة , ومؤتمراتها , وحاضر الجلسات , إلا أنه لا يمنع من إنشاء قسم خاص بالوثائق التأريخية فيما يتعلق بالسلم العالمي للإنتفاع منه في تجارب الشعوب والدعوة إلى الوفاق , ومنع الحروب , ونبذ واستصال الإرهاب , وبيان قانون وهو أن الإرهاب لا يؤدي إلا إلى الضرر الخاص والعام .
لقد كانت معاهدة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع يهود المدينة دستوراً للمواطنة وحؤية الإنتقال وأداء الموحدين من المسلمين واليهود والنصارى عباداتهم ومناسكهم , ومن بنود هذه الإتفاقية .
(وَإِنّ يَهُودَ بَنِي عَوْفٍ أُمّةٌ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ لِلْيَهُودِ دِينُهُمْ وَلِلْمُسْلِمَيْنِ دِينُهُمْ مَوَالِيهِمْ وَأَنْفُسُهُمْ إلّا مَنْ ظَلَمَ وَأَثِمَ فَإِنّهُ لَا يُوتِغُ إلّا نَفْسَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي النّجّار ِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْف ٍ وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي الْحَارِثِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ ؛ وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي سَاعِدَةَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ ؛ وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي جُشَمٍ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ ؛ وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي الْأَوْسِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْف ٍ وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي ثَعْلَبَةَ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ ، إلّا مَنْ ظَلَمَ وَأَثِمَ فَإِنّهُ لَا يُوتِغُ إلّا نَفْسَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ وَإِنّ جَفْنَةَ بَطْنٌ مِنْ ثَعْلَبَةَ كَأَنْفُسِهِمْ وَإِنّ لِبَنِي الشّطِيبَةِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ ، وَإِنّ الْبِرّ دُونَ الْإِثْمِ وَإِنّ مَوَالِيَ ثَعْلَبَةَ كَأَنْفُسِهِمْ وَإِنّ بِطَانَةَ يَهُودَ كَأَنْفُسِهِمْ وَإِنّهُ لَا يَخْرَجُ مِنْهُمْ أَحَدٌ إلّا بِإِذْنِ مُحَمّدٍ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ وَإِنّهُ لَا يُنْحَجَزُ عَلَى ثَأْرٍ جُرْحٌ وَإِنّهُ مَنْ فَتَكَ فَبِنَفْسِهِ فَتَكَ وَأَهْلِ بَيْتِهِ إلّا مِنْ ظَلَمَ وَإِنّ اللّهَ عَلَى أَبَرّ هَذَا ؛ وَإِنّ عَلَى الْيَهُودِ نَفَقَتَهُمْ وَالنّصِيحَةَ وَالْبِرّ دُونَ الْإِثْمِ وَإِنّهُ لَمْ يَأْثَمْ امْرُؤٌ بِحَلِيفِهِ وَإِنّ النّصْرَ لِلْمَظْلُومِ وَإِنّ الْيَهُودَ يُنْفِقُونَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ مَا دَامُوا مُحَارَبِينَ وَإِنّ يَثْرِبَ حَرَامٌ جَوْفُهَا لِأَهْلِ هَذِهِ الصّحِيفَةِ وَإِنّ الْجَارَ كَالنّفْسِ غَيْرَ مُضَارّ وَلَا آثِمٌ وَإِنّهُ لَا تُجَارُ حُرْمَةٌ إلّا بِإِذْنِ أَهْلِهَا ، وَإِنّهُ مَا كَانَ بَيْنَ أَهْلِ هَذِهِ الصّحِيفَةِ مِنْ حَدَثٍ أَوْ اشْتِجَارٍ يُخَافُ فَسَادُهُ فَإِنّ مَرَدّهُ إلَى اللّهِ عَزّ وَجَلّ وَإِلَى مُحَمّدٍ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ وَإِنّ اللّهَ عَلَى أَتْقَى مَا فِي هَذِهِ الصّحِيفَةِ وَأَبَرّهِ وَإِنّهُ لَا تُجَارُ قُرَيْشٌ وَلَا مَنْ نَصَرَهَا . وَإِنّ بَيْنَهُمْ النّصْرَ عَلَى مَنْ دَهَمَ يَثْرِبَ ، وَإِذَا دُعُوا إلَى صُلْحٍ يُصَالِحُونَهُ وَيَلْبَسُونَهُ فَإِنّهُمْ يُصَالِحُونَهُ وَيَلْبَسُونَهُ وَإِنّهُمْ إذَا دُعُوا إلَى مِثْلِ ذَلِكَ فَإِنّهُ لَهُمْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إلّا مَنْ حَارَبَ فِي الدّينِ عَلَى كُلّ أُنَاسٍ حِصّتُهُمْ مِنْ جَانِبِهِمْ الّذِي قِبَلَهُمْ وَإِنّ يَهُودَ الْأَوْسِ ، مَوَالِيَهُمْ وَأَنْفُسَهُمْ عَلَى مِثْلِ مَا لِأَهْلِ هَذِهِ الصّحِيفَةِ . مَعَ الْبِرّ الْمَحْضِ ؟ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الصّحِيفَةِ)( ).
الزكاة في مال الصبي
وجوب الزكاة من ضروريات الدين، ولقد قرنها الله عز وجل بالصلاة في نحو اثنين وثلاثين موضعاً من القرآن وجاء فرضها في شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة أي اقترن بفرض الصيام مما يدل على الملازمة بين العبادة البدنية والمالية وما فيها من الثواب العظيم، وورد في بعض الاخبار ان مانع الزكاة كافر. وقد جاءت السنة القولية والفعلية والتقريرية بالحث عليها وبيان منافعها، بل ان اسمها يدل على انها نوع تطهير للنفس والمال ونماء وزيــادة في الرزق لأن الزكاة لغة تعني الطهارة والنماء، كما ان العقل يدرك بالفطرة حسن اعانة الأغنياء للفقراء.
تجب دفع زكاة الفطر عن الصبي, أما العبادات البدنية فلا تجب على الصبي لأنه لا يطيقها إلى جانب شرط البلوغ في أداء الصلاة .
وكما يخرج من مال الصبي والمجنون عند إتلاف مال الغير , وقال أبو حنيفة وأصحابه لا زكاة في مال اليتيم على العموم .
ولا زكاة في مال الصبي من العين والورق , وأما في الضرع والزرع فالأكثر على أخذ الصدقة فيها وإلى هذا التفصيل ذهب ابن شبرمة (لا زكاة في الذهب والفضة من ماله ، وفي الابل والبقر والغنم الصدقة , ولا خلاف في وجوب العشر في أرضه) ( ).
وقال الأوزاعي والثوري إذا بلغ الصبي دفع الوصي إليه ماله , وأعلمه ما دخل فيه من الزكاة فإن شاء زكى وإن شاء لم يزكِ .
والزكاة باب هداية وصلاح لعامة الناس سواء كان المعطي او الآخذ او غيرهما، وادخار كريم ليوم تتطاير فيه الصحف ويفتقد الناصر ويتبرأ القرين، وهي في الاصطلاح نصيب محدود في أموال خاصة وبشرائط معينة منها: ( )
الأول: البلوغ : فلا تجب على غير البالغ وما عنده من المال في تمام الحــول فيما يعتــبر فيه الحــول، ويعتبر ابتــداء الحول من حين البلوغ، اما ما لا يعتبر فيه الحول من الغلات الأربع فالمناط بلوغ المكلف الذي تجب عليه قبل وقت التعلق وهو انعقاد الحب وصدق الإسم.
وعن السيد المرتضى (لا زكاة في مال الصبي في أحد القولين “. الصحيح عندنا أنه لا زكاة في مال الصبي من العين والورق، فأما الضرع والزرع فقد ذهب أكثر أصحابنا إلى أن الامام يأخذ منه الصدقة)( ).
وقال أبو حنيفة لا زكاة في مال اليتيم على العموم .
الثاني: العقل فلا زكاة في مال المجنون في تمام الحول او بعضه ولو ادواراً على الأقوى، والجنــون آناً ما كبضــع ســاعات لا يضــر لصــدق كونه عاقلاً.
الثالث: الحرية فلا زكاة على العبد وان كان مكاتباً وان قلنا بتملكه لأنه محجور عن التصرف، وكذا بالنسبة لأم الولد.
الرابع: ان يكون مالكاً فلا تجــب قبل تحقق الملكية كالمــوهوب قبــل القبض، او الموصى به قبل القبول والقبض وكذا في القرض لا تجب الا بعد القبض.
الخامس: تمام التمكن من التصرف في اصل المال فلا تجب في المال الذي لا يتمكن المالك من التصرف فيه كما لو كان غائباً ولم يكن في يده ولا في يد وكيله، او كان مغصوباً او محجوراً او محجوزاً او مرهوناً.
السادس: النصاب.
(مسألة 1) اذا اتجر الولي بمال الصبي او الصبية يستحب اخراج زكاته ذكراً كان الصبي او انثى وان كان يتيماً.
يستحب للولي الشرعي اخراج زكاة مال التجارة للمجنون من النقدين او غيرهما.
قانون الجزية قبل الإسلام
الجزية : هو المال المجعول على الشخص كضريبة, وفي الإسلام ما يؤخذ من الكتابي الذي في ذمة الإسلام , إذ يدافع عنه المسلمون ويأمنون له حياته وتجارته وأمنه في بيته , ويحفظون أولاده وماله , ويزيحون العوائق دون عمله وكسبه , وسميت جزية لأنها قضاء لما عليه , وتجزي عنه .
وفرض الإسلام الجزية على أهل الكتاب من غير المسلمين مقابل الزكاة التي فرضت على المسلمين , وقد ذكرت الزكاة اثنتين وثلاثين مرة في القرآن , واقترنت بذكر الصلاة لبيان وجوبها , ونفعها في نماء وبركة المال , وتطهيره من الدنس ووسخ المكاسب , وتحصينه من الآفات والمحق .
لبيان قانون وهو استمرار الزكاة ودفعها إلى يوم القيامة .
بينما لم يرد ذكر الجزية في القرآن إلا مرة واحدة في قوله تعالى [قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ] ( ), وظاهر الآية أن الجزية على طائفة من أهل الكتاب ممن يخشى منهم على الإسلام وهم في دولته .
