معالم الإيمان في تفسير القرآن – الجزء- 241

المقدمــــــة
الحمد لله الفرد الصمد الذي ليس كمثله شئ الذي له ملك السموات والأرض وجعل كرسيه يحيط بها ، وتفضل وجعل الكرسي بالنسبة للعرش كالحلقة في فلاة .
إذ ورد عن أبي أنه سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الكرسي فقال : يا أبا ذر ما السموات السبع والأرضون السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة ، وأن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة( ).
ليدرك الإنسان ضعفه وقصر عمره ، وحاجته إلى رحمة الله عز وجل .
ومن معاني قوله تعالى [وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ]( )، توالي أجيال الناس مع بقاء أنظمة الكون وتعاقب الليل والنهار ، وتقلب الناس في رحاب وفضاء ساعاتهما .
ومن معاني قوله تعالى [وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ]( )، أن الله عز وجل يجعل الإنسان يدرك هذه الحقيقة وأن آباءه وأجداده غادروا الدنيا ، وذات الجديدان يتعاقبان عليها ، وهو أيضاً وأولاده سيغادرونها ويفارقون النظام الكوني البديع إلى عالم الخلود ، وعالم الحساب بلا عمل الذي نرجو فيه شفاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ويحتمل موضوع وأوان هذه الشفاعة وجوهاً : منها في عرصات يوم القيامة ، وعن الإمام علي بن الحسين عليه السلام (قال : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : إذا كان يوم القيامة مدَّ الأرض مدّ الأديم (بالعكاظي) حتّى لايكون لبشر من الناس إلاّ موضع قدميه.
قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : فأكون أنا أول من يدعى وجبرئيل عن يمين الرحمن والله ما رآه قبلها.
وأقول : يارب إن هذا أخبرني أنك أرسلته إليَّ فيقول الله تعالى : صدق.
ثمّ أشفع فأقول يارب عبادك عبدوك في أطراف الأرض قال : وهو المقام المحمود)( ).
ومنها على الصراط ، بل ومنها في الدنيا وعالم البرزخ والله واسع كريم .
ولا تختص الشفاعة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم شفيعاً بل يشفع الأنبياء والصالحون ، وأهل المعروف والتقوى ، ويشفع القرآن بل السورة الواحدة من القرآن و(عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن رجلاً ممن كان قبلكم مات وليس معه شيء من كتاب الله إلا تبارك الذي بيده الملك.
فلما وضع في حفرته أتاه الملك فثارت السورة في وجهه فقال لها : إنك من كتاب الله ، وأنا أكره شقاقك ، وإني لا أملك لك ولا له ولا لنفسي ضراً ولا نفعاً ، فإن أردت هذا به فانطلقي إلى الربّ فاشفعي له ، فانطلقت إلى الرب.
فتقول : يا رب إن فلاناً عمد إليّ من بين كتابك فتعلمني وتلاني ، أفمحرقه أنت بالنار ومعذبه وأنا في جوفه؟ فإن كنت فاعلاً به فامحني من كتابك.
فيقول : ألا أراك غضبت فتقول : وحق لي أن أغضب ، فيقول : اذهبي فقد وهبته لك ، وشفعتك فيه.
فتجيء سورة الملك فيخرج كاسف البال لم يحل منه شيء فتجيء فتضع فاها على فيه ، فتقول : مرحبا بهذا الفم فربما تلاني ، وتقول : مرحباً بهذا الصدر فربما وعاني ، ومرحباً بهاتين القدمين فربما قامتا بي ، وتؤنسه في قبره مخافة الوحشة عليه) ( ).
الحمد لله الذي أبى إلا أن تكون نعمه على كل إنسان كثيرة ، ومتصلة ولا متناهية ، ويعجز الإنسان عن إحصائها ، ومع تجليات علم الأبدان والإجتماع والفضاء يدرك الناس عظيم فضل الله عز وجل عليهم [وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ] ( ). ومن الآيات إرتقاء علم التفسير معها كما في هذا السفر المبارك
ترى ما هي النسبة المنطقية بين فضل الله وبين الأجر بقوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ] ( ).
المختار هو العموم والخصوص المطلق ، ففضل الله أعم ويشمل النشأتين، ومن فضله تعالى بعثة الأنبياء ونزول الكتب السماوية التي تدعو إلى الوحدانية ، وتثبيت معالم الإيمان في الأرض ، وجعلها مصدر أنوار قدسية تشع على النفوس ، وتخترق شغاف القلوب لتعاهد الأجيال المتعاقبة عبادة الله عز وجل والنفرة من الشرك ومفاهيم الضلالة .
الحمد لله الذي جعل حبل النعم ممدوداً ومتصلاً ، وهو في زيادة طولية وعرضية لا يعلمها ولا يقدر عليها إلا الله عز وجل الذي له المشيئة المطلقة في السموات والأرض [وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] ( ).
الحمد لله على آلائه وعلى عطائه ، ووفرة رزقه، ودوام حلمه ، وقرب رحمته من كل فرد من الناس في كل لحظة وساعة من ساعات الدنيا ، لا تخفى عليه خافية ، والقاهر لكل شئ الملك الذي تفضل وجعل الإطلاق والعموم في ملكه رأفة بالناس .
الحمد لله [السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ] ( ) الذي تفضل وجعل من أسمائه السلام ، وفيه عهد للناس باشاعة الأمن والسلم في الأرض ، وقهر للذين يعكرون صفو السلم ويشعلون الحروب ، ويسفكون الدماء .
والله هو الذي يقطع دابر الفتن ، ويمنع من استدامتها واستطالة أهلها على الناس ، وكل من هذا العهد والقهر والمنع من مصاديق قوله تعالى [وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ]( ).
وتكرار آيات ملكية الله وقدرته على كل شئ ، ومجئ الاثنين مجتمعين في آية واحدة ، ومتفرقين ، وفيه ثناء من الله عز وجل على نفسه ، وقانون وجوب تعاهد الناس للسلم والأمن في ملك الله ، وقانون وجوب الخشية العامة والخاصة من الله عز وجل ، وكلما ارتقى الإنسان في منازل الحكم والسلطان والقرار العام يجب أن يكون أكثر خشية وتقوى من الله عز وجل .
وقد ورد النداء العام بالتقوى [يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ] ( ) ثلاث مرات في القرآن( ) وكلها بلفظ ربكم ، مع ورود آيات عديدة بلفظ [اتَّقُوا اللَّهَ]مثل [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ] ( ).
الحمد لله الذي أمر العباد بالشكر له والثناء عليه ، والإمتناع عن الجحود بنعمه الظاهرة والباطنة ، وفي التنزيل [فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ]( )، وجعل الله عز وجل الشكر ملازماً للعبادة والإقرار بالتوحيد ، وشاهداً عليه قال تعالى [وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ]( ).
ومن أسرار الحياة الدنيا عجز الناس عن الإحاطة بالمنافع الدنيوية والأخروية لقول (الحمد لله) لذا أمر الله عز وجل في ست مواضع من القرآن بالقول به منها [وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنْ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا]( ).
الحمد لله في اليسر والعسر ، والسراء والضراء وفي الحياة ، وبعد الممات ، فالله عز وجل وحده القادر على أن يكتب لنا حمداً وأجراً قبل أن نخلق وبعد أن نغادر الحياة الدنيا فضلاً ولطفاً وإحساناً منه تعالى.
الحمد لله الذي جعل القرآن [تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( )، وسبيل هداية ورشاد تفتح به أبواب العلم والأمن والسلامة يدعو الناس كل يوم إلى الوئام والتآخي في مرضاة الله عز وجل ، ويبشرهم بتوالي النعم على الإيمان فليس لخزائن السموات والأرض من نفاد ، وهي قريبة من الناس ليس من حاجب أو برزخ دونها ، وهو من مصاديق الربوبية المطلقة لله عز وجل ولطفه بالخلائق.
وهل من لطف خاص بالناس في المقام ، الجواب نعم لقوله تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، فذات منصب الخلافة تشريف عظيم ونعمة سابغة تنبسط على كل إنسان وينهل منها الكبير والصغير ، والذكر والإنثى إلى يوم الدين.
وهل يحضر موضوع الخلافة هذه في الآخرة أم أن القدر المتيقن منه إرادة الحياة الدنيا ، المختار هو الثاني , فالآخرة عالم حساب , ولزوم تعاهد وظائف الخلافة فرد منه .
الحمد لله الذي ليس قبله شئ ، والآخر الذي ليس بعده شئ الذي ينفرد بالأزلية والسرمدية والوجود الدائم بصفات الكمال من غير فصل ، وفي التنزيل [لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ]( ).
الحمد لله الظاهر الذي ليس فوقه شئ والباطن الذي ليس دونه شئ الذي أحب خلقه فاغدق عليهم النعم.
وخصّ الله الناس بتوالي الفضل والإحسان منه على نحو دفعي وتراكمي ومباشرة وبالواسطة ، وأكرمهم بأن جعل الملائكة والنبوة والتنزيل وسائط بينه وبينهم.
وهل فاز جنس من الخلائق الأخرى بهذه الوسائط ، المختار لا , وان كانت نعم الله عظيمة على كل جنس وفرد من الخلائق ، لبيان عظيم فضل الله عز وجل على الناس ، وإقامته الحجة عليهم في لزوم تعاهد سنن العبادة ، ونبذ الإقتتال والحروب بينهم ، وفي التنزيل [فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ]( ).
الحمد لله الذي أبى إلا نصر الأنبياء ولم يقع هذا النصر بالسيف ونحوه من آلة الحرب إنما نصرهم بالمعجزة والبرهان الذي يدل على صدق بعثتهم من عند الله عز وجل.
فلابد أن يكون السلم شعارهم ، وهو الذي تجلى في نبوة محمد ، والشواهد العملية اليومية على دعوته إلى الله عز وجل بالحكمة والدليل والمعجزة ، ومن مصاديق السلم في دعوته مواجهته لاعتى جيوش العرب آنذاك بآيات القرآن ، ونداء (قولوا لا إله إلاّ اللّه تفلحوا)( ).
ولم يرد هذا النداء كاملاً في آية قرآنية ولكنه مستقرأ من مضامين آيات متعددة ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ).
ومن المتسالم أن الآية أعلاه محكمة غير منسوخة ، وجاءت بلغة الشرط (إذا) مما يدل على عدم القصد والسعي إلى لقاء المشركين في ميدان القتال ، وإن تم اللقاء كما في قوله تعالى [يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ]( ) فيلزم الثبات.
إذا نشبت المعركة أي على نحو القضية الشرطية لإرادة النسبة بين إبتداء المشركين بالقتال وبين لزوم ثبات المؤمنين في الميدان لزجرهم عن الإستمرار في التعدي ، كما ورد في البحث المنطقي( ).
فلابد من الثبات في الميدان وعدم الفرار من المشركين .
لتثبيت أركان وسنن الإيمان في الأرض ، ومنع المشركين من تكرار غزوهم للمدينة ، وإصرارهم على القتال ومحاولات اغتيال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والفتك بالصحابة ، رجالاً ونساءً.
وأخبرت الآية عن الفلاح والفوز والعز بهذا الثبات ، وهناك مسائل :
الأولى : هل ينحصر الفلاح بخصوص ميدان المعركة أم يشمل الحياة الدنيا أو الآخرة أم يشملهما معاً ، المختار هو الأخير .
الثانية : هل الثبات في الميدان من السلم.
الثالثة : دلالة الآية على عدم الهجوم والغزو .
الحمد لله العلي العظيم المتعال الذي قهر الخلائق بسلطانه وجبروته ، والذي يعلم دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء ، والذي يعلم عدد ذرات الرمال , وأراد الله سبحانه للناس أن يكون حمدهم وشكرهم له أكثر من هذه الذرات ، وهي شبه ثابتة في عددها أما الحمد لله عز وجل فهو متجدد ويزداد كثرة على تقادم الأيام وهو من مصاديق وجوب تلاوة كل مسلم ومسلمة القرآن سبع عشرة مرة في اليوم والليلة.
والنسبة بين قراءة القرآن وقول الحمد لله عموم وخصوص مطلق.
ونسأل الله عز وجل أن يجعل تلاوتنا لكل حرف من القرآن حمداً مضاعفاً له سبحانه ، قال تعالى [مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا]( ).
بتقريب أن قول الحمد لله حسنة ، ولم تقل الآية من جاء بالإحسان أو فعله لأن الإحسان نوع مفاعلة بين المحسن والمحسن إليه وهناك مادة وموضوع للإحسان ، أما الحسنة فهي مفردة مستقلة وبينها وبين الإحسان عموم وخصوص مطلق .
وهل تعاهد السلم بين الناس من الحسنة أم الإحسان ، الجواب إنه منهما معاً وهو إحسان من وجوه :
الأول : السعي في السلم إحسان للذات .
الثاني : إنه إحسان للغير ، القريب والبعيد .
الثالث : فيه إحسان للأجيال اللاحقة ، إذ تتقوم الحياة الدنيا وسعة الرزق فيها بالسلم والإستقامة.
الرابع : السلم مناسبة موضوعية للتدبر في آيات الله ، ومعجزات الأنبياء ، وتعاهد لمفاهيم الرحمة بين الناس .
وهذا هو الجزء الواحد والأربعون بعد المائتين من (معالم الإيمان في تفسير القرآن) في آية علمية مستحدثة في التأريخ ، ومن فضل الله عز وجل أني أقوم بالكتابة والتأليف والمراجعة والتصحيح لكتبي في التفسير والفقه والأصول وعلم الكلام بمفردي .
الحمد لله عدد ما في السموات والأرض وما بينهما من الأجناس والأفراد والذرات .
الحمد لله عدد ما خلق ويخلق ، وأيهما أكثر ما خلقه الله من السموات والأرض وما بينها أم ما سيخلقه الله عز وجل من مثلهن وغيره في قادم الأحقاب والدهور ، وأفراد الزمان الطولية غير المتناهية.
فالموجود الآن سبع سماوات ، قال تعالى [أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا] ( ) فهل يخلق الله عز وجل سماء أو سموات أخرى مثل السبعة أو أكثر منها ، المختار نعم .
قال تعالى [وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ] ( ) وهل التوسعة أعلاه في ذات السماء أم في السماء وغيرها مما خلق الله وما سيخلق ، المختار هو الثاني لأصالة الإطلاق ، ولعظيم فضل الله عز وجل.
وجاء قوله تعالى [وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ] على نحو التنكير لإفادة الكثرة وتوالي التوسعة والزيادة ، ويدل قوله تعالى [يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ]( )، على خلق غيرها أعظم منها سواء ما هو موجود قبل طيها أو بعد [وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ]( ).
الحمد لله عدد ما أحصى ، وعدد ما أحصى كتابه ، والنسبة بينهما العموم والخصوص المطلق ، فقد اختص الله عز وجل بإحصاء كل شيء ، ولا تعلم الخلائق هذا الإحصاء ، ولا تقدر عليه لأن موضوع وأفراد هذا الإحصاء لا يعلمها إلا الله عز وجل ، ولو إجتمع الإنس والجن على إحصاء شطر منها لعجزوا من جهة الكم والكيف والعلم والإستحضار ، وفي التنزيل [قُلْ لاَ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ] ( ).
الحمد لله الذي جعل اسم (السلام) من أسمائه الحسنى ليكون دعوة للخلفاء في الأرض وعامة الناس لتعاهد السلام والموادعة والتراحم بينهم.
وقد حمل الأنبياء هذه الدعوة نقلاً وتبليغاً وصبراً بعظيم منافع إشاعة السلم في الأرض ، وتجلت مناهج السلم النبوي وخلودها بسنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم القولية والفعلية والقرآنية والدفاعية والتدوينية التي هي مرآة وترجمان للقرآن ، والإنذار من ضد السلام الخاص والنوعي وأسباب الكدورة وإثارة الضغائن بين الناس .
ولقد أنزل الله عز وجل القرآن وجعله كتاب السلام والداعي إلى السلم المجتمعي والتآخي والأمن العام ، وهو من مصاديق قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ].
ومن إعجاز القرآن بيانه الملازمة بين الإيمان والحفاظ على السلم المجتمعي والعام , وإخباره عن عصمة آيات السلم من النسخ وإن أدعي نسخ آية السيف لمائة وأربع وعشرين آية من آيات السلم والصلح والموادعة.
وقد صدرت والحمد لله الأجزاء (202-203-204-210-211-231-240-241) من هذا السِفر المبارك بقانون (آيات السلم محكمة غير منسوخة).
ومن خصائص هذا السِفر (معالم الإيمان في تفسير القرآن) تضمنه لآلاف القوانين المستحدثة المستنبطة والمستقرأة من آيات القرآن ، ولا زلت في تفسير سورة آل عمران ، قال تعالى[قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ].
والمساهمة في تنضيد وطبع وترجمة ونشر هذا السِفر من الخمس والزكاة والحقوق الشرعية مبرئة للذمة , وفيها النماء والبركة [ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ] ( ).

حرر في التاسع من شهر ربيع الأول 1444
6 تشرين أول 2022

سنة النبي (ص) القرآنية
هل يستقرأ من قراءة عامة في سنة النبي محمد قانون (آيات السلم محكمة غير منسوخة) الجواب نعم ، وهو من الشواهد على أن السنة النبوية ترجمان للقرآن وأن تفسيرها له لا ينحصر بتفسير قول أو فعل للنبي لآية مخصوصة بل السنة النبوية مجتمعة تفسر الآية القرآنية ، وتبين القوانين العامة في القرآن وتمنع من اختلاف المسلمين.
وهذا علم جديد نقف عنده بأن تفسير السنة النبوية للقرآن أعم من أن ينحصر بالحديث مقابل الآية القرآنية بل يأتي الحديث النبوي بما تستقرأ دلالته من أكثر من آية قرآنية ، كما أن الآية القرآنية الواحدة تكون شاهداً على صدق عدة أحاديث للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وهو من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بشرط أن لا تكون دراسة هذا التفسير العام إجتهاداً في مقابل النص ، إنما هو عون ومدد في بيان معاني اللفظ القرآني ، ومناهج العقيدة وذخائر بيان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للآية القرآنية ، ودلالات الأمر والنهي في القرآن.
ومن السنة القرآنية التي نقترحها ونؤسس لها علماً أمور :
الأول : تفسير النبي صلى الله عليه وآله وسلم للقرآن( )، وصحيح أن هذا التفسير من المعنى الأعم للسنة القولية إلا أنه لا يمنع من إتخاذه علماً مستقلاً ، وقسيماً للسنة القولية والفعلية والتقريرية ، مع بقاء ذات التفسير في السنة القولية فليس من تعارض بينهما .
الثاني : دلالة فعل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على مضامين آيات القرآن ، فيمكن القول بقانون كل فعل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم له أصل في القرآن .
الثالث : تلاوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لآيات القرآن في الصلاة وخارجها ، وهذه التلاوة لم تدخل في السنة القولية ، فهي قسيم لها ، ويجوز معها تأسيس علم السنة القرآنية.
الرابع : نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وكيفية تلقيه له .
الخامس : بيان النبي صلى الله عليه وآله وسلم الثواب في تلاوة السورة القرآنية ، وقانون شفاعة السورة لصاحبها يوم القيامة.
السادس : إكرام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم القولي والفعلي للقرآن وسوره.
السابع : قانون تعليم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أهل البيت والصحابة آيات وسور القرآن والترغيب بحفظها .
الثامن : تفسير النبي صلى الله عليه وآله وسلم الموضوعي لآيات القرآن
التاسع : قانون اقتباس النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأحكام من آيات القرآن مع الشواهد ، وتارة يبين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أصل الإقتباس وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا]( )، ليكون منهاجاً للعلماء للتحقيق في استنباطها الأحكام من أدلتها التفصيلية ، وأخرى يستقرأ بعلم الدلالة والإستقراء .
ومن معاني السنة القرآنية سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيما يتعلق بتنزيل القرآن وعلومه.
العاشر : الصدور عن السنة النبوية في الأحكام التكليفية الخمس لأنها المصدر الثاني للتشريع ، و(عن أبي رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته ، يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول : لا ندري . . . ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه)( ).
الحادي عشر : النسبة بين الوحي والقرآن هي العموم والخصوص المطلق ، فكل قرآن هو وحي وليس العكس ، ومن الوحي السنة النبوية القولية والفعلية ، قال تعالى [وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى]( ).
ولو دار الأمر بين نطق النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المباحات برأيه واجتهاده وبين نطقه بها بالوحي فالمختار هو الثاني ، وقد يرد كلام أو حدث نادر يظن معه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اجتهد برأيه كما في حديث تأبير قوم من أهل المدينة لنخلهم.
و(عَنْ أَنَسٍ قَالَ سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أَصْوَاتًا فَقَالَ مَا هَذَا قَالُوا يُلَقِّحُونَ النَّخْلَ فَقَالَ لَوْ تَرَكُوهُ فَلَمْ يُلَقِّحُوهُ لَصَلُحَ فَتَرَكُوهُ فَلَمْ يُلَقِّحُوهُ فَخَرَجَ شِيصًا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ مَا لَكُمْ قَالُوا تَرَكُوهُ لِمَا قُلْتَ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاكُمْ فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِهِ فَإِذَا كَانَ مِنْ أَمْرِ دِينِكُمْ فَإِلَيَّ)( ).
ولكن تلقيح النخل اليدوي أمر معروف عند أهل الجزيرة عامة , ومتوارث عند أهل المدينة خاصة, وقد يلقح بالهواء والريح السطحية الهادئة خاصة النخل المتقارب ، قال تعالى [وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ]( )، ولعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يريد بيان العمل بالأسباب والعلل.
على فرض صحة سند وموضوع الحديث فانه يحتمل بيان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لموضوعية القواعد الثابتة في الزراعة ونحوها ، وامكان تلقيحه بالريح , والأرجح مجئ يوم يحمل فيه النخل من غير تلقيح.
ومقامات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خمسة وهي :
الأول : العبودية لله عز وجل وقال صلى الله عليه وآله وسلم (فإن الله اتخذني عبدا قبل أن يتخذني نبيا)( ).
ومع كثرة آيات العبودية لله عز وجل بصيغة الجملة الأسمية والفعلية والشرطية فلم يرد لفظ (عبد الله) في القرآن إلا مرتين إحداهما في عيسى عليه السلام نطق بها وهو في المهد [قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا]( )، والأخرى في النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقوله تعالى [وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا]( )، أي أعواناً .
لتكون هذه الآية من آيات السلم المحكمة إذ تتضمن قيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالدعوة إلى الله تناجى المشركون ضده ، وقاموا بايذائه وأهل بيته وأصحابه وقابلهم بالصبر واستدامة التبليغ ، وكان هذا الأذى مقدمة لقتالهم له ، كما وردت آيات بخصوص عبودية النبي محمد لله عز وجل منها [أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى* عَبْدًا إِذَا صَلَّى]( )، [سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ]( ).
وعن الكلبي أن الإمام الصادق عليه السلام قال له : كم لمحمد اسم في القرآن ، أي أن الإمام هو الذي يبادر بالسؤال ، ولا ينتظر من يسأله مما يدل على موضوعية الأمر واقتباس المسائل منه.
قال الكلبي (اسمان أو ثلاث، فقال: يا كلبي له عشرة أسماء [وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ]( )، [وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ]( )، [لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا]( )، [طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى]( )، [يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ* إِنَّكَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ]( )،
و[ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ* مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ]( )، و[يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ]( )، و[يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ]( )، و[أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا * رَسُولاً]( )، فالذكر اسم من أسماء محمد صلى الله عليه واله ونحن أهل الذكر، فسل يا كلبي عما بدا لك، قال: فأنسيت والله القرآن كله فما حفظت منه حرفا أسأله عنه)( ).
والكلبي هو هشام بن محمد بن السائب الكلبي (110-204) .
وكان الإمام يكرمه ويجلسه إلى جانبه ، إذا دخل عليه ويتحدث معه بانبساط ، وقد روي عنه وعن أبيه وممن روى عنه الطبري في تأريخه( ).
وهل من صلة بين تسمية كل من عيسى عليه السلام والنبي محمد (عبد الله) في القرآن وبين بشارة عيسى بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم [وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ]( )، الجواب نعم .
لبيان سمو مرتبة الرسالة على النبوة ولزوم أخذ الناس أحكام التنزيل منه والإنتقاء المناسب من سنته.
الثاني : مقام البشرية ، وأنه كسائر البشر من جهة الخلقة والتكليف وفي التنزيل [قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ]( ).
فلم تقل الآية (بشر كمثلكم) لبيان التشبيه واحتمال إنفراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخصائص في الخلقة ، وإن كانت المثلية لا تمنع من الخصوصية .
الثالث : مقام النبوة والوحي والعصمة من النسيان .
الرابع : مقام الرسالة والتبليغ قال تعالى [مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا]( ).
الخامس : مقام الإمامة في الإيمان والإنقطاع إلى الله , والرياسة العامة للناس , قال تعالى [وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ]( )، وقد نال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هذا المقام السامي بلطف من عند الله ، وهو من مصاديق الإطلاق والعموم في قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ).
ويبدأ هذا الجزء وهو (241) بتأسيس علوم مستحدثة وهي :
الأول : السنة القرآنية .
الثاني : السنة التدوينية.
الثالث : السنة الدفاعية .
مع صلة كل منها بخصوص آيات السلم ودلالة السنة النبوية على عدم نسخها .
وجرى التحقيق في آيات الأحكام وإحصائها وهل هي خمسمائة آية أو أكثر أو أقل ، ونقترح هنا (علم إحصاء آيات السنة النبوية) وهذا علم جديد رابع نبينه هنا .
وسيرد التفصيل في الجزء التالي من التفسير وهو الثاني والأربعون بعد المائتين لبيان دلالة السنة النبوية على القوانين العامة التي وردت بخصوصها.
أجزاء من هذا السِفر وهي :
الأول : قانون لم يغز النبي (ص) أحدا .
الثاني : قانون آيات السلم محكمة غير منسوخة .
الثالث : قانون التضاد بين القرآن والإرهاب .
الرابع : قانون النزاع المسلح بين القرآن والإرهاب .
الخامس : قانون آيات الدفاع سلام دائم.
وقد صدرت بخصوص كل قانون من القوانين أعلاه عدة أجزاء من هذا التفسير .
ولا بأس بتأليف مجلد أو رسالة دكتوراه أو هما معاً بخصوص :
الأول : آيات العبودية لله في القرآن .
الثاني : آيات عبودية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لله عز وجل , ودلالتها , وإفاضات إجتماع العبودية مع مرتبة الرسالة ، ومنها بيان صدق نبوة محمد والزجر عن الغلو فيه ، ومن باب الأولوية القطعية المنع من الغلو بأهل البيت عليهم السلام والصحابة والأولياء .
ومن منافعها اقتداء أهل الملل الأخرى بالمسلمين باجتناب الغلو بالأنبياء والرؤساء , كما أنها أزاحت وإلى الأبد إدعاء بعض الطواغيت الربوبية , كدعوى فرعون ونمرود.
الثالث : السنة النبوية القرآنية .
الرابع : آيات الإحتجاج والجدال في القرآن ودلالتها على السلم [فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِي لِلَّهِ وَمَنْ اتَّبَعَنِي]( ).
السنة التدوينية( )
هذا مصطلح مستحدث في هذا السِفر إذ يتوارث العلماء ذكر السنة القولية والفعلية والتقريرية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد أسست واستحدثت في هذا التفسير المبارك أقساماً للسنة منها السنة الدفاعية و التدوينية ، وهي كتب ورسائل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الملوك والأمراء ، ومنهم ملك فارس والروم واليمن والحبشة ، وكتبه إلى عماله في الأمصار ، والكتب الخاصة للأشخاص والفتاوى والعطايا .
ومن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم الفصل العام بين آيات القرآن ورسائل وكتب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويتعلق هذا الفصل بوجوه منها التباين في اللغة والصيغة بين القرآن والسنة وارتقاء القرآن مراتب ، وتلقي المسلمين لآيات القرآن بالتلاوة حال نزولها من عند الله ، والعناية الفائقة بها على نحو العموم الإفرادي والإستغراقي والمجموعي ، وكتابتهم لآيات القرآن بما تيسر آنذاك من الأدوات والوسائل ، إلى جانب جمعه في صدور أهل البيت والصحابة فيكتبون بالعُسب ، جمع عسيب وهو جريد النخل يكشطون منه الخوص ، ويكتبون في الطرف العريض .
ومع أنها بدائية إلا أنها تفيد الثبات كما يكتبون القرآن بالرقاع وهي القطع من الجلد أو القماش أو الورق , والأكتاف , والعظام الملائمة للكتابة.
والأقتاب وهي قطع الخشب الصغيرة كالتي توضع على البعير.
واللخاف وهي الحجارة , لبيان معجزة أخرى وهي أن القرآن مكتوب عند عدد غير قليل من الصحابة .
وفيه شاهد على تقديس المسلمين لكلام الله وحرصهم البالغ على حفظ آياته وتوثيقها وتلاوتها وهذا الحرص العام من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الغيرية.
ويدل اجتهاد المسلمين بكتابة آيات القرآن على حرصهم على السلم وانشغالهم عن القتال ومقدماته ، وعلى سلامة آيات السلم من النسخ.
السنة الدفاعية
مصطلح جديد المراد منه سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من وجوه :
الأول : مقدمات القتال والدفاع .
الثاني : السنة النبوية في ميدان القتال , وكيف أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينادي بين الصفين (قولوا لا إله الله تفلحوا).
لبيان أن هذا الفرد من السنة يشمل أفراداً من السنة القولية والفعلية والتقريرية والتدوينية الخاصة بالحرب والدفاع .
الثالث : توصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه عند خروجهم بالسرايا بنشر شآبيب الرحمة إذ كان (يُوصِيهِمْ بِتَقْوَى اللّهِ وَيَقُولُ سِيرُوا بِسْمِ اللّهِ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ ، وَقَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاَللّهِ وَلَا تُمَثّلُوا ، وَلَا تَغْدُرُوا ، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا) ( ) .
وكان ينهى عن قتل النساء والولدان والشيخ الكبير , وأصحاب الصوامع ، وعدم ذبح شاة أو بقرة إلا للأكل وعدم قطع نخل أو شجرة مثمرة .
و(عن ابن عمر أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال : يا عبد الله هل تدري كيف حكم الله سبحانه فيمن بغى من هذه الأُمّة؟
قال : الله ورسوله أعلم.
قال : لا يجهز على جريحها، ولا يقتل أسيرها ، ولا يطلب هاربها) ( ).
الثالث : لبس النبي للدروع والخوذة , وتقلده للسيف , وحمله الرمح والقوس العربية , (وَكَانَ يَتَتَرّسُ بِالتّرْسِ وَكَانَ يُحِبّ الْخُيَلَاءَ فِي الْحَرْبِ ، وَقَالَ إنّ مِنْهَا مَا يُحِبّهُ اللّهُ وَمِنْهَا مَا يُبْغِضُهُ اللّهُ.
فَأَمّا الْخُيَلَاءُ الّتِي يُحِبّهَا اللّهُ فَاخْتِيَالُ الرّجُلِ بِنَفْسِهِ عِنْدَ اللّقَاءِ وَاخْتِيَالُهُ عِنْدَ الصّدَقَةِ .
وَأَمّا الّتِي يُبْغِضُ اللّهُ عَزّ وَجَلّ فَاخْتِيَالُهُ فِي الْبَغْيِ وَالْفَخْرِ وَقَاتَلَ مَرّةً بِالْمَنْجَنِيقِ نَصَبَهُ عَلَى أَهْلِ الطّائِفِ . وَكَانَ يَنْهَى عَنْ قَتْلِ النّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ) ( ).
الرابع : دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للسلم ونبذ القتال وسط الميدان , من غير تعارض بين هذه الدعوة , وبين مناداته بكلمة التوحيد .
وهل كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ القرآن وسط لمعان السيوف ليسمع الكفار آيات البشارة والإنذار , والوعد والوعيد , وذخائر التنزيل والإعجاز في كلام الله عز وجل الجواب نعم .
وفيه حجة على الذين كفروا , ودعوة قهرية لهم للرجوع إلى أهليهم بآيات القرآن , ليتوجه اللوم العام لهم على محاربتهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم والتنزيل .
ولتكون كل معركة من معارك الإسلام الأولى سبباَ لتفكيك جيوش العدو , وتخلي الأتباع عن رؤساء الضلالة من قريش حتى اضطروا للحوار وعقد صلح الحديبية في السنة السادسة للهجرة النبوية , لينزل قوله تعالى [إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا] ( ) وهناك مسألتان:
الأولى : هل كانت قريش تعلم أن صلح الحديبية سيكون فتحاَ للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل إبرامه .
الثانية : هل صلح الحديبية من السنة الدفاعية .
أما المسألة الأولى فالمختار نعم , إذ كانت قريش تشن الهجوم, عقب الهجوم , والغزو بعد الغزو على المدينة وأطرافها , وسروح أهلها , بينما يكون الصلح دفعاَ قهرياَ لهذه الغزوات , فاضطروا إليه اضطراراَ وادركوا عدم النفع من هذه الغزوات وأظهرها معركة بدر ، وأحد ، والخندق.
ليكون هذا الإدراك من الخيبة في قوله تعالى [ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ] ( ).
ويكون انقلاب مشركي قريش خائبين من معركة أحد مقدمة لصلح الحديبية من غير أن يضر به تجهيزهم عشرة آلاف مقاتل في معركة الأحزاب , خاصة وأن رجوعهم من معركة الخندق بالخيبة أيضاَ معجزة من عند الله عز وجل جعلت الخزي مصاحباَ لهم قال تعالى بخصوص معركة الخندق [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا] ( ) .
وأما المسألة الثانية ، فالجواب نعم صلح الحديبية أبهى مصاديق السنة الدفاعية , وهو فرع لها , ولم يقع إلا بعد أن صبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في ميادين القتال والدفاع ، وأصيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه بالجراحات الشديدة .
وسقط منهم أربعة عشر شهيداً في معركة بدر , وسبعون في معركة أحد ونزل قوله تعالى [وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لاَ تَشْعُرُونَ] ( ).
وبعد أن لاقى المشركون الخيبة والخزي في غزوهم المتكرر للمدينة ، وأدرك عامة العرب عجزهم عن قهر النبوة ومواجهة التنزيل .
وتدخل في السنة الدفاعية أفعال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ميدان القتال وبعد إنتهاء المعركة , وحرصه على وجوب تعاهد المسلمين تقوى الله عز وجل , وأداء الصلاة .
قانون السنة الدفاعية مقدمة للسلم
إن إستحداث علم جديد اسمه ( السنة الدفاعية) في هذا السِفر دعوة لدراسات أكاديمية وتأليف مجلدات خاصة بالسنة الدفاعية ، لتتجلى البراهين على صبغة السلم التي تتصف بها السنة النبوية حتى في حال الدفاع والإضطرار إليه ، إذ تضمنت آيات القرآن حصر قتال المسلمين بالذين يقاتلونهم مع الكف والإمتناع عن القتال حالما يكف المشركون عنه ، قال تعالى [فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمْ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً] ( ).
ترى ما هي الصلة بين قانون آيات السلم محكمة غير منسوخة وبين السنة الدفاعية , الجواب هو الإتحاد والتداخل وتأكيد أحدهما للأخر وبعضهما لبعض .
وبين السنة الدفاعية والسلم عموم وخصوص من وجه , فالسنة الدفاعية مقدمة للسلم.
ولم يتقلد النبي صلى الله عليه وآله وسلم السيف إلا للضرورة , فعندما صار ثلاثة آلاف من جيش المشركين على بعد (4) كم من المسجد النبوي لبس النبي صلى الله عليه وآله وسلم لامة القتال ، ويدل عليه خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من بيته في قوله تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] ( ).
ومن الإعجاز في الآية أعلاه ذكر السنة النبوية في مقامات الدفاع وحسن امتثال الصحابة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في الخروج للدفاع واتخاذ مواقعهم حيث أمرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم تذكر الآية تقلد النبي صلى الله عليه وآله وسلم للسيف ولبس الدروع ، ولكنه ظاهر ومستقرأ من الآية أعلاه وأخبار السنة النبوية.
ولم تذكر الآية تخلي الرماة عن مواقعهم , هذا التخلي الذي صار سبباَ لخسارة فادحة عند المسلمين من غير أن يخسروا المعركة أو ينهزموا من الميدان باستثناء عدد منهم ، ومن الصلة بين السنة الدفاعية والسلم في المقام أمور :
الأول : إنشغال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بأداء الفرائض العبادية وتلاوة آيات القرآن ، والدعوة إلى الله إلى أن صارت جيوش المشركين على مشارف المدينة.
الثاني: عدم خوف النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من جيوش المشركين ، والتي هي أضعاف عدد المسلمين ، وقد قدّموا رسائل التهديد بالإبادة العامة للمسلمين ، وهل عدم الخوف هذا من عمومات قوله تعالى [وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ] ( )، الجواب نعم .
الثالث : انتهت معركة أحد في اليوم الذي إبتدأت فيه وقصر مدتها معجزة حسية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن الشواهد على نزول الملائكة ، وحمل المشركين على الإنسحاب من ميدان المعركة .
الرابع : ما أن انتهت المعركة حتى رجع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى الذكر والعبادة ، وهو من الشواهد على ثبوت سنن السلم في حياتهم اليومية ، ومن مفاهيم قوله تعالى [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ..]( ).
