معالم الإيمان في تفسير القرآن – الجزء- 222

المقدمــــــة
الحمد لله الذي جعل القرآن [تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ]( )، لم يجعل وئاماً أو موادعة بين القرآن والإرهاب ، فهما ضدان لم يجتمعا في أيام التنزيل وما بعدها ، ولن تكون بينهما مصالحة أو مهادنة إلى يوم القيامة ، وهو من الشواهد على السلامة المستديمة للقرآن من التحريف والزيادة والنقصان ، وعلى حاجة الناس له في كل زمان .
وجاءت آيات من القرآن بالتحذير من الفتنة ، قال تعالى [وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ] وظاهرةُ الإرهاب والإرهاب الموازي فتنةٌ محدودة ، ليكون من إعجاز القرآن بيانه لعموم الضرر المترشح عن الإرهاب من جهة الأفراد والطوائف والأمصار ، وعدم إنحصاره بمحل الفعل أو صاحبه .
وستبقى السنة النبوية القولية والفعلية رحمة وسلاماً , وسيفاً على الإرهاب ، وهي عضدٌ للقرآن في إزاحته الإرهاب والإرهاب الموازي عن النفوس والمجتمعات .
وسيأتي قانون : النبوة استئصال للإرهاب , وقد صدرت ( 220) جزء من تفسيري هذا للقرآن والحمد لله , وكلها قوانين ومسائل مستقرأة من ذات آيات القرآن .
ويقرأ كل مسلم ومسلمة سورة الفاتحة سبع عشرة مرة وبحال الخشوع في الصلاة اليومية فهل تنازع وتطرد هذه السورة الإرهاب ، الجواب نعم ، وسيأتي قانون أخص وهو (قول الحمد لله قاهر للإرهاب).
ومن إعجاز القرآن نزاعه المسلح مع الإرهاب من حين قيام كفار قريش بالتعدي وغزو المدينة في معركة بدر ، وأحد ، والخندق ، ثم تسميته صلح الحديبية (فَتْحًا مُبِينًا)( ).
ويدعو القرآن إلى الإحتجاج بالبرهان وصيغ الرفق ، قال تعالى [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ]( ).
وتدل هذه الآية في مفهومها على الحسن الذاتي للتعايش السلمي ، والتقيد بوظائف المواطنة ، وعلى حرمة الإرهاب والتفجيرات والإعتداء على الناس الآمنين على اختلاف مذاهبهم .
ومن إعجاز القرآن إعلانه بالمنطوق والمصداق والمفهوم قانون عدم المصالحة أو التآخي مع الإرهاب ، وليس من وئام بينهما ، لأن القرآن ميثاق السلام في سنخيته وكيفيته ، ويبعث النفرة في النفوس من الإرهاب والإخافة العامة للناس .
الحمد لله الذي وسعت رحمته كل شئ، وبعث الأنبياء بالسلم والأمن ، وكل نبي من الأنبياء رحمة مزجاة ، وأختتمت النبوة بالرحمة العامة المطلقة للناس جميعاً ، قال تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ).
وعن الإمام علي عليه السلام قال (قيل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن امتك ستفتتن من بعدك .
فسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو سئل ما المخرج منها ، فقال كتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، تنزيل من حكيم حميد ، من ابتغى العلم في غيره أضله الله ، ومن ولي هذا الأمر فحكم به عصمه الله ، وهو الذكر الحكيم ، والنور المبين ، والصراط المستقيم ، فيه خبر من قبلكم ، ونبأ من بعدكم ، وحكم ما بينكم ، وهو الفصل ليس بالهزل) ( ).
لقد قام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بارشاد المسلمين والناس إلى القرآن ، والإخبار بأن المخرج من فتنة والإبتلاء العام ، وانقاذ الشباب والناس منه ، إنما هو بالقرآن ، من جهات :
الأولى : تلاوة القرآن .
الثانية : التدبر في معاني ودلالات الآية القرآنية .
الثالثة : الإمتثال للأوامر الإلهية التي في القرآن واجتناب ما نهى الله عز وجل عنه ، وفي التنزيل [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا]( ).
وسيأتي ذكر آيات عديدة تتضمن في منطوقها أو مفهومها النهي عن الإرهاب ، وبيان القبح الذاتي للإضرار بالناس والمصالح العامة.
ومن خصائص القرآن ، بيانه لقانون وهو : جلب الإرهاب للضرر على كل من :
الأول : الذي يقع عليه الإرهاب ذكراً كان أو أنثى .
الثاني : أهل وذوو الذي يصيبه الإرهاب .
الثالث : أهل البلدة التي يقع فيها العمل الإرهابي ، وهم في الغالب مسلمون وغير مسلمين .
الرابع : الذي يصاب بالجراحات أو العاهة من أثر الإرهاب .
الخامس : إرهاق خزينة الدولة بالإنفاق الزائد على الأمن ، وكثرة السجون ، والإحتراز من الإرهاب ، قال تعالى [وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ]( ).
السادس : الحالة النفسية لعموم أفراد المجتمع ، وتفشي الخوف والرعب في النفوس.
ولا يعني هذا الهزيمة أمام الإرهاب ، ونزلت مع القرآن السكينة والطمأنينة ، وتدل الوقائع على تجنيد الطاقات والأموال لمحاربة الإرهاب ، ولحوق الضرر بالأفراد والأسرة والطائفة التي ينتمي إليها الإرهاب ، مع أنه لا يمثلها ، ولا ترضى عن فعله هذا .
وتعلن آيات القرآن بكرة وعشياً أن القرآن برئ من الإرهاب .
ومن أسلحة القرآن ضد الإرهاب نهيه عن إتباع الهوى ، قال تعالى [وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ * وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ]( )، ومن صفات الإرهاب :
الأول : إنه من استحواذ النفس الغضبية على الجوارح .
الثاني : فيه تعطيل للحكمة والحجة .
الثالث : هو إثم ظاهر ، وقد نزل القرآن بالتحذير والإنذار من الإثم الظاهر منه والخفي ، قال تعالى [وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ]( ).
لم تكن كلمة الإرهاب معروفة في الأجيال السابقة ، ولكنها برزت في زمان العولمة والتداخل الحضاري والفكري بين الشعوب والأمم ، وكثرة التنقل والإنتقال الأقصى في السكن ، فقد كان العرب وغيرهم يستقرون في قراهم ، ومدنهم ، ومن يهاجر منهم طلباً للكلأ والماء لا يبعد كثيراً ، ويكثر بينهم الغزو والسلب ، فبعث الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم فحرّم الغزو ، ونزل القرآن بالزجر عن الظلم والتعدي .
وبين الظلم والإرهاب عموم وخصوص مطلق ، إذ أن الإرهاب شعبة من الظلم للذات والغير ، ومن إعجاز القرآن كثرة الآيات التي تنهى عن الظلم وتبين قبحه والإنذار منه ، وضرره في النشأتين ، قال تعالى [فَيَوْمَئِذٍ لاَ يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ]( )، وفيه شاهد على تنزيه القرآن وأوامره من الظلم.
لقد ابتدأ الإسلام والدعوة إليه ، بحال من الحيطة والحذر من قبل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ولقد نزلت آيات القرآن التي تتضمن الذم لعبادة الأوثان ، والوعيد بالنار للكفار منها قوله تعالى [فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى *لاَ يَصْلاَهَا إِلاَّ الأَشْقَى *الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى * وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى] ( ) من غير أن يغلق الله سبحانه باب التوبة عن الناس ، في ذات الآيات المكية ، قال تعالى [ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ] ( ) ولم تنقطع لغة الوعد والوعيد بعد هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لبيان حضورها في كل زمان .
فاستشاط الذين كفروا غضباً ، وصاروا يتربصون الدوائر بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ويعذبون أفراداً من المسلمين الأوائل للإضرار بهم ، ولمنع الناس من دخول الإسلام .
فمن أسرار بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة مجئ وفود الحاج في الموسم من كل سنة ، ولم يكن هذا الموسم بضعة أيام ، إنما كان أكثر من شهر .
وفيه تفتح أسواق واسعة للعرب تزدهر فيها التجارة ، ويلقي الشعراء شعرهم ، ويكون التفاخر بالآباء والأنساب ، فصارت آيات القرآن تتلى معها فازاحت الشعر عن منزلته عند العرب ، للإرتقاء الجلي المستقرأ من بلاغة القرآن ، ودلالتها على كونه فوق كلام البشر مع أنه ليس من السجع أو الشعر ،وليس فيه قوافي .
إنما كانت أكثر الآيات تختتم بأسماء الله الحسنى وبالوعد والوعيد ، ليكون من معاني هذه الخواتيم التذكير بعالم الآخرة ، وبيان قانون وهو (الدنيا مزرعة الآخرة).
فيجب أن يعصم الإنسان نفسه من مفاهيم الضلالة ، ومن الإضرار بالمصالح العامة والأشخاص .
لقد كانت أول آية نزلت على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هي [اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ]( )، والقراءة المأمور بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون علم ومعرفة ، لبيان التضاد بين المعرفة والإرهاب .
وقد صدرت أجزاء من هذا التفسير بقانون (آيات السلم محكمة غير منسوخة ) وهي :
الأول : الجزء السادس بعد المائتين .
الثاني : الجزء السابع بعد المائتين .
الثالث : الجزء الثامن بعد المائتين .
الرابع : الجزء الرابع عشر بعد المائتين.
الخامس : الجزء الخامس عشر بعد المائتين .
وستبقى آيات القرآن والمعارف الإلهية دعوة للألفة العامة والتعايش السلمي ، وسلاح وقوة صمود تتكسر عنده مفاهيم الإرهاب والعنف والتطرف ، قال تعالى [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] ( ).
وهل يقضي خروج الإمام المهدي عليه السلام على الإرهاب أم لا ، الجواب هو الأول ، إذ ورد (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَمْتَلِئَ الْأَرْضُ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا قَالَ ثُمَّ يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ عِتْرَتِي أَوْ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يَمْلَؤُهَا قِسْطًا وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا)( ).
الحمد لله الذي فتح باب التوبة ، ولم يجعل واسطة في قبوله بينه وبين العبد وليس من فترة أو تأخير فيه ، فحالما ينطق الإنسان بكلمة التوبة والإستغفار يسمعها الله عز وجل ويتلقاها بالقبول ، وفيه آيات كثيرة ، قال تعالى [فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ]( )، [وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيمًا]( )، وفيه دعوة للإنصراف التام عن أثر النفس الشهوية والغضبية ، ومن وجوه هذا الإنصراف العصمة من إيذاء الناس ، والإخافة العامة .
وهذا التفسير منبر إعلامي يسعى في الحيلولة دون تبني العنف منهاجاً ، ويمنع من وقوع ضحايا بين عامة الناس لما فيه من الغوص في خزائن آيات القرآن [وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ]( ).

حرر في 10 ذي القعدة 1442
20 حزيران 2021

بين هذا الجزء وأجزاء التضاد
لقد جاء هذا الجزء وهو الثاني والعشرون بعد المائتين من تفسيري للقرآن بفيض من الله عز وجل في آية علمية بعنوان ( النزاع المسلح بين القرآن والإرهاب ) لبيان فضل الله عز وجل في جعل القرآن حصناً ودرعاً وأماناً من إرهاب الذين كفروا ، وهو إمام في عصمة المؤمنين من الإرهاب وإخافة الناس في الأماكن العامة ، وفي البيوت ، وقد صدرت والحمد لله عشرة أجزاء من هذا التفسير بعنوان ( التضاد بين القرآن والإرهاب) وهي :
الأول : الجزء الرابع والثمانون بعد المائة .
الثاني : الجزء الخامس والثمانون بعد المائة .
الثالث : الجزء الثامن والثمانون بعد المائة .
الرابع : الجزء الخامس والتسعون بعد المائة .
الخامس : الجزء الثامن والتسعون بعد المائة .
السادس : الجزء التاسع والتسعون بعد المائة .
السابع : الجزء الثالث بعد المائتين .
الثامن : الجزء العاشر بعد المائتين .
التاسع : الجزء الحادي عشر بعد المائتين .
العاشر : التاسع عشر بعد المائتين .
والنسبة بين موضوع هذا الجزء والأجزاء أعلاه هو العموم والخصوص المطلق ، فالنزاع بين القرآن والإرهاب أعم إذ يعني الضد : المخالف والمباين والمنافي والجمع أضداد ، فالخير ضد الشر ، والصلاح ضد الفساد والضدان هما اللذان لا يمكن إجتماعهما في محل واحد ،ولكن يمكن ارتفاعهما مثل اللون الأسود والأبيض في الثوب أو الجدار وامكان ارتفاعهما بأن يكون لونه أحمر أو أصفر .
وأما النقيضان منهما الذان لا يمكن اجتماعهما ولا ارتفاعهما ، كالليل والنهار ، فليس من فرد ثالث بينهما ، وقد يقال أن الفجر ليس منهما ، ولم يثبت ، ثم هذا النزاع في المثل وليس أصل القاعدة.
ومن النقيض الحياة والموت والصحة والسقم .
قانون عصمة القرآن من ضرر الإرهاب
هل يضر الإرهاب بآيات القرآن ومنزلتها بين الأمم , الجواب لا ، وهو من معاني عنوان هذا الجزء ، لذا فانت ترى الإرهاب يتنافى مع القرآن والغايات الحميدة التي نزل من أجلها ، ويتيح إدراك هذا التباين فرصة ومناسبة لعموم الناس في زمن العولمة للتدبر في آيات القرآن حتى مع الترجمة وان يُفقد معها ركن من إركان إعجاز القرآن وهو الجانب البلاغي وما يترشح عنه.
فان قلت قد نزل قوله تعالى [وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ] الجواب ، أما الغلظة فهي خاصة بالكفار الذين يحاربون الإسلام ، وبالمنافقين الذين يظهرون الإسلام ويخفون الكفر والضلالة .
وهناك تباين رتبي وموضوعي بين الإرهاب والغلظة ، فمن مصاديق الغلظة في المقام :
الأول : الجدال وتكرار الإحتجاج .
الثاني : بيان قبح النفاق .
الثالث : سوء عاقبة الكفر والنفاق ، والإنذار من سبق الموت على التوبة.
الرابع : لقاء الكافر والمنافق بوجه مكفر ، أي غير منبسط .
الخامس : الغلظة ضد اللين .
السادس : الغلظة لمنع الإرهاب .
ويدل قوله تعالى [وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ] وفق مفهوم الوصف على حرمة الإرهاب والتفجيرات العشوائية ، إذ جعل الله عز وجل هذه الغلظة حداً ويأتي صبغة للجهاد بخصوص الكفار المشركين ، وعند تعديهم.
والآية القرآنية برزخ دون هاجس الخوف من الآخر ، وتمنع من النزاع بين المسلم وغيره ، وبين المسلمين أنفسهم فلا تصل النوبة إلى الإرهاب وإثارة الفتن .
ولابد من التدبر في معالجة ظاهرة الإرهاب ، وإجتناب الإرهاب، وانتقاء وتهويل الإخبار التي تثير الخوف والبلبلة والسخط على طائفة أو ملة من غير حق ، ويلزم جعل الإصلاح وسيادة السلام والأمن منهاجاً وبلغة وغاية.
ومن خصائص آيات القرآن أنها تمنع من الشرخ بين فئات المجتمع واتساع هذا الشرخ ، وإن كانت هذه الفئات من مشارب ومذاهب وملل شتى إذ تدعو آيات القرآن إلى الوحدة والألفة ومكارم الأخلاق ، وحسن الجوار ، قال تعالى [وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ]( )، ويدرك العقلاء التباين والتنافي بين الآداب الرفيعة وبين الإرهاب .
النزاع لغة
النزاع لغة الجدال يقال (ونازعتُ الرجلَ في الأمر منازعة ونِزاعاً، إذا جادلته) ( ) لذا يكثر في الإحتجاج والخلاف العلمي قول محل النزاع ، أو ليس محل النزاع ، ومنه النزاع النحوي بين مدرستي الكوفة والبصرة .
وصار لفظ النزاع يدل عرفاً في اصطلاح السياسة على الخصومة والتشاجر ، ويدفعه الصلح ، ومعنى النزاع في الإصطلاح القرآني الإختلاف في الرأي ونحوه .
(ويقال هذه أرض تنازع أرضنا إذا كانت تتاخمها. وقال ذو الرمة:
لقي بين أجمادٍ وجرعاء نازعت … حبالاً بهنّ الجازئات الأوابد) ( ).
والنَّزاعُ إلى الوطن أي الذي اشتاق إليه (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ قِيلَ وَمَنْ الْغُرَبَاءُ قَالَ النُّزَّاعُ مِنْ الْقَبَائِلِ) ( ).
وورد الحديث عن جابر بن عبد الله قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن الإسلام بدأ غريبا ، وسيعود غريبا ، فطوبى للغرباء .
قال : ومن هم يا رسول الله ؟
قال : الذين يصلحون حين يفسد الناس) ( ).
لبيان الحاجة إلى سعي المؤمنين في زمان العولمة للإصلاح والإستقامة وتهذيب الأخلاق ، والإمتناع عن الإرهاب وإخافة الناس .
وقد ثبت بالوجدان قانون لا يحقق الإرهاب إصلاحاً ، وقانون الإرهاب ضد الإصلاح .
والنزَّاع هو الذي نزَع عن أَهله وعشِيرَتِه أَي بَعُدَ وغابَ وقيل لأَنه نزَع إِلى وطنه أَي يَنْجَذِبُ ويميلُ)( ).
والأصل في النزاع الجدال , ومنه قوله تعالى [إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ]( )، أي في قصة أهل الكهف .
(قال ابن عباس : تنازعوا في البنيان والمسجد .
قال المسلمون : نبني عليهم مسجداً .
لأنهم على ديننا.
وقال المشركون : نبني عليهم بنياناً؛ لأنهم من أهل سنّتنا. وقال عكرمة : تنازعوا في الأرواح والأجساد .
فقال المسلمون : البعث للأرواح والأجساد)( ).
ومنه قوله تعالى [فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى] ( ).
ويتعلق موضوع الآية أعلاه بسحرة فرعون في مقابلتهم لموسى عليه السلام ، والتنازع هنا الجدال والإختلاف في الرأي ، أو الإبتداء ، وأيهما يبدأ ، هل يلقون عصيهم أم الذي يلقي أولاً هو موسى عليه السلام .
ومن أسباب النزاع والمشاجرة بينهم هو عندما سمعوا كلام موسى ، وهو ينهاهم عن الإفتراء على الله ، ويحذرهم من إدعاء الأمور الخارقة بالسحر الذي هو خداع للبصر ، فقالوا هل هذا كلام نبي ، أم لا .
إذ قال لهم موسى قبل أن يلقوا عصيهم ، وبمرأى ومسمع من الناس [وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنْ افْتَرَى] ( ).
ومن معاني الخيبة في الآية أعلاه فضح السحرة في ذات اللقاء ، وأمام أعين عامة الناس ، وكان للسحر مكانة في بلاط فرعون وشؤون الحياة اليومية لأهل مصر .
لقد كان السحر أيام الفراعنة فناً له قواعده ورجال يختصون به ، وغالباً ما يكونون من كهنة معابد الآلهة ، لبيان قانون وهو السحر أيام الفراعنة دعوة للوثنية وعبادة فرعون ، فلذا كانت رسالة موسى عليه السلام دعوة لنبذ الأصنام ، وبيان عملي لحرمة عبادة فرعون .
وتتجلى وجوه الشبه في المقام ومحاربة الأصنام بين كل من :
الأول : كسر إبراهيم للأصنام ، وقيام المشركين بحرقه بالنار ، لولا أن أنقذه الله بالمعجزة ، قال تعالى [قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ] ( ).
الثاني : معجزة عصا موسى وابتلاعها لعصي السحرة ، ودخولهم الإسلام ، فهذا الإبتلاع حرب على عبادة الأوثان ، ونهي عن الإرهاب والطغيان .
لقد كان فرعون يرهب أهل مصر بالأفعال التي يأتي بها السحرة ، وعندما القوا عصيهم امتلأت الساحة التي هي كملعب الكرة بالعصي تتقافز كأنها حيات ، وتسعى نحو موسى ونحو أخيه هارون ، إذ أنهم جعلوا هذه العصي مجوفة وملأوها بالزئبق ، فلما ضربتها الشمس اضطربت واهتزت ، فكأنها تتحرك حركة ذاتية ، وقيل انقلبت حيات تمشي على بطنها بعلم وفنون السحر ، والساحر لا يسحر نفسه لأنه يعلم بأن عمله خداع للبصر ، ولا ينفعل بسحر غيره ، وإن خالفه ، فحتى على فرض أن عصيهم صارت حيات وثعابين فأنهم لا يرونها إلا عصياً ، أما وقد ألقى موسى عليه السلام عصاه فأنهم رأوا تحولها حقيقة إلى ثعبان كبير .
فاذا رآى الناس أن ثعبان موسى عليه السلام قد ابتلع وأكل ثعابين السحرة ، فان السحرة أنفسهم رأوا عصيهم يأكلها ثعبان موسى عليه السلام ، وليس ثعباناً أكل ثعابين ، فعلموا أنها معجزة من عند الله ، فآمنوا .
وهل في إدعاء نمرود وفرعون الربوبية إرهاب ، الجواب نعم .
الثالث : جهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في محاربة الأصنام ، ومن الإعجاز في نبوته أن آيات القرآن هي السلاح في هذه الحرب ، واستئصال العادات القبيحة مثل الوأد ، قال تعالى [وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ] ( ) .
ولقد انتصرت آيات القرآن على عبادة الأصنام وأزالتها من الأرض إلى يوم القيامة ، فهل آيات القرآن سيف وسلاح لإزاحة الإرهاب ، الجواب نعم ، وهو من الإعجاز الحاضر للقرآن ، لقد كانت عصا موسى حرباً على الشرك والضلالة والإرهاب العام .
والمراد من الإرهاب العام وهو إصطلاح مستحدث هنا هو إرهاب الدولة وذي السلطة العامة وتسخيرها للشرك ومفاهيم الضلالة والبطش .
وفي إدعاء نمرود الربوبية إرهاب ، الجواب نعم ، فلما جاءه إبراهيم عليه السلام يدعوه إلى الله عز وجل بلغة الجدال والإحتجاج رد عليه نمرود بالإستكبار والعتو ، [إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ] ( ) وكان الوزراء والملأ حاضرين ، فأخذت نمرود العزة بالإثم ، وعلم أن هذا القول فضح وخزي له في إدعائه الربوبية ، فخشي على منزلته عند قومه،فأجاب [أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ]( ).
ومما ذكر في المقام أن نمرود دعا برجلين فقتل أحدهما وعفا عن الأخر ، في مغالطة وشغب وفتنة عندئذ انتقل إبراهيم عليه السلام إلى حجة أخرى فقال [فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ]( ).
وفي الإحتجاج الأول قال إبراهيم [رَبِّي الَّذِي] وفي الثاني قال [فَإِنَّ اللَّهَ] لبيان قانون وهو ليس من رب إلا الله تعالى .
وتأكيد قانون وهو السعة والمندوحة في الإحتجاج كطريق لإثبات الحق ، وقيام الحجة على الخصم من غير حاجة للجوء إلى العنف والإرهاب .
ويأتي التنازع بمعنى التعافي والتبادل والتعاور قال تعالى [يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لاَ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ]( )، والتنازع الجدال لاتخاذ فعل في أمر مخصوص كما لو قالت طائفة تفعل كذا ، وقالت طائفة أخرى باتيان غيره ، ويصح التنازع في الأخبار والوقائع بما يفيد الإختلاف ، وعن عبد الله بن عمرو (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه وهم يتنازعون في القرآن . هذا ينزع بآية ، وهذا ينزع بآية . فكأنما فقىء في وجهه حب الرمان فقال : ألهذا خلقتم ، أو لهذا أمرتم أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض ، انظروا ما أمرتم به فاتبعوه ، وما نهيتم عنه فانتهوا)( ).
والتنازع : الجدال والإختلاف .
وكما في الحديث عن ابن عباس : لما قدم أهل نجران من النصارى على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتتهم أحبار اليهود ، فتنازعوا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال رافع بن حريملة…الحديث( ).
(عن ابن عباس قال : اجتمعت نصارى نجران ، وأحبار يهود ، عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فتنازعوا عنده فقالت الأحبار : ما كان إبراهيم إلا يهودياً ، وقالت النصارى : ما كان إبراهيم إلا نصرانياً . فأنزل الله فيهم [يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتْ التَّوْرَاةُ وَالإِنجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ] ( )، إلى قوله وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ( ).
(قال أبو ذُؤيب:
فَتَنَازَعا وتَواقَفَتْ خَيْلاهُما … وكِلاهُما بَطَلُ النِّزاعِ مُخَدَّعُ) ( ).
والمخدّع : الذي يخدعه غيره سواء في الحرب أو غيرها .

آيات النزاع في القرآن
لقد وردت مادة ( نزاع ) في آيات متعددة منها ما يتعلق بموضوع النزاع ، وبيان قانون وهو : نصر الله عز وجل للمؤمنين في دعوتهم إلى التوحيد .
وهذه الآيات هي :
الأولى : قال تعالى [وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ]( ).
الثانية : قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً]( ).
الثالثة : قال تعالى [إِذْ يُرِيكَهُمْ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ]( ).
الرابعة : قال تعالى [وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ]( ).
الخامسة : قال تعالى [ وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا]( ).
السادسة : قال تعالى [فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى]( ).
السابعة : قال تعالى [لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ فِي الأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ]( ).
الثامنة : قال تعالى [يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لاَ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ] ( ).
قانون نزاع سورة الفاتحة ضد الإرهاب
الحمد لله الذي جعل سورة الفاتحة من الأجزاء الواجبة في الصلاة ، ومنهم من جعلها ركناً في الصلاة .
وفي قراءة كل مسلم ومسلمة لسورة الفاتحة في الصلاة اليومية تعاهد لحروفها وكلماتها ، وتدبر يومي متجدد في آياتها ومعانيها ، وهي أول سورة في نظم المصحف ، كما أنها من أوائل السور التي أنزلت على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة ، وتتألف من سبع آيات مع البسملة ، وإجماع المسلمين على أن البسملة في سورة الفاتحة جزء من السورة .
ووقع الإختلاط في البسملة في السور الأخرى ، لتكون بسملة الفاتحة سور الموجبة الكلية في افتتاح سور القرآن ، (مرّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أُبي بن كعب وهو قائم يصلّي فصاح له فقال : تعال إلي،
فعجل أُبي في صلاته ثمّ جاء الى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال : ما منعك يا أُبي أن تُجيبني إذا دعوتك؟
أليس الله يقول يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يُحييكم.
قال : لا جرم يا رسول الله لا تدعوني إلاّ أجبتك وإن كنت مصلياً.
قال : تحب أن أُعلمّك سورة لم تنزل في التوارة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها ؟
قال أُبي : نعم يا رسول الله.
قال : لا تخرج من باب المسجد حتّى تعلمها، والنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يمشي يريد أن يخرج من المسجد فلما بلغ الباب ليخرج قال له أُبي : يا رسول الله، فوقف .
فقال : نعم كيف تقرأ في صلاتك فقرأ أُبي أُمّ القرآن فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، والذي نفسي بيده ما أُنزلت في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن (مثلها) وإنّها لهي السبع المثاني التي أتاني الله عزّ وجلّ.) ( ).
ومن الإعجاز الغيري للقرآن ، وكيف أن السنة النبوية مرآة له ، تسمية النبي صلى الله عليه وآله وسلم سورة الفاتحة (الصلاة) كما في الحديث القدسي (قسمت الصلاة يعني هذه السورة بيني وبين عبدي نصفين؛ فنصفها لي ونصفها لعبدي،
فإذا قرأ العبد : {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} يقول الله : حمدني عبدي. وإذا قال العبد : {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} يقول الله تعالى : أثنى عليّ عبدي.
وإذا قال العبد : {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} يقول الله : مجّدني عبدي. وإذا قال العبد : {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}
قال الله : هذه الآية بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل.
فإذا قال العبد : {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} إلى آخرها قال : هذه لعبدي ولعبدي ما سأل) ( ) .
وفيه مسائل :
الأولى: موضوعية التلاوة في الصلاة .
الثانية : استحباب قراءة الفاتحة على كل حال .
الثالثة : الفوز بأجر كأجر الصلاة عند تلاوة سورة الفاتحة ، ولا يعني هذا أنها بديل للصلاة لوجوب الصلاة بأجزائها وأركانها ، والإتيان بها في أوقاتها .
ومعنى : قُسمت الصلاة أي قسَمتُ سورة الفاتحة ، وفيه دعوة للمسلمين والمسلمات جميعاً لحفظ سورة الفاتحة ، وتلاوتها في الصلاة ، وعدم جواز استبدالها بغيرها .
واللجوء إلى صلاة الجماعة عند تعذر قراءتها ، وهل يصح قراءة المكلف اثناء صلاته لها في ورقة أو لوح ثابت أمامه ، الجواب نعم ،وهل تصح قراءتها بالهاتف الذي يشيع استعماله في هذا الزمان ، الجواب نعم ، بحيث لا تخرجه حركات فتح الهاتف عن هيئة الصلاة وما تستلزمه من الخشوع ، وبينما يتبرأ الله عز وجل من العمل الذي يؤثر به رياءً ويترك للمرائى له كما لو صلى إنسان ليراه الأمير ، أو ليثق به التاجر .
و(عن النبي صلى الله عليه وآله قال: يقول الله سبحانه، أنا خير شريك
من أشرك معي شريكا في عمله فهو لشريكي دوني، لاني لا أقبل إلا ما أخلص لي.
وفي حديث آخر: إني أغني الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملا ثم أشرك فيه غيري، فأنا منه برئ، وهو للذي أشرك فيه دوني)( ).
لبيان أن الله عز وجل هو الغني الذي لا يحتاج ، وتنفع العبادة أهلها والذين يؤدونها ، فلابد من قصد القربة فيها ،قال تعالى [أَقِمْ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي] ( ) أي من أجل ذكري فاللام لام الغاية ، وحتى على القول باحتمال أنها لام التعليل فلا يتعارض مع المعنى الأول ، لأن القرآن يفسر بعضه بعضاً ، فالآية أعلاه مصداق عملي لقوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( ).
والرياء ضد لهذا القصد السامي ، وهل يحتمل إتيان بعض الإرهاب رياءَ ، الجواب نعم ، وهو من صيغ الغرر والجهالة .
الرابعة : بيان قانون وهو سورة الفاتحة قوس نزول وقوس صعود بين السماء والأرض ، لبيان قانون تعدد الصلة بين الله والعبد خمس مرات في اليوم بقراءة سورة الفاتحة بما يحجب عن المسلم التعدي ، ويمنع من الهّم به .

الآية سلاح
يتضمن تفسيري للقرآن (معالم الإيمان في تفسير القرآن) استحداث أبواب في تفسير الآية القرآنية بمنهج جديد يستظهر ذخائر الآية القرآنية لذا اختص كل جزء من أكثر أجزائه بتفسير آية واحدة ، وأبواب تفسير الآية الواحدة هي :
الأول : الإعراب واللغة .
الثاني : في سياق الآيات ، وهو علم يظهر شطراً من الذخائر العلمية في الصلة بين الآية محل البحث والآيات المجاورة لها .
الثالث :الصلة بين خاتمة الآيتين .
الرابع :إعجاز الآية الذاتي .
الخامس : إعجاز الآية الغيري .
السادس : الآية سلاح .
السابع :إفاضات الآية .
الثامن : الآية لطف .
التاسع : الآية بشارة .
العاشر : الآية إنذار .
الحادي عشر : الآية موعظة .
الثاني عشر : الآية رحمة .
الثالث عشر: الحاجة لآية البحث .
الرابع عشر : النعم التي تذكرها آية البحث .
الخامس عشر :مفهوم المخالفة .
السادس عشر : مفهوم الموافقة .
السابع عشر : الصلة بين أول وآخر الآية.
الثامن عشر : من غايات الآية .
التاسع عشر : أسباب النزول .
العشرون : التفسير ، وينشطر علم تفسير الآية بحسب كلمات ومواضيع الآية القرآنية.
لقد أفردت باباً في تفسير كل آية اسمه (الآية سلاح) وفيه بيان لقانون وهو الآية القرآنية ناطقة وفاعلة ، وبيان لمنافع الآية وسلطانها في الصلاح ، ودفع الفساد .
ويأتي ترتيب باب الآية سلاح في هذا التفسير بعد باب إعجاز الآية الغيري والنسبة بينهما هو العموم والخصوص من وجه ، إذ يتجلى في باب (الآية سلاح) إعجاز آخر للآية القرآنية ، ومن معاني هذا الإعجاز العنوان العام لهذا الجزء (النزاع المسلح بين القرآن والإرهاب) فمن خصائص الآية القرآنية في المقام وجوه :
الأول : الوقاية الذاتية من التحريف في النص والدلالة.
الثاني : حصانة وثبات الآية القرآنية بوجه الظواهر الإجتماعية والهزات الفكرية .
الثالث : هجوم الآية القرآنية على الخطأ في التأويل ، وسوء التقدير ، قال تعالى [كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ]( ).
قانون أطراف النزاع
قد يقع نزاع بين أفراد أو جماعات ، ودول هي طرف في إتفاقيات ووشائج ، وهناك عهود بينها يجب أن تلتزم بها ويعمل على احترامها .
وقد يقع بين طرف يتقيد باتفاقيات وطرف آخر لا يرتبط باتفاقية أو لا يتلزم بها وليس من حماية للإتفاقيات بين أطراف النزاع بما يكفل حال السلم والتعايش والموادعة والقرآن وثيقة سماوية لحفظ وحماية العهود .
وفي اتفاقيات جنيف لعام 1949 وما بعدها حلّ مصطلح أطراف النزاع محل مصطلح (المتحاربون) في القانون الدولي الإنساني ، وإن لم تدخل فيه الجماعات التي لا تلتزم بالقانون وتحارب الدولة ، ولكن هذا لايمنع من التقارب بينها ، وإيجاد صيغة من التفاهم ، ووجوه الإلتقاء والهدنة ، وترك السلاح وسفك الدماء .
وعندما نزل القرآن حاربه المشركون ويقال بعضهم لو نشاء جئنا بمثل هذا القرآن ، وفي التنزيل [وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ]( ).
ولكن آيات القرآن تترى ، والناس يدخلون الإسلام تباعاً ، افراداً وجماعات ، والذين يفدون إلى مكة يأخذون في ركابهم تحفة سماوية إلى أهليهم سورة أو أكثر من السور المكية ، وهو من الإعجاز بسهولة حفظها وجزالة معانيها ، ودلالتها المتجددة فزاد مشركو قريش من هجومهم ، ونعتوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنه شاعر ، وأنه ساحر ، وأنه يأخذ الكلام من أهل الكتاب ، وأخبر الله عز وجل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأجيال المسلمين إلى يوم القيامة بما كانوا يقولون ، قال تعالى [وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ]( ).
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يجلس الى الناس يدعوهم إلى الإسلام منهم من تعلم التوراة فيسمع منه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم يتلو عليه القرآن ، فقالت قريش إن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم أخذ منه ، قال مجاهد (أنه بلعام وكان قيناً بمكة ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل عليه يعلمه ، فاتهمته قريش أنه كان يتعلم منه)( ).
وقيل (أنهما غلامان لبني الحضرمي ، وكانا من أهل عين التمر صيقلين يعملان السيوف اسم أحدها يسار ، والآخر جبر ، وكانا يقرآن التوراة ، وكان رسول الله ربما جلس إليهما) ( ).
وقال الضحاك : أرادوا به سلمان( ).
وهو بعيد إذ أن الآية أعلاه مكية وسلمان أسلم في المدينة .
وتبين الآية أعلاه عدم بيان ترجمة القرآن للغات الأخرى إعجازه وذخائره ، وكذا فان ترجمة اللغات الأخرى إلى العربية لا تأتي بذات البلاغة والإعجاز لقانون عصمة معاني القرآن عن الترجمة من العربية وإليها ، فهو كلام الله قال تعالى [وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ * وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ]( ).
لقد نازع القرآن هؤلاء المشركين وانتصر عليهم ، وهذا الإنتصار غير ظفر ونصر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في معركة بدر وأحد والخندق ، إنما هو نصر نمت بشائره في مكة ، واتصلت وتوالت .
وتحمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو في مكة شتى صنوف الأذى ، ولم يرفع سيفاً ، ولكن آيات القرآن كانت تجذب الناس للإيمان ، وتحارب الذين كفروا ، وتزيح الكفر وعبادة الأوثان عن الأذهان والمجتمعات .
فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحده في الميدان ، إذ كان معه كلام الله ، واليوم إذ تقع حوادث إرهاب فان القرآن يتصدى لها ، وينازعها وهو من الشواهد على سلامة القرآن من التحريف وحاجة المسلمين والناس جميعاً لهذه السلامة ، إذ يفضح القرآن من يريد اتخاذ بعض آياته ذريعة للإضرار بالغير ، فالقرآن يفسر بعضه بعضاً ، وهو كلام الله الذي يدعو للألفة والتراحم بين الناس مطلقاً ، كما في قوله تعالى [ثُمَّ كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ]( ).
ولم يرد لفظ (المرحمة) في القرآن إلا في الآية أعلاه ، ومن إعجاز القرآن ودلالة هذه الآية الإرتقاء في كل من :
الأول : علم الأحياء الإجتماعي .
الثاني : علم السلوك البشري .
الثالث : علم النفس والإجتماع .
الرابع : علم الأخلاق .
إذ تجمع الآية بين كل من :
الأول : الصبر .
الثاني : التوصية بالصبر .
الثالث : الرحمة بالآخرين .
الرابع : المناجاة برحمة القريب والبعيد ، والصديق والعدو .
الخامس : جمع المسلمين بين الصبر على الأذى والتراحم ، ورحمة الآخرين ، وهذه الآية شاهد على أن القرآن ينازع الإرهاب ولا يرضى به فهو خلاف الصبر والمرحمة وخلاف إجتماعهما الذي نزلت به الآية أعلاه بحكم عام لجميع المسلمين .

قانون تلاوة النبي حصن من الإرهاب
تلاوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للقرآن وكثرة هذه التلاوة تأسيس لنظام غني متصل إلى يوم القيامة محصن من الإرهاب ، فذات التلاوة مانعة من الإرهاب وسفك الدماء ، من جهات :
الأولى : التلاوة شاهد على الإنقطاع إلى الله عز وجل.
الثانية : تضمن آيات القرآن للأحكام التكليفية الخمسة : الوجوب والندب ، الإباحة، الكراهة ، الحرمة.
وفيه ترغيب بالعمل الصالح ، وزجر عن الظلم وفعل السيئات.
والإرهاب من الظلم للنفس والغير ليدل قوله تعالى [وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ]( )، على حقيقة وهي أن الله عز وجل أقام الحجة على الناس بالنبوة والتنزيل ، ولكن شطراً من الناس إختاروا داء العناد ، وقاموا بالتعدي ، والإمتناع بالإختيار لاينافي الإختيار.
الثالثة : كل آية قرآنية مدرسة في الأخلاق الحميدة ، وتلاوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم للآية القرآنية وبيانه لأحكامها تأديب وإصلاح للأجيال ومن الأخلاق الحميدة ، والتعاون في الزجر عن الإرهاب ، ومنها الإمتناع عن الظلم والتعدي على الناس ، وأسباب بث الخوف والرعب في المجتمعات الآمنة .
الرابعة : تدعو الآية القرآنية إلى عبادة الله وحده ، لتكون هذه العبادة سور الموجبة الكلية الذي يلتقي الناس جميعاً عنده ، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحب أن يسمع القرآن من أهل بيته وأصحابه.
وفيه تنمية لملكة حفظ القرآن ، وبعث على التلاوة الصحيحة ، والحرص على خلوها من التحريف.
وعن عبد الله بن مسعود قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اقرأ عليَّ قلت : يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل ، قال : نعم . إني أحب أن أسمعه من غيري . فقرأت سورة النساء حتى أتيت على هذه الآية { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً} فقال : حسبك الآن . . فإذا عيناه تذرفان( )، وفيه مسائل :
الأولى : ترغيب المسلمين بتلاوة القرآن .
الثانية : الفوز بالأجر والثواب لتالي القرآن والسامع والمستمع له.
الثالثة : مع أن التلاوة مطلوبة بالذات فانها نوع طريق للتدبر في القرآن .
الرابعة : في التلاوة تعاهد لكلمات وآيات القرآن ، ودعوة لتوارث وضبط الكلمات والحروف.
الخامسة : منع الكبير من الترفع عن الإستماع للصغير ، وكذا العكس .
السادسة : تدارس المسلمين فيما بينهم القرآن ، وتنقيح القراءة حتى إذا اتسع الإسلام ودخلت القبائل والشعوب كان تدارسهم للقرآن وسيلة للحفظ والتدبر بالآيات .
أي أن طلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم من عبد الله بن مسعود ليقرأ القرآن عليه توطئة لدخول الناس الإسلام ، وتعاونهم في حفظ آيات القرآن والتدبر في معانيها .
ولو دار الأمر بين إنحصار الطلب من النبي بالإستماع للقرآن من خصوص عبد الله بن مسعود أو شموله لغيره من أهل البيت والصحابة ، المختار هو الثاني .
وليس من كتاب نفع اللغة التي أنزل فيها مثل القرآن وهو من إعجازه والشواهد على نزوله من عند الله .
وتنمي تلاوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم للقرآن في النفوس ملكة عشق القرآن وتدعو الى العمل بمضامينه القدسية ، وفيه سكينة للجوارح ، وأمن الناس منها ، أي أن جوارح الإنسان وعوامله التي تكسب وهي كل من :
الأولى : اليدان .
الثانية : الرجلان .
الثالثة : اللسان .
الرابعة : البصر .
الخامسة : السمع .
السادسة : الفرج .
تستريح فلا يلحقها أذى الإرهاب ، ويستراح منها فلا تقوم بالإرهاب ، قال تعالى [وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ]( )، و(عن أبي قتادة قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مرت جنازة فقال : مستريح ومستراح منه ، فقلنا يا رسول الله : ما المستريح وما المستراح منه؟ قال : العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله سبحانه وتعالى ، والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب)( ).
وهو من التقوى ، لذا ابتدأت سورة البقرة بقوله تعالى [الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ]( ).
لقد كانت تلاوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تغزو القلوب ، وتسافر إلى القبائل وتدخل البيوت ، ليكون فيها غنى عن غزو النبي لها( ).
قانون من يَرهب الله لا يُرهب الناس
وردت مادة (رهب ) في القرآن في صيغ متعددة منها مرة واحدة بصيغة الفعل المضارع بخصوص التوراة قال تعالى [وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ] ( ). ودخلت اللام على ربهم لبيان عدم إنحصار الأمر بالخشية من الله ، إنما يشمل طاعته وحبه والشكر له والثناء عليه سبحانه ، وطاعة رسله ، قال تعالى [وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا] ( ) وقال تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا] ( ).
وقد جاء النبي بالحنيفية السمحاء ، إذ تتقوم الدعوة الإسلامية بالصلاح والنسك ، والعفاف ، والتنزه عن الظلم والإعتداء .
ومع أن النبي محمداً كان في معارك الإسلام في حال دفاع محض ، وأنه لم يغز قرية أو بلدة ، فان النظر إلى سيرته يجب أن يحيط بوجوهها المتعددة في كل من :
الأول : باب العقائد وأحكام العبادات ، وحرص النبي على أدائها في أوقاتها .
الثاني : المعاملات وأحكام الحلال والحرام ، والمسائل الفقهية .
الثالث : سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في بيته ومع أصحابه.
الرابع : حضور العفو عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الوقائع والأحداث ، قال تعالى [فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ]( )، والمراد من الصفح هو الخالي من الغضب والتذمر والإعراض ، إنما يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع الصفح : سلام ، وان تجدد صدور الأذى سواء من طائفة من أهل الكتاب أو من المشركين ، فان ذات الصفح والعفو واللطف يتجدد ، وهو من أخلاق النبوة قال تعالى [وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ]( ).
الخامس : مدرسة الخلق الحميد التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
(عن أبي الدرداء قال : سألت عائشة عن خلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت : كان خلقه القرآن يرضى لرضاه ويسخط لسخطه .
وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن شقيق العقيلي قال : أتيت عائشة فسألتها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقالت : كان أحسن الناس خلقاً ، كان خلقه القرآن) ( )، والنسبة بين خلق القرآن والإرهاب هي التنافي والتضاد .
السادس : خوف ورهبة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الله عز وجل وتأديبه أصحابه على الرهبة من الله عز وجل .
لقد كان الأنبياء قادة الأمم في الخشية والرهبة من الله عز وجل ، لتكون هذه الرهبة ميراثاً وملكة في القول والعمل عند الناس ، ولكن عندما انحرف أهل الجزيرة وعبدوا الأوثان أشاعوا الإرهاب لأنهم لم يرهبوا الله في السر أو العلانية ، وبعث الله سبحانه النبي محمداً لتكون نبوته برزخاً دون صيرورة الإنسان مرهباً ومُفزعاً لغيره ، وسيأتي قانون رسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم استئصال للإرهاب .
وهو من مصاديق ختم النبوات برسالته وقوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ] ( ) ولا تجتمع في قلب الإنسان الرهبة من الله ، وإراقة الدماء ، ونشر الكراهية .
وهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الرهبة من الله ، الجواب نعم ، وجعله الله عز جل واجباً ليجد الإنسان نفسه بالحرص على إتيان المعروف الذي يأمر به ، وبإجتناب المنكر الذي ينهى عنه .
وفي الثناء على النبي وبشارة الأنبياء السابقين به ومجئ رسالته بحرمة الإرهاب ، دعوة للناس للإقرار برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعدم إلحاق السلوك لبعض الأشخاص بها إذا كان هذا السلوك مقابراً لمبادئ الرسالة والتنزيل ، قال تعالى [الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ]( ).
ولم يرد لفظ [يَجِدُونَه] و[مَكْتُوبًا] و[إِصْرَهُمْ] و[عَزَّرُوهُ]في القرآن إلا في الآية أعلاه ، لتكون البشارة في التوراة والإنجيل بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كخاتم الأنبياء ، والقائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
ويحرم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الخبائث على المسلمين ، ومنها الدم ولحم الخنزير ، ومنها الربا والزنا وشرب الخمر والرشوة وسفك الدماء بغير حق ، وإخافة الناس الآمنين ، وقوله تعالى [وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ].
أي الأثقال التي كانت عليهم ، وقيل المراد الثقل الذي كُلف به بعض الشرائع السابقة من الأذى مثل قتل النفس في التوبة ، وقطع موضع النجاسة من الثوب ، والقصاص في حال الخطأ كما هو في حال العمد .
والمختار أن المراد هو التشديد الذي كان العرب وغيرهم يتصفون به ، أما العرب ومنه الإصرار على الثأر مثلاً الذي فيه شدة على الذي يريد أخذ الثأر ، وعلى قبيلة القاتل لأنهم لم يحصروا الثأر يومئذ بالقاتل ، إنما يقصد أي فرد من قبيلته ، وهو من الأثقال التي كانت عليهم ومن الإرهاب ، فجاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالسلم المجتمعي ، وأن القصاص لا يكون إلا من القاتل ولذوي المجني عليه العفو ، قال تعالى [وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى]( ).
قانون دفاع الآية القرآنية عن النبوة
لقد جعل الله عز وجل ملازمة بين النبوة والمعجزة ، فما أن ينال النبي صفة ومرتبة النبوة حتى تجري على يديه المعجزة ، مثل ناقة صالح ، وعصا موسى عليه السلام ، واحياء عيسى عليه السلام للأبرص والأكمه ، وفي التنزيل [فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ]( )، وتفضل الله عز وجل وجعل معجزة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عقلية غفنة طرية إلى يوم القيامة ، وهو القرآن .
ومن منافع هذا الجعل دفاع القرآن عن نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم والأنبياء السابقين في آية في العالمين لا يقدر عليها إلى الله عز وجل ، وصبغة هذا الدفاع سلمية محضة خالية من الإرهاب ، ولا تؤدي إليه فعلاً أو رد فعل .
(عن جابر بن عبد الله قال : قال أبو جهل والملأ من قريش : قد انتشر علينا أمر محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فلو التمستم رجلاً عالماً بالسحر ، والكهانة ، والشعر .
فقال عتبة : علمت من ذلك علماً ، وما يخفى علي إن كان كذلك ، فأتاه فلما أتاه قال له : يا محمد أنت خير أم هاشم ، أنت خير أم عبد المطلب ، أنت خير أم عبد الله( ).
فلم يجبه قال : فيم تشتم آلهتنا ، وتضلل آباءنا.
فإن كنت إنما بك الرياسة عقدنا ألويتنا لك فكنت رأسنا ما بقيت ، وإن كان بك الباءة زوّجناك عشرة نسوة تختار من أي بنات قريش ، وإن كان بك المال جمعنا لك من أموالنا ما تستغني به أنت وعقبك من بعدك ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ساكت لا يتكلم.
فلما فرغ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : بسم الله الرحمن الرحيم [حم * تَنزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا]( )، فقرأ حتى بلغ [فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ]( ).
فأمسك عتبة على فيه ، وناشده الرحم أن يكف عنه ، لم يخرج إلى أهله ، واحتبس عنهم .
فقال أبو جهل : يا معشر قريش ما نرى عتبة إلا قد صبأ إلى محمد وأعجبه طعامه ، وما ذاك إلا من حاجة أصابته انتقلوا بنا إليه .
فأتوه فقال أبو جهل : والله يا عتبة ما حسبنا إلا أنك صبوت إلى محمد وأعجبك أمره ، فإن كنت بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن محمد .
فغضب وأقسم بالله لا يكلم محمداً أبداً وقال : لقد علمتم أني أكثر قريش مالاً ولكني أتيته .
فقص عليهم القصة ، وقال : أجابني بشيء والله ما هو بسحر ، ولا شعر ، ولا كهانة ، فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ، {حم تنزيل من الرحمن الرحيم ، كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً }( ) حتى بلغ {أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عادٍ وثمود }( ) فأمسكت بفيه ( )وناشدته الرحم فكيف وقد علمتم أن محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب فخفت أن ينزل بكم العذاب) ( ).
ويحتمل دفاع الآية القرآنية عن النبوة سعة وضيقاً من جهة الزمان والمكان وجوهاً :
الأول : هذا الدفاع خاص بأيام البعثة النبوية .
الثاني : إرادة أوان تلاوة آيات القرآن مطلقاً .
الثالث : قراءة الآيات الخاصة بالدفاع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والتدبر في معانيها وهي آيات كثيرة منها [إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ]( )، [وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ * وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ]( )، [وَمَا ينطق عن الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى]( )، [رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِأَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا]( ).
الرابع : دفاع الآية القرآنية عن النبوة والنبي محمد في كل زمان ومكان .
والصحيح هو الأخير ، وهو من مصاديق صفة العقلية لمعجزة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولا يختص دفاع القرآن عن النبوة والرسالة بأيام الحياة الدنيا بل يقوم القرآن بتبليغ الناس عن حضور وشهادة الرسل يوم القيامة ، قال تعالى [يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ]( )، لقد قام الرسل بالتبليغ بوجوب الإيمان وبأداء الفرائض والتنزه عن فعل المعاصي ، وعن إرهاب وإخافة الناس والرعب العام .
قانون التلاوة تطرد الإرهاب
لقد جعل الله عز وجل تلاوة الآية القرآنية بلحاظ هذا الجزء على وجوه :
الأول : أنها نداء عام للتعايش السلمي .
الثاني : في التلاوة دعوة للإصلاح .
الثالث : تبعث الآية القرآنية السكينة في النفس ، وتجعلها تتجلى في الجوارح بامساكها عن الضرر والإضرار .
الرابع : تبين آيات القرآن القبح الذاتي للظلم والإرهاب ، من وجوه الظلم .
الخامس : ندب الآية القرآنية الناس إلى سبل الهدى .
السادس : تنشر الآية القرآنية لواء السلام بين الناس.
السابع : تهجم الآية القرآنية على الإرهاب فتفضحه وتخزيه ، وتبين خطأ مدركه .
الثامن : من خصائص الآية القرآنية براءتها من الإرهاب ، لتكون تلاوتها اعلاناً متجدداً لهذه البراءة ، وهو من أسرار وجوب تلاوة آيات القرآن .
(عَنْ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ يُقَالُ لَهُ سُلَيْمٌ
أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ يَأْتِينَا بَعْدَمَا نَنَامُ وَنَكُونُ فِي أَعْمَالِنَا بِالنَّهَارِ فَيُنَادِي بِالصَّلَاةِ فَنَخْرُجُ إِلَيْهِ فَيُطَوِّلُ عَلَيْنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ لَا تَكُنْ فَتَّانًا إِمَّا أَنْ تُصَلِّيَ مَعِي وَإِمَّا أَنْ تُخَفِّفَ عَلَى قَوْمِكَ ثُمَّ قَالَ يَا سُلَيْمُ مَاذَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ قَالَ إِنِّي أَسْأَلُ اللَّهَ الْجَنَّةَ وَأَعُوذُ بِهِ مِنْ النَّارِ وَاللَّهِ مَا أُحْسِنُ دَنْدَنَتَكَ وَلَا دَنْدَنَةَ مُعَاذٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ وَهَلْ تَصِيرُ دَنْدَنَتِي وَدَنْدَنَةُ مُعَاذٍ إِلَّا أَنْ نَسْأَلَ اللَّهَ الْجَنَّةَ وَنَعُوذَ بِهِ مِنْ النَّارِ
ثُمَّ قَالَ سُلَيْمٌ سَتَرَوْنَ غَدًا إِذَا الْتَقَى الْقَوْمُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ وَالنَّاسُ يَتَجَهَّزُونَ إِلَى أُحُدٍ فَخَرَجَ وَكَانَ فِي الشُّهَدَاءِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَرِضْوَانُهُ عَلَيْهِ) ( ).

