معالم الإيمان في تفسير القرآن – الجزء- 239

المقدمــــــة
الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً مستديماً ومتجدداً في كل آن من آنات الليل والنهار.
الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه وسعة عرشه ، وعلو كرسيه الذي وسع السموات والأرض.
الحمد لله الذي جعل الكلمات تتزاحم عند الإقبال على الشكر له والثناء عليه ، مدداً منه تعالى للعباد ، ولطفاً ليفوزوا بالأجر والثواب ، ولتتفاخر الملائكة بالعبد الصابر الذاكر لله عز جل ، الشاكر لنعمه وآلائه ، قال تعالى [مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ]( ).
الحمد لله الذي يرزق من غير أسباب ، ولا حاجة ولا إستحقاق لا إله إلا هو سبحانه إليه المصير.
الحمد لله حمداً متصلاً لا ينقطع في ساعة الغفلة وعند الرقود وساعة النوم فليس من لذة أعظم من مناجاة الله بالحمد والشكر له سبحانه .
الحمد لله في السراء والضراء واليسر والعسر ، الحمد لله الودود الذي يصرف بلطفه الداء ، ويمحو البلاء الخاص والعام من قبل أن يصل إلينا مع اجتماع مقدماته وأسبابه .
الحمد لله الرحيم الذي [وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً]( )، لينتفع الإنسان من الرحمة الخاصة به ، والرحمة التي تأتي لغيره من ذوي القربى أو الجار أو الصديق أو البعيد ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا]( ).
وفي معاني الحروف هناك نحو اثنين وعشرين معنى لحرف (اللام) ويمكن استقراء كل معنى بمثل من فضل وعظيم احسان الله عز وجل وهو من عمومات قوله تعالى [وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ]( )، منها :
الأول : الإستحقاق : مثل (الحمد لله)( ).
الثاني : الإختصاص: والله وحده الذي يستحق مراتب الحمد المتكثرة.
الثالث : التمليك : كما في قوله تعالى وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
الرابع : شبه التمليك : والله عز وجل هو الوهاب للأعيان والعروض والأمور الإعتبارية والشأن والجاه ، ومنه [وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ]( ).
الخامس : التعليل : كما في قوله تعالى [تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا]( )، ومنه [اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ]( )، والظاهر أن هذه اللام هي الأكثر بين اللامات التي في القرآن.
السادس : لام العاقبة والصيرورة : كما في قوله تعالى [وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ]( ).
اللهم اجعلنا ممن رفعت في الهدى والشرف والجاه والشأن والغنى والفضل والمنعة والعلوم ، وسعة المعارف والرزق المبسوط وحسن المنظر والعافية المستديمة وتوالي النعم واليد العليا وجعلها في سبيلك ولا تبتلينا بتسخير غيرنا لنا ، ولا تنقص من الرفعة في الآخرة التي هي الحيوان ودار الخلود ، وفي التنزيل [وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً]( ).
السابع : توكيد النفي : منها قوله تعالى [وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ]( ).
الثامن : موافقة على : كما في قوله تعالى [وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ]( )، وقيل اللام للإختصاص ، وقال ابن عباس (الأذقان هنا الوجوه)( ).
التاسع : لام التأريخ : وهي بمعنى عند ، قال تعالى [وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ]( ). ومنه مثلاً حُرر لسبع خلون.
وهناك اللام بمعنى بعد كما في قوله تعالى [أَقِمْ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ]( )، وتأتي بدل (من) والقسم ، والتعجب.
الحمد لله الأول قبل الإنشاء والآخر بعد فناء الأشياء الذي لا تستعصي عليه مسألة في الأرض والسماء ، وهو من مصاديق ملكه المطلق وقدرته على كل شئ ، فلا غرابة أن يجتمع قانونا الإرادة التكوينية هذان بالإطلاق في الملكية والقدرة بقوله تعالى وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
وهل القرآن من ملك الله أم أنه كلامه ونقف عنده ، الجواب لا تعارض بين الأمرين ، قال تعالى [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون]( ).
الحمد لله الذي جعل القرآن [تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( ) ليكون الجمع بين التبيان والهدى في المقام أن التبيان نافع للناس جميعاً وفي أمور الدين والدنيا .
ويحتمل بلحاظ آيات القرآن وجوهاً :
الأول : كل آية تبيان .
الثاني : كل آية هدى .
الثالث : كل آية تبيان وهدى .
الرابع : بعض آيات القرآن تبيان وهدى ، وبعضها تبيان وحده ، وبعضها هدى وحده .
الخامس : مدار التبيان والهدى على السور وعلى الآيات .
السادس : مجموع القرآن تبيان وهدىً .
السابع : الجمع بين آيتين من القرآن تبيان وهدى .
وباستثناء الوجه الرابع أعلاه فان الوجوه الأخرى من إعجاز القرآن وصيغة التعدد في المعنى والدلالة بينهما .
الحمد لله الذي جعل كنوز القرآن من اللامتناهي في شهادة سماوية على إعجازه المتجدد إلى يوم القيامة ،ودعوة للعلماء في كل زمان للنهل من القرآن ، والإغتراف من ذخائر العلم التي تتلألأ بين ثنايا آياته ، وهو من مصاديق [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ) بلحاظ الإطلاق في مصاديق هذه الرحمة من جهات :
الأولى : رحمة الله للأفراد والجماعات والقبائل والشعوب .
الثانية : المكان وإرادة عموم مشارق ومغارب الأرض .
الثالثة : أفراد الزمان الطولية من حين بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإلى يوم القيامة .
وهل تنبسط هذه الرحمة العامة مع العالمين مما قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، الجواب نعم من جهات :
الأولى : البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من حين هبوط آدم إلى الأرض فهو أول إنسان سكن الأرض هو وحواء ، وأول نبي رسول ، وأول من بشر برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لتكون هذه البشارة من مصاديق قوله تعالى [وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ]( ).
الثانية : جهاد الأنبياء لتثبيت كلمة التوحيد في الأرض رحمة .
الثالثة : بشارة الأنبياء السابقين بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رحمة وضياء وأمل وإنارة لمسالك الهدى ، وفي عيسى عليه السلام ورد في التنزيل [وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ]( ).
الحمد لله الذي جعل القرآن دستوراً ومنهاجاً لسيادة الأمن والعيش الكريم ، وتثبيتاً للسلم المجتمعي لتكون الحياة الدنيا خالية من الظلم والقهر ، وهو من أسرار سلامة القرآن من التحريف .
الحمد لله الذي جعل آيات القرآن وثائق وقوانين سماوية مصاحبة للمسلمين وتعرض صحبتها على كل إنسان وإن لم يكن مسلماً ، وهو من رحمة الله بالناس ، ومن مصاديق ابتداء كل سورة من القرآن بالبسملة ، إذ ينبسط قول [بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] على كل آية في منطوقها ومفهومها ودلالاتها ، والعلوم التي تترشح عنها ، لتبعث الناس مجتمعين ومتفرقين على الإرتقاء في سلم المعارف الإنسانية ، وتهذيب القول وإصلاح العمل .
وهو من وجوه تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإنجذاب الناس إلى رسالته ، وإمتلاء النفوس بالشوق للإستجابة لما جاء به من عند الله ، وهو من مصاديق المدد واللطف المصاحب لقوله تعالى [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا]( ) ، وهل الأمر في الآية أعلاه مجرداً ، ويترك للمسلمين والناس الإمتثال له أم أن الله عز وجل يمدهم بالعون للإمتثال له ، الجواب هو الثاني .
وليس من حصر لوجوه هذا المدد وشعبه ، وما يتفرع عنه ، وهو من جهات :
الأولى : الإعجاز الذاتي لآيات القرآن .
الثانية : التناسب بين حكم الشريعة وإدراك العقل .
الثالثة : إزاحة الموانع دون ميل الناس للإيمان ، قال تعالى [وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ] ( ).
الرابعة : اللطف الإلهي بتقريب الناس لأداء الفرائض العبادية وتعاهد سنن التقوى ، والإمتناع عن مفاهيم الضلالة .
الخامسة : حجب الله عز وجل إغواء الشيطان عن الناس ، فلا يعلم كثرة مناسبة طرد الشيطان عن الناس برهم وفاجرهم إلا الله عز وجل ، فان قلت هل يطرد الله الشيطان عن أوليائه أحياناً ، الجواب نعم في أكثر الأحوال ، وليس أحياناً فقط ، وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا] ( ).
السادسة : إنجذاب الناس لمعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وإدراكهم للنفع العام والخاص بالإنصات له .
ومن إعجاز نظم القرآن عدم ورود لفظ [كَيْدَ الشَّيْطَانِ] في القرآن إلا في الآية أعلاه ، ليكون هذا الضعف متجدداً في كل واقعة ، ومن خصائصه أنه عرض يزول بسرعة ، كما عند الإستعاذة بالله منه ، وعند النطق بالبسملة أيضاً ، وتلاوة آيات القرآن ، وذكر الله مطلقاً ، ليكون من معاني قوله تعالى [اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا]( ) الإحتراز من الشيطان ووسوسته .
لقد جعل الله عز وجل القرآن عقلاً خارجياً مصاحباً للفرد والجماعة والأمة ، ويحول دون الزلل والوهن ، وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ]( ).
لقد أظهر تلسكوب عملاق للفضاء هذه الأيام صوراً لسديم كوكبي يبعد 2500 سنة ضوئية مع بهاء وجمال الكون ، في دلالة على بديع صنع الله ، وعظيم قدرته ، ودعوة للناس للخشوع له سبحانه ، ونبذ الحروب والإقتتال .
لقد وردت آيات وأحاديث نبوية عديدة في فضل العلم ورفعة العلماء ، منها :
الأولى : قوله تعالى [وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ]( ).
الثانية : قوله تعالى [بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الظَّالِمُونَ]( ).
الثالثة : قوله تعالى [وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ]( ).
الرابعة : قوله تعالى [إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ]( ).
الخامسة : قوله تعالى [يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ]( ).
السادسة : قوله تعالى [اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ *خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ]( ).
أما الأحاديث النبوية بخصوص العلم وطلبه فهي كثيرة منها ما ورد عن جابر بن عبد الله (قال : قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم :ساعة من عالم متّكئ على فراشهِ ينظر في علمهِ خير من عبادة العابد سبعين عاماً.
وعن ( المسيب بن شريك عن حميد الطويل عن أنس بن مالك.
قال : قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم : تعلَّموا العلم؛ فإنَّ تعلَّمهُ للَّهِ حسنة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنهُ جهاد .
وتعليمهُ من لا يعلمهُ صدقة، وتذكره لأهله قربة؛ لأنه معالم الحلال والحرام، ومنار سبل الجنة والنار، والأنيس في الوحشة والصاحب في الغربة.
والميراث في الخلوة، والدليل على السرَّاء والضرَّاء، والسلاح على الأعداء، والقرب عند الغرباء .
يرفع اللَّه به أقواماً ويجعلهم في الخير قادةً يُقتدى بهم، ويُبيّن اثارهم، ويرموا أعمالهم، ويُنهى الى رأيهم .
وترغب الملائكة في خلتهم، وبأجنحتها تمسحهم، وفي صلواتهم تستغفر لهم، وكل رطب ويابس يستغفر لهم حتى حيتان البحر وسباع الأرض وأنعامها والسماء ونجومها.
ألا فإن العلم خير أنقاب عن الصمى، ونور الأبصار من الظلم، وقوة الأبدان من الضعف، يبلغ بالعبد منازل الأحرار .
ومجالس الملوك، والفكرُ فيه يُعدل بالصيام ومدارسته بالقيام، به يُعرف الحلال والحرام، وبه توصَّل الأرحام، إمام العمل والعقل تابعهُ، يُلهم السعد أو يُحرم إذا شقى)( ).
وهل علم التفسير وقراءته وتتبع تفسير العلماء لآيات القرآن واستنباط المسائل والقوانين منها من طلب العلم ، الجواب نعم ، وهو من أشرف العلوم ، ومن رشحات ومصاديق قوله تعالى [هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ]( ) .
وفيه الخير والبركة والأمن والسلامة والدلالة على مضامين القوانين التي صدرت أجزاء من هذا السِفر بكل واحد منها :
الأول : قانون (لم يغز النبي (ص) أحدا) وقد صدرت بخصوصه الأجزاء (164-165-166-168-169-170-171-172-174-176-177-178-180-181-182-183-187-193-196—204-212-216-221-229) ومنها هذا الجزء وهو الثامن والثلاثون بعد المائتين والحمد لله .
الثاني : قانون (التضاد بين القرآن والإرهاب) وصدرت بخصوصه الأجزاء (184-185-188-195-198-199-203-210-211-219-235-236-238).
الثالث : قانون (النزاع المسلح بين القرآن والإرهاب) وصدرت بخصوصه الأجزاء (222-223-224-227-230).
الرابع : قانون (آيات السلم محكمة غير منسوخة) وصدرت بخصوصه الأجزاء (205-206-207-214-215-233).
الخامس : قانون (آيات الدفاع سلام دائم) وصدرت بخصوصه الأجزاء (142-205-217-218-231-232).
ومن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن المشركين لم يلقوا في غزواتهم المتكررة على المدينة إلا الخيبة ، والخسران ، والخزي .
وقد كانت بعض القبائل تمتنع عن دخول الإسلام لأن عشيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم يصدقوه مثل أبي لهب عمه الذي كان يتبعه في أسواق مكة ومنازل القبائل في منى أيام موسم الحج ، يرميه بالحجارة من خلفه ويقول ( يا أيها الناس أنه كذاب فلا تصدقوه ) ( ).
وعن (رَبِيعَةَ بْنَ عَبَّادٍ الدِّيلِيَّ قَالَ : إِنِّي لَمَعَ أَبِي رَجُلٌ شَابٌّ أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ يَتْبَعُ الْقَبَائِلَ وَوَرَاءَهُ رَجُلٌ أَحْوَلُ وَضِيءٌ ذُو جُمَّةٍ يَقِفُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ عَلَى الْقَبِيلَةِ .
وَيَقُولُ يَا بَنِي فُلَانٍ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ آمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَأَنْ تُصَدِّقُونِي حَتَّى أُنْفِذَ عَنْ اللَّهِ مَا بَعَثَنِي بِهِ .
فَإِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ مِنْ مَقَالَتِهِ قَالَ الْآخَرُ مِنْ خَلْفِهِ يَا بَنِي فُلَانٍ إِنَّ هَذَا يُرِيدُ مِنْكُمْ أَنْ تَسْلُخُوا اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَحُلَفَاءَكُمْ مِنْ الْحَيِّ بَنِي مَالِكِ بْنِ أُقَيْشٍ إِلَى مَا جَاءَ بِهِ مِنْ الْبِدْعَةِ وَالضَّلَالَةِ .
فَلَا تَسْمَعُوا لَهُ وَلَا تَتَّبِعُوهُ .
فَقُلْتُ لِأَبِي مَنْ هَذَا قَالَ عَمُّهُ أَبُو لَهَبٍ) ( ) .
ليهلك أبو لهب بعد معركة بدر بعد أن امتلأ غيظاً وحنقاً لهزيمة قريش .
وجاءت معركة بدر باصرار من المشركين على القتال ، ليقع في الأسر بيد المسلمين كل من :
الأول : العباس بن عبد المطلب عم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : عقيل بن أبي طالب .
الثالث : نوفل بن الحارث بن عبد المطلب .
ومعهم حليف للعباس اسمه عتبة بن عمرو ليدفع العباس الفدية عنهم جميعاً ، لبيان معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهي صدود ذوي القربى هؤلاء لم يمنع المهاجرين والأنصار من دخول الإسلام ، ويدرك عامة الناس الخزي الذي لحق المشركين بجحودهم بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ثم ما لبثوا أن دخلوا الإسلام قبل فتح مكة يوم الفتح باستثناء من هلك مثل أبي لهب الذي مات كافراً ، ودخل أولاده ذكوراً وإناثاً الإسلام , قال تعالى [وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ].
حرر في الخامس من محرم الحرام 1444
3/8/2022

