معالم الإيمان في تفسير القرآن – الجزء- 223

المقدمــــــة
الحمد لله الذي جعل الحياة الدنيا دار الحمد والشكر له سبحانه بدليل قوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( ) ومن أسمى معاني العبادة الحمد والشكر لله الذي يتجلى بأداء الفرائض العبادية ، وتعاهد ذكر الله ، واستحضار فضله تعالى في حال السراء والضراء .
وهل الدعاء من الشكر لله عز وجل أم أنه مقدمة للشكر لله ، الجواب لا تعارض بين الأمرين ، فالدعاء تسليم وإقرار بأن مقاليد الأمور كلها بيد الله ، ورجاء نزول فضله ونعمه وإحسانه ، وهو من الثناء على الله ورجاء رفده وتوالي إحسانه .
الحمد لله الذي جعل الحمد وسيلة مباركة لحفظ النعم ودوامها ونمائها وزيادتها كماً وكيفاً ، قال تعالى [لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ]( ) وفي المقام أمور :
الأول : قانون التنزه عن الإرهاب نعمة من عند الله عز وجل.
الثاني : قانون من الشكر لله عز وجل إجتناب الإرهاب .
الثالث : قانون التنافي بين الإرهاب والشكر لله .
الحمد لله على النعم الخاصة والعامة ، إذ ينتفع الفرد من النعم العامة كما أن النعمة الخاصة تترشح بركاتها على العامة ، وهو من الدلائل على أن الحياة الدنيا دار النعم ، وليس من دقيقة إلا والنعم تنزل من عند الله على الناس على نحو دفعي ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا] ( ).
الحمد لله حباً له تعالى ، وطلباً للفوز برضاه في النشأتين ، قال تعالى أَفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنْ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ.
الحمد لله الذي جعل التسبيح والثناء عليه سور الموجبة الكلية الذي تلتقي عنده كل الخلائق ، قال تعالى [وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ] ( ).
الحمد لله الذي جعل التسبيح والمداومة عليه برزخاً دون الإرهاب .
الحمد لله الذي أحصى كل شئ ، ويعلم عدد الذرات والنسائم وقطرات المطر وأوانها ومنافعها قبل وبعد أن تسقط ، ولا يعلم ما في القلوب وما يداهم الإنسان من الأماني والآمال والغايات إلا هو سبحانه ، ليكون النطق بالحمد والشكر لله عز وجل مدداً ، وعوناً لتيسير البلغة لهذه الأماني ، وتنجز مصاديقها .
الحمد لله الذي لا يشرك في سلطانه وحكمه أحداً ، ومنه أن الظلم والإرهاب لا يؤثر في سير أمور الدين والدنيا لأنها تجري بمشيئة الله ، قال تعالى [وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ]( ).
الحمد لله الذي جعل لكل ضيق مخرجاً ، ولكل هم فرجاً وأعطى للعباد سلاحاً وهو النطق بكلمة التوحيد والإكثار من الإستغفار .
(عن سعد بن أبي وقاص ، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : هل أدلكم على اسم الله الأعظم؟
دعاء يونس { لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين }( ) فأيما مسلم دعا ربه به في مرضه أربعين مرة فمات في مرضه ذلك ، أعطي أجر شهيد . وإن برأ برأ مغفوراً له) ( ).
الحمد لله الغني عن العالمين ، غير المحتاج إلى عبادتهم، إنما هي لنفعهم في الدنيا والآخرة ، وهو سبحانه لا يرضى على الظلم والإرهاب لأنه ضد للعبادة وليس منها .
وهل الإرهاب من الكلي المتواطئ الذي يكون على مرتبة واحدة أم هو من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة شدة وضعفاً.
والصحيح هو الثاني ، مع أن كل مراتبه مكروهة ، ويشملها النهي الشرعي والزاجر العقلي والعرفي ، فالإرهاب خلاف قواعد الرحمة التي أراد الله عز وجل أن تتغشى الأرض وأهلها ، لبيان قانون وهو ما كان خلاف إرادة الله فانه ينخرم ولا يستديم ، وتبقى النفرة منه شاخصة في الذاكرة العامة .
ومن معاني ومصاديق اسماء الله الحسنى (الرحيم) (الرحمن) ( )، (الرؤوف) (السلام) ( )، انحسار ظاهرة الإضرار بالناس بسرعة ، إذ تأتي رحمة الله عز وجل على وجوه :
الأول : تأتي رحمة الله ابتداء وفضلاً من عند الله.
الثاني : تنزل رحمة الله عز وجل لصرف الظلم والوقاية من الإرهاب .
الثالث : تنزل رحمة الله عز وجل لإزاحة الظلم فور وقوعه.
الرابع : قانون توالي رحمة الله العامة والخاصة .
وتبين الوقائع قانوناً وهو أن القرآن أمر وجودي ويتصف بأمور :
الأول : نزول القرآن من السماء ، فهو كلام الله .
الثاني : تأثير القرآن بالوقائع والأحداث ، وهل يتأثر القرآن بها ، الجواب لا ، وهو من إعجاز القرآن ، فان قيل قد يتأثر القرآن بنسخ وتخصيص السنة النبوية لآياته والجواب من جهات :
الأولى : النسخ والتخصيص في حال ثبوته حكم شرعي ، وليس من تأثر القرآن بمؤثر خارجي .
الثانية : المختار أن السنة النبوية لا تنسخ القرآن وقد نسب جواز هذا النسخ إلى مشهور العلماء سواء كان النسخ بالحديث المتواتر أو حديث الآحاد .
وقال تعالى [وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ]( )، إذ تدل الآية على حصر وظيفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو البيان والتبليغ ، وقد رد الذين قالوا بجواز نسخ السنة للقرآن بوجوه منها خلو الآية من أدوات الحصر أو ما يدل عليه .
الثالثة : إنما تعرض الوقائع والأحداث على القرآن ومنها أسباب النزول، قال تعالى [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( ).
الحمد لله الذي يقطع القواطع ويمحو الشواغل التي تحول دون ذكره وعبادته ، وقد تفضل علي بصدور هذه الأجزاء من التفسير بتيسير ورحمة منه تعالى .
وهذا الجزء من التفسير هو الثالث والعشرون بعد المائتين ، ولا زلت في سورة آل عمران ، ومن فضل الله أني أقوم بتأليف كتبي في الفقه والأصول والتفسير ومراجعتها وتصحيحها بمفردي إلى أن تصدر والحمد لله.
ومن معاني الرأفة والرحمة التي بعث الله عز وجل بها النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ومصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( )تحريم الإرهاب الفردي والجماعي ، والمنهج الذي يأتي عن تدبير وتخطيط أو يكون عفوياً بغلبة النفس الغضبية .
اللهم سبحانك ولك الحمد فانت ثقتي ورجائي في الشدة والرخاء ، تسمع دعائي ، وتأتيني النعم العظيمة منك ، لطفاً وإبتداءً سبحانك فانت الوهاب.
اللهم وأنت وحدك الذي تُعبد وتُرجى ، ولا تنقطع نعمك وإحسانك.
الحمد لله الذي ليس لهباته حد ومنتهى أو إنقطاع ، وكل هبة ونعمة منه تذكير بوجوب عبادته والشكر له ، ودليل يومي على أن قافلة الشكر والحمد لا يستحقها غير الله عز وجل ، وهي متصلة في الأرض والسماء وآنات الزمان مطلقاً ، وفي التنزيل [وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ]( ).
اللهم لك الحمد بعدد ذرات الكون ،والجزيئات التي تنقسم لها هذه الذرات من الكم والكيف الذي لا يعلمه إلا أنت سبحانك ، فقد أظهر العلم الحديث إمكان إنقسام وإنشطار نواة الذرة وتنتج عنها نيوترونات وفوتونات كثيرة ، وهو الذي أخبر الله عنه في القرآن بقوله [وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ] ( ).
ولم يرد لفظ [أَصْغَرُ] في القرآن إلا في آيتين مع إتحاد الموضوع ، وهو إرادة الأصغر من الذرة ، والآية الثانية هي ، قوله تعالى [وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ] ( ).
ومن أسرار هذا التكرار التنبيه إلى اكتشاف العلم إنشطار الذرة ولزوم الإنتفاع الأمثل من هذا الإنشطار ، ولزوم عدم تسخيره في الحروب والإرهاب .
الحمد لله الذي أبى إلا أن يجعل الوحي مصاحباً للناس في الحياة الدنيا ليكون حبل الصلة بين الخالق والمخلوق ، والرب والمربوب ، وختم الله عز وجل النبوات برسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الحمد لله الذي جعل السنة النبوية القولية والفعلية والدفاعية ، مرآة لآيات القرآن ، وتثبيتاً لأحكامه ، وشاهداً على أهلية المؤمنين لوراثة الأرض( )، قال تعالى [وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ]( ).
الحمد لله الذي جعل كل آية من القرآن ذخيرة وكنزاً من العلوم ، تطل على كل جيل بمسائل مستحدثة ، وتستقرأ منها قوانين متعددة من دون أن يأتي عليها النقص أو أسباب التفريط .
ومن فضل الله تضمن تفسيري هذا آلاف القوانين المستنبطة من آيات القرآن ، وكان بالإمكان مضاعفتها في الأجزاء السابقة ، ولكنها جاءت على نحو المثال والبيان ، والتأسيس لهذا العلم .
الحمد لله الذي جعل القرآن حاضراً في المسائل الإبتلائية سواء المستديمة منها أو المتجددة أو الطارئة ، ومن الأخيرة ظاهرة الإرهاب ، ويحق للعلماء والحكام وأهل الحل والعقد والمؤسسات التربوية والإجتماعية الرجوع إلى القرآن والصدور عنه في المقام ، إذ أن آياته تحرم الإرهاب الذي هو شعبة من الظلم ، والظلم قبيح عقلاً وشرعاً ، وهو وفق القياس الإقتراني :
الكبرى : الظلم قبيح .
الصغرى : الإرهاب ظلم .
النتيجة : الإرهاب قبيح .
والإرهاب من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة من جهات :
الأولى : ذات الإرهاب .
الثانية : كم وكيف الإرهاب .
الثالثة : الجهة التي تقف وراء الإرهاب .
الرابعة : أدوات الإرهاب .
الخامسة : موضوع الإرهاب .
السادسة : أضرار الإرهاب ، وهي على أقسام :
الأول : ضرر الإرهاب على الذي يقوم بالإرهاب ، وحال الندم التي تتغشاه .
الثاني : ضرر الإرهاب على الذين يقع عليهم .
الثالث : الأضرار العامة للإرهاب ، وهي على وجوه :
الأول : الأضرار النفسية والإجتماعية .
الثاني : الأضرار المادية والإقتصادية .
الثالث : ما يلحق العقائد والمبادئ من الإرهاب بلحاظ فرد الإنتساب .
الرابع : الأضرار الآنية والآجلة .
ولابد من رسم منهاج حكمة ورأفة متكامل للوقاية من الإرهاب ، ومعالجته وفق الطرق الإنسانية والعقلائية ، قال تعالى [فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ]( ).
الحمد لله الذي جعل أجزاء هذا التفسير المبارك تترى في صدورها في آية علمية لم يشهد لها التأريخ مثيلاً ، وتبين فضل الله عز وجل في عرض خزائن القرآن نفسها على العلماء للنهل منها ، واستخراج الدرر منها ، بما ينير سبل الهداية والرشاد ، وهو من مصاديق قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]( ).
ويحتاج العالم وغير العالم الهداية والتوفيق من عند الله عز وجل ، وقد أنعم الله عز وجل علينا بصدور هذا الجزء وهو الثالث والعشرون بعد المائتين من (معالم الإيمان في تفسير القرآن ) وهو الثاني من هذا السِفر ، والذي يتعلق موضوعه بقانون (النزاع المسلح بين القرآن والإرهاب ) .
الحمد لله الذي جعل الحمد زينة الأرض ، ويضفي عليها بهجة ،وهو كاللقاح للأزهار من جهة كونه سبباً للرزق الكريم ، وهل الحمد لله مصداق للعبادة في قوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ]( ) الجواب نعم ، فذات الحمد لله عبادة خالصة لوجه الله عز وجل .
ومن الإعجاز في تشريع الصلاة وكيفيتها نطق كل مسلم ومسلمة قوله تعالى [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ]( )سبع عشرة مرة في اليوم ، إلى جانب لهج المسلمين بهذه الكلمة في تجدد النعمة أو الدعاء والثناء على الله .
ولو أجريت إحصائية في أكثر كلمة ينطقها أهل الأرض ، وهذه الإحصائية التقريبية أمر ممكن في هذا الزمان بأن تتولاها احدى الجامعات الكبرى ، وتستعرض الفاظ الشعوب والأمم والطقوس العبادية .
فالمختار أن كلمة الحمد لله وكلمة الله أكبر هي الأكثر وان اختلفت اللغات واللهجات والملل ، وهو من مصاديق قوله تعالى [يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ..] ( ).
عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا إيمان لمن لا أمانة له ، ولا صلاة لمن لا طهور له ، ولا دين لمن لا صلاة له ، إنما موضع الصلاة من الدين كموضع الرأس من الجسد( ).
وقد تقدم ذكر هذا الحديث في الجزء التاسع والثلاثين في تفسير قوله تعالى [وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ]( ).
إذ يدل موضوع هذا السؤال على إرتقاء المسلمين في المعارف الإلهية وانشغالهم في إحراز مقدمات العبادة ، وهو من الشواهد على إعراضهم عن الإرهاب والغزو والتعدي .
الحمد لله الذي [عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ] ( ) لتكون بالنسبة بين تعليم الله عز وجل للإنسان ما لم يعلم وتعليمه بالقلم العموم والخصوص المطلق ، إذ يتعلم الإنسان بالقلم والكتابة والقراءة ، ويتعلم من دونها ، كما أن الذي يكتب بالقلم يعلم غيره ، لتبين الآية أعلاه قانوناً وهو كل علم وتحصيل من عند الله عز وجل ، سواء كان حسياً أم في الوجود والتصور الذهني .
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال (أول ما أنزل الله عز وجل من القرآن بمكة سورة ” اقرأ باسم ربك الذي خلق ” وأول ما أنزل بالمدينة سورة البقرة) ( ).
وهل نزول آيات القرآن من التعليم بالقلم ، الجواب نعم .
لذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم حالما تنزل علية الآية القرآنية يدعو بعض كتاب الوحي لتدوينها وكتابتها ، ويقوم بتلاوتها في الصلاة ليحفظها الصحابة ، ويتدبروا في مضامينها وإعجازها ودلالتها ، والمواعظ التي تقتبس منها .
والنبي أدريس هو أول من خطّ بالقلم ، كما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث أبي ذر .
إذ قال ، قلت (يا رسول الله كم أنزل الله من كتاب .
قال : مائة وأربع كتب .
منها على آدم عشر صحف .
وعلى شيث خمسين صحيفة .
وعلى أخنوخ .
وهو إدريس ثلاثين صحيفة .
وهو أوّل من خطّ بالقلم .
وعلى إبراهيم عشر صحائف .
والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان) ( ) .
لقد انقطعت النبوة بمغادرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى ليبقى القرآن وتدوينه ، وقراءته والسنة النبوية ، وهي وحي حاضر في كل زمان ، إذ تفضل الله عز وجل وقال [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا] ( ).
وكل من الكتابة أو القراءة تدعو لإجتناب الظلم والإرهاب ، وتحذر منهما ، وتبين سوء عاقبتهما .
وبين الظلم والإرهاب عموم وخصوص مطلق ، وأراد الله عز وجل للمسلمين وأهل الأرض جميعاً التنزه عن الظلم .
ومن فضل الله أن أول من تعلم الكتابة هو نبي من الأنبياء ، لبيان أن الكتابة بدأت بتدوين الوحي والتنزيل ، وأن الله عز وجل علمها الإنسان لما فيه الخير والصلاح والرشاد .
الحمد لله الذي جعل كل جزء من (معالم الإيمان في تفسير القرآن) فرائد وقلائد بإشراقة وافية .
وعند الإبتلاء والفتن تتجلى موضوعية الكتابة والقراءة لدفع الفتنة .
الحمد لله الذي خصّ نفسه بالأسماء الحسنى جعل كل اسم منها واقية وحرزاً وشفاء ، وسبيل نجاة في النشأتين ، وفي التنزيل [اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى] ( ).
(عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : قال لي جبريل عليه السلام : يا محمد إن الله يخاطبني يوم القيامة ، فيقول : يا جبريل ما لي أرى فلان ابن فلان في صفوف أهل النار .
فأقول يا رب إنا لم نجد له حسنة يعود عليه خيرها اليوم .
فيقول الله : إني سمعته في دار الدنيا يقول : يا حنان يا منان ، فأته فاسأله فيقول وهل من حنّان ومنّان غيري ، فآخذ بيده من صفوف أهل النار ، فادخله في صفوف أهل الجنة)( ).
وقد تجد في الكتاب المقدس والعهد القديم عنفاً ودعوة للحرب وتعليمات بما يشبه الإبادة الجماعية ، وضعف أثرها في الواقع مع تقادم الأيام أما القرآن فانه لا يدعو إلى الحرب والقتال ، إنما يحصر القتال بصيغة الدفاع والضرورة والتقوى ،وهو الذي تجلى في سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى [وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ] ( ).
الحمد لله الذي جعل القرآن إماماً وحاكماً وهادياً إلى سواء السبيل ، ليس من موضوع أو معضلة إلا وتجد في القرآن لها حلاً ومخرجاً ، لذا ورد عن أبي الجارود عن الإمام الباقر عليه السلام ، أنه قال (إذا حدثتكم بشئ فاسألوني من كتاب الله، ثم قال في بعض حديثه، إن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن القيل والقال، وفساد المال، وكثرة السؤال، فقيل له: يا ابن رسول الله أين هذا من كتاب الله .
قال : إن الله عزوجل يقول [لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ]( ).
وقال [وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا]( )، وقال لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ( ).
مما يدل على عدم جواز المناجاة بالإرهاب ، أو في مقدماته ، إذ جاء القرآن بالإصلاح والعدل ونشر ألوية الأمن ، وتفيد الألف واللام في الناس في الآية أعلاه الجنس لإرادة قانون وهو بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للإصلاح في جميع البلدان والشعوب وتشمل الأفراد على نحو العموم الإستغراقي وفي مختلف الأزمنة ، فيكون الإرهاب عرضاً طارئاً وإلى زوال لتبقى أصالة السلم ، وملازمتها للنبوة والتنزيل معارض لهذا الأصل والقانون المبارك، قال تعالى [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ] ( )