قانون آيات التقوى سلاح ضد الإرهاب
يمكن تسمية الحياة الدنيا دار التقوى ، لعمومات قوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ]( ).
والنسبة بين العبادة والتقوى عموم وخصوص مطلق ، فالعبادة أعم ، والتقوى لغة : اسم من الفعل .
يقال (وقاه الله وقياً، ووقاية، وواقية: صانه، قال أبو معقل الهذلي :
فعاد عليك إن لكن حظاًّ … وواقية كواقية الكلاب
وقال مهلهل :
ضربت صدرها الي وقالت … يا عدياً لقد وقتك الأواقي
إنما أراد : الواوقي جمع واقية. فهمز الأولى.
ووقاه : صانه ، ووقاه ما يكره.
ووقاه : حماه منه ، والتخفيف أعلى ، وفي التنزيل [فَوَقَاهُمْ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ]( ).
والوَقَاء ، والوِقاء ، والوقاية ، والوقاية ، والوقاية ، والواقية : ما وقيته به.
وقال اللحياني : كل ذلك مصدر: وقيته الشيء.
والتوقية : الكلاءة والحفظ، قال:
إن الموقى مثل ما وقيت
وقد توقيت ، واتقيت الشيء ، وتقيته أتقيه تقىً ، وتقية، وتقاء: حذرته، الأخيرة عن اللحياني.
والاسم : التقوى، التاء بدل من الواو، والواو بدل من الياء. وقوله تعالى [إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً]( )، وفي التنزيل[وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ]( )، أي جزاء تقواهم، وقيل: معناه: ألهمهم تقواهم، وقوله تعالى [هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ]( )، أي: هو أهل أن يتقى عقابه، وأهل أن يعمل بما يودي إلى مغفرته)( ).
والتقوى في الإصطلاح طاعة الله والخشية منه ، والإحتراز بطاعته تعالى وتحصين النفس مما يجلب سخط الله .
وذكرت مادة (وقى) في القرآن نحو (258) مرة وبصيغ الفعل الماضي والأمر والمضارع ، ولغة المفرد والجمع ، والاسم والمصدر .
(وقانا، وقاه، وقاهم، تق، تقيكم، قنا، قهم، قوا، يوق، اتقى، اتقوا، اتقيتن، تتقوا، تتقون، يتق، يتقه، فليتقوا، يتقون، يتقي، اتق، اتقوا، اتقون، اتقوه، اتقين، الأتقى، أتقاكم، واق، تقيا، تقاة، تقاته، التقوى، تقواها، تقواهم، المتقون، المتقين.
ويقال : وقى يقي وقيا ، فهو واق ، وفي التنزيل [وَمَا لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ]( ).
و(الوِقاية والوَقاية: كل ما وَقَى شيئاً فهو وقاية.
وفي الحديث : من عصى الله لم تقه منه واقية إلا بإحداث توبة.
وأنشد الباهلي للمتنخل الهذلي:
لا تَقِهِ الموتَ وقِيّاتُه … خُطَّ له ذلك في المَهبِلِ
قال: وَقِيّاته ما تَوَّقى به من ماله والمهبل: المستودع.
ورجل وَقِيٌّ تقيٌّ بمعنى واحد.
ويقال وقاك الله شرَّ فلان وقاية.
وقال الله [[وَمَا لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ]( )، أي من دافع.
أبو عبيد عن أبي عبيدة في باب الطيرة والفأْل: الواقي: الصُّرد. وقال مرقش:
ولقد غَدَوْتُ وكنتُ لا … أغدو على واق وحاتمْ)( ).
وقد أمر الله عز وجل الناس بالتقوى كما في قوله تعالى [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا]( )، كما خاطب الله عز وجل المسلمين على نحو الخصوص بالتقوى ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ]( ).
وتكرر الأمر بتقوى الله في هذه الآية مرتين.
وبدأ الحض على التقوى من أيام أبينا آدم ، إذ قال هابيل بن آدم لأخيه قابيل [إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ]( ).
لبيان قانون وهو التحلي بالتقوى برزخ دون الإرهاب وإزهاق الأرواح .
وليس من نبي الا وجاء لقومه بالأمر بالتقوى والتقيد بأحكامها وسننها ، والإخبار عن الثواب العظيم على التقوى والخشية من الله عز وجل في القول والعمل ، وليس من نبي إلا وأمر قومه بالتقوى.
وهل الخطاب بتقوى الله في الآية أعلاه خاص بالصحابة ، الجواب لا ، فهو خطاب عام لاجيال المسلمين المتعاقبة ولكل مسلم ومسلمة ، أي يأتي الخطاب للمسلم من وجوه :
الأول : الأمر التكليفي بتقوى الله ، وليس بين الله عز وجل والعبد من واسطة في الخطاب التكليفي ، وهو من أسرار القرآن .
الثاني : لقد كان نصر الله عز وجل للمسلمين في معركة بدر عزاً ورفعة لكل مسلم ومسلمة من الأجيال المتعاقبة لذا فمن الشكر لله عز وجل على هذه النعمة تقوى الله عز وجل ، ومن التقوى العصمة من الإرهاب .
لبيان قانون وهو آيات التقوى سلاح ضد الإرهاب ، وفيها البشارة والأجر والثواب ومن هذه الآيات :
الأولى : [الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمْ الْبُشْرَى]( ).
الثانية : [إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ]( ).
الثالثة : [وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا]( ).
الرابعة : [وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا]( ).
الخامسة : [وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا]( ).
السادسة : [ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا]( ).
الثالث : يتلقى المسلم الخطاب العام [فَاتَّقُوا اللَّهَ] كفرد من مجموع المسلمين ، لتكون التقوى قسمين :
أولاً : التقوى العامة .
ثانياَ : التقوى الفردية الخاصة .
وكل من هذين القسمين زاجر عن الإرهاب ، ومانع منه.
ترى ما هي النسبة بين الإرهاب والتطرف ، المختار أنها العموم والخصوص المطلق وأن لفظ الإرهاب أعم.
قانون التقوى أمن ودفاع
لقد جعل الله عز وجل الإنسان كائناً محتاجاً ، والحاجة ملازمة لعالم الإمكان ، ومن مصاديق حاجة الإنسان وجوب التحلي بالتقوى لأنها نوع طريق لسبل الهدى والرشاد .
ويحتاج المؤمنون التقوى قبل الدفاع واثناءه وبعد انقضاء المعركة كما في قوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]( ).
إذ يدل نصر الله عز وجل للنبي وأصحابه على تحليهم بالتقوى ، ومن ثم أمرتهم الآية الكريمة وعموم المسلمين بتقوى الله ، والخشية منه في السر والعلانية وهي على وجوه :
الأول : إنها مفتاح للخير.
الثاني : التقوى سبب للسعادة والنجاة في النشأتين.
الثالث : الخشية من الله برزخ دون البلايا والفتن والمحن .
لقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في ضيق شديد من تهديد قريش المستمر بقتلهم ، أو قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة وأسر عدد من أصحابه واقتران هذا التهديد بالغزو المتعدد من المشركين ، فقد أظهرت نتائج معركة بدر أن المشركين عازمون على الثأر لقتلاهم والإنتقام لهزيمتهم والأصل العقلائي عدم تكرار الإرهاب عند ترتب الضرر الذاتي عليه ، لأنه شر محض .
وكانوا يجاهرون بالثأر والإستعدادات الكبرى لمعركة الحسم ، مع أنهم هم الذين اعتدوا وأصروا على القتال في معركة بدر .
فكما تتضمن الآية أعلاه الخطاب من الله عز وجل للمسلمين بتأكيد نصرهم في معركة بدر ، ونسبة هذا النصر إلى الله عز وجل ، فانها تدل في مفهومها على هزيمة المشركين ، ولحوق الخزي بهم .
وتدل آيات قرآنية أخرى على تبكيتهم بسبب هذا التعدي وإختيار القتال يوم بدر ، ومنها [وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ]( )، ومنها [وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ]( )، ومنها ما نزل بخصوص معركة بدر كما في قوله تعالى [إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ]( ).
ومن أظهر معاني التقوى أمور :
الأول : الإجتهاد بعبادة الله ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ]( ).
الثاني : الحرص على طاعة الله ، قال تعالى [وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ]( ).
الثالث : اتباع أوامر الله.
الرابع : اجتناب ما نهى الله عنه ، واتقاء غضبه وسخطه.
قانون جهاد النبي (ص) بآيات القرآن
لقد أخبرت آية لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ عن إبتلاء واختبار وامتحان المؤمنين بأموالهم وأنفسهم ، ومن الإبتلاء الجامع للفردين معاً الأموال والأنفس من وجوه :
الأول : الصبر على تكذيب قريش لنبوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ونعته بأنه ساحر ، ومجنون ،وفي التنزيل [وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ] ( ) وفيه إبتلاء في باب العقيدة والنبوة ، ويدخل في الإبتلاء بالأموال والنفوس .
و(عَنْ السُّدِّيِّ قَالَ : اجتمعت قريش، فقالوا: إِنَّ محمداً رجل حلو اللسان، إِذَا كلمه الرجل ذهب بعقله، فانظروا أناساً مِنَ اشرافكم المعدودين المعروفة أنسابهم، فابعثوهم في كُلّ طَرِيق مِنْ طرق مكة عَلَى رأس كُلّ ليلة أو ليلتين .
فمن جاء يريده فردوه عنه، فخرج ناس منهم في كُلّ طَرِيق، فكان إِذَا أقبل الرجل وافداً لقومه ينظر مَا يَقُولُ مُحَمَّد، فينزل بهم.
قالوا لَهُ: أنا فلان ابن فلان، فيعرفه بنسبه، ويقول: أنا أخبرك عَنْ مُحَمَّد، فلا يريد إِنَّ يَعْنِي إليه، هُوَ رجل كذاب، لَمْ يتبعه عَلَى أمره إلا السفهاء والعبيد ومن لا خير فيه، وأما شيوخ قَوْمِهِ وخيارهم، فمفارقون لَهُ فيرجع أحدهم، فذلك قوله [وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ]( ).
فإذا كَانَ الوافد ممن عزم الله لَهُ عَلَى الرشاد، فقالوا لَهُ مثل ذَلِكَ في مُحَمَّد، قَالَ: بئس الوافد أنا لقومي إِنَّ كنت جئت، حتى إِذَا بلغت إلا مسيرة يَوْم، رجعت قبل إِنَّ ألقى هَذَا الرجل، وأنظر مَا يَقُولُ وآتي قومي ببيان أمره، فيدخل مكة فيلقى المؤمنين فيسألهم : ماذا يَقُولُ مُحَمَّد ، فيقولون [خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ]( )، يَقُولُ : قَالَ [وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ]( )، وهي الْجَنَّة)( ).
الثاني : الأذى المترشح عن الإستخفاف بشخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفيه محاربة له وللمؤمنين في الأموال وباب التجارة ، ومعاملات البيع والشراء والرهن والإجارة ونحوها ، وقد تفضل الله عز وجل واستبق هذا الإبتلاء بحسن سمت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمانته وصدقه حتى سمي الصادق الأمين .
وكانت هذه التسمية صفة مصاحبة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وشائعة في قريش قبل البعثة ، وهي مقدمة ودعوة للناس للتصديق به .
وفي قوله تعالى [أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ] ( ) ذكر أن الآية نزلت في أبي جهل ، إذ كان يمشي ليلة مع الوليد بن المغيرة في مكة , فأقر أبو جهل بصدق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيما يعلنه من نبأ نبوته ورسالته ، فسأله المغيرة عن علة وسبب هذا القول .
قال أبو جهل : كنا نسميه في صباه الصادق الأمين ، فكيف نسميه عندما بلغ رشده وتم عقله : الكذاب الخائن( ).
أي أن أبا جهل استدل بأصل الإستصحاب ، وهو دليل عقلي قبل أن يكون أصولياً ، ليكون حجة عليه .
فقال له الوليد : إذن ما يمنعك من التصديق به .
قال : لا أريد أن تتحدث عني بنات قريش أني قد أتبعت يتيم أبي طالب من أجل كِسرَة ، أي طمعاً بشئ قليل من طعام الدنيا ، ثم قال : واللات والعُزى أن اتبعتهُ أبداً فنزلت [وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ]( ).
وهل يمكن القول بأن عدم إتباع رجالات قريش للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من إبتلاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بأموالهم وأنفسهم .
الجواب نعم ، لأنهم امتنعوا عن الواجب والميثاق الذي جاء به الأنبياء ، ومنهم آدم وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام .
وصارت إقامتهم على الكفر والجحود سبباً للإنشغال بهم ، قال تعالى [وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ]( ) ، وهذه الإقامة سبب للحرمان من الإنتفاع من دخولهم الإسلام ، أو الإستفادة من صحبتهم وأموالهم ، وهي مقدمة لمناجاتهم في الباطل ، وأمرهم بالمنكر ، وإيذاء وتعذيب المؤمنين .
الثالث : قيام مشركي قريش بضرب الحصار الإقتصادي والإجتماعي والسياسي على أهل البيت ، وحصرهم في شعب أبي طالب ، وحتى الذي يخرج إلى السوق منهم لشراء مؤونة وغذاء له ولعياله بما ادخره عنده من مال قليل فان الكفار يمتنعون عن بيعه ، وإذا جاء بسلعة ليبيعها ويأخذ بثمنها مؤونة فانهم لا يشترونها منه ، وإن خفّض بدلها إلى النصف من قيمتها .
وتنهى آية البحث عن بيع العهد والميثاق الإلهي بأي ثمن ، ولكن الذين كفروا أصروا على الإستكبار واتباع الهوى وعبادة الأوثان ، وامتنعوا عن الإقرار بالتوحيد ، فصحيح أن موضوع آية البحث هو ميثاق أهل الكتاب ، إلا أنها تذّكر الناس بالمواثيق بينهم وبين الله ، وتدعو إلى تعاهدها .
وهل يمكن القول أن آيات التنزيل من هذه المواثيق ، الجواب نعم ، قال تعالى [تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ] ( ).

آية التنازع في معركة أحد
قال تعالى [وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ]( ) ( ).
تتعلق وقائع هذه الآية الكريمة بمعركة أحد ، إذ توثق آيات القرآن أحداث هذه المعركة التي وقعت في شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة بما يفيد أن المشركين قاموا بأشد ضروب الإرهاب ولمعان السيوف ضد كل من:
الأول : النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : المهاجرون والأنصار .
الثالث : عموم أهل المدينة رجالاً ونساءً .
الرابع : يهود المدينة .
الخامس : عامة المسلمين ، ومنهم الذين في مكة .
وكان كفار قريش يقصدون البطش بالمهاجرين على نحو التعيين لمسائل متعددة ، وكل واحدة منها إرهاب محض منها :
الأولى : الثأر والإنتقام لقتلى المشركين السبعين في معركة بدر .
الثانية : إعادة المهاجرين أسرى إلى مكة .
الثالثة : إدخال الحزن لذوي المهاجرين ، مثلما دخل الحزن يوم بدر لبيوت المشركين .
الرابعة : محاولة إرتداد عدد من المسلمين ، قال تعالى [وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا] ( ) .
الخامسة : إيذاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأصحابه.
السادسة : منع الناس من دخول الإسلام والهجرة إلى المدينة .
ومن الإعجاز في رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعصمتها من الإرهاب وأضراره عدم وقوع أسرى من الصحابة في أيدي المشركين سواء في معركة بدر أو معركة أحد أو معركة الخندق.
و(عن سبرة ابن الفاكه : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : إن الشيطان قعد لابن آدم في طرقه ، فقعد له بطريق الإِسلام فقال : تسلم وتذر دينك ودين آبائك ، فعصاه فأسلم ، ثم قعد له بطريق الهجرة فقال له : أتهاجر وتذر أرضك وسماءك وإنما مثل المهاجر كالفرس في طوله ، فعصاه فهاجر ، ثم قعد له بطريق الجهاد فقال : هو جهد النفس والمال فتقاتل فتقتل فتنكُح المرأة ويُقسم المال ، فعصاه فجاهد .
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فمن فعل ذلك منهم فمات أو وقصته دابته فمات كان حقاً على الله أن يدخله الجنة)( ).
لقد تجلى بعد معركة بدر قانون وهو كل فرد يدخل الإسلام ينقص معه عدد المشركين ، وتضعف شوكتهم .
وهل هو من مصاديق قطع الطرف في قوله تعالى [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ] ( ) ( )، أم أن القدر المتيقن من الآية أعلاه خصوص معركة أحد التي هي سبب النزول ، أو معارك الإسلام الأولى التي هي موضوع الآية أعلاه .
الجواب هو الأول ، وأن دخول أي فرد وجماعة الإسلام هو قطع طرف من الذين كفروا ، ويمكن تقسيم القطع في الآية أعلاه إلى أقسام :
الأول : القطع الإيجابي : وهو دخول جماعة وطائفة الإسلام ، وحتى دخول الفرد الواحد من مصاديق هذه الآية خصوصاً اولئك القادة والفرسان والرؤساء بلطف وهداية من عند الله ، وفي التنزيل [وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ] ( ).
الثاني : القطع السلبي : بالقتل والجرح والإبتعاد عن القتال ، قال تعالى [وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ]( ).
الثالث : القطع ونقص المشركين بالفاقة والمرض والموت ، ونقص الموالي والعبيد .
ومن الإعجاز في آية البحث عدم ذكرها للنزاع إلا بعد بيان قانون تنجز وعد الله للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في أقسى الأحوال .
فقد زحفت قريش بارهابها وبطشها وثلاثة آلاف رجل لقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقتال أصحابه وكان وعد الله للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بالنصر متقدماً زماناً على معركة أحد فتحقق يومئذ عند ابتداء المعركة ، وهناك مسائل :
الأولى : هل النصر في معركة بدر من هذا النصر أم يتعلق موضوع الآية بمعركة أحد التي وقعت بعدها بثلاثة عشر شهراً .
الثانية : هل لإرهاب قريش موضوعية في الوعد الإلهي بالإنتصار عليهم.
الثالثة : هل تنازع آية البحث الإرهاب.
الرابعة : هل نزل قوله تعالى [وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ اللَّهُ وَعْدَهُ]( )، قبل أو بعد معركة أحد .
أما المسألة الأولى فالمختار شمول مضامين الآية لنصر المسلمين في معركة بدر وان نزلت بعدها ، ويمكن الجمع بين هذه الآية وآية (ببدر) [وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]( ).
ومن الإعجاز في آية البحث مجيؤها بصيغة الماضي (صدقكم) ولو دار الأمر بين ارادة واقعة واحدة أو التعدد فالصحيح هو الثاني لأصالة الإطلاق ، ولأن نصر المسلمين في معركة بدر جلي وواضح.
ويدل قوله تعالى [وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ اللَّهُ وَعْدَهُ]( )، على نزول آيات تتضمن هذا الوعد ، ومنها آيات مكية أي نزلت قبل هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة وقبل معركة بدر وأحد ، ومنها :
الأولى : [إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ]( ).
الثانية : [وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ]( ).
الثالثة : [إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ]( ).
الرابعة : [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ]( ).
وقيل نزلت هذه الآية على النبي محمد في طريق الهجرة ، ويمكن تقدير الآية بلحاظ عنوان هذا الجزء على وجوه :
الأول : ولقد صدقكم الله وعده بالنصر على إرهاب الذين كفروا .
الثاني : ولقد صدقكم الله وعده فاجتنبوا الإرهاب ، وهذا الإجتناب من مصاديق التقوى التي تكرر الأمر بها من عند الله عز وجل في آيات النصر ومنها [وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]( ).
الثالث : ولقد صدقكم الله وعده فاشكروا الله بالتنزه عن الإرهاب .
لبيان أن الآية القرآنية تدحض الإرهاب وتدفعه عن النفوس والمجتمعات ومنه قوله تعالى [بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا]( ).
ومن مصاديق كون السنة النبوية مرآة للقرآن تفسير الآية أعلاه بقول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للرماة يوم أحد (لا تبرحوا مكانكم فإنا لا نزل غالبين ما ثبتم)( ).
تعيين موضع الرماة بالوحي
هل كان وضع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للرماة في معركة أحد في مواضعهم بالوحي أم بالإجتهاد منه وخطط الحرب .
الجواب هو الأول ، ليكون تقدير قوله تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ…] ( ) وإذ غدوت من أهلك تبوء للمؤمنين مقاعد للقتال بوحي وأمر من عند الله ).
فيجب أن يتقيد المسلمون بهذه الأوامر لعمومات قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ] ( ).
فيكون وضع الرماة شاهداً على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في حال دفاع واضطرار لهذا الدفاع ، وأن المشركين هم الغزاة يومئذ .
وتملي سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الدفاعية على الشباب المسلم التحلي بالصبر والتقوى ، والإمتناع عن التعدي ومسالك الإرهاب ، كما تبين تحقق الغايات الحميدة للإسلام بالتقوى والموادعة ،والإعتكاف على العبادة وأداء الفرائض ،وإجتناب الإضرار بالأفراد والجماعات والدولة .
ولم ينحصر الإنتفاع والإتعاظ من التنازع في معركة أحد بمعركة حنين ، بل سبقتها معركة الخندق وكتيبة بني المصطلق ، إذ أزدحم رجلان على الماء وتخاصما ، أحدهما جهجاه بن سعيد الغفاري أجير لعمر بن الخطاب ، والآخر سنان بن وبر الجهني ، وندب كل منهما فرقة واتخذها رأس النفاق عبد الله بن أبي بن أبي سلول ذريعة للفتنة ، وبدل أن يسعى في الإصلاح بين شخصين من الصحابة توجه باللوم للأنصار لأنهم أباحوا للمهاجرين الشأن والمنزلة في المدينة ، ونزل قوله تعالى في ذمه وتوثيق ما قال [لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ] ( ).
ومن الإعجاز في الآية أعلاه أن مقدمة الآية تقرير للقانون الذي تختتم به بما يفيد خطأ وظلالة قول المنافقين ، إذ أختتمت بأن المنافقين لا يعلمون [وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ]( ) .
وأن رجوعهم للمدينة يزيد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه رفعة ومنعة ، ولا يعلمون أن هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى المدينة نعمة عظمى تتجلى مصاديقها كل يوم وإلى يوم القيامة.
لقد كان المنافقون يفخرون على المهاجرين بكثرة الأموال والأولاد والعشيرة ، والإنتماء إلى الأوس والخزرج ، وهذه القبيلة وأفرادها في المدينة ، بينما المهاجرون ليس لهم عشيرة في المدينة لأنهم لجأوا إليها بدينهم ،فقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمؤاخاة بينهم ،وتجلت أبهى معاني الأخوة بايثار الأنصار ، قال تعالى [وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ] ( ).
لبيان نعمة على المسلمين في المهجر في هذا الزمان ، ونيلهم درجة وحقوق المواطنة ، لذا تراهم يحسنون واجباتهم ، ويتقيدون بالقوانين من غير أن يتعارض هذا مع أداء الفرائض والعبادات ، ولا عبرة بالقليل النادر الذي يختار العنف والتشدد والإرهاب .
وهل هذا الفعل في طريقه إلى الزوال والإنقراض أم أنه يزداد ، الجواب هو الأول وهذا الإنقراض من مصاديق نزاع الآية القرآنية للإرهاب ، وإخراجه من النفوس ومحوه من المجتمعات .
قال تعالى [وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ]( )، لم يرد لفظ (عصيتم) في القرآن إلا في الآية أعلاه وهي الآية (152) من سورة آل عمران والتي يتتعلق موضوعها بمعركة أحد ، وجاء خطاباً للصحابة ، ومعطوفاً على الفشل والجبن والتنازع فيما بينهم لقوله تعالى [حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ]( ).
لتتضمن الآية النهي عن المعصية مطلقاً فمن فضل الله توالي النعم على المسلمين والناس جميعاً ففي كل يوم يرى المسلمون والناس ما يحبون من النعم .
ومن فضل ورحمة الله بالناس عدم قدرة الخلائق على صدّ أو حجب النعم على الناس مجتمعين ومتفرقين ، فاذا أنعم الله عز وجل على قوم فان الإرهاب والتفجيرات والقتل العشوائي لن يضر في النعم العامة النازلة من عند الله عليهم وعلى غيرهم ، وفي التنزيل [كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاَء وَهَؤُلاَءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا] ( ).
لذا فان التدبر بالنعمة واستحضارها واقية من المعصية .
وهل يختص موضوع الآية بواقعة أحد ، ويكون تقديرها ( من بعد ما أراكم ما تحبون من الظفر ، وسقوط لواء المشركين بعد قتل حَمَلته وتقهقرهم ) ، الجواب لا.
فصحيح أن هذا الوقائع ضمن معركة أحد إلا أن موضوع الآية أعم في دلالتها ، وبيان قانون وهو عدم جواز المعصية بعد مجئ النعمة ، ليكون من إعجاز القرآن وجوه :
الأول : قانون محاربة القرآن للمعصية بعد مجئ النعمة .
الثاني : قانون لزوم شكر الله على النعمة بالتنزه عن المعصية .
الثالث : قانون الإنذار من المعصية .
الرابع : قانون محاربة القرآن للإرهاب لأنه معصية لما فيه من الضرر العام والخاص .
الخامس : قانون الإمتثال لأمر الله ورسوله خير محض ، ومنه وجوب إمتثال الرماة لأمر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالبقاء في مواضعهم إلى أن تنتهي المعركة ، أو يأذن لهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالإنصراف أو يأذن لبعضهم أو يمدهم برماة آخرين من الصحابة .
ومن الإعجاز وتجلي معاني نصرة الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه كفاية خمسين من الرماة في صّد مائتين من الفرسان يقفون خلف جيش المسلمين ، تغير خيلهم بين الفينة والأخرى بقيادة خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل ، فيرشقهم الرماة بوابل من السهام فيرجعون .
وهل من صلة بين تعيين النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمواضع الرماة بأمر من عند الله وبين النهي عن الإرهاب في هذا الزمان ، الجواب نعم ، من جهات :
الأولى : قانون وجوب الإمتثال لأمر الله ورسوله في إجتناب التعدي والظلم .
الثانية : لزوم التحلي بالصبر ومنع النفس الغضبية من الإستحواذ على الجوارح .
الثالثة : ترك الطمع وأسباب الإضرار بالصالح العام .
أثر التنازع في أحد يوم حنين
من إعجاز الآية حصر النزاع والجدال بأنه في أمر مخصوص وليس في أمر نكرة غير معلوم، ولا في أمور متعددة ، فلم تقل الآية (وتنازعتم في الأمور) وتدل لغة المفرد في الآية على البشارة بعدم التنازع والجبن في معارك الدفاع اللاحقة مثل معركة الخندق ، ومعركة حنين .
ففي معركة حنين حينما فاجئت جيوش هوازن وثقيف النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بالإغارة عليهم إنهزمت الكتائب الأولى من المسلمين ، ولكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقي ثابتاً في مكانه وصار يدعو الذين يمرون عليه من أصحابه منهزمين إلى العودة والرجوع إلى القتال.
وكان الغزاة في معركة حنين هم هوازن وثقيف ، إذ كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه يسيرون في الطريق خارجين من مكة بعد فتحها ، وعلى فرض أنهم ذاهبون إلى الطائف فان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يقصد القتال والهجوم والغزو ، إنما كان يدعو إلى الله عز وجل ، وبعد أن هجمت هوازن وثقيف على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في معركة حنين ونزل قوله تعالى [لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ] ( ) فان النبي صلى الله عليه وآله وسلم توجه إلى الطائف ، ولم يقتحم أسوارها ، وإن قام المسلمون ببعض الوسائل في هذا الباب .
لقد انتفع واتعظ المسلمون من التنازع يوم معركة أحد وترك الرماة مواضعهم التي جعلهم فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والخسارة التي لحقتهم بسبب هذا التنازع والترك ، لبيان الإعجاز في ذكر الآية للتنازع وعدم تركه ، ولتكون الآية شاهداً على لزوم ترك التنازع والخلاف الذي يؤدي إلى الضرر ، ومنه ترك الرغبة في الإرهاب ،والإعانة عليه ، إذ أن غالبية المسلمين في كل زمان تستهجن الإرهاب ، وتنفر نفوسهم منه لوجوه :
الأول : قانون الملازمة بين الإيمان والنفرة من الإرهاب .
الثاني : قانون نفخ الله من روحه في آدم حرز من الإرهاب وسفك الدماء ، وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) في إحتجاج الله عز وجل على الملائكة عندما تساءلوا عن التباين بين خلافة الأرض وبين الفساد وسفك الدماء ، فأخبرهم الله عز وجل بأن نفخه من روحه في آدم واقية من قيام فئة قليلة من الناس بالفساد أو الإرهاب ، فان قوله تعالى [وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ] ( ) يكون حاضراً عند الناس على نحو العموم الإستغراقي في زمن العولمة ، حيث يطلع الناس بوسائل الإتصال السريعة والعامة ، على الأحداث والوقائع ، فيطلع أهل المشرق على ما يقع في المغرب بنفس الساعة ، وكذا العكس ، فيستهجن عامة الناس من عمل إرهابي وقع في متر واحد من مجموع الأرض .
لبيان حاجة المسلمين للتحلي بالأخلاق الحميدة ، ونشر ألوية الأمن ، قال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم : بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ، وعن الإمام علي عليه السلام الأدب صورة العقل ( )، والمراد من الصورة هنا الصفة والعلامة والأثر الذي يدل على ماهية المؤثر .
وورد الخبر بنحو من التفصيل في تفسير حقي ، قال أمير المؤمنين علي عليه السلام (لسان العاقل فى قلبه وقلب الاحمق فى فمه والادب صورة العقل ولا شرف مع سوء الادب ولا دآء اعيى من الجهل واذا تم العقل نقص الكلام
هر كرا اندكست مايهُ عقل … بيهده كفتنش بودبسيار
مردرا عقل جون بيفزايد … درمجامع بكا هدش كفتار
وفى الحديث كل كلام ابن آدم عليه لا له الا امرا بمعروف او نهيا عن منكر) ( ).
ويتباين الإرهاب والتفجيرات مع الأدب الحسن مع الناس ،ويسمو الأدب بمنزلة الإنسان ، ويكون وسيلة لتيسير أموره وقضاء حوائجه .
لقد أراد الله عز وجل أن يستحضر المسلمون تنازعهم في معركة أحد عند المعارك الدفاعية الأخرى ، كيلا يتكرر خطأ يجلب الضرر ، ولا ينحصر هذا الإستحضار بخصوص النزاع بل لزوم إجتناب ما فيه الضرر والأذى .
ليكون من عمومات قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا ضرر ولا ضرار في الإسلام ، لزوم إجتناب أسباب الضرر العام والخاص في ميادين الدفاع ، ومن مصاديق هذه القاعدة الإمتناع عن الإرهاب .
وبعد فتح مكة خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم منها متوجهاً إلى المدينة وكان معه يومئذ اثنا عشر ألفاً (وقال مقاتل : كانوا أحد عشر ألفاً وخمسمائة،
وقال الكلبي : كانوا عشرة آلاف وكانوا يومئذ أكثر ما كانوا وكان المشركون أربعة آلاف من هوازن وثقيف .
وعلى هوازن ملك بن عوف النضري .
وعلى ثقيف كنانة بن عبد ياليل بن عمرو بن عمير الثقفي .
فلما التقى الجمعان قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لن نُغلب اليوم من قلّة .
ويقال : بل قال ذلك رجل من المسلمين يقال له سلمة بن سلامة (وسمع) رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلامه .
ووكلوا إلى كلمة الرجل.
قال : فاقتتلوا قتالاً شديداً.
فانهزم المشركون وخلوا من الذراري .
ثم نادوا : ياحماة السوء اذكروا الفضائح .
فتراجعوا وانكشف المسلمون.
وقال قتادة : وذُكر لنا أن الطلقاء (إنجفلوا) يومئذ بالناس وسأل رجل البراء بن عازب : أفررتم يوم حنين؟
فقال : كانت هوازن رماة وإنّا لمّا حملنا عليهم وانكشفوا وأقبلنا على الغنائم .
فاستقبلوا بالسهام فانكشف المسلمون عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال الكلبي : كان حول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ ثلاثمائة من المسلمين وانهزم سائر الناس عنهم.
وقال الآخرون : لم يبق يومئذ مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير العباس بن عبد المطلب وعلي وأيمن بن أم أيمن .
وقُتل يومئذ بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وطفق رسول الله يركض بغلته نحو الكفار لا يألوا، وكانت بغلة شهباء أهداها له فروة الجدامي)( ).
قانون إعجاز القرآن في نزاعه ضد الإرهاب
من إعجاز القرآن أمور :
الأول : قانون عجز الناس عن إحصاء ما في القرآن من الإعجاز.
الثاني : قانون معجزات القرآن توليدية .
الثالث : تعدد المواضيع التي يتعلق بها إعجاز القرآن ، فلا ينحصر إعجازه بالبلاغة والفصاحة ، فمن إعجازه ما يتعلق بالأحكام والأوامر والنواهي ، وما يسمى بالإعجاز التشريعي.
الرابع : الإخبار عن المغيبات وما يتوقع في الغد ، وأهوال الآخرة .
الخامس : من الإعجاز العلوم التي تستقرأ من الجمع بين آيتين من القرآن .
وقد صدرت لي عدة أجزاء يختص كل جزء منها بالصلة بين آيتين ، أو بالصلة بين شطري آيتين متجاورتين لبيان الكنوز التي يتضمنها هذا العلم المستحدث( ).
السادس : قانون عجز الناس عن بلوغ معشار مراتب إرتقاء القرآن ، وبلاغته التي تحدى بها أساطين العرب يوم كانوا في ذروة البلاغة والفصاحة والشعر الموزون.
السابع : الإعجاز العلمي ، وكشف القرآن ذخائر الكون ، ومنها مفاتيح وبيان الظواهر التي لم تدرك الا في هذا الزمان أو لم تتبين بعد بما يتعلق بجهات :
الأولى : أسرار الفضاء وبديع صنع الله فيها وكنوز الكواكب .
الثانية : البحار والكائنات التي فيها .
الثالثة : باطن الأرض والجبال .
الرابعة : مياة البحار والمحيطات .
وهل ينفع استقراء العلوم من الجمع تبين كل آيتين من القرآن في هذا الباب ، الجواب نعم .
وقد نزلت آيات من القرآن بين عجز الناس عن الإتيان بمثل القرآن أو عدة سورة أو سورة واحدة منه ، قال تعالى [أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ]( ).
ضرر التنازع
إن اختيار الإنسان الإيمان ونبذه الشرك إحسان للذات والغير ، وفي التنزيل [إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ] ( ) فتفضل الله عز وجل وذكر ضرر التنازع ، وما يترتب على معصية الله ورسوله من الأذى والإثم لبيان أن الإيمان منهاج يومي متصل في القول والعمل ، لذا فمن الإعجاز في تشريع الصلوات اليومية الخمس تعاهد الإيمان من قبل الفرد والجماعة ، وهو من الذخائر العقائدية في تشريع صلاة الجماعة ، وهل حضرت قواعد وسنن صلاة الجماعة في معركة أحد ، الجواب نعم ، لذا كان أكثر الصحابة يومئذ مطيعين لله ورسوله ، ولما ترك الرماة مواضعهم نعت الله عز وجل هذا الترك بأنه معصية ، ليكون من معاني تقدير قوله تعالى [وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ] ( )وجوه :
الأول : وتنازعتم في الأمر في معركة أحد فلا تنازعوا في غيره .
الثاني : وتنازعتم في الأمر فاجتنبوا النزاع .
الثالث : تنازعتم في معركة أحد فلا تنازعوا في معركة الخندق أو حنين.
الرابع : تنازعتم في الأمر في معركة أحد ورأيتم ضرر النزاع ، وعدم التقيد بأوامر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم .
الخامس : وتنازعتم في الأمر ، فاجتنبوا الإرهاب ولا تنازعوا فيه أي ليكون إجماعكم على التبرأ منه .
قراءة في الأحزاب
بدأت السورة بالنداء إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبصفة النبوة [يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلاَ تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا]( )، وفيها نهي جلي عن طاعة الكفار والمنافقين ، وكأنه مقدمة للإستعداد للدفاع في معارك الإسلام الأولى.
ومن أولى آيات هذه السورة [وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً]( )، لتفويض الأمور إلى الله وكفايته النبي من شرور المشركين ، وهو سبحانه بيده مقاليد الأمور ، لذا ورد في آية أخرى [وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً]( )، وفي آية أخرى من ذات سورة الأحزاب [وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً]( ).
والأمر من الله بالتوكل عليه سبحانه دعوة لإختيار الفعل السليم، ورجاء فضل الله ، واجتناب ما فيه الضرر للذات والغير .
وتبين سورة الأحزاب حقيقة وإخباراً سماوياً بأن معركة الخندق ليست غزوة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما يذكره كتاب السيرة والتأريخ .
وهل يحتمل أنها ليست غزوة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، ولا غزوة للمشركين .
الجواب لا ، إنما هي غزوة للمشركين ، وهي أظهر غزواتهم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمدينة ، وأبين في التعدي من معركة بدر ، وأحد ، وحنين .
ولما كان عدد الغزاة المشركين عشرة آلاف فيلزم أن يكون المدافعون بمقدار ثلثهم بل أكثر للتباين في السلاح للزيادة والقوة في أسلحة المشركين وكثرة خيلهم ، فكيف وقد كان أحياناً لا يبقى مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الخندق إلا نحو ثلاثمائة من الصحابة أي نسبة 1 الى 33 تقريباً.
وكان طول مدة الحصار سبباً لإستراحة جيوش الغزاة والتخطيط لهجوم عام لبيان قانون وهو : نصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في معركة الخندق معجزة له.
(قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : جماع التقوى في قول الله تعالى {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَاحْسَانِ}( ) الآية)( ).
من آيات الأحزاب
من الآيات التي وردت بخصوص معركة الأحزاب ، وحصار المشركين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين في المدينة :
الأولى : [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا]( ).
تبين هذه الآية أن المشركين هم الغزاة المعتدون ، إذ تخاطب اجيال المسلمين والمسلمات وتذكرهم بهجوم جيوش قريش ، وأسد ، وغطفان ، والأحابيش ، وسُليم .
وتخاطب الآية المسلمين بصفة الذين آمنوا في حال القتال ومجئ الجنود للتباين في القوة والعدد والعدة ، فالمسلمون منقطعون إلى سنن الإيمان ، إلى الصلاة ، والصيام ، والتفقه في الدين ، والتطلع إلى نزول آيات القرآن ، والإنصات إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حكمه ومواعظه ، فلم تقل الآية (يا جند الله جاءتكم جنود) أو (أيها المقاتلون).
ولم تخاطبهم بصفة المهاجرين والأنصار ، إنما بينت الآية حقيقة وهي أن اللقاء يكون بين أهل الإيمان وبين عساكر وجيوش تهيأت وتعبأت للقتال .
ويكون من معاني قوله تعالى [يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ]( )، يوم التقى جمع الإيمان مع جنود الكفر والإرهاب ، وهل يختص هذا المعنى بواقعة الخندق أم يشمل معركة بدر ومعركة أحد اللتين نزلت بخصوصهما الآية أعلاه ، الجواب هو الثاني مثلما تشمل الآية أعلاه معركة الأحزاب والخندق لبيان أن موضوع الآية الكريمة أعم من سبب النزول.
مما يبين حقيقة وهي أن الذين آمنوا ليس عندهم إلا سلاح الإيمان وآيات القرآن ، فتكون هذه الآيات حاضرة في الدفاع والذب عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فهي تنازع المشركين نزاعاً مسلحاً وتبعث المسلمين على الثبات في منازل الدفاع ، والرضا بقضاء الله ، وإختيار الشهادة دفاعاً عن التنزيل والنبوة .
ويدل الخطاب في الآية للمسلمين بصفة الإيمان ، وإخبارهم عن مجئ الجنود لهم.
الثانية : [إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ]( ).
الثالثة : [هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا]( ).
الرابعة : [وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا]( ).
الخامسة : [وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا]( ).
السادسة : [ وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلاَّ يَسِيرًا]( ).
السابعة : [وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولاً]( ).
الثامنة :[قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمْ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنْ الْمَوْتِ أَوْ الْقَتْلِ وَإِذًا لاَ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً]( ).
التاسعة : [قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنْ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا]( ).
العاشرة : [قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلاَ يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً]( ).
الحادية عشرة : [أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا]( ).
الثانية عشرة : [يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلاَّ قَلِيلاً]( ).
الثالثة عشرة : [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا]( ).
الرابعة عشرة :[وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا]( ).
الخامسة عشرة : [مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً]( ).
السادسة عشرة : [أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ] ( ).
السابعة عشرة : [فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ] ( ).
الثامنة عشرة:[ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ]( ).
التاسعة عشرة : [أَلَمْ تَرَى إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ]( ).
التباين بين أحزاب الأمم السابقة وشدة بطش أحزاب قريش
من معاني سلامة القرآن من التحريف إلى يوم القيامة شهادته بأن المشركين هم الغزاة في معركة الخندق .
ويدل لفظ الأحزاب على التحزب وتجمع أطراف متعددة ، ويستغرق هذا التجمع وقتاً ، وعادة ما تكون الأحزاب في الخصومة للهجوم والمناجاة بالغزو والقتال .
ومن الآيات التي تدل على غزو المشركين في معركة الأحزاب ، قوله تعالى [يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلاَّ قَلِيلاً]( )، ولو أجريت دراسة مقارنة في الآيات التي ورد فيها لفظ الأحزاب فيما يخص الأمم السابقة ومنه قوله تعالى [وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ أُوْلَئِكَ الأَحْزَابُ]( )، وبين الآيات التي تخص معركة الأحزاب لتجلى قانون وهو أن مشركي قريش أشد بطشاً وظلماً وإرهاباً من أحزاب المشركين في الأمم السابقة ، إذ ذكرت الآية أعلاه قانوناً وهو التكذيب الجامع المشترك بين الذين كفروا بالنبوات من الأمم السابقة ، أما مشركو قريش فقد أظهروا العند والعناد ، وشهروا السيوف ، ففي معركة الأحزاب وحدها كانت غايتهم على وجوه :
الأول : قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ميدان المعركة .
الثاني : وقف توالي نزول آيات القرآن .
ومما يبعث الخوف في قلوب المشركين جهلهم بمقدار وموضوع الآيات والسور التي ستنزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولكنهم والناس علموا بقانون وهو ملازمة توالي التنزيل لوجود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الحياة الدنيا .
ومما زاد من خوف ورعب قريش أن أكثر السور المدنية طويلة ، وآياتها كثيرة وتختلف عن السور المكية ، فمثلا عدد حروف (آية الدين) ( )، هو(551) بينما عدد حروف سورة مكية كاملة وهي سورة الكوثر هو (42) حرفاً وعدد كلماتها عشر كلمات .
الثالث : دلالة اسم الأحزاب على إرادتهم غايات كثيرة وكبيرة ليس فيها إلا الشر والإرهاب لإقتران هذا الاسم بالكفر والتعدي .
الرابع : قصد قتل او أسر أصحاب رسول الله وإدخال الحزن لبيوت أهل المدينة .
الخامس : إرادة المشركين بعث النفرة في بيوت أهل المدينة من الإسلام.
السادس : استئصال الإسلام ، ووقف أداء الصلاة والصيام .
السابع : بقاء الأصنام منصوبة في البيت الحرام ، وعبادة الناس لها .
الثامن : استمرار المعاصي والذنوب ، والغزو والنهب ، لبيان أن صدور (24) جزءً من هذا التفسير المبارك بقانون (لم يغز النبي (ص) أحداً) شاهد على حاجة أهل الأرض في حياتهم اليومية ، وصلاحهم إلى بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، إذ بدأت نواة هذا الإصلاح من المدينة المنورة ثم اتسعت فشملت أرجاء الجزيرة.
وتتعدد الشواهد على قيام المشركين بالغزو في معركة الأحزاب ، ومن هذه المعاني حفظ السنة النبوية القولية والفعلية وأخبار وقائع المعركة من التحريف أيضاً ، ليكون من مصاديق قوله تعالى [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( )، وجوه :
الأول : قانون وضوح آيات القرآن .
الثاني : قانون بيان آيات القرآن للوقائع والأحداث ، والثواب للمؤمنين ، والعقاب للكافرين .
الثالث : قانون منع القرآن لتشويه الحقائق .
الرابع : قانون استنباط العلوم من آيات القرآن.
الخامس : قانون استدامة الإحتجاج بالقرآن إلى يوم القيامة .
السادس : يتجلى في آيات القرآن قانون (لم يغز النبي (ص) أحداً).
و(عن أبي أُمامة عن أُبَي بن كعب قال : قال رسول الله صلّى الله عليه : من قرأ سورة الأحزاب وعلَّمها أهله وما ملكت يمينه أُعطي الأمان من عذاب القبر)( ).
قانون خلافة الأرض تنزيه من الإرهاب
لقد أكرم الله عز وجل الإنسان فجعله [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ) وسخر له الشمس والقمر ، وصار له حق التصرف في خيراتها ، والإنتفاع من ثرواتها ، والنعم الموجودة فيها ، وما أخرجه الإنسان من كنوز الأرض في السنوات المائة السابقة يعادل ما استخرجه منها ، منذ آلاف السنين ومنه استخراج النفط بكميات هائلة وان كان معروفاً عند الأمم السابقة قبل وبعد الميلاد .
واستخدمه البابليون قبل الميلاد بأربعة آلاف سنة في القار ، كمادة لطلي وتأمين السفن ، وادخلوه في الأسلحة اليدوية .
واستعمله المصريون القدامى في التحنيط وكان النفط في بعض المناطق يسيل على الأرض ، أو يستلزم حفر بئر ليست عميقة ، وكأن الذهب والنفط وسائر المعادن تدعو الناس للإنتفاع الأمثل منها لتصبح الحياة معه أكثر بهجة .
ويشكر الناس الله عز وجل على نعمة خزائن الأرض واستخراجها ، وأن تسخر في طاعة الله ، وتخرج منها الزكاة ، قال تعالى [وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ]( )، إن إظهار الأرض لذخائرها دعوة للناس للألفة والتراحم ونبذ الإرهاب ، وترك سفك الدماء .
ولم يترك الله الإنسان وحيداً ، خاصة وأن لفظ الخليفة يدل على أطراف :
الأول : الذي ينصب الخليفة ، وهو الله عز وجل ، ولا يقدر على هذا التنصيب واستدامته إلا هو سبحانه .
الثاني : موضوع وحدود الخلافة .
الثالث : مدة الخلافة .
الرابع : شرائط الخلافة .
الخامس : الذي يتولى شؤون الخلافة .
ولا تقدر الخلائق على تنصيب خليفة في الأرض أو في جزء منها ولو اجتمعت ، لبيان الخلافة في الأرض من خصائص الربوبية المطلقة لله عز وجل ، وأن ملكه للسموات والأرض كما في قوله تعالى [وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ] ( ) هو ملك تصرف .
وهل يستطيع الناس جعل خلائف لهم في الأرض ، كما في خلق إنسان آلي يعمل ويتكاثر بذاته ، الجواب لا ، فهذه الصنائع البديعة تقترن في وجودها بالإنسان ، وهو من مصاديق عمارته للأرض ، وعمومات قوله تعالى [عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ]( ).
وموضوع خلافة الإنسان هو عبادة الله عز وجل ، وهو سور الموجبة الكلية الذي يلتقي فيه الناس جميعاً ، قال تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( ).
وهذه الصناعات لا تقدر على العبادة عن إختيار ومن غير برمجة.
والنسبة بين الخلق في الآية أعلاه وبين الخلافة في الأرض العموم والخصوص المطلق ، لبيان وجوب عبادة الناس لله عز وجل ، وإن لم يكونوا خلفاء في الأرض ، وبيان قانون وهو أن الإضطهاد والتعسف والقهر والظلم والسجن للإنسان ليس برزخاً أو مانعاً من عبادته لله ، ولا تسقط عنه التكاليف العبادية .
ويمكن بيانه وفق القياس الإقتراني :
الكبرى : الخليفة في الأرض مكلف بالعبادة .
الصغرى : الإنسان خليفة في الأرض .
النتيجة : الإنسان مكلف بالعبادة .
ومن خصائص العبادة حبس الجوارح عن المعصية ، وعن الإضرار بالناس ، إنها زهد وتقوى ومانع من الفساد .
والذي يقف بين يدي الله كل يوم بخشوع وخضوع مستبشراً بهذه النعمة ، ويرجو الثواب يوم القيامة يحرص على محاسبة نفسه وجوارحه ، وعلى تعاهد الخلافة سواء كانت خاصة بالأنبياء أو عامة لوجوب اتباع مناهج الأنبياء ، قال تعالى [فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ]( )، ومن مصاديق هذا التعاهد العمل بآيات وأحكام القرآن التي هي حرب على الإرهاب .
قانون الخطابات الخاصة ضد الإرهاب
من صفات ومعاني الخطاب القرآني إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحاق أجيال الأمة به الا مع دلالة دليل على التخصيص وإرادة شخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم على نحو التعيين كما في قوله تعالى [قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِ وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ]( ).
ومن الخطابات الخاصة إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قوله تعالى [وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً]( )، وقوله تعالى [أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ]( ).
وقد ورد في التنزيل [إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ]( )، ثلاث مرات وهي:
الأولى : في خطاب موسى لقومه وبصيغة اللوم ، كما ورد في التنزيل [وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ]( ).
الثانية : حكاية لنداء عيسى عليه السلام كما ورد في التنزيل [وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ]( ).
وجاءت الآيتان أعلاه متعاقبتين في سورة واحدة .
الثالثة : النداء العام من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى أهل الأرض من حين بعثته إلى يوم القيامة.
ومن الإعجاز في الآية أعلاه إخبار عيسى لبني إسرائيل عن عقيدة التوحيد والرسالة في أفراد الزمان الطولية الثلاث :
الأول : تصديق عيسى للتوراة ، وهذا التصديق ليس على نحو القضية الشخصية ، إنما هو بصفة الرسالة لذا قدم الإخبار بأنه رسول الله ، ومن وجوه تقدير الآية : مصدقاً (ومن اتبعني) لما بين أيدينا من التوراة .
الثاني : إظهار عيسى نبوته ، وإخباره عن نيله مرتبة الرسالة وإن كانت الآية تقيدها بأنه رسول الله إلى بني إسرائيل.
الثالث : بشارة الرسول عيسى برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للدلالة على أن زمان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم متأخر عن زمان عيسى عليه السلام .
وأن تمام الرسالة والتبليغ برسالته ، وهناك ملازمة بين بشارة عيسى عليه السلام وقوله تعالى [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنْ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ]( ).
لبيان قانون وهو إظهار الله عز وجل لرسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على لسان الرسل وأنهم لم يبشروا إلا بما هو تام في حسنه وكماله ، وفيه غنى عن الغزو والقتال .
قانون الإقتداء بالأنبياء نجاة
لقد جعل الله عز وجل الأنبياء أسوة ، وسيرتهم موعظة للناس في المقام ، فمع ما لاقوه من شدة الأذى لم يفتروا في العبادة ، كما في قصة يوسف عليه السلام واجتهاده بالعبادة في السجن ، بل هو الذي مال إلى السجن ليتفرغ للعبادة ، وينجو من الإفتتان إذ ورد في التنزيل [قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ] ( ).
وكان يدعو إلى الله عز وجل وهو في السجن ، وبين قوم كفار ظالمين ، وهو غريب عنهم ، وكانوا يسمونه الفتى العبراني ، مما يعني أنه يكون عرضة للقتل داخل السجن لدعوته للتوحيد ، ونبذ الشرك.
وكما في نبي الله أيوب وفقده لأولاده وأمواله ، وإصابته بمرض جلدي معدي جعل الناس ينبذونه في العراء ، ولم تعتن به إلا زوجته إلى أن منّ الله عز وجل عليه بالشفاء والرزق ، وكثرة الولد ، قال تعالى [وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ] ( ).
وكذا بالنسبة لنبي الله يونس عليه السلام ، إذ دعا قومه لعبادة الله فلم يستجيبوا ، فغادر القرية ساخطاً عليهم ، ودعا الله عليهم ، قال تعالى [وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ] ( ).
إذ أعتقد أنه مستثنى من البلاء والعذاب وفيه شاهد على تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذ انه لم يدع على قومه ، إنما كان وبأشق حالات الأذى التي تأتيه من كفار قريش يدعو لهم بالهداية .
وقال عبد الله بن مسعود (لقد رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يمسح الدم عن وجهه وهو يحكي نبياً من الأنبياء وهو يقول : اللهمَّ اهد قومي فإنهم لا يعلمون)( )، وذات المسألة دعا بها نوح الله عز وجل ، نعم عاقب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أفراداً قلائل لشدة إيذائهم له وللمؤمنين ولصدهم الناس عن الإسلام .
وأخبر الله عز وجل النبي يونس أن العذاب ينزل بقومه باليوم الفلاني ، وعندما أحسوا بقرب العذاب ، أظهروا الندم وورد عن ابن عباس أنهم قالوا (ما كذب يونس وليصحبنا العذاب) ( ).
التجأوا إلى الدعاء بصيغ التضرع العام ، والمسكنة الجلية ، لبيان قانون وهو بقاء باب الدعاء مفتوحاً حتى مع قرب البلاء العام أو الخاص ، وقد يصرف البلاء العام بدعاء الجماعة أو بدعاء الفرد الواحد ، وكذا العكس فان دعاء الجماعة يكشف البلاء عن الفرد سواء كان منهم أو من غيرهم .
ونطرح مسألة مستحدثة بخصوص نجاة يونس النبي من وجوه محتملة :
الأول : موضوعية دعاء قوم يونس في نجاته وخروجه سالماً من بطن الحوت .
الثاني : ليس من موضوعية وأثر لدعاء قوم يونس في نجاته من اللبث الطويل في بطن الحوث فهو نبي نجى بفضل من الله إذ صار يناجي ويدعو الله عز وجل وهو في بطن الحوت .
الثالث : تم دعاء قوم يونس بعد خروجه من بطن الحوت .
واختلف في المدة التي لبث فيها يونس في بطن الحوت على وجوه منها :
الأول : (الْتَقَمَهُ الْحُوتُ ضُحًى، وَلَفَظَهُ عَشِيَّةَ، مَا بَاتَ فِي بَطْنِهِ)( )، عن الشعبي.
الثاني : (لبث ثلاثة أيام) عن قتادة ، وقال : اسم الحوت نجم .
الثالث : (لَبِثَ يُونُسُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، فَطَافَ بِهِ الْبِحَارَ كُلَّهَا، ثُمَّ نَبَذَهُ عَلَى شَاطِئِ دِجْلَةَ) ( )، قال سعيد بن جبير .
الرابع : (لَبِثَ يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلامُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا)( ).
وعن الإمام الباقر عليه السلام قال : لبث يونس في بطن الحوت ثلاثة أيام، ونادى في الظلمات: ظلمة بطن الحوت ، وظلمة الليل ، وظلمة البحر: أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ، فاستجاب له ربه فأخرجه الحوت إلى الساحل، ثم قذفه فألقاه بالساحل ، وأنبت الله عليه شجرة من يقطين وهو القرع( ).
والمختار أن لدعاء قوم يونس موضوعية في نجاة يونس عليه السلام من بطن الحوت لجهاده وتبليغه وإيصاله قومه إلى مرتبة اللجوء إلى الدعاء عند المحنة وقرب البلاء ، والعلم عند الله .
لبيان أن كلاً من دعاء الفرد والجماعة برزخ دون الإرهاب والتفجيرات ، لقد أصيب يونس بالرعب عند دخوله في بطن الحوت ، وحرك يديه ورجليه فوجد نفسه يتحرك بسلام فسجد لله شاكراً .
ليتوجه نداء إلى المسلمين وغيرهم من أهل الملل اهجروا الإرهاب ، ولا تجعلوا أحداً يصاب بالرعب والجراحات بقصد إيذائه وأسرته وقومه ، قال تعالى [شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ]( ) .
إذ تتضمن الآية أعلاه بأن نزول القرآن هدى وسلام للناس جميعاً ، أما الإرهاب فانه ضد الهدى والسلام الذي جاء به القرآن.
إذ تناجوا بالخروج إلى البيداء رجالاً ونساءً ، وأخذوا معهم الصبيان والرضع ، والأنعام والدواب ، لأنه لو نزل بهم العذاب يهلك الجميع ، وكذا الدواب ، ورأوا علامات نزول العذاب ، وقد أقبل عليهم ، ففرقوا بين الأمهات والصبيان ، وبين الغنم وسخالها ، وبين البقر والعجول ، وبين الإبل وفصائلها ، ثم ضجوا بالدعاء ، وخارت ورغت الأنعام ، فنزلت عليهم الرحمة ، وهو من مصاديق قوله تعالى [يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ]( ).
(قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا ينجي حذر من قدر ، وأن الدعاء يدفع من البلاء ، وقد قال الله في كتابه {إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين}) ( ).
لقد غادر يونس قومه وهو يعتقد أن العذاب نازل بهم ، فجاء البحر وركب في سفينة ، وعطبت السفينة ، واحتاجوا التخفيف بالقاء أحدهم في البحر ، وهو حّل اضطراري لنجاة القبطان وركاب السفينة الآخرين ، فأجروا القرعة بينهم باستثناء القبطان ، فخرجت القرعة على يونس (فقالوا : ما كنا لنفعل بك هذا . ثم اقترعوا أيضاً ، فخرجت القرعة عليه ثلاثاً)( ).
لقد ظنوا بيونس لما رأوا من تقواه وصلاحه .
وأدرك يونس أنه حكم الله عز وجل ، وفي التنزيل [وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ]( ).
فرمى نفسه في البحر ، وكان حوت كبير في انتظاره على طرف السفينة جاء من أعماق البحار ، فالتقمه، وركاب السفينة ينظرون بدهشة ، فهو لم يبق ساعة يسبح في الماء ويصارع الأمواج .
ولقد أنعم الله عز وجل على المسلمين بالأمن ، وأداء الصلاة في المساجد والبيوت ، والتيسير العام والخاص لحج بيت الله الحرام وصيام شهر رمضان ، فمن الشكر لله عز وجل الإمتناع عن الإرهاب .
المطلق والمقيد البلاغي والأصولي في القرآن
الإعجاز البلاغي والبياني لآيات القرآن شاهد على نزوله من عند الله، والبلاغة هي بلوغ عبارة المتكلم مراده بايجاز غير مخل ، وإطالة من غير بعث على الملل والسأم .
ومن البلاغة الاتيان بوجوه التشبيه ، والحقيقة والمجاز ، والكناية بما يؤدي المعنى والقصد .
لقد أضاف القرآن للغة والمجتمع علوماً بلاغية مستحدثة ، وأسس علم الأصول بما لم تحط به تحقيقات العلماء إلى يومنا هذا ومنها :
الأول : المحكم والمتشابه .
الثاني : العام والخاص .
الثالث : المطلق والمقيد .
الرابع : المجمل والمفصل .
فان قلت إن الوجهين الثاني والثالث أعلاه ليس من البلاغة إنما من علم الأصول ، الجواب أنهما من البلاغة بتقييد المطلق بالصفة أو التوكيد أو عطف النسق أو عطف البيان كما في قوله تعالى [جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ]( )، فالبيت الحرام عطف بيان ، وسيأتي بحث مستقل بعنوان (المطلق والمقيد في بلاغة القرآن).
وهناك المطلق والمقيد في الفقه ، ومثله في علم الأصول( )، وفي باب أقسام الواجب ذكرتُ في علم الأصول الواجب المطلق والمشروط : والأول هو الواجب الذي لا يتوقف وجوبه على شيء آخر كالصلاة فانها واجب مطلق ولا تترك بحال .
والثاني أي الواجب المشروط الذي يتوقف وجوبه على شيء مخصوص يكون مأخوذاً في ذات الواجب على نحو الشرطية .
فلا يتوجه الخطاب التكليفي وتنشغل الذمة بالواجب الا بتوفر الشرط، لإنتفاء المشروط بانتفاء شرطه ، ومنه الحج فهو واجب مشروط بالإستطاعة، وفيه تخفيف ورحمة للتباين بين الوجوبين ، قال تعالى [وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً] ( ).
فالصلاة واجب بدني يؤدى في المسجد او المسكن او في أي موضع ولا تأخذ كل فريضة من وقت الإنسان الا بضع دقائق كصلاة الصبح أو الظهر ، قال تعالى [وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا] ( ) ، اما الحج فهو واجب بدني ومالي ويستلزم قطع المسافة ، وتحمل المشاق ومفارقة الأهل والأحبة، فلذا قيده الله تعالى بالإستطاعة .
وجعل الإستطاعة ملازمة لفرض الحج في القرآن , وفي نفس الآية التي تقول بوجوب الحج، ومتعقبة وملازمة له، منعاً للحرج والتعدد في التأويل والإجتهاد والتفسير.
الخامس : حذف المضاف : مع أنه موضوع الآية ومن غير أن يؤثر حذفه سلباً على دلالتها ، كما في قول أبناء يعقوب النبي لأبيهم ، إذ ورد في التنزيل [وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ] ( )، والمختار أن المراد في الآية على أقسام :
الأول : تقدير الآية (اسأل أهل القرية) واسأل المكارين الذين كانوا معنا.
الثاني : حمل الآية على الظاهر أيضاً واسأل ذات القرية وبيوتها وحيطانها وشجرها وسوقها ، لإدراكهم بأن يعقوب نبي يأتيه الجواب بالوحي ، والمراد من القرية في الآية أعلاه إحدى قرى مصر والتي لحقهم فيها المنادي ، وقال [أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ]( ).
الثالث : يا أبتاه أرسل من تثق به إلى تلك القرية واسألهم .
وقيل يحمل المطلق على المقيد إذا جاء موضوع وحكم واحد منعاً للتعارض .
ويمكن أن نؤسس قانوناً وهو إذا كان بالإمكان حمل المطلق على إطلاقه ، والمقيد على تقييده فانه يقدم على حمل المطلق على المقيد ، وهو من إعجاز القرآن وتعدد الذخائر العلمية فيه .
والمطلق هو الذي وضع لكليات وإرادة تمام الطبيعة ، ولحاظ مقدمات الحكمة للتمسك بصيغة الإطلاق ، ومنه قوله تعالى في الظهار [فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا]( )، وقوله تعالى [وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنْ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا]( ).
والمختار أن الآيتين أعلاه قد يكونا من المطلق والمقيد ، كما يكون كل منهما مستقلاً في حكمه فيجوز بخصوص الظهار تحرير رقبة غير مؤمنة وهو خلاف الأولى ، ويدل على هذا الإطلاق ما ورد عن عطاء بن يسار (أن أوس بن الصامت ظاهر من امرأته خولة بنت ثعلبة ، فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبرته ، وكان أوس به( ) لمم( ) .
فنزل القرآن [وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا]( ) .
فقال لامرأته : مريه فليعتق رقبة ، فقالت يا رسول الله : والذي أعطاك ما أعطاك ما جئت إلا رحمة له إن له فيّ منافع والله ما عنده رقبة ولا يملكها ، قالت : فنزل القرآن وهي عنده في البيت ، قال : مريه فليصم شهرين متتابعين ، فقالت : والذي أعطاك ما أعطاك ما يقدر ( )عليه .
فقال : مريه فليتصدق على ستين مسكيناً ، فقالت : يا رسول الله ما عنده ما يتصدق به ، فقال : يذهب إلى فلان الأنصاري فإن عنده شطر وسق تمر أخبرني أنه يريد أن يتصدق به فليأخذ منه ثم ليتصدق على ستين مسكيناً.
عن عائشة أن خولة كانت امرأة أوس بن الصامت ، وكان إمرأ به لمم فإذا اشتد لممه ظاهر من امرأته فأنزل الله فيه كفارة الظهار)( ).
وفيه بيان الرخصة والسعة في الحكم ، وقبول البدل الأقل .
ومن إعجاز الآية أعلاه من سورة النساء تكرار لفظ (تحرير رقبة) ثلاث مرات في ذات الآية الكريمة .
وهل حرمة الإرهاب مطلقة أم مقيدة ومشروطة بحال دون آخر ، الجواب هو الأول ، فالإرهاب والتفجيرات العشوائية محرمة مطلقاً.
قانون قول الحمد لله قاهر للإرهاب
من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نزول القرآن بلفظ [الْحَمْدُ لِلَّهِ]( )، من جهات :
الأولى : إبتداء آيات القرآن في نظمه بقول (الحمد لله) في سورة الفاتحة بعد البسملة.
الثانية : مجئ الحمد في الآية مع إقرار المسلمين بأن الله عز وجل رب العالمين .
الثالثة : إفادة الحصر بالحمد له سبحانه ، وأن الخلائق لا تجتمع على حمد إلا الحمد لله عز وجل وحده.
الرابعة : صدور الحمد لله من مقامات العبودية والإقرار بالربوبية المطلقة لله عز وجل وفيه إشارة إلى غنى الله سبحانه عن الخلائق ، قال تعالى [فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ]( )، فذكرت آية الحمد بأن الله رب العالمين ، وذكرت الآية أعلاه أن الله عز وجل غني عن العالمين وتفضل وهداهم إلى الحمد له سبحانه لبيان أن هذا الحمد نفع لهم ورحمة بهم.
الخامسة : الأجر العظيم على قول (الحمد لله) وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (أن عبداً من عباد الله قال يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك فعضلت بالملكين فلم يدريا كيف يكتبانها .
فصعدا إلى السماء وقالا يا ربنا إن عبدك قال يا رب إنه قد قال يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك .
فقال الله لهما : اكتباها كما قال عبدي حتى يلقاني فأجزيه بها)( ).
قال الإمام علي عليه السلام (فاتحة الكتاب أعطاها الله محمدا صلى الله عليه وآله وامته، بدأ فيها بالحمد والثناء عليه، ثم ثنى بالدعاء لله عزوجل: ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: قال الله عزوجل: قسمت الحمد بيني وبين عبدي: فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل، إذا قال العبد: (بسم الله الرحمن الرحيم) قال الله عزوجل: بدأ عبدي باسمي
حق علي أن اتمم له اموره، وابارك له في أحواله. فإذا قال: (الحمد لله رب العالمين) .
قال الله عزوجل: حمد لي عبدي، وعلم أن النعم التي له من عندي، والبلايا التي اندفعت عنه بتط ولي، اشهدكم أني اضعف له نعم الدنيا إلى نعيم الاخرة، وأدفع عنه بلايا الاخرة، كما دفعت عنه بلايا الدنيا، فإذا قال: (الرحمن الرحيم).
قال الله عزوجل: شهد لي بأني الرحمن الرحيم اشهدكم لاوفرن من رحمتي حظه، ولاجزلن من عطائي نصيبه، فإذا قال: (مالك يوم الدين)
قال الله عزوجل: اشهدكم كما اعترف بأني أنا المالك ليوم الدين، لاسهلن يوم الحساب حسابه، ولا تقبلن حسناته، ولا تجاوزن عن سيئاته.
فإذا قال العبد: (إياك نعبد) قال الله عزوجل: صدق عبدي إياي يعبد، لاثيبنه عن عبادته ثوابا يغبطه كل من خالفه في عبادته لي، فإذا قال: (وإياك نستعين) قال الله عزوجل بي استعان وإلى التجاء، اشهدكم لاعيننه على أمره ولاغيثنه في شدايده، ولاخذن بيده يوم القيامة عند نوائبه.
وإذا قال: (اهدنا الصراط المستقيم) إلى آخرها، قال الله عزوجل: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل، قد استجبت لعبدي، وأعطيته ما أمل، وآمنته مما منه وجل( )
وروي مثله عن أبي هريرة يرفعه( ) .