قانون الملازمة بين النبوة والأذى
لقد لاقى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه أشد الأذى من كفار قريش ، ولم يصدر منهم إلا الصبر واحتساب ورجاء الأجر عند الله ، لبيان التضاد بين الإيمان والكفر ليس في الإعتقاد وحده ، بل في القول والفعل والمنهاج الذي صدوره عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحياً وفرع التنزيل .
فقد يعتري النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ما يعترى الناس من الغضب والرغبة بالرد والثأر والتأديب للعدو المعتدي ، ولكن الوحي يقبض يده ولسانه ، وهو من مصاديق قوله تعالى [قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا]( ).
لقد كان تنامي الإسلام ظاهراً مع تقادم الأيام والأسابيع ، مع مدد من السماء يتجلى من جهات :
الأولى : توالي نزول آيات القرآن ، وأدرك المشركون جهلهم بما سينزل غداً أو بعد غد.
الثانية : تلقي المسلمين والمسلمات آيات القرآن بالتصديق والتسليم بأنها كلام الله الذي أنزله من السماء على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالثة : عمل المسلمين والمسلمات بأحكام آيات القرآن حال نزولها ، ويترشح عنه اتصال بعضهم ببعض باستمرار للتبليغ بنزول الآيات والأحكام ، وهو من الإعجاز في كيفية نزول آيات وسور القرآن على نحو النجوم والتوالي على مدى ثلاث وعشرين سنة من حين بعث النبي محمد ونزول الوحي عليه إلى حلول أجله ومغادرته الدنيا.
وهل من موضوعية لهذه الكيفية من التنزيل في نزول قوله تعالى [إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا]( )، وقول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حينما نزلت هذه السورة ، الجواب نعم .
و(عن ابن عباس قال : لما نزلت [إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ]( )، قال : رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نعيت إلى نفسي وقرب أجلي)( ).
و(عن عبد الله بن عمر قال: نزلت هذه السورة[إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ]( )، على رسول الله صلى الله عليه واله في أوسط أيام التشريق ، فعرف أنه الوداع، فركب راحلته العضباء فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أيها الناس كل دم كان في الجاهلية فهو هدر وأول دم هدر دم الحارث بن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعا في هذيل فقتله بنو الليث – أو قال: كان مسترضعا في بني ليث فقتله هذيل .
وكل ربا كان في الجاهلية فموضوع، وأول ربا وضع ربا العباس بن عبد المطلب)( ).
ثم ذكر الخطبة كاملة.
الرابعة : توالي جريان المعجزات الحسية على يد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهل صبره على الأذى الشديد من قريش معجزة ، الجواب نعم.
وتاتي بعثة النبي والرسول من عند الله عندما يبتعد الناس عن الذكر ووظائف العبودية لله ، وبخلاف قوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ]( ) .
مراتب تلقي الناس للنبوة
يكون الناس في تلقي النبوة على أقسام :
الأول : الذين يصدقون ببعثة النبي ، وهم في إزدياد مطرد ولكن بمشقة.
الثاني : الذين يكذبون بالنبي ودعوته ، وهؤلاء على مراتب منهم من يكتفي بالتكذيب ومنهم من يؤذي النبي ، ومنه من يسعى في قتله.
الثالث : الذين يتخذون التوقف وعدم التصديق أو التكذيب بالنبوة.
ومن معجزات النبوة العامة التي تتغشى أيام كل نبي عدم ثبوت الكم والكيف في الأقسام أعلاه ، بل هي دائماً تكون بزيادة القسم الأول ومضاعفته مع تقادم الأيام.
وقد تجلى هذا القانون بوضوح في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فصار أهل مكة يدخلون في الإسلام تباعاً إلى جانب نقل الدعوة الإسلامية وآيات القرآن إلى القرى والمدن بواسطة الوافدين إلى الحج والعمرة ، وهو من مصاديق قوله تعالى [فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ]( ).
الأمر الذي أغاظ قريشاً وجعلهم يسعون في التخلص من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقطع الدعوة إلى التوحيد وذم عبادة الأصنام الذي صار سبباً لحنق قريش وسعيهم في وقف نزول القرآن ، وإلحاحهم على أبي طالب عم النبي محمد ليمنعه من شتم آبائهم ، وهو لم يشتمهم إنما ذم عبادة الأوثان التي فارقوا الدنيا عليها.
ومن معاني قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ] ( )، الإعجاز في إزدياد دخول الناس للإسلام على نحو مطرد إلى يوم القيامة ، وإنتفاع الناس جميعاً من نبوته ومنها :
الأول : استئصال عبادة الأوثان من الأرض .
الثاني: منع الطواغيت وإلى يوم القيامة من إدعاء الربوبية ، كما ورد عن فرعون [أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى] ( ).
الثالث : نشر ألوية السلم ، ومنع الغزو في الأرض ، ومنه الشواهد الواردة في هذا الجزء.
الرابع : سيادة لغة الإحتجاج والجدال في الأرض ، قال تعالى [وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] ( ).
إيذاء الكفار للنبي
ويحتمل الأذى الذي يلاقيه الأنبياء من المشركين وجوهاً :
الأول : إنه من الكلي المتواطئ الذي يكون على مرتبة واحدة ، فما لاقاه إدريس وصالح وموسى عليهم السلام مثلاً على مرتبة واحدة.
الثاني : أذى المشركين للأنبياء من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة.
الثالث : الجامع بين الوجهين أعلاه ، فمنهم من تساوى الأذى الذي لاقوه ، ومنهم من تباين بينهم.
والصحيح هو الثاني أعلاه ، وكان الأذى الذي لاقاه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من المشركين اشده ، وجعل المشركون إبراهيم عليه السلام في النار لإرادة حرقه وقتله فانجاه الله .
فانهم أعادوا له أمواله وأنعامه ، وصار يهاجر في الأمصار يدعو إلى الله ، أما النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فان أذى الكفار استمر وتوالى عليه من جهات :
الأولى : الأذى الشخصي ، والإساءة المتكررة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم منها مثلاً كان عتيبة بن أبي لهب قد تزوج أم كلثوم (ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: كفرت بدينك وفارقت ابنتك، لا تحبني ولا أحبك، ثم سطا عليه وشق قميصه وتفل، فرجع التفل في وجه التافل فاحترق مكانه في وجهه، وكان خارجاً إلى الشام تاجراً فقال عليه الصلاة والسلام: اللهم سلط عليه كلباً من كلابك. فأكله السبع)( ).
وكذا في قصة وأذى عقبة بن أبي معيط للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
و(عن منيب بن مدرك بن منيب الغامدي عن أبيه عن جده قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول للناس( ): يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا ” فمنهم من سبه ومنهم من تفل في وجهه ومنهم من حثا عليه التراب حتى انتصف النهار فأقبلت جارية بعس من ماء فغسل وجهه ويديه)( ).
ولم يكف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن الدعوة إلى الله ، وإعلان رسالته وتلاوته القرآن.
لقد كان الوحي حاضراً مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وآيات القرآن تترى عليه وينادي بكلمة التوحيد وهي الواسطة بين التنزيل والناس ، ومع هذا تسميه قريش وحلفاؤها الصابئ أي الخارج على دين قومه.
(وروى الطبراني برجال ثقات من مدرك بن منيب قال: حججت مع أبي فلما نزلنا منى إذا نحن بجماعة فقلت لأبي: ما هذه الجماعة ؟ قال: هذا الصابئ.
وإذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا)( ).
وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يختار الليل جملاً في تبليغ القبائل والوافدين إلى مكة إجتناباً لأذى أبي لهب وأبي جهل وغيرهما ممن كانوا يتناوبون على إيذائه ، وصد الناس عنه ، كما كان يذهب إلى القبائل في منازلهم في أسواق مكة وفي منى.
وكان يصحب معه أحياناً الإمام علي عليه السلام وبعض الصحابة ، وللتأكيد بأنه ليس وحيداً وأن هناك من يصدقه ويتبعه من أهل بيته وعشيرته ولبيان أنه لايريد القتال ، ولا غزو أحد .
وقد سأل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم القبائل إيواءه ونصرته ، ومنهم بنو عامر وهي من القبائل التي لم يمسها سباء وجماجم العرب أي القبائل في الجزيرة العربية التي تتصف بالكثرة والمنعة والغلبة والشرف ، والتي صارت أصلاً للفروع القبلية الكثيرة ، اختصت بأسمائها .
والجمجمة : جمجمة الرأس وهي مستقر الدماغ ، وجماجم العرب القبائل الأم التي تجمع البطون .
قال ابن منظور (وجَماجم العرب رؤساؤهم وكلُّ بَني أَبٍ لهم عِزٌّ وشَرَف فهم جُمْجُمة والجُمْجُمة أَربعُ قَبائل بين كل قبيلتين شأْنٌ)( ).
الثانية : الأذى المتوجه لأبي طالب : وتهديد قريش له مع عظيم منزلته بينهم ، وإرادة حمله على تسليم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لهم ليقتلوه.
الثالثة : أذى الكفار لبني هاشم : وضرب الحصار عليهم ، حصاراً إقتصادياً واجتماعياً ونفسياً ومكانياً ، استمر لمدة ثلاث سنوات فلا يبايعونهم ولا يتزوجون منهم ولا يخالطونهم ، مع متابعة رؤساء قريش لتفاصيل الحصار على نحو يومي.
الرابعة : شدة الأذى الذي لاقاه الصحابة الأوائل من كفار قريش ، ومن الصحابة من تعرض إلى التعذيب الجسدي مثل آل ياسر ، وبلال الحبشي ، إلى جانب كثرة ضرب الصحابة والإعتداء عليهم.
الخامسة : تجهيز مشركي قريش الجيوش الكبيرة لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإرادة قتله والمهاجرين والأنصار ، مع أنه لم يسع في غزوهم .
الإفتراء في سبب معركة بدر فتنة
أصل معركة بدر فتنة وإدعاء من رجل مجهول أخبر بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج من المدينة لاعتراض القافلة على فرض صحة هذا الإدعاء صدّق به رجال القافلة واتخذوا كلامه ذريعة لنشوب المعركة .
إذ ورد عن مخرمة بن نوفل وهو من رجالات قافلة أبي سفيان وعددهم ثلاثون قال (لما لحقنا بالشام أدركنا رجلٌ من جذام، فأخبرنا أن محمداً كان عرض لعيرنا في بدأتنا، وأنه تركه مقيماً ينتظر رجعتنا، قد حالف علينا أهل الطريق ووادعهم. قال مخرمة: فخرجنا خائفين نخاف الرصد، فبعثنا ضمضم بن عمرو حين فصلنا من الشام.
وكان عمرو بن العاص يحدث يقول: لما كنا بالزرقاء – والزرقاء( ) بالشام بناحية معان من أذرعات على مرحلتين – ونحن منحدرون إلى مكة، لقينا رجلاً من جذام، فقال: قد كان عرض محمد لكن في بدأتكم في أصحابه.
فقلنا: ما شعرنا! قال: بلى، فأقام شهراً ثم رجع إلى يثرب، وأنتم يوم عرض محمد لكم مخفون، فهو الآن أحرى أن يعرض لكم، إنما يعد لكم الأيام عدّاً، فاحذروا على عيركم وارتأوا آراءكم، فوالله ما أرى من عدد، ولا كراع، ولا حلقة. فأجمعوا أمرهم، فبعثوا ضمضماً) ( ).
ويتصف رجالات قريش بالدهاء والحنكة , وقد خبروا الطريق وجرت عليهم الكثير من الأخبار والوقائع , وتعرضت قوافلهم للتهديد الحقيقي ولكنهم صبروا وعالجوا الأمور بفطنة واجتنبوا منازل الصدام , فكيف يصدقون بخبر رجل مجهول بموضوع لا أصل له .
وجاء الإسلام ونزل القرآن بالتحذير من التصديق بخبر الفاسق الذي يجلب الشر والأذى , قال تعالى يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ.
وبارشاد وصلاح الناس ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما فيها من أسباب الهداية والصلاح ومنع الفتنة , قال تعالى [وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ] ( ).
وهل يمكن أن تكون قصة (رجل من جُذام( ))جعلية لا أصل لها , فلم يأت رجل للقافلة يحذرهم من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واعتراضه للقافلة إنما أراد منها رجال القافلة ذريعة للقتال ، الجواب نعم, وإلا كيف علم هذا الرجل من جذام بتفاصيل خروج وعودة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة وغاياته وتعاهده من الخروج .
لقد استأجروا ضمضم بن عمرو بعشرين مثقالاَ , (وأمره أبو سفيان أن يخبر قريشاً أن محمداً قد عرض لعيرهم، وأمره أن يجدع بعيره إذا دخل، ويحول رحله، ويشق قميصه من قبله ودبره ويصيح: الغوث! الغوث! ويقال إنما بعثوه من تبوك.
وكان في العير ثلاثون رجلاً من قريش، فيهم عمرو بن العاص، ومخرمة بن نوفل) ( ).
ولا أصل في الواقع لقول أبي سفيان أعلاه ان محمداَ قد تعرض لعيرهم , واطلاقه هذا التعرض وكأنه من المسلمات .
وتدل الوقائع على أن النبي محمداَ صلى الله عليه وآله وسلم لم يعترض قافلة أبي سفيان , ولم يقصد الطريق الذي تتخذه , وإنما كان يخرج في كل مرة لوجوه :
الأول : كتائب استطلاع.
الثاني : عرض للإسلام .
الثالث : دعوة للناس لدخوله .
الرابع : النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه أصبحوا أمة تتصف بالتقوى تقيم الصلاة في أفواه القرى مع التكبير والتهليل.
فأدرك رؤساء الشرك من قريش ميل الناس للإسلام , ودخولهم تباعاَ في الإنقياد لأوامر الله عز وجل واتباع الرسول فيما جاء به فعجلوا بالمعركة باستحداث سبب واحد لا أصل له , وهو تعرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم لقافلة قريش التي حرصوا من حين الخروج من مكة على اشتراك أهل مكة كلهم بأموال وبضائع فيها .
حديث بشارة اليهودي
عن عائشة قالت (كان يهودي قد سكن مكة يتجر بها، فلما كانت تلك الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مجلس من قريش: يا معشر قريش، هل ولد فيكم الليلة مولود.
فقال القوم : والله ما نعلمه.
قال: احفظوا ما أقول لكم: ولد هذه الليلة نبي هذه الأمة الأخيرة، بين كتفيه علامة فيها شعرات متواترات كأنهن عرف فرس، لا يرضع ليلتين.
فتصدع القوم من مجلسهم وهم يتعجبون من قوله: فلما صاروا إلى منازلهم أخبر كل إنسان منهم أهله فقالوا: لقد ولد الليلة لعبد الله بن عبد المطلب غلام سموه محمدا.
فالتقى القوم حتى جاؤوا اليهودي فأخبروه الخبر.
قال: اذهبوا معي حتى أنظر إليه فخرجوا حتى أدخلوه على آمنة فقالوا: أخرجي إلينا ابنك.
فأخرجته وكشفوا له عن ظهره فرأى تلك الشامة، فوقع مغشيا عليه فلما أفاق قالوا: ويلك مالك ؟ قال: والله ذهبت النبوة من بني إسرائيل، أفرحتم به يا معشر قريش والله ليسطون بكم سطوة يخرج خبرها من المشرق إلى المغرب)( ).
ومن مصاديق خاتمة الحديث أعلاه خبرها من المشرق إلى المغرب تلاوة المسلمين والمسلمات في مشارق ومغارب الأرض كل يوم قوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]( )، وشواهد الآيات التي تدل على قانون (لم يغز النبي (ص) أحدا).
والمختار أن الضمير (كم) في نصركم يعود إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وإلى أجيال المسلمين إلى يوم القيامة ، وفيه خزي يومي متجدد لكفار قريش .
لتكون في الحديث أعلاه دعوة إلى آمنة أم النبي وإلى عبد المطلب ، وأبي طالب وعامة بني هاشم لحفظ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والذب عنه من حين الولادة ومدة حياته.
ومن الشواهد صبرهم على حصار ثلاث سنين في شعب أبي طالب ، وحراستهم في الليل خشية إجهاز المشركين على النبي محمد وعندما رفع الحصار وصار النبي محمد يبيت في فراشه وأرادوا قتله ليلاً عند السحر نزل جبرئيل وأمره بالهجرة.
وقد ذب عنه أبو طالب ، ثم تولى الإمام علي عليه السلام وحمزة الدفاع عنه عندما زادت قريش قتله في بدر وأحد والخندق وحنين ، واستشهد حمزة في معركة أحد في شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة.
لبيان قانون وهو إذا عجز أو تخلف البشر عن نصرة النبوة جاء النصر والمدد من عند الله عز وجل ، ونزلت آيات متعددة في هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مما يدل على موضوعيتها.
الدعوة النبوية العلنية
لقد كانت دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في السنين الثلاثة الأولى من بعثته شبه سرية ، وفي السنة الرابعة جاهر بها ، وصار يخرج في موسم الحج إلى الناس في أسواق عُكاظ ومجنة وذي المجاز يدوعهم إلى الإسلام ويعرض عليهم نصرته وما فيها من الرفعة والعز في الدنيا والآخرة لتساعده هذه الدعوة في معرفة قبائل العرب ، ووزن وثقل كل قبيلة ، ومدى قربها إلى الإيمان إذ كان (َيَسْأَلُ عَنْ الْقَبَائِلِ وَمَنَازِلِهَا قَبِيلَةً قَبِيلَةً وَيَقُولُ يَا أَيّهَا النّاسُ قُولُوا : لَا إلَهَ إلَا اللّهُ تُفْلِحُوا وَتَمْلِكُوا بِهَا الْعَرَبَ وَتَذِلّ لَكُمْ بِهَا الْعَجَمُ فَإِذَا آمَنْتُمْ كُنْتُمْ مُلُوكًا فِي الْجَنّةِ وَأَبُو لَهَب ٍ وَرَاءَهُ يَقُولُ لَا تُطِيعُوهُ فَإِنّهُ صَابِئٌ كَذّابٌ)( ).
ولينتفع النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة من معرفة أسماء وحال القبائل بعد الهجرة ، وقيامه بارسال الوفود والرسل يدعوهم إلى الإسلام ، ثم توافدهم على المدينة لدخول الإسلام حتى سمي العام التاسع للهجرة عام الوفود.
وهل كان أبو لهب يهدم ما يبنيه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في دعوته تلك ، الجواب لا ، فمن الإعجاز في الحياة الدنيا وجود مستجيب لكل دعوة إلى الهدى والإيمان ليكون من معاني قوله تعالى [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ]( ) ( )، على وجوه :
الأول : [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ] لتستجيب لهم أمة أخرى.
الثاني : [وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ] فتتلقى أمة هذا الأمر بالقبول والعمل .
الثالث : [وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ] فينزجر أفراد وأمة عن المنكر.
الرابع : [وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ] لبيان تحقق الفلاح والنجاح لكل من :
الأول : المؤمنون الذين يدعون إلى الخير والصلاح والإحسان.
الثاني : الذين يأمرون بالمعروف وأحكام الشريعة .
الثالث : الذين ينهون عن المنكر .
وهل يشمل الفلاح الذين يستجيبون للدعوة إلى الخير والأمر والنهي في الآية ، الجواب نعم .
وهل هذا الشمول بالإلحاق والتبعية للداعين إلى الخير ، أم على نحو مستقل .
الجواب هو الثاني ، لتنجز الثواب على أداء التكليف.
{ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ }( ) فقال : وعن جابر قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوماً فقال إني رأيت في المنام كان جبريل عند رأسي وميكائيل عند رجلي يقول أحدهما لصاحبه : ضرب له مثلاً فقال : اسمع سمعت أذناك ، واعقل عقل قلبك ، إنما مثلك ومثل أمتك كمثل ملك اتخذ داراً ، ثم بنى فيها بيتاً ، ثم جعل فيها مأدبة ، ثم بعث رسولاً يدعو الناس إلى طعامه ، فمنهم من أجاب الرسول ومنهم فيها مأدبة ، فالله هو الملك ، والدار الإِسلام ، والبيت الجنة وأنت يا محمد رسول ، فمن أجابك دخل الإِسلام ، ومن دخل الإِسلام دخل الجنة ، ومن دخل الجنة أكل منها)( ).
لقد كان النبي محمد وحده أمة في الدعوة إلى الإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في موسم الحج وطيلة أيام السنة مع شدة محاربة قريش له وإرادتهم قتله ، قال تعالى [وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ]( ).
ومن القبائل التي عرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم نفسه عليهم في مواسم الحج قبل الهجرة :
الأولى : بَنُو عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَة .
الثانية : َمُحَارِبُ بْنُ حصفة .
الثالثة : َفَزَارَةُ.
الرابعة : َغَسّانُ .
الخامسة : َمُرّةُ .
السادسة : بنو حَنِيفَةُ .
السابعة : َسُلَيْمٌ .
الثامنة : َعَبْسُ .
التاسعة : َبَنُو النّضْرِ .
العاشرة : َبَنُو الْبَكّاءِ .
الحادية عشرة : َكِنْدَةُ .
الثانية عشرة : َكَلْبٌ.
الثالثة عشرة : َالْحَارِثُ بْنُ كَعْبٍ .
الرابعة عشرة : َعُذْرَةُ .
الخامسة : َالْحَضَارِمَةُ)( ).
وقال ابن القيم الجوزية ( فلم يستجب منهم أحد)( ).
والمختار حدوث استجابة لكل دعوة من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذه الإستجابة من جهات :
الأولى : الإستجابة على نحو القضية الشخصية بدخول بعض أفراد القبائل الإسلام من غير إعلان ، أو مع الإعلان إذ كانوا كالمستضعفين.
الثانية : إنصات الناس لآيات القرآن ، وصيرورتها مادة الحديث في الموسم ، قال تعالى [وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ]( ).
الثالثة : نقل وفد الحاج أخبار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وآيات وسور القرآن إلى أهليهم ، وإيمان عدد من الرجال والنساء ممن لم يأتوا إلى الحج .
الرابعة : زيادة عدد الأشخاص والوفود الذين يأتون مكة للإنصات لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورؤية معجزاته ، ومنهم من يأتي مسلماً ومنهم من يدخل الإسلام حين لقائه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، لذا كانت قريش تحرص على منع الناس من اللقاء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتقوم بتحذيرهم وتخويفهم أيضاً .
الخامسة : صارت دعوة النبي محمد للناس للإيمان في موسم الحج سبباً بتغير الحال عند أهل مكة والوافدين ببعث الكراهية والإزدراء من الأصنام ، وقلة احترام رؤساء قريش ، وظهور علامات تخلي الناس عن نصرتهم والإنصات لهم .
السادسة : التوطئة لوفود الناس وهجرتهم مسلمين إلى المدينة بعد هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لها ، وفيه معجزة للنبي محمد بانقطاع العصبية القبلية ببعثته ، قال تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ]( ).
آيات في هجرة النبي محمد (ص)
يثني الله عز وجل على نفسه بأمره للنبي بالهجرة ، وصيرورتها وسيلة لنجاته ونشر ألوية الإسلام ومن هذه الآيات :
الأولى : قوله تعالى [لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ]( ).
الثانية : قوله تعالى [وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ]( ).
الثالثة : قوله تعالى [وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنْ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لاَ يَلْبَثُونَ خِلاَفَكَ إِلاَّ قَلِيلاً]( ).
الرابعة : قوله تعالى [إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ]( ).
وتدل هذه الآيات مجتمعة ومتفرقة على أن النبي محمداً نبي السلام والأمن ، وأنه لا يريد سفك الدماء ولا الغزو إنما يعمل بالوحي والتنزيل ، وهو دعوة سماوية لإتباعه ، وفيه خير الدنيا والآخرة .
كما وردت آيات في هجرة الأنبياء السابقين وهجرة المؤمنين والمؤمنات ، وقد هاجر النبي صالح وغادر قومه عندما قتلوا الناقة , وهاجر إبراهيم من الشام إلى مصر وإلى الحجاز .
وهاجر لوط [فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مهاجر إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ]( )، وقال تعالى [فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنْ اللَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ]( ).
وهاجر موسى عليه السلام [فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ]( ) .
وهاجر شعيب لما خيّره قومه بين العودة إلى ملتهم أو الإخراج من البلدة ، وفي التنزيل [قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا]( ).
وفي يونس قال تعالى [وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ]( ).
وهاجر يوسف عليه السلام قهراً ، ثم هاجر النبي يعقوب إلى مصر هو وأولاده وأهله وكان عددهم سبعين ، فاقطع لهم فرعون أرضاً ، وفي التنزيل [وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا]( ).
وهاجر السيد المسيح إلى مصر وهو طفل مع أمه ويوسف النجار عندما أراد الطغاة قتله كما في انجيل متى.
وقد ندب الله عز وجل الى الهجرة ، ورغب بها قال تعالى [يَاعِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ]( )، وقال تعالى [وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ]( ).
الإمتناع عن نفير قريش إلى بدر
تعرض الذي تردد في الخروج إلى بدر من قريش التعيير والتوبيخ حتى حملوه على الخروج ومن لم يخرج أرسل بديلاَ عنه كما في أبي لهب (بْنَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ تَخَلّفَ وَبَعَثَ مَكَانَهُ الْعَاصِيَ بْنَ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَكَانَ قَدْ لَاطَ لَهُ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ كَانَتْ لَهُ عَلَيْهِ أَفْلَسَ بِهَا ، فَاسْتَأْجَرَهُ بِهَا عَلَى أَنْ يُجْزِئَ عَنْهُ بَعَثَهُ فَخَرَجَ عَنْهُ وَتَخَلّفَ أَبُو لَهَبٍ)( ).
وامتنع أمية بن خلف في بداية النفير عن الخروج معهم خاصة وأنه رجل بدين .
وكان يخشى سوء ما يلقاه إذ نزل في ذمه قرآن ، فكان ممن إذا رأى النبي همزه ولمزه وعابه ، فقال تعالى [وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ * يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ * كَلاَّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ * إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُوصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ]( ).
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد توعده وهو في مكة لشدة إيذائه له وبعد الهجرة جاء سعد بن معاذ من المدينة معتمراً ونزل عنده فرآه أبو جهل مع أمية بن خلف يطوف بالبيت فقال له (أتطوف بالكعبة آمنا وقد آويتم محمدا وأصحابه فتلاحيا .
فقال أمية لسعد لا ترفع صوتك على أبي الحكم فإنه سيد أهل هذا الوادي فقال له سعد والله لئن منعتني أن أطوف بالبيت لأقطعن عليك متجرك بالشام فجعل أمية يقول لسعد لا ترفع صوتك ويسكته)( ).
ولكن سعداً توجه إلى أمية بن خلف وقال (فإني سمعت محمدا صلى الله عليه وسلم يزعم أنه قاتلك قال إياي قال نعم .
قال والله ما يكذب محمد إذا حدث فرجع إلى امرأته .
فقال أما تعلمين ما قال أخي اليثربي .
قالت وما قال قال زعم انه سمع محمدا يزعم أنه قاتلي قالت فوالله ما يكذب محمد .
فلما خرجوا لبدر وجاء الصريخ قالت له امرأته اما علمت ما قال لك أخوك اليثربي قال فإني إذا لا أخرج فقال له أبو جهل إنك من أشرف أهل الوادي فسر معنا يوما او يومين فسار معهم فقتل)( ).
لقد جاءه نفر من كبار رجالات قريش يحضونه على الخروج ، ومنهم عقبة بن أبي معيط وأبو جهل ويحمل عقبة بيده مجمرة فيها بخور أما أبو جهل فإنه يحمل مكحلة ومروداَ فأدخل عقبة المجمرة تحته.
(وقال: تبخر، فإنما أنت امرأة! وقال أبو جهل: اكتحل، فإنما أنت امرأة! قال أمية: ابتاعوا لي أفضل بعيرٍ في الوادي. فابتاعوا له جملاً بثلاثمائة درهم من نعم بني قشير، فغنمه المسلمون يوم بدر، فصار في سهم خبيب بن يساف) ( ).
ليقتل أمية بن خلف هو وابنه علي بن أمية في معركة بدر لبيان أن التعيير والتبكيت على التخلف عن الإعانة على الشرك والضلالة أفضل من الضرر الفادح ودخول النار بسبب مطاوعة رؤساء الكفر والضلالة , وهل كان رؤساء قريش يستطيعون إكراه أمية وغيره من أهل مكة على الخروج إلى بدر , الجواب , لا .
(قالوا: وما كان أحد ممن خرج إلى العير أكره للخروج من الحارث ابن عامر) ( ).
مما يدل على كثرة الذين كرهوا الخروج إلى بدر , وهل فطنوا إلى وجود مكيدة ومكر في هذا الخروج وأن القصد منه الفتنة والقتل وليس إنقاذ أبي سفيان , المختار نعم .
وقال الحارث بن عامر هذا (ليت قريشاً تعزم على القعود، وأن مالي في العير تلف، ومال بني عبد مناف أيضاَ) ( ).
وكان للحارث بن عامر في القافلة ألف مثقال ولقومه بني عبد مناف عشرة آلاف مثقال وكان متجرهم إلى غزة من أرض الشام .
فيقال له : إنك من سادات قريش , فامنعهم عن الخروج ولا تكتفي بهذا القول , فيجيب لم يتخلف أحد من الخروج إلا عن علة كالمرض والشيخوخة , ولا أريد مخالفة عامة قريش فيما يذهبون إليه وأن ابن الحنظلية أي أبا جهل رجل مشؤوم على قومه , هذا حينما رآه متحمساَ للخروج ويسعى في النفير العام لقتال النبوة والتنزيل .
(ما أعلمه إلا يحرز قومه أهل يثرب) ( ) أي يجعل قريشا هدفاََ سهلا للأنصار إشارة لكثرة قتلى قريش إذا تشبت المعركة .
وفيه شاهد بأن أهل مكة كانوا يعلمون بأن خروجهم للقتال وليس لإنقاذ القافلة .
وقام الحارث بن عامر بتوزيع أمواله على أولاده , ووقع في نفسه عدم رجوعه إلى مكة , وفعلاَ قتل الحارث يوم بدر قتله خبيب , وقيل ان بنيه ابتاعوا خبيباَ ليقتلوه في مكة , وقد ذكره سقاة قريش يوم بدر للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من ضمن أشراف قريش الذين حضروا معركة بدر , وكان الصحابة قد أمسكوا غلامين لقريش , وجيئ بهما إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , سألهما عن جيش قريش .
قالا (هم والله وراء هذا الكثيب العقنقل فقال لهما: ” كم القوم.
فقالا: كثير.
قال : كم عدتهم. قالا: ما ندري. قال: ” كم ينحرون كل يوم من الإبل)( ).
فلم يغضب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يتهمهما باخفاء أخبارهم إنما ذهب إلى سؤال آخر لمعرفة عددهم وهو كم ينحرون في اليوم الواحد .
قالا : يوماَ تسعاَ , ويوماَ عشراَ .
حينئذ قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم القوم بين التسعمائة والألف , بتقدير أن كل مائة شخص في بعير واحد .
ليكون سهم كل واحد من أفراد الجيش نحو كيلوين من اللحم , ومعشاره أمر متعذر في جيش الصحابة يومئذ مما يجعل رجحان الغلبة لجيش المشركين لذا نسب الله عز وجل نصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه يومئذ لنفسه سبحانه.
ليكون من معاني قوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]( ) لا تقدرون بعددكم وعدتكم النصر ببدر .
لذا أمرت الآية أعلاه المسلمين والمسلمات بالتقوى والخشية من الله عز وجل والشكر له سبحانه على هذه النعمة , ومن التقوى نشر ألوية السلم , وتحقيق الأمن المجتمعي , وعدم إخافة الآمنين .
ثم سألهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : فمن فيهم من أشراف قريش .
قالا (عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو البختري بن هشام، وحكيم بن حزام، ونوفل بن خويلد، والحارث بن عامر بن نوفل، وطعيمة بن عدي بن نوفل، وزمعة بن الأسود، وأبو جهل بن هشام، وأمية ابن خلف، ونُبيه ومنبه ابنا الحجاج، وسهيل بن عمرو بن عبد ود العامري) ( ).
ترى لماذا سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أشراف قريش وهو يعلم بالوحي بهم , الجواب ليطلع أصحابه على الأمر , ويعلموا بأن قريشاَ جاءت بثقلها كله يريدون القتال والبطش والفتك ولابد من التهيئ والإستعداد للمعركة .
لذا أقبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أصحابه وقال لهم : (هَذِهِ مَكّةُ قَدْ أَلْقَتْ إلَيْكُمْ أَفْلَاذَ كَبِدِهَا) ( ).
أي كنوزها وساداتها , وقوله صلى الله عليه وآله وسلم (ألقت) أي جعلوهم صيداَ سهلاَ لكم , وفيه إشارة إلى النصر عليهم وأن أشراف قريش سيقعون صرعى في المعركة .
لذا حينما إستشار النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه في الطريق إلى معركة بدر بخصوص لقاء المشركين في الميدان وإعلان الأنصار نصرتهم له , (قَالَ سِيرُوا وَأَبْشِرُوا ، فَإِنّ اللّهَ تَعَالَى قَدْ وَعَدَنِي إحْدَى الطّائِفَتَيْنِ وَاَللّهِ لَكَأَنّي الْآنَ أَنْظُرُ إلَى مَصَارِعِ القوم)( ).
قراءة في رؤيا عاتكة
ومن الإنذار رؤيا عاتكة بنت عبد المطلب , وكانت هذه الرؤيا أكثر إنتشاراَ وشهرة بين رجالات قريش , إذ أنها رأيت في المنام قبل قدوم ضمضم بن عمرو بثلاث ليال رؤيا أفزعتها فأخبرت أخاها العباس بن عبد المطلب , (قالت: رأيت راكبا أقبل على بعير له حتى وقف بالابطح ثم صرخ بأعلى صوته: ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث.
فأرى الناس اجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه: فبينما هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة، ثم صرخ بمثلها: ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث.
ثم مثل به بعيره على رأس أبى قبيس، فصرخ بمثلها، ثم أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوى، حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت، فما بقى بيت من بيوت مكة ولا دار إلا دخلتها منها فلقة.) ( ).
ومن أسرار رؤيا الإنذار صعوبة كتمانها واخفائها , فقد أقر العباس بأنها رؤيا ذات شأن وأهمية في إشارة بأنها ليست أضغاث أحلام.
وأوصى عاتكة بعدم إذاعتها ولكنه أخبر بها الوليد بن عتبة , وكان صديقاَ له الذي أخبر أباه فشاع خبر هذه الرؤيا , وتلقتها قريش بالسخرية والإستهزاء والتعريض ببني هاشم بدل الإتعاظ منها , أو استحضارها عند قدوم ضمضم بن عمرو رسولاَ من أبي سفيان يندبهم للخروج لإنقاذ القافلة , وهل لهذه الرؤيا ونحوها موضوعية في تردد بعض رجالات قريش في الخروج إلى بدر الجواب نعم , (قَالُوا : وَكَرِهَتْ قُرَيْشٌ – أَهْلُ الرّأْيِ مِنْهُمْ – الْمَسِيرَ وَمَشَى بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ وَكَانَ مِنْ أَبْطَئِهِمْ عَنْ ذَلِكَ الْحَارِثُ بْنُ عَامِرٍ، وَأُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَعُتْبَةُ وَشَيْبَةُ ابْنَا رَبِيعَةَ، وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، وَأَبُو الْبَخْتَرِيّ وَعَلِيّ بْنُ أُمَيّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَالْعَاصُ بْنُ مُنَبّهٍ، حَتّى بَكّتَهُمْ أَبُو جَهْلٍ بِالْجُبْنِ – وَأَعَانَهُ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، وَالنّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ – فِي الْخُرُوجِ فَقَالُوا: هَذَا فِعْلُ النّسَاءِ فَأَجْمَعُوا الْمَسِيرَ. وَقَالَتْ قُرَيْشٌ: لَا تَدَعُوا أَحَدًا مِنْ عَدُوّكُمْ خَلْفَكُمْ) ( ).
ومن فضل الله عز وجل في الرؤيا وجهان :
الأول : رؤيا البشارة .
الثاني : رؤيا الإنذار .
ولا تختص الرؤيا الصادقة بالمؤمنين , إنما تأتي كل واحدة من رؤيا البشارة والإنذار للبر والفاجر , والمؤمن والكافر وفي الأمور الخاصة والعامة .
وإنذارات معركة بدر في المنام من الثانية أعلاه ولأن الدنيا دار رحمة الله عز وجل , وجاءت رؤيا الإنذار لكفار قريش لزجرهم عن القتال , ولإقامة الحجة عليهم .
وهل هذه الرؤى من مصاديق قوله تعالى [وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ]( )، الجواب نعم , في الإمتناع عن القتال والتردد فيه وتباطؤ الناس عنه , وقصر مدته إن وقع .
قانون ابتلاء الذي يحارب النبوة
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار الآيات والبراهين الساطعة التي تدعو الناس إلى الخشية منه وإلى عبادته ، قال تعالى [سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ]( ).
ومن الآيات معجزات الأنبياء لبعث الناس على الإيمان وترك عبادة الأوثان وتقديس الطواغيت ، وقد أنعم الله عز وجل على قريش باتصاف معجزات النبي بأنها معجزات حسية وعقلية.
لترغيبهم بالإيمان وسننه ، وإقامة الصلاة ، والمنع من محاربة النبي محمد وعندما احتجت الملائكة على جعل الإنسان [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، لأن طائفة من الناس يفسدون في الأرض ، ويسفكون الدماء ، أجابهم الله [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( )، ومن علمه تعالى منع الفساد والإقتتال لبعثة النبي محمد من جهات :
الأولى : تعدد البشارات بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وكثرة طرقها وأسماها بشارات الأنبياء منه ما ورد حكاية عن عيسى عليه السلام في التنزيل [وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ]( ).
الثانية : معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحسية والعقلية.
الثالثة : هداية الله عز وجل لأمة من الناس للإسلام ، وفي التنزيل [وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ]( ).
الرابعة : صبغة السلم العام التي تتصف بها رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكذا الرسالات السابقة ، فمن خصائص النبوة وحدة الموضوع في تنقيح المناط ، بقانون الصفات العامة التي يلتقي فيها الأنبياء والرسل.
ترى من الذي تضرر من ايذاء قريش للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه ، الجواب لقد لحق الضرر قريشاً ذاتهم والكفار الذين من خلفهم ، وهو من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن الذي يسعى بالإضرار به يجلب على نفسه أموراً :
الأول : الخزي .
الثاني : الضرر .
الثالث : نفرة الناس من أفعاله ، وتوجيه اللوم له حتى من داخل أسرته.
الرابع : ظلم الذات والغير .
مع التضاد بين أطراف هذا الغير ، إذ أن الذي يؤذي ويحارب النبوة يظلم نفسه وأتباعه ، والذين يصدهم عن الإيمان وإن لم يكونوا اتباعه ، ويظلم المؤمنين .
ولما كان أبو لهب عم النبي يحضّ الناس على عدم التصديق برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأثر هذا الحضّ بلحاظ أنه عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتبادر إلى الأذهان إذا كان عمه صنو أبيه يُكذبه فمن باب الأولوية أن نجحد بنبوته.
فنصر الله عز وجل النبي محمداً بالمعجزة ونزول سورة كاملة في ذم أبي لهب وامرأته ، قال تعالى [تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ *سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ]( ).
وكثير هم المشركون الذين أذوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مكة ، ولكن شأن أبي لهب في حجب الناس عن الإيمان أكثر منهم فنزلت السورة باسمه .
وقد قام رأس النفاق عبد الله بن أبي سلول بالإنخزال بثلاثمائة أكثرهم من الخزرج من وسط الطريق إلى معركة أحد وهم نحو ثلث جيش المسلمين.
و(عن زيد بن أرقم قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سفر فأصاب الناس شدّة ، فقال عبدالله بن أبيّ لأصحابه : لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله.
وقال : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بذلك.
فأرسل إلى عبدالله بن أبيّ فسأله ، فاجتهد يمينه ما فعل ، فقالوا : كذب زيد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فوقع في نفسي مما قالوا شدة حتى أنزل الله تصديقي في [إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ]( )، فدعاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليستغفر لهم ، فلووا رؤوسهم ، وهو قوله [خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ]( )، قال : كانوا رجالاً أجمل شيء)( ).
ويلاحظ في حديث الصحابي زيد بن أرقم قوله : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سفر ، ولم يقل في غزوة ، ولم يكن سفر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى كتائبه.
ولم تنزل آية باسم عبد الله بن أبي بالخصوص مع شدة إيذائه والمنافقين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مما يدل على حقيقة وهي أن أذى أبي لهب كان إيذاء لله وللإسلام والنبوة .
ومن الإعجاز علم الله عز وجل بموت أبي لهب على الكفر والجحود بالرسالة.
آيات الإنفاق
قال تعالى [وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَنْ يَكُنْ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا] ( ).
ومن إعجاز القرآن ومفهوم العدد فيه ورود لفظ (الَّذِينَ يُنفِقُونَ) ست مرات في القرآن واحدة في ذم المشركين وانفاقهم وهي الآية أعلاه , وخمسة في الثناء على المؤمنين في انفاقهم ليكون من مفهوم العدد رجحان كفة الإنفاق في سبيل الله , ومعاني التأديب والصلاح وهذه الآيات هي :
الأولى : قال تعالى مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ.
الثانية : قال تعالى الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلاَ أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ.
الثالثة : قال تعالى وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.
الرابعة : قال تعالى الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ.
الخامسة : قال تعالى الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.
ومن إنفاق قريش على معركة أحد استئجار ألفين من المقاتلين وهذا الإستئجار لا يتنافى مع العقل والوجدان , لأن مجموع أهل مكة الذين خرجوا إلى معركة بدر تسعمائة وخمسين مع أن النفير يومها كان عاماَ .
رؤيا ضمضم للإنذار
وهل تحضر رؤيا البشارة والإنذار مع الإنسان يوم القيامة لبيان فضل الله عز وجل عليه سواء انتفع منها بالدعاء والفعل السليم , أو لم ينتفع منها .
المختار نعم .
من أهم أقسام الرؤيا رؤيا الإنذارات وتأتي للبر والفاجر وهو من مصاديق رحمة الله في الدنيا بالناس جميعاً وإقامة الحجة عليهم للتدارك .
ومن الشواهد على نفاذ أمر الله إلى روح العبد ، واشتراك العقل والأدراك منها ليكون من مصاديق قوله تعالى [وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ]( )، انبساط هذا النفخ على كل فرد من ذرية آدم ذكوراً وإناثاً ، ويتجلى في جوانب وشواهد كثيرة عند كل فرد منها رؤيا البشارة والإنذار الخاصة والعامة ، ورؤيا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ورؤيا يوسف عليه السلام ورؤيا ملك مصر من الرؤى العامة ، وكذا رؤيا ضمضم بن عمرو.
لقد قام أبو سفيان رئيس قافلة قريش التي كانت سبباَ لمعركة بدر ببعث ضمضم بن عمرو ليندب قريشاَ للنفير لإنقاذ القافلة من تعرض النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لها , والمختار أنه ليس من تعرض للقافلة إنما هو المكر والخداع من كفار قريش لإشعال الفتنة والقتال , قال تعالى [وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ]( ).
وكان عدد من رجالات قريش قد امتنعوا عن الخروج لمعركة بدر ولم يرضوا بهذا النفير ولكن أبا جهل وعقبة بن أبي معيط صاروا يوبخون ويعيرون في البيت الحرام وأمام الملأ الذي يتخلف .
(وما كان أحد ممن خرج إلى العير أكره للخروج من الحارث بن عامر، وقال: ليت قريشاً تعزم على القعود، وأن مالي في العير تلف، ومال بني عبد مناف أيضاً) ( ).
وكان للحارث هذا أياد عند ضمضم بن عمرو وفي الطريق إلى بدر جاءه وقال (أبا عامر، رأيت رؤيا كرهتها، وإني كاليقظان على راحلتي، وأرى كأن واديكم يسيل دماً من أسفله إلى أعلاه. قال الحارث: ما خرج أحدٌ وجهاً من الوجوه أكره له من وجهي هذا .
قَالَ : ضَمْضَمٌ لَهُ وَاَللّهِ إنّي لَأَرَى أَنْ تَجْلِسَ.
فَقَالَ الْحَارِثُ لَوْ سَمِعْت هَذَا منك , قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ مَا سِرْت خُطْوَةً فَاطْوِ هَذَا الْخَبَرَ أَنْ تَعْلَمَهُ قُرَيْشٌ ، فَإِنّهَا تَتّهِمُ كُلّ مَنْ عَوّقَهَا عَنْ الْمَسِيرِ .
وَكَانَ ضَمْضَمٌ قَدْ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ لِلْحَارِثِ بِبَطْنِ يَأْجَجَ .)( ).
لبيان قانون وهو أن رؤيا الإنذار تأتي لكل من :
الأول : المؤمن .
الثاني : ما يخص المؤمنين .
الثالث : الكافر .
الرابع : ما يخص جماعة الكافرين .
وهل رؤيا الإنذار هذه من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ) الجواب نعم بتقريب أن الرؤيا عون ومدد للنبوة والتنزيل , وهي زاجر للمشركين وتعضيد للمؤمنين , وقد نزلت آيات بخصوص الرؤيا منها ما يتعلق بمعركة بدر مثل قوله تعالى [إِذْ يُرِيكَهُمْ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ]( ).
ويحتمل موضوع هذه الرؤيا من حيث الأثر وجوهاً :
الأول : إتعاظ الحارث بن عامر بهذه الرؤيا .
الثاني : عناية واهتمام عدد من رجالات قريش بهذه الرؤيا .
الثالث : عدم إلتفات أحد لهذه الرؤيا ، وكأنها أضغاث أحلام.
والمختار هو الثاني أعلاه ، وهو الذي ظهر على تردد الحارث في الخروج ، وامتناع عدد من رجالات قريش .
لبيان قانون وهو من الرؤيا ما تكون حجة ، ويقرب الله عز وجل الناس بلطفه للأخذ بها بشارة كانت أو إنذاراً.
(قَالُوا : وَكَرِهَتْ قُرَيْشٌ – أَهْلُ الرّأْيِ مِنْهُمْ – الْمَسِيرَ وَمَشَى بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ وَكَانَ مِنْ أَبْطَئِهِمْ عَنْ ذَلِكَ الْحَارِثُ بْنُ عَامِرٍ، وَأُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَعُتْبَةُ وَشَيْبَةُ ابْنَا رَبِيعَةَ، وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، وَأَبُو الْبَخْتَرِيّ وَعَلِيّ بْنُ أُمَيّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَالْعَاصُ بْنُ مُنَبّهٍ، حَتّى بَكّتَهُمْ أَبُو جَهْلٍ بِالْجُبْنِ – وَأَعَانَهُ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، وَالنّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ – فِي الْخُرُوجِ فَقَالُوا: هَذَا فِعْلُ النّسَاءِ فَأَجْمَعُوا الْمَسِيرَ. وَقَالَتْ قُرَيْشٌ: لَا تَدَعُوا أَحَدًا مِنْ عَدُوّكُمْ خَلْفَكُمْ) ( ).
قتلى المشركين في بدر زاجر
وكما تتضمن آية [لِيَقْطَعَ طَرَفًا] ( ) القطع والبتر فانها وردت بصيغة التنجز والجزم ،وليس الإنذار والوعيد وحده ، فلابد من بتر وهلاك طائفة من المشركين الذين يحاربون النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم في ميادين القتال ، لذا سقط عدد من رؤساء المشركين قتلى في تعديهم وقتالهم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وإصرارهم على القتال في كل من معركة بدر وأحد والخندق ، وسقوط عدد من رؤسائهم قتلى في كل معركة منها ، منهم مثلاً في معركة بدر عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ، وأخوه شيبة ، وابنه الوليد ، قتلوا في مبارزة واحدة مع الإمام علي عليه السلام وحمزة بن عبد المطلب وعبيدة بن الحارث ، ونزل فيهم قوله تعالى [هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ…] ( )، لبيان أن عاقبة هذه الخصومة النصر للمؤمنين والخزي للكافرين .
ومنهم أبو جهل عمرو بن هشام بن المغيرة قائد جيش المشركين يوم بدر ، وهو من بني مخزوم ، ومنهم زمعة بن الأسود وأخوه الحارث بن زمعة ، وأخوه عقيل بن الأسود بن عبد المطلب ، وأبو البختري بن هشام .
ومنبه بن الحجاج وأخوه نبيه بن الحجاج , وابنه العاص بن منبه ، وغيرهم في سبعين قتيلاً من المشركين يومئذ ، قد تقدم ذكر أسمائهم.
ومن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن كثيراً من هؤلاء قتلهم الإمام علي عليه السلام ، وهل للآية أعلاه موضوعية في المقام ، الجواب نعم من جهات :
الأولى : دلالة الآية على كثرة قتلى المشركين ، قال تعالى [فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ] ( ) .
الثانية : سلامة أهل البيت والصحابة من القتل الذريع ، (عن ابن عباس قال : لما بارز علي وحمزة وعبيدة , عتبة وشيبة والوليد ، قالوا لهم : تكلموا نعرفكم .
قال : أنا علي ، وهذا حمزة ، وهذا عبيدة .
فقالوا : أكفاء كرام!
فقال علي : أدعوكم إلى الله وإلى رسوله .
فقال عتبة : هلم للمبارزة .
فبارز علي شيبة فلم يلبث أن قتله ، وبارز حمزة عتبة فقتله ، وبارز عبيدة الوليد فصعب عليه فأتى علي فقتله . فأنزل الله {هذان خصمان})( ).
وفيه حجة بأن الإمام علي عليه السلام يدعو إلى الله ، إلى الهدى والإيمان ، وإلى سلامة عتبة وأخيه وابنه من القتل يومئذ بالإيمان ، والنجاة من ولوج عالم الآخرة على الكفر ومحاربة الله ورسوله ، ولكنهم أجابوه بطلب المبارزة والقتال ، قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ]( ).
الثالثة : البشارة بقرب الأمن والسلم ، ليكون من معاني قوله تعالى [هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ] ( )، البشارة بأمور :
الأول : عجز المشركين عن مواصلة القتال .
الثاني : وقوع الصلح والموادعة بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمشركين .
الثالث : فتح مكة ، وتكسير الأصنام .
الرابعة : بيان التضاد وعدم الإلتقاء بين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمشركين ، فلابد أن يزاح أحدهما ، ويدل قوله تعالى [فِي رَبِّهِمْ]أن الإزاحة خاصة بالمشركين لأن مقاليد الأمور كلها بيد الله ، الذي له [أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ..] ( ) وهو الذي بعث النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رسولاً وهادياً و[مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا]( ).
الخامسة : لقد عاد المشركون من معركة بدر بخزي وحسرة وخيبة ، وقد فقدوا رؤسائهم وساداتهم ، ليصاحبهم أيضاً قوله تعالى [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ] ( )، ومن معاني الآية إدخال الحزن والأسى على المشركين ، والذين يموتون في فراشهم ، وهو من إعجاز الإلتفات في الآية أعلاه من سورة الحج من صيغة المثنى إلى الجمع .
معجزات النبي (ص) بين بدر وأحد
حالما وصلت فلول المشركين إلى مكة من معركة بدر حتى صاروا يعملون على الثأر والتهيئ للإتنقام ، وفوت عليهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فرصة اللقاء الذي صار في معركة بدر ،حيث رصدوا خروجه من المدينة وسرعان ما يعود إلى المدينة ، كما في توجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى بني سُليم في شهر شوال في السنة الثانية للهجرة أي بعد شهر واحد من معركة بدر ، إذ أقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مياههم التي تسمى الكدر ثلاث ليال ثم رجع إلى المدينة ، ولم يلق كيداً ( ).
فمع قرب هذا الخروج من أوان معركة بدر ، فحتى لو سمع المشركون بخروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم فانهم لا يسطيعون الوصول إلى الموضع إلا وقد عاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبله إلى المدينة .
أو كتيبة غطفان وأقام في نجد في شهر ربيع الأول من السنة الثالثة ، (وأنزل الله تعالى: (يأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم) ( ).
وعاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة، ولم يلق كيدا، وكانت غيبته خمس عشرة ليلة) ( ).
وقيل أقام بنجد صفر كله،والأول أرجح .
أو دورية بحران في شهر جمادى الأولى من السنة الثالثة للهجرة ، وكانت غيبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذهاباً وإياباً وإقامة (عشر ليال) ولم يلق كيداً ، ليكون من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في المدة بين معركة بدر ومعركة أحد ، وبعد ثلاثة عشر شهراً مسائل :
الأولى : خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كتائب إستطلاع وتبليغ حول المدينة .
الثانية : استقبال الوفود القادمة إلى المدينة ، وبيان نبوته وتلاوته القرآن عليهم ، ودعوتهم للإسلام .
الثالثة : العناية بالمهاجرين الجدد ومنهم أهل الصفة .
الرابعة : تعاهد إقامة الصلوات اليومية الخمسة .
الخامسة : التهيئ لمعركة أحد ، ولم يكن لهذه المعركة اسم قبل وقوعها عند سفح جبل أحد ، إنما كانت تصل أخبار إعداد قريش الجيوش لغزو المدينة ، وفيه شاهد على قانون لم يغز النبي (ص) أحداً .
السادسة : جريان المعجزات الحسية على يد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فمن فضل الله تجدد وتوالي هذه المعجزات مع تقادم الأيام ، إذ انها تجري على نحو مواز مع المعجزات العقلية بنزول آيات القرآن .
السابعة : تفقه المسلمين في الدين ، وضبط أحكام الصلاة والتقيد بأدائها في أوقاتها ، قال تعالى [إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا]( ).
الثامنة : تجلي مصاديق العز التي صار عليها المسلمون بعد معركة بدر في الواقع اليومي .
التاسعة : احتجاج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع يهود المدينة وإجابته على اسئلتهم وغيرهم .
وقد ورد لفظ [يَسْأَلُونَكَ] في القرآن خمس عشرة مرة ، كلها موجهة إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، والإجابة عليها من عند الله عز وجل وتوثيقها في القرآن كنز إعجازي .
قانون مقدمات النصر في آية [لِيَقْطَعَ طَرَفًا]
من إعجاز الآية القرآنية ترشح المنافع المتعددة على نزولها ، وعدم إنتفاء هذه المنافع موضوعاً وحكماً ، كماً وكيفاً ، وهو من مصاديق كون كل آية قرآنية خزينة للعلوم تنبع منها المعارف ، ويستنبط منها البرهان والدليل ، وتغني عن السيف والقتال ، وهو من إعجاز حضور كلام الله بين الناس ، فيكون فيصلاً ودليلاً وبرزخاً .
ومنها آية القطع والإبانة بقوله تعالى [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ] ( )والتي صدر بخصوصها الجزء الواحد والتسعون من هذا السِفر في (410) صفحات .
وجاءت آية (ليقطع) بعد آية البشارة والطمأنينة كما في قوله تعالى [وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ]( )، وفي الآيتين مسائل :
الأولى : البشارة من الله عز وجل بالمدد الملكوتي ، وما يترشح عنه من أسباب النصر .
الثانية : بعث الطمأنينة والسكينة في قلوب الصحابة خاصة مع الخشية والخوف الذي يترتب على كثرة جيش المشركين , وأسلحتهم وخيلهم يوم معركة أحد .
الثالثة : فضل الله على المسلمين بالسكينة بعد انخزال ثلث جيشهم بتحريض من رأس النفاق عبد الله بن أبي سلول .
لقد كان النبي وأصحابه بحاجة إلى السواد والكثرة ، وأي فرد يأتي لنصرتهم فيه نفع كثير ، وانقطع هذا المدد من طرف الناس فتفضل الله عز وجل بالمدد من الملائكة .
ويوم خلق آدم احتجت الملائكة على جعل الإنسان [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، لأن طائفة من الناس يفسدون في الأرض ويقتلون بعضهم بغير حق ، فاجابهم الله عز وجل [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ).
ومن علم الله عز وجل أن كفار قريش فسدوا في الأرض بنصب الأوثان في البيت الحرام ، وبغزو النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في المدينة فانزل الله عز وجل ذات الملائكة لأمور :
الأول : استئصال الفساد .
الثاني : المنع من كثرة القتلى في الميدان .
الثالث : زجر المشركين عن مواصلة القتال إذ إنسحبوا في نفس ذات يوم المعركة .
الرابع : إشغال المشركين بأنفسهم ، وحدوث الخلاف والشقاق بينهم .
الخامس : شدة حزن أسى المشركين على كبارهم الذين قتلوا وحملة اللواء الذي خروا صرعى بالتتابع ، فحملته امرأة ليست من قريش ، وهو من مصاديق قوله تعالى [فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ] ( )، لعدم انحصار الخزي الذي لحقهم بمعركة بدر ، وأحد ، والخندق في ذات الإنقلاب والعودة من المعركة إنما هو باق وشائع عند القبائل ، ويتناقل الركبان الأشعار التي نظمت بخصوصه.
السادس : إصابة المشركين بالوهن والضعف للملازمة بينه وبين الخيبة ، ليكون من معاني الآية : فينقلبوا خائبين ليضعفوا ويوهنوا ، وهو من مصاديق قوله تعالى في خطاب المؤمنين [وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ] ( ).
السابع : عجز المشركين عن توالي الغزو والهجوم على المدينة.
الرابعة : بيان قانون من الإرادة التكوينية وهو أن النصر بيد الله عز وجل بما ينفع تثبيت ومبادئ التوحيد ، وفيه بشارة أخرى لنصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
ومن إعجاز آية (ليقطع) عدم ابتداؤها بحرف العطف الواو مع تكرارها ثلاث مرات في الآية السابقة ، وإتحاد الموضوع في الآيتين ، لبيان قانون وهو صيرورة نصر الله للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وسيلة ومناسبة لهلاك طائفة من الكفار وهداية طائفة أخرى منهم .
ترى كيف تكون هذه الهداية ، الجواب بالإقرار بمعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والتسليم بأن نصر النبي من عند الله عز وجل .
كما يكون قطع الطرق من الكفار مقدمة لنصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من غير أن يلزم الدور بينهما لتعدد الموضوع إذ يكون النصر نوع سبب لقطع طرف من الكفار ، ويكون هذا القطع سبباً للنصر في المعارك اللاحقة.
لقد كانت بين رسالة عيسى وبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نحو ستمائة عام ، انتشرت فيها عبادة الأوثان بين كثير من الناس خاصة وأن رسالة عيسى عليه السلام وغيره من الأنبياء لم تتغش أهل الأرض كلهم ، ونادراً أن تصل دعوة نبي إلى الجزيرة العربية ، وأن وصلت فقد يكون تأثيرها محدوداً .
فأنعم الله عز وجل عليهم ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين ظهرانيهم ، ولكنهم واجهوه بالسيوف والقتال ، مما يدل على أنه لو جاءت الدعوة اللسانية من خارج الجزيرة فلا توثر كثيراً .
نعم لابد من وجود مستجيبين للدعوة في كل بلدة ،لذا كان هناك موحدون في الجزيرة قبل وأثناء بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وكانوا يتطلعون إلى رسالة خاتم النبيين ، وهو من المدد والعون لتثبيت حضور مبادئ الإسلام ورسالته في الأرض .
والقطع لغة الإبانة لبعض أجزاء الشئ وفصلها عنه ، ويأتي للدلالة على الهلاك والبتر والهدم ، والطرف الناحية والجهة والجانب.
أقسام قطع الطرف
آية [لِيَقْطَعَ] متأخرة في زمانها عن معركة بدر ، وهو لا يعني عدم تعلق هذه المعركة بموضوع وحكم الآية الكريمة خاصة مع الجمع بينها وبين الشطر الأخير من الآية السابقة ، ويكون : وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم ليقطع طرفاً من الذين كفروا او يكبتهم فينقلبوا خائبين.
فمع النصر من عند الله عز وجل هناك وهن وضعف عند الكفار من جهات :
الأولى : هلاك طائفة من الذين يحاربون النبوة والتنزيل بالقتل في ميدان المعركة ، التي اختاروا مكانها وأوانها ، وقاموا بالإبتداء بالتحدي والقتال،وأصروا على المبارزة وطلبها ، قال تعالى [وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ] ( ).
الثانية : دخول جماعات من المشركين الإسلام ،وفيه فضح للكفر والضلالة ، وخزي للذين يبقون مقيمين على الشرك عناداً ، فيكون من معاني [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا..] ( ) ليفصل الله عز وجل طائفة عن الذين كفروا بانتقالها إلى منازل الهدى والإيمان.
الثالثة : حلول أجل بعض الكفار وتعجيل آجالهم ، وعدم محو المرض المميت عنهم .
وأيهما أكثر من الجهات أعلاه في قطع الطرف من الكفار ، الجواب هي الثانية ، وهو ظاهر في السنة النبوية والوجدان والأخبار التأريخية , وعمومات قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ).
فاذا كان عدد قتلى المشركين في معركة بدر سبعين رجلاً ، وفي معركة أحد اثنين وعشرين فان الآلاف من أهل مكة دخلوا الإسلام ، حتى دخل النبي مكة في السنة الثامنة للهجرة بعشرة آلاف من الصحابة ، وخرج منها بعد بضعة أيام باثني عشر ألفا ، منهم ألفان من مسلمي الفتح ، وفيه معجزات حسية متعددة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وقد تقدم في الجزء الرابع والستين بعد المائة من هذا السِفر عدد القتلى في معارك الإسلام من أول البعثة النبوية إلى حين مغادرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى .
وقد تقدم في المسألة الخامسة من مفهوم آية [لِيَقْطَعَ](منع تسرب الخوف إلى نفوس المسلمين من تبختر رؤساء الكفر والشرك وبطشهم وتهديدهم .
فمن المسلمين من هو حديث عهد بالإسلام، ويخشى صولة قريش ورؤساء الكفر وما عندهم من العدة والسلاح فأخبرت الآية عما يلقاه زعماء المشركين من القطع والهلاك لتكون حرزاً لأجيال المسلمين من الكفار وإن تباين العدد والعدة، لأن الآية تتضمن الإخبار عن البطش برؤساء الكفر وإن كانوا ذوي قوة وأموال وأولاد، فليس من مانع يحول دون إنتقام الله عز وجل منهم قال تعالىلَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا( ).
وهل ذكر النصر من عند الله سبب لجعل قطع الطرف من الكفار بخصوص ميدان القتال ، الجواب لا ، فكل إنسان يهتدي إلى الإيمان ويتوب إلى الله عز وجل هو نصر من عند الله من جهات :
الأولى : نصر للإنسان بقهر النفس الشهوية والإبتعاد عن غواية وخطوات الشيطان .
الثانية : النصر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وفي دخول كل فرد الإسلام شاهد على صدق نبوته ، وهو مدد من عند الله عز وجل .
الثالثة : إنه نصر على الذين كفروا وباعث للخيبة في نفوسهم .
الرابعة : فيه نصر لمبادئ الإيمان وإزاحة لمفاهيم الكفر ،وإقتراب نحو هدم الأصنام .
قانون تعدد الإستجابة
هل يمكن التعدد في موضوع الآية ذاتها [الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ]( )، وأنها أعم من أن تنحصر بالخروج إلى حمراء الأسد.
الجواب نعم , مع ورود الدليل الذي يتجلى بالإستجابة خاصة مع الجراحات المتعددة عند الصحابة في خروجهم .
ليكون من باب الأولوية القطعية استجابة المهاجرين والأنصار للنبي محمد في ابتداء وفي حال السلامة من الجراحات ، ومع الإطلاق في استجابة الصحابة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في كل حال فانه لا يحشدهم للغزو والهجوم على الجهات الأربعة أو على المشركين في إحدى الجهات ، إنما يجمعهم خمس مرات لأداء الصلاة ، قال تعالى [إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا]( ).
لقد كانت إستجابة الصحابة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى حمراء الأسد معجزة له وشاهداً على صدق نبوته من جهات :
الأولى : نزول الوحي بالخروج خلف جيش المشركين في صبيحة اليوم الثاني لمعركة أحد .
الثانية : مناداة مؤذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالنفير والخروج فجراَ.
الثالثة : مبادرة الصحابة للإستجابة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع شدة جراحاتهم.
وهل خرج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم كل الذين شاركوا في معركة أحد , الجواب لا , من وجوه ترتيبية وهي :
الأول : خروج ألف من الصحابة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة نحو معركة أحد , قال تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ]( ).
الثاني : إنخزال ثلاثمائة وعودتهم إلى المدينة من وسط الطريق إلى المعركة بتحريض من رأس النفاق عبد الله بن أبي سلول , إذ نادى بين الأنصار وقومه الخزرج خاصة (والله ما ندري علام نقتل أنفسنا ها هنا أيها الناس ! فرجع بمن اتبعه من الناس من قومه من أهل النفاق وأهل الريب) ( ).
الثالث : حضور سبعمائة من الصحابة ميدان معركة أحد .
الرابع : الذين خرجوا إلى حمراء الأسد كان عددهم مائتين ونيفاً ، أي ليس كل الذين حضروا معركة أحد خرجوا إلى حمراء الأسد .
الخامس : حصر الخروج إلى حمراء الأسد بالصحابة الذين اشتركوا في معركة أحد ، مع استثناء قليل مثل إذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لجابر بن عبد الله بالخروج ، لبيان فضل الله في عدم الحاجة للقاعدين والمنافقين .
وهل تختص الإستجابة لله والرسول بالخروج إلى حمراء الأسد ، الجواب لا ، إنما تشمل الذين خرجوا إلى معركة بدر ، ومعركة أحد من باب الأولوية القطعية وتأكيد تعدد الشواهد والمصاديق للإستجابة لله ولرسوله .
وكل فرد من هذه الإستجابة معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وليس من حصر لهذه الأفراد من جهات :
الأولى : الإستجابة الفردية على نحو القضية الشخصية .
الثانية : الإستجابة العامة .
الثالثة : الإستجابة من طائفة من المسلمين .
الرابعة : تجدد الإستجابة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من قبل المسلمين والمسلمات في كل يوم من أيام الحياة الدنيا وإلى يوم القيامة .
ليكون وجوه تقدير آية البحث : الذين استجابوا والذين يستجيبون لله ورسوله .
لقد كان إستجابة الصحابة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الخروج لحمراء الأسد معجزة ودليلاً على حسن الإمتثال ، والمبادرة إلى الإستجابة في أشق الأحوال وأكثرها خطورة بخروجهم مائتين من الصحابة متعقبين لثلاثة آلاف من المشركين وأسلحتهم ، وكثرة خيلهم مع بعد المسافة عن المدينة , مع استجابتهم له بعدم الخروج في غزو في حال الصحة والسلامة والمندوحة .
المراد من الطرف
يحتمل الطرف في [لِيَقْطَعَ] من جهة الكم والكيف وجوهاً :
الأول : إرادة طائفة من الناس ، تظهر ثلمة في جبهة الكفر سواء بهداية جماعة منهم أو سقوط جماعة قتلى .
الثاني : صدق الطرف على الرجل الواحد ، كما في قتل أبي جهل ، أو قتل عمرو بن عبد ود العامري على يد الإمام علي عليه السلام في معركة الخندق و(عن ابن مسعود أنه كان يقرأ هذا الحرف { وكفى الله المؤمنين القتال } بعلي بن أبي طالب) ( ).
الثالث : صدق الطرف على الرجل الواحد ، إذا كان من رؤساء وأشراف القوم .
ولا تعارض بين هذه الوجوه ، ويعطي الله عز وجل بالأوفى والأتم ، ومنه النصر من عنده تعالى ، إذ يأتي النصر على نحو دفعي وتدريجي ،ويجذب الأفراد والطائفة والقبيلة للإسلام .
وقد تقدم في الجزء السابق وهو الثامن والثلاثون بعد المائتين كيف أن إسلام شخص واحد وهو سعد بن معاذ كبير بني عبد الأشهل الإسلام بتبع قومه له( ) وهم من الأوس بعد أن دعاه وأقام الحجة عليهم مصعب بن عمير سفير النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى أهل يثرب قبل الهجرة النبوية .
لقد جاء سعد بن معاذ مغاضباً وليطرد مصعب وأسعد بن زرارة من دور بني عبد الإشهل بسبب دعوتهما للإسلام ، ولكنه حينما استمع لهما تطهر ودخل الإسلام ونطق الشهادتين ، ورجع إلى قومه الذين قالوا حالما رأوه بأنه رجع بغير الوجه الغاضب الذي ذهب به ، ف(وَقَفَ عَلَيْهِمْ قَالَ يَا بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ كَيْفَ تَعْلَمُونَ أَمْرِي فِيكُمْ ؟
قَالُوا : سَيّدُنَا ( وَأَوْصَلُنَا ) وَأَفْضَلُنَا رَأْيًا ، وَأَيْمَنُنَا نَقِيبَةً قَالَ فَإِنّ كَلَامَ رِجَالِكُمْ وَنِسَائِكُمْ عَلَيّ حَرَامٌ حَتّى تُؤْمِنُوا بِاَللّهِ وَبِرَسُولِهِ قَالَا ( ): فَوَاَللّهِ مَا أَمْسَى فِي دَارِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ إلّا مُسْلِمًا وَمُسْلِمَةً) ( ).
وقال البخاري (سمعت أبا محمد الكوفي قال لما اراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ان يهاجر سمعوا صوتا بمكة يقول
إن يسلم السعدان يصبح محمد
من الأمن لا يخشى خلاف المخالف
فقالت قريش لو علمنا من السعدان لفعلنا وفعلنا فسمعوا من القابلة وهو يقول
فيا سعد سعد الأوس إن كنت مانعا
ويا سعد سعد الخزرجين الغطارف
أجيبا إلى داعي الهدى وتمنيا
على الله في الفردوس زلفة عارف
قال سعد الأوس سعد بن معاذ وسعد الخزرجين سعد بن عبادة وأخرجه ابن عساكر من هذا الطريق ) ( ).
وفيه شاهد بأن الأمن والسلامة تأتي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باسلام بعض وجوه القوم من غير غزو ولا هجوم ، فكانت هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة وهو أعزل من غير سلاح أعظم فتح في التأريخ ، وهو من الشواهد على قانون (لم يغز النبي (ص) أحداً )

نسبة القطع إلى الله
من إعجاز القرآن الوضوح ، وبيان الموضوع وتجلي الحكم بما ينفذ إلى القلوب ، ويجعل عامة الناس يدركون المعنى حال تلاوة أو سماع الآية القرآنية ، وهو من مصاديق قوله تعالى [هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ] ( ) .
والنسبة بين الهدى والوضوح في المقام عموم وخصوص مطلق ، فالهدى أعم ، كما أن الوضوح مقدمة للهدى .
ومن البيان في القرآن نسبة قطع طرف من الذين كفروا إلى الله عز وجل ، فهو سبحانه الذي قطع ويقطع طرفاً من الكفار ، فلم يكن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي يقطع لبيان أنه لم يغز أحداً ، ولم يبدأ قتالاً .
وهل يمكن القول بقانون لا يقدر على قطع طرف من الكفار إلا الله عز وجل ، الجواب نعم ، وفيه وجوه :
الأول : إنه من اللطف الإلهي بالناس .
الثاني : هذا القطع رحمة بالناس لا تخص المؤمنين ، إنما تشمل الناس جميعاً من جيل القطع وما يليه من الأجيال والأحقاب .
الثالث : إنه من التخفيف عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه ، إذ تمادى المشركون في إيذائهم بما فيه الحصار الإقتصادي والإجتماعي لبني هاشم من السنة السابعة إلى السنة العاشرة للبعثة النبوية .
الرابع : إصابة المشركين وجيوشهم بالضعف والوهن ، وظهور النقص في أعدادهم وقدراتهم .
الخامس : هل يشمل القطع في المقام النقص في أموال الذين كفروا ، الجواب نعم ، لإرادة المعنى الأعم من الطرف ، وعدم إنحصاره بالأفراد .
السادس : الآية بشارة للذين آمنوا ، ودعوة لهم للثبات في مقامات الهدى والإيمان .
والآية برزخ دون إرتداد أفراد من المسلمين خاصة حديثي العهد بالإسلام ، قال تعالى في ذم الذين كفروا وبيان أنهم هم الغزاة المعتدون [وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ] ( ) لبيان أن وظيفة المسلمين التقوى وأداء الفرائض ، والتحلي بالصبر والدفاع .
أقسام تهديد المشركين
كان المشركون يبعثون رسائل التهديد والوعيد وهي على أقسام:
الأول : الوعيد للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأن المشركين سيأتون ليقتلوه أو يؤسروه وينقلوه إلى مكة .
فصحيح أن قوله تعالى [وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ] ( )، نزلت في مكة قبل الهجرة ، وكانت من الدلائل على الحاجة إلى هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ،ولكن موضوعها لم ينقطع بالهجرة ، وهو من أسرار مجئ الآية بصيغة المضارع [لِيُثْبِتُوكَ] والتي تتألف من أربع كلمات هي :
الأولى : لام التعليل .
الثانية : الفعل المضارع .
الثالثة : واو الجماعة والمراد المشركون .
الرابعة : الكاف ، والمقصود النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وهذا التعدد في الكلمة الواحدة من بدائع اللغة العربية وأهليتها لأن تكون لغة للقرآن وتعدد معاني ودلالات الكلمة القرآنية ، قال تعالى [إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ] ( ).
والأصل أن يتلقى الناس دعوة النبي بالقبول والرضا والتدبر في معجزاته ، والشكر لله عز وجل على هذه النعمة ، والإنتفاع الأمثل منها في النشأتين لأنها سعادة دائمة ، وباب للرزق الوافر والحياة الكريمة .
فلم يأت النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا بما هو خير ونفع للناس جميعاً ، وإرادة التساوي في الحقوق والواجبات ، وتحقيق واستدامة السلم المجتمعي ،فلم يرق ذلك لرؤساء قريش ، وسخّروا المستضعفين لقتاله ، وهو من المفارقات في المجتمعات الإنسانية ، إنما بعث الله عز وجل الأنبياء لإنقاذ المستضعفين من براثن الإضطهاد والشرك مجتمعين .
الثاني : تهديد المشركين للمهاجرين وهو على شعب :
الأولى : عبر الرسائل الخطية والشعرية ، هذا يكتب لأخيه أو قريبه ، وهذا يطلق الوعيد لكل مهاجر من قريش وأهل مكة .
الثانية : التهديد الشفوي برسائل وتفصيل عن كيفية أسر وقتل المهاجرين.
الثالثة : إرسال الرسائل عن طريق المعتمرين ، وزوار البيت الحرام ، والذين يجتمعون في أسواق مكة ، سواء الدائمة منها أو الموسمية العامة مثل سوق عكاظ ، وسوق المجنة ، وسوق ذي المجاز .
لقد كانت هذه الأسواق مناسبة للتباري بين الشعراء والأدباء خاصة وأنها تقع في الأشهر الحرم التي ليس فيها قتال أو ثأر ، قال تعالى [إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ]( ).
لتصبح بعد البعثة النبوية موضعاً لمحاربة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصدّ الناس عنه ، وبعث رسائل التهديد والوعيد له ولأصحابه ، فلا غرابة أن لا تستديم تلك الأسواق ، قال تعالى [وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ]( ).
الرابعة : مجئ بعض المشركين إلى المدينة لدعوة المهاجرين بالعودة مع الترغيب ، والتهديد والوعيد عند الإمتناع .
الثالث : تهديد المشركين للأنصار لإيوائهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين والمهاجرات ، وتحذيرهم من الأستمرار بالذب والدفاع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ويتكرر هذا التهديد في كل موسم حج ، وفي باقي أيام السنة .
والمسلمون مقبلون على أداء الفرائض ،وإصلاح أمورهم ، وتنظيم صفوفهم بصيغة الأخوة الإيمانية ، أي أن هذا التنظيم من أجل حياة تكافلية سعيدة تتقوم بتقوى الله ، والحرص والتعاون في طاعته ، ولم يلتفتوا إلى تهديد المشركين , فان التقوى صارف لشرورهم .
وفيه شاهد بأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم يخطط لغزو ، وأن أصحابه لم يستحضروا القيام بغزو في منتدياتهم ومجالسهم ، إنما كانت حلقات قرآنية تشع منها الغبطة .
تقدير [لِيَقْطَعَ طَرَفًا]
فيه وجوه :
الأول : ليقطع الله عز وجل طرفاً من الذين كفروا ، فلا يقدر على هذا القطع إلا هو سبحانه .
الثاني : ليقطع طرفاً من الذين كفروا بدخول شطر منهم الإسلام .
الثالث : ليقطع طرفاً من الذين كفروا وهم ينظرون .
الرابع : ليقطع طرفاً من الذين كفروا لزجرهم عن مواصلة قتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الخامس: ليقطع طرفاً من الذين كفروا بتصديق أهل الكتاب بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى [وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ] ( ).
السادس : ليقطع الله طرفاً من الذين كفروا مع كثرتهم وقوتهم ، ولابد أن يكون هذا الطرف كثيراً أيضاً .
السابع : ليقطع طرفاً من الذين كفروا لشدة أذاهم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة ، قال تعالى [وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ] ( ).
الثامن : ليقطع طرفاً من الذين كفروا , أكثروا من السخرية والإستهزاء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والتنزيل ، وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ]( )، وقال (سعيد بن جبير : المستهزئون خمسة نفر : الوليد بن المغيرة ، والعاصي بن وائل ، والأسود بن المطلب أبو زمعة ، والأسود بن عبد يغوث ، ومن خزاعة الحارث بن الطلاطلة ، وهو ابن غيطلة) ( ).
وقد تقدم ذكر خبرهم وكيف أن جبرئيل نزل وأهلكهم كل واحد بكيفية خاصة ( ).
والمختار أن هذا الخبر موضوع الآية أعلاه الحاضر ، أما مضامينها وأحكامها فهي متصلة إلى يوم القيامة ، فاي مستهزئ بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو نزول القرآن لا يجد إلا الخيبة والخسران وشدة البلاء .
و(عن أبي بن كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قرأ سورة الحجر كان له من الأجر عشر حسنات بعدد المهاجرين والأنصار والمستهزئين بمحمد) ( ) .
مما يدل على كثرة المستهزئين بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وشدة إيذائهم له ، ولكنه لم ينتقم منهم أو يبطش بهم .
التاسع : ليقطع طرفاً من رؤساء الكفر زجراً وتأديباً وتخفيفاً عن الناس ، وهذا القطع من مصاديق مكر الله في قوله تعالى [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ] ( ) .
(عن ابن عباس { جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها }( ) قال : سلطنا شرارها فعصوا فيها ، فإذا فعلوا ذلك أهلكناهم بالعذاب) ( ).
العاشر : ليقطع طرفاً من الذين كفروا ، وفيه قوة ومنعة للذين آمنوا .
الحادي عشر : ليقطع طرفاً من الذين كفروا ، ويحفظ الله الذين آمنوا ، وفي التنزيل [فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ] ( ).
الثاني عشر : ليقطع طرفاً من الذين كفروا في كل زمان ، وفي التنزيل [سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً] ( ).
الثالث عشر : ليقطع طرفاً من الذين كفروا بما يبعث النفرة في نفوس الناس من الكفر ، وفيه مقدمة لدخولهم الإسلام .
الرابع عشر : ليقطع طرفاً من الذين كفروا موعظة وعبرة لأولي الألباب.
الخامس عشر : ليقطع طرفاً من الذين كفروا فلا يستطيعون صدّ الناس عن دخول الإسلام .
السادس عشر : ليقطع طرفاً من الذين كفروا ببيان أن أمور العباد كلها بيد الله ، وأنهم لا يستطيعون الهروب من مشيئته .
السابع عشر : ليقطع طرفاً من الذين كفروا بما يدل على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، لما يدل عليه الواقع من مصاديق لهذه الآية الكريمة .
الثامن عشر : ليقطع طرفاً من الذين كفروا لمنعهم من التمادي في التعدي والظلم .
التاسع عشر : ليقطع طرفاً من الذين كفروا لإصلاح المجتمعات ، ومنع سيادة مفاهيم الجحود والضلالة .
العشرون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا منعاً لاستمرار القتال والغزو .
الواحد والعشرون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا مقدمة لصلح الحديبية ، قال تعالى [إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا] ( ) ليكون ذات صلح الحديبية من مصاديق قوله تعالى [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ]( ).
الثاني والعشرون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا لتسهيل دخول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مكة من غير قتال .
الثالث والعشرون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا بكل معركة من معارك الإسلام ، مع أنهم هم الغزاة المعتدون .
الرابع والعشرون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا بالموادعة بين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبعض القبائل حول المدينة .
الخامس والعشرون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا بميثاق المدينة بين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويهود المدينة .
السادس والعشرون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا , ويبقى المسلمون في حيطة وحذر ، فمن معاني الطرف الجزء وليس الكل .
السابع والعشررون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا في كل واقعة.
الثامن والعشرون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا (لتبقى آيات السلم محكمة غير منسوخة)( ).
التاسع والعشرون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا تخفيفاً عن المؤمنين ، وفي التنزيل [الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ] ( ).
الثلاثون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا فيخزيهم ، ويمنع المنافقين من إثارة الريب والأراجيف في المدينة ، إذ كانوا اذا خرجت كتيبة أو سرية من المسلمين قالوا قتل فلان ، أسر فلان ، مات فلان ، أي من الصحابة لإثارة الفتنة والخوف في المدينة ، قال تعالى [الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ] ( ).
الواحد والثلاثون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا استجابة لدعاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين ، فهذا القطع من مصاديق قوله تعالى [ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ] ( ) .
الثاني والثلاثون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا ويكبتهم ويخزيهم ويجعل الخسران والخيبة مصاحبة لهم .
الثالث والثلاثون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا ثم طرفاً ثم طرفاً وهو من أسرار مجئ الآية بصيغة التنكير [طَرَفًا] إذ تفيد النكرة في مقام الإثبات العموم إلا مع القرينة ، فلم تقل الآية (ليقطع الطرف ) .
الرابع والثلاثون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا على نحو متكرر حتى يصاب بالوهن والضعف ، ويلجأوا لصلح الحديبية الذي سماه الله فتحاً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لبيان أن ما تنجز من فتوحات إنما بفضل ولطف ومدد من عند الله عز وجل ، ولم يقم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالغزو .
الخامس والثلاثون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا بنزول الملائكة لنصرة الرسول ، قال تعالى [بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاَفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ] ( ).
السادس والثلاثون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا دفاعاً من الله عن بيضة الإسلام .
السابع والثلاثون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا لأن الأرض ملك لله عز وجل ، ولا يرضى سبحانه بطغيان الذين كفروا فيها ، وفي التنزيل [لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ] ( ).
الثامن والثلاثون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا لأن الله هو ولي ونصير الذين آمنوا ، قال تعالى [وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا] ( ).
التاسع والثلاثون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا لإصرارهم على الإرهاب ، وللتضاد بين القرآن والإرهاب ( ).
الأربعون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا فيخزي الشيطان وأعوانه، وفي معركة بدرأغوى إبليس المشركين على القتال ، وورد حكاية عنه في التنزيل [لاَ غَالِبَ لَكُمْ الْيَوْمَ مِنْ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ] ( ).
الواحد والأربعون : ورد (عن جابر قال : سمعت صوت حصيات وقعن من السماء يوم بدر كأنهن وقعن في طست ، فلما اصطف الناس أخذهن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرمى بهن في وجوه المشركين فانهزموا ، فذلك قوله [وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ]( )، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام ناولني قبضة من حصباء .
فناوله فرمى بها في وجوه القوم ، فما بقي أحد من القوم إلا امتلأت عيناه من الحصباء ، فنزلت هذه الآية [وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ]( )، الآية .
وأخرج ابن جرير عن محمد بن قيس ومحمد بن كعب القرظي قالا : لما دنا القوم بعضهم من بعض ، أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبضة من تراب فرمى بها في وجوه القوم وقال : شاهت الوجوه . فدخلت في أعينهم كلهم ، وأقبل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقتلونهم ، وكانت هزيمتهم في رمية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فأنزل الله { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى }( ) إلى قوله { سميع عليم } ) ( ).
وهل رمي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التراب وأثره في المقام من مصاديق قوله تعالى [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا] ( )، الجواب نعم .
الثاني والأربعون : وعد الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه ليقطع طرفاً من الذين كفروا .
الثالث والأربعون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا اليوم في معركة أحد ،وغداً في معركة الخندق وحنين ، كما قطعه في معركة بدر .
الرابع والأربعون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا ، يا أيها الذين آمنوا أصبروا على شظف العيش وقلته وضيقه , فقد ترك المهاجرون أموالهم ودورهم وأعمالهم ولجأوا إلى المدينة المنورة بدينهم.
وكانت قريش تعمل في التجارة ، ولا يحسنون الزراعة والحراثة التي كان عليها غالب أهل المدينة ، فبنى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الصفّة في سقيفة بجانب المسجد النبوي ، والتي قد يجتمع فيها مائة ومائتان من الصحابة ، ثم يتفرق أكثرهم ، ويتلقون في الصفّة الإعانة الغذائية ، وتقوية العضد من الأنصار والمهاجرين الذين سبقوهم ،وهل هو من مصاديق قوله تعالى [وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ] ( )، الجواب نعم .
الخامس والأربعون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا الذين يشركون بالله ، ويتخذون أصناماً آلهة من دون الله .
السادس والأربعون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا فلا يشمت الكفار والمنافقون بالمسلمين .
السابع والأربعون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا فلا يعودوا لغزو المدينة .
الثامن والأربعون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا فهم في تناقص متصل.
التاسع والأربعون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا فتقع الخصومة والخلاف والفتن بينهم .
الخمسون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا فان الله عدو للكافرين.
الواحد والخمسون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا قانون متجدد إلى يوم القيامة .
الثاني والخسمون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا لأن الله جعل الأرض محلاً لعبادته وطاعته ، قال تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( ).
الثالث والخمسون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا فيقعوا أسرى بيد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من غير أن يغزوهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابع والخمسون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا كل يوم وكل أسبوع ، فافراد الزمان والمكان ملك لله عز وجل ، وهي من مصاديق الجنود في قوله تعالى [وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ]( ) .
الخامس والخمسون : من علوم الغيب التي بينها الله في القرآن يقطع طرفاً من الذين كفروا ، وفي التنزيل [ذَلِكَ مِنْ أنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ] ( ).
السادس والخمسون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا لتأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر ، فهذا القطع إزاحة للموانع دون الأمر والنهي قربة إلى الله ، قال تعالى [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ]( ).
السابع والخمسون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا فهذا القطع معجزة حسية غيبية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ودعوة للناس للإيمان وشاهد على أن الضرر الذي يصيب الكفار عقوبة من عند الله ، وليس بسبب غزو من النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهم.
الثامن والخمسون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا فالله هو القوي العزيز الجبار ، وفي التنزيل [إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ] ( ).
التاسع والخمسون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا [وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ] ( ).
الستون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا لإثارتهم الفتنة ، وإسرافهم في المكر والكيد .
الواحد والستون : ليقطع الله طرفاً من الذين كفروا حكمة منه تعالى ، وتدبيراً لشؤون الخلائق ، وتثبيتاً لمعالم الإيمان في الأرض .
الثاني والستون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا حرزاً للعباد من الفساد ، قال تعالى [فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ] ( ).
الثالث والستون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا ، وهو من مصاديق رد الله عز وجل على الملائكة [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ) حينما احتج على جعل الإنسان [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( ) لأن طائفة تفسد في الأرض وتسفك الدماء .
فما دام هناك قطع وقتل للذين كفروا فان الفساد وسفك الدماء لن يستمر، ليسجد الملائكة لآدم حينما أمرهم الله عز وجل ، قال تعالى [وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ]( ).
الرابع والستون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا وتعطل رحلة الشتاء والصيف .
لقد كانت قريش أهل تجارة يرحلون في الشتاء لجلب البضائع في الصيف من الشام لأنها بلاد باردة ، ويرحلون في الشتاء إلى اليمن لأنها بلاد حامية للبيع والشراء .
ليكون من خصائص قوافل قريش أنها تجوب الصحراء محملة بالبضائع والتجارات في ذهابها إلى الشام أو إلى اليمن والعودة منها ، قال تعالى [لِإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ] ( ).
وتسير قريش في قوافل كبيرة في أمن وسلام ولا تتعرض القبائل إلى تجارتهم وإبلهم لأنهم أولياء البيت الحرام ، فمثلاً كان عدد الإبل في قافلة أبي سفيان التي إدعوا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أراد الإستيلاء عليها , وهي مؤلفة من ألف بعير محملة بالبضائع ، وليس معها إلا ثلاثون رجلاً ، وبعض القوافل كانت تتألف من ألف وخمسمائة أو ألفي بعير .
ليكون قطع الطرف والأطراف من الذين كفروا بظلمهم ، وكثرة تعديهم.
لقد سخرت قريش أموال القوافل والتجارة للحرب على النبوة والتنزيل واستئجار ألاف الرجال لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فابتلاهم الله عز وجل بقطع الطرق والنقص والوهن في الطرق الذي لم يقطع بعد ، وصيرورته عاجزاً عن تكرار وتوالي الغزو ، قال تعالى [مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمْ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ]( ).
الخامس والستون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا لتعبدوا الله بلا خوف منهم .
السادس والستون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا فاقيموا الصلاة وأتوا الزكاة وصوموا شهر رمضان .
السابع والستون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا لتأكيد قانون حضور المشيئة الإلهية في ميدان القتال ، وفي التنزيل [وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ..] ( ).
الثامن والستون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا بجحودهم النعم ، وسوء جوارهم للبيت الحرام ليتوبوا ويعودوا إلى رشدهم ، وفي دعاء إبراهيم [وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنْ الثَّمَرَاتِ] ( ) فأراد الله عز وجل أن يكون أهل المسجد الحرام مؤمنين.
التاسع والستون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا لإستصال عبادة الأصنام في الأرض ، فمن معاني الإخبار التحدي من الله بأن [لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ] ( )، وعدم رضاه بعبادة الأصنام في ملكه ، وقطع أسباب ومقدمات هذه العبادة .
السبعون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا بمدد ظاهر وآخر خفي إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الواحد والسبعون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا فيخاف الكفار الذين من ورائهم ، فيكفون عن إعانتهم بالمال والرجال والسلاح ، وعن نصرتهم في القتال ، قال تعالى [فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ] ( ).
الثاني والسبعون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا لينهزموا من ميدان المعركة ، قال تعالى [وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ]( ).
الثالث والسبعون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا ليحرموا من النصر في المعارك .
ومن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم عجز المشركين عن النصر والظفر في أي معركة من معارك الإسلام مع رجحان كفتهم في الرجال والسلاح ، والظهر والمؤن ، وهو من عمومات قوله تعالى [وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ] ( ).
الرابع والسبعون : ليقطع الله طرفاً من الذين كفروا لبيان أن قبض الأرواح بيده ، وكان الكفار يجعلون سبب الموت تقادم السنين ، ووهن البدن ، وعجزه عن دفع الأسقام ، ولا يعترفون بما بعد الموت ، ولا عالم البرزخ .
الخامس والسبعون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا بامتناع رجالات القبائل عن نصرتهم في قتالهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن الآيات أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم يحرض القبائل لنصرته في دفاعه .
السادس والسبعون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا وأن صار لهم ظفر وجولة في معركة أحد .
السابع والسبعون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا لتمتلئ قلوب الباقين منهم بالرعب والهلع ، وهو من عمومات قوله تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ] ( ).
الثامن والسبعون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا فلا مؤثر في الوجود إلا الله عز وجل .
التاسع والسبعون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا لبيان أن النبي محمداً (ص) لم يغز أحداً .
الثمانون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا [وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ] ( ) وهل ينحصر هذا الشفاء بخصوص أيام التنزيل ، الجواب لا ، فهو متجدد إلى يوم القيامة ، وهو باب للإستدلال على كل من :
الأول : قانون آيات السلم محكمة غير منسوخة .
الثاني : قانون أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم يغز أحداً.
الثالث : قانون التضاد بين القرآن والإرهاب .
الرابع : قانون آيات الدفاع سلام دائم.
الواحد والثمانون: ليقطع طرفاً من الذين كفروا [وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ] ( ) .
الثاني والثمانون : ليقطع طرفاً من الذين كفروا لجحودهم النعم ، ومنها نعمة البعثة النبوية ، وجوار البيت الحرام وولايته ، وكثرة أموال قريش من التجارة ، قال تعالى [أَلَمْ تَرَى إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ] ( ).