وإذ فرضت الزكاة على المسلمين في السنة الثانية للهجرة فان الجزية لم تنزل إلا في السنة التاسعة للهجرة والتي سميت عام الوفود ومن هذه الوفود وفد نصارى نجران , حيث صالحهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الجزية قال تعالى ( فان حاجوك من بعد @@) وقد تقدم الكلام فيه مفصلا @@
وفي خطاب للمسلمين قال تعالى [فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ] ( ) وقد يظن بعضهم أن فرض الزكاة خاص بالرجال فجاءت آيات القرآن بالإخبار عن وجوبها على النساء أيضاً .
قال تعالى [وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا] ( ) كما أخبر القرآن عن وجوب الزكاة في الملل السماوية السابقة , وفي عيسى عليه السلام ورد في التنزيل [وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنت وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا] ( ).
مع أن عيسى عليه السلام قام بدفع الجزية للسلطان , كما في انجيل متى , وأجاز دفعها , (فارسلوا اليه تلاميذهم مع الهيرودسيين قائلين يا معلم نعلم انك صادق و تعلم طريق الله بالحق ولا تبالي باحد لانك لا تنظر الى وجوه الناس : فقل لنا ماذا تظن ايجوز ان تعطى جزية لقيصر ام لا
فعلم يسوع خبثهم و قال لماذا تجربونني يا مراؤون
اروني معاملة الجزية فقدموا له دينارا
فقال لهم لمن هذه الصورة والكتابة
قالوا له لقيصر فقال لهم اعطوا إذا ما لقيصر لقيصر وما لله لله
فلما سمعوا تعجبوا و تركوه و مضوا) ( ).
وعندما تغلب يشوع النبي على الكنعانيين جمع بين أمرين :
الأول : استعباد الكنعانيين .
الثاني : فرض الجزية عليهم .
وفي سفر يوشع (مع المدن المفرزة لبني افرايم في وسط نصيب بني منسى جميع المدن و ضياعها فلم يطردوا الكنعانيين الساكنين في جازر فسكن الكنعانيون في وسط افرايم الى هذا اليوم و كانوا عبيدا تحت الجزية .
وكانت القرعة لسبط منسى لانه هو بكر يوسف لماكير بكر منسى ابي جلعاد لانه كان رجل حرب وكانت جلعاد و باشان له.
وكانت لبني منسى الباقين حسب عشائرهم لبني ابيعزر و لبني حالق ولبني اسريئيل ولبني شكم ولبني حافر ولبني شميداع هؤلاء هم بنو منسى بن يوسف الذكور حسب عشائرهم) ( ).
وافرايم هو الأخ الأصغر لمنسى بن يوسف عليه السلام , وأمهما أسينات كابوسيس.
ولكن حينما قدّم يوسف , ولديه لأبيه يعقوب عليه السلام وهو في فراش الموت , شكر يعقوب الله عز وجل.
وقال لم أكن أظن أني أراك بعد غيبتك وفراقك لسنوات حتى أنعم الله عز وجل عليّ ورأيت نسبك , وقدم افرايم الصغير في التبريك .
(ثم اخرجهما يوسف من بين ركبتيه وسجد أمام وجهه الى الأرض
و اخذ يوسف الاثنين افرايم بيمينه عن يسار اسرائيل و منسى بيساره عن يمين اسرائيل و قربهما اليه فمد اسرائيل يمينه و وضعها على رأس افرايم و هو الصغير و يساره على رأس منسى وضع يديه بفطنة فان منسى كان البكر وبارك يوسف وقال الله الذي سار امامه ابواي ابراهيم و اسحق الله الذي رعاني منذ وجودي الى هذا اليوم الملاك الذي خلصني من كل شر يبارك الغلامين و ليدع عليهما اسمي و اسم ابوي ابراهيم و اسحق.
و ليكثرا كثيرا في الارض فلما رآى يوسف ان اباه وضع يده اليمنى على رأس افرايم ساء ذلك في عينيه فامسك بيد ابيه لينقلها عن رأس افرايم الى رأس منسى.
وقال يوسف لابيه ليس هكذا يا أبي لان هذا هو البكر ضع يمينك على رأسه فأبى أبوه وقال علمت يا ابني علمت هو ايضا يكون شعبا وهو ايضا يصير كبيرا.
ولكن أخاه الصغير يكون اكبر منه و نسله يكون جمهورا من الامم و باركهما في ذلك اليوم قائلا بك يبارك إسرائيل قائلا يجعلك الله كافرايم و كمنسى فقدم افرايم على منسى) ( ).
وبيّن انجيل متى أن السلطان يأخذ الجزية من عامة الناس وأن عموم أخذها من كل أفراد الشعب لم يرض به عيسى عليه السلام , ولكنه لم يحتج ويؤاخذ السلطان ورجاله والعشارين لأنه كانت عنده رسالة , ويقوم بتبليغها , وبيان معجزاته .
(و لما جاءوا الى كفرناحوم تقدم الذين يأخذون الدرهمين الى بطرس و قالوا اما يوفي معلمكم الدرهمين.
قال : بلى .
فلما دخل البيت سبقه يسوع قائلا ماذا تظن يا سمعان ممن يأخذ ملوك الارض الجباية او الجزية امن بنيهم ام من الاجانب .
قال له بطرس من الاجانب.
قال له يسوع فاذا البنون احرار و لكن لئلا نعثرهم اذهب الى البحر و الق صنارة و السمكة التي تطلع اولا خذها و متى فتحت فاها تجد استارا فخذه و اعطهم عني و عنك) ( ).
جزية نبوخذ نصر
لقد فرض نبوخذ نصر 605-562 ق.م الجزية على اليهود في القدس عندما وسّع دولته الكلدانية البابلية , وسماه الفرس (بختنصر) أي السعيد الحظ.
وهزم الآشوريين واسقط عاصمتهم نينوى , واستولى على العراق والشام ووصل إلى غزة , وفرض الجزية على أهل البلاد التي فتحها , ثم عصت عسقلان وامتنعت عن دفع الجزية فقام باحتلالها , ونصب ملكاً آخر عليها من أهلها كما وامتنعت دولة يهوذا عن دفع الجزية وقبل نبوخذ نصر كان هناك صراع وتنافس للإستحواذ على الأمصار وزيادة النفوذ بين كل من :
الأولى :الامبراطورية الآشورية وعاصمتها نينوى .
الثانية : الامبراطورية المصرية , ودولة الفراعنة .
ويشتد هذا الصراع بخصوص بلاد الشام .
وقيل كان في أرض فلسطين مملكات :
الأولى : مملكة إسرائيل الشمالية وعاصمتها السامرة , وتذكر في التوراة باسم مملكة افرايم والسامرة , وكانت توالي ملوك مصر وأفرايم هو الابن الأصغر ليوسف عليه السلام .
الثانية : المملكة الجنوبية وعاصمتها أورشليم القدس .
وذكر أن المملكة الشمالية انفصلت عن الجنوبية بعد وفاة نبي الله سليمان عليه السلام , وفي التوراة ما يدل على التعاون بين المملكتين في القتال ضد ملك أرام وعاصمته دمشق وأنهما قاتلا معاً مع نصح ومنع أحد الانبياء لهما عن القتال .
(وفي السنة الثالثة نزل يهوشافاط ملك يهوذا الى ملك اسرائيل فقال ملك اسرائيل لعبيده اتعلمون ان راموت جلعاد لنا و نحن ساكتون عن اخذها من يد ملك ارام
و قال ليهوشافاط اتذهب معي للحرب الى راموت جلعاد فقال يهوشافاط لملك اسرائيل مثلي مثلك شعبي كشعبك و خيلي كخيلك ثم قال يهوشافاط لملك اسرائيل اسال اليوم عن كلام الرب فجمع ملك اسرائيل الانبياء نحو اربع مئة رجل و قال لهم أأذهب الى راموت جلعاد للقتال ام امتنع؟
فقالوا اصعد فيدفعها السيد ليد الملك.
فقال يهوشافاط اما يوجد هنا بعد نبي للرب فنسأل منه.
فقال ملك اسرائيل ليهوشافاط انه يوجد بعد رجل واحد لسؤال الرب به و لكني ابغضه لانه لا يتنبأ علي خيرا بل شرا و هو ميخا بن يملة .
فقال يهوشافاط لا يقل الملك هكذا فدعا ملك اسرائيل خصيا و قال اسرع الي بميخا بن يملة.
وكان ملك اسرائيل و يهوشافاط ملك يهوذا جالسين كل واحد على كرسيه لابسين ثيابهما في ساحة عند مدخل باب السامرة و جميع الانبياء يتنابون امامهما.
وعمل صدقيا بن كنعنة لنفسه قرني حديد و قال هكذا قال الرب بهذه تنطح الاراميين حتى يفنوا و تنبأ جميع الانبياء هكذا قائلين اصعد الى راموت جلعاد و افلح فيدفعها الرب ليد الملك.
وأما الرسول الذي ذهب ليدعو ميخا فكلمه قائلا هوذا كلام جميع الانبياء بفم واحد خير للملك فليكن كلامك مثل كلام واحد منهم وتكلم بخير .
فقال ميخا حي هو الرب ان ما يقوله لي الرب به اتكلم
و لما اتى الى الملك قال له الملك يا ميخا انصعد الى راموت جلعاد( ) للقتال ام نمتنع فقال له اصعد و افلح فيدفعها الرب ليد الملك فقال له الملك كم مرة استحلفتك ان لا تقول لي الا الحق باسم الرب .
فقال رأيت كل اسرائيل مشتتين على الجبال كخراف لا راعي لها فقال الرب ليس لهؤلاء , اصحاب فليرجعوا كل واحد الى بيته بسلام
فقال ملك اسرائيل ليهوشافاط أما قلت لك انه لا يتنبأ علي خيرا بل شرا
و قال فاسمع اذا كلام الرب قد رايت الرب جالسا على كرسيه و كل جند السماء وقوف لديه عن يمينه و عن يساره فقال الرب من يغوي اخاب فيصعد و يسقط في راموت جلعاد فقال هذا هكذا و قال ذاك هكذا ثم خرج الروح و وقف امام الرب و قال انا اغويه و قال له الرب بماذا
فقال اخرج و اكون روح كذب في افواه جميع انبيائه.
فقال انك تغويه و تقتدر فاخرج و افعل هكذا و الان هوذا قد جعل الرب روح كذب في افواه جميع انبيائك هؤلاء و الرب تكلم عليك بشر .
فتقدم صدقيا بن كنعنة و ضرب ميخا على الفك و قال من اين عبر روح الرب مني ليكلمك .