قانون المنافع المتجددة للسنة الدفاعية
من منافع تخصيص علم مستحدث للسنة الدفاعية رصد واحصاء معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ميادين القتال بأن تؤخذ كل معركة مثل بدر ، وأحد ، والخندق على نحو مستقل ، ودراسة معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيها.
وهذه الدراسة باب مفتوح ومتجدد للعلماء في الأزمنة اللاحقة, ويتقوم هذا العلم ومنافعه من وجوه :
الأول : تفسير وتأويل آيات الدفاع والقتال , والآيات الأخرى, واقتباس مصاديق سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الدفاعية منها .
الثاني : أسباب وموضوع نزول الآيات .
الثالث : السنة النبوية القولية والفعلية , والنسبة بين السنة والسنة الدفاعية عموم وخصوص مطلق , فالسنة أعم , والسنة الدفاعية فرع منها ، وهي من مصاديق قوله تعالى [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا]( ).
الرابع : إخبار الآية القرآنية والصحابة والتابعين عن وقائع الإسلام الأولى وصبر وحكمة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الخامس : شواهد الميدان , ولو ورد خبر عن معارك الإسلام عن كفار قريش قبل إسلامهم , أو من مهمات عمل الكفر , فهل يمكن الإستدلال به , ام لا حجة لخبر الفاسق.
الجواب يؤخذ به مع القرائن على صحته من جهة موافقته لمناهج وإعجاز القرآن والسنة والوقائع , قال تعالى [إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ]( ).
ومن منافع السنة النبوية أنها دروس نبوية للصحابة والتابعين وأجيال المسلمين والناس جميعاً في السلم ، والإمتناع عن الغزو والإبتداء بالقتال .
ومن مصاديق السنة الدفاعية أنها بقدر صرف العدو ، ودفعه عن المدينة وأطرافها وسروحها ، وكان في المدينة الصحابة من المهاجرين والأنصار واليهود فكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدافع عنهم جميعاً.
علم التأريخ في القرآن
لقد جعل الله عز وجل باب العلوم والتحصيل مفتوحاً إلى يوم القيامة ، وهو من مصاديق قوله تعالى [عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ] ( )، وتدل الآية أعلاه على اللطف الإلهي من وجوه :
الأول : تقريب الناس من الكسب العلمي .
الثاني : إزاحة العوائق دون التحصيل والكسب العلمي .
الثالث : تهيئة مقدمات اكتساب العلوم .
الرابع : إنتفاع عامة الناس من العلوم المستقرأة ، فمن بديع صنع الله في الدنيا عجز أرباب العلم والسلطان عن حصره بطائفة من الناس .
وقد اشتغل بعضهم بمسألة وهي هل التأريخ فن أو أدب أو علم أي هل تختلط فيه الحقائق والأساطير ، وأن المؤرخ يسيح في الخيال ، ويستخدم مواهبه في السرد القصصي الذي هو فن ونوع من أنواع الأدب ، أم أن التأريخ علم من العلوم الإنسانية ، والمختار هو الثاني ، وتخرج منه الأساطير والخرافات ونحوها .
ومن إعجاز القرآن بيانه لعلم التأريخ ، وأنه مدرسة لأجيال ، قال تعالى [لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ] ( ).
ومن إعجاز وجعل المادة التأريخية المتحدة مصدراً للعلوم التفصيلية وذكره لوقائع متعددة من حين خلق آدم في الجنة وقصص الأنبياء والملوك والطواغيت والأمم مما يجعل كل فريدة منها مادة لتحصيل العلوم واستقراء المسائل ، واستنباط القوانين .
وهل كان حج آدم عليه السلام البيت توطئة لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , الجواب نعم .
سأل شامي الإمام علي عليه السلام (كم حج آدم من حجة ، فقال له: سبعين حجة ماشيا على قدميه، وأول حجة حجها كان معه الصرد يدله على مواضع الماء وخرج معه من الجنة، وقد نهي عن أكل الصرد والخطاف)( ).
ومن إعجاز القرآن ترشح القواعد والأحكام عن أخباره وإنتفاع الأجيال منها ، واقتباس العلوم في كل جيل من مدرسة التأريخ في القرآن .
ولم يكتف القرآن بسرد القصة والخبر بل جعل للتأريخ منهاجاً وأصولاً وقواعد ، وجاءت السنة النبوية للتحليل والتفصيل ، وبيان علل الوقائع ، وآثارها في النشأتين ، فمن خصائص مدرسة التأريخ في القرآن ربط الوقائع والأحداث بالعواقب .
وذات القرآن له تأريخ في بدايات نزوله وفي جمعه ، وأسباب النزول ، والناسخ والمنسوخ ، والأحداث التي ترشحت وتفرعت من نزول الآية القرآنية .
وتمتاز القصة القرآنية بأنها وحي من عند الله ، وهو من فضل الله سبحانه على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسملين والناس جميعاً .
وقد أخبر الله عز وجل عن قانون الوحي في القصة القرآنية ، قال تعالى [نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الْغَافِلِينَ] ( ).
ليكون الأدب والسلم والأمن فروعاً للقصة القرآنية ، وأحد منافعها التي لا تحصى ، لقد أراد الله من قصص القرآن بناء أمة مؤمنة متمسكة بالتوحيد ، تعمل بمنهاج الأنبياء ، وتقتفي آثار الصالحين ، وتجتنب القبائح والطغيان والرذائل والغرور ، وفق علم التأريخ الذي أظهره القرآن بجلاء .
النسبة بين المعجزة الحسية والمعجزة العقلية
لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار المعجزات المتتالية ، وهو من مصاديق [وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ]( )، وهل تختص المعجزات بالحياة الدنيا وجنس البشر ، المختار لا .
وهل يأتي بعض الملائكة على يديه باعجاز خارق للعادة في صفوفهم يراه الملائكة الآخرون فيجتهدون بالتسبيح والتهليل ، المختار نعم .
فالإعجاز الملكوتي العام من مصاديق قوله تعالى [بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ]( )، وقد أنعم الله عز وجل على الأنبياء بالمعجزة فكل نبي يأتي بمعجزة ، وبين المعجزة الحسية والعقلية عموم وخصوص من وجه ، فهناك مادة للإلتقاء وأخرى للإفتراق :
ومادة الإلتقاء من وجوه :
الأول : كل من المعجزة الحسية والعقلية أمر خارق للعادة ، وخلاف نواميس الطبيعة .
الثاني : تفيد المعجزة التحدي للناس على تباين مداركهم وعلومهم واختلاف مذاهبهم ، ويسلمون جميعاً بالعجز عن الإتيان بمثلها.
الثالث : قانون سلامة المعجزة من المعارضة ، لتكون من التوحيد النظري والعملي مجتمعين ، فلا يستطيع فرد أو جماعة أو أمة الإتيان بمثلها.
وفي خصوص القرآن قال تعالى [قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا]( ).
الرابع : قانون اختصاص النبوة بالمعجزة ، فلا تأتي المعجزة سواء كانت حسية أو عقلية إلا على أيدي الأنبياء .
الخامس : قانون المعجزة شاهد سماوي على صدق نبوة النبي ، ورسالة الرسول .
السادس : قانون دفع المعجزة الضرر عن النبي وعن أصحابه واتباعه ، وهو من مصاديق قوله تعالى [لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى]( )، وفيه شواهد عديدة في حياة الأنبياء والرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، منها نجاة النبي صالح عليه السلام وأصحابه مما أصاب ثموداً .
السابع : قانون المعجزة من عند الله عز وجل ، فلا يقدر ملك مقرب ولا نبي مرسل استحداث معجزة ، نعم تجري المعجزة على يد النبي بفضل من عند الله ، وهل تشارك الملائكة بالمعجزة ، الجواب نعم .
الثامن : المعجزة لطف من عند الله عز وجل ، ولا يختص هذا اللطف بالأنبياء ، إنما هو للناس جميعاً ، وإذ انقطعت المعجزة بمغادرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى فهل تنتفع الأجيال اللاحقة للنبوة ومنها جيلنا من المعجزة ، الجواب نعم ، ولا يختص هذا الإنتفاع باتباع النبي صاحب المعجزة لذا وثّق القرآن معجزات الأنبياء في القرآن لتكون سبيل هداية للناس جميعاً.
التاسع : قانون مصاحبة المعجزة لأول وجود للإنسان وقبل أن يهبط إلى الأرض إذ كان آدم عليه السلام نبياً رسولاً مكث في الجنة برهة من الزمن هو وحواء ، ومكث آدم وزوجته في الجنة هذا معجزة له.
العاشر : قانون جذب المعجزة الناس للإيمان سواء كانت حسية أو عقلية.
الحادي عشر : المعجزة وسيلة لجذب الناس للإيمان ، وهي لطف ورحمة .
الثاني عشر : قانون المعجزة فرع قوله تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( ).
الثالث عشر : قانون المعجزة إشغال للمشركين بأنفسهم .
الرابع عشر : إظهار النبي لمعجزته ، وعدم كتمانها .
الخامس عشر : كل من المعجزة الحسية والعقلية حجة لله عز وجل على الناس ، وهي من مصاديق قوله تعالى [فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ]( ).
السادس عشر : كل من المعجزة الحسية والعقلية تتوجه إلى الناس جميعاً ، ولا تحجب عن أحد ، وهو من الشواهد على أن النبوة رحمة عامة ، ويحتمل قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( )، وجوهاً :
الأول : إنه خاص بالرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : انه يشمل الرسل لأنهم أصحاب شرائع مبتدأة .
الثالث : بعثة كل نبي رحمة للعالمين .
المختار هو الثالث ، ونزل القرآن بتوثيق النبوات رحمة من الله بالناس .
السابع عشر : كل من المعجزة الحسية والعقلية دعوة للسلم ونشر للأمن والطمأنينة .
الثامن عشر : المعجزة محكمة لا يطرأ عليها النسخ .
التاسع عشر : حضور المعجزة يوم القيامة لتشهد للذين آمنوا وصدّقوا بها.
العشرون : الملازمة بين المعجزة والوحي .
الواحد والعشرون : دعوة كل من المعجزة الحسية والعقلية إلى الأخرى .
مادة الإفتراق بين المعجزة الحسية والعقلية
ومادة الإفتراق من وجوه :
الأول : التباين الموضوعي بين المعجزة الحسية والمعجزة العقلية.
الثاني : تخاطب المعجزة الحسية حاسة السمع والبصر ، وتخاطب المعجزة العقلية العقول والمدارك ، قال تعالى [كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ]( ).
الثالث : ترشح المعجزة الحسية عن المعجزة العقلية( ).
الرابع : قانون تجدد المعجزة العقلية في كل زمان بينما ينحصر وقوع المعجزة الحسية في أوانها مثل التهام عصا موسى عليه السلام لعصي سحرة فرعون ، ومثل ناقة صالح .
الخامس : قانون كل نبي له معجزة حسية بما فيهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا أنه انفرد بالمعجزة العقلية.
السادس : المعجزات الحسية معدودة أما المعجزات العقلية فانها من اللامتناهي .
السابع : توثيق المعجزة العقلية للمعجزات الحسية وليس العكس ، إذ ذكر القرآن معجزات نوح وصالح وإبراهيم وموسى وعيسى وانبياء آخرين عليهم السلام ، ومن مصاديق هذا التوثيق تلاوة المسلمين والمسلمات القرآن كل يوم خمس مرات في اليوم .
الثامن : قانون إنقطاع المعجزة الحسية بمغادرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى ، وبقاء المعجزة العقلية إلى يوم القيامة ، وهو من أسرار سلامة القرآن من التحريف والتبديل والنقص والزيادة ، لتكون المعجزة من مصاديق المحفوظ في قوله تعالى [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون] ( ).
ومن الآيات أن الأخبار والقصص الواردة في القرآن لا يدخل عليها النسخ .
التاسع : تختص المعجزة الحسية بالذين يرونها أو يسمعون بها لذا سميت حسية ، أما المعجزة العقلية فهي خطاب لكل الناس لذا قال تعالى [لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ]( ).
العاشر : المعجزة العقلية من اللامتناهي كماً وكيفاً وموضوعاً.
الحادي عشر : يمكن تقسيم المعجزة إلى أقسام :
الأول : المعجزة المتحدة التي تأتي مرة واحدة كانشقاق القمر ، قال تعالى [اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ] ( ) .
الثاني : المعجزة المتتالية .
الثالث : المعجزة المتجددة في جنسها ، المتعددة في موضوعها ، مثل عصا موسى مرة تلقف عصي السحرة ، وأخرى يضرب بها البحر ، وناقة صالح في خروجها من الصخرة ووفرة حليبها أيام ورودها .
النص والظاهر والمجمل
المراد من ظواهر الألفاظ المعاني التي تتبادر إلى الذهن عند سماع الفاظها مع قيد وهو إحراز مطابقة ظاهرها للمراد مثل إجابة أبناء يعقوب له عندما حضره الموت [إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ] ( ).
والنسبة بين هذا العنوان و(حجية ظواهر القرآن ) عموم وخصوص مطلق ، فحجية ظواهر القرآن أخص ، وتدخل فيها موضوعية تفسير وبيان النبي للآية القرآنية .
وكذا بيان الصحابة وأهل البيت وعلماء اللغة ، وتستحضر أسباب النزول والصلة بين الآيات ، والوقائع والأحداث المصاحبة لنزول الآيات وقرائن صلتها بها.
وللنص معنى لغوي ، وفقهي ، وأصولي .
أما اللغوي فالنص هو الرفع ، ومنه نص الحديث أي رفعه (ونَصَصْتُ ناقَتي: إذا رَفَعْتَها في السير.
والماشِطَةُ تَنُصُّ العَرُوْسَ فَتُقْعِدُها على مِنَصَّةٍ. ونَصَصْتُ الشيْءَ: حَرَّكْته. ونَصَصْتُ الرجُلَ: إذا اسْتَقْصَيْتَ مَسْأَلَتَه عن الشَّيْءِ. ونَصُ كُل شَيْءٍ: مُنْتَهاه. وفي الحَدِيثِ : إذا بَلَغَ النِّسَاءُ نَصَّ الحِقَاقِ ، أي إذا بَلَغَتْ غايَةَ الصغَرِ إلى أنْ تَدْخُلَ في الكِبَرِ فالعَصَبَةُ أوْلى بها من الأم)( ).
والنص بالإصطلاح الفقهي يطلق على ما دل على الحكم سواء من الكتاب أو السنة، وكانت دلالته نصاً أو ظاهراً أو مؤولاً .
أما في إصطلاح علم الأصول فهو لا يحتمل انصرافه إلى غير ما دل عليه بوجه ، كما يمكن تقسيم النص تقسيماً مستحدثاً إلى قسمين:
الأول : النص في اللغة .
الثاني : النص في القرآن .
وكذا بالنسبة لتقسيم الظاهر والمجمل الذي هو في مقابل النص .
وقد قسم الكلام المفيد إلى ثلاثة أقسام ، وقد قسمتها إلى تسعة أقسام بدل الثلاثة كما سيأتي في هذا الجزء والجزء التالي والحمد لله( )، والثلاثة هي :
الأول : النص ، وهو الذي لا يحتمل إلا معنى واحداً ، كما في قوله تعالى [إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ] ( )، ومثل [تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ] ( )ومثل [شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ] ( ) فشهر رمضان المدة المحصورة بين هلال شهر رمضان وهلال شهر شوال ، ويفيد النص القطع ، ولا يعدل عنه إلا بوجود ناسخ له .
ولو تردد الأمر بين أمرين :
الأول : الآية منسوخة .
الثاني : الآية غير منسوخة .
فالصحيح هو الثاني .
وعندنا حوادث غير متناهية وأخبار قرآنية متناهية ، ويحيط القرآن باللامتناهي من الحوادث .
ويدل قوله تعالى [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ] ( )، على وجوب الرجوع إلى القرآن عند إختيار قول أو فتوى ، إذ تنفي هذه الآية انسداد باب العلم بالأحكام ، والعلمي وهو الطرق العلمية المؤدية إلى الأحكام سواء دليل الانسداد الكبير وهو انسداد باب العلم في الأحكام مطلقاً من جهة السنة وغيرها ، أو الصغير من جهة انسداد باب العلم من جهة السنة مع انفتاحه في الطرق الأخرى.
ولم يرد لفظ الإنسداد في كتب الأصول عند السنة .
ومن التبيان في القرآن وجوه :
الأول : ورود النص والمبين في القرآن .
الثاني : التفسير الذاتي للقرآن بتفسير آياته بعضها لبعض .
الثالث : الصلة الموضوعية والحكمية بين الآيات المتجاورة .
وقد أسست في تفسيري باباً اسمه باب سياق الآيات ، ويختص بصلة الآية محل البحث بالآيات المجاورة لها .
ومن معاني النص القرآني : ما تأويله تنزيله مثل [فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ] ( ) في قوله تعالى [وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ] ( ).
فالجامع في العدد ينحصر بالعشرة ، فحالما نزل تجلى معناه ، وكذا يدرك المسلم والمسلمة معناه عند قراءته وتلاوته سواء في الصلاة أو خارج الصلاة ، وقد يشكل عليه بأن التأويل يستلزم الإنتقال من التنزيل إلى معنى واستنباط الدلالة بتكلف ، لأن التأويل نوع تصيير ، ولكنها دقة عقلية لا تؤخذ في المقام .
الثاني : الظاهر ، وهو لغة الواضح والبين ، أما في الإصطلاح فهو المعنى الراجح من اللفظ مع إحتمال معنى آخر غيره يكون مرجوحاً وضعيفاً ، وخرج بقول احتمال معنى آخر النص لأنه لا يحتمل إلا معنى واحداً .
وهل الظاهر مثل النص من المبين ، الجواب نعم ، وإن تفاوت معه بالرتبة ، وهذا الظاهر عام وفي مقابل النص والمجمل ، وليس هو من الظاهر في مقابل الباطن .
الثالث : المجمل : وهو اللفظ الذي لا ظاهر له ، ويحتمل معنيين أو أكثر لا رجحان لأحدها إلا بالقرينة مثل لفظ (حقه) في [وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ].
وهناك أسباب لإجمال اللفظ منها :
الأول :غرابة اللفظ مثل (هلوعا).
الثاني : التشابه في رسم اللفظ .
الثالث : تعدد التفسير والتأويل للكلمة الواحدة مثل (القرء) وهل هو الطهر بين حيضتين أم ذات الحيض .
والمجمل ، أصله من الجمل وهو الجمع ، والمحصل في الحساب والإستنتاج .
ومن معانيه في الإصطلاح : ما يتوقف فهم المراد والمقصود منه على غيره ، ومنه لفظ (القرء) كما في قوله تعالى [وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ..] ( )، مردد بين أيام الحيض والطهر الذي بين حيضتين .
وقيل أن الصلاة لفظ مجمل لأن كيفية أوانها مجهولة تستلزم البيان ، وكذا بالنسبة للزكاة فان النصاب ومقدار الزكاة مجهولان لابد من البيان , ونؤسس هنا مسألة وهي أن لفظ الصلاة جامع للنص والمجمل , فهي نص جامع بين الملل السماوية من أيام ابينا آدم وإلى يوم القيامة , وفي عيسى عليه السلام ورد قوله تعالى [وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا]( ).
وهي لفظ مجمل بلحاظ الكيفية والأركان والأجزاء وأوقات الصلاة ، قال تعالى [أَقِمْ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا]( ).
ومنه تعيين القبلة في القرآن ، قال تعالى [وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ] ( )وفيه أمارة وقرينة بتفصيل وكيفية الأداء .
وهل هذه الوصية من الله عز وجل التي هي أمر وواجب خاصة بعيسى عليه السلام أم أنها شاملة للأنبياء , وأتباعهم الجواب هو الثاني , وهو الذي تجلى بالقرآن ومفاهيمه والسنة النبوية .
ولا أصل للقول بأن الصلاة لفظ مجمل فقط ، فكل من الصلاة والزكاة أمر عبادي بيّن وظاهر .
قانون تعدد معاني اللفظ القرآني
تجد في النص والظاهر والمجمل القرآني الدعوة إلى السلم وتعاهد نشره وقوانينه في الأرض .
ولا يأمر بإيجاد الصلة والعلقة بين مسائل وقوانين هذا السِفر وبين مفردات علم الفقه والأصول والكلام .
ويمكن تقسيم جنس الكلام تقسيماً استقرائياً جديداً أعم وأوسع فبدل تقسيمه إلى ثلاثة أقسام وهي النص والظاهر والمجمل ، أقسمه إلى تسعة أقسام وهي :
الأول : النص .
الثاني : الأظهر .
الثالث : الظاهر الذي يرقى إلى مرتبة النص بالقرينة مثل خطاب الله عز وجل إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمراد إلحاق الأمة به مثل (قل) (228) مرة في القرآن مثل [قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ]( )، [قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنْ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ]( ).
الرابع : الظاهر العام .
الخامس : المؤول .
السادس : المرجوح .
السابع : المجمل .
الثامن : المجمل ثابت المتعدد .
التاسع : اللفظ والكلمة الجامعة للنص والمجمل بحسب اللحاظ والجهة ، مثل [أَقِيمُوا الصَّلاَةَ] فاقيموا نص بأداء فعل ، وأمر يستلزم الوجوب.
والصلاة في الآية مجملة من حيث عدد الركعات والأجزاء والأوقات والكيفية لتأتي آيات أخرى والسنة النبوية في بيانها ، قال تعالى [أَقِمْ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا] ( )، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (صلوا كما رأيتموني أصلى)( ).
كما في قولنا أن اللفظ القرآني قد يجمع بين الحقيقة والمجاز ، وهو مصطلح مستحدث لغة واصطلاحاً .
وسيأتي التفصيل والأمثلة بخصوص هذه الوجوه التسعة في الجزء التالي وهو الثاني والأربعون بعد المائتين.
وهل كانت العرب تتخذ من المجمل عدة معان ، الجواب نعم قال تعالى [إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ]( ).
ويرد في القرآن لفظ مجمل ولا ينصرف لمعنى مخصوص بل يبقى يشمل عدة معان وكذا بالنسبة للمؤول وهو من إعجاز القرآن وبقائه غضاً طرياً متجدداً ملائماً للأمكنة والأزمنة المختلفة ، وفيه شواهد عديدة منه [وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ]( ).
وفي المعاني باسناده عن محمد بن مسلم قال : سألت جعفراً عليه السلام فقلت قول الله عز وجل [يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ]( )، قال اليه في كلام العرب القوة والنعمة يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء.
وهذا المعنى غير المعنى الظاهر عليه.
لقد نزل القرآن عربياً ، والعرب يفرقون بين المعنى الظاهر والإنتقال إلى المؤول ، قال تعالى [إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ]( ).
مبحث المؤول
قسم من تقسيم مستحدث هنا ، فيكون قسيماً لكل من النص والظاهر والمجمل للبيان والوضوح ، والمؤول هو استعمال المرجوح في الإحتمال والإنصراف إليه وصيرورته كالظاهر ، بدليل أو قرينة أو أمارة في مقابل الظاهر .
فاذا صرف معنى الكلام إلى المرجوح بالقرينة والدليل فيسمى حينئذ المؤول ، وأستدل بمثل وهو (رأيت أسداً ) فان الظاهر هو رؤية هذا الحيوان المفترس المعروف ، وقد يكون المراد رجلاً شجاعاً لوجود دليل أو قرينة ، كما لو قيل جلست مع أسد ، وقد لا يتم هذا المثال ، والأولى الإتيان بمثال يلتقي فيه الظاهر والراجح والمرجوح في الحقيقة أو المجاز .
فالمؤول هو المرجوح الذي صار هو المعنى المستفاد من اللفظ عند إطلاقه للقرينة الصارفة ، والقرينة على شعبتين :
الأولى : قرينة عقلية .
وقد يقع الإختلاف في لفظ هو يحمل على الظاهر أو المؤول مثل [وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ] ( ) فالظاهر تحريم ما لم يذكر اسم الله عليه عند الذبح ، وبه قال الحنفية ، فهو عندهم من قسم الظاهر أما الشافعية فعدوه من المؤول بالحمل على ما ذكر عليه اسم الشريك كاللات والعزى ، ولكن لا تصل النوبة إلى المؤول .
الثانية : قرينة لفظية .
الإنفراد بالمعجزة العقلية
لقد تقدم قانون المعجزة الحسية في ثنايا المعجزة العقلية في الجزء الأربعين بعد المائتين وفي ثلاث صفحات 235 – 238.
ترى لماذا انفرد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من بين مائة وأربعة وعشرين ألف نبي بالمعجزة العقلية ، الجواب لأنه خاتم النبيين ، وإنقطاع المعجزة من بعده ، ولإكرامه من عند الله وحفظ الشرائع بواسطته واستدامة عبادة الله عز وجل إلى يوم القيامة برسالته ، وتحلي أمته بلباس التقوى ، قال تعالى [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ] ( ).
سيأتي قانون الإنفراد بالمعجزة العقلية معجزة مستقلة ، وفيه وجوه :
الأول : تفضل الله عز وجل بتوثيق المعجزات الحسية للأنبياء السابقين بالمعجزة العقلية .
الثاني : بقاء وتجدد المعجزة العقلية ، وهو القرآن إلى يوم القيامة.
الثالث : سلامة القرآن من التحريف والتبديل والتغيير .
الرابع : تلاوة المسلمين والمسلمات كل يوم خمس مرات لآيات القرآن ، لبيان معجزة تثبيت وحفظ للقرآن بالتلاوة وهي غير قانون التلاوة حفظ القرآن ، والنسبة بين القانون السماوي والمعجزة عموم وخصوص مطلق ، فالقانون أعم.
الخامس : تفقه المسلمين بخصوص معجزات الأنبياء وموضوعيتها في قصصهم ، ونشرهم ألوية الإسلام والسلام في الأرض ، قال تعالى [نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الْغَافِلِينَ] ( ).
السادس : بيان فضل الله على الناس باختتام النبوة بالمعجزة العقلية ، ليكون تأويل نعت النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بخاتم النبيين في قوله تعالى [مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا] ( ) على وجوه في تقديره :
الأول : خاتم النبيين لتوثيق رسالة الأنبياء .
الثاني : محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاتم النبيين لذكر أسماء طائفة من الأنبياء والرسل .
الثالث : خاتم النبيين بمائز وهو إجتماع المعجزة الحسية والعقلية عنده .
الرابع : قانون بقاء وتجدد رسالة خاتم النبيين إلى يوم القيامة .
الخامس : قانون خاتم النبيين شاهد صدق على النبوات السابقة، قال تعالى [فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا] ( ) .
السادس : قانون الحاجة إلى المعجزة العقلية لخاتم الأنبياء لإنقطاع النبوة برسالته ، فتعدد أقسام وأنواع المعجزات من مصاديق قوله تعالى وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
السابع : إتصاف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بصفة خاصة من بين الأنبياء وهي (خاتم النبيين ) ولا ينحصر موضوع هذه التسمية بالموضوع والحكم ، وأنه ليس من نبي بعده ، ولكن ذات الإسم (خَاتَمَ النَّبِيِّينَ) ( ) له موضوعية وشأن ، وهو أصل تقتبس منه المسائل والقوانين .
قانون المعجزة الحسية فرع المعجزة العقلية
هذا علم مستحدث في هذا الجزء من التفسير وهو مما رزق الله عز وجل النبي محمداً من بين الأنبياء لأنه خاتم النبيين ، ولبقاء شريعته إلى يوم القيامة .
فمعجزات الأنبياء حسية تدرك بالحواس كناقة صالح وعصا موسى عليهما السلام.
أما النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقد أفاض الله عز وجل عليه بالمعجزة العقلية وهو آيات القرآن ، وكل آية هي معجزة قائمة بذاتها وبصلتها مع غيرها ، وهي معجزة بترشح المعجزات الحسية عنها.
ومن الجمع بينها وبين آية قرآنية أخرى ، مع لزوم ذكر المعجزة والمعجزات الحسية التي تفرعت وتتفرع عن الآية القرآنية ، لأن هذا التفرع المبارك من اللامتناهي.
ويتجلى للعلماء والمحققين من وجوه :
الأول : إحصاء وجمع الآيات التي تتضمن الخطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : إحصاء وجمع آيات (قل) بأمر من الله عز وجل إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعددها (328) آية.
الثالث : إحصاء وجمع آيات نداء الإيمان [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا].
الرابع : إحصاء وجمع الآيات التي تخص أيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة قبل الهجرة ، ومنها ما ورد في السور المكية وما فيها من الشواهد على المعجزات الحسية ، وما يتفرع عنها من المعجزات مثل قوله تعالى [رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ]( ).
وكيف أن قريشاً كانوا بنعمة عظيمة , وسعة من المال والجاه , مع معاناة أكثر أهل الجزيرة العربية من الفقر والفاقة آنذاك , ويجاهدون من أجل لقمة العيش واستمرار الحياة في أذى , ويدل عليه لجوء طائفة منهم إلى الوأد , وهو قبيح ذاتاً وأثراً ليكون من إعجاز نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم نجاة البنت من القتل من حين الولادة.
وسلامة المجتمعات مما يترتب على الوأد من النقص في الإنجاب , بقلة الزوجات والأمهات , فمن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نجاة الأولاد ذكوراَ أو إناثاَ من الوأد والقتل خشية الفقر والفاقة , قال تعالى [قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ مِنْ إِمْلاَقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ]( ).
وتدل الآية أعلاه على معجزة حسية أخرى للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهي مع سلامة البنين والبنات من القتل لزوم التقوى والعصمة من إرتكاب الفواحش , واجتناب سفك الدماء , وهو من مصاديق [وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ]( ) بما ينشر الرحمة والأمن والسلم المجتمعي .
ومن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في قوله تعالى [رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ]( )، اضطرار الذين حاربوه لإنفاق أموالهم على قتاله , ونحرهم إبل التجارة لإطعام المقاتلين الكفار المتوجهين صوب المدينة سواء الثلاثة آلاف في معركة أحد , أو العشرة آلاف في معركة الخندق .
ليكون من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحسية التي تترشح عن قوله تعالى [رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ]( )، وقوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ]( )، ظهور العوز وتراكم الديون على كفار قريش والتباطئ في سير القوافل , وقلة عدد إبل القافلة لبيان أن من معجزاته لحوق الخزي والذل لأعدائه .
وهل تتفرع معجزة حسية واحدة أم متعددة عن الآية القرآنية , الجواب هو الثاني ، من جهات :
الأولى : تفرع عدة معجزات حسية عن الآية القرآنية ، وهذا التفرع من إعجاز الآية القرآنية ، والدلائل على صدق نزولها من عند الله عز وجل .
الثانية : قانون استقراء المعجزة الحسية من الحديث النبوي .
الثالثة : أسباب نزول الآية القرآنية مادة ومناسبة للمعجزة الحسية .
الرابعة : استنباط المعجزة الحسية من الجمع بين آيتين من آيات القرآن .
ويمكن تأليف مجلدات متعددة بخصوص هذا القانون , لبيان أن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كثيرة ويصعب إحصاؤها , لأن علم تفرع المعجزات الحسية عن آيات القرآن مفتوح بابه إلى يوم القيامة.
بلحاظ أن كل آية من القرآن خزينة للعلوم ينهل منها العلماء والناس جميعاَ , وهو من مصاديق (قانون ترغيب الآية القرآنية بالغوص في علومها).
وهل سعي النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالقول والفعل للصلح والموادعة والسلم من المعجزات الحسية المتفرعة عن آيات القرآن ، الجواب نعم ، لقانون السنة النبوية مرآة للقرآن.
قانون حضور الخلافة في الآخرة
الحمد لله على نعمة الخلافة التي إنفرد بها الناس من بين الخلائق لتلازمهم في الحياة الدنيا وتكون عضداً ، وباعثاً للعمل الصالح ، وبرزخاً دون فعل السيئات ، ويحتمل حضور هذه النعمة في الآخرة وجوهاً :
الأول : مصاحبة الخلافة للناس جميعاً في الآخرة ، وهو من مصاديق ما ورد عن أبي سعيد قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أن الله خلق يوم خلق السموات والأرض مائة رحمة ، فجعل في الأرض منها رحمة فيها تعطف الوالدة على ولدها ، والبهائم بعضها على بعض ، وأخر تسعاً وتسعين إلى يوم القيامة ، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة مائة رحمة)( ).
وتحتمل هذه المصاحبة شعبتين :
الأولى : حضور الخلافة مع الناس على نحو العموم المجموعي وبهيئة يراها الناس ويدركون أنها الخلافة وما شرّفهم الله به في الحياة الدنيا ، إذ تحضر الأشياء يوم القيامة بهيئة مادية وصورة خارجية .
وعن ابن عباس يرفعه (أن “البقرة” و”آل عمران” يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو: غيَايَتان -أو فِرْقَان من طير صَوَافّ. من ذلك في الصحيح قصة القرآن وأنه يأتي صاحبه في صورة شاب شاحب اللَّون، فيقول: من أنت.
فيقول: أنا القرآن الذي أسهرت ليلك وأظمأت نهارك.
وفي حديث البراء، في قصة سؤال القبر: “فيأتي المؤمن شابٌّ حسن اللون طيّب الريح، فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح)( ).
وعن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (إن العبد المؤمن إذا قام من قبره للحشر تمثل له رجل جميل الوجه طيب الرائحة فيقول : من أنت؟ فيقول أنا عملك الصالح فيقوده إلى الجنة ، وبعكس هذا في الكافر)( ).
فان قلت هل هذه حجة في عدم حضور الخلافة في الآخرة فلو كان لبان ، فلم تذكر الخلافة كما ذكر حضور القرآن والعمل الصالح بهيئة جميلة.
الجواب لا ، لان الخلافة ميثاق ولبيان أن خلافة الإنسان ليست مطلقة لا زماناً ولا موضوعاً ، فهي نوع أمانة يعقبها الحساب ، قال تعالى [وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ]( ).
الثانية : حضور الخلافة مع كل إنسان ذكراً كان أو أنثى على نحو العموم الإفرادي.
الثاني : مصاحبة نعمة الخلافة لخصوص المؤمنين من الأمم المتعاقبة .
الثالث : ملازمة الخلافة في الآخرة للأنبياء على نحو التعيين بلحاظ أن قوله تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، خاص بالأنبياء فيعرفون يوم الحشر بهذه الملازمة.
الرابع : الخلافة يوم القيامة ظلة وغمامة مباركة لخصوص آدم عليه السلام لأن الآية نزلت بخصوصه ، فكما انفرد من بين الأنبياء وعموم الناس بالإقامة في الجنة هو وزوجه ، والنفخ فيه من روح الله ، فكذا ينفرد بحضور الخلافة معه لاسيما وأنها فرد واحد .
الخامس : إنقطاع الخلافة في الحياة الدنيا وعدم حضورها في الآخرة لقيد (في الأرض) الوارد في الآية [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، وبخصوص الآخرة ، قال تعالى [يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ]( ).
السادس : حضور الخلافة يوم القيامة كشاهد على الناس ، بلحاظ التقيد بسننها أو الإنحراف عنها بالفساد وسفك الدماء ، وبهيئة هي الأنسب والأظهر مما ينطبق عليه قوله تعالى [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ).
السابع : مسألة الخلافة في الأرض لا صلة لها بعالم الحساب والجزاء .
وعن أبي العباس أنه سأل الإمام الصادق عليه السلام (عن قول الله عز وجل : وعلم آدم الأسماء كلها ” ما هي ؟
قال: أسماء الأودية والنبات والشجر والجبال من الأرض)( ).
الثامن : شفاعة الخلافة يوم القيامة للذين عملوا بأحكامها أو مطلقاً حتى للذين لم يعملوا بها بلحاظ أنهم المحتاجون إلى الشفاعة كما في قوله صلى الله عليه وآله وسلم (ادخرت شفاعتي لاهل الكبائر من امتي)( ).
التاسع : التباين في الحكم والكيف بين كبر هيئة الخلافة التي تحضر مع الأنبياء والأئمة عليهم السلام وأقل منها مع المؤمنين ، وصغرها مع عامة الناس.
العاشر : حضور الخلافة في عالم البرزخ في الحساب الإبتدائي ، ومجئ منكر ونكير إلى القبر ، دون عالم الآخرة .
الحادي عشر : حضور الخلافة يوم القيامة مع إعراضها وعزوفها عن الذين أفسدوا في الأرض وسفكوا الدماء وهذا الإعراض من مصاديق رد الله عز وجل على الملائكة بقوله [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( )، حينما احتجوا على جعل الإنسان في الأرض خليفة.
والمختار هو الشعبة الثانية من الوجه الأول أعلاه.
وقد تفضل الله عز وجل وعلم آدم وهو في الجنة قبل أن يهبط إلى الأرض جميع الأسماء ، لورود سور الموجبة الكلية [كُلَّهَا] في قوله تعالى [وَعلم آدم الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ]( ).
وهل من صلة بين خلق آدم في الجنة وحضور الخلافة في الآخرة ، المختار نعم.
ويحتمل السؤال من الله عن الأسماء في قوله تعالى [أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَء] وجوهاً :
الأول : إرادة كل الأسماء التي علمها الله عز وجل لآدم .
الثاني : المقصود أسماء ومسميات معدودة .
الثالث : مسميات ظاهرة أمام الملائكة .
والمختار هو الثاني والثالث أعلاه .
إذ ذكرت الآية (أسماء هؤلاء) بارادة اسم الإشارة للقريب الظاهر ، المدرك بالحواس .