حرر يوم الجمعة
28 ذي القعدة 1442
9/7/2021

قانون النبوة تثبيت للسلم
الحمد لله الذي أكرم الناس باخبار الملائكة عن خلقهم ومنحهم مرتبة الخلافة في الأرض ، وحينما احتج الملائكة على الفساد والظلم والإرهاب في الأرض ، أجابهم الله عز وجل [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ).
ومن علم الله عز وجل بعث الأنبياء للإصلاح وتحريم الظلم والفساد والإرهاب ، وقاتل عدد من الأنبياء وأصحابهم دفاعاً عن السلم العام في المجتمعات الذي يتقوم بالإيمان والهدى ، قال تعالى [وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ..] ( ) ومما يتصف به الأنبياء أنهم لم يقاتلوا إلا المشركين والكفار المعتدين .
لقد بعث الله عز وجل مائة وأربعة وعشرين ألف نبي ، وأيهما أكثر عدداً الذين قاتلوا منهم أم الذين لم يقاتلوا ، وكانت دعوتهم سلمية محضة، المختار هو الثاني من وجوه :
الأول : قيام الحجة على الناس بمعجزات الأنبياء ، ومن اللطف الإلهي بالأنبياء والناس إختصاص موضوع معجزة النبي بالفن والأمر الغالب عند أهل زمانه ، كما في معجزة موسى (العصا) وتلقفها لعصي سحرة فرعون ، ودخولهم الإسلام لرؤيتهم التضاد بين حياة عصا موسى ، وموت وكذب عصيهم وسحرهم .
لقد كان للسحرة شأن عند فرعون وعامة أهل مصر يهابونهم ، ويرجعون إليهم ، ويظنون أنهم يفعلون الأمور الخارقة بما عندهم من الفنون ، فتأتي المعجزة النبوية وتكشف زيف قولهم ، كما تبين الأمر الخارق للعادة حقاً وصدقاً ، والخالي من اللبس والتدليس ، لبيان قانون وهو بعثة كل نبي تحول نوعي في حياة الناس نحو الهدى والصلاح .
الثاني : حاجة النبوة في الدعوة والدفاع إلى العدد من الرجال ، والظهر من الدواب والسلاح من السيوف والدروع والرماح ، وهو ما لا يتوفر بسهولة ويسر ، لبيان معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسر من أسرار تفضيله على الأنبياء الآخرين بنصرته بالصحابة من المهاجرين والأنصار ، إلى جانب المدد من الملائكة .
الثالث : من الأنبياء من يبعث إلى أسرته وعائلته والمقربين له .
الرابع : قد يُبعث النبي في وقت ينشغل الناس في إبتلاء عام يحتاجون معه النبوة ودعاء النبي وينصتون إلى البشارات والإنذارات التي يأتي بها لقانون النبوة خير محض .
الخامس : لا يقاتل النبي إلا عند توفر شروط وأسباب :
الأول : وجود الناصر ، لذا قال تعالى [وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ] ( )والمراد من الربيين الجماعة الكثيرة من المؤمنين الذين أخلصوا الطاعة لله .
الثاني : قيام المشركين بالإعتداء وقصدهم القتال والقتل .
الثالث : الوحي من عند الله بالقتال ، وتدل قصص الأنبياء وسيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على أن الوحي لم ينزل بالقتال ابتداءً ، إنما كان للدفاع المحض ، وعند الضرورة ، وكانت صبغة دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم السلمية في مكة مدة ثلاث عشرة سنة مع شدة أذى قريش له مرآة لمنهاج الأنبياء .
ولو أراد اللنبي صلى الله عليه وآله وسلم لأبقى ثلاثة وثمانين من الصحابة عدا النساء المهاجرات( ) إلى جواره في مكة إحترازاً وإحتياطاً لإحتمال قتال قريش ، ولكنه أمرهم بالهجرة إلى الحبشة .
(قَالَ لَهُمْ لَوْ خَرَجْتُمْ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ فَإِنّ بِهَا مَلِكًا لَا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أَحَدٌ ، وَهِيَ أَرْضُ صِدْقٍ حَتّى يَجْعَلَ اللّهُ لَكُمْ فَرَجًا ، فَخَرَجَ عِنْدَ ذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ) ( ).
والجامع المشترك للأنبياء هو الدعوة إلى الله وإقامة الشعائر ، ومحاربة الفساد والظلم والإرهاب ، وقد تتحقق هذه المقاصد على نحو الموجبة الجزئية أو الكلية مع بعثة النبي من غير أن تصل النوبة إلى القتال .
لقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم مأموراً بالتهدئة والسكينة والصبر ، ودفع مقدمات القتال، وهو من مصاديق قوله تعالى[ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ]والسيف والإرهاب ضد الأحسن الوارد في الآية أعلاه بل وضد الحسن .
قانون القرآن أمانة واقية من الإرهاب
ومن الإعجاز في نزول آيات القرآن نجوماً وعلى نحو التوالي والتعاقب مدة ثلاث وعشرين سنة من حين بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإلى أوان مغادرته إلى الرفيق الأعلى أمور :
الأول : بعث الرغبة في نفوس المسلمين لحفظ الآيات .
الثاني : إدراك المسلمين لقانون وهو كل آية نازلة من السماء أمانة عندهم ، وتتصف هذه الأمانة بخصوصية من جهات :
الأولى : قانون الآية القرآنية أمانة السماء في الأرض .
الثانية : قانون الآية القرآنية كلام الله ، قال تعالى [وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْلَمُونَ]( ).
الثالثة : قانون الفوز بالأجر والثواب بحفظ أمانة الآية القرآنية ، وهو غير ثواب تلاوة الآية ، لبيان قانون من الإرادة التكوينية ، وهو كثرة أفراد الثواب في الموضوع الإيماني المتحد بلحاظ تعدد وجوه ومصاديق العمل فيه .
الرابعة : من مصاديق إتصاف الآية القرآنية بالأمانة وجوب تعاهد المسلمين مجتمعين ومتفرقين لها من وجوه :
أولاً : رسم الآية القرآنية بكلماتها وحروفها ، وضبط إعرابها .
ثانياً : تلاوة الآية القرآنية ، والتلفظ بها ، كما نُزلت على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ثالثاً : التدبر في معاني الآية القرآنية ومضامينها القدسية ، والغايات الحميدة منها ، والمسائل والقوانين المستقرأة من الجمع بينها وبين آيات القرآن الأخرى ، وعن الإمام علي عليه السلام قال (إن الفقيه كل الفقيه من لم يقنط الناس من رحمة الله تعالى ، ولم يرخص لهم في معاصيه ، ولم يؤمنهم عذاب الله ، ولم يدع القرآن رغبة منه إلى غيره . إنه لا خير في عبادة لا علم فيها ، ولا علم لا فهم فيه ، ولا قراءة لا تدبر فيها)( ).
رابعاً : الآية القرآنية أمانة بيد الصحابي ليرويها لابنه وابنته وجاره وصديقه ، والذي اسلم حديثاً وغير المسلم ، وللتابعي الذي يحفظها كأمانة ليتعاهدها ، ولا يغادر الدنيا إلا أن يسلم الآية القرآنية كوديعة إلى الذي من بعده ، وهو من عمومات قوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا] ( ).
الثالث : من خصائص نزول القرآن على التوالي التحدي للناس بالآية القرآنية الواحدة لفظاً وتلاوة وبلاغة وموضوعاً وحكماً ، قال تعالى [وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ]( ).
ولا يختص توجه هذا التحدي بفرد أو باب مخصوص من الإعجاز القرآني ، لبيان قانون وهو التحدي بالقرآن رحمة وسبب هداية ورشاد ، وإتصاف القرآن بأنه أمانة وحفظه وعصمته من الزيادة والنقصان معجزة وشاهد على نزوله من عند الله عز وجل ، وعجز الأيدي والمكر عن الوصول إليه.
الأوقات الكونية للصلاة إصلاح
من بديع صنع الله في الأحكام التشريعية تعيين أوقات الصلاة وفق الآيات الكونية ، وسير الشمس من جهات :
الأولى : طلوع الفجر وشآبيب وأنوار الصباح الأولى حين يبدأ أوان أداء صلاة الصبح وتسمى أيضاً صلاة الغداة ، وتسمى صلاة الفجر .
و(عن أبي الدرداء قال : قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [أَقِمْ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا] ( )، قال : يشهده الله وملائكة الليل وملائكة النهار)( ).
الثانية : استمرار أداء وقت صلاة الفجر إلى حين طلوع الشمس.
الثالثة : عدم وجود صلاة واجبة بين طلوع الشمس إلى زوالها عن كبد السماء ، ومشهور علماء الإسلام استحباب صلاة الضحى، ووقتها من إرتفاع الشمس بمقدار رمح إلى الظهر ، وأقلها ركعتان وأكثرها ثمان ، وهي سنة عند الحنبلية والحنفية والشافعية ، أي واظب عليها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابعة : صلاة الظهر ، ووقتها عند زوال الشمس .
الخامسة : صلاة العصر ، إذا صار ظل الشئ مثله .
ويستمر الإختياري إلى حين بلوغ ظل الشئ مثليه ، ثم الاضطراري ، وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر ) ، والمختار جواز الجمع بين الظهرين جمع تقديم ، وتختص صلاة الظهر من أوله بمقدار أدائها .
وعن الإمام الحسن بن علي عليه السلام (قال : جاء نفر من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسأله أعلمهم عن مسائل ، فكان ممّا سأله أنّه قال : أخبرني عن الله عزّ وجلّ ، لأيّ شيء فرض هذه الخمس الصلوات في خمس مواقيت على أمتك في ساعات اللّيل والنهار.
فقال النبي صلى الله عليه وأله وسلم : إنّ الشمس عند الزوال لها حلقة تدخل فيها ، فإذا دخلت فيها زالت الشمس ، فيسبّح كلّ شيء دون العرش بحمد ربّي جلّ جلاله ، وهي الساعة التي يصلّي عليّ فيها ربّي جلّ جلاله ، ففرض الله عليّ وعلى أمّتي فيها الصلاة، وقال (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق اللّيل)( ).
وهي الساعة التي يؤتى فيها بجهنّم يوم القيامة ، فما من مؤمن يوافق تلك الساعة أن يكون ساجداً أو راكعاً أو قائماً إلاّ حرّم الله جسده على النار.
وأمّا صلاة العصر فهي الساعة التي أكل آدم فيها من الشجرة فأخرجه الله عزّ وجلّ من الجنّة ، فأمر الله ذريتّه بهذه الصلاة إلى يوم القيامة ، واختارها الله لأمّتي ، فهي من أحبّ الصلوات إلى الله عزّ وجلّ وأوصاني أن أحفظها من بين الصلوات( ).
وأما صلاة المغرب فهي الساعة التي تاب الله عز وجل فيها على آدم عليه السلام.
وكان بين ما أكل من الشجرة وبين ما تاب الله عزّ وجلّ عليه ثلاث مائة سنة من أيّام الدنيا ، وفي أيّام الآخرة يوم كألف سنة ما بين العصر إلى العشاء ، وصلّى آدم عليه السلام ثلاث ركعات : ركعة لخطيئته ، وركعة لخطيئة حوّاء ، وركعة لتوبته .
ففرض الله عزّ وجلّ هذه الثلاث ركعات على أمتي ، وهي الساعة التي يستجاب فيها الدعاء ، فوعدني ربّي عزّ وجلّ أن يستجيب لمن دعاة فيها ، وهي الصلاة التي أمرني ربّي بها في قوله تعالى (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون)( ).
وأمّا صلاة العشاء الآخرة فإنّ للقبر ، وليوم القيامة ظلمة ، أمرني ربي عز وجل وأمتي بهذه الصلاة لتنور القبر ، وليعطيني وأمّتي النور على الصراط ، وما من قدم مشت إلى صلاة العتمة إلاّ حرّم الله عزّ وجلّ جسدها على النار ، وهي الصلاة التي اختارها الله تقدّس ذكره للمرسلين قبلي .
وأمّا صلاة الفجر فإنّ الشمس إذا طلعت على قرن شيطان ، فأمرني ربّي أن أصلّي قبل طلوع الشمس صلاة الغداة ، وقبل أن يسجد لها الكافر لتسجد أمّتي للّه عزّ وجلّ ، وسرعتها أحبّ إلى الله عزّ وجلّ ، وهي الصلاة التي تشهدها ملائكة اللّيل وملائكة النهار)( ).
السادسة : أداء صلاة المغرب ، وأوانها عند سقوط قرص الشمس ، وابتداء ظلمة الليل .
ومن أسرار تسمية الصلوات اليومية اقتباسها من الآيات الكونية في اليوم والليلة ، وتذكيرها ببديع صنع الله ، والحاجة إلى عبادته.
السابعة : أوان صلاة العشاء بمغيب الشفق ، والشفق هو الحمرة والضوء الخافت الذي يظهر في جهة المغرب بعد غروب الشمس لتناثر ضوء الشمس في الطبقة العليا من الغلاف الجوي .
قانون التلاوة سلاح ذاتي ضد الإرهاب
من الشواهد على عنوان هذا الجزء من التفسير وهو ( النزاع المسلح بين القرآن والإرهاب) ، أن تلاوة القرآن في الصلاة عصمة للجوارح من الإرهاب ، فتمسك آيات القرآن اللسان واليدين عن الإضرار بالغير ، فمن خصائص آيات القرآن أنها تدعو إلى :
الأول : الصلاح والألفة ، ويحرص المسلم عند تلاوة آيات القرآن على التقيد بأحكامها طوعاً وأنطباقاَ وقهراً .
وهل يشمل هذا الحرص المستمع والسامع ، وإذا كان يشملهما فهل يختص بالمسلم دون غيره ، المختار أنه شامل للمسلم وغير المسلم ، فكل من يستمع للقرآن يقتبس من أنوار آياته ، وأسباب الصلاح التي يدعو إليها ، قال تعالى [وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا] ( ).
وهو من الإعجاز في تشريع الإجهار في التلاوة في صلاة الصبح والمغرب والعشاء .
الثاني : من الإعجاز في تشريع الصلاة أنها تتضمن تلاوة القرآن وقراءة سورة الفاتحة وسورة أو آيات أخرى ، وفي الصلاة جهات :
الأولى : قانون الصلاة فعل معروف .
الثانية : قانون ذات الصلاة أمر بالمعروف .
الثالثة : قانون نهي الصلاة عن المنكر ، قال تعالى [إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ]( ) .
وعن ابن عباس (قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد بها من الله إلا بعداً)( ).
والإرهاب والقتل العشوائي ، والبطش بالمدنيين من المنكر.
وبين الصلاة والتلاوة عموم وخصوص مطلق ، فالتلاوة جزء من الصلاة ، نعم قد تأتي التلاوة خارج الصلاة لبيان المندوحة والسعة في مناسبة الأجر والثواب .
الثالث : من الإعجاز في تلاوة القرآن أنها أمر بالمعروف ونهي عن المنكر بالذات والأثر ، فحينما نزل القرآن بالأمر والنهي في المقام كما في قوله تعالى [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ]( )، فان ذات تلاوة القرآن تتضمن الإمتثال لهذا الأمر الإلهي .
الرابع : تجعل التلاوة آيات القرآن هي الحكم والفيصل في أفعال العبد ، وهل هي من التقوى والصلاح ، الجواب نعم ، وهو من إعجاز القرآن بصيرورة آياته عضداً في عمل الصالحات ، وزاجراً عن السيئات والمعاصي ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا]( ).
ولا يعلم ما صرف من الناس من الضرر والإرهاب بتلاوة آيات القرآن إلا الله عز وجل .
الخامس : من منافع قراءة كلام الله بعث السكينة في النفس ، وصفاء الذهن ، وإختيار القرار الصائب بعيداً عن الإرهاب .
السادس : في التلاوة نصر ذاتي على الكدورة والكآبة ، وحال اليأس والإحباط ، قال تعالى [الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ]( ).
السابع : قانون التلاوة فقاهة .
الثامن : قانون التلاوة تعليم وإرشاد وهداية وتنمية للمدارك العقلية ، وفي التنزيل [وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ]( ).
وهل تدل الآية أعلاه على قانون وهو تقوى الله والخشية منه سبيل الى الكسب والإرتقاء في المعارف الإلهية ، الجواب نعم ، ومن مصاديق هذا الإرتقاء اتباع أحكام القرآن ، والصلاح وتهذيب القول والفعل ، والتنزه عن الظلم .
التاسع : قانون تلاوة القرآن نعمة.
العاشر : قانون قراءة القرآن بركة رفعة في الدنيا والآخرة .
الحادي عشر : في كل مرة يقرأ المسلم فيها القرآن أجر وثواب ، وهي من مصاديق الصراط في قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( ).
الثاني عشر : قانون التلاوة دعوة للسلم المجتمعي .
الثالث عشر : التلاوة منهاج سليم وهداية إلى المنهاج القويم .
الرابع عشر : قانون التلاوة تنمية للمدارك العقلية وحجاب عن الغفلة .
الخامس عشر : قانون في التلاوة تقييد للجوارح من الظلم والتعدي .
السادس عشر : في التلاوة تبصرة بالدين ، ومعرفة بالأحكام الشرعية.
السابع عشر : قانون التلاوة تذكير بعالم الحساب ، وكيفية الإستعداد له بالعمل الصالح ، والإمتناع عن المعاصي والظلم.
قانون وراثة الأرض مانع من الإرهاب
لقد جعل الله عز وجل الأرض محل سكن الناس ودار ابتلائهم وامتحانهم ، وفيها أرزاقهم ، وأسباب الغبطة والسعادة للبر والفاجر بتوالي النعم من عند الله.
نعم هذه النعم تذكير بوجوب طاعة الله عز وجل ونبذ الشرك ومفاهيم الضلالة ، ومن خصائص هذه الطاعة لزوم عدم اقترانها بما هو قبيح وضار ، خاصة وأن النوبة لا تصل اليه ، وليس فيه أي نفع سواء كان خاصاً أو عاماً.
وقال تعالى [وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ]( )، والزبور هو الكتاب الذي أنزله الله عز وجل على داود ، والذكر هو التوراة ، وقيل اللوح المحفوظ ، والأول أصح لوحدة الموضوع في تنقيح المناط بارادة الكتب المنزلة من عند الله وتضمنها البشارة للمؤمنين ، ودعوتهم للصبر ، وتحمل الأذى .
وقيل المراد من ميراث الأرض في الآية هو أرض الجنة ، (وعن الشعبي قال : الجنة) ( )، والقرآن يفسر بعضه بعضاً .
والمختار أن الميراث في الدنيا ، قال تعالى [وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ]( ).
وفيه بشارة للمؤمنين الذين يقيمون الصلوات اليومية الخمس ، ويصومون شهر رمضان ، ويؤدون الزكاة ، والحقوق الشرعية ، وهل فيه زجر عن الظلم ونهي عن الإرهاب ، الجواب نعم ، فمن الصلاح التنزه من الإضرار بالناس ، قال تعالى [وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ]( ) ( ).
وفي الآية أعلاه إخبار بكفاية البيان والتبليغ ، والمختار أن النسبة بين الآيات التي تذكرها الآية أعلاه وبين آيات القرآن هو العموم والخصوص المطلق.
وجاءت الآية بصيغة المضارع (يبين) ففي كل زمان ومكان وفي كل يوم من أيام الدنيا تطل على الناس آيات تدل على التوحيد ، ووجوب عبادة الله .
وفي خطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى [قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ]( )، لبيان أن كل آية من القرآن بيان وحق وصدق ودعوة للهدى والإيمان ، وفيه غنى عن الإرهاب ، ودعوة للمسلمين لإجتنابه والتنزه عنه .
ويدل على مضامين الآية أعلاه عدم قيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بغزو المدن ، وحمل الناس على الإسلام كرهاً إنما كان في حال دفاع ضد غزو المشركين كما في معركة بدر ، ومعركة أحد ، ومعركة الخندق .
وقد عقد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مواثيق مع يهود المدينة ، وموادعة مع القبائل حول المدينة ، وحينما جاء وفد نصارى نجران إلى المدينة ضربوا الناقوس في مسجد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فلم يمنعهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام في حديث (أن نصارى نجران لما وفدوا على رسول الله وكان سيدهم الاهتم والعاقب والسيد، وحضرت صلواتهم فأقبلوا يضربون بالناقوس وصلوا، فقال أصحاب رسول الله: يارسول الله هذا في مسجدك .
فقال: دعوهم، فلما فرغوا دنوا من رسول الله فقالوا: إلى ما تدعو .
فقال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله صلى الله عليه واله… الحديث ) ( ).
وقبل منهم الجزية التي هي نوع عقد وتعهد ، بحمايتهم والذب عنهم آنذاك .
وقد وردت وراثة الأرض منطوقاً ومفهوماً في آيات عديدة منها قوله تعالى [وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ] ( ) وقوله تعالى [وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ] ( ).
ومن معاني تقييد وراثة الأرض بخصلة الصلاح العامة للأمة التي ترث الأرض وجوب التقيد بأحكام الشريعة ، والحكم بالعدل ، واجتناب الظلم مطلقاً لأن صلاح الوارث نعمة ينتفع منها الجميع ، مما يلزم إجتناب الإرهاب.
قانون القصور عن التنزيل زاجر عن الإرهاب
من مصاديق قوله تعالى [قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ]( )، تخلف وقصور الخلائق ولو اجتمعت عن الإتيان بمثل آيات القرآن من جهات :
الأولى : بلاغة القرآن التي هي صراع متجدد مع الإرهاب من وجوه إذ أنها تشغل المسلم عنه ، وتبعث النفوس على النفرة منه .
الثانية : صيرورة القرآن دستور الإسلام ، ومنه دعوته للسلم ونشره للأمن ، ومحاربته للإرهاب ، وسفك الدماء ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً]( ).
الثالثة : إرتقاء القرآن عن ضوابط وقوافي الشعر ، وقواعد النثر ، فالصلة بين آياته مدرسة علمية وعقائدية وليست أدبية فقط ، وهذه الصلة مادة لإقتباس القوانين ، واستقراء المسائل ، قال تعالى [عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى] ( ) لبيان أن جبرئيل هو شديد القوى الذي نزل بالقرآن من عند الله سبحانه .
و[ذُو مِرَّةٍ] أي ذو خلق حسن ، ومن قوة جبرئيل اقتلاعه قرى قوم لوط وحملها على جناحه وهو يرفعها في السماء ثم يقلبها .
وصاح بثمود فاصبحوا جاثمين ، أصبحوا هلكى ، وهم على هيئة البروك على الركب ، قال تعالى [فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ * وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ]( ).
وهو الذي أغرق فرعون في البحر الأحمر بأمر من الله عندما أصر على ملاحقة موسى عليه السلام وبني إسرائيل ، ليجتمع الإنتقام من الطاغوت مع معجزة إنفلاق البحر وكشف أرضه ليعبر موسى عليه السلام وقومه .
وأخرج الترمذي وغيره عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لما أغرق الله عز وجل فرعون [قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ]( )، قال لي جبريل : يا محمد لو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر فأدسه في فيه مخافة أن تدركه الرحمة( ).
لقد عجز العرب عن الإتيان بجزء يسير من القرآن ، وبمقدار السورة الواحدة منه ، مع إرتقائهم في علم البلاغة ، والنحو ، ليدركوا معه أنه كتاب معجزة ، ولم يضر بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ودعوته قيامهم بالشتم والسب لأن الكلام الخالي من البرهان لا يجد له موضعاً عند العقلاء وهو من أسباب الإرهاب .
ومن خصائص الأنبياء مجيؤهم بالحكمة والحجة بما يجذب الناس لهم ، ويجعلهم في غنى عن الإرهاب والعنف لوجود المانع عنه وفقد المقتضي له.
ليتجلى قانون وهو دفع التنزيل للإرهاب عن النفوس والمجتمعات ، وفيه دعوة لولاة الأمور ببيان المضامين القدسية للتنزيل ، وصيغ الإعجاز التي تملي على الناس التسليم بمضامينه ، ومنها :
الأولى : الرحمة والرأفة العامة بالناس .
الثانية : لزوم الإنشغال بطاعة الله ، وفي التنزيل [فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ] ( ).
الثالثة : استحضار أهوال يوم القيامة ، والوقوف بين يدي الله عز وجل للحساب .
لقد أمسك الذين إجتاح الإيمان قلوبهم ، ودخلوا الإسلام جوارحهم عن الإضرار بالناس فظنها الكافرون ضعفاً وتراخياً فشنوا الهجوم تلو الهجوم في بدر وأحد ، والخندق ، ولم ينالوا شيئاً ، ليبقى المؤمنون على ذات امساك الجوارح ، فالأصل هو إجتنابهم للإرهاب وإقامة الحجة على الذين كفروا بقصورهم عن الإتيان بما يشبه سورة واحدة من القرآن ، قال تعالى [قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنْ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ]( ).
قانون لم يقصد النبي (ص) القتال في معركة بدر
لقد وقعت معركة بدر على بعد (150) كم من المدينة ولم يخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيها لقتال أو هجوم أو غزو ، أو الإستيلاء على قافلة أبي سفيان كما يذكر علماء التفسير ، إنما كان في سرية استطلاع دورية ، وللتبليغ خارج المدينة ، وهذا التبليغ تجلى منذ أن كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مكة ، إذ خرج إلى الطائف للتبليغ والدعوة إلى الله عز وجل ، وعاد بعد أن لاقى الأذى الشديد والإرهاب من سادة الطائف ، ومن سفهائها وعبيدها وصبيانها ، وبعد أن أصر المشركون على القتال في معركة بدر مع مجئ رسول أبي سفيان اليهم بالإخبار بالطلب منهم بالعودة إلى مكة.
(قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَلَمّا رَأَى أَبُو سُفْيَانَ أَنّهُ قَدْ أَحْرَزَ عِيرَهُ أَرْسَلَ إلَى قُرَيْشٍ : إنّكُمْ إنّمَا خَرَجْتُمْ لِتَمْنَعُوا عِيرَكُمْ وَرِجَالَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ فَقَدْ نَجّاهَا اللّهُ فَارْجِعُوا ، فَقَالَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ وَاَللّهِ لَا نَرْجِعُ حَتّى نَرِدَ بَدْرًا وَكَانَ بَدْرٌ مَوْسِمًا مِنْ مَوَاسِمِ الْعَرَبِ ، يَجْتَمِعُ لَهُمْ بِهِ سُوقٌ كُلّ عَامٍ فَنُقِيمُ عَلَيْهِ ثَلَاثًا ، فَنَنْحَرُ الْجُزُرَ الْعَرَبُ وَبِمَسِيرِنَا وَجَمْعِنَا ، فَلَا يَزَالُونَ يَهَابُونَنَا أَبَدًا بَعْدَهَا ، فَامْضُوا) ( ).
وقد رجعت طائفة من بني هاشم، كما رجع بنو زهرة ، وكان بنو زهرة (نحو المائة، ويقال: ثلاثمائة، فما شهدها زهري إلا رجلين هما عما مسلم بن شهاب الزهري، وقتلا كافرين ) ( ) .
(قال ابن سعد: وكانت بنو عدي بن كعب مع النفير، فلما بلغوا ثنية لفت عدلوا في السحر إلى الساحل منصرفين إلى مكة، فصادفهم أبو سفيان بن حرب فقال: يا بني عدي ، كيف رجعتم، لا في العير ولافي النفير .
قالوا: أنت أرسلت إلى قريش أن ترجع ويقال: بل لقيهم بمر الظهران) ( ).
اي لستم بالقافلة وحراستها ، ولا في النفير العام لقريش .
ومن معاني قوله تعالى [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا] ( ) أمور :
الأول : أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه بعدم الإبتداء بالقتال .
الثاني : لجوء النبي صلى الله عليه وآله وسلم للإجتهاد بالدعاء والتضرع إلى الله عز وجل بالنصر والغلبة على المشركين .
الثالث : إجتناب القتال من غير تعارض بين هذا الإجتناب وبين الدعاء بالنصر .
الرابع : مناداة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين الصفين : قولوا لا إله إلا الله تفلحوا .
الخامس : مباشرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الدفاع مع أهل بيته وأصحابه عندما تقدم بعض رجال المشركين للمبارزة وزحفت جيوشهم على المسلمين الذين كانوا قلة وليس عندهم خيل أو أسلحة ودروع كافية ، ويدل على هذه المباشرة [وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى] ( ).
والإجماع على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يرم برماح وسهام ، إنما رمى بقبضة من الحصاة .
(عن محكول قال : لما كرَّ علي وحمزة على شيبة بن ربيعة ، غضب المشركون وقالوا : اثنان بواحد .
فاشتغل القتال ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اللهم إنك أمرتني بالقتال ووعدتني النصر ولا خلف لوعدك ، وأخذ قبضة من حصى فرمى بها في وجوههم فانهزموا بإذن الله تعالى ، فذلك قوله { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى }( ) .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن حكيم بن حزام قال : لما كان يوم بدر سمعنا صوتاً وقع من السماء إلى الأرض كأنه صوت حصاة وقعت في طست ، ورمى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بتلك الحصباء وقال : شاهت الوجوه . فانهزمنا) ( ).
وأيهما أكثر وثاقة في الخبرين أعلاه ، الجواب هو خبر حكيم بن حزام ، إذ كان حاضراً معركة بدر مع الكفار ، ثم أسلم وحسن اسلامه ، وهو ابن أخ خديجة أم المؤمنين .
أما مكحول فهو تابعي من أهل الشام .
(قال الزهري: قدمت على عبد الملك بن مروان، فقال: من أين قدمت يا زهري؟
قلت: من مكة.
قال: ثمن خلفت يسودها وأهلها؟
قلت: عطاء بن أبي رباح.
قال: من العرب أم من الموالي؟
قلت: من الموالي.
قال: فيم سادهم؟
قلت: بالديانة والرواية.
قال: إن أهل الديانة والرواية لينبغي أن يسودوا.
قال: فمن يسود أهل اليمن؟
قلت: طاووس بن كيسان.
قال: فمن العرب أم من الموالي؟
قلت: من الموالي.
قال: فيم سادهم؟
قلت: بما سادهم به عطاء.
قال: إنه لينبغي ذلك.
قال: فمن يسود أهل مصر؟
قلت: يزيد بن أبي حبيب.
قال: فمن العرب أم من الموالي؟
قلت: من الموالي.
قال: فمن يسود أهل الشام؟
قلت: مكحول.
قال: فمن العرب أم من الموالي؟
قلت: من الموالي، عبد نوبيّ أعتقته امرأة من هذيل.
قال: فمن يسود أهل الجزيرة؟
قلت: ميمون بن مهران.
قال: فمن العرب أم من الموالي؟
قلت: من الموالي.
قال: فمن يسود أهل خراسان؟
قلت: الضحاك بن مزاحم.
قال: فمن العرب أم من الموالي؟
قلت: من الموالي.
قال: فمن يسود أهل البصرة؟
قلت: الحسن البصري.
قال: فمن العرب أم من الموالي؟
قلت: من الموالي.
قال: ويلك فمن يسود أهل الكوفة؟
قلت: إبراهيم النخعيّ.
قال: فمن العرب أم من الموالي؟
قلت: من العرب؛ قال: ويلك يا زهري؛ فرّجت عني، والله ليسودنّ الموالي على العرب في هذا البلد حتى يخطب لها على المنابر والعرب تحتها.
قلت: يا أمير المؤمنين، إنما هو دين، من حفظه ساد، ومن ضيعه سقط.) ( ).
ولا أصل لهذا الحديث موضوعاً ودلالة ، ولم يكن هؤلاء الذوات هم سادة أهل العلم في زمانهم ، ولم يجرأ الزهري ونحوه بهذا الكلام في حضرة الخليفة الأموي .
ومن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مواجهة سيوف ورماح وإرهاب المشركين يوم بدر برمي الحصباء وحفنة من تراب ، فجاء معها النصر ، وقال تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ..] ( ) لبيان لزوم العقلائية والحيطة والحذر في مواجهة الإرهاب، والإخبار بأنه لن يستديم ولا يضر إلا أهله .
إرهاب قريش للقبائل
لقد كانت مكة أحب الأمصار إلى قلب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد تحمل الأذى الكثير من قريش ، ولكن لم يغادرها ، وعندما أدرك أن بقاءه فيها سبب لقتل قريش له ، رآى بالوحي الحاجة إلى الهجرة فصار يسأل القبائل وأهل الأمصار في كل موسم حج استضافته وحمايته من بطش قريش ، ولكنهم يمتنعون عن الإستجابة لطلبه لوجوه :
الأول : الخشية من قريش ، وإجتناب فتح موضوع للخلاف والشقاق مع رجالاتها .
الثاني : بقاء أكثر رجال القبائل على الكفر ، وعبادة الأوثان.
الثالث : من أسباب منع قريش وفد الحاج الإنصات للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قيام كفار قريش بابلاغ الناس بالمناداة خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم أيام الحج بأنه ساحر ، وأنه مجنون ، ونحوه من صيغ الإفتراء على الأنبياء .
وقد ورد (عن طارق بن عبد الله المحاربي ، قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سوق ذي المجاز وعليه حلة حمراء ، وهو يقول: يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا) ( ).
وليس في هذا القول ما يسبب النفرة لأحد ، خصوصاً وأن الناس في موسم حج لبيت الله الحرام ، ومع هذا لم تتركه قريش ، فقد كان عمه أبو لهب يجري خلفه ، وهو يرميه بالحجارة ، وقد أدمى قدميه ، أي أن طارق المحاربي لم ير إلا القدمين يسيل منهما الدم ، ولابد أن ظهر النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أصابته الحجارة ، كما تعرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم للرمي بالحجارة في هجرته الأولى للطائف .
وقد لحقته قريش بحجارتها بعد الهجرة ، فترميه بالحجارة في معركة أحد ، ولكنها حجارة مميتة قاتلة ، جعلت الدم يسيل من الوجه والوجنتين ، وليس من القدمين وحدهما ، ويمكن تخصيص عنوان لهذا الباب اسمه (حجارة قريش).
لم يكتف أبو لهب برمي النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالحجارة في الشهر الحرام ، لأنه ينادي بكلمة التوحيد ، إنما كان ينادي (يا أيها الناس ، لا تطيعوه ، فإنه كذاب ، فقلت : من هذا .
قيل : هذا غلام بني عبد المطلب.
قلت : فمن هذا الذي يتبعه يرميه بالحجارة .
قال : هذا عبد العزى أبو لهب) ( ) .
ترى لماذا لا يطيعون النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو لم يناد إلا بقول لا إله إلا الله ، وتجلي المغالطة التي كان عليها المشركون ، لبيان قانون وهو أن الإفتراء على النبوة يفضح نفسه أمام الناس .
وهل يكون سبباً لدخول الناس الإسلام ، الجواب نعم ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ]( ).
الرابع : خشية الناس من منع قريش لدخولهم مكة إذا آووا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الأمر الذي تحقق مع أهل المدينة ، وقيام قريش بالتضييق حتى على رؤساء الأوس والخزرج عند دخولهم مكة للحج أو العمرة ، ومن الآيات أن هذا التضييق لم يضر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في دعوته ، قال تعالى [إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ]( )، وهذا إخبار وتحد ووعد عن نصر الله للرسل السابقين.
ووعد بنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين.
وفيه نهي عن الإرهاب ، رجاء فضل الله عز وجل ، وقيل الآية خاصة (فيمن أظهره الله)( ).
والمختار هو الإطلاق وشمول الأنبياء والرسل جميعاً ، والنصر أعم ومنه ظهور الدين والملة ، ثم أن الآية ذكرت الذين آمنوا وقد سقط في معركة أحد سبعون شهيداً ، ومع هذا فان الآية تخبر عن نصر الله لهم ، وهل ذكر قصة زكريا ويحيى في القرآن من نصر الله عز وجل لهما مع قتلهما ، الجواب نعم ، ومنه ذكرهما في آية واحدة ، قال تعالى [يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا]( ).
الخامس : توارث الكفار عقبة دون نصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالسلاح إلا بهداية ولطف من عند الله عز وجل .
السادس : تهديد ووعيد قريش للقبائل من إيواء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ،وهل هذا التهديد مقدمة للإجهاز عليه ، وقتله في مكة ، الجواب نعم ، لذا اتفقت قريش على قتله ليلة المبيت .
ليتبين إرهاب قريش العام لكل من :
الأول : النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : بنو هاشم .
الثالث : عامة وفد الحاج .
فمع أن موسم الحج في الأشهر الحرم ذي القعدة وذي الحجة ، وأيضاً محرم لمن تخلف في مكة أو في طريق العودة منها .
فقد كانت قريش تكرم رجال القبائل قبل هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبعدها من جهات :
الأولى : بذل الطعام والماء والسقاية لوفد الحاج .
الثانية : حسن الضيافة ، وقيام قريش باستضافة بعض وجهاء وأشراف القبائل وأهل الميراث ، وكان يعرف عند الناس أن الوجيه أو الشيخ الفلاني يحل ضيفاً على فلان من قريش .
الثالثة : وجود تجارات بين قريش وأهل المدن والقبائل .
الرابعة : قيام قريش باقراض رجال القبائل خاصة عندما تترتب عليهم دية ، وكانت قريش تقرض وتستقرض المال بالربا .
الخامسة : عقد قريش حلفاً بنصرة المظلوم في مكة حتى يأخذ حقه ، ولكن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم أكثر الناس مظلومية فيها ، ومن ذات قريش .
وعن ابن عباس قال ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما خرج من مكة : أما والله اني لأخرج وإني لأعلم أنك أحب البلاد إلى الله وأكرمها على الله ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت) ( ).
وفيه شاهد من السنة على إرهاب قريش ، وأن رجالات قريش حملوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الهجرة مكرهاً ، ليتجلى قانون وهو إخراج قريش للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من مكة مقدمة لغزوهم للمدينة ، ليكون من الإعجاز في قوله تعالى [وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ] ( ) تقدير الآية : أو يخرجوك فتقتل أو يقتلوك).
لقد كانت هجرة النبي بسبب إرهاب قريش ، ليؤسس النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمنهاج السلامة من الإرهاب ، وهو من فضل الله عز وجل برسالة النبي محمد ، وقوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ]( ).
أي إنتفاع جميع الناس من رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعدم لحوق الأذى والضرر بهم ، وليكون من مصاديق الجمع بين الآية أعلاه وقوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( )، ولأن رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باقية إلى يوم القيامة ، فان الرحمة بهذه الرسالة تتغشى أجيال الناس ، وفيه حجة في حرمة الإرهاب ولزوم ، تنزه المسلمين عنه.
بحث أصولي
المتقابلان على أقسام :
الأول : تقابل التضاد : وهو عدم إجتماع الضدين في محل واحد في زمان واحد مع امكان إرتفاعهما والقيد في محل لبيان إمكان إجتماعهما في الوجود كبياض الثلج ، وظلمة الليل .
وبقيد وحدة الزمان يخرج إحتمال تعاقبهما في الزمان على ذات المحل كالبرودة والحرارة ، والرضا والسخط .
وحلول فرد آخر غيرهما ، كالسواد والبياض فهما متضادان لايجتمعان في محل ، ولكن يرتفعان باللون الأحمر أو الأصفر مثلاً .
الثاني : تقابل التناقض ، وهما الكليان أو الشيئان أو الصفتان اللتان لاتجتمعان ولا ترتفعان كالليل والنهار ، والوجود والعدم ، والإيجاب والسلب .
الثالث : تقابل التضايف.
أي يُعرف أحد الطرفين بصفته بالنسبة للآخر مثل الأب والابن ، والعلة والمعلول ، والماء والزرع ، قال تعالى [وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ]( )، وقد يكون الأب ابناً بلحاظ تبدل وتعدد الجهة.
وقد يكون الفرد متضايفاً مع أكثر من واحد بحسب الموضوع والجهة مثل النور فانه يكون متضايفاً مع القمر ، ومع المصباح .
والنسبة بين الأمن والإرهاب التضاد ، فهما لايجتمعان في محل واحد ، وإنما بعث الله الأنبياء لنشر السلم ، وإشاعة الرحمة والرأفة وجعلها وسيلة ومادة ودعاء لإقامة الشعائر وأداء الفرائض العبادية .
الرابع : تقابل الملكة ، وعدمها ، أي في محل واحد كالإنجاب والعقم ، قال تعالى [أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ]( )، لبيان قانون من الإرادة التكوينية وهو أن الضد السلبي قليل ونادر ، ليكون مرآة لنعمة الله عز وجل في ولادة إسماعيل واسحاق لابراهيم بعد بلوغه مائة عام ، وسارة أم إسحاق نحو تسعين عاماً ، قال تعالى [وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا]( )، كما في العقم بين الناس ، وجاء العلم الحديث لعلاج أكثر حالاته ، وكذا فان الإرهاب ضد قليل ونادر للأمن والسلم ، ويأتي التنزيل والإصلاح لتضائله وإنحساره.
قانون الصلاة سلم محكم غير منسوخ
كما أن عنوان هذا الجزء من التفسير بخصوص الدعوة إلى السلم وإحكامها فكذا فان الفرائض العبادية محكمة ، وسالمة من النسخ والتغيير والتبديل .
ويتعلق موضوع النسخ وفق هذا القانون بمنافع الفعل العبادي وكيف أنها ثابتة ومتجددة ، فلا يعلم المنافع التي تترشح عن الصلاة إلا الله عز وجل ، وهو من أسرار مصاحبة الصلاة لوجود الإنسان في الأرض ، فما أن هبط آدم وحواء إلى الأرض إلا وقد قاما بأداء الصلاة لبيان قانون وهو : الصلاة هي الميثاق المتوارث بين بني آدم.
مع البشارة لمن تعاهدها ، والإنذار لمن تخلى عنها ، قال تعالى [أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا]( ).
وهل هذه المصاحبة حرب على الإرهاب ، الجواب نعم ، لبيان قانون في خلافة الإنسان في الأرض وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) عندما احتج الله عز وجل على الملائكة في استفهامهم عن هذه الخلافة مع فساد طائفة من الناس ، وقيام بعضهم بسفك الدماء ، كما في قوله تعالى [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ] ( ).
وسيأتي قانون هل الإرهاب من الفساد أم من سفك الدماء .
لقد جعل الله عز وجل الصلاة واقية من الإرهاب ، إذ أنها تحبس صاحبها عنه ، وتمنع الغير من التعدي على الذي ينقطع إلى الله في عبادته .
فان قلت لماذا لم تمنع صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه مشركي قريش من الهجوم وغزو المدينة والقتال ، الجواب لقد جاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقانون هدم الأصنام واستئصال عبادتها ، فقام المشركون بالنفير العام للدفاع عنها ، وللإمتناع عن عبادة الله وحده ، لبيان أن النبي دافع عن كل جيل من أجيال المسلمين لذب ودفع الإرهاب عنهم ، ولبعثهم على التنزه عن الإرهاب ، وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ]( ).
ولم يرد لفظ [تَنْهَى] في القرآن إلا في الآية أعلاه وبخصوص الصلاة ، ولا ينحصر نهي الصلاة عن المنكرات والقبائح بخصوص الذي يؤدي الصلاة ، إنما يشمل غيره من الناس ، فتكون الصلاة كافة ومكفوفة ، وبيان أن الصلاة أمر وجودي ، ولها فعل وأثر خارجي.
وذكر أن أول من صلى صلاة الصبح هو آدم عليه السلام ، لبيان قانون ملازمة الصلاة لوجود الإنسان في الأرض ، وهي علة استدامة هذا الوجود.
ويدل قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة ، فإن صلحت صلح له سائر عمله ، وإن فسدت فسد سائر عمله( ).
فلم يقل النبي أول ما يحاسب به المسلم أو المؤمن إنما ذكر العبد لإرادة معنى العموم خاصة وأن موضوع الحديث هو يوم القيامة لبيان أن الحديث عموم الناس ، وهل يشمل الحديث الذي يمتنع عن إرهاب المصلين بالثواب له ، أم أن القدر المتيقن من الحديث هو ذات العبد الذي يؤدي الصلاة ، الجواب هو الثاني .
ولقد تعاهد الأنبياء الصلاة وأخلص المؤمنون في كل زمان في أدائها ، وهي سلم دائم من جهات :
الأولى : تعاهد المسلمين لأوقات الصلاة .
الثانية : كيفية أداء الصلاة .
الثالثة : دلالة الصلاة على العزوف عن الدنيا ، والإمتناع عن إرتكاب الحرام .
الرابعة : دعوة الصلاة المسلمين والناس جميعاً إلى الصبر، ليكون من معاني العطف قوله تعالى [وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ]( ) عطف الخاص على العام ، وتدعو الصلاة الناس للتحلي بالصبر ، لما تبعثه من رسائل السلام والمودة والسلم ، وهو أحد وجوه الصبر ، وفرع منه .
وبالصلاة تحصل المودة ، وتنزل الرحمة ، ويصرف البلاء ، وتنكشف الغمة ويمكن القول بقانون الصلاة سلم غير منسوخ ) أي لا يأتي يوم تكون فيه الصلاة خلاف السلم ، ولا تصبح سبباً للشقاق ، والصلاة سلام لكل من :
الأول : الفرد .
الثاني : الأسرة .
الثالث : الجماعة .
الرابع : الأمة .
الخامس : الصديق والعدو .
لذا تفضل الله ورسوله بالندب إلى صلاة الجماعة ، وبيان منافعها.
وهل صلاة الجماعة واجب أم مستحب ، المختار أنها مستحب مؤكد ، وتجد علماء المذهب الواحد مختلفين هل هي واجب وجوباً كفائياً أم أنها مستحبة ، ويدل على استحبابها وورد عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءاً( ).
وما ورد عن الإمام جعفر بن محمد عليه السلام قال (الصلاة في جماعة أفضل من صلاة الفرد بأربع وعشرين صلاة.
وعن أبي جعفر محمد بن علي أنه سئل عن الصلاة في جماعة أفريضة، قال: الصلاة فريضة ، وليس الاجتماع في الصلوات بمفروض، ولكنها سنة ومن تركها رغبة عنها وعن جماعة المؤمنين لغير عذر ولا علة فلا صلاة له)( ).
وهل يدل على وجوب الجماعة ما ورد (عن مالك بن الحويرث، قال : أتينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ونحن شببة متقاربون فأقمنا عنده عشرين ليلة فظن أنا قد اشتقنا إلى أهلينا سألنا عمن تركنا في أهلنا فأخبرناه وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رحيما رفيقا فقال : ارجعوا إلى أهليكم فعلموهم ومروهم وصلوا كما رأيتموني أصلي ، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم وليؤمكم أكبركم) ( ).
الجواب لا ، إنما فيه تأكيد على موضوعية واستحباب صلاة الجماعة خاصة مع جمعه مع أحاديث أخرى تدل على صحة صلاة المنفرد ، وهي وسيلة مباركة لإتقان المسلمين الصلاة ، والعصمة من تغييرها أو تبديلها أو حصول الفتنة العامة والخاصة بسببها ، لذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث (صلوا كما رأيتموني أصلي) ( ).
أي سواء كانت صلاتكم جماعة أو فرادى .
وستبقى الصلاة لواء سلم في كل زمان ، ولها موضوعية في حرمة المساجد ودور العبادة التي تقام فيها الصلاة والذكر ، فالصلاة سلم بذاتها ، وهي تعطي وتمنح السلم فيما حولها ، سواء بالنسبة للأفراد أو الحال أو المحل.
موضوع التضاد بين القرآن والإرهاب
الضد لغة هو المثل والشبيه والمباين أيضاً مثل (جون) يستعمل للأسود والأبيض ، والأضداد في اللغة قليلة ومع كثرة الإستعمال صارت تنصرف إلى معنى مخصوص وليس له ولضده ، وكأنه من المنقول وقيل لا يقع الضد في الألفاظ المركبة .
فالمراد من التضاد في اللغة جهتان :
الأولى : ذات الكلمة تحمل معنيين أحدهما ضد الآخر كما في كلمة (اشترى) تأتي بمعنى اشترى ، وبمعنى باع ، وكذا كلمة باع وابتاع في فرد من الأضداد لاستعمالها في البيع وفي الشراء .
وفيه نكتة وهي صدق إطلاق البيع والشراء على طرفي العقد ، فالبائع مشتر لما في يد الآخر ، والمشتر بائع لما في يده خصوصاً وأن البيع والشراء كان بالمقايضة ، وتبادل السلعة .
لذا اختلف في معنى الشراء في قوله تعالى بقصة يوسف [وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ]( ).
ويظهر التباين بلحاظ نسبة الضمير (الهاء) في كلمة (وشروه) على قولين:
الأول : إشترته السيارة يوسف( ).
الثاني : قام إخوة يوسف ببيعه على السيارة بثمن بخس وهو عشرون درهماً .
الثالث : بيع يوسف عليه السلام على عزيز مصر ، إذ ذكرت مادة الشراء مرة أخرى ، قال تعالى [وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ]( ).
وعن الضحاك أن يوسف (ألقيَ في الجب وهو ابن ست سنين ، وبقي فيه إلى أن أخرجته السيارة منه بعد ثلاثة أيام .
وقال الكلبي : ألقي فيه وهو ابن سبع عشرة سنة .
قوله عز وجل { وشروه بثمن بخسٍ} معنى شروه أي باعوه ، ومنه قول ابن مفرغ الحميري .
وشريت برداً ليتني … من بعدِ بُرْدٍ كنت هامه)( ).
الثانية : إرادة المباين والمخالف من معنى التضاد ، ويه ينحصر المعنى الإصطلاحي فالطويل ضد القصير ، والغني ضد الفقير ، والعالم ضد الجاهل .
ويمكن القول أن النسبة بين المتضادين والمتناقضين هو العموم والخصوص من وجه ، فالتضاد فيه حلول البديل من غير المتضادين.
وقد صدرت عشرة أجزاء من هذا التفسير بعنوان (التضاد بين القرآن والإرهاب) أما هذا الجزء فانه يتضمن بيان (النزاع المسلح بينهما) لتكون النتيجة هي تجلي مصداق لقانون من الإرادة التكوينية وهو ظهور القرآن على خصمه من الإنس والجن والمفاهيم ، وعالم القول والفعل.
والنسبة بين الترادف والتضاد هي التنافي ، فالترادف هو التشابه والتوافق والتطابق في المعنى مثل الرحمة والرأفة ، والبهجة والفرح ، أما التضاد فهو التعارض والمعاكسة مثل الفرح والحزن.
ويقال : ضادَّه أي خالفه ، وقد ورد بهذا المعنى في القرآن [سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا]( )، فذات لفظ (الضد) من الأضداد فيأتي بمعنى المثل والنظير والشبيه ويأتي بمعنى المخالف والمباين .
أما المتضادان في الإصطلاح فهما اللذان لا يجتمعان وقد يرتفعان كالأبيض والأسود ، أي أن (الضد) في الإصطلاح لا يحتمل إلا معنى واحداً وهو المنافي والضد .
وقال الجرجاني (والتضاد بين الألفاظ المركبة محال) ( ).
ولكن جاء قوله تعالى [فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا]( )، أما التناقض فهو التعارض بين أمرين يقال : تناقض قولهما أي اختلف وتعارض وتناقض الشاعران أي نظم أحدهما قصيدة وعارضه الآخر بقصيدة أخرى مشابهة لها بالوزن والقافية .
إذ أن ذات الشئ لا يكون متناقضاً فلا يجتمع المتناقضان ، ولا يرتفعان مثل الوجود والعدم ، والإيجاب والسلب ، وهل يكون الأداء والعصيان من المتضاد أم من التناقض ، الجواب هو الأول لوجود العذر والقيد والشرط وقاعدة نفي الحرج ولا ضرر ولا ضرار ونحوها .
وموضوع التضاد بين القرآن والإرهاب من وجوه :
الأول : القرآن كلام الله والإرهاب فعل فيه ضرر .
الثاني : نزل القرآن بالرحمة والرأفة والإحسان والعفو ، والإرهاب أذى وإضرار بالذات والغير ، قال تعالى [وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ]( ).
الثالث : يتضمن القرآن البشارات في الدنيا والآخرة والدعوة إلى الصبر ، قال تعالى [إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ]( )، أما الإرهاب فهو يترشح عن استيلاء النفس الغضبية وإرادة البطش .
الرابع : ينهى القرآن عن الظلم والتعدي ، قال تعالى [وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ]( )، بينما في الإرهاب تعد وظلم لأكثر من طرف .
الخامس : تنظم أحكام القرآن الصلات بين الناس بما فيه الرحمة والرأفة ونشر العدل ، أما الإرهاب فهو فتك وبطش .
السادس : لقد نزل القرآن بالتعايش السلمي ، وهذا التعايش من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ).
السابع : من خصائص القرآن أنه يأمر بالتقوى ، ويدعو إليها في آيات كثيرة .
وهو كتاب التقوى والخشية من الله في السر والعلانية ، ومن التقوى الإمتناع عن الإرهاب .
قانون كل آية حرب على الإرهاب والتعدي في الأحزاب
لقد كان زحف قريش وحلفائها إرهاباً وتعدياً ، نعم لم تنهزم قريش يوم أحد كهزيمتهم يوم بدر ، وأشاعوا أنهم حققوا النصر يوم أحد ، وأخذوا بثأرهم من يوم بدر ، وهو خلاف وقائع المعركة وآيات التنزيل ، وكانت إشاعتهم هذه بلاءً عليهم ، وفيها نوع استدراج ذاتي للقيام بالتعدي والهجوم مرة أخرى ، فكانت واقعة الأحزاب ، وبينها وبين الإنكار في قوله تعالى [وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ] ( ) عموم وخصوص مطلق .
وبين معركة أحد والخندق نحو سنتين سخرت قريش أموالها وجهودها في أعداد الجيوش حتى حضر عشرة آلاف منهم وأحاطوا بالمدينة لولا فضل الله في صدّهم ومنعهم بوسائط متعددة منها حفر الخندق بمشورة من سلمان الفارسي ، ومنها قتل الإمام علي عليه السلام لعمرو بن ود العامري الذي كان فعله إرهاباً من جهات :
الأولى : عبور عمرو بن ود العامري الخندق .
الثانية : التقدم للمبارزة .
الثالثة : الإصرار على المبارزة .
الرابعة : تعيير الصحابة لعدم خروج أحدهم لمبارزته ، وهذا التعيير من الإرهاب .
وصار ينادي (أَلَا رَجُلٌ يُؤَنّبُهُمْ وَيَقُولُ أَيْنَ جَنّتُكُمْ الّتِي تَزْعُمُونَ أَنّهُ مَنْ قُتِلَ مِنْكُمْ دَخَلَهَا ، أَفَلَا تُبْرِزُونَ لِي رَجُلًا) ( ).
من بين عشرة آلاف رجل من المشركين عبر نفر الخندق ، وتقدم واحد منهم للمبارزة ، فلم يخرج له واحد من الصحابة ، فكيف إذا هجموا هجمة رجل واحد لبيان نعمة الله عز وجل على المسلمين بحفر الخندق ، نعم لم يعلم عمرو أن الإمام علي عليه السلام كان يستأذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم للخروج لمبازرته ، ولكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول له : أنه عمرو أجلس ، ومرة أخرى يقول له أجلس إنه عمرو بتقديم فعل الأمر ، وهو من الإعجاز في السنة النبوية لإقامة الحجة على الكفار وتأكيد إتصافهم بالتعدي والإرهاب .
وهل كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يقيم الحجة على المهاجرين والأنصار ، بأنه لم يبرز له إلا الإمام علي عليه السلام ، الجواب لا .
إذ كان الصحابة يعهدون هذه الشجاعة الخالصة لوجه الله التي يتحلى بها الإمام علي عليه السلام والتي تجلت في معركة بدر ، ومعركة أحد ، وأن الله عز وجل ناصره.
ولو لم يقم الإمام علي عليه السلام لمبارزة عمرو بن ود العامري ، فهل يطلب منه الصحابة الخروج لمبارزته ، أم أن هذا الطلب غير متعارف في ميادين القتال ، المختار هو الأول .
وعن عبد الله بن مسعود (أنه كان يقرأ هذا الحرف { وكفى الله المؤمنين القتال }( ) بعلي بن أبي طالب) ( ).
وهذا المعنى لا يتعارض مع تفضل الله عز وجل ببعث الريح الشديدة على جيش المشركين ، ومع دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبعث الخوف في قلوبهم .
(عن سعيد بن المسيب قال : لما كان يوم الأحزاب حصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بضع عشرة ليلة حتى خلص إلى كل امرىء منهم الكرب ، وحتى قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك ، اللهم أنك إن تشأ لا تعبد : فبينما هم على ذلك إذ جاءهم نعيم بن مسعود الأشجعي ، وكان يأمنه الفريقان جميعاً ، فخذل بين الناس ، فانطلق الأحزاب منهزمين من غير قتال . فذلك قوله وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ( ).
قانون التضاد بين الرحمة والإرهاب
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار الرحمة والتراحم وما بعث الله نبياً إلا كان أرحم الناس بالناس ، واجتهد في نشر شآبيب الرحمة ، وليكون من معاني قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( )، تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن رسالته رحمة للمسلم والكتابي والكافر.
ومن رشحات نفخ الله من روحه في آدم كما في قوله تعالى [ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ]( )، احساس الإنسان بالرضا والإرتياح عند قيامه بفعل فيه رحمة واحسان ، وشعوره بالإمتعاض عند البطش والإنتقام .
لذا قد تكون حال الغضب التي تظهر عليه حينئذ ليس سبباً للبطش انما نتيجة له ، ومن خصائص هذا النفخ والخلافة في الأرض النزوع إلى الرحمة العامة والخاصة ، وجاء القرآن بتهذيب القول وعالم الفعل .
لقد قابل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الأذى والإرهاب من قريش بالصبر ، والإمهال والمسامحة وليس من نبي تعرض لمحاولات القتل والإغتيال مثل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من وجوه :
الأول : إرادة المشركين خنق النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المسجد الحرام .
الثاني : تكرار محاولات اغتيال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مكة ، قال تعالى [وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ]( ).
الثالث : في الفراش ليلة الهجرة إلى المدينة .
الرابع : في سوح القتال ، فقد كان هدف المشركين في معركة بدر وأحد ، والخندق ، قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الخامس : الذين كانت قريش تبعثهم لاغتيال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة .
السادس : في الحديبية ، وطواف خيل المشركين على النبي وأصحابه الذين ليس معهم سلاح .
السابع : إرادة قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في معركة حنين ، خاصة بعد ان إنهزمت الطلائع الأولى للمسلمين لهجوم هوازن المباغت ، قال تعالى [وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ]( ).
وهو من مصاديق قوله صلى الله عليه وآله وسلم (ما أوذي نبي مثل ما أوذيت) ( ).
ومع هذا كان لا يرد على كفار قريش بالمثل ، ولا يؤذيهم ، ولا يدعو عليهم .
(قيل يا رسول الله ، ألا تلعن قريشاً بما أتوا إليك ، فقال : لم أبعث لعاناً إنما بعثت رحمة ، يقول اللهوَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ( ).
ليكون من معاني عنوان هذا الفصل وهو التضاد بين الرحمة والإرهاب ، أن سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أعدائه الكفار حرب على الإرهاب ، واستئصال له.
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يذكر بقانون من الإرادة التكوينية وهو أن بعثته خير محض ورحمة متصلة .
وقد ذكرت في الجزء السادس والأربعين بعد المائة قانوناً وهو في كل آية قرآنية رحمة من عند الله سواء في المنطوق أو مفهوم الآية ( ).
وقانون وهو أن الرحمة في بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للناس عامة لم ولن يستثنى منها أحد ، ولا تُحجب عن أهل الأرض وإلى يوم القيامة( ).
و(عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن الله بعثني رحمة للعالمين وهدى للمتقين)( ).
لقد أنشأ القرآن والسنة النبوية أنظمة في الرحمة من جهات :
الأولى : الرحمة في شؤون الحكم والرياسة .
الثانية : الرحمة في القضاء .
وفي الحديث (ادرؤوا الحدود بالشبهات)( ).
سواء كانت الشبهة في الإحتمال والظن أو المحل أو عند الفاعل وبيان نوع حيلة ووسيلة يدفع بها الحد .
الثالثة : الرحمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
ترى ما هي النسبة بين الرحمة والمعروف ، المختار هو العموم والخصوص المطلق والرحمة هي الأعم ، ليكون قيام النبي والمسلمين والمسلمات بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ).
الرابعة : الرحمة داخل الأسرة وهي متعددة من وجوه :
الأول : البر بالوالدين ، قال تعالى [قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ مِنْ إِمْلاَقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ]( ).
وقد قرن الله عز وجل الإحسان للوالدين بوجوب التوحيد كما قرن معه النهي عن القتل وسفك الدماء بغير حق ، ومنه الإرهاب والتفجيرات العشوائية .
وهل يدخل الإرهاب العام وإخافة المجتمعات والناس الآمنين في قوله تعالى أعلاه [وَلاَ تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ] أم أن القدر المتيقن منها الزنا والسرقة ونحوها .
الجواب هو الأول ، إذ المراد الإثم والظلم مطلقاً ، قبيح ومنهي عنه.
وجاء قوله تعالى [وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا]( )، في الآية أعلاه من سورة الأنعام بعد نهي عن الشرك بعطف إيجاب على نهي ، ثم الرجوع إلى النهي [وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ مِنْ إِمْلاَقٍ] والقرآن يفسر بعضه بعضاً.
وقد ورد البيان والتأكيد على الإحسان للوالدين ، وعدم إزعاجهما ، قال تعالى [وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا]( ).
الثاني : الرحمة واللطف بين الزوجين ، قال تعالى [وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ]( ).
وهذه الآية من التحدي القرآني العام إذ تبين أن المودة والرحمة ملازمة لعقد النكاح سواء عند المسلمين أو أهل الكتاب أو الكفار ، وهي مصاحبة لوجود الإنسان من حين خلق آدم وحواء ، لتكون نواة للرحمة داخل الأسرة وفي المجتمع.
الثالث : رأفة ورحمة الوالدين بأبنائهما ، وبذل الوسع في اعدادهم وتربيتهم وإصلاحهم ، ومنه تأديبهم في إجتناب الإرهاب والآثام والمعاصي.
وعَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ مَا نَحَلَ وَالِدٌ وَلَدَهُ نُحْلًا أَفْضَلَ مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ( ).
قانون استئصال القرآن للسبي ونظام الرق
لقد تغشت رحمة الله ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم القريب والبعيد ، والبر ، والفاجر ، والذكر والأنثى ، والغني والفقير ، والسيد والعبد ، وساكني المدن والقرى ، والبدو ، وهو الذي تجلى بسيادة الإسلام ، ووقف الغزو ، والنهب والسلب بين القبائل .
ومن الأمثلة في المقام قصة زيد بن حارثة ، إذ كان زيد صبياً جاء مع والدته وهي سعدى بنت ثعلبة إلى أهلها وهم من بني نبهان من قبيلة طي فاغارت خيل من بني فزارة ، فخطفوه من بين يدي أمه ، وأخذوه سبياً مع أنه كان زائراً إذ أن أباه حارثة بن شراحيل من بني كلب وباعوه (في سوق حباشة وهي سوق بناحية مكة كانت مجمعاً للعرب يتسوقون بها في كل سنة)( ).
فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد (باربعمائة درهم) ( )، إذ كان حكيم يتولى شطراً من تجارتها قبل زواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم منها .
وبعد زواج خديجة من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهبت زيداً له وكان عمره ثماني سنوات فاعتنى به وأحسن معاملته بالرحمة وأخلاق النبوة ، وهل وهبت خديجة زيداً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ابتداء أم أنه هو الذي استوهبه منها ، الجواب هو الثاني( ).
ولأن زيداً كان يلمس آيات النبوة فقد أسلم بعد خديجة والإمام علي عليهما السلام ، ليكرمه الله فيذكر اسمه في القرآن ، يتلوه المسلمون إلى يوم القيامة ، ومن الإعجاز تعلق موضوع ذكر اسمه بالنكاح، وفيه ترغيب به ، وإخبار بأن قصة ذكر اسمه شاملة للرجل والمرأة .
قال تعالى [فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً]( )، إذ انقطع التبني بالإسلام ، وهذا الإنقطاع من معاني الرحمة في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفيه تنظيم لشؤون الأسرة ، والعناية بالأنساب وضبطها ، قال تعالى [ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا]( ).
وقد تقدم ذكر قصة زيد( ).
والنسبة بين السبي والأسر عموم وخصوص مطلق ، إذ يشمل السبي النساء والصبيان ، وقد يتم في غير أوان قتال ، إنما يكون غزو قبيلة لأخرى بغتة طمعاً ونهباً وسرقة للأموال والنفوس ، فجاء الإسلام بتحريم هذا السبي وهناك مسألتان :
الأولى : هل من صلة بين نجاة بني إسرائيل من السبي البابلي وبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : هل من معاني الرحمة في بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سيادة الأمن وحرمة السبي في فلسطين ومصر ، فضلاً من الله بعد سبي وبيع نبي الله يوسف عليه السلام.
الجواب نعم ، إذ ساد الأمن والإمتناع عن السبي الحجاز والعراق وفلسطين ومصر ، وإيران وغيرها من البلاد الإسلام وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ).
لقد واجه المشركون النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بالسيف والقتال ، ووقع بعض منهم في الأسر والسبي ، ولكن سرعان ما اعتقهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون ، لينقرض السبي إلى يوم القيامة ، بعد أن كان متوارثاً .
وكان نظام الرق من أسباب هياج وإنكار قريش لرسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، لأن القرآن جاء بالمساواة بين الناس وقوام التفضيل هو التقوى ، ولا ترضى قريش بهذه المساواة ، قال تعالى [إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ]( ).
ولا يكون هذا التفضيل بكثرة الحقوق والعطاء أو التمايز في قلة الواجبات ، وتعدد الإعفاءات ، إنما التفاضل بالأجر والثواب لذا قيدت الآية الإكرام بأنه (عند الله) لتأكيد علم الله عز وجل بخفايا الأمور ، والنوايا ، وقصد القربة في الأفعال .
إن تبديل وإزاحة نظام إجتماعي متوارث أمر ليس سهلاً ويستلزم جهود أمة وتسخير أموال دولة ، ولكن الآية القرآنية سلاح قاهر للقضاء على الإرهاب والنظام الفاسد .
وهو من أسرار تلاوة كل مسلم ومسلمة للقرآن خمس مرات في اليوم على نحو الوجوب العيني ، قال تعالى [فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ..]( ).
ومن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه قضى على نظام السبي والرق على نحو تدريجي ، إذ عامل الكفار في البداية بالمثل لتأديبهم وزجرهم عن محاربة الإسلام ، مع التخفيف بالحضّ على العتق ، وجعل العتق كفارة عن المؤمنين ، ومنه كفارة اليمين ، إذ جعل الله عز وجل العتق بمرتبة إطعام عشرة مساكين أو صيام ثلاثة أيام ، قال تعالى [لاَ يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ]( ) ، لبيان أن آيات القرآن وأحكام الشريعة سلاح لمحاربة الرق والسبي ، وليس لتثبيته .
إسلام وعتق سلمان
لقد ابتدأ انقطاع السبي ببعثة النبي محمد وهو من أسرار دخول عدد من العبيد في الإسلام لأنهم أدركوا أنه طريق الحرية لهم ولأبنائهم ، ولا يصح السبي وتجارة الرقيق في هذا الزمان مطلقاً .
ويخالف الإسترقاق أحكام الشريعة ، والقوانين الدولية ، ليكون من إعجاز القرآن الوفاق بين آيات القرآن التي نزلت قبل أكثر من ألف واربعمائة سنة وبين القوانين الدولية في هذا الزمان .
وفيه دعوة لإخلاص العبودية لله عز وجل وحده ، وتساوي الناس في هذه المرتبة السامية ، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (ان الله تعالى اتخذني عبدا قبل أن يتخذني نبيا)( ).
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوصي باللطف مع الناس جميعاً ، خصوصاً الأجراء والعبيد والإماء والرأفة بهم ، وفي ذات الوقت يحض على عتقهم ، ويقوم هو نفسه بعتق العبيد الذين عنده و(عن أبي مسعود الأنصاري قال: كنت أضرب غلاماً لي فسمعت خلفي صوتاً : اعلم أبا مسعود اعلم أبا مسعود مرتين أن الله أقدر عليك منك عليه فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)( ).
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : مَنْ لَطَمَ مَمْلُوكَهُ أَوْ ضَرَبَهُ حَدًّا لَمْ يَأْتِهِ فَكَفَّارَتُهُ أَنْ يُعْتِقَهُ( ).
وكان سلمان الفارسي رقاً عند أحدهم ، إذ باعوه غدراً فهو حر بالأصل ، وكان سلمان يقول (كنت من ابناء اساورة فارس)( )، والأساورة القادة في الجيش والفرسان وأصل سلمان من اصفهان .
ولم يخرج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بدر وأحد ، ولكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمره أن يكاتب سيده ، ووعده بالإعانة.
والمراد من المكاتبة إجراء عقد مع السيد بالوفاء له بمقدار من المال ونحوه فيصبح حراً سواء كانت مكاتبة مطلقة أو مشروطة والمراد من المشروطة عودة العبد إلى الرق عند العجز وعدم الوفاء بتمام قيمة المكاتبة .
وروي أن امرأة كانت من أهل المدينة قد اشترت سلمان واسمها خليسة .
كما يروي سلمان نفسه إذ قال (مر بي أعرابي من كلب فاحتملني حتى أتي يثرب فاشترتني امرأة يقال لها خليسة بنت فلان حليف لبني النجار بثلاثمائة درهم فمكثت معها ستة عشر شهراً حتى قدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدينة فأتيته فذكر إسلامه .
قال : فأرسل إليها النبي صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب يقول لها: إما أن تعتقي سلمان وإما أن أعتقه وكانت قد أسلمت فقالت: قل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ما شئت.
فقالت: أعتقته.
قال : فغرس لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثمائة سنبلة)( ).
لقد كاتب سلمان على غرس ثلاثمائة نخلة وأربعين أوقية من الذهب ، واشترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون في احضار النخل والحفر لها وزرعها ، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد زرع بيده أكثر هذه الفسائل ، وجمع مال العتق وتم عتق سلمان ، وكانت أول معركة شارك فيها هي الخندق ، والإجماع على أن سلمان هو صاحب فكرة الخندق لتحصين المدينة من المشركين الغزاة مما زاده رفعة في الإسلام إلى يومنا هذا.
إذ قال (يا رسول الله، إنا كنا بفارس إذا حُصِرْنَا خندقنا علينا)( ).
واشترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالحفر ونقل التراب ، ومن هذا العمل صارت تسمى غزوة الخندق ولكن بنسبتها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكأنه هو الغازي ، بينما هو في حال دفاع ضد الغزو والإرهاب .
وتجلت معحزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في سلمان وعتقه مع كثرة مال المكاتبة ، لأنه لو بقي رقاً ، فربما لم يأذن له سيده بالحضور عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمشاركة في القتال .
وصار عند سلمان مولى ، إذ لم يجعل عنده رقاً بل يعتقه واسم مولى سلمان (سويد) الذي قال (لما فتحت المدائن أصبت سلة فقال سلمان: هل عندك شيء ، قلت : سلة.
قال: هاتها فإن كان طعاماً أكلناه أو مالاً رفعناه إلى هؤلاء.
قال : ففتحناها فإذا أرغفة حوارى وجبنة فكان أول ما رأت العرب الحوارى)( ).
لبيان أن الإسلام لم يكتف بعتق الرقيق ، إنما يعلي شأنهم ، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (سلمان منا أهل البيت) ( ).
واصبح سلمان أميراً على المدائن وكان عطاؤه خمسة آلاف درهم يوزعها على الفقراء ، ويعمل بيده يصنع الخوص ويبيعه ، ويقول : لا أحب أن آكل إلا من عمل يدي، وفيه غلق لباب الفساد عن الذات والغير ، إقتداء منه برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهل فيه محاربة للإرهاب.
الجواب نعم ، لبيان مسائل بخصوص إسلام سلمان تتعلق بعنوان هذا الجزء ، فقد دخل الإسلام لأنه كان يسعى في البحث عن دين الحق ، وينتظر البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حتى إذا وجده بعلاماته وصفاته آمن به ، وقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعتقه لأن نيل الحرية من أعظم وسائل محاربة الإرهاب في باب الرق ، وتسخيره في الحرام والإرهاب ، ويدل عليه تسخير قريش العبيد في محاربة النبوة والتنزيل ، ومنها قتل وحشي لحمزة عم النبي يوم معركة أُحد ، وكان وحشي مولى جبير بن مطعم .
قال الكلبي : إنّه لما قتل حمزة ، وكان قد جُعل له على قتله أن يعتق ، ولم يوفَ له بذلك فلمّا قدم مكة ندم على صنيعه هو وأصحابه ، فكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنّا قد ندمنا على الذي صنعنا وإنه ليس يمنعنا عن الإسلام إلاّ أنّا سمعناك تقول وأنت بمكة [وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ]( ).
وقد دعونا مع الله إلهاً آخر ، وقتلنا النفس التي حرّم الله ، وزنينا ، ولولا هذه الآية لاتبعناك ، فنزلت [إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ]( )، الآيتين فبعث بهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى وحشي وأصحابه ، فلمّا قرأوها كتبوا إليه : هذا شرط شديد نخاف ألاّ نعمل عملا صالحاً فلا نكون من (أهل) هذه الآية [إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ]( ).
فبعث بها إليهم فقرؤوها ، فبعثوا إليه : إنا نخاف ألاّ نكون من أهل مشيئته ، فنزلت [يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ]( ).
فبعث بها إليهم فلما قرؤوها دخل هو أصحابه في الإسلام ، ورجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقبل منهم ، ثم قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لوحشي : أخبرني كيف قتلت حمزة .
فلما أخبره قال : ويحك غيّب وجهك عنّي ، فلحق وحشي بالشام فكان بها إلى أن مات( ).
آيات تنمية ملكة إجتناب القتل
من إعجاز القرآن تضمنه آيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والإرهاب من المنكر والفعل القبيح ، وتبعث آيات القرآن في النفوس الحرص على الإمتناع عن قتل الحيوان بدون سبب ، وكذا الحيوان الذي يمتلكه الغير .
ومن محظورات الإحرام صيد الحيوان البري المتوحش المأكول اللحم ، فلا يجوز للذي أحرم للعمرة أو الحج أن يصيده ، وإن فعل ففيه الكفارة بمثل ما قتل ، أو الكفارة بالدراهم ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ] ( ) .
ولا تشمل الحرمة صيد البحر والنهر كالسمك ونحوه .
ويبتلي الله عز وجل الإنسان بالسراء والضراء ، والغنى والفقر ، لهدايته إلى سبل الرشاد ، ويقترن الإحرام بموارد من الإمتحان والإبتلاء منها محظورات الإحرام .
ومن أهمها حرمة صيد البر للمحرم في حج أو عمرة ، ولا يشمل صيد البحر من السمك ونحوه ، لقوله تعالى [أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ] ( ) ليدل بالأولوية القطعية والدلالة التضمينة والإلتزامية على أمور :
الأول : بيان قانون وهو الدنيا دار الإبتلاء والإمتحان .
الثاني : قانون الفرائض العبادية تأديب وإصلاح .
الثالث : قانون مع الإيمان تأتي أفراد من الإبتلاء ، قال تعالى [أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ]( ) ومن هذه الأفراد لزوم الإمتناع عن الإرهاب والتفجيرات ، وإثارة الرعب والخوف في المجتمعات والمنتديات .
فمع نزاع القرآن المسلح ضد الإرهاب في المقام دلالة المنع من الصيد على النهي عن القتل ، وإزهاق الأرواح ، إذ تبين الآية أن من خصائص المسلم الإمتناع عن صيد حيوان بري ليس له مالك والحرمان من لحمه وشحمه في طريق الإحرام ، وهذا الحرمان طاعة لله عز وجل ، وتنزه عن صيرورة الحرام طريقاً للنعم ، فلا تنال الأيدي والرماح والبنادق الصيد في الإحرام ، وإن كان قريباً سواء في الحرم أو خارجه ،ما دام الإنسان محرماً .
فمن باب الأولوية إجتناب قتل الإنسان لأن أيام الدنيا كالإحرام بالنسبة لسفك الدماء بغير حق ، فات قلت حرمة صيد البر خاصة بالذين يحرمون لأداء الحج والعمرة ، وليس كل المسلمين، والجواب إن حرمة سفك الدماء حكم عام متوجه إلى المسلمين .
ومن الإعجاز نزول القرآن بآية يتلوها المسلمون والمسلمات في صلاتهم اليومية ، وجاءت السنة النبوية لبيانه وتفصيله .
وأجاز النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قتل الدواب الضارة في الحل والحرم ، إذ قال ( خمس من الدواب لا جناح على من قتلهن في الحل والحرم الغراب والفارة والكلب العقور والحدأة والعقرب)( ).
ويفيد هذا الحديث في مفهومه الزجر عن الإرهاب لإنتفاء السبب له ، ولأن فيه سفكاً للدماء وإصابة الناس بجراحات وعاهات ، ويترتب عليه الحنق والبغض للطرف الذي يقوم بالإرهاب .
وتتضمن قصص القرآن الزجر عن الإرهاب ، والمنع من التكبر والخيلاء، ومن إيذاء الغير ، وهو من مصاديق [لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ] ( ) .
فمع أن مجموع الأنبياء هو مائة وأربعة وعشرون ألف نبي فان الذين ذكرت قصصهم في القرآن خمسة وعشرون نبياً ، لبيان قانون وهو أن قصص وحياة هؤلاء الأنبياء مثال ونموذج لقصص وحياة عامة الأنبياء وكفايتها في الإعتبار ، ومادة الإتعاظ منهم .
وقد نزل القرآن بمواعظ من حياة الأنبياء تطرد الإرهاب ، وتحاربه في الليل والنهار بلحاظ تلاوة كل مسلم ومسلمة لآيات القرآن خمس مرات في اليوم .
ومن هذه المواعظ دلالة آيات القرآن على إتصاف الأنبياء بالأخلاق الحميدة ، بما يجذب الناس إليهم ، ويدل قوله تعالى فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَعلى تنزه النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الإرهاب ومقدماته ، والأمارات والعلامات الدالة عليه .
والفظ : الجاف والشديد في المعاملة ، وغلظة القلب قسوته وقلة الرحمة، ويحتمل وجوهاً :
الأول : ولو كنت فظاً غليظ القلب مع المسلمين لأنفضوا من حولك لدلالة نظم الآية عليه.
الثاني : ولو كنت فظاً غليظ القلب مع المسلمين وأهل الكتاب لانفض المسلمون من حولك.
الثالث : ولو كنت فظاً غليظ القلب مع الناس جميعاً .
والمختار هو الأخير إذ أن حسن الخلق ورقة القلب قانون ملازم للنبوة ، ويدل عليه قوله تعالى [وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ] ( ).
وهل الآية أعلاه سلاح ضد الإرهاب ، الجواب نعم فهي سلاح يومي بيد المسلم وغير المسلم على الإرهاب ، ومانع منه ، ومادة للإحتجاج على الذي ينوي الفعل الإرهابي ، وعلى الذي يحرضه أو يساعده .
وهي مانع من إنشاء المجاميع الإرهابية لأن الله تعالى يأمر المسلمين بالإقتداء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومحاكاته في سيرته ، قال تعالى [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا]( ).
فان قلت قد ورد قوله تعالى [مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا]( ) .
الجواب المراد في الآية الكفار الذين يحاربون الإسلام ، ويجهزون الجيوش للإغارة على المدينة ، وعامة المشركين .
ألا ترى ان الآية أثنت على المؤمنين لإنشغالهم بالركوع والسجود ، والذي يدل بالدلالة الإلتزامية على عصمتهم من الإضرار بالآخرين ، والإرهاب أشد أنواع الضرر ، ويلحق المسلم والكتابي وغيرهما ،بينما ذكرت الآية الشدة مع الكفار ، وحتى الشدة لا تصل إلى الإرهاب بمفهومه في هذا الزمان .
ولم يرد لفظ [أَشِدَّاءُ] في القرآن إلا في الآية أعلاه ، وكأنه إشارة إلى انطواء مرحلة هجوم المشركين على المدينة ، وإنقطاع القتال بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبينهم ،وهو الذي تجلى في صلح الحديبية في شهر ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة .
ليكون من سنن السلام في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم إنقطاع القتال بينه وبين الذين كفروا بالصلح والموادعة ، قال تعالى [وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتْ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا]( ).
ترجمة عمرو بن سعيد بن العاص
المراد من جده في سند الحديث أعلاه هو عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية الذي هاجر إلى الحبشة ، ثم إلى المدينة ، (وقدم على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع أخيه خالد بن سعيد سنة سبع من الهجرة) ( ).
وشهد مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فتح مكة ومعركة حنين ، وتبوك ، واستشهد في معركة أجنادين سنة (13) للهجرة في الشام .
وقال ابن إسحاق : قتل يوم اليرموك هو وأخوه أبان .
وكان لعمرو بن سعيد سبعة من الأخوة ثلاثة ماتوا على الكفر ، وهم :
الأول : أحيحة بن سعيد ، وبه كان أبوه يكنى ، قتل يوم الفجار قبل البعثة النبوية .
الثاني : العاصي بن سعيد ، قتل يوم بدر كافراً .
الثالث : عبيدة بن سعيد قتل يوم بدر كافراً .
وعن الزبير بن العوام قال : لقيت يوم بدر عبيدة بن سعيد بن العاص وهو مدجج في الحديد لا يرى منه إلا عيناه ، وكان يكنى أبا ذات الكرش فطعنته بالعنزة في عينه فمات فلقد وضعت رجلي عليه ثم تمطيت فكان الجهد أن نزعتها ولقد انثنى طرفها( ).
واربعة دخلوا الإسلام ولهم صحبة وهم :
الأول : خالد بن سعيد .
الثاني : أبان بن سعيد .
الثالث : سعيد بن سعيد .
الرابع : الحكم بن سعيد ، وبدل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اسم الحكم وسماه عبد الله .
قانون لزوم تقديس الناس للقرآن لنزاعه الإرهاب
لقد سادت في المجتمع القبلي في الجزيرة عادات متباينة منها ما هو حسن ، ومنها ما هو قبيح ، وليس من رادع للقبيح ، ومنه الإرهاب والبطش ونظام الغاب والنهب والغزو والوأد .
وتستند هذه العادات المذمومة والسلوك غير الحسن إلى الكفر والشرك ، وبعث الله عز وجل النبي محمدا صلى الله عليه وآله وسلم بالتوحيد ، لبيان قانون وهو أن الإيمان علة للصلاح ، وسبب لإجتثاث الباطل وكما هو الإرهاب في هذا الزمان ، فلم ينحصر البطش أيام الجاهلية بقبيلة أو فئة دون أخرى ، وليس له هدف معين ، ولا يرعى سلامة المدنيين والناس العزل ، ويأتي السبي والقتل على الكبير والصغير ، والرجل والمرأة ، ويتم استعمال وسائل عديدة لتحقيق الأغراض الخبيثة فهي أعمال عنف وبطش غير مشروعة وخلاف علة خلق الله عز وجل للناس ، قال الله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ]( ).
وكان التهديد بين القبائل والجماعات والأفراد مستمراً ، وكل طرف يتحين الفرصة لتنجز تهديده بالقتل أو الغزو ، وليس من رادع عام للناس ، وكانت هناك نوع مداراة للإرهابيين لدفع شرهم وأذاهم ، وليس من قانون دولي آنذاك ذي صبغة انسانية لوضع حد للنزاعات والإقتتال بين القبائل والطوائف والدول ، فلم ينحصر ويضيق الإقتتال والغزو بين القبائل ، إذ كانت الدول العظمى آنذاك تتقاتل .
وقد وثّق القرآن القتال المتكرر بين الدولة الرومانية والفارسية ووقوعه أيام البعثة النبوية ، قال تعالى [الم * غُلِبَتْ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ]( ).
ولم يرد لفظ (غُلبت) في القرآن إلا في الآية أعلاه وكذا لفظ (الروم) مع أن السورة بكاملها سميت باسم سورة الروم ، وعدد آياتها ستون آية ، وهي مكية.
و(عن ابن عباس في قوله [الم * غُلِبَتْ الرُّومُ]( )، قال : قد مضى . كان ذلك في أهل فارس والروم ، وكانت فارس قد غلبتهم ، ثم غلبت الروم بعد ذلك ، والتقى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع مشركي العرب ، والتقى الروم مع فارس ، فنصر الله النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه من المسلمين على مشركي العرب ، ونصر أهل الكتاب على العجم . قال عطية : وسألت أبا سعيد الخدري عن ذلك فقال : التقينا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومشركي العرب ، والتقت الروم وفارس ، فنصرنا على مشركي العرب ، ونصر أهل الكتاب على المجوس ، ففرحنا بنصر الله إيانا على المشركين ، وفرحنا بنصر أهل الكتاب على المجوس ، فذلك قوله وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ( ).
ومن خصائص النفس الإنسانية الرضا عند العزوف عن الإنتقام ، حتى الظالم إذا انزجر عن إرهابه يحس بالإرتياح والسكينة ، ويدرك أن آفاقاً تفتح أمامه ، وهو من مصاديق الرحمة واللطف في خلافة الإنسان في الأرض.
لقد صارت الحياة بنزول القرآن عذبة حلوة ، يأنس الناس في عمارة الأرض ، ويتنعمون بالأمن ، فينام أهل القرية الليل من غير تناوب في الحراسة وفزع ، ويغلق صاحب الدواب باب الحضيرة عليها من غير خشية من السراق واللصوص ، إذ كانت آيات القرآن تنفذ إلى شغاف القلوب تمنع الناس من الغزو والقتل والنهب ، إلى جانب الحدود والعقوبات التي نزل بها القرآن ، منها ما ورد في السرقة ، قال تعالى [وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاًمِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ]( ).
ومن إعجاز القرآن محاربته للإرهاب من حين نزوله وفي كل يوم من آيام الحياة الدنيا لبيان فضل الله عز وجل بنزوله ، ولزوم تقديس الناس له ، واتخاذه سلاحاً ضد الإرهاب الخاص والعام .
قانون آيات الرحمة حجب للإرهاب
من معاني قوله تعالى [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( )، شمول الوقائع المستحدثة لبيانات القرآن ، فما من واقعة إلا وللقرآن فيها حكم وتأويل بلحاظ القواعد والقوانين العامة في القرآن ، ومضامينه القدسية ، ومع قلة حوادث الإرهاب فقد أخذ صبغة عالمية في هذا الزمان بسبب وسائل الإعلام ، وإيصالها الخبر لأي قرية وبلدة في العالم ولإنتفاء الخبر ، وتوجيهه أحياناً .
ومن إعجاز القرآن مجئ آياته بحرمة الإرهاب والنهي عنه ، وفق دلالات قراءة علمية تحليلية لآيات القرآن ، كما أن الإرهاب والخطاب المتشدد أجنبي عن آيات القتال الواردة في القرآن إذ أنها تدل على الدفاع المحض.
ومنه حصر الأمر للمسلمين بالقتال بالذين يقاتلون المسلمين ، وأن يكون القتال بقصد القربة إلى الله ، قال تعالى [وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ]( ).
لقد نزل القرآن للقضاء على ثقافة الإماتة والقتل ، ومقدماته من الغزو ونحوه ، إنما تكون نصرة الدين برفع لواء السلم والموادعة والتي تتجلى باقامة الفرائض العبادية اليومية.
ومن مواضع الإحصاء في المقام وجوه :
الأول : قوله تعالى [بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] والذي يلح في تكراره على التراحم بين الناس ، وإظهار لغة الإحسان ، ، ومن الإعجاز في محاربة القرآن وجود البسملة في أول كل سورة من القرآن عدا براءة ، سواء قيل أنها جزء من كل سورة ، وهو المختار ، أو من سورة الفاتحة وحدها .
ومن معاني البسملة أنها تنفي سلطان الإنسان على أهل الأرض ، إذ تتضمن الإخبار بأن الله عز وجل هو الرب والإله وهو الرؤوف الرحيم بالناس جميعاً ، وليس للمؤمن الخروج عن هذا المعنى .
ولو دار الأمر بين الصدور عن البسملة ودلائل الرحمة فيها أو الموروث من مفردات القتل والقتال في كتب الفقه والتفسير فالمدار هو الأول ، وهو من الإعجاز في سلامة القرآن من التحريف والتبديل والتغيير.
الثاني : إحصاء معاني الرحمة والرأفة في أسماء الله الحسنى سواء في ذات الأسماء أو في دلالاتها ، ورشحاتها ، وهي كثيرة مثل القدوس ، السلام ، الرحمن ، الرحيم ، المؤمن ، الخالق ، الوهاب ، الرؤوف ، الرزاق ، الباسط ، اللطيف ، المعز ، الشكور ، المبدئ ، الهادي .
الثالث : آيات العفو والصفح ، وهي على شعب :
الأولى : آيات العفو الحاضر من عند الله عز وجل ، منها قوله تعالى [قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ]( )، وقوله تعالى [عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ]( )، وقوله تعالى [عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ]( )، وقوله تعالى [ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]( ).
إذ أخبرت الآية أعلاه عن تحقق العفوّ من الله عز وجل بصيغة الفعل الماضي .
الثانية : الوعد الكريم والبشارة بالعفو من عند الله عز وجل يوم القيامة.
وهذا العفو متعدد في موضوعه وجهته ، فمن أسماء الله عز وجل العفو ، وفي التنزيل [وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا]( )، [فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا]( )، فمع عظيم سلطان الله عز وجل ، وأنه على كل شئ قدير ، فهو العفو عن الناس لبعث الأمل في النفوس برجاء العفو من عند الله ، ولشيوع فلسفة العفو فيما بينهم ، ويندم الإنسان على الإنتقام والثأر خصوصاً مع شدة وقسوة وآثاره ، ولكنه لا يندم عن العفو.
الثالثة : لقد جاء القرآن بالحضّ على العفو عن القريب ومطلقاً .
ومن القريب قوله تعالى [إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ]( ).
ومن الإطلاق في العفو قوله تعالى في الثناء على المؤمنين [وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ]( ).
ولم يرد لفظ (غضبوا) في القرآن إلا في الآية أعلاه ، وهذه الندرة وتعقب المغفرة والعفو للغضب دعوة للتنزه عن الحدة وغلبة النفس الغضبية.
وأيهما أكثر :
الأولى : آيات الرحمة والعفو من عند الله .
الثانية : الآيات التي تتضمن الأمر إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالعفو والرحمة .
الثالثة : آيات التراحم والعفو بين الناس .
المختار هو الأول ، كما أن الأمر من الله بالرحمة والعفو هو من مصاديق عفوه تعالى .
ومن الآيات أن الله عز وجل يثيب ويرزق الذي يعفو عن غيره مسلماً كان أو غير مسلم .
كما يدل عليه قوله تعالى وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ( )* الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.
قانون خلافة الأرض تكليف وواقية من الإرهاب
الحمد لله الذي لم يخلق آدم إلا بعد أن أمر بجعله [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، وهذا السبق إكرام متقدم لآدم وذريته ، وبيان لوظائفهم العبادية طيلة أيام حياتهم ، وهل من ملازمة بين الخلافة في الأرض وبين أيام الحياة الدنيا ، تحتمل النسبة بينهما وجوهاً :
الأول : نسبة التساوي وأن خلافة الإنسان في الأرض قائمة ما دام هناك وجود إنساني على الأرض .
الثاني : نسبة العموم والخصوص المطلق ، وهو على شعبتين :
الأولى : أيام الحياة الدنيا أعم من الخلافة ، فتمر أحقاب ليس فيها خليفة لله في الأرض ، خاصة على القول بأن الخلافة خاصة بآدم أو بالأنبياء دون غيرهم من البشر .
الثانية : الخلافة في الأرض أعم من أيام الحياة الدنيا ، وهل نيل آدم مرتبة الخلافة وهو لا يزال في الجنة قبل هبوطه إلى الأرض ، الجواب لا ، لتقييد الخلافة بأنها في الأرض ، قال تعالى [وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا]( )، وفي الآية شاهد على أنه لا يقدر أحد على الإسكان والإقامة المحدودة والمشروطة أو الأبدية في الجنة إلا الله عز وجل .
الثالث : نسبة العموم والخصوص من وجه ، فهناك مادة للإلتقاء وأخرى للإفتراق بين أيام الحياة الدنيا والخلافة في الأرض .
الرابع : أما نسبة التباين فهي معدومة لإستحالتها.
والمختار هو الأول أعلاه ، مع إرادة المعنى العام للخلافة ، وهو على شعبتين :
الأولى : خلافة الله في الأرض .
الثانية : خلافة الإنسان الباقي بالنسبة للماضي ، وتكون الخلافة في الحكم والسلطنة .
وتنخرم الشعبة الثانية أعلاه من وجوه :
الأول : اخبار الله عز وجل للملائكة بالخلافة في الأرض قبل أن يخلق آدم وقبل أن يهبطه إلى الأرض.
الثاني : نيل آدم مرتبة الخلافة وليس من إنسان قبله ، إلا على القول بوجود النسناس قيل الإنس في الأرض .
الثالث : ورود لفظ (خليفة) في القرآن بصيغة التنكير في سياق الإثبات وتفيد العموم ، كما في قوله تعالى [عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ]( ).
الرابع : جاءت خلافة الإنسان لإكرامه من بين الخلائق.
والمختار أن خلافة الإنسان في الأرض متعددة ، وعلى مراتب من جهات:
الأولى : خلافة الأنبياء ، وهي أسماها .
الثانية : خلافة الملوك والسلاطين .
الثالثة : خلافة العلماء والأولياء .
الرابعة : خلافة الناس جميعاً .
فان قلت قد ورد احتجاج الملائكة [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ]( )، والجواب لم يكن احتجاج الملائكة على شخص الخليفة فلم تقل الآية (أتجعل فيها خليفة يفسد فيها) إنما احتجوا على الذين يرتكبون المعاصي ، ويقتلون ويسفكون الدماء بغير حق .
وهل يشمل هذا التحذير الإرهاب والبطش والتفجيرات العشوائية ، الجواب نعم ، لبيان الضرر العام الذي يلحق المجتمعات من الإرهاب وتأذى الملائكة منه ، إذ أنه يتنافى مع مصاديق الخلافة في الأرض .
ولقد كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم[فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، فهو الرسول والإمام والحاكم بالحق والتنزيل ، قال تعالى [فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ]( ).
ومن أسرار كون معجزة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم معجزة عقلية وهو القرآن بقاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، إلى يوم القيامة ، لإستدامة العمل بشريعته وسنته ، ومنها حرمة الإرهاب ، وتتجلى هذه الحرمة من الكتاب والسنة .
و(عن عبادة بن الصامت قال ان من قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قضى ان لا ضرر ولاضرار)( ).
وسأل عمر بن الخطاب (طلحة والزبير وكعباً وسلمان : ما الخليفة من الملك .
فقال طلحة والزبير : ما ندري
فقال سلمان : الخليفة الذي يعدل في الرّعية ويقسم بينهم بالسّويّة ويشفق عليهم شفقة الرّجل على أهله ويقضي بكتاب الله.
فقال كعب : ما كنتُ أحسب أن في المجلس أحداً يعرف الخليفة من الملك غيري ، ولكنّ الله عزّ وجلّ ملأ سلمان حكماً وعلماً وعدلا.
وروى زاذان عن سلمان : إنّ عمر قال له : أملك أنا أم خليفة .
فقال سلمان : إنْ أنت جبيت من أرض المسلمين درهماً أو أقل أو أكثر ووضعته في غير حقّه فأنت ملك. قال : فاستعبر عمر)( ) .
وهل من معاني الخلافة قوله تعالى [وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ] ( ).
الجواب نعم لبيان أن ملاك الخلافة في الأرض هو الإستقامة والصلاح ، وبيان قانون في ماهية الخلافة وهو إنقطاع الظلم والطغيان، وعدم استمراره ، وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( )في احتجاج الله عز وجل على الملائكة حينما قالوا [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ] ( ) أي أن الله عز وجل أخبر الملائكة بأن الفساد في الأرض لا يستديم وأن الله عز وجل يهيئ المقدمات والأسباب لتولي الصالحين شؤون الحكم والولاية ، وهداية الناس نحو سبل التقوى والفلاح .
ومن الخلافة كثرة النعم ، وعدم وجود اضطهاد وحجب دون نيلها ، مما يملي على المؤمنين الشكر لله عز وجل ، ومن مصاديقه إجتناب الإرهاب ، والإضرار بالمصالح العامة والخاصة ، قال تعالى [وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ]( ).
من آيات العفو
من إعجاز القرآن وجود آيات العفو في السور المكية والسور المدنية ، ومن أسرار تعاقب نزول آيات القرآن ، وعدم نزولها دفعة واحدة ، موضوعية أسباب النزول وتذكير المسلمين والناس جميعاً بالعفو واتخاذه منهاجاً ، وقد فرض الله عز وجل تلاوة القرآن على كل مسلم ومسلمة في الصلاة اليومية ، لتكون التلاوة على وجوه :
الأول : التذكير بالعفو ، والترغيب فيه والعفو أمر وجودي ، وهو من مصاديق فعل الخير ، قال تعالى [أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ]( ).
الثاني : ندب المسلمين وغيرهم للتحلي بالعفو .
الثالث : التخلي عن الغضب والبطش والإنتقام ، قال تعالى [وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ]( )، للجمع بين العصمة من المعاصي وبين العفو والمغفرة عند تلقي الأذى ، وتحمل الأذى ، وكظم الغيظ ، والتجاوز عن المسئ .
ولم يرد لفظ (غضبوا) في القرآن إلا في الآية أعلاه كما لم يرد بصيغة الأمر أو المضارع للمفرد والجمع ، لبيان أن ذكر الغضب هنا بعنوانه السلبي الذي يعني حبسه ، وكتمانه ، وإبداله بالعفو والمغفرة وهو من الدلائل على وجوب قهر الإرهاب ومنع دبيبه إلى النفس ، ولزوم التنزه عنه .
ترى ما هي النسبة بين العفو والإرهاب ، الجواب هو التضاد والتعاكس ، خاصة قد يأتي الإرهاب من غير سبب شخصي ، وضرر لحق صاحبه .
ومن آيات العفو :
الأولى : قوله تعالى [وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ]( ).
وهل يدل ورود لفظ [اعْفُوا][ اصْفَحُوا] مرة واحدة في القرآن وفي الآية أعلاه على تقييد من العفو والصفح بخصوص مضامين هذه الآية الجواب لا.
فلا يخص الأمر بالعفو والصفح بالذين يودون إرتداد المسلمين إنما هو عام مع أهل الكتاب وغيرهم لأصالة الإطلاق ، خاصة وأن الود بقوله تعالى [وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ] كيفية نفسانية قد لا تنكشف للناس ، ولا تترجل إلى الخارج.
وإذ كان أهل الكتاب عندهم هذا الود مع أنهم الأقرب للمسلمين ، فان الكفار قاموا بالهجوم وغزوا المدينة لقتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
ومع هذا يشملهم الأمر من الله للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بالعفو عنهم وتجلى العفو ببهاء وموعظة في سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فهو الإمام في العفو .
وقد شمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعفوه المنافقين ، وتحمل الأذى منهم دون أن ينتقم منهم ، وامتنع حتى عن توبيخهم وتعييرهم ، ولم يدع المسلمين إلى إزدرائهم واجتناب مجالستهم .
وكانت آيات القرآن تفضح النفاق والمنافقين ولكن من دون ذكر أسمائهم ، قال تعالى [إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ]( )، وقال تعالى [وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ * لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ]( ).
لبيان شدة خوف وفزع المنافقين ولم يرد لفظ (ولكنهم قوم) ولفظ (يفرقون) إلا في الآية أعلاه ، ويفرقون أي يستولي عليهم الخوف والفزع وتدل صيغة المضارع على مصاحبة الخوف والفزع لهم في حال السلم والحرب.
ومن فضل الله في إكرام الذي ينطق بالشهادتين إن ذات النطق مرتبة رفيعة .
وآيات العفو من عند الله ، بشارة ووعد وعهد ونعمة متصلة ، وتتغشى الحياة الدنيا والآخرة .
الثانية : [عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ]( ).
الثالثة : [إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا]( ).
الرابعة:[وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنْ السَّيِّئَاتِ]( ).
عفو الله رحمة متجددة
النسبة بين عفو الله في الآخرة وعفوه في الدنيا العموم والخصوص المطلق ، إذ أن عفو الله في الآخرة أضعاف مضاعفة لعفوه في الدنيا سواء من جهة الأفراد أو الطوائف وأهل الملل ، أم من جهة الكم والكيف في ذات الذنوب والمعاصي ، وهل يعفو الله عز وجل عن الإنسان مدة وجوده في عالم القبر والبرزخ ، الجواب نعم ، من جهات :
الأولى : مضاعفة الحسنات ، إذ أن هذه المضاعفة مستمرة من حين إتيان العبد العمل الصالح وهو من مصاديق قوله تعالى [وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ]( )، وتأتي المغفرة دفعة ، وتأتي تدرريجياً.
الثانية : استغفار الأحياء للميت والصدقة عنه ، وهو في قبره ، وأداؤهم ما فاته من الواجبات العبادية وقراءة القرآن عنه ، وقال بعض العلماء عدم وصول هذه العبادات له لقوله تعالى [وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى]( ).
ولكن سعي الولد ، وبره بأبيه بعد موته من هذا السعي .
وقال الإمامية والحنابلة والحنفية بوصول ثواب قراءة القرآن والإستغفار والصوم للميت ، وقال الشافعي لا تصل ، ولكن عدداً من أصحابه قالوا بوصولها ، وكذا ذات الإختلاف في مذهب مالك ، والإجماع على صحة الحج عن الميت.
وليس المدار على قول مخصوص من بعض العلماء عند الإختلاف إنما يستقرأ دليل وصول الثواب من الكتاب والسنة ، وسعة رحمة الله بالحي والميت ، وما في هذا القضاء عن الميت من إقرار الحي بعالم الآخرة والحساب ، ورجائه الثواب .
وفي هذا الزمان حيث يكون هناك تقصير من بعض الناس في الصلاة أو الصيام ، حتى إذا قربت منيته أوصى بما فاته من الصلاة أو الصيام ، أو أن ابناءه وورثته يبادرون إلى أدائها نيابة عنه ، أو دفع قيمة الإجارة للفقيه .
فلابد من التخفيف في الفتوى رجاء المطلوبية ، وتلمس أسباب القبول من الكتاب والسنة والله هو العفو الغفور الذي يقيل العثرة ، سواء صدر التدارك من صاحبها أو وريثه أو غيره من الناس كالصديق والجار والقريب.
ليكون من معاني وعموم الوصية بالجار في قوله تعالى [وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا]( )، الإستغفار للجار الحي والميت.
للوصية بالجار عند موته بابراء ذمته ، والإستغفار له ، والعناية بأولاده والإيتام منهم خاصة لأنهم بمنزلة الجار أيضاً وكذا بالنسبة للوالدين ولذي القربى الذين تذكرهم الآية أعلاه لبيان استدامة الصلة بين أهل الدنيا وأهل الآخرة .
ولم يذكر الجار في القرآن إلا في الآية أعلاه وعلى نحو متكرر ، مع تأكيد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على لزوم حسن صلة الجوار .
و(عن رجل من الأنصار قال : خرجت من أهلي أريد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإذا به قائم ورجل معه مقبل عليه ، فظننت أن لهما حاجة.
فلما انصرف قلت : يا رسول الله لقد قام بك هذا الرجل حتى جعلت أرثي لك من طول القيام .
قال : أوقد رأيته ، قلت : نعم .
قال : أتدري من هو ، قلت : لا .
قال : ذاك جبريل ، ما زال يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ، ثم قال : أما أنك لو سلمت رد عليك السلام)( ).
وفي الآية أعلاه ، وأحاديث حسن الجوار لزوم إجتناب إيذاء الجيران مطلقاً ، والتنزه عن إرهابهم وإخافتهم .
وهل يقابل الموتى الإحسان لهم بمثله ، أم أنهم في عالم الحساب الخالي من العمل .
المختار هو الأول وأنهم في عالم البرزخ قد يدعون لمن يحسن إليهم ، وفي كل زمان ، وفي كل بلدة وقرية هناك شواهد من عالم الرؤيا تدل على هذا المعنى ، خاصة وأن الموتى لا يكذبون في الرؤيا لأنهم من عالم الخلود.
وهل يشتكي الذي يموت بعمل إرهابي وسفك دم وهو في عالم البرزخ إلى الله عز وجل أم يرجئ شكواه ليوم القيامة ، المختار هو الأول ، وأنه يشكو لله في القبر وعند البعث خاصة وأن هناك حساباً إبتدائياً في عالم القبر.
و(عن أبى الغوث بن الحصين الخثعمي قال قلت يارسول الله أبى ادركته فريضة الله في الحج وهو شيخ كبير لا يتمالك على الراحلة فما ترى ان احج عنه قال نعم حج عنه قال يا رسول الله وكذلك من مات من اهلينا ولم يوص بحج فنحج عنه قال نعم وتؤجرون قال ويتصدق عنه يصام عنه قال نعم والصدقة افضل)( ).
فوردت في هذا الحديث صحة الصيام نيابة عن الميت ويتفرع عنها الإستئجار للنيابة عن الميت في الصيام ودفع فدية أو كفارة الصيام وكذا بالنسبة للصلاة نيابة عن الميت لإطلاق الأدلة ، ولما يأتي أدناه عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام .
وعن ابن عباس (إن امرأة من خثعم سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه.
قال : نعم ، وذلك في حجة الوداع
في رواية : لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : فحجي عنه أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته ، قالت نعم ، قال : فدين الله أحق أن يقضى)( ).
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام (ما يمنع الرجل منكم أن يبر والديه حيين أو ميتين: يصلي عنهما ، ويتصدق عنهما، ويحج عنهما، ويصوم عنهما، فيكون الذي صنع لهما، وله مثل ذلك ; فيزيده الله عزوجل ببره وصلاته خيرا كثيرا)( ).
الثالثة : فضل الله عز وجل في التخفيف عن أهل القبور بنسائم من رحمته ، ومن الناس من يكون قبره رؤضة من رياض الجنة فمن يعمل صالحاً ويتحلى بالصبر ويتجنب الإضرار بالناس في حياته ، والإرهاب سواء في الأشهر الحرم أو مطلق أيام السنة .
وعن (رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : ولد صالح يدعو له، أو علم ينتفع به من بعده، أو صدقة جارية)( ).
والصلاة دعاء ، وفي الحديث شاهد على صحة إهداء العبادات والمستحبات للميت ووصولها إليه .
آيات العفو في قصص الأنبياء
العفو سور الموجبة الكلية في سيرة الأنبياء ، وخصلة حميدة يتصف بها الأنبياء ، وفي يوسف النبي ومع الأذى الشديد الذي لاقاه من إخوته ، فحينما اعتذروا وأقروا بالذنب في القائه في الجب [قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ]( ).
ولم يرد لفظ (تثريب) في القرآن إلا في الآية أعلاه ومعناه لا عتاب ، ولا عقاب ، ولا توبيخ لكم على ما فعلتموه معي .
لقد استحيى إخوة يوسف عليه السلام منه يوم عرفوه إذ كان يدعوهم إلى مائدته في الغداء والعشاء ، فقال لهم (يوسف : إنّ أهل مصر وإن ملكت فيهم ، فإنهم ينظرون إليّ بالعين الأولى ويقولون سبحان من بلغ عبداً بيع بعشرين درهماً ما بلغ ، ولقد شرفت الآن بكم وعظمت في العيون حيث علم الناس أنكم إخوتي . وأني من حفدة إبراهيم)( ).
لبيان قانون وهو إنتفاع الذي يعفو عن غيره من قيامه بالعفو وفيه ترغيب بالعفو وترك الإنتقام والثأر والبطش والإرهاب .
وتحتمل الآية أعلاه وجوهاً :
الأول : الوقوف على اليوم ، ثم الإبتداء بقوله تعالى [يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ] فيغفر لهم الله إبتداءً بفضله وللجوئهم للإستغفار .
الثاني : عدم الوقوف عند اليوم ، وهو على شعبتين :
الأولى : إخبار يوسف عليه السلام عن الله عز وجل بأنه سبحانه غفر لإخوته ، وهو ليس من التحكم على الله إنما بشارة من الوحي ، ولبيان مصداق كون يوسف نبياً يوحى إليه حتى وهو يتولى الوزارة في حكم فرعون.
لبيان قانون وهو عدم التعارض بين النبوة والوزارة ، إنما أراد الله عز وجل إنقاذ الناس وحفظ أهل مصر من الهلاك بالوحي لتكون وزارة يوسف عليه السلام وحفظ أهل مصر مقدمة لدخول أهل مصر في الإسلام.
الثانية : إرادة الدعاء من يوسف ، وأنه عفا عن إخوته ، واسقط وتنازل عن حقه.
الثالث : إرادة العنوان الجامع ، وصحة الوقف الجائز عند (اليوم ) ، كما هو مرسوم في المصاحف وما نطق يوسف عليه السلام بالقول [الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ]( )، إلا بالوحي وهو أيضاً إرجاء إذ ورد بصيغة الفعل المضارع (يغفر).
ولكنه إرجاء مقيد بذات اليوم نفسه الذي اعتذروا فيه ، وأقروا فيه بذنبهم ، وأظهروا ندمهم واعترفوا بتفضيل الله عز وجل ليوسف عليهم .
خاصة وأن يوسف ختم قوله بالثناء على الله عز وجل وأنه [َهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ]( )، لبيان نزول العفو من الله في الدنيا كي يستقبل المسلمون عملهم برضا من عند الله ، والخلو من أوزار الذنوب ويؤيده قوله تعالى [ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]( ).
فلقد رآى يوسف عليه السلام رحمة الله به إذ نجّاه من الجب ونجاه من مكر امرأة العزيز ، وأخرجه من السجن ، ليتولى الوزارة في مصر بلد الحضارة ، والدولة القوية آنذاك إذ كان ملك فرعون يشمل مصر والسودان.
فالمختار صحة الوجهين والشعبتين أعلاه .
و(عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما فتح مكة ، صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : يا أهل مكة ، ماذا تظنون ، ماذا تقولون .
قالوا : نظن خيراً ونقول خيراً : ابن عم كريم قد قدرت ، قال : فإني أقول كما قال أخي يوسف لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ( ).
لقد عفى يوسف عليه السلام على إخوته الصلبيين بعد أن القوه في غيابة الجب ، أما النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقد عفا عن عامة قريش وحلفائهم الذين أرادوا قتله ، وأخرجوه من مكة ، وقتلوا عدداً من أهل بيته وأصحابه في غزوات متتالية لهم ضد المدينة .
لبيان تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنه نبي السلام ، وفيه شاهد على أن النبي محمداً يؤسس لتثبيت السلام في الأرض .
لقد بادر يوسف عليه السلام إلى طمأنة إخوته ، وازاح عن نفوسهم الحزن والحياء والكدورة بسبب افتضاح أمرهم ، وما فعلوه به .
أما حينما عاد إخوة يوسف إلى أبيهم في الشام والقوا عليه قميص يوسف وعاد إليه بصره ، فاستثمر إخوة يوسف هذه المناسبة ، وغبطة أبيهم بالإخبار عن حياة يوسف عليه السلام وأنه الوزير في مصر فسألوه أن يستغفر لهم الله عز وجل من ذنوبهم ولم يقولوا استغفر لنا ذنبنا ، والإشارة إلى إلقاء يوسف في الجب .
إنما ورد السؤال بصيغة الجمع والإقرار بالخطيئة مما يدل على تعدد إيذائهم ليعقوب الذي أرجأ الإستغفار بقوله [سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ]( ).
وعن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سُئل : لم أخر يعقوب بنيه في الاستغفار .
قال : أخرهم إلى السحر، لأن دعاء السحر مستجاب( ).
عن عطاء الخراساني قال : طلب الحوائج إلى الشباب ، أسهل منها إلى الشيوخ .
ألم تر إلى قول يوسف {لا تثريب عليكم اليوم} وقال يعقوب عليه السلام سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي.
قانون العفو القرآني بين الناس
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار العفو ، والنسبة بين النعمة في قوله تعالى [وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا]( )، وبين عفو الله عز وجل عن الناس العموم والخصوص المطلق ، فكل عفو هو نعمة ، وليس العكس.
وهل يستطيع الإنسان عدّ مصاديق عفو الله عز وجل عنه ، الجواب لا ، وفيه ترغيب بالشكر لله عز وجل والإكثار من الإستغفار وإتخاذ العفو منهاجاً في الحياة ، قال تعالى [وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى]( )، والتحلي بالإمتثال لمضامين آيات العفو بين الناس ، والترغيب فيه .
لقد كانت سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مرآة العفو والصفح ، وهو الذي لا يقول ولا يفعل إلا بالوحي ، وعن الشعبي قال : لما أنزل الله [خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ]( )، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ما هذا يا جبريل ، قال : لا أدري حتى أسأل العالم ، فذهب ثم رجع فقال : إن الله أمرك أن تعفو عمن ظلمك ، وتعطي من حرمك ، وتصل من قطعك( ).
وهذا المعنى لا يتعارض مع مفهوم العفو بالأخذ مما سهل وتيسر من الصدقات في أموال الناس ، لبيان الملازمة بين الإحسان وحسن المعاشرة ، والرضا من الناس بالقليل من العطاء والأخلاق .
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال : أمر الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فيها بمكارم الأخلاق وهي على هذا ثابتة الحكم وهو الصحيح( ).
لبيان الحسن الذاتي للغة العموم في الخلق الحميد والعفو حتى مع الكفار .
وعن جابر بن عبد الله قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذات الرقاع فإذا أتينا على شجرة ظليلة، تركناها لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وان رجلا من بني محارب يقال له غورث قال لقومه من غطفان: لاقتلن لكم محمدا .
فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحت ظل شجرة، فعلق سيفه، فنمنا نومة، فإذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعونا، فجئناه فإذا عنده أعرابي جالس فقال : ان هذا اخترط سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتا .
فقال لي : من يمنعك مني .
قلت : الله.
زاد الحاكم وفي رواية: فسقط السيف من يده، زاد أبو نعيم: وأخذه راجفا.
وأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم السيف وقال: من يمنعك مني .
قال : كن خير آخذ .
فخلى سبيله فأتى أصحابه، فقال: جئتكم من عند خير الناس( ).
واخترط السيف أي سلة من غمده .
ولا يختص موضوع وإطلاق العفو بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بل هو أمر للمسلمين بالتحلي به ، قال تعالى [قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ]( )، ولم يرد لفظ (يغفروا) في القرآن إلا في الآية أعلاه .
وتدل آيات القرآن على حرمة التعدي والإرهاب وقتل الأبرياء في أي بقعة من الأرض ، وفي أي بلدة أو دولة كانت.
وهل يكون [خُذْ الْعَفْوَ] من المتضاد بحيث يكون معناه خذ ، وأعط ، وامنح ، الجواب لا دليل عليه لغة ، ولكن يمكن استقراءه من نظم الآية وما ورد في تفسيرها لتشبيه المدركات العقلية بالأمور الحسية .
وحينما فتح النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مكة ظن الناس أنه سينتقم ممن حاربه من قريش ، وقتلوا عدداً من أهل بيته وأصحابه ، وكانوا يبعثون من يسعى في اغتياله ولكنه أظهر اسمى معاني العفو يومئذ فقبل أن يدخل مكة أمر بعدم وقوع قتال.
ونادى مناديه : من دخل المسجد الحرام فهو آمن ، ومن دخل بيته فهو آمن.
لإستقراء مسألة وهي حرمة دخول صحابة النبي العشرة آلاف بيوت مكة ، وحرمة النهب والسلب يومئذ ، ولقد كان كثير من بيوت مكة يومئذ من غير أبواب ، إعلاناً لإستضافة عمار البيت الحرام.
ولأول مرة في تأريخ الجزيرة يكون فتح خال من النهب والسلب والسبي ، وهو من الشواهد على العفو والنهي عن الإرهاب في الإسلام .
لقد بعث الله عز وجل النبي محمداً لنشر ألوية السلام في الأرض.
وسيأتي قانون استنباط حرمة الإرهاب من القرآن وقانون استقراء حرمة الإرهاب من السنة النبوية.
بحث أصولي
من إعجاز القرآن أنه يدفع الشك والوهم في باب الأحكام ، ويجعل المكلف لا يقيم له إعتباراً ولا يرتب عليه أثراً ، لأصالة البراءة في كل من :
الأول : الشبهة الوجوبية الحكمية ، وهو الشك في أصل الوجوب والتكليف بخصوص وطبيعة كلية الشك لإجمال النص أو تعارض نصين ، أو دوران الأمر بين الوجوب والندب لعدم إتضاح الدلالة .
والأصل فيه أصالة البراءة ، وعدم وصول النوبة للإحتياط ووجوبه ، والمراد من أصالة البراءة عدم تنجز الأثر على المكلف ، وخلو ذمته بخصوص التكليف المشكوك فيه ، وعدم ترتب العقاب عند مخالفة الأمر الواقعي لأنه مجهول ، وكل ما غلب الله عليه فالله أولى بالعذر ، ومن أدلة البراءة في القرآن قوله تعالى [لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا] ( ).
أما مسألة تعارض النصين فهي من باب أن كل من الخبرين أو الدليلين جامع لشرائط الحجة ، فلو كان النص غير جامع لشرائط الدليل والحجة كضعف سند الخبر فلا يكون معارضاً للخبر صحيح السند ، لقانون وهو أن الحجة لا يعارضها إلا حجة بالذات ، ومع وجود المرجح لأحد الدليلين يؤخذ به ، وهو من باب التعادل والتراجيح بتعادل وتكافؤ الدليل ، والإختلاف فيه على جهات :
الأولى : الأخذ بما يوافق الأصل .
الثانية : التخيير بين الخبرين .
الثالثة : التساقط والرجوع إلى الأصل أو دليل آخر .
الرابعة : التوقف والعمل بالإحتياط .
والمختار هو الأول والرجوع إلى القرآن والسنة النبوية بترجيح أحد الخبرين .
الثاني : والشبهة الموضوعية وتتعلق بالإشتباه في الموضوع الخارجي في الصدور عن القرآن رحمة ورأفة حتى بالعلماء ، وتخفيف عن الناس ،.
كما لو شككنا في مانع هل هو خل فيكون حلالاً أم أنه خمر فيحرم ، وهو ليس من وظيفة الفقيه إنما هو من وظائف أهل الخبرة ، فاذا زال الإشتباه وتبينت حقيقة وماهية هذا المائع زالت الشبهة الموضوعية .
والأصل في الشبهة الموضوعية في الغالب أصالة البراءة وعدم وجوب الإحتياط مثل صيام يوم الشك ، ومثل الصلاة على ميت مجهول ، والشك هل هو مسلم أو غير مسلم .
وتشمله قاعدة نفي الحرج ، ولأصالة عدم التكليف ونفي تعلق الطلب بالمكلف ، ولو على نحو التخيير وليس التعيين ، وموارد التكليف في القرآن والسنة خالية من الإرهاب ومقدماته .
والأصل هو حرمته ، وعدم الإشتغال به .
إنما تجلى الوجوب في الفرائض العبادية فالأحكام التكليفية هي:
أولاً : الوجوب .
ثانياً : المندوب .
ثالثاً : الإباحة .
رابعاً : الكراهة .
خامساً : الحرمة .
والقيام بالتعدي والإرهاب من المحرم ، فلا تصل النوبة للشك فيه .
الثالث : الشبهات الحكمية التحريمية ، والأصل فيها البراءة والإباحة ، ولا تعارضها في المقام أصالة الحظر .
كما تقسم البراءة إلى قسمين :
الأول : البراءة الشرعية التي تتعلق بعدم ثبوت دليل على التكليف في موضوع مخصوص .
الثاني : البراءة العقلية ، وهذا القسيم لا يرقى إلى مرتبة القسم الأول لأن الأصل في استنباط الأحكام من الكتاب والسنة ، لذا قال الذي يذهب إلى البراءة العقلية بأنها تتعلق بافتراض وظيفة المكلف قبل مجئ الشرائع وبعثة الأنبياء ، وأنها كانت تسمى البراءة الأصلية ، وينقض هذا القول بأن النبوة مصاحبة لبداية وجود الإنسان في الأرض ، إذ كان آدم عليه السلام نبياً رسولاً كما ورد في حديث قال (قلت : يا رسول الله كم الأنبياء.
قال : مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً قال : قلت : يا رسول الله كم المرسلون منهم؟
قال : ثلاثمائة وثلاثة عشر وبقيّتهم أنبياء قلت : أكان آدم نبياً .
قال : نعم كلمه الله سبحانه وخلقه بيده،
يا أبا ذر أربعة من الأنبياء عرب : هود وصالح وشعيب ونبيك. قلت : يا رسول الله كم أنزل الله من كتاب .
قال : مائة وأربع كتب .
منها على آدم عشر صحف .
وعلى شيث خمسين صحيفة .
وعلى أخنوح .
وهو إدريس ثلاثين صحيفة .
وهو أوّل من خطّ بالقلم .
وعلى إبراهيم عشر صحائف .
والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان ) ( ) .
نعم قد يكون المراد الفترة ما بين الرسل .
ومن معاني البراءة العقلية وظيفة العقل المؤَمنة عند عجز المكلف عن معرفة الحكم الشرعي في مسألة مخصوصة .
والبراءة العقلية ليس دليلاً لفظياً ، وهل يقع التعارض بين الأصل الشرعي والأصل العقلي ، الجواب لا ، لأن الأصل العقلي في المقام فرع الأصل الشرعي سواء على القول بقاعدة الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع أو لا .
وأصالة البراءة أو أصل البراءة من وظائف الفقيه المجتهد الذي يرجع إلى القرآن والسنة ، وقول المعصوم ، والإجماع ، ويفتي بحسبها ، أما إذا لم يجد حكماً شرعياً في الموضوع المخصوص.
وبعد اليأس عن إيجاد الدليل ينتقل إلى الأصل العملي ، أي أن الأصل العملي متأخر رتبة عن الدليل الشرعي ، لذا تجد الأمثلة التي يؤتى بها في الرجوع للأصل بسيطة ومحدودة ولا تستلزم مئات المجلدات بهذا الخصوص ولكنها علم شريف، وقد جعل الله عز وجل حكماً لكل مسألة .
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام (ما من أمر يختلف فيه اثنان إلا وله أصل في كتاب الله عز وجل ولكن لا تبلغه عقول الرجال.) ( ).
وهل يمكن أن يقال بدلالة هذا الحديث على عدم وصول النوبة إلى البراءة العقلية ، الجواب لا .
قانون ملازمة العفو للنبي محمد (ص)
لقد أكرم الله عز وجل النبي محمداً ، ووصفه بالقول [وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ]( )، لبيان تعدد وجوه الإعجاز في هذه الآية منها ما يتعلق بالسنة النبوية وكيف أنها مرآة للآية القرآنية ومنها إتصاف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالعفو عن غيره وفيه شاهد متجدد للزجر عن الإرهاب .
وهناك آيات تأمر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالعفو وأخرى تخبر عن تحليه بصفة العفو ، وهو وفق القياس الإقتراني :
الكبرى : كل نبي عفُوّ .
الصغرى : محمد صلى الله عليه وآله وسلم نبي .
النتيجة : محمد عفُوّ.
وهل عفو النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن غيره إجتهاد ، ورياضة نفسية ، وتحصيل ، الجواب لا ، إنما هو أمر إلهي عام ،ويحضر الوحي في الوقائع والأحداث ، قال تعالى [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ] ( ).
وتحلي النبي بالعفو حاجة لكل من :
الأول : شخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : قانون عفو النبي صلى الله عليه وآله وسلم المتكرر والمتجدد من مصاديق الوحي .
الثالث : نشر معاني الرحمة والرأفة والعفو بين المسلمين .
الرابع : تقوية الأواصر داخل الأسرة المسلمة ، وتنمية برّ الوالدين ، بتجدد العفو من الوالدين وصبرهم في تأديب وتعليم الأبناء .
الخامس : ترغيب الناس بتلاوة القرآن وإقتباس الأخلاق والسنن الحميدة منه .
فمن إعجاز القرآن أنه جاء بالعفو والصبر والكرم والتعاون والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وكل فرد منها مانع من الإرهاب ، ودعوة عامة لإجتنابه .
ومن الآيات التي تأمر النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بالعفو :
الأولى : قال تعالى [فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ]( ).
الثانية : قال تعالى [فَاصْفَحْ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ]( ) وعن الإمام علي عليه السلام في الآية (الرضا بغير عتاب) ( ) .
وقيل نسختها آية القتال( ) ، ونسب هذا القول إلى عكرمة ومجاهد ( )، ولم يثبت هذا النسخ ، والمختار أن الآية غير منسوخة.
ومن قوانين التنزيل الصفح والعفو .
والنسبة بين الصفح والإرهاب هي التضاد ، لذا يدل الأمر بالصفح في مفهومه على النهي عن الإرهاب .
الثالثة : قال تعالى [فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ]( ).
الرابعة : قال تعالى [فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ]( ) ، وهل يصح توجيه الخطاب في هذه الآيات إلى المسلمين ، الجواب نعم ، وتقديرها :
الأولى : فاعفوا عنهم وأصفحوا إن الله يحب المحسنين ، ومن الإحسان الإقتداء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : فاصفحوا الصفح الجميل .
الثالثة : فاصفحوا عن أنفسكم عنهم وقولوا سلام فسوف يعلمون .
الرابعة : فاعفوا عنهم واستغفروا لأنفسكم ولهم .
ترى لماذا جاء الأمر بالمشورة بعد العفو والإستغفار ، الجواب لبيان عموم المشورة ، وعدم استثناء النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحداً من أصحابه في الإستشارة، بسبب كدورة أو غيظ ، لأن العفو يمحو الغيظ ونحوه .
وقد استشار النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأس النفاق عبد الله بن أبي بن أبي سلول في بعض المواقف مع ما كان يظهره من أسباب الأذى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
لقد أظهرت قريش إرهابها وإصرارها على العدوان بالزحف بثلاثة آلاف رجل في معركة أحد من :
الأول : قريش .
الثاني : عامة أهل مكة ، وعبدان أهل مكة ومنهم وحشي بن حرب الذي قتل حمزة عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : كنانة .
الرابع : الأحابيش.
لماذا لم يهاجر النبي (ص) إلى الحبشة
لقد اختار النبي صلى الله عليه وآله وسلم الإعراض عن الإرهاب بالأمر إلى طائفة من أصحابه بالهجرة إلى الحبشة لأن فيها ملكاً عادلاً ، وهل توجه الأمر من النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى ذات المهاجرين إلى الحبشة على نحو التعيين ، أم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجه الدعوة لعامة الصحابة ، لتكون هذه الهجرة تخييرية ، وما يشبه الواجب الكفائي وليس العيني ، الجواب هو الثاني ، فلم يقل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يا فلان يا فلان ويا فلان هاجروا إلى الحبشة ، إنما قام بالترغيب بالهجرة .
(قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَلَمّا رَأَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ مَا يُصِيبُ أَصْحَابَهُ مِنْ الْبَلَاءِ .
وَمَا هُوَ فِيهِ مِنْ الْعَافِيَةِ . بِمَكَانِهِ مِنْ اللّهِ وَمِنْ عَمّهِ أَبِي طَالِبٍ وَأَنّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِمّا هُمْ فِيهِ مِنْ الْبَلَاءِ . قَالَ لَهُمْ لَوْ خَرَجْتُمْ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ ، فَإِنّ بِهَا مَلِكًا لَا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أَحَدٌ . وَهِيَ أَرْضُ صِدْقٍ حَتّى يَجْعَلَ اللّهُ لَكُمْ فَرَجًا مِمّا أَنْتُمْ فِيهِ فَخَرَجَ عِنْدَ ذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ – صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ – إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ ، مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ وَفِرَارًا إلَى اللّهِ بِدِينِهِمْ . فَكَانَتْ أَوّلَ هِجْرَةٍ كَانَتْ فِي الْإِسْلَامِ Sبَابُ الْهِجْرَةِ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ) ( ) .
ترى لماذا لم يهاجر النبي نفسه صلى الله عليه وآله وسلم إلى الحبشة ، الجواب من وجوه :
الأول : لا يختار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فعلاً إلا بالوحي والإذن من عند الله عز وجل ، قال تعالى [وَمَا ينطق عن الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى]( )، فبقاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة من الوحي ، وكان يقوم بتبليغ آيات القرآن حال نزولها .
الثاني : كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ينتظر الهجرة إلى محل تدل الأمارات على أنه في الجزيرة (وقال أبو موسى: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : رأيت في المنام أنى أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة يثرب) ( ).
الثالث : كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حال تبليغ وجهاد يومي يدعو الناس إلى الإسلام ، وقد لا يصح في سلطان ملك يتبع ملة أخرى ، فمع أن أصحابه المهاجرين إلى الحبشة كانوا يعملون بالتقية والصبر فان قريشاً بعثت خلفهم عمرو بن العاص لتحريض النجاشي وحاشيته عليهم ، وشكى عمروا إلى النجاشي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودعوته للإسلام ، فكيف إذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم نفسه في الحبشة مهاجراً .
الرابع : لقد كان الشائع في الحبشة دين النصارى ، وأكثرهم اتباع عيسى عليه السلام ، أما أهل الجزيرة فكانوا مشركين ، فكان جهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم لتنزيه الأرض من الشرك وعبادة الأوثان.
الخامس : لا تخلو الهجرة إلى الحبشة من المخاطر والإستضعاف ، أما هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة فكانت عزاً ، إذ دخلها بصفة النبوة وعلى أنصار له ، وهو من معجزاته صلى الله عليه وآله وسلم ، ومصاديق قوله تعالى [وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ] ( ).
وكانت أول هجرة إلى الحبشة اثني عشر رجلاً وامرأتين ، عن ابن إسحاق وقيل قريباً منه ( )، ثم كانت الهجرة الثانية والأكبر .
السادس : لم يغادر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم جوار البيت الحرام والحرم المكي إلا بعد أن عزم المشركون على قتله وقت السحر من ليلة مخصوصة ، فصارت ليلة الهجرة .
السابع : لقد كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة يتصل بوفود الحاج والمعتمرين ، ليؤسس لدفع قريش عن غزو المدينة واستباحتها .
الثامن : كانت آيات القرآن تنزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو في مكة لمدة ثلاث عشرة سنة ، فيحفظها أهلها ، وعمّار المسجد الحرام ، وفيه توثيق لها ، وتدبر في إعجازها .
التاسع : بقاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة مقدمة لبيعة الأنصار في العقبة .
العاشر : هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بداية الفتح ونشر الإسلام .
الحادي عشر : بعد هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمدينة عاد المهاجرون من الحبشة ، وكل من هذه الهجرة والعودة منها معجزة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني عشر : لقد كانت هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الطائف حجة بلزوم تهيئة مقدمات المعجزة ، ووجود الأنصار في بلد الهجرة.
السنة الدفاعية صرف للإرهاب
من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم السنة الدفاعية ، وهذا المصطلح مستحدث في هذا التفسير من وجوه :
الأول : لم يرفع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سيفاً قبل الهجرة وبعدها إلى أن شهرت قريش السيوف في معركة بدر ، وصارت ترمي السهام على مجمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه قال تعالى [إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ]( )، وسقط بعض القتلى من الصحابة ، إذ رمى المشركون السهام فأصاب سهم (مهجع بن صالح) فسقط شهيداً فكان أو قتيل من المسلمين ( ).
(ثُمّ رُمِيَ حَارِثَةُ بْنُ سُرَاقَةَ أَحَدُ بَنِي عَدِيّ بْنِ النّجّارِ وَهُوَ يَشْرَبُ مِنْ الْحَوْضِ بِسَهْمِ فَأَصَابَ نَحْرَهُ فَقُتِلَ) ( ).
وهل رمي السهام هذا من الإرهاب ، الجواب نعم ، خاصة وأنه بداية لإشعال الحروب ، والإقتتال بين المسلمين والمشركين ، ومع هذا فان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يثأر لتعدي المشركين في بدر ، بل اكتفى بالشكر لله عز وجل على النصر يومئذ .
وهل تلقي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه سهام المشركين من السنة الدفاعية ، الجواب إنه من الصبر وتحمل الأذى والضرر ، إذ أن المتبادر إلى الذهن من موضوع الدفاع هو الفعل وصدّ هجوم وغزو المشركين ، أما أن المسلمين في تجمعهم وخيمهم وتتوجه لهم السهام قبل نشوب المعركة فهو من الصبر والسنة الدفاعية ومقدماتها .
الثاني : كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يأمر أصحابه بعدم الإبتداء بالقتال ، حتى لو كانت هناك ثغرة عند المشركين ، وفيه دعوة للشباب المسلم بإجتناب الإرهاب ومباغتة الناس بالقتل أو الجرح ومطلق التعدي .
فمع أن جيش المشركين قام برمي السهام على المسلمين فان النبي صلى الله عليه وآله وسلم اكتفى بالنداء (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا) وفي صبيحة يوم بدر حين [الْتَقَى الْجَمْعَانِ] ( ) رآى المشركون قلة عدد المسلمين ، فقالوا [غَرَّ هَؤُلاَءِ دِينُهُمْ] ( ) وطمعوا بالقتال ، وقالوا أنهم أَكَلَةُ رأس كناية عن قلة العدد ، وسرعة الإجهاز عليهم .
الثالث : إقتباس إصطلاح السنة الدفاعية من آيات القرآن منها قوله تعالى [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ]( ).
ومن معاني هذه الآية إخافة المشركين ، وتحذيرهم من الهجوم والغزو ، وليس في هذه الآية ما يدل على الحضّ على القتال .
وذكرت الآية [عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ] لبيان إرادة المشركين الذين اجتمعوا على محاربة كلمة التوحيد ، ومنها تأكيد القرآن على حرمة التعدي ، قال تعالى [وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ] ( ) كما ورد إلصاق صفة التعدي بالذين كفروا على نحو الحصر ، قال تعالى [لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُعْتَدُونَ] ( ) .
ولم يرد لفظ [الْمُعْتَدُونَ] بصيغة الرفع في القرآن إلا في الآية أعلاه ، لقد اتخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه منهاج الدفاع المحض عند هجوم وغزو المشركين ، وهذا الدفاع ليس موضوعاً إجمالياً بل فيه بيان وتفصيل مصاديق منه بما يفيد القطع والإحتجاج بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يغز أحداً ، وأن المشركين هم الذين يمارسون الإرهاب والظلم والتعدي ، قال تعالى [وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ] ( ).
ومن آيات الدفاع ما يدل على الإمتناع عن القتال حالما يكف المشركون عن الهجوم والغزو ، إذ قال الله عز وجل [فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمْ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً] ( ) وقوله تعالى [أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا] ( ).
ووردت الآية أعلاه ، ولم ترد الآية بصيغة المبني للمعلوم (يقاتِلون) بكسر التاء .
إنما وردت بصيغة المبني للمجهول [يُقَاتَلُونَ] مما يدل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه كانوا في حال استضعاف وأنهم تعرضوا إلى ظلم شديد ، ولم يكتف المشركون بهذا الظلم ، إنما شنوا الغارات للهجوم على المدينة ، فوقع أثر قتالهم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين .

فضل الله في صرف مقدمات القتال والإرهاب
فضل الله في صرف مقدمات القتال والإرهاب من مصاديق قوله تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، وقد تفضل الله بصرف مقدمات القتال في أكثر الأحوال ، وعمارة الناس الأرض وما انصرف من القتال بين الناس ومقدماته هو الأكثر ، وهو من الشواهد على قانون صرف الله مقدمات الإرهاب ، ومن مصاديق قوله تعالى [يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ]( ).
ولا يختص هذا القانون بالمسلمين وأهل الكتاب ، إنما هو قانون عام يتغسُ عمّار الأرض من أيام آدم عليه السلام إلى يوم القيامة ، ويكون أحياناً مقدمة لبعثة نبي أو للحفاظ عليه ، ودفع الفتنة العامة ، قال تعالى [وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً] ( ).
وحتى في المعارك التي تنشب فهناك إنذارات تصل إلى الأطراف المتحاربة لمنع الإقتتال ، ومثلها الإنذار إلى الذي يقوم بالعمل الإرهابي لمنعه منه .
ومن هذه الإنذارات التي توجهت إلى رؤساء قريش بخصوص معركة :
الأول : تحذير رجالات قريش من معركة بدر.
الثاني : بدأت هذه الإنذارات وهم في مكة قبل الخروج إلى المعركة.
الثالث : تعدد الإنذار في طريقهم إلى بدر.
الرابع : مجئ رسول أبي سفيان يخبرهم بسلامة القافلة.
الخامس : طلب أبي سفيان من قريش الرجوع لإنتفاء الموضوع.
السادس : إنسحاب بني زهرة ، وجماعة من بني هاشم ، وبني عدي وغيرهم .
و(عن السدي في قوله [قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ]( )، لما كان يوم بدر قال الأخنس بن شَرِيق لبني زهرة: يا بني زهرة، إن محمدًا ابن أختكم، فأنتم أحق من كف عنه. فإنه إن كان نبيًا لم تقاتلوه اليوم، وإن كان كاذبًا كنتم أحق من كف عن ابن أخته قفوا هاهنا حتى ألقى أبا الحكم، فإن غُلِبَ محمد رجعتم سالمين، وإن غَلَب محمد فإن قومكم لم يصنعوا بكم شيئا. فيومئذ سُمِّي الأخنس: وكان اسمه “أبيّ” فالتقى الأخنس وأبو جهل، فخلا الأخنس بأبي جهل فقال: يا أبا الحكم، أخبرني عن محمد: أصادق هو أم كاذب؟
فإنه ليس هاهنا من قريش غيري وغيرك يسمع كلامنا.
فقال أبو جهل: ويحك! والله إن محمدًا لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهبت بنو قُصيّ باللواء والسقاية والحجاب والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟ فذلك قوله [فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ]( )، فآيات الله: محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وقوله [وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ]( )، هذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتعزية له فيمن كذبه من قومه، وأمر له بالصبر كما صبر أولو العزم من الرسل، ووعد له بالنصر كما نصروا، وبالظفر حتى كانت لهم العاقبة، بعد ما نالهم من التكذيب من قومهم والأذى البليغ، ثم جاءهم النصر في الدنيا، كما لهم النصر في الآخرة؛ ولهذا قال [وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ] أي: التي كتبها بالنصر في الدنيا والآخرة لعباده المؤمنين، كما قال [وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمْ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمْ الْغَالِبُونَ]( )، وقال تعالى كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ( ).
السابع : الإنذارات عشية وصبيحة يوم معركة بدر .
وكان هناك عقلاء في معسكر قريش ، يجتنبون إراقة الدماء خاصة مع وجود المانع ، وإنتفاء المقتضي فقد جاءت الأخبار بأن قافلة أبي سفيان قاربت دخول مكة بأمان ، فحينما تعبأ المشركون للقتال مشى حكيم بن حزام ، وهو ابن أخ خديجة بنت خويلد أم المؤمنين إلى عتبة بن ربيعة وابتدأ بمقدمة وحافز يبعث على السعي والعمل إذ قال له (هل لك أن تكون سيد قريش ما عشت .
قال عتبة فأفعل ماذا .
قال : تجير بين الناس وتحمل دم ابن الحضرمي وبما أصاب محمد من تلك العير فإنهم لا يطلبون من محمد غير هذه العير ودم هذا الرجل
قال عتبة : نعم قد فعلت ، ونعما قلت ، ونعما دعوت إليه فاسع في عشيرتك فأنا أتحمل بها) ( ).
وتحمل الدية ليس جديداً على عتبة بن ربيعة ، إنما عرف عنه من صباه إذ أن وقف القتال في حرب الفجار كان بواسطة عتبة بن ربيعة ، وهو يومئذ صبي لم يبلغ الحلم .
وكانت هوازن وكنانة تواعدوا للقتال فيما بينهم في عكاظ في العام القادم ، وهو من الشواهد على حال الشقاء والاقتتال في الجزيرة ، وإتصاف هذا القتال بانعدام أسبابه .
وكان عتبة بن ربيعة يتيماً صغيراً في حجر حرب بن أمية ، فخشي عليه حرب فلم يخرجه معه إلى القتال ، ولكن عتبة تسلل مع الناس دون أن يعلم حرب بن أمية .
والتقى الجمعان :
الأول : جمع هوازن .
الثاني : جمع كنانة ، ومنهم قريش .
فبرز عتبة على بعيره بين الصفين ، وهو عرضة أن تأتيه السهام من الفريقين ، ولكن بادر إلى النداء حال بروزه (يامعشر مضر علام تفانون) ( )، أي أنكم أبناء عمومة واحدة ، فلماذا يفني بعضكم بعضاً في حرب الفجار .
فاصاب الذهول قريشاً وكنانة طرفي القتال ، صبي يتيم يلقي عليهم موعظة في كراهة سفك الدماء ، ويسعى للمنع من الإرهاب ، ولكن هوازن سألوه (ما تدعو إليه) ( )، لم يشكوا بقدرته على الكلام وذكر الحل ، مع إفادة ظاهره بأنه برز بين الصفين بمبادرة شخصية منه فاجاب (الصّلْحُ عَلَى أَنْ نَدْفَعَ إلَيْكُمْ دِيَةَ قَتْلَاكُمْ وَنَعْفُوَ عَنْ دِمَائِنَا .
قَالُوا : وَكَيْفَ .
قَالَ نَدْفَعُ إلَيْكُمْ رَهْنًا مِنّا .
قَالُوا : وَمَنْ لَنَا بِهَذَا .
قَالَ : أَنَا .
قَالُوا : وَمَنْ أَنْتَ .
قَالَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ ، فَرَضُوا( ) وَرَضِيَتْ كِنَانَةُ( ) وَدَفَعُوا إلَى هَوَازِنَ أَرْبَعِينَ رَجُلًا : فِيهِمْ حَكِيمُ بْنُ حِزَامِ بْنِ خُوَيْلِدٍ .
ولم يكن عتبة بن ربيعه معهم.
فَلَمّا رَأَتْ بَنُو عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ الرّهْنَ فِي أَيْدِيهمْ عَفَوْا عَنْ الدّمَاءِ وَأَطْلَقُوهُمْ وَانْقَضَتْ حَرْبُ الْفِجَارِ وَكَانَ يُقَالُ لَمْ يَسُدْ مِنْ قُرَيْشٍ مُمْلِقٌ إلّا عُتْبَةُ وَأَبُو طَالِبٍ فَإِنّهُمَا سَادَا بِغَيْرِ مَالٍ)( ) .
وكان عادة العرب عند الصلح إحصاء القتلى من الطرفين ، وبيان الفارق في عدد القتلى فتدفع ديتهم ، فاذا كان قتلى أحد الفريقين عشرين ، والآخر ثمانية ، فيدفع الأخير دية اثني عشر قتيلاً ، وأطفيت دية قتلى كنانة .
وتنازل عتبة عنها رجاء وقف القتال ، إذ أنه وقريش يدركون أن حال السلم سبب لأزدهار تجارتهم وسير قوافلهم في الصحراء بين مكة والشام ، ومكة واليمن ، وهو من مقدمات ومصاديق قول تعالى [لِإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ]( ).
وهذه الحال لم تحضر لعتبة يوم معركة بدر إذ سرعان ما أخذته الحمية ، وعصبية الجاهلية ، ومن الأسباب تعيير أبي جهل له.
وإذا عتبة يتقدم بين الصفين ليس للصلح ، إنما طلباً للمبارزة ، ولم يكن وحده ، بل تقدم معه أخوه شيبة وابنه الوليد بن عتبة.
ولم يتعظ باسلام ابنه أبي حذيفة بن عتبة الذي كان واقفاً إلى جانب النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم معركة بدر ، وشهد سقوط أبيه وعمه وأخيه في ساحة المعركة وعلا وجهه الحزن إذ غادروا الدنيا على الكفر ومحاربة النبوة والتنزيل دفعه واحدة .
قبح الإرهاب
لقد أدركت قريش أن الخصومة عقائدية بين كل من :
أولاً : بين التوحيد والشرك.
ثانياً : بين الصلاح والفساد.
ثالثاً : بين طغيان وغرور قريش وبين التنزيل والرحمة والنبوة.
رابعاً : بين الإستبداد وحرية العبيد .
وحتى إذا لم يتم تحريرهم في العاجل فقد جعلهم الإسلام بمنزلة واحدة مع الأحرار في الحقوق والواجبات .
ونزلت الآيات باكرامهم ، منها قوله تعالى [وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ]( ) ( ).
لبيان تفضيل العبد المملوك إذا كان مؤمناً على سيده إذا كان كافراً ، وليكون تزويجه مقدمة لعتقه ، ولم يرد لفظ (لعبد) في القرآن إلا في الآية أعلاه.
وإكرام الإسلام للعبيد من أسرار قبح اصرار عتبة وأصحابه على المبارزة أي أن تقدم عتبة للقتال يوم بدر لم يكن لتعيير أبي جهل وحده له ، بل كان على وجوه :
الأول : الإصرار على الكفر ، قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ]( ).
الثاني : الحرب على النبوة .
الثالث : إرادة منع استمرار نزول آيات القرآن.
الرابع : السعي لوقف العمل بأحكام الشرعية من العبادات والمعاملات والأحكام.
لقد أراد المشركون استدامة صيغ الإرهاب ولغة الغاب والإفلات من العقاب ، بينما جاء القرآن بالقصاص والحكم بالعدل ، قال تعالى [وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ]( )،
و(عن ابن شريح الخزاعي : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : من أصيب بقتل أو جرح فإنه يختار إحدى ثلاث : إما أن يقتص ، وإما أن يعفو ، وإما أن يأخذ الدية ، فإن أراد رابعة فخذوا على يديه ، ومن اعتدى بعد ذلك فله نار جهنم خالداً فيها أبداً)( ).
و(عن عبد الرحمن بن عوف : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ثلاث والذي نفسي بيده ان كنت لحالفاً عليهن ، لا ينقص مال من صدقة فتصدقوا ، ولا يعفو عبد عن مظلمة إلا زاده الله بها عزاً ، ولا يفتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر)( ).
ترى ما هي النسبة بين العفو والإرهاب ، الجواب هو التباين والتنافر ، لذا فان ترغيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالعفو في مفهومه زجر عن الإرهاب ، ودعوة عامة للإمتناع عنه مطلقاً ، وتكون الحياة الدنيا بالعفو ذات بهجة ، أما بالإرهاب فتكون قاتمة وتبعث على الكآبة.
لقد بعث الله عز وجل الأنبياء لاستئصال الإرهاب ، وهو الذي تدل عليه قصص القرآن وشواهد عديدة منه ، سواء بالنسبة للرسول نوح أو الرسول صالح ، أو الرسول هود أو الرسول إبراهيم أو الرسول موسى أو الرسول عيسى عليهم السلام ، أو الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو من مصاديق الحسن في قوله تعالى [نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الْغَافِلِينَ]( )، ليكون القرآن الدستور السماوي الزاجر عن الإرهاب ، قال تعالى [أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ]( ).
وعند انسحاب جيش المشركين يوم معركة أحد نادى أبو سفيان بالموعدة واللقاء للقتال مرة أخرى بأن واعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم باللقاء في بدر ، ليرجع بجيشه من الطريق عن الموعد ، وهل وعد أبي سفيان هذا من الإرهاب.
الجواب نعم ، وقد القى الله عز وجل الرعب في قلبه ، وقلوب المشركين ، قال تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ]( ).
بينما التقت هوازن مع كنانة ومنها قريش في الموعد قبل الإسلام ، لبيان أن عدم حصول لقاء في بدر الموعد في السنة الرابعة للهجرة بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمشركين من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ).
آيات الأحزاب باعث للنفرة من الإرهاب
لقد ورد لفظ (حزب) و(الإحزاب) بصيغة الجمع في آيات متعددة من القرآن وهي :
الآية الأولى : قوله تعالى [وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنْ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ]( )وتمام الآية [أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنْ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ] ( ) وتتجلى في الآية كثرة الضمائر مع ذكر موسى عليه السلام ، وكتابه وهو التوراة ، ثم عادت الآية إلى لغة الخطاب إلى النبي موسى وهو الذي يسمى في علم البلاغة (الإلتفات ) .
وفي الآية تحذير وإنذار لقريش وحلفائها من التكذيب بالقرآن، وجعل هذا التكذيب مقدمة لزحفهم على المدينة في معركة الأحزاب ، قال تعالى [فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ]( ).
(عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي : بعثت إلى الأحمر والأسود ، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد كان قبلي ، ونصرت بالرعب فيرعب العدوّ وهو مني مسيرة شهر ، وقال لي : سل تعطه .
فاختبأت دعوتي شفاعة لأمتي وهي نائلة منكم إن شاء الله من لقي الله لا يشرك به شيئاً ، وأحلت لأمتي الغنائم) ( ).
والمراد من الأحمر والأسود أي الناس كافة على اختلاف أجناسهم ومشاربهم ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ] ( ).
وقال مجاهد المراد من الأحمر والأسود الإنس والجن ( )، وصحيح أن الله عز وجل بعث إلى الإنس والجن ولكن الحديث يتعلق بالناس وعمومهم .
ويدل عليه البيان الوارد في حديث (عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أعطيت خمساً لم يعطهن نبي قبلي .
بعثت إلى الناس كافة الأحمر والأسود ، وإنما كان النبي يبعث إلى قومه ، ونصرت بالرعب يرعب مني عدوّي على مسيرة شهر ، وأطعمت المغنم ، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ، وأعطيت الشفاعة ، فادخرتها لأمتي إلى يوم القيامة ، وهي إن شاء الله نائلة من لا يشرك بالله شيئاً) ( ).
لقد جعل الله عز وجل القرآن شاهداً سماوياً على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وزاجراً عن الإرهاب ،وهو يدعو الناس جميعاً كل يوم للسلم والتآخي والرأفة .
وإذا كانت عاقبة التكذيب بنزول القرآن دخول النار ، فكيف بالذي يكذب نزوله وينكر نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ويجهز الجيوش لقتاله ، وإشاعة لغة القتل وسفك الدماء ، والإرهاب في الأرض ، فانه يتعرض لأشد العذاب يوم القيامة .
وتبين الآية حقيقة وهي أن تأليف الكفار للأحزاب سابقة لمعركة الخندق ، لقد امتلأت قلوبهم بالحسد والشحناء ، وتآزروا في الصدود والعداوة للنبوة والتنزيل .
الآية الثانية : قوله تعالى [وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ]( ) وتمام الآية [وَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآَبِ] ( ) وأختلف في المراد من الذين آتاهم الله الكتاب في الآية أعلاه على وجوه :
الأول : أنهم أصحاب محمد إذ فرحوا بما أنزل الله من القرآن، عن قتادة.
الثاني : مؤمنو أهل الكتاب ، قاله مجاهد .
الثالث : (أهل الكتاب من اليهود والنصارى فرحوا بما أنزل عليه من تصديق كتبهم) ( ).
وتتعلق الآية بأهل الكتاب من اليهود والنصارى ، وقد ورد لفظ [الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ]ثماني مرات في القرآن ، وهي تدل على ذات المعنى ، ومنها قوله تعالى [الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ] ( )لإرادة الإيمان بأصل التنزيل ، والتسليم بما في القرآن من الإخبار عن النبوات والأنبياء السابقين .
لقد ابتدأت الآية بالحديث عن أهل الكتاب ، وبصيغة الفرح والغبطة لنزول القرآن ، والنسبة بين الفرح والتصديق العموم والخصوص المطلق ، فالفرح أعم خاصة وأنه كانت هناك حرب مستعرة بين الدولة الرومانية وهم نصارى ، وبين الدولة الفارسية ، وهم مجوس ، وكانت قريش كفاراً ويميلون إلى فارس خاصة .
بينما يميل المسلمون إلى نصر أهل الكتاب ، قال تعالى [غُلِبَتْ الرُّومُ *فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ] ( ) ثم انتقلت الآية إلى الإخبار عن الأحزاب ، ترى ما هي النسبة بين الذين أوتوا الكتاب المذكورين في أول الآية أعلاه من سورة الرعد وبين الأحزاب ، التباين ، وأن المراد من الأحزاب الذين كفروا من قريش وغيرهم .
والمراد من الضمير (الهاء) في بعضه أي بعض آيات القرآن .
وتتضمن الآية اللوم والتحذير للذين ينكرون آيات القرآن أو شطراً منها، وقيام الحجة عليهم ، لأن التصديق بشطر من آيات القرآن دليل على صحة نزوله مجتمعاً من عند الله عز وجل ، فليس فيه إلا الوحي من عند الله عز وجل .
لم يضف له النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كلمة واحدة.
وتبين الآية كيفية مواجهة هذا الإنكار ، وأنه ليس بالسيف ولا بالسباب ، إنما بالإخبار عن الإقرار الشخصي بالتوحيد ، والإقبال على العبادة وسنن التقوى ، لقوله تعالى في ذات الآية [قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ..] ( ) وهذا من إعجاز القرآن بأن يدعو الذين ينكرون نزول القرآن إلى عبادة الله عز وجل لأنها علة الخلق ، قال تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( ).
وفيه إنزجار للذين كفروا بأن لا يعدوا العدة للهجوم على المدينة ، ومن إعجاز الآية بعثها الفرقة والشقاق بين صفوف وأفراد الأحزاب من المشركين للإمتناع عن غزوهم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإرادة قتله .
وفي التنزيل [وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ] ( ) فذكرت آية البحث عبادة الله وأنها واجبة ومقيدة بالتنزه عن الشرك والضلالة .
ومن معاني اللوم والتوبيخ للذين كفروا في قتالهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه مع النبوة والرسالة عبد لله من وجوه :
الأول : وجوب عبادة الله عز وجل ، وتتجلى هذه العبادة بأداء الصلاة والصيام والفرائض العبادية الأخرى .
الثاني : التنزه عن الشرك ، وقد أدرك المشركون هذا التنزه وعصمة المسلمين من الشرك قبل الهجرة ، إذ نزل القرآن بالدلالة عليه ، ومنه قوله تعالى [قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ]( ).
الثالث : دعوة الناس جميعاً إلى عبادة الله عز وجل لبيان أن الأحزاب وتجهيزها الجيوش لم تمنع النبي محمداً من الدعوة إلى الإيمان وأداء الفرائض العبادية .
ولم يرد لفظ [إِلَيْهِ أَدْعُو]في القرآن إلا في هذه الآية ، وفيها تحد للأحزاب وعموم المشركين ، وهل من الدعوة إلى الله محاربة عبادة الأوثان .
الجواب نعم ، وهو الذي أغاظ المشركين ، ولكنه حجة عليهم ، وسبب لبعثهم على التفكر والتدبر .
وتقدير الآية على وجوه :
الأول : أمرت أن أعبد الله وحده .
الثاني : أمرت ألا أشرك بالله شيئاً .
الثالث : أمرت أن أدعو إلى الله .
فهذه الدعوة ليست إجتهاداً من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، إنما هي بأمر من الله عز وجل .
وبلحاظ علم الأصول هل تدل هذه الآية على إرادة الوجوب من معنى الأمر ، الجواب نعم ، وجاءت الآية بصيغة الحصر بقوله تعالى [إِنَّمَا أُمِرْتُ]الذي يدل على القطع والجزم ، وعدم التهاون أو التهادن في عقيدة التوحيد .
ومن وجوه اللوم للذين كفروا أن عبادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لله عز وجل لا تستلزم محاربته وقتاله ، وأن الله عز وجل ينصره ويظهره على المشركين الذين اتخذوا الإنداد لله عز وجل .
وهل تدل الآية على تكليف الكفار بالفروع كتكليفهم بالأصول ، المختار نعم .
ومن الأدلة عليه قوله تعالى [يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ]( )، وقوله تعالى في خطاب توبيخ للكفار وهم في النار [مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ]( ).
وهل الدعوة في قوله تعالى [إِلَيْهِ أَدْعُو]( )، خاصة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لصفة الرسالة ، أم أنها ملازمة للإيمان ، الجواب هو الثاني ، ولبيان أن هذه الدعوة لا تأتي بالعنف والإرهاب والبطش .
ولا تختص دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الله عز وجل بأيام حياته في الدنيا ، فهي لا تنقطع عند مغادرته إلى الرفيق الأعلى ، ليكون من إعجاز القرآن تقدير الآية ( وإليه ادعو في كل زمان إلى يوم القيامة بالقرآن والسنة) وهو الذي كان المشركون يخشونه .
فكل آية من القرآن دعوة من الله ورسوله إلى العبادة والتقوى .
وهل يمكن أن تكون الدعوة من المتباين بحسب الحال والمقال ، الجواب لا ، إذ تتقوم الدعوة بالكتاب والسنة النبوية ، وليس فيها إلا السلم والرأفة ، لتكون هذه الدعوة من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ).
ثم أختتمت الآية بالقول [وَإِلَيْهِ مَآَبِ ] أي أن النبي يقف والناس جميعاً يوم القيامة بين يدي الله عز وجل ، ولابد أن يقوم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأداء وظائفه الشرعية من العبادة وتبليغ الرسالة ، وتثبيت آيات القرآن في الأرض ، والدفاع عن العقيدة ، فخاتمة آية البحث إنذار آخر للمشركين بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدافع عن نفسه وأصحابه وعن التنزيل ، وهل فيها تحذير وإنذار من الظلم والإرهاب ، الجواب نعم.
إذ يحاسب الله عز وجل الناس يوم القيامة على أعمالهم ، وفيه ترغيب بالسعي للقاء الله عز وجل بالإيمان والعمل الصالح .
فمن إعجاز القرآن عدم غلق الباب على الذين كفروا والأحزاب التي قاتلت النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن خصائص الآية القرآنية جمعها للبشارة والإنذار ، والوعد والوعيد ، في أمور الدنيا والآخرة .
لقد كان جمع الأحزاب أمراً مرعباً ومخيفاً ، فقد أحكم رؤساء قريش خططهم بالإجهاز على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بما يجعلهم عاجزين عن المقاومة والدفاع وكانت قريش تعلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يغزوهم ولا يقابلهم بالمثل ، وقبل أن يهجم المشركون في معركة الأحزاب استحضروا وقائع معركة بدر ، وهزيمة قريش فيها ، ولكنهم لم يتعظوا منها.
والنسبة بين الأحزاب الذين اشتركوا في معركة الخندق ، والذين اشتركوا في معركة بدر من المشركين عموم وخصوص مطلق ، إذ أن الأحزاب أكثر وأعم في انتمائهم فقد خرجت قريش لمعركة بدر وحدها ، وأهل مكة وعبيدهم فجعلتهم الهزيمة يومئذ يدركون الحاجة إلى الرجال والسلاح فأستأجر أبو سفيان في معركة أحد ألفين من الرجال ، وهل هذا الإستجار من أسباب إنسحابهم في نفس يوم المعركة ، الجواب نعم ، ليس لأن الأجير وما يسمى بالمرتزقة في هذا الزمان لا يقاتل بجد وتضحية فقط ، بل لأن آيات القرآن نفذت إلى شغاف القلوب .
الآية الثالثة : قوله تعالى [فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ]( ) هذه الآية من سورة مريم وتمامها [فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ] ( ) وقد ورد لفظ [اخْتَلَفَ الأَحْزَابُ] مرتين في القرآن ، إذ ورد مرة أخرى في قوله تعالى [فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ] ( )ومن إعجاز القرآن التباين بين كلمات هاتين الآيتين مع إتحاد كلمات الآية السابقة لهما في الجملة ، وهو قوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ] ( ).
وجاءت كل من الآيتين أعلاه في قصة عيسى عليه السلام وقيامه بتبليغ الرسالة ، ودعوة الناس لإتباعه ، سواء التي في سورة مريم أو التي في سورة الزخرف ، لبيان عظيم منزلة عيسى عليه السلام .
لقد أعلن عيسى عليه السلام الإقرار بالربوبية المطلقة لله عز وجل ، ووجوب عبادته ، ولكن الناس اختلفوا ، ولم يكن هذا الإختلاف على نحو القضية الشخصية ، إنما كانوا أحزاباً وجماعات.
وهناك تباين بين هذه الأحزاب وبين أحزاب قريش ، إذ تضمنت الآية أعلاه التقييد من جهات :
الأولى : اختلاف الأحزاب فيما بينهم ، وليس مع غيرهم .
الثانية :الاختلاف وليس الصراع والقتال .
الثالثة : حدوث الاختلاف بعد دعوة عيسى عليه السلام للناس لعبادة الله وحده ، وعدم الشرك به .
أما أحزاب قريش فقد توافقوا وتضافرت جهودهم على قتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فهم لم يختلفوا فيما بينهم ، إنما أجمعوا أمرهم على الباطل والإرهاب والقتال .