السنة والتخفيف سيف على الإرهاب
مما تتصف به الشريعة الإسلامية قانون التخفيف عن الفرد والجماعة ، فصحيح أن الأحكام التكليفية خمس ، وأنها سميت بالتكاليف لما فيها من المشقة على النفس ، إلا أن هذه التسمية استقرائية ، ولا يمكن تسميتها (التخفيف بالخمس ).
وهناك مسائل :
الأولى : الإسلام دين اليسر ، قال تعالى [يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ] ( ).
الثانية : ليس من حكم تكليفي إلا وله بدل في ذاته وموضوعه .
الثالثة : الإسلام دين الرفق والرأفة ، فيقبل الله عز وجل القليل من العبادة ويعطي الكثير .
الرابعة : من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والأنبياء السابقين رفع الحرج في الأحكام ، وانتفاء التشديد على النفس ، وتجد في كل قاعدة فقهية هناك تخفيفاً في أصل التكليف ، أو قبول الأخف والمتيسر ، قال تعالى [يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ]( ).
الخامسة : قانون الغبطة بعد أداء التكليف .
والمختار أن النسبة بين التخفيف والرخصة عموم وخصوص مطلق .
وكذا ذات النسبة بين قانون الرحمة والرخصة ، وهناك كلام شائع بين الفقهاء ،وهو أن الله سكت عن أشياء رحمة بالمسلمين والناس ، وهي التي تسمى ( منطقة الفراغ في القرآن ) والآن مع التوسع في كل من :
الأول : علم الفقه .
الثاني : علم التفسير والإستنباط بالجمع بين آيتين أو أكثر .
الثالث : علم أصول الفقه .
قد لا تجد منطقة اسمها منطقة الفراغ ، خاصة وأن عدم صدور حكم خاص بالواقعة يدل على السعة والمندوحة فيها ، والرجوع إلى الكتاب والسنة لإستقراء الحكم .
ويحتمل الإرهاب وجوهاً :
الأول : إنه تشديد على النفس .
الثاني : إنه تخفيف عن النفس .
الثالث : ليس فيه تشديد ولا تخفيف .
والصحيح هو الأول إلى جانب ما فيه من الإضرار بالآخرين ، فالإرهاب والإرهاب الموازي تشديد مركب ، وهو خارج أحكام شريعة الإسلام والشرائع السماوية السابقة .
وجاء خطاب من الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ) والإرهاب ضد الرحمة للذات والغير ، ولا يكون المسلمون في العبادة والتقوى بمرتبة واحدة ، ولا يعني هذا حمل الغير على بلوغ المرتبة العالية من التقوى ليرتقي الى منزلته أو مقاطعته ومحاربته ، ومزاولة الإرهاب معه ، قال تعالى [لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا]( )، وهو سبحانه يرضى من العبد بالقليل ، ويعطيه الكثير في الدارين .
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام : إن من المسلمين من له سهم،
ومنهم من له سهمان، ومنهم من له ثلاثة أسهم، ومنهم من له أربعة أسهم، ومنهم من له خمسة أسهم، ومنهم من له ستة أسهم ومنهم من له سبعة أسهم، فلا ينبغي أن يحمل صاحب السهم على ما عليه صاحب السهمين ولا صاحب السهمين على ما عليه صاحب الثلاثة، ولا صاحب الثلاثة على ما عليه صاحب الاربعة، ولا صاحب الاربعة على ما عليه صاحب الخمسة، ولا صاحب الخمسة على ما عليه صاحب الستة ولا صاحب الستة على ما عليه صاحب السبعة.
وسأضرب لك مثلا إن رجلا كان له جار وكان نصرانيا فدعاء إلى الاسلام وزينه له فأجابه فأتاه سحيرا فقرع عليه الباب فقال له: من هذا ؟ قال: أنا فلان، قال: وما حاجتك .
قال: توضأ والبس ثوبيك ومر بنا إلى الصلاة، قال: فتوضأ ولبس ثوبيه وخرج معه، قال: فصليا ما شاء الله، ثم صليا الفجر، ثم مكثا حتى أصبحا فقام الذي كان نصرانيا يريد منزله، قال: فقال له الرجل: أين تذهب، النهار قصير، والذي بينك وبين الظهر قليل.
قال: فجلس معه إلى صلاة الظهر ثم قال: وما بين الظهر والعصر قليل، فاحتبسه حتى صلى العصر، قال: ثم قام وأراد أن ينصرف إلى منزله، فقال له: إن هذا آخر النهار، وأقل من أوله فاحتبسه حتى صلى المغرب ثم أراد أن ينصرف إلى منزله، فقال له: إنما بقيت صلاة واحدة قال: فمكث حتى صلى العشاء الاخرة، ثم تفرقا. فلما كان سحيرا غدا عليه، فضرب عليه الباب، فقال: من هذا.
فقال: أنا فلان، قال: وما حاجتك.
قال: توضأ والبس ثوبيك واخرج بنا فصل، قال: اطلب لهذا الدين من هو أفرغ مني وأنا إنسان مسكين وعلي عيال، فقال: أبو الصادق عليه السلام أدخله في شئ أخرجه منه أو قال: أدخله في مثل ذه وأخرجه من مثل هذا( ).

نزول الملائكة قضية عين
المراد من قضية عين في الإصطلاح هو حكم وشاهد خاص بواقعة معينة ، ولا يشمل الحكم غيرها ولا يلحق به غيره لذا تسمى أيضاً حادثة عين والأصل هو عموم الحكم ومنه ما ورد عن بريدة ، قال : جاءت امرأة من الأنصار إلى رجل يبيع التمر بالمدينة وكانت امرأة حسناء جميلة ، فلما نظر إليها أعجبته .
وقال : ما أرى عندي ما أرضى لك ههنا ، ولكن في البيت حاجتك .
فأنطلقت معه حتى إذا دخلت راودها على نفسها فأبت ، وجعلت تناشده فأصاب منها من غير أن يكون أفضى إليها .
فانطلق الرجل وندم على ما صنع حتى أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأخبره فقال : ما حملك على ذلك .
قال : الشيطان .
فقال له : صل معنا ، ونزل [وَأَقِمْ الصَّلاَةَ طَرَفِي النَّهَارِ]( )، يقول: صلاة الغداة والظهر والعصر [وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ]( )، المغرب والعشاء [إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ] ( ).
فقال الناس : يا رسول الله لهذا خاصة أم للناس عامة؟ قال : بل هي للناس عامة( ).
لتكون قضية العين نعمة عامة ، إلا مع الدليل على التنصيص على الخصوصية ومنه نزول الملائكة في معركة بدر وأحد فهو خاص بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأوان بداية الدعوة واستضعاف المشركين للمسلمين وإرادة قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم والإبادة العامة واستئصال الإيمان .
ولا يصح حضّ وإغواء بعض الشباب على فعل إرهاب أو تفجير بدعوى تكون الملائكة معه ، فهو مما لا أصل له.
لقد جعل الله عز وجل آيات القرآن الدفاعية مرآة لحال النبوة ، وجهاد الصحابة دفاعاً عن شخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم وآيات التنزيل ، وشدة إيذاء المشركين له ، وفيه دعوة للمسلمين والمسلمات إلى يوم القيامة للتحلي بالصبر وعدم الإضرار بأحد .
ومن إعجاز القرآن وتحديه في كل زمان تجدد موضوع ودلالات الآية القرآنية ، فهي غضة طرية في كل زمان .
وهناك آيات نزلت بخصوص معركة بدر ، وموضوعها أعم إذ أنها صارت موعظة للمسلمين للدفاع في المعارك اللاحقة .
إن نزول الملائكة وهم من عالم ميتافيزيقي غير محسوس لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والذين معه من المهاجرين والأنصار وهم في عالم فيزيقي محسوس ومعقول معجزة جلية تبين الصلة الطارئة بين السماء والأرض ، قال تعالى [وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا] ( ) .
وتبين الآية أعلاه قانوناً من الإرادة التكوينية وهو أن السكينة من جنود الله عز وجل .
والميتافيزقي الذي هو ما وراء الطبيعة ، وأطلق عليه ارسطو اسم الفلسفة الأولى ، وقد تتحول بعض مصاديق الميتافيزيقيا إلى علوم نظرية ، كما في علم الذرات ، وتكون الأجسام من مواد صغيرة تسمى الذرات ، الذي كان من علم الميتافيزيقيا ، وحينما تم صناعة اجهزة ومختبرات تكشف عالم الذرات انتقلت من الميتافيزيقيا إلى علم الفيزياء ، وخلال هذا الشهر حزيران 2021م قام العلماء في إحدى الجامعات بتصوير بعض الذرات مكبرة مائة مليون مرة .
وقد تلحق بها بعض مما وراء عالم الطبيعة (الماورائيات ) لتكون من العلوم أمور النظرية ، والمتيسر ادراكها لعامة الناس .
ومن الإعجاز في النبوة تجلي هذا التبدل النوعي ببديع صنع الله في لحظة إنعطاف تأريخي رحمة بالناس .
فصار الملائكة عندئذ وكأنهم من أهل الأرض ينصرون النبوة ، ويحاربون الذين كفروا ، ولا يعني هذا قيام بعض الجماعات التي تنتمي للدين بترغيب الأفراد بأن الملائكة تقاتل معهم ، إنما تلك معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ونزل قوله تعالى [لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] ( ) .
وقال الأوزاعي : (الملائكة لو قاتلوا لكانوا إما أن يصيروا بحيث يراهم الناس أو لا يراهم الناس فإن رآهم الناس فإما أن يقال إنهم رأوهم في صورة الناس أو في غير صورة الناس ، فإن كان الأول فعلى هذا التقدير صار المشاهد من عسكر الرسول ثلاثة آلاف ، أو أكثر ، ولم يقل أحد بذلك ، ولأن هذا على خلاف قوله تعالى : { وَيُقَلّلُكُمْ فِى أَعْيُنِهِمْ }( ) وإن شاهدوهم في صورة غير صور الناس لزم وقوع الرعب الشديد في قلوب الخلق فإن من شاهد الجن لا شك أنه يشتد فزعه ولم ينقل ذلك ألبتة) ( ).
ولكن تدل الروايات على تحقق الأمرين معاً ، بفضل من الله يوم معركة بدر من جهات :
الأولى : من الناس من رآى بعض الملائكة .
الثانية : من الناس من يراه أو يسمعه ويحس بحضوره بعض الناس .
الثالثة : من الملائكة من رآى آثار عمل الملائكة .
الرابعة : من الناس من لم ير الملائكة ولا آثارهم في القتل وتخويف الذين كفروا .
أما الإحتجاج بقوله تعالى [وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ] ( ) فهذا خطاب خاص للصحابة ، ولا يشمل الملائكة ، ويصح بأنه عند التقاء الصفين وقبل القتال ، كما أنه لا يتعلق بكثرة الصحابة الذين مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم بل يخص كيفية في الأبصار ببديع قدرة الله عز وجل .
فحتى مع وجود الملائكة وبنحو محسوس فيزيقي فان الله عز وجل قادر على أن يجعل الذين كفروا يظنون أنهم قليل .
ولو دار الأمر بين يقللكم أنتم والملائكة في أعينهم ،وبين يقللكم وحدكم ، فالصحيح هو الثاني ، لبيان أن التقليل من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ) إذ أنه تقليل لكل طرف في عيون الطرف الآخر ، حتى قال المشركون : أن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه أكلة رأس .
أي أنهم قليل يشبعهم رأس واحد ، فكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه يوم بدر قلة ويظهر بوضوع النقص في أسلحتهم وعدتهم والتمرين على السلاح ، وليس معهم إلا فَرَسان ، وكان مع المشركين مائة من الخيل للإغارة والهجوم.
وليس من مدد للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، ولا بلدة غير المدينة يأوون إليها ولم يكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم غازياً أو مهاجماً في معركة بدر ، ولم يبدأ القتال ، فنزل الملائكة لدفع المشركين ومنعهم من قتلهم.
بين النزاع والدفاع
من إعجاز القرآن نزوله بآيات التسامح والعفو وتهذيب النفوس ، وإصلاح المجتمعات ، إلى جانب آيات الإنذار والوعيد من غير تعارض بينهما وطرد أسباب الكراهية والخصومة.
فان قلت قد جاء القرآن بآيات القتال ، وهذا صحيح ولكنها تتضمن معنى الدفاع ، إذ كان المشركون يشنون الهجوم تلو الهجوم على مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ويدل على معنى الدفاع في هذه الآيات قوله تعالى [وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ] ( ) وقد تقدم البيان والتفصيل في هذه الآية ، ودلالتها على الدفاع المحض ، وفيها مسائل:
الأولى : تقييد قتال المسلمين بأنه في سبيل الله لبيان أن الطرف الثاني كفار مشركون ، وفيه زجر عن القتال بين المسلمين .
الثانية : لم تقل الآية : وقاتلوا في سبيل نبوة محمد) أو (قاتلوا للقرآن) إنما ذكرت بأن القتال لا يكون إلا في سبيل الله .
الثالثة : التحذير والإنذار من الإرهاب لما فيه الضرر على الغايات السامية في قصد القربة الذي يتجلى بقوله تعالى [فِي سَبِيلِ اللَّهِ].
الرابعة : لم تقف الآية عند قوله تعالى [وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ] ليقال بحمل السلاح على الإطلاق في الهجوم والدفاع ، إنما تضمنت قيد قتال [الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ] لإفادة الحصر ، واستئصال الإرهاب ، ومنع مقدماته .
وهل تدل الآية على قتال الكفار الحربيين مطلقاً ، الجواب لا ، إنما خصصت الآية دفاع المسلمين لخصوص الذين يقاتلونهم ويهجمون عليهم كما في معركة بدر ، وأحد ، والخندق ، وحنين ، وفي هجوم المشركين على المدينة في معركة الخندق قال تعالى [إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ] ( )وفيه شاهد على الأضرار النفسية للإرهاب الذي قام به المشركون .
ويشمل عدوان المشركين مقدمات القتال بالتخطيط والتجهيز للهجوم والإغارة على مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
ومن مصاديق الرحمة في بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه حينما ترده أخبار عن تهيئ قوم للهجوم على المدينة يخرج إليهم ، ويكتفي بتفرق أو تفريق جمعهم .
وهل يدل هذا الإكتفاء على إرادة الدفاع ونبذ الإرهاب ، الجواب نعم .
وهل يصدق تقدير الآية بصيغة المفرد (وقاتل في سبيل الله) المختار أن لغة الخطاب عامة لبيان الدفاع ضد المشركين بقيد التقوى والخشية من الله عز وجل ، ومن مصاديق التقوى الإحتراز من سفك الدماء .
الخامسة : تتضمن هذه الآية اللوم والتوبيخ للذين كفروا لأنهم يقاتلون النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم .
وهل في الآية وعيد ، الجواب نعم ، لبيان قانون تعقب النصر من الله للأمر بالقتال.
أسلحة القرآن
السلاح أعم من السيف وآلة القتال .
وقال الصاحب بن عباد (السِّلاحُ: ما اسْتُعِدَّ للحَرْبِ)( ).
(وقيل للعنز : قد أقبل القرّ فما سلاحك ، قالت : ما لي سلاح إلا لآست جهوى ، والذنب ألوى، فأين المأوى)( ).
وجهوى : مكشوفة.
و(الدَّخْضُ: سلاح السباع، وأكثر ما يوصف به سلاح الأسد. دَخَضَ يَدْخَضُ دَخْضاً، فهو داخِضٌ)( ).
وتتعدد مصاديق السلاح ومنها ما يتعلق بموضوع وعنوان هذا الجزء وهو (النزاع المسلح بين القرآن والإرهاب) وجوه :
الأول : تتضمن آيات القرآن الإنذار من الإرهاب ، وإشاعة الخوف والرعب في النفوس والمجتمعات فمن خصائص القرآن أنه كتاب الإنذار السماوي ولقد خاطب الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم [قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلاَ يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ]( ).
الثاني : القرآن كتاب تذكير سواء التذكير بالخلق والآيات الكونية ، أو التذكير بالنعم ، أو التذكير بأهوال يوم القيامة ، وهو وسيلة للإصلاح والهداية ، قال تعالى [فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ]( )، ليكون القرآن سلاحاً رادعاً عن المعاصي والإفساد ، والإضرار بالناس ، وليس من سلاح ينفذ إلى شغاف القلوب مثل آيات التنزيل لذا صاحب الوحي الإنسان من حين عمارته الأرض ، فقد كلّم الله عز وجل آدم في الجنة قبلاً من غير واسطة ملك ، وعندما هبط إلى الأرض أوحى إليه ، وأنزل عليه القرآن وهو دعوة سماوية للصلاح وعصمة من الإرهاب .
الثالث : لقد دعا الله عز وجل النبي محمداً إلى عدم قتل المشركين الذين يستجيرون به ، قال تعالى [وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْلَمُونَ]( ).
والآية مطلقة في عدم التعرض للناس ، وهي محكمة غير منسوخة ، تبقى أحكامها إلى يوم القيامة ، قال سعيد بن جبير : جاء رجل من المشركين إلى علي بن أبي طالب فقال : إن أراد الرجل منا أن يأتي محمداً بعد انقضاء هذا الأجل يسمع كلامه أو يأتيه لحاجته .
فقال علي لا لأن الله عز وجل يقول وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ.
فأجره أي أعطه الأمان ، ولا تفزعه ولا تؤذيه ، وأحرص على سلامته إلى أن يبلغ محل الأمان التام له ، وجاءت الآية خطاباً للنبي محمد وهو في مركز الحكم والإمامة ليكون من باب الأولوية تعاهد عامة المسلمين الأمن وجعل الناس يعيشون في أوطانهم وبيوتهم بسلام .
وهل الإحتماء تحت مظلة القوانين الوضعية العامة نوع استجارة بها تقتضي من المسلم تعاهدها ، الجواب نعم.
فمن خصائص الدستور والقوانين والحكومة أن يستجار بها ، ويرُجى الأمان تحت مظلتها وخيمتها.
الرابع : في القرآن البشارة ، ومن خصائص البشارة في القرآن مسائل :
الأولى : إنها سلاح وزاجر الفساد .
الثانية : بعث الشوق في النفوس لنيل البشارة .
الثالثة : بذل الوسع لتحصيل البشارة ، وتنجز أفرادها .
الرابعة : بعث المسلمين للتعاون لتحقيق البشارة .
الخامسة : قانون التسليم العام بأن بشارة القرآن حق وصدق.
وهل زوال الإرهاب وضرره من مصاديق قوله تعالى [ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ]( ) الجواب نعم .
قانون اقتران الرحمة بالنصر
لما أمر الله عز وجل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بالدفاع بوجه الغزاة المشركين فانه سبحانه يمد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بالعون والمدد وهو من مصاديق نزول الملائكة لنصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والشواهد على قوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]( )، ليكون هذا النصر بلحاظ الآية [وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ] ( )،على وجوه :
الأول : لقد نصركم الله ببدر لأن المشركين هم المعتدون .
الثاني : لقد نصركم الله ببدر لأن الله ينصر الأنبياء ، قال تعالى [إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ]( ).
الثالث : لقد نصركم الله ببدر لأنكم صبرتم ، وكان دفاعكم في سبيل الله .
الرابع : لقد نصركم الله ببدر لأنكم لم تعتدوا .
الخامس : لقد نصركم الله ورسولَه ببدر لقتال المشركين له .
السادس : لقد نصركم الله ببدر فاتقوا الله .
الحمد لله حمداً طيباً مباركاً يصعد أوله ، ولا ينقطع آخره ، يبقى في الدنيا بعد الممات فان قلت يدخل عمل الإنسان معه القبر ، وهذا الحمد من العمل ، فكيف يتجدد .
والجواب إن الله قادر على كل شئ ، فيبقى مثال الحمد في الدنيا ، ويرفد المستحدث منه بعد الممات الذي يصاحبنا في القبر ، فقد يغفل الأهل والذرية عن الإستغفار لنا ، والصدقة في ثوابنا ، ويطول الزمان وتتعاقب السنين وتبتعد البطون فليس من ذكر قريب ، فيتفضل الله عز وجل بذكر الحمد الباقي لنا في الدنيا ، وهو من مصاديق الإطلاق في قوله تعالى [ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ]( ).
وهل تنتفع الذرية من هذا الحمد الباقي إذ تفضل الله عز وجل بالإستجابة لدعائنا هذا ، الجواب نعم ، فيغادر المؤمن الحياة الدنيا ولكن بركاته متصلة على ذريته وأهل بلدته ، وفي التنزيل [وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا]( ).
وورد عن الإمام (جعفر بن محمد الصادق : كان بين الغلامين وبين الأب الذي حفظا فيه سبعة آباء .
وعن الحسين بن علي أنه قال لبعض الخوارج في كلام جرى بينهما : بم حفظ الله الغلامين ، قال : بصلاح أبيهما . قال : فأبي وجدّي خير منه)( ).
اللهم اهدنا للعمل بأحكام القرآن والإحسان للذات والغير ، والتنزه عن الإضرار بالناس ، للنجاة يوم الحساب.
ومن معاني قوله تعالى [يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ] ( ) سواء في معركة بدر أو معركة أحد أو مطلقاً إرادة التقاء جمع النبوة والإيمان وجمع الكفار المعتدين .
فنصر الله عز وجل نبيه والإيمان ، وكان هذا النصر معجزة لرجحان كفة الكفار في العدد والعدة ، ولإتصافهم بالتعدي والظلم ، ليكون من مصاديق شكر أجيال المسلمين لله عز وجل على هذه المعجزة المتكررة التي غيرت وجه التأريخ التعاون في الإمتناع عن التعدي ، وفي التنزه عن الإرهاب .
لقد أخاف المشركون الصحابة في معارك الإسلام الأولى ، كما يدل عليه قوله تعالى بخصوص معركة الخندق [إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ] ( ) .
ولم يرد لفظ [الْحَنَاجِرَ] في القرآن إلا مرتين ، والثانية بخصوص يوم القيامة ، قال تعالى [وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذْ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ] ( ) وفيه إنذار من الظلم والتعدي والإرهاب .