لإقامة الحجة على الملائكة من عند الله فاذا كانت الملائكة تعجز عن معرفة بعض الأسماء التي علمها الله عز وجل آدم والقريبة منهم ، فمن باب الأولوية أهلية آدم للخلافة في الأرض وأنه يعلم الأسماء كلها.
بحث منطقي
دأب علماء المنطق من الأقدمين على بيان منهاج مباحث علم المنطق وفق أبواب مرتبة هي :
المبحث الأول : المقدمة ، وتتضمن تعريف علم المنطق وموضوعه ، والمنفعة من تعلمه ، والحاجة إليه .
والمنطق لغة هو مصدر ميمي مشتق من كلمة النطق ، وهو صدور اللفظ من الإنسان ، وبمعنى الكلام ومفرده كلمة .
وتعريف المنطق في الإصطلاح أنه آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن من الوقوع في الخطأ عند التفكير والتدبر ومقدمات القول أو الفعل .
وقد أطلق على علم المنطق أسماء أخرى منها :
الأول : علم الميزان لأن به توزن البراهين والحجج .
الثاني : رئيس العلوم ، ونسبت هذه التسمية إلى الفارابي ، ولا أصل لها ، لأولوية تقديم علوم التنزيل والسنة ، وعلم الكلام ، وأحكام وسنن الشريعة .
والقول بأنه آلة لتحصيل العلوم المتعددة لا يعني أنه رئيسها ، إنما هو مقدمة أشارت إليه آيات قرآنية عديدة منها آيات التدبر ، كما في قوله تعالى [كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ]( ).
وآيات التفكر كما في قوله تعالى الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
الثالث : خادم العلوم وبه سماه ابن سينا ، كما في كتاب غمز عيون البصائر في شرح الأشياء والنظائر لشهاب الدين الحسيني الحموي المتوفى سنة (1098)هجرية .
وجاءت تسمية ابن سينا لعلم المنطق بأنه خادم العلوم رداً وانكاراً لتسمية الفارابي له (رئيس العلوم ).
الرابع : علم قواعد التفكير .
الخامس : معيار العلوم .
ولابن السكيت كتاب اسمه (إصلاح المنطق ) وهو كتاب كالمعجم اللغوي ولا صلة له بعلم المنطق .
المبحث الثاني : مبحث الألفاظ : لقد رزق الله عز وجل الإنسان النطق والإفهام ، وتبين أول كلمات آدم حين خلقه الله أن المدار على اتخاذ الكلام وسيلة للإفهام ، وجعل الألفاظ للمعاني بقوله تعالى [وَعلم آدم الأَسْمَاءَ كُلَّهَا..] ( ) ولما بعث الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم كانت أول آية نزلت عليه هي [اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ]( ).
وهل هذه الآية مدخل لعلم المنطق ، الجواب نعم ، لتبقى سبباً للهداية والإيمان، وبرزخاً دون مفاهيم الضلالة والجحود ، ودليلاً على قانون تأسيس العلوم في القرآن ، ومنها علم المنطق والأصول.
وإذا حضر اللفظ تبادر إلى الذهن المعنى المقصود منه للعلاقة والدلالة بينهما ، ولابد لطالب العلم من معرفة أحوال الألفاظ في الجملة من أجل ترتيب الأفكار على نحو صحيح .
وبامكان العلماء استقراء براهين وشواهد عديدة لاقتباس واستقراء كل علم من القرآن ، وأن الهداية والإرشاد والتوثيق إليها بفضل من الله عز وجل ، قال تعالى [عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ]( ).
وإذا سمعت رنة جرس الهاتف علمت أن شخصاً يطلبك ، إذ دلّ عليها الجرس ، وتسمى رنة جرس الهاتف (دالاً).
ويسمى وجود الشخص الذي يطلبك (مدلولاً).
والصفة التي حصلت من الطرقة (دلالة ) لذا فالدلالة هي انتقال الذهن إلى وجود شئ عند العلم بوجود شئ آخر ، ولابد من سبب وعلاقة بين الشيئين .
المبحث الثالث : التصورات : وهي أعم من مبحث الألفاظ ، وتسمى الحدود أي تحديد طبيعة شئ مخصوص مجهول ، كي يتصوره الذهن من غير أن يلزم إثباتاً أو نفياً إنما هو إدراك للشئ بالكلمات مثل ما يدرك من لفظ شجر ، نهر ، شهر ، قلم ، لذا فهو لا يصل إلى مرتبة التصديق .
وقسّم الفارابي وابن سينا المنطق إلى قسمين رئيسين :
الأول : قسم التصورات .
الثاني : قسم التصديقات .
وقيل أن ارسطو هو الذي اعتمد هذا التقسيم ، ومن جاءوا بعد أرسطو قسموا المنطق إلى :
أولاً : التصورات .
ثانياً : التصديقات .
ثالثاً : القياس .
ويمكن استقراء تقسيم مستحدث أكثر دقة وصواباً من آيات القرآن.
وبلحاظ قانون هذا الجزء (آيات السلم محكمة غير منسوخة) فان من عالم التصور أن بعثة الأنبياء رحمة للناس ، وهم لا يسعون إلى القتال وسفك الدماء ، إنما جاءوا بالمعجزات التي تهدي الناس إلى الإيمان والنجاة في النشأتين وحملوا ألوية السلم.
ومن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه لم يغادر الدنيا إلا بعد أن خلّف آيات السلم وإحكامها ، وترك السنة النبوية السلمية ترجماناً وتفسيراً لها.
وتخاطب آيات القرآن العقول وفيه شاهد على سلامة آيات السلم من النسخ وغنى النبوة عن الغزو والقتال ، ومن مصاديق علم المنطق في المقام قوله تعالى [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ]( ).
وقيل من فقد حساً فقد علماً ، فمثلاً فاقد البصر من الأصل لا يتصور الألوان والتباين بينها ، ولا هيئة الهلال ، وإتساعه حتى يكون بدراً ثم أخذه بالنقصان حتى يصير إلى المحاق ، إلا مع التقريب بوصف الغير بينما يعرف الألوان والمرئيات بالضرورة الذي يملك حاسة البصر ، وينقسم التصور إلى شعبتين :
الأولى : التصور النظري ، وهو الذي يحتاج إلى فكر واستحضار تعريف يبين معنى الكلمات مثل ، المبتدأ ، المثلث واضلاعه ، والربا وحرمته ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ) ( ).
ومن التصور النظري إدراك إعجاز آيات القرآن مما يستلزم التفكر والتدبر ، قال تعالى [أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا]( ).
الثانية : التصور الضروري ، وهو ما يدرك بالحواس الظاهرة كالسمع ، والبصر ، والذوق ، واللمس من غير حاجة إلى تفكر أو تدبر مثل سماع الأصوات ، ورؤية الشجر والشمس والسماء ، أو الإحساس بالحرارة والبرودة أو الحلاوة .
ومثل رؤية الهلال خيطاً رفيعاً في الليلة الأولى ثم يتسع إلى أن يكون بدراً في وسط الشهر ثم يأخذ بالتناقص إلى أن يختفي في ليالي المحاق ، قال تعالى [وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ]( ).
وكذا ما يدرك بالحس الباطن مثل إدراك الشبع أو العطش أو الخوف .
المبحث الرابع : التصديقات ، ويشمل مباحث القضايا ، وهي التي يصح تصديقها ، كالجملة الخبرية في علم اللغة والبلاغة كقول محمد رسول الله.
فهذه قضية ،وهي جملة مفيدة ، وكذا آيات السلم محكمة غير منسوخة وقانون آيات الدفاع سلام دائم.
ومن الأخبار ما يصح تصديقه أو تكذيبه لذا ورد في خبر الفاسق قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ]( ).
أما قوله تعالى [وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً] ( )، فهو انشاء وتدخل البديهيات في القضايا لقبولها بالذات التصديق .
وتنقسم القضايا إلى شعبتين :
الأولى : القضية الحملية ، كقولك الصلاة واجب ، فالموضوع هو الصلاة ، والمحمول هو واجب ، ويحمل المحمول على الموضوع ، والمسند على المسند إليه .
وتنقسم القضية الحملية إلى قسمين :
الأول : القضية الحملية الموجبة كما في المثال أعلاه ، ومثل الصيام فريضة وقوله تعالى [وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا]( ).
الثاني : القضية الحملية السالبة مثل (لم يغز النبي (ص) أحداً ) و(ليس آيات السلم منسوخة).
وتنقسم القضية الحملية بقسميها أعلاه بلحاظ موضوعها إلى شخصية وطبيعية ومهملة ومحصورة ، وتنقسم القضية المحصورة إلى شعبتين :
الأولى : الكلية ، وهي تغشي القضية لجميع المصاديق مثل [وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ] ( ) ومثل كل معارك النبي صلى الله عليه وآله وسلم دفاعية و(كل آيات السلم محكمة).
الثانية : الجزئية ، مثل [وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا] ( ).
الثانية : القضية الشرطية ، لإرادة وجود نسبة بين قضية وأخرى ، مثل : إذا هّل هلال رمضان وجب الصوم ، فالمقدم هو هلال رمضان والتالي هو الصوم .
والرابطة هي أداء الربط بين الجملتين (إذا ) ومثال : إذا هجم مشركو قريش لزم الدفاع كما في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ).
فالمقدم هجوم المشركين ، والتالي هو الدفاع ، والرابط (إذا ).
قانون سلامة القرآن من الزيادة والنقصان
من إعجاز القرآن قانون سلامته من التحريف والزيادة والنقيصة.
ومن الدلائل على سلامة القرآن من التحريف قوله تعالى [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون]( )، وقوله تعالى [لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ]( ), وحديث الثقلين , والروايات الواردة في ثواب قراءة وخواص ومنافع السور ، وثروة الجدال والإحتجاج بالقرآن وسلامة آيات الأحكام , وتأكيد الصحابة على موضوعية الواو في الأنصار , (وروي أن عمر بن الخطاب قرأ : [السَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ]( )، برفع الواو وحذف الواو من الذين .
قال له أُبيّ بن كعب : إنما هو والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان وإنه قد كرّرها مراراً ثلاثة، فقال له : إني والله لقد قرأتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين اتبعوهم بإحسان، وإنك يومئذ شيخ تسكن ببقيع الغرقد.
قال : حفظتم ونسينا وتفرغتم وشغلنا وشهدتم وغبنا ثم قال عمر لأُبيّ : أفيهم الأنصار.
قال : نعم ولم يستأ من الخطاب ومن ثمّ قال عمر : قد كنت أظن إنّا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا فقال أبي : بلى،
تصديق ذلك أول سورة الجمعة وأواسط سورة الحشر وآخر سورة الأنفال قوله [وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ]( )، إلى آخره وقوله تعالى [وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ]( ) إلى آخر الآية)( ).
والإستقراء من أحاديث العرض , بعرض الأحاديث على القرآن لبيان صحة سندها بلحاظ موافقتها لآيات القرآن ، وما بين الدفتين قرآن
المعجزة شاهد سلامة القرآن من التحريف
المعجزات الحسية المترشحة عن المعجزة العقلية من شواهد على سلامة القرآن من التحريف وكذا قراءة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين القرآن في الصلاة اليومية , وحفظ المسلمين القرآن من التحريف على وجوه محتملة :
الأول : اجتهاد المسلمين في منع التبديل والتقييد لبعض الكلمات .
الثاني : المناجاة العامة بمنع الزيادة في القرآن ، وهو من مصاديق [وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ]( )، إذ أن المناجاة والتوصية وتوارث المسلمين للنطق بالآيات وكتابتها كما أنزلت من عند الله عز وجل من مصاديق التواصي بالحق ، قال تعالى [وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ]( ).
الثالث : إدراك كل مسلم ومسلمة حرمة النقص في القرآن .
والتحريف لغة الإنحراف والميل والعدول عن الشئ , قال تعالى [يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ]( ).
ومعناه الإصطلاحي من نفي التحريف هو سلامة القرآن من الزيادة والنقصان في الكلمات والحروف .
وهل من موضوعية لنزول القرآن نجوماَ في سلامته من التحريف الجواب نعم .
وهل من موضوعية لسلامة القرآن من التحريف في علم الناسخ والمنسوخ ، الجواب نعم ، ومنه الإستدلال في هذا الجزء والإجزاء المشابهة الأخرى بسلامة آيات السلم من النسخ لحضور الآيات كما أنزلت.
وكما تترشح المعجزة الحسية عن آيات القرآن فان القرآن شاهد على أمور :
الأول : صدق المعجزة النبوية الحسية ، كما في صحة الإسراء لقوله تعالى [سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ]( ).
الثاني : التوثيق المؤبد للمعجزة النبوية لبقاء القرآن سالماً من التحريف إلى يوم القيامة .
الثالث : صيرورة المعجزة حجة وبرهاناً على صدق النبوة .
و(عن أنس قال : سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وآله وسلم آية فانشق القمر بمكة فرقتين فنزلت [اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ] ( )، إلى قوله {سحر مستمر} أي ذاهب)( ).
خصائص آيات (قل)
لقد أكرم الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بمعجزة عقلية وهي ورود الأمر والخطاب (قل) ثلاثمائة وثمانية وعشرين مرة في القرآن ، عدا عموم الوحي , وكل واحدة منها معجزة من جهات :
الأول : صيغة الأمر , وما تدل عليه من صفة عبودية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لله عز وجل وامتثاله المطلق لأوامره تعالى .
وقال الإمام الرضا عن آبائه عليهم السلام : (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ” لا ترفعوني فوق حقي فإن الله تبارك وتعالى اتخذني عبدا قبل أن يتخذني نبيا.
قال الله تبارك وتعالى : ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون)( ).
وعن الإمام الصادق عليه السلام قال :(إن الله تبارك وتعالى اتخذ إبراهيم عليه السلام عبدا قبل أن يتخذه نبيا، وإن الله اتخذه نبيا قبل أن يتخذه رسولا، وإن الله اتخذه رسولا قبل أن يتخذه خليلا، وإن الله اتخذه خليلا قبل أن يجعله إماما، فلما جمع له الاشياء قال: ” إني جاعلك للناس إماما ” قال : فمن عظمها في عين إبراهيم قال: ” ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين ” قال: لا يكون السفيه إمام التقي.) ( ).
الثاني : كثرة مواضيع آيات (قل) .
الثالث : بيان آيات (قل) للأحكام الشرعية , ليكون معاني صيغة الأمر فورية العمل بالأحكام .
الرابع : تلاوة المسلمين لآيات (قل) وتقديرها (قولوا)، ومن الخاص قوله تعالى [قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِ وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ]( ).
الخامس : بسؤال النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمشركين ، واجابته على ذات السؤال من غير أن ينتظر منهم جواباَ , ومنه قوله تعالى [قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلْ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ]( ).
وقد ورد لفظ (قل) في هذه الآية خمس مرات , وورد اسم الجلالة سبع مرات والثامنة (ربك) في قوله تعالى [إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَي اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنْ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ]( ).
السادس : آيات (قل) مدرسة في الإحتجاج على المشركين .
السابع : من أسرار آيات (قل) أنها باعث على الإيمان , وتثبيت أقدام المسلمين في منازل الهداية والإيمان .
الثامن : بيان قانون وهو آيات (قل) دعوة للسلم ، وتغليب لغة الحوار والإحتجاج الذي يقترن به الأمن طوعاً وانطباقاً.
آيات الصيام سلام متجدد
من معاني السلم التراحم في آيات الصيام تعاهد المسلمين لصيام شهر رمضان من كل سنة من غير تحريف أو زيادة أو نقيصة .
وهو من فضل الله عز وجل ، والشواهد على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأداء الأجيال المتعاقبة من أمته للفرائض العبادية وفق أحكام التنزيل لتكون دعوة للأمن في الأرض وقهر النفس الغضبية والشهوية.
وتضمنت آيات الصيام مسائل :
الأولى : ذكر اسم شهر رمضان في القرآن تشريف له .
الثانية : بيان صفة خلود لشهر رمضان , وهي نزول القرآن في أيامه .
الثالثة : ذكر قانون الهدى من وجوه :
أولاَ : التنزيل هدى للناس وبينات ، وقد ورد لفظ (هدى للناس) ثلاث مرات في القرآن ، وهي :
الأولى : خصوص القرآن ، قال تعالى [شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]( ).
الثانية : إرادة التوراة والإنجيل ، كما في قوله تعالى [وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ *مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ]( ).
الثالثة : قصد التوراة في قوله تعالى [وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ قُلْ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ]( ).
وتبين هذه الآيات مجتمعة قانون ملازمة الهداية للناس في كل زمان بالتنزيل وهو من رحمة الله عز وجل ، ومن مصاديق قوله تعالى [فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ]( ).
ثانياَ : آيات وسور القرآن هدى للناس .
ثالثاَ :اجتماع شهر رمضان ونزول القرآن هدىَ للناس .
الرابعة : مجئ البينات للناس بنزول القرآن , وبحلول شهر رمضان في كل عام لبيان أنه مدرسة الفقاهة , ومناسبة إخلاص العبادة وتجلي الخلق الحميد , والتخلي عن المعاصي والرذائل وقبائح الفعل المذموم ، وهو من الهدى والبينات في قوله تعالى [شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]( ).
الخامسة : من إعجاز الآية مجيؤها بصيغة اسم الجنس (هدى), والبينات بالجمع لبيان الكثرة والتعدد والتوالي والتعاقب فيها.
وكل آية قرآنية بينات متعددة , قال تعالى [وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ]( ).
والآية أعلاه من سورة يونس , وهي مكية , ولم يكن القرآن قد نزل كله في مكة , مما يدل على أن تلاوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الناس شطر من آيات وسور القرآن قبل الهجرة.
والظاهر متعلق البينات بالقرآن ونزوله إلا أنه لا يمنع من فيوضات خاصة لشهر رمضان .
السادسة : بيان قانون آيات القرآن فرقان , وفصل وفيصل وتفصيل بين الحق والباطل .
السابعة : دعوة المسلمين والمسلمات في كل زمان إلى رصد أول شهر رمضان بل رصد الأهلة مطلقاً لمعرفة أوان هلال رمضان وهو الشهر التاسع من من أشهر السنة القمرية ، ويستقرأ الإطلاق في رصدها من قوله تعالى [يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] ( ).
لبيان إنشغال المسلمين بمتابعة مقدمات العبادة , والتهيئ لها , وفيه شاهد على أن آيات الأحكام سلام وأمن .
وهل يصح تقدير آية البحث بصيغة التأنيث للنساء (فمن شهدت منكن الشهر فلتصمه).
الجواب نعم , بلحاظ أن الخطاب في الآية قبل السابقة لعموم المسلمين والمسلمات [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ]( ) ليشمل استحباب العناية بالهلال من قبل المسلمات أيضاَ وإن قيل بعدم قبول شهادة المرأة في الهلال.
قانون آية الأهلة سلام
من علامات الحقيقة التبادر كما في مبحث الألفاظ في علم أصول الفقه ، والمراد منه إنسباق الذهن عند سماع الكلمة أو الجملة إلى معنى مخصوص من دون قرينة مقالية أو حالية ، للدلالة على أن استعمال اللفظ في المناسب حقيقة وليس مجازاً ، وإن كان حقيقة شرعية ، كما في قوله تعالى [يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] ( )، أي يسألونك يا رسول الله عن أحكام الهلال ، والأهلة جمع هلال ، وقد سألوا عن الهلال لماذا يظهر خيطاً رفيعاً ثم يتسع ويكبر ، ثم يكون بدراً ثم يأخذ بالنقصان.
فأجابهم الله عز وجل بما فيه النفع في الدارين ، بأن هيئة الهلال لتنظيم أعمال الناس وضبط الأوقات ، وللفرائض والعبادات كالحج ، ولم تذكر الآية الصيام لورود آية خاصة به ، وهو قوله تعالى [فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ]( ).
ولدخوله مع عمومات (مواقيت للناس) ولأن ذكر الحج بيان لأداء الفرائض العبادية.
نعم يدخل هلال شهر رمضان وشهر شوال في آية (الأهلة ) وهو من الإعجاز في مجئ الآية بصيغة الجمع .
ومن إعجاز الآية مجئ الجواب من عند الله عز وجل بصيغة العموم الإستغراقي ( مواقيت للناس ) من جهات :
الأولى : بيان الآية لبقاء نظام الأهلة وسير الهلال إلى يوم القيامة ، لا يستطيع البشر تغييره بما يخالف وظيفته في ضبط المواقيت.
الثانية : صحيح أن كثيراً من الناس يعتمدون حساب الشمس إلا أنه لا يغني عن الحساب القمري، قال تعالى [لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ] ( ).
الثالثة : إفادة الألف واللام في [النَّاسِ] الجنس واستقراء جميع الأفراد ، وعموم أهل الأرض في كل زمان في العبادات والمعاملات والأحكام .
وهو من مصاديق قانون الدنيا دار الرحمة ، فهناك نعمة عظيمة من الطبيعي الكلي الذي ينتفع منه الناس جميعاً ، البر والفاجر ، والمسلم والكتابي ، والكافر .
الرابعة : آية الأهلة محكمة ، وسالمة من النسخ ، وموضوعها متجدد كل يوم ، إذ يطل علينا الهلال في الليلة الأولى والثانية من الشهر ثم ينتقل في منازله وأطواره على نحو التدريج إلى :
الأول : الهلال المتزايد.
الثاني : التربيع الأول.
الثالث : الأحدب والبدر.
الرابع: البدر منتصف الشهر القمري.
الخامس :الأحدب المتناقص.
السادس :التربيع الثاني .
السابع : الهلال المتناقص.
الثامن : المحاق وهو آخر منازل القمر في مدة شهر .
ويدل هذا التقسيم والإعجاز الكوني المتجدد في التباين في حجم القمر وساعة اطلالته في المساء على عدم إنحصار التوقيت بأول الشهر وآخره ، فقد تكون المعاملات في الثلث الأول أو الثاني أو الأخير من الشهر ، كما في الديون ، وعدة المطلقة ، والمتوفى عنها زوجها .
ومن الحساب الجزئي وما هو أقل من الشهر قوله تعالى [وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ]( )، والمراد الليالي العشر الأوائل من شهر ذي الحجة .
و(عن جابر : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال {والفجر وليال عشر والشفع والوتر }( ) قال : إن العشر عشر الأضحى والوتر يوم عرفة ، والشفع يوم النحر) ( ).
ويرد الحساب في القرآن حتى في الليلة الواحدة كما في قوله تعالى [ِإنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَي اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ]( ).
ويأتي الجمع [الأَهِلَّةِ] في الموضوع المتحد لعدة أشهر أو عدة سنوات ، كما في قوله تعالى [قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّالِحِينَ] ( ) .
ولم يرد لفظ [أُنكِحَكَ] ،[ ابْنَتَيَّ]،[ هَاتَيْنِ]، [حِجَجٍ]، [أَتْمَمْتَ]،[ أَشُقَّ] في القرآن إلا في هذه الآية ، واعتمد حساب عشر سنوات وفق سير ومنازل القمر ، لأن النبي يعطي بالأوفى ، فلابد أنهم كانوا يعلمون منزل وموضع هلال كل شهر بحيث يحسبون كل اثني عشر هلالاً سنة كاملة .
ومن معاني بيان القرآن لحساب الأيام والأشهر والسنين دعوة الناس للعناية بأمورهم المعاشية ، وضبط المعاملات والإنصاف والعدل في الحكم ، وإحقاق الحق ، ومنع الغش ، والخداع ، والتدليس على الناس.
ولبعث السكينة في النفوس ، وإنقطاع الناس إلى ذكر الله عز وجل .
ولا ينحصر ترتيب المكاسب والتجارات بالأهلة وحساب الشهور ، فقد يكون وفق فصول السنة كالزراعات ، لذا نزل بخصوص تجارة قريش قوله تعالى [لِإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ] ( )، فكانت قوافلهم تسير في الشتاء إلى اليمن لأنه بلد حامي ، وفي الصيف إلى الشام لأنه بارد ، مما يدل على الظاهر أن معركة بدر وقعت في فصل الصيف .
ولا يعني هذا أن تجارة قريش في الصيف لا تكون إلا إلى الشام ، وكذا بالنسبة لتجارة الشتاء إلى اليمن ، إنما هو الفرد الغالب ، وإذا اتفق موسم الحج في الشتاء واحتاجت قريش شراء الحبوب والقطن والأقمشة والذهب والفضة من الشام فان قوافلهم تقطع الصحراء إليها .

من رشحات قانون الإستعانة
قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ] ( ).
قد تقدم في الجزء الأربعين بعد المائتين قراءة بلحاظ قانون (آيات السلم محكمة غير منسوخة ) بخصوص قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ] ( )، وهي أول آية من آيات نداء الإيمان في نظم القرآن ( ) بعنوان آية [قُولُوا انظُرْنَا] وفيه دعوة للسلم والصبر .
لبيان قانون وهو آيات السلم أكثر بكثير من التي تتضمن لفظ السلم كما في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ] ( ) .
والآيات التي تدل على الصلح كما في قوله تعالى [الصُّلْحُ خَيْرٌ] ( ) .
ومن خصائص آيات الأخبار والقصص سلامتها من النسخ ، وعدم طروه عليها لأنها حقائق عقائدية وشواهد تأريخية ثابتة .
وتتضمن آية البحث أموراً :
الأول : نداء الإيمان .
الثاني : الأمر إلى المسلمين والمسلمات بالإستعانة بالصبر .
الثالث : الأمر بالإستعانة بالصلاة .
الرابع : الإستعانة الجامعة بالصبر والصلاة قربة إلى الله ورجاء فضله وإحسانه.
الخامس : قانون في جملة خبرية وهو أن الله مع الصابرين .
ولم تقل الآية (ان الله مع المصلين) لبيان أن النسبة بين الصبر والصلاة عموم وخصوص مطلق ، فالصلاة صبر في طاعة الله عز وجل.
وهل يصح تقدير الآية : إن الله مع المصلين ، الجواب نعم ، قال تعالى [فَإِذَا قَضَيْتُمْ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا] ( )، وقوله تعالى [كِتَابًا مَوْقُوتًا] ( ) أي واجباً مفروضاً.
وقد تقدم في الجزء السابق قراءة سلمية في آيات [كُتِبَ عَلَيْكُمْ]( ).
ووردت الإستعانة في القرآن بالله عز وجل ، وهي من أبهى مصاديق التوحيد وفي الآيات :
الأولى : قوله تعالى [إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ]( ).
الثانية : قوله تعالى [قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ]( ) وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ .
الثالثة : قوله تعالى [وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ]( ) فليس من أمة شرفها الله بالإستعانة بالصبر مثل المسلمين ، ومن مصاديق هذه الإستعانة قوله تعالى [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ] ( ).
ومن وجوه الإستعانة بالصبر :
الأول : الصبر في طاعة الله .
الثاني : الصبر عن معصية الله ، فهذا الصبر أمر وجودي وحبس للنفس ومسك وقبض إرادي للجوارح ، وبعث للنفرة في النفوس من المعاصي ، وهل يختص هذا البعث بصاحبه ، الجواب لا ، إنما يتأسى ويقتدي به الأخرون .
الثالث : الصبر عند نزول المصيبة ، قال تعالى [الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ]( ).
الرابع : الصبر في دفع الفتنة .
والمؤمن لا يعلم عدد الذين اقتدوا به في عمل الصالحات ، وفي إجتناب السيئات ، وهل هو من مصاديق قوله تعالى [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ]( ) في رد الله عز وجل على الملائكة.
الجواب نعم ، ليبين الأجر والثواب العظيم والمضاعف للمؤمن والمؤمنة يوم القيامة ، فيرى أنه لم يعمل من الصالحات ما يكون سبباً وعلة لهذا الثواب.
فيأتيه الجواب من عند الله : إنه ثواب إقتداء الناس بك.
وهل يختص هذا الثواب بالمقتدين به ممن حوله وممن كان حياً بين ظهرانيهم ، الجواب إنه أعم ويشمل الأبعد عنه ، والذين اقتدوا وتعلموا منه بعد وفاته بدقة وإحصاء لا يعلمه إلا الله عز وجل.
قانون الإستعانة بالصلاة
من الثوابت في الشريعة الإسلامية قانون الإستعانة بالله وحده ، قال تعالى [أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا]( )، فلا تصح الإستعانة بغيره ، وهو لا يتعارض مع قانون التوسل ، ونزل القرآن بالإستعانة بالصبر والإستعانة بالصلاة كما في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ] ( )، لتكون هذه الإستعانة متعددة من جهات :
الأولى : الإستعانة بالصبر .
الثانية : الإستعانة بالصلاة .
الثالثة : الإستعانة بالصبر والصلاة مجتمعين .
ترى ما هي النسبة بين الإستعانة بالله والإستعانة بالصبر والصلاة ، الجواب نسبة الأصل والفرع بتقريب ، وتقدير الآية على وجوه منها :
الأول : يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالله بالصبر في البأساء والضراء .
الثاني : يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالله بأداء الصلاة في أوقاتها .
الثالث : يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالله بالصبر والصلاة معاً .
الرابع : يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالله في الصبر عن المعاصي.
الخامس : يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالله لتثبيت مفاهيم السلم في الأرض وتحمل أذى المشركين.
لبيان أن الإستعانة بالصبر والصلاة ليست بعرض واحد مع الإستعانة بالله عز وجل ، إنما هي بطولها وفرع منها .
وجعل الله عز وجل العبادات والفرائض على وجوه :
الأول : العبادات طريق ومرآة الإستعانة بالله ومظهر من مظاهرها .
الثاني : قانون العبادات سبيل قضاء الحوائج .
الثالث : قانون الدنيا دار الإستعانة بالله .
الرابع : الصبر في سبيل الله والصلاة قربة إلى الله عز وجل سبيل من سبل الإستعانة بالله عز وجل ، وهل جاء ذكر الصبر والصلاة في موضوع الإستعانة من باب الحصر أم المثال.
المختار هو الثاني لبيان أن سبل الإستعانة بالله من اللامتناهي ، وتحتمل تلاوة المسلم للآية القرآنية وجوهاً :
الأول : تلاوة الآية القرآنية صبر.
الثاني : تلاوة الآية القرآنية استعانة بالله لأمور الدنيا والآخرة.
الثالث : تلاوة آيات القرآن فرع الإستعانة بالصلاة .
الرابع : تلاوة آيات القرآن صلاح وهداية إلى الإستعانة بالله والتنزه عن الشرك ، قال تعالى [وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ]( ).
الخامس : تلاوة القرآن دعوة عامة للصبر والأمر بالمعروف ونبذ الخصومة والإقتتال.
قانون الصبر على السلم
لما جعل الله عز وجل الإنسان [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ) فانه سبحانه هداه إلى سبل عمارة الأرض ، مع تقريبه في كل يوم من السلم والأمن ، وتحبيب حال ومفاهيم السلام إلى النفوس وبعث النفرة من العنف والحرب والإقتتال .
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الإمام في الصبر وتحمل الأذى ، وكانت سنته القولية والفعلية في الصبر مدرسة الأجيال ، وفيه ترغيب للمسلمين بالصبر ، ولبيان أن الصبر خارج موضوع النسخ ، فلا يصل إليه النسخ أبداً .
وعن الإمام علي عليه السلام (الصبر من الإِيمان بمنزلة الرأس من الجسد ، إذا قطع الرأس نتن باقي الجسد ، ولا إيمان لمن لا صبر له) ( ).
والصبر لغة المنع والحبس ، وفي الإصطلاح إمساك النفس والجوارح عن فعل ما يؤدي إلى السخط والأذى .
والصبر واجب ، وعليه الكتاب والسنة والإجماع ، قال تعالى [وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ] ( ) لبيان أن الصبر إحسان للذات والغير.
لقد لاقى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أشد ضروب الأذى من المشركين في بدايات الدعوة النبوية ، وتعرض للشتم والإستهزاء والسخرية مع أن المعجزات كانت تترى على يديه ، وآيات القرآن تنزل بالتتابع والتوالي.
وضرب مشركو قريش الحصار عليه وعلى بني هاشم في شعب أبي طالب ثلاث سنوات ، ولم يشهر سيفاً ، ولم يمسك عموداً ، كان سلاحه الصبر وتلاوة آيات القرآن .
وصبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الفقر والفاقة ، وعندما أقبلت الدنيا والغنائم أظهر الزهد ، وأنفق الأموال التي تأتيه في ذات يوم وصولها ، وقد ينفق مائتي وثلاثمائة ألف في اليوم ، ويمسي أهل البيت وليس في بيوتهم ناراً لطبخ زاد.
وهل ذات هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من مكة إلى المدينة من الصبر ، الجواب نعم ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ]( ).
كما صبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على أذى المنافقين والمنافقات في المدينة ، وكان من منافع هذا الصبر الصلاح العام ، والأجر والثواب ، وتوبة طائفة من المنافقين ، وعندما اختارت قريش وحلفاؤها الحرب والقتال ضد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم يرد عليهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالمثل ، ولم يغز مكة بغتة ، ولم يتخذ من عمرة القضاء وسيلة للسيطرة على مكة ، وكان أمراً سهلاً ، ولكنه صبر واجتنب سفك الدماء في الحرب مع عدم أهلية المشركين لولاية البيت ، وقبل شرطهم بعدم أدائه وأصحابه العمرة عام الحديبية.
فان قلت قد سار النبي في السنة الثامنة للهجرة وبعد عمرة القضاء بسنة واحدة لفتح مكة ، الجواب من جهات :
الأولى : نقض المشركين بنود صلح الحديبية .
الثانية : صيرورة أكثر أهل مكة مسلمين ، وانتظارهم ذكوراً وإناثاً الفرج ، ودعوتهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم للقدوم .
الثالثة : حاجة مكة للتنزه عن الشرك والأوثان المنصوبة في البيت الحرام والتي كان عددها ثلاثمائة وستين صنماً .
الرابعة : فتح مكة رحمة دنيوية وأخروية بأهلها وباب لتوبتهم وصلاحهم ، قال تعالى [وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ]( ).
الخامسة : من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تبدل حال أهل مكة بعد معركة الخندق وصلح الحديبية ، ودخولهم الإسلام أفواجاً.
وصار المسلمون والمسلمات يؤدون الصلاة في مكة علانية ، ويتلون آيات القرآن ، ودخل عدد من رؤساء المشركين الإسلام ، وظهور طائفة [وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ] وهم ضعيفوا الإسلام والمترددون في أمرهم.
فنزل القرآن بذكرهم وخصهم بسهم من الصدقات ، قال تعالى [إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ] ( ).
قانون الإستعانة بالصبر في الحديبية
من معاني قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ] ( )، بلحاظ صلح الحديبية وجوه :
الأول : يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر لتحقيق السلم .
الثاني : يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر على شروط الذين كفروا في تحقيق صلح الحديبية ، فحالما وصل النبي صلى الله عليه وآله وسلم موضع الحديبية قال (لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألون فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياهما ثم قال للناس انزلوا)( ).
وتقديم الرضا بشروط المشركين بقيد صلة الرحم وقبل نزول الجيش من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من جهات :
الأولى : تهيئة أذهان الصحابة للصلح .
الثانية : البشارة بعدم حدوث قتال ، إذ كان بعضهم يخشى هجوم المشركين لا سيما وأن المسلمين منزوعو السلاح .
الثالثة : قانون الطمأنينة بجوار البيت الحرام ، إذ صار الصحابة على بعد عشرين كيلو متر منه ، قال تعالى [وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا( )
الرابعة : بيان قانون أولوية السلم في منهاج النبوة .
الخامسة : قانون تنمية ملكة السلم والصلح عند المسلمين ، فلما قال الله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ]( ) جاءت السنة النبوية لبيان كيفية هذا الدخول ، وسبله ، وعدم التردد أو التلكؤ فيه ، وهو من مصاديق قانون تفسير السنة النبوية العملي لآيات القرآن .
الثالث : يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصلاة لدعوة الناس إلى الإسلام.
وهذه الإستعانة من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فهو لم يستعن بالقوة والسلاح والسلطان والمال والجاه بل بذكر الله وسنن التقوى ، وصار أعظم سلاح لجذب الناس إلى الإيمان.
الرابع : بين الإيمان والكفر تضاد وتخاصم ، وليس من سبيل للإلتقاء بينهما ، وقد سالت الدماء بين المسلمين وبين مشركي قريش وحلفائهم.
وكان العرب يعرفون بالثأر والميل الشديد للإنتقام ، وتعيير الذي يتخلف عن الأخذ بثأره ، فنزل القرآن بنسخ هذه الأعراف ، ولزوم الدعوة والدخول في السلم في كل حال وعلى نحو الإطلاق ، لبيان قانون نسخ النبوة لأعراف الجاهلية المذمومة ، وبناء صرح قيّم النبوة القائمة على السلم والصلح والموادعة والعفو والرأفة والمحبة ، بما يفيد استدامة طاعة الله ، وحال السلم والتسامح.
وقد ورد لفظ (الجاهلية) أربع مرات في القرآن ، منها قوله تعالى [إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا]( ).
الخامس : يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم في الحديبية فانه فتح وظفر ، فما أن تم صلح الحديبية حتى نزل قوله تعالى [إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا] ( ).
وهل حال السلم واستدامته أمر وجودي أم عدمي ، الجواب هو الأول , لذا لابد من تعاهده وفيه الأجر والثواب .
وهل يدخل في قوله تعالى [ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ]( )، أم أن الضرر المتيقن من الدخول هو الإبتداء , الجواب هو الأول , فالمراد من الدخول هو استدامة البقاء في حال السلم والصلح , ودفع مقدمات الفتنة وأسباب الإقتتال وتجدده , وتقدير الآية على وجوه:
الأول : يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم ولا تغادروه .