معاني متجددة لـ (لِيَقْطَعَ طَرَفًا)
تقدير الآية على وجوه كثيرة منها :
الأول : ليقطع الله طرفاً من الذين كفروا إذا هجموا عليكم .
الثاني : ليقطع الله طرفاً من الذين كفروا في كل مرة يغزون فيها المدينة .
الثالث : ليقطع الله طرفاً من الذين كفروا عندما يريدون قتل أو اغتيال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سواء قتله في ميدان المعركة كما في معركة أحد إذ نادى مناديهم (قتلت محمداً) والقائل هو ابن قمئة الليثي ، عندما قتل مصعب بن عمير (وهو يظن أنه النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، فرجع إلى قريش وقال : قتلت محمداً. فجعل الناس يقولون: قُتل محمد، قُتل محمد)( ).
الرابع : ليقطع طرفاً من الذين كفروا في كل مرة يحشدون ويهجمون فيها .
الخامس : ليقطع طرفاً من الذين كفروا فلا تغزوهم .
السادس : ليقطع طرفاً من الذين كفروا أكبر من الطرف الذي قطع قبله مع موضوعية تراكم وتعدد هذا القطع ، لذا جاءت الآية بصيغة المضارع (ليقطع).
السابع : لينصركم الله بأن يقطع طرفاً من الذين كفروا .
الثامن : ليقطع طرفاً من الذين كفروا فاشكروا الله عز وجل.
التاسع : ليقطع الله طرفاً من الذين كفروا فيصابون بالنقص في الرجال والعدة.
العاشر : ليقطع طرفاً من الذين كفروا مقدمة لخيبتهم في معركة الخندق .
الحادي عشر : ليقطع طرفاً من الذين كفروا بقانون من الإرادة التكوينية في الذين كفروا الذين يحاربون النبوة والتنزيل .
الثاني عشر : ليقطع طرفاً من الذين كفروا فيجعلهم ضعفاء وتمتنع الدول العظمى آنذاك عن نصرتهم ، قال تعالى [الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ] ( ).
الثالث عشر : ليقطع طرفاً من الذين كفروا [لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ] ( ).
الرابع عشر : ليقطع طرفاً من الذين كفروا فيدخل أولادهم الإسلام إتعاظاً .
الخامس عشر : ليقطع طرفاً من الذين كفروا [فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا] ( ).
بلحاظ أن ذات آية (ليقطع طرفاً) لها موضوعية ونفع مبارك ، وإذا كان قطع الطرف وقتل وهلاك جماعة من المشركين يتم في ميدان المعركة وخارجها في فترات متقاربة أو متباعدة فان أثر ومنافع هذه الآية متجددة كل يوم ، وأيهما أكثر وأقوى في الدعوة إلى الإيمان :
الأول : قطع طرف وهلاك جماعة من الكفار .
الثاني : نزول آية (ليقطع طرفاً) .
الثالث : تلاوة المسلمين كل يوم للآية أعلاه .
والمختار هو الثاني والثالث لبيان وقوع الفتح ، وتحقق النصر للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بآيات القرآن ومضامينها القدسية وتلاوة المسلمين والمسلمات لها.
قراءة في الجزء 235 من هذا السِفر
لقد أضفت هذا اليوم للجزء الخامس والثلاثين بعد المائتين والذي صدر قبل نحو شهرين : هل يمكن القول بقانون كل آية من القرآن الكريم تدعو إلى الأمن ونبذ الإرهاب ،وهي مادة ووسيلة للسعادة الأبدية سواء في منطوقها أو مفهومها ، الجواب نعم( ).
وهل آيات القتال تدعو إلى الأمن ونبذ الإرهاب أم هي خارجة بالتخصيص عن هذه الدعوة موضوعاً أو حكماً .
الجواب هو الأول فهي آيات دفاع وضرورة وأمن وتثبيت للسلام وصدّ لإرهاب كفار قريش وحلفائهم من رجال القبائل .
ويتضمن الجزء أعلاه (50) قانوناً قمت بشرحها كل واحد منها بصيغة التحليل والإستقراء والإستنباط والإستدلال مع (190) قانوناً ذكرناها بالاسم .
وهل يصلح كل واحد منها أن يكون رسالة ماجستير أودكتوراه أو شطر منها أو بالجمع بين قانونين أو أكثر منها ، الجواب نعم ، فلا تعارض بين هذه الوجوه ، وعناوين هذا الجزء والأجزاء الأخرى يمكنها النهوض بعلوم ، فتكون نواة ومقدمة لدراسات في السنة النبوية سواء القولية أو الفعلية أو التقريرية .
ثم قانون ثواب العبادات صرف عن الإرهاب ، إذ صاحب الإخبار السماوي عن الثواب على الصالحات الإنسان من قبل أن يعمر الأرض ، قال تعالى في خطاب إلى آدم وحواء ، قال تعالى [قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ]( ).
وتتضمن الفرائض العبادية العصمة والنفرة من الإرهاب بأدائها اليومي المتكرر كما في الصلاة أو شهر في السنة كما في الصيام الذي حددت بدايته واختتامه بآية واحدة من القرآن [فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ]( ).
وحصر مدة الصيام بشطر من آية قرآنية من الإعجاز في بيان الأحكام الشرعية ، وعدم وقوع الخلاف فيها إلى يوم القيامة ، نعم قد ينشغل المسلمون بالإجتهاد المتعدد في أول شهر رمضان أو آخره احياناً وهو مناسبة للتقيد بمضامين الآية الكريمة بخصوص الصوم ، و(عن حذيفة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة ثلاثين ، ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة ثلاثين)( ).
والمراد من العدة الأولى في الحديث أعلاه هي عدة شعبان ، أما العدة الثانية فهي عدة رمضان.
وأخرج البيهقي عن الإمام علي عليه السلام (أنه كان يخطب إذا حضر رمضان ، ثم يقول : هذا الشهر المبارك الذي فرض الله صيامه ولم يفرض قيامه ، ليحذر الرجل أن يقول : أصوم إذا صام فلان وأفطر إذا أفطر فلان ، ألا إن الصيام ليس من الطعام والشراب ولكن من الكذب والباطل واللغو ، ألا لا تقدموا الشهر إذا رأيتم الهلال فصوموا ، وإذا رأيتموه فافطروا ، فإن غم عليكم فأتموا العدة)( ).
ومرة واحدة في بالسنة بأداء الزكاة عند تحقق النصاب ، والخمس عند الزيادة على المؤونة ،ثم قانون فضل الله على قريش مقدمة للبعثة .
وتدل عليه سورة قريش ، ومن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم صيرورة الذين حاربوه بالسيف قادة وأمراء في الإسلام بعد توبتهم.
قانون معارك النبوة ليست غزوات
لقد اختلف المفسرون وكتاب ومؤرخوا السيرة في عدد كتائب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والتي تسمى غزوات على أقوال :
الأول : ورد عن الزهري قال (سمعت ابن المسيب يقول : غزا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثماني عشرة غزوة قال : وسمعته مرة أخرى يقول أربعاً وعشرين غزوة)( ).
وعن الزهري أيضاً (سمعت سعيد بن المسيب يقول: غزا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثمانى عشرة غزوة.
وسمعته مرة أخرى يقول : أربعا وعشرين، فلا أدرى أكان ذلك وهما أو شيئا سمعه بعد ذلك)( ).
الثاني : عن جابر بن عبد الله قال (غزا رسول الله صلى الله عليه واله إحدى وعشرين غزوة بنفسه، شاهدت منها تسعة عشر، وغبت عن اثنتين)( ) ، ولعل لفظ (غزا) من رواة الحديث.
الثالث : لم يرد عن ائمة أهل البيت فيما اطلعت عليه ذكر عدد غزوات النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما قال المجلسي (قال أهل السير والمفسرون: إن جميع ما غزا رسول الله صلى الله عليه وآله بنفسه ست وعشرون غزوة ، وإن جميع سراياه التي بعثها ولم يخرج معها ست وثلاثون سرية، وقاتل صلى الله عليه وآله من غزواته في تسع غزوات)( ).
الرابع : (قال محمد بن إسحاق: وكان جميع ما غزا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه الكريمة سبعا وعشرين غزوة: غزوة ودان وهى غزوة الابواء .
ثم غزوة بواط من ناحية رضوى، ثم غزوة العشيرة من بطن ينبع، ثم غزوة بدر الاولى يطلب كرز بن جابر .
ثم غزوة بدر العظمى التى قتل الله فيها صناديد قريش .
ثم غزوة بنى سليم حتى بلغ الكدر، ثم غزوة السويق يطلب أبا سفيان بن حرب، ثم غزوة غطفان وهى غزوة ذى أمر ثم غزوة بحران معدن بالحجاز .
ثم غزوة أحد، ثم حمراء الاسد، ثم غزوة بنى النضير، ثم غزوة ذات الرقاع من نخل، ثم غزوة بدر الآخرة .
ثم غزوة دومة الجندل .
ثم غزوة الخندق، ثم غزوة بنى قريظة، ثم غزوة بنى لحيان من هذيل، ثم غزوة ذى قرد، ثم غزوة بنى المصطلق من خزاعة .
ثم غزوة الحديبية لا يريد قتالا فصده المشركون، ثم غزوة خيبر، ثم عمرة القضاء .
ثم غزوة الفتح، ثم غزوة حنين، ثم غزوة الطائف، ثم غزوة تبوك.
قال ابن إسحاق: قاتل منها في تسع غزوات: غزوة بدر وأحد والخندق وقريظة والمصطلق وخيبر والفتح وحنين والطائف)( ).
الخامس : قال ابن حزم الظاهري (غزا النبي صلى الله عليه وآله وسلم خمساً وعشرين غزوة)( )، ثم ذكر أسماء الغزوات.
السادس : قال ابن هشام نقلاً عن محمد بن إسحاق أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم غزا بنفسه سبعاً وعشرين غزوة( ).
ولد ابن هشام الحميري في البصرة ، وتوفى في مصر سنة 218 هجرية -833م.
ولا دليل على قيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالغزو إنما كان مدافعاً أو يخرج من المدينة للإستطلاع وصرف المشركين عن الغزو.
السابع : قال الواقدي (كانت مغازي النبي صلى الله عليه وسلم التي غزا بنفسه سبعاً وعشرين غزوة. وكان ما قاتل فيها تسعاً: بدر القتال، وأحد، والمريسيع، والخندق، وقريظة، وخيبر، والفتح، وحنين، والطائف. وكانت السرايا سبعاً وأربعين سرية، واعتمر ثلاث عمر.
ويقال قد قاتل في بني النضير ولكن الله جعلها له نفلاً خاصة. وقاتل في غزوة وادي القرى في منصرفه عن خيبر، وقتل بعض أصحابه. وقاتل في الغابة حتى قتل محرز بن نضلة، وقتل في العدو ستة)( ).
تقدير سبحانك
الحمد لله الذي يتفضل بالنعم العظيمة من غير حاجة منا ولا استحقاق ، وتأتي ابتداء من فضله والدعاء للذات ، وسؤال الغير ، وهو من الإعجاز في مدرسة الدعاء غير المتناهية ، ومن عمومات قوله تعالى [ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ] ( )، دعاء العبد لنفسه ولغيره حياً أو ميتاً .
وهل ينتفع الآخرون من دعاء الإنسان لنفسه أم أن هذا الدعاء يفيد الحصر والتعيين ، الجواب هو الأول ، فاغصان شجرة الدعاء في كل بيت ، وتفيئ على القريب والبعيد .
فمن معاني قوله تعالى [أَسْتَجِبْ لَكُمْ] ( )، وجوه :
الأول : استجب لكم في موضوع الدعاء .
الثاني : استجب لكم على نحو متكرر .
الثالث : استجب لكم ولغيركم , فيدعو المؤمنون متفرقين , فيستجيب الله عز وجل لهم مجتمعين ومتفرقين .
الرابع : استجب لكم سواء ألححتم بالدعاء أو لا .
الخامس : استجب لكم وإن نسيتم ذات الدعاء مع تقادم الأيام.
السادس : استجب لكم بما ينفعكم في دنياكم وأخراكم .
السابع : استجب لكم اليوم وغداَ .
الثامن : استجب لكم مع الأجر والثواب .
التاسع : استجب لكم شكراَ لكم على دعائكم .
العاشر : استجب لكم لأنكم مؤمنون , قال تعالى في ذم الكفار [قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ]( ).
الحادي عشر : استجب لكم على نحو الحتم والقطع .
الثاني عشر : استجب لكم ولمن أحبه , وفي التنزيل [قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ] ( ).
الثالث عشر : استجب لكم في السراء والضراء .
الرابع عشر : استجب لكم فادعوني مخلصين ، وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (يقول الله : يا ابن آدم إنك إذا ما ذكرتني شكرتني ، وإذا ما نسيتني كفرتني)( ).
الخامس عشر : استجب لكم فالحوا بالدعاء .
السادس عشر : استجب لكم فإني [عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ]( ).
السابع عشر : استجب لكم لأمور الدنيا والآخرة .
الثامن عشر : استجب لكم فقد جعلت الدنيا دار الإمتحان والإختبار والإبتلاء فبادروا إلى الدعاء .
التاسع عشر : استجب لكم فقد جعلت الدنيا دار الدعاء والمسألة .
العشرون : استجب لكم في حال الغنى والفقر , والصحة والمرض .
الواحد والعشرون : استجب لكم فإن إستجابتي لا تختص بالأنبياء .
الثاني والعشرون : استجب لكم وأنا[غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ] ( ).
الثالث والعشرون : استجب لكم كما استجبت للذين من قبلكم.
ترى هل من صلة بين آية الإستجابة هذه وبين آيات (كتب عليكم) كما في قوله تعالى [كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] ( ) الجواب نعم , فهذه الإستجابة لطف وفضل من الله عز وجل , وشكر له للمؤمنين على إمتثالهم لأداء الفرائض العبادية , وتعاهدهم لها.
الرابع والعشرون : استجب لكم من غير أن تنقص خزائني شيئاَ .
الخامس والعشرون : استجب لكم فاتقوا الله عز وجل .
السادس والعشرون : استجب لكم [وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا] ( ).
السابع والعشرون : استجب لكم فامروا بالمعروف وأنهوا عن المنكر .
وهل هذا الأمر والنهي من الشكر لله عز وجل على فضله في إستجابة الدعاء , الجواب نعم , وهو من مصاديق قوله تعالى [لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ] ( ) .
وعن ابن مسعود (قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من أعطى أربعاً أعطي أربعاً ، وتفسير ذلك في كتاب الله من أعطي الذكر ذكره الله لأن الله يقول { اذكروني أذكركم }( ) ، ومن أعطي الدعاء أعطي الإِجابة لأن الله يقول { ادعوني أستجب لكم }( ) ، ومن أعطي الشكر أعطي الزيادة لأن الله يقول { لئن شكرتم لأزيدنكم }( ) ، ومن أعطي الاستغفار أعطي المغفرة لأن الله يقول { استغفروا ربكم إنه كان غفاراً }( )) ( ).
الثامن والعشرون : استجب لكم لتواظبوا على الدعاء .
وهل الدعاء من الذكر في قوله تعالى [الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ]( ), ( ) ، الجواب نعم .
التاسع والعشرون : استجب لكم في الشدة والرخاء ، وفي الليل والنهار.
الثلاثون : ترى الملائكة وأهل السموات إني استجيب لكم , وهو من مصاديق رد الله عز وجل على الملائكة [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ) بأن ترى وتسمع الملائكة بني آدم يلحون بالدعاء في الأرض ليؤمن لهم الملائكة في دعائهم وتكون أقرب للإستجابة .
ليكون من معاني قوله تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( ) يدعوني ويسألني وتأمن له الملائكة فاستجيب له .
الواحد والثلاثون : استجيب لكم في حال السلم والدفاع , وفي معركة بدر قال تعالى [إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ]( ).
ترى ما هي النسبة بين الدعاء والإستغاثة الجواب هو العموم والخصوص المطلق , فكل إستغاثة هي دعاء وليس العكس , وهل مراتب الإستجابة في الإستغاثة أسرع وأكثر من الدعاء وحده.
المختار نعم بفضل من الله عز وجل .
الثاني والثلاثون : ادعوني استجب لكم [فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي]( ).
الثالث والثلاثون : ادعوني استجب لكم في صرف كيد المشركين .
الرابع والثلاثون : ادعوني استجب لكم لدخول أهل مكة الإسلام , فهذا الدخول معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فلم يتم فتح مكة بقوة السلاح إنما كانت مهيأة لإزاحة مفاهيم الشرك وكسر الأوثان بدخول أكثر أهلها الإسلام قبل الفتح .
وما دخول النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا نهاية لعصر الجاهلية والوثنية , قال تعالى [تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ] ( ).
الوجوه والنظائر
من إعجاز القرآن علم الوجوه والنظائر وتخلفها عن إفادة معنى ذات الكلمة القرآنية ، وهو من الشواهد على سلامة القرآن من التحريف .
والمراد من الوجوه جمع وجه وهو اللفظ المشترك الذي يفيد معاني متعددة مثل لفظ العين والأمة.
و(آية) التي تعني المعجزة ، وكلام الله ، والعلامة ، والموعظة والعبرة ، كما في قوله تعالى [لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ]( ).
ومن معاني التحدي في الآية أعلاه صيغة الجمع [آيَاتٌ] و[لِلسَّائِلِينَ] لبيان استقراء المسائل والمواعظ والقوانين المستحدثة من سورة يوسف إلى يوم القيامة ، وتقدير الآية : للسائلين في كل زمان ، وهو نوع تحد متجدد، وباب للعلم والموعظة ومادة للصلاح.
وقيل الوجوه هي المعاني أما النظائر فهو جمع نظيرة وهي المثل والشبه كما يقال : فلان نظير أخيه ، والمراد الألفاظ المتواطئة ، فترد كلمة بلفظ وحركة واحدة في عدة مواضع ، ولكن المعنى مختلف.
ومن الأمثلة على النظائر لفظ (إنسان) فانه يصدق على زيد ، وحسن ، وجعفر وغيرهم ، فالمراد من النظيرة اللفظ المتحد في النطق والمعنى ، وله معاني وأفراد كثيرة متعددة .
ومنه لفظ (القرية) إذ ورد في القرآن نحو سبع وثلاثين مرة مع إختلاف المعنى والمقصود من القرية مثل قوله تعالى [الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا] ( )، وعن ابن عباس (ربنا أخرجنا من هذه القرية يعني مكة الظالم أهلها أي التي من صفتها إن أهلها ظالمون مشركون)( ).
ومنه قوله تعالى [وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا] ( ) وقيل القرية مصر وعن (ابن عباس : قرية من قُرى مصر)( )، وهو الأقرب أي إرادة قرية قريبة في الطريق بين مصر والشام يستطيع يعقوب عليه السلام الوصول إليها ، أو إرسال رسول إليها.
وقد ذكر المفسرون أن (اسأل القرية) مجاز ووجود حذف والأصل اسأل أهل القرية ، وقد اضفنا علماً جديداً في المقام وهو إجتماع الحقيقة والمجاز في اللفظ المتحد ، فيسأل يعقوب النبي بما رزقه الله من علم جدران القرية وأشجارها وبيوتها على نحو الحقيقة ، كما يسأل على نحو المجاز أهل القرية ، لبيان إحاطة كلمات القرآن المحدودة باللامحدود من الوقائع والأحداث.
ومن إعجاز القرآن أنك تجد الكلمة منه تنصرف إلى عشرة أو عشرين معنى ، وهو باب يتخلف عنه كلام البشر ، وبلاغة العرب ، وفيه وجوه :
الأول : إقرار فصحاء العرب بنزول القرآن من عند الله .
الثاني : جذب الناس للإصغاء لآيات القرآن ، والإنشغال بتفسيره .
الثالث : بقاء أبواب علم التفسير مفتوحة إلى يوم القيامة تدعو العلماء لاستخراج الذخائر والكنوز من ثنايا الآيات والكلمات ذات الوجوه المتعددة والنظائر .
ومن إعجاز القرآن أن الكلمات الأفراد أي الألفاظ متحدة المعنى ، والتي ليس لها نظير ، تجدها في القرآن تحمل معنى آخر نظيراً مع بيانه ، وشموله للمعنى الأصل ، وهو الإفراد مثل لفظ (بخس )فهو النقص إلا في قوله تعالى [وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ] ( )، فهو نقص حرام .
أو لفظ (بعل ) وهو الزوج ، ولكنه ورد في القرآن [أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ]( ) فهو صنم .
وعن الضحاك قال (مر رجل يقول : من يعرف البقرة؟
فقال رجل : أنا بعلها فقال له ابن عباس: تزعم أنك زوج البقرة؟
قال الرجل : أما سمعت قول الله { أتدعون بعلاً وتذرون أحسن الخالقين }( ) قال : تدعون بعلاً ، وأنا ربكم فقال له ابن عباس: صدقت) ( ).
والخبر مرسل وهو بعيد ، إنما تدل الآية على إراد الصنم وتنزيه مقام الربوبية لقوله تعالى [وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ]( ) كوالضحاك بن فرج الهلالي مفسر ، تابعي ، وهنام قول بأن لم يلق ابن عباس .
وثقه أحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، ليس له في الصحيحين حديث ، ضعفه يحيى بن سعيد وغيره ، وقيل : كان يدلس .
(وورد أنه كان فقيه مكتب عظيم فيه ثلاثة آلاف صبي. وكان يركب حماراً ويدور عليهم إذا عيي) ( ).
من أقسام نصر النبي (ص)
لقد كان انصراف أبي سفيان والجيش الذي معه عن موعدة بدر الآخرة نصراً عظيماً للنبي والمسلمين ، نصراً من غير قتال ولا سفك دماء ، وهو من مصاديق إحتجاج الله عز وجل على الملائكة حين تساءلوا عن جعل الإنسان [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( ) مع فساده فيها وسفكه الدماء ، إذ أجابهم الله عز وجل [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) فمن علم الله عز وجل في المقام وجوه :
الأول : النصر المتجدد للأنبياء والذين آمنوا .
الثاني :محو وصرف القتال وأن اجتمعت مقدماته ، وهو من عمومات قوله تعالى [يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ] ( ).
الثالث : تحقق النصر من غير قتال ، وليس من حصر لوجوه ومصاديق هذا النصر ، فلم ينتصر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالسيف ، إنما جاء النصر من جهات كثيرة منها :
الأولى : نزول كل آية قرآنية نصر للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثانية : دخول الأفراد للإسلام نصر .
الثالثة : أداء المسلمين لكل فريضة صلاة هو نصر للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهل أداء الصلاة جماعة مثل الصلاة فرادى في المقام ، الجواب إن النصر بصلاة الجماعة أعظم وأكثر .
الرابعة : كل مرة تقوم كتيبة أو سرية من المسلمين بالخروج من المدينة نصر للإسلام ، لذا سميت غزوات وما هي بالغزو ، إنما كانت كتائب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على وجوه :
الأول: الإستطلاع .
الثاني : عرض قوة المسلمين وبيان عملي لكثرة عددهم .
الثالث : بعث رسالة للمشركين بعز الإسلام .
الرابع : دعوة الناس لدخول الإسلام .
وهل يمكن القول أن كل كتيبة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سبب لدخول شخص أو أكثر الإسلام .
الجواب نعم ، إذ أن هذه الكتائب من مصاديق قوله تعالى [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ..] ( ) فهي دعوة بحكمة وصبر وتحمل ومن غير سيف أو قتال ، ليكون نصر الله للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم توليدي ، فكلما خرج في كتيبة دخل نفر في الإسلام ، وصاروا سبباً لدخول غيرهم في الإسلام ، مع صدق الإيمان بتقادم الأيام .
وهل هو من أسباب إمتلاء المشركين بالغيظ والحنق وتجهيزهم الجيوش لمحاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في معركة بدر وأحد والخندق .
الجواب نعم ، وهو من مصاديق قانون (لم يغز النبي (ص) أحداً) فيتحقق النصر للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من غير قتال أو لمعان سيوف ، فيقوم المشركون بالغزو والهجوم لتكون خسارتهم وإنكسارهم وهزيمتهم نصراً آخر للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
بركات طيبة
من وجوه تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم توالي البركة في الموضع والبلدة التي يقيم فيها بمضاعفة النعم والبركة مع تقادم الأيام وإلى يوم القيامة ، لتمتد كل من مكة والمدينة أفقياً وعمودياً مع موضوعية وشأن المسجد الحرام والمسجد النبوي ، وشوق المسلمين والمسلمات في مشارق الأرض ومغاربها لزيارتهما ،وفيه زيارة لله عز وجل ، وأداء المناسك ، وأداب زيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
و(عن أنس بن مالك عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: من زارني إلى المدينة محتسبا كنت له شفيعا وشهيدا يوم القيامة
وفي رواية أخرى : كان في جواري يوم القيامة ، ومن مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة من الآمنين ) ( ).
(وأخرج العقيلي في الضعفاء والبيهقي في الشعب عن رجل من آل الخطاب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : من زارني متعمداً كان في جواري يوم القيامة ، ومن سكن المدينة وصبر على بلائها كنت له شهيداً وشفيعاً يوم القيامة ، ومن مات في أحد الحرمين بعثه الله من الآمنين يوم القيامة) ( ).
وتبين هذه الأحاديث قدسية المدينة المنورة بحضور النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإقامته فيها ، وبعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى ، وفيه حجة على الذين كفروا إذا تكرر غزوهم إلى المدينة ، لتترشح عنه أمور :
الأول : الخزي والخيبة للمشركين .
الثاني : رجوع المشركين من غزوهم خاوين الوفاض .
الثالث : وقوع الخلاف والتلاوم بين رؤساء الشرك .
الرابع : إدراك الناس لحرمة المدينة المنورة ببركة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
الخامس : مناجاة المشركين بالكف والإمتناع عن غزو النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
السادس : دخول طائفة من الناس في الإسلام ، وهل دخل فريق من جيش المشركين الإسلام في طريق العودة إلى مكة ، المختار نعم ، لتجلي معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ولقانون ترتب الأثر المتعدد على هذه المعجزات على نحو الوجوب والحتم.
وفي حديث (عن مالك بن أنس ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من مات بين الحرمين حاجا أو معتمرا بعثه الله تعالى يوم القيامة لا حساب عليه ولا عذاب ، ومن زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي) ( ).
وهل يشمل الحديث السكن بجوار الإمام علي عليه السلام وجوار الإمام الحسين عليهما السلام والصبر على البلاء فيهما أو الذي يسكن بجوارهما يفوز بشفاعتهما ، المختار هو الأول خاصة مع صعوبة اختيار جوار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للضوابط الدولية في هذا الزمان ، قال تعالى [ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] ( ).
و (عن محمد بن المنكدر قال : رأيت جابراً وهو يبكي عند قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول : ههنا تسكب العبرات ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة) ( ).
وعن (الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم : صلاة في مسجدي خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام “)( ).
وعن (عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله : من زارني في المنام فكأنما زارني في اليقظة إن الشيطان لا يتمثل بي) ( )( ).
ترى ماذا لو كان السكن بجوار البيت الحرام والمسجد النبوي مباحاً للمسلمين في هذا الزمان من غير القيود والأنظمة الدولية ، وكم يكون عدد سكان كل من مكة والمدينة كثرة ، وهل يكون هناك ضيق معيشة ، الجواب لا ، لما ورد في التنزيل ، [وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ] ( ) .
وللمستخرج من خزائن الأرض ووفود المسلمين والمسلمات من أقطار الأرض إلى مكة والمدينة ، وفيه تجارة وكسب رزق كريم للمجاورين .