فقال ميخا انك سترى في ذلك اليوم الذي تدخل فيه من مخدع الى مخدع لتختبئ.
فقال ملك اسرائيل خذ ميخا و رده الى امون رئيس المدينة و الى يواش ابن الملك و قل هكذا قال الملك ضعوا هذا في السجن و اطعموه خبز الضيق و ماء الضيق حتى اتي بسلام.
فقال ميخا ان رجعت بسلام فلم يتكلم الرب بي و قال اسمعوا ايها الشعب اجمعون .
فصعد ملك اسرائيل و يهوشافاط ملك يهوذا الى راموت جلعاد .
فقال ملك إسرائيل ليهوشافاط اني اتنكر و ادخل الحرب و اما انت فالبس ثيابك فتنكر ملك اسرائيل و دخل الحرب و امر ملك ارام( ) رؤساء المركبات التي له الاثنين و الثلاثين و قال لا تحاربوا صغيرا و لا كبيرا الا ملك اسرائيل وحده
فلما راى رؤساء المركبات يهوشافاط قالوا انه ملك اسرائيل فمالوا عليه ليقاتلوه فصرخ يهوشافاط فلما راى رؤساء المركبات انه ليس ملك اسرائيل رجعوا عنه
و ان رجلا نزع في قوسه غير متعمد( ) وضرب ملك اسرائيل بين اوصال الدرع فقال لمدير مركبته رد يدك واخرجني من الجيش لاني قد جرحت و اشتد القتال في ذلك اليوم.
واوقف الملك في مركبته مقابل ارام ومات عند المساء و جرى دم الجرح الى حضن المركبة و عبرت الرنة في الجند عند غروب الشمس قائلا كل رجل الى مدينته و كل رجل الى ارضه , فمات الملك و ادخل السامرة فدفنوا الملك في السامرة)( ).
ويلاحظ في الحديث وجود أربعمائة نبي من بني إسرائيل في وقت واحد , وفي بلدة واحدة أو بلدات متقاربة , مما يدل على صدق الحديث الوارد عن كثرة عدد الأنبياء .
إذ ورد (عن أبي ذر الغفاري قال : قلت يا نبي الله كم كانت الأنبياء؟
وكم كان المرسلون فقال صلى الله عليه وآله وسلم : كَانَتِ الأنْبِياءُ مِائَةَ ألْفِ نَبِيٍّ وَأَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ أَلْفَ نَبِيٍّ ، وَكَانَ المُرْسَلُونَ ثَلَاثَمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ) ( ).
وحاصر نبوخذ نصر مدينة عسقلان , وافتتحها وسبى عدداً من سكانها , ونصّب ملكاً آخر عليها , وعندما دخل نبوخذ نصر مدينة أورشليم لم يخربها , وأبقى الملك يهوياقيم ملكاً على يهوذا وفرض عليهم الجزية .
ولم يلبث هذا الملك أن أعلى العصيان على نبوخذ نصر , وامتنع عن دفع الجزية , خاصة وأنهم من الموحدين ونبوخذ نصر ملك بابل من عبدة الأصنام , وقيل أنه مجوسي , وذكر أن ثورة عسقلان ومملكة يهوذا بتحريض من المصريين على نبوخذ نصر وفرض في سنة 597 قبل الميلاد الحصار على أورشليم ودخل إليها , وسبى ملكها يهوياقيم وبعض سكانها وسيّرهم إلى بابل , ولكنه لم يسقط دولة يهوذا إنما نصّب عليهم صدقيا ابن الملك يهوياقيم , وفرض عليهم الجزية .
وبعد نحو تسع سنوات عصيت مملكة يهوذا على نبوخذ نصر وامتنعت عن دفع الجزية له , فسار إليهم من بابل وقام أولاً بمحاربة المصريين الذين جاءوا لنصرة يهوذا وهزمهم , ثم حاصر أورشليم لسنة كاملة حتى دخلها سنة 587 ق.م .
وأحرق جنوده هيكل سليمان , وسبوا أكثر سكانها ومنهم الملك صدقيا الذي نصّبه بنوخذ نصر نفسه محل أبيه , وانتهى حكم سلالة داود على مملكة يهوذا , وفي التنزيل حكاية عن بلقيس ملكة اليمن [قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ]( ).
ثم قامت مدينة صور الكنعانية بالعصيان , فحاصرها نبوخذ نصر ثلاث عشرة سنة (585-272 ق.م) إلى أن قبلوا بشروط بابل , وقيل هو أطول حصار على مدينة في التأريخ .
وامتدت مملكة الكلدانيين وعاصمتها بابل لتشمل العراق , وفارس والخليج العربي وبلاد الشام , هي الأقوى في زمانها من بين ممالك الأرض , وبقي نبوخذ نصر في الحكم (44) سنة وإلى جانب كثرة المعارك التي خاضها نبوخذ نصر ورغبته بالتوسع والإستيلاء على الأمصار , فان مشاريع عمرانية وخلّفه في الحكم أميل مردوخ إلى جانب أعماله الحربية مشاريع عمرانية .
وقد ذكر الله عز وجل بابل في القرآن بقوله تعالى [وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ]( ) .
لقد كانت الجزية سنة جارية في البلدان ومن السلاطين من يأخذها من عامة شعبه ضريبة أعم من الدخل , أي أنه يجبرهم على العمل وتوفير مقدار الجزية .
قلة مقدار الجزية السنوية
ولم تكن الجزية في الإسلام كثيرة أو يصعب دفعها , إنما كانت ديناراً واحداً في كل سنة.
(وأخرج ابن أبي شيبة عن الزهري قال : أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الجزية من مجوس أهل هجر ، ومن يهود اليمن ونصاراهم من كل حالم دينار أو عدله معافر)( ) والمعافر الثياب لإرادة التخفيف والتخيير لكتابي البالغ .
ويتجلى في كتاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لعمرو بن حزم الخزرجي من بني النجار الذي أرسله إلى بني الحارث بن كعب في نجران أواخر السنة العاشرة للهجرة .
وأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يقرأ عليهم صورة الكتاب , وهو من بدائع الحكم , والتشريعات المالية , وفيه بيان وجوب الزكاة على المسلمين والجزية على اهل الكتاب , مع التخفيف عن كل منهم من جهة المقدار , لتكون نوع مسمى وإعانة لبناء الدولة ودفع شرور مشركي قريش والجزية من عمومات قوله تعالى [وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ]( )
إذ أمره النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يأخذ (مَا كُتِبَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي الصّدَقَةِ مِنْ الْعَقَارِ عُشْرَ مَا سَقَتْ الْعَيْنُ وَسَقَتْ السّمَاءُ وَعَلَى مَا سَقَى الْغَرْبُ نِصْفُ الْعُشْرِ وَفِي كُلّ عَشْرٍ مِنْ الْإِبِلِ شَاتَانِ وَفِي كُلّ عِشْرِينَ أَرْبَعُ شِيَاهٍ وَفِي كُلّ أَرْبَعِينَ مِنْ الْبَقَرِ بَقَرَةٌ وَفِي كُلّ ثَلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ تَبِيعٌ جَذَعٌ أَوْ جَذَعَةٌ وَفِي كُلّ أَرْبَعِينَ مِنْ الْغَنَمِ سَائِمَةً وَحْدَهَا شَاةٌ فَإِنّهَا فَرِيضَةُ اللّهِ الّتِي افْتَرَضَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي الصّدَقَةِ فَمَنْ زَادَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنّهُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ يَهُودِيّ أَوْ نَصْرَانِيّ إسْلَامًا خَالِصًا مِنْ نَفْسِهِ وَدَانَ بِدِينِ الْإِسْلَامِ فَإِنّهُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَهُ مِثْلُ مَا لَهُمْ وَعَلَيْهِ مِثْلُ مَا عَلَيْهِمْ.
وَمَنْ كَانَ عَلَى نَصْرَانِيّتِهِ أَوْ يَهُودِيّتِهِ فَإِنّهُ لَا يُرَدّ عَنْهَا .
وَعَلَى كُلّ حَالِمٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى ، حُرّ أَوْ عَبْدٍ دِينَارٌ وَافٍ أَوْ عِوَضُهُ ثِيَابًا .
فَمَنْ أَدّى ذَلِكَ فَإِنّ لَهُ ذِمّةَ اللّهِ وَذِمّةَ رَسُولِهِ وَمَنْ مَنَعَ ذَلِكَ فَإِنّهُ عَدُوّ لِلّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ جَمِيعًاَ) ( ) وفي خاتمة الكتاب أعلاه عهد وضمان من النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى أهل الكتاب.
ويمكن معرفة قيمة الدينار السوقية آنذاك بحديث (عُرْوَةَ الْبَارِقِي أَنَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وآله وسلم- أَعْطَاهُ دِينَارًا يَشْتَرِى لَهُ شَاةً فَاشْتَرَى لَهُ شَاتَيْنِ فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ فَأَتَى النَّبِىَّ -صلى الله عليه وآله وسلم- بِدِينَارٍ وَشَاةٍ فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وآله وسلم- بِالْبَرَكَةِ.
فَكَانَ لَوِ اشْتَرَى التُّرَابَ لَرَبِحَ فِيهِ.) ( ).
أي أن الدينار قد تُشتري فيه شاتان , ويكتسب الدينار بساعة واحدة , وهذا الدينار جزية سنة كاملة .
قانون العفو من الجزية
ولا تجب الجزية على كل من :
الأول : الراهب ورجل الدين إكراماً له ولعمله وفيه شاهد على أن الإسلام لا يضيق على أهل الكتاب في دينهم , ولا يمنع من إقامتهم الصلوات , ولا يكلف الرهبان الجزية وإن كانت عندهم الأموال .
الثاني : الصبيان .
الثالث : النساء .
الرابع : المجانين .
الخامس : العبيد .
السادس : المرضى مرضاً مزمناً أو غالباً .
فلا تجب الجزية إلا على الرجال الأحرار العقلاء الأصحاء الذين جرت عليهم الموس , بينما تجب الزكاة في أموال النساء المسلمات , ومشهور المسلمين وجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون , وبه قال أحمد والشافعي ومالك .
واستدل عليه بقوله تعالى [خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] ( ).
فهذه الآية وإن لم تذكر لفظ الزكاة ولكنها تتضمن مو ضوعها والحكم بها .
وفي عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمعاذ بن جبل , عندما بعثه إلى اليمن , وفيه :
(فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم.
فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب) ( ).
وتجب الجزية على المجوس ، لما ورد عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : سنوا بهم سنة أهل الكتاب ) ( ).
وقال المالكية بأخذها من جميع الكفار إن رضوا بذلك ، وقال الحنفية تؤخذ من مشركي العجم دون مشركي العرب ، وقال الشافعية : لا تؤخذ من المشركين عرباً أو عجماً .
النسبة بين الزكاة والجزية
والزكاة والجزية عموم وخصوص من وجه , فهناك مادة للإلتقاء وأخرى للإفتراق بينهما , أما مادة الإلتقاء فمن جهات :
الأولى : ورود حكم كل من الزكاة والجزية في القرآن .
الثانية : وجوب الدفع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن يبعثهم لقبضها .
الثالثة : تعيين دفع مقدار ومال مخصوص في الزكاة والجزية .
الرابعة : وجود شروط لكل منهما .
الخامسة : ليس من جزية على الصغير والمجنون , ومشهور المسلمين ليس من زكاة في مال الصغير والمجنون .
السادسة : تجب الزكاة والجزية مرة واحدة في السنة .
السابعة : موضوع الزكاة والجزية بالمال , وإخراج المكلف له .
أما مادة الإفتراق فمن جهات :
الأولى :تجب الزكاة على المسلمين , وتجب الجزية على أهل الذمة .
الثانية : تقييد الزكاة بالنقدين والأنعام والزروع , أما الجزية فتتعلق بالأشخاص والرؤوس .
الثالثة : تقيد الزكاة ببلوغ المال مقدار النصاب كما تقدم في كتاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعمرو بن حزم الخزرجي حينما بعثه إلى بني الحارث في نجران .
الرابعة : استدامة حكم وموضوع الزكاة إلى يوم القيامة .
الخامسة : تختص الزكاة بالمسلمين , أما الجزية فتتعلق بأهل الكتاب الذين في ذمة ورعاية دولة الإسلام .
السادسة : شمول موارد الإنفاق لهذه الصدقات , قال تعالى [إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ]( ).
السابعة : الجزية أقل من الزكاة في الأعم الأغلب .
ويجوز إعطاء الكتابي المحتاج من الصدقات لقوله تعالى [لاَ يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ]( ) كما تجوز من باب الأولوية في قوله تعالى [وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا]( ) فالأسير من الكفار المشركين , كما في أسرى قريش في معركة بدر , وذكر القرآن قرب أهل الكتاب من المسلمين , قال تعالى [وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ]( ).
ولم يكن في أيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أسرى إلا من المشركين بينما أهل الكتاب من أهل الذمة .
سبب وعلة الجزية
شرعت الجزية لدفاع المسلمين عن أهل الذمة وعوائلهم وأموالهم وتجاراتهم في الحضر والسفر .
قال البلاذري (وحدثني أبو حفص الدمشقي قال: حدثنا سعيد بن عبد العزيز قال: بلغني أنه لما جمع هرقل للمسلمين الجموع، وبلغ المسلمين إقبالهم إليهم لوقعة اليرموك، ردوا على أهل حمص ما كانوا أخذوا منهم من الخراج وقالوا: شغلنا عن نصرتكم والدفع عنكم فأنتم على أمركم.
فقال أهل حمص: لولايتكم وعدلكم أحب إلينا مما كنا فيه من الظلم والغشم، ولندفعن جند هرقل عن المدينة مع عاملكم.
ونهض اليهود فقالوا: والتوارة لا يدخل عامل هرقل مدينة حمص إلا أن نغلب ونجهد.
فأغلقوا الأبواب وحرسوها.
وكذلك فعل أهل المدن التى صولحت من النصارى واليهود، وقالوا: إن ظهر الروم وأتباعهم على المسلمين صرنا إلى ما كنا عليه، وإلا فإنا على أمرنا ما بقى للمسلمين عدد) ( ).
لبيان أن الجزية تُدفع لقاء الحماية ودفاع المسلمين بدمائهم وأموالهم عن أهل الكتاب , وإذا عجزوا عن حمايتهم فلا جزية .
وقد (صالح عبد الملك الروم بعد موت أبيه مروان بن الحكم وطلبه الخلافة على شئ كان يؤديه إليهم , أي أن عبد الله هو الذي يؤدي إلى ملك الروم .
فلما كانت سنة أربع وسبعين غزا محمد بن مروان الروم وانتقض الصلح.)
(وقال أبو عبيدة وغيره: لما استخلف عمر بن عبد العزيز وفد عليه قوم من أهل سمرقند فرفعوا إليه أن قتيبة دخل مدينتهم وأسكنها المسلمين على غدر.
فكتب عمر إلى عامله يأمره أن ينصب لهم قاضيا ينظر فيما ذكروا.
فإن قضى بإخراج المسلمين أخرجوا.
فنصب لهم جميع بن حاضر الناجى.
فحكم باخراج المسلمين على أن ينابذوهم على سوآء.
فكره أهل مدينة سمرقند الحرب وأقروا المسلمين، فأقاموا بين أظهرهم) ( ).
وتؤدى الجزية لأمور :
الأول : كف أيدي المسلمين عن أهل الكتاب , وصيرورتهم آمنين .
الثاني : قيام المسلمين بحماية أهل الكتاب وممتلكاتهم في دولة الإسلام .
الثالث : دفاع المسلمين عن أهل الكتاب الذين في ناحيتهم , ولعله من أسباب ثراء بعض اليهود والنصارى لتفرغهم وأبنائهم للعمل بالتجارة حتى في أيام الحروب .
وقد ورد قوله تعالى [حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ] ( ).
إنما يدل على الإقرار بحكم المسلمين وشريعة الإسلام , وليس فيه شماتة أو توبيخ أو إهانة لهم .
أما قول بعضهم أن يؤخذ الكتابي بتلابيبه , ويهز هزاً عنيفاً ويقال له أدِ الجزية يا ذمي فلا أصل له .
ففي كتاب المبسوط (وَفِي رِوَايَةٍ يَأْخُذُ بِتَلْبِيبِهِ فَيَهُزُّهُ هَزًّا وَيَقُولُ : أَعْطِ الْجِزْيَةَ يَا ذِمِّيُّ) ( ) فلا أصل له .
ومؤلف كتاب المبسوط هو محمد بن أحمد بن أبي سهل السَرخسي ت 483 هجرية , وقد أملاه على تلامذته من ذاكرته وهو سجين في بئر في أوزجند بفرغانة في تركماستان من بلاد خراسان , وقيل سبب سجنه كلمة نصح بها الخاقان .
إذ أنه ولد في سَرخس وانتقل إلى أوزجند وتسمى أيضاً (ازوكند) وانتقل إلى بلاط وقصر الخاقان (الملك) وسجن سنة (466)هجرية بسبب إفتائه بأن زواج الخاقان بعتيقته اثناء عدتها حرام .
واعتمد الحنفية هذا الكتاب , ولكن لم يثبت أنه كتبه , ثم أنه أطلق سراحه فيما بعد وسكن فرغانة إلى أن توفى ولم يدون ما أملاه , والتدوين أدق وأوثق خاصة وأنه عندما كان سجيناً في البئر لم تكن عنده مصادر يرجع إليها .
وإن كان وجودها ليس علة تامة وشرطاً في التأليف لذي الفطنة والذكاء والحافظة الذي نذر نفسه لكسب العلوم .
و(قال العلامة الطرسوسي: مبسوط السرخسي لا يعمل بما يخالفه، ولا يركن إلا إليه، ولا يفتى ولا يعول إلا عليه)( ) ولا أصل لهذا القول والحصر بالتعويل عليه دون غيره , إنما قام الإسلام على أكرام الإنسان .
ودفع الجزية دليل على التسليم بأمرة المسلمين والرضا بحمايتهم ولم يرد في السيرة النبوية إذلال دافع الجزية , وقد أكرم الله عز وجل والنبي صلى الله عليه وآله وسلم وفد نجران وصالحهم على الجزية , وفي التنزيل [فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ]( ) .
ولم يرد لفظ (نِسَاءَنَا) في القرآن إلا مرة واحدة , وكأن الآية بيان للمنزلة الرفيعة لفاطمة الزهراء عليها السلام وأنها سيدة النساء , إذ كانت وحدها حاضرة في المباهلة من بين أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونساء وبنات المسلمين , (فلمّا قرأ رسول اللّه {صلى الله عليه وآله وسلم} هذه الآية على وفد نجران ودعاهم إلى المباهلة قالوا : حتى نرجع وننظر في أمرنا ثمّ نأتيك غداً.
فخلا بعضهم ببعض، فقالوا للعاقب وكان ذا رأيهم : يا عبد المسيح ماترى؟
فقال : واللّه يا معشر النّصارى لقد عرفتم أنّ محمداً نبيٌ مرسل ولقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم ، واللّه ما لاعن قوم نبياً قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم ولئن نعلم ذلك لنهلكنّ.
فإن رأيتم إلاّ البقاء لدينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرّجل وانصرفوا إلى بلادكم ، فأتوا رسول اللّه {صلى الله عليه وآله وسلم} وقد غدا رسول اللّه محتضناً الحسين آخذاً بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعلي (عليهم السلام) خلفها وهو يقول لهم : إذا أنا دعوت فأَمّنوا.
فقال أسقف نجران : يا معشر النّصارى إنّي لأرى وجوهاً لو سألوا اللّه أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله ، فلا تبتهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة.
فقالوا : يا أبا القاسم قد رأينا أن لا نلاعنك ، وأن نتركك على دينك ونثبت على ديننا.
فقال رسول اللّه {صلى الله عليه وآله وسلم} فإن أبيتم المباهلة فأسلموا يكُن لكم ما للمسلمين ، وعليكم ما عليهم. فأبوا.
قال : فإنّي أُنابذكم بالحرب.
فقالوا : ما لنا بحرب العرب طاقة ولكنّا نصالحك على أن لا تغزونا ولا تُخيفنا ولا تردّنا عن ديننا .
على أن نؤدي إليك كل عام ألفي سكّة ألفاً في صفر وألفاً في رجب. فصالحهم رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك.
وقال : والذي نفسي بيده إنّ العذاب قد نزل في أهل نجران ولو تلاعنوا لمُسخوا قردة وخنازير ولاضطرم عليهم الوادي ناراً ، ولاستأصل اللّه نجران وأهله حتّى الطير على الشجر ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى هلكوا)( ).