الآية الرابعة : قوله تعالى[يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا]( ).
وهذه الآية من آيات سورة الأحزاب ، ويتعلق موضوعها بمعركة الخندق ، وتمام الآية هو [يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلاَّ قَلِيلاً]( ).
وهي الآية الوحيدة في القرآن التي تكرر فيها لفظ (الأحزاب) مرتين ، ويتعلق كل منهما في ذات الموضوع وهو هجوم المشركين من قريش وحلفائها على المدينة ، وقعود واو الجماعة في (يحسبون) إلى المنافقين الذين في المدينة ، فقد أصابهم الذعر والخوف الشديد.
وحينما انسحب المشركون من حصارهم للمدينة لم يصدق المنافقون الخبر ، مما يدل على انتفاء العلة المادية لهذا الإنسحاب ، وعدم تحسسهم لأسباب ظاهرة له ، وفيه تأكيد لقانون وهو إنسحاب المشركين والأحزاب بمعجزة من عند الله عز وجل .
لبيان طغيان إرهاب كفار قريش ، ومعرفة عامة الناس باصرارهم على القتال والعدوان ، ويكون تقدير الآية على وجوه :
الأول : ويحسب المنافقون أن الجيوش التي جاءت لقتل النبي وأصحابه لم ينسحبوا ، وهل تشمل الآية المنافقات أم أنها خاصة بالرجال المنافقين لمجئ واو الجماعة للذكور ، ولأن القتال خاص بالرجال.
الجواب هو الأول فتشمل الآية المنافقات ، وذكرت واو الجماعة للتغليب ، وشمولهن شاهد على الأذى الذي يلاقيه الصحابة من الرجال والنساء من تطويق جيوش الأحزاب للمدينة ، ومن النفاق داخل المدينة ، الذي يشمل ميادين القتال والبيوت .
الثاني : يحسبون استمرار حصار الأحزاب على المدينة حتى حصول فتنة .
الثالث : يظن المنافقون أن الأحزاب لا يرجعون إلى مكة حتى قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، لكثرة جيوشهم ، والتهديد والوعيد الذي يبثوته .
وهل تدل الآية على رجحان وجود تواطؤ بين جيش المشركين وعدد من المنافقين وبعض أهل المدينة ، سواء كان هذا التواطئ يرقى إلى درجة الخيانة أو لا ، الجواب لا دليل عليه ، إلا مع مجئ الأخبار من السنة أو أقوال الصحابة التي تدل عليه خاصة وقد أخبرت الآيتان السابقتان عما نسبتهم إلى الصحابة بقوله تعالى [الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ]( )، وحصول الخوف عندهم كما في قوله تعالى [فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ]( ).
وتبين هذه الآيات شدة إرهاب الذين كفروا إذ جمع الكفار بين أمور :
الأول : تحشيد الأحزاب .
الثاني : المجئ بجيوش لم تعهد الجزيرة مثل عددها كثرة وعدة .
الثالث : تعيين الذين كفروا لأهدافهم بالبطش والإنتقام ، واستئصال النبوة والتنزيل .
الرابع : استمرار حصار الأحزاب للمدينة لأكثر من عشرين ليلة ، وبما يدل على الإصرار على القتال والعدوان .
ومن معاني الآية أنه مع إنصراف جيوش المشركين فان المنافقين ومن شابههم يظنون أن هذا الإنسحاب مكيدة وأنهم لم يبعدوا ، وأنهم سيعودون بغتة .
ولم يكن المنافقون الذي تذكرهم الآية جميعاً داخل المدينة والحصار ، فمنهم من كانوا في نواحي وأطراف المدينة .
و(عن قتادة في قوله [وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ]( )، قال : هم المنافقون بناحية المدينة ، كانوا يتحدثون بنبي الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، ويقولون : أما هلكوا بعد ، ولم يعلموا بذهاب الأحزاب ، قد سرهم أن جاءهم الأحزاب أنهم بادون في الاعراب مخافة القتال)( ).
ترى ما هي النسبة بين الذين [يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا] ، وبين الذين [يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ]( )، المختار أن النسبة هي العموم والخصوص المطلق ، وأن الذين يحسبون الأحزاب لم يذهبوا أكثر عدداً وأثراً .
وعن الإمام الصادق عليه السلام (في قوله تعالى [رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ] ( )، قال مع النساء إنهم قالوا : إن بيوتنا عورة وكانت بيوتهم في أطراف البيوت حيث يتقرر الناس فأكذبهم الله قال [وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا]( )، وهي رفيعة السمك حصينة)( ).
وتبين الآية أن أثر وضرر الإرهاب عام ، ولا يختص بالمقاتلين ، ورجال الدولة فيشمل النساء ، والذين يعتزلون القتال ، والشيوخ والعجزة والصبيان .
ومن إعجاز الآية الإخبار عن ظن المنافقين بعدم إنصراف الأحزاب وجيوش المشركين مع أنهم قد انسحبوا فعلاً ، ثم أخبرت الآية عن ود ورغبة المنافقين بأن يكونوا خارج المدينة إذا جاءت الأحزاب.
فهل تدل الآية على أن المنافقين يظنون باحتمال مجئ الأحزاب مرة أخرى للهجوم على المدينة ، الجواب نعم ، وهل يتعلق هذا الظن باحتمال رجوع الأحزاب من وسط طريق العودة أم أنهم سوف يأتون ابتداءً مرة أخرى ، المختار كلا الأمرين صحيح .
لقد تجلت شدة إرهاب مشركي قريش بأن المنافقين الذين كانوا في المدينة وأطرافها ، ولم يقاتلوا إلى جانب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كانوا في حال خوف وفزع شديد ، وهل كانوا يتصنعون الخوف لإخافة الصحابة ، وأصابتهم بالهلع ، وإثارة الفتنة في صفوفهم ، الأقرب لا ، وإن كانت هذه الآية لا تتضمن الإخبار عن حصول الخوف بين صفوف المنافقين ، ولكنه ظاهر في الآية السابقة لها .
وتبين الآية أن قتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه كان دفاعاً واضطراراً في مقابل قتال المشركين الذي هو حمية وإرهاباً ومن أجل عبادة الأوثان .
ثم جاء قوله تعالى [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا] ( ) هذه الآية التي تدخل في مواضيع عامة وخاصة من باب الطهارة إلى باب الآيات تدعو المسلمين والمسلمات إلى الإقتداء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم واتباع نهجه المبارك ، والحرص على عدم الخروج عن الكتاب والسنة ، مع لزوم الوقوف عند نظم وسياق الآيات الذي وردت فيه هذه الآية .
إذ أنها وردت بين الآيتين اللتين ذكر فيهما لفظ الأحزاب من بين مجموع آيات سورة الأحزاب نفسها ، إذ ورد هذا اللفظ ثلاث مرات في هذه السورة ، مرتين في الآية (20) ومرة واحدة في الآية (22) لبيان لزوم التحلي بالصبر في ملاقاة الإرهاب والعنف والهجوم ، وعدم مقابلته بالمثل .
آيات أخرى ورد فيها لفظ الأحزاب
الأولى : [وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ]( ).
الثانية : [وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ]( ).
الثالثة : [مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنْ الأَحْزَابِ]( ).
الرابعة : [وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ أُوْلَئِكَ الأَحْزَابُ]( ).
الخامسة : [ وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ]( ).
السادسة : [فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ]( ).
السابعة : [وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ]( ).
الثامنة : [ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا]( ).
التاسعة : [فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ]( ).
العاشرة : [كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ]( ).
الحادية عشرة : [إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ]( ).
الثانية عشرة : [كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ]( ).
الثالثة عشرة : [اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ]( ).
الرابعة عشرة : [أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمْ الْخَاسِرُونَ]( ).
الخامسة عشرة : [رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ]( ).
السادسة عشرة : [أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْمُفْلِحُونَ] ( ).
والنسبة بين هذه الآيات وآيات معركة الأحزاب عموم وخصوص مطلق ، فذكر الأحزاب في القرآن شامل لما قبل أيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم وما بعدها وهو أعم من موضوع معركة الأحزاب.
وتنقسم هذه الآيات في موضوعها إلى أقسام :
الأول : الآيات العامة في تأريخ وقصص الأنبياء والأمم السابقة.
الثاني : الآيات التي تخص معركة الخندق .
الثالث : الآيات التي ينبسط موضوعها على ما قبل البعثة النبوية وما بعدها ، والمدار على عموم المعنى .
وزحف الأحزاب على المدينة ، من أظهر معاني الإرهاب ، وفيه دعوة للمسلمين للشكر لله عز وجل بصرف شرور الأحزاب وتتجلى فيه دروس ومواعظ من جهات :
الأولى : انتفاء الأسباب العقلائية للإرهاب .
الثانية : عدم تحقق الغايات من الإرهاب .
الثالثة : بيان قانون الإرهاب ضرر محض.
الرابعة : من أسباب اللجوء إلى الإرهاب الإفتقار إلى الحجة والعجز عن البرهان .
الخامسة : قانون تلقي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إرهاب قريش بالصبر وآيات القرآن ، وهو من مصاديق عنوان هذا الجزء (النزاع المسلح بين القرآن والإرهاب).
السادسة : اقتداء المسلمين بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالإمتناع عن الإرهاب ، والإرهاب الموازي ، قال تعالى [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ]( ).
ليكون من الإعجاز في ذكر القرآن للأحزاب الحصانة من التحزب لما فيه الضرر والإضرار .
قبح الإلحاح على المبارزة
بعد أن نادى عمرو بن ود العامري الثالثة صار يرتجز ويقول :
(وَلَقَدْ بَحِحْت مِنْ النّدَا … ءِ بِجَمْعِكُمْ هَلْ مِنْ مُبَارِزْ ؟
وَوَقَفْت إذْ جَبُنَ الْمُشَ … جّعُ مَوْقِفَ الْقِرْنِ الْمُنَاجِزْ
وَكَذَاك إنّي لَمْ أَزَلْ … مُتَسَرّعًا قَبْلَ الْهَزَاهِزْ
إنّ الشّجَاعَةَ فِي الْفَتَى … وَالْجُودَ مِنْ خَيْرِ الْغَرَائِزْ) ( ).
فقام علي عليه السلام وهو مدجج بالسلاح ، وقال : يا رسول الله أنا له ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : إنه عمرو .
فقال : وإن كان عمرو .
حينئذ أذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم للإمام علي عليه السلام فمشى إليه لمبارزته ، وهو يرتجز ويقول :
(لَا تَعْجَلَنّ فَقَدْ أَتَا … ك مُجِيبُ صَوْتِك غَيْرَ عَاجِزْ
ذُو نِيّةٍ وَبَصِيرَةٍ … وَالصّدْقُ مُنْجِي كُلّ فَائِزْ
إنّي لَأَرْجُو أَنْ أُقِ … يمَ عَلَيْك نَائِحَةَ الْجَنَائِزْ
مِنْ ضَرْبَةٍ نَجْلَاءَ يَبْ … قَى ذِكْرُهَا عِنْدَ الْهَزَاهِزْ) ( ).
لبيان أن الإرهاب والتعدي لا يجعل الطرف الأخر يسكت ويحجم عن الرد ، خاصة مع الإيمان والهدى .
ومن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم البيان العملي لقانون وهو رجوع الإرهاب على أهله وإضراره بهم ، فقد لحق الخزي المشركين ، وصارت الطريق إلى مكة بعد الخندق سالكة ومفتوحة ، وما صلح الحديبية إلا شاهد عليه ، ويكون يوم القيامة موعد الحساب والجزاء ، لذا فان خاتمة آية البحث تذكير بيوم القيامة لقوله تعالى [وَإِلَيْهِ مَآَبِ ] ( ) وفيه تثبيت للذي آمنوا في مسالك الإيمان ، وتحمل الإرهاب والتعدي الصادر من المشركين ، وبناء عالم جديد خال من الإرهاب إلى يوم القيامة .
دلالة آيات معركة الأحزاب
من إعجاز القرآن ذكره لتفاصيل ووقائع من معارك المسلمين ، ومنها موضوع ونتائج معركة الأحزاب والتي تسمى أيضاً معركة الخندق ، ونزلت بخصوصها سورة تسمى سورة الأحزاب وهي مدنية ، من المثاني ، وعدد آياتها (73) آية.
وهي السورة (33) في ترتيب المصحف ، ، وشطر منها من الجزء الثالث والعشرين وشطر من الجزء الرابع والعشرين من المصحف ، وجاءت بعد سورة السجدة ، أما نزولها فكان بعد سورة آل عمران.
ولا تختص آيات هذه السورة بمعركة الأحزاب إنما تتضمن أموراً:
الأول : التشريعات بخصوص شؤون الأسرة .
الثاني : حياة المسلمين العامة .
الثالث : الحرص على العفة والطهارة .
الرابع : التنزه عن عادات جاهلية .
وفي كل وجه من الوجوه أعلاه مسائل :
الأولى : تأديب للمسلمين .
الثانية : إصلاح للمجتمعات .
الثالثة : تنمية للتعايش السلمي .
الرابعة : انها واقية من الإرهاب .
ومن الآيات التي نزلت بخصوص معركة الأحزاب (الخندق) هي :
الأولى : [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا]( ).
الثانية : [إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ]( ).
الثالثة : [هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا]( ).
الرابعة : [وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا]( ).
الخامسة : [وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا]( ).
السادسة : [وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلاَّ يَسِيرًا]( ).
السابعة : [وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولاً]( ).
الثامنة : [قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلاَ يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً]( ).
التاسعة : [يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلاَّ قَلِيلاً]( ).
العاشرة : [وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا]( ).
الحادية عشرة : [مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً]( ).
الثانية عشرة : [وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا]( ).
علم موضوع النزول
من إعجاز القرآن نزوله منجماً مصاحباً للوقائع والأحداث ، فهناك علم أسباب النزول ، وعلم موضوع النزول ، وهو إصطلاح في هذا التفسير، والنسبة بينه وبين أسباب النزول العموم والخصوص المطلق من جهات :
الأولى : طريق أسباب النزول هو النقل والرواية والسماع ، والخبر الوارد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو الصحابي أو أهل البيت أو التابعي مرسلاً ، ويرد الكثير من أخبار أسباب النزول عن ابن عباس ، أما موضوع الآية فهو أعم من النقل إذ يجمع بين النقل والإستنباط والإستقراء.
الثانية : يتعلق علم أسباب لنزول بآية مخصوصة أو سورة ويستقرأ منه أمران نزول الآية ومكانها ، وجانب من موضوعها الحاضر ، فمثلاً ورد عن مجاهد في قوله تعالى [لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ]( ) (نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار يكنّى (أبو الحصين) وكان له ابنان فقدم تجّار الشام إلى المدينة يحملون الزيت فلما أراد الرجوع إلى المدينة أتاهم ابنا أبي الحصين فدعوهما إلى النصرانيّة فتنصّرا وخرجا إلى الشام،
فأخبر أبو الحصين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك فقال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اطلبهما .
فانزل الله تعالى {لإِكْرَاهَ فِى الدِّينِ} فقال صلى الله عليه وآله وسلم أبعدهما الله فهما أوّل مَنْ كفر فوجد أبو الحصين في نفسه على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم حين لم يبعث في طلبهما فأنزل الله تعالى [فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ]( )، الآية) ( ).
الثالثة : قد يأتي سبب النزول بخصوص سؤال أو واقعة أو خصومة أما موضوع النزول فيشمل معاني الآية بما هو أعم من الواقعة .
الرابعة : المدار على عموم المعنى ، وليس سبب النزول وحده .
الخامسة : من مصاديق نسبة العموم والخصوص المطلق بين موضوع وسبب النزول أن كثيراً من الآيات ليس لها سبب نزول معين ، بينما لكل آية منها موضوع للنزول يتعلق بالأحكام والتكاليف ، أو قصص الأنبياء ، والأمم السابقة أو أحوال المسلمين وعامة الناس ، أو البشارة والإنذار والوعد والوعيد ، وأهوال عالم يوم القيامة .

السادسة : تنحصر أسباب نزول الآية بذاتها وأوانها ، أما موضوع النزول فهو أعم يتغشى أفراد الزمان الطولية الثلاث ، الماضي ، والحاضر ، والمستقبل ، ومنه آيات المواريث ، فمنها ما كان لها سبب نزول خاص .
السابعة : الحاجة العامة لموضوع نزول الآية القرآنية ، وهل موضوع النزول هذا هو نفسه موضوع الآية ، الجواب بينهما عموم وخصوص مطلق ، فموضوع الآية أعم .
ومن موضوع النزول البيان العام ، وذكر حكم شرعي من الأحكام التكليفية الخمس .
الثامنة : ليس في علم سبب النزول إجتهاد وتغيير وتبديل ، لأنه إخبار عن حدث وواقعة ، ويلزم التحقيق في السند ، ورواة الحديث والخبر ، وجهة الصدور .
أما موضوع النزول فيشمل استقراء الدروس والمواعظ من كل من :
الأول : أسباب نزول الآية .
الثاني : مضامين الآية القرآنية .
الثالث : الغايات الحميدة من الآية .
الرابع : تعين موضوع الآية سواء كان متحداً أو متعدداً .
الخامس : استقراء المواعظ من الآية الكريمة .
ومن معاني استحداث هذا العلم دراسة التأريخ ، وتوظيفه في الحاضر ، والإنتفاع الأمثل منه ، وبيان الشواهد التي تدل على قوانين الرحمة والرأفة والعفو ونبذ الإرهاب في القرآن والسنة.