الثاني : يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم وتقيدوا بشرائطه , قال تعالى [وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً]( ) .
الثالث : (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم) أمر مركب يتقوم بأطراف:
الأول : طرفا السلم .
الثاني : موضوع السلم .
الثالث : تعاهد حال السلم .
الرابع : الصبر على السلم , ومنع النفس الغضبية والشهوية من الإستحواذ على الجوارح وعالم الفعل .
ولذا كانت الإستعانة بالصبر على تحقيق السلم ظاهرة وجلية , فهل يستعان بالصلاة لتحقيق السلم , الجواب نعم .
ليكون من معاني ورشحات قوله تعالى [إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا]( )، أي أنها فرضت عليهم لتهذيب الأخلاق ، وتعاهد صرح السلم والترغيب بالصلح ، والرضا بحكم الله ، وقهر النفس الغضبية ، وفي التنزيل [أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ]( ).
(وقد روي عن نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: أمرني ربي بتسع الإخلاص في السر والعلانية.
والعدل في الرضا والغضب.
والقصد في الغنى والفقر .
وأن أعفو عمن ظلمني.
وأصل من قطعني.
وأعطي من حرمني .
وأن يكون نطقي ذكرا.
وصمتي فكرا ونظري عبرة) ( ) .
ومن السلم ورشحاته العفو عن الظالم والمعتدي , ومنه صلة الذي يقطع الرحم وعدم مقابلته بالمثل .
وقال ابن عربي (قَوْله تَعَالَى {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا }( ).
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى هَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ الْقِتَالِ ، وَكُلُّ مَنْسُوخٍ لَا فَائِدَةَ لِمَعْرِفَةِ مَعْنَاهُ ، لَا سِيَّمَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ) ( ) .
ولكن النقاش في الكبرى وهي عدم ثبوت النسخ وعلى فرض نسخ عدد قليل من آيات القرآن فإن معناها باق , ومضامينها القدسية متجددة ويلزم الغوص في ذخائرها , ولا يصح تعطيل تفسير آيات من القرآن.
والمختار أن الآية أعلاه محكمة غير منسوخة والمراد من آية القتال قوله تعالى في سورة التوبة [قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ]( ) .
من آيات السلم
قد تقدم ذكر بعض آيات للسلم قيل انها منسوخة , ثم جمع عناوينها والإشارة إلى الأجزاء التي تتضمنها في باب أجزاء (آيات السلم) في الجزء السابق وهو الأربعون بعد المائتين ص297.
ونذكر في هذا الجزء وأجزاء لاحقة آيات أخرى قيل أنها منسوخة ولم يثبت نسخها.
وأوصل بعض العلماء عدد الآيات المنسوخة إلى (مائة آية وأربع عشرة آية من أربع وخمسين آية ففي البقرة وقولوا للناس حسنا ولنا أعمالنا ولا تعتدوا أي لا تبدءوا بالقتال ولا تقاتلوهم)( ).
وقيل (وأما الآيات المنسوخ عمومها بالاستثناء أو ما في معناه بعدها فثلاثة وعشرون موضعا في إحدى عشرة سورة فأما الآيات المنسوخة على النظم فمائة وثلاثة مواضع في ثلاثين سورة فجملة المواضع المنسوخة مائتان وتسعة وأربعون موضعا ، وأما الآيات الناسخة فمائة وثمانية مواضع في سبع وثلاثين سورة) ( ) .
ولا أصل لهذه الدعوى ، كما سيأتي بيان سلامة كثير منها من النسخ.
لقد كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يحض على مكارم الأخلاق , وصيغة الإطلاق في حسن المعاملة , (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ألا أخبركم بخير أخلاق أهل الدنيا والاخرة.
قالوا: بلى يا رسول الله: فقال: إفشاء السلام في العالم)( ) .
ولم يقل النبي صلى الله عليه وآله وسلم افشاء التحية , ولم يخصه بالمسلمين إنما ذكر السلام بالذات والنسبة الموضوعية بينه وبين التحية عموم وخصوص مطلق , فموضوع السلام أعم , أما إذا كان المراد قول السلام عليكم فهو أخص من التحية .
لقد أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم نشر ألوية السلام بالقول والفعل وذكر لفظ (العالم) لإرادة أهل المشرق والغرب وأصحاب الملل المختلفة , (وعن الباقر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خياركم اولوا النهى، قيل: يا رسول الله ، ومن اولوا النهى.
قال: هم اولوا الاخلاق الحسنة والاحلام الرزينة، وصلة الارحام، والبررة بالامهات والآباء والمتعاهدون للفقراء والجيران واليتامى، ويطعمون الطعام، ويفشون السلام في العالم، ويصلون والناس نيام غافلون) ( ) .
ونادراَ أن تجد حديثاَ للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيه (في العالم) بينما ورد بخصوص السلام وعلى نحو مكرر .
اقسام النسخ
النسخ هو رفع حكم ثابت بخطاب وحكم لاحق لولاه لبقي الحكم في الخطاب الأول ، وأركان النسخ هي :
الأول : الناسخ وهو رافع للحكم السابق .
الثاني : المنسوخ وهو الحكم المرفوع والذي أصبح متروكاً .
الثالث : موضوع النسخ .
قال تعالى [مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ]( ).
كما جاء النسخ في القرآن بمعنى نقل الكتابة ، ولكن الفرق ظاهر في المقام إذ ورد بصفة نستنسخ ، وكانت طائفة من المتقدمين تطلق النسخ على التخصيص والإستثناء ونحوه.
وقالوا بنسخ آية السيف لمائة وأربع عشرة آية ، أما المتأخرون فقالوا باختصاص النسخ بمجئ حكم يرفع حكماً سابقاً لذا قالوا : لا ينسخ بآية القتال والسيف إلا ما فيه نهي عن القتال ، فلا يشمل حال المسلمين قبل الأمر بالقتال لعدم قدرتهم عليه فلا يجوز النهي عنه ، ولكن حتى هذا المعنى لم يثبت فان آيات السلم والصلح والموادعة باقية على حالها ، وكذا آيات النهي عن القتال.
والناسخ على أقسام :
الأول : نسخ الآية من القرآن بآية أخرى من القرآن ، قال تعالى [وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ]( ).
الثاني : نسخ القرآن للسنة النبوية ، وهو جائز فقد جعل الله عز وجل القرآن [تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( ).
و(عن ابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : لما نزلت هذه الآية( ) أسمع ربي قد رخص لي فيهم ، فوالله لأستغفرن أكثر من سبعين مرة لعل الله أن يغفر لهم . فقال الله من شدة غضبه عليهم سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَاسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ( ).
الثالث : نسخ السنة بالسنة ، وهو جائز ، و(عن ابن بُرَيْدة، عن أبيه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فنزل بنا ونحن معه قريب من ألف راكب، فصلى ركعتين، ثم أقبل علينا بوجهه وعيناه تَذْرِفان، فقام إليه عمر بن الخطاب وفَداه بالأب والأم، وقال: يا رسول الله، ما لك؟
قال: “إني سألت ربي، عز وجل، في الاستغفار لأمي، فلم يأذن لي، فدمعت عيناي رحمة لها من النار، وإني كنت نهيتكم عن ثلاث: نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، لتذكركم زيارتُها خيرًا، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاث، فكلوا وأمسكوا ما شئتم، ونهيتكم عن الأشربة في الأوعية، فاشربوا في أي وعاء ولا تشربوا مسكرا)( ).
الرابع : نسخ القرآن بالسنة ، وهو غير جائز ، فالسنة لا تنسخ القرآن خاصة وأن القرآن قطعي الصدور قطعي الدلالة ، ومن السنة النبوية ما هو ظني الصدور وان كان قطعي الدلالة ، وقال جماعة منهم أبو حنيفة بالجواز ، والمدار على الدليل والبرهان.
وقال في معالم الدين في الأصول( ) (يجوز نسخ كل من الكتاب والسنة المتواترة والآحاد بمثله ، ولاريب فيه . ونسخ الكتاب بالسنة المتواترة وهي به ، ولانعرف فيه من الاصحاب مخالفا ، وجمهور أهل الخلاف وافقونا فيه ، وأنكره شذوذ منهم ، وهو ضعيف جدا لايلتف إليه ، ولاينسخ الكتاب والسنة المتواترة بالآحاد عند أكثر العلماء)( ).
ولم ينكر نسخ السنة للقرآن شذوذ ، بل هو المشهور والمختار .
وإذا قيل أن السنة نسخت آيات من القرآن فليذكروا هذه الآيات ، والأحاديث التي نسختها كي يتبين الصواب من الخطأ وعلى فرض حصول فرد واحد أو اثنين فليس بحجة وبرهان ولا يرقى إلى إنشاء قانون وقاعدة كلية بأن السنة تنسخ القرآن ، وأحاديث العرض بخلافه.
النسبة بين النسخ والإستثناء
هناك تباين موضوعي وحكمي بين النسخ والإستثناء ، والنسخ لغة الإزالة وهو على أقسام :
الأول : يأتي البديل عن المنسوخ مثل :
الأول : نسخ الشيب الشباب .
الثاني : مجئ الناسخ مع بقاء المنسوخ على حاله ، كما في قولك نسخت الكتاب ، أي صارت له نسخة ثانية مشابهة للأولى كما هو شائع في هذا الزمان ، أما في الإصطلاح فالمعنى مختلف ، ويتعلق بالحكم ، وهو رفع حكم شرعي بدليل شرعي متأخر عنه.
ويبقى الناسخ والمنسوخ في القرآن من غير تعارض بينهما ، ولكن الآيات المنسوخة قليلة .
وأكثر النسخ الذي ذكره بعض المفسرين لم يثبت ، قال تعالى [وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ] ( ) .
ومن النسخ في السنة النبوية قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ، ونهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف الأدم فاشربوا في كل وعاء غير ألا تشربوا مسكرا) ( ).
وعن بريدة (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إني كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاث وعن النبيذ إلا في سقاء وعن زيارة القبور فكلوا من لحوم الاضاحي ما بدا لكم وتزودوا وادخروا ومن أراد زيارة القبور فإنها تذكر الآخرة ، واشربوا واتقوا كل مسكر) ( ).
أما الإستثناء فهو إخراج الاسم الواقع بعد أداة الإستثناء من الحكم الواقع على ما قبلها .
وللإستثناء أركان ، وهي :
الأول : المستثنى منه ، وهو الاسم المعرفة الذي يقع قبل أداة الإستثناء ويتعلق الحكم به في ذات الجملة.
الثاني : أداة الإستثناء ، وهي الكلمة التي تستعمل لإخراج ما بعدها من حكم ما قبلها ، وهي :
الأولى : حرف (إلا) وهو أشهرها واكثرها استعمالاً .
الثانية : اسم (غير) (سوى) ويكون المستثنى بهما مجروراً على أنه مضاف إليه .
الثالثة : فعل أو حرف جر (عدا) (خلا) (حاشا) .
وتستعمل هذه الأدوات مرة على كونها أفعالاً ، وأخرى تقبل أن تكون حروف جر ، وعليه يترتب إعراب المستثنى .
فاذا استعملت أفعالاً صار المستثنى مفعولاً به ، وهي أفعال جامدة لا تنصرف ، ويلزمها حال واحدة ، وصيغتها الماضي ، ولا يأتي منها مضارع أو أمر .
أما اذا استعملت كحروف جر فيكون المستثنى اسماً مجروراً بحرف الجر.
وورد من أدوات الإستثناء في القرآن حرف (إلا) ومنه قوله تعالى [وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ]( ).
وقد تأتي (إلا) أداة للحصر بعد النفي ، كما في قوله تعالى في ذم المجرمين [وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ]( )، وأيهما أكثر وروداً في القرآن (إلا) للإستثناء أم للحصر ، لابد من إحصاء دقيق وتتبع لآيات القرآن في دراسة خاصة ، والمختار أن استعمال (إلا) للحصر في القرآن هو الأكثر.
وقد يأتي الإستثناء في القرآن بغير أدوات الإستثناء التي ذكرها النحويون ، مما يدل على أن علوم القرآن أعم من أن تحيط بها الصناعة النحوية والأصولية والكلامية .
فقد ورد الإستثناء في قوله تعالى [إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ]( )، فقوله تعالى [فَمَنْ اضْطُرَّ] استثناء ليبقى عمل المستثنى منه على حاله ، والمستثنى يكون فرداً نادراً لا يتعارض معه إنما هو في طوله.
وليس هو من جنس النسخ .
أي من أكل من هذه الأشياء المحرمة وهو مضطر فلا شئ عليه لأنه يدفع الموت عن نفسه ، ويكون أكله بمقدار سدّ الرمق وقدر ما يقيمه .
ومن أكله بغير ضرورة وحاجة فهو باغ وعاد .
وعن الإمام الصادق عليه السلام (الباغي: الذي يخرج على الامام والعادي: الذي يقطع الطريق، لا تحل لهما الميتة) ( ).
وليس من نسخ في المقام إنما هو إضطرار ، وأحكام الضرورة سيالة من باب الطهارة إلى باب الديات .
ومن خصائص الإستثناء هنا عودة المكلف إلى حكم الأصل بعد زوال الضرورة ، بينما يبقى حكم الناسخ ولا يرجع إلى المنسوخ.
وقد يقال باحتمال العودة للمنسوخ عند تجدد ذات الحال التي أنزل فيها كما لو كان بلداً دخله الإسلام حديثاً ، وهذه العودة لم تحدث في تأريخ الإسلام إلى يومنا هذا ، لإنتفاء أسبابها ، ولعدم وجود دليل على العودة للمنسوخ عند تجدد ذات الحال التي نزل فيه ، فالتوجه إلى البيت الحرام قبلة باق إلى يوم القيامة .
وكذا قيل بالنسخ بخصوص الإستثناء في قوله تعالى [فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ..] ( )، وتمام الآية هو [وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ] ( ).
وكذا بالنسبة لقوله تعالى [وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ] ( ) وقيل فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍلا ينسخ مدة الرضاعة حولين كاملين ، إنما هو إستثناء بقيد التراضي ، ولقاعدة نفي الحرج في الدين .
الثالث : المُستثنى : وهو الاسم الذي يقع بعد أداة الإستثناء ويخرج عن حكم الاسم الواقع قبل أداة الإستثناء .
الرابع : الحكم : وهو المعنى الذي يتضمنه المستثنى منه دون المستثنى ، سواء كان إثباتاً أو نفياً .
الإختلاف بين النسخ والإستثناء
لا صلة بين النسخ والإستثناء ويكون التباين من جهات :
الأولى : النسخ رفع حكم شرعي بحكم آخر مستحدث بديلاً عنه.
الثانية : اتحاد موضوع النسخ ، كما في نسخ القبلة ، فهي موضوع واحد ولكن الإختلاف في الجهة ، فعندما صار التوجه إلى البيت الحرام قبلة نسخ وغلق اتخاذ بيت المقدس قبلة ، قال تعالى [قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ]( ).
ولم يرد لفظ (قد نرى) في القرآن إلا في الآية أعلاه ، لبيان موضوعية القبلة .
أما الإستثناء فموضوعه متعدد ، فالمستثنى غير المستثنى منه.
الثالثة : يزيح الناسخ المنسوخ من مقام الحكم ، أما الإستثناء فلا يزيح المستثنى منه .
الرابعة : قد يكون الإستثناء نفياً لإثبات أو إثباتاً لنفي مع تعدد الأفراد فالمثبت غير المنفي ، أما النسخ فانه متحد الموضوع ، والنسبة بين الناسخ والمنسوخ البدلية ويأتي الناسخ دائماً بدل المنسوخ .
الخامسة : قلة النسخ وكثرة الإستثناء في القرآن .
السادسة : لا يطرأ النسخ على الأخبار ، ويأتي الإستثناء فيها.
السابعة : يتضمن الإستثناء تقييد المدح أو الذم ، أما النسخ فهو حكم شرعي .
الثامنة : النسخ لطف وتخفيف من عند الله عز وجل ، وقد يلتقي معه الإستثناء بخصوص المستثنى منه ، كما في قوله تعالى [وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ]( )، وقوله تعالى [أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ]( ).
التاسعة : لكل من المستثنى والمستثنى منه حيزه وموضوعه فلا المستثنى يتعدى على المستثنى منه ، ولا يقع العكس للتباين الموضوعي ، بينما يأتي الناسخ ليزيح المنسوخ عن دست الحكم .
العاشرة : بقاء حكم المستثنى منه ، وحكم المستثنى إلى يوم القيامة من غير تعارض .
والنسبة بين النسخ والإستثناء ليس التساوي ، إنما هي العموم والخصوص من وجه ، فهناك مادة للإلتقاء وأخرى للإفتراق بينهما ، ومادة الإفتراق هي الأكثر .
لذا فان قوله تعالى [إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ]( )، لا تنسخ اللعنة المذكورة في الآية السابقة لخصوص الذين يكتمون البينات والحجج والبراهين التي تدل على صدق النبوة ، ونزول القرآن ، إنما يخرج المستثنى بالتخصص من عمومات الآية السابقة ومع كثرة الذين يتوبون يقل عدد الذين تنزل عليهم اللعنة من عند الله والملائكة والناس ، وهو من إعجاز القرآن باتخاذ الإستثناء وسيلة للتوبة والإنابة والصلاح.
قانون جواز النسخ
إجماع المسلمين على جواز النسخ من وجوه :
الأول : العقل ، وأن الله عز وجل لطيف يخفف عن المؤمنين .
الثاني : الشرع والنقل ، ولله المشيئة المطلقة ، يفعل ما يشاء ، وينفع النسخ الناس في النشأتين ، قال تعالى [مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ]( ).
الثالث : وقوع النسخ في القرآن .
ولا عبرة بالقليل النادر الذي أنكر النسخ ، وليس من الصحابة وأهل البيت عليهم السلام من أنكره .
وقد أقر أبو مسلم الأصفهاني (254 -233) هجرية وهو من المعتزلة ومن تابعي التابعين بجواز النسخ ، ولكنه أنكر وقوعه في القرآن ، ولا يلتفت إليه فقد سبقه الإجماع وتعقبه .
وكان أبو مسلم من رجالات الدولة العباسية ، وله تفسير جامع التأويل لمحكم التنزيل ، وهو غير متوفر ، إنما جمعت أقواله بواسطة كتب أخرى ذكرت في مجمع البيان، ومفاتيح الغيب ، لذا فالقول بأنه منكر للنسخ واقعاً لم يثبت ، وقيل أنه يحمل آيات النسخ على التخصيص ، ويجعل هذا الحمل خلافاً صغروياً .
وأستدل بقوله تعالى [لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ..] ( ) إنما ورد بالنقل من غير مستند وصل إلينا ولعله يقصد غير الذي نُقل عنه خاصة وأن قوله مخالف لإجماع الأمة .
ولا ملازمة بين النسخ والبداء ، إذ أن الله عز وجل منزه عن البداء الذي بمعنى ظهور بعد خفاء ، إنما يعلم الله عز وجل ما يصلح الناس في كل زمان ، وينقلهم من حكم إلى حكم آخر تخفيفاً ، وحكمة منه تعالى ، وهو من تصرفه المطلق في عالم الأكوان والخلائق ، فالنسخ من مصاديق قوله تعالى وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ .
وهل النسخ من مصاديق قوله تعالى [يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ] ( )، الجواب نعم .
ولكن أكثر ما ذكر من النسخ في القرآن لم يثبت ، ومنه نسخ آية السيف لنحو مائة وأربع وعشرين آية من القرآن ، وهو بعيد عقلاً وشرعاً ودلالة ، كما ورد البيان في الأجزاء السابقة وهذا الجزء بخصوص ثبوت عدم نسخ عدد من آيات السلم والصلح والموادعة، وتأتي أجزاء أخرى بذات الموضوع إن شاء الله.
بحث كلامي
يبقى العلم أمراً وجودياً، والوجود أشرف من العدم، والعلم ضده الجهل، ومن البديهيات ان العالم أشرف وأحسن من الجاهل ، وعليه النقل والعقل.
ومن خصائص العالم تسخيره علمه في طاعة الله عز وجل ، والنفع العام ، قال تعالى [وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ] ( )، وقال تعالى [إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ]( ).
وفي المرسل عن مكحول قال (سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن العالم والعابد فقال : فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم . ثم تلا النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذه الآية {إنما يخشى الله من عباده العلماء}( ) ثم قال إن الله وملائكته ، وأهل السماء ، وأهل الأرض ، والنون في البحر ، ليصلون ، على معلمي الخير) ( ).
وعن(قيس بن كثير قال: قدم رجل من أهل المدينة إلى أبي الدرداء -وهو بدمشق-فقال: ما أقدمك أيْ أخي؟ قال: حديث بلغني أنك تحدث به عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال أما قدمت لتجارة؟ قال: لا.
قال: أما قدمت لحاجة؟ قال: لا؟ قال: أما قدمت إلا في طلب هذا الحديث؟ قال: نعم.
قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: “من سلك طريقا يطلب فيه (علمًا، سلك الله به طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضًا لطالب العلم، وإنه ليستغفر للعالم مَنْ في السموات والأرض حتى الحيتان في الماء .
وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب. إن العلماء هم ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر) ( ).
ويدل الحديث بأن العلماء ورثة الأنبياء على قانون (آيات السلم محكمة غير منسوخة ) بدلالة وراثة العلماء للعلوم والمعارف ، فلم يرثوا منهم السيف وتعلم الرماية ، إنما ورثوا العلم ، قال تعالى [وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ]( ).
وقد شرف الله عز وجل الإنسان بالعلم وجعله زينته وغذاءه الروحي وبصره ودليله.
وقد تجلى شأن العلم في حياة الإنسان باقترانه بأصل خلقه إذ جعله الله عز وجل موضوعاً لأول خطاب تلقاه آدم بقوله تعالى [ وَعلم آدم الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ]( ) .
وكان العلم عنوان الفخر منذ خلق آدم عليه السلام، ولم يكن فخراً مقارنة مع المخلوقات ذات المراتب الأدنى من جنس الإنسان بل أمام الملائكة الذين شرفهم الله عز وجل بالقرب والدنو من العرش وبخصال كريمة ينفردون بها.
وينقســم العقلاء إلى قســـمين عالم وجاهل، والإنسان ينفر من الجهل ولا يركــن اليه لما نفـخ الله تعالى فيه من روحه، وقد دأب الأنبياء والحكماء وقادة الأمم على تحصيل العلم واكتسابه إلا أن الأنبياء ينفـــردون بخصـوصــيـة وهي الوحـــي والعلم من عنـد الله عز وجل .
ولا يمكـن إجراء مقارنة تشابه بين العلم الحضوري والكسبي، فارقى مراتب التحصيل لا تبلــغ أدنى درجات الوحي مطلقاً، ووحــي النبوة أســناها وأعلاها .
ومع اختصــاص الوحي بالأنبياء فانهم شاركوا الناس طلب العلم وكانوا رواده والمبــادرين اليه بجــد ومثابرة، وقد ورد (عَنْ أَبِى ذَرٍّ قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: يَا أَبَا ذَرٍّ لأَنْ تَغْدُوَ فَتَعَلَّمَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تُصَلِّىَ مِائَةَ رَكْعَةٍ وَلأَنْ تَغْدُوَ فَتَعَلَّمَ بَابًا مِنَ الْعِلْمِ عُمِلَ بِهِ أَوْ لَمْ يُعْمَلْ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تُصَلِّىَ أَلْفَ رَكْعَةٍ)( ).
ورمي الحديث بضعف السند.
إن مســألة من مســائل العلم تفتح أبواباً عقـائــدية كل واحــد منهــا يســـاهم في تثبــيت أركان العبــادة في الأرض ، ومنه قوله تعالى [عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ] ( ).
وبين طلب العلم والعبادة عموم وخصوص من وجه وليس عموماً وخصوصاً مطلقاً، ففي طلب العلم منافع يلتقي فيها مع العبادة، ولكل منهما منافع يستقل بها .
ومن الآيات ان كل واحد منهما يقتبس من الآخر ، ويؤثر فيه تأثيراً ايجابياً .
ومن مــادة الإلتقاء تداخلهما واشــتراكهما في ارتقــاء الإنسان في سلم الكمالات الإنسانية والتوجه نحو الجزاء الحسن في الآخرة.
لقد رغّب الأنبياء في طلب العلم حثاً للناس على وروده ، وعدم الترفع عن الكسب وللحاجة المستديمة للعلم سواء النظري منه أو العملي.
والعلم تسخير للعقل وهو أشرف ما جعل الله عند الإنســان، والعقل عقلان شخصي ونوعي وكل منهما يؤثر بالآخر ويتأثر به إلا أن تأثير الثاني بالأول هو الأكثر.
والنبوة خارجة بالتخصص ، لأن الوحـي يفوق العقل بالمرتبة والفعل والأثر ، قال تعالى [تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ] ( )، والعقل حائل دون تعطيل الحواس، ومتى ما كان اتجاه الأمة اتجاهاً عقلياً فانها ترتقي في ميادين الحياة المختلفة.
تقدير [وَإِذَا مَرِضْتُ]
لقد ورد الضمير (هو) في قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام [وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ]( )، ويعود لله عز وجل بلحاظ الآيات السابقة وعطف الضمير عليها ، قال تعالى [فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ* وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ]( ).
وذكرت الآية الإطعام والسقاية على نحو الإطلاق والموجبة الكلية لإفادة الإستدامة والتجدد والكثرة فيهما ، أما المرض فقد ذكرته الآية بصيغة القضية الشرطية والأمر الطارئ لدعوة الناس للدعاء وسؤال الوقاية من المرض ، قال تعالى [وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ]( ).
وسورة الشعراء مكية لذا تضمنت الإنذار والوعيد للمشركين عبدة الأصنام مع الإحتجاج عليهم والترغيب باللجوء إلى الله عز وجل فهو المشافي والمعافي ، وكل انسان يحب العافية ويرجو الشفاء إذا ابتلي بالمرض ، فالآية ترغيب بالإسلام ، ودعوة للتدبر في الشواهد الكثيرة من شفاء المؤمنين.
وقد خلّد القرآن الطب النبوي ومعجزة عيسى في الطب وشفاء الأمراض المستعصية ، وإحياء الموتى باذن الله [وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ]( )، ومن معاني قيد (باذن الله) في المقام وجوه :
الأول : الشكر لله عز وجل .
الثاني : منع الغلو بشخص عيسى عليه السلام .
الثالث : دعوة عيسى عليه السلام الناس إلى عبادة الله والتصديق برسالته .
الرابع : تفقه الناس في الدين ، وإرتقاؤهم في المعارف الإلهية ، وإدراك أن الأمور تجري بمشيئة من عند الله عز وجل .
الخامس : البشارة بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمعجزات التي يأتي بها من عند الله عز وجل ، ومنها توثيق معجزات الأنبياء في القرآن الكتاب السماوي الخالد والباقي إلى يوم القيامة بسلامته من التحريف ، قال تعالى [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون]( ).
السادس : تفويض عيسى عليه السلام الأمور إلى الله ، نسبة معجزاته إليه سبحانه دعوة للسلم ومنع من الإقتتال .
السابع : شفاء الأعمى والأبرص وذي الأمراض الجلدية المستعصية على يد الرسول عيسى عليه السلام دعوة سماوية للسلم المجتمعي.
وهل إبراء الأكمه والأبرص من باب الحصر أم من باب المثال وأن عيسى عليه السلام يشافي أمراضاً أخرى باذن الله ، المختار هو الثاني .

أحاديث العرض سلام
الحمد لله الذي جعل القرآن [تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( )، ومنع قطع الخلاف في نسخه للسنة النبوية ، وعدم نسخها له ، فآيات القرآن بيان كاف وشاف لأمور الدين والدنيا ، ولا يعني هذا الإستغناء عن السنة فهي ترجمان القرآن وتفسير لآياته ، وعون في كشف بيانه للأحكام والقوانين والمسائل.
وعن الإمام الصادق عليه السلام قال (قال رسول الله صلى الله عليه واله: إذا حدثتم عني بالحديث فانحلوني أهنأه وأسهله وأرشده، فإن وافق كتاب الله فأنا قلته، وإن لم يوافق كتاب الله فلم أقله)( ).
وعن الإمام الباقر عليه السلام في حديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انه صعد المنبر (فخطب الناس فقال : إن الحديث سيفشو عني فما أتاكم عني يوافق القرآن فهو عني وما أتاكم عني يخالف القرآن فليس عني)( ).
وعن سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث (وإنه سيفشوا عني أحاديث فما أتاكم من حديثي فاقرأوا كتاب الله واعتبروه فما وافق كتاب الله فأنا قلته وما لم يوافق كتاب الله فلم أقله)( ).
ويمكن القول أن أحاديث العرض من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنه أول من دعا إلى اللجوء إلى القرآن وإلى تنقيح السنة النبوية ، ومنع الإفتراء عليه إلى يوم القيامة .
وفتح النبي صلى الله عليه وآله وسلم لطبقات العلماء باب تنقيح الأحاديث النبوية وإسقاط الحديث الموضوع .
وتأسس علم الدراية والرواية وقواعد ضبط الحديث النبوي ، ليبعث الشوق في نفوس طلبة العلم والطمأنينة في نفوس المسلمين ، وتثبيت منهاج العلوم بالصدور عن القرآن ، واللجوء إليه في الملمات ، وتلقي الأحاديث النبوية الشريفة بالقبول ، وتجلي معاني الإعجاز بالجمع بين آيات القرآن ، وبينها وبين السنة النبوية ، وكذا الإعجاز لخصوص آيات القرآن ، وخصوص ذات السنة النبوية.
ولا ينحصر الأمر في المقام بأحاديث العرض ، بل تدل السنة النبوية واستشهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالقرآن وآياته على الصدور عنه ، وكون السنة النبوية بياناً ومرآة للقرآن ، وليس في السنة النبوية ما يدل على نسخ آيات السلم والصلح .
وليس من حصر للآيات والأحاديث التي تدل على الرأفة والرحمة والإحسان للناس جميعاً ، وهذه الأحاديث شواهد على صدق أحاديث العرض على القرآن بالإضافة إلى إتحاد السنخية ، فكل من القرآن والسنة النبوية وحي ولكن القرآن أرقى مراتب فهو كلام الله عز وجل [لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ]( ) ، وقال تعالى بخصوص السنة النبوية [وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى]( ).
ومنهم من أنكر أحاديث العرض ، وليس له دليل ، وهل تدِل أحاديث العرض على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، الجواب نعم .
لما فيها من التحدي بموافقة السنة النبوية للقرآن ، إذ كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعلن هذه الأحاديث وليس من شخص من المسلمين وأهل الكتاب من قال بتعارض بين القرآن والسنة لإنتفاء هذا التعارض .
لقد حالت أحاديث العرض دون الكذب والإفتراء على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاصة في باب الأحكام والسلم والحرب والأسرى والغنائم والصلح ، إذ بقيت آيات السلم والصلح على حالها سالمة من النسخ لقانون السنة النبوية شاهد على استدامة أحكام آيات السلم والصلح والموادعة إلى يوم القيامة ، فليس من نسخ لها في القرآن ، ولا تنسخها السنة ولا يطرأ حديث نبوي موضوع محاولة لنقضها إذ أغلق هذا الباب ، وسقطت الأحاديث الموضوعة ، وشخصت أحاديث خبر الواحد مع حجيتها، وبينت الأحاديث الضعيفة ، ومع الإختلاف والتعارض يكون القرآن هو الفيصل لأمور :
الأول : القرآن كلام الله وهو قطعي الصدور ومنقول بمراتب أعلى من التواتر .
الثاني : تفسير آيات القرآن بعضها لبعض والذي سميته (التفسير الذاتي) وما هو مجمل في موضع تجده مبيناً في موضع آخر.
الثالث : خلو القرآن من التزاحم أو التعارض .
الرابع : ليس من موضوع ومسألة تتعلق بالسلم والحرب إلا في القرآن وبما يمنع من الشطط والغبن والظلم .
الخامس : قانون وجوب التدبر في آيات القرآن ، قال تعالى [كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ]( ).
ومن الإعجاز في أحاديث العرض أنها سلام وبرزخ دون إثارة الخصومات بأحاديث موضوعة.
بين نسخ الشرائع والأحكام
النسخ فضل ورحمة وتخفيف من عند الله عن المكلفين ، وتقريب لهم لطاعة الله ، وهو من الشكر لهم على حسن امتثالهم للأوامر الإلهية ، فيأتي بالفعل العبادي التام ، فينزل النسخ والتخفيف والبدل ليظهروا امتثالاً مستحدثاً هو طاعة الله عز وجل في الجديد من التكليف من غير تردد أو شك أو وهم ، والنسخ على قسمين :
الأول : النسخ بين الشرائع ، إذ تنسخ الشريعة اللاحقة بعضاً من أحكام الشريعة السابقة مع تجلي المنافع لهذا النسخ ، والإرتقاء في سلم المعارف عند أداء الفرائض .
وفي النسخ لطف من الله ، بما ينفع العباد في مصالحهم كما يبين النسخ معجزة لكل نبي وأنه يأتي بتشريع مستقل في طول التشريعات السابقة وليس في عرضها ، ولبيان التعدد في أمم الموحدين واتباع الأنبياء ، ولزوم الألفة بينهم ولبيان أن الملك لله وحده وله المشيئة في الخلائق ، ويكون من مصاديق قوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ]( )، أي يعبد الناس الله عز وجل بالكيفية التي يريدها هو سبحانه.
فلا يأتي النسخ بين الشرائع على أركان العبادة من الصلاة والزكاة والصوم وإن اختلفت الكيفية وشرائط الأداء ، وفي الصيام ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ]( ).
والنسخ تدبير عظيم من حكمة الله عز وجل ، وفي التنزيل [وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ]( )، ومن النسخ في الشرائع السبت ، وتعيين القبلة وكيفية الصلاة ، ومنه منع الجمع بين الأختين الذي كان في الشرائع السابقة.
الثاني : نسخ بعض الأحكام في الإسلام .
من بديع صنع الله التنزيل ، والنبوة ، وهما صلة بين الله عز وجل وبين الناس من غير حاجة منه سبحانه إلى هذه الصلة ، ولكنها لطف ورحمة ، وشاهد على عظيم سلطانه وسعة قدرته ، وأنزل الله عز وجل القرآن [تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( )، ومنه شهادته على وقوع النسخ .
و(عن أبي البختري قال : دخل علي بن أبي طالب عليه السلام المسجد فإذا رجل يخوّف فقال : ما هذا .
فقالوا : رجل يذكر الناس .
فقال : ليس برجل يذكر الناس ولكنه يقول أنا فلان بن فلان فاعرفوني ، فأرسل إليه فقال : أتعرف الناسخ من المنسوخ .
فقال : لا .
قال : فاخرج من مسجدنا ولا تذكر فيه .
وأخرج أبو داود والنحاس كلاهما في الناسخ والمنسوخ والبيهقي في سننه عن أبي عبد الرحمن السلمي قال : مر علي بن أبي طالب عليه السلام برجل يقص فقال : أعرفت الناسخ والمنسوخ؟
قال : لا .
قال : هلكت وأهلكت)( ).
ومن خصائص النسخ أنه جامع للرحمة والإمتحان والإختبار ليكون العبد على استعداد للإمتثال للتنزيل ، ولبيان مرتبة المسلمين الأوائل في طاعة الله ورسوله .
ولكن النسخ في القرآن قليل ، ولا يرجع فيه إلى قول المفسرين ، وإجتهاد العلماء وحده ، إنما هو تشريع ورفع حكم ، ومجئ حكم آخر بديل فلابد أن يكون هذا البديل ظاهراً جلياً ، صالحاً للثبات ، خالياً من الترديد.
فلو تردد الأمر بين التزاحم بين آيتين وبين الجمع بينهما ، فالجمع هو الأولى ولا نحكم بالنسخ ، لقانون الأصل عدم نسخ الآية القرآنية.
ولابد من حجة وبينة لما هو خلاف الأصل ، ومن قوانين النسخ تأخر نزول الناسخ عن زمان المنسوخ ، لذا جاء الناسخ في سورة المائدة لأنها من آخر سور القرآن نزولاً.
ولا يصح النسخ على الموضوع كما في آية السيف إذ جعلتها طائفة من المفسرين ناسخاً لآيات السلم والصلح ، هذه الآيات التي هي إشراقة عقائدية يتفاخر بها المسلمون في كل زمان ، وتبين صبغة التعايش المجتمعي في التنزيل.
وما إكثار ذكر القرآن لقصة آدم وحواء ، وسكنهما في الجنة إلا للتذكير بأن الناس من أب واحد ، ولزوم حضور هذا القانون في الحياة اليومية ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ]( ).
وهو من أسباب الحاجة إلى معرفة كل من :
الأول : المكي والمدني .
الثاني : أسباب النزول .
الثالث : موضوع النزول ، والوقائع التي صاحبت الآية .
الرابع : الروايات الخاصة بذات الآية ، سواء كانت متقدمة ، أو متأخرة زماناً عنها.
الخامس : وجوه الإلتقاء بين الآيتين ، بما يحتمل النسخ أو نفيه .
السادس : التسليم بالأصل وهو عدم النسخ .
السابع : تعيين المراد من النسخ كجزء الآية إذ يرد أول الآية في شئ ، ووسطها في شئ ، وآخرها في شئ آخر .