وورد لفظ نساءكم في القرآن أربع مرات , ووردت مرة واحدة بصيغة الرفع [نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاَقُوهُ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ]( ).
و(عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدلاً ، فيكسر الصليب ، ويقتل الخنزير ، ويضع الجزية ، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد ، حتى تكون السجدة خيراً من الدنيا وما فيها ثم يقول أبو هريرة : واقرأوا إن شئتم { وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا }( ) ) ( ) .
وما يأتي به في آخر الزمان كلها من أحكام الإسلام والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاتم النبيين , والجزية مصاحبة للجهاد ودفاع المسلمين عن أهل الكتاب .
والمختار أنه لا جزية في هذا الزمان لأن الدول قائمة على المواطنة من غير موضوعية للملة والدين , فترى أمر التجنيد والخدمة العسكرية شاملاً لجميع الأفراد.
وكذا في الحقوق , ولا يعني هذا تعطيل حكم في القرآن إنما إذا تغير الموضوع تبدل الحكم , وكذا ترى حكم عتق الرقبة في القرآن ليس له موضوع في هذا الزمان , إذ ورد لفظ الرقبة في القرآن ست مرات , ثلاثة منها في آية واحدة وكلها تتعلق بمسألة الكفارة في قوله تعالى [وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنْ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا]( ) .
ليكون من الإعجاز في قوله تعالى أعلاه (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) هو إنتفاء موضوع العبيد , وصيرورة الناس كلهم أحراراً .
فينتقل في الكفارة إلى الصيام سواء على نحو البدلية أو الترتيب أو التخيير , وكذا في الجزية فإن الدول تفرض في هذا الزمان الضرائب على الناس , ولا ينحصر بالدينار الواحد الذي كان في أيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم حيث يُشترى بالدينار شاتين , كما تقدم في حديث عروة البارقي( ) .
لقد خلّف موسى عليه السلام أمة مؤمنة ، إنما ظهرت الذنوب عندما تولى بعض الملوك , ومن فضل الله عز وجل على بني اسرائيل أنه يجعل مع الملك نبياً يرشده وقومه ، ثم تولى الملك شخص يدعى صدّيقة وكان معه النبي شعياء بن أمصيا وقيل ابن آموصى .
ولم يرد تفصيل لنسب اشعياء ومعناه في العربية (خلاص الرب ) أو (الرب يخلصه ) وعاش في القرن الثامن والسابع قبل الميلاد وفي مملكة يهوذا ، ولم يثبت انه من سلالة أنبياء ، ولكن المتعارف ان كلاً من النبوة والملك في بني إسرائيل في سلالة خاصة إلا على القول أنه أخو ملك يهوذا .
ومع ورود دليل خاص ، كما في طالوت ، إذ احتجوا على توليه الملك ، إذ ورد في التنزيل [وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنْ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ] ( ) .
ليكون من معاني قوله تعالى [يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ] التوطئة لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسيادة حكمه في الجزيرة ، ودعوة بني إسرائيل لإجتناب معاداته .
وبيان لمسألة وهي قد يجمع الله عز وجل النبوة والملك لشخص واحد كما في داود وسليمان عليهما السلام، وفيه مقدمة لرسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإمامته العامة .
وعاش اشعيا ثمانين سنة واستمرت نبوته تسع وثلاثين سنه (738 -700 ) ق.م ،وقيل استمرت لستين سنة ، وهو الذي بشّر بعيسى عليه السلام والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
فقال (ابشروا (…) الآن يأتيك راكب الحمار ومن بعده راكب البعير،
فملك ذلك الملك بني إسرائيل وبيت المقدس زماناً،
فلما إنقضى ملكه عظمت الأحداث وشعياء معه،
بعث الله عليهم سنحاريب ملك بابل مع ستمائة ألف راية،)( ).
ولادة الأمام الحسن عليه السلام
قال تعالى [قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى]( ).
ولد الإمام الحسن بن علي في مثل هذا الليلة ، وهي ليلة النصف من رمضان للسنة الثالثة للهجرة ، وأبوه الإمام علي عليه السلام وأمه فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , ( وعن أنس بن مالك قال :لم يكن أحد أشبه برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الحسن بن علي عليهما السلام)( ).
ولما ولد الحسن سمّاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحسن ، وعقّ عنه كبشاً وبه أحتج الشافعي بأن العقيقة سنة في المولود وقال لفاطمة عليها السلام (أحلقي رأسه وتصدقي بوزن الشعر فضة ففعلت ذلك، وكان وزن شعره يوم حلقه
درهما، وشيئا، فتصدقت به فصارت العقيقة، والتصدق بزنة الشعر، سنة مستمرة، بما شرعه النبي (صلى الله عليه وآله) في حق الحسن (عليه السلام)، وكذا اعتمد في حق الحسين عليه السلام) ( ).
و (عن عقبة بن الحارث قال رأيت أبا بكر يحمل الحسن بن علي على عاتقه وهو يقول :
بأبي شبيه بالنبي ………… ليس شبيها بعلي
وعلي معه يتبسم) ( ).
وهناك مسألتان :
الأولى : هل استحضار ذكر الإمام الحسن عليه السلام في يوم ولادته من المودة بأهل البيت .
الثانية : هل الإمام الحسن بن علي إمام مفترض الطاعة عند جميع المسلمين أم أن هذا الفرض خاص بطائفة وشطر منهم .
أما المسألة الأولى فالجواب نعم ، والمودة كيفية نفسانية ورحمة تظهر مصاديقها بالقول والفعل الحسن ، قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَنُ وُدًّا] ( ) .
وفيه تزكية لأهل البيت عليهم السلام في سيرتهم ، وهو الذي يدل عليه حديث الثقلين أو الخليفتين .
(عن زيد بن ثابت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني تارك فيكم خليفتين : كتاب الله عز وجل حبل ممدود ما بين السماء والأرض ، وعترتي أهل بيتي ، وإنهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض .
وأخرج الطبراني عن زيد بن أرقم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إني لكم فرط وإنكم واردون عليّ الحوض ، فانظروا تخلفوني في الثقلين قيل : وما الثقلان يا رسول الله؟ .
قال : الأكبر كتاب الله عز وجل . سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم ، فتمسكوا به لن تزالوا ولا تضلوا ، والأصغر عترتي وأنهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض .
وسألت لهما ذاك ربي فلا تقدموهما لتهلكوا ، ولا تعلموهما فإنهما أعلم منكم) ( ).
أما المسألة الثانية , فالجواب أن الإمام الحسن بن علي إمام وخليفة راشد عند كل المسلمين ، أما الإمامية فيقولون أنه إمام بالنص ، وأما مشهور المسلمين فيقولون أنه الخليفة الراشد الخامس لأنه بقى في الحكم نحو ستة أشهر ، لما ورد عن سفينة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال الخلافة بعدي ثلاثون سنة ، ثم يكون ملكاً عضوضاً ,
و(في رواية ثم يكون بعد ذلك ملكا)( ) , (أي من غير عَضُوض) ( ).
عن ابن عساكر (اخبرنا أبو غالب بن البناءأنا أبو الحسين بن الآبنوسي أنا عبيد الله بن عثمان الدقاق أنا إسماعيل بن علي الخطبي نا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبو علي سويد الطحان نا علي بن عاصم أنا أبو ريحانة عن سفينة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال الخلافة من بعدي ثلاثون سنة قال رجل كان حاضرا في المجلس قد دخلت من هذه الثلاثين ستة شهور في خلافة معاوية فقال من ها هنا أتيت تلك الشهور كانت البيعة للحسن بن علي بايعه أربعون ألفا أو اثنان وأربعون ألفا) ( ).
ولم يرد لفظ[ في القربى] إلا في الآية أعلاه من سورة الشورى، وفي آية أخرى وفي خطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى [قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً] ( ) لبيان أن مودة أهل البيت واتباع نهجهم سبيل رشاد , وطريق هداية إلى الله عز وجل ، والقرآن يفسر بعضه بعضاً ، بينما ورد ذكر الأنبياء وسؤالهم الأجر من الله عز وجل كما في نوح عليه السلام في قوله تعالى [وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ] ( ).
وفي هود النبي في سورة الشعراء الآية 127 .
وفي صالح عليه السلام في الآية 145 من سورة الشعراء .
وفي لوط عليه السلام في سورة الشعراء الآية 164 .
وفي شعيب عليه السلام في سورة الشعراء الآية 180 .
كما ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ذات السؤال كما في قوله تعالى [قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِي إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ] ( ) وبصيغة الماضي (ما سألتكم) .
ولا تعارض بين الأمرين , لبيان تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في تعدد مصاديق الأجر التي رزقه الله عز وجل , في نفسه ورسالته وذريته وذوي قرباه .
وتولى الإمام الحسن عليه السلام الخلافة من يوم استشهاد الإمام علي عليه السلام في اليوم الحادي والعشرين من شهر رمضان سنة أربعين للهجرة ، واستمر إلى الخامس والعشرين من شهر ربيع الأول من السنة الحادية والأربعين للهجرة .
وقيل أن الإمام الحسن عليه السلام كان مزواجاً مطلاقاً وقيل أنه أحصن سبعين امرأة أو تسعين وذكره ابن كثير ولكنه نسبه إلى القيل مما يدل على تمريض وضعف الخبر إذ قال (قالوا وكان كثير التزوج وكان لا يفارقه أربع حرائر , وكان مطلاقا مصداقا , يقال أنه أحصن سبعين امرأة , وذكروا أنه طلق امرأتين في يوم واحد من بني أسد وأخرى من بني فزارة فزارية , وبعث إلى كل واحدة منهما بعشرة آلاف , وبزقاق من عسل.
وقال للغلام اسمع ما تقول كل واحدة منهما ، فاما الفزارية فقالت جزاه الله خيرا ودعت له , وأما الأسدية فقالت متاع قليل من حبيب مفارق , فرجع الغلام إليه بذلك فارتجع الأسدية وترك الفزارية .
وذكروا أنه نام مع امرأته خولة بنت منظور الفزارى وقيل هند بنت سهيل فوق إجار فعمدت المرأة فربطت رجله بخمارها إلى خلخالها فلما استيقظ قال لها ما هذا , فقالت : خشيت أن تقوم من وسن النوم فتسقط فأكون أشأم سخلة على العرب , فأعجبه ذلك منها واستمر بها سبعة أيام بعد ذلك .