تعدد سبب النزول مع إتحاد الموضوع
من بحار العلم في الآية القرآنية وجود سبب أو أسباب لنزولها خاصة وأن أول الآية في شئ ووسطها في شئ ، وآخرها في شئ آخر.
مع أن سبب النزول سماوي وإخبار عن حادثة إلا أنه قد يختلف فيه ، وتتعدد الأقوال في سبب نزول آية مخصوصة ، ولا يعني هذا أن واحداً منها فقط هو الصحيح ، فقد تكون كلها صحيحة ، فمثلاً قوله تعالى [وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ] ( ) وردت في سبب نزوله أقوال :
الأول : ورد عن ابن عباس أنه (خرج نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سفر وذلك قبل تحويل القبلة إلى الكعبة فاصابهم الضّباب فحضرت الصّلاة فتحروا القبلة وصلّوا فمنهم من صلّى إلى المشرق ومنهم من صلّى إلى المغرب.
فلما ذهب الضّباب استبان لهم إنّهم لم يصيبوا.
فلّما قدموا سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك فنزلت هذه الآية بذلك) ( ) .
الثاني : (قال عبدالله بن عامر بن ربيعة : كنّا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ليلة سوداء مظلمة فنزلنا منزلاً فجعل الرّجل يتّخذ أحجاراً فيعمل مسجداً يُصلّي فيه.
فلّما أصبحنا إذا نحن قد صلّينا إلى غير القبلة فقلنا يا رسول الله : لقد صليّنا ليلتنا هذه إلى غير القبلة فأنزل الله هذه الآية) ( ).
وهل يقدم قول الصحابي الحاضر للحادثة على الصحابي الذي لم يحضرها ، كما في حضور عبد الله بن عامر في أسباب وأوان نزول الآية أعلاه ، وعدم حضور عبد الله بن عباس لها ، الذي ذكرها بصيغة الغائب (فتحروا القبلة وصلّوا فمنهم) أما عبد الله بن عامر فقال بصيغة المتكلم (كنّا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فنزلنا ، فلّما أصبحنا ، لقد صليّنا) .
الجواب تعدد أسباب وسبل الترجيح للرواية منها سلسلة السند ، ووثاقة كل واحد منهم ، ومع التساوي يقدم قول الصحابي الحاضر والشاهد للواقعة .
الثالث 🙁 عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله { ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله }( ) قال : كان الناس يصلون قبل بيت المقدس ، فلما قدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدينة على رأس ثمانية عشر شهراً من مهاجره ، وكان إذا صلى رفع رأسه إلى السماء ينظر ما يؤمر به ، فنسختها قبل الكعبة) ( ).
الرابع : (عن جابر بن عبدالله قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سرية كنت فيها ، فأصابتنا ظلمة فلم نعرف القبلة ، فقالت طائفة منا : القبلة ههنا قبل الشمال ، فصلوا وخطوا خطاً .
وقال بعضنا : القبلة ههنا قبل الجنوب ، فصلوا وخطوا خطاً .
فلما أصبحوا وطلعت الشمس أصبحت تلك الخطوط لغير القبلة ، فلما قفلنا من سفرنا سألنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فسكت ، فأنزل الله { ولله المشرق والمغرب . . . } الآية) ( ).
الخامس : (عن عطاء: أن قوماً عميت عليهم القبلة ، فصلى كل إنسان منهم إلى ناحية ، ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكروا ذلك له ، فأنزل الله { فأينما تولوا فثم وجه الله }( )) ( ).
السادس : (عن قتادة : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : إن أخا لكم قد مات – يعني النجاشي – فصلوا عليه قالوا : نصلي على رجل ليس بمسلم .
فأنزل الله {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله…}( ).
قالوا : فإنه كان لا يصلي إلى القبلة ، فأنزل الله { ولله المشرق والمغرب…} الآية) ( ).
السابع : (عن البراء قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد صلى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهراً ، وكان يحب أن يصلي نحو الكعبة ، فكان يرفع رأسه إلى السماء ، فأنزل الله { قد نرى تقلب وجهك . . . }( ) الآية .
فوجه نحو الكعبة ، وقال السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها .
فأنزل الله {قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم }) ( ).
أما موضوع الآية فهو أعم إذ تستقرأ مسائل من الآية تتعلق بالرخصة والعذر عندجهل القبلة ، وجواز الصلاة نافلة وتطوعاً على الراحلة لأي جهة كانت لعمومات قوله تعالى [فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ..] ( ).
و(كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا رجع من مكة يصلي على راحلته تطوعاً ، يومئ برأسه نحو المدينة) ( ).
وقد ذكرت في رسالتي العملية (الحجة) مسألة وهي (المتحير الفاقد حتى للظن في تحديد جهة القبلة قيل يصلي إلى أربع جهات ونسب ذلك الى المشهور واستدل عليه بمراسيل، والأقوى انه يصلي حيث يشاء أو يرجح وبه ورد الصحيح وعن الإمام الصادق عليه السلام: يجزي المتحير ابداً اين ما توجه اذا لم يعلم اين وجه القبلة”، وهذا التوجه من مصاديق آية البحث وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ( ).
لقد أخبر القرآن عن ملكية الله المطلقة للأرض كلها ، وأنها وما يقع عليها من الحوادث حاضرة عند الله عز وجل ، وفي التنزيل [يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ]( ) .
وفي هذا الإخبار دعوة للتقوى والصلاح والخشية المتصلة من الله ، وإجتناب الظلم والتعدي ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ]( ).
أركان موضوع النزول
يستلزم علم موضوع النزول كلاً من :
الأول : علم أسباب النزول .
الثاني : علم المعاني والبيان .
الثالث : مقتضى الأحوال وتبدلها .
الرابع : المقاصد السامية للآية القرآنية .
فمثلاً كان سبب نزول قوله تعالى [قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ]( )، ما ورد عن ابن عباس (أن خولة امرأة من الأنصار ظاهر منها زوجها ، فقال : أنت عليّ كظهر أمي فأتت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
فقالت : إن زوجي كان تزوجني وأنا أحب الناس إليه حتى إذا كبرت ودخلت في السن .
قال : أنت عليّ كظهر أمي وتركني إلى غير أحد ، فإن كنت تجد لي رخصة يا رسول الله تنعشني وإياه بها فحدثني بها .
قال : والله ما أمرت في شأنك بشيء حتى الآن ، ولكن ارجعي إلى بيتك فإن أومر بشيء لا أعميه عليك إن شاء الله .
فرجعت إلى بيتها فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم في الكتاب رخصتها ورخصة زوجها فقال [ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا]( ) إلى قوله [عَذَابٌ أَلِيمٌ]( )، فأرسل إلى زوجها ، فقال : هل تستطيع أن تعتق رقبة ، قال : إذن يذهب مالي كله ، الرقبة غالية وأنا قليل المال ، قال : هل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ، قال : والله لولا أني آكل كل يوم ثلاث مرات لكلّ بصري ، قال : هل تستطيع أن تطعم ستين مسكيناً ، قال : لا والله إلا أن تعينني ، قال : إني معينك بخمسة عشر صاعاً)( ).
وعن الإمام الباقر عليه السلام قال (إن امرأة من المسلمات أتت النبي صلى الله عليه وآله فقالت: يارسول الله صلى الله عليه وآله إن فلانا زوجي قد نثرت له بطني وأعنته علي دنياه وآخرته لم يرمني مكروها أشكو منه إليك فقال: فبم تشكينيه .
قالت: إنه قال: أنت علي حرام كظهر امي، وقد أخرجني من منزلي فانظر في أمري، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله: ما أنزل الله تبارك وتعالى علي كتابا أقضي فيه بينك وبين زوجك، وإني أكره أن أكون من المتكلفين فجعلت تبكي وتشتكي ما بها إلى الله عزوجل وإلى رسول الله صلى الله عليه وآله وانصرفت.
قال : فسمع الله تبارك وتعالى مجادلتها لرسول الله صلى الله عليه وآله في زوجها وما شكت إليه وأنزل الله في ذلك قرآنا [بسم الله الرحمن الرحيم قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا]( )، إلى قوله [وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنْ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ]( ).
قال : فبعث رسول الله إلى المرأة فأتته فقال لها: جئيني بزوجك فأتته به، فقال له : قلت لامرأتك هذه أنت علي حرام كظهر أمي .
فقال : قد قلت لها ذلك .
فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: قد أنزل الله تبارك وتعالى فيك وفي امرأتك قرآناً ، وقرأ [بسم الله الرحمن الرحيم قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنْ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ]( ).
فضم إليك امرأتك، فانك قد قلت منكرا من القول وزورا، وقد عفا الله عنك وغفر لك ولا تعد .
قال : فانصرف الرجل وهو نادم على ما قال لامرأته وكره الله عزوجل ذلك للمؤمنين بعد وأنزل الله [وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا]( ).
قال يعني (لما قال الرجل لامرأته: أنت علي كظهر امي قال: فمن قالها بعد ما عفا الله وغفر) للرجل الاول فان عليه [َتحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا]( )، يعني مجامعتها ، [ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا]( ).
قال : فجعل الله عقوبة من ظاهر بعد النهي هذا، قال [ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ]( ).
قال : هذا حد الظهار.
قال الإمام الباقر عليه السلام: ولا يكون ظهار في يمين ولا في إضرار ولا في غضب، ولا يكون ظهار إلا على طهر من غير جماع بشهادة شاهدين مسلمين)( ) .
ويلاحظ في خاتمة الحديث كفاية قبول الشهادة على الظهار من غير تقييد بالإيمان ، وفيه تخفيف في الشهادة وتثبيت الوقائع .
وكما أن النسبة بين موضوع النزول وأسبابه عموم وخصوص مطلق ، فان ذات النسبة بين عموم المعنى وموضوع النزول إذ أن عموم معنى الآية القرآنية أعم ، وهو متجدد على نحو يومي في كل زمان ، ليكون موضوع النزول برزخاً بين عموم معنى الآية وسبب نزولها .
قانون تجدد إفاضات الآية طارد للإرهاب
قال تعالى[وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]( ) فمن خصائص الآية القرآنية إتصال وتجدد وتوالي إفاضاتها إلى يوم القيامة ، وهي وجوه منها :
الأول : ما يستقرأ من ذات الألفاظ ينقدح للعلماء في الأزمنة المتعاقبة.
الثاني : الجمع بينها وبين الآيات الأخرى.
الثالث : السنة النبوية.
الرابع : ما يستقرأ في التفسير والتأويل.
وتقدير الآية على وجوه منها :
الأول : يا ايها الذين آمنوا امتنعوا عن الهجوم على قريش وغزوها لعدم الحاجة لهذا الهجوم .
الثاني : يا أيها الذين آمنوا اشكروا الله عز وجل بالكف عن المشركين .
الثالث : البشارة بتجدد نصر الله عز وجل إنه تجدد القتال بين المشركين والنبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وهل هذه البشارة مطلقة سواء قام بالغزو النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه أم المشركين ، أم أن هذه البشارة خاصة في حال غزو وهجوم المشركون ، المختار هو الثاني لقوله تعالى [وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ] ( ).
الرابع : الإنذار إلى الذين كفروا بالإمتناع عن القتال وعن الغزو.
لقد كانت قريش تجتمع في دار الندوة المجاورة للبيت الحرام ، ويستعرضون الأحداث والوقائع ، ويستذكرون أخبار الأمم والملوك والمعارك السابقة بين القبائل والأمم والأشعار التي وثقت تلك الوقائع ، وما تدل عليه من معاني لإستقراء الدروس والمواعظ ، فقد كان الشعر يوثق أكثر تلك الوقائع ، ويبين أسبابها ونتائجها .
فجاءت آية قرآنية قصيرة تبين بذخائرها نتائج معركة بدر ، وهو من أسرار ورود تسمية بدر في ذات الآية بقوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ ..] ( ) ولم يرد هذا الاسم مرة أخرى في القرآن .
لقد تعطلت لغة الشعر وما فيه من البيان الجزئي الذي يحتمل المبالغة والتهويل والتفاخر بحق أو دون حق ، وجاء القرآن بالصدق والخبر الذي لا يحتمل إلا التصديق واليقين .
لم يحدث أن استعرض العرب نصراً من عند الله إلا القليل ، وحتى بالنسبة للأنبياء فقد كان عيسى عليه السلام يرفع لواء السلم والمهادنة ، وليس عنده جيش ، أما موسى عليه السلام فقد خرج بأمر من عند الله ببني إسرائيل ليلاً فراراً من ظلم وجور فرعون ، قال تعالى [وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لاَ تَخَافُ دَرَكًا وَلاَ تَخْشَى * فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنْ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ] ( ) وعندما قامت قريش بالهجوم في معركة بدر أخبر الله عز وجل عن هزيمتهم بأمر من عنده سبحانه ، وتقدير مفهوم الخطاب في آية [بِبَدْرٍ] للمشركين (ولقد هزمكم الله ببدر).
لبيان قانون وهو عاقبة الإرهاب والهجوم الخسران ، لما فيه من جلب الضرر على الذات والغير .
ولكن المشركين أصروا على الهجوم والغزو بما هو أشد من معركة بدر لبيان قانون وهو الشرك غشاوة على البصر ، ومانع من حكم البصيرة والعقل ، وتجلى هذا الأشد في معركة أحد من وجوه:
الأول : عدد جيش المشركين في معركة بدر نحو ألف ، بينما عددهم في معركة أحد ثلاثة آلاف .
الثاني : في معركة بدر خرج جيش المشركين على عجل إذ تجهزوا في ثلاثة أيام ، حينما أبلغهم رسول أبي سفيان ضمضم بن عمرو بأن قافلة أبي سفيان تتعرض للنهب والسلب من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ( )، ولا صحة لهذا البلاغ ، أما بخصوص معركة أحد فقد استعد المشركون لها ثلاثة عشر شهراً .
الثالث : يبعد موقع معركة بدر (150) كم عن المدينة ، ونحو (300) كم عن مكة.
أما معركة أحد فقد وقعت على مشارف المدينة المنورة ، إذ زحف المشركون حتى أطلوا عليها ، وسرّحوا خيلهم وأبلهم في زروع الأنصار وعامة أهل المدينة ، وإذا جاء أحد الفلاحين لزرعه رموه بالسهام مسلماً كان أو يهودياً أو كافراً .
وهل كانوا يهددون باقتحام المدينة يومئذ ، الجواب نعم ، فخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم للقائهم دفاعاً عن المدينة وأهلها ، ويدل عليه قوله تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ]( ) .
حضور القرآن في صلح الحديبية مانع من الإرهاب
في صلح الحديبية درس إلى الحكام بملاقاة الإرهاب بالحكمة والإصلاح ومنع انتشاره أو تفشيه ، إذ أوقف صلح الحديبية القتال بين المسلمين والمشركين.
ومن مصاديق الفتح في صلح الحديبية أنه مناسبة لإصلاح النفوس، والتنزه عن الإرهاب .
فمن خصائص سيادة حال السلم والوئام قهر النفس الغضبية ، ومنع ظهور الحمية ، قال تعالى [إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا]( ).
ترى كيف كان حضور القرآن في صلح الحديبية ، الجواب من جهات :
الأولى : تلاوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم القرآن في الصلاة خمس مرات في اليوم هو وأصحابه سواء في طريقهم إلى الحديبية ، أو عند الإقامة فيها .
الثانية : لقد كان مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ألف وأربعمائة فهل كانوا يقفون خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صلاة الجماعة .
والمختار أن طائفة منهم تبقى في حراسة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وهم في الصلاة ، بينما يقف عامة الصحابة خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة من غير أن تصل النوبة إلى صلاة الخوف والتي نزلت قبل خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الحديبية ، قال تعالى [وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً]( ).
مع أن خيل المشركين كانت تطوف أحياناً حول الموضع الذي فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
الثالثة : من إعجاز القرآن موضوعيته في اتخاذ القرار الخاص والعام ، ومنه تحلي الصحابة بالصبر مدة الإقامة في الحديبية ولم يحلوا احرامهم ولم يدخلوا مكة ، ولم يعودوا إلى المدينة والأخطار من حولهم.
فحالما علمت قريش بقدوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعلنت النفير ، وأرسلت إلى حلفائها من الأحباش ، واستعدوا بالسلاح لملاقاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقتاله.
وقد خفّف الله عز وجل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، فعندما اطمئنت قريش بأنه قادم لأداء العمرة وليس معه وأصحابه سلاح ودروع ذهبت الشحناء من نفوسهم ، وخافوا من هياج واستنكار القبائل لإساءتهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وعّمار المسجد إلى جانب ما صاروا عليه من الضعف .
وسيأتي قانون التضاد بين البيت الحرام والإرهاب.
ومن مصاديق حضور القرآن في صلح الحديبية وجوه :
الأول : تجدد تلاوة القرآن في كل صلاة فريضة يومية .
الثاني : لهج المسلمين بالقرآن في الليل والنهار .
الثالث : استماع المشركين وهم على الخيل لتلاوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه القرآن في الصلاة وخارجها ، وتدبرهم في معانيها.
الرابع : لم يغادر النبي صلى الله عليه وآله وسلم مكة مهاجراً إلا بعد أن ترك خلفه السور المكية ، وكل سورة منها تدل على إعجاز القرآن وهذا المعنى من مصاديق قوله تعالى [فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ]( ).
وهل تحضر هذه السور مع خيل المشركين ، المختار نعم ، فمن إعجاز القرآن بقاء القرآن في الوجود الذهني للمؤمن والكتابي والكافر ، للتدبر في آياته ومضامينها القدسية ومعانيها.
وكان العرب أيام النزول يدركون ما في آيات القرآن من الإعجاز ، وهل يمكن القول من أسرار إتصاف الآيات والسور المكية بالقصر حضورها يوم الحديبية لزجر مشركي مكة عن الإرهاب ، الجواب نعم .
لبيان قانون وهو للآية القرآنية منافع عاجلة وآجلة ، ولما فيه الصلاح ، وطرد الإرهاب وإدراك الإنسان مطلقاً القبح الذاتي للإرهاب ، ولزوم إجتنابه .
ومن إعجاز القرآن حضوره في صلح الحديبية ، وميل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى عقد الصلح مع قريش ، ورضا المسلمين به ، قال تعالى [وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا]( )، وقال تعالى [وَالصُّلْحُ خَيْرٌ]( ).
قانون صلح الحديبية حرب على الأرهاب
لقد عقد صلح الحديبية في شهر ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة بين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومشركي قريش في موضع اسمه الحديبية نسبة إلى بئر في المحل ، والذي يبعد عن المسجد الحرام نحو (22) كم ، وهو قريب من حدود الحرم المكي بمسافة (2) كم ، وقيل سمي الحديبية لشجرة حدباء في الموضع .
ويحتاج تعيين مكان الحديبية بدقة إلى دراسة وتحليل ، ويسمى في هذا الزمان الشميسي نسبة إلى رجل كان يملك في الموضع مزرعة ، واشتهر بكرمه وإعانته للمحتاجين وعابري السبيل ، والأصل أن تبقى المنطقة بذات اسم الحديبية لما فيه من الدعوة إلى تجلي معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الصلح .
وفي هذا الصلح دعوة متجددة للسلم ، ونبذ الإرهاب .
إذ أدرك كفار قريش وحلفاؤهم أن حربهم مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس فيها إلا ظهور الإسلام وخزي المشركين ، وتضاؤل عددهم فدخول أي فرد في الإسلام نقص في عدد الذي كفروا وإنحسار لسلطانهم .
ولم يكن صلح الحديبية منفصلاً عن معارك الإسلام الأولى مثل معركة بدر ، وأحد ، والخندق ، إنما هو من رشحاتها ، من جهات :
الأولى : ابتداء الكفار بالقتال في كل معركة من معارك الإسلام الأولى ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ]( ).
الثانية : إبتلاء الكفار بالخوف ونقص الأموال ، وتعطيل التجارة ، وميلهم للصلح طوعاً وقهراً .
الثالثة : نزول آيات من القرآن خاصة بكل معركة من معارك الإسلام الأولى ، منها آيات متعددة بخصوص معركة بدر كقوله تعالى [إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ]( ).
وتبدأ قصة الحديبية من رؤيا رآها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بدخوله وأصحابه مكة وهم آمنون ومحلقون رؤوسهم ومقصرون وأنه أخذ مفتاح الكعبة ودخلها فأخبر أصحابه واستنفر العرب ممن حول المدينة من أهل البراري ليخرجوا معه إلى مكة في شهر حرام وهو شهر ذي القعدة ولم يبقى على موسم الحج إلا شهر واحد .
وكان المشركون قد حاصر عشرة آلاف منهم المدينة قبل نحو سنة لغرض قتل النبي وأصحابه في معركة الأحزاب ومن قبل مجئ ثلاث آلاف منهم في معركة أحد ليكون من الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم خروجه وأصحابه نحو مكة حيث رؤساء الشرك ، ومن غير أن يحمل وأصحابه السلاح والعدة ، وهذا الخروج من مصاديق نفي ولاية البيت عن مشركي قريش ، والحاجة إلى إزاحتهم عنها ، قال تعالى [وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ] ( ).
وقدم بسر بن سفيان الكعبي إلى المدينة لليالٍ بقيت من شهر شوال من السنة السادسة للهجرة وهو مسلم ، وكان موضوع زيارته رؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم والسلام عليه ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (يَا بُسْرُ لَا تَبْرَحْ حَتّى تَخْرُجَ مَعَنَا فَإِنّا إنْ شَاءَ اللّهُ مُعْتَمِرُونَ)( ).
وأمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يشتري البدن من الإبل والشياء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، فصار بُسر يشتريها ويبعثها إلى موضع اسمه ذو الجدر وهو وادي بطحان ، والذي يبعد عن المدينة ثلاثة أميال ، وكان عامراً بالزروع والنخيل.
حتى إذا حضر أوان الخروج أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بجلبها إلى المدينة وأمر عليها ناجية بن جُندب الأسلمي أن يتقدم بها إلى الميقات وهو ذو الحُليفة.
ومن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإستعداد العام للعمرة ، وصدور أوامره لأصحابه بالخروج والتوجه إلى مكة وليس معهم إلا سلاح (لبيك اللهم لبيك) وهذا السلاح قاهر للإرهاب ، وفيه غنى ودعوة للناس للإيمان .
لقد هجم المشركون بالخيل والسيوف والسهام في معركة أحد ، الأحزاب فرجعوا خائبين أما النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد غزاهم بالتلبية التي هي شعار التوحيد.
ألف وأربعمائة من الصحابة ينادون مرة واحدة (لبيك اللهم لبيك) أثناء المسير ، ومنه عند صعود الأطام أو الهبوط في الوادي فيصل صدى أصواتهم إلى مكة مع أنهم كانوا في بدايات الطريق ، وكأنها وسائط إعلام مرئية تبث لقيام الركبان بنقل أخبار مسير النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ليبعث هذا المسير الخوف في قلوب الذين أشركوا لبيان قانون وهو ذات نداء التوحيد دعوة إلى الله ، فلا تصل النوبة إلى الإرهاب ، ولو شاء الله لأعد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم العدة للهجوم والمباغتة على المشركين في مكة بما يعجزون معه على جمع رجال القبائل للقتال معهم ، ولكنه اختار أداء العمرة ، لبيان مسائل:
الأولى : إجتناب النبي صلى الله عليه وآله وسلم الغزو ، وأنه لم يغز حتى الذين حشدوا الجيوش لقتاله في معارك متتالية .
الثانية : إمتناع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه عن الإرهاب أو تخويف الناس الآمنين ، فلا يدخل الخوف إلى قلوب أهل مكة عندما علموا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قادم عليهم ، لأن سلاحه آيات القرآن والتلبية ، وهو من الشواهد على عنوان هذا الجزء والجزء السابق من التفسير ، وهو النزاع المسلح بين القرآن والإرهاب .
الثالثة : كل آية قرآنية نزلت في مكة أو المدينة حرب على الإرهاب أيام نزولها وإلى يوم القيامة ، وهو من معاني الإعجاز العقلي للقرآن .
وهل سبقت آيات القرآن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى موضع الحديبية ، الجواب نعم ، لتأتي السور المكية من مكة ، وتحضر السور المدنية من المدينة ، ليكون من منافع هذا الحضور أمور :
الأول : الوقاية من الإرهاب .
الثاني : المنع من القتال .
الثالث : دعوة الناس للتدبر بوجوه الحكمة في مجئ النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه للعمرة .
الرابع : إستحضار البشارات القرآنية في صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الخامس : قراءة المسلمين وعامة الناس للآيات التي تتضمن الإخبار عن نصر وظفر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سواء النصر السابق كما في قوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]( ) إذ وقعت معركة بدر في السنة الثانية للهجرة أي قبل صلح الحديبية بأربع سنوات ، أو الآيات التي تبشر بالنصر اللاحق ومن غير أن يلجأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الغزو والهجوم .
لقد أنزل الله عز وجل السكينة في قلوب المسلمين في الحديبية ، قال ابن سعد : وأقام رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، بالحديبية بضعة عشر يوما، ويقال عشرين يوماً( ).
في دعاء وتلبية وصلاة لا يلح الصحابة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم لدخول مكة ، ولا يرتبون فعلاً على وعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهم بدخول مكة.
ليكون صبرهم في المقام من الشواهد على تفقههم في الدين ، ومعرفة أن الوعد أعم من أن يتحقق في ذات اليوم خاصة وأن وفود قريش كانت تأتي للنبي صلى الله عليه وآله وسلم كما أنه كان يرسل الوفود إلى مكة ، ومنه بعثه عثمان بن عفان إلى قريش.
وقال له (أخبرهم أنا لم نأتِ لقتال وإنما جئنا عماراً وادعهم إلى الإِسلام وأمره أن يأتي رجالاً بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات فيدخل عليهم ويبشرهم بالفتح . ويخبرهم أن الله وشيك أن يظهر دينه بمكة حتى لا يستخفي فيها بالإِيمان) ( ).
وهو من الإعجاز في إخبار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن حوادث المستقبل القريب التي تغير وجه التأريخ .
لقد تجلى إرهاب قريش في صلح الحديبية قبل واثناء عقد الصلح ، ولكن القرآن كان حاضراً بين المسلمين يلهمهم الصبر ، ويدعو إليه ، ويبين أن الفرج والفتح به .
ومن حضور القرآن أداء النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الصلاة خمس مرات في اليوم في موضع الحديبية ، وهم بلباس الإحرام.
لقد كانت خيل قريش تطوف حول معسكر المسلمين ، ويقومون برمي السهام والنبال ، ولكن المسلمين يتلون القرآن ، ويلبون ويقفون في صفوف متراصة خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة مع الحيطة والحراسة ، كانوا مستبشرين أن اصبحوا على مقربة من مكة والبيت الحرام ، ومن غير سلاح أو قتال ، وفيه أمارة على إنقطاع حقبة القتال وسفك الدماء بغير حق .
وبيان قانون وهو الإرهاب لا يأتي بنفع ، فقد رجع كيد وإرهاب كفار قريش عليهم بالخسارة والخزي.
وهل يمكن القول ما كان ألف وأربعمائة من الصحابة يخرجون مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الحديبية لولا حضور آيات القرآن وأنها كانت عضداً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في دعوته ، الجواب نعم.
وهل كانت آيات القرآن زاجراً لكفار قريش من الإرهاب والإغارة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وهم في الحديبية أم أنهم لا يقرون بنزول القرآن من عند الله ، فهم لم يتأثروا بآيات وسور القرآن .
المختار هو الأول ، ليكون من إعجاز القرآن نفاذه حتى إلى نفوس الذين كفروا فيصدهم عن الصد الشديد عن سبيل الله ، ويمنعهم من التمادي في الكفر والإرهاب ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ) وفيه بيان لقانون (القرآن مانع من الإرهاب والإرهاب الموازي) أمس واليوم وغداً .
قانون المؤاخاة تعاون قاهر للإرهاب
المؤاخاة إتخاذ الآخر أخاً ، ويقال : الأخوة (آخيته مؤاخاة وإخاء وحكى بعضهم واخَيته وتأخّيت الرجلَ : اتخذته أخاً) ( ) .
والمؤاخاة مصدر يقال آخيت بينهما إخاء ومؤاخاة وهمزته منقلبة عن الواو .
ويقال : رجل مقطاع للذي لا يثبت على أخوة وصفاء ، والمؤاخاة نوع مفاعلة ، أي أنها ليست أخوة بالنسب في الغالب ، إنما هي على نحو الإختيار والتوافق والتعاون والتعاضد .
وهناك مسائل :
الأولى : هل المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار من الوحي .
الثانية : ما هي منافع المؤاخاة في حال الحرب والسلم .
الثالثة : هل بقيت منافع المؤاخاة بعد مغادرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
أما المسألة الأولى فالجواب نعم ، فان المؤاخاة من الوحي ، وهي من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا يستطيع قائد أن يهتدي إلى فكرة المؤاخاة بين أصحابه ذوي الإنتماءات المختلفة ، ويتلقونها بالقبول والرضا لولا الوحي ، إذ يدرك الصحابة أن دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمؤاخاة من مصاديق قوله تعالى [وَمَا ينطق عن الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى]( )، وهذا الإدراك وموضوعه من أسباب نجاح المؤاخاة .
وهل كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يعلم بأن قريشاً سيهجمون بالجيوش الكبيره على المدينة ، ويحتاج الدفاع عنها إلى التآخي والوئام بين الصحابة ، الجواب نعم .
إذ كان الصحابة مهاجرين وأنصاراً ، وهذه القسمة الثنائية تقبل القسمة أيضا من وجوه :
الأول : تعدد قبائل المهاجرين ، فمنهم من قريش ، ومنهم من قبائل أخرى وحتى الذين من قريش فهم من بيوت شتى ، فمنهم من بني هاشم ، ومن بني عبد الدار ، ومن بني أمية ، ومن تيم ، وبني جمح ، وغيرهم .
وقد اثنى الله عز وجل على المهاجرين ، ووعدهم الثواب العظيم ، ونزل القرآن بتوثيق تعرضهم للإرهاب والظلم ، قال تعالى [وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ]( ).
الثاني : مجئ المهاجرين من قبائل وقرى ومدن شتى ، ومنهم من جاء من مكة، ومنهم من اليمن ، ومن الطائف وغيرهما .
الثالث : الأنصار عنوان جامع للصحابة من الأوس والخزرج .
وكانت المعارك تنشب بينهم بين الحين والآخر ، وآخرها حرب بُعاث التي جرت بينهم قبل هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة بخمس سنوات .
فجاءت المؤاخاة بنسخ ومحو الضغائن ، ولبيان قانون وهو تقّوم الصلات بالإيمان ، وإذا كانت صلة نسب ونحوه تتناسب معه فلا بأس بها ، أما إذا كانت تعارضه فلا موضوعية لها ، وهو من أسرار ومفهوم المؤاخاة ، فالى جانب منافعها في تنمية ملكة الأخوة والمودة بين الصحابة ، فانها تستأصل أسباب الفرقة والشقاق ، لتكون المؤاخاة من مصاديق قوله تعالى [وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ] ( ).
أما المسألة الثانية ، فليس من حصر لمنافع المؤاخاة بين الصحابة الذين اجتمعوا من قبائل ومدن شتى تحت لواء الإسلام ، فمن معانيها التعاضد والألفة والتعاون الخاص بين الأخوين وصرف وحشة الغربة عن المهاجرين والتخفيف العام ، في حال السلم والنصرة في حال الحرب والدفاع عند هجوم المشركين .
وكان عدد الذين تمت بينهم المؤاخاة بعد قدوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمدينة بخمسة أشهر تسعين رجلاً ، خمسة وأربعين من المهاجرين ، ومثلهم من الأنصار ، وقيل : كانوا مائة وخمسين من المهاجرين ، وخمسين من الأنصار .
وهل يمكن القول أن أكثرهم لم ير الآخرين من قبل ، الجواب نعم ، فقد كانت الهجرة مناسبة التقاء الصحابة في محل واحد ذي صبغة العبادة والتقوى والأمان للذات والملة .
وهو من معجزات القرآن الغيرية في دعوة المسلمين إلى الهجرة ، وكذا من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بحضّ الصحابة على الهجرة ، وترغيبهم بها ، فهذا الترغيب معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لما فيه من التحدي والبشارة بندرة مخاطر الطريق مع كثرة التهديد والوعيد الصادر من قريش بخصوص الذين ينوون الهجرة ، كما كان الآباء يمنعون أبناءهم من الهجرة .
ومن إعجاز القرآن بيانه للنفع العظيم للهجرة وثوابها ، وأجر الذي مات أو قتل في طريق الهجرة ، قال تعالى [وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا] ( ).
وفي سبب نزول الآية أعلاه ورد (عن ابن عباس قال : كان بمكة رجل يقال له ضمرة من بني بكر ، وكان مريضاً فقال لأهله : أخرجوني من مكة فإني أجد الحر .
فقالوا أين نخرجك .
فأشار بيده نحو طريق المدينة ، فخرجوا به فمات على ميلين من مكة ، فنزلت هذه الآية {ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت}( ))( ).
وأما المسألة الثالثة فالجواب نعم ، بقيت منافع المؤاخاة بين الصحابة أنفسهم وبين أبنائهم بصلات أخوية وتعاون وتعاضد ،وهو من الإعجاز في السنة النبوية .
ولم تكن المؤاخاة مرة واحدة إذ تكررت ، كما حدثت مؤاخاة شخصية متعددة ، فقد آخى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يوم الخندق بين سلمان وأبي الدرداء ، كما آخى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين جعفر بن أبي طالب ومعاذ بن جبل أخي بني سلمة من الأنصار .
وقد كان سلمان الفارسي يذهب لزيارة أبي الدرداء في الشام للمؤاخاة التي بينهما ، وقال أبو عبد الرحمن الدمشقي : زارنا سلمان وخرج الناس يتلقّونه كما يُتلقّى الخليفة فلقيناه وهو يمشي فلم يبق شريف إلاّ عرض عَلَيْهِ أن ينزل به، فقال: جعلت فِي نفسي مرّتي هَذِهِ أن أنزل عَلَى بشير بن سعد، فلمّا قدم سأل عن أبي الدرداء فقالوا: مرابط ببيروت، فتوجّه قِبّله( ).
وكانت المدة بين بناء المسجد النبوي وبين المؤاخاة خمسة أشهر .
وقال ابن اسحاق : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (تَآخَوْا فِي اللّهِ أَخَوَيْنِ أَخَوَيْنِ ثُمّ أَخَذَ بِيَدِ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، فَقَالَ هَذَا أَخِي فَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ سَيّدَ الْمُرْسَلِينَ وَإِمَامَ الْمُتّقِينَ وَرَسُولَ رَبّ الْعَالَمِينَ الّذِي لَيْسَ لَهُ خَطِيرٌ وَلَا نَظِيرٌ مِنْ الْعِبَادِ وَعَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام أَخَوَيْنِ.
وَكَانَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ ، أَسَدُ اللّهِ وَأَسَدُ رَسُولِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ وَعَمّ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ ، مَوْلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ أَخَوَيْنِ وَإِلَيْهِ أَوْصَى حَمْزَةُ يَوْمَ أُحُدٍ حَيْنَ حَضَرَهُ الْقِتَالُ إنْ حَدَثَ بِهِ حَادِثُ الْمَوْتِ .
وَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ذُو الْجَنَاحَيْنِ الطّيّارُ فِي الْجَنّةِ وَمَعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ، أَخُو بَنِي سَلَمَةَ ، أَخَوَيْنِ . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَكَانَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَوْمئِذٍ غَائِبًا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ)( ).
لتكون هذه المؤاخاة معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودعوة للمهاجرين والأنصار إلى معرفة منزلة الإمام علي عليه السلام في الوحي.
ومن الإعجاز المؤاخاة بين جعفر الطيار المهاجر إلى الحبشة وبين معاذ بن جبل للبشارة بعودة جعفر سالماً من الحبشة ، ولإرادة إخبار المهاجرين في الحبشة بأن ذكرهم وإيمانهم حاضر في هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة ، وكأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يبعث رسالة إلى مهاجري الحبشة أن هلموا إلى إخوانكم في المدينة ، حيث لا غربة ، وقيل آخى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين معاذ بن جبل وعبد الله بن مسعود.
لقد كانت المؤاخاة عهداً وميثاقاً بين الصحابة وكان معاذ شاباً جميلاً ، ويتصف بالكرم والسماحة حتى ركبه الدَين وجاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسأله أن يطلب من الغرماء أن يضعوا له بعض دينه ، فلم يرضوا أن يضعوا من دَينه .
فباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ماله كله لقضاء دينه ، وبعد فتح مكة بعثه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى ناحية اليمن أميراً .
وقيل (أول من اتجر في مال الله هو. فمكث حتى أصاب وحتى قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما قدم قال عمر لأبي بكر: أرسل إلى هذا الرجل فدع له ما يعيشه وخذ سائره منه، فقال أبو بكر: إنما بعثه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولست بآخذ منه شيئاً إلا أن يعطيني، فانطلق عمر إليه إذ لم يطعه أبو بكر، فذكر ذلك لمعاذ فقال معاذ: إنما أرسلني إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليجبرني، ولست بفاعل)( ).
ويستلزم هذا الخبر التحقيق ، فلم يكن متعارفاً وجود مال عند الأمير يشتغل ويضارب به في التجارة ، ثم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أرسل معاذ بن جبل قاضياً في اليمن .
ومات معاذ بن جبل في طاعون عمواس بناحية الأردن سنة ثماني عشرة ، وبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم (أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِي ّ وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إلَى الْيَمَنِ عِنْدَ انْصِرَافِهِ مِنْ تَبُوكَ . وَقِيلَ بَلْ سَنَةَ عَشْرٍ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوّلِ دَاعِيَيْنِ إلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ عَامّةُ أَهْلِهَا طَوْعًا مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ . ثُمّ بَعَثَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ إلَيْهِمْ وَوَافَاهُ بِمَكّةَ فِي حَجّةِ الْوَدَاعِ)( ).
لقد كانت المؤاخاة في مواجهة إرهاب قريش ، كما أنها عون للصحابة في التحلي بالأخلاق الفاضلة ، فمن خصائص أخوة الإيمان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والتعاون في والتفقه في الدين ، وما فيه غنى عن القبيح مطلقاً.
ومن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إجتماع الصحابة خمس مرات في اليوم لأداء الصلاة بامامة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى جانب جلوسهم في المسجد الحرام لتدارس القرآن ، والتذكير في أحكام الحلال والحرام .
فتكون ذات الصلة مؤاخاة عملية يومية عامة إلى جانب المؤاخاة الشخصية التي عقدها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن جعل كل اثنين من الصحابة أخوين .
لقد كانت المؤاخاة واقية من الظلم والتعدي وهي سلاح يبعث السكينة في النفوس ويمنع من غلبة النفس الغضبية.

مصاديق من المؤاخاة
ابتدأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم المؤاخاة بدعوة الصحابة وحضهم عليها إذ قال (تآخوا في الله أخوين أخوين ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيد علي فقال هذا أخي) ( ).
ومن المؤاخاة :
الأولى : بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم والإمام علي عليه السلام.
الثانية : بين حمزة بن عبد المطلب عم النبي وزيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخوين .
الثالثة : جعفر بن أبي طالب ومعاذ بن جبل أخو بني سلمة أخوين .
الرابعة : أبو بكر وخارجة بن زيد أخو بني الحارث بن الخزرج أخوين.
الخامسة : عمر بن الخطاب وعتبان بن مالك أخو بني سالم بن عوف أخوين .
السادسة : أبو عبيدة بن الجراح وسعد بن معاذ أخو بني عبد الأشهل أخوين .
السابعة : عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع أخو بني الحارث بن الخزرج أخوين .
الثامنة : الزبير بن العوام وسلمة بن سلامة بن وقش أخو بني عبد الأشهل أخوين. ويقال بل الزبير وعبد الله بن مسعود حليف بني زهرة أخوين.
التاسعة : عثمان بن عفان وأويس بن ثابت بن المنذر أخو بني النجار أخوين .
العاشرة : طلحة بن عبيد الله وكعب بن مالك أخو بني سلمة أخوين .
الحادية عشرة : سعيد بن زيد وأبي بن كعب أخو بني النجار أخوين.
الثانية عشرة : مصعب بن عمير وأبو أيوب خالد بن زيد أخو بني النجار أخوين .
الثالثة عشرة : أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة وعباد بن بشر بن وقش أخو بني عبد الأشهل أخوين.
الرابعة عشرة : عمار بن ياسر حليف بني مخزوم وحذيفة بن اليمان أخو بني عبس حليف بني عبد الأشهل أخوين ويقال بل عمار وثابت بن قيس بن شماس أخو بني الحارث بن الخزرج خطيب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخوين .
الخامسة عشرة : أبو ذر وهو جندب بن جنادة الغفاري والمنذر بن عمرو أخو بني ساعدة بن كعب بن الخزرج أخوين قال ابن هشام وسمعت غير واحد من العلماء يقول أبو ذر جندب بن جنادة قال ابن إسحاق وكان حاطب بن أبي بلتعة حليف بني أسد بن عبد العزي وعويم بن ساعدة أخو بني عمرو بن عوف أخوين.
السادسة عشرة : سلمان الفارسي وأبو الدرداء عويم بن ثعلبة أخو بني الحارث بن الخزرج .
السابعة عشرة : بلال مؤذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبو رويحة عبد الله بن عبد الرحمن الخثعمي ثم أحد الفرع أخوين) ( ).
وورد (عن أبي رويحة الفزعي: أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يواخي بين الناس فآخى بينهم وبقيت فقدم رجل من الحبشة فآخى بيني وبينه وقال : أنت أخوه وهو أخوك)( ).
أي حالما قدم مسلم من الحبشة آخى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بينه وبين أحد الصحابة.
وأبو رويحة من خثعم ، وقيل آخى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بينه وبين بلال الحبشي .
وهو المختار ، لورود الأخبار فيما بعد عن أُخوَّتهما .
و(عن أَبي الدرداءِ قال: لما رحل عمر بن الخطاب من فتح بيت المقدس فصار إلى الجابية، سأله بلال أن يقِره بالشام، ففعل ذلك.
قال: وأَخي أَبو روَيحة، آخى بيني وبينه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فنزل دَاريا في خولان، فأقبل هو وأَخوه إِلى حي من خولان فقالا لهم: أَتيناكم خاطبين، قد كنا كافرين فهدانا الله عز وجل، ومملوكين فأعتقنا عز وجل، وفقيرين فأغنانا الله عز وجل، فإِن تزوجونا فالحمد لله، وإن تردونا فلا حول ولا قوة إِلابالله ، فزوجوهما)( ).

معجزة كتابة القرآن أوان التنزيل
لقد أنزل الله عز وجل جبرئيل عليه السلام بآيات وسور القرآن على نحو التدريج والتوالي والنجوم ، وأسباب للنزول ليسهل على المسلمين حفظها وكتابتها .
وكان توثيق آيات القرآن من مصاديق [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون] ( ) ومن وجوه هذا التوثيق :
الأول : تدارس المسلمين لآيات القرآن .
الثاني : حفظ النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة لآيات وسور القرآن .
الثالث : كتابة المسلمين لآيات وسور القرآن ، وكانت الكتابة تتم على :
الأولى : الكتابة على العسب ، وهو جمع عسيب الذي هو جريدة النخل التي يكشط منها الخوص ، ويكتب على الطرف العريض منها.
الثانية : اللخاف ، جمع لخَفْة ، بفتح اللام وسكون الخاء ، وهي الحجارة والرقاق .
الثالثة : ما تيسر من الورق والقراطيس ، وليس من تأريخ أو بلد محدد لصناعة الورق ، فقد بدأت صناعته في بلدان متعددة قبل الميلاد وبعده كالصين ، ومصر التي استعملت لحاء نبات البردي (papyrus) ومنه اشتقت كلمة (paper) للورق .
(واتسع نطاق الصناعات المنزلية فانتشرت في المُدن ، وكان قد مضى على قيامها في مصر زمن طويل، فاشتهرت بها مدائن بطليموئيس Ptolemais، ومنفيس وطيبة، وأكسيرهنكس Oxyrhynchus، وصان، وبسطة، ونقراطيس، (عين شمس) .
وكانت هذه الصناعات في الإسكندرية المورد الذي تعتمد عليه نصف حياة العاصمة الصاخبة. ويبدو أن صناعة الورق كانت قد بلغت وقتئذ المرحلة الرأسمالية، فإن استرابون يحدثنا أن أصحاب مزارع البردي حددوا محصوله ليرفعوا سعره. وكان الكهنة يقيمون المصانع في حرم الهياكل، ويخرجون فيها نسيجاً رقيقاً من التيل، يصنعون منه ملابسهم، ويبيعون بعضه في الأسواق)( ).
واستعمل الصينيون الحرير للكتابة ، ولكن لغلاء ثمنه اتجهوا لصناعة الورق من نفايات الحرير بعد عجنها ويسمى الورق الحريري وكتبت بعض الكتب القديمة به ، ثم صنع الورق من القطن والكتان ونحوه لانتاج ورق رخيص.
لقد كانت هناك تجارة بين الشرق والغرب ، وكانت مراسلات بين الملوك وتجارات قبل ميلاد المسيح وبعده.
ويعتني الوزراء والبلاط والتجار في اختيار أفضل وأخف ما يكتب عليه ، وكانت قريش أهل تجارة إلى الشام واليمن ، وعندما نشب القتال بين الدولة الفارسية والرومانية أيام البعثة النبوية أصاب الشلل طرق التجارة بين الهند وأوربا عبر العراق والشام .
فتولت قريش هذه المسؤولية بقوافل كبيرة تنقل البضائع القادمة من الهند إلى موانئ اليمن ، لإيصالها إلى الشام وبالعكس ، فقد تسير قوافل قريش بين الشام واليمن من غير أن تمر بمكة وهو من مصاديق قوله تعالى [لِإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ]( ).
لبيان لزوم تسخير هذه التجارة العظمى في طاعة الله ، والتصديق بالنبوة والتنزيل ، ومع اختلاط قريش بالأمم الأخرى فانها تجلب الورق إلى مكة ، كما يصل إلى المدينة (يثرب) وفيها اليهود الذين يستنسخون ويتلون التوراة .
نعم كان الورق قليلاً في الجزيرة لغلاء سعره ، وحال العوز عند الناس ، وشيوع الأمية بينهم .
ليكون من الإعجاز في نبوة محمد (قانون قضاء القرآن على أمية العرب) وهل هذا القضاء حصن من الإرهاب ، الجواب نعم .
ولم يكن الورق بهذه الرقة التي في هذا الزمان وكأنه من نوع الجلد المدبوغ ، ولكنه من النبات ، وقد يسمى الورق في أيام النبوة (الرقاع) ويجمع هذا الإسم بينه وبين الجلد .
الرابعة : قطع الأديم وهو الجلد المدبوغ .
الخامسة : عظم الأكتاف من الحيوان ، لأنه عريض يتسع لكتابة عدة جمل .
وقد تم جمع القرآن في أيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، والمراد من الجمع في المقام على وجوه :
الأول : حفظ المسلمين القرآن في صدورهم .
الثاني : كتابة آيات القرآن .
الثالث : جمع القرآن بين دفتي المصحف ، ثم جمع في المصحف أيام أبي بكر الذي أرسل إلى زيد بن ثابت وأمره أن يكتب القرآن في المصحف بعد قتل كثير من الحفاظ في معركة اليمامة في السنة الحادية عشرة للهجرة ، وذكر أن عدد قتلى المسلمين يومئذ ألف ومائتان وهو بعيد .
فجمع زيد بن ثابت القرآن من الرقاع واللخف والعظام ، ومن صدور الصحابة ، ولم يكن زيد بن ثابت وحده جمع القرآن ، فقد جمعه الإمام علي عليه السلام قبل معركة اليمامة.
الرابع : تلاوة المسلمين للقرآن في الصلاة اليومية وخارجها .
وتعضد هذه الوجوه بعضها بعضاً في توثيق وحفظ القرآن ، وهو من إعجاز القرآن ، والشواهد على سلامته من التحريف والزيادة والنقصان ، ليكون قوله تعالى [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون]( )، حاضراً وسلاحاً في كل زمان من أيام التنزيل إلى يوم القيامة .
وهل هذه الآية سلاح ضد الإرهاب ، الجواب نعم ، لما فيها من الدلائل على أن القرآن كتاب سماوي نزل بالرحمة والتراحم ، والموادعة والسلم.
وكان استنساخ القرآن يتم في أيام أهل البيت والصحابة ، يقومون بكتابته حسب ترتيب المصحف ، ليكون على وجوه :
الأول : إنه منهاج للمسلمين في العبادات والمعاملات والأحكام.
الثاني : القرآن ميثاق علم الإجتماع .
الثالث : القرآن نور وهدىً للأخلاق الحميدة ، والسلوك الحسن ، وهو من مصاديق [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]( ).
الرابع : آيات القرآن وتلاوتها والعمل بها العصمة من الظلم والتعدي والإرهاب .
قصة يونس سلاح ضد الإرهاب
ومن خصائص المسلم أنه يتلو الآيات التي فيها قصص الأنبياء ، وكل قصة منها تدعو إلى الأمن ونشر ألوية المودة بين الناس وتتضمن نبذ الإرهاب ، وتزجر عنه ، وتارة يذكر القرآن قصة نبي منفردة ، وتارة يذكر عدداً من الأنبياء مجتمعين ، ونزلت سورة كاملة بقصة نبي وهي سورة يوسف .
كما وردت عدة سور بأسماء أنبياء ولابد لهذه التسمية من دلالات ومن هذه السور سورة يونس ، وهي سورة مكية ، نزلت على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل هجرته من مكة.
ومع أن السورة باسم (يونس) عليه السلام فلم يذكر فيها اسمه إلا مرة واحدة من بين أربع مرات ذكر فيها في القرآن وهي :
الأولى : [إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا]( ).
الثانية : [وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ]( ).
الثالثة : [فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ]( ) ، ومن أسرار الآية أنها تذكر قوم يونس بنسبتهم إليه ، وليس إلى قبائلهم ، وهو من إكرام الله عز وجل للأنبياء في الدنيا ، وتذكير الناس بدعوتهم في الآخرة بنسبتهم للأنبياء والرسل لما فيه من الحجة عليهم ، وهل فيه بشارة شفاعة الأنبياء لقومهم ، الجواب نعم .
الرابعة : [وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ]( ).
وابتدأت السورة بذكر إعجاز القرآن ونزوله على صدر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودهشة قريش وإظهارهم الإستغراب لبعثة النبي من بين ظهرانيهم ، وليس عند بني إسرائيل أو في بلاد أخرى مثلاً ، قال تعالى [الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ * أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرْ النَّاسَ وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ]( ).
و(عن ابن عباس قال : لما بعث الله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رسولاً أنكرت العرب ذلك ، ومن أنكر منهم قالوا : الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً مثل محمد . فأنزل الله [أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ] ( )، الآية [وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ] ( ) ( )،
فلما كرر الله عليهم الحجج قالوا : وإذا كان بشراً فغير محمد كان أحق بالرسالة {لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم}( )، يقولون : أشرف من محمد يعني الوليد بن المغيرة من مكة ، ومسعود بن عمرو الثقفي من الطائف ، فأنزل الله رداً عليهم {أهم يقسمون رحمة ربك}( )، الآية . والله أعلم)( ).
وهل في قولهم بأولوية غير النبي صلى الله عليه وآله وسلم في نزول القرآن إرهاب وتحريض على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتكذيب له ، وإرادة قتله من قبل العامة ، الجواب نعم .
ولكن النسبة بين الآية أعلاه واحتجاج قريش كما في التنزيل [لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ]( )، عموم وخصوص مطلق ، وليس المراد أن كل آية منهما تفسر الآية الأخرى ، فالآية من سورة يونس أعم وموضوعها متقدم زماناً إذ استغربت قريش من بعثة رجل منهم رسولاً من عند الله ، ثم لما توالى نزول آيات القرآن على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتجلت معجزات له ، انكروا مجئ الرسالة لخصوص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقالوا هناك من هو أحق بالنبوة منه ، لإرادتهم الحرب على النبوة والتغرير بالناس ، وجعلهم في حال لبس وشك .
لقد تضمنت الآية أعلاه من سورة يونس البشارة من الله على الإيمان ، كما تضمنت في مفهومها الإنذار من الكفر والضلالة ، وهل ذكر سور قصص الأنبياء للأوامر الإلهية ، والإخبار عن نبوتهم من وجوه تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
المختار نعم ، وهو من فضل الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأمته لأنهم أحيوا ذكر الأنبياء إلى يوم القيامة .
إذ يتلو كل مسلم ومسلمة سورة يونس في الصلاة وخارجها ، كما ورد باسم (صاحب الحوت) ، في قوله تعالى [فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ]( ).
لبيان تحلي النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالصبر ، ودعوته المسلمين إلى التنزه عن الإرهاب ، والإضرار بالغير [لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً]( ).
كما ورد ذكر يونس في القرآن بصفة (ذا النون) بقوله تعالى [وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ]( ).
والنون : الحوت ، ولم يرد لفظ النون في القرآن إلا في الآية أعلاه ، وذو النون أي : صاحب الحوت ، وهو يونس عليه السلام جاء هذا الوصف لتأكيد معجزته بنجاته وخروجه من بطن الحوت سالماً ، ولتقريب قصته ومعجزاته إلى أذهان المسلمين والمسلمات على اختلاف مداركهم ، وفيه بعث للناس لرجاء فضل الله بالنجاة من الشدة بآية من عند الله ، وهل في وصف يونس بذي النون حرب على الإرهاب .
الجواب نعم ، إذ تدعو المسلم إلى الصبر ، وعدم الغضب فيما يراه من سلوك وعرف في حياة الناس يتضمن التقصير والقصور ، إذ غادر يونس قومه غاضباً عليهم .
و(عن ابن عباس في قوله {وذا النون إذ ذهب مغاضباً }( ) يقول : غضب على قومه { فظن أن لن نقدر عليه } يقول : أن لن نقضي عليه عقوبة ولا بلاء فيما صنع بقومه في غضبه عليهم وفراره .
قال : وعقوبته أخذ النون إياه)( ).
كما ورد اسم يونس بصفة (صاحب الحوت) إذ ورد ذكره بهذا الوصف في سورة (ن).
وفيه بعث للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين على الصبر ، والإتعاظ من قصة يونس لقوله تعالى في الآية [فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ]( ).
وفيه دعوة للمسلمين على التعايش مع الناس ، وعدم الغضب واظهار السخط ، من عادات الشعوب والأمم ، ليكون التعايش السلمي وإجتناب الإرهاب في المجتمعات من باب الأولوية ، وهو موافق لقاعدة لا ضرر ولا ضرار في الإسلام .
ولم يظن يونس أن البلاء ينزل به لقوله تعالى [فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ]( )، أي يقدّر ويقلل الله عليه رزقه ، وفيه بيان لقانون وهو لا يقدر على تقليل الرزق عن الفرد والجماعة والأمة إلا الله عز وجل ، فلم تقل الآية : فظن أن لن يُقدر عليه ) بصيغة المبني للمجهول ، وفيه مسائل :
الأولى : حضّ المسلمين على الدعاء باستدامة الرزق والبركة والنماء فيه.
الثانية : الشكر لله عز وجل على الرزق الكريم ، وهو من مصاديق قوله تعالى [لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ]( ).
الثالثة : اللجوء إلى الله عز وجل والإستعاذة به سبحانه من تقليل ونقصان الرزق .
وفيه إنذار للمسلم بأن البلاء ينزل به ، عند الإضرار بالناس ، والمجتمعات ، ثم أن قوم يونس أدركتهم رحمة الله ، فتابوا حينما رأوا العذاب أطل عليهم ، وصار الهلاك قريباً منهم.
وعن الإمام جعفر (الصادق عليه السلام قال: من صلى بين العشائين ركعتين قرء في الاولى الحمد وقوله تعالى [وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ* فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ]( ).
وفي الثانية الحمد وقوله تعالى [وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ]( ).
فإذا فرغ من القراءة رفع يديه وقال : اللهم إني أسألك بمفاتح الغيب التي لا يعلمها إلا أنت، أن تصلي على محمد وآله، وأن تفعل بي كذا وكذا. ثم يقول : اللهم أنت ولي نعمتي، والقادر على طلبتي، وتعلم حاجتى، فأسألك بحق محمد وآل محمد عليه وعليهم السلام لما قضيتها لى ويسأل الله جل جلاله حاجته أعطاه الله ما سأل ، فان النبي صلى الله عليه وآله قال: لا تتركوا ركعتي الغفلة و هما بين العشائين)( ).
وهل من صلة بين الأمر بالصبر للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بالإلحاق في خاتمة سورة يونس [وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ]( )، وبين قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( )، الجواب نعم ، وهما معاً دعوة للألفة والتعايش السلمي ، والعصمة من الإرهاب في المجتمعات والتجمعات.
قانون نشر آيات الدعاء المودة
من إعجاز القرآن ونظمه في المصحف ابتداؤه بسورة الفاتحة التي هي ثناء على الله ، ودعاء ولجوء إلى الله عز وجل بمسائل يومية متجددة ، كما في قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( ) ومن معانيه : اهدنا الصراط المستقيم في كل ساعة من أيام حياتنا الدنيا ، وهو من أسرار قراءة كل مسلم ومسلمة هذه الآية سبع عشرة مرة في الصلاة اليومية ، وعلى نحو الوجوب العيني .
ومن أسماء الصلاة الدعاء ، ويؤديها المسلم والمسلمة في حال خشوع وخضوع لله عز وجل ، ومن الآيات القرآنية التي تقرأ في الصلاة وخارجها ما تتضمن الدعاء ومنها :
الأولى : [وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ]( ).
الثانية : [رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ]( ).
الثالثة : [وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ]( ).
الرابعة : [رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ]( ).
الخامسة : [رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ * رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ]( ).
السادسة : [الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ]( ).
السابعة : [قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ]( ).
الثامنة : [الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ]( ).
التاسعة : [رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ]( ).
العاشرة : [رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ]( ).
الحادية عشرة : [قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنْ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ]( ).
الثانية عشرة : [رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ]( ).
الثالثة عشرة : [وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ]( ).
الرابعة عشرة : [قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ]( ).
الخامسة عشرة : [وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا]( ).
السادسة عشرة : [إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا]( ).
السابعة عشرة : [وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ]( ).
الثامنة عشرة : [وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ]( ).
التاسعة عشرة : [وَقُلْ رَبِّ أَنزِلْنِي مُنْزَلاً مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ]( ).
العشرون : [رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ]( ).
وسيأتي قانون : آيات الصبر حصانة من الإرهاب .
وهناك مستحبات للدعاء منها ما تكون مقدمة له ، ومنها مصاحبة ومنها متأخرة عنه .
ومن مستحبات الدعاء استقبال القبلة عند الدعاء ، وفي عشية يوم بدر ، وعندما نظر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى قلة أصحابه وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر مع كثرة عدد جيش المشركين وهم نحو ألف ، استقبل القبلة ثم مدّ يديه وجعل يناجي الله عز وجل و(عن جارية، عن الإمام علي عليه السلام قال : أصابنا من الليل طش من المطر -يعني الليلة التي كانت في صبيحتها وقعة بدر -فانطلقنا تحت الشجر والحَجَف نستظل تحتها من المطر. وبات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعو ربه: “اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض”!
فلما أن طلع الفجر، نادى: “الصلاة، عباد الله”، فجاء الناس من تحت الشجر والحجف، فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وحرض على القتال ) ( ).
وجارية المذكور في سند الحديث أعلاه هو جارية بن قدامة التميمي السعدي صحابي (روى عنه أهل المدينة وأهل البصرة وكان من أصحاب علي عليه السلام في حروبه وهو الذي حاصر عبد الله بن الحضرمي في دار شبيل ثم حرق عليه وكان معاوية بعث ابن الحضرمي ليأخذ البصرة وبها زياد خليفة لابن عباس فنزل عبد الله بن الحضرمي في بني تميم وتحول زياد إلى الأزد وكتب إلى علي فوجه إليه أعين بن صبيعة المجاشعي فقُتل فبعث جارية بن قدامة) ( ).
و(روى هشام بن عروة عن الأحنف بن قيس أنه أخبره ابن عم له وهو جارية بن قدامة أنه قال يا رسول الله قل لي قولا ينفعني وأقلل لعلي أعقله قال : لا تغضب . فعاد له مراراً يرجع إليه رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم : لا تغضب)( ).
وبعث معاوية (بسر بن أرطاة أحد بني عامر بن لؤي إلى اليمن وعليها عبيد الله بن العباس، فتنحى عبيد الله وأقام بسرٌ عليها، فبعث عليٌ جارية بن قدامة السعدي فهرب بسر، ورجع عبيد الله بن عباس إليها، فلم يزل عليها حتى قتل عليٌ) ( ) .
ثم وفد جارية على معاوية ودار حديث وجدال بينهما ثم أكرمه معاوية بالعطاء .
ومن المستحبات إبتداء الدعاء بالثناء على الله عز وجل ، والصلاة على النبي وآله .
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ لَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ) ( ).
ولا يصح الدعاء بما فيه إثم وحرام ، أو قطيعة رحم (عن أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : لا يزال العبد بخير ما لم يستعجل.
قالوا : وكيف يستعجل .
قال : يقول قد دعوت ربكم فلم يستجب لي) ( ).
ومن نزاع القرآن مع الإرهاب حضّ القرآن على الدعاء ،والإخبار بأنه وسيلة مباركة لتحقيق الأماني ، وبلغة للغايات الحميدة ، وهو مأمون العواقب ، وليس فيه إلا الخير ، ويدل عليه قوله تعالى [ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ] ( ).
وهل في الآية أعلاه إنذار من الجمع بين الدعاء والإرهاب ، المختار نعم ، فمن يرجو ، الله ويسأله الحاجة لا يلجأ إلى الإعتداء على الأفراد والمصالح العامة .
وتبين الآية أعلاه المندوحة والسعة بالدعاء إخفاتاً وسراً ، فاذا كان الإنسان لا يأمن على نفسه في موضوع الدعاء مثلاً أو يلقى السخرية ، والله سبحانه [يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ]( ) ويلجأ إلى الإخفات في الدعاء .
والدعاء مستحب في أي وقت من الليل والنهار ، وهناك أوقات يتأكد فيها الإستحباب ، ورجاء الإستجابة منها الدعاء بين الأذان والإقامة ، ومنها نزول المطر ، وبين صلاة المغرب والعشاء .
وعن إنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد ) ( ).
ومن مستحبات الدعاء التوسل بالعمل الصالح الذي فعله العبد ، فهو من المناجاة ، وليس من الرياء أو التفاخر ، إن الله عز وجل يحب للعبد أن يذكر بين يديه قيامه وقعوده وتقواه وتعاهده الفرائض ، وإحسانه للغير بقصد القربة إلى الله تعالى ، لبيان أن الشاب المؤمن يحتاج أن يعرض أعماله على الله عز وجل في الدنيا رجاء نيل الأماني ، وهي تعرض قهراً يوم القيامة أمام الخلائق ، فليحرص على أن تكون خالية من التعدي والنواهي ، قال تعالى [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا] ( ).
وهل الذي يقع عليه الإرهاب يتوجه إلى الله عز وجل بالدعاء والشكوى ، الجواب نعم ، فباب الدعاء مفتوح للناس جميعاً ، والذي ينزل عليه بلاء الإرهاب يشكو إلى الله عز وجل ثم إلى الناس ، وتهب جهات متعددة لتأييده وإعانته ونصرته باليد والدعاء أيضاً .
أخرج أحمد والترمذي وغيرهما (عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ثلاثة لا ترد دعوتهم : الصائم حتى يفطر ، والإِمام العادل ، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام ، ويفتح لها أبواب السماء ، ويقول الرب : وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين) ( ) .
ومن وثائق السنة النبوية التي تنهى عن الإرهاب في منطوقها ومفهومها ما ورد (عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث معاذاً إلى اليمن فقال : إنك ستأتي قوماً أهل كتاب ، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ، فإن هم أطاعوا لذلك فاعلمهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة ، فإن هم أطاعوا لذلك فاعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم ، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم ، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) ( ).
فقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم وافق دعوة المظلوم ، مطلقاً سواء كان مسلما أو كتابياً أو كافرا ، خاصة وأن مضمون التوصية والأمر يتعلق بأهل الكتاب ، وغالباً ما يقصد بالأفعال الإرهابية المسلم والكتابي ، والأخ في المواطنة وكله مبغوض.
ويتضمن الحديث النهي عن الظلم مطلقاً ، والإنذار عليه ، وأن الله عز وجل ينتصر للمظلوم ، وهذا الإنتصار من مصاديق جعل الله عز وجل الإنسان [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( )من جهات :
الأولى : نهي الله الإنسان عن الظلم وتحريم ظلمه لغيره ، قال تعالى [وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ] ( ) وقال تعالى [وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا] ( ).
الثانية : كفاية الله عز وجل للناس ودفاعه عنهم عند التعدي عليهم .
والنسبة بين التعدي والظلم العموم والخصوص المطلق ، فالتعدي أعم .
الثالثة : بيان مصداق من ملكية الله عز وجل للسموات والأرض .
وتقدير قوله تعالى [وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ] ( ) بلحاظ قانون هذا الجزء على وجوه :
الأول : ولله ملك السموات والأرض وهو ينهى عن الظلم .
الثاني : ولله ملك السموات والأرض فلا يرضى الظلم في ملكه.
الثالث : ولله ملك السموات والأرض فهو يحاسب على الظلم ، ويؤاخذ عليه.
الرابع : ولله ملك السموات والأرض ملك تصرف مطلق .
الخامس : ولله ملك السموات والأرض فيسمع دعاء المظلوم .
وهل يتضمن معنى اسم [السَّمِيعُ] لله عز وجل السمع وحده ، أم ما يترتب عليه من الفعل والإستجابة ، الجواب هو الثاني .
بناء المسجد النبوي صرف للإرهاب إلى يوم القيامة
لقد تعرض المهاجرون لبعض المشاق :
الأولى : أخطار وأهوال طريق الهجرة ، فلم يكن هذا الطريق في الأصل آمناً ، ثم أن قريشاً قامت بوضع الدوريات حول الكعبة خصوصاً طريق المدينة لمنع المسلمين والمسلمات من الهجرة إلى المدينة.
الثانية : إكراه المهاجر على ترك داره وأمواله ، إذ كانت قريش تمنعهم من أخذ الأموال معهم .
الثالثة : فراق الأهل وديار الصبا .
الرابعة : حال الفقر والعوز في المدينة .
الخامسة : قلة فرص العمل في المدينة ،وإن وجدت فهي لا تلائم رجال قريش ، إذ أن المهنة الغالبة في المدينة هي الفلاحة ، وقريش أهل تجارة لا خبرة لهم بالفلاحة .
لذا فمن إعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن أول عمل قام به حين وصوله إلى المدينة هو بناء المسجد النبوي ليكون على وجوه :
الأول : إنه مكان لإقامة الصلاة الجماعة .
الثاني : هو مأوى وكهف للصحابة .
الثالث: تتجلى في المسجد النبوي وحدة المسلمين
الرابع : إجتماع المسلمين في المسجد النبوي طرد للوحشة ، وإزالة لكابوس الغربة عن المهاجرين .
الخامس : فيه مناسبة عبادية للأخوة الإيمانية بين المهاجرين والأنصار تتكرر خمس مرات في اليوم .
لقد آخى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين الصحابة مهاجرين وأنصاراً أخوين أخوين ، ليكون المسجد النبوي سور الموجبة الكلية للأخوة العامة بينهم ، وهو من مصاديق ققوله تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ] ( ).
ولا يعلم ما في بناء المسجد النبوي من التخفيف عن الصحابة مهاجرين وأنصاراً إلا الله عز وجل ، ولابد أن يتعرض علماء الإجتماع والنفس لهذا الإنجاز الذي لم يتم إلا بالوحي بدليل حتى الناقة التي كان يركبها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بركت في ذات موضع المسجد دون غيره فأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن إرادة تعيين موضعه .
إذ كان أهل كل حي من الأنصار يدعون النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليحل وينزل عندهم وهو على ناقته ، ويقفون أمامها أو يأخذون بزمامها .
فيقول لهم : دعوها فانها مأمورة( ) ، لتتجلى معجزة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بمرآى ومسمع من رجال ونساء المدينة ، وتكون دعوة لهم للإسلام ، وزيادة إيمان الذين أسلموا منهم خاصة وأنه كان عدد من الأنصار يمشون بين يديه إلى أن وصل إلى ديار بني عدي بن النجار ، قريباً من المسجد النبوي من جهة البقيع ، فدعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم للبقاء ، ولكنه أخبرهم بأن ناقته مأمورة.
وهل كان الأنصار يعلمون المراد من قوله (دعوها فانها مأمورة) بأنها تبرك في الموضع الذي سيكون خالداً في التأريخ إلى يوم القيامة باتخاذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم له مسجداً ، المختار أنهم يعلمون باتيان الناقة فعلاً يدل على الإختيار سواء بالوقوف عنده أو الرغاء أو البروك ، لبيان قانون وهو إبتداء دخول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة بمعجزة في تعيين موضع المسجد النبوي بآية من عند الله ، وقد تقدم أن معجزة الرسول صالح عليه السلام كانت الناقة ، فلا غرابة أن تقع معجزة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بواسطة ناقته كما نزلت سورة النحل وهي مكية بالإخبار عن وحي الله عز وجل للنحل ، والنحلة حشرة صغيرة ، قال تعالى [وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنْ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ] ( ).
وفي تعيين موضع المسجد النبوي بآية من عند الله قطع للخلاف والخصومة بين الأوس والخزرج وبين الأفراد على نحو الخصوص ، وهو من الشواهد على فضل الله عز وجل في صرف أسباب ومقدمات الخصومة لتأكيد قانون وهو : الإسلام دين الوفاق والسلام .
فمشت الناقة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وطائفة من الأنصار بين يديه ، فالذين يعتذر النبي عن الإقامة عندهم يمشون مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم راجلين أو على النوق إلى أن وصل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى دار بني مالك بن النجار ، وكان يومئذ مربداً لغلامين من بني مالك بن النجار ، وهما سهل وسهيل ، وكانا في حجر معاذ بن عفراء .
ولم يكتف النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالإشراف على بناء المسجد النبوي ، إنما قام بضرب اللبن وعجن الطين ، وقرب ما يحتاجون إليه .
ووضع النبي صلى الله عليه وآله وسلم رداءه لينقل اللبن ومواد البناء ، فلما رآه المهاجرون والأنصار قاموا بمحاكاته .
(وعن أم سلمة( ) قالت: بنى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مسجده فضرب اللبن وعجن الطين وقرب ما يحتاجون إليه، فقام عليه الصلاة والسلام فوضع رداءه، فلما رأى ذلك المهاجرون والأنصار وضعوا أرديتهم وجعلوا يرتجزون فيقولون: من الرجز
لئن قعدنا والنّبيّ يعمل … ذاك إذن لعمل مضلّل
قال في المواهب: وروينا أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان ينقل معهم اللبن في ثيابه ويقول وهو ينقل: من الوسيط
هذا الحمال لا حمال خيبر … هذا أبر ربنا وأطهر
اللهمّ إنّ العيش عيش الآخرة … فارحم الأنصار والمهاجرة)( ).
ولا يمتنع انشاد الشعر على النبي ، إنما يكون الممتنع عليه هو إنشاء الشعر والإكثار منه ، ويجوز أن يلقي البيت متمثلاً أو يأتي كلامه إتفاقاً على وزن الشعر ، (قال ابن شهاب: ولم يبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تكلم ببيت شعر غير هذا) ( ).
والمراد من الحمال أي المحمول من اللبن لبناء المسجد ، وأنه أفضل من التمر والعنب ونحوه المنقول من مزارع خيبر ، لبيان مسألة عقائدية وهي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يقصد الفتح ، ولا الإستيلاء على الأموال ، وأنه إذا تم فتح خيبر فيجب ألا ينشغل المسلمون عن الذكر وإقامة الصلاة .
عندها قام المهاجرون والأنصار بالإرتجاز .
لئن قعدنا والنّبيّ يعمل … ذاك إذن لعمل مضلّل( ).
تعاهد أموال اليتامى
من إعجاز القرآن مجيؤه بأحكام وسنن صلاح لليتامى وحفظ لأموالهم ، وفيه مسائل :
الأولى : واقية من الظلم.
الثانية : إنه برزخ دون الإرهاب.
الثالثة : فيه سلامة لليتامى من الأخلاق المذمومة في صغرهم وبعد البلوغ.
ومع أن المشركين كانوا يشنون الغارات على المدينة ويسعون لقتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، كانت آيات الأحكام تترى لتنظيم حياة المسلمين إلى يوم القيامة ، وفيه بشارة حضور الملائكة مدداً للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وإندحار وخزي جيوش المشركين ليسود الأمن والسلام في الأرض.
ويكون تعاهد المسلمين له من الشكر لله عز وجل وحينما نزل قوله تعالى [وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ] ( ) كره المسلمون خلط أموال اليتامى مع أموالهم ، وجعل الولي على اليتيم يعزل ماله.
فجاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبينوا ما هم فيه من الحرج بخصوص أموال اليتامى التي في أيديهم فانزل الله عز وجل [وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ]( ).
فسبب النزول لجوء الصحابة إلى النبي في سؤالهم عن أموال اليتامى ، أما موضوع الآية فهو مال اليتيم وأحكام التشريع فيه من الولاية والوصاية والوكالة والحسبة .
وقد يكون موضوع نزول الآية القرآنية متقدما زماناً على أوان النزول ، وهو شامل لكل زمان ، ففي قوله تعالى [وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ] ( ) يتبادر إلى الذهن أن المراد مساجد المسلمين ، ولكن الآية في موضوع نزولها أعم فتشمل الكنائس للنصارى ، والكنيس لليهود والجمع كُنُس ، وتدل عليه الوقائع التأريخية .
قال الثعلبي (نزلت في ططيوس بن استيسانوس وأصحابه؛ وذلك إنّهم غزوا بني إسرائيل فقتلوا مقاتليهم وسبوا ذراريهم وحرقوا التّوراة وخرّبوا بيت المقدس) ( ).
والمراد من المسجد الموضع المخصص للعبادة .
وعن أبي ذر في حديث قال : قال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) ( ).
والقدر المتيقن من أسباب النزول هو الوقائع والأحداث عند نزول الآية ، أما موضوع الآية فهو أمر متجدد وباق إلى يوم القيامة ، وهو من أسرار كون الآية القرآنية معجزة عقلية ، كما يشمل موضوع الآية الوقائع والأحداث في الأمم السابقة ، إذ أن القرآن مدرسة الأجيال .
ويشمل موضوع الآية أعلاه تعاهد المساجد ودور العبادة ، وإجتناب وصول يد التخريب والعنف والإرهاب إليها ، وهذا الإرهاب ظلم لأنه سبب لعزوف الناس عن الذهاب إليها إلا القليل منهم ، فترى المسجد يكتظ بالمصلين ، أما إذا وقع فعل إرهابي فان الناس تمتنع عن الذهاب إليه ، وربما إلى نظيره حذراً وحيطة ، قال تعالى [فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ* رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ]( ).