جدول بالآيات التي قيل بنسخها بآية السيف
الإجماع على وقوع النسخ في القرآن ، ولا عبرة بالقليل النادر ، وذكر المفسرون آيات منسوخة بين مقل ومكثر لها ، والمختار أن الآيات المنوسخة قليلة مثل [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمْ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ]( )، إذ نسخت موضوع الصدقة بعد امتثال الإمام علي عليه السلام لمضامين الآية عند مناجاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونسخت بالآية التي بعدها وهي [أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ]( ).
ويختص هذا الجدول بالآيات التي ذكر أنها نسخت بآية السيف وآية القتال.
ومن كتاب واحد وهو (ناسخ القرآن ومنسوخه) لمؤلفه هبة الله بن عبد الرحيم بن إبراهيم (ابن البازري) ( ).
ولابد من التوضيح والبيان بعدم ثبوت نسخ هذه الآيات بالشواهد من القرآن والسنة .
وآية السيف هي [فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ]( ).
أما آية القتال فهي [قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ]( ).
والآيات التي قال ابن البازري أنها منسوخة بآية السيف والقتال نذكرها هنا على نحو الإحصاء ثم يأتي البيان والتفصيل بنفي نسخها ونسخ آيات أخرى ، وهي :
الآية الأولى : قال تعالى [قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا] ( )، قد تقدم البيان ونفي نسخ هذه الآية في الجزء السادس بعد المائتين ص119
الآية الثانية : قال تعالى [لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ] ( )
الآية الثالثة : قال تعالى [وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ] ( ).
الآية الرابعة : قال تعالى [وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ]( ).
الآية الخامسة : قال تعالى [قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ] ( ).
قد تقدم البيان ونفي نسخ هذه الآية في الجزء الثامن بعد المائتين ص 79
الآية السادسة : قال تعالى [ لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ] ( ).
قد تقدم البيان ونفي نسخ هذه الآية في الجزء السابع بعد المائتين ص65 من آية السيف
الآية السابعة : قال تعالى[ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ] ( ).
قد تقدم البيان ونفي نسخ هذه الآية في الجزء السادس بعد المائتين ص125 من آية القتال .
الآية الثامنة : قوله تعالى[وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ] ( ).
الآية التاسعة : قوله تعالى[ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً] ( ).
الآية العاشرة : قوله تعالى [ لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى] ( ).
الآية الحادية عشرة : قوله تعالى [ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا] ( ).
الآية الثانية عشرة : قوله تعالى [فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ] ( ).
الآية الثالثة عشرة : قوله تعالى [ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا] ( ).
الآية الرابعة عشرة : قوله تعالى [ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ] ( ).
الآية الخامسة عشرة : قوله تعالى [ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ] ( ).
الآية السادسة عشرة : قوله تعالى [سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ] ( )
الآية السابعة عشرة : قوله تعالى [ إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ]( ) ، قد تقدم البيان ونفي نسخ هذه الآية في الجزء الرابع عشر بعد المائتين ص 191
الآية الثامنة عشرة : قوله تعالى [ فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ] ( ).
ن آية السيف
الآية التاسعة عشرة : قوله تعالى [ وَلاَ آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا] ( )،، قد تقدم البيان ونفي نسخ هذه الآية في الجزء السادس بعد المائتين ص 137
الآية العشرون : قوله تعالى [ مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ] ( ).
الآية الواحدة والعشرون : قوله تعالى [ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ] ( )، قد تقدم البيان ونفي نسخ هذه الآية في الجزء السادس بعد المائتين ص 145
الآية الثانية والعشرون : قوله تعالى [ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ] ( ).
الآية الثالثة والعشرون : قوله تعالى [ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ] ( )
الآية الرابعة والعشرون : قوله تعالى [ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ] ( ).
الآية الخامسة والعشرون : قوله تعالى [ وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ] ( )، قد تقدم البيان ونفي نسخ هذه الآية في الجزء السادس بعد المائتين ص 147.
الآية السادسة والعشرون : قوله تعالى [ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ * وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ] ( ).
الآية السابعة والعشرون : قوله تعالى [ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ]الأنعام 112 .
الآية الثامنة والعشرون : قوله تعالى [ قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ] الأنعام 135.
الآية التاسعة والعشرون : قوله تعالى [ قُلْ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ] الأنعام 158.
الآية الثلاثون : قوله تعالى [ لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ] ( )، قد تقدم البيان ونفي نسخ هذه الآية في الجزء السادس بعد المائتين ص149.
الآية الواحدة والثلاثون : قوله تعالى [ وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا]( ).
الآية الثانية والثلاثون : قوله تعالى [ وَأُمْلِي لَهُمْ] ( ).
الآية الثالثة والثلاثون : قوله تعالى [ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ] ( )، قد تقدم البيان ونفي نسخ هذه الآية في الجزء السابع بعد المائتين ص114 .
الآية الرابعة والثلاثون : قوله تعالى [ وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا]( ).
الآية الخامسة والثلاثون : قوله تعالى [ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنْ الْمُنْتَظِرِينَ] ( )
الآية السادسة والثلاثون : قوله تعالى [ وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ]( ) ، قد تقدم البيان ونفي نسخ هذه الآية في الجزء السادس بعد المائتين ص 152
الآية السابعة والثلاثون : قوله تعالى [ وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ] ( ).
الآية الثامنة والثلاثون : قوله تعالى [ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ]( ).
الآية التاسعة والثلاثون : قوله تعالى [ فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ] ( ).
الآية الأربعون : قوله تعالى [ فَمَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ] ( ) .
الآية الواحدة والأربعون : قوله تعالى [وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ] ( ).
الآية الثانية والأربعون : قوله تعالى [ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ] ( ) .
الآية الثالثة والأربعون : قوله تعالى (إنا عاملون) هذا سهو من النساخ انما هو [إِنِّي عَامِلٌ] ( ) وليس في القرآن (انا عاملون)
الآية الرابعة والأربعون : قوله تعالى [ وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ] ( ).
الآية الخامسة والأربعون : قوله تعالى [ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ] ( ).
الآية السادسة والأربعون : قوله تعالى [ ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا] ( ).
الآية السابعة والأربعون : قوله تعالى [ فَاصْفَحْ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ] ( ).
الآية الثامنة والأربعون : [قوله تعالى لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ] ( ).
الآية التاسعة والأربعون : قوله تعالى [ وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ] ( ).
الآية الخمسون : قوله تعالى [ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ] ( ).
الآية الواحدة والخمسون : قوله تعالى [ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] ( ).
الآية الثانية والخمسون : قوله تعالى [ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ] ( ).
الآية الثالثة والخمسون : قوله تعالى [ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً] ( ).
الآية الرابعة والخمسون : قوله تعالى [ وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ] ( ).
الآية الخامسة والخمسون : قوله تعالى [ فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ] ( ).
الآية السادسة والخمسون : قوله تعالى [ قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلاَلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا] ( ).
الآية السابعة والخمسون : قوله تعالى [ فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ] ( ).
الآية الثامنة والخمسون : قوله تعالى [ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا] ( ).
الآية التاسعة والخمسون : قوله تعالى [ قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا] ( ).
الآية الستون : قوله تعالى [ وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلْ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ] ( ).
الآية الواحدة والستون : قوله تعالى [ فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ] ( ).
الآية الثانية والستون : قوله تعالى [ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ] المؤمنون 96، قد تقدم البيان ونفي نسخ هذه الآية في الجزء السادس بعد المائتين ص 171
الآية الثالثة والستون : قوله تعالى [ فَإِنْ تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ] ( ).
الآية الرابعة والستون : قوله تعالى [ وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمًا] ( ).
الآية الخامسة والستون : قوله تعالى [ وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ] ( ).
الآية السادسة والستون : قوله تعالى [ وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] ( )، قد تقدم البيان ونفي نسخ هذه الآية في الجزء السادس بعد المائتين ص179
الآية السابعة والستون : قوله تعالى [ فَاصْبِرْ] ( ).
الآية الثامنة والستون : قوله تعالى [ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ] ( ).
الآية التاسعة والستون : قوله تعالى [ وَمَنْ كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ] ( ).
الآية السبعون : قوله تعالى [ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنتَظِرُونَ] ( ).
الآية الواحدة والسبعون : قوله تعالى [ وَدَعْ أَذَاهُمْ] ( ).
الآية الثانية والسبعون : قوله تعالى [ قُلْ لاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا] ( )
الآية الثالثة والسبعون : قوله تعالى [ فَلاَ يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ] ( ).
الآية الرابعة والسبعون : قوله تعالى [ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ] ( ).
الآية الخامسة والسبعون : قوله تعالى [ وَأَبْصِرْهُمْ] ( ).
الآية السادسة والسبعون : قوله تعالى [ وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ] ( ).
الآية السابعة والسبعون : قوله تعالى [ وَأَبْصِرْ] ( ).
الآية الثامنة والسبعون : قوله تعالى [ إِلاَّ أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ] ( ).
الآية التاسعة والسبعون : قوله تعالى [ اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ] ( ).
الآية الثمانون : قوله تعالى [ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ] ( ).
الآية الواحدة والثمانون : قوله تعالى [ فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ] ( ).
الآية الثانية والثمانون : قوله تعالى [ قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ] ( ).
الآية الثالثة والثمانون : قوله تعالى [ فَمَنْ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا] ( ).
الآية الرابعة والثمانون : قوله تعالى [ فَاصْبِرْ] ( ).
الآية الخامسة والثمانون : قوله تعالى [ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ] ( ).
الآية السادسة والثمانون : قوله تعالى [ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ] ( ).
الآية السابعة والثمانون : قوله تعالى [ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ] ( ).
الآية الثامنة والثمانون : قوله تعالى [ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ] ( ).
الآية التاسعة والثمانون : قوله تعالى [ فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا]( ).
الآية التسعون : قوله تعالى [ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ]( ).
الآية الواحدة والتسعون : قوله تعالى [ فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ] ( ).
الآية الثانية والتسعون : قوله تعالى [ فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ] ( ).
الآية الثالثة والتسعون : قوله تعالى [ فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا] ( ).
ن آية السيف
الآية الرابعة والتسعون : قوله تعالى [ فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ]( ).
الآية الخامسة والتسعون : قوله تعالى [ فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ] ( ).
الآية السادسة والتسعون : قوله تعالى [ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ] ( ).
الآية السابعة والتسعون : قوله تعالى [ فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ] ( ).
الآية الثامنة والتسعون : قوله تعالى [ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ] ( ).
الآية التاسعة والتسعون : قوله تعالى [ قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنْ الْمُتَرَبِّصِينَ]( ).
الآية المائة : قوله تعالى [ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا] ( ).
الآية الواحدة بعد المائة : قوله تعالى [ فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاَقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ] ( ).

الآية الثانية بعد المائة : قوله تعالى [ فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا] ( ).
الآية الثالثة بعد المائة : قوله تعالى [ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ] ( ).
الآية الرابعة بعد المائة : قوله تعالى [ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ] ( ).
الآية الخامسة بعد المائة : قوله تعالى [ فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ] ( ).
الآية السادسة بعد المائة: قوله تعالى [ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ] ( ).
الآية السابعة بعد المائة : قوله تعالى [ فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلاً]المعارج 5
الآية الثامنة بعد المائة : قوله تعالى [ فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا] ( )
الآية التاسعة بعد المائة : قوله تعالى [ وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلاً * وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ]( ).
الآية العاشرة بعد المائة : قوله تعالى [ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً]( ).
الآية الحادية عشرة بعد المائة : قوله تعالى [ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا] ( ).
الآية الثانية عشرة بعد المائة : قوله تعالى [ وَأَسِيرًا] ( ).
الآية الثالثة عشرة بعد المائة : قوله تعالى [ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً] ( ).
الآية الرابعة عشرة بعد المائة : قوله تعالى [ فَمَهِّلْ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا] ( ).
الآية الخامسة عشرة بعد المائة : قوله تعالى [ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ]( ).
الآية السادسة عشرة بعد المائة : قوله تعالى [ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ]( ).
قد تقدم البيان ونفي نسخ هذه الآية في الجزء الثامن بعد المائتين ص28.
وسنبين عدم نسخ هذه الآيات في هذا الجزء والأجزاء التالية منها حسب الدليل ، ولا ينحصر ذكر الآيات المنسوخة بآية السيف وآية القتال بالآيات أعلاه ، فقد ذكر بعض العلماء نسخ آيات أخرى بهما أو بآيات أخرى من آيات القتال ، والأصل هو بقاء آيات السلم سالمة من النسخ :
الأية التاسعة عشرة( ) : قوله تعالى [قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ]( )، وأن آية السيف نسخت قوله تعالى [وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ].
ولكن هذا الشطر جزء من احتجاج عام على الكفار ، ولا يختص بكفار مكة وهم موضوع آية السيف.
ومن الدلائل على صيغة العموم لغة الجمع في قوله تعالى [أَتُحَاجُّونَنَا] لإفادة الأمة وأجيال المسلمين المتعاقبة ، وهذا الإحتجاج لغة في الحوار ، وعنوان السلام وشاهد على أن رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رسالة حجة وبرهان وسلم وأمان.
وقد ورد لفظ (اتحاجوني) بصيغة المفرد مرة واحدة في القرآن بخصوص إبراهيم عليه السلام بقوله تعالى [وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ]( ).
وهذا التباين في صيغة المفرد والجمع , واختصاص المسلمين بصيغة الجمع أتحاجوننا بيان لجهاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمشركين بالإحتجاج والدليل على التوحيد لإبتداء الآية بالأمر من الله (قل) , والنسبة بين السلم والإحتجاج عموم وخصوص مطلق , فالإحتجاج فرع السلم .
وهل هذا التباين من مصاديق وراثة المسلمين للأنبياء في وظائف الدعوة والتبليغ وتعاهد الفرائض ، الجواب نعم , إذ يتعلق قوله تعالى [أَتُحَاجُّونَنَا]( ) بالتبليغ , وتأكيد التفقه في الدين.
وقوله تعالى [وَلَنَا أَعْمَالُنَا]( ) بقيام المسلمين والمسلمات بأداء الفرائض العبادية واخلاص العبادة لله عز وجل .
مفردات آية [وَلَنَا أَعْمَالُنَا]
مفردات الآية على وجوه :
الأول : لغة الإحتجاج .
الثاني : موضوع الإحتجاج وهو الربوبية المطلقة لله عز وجل , ووجوب عدم الشرك به , قال تعالى [إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا]( ).
الثالث : صيغة الخطاب في الإحتجاج بين النبي والمؤمنين من جهة وبين الذين كفروا (اتحاجوننا) ، وفيه شاهد على حال السلام والأمن للطرفين .
لقد ورد لفظ [َلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ] في ثلاث آيات القرآن :
الأولى : آية البحث أعلاه .
الثانية : قوله تعالى [وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ]( ).
الثالثة : قوله تعالى في الثناء على المؤمنين واعراضهم عن لغو وجدال المشركين [فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمْ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ]( ).
وانفردت آية البحث بحرف العطف الواو (وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ) .
الرابعة : الأمر من الله عز وجل إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن يتحدث باسمه واسم المسلمين والمسلمات , وتقدير الآية (وقل لنا أعمالنا ولكم أعمالكم).
الخامسة : إرادة التباين والتضاد بين إخلاص المسلمين العبادة لله عز وجل وإقامة مشركي قريش على عبادة الأوثان .
ولا دليل على نسخها فقد كان باب الإحتجاج قائماَ إلى حين مغادرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى وهو مفتوح إلى يوم القيامة , وهو من ألوية السلام ونبذ الحروب .
وآية البحث مدنية وهي ترجمان وتأكيد لآية مكية في سورة الكافرون [لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ] ( ).
و(عن سعيد بن ميناء مولى أبي البختري قال : لقي الوليد بن المغيرة والعاصي بن وائل ، والأسود بن المطلب وأمية بن خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا : يا محمد هلم فلتعبد ما نعبد ونعبد ما تعبد ، ولنشترك نحن وأنت في أمرنا كله ، فإن كان الذي نحن عليه أصح من الذي أنت عليه كنت قد أخذت منه حظاً ، وإن كان الذي أنت عليه أصح من الذي نحن عليه كنا قد أخذنا منه حظاً فأنزل الله { قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون }( ) حتى انقضت السورة .) ( ).
لبيان معجزة قرآنية بقانون تأكيد الآية المدنية للآية المكية التي نزلت قبل الهجرة , وفيه شواهد كثيرة لبيان أن هذا التأكيد من مصاديق السلم وإحكام آياته , فليس من قتال أو أمر بالدفاع في السور المكية .
قانون الإحتجاج في ميدان القتال سلم
قد يقام الإحتجاج في ميدان القتال ، كما في معركة أحد وهو حجة على الذين كفروا لأنهم بدأوا القتال وأصروا عليه ، ولبعث الإرباك في صفوفهم ، وفصل عامة التابعين عن الرؤساء.
وهل نداء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في أسواق مكة وعرفات ومِنى في موسم الحج قبل الهجرة (قولوا لا إله إلاّ اللّه تفلحوا)( )، من الإحتجاج ، الجواب نعم .
وكذا نداؤه هذا في ميدان القتال مع المشركين ، وهو من مصاديق آية البحث [وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ]( )، إذ تتضمن هذه الآية النص ، والظاهر ، والمجمل ، ومعنى الحقيقة والمجاز ، فصحيح أنها تقسيمان وأقسام متعددة ولكنها تجتمع في الكلمة القرآنية فتجد الكلمة الواحدة تجمع الحقيقة والمجاز ، أو تجمع النص والمجمل بحسب تعدد معانيها وهو من إعجاز القرآن ، لإحاطة كلمات القرآن المحدودة باللامحدود من الوقائع والأحداث.
وبعدما أصابت الخسارة المسلمين في معركة أحد ، أطل أبو سفيان على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، وقال (اعل هبل، اعل هبل. فقال رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم: قولوا الله أعلى وأجل. فقال أبو سفيان: إنا لنا العزى ولا عزى لكم. فقال رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم: قولوا الله مولانا ولا مولى لكم)( ).
فقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (قولوا) على نحو مكرر من الشواهد على صيغة الجمع في (اتحاجوننا) ولتنمية ملكة الإحتجاج وإقامة البرهان من منازل الإيمان في نفوس المسلمين.
وقول أبي سفيان (اعل هبل، اعل هبل مرتين) ( )، لتقديس الأصنام والإصرار على الوثنية والإشارة إيهاماً إلى موضوعيتها في معركة أحد ، وهو من مصاديق الجهالة التي كانت قريش عليها.
وفي هذا الإحتجاج وتوثيقه ، قال حسان بن ثابت :
طاوعوا الشيطان إذ أخزاهم … فاستبان الخزي فيهم والفشل
حين صاحوا صيحة واحدة … مع أبو سفيان قالوا اعل هبل
فأجبناهم جميعا كلنا … ربنا الرحمن أعلى وأجل
اثبتوا تستعملوها مرة … من حياض الموت والموت نهل
واعلموا أنا إذا ما نضحت … عن خيال الموت قدر تشتعل( ).
وتدخل إجابة المسلمين هذه للمشركين في مصاديق قوله تعالى [وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ]( )، ويكون هذا الجدال في ساحة الميدان من الشواهد على صدق وإخلاص الصحابة في الدفاع عن عقيدة التوحيد ، ومعاني خاتمة هذه الآية وتمامها [قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ]( ).
ومن معاني إخلاص المسلمين في ميدان الدفاع بيان قانون ثباتهم على الإيمان ، وعدم التهاون أو التهادن مع المشركين ، لبعث اليأس في نفوسهم لقانون امتناع الإرتداد عن المسلمين ، وهو من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومن أسباب دخول أفواج من الناس في الإسلام ، ومنهم رؤساء ووجهاء قومه.
قانون الإحتجاج صرف عن القتال
من خصائص نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم نزول القرآن ببعث المسلمين على الإحتجاج ، ومن معانيه الإنصراف عن القتال ، لأن في الإحتجاج باعجاز القرآن وصدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم كفاية في الدعوة ، وحجة على الناس .
وقد يتعلق نظم الآيات بالجدال مع أهل الكتاب ، ولكن معنى الآية أعم فيشمل الكفار أيضاً ، بدليل قوله تعالى [وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ]( )، وفيه تذكير للمشركين بأن عبادتكم للأوثان لاتخرجكم عن العبودية التامة لله عز وجل.
ومن معاني الإحتجاج على أهل الكتاب عدم جواز قتالهم ، وابتدائهم باعلان الحرب ، لذا بادر النبي صلى الله عليه وآله وسلم حال دخوله إلى المدينة بعقد ميثاق مع اليهود فيها ، ولم يحاربوه كما حاربه قومه من قريش ، ولم يستغلوا بدايات الهجرة وقلة الصحابة للإنقضاض على المسلمين ، خاصة وأن جانب الأوس والخزرج هو الأقوى والأكثر عدداً.
بل كانوا يأتون إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويسألونه فيجيبهم بما يدل على صدق نبوته ، وكانوا يلحظون المعجزات التي تجري على يديه ، وتصديق الناس بنبوته ، ودخل الإسلام بعض من يهود المدينة وعلمائهم.
وفي قوله تعالى [أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ] ( )ورد قولان:
الأول : (أتخاصموننا.
الثاني : تجادلوننا) ( ).
وظاهر الآية إرادة الجدال .
لقد أمر الله عز وجل النبي محمداَ صلى الله عليه وآله وسلم أن يتخذ الإحتجاج منهاجاَ , ومن الشواهد القرآنية ورود لفظ (قل) خطاباَ للنبي محمد (228) مرة والنسبة بين السلم والإحتجاج عموم وخصوص مطلق , فالإحتجاج فرع السلم .
قانون البرهان أمضى من الجدال
ولم تذكر الآية الجدال وحده ، بل ذكرت البرهان والدليل من جهات:
الأولى : إن الله عز وجل رب الناس والخلائق كلها ، ومن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تلاوة كل مسلم ومسلمة سبع عشرة مرة قوله تعالى [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ] ( ) .
وهل تدخل هذه التلاوة في الإحتجاج ، الجواب نعم إنها دعوة يومية متكررة للتوحيد ، وهو من أسرار القراءة الجهرية في أكثر ركعات الصلاة اليومية إذ يجهر المسلمون بتسع ركعات هي مجموع ركعات صلاة الصبح والمغرب والعشاء .
وتتعدد آيات الإحتجاج في القرآن ، وليس بالضرورة مجيؤها بذات صيغة الإحتجاج ، فقد ترد بالفاظ أخرى منها مثلاً [وَقَالُوا كُونُوا هُودًا] ( )فرد الله عز وجل عليهم بتلقين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومن خلفه المسلمين والمسلمات[بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا]( ) .
الثانية : إفتخار المسلمين بأعمالهم العبادية ، ورضاهم عن أنفسهم في طاعة الله [وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ]( ) بتقديم أنفسهم وأعمالهم ، وهو نوع بيان وإجهار بالشعائر والفرائض العبادية .
وفيه دعوة للمشركين بالتدبر في أعمال المسلمين العبادية ، وقيامهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الثالثة : التباين في العمل بين المسلمين ومشركي قريش .
الرابعة : دعوة أهل الكتاب إلى التدبر في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم من خلال أعمال المسلمين العبادية .
الخامسة : شهادة القرآن على إخلاص المسلمين في إيمانهم بقصد القربة ، وطاعتهم لله عز وجل .
وفيه ترغيب للناس جميعاً باخلاص الطاعة لله عز وجل ، وأنها حاجة لهم ، قال تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( ) .
قانون منافع ذم الشرك
من مفاهيم الآية بيان القبح الذاتي والغيري للشرك ، وذم المشركين ليؤثر هذا الذم في المجتمعات أكثر من السيف ، ويكون سبباً لجذب الناس للإيمان ، وهو من الشواهد على أن الآية غير منسوخة ، ومن وجوه عدم نسخها استمرار وتجدد الجدال في الله عز وجل بين المسلمين وأهل الكتاب من جهة ، وبين المسلمين والكفار من جهة أخرى .
مع التباين في موضوع الجدال ، إذ يلتقي المسلمون مع أهل الكتاب بمفاهيم التوحيد والنبوة ، والإقرار باليوم الآخر ، وقال تعالى [وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ] ( ).
أما المشركون فان الجدال معهم والإحتجاج عليهم دعوة لهم للتوبة والإنابة ، وبرزخ دون لمعان السيوف .
وإذا كان الإحتجاج على الذين كفروا باق إلى يوم القيامة ، فان قوله تعالى [لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ] ( ) مادة الإحتجاج فلابد من بقائها معه ، وملازمتها له .
لذا فهي غير منسوخة ، نعم يقع النسخ من طرف الكفار بدخول طائفة منهم الإسلام ، بتلاوة المسلمين هذه الآية والإحتجاج عليهم .
ومن معاني الإحتجاج في الآية الإنشغال عن الحرب والمنع من اللجوء إلى القتال ، ونهي أهل الكتاب عن مظاهرة أو إعانة كفار قريش ضد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه للتضاد بين الإقرار بالربوبية المطلقة لله عز وجل واتباع الأنبياء وبين الشرك ، ومن الدلائل عليه [وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ] ( ) لبيان الجامع المشترك بين المسلمين وأهل الكتاب ، وإختلاف المشركين منهم باتخاذ الأوثان آلهة ، وأختتمت الآية بقوله تعالى [وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ] لبيان اقتران العمل بالإحتجاج ، وأن مصاديق قوله تعالى [وَلَنَا أَعْمَالُنَا] إخلاص المسلمين لطاعة الله عز وجل وتحليهم بالتقوى ، وفي الثناء على القرآن وعمل المسلمين بأحكامه قال تعالى [الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ] ( ) .
ومما تجدر الإشارة إليه الإجماع على أن سورة الفاتحة محكمة ليس فيها منسوخ .

لماذا لم يقع قتال قبل الهجرة
لقد بقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد البعثة النبوية ثلاث عشرة سنة في مكة يدعو إلى الله الناس القريب والبعيد ، ويتحمل أشد الأذى ، ولم يكن هذا الأذى بسبب إعلانه النبوة وحده بل لدخول جمع كثير من قريش وعامة أهل مكة الإسلام ، وظهور أمارات لرؤساء قريش بأن الناس يقبلون على قبول الدعوة لتعضيدها بالحجة والبرهان.
ولم يقع قتال قبل الهجرة بين النبي من جهة وبين المشركين , لأن المشركين لم يهجموا بالسيوف والخيل على النبي وأصحابه , إنما اكتفوا بالإيذاء والتعذيب والحصار ونحوه , مما يدل على رفع النبي لواء السلم قبل الهجرة وبعدها .
ولقد هاجر إلى الحبشة ثلاثة وثمانون رجلاً وتسع عشرة امرأة من الصحابة ، وهناك أمور :
الأول : لم يهاجر هولاء الصحابة إلى الحبشة إلا بأمر من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لتتجلى في حسن عاقبة هذه الهجرة معجزة له .
و(قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَلَمّا رَأَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ مَا يُصِيبُ أَصْحَابَهُ مِنْ الْبَلَاءِ
وَمَا هُوَ فِيهِ مِنْ الْعَافِيَةِ . بِمَكَانِهِ مِنْ اللّهِ وَمِنْ عَمّهِ أَبِي طَالِبٍ وَأَنّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِمّا هُمْ فِيهِ مِنْ الْبَلَاءِ . قَالَ لَهُمْ لَوْ خَرَجْتُمْ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ ، فَإِنّ بِهَا مَلِكًا لَا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أَحَدٌ .
وَهِيَ أَرْضُ صِدْقٍ حَتّى يَجْعَلَ اللّهُ لَكُمْ فَرَجًا مِمّا أَنْتُمْ فِيهِ فَخَرَجَ عِنْدَ ذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ ، مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ وَفِرَارًا إلَى اللّهِ بِدِينِهِمْ) ( ).
ولكن الأذى الذي كان يلاقيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قريش أشد لإقامة الحجة على المشركين ، نعم هو في حفظ الله عز وجل .
الثاني : أيهما أكثر عدداً الذين هاجروا إلى الحبشة أم الذين بقوا من المسلمين في مكة يومئذ .
والمختار أن الذين بقوا هم الأكثر خاصة مع وجود مسلمين ومسلمات يخفون إسلامهم وآخرين من قبائل خارج مكة قال تعالى [َلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا]( )، وهناك أسماء عديدة من الصحابة بقوا في مكة لم يهاجروا مثل الإمام علي عليه السلام ، أبي بكر ، عمر بن الخطاب ، وعبد الرحمن بن عوف ، ومرثد بن أبي مرثد ، وحمزة بن عبد المطلب وبلال بن رباح الحبشي ، وسعد بن أبي وقاص ، ومصعب بن عمير ، وعياش بن أبي ربيعة ، وابن أم مكتوم ، وعبد الله بن عبد الأسد ، وأبو عبيدة الجراح ، والزبير بن العوام ، وطلحة بن عبيد الله ، وفاطمة الزهراء عليها السلام ، وفاطمة بنت أسد ، وأم أيمن ، وعائشة ، وسودة بنت زمعة وهي أول زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاة خديجة ، وزينب بنت جحش وغيرهم.
ولم يهاجر كل المسلمين إلى الحبشة أو المدينة إذ صاروا على ثلاث فرق :
الأولى : المهاجرون إلى الحبشة .
الثانية : المهاجرون إلى المدينة ، قبل أو مع أو بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى [ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ]( ).
الثالث : الذين بقوا في مكة إلى ما بعد صلح الحديبية ، ومنهم من بقى فيها إلى يوم فتح مكة.
وهذا التعدد من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والشواهد على صبغة السلم في رسالته.
والمسلمات اللاتي لم يهاجرن إلى الحبشة أكثر من اللاتي هاجرن إليها.
الثالثة : كانت الهجرة إلى الحبشة في السنة السابعة للبعثة النبوية ، وبقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعدها نحو ست سنوات في مكة يتوالى فيها دخول الناس الإسلام .
ومن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قانون التناسب الطردي الشهري في دخول الناس الإسلام .
فيكون الذين يدخلون الإسلام في كل شهر أكثر منهم في الشهر السابق.
وهل هو من الشواهد على صدق نبوته ، الجواب نعم ، ومع هذه الكثرة لم يقع قتال بين المسلمين والمشركين لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان بين ظهراني المشركين .

معجزة سلامة النبي (ص) من القتل
من خصال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التحلي بالصبر على نحو الموجبة الكلية بأمر ولطف ، من الله عز وجل، وهو يأمر أصحابه به ليكون من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مجئ الأمر والنهي لأصحابه بالقرآن والسنة النبوية القولية والفعلية ، قال تعالى [وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ]( )، لقد لجأ المشركون إلى خطة من المكر والدهاء ، وهي إرادة قتل النبي ، قال تعالى [وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ] ( ), فرزق الله عز وجل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ملكة الصبر مع تعاهد التبليغ
ومن الإعجاز في الآية أعلاه مسائل :
الأولى : ابتدأت الآية بذكر مكر المشركين ، والجمع بين الشرك والمكر شر ، وضرر فادح على الجميع لولا رحمة الله .
الثانية : جعل المشركين خيارات ثلاثة وهي :
الأول : سجن النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : إخراج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مكة بالكيفية الخبيثة التي يريدون .
ومن إعجاز الآية أن كل هذه الخيارات تؤدي إلى قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإرادة إيقاف نزول القرآن وتفريق المسلمين ، ومنع دخول الناس فيه .
لذا أختتمت الآية بالفضل الإلهي ، والوعد الكريم من الله بالمكر اللطيف لنجاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومنع الإقتتال في مكة ، وتهيئة طريق الهجرة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسلامته في هذا الطريق مع كثرة المخاطر فيه , قال تعالى[إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ*فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ]( ).
ولم يهجم المشركون بالجيوش العظيمة أو القليلة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه عندما كانوا في مكة ، ليكون هذا التباين بين وجود النبي في مكة وعدم حدوث القتال فيها معجزة لنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وفيه وجوه :
الأول : دعوة الناس للتدبر في معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : التفكر في آيات التنزيل لذا اتصفت كل من السور المكية وآياتها بالقصر وتضمنت لغة الإنذار والوعيد ، واستحضار عالم الآخرة بالوجود الذهني طوعاً وقهراً وانطباقاً , قال تعالى [أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا] ( ) .
الثالث : شيوع الإسلام في القرى والأمصار عن طريق وفد الحاج في كل موسم ، إذ كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحرص على الإتصال بهم ، ويقوم بالذهاب إلى أسواق مكة مثل سوق عكاظ وذي المجاز وسوق المجنة ، ويأتي إلى القبائل في مواضعها في منى ، متخذاً من الشهر الحرام غطاءً وبرزخاً دون إنتقام كفار قريش منه .
وهل كان الإنتشار السريع للإسلام سبباً لسلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من القتل ، الجواب نعم وهذا الأنتشار من مصاديق قوله تعالى [وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ]( ) ومن إعجاز القرآن أن الآية من سورة المدثر وهي من أوائل سور القرآن نزولاَ لتكون بشارة من عند الله عز وجل في سلامة النبي من القتل , وبعث له لتبليغ الدعوة من غير خشية من المشركين .
وهل الآية أعلاه من آيات السلم , الجواب نعم لأنها أضافت الجنود إلى الله عز وجل وذكرته بصفة الربوبية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مما يدل على رحمة ولطف الله عز وجل به في ابتداء البعثة ومدة أيامها وما بعد انتقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى .
وهل كان الإنتشار من أسباب سعي قريش في قتله الجواب نعم ، وفيه مسائل
الأولى : صبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مرضاة الله عز وجل .
الثانية : الدعوة إلى الله عز وجل بالحكمة والموعظة , قال تعالى [وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلْ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ]( ) وعدم تحريض أصحابه للبطش بالمشركين الذين يريدون قتله.
قانون أسواق مكة مناسبة للدعوة السلمية
من مقدمات بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم صيرورة أربعة أشهر حرم من كل سنة قال تعالى [إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ]( ), ومنها ثلاثة أشهر متصلة هي كالدعاء الزماني لفريضة الحج , وهي شهر ذي القعدة , وذي الحجة , ومحرم , وفيها تقام أسواق مكة ولك أن تسميها أسواق الموسم لأنها بمناسبة الحج , ومنها ما هو خارج مكة , وهي لواء سلام وأمن بين القبائل من أيام أبينا إبراهيم عليه السلام أي قبل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بنحو ألفي سنة , لبيان قانون سبق السلم والدعوة السماوية إلى السلام والأمن لبعثة النبي ومصاحبته لها واستدامته إلى يوم القيامة , وهو من الشواهد على عدم نسخ آيات السلم.
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يأتي هذه الأسواق أيام موسم الحج ليعرض الإسلام على أفراد القبائل , ويتلو عليهم آيات القرآن .
وقد تقدم في الجزء التاسع والثلاثين من هذا السِفر (لتزدهر التجارة في أسواق العرب التي تقوم هناك في موسم الحج خاصة ويمكن تسميتها بأنها أسواق موسمية مقرونة بعبادة مخصوصة ومنها :
الأول : سوق عكاظ .
الثاني : سوق ذي المجاز .
الثالث : سوق مجنة .
الرابع : سوق دومة الجندل .
الخامس : سوق مكة .
السادس : سوق عدن .
السابع : سوق حضرموت .
الثامن : سوق صنعاء .
التاسع : سوق هجر .
العاشر : سوق بُصرى .
وهذه الأسواق من الكلي المشكك إذ تتباين في البضائع والسلع المعروضة فيها وروادها ، فمنها ما تختص بالمجاورين لها من أهل القرى أو البلد ، ومنها ما يكون عاماً وأعظم هذه الأسواق عكاظ ،ثم سوق ذي المجاز وسوق مجنة .
وسوق عكاظ قريب من الطائف ويعرض فيه التمر والسمن والعسل والخمر والثياب والأبل والسيوف والدروع .
ويستمر عشرين يوماً من صباح هلال ذي القعدة وهو أول يوم من أيام الأشهر الحرم الثلاثة المتصلة ذي القعدة ، ذي الحجة ، محرم ، ويستمر عشرين يوماً حيث يلقي الشعراء قصائدهم ويقوم الخطباء ، ويكثر فيه التفاخر بالأنساب والآباء وحضوره مقدمة ونوع طريق لأداء الحج ، وربما وقعت حروب بسبب المدح أو الهجاء الذي يقال في هذه السوق كما في حرب الفجار ، وقد يأتي الرجل إلى هذا السوق ليعرض بناته للزواج وقيل هدم الإسلام هذه السوق)( ).
ومن أسواق العرب : سوق حباشة , ويقام في أرض تهامة على بعد ست ليالِ من مكة من جهة اليمين وهو ليس من أسواق موسم الحج لأنه يقام في شهر رجب في الأيام الثمانية الأولى منه الذي هو من الأشهر الحرم , فلا يستطيع العرب الإجتماع في غير الأشهر الحرم للثأر بينهم , ولأن كل قبيلة تخشى غزو الآخرين لها عند الغياب عن الديار في الأسواق ونحوها , وتدل إقامة العرب سوق في شهر رجب على عدم صبرهم على التجارة والأشعار لمدة عام كامل , أي بحلول موسم الحج , بل يقيمون سوق حباشة في منتصف السنة الشرعية تقريباَ وهي سوق عظيمة يباع فيها الخمر والبرود والحرير والسمن والطيب والسيوف , وآلات القتل والحناء وآنية الطعام والرقيق .
إذ يحضر الشعراء ويلقون قصائدهم في التفاخر وذكر الآباء , وفي الحماسة , وقد تاجر العرب في هذه السوق في مال خديجة قبل البعثة النبوية.
وقد خربت هذه السوق أيام داود بن عيسى بن يوسف من بني العباس الذي بعثه محمد الأمين والياَ على مكة والمدينة , وعندما وقع الخلاف والخصومة بايع للمأمون وأخذ البيعة من الناس له.