قانون الإرهاب نقيض الصراط المستقيم
يقول المسلم في الصلاة وخارجها [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( ) ويستجيب الله عز وجل له كما في الحديث القدسي أعلاه (هذا لعبدي ولعبدي ما سأل) .
فما هي النسبة بين الصراط المستقيم والإرهاب ، الجواب إنها التنافي ، لذا فان هذه الآية الكريمة سيف يومي متجدد على الإرهاب ، تصارعه وتدحضه ، وهل تخرجه من الوجود الذهني ، الجواب لا ، إنما يتبين قبحه الذاتي ، وتصبح النفس تنفر منه لأنه طريق إعوجاج لا يؤدي إلا إلى الأذى الحال والآجل ، والخاص والعام .
و(عن جابر بن عبد الله قال : كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فخط خطاً هكذا أمامه فقال : هذا سبيل الله ، وخطين عن يمينه وخطين عن شماله وقال : هذا سبيل الشيطان .
ثم وضع يده في الخط الأوسط وتلا { وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه . . . }( ) الآية ) ( ).
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار إختبار وامتحان ، ولكنه سبحانه لم يترك الإنسان وحده تتلاقفه أمواج الإبتلاء خاصة عند تداخل الأمور واللبس والشبهة إنما رزقه الله عز وجل العقل ، وجعله سور الموجبة الكلية فليس من إنسان إلا ويستطيع التمييز بين النفع والضرر ، وبين الحق والباطل ، فتكون الهداية إلى الصراط المستقيم بالعقل ثم تفضل الله عز وجل وبعث الأنبياء والرسل لتعيين هذا الصراط ، ومنع الترديد والإختلاف والنزاع فيه ، ومع كل نبي معجزة وشاهد يدل على صدق نبوته وأنه مبعوث من الله عز وجل للناس لتعيين الصراط المستقيم بعبادة الله عز وجل وحده ، وترك المعاصي التي نهى عنها .
ومن بديع صنع الله عز وجل في اتخاذ الإنسان [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( )، حضور الحاجة إلى إختيار الصراط المستقيم في كل يوم سواء في الإقبال على العبادات ، أو الإمساك عن الذنوب والآثام لأن هذا الإمساك أمر وجودي فيه أجر وثواب ، ويمكن إنشاء قانون من وجوه :
أولاً : قانون في الإمتناع عن الإرهاب ثواب .
ثانياً : قانون الإمتناع عن الإرهاب صراط مستقيم .
ثالثاً : قانون من معاني الصراط المستقيم التنزه عن الإرهاب .
رابعاً : قانون نبذ الإرهاب تعاهد للصراط المستقيم .
وهذه المعاني لا تتعارض مع البيان الوارد في التعريف المتعدد للصراط المستقيم من وجوه عديدة منها :
الأول : إنه (الإسلام ، وهو أوسع مما في السماء والأرض)( )، عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، وفيه دلالة على أن أحكام الإسلام واسعة وليس فيها إرهاب وبث الرعب بين الناس .( عن النّواس بن سمعان عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ضرب الله صراطاً مستقيماً ، وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة ، وعلى الأبواب ستور مرخاة ، وعلى باب الصراط داع يقول : يا أيها الناس ادخلوا الصرط جميعاً ولا تتفرقوا .
وداع يدعو من فوق : الصراط فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئاً من تلك الأبواب قال : ويحك . لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه .
فالصراط الإِسلام ، والسوران حدود الله ، والأبواب المفتحة محارم الله ، وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله ، والداعي من فوق واعظ الله تعالى في قلب كل مسلم) ( ).
الثاني : القرآن : قال عبد الله بن مسعود (إن هذا الصراط محتضر تحضره الشياطين . ياعباد الله هذا الصراط فاتبعوه {والصراط المستقيم} كتاب الله فتمسكوا به)( )، وقال السدي ومقاتل (إهدنا بمعنى إرشدنا) ( ).
والمختار أن المراد من (اهدنا) في الآية أعم من الإرشاد ، إنما هو على جهات :
الأولى : الدلالة والتعيين .
الثانية : الإرشاد .
الثالثة : اللطف الإلهي بالتقريب إلى الصراط المستقيم ، وتقريبه لنا .
الرابعة : التوفيق للعمل وفق الصراط المستقيم .
الخامسة : إصابة الحق وإجتناب الباطل ، بفضل وهداية من عند الله ، وفي التنزيل [إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ]( )، لبيان قانون هو مجئ البشارة بانتهاج الإستقامة ، ومنها التنزه عن الإرهاب .
السادسة : الإيمان والتقوى (عن ابن عباس في قوله { اهدنا الصراط المستقيم } يقول ألهمنا دينك الحق) ( ).
فالصراط هو منهاج وسنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (عن عكرمة قال : سمعت ابن عباس يحدث عن الخوارج الذين أنكروا الحكومة فاعتزلوا علي بن أبي طالب قال : فاعتزل منهم اثنا عشر ألفاً ، فدعاني علي فقال : اذهب إليهم فخاصمهم ، وادعهم إلى الكتاب والسنة ، ولا تحاجهم بالقرآن فإنه ذوو وجوه ، ولكن خاصمهم بالسنة) ( ) .
(عن أبي بريدة في قول الله تعالى : {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} قال : صراط محمد صلى الله عليه وآله وسلم وآله عليهم السلام) ( ).
ومن معاني الصراط أن هناك صراطين :
الأول : في الحياة الدنيا ، ويمكن تسميته الصراط الدنيوي ، وهو يومي متجدد في عالم الأقوال والأفعال ، وهل يختلف الصراط المستقيم عن الطرق والسبل الأخرى المباينة له كالشرك ومفاهيم الضلالة ، والربا والزنا ونحوه ، الجواب نعم ، إذ يتلألى ضياء الصراط شمساً ساطعة في النهار والليل تبين قانوناً وهو أن الإرهاب ضد للقرآن ، وأن آيات القرآن تنهى عنه
الثاني : في عالم الآخرة ، وهو صراط الامتحان للعبور إلى الجنة ، ودخولها بالإيمان والعمل الصالح ، وتذكير النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بصراط الآخرة دعوة للتنزه عن التعدي والظلم والإرهاب لأنها مانع من هذا العبور .
الثالث : سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم القولية والفعلية ، وفي خطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى [وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلاَ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ]( ).
إذ تبين هذه الآية أن المراد بالصراط المستقيم هو النهج الذي أراد الله عز جل للعباد ، وأن النبي محمداً جاهد لتثبيت هذا النهج بالصبر والدفاع والتنزه الخاص والعام عن الإرهاب والقتل العشوائي .
ولم يرد لفظ (لتهدي) في القرآن إلا في الآية أعلاه لبيان فضل ومرتبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقيامه بالتبليغ على اتم وجه.
(روى جابر بن عبد الله قال : خرج علينا رسول الله يوماً فقال : رَأيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ جِبْرِيلَ عِندَ رَأْسِي وَمِيكآئِيلَ عِندَ رِجْلَيّ ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبهِ : أضْرِبْ لَهُ مَثَلاً ، فَقَالَ : اسْمَعْ سَمْعَتْ أُذُنُكَ ، وَاعْقِلْ ، عَقَلَ قَلْبُكَ ، إِنَّمَا مَثَلُكَ وَمَثَلُ أُمَّتِكَ كَمَثَلِ مَلِكٍ أتَّخَذَ دَاراً ثُمَّ بَنَى فِيهَا بَيتاً ثُمَّ جَعَلَ فِيهَا مَائِدَةً ثُمَّ بَعَثَ رَسُولاً يَدْعُو النَّاسَ إِلَى طَعَامِهِ فَمِنهُم مَّنْ أَجَابَ الرَّسُولَ وَمِنهُم مَّن تَرَكَهُ ، فَاللَّهُ الْمَلِكُ ، وَالدَّارُ الإسْلاَمُ)( ).
الرابع : عبادة الله عز وجل والعصمة من معاصيه ، ومن الصراط رؤية أداء العبادات واجباً ، ورؤية القبح الذاتي للمعاصي ، وهو من المعاني الحسية للفظ (الصراط) ولفظ (المستقيم) للدلالة على وضوحه ، وخلوه من الإعوجاج ، ولزوم عدم التنكب عن الحق .
و(النَّكَبُ: شبه ميل. وإنه لمِنْكابٌ عن الحق، قال :عن الحق أنكبُ
أي: مائل عنه.
والأَنْكَبُ من الإبل كأنما يمشي في شق واحد، قال : أنْكَبُ زياف وما فيه نكَبْ)( ).
وإفادة الصراط المستقيم معنى العبادة قانون جاء به الأنبياء ، إذ ورد على لسان عيسى عليه السلام في التنزيل [إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ]( ).
قراءة في الجزء (219) من هذا التفسير
لقد صدر هذا الجزء بفضل ولطف من عند الله عز وجل بقانون (التضاد بين القرآن والإرهاب) ، وهو العاشر في سلسلة هذا الموضوع في عنوان مستحدث يتناسب والوقائع في هذا الزمان ، وليس من السهل صدور هذا العدد من الأجزاء في موضوع بكر، وبجهود فردية لولا الإفاضة والعناية من عند الله عز وجل ، إذ أقوم بتأليف ومراجعة وتصحيح أجزاء التفسير بمفردي والحمد لله ، إلى جانب كتبي الفقهية والأصولية [وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ] ( ) ، بما يتضمن الشواهد على التنافي بين القرآن والإرهاب .
ويتضمن هذا الجزء شرحاً تفصيلياً لاثنين وثلاثين قانوناً , تتعلق كلها بعنوان ومضمون هذا الجزء وهو (التضاد بين القرآن والإرهاب) وتبدأ هذه القوانين بقانون : العصمة الغيرية : لبيان عصمة الأنبياء بدفع الشرور والأذى عنهم .
ومن العصمة الغيرية سلامة يوسف عليه السلام من كيد امرأة العزيز ، وارادتها إغواءه ، قال تعالى [وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَ مِنَ الصَّاغِرِينَ]( ) .
ومنها نجاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في طريق الهجرة ، وبناء العنكبوت بيتاً لها على فوهة الغار بما جعل كفار قريش يرجعون عنه ، لحاجة انثى العنكبوت للوقت لبناء بيتها ، ورش الصمغ عليه ، وقيل يصل عدد خيوط بيوت العنكبوت إلى أكثر من ثلاثمائة ألف خيط حريري دقيق جداً .
ومن المعجزة الغيرية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن الإشاعة بقتله يوم معركة أحد صارت سبباً لانصراف المشركين عنه ، ثم انسحابهم من ميدان المعركة في ذات اليوم الذي ابتدأت به مع أن الجولة كانت لهم ، وهو من مصاديق قوله تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ]( ).
لقد أشاع رؤساء جيش المشركين خبر قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ثم انسحبوا في نفس يوم المعركة بعد أن أطل أبو سفيان على جيش المسلمين ، وسأل عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهل قتل فأخبروه بأنه حي لم يقتل ، وظهرت أمارات على هذا القول في الميدان باعادة تجمع جيش المسلمين في موضع محدد وسط الميدان مما يدل على التقائهم حول القائد والإمام.
وهل هذه الإشاعة من الإرهاب وفق منهاج القرآن ولغة هذا العصر ، الجواب نعم .
وكانت معجزات الأنبياء حسية مثل سفينة نوح ، وناقة صالح وخروج يونس من بطن الحوت سالماً ، ونجاة إبراهيم عليه السلام من النار التي رموه فيها بالمنجنيق ، وعصا موسى ، وإحياء عيسى عليه السلام للميت وإبراءه للأعمى والأبرص .
فتفضل الله عز وجل بتوثيقها في القرآن ليكون هذا التوثيق معجزة غيرية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وتثبيتاً لهذه المعجزات إلى يوم القيامة ، إذ أنها صارت تتلى كل يوم من قبل المسلمين والمسلمات في الصلاة اليومية وخارجها.
وهل في هذه المعجزة والتلاوة حرب على الإرهاب ، الجواب نعم ، لبيان معجزة ومدد وعون للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وفيه تخفيف عن المسلمين ودعوة إلى الهدى والإيمان ، وازدراء للإرهاب ، فما دامت المعجزات تترى بين أيدي المسلمين فان الإرهاب مبغوض .
ومن فضل الله عز وجل الإغداق على الناس ، ليكون هذا الفضل والإغداق دعوة للإيمان ، وحجة على الذين كفروا ، وفيه تأكيد لقانون وهو مصاحبة البركة لبعثة النبي أو الرسول ، وهي من الآيات الحسية التي يراها ويدركها الناس في زمان النبوة وما بعدها ،ويدل عليه قوله تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام [وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنت وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا] ( ).
وتحتمل بركة النبي من جهة الكم والكيف وجوهاً :
الأول : بركة النبي خاصة بالمؤمنين .
الثاني : تتغشى بركة النبي الموضع والبلدة التي يقيم فيها ، وتصاحبه في سفره .
الثالث : قانون العموم في بركة النبي .
والصحيح هو الأخير .
وهل بركة الأنبياء من الكلي المتواطئ الذي يكون على مرتبة واحدة أن أنه من الكلي لمشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة .
المختار هو الثاني ، وتفضل الله عز وجل وجعل البركة ببعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عامة ومستديمة ومتصلة ، سواء في النفوس والصحة أو الأموال أو في الصلات العامة .
وهل استخراج كميات من النفط من أرض الجزيرة بما يفوق أي موضع في العالم من مصاديق هذه النعمة النبوية ، المختار نعم ، وقال تعالى [لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ] ( ).
ومن مصاديق الشكر لله التعاون لإجتناب الإرهاب ، وبيان أضراره العامة والخاصة .
وهل يتعلق بعضها بالبركة ، الجواب نعم ، إذ يبعث الإرهاب على الحنق والغيظ ، ويمنع الخوف منه جانباً من التجارات والمعاملات .
وبركة النبوة من مصاديق النعمة في قوله تعالى [ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ] ( ) وعن (ابن عباس عن النبي (عليه السلام) أنّه قال : نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس : الصحة والفراغ) ( ).
وتجب قراءة القرآن في الصلاة اليومية ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ] ( )وفيه دعوة للتدبر في آيات القرآن أثناء الصلاة ومعانيها من معاني الرحمة والرفق ، والتنزه عن الإرهاب للتضاد بين الصلاة وما فيها من الخشوع والخضوع لله عز وجل ، والرجاء منه سبحانه ، وبين الإرهاب وقسوته وأضراره .
ومن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مجيؤه بتشريع قراءة القرآن في الصلاة ، ولا يعلم منافع هذه القراءة إلا الله عز وجل من وجوه :
الأول : منافع القراءة على الذي يقرأ القرآن في الصلاة .
الثاني : منافع القراءة على الذي يستمع للقراءة .
الثالث : قانون قراءة القرآن في الصلاة تأديب عام للمسلم وغير المسلم ، وهل يمكن القول بقانون القراءة زاجر عن الإرهاب ، الجواب نعم .
ثم جاء في هذا الجزء (219) قانون الآية معجزة مستقلة ، وقد ذكرت فيه سبعة وجوه لكون الآية القرآنية معجزة عقلية منها قانون الآية القرآنية داعية إلى الهدى والإيمان لبيان قانون وهو مجئ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالآيات الكثيرة التي تدعو في منطوقها إلى الهداية وإلى الصلاح .
ويمكن القول أن كل آية قرآنية تدعو الى نبذ الإرهاب ، وتمنع منه ، وهو من أسرار تلاوة كل مسلم ومسلمة القرآن في الصلاة اليومية ، فان قيل لماذا إذن ظهر الإرهاب بمفهومه المعاصر .
الجواب كثيرة هي الظواهر التي تخرج وإذا كانت بدعة ومخالفة لأحكام التنزيل فسرعان ما تزول وتندثر .
ومن خصائص التنزيل بقاؤه لآلاف السنين وهذا البقاء عضد ورافد للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مواجهة الظواهر المستحدثة.
ولا يعني هذا قراءة القرآن بالحان أهل الغناء ، إنما القراءة بعذوبة وحزن ويدخل فيه التجويد والترجيح وعن (النبي صلى الله عليه وآله وسلم “ليس منا من لم يتغن بالقرآن) ( ).
وفي رواية زينوا القرآن بأصواتكم .
(وَذَكَرَ الطّحَاوِيّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ أَنّهُمْ كَانُوا يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ بِالْأَلْحَانِ) ( ).
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (ما أذن الله لشيء كأذنه لنبي يتغنى بالقرآن) ( ) .
وقيل معنى التغني هنا (أي يجهر به ) ( ) .
ولكن مضمون الحديث أعم ، والمراد رقة التلاوة وعذوبتها ، والخشوع أثناء التلاوة ، وترقيق الصوت ، والإعتناء بمخارج الحروف ، وصدق التلاوة من أعماق النفس ، لذا يترشح عن التغني أحياناً البكاء ، سواء بالنسبة للذي يتلو الآية أو الذي يستمع لهذا التغني .
ويدل نزول الآيات على حب الله عز وجل للناس ولطفه في جذبهم للإيمان فكل آية إحسان من عند الله عز وجل ، ودعوة لنشر الإحسان بين الناس والإبتعاد عن الفسوق والظلم والجور والعنف والإرهاب ، وفي التنزيل [وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ]( )، وفي آية أخرى [إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ]( ).
(روى أبو ذر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال فيما يروي عن ربه عز وجل أنه قال : يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّماً فلا تظالموا )( ).
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : من ظلم قيدَ شِبر من الأرض طُوِّقه من سبع أرضين ، وفي صحيح البخاري : خُسِف به إلى سبع أرضين( ).
واستدل بعضهم بهذا الحديث على أن الأرض إذا ملكها إنسان ملك ماتحتها ، له أن يحفر ويحفر ويحفر ولو على المدة وأن الذي يملك قطعة من الأرض يملك ما تحتها إلى الأرض السابعة .
ولكن لا دليل على هذا المعنى في الحديث النبوي ، إنما يكون الملك في المتعارف والحفر القريب .
وكذا قيل أنه يملك الهواء لأنه تابع للقرار ، ولا دليل عليه أيضاً ، نعم قاعدة السلطنة بالتصرف بالدار والملك ظاهرة بحيث لا يكون فيه اضرار بالجار ، ولا بالمصالح العامة وقاعدة لا ضرر ولا ضرار مقدمة على قاعدة السلطنة ، ولا يصح مد الجار نفقاً تحت ملك جاره ولا جسراً فوقه ، ولو امتدت اغصان شجرة الجار إلى أرضك جاز لك أن تلويها عن أرضك ، وإن لم تلو تقطع الى جانب النصوص توصي بالجار وأنه كالنفس .
إنما معنى الحديث شدة العذاب الذي ينزل بالغاصب ، والوزر والثقل الذي يحمله ، والطوق الذي يجعل في رقبته بسبب الغصب.
ثم جاء قانون آيات تنهى عن الإرهاب لبيان موضوع الآية ودلالتها ، وأما بخصوص إحصاء الآيات التي تنهى عن الإرهاب ، فهي كثيرة سواء في منطوقها أو مفهومها ، منها دلالة الأمر بالتقوى على أداء الفرائض ،ووجوب التراحم ونشر معاني الإحسان ، وتبعث التقوى على السعي في الصالحات ، وإجتناب الإرهاب ، وتنهى عن الظلم والتعدي مطلقاً ، أما إحصاء الآيات التي تنهى عن الإرهاب فهو أمر ليس سهلاً لكثرة هذه الآيات إلى جانب آيات أخرى كثيرة تدل على حرمة الإرهاب وقبحه الذاتي سواء في منطوقها أو دلالتها أو مفهومها .
لقد ذكرت في هذا الجزء آيات تنهى صراحة عن الإرهاب .
ومن خصائص القرآن أنه نزل لكل زمان وتجد فيه جواباً لكل مسألة ابتلائية سواء كانت مستديمة أو مستحدثة ، قال تعالى [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ] ( ).
لقد نزل القرآن أيام إرهاب قريش والذين كفروا واصرارهم على منع الناس من العزوف عن عبادة الأوثان ، وتأتي الوفود لحج بيت الله في مكة فيستقبلهم (360) صنم جماد منصوبة في أركان الكعبة وعلى جدرانها وعلى الصفا والمروة ، وكان لكل قبيلة صنم خاص تقف عنده ، وتعتني به ، وتصلحه ، وتتزلف إليه .
وهل عبادة الأصنام من الإرهاب ، وهل هي إرهاب عندما دعا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الناس إلى الإسلام أم مطلقاً حتى قبل هذه الدعوة .
المختار هو الثاني، لبيان ترشح الإرهاب عن الجاهلية والوثنية ، لغياب التقوى والخشية من الله من نفوس الذين كفروا .
وقد ذكرت في الجزء (219) أن الله عز وجل تفضل بنزول سورة الكافرون لمنع الإرتداد ، وللبراءة اليومية المتصلة من الشرك .
وحتى تلك الأصنام تدعوهم إلى التوحيد ونبذ الشرك لأنها خلاف العقل وتأريخ البيت الحرام ، وتجلت هذه الدعوة بعد بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بوضوح ، فمن خصائص الأشياء كلها الإقرار بالتوحيد ، قال تعالى [يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ] ( ) ونزلت آيات القرآن لتفضح عبادة الأوثان .
ثم جاء قانون الجمع بين الكفر والتعدي قبيح ، وأيهما أكثر إعتداء وظلماً الشرك بالله أو الإعتداء على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في معركة بدر .
الجواب هو الأول ، ومن معاني ملك الله عز وجل للسموات والأرض عدم رضاه سبحانه عن الشرك وعبادة الأصنام ، وما جعل الله الإنسان [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ) إلا ليعمرها بالعبادة ، ويكون قوله وعمله مرآة للصلاح والإحسان ، والنفرة من ظلم الذات والغير.
ويغادر الإنسان الحياة الدنيا بل الناس مطلقاً ، وتبقى ملكية الأرض لله عز وجل وحده ، ليقف الناس بين يديه سبحانه للحساب ، ونيل الجزاء على الأعمال في الدنيا ، فالخلافة امتحان وإختبار وابتلاء يجب أن لا يتعدى فيها الإنسان الحدود والقوانين التي جعلها الله عز وجل تحكم أهل الأرض ، وتمنع من الشطط والتطرف والعنف وسفك الدماء .
وقد تكرر لفظ [مَنْ أَظْلَمُ] خمس عشرة مرة أكثرها في الإفتراء على الله منها قوله تعالى [وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ]( ).
لتكون في القرآن مدرسة خاصة اسمها (مَنْ أَظْلَمُ) لبيان أشد ضروب الظلم مما يملي على المؤمنين وأهل الكتاب والناس جميعاً التنزه عن الإرهاب لأنه ظلم وظلمات ، وضرر خاص وعام ، وكما أن الجمع بين الكفر والتعدي قبيح ، فان صدور التعدي من المؤمن قبيح أيضاً ، فنزل القرآن لتنزيه المجتمعات من التعدي والظلم وإراقة الدماء .
ثم جاء قانون إزاحة التنزيل للإرهاب ، وترشح النفع العام منه من حين النزول ، ومنه أسباب النزول والتدارك ، وإيجاد الحلول بواسطة الآية للمسائل الإبتلائية ، لذا ورد قوله تعالى [يَسْأَلُونَكَ]خمس عشرة مرة في القرآن ليبقى العمل بالآية القرآنية موضوع السؤال إلى يوم القيامة ، وهل من هذه الآيات الخمس عشرة ما يتضمن النهي عن الإرهاب سواء في المنطوق أو الدلالة أو المفهوم .
الجواب نعم ، قال تعالى [وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنْ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ] ( ) وتنهى آيات القرآن عن الإرهاب وكذا التذكير بها ، وهذا التذكير أعم من أن يكون بقصد النهي عن الإرهاب ، فيشمل تلاوة القرآن ، فذات التلاوة من التذكير والنهي عن الإرهاب .
ومن خصائص القرآن التعبد بتلاوته ، فقراءة المسلم للقرآن عبادة وطاعة لله ، وفيها الأجر والثواب (عن عوف بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من قرأ حرفاً من القرآن كتب الله له به حسنة . لا أقول { بسم الله } ولكن باء ، وسين ، وميم ، ولا أقول { الم } ولكن الألف ، واللام ، والميم) ( ).
ومن منافع تلاوة القرآن تنمية ملكة العفة والعصمة من الإرهاب.
ثم جاء في الجزء (216) باب شيوع القتل والحروب قبل الإسلام لبيان توقفها والغزو عند بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ودخول الناس الإسلام مما يقتضي تعاهد هذه النعم ، ومحافظة المسلمين عليها ، والتحلي بالخلق الحميد ، ومنه الصفح والعفو ، والتسامح .
وعن (زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ ، لَمَّا نَزَلَتْ: ” قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ ” الآيَةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ:”لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ بِالسُّيُوَفِ”، قَالُوا: وَنَحْنُ نَشْهَدُ أَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ؟
قَالَ:”نَعَمْ”، فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لا يَكُونُ هَذَا أَبَدًا أَنْ يَقْتُلَ بَعْضُنَا بَعْضًا وَنَحْنُ مُسْلِمُونَ، فَنَزَلَتْ: ” انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ لِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ( )) ( ).
ثم جاء قانون قول [الْحَمْدُ لِلَّهِ] أمان للقائل والسامع .
وقول [الْحَمْدُ لِلَّهِ]سور الموجبة الكلية الذي تلتقي عنده كل الأديان والملل السماوية ، وهو زينة الأرض ، والقول الذي تتلقفه الملائكة فتكتب فيه الأجر والثواب لقائله .
ويتبين فيه مصداق لإحتجاج الله عز وجل عليهم [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) حينما تساءلوا عن جعل الإنسان خليفة في الأرض مع أن شطراً من الناس يفسدون في الأرض ، ويسفكون الدماء .
ويحتمل قول [الْحَمْدُ لِلَّهِ] بلحاظ ما ورد في التنزيل [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ]( ) وجوهاً :
الأول : قول الحمد لله وقاية من الفساد وسفك الدماء .
الثاني : قول الحمد لله وقاية من الفساد دون سفك الدماء أو العكس .
الثالث : ليس من صلة موضوعية بين قول الناس الحمد لله ، وبين موضوع الفساد الذي احتج به الملائكة .
والصحيح هو الأول ، فقول الحمد لله عز وجل حصن للنفوس ، وزاجر للجوارح من الفساد والظلم .
ليكون من الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ابتداء المسلم نهاره بقول [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ] ( ) في صلاة الصبح ، وإختتامه بذات القول المبارك في صلاة المغرب والعشاء ، ليكون واقية من الإرهاب والتعدي لما بينها سواء في ساعات النهار أو ساعات الليل .
لقد امتحن الله المسلمين بأن إجتمعت عندهم قلة العدد مع الإستضعاف في مقابل كثرة المشركين ، وأموالهم ، وأحلافهم وعظيم شأنهم عند العرب لسدانتهم للبيت الحرام واستقبالهم لرجال القبائل في مكة وقيامهم بالرفادة والضيافة والسقاية ، فلم تكن آنذاك فنادق، والفنادق : جمع فندق وهو الخان فارسي حكاه سيبويه( ) أو خان لمبيت المسافرين .
ولكن ورد عن (سلمة عن الفراء: سمعت أعرابياً من قُضاعة يقول: فُنْتُق للفُنْدُق، وهو الخان)( ).
ومن شمائل قريش أنها تأبى أن ينزل حجاج بيت الله الحرام في فنادق داخل مكة ، نعم لم يكن جميع حجاج بيت الله ينزلون على قريش في بيوتها مع صغر تلك البيوت.
لقد اختص الجزء التاسع عشر بعد المائتين بقانون التضاد بين القرآن والإرهاب ، وجاء فيه قانون صرف الإستضعاف لإزاحة الإرهاب( ) .
فهذا الصرف علة وسبب لإزاحة الإرهاب من الأرض ، لقد صرف الله عز وجل الإستضعاف عن المسلمين في بضع سنين ، وهو من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فقد أمر طائفة من أصحابه للهجرة إلى الحبشة إعراضاً عن إرهاب قريش ، ثم هاجر بنفسه إلى المدينة لتقع معركة بدر ، ويتحقق نصر النبوة والتنزيل فيها ، وإزالة الإستضعاف عن المسلمين والإسلام ، إذ قال تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]( )ليترتب عليه وجوب الشكر لله عز وجل على النعم المتعددة التي تأتي دفعة واحدة .
ومن وجوه هذا الشكر إجتناب إرهاب المدنيين ، وجعلهم في حال إستضعاف وفزع بغير حق .
وذكرت في هذا القانون قوله تعالى [فَآوَاكُمْ]( )لبيان نعمة الإيواء والسكن والمواطنة المستحدثة ، وما يترتب عليها من الحقوق والنعم ، فيكون من الشكر لله عز وجل تعاهدها والتقيد بالقوانين والأنظمة ، وكل قوانين العالم تحرم الإرهاب وتجرمه وكأنها مرآة للتنزيل ، وقال تعالى [وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ]( ).
ويبعث قوله تعالى [قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ]المسلمين على نشر ألوية الأمن ، وانتهاج الإنصاف ملاكاً في العمل ، والإبتعاد عن إخافة وإذلال الآخرين ، والتحذير من إرادة قهرهم لأنه مناف لأخلاق الإسلام ، ولأن الناس يستطيعون الرد والجزاء .
لقد امتحن الله المسلمين بأن إجتمعت عندهم قلة العدد مع الإستضعاف ، في مقابل كثرة المسلمين ، وأموالهم وأحلافهم وعظيم شأنهم عند العرب ، لسدانتهم للبيت الحرام واستقبالهم لوفود الحاج .
لقد تضمن هذا السِفر المبارك أجزاء تختص بالصلة بين آيتين متجاورتين ، أو الصلة بين شطر من آية وشطر من آية أخرى ، لبيان أمور :
الأول : قانون ذخائر القرآن من اللامتناهي .
الثاني : مثلما الآية القرآنية خزينة للعلوم فالصلة بينها وبين آية ثانية من القرآن علم مستحدث وخزينة أخرى .
الثالث : دعوة العلماء لتأسيس وإنشاء أبواب جديدة في علم التفسير والتأويل .
وهو من إعجاز القرآن المتجدد الذي يعجز الناس عن الإحاطة بكنوزه ، وهو من عمومات قوله تعالى [قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا( ).
وتجلت موضوعية سورة الكافرون في منهاج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في الصبر والثبات في مقامات الإيمان ، والمختار أن آيات هذه السورة محكمة غير منسوخة .
ثم جاء قانون ( إنقطاع القلة والإستضعاف إلى يوم القيامة) .
لقد أخبرت آيات القرآن عن زوال حال القلة والضعف عن المسلمين منها قوله تعالى [وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ] ( ).
وقوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]( ).
وقوله تعالى [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا]( ) وقوله تعالى [وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا] ( ).
وحالات الإستضعاف الثلاث التي نزلت بالمسلمين في بداية البعثة وهي :
الأولى : قلة عدد المسلمين بالذات .
الثانية : الإستضعاف ، قال تعالى [وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ] ( ).
الثالثة : خشية الخطف والإختطاف ، لبيان فضل الله عز وجل على المسلمين حتى بالكيفية النفسانية بالشعور بالأمن .
ومعنى التخطف في قوله تعالى [تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ]( )، الكثرة من جهات :
الأولى : كثرة خوف المسلمين من الخطف والسلب والسجن والأسر .
الثانية : كثرة خطف الناس للمسلمين .
الثالثة : كثرة الناس والقبائل الذين يخطفون المسلمين .
ومن إعجاز القرآن وبيان فضل الله على المسلمين مجئ الآية بخصوص الجهة الأولى ، وهي الخوف من الخطف ودفع ذات الخطف لبيان قانون وهو دفع الآية القرآنية للإرهاب .
ومن فضل الله صيرورة الذي كفروا في نقصان مطرد بهلاك طائفة منهم ، ودخول طائفة أخرى الإسلام.
ثم جاء قانون (القلة مع الإيمان منعة) عندما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه يخرجون في كتيبة إستطلاع أو يخرجون للدفاع يظن المنافقون أنهم لن يرجعوا ، أو ان كثيراً منهم سيقتلون ويؤسرون لقتلهم بالنسبة لكثرة الكفار في الجزيرة .
ولا يختص المنافقون بهذا الظن ، إنما يشمل آخرين من الأعراب وغيرهم ، ومن أسباب هذا الظن معرفة قبائل العرب بشدة بأس قريش ، واصرارها على أخذ الثأر من النبي وأصحابه.
فنزل القرآن بدفع وابطال هذا الظن بصيغة التحدي ، قال تعالى [بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا]( ).
وحفظ الله الذين توجهوا إلى مكة بلباس الإحرام في صلح الحديية ، ولم يعلموا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يخرج إلا بأمر ووحي من عند الله ، وفي التنزيل [فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ]( ).
وهل تختص الآية أعلاه بخروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الحديبية لأداء العمرة ثم رجوعه وأصحابه سالمين ، الجواب لا .
لقد كان ظن المنافقين والكفار أن الضرر بالنبي وأصحابه يتجدد في كل مرة يخرجون فيها من المدينة ، ولكن الوقائع كانت تبين خلاف ظنهم ، وفي التنزيل [وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ]( )، ولم ينتج هذا الظن عن وهم وفراغ ، لذا فمن معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم عودته سالماً في كل كتيبة يخرج فيها ، وكل معركة يدخلها ، ومنها وجوه :
الأول : معجزة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعودته سالماً من معركة بدر .
الثاني : معجزة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بسلامته في معركة أحد ، خاصة بعد إشاعة المشركين (قُتل محمد).
وروى الطبراني عن أنس بن مالك قال : لما كان يوم أحد حاص أهل المدينة حيصة، وقالوا: قتل محمد، حتى كثر الصراخ في ناحية المدينة .
فخرجت امرأة من الانصار محزمة، فاستقبلت بأبيها ابنها وزوجها وأخيها( )، لا أدري أيهم استقبلت به أولا، فلما مرت على آخرهم قالوا: أبوك، زوجك، أخوك، ابنك، فتقول: ما فعل رسول الله ، يقولون : أمامك، حتى دفعت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأخذت بناحية ثوبه، ثم قالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لا أبالي إذا سلمت من عطب .
وروى ابن أبي حاتم، عن عكرمة مرسلا قال: لما أبطأ الخبر على النساء خرجن يستخبرن ، فإذا رجلان مقتولان على دابة أو بعير، فقالت امرأة من الانصار: من هذان ، قالوا : فلان وفلان : أخوها وزوجها أو زوجها وابنها.
فقالت: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، قالوا: حي، قالت: فلا أبالي، يتخذ الله من عباده شهداء ، وأنزل الله تعالى على ما قالت: وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ.
وتضمن الجزء (219) بحثاً نحوياً في المرفوعات من الأسماء ثم ذكرتُ قانوناً بعنوان (دعوة القرآن للسلم).
إذ كتب الله سبحانه لكل إنسان رزقاً وجعل له نافلة وزيادة خاصة في الرزق وسهّل له الطريق للفضل والنافلة العامة في الرزق ،وهي خزائن المعلقة بين السماء والأرض تريد من تدعو ويسأل الله للنيل والنهل منها. ولم يهبط آدم إلى الأرض الا وقد كتب الله عز وجل له ولحواء وذريتهما من بعدهما رزقاً .
وهل كل هذا الرزق كريم ، أما أن صفة الكريم والحسن تختص برزق المؤمنين ، الجواب هو الأول ، ولكن الذين كفروا يبتغون الكسب الفائض بطرق غير شرعية .
وادعى مشركو قريش أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه يهددون طرق التجارة ، ثم أشاعوا في ساعة واحدة في مكة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يريد الإستيلاء على قافلة أبي سفيان وكانت تتألف من ألف بعير محملة بالبضائع .
وليس إتفاقاً وصدفة أن يكون أهل مكة رجالاً ونساءً قد تاجروا وضاربوا في هذه القافلة إلا القليل منهم .
فحينما سمع أهل مكة ضمضم بن عمرو رسول أبي سفيان ينادي بالويل والثبور ، ويدعو إلى أن يهبوا لنجدة القافلة حتى ثاروا وامتلأوا غيظاً.
وقال كتاب السيرة أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم قصد الإستيلاء على القافلة ، وتناقل المفسرون والعلماء هذا القول .
والمختار عدم وجود دليل يثبت هذا القصد والأصل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في خروجه لم يكن ينو الإستيلاء على القافلة .
وقال ابن حزم (فأقام رسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى رمضان من السنة الثانية، ثم اتصل به عليه صلوات الله تعالى وسلامه عيراً لقريش عظيمة فيها أموال كثيرة مقبلة من الشام إلى مكة، فيها ثلاثون رجلاً من قريش، عميدهم أبو سفيان بن حرب، أو قيل: أربعون رجلاً؛ من جملتهم: مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة، وعمرو بن العاصي؛
فندب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى هذه العير، وأمر من كان ظهره حاضراً بالخروج، ولم يحتفل في الحشد، لأنه إنما قصد العير، ولم يقدر أنه يلقى حرباً ولا قتالاً، فاتصل بأبي سفيان أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خارج إليهم)( ).
والحشد جمع حاشد.
أي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم ينتظر كثرة الحشود للخروج معه للقتال ، ولكن خروج ثلاثمائة وثلاثة عشر من الصحابة مع النبي عدد كثير بالقياس الى الكتائب الأخرى في تلك السنة ، والمختار أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يخرج لطلب القافلة إلا أن هذه الأخبار تدل على معجزة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وهي أنه لم يخرج لمعركة بدر ، ولم يكن وأصحابه مستعدين لها ، بينما تجهزت لها قريش ثلاثة أيام بنفير عام ، وكان أبو جهل وجماعة يُكرهون الناس على الخروج إلى المعركة .
ومع قلة عدد الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ فقد انتصروا بمدد وعون من الله ، وفي التنزيل بخصوص معركة بدر ، قال تعالى [إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ]( ).
وقد وقعت معركة بدر في شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة وخرج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى ما يسمى بدر الأولى في شهر ربيع الأول من السنة الثانية أيضاً ومعه مائتان من أصحابه ، ثم توجه إلى ذي العشيرة في شهر جمادى الآخرة من السنة الثانية للهجرة أي قبل معركة بدر بنحو ثلاثة أشهر ومعه مائتان من أصحابه .
وخرج بعد معركة بدر في كتيبة السويق في شهر ذي الحجة من السنة الثانية ، ومعه مائتان من أصحابه أيضاً .
وحتى على فرض لقاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لقافلة أبي سفيان فليس من ملازمة بين هذا اللقاء وبين الإستيلاء على القافلة ، ولم يخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى بدر إلا بالوحي .
لقد كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يرفع لواء السلم ، ويحارب الإرهاب ليس بالغزو والهجوم إنما بالآية القرآنية ، قال تعالى [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ]( )، وآيات القرآن أبهى مصاديق الحكمة .
ومن خصائص آيات القرآن أنها تدعو إلى السلم وفي ذات الوقت فهي سلاح ضد النفاق والإرهاب والمفاهيم التي لا تتوافق مع الشريعة السمحاء.
وذكرتُ في الجزء التاسع عشر بعد المائتين (وقيل أن الآية [وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا]( )، منسوخة ، ونسخها قوله تعالى [قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ]( )، وأكثر الأقوال بالنسخ صدرت من التابعين ، ومنهم من قال بالتفصيل فاذا كان المسلمون في حال ضعف مالوا إلى السلم ورضوا به ، وهذا حكم وليس نسخاً .
ولكن الأصل هو الإطلاق في وجوب الميل إلى السلم والموادعة حتى في حال القوة والمنعة ، وقد كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يعقد الصلح والموادعة مع من يطلبه منه ، ويحافظ على العهد)( ).
وفيه تنمية لملكة الصلح عند المسلمين ، والميل له في حل الخصومة والنزاع ، وهل من صلح بين القرآن والإرهاب ، الجواب لا ، للتضاد بينهما ، وإن القرآن نعمة دائمة ، والإرهاب أذى طارئ .
ومن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تجلي شواهد صدق نبوته في حال السلم أكثر منها في حال الحرب والقتال ، لذا كانت قريش تبذل الوسع لإستمرار الغزو والهجوم على مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
وكثير من الأباطرة يسيرون الجيوش إلى ميدان القتال لابعادهم عن المركز واشغالهم ، وجلبهم الغنائم وحينما علمت قريش بالميل العام من الناس لنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتلاوة الناس الآيات في المنتديات والطرقات والأسواق وفي البيوت واستظهرت قريش أنه ليس من أثر لإفترائها على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونعته بأنه مجنون وساحر قامت بتجهيز الجيوش العظيمة للهجوم على المدينة ، ونشب القتال في بدر وأحد ، وصارت مواجهات ورمي بالسهام والنبال في معركة الخندق.
وتضمن الجزء (219) قضاء الإسلام على ظاهرة الخطف والإستعباد .
وذكرت في هذا الباب قصة زيد بن حارثة إذ خطف عندما كان صغيراً مع أمه في زيارتها لأهلها وتم بيعه في أسواق مكة ، لبيان الضرر على ذات الصبي ، وعلى الأم ، وتهديد وحدة العائلة .
وكما ينهى الإسلام عن بيع الأحرار ، وبيعهم في أسواق النخاسة فانه ينهى عن الإرهاب .
وأيهما أشد سبي الصبي وبيعه ، أم التفجيرات ، الجواب كلاهما شديد وفيه ضرر على الفرد والمجتمع ، ويسبب المصائب ، والتفجيرات العشوائية أشد لأنها تأتي بغتة وتصيب الجماعة ، وتؤدي إلى الموت والجراحات الشديدة ، وتبعث على الخوف العام ، وقد أكرم الله عز وجل زيد بن حارثة بأن ذكر اسمه في القرآن ، وكان من كبار الصحابة ، قال تعالى [وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً] ( ).
وحياة زيد بن حارثة ونيله المرتبة السامية بين الأجيال من المعجزات الغيرية لنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، هذه البعثة التي قضت على حياة الغاب في الجزيرة ، ومنعت من إنقراض أمة العرب ، وتعاهدت بنزول القرآن اللغة العربية ، وجعلتها من أمهات اللغات في العالم ، وتنفرد بتلاوة المسلمين لها في الشرق والغرب .
ثم كان موسم الحج سبباً لرؤية زيد من قبل أهله ، ومعرفتهم علاماته وأوصافه ، والتثبت منه ، وفيه بيان لرحمة الله عز وجل في جعل موسم الحج وسيلة للتعارف ، وإيجاد المفقود إذا كان حياً ، والتقاء الغرباء وقضاء الحوائج .
وهذه الرحمة من مصاديق العموم في نصب البيت الحرام للناس جميعاً وما فيه من البركة ، بقوله تعالى [إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ]( ).
وجاء قيد البركة لبيان إنتفاع الناس منه ، سواء عند الإجتماع حول البيت أو بسببه عند عودة الناس إلى قراهم وأهليهم ، ومن بركة البيت بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة ودعوته أهلها والوافدين إليها لدخول الإسلام ، وليس من مدينة في الجزيرة والعراق والشام واليمن آنذاك أكثر وفوداً من مكة ، وهو من أسباب عزم أبرهة هدم البيت الحرام ليصرف الناس عن التوجه المتجدد إلى مكة في موسم الحج وخارجه ، فارسل الله عز وجل عليهم [طَيْرًا أَبَابِيلَ]( )، لأن كثرة الوفود إلى مكة مقدمة لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ثم جاء قانون (قصص القرآن طرد للإرهاب) لما في هذه القصص من التأديب والإرشاد لسبل الصلاح والتقوى ، والصبر على الأذى .
وجاءت في هذا الجزء عدة قوانين بخصوص قوله تعالى [فَآوَاكُمْ]( )، وأنه أمان وزاجر عن الإرهاب ، وهذا الزجر من باب الشكر لله عز وجل مع الشرح والبيان وهي :
الأول : قانون (فآواكم) غنى عن الإرهاب( ).
الثاني : قانون رهبة المشركين من غزو المدينة( ) .
الثالث : قانون ذات الإيواء سلام( ).
الرابع : قانون حضور [فَآوَاكُمْ] أمان( ).
الخامس : قانون [فَآوَاكُمْ] وعد كريم ودعوة للرأفة( ).
السادس : قانون الإيواء( ).
السابع : قانون سلاح (فَآوَاكُمْ) يوم بدر( ) .
لقد نزل القرآن بقصص الأنبياء وسيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، لتترشح عنها قصص في جهاد أهل البيت والصحابة ، ومنها قصة إسلام أبي ذر ، إذ بلغه نبأ بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فجاء إلى مكة ووجد قريشاً قد فرضت رقابة شديدة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومنعت الناس من الإتصال به والإقتراب منه ، لأنها أدركت أن هذه الصلة طريق للهدى والإيمان ، وهو من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وتضمن الجزء (219) من هذا التفسير عدة عناوين خاصة باسلام وجهاد أبي ذر ثم ذكرتُ موضوع أول سفير للإسلام ، ومن العلة الغائية له رجاء السلام والأمن ، فقد بعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مصعب بن عمير مع أهل بيعة العقبة الأولى لتعليمهم الصلاة وأحكام الحلال والحرام ، ولتكون هجرته نوع توطئة لهجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الى المدينة .
ليعود مصعب بن عمير في موسم الحج في السنة الثالثة عشرة للبعثة( )، قبل سنة الهجرة ، ومعه كما في رواية ابن إسحاق (ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان فمن الاوس أحد عشر رجلا: أسيد بن حضير أحد النقباء، وأبو الهيثم بن التيهان بدري أيضا، وسلمة بن سلامة ابن وقش بدري، وظهير بن رافع، وأبو بردة بن نيار ، ونهير بن الهيثم بن نابى بن مجدعة بن حارثة، وسعد بن خيثمة أحد النقباء، بدري وقتل بها شهيدا .
ورفاعة بن عبد المنذر بن زنير نقيب بدري، وعبد الله بن جبير بن النعمان بن أمية بن البرك بدري .
وقتل يوم أحد شهيدا أميرا على الرماة .
ومعن بن عدي بن الجد بن عجلان بن الحارث ابن ضبيعة البلوى حليف للاوس شهد بدرا وما بعدها وقتل باليمامة شهيدا، وعويم بن ساعدة شهد بدرا وما بعدها.
ومن الخزرج اثنان وستون رجلا: أبو أيوب خالد بن زيد، وشهد بدرا وما بعدها ومات بأرض الروم زمن معاوية شهيدا .
ومعاذ بن الحارث، وأخواه عوف ومعوذ وهم بنو عفراء بدريون.
وعمارة بن حزم شهد بدرا وما بعدها وقتل باليمامة.
وأسعد بن زرارة أبو أمامة أحد النقباء، مات قبل بدر، وسهل بن عتيك، بدري، وأوس بن ثابت بن المندر بدري .
وأبو طلحة زيد بن سهل، بدري .
وقيس بن أبى صعصعة عمرو بن زيد بن عوف ابن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن كان أميرا على الساقة يوم بدر، وعمرو بن غزية .
وسعد بن الربيع أحد النقباء شهد بدرا وقتل يوم أحد، وخارجة بن زيد شهد بدرا وقتل يوم أحد.
وعبد الله بن رواحة أحد النقباء، شهد بدرا وأحدا والخندق، وقتل يوم مؤتة أميرا، وبشير بن سعد، بدري، وعبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه الذى أرى النداء، وهو بدري.
وخلاد بن سويد بدري أحدي خندقي، وقتل يوم بنى قريظة شهيدا، طرحت عليه رحى فشدخته، فيقال إن رسول الله صلى الله عيله وسلم قال: ” إن له لأجر شهيدين “.
وأبو مسعود عقبة بن عمرو البدرى.
قال ابن إسحاق : وهو أحدث من شهد العقبة سنا ولم يشهد بدرا.
وزياد بن لبيد، بدري، وفروة بن عمرو بن وذفة وخالد بن قيس بن مالك بدرى، ورافع بن مالك أحد النقباء .
وذكوان بن عبد قيس بن خلدة بن مخلد بن عامر بن زريق، وهو الذى يقال له مهاجري أنصاري، لأنه أقام عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمكة حتى هاجر منها، وهو بدري قتل يوم أحد، وعبادة بن قيس بن عامر بن خالد بن عامر بن زريق بدري، وأخوه الحارث بن قيس بن عامر بدري أيضا.
والبراء بن معرور أحد النقباء وأول من بايع فيما تزعم بنو سلمة، وقد مات قبل مقدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدينة وأوصى له بثلث ماله فرده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ورثته. وابنه بشر بن البراء، وقد شهد بدرا وأحدا والخندق ومات بخيبر شهيدا من أكلة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من تلك الشاة المسمومة، رضى الله عنه، وسنان بن صيفي
ابن صخر بدرى، والطفيل بن النعمان بن خنساء بدري ، قتل يوم الخندق، ومعقل بن المنذر بن سرح بدري ، وأخوه يزيد بن سنان المنذر بدري ، ومسعود بن زيد بن سبيع، والضحاك بن حارثة بن زيد بن ثعلبة بدري ، ويزيد بن خذام بن سبيع، وجبار بن صخر بن أمية بن خنساء بن سنان بن عبيد بدري ، والطفيل بن مالك بن خنساء بدري.
وكعب بن مالك، وسليم بن عامر بن حديدة بدري ، وقطبة بن عامر بن حديدة بدري ، وأخوه أبو المنذر يزيد بدري أيضا، وأبو اليسر كعب بن عمرو بدري ، وصيفى بن سواد بن عباد.
وثعلبة بن غنمة بن عدي بن نابى، بدري واستشهد بالخندق، وأخوه عمرو بن غنمة بن عدي، وعبس بن عامر بن عدي، بدري ، وخالد بن عمرو بن عدي بن نابى، وعبد الله بن أنيس حليف لهم من قضاعة.
وعبد الله بن عمرو بن حرام أحد النقباء، بدري واستشهد يوم أحد، وابنه جابر ابن عبدالله، ومعاذ بن عمرو بن الجموح بدري ، وثابت بن الجذع، بدري وقتل شهيدا بالطائف، وعمير بن الحارث بن ثعلبة بدري ، وخديج بن سلامة حليف لهم من بلى، ومعاذ بن جبل شهد بدرا وما بعدها ومات بطاعون عمواس .
وعبادة بن الصامت أحد النقباء شهد بدرا وما بعدها، والعباس بن عبادة بن نضلة، وقد أقام بمكة حتى هاجر منها، فكان يقال له مهاجري أنصارى أيضا، وقتل يوم أحد شهيدا، وأبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة بن خزمة بن أصرم حليف لهم (من بنى غصينة) من بلى وعمرو بن الحارث بن لبدة ، ورفاعة بن عمرو بن زيد بدري .
وعقبة بن وهب بن كلدة حليف لهم بدري وكان ممن خرج إلى مكة فأقام بها حتى هاجر منها، فهو ممن يقال له مهاجري أنصارى أيضا، وسعد بن عبادة بن دليم أحد النقباء، والمنذر بن عمرو نقيب بدري أحدي وقتل يوم بئر معونة أميرا وهو الذى يقال له: أعتق ليموت.
وأما المرأتان فأم عمارة نسيبة بنت كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو ابن غنم بن مازن بن النجار، المازنية النجارية .
قال ابن إسحاق : و قد كانت شهدت الحرب مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم و شهدت معها أختها و زوجها زيد بن عاصم بن كعب و ابناها حبيب و عبد الله وابنها حبيب هذا هو الذي قتله مسيلمة الكذاب حين جعل يقول له : أتشهد أن محمدا رسول الله ؟
فيقول : نعم فيقول : أتشهد أني رسول الله ؟
فيقول : لا أسمع فجعل يقطعه عضوا عضوا حتى مات في يديه لا يزيده على ذلك فكانت أم عمارة ممن خرج إلى اليمامة مع المسلمين حين قتل مسيلمة و رجعت و بها اثنا عشر جرحا من بين طعنة و ضربة رضي الله عنها و الأخرى أم منيع أسماء ابنة عمرو بن عدي بن نابي بن عمرو بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة رضي الله عنها)( ).
وذكر أن مصعب بن عمير لما كثر عدد المسلمين في المدينة (رجع إلى مكة قبل بيعة العقبة الثانية)( ).
لقد أظهرت هجرة رهط من الصحابة إلى الحبشة ، ومغادرة طائفة من الصحابة مكة مهاجرين إلى المدينة قبل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم منهاج الإسلام وأنه دين السلم والأمن وليس فيه إكراه للناس في الفكر والعادات والسلوك ، ليطمئن أهل يثرب لقدوم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ويدركون أنه رسول الأمن والسلام .
وفيه دعوة للمسلم مطلقاً والمهاجر والمغترب خاصة أن يتحلى بخلق السلم ، ويرسل رسائل الأمن والطمأنينة إلى جميع الناس بسيرته وسلوكه ، وتقيده بالقوانين النافذة .
ثم جاء قانون إشاعة قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد إرهاب )، إذ ينشر الكافرون الإشاعة المؤلمة لإرهاب الناس ، ولتحقيق غايات خبيثة .
لقد أرادوا بهذه الإشاعة إنهزام جيش المسلمين ، وملاحقتهم وقتلهم أو أسرهم عند مغادرتهم رداً وثأراً لما فعله بهم المسلمون يوم بدر ، ولكن الله عز وجل فضحهم .
وأظهرت طائفة من الصحابة الصبر والتجلد ، كما كانت جماعة من أهل البيت والصحابة ساعة النداء بالإشاعة يقاتلون بين يدي النبي .
أي أنهم يعلمون بكذب هذه الإشاعة ، وهذه الإشاعة من عمومات قوله تعالى [وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ]( ).
ثم جاء قانون ( الإعجاز عن إحصاء النعم تنزيه عن الإرهاب ) لبيان فضل الله عز وجل على الناس لهدايتهم لسبل الصلاح بصيغة الرحمة واللطف ، وكثرة وتوالي النعم في ذات الإنسان وما حوله دعوة للصلاح والإستقامة .
وقد ذكرت فيه عجز الناس حتى في الآخرة عن تعداد نعم الله عز وجل لتواليها على نحو دفعي ، وبما يفوق التصور الذهني الذي هو أسرع من الإحصاء ولا يختص توالي النعم بالمؤمنين إنما يتغشى الناس جميعاً ، ليكون حجة على الإنسان ، وزاجراً له عن الإرهاب ، لرأفة الله عز وجل به وبالناس .
والإرهاب إضرار بالذات والغير فهو ضد ومعارض لرأفة الله عز وجل وتوالي نعمه على الناس.
وليس من تعارض بين وجوب تذكر نعم الله وبين العجز عن إحصائها ، قال تعالى [اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمْ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ]( )، لبيان أن التفكر بنعم الله عز وجل سبب إلى شكره تعالى ، وإلى التنزه عن العنف والإرهاب .
إذ جعل الله عز وجل الناس شركاء في النعم ، ينهلون منها من غير أن تنقص ، يجتهد الإنسان في الكسب ، وجمع الأموال ، واقتناء الأعيان ، ثم يغادر الدنيا من غير أن ينقص من نعمها شئ.
ثم جاء في الجزء (219 ) باب : مسلمات أوائل تعرضن للتعذيب).
وفيه حجة على قريش باتخاذها الإرهاب سبيلاً للقهر العقائدي ، ومحاربة النبوة والتنزيل ، وقد ثبت تأريخياً أن هؤلاء النسوة لم يقمن بأي عمل فيه أذى أو ضرر على قريش ، سواء كان ضرراً خاصاً أو عاماً .
لقد أغاظ قريش دخول النسوة الأوائل في الإسلام ، وعلموا أن دخولهن دعوة للرجال والنساء والأولاد للتصديق بنبوة محمد ، وأن هذا الدخول يدل على رجحان تفكيرهن ، وحسن اختيارهن ومن هؤلاء النسوة : سمية بنت خياط أم عمار بن ياسر ، ولبيبة جارية بني المؤمل ، وزغيرة الرومية وغيرها .
لقد تأذى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من تعذيب المشركين للنساء ، وفيه دعوة عامة لإجتناب إيذاء النساء ، والمنع من أن تطالهن والأطفال يد الإرهاب والتفجيرات .
ثم أفردتُ باباً بعنوان (إحصاء تلاوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم للقرآن).
وكثرة تلاوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم للقرآن تأديب وزاجر عن الإرهاب ، وهي دعوة للسلام وبسط الأمن ، وإدراك قانون وهو : التلاوة طريق الهداية والتوبة والإنابة ، وقال تعالى [إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ]( ).
لقد أنزل الله عز وجل آيات القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتكون فيها كفاية عن الغزو ، وهو من عمومات قوله تعالى [أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ]( ).
وعن الإمام علي عليه السلام قال : اقتنعوا بالقليل من دنياكم لسلامة دينكم فإن المؤمن البلغة اليسيرة من الدنيا تقنعه.
ومن مواضيع هذا الجزء ما يتعلق بحج البيت الحرام ، ومنها ما يتعلق بالصيام لبيان قانون أداء المسلمين للفرائض العبادية حصن من الإرهاب والإرهاب الموازي ، لما فيه من دلالة على إدراك قانون وهو أن الدنيا مزرعة للآخرة ، وخير ما فيها الإنقطاع إلى الله ، وذكره وإطاعة أوامره ، ومنها نشر لواء الأمن بين الناس ، وعدم قتل النفوس التي حرمها الله.
ومن مواضيع هذا الجزء قانون (القرآن دستور الحوار)، إذ أولى القرآن عناية خاصة للحوار ، وبيّن أنه بذاته حكمة وتترشح عنه معاني الحكمة ، وأن الحوار مدرسة التعليم والنصح والإرشاد.
وقد ورد لفظ (يسألونك) خمس عشرة مرة في القرآن ، منها قوله تعالى [يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ]( ).
وتبين الآية أعلاه عناية المسلمين بمعرفة أحكام الحلال والحرام ، واللجوء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم للتفقه في الدين ، وذكرت الآية الطيبات مما أحلّ الله للمسلمين ، وفيها بيان لوجوب التقيد بأحكام الشريعة وتطرح الآية في مفهومها مسألة وهي : التسليم بأن الله يحرم الإرهاب ولا يرضى به.
وهي من معاني الحوار ويتفضل الله عز وجل بالجواب لدعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين للإجابة على السؤال ، والصدور عن القرآن وأحكام الشريعة في الإجابة ، ومنها البيان والصفح وتجلي معاني الخلق الحميد .
ثم جاء موضوع مستقل وهو تقدير قوله تعالى [اذْكُرُوا] بخصوص آية واحدة [وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]( ).
ثم جاء باب ترجمة القرآن وكيف أنها حاجة ونعمة وإن لم تف ببيان إعجاز القرآن ، ولكنها مدرسة وفيها رادع عالمي عن الإرهاب.
وقد اعتنى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالترجمة في حياته ، فأمر زيد بن ثابت أن يتعلم اللغة العبرية ليترجم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ما يصله بالعبرية والسريانية ، ويكتب إجابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليها .
وهل يدل هذا الأمر على حجية خبر الواحد ، أم أنها قضية عين أم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعلم الصدق أو الكذب بالوحي فهو خارج موضوع الإستدلال ، الجواب إنها ليس دليلاً على كفاية خبر الواحد ، مع قولنا به .
أي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصدق بترجمة زيد بن ثابت وحده بالوحي وفي القضاء والحكم بخصوص الترجمة أقوال :
الأول : اشتراط التعدد في المترجم .
الثاني : كفاية مترجم واحد بالغ ، عاقل ، عدل ، ثقة ، مأمون .
الثالث : التفصيل ، ولزوم مترجمين رجلين في الترجمة إن كانت الدعوى في غير المال ، وأختلف هل الترجمة شهادة أم خبر ، والمختار أنها خبر .
والترجمة نقل الكلام من لغة إلى لغة أخرى ، وتفسيره بلسان آخر ، وهي في الإصطلاح تعبير وبيان الكلام بلغة أخرى غير لغة المتكلم بما يفهم معه السامع والمتلقي .
واختتم الجزء (219) بقانون (الأوس والخزرج في التأريخ) إذ شاء الله عز وجل أن يرفع شأن الذي نصروا النبوة والتنزيل وآووا خاتم النبيين عندما أرادت عشيرته قتله ، وذبوا عنه بسيوفهم ودمائهم دفاعاً واضطراراً للقتال عندما قام المشركون بالهجوم ، وإرادة غزو مدينتهم (يثرب) في معركة بدر ، وأحد ، والخندق.
لقد صدر الجزء التاسع عشر بعد المائة من هذا التفسير بقانون (التضاد بين القرآن والإرهاب) وهذا العنوان مستحدث وصدرت عشرة أجزاء من هذا التفسير بخصوصه لبيان أن القرآن كتاب الأمن ، وأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم يأت إلا بالرحمة والإحسان .
استقراء من الجزء (219)
من إعجاز القرآن إخباره عن عدم التعارض بين تلقي المسلمين الأذى من المشركين ، وبين القيام بالفرائض العبادية ، ومن معاني الصبر : الصبر في طاعة الله عز وجل .
ومن فضل الله عز وجل توالي صدور الأجزاء الخاصة بقانون (التضاد بين القرآن والإرهاب) من تفسيري للقرآن .
لتكون هذه الأجزاء تأسيساً لهذا العلم وبياناً له ، وفيه فتح لأبواب الدراسة والتحقيق والتأليف في هذا العلم المستحدث وأسبابه الملحة في هذا الزمان من وجوه :
الأول : تنزيه القرآن عن الإرهاب .
الثاني : بعث النفرة من سفك الدماء .
الثالث : قانون وجوب خلو الأرض من التفجيرات العشوائية .
الرابع : هذا القانون رسالة مودة وسلام لأهل الأرض جميعاً .
الخامس : بيان منهاج النبوة في الدعوة إلى الله [بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ] ( ).
ويبدأ الجزء (216) بمقدمة من (21) صفحة تبدأ بالبسملة ثم الحمد والثناء على الله سبحانه ، وكيف أن [الْحَمْدُ لِلَّهِ] سور الموجبة الكلية الجامع لأهل كل زمان إذ ينطق به الإنسان طوعاً أو كرهاً .
وهو من أسرار نسبة نيل الإنسان الخلافة في الأرض لله عز وجل ، وفضله ومشيئته بدليل قوله تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، وقد ذكرتُ في الصفحة الأولى من هذا الجزء قانون وهو (وليس من دقيقة تمر على أهل الأرض إلا وتجري على ألسنة الناس كلمات الحمد والشكر له سبحانه في المشرق والمغرب ، وفي دور العبادة وخارجها) ( ).
وفيه ترغيب بالوئام والوفاق بين الناس ، وإجتناب الحروب والإقتتال والإرهاب .
وأخرج مسلم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (إنَّ اللَّهَ أوحى إلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا ، حَتَّى لاَ يَفْخَرَ أَحَدٌ على أَحَدٍ وَلاَ يَبْغِي أَحَدٌ على أَحَدٍ)( ).