كثرة (قل) في القرآن حاجز دون الإرهاب
(قل) فعل أمر ينبئ عن توجه الأمر بالقول ، وقد ورد في القرآن (332) مرة في آية علمية لبيان موضوعية قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في التكاليف والأحكام الشرعية ، وكلها وردت خطاباً وامراً إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باستثناء أربع مرات , واحدة منها وردت خطاباً من الله سبحانه لموسى عليه السلام بقوله تعالى [اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى]( ).
لبيان قانون وهو أن النبي محمداً مأمور من عند الله بأقوال مخصوصة ومحدودة .
ترى ما هي النسبة بين لفظ (قل) في القرآن الموجه إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبين قوله تعالى [وَمَا ينطق عن الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى]( ).
الجواب هو العموم والخصوص المطلق ، فموضوع الآية أعلاه أعم من لفظ (قل) إذ يشمل الوحي في الوقائع والأحداث ، وعامة قول وفعل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وفي البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ورد في التوراة (اقيم لهم نبيا من وسط اخوتهم مثلك و اجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما اوصيه به)( ).
وتدل مواضيع (قل) في القرآن على غلبة لغة الحوار والبيان والإحتجاج في رسالة النبي محمد وحتى أسلحة وسيوف الذين أشركوا كانت تواجه بكلمة (قل) لبيان أن القرآن ينازع الشرك والإرهاب بلفظ (قل).
وقد جاءت آيات ليس فيها لفظ (قل) ولكنها تعضيد لها ، منها آيات البشارة والإنذار ، قال تعالى [إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا]( )، [فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا]( ).
وبينما يجهز المشركون الجيوش لمحاربة النبي صلى الله عليه وآله وسلم تنزل آيات متتالية تتضمن لفظ قل [قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ * قُلْ هَلْ تَتَربَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمْ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ * قُلْ أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ]( ).
وقد ورد لفظ (قل) في سورة التوبة وحدها اثنتي عشرة مرة ، وقد تقدم أن أكثر سورة ورد فيها لفظ (قل) هي سورة الأنعام( )، وإذ تحشد قريش القبائل وتستأجر آلاف الرجال لمحاربة النبي صلى الله عليه وآله وسلم يأتي القرآن بمخاطبتهم بعرض واحد التابع والمتبوع بأن الهزيمة في الدنيا ، والخزي في الآخرة عاقبتهم كما في قوله تعالى [قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ]( ).
وهناك آيات كثيرة من آيات (قل) تدل على النهي عن الإرهاب ، والمنع منه مثل قوله تعالى [قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ]( ).
وفي هاتين الآيتين أمر لأجيال المسلمين بأمور :
الأول : الرحمة بالناس على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم ، ومنه قوله تعالى [وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا]( ).
ليجتمع الأمر إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم (قل) والى المسلمين (قولوا) في حسن السمت والصلاح الذي يجب أن يتصف به المسلمون بما يبعث السكينة في نفوس عامة الناس والطمأنينة لأحكام الشريعة التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإنصات للقرآن والتدبر في إعجازه.
الثاني : الإجتهاد في طلب مرضاة الله لذا جاء في الثناء على القرآن قوله تعالى [يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ]( ).
الثالث : السعي في ابتغاء الفوز بحب الله لهم ، ويتجلى هذا الحب وغفران الذنوب باتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بما جاء به من عند الله من الأحكام وسنن الرحمة .
وتكرر لفظ (قل) في الآية [قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ]( ).
ومن معاني ملك الله للسموات والأرض عجز الناس عن التغيير والتبديل في الأرض ، وأنه تعالى تفضل برحمة الناس جميعاً ، وليس لأحد التعدي على العباد وظلمهم سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين .
لبيان أن الله عز وجل يأمر النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم أن يسأل الناس عن معاني ومصاديق التوحيد ، ولا ينتظر منهم ، الجواب لأن السؤال موجه إلى المسلم والكتابي والكافر ، والعالم ، والجاهل ، والرجل والمرأة.
فتفضل الله بأمره بالجواب بالحال من غير فترة أو إبطاء لبيان وجوب إقرار الناس جميعاً بالتوحيد ، وهذا الإقرار عنوان الإتحاد والوحدة والألفة بين الناس ، وشاهد على حرمة إرهاب الناس والإضرار بهم ، إذ تدل الآية على كفاية التبليغ .
وهل قوله [كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ]( )، من الأمر الإلهي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (قل) أم أن القدر المتيقن هو (قل لله) ( )، ثم يكون وقف لازم.
الجواب هو الأول لذا وردت علامة (ج) بعد لله في رسم المصحف لبيان جواز الوقف .
وهذه العلامة ونحوها إجتهاد من المفسرين والقراء ، وفي قوله تعالى [كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ]( )، قيل (أي أوجبها ربكم على نفسه)( )، ومنهم من تلطف فقال : التزمها تفضلاً وإحساناً.
ولكن المختار أن (كتب) في الآية أعلاه غير (كتب) في الفرائض ، كما في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ]( )، التي تعني الوجوب إنما (كتب على نفسه الرحمة) إخبار عن قانون لطف الله بالناس والخلائق ، وهو وعد للناس بالعفو والمغفرة ، مما يدل على حض المؤمنين على التسامح والمغفرة للناس ، وإجتناب الإرهاب .
وعن سلمان عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : خلق الله يوم خلق السموات والأرض مائة رحمة ، منها رحمة يتراحم بها الخلق وتسع وتسعون ليوم القيامة ، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة( ).
و(عن عمرو بن عبسة قال : سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن قوله [وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ] ( )، ما كان النداء ، وما كانت الرحمة .
قال : كتاب كتبه الله قبل أن يخلق خلقه بألفي عام ، ثم وضعه على عرشه ، ثم نادى : يا أمة محمد سبقت رحمتي غضبي ، أعطيتكم قبل أن تسألوني ، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني ، فمن لقيني منكم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبدي ورسولي صادقاً أدخلته الجنة)( ).
(وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش : إن رحمتي سبقت غضبي)( ).
أي حكم الله وقطع وأوجب أن تكون رحمته سابقة لغضبه فلا تصل النوبة في أغلب الأحوال إلى السخط والعقوبة ، وفيه دعوة للمسلمين وعامة الناس بحسن المعاشرة ، والتراحم العام بالصلات الإنسانية .
وفي عهد الإمام علي عليه السلام الذي كتبه لمالك الأشتر النخعي لما ولاه على مصر وأعمالها (وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق يفرط منهم الزلل وتعرض لهم العلل ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه)( ).
وسيبقى لفظ (قل) في القرآن مدرسة عقائدية وأخلاقية للأجيال ، وحجة في تهذيب السلوك والإمتناع عن الظلم والإرهاب.
وقد تأتي الآية بصيغة مرادفة لقل مثل و(أنذر) و(بلّغ) كما في قوله تعالى [ يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ]( ).
وجاءت السنة النبوية لتعضيدها لها ، فالسنة هي المصدر الثاني للتشريع ، وقد قال وفعل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اضعاف ما ورد في لفظ (قل) في القرآن ، وقوله وفعله حجة ونبراس وسبيل هدى ، وهو مرآة للقرآن.
وجاء القرآن والسنة النبوية بالتحذير من الإقتتال بين المسلمين ، ومن الإرهاب والقتل على الهوية.
(إذ ورد عن ثوبان أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : إن ربي زوى لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها ، وأعطاني الكنزين الأحمر والأبيض ، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها .
وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة فأعطانيها ، وسألته أن لا يسلط عليها عدواً من غيرهم فأعطانيها .
وسألته أن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها.
وقال : يا محمد إني إذاً قضيت قضاء لم يرد ، إني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكها بسنة عامة ، ولا أظهر عليهم عدواً من غيرهم فيستبيحهم بعامة ، ولو اجتمع من بين أقطارها حتى يكون بعضهم هو يهلك بعضاً وبعضهم هو يسبي بعضاً.
وإني لا أخاف على أمتي إلا الأئمة المضلين ، ولن تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين ، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان ، وإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة ، وأنه قال : كلها يوجد في مائة سنة ، وسيخرج في أمتي كذابون ثلاثون ، كلهم يزعم أنه نبي الله ، وأنا خاتم الأنبياء لا نبي بعدي ، ولن يزال في أمتي طائفة يقاتلون على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله .
قال وزعم أنه لا ينزع رجل من أهل الجنة شيئاً من ثمرها إلا أخلف الله مكانها مثلها ، وأنه قال : ليس دينار ينفقه رجل بأعظم أجراً من دينار ينفقه على عياله ، ثم دينار ينفقه على فرسه في سبيل الله ، ثم دينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله .
قال : وزعم أن نبي الله عظم شأن المسألة وأنه إذا كان يوم القيامة جاء أهل الجاهلية يحملون أوثانهم على ظهورهم ، فيسألهم ربهم ما كنتم تعبدون؟
فيقولون : ربنا لم ترسل إلينا رسولاً ولم يأتنا امر .
فيقول : أرأيتم إن أمرتكم بأمر تطيعوني ، فيقولون : نعم . فيأخذ مواثيقهم على ذلك فيأمرهم أن يعمدوا لجهنم فيدخلونها ، فينطلقون حتى إذا جاءوها رأوا لها تغيظاً وزفيراً فهابوا ، فرجعوا إلى ربهم فقالوا : ربنا فرقنا منها .
فيقول : ألم تعطوني مواثيقكم لتطيعن ، اعمدوا إليها فادخلوا . فينطلقون حتى إذا رأوها فرقوا فرجعوا ، فيقول : ادخلوها داخرين.
قال نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم : لو دخلوها أوّل مرة كان عليهم برداً وسلاماً)( ).

لفظ (قل) في القرآن نهي عن الإرهاب
تتعدد معاني لفظ (قل) في القرآن التي تنهى عن الإرهاب من وجوه :
الأول : لفظ (قل) بيان وإيضاح ، ومع البيان لا تصل النوبة إلى الإرهاب.
الثاني : (قل) احتجاج وبرهان ، وفيه رد على إرهاب مشركي قريش بالإحتجاج ،وهو سلاح بيد المسلمين إلى يوم القيامة للحرب على الإرهاب ، لبيان قانون وهو : القرآن سلاح ضد الإرهاب من وجوه :
الأول : القرآن سلاح سماوي حاضر ضد الإرهاب .
الثاني : الآية القرآنية الواحدة حرب على الإرهاب .
الثالث : الكلمة الواحدة من القرآن حرب على الإرهاب .
ويتألف لفظ (قل) من حرفين ، ولكنه حاضر في عالم القول والفعل ، بما يفيد تهذيب السلوك وإصلاح المجتمعات ، والإبتعاد عن العنف والتطرف خاصة وأن الأصل في لفظ (قل) هو الحاق الأمة وأجيال المسلمين بالنبي والتقدير (قولوا).
إلا أن يدل الدليل على الخصوص ، ومنه [قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِ وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ] ( ).
ومنه [قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ] ( ).
وما عدا الخطاب الخاص يكون اللفظ عاماً على نحو التكليف والواجب أو المستحب .
فمثلاً ورد لفظ (قل) أربع مرات في هذه الآية [قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلْ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لاَ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ] ( ) ويكون تقدير الآية بصيغة الجمع .
وقد يرد لفظ (قل) بصيغة اللفظ العام في آية على نحو متكرر ، وفي الآية خطاب خاص إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما في قوله تعالى [قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلْ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لاَ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ] ( ) .
فمن معاني الآية قولوا أي شئ أكبر شهادة قولوا الله شهيد بيننا وبينكم.
ومن معاني (قل) وكثرته في القرآن ترغيب المسلمين باللجوء إلى الإحتجاج ولغة البرهان ، والإمتناع عن الإرهاب والعنف .
وهل يحارب لفظ (قل) القرآني التطرف والتشدد ، الجواب نعم ، فهو دعوة للسلم والرحمة وصيرورة اللطف العام نسيماً ينفذ إلى القلوب فتستولي عليها سنخية التراحم والتوادد.
ومن الإعجاز في لفظ (قل) في القرآن أنه يشمل الأحكام التكليفية الخمسة، فمنه ما يتضمن الأمر والوجوب ، ومنه ما يفيد المندوب أو المباح أو الكراهة أو الحرمة .
ومن الحرمة النهي عن الشرك ، قال تعالى [قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لاَ أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنْ الْمُهْتَدِينَ] ( ) وتارة يأتي الأمر من الله عز وجل إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليتكلم باسم المسلمين ونيابة عنهم ، كما في قوله تعالى [قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ]( ).
وهل هذا القول خاص بالصحابة ، الجواب لا ، فهو يشمل أجيال المسلمين ، باخلاص العبادة لله ، والإمتناع عن الإضرار بالناس لقانون وهو الإخلاص في العبادة مانع من الإرهاب .
وعن قتادة في الآية أعلاه قال (خُصُومَةٌ، عَلَّمَهَا اللَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ ، يُخَاصِمُونَ بِهَا أَهْلَ الضَّلالَةِ)( ).
لبيان أن الخصومة مع أي طرف بالإحتجاج وليس الإرهاب وسفك الدماء ، ولتستقرأ من الآية ومفهومها حرمة سفك الدماء والبطش على الهوية والإنتساب في الملة والمذهب ، ودفع الإرهاب وأضراره على الأطراف المختلفة ، بما فيهم ذات فاعل الإرهاب وفصيلته وطائفته ،( وسيأتي قانون التضاد بين التقية والإرهاب ) .
وفي حضور لفظ (قل) في القرآن في الأحكام التكليفية الخمسة مسائل :
الأولى : تهذيب القول والفعل .
الثانية : الإكتفاء بالقول دون الفعل في البيان .
الثالثة : إرتقاء المسلمين في المعارف الإلهية .
الرابعة : بيان قانون موضوعية القول في إصلاح المجتمعات ، لقانون وهو كل قول يأمر به الله في القرآن له دلالات وغايات حميدة متجددة لا يعلمها إلا الله عز وجل ، وفيه غنى عن الإرهاب ، وزجر عنه .
الخامسة : الترغيب بالصدور عن مدرسة (قل) القرآنية ، وطرد الإرهاب عن المجتمعات .
السادسة : لفظ(قل) في القرآن سلاح وجودي يخاصم الإرهاب كل يوم، ويزيحه وضرره عن المجتمعات ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ).

تسمية القرآن للصلح فتحاً سلاح ضد الإرهاب
الصلح هو التصالح بين طرفين أو أكثر بينهم خصومة ونزاع ، والصلاح والإستقامة وحسن السلوك ، وهو ضد الفساد .
وقد سمّت العرب صالحاً ومصلحاً وصليحاً ، وصَلاح على وزن حَذام اسم من أسماء مكة ، وقال حرب بن أمية في دعوة لأبي مطر الحضرمي الذي أراد أن ينزل خارج الحرم وهو حليف بني نفاثة وهم حلفاء حرب بن أمية فدعاه للنزول في مكة .
أبا مطَر هَلُمَّ إلى صلاحِ … فَتَكْفِيَكَ النَّدَامى مِنْ قريشِ
فتأمَنَ وَسْطَهُمْ وتَعيِشَ فيهم … أبا مطر هُدِيتَ لخيْرِ عَيشِ
وتَنْزِلَ بَلْدَةً عزَّت قَدِيماً … وتأمَنَ أن يَزُروَكَ ربُّ جيشِ( ).
وقيل هذا الشعر لأمية بن أبي الصلت .
لبيان أن مكة لا تدين لملك ، ولا تؤدي أتاوة لأحد ، وهي أمان ، قال تعالى [وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ]( ).
وفي الآية أعلاه حجة على الذين كفروا إذا أكثروا من إيذاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ثم عزموا على قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كل من :
الأولى : ليلة المبيت ، إذ خرج فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم مهاجراً من مكة .
الثانية : طريق الهجرة إلى المدينة ، ولحوقه ، ومحاولة بعض المشركين اللحوق به .
وذكر ابن هشام عن الحسن بن أبي الحسن في حديث (ولما فقدت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم طلبوه بمكة أعلاها وأسفلها وبعثوا القافة يتبعون أثره في كل وجه فوجد الذي ذهب قبل ثور أثره هناك فلم يزل يتبعه حتى انقطع له لما انتهى إلى ثور( ).
وشق على قريش خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم وجزعوا لذلك فطفقوا يطلبونه بأنفسهم فيما قرب منهم ويرسلون من يطلبه فيما بعد عنهم وجعلوا مائة ناقة لمن رده عليهم.
ولما انتهوا إلى فم الغار وقد كانت العنكبوت ضربت على بابه بعشاش بعضها على بعض بعد أن دخله رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكروا.
قال قائل منهم ادخلوا الغار فقال أمية بن خلف وما أربكم إلى الغار إن عليه لعنكبوتا أقدم من ميلاد محمد قالوا فنهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ عن قتل العنكبوت وقال إنها جند من جنود الله)( ).
الثالث : تعدد تكرار محاولات قريش قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وهل حصار قريش لأهل البيت في شعب أبي طالب خلاف الأمن المذكور في الآية أعلاه الجواب نعم ، وفيها دعوة للمسلمين بحسن السمت ليأمن منهم الناس جميعاً .
والفتح ضد الإغلاق .
(والفَتْح : افتِتاح دارِ الحَرب. والفَتْح: أن تفتَحَ على مَن يَسْتَقْرِئُكَ.
والفَتْح : أنْ تحكُمَ بين قَوْمٍ يَخْتَصِمون إليكَ، قال تعالى رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ( ).
ولا يقوم أحد بتسمية صلح الحديبية فتحاً إلا الله عز وجل لبيان قانون وهو منافع صلح الحديبية أكثر من أن يحصيها الناس .
لقد خرج مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ألف وأربعمائة من الصحابة في شهر ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة ، وهم يرجون أداء مناسك العمرة لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبرهم بأنه رآى في المنام بأنهم يدخلون المسجد الحرام .
ومن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم تلقي الصحابة نبأ هذه الرؤيا بأنها حق وصدق ، للدلالة على بلوغهم مرتبة الفقاهة بالتسليم بأن رؤيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم شعبة من الوحي .
نعم ليس كل رؤيا يراها النبي هي وحي ، فقد يراها بما هو إنسان ، ومنها أضغاث أحلام ، ولكن حينما يخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه عن رؤياه فانه يعلم أنها من الوحي ، ومن فضل الله ، إذ أن الله عز وجل يجعل النبي يميز بين كل من :
الأول : رؤيا الوحي .
الثاني : الرؤيا الصادقة .
الثالث : رؤيا أضغاث أحلام .
وكانت رؤيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في دخول المسجد الحرام من الوحي .
وهل لهذه الرؤيا موضوعية في خروج هذا العدد الكبير من الصحابة مع النبي نحو مكة مع إحتمال إجهاز قريش عليهم ، الجواب نعم ، ولما عقد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الصلح مع قريش إرتاب المنافقون لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه رجعوا من غير أن يدخلوا مكة ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم (فَمَا رَأَيْتُ فِي هذَا العَامِ) ( ).
والبرهان واضح في تحقق مصداق الرؤيا بأن تضمن الصلح شرطاً وهو عودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في قابل أي في شهر ذي القعدة من السنة السابعة للهجرة لأداء عمرة القضاء.
وهل من موضوعية لهذا الشرط في تسمية صلح الحديبية فتحاً ، الجواب نعم ، لما فيه من دخول النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه مكة من غير مسايفة أو أراقة دماء .
لقد كان كل من صلح الحديبية وعمرة القضاء حرباً على الإرهاب ولغة السيف ، للتضاد بين الإرهاب والأمن ، إذ أخبر القرآن عن دخول النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين البيت الحرام بأمان ، قال تعالى [لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ]( ).
وذكر أن الآية أعلاه نزلت عند دخول النبي صلى الله عليه وآله وسلم المسجد الحرام في عمرة القضاء .
والمختار أن موضوع الآية أعلاه لا ينحصر بعمرة القضاء ، إنما هو بشارة تتجدد كل سنة بعدم وجود صدّ وصادّ للمسلمين عن المسجد الحرام إلى يوم القيامة ، وبالإسناد (عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حجوا قبل ان لاتحجوا ، قيل فما شأن الحج .
قال يقعد أعرابها على أذناب أوديتها فلا يصل إلى الحج أحد)( ) والحديث ضعيف سنداً .
قانون منافاة الإرهاب للضروريات الخمس (بحث اصولي)
الضروريات الخمس اصطلاح مستحدث ذكره الغزالي ونحوه ، ويراد منه الأمور ذات الشأن التي تتقوم معها الحياة ، ومصالح العباد في الدين والدنيا وتعاهد هذه الأمور طريق استقامة وسلامة للناس ووقاية من الفساد.
وقد اختلف في ترتيبها ، فيتبدل الترتيب بحسب الحال والأهمية ، فقد يقدم حفظ العقل على حفظ النسل والمال ، أو حفظ النفس على حفظ الدين .
وقد يُذكر حفظ العرض بدل حفظ النسل .
ومن معاني هذه الضرورة تضاد الإرهاب مع كل فرد منها ، وهي :
الضرورة الأولى : حفظ الدين .
وهو تعاهد كلمة التوحيد ، ومبادئ الإيمان والمواظبة على أداء الفرائض العبادية من الصلاة والصوم والحج .
وقد لاقى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم شتى ضروب الأذى والإرهاب من قريش في دعوته إلى الله .
ومن مكر ودهاء قريش إقتران أذاهم للنبي وأهل بيته وأصحابه بالعروض السخية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ليترك الدعوة إلى الله .
ومشوا عدة مرات إلى عمه أبي طالب بصيغ الترغيب والترهيب ، ولكن النبي أعلن مواصلة الدعوة والتبليغ ما دام حياً ، وحينما ابتدأ دعوته واعلان نبوته واجهته قريش بالتكذيب والإرهاب ، ولم يتدبروا في أمره وفي معجزاته .
ولكن عندما نزلت الآيات بذم الأصنام وعبادتها أظهروا عداوتهم له ، وقيل كان هذا في السنة الرابعة للبعثة .
لقد أوّلت قريش ذم القرآن لأصنامهم بأنه سب وشتم لآبائهم لأنهم كانوا يعبدونها ، ويتزلفون لها ، وأن النبي محمداً يتعرض لذم رجالات قريش ، ونسوا أن القرآن كلام الله ، وليس كلام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي كان يتجنب خصومتهم ، ولكنه مأمور بالتبليغ ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ] ( ).
وصحيح أن الآية أعلاه مدنية إلا أن أحكامها عامة تنبسط على تبليغ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التنزيل والوحي من غير إبطاء .
وفي سورة الأعراف التي هي من أطول السور التي نزلت على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة قبل الهجرة وعدد آياتها (206) آية وردت آيات متتالية تتضمن ذم عبادة الأوثان لبيان الجهاد بالإحتجاج ، وليس الإرهاب والعنف والبطش .
ومن هذه الآيات قوله تعالى [فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ * وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ * إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلْ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِي فَلاَ تُنظِرُونِ * إِنَّ وَلِيِّي اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ * وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ * وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ] ( ) .
وكل آية منها حرب على الوثنية والشرك والتعدي .
وتملي ضرورة حفظ الدين والملة الصبر والتقية ، وتقيد المسلمين بالقوانين الوضعية ، والإمتناع عن خرقها ، وإلحاق الضرر بالمنشآت أو الأفراد ، وعن التسبب في إثارة المتاعب للقائمين على أمور السياسة والإدارة والقضاء .
وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يقول (خياركم أحسنكم أخلاقًا ) ( ).
الضرورة الثانية : حفظ النفس .
نزل القرآن بحفظ النفوس مطلقاً ، وهذا الأمر من مصاديق خلافة الإنسان في الأرض ، لذا احتجت الملائكة على سفك الإنسان الدماء ، إذ [قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ] ( ) .
وهل يشمل إنكار سفك الدماء في الآية أعلاه القصاص والقتل بالحق ، الجواب لا ، من :
الأول : عطف سفك الدماء في الآية أعلاه على الفساد .
الثاني : لا يتم القصاص إلا بعد القتل عن عمد ، وهو المستقرأ من الآية أعلاه ، بقوله تعالى [يَسْفِكُ]أي قيام الإنسان بفعل القتل عن قصد ونية سواء مع الترصد أو عدمه .
الثالث : استثناء القتل بالحق من ذم القتل وسفك الدماء ، وقد أثنى الله عز وجل على المؤمنين الذين يمتنعون عن القتل وسفك الدماء ، قال تعالى [وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا] ( ).
وفي معنى [أَثَامًا] في الآية أعلاه ورد (عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لو أن صخرة زنة عشر أواق قذف بها من شفير جهنم ما بلغت قعرها سبعين خريفاً ثم تنتهي إلى غي وأثام ، قلت : وما غي وأثام .
قال : نهران في أسفل جهنم يسيل فيهما صديد أهل النار ، وهما اللذان ذكر الله في كتابه { فسوف يلقون غياً } { ومن يفعل ذلك يلق أثاماً }( )) ( ).
وهل المراد من اسم الإشارة (ذلك) للبعيد خصوص الزنا أم المعاصي التي ذكرتها الآية كلها .
الجواب هو الثاني ، وهل يمكن القول بالتحذير والإنذار من هذه المعاصي الثلاث ومن الترغيب فيها ، وأن الشرك أكبر من قتل النفس التي حرم الله ، وهذا القتل أكبر وأشد أثماً من الزنا ، المختار نعم ، قال تعالى [إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا] ( ).
وكان لقمان يوصي ابنه(يا بني إياك والزنا فإن أوّله مخافة ، وآخره ندامة) ( ).
لقد نزل القرآن ببيان قبح سفك الدماء ليمتنع المسلمون عنه ، ويحذرو حتى من قتل القاتل ،كما رغّب الله عز وجل بصرف الموت والقتل عن الإنسان ، كإنقاذ الغريق ، قال تعالى [مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا] ( ).
وهل المراد من حفظ النفس الذات على نحو التعيين ، وإجتناب الإنسان القاء نفسه في التهلكة أم مطلق حفظ نفوس الناس.
المختار الثاني لأن الإعتداء على الغير وإزهاق الأرواح بالإرهاب أو غيره يعرض الإنسان للقصاص والهلاك إلى جانب العقاب الأخروي.
وقد نزل القرآن بحرمة القتل واشعال الفتن والحروب ومقدماتها ، وقال تعالى [وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ]( )كما قال تعالى [وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ مِنْ إِمْلاَقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ]( )وقال تعالى [وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ]( ).
وهل يدخل في حفظ النفس الإحتراز من الأوبئة باتباع الطرق والقواعد الصحية ، الجواب نعم ، سواء بطلب سلامة النفس أو المنع من إنتشار العدوى والوباء ، لقاعدة لا ضرر ولا ضرار ، وسد الذرائع .
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (لَا يُورَدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ) ( )، والمراد من المصح هو السالم من المرض والداء.
وعن الإمام الصادق عليه السلام عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في حديث : كره أن يكلم الرجل مجذوما إلا أن يكون بينه وبينه قدر ذراع وقال: فر من المجذوم فرارك من الاسد( ).
وعن أسامة بن زيد : سَمِعْتُ رسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم َقُولُ : إِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ وَأَنْتُمْ بِأَرْضٍ فَلا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ ، وَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلا تَدْخُلُوهَا( ).
والنسبة بين حفظ النفس والإرهاب هي التضاد العام والخاص .
لأن الإرهاب تعريض للنفس والغير للهلاك والقتل ، وتلف للأموال ، وقطع للأرزاق .
لبيان قانون وهو أن بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لحفظ النفوس مطلقاً ، ليكون الإرهاب ضداً ومعارضاً للغايات الحميدة لبعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولأن من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ) استدامة هذه الرحمة في الأجيال إلى يوم القيامة ، وهو الظاهر من معاني الآية أعلاه ، وأسرار كون الآية القرآنية معجزة عقلية متجددة في كل زمان ، فلابد أن مبادئ الإسلام تقهر الإرهاب ، الذي هو ظاهرة إلى زوال ، لأنه ضد للرحمة التي بعث الله سبحانه بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن مصاديق هذه الرحمة حضور الآية القرآنية في الواقع اليومي للمسلمين والناس من جهات :
الأول : تلاوة كل مسلم ومسلمة آيات القرآن سبع عشرة مرة .
الثاني : صدور المسلمين عن القرآن في العبادات والمعاملات والأحكام .
الثالث : موافقة الوقائع والأحداث لقوانين وسنن القرآن .
وقال تعالى [وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا] ( ) وهل تتضمن الآية أعلاه النهي عن الإرهاب ، الجواب نعم ، لما فيه من القتل والجرح والفتك ، وهو خلاف مفاهيم الرحمة والتراحم .
وفي حفظ النفس تعاهد للحياة البشرية العامة ، ومنع إشاعة القتل والتعدي ، قال تعالى [وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ] ( ) لبيان مصداق لنزول القرآن لحفظ نفوس الناس جميعاً ، ومن خصائص الإرهاب معارضته لهذا الحفظ ، وهو من أسباب حرمته وضرره ، وعدم استدامته .
لقد أراد الله عز وجل للحياة الدنيا الإزدهار والبهجة بالنبوة والتنزيل لما فيهما مجتمعين ومتفرقين من المدد وسبل الصلاح .
الضرورة الثالثة : حفظ العقل
لقد رزق الله عز وجل الإنسان نعمة العقل ، وبه يمتاز على الخلائق في الأرض ، وهو موضوع له شأن في خلافته في الأرض ، وعندما احتجت الملائكة على جعله خليفة كما ورد في التنزيل[أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ] ( ) أجابهم الله عز وجل [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ).
ومن علم الله عز وجل تفضله برزق الإنسان العقل الذي يكون من منافعه في المقام وجوه :
الأول : الإمتناع عن الظلم وما هو قبيح .
الثاني : درء الفساد والحيلولة دون انتشاره .
الثالث : من وظائف العقل اللجوء إلى التوبة والإنابة ، وتفضل الله بالترغيب بها وقبولها ، إذ يدرك العقل قانوناً وهو إقتضاء العبودية لله التوبة ، وقانون وجوب السعي للنجاة من العذاب الأخروي ، ودفع الضرر المحتمل في الآخرة .
والمراد من العقل كضرورة تجب المحافظة عليها وجوه منها :
الأول : التمييز بين الحق والباطل ، وبين الحسن والقبيح .
الثاني : القدرة على التفكر والتدبر والإستدلال .
الثالث : الذاكرة والحفظ .
الرابع : اللغة .
الخامس : الكسب والتعلم .
السادس : تعاهد الضروريات الأخرى .
لذا تفضل الله عز وجل وقام بتعليم آدم وهو في الجنة قبل أن يهبط إلى الأرض ، كما ورد في التنزيل [وَعلم آدم الأَسْمَاءَ كُلَّهَا]( )، ومن فضل الله أنه يعطي بالأتم والأوفى ، ولم يعلمه شطراً من الأسماء والمسميات بل تفضل بتعليمه كل الأسماء ، ليكون هذا التعليم مقدمة وتأهيلاً لخلافته في الأرض .
السابع : السيرة الحسنة وصلة الرحم ، وحفظ المال من الضياع ، وحفظ ذات العقل ، وإجتناب المعاصي والسيئات .
الثامن : تعاهد الواجبات العبادية في أوقاتها .
التاسع : إجتناب الغفلة ،وأسباب الجهالة ، قال تعالى [إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ] ( ).
العاشر : سلامة العقل والبدن ، فمن العقل إجتناب الخمر والمخدرات ، وقد يأتي في القرآن لفظ القلب ، ويراد منه العقل والبصيرة ، قال تعالى [أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ] ( ) .
الحادي عشر : إختيار سبل النجاة في الآخرة .
وهل من صلة بين العقل والإمتناع عن الإرهاب ، الجواب نعم ، إذ يدعو العقل الإنسان إلى الصبر وإجتناب أسباب التهلكة ، والإضرار بالنفس والغير ، لقد أراد الله عز وجل من رزق الإنسان العقل إنتفاعه الأمثل من النعم التي سخرها له ، وهذا الإنتفاع من مصاديق ما ورد في التنزيل [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]( ).
ومن مصاديق العقل ، العقل الجمعي ، وهو السلوك العام ، وتصرف الجماعة أزاء حالة مخصوصة ، واستجابة الفرد للجماعة في إختيارها وفعلها حتى مع عدم الإقتناع به ، لذا نزل القرآن بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ليكون ضابطة للسلوك الجمعي ، وصيرورته سبيلاً للصلاح ومانعاً من التعاضد في الإرهاب .
الضرورة الرابعة : حفظ المال .
أي صيانة وتعاهد المال والمنع من تلفه وضياعه وسرقته ، أو أصابته بالنقصان من غير مسوغ شرعي أو عقلي ، وإجتناب الإسراف.
وهل من حفظ المال نماؤه والعمل على زيادته ، الجواب نعم ، بأن تكون هذه الزيادة والسعي إليها وفق البيع والشراء وسائر المعاملات ، قال تعالى [الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا] ( ).
ومن إعجاز القرآن أنه لم يكتف بالوصية بحفظ الإنسان لماله ، بل جاءت الآيات بحفظ أموال اليتامى الصغار الذين فقدوا آباءهم ، وليس عندهم من العقل والبلوغ ما يتعاهدون به أموالهم ، قال تعالى [وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا]( ).
وهل في الإرهاب تلف للمال ، الجواب نعم ، وفيه قطع لموارد من الرزق والكسب ، وتعطيل مؤقت للنشاط الإقتصادي والتجاري.
وهل يمكن القول بقانون إقتضاء حفظ المال إجتناب الإرهاب ، الجواب نعم .
ومن مفاهيم الضرورات الخمس إتصال بعضها ببعض ، وعدم التعارض بينها ، ولو حصل تعارض عرضي مثلا بين حفظ النفس والمال ، فيقدم حفظ النفس ، ومنه الإنفاق للوقاية من الأمراض وعلاجها .
وهل منها إنفاق المال لدفع الإرهاب بالموعظة والتربية ووسائل الإعلام ، الجواب نعم .
وهناك فرق بين الضروريات والضرورات ، فالضرورات جمع ضرورة وهي الحالة الإضطرارية ، ومنه القاعدة الفقهية (الضرورات تبيح المحضورات) وهي مأخوذة من قوله تعالى [وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ] ( ) وقوله تعالى [فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ] ( ).
والإنتقال إلى الطهارة الترابية عند العجز عن الطهارة المائية ، ومنه إباحة كلمة الكفر للمكَره الذي يخشى القتل أو العذاب الشديد ، وما لا طاقة له به ، قال تعالى [إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ] ( )وفي الآية أعلاه قال ابن عباس (نزلت هذه الآية في عمار وذلك ، أن المشركين أخذوه وأباه ياسر وأُمه سمية وصهيباً وبلالاً وخباباً وسالماً فعذبوهم ، فأما سمية فإنها ربطت بين بعيرين ووجيء قلبها بحربة.
وقيل : لما أسلمت من أجل الرجال فقتلت وقتل زوجها ياسر ، وهما أول قتيلين في الاسلام رحمة الله ورضوانه عليهما ، وأما عمار فإنه أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرهاً.
قال قتادة : أخذ بنو المغيرة عماراً وغطوه في بئر مصون وقالوا له : أكفر بمحمد (ولم يتعمد) ذلك وقلبه كان مطمئناً فأُخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأن عماراً كفر. فقال : كلا إن عماراً ملىء إيماناً من قرنه إلى قدمه وإختلط الايمان بلحمه ودمه.
فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يبكي.
فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يمسح عينيه،
وقال : مالك إن عادوا لك فعدلهم بما قلت، فأنزل الله هذه الآية)( ).
والضرورة أمر طارئ ، وهو لا يعارض الضروريات الخمس ، إنما اللجوء إلى الضرورة العرضية وسيلة للحفاظ على هذه الضروريات ،وهو من عمومات قوله تعالى [يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ] ( ).
الضرورة الخامسة : حفظ النسل .
والمراد من حفظ النسل أمور :
الأول : الإنجاب الشرعي .
الثاني : حفظ النسب .
الثالث : حفظ العرض .
الرابع : الأخلاق الحميدة وتعاهد الأسرة ، وإجتناب الزنا .
ولم يهبط آدم إلى الأرض إلا وحواء معه بصفة الزوجية ، لتنجب وتلد له الأولاد ، فقد لا يصدق بعضهم أن هذه المليارات من الناس من أب واحد وأم واحدة ليس من رجل وامرأة غيرهما على الأرض ، لبيان قانون إبتداء الحياة البشرية والتناسل بالعصمة من السفاح ، ومع هذا قام قابيل بن آدم بقتل أخيه هابيل .
وفيه نكتة وهي قانون إجتناب الغيبة والطعن بولادة الظالم والمجرم ، أو رمي أمه بالفاحشة ، وهو من الدروس والمواعظ من قصتي ولدي آدم .
وقد تجلى هذا القانون بوضوح في قوله تعالى [قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا * يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا] ( )، إذ قاموا بالكناية والذم التعريض بأنها جاءت بفعل سوء يناقض حال الصلاح والعفة التي يتصف بها أهلها وأمها.
فلجأت مريم عليها السلام إلى المعجزة لبيان طهرها وعصمتها ، ولـتأكيد نبوة عيسى عليه السلام ، ولسلامته ولدرء الإفتراء عليها ، كما ورد في التنزيل [فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا] ( ) وفيه تأكيد لقانون وهو أن الله عز وجل هو الذي يحفظ النسل والعرض والنسب .
وهل في الآية ما يدل على جواز الإنتساب للأم إذ كانت ذات شأن أو من فرع رفيع ، الجواب نعم ، وقد ورد أن الحسن والحسين عليهما السلام ابنا رسول الله ، وبه وردت نصوص متعددة عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في كتب المسلمين ، منها عن سلمان الفارسي قال (سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : الحسن والحسين ابناي ، من أحبهما أحبني ، ومن أحبني أحبه الله ، ومن أحبه الله أدخله الجنة ، ومن أبغضهما أبغضني ، ومن أبغضني أبغضه الله ، ومن أبغضه الله أدخله النار) ( ).
وعن (حسن بن أسامة بن زيد بن حارثة قال أخبرني أسامة بن زيد قال طرقت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة لبعض الحاجة فخرج وهو مشتمل على شئ لا أدري ما هو فلما فرغت من حاجتي قلت ما هذا الذي أنت مشتمل عليه فكشفه فإذا هو الحسن والحسين على وركيه فقال هذان أبنائي وأبناء ابنتي اللهم إنك تعلم أني أحبهما فأحبهما اللهم إنك تعلم أني أحبهما فأحبهما ذكر الآثار المأثورة بأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة) ( ).
ولما كان حفظ النسل ضرورة فان الإرهاب يعرض الناس للقتل والجرح ، كما ينخرم عمر الذي يقوم بالإرهاب ، فيموت دارجاً ليس له ذرية أو أولاد ، إلى جانب إدخاله الحزن على أهله وذويه بسوء فعله وفقده .
وحزن أهل جميع المصابين من الإرهاب وهو خلاف قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( )، فالأصل أن يدخل أتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم السرور إلى قلوب الناس وينشرو الأمن ، ويتعاهدوا السلم .
وهل تدل الآيات والنصوص التي ترغب بالزواج على حرمة الإرهاب ، الجواب نعم ، قال تعالى [وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ…]( )ومن الفقهاء من استدل على وجوب الزواج لمن قدر عليه ، لصيغة الأمر في الآية أعلاه [وَأَنكِحُوا].
والأيامى : جمع أيَّم وهي المرأة التي لا زوج لها ، سواء كانت باكراً أوثيباً ، وكذا يطلق هذا اللفظ على الرجل الذي ليس له زوجة.
وورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) ( ).
وكأنه من باب الحصر والتعيين فاما أن يتزوج الشاب وينفق على زوجته ، ويسعى للإنجاب ، ويكون صاحب أسرة يتعاهدها ويتولى العناية بها ، وأما أن يصوم للعفة ، وكل من الأمرين ضد للإرهاب، ومانع منه .
ليكون من الإعجاز في السنة النبوية تضمن الأمر بالشئ النهي عن ضده الطارئ الذي قد يأتي في آخر الزمان ، فكما يحصن الزواج الإنسان من الإنقياد إلى الشهوة وإرتكاب المعصية فانه يعصمه من القاء نفسه في موارد الهلكة ، ومنها الإرهاب والإعانة عليه .
حديث (ستكون فتن)
من إعجاز القرآن إخباره عن الوقائع وبيانه للمخرج منها ، فاذا جاءت فتنة تجد القرآن يبين المنهاج القويم للنجاة منها ، وهو من مصاديق قراءة كل مسلم ومسلمة يومياً قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]( ).
من معاني وغايات هذه التلاوة الواجبة درء الفتنة ، ونبذ الإرهاب ، والمنع من إشاعة القتل والعادات المذمومة .
وجاءت السنة النبوية بالتحذير منها ، وبالترغيب باللجوء إلى القرآن عند مظاهر الفتن والإبتلاء والإرهاب .
(وعن الإمام علي عليه السلام قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ستكون فتن ، قلت : وما المخرج منها ، قال : كتاب الله . فيه نبأ ما قبلكم ، وخبر ما بعدكم ، وحكم ما بينكم ، هو الفصل وليس بالهزل ، وهو حبل الله المتين ، وهو ذكره الحكيم ، وهو الصراط المستقيم) ( ).
ليكون من الإعجاز في السنة النبوية إبتداء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالإخبار عن المغيبات والوقائع التي تحدث بعد مغادرته الحياة الدنيا ، وما يقصده النبي صلى الله عليه وآله وسلم غير قتال الكفار في معارك الإسلام الأولى ، ولم يذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أوان الفتن لتعددها وتكرارها ، وهل الإرهاب من الفتن التي يقصدها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، المختار نعم .
وعندما سمع الإمام علي عليه السلام إخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن وقوع فتن بادر إلى سؤاله : وما المخرج منها .
أي ما دامت هذه الفتن واقعة ، فكيف السبيل للنجاة منها، ودفعها ورفعها .
ويبين هذا السؤال إنتفاع أهل البيت والصحابة من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والوحي الإنتفاع الأمثل لأنه لم يخبر عن الفتن إلا بالوحي والإذن من عند الله ، وكذا بالنسبة لبيان المخرج منها ، وهذا الإخبار رحمة وخير ومنهاج .
فقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم : كتاب الله .
وهذا من إعجاز القرآن بأخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن القرآن هو السلاح في النزاع مع الفتن ، فقد تقع الفتنة بين طرفين أو أكثر من وجوه :
الأول : وقوع الفتنة بين طرفين أو طائفتين من المسلمين .
الثاني : الفتنة بين طائفة من المسلمين وطائفة من غيرهم .
الثالث : الفتنة بين أطراف من غير المسلمين .
وهل يكون تقدير قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ستكون فتنة ، أي ستكون فتن بينكم ، أو بين المسلمين وبين غيرهم ، الجواب المراد أعم ، إذ يشمل قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الفتن التي تكون بين الناس ، لبيان أن القرآن فيه حلّ للنزاعات والخصومات ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ] ( ) والآيات التي تأمر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالحكم بين الناس بالحق والعدل كثيرة وتتصف بأنها محكمة غير منسوخة وتجدها في سور عديدة من القرآن .
ومنها ورود لفظ [احْكُمْ بَيْنَهُمْ] في آيتين متتاليتين هما [وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ] ( ) .
ليكون القرآن سلاحاً للقضاء على عامة الفتن ، وهو من معاني قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ) وفيه ترغيب للناس للصدور عن القرآن وأحكامه ، وعلماء الشريعة العاملين بالقرآن لإيجاد الحلول والمخرج من الفتن .
ويبين القرآن حرمة كل من :
الأول : الإرهاب .
الثاني : قتل الأبرياء.
الثالث : إخافة عامة الناس .
الرابع : نشر الذعر والفزع بينهم.
إذ ورد القرآن بقوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( )، ليكون تقدير الآية أعلاه وجوه :
الأول : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين في مشارق الأرض ومغاربها .
الثاني : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين كل يوم من أيام الحياة الدنيا وإلى يوم القيامة.
وهو من إعجاز القرآن في بقائه سالماً من التحريف والزيادة والنقصان في كل زمان سواء في الحروف أو الكلمات أو الآيات.
الثالث : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين بتنزيل القرآن .
الرابع : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين بتحريم القرآن للتعدي والظلم والإرهاب ضد الناس جميعاً ، وهذا العموم مستقرأ من الإطلاق الزماني والمكاني للفظ (العالمين) وشموله للجنس البشري .
الخامس : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ليكون القرآن الحرز والأمن من الإرهاب والفتن مطلقاً .
السادس : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين لما في القرآن من التبرأ من الفتن وأسبابها ومقدماتها ، ومن الظلم والجور والتعدي ، وقتل الأبرياء وسفك الدماء على المذهب والملة والهوية .
ويبين الحديث أن لفظ (كتاب الله) ينصرف إلى القرآن ، والتبادر من علامات الحقيقة ، قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ] ( ).
ومن إعجاز القرآن أنه تفصيل للكتاب ، قال تعالى [وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ] ( ).
وفي تسمية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في حديثه القرآن (كتاب الله) مسائل :
الأولى : تأكيد نزول القرآن من عند الله عز وجل .
الثانية : الترغيب بتلاوة القرآن والعمل بأحكامه.
الثالثة : بيان قانون وهو القرآن نعمة الله عز وجل على الناس.
الرابعة : القرآن سبيل إلى درء الفتن ، وإلى نشر الصلاح وألوية السلام والأمن بين الناس.
وهل يدخل عنوان هذا الجزء من تفسيرنا (النزاع المسلح بين القرآن والإرهاب) في مصاديق إخبار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم : بأن المخرج من الفتن هو القرآن .
الجواب نعم ، إذ يبين هذا الحديث أن القرآن سلاح حاضر فيه كل من :
الأول : الوقاية من الفتن .
الثاني : تدارك وإيقاف الفتن .
الثالث : معالجة الفتن .
ترى ما هي النسبة بين الفتن التي ذكرها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (ستكون فتن) وبين الإرهاب.
الجواب إنها نسبة العموم والخصوص المطلق ، فالإرهاب فتنة ، وشعبة من التطرف والتشدد ، والإعراض عما في الشريعة من السماحة والحضّ على الصبر والخلق الحميد ، قال تعالى [وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ] ( ).
ومن الإعجاز في بيان السنة النبوية ومصاديق أن النبي محمداً جاء بجوامع الكلم أنه لم يقف عند قانون : كتاب الله مخرج من الفتن ، إنما ذكر التفصيل في كيفية السلامة والنجاة من الفتن ببيان صفات القرآن في مقام الإبتلاء والتوقي منه ، وهذه الصفات القرآنية المباركة كما في حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم هي :
الأولى : (فيه نبأ ما قبلكم ) ( ) للإشارة إلى أخبار الأمم السالفة وقصص الأنبياء وبيان حكم الطواغيت مثل نمرود وفرعون وهلاكهم .
الثانية : (وخبر ما بعدكم ) لإرادة زمان التابعين وتابعي التابعين إلى يوم القيامة .
وهل في الحديث إشارة لوجود أمة بعد المسلمين ، الجواب لا ، وهذا النفي من معاني إختتام النبوات بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى [مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا] ( ) .
ويتضمن قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن في القرآن (خبر ما بعدكم ) التحدي لبيان التناسب والتوافق والشواهد بين آيات القرآن والأحداث التي تقع في الأزمنة المتعاقبة حتى إذا ما حدثت أو ظهرت فتنة وُجد السبيل لإطفائها في القرآن.
الثالثة : (وحكم ما بينكم)( ).
أي أن القرآن يتصف بصفة القاضي والحاكم ، وهو لا يغش ، ولا يقبل الهدية أو الرشوة ، ولا يطلب عطاءً وأجراً ، قال تعالى [وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ] ( ) والإجماع على أن الرد إلى الله هو الرجوع إلى القرآن.
ولا يحجب الله آياته عن أي طرف في النزاع ولا يستطيع الناس حجبها أو إخفاءها ، قال تعالى [وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ] ( ) ، وهو من الإعجاز في تلاوة كل مسلم للقرآن في الصلاة اليومية ، ومنها القراءة الجهرية في كل من :
أولاً : صلاة الصبح .
ثانياً : صلاة المغرب .
ثالثاً : صلاة العشاء .
ليكون من إعجاز القرآن في باب القضاء أمور :
الأول : حضور قضاء القرآن في كل وقت من الليل والنهار ، لأنه بين أيدي الناس .
الثاني : ترغيب الناس باللجوء إلى قضاء حكم القرآن .
الثالث : دعوة العلماء للإجتهاد في علم التفسير والتأويل لبيان قضاء وفقه القرآن .
إذ لا يختص قضاء القرآن بأحكام الآية الواحدة منه ، فمن قضاء القرآن ما يستقرأ ويستنبط من الجمع بين آيتين أو أكثر وهو من إعجاز القرآن .
الرابعة : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث الفتن أعلاه في الثناء على القرآن (هو الفصل وليس بالهزل ) وهو استقراء من قوله تعالى [إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ *وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ]( ).
فمن خصائص القرآن أنه يفصل بين الحق والباطل ويكرم أهل الحق ، ويُسكت أهل الباطل ، ويحول دونهم ودون الرياسة والسيادة.
وفي الآية تحذير وإنذار وزجر عن الخلاف مع أهل الحق ، ونهي عن الإرهاب بلحاظ أنه فتنة ، وقد تتفرع عنه فتن عديدة ، لبيان صرفه برحمة الله عز وجل بالمسلمين والناس جميعاً بنزول القرآن ونهيه عن الظلم ، ولا يعلم عدد الذين امتنعوا عن الإرهاب بسبب آيات القرآن إلا الله عز وجل ، وكذا عدد الذين يعصمون أنفسهم منه عند التفقه في الدين ، ومعرفة أن القرآن كتاب رحمة ورأفة بالناس جميعاً .
فالقرآن حاكم عادل ، وما فيه من الوعد والوعيد يوم القيامة صدق وحق ، وفيه حجة على الناس ، ودعوة لأداء الفرائض العبادية .
ومن أسماء القرآن الفرقان ، وفي القرآن سورة كاملة باسم سورة الفرقان ، وورد فيها لفظ [الْفُرْقَانَ] مرة واحدة ، وفي الآية الأولى منها والمراد به القرآن ، إذ قال تعالى [تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا] ( ).
وليس في القرآن هزل أو لعب ، إنما كله جدّ وأحكام وتشريع ، ليكون من معاني الآية أعلاه التحدي ، وإبانة قانون وهو عجز الناس عن إيجاد هزل أو كلمة زائدة في القرآن .
ومن إعجاز الآية تقدم صفة الفصل على الهزل ، أي أن الجد الذي يتصف به القرآن كله حق وعدل ، وليس فيه تعد أو ظلم ، فقد يقال أن الظلم والتعدي ليس بالهزل.
فتقدم قوله تعالى [إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ] ( ) أي فاصل بين الحق والباطل ، والصدق والكذب ، والفصل الذي يكون ذا صبغة شرعية ، وكشف زيف الفعل الذي لا أصل له في الشريعة السمحاء ، وفي التنزيل [وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ] ( ).
ومن مصاديق كون القرآن هو الفصل بيانه لقبح الإرهاب ، وإخباره عن حرمته فان قلت اين هذه الحرمة في كتاب الله ، الجواب إنها موجودة في حرمة الظلم والتعدي وجرائم الإضرار بالنفس والغير ، قال تعالى [وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ]( ).
الخامسة : قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في وصف القرآن (وهو حبل الله المتين).
لقد ورد لفظ [حَبْلِ اللَّهِ] مرة في القرآن بقوله تعالى [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا] ( ) ليبين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تفسيراً للآية أعلاه ، وأن المراد من حبل الله هو القرآن ، وهو لا يمنع من مصاديق متعددة لمعنى حبل الله ، لأن الله عز وجل يعطي ويتفضل بالأتم والأوفى .
(عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي شريح الخزاعي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن هذا القرآن سبب . طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم ، فتمسكوا به فإنكم لن تضلوا بعده أبداً) ( ).
ومعنى حبل الله المتين أي ينجو ويسلم الذي يتمسك به ، ولو تمسك به الناس جميعاً فانه ينجيهم ، ويبقى على ذات متانته التي تزداد مع كثرة الذين يتمسكون به ، إذ يتدلى هذا الحبل فيدخل إلى كل بيت كأغصان الشجرة ، ويكون قريباً من كل إنسان ليس بينهم وبينه حجاب .
ووصف القرآن بأنه حبل الله ترغيب ووعد للإعانة للتمسك به ، ويتجلى هذا التمسك بالقول والعمل.
ومن الإعجاز في نعته بالحبل بيان قانون وهو أن الدنيا دار إختبار وإمتحان ولكن هذا الإختبار ليس مطلقاً يكون فيه الحق والباطل بمسافة واحدة من الإنسان ، إنما جاءت النبوة والتنزيل ليكون الحق أقرب إلى الإنسان ، ومنه ابتعاد الظلم والتعدي عنه ، وإن ولجه الإنسان فان نفسه تؤاخذه ، ويتلقى عامة الناس هذا الولوج بالنفرة والإنكار .
وقد رحم الله عز وجل أمة محمد والناس بأن جعل القرآن قريباً منهم ، يستطيع كل واحد من أمور :
الأول : تلاوة القرآن .
الثاني : التدبر في أحكام القرآن .
الثالث : النهل والتزود من القرآن لأمور الدين والدنيا ، وللذات والغير.
الرابع : الإستشهاد بالقرآن في العقيدة ، وعلم اللغة ، والنحو والبلاغة ، والفقه والأصول والكلام وسائر العلوم .
الخامس : الإحتجاج بالقرآن والمناظرة به .
السادس : تنمية ملكة الخطابة والسلامة من الجدال ، قال تعالى [فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِي لِلَّهِ وَمَنْ اتَّبَعَنِي]( ).
السابع : اللجوء إلى القرآن عند الملمات ، وفي الشدائد .
الثامن : استنباط الأحكام الشرعية من القرآن .
وفي وصف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للقرآن بأنه (حبل الله المتين) بيان لقانون وهو منع القرآن لخطف عقول الشباب من قبل أسباب اللهو واللعب والدجل .
ودعوة لإجتناب الإرهاب ، لأنه يتنافى مع القرآن وأحكامه ودلالاته ، والذي يتمسك بالقرآن تنفر نفسه من الإرهاب ، ولا يرضى بالإضرار بالناس والمصالح العامة .
وتحرم آيات القرآن الحضّ على الكراهية والعنف وإيذاء النفس والإنتحار بقصده بالذات أو بالتفجير .
ويبقى القرآن حبل الله المتين القريب من كل إنسان والمعصوم من ضرر الذين يحاولون تشويه العقيدة ويلجأون للتأويل الإنفعالي القاصر .
السادسة : قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في وصف القرآن: (وهو ذكره الحكيم ): لقد جعل الله عز وجل القرآن موعظة وتذكرة للناس جميعاً ، وفيه النفع والهداية ، قال تعالى [كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ]( )، وفيه ترغيب بالإستقامة ، ودعوة للصلاح ، ومن التذكرة في القرآن بيان الأحكام التكليفية وتحبيب الواجبات والصالحات مطلقاً إلى النفوس ، وبعث النفرة من السيئات والمعاصي .
وفي تسمية القرآن ذكر نوع تحد بعدم امكان حجب آياته وأحكامه عن الناس ، قال تعالى [إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ]( )، وفيه إشارة إلى علم المسلمين وأهل الكتاب والناس جميعاً بأن القرآن كتاب الرحمة والصلاح والزهد والتقوى.
والنسبة بين كل فرد منها وبين الإرهاب هي التنافي ، ونزول القرآن فضل عظيم من عند الله عز وجل ، قال سبحانه [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون]( ).
إذ تبين الآية وعداً من عند الله بسلامة القرآن من التحريف ، وبوجود أمة تعمل به ، ومن مصاديق العمل بالقرآن واستحضاره في الذاكرة والوجود الذهني التنزه عن الظلم والعنف وإيذاء الغير .
وتحتمل صفة الذكر بالنسبة للقرآن وجوهاً :
الأول : كل سورة من القرآن ذكر.
الثاني : سور القرآن كلها على نحو العموم المجموعي ذكر ، قال تعالى [وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ]( ).
الثالث : تختص صفة الذكر بالآيات التي تتضمن معنى الذكر .
الرابع : كل آية من القرآن هي ذكر وموعظة .
ولا تعارض بين هذه الوجوه .
ويدل على الوجه الأخير منها قوله تعالى [وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ * وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ]( ).
إذ يشتد امتعاض المشركين حينما يسمعون النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتلو بعض آيات القرآن وينظرون إليه بشزر وشدة وكأنهم يريدون تنحيته واسقاطه عن مكانه ، مع أن القرآن موعظة وخير محض.
وفي الآية دعوة للإنصات لآيات القرآن والتدبر في معانيها وهذا الإنصات حرز من الظلم والتعدي .
وكيف أنه ينشر ألوية الرأفة والأمان في ربوع الأرض لذا أختتمت سورة (ن) بالإخبار بأن القرآن [ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ]( )، وفيه إمكان إحتجاج الناس جميعاً بقانون تحريم القرآن للإرهاب.
إذ تدل الآية أعلاه على أن القرآن مائدة السماء ينهل منه الناس جميعاً ، وفيه دعوة للتعاون في سبل الخير والفلاح .
لقد وصف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم القرآن بأنه ذكر الله الحكيم ، لبيان أن كل آية منه حكمة تدعو إلى الصبر والعقلانية واختيار الفعل المناسب .
ومن الحكمة كف اليد عن الظلم والتعدي.
والقرآن مدرسة الحكمة والعلم يدرس فيها المسلم كل يوم بتلاوته القرآن في حال الخشوع والخضوع اثناء الصلاة ، قال تعالى [قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ]( )، وقال تعالى [إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ]( ).
وتضمنت الآية أعلاه الإخبار عن المدد والعون من عند الله لمن يجمعون بين :
الأول : الخشية من الله ، وفي الثناء على المتقين ، قال تعالى [الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنْ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ]( ).
الثاني : الإحسان إلى الغير .
الثالث : إشاعة الرأفة ولغة الإعانة العامة والخاصة .
الرابع : حسن الخلق مع الناس ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (ما وُضِع في الميزان شيء أثقل من حسن الخُلق”)( ).
وقال تعالى [إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا]( )، وفيه دعوة للمؤمنين لحب الله ، وحسن التوكل عليه ، وإجتناب الفساد والسيئات ، قال تعالى [إِنَّ اللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ]( ).
السابعة : وهو الصراط المستقيم : من اكثر الكلمات التي يرددها المسلمون في كل زمان لفظ [الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]( )، ومن فضل الله اتصاف هذا الترديد بوجوه :
الأول : القرآنية ، وأن المسلم والمسلمة يدركان أن هذا اللفظ من القرآن.
الثاني : الأجر والثواب على النطق بكلمة الصراط المستقيم ، و(عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اقرأوا القرآن ، فإنكم تؤجرون عليه . أما إني لا أقول (الم) حرف ، ولكن ألف عشر ، ولام عشر ، وميم عشر ، فتلك ثلاثون)( ).
والمراد من الحروف أعلاه الحروف المقطعة في الآية الأولى من سورة البقرة [الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ]( ).
الثالث : حال الخشوع والخضوع لله عز وجل، لأن أغلب تلاوة [الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( ) تقع في الصلاة .
الرابع : التضرع إلى الله عز وجل بالهداية إلى الصراط المستقيم.