الرابع : تحلي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأعلى مراتب الصبر على أذى قريش له ولأصحابه ، فعندما فرضوا الحصار الإقتصادي والإجتماعي على أهل البيت قابلوهم بالصبر على الجوع والعزلة.
الآية العشرون : [وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ]( ).
هذه خاتمة آية من سورة البقرة قد تقدم بيانها وتمام الآية هو [وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ]( ).
لقد ذكرت هذه الآية القتال على نحو صريح ومتقابل (قاتلوا) (يقاتلونكم).
والآية مدنية وليست على القول المشهور بأن الله فرض على المسلمين القتال في المدينة .
بل لأن المسلمين مضطرين إلى الدفاع ، فالآية اذن بالدفاع وليس فرضاً للقتال ، بدليل تعقب الأمر بالنهي (ولا تعتدوا) الذي تدل السنة النبوية على التقيد به إلى حين مغادرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى ، إلى جانب معنى التعدي لغة وما في الإبتداء به من الظلم للذات والغير .
ومن معاني عدم نسخ الآية أن الله عز وجل أراد للدنيا أن تكون بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم خالية من التعدي.
ترى ما هي النسبة بين التعدي والشرك ، الجواب هو العموم والخصوص المطلق ، فالشرك أقبح ضروب التعدي ، قال تعالى [إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا]( ).
وقد تقدم البيان ونفي النسخ عن قوله تعالى وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ.
وذكر أن الناسخ لها آية السيف وتمام الآية هو [وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ] ( ) وقد تقدم الكلام تفصيلاً في هذه الآية( ) وسلامتها من النسخ ، ومن فرائد هذه الآية :
الأول : ابتداء الآية بحرف العطف الواو ، لعطفها على آية تتضمن أحكام العبادات والآيات الكونية بالسؤال عن الأهلة وموضوعيتها في تعيين أوان الصيام والحج ، والإمتناع عن النسئ والتحريف في الأشهر الحرم .
الثاني : الأمر للمسلمين بالقتال , والمراد هنا الدفاع بقرينة انه في سبيل الله وخاص ضد الذين يقاتلون النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين .
الثالث : تقييد القتال بأنه في سبيل الله ، ولا يعلم منافع هذا القيد إلا الله عز وجل ، فقد كانت المجتمعات آنذاك مجتمعات غزو ونهب وسلب ، فأدب القرآن المسلمين بقوله [فِي سَبِيلِ اللَّهِ]( )، لإرادة ثواب الآخرة ، وفيه منع من إصرار الناس على الكفر ، وسعيهم للثأر من المسلمين ، فقد أدركوا أن دفاعهم خالص لوجه الله ، وهو دعوة لكل الناس للإيمان ، ونبذ الكفر ومفاهيم الجحود.
وهذا القيد ثابت ومحكم لا يقبل النسخ .
الرابع : حصر القتال والدفاع بالذين يقاتلون النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين ، وفيه دعوة للناس بعدم قتال المسلمين ، لتكون الآية من الشواهد على صيغة السلم التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فمن الإعجاز في نبوته دلالة آية القتال على السلم .
فاذا لم يبدأ المشركون القتال فليس من قتال ، وهو الذي حصل في مواضع عديدة بأن يلتقي الفريقان ثم يفترقان من غير قتال ، كما في سرية حمزة بن عبد المطلب إلى سيف الهجر في شهر رمضان على رأس سبعة أشهر من الهجرة النبوية.
وكان عدد أفراد السرية ثلاثين كلهم من المهاجرين ، وبلغوا سيف البحر (أي ساحله) من ناحية العيص والتقوا مع قافلة لقريش قدمت من الشام محملة بالبضائع ، وفيها أبو جهل في ثلاثمائة رجل ، واصطفوا للقتال ، ومشى بينهم مجدي بن عمرو الجهني ، وكان حليفاً للطرفين ، حتى حجز بينهم ولم يقع قتال .
وكذا في معارك الإسلام الأولى ، لم يقع قتال إلا بعد إصرار الذين كفروا على المبارزة ، وقيامهم برمي السهام والنبال ، كما في معركة بدر ، ومعركة أحد ، والخندق .
وتدل الوقائع على أن طائفة من المشركين هم الذين يقاتلون المسلمين ، قال تعالى [وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ]( )، مما يدل على أن دفاع المسلمين ضرورة وحاجة لتثبيت معالم الإيمان في الأرض ، وسلامتهم من دخول النار يوم القيامة لقانون , الملازمة بين الإرتداد والكفر وبين دخول النار.
وتحتمل درجة العذاب بين الكافر الأصلي والمرتد يوم القيامة جهات :
الأولى : الكافر الأصلي أشد عذاباً .
الثانية : المرتد عن الإسلام أشد عذاباً لإقامة الحجة عليه باختياره الإيمان ثم التخلي عنه .
الثالثة : التساوي في العذاب .
الرابعة : ليس من قاعدة كلية ، فكل فرد من الكفار مرتداً أو هو بالأصل كافر له عذابه الخاص ، والجامع بينهما هو الخلود في النار.
والمختار هو الأخير ، قال تعالى [وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمْ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ]( ).
ومن مفاهيم الآية جهات :
الأولى : لا تقاتلوا الذين لم يقاتلوكم .
الثانية : إذا كف المشركون أيديهم عنكم كفوا أيديكم عنهم .
الثالثة : قاتلوا دفاعاً وفي سبيل الله .
الرابعة : استعدوا لقتال المشركين .
الرابع : لقد ابتدأت الآية بالأمر [وَقَاتِلُوا] لتختتم بالنهي [لاَ تَعْتَدُوا] ، فبعد قيد [فِي سَبِيلِ اللَّهِ] جاء هذا القيد بالنهي عن الإعتداء ، (عن أنس قال : كنا إذا استنفرنا نزلنا بظهر المدينة حتى يخرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فيقول انطلقوا بسم الله وفي سبيل الله تقاتلون أعداء الله ، لا تقتلوا شيخاً فانياً ، ولا طفلاً صغيراً ، ولا امرأة ، ولا تغلوا) ( ).
وهل يختص هذا النهي بحال القتال ، الجواب لا ، فهو مطلق للقبح الذاتي للإعتداء ، ولأنه إنشغال عن ذكر الله .
فالآية محكمة غير منسوخة .
وقد ورد هذا النهي في خاتمة آية أخرى وهي من سورة المائدة [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ] ( ) للنهي عن تحريم ما أحل الله عز وجل ، وتحليل ما حرّم سبحانه .
ولبيان حضور أحكام الشريعة في المباحات .
و(عن عائشة : أن ناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن عمله في السر؟
فقال بعضهم : لا آكل اللحم ، وقال بعضهم : لا أتزوّج النساء ، وقال بعضهم لا أنام على فراش ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : ما بال أَقوام يقول أحدهم كذا وكذا ، لكني أصوم وأفطر ، وأنام وأقوم ، وآكل اللحم ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني) ( ).
ويفيد الجمع بين الآيتين عدم نسخ النهي عن التعدي لغة وعرفاً وإصطلاحاً.
لقد جاء الإسلام بالعدل ونشر ألوية الأمن والقضاء على مظاهر الظلم والعنف والتعدي الخاص والعام ، ومن العدل الخاص نفوذ أحكام الإسلام إلى شؤون الأسرة ، وإكرام المرأة من حين ولادتها بعد أن كانت تلقى الوأد وهي مسلوبة الإرادة ، والذي هو من التعدي ، ويكون من معاني الآية : ولا تعتدوا بقتل أولادكم .
والآية وإن جاءت بصيغة الجمع إلا أنها تتضمن لغة المفرد وتنهى كل مسلم عن التعدي ، لتكون هذه الآية حاضرة في الوجود الذهني عند الإقدام على فعل.
ومن التعدي الزنا والفحشاء ، وشرب الخمر، والربا ، والسرقة ، ونحوها من الأفعال المذمومة كالإفتراء والبهتان ، والغيبة ، والإسراف ، والحسد ، ونقض العهد.
ومن التعدي الخروج على قواعد السلم التي جاء بها القرآن والسنة ، وهي ثوابت تعاهدها الأنبياء ، ومن أسرار توالي التنزيل ، وسلامة القرآن من التحريف إلى يوم القيامة .
لقد استطاع العرب بعد إبراهيم الإلتفاف على الأشهر الحرم ، وتبديل نسبي في أوانها لمواصلة القتال والثأر ، فتفضل الله عز وجل وثبتها إلى يوم القيامة بآية من القرآن ، قال تعالى [إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ] ( ).
ونزلت آيتان بحرمة التعدي مع التباين الموضوعي فلا يصح القول بنسخ إحداهما بآية السيف ، لبقاء الثانية على نحو القطع لتعلقها بالمباحات ، مع تضمنها معنى العموم والقانون الثابت من جهتين :
الأولى : قانون حرمة التعدي لقوله تعالى [وَلاَ تَعْتَدُوا].
الثانية : قانون بغض الله عز وجل للمعتدين مجتمعين ومتفرقين لقوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ] ( ).
الآية الواحدة والعشرون : قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ] ( ).
والناسخ هو الإستثناء الوارد في الآية التي بعدها [إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ]( ) ( ).
وليس من نسخ في المقام وفق المعنى الإصطلاحي للنسخ فالذين استثنتهم الآية التالية لتتغشاهم التوبة والرحمة ، هم غير الذين حقت عليهم اللعنة.
والآية محكمة ، ومن بين منافع الإحكام في الآية إدراك الناس جميعاً لزوم بيان حقائق التنزيل ، والبشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإخبار عن معجزات الأنبياء السابقين ومعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحسية والعقلية لبيان قانون وهو تأكيد كون الآية محكمة مع غياب الدليل على نسخها له منافع كثيرة ، وفيه تجديد لمعاني البشارة والإنذار فيها.
الآية الثانية والعشرون : قال ابن البازري [وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ]( ) نسخها قوله تعالى لما فضل عن الزكاة في براءة خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ.
لقد ورد قوله تعالى [وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ]، ست مرات في القرآن وهي :
الأولى : قال تعالى [الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ]( ).
الثانية : قال تعالى [الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ]( ).
الثالثة : قال تعالى [الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِ الصَّلاَةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ]( ).
الرابعة : قال تعالى [أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ]( ).
الخامسة : قال تعالى [تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ]( ).
السادسة : قال تعالى [وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ]( ).
وليس من نسخ في المقام ، والنسبة بين الإنفاق في الآيات أعلاه وبين قوله تعالى [خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] ( )العموم والخصوص المطلق فالإنفاق مما زاد عن الزكاة من مصاديق الآيتين ، إذ تبين آيات الإنفاق أعلاه أن أصحاب الأموال هم الذين يبادرون إلى الإنفاق مما رزقهم الله عز وجل ، أما الآية أعلاه من سورة براءة (التوبة ) فان الخطاب والأمر فيها موجه إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم [خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ..] لبيان أن الصدقة المستحبة أعم من الصدقة الواجبة .
وعن ابن عباس (في قوله [وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا]( )، قال : كانوا عشرة رهط تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة تبوك ، فلما حضر رجوع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أوثق سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد.
وكان ممر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا رجع في المسجد عليهم ، فلما رآهم قال : من هؤلاء الموثقون أنفسهم؟ قالوا : هذا أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك يا رسول الله ، أوثقوا أنفسهم وحلفوا أنهم لا يطلقهم أحد حتى يطلقهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويعذرهم .
قال : وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله تعالى هو الذي يطلقهم رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين ، فلما بلغهم ذلك قالوا : ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله هو الذي يطلقنا .
فأنزل الله عز وجل { وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم } وعسى من الله وإنه هو التوّاب الرحيم ، فلما نزلت أرسل إليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأطلقهم وعذرهم.
فجاؤوا بأموالهم فقالوا : يا رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها عنا واستغفر لنا . قال : ما أمرت أن آخذ أموالكم . فأنزل الله عز وجل {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم} يقول : استغفر لهم {إن صلواتك سكن لهم} يقول : رحمة لهم ، فأخذ منهم الصدقة واستغفر لهم ، وكان ثلاثة نفر منهم لم يوثقوا أنفسهم بالسواري فأرجئوا سنة لا يدرون أيعذبون أو يتاب عليهم؟
فأنزل الله عز وجل { لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة}( )، إلى آخر الآية { وعلى الثلاثة الذين خلفوا }( ) إلى { ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم } ( )يعني إن استقاموا ) ( ).
ويدخل في قوله تعالى [وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ]، الزكاة الواجبة ، والصدقة المستحبة ، فهو من الجامع بين النص والظاهر والمجمل بلحاظ آيات القرآن الأخرى وليس كل مسلم تجب عليه الزكاة ، فاذا كان لا يملك النصاب فلا زكاة عليه .
وبالنظر الإجمالي إلى عامة المسلمين ايهما أكثر الذين تجب عليهم زكاة الأموال أم الذين لا تجب عليهم ، المختار هو الثاني مع تباين في البلدان والأزمنة.
الآية الثالثة والعشرون : قال تعالى [وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ] ( ) قيل نسختها آية قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ وهذا الجزء من الآية (فَوَلِّ وَجْهَكَ) ورد في ثلاث آيات هي :
الأولى : قوله تعالى [قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ] ( ) .
الثانية : قوله تعالى [وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ] ( ) .
الثالثة : قوله تعالى [وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ]( ) .
والظاهر أن المراد هو الآية الثانية أعلاه لرواية عن ابن عباس .
والمختار أن الآية محكمة غير منسوخة، وليس من تعارض بين مضمونها ونسخ القبلة من بيت المقدس إلى البيت الحرام ، نعم قد ورد عن ابن عباس أنه قال (أوّل ما نسخ لنا من القرآن فيما ذكر والله أعلم شأن القبلة . قال الله تعالى [وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ]( ).
فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فصلى نحو بيت المقدس وترك البيت العتيق ، ثم صرفه الله تعالى إلى البيت العتيق ونسخها . فقال { ومن حيث خرجت فول وجهك }( ) الآية ) ( ).
ولكن أخرج عن ابن عباس قال ({ فأينما تولوا فثم وجه الله } قال : قبلة الله أينما توجهت شرقا أو غربا)( ).
وهو من موارد تقييد المطلق بحصر القبلة في البيت الحرام ولكن مع جواز الرجوع إلى المطلق عند الجهل بالقبلة لقاعدة نفي الحرج في الدين ، فلا تصل النوبة إلى النسخ المطلق.
ويفتخر البيت الحرام بتقييد المسلمين والمسلمات بالتوجه إليه قبلة ، كما أن كل جهة من الجهات الأربعة تفتخر بتوجه المسلم الذي لا يعلم القبلة إليها عنوان الطاعة والتسليم لله عز وجل وأن كل الجهات ملك له سبحانه فالآية من مصاديق قوله تعالى [وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] ( ).
دلالات آيات القبلة
لقد صار التوجه إلى البيت الحرام قبلة في الصلاة واجباَ , وكذا فيما يجب في غير الصلاة ويشمل قوله تعالى [فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ]( ) أموراَ :
الأول : صلاة التطوع عند السفر من على الراحلة أو السيارة أو القطار ، وهو المروي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام ( ).
و(عن ابن عمر قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته تطوّعاً أينما توجهت به ، ثم قرأ ابن عمر هذه الآية {فأينما تولوا فثم وجه الله}( )، وقال ابن عمر : في هذا نزلت هذه الآية)( ).
مما يدل على أن ابن عمر لا يقول بنسخ هذه الآية ، وعن جابر بن عبد الله (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي على راحلته قبل المشرق ، فإذا أراد أن يصلي المكتوبة نزل واستقبل القبلة وصلى .
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والبيهقي عن أنس : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا سافر وأراد أن يتطوّع بالصلاة استقبل بناقته القبلة وكبر ، ثم صلى حيث توجهت الناقة)( ).
الثاني : أداء الصلاة عند عدم تعيين القبلة وجهة المسجد الحرام.
الثالث : الحكم بصحة الصلاة عند أدائها على خلاف شرط القبلة مع الجهل وتعذر تعيينها لقاعدة نفي الحرج في الدين ، وبقاء حكم مضامين هذه الآية والسنة النبوية القولية والفعلية .
و(عن عامر بن ربيعة قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ليلة سوداء مظلمة فنزلنا منزلاً ، فجعل الرجل يأخذ الأحجار فيعمل مسجداً فيصلي فيه ، فلما أن أصبحنا إذا نحن قد صلينا على غير القبلة ، فقلنا : يا رسول الله لقد صلينا ليلتنا هذه لغير القبلة ، فأنزل الله { ولله المشرق والمغرب)( ).
ومن فضل الله عز وجل كثرة النصوص وبيان السنة النبوية القولية والفعلية في المقام لموضوعية القبلة في الإسلام وللإستدلال بخصوص عدم نسخ الآية القرآنية.
الرابع : موضوع الآية أعم من مسألة القبلة في الصلاة من جهات :
الأولى : ابتدأت الآية بالإخبار عن الإطلاق المكاني لملك الله عز وجل فله ما في الشرق والغرب وما بينهما ملك لله عز وجل ، وقد ذكرتُ في الجزء الواحد والعشرين من هذا السِفر(والمشرق خلاف المغرب، والغرب والمغرب بمعنى واحد وهو عنوان جهة مخصوصة من الجهات الأربع جعل الله عز وجل سقوط قرص الشمس وغيابه دليلاً عليها، وتحذيراً وإشارة يومية ثابتة إلى جهتها، مما يدل على الترابط والتداخل بين أجزاء الكون ووحدة نظامه كجزء من بديع صنع الله سبحانه، في آية للإنسان تتكرر كل يوم تدل على التوحيد وتدعو الى الهداية والرشاد.
فهي رسول يومي متكرر إذ أن التبليغ والإنذار لا ينحصر بالقرآن والنبي بل ان آيات الله عز وجل الكونية هي ايضاً رسل تخاطب العقل الإنساني بلغة البرهان اللمي والإني , قال تعالى[سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ]( )، جعل الله سبحانه شروق الشــمس مقياســاً ودلالة على جهة المشــرق، ويقال أشرقت الشمس اذا طلعت، وأشرقت: إذا أضاءت وشع نورها وضياؤها على الأرض.
وقد يجمع المشــرق والمغرب بتغليب المشرق كما ورد في التنزيل [قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ ]( ) وغلب المشرق لأنه عنوان الوجود والإشراق والضياء، والمغرب دال على الزوال والإضمحلال والعدم، والوجود أشرف من العدم.
أما الجمع والتداخل بتسمية الشمس والقمر بالقمرين فلتغليب القمر لأنه مذكر كما في قول الشاعر:
لنا قمراها والنجوم الطوالع( ).
وهل المشرق والمغرب من المتضايفين أي الشيئين الوجوديين اللذين يتوقف تصور كل منهما على تصور الآخر ولا يعقل أحدهما بدون الآخر كما في الأبوة والبنوة.
الجواب إنهما أعم من أن يكونا أمرين إضافيين بحسب سير الشمس وطلوعها وغروبها والمراد المشرق والمغرب بلحاظ الجهة من تخوم الأرض إلى عنان السماء وهو غير الفوقية والتحتية.) ( ).
وكل من المشرق والمغرب عالم مستقل قائم بذاته كآية عظمى من خلق الله عز وجل ودعوة للإيمان , والتفكر في الخلق ومعرفة الإنسان لصغر حجمه وأثره في الكون ولزوم إجتنابه الفتن والقتال.
الثانية : عموم صيغة الخطاب وعدم إنحصارها بالمسلمين .
الثالثة : ذكرت الآية [وَجْهِ اللَّهِ] والنسبة بينه وبين جهة القبلة عموم وخصوص مطلق ، فالمراد من وجه الله عز وجل أعم ، ومنه توجه الناس إلى الله عز وجل ، ودعاؤه ورجاء رحمته ، وفي التنزيل [كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ]( ).
وليس لله عز وجل وجه أو يد أو عين ، فالمراد الكناية والوصف ، والمقصود من يد الله قدرة الله وعظيم سلطانه ، والمراد من عين الله حضور الأشياء كلها عند الله ، والمراد من وجه الله إحاطة الله عز وجل بكل شئ ، وفي التنزيل [كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ] ( ) .
تعدد ذكر (وجه الله) في القرآن
يدل تعدد الموارد التي ذكر فيها [وَجْهِ اللَّهِ] على أن موضوعه أعم من تعيين القبلة ، وهو من الدلائل على أن آية البحث محكمة غير منسوخة , وفي الآية مسائل :
الأولى : بيان أولوية أداء الصلاة في أوقاتها ، وعدم جعل المسلم متحيراً مع موضوعية استقبال البيت الحرام عند العلم والطمأنينة والظن المعتبر .
الثانية : في الآية دعوة للمسلمين للطف مع أهل الكتاب وإختيارهم القبلة ، واستقبال اليهود لبيت المقدس ، والنصارى لجهة المشرق .
ومن الإعجاز في المقام عدم تعرض المسلمين لأهل الكتاب في قبلتهم مع تعاقب الأجيال ، ليكون من معاني آية البحث تأديب المسلمين ولزوم حسن المعاملة وصيغ الإحتجاج .
الثالثة : بيان تنزه الله عز وجل عن الحلول في مكان دون آخر فهو سبحانه منزه عن الحاجة إلى الحيز والمكان ، ومن التجسيم والجسم لأن الجسم له طول وعرض وعمق ، وهو ليس بعرض لأن العرض حال في الجسم ، والجسم حادث ، والله عز وجل قديم ذاتاً منزه عن الحدوث ، وما المكان والجهات الأربعة الفوقية والتحتية إلا ملك له سبحانه.
ووردت آخر آية من سورة المائدة [لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ]( )، وسورة المائدة من آخر سور القرآن نزولاً.
الرابعة : يحتمل وبلحاظ سياق الآيات توجه الخطاب في الآية إلى المسلمين وغير المسلمين ، فهي عامة في موضوعها ، ولا يختص بالقبلة ، كما أنها تدعو الناس إلى الإسلام وتبين أن تعيين القبلة والإختلاف فيه ليس برزخاً دون الإسلام .
الخامسة : الآية إنذار للذين كفروا بأنهم لا يستطيعون الفرار من الله عز وجل لا في الدنيا ولا في الآخرة ، وهي رحمة بالمؤمنين بأن رحمة الله في كل مكان ، قال تعالى [إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ] ( ) .
ومن الإحسان التقيد باستقبال المسجد الحرام ، ومن أسماء الله عز جل (القريب) وفي التنزيل [إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ] ( )، وفي خطاب النبي صالح لقومه [إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ] ( ) .
ومع كثرة ورود [قَرِيبٌ] بلحاظ المكان فلم يرد لفظ [قَرِيبٌ مِنْ] إلا في الآية أعلاه من سورة الأعراف .
السادسة : منع الإنسان من الغرور والإغترار بالدنيا وأموالها وزينتها ، فقد يظن الملك أن السلطان والدولة له ، أو يظن صاحب العقار والبستان أنه ملك طلق له ، فجاءت الآية لبيان أن ملكيتهم عرض زائل طوعاً وقهراً ، وينتقل للغير بالبيع أو الهبة ونحوها أو ينتقل بالموت للوارث ، وهو من عمومات قوله للناس [وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ] ( ) .
السابعة : بيان قانون وهو ملك الله عز وجل أعم من أن تحيط به عقول البشر بلحاظ الجهات الأربعة وإطلاقها ، فذكرت الآية المشرق والمغرب على نحو الإطلاق من غير تعيين أو رسم .
وهل تشمل طلوع الشمس من جهة المشرق ومغيبها من جهة المغرب ، الجواب نعم ، فلا يختص موضوع الآية بمشارق ومغارب الكرة الأرضية ، وفيه دعوة للناس للتطامن والخشوع لله سبحانه .
الثامنة : مع قلة كلمات آية البحث [وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ]( ) فقد ابتدأت باسم الجلالة وأختتمت بثلاثة أسماء من الأسماء الحسنى لله عز وجل بقوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ] ( ) لبيان أن موضوعها من الإرادة التكوينية ، وهو أعم من تعيين القبلة الذي وردت بخصوصه آيات متعددة ، وتلقاها النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة وأجيال المسلمين بالقبول والتصديق والإمتثال .
وعلى القول بالنسخ في الآية فانه ينحصر بقوله تعالى [فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ] ( )، ولكن موضوع الآية أعم من القبلة ، وفيه دعوة سماوية للإقرار بالتوحيد ، والتنزه عن الشرك ومفاهيم الضلالة .
نسخ القبلة سلام
لقد تم نسخ قبلة المسجد الأقصى ونزل التوجه إلى المسجد الحرام في الصلاة في شهر رجب من السنة الثانية للهجرة النبوية أي قبل معركة بدر بشهرين ، وبعد أن صلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً , لبيان قدسية البيت الحرام ولزوم عناية المسلمين بالعبادات اليومية , والتقيد بشروطها , وهذا التقيد سلم محض , وعزوف عن القتال .
ونزلت آية نسخ القبلة في المدينة مما يدل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يريد القتال حتى بعد كثرة الأصحاب وأنه على الحق .
وعن (محمد بن عبد الله بن جحش قال : صلّيت القبلتين مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فصرفت القبلة إلى البيت ونحن في صلاة الظهر ، فاستدار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنا فاستدرنا معه)( ).
و(عن عمارة بن أوس الأنصاري قال : صلينا إحدى صلاتي العشي ، فقام رجل على باب المسجد ونحن في الصلاة ، فنادى أن الصلاة قد وجبت نحو الكعبة ، فحوّل أو انحرف أمامنا نحو الكعبة والنساء والصبيان , وهل فيه شاهد على حجية خبر الواحد الجواب نعم .
وأخرج ابن أبي شيبة والبزار عن أنس بن مالك قال : جاءنا منادي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال إن القبلة قد حوّلت إلى بيت الله الحرام ، وقد صلى الإِمام ركعتين فاستداروا ، فصلوا الركعتين الباقيتين نحو الكعبة) ( ).
والمختار أن آية البحث نزلت بعد تحول المسلمين في قبلتهم إلى البيت الحرام ، وهو من الشواهد على أن موضوعها أعم من القبلة.
ويمكن إنشاء قانون وهو لو دار الأمر بين العموم والخصوص في الآية القرآنية ، فالأصل هو العموم.
وقانون لو دار الأمر بين الإطلاق والتقييد في الآية القرآنية فالأصل هو الإطلاق .
الآية الرابعة والعشرون : قوله تعالى [إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ]( ).
قيل هذه الآية منسوخة بقوله تعالى وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدْ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ.
ولكن ليس من نسخ بين الآيتين ، وإحداهما تكمل الآخرى ، ولم يرد لفظ (يرغب) في القرآن إلا في الآية أعلاه .
إذ أن الصفا والمروة من شعائر الله ، وإبراهيم عليه السلام أول من نادى نداء عاماً للحج ، وقد سبقه حج البيت ومن أيام أبينا آدم الذي حج البيت مرات متعددة .
و(عن ابن عباس في حديث أن آدم حج من الهند أربعين حجة إلى مكة على رجليه)( ).
وقد يقال يراد له خمسة أشهر ذهاباً ومثلها إياباً فيقضي سنته في طريق الحج ، ولكن الله عز وجل خفف عنه إذ تطوى له الأرض بالسعة ما بين كل خطوتين .
و(عن ابن عمر قال : إن الله أوحى إلى آدم وهو ببلاد الهند أن حج هذا البيت فحج ، فكان كلما وضع قدمه صار قرية ، وما بين خطوتيه مفازة ، حتى انتهى إلى البيت ، فطاف به ، وقضى المناسك كلها ، ثم أراد الرجوع ، فمضى حتى إذا كان بالمأزمين تلقته الملائكة فقالت : برَّ حجك يا آدم ، فدخله من ذلك . . . فلما رأت ذلك الملائكة منه قالت : يا آدم إنا قد حججنا هذا قبلك قبل أن تخلق بألفي سنة . فتقاصرت إليه نفسه)( ).
وعلى فرض صحة هذه الأخبار فان طي الأرض لآدم من بركات إقامته في الجنة برهة من الزمن ، ولنفخ الله عز وجل فيه من روحه ، وللنبوة ولبيان قانون وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، تعاهد حج بيت الله الحرام ، فلو لم يكن في الأرض إلا شخصان هما آدم وحواء فان حج البيت لا ينقطع ، وهو من مصاديق نسبة البيت إلى الله عز وجل بقوله تعالى [َبيْتِي] بقوله تعالى خطاباً إلى إبراهيم [وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ]( ).
وورد لفظ (بيتي) ثلاث مرات في القرآن ، مرتين بخصوص بيت الله ، والأخرى في نوح عليه السلام بقوله [رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِي مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلاَ تَزِدْ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَارًا]( ).
ترى هل من صلة بين هذه الآيات الثلاثة ، الجواب نعم ، فان بيت الله عز وجل أسمى وأشرف من بيت نوح ، وإذا كان من يدخل بيت نوح يغفر له بدعاء الرسول ، فمن باب الأولوية القطعية أن الله عز وجل يغفر لمن يدخل بيته الحرام مؤمناَ بفضل ولطف منه تعالى.
في رحاب الصفا والمروة
الصفا العريض الأملس من الحجارة ، والمفرد صفاة .
والشعائر : جمع شعيرة وهي الشاهد والعنوان والعلم الذي يدل على النسك والعبادة ، والإمتثال لأمر الله.
لقد ذكرت الآية الصفا والمروة بالاسم ، وفيه شاهد على معرفة المسلمين والمسلمات لهما ، وهل يكون ذكرهما في هذه الآية سبباً لتفقه المسلمين في الدين , وباعثاً للشوق إلى الحج في النفوس ، الجواب نعم .
وتذّكر الآية الكريمة بالحج ووجوبه ، ومناسكه ، وهو من الدلائل على أن الآية محكمة غير منسوخة خاصة وأن الجمع بين قوله تعالى [وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ]( )، وبين آية البحث أمر ممكن ، بل وحاجة للمسلمين .
ويقع جبلا الصفا والمروة بين المسجد الحرام وبطحاء مكة ، وهما متقابلان وملاصقان للبيت الحرام , وما أكثر النصوص والأحكام التي وردت بخصوص الصفا والمروة والسعي بينهما ، وهو من الأمارات على أن الآية غير منسوخة بالإضافة إلى جزئية السعي بينهما في الحج والعمرة .
و(أركان العمرة خمسة :
الأول : النية.
الثاني : الإحرام.
الثالث : الطواف.
الرابع : السعي بين الصفا والمروة.
الخامس : التقصير.
وأركان الحج سبعة :
الأول : النية.
الثاني : الإحرام.
الثالث : الوقوف بعرفات.
الرابع : الوقوف بالمشعر.
الخامس : الطواف.
السادس : السعي بين الصفا والمروة.
السابع : التقصير أو الحلق)( ).
فيدخل السعي بين الصفا والمروة في الحج وفي العمرة ، قال تعالى [وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ]( ).
والسعي بين الصفا والمروة واجب وفرض ، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (اسعوا فإن الله عز وجل كتب عليكم السعي)( ).
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحرص على السعي بين الصفا والمروة.
كيفية حج رسول الله (ص)
من الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم اجتهاده في جعل أجيال المسلمين تحاكيه في أفعاله العبادية من غير زيادة أو نقصان وهو أمر لم يقع إلا بالوحي وتوفيق من عند الله عز وجل.
لقد ثبت النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أفعال الصلاة أجزاءً وأركاناً وأحكام الصيام والحج بامتثاله الأمثل للأوامر الإلهية ، وأمر المسلمين بالأخذ والعمل به ، وقال (لتأخذوا عني مناسككم)( ).
لتكون هذه الأفعال العبادية والنواهي سبباً لإدراك كل جيل من المسلمين وكأنهم أصحاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وعن الإمام الباقر عليه السلام (دخلنا على جابر بن عبد الله فقلت : أخبرني عن حجة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكث تسع سنين لم يحج ، ثم أذن في الناس في العاشرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حاج.
فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويعمل بمثل عمله ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة.
فصلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المسجد ، ثم ركب القصواء حتى استوت به ناقته على البيداء ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن وهو يعلم تأويله ، فما عمل به من شيء عملنا به.
فأهل التوحيد لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك ، وأهل الناس بهذا الذي تهلون به ، فلم يرد عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً منه .
ولزم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تلبيته حتى أتينا البيت معه ، استلم الركن فرمل ثلاثاً( ) ومشى أربعاً ، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ [وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى]( )، فجعل المقام بينه وبين البيت.
فصلى ركعتين يقرأ فيهما بقل هو الله أحد ، وبقل يا أيها الكافرون.
ثم رجع إلى البيت فاستلم الركن ، ثم خرج من الباب إلى الصفا.
فلما دنا من الصفا قرأ [إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ]( )، فبدأ بما بدأ الله به.
فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت فكبر الله وحده وقال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير ، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده ، ثم دعا بين ذلك وقال : مثل هذا ثلاث مرات .
ثم نزل إلى المروة حتى انصبت قدماه رمل في بطن الوادي حتى إذا صعد مشى حتى أتى المروة ، فصنع على المروة مثل ما صنع على الصفا.
حتى إذا كان آخر الطواف على المروة قال : إني لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي ولجعلتها عمرة ، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحلل وليجعلها عمرة ، فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن كان معه هدي.
فلما كان يوم التروية وجهوا إلى منى أهلوا بالحج ، فركب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فصلى بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح ، ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس وأمر بقبة له من شعر فضربت بنمرة)( ).
وعلى وجوب السعي بين الصفا والمروة وكونه من أركان الحج قال الإمامية والشافعي وهو المشهور من مذهب مالك .
ونسب إلى أبي حنيفة أنه واجب غير فرض ، وأنه من سنن الحج ولم يكن مما لا يتم الواجب إلا به .
وقال الجصاص وهو من الحنفية : هو عند أصحابنا من توابع الحج ، يجزئ عنه الدم لما يرجع إلى أهله ، مثل الوقوف بالمزدلفة ، ورمي الجمار وطواف الصدّر.
الطواف هو الدوران حول الكعبة سبع مرات ، والطواف على أقسام وهي :
الأول : طواف القدوم ، وهو أدب الدخول فتحيته الطواف ، وهو مما يمتاز به عن مساجد الأرض عامة .
الثاني : طواف الإفاضة ، ويسمى طواف الركن ، فهو الركن الخامس في الحج، وعلى القول بأن أركان الحج أربعة فهو الركن الثالث ، وأوانه بعد النزول والإفاضة من عرفة لقوله تعالى [وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ]( ).
الثالث : طواف الصدر ، سُمي به لأنه يصدر به عن البيت ، ويسمى طواف الوداع ، للحاج والمعتمر لأنه يودع البيت به ، وطواف آخر العهد .
وعن ابن عباس قال (كانوا ينفرون من منى إلى وجوههم ، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون آخر عهدهم بالبيت ، ورخص للحائض)( ).
وعن الإمام الصادق عليه السلام (السعي بين الصفا والمروة فريضة)( ).
والخلاف صغروي لدلالة الآية الكريمة [إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ]( )، ولسنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالطواف والسعي بينهما ، وهذا السعي مما أتى به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا]( ).
ذات الصفا والمروة من الشعائر
لم يرد لفظ (الصفا) ولفظ (المروة) إلا في آية البحث ومن الإعجاز إفراد كل منهما على أنه شعيرة مكانية لذكرها بالخصوص ، فلم تقل الآية (ان السعي بين الصفا والمروة) أو إن الطواف بين الصفا والمروة.
والمختار أن ذات الصفا والمروة من شعائر الله وأن الحفاظ عليهما واجب عقائدي وشرعي ، وقد ورد في البُدن أنها من شعائر الله ، قال تعالى [وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ]( ).
وكذا في الصفا والمروة وثباتهما في المحل خير كثير للمسلمين والناس مطلقاً .
وقد ألح مشركو قريش على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن يريهم آية وهي جعل جبل الصفا ذهباً مع أنه من حجارة ملساء ، واختاروا الصفا لأنه أكبر وأعلى من جبل المروة وفيه أمارة على إدراكهم لمعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وتمر الأيام والسنون ليصبح جبل الصفا يدر ذهباً على قريش وأهل مكة في كل عام ببركة نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
لقد أرادوا معجزة حسية متعذرة ، لأن ذات جبل الصفا من شعائر الله ، فرزقهم الله بخصوص هذا الجبل معجزة عقلية متجددة كل عام بوفود ملايين المسلمين كل سنة إلى مكة ، وشوق أضعاف مضاعفة من خلفهم للوصول اليها ، والإنفاق فيها في السكن ، والمأكل ، والمشرب ، والتنقل ، والتبضع .
لقد كانت قريش تزاول التجارة ، وتجلب البضائع من الشام في الصيف ، ومن اليمن في الشتاء ، ونزل قوله تعالى [لِإِيلاَفِ قُرَيْشٍ* إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ]( ).
وبعد بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعمارة المسجد الحرام صار أهل الشام وأهل اليمن ومصر والعراق وفارس وغيرهم يتسوقون من مكة والمدينة ، ويشترون بالعملة الصعبة الحاجات والهداية لتزدهر التجارة في مكة ويكون الصفا ذهباً كل عام .
لذا فمن معاني الآية أعلاه دعوة قريش وأهل مكة لشكر الله عز وجل على نعمة رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى [فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ]( ).
ومن مصاديق هذا الشكر الإمتناع عن قتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن غزو المدينة.