وقال أبو جعفر الباقر جاء رجل إلى الحسين بن علي فاستعان به فى حاجة فوجده معتكفا فاعتذر إليه فذهب إلى الحسن فاستعان به فقضى حاجته , وقال لقضاء حاجة أخ لي فى الله أحب إلي من اعتكاف شهر) ( ).
وقال الحافظ العراقي في ألفية السيرة : وليعلم الطالب أن السير تجمع ما صحّ وما قد أنكر أي ليس صحيحاً ما حكي عن كثرة زوجات الإمام الحسن عليه السلام .
وهن عشرة وبعضهن باسم امرأة من آل فلان ومنهن خولة الفزارية , وجعدة بنت الأشعث ومنهن أمهات أولاد .
وذكر أن المغيرة بن شعبة كان مطلاقاَ (عن الهذلي يعني أبا بكر قال : كان المغيرة يقول لنسائه إنكن لطويلات الأعناق وكريمات الأخلاق ولكني رجل مطلاق اعتددن.
كتب إلي أبو نصر القشيري أنا أبو بكر البيهقي أنا أبو عبد الله الحافظ حدثني علي ابن حمشاذ العدل نا إسماعيل بن قتيبة نا علي بن قدامة قال سمعت أبا إسحاق الطالقاني يقول سمعت ابن المبارك يقول : كان تحت المغيرة بن شعبة أربع نسوة قال : فصففن بين يديه فقال إنكن حسنات الأخلاق طوالات الأعناق ولكني رجل مطلاق أنتن طلاق) ( ) .
و (قال المغيرة بن شعبة أحصنت ثمانين امرأة فأنا أعلمكم بالنساء كنت أحبس المرأة لجمالها ، وأحبس المرأة لولدها ،وأحبس المرأة لقومها ، وأحبس المرأة لمالها) ( ).
وكان المغيرة بن شعبة ينال من الإمام علي عليه السلام ، وعيّن خطباء ينالون منه ، وقال المغيرة بن شعبة (كنا قوما من العرب متمسكين بديننا ونحن سدنة اللات فأراني لو رأيت قومنا قد أسلموا ما تبعتم .
فأجمع نفر من بني مالك الوفود على المقوقس وأهدوا له هدايا فأجمعت الخروج معهم فاستشرت عمي عروة بن مسعود فنهاني وقال ليس معك من بني أبيك أحد فأبيت إلا الخروج .
فخرجت معهم وليس معهم من الأحلاف غيري حتى دخلنا الإسكندرية فإذا المقوقس في مجلس مطل على البحر .
فركبت زورقا حتى حاذيت مجلسه فنظر الي فأنكرني وأمر من يسألني من أنا ، وما أريد فسألني المأمور فأخبرته بأمرنا وقدومنا عليه فأمر بنا أن ننزل في الكنيسة وأجرى علينا ضيافة ثم دعا بنا فدخلنا عليه فنظر الى رأس بني مالك فأدناه إليه وأجلسه معه ثم سأله أكّل القوم من بني مالك .
فقال نعم إلا رجل واحد من الأحلاف ، فعرفه إياي ، فكنت أهون القوم عليه .
ووضعوا هداياهم بين يديه فسر بها وأمر بقبضها .
وأمر لهم بجوائز وفضل بعضهم على بعض وقصر بي فأعطاني شيئا قليلا لا ذكر له وخرجنا .
فأقبلت بنو مالك يشترون هدايا لأهليهم وهم مسرورون ولم يعرض علي رجل منهم مواساة .
وخرجوا وحملوا معهم الخمر فكانوا يشربون وأشرب معهم وتأبى نفسي تدعني ينصرفون الى الطائف بما أصابوا وما حباهم الملك ويخبرون قومي بتقصيره بي وازدرائه إياي فاجمعت على قتلهم .
فلما كنا ببسا تمارضت وعصبت رأسي فقالوا لي ما لك قلت أصدع فوضعوا شرابهم
ودعوني فقلت رأسي يصدع ولكني أجلس فأسقيكم فلم ينكروا شيئا فجلست أسقيهم وأشرب القدح بعد القدح فلما دبت الكأس فيهم اشتهوا الشراب فجعلت أصرف لهم وأنزع الكأس فيشربون ولا يدرون فأهمدتهم الكأس حتى ناموا ما يعقلون فوثبت إليهم فقتلتهم جميعا وأخذت جميع ما كان معهم .
فقدمت على النبي صلى الله عليه و سلم فأجده جالسا في المسجد مع أصحابه وعلي ثياب سفري فسلمت بسلام الإسلام فنظر الى أبي بكر بن أبي قحافة وكان بي عارفا فقال بن أخي عروة .
قلت نعم جئت أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحمد لله الذي هداك للإسلام.
فقال أبو بكر أمن مصر أقبلتم قلت نعم .
قال فما فعل المالكيون الذين كانوا معك قلت كان بيني وبينهم بعض ما يكون بين العرب ونحن على دين الشرك فقتلتهم وأخذت أسلابهم وجئت بها الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليخمسها أو يرى فيها رأيه فإنما هي غنيمة من مشركين وأنا مسلم مصدق بمحمد صلى الله عليه وآله و سلم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أما إسلامك فقبلته ولا آخذ من أموالهم شيئا ولا أخمسه لأن هذا غدر والغدر لا خير فيه.
قال فأخذني ما قرب وما بعد وقلت يا رسول الله إنما قتلتهم وأنا على دين قومي ثم أسلمت حيث دخلت عليك الساعة قال فإن الإسلام يجب ما كان قبله) ( ).
ولا تخلو نسبته قول (ان الإسلام يجب ما كان قبله) للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من اضطراب , فبعيد أن يقول له النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا القول بعد تأكيده أن ما فعله غدر وخيانة , إنما الإسلام يحفظ حقوق الناس ودماءهم .
وجاءت الرواية بأن أحد الجماعة الذين مع المغيرة انهزم وفرّ عندما رآى قتل أصحابه , إذ لا يعقل أنه يذبح ثلاثة عشر دفعة واحدة من غير أن ينتبه أحد , قال تعالى [وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا]( ).
(وكانت العرب إذا غدر الرجل أوقدوا له نارا بمنى أيام الحج على الأخشب الجبل المطل على منى ثم صاحوا هذه غدرة فلان ففعلوا ذلك بأبي سفيان في أبي أزيهر) ( ).
وكان أبو أزيهر شريفاً في قومه وزوّج عاتكة ابنته لأبي سفيان فولدت له محمداً وعنبسة , وزوج ابنة أخرى له الوليد بن المغيرة , واختلف هل دخل بها أولا, والمختار هو الأول , وذكر ابن حبيب (عن أشياخ الأزد أنها كانت هديت إليه، فلما هديت إليه قال : أنا أشرف من أبوك؟
قالت: لا بل أبي ، لأن أبي سيد أهل السراة وأن العرب يصدرون عن رأيه وإنما أنت سيد بني أبيك وفيهم من ينازعك الشرف، فرفع يده فلطمها، فهربت إلى أبيها، فحلف أن لا يراها وأمسك المهر، قال ابن الكلبي: فلما نزل الناس سوق ذي المجاز وهو سوق من أسواق العرب .
فنزل أبو أزيهر على أبي سفيان بن حرب فأتى بنو الوليد فقتلوه، وكان الذي قتله هشام بن الوليد، وكانت عند أبي سفيان بنت أبي أزيهر، وكان أبو أزيهر شريفاً في قومه فقتله بعقر الوليد الذي كان عنده لوصية أبيه إياه وذلك بعد ما هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وانقضى أمر بدر وأصيب به من أصيب من أشراف قريش من المشركين ، وعن ابن الكلبي قال: وإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعا حسان بن ثابت فقال له : يا حسان! إنه قد حدث بين المطيبين وأحلافهم شر فقتل فقل في مقتل أبي أزيهر شعراً تحرض به المطيبين على الأحلاف، والمطيبون خمسة أبطن: بنو عبد مناف قاطبة وهم بنو هاشم وعبد شمس والمطلب ونزفل بنو عبد مناف وبنو أسد بن عبد العزى وبنو زهرة بن كلاب وبنو تيم بن مرة وبنو الحارث بن فهر.
والأحلاف خمسة أبطن وهم لعقة الدم: بنو عبد الدار بن قصي وبنو مخزوم بن يقظة، وبنو جمح بن عمرو وبنو سهم بن عمرو بن هصيص بنو عدي بن كعب.
واعتزلت بنو عامر بن لؤي ومحارب بن فهر وبنو الأدرم بن غالب الفريقين .
فكانت بنو عبد الدار تبعاً لبني أسد , ومخزوم لتيم.
وجمح لزهرة وعدي لبني الحارث بن فهر , وسهم لبني عبد مناف.
قال، وانبعث حسان يحرض في دم أبي أزيهر , ويعير أبا سفيان خفرته وبجبنه .
فقال: الطويل
دا أهل حضني ذي المجاز بسحرة … وجار ابن حرب بالمغمس ما يغدو
كســـاك هشام بن الوليـــد ثيابـــه … فــــأبل أخلق مثلهـــا جدداً بعد
قضى وطراً منه فأصبح ماجداً … وأصبحت رخواً ما تخب وما تعــدو
فلو أن أشياخاً ببدر شهوده … لبل نحور القوم معتبــــط ورد
وما منع العير الضروط ذماره … وما منعت مخزاة والدها هنــــد
فلما بلغ قوله يزيد بن أبي سفيان خرج فجمع بني عبد مناف وصاح في المطيبين فاجتمعوا وأبو سفيان بذي المجاز قال: أيها الناس! أخفر أبو سفيان في جاره وصهره فهو ثائر، فتهيأ يزيد واجتمع بهم وبرز بهم، فلما رأت ذلك الأحلاف اجتمعوا فخيموا قريباً، فلما رأى ذلك أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب خرج على فرس له حتى أتى أبا سفيان بن حرب فأخبره الخبر .
وكان أبو سفيان حليماً منكراً يحب قومه حباً شديداً، خشي أن يكون في قريش حرب في أبي أزيهر فدعا بفرسه فطرح عليها لبداً ثم قعد عليه وأخذ الرمح ثم أقبل إلى مكة وبهما الجمعان .
وجعل أبو سفيان بن الحارث يقول في الطريق لأبي سفيان بن حرب: فداك أبي وأمي! احجز بين الناس، فجعل لا يجيبه إلى شيء حتى قدم عليهم، فوقف بين الجمعين وقد تهيأوا للقتال.