علم الدلالة وإجتناب النبي (ص) الغزو
الدلالة هي العلاقة بين شيئين يدل أحدهما على الآخر سواء انتقل الذهن من الدال إلى المدلول أم لا .
وتنقسم الدلالة إلى ثلاثة أقسام هي :
الدلالة الأولى : الدلالة العقلية وهي على شعبتين :
الأولى : الدلالة العقلية اللفظية : مثل سماع صوت الراديو أو رنين جرس الهاتف إذ يدل على وجود طالب للحديث ، وكل آية من القرآن دليل عقلي لفظي يدرك معها الناس أنها نازلة من عند الله.
وكانت آيات القرآن , أقوال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في السنة الدفاعية وغيرها شاهداً على أنه لم يغز أحداً ولم يسع للغزو والهجوم ، ومنه دلالة الآيات والحديث النبوي على أن المشركين هم الغزاة ، وهم الذين يسعون لإرادة قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى [وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ] ( ) وهو الذي ظهر على ألسنة رؤساء المشركين ووعيدهم .
الثانية : الدلالة العقلية غير اللفظية مثل دلالة رؤية هلال رمضان على وجوب الصيام ، ومثل إفادة رؤية الدخان وجود نار ، ويدل منهاج النبوة والتأريخ على أن المشركين هم الغزاة بالدليل العقلي غير اللفظي إذ زحف ثلاثة آلاف منهم في معركة أحد قاطعين نحو أربعمائة وخمسين كيلو متر من مكة إلى مشارف المدينة حتى صاروا على بعد (5) كم من المسجد النبوي في شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة ، وكأنهم تعجلوا القتال لأن الشهر التالي هو شهر ذي القعدة والذي هو من الأشهر الحرم ، وتستعد فيه قريش لاستقبال وفد الحاج .
فأرادوا غايات خبيثة منها :
الأولى :إخافة المسلمين الذين يفدون إلى الحج من القرى والمدن.
الثانية : منع مسلمي مكة من إظهار اسلامهم .
الثالثة : صيرورة معركة أحد ونتائجها زاجراً للناس عن دخول الإسلام.
الرابعة : عرض قريش لقوتها وكثرة رجالها وحلفائها ، مع أن أبا سفيان اسـتأجر يومئذ ألفين من الرجال للخروج معه إلى معركة أحد , لخيبتهم بسقوط عدد من رؤساء قريش يوم بدر ممن يعرفهم الناس عند الوفود إلى مكة أو عند مرور القوافل على القرى في الطريق إلى الشام ، أو إلى اليمن والعودة منهما.
مثل أبي جهل.
وأمية بن خلف .
وعتبة بن ربيعة .
وزمعة بن الأسود وغيرهم من قتلوا يوم بدر وسحبوا إلى القليب .
ومن الأدلة العقلية غير اللفظية على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يغز أحداً مجئ عشرة آلاف رجل من المشركين في معركة الخندق ليحيطوا بالمدينة لإرادة اقتحامها وقتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
ومن الأدلة العقلية اللفظية بخصوص قانون لم يغز النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أحداً آيات القرآن الخاصة بالمعركة وأقوال النبي صلى الله عليه وآله وسلم تحت الحصار .
والحوار والجدال الذي جرى بين الإمام علي عليه السلام وعمر بن ود العامري قبل المبارزة وسقوط الأخير قتيلاً بمدد وعون من عند الله ، ومن الآيات في المقام قوله تعالى [إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ] ( ).
ومن أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم (واخرج البخاري عن جابر بن عبد الله قال إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا هذه كدية عرضت في الخندق فقال : انا نازل ثم قام وبطنه معصوب بحجر ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول فضرب فعاد كثيبا أهيل)( ).
الدلالة الثانية : الدلالة الوضعية ،وهي العلاقة الحاصلة بين الدال والمدلول بسبب الوضع والإصطلاح ، وهي تقسم إلى قسمين:
الأول : الدلالة الوضعية اللفظية ، وهي دلالة الألفاظ على معانيها .
الثاني : الدلالة الوضعية غير اللفظية ، ومنها لغة الإشارة والعلامات ، ومن مصاديق هذه الدلالة خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في كتائب وسرايا ثم عودتهم إلى المدينة من غير أن يغزوا أحداً أو يطلبوا قتالاً أو يستولوا على أنعام وأموال المشركين ، سواء التي في القرى أو المراعي أو قوافل التجارة .
الدلالة الثالثة : الدلالة الطبعية : وهي التي تكون بحسب ملائمة الطبع والمزاج ، سواء طبع المتلفظ أو السامع أو البيئة والمجتمع .
والمختار تخلف هذه الدلالة عن الإرتقاء لتكون قسيماً ثالثاً للدلالة العقلية والوضعية إنما تدخل في الدلالة الوضعية كما أن موضوعها وكذا شواهدها محدودة ، وهي على قسمين :
الأول : الدلالة الطبعية اللفظية كقول الذي يشعر بالألم (آخ،آخ) ، وكحدة المزاج عند بعضهم حال الغضب .
الثاني : الدلالة الطبعية غير اللفظية كاحمرار الوجه عند الخجل أو سرعة حركة النبض عند الحمى ، لذا ورد في الثناء على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قوله تعالى [وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ]( ).
ويتصف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بطبائع وشمائل النبوة ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ] ( ).
المعجزات اللاحقة
وهذا الإصطلاح مستحدث هنا والمقصود هو معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعمل الأجيال المتعاقبة بمنهاج السنة النبوية ، وتعاهد نعم آيات القرآن وأحكامه ، وهدي رسول الله.
وهو من مصاديق تجدد الخطاب القرآني كل يوم إلى قيام الساعة ,قال تعالى [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا]( ).
ومن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مصاحبة السكينة له ، شمول سحاب ظلالها وبركاتها المؤمنين من جهات :
الأولى : مجئ السكينة لهم بالذات كما في قوله تعالى [هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا]( ).
الثانية : الإلحاق بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما في قوله تعالى [فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا]( ).
الثالثة : الفرد الجامع من السكينة التي تأتي للنبي والمؤمنين في آن وموضوع واحد كما في قوله تعالى [فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى]( ).
فتنزل السكينة لتصاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتكون مدداً له وحرزاً وسلامة ، وضياءً.
ومن خصائص الجمع بين الرسول والمؤمنين في الآية أعلاه إرادة بقاء السكينة مصاحبة لأجيال المؤمنين لذا فهي لم تقل فانزل الله سكينة على رسوله وعلى المهاجرين والأنصار ، إنما ذكرت المؤمنين ، ولو دار الأمر بين حصر السكينة في الصحابة المؤمنين ، وبين المؤمنين من الأجيال المتعاقبة ، فالمختار هو الثاني لأصالة الإطلاق ، ولأن الله عز وجل إذا أنعم بنعمة فهو أكرم من أن يرفعها.
قراءة في آية [أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ]
قال تعالى [إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُنْزَلِينَ]( ) ( ).
هذه الآية خطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وتوثيق وتأكيد لوعد وعهد من عند الله عز وجل ، وابتدأت الآية بصيغة الماضي (إذ) ثم صارت بصيغة المضارع ، وهي (ألن يكفيكم) (أن يمدكم) لبيان غنى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الغزو ، فليس من حد ومنتهى للمدد من الله عز وجل ، ويتصف بأنه تام.
وتقدير الآية (إذ تقول يا رسول الله).
وقد تقدم في إعراب الآية : إذ ظرف لما مضى (تقول) ، فعل مضارع منصوب بـ(لن).
ويدل هذا التقدير وهو الظاهر على مسائل :
الأولى : صدور هذا القول بالوحي ، قال تعالى في صفة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم [وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى]( ).
الثانية : بعث السكينة في نفوس الصحابة .
الثالثة : بيان التباين بين المؤمنين والمشركين ساعة اللقاء ، قال تعالى [يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ]( ).
إذ تملأ السكينة قلوب الصحابة ، بينما تستقر حال الفزع والخوف في قلوب جيش قريش وحلفائهم.
الرابعة : مصاحبة البشارة للمؤمنين , وهذه البشارة سماوية تفيد القطع والصدق ، مع الإنذار والوعيد للذين كفروا ، قال تعالى [هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمْ الْحَمِيمُ]( ).
الخامسة : من خصائص الوعد الإلهي إفادة الكفاية والكمال.
ويحتمل نزول النصرة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجوهاً:
الأول : إنه معجزة حسية.
الثاني : إنه معجزة عقلية.
الثالث : إنه معجزة خاصة غير الحسية والعقلية ، كما لو نسميها (معجزة سماوية).
الرابع : إنه ليس من الإعجاز.
والمختار هو الجامع بين الوجه الأول والثاني أعلاه ، فتقسيم المعجزات إلى حسية وعقلية تقسيم استقرائي من العلماء ، وليس من مانع من إتصاف بعض المصاديق بأنها معجزة حسية وعقلية في آن واحد ، وهو غير إخبار آيات القرآن عن نزول الملائكة لنصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إذ أن هذا الإخبار من الله تقوية للمؤمنين ، قال تعالى [بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاَفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ]( ).
وعلى فرض ثبوت هذا المعنى في المقام فان المعجزات العقلية متعددة في الموضوع والأثر.
ويبعث نزول الملائكة لنصرة المؤمنين على الصبر ، وعدم التعدي أو الظلم للغير.
والصلة بين موضوع آية البحث هذه [أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ]( )، وبين قانون التضاد بين القرآن والإرهاب العموم والخصوص المطلق ، فهذا القانون أعم ، والآية حجة في تأكيده ، وهي بيان لوجوب عزوف واستغناء المسلمين عن الإرهاب ، قال تعالى [ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ]( ).
أما الصلة بين آية البحث وقانون (لم يغز النبي (ص) أحدا) ففيها مسائل :
الأولى : لم يرد لفظ [يَكْفِيَكُمْ][ يُمِدَّكُمْ][ مُنْزَلِينَ] في القرآن إلا في آية البحث ، وورد لفظ (منزلين) –بكسر الزاي- وصيغة الفاعل ثلاث مرات [وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ]( ).
الثانية : الإذن من عند الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للبيان والوعد للمؤمنين بما لمدد من عند الله ، ولا ينطق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بهذا الوعد إلا بالأمر والإذن من عند الله.
الثالثة : ليس بين الوعد الإلهي وتحقق مصداقه في الواقع العملي ثمة مسافة ، وآنات متعددة من أفراد الزمان ، فقد يصاحب نزول ثلاثة آلاف ملك نزول جبرئيل بآية البحث .
وتقدير الآية (يمدكم ربكم الآن بثلاثة آلاف) وفيه إندحار وهزيمة للمشركين في ميدان المعركة ودعوة للناس جميعاً لإجتناب محاربة النبي محمد وتجلت مصاديق وأثر هذه الدعوة بقلة عدد المعارك وغزوات المشركين للمدينة المنورة.
الرابعة : تأكيد قانون (آيات الدفاع سلام دائم) وقد صدرت بخصوص هذا القانون كل من الأجزاء :
أولاً : الجزء الثاني والأربعون بعد المائة .
ثانياً :الجزء الخامس بعد المائتين .
ثالثاً : الجزء السابع عشر بعد المائتين .
رابعاً :الجزء الثامن عشر بعد المائتين .
خامساً :الجزء الواحد والثلاثون بعد المائتين .
سادساً : الجزء الثاني والثلاثون بعد المائتين .
الخطاب في [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ]( )
تتعدد مصاديق النصر من الله عز وجل في معركة بدر إذ يتصف النصر في المقام بأمور :
الأول : النصر الكامل ، لأن الله يعطي بالأوفى والأتم ، وهو مصداق لقوله تعالى [وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ] ( )، ولأصالة الإطلاق في [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ].
الثاني : النصر دفعة واحدة .
الثالث : النصر السريع .
الرابع : النصر بأقل الخسائر ، وهو من مصاديق قوله تعالى [الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ] ( ).
الخامس : تكون الصلة بين المعجزة والنصر ، على وجوه :
الأولى : تقدم المعجزة على النصر زماناً ومكاناً ، والمقصود من المكان هنا نزول المعجزة قبل وصول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ميدان المعركة.
الثانية : حضور المعجزة في ميدان القتال ، ومنها بخصوص معركة بدر ومعركة أحد [وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى]( ).
الثالثة : موضوعية المعجزة في جريان وقائع المعركة بصرف الكيد عن النبي ، وأكثر الأذى عن المؤمنين .
الرابعة : إنذار المعجزة للذين كفروا لزجرهم عن القتال ، قال تعالى [فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمْ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً]( ).
الخامسة : إلحاق المعجزة الصُرر بالمشركين قبل واثناء وبعد المعركة.
السادسة : منافع المعجزة الدفاعية بالوصول إلى الناس جميعاً وبيان صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودعوتهم للهدى والإيمان.
السادس : تجلي معجزات النصر لكل فرد في الميدان وخارجه.
السابع : اتصال منافع النصر من الله عز وجل إلى يوم القيامة.
الثامن : شمول النصر المنفرد في معركة بدر لأجيال المسلمين , وتقدير الآية : يا أيها الذين آمنوا في كل زمان لقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة.
وهو من أسرار خاتمة الآية بأن يشكر كل جيل من المسلمين الله عز وجل على نعمة هذا النصر بالتقوى والخشية من الله عز وجل , وطاعته .
وهل يشمل تقدير هذا النداء المسلمات أم أنه يختص بالرجال لسقوط الجهاد عن النساء , الجواب هو الأول , وتقدير الآية يا أيها اللائي آمنً في كل زمان لقد نصركن الله ببدر .
التاسع : بيان حضور المشيئة الإلهية في ساحة المعركة .
العاشر : إنذار الذين كفروا من العودة للهجوم والقتال , إذ تدل الآية على الوعيد بالتجربة والوجدان , وتقدير الآية : ولقد نصركم الله ببدر في أول معركة للإسلام .
الحادي عشر : دلالة النصر في معركة بدر على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم , قال تعالى [إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ] ( ) .
الثاني عشر : النصر في بدر موعظة لإستئصال الإرهاب والتعدي من الأرض , وبيان عدم ترتب النفع عليه ، قال تعالى [وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ]( ).
الثالث عشر : حضور رحمة الله بالمؤمنين في أشق الأحوال ، لبيان حضورها في السلم والرخاء من باب الأولوية القطعية.
الرابع عشر : بعث المسلمين على التوكل على الله ، وإجتناب الإرهاب والإغتيال والظلم والتعدي.
الخامس عشر : تأكيد قانون لزوم التقوى عند الظفر ومجئ النعمة.
أطراف الوضع
ورد قوله تعالى [وَعلم آدم الأَسْمَاءَ كُلَّهَا] ( ) فالمراد تعليم الأسماء والمسميات وأن هذا اسمه انسان , وهذا قلم ،وهذا حجر ، وهذا نهر ، ونحوه ، وتقدير الآية : وعلم آدم الأسماء ومسمياتها)، والجمع بين الأسماء والمسميات في الآية من مصاديق قوله تعالى [عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ]( ).
وأطلقت على هذا التعليم لغة الخلافة لقوله تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( ) وقد بينت الإختلاف في الواضع للغات المتعددة عند البشر مع الإجماع والعقل بأن أول لغة هي من عند الله عز وجل علمها آدم سواء كانت السريانية أو العربية ، وتعلمتها حواء وأولاد آدم منهما ، ولم يغادر آدم الحياة الدنيا إلا وقد بلغ عدد ذريته أربعين ألفاً .
والوضع عملية مركبة , وفيه أطراف :
الأول : الواضع .
الثاني : تعيين اللفظ .
الثالث : المعنى والموضوع المخصوص الذي وضع له اللفظ على نحو الحقيقة بلحاظ أن المجاز متأخر زماناً عن المعنى الحقيقي للفظ ، لذا فان التبادر من علامات الحقيقة كما بيناه في علم الأصول .
الرابع: الصلة والإرتباط بين اللفظ والمعنى .
الخامس : علة الإرتباط كالتخصيص أو كثرة الإستعمال أو الملائمة بين اللفظ والمعنى .
والكلام العربي على قسمين :
الأول : الحقيقة .
الثاني : المجاز.
ولا ينظر علم المنطق إلى هذا التقسيم بالدقة والفصل بينهما إنما يلحظ العلاقة الناشئة بين الدال والمدلول سواء بسبب الوضع حقيقة أو إنتقال الإستعمال إلى المجاز لوجود شبه وقرينة صارفة عن المعنى الظاهري الموضوع له اللفظ أصلاً ، واستعمال مصطلحات علم المنطق للمجاز شاهد بأنه ليس كذباً .
وتدل آيات القرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أنه بعث نعمة ، ورحمة للناس جميعاً ، وكانت السنة النبوية مرآة لقوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ) ووضع القرآن قوانين السلم والأمن في المجتمعات واستأصل الغزو والعصبية والوثنية والوأد بدلالة ألفاظه والقواعد المستحدثة التي وضعها منهاجاً للناس .
حدود الحرم من الدلالة
من مصاديق الدلالة الوضعية غير اللفظية إطلالة الهلال كل شهر ، قال تعالى [يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ]( )، ومنها اشارات المرور التي تنتشر في كل مدينة تقريباً واللوحات التي تبين المسافات بين المدن أو المسافة المتبقية للوصول إلى بلدة ما ومنها الإشارة باللون الأحمر عنوان النهي والمنع والحظر ، مثل العلامة التي توضع على الجدار أو موضع معين برسم صورة سجارة وعليها خط أحمر للدلالة على منع التدخين في ذات الموضع.
لقد وُضعت أنصاب الحرم لضبط حدوده والتي وضعها آدم عليه السلام عندما خاف من الشياطين على نفسه فاستعاذ بالله فبعث الملائكة فحفوا بمكة ، والقول المشهور هو أن إبراهيم عليه السلام هو الذي وضع الأنصاب على حدود الحرم بتعليم من جبرئيل .
وفي الخبر أن إبراهيم عليه السلام لما أراد بناء البيت برفع قواعده أمر الله عز وجل الملائكة أن تقفه على هذا الإعلام كيلا تدخل الشياطين إلى مكة حتى اكتمل البناء .
ولا تعارض بين هذا الخبر وبين تعليم جبرئيل لإبراهيم مواضع حدود الحرم وأنصابها ، كما أنه لا تعارض بين وضع آدم عليه السلام لأنصاب حدود الحرم ، ووضع إبراهيم عليه السلام لها وهو الذي يتجلى بوضع النبي صلى الله عليه وآله وسلم لها .
وبتعدد تجديد حكام الإسلام لها مع طول الفترة والمدة بين آدم وإبراهيم نحو ألفي سنة بأمر من جبرئيل ، وهو من مصاديق قوله تعالى [رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ] ( ).
وذكر (أن غنم إسمعيل كانت ترعى في الحرم ولا تجاوزه ولا تخرج ، فإذا بلغت منتهاه من ناحية رجعت صابة في الحرم) ( ).
والمراد من الحرم هو ما أحاط بمكة من جميع جهاتها بتحديد وحدود توقيفية مخصوصة لقدسية وشرف هذا الوضع ، وتدخل منى في الحرم ، أما عرفات فهي خارج الحرم مع شرف ذكرها في القرآن بقوله تعالى [فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الضَّالِّينَ] ( ).
ثم جددها إسماعيل عليه السلام ثم لم تحرك حتى جددها قصي بن كلاب جد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم لم تحرك حتى كان يوم فتح مكة .
فبعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تميم بن أسد الخزاعي فجدد أنصاب الحرم ، ثم صار الخلفاء والحكام المسلمون يقومون بتجديدها وتثبيتها و(عن المسور بن رفاعة، قال: لما حج عبد الملك بن مروان أرسل إلى أكبر شيخٍ يعلمه يومئذٍ من خزاعة، وشيخ من قريش، وشيخ من بني بكر، ثم أمرهم بتجديده، وكل وادٍ في الحرم فهو يسيل في الحل ولا يسيل وادٍ من الحل في الحرم إلا في موضعٍ واحدٍ عند التنعيم) ( ).
وفي هذا الزمان كثرت أعلام وإشارات حدود الحرم من جهاته الأربع للتذكير بأطرافه ، والتمييز بين الحرم والحل .
وعددها من الحد الشمالي 650 علماً .
والحد الجنوبي 299 علماً.
والحد الشرقي 117 علماً.
والحد الغربي 238 علماً .
ويكون المجموع 1104 .
قطع طرف المشركين الغزاة في بدر
من معاني قوله تعالى [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ] ( )، قتل صناديد قريش في ميدان المعركة بعد إصرارهم على القتال والمبارزة .
وهل من ملازمة بين هذا الإصرار وبين تسمية الطرف في الآية ، الجواب نعم ، لأنهم برزوا للقتال ، وصاروا في مقدمة الجيش وسألوا بالحاح مبارزة المسلمين في ميدان المعركة.
فعندما كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة قال له الكفار (أخرج لنا آباءنا من القبور نكلمهم) ( ).
و(كلمت قريش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: يا محمد إنا في واد ضيق قليل الماء فسير عنا بقرآنك هذه الجبال، وأخرج لنا من الأرض ينبوعاً حتى نشرب منه الماء، وأخرج لنا آباءنا نكلمهم فنسألهم: ماذا لقوا، فأنزل الله عز وجل [وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى]( )، يقول يا محمد لو أن قرآناً صنعت به هكذا لصنعته بقرآنك)( ).
وعندما أصر المشركون على القتال يوم بدر ، خرج عتبة بن ربيعة ، وأخوه شيبة ، وابنه الوليد بن عتبة ، وبرز الفتية من الأنصار لمبارزتهم قيل (فاستحيا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ) من ذلك وكره أن يكون أول قتال لقي المسلمون فيه المشركين في الأنصار فأحب أن تكون الشوكة ببني عمه وقومه فأمرهم فرجعوا إلى مصافهم وقال لهم خيرا ثم نادى منادي المشركين يا محمد أخرج لنا الأكفاء من قومنا) ( ).
وعند بروزهم قال ابن سعد (فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار بنو عفراء معاذ ومعوذ وعوف بنو الحارث فكره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يكون أول قتال لقي فيه المسلمون المشركين في الأنصار وأحب أن تكون الشوكة ببني عمه وقومه فأمرهم فرجعوا إلى مصافهم وقال لهم خيرا ثم نادى المشركون يا محمد أخرج إلينا الأكفاء من قومنا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم يا بني هاشم قوموا قتلوا بحقكم الذي بعث الله به نبيكم إذ جاؤوا بباطلهم ليطفئوا نور الله) ( ).
والمختار أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يُرجع الفتية من الأنصار إبتداء منه إنما المشركون لم يرضوا بقتالهم ، وأرادوا لقاء رجال من المهاجرين من قريش على نحو الخصوص .
إذ قال عتبة بن ربيعة أكفاء كرام ، ولكن نريد الأكفاء من قومنا (ثم نادى منادي المشركين يا محمد أخرج لنا الأكفاء من قومنا) ( ).
وكان هذا النداء مكراً ودهاء ، إذ أرادوا قتل بعض المهاجرين ليشيع بين أهل مكة نبأ قتلهم ، وفيه منع للناس من دخول الإسلام .
ليكون من مصاديق قوله تعالى [وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ] ( )، قتل المشركين الثلاثة ، فعندما طلبوا بروز جماعة من قريش أمر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أهل بيته بالخروج في أول مبارزة بين الإسلام والشرك ، وفيه مسائل :
الأولى : صدق توكل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الله عز وجل .
الثانية : جهاد وتضحية أهل البيت في سبيل الله شاهد على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالثة : تحدي وإغاظة المشركين بأن يقدم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للقتال أقرب الناس إليه .
الرابعة : ثقة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن الله ينصره بسلامته وأهل بيته وأصحابه.
الخامسة : دعوة الناس للإيمان .
السادسة : زجر الكفار عن مواصلة القتال .
ومن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الغيرية أن المشركين الثلاثة الذين برزوا خروا قتلى ، ورجع الإمام علي عليه السلام وحمزة ، كما عاد معهم عبيدة ، ولكن جراحته شديدة توفى بعدها في الصفراء .
ولم يترك النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قتلى المشركين إنما وقف عليهم بعد إلقائهم في القليب وناداهم بلوم وتذكير وتبكيت .
إذ ورد (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ سَمِعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ مِنْ جَوْفِ اللّيْلِ وَهُوَ يَقُولُ يَا أَهْلَ الْقَلِيبِ ، يَا عُتْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ وَيَا شَيْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ ، وَيَا أُمَيّةُ بْنَ خَلَفٍ ، وَيَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ ، فَعَدّدَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ فِي الْقَلِيبِ : هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبّكُمْ حَقّا ، فَإِنّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبّي حَقّا .
فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ يَا رَسُولَ اللّهِ أَتُنَادِي قَوْمًا قَدْ جَيّفُوا .
قَالَ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ وَلَكِنّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أنُ يُجِيبُونِي .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَحَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ قَالَ يَوْمَ هَذِهِ الْمَقَالَةِ.
يَا أَهْلَ الْقَلِيبِ بِئْسَ عَشِيرَةُ النّبِيّ كُنْتُمْ لِنَبِيّكُمْ ، كَذّبْتُمُونِي وَصَدّقَنِي النّاسُ وَأَخْرَجْتُمُونِي وَآوَانِي النّاسُ وَقَاتَلْتُمُونِي وَنَصَرَنِي النّاسُ ثُمّ قَالَ هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبّكُمْ حَقّا ؟ لِلْمَقَالَةِ الّتِي قَالَ)( ).
ليكون من معاني قوله تعالى [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا] ( ) وجوه :
الأول : ليقطع طرفاً من الذين كفروا بهلاكهم في معركة بدر .
الثاني : ليقطع طرفاً من الذين كفروا لإصرارهم على القتال ومحاربة النبوة.
الثالث : ليقطع طرفاً من الذين كفروا فيقف عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معاتباً .
الرابع : ليقطع الله طرفاً من الذين كفروا فيجدون ما وعدهم حقاً من العذاب .
الخامس : ليقطع طرفاَ من الذين كفروا في معركة بدر لمنعهم من الهجوم مرة أخرى على المدينة .
السادس : (ليقطع طرفاً من الذين كفروا) ويخرج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سالماً من المعركة .
قانون اقتران الإرباك بالشرك
من خصائص التلبس بالشرك وعبادة الأوثان العجز عن اتخاذ القرار المناسب عند الحال الطارئة ، والأمر المفاجئ ، وهو من الخذلان الذي يبتلى به المشرك لأنه عمل بالضد مع علة خلقه ، قال تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ]( ).
ومن الإرباك تعجل أبي سفيان بضرب موعد اللقاء في بدر الآخرة من غير مشاورة كبار رجالات قريش ، ولا حساب لما يترتب على هذا الموعد من تقييد وبذل للأموال والنفوس.
وقد غابت عن ذهنه موضوعية المعجزة والمدد الإلهي في تبدل الحال بعد سنة من معركة أحد ، ورجحان كفة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومنافع التنزيل في المقام.
وهل كان أبو سفيان ناوياً الرجوع من وسط الطريق حين الخروج من مكة ، وإجتناب القتال خوفاً وفرقاً ، المختار نعم .
وقد أرسل نعيم بن مسعود الأشجعي إلى المدينة ليبعث الخوف في نفوس الصحابة ويحرض المنافقين بكثرة جيوش العدو التي ستخرج إلى بدر الموعد ، وجعل له عشراً من الإبل إذا استطاع رد المسلمين عن الخروج إلى بدر الموعد .
ويحذرهم ويخيفهم بأن قريشاً قد جمعوا لهم جموعاً وأنهم ينوون الهجوم على المدينة ، فلا تخرجوا إليهم ، واستمع بعضهم إلى قول نعيم هذا .
(فبلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلّم فقال: والذي نفسي بيده، لو لم يخرج معي أحدٌ لخرجت وحدي. فأنهجت لهم بصائرهم، فخرجوا بتجارات وكان بدر موسماً [فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ]( )، في التجارة، يقول: اربحوا، ” لم يمسهم سوءٌ ” لم يلقوا قتالاً) ( ).
وأقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في بدر ثمانية أيام ثم انصرفوا ليتجدد موضوع الآيات التي نزلت بخصوص واقعة حمراء الأسد بقوله تعالى [الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ] ( ).
لبيان أحد قوانين التنزيل بأن تكون أسباب لنزول الآية أو آيات قرآنية ، ثم يتجدد موضوعها في أيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهداية للمسلمين .
وهل استلم نعيم بن مسعود الإبل العشرة ، الجواب لا ، لإنتفاء المشروط بانتفاء شرطه بعدم تحقق إمتناع المسلمين عن الخروج إلى بدر ، ولقانون خلو الوعد بالعطية من المشركين الذين يحاربون النبوة والتنزيل من النفع والبركة .
وليهاجر نعيم بن مسعود الأشجعي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اثناء حصار المشركين في معركة الخندق ، وأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن قومه لا يعلمون باسلامه ، وقال : فمرني بما شئت ، حينئذ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (أنت فينا رجل واحد فخذل عنا فان الحرب خدعة) ( ).
فمشى إلى بني قريظة (وكان لهم نديماً في الجاهلية)( )، وجعل ينصحهم بعدم مؤازرة قريشاً الذين سيعودون إلى ديارهم ويتركونهم .
فقالوا : صدقت ، ثم مشى إلى قريش وحرضهم على عدم تصديق بني قريظة فيما يطلبونه كما سيأتي بيانه إن شاء الله بخصوص واقعة الخندق .
المتلازمة في معركة أحد
لقد تجلت في معركة أحد الملازمة بين أمور :
الأول : الشرك والضلالة وعبادة الأوثان .
الثاني : قانون إمتلاء قلب المشرك بالرعب مع أنه الغازي.
الثالث : قانون تردد المشركين وعجزهم عن المبادرة .
الرابع : قانون تخلف المشركين عن إنتهاز الفرصة .
الخامس : قانون حضور الملائكة لزجر المشركين عن الهجوم ،وبخصوص معركة أحد قال تعالى [إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُنْزَلِينَ] ( ).
السادس : قانون الخزي والهوان للمشركين في النشأتين .
السابع : قانون استدامة حال الخوف والفزع في نفوس المشركين.
الثامن : قانون الإرباك والشقاق بين صفوف المشركين ،والعجز عن ملاحقة جيش الصحابة ، وإن قاموا بالإنسحاب من المعركة .
ومن الإعجاز أن المشركين انهزموا من ميدان معركة بدر ، ولكن حينما تهيأت لهم جولة للظفر لم يستطعيوا الزحف بمطاردة المؤمنين ، وهو من الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وهناك مسائل في تخلف وعجز المشركين عن ملاحقة الصحابة منها :
الأولى : موضوعية معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وآيات القرآن .
الثانية : حضور هزيمة المشركين في معركة بدر في الوجود الذهني ، وخشية قريش من التفاف المسلمين عليهم.
الثالثة : ثبات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الميدان .
الرابعة : نزول الملائكة لنصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، وعن عكرمة ( قال : لم يمد النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد ولا بملك واحد لقول الله { إن تصبروا وتتقوا } الآية) ( ).
ولا أصل لقول عكرمة هذا ، ولم يرد مضمونه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وعكرمة ضعيف في الجملة .
ومن الشواهد على حضور الملائكة صدّهم المشركين عن ملاحقة المسلمين خاصة ، وحفظ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من القتل مع إنكشافه ،ولم يبق معه إلا نفر قليل من أصحابه وسط الميدان .
الخامسة : سقوط حملة لواء المشركين قتلى واحداً بعد الآخر .
السادسة : هزيمة المشركين في بدايات المعركة ، ورضاهم بالنجاة من الهزيمة ، قال تعالى [وَلَقَدْ صَدَقَكُمْ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ] ( ).
السابعة : وجود جماعة من المسلمين في جيش قريش خرجوا إلى معركة أحد بالإكراه من قبل آبائهم أو رؤسائهم ، وهؤلاء لم يقاتلوا ،وكانوا يحرضون الناس على عدم القتال ، وهم مستعدون للفرار مع أول هجوم لأن مجئ وزحف المشركين نحو المدينة ظلم وتعدٍ .
أسماء حملة لواء المشركين يوم أُحد
الذين قتلوا من حملة لواء المشركين يوم معركة أحد هم :
الأول : طلحة بن أبي طلحة من بني عبد الدار ، وهو قائدهم وكبش الكتيبة .
ومن معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم والشواهد على أن معركة أحد غزو وهجوم من قبل المشركين وإصرار منهم على القتال ، والدلالة على قانون (لم يغز النبي (ص) أحداً) تقدم طلحة هذا إلى وسط الميدان وطلبه المبارزة وإلحاحه بهذا الطلب ، وتعييره المسلمين من المهاجرين والأنصار لإبطائهم في الخروج لمبارزته .
إذ نادى بأعلى صوته (يا أصحاب محمد، زعمتم أن قتلاكم في الجنة، وقتلانا في النار، كذبتم، واللات لو تعلمون إن ذلك حق لخرج إلي بعضكم) ( ).
ولم يمتنع المسلمون عن المبادرة لمبازرته خوفاً أو فرقاً منه إنما كانوا ينتظرون أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي أراد التأكيد العملي لقانون المشركون هم الغزاة .
ومع إصرار وتوالي تحدي الذين كفروا أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الإمام علي عليه السلام بأن يتقدم باللواء إلى وسط الميدان لبعث المهاجرين والأنصار على الزحف تحته والذب عنه ، ولزجر المشركين عن الإصرار على القتال ، وهو من مصاديق قوله تعالى [يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ] ( ) .
وهل هو من الإعداد للمشركين في قوله تعالى [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ] ( ) ، الجواب نعم ، فلا ينحصر هذا الإعداد بمقدمات القتال ، إنما يشمل ميدان المعركة ، وهو من إعجاز القرآن ، وعموم معنى وموضوع الآية القرآنية والإنتفاع الأمثل منها ، ولبيان أن قوله تعالى [تُرْهِبُونَ]، ضد للإرهاب ومنع من القتال.
وصار طلحة يتبختر بين الصفين وخلفه نساء قريش يضربن بالدفوف مع الأهازيج ، فبرز له الإمام علي عليه السلام وهو حامل اللواء (فاختلافا ضربتين ) ( ) لبيان أن القتل كان قريباً من الإمام علي عليه السلام ، خاصة أن طلحة من شجعان قريش ، ليكون قتل الإمام علي عليه السلام له معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهل هو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى] ( )، المختار إختصاص الآية أعلاه بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم برميه الحصى في وجوه المشركين يوم بدر ، ويوم أحد .
الثاني : أبو شيبة عثمان بن أبي طلحة ، إذ تقدم للقتال ، وهل طلب المبارزة وتحدى المسلمين ، الجواب نعم ، خاصة أنه أراد الثأر لأخيه .
ومن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تأدب المشركين بما يلقاه رؤساءهم من الخزي ،وتقدم أبو شيبة باللواء والنساء من خلفه يضربن بالدفوف لشد عضده ولمواساته بقتل أخيه ، وهو يجيبهن بهز اللواء والرجز إذ قال :
(إنّ عَلَى أَهْلِ اللّوَاءِ حَقّا ..أَنْ تُخْضَبَ الصّعْدَةُ أَوْ تَنْدَقّا) ( ).
لقد دفعه الجهل والعتو والغرور إلى لقاء القتل كما قتل أخيه الأكبر طلحة .
فحمل عليه حمزة بن عبد المطلب فقتله ، وضربه على عاتقه بالسيف فبترت يده مع كتفه ، ووصلت الضربة إلى سرته فانكشفت رئته ، ورجع حمزة وهو يقول (أَنَا ابْنُ سَاقِي الْحَجِيجَ) ( ).
الثالث : أبو سعد بن أبي طلحة ورماه سعد بن أبي وقاص بسهم أصاب حنجرته فمات لساعته .
الرابع : مسافع بن أبي طلحة.
الخامس : كلاب بن طلحة بن أبي طلحة .
السادس : الجلاس بن طلحة بن أبي طلحة .
وهولاء الستة من بيت واحد من المشركين ، فقتل ستة إخوة على الشرك والضلالة في ساعة واحدة ، وكأن أبا سفيان حينما عيّرهم في بداية المعركة وأصروا على حمل اللواء ، أراد البراءة أمام قريش من دمهم عندما يقتلون واحداً تلو الآخر ، وإلا فمن وظائف القائد عدم الزج بإخوة لقتيل في المعركة ، ولا هجوم قبيلة واحدة وتعرض رجالها للهلاك .
وفي أيام خلافة الإمام علي عليه السلام أغار جيش معاوية على عين تمر برئاسة النعمان بن بشير بألفي رجل.
ولم يكن مع مالك بن كعب عامل الإمام علي عليها إلا مائة ، فكتب إلى الإمام علي عليه السلام فصعد المنبر في مسجد الكوفة (فحمد الله و أثنى عليه ثم قال : اخرجوا هداكم الله إلى مالك بن كعب أخيكم فإن النعمان بن بشير قد نزل به في جمع من أهل الشام ليس بالكثير فانهضوا إلى إخوانكم لعل الله يقطع بكم من الكافرين طرفا ثم نزل .
فلم يخرجوا فأرسل إلى وجوههم و كبرائهم فأمرهم أن ينهضوا و يحثوا الناس على المسير فلم يصنعوا شيئا و اجتمع منهم نفر يسير نحو ثلاثمائة فارس أو دونها فقام عليه السلام فقال ألا إني منيت بمن لا يطيع ثم نزل . فدخل منزله فقام عدي بن حاتم فقال هذا و الله الخذلان على هذا بايعنا أمير المؤمنين ثم دخل إليه فقال يا أمير المؤمنين إن معي من طيئ ألف رجل لا يعصونني فإن شئت أن أسير بهم سرت قال ما كنت لأعرض قبيلة واحدة من قبائل العرب للناس و لكن اخرج إلى النخيلة فعسكر بهم و فرض علي عليه السلام لكل رجل سبعمائة فاجتمع إليه ألف فارس عدا طيئا أصحاب عدي بن حاتم)( ).
أي لابد أن يكون الجيش من قبائل أو مدن ومذاهب شتى لاحتمال وقوع القتال وتفشي القتل فيه.
لتأتي الأخبار بعده بفرار جيش معاوية عندما رأوا خمسين فارساً قادمين عليهم ، والغبار يتطاير من أثر خيلهم فظنوا أنه الإمام علي عليه السلام قد قدم عليهم ففروا مذعورين.
وفي معركة أحد صار حمل لواء قريش وبالاً على حامليه لقتلهم باصرارهم على التقدم وسط الميدان ، وطلب المبارزة ، وحض ثلاثة آلاف مجموع جيش المشركين للزحف والتقدم وسط جيش المسلمين ولبيان أن حملة اللواء كانوا المقدمة والواسطة لقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فأخزاهم الله ، ورد كيدهم ، وهو من مصاديق قوله تعالى [لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ] ( ).
فبعد ان عجزت قريش عن قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليلة المبيت وهجرته إلى المدينة قدموا بمكر ودهاء حملة اللواء للمبارزة والزحف بقصد قتله , فخر حملة لوائهم صرعى .
السابع : أرطاة بن شرحبيل من بني عبد الدار أيضاً ، فقتله الإمام علي عليه السلام ( ) .
الثامن : شريح بن قارظ قتله قزمان الذي كان يقاتل حمية .
التاسع : أبو زيد عمرو بن عبد مناف العبدري .
العاشر : ولد لشرحبيل بن هاشم العبدري .
الحادي عشر : غلام حبشي لبني أبي طلحة من عبد الدار اسمه (صواب) الذي قاتل حتى قطعت يداه ، ثم برك على اللواء وأخذه بصدره وعنقه حتى قتل عليه وقال (اللهم هل أعزرت. يعنى: اللهم هل أعذرت.) ( ) وذكر أنه عاشر مقتول تحت لوائهم( ) .
فقال حسان بن ثابت في تعيير قريش وإضطرارهم لدفع اللواء إلى العبد:
فخرتم باللواء وشر فخرٍ … لواءٌ حين رد إلى صواب
جعلتم فخركم فيها لعبدٍ … من الأم من وطى عفر التراب
ظنتم والسفيه له ظنونٌ … وما إن ذاك من أمر الصواب
بأن جلادنا يوم التقينا … بمكة بيعكم حمر العياب
أقر العين أن عصبت يداه … وما إن تعصبان على خضاب
وعن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جده، قال: لما قتل علي بن أبي طالب أصحاب الألوية، أبصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جماعة من مشركي قريش، فقال لعلي: احمل عليهم، فحمل عليهم؛ ففرق جمعهم، وقتل عمرو بن عبد الله الجمحي.
قال: ثم أبصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جماعةً من مشركي قريش، فقال لعلي: احمل عليهم، فحمل عليهم ففرق جماعتهم؛ وقتل شيبة بن مالك أحد بني عامر بن لؤي .
فقال جبريل : يارسول الله، إن هذه للمواساة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنه منى وأنا منه .
فقال جبريل: وأنا منكما، قال: فسمعوا صوتا:
لا سيف إلا ذو الفقار… ولا فتى إلا علي) ( ) .
عندئذ حملت اللواء امرأة هي عمرة بنت علقمة الحارثية (فلاثوا به) وفيه شعر لحسان بن ثابت قد تقدم ذكره في الجزء الثالث والتسعين بعد المائة ص213.
وتنزه أهل البيت والصحابة عن قتل تلك المرأة أو إيذائها مع أنها كانت سبباً باجتماع المشركين حول اللواء ، وإعادة الكرة في الهجوم.
وهل حمل امرأة ومن غير قريش للوائهم في المعركة خزي لهم , الجواب نعم , وهذا الخزي حال وآجل ، خاصة وأنهم هم الذين زحفوا إلى المدينة غزاة معتدين.
وهو من مصاديق قوله تعالى [وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ] ( ) ، وتقدير الآية : وأن الله مخزي الكافرين الغزاة الذين يحاربون النبوة والتنزيل.
سقوط حملة لواء المشركين صرعى
من معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم معركة أحد أمور :
الأول : دوران ثقل المعركة في بداياتها حول لواء المشركين .
الثاني : سقوط حملة لواء المشركين من بني عبد الدار صرعى بالتعاقب.
الثالث : قتل الإمام علي عليه السلام لأكثر حملة لواء المشركين ، ولم يرض عليهم أبو سفيان بخصوص هزيمتهم يوم بدر ، فعيرهم صبيحة يوم معركة أحد بهذه الهزيمة (قال ابن إسحاق: وقد قال أبو سفيان لاصحاب اللواء من بنى عبد الدار يحرضهم على القتال:
يا بنى عبد الدار قد وليتم لواءنا يوم بدر، فأصابنا ما قد رأيتم، وإنما يؤتى الناس من قبل راياتهم، إذا زالت زالوا، فإما أن تكفونا لواءنا وإما أن تخلوا بيننا وبينه فنكفيكموه.
فهموا به وتواعدوه وقالوا: نحن نسلم إليك لواءنا ! ستعلم غدا إذا التقينا كيف نصنع.
وذلك الذى أراد أبو سفيان) ( ).
لقد ساقهم أبو سفيان إلى القتل ، ودخول النار لأنهم محاربون لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
وزادت في التحريض هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان والنسوة اللاتي جئن مع الجيش ، إذ صرن يضربن بالدفوف خلف الرجال ، ويلقين الأشعار التي تحضّ عموم الجيش ، وتمدح بني عبد الدار حملة اللواء خاصة .
فمن هذا الحض قول هند (نحن بنات طارق.
إن تقبلوا نعانق .
ونفرش النمارق .
وإن تدبروا نفارق فراق غير وامق( )) ( ).
ومن مدح وحضّ بني عبد الدار من بين ثلاثة آلاف مقاتل :
(وَيْهَا بَنِي عَبْدِ الدّارْ … وَيْهَا حُمَاةَ الْأَدْبَارْويها بني عبد الدار)( ).
لبيان موضوعية وأهمية بني عبد الدار وحملهم اللواء في سير القتال ، ومن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم عدم إنتفاع المشركين من هذا الشعر ، وسقوطهم صرعى ، وهو من الشواهد بأن إغواء شياطين الإنس والجن لا يجلب إلا الضرر والشر ، حتى همت النسوة بالفرار لولا أن ترك أغلب الرماة المسلمين مواضعهم لجمع الغنائم ، لتجلي بشائر النصر والتمكين .
معجزة عدم مطاردة المشركين للصحابة يوم أحد
من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إنسحاب المشركين من ميدان معركة أحد في ذات اليوم الذي ابتدأت به مع رجحان كفتهم في القتال من جهات :
الأولى : كثرة عدد جيش المشركين , إذ كانوا ثلاثة آلاف رجل .
الثانية : كثرة الدروع والإبل والأسلحة التي معهم .
الثالثة : أحضر المشركون معهم مائتي فرس لمعركة أحد .
الرابعة : تبدل مجرى القتال فبعد أن كانت الغلبة للمسلمين صارت للمشركين .
وفي خطاب للصحابة بخصوص معركة أحد قال تعالى [إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلاَ تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ] ( ) .
لتبين الآية أعلاه بالدلالة الإلتزامية فضل الله عز وجل على الصحابة بمنع المشركين من مطاردتهم وملاحقتهم , ومن قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنهم حين المطادرة يجعلونه خلفهم , ووسط جيش المشركين خاصة وقد ثبت بالتواتر عدم مغادرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مكانه في ميدان المعركة ولم يبق معه إلا عدد قليل من أصحابه .
وعن المقداد الذي كان حاضراَ معركة أحد قال : ونال المشركون (مِنْ رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ مَا نَالُوا. لَا وَاَلّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقّ إنْ رَأَيْت رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ زَالَ شِبْرًا وَاحِدًا، إنّهُ لَفِي وَجْهِ الْعَدُوّ وَتُثَوّبُ إلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ مَرّةً وَتَتَفَرّقُ عَنْهُ مَرّةً فَرُبّمَا رَأَيْته قَائِمًا يَرْمِي عَنْ قَوْسِهِ أَوْ يَرْمِي بِالْحَجَرِ حَتّى تَحَاجَزُوا.
وَثَبَتَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ كَمَا هُوَ فِي عِصَابَةٍ صَبَرُوا مَعَهُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، سَبْعَةٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَسَبْعَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: أَبُو بَكْر، وَعَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَعَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللّهِ ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرّاحِ، وَالزّبَيْرُ بْنُ الْعَوّامِ.
وَمِنْ الْأَنْصَارِ : الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَبُو دُجَانَةَ، وَعَاصِمُ بْنُ ثَابِت وَالْحَارِثُ بْنُ الصّمّةِ، وَسَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ. وَيُقَالُ ثَبَتَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمُحَمّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَيَجْعَلُونَهُمَا مَكَانَ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ وَسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ.
وَبَايَعَهُ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ عَلَى الْمَوْتِ – ثَلَاثَةٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَخَمْسَةٌ مِنْ الْأَنْصَار ِ: عَلِيّ، وَالزّبَيْرُ، وَطَلْحَةُ وَأَبُو دُجَانَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ الصّمّةِ، وَحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ، وَعَاصِمُ بْنُ ثَابِت وَسَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، فَلَمْ يُقْتَلْ مِنْهُمْ أَحَدٌ.
وَرَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ يَدْعُوهُمْ فِي أُخْرَاهُمْ حَتّى انْتَهَى مَنْ انْتَهَى مِنْهُمْ إلَى قَرِيبٍ مِنْ الْمِهْرَاسِ( )) ( ).
واضطرار طائفة من الصحابة الى الفرار من ميدان المعركة حجة على المشركين الغزاة الذين حملوهم على الفرار من شدة ضراوة القتال ، وبطش الذين كفروا ولمعان السيوف وسيل الدماء ، وسقوط سبعين شهيداً من المسلمين .
نعم الأولى الثبات وعدم الفرار ، لذا كانت معركة أحد درساً للصحابة في المعارك اللاحقة خصوصاً معركة حنين في السنة الثامنة للهجرة ، فما أن فروا أمام الهجوم المباغت لثقيف حتى رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقاتلوا بين يديه ، فكانت هزيمة هوازن وثقيف ، ومن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم استقراء الدروس من الجمع بين معركة أحد ومعركة حنين.
وذكر أن عدد الذين بقوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم تسعة ، قتل منهم سبعة وبقي اثنان فقط ، إذ ورد عن الشعبي عن ابن مسعود أنه قال (إن النساء كن يوم أحد، خلْف المسلمين، يُجْهزْن على جَرْحى المشركين، فلو حَلَفت يومئذ رجوت أن أبَر: أنه ليس أحد منا يريد الدنيا، حتى أنزل الله عز وجل [مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ]( ).
فلما خالف أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعَصَوا ما أمروا به، أفرد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في تسعة: سبعة من الأنصار، ورجلين من قريش، وهو عاشرهم، فلما رهقُوه (قال : رَحِمَ اللهُ رجلا رَدَّهُمْ عَنَّا”. قال: فقام رجل من الأنصار فقاتل ساعة حتى قتل، فلما رَهقُوه) أيضا قال: “رَحِمَ اللهُ رَجُلا رَدَّهُمْ عَنَّا”. فلم يزل يقول ذا حتى قُتِل السبعة .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لصاحبه : مَا أَنْصَفْنَا أَصْحَابَنَا)( ).
وأين يكون أربعة عشر في مواجهة هجوم ثلاثة آلاف مقاتل بسيوف قاطعة ، ورماح ذات نصال حادة ، ولكنه الحفظ والعناية الإلهية ، ونزول الملائكة وحضور الرعب والسكينة ، بنفاذ إلى قلوب المشركين كما في قوله تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ] ( ).
وامتلاء قلوب المؤمنين بالسكينة وغلبة النعاس وهو من أسرار خذلان المشركين ، وصدودهم عن اللحاق بالصحابة إلى أن اجتمعت طائفة منهم حول النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأظهروا الإستعداد للقتال والدفاع.
لقد تفضل الله عز وجل الغيري على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة بعجز المشركين عن ملاحقتهم ، وهل هذا العجز فرع معجزة إلقاء الرعب في قلوبهم .
الجواب نعم ، وهو أيضاً معجزة مستقلة من غير تعارض بين الأصل والفرع في المقام ، وما يتفرع عن الأصل الذي هو معجزة عجز المشركين عن ملاحقة المسلمين ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ] ( ).
والمسافة بين المسجد النبوي وجبل أحد نحو (5) كم ، ولم تكن البيوت التي تحيط بالمسجد تأخذ من المساحة إلا بضع مئات من الأنصار ، والباقي أرض زراعية أو جرداء ، مما يدل على إنكشاف المسلمين في إنسحابهم من معركة أحد مما ييسر للمشركين مطاردتهم ليكون إنعدام هذه المطاردة معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن الشواهد على حضور الملائكة وخذلانهم للمشركين .
قتل حملة لواء قريش يوم أحد بالتوالي
من خصائص كل طرف من المتحاربين إبراز وجوه الظفر الخاصة به ، وتجاهل جانب الخسارة التي لحقته ، وإن كانت أكبر بكثير من ظفره وما كسبه في المعركة ، ومنه ما يكون من الفساد الذي أشارت إليه الملائكة [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ]( )، لأن بيان الحقيقة وحجم الخسائر سبب للتروي والصبر والميل إلى الصلح.
وهو أمر غير دائم إذ تتكشف الحقائق للناس على نحو التدريج ، وفي تعاقب الأيام ، ويدخل فيه علم الإحصاء ، وعدّ الناس لأفراد الربح والخسارة .
فصحيح أن مشركي قريش ادعوا النصر في معركة أحد ، ولكن لا أصل لهذا النصر ، ومن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم توالي نزول الآيات ومن خصائصها وجوه :
الأول : ملاحقة كفار قريش إلى عقر دارهم.
الثاني : نفاذ آيات القرآن ودلالاتها إلى منتدياتهم وبيوتهم.
الثالث : فضح خسارة المشركين .
الرابع : بيان الخزي الذي لحق المشركين ، والعز الذي فاز به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بالصبر في دفاعهم عن عقيدة التوحيد والتنزيل ، قال تعالى [وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ]( ).
وهل كان أبو سفيان وأصحابه يعلمون بخسارتهم في معركة أحد ، يحتمل وجوهاً :
الأول : لا يعلم رؤساء المشركين بخسارتهم معركة أحد .
الثاني : بعض رؤساء المشركين يعلمون بخسارتهم معركة أحد .
الثالث : يعلم رؤساء المشركين خسارتهم معركة أحد .
الرابع : يظن رؤساء المشركين نصرهم في معركة أحد ، ويوم القيامة يتوجه اللوم إلى المشركين ، كما ورد في التنزيل [وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمْ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ] ( ).
المختار هو الثالث ، وتتجلى خسارة المشركين بعجزهم الظاهر عن تحقيق أي غاية وقصد لهم من هذا الزحف الكبير إلى ميدان معركة أحد .
ومن مصاديق خسارة قريش معركة أحد سقوط حملة لوائهم من بني عبد الدار واحداً بعد الآخر .