ولو تنزلنا وقلنا بنسخ الآية فماذا يكون المعنى خاصة وأن الصفا والمروة من شعائر الله أمر محكم وقانون من الإرادة التكوينية ثابت إلى يوم القيامة ، وهو من أسباب صرف البلاء عن أهل الأرض.
وقال في ناسخ القرآن ومنسوخه
(م( ) فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما أي أن لا يطوف بهما ن( ) ومن يرغب عن ملة ابراهيم إلا من سفه نفسه)( ).
أي أنه اعتمد قراءة غير مشهورة وخلاف المعنى المقصود وهي (ان لا يطوف).
وعن عروة بن الزبير قال : قلت لعائشة ، وأنا يومئذ حديث (أرأيت قول الله تعالى { إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوّف بهما } فما أرى على أحد جناحاً أن يطوّف بهما؟
فقالت عائشة : بئسما قلت يا ابن أختي ، إنها لو كانت على ما أوّلتها كانت فلا جناح عليه أن لا يطوّف بهما ، ولكنها إنما أنزلت أن الأنصار قبل أن يسلموا كانوا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها ، وكان من أهل لها يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة ، فسألوا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
فقالوا : يا رسول الله إنا كنا نتحرج أن نطوف بالصفا والمروة في الجاهلية ، فأنزل الله [إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ…الآية]( ) . قالت عائشة : ثم قد سن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الطواف بهما ، فليس لأحد أن يدع الطواف بهما)( ).
وقول لا جناح عليك أن لا تفعل : إباحة لترك الفعل ، وعدم المؤاخذة على هذا الترك ، وهو خلاف السنة النبوية القولية والفعلية.
وقد تقدم (وروي عن إبن مسعود أنه قرأ (فلا جناح عليه ان لا يطوف بهما) ( )، ولكنها قراءة شاذة وخلاف المرسوم في المصاحف)( ).
والأخبار الواردة بوجوب السعي بين الصفا والمروة مستفيضة بل متواترة ، وهي موافقة لما مرسوم في المصاحف .
وذكر الناسخ [وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ]( )، يجعل الخلاف صغروياً لما يدل عليه بأن السعي بين الصفا والمروة من سنة إبراهيم عليه السلام ، ولكن لا تصل النوبة الى النسخ ، ولا يترتب النسخ على قراءة شاذة.
ولو تنزلنا وقلنا بأن بعض المسلمين ظن أن السعي بين الصفا والمروة سنة يجوز تركها فهل يكون قد رغب عن ملة إبراهيم وسفه نفسه وجعلها في حال من الجهالة والضلالة ، الجواب لا ، إذ أن ملة إبراهيم الإسلام ، والتوحيد ، ومن قصد بيت الله الحرام لأداء فريضة الحج فهو ممن تعاهد ملة إبراهيم.
فقوله تعالى [إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ]( )، محكمة غير منسوخة.
قانون [لاَ تَعْتَدُوا] مطلق
المطلق في مقابل المقيد سواء كان القيد زمانياً أو مكانياً ، موضوعاً أو حكماً ، فان هذا القانون سالم من المتشابه والنسخ وضروب التقييد ، وهو من إعجاز القرآن ومصاديق قوله تعالى [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ] ( )، وهل يدخل القرآن في ذات التبيان ، ويبين القرآن آياته ومعناها ودلالالتها .
أم أن القدر المتيقن هو تبيانه لغيره ، ويتعلق الأمر بالأحكام والسنن.
الجواب هو الأول ، فذات القرآن مما يبينه القرآن ، وهو من الإعجاز الذاتي له ، وبيانه لغيره من الإعجاز الغيري ليكون من إعجاز القرآن إجتماع الإعجاز الذاتي والغيري في آية واحدة .
وكذا قد تجتمع قوانين متعددة في كلمة واحدة من القرآن ، كما في قوله تعالى [لاَ تَعْتَدُوا]، من وجوه :
الأول : قانون [لاَ تَعْتَدُوا] على أنفسكم وغيركم .
الثاني : قانون [لاَ تَعْتَدُوا] فيعتدى عليكم .
الثالث : قانون [لاَ تَعْتَدُوا] للغنى بالحجة والبرهان والمعجزة الحسية والعقلية التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع : قانون [لاَ تَعْتَدُوا]قبل الهجرة وبعدها .
الخامس : قانون [لاَ تَعْتَدُوا]قبل صلح الحديبية وبعده .
السادس : قانون [لاَ تَعْتَدُوا]قبل فتح مكة وبعده .
السابع : قانون التداخل الموضوعي والحكمي بين قوله تعالى [اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا] ( ) و[لاَ تَعْتَدُوا].
الثامن : قانون الملازمة بين تقوى الله و[لاَ تَعْتَدُوا] ومن إعجاز نظم الآيات إختتام الآية السابقة بقوله تعالى [وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] ( ).
والتقوى والأمر بها باق إلى يوم القيامة ،وكذا ما يلازمها من إشاعة الأمن المجتمعي ، ونشر ألوية السلام ، والإمتناع عن الإعتداء .
قانون الجامع لآيات القرآن نفي لنسخ آيات السلم
الحمد لله الذي جعل القرآن دستور الحياة يفيض بالعلوم ، وينمي ملكة الحكمة عند التالي والمستمع لآياته وهو من مصاديق وجوب تلاوة كل مسلم ومسلمة القرآن سبع عشرة مرة في الصلاة اليومية .
ويبعث القرآن الناس على الصدور عنه في دعوته إلى السلم والوئام ومكارم الأخلاق وهو من الشواهد العامة على سلامة آيات السلم من النسخ بتقريب عدم إنحصار سلامة آيات السلم من النسخ بنفي نسخ آية السيف وآية القتال لها ، بل بقانون ذات آيات القرآن على نحو العموم المجموعي والإستغراقي على هذه السلامة ، وهذا القانون قول مستحدث هنا يفتح آفاقاً من العلم.
وللقوانين التي تستنبط من القرآن موضوعية إلى يوم القيامة لوجوه :
الأول : القرآن آخر الكتب السماوية النازلة عند الله .
الثاني : نزول القرآن على خاتم النبيين ، لبيان قانون من الإرادة التكوينية ، وهو الملازمة بين التنزيل والنبوة ، فليس من تنزيل إلا على نبي.
الثالث : الإعجاز العقلي للقرآن .
الرابع : إنتفاء التعارض بين آيات القرآن ، فحينما نزل قوله تعالى [ولاَ تَعْتَدُوا]، لا تجد في كلمات القرآن ما يتعارض معها ، قال السيوطي (وعد قوم كلمات القرآن سبعة وسبعين ألف كلمة وتسعمائة وأربعاً وثلاثين كلمة، وقيل وأربعمائة وسبعاً وثلاثين، وقيل ومائتان وسبع وسبعون، وقيل غير ذلك. وقيل وسبب الاختلاف في عد الكلمات أن الكلمة لها حقيقة ومجاز ولفظ ورسم واعتبار، كل منها جائز، وكل من العلماء اعتبر أحد الجوائز) ( ).
و(عن ابن عباس قال: جميع آي القرآن ستة آلاف آية وستمائة آية وست عشرة آية، وجميع حروف القرآن ثلاثمائة ألف حرف وثلاثة وعشرون ألف حرف وستمائة حرف وأحد وسبعون حرفاً. قال الداني: أجمعوا على أن عدد آيات القرآن ستة آلاف آية، ثم اختلفوا فيما زاد على ذلك، فمنهم من لم يزد، ومنهم من قال ومائتا آية وأربع آيات، وقيل وأربع عشرة، وقيل وتسع عشرة، وقيل وخمس وعشرون، وقيل وست وثلاثون) ( ).
ولا يلزم من هذا العنوان الجمع بين كل آيات القرآن لاستقراء استدامة حكم آيات السلم بل يكفي في كل مرة الجمع بين بضع آيات ذات صلة بالموضوع.
وقد صدرت لي أجزاء يختص أكثرها بالصلة بين آيتين أو بين شطرين منهما وهي :

  • الجزء السادس والسبعون ، ويختص بصلة الآية 110 بالآيات 64-69 من سورة آل عمران.
  • الجزء السابع والسبعون ، ويختص بصلة الآية 110 بالآيات70-77 من سورة آل عمران.
  • الجزء الثامن والسبعون ، ويختص بصلة الآية 110 بالآيات 78-84 من سورة آل عمران.
  • الجزء التاسع والسبعون ، ويختص بصلة الآية 110 بالآيات 85-93 من سورة آل عمران.
  • الجزء الثمانون ، ويختص بصلة الآية 110 بالآيات 94-102 من سورة آل عمران .
  • الجزء الواحد والثمانون ،ويختص بصلة الآية 110 بالآيات 101-109 من سورة آل عمران .
  • الجزء السادس والعشرون بعد المائة ، ويختص بصلة الآية (152) بالآية التي قبلها من سورة آل عمران.
  • الجزء السابع والعشرون بعد المائة وهو القسم الأول من تفسير الآية153 ,ويختص بصلة شطر من الآية 153 بشطرمن الآية 151 من سورة آل عمران.
  • الجزء التاسع والعشرون بعد المائة , وهو القسم الأول من تفسير الآية 154 , ويختص بصلة شطر من الآية بشطر من الآية 153 من سورة آل عمران.
  • الجزء الواحد والخمسون بعد المائة ، ويختص بالصلة بين شطر من الآية 161 بشطر من 164 من سورة آل عمران .
  • الجزء الواحد والتسعون بعد المائة , ويختص بالصلة بين الآية 180 والآية 181 من آل عمران .
    والمطلق هو اللفظ الشائع في جنسه واللفظ الدال على الماهية بلا قيد .
    صلة الخلافة بـ(لاَ تَعْتَدُوا)
    ترى ما هي الصلة بين قانون الخلافة في الأرض ، وقانون (لاتعتدوا) الجواب هو العموم والخصوص المطلق ، فعدم الإعتداء فرع خلافة الإنسان في الأرض لبيان قانون تعاهد المسلمين لمصاديق الخلافة .
    وهذا القانون من الشواهد على استدامة بقاء الإسلام الديانة الثابتة إلى يوم القيامة لما فيها من حفظ النسل والعرض والمال للناس جميعاً : قال تعالى [إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ]( ).
    في دلالة على مجئ كل نبي بقانون عدم الإعتداء إلى أن ورثه المسلمون ، ومن خصائص هذا القانون موافقته للعقل والطبع الإنساني ، ونفرة النفوس من الاعتداء سواء كان على نحو القضية الشخصية أو النوعية ، لذا فان قوله تعالى [وَلاَ تَعْتَدُوا] مطلق وهو قانون مصاحب للرسالات السماوية ، وليس مقيداً بشرط أو حال دون أخرى ، فحتى في حال الغضب لابد من التقيد بعدم الإعتداء ، قال تعالى [وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ]( ).
    وقد تقدم في الجزء الرابع والعشرين بعد المائتين (القوانين في القرآن إلهية تفيد الإنبساط والملائمة لكل الأزمنة والبلدان).
    وجاء في الجزء السابع والعشرين بعد المائتين قانون (النهي عن الإعتداء ، والنسبة بين الإعتداء والإرهاب عموم وخصوص مطلق ، فالإعتداء أعم أي من باب الأولوية النهي عن الإرهاب)( ).
    و(قانون عام مصاحب للحياة الدنيا وهو بغض الله عز وجل للذين يعتدون على الناس ، لقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ( ).
    ومن معاني قوله تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، حتمية وجود أمة في كل زمان تؤدي وظائف الخلافة ، وتظهر حسن الإمتثال للأوامر والنواهي الإلهية ، ومنها الإنزجار عن التعدي والظلم .
    ومن معانيه أيضاً بعث النفرة في النفوس من التعدي ، وهل يختص وجود هذه النفرة بالمؤمنين من الملل السماوية ، الجواب لا ، إنما هي موجودة عند كل انسان وهي من عمومات الخلافة في الأرض ، وقوله تعالى [وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ]( ).
    و(قانون انتفاء النفع من الإرهاب والعنف والتعدي على الناس ، وإلحاق الضرر بأنفسهم وأموالهم) ( ).
    عمومات (لاَ تَعْتَدُوا)
    ظاهر نظم الآية توجه الخطاب (لاتعتدوا) إلى المسلمين والناس جميعاً لمنع الظلم في ميدان الحرب ، ولأن الله عز وجل بشر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بالنصر فيجب أن لا يترتب على النصر الإضرار بأي من الناس بغير حق ، فينزل النصر للمسلمين من عند الله ، والله تعالى هو الرحيم بالناس جميعاً.
    فلا تعارض بين هذا النصر وبين استدامة رحمة الله بالناس جميعاً برهم وفاجرهم .
    إن تنزه المسلمين عن الإعتداء دعوة للناس لدخول الإسلام ، وإستئصال للثأر والضغائن والأحقاد .
    ومن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم دخول أبناء الكافر الذي قتل في ميدان المعركة الإسلام .
    ومن معاني الإطلاق في (لاتعتدوا) إمتناع المسلمين عن الإعتداء على الأفراد والممتلكات الخاصة والعامة في حال السلم أيضاً ، لبعث الطمأنينة العامة من الإسلام ، وتوجه المسلمين إلى ذكر الله.
    والخشية من الله تعالى بالغيب ، فجاء قوله تعالى [لاَ تَعْتَدُوا] بصيغة الجمع لينحل بعدد المسلمين والمسلمات إلى يوم القيامة وهو من إعجاز القرآن بأن ينقسم الأمر القرآني إلى اللامتناهي من الأعداد والمتلقين وكثرة الإمتثال له.
    فليس من إمتثال لأمر في الحياة الدنيا مثل الإمتثال للأوامر والنواهي القرآنية كثرة واستدامة مع تفقه في الدين ، وهو من أسرار تلاوة كل مسلم ومسلمة القرآن خمس مرات في اليوم ، فيتجدد بالتلاوة توجه الأمر والنهي لهم بعدم الإعتداء ، ويكون حاضراً في الوجود الذهني خارج أوقات الصلاة للتقارب الزماني بين أفراد الصلاة اليومية الخمس.
    ومن خصائص المسلمين أنهم أسوة للناس جميعاً في لزوم عدم الإعتداء والتعدي ، لذا حينما كان المشركون يغزون المدينة وأطرافها لايردون عليهم بالمثل.
    (لاَ تَعْتَدُوا) محكم غير منسوخ
    من إعجاز القرآن تلقي المسلمين الأوامر والنواهي بالرضا والقبول وتبادر قانون الأصل عدم النسخ ، وهذا التبادر من الفطرة والفقاهة وتجلي منافع هذه الأوامر والنواهي في الواقع العملي.
    فعندما قال تعالى [وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً]( )، أدرك المسلمون والمسلمات قبح وحرمة الزنا وضرره في النشأتين ، ولو أجريت إحصائية عامة لتبين أن المسلمين أقل نسبة بين الأمم في موضوع الزنا واللواط ، وحتى هذه القلة إن حصلت فهي بالخفاء والإستحياء والندامة ، وهو من الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومنافعها العامة ، واقتباس الأمم من حسن سمت المسلمين .
    وكذا تتلقى أجيال المسلمين [وَلاَ تَعْتَدُوا] بالقبول والإستجابة ومن الشواهد على عدم النسخ في عدم الإعتداء موافقته للفطرة الإنسانية ، وإدراك العقل النوعي والشخصي .
    لقد ابتدأ الإعتداء في الأرض بقتل ابن آدم قابيل لأخيه هابيل ثم حصل التعدي بالكفر والجحود ، والصدود عن الأوامر الإلهية ، ليبعث الله عز وجل النبي محمداً بشيراً ونذيراً ، بشيراً للذين لا يعتدون ، ونذيراً للذين يعتدون.
    لذا فمن معاني قوله تعالى [وَلاَ تَعْتَدُوا] أنها بشارة وإنذار متصل ومتجدد إلى يوم القيامة ، ولا تُنسخ كل من البشارة والإنذار ، قال تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا]( ).
    والنسبة بين القتال في سبيل الله وبين عدم الإعتداء هو العموم والخصوص المطلق ، لأن النهي عن الإعتداء يشمل أموراً :
    الأول : قانون عدم الإعتداء في ميدان القتال .
    الثاني : قانون عدم الإعتداء في حال السلم ليتعاهد المسلمون والناس حال السلم ، ويكون مناسبة للتدبر في معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
    الثالث : قانون عدم الإعتداء في المعاملات لإشاعة العدل والإنصات .
    الرابع : قانون عدم الإعتداء عند إنتهاء القتال ، قال تعالى [وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا]( ).
    الخامس : قانون عدم إعتداء المسلمين بعضهم على بعض .
    فمن إعجاز القرآن الوارد في (ولا تعتدوا) وصيغة الإطلاق فيه تنمية ملكة عدم الإعتداء في الميدان والسوق والبيت سواء مع الحاضر أو الغائب.
    وهل يشمل (ولا تعتدوا) النهي عن الغيبة والنميمة والتجسس ، الجواب نعم.
    لبيان إعجاز الآية القرآنية بأن تأتي في موضوع القتال لتشمل حال السلم ، وكذا العكس فتأتي الآية القرآنية بخصوص حال السلم لتشمل حال الحرب والقتال ليس في المفهوم إنما في ذات المنطوق والمعنى والدلالة ، ومن الإعجاز تبادر هذا المعنى إلى أذهان المسلمين والمسلمات من غير استعانة بعلوم التفسير والتأويل ، وهو من الشواهد على أن القرآن معجزة عقلية متجددة إلى يوم القيامة.
    النسبة بين أول وآخر آية [وَقَاتِلُوا]
    من خصائص الآية القرآنية تعدد المضامين القدسية فيها ، ومجيؤها بالأمر والنهي والخبر من غير تعارض بين مضامينها ، ولا بينها وبين آيات القرآن الأخرى وهو من قانون خلود إعجاز القرآن.
    وتمام آية البحث هو [وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ]( )، إذ تتضمن الآية وجوهاً :
    الأول : إبتداء الآية بالعطف على الآية السابقة والتي اختتمت بالأمر العام للمسلمين بالتقوى والخشية من الله ، رجاء الفوز والفلاح .
    الثاني : الأمر للمسلمين بالقتال ، والآية مدنية ، ولم يكن في مكة قبل الهجرة أمر للنبي وأصحابه بالدفاع .
    الثالث : قال المشهور فرض القتال في المدينة ، والمختار أنه لم يفرض بصورة مطلقة ، إنما ورد مقيداً بلحاظ الإضطرار للدفاع ضد هجوم المشركين .
    قال ابن عطية (وقال عطاء بن أبي رباح : فرض القتال على أعيان أصحاب محمد ، فلما استقر الشرع وقيم به صار على الكفاية ، وقال جمهور الأمة : أول فرضه إنما كان على الكفاية دون تعيين)( ).
    وقال الطبري (واللهُ جل ثناؤه إنما فرض القتال على المؤمنين بعد الهجرة)( ).
    واكتفى الشيخ الطوسي بنقل قول (الزجاج: كانت براءة تسمى الحافرة، لانها حفرت عن قلوب المنافقين، لانه لما فرض القتال تميز المؤمنون من المنافقين ومن يوالي المؤمنين ممن يوالي اعداء هم)( ).
    والمختار تقييد فرض القتال في القرآن بحال هجوم وقتال المشركين ، أو إبداله بقانون فرض الدفاع لدفع وهم إرادة الإطلاق في فرض القتال.
    والله عز وجل هو الذي قيده بالنص الجلي من جهتين في قوله تعالى [وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ]( )، والجهتان هما :
    الأولى : لزوم القتال في سبيل الله .
    الثانية : عدم القتال إلا ضد الذين يقاتلون المسلمين ويعتدون على ثغورهم ، ويهجمون عليهم .
    وهل إرادة قتل المشركين للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من هذا الإعتداء ، ام أن القدر المتيقن خصوص القتال ، الجواب هو الأول.
    فان قلت قد ورد قوله تعالى [فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ]( )، فالمراد من اعتدى عليكم في الشهر الحرام أو في الحرم في مكة قبل الهجرة ، والمماثلة هنا وبلحاظ وحدة المكان والزمان لعمومات (ولا تعتدوا) أي ليس من تعارض بين الآيتين.
    و(عن ابن عباس : في قوله [فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ]( ) وقوله [وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا]( )، وقوله [وَلَمَنْ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ]( )، وقوله [وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ]( )، قال : هذا ونحوه نزل بمكة ، والمسلمون يومئذ قليل فليس لهم سلطان يقهر المشركين ، فكان المشركون يتعاطونهم بالشتم والأذى ، فأمر الله المسلمين من يتجازى منهم أن يتجازى بمثل ما أوتي إليه أو يصبر أو يعفو.
    فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة وأعز الله سلطانه أمر الله المسلمين أن ينتهوا في مظالمهم إلى سلطانهم ، ولا يعدو بعضهم على بعض كأهل الجاهلية ، فقال [وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا]( )، الآية . يقول : ينصره السلطان حتى ينصفه من ظالمه ، ومن انتصر لنفسه دون السلطان فهو عاص مسرف ، قد عمل بحمية الجاهلية ولم يرض بحكم الله تعالى)( ).
    و(عن جابر عن عبد الله قال : لم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يغزو في الشهر الحرام إلا أن يغزى ويغزو ، فإذا حضره أقام حتى ينسلخ)( ).
    والمراد من (فمن اعتدى عليكم) أي بالغزو والعدوان والظلم والشتم والقتل ، أما (فاعتدوا عليهم) فهو إرادة الإذن بالمماثلة وهي دفاع، وبشارة عز الإسلام ، وتحقق الهجرة وكثرة المسلمين ، وبعث للفزع والخوف في قلوب المشركين .
    ومن معاني الآية : ولا تعتدوا ابتداء ، وهل يمكن تقييد قوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ] ابتداءً على نحو الحصر، الجواب لا ، إذ تتضمن الآية ذم المشركين إذا اعتدوا أو ردوا التعدي لأنهم على باطل ، لأن ذات الشرك ظلم وتعد.
    وهذه المثلية في الإعتداء تكليف للمسلمين ، وتخويف للمشركين ، وهي إلى الإنحسار ، فمتى ما علم المشركون أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه سيردون بالمثل فانهم يجتنبون التعدي والغزو المتكرر ، وهل لهذه الآية وشبهها موضوعية في إمتناع المشركين عن القتال الشديد في الخندق ، وفي عدم الغزو بعده ، وفي وقوع صلح الحديبية ، الجواب نعم .
    قانون بغض الله للمعتدين
    لقد أختتمت آية البحث بقوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ] ( ) ولم تذكر ذات الإعتداء ، إنما ذكرت أشخاص المعتدين ، وتعديهم ، وأن عدم الحب موجه إليهم بالذات للدلالة على قبح فعلهم ، وللإنذار والوعيد إذ يحجب المعتدون عن أنفسهم ضروباً من الرحمة الإلهية ، ولبيان نكتة وهي أن الدنيا ليست دار عمل وحده ، إنما هي دار عمل وجزاء ابتدائي أيضاً ، لتستديم الخلافة ومصاديقها ، ويتجدد كل يوم ذكر الله في الأرض ، وإزاحة أسباب ومقدمات الإضرار بالمؤمنين ، قال تعالى [لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى] ( ) ومنه عدم حب الله للمعتدين والظالمين ، وقد تكرر ثلاث مرات في القرآن عدم حب الله للظالمين .
    الأولى : قال تعالى [وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ] ( ).
    الثانية : قال تعالى [إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ] ( ).
    الثالثة : قال تعالى [وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ] ( ).
    وورد ذكر المعتدين في القرآن خمس مرات ، ترى ما هي النسبة بين الظلم والتعدي بلحاظ آيات القرآن ، المختار العموم والخصوص المطلق ، وأن كل ظلم هو تعد وليس العكس ، إذ ورد التعدي في القرآن بصيغة التحذير والإنذار والوعيد عليه ، لبيان أن التعدي من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً .
    وقد ورد عدم حب الله عز وجل للمعتدين في ثلاث آيات من القرآن ، وهي :
    الأولى : آية البحث.
    الثانية : قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ]( ).
    الثالثة : قوله تعالى [ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ]( ).
    وبغض الله عز وجل للمعتدين مطلق ، ويخرج بالتخصيص رد إعتداء المشركين بمثله من غير زيادة أو ظلم بقوله تعالى [الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ]( ) .
    ومن تقوى الله عز وجل في المقام أمور :
    الأول : إختيار العبد .
    الثاني : إقتران الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر برد الإعتداء .
    الثالث : الإمتناع عن الزيادة في رد الإعتداء .
    الرابع : النهي عن المناجاة بالتعدي والظلم .
    وجاءت الآية أعلاه بخصوص الأشهر الحرام والقتال فيها ، وهل التعدي بالمثل يختص بها جموداً على النص أم أن الآية أعم ، ويرد التعدي بمثله سواء في الأشهر الحرم أو الأشهر الحلّ ، المختار هو الثاني .
    هل نسخت آية السيف (لاَ تَعْتَدُوا)
    وقال الماتن أن آية السيف نسخت قوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ] ( ) .
    وموضوع النسخ في المقام هو القتال الإبتدائي مع المشركين ، لأن آية السيف هي [فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ] ( ).
    ولكن موضوع آية السيف مقيد زماناً ومكاناً بخصوص مشركي مكة في آخر السنة العاشرة للهجرة.
    أما قوله تعالى [وَلاَ تَعْتَدُوا] فهو باق ومتجدد إلى يوم القيامة.
    كما أن الإذن بالقتال لا يعني جواز التعدي بدليل ذات آية حرمة التعدي التي تضمنت الأمر بالقتال وقيدته بأنه في سبيل الله ، ليدل قوله تعالى [وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ]( )، على التباين بين القتال في سبيل الله وبين التعدي.
    وليكون من تقدير آية السيف (فاذا انسلخ الأشهر الحرم الثلاثة المخصوصة فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين وخذوهم واحصروهم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين).
    والنسبة بين التعدي والقتال في غير سبيل الله فهي العموم والخصوص المطلق ، وأن التعدي أعم ، فقد يعتدي المشركون بالغدر والإغتيال ، وحرق النخيل في أطراف المدينة أو نهب سروح أهل المدينة.
    أما القتال فالقدر المتيقن منه هو إلتقاء الصفين وسل السيوف والمبارزة ، قال تعالى [وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ]( )، بخصوص معركة بدر في شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة ، فقد أصطف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في مقابل مشركي قريش.
    ومن الإعجاز قانون التنزيل يوم معركة بدر لإرادة السلم حتى في ساعة القتال ، والإخبار بأن القتال عرض زائل لأن التنزيل عنوان السلم والأمن المجتمعي .
    وسيأتي قانون : سعي النبي للسلم حتى في الميدان.
    ونهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه عن الإبتداء بالقتال أو رمي النبال أو طلب المبارزة ، وكان يأمل إمتناع قريش عن القتال خاصة مع إنتفاء أسبابه ومقدماته.
    وهل كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعلم بأن الله سيظهره عليهم ، الجواب نعم ، ومع هذا كان يرجو عدم وقوع القتال وسفك الدماء ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ) .
    قانون سعي النبي (ص) للسلم حتى في الميدان
    لقد كان السلم والسعي إليه سجية نبوية ثابتة ، وكأنه من العهد بين الله وأنبيائه ، وكل نبي يسعى في السلم ، ولا يدخل ميدان القتال إلا اضطراراً ودفاعاً .
    ومن خصائص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رجاؤه السلم ومنع القتال حتى [يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ]( )، سواء في معركة بدر أو معركة أحد أو الخندق.
    ورآى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم صبيحة يوم بدر أحد المشركين يركب جملاً أحمر ويطوف على صفوفهم وهو عتبة بن ربيعة يسأل رجالات قريش الإمتناع عن الإقتتال ، ويقول لهم (يا قوم أطيعوني فإنكم لا تطلبون عندهم غير دم ابن الحضرمي وما أصابوا من عيركم تلك وأنا أتحمل بوفاء ذلك.
    ودعوا هذا الرجل فإن كان كاذبا ولي قتله غيركم من العرب فإن فيهم رجالا لكم فيهم قرابة قريبة وإنكم إن تقتلوهم لا يزال الرجل منكم ينظر إلى قاتل أبيه وأخيه أو ابن أخيه أو ابن عمه فيورث ذلك فيهم احنا وضغائن) ( ).
    ثم بيّن لهم أن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم خرج من مكة طريداً ليس معه إلا أحد أصحابه ، قال تعالى [ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ]( ).
    ولم تمض إلا سبعة عشر شهراً وإذا هو يقف في وسط ثلاثمائة وثلاثة عشر مدججين بالسلاح يرجون الشهادة دفاعاً عنه وعن التنزيل ، ولم تكن قريش تعرف آنذاك لغة وماهية الشهادة ، إنما كانت العصبية الجاهلية والقبيلة الضابطة في المعاملة والصلات .
    وقال لهم إن محمداً بهذه الحال على أحد وجهين :
    الأول : هو ملك وأنتم في ملك أخيكم ، ودفاع الأوس والخزرج عنه مقدمة لتبعية العرب له.
    الثاني : إنه نبي فكيف تقتلون نبياً.
    ليذكرهم بمعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحسية والعقلية عندما كان في مكة ، وما بلغهم منها بعد الهجرة ، وهل وقوف ثلاثمائة وثلاثة عشر من المهاجرين والأنصار في معركة بدر من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، الجواب نعم ، خاصة مع قصر المدة بين الهجرة ووقوع معركة بدر .
    ولم يستمع أبو جهل وبعض رؤساء قريش إلى قول عتبة بن ربيعة ، ونظروا إلى قلة عدد المسلمين على نحو خاطئ ، إذ ظنوا أن عدد الصحابة سيزداد ويتضاعف بسرعة فلذا لابد أن يجهزوا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والموجود منهم لإستئصالهم في معركة بدر ، فنزل قوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ] ( ).
    وقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (وهو ينظر إلى عتبة : إن يكن عند أحد من القوم خير فهو عند صاحب الجمل الأحمر وإن يطيعوه يرشدوا) ( ).
    الآية الخامسة والعشرون : قال البازري نسخت آية السيف قوله تعالى [وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ]( ) ( )، والمختار أن الآية محكمة غير منسوخة.
    ويعود الضمير في [تُقَاتِلُوهُمْ] وواو الجماعة في [يُقَاتِلُوكُمْ] للمشركين الذين يبدأون القتال ، ليدل في مفهومه على النهي عن إشاعة سفك الدماء وعن إقتتال المسلمين عند المسجد الحرام ، بل ومطلقاً لوجوه :
    الأول : توجه الخطاب في الآية أعلاه إلى المسلمين على نحو العموم الإستغراقي .
    الثاني : إرادة المسلمين كأمة واحدة ، وتدل عليه آيات منها قوله تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ] ( ) .
    الثالث : حرمة الإقتتال بين المسلمين ، قال تعالى [وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ] ( ).
    وعن أنس قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا معشر الأنصار بمَ تمنون عليَّ أليس جئتكم ضلاًلاً فهداكم الله بي ، وجئتكم أعداء فألف الله بين قلوبكم بي؟ قالوا : بلى . يا رسول الله) ( ).
    و(عن ، سلمة بن نفيل السكوني قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ قال قائل : يا رسول الله هل أتيت طعاما من السماء ؟ قال : نعم قال : وماذا ؟
    قال : سخنة قال : وهل كان فيها فضل عنك ؟
    قال : نعم قال : فما فعلت به ؟
    قال : رفع قال : وهو يوحي إلي أني مكفوت غير لابث ولستم لابثين بعدي إلا قليلا بل تلبثون ثم تلبثون حتى تقولون : متى ؟
    وستأتون أفنادا يفني بعضكم بعضا ، وبين يدي الساعة موتان شديد بعده سنوات الزلازل) ( ).
    الرابع : دلالة خاتمة الآية [كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ] ( ) لبيان سوء العاقبة بالنسبة للذين حاربوا الأنبياء .
    عدم تقيد المشركين بالعقد الإجتماعي
    من خصائص المشركين أيام البعثة النبوية عدم التقيد بعهد أو شرط أو سنة متوارثة ، فلم يجعلوا لبيت الله حرمة ما دام التعدي يضمن لهم الرياسة لأولويتها عندهم ، ولأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم جاء بما يخالف هواهم من الربا وشرب الخمور وإشاعة الزنا ، وعدم المساواة بين الناس.
    وهل كانت قريش تعلم أن من خصائص الأنبياء الحكم بالعدل بين الناس ، وفرض هذا الحكم على الشريف مثلما يفرض على الوضيع.
    الجواب نعم ، فقد كانوا يلتقون على نحو شبه يومي في دار الندوة المجاورة للمسجد الحرام ، والتي هي الآن جزء منه مع التوسعة ، ويستعرضون أخبار الأمم والأشعار ودلالتها على الوقائع.
    وبعد نزول القرآن صارت آياته تُذكر في دار الندوة طوعاً وقهراً وانطباقاً ، وصارت راجحة على الشعر في مجالس ومنتديات قريش كرجحان الظاهر على المرجوح واليقين على الظن.
    والمدار على عموم المعنى وليس سبب النزول إذ تبين الآية قدسية المسجد الحرام ووجوب إكرام المسلمين له حتى وإن كان بيد المشركين ، وليس من إذن للقتال فيه إلا أن يقاتلكم الكفار.
    وكانوا يذهبون بالتجارة إلى الشام واليمن ، ويتصلون بالتجار والرهبان فيسمعون منهم قصص الأنبياء ، وبعض التنزيل ليكون من معاني قوله تعالى [لِإِيلاَفِ قُرَيْشٍ*إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ *فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ] ( )، تحذير المسلمين من كفار قريش وأنهم يسخرون علمهم وما لهم من جاه لمحاربة النبوة والتنزيل ، وهذا المعنى مستحدث في هذا الجزء.
    فمن أسرار نزول هذه السورة في مكة الإنذار من تحريض قريش الدول الكبرى والقبائل في طريق الشام واليمن على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وحصارهم مثلما فرضوا الحصر على أهل البيت في مكة قبل الهجرة ، وإرادتهم قتله لإدراكهم التعارض بين أهوائهم ورياستهم وبين النبوة والتنزيل.
    نعم صار هذا التعارض سبباً في دخول طائفة من العرب الإسلام ، دون أكثر الرؤساء الذين جهزوا الجيوش لمحاربة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في معركة بدر ، وأحد ، والخندق فنزل العذاب بهم إذ قال تعالى [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ]( ).
    أسباب نزول (وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ)
    في أسباب نزول الآية قيل لما صالح النبي صلى الله عليه وآله وسلم المشركين في الحديبية على أن يأتي في قابل لعمرة القضاء ، خاف المسلمون ألا يأذنوا لهم ، فيغدروا بهم ويقاتلوهم في الحرم وفي الشهر الحرام ، فنزلت الآية لتكون إنذاراً ووعيداً للمشركين ، وتحذيراً للمسلمين ، ودعوة لعدم الركون للقوم الظالمين .
    (قَالَ الشَّافِعِيُّ يُقَالُ : نَزَلَ هَذَا فِي أَهْلِ مَكَّةَ : وَهُمْ كَانُوا أَشَدَّ الْعَدُوِّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَفُرِضَ عَلَيْهِمْ فِي قِتَالِهِمْ مَا ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ يُقَالُ : نُسِخَ هَذَا كُلُّهُ ، وَالنَّهْيُ عَنْ الْقِتَالِ حَتَّى يُقَاتَلُوا)( ).
    فحصر الشافعي موضوع الآية بأهل مكة ، وذكر النسخ بعنوان (ثم يقال) وهو تضعيف للنسخ.
    وقيل ([حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ]( )، حَتَّى يَقْتُلُوا بَعْضَكُمْ ، كَقَوْلِهِ : [وَلاَ تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ]( )، يَعْنِي : بَعْضُكُمْ بَعْضًا ، إذْ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَأْمُرَ بِقَتْلِهِمْ بَعْدَ أَنْ يَقْتُلُوهُمْ كُلَّهُمْ)( ).
    ويرد عليه من جهات :
    الأولى : القتال أعم من القتل ، وتحمل الآية على ظاهرها ، فمع إرادة المشركين القتال في المسجد الحرام وسلهم السيوف فيه يجب الدفاع .
    الثانية : لا تصل النوبة إلى قتل بعض المؤمنين للإذن بالدفاع .
    الثالثة : لا ملازمة وصلة موضوعية بين آية البحث وقوله تعالى [وَلاَ تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ]( ).
    الرابعة : حرمة المؤمن عند الله ، (عن ابن عمر قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة ويقول : ما أطيبك وأطيب ريحك ، ما أعظمك وأعظم حرمتك ، والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك ، ماله ودمه وأن يظن به إلا خيراً)( ).
    الخامسة : النقاش في الكبرى بقوله (إذْ غَيْرُ جَائِزٍ …) انما الآية تدعو إلى الدفاع حالما يسعى المشركون في القتال ، ولذا لم تقل الآية (ولا تدافعوا) بل ذكرت القتال [وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ] وهو أعم.
    وورد لفظ (عند المسجد) مرتين إحداهما في آية البحث [وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ]( )، وأخرى في قوله تعالى [كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ] ( )، والمراد صلح الحديبية.
    وقال ابن عباس إنهم قريش ، وعن ابن إسحاق : إنهم قوم من بني بكر بن كنانة( ).
    وليس من أمة تتعاهد العهود بأمر من عند الله وتتقيد بها إلى المسلمون ، لأن هذا التعاهد بأمر من عند الله عز وجل.