قانون القبح الذاتي للمثلة
لقد شرع دفن الميت مع أول موت حصل في الأرض ، ومن المستغرب أن يكون هذا الموت وزهوق الروح بالقتل ، والذي جرى بين أخوين من صلب نبي ، فالقاتل هو قابيل بن آدم ، والمقتول هو هابيل بن آدم .
فتفضل الله عز وجل بتعليم القاتل كيف يدفن أخيه ، ولأنه ظالم وليس بنبي لم ينزل عليه وحي أو إيحاء ، إنما جاء التعليم بلغة المثال ، قال تعالى [فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنْ النَّادِمِينَ] ( ).
فلما قتل هابيل أخاه وأصبح جثة هامدة ، ندم ندماً شديداً ، وضمه إليه ، وكان يحمله إذا سار ، ويضعه على الأرض إن وقف أو جلس وأنتن واروح واجتمعت عليه الطيور والسباع تنتظر متى يلقيه عنه فتأكله مما زاد في ندمه وحزنه .
والظاهر أن قابيل لم يرجع إلى آدم ليعلمه وجوب دفن أخيه ، وكيفية الدفن ، لأنه من مصاديق قوله تعالى [وَعلم آدم الأَسْمَاءَ كُلَّهَا] ( ) إذ كان يخشى من أبيه آدم إطلاعه على موضوع قتل هابيل ، ولم يرد لفظ [غُرَابِ] في القرآن إلا في الآية أعلاه ، وورد فيها مرتين .
وهل وجود الغراب في قصة الدفن مصداق للتشاؤم منه ، الجواب لا ، إنما كان العرب يتشاءمون من الغراب ، ولا أصل لهذا التشاؤم .
وكانوا إذا نعق الغراب( ) مرتين قالوا : آذن بشر ، وإذا نعق ثلاثاً قالوا آذن بخير ، نعم يستحب الدعاء عند سماعه وعدم الطيرة .
وورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن الغراب أول رسول أرسله الله تعالى لا من الجن ولا من الإنس (لما قتل قابيل أخاه هابيل، فبقي متحيرا لا يعلم مايصنع به فعند ذلك بعث الله غرابا يبحث في الارض ليريه كيف يواري سوأة أخيه) ( ).
وكان أبو حية النميري شاعراً فصيحاً ، يقدمه أبو عمرو بن العلاء أدرك الدولتين الأموية والعباسية ، وفيه هوج وجبن .
(قال ابن قتيبة: كان من أكذب الناس، يحدث أنه يخرج في الصحراء فيدعو الغربان فتقع حوله، فيأخذ منها ما يشاء، فقيل له: يا أبا حية، أفرأيت إن أخرجناك إلى الصحراء تدعوها فلم تأتك، فماذا نصنع بك .
قال: أبعدها الله إذن)( ).
وفي معنى القول (كأن على رؤسهم الطير ) أي هم في حال سكون وهيبة كالبعير الذي يقع على رأسه الغراب ليلتقط منه حشرة القراد ، فيبقى البعير ساكناً لئلا ينفر عنه الغراب .
وفي معركة أحد تجلت صورة من إرهاب قريش (فنظروا فإذا حمزة قد بقر بطنه وأخذت هند كبده فلاكتها فلم تستطع أن تأكلها.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أأكلت شيئا ؟
قالوا: لا.
قال: ما كان الله ليدخل شيئا من حمزة في النار.
قال: فوضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حمزة فصلى عليه وجئ برجل من الانصار فوضع إلى جنبه فصلى عليه، فرفع الانصاري وترك حمزة.
وجئ بآخر فوضعه إلى جنب حمزة فصلى عليه، ثم رفع وترك حمزة.
حتى صلى عليه يومئذ سبعين صلاة “.
تفرد به أحمد، وهذا إسناد فيه ضعف أيضا من جهة عطاء بن السائب ، فالله أعلم) ( ).
ولم تنحصر المثلة يوم أحد بحمزة ، إنما شملت كثيراً من قتلى المسلمين و(عن المطلب بن حنطب لما كان يوم أحد جعلت هند بنت عتبة والنساء معها يجدعن انف المسلمين ويبقرون بطونهم ويقطعن الآذان إلا حنظلة فان أباه كان مع المشركين .
وبقرت هند بطن حمزة وأخرجت كبده وجعلت تلوكها ثم لفظتها وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (لو دخلت بطنها لم تدخل النار) ولم يمثل باحد ما مثل بحمزة قطعت هند يده وجدعت أنفه وقطعت أذنيه وبقرت بطنه فلما رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لئن ظفرت بقريش لامثلن بثلاثين منهم فأنزل الله تعالى (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين واصبر وما صبرك إلا بالله) ( ) الآية.) ( ).
وكان أكثر قتلى المسلمين يومئذ من الأنصار إذ استشهد يومئذ سبعون من الصحابة أربعة من المهاجرين والباقي من الأنصار ، وحتى كتاب السيرة الذين ذكروا أن عدد الشهداء في معركة أحد أقل من سبعين فانهم اجمعوا على أن القتلى من المهاجرين يومئذ أربعة فقط .
لذا فان مراد قريش من التمثيل بالقتلى إثارة الأوس والخزرج رجالاً ونساءً على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإيجاد مادة للمنافقين للإرجاف في المدينة ، وروى في ذم المنافقين قوله تعالى الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ.
لبيان مسألة وهي أن الإرهاب يثير الأحقاد ، ويحشد الناس ضد أصحابه
قانون القراءة زاجر عن الإرهاب
ان قلت قد لاقى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الأوائل الأذى الشديد من الكافرين بسبب القراءة ، فالجواب نعم هذا صحيح ، ولكنه أذى مؤقت ما لبث النبي أن أمر طائفة من أصحابه للهجرة إلى الحبشة .
ولما اشتد البلاء والإرهاب على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه قال لطائفة منهم (لَوْ خَرَجْتُمْ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ ، فَإِنّ بِهَا مَلِكًا لَا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أَحَدٌ . وَهِيَ أَرْضُ صِدْقٍ حَتّى يَجْعَلَ اللّهُ لَكُمْ فَرَجًا مِمّا أَنْتُمْ فِيهِ فَخَرَجَ عِنْدَ ذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ – صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ ، مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ وَفِرَارًا إلَى اللّهِ بِدِينِهِمْ)( ).
ومن حرص أهل البيت والصحابة على أداء الفرائض أن جعفر بن أبي طالب عندما أرادوا الذهاب إلى الحبشة سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم (كَيْفَ نُصَلّي فِي السّفِينَةِ إذَا رَكِبْنَا فِي الْبَحْرِ.
فَقَالَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ : صَلّ قَائِمًا إلّا أَنْ تَخَافَ الْغَرَقَ) ( ).
ويدل هذا السؤال على الهروب من مكة بالصلاة ، وعن عزم المهاجرين تعاهد الصلاة في أشق الأحوال ، ولكن خفف الله عز وجل عنهم بعناية النجاشي ومنهاج حكومته بهم ، وليصلوا إلى الحبشة فيصلّوا بأمان .
ومع أذى قريش لم يمتنع النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الصلاة والقراءة في البيت الحرام بمحضر من رؤساء قريش ، وقد أمر الله رسوله بالصلاة خمس مرات في اليوم .
لقد نزل القرآن على نحو التدريج والتوالي في ثلاث وعشرين سنة ، أما الصلاة فقد نزلت دفعة واحدة خمس مرات في اليوم ، فلم تنزل فريضة واحدة كصلاة الصبح والمشركون نيام ، ثم نزلت صلاة الظهر أو العشاء .
إنما نزلت خمس فرائض مرة واحدة ، قال تعالى [أَقِمْ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا] ( ) فتلقاها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالقبول والإمتثال ، وهو يعلم أنها وسيلة لدخول الناس الإسلام ، وعدم صيرورة أذى قريش له مانعاً للناس من هذا الدخول ولتمنع الصلاة من الإرهاب.
وهو من أسرار مواظبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أداء الصلاة اليومية في المسجد (وعن ابن مسعود قال ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعا على قريش غير يوم واحد فانه كان يصلي ورهط من قريش جلوس وسلى جزور قريب منه .
فقالوا من يأخذ هذا السلى فيلقيه على ظهره فقام رجل وألقاه على ظهره .
فلم يزل ساجدا حتى جاءت فاطمة عليها السلام فأخذته عن ظهره .
فقال صلى الله عليه وآله وسلم (اللهم عليك الملا من قريش اللهم عليك بعتبة بن ربيعة اللهم عليك بشيبة بن ربيعة ، اللهم عليك بأبى جهل بن هشام اللهم عليك بعقبة بن أبي معيط .
اللهم عليك بأبي بن خلف ، وأمية بن خلف) .
قال عبد الله فلقد رأيتهم قتلوا يوم بدر جميعا ثم سحبوا إلى القليب غير أبي أو أمية فانه كان رجلا ضخما فتقطع.) ( ).
والسلا الجلد الرقيق الذي يصاحب ابن الشاة والماشية عند ولادته ، ويسمى في المولود من البشر المشيمة .
وهل كانت صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم اليومية في المسجد الحرام من الوحي أم باجتهاد من عنده .
الجواب هو الأول ، وهذه الصلاة حرب على إرهاب قريش ، وهي مانع للمسلمين من إتخاذ الإرهاب وسيلة وبلغة لتحقيق غايات.
وتدعو صلاة الجماعة المسلم للإلتحاق بها ، والعزوف عن الإرهاب ومقدماته ، لأنه يتنافى مع الوقوف العام بين يدي الله بخشوع ، ولأن المذاهب وعامة الناس يكرمون الذين يؤدون الصلاة لله ولا يتعرضون لهم.
لقد انقرض أذى قريش للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، وأشرقت شمس التوحيد على الأرض.
ومن الآيات أن أول صلاة جماعة أقيمت في المسجد الحرام مع شدة سطوة كفار قريش وتزاحم الأصنام ، وسعيهم في منع الصلاة إذ كان النبي يصلي وتصلي معه زوجته خديجة والإمام علي عليهما السلام ، فيقرأ وهما ينصتان ثم يركع فيركعان ، ويسجد ويسجدان في آية لم تعهدها قريش ، ولكنها لم تكن غريبة عليهم ، إذ كانت عندهم أخبار الأمم ، ومنها قصص الأنبياء والأولياء ويدل قوله تعالى [وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ]( )، بالدلالة الإلتزامية على إقامتها الصلاة في المسجد الحرام .
وفي مريم قال تعالى [يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ]( )، ولم يرد لفظ (اركع) أو (اركعي) بصيغة المفرد إلا في هذه الآية ، وفيه اكرام خاص لمريم ولأولياء الله ، وبيان أن الإكرام والثناء الخاص في القرآن لا يختص بالأنبياء إنما يشمل الأولياء وأهل بيت النبوة ، وورد لفظ اركعوا بصيغة الجمع في القرآن ثلاث مرات وهي :
الأولى : [وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ]( ).
الثانية : [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ).
الثالثة : [وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ارْكَعُوا لاَ يَرْكَعُونَ]( ).
وتتصف هذه الآيات بالقصر مع أن الآية أعلاه من سورة البقرة مدنية ، وكثير من الآيات المدنية طويلة ، ويدل هذا القصر على بيان وجوه :
الأول : قانون موضوعية الركوع في الإسلام .
الثاني : قانون لزوم عناية المسلمين بالركوع .
الثالث : قانون الركوع من أركان الصلاة .
الرابع : قانون الركوع واقية من الإرهاب وزاجر عنه ، لدلالته على الخشوع المطلق لله عز وجل ، والإبتعاد عما يتعارض مع هذا الخشوع اليومي المتجدد .
ويدل قوله تعالى [وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ] على وجوب تعاهد المسلمين للركوع ، وترك ما ينافيه ، ويكون ضده ، ومنه الإرهاب ، فمن معاني الركوع :
الأول : انه طاعة لله عز وجل ، بعد ثبوت الأمر به كتاباً وسنة .
الثاني : قانون الركوع تسليم لأمر الله عز وجل .
الثالث : قانون الركوع عنوان الرضا بقضاء الله وقدره .
الرابع : في الركوع دعوة للناس للإيمان ، وهو الذي يدل عليه قوله تعالى [وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ]( )، فهذه الآية دعوة متجددة للمسلمين وغير المسلمين ، أما بالنسبة للمسلم فيستحب له حضور صلاة الجماعة ، وأداء الصلاة في أول وقتها.
التنافي بين الآية القرآنية والإرهاب
لقد جعل الله عز وجل القرآن [تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ] ( ) .
ومن وجوه التباين في المقام أمور :
الأول : بيان القرآن لقانون تنزهه عن الإرهاب .
الثاني : دعوة القرآن للسلم بدليل تسمية القرآن لصلح الحديبية بالفتح المبين ، ويدل عليه قوله تعالى [وَالصُّلْحُ خَيْرٌ]( ).
الثالث : ورود آيات عديدة تدعو إلى السلم وترغب فيه ، وتثني على الذين يسعون إليه ويقبلون به ، قال تعالى [وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا]( ).
الرابع : نزول القرآن بالأمر بالصبر وتحمل الأذى من المشركين مع الإجتهاد في العبادة ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] ( ).
الخامس : الحسن الذاتي للآية القرآنية ، وهي خير محض ، والقبح الذاتي للإرهاب ، وكونه إثم وتعد .
السادس : الأجر والثواب العظيم في تلاوة الآية القرآنية ، والعقاب على الإرهاب ، وما يترشح عنه من الأَضراروالإضرار .
السابع : تنشر الآية القرآنية لواء السلم والرفق بين الناس ، وتدعو للإحسان للذات والغير ، وللتنزه عن الخصومة والظلم ، قال تعالى [فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ..] ( ).
والظلم لغة : وضع الشئ في غير محله ، ولكنه في الإصطلاح نوع مفاعلة موضوعية التعدي من طرف الظالم سواء على نفسه أو على غيره ، والأكثر هو على الغير الذي يترشح عنه الظلم على النفس قهراً وانطباقاً ، لما فيه من الوزر والذنب والمعصية ،وهو من عمومات قوله تعالى [وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ]( ).
ولا أصل للإرهاب ، وهو ظلم ، ولا تصل النوبة للحاجة إليه ، ولا يحقق أي غاية حميدة ، إنما يؤدي إلى السخط العام ، والإحتراز منه ومن أصحابه .
(روى أبو ذر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال فيما يروي عن ربه عز وجل أنه قال : يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّماً فلا تظالموا ) ( ).
ومن خصائص الآية القرآنية أنها كنز علمي ، وذخيرة وخزينة ينهل منها المسلمون والناس جميعاً العلوم ، ويعرضون على آيات القرآن مجتمعة ومتفرقة القول والفعل ، ليتجلى قانون وهو الإرهاب نقيض التنزيل ، وأنه شر يجب أن يتنزه عنه المسلمون .
ومن إعجاز القرآن سرعة إدراك هذه الحقيقة فحالما ظهر الإرهاب في عالم الفعل والسياسة تبينت منافاته للقرآن من جهات :
الأولى : قانون التنافي بين الإرهاب وآيات السلم ، ومنها قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ] ( ).
الثانية : قانون التنافي بين الإرهاب وآيات الرفق والتآلف والتسامح ، قال تعالى [خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ]( ).
الثالثة : قانون التباين بين الإرهاب وآيات الإصلاح ، والإعمار ، قال تعالى [فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ]( ).
قانون [فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ] إنذار من إرهاب العباد
لقد ورد لفظ [إِيَّايَ] في القرآن خمس مرات ، أربعة منها بصيغة المتكلم ، وتعود ياء المتكلم فيها إلى الله عز وجل وهي :
الأولى : قال تعالى [وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ]( ).
الثانية : قال تعالى [وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ]( ).
الثالثة : قال تعالى [فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ]( ).
الرابعة : قال تعالى [فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ]( ).
ووردت بعض هذه الآيات خطاباً خاصاً لبني إسرائيل ، وبعضها عاماً ، والأصل هو العموم ، وهو ليس من باب المطلق والمقيد ، إذ المدار على عموم المعنى والدلالة .
ومن وجوه تقدير قوله تعالى [يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ] ( ) :
الأول : يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمتي وإياي فاعبدون .
الثاني : يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمتي وإياي فارهبون .
الثالث : تقدير خاتمة الآية بخصوص عنوان وموضوع هذا الجزء: لا ترهبوا الناس وإياي فارهبون .
الرابع : يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمتي عليكم وعلى الأمم السابقة وإياي فاتقون .
فالذي ينقطع إلى الخشية والخوف من الله يمتنع عن إرهاب وإخافة الناس ، ومن الإعجاز في نظم الآيات إختتام الآية التالية للآية أعلاه بالقول [وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ]( ).
والنسبة بين التقوى والرهبة من الله العموم والخصوص المطلق ،لتتعاضد الآيتان معاً من وجوه :
الأول : بيان حرمة الإرهاب .
الثاني : قانون تعدد أضرار الإرهاب .
الثالث : قانون لزوم إجتناب الإرهاب .
وهل في هذا الإجتناب أجر أم ينحصر الأمر بالإثم عند إرتكاب الإرهاب ، الجواب هو الأول .
ليكون معاني قوله تعالى [فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ] فلا ترهبوا الناس ، ومن مصاديق علم البيان إفادة تقديم المعمول على الفاعل الحصر ، سواء كان المعمول مفعولاً أو ظرفاً أو اسماً مجروراً ومنه قوله تعالى [إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ]( )، أي نخصك وحدك بالعبادة ، ولا نشرك بك شيئاً ، ونتوكل عليك سبحانك ، ونلجأ إليك ، ومنه قوله تعالى [لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ]( )، أي لابد من البعث والحشر ، ولا يكون هذا الحشر إلا لله عز وجل .
وفيه تذكير بلزوم التقوى وإجتناب وجود أناس يشكون من الإرهاب ومقدماته ، ومن أعان عليه ، ودعا له ، قال تعالى [الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ]( ).
لقد أمر الله عز وجل العباد أن يرهبوه وان يخشوه ويخافوا منه ، فلابد أن يكونوا في مأمن من إرهاب غيره لهم ، ويمكن القول أن الله عز وجل لا يرضى لفرد أو جماعة أو طائفة ترهب العباد ، الجواب نعم .
ويتجلى رضا الله عز وجل أو سخطه في مصاديق متعددة في الواقع اليومي للناس سواء جاءت هذه المصاديق من غير واسطة أو بواسطة البشر ، ومن مصاديق عدم رضا الله عز وجل بعث الخوف في قلوب مشركي قريش لأنهم أصروا على محاربة النبوة والتنزيل ، قال تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ]( ) .
وهل يمكن القول بأن إيذاء الناس يجلب سخط وعدم رضا الله عز وجل ، الجواب نعم ، ومنه قتل النفس بغير حق ، وفي التنزيل [وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ]( ).
قانون النبوة استئصال للإرهاب
الحمد لله الذي جعل الأرض تتزين وتمتلئ بهجة بسكن الإنسان فيها ، وعمارتها وهو الذي يتجلى بوضوح بالتضاد بين المدن المزدهرة وأضوائها في النهار والليل ، وبين الأراضي الصحراوية القاحلة ، كما تتبين معه قلة الإعمار بالنسبة لمجموع مساحة الأرض لبيان ضعف وقصور الإنسان عن الإنتفاع بالنعم الإلهية ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا] ( ).
وكما تنادي الأرض الخليفة لإعمارها واستخراج كنوزها ، فانها تدعو الناس للوئام ، والوفاق ومنع الإقتتال عليها ، وهذا النداء ليس صامتاً ومجرداً ، إذ تعرض الأرض نفسها على الدول والقبائل والأشخاص لزراعتها ، وبناء المشاريع فيها ، وهي تدعو الناس لعدم الإقتتال .
فمن كان يقاتل من أجل أرض وتوسعة مساحة سلطانه فما أكثر الأراضي التي ليس من إنسان يعمرها .
ومن عنده آمال وأطماع ورغبة في الكسب المالي والعلمي ، أو من يشعر بالضيق والخشية والطلب من السلطان ، فان الله عز وجل يدعوه للإنتفاع من سعة الأرض والهجرة فيها ، قال تعالى [يَاعِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ]( ).
وإذ تختص الآية أعلاه بالخطاب بالذين آمنوا فانها تتضمن النهي عن الإرهاب ، والإضرار بالممتلكات العامة ، ومصالح الناس .

قانون التضاد بين الصبر والإرهاب
لقد وردت آية مطلقة في ذات الموضوع تشمل الناس جميعاً ، كما في قوله تعالى [إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ] ( ) وهل الإمساك عن الإرهاب ، والإمتناع عن ظلم الغير من الصبر الذي بشرت الآية أعلاه بالثواب العظيم عليه ، الجواب نعم .
والصبر لغة حبس النفس ، والكف عن الجزع والقنوط والسخط ، أما في الإصطلاح الشرعي فهو على جهات :
الأولى : الصبر على طاعة الله ، وتعاهد الفرائض العبادية ، فاذا كان حج البيت واجباً مرة واحدة في العمر ، ومع تحقق شرائط الإستطاعة ، فان الصيام يتكرر كل سنة ولمدة ثلاثين يوماً، ويتجلى التباين في العدد بين كثرة الذين يصومون شهر رمضان في مشارق الأرض ومغاربها وبين قلة وفد الحاج بالنسبة لهذا العموم .
وقد جاءت في السنة الماضية جائحة كورونا وتم تعطيل الحج إلا من قبل أفراد قلائل وكذا هذا السنة بينما الصيام صلة بين الله والعبد ، لا تتعلق بقيد الإستطاعة ، وقد ورد في الحديث القدسي ، عن جابر (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : قال ربنا : الصيام جنة يستجن بها العبد من النار ، وهو لي وأنا أجزي به)( )، لذا سمي بالصبر .
فمن مصاديق قوله تعالى [وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ] ( ) المراد من الصبر هو الصيام ، قال في النكت والعيون (أما الصبر ها هنا ففيه قولان :
أحدهما : الثبات على أوامر الله تعالى .
والثاني : الصيام المقصود به وجه الله تعالى ) ( ).
والمراد من الصبر في الآية أعم من الوجهين أعلاه ، إذ تبين حاجة المسلمين مجتمعين ومتفرقين إلى الصبر ، وفي حال السلم والحرب .
ومن وجوه تقدير الآية :
الأول : واستعينوا بالصبر للإمتناع عن الإرهاب .
الثاني : واستعينوا بالصبر وفيه إجتناب للإضرار بالناس .
الثالث : واستعينوا بالصبر فانه يجذب الناس للإيمان .
الرابع : واستعينوا بالصبر واقهروا النفس الغضبية التي قد تبعث على الإرهاب .
الخامس : واستعينوا بالصبر واجعلوه مصاحباً لكم في اليوم والليلة ، مثل مصاحبة أداء الصلاة اليومية ، وهو من مصاديق الجمع بين الصبر والصلاة في الآية [وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ] ( ).
ترى لماذا قدمت الآية الصبر مع أن الصلاة أسمى عبادة ، وهي عمود الدين ، لبيان حاجة المسلم إلى الصبر على مدار الساعة ، ومنه الوقوف بين يدي الله عز وجل في الصلاة ، وكأن النسبة بين الصبر والصلاة هي العموم والخصوص المطلق .
فالصبر أعم والصلاة أبهى مصاديقه لأنها صبر في طاعة الله ، وهو من عطف الخاص على العام.
وكل وجه من الاستعانة أعلاه واقية من الإرهاب ، لبيان قانون وهو من مصاديق قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (أدّبني ربّي فأحسن تأديبي)( ) ، الإبتعاد عن الإرهاب ، وتقديره في المقام : أدبني ربي في التنزه عن الإرهاب فأحسن تأديبي والمؤمنين لما في الإرهاب من الظلم العام والخاص .
وتدل هذا الآية على إنشغال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بالصلاة في أوقاتها اليومية الخمس ، وهي مناسبة للتفقه في الدين .
وليس من السهل تعلم الصلاة بسرعة في بدايات النزول ، وكان الوفد إذا جاءوا لدخول الإسلام أخرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة لإتقان الصلاة ، وتعلم أحكام الدين ، ومن أسرار بناء الصفّة وهي ظلّة بجوار المسجد النبوي مبادرة المهاجرين الجدد إلى الصلاة في أوقاتها قبل أو اثناء الأذان .
الثانية : الصبر عن المعاصي والسيئات ، لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار الواجبات والنواهي ، وهناك نوع ملازمة بين إتيان الواجبات وإجتناب ماحرَمه الله .
ولم تختص هذه الملازمة بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بل هي مصاحبة للإنسان من قبل أن يهبط آدم إلى الأرض ، فمثلاً ورد الأمر من الله عز وجل لآدم بالقيام بتعليم الملائكة الأسماء ، كما قال تعالى [يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ]( ).
الثالثة : الصبر على البلاء ، وعدم الجزع أو القنوط والهلع أو التسخط والتشاؤم ، ومن البلاء أيام النبوة قيام المشركين بغزو المدينة في معركة أحد ، ومعركة الخندق ، واصرارهم على القتال وتقدم الواحد منهم تلو الآخر للمبارزة ، ليكون من الصبر الدفاع عن بيضة الإسلام .
الرابعة : الصبر على قضاء الله وقدره مما ينزل بالإنسان من غير إرادته ، فلا يشمل المعاصي التي يذهب إليها الإنسان باختياره ، قال تعالى [وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ]( ).
قانون الإيواء
يبين قوله تعالى [فَآوَاكُمْ]( )، قانوناً من الإرادة التكوينية ، وهو نعمة الإيواء ، وهو لغة اللجوء إلى حرز وسكن (تقول العرب: أوى الإنسان إلى منزله يأوي أُوِيّاً وإواء والأُوِيُّ: أحسن، وآويتُهُ إيواءً.
والتّأوّي: التّجمّع… وتأوّتِ الطَّير، إذا انضمّ بعضُها إلى بعض، فهنّ أُوِيٌّ، ومُتأوّيات قال العجاج: كما تَدانَى الحِدَأُ الأُويُّ يصف الأثافي، وقد شبّه كلّ أثفيةٍ بحِدَأة بوزن فِعَلة.
وتقول: أويت لفلانٍ آوي أويةً وأيّةً ومأويةً ومأواةً إذا رحمته ورثيت له، قال:
على أمرِ من لم يُشوِني ضَرُّ أمره … ولو أننّي استأويتُه ما أوى ليا) ( ).
وبخصوص النبي لوط عليه السلام ، ورد قوله تعالى [أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ]( ) لبيان فضل الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بأن رزقهم اللجوء إلى ركن شديد ، وهم الأوس والخزرج وفي المدينة المنورة .
ومن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم قيامه بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار بعد قدومه المدينة بخمسة أشهر ، وتعاهد الصحابة اليومي لهذه الأخوة ليشد بعضهم عضد بعض ، ولتذهب وحشة ومفارقة الأهل عن المهاجرين ، وليكون نوع تكافل بين كل اثنين منهم ، ويساعد الأنصاري أخاه المهاجر .
وقد آخى بينهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الحق والمواساة والتوارث بعد الممات إلى أن نزل بعد واقعة بدر [وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ]( )، فانقطع التوارث بالمؤاخاة ، وصار الميراث على الرحم والنسب ، وسيأتي قانون المؤاخاة تعاون قاهر للإرهاب.
ويحتمل موضوع نعمة (الإيواء) وجوهاً :
الأول : نعمة الإيواء خاصة بالأنبياء .
الثاني : تأتي نعمة الإيواء عند الحاجة إليها .
الثالث : نعمة الإيواء خاصة بمن اجتهد بالدعاء لنيلها .
الرابع : تتغشى نعمة الإيواء الصحابة من المهاجرين والأنصار .
الخامس : تختص نعمة الإيواء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين لأنهم هاجروا إلى المدينة .
السادس : القدر المتيقن من آية البحث هو هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى المدينة المنورة بعد حال القلة والإستضعاف في مكة.
السابع : إستدامة وبقاء نعمة الإيواء مصاحبة للمؤمنين إلى يوم القيامة .
والمختار هو الأخير ، وذكرت الآية نعمة الإيلاء بخصوص النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين .
ومن الدلائل على عموم حرمة الإيواء قوله تعالى [يَاعِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ] ( )، ليكون الإيواء بلحاظ الآية أعلاه على وجوه :
الأول : نجاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من مشركي مكة ، فبعد أن قامت قريش بقتل عدد من الصحابة لتصديقهم بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم صار الإيواء إلى مدينة أخرى نجاة ودفعاً للقتل وشدة الضرر ، وهو من مصاديق قوله تعالى [لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى]( ) أي لا يبلغ أذى المشركين بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الضرر الفادح ، فجاء الأمر من عند الله بالهجرة إلى الحبشة ، والمدينة ، لدفع الضرر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، وليكون هذا الدفع على وجوه :
الأول : إنه وسيلة لتثبيت الإيمان ,
الثاني : إنه مقدمة للإجتهاد في طاعة الله.
الثالث: فيه دعوة للناس للإيمان .
الرابع : بعث اليأس في قلوب المشركين .
الخامس : إجتناب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إرهاب الكفار ، قال تعالى [فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا]( ).
وسيأتي قانون عدم مقابلة النبي الإرهاب بمثله .
قانون التقيد بالقانون
لقد جاء القرآن والسنة النبوية بالطاعة لأولي الأمر ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ]( )، لبيان وحدة جهة الصدور في القوانين بما يرضي الله عز وجل ، ويمنع من التشتت والفرقة .
وتضمنت السنة النبوية القولية أحاديث عن طاعة الأمير سواء في السرايا أو في الحكم أيام النبوة أو بعدها وهذه الأحاديث على وجوه :
الأول : طاعة الأمير في المعروف وطاعة مبصرة وليست عمياء ، ومن غير خروج عن أحكام الشريعة ، عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية ، فمن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة( ).
الثاني : الطاعة والصبر مطلقاً ، ما روي (نافع عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : عَلَى المرَءِ المُسْلِمِ الطَّاعةُ فِيمَا أَحبَّ أو كَرِهَ إلاََّ أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيةٍ فَلاَ طَاعَةَ)( )، وتداخلت الأمصار في هذا الزمان ، وصار المسلمون يعيشون في بلاد غير إسلامية يحكمها الدستور وقوانين وضعية مما يلزم على المسلم التقيد بهذه القوانين وضوابط المواطنة والإقامة ، قال تعالى [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا]( ).
و(عن أم الحصين الأحمسية قالت : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب وعليه برد متلفعاً به وهو يقول : إن أمر عليكم عبد حبشي مجدع فاسمعوا له وأطيعوا ما قادكم بكتاب الله)( ).
وأخرج ابن أبي شيبة عن الإمام علي عليه السلام قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية واستعمل عليهم رجلاً من الأنصار ، فأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا . قال : فأغضبوه في شيء فقال : اجمعوا لي حطباً . فجمعوا له حطباً .
قال : أوقدوا ناراً . فأوقدوا ناراً . قال : ألم يأمركم أن تسمعوا له وتطيعوا ، قالوا : بلى .
قال : فادخلوها . . . فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا : إنما فررنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من النار! فسكن غضبه وطفئت النار ، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكروا ذلك له فقال : لو دخلوها ما خرجوا منها ، إنما الطاعة في المعروف( ).
وعن أبي ذر أنه خرج الى الربذة وعلى الماء عبد حبشي فاقيمت الصلاة فقيل أبو ذر فنكص العبد فقال له أبو ذر تقدم ان خليلي صلى الله عليه وسلم اوصاني ان اسمع واطيع وان كان عبدا مجدع الاطراف( ).
وعن أنس قال : لما جاء نعي النجاشي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صلوا عليه قالوا يا رسول الله نصلي على عبد حبشي فأنزل الله عزوجل وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ.
وعن الإمام علي عليه السلام قال : الأئمة من قريش ، أبرارها أمراء أبرارها ، وفجارها أمراء فجارها ، ولكل حق ، فآتوا كل ذي حق حقه ، وإن أمر عليكم عبد حبشي مجدع فاسمعوا له وأطيعوا ، ما لم يخير أحدكم بين إسلامه وبين ضرب عنقه ، فإن خير بين إسلامه وبين ضرب عنقه ، فليمدد عنقه ، ثكلته أمه ، فلا دنيا ولا آخرة بعد ذهاب إسلامه( ).
ولا يختص التقيد بالقانون بدولة دون أخرى ، كما لا تصل فيه النوبة إلى التقية فلا يقال تقيد بالقوانين الوضعية تقية ، إنما هي تشريع لتحصيل العدالة والأمن ، ومن التقيد بالقوانين الإمتناع عن الإرهاب ، وليس في هذا الإمتناع ضرر على الإنسان ، إنما هو سلامة له وللناس .
قانون تحطيم النبي محمد (ص) الأصنام تحطيماً مؤبداً
وكما كان إبراهيم عليه السلام محطم الأصنام فان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم محطم الأصنام أيضاً ، وهو أولى بهذه التسمية ، ومن الشواهد على تفضيله على الأنبياء الآخرين وجوه :
الأول : عندما بعث الله سبحانه النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم كانت الأصنام وعبادتها منتشرة في الجزيرة ، وكل قبيلة لها صنم خاص في ديرتها ، ولها صنم في البيت الحرام في موضع مخصوص منه.
والذي أدخل عبادة الأصنام للجزيرة هو عمرو بن لحي من سادات العرب ، آنذاك ، فمثلاً كان رجل اسمه اللات يجلس على صخرة في الطائف ، وله غنم ويقدم السويق للناس ، ووفد الحاج ، وقيل كان الذي يشرب منه يسمن .
(عن ابن عباس أن اللات لما مات قال لهم عمرو بن لحي : إنه لم يمت ولكنه دخل الصخرة فعبدوها وبنوا عليها بيتاً) ( ).
(عن زيد بن أسلم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إني لأعرف أول من سيَّب السوائب ، ونصب النصب ، وأول من غير دين إبراهيم ، قالوا : من هو يا رسول الله؟
قال : عمرو بن لحي ، أخو بني كعب ، لقد رأيته يجر قُصبَه( )، في النار ، يؤذي أهل النار ريح قصبه ، وإني لأعرف من بحر البحائر .
قالوا : من هو يا رسول الله .
قال : رجل من بني مدلج ، كانت له ناقتان ، فجدع آذانهما وحرم ألبانهما وظهورهما ، وقال : هاتان لله ، ثم احتاج إليهما فشرب ألبانهما ، وركب ظهورهما ، قال : فلقد رأيته في النار وهما يقضمانه بأفواههما ويطآنه بأخفافهما) ( ).
ويدل هذا الحديث ونحوه على إسراء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعروجه إلى السماء ، وان الإسراء كان في حال اليقظة ، وليس المنام ، قال تعالى [سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ] ( ).
ومنه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( لأكثم بن الجون الخزاعي : يا أكثم رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار فما رأيت أشبه به منك ، قال أكثم : أيضرني شبهه يا رسول الله.
قال : لا إنك مؤمن وإنه كافر) ( ).
فلم يكن للأصنام بيت واحد بل هي بيوت متعددة ،وأوثان منصوبة في الجادة العامة ، فمثلاً صنم العزى اتخذه ظالم بن أسعد ، ونصبه في ذات عرق في الطريق بين مكة والعراق ، قال تعالى [أَفَرَأَيْتُمْ اللاَّتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى] ( ).
ولا يكاد بيت يخلو من الأصنام من الحجارة أو الخشب أو الذهب والفضة والنحاس، وقد يكون من التمر ، ويؤكل عند الجوع .
الثاني : من الآيات الأولى في نزولها على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم آيات تذم عبادة الأصنام ليتلوها المسلمون ، بل ويتلوها الكفار أنفسهم ويستمع الناس جميعاً لها .
وهم من الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يتلو المشركون ما فيه ذمهم وذم آبائهم على عبادتهم الأوثان .
الثالث : جهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كسر الأصنام بعد شيوعها في الجزيرة .
الرابع : فضل الله تعالى في إزاحة حب الأصنام والميل لها من النفوس على نحو دفعي وتدريجي .
الخامس : سلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من المشركين بخصوص كسر الأصنام ، فلم يتعرض لما تعرض له إبراهيم عليه السلام من قيام المشركين بجمع الحطب لحرقه في النار ، وهو من أسرار دخول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى مكة فاتحاً في السنة الثامنة للهجرة ، ومن أول الأعمال التي قام بها يومئذ كسره للأصنام ، ولم يكسرها بمفرده بل كانت معه أمة .
(عن عبد الله بن مسعود أنه قال: دخل النبي صلى الله عليه واله مكة، وحول البيت ثلاثمائة وستون صنما، فجعل يطعنها ويقول : جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا .
قال الكلبي: فجعل ينكب لوجهه إذا قال ذلك، وأهل مكة يقولون: ما رأينا رجلا أسحر من محمد)( ).
لقد انقطعت ببعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عبادة الأوثان في الجزيرة ، بعد أن دافع عنها المشركون حمية وجهلاً واتباعاً للهوى ليؤسس النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لقانون التنزه عن الحمية ، وعن اتباع الهوى ومنه التنزه عن الإرهاب الذي هو خلاف منطق العقل والحكمة .
قانون التقوى عابرة للقومية وهي مانع من الإرهاب
لقد أدرك الناس أن النبوة سيف قاطع للإرهاب والفتنة سواء بين أبناء العمومة أو البلدة الواحدة أو بين عامة الناس على اختلاف أنسابهم وقبائلهم ومشاربهم ، وهذا الإدراك فطري عند الناس وهو من مصاديق ورشحات قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ]( ).
فمن معاني هذه الآية ميل شطر من مختلف الانتماءات إلى الإسلام ، واقرارهم باعجاز القرآن لذا من كبار الصحابة من هو من بلاد الروم أو الحبشة أو من بلاد فارس كما في سلمان الفارسي الذي قال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في حقه وتزكيته (سلمان منّا أهل البيت)( ).
وقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هذا القانون بعد أمور :
الأول : صدق إيمان سلمان ، وقد ترك بلده ووطنه طلباً للحق والنبوة .
الثاني : زهد وتقوى سلمان ، وفي حديث بريدة (عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أمرني ربي بحب أربعة وأخبرني أنه سبحانه يحبهم علي وأبو ذر والمقداد وسلمان)( ).
الثالث : إقتراح سلمان حفر الخندق حول المدينة .
الرابع : إجتهاد سلمان في الحفر ونقل التراب يوم الخندق حتى أصابته عين العاين .
إذ تولى وحده سلمان مقدار عمل عشرة من الصحابة واختص بحفر خمسة أذرع طولاً ، وخمسة عمقاً في الأرض .
وعن جابر بن عبد الله الأنصاري قال : لقد كنت أرى سلمان يومئذٍ، وقد جعلوا له خمسة أذرعٍ طولاً وخمساً في الأرض، فما تحينته حتى فرغ وحده، وهو يقول: اللهم، لا عيش إلا عيش الآخرة( ).
واصابه قيس بن أبي صعصعة بعين حسداً فلبط به أي سقط على وجهه.
(فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: مروه فليتوضأ له، وليغتسل به. ويكفإ الإناء خلفه. ففعل فكأنما حل من عقال) ( ).
أي يتوضأ قيس وهو العاين ويجعل ماء الوضوء يقع في إناء ثم يغسل سلمان بدنه بهذا الماء ، ويكفأ الإناء خلفه.
واسم امرأة سلمان الفارسي بُقيرة (نقل عن المستغفري أنه قيل في امرأة سلمان بالنون)( ).
وتوفى سلمان سنة خمس وثلاثين للهجرة على أشهر الأقوال .
وكان سلمان وأمثاله من الصحابة مثال التقوى ، وكل واخد منهم حريص على عدم إيذاء عامة الناس .
والتقوى والخشية من الله سفينة نجاة في النشأتين وهي منظومة أخلاقية متكاملة تنفذ في العبادات والمعاملات ومنهاج عمل يبعث السكينة في النفس ، وتترشح عنه طمأنينة الغير من المتقي فيأمن الناس جانبه ، سواء في المشرق أو المغرب فالتقوى وطاعة الله حصن من الإرهاب ، ومانع منه ، ولا يخلف العمل الإرهابي المتكرر الطمأنينة لذا فانه يختلف ويتباين مع التقوى في السنخية والأثر ، وعن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافراً ، فإنه ليس دونها حجاب( ).
ومن الإعجاز والبيان في السنة النبوية تأكيد الإطلاق في لزوم إجتناب دعوة المظلوم مهما كانت ملته أو جنسه وهل يؤدي الإرهاب إلى شكاية الناس إلى الله عز وجل ، الجواب نعم ، مما يلزم ترك الإرهاب خاصة وأنه خالٍ من النفع القريب أو البعيد.
قانون الأسماء في القرآن دعوة للأمن
لقد شرّف الله عز وجل بعض الأنبياء بتسميته من عنده تعالى ، كما في تسمية يحيى عليه السلام والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى [يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا]( ).
وتدل الآية في مفهومها على أن تسمية الله عز وجل نفسه لبعض الأنبياء والصالحين بما يفيد الدلالة العقائدية لهذه الأسماء ، واستقراء المواعظ وأسباب الصلاح منها ، وهل من نسبة بين تسمية يحيى والإرهاب ، الجواب نعم ، وهي نسبة التباين ، فمعنى يحيى الحياة الآمنة المملاة بالذكر ، أما الإرهاب فهو ضرر وقتل وجراحات وانفاق للأموال في ذات الإرهاب والوقاية منه.
لقد جاء القرآن بأسماء شخصية ، ومنها اسم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يولد بستمائة سنة كما في قوله تعالى [مُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ]( ).
وفيه بيان وحجة وإيضاح لتمام البشارة ، ومنع اللبس فيها ، ثم أن المعجزة تصاحب النبي الذي قام بالبشارة ، وهو عيسى عليه السلام ، والنبي المبشر به وهو النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وتفضل الله عز وجل وسمّى كلاً من :
الأول : المهاجرون .
الثاني : الأنصار .
الثالث : السابقون الأولون ، قال تعالى [وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ]( )، وفي هذا الوصف البياني حجة في الإقتداء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته والصحابة في الصبر على الأذى وإجتناب الإرهاب وإدخال الرعب إلى قلوب وبيوت الآمنين .
وهذه التسميات من المعجزات الغيرية للقرآن ، وفيها دعوة سماوية من جهات :
الأولى : دعوة الصحابة من أهل مكة وأفراد القبائل واليمن المهاجرين إلى الأخوة برداء الإيمان ، والعزوف عن القبلية والتمايز بالنسب أو المال أو الجاه ، ومن منافع هذا العزوف ترك الإرهاب ، قال تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ]( ).
الثانية : تنمية ملكة الإيمان عند الأنصار ، والمناجاة في حفظ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والذب عنه ، وحسن الخلق مع المهاجرين ، واتخاذه سجية مع عامة الناس ومقدمة لحسن استقبال وضيافة زوار المسجد النبوي وقبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم . ( )
الثالثة : إنقطاع العداوة والإقتتال بين الأوس والخزرج إلى يوم القيامة.
الرابعة : النفرة العامة من الإرهاب .
الخامسة : الإستعداد للتصدي لغزو قريش .
إذ يحتاج الدفاع الألفة والتآخي والتعاضد بين المقاتلين ، قال تعالى [وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ]( ).
السادسة : دلالة اسم المهاجرين والأنصار على السلم ونبذ الإرهاب ، إذ هاجر المسلمون الأولى بدينهم هروباً من إرهاب قريش ، وقد نصر الأوس والخزرج النبوة ورسالة السلام .
وهل في تسمية المهاجرين دعوة للمسلمين في المهجر التنزه عن العنف والإرهاب ، وإخافة الناس ، الجواب نعم.
فلم يهاجر المهاجرون إلا لحقن الدماء ، وهروباً من بطش قريش ، وقد آمن الأنصار بالنبوة فقهروا النفس الغضبية والعداوة ، وصاروا يقفون بصفوف متراصة في صلاة الجماعة بامامة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
ومن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قيامه بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار في السنة الأولى للهجرة .
ومن خصائص المؤاخاة أنها برزخ دون الإقتتال الداخلي ، وفيها دعوة للأمر بالسلم والتسالم والموادعة والصلح ، ونهي عن الإرهاب والعنف والتطرف.
قانون التعليق على المشيئة سلاح وأمل
لقد نزل القرآن ببيان فضل قول [إِنْ شَاءَ اللَّهُ] وهو مشروع ومستحب في القول والفعل الذي يخص القادم من الأيام .
وهل من صلة بين التعليق على المشيئة وبين نبذ الإرهاب ، الجواب نعم ، من جهات :
الأولى : التسليم بأن ما يقع من الأحداث الشخصية والنوعية بارادة وإذن الله سبحانه .
الثانية : ترتيب نظام الكون ، والتغيير الذي يطرأ في الآيات الكونية بأمر ومشيئة من الله عز وجل ولا يقدر عليه أو على محوه إلا الله عز وجل ، وهو من مصاديق قوله تعالى [يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ]( )، لذا يستحب الدعاء بخصوص الكون بصرف البلاء والوباء والزلازل ، والإحتباس الحراري ونحوه من الطوارئ الكونية التي أفرزتها القفزة الصناعية ، وسحب خزائن الأرض ، واستحداث فراغ هائل متراكم في جوفها .
الثالثة : الإقرار بأن ما شاء الله كان ، وما لم يشأ الله لم يكن ، وفيه زاجر عن الإرهاب.
الرابعة : إدراك المسلمين والناس جميعاً الضعف الذاتي ، والإفتقار إلى رحمة الله .
الخامسة : بيان قانون مطلق وهو أن مقاليد الأمور بيد الله سبحانه ، وفي التنزيل [وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ]( ).
السادسة : الدعاء والتوسل رجاء تحقيق الأماني من غير التلوث بالإرهاب البغيض ، إذ أن تعليق الأمور على مشيئة الله دليل على قانون إتخاذ الدعاء بلغة لتحقيق الأماني ، قال تعالى [وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا]( ).
السابعة : قانون عدم تنجز الغايات المقصودة من الإرهاب ، وهو وفق القياس الإقتراني :
الكبرى : حجب المشيئة الإلهية المبغوض .
الصغرى : الإرهاب مبغوض .
النتيجة : حجب المشيئة الإلهية الإرهاب .
وتتضمن آيات القرآن الإخبار عن أضرار الإرهاب وسفك الدماء ، وأنه خال من النفع .
الثامنة : رجاء فضل الله واقية من الإرهاب ، قال تعالى [وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا] ( ).