ترجمة الحارث الهمداني
الحارث الأعور الهمداني من أصحاب الإمام علي عليه السلام وعبد الله ابن مسعود ، ومن فقهاء أهل الكوفة .
وقال ابن سيرين أدركت الكوفة وهم يقدمون خمسة: من بدأ بالحارث الأعور ثنـّى بعبيدة، ومن بدأ بعبيدة ثنّى بالحارث، ثم علقمة بالثالث لا شك فيه، ثم مسروق، ثم شريح، فقال: وإن قوماً أخسّهم شريح لقوم لهم شأن( ).
وقال أبو إسحاق : ليس بالكوفة أحد أعلم بفريضة من عبيدة والحارث بن الأعور)( ).
و(أنه كان يصلي خلف الحارث الأعور وكان إمام قومه، وكان يصلي على جنائزهم فكان يسلم إذا صلى على الجنازة عن يمينه مرة واحدة)( ).
و(عن الشعبي قال : حدثني الحارث الأعور وكان كذوباً) ( ).
ولكن كان الشعبي يروي عن الحارث( ).
و(قال أبو بكر بن أبى داود: كان الحارث الاعور أفقه الناس، وأفرض الناس، وأحسب الناس، تعلم الفرائض من علي عليه السلام.
وحديث الحارث في السنن الاربعة والنسائي مع تعنته في الرجال، فقد احتج به وقوى أمره، والجمهور على توهين أمره مع روايتهم لحديثه في الابواب، فهذا الشعبى يكذبه، ثم يروى عنه ، والظاهر أنه كان يكذب في لهجته وحكاياته)( ).
مات الحارث سنة خمس وستين للهجرة .
قانون حرمة نكاح المشركة
في سبب نزول قوله تعالى [وَلاَ تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ]( )، دلالة على إرادة المشركات من أهل الأوثان .
إذ نزلت الآية أعلاه في الصحابي مرثد بن أبي مرثد وكان شجاعاً قوياً وقد تقدم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعثه إلى مكة ليخرج منها بعض الصحابة سراً .
(فلمّا قدمها سمعت به امرأة مشركة يقال لها عناق ، وكانت خليلته في الجاهلية فأتته قالت : يا مرثد ألا تخلو.
فقال لها : ويحك يا عناق إنّ الاسلام قد حال بيننا وبين ذلك .
فقالت : فهل لك أن تتزوّج بي فقال : نعم ولكن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأستأمره ثم أتزوّجك .
فقالت : أبيّ تتبرم ، ثم استغاثت عليه فضربوه ضرباً شديداً ثم خلّوا سبيله .
فلمّا قضى حاجته بمكة وانصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه الذي كان من أمره وأمر عناق وما لقي بسببها .
وقال : يا رسول الله أتحلّ لي أن أتزوجها ، فأنزل الله تعالى [وَلاَ تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ]( )، أي لا تتزوجوا منهن حتى يؤمنّ)( ).
فمع قوته وشجاعته تعرض للضرب الشديد منهم لكثرتهم ، لبيان صورة من إرهاب كفار قريش .
وفي رواية عبد الله بن عمرو أنهم لم يصلوا إليه إذ قال : كان رجل يقال له مرثد يحمل الأسارى من مكة حتى يأتي بهم المدينة ، وكانت امرأة بمكة يقال لها عناق ، وكانت صديقة له ، وأنه وجد رجلاً من أسارى مكة يحمله قال : فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة فجاءت عناق ، فأبصرت سواد ظل تحت الحائط ، فلما انتهت إليّ عرفتني فقالت : مرثد ، فقلت : مرثد .
فقالت : مرحباً وأهلاً هلم فَبِتْ عندنا الليلة .
قلت : يا عناق حرّم الله الزنا .
قالت : يا أهل الخيام هذا الرجل يحمل أسراكم قال : فتبعني ثمانية وسلكت الخندمة فانتهيت إلى غار أو كهف فدخلت ، فجاؤوا حتى قاموا على رأسي فبالوا ، وظل بولهم على رأسي ونحاهم الله أنكح عني ، ثم رجعوا ورجعت إلى صاحبي فحملته حتى قدمت المدينة .
فأتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت : يا رسول الله أنكح عناقاًً؟
فأمسك فلم يرد عليّ شيئاً حتى نزلت [الزَّانِي لاَ يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ]( )، فلا تنكحها( ).
والآية أعلاه من سورة النور ، وبينها وبين الآية أعلاه من سورة البقرة من جهة الموضوع عموم وخصوص من وجه .
ومن إعجاز الآية مجيؤها بقانون جديد من الإرادة التشريعية ، وهو أن الأَمَة المملوكة أفضل من المشركة الحرة ذات الحسب والنسب ، وهل هذا من أسباب سخط قريش من دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ورسالته.
الجواب نعم ، فلا يختص هذا السخط بذم النبي صلى الله عليه وآله وسلم للأوثان وعبادتها إنما جاءت هذه الآية للترغيب بنكاح الإماء ، وهو جمع أَمة ، أي المملوكة ، وهي أدنى مراتب المجتمع ، وتسخر للخدمة والحضانة ، وتوطئ كملك يمين من قبل المالك من غير عقد نكاح ، فنزلت هذه الآية ورغبّت بنكاح وزواج الأمَة حتى من قبل المالك.
والآية ظاهرة بهذا المعنى ، وتفضيلها على المشركة التي تتصف بخصلة أو صفة حسنة مثل :
الأول : الحسن والجمال .
الثاني : الحسب والنسب .
الثالث : كثرة المال .
الرابع : الجاه والشأن لها ، أو لذويها .
ليكون من باب الأولوية تفضيل المؤمنة الحرة على المشركة ، والنساء كلهن إماء الله ، ولكن الآية تبين صفة الرق والعبودية للمرأة.
لقد هاجر كثير من شباب مكة إلى المدينة ، وهاجرت طائفة منهم إلى الحبشة ، والذين أخذوا معهم أزواجهم عدد قليل منهم .
وكان عدة من خرج مهاجراً إلى الحبشة (ثَلَاثَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا إنْ كَانَ فِيهِمْ عَمّارُ بْنُ يَاسِرٍ فَإِنّهُ يُشَكّ فِيهِ قَالَهُ ابْنُ إسْحَاقَ وَمِنْ النّسَاءِ تِسْعَ عَشْرَةَ امْرَأَةً)( ).
ولا تختص أحكام هذه الآية بالمهاجرين والأنصار إنما تشمل المسلمين الذين بقوا في مكة وحالت أسباب دون هجرتهم ، مما يعني بقاء عدد من نساء أهل مكة عوانس إلى جانب النساء اللائي طلقهن المسلمون قبل وبعد الهجرة لبقائهن على الشرك وعبادة الأوثان لقوله تعالى [وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ]( )، كما قال تعالى في المؤمنات [فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ]( ).
والنسبة بين الكفار والمشركين العموم والخصوص المطلق لإرادة عدم جواز زواج المسلمة من غير المسلم ، وقيل دليله الإجماع .
ولابد من حكمة في النهي عن نكاح المشركات لما فيه من تنظيم حياة الأسرة المسلمة وفق سنن التقوى ، ومنع الكيد والمكر وتسلل الإرهاب ومقدماته إلى الأسرة المسلمة والمراد من المشركات في الآية اللائي يعبدن الأوثان سواء كن من أهل مكة أو غيرها.
ولا تشمل الآية الكتابية من اليهودية والنصرانية ، قال تعالى [وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ]( ).
وقد ذكرتُ في الجزء التاسع والثلاثين من هذا السِفر رواية عن ابن عباس أن الكتابية من ضمن النهي في الآية ولكنها نسخت بالآية أعلاه .
إذ ورد (عن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية { ولا تنكحوا المشركات} فحجز الناس عنهن حتى نزلت الآية التي بعدها [وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ]( )، فنكح الناس نساء أهل الكتاب)( ).
ولعله ليس من النسخ إنما هو من البيان والحصر والتخفيف وتفسير القرآن بعضه لبعض وقد جاء الفصل والعطف الذي يدل على التعدد بين أهل الكتاب والمشركين في آيات ، منها [لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ]( ).
كما جاء التفصيل والفصل بين أهل الكتاب والمشركين في آيات عديدة من القرآن قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ]( )، وقال تعالى [مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ]( ).
وقد ذكرت في رسالتي العملية الحجة جواز الزواج من الكتابية( ).
قال محمد بن جرير الطبري (حدثنا تميم بن المنتصر قال، أخبرنا إسحاق الأزرق، عن شريك، عن أشعث بن سوار، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله سلم : نتزوج نساء أهل الكتاب ولا يتزوَّجون نساءَنا) ( ).
وهذا الحديث ضعيف من جهات :
الأولى : لم يسمع الحسن البصري من الصحابي جابر بن عبد الله ، فالحديث منقطع .
الثانية : أشعت بن سوار الكندي الكوفي قال ابن حجر أنه ضعيف( ) وقال الذهبي : فيه ضعف ( ).
الثالثة : شريك بن عبد الله النخعي الجلاح مولى عمر بن عبد العزيز .
تولى قضاء الكوفة بعد وفاة عبيد بن بنت أبي ليلى قاضي الكوفة ( ) ومات سنة 177 كوفي ثقة ثبت له رواية تفسير القرآن أحسن الحديث .
(ثقة من الرابعة ثقة عابد تغير حفظه باخرة ثقة حافظ، فقيه إمام حجة إلا إنه تغير حفظه باخرة، وكان ربما يدلس ولكن عن الثقات قال أبو حاتم: كان من الحفاظ وذكره ابن حبان في الثقات صدوق يخطئ كثيرا تغير حفظه منذ ولى القضاء الخ) ( ).

قانون تعقب الإمتثال لنزول الآية
تفيد الآيات قانوناً من إعجاز القرآن ، وهو تجلي الإمتثال للأمر الإلهي حالما ينزل ، ومما يدل عليه تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام ، فحالما نزلت الآية غيّر النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة قبلتهم وتوجهوا في الصلاة نحو المسجد الحرام ، قال تعالى [قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ] ( ).
ومن معاني [وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَار] ( ) أنهم الذين صلوا القبلتين مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( )، وفي قوله تعالى [وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ] نزلت هذه الآية وحكم تحويل القبلة في شهر رجب من السنة الثانية للهجرة أي قبل معركة بدر بشهرين ، ونزلت بعد زوال الشمس ، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في صلاة الظهر .
وعن (مجاهد وغيره : نزلت هذه الآية ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مسجد بني سلمة، وقد صلّى بأصحابه ركعتين من صلاة الظهر فتحوّل في الصلاة واستقبل الميزاب، وحوّل الرّجال مكان النساء والنساء مكان الرجال فسمّي ذلك المسجد مسجد القبلتين) ( ).
وورد عن الإمام جعفر الصادق (إن بني عبد الاشهل أتوهم وهم قد صلوا ركعتين إلى بيت المقدس، فقيل لهم إن نبيكم قد صرف إلى الكعبة،
فتحول النساء مكان الرجال، والرجال مكان النساء، وجعلوا الركعتين الباقيتين إلى الكعبة، وصلوا صلاة واحدة إلى قبلتين، فلذلك سمى مسجدهم مسجد القبلتين) ( ).
و(عن البراء : قال صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نحو بيت المقدس ثمانية عشر شهرا . وصرفت القبلة إلى الكعبة بعد دخوله إلى المدينة بشهرين . وكان رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم إذا صلى إلى بيت المقس أكثر تقلب وجهه في السماء .
وعلم الله من قلب نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أنه يهوى الكعبة . فصعد جبريل . فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتبعه بصره وهو يصعد بين السماء والأرض . ينظر ما يأتيه به . فأنزل الله { قد نرى تقلب وجهك في السماء . الآية } فأتانا آت فقال إن القبلة قد صرفت إلى الكعبة .
وقد صلينا ركعتين إلى بيت المقدس ونحن ركوع فتحولنا .
فبنينا على ما مضى من صلاتنا .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم ( يا جبريل كيف حالنا في صلاتنا إلى بيت المقدس).
فأنزل الله عز و جل { وما كان الله ليضيع إيمانكم }( ))( ).
(عن أنس : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه كانوا يصلون نحو بيت المقدس ، فلما نزلت هذه الآية { فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام }( ) مر رجل من بني سلمة فناداهم وهم ركوع في صلاة الفجر نحو بيت المقدس ألا إنَّ القبلة قد حوّلت إلى الكعبة مرتين ، فمالوا كما هم ركوع إلى الكعبة) ( ).
وفيه شاهد على الأخذ بخبر الواحد ، وهل كان هذا لرجل المنادي معروفاً عند المصلين بصوته أم أنه مجهول ، المختار هو الأول.
وكذا ورد عن (ابن عمر قال : بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن ، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها ، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة) ( ).
وقد يقال بان التحول اثناء الصلاة حدث في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي مسجد القبلتين ، إذ ورد عن محمد بن عبد الله بن جحش (قال : صلّيت القبلتين مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فصرفت القبلة إلى البيت ونحن في صلاة الظهر ، فاستدار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنا فاستدرنا معه) ( ).
والملاك أنه ليس ثمة وقت بين نزول الآية والإمتثال من قبل المسلمين ، وكذا بين التبليغ بنزولها والعمل بأحكامها كما في مسجد القبلتين .
وقد نزلت آيات القرآن بالرحمة والعفو والإحسان فلابد من تحقق الإمتثال لها وترك الظلم والغدر .
ويمكن تسمية هذا القانون الإمتثال الفوري لنزول الآية القرآنية ، فحالما تنزل الآية يعمل بها المسلمون من غير فترة ، ومن الإعجاز في المقام استمرار العمل بمضامين آيات القرآن إلى يوم القيامة ، وفيه إزاحة لمفاهيم الظلم والتعدي ، والأعمال التي تدل عليها ، ومن مصاديق قوله تعالى [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ] ( ) المناجاة بالإمتناع عن الإرهاب ، وإجتنابه من قبل المسلمين ، فيما بينهم أو بينهم وبين أهل الأرض جميعاً .
ومن الإعجاز في المقام وجوب تلاوة المسلم للقرآن في صلاته اليومية ، لتكون واقية من الإرهاب ، قال تعالى في الثناء على القرآن [قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ]( ).
قانون توبة آدم طرد متجدد للإرهاب
الحمد لله الذي فتح باب التوبة للناس وابتدأها بالتوبة والمغفرة لآدم ، وهو أبو البشر وأول الأنبياء ، وهل كانت توبة آدم وهو في السماء أم بعد أن هبط وحواء وابليس إلى الأرض ، والمختار هو الأول فلم يهبط آدم عليه السلام إلى الأرض إلا وقد تاب الله عليه ، وهو من معاني ومصاديق [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ) لبيان أن النبي الخليفة سكن الأرض بعفو ومغفرة الله له .
وعن الإمام الباقرعليه السلام (لما أصاب آدم الخطيئة عظم كربه ، واشتد ندمه .
فجاءه جبريل فقال : يا آدم هل أدلك على باب توبتك الذي يتوب الله عليك منه.
قال بلى يا جبريل قال : قم في مقامك الذي تناجي فيه ربّك فمجده وامدح ، فليس شيء أحب إلى الله من المدح قال : فأقول ماذا يا جبريل.
قال : فقل لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت ، بيده الخير كله وهو على كل شيء قدير .
ثم تبوء بخطيئتك فتقول : سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت.
رب إني ظلمت نفسي وعملت السوء فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت .
اللهم إني أسألك بجاه محمد عبدك وكرامته عليك أن تغفر لي خطيئتي.
قال : ففعل آدم فقال الله : يا آدم من علمك هذا .
فقال : يا رب إنك لما نفخت فيّ الروح فقمت بشراً سوياً أسمع وأبصر وأعقل وأنظر رأيت على ساق عرشك مكتوباً : بسم الله الرحمن الرحيم ، لا إله إلا الله وحده لا شريك له محمد رسول الله، فلما لم أر على أثر اسمك اسم ملك مقرب ، ولا نبي مرسل غير اسمه علمت أنه أكرم خلقك عليك .
قال : صدقت .
وقد تبت عليك وغفرت لك خطيئتك قال : فحمد آدم ربه وشكره وانصرف بأعظم سرور ، لم ينصرف به عبد من عند ربه .
وكان لباس آدم النور قال الله { ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما } ثياب النور قال : فجاءته الملائكة أفواجاً تهنئه يقولون : لتهنك توبة الله يا أبا محمد ) ( )( ).
فان قلت قد وردت أحاديث نبوية تدل على توبة آدم بعد هبوطه إلى الأرض ، كما في حديث ضعيف سنداً عن ابن مسعود (عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : إن آدم لما أكل من الشجرة أوحى الله إليه : اهبط من جواري . وعزتي لا يجاورني من عصاني . فهبط إلى الأرض مسوداً ، فبكت الأرض وضجت .
فأوحى الله : يا آدم صم لي اليوم يوم ثلاثة عشر . فصامه فأصبح ثلثه أبيض ، ثم أوحى الله إليه : صم لي هذا اليوم يوم أربعة عشر .
فصامه فأصبح ثلثاه أبيض ، ثم أوحى الله إليه صم لي هذا اليوم يوم خمسة عشر فصامه فأصبح كله أبيض . فسميت أيام البيض)( ).
وكما أخرج الديلمي (في مسند الفردوس بسندٍ واهٍ عن الإمام علي عليه السلام قال : سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن قول الله [فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ]( )، فقال : إن الله أهبط آدم بالهند ، وحوّاء بجدة ، وإبليس ببيسان ، والحية بأصبهان .
وكان للحية قوائم كقوائم البعير ، ومكث آدم بالهند مائة سنة باكياً على خطيئته حتى بعث الله إليه جبريل وقال : يا آدم ألم أخلقك بيدي .
ألم أنفخ فيك من روحي .
ألم أسجد لك ملائكتي .
ألم أزوّجك حواء أمتي .
قال : بلى .
قال : فما هذا البكاء .
قال : وما يمنعني من البكاء وقد أخرجت من جوار الرحمن!
قال : فعليك بهؤلاء الكلمات .
فإن الله قابل توبتك ، وغافر ذنبك .
قل : اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد ، سبحانك لا إله إلا أنت عملت سوءاً وظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم.
اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد سبحانك لا إله إلا أنت عملت سوءاً وظلمت نفسي فتب عليّ إنك أنت التوّاب الرحيم . فهولاء الكلمات التي تلقى آدم ) ( ) .
والجواب لو تنزلنا عن ضعف السند فانه لا تعارض بين هذه الأحاديث.
لبيان تكرار الإستغفار والتوبة من آدم وهو في الجنة ، ثم عندما هبط إلى الأرض ، ليبدأ حياته في الدنيا بالتوبة، وتكون هذه البداية دستوراً متوارثاً في ذريته .
ومن خصائص الإلتفات إلى الحاجة للتوبة والإنشغال بها كفّ اليد عن الظلم والإرهاب .
لبيان قانون وهو النهي عن الظلم والإرهاب من قبل أن يهبط آدم إلى الأرض ، لبيان عدم إنحصار هذا النهي بطائفة أو أصحاب ملة مخصوصة ، أو أهل زمان دون زمان ، وتفضل الله عز وجل وبعث الأنبياء لمحاربة واستئصال الظلم .
ترى ما هي الصلة بين توبة آدم وطرد الإرهاب خاصة وأنه ليس في توبة آدم إنسان آخر يُرهب آدم ، أو مرتهب وخائف من آدم ، والجواب لقد أخبر الله عز وجل عن قانون وهو الأكل من الشجرة المنهي عنها ظلم ، قال تعالى [وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ]( ).
وأخبرت الآية أعلاه عن وجود ظالمين غير آدم وحواء ، ومن معاني الظلم في المقام وجوه :
الأول : التعدي .
الثاني : فعل المنهي عنه .
الثالث : الظلم للنفس .
الرابع : بيان أن الأكل من الشجرة سبب للخروج من الجنة .
لقد وسوس إبليس إلى آدم وحواء وأغراهما بسوء تأويله للأكل من الشجرة ، كما ورد حكاية عنه في التنزيل [مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنْ الْخَالِدِينَ] ( ).
وفي بيان قبح رأي إبليس هذا دعوة للمسلمين وغيرهم بعدم الإستماع للذي يأمر بالإرهاب أو يقوم بتزيينه إنما هو ضرر محض .
بحث كلامي
لقد تساءل الملائكة على جعل الإنسان [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ) من قبل هبوط آدم الأرض لحدوث الفساد والقتل في الأرض ، وهذا التساؤل ليس إنكارياً أو أنه إحتجاج إنما هو توسل من أجل وقف نزيف الدم في الأرض ، كي تبقى خلافة الإنسان زاهية جميلة بالذكر والدعاء والتسبيح والتعايش السلمي بين الناس .
ويحتمل احتجاج الملائكة على كل من :
الأول : الفساد في الأرض .
الثاني : القتل وسفك الدماء .
وجوهاً :
الأول : إنه من التقبيح العقلي ، وقد ذهب بعض المعتزلة إلى ورود المعارف بالعقل قبل مجئ الوحي ، وأن العقل يفصل ويميز بين الأشياء من جهة الصلاح والفساد ، والحسن والقبيح ، قبل أن ينزل الوحي والنبوة ، إنما يأتي الوحي مصدقاً للعقل .
الثاني : إرادة بيان قانون وهو الحسن والقبح صفتان في ذات الأشياء ، ولأن العقل هو الذي يحكم بالحسن والقبح أدركت الملائكة القبح الذاتي للفساد والقتل ، وما يترشح عنهما مجتمعين ومتفرقين من الفساد .
الثالث : إحتجاج الملائكة من حكم الشرع وبيان للإنسان ، إذ أنه من الأدلة السمعية ، فحينما سمع الناس إحتجاج الملائكة علموا أن الفساد والإرهاب قبيح .
الرابع : أراد الملائكة بيان قانون وهو إتصاف المعاصي والسيئات بالفساد ، وأن أشاعة القتل عائق دون عمارة الأرض بالذكر والتسبيح.
ومن حب الملائكة للإنسان إرادتهم جعل الناس ينقطعون إلى التسبيح والذكر خصوصاً وأن قوله تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ) يدل على ضمان الله عز وجل للرزق الكريم للناس جميعاً ، وليس من قوة تحجب رزقه عن الفرد والجماعة والأمة ، وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ]( ) ليكون من معاني تلاوة كل مسلم ومسلمة في الصلاة اليومية [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ] ( ) الشكر لله عز وجل على وصول رزقه إلى الخلائق كافة بلطف ويسر بما يصلحها ، قال تعالى [وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ]( ).
الخامس : لقد أدرك الملائكة أن كلاً من الفساد والقتل سبب للإبتلاء العام والخاص ، وهو علة للعقاب يوم القيامة ، فتوسلوا إلى الله شفقة على الناس ، خاصة وان الإنسان ليس مجبوراً على الفعل ، لذا ذكر الله عز وجل بطلان وزيف حجة الذين كفروا ، إذ قالوا [لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ] ( ).
والمختار أن احتجاج الملائكة دليل شرعي ،وإن كان ذا صبغة عقلية بلحاظ أن الملائكة عقول من غير شهوة ، فالعقل واسطة للعمل بأحكام الشريعة .
ليبين الملائكة للناس ومن قبل أن يسجدوا لآدم تعلق المدح والثواب بالصلاح والإمتناع عن سفك الدماء ، وأن الذم والعقاب بارتكاب الفساد وإزهاق الأرواح ، وليفوز المسلم بنعمة تحذير الملائكة هذا لوروده في القرآن ، وهل يدل هذا الورود على دعاء الملائكة للمسلمين لنبذ الفساد والإرهاب ، والتنزه عن كل منهما .
الجواب نعم ، وكأن سجودهم لآدم مقدمة لهذا الدعاء ، وإعانة المسلمين على مسالك الصلاح ، قال تعالى [وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا] ( ) .