فنظر فإذا اللواء مع ابنه يزيد وهو في الحديد مع قومه المطيبين، فنزع اللواء من يده وضرب به بيضته ضربة هده منها.
ثم قال: قبحك الله! أتريد أن تضرب قريشاً بعضها ببعض في رجل من الأزد سنؤتيهم العقل إن قبلوه .
ثم نادى بأعلى صوته: أيها الناس إن خلفنا عدونا شامت يعني النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومتى نفرغ مما بيننا وبينه ننظر فيما بيننا وبينكم، فلينصرف كل إنسان منكم إلى منزله، فتفرقوا وأصلح ذلك الأمر.
وبلغ أبا سفيان قول حسان , فقال : يريد حسان أن يضرب بعضنا ببعض في رجل من دوس فبئس ما ظن) ( ).
(عن الشعبي قال لما كان يوم القادسية طُعن المغيرة بن شعبة في بطنه فجئ بامرأة من طيئ تخيط بطنه فجعلت تخيطه فلما نظر إليها وهي تخيط قال ألك زوج ، قالت : وما يشغلك ما أنت فيه من سؤالك إياي) ( ).
وكان الإمام الحسن عليه السلام لا يرى في أي أحواله إلا ذاكراً لله عز وجل .
وعن الإمام الصادق عليه السلام(قال : حدثني أبي، عن أبيه عليهما السلام أن الحسن بن علي عليهما السلام كان أعبد الناس في زمانه وأزهدهم وأفضلهم، وكان إذا حج حج ماشيا ، ورمى ماشيا وربما مشى حافيا .
وكان إذا ذكر الموت بكى، وإذا ذكر البعث والنشور بكى، وإذا ذكر الممر على الصراط بكى.
وإذا ذكر العرض على الله تعالى ذكره شهق شهقة يغشى عليه منها.
وكان إذا قام في صلاته ترتعد فرائصه بين يدي ربه عزوجل، وكان إذا ذكر الجنة والنار اضطرب اضطراب السليم، وسأل الله الجنة، وتعوذ بالله من النار) ( ) .
ومن مصاديق حديث الثقلين تجلي معاني الخشوع لله عز وجل في حياة أهل البيت اليومية وتنمية ملكة التقوى عند المسلمين , قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَنُ وُدًّا]( ) .
وتحتمل النسبة بين مودة القربى في [قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى] ( ) وبين السبيل في قوله تعالى [قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً] ( ) وجوهاً :
الأول : نسبة التساوي وأن السبيل مساو لمودة ذوي قربى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : نسبة العموم والخصوص من وجه ، فهناك مادة للإلتقاء وأخرى للإفتراق بين مودة القربى وبين السبيل إلى الله .
الثالث : نسبة العموم والخصوص المطلق ، وهو على شعبتين :
الأولى : مودة القربى أعم من السبيل إلى الله .
الثانية : السبيل إلى الله أعم من المودة .
الرابع : نسبة التباين بين مودة القربى والسبيل إلى الله .
وليس من حصر لسبيل الله ، ومنه :
الأول : أداء الفرائض العبادية .
الثاني : الحرص على أتيانها في أوقاتها .
الثالث : تعاهد مسالك الهدى .
الرابع : عمل الصالحات .
الخامس : إتيان النوافل والمستحبات .
السادس : إخلاص النية وقصد القربة .
السابع : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
الثامن :الإنفاق في طاعة الله عز وجل والصبر في جنب الله ، قال تعالى [لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ] ( ).
وعن مالك (كان المغيرة بن شعبة نكاحا للنساء) ( ).
(عن ليث بن أبي سليم قال قال المغيرة بن شعبة أحصنت ثمانين امرأة فأنا أعلمكم بالنساء) ( ).هذا عدا السرايا والإماء .
(قال وكان قتل منهم ثلاثة عشر إنسانا فبلغ ذلك ثقيفا بالطائف فتداعوا للقتال ثم اصطلحوا على أن تحمل عني عروة بن مسعود ثلاث عشرة دية قال المغيرة وأقمت مع النبي ( صلى الله عليه و سلم ) حتى اعتمر عمرة الحديبية في ذي القعدة سنة ست من الهجرة .
فكان أول سفرة خرجت معه فيها وكنت أكون مع أبي بكر الصديق وألزم النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيمن يلزمه.
وبعثت قريش عام الحديبية عروة بن مسعود إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليكلمه فأتاه فكلمه وجعل يمس لحية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمغيرة بن شعبة قائم على رأس رسول الله صلى الله عليه و سلم مقنع في الحديد .
فقال لعروة وهو يمس لحية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كف يدك قبل أن لا تصل إليك فقال يا محمد من هذا ما أفظه وأغلظه فقال هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة .
فقال عروة يا غدر ما غسلت عني سوأتك إلا بالأمس وانصرف عروة إلى قريش فأخبرهم بما كلم به رسول الله ( صلى الله عليه و سلم) ( ).
(عن عامر بن وهب قال خرج المغيرة بن شعبة وستة نفر من بني مالك إلى مصر تجارا حتى كانوا ببزاق عدا عليهم المغيرة فذبحهم جميعا وهم نيام.
قال فأفلت منهم يومئذ الشريد (وإنما كان اسمه عمرو فلما صنع المغيرة بأصحابه ما صنع شرد فسمي الشريد) ( )واستاق المغيرة العير حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة فأسلم.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أما إسلامك فلن نرده عليك وأما خفرتك( ) فليس نشركك فيها .
فلما بلغ ذلك الخبر ثقيفا اجتمعت الأحلاف إلى عروة بن مسعود فقالوا ما ظنك يا أبا عمير سبيع( )( ) بن الحارث سيد بني مالك قال وكذا كان رجلا آدم طويلا شديد الأدمة كأنه من رجال السند قال ظني
والله أنكم لا تعرفون حتى تروه نحلح في قومه كأنه أمة سوداء مخربة ولا ينتهي حتى يبلغ ما يريد أو يرضى من رجاله قال فوالله ما تفرقوا حتى نظروا إليه ما وصفه قد تكتب فلبس لأمته في قومه .
فلما رآه عروة قام إليه وقال مالك فداك أبي وأمي لقد علمت ما ندينا ولا رضينا إنما كانت خفرة من رجل منا ثم لحق بمحمد ولم يصل إلينا .
ولو وصل إلينا لأسلمناه إليك قال رجال قال عروة نديهم لك قال خمسين قال فلذلك .
قال عروة بن مسعود يوم الحديبية للمغيرة أي غدر وهل غسلت سوأتك إلا بالأمس) ( ) .
تشريع قوانين قرآنية
نذكر بالتفصيل في الأجزاء التالية إن شاء الله شطراً من القوانين التالية ، وقد يصلح كل منها أن يكون رسالة ماجستير أو دكتوراه ، ويمكن أن تكون الرسالة جامعة لاثنين أو أكثر منها ، وهي :
الأول :قانون قصص القرآن حرب على الإرهاب).
الثاني : قانون الآية القرآنية شاهد صدق في كل زمان .
الثالث : قانون مصاحبة الشاهد السماوي للرسول .
الرابع : قانون بقاء الشهادة السماوية على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى يوم القيامة.
الخامس : قانون أدعية النبي محمد ص واقية من الإرهاب .
السادس : قانون أدعية النبي محمد ص من مصاديق [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ).
السابع : أدعية النبي (ص) من الكمالات الإنسانية .
الثامن : قانون الجدال بالأحسن حرب على الإرهاب .
التاسع : قانون عدم وجود حاجب وبرزخ بين القرآن ودخوله البيوت مطلقاً .
العاشر : تعاهد الصحابة لحراسة النبي محمد ص .
الحادي عشر : الحروف المقطعة زاجر عن الإرهاب .
الثاني عشر: موضوعية أسباب النزول في المنع من الإرهاب .
الثالث عشر : قانون لطف الله واقية من الإرهاب .
الرابع عشر : قانون سلامة القرآن من التحريف واقية من الإرهاب .
الخامس عشر : قانون صلاة النبي (ص) في بدايات البعثة
لقد أنعم الله عز وجل على الناس بالخلافة في الأرض , وهذه الخلافة مقيدة بلزوم عبادة الله عز وجل بل أن علة العبادة أعم وتشمل خلق ونشأة الناس قال سبحانه [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( ).
وأبهى مظاهر العبادة الصلاة وهي شعار الإيمان وعنوان الرشاد , والطريقة السالكة إلى الله عز وجل , والواقية من الإرهاب والإرهاب الموازي .
وجاءت الشريعة ببيان قدسية مواضع الصلاة أيضا لبيان موضوعية الزمان والمكان في مضاعفه ثواب الصلاة , ويتغير المكان الذي يؤدي فيه المكلف صلاته ولكن زمان الصلاة ثابت في كل يوم وليلة مع التوسعة فيه , أي أنه من الواجب الموسع وليس المضيق .
فمثلاَ يمتد وقت صلاة فريضة الصبح بين طلوع الفجر وطلوع الشمس.
السادس عشر : قانون الخشية على النبي محمد (ص)من إرهاب المشركين .
السابع عشر : قانون الشهداء يوم القيامة .
الثامن عشر : قانون العبادة واقية من الإرهاب .
التاسع عشر : قانون العصمة من الإفتراء واقية من الإرهاب .
العشرون : قانون الصادق الأمين .
الحادي والعشرون : قانون الأنبياء أئمة في الشكر .
الثاني والعشرون : قانون السور المكية إنذار من الإرهاب .
الثالث والعشرون : قانون قتل الأنبياء شاهد على عدم غزوهم لغيرهم
الرابع والعشرون : قانون الأستشهاد بالشعر على فصاحة القرآن
الخامس والعشرون : قانون عداوة الوحي للإرهاب
السادس والعشرون : قانون التدبر اليومي بآيات القرآن عصمة من الإرهاب .
السابع والعشرون : قانون موضوعية أسباب النزول في المنع من الإرهاب
الثامن والعشرون : قانون (التضاد بين السنة النبوية والإرهاب) .
التاسع والعشرون : قانون لماذا التضاد ومعنى التناقض .
الثلاثون : قانون نزول الملائكة ببدر وأحد حرب على الإرهاب.
الحادي والثلاثون :(قانون الصلاة صبر )
الثاني والثلاثون : قانون الملازمة بين الإيمان والرفعة
الثالث والثلاثون : الأسماء الحسنى حرب على الإرهاب .