قانون تنزه القرآن عن الإرهاب
من إعجاز القرآن دفاعه عن نفسه بحيث لا يحتاج لمن يدافع عنه ، نعم من يتصدى لهذا الأمر بالبيان والحجة والبرهان يجد الأجر والثواب ، ويكون عمله هذا على وجوه :
الأول : إنه دعوة للسلم المجتمعي .
الثاني : فيه سعي للتقارب بين الشعوب .
الثالث : فضح الفهم الخاطئ لقوانين السماء.
الرابع : المساهمة الفردية والجماعية في استئصال الإرهاب ، والإرهاب الموازي .
الخامس : تأكيد قانون تحريم القرآن للإرهاب والتفجيرات العشوائية ، وقتل الأبرياء ، قال تعالى [وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ]( ).
وهل يدل قوله تعالى [النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ]( )، في مفهومه على حرمة الإرهاب والتفجيرات الجواب نعم ، لأن الإرهاب إزهاق للنفوس من غير حكم شرعي وسبب عقلائي .
ووردت الآية أعلاه بصيغة المفرد [النَّفْسَ بِالنَّفْسِ] بينما يؤدي الإرهاب أياً كان مصدره إلى زهوق أرواح كثيرة .
وقد يكون من غير قصاص وثأر من ذات القاتل ، مما يبعث على النفرة بينما جاء القرآن بالرحمة وبعث المودة والرأفة.
كما ذكرت الآية الحواس والجروح مما يدل على الزجر عن التعدي مطلقاً قليلاً أو كثيراً .
ترى كيف يكون تنزه القرآن عن الإرهاب،الجواب من جهات كثيرة منها:
الأولى : دلالة منطوق آيات القرآن ، كما في قوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ]( ).
والنسبة بين التعدي والإرهاب عموم وخصوص مطلق ، فالتعدي أعم ، وذات الإرهاب تعد على الملة والذات والأفراد والمجتمعات ومنها قوله تعالى [مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ]( ).
وجذر كلمة الإرهاب هو (رهب) والذي يدل على أمور :
الأول : الخوف وبعث الرعب .
الثاني : الدقة والخفة .
الثالث : التعبد والنسك ، كما في قوله تعالى [وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَامَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ]( ).
الثانية : قانون كل آية رحمة عامة ، وهناك تضاد بين الرحمة العامة والإرهاب .
الثالثة : بعث القرآن المسلمين على أداء الوظائف العبادية ، ومنها أداء الصلاة جماعة ، وهي عمل وانشغال وقربة إلى الله عز وجل بعيداً عن الإضرار بالغير.
الرابعة : حضّ القرآن الناس على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
الخامسة : ترغيب القرآن الناس بالمسارعة في الخيرات ، وهذه المسارعة صلاة وإصلاح ، قال تعالى [وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ]( ).
السادسة : تكرار لغة الوعد والوعيد في القرآن ، وتخويف الناس من الظلم والجور والتعدي.
السابعة : وجوب الخشية من الله ، والتقوى في السر والعلانية ، وفيه الخير والفرج وكشف الغم ، قال تعالى [وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا]( ).
الإحتجاج صارف للإرهاب
تتجلى قوة سلاح الإحتجاج والبرهان في دحض الكفر ومفاهيم الشرك ، وإن كان الملك وحاشيته يدينون به ، كما في إحتجاج إبراهيم على نمرود ، كما في قوله تعالى [أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ] ( ) .
ونمرود جبار بابل وهو (نمرود بن كوش بن كنعان بن حام بن نوح، فدعاهم إلى عبادة الأوثان ففعلوا، فأمسوا وكلامهم السريانية، ثم أصبحوا وقد بلبل الله ألسنتهم، فجعل لا يعرف بعضهم كلام بعض، فصار لبني سام ثمانية عشر لساناً، ولبني حام ثمانية عشر لساناً، ولبني يافث ستة وثلاثون لساناً، ففهم الله العربية عاداً وعبيل وثمود وجديس وعمليق وطسم وأميم وبني يقطن بنعابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح) ( ) .
وعجز نمرود عن مجاراة حجة إبراهيم عليه السلام .
ومن معاني [وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ] ( ) التي وردت في قصة احتجاج وجدال إبراهيم على نمرود [إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ] ( ) أن الله لا يهديهم إلى صيغ الإحتجاج ، ويجعلهم عاجزين عن الخصومة مع النبي لقانون مصاحبة الحجة للنبوة( ) ، فيميلون إلى دعوى أنه مجنون وأنه ساحر .
وقيل سبب طغيان نمرود وإدعائه الربوبية احتكاره الطعام ، فكان يشتريه ويجمعه ، فاذا أرادوا شراء الطعام دخلوا عليه فسجدوا له ، فلما دخل عليه إبراهيم لم يسجد له ، فسأله نمرود عن علة عدم سجوده ،فقال أن لا يسجد إلا لربي ، فقال نمرود من ربك ؟
وهو يخشى أن يكون هناك سلطان آخر يدّعي الربوبية ، فاجابه إبراهيم [رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ] ( ).
وأختلف في نمرود هل كان ملكاً مطلقاً أم أن الضحاك الذي يعرف بالإذهاق قد ولاّه ، وقيل أن نمرود هو الضحاك .
(قال هشام بن الكلبيّ: ملك الضحاك بعد جم فيما يزعمون، والله أعلم، ألف سنة، ونزل السواد في قرية يقال لها برس في ناحية طريق الكوفة، وملك الأرض كلها، وسار بالجور والعسف، وبسط يده في القتل، وكان أول من سن الصلب والقطع، وأول من وضع العشور وضرب الدراهم، وأول من تغنى وغني له، قال: وبلغنا أنّ الضحاك هو نمرود، وأن ابراهيم، عليه السلام، ولد في زمانه، وأنه صاحبه الذي أراد إحراقه .
وتزعم الفرس أن الملك لم يكن إلا للبطن الذي منه أوشهنج وجم وطهمورث، وأن الضحّاك كان غاصباً، وأنه غصب أهل الأرض بسحره وخبثه وهوّل عليهم بالحيّتين اللّتين كانتا على منكبيه)( ).
والمختار أن نمرود غير الضحاك ، ويذكر نسب نمرود في النبط ، وتقول الفرس إن الضحاك منهم ، ونسبه فيهم .
( وإنما الضحّاك استعمل نمرود على السواد وما اتصل به يمنة ويسرة وجعله وولده عمّالاً على ذلك، وكان هو ينتقل في البلاد، وكان وطنه ووطن أجداده دنباوند من جبال طبرستان، وهناك رمى به أفريدون حين ظفر به، وكذلك بخت نصّر) ( ).
وفي قصة موسى وفرعون ورد قوله تعالى [وَقَالَ مُوسَى يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لاَ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِي بَنِي إِسْرَائِيلَ * قَالَ إِنْ كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنتَ مِنْ الصَّادِقِينَ* فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ *قَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ]( ).
قانون قصص القرآن تأديب واصلاح
لقد جعل الله عز وجل آيات القرآن مدرسة لتهذيب النفوس ، واصطلاح المنطق ، وإقامة صلات إجتماعية وفق قواعد أخلاقية حميدة متوارثة .
ولا يختص هذا التوارث بالأسرة أو الأمة إنما يتغشى الناس جميعاً ، للنهل من القرآن ، والإقتباس من أهله ، وهو من المنافع العظيمة لتلاوة كل مسلم ومسلمة القرآن عدة مرات في الصلوات اليومية .
فان قلت من الصلاة ما هي إخفاتية وهي صلاة الظهر والعصر ، فهل لها منافع في المقام ، الجواب نعم من وجوه :
الأول : قانون حال الخشوع والخضوع لله عز وجل في الصلاة .
الثاني : قانون الصلاة تذكير بالله عز وجل ووجوب عبادته .
الثالث : منافع الصلاة أعم من الجهر بالتلاوة .
الرابع : قراءة القرآن في الصلاة حفظ وتوثيق لها ، سواء كانت جهرية أو إخفائية ، وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون]( ).
ولقد جاء الأنبياء بالصلاة ، وهي سور الموجبة الكلية الذي يجمع بين الأنبياء في سيرتهم وموضوع دعوتهم إلى الله ، وبيانهم أن الصلاة هي الطريق إلى الله عز وجل .
ومن معاني حبل الله في قوله تعالى [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا..] ( ) أي بأداء الصلاة ، وهي منهاج الأنبياء ، وكانت صلاة الفرد الواحد حرباً على عبادة الأوثان ، كما في النبي شعيب ، إذ خاطبه قومه [قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ]( ).
وكانوا يتغامزون استهزاءَ إذا رأوه يصلي ، بينما قامت قريش بإيذاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وأرادوا خنقه وهو ساجد وفي البيت الحرام لبيان شدة الأذى الذي لحقه .
وتناجى رجال قريش بالقاء سلا جزور ، وهي الجلدة التي تخرج مع المولود كالمشيمة في الإنسان على ظهر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حال سجوده ، وقام عقبة بن أبي معيط بالقائه ، فلم يقطع النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلاته ، وكان بعض الصحابة جالسين في المسجد كعبد الله بن مسعود ، ولكنهم يخشون من بطش رجال قريش إلى أن وصل الخبر إلى فاطمة الزهراء ، وكانت يومئذ صغيرة ، فجاءت وأزاحته عن ظهر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فرفع رأسه من السجود ، وهم يتضاحكون كما كان قوم شعيب يتضاحكون .
لقد شاء الله عز وجل أن يحيي إقامة الصلاة برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويجعلها باقية في الأرض بذات الكيفية التي أداها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإلى يوم القيامة ، وهو من مصاديق الأمر العام للمسلمين [وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ..].( ).
وجاءت السنة النبوية الفعلية ببيان كيفية أداء الصلاة ، وحرص النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أداء الصلوات اليومية جماعة مع المسلمين ، كما أكدت السنة القولية هذه الكيفية لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (صلوا كما رأيتموني اصلي) ( ) .
ولم تكن صلاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ابتداء منه، ولم تكن أوقاتها أمراً مستحدثاً في الشريعة (عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :أمني جبريل عند البيت مرتين ، فصلى بي الظهر حين زالت الشمس وكانت قدر الشراك ، وصلى بي العصر حين كان ظل كل شيء مثله ، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم وصلى بي العشاء حين غاب الشفق .
وصلى بي الفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم ، وصلى بي من الغد الظهر حين كان ظل كل شيء مثله .
وصلى بي العصر حين كان ظل كل شيء مثليه ، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم .
وصلى بي العشاء ثلث الليل ، وصلى بي الفجر فأسفر ، ثم التفت إلي فقال : يا محمد هذا الوقت وقت النبيين قبلك ، الوقت ما بين هذين الوقتين) ( ).
لبيان عدم صحة محاربة المؤمن لأدائه الصلاة والتعدي على دور العبادة ، فهذه الصلاة سلم ، ودعوة للألفة والأخوة تحت لواء التوحيد ، وهي منهاج الأنبياء الذين بعثهم الله عز وجل رحمة لأهل الأرض ، وجعل سننهم سبباً لإستدامة الحياة الدنيا .
وكان أول من صلى من أهل الأرض هو آدم عليه السلام ليغادر الدنيا وقد ترك الصلاة إرثاً عقائدياً وأخلاقياً لذريته .
وعن الإمام علي عليه السلام قال (جاء نفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فسألوه عن مسائل فكان فيما سألوه: أخبرني عن الله لأي شئ وقت هذه الصلوات الخمس في خمس مواقيت على امتك في ساعات الليل والنهار .
فأجاب عليه السلام إلى أن قال: وأما صلاة العصر فهي الساعة التي أكل فيها آدم من الشجرة فأخرجه الله من الجنة، فأمر الله ذريته بهذه الصلاة إلى يوم القيامة، واختارها لامتي فهي من أحب الصلوات إلى الله عزوجل وأوصاني أن أحفظها من بين الصلوات، وأما صلاة المغرب فهي الساعة التي تاب الله فيها على آدم، وكان بين ما أكل من الشجرة وبين ما تاب الله عليه ثلاثمائة سنة من أيام الدنيا وفي أيام الآخرة يوم كألف سنة من وقت صلاة العصر إلى العشاء، فصلى آدم ثلاث ركعات: ركعة لخطيئته، ركعة لخطيئة حواء، وركعة لتوبته، فافترض الله عز وجل هذه الثلاث الركعات على امتي.) ( ).
وورد في زكريا مجئ الملائكة له بالبشرى في الصلاة ، كما في قوله تعالى [فَنَادَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنْ الصَّالِحِينَ]( ).
لبيان أن الصلاة طريق الفوز بفضل الله ، وهي بلغة لتحقيق الأماني البعيدة والغايات الحميدة ، وفيها غنى عن الإرهاب بل الصلاة ذاتها سلاح يومي حسي وعقلي ضد للإرهاب .
فمن يقف بين يدي الله خاشعاً خاضعاً خمس مرات في اليوم يتجنب في الأوقات التي بينهما الحاق الأذى بالناس ، فكيف وأن الإرهاب ضرر فادح للمسلمين وعامة الناس .
والنسبة بين الضرر الفادح والأذى عموم وخصوص مطلق ، فالضرر أعم وأشد ، لذا قال تعالى [لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى] ( ).
وتدل الآية أعلاه على رحمة الله بالمسلمين وتخفيف الأذى الذي يأتيهم من المشركين ، وهل فيه دعوة للمسلمين لإجتناب الإرهاب والتفجيرات العشوائية شكراً لله عز وجل، واستئصالاً للأذى ، وإكتفاء بالصلاة والإحتجاج ولغة البرهان ، الجواب نعم .
وهل اتخذ الأنبياء الصلاة حصناً من الإرهاب ، الجواب نعم ، ففيها تأديب لأنصارهم ، وزجر للمشركين عن إيذائهم ، فان قلت قد لاقى الأنبياء وأصحابهم الأذى من المشركين ، والجواب هذا صحيح ،ولكن ما صرف من هذا الأذى بسبب الصلاة لا يعلم به إلا الله عز وجل ، وهو من مصاديق قوله تعالى [يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ] ( ).
وتقدير الآية في المقام : يمحو الله ما يشاء من البلاء والإرهاب بسبب الصلاة ، ويثبت أداء المسلمين لها .
وستبقى الصلاة سلاحاً يومياً يمنع الإرهاب .
وتهجم عليه الصلاة إن ظهرت أفراد منه في فترة من الزمان ، وعند طرو الفتن أو مقدماتها ، وخطابات العرق والتقاليد والعنصرية ،وما يسمى (الإسلاموفوبيا).
لقد كانت قصص الأنبياء تأديباً لأصحابهم وقومهم ، وإصلاحاً للمجتمعات في حياتهم ، وبعد مغادرتهم الدنيا ،إذ وثّق القرآن منهاج التقوى الذين كانوا يتحلون به ، وكيف أن أخلاقهم الحميدة ، وعفوهم وتسامحهم كان حرزاً من الإرهاب ، وسداً منيعاً من سيادة لغة البطش والإنتقام .
قانون الدخول الآمن للبيت
لقد أخبر الله عز وجل بأن البيت الحرام هو بيته سبحانه في الأرض ، قال تعالى [طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ]( ) .
وقد أكرمه الله عز وجل بهذه الصفة مع أن كل شبر من الأرض هو ملك لله عز وجل .
ومن معاني هذه الملكية عجز الفرد والجماعة والأمة انقاص شبر واحد من الأرض وعندما يغادرون الدنيا لا يستطيعون أخذ متر واحد منها ، إذ يعادون إلى ذات الأرض وبالأكفان ، قال تعالى [مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى]( ).
قد تقدم في الجزء السادس عشر بعد المائتين من هذا السِفر (وتقدير الآية لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله كل عام ، ويدل عليه قوله تعالى في الآية نفسها [لاَ تَخَافُونَ] ( )، إذ أن عمرة القضاء لا تخلو من خوف وخشية من كفار قريش ، وإجهازهم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، وإرادة بعض الماكرين والسفهاء منهم القيام باغتيال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاصة وأنه وأصحابه ليس معهم سلاح كاف .
وتقدير الآية : لا تخافون في كل عام .
لقد تضمنت الآية أعلاه الإخبار بانقطاع الخوف والفزع الذي يسببه كفار قريش ، وظلمهم للبيت الحرام والمسلمين والناس جميعاً) ( ).
ولو دار الأمر في الآية الكريمة وتقديرها على جهات( ):
الأولى : لتدخل المسجد الحرام كافة بعد صلح الحديبية إن شاء الله آمنين ، لأن المراد من شرط قريش بارجاء دخول النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه مكة إلا في العام التالي هو العموم المجموعي ، وحضور النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : لتدخلن المسجد الحرام في عمرة القضاء إن شاء الله آمنين .
الثالثة : لتدخلن المسجد الحرام بين أوان عقد صلح الحديبية وبين فتح مكة إن شاء الله آمنين.
الرابعة : لتدخلن المسجد الحرام في حجة الوداع إن شاء الله آمنين .
الخامسة : لتدخلن المسجد الحرام بعد فتح مكة في كل عام إلى يوم القيامة إن شاء الله آمنين .
فلا تعارض بين هذه الجهات، وكلها من مصاديق الآية أعلاه .
وهل يحتمل إرادة شخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وحده من قوله تعالى[َتَدْخُلُنَّ]( )، الجواب لا، لقانون ذكرته من هذا التفسير وهو أن إرادة المنفرد من لغة الجمع في القرآن خاصة بالله عز وجل وحده، وهو من إعجاز القرآن، ومن الآيات والتنبيه في المقام تكرار ذات الصيغة في الآية الواحده لفظ[إِنَّا نَحْنُ]الذي ورد خمس مرات في القرآن كلها لله عز وجل وهي:
الأولى : [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون]( ).
الثانية : [إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ]( ).
الثالثة : [إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ]( ).
الرابعة : [إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ]( ).
الخامسة : [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً]( ).
ويحتمل إرادة التعليق على المشيئة الإلهية وجوهاً :
أولاً :المراد دخول المؤمنين مكة .
ثانياً : الأمان عند دخول مكة ، وأن دخولها أمر مقطوع منه .
ثالثاً : إرادة الوجهين أعلاه .
والصحيح هو الأخير ، فلا يدخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه والتابعون وتابعوا التابعين مكة إلا بفضل ومشيئة من عند الله عز وجل ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا] ( ) .
ولبيان أن دخول النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه مكة ، وإستدامة هذا الدخول وأداء المسلمين في كل عام لحج بيت الله الحرام معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولطف من عند الله عز وجل بالمسلمين والبيت الحرام والناس جميعاً لما في الحج من تهذيب للأخلاق ومن الشواهد عليه قوله تعالى [الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِي يَاأُوْلِي الأَلْبَابِ]( )، أي لا يصح في الحج الفاحش من الكلام والمعاصي ، والجدال والمراء.
وهل هذا النهي موجود في أيام الجاهلية كحكم شرعي ، الجواب نعم ، وهو ظاهر الإطلاق في الآية أعلاه من جهة ذكرها لأشهر الحج وأنها معلومات أي عند العرب من أيام إبراهيم ، والعموم فيمن فرض حج البيت سواء قبل الإسلام أو بعده ، فلم تقل الآية : فمن فرض فيهن الحج منكم، ولا تتعارض معه إرادة صيغة النهي في قادم الأيام لأنها تتضمن معنى الإخبار عن حكم يستغرق أفراد الزمان الطولية وفيه تنمية لملكة الأخلاق الحميدة ، ونهي عن الإرهاب والتعدي في أشهر الحج مطلقاً.
وكونه مرآة لمبادئ الإسلام في الإنقطاع إلى العبادة والتلبية والدعاء ، وما فيه من الإمتناع عن ضده من الإرهاب والظلم وسفك الدماء ، قال تعالى [فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ]( ).
وجاء قوله تعالى [إِنْ شَاءَ اللَّهُ] ( ) في الآية أعلاه ليجتهد المسلمون بالدعاء والعمل لتهيئة مقدمات الحج كل سنة ، وإزالة الموانع دونه ، والمنع من الإقتتال ونحوه مما يمنع أداء الناس الحج بأمان .
وقد يتم الحج لكن مع الخوف ، وفساد الطرق ، وقيام اللصوص وقطاع الطرق بالتعرض للحجاج وسلبهم أو قتلهم مع السلب .
وفي سنة سبع عشرة وثلاثمائة خُلع المقتدر بالله العباسي من الخلافة ، وبويع أخوه القاهر بالله محمد ابن المعتضد ، فبقي يومين ثم أعيد المقتدر ، وشدة الاختلاف والمؤامرة بين أركان الحكم والحواشي ، وإسراف وتبذير الخدم والنساء في الأموال ، وتدخلهم في الشؤون العامة ، مما أضعف سلطان الدولة ، وخرج القرامطة وأشاعوا الفساد وأكثروا من القتل وسفك الدماء ، حتى ساروا إلى مكة وقتلوا ألفا من الحجاج.
قال ابن الأثير(حجّ بالناس في هذه السنة منصور الديلميُّ( )، وسار بهم من بغداد إلى مكّة، فسلموا في الطريق، فوافاهم أبو طاهر القرمطيُّ بمكّة يوم التروية، فنهب هو وأصحابه أموال الحجّاج، وقتلوهم حتّى في المسجد الحرام وفي البيت نفسه، وقلع الحجر الأسود ونفّذه إلى هَجَر.
فخرج إليه ابن محلب، أمير مكّة، في جماعة من الأشراف، فسألوه في أموالهم، فلم يشفّعهم، فقاتلوه، فقتلهم أجمعين، وقلع باب البيت، وأصعد رجلاً ليقلع الميزاب فسقط فمات، وطرح القتلى في بئر زمزم ودفن الباقين في المسجد الحرام حيث قُتلوا بغير كفن، ولا غسل، ولا صُلّي على أحد منهم، وأخذ كسوة البيت فقسمها بين أصحابه، ونهب دور أهل مكّة)( ).
ومنها الأوبئة والطاعون والكوليرا والأمراض المعدية كما في وباء اسمه (الماشري)( ) الذي ظهر في بغداد في سنة إحدى وثلاثمائة.
وسرى هذا الطاعون في مكة سنة سبع وخمسين وثلاثمائة ، قال ابن كثير (وفيها في تشرين عرض للناس داء الماشري فمات به خلق كثير وفيها مات أكثر جمال الحجيج في الطريق من العطش ، ولم يصل منهم إلى مكة إلا القليل بل مات أكثر من وصل منهم بعد الحج) ( ).
كما كان القتال بين الملوك والرؤساء يحول أحياناً دون مجئ وفد الحاج إلى مكة لضرورة المقدمة العقلية في قطع المسافة إلى البيت.
ومن إعجاز القرآن تقييد أداء الحج بالإستطاعة لقوله تعالى [فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ]( ).
قانون الصلح هبة من الله
لقد جاء صلح الحديبية لوقف الإقتتال وإمتناع الناس عن الخوف من قريش ، ولتصبح معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قريبة من الناس جميعاً ، فلذا تضاعف عدد الذين دخلوا الإسلام .
المختار أن هذا الصلح (مبين ) عند الملائكة من وجوه :
الأول : إنه من مصاديق رد الله عز وجل [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) حينما قالوا [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ]( ).
الثاني : هو مبين لأن الملائكة أيقنوا من نصر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وثبوت الشريعة السمحاء ،وتوالي نزول القرآن لحين تمامه .
الثالث : إدراك الملائكة لحقيقة وهي أن الناس سيدخلون أفواجاً في الإسلام .
الرابع : إنقطاع غزو المشركين للمدينة .
وهل كان الملائكة يخشون على النبي صلى الله عليه وآله وسلم القتل عندما قام كفار قريش بغزو المدينة في معركة بدر ، وأحد ، والخندق.
المختار نعم ، وهو من مصاديق احتجاجهم في الآية أعلاه ، وتقديرها : أتجعل فيها من يفسد فيها بمحاربة النبوة وبسفك الدماء بقتل الصحابة ، وإرادة قتل النبي).
فكان أختتام غزو المشركين للمدينة بصلح الحديبية من مصاديق قوله تعالى [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ).
وسيبقى صلح الحديبية شاهداً على إنتفاء سبب القتال ، لأن سبب القتال إمتناع الكفار عن الإنقطاع عن اتباع الشهوات ، وهو خلاف علة خلق الناس للعبادة ولأن ذات الخلافة في الأرض تكليف كما سيأتي بيانه في الجزء الثاني العشرين بعد المائتين من هذا السٍفر.
عمرة القضاء حجة
في شهر ذي القعدة من السنة السابعة للهجرة حان الموعد المتفق عليه في صلح الحديبية مع قريش ، فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم منادياً أن ينادي أصحابه الذين حضروا الحديبية لقضاء العمرة ، وألا يتخلف منهم أحد .
وبينما منع النبي صلى الله عليه وآله وسلم المنافقين أن يخرجوا معه في كتيبة حمراء الأسد التي وقعت بعد معركة أحد بيوم واحد ، إذ قال (لا يخرج إلا من شهد معنا بالأمس) ( ) هذا مع كثرة جراحات النبي وأصحابه وحاجته لتكثير السواد.
فان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يمنع الذين لم يخرجوا معه إلى صلح الحديبية من التوجه معه إلى مكة لأداء عمرة القضاء ، مع أن علة إمتناع كثير من هؤلاء يومئذ هي الخشية من مباغتة وهجوم خيل قريش على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه.
وستبقى عمرة القضاء حجة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأنه لا يريد إلا أداء الفرائض والعبادات ، وبصبغة السلم والموادعة .
وتتضمن السيرة النبوية شواهد إعجازية خالدة لنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فبعد زحف جيوش قريش وحلفائهم المتكرر نحو مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، رضوا بأن يدخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه مكة معتمرين ، وليس من وقت مخصوص للعمرة ، ولكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اختار شهراً من الأشهر الحرم وهو (ذو القعدة) لبعث الطمأنينة في النفوس ، ولبيان أن دخوله مكة نسك محض ، والتئام للجراح ، ودعوة عملية للناس لدخول الإسلام بأمن من كفار قريش.
وهل كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسعى لأداء عامة الصحابة العمرة بلحاظ أنها واجب ، الجواب لا ، فلم يثبت وجوب العمرة ، وهي مستحبة لما ورد (عن جابر بن عبد الله قال : سأل رجل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن الصلاة والزكاة والحج : أواجب هو ، قال : نعم فسأله عن العمرة : أواجبة هي ، قال : لا وأن تعتمر خير لك)( ).
وقال الشافعي وجوبها ، وبعض أهل الحديث ، واستدلوا بقوله تعالى [وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ]( )، ويتعلق الإتمام باتمام المناسك عند الشروع بها ، وليس لزوم الإبتداء بها ، والمائز في الحج فقوله تعالى [وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً]( ).
ومنهم من رد على القائل بوجوب العمرة بالقول (عماد الحج الوقوف بعرفة وليس في العمرة وقوف فلو كانت كسنة الحج لوجب أن تساويه في أفعاله كما أن سنة الصلاة تساوى فريضتها في أفعالها)( ).
ولكنه قياس مع الفارق ، فيجوز أن يكون الواجب متعدداً في أفراده .
وقرأ الشعبي (والعمرةُ) بالرفع كمبتدأ ، و(لله) الخبر، ونسبت هذه القراءة إلى الإمام علي عليه السلام وابن مسعود وزيد بن ثابت ( )، ولم تثبت هذه النسبة ، والصحيح ما في المصاحف أي بالنصب وفي ذات الصفحة من المصدر أعلاه ورد أن عبد الله بن مسعود كان يقرأها بالفتح (العمرةً) إذ قال ابن عادل (وفي مصحف ابن مسعودٍ : وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ إلى البَيت)( ).
لقد خصص قوله تعالى [وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ]( )، القصد والغاية من الحج والعمرة بانهما مجتمعين ومتفرقين لله عز وجل وحده ، لإفادة قصد القربة فيها ، وليس للتجارة والتجوال في الأسواق أو التجمع لأغراض خاصة ، ولا للجدال والخصومة في أمور السياسة ونحوها ولا مانع من حضور الأسواق عند الفراغ من المناسك .
وبعد غياب قصد القربة في أداء الحج والعمرة لسنوات طويلة أيام الجاهلية مع أن هذا القصد واجب من أيام إبراهيم ، وهو من معاني قوله تعالى [وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ]( )، باستثناء أداء النبي المناسك قبل الهجرة ، والذين بقوا على الحنيفية ، فجاءت عمرة القضاء ليدخل ألفان من الصحابة مرة واحدة مكة لأداء العمرة بقصد رضا الله عز وجل ، والشكر له سبحانه على هذه النعمة ، والإنذار بقرب زوال الأصنام من البيت والجزيرة .
لقد خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة ومعهم السلاح والدروع والخوذ ، ولكن تركها النبي صلى الله عليه وآله وسلم خارج الحرم ، وجعل في حراستها محمد بن سلمة ومعه مائتا فارس ، ليفي بشرطه لقريش في صلح الحديبية بأن يدخل مكة والسيوف في أغمادها .
(عن ابن عباس قال: ” قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه مكة، وقد وهنتهم حمى يثرب، فقال المشركون: إنه يقدم غدا قوم قد وهنتهم الحمى، ولقوا فيها شدة، فجلسوا على قعيقعان مما يلي الحجر، فاطلع الله تعالى نبيه على ما قالوا) ( ).
لقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه (رحم الله امرأ أراهم من نفسه قوة) ( ).
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه يرملون ويدولون بعد الحجر الأسود ، وإذا وصلوا إلى الركن اليماني وواراهم البيت مشوا براحة ، وبعد يستلموا الركن يدولون لبعث الخوف في قلوب المشركين .
وقال ابن عباس أنهم رملوا ثلاث أشواط فقط ، ومشوا الأشواط الأربعة الأخيرة ، للأبقاء على أصحابه .
قال ابن عباس (فقال المشركون: ” هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم .
هؤلاء أجلد من كذا وكذا، ما يرضون بالمشي، أما إنهم لينقزون نقز الظبي ” وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكايدهم كلما استطاع) ( ).
على القول بأن المشركين كانوا جالسين ساعئتذ في دار الندوة فانها تكون مقابل الركن العراقي ، ولا مانع منه بسبب استمرار الهرولة إلى الركن اليماني للإستمرار فيه .
وفي عمرة القضاء خطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ميمونه بنت الحارث ، وهي أخت أم الفضل زوجة العباس عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وخالة خالد بن الوليد وعبد الله بن عباس ، وأراد أن يدخل فيها في مكة .
(قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَأَقَامَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ بِمَكّةَ ثَلَاثًا فَأَتَاهُ حُوَيْطِبُ بْنُ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ أَبِي قَيْسِ بْنِ عَبْدِ وَدّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلٍ ، فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ فِي الْيَوْمِ الثّالِثِ وَكَانَتْ قُرَيْشٌ قَدْ وَكّلَتْهُ بِإِخْرَاجِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ مِنْ مَكّةَ .
فَقَالُوا لَهُ إنّهُ قَدْ انْقَضَى أَجَلُك ، فَاخْرُجْ عَنّا ؛ فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ وَمَا عَلَيْكُمْ لَوْ تَرَكْتُمُونِي فَأَعْرَسْت بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ ، وَصَنَعْنَا لَكُمْ طَعَامًا فَحَضَرْتُمُوهُ قَالُوا : لَا حَاجَةَ لَنَا فِي طَعَامِك فَاخْرُجْ عَنّا فَخَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ وَخَلّفَ أَبَا رَافِعٍ مَوْلَاهُ عَلَى مَيْمُونَةَ ، حَتّى أَتَاهُ بِهَا بِسَرِفَ .
فَبَنَى بِهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ هُنَالِكَ ثُمّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ إلَى الْمَدِينَةِ فِي ذِي الْحِجّةِ)( ).
وذكر أن قوله تعالى [لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لاَ تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا] ( )نزلت في عمرة القضاء .
لقد خرجت قريش من مكة مدة الأيام الثلاثة التي أمضاها النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيها ، وفيه خزي لهم ، وهروب من الواقع الجديد بصيرورة المسلمين أمة تتجلى في سيرتها طاعة الرحمن ، ومعالم الإيمان .
ولقد استطاع المهاجرون والأنصار الطواف حول البيت ، وليكون قوله تعالى [وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى] ( ) بشارة فتح مكة ،وتحقق مصداق الآية واقعاً في أيام النبوة ، وقبل أن يغادر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحياة الدنيا.
واستطاع المهاجرون الأوائل أن يروا أهليهم وأقربائهم .

قانون في نقض الميثاق بلاء
يبتلى المشركون في أموالهم وأنفسهم ، فتصاحبهم الخيبة والخسران في النشأتين ، وهل ضياع أموالهم في المعارك من مصاديق قطع الطرف في قوله تعالى [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا َائِبِينَ]( ) .
الجواب القدر المتيقن من الطرف هو هلاك عدد من المشركين خاصة في ميدان المعركة عقوبة لهم.
ليترشح عنه النقص في الكسب والأموال ، وإمساك التجار في الشام واليمن عن بيع البضاعة الكثيرة بالآجل بعد غياب وجوه وأشراف من قريش بالقتل وهم معتدون ، وهو من أسباب الخزي الذي لحق قريشاً بفقد سبعين من وجهائهم ورجالهم في نهار يوم معركة بدر ، بعد إصرارهم على القتال .
وهل بلغ القبائل وعامة التجار أن قريشاً هم الذين بدأوا القتال ومن غير سبب وجيه للقتال ، المختار نعم ، وهو من أسرار إظهار النبي صلى الله عليه وآله وسلم مقاصد السلم في دعوته .
قال تعالى [أَلَمْ تَرَى إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ]( ).
لبيان مسائل :
الأولى : هناك عدد من قتلى المشركين في كل معركة ، قتلهم الله عز وجل ، لتماديهم في الظلم من وجوه :
الأول : ظلم هؤلاء المشركين لأنفسهم باختيارهم الشرك في جوار البيت الحرام .
الثاني : قطع جيوش المشركين مسافة (450) كم من مكة إلى المدينة لمحاربة النبوة والتنزيل ، كما في معركة أحد والخندق .
الثالث : إرادة غزو المدينة ، وقتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وطائفة من أصحابه ، وأسر طائفة أخرى .
وفي معركة بدر (قال عتبة بن ربيعة وناس معه من المشركين يوم بدر { غر هؤلاء دينهم } فأنزل الله { إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم }( ) ) ( ).
الرابع : إصرار المشركين على القتال يوم معركة أحد ، والإبتداء به ، ويدل قوله تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ]( )، على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه كانوا في موضع الدفاع لإختيارهم مواقعهم بجوار المدينة ولم يخرجوا من المدينة للهجوم والغزو .
الخامس : سقوط عدد من المؤمنين شهداء بسيوف المشركين ، ونزل القرآن بالإخبار بأنهم أحياء عند الله عز وجل ،وأنه سبحانه أعد ّ لهم الثواب العظيم .
(وقال عبيد بن عمر : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين انصرف يوم أُحد مرَّ على مصعب بن عمير وهو مقتول فوقف عليه ودعا ثم قرأ : {مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا}( ) الآية.
ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم إن رسول الله يشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة، فأتوهم وزوروهم وسلّموا عليهم، فوالذي نفسي بيده لا يسلّم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلاّ ردّوا عليه، يرزقون من ثمار الجنة وتحفها ) ( ).
السادس : كثرة المكر وإيذاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه ، من بداية الدعوة والرسالة .
وتدل الوقائع على أن المشركين نقضوا ميثاق التوحيد ، ومفاهيم وقواعد الأمن والسلم المجتمعي فجاء البلاء العام ، ولحقهم الضرر ، إلا من أدركته الرحمة وتاب إلى الله عز وجل ، قال تعالى [وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ] ( ) .
الثانية : بيان قانون وهو : من الميثاق عدم تسخير نعمة الأموال في محاربة النبوة والتنزيل .
الثالثة : بيان أضرار نقض الميثاق على الذات والغير ، إذ يترتب على إنفاق الأموال في الصدّ عن سبيل الله ، وفي المعاصي والفواحش ، ضرر عام في المجتمع ، وفيه دلالة على حاجة الناس لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنها رحمة للناس جميعاً ،ومن أسباب الصلاح ، وترك عبادة الأصنام وإنقطاع الغزو بين القبائل .
لقد جاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم برسالة من الله عز وجل وهي النهي عن الغزو والسلب ، فكان الإمام في الإمتثال لمضامين هذه الرسالة .
وتتجلى المصاديق الواقعية للأمن الذي صاحب نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بامتناع الناس عن الغزو والنهب ، وقطع الطرق العامة .
الرابعة : من معاني الآية أعلاه نهي المشركين عن الإرهاب ، ومنهم من بعث الخوف والفزع في قلوب المؤمنين والناس جميعاً .
فحينما يستأجر أبو سفيان ألفين من الرجال ليزحفوا مع ألف آخرين من قريش على المدينة في معركة أحد لإرادة القتل والسلب والسبي فانه إرهاب وخلاف الميثاق الذي أخذه الله عز وجل على الناس ، وخلافتهم في الأرض.
قانون بشارات القرآن حرز من الإرهاب
تشمل بشارات القرآن الحياة الدنيا والآخرة ، وتتعدد مواطن البرزخ والآخرة من حين الإدخال في القبر ، ثم البعث من القبور وعودة الحياة من جديد للحساب فهل تختص بدخول الجنة ، الجواب لا ، إنما تحضر البشارة في الدنيا وفي مواطن الآخرة المتعددة ، ومنها :
الأولى : البشارة على النفوس بالعز والكرامة .
الثانية : البشارة بالإعانة والمدد والنصرة .
الثالثة : البشارة بالعلم والحكمة في القول والعمل ، قال تعالى [وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ]( ).
الرابعة : البشارة بالسلامة والنجاة من الفتنة وموارد الحرج والشدة ، قال تعالى [وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا]( ).
الخامسة : الترغيب بالتوبة والبشارة بالعفو والمغفرة ، قال تعالى [فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ]( )، وهل في قوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ]( )، بشارة العفو ومغفرة الذنوب ، الجواب نعم .
السادسة : البشارة لأهل الإيمان ، وقد ورد قوله تعالى [َبشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ] سبع مرات في القرآن بصيغة الفعل الماضي (بشر) وبصيغة المضارع (يبشر) ، وكلها بخصوص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا واحدة في الرسول موسى عليه السلام في قوله تعالى [وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ]( )، لبيان قانون وهو اتصال البشارة للمؤمنين من أيام أبينا آدم.
وفي كل زمان هناك أمة مؤمنة تتوجه إليها البشارة ، وجاءت آيات أخرى بالبشارة بشرط النفوس أو بالعمل الصالح مع الإيمان فهل تكون هذه الآية مقيدة لآيات البشارة للمؤمنين مطلقاً كما في قوله تعالى [وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنْ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيرًا]( ).
الجواب نعم ، فلابد من مصاحبة أداء الفرائض ، واتيان الصالحات للإيمان ، قال تعالى [إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا]( )، ليبين القرآن قانوناً وهو اقتران السلوك بالتقوى بنسق وصبغة واحدة ، وأن يأتي العمل الصالح المصاحب للإيمان بقصد القربة وعلى نحو طوعي.
ويتجلى قانون وهو أن الأعمال الإرهابية ليست من العمل الصالح .
السابعة : البشارة على الصبر وتحمل الأذى في جنب الله ، وعدم الإضرار بالأبرياء ، والمصالح العامة ، قال تعالى [إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ]( ).
الدعاء تنزيه عن الإرهاب
يدل فضل الله عز وجل بجعل الإنسان [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، فانه سبحانه لم يجعل حجباً أو برزخاً بين دعاء الإنسان وبين سماع الله عز وجل ، فليس ثمة مسافة ، وفي التنزيل [مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ]( ).
ومما ينفرد به الله تعالى أنه لا يكتفي بسماع الدعاء إنما يستجيب للدعاء أيضاً ، وهو أمر لا يقدر عليه إلا الله سبحانه ، والله عز وجل وحده الذي يجمع بين السمع والإستجابة ، والتداخل بينهما وكأنما أمر واحد وهو المتبادر إلى الأذهان ، فحالما يرد قوله تعالى [إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ]( )، يدرك كل مسلم ومسلمة أن المعنى هو استجابة الله للدعاء .
وجاءت الآية أعلاه شكراً من إبراهيم عليه السلام لله عز وجل على ولادة إسماعيل من زوجته هاجر ، وإسحاق من زوجته سارة ، وكان عمر إبراهيم يوم ولد إسماعيل (90) سنة ، وقيل (86) سنة ، وعمره يوم ولد إسحاق (100) سنة ، بعد أن كان لا يولد له ، لبيان أن تنجز الحاجات والآمال بالدعاء بما يفوق قانون العلة والمعلول ، والسبب والمسَبب ، وفيه دعوة للمسلمين إلى الورع ، والإبتعاد عن الإرهاب ، وإجتنابه في حال الرخاء والشدة.
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة ، وكان عرشه على الماء)( ).
ولا يعني التسليم بالقدر الميل إلى الكسل ، إنما يدعو إلى العمل والمثابرة والتوكل على الله والدعاء رجاء تفضل الله عز وجل بالرزق الكريم ، وصرف البلاء .
وعن ثوبان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ، ولا يرد القدر إلا لدعاء ، ولا يزيد في العمر إلا البر( ).
وأخرج الحاكم عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يغني حذر من قدر ، والدعاء ينفع ممّا نزل ، ومما لم ينزل ، وإن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة( ).
وهذا الحديث من جوامع الكلم ، وفيه ترغيب بالدعاء وبيان الحاجة إليه وإلى الإلحاح فيه.
ومعنى يعتلجان أي بتدافعان ، ويتصارعان ، فالبلاء نازل والدعاء درع حماية وقبة واقية وسلمِ صاعد لبيان رجحان منع الدعاء للبلاء من النزول .
(وعن سَلْمَانِ الفارسي قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُسْتَجَابَ لَهُ عِنْدَ الكُرَبِ ، وَالشَّدَائِدِ ، فَلْيُكْثِرِ الدُّعَاءَ فِي الرَّخَاءِ)( ).
واعتلجت الأمواج : التطمت .
(واعتلج القوم : اتخذوا صِراعاً أو قتالاً وأصل المعالجة والعِلاج المِراس والدِفاع وقد عالجه)( ).
(والعُلَّج: الشديد من الرجال قتالا ونطاحا)( ).
وفي المراد من الدعاء عند البلاء وجوهاً :
الأول : إرادة خصوص الدعاء الذي يتعلق بموضوع البلاء .
الثاني : عموم دعاء العبد يتصارع مع البلاء النازل عليه ، وإن كان في غير موضوع البلاء ، علم العبد بالبلاء أم لم يعلم به .
الثالث : أداء الصلاة من الدعاء الصاعد الذي يعتلج مع البلاء النازل .
ولا تعارض بين هذه الوجوه ، وكلها من مصاديق الدعاء .
آية الأنفال تأديب وزاجر عن الإرهاب
قال تعالى[يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَنْفَالِ قُلْ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ] ( ) إذ يلجأ المسلمون إلى سؤال النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الأنفال ، وهي الغنائم التي تركها الكفار المعتدون في ميدان المعركة ، فهي لله عز وجل يحكم فيها بالتنزيل والوحي .
ويقوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتقسيمها ، وهل هذا التقسيم باجتهاد منه ، الجواب إنما هو بالوحي ، ومع قلة كلمات الآية فانها تتضمن الأوامر المتعددة للمسلمين ، وهي :
الأمر الأول : تقوى الله ، والخشية منه ، ومن التقوى تعاهد الفرائض العبادية ، والإمتناع عن الإضرار بالناس ، ومن التقوى التواضع والإمتناع عن التكبر ، وعن ابن عمر قال (طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته القصواء يوم الفتح يستلم الركن بمحجنه ، فما وجد لها مناخ في المسجد ، حتّى أخرجنا إلى بطن الوادي ، فأناخت فيه ، ثمّ حمد الله وأثنى عليه .
ثمّ قال : أمّا بعد أيّها الناس ، قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية ، وفخرها بالآباء وفي بعض الألفاظ : وتعظمها بآبائها إنّما الناس رجلان ، برّ تقي كريم على الله .
وفاجر شقيّ هيّن على الله ثمّ تلا هذه الآية [يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ]( )،الآية .
وقال : أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم)( ).
الأمر الثاني : الوئام وتعاهد سنن الأخوة ، والإمتناع عن التخاصم والتظالم ، والشقاق ، وفي قوله تعالى [وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ]( )مسائل :
الأولى : صيرورة الود والتآزر والخلق الحميد صبغة في التعامل بين المسلمين .
الثانية : نبذ الشتائم ومفاهيم الكراهية ، قال تعالى [وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ]( ).
فان قلت الآية خاصة فيما بين المسلمين لقوله تعالى [وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ]( )، والجواب من وجوه :
أولاً : اثبات شئ لشئ لا يدل على نفيه عن غيره ، فيصح أن يكون تقدير الآية (وأصلحوا ما بينكم وبين أهل الكتاب ) .
ثانياً : ورود آيات لبعث الألفة بين المسلمين وأهل الكتاب ، منها قوله تعالى [وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ] ( ).
ثالثاً : سبل ووجوه الإلتقاء مع أهل الكتاب في سنن التوحيد والعبادة والصلاح ، والإمتناع عن الإرهاب ، والإرهاب الموازي .
رابعاً : تقدير الآية : وأصلحوا ذات بينكم وأصلحوا ما بينكم وبين غيركم .
خامساً : إرادة صيرورة التصالح والإتفاق هو الصبغة العامة في الصلات بين أهل الملل والقبائل والأفراد ، وفيه مناسبة لتجلي إعجاز القرآن ، والتدبر في أسرار ومصاديق بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
سادساً : بعث الله عز وجل المسلمين إلى الصلح مع الناس مطلقاً ، قال تعالى [وَالصُّلْحُ خَيْرٌ]( )، وقد تم صلح الحديبية بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمشركين ، ليكون الصلح والوئام بين المسلمين وأهل الكتاب من باب الأولوية القطعية .
الثالثة : من إصلاح ذات البين المواساة والعفو ، وترك الغيبية والنميمة .
الرابعة : ترك النزاعات ، فهي سبب للضعف والتشتت ، قال تعالى [وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ..]( ).
وينمي ترك النزاع بين المسلمين ملكة إجتناب النزاع والخصومة مع الناس مطلقاً .
فان قلت قد وقعت معارك طاحنة في أيام البعثة النبوية ، والجواب هذه المعارك باصرار وغزو وهجوم من قبل المشركين ، ولم يطلبها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وكان ينادي وسط الميدان وقبل بدئ اقتال ، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا ) كما كان يأمر أصحابه بعدم الإبتداء بالقتال ، مع مصاحبة هذا النهي الوعيد بالعذاب على هذه الإبتداء .
(عن زيد بن أسلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لأصحابه ذات يوم وهو مستقبل العدو : لا يقاتل أحد منكم ، فعمد رجل منهم ورمى العدو وقاتلهم ، فقتلوه ، فقيل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم استشهد فلان فقال : أبعد ما نهيت عن القتال؟
قالوا : نعم . قال لا يدخل الجنة عاص) ( ).
كما كان يمنع من التشديد على النفس في الخروج للقتال ، إذ تشمل الرخصة من كان عنده عذر للقعود ، بل أن الذي يخرج للدفاع من غير توفر مستلزماته يبوء بسخط من الله .
(عن مجاهد قال أشد حديث سمعناه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال قوله في سعد بن معاذ وقوله في أمر القبر لما كانت غزوة تبوك قال لا يخرج معنا إلا رجل مقو قال فخرج رجل على بكر له صعب فصرعه فمات .
فقال الناس الشهيد الشهيد .
فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بلالا أن ينادي في الناس لا يدخل الجنة عاص) ( ).
ومن خصائص آية الأنفال وبيانها لقانون وهو عائدية الأنفال لله ورسوله بعث المسلمين على الزهد ، وإجتناب الهجوم والغزو ، سواء كان المراد من الأنفال الغنائم أو الخمس .
وهل هذه الآية إنذار للمسلمين ، والرماة منهم خاصة يوم أحد بأن لا يتركوا مواضعهم ، الجواب نعم ، إذ نزلت آية الأنفال في واقعة بدر أي قبل معركة أحد بثلاثة عشر شهراً .
و(عن أبي أمامة قال : سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال؟ فقال : فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل فساءت فيه أخلاقنا ، فانتزعه الله من أيدينا وجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقسمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين المسلمين عن براءة ، يقول : عن سواء) ( ).
وهو من إعجاز القرآن في تقديم التحذير والإنذار من عند الله ، قال تعالى [يُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ] ( )إذ كان سبب ترك الرماة مواضعهم هو الطمع في الغنائم عندما رأوا المشركين يهّمون بالفرار ، وهل حذّر الله عز وجل المسلمين والناس جميعاً من الإرهاب ، الجواب نعم لما فيه زهوق الأرواح ، وتلف الأموال ، وخلوه من النفع .