قانون التباعد في أوقات المعارك
من معاني قوله تعالى [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا] ( )، تباطؤ المشركين عن القتال ، وفتور حماسهم للهجوم وغزو المدينة ، ويتجلى بالتوثيق التأريخي والبياني لمعارك الإسلام الأولى وهي :
الأولى : وقعت معركة بدر في شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة .
الثانية : وقعت معركة أحد بعد بدر بثلاثة عشر شهراً في شوال من السنة الثالثة للهجرة .
الثالثة : وقعت معركة الخندق بعد أحد بسنتين في شهر شوال من السنة الخامسة للهجرة , على المشهور والمختار .
الرابعة : عقد صلح الحديبية في السنة السادسة للهجرة .
الخامسة : لم يقع قتال بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمشركين في السنة السادسة والسابعة للهجرة .
السادسة : تم في شهر رمضان من السنة الثامنة فتح مكة ، ولم يقع فيه قتال شديد ، لأن أكثر أهل مكة يومئذ مسلمون ، وهو من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن يخرج من مكة خائفاً يريدون قتله ، وليس معه في الطريق إلى المدينة إلا فرد واحد من أصحابه ، ليدخلوا بعد ثماني سنوات بعشرة آلاف .
السابعة : جاء هجوم هوازن وثقيف المباغت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في طريق الخروج من مكة سريعاً يوم حنين لولا أن صرف الله عز وجل شروره ، قال تعالى [لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ] ( ).
ترى ما هي النسبة بين عذاب الذين كفروا يوم حنين ، وبين قطع الطرف منهم في معركة أحد ، الجواب أنه العموم والخصوص المطلق ، فالعذاب أعم ويشمل الكفار جميعاً .
من تأريخ ولاية البيت
هناك قبائل سادت في مكة قديماً منها :
الأولى : العمالقة وهم قبيلة عربية من حمير بغوا في البيت واستخفوا بحرمته (ونفتهم جرهم من البلاد) ( ).
الثانية : قبيلة جرهم ، وهم أخوال نابت بن إسماعيل والذي كانت ولاية البيت عنده (ثم توفي نابت بن إسماعيل ، فولي البيت بعده مضاض بن عمرو الجرهمي ، وهو جد نابت بن إسماعيل أبو أمه ، وضم بني نابت بن إسماعيل وبني إسماعيل إليه ، فصاروا مع جدهم أبي أمهم مضاض بن عمرو ، ومع أخوالهم من جرهم ، وجرهم وقطورا يومئذ أهل مكة.
وعلى جرهم مضاض بن عمرو ملكا عليهم ، وعلى قطورا رجل منهم يقال له السميدع ملكا عليهم ، وكانا حين ظعنا من اليمن أقبلا سيارة.
وكانوا إذا خرجوا من اليمن لم يخرجوا إلا ولهم ملك يلي أمرهم ، فلما نزلا مكة رأيا بلدا طيبا ، وإذا ماء وشجر ، فأعجبهما ، فنزلا به ، فنزل مضاض بن عمرو بمن معه من جرهم أعلى مكة وقعيقعان ، فحاز ذلك ، ونزل السميدع أجيادين وأسفل مكة ، فما حاز ذلك) ( ).
وكان مضاض وجرهم يأخذ العشر ممن يدخل مكة من أعلى مكة حاجاً أو معتمراً أو تاجراً ، وكان السميدع يعشر من دخل مكة من أسفلها ومن كدى .
وقد صبر ورضى بنو إسماعيل بولاية جرهم للبيت لقوتهم وخؤولتهم والإمتناع عن البغي والقتال في الحرم .
الثالثة : لقد امتدت ولاية جرهم على البيت زماناً طويلاً ، فاستحلوا البغي فيه وصار أشرافهم يذبون عمن يفعل المنكر منهم ، ورأوا الآيات ولم يتعظوا وضعفوا وتنازعوا فحذرهم ووعظهم أحد رؤسائهم وهو مضاض بن عمرو ونهاهم عن سرقة مال الكعبة سراً وعلانية ، وذكرهم بسوء عاقبة العمالقة ، فلم ينصتوا إليه فاعتزلهم هو وولده ، جتى جاءت قبيلة خزاعة إلى مكة فأبادتهم وصارت إليها ولاية البيت ، ورضت باقامة بني إسماعيل بين ظهرانيهم .
وتولت خزاعة ولاية البيت ، وحكم مكة ، واختلف في مدة ولايتها بين ثلاثمائة وخمسمائة سنة.
ومن أبرز رؤسائهم ربيعة بن حارث بن عمرو ، ويلقب (لحي) وابنه عمرو بن ربيعة .
عن الأزرقي (حدثني جدي ، عن سعيد بن سالم ، عن عثمان بن ساج ، عن محمد بن السائب الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، أن رجلا ممن مضى كان يقعد على صخرة لثقيف يبيع السمن من الحاج إذا مروا ، فيلت سويقهم ، وكان ذا غنم ، فسميت صخرة اللات ، فمات .
فلما فقده الناس قال لهم عمرو : إن ربكم كان اللات ، فدخل في جوف الصخرة . وكان العزى ثلاث شجرات سمرات بنخلة ، وكان أول من دعا إلى عبادتها عمرو بن ربيعة والحارث بن كعب ، وقال لهم عمرو : إن ربكم يتصيف باللات لبرد الطائف ، ويشتو بالعزى لحر تهامة . وكان في كل واحدة شيطان يعبد) ( ).
والخبر ضعيف السند ، وعثمان بن عمرو بن ساج الخراساني (يكتب حديثه ولا يحتج به) ( ).
ومنهم من فرق بين عثمان بن ساج وعثمان بن عمرو بن ساج( ).
وأختار الفرق بينهما ابن حجر العسقلاني في تهذيب التهذيب( ) ، وقال العقيلي عثمان بن ساج عن خصيف ولا يتابع عليه ( ).
وكون شخص واحد هو عمرو بن ربيعة جاء بالأوثان المتعددة إلى مكة وينسب لها الربوبية بعيد .
وآخر ولاة البيت خزاعة هو حليل بن حبشة ، وانتقلت بعده ولاية البيت إلى قريش إلى جد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قصي بن كلاب ، وقد تقدم البيان .
ولابد من قانون وهو الملازمة بين التوحيد والصلاح وولاية البيت ، إذ أن تنخرم ولاية المشركين عن البيت وحكم مكة ، لذا تفضل الله عز وجل وبعث النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لقطع الشرك ، وليكون سورة الموجبة الكلية الجامع بين قبائل العرب التوحيد ، وهو مانع من الغزو والإقتتال بينهم ، ومن مصاديق قوله تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ] ( ).
لقد تنقلت ولاية البيت بين قبائل خزاعة حتى وصلت إلى قريش واستقرت عندها إلا أنها لم تبذل الوسع لتعاهد هذه الولاية والحفاظ عليها ، والخشية من مجئ قبيلة أشد بأس لأخذها ، ولم تكن قريش تتوقع نبوة أحد أبناء القبيلة ليأتي بأولياء من غيرهم ، ولم يأت النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأولياء للبيت من غير قريش .
الدعوة إلى التوحيد أكثر نفعاً من الغزو
من مصاديق قوله تعالى [وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] ( )، تعدد وسائط الهداية إلى التوحيد في ملك الله عز وجل ،وتهيئة أسباب الهداية ، وإقامة الحجة على الناس ، ومن عظيم قدرته تعالى ترتب الأثر على الدعوة إلى التوحيد بأكثر وأسرع وأعم من الغزو وإصلاح القلوب للرشاد والإيمان .
ومن الرشاد وإدراك القبح الذاتي لعبادة الأوثان ، وكذا للتزلف والتقرب إليها ، وتقديم النذور لها ، والخوف منها في الحضر وفي البراري ، فجاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بكلمة التوحيد، ودعاهم إلى تعظيم حرمة البيت ، ونبذ عبادة الأوثان.
ومنافع هذه الدعوة أعظم وأكثر وأدوم من الغزو .
لقد كانت آيات القرآن ودعوة النبوة غزواً للقلوب والأركان والجوارح .
ومنها لغة الوعد والوعيد والبشارة والإنذار في السور المكية ، وليس من أفراد الجيوش الذين غزو المدينة ، واشتركوا بالمعارك بين المسلمين والمشركين إلا وقد بلغته دعوة التوحيد وطرقت سمعه آيات القرآن ، وكانت حاضرة في الوجود الذهني حتى في أيام المعارك ، وهو من مصاديق قوله تعالى [فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ] ( ).
وقد عرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم على قريش الإسلام وأخبرهم بثبات ولاية البيت لهم ، وصيرورتهم ملوكاً على العرب وتهابهم العجم من بلاد فارس والروم ، فلما اجتمع رؤساء قريش مع أبي طالب وشكوا له النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسألوه أن يجمع بينهم وبينه وأن يكف النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنهم ، ويكفوا عنه .
بعث أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلما حضر أخبره بما جاء به أشراف قريش ، فتوجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في خطابه إلى أبي طالب ، وكأنه صار حكماً بينهم وقال له (يا عم إنما أريد منهم كلمة تذل لهم بها العرب تؤدي إليهم بها الجزية العجم كلمة واحدة .
(فقال أبو جهل: نعم وأبيك وعشر كلمات.
قال : تقولون لا إله إلا الله ، وتخلعون ما تعبدون من دونه ، فصفقوا بأيديهم.
ثم قالوا : يا محمد أتريد أن تجعل الآلهة إلهآ واحدا ؟ إن أمرك لعجب.
قال : ثم قال بعضهم لبعض: إنه والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئا مما تريدون، فانطلقوا وامضوا على دين آبائكم حتى يحكم الله بينكم وبينه.
ثم تفرقوا.
قال : فقال أبو طالب: والله يا بن أخى ما رأيتك سألتهم شططا)( ).
ونزل فيهم [ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ]( )، الآيات إلى قوله [إِلاَّ اخْتِلاَقٌ]( ).
لقد أصابت الدهشة رؤساء قريش إذ يتقاتل الناس على الحفاظ على شأنهم وأموالهم وأرضهم مع أنها قليلة ومحدودة وتسفك فيها الدماء ، ويتبادلون الغزو والنهب.
ولم يذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا كلمة التوحيد إذ قال (تقولون لا إله إلا الله وتخلعون ما تعبدون من دونه .
فأنكروا الكلام ، وصفقوا بأيديهم ، ثم قالوا (يا محمد أتريد أن تجعل الآلهة إلهاً واحدا ؟ إن أمرك لعجب)( ).
أي أن قبائل العرب عاكفة على أصنامها ، كل قبيلة لها صنم ، وتشد الرحال لزيارته ، وتقدم النذور له ، كما تدين لأصنام أخرى ، وكأنهم يقولون : إنا والعرب لا نرضى بالإجتماع على إله واحد.
لقد كان إنكار قريش لإقامتهم وقبائل العرب على عبادة الأوثان ، وخشيتهم من امتناع القبائل عن الإستجابة للتوحيد مما يضر بشأن قريش بينهم مع إقرارهم بأن أباهم إبراهيم كان على ملة التوحيد ، كما أن البشارات تترى عليهم بظهور نبي في مكة ولايدعو أي نبي إلا الى التوحيد ، ومن هذه البشارات :
ما ورد (عن عمرو( ) بن شعيب عن أبيه عن جده قال كان بمر الظهران راهب من أهل الشام يدعى عيصى وكان قد آتاه الله علما كثيرا وكان يلزم صومعة له ويدخل مكة فيلقى الناس ويقول انه يوشك ان يولد فيكم مولود يا أهل مكة تدين له العرب ويملك العجم هذا زمانه فمن أدركه واتبعه أصاب حاجته.
ومن أدركه وخالفه أخطأ حاجته وتالله ما تركت أرض الخمر والخمير والأمن ولا حللت أرض البؤس والجوع والخوف إلا في طلبه فكان لا يولد بمكة مولود إلا يسأل عنه.
فيقول ما جاء بعد فلما كان صبيحة اليوم الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج عبد المطلب حتى أتى عيصى فوقف في أصل صومعته فناداه.
فقال من هذا قال انا عبد المطلب فاشرف عليه فقال كن أباه فقد ولد ذلك المولود الذي كنت احدثكم به عنه يوم الإثنين وهو يبعث يوم الاثنين ويموت يوم الاثنين وإن نجمه طلع البارحة وآية ذلك انه الآن وجع فيشتكي ثلاثا ثم يعافى فاحفظ لسانك فإنه لم يحسد حسده احد ولم يبغ على احد كما يبغى عليه .
قال : فما عمره .
قال : إن طال عمره او قصر لم يبلغ السبعين يموت في وتر دونها في الستين في إحدى وستين او ثلاث وستين أعمار جل امته)( ).
وأحاديث البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم متعددة من وجوه:
الأول : بشارة الرسول السابق بالرسول اللاحق ، ووراثة الأبنياء بين الرسل لهذه البشارات والتبليغ بها ، قال تعالى [وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ]( ).
وهل تشمل هذه الآية الأنبياء أم هي خاصة بالرسل ، الجواب هو الأول ، فقد يأتي اسم الرسول ويراد منه المعنى الأعم الجامع للأنبياء والرسل .
الثاني : بشارات علماء أهل الكتاب من اليهود والنصارى.
الثالث : أخبار المنجمين وعلماء الهيئة ، ومعرفة أحوال الكواكب ومنازلها ، والتبدل الطارئ الذي يحدث فيها.
وقيل ما يحدث في الأرض يُرى في السماء ولكن ليس من باب العلة والمعلول ، فلا إرادة للسماء على الأرض وأهلها ، إنما هو من إتحاد الملك وعائديته لله عز وجل وبيان التداخل بين السماء والأرض ، وهو من عمومات قوله تعالى [وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ]( ).
الرابع : الموروث عند قريش .
الخامس : ما يتلقاه رجال قريش عند ذهابهم إلى الشام واليمن من البشارة والاخبار المتوارثة ، ليكون من مصاديق قوله تعالى [لِإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ]( )، تلقي قريش البشارات ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الرهبان وعامة التجار وأهل الشام واليمن .
موت هبيرة كافراً في دار الغربة
لقد امتنع رؤساء قريش عن قبول الدعوة إلى الإيمان قبل الهجرة وأذاقوا النبي أشد الأذى فانهم تلقوها بالقبول تباعاً وعلى نحو التوالي فمنهم من أمن قبل صلح الحديبية ، ومنهم من أمن بعده مثل خالد بن الوليد ، ومنهم من أمن يوم فتح مكة مثل سهيل بن عمرو.
ومنهم من هرب من مكة يوم الفتح ثم اسلم وهم أفراد قليلون مثل عكرمة بن أبي جهل .
ومنهم من هرب منها يوم الفتح للموت على الكفر مثل هبيرة بن أبي وهب من بني مخزوم زوج أم هانئ فاختة بنت أبي طالب أخت الإمام علي عليه السلام ، وقيل اسمها هند.
وقال هبيرة قال شعراً يوم معركة أحد إذ ذكر اسم هند ، ويحتمل أنه كناية ، وكيف أنها تلومه على شركه وخروجه مع المشركين وهو قرينة على اسلام أم هانئ إذ قال :
(مَا بَالُ هَمّ عَمِيدٍ بَاتَ يَطْرُقنِي … بِالْوُدّ مِنْ هِنْدَ إذْ تَعْدُو عَوَادِيهَا
بَاتَتْ تُعَاتِبنِي هِنْدٌ وَتَعْذُلُنِي … وَالْحَرْبُ قَدْ شُغِلَتْ عَنّي مَوَالِيهَا
مَهْلًا فَلَا تَعْذُلِينِي إنّ مِنْ خُلُقِي … مَا قَدْ عَلِمْتِ وَمَا إنْ لَسْتُ أُخْفِيهَا
مُسَاعِفٌ لِبَنِي كَعْبٍ بِمَا كَلِفُوا … حَمّالُ عِبْءٍ وَأَثْقَالٌ أُعَانِيهَا)( ).
في قصيدة طويلة أوردها ابن هشام وغيره كاملة ، ورد عليه يومئذ حسان بن ثابت :
(سُقْتُمْ كِنَانَةَ جَهْلًا مِنْ سَفَاهَتِكُمْ … إلَى الرّسُولِ فَجُنْدُ اللّهِ مُخْزِيهَا
أَوْرَدْتُمُوهَا حِيَاضَ الْمَوْتِ ضَاحِيَةً … فَالنّارُ مَوْعِدُهَا ، وَالْقَتْلُ لَاقِيهَا
جَمّعْتُمُوهَا أحابِيشًا بِلَا حَسَبٍ … أَئِمّةَ الْكُفْرِ غَرّتْكُمْ طَوَاغِيهَا
أَلَا اعْتَبَرْتُمْ بِخَيْلِ اللّهِ إذْ قَتَلَتْ … أَهْلَ الْقَلِيبِ وَمَنْ أَلْقَيْنَهُ فِيهَا
كَمْ مِنْ أَسِيرٍ فَكَكْنَاهُ بِلَا ثَمَنٍ … وَجَزّ نَاصِيَةٍ كُنّا مَوَالِيهَا)( ).
وقيل هذا الشعر لكعب بن مالك ، والأول أرجح إذ ورد عن ابن إسحاق أنها لحسان بن ثابت ، وقد يسهل تعيين القائل في الأيام اللاحقة لظهور علم (بصمة النص) وارتقائها في قادم الأيام.
وهل كان شعر حسان بن ثابت شاعر الرسول ، وشعر غيره من الصحابة من التخفيف عن المؤمنين ، الجواب نعم ، ولا يختص هذا التخفيف بالواقعة والحدث ، ولا أيام النبوة بل هو مستمر ومتجدد إلى يوم القيامة.
وبعث هبيرة من نجران يخاطب فيها أم هانئ عندما بلغه اسلامها وهي لم تتزوج من بعده .
وهل في هروب هبيرة أذى للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أم ينحصر الأذى بما قبل فتح مكة الجواب هو الأول .
وقد أخزاه الله عز وجل إذ مات في دار الغربة كافراَ بينما أسلم من كان أشد منه كفراَ وإيذاءَ للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه , ومن إيذاء المشركين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم محاولاتهم منعه من الصلاة في المسجد الحرام مع التهديد والوعيد والإيذاء البدني .
و(عن ابن عباس قال : كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي ، فجاء أبو جهل فقال : ألم أنهك عن هذا؟ ألم أنهك عن هذا .
فانصرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم فزبره ، فقال أبو جهل : إنك لتعلم ما بها رجل أكثر نادياً مني ، فأنزل الله { فليدع ناديه سندع الزبانية }( ) قال ابن عباس : والله لو دعا ناديه لأخذته زبانية الله) ( ).
والزبانية في كلام العرب الشرط أي الشرطة .
و(عن ابن عباس في قوله : { أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى}( ) ، قال أبو جهل بن هشام : حيث رمى رسول الله بالسلا على ظهره وهو ساجد لله عز وجل) ( ).
وقد هرب هبيرة إلى نجران ومات على الكفر ، وكانت أم هانئ استأمنت يوم فتح مكة رجالاً من أقارب زوجها من بني مخزوم ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم كلمة خالدة (قد أجرنا من أجرتِ وأمنا من أمنت)( ).
وقد ولدت أم هانئ (من هبيرة ثلاثة بنين أحدهم يسمى جعدة والثاني هانئاً والثالث يوسف وقال الزبيري والعدوي ولدت أم هانىء لهبيرة أربعة بنين جعدة وعمراً وهانئاً ويوسف وهذا أصح إن شاء الله تعالى.
قال الزبير وجعدة بن هبيرة هو الذي يقول :
أبي من بني مخزوم إن كنت سائلاً … ومن هاشم أمي لخير قبيل
فمن ذا الذي يباهي علي بخاله … كخالي علي ذي الندى وعقيل)( ).
وولى الإمام علي عليه السلام جعدة على خراسان (قالوا كان فقيهاً)( ).
وحضر هبيرة معركة أحد مع المشركين وقتل الأنصاري خيثمة بن كعب والد سعد بن خيثمة ولو كان هبيرة قد أسلم لنال من غنائم حنين الكثير ، إذ أعطى النبي محمد [الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ]( )، من أمثاله كل واحد مائة بعير.
لقد اختار رهط من الصحابة الهجرة إلى الحبشة بأمر من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عندما اشتد أذى قريش لهم ، فكانت هذه الهجرة أماناً ، وأول سفارة للإسلام ، وحازوا فيها شهادة النجاشي بصدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وهو من التخفيف عن المؤمنين في أشد الأحوال وقد هاجر بعدها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة ، فعاد المهاجرون من الحبشة إليها ، بينما هبيرة الذي هرب من مكة يوم الفتح مات طريداً على كفره.
قانون منافع تباعد أوقات المعارك
من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التباعد الزماني بين كل معركتين من معارك الإسلام الأولى مع أن المشركين هم الغزاة ، والذين يحددون الزمان والمكان لنشوب المعركة .
ويحصل هذا التحديد يوم المعركة السابقة للمعركة اللاحقة ، كما في تعيين أوان معركة أحد ، فحالما رجعت فلول قريش إلى مكة من معركة بدر صاروا يستعدون لها .
وكما في بدر الموعد فلم ينسحب أبو سفيان من ميدان معركة أحد إلا بعد أن أطل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وعيّن موعداً ومحلاً للقاء والقتال .
(عن مجاهد في قوله { الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم }( ) قال : هذا أبو سفيان قال لمحمد يوم أحد : موعدكم بدر حيث قتلتم أصحابنا .
فقال محمد صلى الله عليه وآله وسلم : عسى . فانطلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لموعده حتى نزل بدراً فوافوا السوق فابتاعوا ، فذلك قوله { فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء } وهي غزوة بدر الصغرى) ( ).
ليكون من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه حتى مع تعيين رؤساء الشرك ينصرف القتال بلطف من عند الله عز وجل ، وهو من مصاديق قوله تعالى [يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ] ( )، ومن منافع التباعد بين أوقات معارك الإسلام الأولى وجوه :
الأول : حقن الدماء ، وعندما احتج الملائكة على خلافة الإنسان في الأرض بأنه [يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ] ( )أجابهم الله عز وجل [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( )ومن علم الله صرف المشركين عن معارك عديدة ، واختيارهم التأجيل والإرجاء وحصول الخلاف والشقاق بينهم .
الثاني : من مصاديق قوله تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ]( )، ترددهم في غزو المدينة وتباطؤهم في محاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : حال السلم مناسبة لتدبر الناس في معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابع : إجتهاد المسلمين بأداء الفرائض وتعلم القرآن والتفقه في الدين.
لم يكف المشركون في تلك الأيام والسنوات عن المكر وخطط الهجوم وإرادة اغتيال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ليكون من معجزاته في المقام وجوه :
الأول : نجاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الاغتيال والقتل.
الثاني : سلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من الأمراض المميتة ، والداء الذي يضعف أو يمنع الحركة ، وفي إبراهيم ورد قوله تعالى [وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ] ( ) .
فمن باب الأولوية إنتفاع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من نعمة الشفاء العاجل هذه , لحمل النبي رسالة التبليغ ، وعدم إكتمال نزول القرآن إلا في آخر أيام حياة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وبعد عودته من حجة الوداع في شهر ذي الحجة من السنة العاشرة للهجرة أقام في المدينة بقية شهر ذي الحجة ومحرماً وصفراً .
قال ابن كثير (ابتدئ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشكواه الذى قبضه الله فيه إلى ما أراده الله من رحمته وكرامته في ليال بقين من صفر أو في أول شهر ربيع الاول) ( ) .
الثالث : لم يقم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم طيلة فترة النبوة بغزو قرية أو بلدة ، ولكن الناس كانوا يسارعون في دخول الإسلام أفراداً ثم جماعات ثم أفواجاً كما في قوله تعالى [إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا] ( ).
لبيان قانون من الإرادة التكوينية في تعليم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه فحتى مع النصر ودخول الأفواج من الناس والقبائل في الإسلام ، وشدة منعة المسلمين فانه ليس من غزو أو هجوم ،إنما هو التسبيح والتهليل ، وضبط المسلمين والمسلمات أداء الصلاة بأجزائها وأركانها وشروطها وفي أوقاتها ، قال تعالى [أَقِمْ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا]( ).
الرابع : إصابة المشركين بالوهن والضعف والكبت .
الخامس : رجوع جيوش الكفار من المعارك خائبين ، إذ يتجلى للناس جميعاً عجزهم عن تحقيق غاياتهم الخبيثة .
أبو عامر الفاسق
عندما هاجر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة جاءه الأشراف ورؤساء اليهود يسألونه ويجيبهم ، وقد ورد قوله تعالى [يَسْأَلُونَكَ]، خمس عشرة مرة في القرآن كلها خطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو يجيبهم بالوحي فاسلم رهط من الناس لأجوبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وآيات القرآن ، وجاءه أبو عامر فقال (ما هذا الذي جئت به .
قال : جئت بالحنيفيّة دين إبراهيم .
قال أبو عامر : فأنا عليها ، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : فإنك لست عليها .
قال : بلى ولكنك أدخلت في الحنيفيّة ما ليس منها.
فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ما فعلت ولكني جئت بها بيضاء نقية .
فقال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أمات الله الكاذب منّا طريداً وحيداً.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، آمين .
وسمي أبا عامر الفاسق ، وقال أبو عامر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن أجد قوماً يقاتلونك إلاّ قاتلتك معهم) ( ) .
وخرج أبو عامر بعد معركة بدر إلى مكة ومعه نفر من الأوس ، وصار يحرض قريشاً على قتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
وأنه سيخرج معهم لقتاله ، وأن الأوس والخزرج سينحازون إليه عند معرفتهم بوجوده مع قريش فاغتروا بقوله ، بينما استشهد يومئذ ابنه حنظلة غسيل الملائكة في حجة عليه إلى يوم القيامة ، ثم بقي يقاتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
ولما انهزمت هوازن وثقيف يوم حنين ارتحل إلى الروم ليحرضهم ويستنصر بهم ، (وأرسل الى المنافقين أن استعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح وابنوا لي مسجداً فإني ذاهب الى قيصر ملك الروم فآتِ بجند من الروم فأُخرج محمداً وأصحابه،
وذلك قوله تعالى [وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ]( )، فبنوا مسجداً الى جنب مسجد قبا وكان الذين بنوه اثني عشر رجلاً : خذام بن خالد ومن داره أخرج المسجد،
وثعلبة بن حاطب،
ومعتب بن قشير،
وأبو الأرعد،
وعباد بن حنيف،
وحارثة بن عامر،
(وجارية وابناه) مجمّع وزيد،
ونبتل بن الحارث. ولحاد بن عثمان،
ووديعة ابن ثابت،
وكان يصلي بهم مجمع بن يسار،
فلما فرغوا أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو يتجهز الى تبوك، وقالوا : يا رسول الله إنا قد بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه وتدعو بالبركة .
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إني على جناح السفر ولو قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلينا لكم فيه ، أي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقل اني أريد الغزو إنما قال على جناح سفر ، وهل فيه شاهد على علم الله سبحانه بعدم وقوع قتال في معركة تبوك ، الجواب نعم.
فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من تبوك ونزل (بذي أوان) بلد بينه وبين المدينة ساعة .
فسألوه إتيان مسجدهم فدعا بقميصه ليلبسه ويأتيهم فنزل عليه القرآن فأخبره الله عزّ وجلّ خبر مسجد الضرار.
وما هموا به فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مالك بن الدخشم ومعن بن عدي وعامر بن السكن والوحشي قاتل حمزة وقال لهم : انطلقوا الى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه فخرجوا سريعاً حتى اتوا سالم بن عوف واتوا رهط مالك بن الدخشم فقال مالك لهم : انتظروا حتى آتي لكم بنار من أهلي فدخل أهله فأخذ سعفاً من النخل فأشعل فيه ناراً ثم خرجوا ينشدون حتى دخلوا المسجد وفيه أهله فحرقوه وهدّموه وتفرّق عنه أهله) ( ).
وسماه النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبا عامر الفاسق ، ومات في الشام وحيداً طريداً (فَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ لِأَبِي عَامِرٍ فِيمَا صَنَعَ :
مَعَاذَ اللّهِ مِنْ عَمَلٍ خَبِيثٍ … كَسَعْيِك فِي الْعَشِيرَةِ عَبْدَ عَمْرٍو
فَإِمّا قُلْتَ لِي شَرَفٌ وَنَخْلٌ … فَقِدْمًا بِعْتَ إيمَانًا بِكُفْرِ) ( ).
الثانية عشرة ( ): كتيبة حمراء الأسد ، لقد تقدمت الإشارة والبيان بخصوصها( )، إذ بلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم في اليوم التالي لمعركة أحد أن جيوش قريش تنوي المكر والكر من جديد لغزو ذات المدينة وليس الرجوع إلى معركة أحد والميدان ، أي أنهم استعدوا لخطة جديدة تتضمن غزو المدينة من أكثر من جهة خاصة وأن عددهم كثير وهو ثلاثة آلاف ومن قبائل متعددة.
وقُتل منهم في ميدان المعركة اثنان وعشرون ، كما كان إنسحابهم منظماً ، بخلاف هزيمتهم وفرارهم على وجوههم في معركة بدر ، وهل كيفية هذا الإنسحاب وقلة القتلى والأسرى منهم هي النفع الوحيد الذي خرجوا فيه من المعركة وعدوه نصراً وغلبة إيهام للناس ، الجواب لم تخرج قريش بأي نفع من معركة أحد وهذا أمر يحصل في كل زمان بأن يصور القائد هزيمته وكأنها نصر ، وهناك من يزّين له الأمر تملقاً ورياءً.
ولم يعط النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه أمراً بمطاردتهم ، لأنه صلى الله عليه وآله وسلم لا يريد القتال ، ولا يسعى إليه .
وعندما أرادت جيوش قريش الإنسحاب من ميدان معركة أحد أطل أبو سفيان على المسلمين وقال (الْحَرْبُ سِجَالٌ يَوْمٌ لَنَا وَيَوْمٌ لَكُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: أَجِيبُوا، لأَصْحَابِهِ.
وَقُولُوا : لا سَوَاءٌ قَتْلانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلاكُمْ فِي النَّارِ.
قَالَ أَبُو سُفْيَانَ : عُزَّى لَنَا وَلا عُزَّى لَكُمْ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: “قُولُوا: اللَّهُ مَوْلانَا وَلا مَوْلَى لَكُمْ)( ).
أي أنهم يتوسلون ويتقربون إلى الله بالصنم عُزى وكأنه يذكر المسلمين بأيام الجاهلية وعبادة الأوثان قبل دخولهم الإسلام ، ولم يعلم أن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قانون تنزه المسلم من حب الأصنام حال دخوله الإسلام وحال مقدمات الدخول.
ليغادر الكفار ميدان المعركة بالخيبة ، ويدركوا أنهم خلفوا قتلاهم ليكون مصيرهم إلى النار ، بينما يفوز الشهداء بالجنة.
ومن الشواهد الحاضرة في كل زمان على هذا التباين والتضاد ، صيرورة قبور شهداء أحد مناراً ، ويتعاهدها المؤمنون بالزيارة والإستغفار والإتعاظ ، وهل يلحق الشهداء ثواب من هذا الإتعاظ ، الجواب نعم ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لاَ تَشْعُرُونَ]( ).
بتقريب أنهم أحياء بأثرهم ونفعهم والإقتداء بهم ، وأحياء في الوجود الذهني للمؤمنين ومنتدياتهم ، وفي ذكرهم بالدعاء والزيارة.
وأنوار ورشحات هذه الزيارة من مصاديق قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم : الله أعلى وأجل ، عندما قال أبو سفيان: أعلُ هُبل.
ثم قال أبو سفيان (موعدنا وموعدكم بدر الصغرى)( ).
وهل كان أبو سفيان يخشى مطاردة المسلمين لجيشه ، عند الإنسحاب ، المختار نعم.
لقد خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومائتان من أصحابه عند حلول الموعد إلى حمراء الأسد ، وعادوا بسلام ، ونزل قوله تعالى [الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ]( ).
وقد تقدم في الجزء الرابع والثمانين بعد المائة من هذا السِفر وتسمى كتيبة حمراء الأسد في (كتب التفسير والسيرة والـتأريخ غزوة حمراء الأسد ) ، ولا أصل لتسميتها غزوة لغة واصطلاحاً ففي الغزو أطراف :
الأول : الغزاة .
الثاني : موضوع الغزو .
الثالث : المغزو سواء كان بلدة أو قرية أو قبيلة .
الرابع : وقوع القتال بين الغازي والمغزو .
الخامس : ترتب الأثر على الغزو من السلب والنهب)( ).
ومن خصائص الغزو الإستعداد له بالرجال والإنفاق والتمرين وشحذ الأسلحة والمؤن ، ورصد الطريق والإحتراز المتعدد ، ومنه الخشية على الأهل من تعرضهم للغزو في ذات الوقت الذي يخرج رجالهم إلى غزو قبيلة أو قرية أخرى ، وترجيح كفة النصر والكسب وأن يكون رجال الغزو أكثر من رجال البلدة أو القرية التي تتعرض للغزو في الغالب ، مع عنصر المباغتة ، والقسوة وسفك الدماء وسبي النساء من غير شفقة.
ولم يتحقق أي شرط من الشروط والمقدمات أعلاه في كتيبة حمراء الأسد ، ولم يخطط النبي صلى الله عليه وآله وسلم للخروج إليها وهي فرع معركة أحد التي فرضت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه على كره وعدم رضا منهم ، قال تعالى [كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ]( ).
ويتوجه الخطاب في الآية أعلاه إلى المسلمين ، لبيان أن النبي محمداً رجل السلم والموادعة وأنه لا يبغي القتال ، ولكن المشركين يصرون على القتال .
ومن الشواهد عليه صلح الحديبية إذ رضي النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالشروط التي أملاها رجال قريش عليه.
وكان قد قال يومئذ (لَا تَدْعُونِي قُرَيْشٌ إلَى خُطّةٍ يُعَظّمُونَ فِيهَا الْحَرَمَ إلّا أَجَبْتهمْ إلَيْهَا)( ).
وقد رضي النبي صلى الله عليه وآله وسلم برد المسلم الذي يأتيه من مكة إليها للسلام بعد صلح الحديبية ، ولأن هذا المسلم يذكر الله عز وجل ويقيم الصلاة في المسجد الحرام ، ويطوف بالبيت الحرام ، ويتصل مع وفود العرب التي تقدم إلى مكة ، وهو داعية إلى الله عز وجل.
وأيهما أكثر تأثيراً على الناس ضلالة الصنم المنصوب في البيت الحرام أم هداية المسلم للناس في مكة بعد صلح الحديبية .
الجواب هو الثاني ، وهو من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن يرضى بشرط يفرضه المشركون فيكون هذا الشرط نوع طريق ومدخل ودعوة إلى الله والإسلام في مكة المكرمة.
ووقعت كتيبة حمراء الأسد في شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة ، وهل لها موضوعية في صلح الحديبية الذي تم في شهر ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة ، ورضا المشركين بأصل الصلح وبنوده ، الجواب نعم ، وسيأتي باب أسباب رضا المشركين بصلح الحديبية.
فلم تكن هذه الأسباب آنية إنما كانت تراكمية توليدية ، ولم يكن موضع حمراء الأسد معروفاً في التأريخ وليس فيه سكان ومقيمون ، ولكن شاء الله عز وجل أن يوثق اسمه وموضعه إلى يوم القيامة بخروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم خلف جيش المشركين ، وإقامته ثلاثة أيام في هذا الموضع ، وهو من معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم بدخول أسماء ومسميات في التأريخ بنزول آيات القرآن ، والسنة النبوية.
وهل اسم (حمراء الأسد) من الأسماء التي علمها الله عز وجل لآدم في قوله تعالى [وَعلم آدم الأَسْمَاءَ كُلَّهَا]( )، المختار لا.
الخروج إلى حمراء الأسد سلام
ويسمى خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم غزوة وهو المتوارث في كتب التفسير والسيرة والتأريخ ، ويتلقاه القارئ والمستمع على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج غازياً ، قاصداً قوماً للهجوم عليهم ، وهو المتبادر في الأذهان من لفظ غزوة ، والتبادر من أظهر علامات الحقيقة.
إنما كان هذا الخروج سلاماً وأمناً وشاهداً على أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم نبي السلام ، وأنه لم يغز أحداً من جهات:
الأولى : اضطرار النبي صلى الله عليه وآله وسلم للخروج إلى حمراء الأسد بعد أن بلغه عزم جيوش قريش على اعادة الكرّة على المدينة بعد معركة أحد التي انقضت قبل يوم واحد ، من هذا الخروج .
ومن معجزات الني محمد صلى الله عليه وآله وسلم انتهاء معركة أحد بيوم واحد.
الثانية : من منافع هذا الخروج منع المشركين من غزو المدينة ، خاصة وأن كثيراً من الصحابة اثقلتهم الجراحات ، وأن المنافقين أظهروا التخاذل والجبن ، وأرادوا الفتنة .
الثالثة : ليس من هدف وموضع معين يقصده النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في خروجه ، وهل كان وقوفه عند حمراء الأسد وإقامته فيها ثلاثة أيام من الوحي ، الجواب نعم.
الرابعة : لا يدل عدد وهيئة الصحابة الذين خرجوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى حمراء الأسد على إرادة الغزو ، فقد كانوا مائتين ونيفاً ، وأكثرهم أصابته الجراحات الشديدة .
الخامسة : دلالة موضوع وسبب الخروج إلى حمراء الأسد ، وهو بلوغ النبي انباء عن عزم جيش المشركين على العودة لغزو المدينة.
السادسة : لم يرجع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من حمراء الأسد بغنائم وأموال إنما رجعوا بخير الدنيا والآخرة ، بآيتين من القرآن لتوثيق خروجهم وصحته وأنه صبر في جنب الله وليس غزواً كما في قوله تعالى [الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ( )*فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ]( ) ( ).
لقد كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه يعلمون أنهم يخرجون مع قلة عددهم متعقبين ثلاثة آلاف مقاتل ، ولو التقى الجمعان في حمراء الأسد أو قريباً منها ، فلا يُهزم النبي وأصحابه لأنه لم يخرج إلا بالوحي ، قال تعالى [أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ] ( ).
ويتفضل الله عز وجل بنزول الملائكة لنصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ومن مصاديق الآية أعلاه سلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، وعودتهم من حمراء الأسد من غير قتال ، ليكون هذا الخروج باعثاً للخيبة والقنوط والإحباط في نفوس المشركين ، وهو من مقدمات صلح الحديبية ، ورضا المشركين بوقف الإقتتال بين الطرفين عشر سنين.

سعي المشركين للإبادة الجماعية والثقافية
و(عن ابن عباس قال : لما رجع المشركون عن أحد قالوا: لا محمدا قتلتم، ولا الكواعب أردفتم، بئسما صنعتم، ارجعوا.
فسمع بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فندب المسلمين، فانتدبوا)( ).
وعن محمد بن عمر الأسلمي أن سبب خروج النبي إلى حمراء الأسد أنه (بلغه أن أبا سفيان وأكثر من معه يريدون أن يرجعوا ليستأصلوا من بقي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فحينئذ حث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الناس على الخروج في طلب العدو)( ).
وهو من الشواهد على أن هذا الرجوع لأمور :
الأول : الإبادة الجماعية لأصحابه من المهاجرين والأنصار ، خاصة وأن المشركين يرومون الثأر لقتلاهم في معركة بدر.
الثاني : الإبادة الثقافية والمعرفية .
الثالث : قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقد نزل قوله تعالى [وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ]( )، في مكة قبل الهجرة.
وجاءت أفراد مكر المشركين الأربعة في الآية أعلاه بصيغة المضارع:
الأولى : ليثبتوك .
الثانية : يقتلوك .
الثالثة : يخرجوك.
الرابعة : يمكرون .
وتحتمل وجوهاً :
الأول : إنقطاع مصاديق هذا المكر بعد هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : نجاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من بعض أفراد هذا المكر مثل [لِيُثْبِتُوكَ] أي ليسجنوك ، ليعجز مشركو قريش عن سجن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد الهجرة .
الثالث : عدم إنقطاع هذه الأفراد من المكر بعد الهجرة .
والمختار هو الثالث لوجوه :
الأول : أصالة الإطلاق في صيغة المضارع .
الثاني : تكرار نزول المشركين للمدينة وقصدهم قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : إرادة المشركين إخراج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة بتهديد الأوس والخزرج ، وتحريض المنافقين ويهود المدينة والقبائل والأعراب المحيطين بالمدينة على شخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين ، وقد قال رأس النفاق عبد الله بن أبي بن أبي سلول ، كما ورد حكاية عنه في التنزيل [لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ] ( ).
الرابع : إرسال قريش أفراداً منهم لإغتيال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليكون من معاني ورود الحرف (أو) مرتين في الآية أعلاه أعم من التسوية بين المتعاطفين أو الإيهام ، إنما تتضمن تقديم المشركين للأقرب والأقسى حسب الحال ، فعندما يعجزون عن حبس النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يخططون ويسعون في قتله ، ولمّا لم يخرجوا النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم من مكة بالكيفية والجهة التي يريدون بما فيه إغواء القبائل والأعراب وعبدة الأوثان به ، فانهم يحرضون على إخراجه والمهاجرين من المدينة، للتضييق الإقتصادي على أهل المدينة الذين آووهم ، وإحراق النخيل والمزروعات حول المدينة ، وسوق ونهب أنعامهم التي تسرح في المراعي حولها .
لبيان أن مشركي قريش يسعون في أمور :
الأول : الإبادة الجماعية .
الثاني : الحرب الإقتصادية .
الثالث : معاداة التوحيد .
الرابع : المنع من إرتقاء الناس في كسب المعارف والعلوم .
لبيان الإعجاز في نزول أول آيات القرآن بطلب العلم [اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ] ( ) وفيه بشارة عجز الكفار عن منع طلب المسلمين العلم النافع إلى يوم القيامة .

الخروج إلى حمراء الأسد وحي
لقد خرج النبي محمد صِلى الله عليه وآله وسلم بمائتين ونيف من أصحابه متعقبا جيشاَ عرمرماَ ساخطاَ ناقماَ , لبيان وجوه :
الأول : ِِ توثيق القرآن لحال الصحابة وحسن دفاعهم مع أن أكثرهم جرحى , وجراحاتهم بالغة , قال تعالى [الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ] ( ).
الثاني : حسن توكل النبي محمد وأصحابه على الله ، لذا جاءت آيات القرآن بالخطاب والأمر اليه بوجوب التوكل على الله عز وجل في آيات عديدة منها [وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ]( ).
وتضمنت الآيات الأمر إلى المسلمين بالتوكل على الله ، قال تعالى [وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ]( ).
ويخاطب موسى في الآية قومه بني اسرائيل ، وهل فيه مقدمة وحض من الأنبياء السابقين ليتوكل المسلمون أيام بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الله ، الجواب نعم .
وهل لقوله تعالى بخصوص معركة أحد [إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ]( )، موضوعية في خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في اليوم الثاني خلف المشركين إلى حمراء الأسد ، الجواب نعم ، لما في الآية من الحضّ على التوكل على الله في السراء والضراء.
الثالث : خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خلف جيوش المشركين بالوحي , وما دام الأمر وحياَ , ففيه مسائل :
الأولى : الحاجة العامة إلى خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى حمراء الأسد .
الثانية : إنتفاء اللوم وإلى يوم القيامة على خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى حمراء الأسد .
الثالثة : المدد والعون للصحابة بهذا الخروج , فمع الوحي يكون الوعد والضمان من عند الله عز وجل .
الرابعة : تسليم الصحابة بلزوم الإستجابة لنداء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالخروج إلى حمراء الأسد , مع أنه لم يمر يوم كامل على إنتهاء معركة أحد .
فقد انتهى عصر ذات اليوم الذي إبتدأت به لينادي النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالخروج صبيحة اليوم التالي وهو يوم الأحد السادس عشر من شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة , قال تعالى [الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ] ( ).
الخامسة : علم الله عز وجل بعدم وقوع قتال في خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى حمراء الأسد .
ومنه فضل الله عز وجل بنجاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
السادسة : توثيق القرآن لخروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى حمراء الأسد بآيتين , ومن معاني ودلالات هذا التوثيق دعوة العلماء في كل زمان للتحقيق في هذه الكتيبة واقتباس المواعظ , واستقراء المسائل والقوانين منها .
السابعة : فضل الله عز وجل في مقدمات سلامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في كتيبة حمراء الأسد بما ألقاه في قلوب الذين كفروا من الرعب والخوف والفزع , وهو من أسرار مجئ حرف السين للمستقبل القريب في قوله تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ]( ).
قانون استدامة فزع المشركين
لقد خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى الله عليه وآله وسلم إلى حمراء الأسد ومكث وأصحابه فيها ثلاثة أيام الأمر الذي جعل المشركين كانوا في فزع وخوف .
ترى ما هي منافع هذا الفزع يومئذ مسائل :
الأولى : عدم توالي وقوع القتال وسفك الدماء , وهو من مصاديق رد الله عز وجل على الملائكة [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ) حينما احتجوا على جعل [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( ) بأن الإنسان يفسد في الأرض ويسفك الدماء , ومنه فساد كفار قريش فإن مصاديق الفساد بعبادة الأوثان , وإباحة المحرمات , والقتل في غزوهم للمدينة وسقوط عدد من الصحابة قتلى , بل حتى قتلى المشركين يتحمل قسطاً منه رؤساءهم ساقوهم إلى سوء العاقبة , مثلما يتحمل ذات القتل , قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ]( ) .
الثانية : سلامة المدينة المنورة من إعادة المشركين الكرة ، ورجوعهم لغزوها واستباحتها بعد الإنسحاب من معركة أحد , فقد هموا بالرجوع إليها .
ولكنهم حينما علموا بأن النبي محمداَ صلى الله عليه وآله وسلم خرج بجيش جرار عدلوا عن نيتهم , وسارعوا بالعودة إلى مكة ونواحيها , إذ أن عامة الجيش من القرى والقبائل المحيطة بها .
الثالثة : شدة الأذى الذي يعاني منها الكفار , وحدوث أسباب الفتنة بينهم .
الرابعة : صرف المشركين عن البطش والإنتقام ، ومن خصائص الحياة الدنيا مشيئة الله في الوقائع والأحداث شلّ يد الظالم ، وإشغاله عن التمادي في الظلم ، وإن كان مبسوط السلطان والحكم.
الخامسة : حال العز والمنعة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه , وهو من مصاديق سلامتهم من الذل الذي ذكر في قوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]( ) .
وبيان مسألة وهي قانون تنامي حال العز للمسلمين وصيرورته في ازدياد مطرد مع تقادم الأيام وتعاقب الوقائع والأحداث , وهل منه نتائج معركة أحد .
أم أنها تخرج بالتخصيص من هذا القانون لما لحق المسلمين من البشارة فيها , الجواب هو الأول .
فلم يحقق ثلاثة آلاف مقاتل من المشركين أي غاية خبيثة من غاياتهم في تلك المعركة , وهو من أسرار عزمهم على الرجوع إلى المعركة وغزو المدينة لولا خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى حمراء الأسد , وقد تقدم الكلام عن كتيبة حمراء الأسد في كل من:
الأول : الجزء الرابع والثمانون بعد المائة ص64.
الثاني : الجزء السابع والثمانون بعد المائة ص56.
الثالث : الجزء السادس عشر بعد المائتين ص230.
الرابع : الجزء السادس والخمسون بعد المائة ، والذي اختص بتفسير قوله تعالى [الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ]( ).
الخامس : الجزء الثاني والستون بعد المائة ، والذي اختص بتفسير قوله تعالى [الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ] ( ).
السادسة : الأضرار العقلية والنفسية التي تلحق المشركين بسبب حال الفزع في قلوبهم , وهو من إعجاز الآية بالإخبار عن القاء الله عز وجل الرعب في قلوبهم وما يترتب عليه من الآثار الوضعية , فقد يأتي لفظ القلوب ويراد منه العقول خاصة وأن القلوب قد تأتي في القرآن بمعنى العقول .
السابعة : ضيق صدور المشركين , وسرعة غضبهم وحنقهم لكثرة الإنفاق دون نتيجة .
غايات موعدة أبي سفيان
مما يدل على أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم يطلب القتال ، ولا الغزو أو حتى الثأر من المشركين في غزوهم في معركة أحد والخسارة الفادحة التي لحقت بهم عدم خروجه إلى بدر الموعد إلا بسبب موعدة وتحدي أبي سفيان للمسلمين .
وهل في موعدة أبي سفيان للقتال أذى وضرر ، الجواب نعم ، ففيها ضرر مادي ونفسي وترقب وخشية القتل وسفك الدماء ، خاصة وأنها تمت ساعة انتهاء معركة أحد التي تلقى فيها المسلمون خسارة جسيمة ، وأظهر فيها المشركون قوتهم وسطوتهم وكثرة عددهم ، وكان فيهم يومئذ سبعمائة دارع ، ومائتا فرس مهيأة للقتال لم تركب ظهورها .
ترى لماذا أعلن أبو سفيان موعداً للقتال بعد عام تماماً ، فيه مسائل :
الأولى : إثارة الخوف والفزع عند المسلمين .
الثانية : إشغال المسلمين عن أداء الفرائض والواجبات العبادية.
الثالثة : بيان قوة ومنعة المشركين، وكثرة رجالهم .
الرابعة : إعطاء رسالة باستجابة أهل مكة ورجال القبائل لرؤساء قريش في الخروج للقتال ، وهي أعلى مراتب الإستجابة في حال تحققها ، وفيه إشارة ببقائهم على الكفر .
الخامسة : منع الناس من دخول الإسلام ، وترقب ما يقع بعد سنة .
السادسة : استصحاب مكاسب قريش في معركة أحد .
السابعة: محاولة التغطية على خسائر قريش في معركة بدر ، وهزيمتهم فيها التي جعلت العرب يدركون دلائل الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثامنة : بيان حقيقة وهي رغبة المشركين في القتال وسفك الدماء ،ومحاربة النبوة والتنزيل بأشد صيغ المحاربة ، وهل فيه حجة لمقابلة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم غزوهم بغزو مثله.
الجواب نعم ، ومع هذا فانه لم يغز المشركين ، إنما تلقى الموعدة بالصبر والتحمل ، فاللقاء بعد عام من معركة أحد لم يتم باتفاق بين الطرفين ، إنما تم بأمر وموعدة من أبي سفيان رئيس جيش المشركين يومئذ.
وهل كان رؤساء قريش في ميدان معركة أحد راضين على هذه الموعدة أو أنها صدرت باتفاق بينهم ، الجواب لم يتم أي منهما ، وهو الذي ظهر باللوم الذي وجهه بعض رؤساء قريش مثل عكرمة لأبي سفيان عندما اضطر للرجوع من غزوة جيش السويق بخزي .
التاسعة : عسكرة الجزيرة ، لقد نزل القرآن بحرمة الوأد ، فقال تعالى [وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاَقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا] ( ) ولكن المشركين أرادوا شيوع القتل في الكبار والصغار ، والقتل هذه المرة على المبدأ وعقيدة التوحيد ، فلابد أن ينصر الله عز وجل رسوله ، وهذه النصرة من مصاديق قوله تعالى [وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] ( )، فملكية الله ملكية تصرف وفصل وإصلاح ، ومنه قوله تعالى [وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ]( ).
فكما أن الله عز وجل لم ولن يترك السموات والأرض بعد خلقه لها ، إنما يتعاهدها بالحفظ والإدامة ، فكذا فانه يحفظ سنن التوحيد في الأرض ، ووظائف خلافة الإنسان فيها طوعاً وقهراً على الناس ، فلابد من رد كيد المشركين إلى نحورهم ، والحيلولة دون نصرهم في المعارك ، ولو انتصر المشركون ببعض المعارك في اللقاء مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه فهو لا يضر مع قانون نصر الله عز وجل للأنبياء وأصحابهم ، كما قال تعالى [إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ] ( ).
وهل عدم تحقق لقاء القتال بخصوص بدر الموعد من مصاديق الآية أعلاه أم أن القدر المتيقن من النصر ما يتحقق في ميدان القتال مثل النصر في معركة بدر .
الجواب هو الأول ، بدليل تسمية الله عز وجل لصلح الحديبية فتحاً بقوله تعالى [إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا]( ).