ولدا آدم والإرهاب
لقد جعل الله عز وجل قصص القرآن موعظة للمسلمين للأخذ بالحسن منها ، وترك القبيح والشر فيها ، وللتفقه في المعارف الإلهية ، والتدبر بهذه القصص وعواقب الأفعال في الدنيا والآخرة ، ومن هذه القصص قصة ولدي آدم ، وليس من مسلم إلا ويتفكر كثيراً أو قليلاً بمسألة وهي كيف يقوم إخوة ليس على وجه الأرض إخوة غيرهم بقتل بعضهم بعضاً .
وقد نزل أبوهم وأمهم من الجنة ، وكانا يرويان أخبار الملائكة ونعيم الجنة ، وينزل الوحي على آدم يبشر المؤمنين بدخولها واللبث الدائم فيها ، وفي التنزيل [وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ] ( ).
لقد قتل ابن آدم قابيل أخاه هابيل ، وكان سبب القتل نوع القربان ، قال تعالى [وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ]( )، وكان هابيل صاحب غنم ، أما قابيل فكان صاحب زراعة ، فقرب هابيل أطيب غنمه وأسمنها ، وأحسنها عنده ، أما قابيل فقدم أسوأ ما حصد .
وفي حديث لعبد الله بن مسعود وغيره أنه قرّب حزمة سنبل (فوجد فيها سنبلة عظيمة ففركها فأكلها) ( ).
أي أنه حرص على أن يأكلها قبل أن تأتي عليها النار وتأكلها ، ولكن حينما نزلت النار أكلت الشاة التي قدمها هابيل قرباناً، ولم تأكل سنبل قابيل .
و(عن ابن عباس قال : كان من شأن ابني آدم أنه لم يكن مسكين يتصدق عليه ، وإنما كان القربان يقربه الرجل ، فبينا ابنا آدم قاعدان إذ قالا : لو قربنا قرباناً ، وكان أحدهما راعياً والآخر حراثاً ، وإن صاحب الغنم قرب خير غنمه واسمنها ، وقرب الآخر بعض زرعه ، فجاءت النار فنزلت فأكلت الشاة وتركت الزرع ، وإن ابن آدم قال لأخيه : أتمشي في الناس وقد علموا أنك قربت قرباناً فتقبل منك وردَّ عليّ.
فلا والله لا ينظر الناس إليّ وإليك وأنت خير مني ، فقال : لأقتلنك .
فقال له أخوه : ما ذنبي { إنما يتقبل الله من المتقين ، لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك } لا أنا مستنصر ولأمسكن يدي عنك .) ( ).
فلم يجبه هابيل بذات التهديد ، إنما قال [إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ] ( ).
(وأخرج ابن سعد عن خباب بن الأرت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أنه ذكر فتنة القاعد فيها خير من القائم ، والقائم فيها خير من الماشي ، والماشي فيها خير من الساعي ، فإن أدركت ذلك فكن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يعجز أحدكم أتاه الرجل أن يقتله أن يقول هكذا ، وقال بإحدى يديه على الأخرى ، فيكون كالخير من ابني آدم ، وإذا هو في الجنة وإذا هو في الجنة وإذا قاتله في النار) ( ).
(عن الحسن قال : بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : يا أيها الناس ألا إن ابني آدم ضربا لكم مثلاً ، فتشبهوا بخيرهما ولا تتشبهوا بشرهما) ( ).
وفي هذه الأحاديث حجة ودليل على حرمة الإرهاب وإزهاق الأرواح مطلقاً ، وبيان لسوء عاقبته .
فمن الإعجاز في السنة النبوية بيانها لعبرة ودرس في ذكر القرآن لقتل قابيل لهابيل ، هي وجوب إتعاظ المسلمين والمسلمات والإحتراز من القتل ، ليكون من باب الأولوية إجتناب الإرهاب .
لقد ذكر الله عز وجل قصة ولدي آدم لتكون موعظة للمسلمين والمسلمات بالإنزجار عن القتل وسفك الدماء ، لبيان أن إجتناب القتل وسفك الدماء نعمى عظمى واستقرار في المجتمعات وأقبال عام على التدبر في معجزات النبوة ، ومودة المؤمنين ، قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ] ( ).
ومن الآيات ذكر ندم قابيل بعد أن قتل أخاه كما في قوله تعالى [قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنْ النَّادِمِينَ] ( ).
ومن أسرار خلافة الإنسان في الأرض ندامة القاتل وتمني حدوث القتل ولو بعد حين ، أو عند كثرة الملامة من الناس أو قرب القصاص والعقوبة ، ولا عبرة بالقليل النادر الذي يصر على فعله ، وحتى في الحروب وسقوط القتلى فان الأطراف تميل إلى الصلح ، أو أن الذي يأتي من بعدهم يظهر عدم الرضا على تلك الحروب ، وزهوق الأرواح وكثرة المعوقين واليتامى والأرامل ، وإرهاق بيت المال وتعطيل التجارات .
وهل كان قتل قابيل لهابيل من الإرهاب وفق الإصطلاح في هذا الزمان، الجواب نعم ، لبيان أنه ليس جديداً في الأرض ، وأن الله عز وجل يبغضه ويحذر منه ، ويعاقب عليه ، لذا جاءت آيات هذا الموضوع المتعاقبة بالإنذار من القتل ، وتدل عليه خواتيم هذه الآيات وهي [وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ]( ).
[فَأَصْبَحَ مِنْ الْخَاسِرِينَ]( ).
[فَأَصْبَحَ مِنْ النَّادِمِينَ]( ).
[مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا]( ).
لبيان قبح الإرهاب ، وضرره على المجتمعات ، وسوء عاقبته ، وهل تدعو الآية أعلاه إلى التعاون في الأمر بالمعروف والنهي عن الإرهاب وتمويله ، وتهيئه مقدماته ، الجواب نعم ، وفيه إحياء للناس واستدامة للأمن والتعايش السلمي ، قال تعالى [وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ] ( ).
قوانين الحمد لله في مقدمة الجزء (220) من هذا التفسير
الحمد لله الذي تأتي نعمه على الفرد والجماعة والأمة دفعة وتدريجياً ، لتعضد بعضها بعضاً ، وكل نعمة شاهد على وجوب الإقرار بربوبيته المطلقة ، وأداء الفرائض العبادية .
الحمد لله الذي جعل علوم القرآن من اللامتناهي ، وفتح للعلماء باب التفسير والتأويل في رياض ناضرة ، ونسيم عذب للقارئ والسامع ، وهو من عمومات قوله تعالى [إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ]( ).
وقد صدر لي والحمد لله الجزء العشرون بعد المائتين من هذا السِفر وهو خاص بتفسير آية واحدة من سورة آل عمران ، وهو قوله تعالى [وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ]( ).
ويبدأ هذا الجزء بمقدمة من(12) صفحة أكثرها في الحمد والثناء على الله عز وجل وبيان شذرات من عظيم فضله تعالى ، ومنها (ويختص هذا الجزء بموضوع ميثاق أهل الكتاب لإتباعهم أنبياء زمانهم ، وتصديقهم بهم ، وفيه شاهد على خلافة الإنسان في الأرض ، وأنها لم تنقطع من أيام آدم ، وتعليم الله عز وجل له الأسماء ، وقيام آدم بتعليم الملائكة ذات الأسماء بأمر من الله عز وجل( ).
ومن أسرار هذه الآية سبق أخذ الله الميثاق على الناس من قبل أن يهبط آدم إلى الأرض ، لتكون الحياة الدنيا دار الميثاق .
ولم يرد في آية الذر لفظ (الميثاق ) ولكنها تدل عليه بلفظ [وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ] ( ) وبشهادة الناس على أنفسهم وللأحاديث النبوية المستفيضة التي تفيد أنها عهد وميثاق .
ولتعلق موضوع قوانين في الحمد لله في المقدمة فقد ذكرت فيها نوع قوانين خاصة بالحمد وان لم أطلق عليها لفظ القانون في ذات الجزء إلا أنه يستقرأ منها وهي :
الأول : الحمد لله الذي لا إله إلا هو ، لا شريك له ، وقد أنعم الله عز وجل على آدم بالإستجارة بالله بكلمة التوحيد رجاء قبول توبته .
الثاني : قانون الحمد لله الذي له ملك السموات والأرض ملك تصرف ومشيئة .
الثالث : قانون الحمد لله على نعمة الميثاق واستدامته في الأرض.
الرابع : قانون الفطرة على التوحيد من الميثاق .
الخامس : الحمد لله على سبق الميثاق لخلق آدم .
السادس : قانون الحمد لله الذي جعل الحج واجباً .
السابع : قانون الحمد لله على وجوب تعاهد طهارة البيت الحرام ، وفي خطاب وعهد وميثاق إلى إبراهيم وإسماعيل ، قال تعالى [وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ]( ).
الثامن : قانون الحمد لله على تقوم الميثاق باقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والصيام .
التاسع : قانون الحمد لله على تضمن الميثاق البشارة ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وفي التنزيل حكاية عن عيسى [وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ]( ).
العاشر : الحمد لله لمنع المشركين من الإضرار بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وعجزهم عن قتله أو إغتياله في ميدان المعركة أو خارجه ، قال تعالى [أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ]( ).
الحادي عشر : قانون الحمد لله الذي لم يرفع الناس إلى مرتبة الخلافة [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، إلا بعد أن أخذ عليهم الميثاق ، ليكون هذا الميثاق رحمة عامة ، وحاضرة في كل زمان .
الثاني عشر : قانون الحمد لله الذي أفاض على الناس بالرزق الكريم .
الثالث عشر : قانون الحمد لله الذي لم يحصر العلم عند قوم ولم يخص به فئة أو طائفة دون أخرى .
الرابع عشر : قانون الحمد لله الذي جعل كل مسلم ومسلمة يقول سبع عشرة مرة في اليوم والليلة [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ]( ).
الخامس عشر : قانون نزول البركة وصرف البلاء بقول الحمد لله.
السادس عشر : الحمد لله الذي لم يجعل آدم يهبط للإرض إلا بعد أن قال الحمد لله.
وعن (رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن الله خلق آدم من تراب ، ثم جعله طيناً ، ثم تركه حتى إذا كان حمأ مسنوناً خلقه وصوّره ، ثم تركه حتى إذا كان صلصالاً كالفخار ، وجعل إبليس يمر به فيقول : لقد خلقت لأمر عظيم ، ثم نفخ الله فيه من روحه ، فكان أوّل شيء جرى فيه الروح بصره وخياشيمه ، فعطس فلقنه الله حمد ربه فقال الرب : يرحمك ربك .
ثم قال : يا آدم اذهب إلى أولئك النفر فقل لهم وانظر ماذا يقولون؟ فجاء فسلم عليهم فقالوا : وعليك السلام ورحمة الله ، فجاء إلى ربه فقال : ماذا قالوا لك وهو أعلم بما قالوا له .
قال : يا رب سلمت عليهم فقالوا وعليك السلام ورحمة الله قال : يا آدم هذه تحيتك وتحية ذريتك .
قال : يا رب وما ذريتي .
قال : اختر يدي ، قال : أختار يمين ربي ، وكلتا يدي ربي يمين . فبسط الله كفه فإذا كل ما هو كائن من ذريته في كف الرحمن عز وجل)( ).
السابع عشر : الحمد لله الذي جعل القرآن آخر الكتب السماوية ليحفظ في الأرض رسماً وتلاوة وعملاً بأحكامه .
الثامن عشر : قانون حضور الحمد لله سلاحاً بيد العبد في الرخاء والشدة .
التاسع عشر : قانون فتح الله عز وجل باب التوبة والإستغفار للناس جميعاً.
العشرون : الحمد لله على علمه بما نُسر ونعلن .
الواحد والعشرون : الحمد لله على فضله وهباته لنا ، وعدم الحرمان من النعم .
الثاني والعشرون : الحمد لله الكافي لسواه ، قال تعالى [أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ]( ).
الثالث والعشرون : الحمد لله الذي أمر بالدعاء ودعه الإستجابة.
الرابع والعشرون : الحمد لله الذي نرجوه أن يتفضل علينا بفتح باب الدعاء لنا في عالم البرزخ وفي عرصات يوم القيامة ، وفي التنزيل [وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ]( ).
الخامس والعشرون : الحمد لله الذي جعل الأنبياء أئمة الناس في الحمد والثناء على الله.
وعن معاذ قال : قال لي النبي صلى الله عليه وسلم : إني أحبك لا تدعن أن تقول في دبر كل صلاة : اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك .
وأخرج أحمد في الزهد وابن أبي الدنيا والبيهقي عن أبي الجلد قال : قرأت في مساءلة موسى عليه السلام . أنه قال : يا رب كيف لي أن أشكرك وأصغر نعمة وأعتها عندي من نعمك لا يجازي بها عملي كله ، فأتاه الوحي : أن يا موسى الآن شكرتني( ).
ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مواظبته على الشكر لله ، وإعلانه التقصير في هذا الباب .
و(عن عائشة قالت : كانت ليلة النصف من شعبان ليلتي ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندي ، فلما كان في جوف الليل ، فقدته فأخذني ما يأخذ النساء من الغيرة ، فتلفعت بمرطي ، فطلبته في حجر نسائه ، فلم أجده فانصرفت إلى حجرتي ، فإذا أنا به كالثوب الساقط وهو يقول في سجوده : سجد لك خيالي وسوادي وآمن بك فؤادي فهذه يدي وما جنيت بها على نفسي يا عظيم يرجى لكل عظيم يا عظيم اغفر الذنب العظيم سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره ، ثم رفع رأسه ، ثم عاد ساجداً .
فقال : أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من عقابك وأعوذ بك منك أنت كما أثنيت على نفسك ، أقول كما قال أخي داود أعفر وجهي في التراب لسيدي وحق له أن يسجد ، ثم رفع رأسه
فقال : اللهم ارزقني قلباً تقياً ، من الشر نقياً ، لا جافياً ولا شقياً ، ثم انصرف فدخل معي في الخميلة ولي نفس عال ، فقال ما هذا النفس يا حميراء ، فأخبرته ، فطفق يمسح بيديه على ركبتي ويقول : ويح هاتين الركبتين ما لقيتا في هذه الليلة هذه ليلة النصف من شعبان ينزل الله فيها إلى السماء الدنيا ، فيغفر لعباده إلا المشرك والمشاحن)( ).
الحمد لله على البشارة برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومجئ هذه البشارة على لسان نبي رسول وهو عيسى عليه السلام .
الحمد لله على انجاز الجزء العشرون بعد المائتين من التفسير وإختصاصه بتفسير آية واحدة من سورة آل عمران .

قانون الحمد الصلاتي صارف للإرهاب
لقد أنعم الله عز وجل على المسلمين والناس جميعاً بالحمد والشكر له سبحانه ، وأبى إلا أن يقوم المسلمون والمسلمات بالحمد لله واتصاف هذا الحمد بوجوه :
الأول : إقتران الحمد لله بالتسليم بالربوبية المطلقة لله عز وجل بالقول [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ] ( )، لبيان إنفراد الله عز وجل باستحقاق أسمى مراتب الحمد الذي هو سور الموجبة الكلية الذي تلتقي عنده الخلائق .
والمراد من الحمد الصلاتي ، هذا المصطلح المستحدث هنا هو قول المسلم (الحمد لله) في الصلاة ، وهل يصلي الملائكة ويقولون في الصلاة الحمد لله ، المختار نعم ، قال تعالى [إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا]( )، وصحيح أن معنى صلاة الله عز وجل في الآية اعلاه هي الرحمة ، وصلاة الملائكة الدعاء والإستغفار إلا أنه يدل بالدلالة التضمنية على قيام الملائكة بالصلاة ، خاصة وأنه ورد في أصل لفظ الصلاة أنها دعاء ، وتكون صلاتهم على المؤمنين جزء من عامة صلاتهم ، وكأن من صلاتهم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم كالقنوت في الصلاة .
وعن الإمام علي عليه السلام قال (لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر) ( ) قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : يا جبريل ، ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي.
قال : إنها ليست بنحيرة ولكنه يأمرك إذا تحرمت للصلاة أن ترفع يديك إذا كبرت ، وإذا ركعت ، وإذا رفعت رأسك من الركوع فإنها صلاتنا وصلاة الملائكة الذين في السماوات السبع .
قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : رفع الأيدي من الاستكانة التي قال الله عز وجل (فما استكانوا لربهم وما يتضرعون( )) ( ).
الثاني : نطق المسلمين [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ] ( )، بصيغة القرآنية والعربية ، إذ يعلم كل مسلم ومسلمة أنه يأتي بها كآية من سورة الفاتحة لذا يتقيد بتلاوتها بعد البسملة ، وتلاوة آية الرحمن الرحيم ، بعد آية الحمد على نحو الوجوب والحتم.
الثالث : لم تأت قراءة المسلم سورة الفاتحة في الصلاة إلا بعد تكبيرة الإحرام ، ومن معانيها حال الخشوع ، والإمتناع عن منافيات الصلاة ، وفيه تنمية لملكة الخشوع عند المسلم في نهاره وليله ، وتجلي هذا الخشوع على الجوارح والأركان ، والإمتناع عن التعدي والإرهاب ، وهو من مصاديق قانون (قول الحمد لله إصلاح).
الرابع : حال الإستقامة والعصمة من وسوسة الشيطان عند المسلم أثناء قيامه بين يدي المسلم في الصلاة ، ولا يختص المسلمون بهذه الحال بل هي صفة مباركة للمؤمنين في كل زمان من أيام أبينا آدم ، وهو أول من وقف بين يدي الله في الصلاة اليومية وكان إماماً في الخشوع والخضوع لله عز وجل مع إكثاره من الإستغفار .
و(عن فضالة بن عبيد قال : إن آدم كبر حتى تلعب به بنو بنيه فقيل له : ألا تنهى بني بينك أن يلعبوا بك قال : إني رأيت ما لم يروا ، وسمعت ما لم يسمعوا ، وكنت في الجنة وسمعت الكلام ، وإن ربي وعدني إن أنا أسكت فمي أن يدخلني الجنة)( ).
وفضالة بن عبيد أنصاري من الأوس ، شهد معركة أحد وما بعدها (انتقل إلى الشام وسكن دمشق وبنى بها داراً وكان فيها قاضياً لمعاوية ومات بها)( ).
وتوفى فضالة سنة ثلاث وخمسين للهجرة( ).
ولم يرفع فضالة الحديث ، فهو ضعيف من جهة الصدور ، وكذا من حيث الدلالة ، فلم يثبت لعب أحفاد آدم به ، لمصاحبة صفة النبوة له.
ويدل السكوت هذا بالأولوية القطعية على الإمتناع عن إيذاء الآخرين أو جرحهم ، وهو حجة لنبوة آدم ، لعمومات قوله تعالى [أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ]( ).
الخامس : لقد فاز المسلمون في الدنيا بقول كل واحد منهم [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ] ( )، في الصلاة اليومية ، وهو من الصراط المستقيم الذي يتلوه في ذات السورة ، والركعة من الصلاة [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]( )، نقول الحمد لله من الصراط المستقيم ، وكذلك موضوعيته في الصرف والحجب عن الإرهاب .
ليكون قول [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ] ( )، في الصلاة طريق الفوز في الآخرة ، وهل تلاوة المؤمن سورة الفاتحة سبع عشرة مرة في الصلاة تخفف عنه وحشة وظلمة القبر ، الجواب نعم.
قانون أوقات الفرائض حجاب دون الإرهاب
من خصائص تغشي أوقات الصلاة لأطراف ووسط النهار استدامة حال الخشوع عند المسلم بعد أداء صلاة الفريضة ، ونماؤها قبل الصلاة اللاحقة وهو من أسرار الصلاح والإستقامة التي يتصف بها المؤمنون ، واحترازهم من فعل المعصية وإرتكاب الحرام.
لقد جاء المدد اليومي من الله عز وجل للمسلمين بالتنزه عن الظلم والتعدي بتشريع الصلاة خمس مرات في اليوم ويتعلق أوانها بالآيات الكونية من الفجر والزوال وغروب الشمس وغياب الشفق.
(عَنْ قَتَادَةَ سَمِعْتُ أَبَا أَيُّوبَ الْأَزْدِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ لَمْ يَرْفَعْهُ مَرَّتَيْنِ قَالَ وَسَأَلْتُهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ وَقْتُ صَلَاةِ الظُّهْرِ مَا لَمْ يَحْضُرْ الْعَصْرُ وَوَقْتُ صَلَاةِ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ وَوَقْتُ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَسْقُطْ نُورُ الشَّفَقِ وَوَقْتُ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ وَوَقْتُ صَلَاةِ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ)( ).
وهل يدل هذا الحديث في مفهومه على جواز الجمع بين صلاتي الظهرين ، وصلاة العشائين ، الأقوى نعم .
مما يزيد حال الخشوع عند المسلم ، ويكون رفع الأذان وإقامة الصلاة في وقتها مناسبةً للتدبر في الآيات الكونية التي تبعث الرغبة بالعبادة والعمل الصالح ، والنفرة من الفعل القبيح والظلم والأخلاق المذمومة .
ومن الإعجاز في العبادات في الإسلام تعيين أوانها بآية كونية فالصيام مثلاً يبدأ برؤية شهر رمضان ، قال تعالى [فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]( ).
وكذا بالنسبة للحج فان أداء مناسكه في بضعة أيام معينة من شهر ذي الحجة ، مع إخبار القرآن بأنه في أشهر متتالية ، إذ قال تعالى [الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ]( ).
والفسوق عنوان عام للخروج عن طاعة الله ، سواء في العبادات أو المعاملات ، والحياة اليومية ، ولفظ الفسوق مطلق شامل لضروب المعاصي ، لذا ورد عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ] قال : لا جماع ولا فسوق . قال : المعاصي والكذب( ).
وهو الموافق للأصل بحمل الكلام العربي على الإطلاق ، وتدل عليه القرينة الحالية والمقالية وأن المقام مقام تقوى وزهد وصلاح فلابد من إجتناب كل فرد من الفسوق ومنه السباب والشتائم .
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال : قول الله [الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ] ( )، والرفث: الجماع، والفسوق الكذب والسباب.
والجدال قول الرجل: لا والله وبلى والله ( ).
وهل التعدي والإضرار بالمصالح العامة والخاصة وإشاعة الخوف العام من الفسوق ، المختار نعم ، وهناك تداخل بين أشهر الحج وبين صلح الحديبية .
فمع أن النبي محمداً رسول من عند الله جاء بالمعجزات العقلية والحسية ، فقد منعته وأصحابه قريش من دخول البيت الحرام حينما أراد وألف وأربعمائة من المهاجرين والأنصار أداء مناسك العمرة في شهر ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة ، إذ بعثت قريش الخيل والرجال لمنعهم من دخول الحرم ، ولتهديدهم بالهجوم عليهم واستئصالهم ، واظهر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقصى درجات الصبر وأرسل الرسل إلى قريش برسائل طمأنينة ، ورفق يذهب الحنق والغيظ لمجئ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، إذ أرسل وفوداً إلى قريش يبين موضوع مجيئهم إلى مكة وهو أداء العمرة.
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمسيره وصلحه المقتبس من الوحي يحارب الإرهاب ، ويسعى لإستئصاله من الأرض ، وقد أسس دولة العدل والحق والتقوى لإستئصال الإرهاب ، وهو صلى الله عليه وآله وسلم لا يرضى أن يطلق على المسلم (إرهابي) لإنتفاء أسباب هذه الصفة عنه سواء في العبادات أو المعاملات .
ولم يعتمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تلك السنة ، ولكنه رجع بالصلح مع كفار قريش الذي يعني وقف غزوهم لمدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وإمتناعهم عن التعرض للمسلمين في الجادة العامة ، وفي مكة ، وكان الصلح مناسبة لدخول الذين كانوا يخشون قريشاً الإسلام ، وهو من مصاديق الإطلاق في قوله تعالى [وَالصُّلْحُ خَيْرٌ]( ).
ليكشف صلح الحديبية عن حقيقة وهي الملازمة بين الشرك والإرهاب ، وأن قريشاً كانوا يرهبون المسلمين وعوائلهم ، وغيرهم من الناس ، ووقف هذا الإرهاب بالصلح وهو من أسرار تسميته من مصاديق تسميته فتحاً ، بقوله تعالى [إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا]( )، وتدل السنة النبوية وتفسير النبي صلى الله عليه وآله وسلم للقرآن على أن المراد من الفتح في هذه الآية هو صلح الحديبية ، وإن جرت الأقلام بتسمية دخول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مكة بأنه فتح ، نعم هو فتح ، ولكن الفتح الذي ورد في القرآن يخص صلح الحديبية ، وفيه دعوة لأجيال المسلمين جيلاً بعد جيل بالميل إلى الصلح والموادعة والرضا بشروط للصلح وإن كان فيها أذى فانها باب للوئام بين الناس ، وشاهد على معاني الرحمة التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ).

قانون مجاهدة النفس عصمة من الإرهاب
لقد رزق الله عز وجل الإنسان العقل ، وجعله أميراً وسلطاناً على الجوارح ، وسمي العقل عقلاً لأنه يعقل ويقيد ويحبس صاحبه عن الوقوع في المهالك ، ولم يجعل الله عز وجل الإنسان [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ) إلا بعد أن رزقه العقل .
وقد ذكر القرآن الألفاظ التي تدل على العقل ومادة (عقل) مثل [لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ] ( ) وعقلوه ، كما في قوله تعالى [أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ] ( ) ويعقلون ، كما في قوله تعالى [كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ] ( ).
ومنها ما يأتي بمعنى النظير والمرادف للعقل مثل ، القلب ، والفؤاد ، واللب ، والنُهى : أي أصحاب العقول السليمة التي تنهي عن القبائح والرذائل ، والإرهاب .
ومنها ما يتعلق بوظائف العقل مثل التفكر والتدبر منه قوله تعالى [أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ] ( ) .
إذ جمعت هذه الآية بين وظيفة العقل وبين النفس مع تعدد معاني النفس ، فقد تطلق على الذات وإرادة الجسم والروح .
وجاءت الآية أعلاه بصيغة الجمع لبيان أن موضوع التفكر أعم من القضية الشخصية ، فيشمل الناس مجتمعين ومتفرقين ، ليكون من النفس ذات التفكر والنوايا والهّم بالأفعال ، قال تعالى [قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا]( ). وتقسم النفس تقسيماً استقرائياً بلحاظ السنخية والفعل الذي هو مرآة لها ، وقد ذكرت في القرآن أقسام للنفس منها : الأول : النفس المطمئنة ، قال تعالى [يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً]( ) أي المنقادة لأمر الله ، المصدقة بالنبوة والتنزيل ، ولا تخشى القيام بظلم وجور يوم تقف بين يدي الله للحساب عليه ، وفي حال المتقين وبشارتهم يوم القيامة ، قال تعالى [يَاعِبَادِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ وَلاَ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ] ( ).
و(عن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لرجل : قل اللهم إني أسألك نفساً مطمئنة تؤمن بلقائك وترضى بقضائك وتقنع بعطائك) ( ).
الثاني : النفس الأمارة بالسوء التي أعرضت عن العقل وعطلت سلطانه ، ولم تستجب لأوامره ونواهيه .
الثالث : النفس اللوامة ، قال تعالى [لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلاَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ] ( ) وأختلف في معنى النفس اللوامة بما يحمل التضاد في التفسير على جهات :
الأولى : المراد اللوم الحسن على التقصير في الصالحات .
الثانية : المعنى النفس المذمومة ، ونسب هذا القول إلى ابن عباس ، وأنها تلاوم على فعلها السيئات( ) .
الثالثة : إرادة المعنى الأعم من اللوم بالخير والشر .
ويدل اقتران القَسَم بالنفس اللوامة مع القسم بيوم القيامة على إرادة معنى الصلاح في النفس اللوامة ، وإظهار الندم على ما فات من الخير والإحساس بالتقصير في مضاعفته ، وعلى اللوم للذات لفعل المعصية .
ومنهم من قرأ الآية بالنفي وتقديرها : أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة ، والصحيح شمول القسم للنفس اللوامة ، وأنها قسيم ليوم القيامة في المقام ويجري في لغة العرب ادخال لا النافية على فعل القسم .
ومن معانيه حضور لوم الإنسان نفسه يوم القيامة على التقصير في الصالحات فيؤجر على هذا اللوم .
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال (إن السريرة إذا صلحت قويت العلانية) ( ).
وكل من هذه الأقسام تستلزم المجاهدة أما ابتداءً كما في النفس الأمارة لقهرها وجذبها إلى الهدى ، أو استدامة كما في النفس المطمئنة لدوام السكينة والطمأنينة بعمل الصالحات ، وإجتناب الظلم والجور ، والإضرار بالناس بغير حق ، ومن قوانين يوم القيامة عدم استثناء أحد من الحساب يومئذ .
(قَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ الْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللّهِ وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللّهُ عَنْهُ) ( ).
لبيان أولوية إصلاح الذات ، وتهذيب السلوك ، وحمل النفس في طاعة الله ، وإجهادها وقهرها في إتيان الصالحات وإجتناب السيئات والظلم والتعدي ، ومنعها من الهمّ والسعي في إدخال الفزع والخوف إلى البيوت ودور العبادة ، وبما لا يجلب إلا السخط والنفرة .
قانون قرب القتل من النبي إرهاب
لقد أخبر الله عز وجل عن التعارض والتضاد في سنخية الناس بين الإيمان والكفر ، وإتيان الصالحات وفعل المعاصي بين الخير والشر ، والحق والباطل ، قال تعالى [إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا] ( ) .
ولكن الله عز وجل لم يجعل كفتي هذا التضاد في حال تساو ، بل كان الترجيح لكفة الإيمان والخير ، ويبدأ هذا الترجيح من نفخ الله من روحه في آدم ، وتعليمه الأسماء كلها ، وهو في الجنة ، قال تعالى [وَعلم آدم الأَسْمَاءَ كُلَّهَا] ( ) وإكرامه بسجود الملائكة له ، وبهبوط آدم بصفة [الخليفة]في الأرض ، كما أن الله يمد أهل الإيمان والمستضعفين بقوى ومدد غيبي لا يعلمه إلا هو ، ويأتي إليهم هذا المدد قبلاً ، أو بالواسطة ، أو يصرف الله عز وجل عنهم شرور الظالمين .
وتفضل الله ببعثة الأنبياء ، وأنزل الكتب السماوية ، فتعرض كل من الأنبياء والكتب إلى الطعن والأذى ، فيرمون النبي بالسحر والجنون لغرض تهييج العامة عليه وقتله ، وإذا علا نجمه وتلقته العامة بالتصديق سعى رؤساء الشرك إلى قتله ، وهو الذي فعلته قريش مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهم عشيرته وأبناء عمومته ليكون من مصاديق الإرهاب تسيير قريش الجيوش لقتله والمئات من أصحابه ، وإرادة الإبادة الجماعية لأهل الإيمان ، وهو من الإرهاب ، ليكون من معاني قوله تعالى [وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ] ( ) أي للذود والدفاع عنك ، ولمنعهم من قتلك ، وتجلى هذان الأمران بانحياز بني هاشم مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في حصار قريش لهم في شعب أبي طالب باستثناء أبي لهب عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي ورد ذمه بالاسم في القرآن ، قال تعالى [تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ] ( ).
ولقد تمادى رجال قريش في إيذاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مثل الوليد بن المغيرة ، وأبي جهل ، وعقبة بن أبي معيط ، ولكن القرآن لم يذكر بلغة الذم بالاسم إلا أبا لهب ، فهل كان أكثرهم إيذاءً ، الجواب لا ملازمة بين الأمرين ، ولكن بلحاظ أنه عمه صنو أبيه ، والأصل أن يكون من أول الذين يعلنون إسلامهم أو لا أقل يمتنع عن تكذيبه.
وقد اتخذه الكفار ذريعة ، إذا كان عمه أخو أبيه يكذّبه ولا يقول بنبوته فكيف تصدقونه ، وغطوا رؤوسهم وآذانهم عن المعجزات التي جاء بها التي هي الفيصل والداعية السماوية للتصديق بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
لقد حاول المشركون ولمرات عديدة قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وكل محاولة منها ومقدماتها إرهاب من مقام الأمرة والرياسة ، إذ كانوا أهل الحل والعقد والأمر ، ويمكن تقسيم محاولات اغتيال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى أقسام :
الأول :محاولات اغتيال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو في مكة قبل الهجرة .
الثاني : الجعل والبذل لقتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في طريق الهجرة إلى المدينة .
الثالث : محاولات اغتيال النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد الهجرة .
ولم تكن تلك المحاولات ساذجة أو غير جادة ، ولكن الله يصرف ضررها ، ويبعد شرورها ،لعمومات قوله تعالى [وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ] ( ).
وهل من صلة بين إيذاء قريش جسدياً للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وبين محاولات اغتياله ، الجواب نعم .
ومرة كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يصلي في حجر إسماعيل فجاء عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه على عنقه فخنقه خنقاً شديداً (أخرج مسلم عن أبي هريرة قال قال أبو جهل هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم فقيل نعم فقال واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته أو لأعفرن وجهه في التراب فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يصلي ليطأ على رقبته .
فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه فقيل له ما لك قال إن بيني وبينه خندقا من نار وهولا وأجنحة فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا وأنزل الله [كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى]( )، إلى آخر السورة) ( ).
والظاهر أن أبا هريرة سمع الخبر من أحد الصحابة ، فقد أسلم في السنة السادسة من الهجرة ، إذ أنه لم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
مع كثرة الشواهد في باب إيذاء قريش للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والتحريض على قتله ، وفي كل مرة يكون القتل قريباً من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، والله يصرفه عنه .
وهو من عمومات قوله تعالى [وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ] ( ).
وكان أكثر هذا الأذى بعد وفاة أبي طالب في السنة العاشرة للبعثة النبوية أي قبل الهجرة بثلاث سنين ، وتوافق سنة (619) م.
وكان أبو طالب يحمي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويذب عنه ، وبعد أن اشتد الأذى على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة ، وكان يرجو من وفود الحاج استضافته وقبول هجرته إلى ديارهم ، بادر بنفسه بالهجرة إلى الطائف ليدعو أهلها للإسلام ولرجاء إقامته فيها ، ولكنه تعرض لأشد الأذى فيها وقام بعض رجالها باغراء الصبيان والعبيد برميه بالحجارة حتى دميت قدميه .
وهل فيه محاولة لقتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الجواب نعم ، لصعوبة وقف حركة الغوغاء عند حد بعد إغرائهم وتحريضهم من قبل الكبار بالفعل .
لقد خرج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الطائف في آخر شهر شوال من السنة العاشرة للبعثة ( )، وكان في الطائف صنم (اللات) وقد ورد ذكره في القرآن ، قال تعالى [أَفَرَأَيْتُمْ اللاَّتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى] ( ) ، وكانت ثقيف سدنته ويعظمه جميع العرب ، لبيان مسألة وهي من معاني هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الطائف محاربة الأصنام خارج مكة ، ودعوة الناس إلى نبذ عبادتها عن قرب ، إلى جانب رجائه التصديق بنبوته ،وإقامته بين ظهرانيهم ، وذهب إلى كبار وجهاء ثقيف في مجالسهم يدعوهم إلى الإسلام ، ويلتمس منهم المنعة من مشركي قريش .
وقد كانت الإستجارة معروفة عند العرب ، وهي محل تفاخر .
وممن عرض عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم الإسلام في الطائف إخوة ثلاثة هم (عبد ياليل، ومسعود، وحبيب، بنو عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن غيرة ابن عوف بن ثقيف.
وعند أحدهم امرأة من قريش من بني جمح) ( ).
أي أن أحد هؤلاء الثلاثة كان متزوجاً من امرأة من قريش من بني جمح فهي تمت بصلة نسب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لذا قال لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما لقاها (ماذا لقينا من أحمائك ) ( ).
فالتجأ النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى بستان في الطائف يعود لعتبة بن ربيعة وأخيه شيبة ، وكانا يومئذ فيه ، وكان لقريش بساتين في الطائف .
فعمد النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى ظل كرمة عنب فجلس فيه ، ولم يذبا عنه ، ولكن السفهاء والصبيان رجعوا عنه وكـأنه صار خارج أزقتهم عندئذ توجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الله بسلاح الدعاء الذي تتعقبه السلامة والنصر ، فبعد أن جلس رفع يديه بالدعاء .
وقال (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي و هواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين أنت ربى إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري .
إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي و لكن عافيتك هي أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات و صلح عليه أمر الدنيا و الآخرة من أن تنزل بي غضبك أو تحل علي سخطك لك العتبى حتى ترضى لا حول و لا قوة إلا بك) ( ).
لقد كانت دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ذات صبغة سلمية ، والأصل أن يسألوا الحجة والدليل على نبوته ، ولكن ثقيفاً على صلات وثيقة وتجارة واسعة مع قريش لتشمل الزراعة والتجارة والمعاملات الربوية إلى جانب هيبة القبائل والمدن لقريش لأنهم سدنة البيت الحرام ، والقائمون بشؤون الحجيج والمعتمرين ، ومدينة الطائف قريبة من مكة لا تبعد عنها سوى ثمانين كيلو متر( ).
وهل كان القتل قريباً من النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هجرته إلى الطائف ، الجواب نعم ، ولكنه لم يهاجر إليها إلا بالوحي ، وفيه مسائل :
الأولى : إقامة الحجة على قريش .
الثانية : مواساة الذين هاجروا إلى الحبشة .
الثالثة : الهجرة إلى الطائف مقدمة للهجرة إلى المدينة .
الرابعة : التوسعة المكانية للدعوة إلى الله .
الخامسة : ترغيب الصحابة من أهل مكة وغيرها بالدعوة إلى الله ، ونبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مدنهم وقراهم .
وكانت هجرة طائفة من الصحابة إلى الحبشة سبباً لسخط وغيظ قريش ، وحاولوا معها قتل النبي .
قال ابن إسحاق ان نفراً من المسلمين (أَقَامَ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ بِمَكّةَ وَلَمْ يَخْرَجْ فِيمَنْ خَرَجَ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ)( ).
فخرج عمر بن الخطاب متوشحاً سيفه يريد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بعد أن ذُكر له أنه يجتمع بأصحابه في دار الأرقم بن أبي الأرقم عند جبل الصفا .
فلقي نعيم بن عبد الله الفحام ، وهو من قوم عمر من بني عدي بن كعب ، وكان قد أسلم ولكنه يخفي إسلامه خشية وفرقاً من قريش .
فرآى الشر في وجه عمر وهو يحمل سيفه فقال له أين تريد يا عمر.
(فَقَالَ أُرِيدُ مُحَمّدًا هَذَا الصّابِئَ الّذِي فَرّقَ أَمْرَ قُرَيْشٍ ، وَسَفّهُ أَحْلَامَهَا ، وَعَابَ دِينَهَا ، وَسَبّ آلِهَتَهَا ، فَأَقْتُلَهُ نُعَيْمٌ وَاَللّهِ لَقَدْ غَرّتْك نَفْسُك مِنْ نَفْسِك يَا عُمَرُ أَتَرَى بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ تَارِكِيك تَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَقَدْ قَتَلْت مُحَمّدًا أَفَلَا تَرْجِعُ إلَى أَهْلِ بَيْتِك فَتُقِيمَ أَمْرَهُمْ .
قَالَ . وَأَيّ أَهْلِ بَيْتِي .
قَالَ خَتَنُك وَابْنُ عَمّك سَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو وَأُخْتُك فَاطِمَةُ بِنْتُ الْخَطّابِ ، فَقَدْ وَاَللّهِ أَسْلَمَا ، وَتَابَعَا مُحَمّدًا عَلَى دِينِهِ فَعَلَيْك بِهِمَا .
قَالَ فَرَجَعَ عُمَرُ عَامِدًا إلَى أُخْتِهِ وَخَتَنِهِ وَعِنْدَهُمَا خَبّابُ بْنُ الْأَرَتّ مَعَهُ صَحِيفَةٌ فِيهَا {طَه} يُقْرِئُهُمَا إيّاهَا ، فَلَمّا سَمِعُوا حِسّ عُمَرَ تَغَيّبْ خَبّابٌ فِي مِخْدَعٍ لَهُمْ أَوْ فِي بَعْضِ الْبَيْتِ وَأَخَذَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْخَطّابِ الصّحِيفَةَ فَجَعَلَتْهَا تَحْتَ فَخِذِهَا .
وَقْدَ سَمِعَ عُمَرُ حِينَ دَنَا إلَى الْبَيْتِ قِرَاءَةَ خَبّابٍ عَلَيْهِمَا ، فَلَمّا دَخَلَ قَالَ مَا هَذِهِ الْهَيْنَمَةُ ( )الّتِي سَمِعْتُ .
قَالَا لَهُ مَا سَمِعْتَ شَيْئًا ؛ قَالَ بَلَى وَاَللّهِ لَقَدْ أُخْبِرْت أَنّكُمَا تَابَعْتُمَا مُحَمّدًا عَلَى دِينِهِ وَبَطَشَ بِخَتَنِهِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ؛ فَقَامَتْ إلَيْهِ أُخْتُهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْخَطّابِ لَتَكُفّهُ عَنْ زَوْجِهَا ، فَضَرَبَهَا فَشَجّهَا ؛ فَلَمّا فَعَلَ ذَلِكَ قَالَتْ لَهُ أُخْتُهُ وَخَتَنُهُ نَعَمْ قَدْ أَسْلَمْنَا وَآمَنّا بِاَللّهِ وَرَسُولِهِ فَاصْنَعْ مَا بَدَا لَك .
فَلَمّا رَأَى عُمَرُ مَا بِأُخْتِهِ مِنْ الدّمِ نَدِمَ عَلَى مَا صَنَعَ فَاِرْعَوى ، وَقَالَ لِأُخْتِهِ أُعْطِينِي هَذِهِ الصّحِيفَةَ الّتِي سَمِعْتُكُمْ تَقْرَءُونَ آنِفًا أَنْظُرْ مَا هَذَا الّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمّدٌ وَكَانَ عُمَرُ كَاتِبًا ؛ فَلَمّا قَالَ ذَلِكَ قَالَتْ لَهُ أُخْتُهُ إنّا نَخْشَاك عَلَيْهَا ؛ قَالَ لَا تَخَافِي .
وَحَلَفَ لَهَا بِآلِهَتِهِ لَيَرُدّنّهَا إذَا قَرَأَهَا إلَيْهَا ؛
فَلَمّا قَالَ ذَلِكَ طَمِعَتْ فِي إسْلَامِهِ فَقَالَتْ لَهُ يَا أَخِي ، إنّكَ نَجِسٌ عَلَى {طَه} فَقَرَأَهَا ؛ فَلَمّا قَرَأَ مِنْهَا صَدْرًا ، قَالَ مَا أَحْسَنَ هَذَا الْكَلَامَ وَأَكْرَمَهُ فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ خَبّابٌ خَرَجَ إلَيْهِ) ( ).
وهل كانت رؤيا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من معجزاته أم أن القدر المتيقن من المعجزات ما كان في الحقيقة والواقع، المختار هو الأول ، لقانون وهو رؤيا النبي وحي التي يدرك النبي صلى الله عليه وآله وسلم حينها أنها من الوحي وليس مطلق الرؤيا.
الوليد بن المغيرة والتنزيل
الأصل في نزول القرآن هو الرحمة، فهو الضياء الذي ينير سبل الهداية للناس والإمام الذي يقود إلى اللبث الدائم في الجنة ، ويمنع من الغواية ويزجر عن الضلالة ، ويدفع الإنسان عن مقدماتها .
فلم ينزل القرآن للحرب ولا يدعو إلى القتال وهو يمنع من أسباب إقامة الحد قبل الحجة والدليل إلى إقامته ، وهذا المنع من إعجازه ، وتأكيد لكونه رحمة عامة ، وحتى إقامة الحد تزجر عن أسباب ووقوع الجناية كما في قوله تعالى [وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ]( )، فمتى ما أدرك الذي يهّم بالقتل أنه سينال جزاءه بالقود وتعريض نفسه للقتل فانه يجتنب سفك الدماء ، لبيان قانون كلي وهو نزول القرآن بالمنع من إزهاق الروح مطلقاً وليتجلى قانون وهو نهي حكم القصاص عن الإرهاب ، وعن التفجيرات ، وعن الغدر ، والتعدي على الشأن والحرمة التي أولاها الناس والقانون للفرد.
ورأس الذين حاربوا القرآن هم كفار قريش ، لقد علموا وجوه الإعجاز القرآني ، وأدركوا قانون ميل العرب له ، واقرارهم بأنه فوق كلام البشر ، وأنه شاهد على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فارادوا صدّ عامة العرب والناس عن التصديق به ، خاصة وأن النبي محمداً أعلن بوضوح أنه رسول للناس جميعاً ، وليس لقريش أو العرب وحدهم ، وقد آمن به عدد من الذين ليسوا بعرب مثل بلال الحبشي ، وصهيب الرومي ،وسلمان الفارسي ، وتلقى بعض الرهبان بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالتصديق للبشارات والعلامات التي بين أيديهم بخصوص نبي آخر الزمان .
لقد كانت أسواق مكة في موسم الحج محفلاً أدبياً وبلاغياً عظيماً ، كسوق عكاظ ، ومجنة ، وذي المجاز ، فنزلت سور القرآن المكية بآياتها القصيرة ودلالتها العميقة بما جعل أمراء البيان والفصاحة والبلاغة بقضهم وقضيضهم جميعاً يعترفون باعجازه.
لقد تعطلت ماكنة الشعر فجأة في هذه الأسواق والتي كانت متوارثة لعشرات السنين .
ولم يكن الأمر يقف عند إعجاز القرآن بل ظهرت مصاديقه في دخول الناس الإسلام ، لبيان أن الله عز وجل لا يرضى للناس الوقوف عند الإعتراف بأن القرآن كلام الله ، فهذا الإعتراف قال به الوليد بن المغيرة ، وعتبة بن ربيعة ، وأبوسفيان وغيرهم في مجالسهم الخاصة ، ولكنهم حملوا السيوف ، وجهزوا الجيوش لمحاربة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فلابد من العمل بالأحكام الشرعية التي جاء بها.
وكان الوليد بن المغيرة من أشراف وأثرياء قريش ، ويرجعون إليه في كثير من الأمور ، وهو أبو خالد بن الوليد ، وعم أبي جهل ، فجاءوا إليه ، وسألوه عما يقوله النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مما يتلوه من القرآن ويتضمن ذم الأوثان وعبادتها .
فقال لهم الوليد : دعوني أسمع كلامه ، أي أنه أراد الإستماع مباشرة من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولم يعتمد النقل ، وهو من حكمته لبيان معجزة القرآن ، بعدم خشية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتلاوة آيات القرآن أمام أساطين اللغة وسادات القوم .
فجاء الوليد إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو جالس في حجر إسماعيل ودنا منه وقال : يا محمد أنشدني شعرك .
وهو نوع إستهزاء بما يتلوه النبي ، وفيه أمارة على إصرار الوليد بانكار التنزيل ونعته بالشعر .
ولكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يصدّه ولم يعرض عنه إنما قال (ما هو بشعر ولكنه كلام الله الذي بعث أنبياءه ورسله به فقال: اتل، فقرأ : بسم الله الرحمن الرحيم ، فلما سمع الرحمن استهزأ منه ، وقال : تدعو إلى رجل باليمامة بسم الرحمن)( ).
عندئذ قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : لا ، ولكني ادعو إلى الله وهو الرحمن الرحيم ، لبيان مسألة وهي أن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم حارب المشركين حتى في الأسماء الحسنى لله عز وجل ، فيتجرأ بعضهم ويسمي نفسه الرحمن ، ولا يحاسبه أحد ، ثم يؤولون كلام الله ، وكان مسيلمة الكذاب يسمي نفسه رحمن اليمامة .
وحينما نزل قوله تعالى [قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَنَ]( )، (قالت قريش حين نزلت هذه الآية : ما بال محمد كان يدعو إلى إله واحد فهو اليوم يدعو إلى إلهين : الله والرحمن ، ما نعرف الرحمن إلاّ رحمن اليمامة ، يعنون مسيلمة الكذاب)( ).
ثم انتقل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى تلاوة سورة أخرى إذ قرأ سورة حم السجدة ، وهي سورة فصلت ، إلى أن وصل إلى الآية الثالثة عشرة منها [فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ]( )، اقشعر جلد الوليد ، وعلم بتوجه الإنذار السماوي إليهم ، وأنه ليس بينهم وبين نزول العذاب أمد ومدة ما داموا قائمين على العزوف والإعراض عن النبوة والتنزيل ، فقام الوليد بن المغيرة من عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يتوجه إلى أصحابه الذين كانوا ينتظرون نتيجة مناظرته مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما مشى إلى بيته كئيباً خائفاً .
فقالت قريش : صبأ أبو عبد شمس أي الوليد بن المغيرة وحزنوا وساد الإرتباك بينهم ، فمشى أبو جهل إليه وقال : فضحتنا يا عم ، يريد أن يستفزه ، ويوهمه كذباً بأن التصديق برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عار وفضيحة بين الناس ، وهو من الأذى الشديد الذي لاقاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قومه .
فقال الوليد (إني على دين قومي ، ولكني سمعت كلاما صعبا تقشعر منه الجلود، قال أفشعر هو ؟
قال: ما هو بشعر، قال: فخطب .
قال : لا ، إن الخطب كلام متصل، وهذا كلام منثور لا يشبه بعضه بعضا، له طلاوة)( ).
لقد كانت قريش تخشى دخول الوليد في الإسلام لأنه يفتح الباب أمام الناس لدخوله ، ولكن تخلفه عن هذا الدخول لم يضر الإسلام والتنزيل ، إنما أضر نفسه ، وحرمها من الثواب والذكر الحسن في الدنيا والآخرة .
لقد كان الوليد بن المغيرة يلقب بالعدل ، لأنه كان يكسو الكعبة سنة ، وتكسوها قريش سنة ، فهو يعدل قريشاً بالكسوة ، وكان بعض العرب يتحاكمون عنده ، ولعله أخذ لقب العدل من إنصافه في الحكم وعدم ميله إلى طرف دون آخر ، ومع أنه جاهلي ، إلا أنه حرم الخمر على نفسه وعلى ولده.
ومات الوليد كافراً أيام هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة وكان سبب وفاة الوليد أن جبرئيل أشار إليه ، إذ كان الوليد قد مرّ متبختراً يجر برديه بالقرب من رجل من خزاعة بريش نبلاً له (فتعلق سهم من نبله بازاره فخدشه خدشا وليس بشئ فلما اشار إليه جبريل عليه السلام انتقض ذلك الخدش فقتله)( ).
وفي قصة الوليد بن المغيرة وأصحابه محاربة الإرهاب له ،ومحاربته للإرهاب من السنين الأولى لتنزيله ، وبقاء هذه الصفة ، صفة محاربته للإرهاب إلى يوم القيامة , ومنها تعلق الآية بعموم المعنى ، وليس بسبب النزول وحده.
لتجمع الآية بين مفاهيم الرحمة والرأفة ، ولغة الإنذار من الإرهاب ، مع لزوم الإنزجار منه ، وتبين قصة الوليد وغيره أن التنزيل والتحويل التأريخي نحو الأحسن والأصلح لا يوقفه شخص وإن كان ذا شأن .
لقد حارب رؤساء قريش القرآن ، كما حاربه رجال الإرهاب الذين لايريدون سيادة القانون والإنصاف والمساواة بين الناس .
وعن (ابن الجوزي قال: كان حويطب بن عبد العزى قد بلغ مائة وعشرين سنة، ستين منها في الجاهلية، وستين في الإسلام، فلما ولي مروان بن الحكم دخل عليه، فقال له مروان: ما سنك يا عم؟.
فأخبره، فقال له مروان: تأخر إسلامك أيها الشيخ حتى سبقك الأحداث، فقال حويطب: والله لقد نهضت إلى الإسلام غير مرة كل ذلك يعوقني أبوك عنه وينهاني، ويقول: لا تَدع دين آبائك لدين محمد، فأسكت مروان وندم على سؤاله إياه، ثم قال له حويطب: أما أخبرك عثمان بن عفان ما كان لقي من أبيك حين أسلم، فازداد مروان غماً إلى غمه) ( ).
وفيه نكتة وهي مع تقادم السنين ومغادرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم للرفيق الأعلى ، وإنقضاء خلافة الإمام علي عليه السلام ، ومجئ أيام بني أمية ، فهناك شواهد تأريخية حاضرة تبين الأذى الذي لاقاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قريش ، وسعيهم في تهديد الذي يريد دخول الإسلام ، وإن كان من أشراف القوم .
ومن الإعجاز في أحكام القرآن أنها ذات صبغة عبادية كما تتعلق بأحكام الحلال والحرام مما أدى إلى تعدد الجهات والأفراد من أتباع اللذات الذين يحاربون القرآن ولكن أسلحته متعددة ، وهو انتصر وينتصر على مفاهيم الشرك والضلالة.
قانون هجرة الأنبياء إعراض عن الإرهاب
(الهَجْرُ: ضد الوصل. وقد هَجَرَهُ هَجْراً وهِجْراناً. والاسم الهِجْرَةُ. والمُهاجرة من أرضٍ إلى أرضٍ: تركُ الأولى للثانية. والتَهاجُرُ: التقاطعُ) ( ).
وفي التنزيل [إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا] ( ) أي أعرضوا عنه ، وقالوا فيه بغير الحق ليكونوا كالمريض الذي يهجر أي يقول غير الحق.
(هجرت الرَّجُل أهجره هَجراً وهِجراناً: صرمته وهما يتهاجران. ابن جني: ويَهْتَجِران. أبو عُبَيْد: والاسم الهِجرة.) ( ) .
والهاجرة والهجر نصف النهار أيام شدة الحر .
والهجرة هي الإنتقال من بلد إلى بلد آخر ، وقد يهاجر الإنسان لكسب الرزق والمعاش ، أو طلب العلم أو لجوءً للأمن ، وهي في الإصطلاح الهجرة بالدين والعقيدة.
فيهاجر النبي والمؤمن من بلدته، ومن معاني قوله تعالى [مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنْ الرُّسُلِ]أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ليس من أول من هاجر من بلدته من الأنبياء ، بل سبقه أنبياء كثيرون إعراضاً عن المشركين وإرهابهم ، وإجتناباً للقتال .
ومن الأنبياء الذين هاجروا إبراهيم عليه السلام ، إذ ولد وعاش في العراق ثم هاجر إلى بلاد الشام ثم إلى مصر ثم إلى مكة .
وممن هاجر لوط عليه السلام ، وفي التنزيل [وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ] ( ) لبيان أن موضوع الهجرة ليس طلب النصرة لقتال المشركين ، إنما للنجاة بالدين والإيمان .
ومن معاني وحدة الموضوع في تنقيح المناط في المقام أن هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثل هجرة لوط عليه السلام .
نعم كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسأل القبائل ووفود الحاج في الموسم حمايته من بطش قريش لأنه أدرك سعيهم في قتله خاصة بعد وفاة عمه أبي طالب ، لبيان قانون وهو أن هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حاجة وضرورة لوجود المقتضي وفقد المانع .
ومن الأنبياء من لم يهاجر من بلدته ، ولكنه لاقى الأذى من قومه ، وغادر الدنيا بعد أن ترك خلفه أنصاراً واتباعاً ، ومنهم من قتله قومه .
ومن الأنبياء الذين هاجروا موسى عليه السلام ، كما هاجر يعقوب النبي إلى حوران بأرض العراق .
وقد هاجر يوسف عليه السلام ، وتمتاز هجرته بأنها قهرية ، وفيها نفع عظيم للناس ، إذ كانت سبب إنقاذ أهل مصر وبعض أطراف الشام من المجاعة والقحط أيام الجفاف ، لبيان قانون في هجرة الأنبياء وهو : هجرة الأنبياء نفع عام للناس .
وهل كانت هجرة أو تهجير يوسف عليه السلام هروباً من الإرهاب أيضاً ، الجواب نعم ، إذ أراد إخوته قتله والتخلص منه ، لإستقراء مسألة في المقام في جهة صدور الإرهاب :
الأولى : من القريب والرحم .
الثانية : من البعيد والقاصي .
الثالثة : من القريب والداني.
الرابعة : من العدو .
الخامسة : ممن ليس هناك سبب عقلائي لعداوته .
وفي قصة الرسول صالح وقومه ومقدمات عقر الناقة ورد قوله تعالى [وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ * قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ * وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ * فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ] ( ).
وهل كانت قريش أيام بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تعلم بما لاقاه أنبياء الله من الأذى ، وهجرتهم فراراً من الإرهاب ، وكيف أن الله عز وجل فتح عليهم بالهجرة ، الجواب نعم وهل كانوا يعلمون بقصة النبي يوسف عليه السلام .
المختار نعم ، فلم تكن التوراة وقصصها بعيدة عن قريش ، وكان بعض اليهود والنصارى يغدون إلى مكة للتجارة ، كما كان رجال قريش يسافرون إلى الشام ويقيمون فيها الأيام والأسابيع لتصريف بضاعتهم والتسوق ، والإلتقاء بالتجار وغيرهم من الأصدقاء والأصحاب ، وعند التجار خبرة في حسن الصلات والتودد إلى الناس مع حاجتهم لتتبع الأخبار وأحياناً التأثير فيها ، كما أن طائفة من الناس تميل إليهم .
فلم تتعظ قريش من هجرة الأنبياء وكيف أنها سبيل لنشر الدعوة نعم لم يطرأ على أوهام قريش أن هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تأسيس لدولة قائمة على التوحيد ، ويكون فيها الحكم والفصل لآيات التنزيل
ومن الإعجاز في المقام أن أكثر من خمسمائة آية من القرآن وردت بخصوص الأحكام .
وفيه تحذير وإنذار لقريش من إصرارهم على إيذاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .

مشاركة

Facebook
Twitter
Pinterest
LinkedIn

مواضيع ﺫات صلة