قانون الإرهاب عدو النبوة
لقد عمر الله عز وجل الأرض بالإنسان ، وزينها بعبادته ، ومنها الصلاة المتعددة كل يوم لما فيها من عهد وميثاق بين الله والعباد .
وقد بعث الله عز وجل الأنبياء لإقامة الصلاة ، وجذب الناس لأدائها ، وإزاحة الموانع من إقامتها .
وهل الإرهاب من هذه الموانع أم لا ، الجواب هو الأول ، لما فيه من العهد عن السبيل ، وبعث النفرة في النفوس .
وتحتمل محاربة النبوة للإرهاب من جهة السعة والضيق وجوهاً :
الأول : إنه خاص بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو من موارد تفضيله على الأنبياء السابقين .
الثاني : هو قانون من الإرادة التكوينية شامل لجميع الأنبياء والرسل .
الثالث : إختصاص الرسل بهذا القانون لأنهم أصحاب شرائع مبتدأة ، وعدد الرسل هو ثلاثمائة وثلاثة عشر ، من بين مائة وأربعة وعشرين ألف نبي .
والصحيح هو الثاني أعلاه ، فمن وظائف النبي صلى الله عليه وآله وسلم محاربة الإرهاب ، وبيان قبحه الذاتي .
وتدل الوقائع على أن الإرهاب هو الذي يحارب الأنبياء فما أن يعلن النبي رسالته ، وأنه مبعوث من عند الله ، ويدعو إلى عبادة الله ، وإجتناب المعاصي ، حتى يحاربه الكفار .
والأصل سؤاله عن أدلة نبوته ، والتدبر في المعجزة التي تؤكد هذه الدعوة ، إذ أنها تتصف بأمور :
الأول : المعجزة أمر خارق للعادة .
الثاني : تتضمن المعجزة التحدي للناس .
الثالث : عجز الناس عن الإتيان بمثل معجزة نبي الزمان .
الرابع : دعوة المعجزة للناس للإيمان والتصديق بالنبوة والعمل بما جاء به النبي ، قال تعالى [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا]( ).
الخامس : تلّقي الناس بشارات الرسل بالقبول ، ومنها البشارة ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، كما في الرسول عيسى عليه السلام ، وما ورد عنه في التنزيل [وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ]( ).
ويدل قول عيسى في الآية أعلاه [مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ] ( ) بشارة موسى والتوراة بالنبي محمد ، وتقدير الآية : ومصدقاً لما بين يدي من البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لبيان قانون وهو أن الرسول اللاحق يرث من الرسول السابق قوانين النبوة الكبرى ، ومنها :
الأول : تبليغ الرسالة .
الثاني : العمل بضوابط الوحي ، وعدم الخروج عنها .
الثالث : العصمة من الذنوب والمعاصي ، وفيه دعوة لأتباع الأنبياء لإجتناب الإرهاب لأنه معصية وذنب ، قال تعالى [أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ]( ) .
وهذا المعنى من مصاديق قانون (النبوة إستئصال للإرهاب ) فتبقى أعمال وآثار النبي تركة مباركة للأجيال تدعوهم للصلاح والعفة .
الرابع : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهو واجب وجهاد ، وما من نبي إلا وجاء به ، ومن مصاديقه الأمر بالورع والتقوى ، والنهي عن الإرهاب ، والذي جاء التكليف به للمسلمين صريحاً في آيات منها قوله تعالى [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ] ( ) .
ومن الدعوة إلى الخير المناجاة العامة بلزوم تنزه المسلمين عن الإرهاب والتفجيرات العشوائية ، والقتل على الهوية أو الإنتساب إلى الطائفة ، فهذه الأفعال شر وأذى على الذات والغير ، أما التنزه عنها فهو خير محض ، وسيأتي قانون (رسالة النبي (ص) حصن عالمي من الإرهاب ) وقانون محل البحث أعم والنسبة بينهما عموم وخصوص مطلق .
أوقات الصلاة في القرآن
قال تعالى [فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ] ( ) والمراد من قوله تعالى [حِينَ تُمْسُونَ] هو صلاة المغرب والعشاء و[حِينَ تُصْبِحُونَ] أي صلاة الصبح و[عَشِيًّا] أي صلاة العصر ، و[حِينَ تُظْهِرُونَ] أي صلاة الظهر .
وقيل لم تذكر الآيتان أعلاه إلا أربع صلوات والخامسة وهي صلاة العشاء في قوله تعالى [وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ] في قوله تعالى [وَأَقِمْ الصَّلاَةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ] ( ) والمراد من [وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ]أي ساعة بعد ساعة الأقرب فالأقرب من النهار .
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال (أقم الصلاة طرفي النهار ” وطرفاه المغرب والغداة ” وزلفا من الليل ” هي صلاة العشاء الآخرة) ( ) وورد مثله عن ابن عباس( ) .
ولكن سمّى صلاة العشاء بصلاة العتمة ، كما ورد في أوقات الصلاة قوله تعالى [وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ]( ).
والسنة النبوية حجة في تعيين أوقات الصلاة ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا]( ).
وعن (عطاء بن أبي رباح ، يقول : سمعت جابر بن عبد الله ، يقول : سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن وقت الصلاة ، فلما دلكت الشمس أذن بلال للظهر ، فأمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأقام الصلاة ، فصلى .
ثم أذن للعصر حين ظننا أن ظل الرجل أطول منه ، فأمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأقام الصلاة ، فصلى .
ثم أذن للمغرب حين غابت الشمس ، فأمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأقام الصلاة ، وصلى .
ثم أذن للعشاء حين أذهب بياض النهار ، وهو الشفق ، ثم أمره فأقام الصلاة ، فصلى .
ثم أذن للفجر حين طلع الفجر ، فأمره فأقام الصلاة ، فصلى .
ثم أذن بلال من الغد للظهر حين دلكت الشمس ، فأخرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى كان ظل كل شيء مثله ، فأقام وصلى .
ثم أذن للعصر ، فأخرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى كان ظل كل شيء مثليه ، فأمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأقام وصلى .
ثم أذن للمغرب حين غربت الشمس ، فأخرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى كاد يغيب بياض النهار ، وهو أول الشفق فيما يرى ، ثم أمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأقام الصلاة ، فصلى .
ثم أذن للعشاء حين غاب الشفق ، فنمنا ثم قمنا مرارا ، ثم خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال : ما أحد من الناس ينتظر هذه الصلاة غيركم ، وإنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتموها ، ولولا أن أشق على أمتي لأمرت بتأخير هذه الصلاة إلى نصف الليل وأقرب من نصف الليل .
ثم أذن للفجر ، فأخرها حتى كادت الشمس أن تطلع ، فأمره فأقام الصلاة فصلى) ( ) .
ترى هل بيّن القرآن أوقات الصلاة أم السنة النبوية هي التي بينت أوقاتها ، الجواب يتجلى قانون عدم التعارض بين القرآن والسنة في المقام ، فقد نزل القرآن ببيان أوقات الصلاة ، وجاءت السنة النبوية بالتعيين والوضوح والتفسير ، والحصر لأوقاتها التي تتصل بالآيات الكونية السماوية بخصوص شآبيب الفجر وزوال الشمس وغروبها بما يكون سور الموجبة الكلية لجميع أقطار وبقاع الأرض ، ولا يحتاج العبد اللجوء إلى غيره بالسؤال عن حلول وقت الصلاة ، وجاء الأذان للتبليغ والتذكير ، وهو من مصاديق قوله تعالى [ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ] ( ) وتجتمع الصلاة وأوان حلولها والآيات الكونية في صلاح العبد ومنع الإنسان من الإرهاب .
قانون أقربهم مودة
لقد جعل الله عز وجل القرآن [تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ] ( ) ومنه بيان المودة وضدها من الكره والحقد ، والمودة كيفية نفسانية لا يعلم وما في نفس الإنسان من الود والبغض إلا الله عز وجل ، ولكن بالنسبة للود العام عند أمة فلا يعلمه إلا الله عز وجل ، لأن أفراد الأمة والطائفة لا يعلم أي واحد منهم بما في نفس الآخر .
وورد على لسان عيسى عليه السلام في التنزيل [وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ] ( ).
وقد أخبر الله عز وجل بأن أقرب الناس في المودة ، واللين ، والرفق ، ورقة القلوب هم النصارى ، قال تعالى [وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى] ( ).
ومع أن عدد كلمات القرآن هو (77437) فلم يرد لفظ [أَقْرَبَهُمْ] في القرآن إلا مرة واحدة في الآية أعلاه ، وفيه إشارة إلى أن النصارى هم الأقرب إلى المسلمين إلى يوم القيامة مما يلزم حسن المعاملة والعشرة معهم ، وإجتناب الإرهاب ضدهم ، أو في دولهم .
ومن معاني ود النصارى للمسلمين استقبالهم في بلادهم في هذا الزمان ، ومنحهم الجنسية ، وصيرورتهم مواطنين من الدرجة الأولى ، وقال تعالى [هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ] ( ) ومما هو ضد الإحسان أمور :
الأول : الإرهاب .
الثاني : التهديد بالإرهاب ومقدماته .
الثالث : الإعانة على الإرهاب بالمال والقول والفعل .
الرابع : الرضا بالإرهاب .
وتنهى الآية عن الإعراض عن النصارى ومودتهم ،وعن تقديم غيرهم بالظن بأن هذا الغير أكثر مودة للمسلمين ، ففي كل زمان النصارى هم الأقرب مودة ، وهو لا يمنع من وجود طائفة وأمم تظهر المودة للمسلمين بذات المرتبة .
فالملاك في الآية بيان قانون موضوعية الود في حسن الصلات ، والتحلي بالمزايا الحسنة من الصبر على الأذى ، والعفو والكرم ، ومن الشواهد قوله تعالى [عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ] ( ).
ولا تمنع آيات المودة من أخذ الحائطة والحذر ، ومنه قوله تعالى يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ.
وقيل إن المدح والثناء في قوله تعالى [وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى] ( ) خاص بالذين دخلوا الإسلام منهم ، وليس الذين بقوا على دينهم بعد بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ومن إعجاز الآية نفيها لهذا القول ، إذ ذكرت أن منهم قسيسين ورهباناً ، وأنهم لا يستكبرون إذ تحدثت عنهم الآية بصيغة الغائب ، والاسم والمسمى مختلف فالذي يدخل الإسلام يصبح مسلماً ، ولم يرد لفظ [لَتَجِدَنَّ] في القرآن إلا في الآية أعلاه ، وورد فيها مرتين ، وليس في دين النصارى بغض وعداوة .
ولا يعادي النصارى الناس حتى الذين كفروا ، فمن باب الأولوية أنهم لا يعادون أتباع ملة إبراهيم الذين آمنوا بالكتب السماوية كلها وهم المسلمون .
ومن معاني الرحمة في بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه ثبّت وإلى يوم القيامة دين اليهودية والنصرانية ، وشهد القرآن بصدق نبوة موسى وعيسى عليهما السلام ، فحتى إن ظهر أذى من بعضهم فان المسلمين يتلون في الصلاة كل يوم الآيات التي تدل على كون كل من موسى وعيسى عليهما السلام رسول من عند الله عز وجل.
وتتضمن الآية التحدي الإعجازي فمن مصاديقها : لتجدوا في كل زمان أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ) .
وهل تنحصر هذه المودة بالكيفية النفسانية ، الجواب لا .
إنما تتجلى في الخارج بامتناع النصارى عن الإعتداء على المسلمين ، وبلزوم مقابلة المسلمين لهم بعدم الإعتداء عليهم في أنفسهم ومجتمعاتهم، ومنه الإمتناع عن الإرهاب ، فليس في منهاج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إرهاب ضد النصارى أو اليهود أو غيرهم ، ويدل عليه قوله تعالى [وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ] ( )، والسيرة النبوية .
وتضمن القرآن الأمر إلى المسلمين بحسن المعاملة حتى مع الكفار ممن لم يقاتل المسلمين ، قال تعالى [لاَ يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ]( ).
فيجوز إجراء المعاملات التجارية والشركة معهم ، وتبادل المنافع المباحة والمعروف ، والهبات ، وإعانتهم ، ومد يد المساعدة للفقير والمحتاج منهم ، حتى من الحقوق الشرعية ، وينمي قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ]( )ملكة المودة والرأفة في نفوس المسلمين للنصارى والناس جميعهم ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ) .
لبيان قانون وهو طرد آيات القرآن لنزعة الإرهاب والتعدي من النفوس ، فمن مصاديق عنوان هذا الجزء وهو (النزاع المسلح بين القرآن والإرهاب) بعث الود والرأفة في نفوس المسلمين لأخوتهم وللنصارى ، وغيرهم من أهل الأرض .
ومن مصاديق هذا القانون إخباره عن خلجات النفوس بما ينفع في نشر ألوية السلام ، ونبذ الكراهية والبغض ، وهذا النبذ لمنع الهمّ بالإرهاب أو المناجاة به .
ثم قال الله تعالى [وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ]( ) والفيض هنا كثرة الدمع ، ونسبه الله عز وجل في الآية إلى العيون ، وأن الدمع يسيل على الخدود من البكاء للإقرار بصدق نزول آيات القرآن من عند الله عز وجل .
رسالة النبي محمد (ص) حصن عالمي من الإرهاب
لقد جعل الله عز وجل ملاك وصبغة النبوة هي السماحة والتسامح والعفو ، فلم يأت نبي ويدعو إلى مجزرة أو أبادة عامة أو شبه عامة .
وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يحذر تحذيراً شديداً من سفك الدماء ونهى عن قتل كل من :
الأول : الشيخ الكبير .
الثاني : النساء ، وعن رباح بن ربيع في حديث أنهم رجعوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة (وعلى مقدمته خالد بن الوليد، فمر رباح وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على امرأة مقتولة مما أصابت المقدمة .
فوقفوا ينظرون إليها ويتعجبون من خلقها، حتى لحقهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على راحلته، فانفرجوا عنها .
فوقف عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : ما كانت هذه لتقاتل ، فقال لاحدهم : الحق خالدا فقل له : لا يقتلن ذرية ولا عسيفا) ( ) وفي المرسل (أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ مَرّ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ، وَالنّاسُ . مُتَقَصّفُونَ عَلَيْهَا فَقَالَ مَا هَذَا .
فَقَالُوا : امْرَأَةٌ قَتَلَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ .
فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ لِبَعْضِ مَنْ مَعَهُ أَدْرِكْ خَالِدًا ، فَقُلْ لَهُ : إنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ يَنْهَاك أَنْ تَقْتُلَ وَلِيدًا أَوْ امْرَأَةً أَوْ عَسِيفًا) ( ) والعسيف الأجير.
الثالث : الأبرياء .
الرابع : الصبيان .
الخامس : المسلم .
السادس : المنافق .
السابع : الأجراء والرعاة .
الثامن : الذي ألقى السلم .
التاسع : الذي كف يده (عن ابن عمر قال : وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فنهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قتل النساء والصبيان .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أنس قال : كنا إذا استنفرنا نزلنا بظهر المدينة حتى يخرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فيقول انطلقوا بسم الله وفي سبيل الله تقاتلون أعداء الله ، لا تقتلوا شيخاً فانياً ، ولا طفلاً صغيراً ، ولا امرأة ، ولا تغلوا) ( ).
وقد جاءت آيات القرآن والسنة النبوية بتحريم القتل والوعيد عليه ، قال تعالى [وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ] ( ) ومن الحق القصاص من القاتل ، وقد جعل الله عز وجل دون القصاص وسائط منها العفو ، مع الترغيب فيه كتاباً وسنة ، قال تعالى [وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى]( ) .
ثم الإكتفاء بالدية عند قتل الخطأ ، وكذا في حال قتل العمد إن رضي ولي المقتول (عن عبد الله بن مسعود قال : لا يزل الرجل في فسحة من دينه ما نقيت كفه من الدم ، فإذا أغمس يده في الدم الحرام نزع حياؤه .
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : يجيء الرجل آخذاً بيد الرجل ، فيقول : يا رب هذا قتلني .
قال : لمَ قتلته؟
فيقول لتكون العزة لك .
فيقول : فإنها لي .
ويجيء الرجل آخذاً بيد الرجل فيقول : يا رب قتلني هذا . فيقول الله : لمَ قتلت هذا .
فيقول : قتلته لتكون العزة لفلان . فيقول : إنها ليست له ، بؤ بإثمه) ( ).
ولم تقيد هذه النصوص القتل بخصوص المسلم ، إنما هي مطلقة ، ولو دار الأمر بين الإطلاق والتقييد ، فالأصل هو الأول ، إذ ينهى الإسلام عن قتل الفرد الواحد والمدنيين ، فمن باب الأولوية حرمة الإرهاب والتفجيرات.
نهي النبي (ص) عن قتل النحل
لقد منع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن قتل الدواب والطيور والحشرات إلا ما فيه الضرر العام ، وعن (ابن عباس قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قتل أربعة من الدواب : الهدهد والصرد والنحلة والنملة) ( ).
ويأتي العلم في هذا الزمان ليبين الحاجة إلى هذه الحشرات في استدامة الحياة ، والسلامة من أوبئة وأمراض متعددة ، كما في النحل فان تناقصه المطرد سبب لخسارة الأموال الطائلة حول العالم ، للنقص الذي يحصل في الفواكه والمكسرات والخضروات والورود بسبب فقد النحل الذي هو من أهم أسباب تكاثرها ولأنه يقوم بنقل حبوب اللقاح كما يقوم بانتاج العسل الذي له منافع متعددة على صحة الإنسان كما أن إنقراض النحل يضر بالحيوان والدواجن ومنتجاتها ، كالحليب والبيض واللحوم ، ويظهر النقص على القطن والألبسة وعلى الورق والطباعة ، لأن الحيوانات تنتفع من الأشجار التي تنمو بسبب تلقيح النحل ، وقد التفتت الدراسات الحديثة إلى نعمة النحل والتلقيح الطبيعي .
وفيه تحذير من أضرار المواد الكيمياوية ، والتعقيم المركز على وجود هذه الحشرات او البكتيريا والجراثيم التي تضرها ، فالنحلة حشرة صغيرة لا تعيش مع المتغيرات الشديدة أو مع طول فترة الشتاء ، ولبيان الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ونهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم قتل النحلة مرآة لآيات القرآن ، قال تعالى [وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنْ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ] ( ).
ويدل نهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن قتل النحل على عنايته بازدهار التجارة والزراعة ، وأنه يريد النفع للناس جميعاً ، كما يدل هذا النهي عن المنع عن قتل الإنسان من باب الأولوية .
ونهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن قتل الهدهد الذي هو رسول سليمان، ولا يضر أحداً ، ونهى عن قتل الصرد ، وهو طائر كبير الرأس ، وله ريش نصفه أبيض ونصفه أسود ، وهو محرم الأكل ، ولا مصلحة في قتله أو صيده ، لبيان أن ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم لبعض الحشرات والنهي عن قتلها إشارة إلى المنع من قتل الحيوانات والحشرات الخالية من الضرر بالناس ، كما يدل عليه أحكام تروك الإحرام .
كما نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن قتل النمل لمنافعه في الأرض ، إلا أن يكون ضاراً في المنازل ، وهذا النهي من مصاديق قوله تعالى [حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ] ( ).
إذ تبين الآية أن للنمل مساكن تحت الأرض ، وفيه إشارة إلى ترك المسلمين وعامة الناس للنمل ما دام ليس ضاراً ، وأن هذه الحشرات أمم لها لغة محدودة تتخاطب بها ، سواء لغة الإشارة أو بعثها لذبذبات معينة ، كما اكتشفه العلم الحديث في بعض الحشرات ، إذ جاء خطاب النملة عاماً ، ولغة الإشارة لا يراها إلا عدد قليل ، أما الصوت والذبذبة فهي المناسبة في المقام لأن النمل يسمعها ، كما تدل الآية التالية على أن النملة تكلمت ونطقت ، إذ سمعها سليمان كيف تحذر عامة النمل قال تعالى [فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ] ( ) إذ نقلت الريح قول النملة إلى سليمان ، (قال ابن عباس : فوقف سليمان بجنوده حتى دخل النمل مساكنه) ( ).
وعن الإمام الباقر عليه السلام (قال: لما قالت النملة: ” يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده ، حملت الريح صوت النملة إلى سليمان وهو مار في الهواء والريح قد حملته فوقف ، وقال: علي بالنملة( ) ، فلما أتي بها قال سليمان: يا أيتها النملة أما علمت أني نبي الله وأني لا أظلم أحدا .
قالت النملة: بلى، قال سليمان فلم حذرتنيهم ظلمي ، وقلت : يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم .
قالت النملة: خشيت أن ينظروا إلى زينتك فيفتتنوا بها فيبعدوا عن الله تعالى ذكره) ( ).
ليكون إنسحاب النمل من سطح الأرض جماعات ودخوله إلى باطن الأرض شاهداً على صدق نبوة سليمان أمام جنوده من الطير والجن والإنس ، وأمام عياله ووزرائه وحاشيته .
وأيهما أكثر هذا التصديق أم نزول الآية أعلاه وتصديق أجيال المسلمين والمسلمات إلى يوم القيامة بنبوته ، الجواب هو الثاني ، وهو من مصاديق كون معجزات الأنبياء حسية ، ومعجزة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عقلية ، وشمول هذا التباين لأثر المعجزة واستدامتها في القرآن ، وهو من وجوه تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الأنبياء السابقين .
وهل النهي النبوي عن قتل الحشرات أعلاه من باب الحصر أم المثال ، الجواب هو الثاني ، والملاك أنه مع عدم إضرار الحشرة بالناس وممتلكاتهم فانها لا تقتل .
ومن بديع صنع الله عز وجل كثرة أنواع الحشرات وانتشارها في عموم الأرض ، وهل يدل هذا الإنتشار على أن الأرض مخلوقة من آلاف السنين ، وأنها كانت خالية من الإنسان الذي يقتل الحشرات ، الجواب نعم ، وفيه رحمة بالناس لتهيئة مستلزمات ومقدمات خلافته في الأرض [وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ] ( ).
ولما ثبت نهي القرآن والسنة النبوية عن قتل الحشرات ، فمن باب الأولوية النهي عن قتل الإنسان مطلقاً ، وعن التفجيرات العشوائية .
إنتصار القرآن في نزاعه
من إعجاز القرآن ومصاديق قوله تعالى [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون] ( ) مسائل :
الأولى : البقاء والدوام من حين النزول .
الثانية : حفظ حروف وكلمات القرآن من غير زيادة أو نقصان .
الثالثة : تلاوة المسلمين والمسلمات كل يوم للقرآن وإلى يوم القيامة .
الرابعة : التفسير والتأويل السليم للقرآن .
فمن إعجاز القرآن عصمته من التحريف ، وسلامة التفسير من تغيير المضامين القدسية ، والمقاصد والغايات السامية للآية القرآنية .
الخامسة : دفاع القرآن عن نفسه في الجدال والإحتجاج .
السادسة : اثبات آيات القرآن لصدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا ينحصر هذا الإثبات ببعض آيات القرآن ، إنما يتجلى من وجوه:
الأول : قانون دلالة كل آية قرآنية على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : قانون كل آية من القرآن تبرئ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الغزو وسفك الدماء بغير حق .
الثالث : قانون دلالة الصلة بين آيات القرآن على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابع : قانون دفاع آيات القرآن عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ]( ).
ومن باب الأولوية دفاع الله عز وجل عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأنه الرسول والإمام للمؤمنين ، ومن وجوه دفاع الله كلامه تعالى الذي أنزله على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وهل بشارة عيسى عليه السلام بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من هذا الدفاع ، الجواب نعم .
وهل إخبار القرآن عن دفاع الله عز وجل عن الذين آمنوا من نزاع القرآن مع الإرهاب ، الجواب نعم من جهات :
الأولى : نطق آيات القرآن بالنهي عن الإرهاب .
الثانية : بيان القرآن لقبح التعدي ، والإنذار منه .
الثالثة : دعوة القرآن للسلم والتسامح ، قال تعالى [وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى] ( ).
الرابعة: تأديب القرآن للمؤمنين بهدايتهم إلى سنن التقوى ، والتي يتعارض معها الإرهاب .
ومن خصائص القرآن إستدامة أحكامه إلى يوم القيامة ، وحضوره اليومي بين الناس ، ومنه تلاوة كل مسلم ومسلمة له في الصلوات اليومية الواجبة ، ليتدبر القارئ والسامع بما فيه من الأوامر والنواهي .
وتحل الظواهر الإجتماعية والسياسية على نحو عرضي في أفراد الزمان الطولية ، ولا تلبث أن تضعف أو تزول ، أما أحكام التنزيل فهي باقية إلى يوم القيامة .
ويقبل القرآن عرض تلك الظواهر عليه ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ] ( ) .
ومن تلك الظواهر ما يوافق أحكامها القرآن ، أما التي تتعارض معه ومنها الإرهاب فان القرآن ينهى عنها ، ويساعد في إزاحتها وقهرها .
ومن خصائص الآية القرآنية أنها من جنود الله عز وجل لتكون تلاوة كل مسلم ومسلمة القرآن من الشواهد على حضور جنود الله لتنازع الإرهاب ، وتهجم عليه ، ومواطن هذا الهجوم متعددة منها:
الأول : في النفوس إذ تنفذ الآية القرآنية إلى شغاف القلوب ، وتستقر في النفوس .
الثاني : في المساجد ودور العبادة ، فهي سيف بتار من العلم في الإحتجاج ، وبيان القبح الذاتي للإرهاب ، وضرره على الناس جميعاً حتى الطائفة التي يدّعي الإنتماء إليها .
الثالث : في المجتمعات والمنتديات .
الرابع : النشرات والكتب والإعلام .
الخامس : بيان الواقع وشواهد من أضرار الإرهاب .
أما سبل ووسائل هذا الهجوم ودفع ورفع القرآن للإرهاب فهي متعددة ، ويأتي بيانه في الجزء التالي ، وهو الواحد والعشرون بعد المائتين من هذا السِفر المبارك .
نزاع القرآن ضد الإرهاب في صلح الحديبية
لقد عقد صلح الحديبية على رأس عدة معارك بين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وبين المشركين من جهة أخرى .
وصحيح أنه تم بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومشركي قريش ، ولكن موضوعه أعم ، خاصة وأن عدداً من القبائل كانوا يحاربون النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ويسعون للإغارة على المدينة .
فجاء صلح الحديبية زاجراً لهم عن هذه الحرب العدوانية ، وفيه حجة على قريش بأنهم كانوا أئمة الكفر في قتالهم للنبوة والتنزيل ، فلم يأخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً منهم ، ولم يعتدِ المسلمون عليهم ، إنما جاء بآيات القرآن وما فيها من الأحكام .
وشاء الله أن يتجلى إعجاز القرآن في وقف هذه الحروب بتسمية صلح الحديبية بأنه فتح ونصر ، قال تعالى [إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا] ( ) هذه الآية التي نزلت بخصوص صلح الحديبية وعليه النص وهو المشهور والمختار ، وقيل نزلت في فتح مكة .
(عن البراء قال : تعدون أنتم الفتح فتح مكة ، وقد كان فتح مكة فتحاً ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبيةكنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أربع عشرة مائة ، والحديبية بئر ، فنزحناها ، فلم نترك فيها قطرة ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فأتاها فجلس على شفيرها ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ ثم تمضمض ، ودعا ثم صبه فيها تركناها غير بعيد ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركابنا) ( ).
ويجب أن لا يكون الوقوف عند موضوع وسبب نزول هذه الآية ، وهل هو صلح الحديبية أم فتح مكة ، بل لابد من التحقيق في الترتيب والتناسق الموضوعي بينهما ، فاذا كان يتعلق بصلح الحديبية فما هي النتائج ، وإذا كان يتعلق بفتح مكة فما هي النتائج .
ترى أيهما أكثر نفعاً إحتساب صلح الحديبية هو الفتح أم دخول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مكة هو الفتح ، الجواب هو الأول من جهات :
الأولى : بيان موضوعية الصلح في سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهو الإمام في السلم والصلح .
الثاني : تنمية ملكة الصلح عند المسلمين ، والميل له في حل الخصومة والنزاع ، وهل من صلح بين القرآن والإرهاب ، الجواب لا ، للتضاد بينهما ، وإن القرآن نعمة دائمة ، والإرهاب أذى طارئ.
الثالث : موافقة صلح الحديبية لعلة خلق الناس وهي العبادة ، لقوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( ) فان قلت لقد بقى المشركون في صلح الحديبية على كفرهم ، وعبادتهم للأوثان ، والجواب ذات الهيئة هم عليها حتى في حال الحرب والقتال ، إنما فتح الصلح للمسلمين آفاق العبادة من غير أذى من المشركين .
الرابع : التقدم الزماني لصلح الحديبية ، إذ أنه يسبق فتح مكة بستة وعشرين شهراً ، ودخل في مدتها الإسلام أناس كثيرون ، وهو من عمومات قوله تعالى [وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ] ( ).
وورد عن ابن عباس ثلاث روايات بخصوص إشغال المشركين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه عن الصلاة ، وهي :
الأولى : (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال يوم الخندق : شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس ، ملأ الله قبورهم وأجوافهم ناراً .
الثانية : خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كتيبه فحبسه المشركون عن صلاة العصر حتى أمسى بها ، فقال اللهم املأ بيوتهم وأجوافهم ناراً كما حبسونا عن الصلاة الوسطى ، عن ابن عباس( ).
الثالثة : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نسي الظهر والعصر يوم الأحزاب؛ فذكر بعد المغرب فقال : اللهم من حبسنا عن الصلاة الوسطى فاملأ بيوتهم ناراً) ( ) .
والصحيح أن هذا القول صدر من النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم الخندق بخصوص صلاة العصر ، وإنها لم تكن عن نسيان ، ولكن لشدة الرمي والنبال ، وحراسة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الخندق خشية عبور جيش المشركين ، إذ بقوا محاصرين للمدينة نحو عشرين ليلة ، فقد يصنعون نوع جسر يعبر جماعة ليصيروا فرقتين ، واحدة تمسك الجسر وأخرى تحرسه من جهة المدينة ، ليعبر الجيش عليه ، وكلما كثر عدد الذين يعبرون يصعب على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه قتالهم ، أو إزاحة الجسر .
وصار هذا الإشغال عن الصلاة ممتنعاً بعد صلح الحديبية .
وتقدير آية الفتح على وجوه :
الأول : إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً فانت خاتم النبيين .
الثاني : إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً لينحسر الكفر ، ويزول الشرك عن الجزيرة إلى يوم القيامة .
الثالث : إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليستأصل الإرهاب .
الرابع: إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً لتؤدوا صلاتكم في أوقاتها من غير إشغال من المشركين .
وهل هذا الأداء دعوة للمشركين وعامة الناس للهدى والإيمان ، الجواب نعم ، لذا فقد دخلت في الإسلام بعد الصلح جماعات وأفواج من الناس هم أكثر عدداً من الذين دخلوا فيه طيلة ثماني عشرة سنة السابقة من حين بداية البعثة النبوية المباركة .
البعثة النبوية المباركة
لقد كان صلح الحديبية حرباً على إرهاب قريش ، وقطعاً موقتاً له ، إذ كانت مدة الصلح عشر سنوات يأمن فيها الناس .
لقد كان غزو المشركين المتكرر للمدينة المنورة إرهاب الدولة والسلطة على الرعية وعلى غيرهم ، ففيه ظلم لكل من :
الأول : ظلم رؤساء قريش لأنفسهم بالإصرار على القتال ، وتحملهم أوزار الذين اتبعوهم من عموم أهل مكة وغيرهم .
الثاني : ظلم الرؤساء لأفراد القبائل من جهة سوقهم لسوح القتال والحرب ، بعد أن كان هؤلاء الأفراد يأتون إلى مكة لأداء الحج والعمرة ، أو للتسوق ، والبيع والشراء .
وهذا التسوق ونحوه لم يمنع من أداء العمرة والحج ، لذا فان زيارة ودخول مكة يختلف عن غيره من الدخول إلى المدن الأخرى .
لقد اختلف في الآفاقي أي الذي يكون مسكنه خارج الحرم ، إذا أراد دخول مكة لغير الحج والعمرة ، كما لو جاء لزيارة بعض الأقارب أو للإستعانة على دية ، أو للتجارة على قولين :
الأول : وجوب الإحرام بحج أو عمرة لكل من يدخل مكة من خارج الحرم ، فمثلاً حدوده شمالاً من جهة المدينة عند التنعيم ، ويبعد نحو (7) كم عن المسجد الحرام ، فالمدينة المنورة مثلاً خارج ميقات الشجرة ، بل وحتى الذين هم من أهل مكة إن خرجوا منها.
(عن ابن عباس انه قال ما يدخل مكة احد من اهلها ولا من غير اهلها الا باحرام) ( ) وعليه الأمامية و الحنفية والمالكية والحنابلة .
الثاني : الإحرام مستحب ، وليس بواجب لمن يدخل مكة ، من غير قصد النسك من الحج أو العمرة ، وأستدل عليه بحديث المواقيت (عن ابن عباس قال وقت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لاهل المدينة ذا الحليفة ، ولاهل الشام الجحفة ، ولاهل نجد قرن المنازل ولاهل اليمن يلملم فهن لهن ولمن اتى عليهن من غير اهلهن ممن يريد الحج والعمرة ومن كان دونهن فمهله( ) من اهله وكذلك حتى اهل مكة يهلون منها) ( ).
(عن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دخل يوم الفتح مكة وعليه عمامة سوداء وبغير إحرام) ( ).
ولا تعارض بين الحديثين مع صحة السند ، إذ يحتمل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يلبس المغفر ثم رأى عدم الحاجة إليه ، وعدم حصول قتال من أعلى مكة حيث دخلها فأبدل المغفر بالعمامة .
وهل يجوز أن تكون العمامة فوق المغفر أو العكس ، هذا بعيد ، ولكن ساعة دخول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليست دليلاً في موضوع الإحرام أو عدمه ، لما ورد عن ابن عباس وغيره ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال يوم فتح مكة (إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض والشمس والقمر ، ووضع هذين الاخشبين فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولا يحل لأحد بعدي ، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ، لا يختلى خلاها ، ولا يعضد شجرها ، ولا ينفر صيدها ، ولا يلتقط لقطتها إلا من عرفها .
قال العباس : إلا إلإِذخر فإنه لقينهم وبيوتهم .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إلا الإِذخر) ( ).
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال (لما قدم رسول الله صلى الله عليه واله مكة يوم افتتحها فتح باب الكعبة فأمر بصور في الكعبة فطمست، ثم أخذ بعضادتي الباب فقال: ” لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الاحزاب وحده، ما ذا تقولون ، وما ذا تظنون .
قالوا : نظن خيرا، ونقول خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم وقد قدرت، قال : فإني أقول كما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، ألا إن الله قد حرم مكة يوم خلق السماوات والارض فهي حرام بحرام الله إلى يوم القيامة، لا ينفر صيدها، ولا يعضد شجرها، ولا يختلى خلاها، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد ” فقال العباس: يا رسول الله إلا الاذخر فإنه للقبر والبيوت: فقال رسول الله صلى الله عليه واله: إلا الاذخر) ( ).
قانون النهي عن المفاخرة بالأنساب
من خصائص القرآن نزاعه مع العادات التي تكون مقدمة للإرهاب ، يحاصرها ويمنع من سطوتها في المجتمع وعلى الصلات الإجتماعية ومنها التفاخر بالنسب ، واللمز والغيبة والتعريض بالأصل والنسب ، قال تعالى [وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ] ( ).
واستأصل القرآن آفة الحزازة القبلية والحزبية ، والإنتقاص من الغير.
ومن إعجاز القرآن أنه لم يكتف بالنهي عن التنابز واللمزة والغيبة ، إنما بين موضوع التفاخر بما يتعلق بصفة الإيمان وليس التفاخر بالآباء والأنساب ، وهو أمر جديد أطل على الجزيرة العربية لمنع الغزو والإقتتال بين القبائل ، وفتح باب جديد للأخوة بقوله تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ]( )، ليشمل النسب والقبيلة والبلدة والوطن والقوميات المختلفة.
وقد وضع الله شأن أبي لهب مع شرف نسبه وكونه عم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد عفا النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الذين قاتلوه ، ولم يذكر الذين قتلوا منهم في غزوهم للمدينة بسوء ، ولكنه لا يستطيع العفو عن عمه أو ستر ما فعله ، وأغلب المسلمين لا يعرفون أكثر أسماء كبار المشركين الذين حاربوا النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم .
وربما علموا بأبي جهل وبكنيته مع أن اسمه هو عمرو بن هشام.
ولكن كل مسلم ومسلمة يعرفون وبصيغة الذم والكراهية أبا لهب ، فقد إتصف بالإرهاب ورمي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالحجارة في موسم الحج ، عندما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينادي قولوا (لا إله الا الله تفلحوا).
ولم يكتف القرآن بالنهي عن ذم نسب الغير وذكر الصفة التي تتضمن النقص والإستخفاف بصاحبها كما في قول : الأعرج ، الأعور ، إلا لضرورة ، وإرادة البيان ، وانحصار التعريف به .
وبيَن القرآن وبوضوح موضوع التفاخر وهو غير الأنساب جملة وتفصيلاً ، إذ قال تعالى [إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ]( ).
فجعل الله التفضيل على التقوى والخشية من الله في الواجبات والمستحبات وفي إجتناب المحرمات والمكروهات .
لقد أخبر الله عز وجل في آيات عديدة أن الناس جميعاً لأب واحد ، وأم واحدة ، وهما آدم وحواء مما يدل على أن التفاخر بالأنساب ينقطع في وسائط أعلى من ذات النسب المتفاخر به ، أو المنتقص منه ، ووردت الآية أعلاه بصفة العموم الإستغراقي للناس وهو (الشعوب) إذ أن العرب يقسمون الناس من جهة ترتيب طبقات النسب من الأعلى والأكثر إلى الأقل إلى أقسام وطبقات :
الطبقة الأولى : الشعب : وهو الجامع للقبائل ، وسمي بهذا الاسم لأن القبائل تتشعب وتتفرع منه ، وسمي الشعب لأن الإنسان يسمى شعُوباً ، ولأن الجسد يتفرع منه ، وقيل لأن العرب تفرقوا عن اسماعيل وقحطان .
قال فيهم الشاعر :
فبَادُوا بعد إمَّتِهم وصَارُوا … شُعُوباً شُعِّبتْ من بَعْد عَاد( ).
الطبقة الثانية : القبيلة : وهي التي تجمع العمائر مثل قبيلة كنانة ، وقبيلة جذام ، التي ينتمي لها النبي شعيب .
وهل يصح التفاخر بالتقوى بدل التفاخر في الأنساب أم لابد من التواضع لأن القدر المتيقن من الآية هو الإكرام عند الله ، الجواب هو الأول ما دام فيه تعظيم لشعائر الله .
الطبقة الثالثة : العمارة : وهي التي تجمع البطون ، مثل الأنتساب إلى قريش ، ويجمع على عمارات وعماير .
الطبقة الرابعة : البطن : وهو الذي يجمع الأفخاذ مثل بجيلة والإنتساب الى قصي بن كلاب وهو الجد الرابع للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ومثل (بني عبد مناف وبني مخزوم ، ويجمع على بطون وأبطن) ( ).
الطبقة الخامسة : الفخذ : وهو الذي يجمع الفصائل مثل بني هاشم ، وبني أمية ، لبيان أن بني أمية أقرب إلى بني هاشم من بني مخزوم لذا حينما عرض على هرقل كتاب من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد صلح الحديبية يدعوه إلى الإسلام أرسل إلى ركب من قريش كانوا تجاراً بالشام (فأتوه وهم بإيلياء، فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم ثم دعاهم ودعا بالترجمان فقال: أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل الذى يزعم أنه نبى .
قال أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم نسبا.
قال : أدنوه منى وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره.
ثم قال لترجمانه : قل لهم : إني سائل هذا عن هذا الرجل، فإن كذبني فكذبوه)( ).
الطبقة السادسة : الفصيلة : والجمع فصائل وهي التي تجتمع في الفخذ ، والفصيلة مثل آل أبي طالب .
الطبقة السابعة : العشيرة : وهذا الاسم هو الشائع في هذا الزمان ، وهناك الرهط كما يقال رهط حاتم ، وقد تصبح الفصيلة فخذاً للتكاثر الحاصل فيها مع تقادم الأيام ، وكذا يصبح الفخذ بطناً ، أو البطن عمارة.
والقبائل هي الرأس والعمائر كالصدر ،وفيه القلب ، وبه عمارة البدن ،والبطن أسفل منه ، والفخذ أسفل البطن ، والفصيلة وهي الركبة لانفصالها عن الفخذ .
ومن العماير همدان والأزد من كهلان ، جُهينة من قضاعة ، وفي المثل : وعند جُهينة الخبر اليقين .
(ويقال: إن جهينة كان يخدم ملكاً يمانياً، وكان له وزير اسمه نجيدة، إذا غاب الملك خلفه على حظية له، فتبعه جهينة يوماً من غير أن يشعر به، واختبأ حتى جلس الوزير في مجلس الملك ولبس ثيابه وغلبه السكر، وغنى:
إذا غاب المليك خلوت ليلِي … أَضاجع خَودةً ليلي الطويلا
فقام جهينة فقتل الوزير ودفن رأسه تحت وسادة الملك، فلما حضر الملك فقد الوزير فسأل عنه فلم يقف له على خبر، حتى سكر جهينة ليلة عنده فأنشده:
تسائل عن نُجيدة كل ركب … وعند جهينة الخبر اليقين
فسأله الملك. فأخبره الخبر. فقرّبه وأحسن جزاءه)( ).
وصار في هذا الزمان تقسيم الناس حسب المواطنة والدولة التي لها حدود جغرافية تفصلها عن غيرها من الدول ، ومع تعدد الإنتماء إلى القبيلة والطائفة والأمة والدولة يبقى قانون وهو ملاك الإكرام التقوى ، وطاعة الله ، وإجتناب معاصيه .
ليخاصم قوله تعالى [إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ]( )الإرهاب ، ويزيحه عن المجتمعات ، ويجعل الناس تنفر منه ، للتباين والتضاد بين التقوى وإخافة الناس والإعتداء على المدنيين والناس الآمنين.
وتبذل الدول جهوداً لتكون المرافق العامة والمنتديات وأماكن تجمع الناس آمنة ، فمن التقوى تعاهد هذا الأمن .
ومنع إثارة الرعب بين الناس الذي يترشح عن الإرهاب ، لتتعقبه النفرة العامة في النفوس من الذين يقومون بالإرهاب ، وهذه النفرة أكثر ضرراً من الإرهاب لأنه محدد في موضعه وأوانه وموضوعه ، أما النفرة المترشحة عنه فهي عامة تتولد عند الذين حضروا موضع العمل الإرهابي أو التفجير وعند غيرهم من أهل بلدهم أو ملتهم ، وعند أهل التقوى أيضاً .
لذا جاءت الأوامر من عند الله عز وجل بالتقوى ،قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ]( ) .
فنزلت هذه الآية خطاباً للمسلمين والمسلمات بأجيالهم المتعاقبة بلزوم تقوى الله ، وطاعته والخشية منه ، وقد ورد الأمر بالتقوى متكرراً في هذه الآية للدلالة على موضوعيتها في الحياة اليومية ، ولبعث المسلمين على إدخار الحسنات وإجتناب السيئات ، والإبتعاد عن الإرهاب وما فيه وما يجلبه من الأضرار على الفرد والجماعة .
قانون تحريم السنة القولية والفعلية لإراقة الدماء
لقد كانت السنة النبوية القولية والفعلية مرآة لآيات القرآن ، واجتهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تهيئة مقدمات العبادة ، وفي إصلاح الناس لها ، ومنع أسباب الصدود والعزوف عنها .
وكما جاءت آيات القرآن بالإنذار من القتل والوعيد على سفك الدماء بغير حق ، فقد ترجم النبي صلى الله عليه وآله وسلم مضامين هذه الآيات بالقول والفعل ، وتستقرأ من كل حديث في هذا الباب مسائل عديدة في علم الفقه والإجتماع والأخلاق والسياسة والقضاء إلى جانب تذكير هذه الأحاديث بيوم القيامة وأهواله ، وشدة الحساب فيه على سفك الدماء ، من هذه الأحاديث :
الأول : ما ورد من عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً)( ).
ولم يقيد هذا الحديث الدم بأنه خاص بالمؤمنين إنما هو عام من طرف القاتل والمقتول ، أما عموم المقتول فهو ظاهر في الحديث لأصالة العموم ، وأما من طرف القاتل فلأن الحديث يشمل غير المؤمن فاذا كان يضيق على المؤمن بسبب سفك للدم ، فمن باب الأولوية القطعية التضييق في الدنيا والآخرة على غير المؤمن .
وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يصعد المنبر ليحذر من القتل على نحو الخصوص ، ولتنمية ملكة النفرة من إراقة الدماء ، عند أجيال المسلمين ، وفضحهم للإرهاب والقتل العشوائي .
و(عن ابن عباس قال : قتل بالمدينة قتيل على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يعلم من قتله .
فصعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم المنبر فقال : أيها الناس قتل قتيل وأنا فيكم ولا نعلم من قتله ، ولو اجتمع أهل السماء والأرض على قتل امرئ لعذبهم الله إلا أن يفعل ما يشاء)( ).
فان قلت قد وردت أحاديث في الإنذار من قتل المسلم أو المؤمن خاصة فهل تكون مقيدة لأحاديث العموم ومنها الحديث أعلاه الجواب لا ، إنما تفيد التغليظ ، ومن هذه الأحاديث الخاصة ما ورد (عن جندب البجلي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين الجنة ملء كف من دم امرئ مسلم ، أن يهرقه كلما تعرض لباب من أبواب الجنة حال بينه وبينه) ( ).
الثاني : ورد عن عبد الله بن مسعود (قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : والذي نفسي بيده لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا)( ).
الثالث : عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يزال المؤمن مُعنقاً ( )صالحاً ما لم يصب دماً حراماً ، فإذا أصاب دماً حراماً بلح( ).
ويقال (بَلَحَ الرجلُ بُلوحاً، أي أَعْيَا. قال الأعشى: واشتكى الأَوْصالَ منه وبَلَحْ)( ).
وبلح الترى : يبس .
والشائع أن البلح هيئة من هيئات التمر قبل نضوجه لأنه أوله (طَلْعٌ، ثم خَلالٌ، ثم بَلَحٌ، ثم بُسْرٌ، ثم رُطَبٌ، ثم تَمْرٌ. الواحدة بَلَحَةٌ. وقد أَبْلَحَ النخلُ، أي صار ما عليه بَلَحاً) ( ).
وقال الخليل (البَلَحُ: الخَلالُ، وهو حَمْلُ النَّخْل ما دامَ أخضَرَ صِغاراً كحِصْرِم العِنَب)( ).
ويطال الإرهاب في هذا الزمان المسلم وغير المسلم .
لقد ورد عن عمرو بن الحمق قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : أيما رجل أمن رجلا على دمه ثم قتله ، فأنا من القاتل بريء ، وإن كان المقتول كافراً( ).
ويبين الحديث قبح الغدر ، وأنه خصلة مذمومة تؤدي بصاحبها إلى عدم رضا النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الفساد ، وإلى الحرمان من شفاعته ، فلا يصح الغدر مع أي من الناس سواء كان براً أو فاجراً ، مسلماً أو كتابياً أو كافراً.
ويدل الحديث على لزوم تعاهد العهد وإن كان بعنوان ارتكازي وعام ، ويشمل الحديث الزمن الذي يختلط فيه المسلم مع الكافر الوثني ، في الحل أو الترحال .
وهل عيش المواطنين من أهل بلد واحد ، ضمن أحكام دستور وقوانين نافذة تنشر الأمن والعدل بينهم من العهد العام الذي يمنع من العمل الإرهابي والتخويف العام المقصود .
الجواب نعم ، لبيان أن موضوع حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعلاه أعم من القتل غدراً على نحو القضية الشخصية ، إنما يدعو للألفة والطمأنينة بين أبناء المصر الواحد .
فمن معاني المواطنة وكفالة الدستور عصمة دم الأفراد .
وعن حنظلة الكاتب ، قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة ، فمر بامرأة مقتولة والناس عليها ، فقال : ما كانت هذه لتقاتل ، أدرك خالدا ، فقل له : لا تقتل ذرية ، ولا عسيفاً( ).
ورد الحديث بصدة طرق ، ظاهره أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان في الطريق خارج المدينة ، ولم يكن هو أو مقدمته قد قاموا بغزوة وإن ورد الحديث بلفظ غزوة ولم تكن المقدمة في قتال حتى يحتمل أن المرأة قتلت فيه ، إنما أطلق النبي صلى الله عليه وآله وسلم قانوناً عاماً وهو الأصل أن النساء لا تقاتل فيجب ألا تقتل ، إلا مارود الدليل على نحو قضية عين بأن قامت امرأة بالقتال ، وحتى هذه فان المسلمين كانوا يتجنبون قتلها .
لتتجلى شواهد من السنة العطرة بمنع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من القتل ،وبيان مسألة وهي حرص الأنبياء على عدم إزهاق الأرواح ، إنما بعثهم الله عز وجل رحمة ورآفة بالناس في النشأتين .
ورد بخصوص يعقوب النبي في التنزيل {إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِى}( ) وقال عطاء : إنّ الله لم يقبض نبيّاً حتّى يخيّره بين الموت والحياة فلّما خيّر يعقوب قال : أنظرني حتّى اسأل ولدي وأوصيهم ففعل الله ذلك به ، فجمع ولده وولد ولده , وقال لهم : قد حضر أجلي فما تعبدون من بعدي .
أي من بعد موتي.{قَالُوا نَعْبُدُ الهكَ وَاله ءَابَآئِكَ إِبْرَاهِمَ}( ) الآية) ( ).
والعبادة في الآية سور جامع للفرائض ، والتقيد بالأوامر ، وإجتناب المعاصي .
إصرار حملة لواء المشركين على القتال
كان في معركة أحد إصرار عام وخاص على القتال من قبل المشركين ، أما العام فقطع آلاف منهم مسافة (450)كم من مكة إلى المدينة على الإبل وسيراً على الأقدام لقتال النبي وأصحابه في معركة أحد .
وأما الخاص ، فتقدم حملة اللواء وغيرهم للمناجزة والمبارزة وتعيير المسلمين لعدم الخروج للقائهم ، وهل هذا التعيير من الإرهاب الجواب نعم .
وهل من سبب عقلائي أو عقائدي أو قبلي لمعركة أحد التي جرت في السنة الثالثة للهجرة ، الجواب لا ، ولو لم يزحف المشركون ويقوموا بغزو المدينة يومئذ فهل يقوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بغزوهم في مكة ، الجواب لا ، ليس لقلة عدد وعدة المسلمين فحسب ، بل لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يغزو أحداً ، كما جاء البيان في الأجزاء الخاصة بهذا القانون وهي :
الأول : الجزء الرابع والستون بعد المائة .
الثاني : الجزء الخامس والستون بعد المائة .
الثالث: الجزء السادس والستون بعد المائة .
الرابع : الجزء الثامن والستون بعد المائة .
الخامس : الجزء التاسع والستون بعد المائة .
السادس :الجزء السبعون بعد المائة .
السابع :الجزء الواحد والسبعون بعد المائة .
الثامن :الجزء الثاني والسبعون بعد المائة .
التاسع :الجزء الرابع والسبعون بعد المائة .
العاشر :الجزء السادس والسبعون بعد المائة .
الحادي عشر :الجزء السابع والسبعون بعد المائة .
الثاني عشر :الجزء الثامن والسبعون بعد المائة .
الثالث عشر :الجزء الثمانون بعد المائة .
الرابع عشر :الجزء الواحد والثمانون بعد المائة .
الخامس عشر :الجزء الثاني والثمانون بعد المائة .
السادس عشر :الجزء الثالث والثمانون بعد المائة
السابع عشر :الجزء السابع والثمانون بعد المائة .
الثامن عشر : الجزء الثالث والتسعون بعد المائة .
التاسع عشر :الجزء الرابع والتسعون بعد المائة .
العشرون : الجزء السادس والتسعون بعد المائة.
الواحد والعشرون : الجزء الرابع بعد المائتين .
الثاني والعشرون : الجزء الثاني عشر بعد المائتين .
الثالث والعشرون : الجزء السادس عشر بعد المائتين .
الرابع والعشرون : الجزء الواحد والعشرون بعد المائتين .
وتدل معركة أحد على أمور :
الأول : قانون قبح إرهاب قريش .
الثاني : قانون عدم تحقق أي غاية مقصودة من الإرهاب .
الثالث : قانون لا يجلب الإرهاب لأهله إلا الضرر .
الرابع : قانون صبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة على الأذى .
وفيه دعوة لكل مسلم بلزوم الصبر ، وعدم إختيار الإرهاب لأنه طريق مظلم لا يؤدي إلا للندم والأسى ، ولحوق الخسارة بالفاعل ، والذي يقع عليه ضرر آفة الإرهاب وغيره ، وليس في القرآن ما يدعو إلى الضرر والإضرار .
لقد كان مع المشركين خمس عشرة امرأة ، وقد قاتلت بعضهن كما قامت إحداهن برفع لواء المشركين بعد أن سقط لقتل حملته من بني عبد الدار واحداً بعد الآخر ، وكان الإمام علي قد قتل أكثرهم بسبب إصرارهم على المبارزة وتعييرهم المسلمين لعدم الخروج إليها ، إذ خرج طلحة بن أبي طلحة حامل لواء المشركين بين الصفين للمناجزة ، وكان من أقوى رجال قريش ، ويسمى (كبش الكتيبة ) ، وكانت شدة القتال تدور حول لواء المشركين .
وهو من بني عبد الدار ونادى بأعلى صوته مخاطباً المسلمين (من يبارز .
فلم يبرز إليه أحد، فقال: يا أصحاب محمد، زعمتم أن قتلاكم في الجنة، وقتلانا في النار، كذبتم، واللات لو تعلمون إن ذلك حق لخرج إلي بعضكم، فبرز إليه علي بن أبي طالب فالتقيا بين الصفين فبدره علي فصرعه، ولم يجهز عليه، فقال له بعض أصحابه: أفلا أجهزت عليه .
فقال : إنه استقبلني بعورته فعطفني عليه الرحم، وعرفت أن الله تعالى قد قتله ، وكان قتل صاحب لواء المشركين تصديقا لرؤيا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : كأني مردف كبشا ، فسر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأظهر التكبير وكبر المسلمون، وشدوا على المشركين يضربونهم حتى اختلت صفوفهم)( ).
لقد قتل يومئذ من بني عبد الدار عشرة على اللواء ، اختاروا سخط الخالق في النشأتين ، وهم :
الأول : طلحة بن أبي طلحة .
الثاني : عثمان بن أبي طلحة .
وحينما حمله صار يرتجز أمام النسوة :
(إن على أهل اللواء حقا … أن تخضب الصعدة أو تندقا .
وحمل عليه حمزة بن عبد المطلب فضربه بالسيف على كاهله فقطع يده وكتفه حتى انتهى إلى مؤتزره وبدا سحره، ثم رجع وهو يقول: أنا ابن ساقي الحجيج) أي الذي رجع مرتجزاً هو حمزة .
وكانت النسوة من قريش يضربن بالدفوف والأكبار ، ويندبن قتلاهن في معركة بدر ، ويحرضن على القتال تتقدمهن هند بنت عتبة بن ربيعة زوجة أبي سفيان .
ولكن حينما تم فتح مكة أعطى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لبني شيبة مفتاح الكعبة ولم يأخذه منهم .
الثالث : أبو سعد بن أبي طلحة .
الرابع : مسافع بن طلحة بن أبي طلحة .
الخامس : الحارث بن طلحة بن أبي طلحة .
السادس : كلاب بن طلحة بن أبي طلحة .
السابع : الجلاس بن طلحة بن أبي طلحة قتله طلحة بن عبيد الله .
والأربعة أعلاه أخوة وهم أبناء حامل لواء المشركين الأول أعلاه ، طلحة ، والذي أصر على المبارزة بين الصفين قبل أن يُقتل ، وكان الأولى بأولاده الإتعاظ بقتل أبيهم بعد غروره وزهوه ، وإساءته للمسلمين .
الثامن : ارطاة بن شرحبيل ، وهو من بني عبد الدار قتله الإمام علي عليه السلام ( )، وهو المشهور والمختار ، وفي أسد الغابة رواية بأن الذي قتله عبد الرحمن بن عوف( ) .
التاسع : شريح بن قارظ ، ولم يذكر اسم قاتله .
العاشر : صؤاب ، غلام بني عبد الدار ، فُقتل .
وهل حدث لقريش مثل هذا في معاركها في الجاهلية بأن يقتل عشرة حملة اللواء تباعاً ، الجواب لا ، منها أيام الفجار الأربعة .
وقد شهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم اليوم الرابع والأخير منها قال: (قَدْ حَضَرْتُهُ مَعَ عُمُومَتي وَرَمَيْتُ فِيهِ بِأسْهُمٍ وَمَا أحب إنّي لَمْ أكنْ فَعَلْتُ ” فكان يوم حضر ابن عشرين سنة) ( ).
لقد كانت كثرة عدد حملة اللواء من قريش الذين قتلوا يوم معركة أحد خزياً للإرهاب ، وفضحاً للذين يسعون في سبله أو يقصدون الإساءة العامة والتعدي وفيه زجر للمشركين .
قانون قبح التهديد بالإرهاب
لقد سبق الإرهاب نزول التوراة والإنجيل والقرآن ، إذ ابتدأ بإضافة وتهديد قابيل لأخيه هابيل ثم قيامه بقتله .
(قالوا إن حواء امرأة آدم كانت تلد في كل بطن غلاما و جارية فولدت أول بطن قابيل بن آدم و قيل قابين و توأمته إقليما بنت آدم و البطن الثاني هابيل و توأمته لبوذا فلما أدركوا جميعا أمر الله تعالى أن ينكح آدم قابيل أخت هابيل و هابيل أخت قابيل فرضي هابيل و أبى قابيل لأن أخته كانت أحسنهما .
وقال ما أمر الله سبحانه بهذا و لكن هذا من رأيك فأمرهما آدم أن يقربا قربانا فرضيا بذلك فغدا هابيل و كان صاحب ماشية فأخذ من خير غنمه زبدا و لبنا .
وكان قابيل صاحب زرع فأخذ من شر زرعه ثم صعدا فوضعا القربانين على الجبل فأتت النار فأكلت قربان هابيل و تجنبت قربان قابيل .
وكان آدم غائبا عنهما بمكة خرج إليها ليزور البيت بأمر ربه فقال قابيل لا عَشَتَ يا هابيل في الدنيا و قد تقبل قربانك و لم يتقبل قرباني و تريد أن تأخذ أختي الحسناء و آخذ أختك القبيحة فقال له هابيل ما حكاه الله تعالى فشدخه بحجر فقتله روي ذلك عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) و غيره من المفسرين) ( ).
وقوله (لا عَشَتَ) بصيغة الخطاب تهديد ووعيد بالقتل ، وهل هذا التهديد من الإرهاب الذي يحاربه القرآن ، الجواب نعم ، لوجوه :
الأول : إنتفاء أسباب التهديد .
الثاني : الأصل أن الأخوة مانع من الإرهاب .
الثالث : هذا التهديد والوعيد باعث للخوف في النفوس ، وقد يشغل الإنسان عن جانب من العبادة والذكر ، وأن كان هو في الأصل مناسبة للدعاء ، وصرف التهديد وإنشغال صاحبه بنفسه .
الرابع : إشاعة لغة العنف في المجتمع ، وجعله قريباً من الناس في التعامل.
الخامس : التهديد بالإرهاب مقدمة للقيام به .
السادس : التهديد بالعمل الإرهابي عدوان على المجتمع والملة والمذهب لما فيه من بعث للرعب في النفوس ، وفي المنتديات ، وينفذ هذا الرعب إلى البيوت والعوائل ، ليكون خوف الأم متعدداً ، فتخاف على نفسها وعلى أولادها وعلى زوجها وعلى إخوتها ، وقد يؤدي هذا الخوف والرعب إلى الإرباك والكآبة .
فمع أن مصدر التهديد واحد ، وهو لا يستطيع القيام بفعل متحد ولمرة واحدة ، ولكن الخوف سور السالبة الكلية إذ لا يدخل كل البيوت ، وتتضمنه نشرات الأخبار ، والتحليل والتعليق الصحفي .
ويمكن إنشاء قانون في علم الأصول وهو قبح المقدمة لقبح ذيها ، كما في قطع المسافة من أجل السرقة ، أو كثرة السؤال عن شخص من أجل غيبته والإفتراء عليه ، وهل من مصاديق هذا القانون التهديد بالإرهاب ، الجواب نعم ، فالتهديد بالإرهاب قبيح لأنه مقدمة للإرهاب ، ولأنه بذاته إرهاب وبث للرعب والهياج العام .
لقد جاء القرآن بالتهديد للذين كفروا والظالمين ، وتذكيرهم بيوم الحساب ، قال تعالى [وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلاَئِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمْ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ] ( ).
ووقوف الناس جميعاً بين يدي الله ليس معهم إلا أعمالهم ، والذي يُقتل بعمل إرهابي يكون حياً حاضراً مضرجاً بدمه يوم القيامة ، يريد أخذ حقه ممن قتله بعمل عدواني إرهابي .
ليكون من إعجاز القرآن في التذكير بيوم الحساب وأهوال الآخرة الزجر عن الإرهاب والتخويف منه ، وهو من مصاديق [وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ] ( ).
قانون محل البعثة النبوية إعجاز
لقد بعث الله عز وجل النبي محمداً في مكة ، وفيه مسائل :
الأولى : في مكة أهل وعشيرة وقوم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ويدل عليه قوله تعالى [وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ]( )، وتدل الآية أعلاه في مفهومها على أن عشيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على أقسام :
الأول : العشيرة الأقرب .
الثاني : العشيرة القريبة .
الثالث : عامة عشيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهم قريش.
وهل يختص الإنذار بالعشيرة ، الجواب لا ، إنما بعث الله عز وجل النبي محمداً نذيراً للناس جميعاً ، قال تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ]( ).
الثانية : تنفرد مكة بخصوصية من بين مدن وقرى الجزيرة وهي وفود الناس إليها على مدار السنة ، ويكون موسم الحج مناسبة للإجتماع الكبير ، وقد سمّى الله عز وجل يوم الأضحى (النحر) بيوم الحج الأكبر ، قال تعالى [وَأَذَانٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ]( ).
وقد ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ما يدل على العناية بهذا اليوم حتى في أيام الجاهلية و(عن المسور بن مخرمة قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعرفة ، فحمد الله وأثنى عليه .
ثم قال : أما بعد – وكان إذا خطب قال أما بعد – فإن هذا اليوم الحج الأكبر ، ألا وأن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون من ههنا قبل أن تغيب الشمس إذا كانت الشمس في رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوهها ، وإنا ندفع بعد أن تغيب الشمس ، وكانوا يدفعون من المشعر الحرام بعد أن تطلع الشمس إذا كانت الشمس في رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوهها ، وإنا ندفع قبل أن تطلع الشمس مخالفاً هدينا لهدي أهل الشرك)( ).
الثالثة : هل يمكن القول أن بعثة النبي إبراهيم عليه السلام وبناءه البيت الحرام ودعوته الناس للحج مقدمة لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الجواب نعم ، ليكون حج البيت الحرام واقية من الإرهاب أمس واليوم وغداً .
الرابعة : قد جعل الله عز وجل موسم الحج في الأشهر الحرم لحفظ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتهيئة أسباب دعوته الناس للإسلام ، وتلاوته آيات القرآن على رجال القبائل ، قال تعالى [إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ]( ).
ولا تختص حرمة الإرهاب بالأشهر الحرم ، إنما هو محرم مطلقاً ، وتغلظ حرمته في هذه الأشهر سواء كان الطرف والجهة والفرد الذي يتوجه ضده الإرهاب ، مسلماً أو كتابياً أو من عامة الناس .
فان قلت أن قريشاً هم عشيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقد حاربوه ، والجواب من وجوه :
الأول : لم يحارب النبي صلى الله عليه وآله وسلم كُلُ أفراد عشيرته .
الثاني : أول من آمن بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أفراد من عشيرته ، إذ أسلم الإمام علي عليه السلام وخديجة وعدد من رجال قريش في بدايات البعثة .
الثالث : أظهر أبو طالب عم النبي محمد الدفاع الشديد عنه ، ووقف بوجه رجال قريش الذين أرادوا قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابع : انحياز بني المطلب وبني عبد المطلب مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في شعب أبي طالب عندما فرضت قريش الحصار من أجل تسليم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفي مؤازرة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الخامس : من معاني قوله تعالى [وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ]( )، الإنذار لمن تخلف منهم عن مسالك الإيمان.
وهذا الإنذار شامل لأيام الحياة الدنيا والآخرة ، وتقدير الآية : وانذر عشيرتك الأقربين من الكفر وما فيه من البلاء في الدنيا والعذاب في الآخرة ، ولأن ابا لهب أقرب الناس إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من بين الذين حاربوه، وهو في مكة فقد نزل القرآن بذم وخزي أبي لهب ، قال تعالى [تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ] ( ) وبلحاظ موضوع هذا الجزء من التفسير هل يمكن تقدير الآية : وأنذر عشيرتك الأقربين من الإرهاب ، الجواب نعم .
والنسبة بين كفر قريش وإرهابهم عموم وخصوص مطلق ، فهذا الإرهاب فرع للكفر والضلالة .
وهل يمكن القول أن بداية بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا تصلح إلا في مكة ، الجواب لا ، لأن الله سبحانه على كل شئ قدير ، قال تعالى [هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ] ( ).
ولكن من أسباب التخفيف عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين نزول الوحي على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة وبقاؤه ثلاث عشرة سنة يدعو الناس ، في أعظم إجتماع لهم يومئذ .
وهل كان الناس في بعض الأمصار يجتمعون مثل إجتماع القبائل في مكة لأداء الحج ، الجواب نعم ، ومنه ما يكون في الباطل للإحتفال باعياد خاصة بالآلهة ، ومنها ما هو عيد عام ، ومنه خاص ببلدة أو قبيلة ، فمثلاً عند الفراعنة عيد اسمه عيد الإله مين ، ويقام في أول موسم الحصاد ، لأن هذا الإله يرمز إلى صفة الخصوبة ، وعيد رأس السنة وعيد أمون في الوادي .
ويدل على وجود أعياد عند آل فرعون والدول العظمى في الأمم السالفة قوله تعالى [قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى]( )، وهذا من إعجاز القرآن وإتخاذ الأنبياء الإجتماع مناسبة لبيان معجزاتهم ، لقد استدرجهم موسى عليه السلام لمسألة وهي بيان معجزاته أمام الحشود الكبيرة وعلى رؤوس الأشهاد ، وحضور عشرات الآلاف من الناس في ساعة واحدة .
لقد سأل السحرة موسى عليه السلام على تعيين موعد ومكان للتحدي وبيان حقيقة نبوة عيسى ، أو إظهار علوم السحرة ، فاختار الرسول موسى عليه السلام الزمان والمكان المناسب على نحو الدقة بأن يكون في ساعة مخصوصة وهي أوان مخصوص من يوم معين معلوم عند أهل البلد جميعاً .
وان تصدر الأوامر الفرعونية للناس بالحضور الإجباري في تلك الساعة، فقوله تعالى [وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ]( )، أي ينادى في الشوارع والأزقة بلزوم حضور ورؤية التحدي بين موسى عليه السلام والسحرة ، خاصة وأن مجتمع الفراعنة كانوا يولون عناية خاصة للسحر ، ويحتل السحرة عندهم مكانة رفيعة .
ويحتمل فرعون المعاصر لموسى وجوهاً :
الأول : إنه فرعون واحد ، وهو الذي خرج فيما بعد خلف بني إسرائيل فأغرقه الله وجنوده في اليم ، قال تعالى [وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ]( ).
الثاني : لقد عاصر موسى عليه السلام اثنين من الفراعنة أحدهما هو فرعون الإضطهاد الذي آذى بني إسرائيل ، والآخر هو فرعون الخروج الذي أهلكه الله بالغرق .
الثالث : عاصر موسى عليه السلام ثلاثة من الفراعنة.
أما الأول فهو الذي احتضنه ورباه صغيراً ، وكان اسم زوجته آسيا بنت مزاحم ، وهي التي نزل القرآن في الثناء عليها ، قال تعالى [وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ] ( ) .
والثاني الذي دخل عليه موسى عليه السلام بعد عودته من مدين ودعوته له للإسلام ، وإرساله على سحرة البلاد لمناظرة موسى عليه السلام.
أما الثالث فهو فرعون الخروج الذي أهلكه الله .
وهذا الوجه بعيد لما ورد في التنزيل [أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنْ الْكَافِرِينَ]( ).
وهل كان اختيار موسى هذا باجتهاد منه عليه السلام ، الجواب لا ، إنما كان بالوحي وهل حضر بنو إسرائيل هذه المباراة والعيد ، الجواب نعم ، وهم في حال خوف ووجل على موسى ، لتظهر آيات نبوته ويتبعوه في دعوته لهم فيما بعد للخروج من مصر.
وقال بعضهم أن يوم الزينة هو يوم عاشوراء ، ونسب إلى ابن عباس( )، ولكن السنة الفرعونية سنة شمسية تتألف من (12) شهراً كل شهر (29) يوماً أما الأيام الخمسة الباقية ، وهي التي تظهر بالسنة الميلادية في زيادة بعض الشهور بجعلها (31) يوماً والنقص الحاصل في شهر شباط .
وجعل الفراعنة لهذه الأيام الخمسة شهراً خاصاً ويسمونه الشهر الصغير ، ويكون في السنة الرابعة وهي الكبيسة ستى أيام ، واحتمال موافقته ليوم عاشوراء من بين أيام السنة بعيد .
وكان عندهم يوم يسمى يوم الإحتفال هو أول أيام السنة وهو الحادي عشر من شهر أيلول .
وعن (وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ قَالَ : فِرْعَوْنُ لِمُوسَى [أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا] ( )، قَالَ: فَرَدَّ إِلَيْهِ مُوسَى الَّذِي رَدَّ اللَّهُ , فَقَالَ فِرْعَوْنُ : خُذُوهُ , فَبَادَرَ مُوسَى [فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ] ( )، فَحَمَلَتْ عَلَى أُنَاسٍ فَانْهَزَمُوا مِنْهَا فَمَاتَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا قَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا, فَقَامَ فِرْعَوْنُ مُنْهَزِمًا حَتَّى دَخَلَ الْبَيْتَ)( ).
ووهب بن منبه (34-110) هجرية تابعي وكان أبوه يهودياً فاسلم ، إخباري ، قرأ الكتب ، وروى عنها وقيل توفى سنة 114 هجرية وهو يكثر من الإسرائيليات ، وقال وهب : لقد قرأت ثلاثين كتاباً نزل على ثلاثين نبياً( ).
وذكر وهب بن منبه أحاديث قليلة وأكثرها غير مسندة ولكن مسألة وقوع قتلى بسبب حال الفزع والتدافع عند رؤية معجزة موسى عليه السلام أمر ممكن الوقوع مع الحشود الغفيرة التي حضرت المناسبة ، وهناك شواهد في هذا الزمان على وقوع ضحايا وقتل في حال التدافع .
لقد اختار موسى عليه السلام يوماً معيناً لإظهار معجزته الحسية وهي العصا وصيرورتها ثعباناً يلتهم عصي السحرة ويبعث الرعب في قلوب الكفار ، وعبدة الأوثان.
ومع هذا لم يؤمن له آل فرعون ، بل نعتوه بأنه ساحر .
أما دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فتتصف بوجوه :
الأول : لقد بعث الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم في مكة حيث يتجدد موسم الحج كل عام .
الثاني : حضور أهل القبائل موسم الحج ، وهل أمر الله عز وجل الى ابراهيم بقوله تعالى [وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ]( )، زاجر عن الإرهاب ، الجواب نعم ، وهذا الزجر متجدد إلى يوم القيامة ، وقد تفضل الله عز وجل وجعل أربعة أشهر من أشهر السنة حرُماً .
الثالث : ليس من فرعون وسلطان مطلق الحكم في الجزيرة .
الرابع : توالي معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الخامس : لم يكن قوم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مستضعفين بل هم سادة ، يتولون سدانة البيت الحرام ، ويتفاخرون بين العرب بأنهم ذرية إبراهيم عليه السلام .
ويخص الأمر بالقتال في الآية الكفار ، وورد لفظ يقاتلونكم في القرآن عدة مرات :
الأولى : قال تعالى [وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ]( ).
الثانية : قال تعالى [يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ]( ).
الثالثة : قال تعالى [وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً …]( ).
الرابعة : قال تعالى [لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلاَّ فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْقِلُونَ]( ).
الخامسة : تدل هذه الآيات في منطوقها ومفهومها على نهي المسلمين عن قتال الذين لم يقاتلوهم ، ويفسر القرآن بعضه بعضاً ، ويدل على هذا المعنى قوله تعالى [لاَ يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ] ( ).
فلم تكتف الآية أعلاه بإجتناب قتال الذين لم يقاتلوا المسلمين من أهل الكتاب وغيرهم ، بل أجازت الشركة ، والبيع والشراء ، والإجارة والتداين معهم ومن غير ربا ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ] ( ) الجواب لا .