الرابع الثلاثون : الأسماء الحسنى داعية إلى الله .
الخامس والثلاثون : نشر شأبيب المودة والمحبة .
السادس والثلاثون :نبذ الكراهية ومقدمات العداوة .
السابع والثلاثون : كتائب النبي برزخ دون سفك الدماء والإيغال في القتل بغير حق .
الثامن والثلاثون : قانون كتائب النبي وسيلة مباركة تحقق معها الأمن والطمأنينة في المدن والطرق العامة .
التاسع والثلاثون : قانون دلائل التضاد بين القرآن والإرهاب في كتائب النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الأربعون : قانون شواهد التضاد بين القرآن والإرهاب في سرايا الإسلام.
الحادي والأربعون : معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم في معركة بدر بلحاظ قانون التضاد بين القرآن والإرهاب .
الثاني والأربعون : قانون التوأم بين التضاد بين القرآن والإرهاب ولم يغز النبي (ص) أحداً.
الثالث والأربعون : قانون تهيئة مقدمات فعل الخير .
الرابع والأربعون :قانون السور المكية إنذار من محاربة النبي ص .
الخامس والأربعون : قانون (آيات الثواب على الفرائض)
السادس والأربعون : قانون منع تمادي الكافرين في تعديهم وظلمهم.
السابع والأربعون : قانون خزائن الجوار بين الآيات .
الثامن والأربعون : قانون دفع العبد عن الوقوع في مستنقع الشبهات ، ليتجلى قانون وهو :
التاسع والأربعون : قانون تدبر الإنسان بالنعم من حوله برزخ دون تعديه وظلمه لنفسه ولغيره .
الخمسون : قانوناً وهو أن الله عز وجل يسمع من فوق سبع سماوات أقوال الناس وأحاديثهم ورغائبهم وآمانيهم .
الحادي والخمسون : قانون علم الله بمكان كل إنسان قبل أن يخلق .
الثاني والخمسون : قانون علم الله عز وجل برغائب وأماني الناس .
الثالث والخمسون :قانون وهو أن كل آية من القرآن تهدي إلى الطيب من القول وإلى الصراط المستقيم حتى وإن جاءت بصيغة الذم للذين كفروا.
الرابع والخمسون : قانون حضور الأقوال يوم القيامة .
الخامس والخمسون : قانون كل عبادة دعاء.
السادس والخمسون : قانون الصدور عما جاء به الأنبياء من عند الله سبحانه .
السابع والخمسون :(الفاتحة تزيح الإرهاب ) .
الثامن والخمسون : قانون السنة النبوية مرآة للقرآن .
التاسع والخمسون : قانون الإستجابة لله والرسول خير محض .
الستون : قانون في الإستجابة للرسول أمن وسلامة .
الحادي والستون : قانون إنحصار أداء الحج بالبيت الحرام .
الثاني والستون : قانون بعث الصحابة والمسلمين بالعناية بالمسجد النبوي لأن اختياره بأمر من عند الله عز وجل .
الثالث والستون : قانون الإيمان واقية من الكيد , للرجل والمرأة .
الرابع والستون : قانون نزول الملائكة ببدر وأحد حرب على الإرهاب.
الخامس والستون : قانون الملازمة بين الإيمان والرفعة.
السادس والستون : قانون بشارات الأنبياء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم شاهد على أنه يدعو لله عز وجل بالحجة والبرهان , ولا يقوم بالغزو أو القتال.
السابع والستون : قانون منافع وآثار البشارات بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وكيف أنها حصانة للمجتمعات من الإرهاب .
الثامن والستون : قانون دلالة البشارات بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم .
التاسع والستون : قانون بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بجوار المسجد الحرام.
السبعون : قانون المسجد بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
الحادي والسبعون : قانون الحاجة إلى المعجزة .
الثاني والسبعون : قانون المعجزة .
الثالث والسبعون : قانون إقرار وتسليم الناس بالمعجزة .
الرابع والسبعون : قانون منافع المعجزة العامة .
الخامس والسبعون : قانون صيرورة المعجزة واقية من إستعمال السيف.
السادس والسبعون : قانون المعجزة رحمة وحجة .
السابع والسبعون : قانون توالي المعجزات.
الثامن والسبعون : قانون شكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين لله عز وجل على المعجزة.
التاسع والسبعون : قانون دلالة المعجزة على صدق المعجزة الأخرى.
الثمانون : قانون تعضيد المعجزة للآية القرآنية ، وبالعكس.
الحادي والثمانون : قانون المعجزة فضل وهبة من عند الله.
الثاني والثمانون : قانون تعدد المعجزات كفاية وغنى عن الإرهاب.
الثالث والثمانون : قانون ترشح السلام عن صبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتحمله الأذى .
الرابع والثمانون : قانون الإستغناء العام والخاص عن الإرهاب والظلم والتعدي .
الخامس والثمانون : قانون المعجزة بهاء وبهجة .
السادس والثمانون : قانون الملازمة بين قوة الإسلام واللجوء إلى الإستغفار.
السابع والثمانون : ((من إعجاز القرآن دخوله بيوت المشركين سلماً) وفيه إزاحة للعنف والقتال، وسيأتي بيان شواهد لهذا لقانون .
الثامن والثمانون : قانون بعثة النبي (ص) تحقيق للسلم المجتمعي .
التاسع والثمانون : قانون دفاع آيات البشارة عن آيات الإنذار .
التسعون : قانون دفاع آيات الإنذار والتي تتكلم عن الآخرة عن آيات البشارة .
الحادي والتسعون: قانون دفاع آيات البشارة عن آية البشارة .
الثاني والتسعون : قانون دفاع آيات الإنذار عن آية الإنذار .
الثالث والتسعون : دفاع الآيات التي تجمع بين الوعد والوعيد عن نفسها وعن آيات البشارة والإنذار كما في قوله تعالى [مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ]( ).
الرابع والتسعون : قانون الصبر في العبادات البدنية .
الخامس والتسعون : قانون الصبر في العبادات المالية .
السادس والتسعون : قانون الصبر في العبادات البدنية المالية .
السابع والتسعون : قانون وقائع تغير الـتأريخ .
الثامن والتسعون : قانون الآية القرآنية شاهد صدق في كل زمان .
التاسع والتسعون : قانون مصاحبة الشاهد السماوي للرسول .
المائة : قانون النبوة رحمة ومحبة .
قانون كتائب النبي (ص) سلم
لقد خرج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم صابرا مستضعفاً , وهل يصح القول أنه طريد .
الجواب لا , وفي التنزيل [) قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ]( ) , وقال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا *إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً]( ).
فقد هاجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليكون أسوة للمؤمنين , كما أن هجرته من مصاديق قوله تعالى [وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ]( ).
وهل حكم الآية شامل لكل مستضعف , الجواب لا , إنما المراد المؤمنون المستضعفون الذين قالوا (لا إله إلا الله) فمن معاني (نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً) إي دعاة في الخير , وقادة في مسالك الهدى , وولاة ويرثون الشأن والسلطان .
فإن قلت قد أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن قومه أخرجوه , كما ورد عن (عدي بن الحمراء أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم , وهو واقف بالحزورة في سوق مكة يقول
” والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلي، ولولا أنى أخرجت منك ما خرجت)( ).
والجواب أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم إقامة الحجة على أهل مكة , وأنهم اضطروه لاختيار أحد أمرين في ليلة واحدة :
الأول : القتل .
الثاني : الخروج من مكة .
وحتى الخروج لا يعني النجاة والسلامة من المشركين وارادتهم قتله , إذ كانوا ينوون دفع فديته لبني هاشم لو قتلوه في فراشه تلك الليلة , فإنهم لو قتلوه في طريق الهجرة خارج مكة لأنكروا القتل ولطالبوا بدمه , أو قالوا قتله الجن او السحرة ونحوه أو اتهموا صاحبه بقتله , لذا جاءت البشارة من مبيت النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو في الغار بقوله تعالى [إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ]( ).
لقد بقى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يدعو إلى رسالته واتباعه في مكة حتى هاجر في السنة الثالثة عشرة للبعثة إلى المدينة يثرب , والآية أعلاه من الشواهد على قانون نجاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في طريق الهجرة بفضل من الله عز وجل , وهو من مصاديق (إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) .
والله سبحانه مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه قبل وبعد الهجرة .
وهل في هذه المعية والحفظ بشارة نصر المسلمين في معركة بدر الجواب نعم , خاصة وأن الآية أعلاه تخبر عن أمرين متلازمين هما :
الأول : نصر الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في دعوته وتبليغه الرسالة , قال تعالى [يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ]( ).
الثاني : إن الله عز وجل معه هو وصاحبه وأهل البيت وعموم الصحابة يومئذ .
ليكون من إعجاز القرآن أن الآية القرآنية تنزل في موضوع ولكنها تخبر عن بشارة وأمور من علم الغيب لا يعلمها إلا الله سبحانه , وفيه بعث للعلماء للإستقراء والإستنباط من جهات :
الأولى : المضامين القدسية للآية القرآنية , وما فيها من الأحكام والأوامر والنواهي.
الثانية : صلة الآية القرآنية بالآيات المجاورة لها .
وتتجلى علوم من ذخائر هذه المجاورة بباب سياق الآيات الذي أسسناه في تفسير كل آية من آيات القرآن إلى جانب صدور أجزاء متعددة من هذا التفسير في الصلة بين الآيات المتجاورة.
الأول : الجزء الخامس العشرون بعد المائة ويختص بصلة 152 التي قبلها.
الثاني : الجزء السادس والعشرون بعد المائة ويختص بصلة شطر من الآية 153 بشطر من الآية 151.
الثالث : الجزء السابع والعشرون بعد المائة ويختص بصلة شطر من الآية 154 بشطر من الآية 153.
الرابع : الجزء الواحد والخمسون بعد المائة يختص بصلة شطر من الآية 161 بشطر من الآية 164 .
الخامس : الجزء الواحد والتسعون بعد المائة الصلة بين الآية 180 والآية 181 من آل عمران .
الثالثة : بذل الوسع لإستقراء العلوم التي تتضمنها الآية القرآنية , والتي تشير إليها.
الرابعة : تجلي قانون وهو أن القرآن دستور الحياة , وآياته برزخ دون الإرهاب , ومانع من سيادة لغة العنف .

مشاركة

Facebook
Twitter
Pinterest
LinkedIn

مواضيع ﺫات صلة