التوقف في حمراء الأسد سلم
لقد جرت وقائع معركة أحد على بعد خمسة كيلو متر من المسجد النبوي ، وتبعد حمراء الأسد عن المسجد (12) كم كما أن الخروج إليها كان مفتوحاً من جهة السير والإبتعاد عن المدينة ، ومطاردة جيش المشركين ، ولكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم توقف في حمراء الأسد وأقام فيها ثلاثة أيام ، وفيه وجوه :
الأول :هذا التوقف من الوحي .
الثاني : الإقامة ثلاثة أيام في حمراء الأسد من الوحي.
الثالث : كان التوقف والإقامة إجتهاداً من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومشورة أصحابه وليس من الوحي .
الرابع : أوان العودة إلى المدينة من الوحي .
وباستثناء الوجه الثالث أعلاه فأن الوجوه الأخرى صحيحة ، وهو من عمومات قوله تعالى [وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى] ( ) وفيه شاهد على أن كتيبة حمراء الأسد ليست غزوة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وأن تسميتها في كتب التفسير والسيرة والتأريخ (غزوة حمراء الأسد ) لا أصل له لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يهجم على قرية أو بلدة للمشركين ، ولم يقع قتال ، إنما كانت لإرهاب المشركين وكف أذاهم ومنعهم من إعادة الكرة والرجوع للهجوم على المدينة وغزوها.
فلم يقابل النبي صلى الله عليه وآله وسلم هجوم المشركين على المدينة بهجوم مثله على مكة أو على قرى حلفائهم الذين اشتركوا معهم في غزوتهم في أحد مثل كنانة وبني المصطلق من خزاعة , وعضل والقارة والأحابيش من بني الهون بن خزيمة (إذ عقد عبد المطلب الحلف بينهم وبين قريش) ( ).
والتحبيش : التجمع : ومن أسباب تسميتهم الأحابيش إجتماعهم مع قريش عند جبل في أسفل مكة يسمى حبشي (فتحالفوا بالله إنا ليد على غيرنا ما سجى ليل ووضح نهار وما رسا حبشي مكانه فسموا أحابيش باسم الجبل) ( ).
وكان مع المشركين في معركة أحد أبو عامر الفاسق قدم إليهم من المدينة ومعه خمسون من الأوس (وبعض الناس يقول خمسة عشر) ( ) , وصار يحرض على النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
ومعهم من رجال القبائل وعبدان أهل مكة ومنهم حبشي الذي قتل حمزة عم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وتتضمن آية حمراء الأسد [الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ] ( ) قيدين لفوز الذين خرجوا إلى حمراء الأسد مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهما:
الأول : الإحسان .
الثاني : تقوى الله .
مع التبعيض بحرف الجر (من ) في قوله تعالى [لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ]، فهل الذي خرج إلى حمراء الأسد ثم لم يحسن ، ولم يتق الله يحرم نفسه من الأجر العظيم ، الجواب لا من وجوه :
الأول : ذات الخروج إلى حمراء الأسد من الإحسان والتقوى .
الثاني : من معاني مواصلة السير مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم عدم النكوص أو الرجوع من وسط الطريق كما فعل المنافقون في معركة أحد ، خاصة مع قلة عدد الصحابة الذين خرجوا إلى حمراء الأسد وكثرة جراحاتهم.
الثالث : من معاني الآية مضاعفة الأجر العظيم للذين خرجوا إلى حمراء الأسد ،ويكون تقدير الآية : الذين استجابوا لله والرسول مع القرح الذي أصابهم لهم أجر عظيم وللذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم آخر ، وكل نعمة من الله في الآخرة هي أجر عظيم .
ولا يختص هذا الأجر بدخول الجنة إنما يشمل الأمن في مواطن الآخرة ، والشفاعة ، وكثرة النعم في الجنة ، قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ] ( ).
لقد سار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نحو حمراء الأسد بعد انسحاب المشركين من معركة أحد بيوم ، إذ انسحبوا عصر النصف من شهر شوال .
وخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم خلفهم صباح اليوم التالي ولابد أنهم قطعوا مسافات طويلة ، ولم يكن النبي وأصحابه مسرعين في السير خاصة مع كثرة جراحاتهم ، ومع هذا فان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يتقدم في المسير إنما بقي يرصد الجادة العامة بالقرب من المدينة خشية رجوع جيش المشركين ، مما يدل على أنه لم يطلب القتال ، ولم يقصد الغزو ، وكان توقفه في حمراء الأسد لواء سلام.
الخامسة عشرة : كتيبة بدر الآخرة أو بدر الموعد
ما يسمى غزوة جيش السويق غير غزوة السويق للتباين الموضوعي وتأريخ وزمان كل منهما .
فقد وقعت كتيبة السويق بعد معركة بدر بهجوم وغزو ابتداء من أبي سفيان وأصحابه ووصلوا إلى أطراف المدينة ، وتسلل أبو سفيان في الليل ، وذهب إلى طوائف من يهود المدينة .
وقال ابن اسحاق باسناده ، (فخرج في مائتي راكب من قريش ليبر يمينه فسلك النجدية حتى نزل بصدر قناة إلى جانب جبل يقال له نيب من المدينة على بريد أو نحوه ثم خرج من الليل حتى أتى بني النضير من تحت الليل.
فأتى حيي بن أخطب فضرب عليه بابه فخاف فلم يفتح له.
فانصرف إلى سلام بن مشكم وكان سيد بني النضير في زمانه ذلك و صاحب كنزهم فأستأذن عليه فأذن له و قرأه و سقاه و بطن له من خبر الناس ثم خرج من عقب ليلته حتى أتى صاحبه فبعث رجالا من قريش إلى المدينة فأتوا ناحية منها يقال لها العريض
فخرجوا في أصوار من نخل بها و وجدوا رجلا من الأنصار و حليفا له في حرث لهما فقتلوهما ثم انصرفوا راجعين) ( ).
وفيه شاهد بعجز أبي سفيان ومائتين من أصحابه عن الوصول إلى المدينة ، وعن الإتصال بأهلها أو تحريضهم على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو من معجزاته الحسية ، وحتى يهود المدينة فان بعض رؤسائهم امتنع عن استقبال أبي سفيان ، أما الآخر وهو سلام بن مشكم فلم يقدم لأبي سفيان العون ،ولم يعده بالنصرة، إنما أخبره بأحوال الناس ومضمونه على وجوه :
الأول : دخول أهل المدينة في الإسلام.
الثاني : بناء المساجد فيها ، وعمارتها .
الثالث : استعداد المسلمين للدفاع عن النبوة والتنزيل.
الرابع : الفداء لشخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الخامس : كثرة توافد المهاجرين إلى المدينة ، وحسن استقبال واستضافة الأنصار لهم .
السادس : عدم صدور أذى من النبي وأصحابه .
السابع : عقد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم العهود مع يهود المدينة ، ومع بعض رؤساء القبائل من حولها.
وهو من أسباب خوف وفزع أبي سفيان وأصحابه ، وتعجيلهم بالهزيمة ، والقاء السويق في طريق العودة إلى مكة للتخفيف عنهم في الهزيمة ، والخشية من إدراك خيول المسلمين لهم.
وهل هو من مصاديق قوله تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ] ( ) الجواب نعم ، لعمومات قوله تعالى [وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ] ( ).
أما غزوة جيش السويق فهي بعد معركة أحد ، لموعدة أبي سفيان باللقاء في بدر في عام قابل ، فخرج أبو سفيان وأصحابه على الموعد وأخذوا معهم السويق ، ولكن الخوف ملأ صدورهم فرجعوا من وسط الطريق إلى بدر ، فصار أهل مكة يستهزئون بهم ، ويسخرون منهم.
قال ابن إسحاق : فاقام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (ثَمَانِي لَيَالٍ يَنْتَظِرُ أَبَا سُفْيَانَ وَخَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ فِي أَهْلِ مَكّةَ حَتّى نَزَلَ مَجِنّةَ ، مِنْ نَاحِيَةِ الظّهْرَانِ ؛ وَبَعْضُ النّاسِ يَقُولُ قَدْ بَلَغَ عُسْفَانَ ، ثُمّ بَدَا لَهُ فِي الرّجُوعِ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، إنّهُ لَا يُصْلِحُكُمْ إلّا عَامٌ خَصِيبٌ تَرْعَوْنَ فِيهِ الشّجَرَ وَتَشْرَبُونَ فِيهِ اللّبَنَ وَإِنّ عَامَكُمْ هَذَا عَامُ جَدْبٍ فَسَمّاهُمْ أَهْلُ مَكّةَ جَيْشَ السّوِيقِ ، يَقُولُونَ إنّمَا خَرَجْتُمْ تَشْرَبُونَ السّوِيقَ)( ).
هذا من جهة تسمية أهل مكة لجيش المشركين.
أما التسمية المتوارثة من جهة كتاب السيرة فتسمى (غزوة بدر الأخيرة) لأن موضوعها هو خروج ومسير النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه نحو بدر الموعد ووقعت في شهر شعبان من السنة الرابعة للهجرة ، إذ خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة في ذات الوقت تقريباً الذي خرج فيه أبو سفيان من مكة ، وتسمى على أسماء متعددة أخرى هي :
أولاً : غزوة بدر الصغرى بمعنى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي غزا ، ولم يغز أحداً .
ثانياً : غزوة بدر الموعد لأنها تمت عن مواعدة .
ثالثاً : غزوة بدر الثالثة بلحاظ بدر الأولى وبدر الكبرى .
رابعاً : غزوة بدر الآخرة.
خامساً : غزوة جيش السويق .
قانون آيات القرآن زاجر عن بدر الموعد
لقد نشبت معركة أحد في النصف من شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة النبوية الشريفة في سفح جبل أحد الذي يبعد عن المسجد النبوي نحو (5) كم .
وكانت هناك بيوت تحيط بالمسجد النبوي ، ولكن أكثر المسافة بين المسجد وجبل أحد أرض زراعية وجرداء غير مسكونة ، إذ لا تتجاوز المساحة التي تشغلها تلك البيوت بضع مئات من الأمتار محيطة للمسجد من كل جهة ، ومن أسباب تسمية جبل أحد أنه كان منعزلاً عن الجبال الأخرى ، ولأن الوديان والسهول تحيط به ، وقيل كان رجل من العماليق يسكن عنده ، والأول أقرب .
وأصل كتيبة بدر الموعد هو الوعيد الذي أطلقه أبو سفيان عندما همّ بمغادرة معركة أحد إذ خاطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بالنداء بصوت عال (إنّ مَوْعِدَكُمْ بَدْرٌ لِلْعَامِ الْقَابِلِ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ لِرَجُلِ مِنْ أَصْحَابِهِ قُلْ نَعَمْ هُوَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ مَوْعِدٌ) ( ).
وقال الطبري (في شعبان)( )، إذ ليس من قتال في شهر ذي القعدة ، وفي أواخر شهر شوال من السنة الرابعة للهجرة الموافق 626 م توجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعه ألف وخمسمائة من أصحابه نحو ماء بدر للموعدة التي جعلها أبو سفيان ، وكان مع المسلمين عشرة أفراس ، وحمل اللواء الإمام علي عليه السلام ، واستخلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم على المدينة عبد الله بن رواحة .
وللمسلمين ذكرى كريمة في بدر حيث انتصروا في معركة بدر ، كما وثّق القرآن اسم بدر ، ولم يذكر جبل أحد بالاسم بخصوص معركته، قال تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ] ( ).
وهل تدل هذه الآية على نصر المسلمين في معركة بدر الموعد لو وقعت ، الجواب نعم من باب الأولوية والإستصحاب للمنعة والقوة التي صارت عندهم بعد معركة بدر ، ولصبرهم في معركة أحد .
وهل يمكن تقدير الآية أعلاه : ولقد نصركم الله ببدر وسينصركم ببدر ، الجواب نعم ، والظاهر أن الآية أعلاه من أسباب إنزجار أبي سفيان وأصحابه ، ورجوعهم عن وسط الطريق إلى بدر.
فان قلت وهل يصل ما ينزل من القرآن في المدينة إلى مشركي مكة ، الجواب نعم ، من جهات :
الأولى : تناقل العرب مسلمين وكفاراً لآيات القرآن .
الثانية : طلب مسلمي مكة من المهاجرين والأنصار إرسال الآيات والسور التي تنزل تباعاً ، وهو من الإعجاز في نزول القرآن على نحو التدريج والتوالي .
الثالثة : قيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتلاوة القرآن في الصلاة وعلى المنبر ، وعند السفر ، وفي الكتائب.
الرابعة : حرص الصحابة على نشر آيات القرآن ، والإحتجاج بها .
الخامسة : تتصف آية بدر بتعلق موضوعها بواقعة قريبة معلومة للجميع.
لقد كانت قريش كارهة للخروج إلى بدر الموعد ، قال الواقدي (فَلَمّا دَنَا الْمَوْعِدُ كَرِهَ أَبُو سُفْيَانَ الْخُرُوجَ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ وَجَعَلَ يُحِبّ أَنْ يُقِيمَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ بِالْمَدِينَةِ وَلَا يُوَافِقُونَ الْمَوْعِدَ .
فَكَانَ كُلّ مَنْ وَرَدَ عَلَيْهِ مَكّةَ يُرِيدُ الْمَدِينَةَ أَظْهَرَ لَهُ إنّا نُرِيدُ أَنْ نَغْزُوَ مُحَمّدًا فِي جَمْعٍ كَثِيفٍ) ( ).
فكان يتمنى خلف الموعد من قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويتخذه أبو سفيان نصراً ، وبعث إلى المدينة من يخوف الصحابة عن الخروج ويخبرهم باعداد قريش لجيوش عظيمة ، وأن أبا سفيان سار في العرب ، فيكون الرد الآية التي نزلت في حمراء الأسد أي قبل نحو سنة من بدر الموعد ، وهو قوله تعالى [الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ] ( )، فحتى إذا كان الجمع حقيقة والجموع كثيرة ، فالصحابة لا يأبهون بهم ، فكيف وأن هذه الجموع لا أصل لها ، إنما هي المبالغة والتهويل من قبل قريش التي كانت ذات خبرة بالقتال ، وإطلاع على أحوال العرب والأمم والمعارك التأريخية ، وتدرك أهمية مبادئ الإسلام وكيفية تخويف الخصم وأثره ، قال تعالى [وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ]( ).
مكر الإرجاء
رآى أبو سفيان نُعيم بن مسعود الأشجعي ، قد قدم إلى مكة فسأله ما جاء بك إلى مكة فقال (مَا أَقْدَمَنِي إلّا مَا رَأَيْت مُحَمّدًا وَأَصْحَابَهُ يَصْنَعُونَ مِنْ إعْدَادِ السّلَاحِ وَالْكُرَاعِ وَقَدْ تَجَلّبَ إلَيْهِ حُلَفَاءُ الْأَوْسِ مِنْ بَلِيّ وَجُهَيْنَةَ وَغَيْرِهِمْ فَتَرَكْت الْمَدِينَةَ أَمْسَ وَهِيَ كَالرّمّانَةِ. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ أَحَقّا مَا تَقُولُ؟ قَالَ إي وَاَللّهِ) ( ).
ثم لجأ أبو سفيان إلى المكر بأن جعل لنُعيم بن مسعود جعلاً عشرين بعيراً توضع عند سهيل بن عمرو على أن يقدم المدينة ويخذل أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن الخروج ، فرضي نُعيم ، وذهب إلى سهيل بن عمرو وكان صديقاً له (يَا أَبَا يَزِيدَ تَضْمَنُ لِي عِشْرِينَ فَرِيضَةً عَلَى أَنْ أَقْدَمَ الْمَدِينَةَ فَأَخْذُلَ أَصْحَابَ مُحَمّدٍ؟ قَالَ نَعَمْ.
قَالَ : فَإِنّي خَارِجٌ. فَخَرَجَ عَلَى بَعِيرٍ حَمَلُوهُ عَلَيْهِ وَأَسْرَعَ السّيْرَ فَقَدِمَ وَقَدْ حَلَقَ رَأْسَهُ مُعْتَمِرًا)( ) تورية ومكراً بأنه كان في مكة لأداء العمرة ، وحملته قريش (على بعير، فأسرع السير، وقدم المدينة) ( ).
فسأله الصحابة : لك علم بأبي سفيان ، فصار يبالغ في الأمر وأن أبا سفيان جمع الجيوش استعداداً لبدر الموعد ، وصار يطوف على الصحابة يخوفهم ، ويكره إليهم الخروج ، وقال المنافقون لا يفلت محمد صلى الله عليه وآله وسلم من هذا الجمع .
ولم يخف الصحابة مما ذكره نُعيم بن مسعود ، بل كانوا يتهيئون للخروج كما أحضروا معهم تجارات وبضائع لأن سوقاً تقام في بدر كل سنة في هلال شهر ذي القعدة .
وهل كانت بدر الموعد في الصيف أم الشتاء ، الجواب أنها في الصيف مع قلة الزراعات ونقص الماء ، بينما تحتاج الإبل والخيل التي يجلبها معهم المقاتلون إلى المراعي ، ومياه الآبار ، وهذه الحال لا تخص جيش المشركين وحده إنما تشمل جيش الصحابة خصوصاً وأن عدد كل من الجيشين متقارب : الفان من المشركين مقابل ألف وخمسمائة من الصحابة .
لقد رجع أبو سفيان وجيشه من الظهران إلى مكة وقبل أن يصل إلى مياه بدر التي تبعد عن مكة ثلاثمائة كيلو متر ، مما يدل على عزمه على الرجوع وعدم إكمال السير بذريعة أن العام عام جدب ،ولم يعلن أبو سفيان تأجيل الخروج ، ولم يرسل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذا المعنى ، إنما انسحب من رأس ، وتراجع من غير تعيين موعد آخر ،وفيه مسائل :
الأولى : تجلي معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باجابة المشركين لموعد القتال ، وقطع مسافة مائة وخمسين كيلو متر من المدينة إلى بدر الموعد مع أصحابه ، ومع هذا لم يقع قتال .
الثانية : زيادة في هيبة المسلمين .
الثالثة : إزاحة الأضرار التي لحقتهم بسبب معركة أحد ، وسقوط سبعين شهيداً منهم في المعركة .
الرابعة : لقد كانت قريش تدعي النصر في معركة أحد ، ليكون إنشغال والتفات الناس بعد بدر الموعد لوهنهم وتخاذلهم.
الخامسة : لقد بعث أبو سفيان نُعيم بن مسعود إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ليأتي إلى المدينة وينقل الرسالة مخادعاً بصيغة المشفق على المسلمين لكثرة جيوش قريش .
فلم يمنع هذا الأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الإستعداد للخروج لحضور سلاح الوحي عنده ، فالله عز وجل هو الذي أمره بالخروج ، وهو الذي بعث الخوف والرعب في قلوب أبي سفيان وأصحابه.
والمختار أن الخوف من الذهاب إلى بدر الموعد لم ينحصر بقائد جيش المشركين أبي سفيان ، إنما أصاب كلاً من :
الأول : رؤساء جيش المشركين .
الثاني : أفراد جيش المشركين .
الثالث : عامة الكفار في مكة من الرجال والنساء .
وهذا العموم من الوعد الإلهي في قوله تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ]( )، وتقدير الآية على وجوه :
الأول : سنلقي في قلوب رؤساء الكفر الرعب .
الثاني : سنلقي في قلوب أفراد جيش المشركين الرعب .
الثالث : سنلقي في قلوب المشركين من أهل مكة رجالاً ونساءً الرعب ، لبيان معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهي وجود مائز بين المسلمين والمشركين في مكة بسلامة نفوس المسلمين ، وامتلائها بالطمأنينة والسكينة ، والرضا بفضل الله ، والشكر له سبحانه على حسن الإختيار ، وهو من معاني قوله تعالى [أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ] ( ) .
الرابع : نفاذ أفراد مستحدثة من الرعب لقلوب جيش أبي سفيان من عند سيرهم إلى بدر الموعد مما حملهم على الرجوع من الظهران .
ومن مصاديق هذا الرعب عجز المشركين عن ضرب تأريخ آخر وموعد بديل لبدر الموعد ، فمن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إنقطاع مواعيد قريش .
أسباب نكوص المشركين عن بدر الموعد
يحتمل رجوع أبي سفيان عن بدر الموعد وجوهاً :
الأول : ندم أبي سفيان على إعطاء موعد للقاء جيش المسلمين ، ولهذا الندم أسباب منها :
أولاً : تغير حال المشركين وإصابتهم بالضعف والوهن والفتور .
ثانياً : لوم رؤساء المشركين لأبي سفيان عن هذه الموعدة وتبرؤهم منها ، كما ورد هذا التبرأ عن عكرمة بن أبي جهل .
ثالثاً : تخلي أبي سفيان عن فكرة القتال والحرب .
الثاني : عدم استعداد المشركين للمعركة استعداداً تاماً .
الثالث : إدراك أبي سفيان في الطريق بأن عامة أفراد الجيش لا يريدون القتال .
الرابع : تهيئ المشركين لمعركة الخندق ، وزحف عشرة آلاف رجل نحو المدينة ، ومحاصرتهم ، ومحاولة اقتحام الخندق .
الخامس : موضوعية قوله تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ] ( ) .
السادس : عدم جدية أبي سفيان لموعد القتال من يوم إعلانه وندائه ، وظن أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم يخرج للقائه ويعرض عنه ، فيتخذه حجة في إظهار قوة المشركين .
وباستثناء ثالثاً من الوجه الأول فان الوجوه الأخرى كلها صحيحة ، وظاهرة ، وفيها خزي للكافرين.
وليكون من معاني قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( )، صرف موعد اللقاء ، لبيان أن من معاني الرحمة في الآية أعلاه وجوهاً :
الأولى : نزول آيات القرآن .
الثانية : تجلي معاني آيات القرآن وما فيها من البشارة والإنذار للناس جميعاً .
الثالثة : زيادة عدد الداخلين في الإسلام من أهل مكة وغيرهم.
الرابعة : تنزه الناس عن الوأد .
الخامسة : إنقطاع الغزو بين القبائل ، وبعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو من أسرار مؤاخاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بين أصحابه ، لبيان أنهم من قبائل شتى ، فجمعتهم أخوة الإيمان، مما صار معه التداخل السبب للألفة بين القبائل ، قال تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ] ( ).
السادسة : إنشغال الناس بالبعثة النبوية وأخبارها .
السابعة : نفاذ مضامين آيات القرآن إلى قلوب الناس ،وحضورها في الوجود الذهني والمنتديات ، وتداول المسافرين وعمار المسجد الحرام لها ، وهي تنمي الأخلاق الحميدة طوعاً وقهراً وإنطباقاً ، وتزجر الناس عن الإقتتال فيما بينهم .
وعندما احتجت الملائكة على جعل آدم [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، لأن طائفة من الناس تفسد في الأرض وتسفك الدماء أجابهم الله عز وجل [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ) ومن علم الله سبحانه نزول آيات القرآن ، وصيرورتها مادة وموضوعاً للتراحم بين الناس ، وسبباً لنبذ الإقتتال بينهم إلى يوم القيامة.

موضوعية التنزيل في عودة المشركين عن بدر الموعد
لقد كانت عودة أبي سفيان وجيشه إلى مكة من وسط الطريق تخاذلاً وضعفاً ، وشاهداً على الوهن والجبن الذي لحقهم ، ومع هذا لم يلاحقهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولم يعيّرهم على هذا النكوص ، لأنه لا يريد القتال ، ولا يرغب في سفك الدماء.
لقد رزقه الله عز وجل المعجزة والدلائل على صدق نبوته بما يجذب الناس إلى منازل الإيمان ، فلا تصل النوبة إلى قتال المشركين ، نعم وقعت بعض المعارك مثل معركة بدر ، وأحد ، والخندق بسبب إصرارهم على الجحود والكفر وزحف جيوشهم نحو المدينة ، لذا فان تسمية هذه المعارك غزوات للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا أصل له ، وهو خلاف الواقع وسير الحوادث .
وكانت كل آية قرآنية تنزل من عند الله غزوة للقلوب ، وباعثاً للسكينة فيها ، وسهاماً يوجه إلى الكفار .
وهل لنزول آيات القرآن موضوعية في عودة أبي سفيان من وسط الطريق ، الجواب نعم ، لقد جعل القرآن والمعجزات الحسية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم المجتمع يتحول على نحو التدريج السريع نحو منازل الإيمان ، وهناك مسألتان :
الأولى : هل كان بعض رجال جيش السويق مسلمين .
الثانية : هل دخل بعض أفراد جيش السويق الإسلام بسبب نكوص أبي سفيان .
الجواب نعم ، على كل من المسألتين أعلاه ، وكان بعض المشركين يُكره أولاده المسلمين على الخروج إلى ميدان المعركة كما في بدر ، وأحد ، والخندق .
وهو من الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بوجود مسلمين في جيش المشركين ، ومن منافعه وجوه :
الأول : بيان معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : حضور آيات القرآن بين صفوف جيش المشركين .
الثالث : الإحتجاج والتساؤل عن الغاية من قتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابع : إنذار وتخويف الذين كفروا .
الخامس : الإتصال بأفراد من عامة الجيش وحضهم على عدم القتال ، وعلى الرجوع إلى الخلف أو الهزيمة عند اللقاء .
السادس : بيان عورات جيش المشركين .
السابع : التخطيط للإلتحاق بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاصة مع ورود الأخبار عن سلامة المهاجرين في دينهم وأبدانهم ، وحسن إيواء الأنصار لهم ، قال تعالى [وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ] ( ).
السخرية العامة من جيش المشركين
أبى الله عز وجل إلا أن يبتلي المشرك الذي يحارب النبوة بأنواع البلاء ، ومنه سخرية أصحابه منه .
وسمّى أهل مكة جيش أبي سفيان بهذا الاسم تعريضاً وسخرية بهم ، لبيان قانون في الحياة الدنيا وهو الذي يسخر من النبي والمؤمنين لابد أن يسخر منه الناس مع التباين ، إذ أن سخريته من النبي تعد وظلم للذات والغير ، أما سخرية الناس منه فهي حق وصدق.
لذا ترى ذات أصحاب أبي سفيان يسخرون منه ، وقد تبرأوا من الموعدة التي أطلقها يوم معركة أحد ، وفيه حجة بأن خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى بدر الآخرة ليس غزوة موضوعاً وحكماً .
إذ أن أهل مكة مسلمهم وكافرهم هم الذين سموهم (جيش السويق) لبيان قانون إتضاح رجحان كفة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في القتال عند الناس بمعجزة من عند الله ، قال تعالى [زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ] ( ) وفي نوح عليه السلام ورد قوله تعالى [وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ]( )، لبيان فضل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعدم إنحصار السخرية بالمشركين من قبل المؤمنين ، إنما ذات عامة المشركين صاروا يسخرون من أبي سفيان ورؤسائهم ، وفي موضوع هذه السخرية مسائل :
الأولى : زجر المشركين عن تكرار الغزو على المدينة .
الثانية : بيان ضعف ووهن المشركين .
الثالثة : الإختلاف والشقاق بين المشركين وقعود طائفة منهم عن قتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعدم إكتفائهم بهذا القعود ، إنما صاروا يستهزئون بعضهم ببعض ، ولم يقف الذي يتلقى الإستهزاء صامتاً بل يوجه اللوم للآخرين لقعودهم .
الرابعة : سقوط هيبة رؤساء قريش في أعين الناس .
الخامسة : بيان مسألة وهي أكثر جيش أبي سفيان يسعون للمنفعة الخاصة .
ومن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم عدم وجود مغانم وأنعام وأموال عنده وعند أصحابه تكون غاية وهدفاً للغزاة المشركين ، الذين صارت عنايتهم بأكل السويق الذي صنعوه بأيديهم ، وأجهدوا أنفسهم وعوائلهم بصنعه وحمله والإنفاق عليه.
(قال ابن اسحق ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة من غزوة ذات الرقاع أقام بها بقية جمادى الأولى إلى آخر رجب ثم خرج في شعبان إلى بدر لميعاد أبى سفيان حتى نزله.
قال ابن هشام واستعمل على المدينة عبد الله بن عبد الله ابن أبي سلول الانصاري)( ).
وكان مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ألف وخمسمائة من أصحابه وعشرة أفراس ، وخرج أبو سفيان من مكة في الفين من أصحابه ومعهم خمسون فرساً أي خمس أضعاف خيل المسلمين ، بينما كانت أفراسهم في معركة بدر خمسين ضعفاً ، إذ جاءوا يومئذ بمائة فرس بينما لم يكن عند المسلمين سوى فرسين ، وقيل فرس واحدة .
وبينما خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمعركة بدر بثلاثمائة وثلاثة عشر ، وجيش المشركين يومئذ أكثر من ثلاثة أضعاف عددهم ، فانه خرج إلى بدر الآخرة بألف وخمسمائة ، ولا يزيد جيش المشركين عليه إلا بخمسمائة فقط ، وهو من معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتبدل أحوال المواجهة ، مع إمكان توفير النبي صلى الله عليه وآله وسلم الزاد والمؤن لأصحابه .
بالإضافة إلى معجزة أخرى وهي عدم وقوع قتال بين الفريقين بانسحاب المشركين من الظهران وسط الطريق إلى بدر ، وفي التنزيل [وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ] ( ) ، إذ رجعوا من وسط الطريق إلى مكة .
واحتج أبو سفيان بأنه عام جدب ، وسخر منهم أهل مكة وسموهم جيش السويق (يقولون إنما خرجتم تشربون السويق) ( ).
مما يدل على أنهم صاروا في حال فقر ونقص بالمؤن ، بحيث يعدون أكل السويق مع الأخطار نعمة.
ويلاحظ في هذه الكتيبة تضاؤل الفرق بين عدد المسلمين وعدد جيش المشركين الذين خافوا من اللقاء ، إذ أن صرف القتال في هذه الواقعة معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ورحمة عامة بالناس.
وأقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم ببدر ثماني ليالي ، وحينما بلغه عودة أبي سفيان وجيشه لم يلاحقهم استصحاباً للموعد ، ولكنه عاد وأصحابه إلى المدينة.

منافع كتيبة بدر الموعد
من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تعدد المنافع في كل مرة يخرج فيها هو وأصحابه في كتيبة ، وفي السرايا التي يبعثها في آية من آيات النبوة ، وهذه الكتائب والتي تسمى من غير أصل غزوات من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( )، إذ تمنع هذه الآية من إقامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الدائمة في المدينة ، وقد تدعوه إلى الخروج والدعوة إلى الله عز وجل عند أفواه القرى ، وفي الجادة العامة ، والمدار على الوحي ، فالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا يخرج من المدينة ، ولا يبعث سرية إلا بوحي من عند الله عز وجل وهو ترجمة عملية للآية أعلاه ، ومصلحة ظاهرة وأخرى خفية وحاضرة ، وآجلة مما لا يعلمه إلا الله ، قال تعالى [وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى]( ).
فخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى بدر الموعد للمواعدة التي جرت يوم معركة أحد فعندها همّ أبو سفيان بمغادرة ميدان معركة أحد هو ومن معه (نَادَى : إنّ مَوْعِدَكُمْ بَدْرٌ لِلْعَامِ الْقَابِلِ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ لِرَجُلِ مِنْ أَصْحَابِهِ قُلْ نَعَمْ هُوَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ مَوْعِدٌ) ( ).
وفي هذه المواعدة شاهد بأن المشركين لم يحققوا أي غرض من الأغراض والغايات التي زحفوا بالآف ثلاثة من أجلها ، وهل هذه الموعدة من مصاديق قوله تعالى [فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ] ( )، الجواب نعم ، لبيان معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بحضور المصداق للآية القرآنية حال نزولها ، وابتداء موضوعها .
وتوحي موعدة أبي سفيان بأنهم راجعون يوم معركة أحد إلى مكة ، ولكن المشركين يتصفون بالدهاء والمكر خاصة مع الضعف ، وكثرة القتل والجراحات بين صفوف المسلمين ، فاراد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يطمئن بأنهم لا يكرون على المدينة فبعث الإمام علي عليه السلام خلفهم لرصدهم والطريق الذي يتخذون.
قانون عموم دعوة السلم
لقد توجه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى قبائل العرب يدعوهم إلى كلمة التوحيد ، ويبشرهم بها بالسلطنة في الدنيا ، والعز في الآخرة فكان يطوف على منازل القبائل في منى من السنة الرابعة للبعثة ، وإلى السنة الثالثة عشرة حيث الهجرة وهو يناديهم (يا أيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا وتملكوا العرب وتذل لكم العجم وإذا آمنتم كنتم ملوكا في الجنة)( ).
وهل كان توجه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى قبائل العرب متداخلاً مع دعوته لقريش أم أنه توجه لها بعد امتناع قريش عن قبول دعوته ، الجواب هو الأول ، كما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا رأى في البيت الحرام وافداً إلى مكة يجلس بجواره ويخصه بأمور :
الأول : الإخبار بأنه رسول من عند الله عز وجل ورسالته عامة.
الثاني : تلاوة آيات من القرآن ، وهو من أسرار اتصاف السور المكية بالقصر ، ومن الإعجاز فيها سهولة الحفظ مع أنها ليست من السجع أو الرجز وهي خالية من نظم وقوافي الشعر ، لتتضمن علوماً مستحدثة من البلاغة وهو من مصاديق [وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ]( )، فيندهش الذي يسمع آيات القرآن ويحفظها أو بعضها لينقلها إلى أهله وقريته.
الثالث : بيان النبي محمد لقبح عبادة الأوثان .
الرابع : دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لكتمان أمره خشية بطش قريش ، لتكون الإستجابة لهذه الدعوة نوع تأييد للنبوة.
وهذه الدعوة طريق لنشر الإسلام ، ومقدمة لهجرة النبي محمد واجتنابه الغزو ، بل وعدم حاجته إليه ، لشيوع أمر نبوته في القرى والبلدات ، وهو من مصاديق منزلة وشأن مكة , واشعاع أنوار النبوة منها ، ودلالات تسميتها أم القرى ، قال تعالى [وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا]( ).
وليكون من معاني قوله تعالى [وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ]( )، وفود الناس للبيت أيام بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل الهجرة لقوله تعالى [مَثَابَةً لِلنَّاسِ] سواء المسلم وغير المسلم .
ومن معاني [وَأَمْنًا] في الآية أعلاه أن البيت أمن للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في دعوته داخل البيت الحرام وللذين يتلقون الدعوة ، وتعرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم للأذى من قريش داخل البيت وخنقوه وهو ساجد فصرف الله كيدهم ، والقوا عليه سلا( )جزور( )، وسيأتي التفصيل في باب ايذاء المشركين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ومن معاني [وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ]( )، أي الطائفين الذين يأتون للطواف بالبيت فينصتون للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في دعوته إلى الله عز وجل ، وهل ينحصر الأمر بتطهير البيت بإبراهيم وإسماعيل ، الجواب لا.
فذات الأمر مستمر ومتجدد إلى يوم القيامة ، ويتولاه ولاة البيت الحرام ولكن مسؤوليته لا تختص بهم فهي مسؤولية الأمة إذ تكون كالناظر ، مع الثناء على ولاة البيت حين قيامهم بوظائف الولاية ، وعمارة المسجد الحرام ، وإزاحة الموانع التي تحول دون زيارته ، قال تعالى [ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ]( ).
وهل في اتصال النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالوافدين للبيت الحرام زجر لهم ومن خلفهم عن الخروج مع مشركي قريش في معركة أحد والخندق ، الجواب نعم .
لبيان أن النبي محمداً لا يريد القتال ، ويجتهد في منعه قبل وقوعه ويستقرأ منه قانون جهاد النبوة قبل الهجرة مقدمة لما بعدها فقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يستعد لكل من المعركتين من سني البعثة الأولى وهذا الإستعداد بالإيحاء من عند الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيما يقوله وما يفعله ، وهو لا يجلس إلى شخص ولا يفاتحه الا بأمر من عند الله وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى]( ).
لبيان أن ثمرة ومنافع كل دعوة من هذه الدعوات لا يعلمها إلا الله عز وجل في كثرتها وأثرها ، وهو سبحانه الذي يهيئ المقدمات للقاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم باشخاص وأفراد وجماعات دون غيرهم وهو من مصاديق قوله تعالى [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ] ( ).
وهل كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يفاتح النساء بدخول الإسلام ، الجواب نعم ، إلا أنه لم يكن كحال الرجال كثرة ، وكان يحّض أصحابه على مفاتحة أهليهم .
ومن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن أول من آمن به زوجه خديجة بنت خويلد والإمام علي عليه السلام ، وأول شهيد في الإسلام هي امرأة وهي سمية بنت خياط أم عمار بن ياسر.
وعندما فتح النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مكة أفرد للنساء جلسة عامة لأخذ بيعتهن والإجابة على اسئلتهن.
واشترك النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الدفاع في تسع كتائب منها هي:
الأولى : كتيبة بدر الكبرى.
الثانية : معركة أحد.
الثالثة : حصار ومعركة الخندق ، وتسمى أيضاً غزوة الأحزاب بلحاظ أن المشركين هم الغزاة .
الرابعة : معركة بني قريظة.
الخامسة : معركة بني المصطلق.
السادسة : معركة بني لحيان.
السابعة : معركة خيبر.
الثامنة : معركة حنين ، وقيل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قاتل في فتح مكة وظاهر الأخبار أنه لم يقاتل ، والمختار عدم وقوع قتال معتد به ، وكان أكثر أهل مكة يومئذ قد دخلوا الإسلام.
عندما أخبر الله عز وجل الملأ [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( ) تسارعوا وتوجهوا إلى الله عز وجل بالإستفهام [أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ]( ) ويذكر المفسرون هذا السؤال بانه استفهام إنكاري ونوع إحتجاج ، ولا أصل لهذا التأويل .
وهو معارض للغة القرآن ، قال تعالى في الثناء على الملائكة [لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ] ( ) .
إذ بينت الآيات إنقياد الملائكة لله عز وجل بالقول والفعل ، وليس من عداوة بين الملائكة والناس ، إنما سأل الملائكة الله عز وجل هداية الناس جميعاً ، وتنزيههم والأرض من الفساد وسفك الدماء والحروب .
تقدير آية (ببدر) بخصوص بدر الموعد
ليكون من معاني [وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ]( )، وجوه :
الأول : ولقد نصركم الله ببدر في رمضان من السنة الثانية لتعودوا لها آمنين بعد عامين .
الثاني : ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة في شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة ، وعددكم ثلاثمائة وثلاثة عشر لتعودوا بعد سنتين ، وعددكم ألف وخسمائة.
الثالث : ولقد نصركم الله ببدر وأنقذ نبيكم ليعود معكم بعد سنتين بأمان وعناية وحفظ من عند الله عز وجل.
الرابع : ولقد نصركم الله ببدر لتعودوا لها من غير قتال ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ]( ).
الخامس : ولقد نصركم الله ببدر وينصركم لو جاء أبو سفيان وأصحابه.
السادس : ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة واستدار الزمان وانتم أقوى وأعز.
السابع : ولقد نصركم الله ببدر الذي له ملك السموات والأرض واختلاف الليل والنهار ، قال تعالى [إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ]( ) ( ).
الثامن : ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة لزجر المشركين عن المجئ إلى بدر الموعد .
التاسع : ولقد نصركم الله ببدر لتمتلئ قلوب المشركين بالخوف والفزع.
العاشر : ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فتوكلوا على الله في الخروج إلى بدر الموعد من غير خوف من المشركين .
الحادي عشر : ولقد نصركم الله ببدر ليبقى هذا النصر آية في العالمين .
الثاني عشر : ولقد نصركم الله ببدر بدعاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذا الدعاء حاضر أيضاً في بدر الموعد ، قال تعالى [إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ]( ).
الثالث عشر : ولقد نصركم الله ببدر وهو يعلم ببدر الموعد.
لأن الله عز وجل يعلم ما كان وما يكون ، وما لا يكون لو وقع كيف يكون وما فيه من الضرر الذي حجبه ومنعه رأفة من الله بالخلائق.
وفي التنزيل [الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ * يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ]( ).
لقد كان خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى بدر الموعد من مصاديق اليسر في قوله تعالى [فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا]( )، فالعسر معركة بدر الكبرى ، واليسر بدر الموعد.
وفي الآية أعلاه ورد (عن أنس بن مالك قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً وحياله حجر ، فقال : لو جاء العسر فدخل هذا الحجر لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه ، فأنزل الله [فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا] ( )، ولفظ الطبراني : وتلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا( ).
وعن الحسن البصري (قال : كانوا يقولون : لا يغلب عسرٌ واحد يُسْرَين ، فقال ابن مسعود : لو كان العسر في حُجر ، جاء اليسر حتى يدخل عليه ، لأنه قال تعالى [ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا] ( ) ويقال : إن مع العسر وهو إخراج أهل مكة النبي صلى الله عليه وآله وسلم (يُسْراً) ، وهو دخوله يوم فتح مكة ، مع عشرة آلاف رجل في عز وشرف)( ).
وهو أحد مصاديق هذا القانون التي هي مستمرة ومتجددة في حياة الناس العامة والخاصة إلى يوم القيامة.
أسباب رجوع المشركين عن بدر الموعد
لقد رجع أبو سفيان ومعه ألفان من المشركين المدججين بالسلاح من وسط الطريق إلى بدر الموعد والتي تسمى من قبل العلماء غزوة بدر الموعد وبدر الآخرة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع أنه لم يرغب باللقاء ولم يعين أوانه أو مكانه كما أنه لم يقع قتال فيه .
إذ رجع أبو سفيان وجيشه من وسط الطريق [وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ]( )، ترى ما هي أسباب هذا الرجوع مع أن أبا سفيان هو الذي أعلن اختيار موعد ومكان اللقاء للقتال عصر يوم الخامس عشر من شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة يوم معركة أحد.
فأمر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أحد أصحابه باجابته كيلا يقال خاف ورجف المسلمون ، وفي أسباب رجوع أبي سفيان وجوه :
الأول : الجدب والقحط كما ادعى أبو سفيان.
وهل حصل هذا الجدب صدفة واتفاقاً أم أنه بمشيئة من عند الله ، الجواب هو الثاني ، إذ يبتلي الله الذين كفروا ويصدهم عن الفجور ، قال تعالى [وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ]( ).
وعن ابن عباس قال : يعني مكة( ).
وعن الإمام الباقر عليه السلام في الآية (هم أهل قرية كان الله عزوجل قد أوسع عليهم في معايشهم، فاستخشنوا الاستنجاء بالحجارة واستعملوا من الخبز مثل الاحجار فكانوا يستنجون به فبعث الله عليهم دواب أصغر من الجراد فلم تدع لهم شيئا خلقه الله من شجر ولا نبات إلا أكلته، فبلغ بهم الجهد إلى أن رجعوا إلى الذي كانوا يستنجون به من الخبز فيأكلونه)( ).
ولا مانع من الجمع بين المعنيين للآية.
الثاني : امتلاء قلوب الذين كفروا بالخوف والرعب وهو من مصاديق قوله تعالى سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ.
الثالث : دبيب الضجر والملل إلى نفوس المشركين من كثرة القتال دفاعاً عن الأوثان .
الرابع : النقص في موارد قريش وتجهيز الجيوش .
الخامس : أصل الإستصحاب بأن استصحب الكفار نتائج معركة بدر وأحد وهزيمتهم في معركة بدر ، وعجزهم عن تحقيق نصر في معركة أحد .
السادس : حال التخاذل والجبن في جيش المشركين.
السابع : وجود أفراد من المسلمين في الجيش وقيامهم بحضّ الأفراد والجماعات على الرجوع .
الثامن : استحضار أبي سفيان وجيشه لوقائع معركة بدر الكبرى ، والخسارة الفادحة التي لحقتهم ، وسقوط عدد من رؤسائهم قتلى.
التاسع : شيوع الإسلام في مكة ، وأثره على أفراد الجيش في حلهم وترحالهم.
العاشر : معرفة أبي سفيان وجيشه بخروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى بدر الموعد استعداداً للدفاع عن بيضة الإسلام .
الحادي عشر : انتشار الإسلام وكثرة المهاجرين إلى المدينة .
الثاني عشر : تعاهد الأنصار للدفاع عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والقتال تحت لوائه .
الثالث عشر : حسن توكل المسلمين على الله ، وفي التنزيل [قُلْ هَلْ تَتَربَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمْ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ]( ).
الرابع عشر : خروج المسلمين من معركة أحد بعزيمة وثبات وإتعاظ من ترك الرماة مواضعهم والصبر على الخسارة ، وفي التنزيل [قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ]( ).
الخامس عشر : قلة موارد قريش والنقص الحاصل في تجارتهم ، وأعداد الإبل والقوافل عندهم .
السادس عشر : كثرة قتلى المشركين في المعارك ، وهلاك طائفة منهم بالموت والأجل .
السابع عشر : التلاوم المتزايد الحاصل بين قادة المشركين .
من الخيبة قلة الإحترام
لقد وعد الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بانقلاب المشركين إلى مكة وضواحيها من معركة أحد بالخيبة والأسى لقوله تعالى [فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ]( ).
وتبدأ هذه الخيبة من أول ساعات الإنسحاب بموعدة بدر الأخرة من قبل أبي سفيان بعد سنة ، واضطراره للرجوع عنها خائباً منكسراً بخزي.
ومن الخيبة في المقام قلة انصياع واحترام عامة أفراد الجيش والناس جميعاً لرؤساء قريش ، والتي تظهر بوضوح في ميدان المعركة بعدم طاعة أوامر القادة بالهجوم أو المبارزة أو الرمي أو الدفاع .
وتجلت بعض الشواهد على هذه الحال في معارك الإسلام الأولى منها مبادرة أفراد جيش المشركين إلى الهزيمة والفرار في معركة بدر مع أنهم ثلاثة أضعاف عدد المسلمين ، ومنها إنسحاب جيش المشركين في معركة أحد في نفس يوم المعركة ، وهو من معجزا ت النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الغيرية في السنة الدفاعية إذ كانت معارك العرب تستمر عشرين وأربعين سنة ، ومع هذا قد يطلق عليها لفظ يوم ، وقد يطلق عليها حرب ، وتعد من أيام الحرب .
(قال المسعودي : فأما أيام العرب وَوَقائعها وحروبها فقد ذكرناها فيما سلف من كتبنا، وما كان منها في الجاهلية والإِسلام، كيوم الهَبَاءة، وحروب ذبيان وغطفان، وما كان بين عبس وسائر العرب من نزار واليمن. وحرب داحس والغَبْراء، وحرب بكر بن وائل وتغلب، وهي حرب البَسوس، ويوم الكُلاب، ويوم خزاز، ومقتل شاس بن زهير، ويوم ذي قار، ويوم شِعْب جَبَلَة، وما كان من بني عامر وغيرهم، وحرب الأوس والخزرج، وما كان بين غَسَّان وعَك)( ).
وكان سبب معركة البسوس قيام الملك كليب برمي ناقة ضيف عند البسوس ، وصراخ البسوس ، وا ذلاه فاستنصر لها ابن اختها واسمه جساس فترصد كليباً ، ولما رأه قد انفرد في حماه ضربه بالرمح فقتله ووقعت الحرب بين بني شيبان وتغلب.
(فاشتبكت الحرب، واتصلت حتى أفنتهم، ودامت أربعين سنة)( ).
لقد جاء المشركون إلى معركة أحد بعصبية وللثأر لقتل عدد من رؤسائهم في معركة بدر من بين سبعين قتيلاً ، وتتهيأ لهم فرصة الثأر يوم أحد ولكن الله عز وجل أعمى أبصارهم ورد كيدهم ، ونزلت الملائكة لتحول دون انتفاع المشركين من هذه الواقعة ، فأراد أبو سفيان تدارك حال الخيبة والعجز عن الثأر بالموعد للقاء في بدر في العام القادم .
وكانت أجابة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فضحاً للعصبية والحمية التي عندهم ، ليكون من أسباب انسحاب المشركين ، وكأنهم يأملون أخذ ثأر معركة بدر الكبرى في بدر الموعد ، وهو من أسرار تعيين أبي سفيان موضع معركة بدر الكبرى عملاً للقاء.
وهل كان تعيين أبي سفيان هذا صائباً ، الجواب لا ، لما فيه من ذكرى أليمة للمشركين بهزيمتهم مع كونهم أكثر من ثلاثة أضعاف جيش المسلمين ، ولكن الله عز وجل [يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ]( ).
فأراد الله عز وجل إرباك وتخاذل المشركين ، وصدّهم عن التوجه إلى محل إلقاء رؤسائهم في القليب إذ رجعوا عن بدر الموعد من وسط الطريق ، بينما بقي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في بدر ثمانية أيام.
وذكر الطبري أن النبي في إقامته في بدر بانتظار أبي سفيان لموعده (أتاه مخشي بن عمرو الضمري، وهو الذي وادعه على بني ضمرة في غزوة ودان، فقال: يا محمد، أجئت للقاء قريش على هذا الماء ؟ قال: نعم يا أخا بني ضمرة؛ وإن شئت مع ذلك رددنا إليك ما كان بيننا وبينك، ثم جالدناك. حتى يحكم الله بيننا وبينك. فقال: لا والله يا محمد، مانا بذلك منك من حاجة)( ).
لبيان حال العز التي صار عليها الإسلام ، ولتعدد منافع خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى بدر الموعد.