قانون أدعية القرآن برزخ دون الإرهاب
لقد جعل الله عز وجل الدعاء عبادة ووسيلة للتقرب إليه ، وطلب الحاجات منه سبحانه ، وقد وعد الله عز وجل على الدعاء الإستجابة ، ووعد الله عز وجل حق وصدق .
ومن فيوضات رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بشارته للناس بقبول الله عز وجل دعاءهم ، قال سبحانه [وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ]( ).
وليس من حصر لموضوع الدعاء ، وموارده ، ومنها :
الأولى : الدعاء لسؤال العفو والمغفرة .
الثانية : الدعاء لطلب الرزق ، والسعة فيه .
الثالثة : قانون دلالة الدعاء على التسليم بالربوبية المطلقة لله عز وجل .
الرابعة : الدعاء لصرف البلاء والوباء ، ودفع الظلم .
والإرهاب ظلم للذات والغير ، فيكون الدعاء وسيلة للتنزه عنه ، وصرف أذاه وما يترشح عنه ، قال تعالى [ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ]( )، ويشهد الدعاء للعبد بالتوحيد ، والإقرار بالعبودية لله عز وجل ، وأن مقاليد الأمور كلها بيد الله عز وجل.
الخامسة : اللجوء إلى الله عز وجل في الملمات ، وعند طرو الشدة والضيق ، إذ يدرك الإنسان مطلقاً مؤمناً أو غير مؤمن الحاجة إلى رحمة الله ، قال تعالى [أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ]( )، وكما تتعدد أسباب وموارد الدعاء فان كيفيته وصيغه كثيرة ، منها الدعاء بآيات القرآن ، والدعاء بالمأثور عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ومنها ما يكون بين العبد وربه لبيان الحاجة والمناجاة بأي لغة أو لهجة وهو من مصاديق الإطلاق بالأمر (ادعوني) وإخبار ذات الاية عن استجابة الله للدعاء ،
وتقدير قوله تعالى [ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ]( )، على وجوه :
الأول : ادعوني بأي لغة استجب لكم .
الثاني : ادعوني في السراء والضراء استجب لكم .
الثالث : ادعوني مجتمعين ومتفرقين استجب لكم .
الرابع : ادعوني لصرف بلاء الإرهاب استجب لكم .
ولا يعني الدعاء تعطيل العمل وعدم أخذ الحائطة للبلاء والداء، فالدعاء سبب للمدد والعون من عند الله عز وجل .
لقد جعل الله عز وجل القرآن إماماً في الصالحات ، يقود الإنسان إلى سبل الخير ، ويجعل عامة الناس ينتفعون من قارئ القرآن ، ومن الذي يعمل بأحكامه ، قال تعالى [وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ]( ).
ويتضمن القرآن أدعية الأنبياء وتعليم المسلمين صيغ الدعاء ، وتحبيبه إلى نفوسهم ، ومن رشحاته الإمتناع عن إلحاق الضرر بالغير ، وما الإرهاب إلا ظلم وضرر عام ، وإن جاء على نحو القضية الشخصية .
ومن أدعية القرآن في المقام ، قوله تعالى [رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ]( ).
ومنه قوله تعالى [رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ] ( ).
ومنه قوله تعالى [رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا] ( ).
إذ تأتي الزيادة في العلم على مفاهيم الإرهاب ، فتبين قبحها وتمحو سلطانها على الجوارح .
بحث أصولي
ومن اصطلاحات علم الأصول المستحدثة في الحوزة العلمية (قطع القطّاع) والقطع لغة هو وقف الحركة أو تغييرها بما يمتنع معه التتابع سواء على نحو كلي أو جزئي.
وقد يأتي القطع بعنوان التميز والتقسيم ، قال تعالى [وَقَطَّعْنَاهُمْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا]( )، وكما في قوله تعالى [ثُمَّ لِيَقْطَعْ]( )، أي يميز ، ويأتي القطع بعنوان فصل وإبانة جزء وعضو عما يتصل به ، فتكون هناك أطراف :
الأول : القاطع .
الثاني : ذات القطع .
الثالث : المقطوع .
الرابع : المقطوع عنه .
الخامس : موضوع القطع .
السادس : أثر القطع .
كما في قوله تعالى [وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاًمِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ]( ) .
ومن أضرار الإرهاب الجراحات ، وقطع الأعضاء كاليد والرجل بسبب الإرهاب والتفجيرات وفيه أسى ومرارة .
ولا يعلم الذي يفقد عضواً من بدنه إلا الله عز وجل ، وقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (لا ضرر ولا إضرار)( ).
والقطع في علم الأصول هو الحجة التي لاتحتاج إلى جعل إذ أنه يكشف أمراً ، ويثبته وهو سبيل بيان ومعرفة وهو من مباحث الحجة والأمارة ، لذا يقال حجية القطع ، وهو جملة خبرية ، وليس إنشائية ، وتارة يكون القطع بالإيجاب ، ويمكن تقسيمه إلى شعبتين :
الأولى : القطع بالإيجاب : في الدنيا ومنه قوله تعالى [وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا]( ) فلابد أن ينعم الله عز وجل عليه.
الثانية : القطع بالإيجاب في الآخرة مثل قوله تعالى [إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلْ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ]( ) لإرادة القطع بحدوث الخزي للذي يدخل النار .
وقد تجمع آية بالقطع والجزم في الدنيا ، والقطع كما في قوله تعالى [إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً * وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا]( )، ومنه [وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلاَ تَعْقِلُونَ]( )، [وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ]( )، [فَآتَاهُمْ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ]( ).
وتارة يكون بالنفي والسلب ويمكن تقسيمه إلى شعبتين :
الأولى : القطع بالنفي والسلب في الدنيا .
الثانية : القطع بالنفي في الآخرة ، ومنه قوله تعالى في الثناء على المؤمنين ونجاتهم من النار [لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا]( )، لا يسمعون صوت النار الذي له أثر محسوس ، ولا حركة لهيبها .
ولا يصح ترك الأمر القطعي بما هو ظني فكيف وأن قطع القطّاع يفيد الظن ولا يرقى إلى القطع لإتصافه بأمور :
الأول : تخلف مقدماته عن إفادة القطع .
الثاني : ترشح قطع القطّاع عن طرق وأسباب لا توجب القطع والجزم .
الثالث : قطع القطّاع قضية شخصية ، لا وجود لها بين عامة الناس ، كما لو كان شخص يتوقع حدوث وقائع نتيجة للتخمين والترجيح الشخصي ، أو حساب ومستلزمات لا تتوفر لعامة الناس ، وتحتمل الترديد أو الخلاف غالباً .
ولو قطع إنسان بوجود هلال الشهر في ليلة مخصوصة وفق الحسابات العلمية الدقيقة في ثبوت الهلال فهل هو من قطع القطّاع ، الجواب لا .
لأن المدار على الرؤية البصرية ، قال تعالى [فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ]( )، والنسبة بين القطع المخالف للواقع وبين قطع القطّاع عموم وخصوص مطلق ، وصحيح أن طريق القطع ذاتي ، ولكنه غير حجيته .
القطع في القراءة
وقد يقطع المتكلم كلامه عند كلمة ، ثم يبدأ بكلمة جديدة ، ويسمى في الإصطلاح الوقف ، كما في قطع القارئ الصوت عند آخر الكلمة القرآنية إذ يتنفس القارئ ويعاود القراءة ، ولابد من إختيار الوقوف عند الكلمة المناسبة وإن كان الأصل في معنى الوقف لغة هو الكف والمنع .
وهناك علامات في رسم القرآن لجواز أو وجوب الوقف أو النهي عن الوقوف عند كلة مخصوصة ليكون الوقف أو عدمه بياناً للمعنى ، ومنعاً من اللبس كما في الجدول التالي .
إشارة الضبط المعنى شاهد من القرآن
قلى الوقف أولى من الوصل ، ويجوز الوصل [الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللَّهَ قلى وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا]( )
لا النهي عن الوقف في موضعها ، والنّهي عن البدء بما بعدها [وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا لا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ]( )
النقط المثلثة (.0.)
جواز الوقف بأحد الموضعين ، ولا يصح الوقوف على الآخر ، وهو ما يسمى وقف التعانق. [وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا .0. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ]( )
ج جواز الوقف [وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ ج لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ]( )
م لزوم الوقف ولزوم البدء بما بعدها ، وهو الوقف اللازم [فَلاَ يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ م إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ]( )
صلى الوصل أولى من الوقف ، ويجوز الوقف أيضاً. [الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ صلى وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ]( )
قانون حرمة الإرهاب الممول
لقد كانت قريش تحذر الوافدين إلى مكة من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإنصات له ، وتمنع مجالسته ، وعندما رآى رجالات قريش ميل الناس إلى النبي محمد ودخول طائفة الإسلام مع هذا التحذير والمنع ضربت الحصار على بني هاشم لبيان التضاد بين قيامهم بشؤون وسدانة البيت الحرام وإكرامهم لزواره وعماره ، وبين فسوقهم وإرهابهم لأهل البيت وتجويعهم والتضييق عليهم ليستمر الحصار ثلاث سنوات ابتداء السنة السابعة للبعثة النبوية لتكون من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم دخول الناس الإسلام حتى مع هذا الحصار .
وهل قامت قريش بتمويل حملة التضييق على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وصدّ الناس عن دخول الإسلام ، الجواب نعم.
وتتصف قريش بالثراء وكثرة الأموال ، إذ أنهم يجمعون بين سدانة البيت وبين التجارة على مدار أيام السنة ، ويدل عليه قوله تعالى [لِإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ]( ).
وورد ذكر الشتاء والصيف لبيان إتساع تجارة قريش ، وسير قوافل قريش طيلة أيام السنة ، لذا يعرف العام بأنه (حول يأتي على شتوة وصيفة)( ).
لقد جعل الله عز وجل الأموال إمتحاناً سواء في كثرتها أو قلتها ، وهي باب للإفتتان ، ولكنها أيضاً طريق لعمل الصالحات ونشر الإحسان ، وإخراج الحقوق الشرعية ، قال تعالى [وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ]( ).
وقال تعالى في الزكاة وموارد صرفها [إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ]( )، وإخراج الحقوق قهر للبخل وصرف لشح النفس ، وفي الحديث القدسي (قال الله عز وجل : أنفق يا ابن آدم ، أنفق عليك .
وأخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب عليه السلام سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : إن لكل يوم نحساً ، فادفعوا نحس ذلك اليوم بالصدقة ، ثم قال : اقرأوا مواضع الخلف ، فإني سمعت الله يقول { وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه }( ) إذا لم تنفقوا كيف يخلف) ( ).
وهل من صلة بين الإنفاق في سبيل الله والتنزه عن الإرهاب ، الجواب نعم ، قال تعالى [يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ] ( ).
إذ تدل هذه الآية على إيلاء الصحابة العناية بالإنفاق وسنخيته ومادته ، فجاء الجواب من عند الله بإنفاق الخير والمال والحلال ، وجعله في صلة الرحم ، والإعانة في سلامة المجتمع من الضغائن والسرقة والنهب ونحوه ، كما نزل القرآن بالإيثار ، فمع حاجته يقوم المؤمن باعانة الغير ، وتقديمه على نفسه ، قال تعالى [وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ] ( ).
ولا ينحصر بذل المال بالذين آمنوا ، فكل إنسان ممكن أن ينفق في موارد خارج مؤونته ومؤونة عياله .
فالذين كفروا ينفقون المال إيضاً ، ولكن إنفاقهم من الإرهاب العام للمسلمين وعامة الناس ، لذا أخبر الله عز وجل بأن هذا الإنفاق وبال عليهم ، قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ] ( ).

قانون تعدد أسلحة محاربة الإرهاب
لقد كان المشركون يصفون النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بأنهم أَكَلَةُ رأس ، أي كالجماعة القليلة التي تجتمع على شاة للتحريض في الإجهاز عليه في المعارك وفي الجادة العامة وفي مكة وغيرها .
وحتى المنافقين كانوا يطلقون هذه الصفة على أصحابه النبي .
وعندما أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم الخروج إلى الحديبية ندب أهل المدينة وأهل القرى والأعراف الذين حولها ومنهم (مُزَيْنَةَ وَجُهَيْنَةَ وَبَنِي بَكْرٍ، وَاسْتَنْفَرَهُمْ إلَى الْحُدَيْبِيَةِ فَاعْتَلَوْا وَتَشَاغَلُوا بِأَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ. يَقُولُ عَلَيْهِمْ مَا تَمَنّوْا وَظَنّوا، وَذَلِكَ أَنّهُمْ قَالُوا: إنّمَا خَرَجَ مُحَمّدٌ فِي أَكَلَةِ رَأْسٍ يَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ مَوْتُورِينَ فَأَبَوْا أَنْ يَنْفِرُوا مَعَهُ)( ).
ونزل قوله تعالى [وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا]( ).
ليرجع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الحديبية بالصلح الذي سمّاه الله عز وجل فتحاً ، قال تعالى [إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا]( )، وهذا التبدل النوعي بصيرورة المسلمين كثرة ، وتناقص عدد المشركين ، وزوال الخوف من التخطف والأسر والسجن والسلب ، كما في قوله تعالى [تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]( )، دعوة للمسلمين للشكر لله عز وجل بارساء قواعد الأمن والسلام في الأرض ، وجعل الناس لا يخشون التخطف والتفجيرات ، قال تعالى [وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ]( )، لبيان قانون وهو من شكر الإنسان لله عز وجل على نعمه ولطفه وإحسانه القيام بالإحسان إلى الناس .
وتمام الآية هو [وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ]( )، وإبتدأت الآية أعلاه بذكر الآخرة ، ولزوم التجهز لها ، لأداء الفرائض وعمل الصالحات رجاء إدخار الحسنات لـ[يَوْمٌ لاَ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ]( ).
واختتمت الآية بنهي قارون عن الفساد ، الذي كثرت خزائن أمواله ، فتكبر وتجبر وصار فِرحاً أشراً .
فنزلت الآية لدعوة أصحاب الأموال للإنفاق فيما يرضي الله عز وجل ، مع تحذيره من الفساد قبل خسف الأرض به عقوبة .
وتمنع الآية في دلالتها من تمويل الإرهاب ، والإنفاق على التفجيرات ، والنسبة بين الفساد وهذا التمويل هو العموم والخصوص المطلق .
وهل يبقى الإرهاب بلا رد من الطرف والأطراف الأخرى ، الجواب لا ، وهذا الرد قد يكون إرهاباً موازياً ، وقد يكون أعم وأقسى .
وهل هو من الفساد أيضاً ، الجواب نعم ، لذا من معاني قوله تعالى [وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ]( )، لا تنشر الفساد ، ولا تكن وسيلة وسبباً لنشره بالمال والتمويل أو بالفعل ورد الفعل ، وقاعدة السبب والمسبَب .
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا ذات بهجة ، تكون فيها الصالحات نبراساً وضياءً ، وأما الفساد فهو ظلمة قائمة سرعان ما تزول لتبقى الآية القرآنية سلاحاً ضد الفساد ومانعاً منه ، وهل تلاوة كل مسلم ومسلمة للقرآن في الصلاة اليومية من هذا السلاح أم أنها سلاح آخر إضافي .
الجواب هو الثاني ، ليجتمع الإعجاز والفضل الإلهي في أسلحة محاربة الإرهاب من وجوه :
الأول : قانون دفاع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه اليومي ضد الكفار .
الثاني : قانون دفاع الآية القرآنية كل ساعة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت والصحابة .
لقد جعل الله عز وجل الإنسان محتاجاً إلى رحمته ، وتلازم هذه الحاجة الإنسان في الدنيا والآخرة ، فتفضل الله عز وجل ومنع طغيان الفساد في الأرض بأن جعل التنزيل يهجم عليه فيفضحه ويزيحه عن منازل الصدارة.
الثالث : تلاوة المسلمين والمسلمات آيات القرآن جهرة .
وفي الآية أعلاه تأديب وإرشاد كما في قوله تعالى [وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا]( )، للإنتفاع من المباحات في الدنيا بما يكون من غير إسراف أو إضرار بالغير .
ترى ما هي النسبة بين النصيب في الدنيا والإرهاب الجواب هو التنافي والتضاد ، لأن النصيب عنوان الكسب والتحصيل والنفع والحظ والخير والقسمة .
(وقال الثعالبي : والنصيب والحظ بمعنى واحد)( ).
و(الحَظُّ: النَّصِيْبُ من الخَيْرِ، وجَمْعُه : حُظُوْظٌ.وحَظِظْتُ في الأمْرِ أحَظُّ. والحُظْوَةُ والحَظُّ: واحِدٌ)( ).
أما الإرهاب فهو فتنة وأذى على الأطراف المتعددة لذا فمن أسلحة القرآن دعوته للإنتفاع الأمثل من النعم الدنيوية والمأكل والمشرب ، والإمنتاع عن التشديد على النفس في الإمساك والفاقة .
وعن أنس بن مالك قال : جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما أخبروا كأنهم تقالوها .
فقالوا : وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم ، قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، قال أحدهم : أما أنا فإني أصلي الليل أبدا ، وقال الآخر : أنا أصوم الدهر ولا أفطر ، وقال الآخر : أنا أعتزل النساء ولا أتزوج أبدا .
فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : أنتم الذي قلتم كذا وكذا ، أما والله إني لأخشاكم لله ، وأتقاكم له ، لكني أصوم وأفطر ، وأصلي وأرقد ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني( ).
لبيان أن التقوى سلاح متعدد الوجوه ضد الإرهاب وكذا فان حضور السنة النبوية في عالم القول والفعل بين الناس بيان لقبح الإرهاب ، وزاجر عنه وهل تستحدث أسلحة ضد الإرهاب ، الجواب نعم ، وهي من عمومات قوله تعالى [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ]( )، وذات الإرهاب عدو لنفسه ، فمع تجدد وقائعه يتبين قبحه وضرره وخلوه من النفع العام أو الخاص .
قانون الخُلُق العظيم عصمة من الإرهاب
على أمور :
الأول : قانون إصرار المشركين على الغزو والهجوم والقتال ، إذ تصفهم الآية بصفة الجنود .
الثاني : قانون سعي جنود الشرك في ميدان الإرهاب بالغزو وإراقة الدماء ، وهل غزو وهجوم المشركين على المدينة المنورة في معركة الخندق من مصاديق احتجاج الملائكة على خلافة الإنسان في الأرض وما فيها من فساد طائفة من الناس وسفكهم الدماء .
الجواب نعم ليكون من مصاديق رد الله عز وجل على احتجاجهم بقوله [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( )، أن الله عز وجل يجعل آيات القرآن سلاحاً بأيدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
وهل هو من النعمة التي وردت في الآية [اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ]( )، الجواب نعم ، لقد عبر فارس قريش عمرو بن ود العامري مع نفر من أصحابه الخندق ودعا المسلمين للمبارزة ، والذين اجتازوا مع عمرو بن ود العامري وهم (
الأول : ضرار بن الخطاب .
الثاني : عكرمة بن أبي جهل .
الثالث : نوفل بن عبد الله بن المغيرة)( ).
وصار عمرو يعير المسلمين على عدم الإستجابة لطلبه وعدم خروج أحدهم لمبارزته .
وحينما برز له الإمام علي عليه السلام هل كانت آيات القرآن حاضرة في تعضيده ، الجواب نعم ، لبيان قانون وهو أن آيات القرآن مدد للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت والصحابة في الدفاع وصدّ المشركين الغزاة ، فلا يصح ذريعة مبرراً للإرهاب .
ويحتمل علم الملائكة بقانون تعضيد آيات القرآن للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من جهة أوانه وجوهاً :
الأول : علم الملائكة بأن آيات القرآن سوف تعضد النبي محمداً من قبل خلق آدم عليه السلام ، وهو من مصاديق ما ورد على لسانهم في التنزيل [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ]( )، إذ رأوا كيف أن المشركين يزاولون الإرهاب ويغزون المدينة فسألوا الله نصرته النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأجابهم [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( )، ومن علمه تعالى تعضيد كلامه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في ميدان المعركة وخارجه .
الثاني : علم الملائكة بالمدد القرآني حين نزول جبرئيل به .
الثالث : علم الملائكة بتعضيد آيات القرآن للنبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم نزلوا من السماء لنصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما ورد في التنزيل [إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلاَئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ]( ).
والمختار هو الأول ، وأن الملائكة علموا بنصرة القرآن والتنزيل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم خلق الله آدم .
ومن مكر ووهن المنافقين ما ورد في التنزيل من ذمهم وتوثيق ماقالوا من أسباب الإنهزام والخوف كما في قوله تعالى [وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا]( ).
لقد كرر عمرو بن ود طلب المبارزة ، وظن أنه ليس من أحد يستجيب ويرضى بالخروج لمبارزته ، ولم يعلم أن الإمام علي عليه السلام كان وهو مقنع بالحديد يخاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم (أَنَا لَهُ يَا نَبِيّ اللّهِ فَقَالَ : إنّهُ عَمْرٌو اجْلِسْ ، وَنَادَى عَمْرٌو أَلَا رَجُلٌ يُؤَنّبُهُمْ وَيَقُولُ أَيْنَ جَنّتُكُمْ الّتِي تَزْعُمُونَ أَنّهُ مَنْ قُتِلَ مِنْكُمْ دَخَلَهَا ، أَفَلَا تُبْرِزُونَ لِي رَجُلًا ، فَقَامَ عَلِيّ ، فَقَالَ أَنَا يَا رَسُولَ اللّهِ فَقَالَ : اجْلِسْ إنّهُ عَمْرٌو)( ).
ثم نادى عمرو الثالثة : هل من مبارز ، فاذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم للإمام علي عليه السلام ، لبيان قيام الحجة على عمرو بن ود ، وتأكيد قبح الإصرار على القتال .
ومع أن الساعة ساعة شدة وقتال ودنو الموت قد يتجرأ فيها الجنود على القائد والآمر .
وقد برز فارس قريش ، ولم يجبه للمبارزة من المهاجرين والأنصار إلا الإمام علي عليه السلام ، وكان يومئذ قد ولد له الحسن والحسين من سيدة النساء فاطمة الزهراء ، فان الإمام علي عليه السلام لم يخاطب النبي إلا بصفة النبوة في المرة الأولى ، وفي الثانية بصفة الرسالة لبيان حضور آيات القرآن في لغة الخطاب ميدان القتال .
وقال ابن عباس في قوله تعالى [وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ] ( )، قال: بعلي بن أبي طالب( ).
لقد كان غزو قريش للمدينة ومحاصرتها لأكثر من عشرين ليلة ، وعبور نفر منم الخندق وإلحاحهم على المبارزة والقتال عدواناً وإرهاباً ومع هذا تسمى هذا المعركة غزوة للنبي ، وحين تعدد غزوات النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقال : غزوة الخندق، إنما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حال دفاع وأصاب أصحابه الخوف والفزع ، فلجأوا إلى حفر الخندق ، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يجتهد في الحفر ونقل الحجر والتراب ليقتدي به الصحابة ، إذ كان وأصحابه يسابقون الزمن في إنجاز حفره ، واختلف في مدة حفر الخندق على وجوه :
الأول : كمل حفر الخندق في ستة أيام( ).
الثاني : حفر الخندق في بضع عشرة ليلة .
الثالث : تم حفر الخندق في أربع وعشرين ليلة .
والأخير بعيد ، لأنه لم يبدأ المسلمون بحفر الخندق إلا بعد أن علموا بخروج جيوش قريش وحلفائهم من الكفار من مكة ، وتكون مدة قطع الطريق أقل من هذه المدة فاذا كانوا على الإبل فان المسافة بين مكة والمدينة تقطع للجيش بنحو عشرة أيام ، نعم فيهم رجالة مشاة مما يسبب التأخر والإبطاء .
وهل كانت قريش تحث السير ، الجواب نعم ، وهو من مصاديق تسميتهم في آية البحث بالجنود ، ولأنهم كانوا متلهفين للانتقام من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، كما يتجنبون كثرة الإنفاق في الطريق على جيش قوامه عشرة آلاف رجل .
وبعد أن كانت قريش تسير في قوافل تجارية إلى الشام واليمن ، نزلت آية البحث بوصفهم بالجنود ، ولأنها تخاطب وتحذر المسلمين من المشركين ، فان قريشاً صاروا جنوداً للشيطان .
وواجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في معركة الخندق كلاً من :
الأول : الحصار المحكم .
الثاني : الجوع وقلة الزاد .
الثالث : الخوف والفزع من اقتحام المشركين الخندق دفعة واحدة.
الرابع : البرد الشديد ، وقلة اللباس .
فانعم الله عز وجل عليهم ببركة آيات القرآن واتخاذهم لها سلاحاً بأمور:
الأول : السكينة ، قال تعالى [إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا]( ).
الثاني : بعث الخوف في قلوب الشركين من اجتياز الخندق ، ليكون من مصاديق وتقدير قوله تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا]( )، (سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب من إجتياز الخندق بما أشركوا) ليتخذ المسلمون الآية أعلاه سلاحاً في المرابطة خلف الخندق .
الثالث : هل أداء المسلمين الصلاة أيام حصار الخندق من هذه السكينة وأسبابها ، الجواب نعم .
الرابع : ثبات الصحابة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الميدان مع طول مدة الحصار .
الخامس : عصمة الصحابة من السموم التي كان يبثها المنافقون في المدينة ، وعدم محاكاتهم للمنافقين في إيجادهم الأعذار والإنسحاب من الميدان .
وهل لآيات القرآن موضوعية في هذه العصمة ، الجواب نعم ، لبيان قانون وهو الإنتفاع الذاتي من الآية القرآنية كسلاح ومدد من عند الله عز وجل.
ولم يكن حفر الخندق قبل خروج قريش والرايات من مكة إنما بدأ هذا الحفر عندما صارت ، زحفت الجيوش ، لبيان العناء العام من الإرهاب.
ولقد علم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بخروج جيوش قريش من مكة بالوحي وبمجئ رجال من خزاعة (فإن خزاعة عندما تهيأت قريش للخروج أتى ركبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أربع ليال حتى أخبروه، فندب الناس، وأخبرهم خبر عدوهم .
وشاورهم في أمرهم: أيبرز من المدينة أم يكون فيها، ويحاربهم عليها وفي طرقها .
فأشار سلمان بالخندق ، وقال : يا رسول الله إنا كنا بأرض فارس إذا تخوفنا الخيل خندقنا علينا، فأعجبهم ذلك، وأحبوا الثبات في المدينة، وأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجد، ووعدهم النصر، إذا هم صبروا واتقوا، وأمرهم بالطاعة، ولم تكن العرب تخندق عليها)( ).
ولا ملازمة بين العلم بزحف الجيوش وحفر الخندق ، من جهة الزمان ، ليكون من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عدم الهلع أو الفزع من قدوم عشرة آلاف رجل من المشركين ، وهم يريدون قتله ، واستئصال الإسلام ، وايقاف نزول آيات القرآن إذ أنها لاتنزل إلا على النبي محمد ، وقد جعل الله عز وجل نزولها على نحو التدريج.
وعندما فصلت قريش وجنودها من مكة متوجهين إلى قتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ركب رجال من خزاعة وتوجهوا مسرعين الى المدينة ، وقطعوا المسافة بين مكة والمدينة بأربعة أيام وهو أمر ممكن سواء كان مسيرهم على الخيل أو الإبل ، إذ يقطع البعير مسافة (7-10) كم في الساعة ، فقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم باخبار أصحابه بقدوم جيوش قريش ، وأخذ يشاورهم في كيفية ملاقاتهم .
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكثر من مشاورة أصحابه خاصة في شؤون الدفاع ، قال تعالى [وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ]( ).
ومن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حضور الوحي في مشورته لأصحابه ، سواء عند ابتداء الإستشارة أو اثناءها أو بعدها باتخاذ القرار المناسب المترشح عن الوحي .
أما الإبتداء فان النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بيّن لأصحابه كيفية اللقاء والوجوه المحتملة إذ قال لهم (أنبرز لهم من المدينة، أم نكون فيها ونخندقها علينا، أم نكون قريباً ونجعل ظهورنا إلى هذا الجبل ، فاختلفوا، فقالت طائفة: نكون مما يلي بعاث إلى ثنية الوداع إلى الجرف.
فقال قائل : ندع المدينة خلوفاً .
فقال سلمان: يا رسول الله، إنا إذ كنا بأرض فارس وتخوفنا الخيل خندقنا علينا ، فهل لك يا رسول الله أن نخندق ، فأعجب رأي سلمان المسلمين)( ).
وذكر الصحابة كيف أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم كان يرغب يوم أحد بالبقاء في المدينة ، وملاقاة العدو في أزقتها ومقاتلة النساء والصيبان من سطوح المنازل للمشركين .
ولكن طائفة من الصحابة أصروا على الخروج إلى أحد فكانت خسارة كبيرة في الأرواح.
وفقد المسلمون سبعين شهيداً عندئذ خير الصحابة بالبقاء في المدينة يوم الخندق.
وكما في معركة أحد حيث لم يستعد النبي للخروج ويندب أصحابه للدفاع إلا عندما صار المشركون قريبين من المسجد النبوي وعلى بعد (15) كم منه ، قال تعالى [ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ]( ).
وقيد الأهل في ابتداء خروج النبي محمد للدفاع شاهد على عدم قصد النبي صلى الله عليه وآله وسلم القتال ، أو الإستعداد له ، ولبيان مسألة وهي أن نصر النبي بالمعجزة وبفضل من الله عز وجل ، ومنه آيات القرآن ونزاعها مع الإرهاب حتى تصرفه عن المجتمعات وعن النفوس .
و(عن مالك بن وهب الخزاعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سليطا وسفيان بن عوف الاسلمي طليعة يوم الاحزاب، فخرجا حتى إذا كانا بالبيداء التفت عليهما خيل لابي سفيان، فقاتلا حتى قتلا ، فأتُي بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدفنا في قبر واحد، فهما الشهيدان القرينان.
وركب فرسا له ومعه عدة من المهاجرين والانصار رضي الله عنهم، فارتاد موضعا ينزله، فكان أعجب المنازل إليه أن يجعل سلعا الجبل خلف ظهره، ويخندق من المذاد إلى ذباب إلى راتج، فعمل يومئذ في الخندق، وندب الناس وخبرهم بدنو عدوهم وعسكرهم إلى سفح سلع وجعل المسلمون يعملون مستعجلين، يبادرون قدوم العدو عليهم، واستعاروا من بني قريظة آلة كثيرة من مساحي وكرازين( ) ومكاتل للحفر.
ووكل رسول الله صلى الله عليه وسلم بكل جانب من الخندق قوما يحفرونه، فكان المهاجرون يحفرون من ناحية راتج إلى ذباب، وكانت الانصار يحفرون من ذباب إلى جبل أبي عبيدة.
وروى الطبراني بسند لا بأس به عن عمرو بن عوف المزني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خط الخندق من أجم الشيخين طرف بني حارثة حتى بلغ المذاد فقطع لكل عشرة أربعين ذراعاً)( ).
وكانت قريظة سلم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولهم معه معاهدة وعقد وكانوا (يكرهون قدوم قريش) ( ).
مما يدل على أن حفر الخندق متأخر زماناً عن خروج جيش المشركين من مكة وإن كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعلم بأوان هذا الخروج لبيان مسألة وهي أن المسلمين لم ينتصروا ويسلموا من بطش قريش في معركة الأحزاب بحفر الخندق ، إنما كانت هذه السلامة بفضل من الله ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ]( ).
وكان حفر الخندق احترازاً من شرور المشركين ، ودفعاً للإرهاب ونوع جهاد وصبر ، ونسأل الله عز وجل أن يصرف ظاهرة الإرهاب عن الناس ، وينقي الصلات الإجتماعية ، ويسود السلم والأمن في ربوع الأرض ، وهو من مصاديق خلافة الإنسان في الأرض .

بلوغ القرآن للقبائل قبل الهجرة
لقد كانت قريش على مرتبة من معرفة بأحوال الناس والإطلاع على التأريخ ، وكانوا يعلمون علماً إجمالياً بالديانات والمذاهب ، وربما دخل أو سكن مكة اليهودي أو النصراني ، ودعا إلى دينه ودخل به بعض العرب من غير نفرة وانتقام من قريش وأخبر عما فيه من البشارات ، ولكن حينما أعلن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نبوته ثارت قريش وسعت في قتله ، وبعد الهجرة وهزيمتهم في بدر بذلوا الأموال في تجديد الحلف مع الأحابيش وقبائل عديدة لقتاله .
وبينما كانت القبائل تهاب قريشاً وتطلب نوالها صار رجال قريش يطوفون على القبائل ، يقدمون الهدايا والأموال إلى الرؤساء والشعراء للتحشيد لقتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الذين لم يلتفتوا لهذا الأمر ، ليس عن غفلة ولكن للإنقطاع إلى الله والإيمان بأنه يصرف شرور الكافرين ، قال تعالى [أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ]( ).
ومع قلة الكتابة آنذاك فقد وصلت آيات القرآن إلى القبائل بالكتابة وبحفظ الرجال والنساء لها عند أدائهم حج البيت وزيارة مكة مطلقاً ، وهو من أسرار قصر الآيات والسور المكية وتضمنها الوعد الصريح.
ليصير موسم الحج حزناً على قريش من وجوه :
الأول : إلتقاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بوفود القبائل لأداء الحج .
الثاني : دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الناس للإسلام .
الثالث : قيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالدعوة الخاصة للإسلام كما في ذهابه لمنازل القبائل والحديث معهم .
الرابع : دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم العامة للناس في الموسم ، إذ كان يمشي في منى وأسواق الموسم وينادي (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا).
الخامس : شيوع قراءة القرآن في مكة والمدن والقرى المختلفة .
ومن يسأل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حينئذ فانه يبين له قوانين التوحيد ، ويتلو عليه آيات القرآن ، ويدعوه لدعوة من خلفه إلى الإسلام ، فيرجع وفد الحاج لأهليهم بهدية سماوية وهي آيات من القرآن ودعوة رسالية للهدى والإيمان .
ليكون هذا الرجوع معارضاً للمنع من استجابة الناس لنفير قريش لمحاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو من الشواهد على التضاد بين القرآن والإرهاب.
ومن إعجاز القرآن ترغيب الناس بتعلم القراءة والكتابة ، وإكرام الذي يتعلم الكتابة لأنه يدون القرآن ويوثق آياته ، فصحيح أن العرب يتصفون بقوة الحافظة ، ولكن الكتابة والتدوين أكثر نفعاً وتوثيقاً ، إذ شاء الله عز وجل أن يعصم القرآن من الزيادة أو النقصان .
قانون الإنتفاع الأمثل من النعمة حصن من الإرهاب
من خصائص القرآن ندب المسلمين إلى الإنتفاع من النعمة الخاصة والعامة ، ومن نعمة رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وكما أنه ليس من حصر لنعم الله عز وجل ، ويقصر الناس عن إحصائها ، فان موارد الإنتفاع منها كثيرة ومتصلة .
وهل هذا الإنتفاع من نعمة الله عز وجل على الناس ، ومصاديق قوله تعالى [وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا] ( ) الجواب نعم.
ومن مصاديق الإنتفاع تسخير النعمة لخير الدنيا والآخرة وتعاهدها بالصلاح والتقوى ، ويكون هذا التعاهد على نحو القضية الشخصية والعامة ، ومنه التعاون لصرف الإرهاب والمناجاة لإجتنابه .
شكراً لله عز وجل على النعم المستديمة والمتوالية والمتجددة على الفرد والجماعة والأمة ويحرم إهداء النعمة وامتهاناً لذا يجب استحضار النعم ، وطرد الغفلة في هذا الباب ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ]( )، ومن ذكر النعم ، وشكر الله عز وجل عليها قبض اليد والتنزه عن الإرهاب ، والإمتناع عن الإضرار بالأخرين .
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب)( ).
لبيان مسألة وهي وجوب التعاون العام بيد الدول والمؤسسات الإجتماعية والتربوية لإصلاح القلوب ، وجعلها تنفر عن الإرهاب ، وهذا الإصلاح مقدمة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
ومن المعروف تعاهد سيادة الأمن في المجتمعات ، وفق المنكر الفساد وسفك الدماء ، والقتل العشوائي.
ولو تلا أو سمع المسلم أو غيره قوله تعالى [أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ]( )، فهل فيها نزاع مع الإرهاب ، الجواب نعم ، فسلاح الآية القرآنية ليس السيف إنما الحكمة والعلم.
قانون فتح مكة تأسيس للسلم العالمي
لقد كان فتح مكة استئصال للغزو ، على وجوه :
الأول : إنه رحمة عامة بالناس .
الثاني : فتح مكة استئصال لعادة الغزو والنهب .
الثالث : المنع من الإرهاب ، وبيان قانون وهو أن التنزيل والنبوة ضد إرهاب المشركين .
الرابع : سيادة الأمن والسلم في ربوع الجزيرة ، ليكون نواة السلم العالمي ، وفيه شاهد على حرمة الإرهاب وإفزاع الناس الآمنين .
الخامس : إزاحة الأصنام من البيت الحرام ، وما يترشح عن وجودها من العصبية والجهالة والغفلة.
وجاءت بعض المذاهب والأحزاب بشعارات عن السلم ولكن حينما تصل إلى السلطة ومركز القرار تنشر الحروب والدمار وتمارس التعذيب ضد الأبرياء ، وتقوم بسجن أهل الرأي والمعارضة .
أما فتح مكة فكان سلاماً وأمناً ، وقطعاً للإرهاب ، ووسائل التعذيب ، لبيان قانون وهو أن السنة النبوية نازعت الإرهاب وانتصرت عليه .


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قبسات من السيرة الذاتية لآية الله العظمى المرجع الديني الكبير
سماحة الشيخ صالح الطائي “دام ظله”
عالم فقيه ورع زاهـدٌ أخذ النفس ببذل الطاقة والوسع ، وتحمل المشـقة والعناء طلباً للعلم وجهاداً في سبيل الله، وليس ذلك بعزيز على مدرسة النجف الأشـــرف العلمية التي أنجبت الأفـذاذ من العلماء والرجال الكبار ان يتخرج منها هذا العالم الجليل الذي تجسد فيه تواضع العلماء وسمو أخلاقهم ، ولقد عانى وعياله شتى صنوف التعذيب والأذى في سجون النظام السابق، وآثار التعذيب ظاهرة في يديه , إذ سجن في كربلاء منذ بداية سنة 1983 بتهمة مسؤول حزب الدعوة فيها، وجلس الأمن في بيته بعد أن أرسلوا عياله خلفه إلى السجن والتعذيب ليلقوا القبض على إثنين من المؤمنين المجاهدين الذين جاءوا فيما بعد لزيارته في بيته وهما الأستاذ عباس عبادي مدرس إنكليزية في مدينة الناصرية، والحاج حميد بادي النجار يسكن كربلاء، ثم نقل إلى أمن النجف ثم الناصرية وطال مكوثه في سجنه , بعد مدة خرجت زوجته وجميع أولاده من سجن أمن ذي قار , إلا أن ضابط التعذيب ظلّ يهدده بجلبهم وهو معلق في السقف من يديه وهما مقلوبتان .
وشاطره صاحباه أعلاه التعذيب، وإن غادرا السجن قبله , وبعد أن أمضيا شهوراً مضنية يحاول الظالم فيها إنتزاع الإعتراف على الشيخ , و يجهل أهلهما محل وجودهما وأي خبر عنهما، وكان الأول منهما قد جاء معه بابنه أحمد وعمره سبع سنوات ليطوف في السجون قبل أن ترسله شرطة الأمن إلى أهله، ليكون دليلاً على محل حبسهم .
وبقى الشيخ تحت التعذيب صابراً محتسباً ممتثلاً لقوله تعالى[وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ] فكان يقضي نهاره صائماً، ويقومه والليل، والذين كانوا معه في السجن يعلمون هذه الحقيقة , وممن كان معه في السجن من الأحياء أمدّ الله في أعمارهم الأستاذ المجاهد محمد حسن جياد (مشرف اختصاص) والدكتور جبار موسى ، والأستاذ عيسى بدري وسلمان أبو داود .
ثم دخل قفص الإتهام مرتين وصدر الحكم بسجنه مجاهداً .
وبعد خروجهم من السجن بسنتين حجز هو وعياله أيضاً في أمن مدينة الموصل، ولكن ليوم واحد ، وعندما إنتهت الحرب بين العراق والجمهورية الإسلامية في إيران وجهت له تهمة التخلف عن الخدمة العسكرية لمدة ست سنوات، ووفق مادة يحكم بها بالإعدام، لولا أن صدر عفو عام بعده بشهور، كما مدون في دفتر خدمته ثم جاء كتاب من التجنيد العامة يخبر بشموله بقرار إعفاء الخريجين من مواليده وأنه غير متخلف، وحالما خرج من السجن واصل دروسه وتحصيله في الحوزة العلمية وكان يسكن حي الأنصار في النجف عندما إنتهت الحرب العراقية الإيرانية عام 1988، ثم إنتقل بعدها بسنة إلى المدينة القديمة, ولايزال يلقي بحوث الخارج في الفقه والأصول والتفسير والأخلاق في مكتبه ويستقبل ضيوفه وأصحاب الإستفتاءات فيه.
وإذ يتعلق موضوع هذا الجزء وهو الثاني والعشرون بعد المائتين بالنزاع بين القرآن والإرهاب ، فان ولده الأكبر الشيخ علي قتلته يد الإرهاب في آخر سنة 2005 في بغداد وكان ذاهباً لقضاء حوائج بعض المؤمنين ، مع تحذير سماحة المرجع له من وجهة السفر هذه .
فمن بركات صاحب القبر الشريف وفيوضاته الربانية كان لهذه الجامعة العلمية الســبق على غيرها في إثراء الحركة العلمية بشتى ميادين المعرفة والثقافة خصوصاً ما يتعلق منها بالشــريعة الغراء فهي مدرســة الفقه والأصول والتفسـير والحديث والمنطق واللغة والنحو والفلسفة والشعر والأدب وكل ما له علاقة بقضايا الدين لشريعة والفكر.
من هذه الجامعة الكبرى تخرج آية الله الصالح الطائي بعد مواظبة دائمة على الدرس والكتاب والاجـتهاد، وعلى يد خـيرة الأسـاتذة في الحوزة الذين أحاطوه بعنايـة خاصـة واهتمام لقابلياته وورعــه، منهم العلامة الشيخ جعفر الربيعي الذي لم ينقطع عن تدريسه السطوح في أقسى الاحوال ومباحثته في اللغة والفقه أيام الدراسة، ثم أخذ السطوح العالية عن خيرة العلماء ومنهم سماحة آية الله المرحوم السيد محمد كلنتر الموسوي الذي درس عنده لسنوات في جامعة النجف المكاسب والرسائل , وسماحة آية الله الشيخ باقر شريف القرشي إذ درّّسه الكفاية بجزئيها، لتمر السنون وإذا بالشيخ الطائي يختار الكفاية ذاتها موضوعاً لبحثه الخارج وتصدر فيها تقريراته بأجزاء من (معراج الأصول) والتي كتبها بيده .
أما البحث الخارج فقد أخذه عن الكثير من أعلام مدرسة النجف الكبرى منهم كل من آية الله العظمى السيد محمد الصدر (قدس سره) والشيخ علي الغـروي في الفقه والأصول، وكل منهما أجازه وأشاد الى علميته الفائقة بالاضــافة الى بحوث آية الله العظمى السيد بحر العلوم , وآية الله الشيخ مرتضى البروجردي في الأصول وغيره من الاعلام ، وله إجازتان في الاجتهاد نشرتا في مقدمة كتاب الزهراء وعالم البرزخ اللذين طبعا في البحرين سنة 2001 .
وأحاطه سماحة آية الله العظمى السـيد عبد الأعلى السبزواري (قدس سره) بعناية عرفانية خاصة وتفضـل بكتابة مقدمة كتابه الموسوم (فلسفة الإمامة في الصحيفة السجادية) بتأريخ الرابع من شوال المكرم 1413هـ ، آذار 1993م، والذي صدرت منه خمسة أجزاء حيث أثنى عليه بعبارة صريحة لقّب بها الشيخ (بالعالم الفاضل).
وعندما سئل السيد الشهيد الصدر عن الشيخ صالح الطائي ، قال: يتشرف القلم بين أنامله.
ومما ينفرد به الشيخ المجاهد الطائي انه أفتى خطياً وحال إستشهاد السيد الصدر بجواز البقاء على تقليده , ووزعت الفتوى في حينه بآلاف النسخ وطبعت في ظهرها إجازة السيد الشهيد للشيخ الطائي , وكان في تلك الفتوى تحد ظاهر وإحتجاج على قتله وهي معروضة على موقعه الرسمي (www.marjaiaa.com).
وساهم السيد أبو القاسم الخوئي (قدس سره) ولو على نحو الموجبة الجزئية في طبع بعض مؤلفاته تقديراً منه لمنزلة الشيخ العلمية.
تصدى لتدريس السطوح في الحوزة العلمية منذ سنة 1986 في مدرسة اليزدي ثم في مسجد الحويش المقابل لمسجد الهندي قبل أن ينتقل لإعطاء البحث الخارج في مكتبه في محلة البراق في المدينة النجف القديمة سنة 1999م ، وإلى يومنا هذا والحمد لله .
وأقبل طلبة العلم على دروسه بشوق وأصدر عدة كتب تتضمن دروسه تلك منها (15) جزء بعنوان دار السلام في شرائع الإسلام بخصوص كتاب شرائع الإسلام طبع منها خمسة أجزاء ، وأولها سنة (2000)، واللمعة الدمشقية وغيرها وصدرت منها أجزاء , وهناك مخطوطات كثيرة لدروسه وأبحاثه في الحوزة العلمية، ومؤلفاته وبحوثه كثيرة والمطبوع منها:

  • معالم الإيمان في تفسير القرآن صــدر منه (220) جــزء كلها في سورة البقرة وشطر من آل عمران، في آية علمية لم يشهد لها التأريخ مثيلاً ، وكله قوانين مستنبطة من المضامين القدسية لآيات القرآن .
    إذ تتجلى في هذا السفر الخالد لآلئ من خزائن القرآن، ودرر من ذخائره ويتضمن التأويل والإستنباط من ذات الآية القرآنية، والسياحة في كنوزها العلمية والكلامية بأبواب متجددة في كل آية، مثل (في سياق الآيات) و(إفاضات الآية) و(مفهوم الآية) و (الصلة بين الآيات) و(الآية سلاح) و (التفسير الذاتي) (من غايات الآية).
    وليس في المكتبة الإسلامية بخصوص الإعجاز إلا كتباً معدودات عن إعجاز القرآن، فجاء هذا التفسير بباب مستقل في تفسير كل آية هو (إعجاز الآية الذاتي) وآخر بعنوان (إعجاز الآية الغيري) ليفتح آفاقاً واسعة من العلم أمام عشاق القرآن، ويبعث الشوق عند العلماء للنهل من كنوز الآيات.
    وقد بعث له إمام الأزهر كتاباً رقيقاً يتضمن الثناء على الجزء الواحد والخمسين من التفسير والذي يقع في آية واحدة من سورة آل عمران ، لعله أول كتاب من إمام الأزهر إلى مرجع ديني وعلماء الحوزة العلمية مع أن عمر كل من الأزهر والحوزة أكثر من ألف سنة وصورة هذا الكتاب وكتاب منظمة المؤتمر الإسلامي وغيرهما على موقع الشيخ الطائي WWW.MARJAIAA.COM .
  • تفسير النبي (ص) للقرآن صدر منه جزءان.
    *تفسير سورة يوسف.
    *فلسفة الصيام.
    *الحجة” وهي خمسة أجزاء، جزءان في العبادات وثلاثة في المعاملات، رسالة عملية جاءت عن سؤال عدد من طلبة العلم وجماعة من المؤمنين وهي مسجلة في دار الكتب والوثائق في بغداد برقم 345 لسنة 2001 .
    وقد أخذ إعدادها وقتاً ليس بالقليل لحرصه على عدم كتابة مسائلها إلا عن بحث إستدلالي تقريراً وتحقيقاً وعن دراسة ومراجعة وبلغة واضحة ، بالإضافة الى مباشرته بمفرده والحمد لله الإعداد والتنقيح والتصحيح أثناء الطباعة ولحين الإتمام في كتبه كلها .
    والمعروف ان كتب سماحته لا تراجع او تصحح من قبل غيره لما يرجوه من الثواب والإحسان من الله سبحانه بالقبول , رغم حاجته للوقت وإصدار المزيد من أجزاء سفر التفسير.
    *حجة النساء” وهي الأولى من نوعها من بين الرسائل العلمية والعملية لدى المراجع والفقهاء، التي تتعلق بفقه النسـاء في العبادات والمعاملات وتقع في مجلدين بسبعمائة صفحة.
    *العهد” وهو مختصر رسالته العلمية في العبادات والمعاملات.
    وله أيضا عشرة أجزاء من البحث الإسـتدلالي على اللمعة الدمشقية صدر منها الجزء الأول بعنوان (إشراقة اللمعة)، وهو وموسوعة دار السلام من من محاضراته ودروسه التي ألقاها على طلبة الحوزة العلمية مع كتاب.
    *معراج الأصول ، تقريرات بحثه الخارج في الأصول صدر منه جزءان .
  • تقريراته على بحثه الخارج في الفقه باسم “كنوز الشرائع” صدرت منه أربعة أجزاء ، بالإضــافة الى البحــث الأصولي على الكفاية ، والبحث الأخلاقي وهو جديد في موضوعه ومنهجيته.
    *دار السلام في شرائع الاسلام طبع منه الجزء السادس ، العاشر ، الرابع عشر “بحث استدلالي”.
    *مناسك الحج، وفيه تفصيل لمناسك وأحكام الحج والعمرة.
    *الهلال ورؤيته “بحث استدلالي”.
    *بحوث في الصحيفة السجادية صدر منه (خمسة أجزاء).
    *فلسفة الإمامة في الصحيفة السجادية إلى الدعاء السابع منها.
    *التجلي والشهود في الإسراء – 214 صفحة سياحة عقائدية علمية في عالم الملكوت.
    *المرجعية والوقائع.
    *عالم البرزخ.
    *الزهراء سيدة النساء (جزءان).
    *أحسن القصص.
    *الحسين عليه السلام.
    *فلسفة الرؤيا في الإسلام، 400 صفحة ، أول وأفضل دراسة قرآنية للرؤيا.
    *العلوم الشرعية أجوبة وفتاوى ، صدر منه جزءان.
    *مصطلحات فقهية (300 صفحة).
    *أحكام العمرة المفردة، طبع في الخليج، ولعلها الرســالة الأولى في بابها من جهة استقلالها في العمرة.
    ولديه الكثير من الكتب التي تنتظر الطبع إلى جانب توالي صدور أجزاء التفسير بما يبين لغة السلم والأمن والموادعة التي جاء ها النبي محمد إلى جانب مشروع كبير في الصلة بين الآيات وتم صدور عدة أجزاء منه ، وعلى العلماء في الأجيال اللاحقة إتمام هذا السفر المبارك ليكون حجة إضافية مستحدثة في إعجاز القرآن.
    وهو مستمر في إلقاء هذا الدرس القيم في تفسير القرآن وعلى مدار ثلاثة أيام في الأسبوع , ويحضره الكثير من فضلاء الحوزة الشريفة قد وردت أسماؤهم في بدايـة الجزء الرابع من التفسير في طبعته الأولى ، إضافة الى البحث الخارج في الفقه والأصول ، لولا التعطيل في أيام جائحة كورونا .
    مجلسه العلمي
    إذا دخلت إلى مجلسه العلمي فانك لا تسمع فيه إلا ما يتعلق بالفقه والأخلاق والعقائد والمسائل الشرعية يطرحها على طلبته باسلوب علمي رصين يتصف بالحوار المفتوح والجواب الإستدلالي يوضح لهم فيه ما أشكل عليهم من المسائل والقضايا الفكرية، وكثيراً ما يحضر عنده مقلدوه ومريدوه راجين منه الإجابة على ما يخص مشـــاكلهم الدينية والإجتماعية فيتلقاهم بصدر رحب مع إكرامه المعهود لزائريه ومن مختلف الطبقات، ويتصف بتوزيع الحق الشرعي الذي يرد إلى المكتب على طلبة العلم حال استلامه وبحضور صاحبه مع قلته كماً وكيفاً.
    إضافة لذلك فكثيراً ما وجد الأدباء والشعراء في المناسبات الدينية العامة والخاصة متنفساً لهم بهذا المجلس العامر، فتلقى القصائد والكلمات التي لا يفوت أصحابها التنويه بمكانة ســماحة آية الله الشيخ صالح الطائي في الحــوزة العلمية ومرجعيته الدينية، كما يجيب على ما يرده من الفتاوى من داخل العراق ومن بعض المكاتب التي فتحــت لمرجعيته في الخارج، ويدعو سماحته للإلتزام باحكــام الإسلام وتعاهد علوم القرآن وسلامته ، وإلى نبذ الإرهاب ، حفظه الله ورعاه وجعله مثالاً يحتذى به وبمسيرته العلمية.
    كما وان سماحة الشيخ الطائي كثيراً ما يؤكد على وحدة كلمة المسلمين ويشجب الطعن بالعلماء من الذين يفرقون الصف ويتصيدون في الماء العكر لغرض في نفوسهم أو مرض ومنها فتواه الشهيرة الموسومة (حرمة تقسيم المسلمين إلى شيعة وسنة) إلى جانب فتواه (ضرورة إندماج المذاهب السلامية) قال تعالى [إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء].
    أحد فضلاء طلبة الحوزة العلمية في النجف الاشرف
    السيد عبد الأمير جمال الدين

مشاركة

Facebook
Twitter
Pinterest
LinkedIn

مواضيع ﺫات صلة