نتائج بدر الموعد
عندما نادى أبو سفيان عصر يوم معركة أحد بأن الموعد في العام القادم في بدر لبيان ثأرهم وانتقامهم من معركة بدر وخسارتهم فيها ، أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحد أصحابه أن يجيبه بالإيجاب .
فاستعدت قريش للمعركة بينما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بين معركة أحد وبدر الموعد مشغولين بالذكر والصلاة ، وعلوم القرآن ، ودعوة الناس إلى الهدى والإيمان ، وهو من الشواهد على عدم غزو النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أحداً ، ولكن عندما جاء الموعد لم يتخلفوا عنه ، ومن نتائجه أمور:
الأول : صرف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الموعد وتأديب أصحابه على الوفاء بالوعد فان قلت إنه وعد قتال ، الجواب لقد فوض النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أمره إلى الله عز وجل ، وفي التنزيل [وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ]( )، ولم يرد لفظ (أفوض) في القرآن إلا في الآية أعلاه .
الثاني : خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى بدر الموعد كسائر كتائب النبي في تعدد غاياتها ، منها :
الأولى : عرض قوة ومنعة الإسلام .
الثانية : الدعوة إلى الله .
الثالثة : رجاء كف المشركين عن القتال .
الرابعة : تجلي المدد من الله سبحانه .
الثالث : تجلي ظاهرة وحقيقة مستحدثة في أسواق العرب بأن يقوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في سوق بدر باقامة الصلاة خمس مرات في اليوم ، ولمدة ثمانية أيام ليراهم الذي يأتي للسوق في أوله ، والذي يأتي في آخره ، وينقلون لأهليهم آيات القرآن ، وكيفية الصلاة ودلالتها على التوحيد ولزوم نبذ الأصنام وعدم اتباع الذين يقدسونها.
وفيه بيان لقانون وهو تعضيد الصلاة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في ميدان القتال بصدود الناس عن رؤساء الشرك لأنهم عبدة الأوثان .
بينما تبعث الصلاة النفرة في النفوس من الأوثان وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ]( ).
ولا تنحصر هذه النفرة بالمؤمنين بل تشمل الذين يرونهم ، وهو من أسرار صلاة الجماعة ومضاعفة الثواب فيها خمسة وعشرين ضعفاً عن صلاة الفرد لأنها أكثر أثراً في النفوس ، وسبل الهداية.
و(عن أبي سعيد أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة)( ).
وعن ابن عمر يرفعه سبع وعشرين .
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام (قال : الصلاة في جماعة تفضل على كل صلاة الفرد بأربعة وعشرين درجة ، تكون خمسة وعشرين صلاة)( ).
الرابع : حضور النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى بدر الموعد من شكرهم لله عز وجل على النصر في معركة بدر والوارد في قوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ] ( ).
وهل كان رجوع أبي سفيان وأصحابه من وسط الطريق إلى بدر ، وعدم حدوث قتال من شكر الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لدفاعهم يوم بدر في شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة.
الجواب نعم ، ليكون من موضوع بدر الموعد شكر متبادل وهو من فضل الله عز وجل ، وفي التنزيل [فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ]( )، فهو سبحانه يشكر المسلمين ، ويعلم بشكرهم له على النصر يوم بدر بخروجهم إلى بدر الموعد ، وهو سبحانه غني عن شكرهم ، قال تعالى [وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ]( ).
وصرف القتال يوم بدر الموعد من التخفيف عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بعد كثرة الشهداء والجراحات يوم معركة أحد.
الخامس : سخرية واستهزاء عامة أهل مكة وقبائل العرب من قريش لنكثها الموعد ، فقد استهزأوا بالقرآن والتنزيل وشاء الله أن يستهزئ بهم الناس ، وفيه دعوة للإتعاظ والإعتبار ليسميهم أهل مكة (جَيْشَ السّوِيقِ ، يَقُولُونَ إنّمَا خَرَجْتُمْ تَشْرَبُونَ السّوِيقَ)( ).
السادس : عندما أطلع الله عز وجل الملائكة على خلق آدم.
ليكون [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، ولتعمر ذريته الأرض ، ويسّخر لهم الله عز وجل السموات والأرض احتجت الملائكة بالفساد وسفك الدماء الذي تقدم عليه طائفة من الناس ، فجاء الرد من عند الله عز وجل [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ).
ومن علمه الله تعالى صرف جيش قريش عن الحضور إلى بدر الموعد وما فيه من حقن الدماء ، ودرء الفساد ، وفضح المشركين.
السابع : زجر المشركين عن الموعدة للقتال ، والتهديد بالحرب والهجوم ، وقد اضطرت قريش لعقد صلح الحديبية مع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حل في ديارهم وأرض الحرم ، من غير سلاح يذكر .
الثامن : تجلي معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بخروجه إلى الموعد ، وتخلف المشركين عنه ، مع أنهم هم الذين اقترحوه ، وهم الأكثر عدداً وعدة ، قال تعالى [أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ]( ).
التاسع : قيام المسلمين بالبيع والشراء في بدر بحضرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لبيان عدم التعارض بين الإيمان والعمل بالتجارة ، قال تعالى [فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ).
العاشر : كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يقف على منازل قبائل العرب في مِنى يدعوهم إلى عبادة الله ، ويخبرهم بأنه رسول الله ، فاذا فرغ من كلامه وكان أبو لهب يقف خلفه فيقول (يَا بَنِي فُلَانٍ إنّ هَذَا إنّمَا يَدْعُوكُمْ أَنْ تَسْلُخُوا اللّاتَ وَالْعُزّى مِنْ أَعْنَاقِكُمْ وَحُلَفَاءَكُمْ مِنْ الْجِنّ مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ أُقَيْشٍ إلَى مَا جَاءَ بِهِ مِنْ الْبِدْعَةِ وَالضّلَالَةِ فَلَا تُطِيعُوهُ وَلَا تَسْمَعُوا مِنْهُ)( ).
ليهاجر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة وتمر الأيام ويهلك أبو لهب ، بعد أن نزل القرآن بذمه بقوله تعالى [تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ]( ).
ويخرج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى بدر الموعد مضطراً للخروج ولكن ليس وحده كما في منى في سني البعثة قبل الهجرة إنما معه ألف وخمسمائة.
وفي هذا التباين الجلي معجزة حسية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وشاهد على صدق على نبوته.
السادسة عشرة : كتيبة دومة الجندل ،دومة الجندل موضع في الشام على أطراف الجزيرة (قال ابن دريد دُومة الجَندل مجتمعة ومستدارة كما تدوم الدوامة أي تستدير) ( ) ، والدوم : جمع دومة وهي شجرة المقل .
والجندل الحجارة ، ومفرده جندلة سميت به لكثرة الحجارة فيها ، وتبعد عن المدينة نحو 600 كم( )، إذ بلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن قوماً من بني قضاعة في شمال الجزيرة وفي حدود الشام يعدون العدة لغزو المدينة.
فسار إليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بألف من أصحابه ، وكان يسير في الليل ويكمن في النهار كيلا يشيع خبر الجيش ويتهيأ الكفار لملاقاته ، ويطلبون المدد من دولة الغساسنة القريبة منهم ، وفاجأهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتفرقوا منهزمين ، وعاد ولم يلق قتالاً ، وهو من عمومات قوله تعالى [وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ] ( ).
ووادع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الطريق عُيَيْنة بن حصن الذي كان تحت لوائه آلاف من رجال قبيلته .
أسباب كتيبة دومة الجندل
وقد ورد موضوع دومة الجندل في السنة النبوية الدفاعية مرتين :
الأولى : الكتيبة التي قادها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى دومة الجندل .
الثانية : السرية التي بعثها النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الطريق إلى تبوك برئاسة خالد بن الوليد إلى دومة الجندل .
وموضوعنا هو الأول أعلاه لوجوه :
الأول : شدة الخطر على الإسلام من تجمع المشركين في دومة الجندل .
الثاني : خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه في الكتيبة .
الثالث : بعد المسافة عن المدينة المنورة ، وما يستلزم قطعها من الجهد والوقت ، والفراغ في المدينة بغياب شخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنها .
الرابع : مجاورة دومة الجندل لجيش الروم وإمكان استعانتهم به أو تحريضه على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
الخامس : الخشية من قيام قريش بغزو المدينة مدة غياب النبي وأصحابه عنها ، وكانت العرب تتحين الفرص للغزو بين قبيلة وأخرى في حال خلوها من رجالها ، وخروجهم في قتال أو طلب معيشة أو صيد ونحوه .
السادس : منع إرجاف المنافقين ونشر أخبار كاذبة عن هجوم وشيك للمشركين.
السابع : حرص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على عدم تعدد جهات تهديد المدينة من مكة والقبائل المتحالفة معها يشنون الهجوم تلو الهجوم عليها ، فأراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم منع تهديد آخر من جهة الشمال الأقصى.
الثامن : خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى دومة الجندل لمنع إتفاق المشركين من الشرق والشمال لغزو المدينة من جهات متعددة في آن واحد إلى جانب وجود المنافقين في المدينة ، لذا فهذا الخروج حاجة للمسلمين.
التاسع : في هذا الخروج سلامة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من مداهمة جيوش المشركين المدينة ، والسعي لقتله غيلة.
العاشر : نشر مبادئ الإسلام في شمال الجزيرة ، ومن أعظم النعم إقامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الصلاة جماعة في أطراف الشام ، وبيان مسألة وهي بقاء مكة تحت نير الشرك وعبادة الأوثان لا يمنع من تمدد وإتساع الإسلام شمالاً وجنوباً ، قال تعالى [يَاعِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ]( ).
وبينما تكون المسافة بين المدينة ومكة أربعمائة وخمسين كيلو متر ، فان المسافة بين المدينة ودومة الجندل نحو ستمائة كيلو متر ، فقد قطعها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وألف من أصحابه إذ كانوا يسيرون في الليل ويكمنون في النهار لعدم إغارة المشركين أو توجههم إلى قيصر لطلب النجدة العاجلة ، خاصة مع ولاء أهل دومة الجندل للروم البيزنطيين.
وكثرة المسافرين في ذات الطريق لآن دومة الجندل مركز تجاري فيه سوق مكتظ ، وهي نقطة التقاء القوافل بين الجزيرة والعراق والشام.
الحادي عشر : قيام أهل دومة الجندل بالإغارة على القوافل ، والمسافرين في الطرق العامة ، فمن أسباب هذه الكتيبة كثرة شكوى المسلمين وغيرهم من تعرض أهل دومة الجندل لهم ونهب بضائعهم ، والإستيلاء على إبلهم ، وفيه تعريض لحياتهم للخطر لصعوبة قطع الجزيرة سيراً على الأقدام.
الثاني عشر : تجمع الرجال والجموع في دومة الجندل للإغارة على مدينة رسول الله ، ولعل هناك اتفاقاً بينهم وبين قريش في تعيين أسباب موعد واحد للهجوم من جهتين ، ومجئ جيوش وخيول وأسلحة لا قبل للمسلمين بها ، وان لم يكن هناك اتفاق فممكن أن يحدث بسرعة إذ تسعى قريش جاهدة للتحشيد في الحرب على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والتنزيل ، وتبذل الأموال الطائلة في هذا السبيل ، وهم على معرفة وثيقة بأهل دومة الجندل لمرور قوافل قريش بها ، ولمجئ العرب من قضاعة إلى مكة للحج والعمرة.
الثالث عشر : كتيبة دومة الجندل من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( )، لإرادة الأمن المجتمعي ، ومنع السلب في الطرق العامة ، وقطعها ، ونهب القوافل والتجارات ، سواء كانت للمسلمين أو لعامة الناس وفيه حجة على كفار قريش بأن بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تبسط الأمن في المدن والطرق العامة وتشجع التجارات ، والكسب الحلال ، وتحارب السلب والنهب والسرقة وسفك الدماء .
الرابع عشر : لقد سار النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الى دومة الجندل لمنع الفتنة ومقدماتها ، والإضرار بالناس في زمن البعثة ، ولجعلهم يتدبرون في آيات التنزيل ، ومعجزات النبوة ، ويدخلون الإسلام من غير خوف من المشركين الذين يقطعون الطريق ، ولعلهم كانوا يعرضون الناس على السيف ممن آمن منهم بالله ورسوله لبيان أن كتيبة دومة الجندل إزاحة للموانع التي تحول دون دخول الناس الإسلام، ووقاية لهم.
الخامس عشر : استعداد المسلمين لمعركة الخندق ، وضمان عدم مساعدة وتعضيد المشركين في شمال المدينة لقريش في هجومها.
لقد وقعت معركة الخندق بعد كتيبة دومة الجندل بستة أشهر ، وهل كانت قريش تستعد لها أيام خروج النبي الى دومة الجندل ، المختار نعم ، خاصة وأنهم استعدوا لمعركة أحد قبلها مدة سنة كاملة.
ليكون هذا الضمان معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في خروجه إلى دومة الجندل ، قال تعالى [فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ] ( ).
السادس عشر : في كتيبة دومة الجندل إخافة لقريش والقبائل المتحالفة معها ، وفيه زجر لهم عن مواصلة القتال ، وعن الهجوم في معركة الأحزاب ، وإن حضروا فيها يصاحبهم الخوف من اقتحام الخندق ، ويظهرون الملل من الحصار ، وينادون بالرحيل والعودة إلى مكة ، وقراهم.
السابع عشر : محاربة الأصنام وعبادتها ، إذ كان الصنم (ود) لقبيلة كلب في دومة الجندل وقد ذكر في القرآن بالاسم ، قال تعالى [وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدًّا وَلاَ سُوَاعًا وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا]( ).
الثامن عشر : إشعار قيصر وأهل الشام بمنعة الإسلام ، ومنعهم من نصرة قريش بالمال والسلاح والرجال .
وفي كتيبة الجندل مقدمة لبعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كتب الدعوة إلى الإسلام لكل من قيصر ملك الروم وكسرى ملك فارس وغيرهما من الملوك والأمراء.
التاسع عشر : تنمية ملكة الصبر والدفاع عند الصحابة ، وقطع المسافات الطويلة في طاعة الله ورسوله.
العشرون : التهيئ لمعركة الأحزاب ، وإحاطة عشرة آلاف رجل من المشركين بالمدينة.
محاربة النبي (ص) لقطع الطرق
مع شدة محاربة قريش للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يجاهد في محاربة المارقين وقطاع الطرق والسلب ، ويوفر عليهم الأموال التي يدفعونها لهم رشوة وفدية وقطع الطريق هو التعرض للناس بالسلاح في البيداء ، أو في الطرق العامة أو في البنيان والمدن أو البحر ، أو الجو لغصب أموالهم مجاهرة ، أو قتلهم وسلب أموالهم.
وقطع الطريق أو الحرابة حرام ومنهي عنه كتاباً وسنة وإجماعاً وعقلاً ، ومن خصائص الأنبياء حفظ النظام والأمن المجتمعي ومنع إخافة الناس الذي هو فرع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولم يكتف النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المقام بالأمر والنهي بل سار بنفسه وأصحابه إلى دومة الجندل لبسط الأمن العام وبيان وظيفة عظيمة للنبوة ، وفيها عز للإسلام ، وهي من مصاديق قوله تعالى [وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ]( ).
مع أن دومة الجندل خارج حدود دولة الإسلام وبعيدة عنها ، إذ أنه لا نقول بتسمية غزوات النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما نسميها كتائب وكانت الغاية منها على وجوه :
الأول : إرادة الإستطلاع.
الثاني : الدعوة إلى الله .
الثالث : الإحتراز من كيد المشركين.
الرابع : عقد المعاهدات والموادعة مع رجال القبائل المحيطة بالمدينة.
الخامس : المنع من نصرة المشركين حين غزوهم المدينة كما في معركة أحد ومعركة الخندق.
لبيان تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الأنبياء السابقين ، وتأسيسه لأنظمة العدل والأمن والسلم المجتمعي داخل سلطة الإسلام وخارجها وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ]( ).
والفرق بين قطع الطريق والسرقة أن الأول هو أخذ المال قهراً ومكابرة ومجاهرة ،وقد يصاحبه سفك للدماء ، أما السرقة فهي أخذ المال من حرز على نحو الخفية والإستتار.
ويتحقق قطع الطريق بأحد جهات :
الأولى : إخافة السبيل وجعل الناس في خشية من إختيار طريق القطع مع حاجتهم إليه لقصده أو لانحصار المسير بين مدينتين أو قريتين به.
الثانية : غصب المال قهراً باكراه المار على ترك ما عنده من المال والراحلة والسيارة ونحوها لقطاع الطرق.
الثالثة : قتل المارة فقط من غير سلب أموالهم ، وقتل الذي ليس عنده مال لإثارة الفتنة والهلع بين الناس .
الرابعة : الإستيلاء على المال وقتل أصحابها معاً .
وقد اعتنى الفقهاء في أحكام قطع الطرق ، والتفصيل في عقوبته كما تحاربه الدول والحكومات.
والظاهر أن أهل دومة الجندل على الجهة الثانية ، والذي قد يكون سبباً للقتال عند امتناع أصحاب المال عن تركه للعصابة وقطاع الطرق.
بين دومة الجندل والحديبية
لقد تقدم في الجزء السادس والتسعين بعد المائة من هذا السِفر تحذير بعض الصحابة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من قيصر ملك الروم لأن دومة الجندل طرف من أفواه الشام ، فلم يلتفت صلى الله عليه وآله وسلم لهذا التحذير لوجوه :
الأول : لا يقول أو يفعل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا بوحي من عند الله ، قال تعالى [وَمَا ينطق عن الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى]( )، وهل ترك النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فعلاً مخصوصاً أمر وجودي ومن الوحي ، الجواب نعم.
الثاني : هناك من الصحابة من أشار على النبي بالدنو من أطراف الشام لإخافة قيصر .
الثالث : سبق نزول قوله تعالى [الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ]( )، وهذه الآية درع حصينة وباعث للمسلمين للتوكل على الله في التوجه إلى ميدان القتال لصرف الله عز وجل عنهم القتال ، كما في حمراء الأسد و بدر الموعد وغيرها .
وهل هو من مصاديق قوله تعالى [قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ]( ).
الجواب ان الله عز وجل واسع عليم ، وهباته من اللا محدود في سنخيتها وكيفيتها وعددها ، والصرف عن القتال آية عظمى لما فيه من مسائل :
الأولى : نجاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في صرف أكثر المعارك ، وعدم وقوعها ، وهو من عمومات قوله تعالى [يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ]( ).
الثانية : سلامة المهاجرين والأنصار من كثرة القتل .
الثالثة : صرف ما يترشح عنها من الأسى والحزن والضجر وإرجاف المنافقين في المدينة ، قال تعالى [وَلاَ تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً]( )، وتردد طائفة من الناس في دخول الإسلام.
الرابعة : إستدامة حال الخيبة والضعف عند المشركين ، وفيه مقدمة لصلح الحديبية فلا يركن الطاغوت والمتكبر الذي يظن رجحان كفته إلى الصلح ، ولكن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يسعى إلى الصلح بكل حال ، ومنها كثرة المسلمين وتعدد مواطن النصر ، وتعضيد الملائكة له ، لقوله تعالى [وَالصُّلْحُ خَيْرٌ]( )، ولبيان القرآن لقانون (الصلح فتح) لقوله تعالى عندما تم صلح الحديبية [إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا]( ).
وكما كان نصر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه يوم بدر من عند الله عز وجل ، فان الفتح في الحديبية من عند الله عز وجل أيضاً مع الفارق في لغة الخطاب في الآيتين ، وبينهما عموم وخصوص مطلق ، فبخصوص بدر توجه الخطاب للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وعامة المسلمين بقوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]( ).
أما في فتح الحديبية فجاء الخطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم [إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا]( )، وفيه مسائل :
الأولى : اختصاص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالفتح ، ويلحق به المسلمون.
الثانية : إكرام الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الثالثة : تبين آية الفتح علته لقوله تعالى [لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا]( )، واللام في ليغفر لام التعليل ، وقيل هي لام الصيرورة ، ولا تعارض بينهما لأن الحرف القرآني أعم من اصطلاح النحويين ، (وقيل هي لام القسم) ( )، وهو بعيد.
الرابعة : اقتران ظهور الروم وهم أهل كتاب على المجوس بأوان صلح الحديبية.
الخامسة : إرادة انقطاع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الى التسبيح والذكر والإستغفار ، وعن (عبد الله بن مسعود يقول : لما أقبلنا من الحُديبية أعرسنا فنمنا، فلم نستيقظ إلا بالشمس قد طلعت، فاستيقظنا ورسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وَسَلَّم نائم .
فقلنا أيقظوه ، فاستيقظ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وَسَلَّم فقال: افْعَلُوا كمَا كُنْتُمْ تَفْعَلُونَ ، فكذلك من نام أو نسي.
وفقدنا ناقة رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وَسَلَّم، فوجدناها قد تعلَّق خطامها بشجرة، فأتيته بها، فركب فبينا نحن نسير، إذ أتاه الوحي، وكان إذا أتاه اشتدّ عليه; فلما سري عنه أخبرنا أنه أُنزل عليه [إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا]( ).
و(عن أحمد بن المقدام ، قال : ثنا المعتمر ، قال : سمعت أبي يحدّث عن قتادة ، عن أنس بن مالك ، قال : لما رجعنا من غزوة الحديبية ، وقد حيل بيننا وبين نسكنا .
فنحن بين الحزن والكآبة ، فأنزل الله عزّ وجلّ [إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا]( ) ، أو كما شاء الله.
فقال نبيّ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وَسَلَّم: لَقَدْ أُنزلَتْ عَليَّ آيَةٌ أحَبُّ إلي مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعاً)( ).
والمختار أن كلمة (غزوة الحديبية) من أحد رجال السند لشيوع لفظ غزوة عند طائفة من التابعين وتابعي التابعين وليس من قول أنس بن مالك .
وهل هناك من تعمد ذكر غزوات لكتائب النبي للإساءة خاصة وأن من المؤرخين من كان أبوه أسيراً وعبداً عند المسلمين ، الجواب لا.
وورد عن أنس في ذات المصدر أعلاه حديث آخر يقول فيها (مرجعه من الحديبية) إذ ورد (عن قتادة، عن أنس بن مالك، في قوله [إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا]( )، قال: نزلت على النبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وَسَلَّم مرجعه من الحديبية ، وقد حيل بينهم وبين نسكهم، فنحر الهدي بالحديبية ، وأصحابه مخالطو الكآبة والحزن .
فقال : لَقَدْ أُنزلَتْ عَلي آيَةٌ أحَبُّ إليَّ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعا، فَقَرَأَ [إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ..]( ) ، إلى قوله [عَزِيزًا] فقال أصحابه هنيئا لك يا رسول الله قد بين الله لنا ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا، فأنزل الله هذه الآية بعدها [لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا]( )، إلى قوله وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا( ).
الرابع : بيان قانون استماع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه ، وهذا الإستماع فرد غير المشاورة في قوله تعالى [وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ]( )، وهو فرع منها وهل كانت كتيبة دومة الجندل مقدمة لصلح الحديبية ، الجواب نعم من جهات :
الأولى : إدراك مشركي قريش لقوة ومنعة الإسلام.
الثانية : إمكان دخول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه مكة فاتحين ، بالسير إليها مثلما سار نحو دومة الجندل ، واضطرار أهلها للهروب والتفرق في الوديان مع أن فيها حصوناً منيعة.
الثالثة : تفاخر المسلمين والمسلمات في مكة لمسير النبي محمد إلى دومة الجندل .
الرابعة : إعتراف قريش ببسط النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الأمن في طريق القوافل ، والتخفيف عنهم بعدم دفع الأتاوة لقطاع الطرق بين مكة والشام ، وإدراك أن الصلح مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ينشط تجاراتهم وينمي أموالهم.
الخامسة : لقد أدركت قريش أنها بين أمرين إما الصلح وإما فقدانهم الشأن والجاه والأموال ، وقد نزل القرآن بنفي ولايتهم على البيت الحرام ، قال تعالى [وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ]( ).
ومن مصاديق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم إتخاذه الدفاع نوع طريق ومقدمة للصلح ، ويسعى القواد والملوك للفتوحات وتوسعة سلطانهم.
أما النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فانه يريد الأمن لعامة الناس مسلمين وأهل كتاب ومشركين ، ويجاهد بنفسه وأهل بيته وأصحابه لتحقيق السلم المجتمعي ، وسلامة الناس في بيوتهم ومدنهم وفي الطرقات العامة ، ومنها طرق المسير إلى مكة لأداء الحج ، وطرق قوافل قريش مع شركهم.
فالسلم الذي يأتي به الرسول ينتفع منه عامة الناس على اختلاف مللهم ومشاربهم ، وهل بلغت هذه الحقيقة الوجودية أهل فارس والروم ، الجواب نعم ، وهو من أسباب امتناعهم عن إعانة المشركين في قتالهم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذ أدركوا أنه مصلح لعموم الأرض ، وفيه بداية لنشر الإسلام في تلك الأمصار.
الخروج إلى دومة الجندل
لقد خرج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بألف من أصحابه في كتيبة دومة الجندل وهو نفس العدد في خروجه إلى معركة أحد ، التي إنخزل فيها ثلاثمائة من وسط الطريق بأمر رأس النفاق عبد الله بن أبي بن سلول مع أن المسافة بين المسجد النبوي وميدان معركة أحد (5) كم.
ولكن الصحابة ساروا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى دومة الجندل مع طول المسافة إذ تبلغ ستمائة كيلو متر مما يدل على زيادة إيمان الصحابة ، وضعف النفاق ، وعجز المنافقين عن بث روح الخوف والفزع في صفوف الصحابة .
وهل يدخل المنافقون في لفظ الناس في قوله تعالى [الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ]( )، وأن المنافقين ممن قالوا للمسلمين بأن قريشاً جمعوا لكم وأن أهل دومة الجندل جمعوا لكم فلا تخرجوا إليهم مع بعد المسافة ، الجواب نعم.
وليكون رجوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه سالمين من دومة الجندل حجة على المنافقين ، ودعوة لهم للتوبة إذ ورد في التنزيل [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِ وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ]( ).
واستخلف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على المدينة عند خروجه إلى دومة الجندل سباع بن عرفطة الغفاري لخمس ليال بقين من شهر ربيع الأول من السنة الرابعة للهجرة ، (على رأس تسعة وأربعين شهراً من هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة) ( ).
ولقد كان أهل دومة الجندل يظلمون ويسلبون من يمر عليهم ويسعون للدنو إلى المدينة وغزوها ، فسار النبي صلى الله عليه وآله وسلم إليهم ، وكان وأصحابه يسيرون ليلاً ، ويكمنون النهار كما تقدم.
وقال ابن سعد (وبينها وبين المدينة خمس عشرة أو ست عشرة ليلة)( )..
ولكن إذا كان المسير على الإبل فان المسافة تقطع بخمس ليال بدليل أن رجوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة (في العشرين من شهر ربيع الآخر)( ).
أي أن مدة غياب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه خمسة وعشرين يوماً مع مدة الإقامة في دومة الجندل وطريق العودة أطول خاصة وأن المسير في الليل عند الذهاب يكون أسرع.
وعن الإمام علي عليه السلام قال (والله لقد رقعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها، ولقد قال لي قائل: ألا تنبذها عنك ؟ فقلت: اعزب عني فعند الصباح يحمد القوم السرى)( ).
أي أن الذين يسيرون في الليل يستبشرون عند الصباح لأنهم قطعوا المسافات ولم يركنوا إلى النوم في الليل ، وكذا أهل التقوى والزهد يستبشرون يوم القيامة ، وساعات الحساب .
واستصحب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم معه دليلاً من بني عذرة اسمه (مذكور) يعلم الطريق وهو به خبير ، فسار بالنبي وأصحابه في غير الجادة العامة كيلا يصل خبرهم إلى أهل دومة الجندل فيستعدوا للقتال.
إنما يريد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تحقيق غايات الكتيبة من غير قتال ، ولمعان السيوف ، وهو من مصاديق قانون (لم يغز النبي (ص) أحدا) ومن الشواهد على مصاحبة معالم الإيمان للكتائب والسرايا النبوية.
على مشارف دومة الجندل
لما دنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم من دومة الجندل قال له الدليل (يا رسول الله، إن سوائمهم ترعى عندك فأقم لي حتى أطلع لك، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : نعم .
فخرج العذري طليعة وحده حتى وجد آثار النعم والشاء وهم مغربون، ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره وقد عرف مواضعهم)( ).
فسار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واستولى على بعض ماشيتهم ورعاتهم ، وترك الباقين يفرون ويتفرقون في الأرض وهو من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بفرار عدوه وخوفه منه.
و(عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : أعطيتُ خمساً ولا أقول فخراً : بُعثت إلى الأحمر والأسود، وجُعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً، وأُحل لي المغنم ولم يحل لأحد كان قبلي، ونُصرت بالرعب فهو يسير أمامي مسيرة شهر وأُعطيت الشفاعة فادّخرتها لأُمتي يوم القيامة، وهي إن شاء الله نائلة من لم يشرك بالله شيئاً)( ).
لقد اجتنب النبي صلى الله عليه وآله وسلم الإغارة العلنية على دومة الجندل وما فيها من الحصن المنيعة ، وقد يضطر الى محاصرتهم وتطول مدة الحصار ، وبلاد الشام وجيش قيصر ليس بعيداً ، إنما الغاية هي كف أيدي المشركين ، ومنعهم من ظلم الذي يمر عليهم ، وسلب أمواله ، وزجرهم عن الهجوم على المدينة ، وإعانة قريش في عدوانها المتصل والمتكرر.
وأقام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في دومة الجندل (أياما، وبث السرايا فعادت كل سرية بإبل ولم تلق أحدا) ( ).
وهو من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والتخفيف عن الذين آمنوا برسالته ، والذين خرجوا معه في الكتائب.
لقد فرّ وانهزم أهل دومة الجندل من أمام النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يلاحقهم ، نعم جاء له محمد بن مسلمة برجل منهم ، فسأله النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن قومه.
فقال : هربوا أمس لما سمعوا أنك أخذت نعمهم.
و(عرض عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الاسلام أياما فأسلم)( ).
أي أنه لم يسلم من أول دعوة نبوية له ، ولم يمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم من تكرار دعوته له مع كثرة أصحابه الذي يحيطون به ولم يؤسره ويحسبه أسيراً أو رهينة أو سجيناً.
إلى أن دخل الإسلام بما رأى من المعجزات ، وهل هذه النعم التي أخذت من أهل دومة الجندل في مقابل ما أخذوه من السلب من الناس ، الجواب نعم ، وفيها تأديب وزجر ، قال تعالى [وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمْ الظَّالِمِينَ]( ).

طريق العودة من دومة الجندل
من بركات كتائب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تعدد منافع كل واحدة من جهات :
الأولى : العزم على الخروج والإعداد للكتيبة .
الثانية : طريق الخروج إلى الغاية والمقصد .
الثالثة : حضور الوحي عند الوصول إلى الغاية كدومة الجندل .
الرابعة : طريق العودة إلى المدينة .
الخامسة : تعظيم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لشعائر الله عز وجل طيلة أيام الكتائب .
ولم يكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في طريق العودة يسيرون في الليل ويكمنون في النهار بل بالعكس كانوا يسيرون في وضح النهار فيتساءل أهل القبائل والمسافرون أين كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهل غزا ، وهل جلب الغنائم والسبايا ، فتتجلى لهم حقيقة حسية ظاهرة في هيئة الصحابة ، فليس معهم غنائم أو سبايا ، إنما تحملوا الأذى ووعورة الطريق وأخطار السفر قربة إلى الله عز وجل وصرفاً للقتال .
ليكون أهل القرى وغيرهم شهوداً على قانون لم يغز النبي محمد (ص) أحداً ، ومعجزاته بتفرق أعدائه حالما يصل إليهم ، وهو من مصاديق الرعب الذي يقذفه الله في قلوب المشركين عبدة الأوثان ، وتركه لهم من غير البطش بهم أو الخشية من تجمعهم مرة أخرى.
وفيه دعوة لهم وللناس جميعاً للإسلام ، وتغيير في مناهج وكيفية المعاملة والتصرف بين الأعداء إذ فمنهج النبوة هذا دعوة لوقف الغزو بين القبائل والذي تهاوى وانحسر بسبب إنتماء الناس من القبائل المختلفة والمتناحرة إلى الإسلام.
وفي طريق عودة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من دومة الجندل وادع عيينة بن حصن الفزاري الذي كانت أرضه قد جدبت فصار يرعى بتغلين وما والاها إلى المراض ، ولكن عيينة هذا زحف مع مشركي قريش في معركة الأحزاب .
ليحضر عيينة مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فتح مكة ، وواقعة حنين ، ويعطيه النبي مائة من الإبل بجعله من المؤلفة قلوبهم ، وعندما رد النبي صلى الله عليه وآله وسلم السبي على هوازن وثقيف لم يرض عيينة وقومه فزارة برد ما حازوا من السبي.
فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهم وللأقرع بن حابس وبني تميم (أما من تمسك منكم بحقه من هذا السبي فله بكل إنسان ست فرائض من أول سبي نصيبه ، فردوا على الناس أبناءهم ونساءهم)( ).
وكانت موادعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعيينة وقومه ذات منافع عظيمة إذ كفّ أذاه ، ولكنه قدم مع المشركين في معركة الخندق أي أنه نقض الموادعة ، وأراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يعطيه يومئذ ثلث أثمار المدينة لينصرف عن الحصار هو وغطفان ، ويخذل الأحزاب ويدعوهم للإنسحاب ، ولكن عيينة أبى واشترط نصف ثمر المدينة.
فبعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على كل من سعد بن معاذ وهو سيد الأوس ، وسعد بن عبادة وهو سيد الخزرج دون قومهما لأنه أراد كتمان الأمر ، ومنع الخلاف بين الصحابة فكان ردهما حكمة وثورة إذ قالا (يا رسول الله، إن كنت أمرت بشيء فافعله وامض له وإن كان غير ذلك فوالله لا نعطيهم إلا السيف. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لم أؤمر بشيء ولو أمُرت بشيء ما شاورتكما وإنما هو رأي أعرضه عليكما)( ).
لبيان أن قول النبي محمد من مصاديق [وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ]( )، وان ابتداء المشورة لاينحصر بالوحي ، فقد يكون ابتداء من النبي أما العزم على الفعل فلابد من الوحي والإذن للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من عند الله سبحانه.
نتائج دومة الجندل
من الإعجاز في الكتائب التي خرج فيها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وجوه :
الأول : كل كتيبة شكر لله سبحانه على نعمة كثرة المسلمين ، وتنقلهم في المدينة وخارجها.
الثاني : كل كتيبة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هي سرية إستطلاع.
الثالث : بعث كتائب النبي صلى الله عليه وآله وسلم الخوف والفزع في قلوب المشركين.
الرابع : كسر شوكة قريش ، وعجزها عن منع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من السياحة والضرب في الأرض.
الخامس : عدم صحة تسمية الغزوة على خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة .
السادس : تفرق المشركين قبل وصول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الأعم الأغلب ، ومنه كتيبة دومة الجندل ، فما أن علم أهلها بأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم قطع هذه المسافة الطويلة من المدينة حتى وصل إليهم مع ألف من أصحابه ومن دون أن يعلم به أحد حتى فرت الجموع التي كانت تعد العدة للهجوم على المدينة.
فاقام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عدة أيام وبعث أصحابه في كل الجهات للتأكد من عدم بقاء الجموع على حالها ، ولإنذار قبيلة قضاعة والتنبيه على أمور :
الأولى : لزوم الإمتناع عن نصرة كفار قريش .
الثانية : بيان قوة ومنعة الإسلام .
الثالثة : دعوة رجال ونساء قبيلة قضاعة وأهل دومة الجندل لدخول الإسلام ، وهو من أسباب عدم قتل أي فرد منهم أثناء هذه الكتيبة ، ومع هذا تسمى غزوة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بينما هي دفاع محض بقصد تفريق الجموع التي تريد القتال الشديد الذي تتهاوى فيه الرؤوس من الطرفين ، ولتأمين الطرق العامة من السلب.
وليكون من معاني قوله تعالى [يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ]( )، بخصوص معركة أحد : يا أيها الذين آمنوا اخرجوا في كتائب وسرايا لمنع التقاء الجمعين .
الرابعة : الأمن والسلام للمدينة المنورة مدة غياب النبي خمس عشرة ليلة مع بعد المسافة.
الخامسة : تمرين واعتياد الصحابة على قطع المسافات الطويلة في سبيل الله .
السادسة : تنزه المسلمين عن السلب والنهب ومفاهيم الغزو ، فقد كان أهل دومة الجندل يظلمون الذين يمرون عليهم ، فاقام عندهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عدة أيام ولم يظلمهم على شركهم وتعديهم وهو باب للتوبة والصلاح.
السابعة : بلوغ الدعوة أطراف الشام ، وامكان انتشارها في الجهات الأربعة .
الثامنة : نشر ألوية السلم والأمن في ربوع الجزيرة وأطرافها.
التاسعة : بعث رسالة الى كفار قريش للكف عن قتال النبي محمد ومنعهم من الإتصال بأفراد القبائل ، وتحريضهم على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
لتترشح قاعدة عن كتيبة دومة الجندل وهي من يجمع الجموع بقصد الهجوم على المدينة يلحقه الخزي ، وهو من الكبت الوارد في قوله تعالى لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ.
لبيان أن الحزن وشدة الغيظ والكبت المذكور في الآية أعلاه أعم من أن يختص بقريش أو بالمشركين الذين حضروا معركة أحد ، وإن كانت تلك المعركة سبباً لنزول الآية أعلاه.

قانون التخفيف المتجدد
من خصائص الحياة الدنيا التخفيف عن المؤمنين ، قال تعالى [لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى]( )، ولا ينحصر موضوع التخفيف بالمؤمنين بل ذات الحياة الدنيا دار التخفيف عن الناس جميعاً .
والنسبة بين رحمة الله وهذا التخفيف عموم وخصوص مطلق ، فالحرمة أعم وهو أحد أفرادها ، ولكن المشركين حجبوا عن أنفسهم كثيراً من مصاديق التخفيف ، والإمتناع بالإختيار لا ينافي الإختيار ، وقال تعالى [وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ]( )، وقال تعالى [وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ]( ).
أي ينهون الناس عن الإنصات لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويتباعدون عنه ، وينهون عن الإستماع إلى آيات القرآن والعمل بمضامينه ويقومون بالتباعد ، وجعل أصابعهم في آذانهم عند سماع تلاوة الآيات.
وقيل في معنى [يَنْهَوْنَ عَنْهُ] أي أن أبا طالب وبني هاشم ينهون الناس عن إيذاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ليكون من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم توالي مصاديق التخفيف عنه وعن أهل بيته وأصحابه حتى مع شدة أذى الكفار لهم.
وهل الهجرة وانشاء المساجد في المدينة من هذا التخفيف ، الجواب نعم ، قال تعالى [وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ]( ).
ومن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم تنزهه عن الثأر من المشركين ، وعدم البطش بهم عند فتح مكة بل اطلقهم وعفا عنهم ، ثم ولى عدداً منهم أمارة ورياسة.
لبيان اتحاد سنخية النبوة في حال الإستضعاف والقوة والمنعة ، فلم يغز النبي محمد (ص) أحدا ،، وكان في حال دفاع وضرورة للقتال ، وعندما تم الفتح عفا وصفح وأشفق عليهم وليس عنده من شرط ، إنما دعا قريشاً بذات الدعوة قبل الهجرة وهي (قولوا لا إله إلاّ اللّه تفلحوا)( ).
لبيان قانون وهو رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رسالة تخفيف عن الناس جميعاً.
ومن التخفيف فضل الله عز وجل بجعل الأرض كلها مسجداً ، وفي حديث للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عام تبوك (وجعلت لى الارض مسجدا وطهورا أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت وكان من قبلى يعظمون ذلك إنما كانوا يصلون في كنائسهم وبيعهم)( ).

مقدمة معركة الخندق
تحتمل أسباب المعارك والقتال وجوهاَ :
الأول : ترشح الأسباب من قبل طرفي القتال , فكل طرف وجمع له أسباب في الإستعداد للمعركة ونشوبها , كما لو كان كل منهما يدّعي حقاَ , ويطالب بانتزاعه .
الثاني : حدوث القتال عند طرف واحد من طرفي القتال , فهو الذي يطلب القتال كما لو أراد مباغتة العدو , أما تجهيز الجيوش فقد يكون من الطرفين , وقصد أحدهما صرف القتال , وهو إما أن يكون مؤقتاَ أو دائماَ كما في قوله تعالى [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ]( )، فهذا الأمر من عند الله عز وجل لإرادة صرف المشركين عن الهجوم وعن القتال , وليس فيه معنى الغزو أو الهجوم , والآية أعلاه من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( )، وقوله تعالى [تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ]( ) أي تخيفون وتمنعون من القتال , فهو ضد للإرهاب وزجر عنه , كما أنها تتضمن إرادة خصوص المشركين بالله عز وجل من قوله تعالى [عَدُوَّ اللَّهِ] لأن أهل الكتاب ليسوا من أعداء الله عز وجل .
الثالث : تحريض وفتنة طرف ثالث , قال تعالى [وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ]( ) وإن كان التسبيب للمعركة لا يرقى إلى نسبة نشوبها له على نحو مطلق وكلي , فلابد للمباشر من موضوعية في بدء القتال .
وأما استمرار القتال فقد يختلف عن بدايته , فقد يطلب الذي بدأه الصلح ووقف القتال ولكن الطرف الآخر لا يرضى , لذا نزل القرآن بآيات الصلح وحسنه الذاتي والغيري , أي حتى مع الخسارة والتنازل فيه , إذ قال تعالى [وَالصُّلْحُ خَيْرٌ]( ) وفيه شاهد على عدم نسخ آيات السلم .
وهل تدل معركة الخندق على هذا العدم , وتبين مصداقاَ عملياَ , وشاهداَ فعلياَ بأن آيات السلم والصلح والموادعة محكمة وغير منسوخة , المختار نعم , وهذا مبحث جديد بالإتيان بالشواهد العملية والتأريخية لتأكيد أمور :
الأول : صدق نزول آيات القرآن من عند الله عز وجل .
الثاني : سلامة آيات القرآن من التحريف والزيادة أو النقيصة .
الثالث :إنتفاء النسخ في آيات السلم والصلح .
ومن أبهى الشواهد في المقام :
الأول : تفسير آيات القرآن بعضها لبعض .
الثاني : دلالة السنة النبوية القولية والفعلية , ومنها حرص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على إتمام صلح الحديبية ورضاه بالشروط التي أملاها كفار قريش .
الثالث : صيرورة صلح الحديبية فتحاَ , قال تعالى [إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا]( ) .
أسباب معركة الخندق
لقد كانت معركة الخندق أمراً فريداً في الجزيرة من جهات :
الأولى : كثرة عدد المشركين وحشر عشرة آلاف رجل للقتال .
الثانية : إصرار المشركين على القتال وإرادة قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه.
الثالثة : معرفة قريش بقلة عدد الصحابة ، وخصوص المقاتلين منهم .
الرابعة : عدم وجود موضوع للقتال ، فليس من ثأر عام أو عصبية أو موعدة وتحد للقتال .
الخامسة : جاءت معركة الخندق في زمان شيوع الإسلام وميل النفوس إليه ، وجاء الخطاب [وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ] ( ) موجهاً إلى المسلمين والمسلمات ، فهل يشمل غيرهم من الناس ، الجواب نعم ، وأثبات شئ لشئ لا يدل على نفيه عن غيره.
ومن خصائص الحياة الدنيا قرب الإيمان والهداية من الناس جميعاً ، ولكن الكافرين أعرضوا عنه ، والإمتناع بالإختيار لا ينافي الإختيار .
فابتلاهم الله بالنقص في الرجال والأموال والأعوان مع نفرة الناس من محاربتهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهجومهم المتكرر على المدينة .
والمشهور في أسباب معركة الخندق أن جماعة من اليهود قالوا بتحريض أهل مكة على قتال النبي (قالوا: إنه كان من حديث الخندق: أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق النضرى، وحيى بن أخطب النضرى، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بنى النضير ونفر من بنى وائل، وهم الذين حزبوا الاحزاب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله.
فقالت لهم قريش: يا معشر يهود إنكم أهل الكتاب الاول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه ؟ قالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه.
فهم الذين أنزل الله فيهم [أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاَءِ أَهْدَى مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنْ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا]( ).
فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فاجتمعوا لذلك واتعدوا له.
ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان من قيس عيلان، فدعوهم إلى حرب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأخبروهم أنهم يكونون معهم عليه، وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك واجتمعوا معهم فيه) ( ).
والمختار أن رؤساء كفار قريش هم الذين عزموا على القتال من غير أن يكون السبب الأصلي هو تحريض اليهود لهم ، استصحاباً لغزوهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمدينة في معركة بدر ، وأحد ، وهجمات أبي سفيان وكرز بن جابر الفهري على أطراف وسروح المدينة .
لقد كان المشركون يتفاخرون بخدمة الحجيج وسقايتهم، وباكرام وإعانة المحتاج فنزل القرآن بأن مدار التفاخر هو الإيمان .
و(عن الضحاك: أقبل المسلمون على العباس وأصحابه الذين أسروا يوم بدر يعيرونهم بالشرك ، فقال العباس : أما – والله – لقد كنا نعمر المسجد الحرام ، ونفك العاني ، ونحجب البيت ، ونسقي الحاج ، فأنزل الله [أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ]( ) الآية .
وأخرج أبو نعيم في فضائل الصحابة وابن عساكر عن أنس قال : قعد العباس وشيبة صاحب البيت يفتخران ، فقال له العباس: أنا أشرف منك ، أنا عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ووصي أبيه ، وساقي الحجيج .
فقال شيبة : أنا أشرف منك ، أنا أمين الله على بيته وخازنه ، أفلا ائتمنك كما ائتمنني؟
فاطلع عليهما عليّ عليه السلام فأخبراه بما قالا .
فقال علي عليه السلام : أنا أشرف منكما ، أنا أوّل من آمن وهاجر : فانطلقوا ثلاثتهم إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبروه . فما أجابهم بشيء ، فانصرفوا فنزل عليه الوحي بعد أيام ، فأرسل إليهم فقرأ عليهم { أجعلتم سقاية الحاج }( ) إلى آخر العشر) ( ).
وفي الجزء الثاني من تقريرات بحثي الخارج على فضلاء الحوزة (معراج الأصول ) تفصيل في المقام في باب الأحكام التكليفية الخمسة .
لقد كانت قريش تجتمع في دار الندوة ، ولا يدخلها من كان عمره أقل من أربعين سنة باستثناء الذي يتصف برجحان العقل مثل أبي جهل الذي كان يسمى أبا الحكم ، فقتل مشركاً في معركة بدر .
وكانوا يناقشون الأوضاع ويستحضرون التأريخ القريب والبعيد ، ويتذكرون أيام العرب والأشعار ، والقصائد التي قيلت في الحروب وفي المدح والذم.
فلا يتعجلون باتخاذ قرار الحرب بسبب تحريض اليهود على الهاشمي القرشي ، وهم يعملون المكر والحيل وكيفية إستدراج الناس للقتال.
إنما كانت قريش تتهيأ للغزو بعد الغزو نحو المدينة ، وكانوا يسعون لقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقصد الإبادة الجماعية العامة في المعارك ، أو بصيغ الإغتيال الشخصي لإرادة قطع ووقف نزول آيات القرآن ، مع إدراكهم بأن كثيراً من آيات السور المدنية نزلت بخصوص أحكام الشريعة من العبادات والمعاملات وسنن النكاح والطلاق ، وبيان الحدود والفرائض في الميراث ، وتحريم الخمر والزنا والربا ، قال تعالى يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.
ولم يرد لفظ [أَضْعَافًا] في القرآن إلا مرتين ، إحداهما في النهي والتحذير في هذه الآية ، والآخر في الترغيب بالعمل الصالح ، والبشارة بالثواب والأجر عليه ، إذ قال تعالى [مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ] ( ) لبيان قانون من الإرادة التكوينية وهو أن الذي يترك الحرام المنهي عنه يرزقه الله بدله أضعافاً كثيرة .
ولم يرد لفظ (مضاعفة ) في القرآن إلا في الآية أعلاه .
والمدار في الجناية على المباشر ، وقد باشرت قريش الهجوم على المدينة في معركة الخندق بغض النظر الأسباب اتحدت أو تعددت ، كان منشؤها الذات أو الغير ، وهو ما يمنع من ذكر الأسباب التي يدل عليها السند المعتبر ، وإن كان ضعيفاً ولكن تحفه القرائن.
كما تضمنت السور المدنية آيات السلم والصلح ، والترغيب بهما ، بنداء الإكرام [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] وآيات الدفاع ، واتخاذه وسيلة للأمن العام ، مع النهي عن التعدي في حال الحرب والسلم ، قال تعالى في خطاب للمسلمين [وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ] ( ).
معركة الأحزاب.. إبادة جماعية للمسلمين
الإبادة الجماعية عدوان وقتل جماعي على نحو مقصود ومنظم وإرادة التدمير التام أو الجزئي بجماعة عرقية أو دينية أو عنصر مذهب مخصوص ، ونصت اتفاقية الأمم المتحدة في أواخر 1948 م على منعها سواء في أيام الحرب أو السلم .
وقد تطلق الإبادة الجماعية على الجرائم الفظيعة والقتل الذريع في بلدة مخصوصة ، والتحريض عليها وتهيئة المقدمات له ، أما ما أرادته قريش والأحزاب فهو إبادة كلية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، وذات القصد كان حاضراً في معركة بدر وأحد والخندق ، ففي كل مرة كان مشركو قريش يقصدون قتل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، وصار هذا القصد في معركة الخندق أظهر وأوضح من جهات :
الأولى : كثرة جيش المشركين إذ بلغ عددهم عشرة آلاف .
الثانية : توجه جيوش المشركين نحو المدينة ، وعدم الوقوف عند جبل أحد مثلاً .
الثالثة : لغة التهديد والوعيد التي كانت تصل برسائل شفوية وتحريرية إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه قبل المعركة ، قال تعالى [إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ] ( ).
الرابعة : التضاد بين الإيمان والكفر ،وعدم إجتماعهما ، فان قلت هناك تباعد مكاني بين الآيات في المدينة والكفر في مكة ، الجواب لقد كان الإيمان يزحف إلى مكة وأهلها .
وكذا دأبه على مرّ التأريخ ، وهو من أسرار سخط المشركين ، وإمتلاء قلوبهم بالغيظ والحنق ، ومناجاتهم باستئصال الإيمان لقطع أسباب زحفه نحوهم ، ومنعه من دخول بيوتهم ، وصيرورة أبنائهم ذكوراً وإناثاً مؤمنين.
تصدح أصواتهم بعذوبة تلاوة القرآن ، وتردد معهم الجدران ، وتعلم بتبدل حالهم الحارة والجيران .
الخامسة : المناجاة والإستجابة من القبائل لدعوة قريش لإستئصال الإسلام ، وتوجههم جميعاً نحو المدينة ، ومن شدة الفزع وجدية المشركين بقصد الإيمان ، ظهر الخوف على المنافقين ، وجاهروا بالخشية من زحف الأحزاب ، كما ورد توثيقه في القرآن بآيات منها [وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا] ( ) ومن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وحسن توكله على الله وتفويض الأمور إليه أنه كان يأذن لهم بالمغادرة ، وإن بقي معه خلف الخندق عدد قليل من الصحابة .
ومن الإعجاز عدم استغلال قريش لهذه الحال في اقتحام آلاف منهم الخندق.
السادسة : طواف خيول المشركين حول الخندق ، ورميهم النبال والحجارة على نحو محدد أو عشوائي ،واقترانه بالتهديد والشتائم للمسلمين ، والتكذيب والسخرية من شخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والتنزيل .
السابعة : الرسائل التي بعثها أبو سفيان ورؤساء العسكر بالوعيد للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، منها (وكتب أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: باسمك اللهم. أحلف باللات والعزى وساف ونائلة وهبل، لقد سرت إليك أريد استئصالكم. فأراك قد اعتصمت بالخندق، وكرهت لقاءنا. ولك مني يوم كيوم أحد. وبعث بالكتاب مع أبي أسامة الجشمي)( ).
وهذا الكتاب نص صريح بارادة الإستئصال ، والنسبة بينه وبين الإبادة الجماعية في مصطلح هذا الزمان العموم والخصوص المطلق .
فكل إستئصال هو إبادة جماعية وليس العكس ، وهل كان أبو سفيان يقصد إبادة الرجال والنساء وأطفال المسلمين ، أم خصوص الرجال وسبي النساء والأطفال ، المختار هو الثاني ، ليكون بطش كفار قريش أشد من بطش فرعون ، لولا أن صرف الله كيدهم، إذ ورد حكاية عن فرعون [قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ] ( ) فهو لم يطلب قتل موسى والذين آمنوا معه ، ولكنه يقطع توارث الإيمان بقتل الأبناء .
أما أبو سفيان ورؤساء الشرك فارادوا فعل :
الأول : قتل خاتم النبيين الذي بعثه الله رحمة للعالمين .
الثاني : إبادة المهاجرين والأنصار ، لقد أرادوا في معركة أحد قبل سنتين قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأسر المهاجرين ، وإدخالهم إلى مكة موثقين بالسلاسل والحبال ثاراً لمعركة بدر ، أما في معركة الخندق فأنهم صعّدوا من انتقامهم وأرادوا الإبادة الجماعية للمهاجرين والأنصار.
ليكون حفر الخندق من مصاديق قوله تعالى [وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ] ( )، فصحيح أن حفر الخندق تم باقتراح ورأي من سلمان الفارسي ، إلا أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم امضاه بالوحي لعمومات قوله تعالى [ وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى] ( )، للنجاة من الإبادة الجماعية واستباحة المدينة.

خروج المشركين من مكة
لقد كان المشركون في خوف وفزع ، قال تعالى [إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ]( )، ولكن عندما حاز موعد اللقاء في بدر الموعد.
خرج أبو سفيان وألفان من المشركين معه من مكة حتى وصلوا مرّ الظهران وهو واد طويل ، وسمّي بعد القرن العاشر الهجري وإلى الآن وادي فاطمة ، ونزلوا عند ماء يسمى مجنّة على مرحلة واحدة من مكة نحو (44) كم ، وظنت طائفة من الجيش أنه نزول استراحة وتفقد للجيش ولكنه كان خاتمة المسير ، وعدم السير إلى بدر التي تبعد عن مكة (300) كم.
وكان أبو سفيان ينوي الرجوع من حين خروجه من مكة إذ أنه أطلع بعض رؤساء قريش على خطته ومكره بأن يسيروا ليلة أو ليلتين فان كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم يخرج بلغه وعامة العرب أنا قد خرجنا ورجعنا.
ويشيع بين العرب وفي موسم الحج أنه نكث عن الموعد ، أما إذا خرج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو وأصحابه اعتذرنا للرجوع بأن العام عام جدب وليس من عشب وماء للإبل والخيل فضلاً عن الجيش لعدم توفر ودر الحليب من الإبل مع طول المسافة والإقامة في بدر وخوض المعركة ، وأظهر أبو سفيان عزمه على الرجوع إلى مكة.
فخطب في الجيش (يا معشر قريش، إنه لا يصلحكم إلا عامٌ خصب ترعون فيه الشجر، وتشربون فيه اللبن؛ وإن عامكم هذا عام جدب؛ وإني راجع فارجعوا. فرجع ورجع الناس، فسماهم أهل مكة جيش السويق. يقولون: إنما خرجتم تشربون السويق)( ).
لبيان ملاحقة الخزي لجيش المشركين ساروا أم رجعوا ، قاتلوا أم لم يقاتلوا ، وتقديره : إنما خرجتم تشربون السويق مع أنكم الذين اقترحتم موعد اللقاء وعينتم أوانه ومكانه ، إذ لا ينحصر تعيير أهل مكة لهم بأنهم خرجوا ليشربوا السويق ، إنما يشمل الحجة عليهم بأنهم هم الذين اختاروا اللقاء وعينوا أوانه منذ سنة وفي ميدان معركة أحد مما يدل على أنهم لم يحققوا نصراً فيها .
ووصل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى بدر في الموعد ، وتبعد عن المدينة (150) كم ، وتقام سوق موسمية في المكان فملأوا السوق وصارت فيه جلبة وجلب وحركة تجارية نشطة لم يعهدها من قبل ، لكثرة عدد المسلمين وصلاحهم وتقواهم ، والتفت العرب إلى هذه الظاهرة وأن المسلمين حضروا السوق بما هم مسلمون وأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معهم ، وكانوا قد جلبوا معهم بضائع وتمراً وتجارات فباعوا وربحوا.
وعن عثمان بن عفان قال (فلقد خرجت ببضاعة إلى موسم بدر، فربحت للدينار ديناراً، فرجعنا بخير وفضلٍ من ربنا. فسار رسول الله صلى الله عليه وسلّم في المسلمين وخرجوا ببضائع لهم ونفقات، فانتهوا إلى بدر ليلة هلال ذى القعدة، وقام السوق صبيحة الهلال، فأقاموا ثمانية أيامٍ والسوق قائمة)( ).
وهل اشترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالبيع والشراء ، الجواب لا ، إنما كان مشغولاً بالذكر والدعاء وتفقه المسلمين في الدين ، والشكر لله على نعمة إقامة الصلاة جماعة في بدر خمس مرات في اليوم يشهدها أهل السوق والقاطنين عند مياه بدر .
لماذا حفر الخندق
يسمي المؤرخون هجوم الأحزاب بأنه غزوة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وذكر أبو سفيان استتار النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه خلف الخندق وكأنه جبن وخوف ، إنما هو على وجوه :
الأول : إجتناب القتال .
الثاني : الرحمة للفريقين ، وحقن الدماء ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ) .
الثالث : إقامة الحجة على المشركين .
الرابع : بعث اليأس والقنوط في نفوس المشركين .
الخامس : إثارة الخلاف والخصومة بين صفوف المشركين .
السادس : استنزاف أموال المشركين بقيامهم باطعام عشرة آلاف مقاتل لنحو شهر من الزمان .
السابع : سماع المشركين للأذان وتلاوة القرآن ، فلا يمنع الخندق وصولها إلى المشركين ، إنما يمنع هجوم جيوش المشركين ، وحتى هذا المنع لم يكن على نحو السالبة الكلية ، ولكن الله عز وجل صرف المشركين عن العبور ، وألقى الخوف والفزع في قلوبهم ، ليكون من معاني قوله تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ] ( ).
الثامن : لقد عبرت جماعة من فرسان قريش الخندق ، فكانت المبارزة التأريخية بين الإيمان والكفر بين الإمام علي عليه السلام وعمرو بن عبد ود العامري ، وهروب الباقين ومقتل أحدهم داخل الخندق.
ليكون عبرة وزاجراً للمشركين من عبور الخندق ، وتخفيفاً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، وأمناً لجميع أهل المدينة من المؤمنين والمنافقين واليهود .
التاسع : حفر الخندق شاهد على أن النبي محمداً لايريد القتال مطلقاً ، ليدل بالأولوية القطعية على أنه لم يغز أحداً .
العاشر : حقن دماء المسلمين والمشركين باجتناب وبعدما احتجت الملائكة على جعل الإنسان [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، لأنه يفسد في الأرض ويسفك الدماء ، نزلت لترى أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يدفع القتال مع حضور الملائكة مدداً لنصرته ليكون هذا الدفع من مصاديق إجابة الله عز وجل على إحتجاج الملائكة [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ).
الحادي عشر : دعاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على المشركين في الخندق لإشغاله والصحابة برصدهم ودفعهم عن صلاة العصر ، و(عن ابن مسعود قال : حبس المشركون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن صلاة العصر حتى احمرت الشمس أو اصفرت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله أجوافهم وقبورهم ناراً)( ).
وبهذا الخبر المشهور يستدل طائفة من العلماء على أن المراد من الصلاة الوسطى في قوله تعالى [حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَة الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ]( )، المختار أنها صلاة العصر ، والمختار أنها صلاة الظهر .
الثاني عشر : تأديب الصحابة وأجيال المسلمين باجتناب الحرب ولو بالوقاية والصبر والحيطة ، والله سبحانه [كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ]( )، وبعد أن انسحب المشركون من الأحزاب لم تأت مثلها ، ولم يزحف المشركون بعدها بمعشار جيشهم في الأحزاب ، وهو من موارد التخفيف عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين .
الثالث عشر : التحصن خلف الخندق نوع مرابطة وفيه الأجر والثواب ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ).

جيوش الأحزاب
ورد لفظ (الأحزاب ) إحدى عشرة مرة في القرآن في مواضع ومسائل متعددة منها آيتان بخصوص واقعة الأحزاب وهي :
الأولى : قال تعالى [يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلاَّ قَلِيلاً]( ).
الثانية : قال تعالى [وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا]( ).
وهل قوله تعالى [فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ] ( )، مقدمة وإشارة لإختلاف الأحزاب الذين هجموا على المدينة ، الجواب نعم ، وأراد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يكون هذا الإختلاف بتقديم شطر من ثمار المدينة لقائدي غطفان ، وهما عيينة بن حِصن والحارث بن عوف المرُي (فَأَعْطَاهُمَا ثُلُثَ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ عَلَى أَنْ يَرْجِعَا بِمَنْ مَعَهُمَا عَنْهُ وَعَنْ أَصْحَابِهِ فَجَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا الصّلْحُ حَتّى كَتَبُوا الْكِتَابَ وَلَمْ تَقَعْ الشّهَادَةُ وَلَا عَزِيمَةُ الصّلْحِ إلّا الْمُرَاوَضَةُ فِي ذَلِكَ) ( ).
ولم يتم إمضاء الكتاب لإحتجاج رؤساء الأنصار ، وليقع الإختلاف بين جيش المشركين بآية من عند الله عز وجل وبعث الله عز وجل الريح عليهم ، وخيبتهم بقتل عمرو بن عبد ود العامري من قبل الإمام علي عليه السلام .
لبيان فضل الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من جهات :
الأولى : سلامة المسلمين من وقوع الإختلاف بينهم .
الثانية : نجاة أموال المسلمين وأهل المدينة من دفعها لبعض رؤساء المشركين ، وفيه عز للمؤمنين .
الثالثة : وقوع الإختلاف بين رؤساء جيش المشركين من غير ان يقدم لهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً .
الرابعة : اضطرار جيش المشركين للإنسحاب من غير أن يقتحموا المدينة المنورة .
وتتألف جيوش الأحزاب من :
الأول : قريش والأحابيش نحو أربعة آلاف برئاسة أبي سفيان بن حرب بن أمية بعد أن عقدوا اللواء في دار الندوة ، وحمله عثمان بن طلحة من بني عبد الدار الذي قتل أبوه وأخوته في معركة أحد ، وهو أسلم فيما بعد ، وساقوا معهم ثلاثمائة فرس ، ومعهم ألف وخمسمائة بعير .
الثاني : سبعمائة من بني سُليم ،إذ لاقوا قريشاً في حر الظهران (يقودهم سفيان بن عبد شمس وهو أبو أبي الاعور السلمي، الذي كان مع معاوية بصفين) ( ).
لتدور الأيام ويخرج بعد ثلاث سنوات نفس العدد أعلاه سبعمائة من بني سُليم مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نحو فتح مكة ويقول بعضهم ألف( ) .
الثالث : بنو فزارة في ألف رجل برئاسة عيينة بن حصن الذي وادع النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم في طريق عودته من دومة الجندل .
الرابع : بنو أسد خزيمة وقائدهم طلحة بن خويلد الأسدي الذي أسلم فيما بعد .
الخامس : قبيلة أشجع وعددهم أربعمائة ، وقائدهم مسعود بن رخيلة والذي أسلم فيما بعد .
السادس : قبيلة بني مرة في أربعمائة رجل يقودهم الحارث بن عوف المري الذي أسلم فيما بعد .
وقد اجتمع مع هذه القبائل رجال من قبائل أخرى والعبيد (قالوا: وكان القوم الذين وافوا الخندق من قريش وسليم وأسد وغطفان عشرة آلاف) ( ).
غزو الأحزاب للمدينة
من الثابت كتاباً وسنة وتأريخياً أن جيوش المشركين هي التي زحفت للهجوم على المدينة ، ومحاصرتها في شهر شوال من السنة الخامسة.
وبخصوص معركة الخندق ورد قوله تعالى [وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا]( )، ولم تبين هذه الآيات وعد الله ورسوله في المقام ويحتمل وجوهاً :
الأول : إرادة آية قرآنية .
الثاني : خصوص قوله تعالى في سورة البقرة [أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ]( )، وبه قال ابن عباس ، وأن النصر قادم والجنة مثوى لهم إن صبروا وثبتوا في مواضعهم.
الثالث : وعد من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم اثناء حفر الخندق كما في وعده عشية معركة بدر (وَاَللّهِ لَكَأَنّي الْآنَ أَنْظُرُ إلَى مَصَارِعِ الْقَوْمِ)( )، وإن كانت الآية أعلاه تخبر عن حال الصحابة عندما رأوا الجيوش العظيمة قد أقبلت .
الرابع : الوعد بالإبتلاء والإمتحان والإختبار .
الخامس : إرادة جزء من الوعد بأن يزحف المشركون لقتالهم فيصرف الله عز وجل شرورهم ، فقد قال المؤمنون [هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ]( )، إيماناً وتصديقاً ، ورجاء تحقق النصر , وإنكسار وهزيمة المشركين.
وتقدير الآية : هذا أول ما وعدنا الله ورسوله ، وتدل عليه خاتمة الآية [وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا]( ).
فان قلت : وهل يدل قوله تعالى [وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ]( )، على انتهاء وانحصار موضوع الوعد بقدوم جيوش المشركين ، الجواب لا.
وتقدير الآية : ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا أول ما وعدنا الله ورسوله.
ليكون من معاني [وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ]( )، بأن خاتمة قدوم الأحزاب هي هزيمتهم على كثرتهم.
وفيه شاهد على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يغز أحداً ، وأنه وأصحابه كانوا في حال دفاع محض ، إذ زحف عشرة آلاف مقاتل من قريش وحلفائها نحو المدينة وأحاطوا بها في حالة نادرة في الجزيرة ، فحفر المسلمون خندقاً وأحياناً لم يكن مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم خلف الخندق سوى مائتين أو ثلاثمائة.
وهذا التباين بين عدد المهاجمين والمدافعين وسلامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من اقتحام المشركين الخندق من معجزاته صلى الله عليه وآله وسلم ، وهل هو من مصاديق قوله تعالى [وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ]( )، أم أن الآية خاصة بمبارزة الإمام علي عليه السلام لعمرو بن عبد ود العامري فارس مضر ، وقتل الإمام علي عليه السلام له ، الجواب هو الأول.
تسمية غزوة الخندق
وتسمى هذه المعركة باسمين :
الأول : غزوة الأحزاب ، وقد وردت في القرآن باسم الأحزاب.
الثاني : غزوة الخندق .
بقصد أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم هو الغازي وورد لفظ الأحزاب بخصوصها في صدر سورة الأحزاب ولكن بمعنى أن المشركين هم الغزاة.
أما التسمية أعلاه فيراد منها وعلى لسان المفسرين والمؤرخين أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم هو الغازي.
إنما كان مدافعاً ومضطراً للدفاع ، ومن المؤرخين من يذكرها بالاسم من غير ذكر لفظ غزوة ، فيقول وقعة الأحزاب ، يوم الخندق ، أو بعد الخندق ، وحتى هذا عندما يكتب العنوان يقول غزوة الخندق ، ويعدها مع غزوات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
ولم تكن الخندق إلا غزوة للمشركين أحاطوا بها بالمدينة ، ولم تترتب عن غزو النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهم أو عن مطاردته وأصحابه لجيوشهم أو عن إحداث إغتيالات في صفوف رؤسائهم بل كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يرفع لواء السلم ، ويقيم على الصبر ، ويواظب والمهاجرون والأنصار على أداء الفرائض العبادية ، قال تعالى [وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ]( ).
وقد ورد لفظ (اطيعوا) تسع عشرة مرة في القرآن ، وباستثناء واحدة في خطاب هارون لبني اسرائيل ، فان هذه الآيات وردت في طاعة الله ورسوله.
والآية أعلاه هي الوحيدة التي ذكرت فيها طاعة الرسول وحده ، وفيه مسائل :
الأولى : ربط الخاص بالعام والمراد الرجوع لآيات طاعة الله ورسوله.
الثانية : ذكر إقامة الصلاة واتيان الزكاة في الآية أعلاه شاهد على وجوب طاعة الله .
الثالثة : وجوب طاعة الرسول في حال الحرب والسلم والإمتناع عن الغزو ، وعدم تأويل الآيات بما يخالف أوامر الرسول.
الرابعة : بيان أن الرسول لاينطق إلا بالوحي وبأمر وإذن من عند الله عز وجل ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا] ( ).
والمشهور والمختار أنها وقعت في شهر شوال من السنة الخامسة للهجرة ، وبه قال ابن إسحاق وعروة بن الزبير وقتادة( )، وغيرهم .
و(عن شهر بن حوشب قال: قال لي الحجاج:
وسألني عن خروج النبي صلى الله عليه وآله إلى مشاهده فقلت: شهد رسول الله صلى الله عليه وآله بدرا في ثلاثمائة وثلاثة عشر، وشهد احدا في ستمائة، وشهد الخندق في تسعمائة، فقال: عمن ؟ قلت: عن جعفر بن محمد عليهما السلام، فقال : ضل والله من سلك غير سبيله)( ).
فلم يرد في الحديث لفظ غزوات إنما مشاهد.
وعن الزهري قال : وقعت الأحزاب في شوال سنة أربع .
وقال الطبرسي توفى سنة 548 (ثمّ كانت غزوة الخندق ـ وهي الأحزاب ـ في شوّال من سنة أربع من الهجرة)( ).
وعن ابن إسحاق وابن سعد وموسى بن عقبة (دخل حديث بعضهم في حديث بعض قالوا كان عدد مغازى رسول الله صلى الله عليه وسلم التى غزا بنفسه سبعا وعشرين وكانت سراياه التى بعث فيها سبعا وأربعين سرية وكان ما قاتل فيه من المغازي تسع غزوات بدر القتال وأحد والمريسيع والخندق وقريظة وخيبر وفتح مكة وحنين والطائف)( ).
وهذه المعركة من أظهر الدلائل على أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم يغز أحدا .
لماذا تسمية غزوة الخندق
ترى لماذا دأب المفسرون وكتاب السيرة والمؤرخون على تسميتها غزوة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيه وجوه :
الأول : إظهار قوة ومنعة الإسلام .
الثاني : نسبة المبادرة في الهجوم إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، للظن بأنه أليق بمقام النبوة.
الثالث : تدوين السيرة أيام الفتوحات ، مثلاً ابن إسحاق كان في خدمة أبي جعفر المنصور ، وهو من تلاميذ الزهري في المدينة.
الرابع : إرادة جمع المعارك بعنوان واحد ، فما لم تكن غزوة حسبت من الغزوات ، والأصل عدمها .
الخامس : قيام المؤرخين بالنقل والنسخ بعضهم من بعض.
السادس : إرادة البيان والعموم ، لأن لفظ الغزوة أعم من المعركة ، فقد يلتقي الجمعان ولا يقع قتال .
السابع : بيان جهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في سبيل الله.
الثامن : إرادة كثرة خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة بجيوش من أصحابه.
وكثيرة هي المرات التي يخرج فيها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ويرجعون من غير أن يقاتلوا أحداً كما تقدم في كتيبة دومة الجندل.
التاسع : قد يراد من الغزو معنى الخروج المجرد من المدينة سواء قصد قوماً أو لم يقصد .
والقدر المتيقن هو قيادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه للصحابة في مقابل السرية أو البعث أي ما يبعثه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويجعل الأمير أحد الصحابة.
وهذا المعنى خلاف التبادر الذي هو من علامات الحقيقة .
و(عن قتادة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا تسع عشرة ، قاتل في ثمان : يوم بدر ، ويوم أحد ، ويوم الأحزاب ، ويوم قديد ، ويوم خيبر ، ويوم فتح مكة ، ويوم ماء لبني المصطلق ، ويوم حنين)( ).
وقال الزهري (كان الذي قاتل فيه النبي صلى الله عليه وسلم كل شيء ذكر في القرآن)( ).
وفيه حصر لمعارك الإسلام ، وشاهد على عدم قيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالغزو لبيان التباين بين الاسم والمسمى خلافاً لقواعد ومباحث الألفاظ.
ترجمة الواقدي
هو محمد بن عمر بن واقد (130-207) هجرية (747-823) ميلادية ، وهو مولى عبد الله بن بريدة الأسلمي.
وسمّى كتابه المغازي ويتألف من ثلاثة أجزاء ، وهو مصدر وثائقي وأخد الواقدي الحديث عن سفيان الثوري ومالك بن أنس وغيرهما وذاع صيته في المدينة ، ولكنه بعد أن ركبته الديون انتقل إلى العراق سنة 180 هجرية حيث مقر الخلافة العباسية.
وتقرب إلى هارون الرشيد ، وولاه المأمون قضاء الرصافة سنة 204.
قال الخطيب البغدادي (قدم الواقدي بغداد وولي قضاء الجانب الشرقى فيها وهو ممن طبق شرق الأرض وغربها ذكره ولم يخف على أحد)( ).
وقيل ركبته الديون لكرمه وشمائله ، ويروي هو عن نفسه (كنت حناطا( ) بالمدينة في يدي مائة ألف درهم للناس اضارب بها فتلفت الدراهم فشخصت إلى العراق فقصدت يحيى بن خالد فجلست في دهليزه وانست الخدم والحجاب وسألتهم ان يوصلونى إليه.
فقالوا إذا قدم الطعام إليه لم يحجب عنه أحد ونحن ندخلك عليه ذلك الوقت فلما حضر طعامه ادخلوني فاجلسوني معه على المائدة فسألني من أنت وما قصتك)( ).
ثم بالغ يحيى بن خالد في عطائه له ، وفي الخبر أعلاه نكتة وهي اتصاف البرامكة بالتواضع إلى جانب الكرم حيث لا يمنعون أحداً بالدخول عليهم والأكل معهم في غذائهم اليومي المعتاد وليس بخصوص الولائم ليحاكوا سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقيل بضعف الواقدي بالحديث ، ومنهم من طعن به وذمه بغير حق.
وقد تقدمت ترجمة للواقدي في الجزء الثلاثون بعد المائتين ص252.
غزوة الأحزاب
لم يأت غزو المشركين للمدينة في الخندق ابتداء وفجأة من غير أسباب إنما جاء عن تراكم أسباب منها :
الأول : إصرار رؤساء قريش على الإقامة على الكفر والضلالة.
الثاني : حب طائفة من العرب للأصنام وهذا الحب ورثوه عن آبائهم ، وفي التنزيل [وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ]( ).
وحدث هذا الأمر مع إبراهيم عليه السلام واحتجاجه على قومه كما ورد في التنزيل [إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ]( )، وكذا مع موسى بل جاء الذم للمشركين مطلقاً من جهة الرسل ومحاربتهم الشرك والضلالة والجهالة إذ قال تعالى [وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ]( ).
والمترفون هم المتنعمون والرؤساء الذين أبطرتهم النعم ، ومالوا إلى الشهوات والملاهي.
الثالث : عصبية قريش ، وبذلها الوسع للحفاظ على شأنها بين العرب ، وعلى ولاية البيت الحرام ، خاصة وأن الظاهر من سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تقديم أصحابه والمساواة بينهم على اختلاف انتمائهم القبلي ، ومنهم الذي أٌعتق مثل زيد بن حارثة وبلال بن رباح وسلمان المحمدي وصهيب الرومي ، وما كان هؤلاء عبيداً ولكن أنظمة الجاهلية الجائرة وتواعد الغزو السائدة بين القبائل كانت تؤدي إلى سبي الشباب والنساء وبيعهم في سوق النخاسة ، فكان فضل الله عز وجل على الناس ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عظيماً ، لإقتران الحرية والأمن به إلى يوم القيامة ، والمدار على التقوى ، قال تعالى [إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ]( ).
وقد جاء القرآن بقانون وهو ولاية المتقين للبيت الحرام بقوله تعالى [وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ]( ).
ومن الإعجاز في هذه الآية وصدق نزولها من عند الله عز وجل تحدي قريش وحلفائهم ، وعدم الخشية من تأليبهم ومناجاتهم بالحرب على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وعلى آيات القرآن التي تنفي حقهم وإرثهم في ولاية البيت.
مشورة حفر الخندق
من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإنتفاع الأمثل من أهل البيت والصحابة ومن الأول جهاد وسيف الإمام علي عليه السلام ، ومن الثاني تصديق الصحابة الأوائل في مكة ، وهجرة الحبشة ، وصحبة الغار ، وإيواء الأنصار للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، ومنها على نحو القضية الشخصية الإقتراحات في ميدان المعركة ومقدماتها.
فمثلاً في معركة بدر وعندما نزل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أدنى ماء من بدر ، قال الصحابي (الحباب بن المنذر بن الجموح فيما رواه ابن إسحاق: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل أمنزلا أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدمه، ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة، قال: يا رسول الله، ليس هذا المنزل فانهض بالناس، حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فننزله، ثم نغور ما وراءه من القلب، ثم نبني عليه حوضا فنملاه ماء (ثم نقاتل القوم) فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لقد أشرت بالرأي)( ).
و(عن ابن عباس قال: نزل جبريل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم، فقال: الرأي ما أشار به الحباب. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: يا حباب، أشرت بالرأي ، فنهض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم ففعل كل ذلك)( ).
وفي معركة الخندق وعند بلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه قدوم عشرة ألاف رجل من مكة وما حولها لغزو المدينة فقال سلمان الفارسي وهو يومئذ حر (يا رسول الله: إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا)( ).
فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باقتراح سلمان ، ويحتمل هذا الأخذ وجوهاً :
الأول : نزول جبرئيل إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن يعمل باقتراح سلمان .
الثاني : عموم الوحي والإذن من عند الله لقوله تعالى [وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى]( ).
الثالث : الرأي والإجتهاد من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابع : الحسن الذاتي لفكرة الخندق مع أخبار كثرة الجيوش.
والمختار هو الوجه الثاني أعلاه ، فلم يأخذ النبي بالأمر الصغير أو الكبير إلا بالوحي ، فكيف ومسألة الدفاع ضد الأحزاب من أشد ضروب الإبتلاء ، ولم يعهد في الجزيرة العربية ومنذ قدوم أصحاب الفيل أن زحف مثل هذا العدد والسلاح والخيل على مدينة شبه عزلاء من السلاح , وشطر من أهلها لا صلة لهم بالهجوم والدفاع مثل يهود المدينة.
ليكون من الغايات الحميدة لنزول سورة الفيل في مكة [كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ]( )فيه وجوه :
الأول : دعوة أجيال قريش للشكر لله عز وجل على نعمة سلامة البيت وسلامتهم من غزو أبرهة وجنوده .
الثاني : من مصاديق الشكر لله عز وجل التنزه عن عبادة الأوثان ، وعدم نصبها في البيت الحرام ، وحينما دخل عبد المطلب جد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بصفته سيد قريش على أبرهة (أجله وأكرمه ونزل عن سريره إليه وجلس معه على بساط وأجلسه إلى جنبه وقال لترجمانه: قل له ما حاجتك ؟
فقال له الترجمان ذلك، فقال عبد المطلب: حاجتي أن يرد علي مائتي بعير أصابها لي فلما قال له ذلك فقال أبرهة لترجمانه: قل له قد كنت أعجبتني حين رأيتك ثم زهدت فيك حين كلمتني، أتكلمني في إبلك وتترك بيتاً هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه ؟
قال عبد المطلب: أنا رب الإبل وللبيت رب يمنعه.
قال: ما كان ليمنع مني. وأمر برد إبله) ( ).
ومن خصائص الإنسان مطلقاً البر والفاجر ، والمؤمن والكافر ، أنه عند الشدة يندب الله عز وجل ، ويلجأ إليه ، وهو من مصاديق نفخ الروح فيه من عند الله ، وعمومات قوله تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( ).
لتكون الوقائع التأريخية تأديباً للناس ، ومنعاً من الشك ومفاهيم الضلالة ، ودعوة لقريش وحلفائها بالإمتناع عن غزو المدينة ومحاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : بيان المعجزة المتقدمة زماناً في حفظ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو في بطن أمه من كيد المعتدين ، إذ ولد عام الفيل .
الرابع : بركات النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو حمل وتوالي مصاديق البركة بعد ولادته كما في قصة حليمة السعدية ، ونزول البركة عليها وأهلها من حين أخذها النبي صلى الله عليه وآله وسلم للرضاعة .
الخامس : من أسرار بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حفظ البيت الحرام ، ومنع الإعتداء عليه إلى يوم القيامة ، وكل يوم يمر من أيام الحياة الدنيا والبيت الحرام آمن وأمان ، معجزة يومية متجددة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى يوم القيامة ، وهو من معاني قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ).
وهل سقطت ولاية قريش للبيت الحرام بقوله [وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ]( ) بمحاربتهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتجهيزهم الجيوش من أهل مكة وخارجها لغزو المدينة وإرادة قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه ، أم أن ولايتهم للبيت ساقطة من قبل .
الجواب هو الثاني لإختيارهم الشرك ونصب الأوثان في البيت الحرام ، فكانت بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بصفة الرسالة حاجة لتعاهد عبادة الله في الأرض ، واستدامة مصاديق قوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ]( ).
السادس : الإنذار والوعيد للمشركين في زحفهم على المدينة ، وأن كيدهم مثل كيد أصحاب الفيل وسيلقون ما لاقاه أصحاب الفيل ، بل هو من باب الأولوية القطعية لأن هجوم أصحاب الفيل على البيت الحرام مع وجود الأصنام فيه .
أما مشركو قريش وحلفائهم من الأحابيش وكنانة وغطفان وغيرهم فانهم هجموا على النبوة والتنزيل ، وكانوا يسعون لقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، وهدم مساجد المدينة ، وطغيان أهل النفاق ، وفي التنزيل [يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ]( ).

من ثمرات حفر الخندق
من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إختيار الفعل الأتم والأحسن وهو من اللطف الإلهي بمصاحبة الوحي له ، وفيه مسائل :
الأولى : بيان قانون السنة النبوية مرآة وتفسير للقرآن .
الثانية : لزوم توثيق المسلمين للسنة النبوية القولية والفعلية .
الثالثة : السنة النبوية طريق النجاة والنجاح.
الرابعة : قانون حتمية انتصار الوحي على القوم المشركين .
الخامسة : إنتفاع الأجيال المتعاقبة من السنة النبوية .
وهل يختص هذا الإنتفاع بالمسلمين ، الجواب لا ، فهو ملك للإنسانية ، ومن مصاديق الجمع والتفريق بين [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( )، وبين [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ] ( ).
السادسة : الدليل القاطع على حدوث المعارك بين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمشركين مع أنه (لم يغز أحداً) مما يدل بالدلالة الإلتزامية على أن المشركين هم الغزاة.
ومن مصاديق قوله تعالى [فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ] ( )، زحف عشرة آلاف من المشركين وإحاطتهم بالمدينة ومحاصرتهم لها ، لذا فان الخندق حجة وشاهد على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في حال دفاع وخشية شديدة من الكفار ، واحتمال اقتحامهم المدينة .
وإلا فان قتل الإمام علي عليه السلام لعمرو بن عبد ود العامري لايوقف زحفهم وهجومهم الجماعي من بعض جهات الخندق أو من جهات أخرى ليس فيها خندق ، وفي جوف الليل ، ولكن الله عز وجل صرف شرور المشركين ، لذا قال تعالى بخصوص الخندق [وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ]( ).
فقذف الله عز وجل الخوف والرعب في قلوب المشركين لقول انتظار وصبر المؤمنين وحينما خر فارس قريش عمرو بن عبد ود العامري صريعاً.
ليكون من ثمرات حفر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الخندق حول المدينة باقتراح من سلمان الفارسي وجوه :
الأول : استنزاف أموال قريش وإضعاف اقتصادهم بكثرة وتوالي إطعام الجيوش ، وتعطيلهم الأعمال والمكاسب .
الثاني : إنهاك جيش المشركين وبعث الملل والسأم في صفوفهم .
الثالث : قتل الذي يعبر الخندق من فرسان المشركين ، وقتل الإمام علي عليه السلام لعمرو بن عبد ود العامري من مصاديق قوله تعالى [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا] ( )، وهل هذا القتل طرف قائم بذاته أم هو جزء من طرف ، الجواب هو الأول .
الرابع : وهو وثيقة سماوية خالدة ومن رشحاته قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (“سَلْمانُ منَّا أهْلَ البَيْت”)( ).
لذا ورد بخصوص هذه المبارزة ونتيجتها قوله تعالى [وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ] ( ).
الخامس : تجلي ثبات وعزيمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في الدفاع لتكون شهادة على التأريخ بأنهم لا يسعون في الغزو .
(وروى كثير بن عبد اللَّه بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده .
قال : خطّ رسول اللَّه {صلى الله عليه وآله وسلم} الخندق في عام الأحزاب , ثمّ قطع أربعين ذراعاً بين كلّ عشرة .
قال : فاحتج المهاجرون والأنصار في سلمان الفارسي ، وكان رجلاً قوياً.
فقال المهاجرون : سلمان مِنّا. وقال الأنصار : سلمان منّا.
فقال النبي {صلى الله عليه وآله وسلم} : سلمان منّا أهل البيت.
قال عمرو بن عوف : كنتُ أنا وسلمان وحذيفة والنعمان بن مقرن المزني وستة من الأنصار في أربعين ذراعاً ، فحفرنا حتى بلغنا الصدى أخرج اللَّه من بطن الخندق صخرة مروة كسرت حديدنا وشقَّت علينا.
فقلنا يا سلمان : آت إلى رسول اللَّه وأخبره خبر هذه الصخرة. فإمّا أنْ نعدل عنها فإنَّ المعدل قريب ، وإما أن يأمرنا فيها بأمر ، فإنّا لا نحب أن نجاوز خطة.
قال : فرقى سلمان إلى رسول اللَّه {صلى الله عليه وآله وسلم} وهو ضارب عليه قبّة تركية. فقال : يا رسول اللَّه خرجت صخرة بيضاء مروة من بطن الخندق ، وكسرت حديدنا وشقت علينا حتى ما يجيء منها قليل ولا كثير ، فمرنا فيها بأمرك فإنّا لا نحب أن نجاوز خطك.
قال : فهبط رسول اللَّه مع سلمان الخندق وبقينا نحن التسعة على شفة الخندق.
فأخذ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم المعول من سلمان فضربها ضربة صدعها ، وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها، يعني المدينة ، حتى لكأن مصباحاً في جوف بيت مظلم ، فكبَّر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم تكبير فَتْح ، وكبَّر المسلمون ، ثم ضربها صلى الله عليه وآله وسلم فكسرها ، وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحاً في جوف بيتُ مظلم ، فكبَّر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم تكبير فتح ، وكبَّر المسلمون معه. فأخذ بيد سلمان ورقى.
فقال سلمان : بأبي أنت وأمي يا رسول اللَّه لقد رأيتُ شيئاً ما رأيتُ مثلهُ قط فالتفت رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم إلى القوم فقال : رأيتم ما يقول سلمان؟
قالوا : نعم يا رسول اللَّه (بأبينا أنت وأمّنا وقد رأيناك تضرب فيخرج برق كالموج ، فرأيناك تكبّر فنكبّر ولا نرى شيئاً غير ذلك) قال : ضربت ضربتي الأولى ، فبرق الذي رأيتم , أضاءت لي منها قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب ، وأخبرني جبرائيل عليه السلام أنَّ أمتي ظاهرة عليها ، ثم ضربت ضربتي الثانية فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور نصرى من أرض الروم كأنَّها أنياب الكلاب ، وأخبرني جبرائيل (عليه السلام) أنَّ أمتي ظاهرة عليها.
(ثم ضربت ضربتي الثالثة فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب ، وأخبرني جبرائيل أنَّ أمتي ظاهرة عليها) فأبشروا.
فاستبشر المسلمون ، وقالوا : الحمد لله موعود صدق بأن وعدنا النصرُ بعد الحصر. (فطبقت الأحزاب فقال : المسلمون : {هذا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ}( ))( ).
وفي وصفة النسب قيل :
أبي الإسلام لا أب في سواه … إذا افتخروا بقيس أو تميم .
ومنهم من نسب هذا البيت إلى سلمان الفارسي ولم يثبت .
السادس : زيادة إيمان المسلمين .
السابع : فضح وخزي المنافقين الذين يبثون الأراجيف في المدينة ،ومنهم الذين كانوا يعتذرون بحجج واهية للإنسحاب من خلف الخندق ، وترك النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الميدان ، ومنها ما وثقه القرآن [وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا] ( ).
وقد تقدم أنه لم يرد لفظ [عَوْرَةٌ ]في القرآن إلا في الآية أعلاه وعلى نحو متكرر ، فهل هو من الدلائل على ضعف وانحسار النفاق ،واللجوء إلى الإعتذار من نصرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، الجواب نعم .

خيبة الغزاة
لقد بنيت المساجد في المدينة المنورة بعد هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لها ، وصار الناس يدخلون الإسلام سواء من أهل مكة أو المدينة أوغيرهما ، ومن الوافدين إلى موسم الحج ممن هو مسلم .
وأصبحت معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حديث الناس في كل موسم ، وهذا الحديث معجزة أخرى للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وسبب في إغاظة الكفار.
وهو من أسباب تأليب المشركين وحنقهم على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، وتجهيزهم الجيوش لقتاله بذريعة وخدعة استيلائه على قافلة أبي سفيان ، ولا أصل له ، لينقلبوا من ميدان المعركة بحسرة وخزي من جهات :
الأولى : عجز جيش المشركين عن تحقيق نصر في المعركة .
الثانية : هلاك طائفة من رؤساء المشركين وأخرى من عامة الجيش .
الثالثة : عصمة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من القتل بآية من عند الله ، قال تعالى [وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ..] ( ).
الرابعة : يفاجئ المشركون عند عودتهم إلى مكة بأمور :
الأول : إسلام طائفة من أهل مكة رجالاً ونساءً .
الثاني : إجهار عدد من المسلمين باسلامهم ، ولا يختص هذا الإجهار بالمسلمين الأوائل ، بل قد يشمل نفراً دخلوا الإسلام حديثاً ،وهل لقطع طرف من الكفار موضوعية بهذا الإجهار ، الجواب نعم ، سواء كان هذا القطع في ميدان المعركة أو بالهلاك والموت أو الإبتلاء والسقم .
الثالث : شدة اللوم للكفار على خروجهم للقتال .
الرابع : استحضار الناس لمعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الخامس : تلاوة أهل مكة لآيات وسور القرآن ، وهو من أسرار قصر السور المكية ، وما فيها من الإنذار والوعيد .
السادس : دخول أبناء وبنات المشركين الإسلام .
السابع : هجرة طائفة من المسلمين عند غياب المشركين ، وضعف رصد ورقابة قريش لطريق الهجرة ، بعد خسارتهم في بدر .
الثامن : خسارة المشركين لأموالهم ، سواء التي انفقوها على المعركة ومقدماتها أو بتعطيل تجاراتهم ، وتسخير قوافل التجارة وتكرار قطعهم المسافة بين مكة والمدينة ذهاباً وإياباً ، إلى جانب ما يخرج منها للجنود ، إذ يستلزم إطعام ثلاثة آلاف رجل وهم مجموع جيش المشركين إلى معركة أحد نحر ثلاثين بعيراً يومياً أو أكثر ، فكيف وقد صار عدد جيش المشركين في معركة الخندق عشرة آلاف ، وأقاموا في حصارهم للمدينة نحو شهر ، وهو من مصاديق قوله تعالى [فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ]( ).

بصمة النص والسنة النبوية
[اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ]( ).
الحمد لله [الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ]( )، ليكون من معاني الآية أعلاه أن المعارف عند الجيل اللاحق أكثر من الجيل السابق ، بلحاظ أن المراد من أل التعريف من الإنسان هنا لام الجنس والإستغراق ، كما يمكن حملها على معنى لام العهد ويكون من معانيها تعليم الله عز وجل لآدم كما في قوله تعالى [وَعلم آدم الأَسْمَاءَ كُلَّهَا]( )، ويكون تقديرها (وعلم آدم ما لم يعلم).
وتعليم الله سبحانه للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالوحي ، والقرآن هو الكلام المعجز المنزل من الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بواسطة الملك جبرائيل المكتوب في المصاحف ، المنقول بالتواتر ، المتعبد بتلاوته ، السالم عن المعارضة ، المقرون بالتحدي أمس واليوم وإلى يوم القيامة ، والمحفوظ والسالم من الزيادة والنقيصة ، قال تعالى [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون]( ).
ومع قلة كلمات هذه الآية فقد ورد فيها ضمير المتكلم وبصيغة الجمع خمس مرات وكلها لله عز وجل ، وهي :
الأول : الضمير (نا) في إنا .
الثاني : نحن .
الثالث : الضمير (نا) في نزلنا .
الرابع : الضمير (نا) في (إنا).
الخامس : واو الجماعة في (لحافظون).
وسيأتي مبحث مستقل في معنى (حافظون).
وهل منه حافظون لعصمة القرآن من آثار بصمة النص ، الجواب نعم.
وهذه الآية وعد وعهد وهي من مصاديق قوله تعالى [وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ]( )،
وتتعدد الموارد التي يرتقي فيها اللفظ القرآني على التقسيم النحوي لأنه تقسيم استقرائي ، وعلوم القرآن أعم وأوسع منه.
إذ تقسم اللام تقسيماً استقرائياً إلى أقسام :
الأول : لام العهد كما في قوله تعالى [فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ]( )، فيراد من الألف في الرسول العهد الذكري ، والمقصود الرسول موسى عليه السلام.
الثاني : آل الجنسية لشمول جنس المعرف بها مثل لفظ الماء في قوله تعالى [وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ]( )، فلا تخلفها (كل) فلا يقال من كل الماء.
الثالث : لام الإستغراق ، والتي تشمل أفراد الجنس وضابطها امكان مجئ (كل) بدلها مثل[وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا]( ).
ولأن الله عز وجل جعل الإنسان [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، فانه لم يبق على الضعف المطلق إنما رزقه العقل وفتح له أبواب العلم ومنها العلوم مما يلزم علماء التفسير عدم الوقوف عند تقسيم علماء النحو للكلمة عند التفسير ، لذا جاء تقييد الضعف في الآية بخصوص الخلق.
فاذا كان المفسرون يفسرون لام التعريف في كلمة بأنها للعهد يعاد النظر هل تحتمل أنها للجنس والإستغراق أيضاً مع الدليل أو القرينة ، وإذ كانوا يقولون بأن لام التعريف في كلمة للجنس فينظر هل تحتمل أيضاً للعهد ، سواء العهد الذكري أو العهد العلمي أو العهد الحضوري .
مع انشاء قانون وهو إذا تردد الأمر بين احتمال اللفظ لمعنى واحد أو معنيين فالصحيح هو الثاني ، وقد يحمل الحرف أكثر من ست أو سبع معاني مع تعدد جهات التفسير من غير تعارض بينها ، وهو من أسرار بقاء القرآن غضاً طرياً الى يوم القيامة .
وقد تقدم في هذا السِفر بيان لمعاني الحرف الواحد من القرآن كما في آيات الصيام.
وقد تقدم نظيره في قولنا بأن حرف الواو قد يأتي للعطف والإستئناف معاً.
ويجري الإعداد في هذه الأيام لتقنية حديثة وهي (بصمة النص) وليس من حصر لموضوعها إذ تطبق لمعرفة المقال المسروق ، وتعيين القائل لكلام مخصوص في المدح أو الذم ، والوعد والوعيد ونحوه.
وبصمة النص ظنية الدلالة لا ترقى إلى القطع وقد يتمكن بعضهم من الإحتيال عليها بتغيير صيغة كلامه ولكنها أمارة وقرينة في الغالب.
وقد يستعمل في النصوص السابقة والمؤلفات وهو الأرجح مما يستلزم الإستعداد لها بالإحتياط والإحتراز , واتقان ذات العلم من قبل المؤمنين.
وعلى فرض تم نقاش السنة النبوية وفق بصمة النص وتعارضت مع الحديث المتواتر الذي رواه جماعة عن جماعة لا يتواطون على الكذب ، يروونه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام والصحابة .
كان متواتراً لفظياً وهو الذي اتفق الرواة على لفظه ومعناه فيرويه كل الرواة في طبقاتهم المتعددة بذات الصيغة اللفظية مثل قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : من كنت مولاه فعلي مولاه).
إذ روى حديث الغدير نحو مائة صحابي .
وأخرج الطبراني وابن مردويه عن عمار بن ياسر (قال : وقف بعلي سائل وهو راكع في صلاة تطوّع ، فنزع خاتمه فأعطاه السائل ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلمه ذلك ، فنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية [إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ]( )، فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه ، ثم قال : من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه)( ).
ووردت النصوص بأن الحديث النبوي أعلاه في بيعة الغدير .
ومثل قوله (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) والذي رواه نحو ستين من طبقة الصحابة.
و(عن أنس بن مالك، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن ناسا من أهل لا إله إلا الله يدخلون النار بذنوبهم، فيقول لهم أهل اللات والعزى: ما أغنى عنكم قولكم: لا إله إلا الله وأنتم معنا في النار؟. فيغضب الله لهم، فيخرجهم، فيلقيهم في نهر الحياة، فيبرءون من حرقهم كما يبرأ القمر من خسوفه، فيدخلون الجنة، ويسمَّون فيها الجهنميين.
فقال رجل : يا أنس، أنت سمعتَ هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
فقال أنس: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : من كذب علي متعمدًا، فليتبوأ مقعده من النار. نعم، أنا سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول هذا)( ).
ومنه حديث الثقلين الذي رواه نحو ثمانين صحابياً ومنه (انما الأعمال بالنيات) ( ).
أو معنوياً وهو الإتفاق بين الرواة على مضمون متحد للحديث مع الإختلاف في الألفاظ مثل حديث الإسراء .
ومنه أخبار كتائب وسرايا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , ويصدر هذا الجزء بذكر عدد منها ، ومنه بيان شجاعة الإمام عليه السلام في معارك الإسلام الدفاعية.
فيقدم الحديث المتواتر ولا عبرة بتقنية النص ، وكذا بالنسبة لخبر الواحد صحيح السند مع حضور كبرى كلية في غيره كالحديث الضعيف سنداً وهي موافقة الحديث للقرآن إذ أن القرآن قطعي الصدور قطعي الدلالة.
ولا ترقى إليه صناعة وتقنية بصمة النص إلا بخصوص تأكيد نزوله من عند الله عز وجل بشواهد التنزيل والبلاغة والإرتقاء على كلام البشر بمراتب ، وتعدد المضامين القدسية والدلالات اللامتناهية إلى يوم القيامة ، قال تعالى [أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا]( )،
ولا يتعلق هذا العلم بالثوابت من العبادات وأصول وفروع الدين مثلاً لو تعارضت البصمة مع صحة السند ، يقدم السند ولا عبرة بالبصمة.
وتجري في هذه الأيام دراسات علمية وتقنية لبصمة النص ، وكشف القائل للنص أو السارق له ، وهي ليست علماً جديداً ، إذ تستخدم في المحاكم ونحوه من قبل الخبراء.
و(البُصْم: للْفَوْت بين الخِنْصر والبِنْصر)( ).
ويقال (رجل ذو بُصَم، إذا كان غليظاً)( ).
وليس في اللغة العربية لفظ بصمة ولكنها مستقرأة من المعنى أعلاه وقد ذكره الله عز وجل في لفظ بنانه في قوله تعالى [بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ]( )، والبنان الأصابع وأطرافها لتحضر كما كانت في الدنيا.
ولا بأس بدورات للشباب الرسالي في بصمة الحديث بما يفيد تثبيت أحاديث السنة النبوية وبيان وجوه الإعجاز فيها.
وبصمة النص استثمار للتحصيل العلمي والإنتفاع الأمثل منه ، وفيه تخفيف من كثرة الترديد مثلاً بذكر قصيدة وقيل هي لفلان وقيل لفلان وقيل لفلان ، فترجح بصمة النص أحد الأقوال فمثلاً ذكرت في هذا الجزء وهو التاسع والثلاثون بعد المائتين من تفسيري للقرآن قصيدة في الرد على هبيرة المخزومي زوج أم هانئ بنت أبي طالب في قصيدة له يوم معركة أحد ، ثم هرب هبيرة من مكة يوم الفتح ومات في الطائف مشركاً .
واختلف في القصيدة والرد هل هي لحسان بن ثابت أو لكعب بن مالك ، والأرجح الأول ، ويمكن الإستعانة بتقنية بصمة النص لمعرفة قائلها هل هو أحد الاثنين من الصحابة أعلاه أم غيرهما ، ومطلع القصيدة هو :
سُقْتُمْ كِنَانَةَ جَهْلًا مِنْ سَفَاهَتِكُمْ … إلَى الرّسُولِ فَجُنْدُ اللّهِ مُخْزِيهَا
أَوْرَدْتُمُوهَا حِيَاضَ الْمَوْتِ ضَاحِيَةً … فَالنّارُ مَوْعِدُهَا ، وَالْقَتْلُ لَاقِيهَا
جَمّعْتُمُوهَا أحابِيشًا بِلَا حَسَبٍ … أَئِمّةَ الْكُفْرِ غَرّتْكُمْ طَوَاغِيهَا
أَلَا اعْتَبَرْتُمْ بِخَيْلِ اللّهِ إذْ قَتَلَتْ … أَهْلَ الْقَلِيبِ وَمَنْ أَلْقَيْنَهُ فِيهَا
كَمْ مِنْ أَسِيرٍ فَكَكْنَاهُ بِلَا ثَمَنٍ … وَجَزّ نَاصِيَةٍ كُنّا مَوَالِيهَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : أَنْشَدَنِيهَا أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيّ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ( ).
وورد قوله تعالى [وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ]( )، في آيتين من القرآن يتجلى في الجمع والمفارقة بينهما إعجاز علمي للقرآن وهما :
الأولى : قوله تعالى [وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ] ( )، وهي بخصوص الرسول عيسى عليه السلام ، ورد بصيغة الفعل الماضي إشارة لانقطاع هذا المكر [وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ] كما وردت بصيغة الجملة الخبرية وليس خطاباً لعيسى عليه السلام.
الثانية : قوله تعالى [وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ]( ).
وجاءت خطاباً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبصيغة المضارع بخصوص كيد ومكر المشركين بقوله تعالى [وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ].
لبيان تجدد مكر الذين كفروا وقصدهم قتل النبي محمد حتى بعد الهجرة ، واستمرار هذا المكر ما بعد إنتقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى.
ولحاظ النص وكشف وفضح القائل ورد في القرآن منه بخصوص فضح الكفار والمنافقين ، قال تعالى [يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ]( ).
والحديث النبوي ثروة عقائدية وعلمية , ولا تصل إليه بصمة النص وتحقيقها ، وتتلقى أجيال المسلمين وعلماؤهم له بالقبول ، ولتعدد أدلة ثبوت صدوره عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهي تدل على أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم يغز أحداً.

م/ صلاة العيد
كنت أمام جماعة لعدة سنوات في التسعينيات من القرن الماضي في شارع المدينة مركز مدينة النجف الأشرف ، وأصلي كل يوم في الظهرين والعشائين بالقدر والتوحيد بعد الفاتحة إلا ما ندر مثل صلاة الآيات عند حدوث كسوف أو خسوف .
وفي صلاة العيد اقرأ سورة الأعلى والشمس التي كنا نصليها على سطح المسجد ، وكان المتولي يعدّ بعدي باصابعه حين أذكر أسماء الأئمة عليهم السلام في الخطبة .
وفي صلاة الظهر من يوم الجمعة اقرأ سورة الجمعة والمنافقين ، وقد تمر على إمام الجماعة ثلاثون أو أربعون سنة لا يقرأ إلا بالقدر والتوحيد ، مما قد يصعب عليه إستحضار سور أخرى من القرآن إلا بعد الإستعداد والتهيئ ، إنما وردت الكراهة بترك قراءة التوحيد في جميع الصلوات اليومية الخمس .
وقد ورد عن الإمام الرضا عليه السلام في علة القراءة اثناء الصلاة كي لا ينسى القرآن ، مما يدل بالدلالة التضمنية على استحباب قراءة سور القرآن في الصلاة في الجملة ، لذا لابد أن يقرأ إمام الجماعة سوراً قصاراً في الصلاة مثل سورة التين ، التكاثر ، النصر ، الكوثر ، القارعة .
ويجوز الجمع بين سورتي الفيل ولإيلاف ، وكذا بين سورتي الضحى و(ألم نشرح) وفيه باعث على التفقه عند عامة المأمومين وشوق للإنصات للتلاوة .
ولابد أن يقف خلف الإمام من هو حافظ للفاتحة والسور التي يقرأها الإمام كي يصحح له إذا سهى أو أخطأ ، لذا يستحب أن يكون في الصف الأول أهل الفضل .
ولا تؤدى صلاة العيد إلا مرتين في السنة في عيد الفطر ، وعيد الأضحى ، وتستحب فيها قراءة سورة الأعلى والشمس ، أو الأعلى والغاشية ، مما يحتمل معه نسيان الإمام لبعض كلمات السورة خاصة مع كثرة القنوتات وطول الواحد منها ، وأثر الإجهار في القراءة وكثرة المصلين ، مما يلزم ولو على نحو الإحتياط قيام من يحفظ هذه السور خلف الإمام كما يجوز عند الحاجة والضرورة فتح المصحف أمام الإمام ، والعلم عند الله.

مشاركة

Facebook
Twitter
Pinterest
LinkedIn

مواضيع ﺫات صلة