    وفيه ترغيب بحفظ العهود ، وترشح المنافع عن هذا الحفظ ، ترى ما هي الصلة بينه وبين السلم ، الجواب هو العموم والخصوص المطلق ، فالسلم أعم.
    آية (وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ) غير منسوخة
    اختلف في هذه الآية من جهة النسخ على وجوه :
    الأول : الآية منسوخة .
    الثاني : الآية ناسخة ومنسوخة ، فهي ناسخة عن القتال مطلقاً بقوله تعالى [وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ]( )، أي سواء في الحل والحرم ، وقيدت القتال بالدفاع دون الإبتداء به ، ثم نسختها آية السيف .
    الثالث : الآية محكمة ، ولا يجوز الإبتداء بالقتال في المسجد الحرام ، والمراد منه الحرم مطلقاً .
    وهو قول مجاهد وأكثر المفسرين ، وهو المختار.
    ويدل على عدم نسخ حرمة القتال في الإبتدائي في البيت الحرام ما ورد (عن إبن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هذه مكة حرمها الله يوم خلق السماوات والارض لم تحل لاحد قبلي ولا تحل لاحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من نهار وهي من ساعتي هذه حرام بحرام الله إلى يوم القيامة لا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها ولا تحل لقطتها إلا لمنشد فقام العباس وكان رجلا محرما فقال إلا الاذخر فإنه لبيوتنا وقبورنا قال إلا الاذخر)( ).
    ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة أهل البيت عليهم السلام ما يدل على أن الآية منسوخة ، خاصة وأنها لا تتعارض مع آيات الدفاع الأخرى والقرآن يفسر بعضه بعضاً ، فهذه الآية بيان وتفسير وعلى نحو الموجبة الجزئية لقوله تعالى [وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ]( ).
    فقد يفهم بعض المسلمين من الآية أعلاه قتال المشركين ثأراً ورداً على تعديهم حتى في المسجد الحرام ليكون من معاني الجمع بين الآيتين : لا تقاتلوا المشركين إلا أن يبدأوا بالقتال ، ويجب أن لا يستمر القتال لقوله تعالى [وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا]( ).

وورد (عن قتادة في قوله [وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ]( )، قال : حتى يبدأوا بالقتال ، ثم نسخ بعد ذلك فقال [وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ]( ).
ولم يثبت النسخ إنما هو من المطلق والمقيد من جهات :
الأولى : تقييد القتال مع المشركين بابتدائهم به .
الثانية : حرمة المسجد الحرام بعدم ابتداء المسلمين بالقتال فيه ، وفيه دعوة للمشركين للإمتناع عن ابتداء القتال فيه .
الثالثة : تقييد قوله تعالى [وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ]( )، بتقدير : وقاتلوهم إذا قاتلوكم حتى لا تكون فتنة.
ويمكن أن نؤسس قانوناً وهو لو دار الأمر بين الإطلاق والتقييد وبين النسخ يقدم الأول ، وفيه سعة ومندوحة ورحمة ، قال تعالى [قُلْ لَوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنفَاقِ وَكَانَ الإِنْسَانُ قَتُورًا]( ).
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو داود والنحاس معاً في الناسخ عن قتادة قوله [وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ] وقوله [يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ]( )، فكان كذلك حتى نسخ هاتين الآيتين جميعاً في براءة قوله [فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ]( )، وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً( ).
وهو من معاني الرحمة وإجتناب المسلمين القتال حتى في حال الظفر وهزيمة المشركين ، ولم يرد لفظ [بَطْنِ مَكَّةَ] ( ) في القرآن إلا في الآية أعلاه ، وفي موضوعها ورد عن أنس قال (إنّ ثمانين رجلاً من أهل مكّة هبطوا على رسول الله وأصحابه من جبل التنعيم عند صلاة الفجر عام الحديبية ليقتلوهم، فأخذهم رسول الله سلماً، وأعتقهم )( ).
و(قال عبد الله بن المغفل : كنّا مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بالحديبية في أصل الشجرة وعلى ظهره غصنٌ من أغصان تلك الشجرة،
فرفعته عن ظهره، وعليّ بن أبي طالب بين يديه يكتب كتاب الصُلح،
وسهيل بن عمرو، فخرج علينا ثلاثون شابّاً عليهم السّلاح، فثاروا في وجوهنا، فدعا رسول الله (عليه السلام)، فأخذ الله بأبصارهم، فقمنا إليهم، فأخذناهم، فخلّى عنهم رسول الله، فأنزل الله تعالى هذه الآية.) ( ).
لبيان معجزة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكفاية الله عز وجل له ولأصحابه ، وكان الإمام علي عليه السلام منشغلاً بالكتابة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهم في شهر حرام ، ولم يرفع سيفاً ، فتجلت منافع سلاح الأنبياء وهو الدعاء ، قال تعالى [ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ] ( ).
مسائل في آية (وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ)
الأولى : من إعجاز القرآن عطف آية البحث على الآية السابقة بقوله تعالى [وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ] ( ) وتقدير الجمع بين الآيتين : وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم واقتلوهم حيث ثقفتموهم .
فآية البحث خاصة بالذين يبدأون بقتال المؤمنين ، وهل قتلهم مطلق أم مقيد ، الجواب إنه مقيد في ذات آية البحث ، وتقدير الآية : واقتلوهم حيث ثقفتموهم إلا أن يكونوا في المسجد الحرام ، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين .
لإرادة الإطلاق في النهي عن الإعتداء وعدم حصره بالإمتناع عن قتل المشركين ، إنمل يشمل عدم الإعتداء على حرمة البيت الحرام بالقتال فيه إلا أن يقوم المشركون بابتداء القتال فيه.
ليكون من الإعجاز في رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إبتداؤها بإكرام البيت الحرام ، والصبر على أذى المشركين إكراماً للبيت الحرام.
وفيه بعث للنفرة في قلوب عامة العرب وأجيال المسلمين في مشارق ومغارب الأرض من مشركي قريش لقدسيته عندهم ، وللدلالة على قوله تعالى [وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ]( ).
الثانية : إخراج المشركين للمسلمين من مكة ، ومنه اضطرار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى الهجرة .
و(عن عروة بن الزبير أن أول آية أنزلت في القتال حين ابتلي المسلمون بمكة وسطت بهم عشائرهم ، ليفتنوهم عن الإسلام ، وأخرجوهم من ديارهم ، وتظاهروا عليهم ، فأنزل الله { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا } الآية . وذلك حين أذن الله لرسوله بالخروج ، وأذن لهم بالقتال) ( ).
ولكن لا ملازمة بين الإخراج من مكة وبين القتال ، فآية البحث محكمة في موضوعها ، وهي الإخراج مقابل الإخراج ، قال تعالى [وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ] ( ) .
وقال (الربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم : هذه أوّل آية نزلت في القتال فلما نزلت كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقاتل من يقاتله ويكف عمن كفَّ عنه حتّى نزلت : (اقتلوا المشركين) فنسخت هذه الآية) ( ).
والربيع وعبد الرحمن من التابعين ، ولم يرفع أو يسند القول إلى الصحابي خاصة أولئك الذين عاصروا نزول هذه الآية من المهاجرين والأنصار الأوائل ، ولا دليل على النسخ ، والأصل عدمه .
الثالثة : عدم التعدي في موضوع الإخراج ، وعدم إخراج الذين لم يخرجوا المسلمين من مكة ، لبيان أن المشركين في عدائهم للإسلام كانوا على مراتب من جهات :
الأولى : المشرك الذي قاتل المسلمين .
الثانية : من أعان المشركين بالمال والسلاح.
الثالثة : من أخرج المسلمين .
الرابعة : من ظاهر على المسلمين ، قال تعالى [إِنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ]( ).
الخامسة : من اكتفى بالبقاء على الشرك الذي هو فتنة .
إخراج المسلمين من الديار فتنة
لقد تناجى المشركون باخراج المسلمين الأوائل من بين ظهرانيهم في مكة وبعض القرى ، لبيان قانون الهجرة حاجة.
وهل إخراج المسلمين من مكة فتنة ، الجواب نعم لبيان أن الله عز جل انتقم لهم بالنصر والظفر .
ولم يرد لفظ [أَخْرِجُوهُمْ] بصيغة الأمر والفعل المبني للمعلوم إلا مرتين في القرآن ، إحداهما في آية البحث والأخرى بخصوص قوم لوط بقوله تعالى [قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ]( ) .
لبيان وحدة الموضوع في تنقيح المناط بخصوص قبح فعل المشركين ، وإصرارهم على طرد المؤمنين من ديارهم بغير حق ، وبيان مصداق لقوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ) فاذا انتقم الله عز وجل من المشركين من قوم لوط بهلاكهم فانه سبحانه رحم قريشاً ، وأمهلهم وأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه بالإكتفاء باخراجهم من الديار ، نعم هناك حصة زائدة في سوء فعل قوم لوط ، وهي إنذاره لهم بفاحشة لم يأتها أحد قبلهم ، قال تعالى [وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْعَالَمِينَ *إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ] ( ).
وفي قوله تعالى [وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ]( )، مسائل :
الأولى : الآية محكمة غير منسوخة ، فالقتال لا ينسخ الإخراج ، وهو من إعجاز القرآن ، والحكم بالعدل فيه .
الثانية : الإكتفاء بالإخراج من ذات الموضع الذي أخرجوا المسلمين منه ، وعدم تكرار الإخراج .
الثالثة : عدم تعيين للموضع الذي يخرج إليه المشركون ، فان قلت قد يجتمعون في مكان يهددون منه المسلمين ، ويتآمرون لقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الجواب لابد من استحضار موضوعية الوحي في إخبار النبي عن أفعال المشركين ، ولإقامة الحجة عليهم ، ولأن هذا الإخراج وحده إرباك للمشركين ، ومنع من تآلفهم واتفاقهم على التعدي والقتال .
الرابعة : دعوة المشركين لدخول الإسلام ، فمن أراد منهم البقاء في مكة ويتجنب سوء فعله باخراج النبي صلى الله عليه وآله وسلم منها يدخل الإسلام الذي جاء به إبراهيم والذي هو أصل في جوارهم البيت الحرام ، وفي خطاب من الله إلى إبراهيم واسماعيل [وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ]( ).
ليكون دخول الإسلام أسمى معاني الإنتهاء في الآية التالية [فَإِنْ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ]( ).
الأمر بالإخراج بعد القتل سلام
من إعجاز آية البحث والشواهد على عدم نسخها مجئ الأمر باخراج المشركين من ديارهم بعد الأمر بقتلهم كما في قوله تعالى [وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ]( ).
ويدل مجئ الأمر بالإخراج بعد القتل على تعدد الموضوع والحكم .
وتقدير الآية : واقتلوا المشركين الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا بقتلهم إذا كفوا عن قتالكم إن الله لا يحب المعتدين ، ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه ، وأخرجوا المشركين الذين أخرجوكم من دياركم ، وفيه مسائل :
الأولى : من المشركين من أخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من مكة ثم قاتلهم ، فيكون جزاؤه القتال والإخراج من مكة إن لم ينته .
الثانية : من المشركين من أخرج المؤمنين من مكة ، ولكنه لم يقاتلهم فحكمه الإخراج دون القتال.
الثالثة : من المشركين من اشترك في قتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، لحلفه مع قريش ، أو طلباً للمال والجاه أو عصبية ، ولكنه لم يكن طرفاً في إخراج المؤمنين فحكمه الدفاع ضده ، وقتاله لدفع شروره.
الرابعة : الأفراد في المسائل الثلاثة أعلاه كلها من الفتنة ، وبين الفتنة والقتل عموم وخصوص مطلق ، ليكون من معاني [الْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ]( )، وجوه :
الأول : ذات الفتنة واخراج المؤمنين من ديارهم أشد من القتل.
الثاني : الفتنة مقدمة للقتل والإقتتال .
الثالث : صدور الفتنة من مقامات الشرك وما فيها من القسوة ، قال تعالى [لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلاَ ذِمَّةً]( ).
الرابع : في الفتنة صدّ للناس عن دخول الإسلام .
الخامس : عموم الفتنة وتعديها في المكان والزمان والأفراد ، وقد يقع القتل على نحو القضية الشخصية ، لذا ورد قوله تعالى [وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْلِ]( ).
السادس : قد تقود الفتنة إلى الإقتتال المتحد أو المتعدد.
السابع : ولاية ونصرة الكفار بعضهم لبعض فتنة وضرر عام ، قال تعالى [وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ]( ).
وتأتي الفتنة والإفتتان بمعاني متعددة ، منها الإبتلاء والإمتحان والإختبار ، والفتنة في المقام هي الشرك والإقامة على الشرك .
وتدعو الآية في مفهومها المسلمين الأوائل إلى الصبر في مقامات الإيمان ، وعدم الإستجابة لفتنة الذين كفروا الذين يجعلون خروجهم من مكة واستيلاءهم على أملاك الذي يهاجر محاولة لمنع الناس من دخول الإسلام.
وفي الآية إنذار للذين كفروا بأن إخراج المسلمين عن ديارهم لن يجعلهم يرتدوا عن الإسلام .
الثامن : تبين الآية لأجيال المسلمين شدة أذى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت والصحابة في الهجرة وأهوال الطريق ، ومخاطر الغربة ، وظلمة المجهول الذي ينتظر المغادر لبلده لولا رحمة الله ، لبيان معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في حسن حال المهاجرين سواء الذين هاجروا إلى الحبشة أو الذين هاجروا إلى المدينة المنورة .
من معاني الفتنة
قد تقدم في الجزء الرابع والثلاثين من هذا السِفر (والفتنة في الآية هي: الشرك قاله ابن عباس، وابو العالية، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والربيع، ومقاتل بن حيان، والسدي، وزيد بن أسلم)( )، والآية أعم من وجوه:
الأول : ما يترشح عن الكفر من الصدود عن الدعوة إلى الله، والإعراض عن معجزات النبوة.
الثاني: تحريف التنزيل، والتصديق بأهل التحريف.
الثالث: الجدال بالباطل، وتحريض الناس على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين.
الرابع: الشرك في الحرم.
الخامس: إخراج المؤمنين من ديارهم، وإجبارهم على ترك أموالهم)( ).
السادس : الإفتراء على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والتنزيل.
السابع : المناجاة بين المشركين على قتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الثامن : محاولة إكراه بعض المسلمين على الإرتداد .
التاسع : التضييق على المسلمين والمسلمات في المكاسب والعيش.
مما يدل على أن المشركين أعداء للسلم المجتمعي ، وبعث الله عز وجل النبي محمداً لتثبيته ، وهو من الشواهد على سلامة القرآن من التحريف.
لقد كشف قوله تعالى [وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ]( )، فضل الله في قدرة المسلمين على الدفاع ، وصد المشركين في هجومهم وغزوهم ، وفيه دعوة للناس للإسلام ، وزجر عن إتباعهم لرؤساء الكفر في تصديهم وقتالهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه.
منها في السور المكية مثل قوله تعالى [ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ]( )، ومنها [اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ]( )، وكذا السور المدنية منها [إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوْا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمْ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمْ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ]( ).
وقوله تعالى [وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ] ( ) محكم وليس بمنسوخ ، إذ أنه
قانون من الإرادة التكوينية تتجدد مصاديقه في كل زمان ، وفيه شاهد بأن القرآن بيان وكاشف للواقع العملي للناس ، وهو كتاب تأديب وتحذير وإصلاح ، فمن إعجاز القرآن جمعه بين الإنذار والإصلاح في كلمة واحدة.
وجاء الخطاب في الآية أعلاه على نحو القانون الثابت المستديم ليشمل التبكيت والذم للذين كفروا ، وصيغة التنبيه والتحذير إلى المسلمين ، وفيه دعوة سماوية لإصلاح المجتمعات ، وتهذيب النفوس.
وجاءت آيات قرآنية عديدة بالتحذير من مصاديق الفتنة ما كبر منها وما صغر .
قانون إخوة الإيمان في الدنيا والآخرة
تحتمل النسبة بين الحياة الدنيا والآخرة وجوهاً :
الأول : نسبة التساوي والتشابه .
الثاني : نسبة العموم والخصوص المطلق ، وهو على شعبتين :
الأولى : عالم الآخرة أعم من الحياة الدنيا .
الثانية : الحياة الدنيا أعم من عالم الآخرة .
الثالث : نسبة العموم والخصوص من وجه ، فهناك مادة للإلتقاء وأخرى للإفتراق بينهما .
الرابع : نسبة التباين والإختلاف .
الخامس : تعدد النسبة بين الحياة الدنيا وعالم البرزخ ، والنسبة بين الحياة الدنيا وعالم الآخرة .
والمختار هو الثالث أعلاه ، فنواميس وقوانين الآخرة تختلف في الحياة الدنيا وفي الآخرة مع التباين في ماهية الحياة بقصدها في الدنيا ، والخلود في الآخرة ، قال تعالى [وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ] ( ).
ومن وجوه الإلتقاء على المختار الأخوة الإيمانية ، وتجليها في الآخرة أيضاً مع التباين في السنخية كماً وكيفاً ، وتصاحب الحاجة الفرد والجماعة في الدنيا ، وهي في الآخرة أشد وأكبر ، مع ندامة على التفريط في الدنيا بخصوص النهل من الحسنات .
ومن وجوه الإلتقاء الأخوة الإيمانية ، وبخصوص الدنيا قال تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ] ( ) فموضوع هذه الآية هو أيام الحياة الدنيا ، ونبذ الفرقة والإختلاف ، ومنع الإقتتال بين المؤمنين .
وعن (رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يعيبه، ولا يخذله، ولا يتطاول عليه في البنيان، فيستر عليه الريح إلاّ بإذنه، ولا يؤذيه بقتار قدره إلاّ أن يعرف له، ولا يشتري لبنيه الفاكهة،
فيخرجون بها إلى صبيان جاره، ولا يطعمونهم منها ) ( ).
وهل تستمر هذه الإخوة بعد الممات أم تنقطع ، المختار هو الثاني ، فعندما ينتقل الإنسان إلى عالم البرزخ يتطلع إلى الأحياء في الإستغفار له ، والترحم عليه ، وتلاوة القرآن وإهداء ثوابها لها ، وقضاء الصلاة والصيام ، والحج الواجب ، والحقوق الشرعية منه .
و(أخرج أحمد عن أبي أمامة : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : أربعة تجري عليهم أجورهم بعد الموت . رجل مات مرابطاً في سبيل الله ، ورجل علم علماً فأجره يجري عليه ما عمل به ، ورجل أجرى صدقة فأجرها يجري عليه ما جرت عليهم ، ورجل ترك ولداً صالحاً يدعو له) ( ).
(وأخرج البيهقي عن ابن عابد قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في جنازة رجل ، فلما وضع قال عمر بن الخطاب : لا تصلِّ عليه يا رسول الله فإنه رجل فاجر .
فالتفت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الناس قال : هل رآه أحد منكم على الإسلام؟
فقال رجل : نعم يا رسول الله ، حرس ليلة في سبيل الله .
فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وحثى عليه التراب وقال : أصحابك يظنون أنك من أهل النار ، وأنا أشهد أنك من أهل الجنة . وقال : يا عمر إنك لا تسأل عن أعمال الناس ولكن تسأل عن الفطرة ) ( ).
والحديث ضعيف سنداً فهو منقطع ، ولم يسند إلى صحابي ولا إلى تابعي ، والظاهر أن ابن عابد هو محمد بن عبد الله بن سيد المعافري من أهل قرطبة محدث ، توفى سنة تسع وثلاثين واربعمائة ، وله بضع وثمانون سنة ، أي أنه معاصر للبيهقي (384-458) هجرية.
و(قال ابن حبان: وفي سنة تسع وثلاثين وأربع مائة. توفي الفقيه الراوية، بقية المحدثين بقرطبة أبو عبد الله بن عابد هلك في آخر جمادى الأولى منها عن سن عالية فدفن بالمقبرة على باب داره بالربض الشرقي وشهده جمع الناس، وصلى عليه أبو علي ابن ذكوان.
وكان آخر من بقي بقرطبة ممن يحمل عن الشيخ أبي محمد الأصيلي. وكانت له رحلة إلى المشرق مع الثمانين والثلاث مائة.
لقي فيها الشيخ أبا محمد بن زيد فقيه المالكيين بالقيروان.
ولقي بمصر جماعة من شيوخها فاتسع في الرواية، وقضى الفريضة وكان عارفاً بأخبار أهل بلده، واعياً لآثار أهله، حسن الإيراد، سهل الخلق، جميل اللقاء ، باشاً بالصديق، حسن المودة لإخوانه ، كريم العشرة، وكانت سنه بضعاً وثمانين سنة، ومولده سنة ثمان وخمسين وثلاث مائة)( ).
وتفيد [إِنَّمَا] في قوله تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ] ( )، الحصر من جهات:
الأولى : إختصاص الأخوة بالمؤمنين لأنها منزلة سامية في التكافل الإجتماعي ، والإيثار وكبح جموح النفس الشهوية والغضبية .
الثانية : استدامة قانون إخوة الإيمان وإن تباين وتعدد المكان والوطن .
الثالثة : تغشي أخوة الإيمان لأفراد الزمان الطولية ، وحب الله عز وجل للمؤمنين .
الرابعة : تقييد أخوة المؤمنين بأنها في سبيل الله وبقصد القربة .
الخامسة : الآية محكمة غير منسوخة ، وفيها دعوة للتآلف والإمتناع عن الخصومة والإقتتال .
التفسير بالتقدير
آية [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ]( )، وفيه وجوه :
الأول : إنما المؤمنون والمؤمنات إخوة ، إذ تشمل الآية المؤمنات أيضاً ، إنما ورد التذكير للغالب ، قال تعالى [وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] ( ) .
الثاني : إنما المؤمنون إخوة بالإتحاد والتعاون في أداء الفرائض العبادية .
الثالث : إنما المؤمنون إخوة في الدنيا .
الرابع : إنما المؤمنون الذين في الدنيا إخوة للذين في عالم البرزخ.
الخامس : إنما المؤمنون الأحياء إخوة للذين ماتوا منهم ، فيدعون لهم ، ويكثرون من الإستغفار لهم .
السادس : إنما المؤمنون إخوة وإن اختلفت أجيالهم وطبقاتهم ، وقد جاء لفظ [إِخْوَةٌ] أربع مرات في القرآن ، واحدة في آية البحث وثلاثة في الأخوة النسبية وهي :
الأولى : آية الميراث [يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا] ( ).
الثانية : في الإرث أيضاَ ، قال تعالى [يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ] ( ).
الثالثة : قال تعالى [وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ] ( ).
وهل يدل الجمع بين الآية أعلاه من سورة يوسف وآية البحث على إرتقاء المسلمين في مراتب الأخوة ، وإن إخوة يوسف ليسوا بانبياء ، الجواب نعم .
ومن معاني الآية أعلاه أن المؤمن يتقرب إلى إخوته وإن جحدوا إخوته، لبيان قانون وهو إفاضات الإخوة الإيمانية على الأخوة النسبية لقانون الملازمة بين الإيمان والرأفة بالناس ، قال تعالى [وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ]( ).
السابع : إنما المؤمنون إخوة في السراء والضراء .
الثامن : إنما المؤمنون إخوة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
التاسع : إنما المؤمنون إخوة في عمل الصالحات ، والإحسان إلى الناس جميعاً .
العاشر : إنما المؤمنون إخوة في الهداية ، وتلقي البشارات والإنذارات ، قال تعالى [طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ * هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ] ( ).
الحادي عشر : إنما المؤمنون إخوة بفضل ومدد وعون من عند الله عز وجل ، قال تعالى [قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ]( ).
الثاني عشر : إنما المؤمنون إخوة في التعاون بالسعي للأجر والثواب ، وفي تلقي البشارة في النشأتين ، قال تعالى [لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ] ( ).
الثالث عشر : إنما المؤمنون الذين في عالم البرزخ إخوة للذين لا زالوا في الحياة الدنيا يرجون نوالهم واستغفارهم ، ويتطلعون إلى قدرهم الحتمي ، قال تعالى في الثناء على مؤمني البرزخ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ.
وهل يختص موضوع الآية أعلاه بشهداء بدر وأحد وأسباب النزول أم أنه يشمل المؤمنين ، المختار هو الثاني ، وإذا أعطى الله عز وجل فانه يعطي بالأتم والأوفى .
الرابع عشر : إنما المؤمنون إخوة في الآخرة بخصوص المتقين وإقامتهم في الجنة ، قال تعالى [ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِينَ * وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ] ( ).
الخامس عشر : إنما المؤمنون إخوة فلا يستطيع المشركون بث الفرقة والنزاع بينهم .
السادس عشر : يا أيها الناس إنما المؤمنون إخوة فأدخلوا الإسلام فانه أمن وسلام .
السابع عشر : إنما المؤمنون إخوة في تعاونهم في قضاء الحوائج ، ونشر ألوية المودة والسلام بين الناس ،
الآية السادسة والعشرون : قال تعالى [يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ]( ).
(قال ابن البازري الآية منسوخة بآية السيف ) ( ).
وجاءت الآية بصيغة السؤال وهي محكمة ، وقد ورد لفظ [يَسْأَلُونَكَ] خمس عشرة مرة في القرآن ، وهو من لغة الجملة الخبرية ، وليس في الخبر نسخ .
و(عن قتادة قوله {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام}( )، وقوله {يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير }( ) فكان كذلك حتى نسخ هاتين الآيتين جميعاً في براءة قوله { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم }( ). { وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة }( )) ( ).
وتبين الآية حرمة الأشهر الحرم ، وهي رجب منفصل ، وشهر ذي القعدة ، وذي الحجة ، والمحرم ، وهي أشهر ثلاثة متصلة جعلها الله عز وجل سلاماً في مدة الحج ، ومناسبة تعظيم شعائر الله .
ليكون من الإعجاز في تعيين الأشهر الحرم أنها مقدمة لقيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالدعوة ، وتبليغ وفود الحاج برسالته ، وتلاوته لهم القرآن ، وتأكيده على لزوم إقامة الصلاة ، لأن الدنيا دار عبادة وذكر وسلام .
ويدل موضوع وسبب نزول الآية على حدوث واقعة ، وهي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث سرية ، فلقوا عمرو بن الحضرمي قادماً إلى مكة من الطائف في ليلة مرددة بين آخر ليلة من جمادى الآخرة أو أول ليلة من رجب ، ولم ير أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم هلال رجب ، وكانوا يظنون أنها من شهر جمادى ، فقتله أحد أفراد السرية ، فأرسل المشركون إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعيرونه بهذا العمل أي بقيام أصحابه بسفك الدم ، والذي لم يأمر به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ولم يثبت وقوعه في الشهر الحرام.
فنزلت الآية لبيان أن إخراج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من جوار المسجد والإقامة على الكفر أكبر وأشد ضرراَ ، ليكون من إعجاز هذه الآية وجوه :
الأول : صبغة الإحتجاج .
الثاني : التذكير بأولوية الإيمان ، ونبذ الشرك والضلالة .
الثالث : استعداد المسلمين للدفاع سواء في أشهر الحل أو الشهر الحرام ، ولم تمر الأيام حتى اتخذت قريش هذه الواقعة يوم بدر ذريعة لنشوب معركة بدر في تعد وظلم عام منهم ، وإن حرصوا على إجتناب الشهر الحرام ، إذ وقعت المعركة في شهر رمضان بحجة إنقاذ قافلة أبي سفيان.
والمختار أنهم عزموا على القتال والغزو مع إدراكهم سلامة القافلة ، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يخرج إلى بدر هو وأصحابه بقصد القتال ، إنما كانوا في دورية استطلاع لتحضر آية البحث لبيان أن المشركين يصدون عن سبيل الله ويمنعون الناس من دخول الإسلام قال تعالى [الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ]( ).
وعلى فرض القول بنسخ الآية فيكون تقدير النسخ : ليس من قتال فيه ، أو فيه قتال قليل .
و(عن مجاهد قال : إن رجلاً من بني تميم أرسله النبي صلى الله عليه وسلم في سرية ، فمر بابن الحضرمي يحمل خمراً من الطائف إلى مكة فرماه بسهم فقتله ، وكان بين قريش ومحمد عقد فقتله في آخر يوم من جمادى الآخرة وأول يوم من رجب . فقالت قريش : في الشهر الحرام ولنا عهد؟ فأنزل الله [قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ… الآية]( )، يقول : كفر به وعبادة الأوثان أكبر من قتل ابن الحضرمي)( ).
ومجاهد من التابعين ، ولم يثبت أن ابن الحضرمي كان يحمل خمراً إنما ورد أنه في قافلة تجارة ، ولا وجود لعهد بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمشركين ، ولو كان هناك عهد لدفع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ديته ، كما أنه كان يدفع الدية عن عهد وغير عهد .
لقد قتل المشركون بعض الصحابة في مكة مثل سمية بنت خياط أم عمار بن ياسر ، وقاموا بسجن وتعذيب عدد منهم ، وهل هجرة رهط من الصحابة من صدّ كفار قريش عن سبيل الله ، الجواب نعم ، مثلما هو من مصاديق [إِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ]( ).
وورد في بعض الأخبار أن الذين سألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله تعالى [يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ]( )، هم المشركون أنفسهم ، فجاء الرد لزجرهم عن التعدي على المسلمين مطلقاً سواء في الشهر الحل أو الشهر الحرام.
والمراد من [قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ]( )، أي دفاع عن الحق والنبوة والتنزيل ، لقد أراد المشركون جعل حرمة للشهر الحرام مع إباحة التعدي على النبوة والتنزيل.
ولا يعلم كثرة ما صرف الله عز وجل من القتال بسبب هذه الآية ، وإباحة الدفاع للمسلمين فيها إلا الله عز وجل .
هل تظن قريش أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يهاجر إلى الحبشة ، المختار نعم ، لإستحضار هجرة رهط من الصحابة لها ، وسلامتهم وأمنهم ، وإمتناع النجاشي عن تسليمهم لوفد قريش .
لقد كانت أيام ما بعد هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة معجزة له.
وعندما هاجر ثلاثة وثمانون من الصحابة إلى الحبشة هل ظن المشركون أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا هاجر يختار الحبشة ، فيكون بعيداً عنهم وعن الناس في موسم الحج ، وإتخاذه مناسبة للدعوة إلى الإسلام ، فلم تكترث قريش للهجرة البعيدة المحتملة ، المختار نعم .
قال تعالى [بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنْ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ] ( ).
فمن معاني هذه الآية إخبار المشركين بشدة ظلمهم وإجرامهم وتعديهم ، وأنهم يلقون جزاءهم في الدنيا والآخرة وبيان قانون وهو إخراج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من مكة وبال على المشركين .
وهل كان من أسباب معركة بدر ندم المشركين على إخراجه وأصحابه من مكة ، وإدراكهم لحقيقة وهي أن البقاء تحت نظرهم ورقابتهم وتعذيبهم أحسن لهم في دنياهم وسلطانهم ، الجواب نعم .
لبيان معجزة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في طلب من طائفة من أصحابه بالهجرة الى الحبشة في السنة السابعة للهجرة بحدوث التخفيف عنه وعن أصحابه الذين بقوا في مكة ودعوتهم إلى الله عز وجل ، إذ تظن قريش أنهم إما يبقون تحت الإضطهاد والإستهزاء والسخرية والعذاب في مكة أو يهاجرون إلى الحبشة فيعجزون عن نشر الإسلام فيها لأن أهلها على دين النصارى ، فلا يقع قتال .
وهل كانت قريش تعلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يسأل القبائل في كل موسم للحج بعدها بايوائه والدفع عنه ، وحمايته من قريش .
المختار نعم ، ولكن على نحو الإجمال ، وعن عبد الرحمن العامري (عن أشياخ من قومه قالوا: أتانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونحن بعكاظ فقال: من القوم ؟ قلنا: من بني عامر بن صعصعة بنو كعب بن ربيعة ؟ فقال: إني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
فقال: إني رسول الله إليكم أتيتكم لتمنعوني حتى أبلغ رسالة ربي ولا أكره أحدا منكم على شئ.
قالوا: لا نؤمن بك وسنمنعك حتى تبلغ رسالات ربك.
فأتاهم بيحرة بن فراس القشيري فقال: ما هذا الرجل الذي أراه عندكم أنكره ؟ قالوا: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب.
قال: فما لكم وله ؟ قالوا: زعم أنه رسول الله فطلب إلينا أن نمنعه حتى يبلغ رسالة ربه.
قال: ما رددتم عليه ؟ قالوا: بالرحب والسعة نخرجك إلى بلادنا ونمنعك مما نمنع منه أنفسنا.
فقال بيحرة( ): ما أعلم أحدا من أهل هذه السوق يرجع بشئ أشر من شئ ترجعون به ! أتعمدون إلى رهيق قوم طردوه وكذبوه فتؤووه وتنصروه تنابذوا العرب عن قوس واحدة، قومه أعلم به فبئس الرأي رأيكم.
ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: قم فالحق بقومك فو الله لو لا أنك عند قومي لضربت عنقك.
فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى ناقته ليركبها فغمز الخبيث بيحرة شاكلتها فقمصت برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فألقته.) ( ).
قانون بيعة العقبة معجزة
لقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحرص على إخبار الذين يفاتحهم بايوائه بعدم إشاعة الخبر ووصوله إلى قريش ، ولا يكفي هذا الحرص وحده ، ولكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يتلو آيات القرآن على القبائل ويبين لهم معجزاته ، ويجذبهم إلى جانبه ، ولو على نحو الموجبة الجزئية .
ومن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقوع بيعة العقبة الأولى والثانية بالسر والخفاء من كفار قريش ، مع كثرة العيون التي كانت تبثها قريش في الموسم ، ووقوفهم عند مداخل مكة يحذرون وفد الحاج من الإنصات إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وملاحقة أبي لهب عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم له عند ذهابه للتبليغ في أسواق مكة ، وطوافه على القبائل يحذرهم منه ، وينعته بأنه كذاب.
مع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان ينادي نداء عاماً موافقاً للفطرة الإنسانية ومناسبة للحج (قولوا لا إله إلاّ اللّه تفلحوا)( ).
ولم يكن أبو لهب وحده الذي يحذر الناس من النبي صلى الله عليه وآله وسلم في دعوته بل هناك عدد من رؤساء قريش تم اختيارهم بعناية إذ تعرف القبائل أشخاصهم ومنزلتهم وعلو شأنهم بين الوجهاء لينصتوا إلى قوله .
و(عن الأشعث بن سليم، عن رجل من كنانة قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسوق ذى المجاز وهو يقول : يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا ” وإذا رجل خلفه يسفى عليه التراب، وإذا هو أبو جهل، وإذا هو يقول: يا أيها الناس لا يغرنكم هذا عن دينكم فإنما يريد أن تتركوا عبادة اللات والعزى)( ).
وقال ابن كثير (كذا قال : أبو جهل ، والظاهر أنه أبو لهب) ( ).
ولكن الظاهر هو حمل الكلام على أنه أبو جهل .
نعم الخبر ضعيف سنداً لجهالة (رجل من كنانة).
وقيل أشعث بن سليم بن أسود الكوفي المحاربي ثقة ، عاش في الكوفة.
كما أن التباين ظاهر في كيفية إيذاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأبو جهل من بني مخزوم وليس من بني هاشم فيكتفي بالقاء التراب عن بعد على النبي خشية اثارة بني هاشم ، أما عمه أبو لهب فانه يرميه بالحجارة ويدمي قدميه.
و(عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدّادٍ قَالَ حَدّثَنِي رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ طَارِقُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ . قَالَ إنّي لَقَائِمٌ بِسُوقِ الْمَجَازِ إذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ عَلَيْهِ يَا أَيّهَا النّاسُ قُولُوا : لَا إلَهَ إلّا اللّه تُفْلِحُوا وَرَجُلٌ يَتْبَعُهُ يَرْمِيهِ بِالْحِجَارَةِ يَقُولُ يَا أَيّهَا النّاسُ لَا تُصَدّقُوهُ فَإِنّهُ كَذّابٌ فَقُلْتُ مَنْ هَذَا ؟ فَقَالُوا : هَذَا غُلَامٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ الّذِي يَزْعُمُ أَنّهُ رَسُولُ اللّهِ قَالَ قُلْتُ مَنْ هَذَا الّذِي يَفْعَلُ بِهِ هَذَا ؟ قَالُوا : هَذَا عَمّهُ عَبْدُ الْعُزّى)( ).
وهذا التباين في إيذاء النبي وأسراره ودلالته على أن المراد في الحديث الأول هو أبو جهل يبين أن إيذاء عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم له أكثر من غيره من رؤساء المشركين.
محاصرة قريش للدعوة
لقد كانت قريش تظن أن أثر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في دعوته محدود ومحاصر من جهات :
الأولى : قلة الاشخاص الذين يدعوهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعوة فردية .
الثانية : إستمرار إيذاء قريش للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه على نحو يومي .
الثالثة : العهود والأحلاف بين قريش والقبائل العربية الأخرى .
الرابعة : استصحاب بقاء الناس على الكفر ، خاصة وأن ثلاثمائة وستين صنماً التي في الكعبة تعود أكثرها إلى القبائل .
الخامسة : ولاية قريش للبيت الحرام ، فنزل قوله تعالى [وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ]( ).
السادسة : جهود قريش في خدمة وفد الحاج.
قانون ولاية قريش للبيت
لقد كانت لوجهاء قريش وظائف في العناية بالبيت وخدمته وكانوا يتفاخرون بها ، منها :
الأول : السدانة والحجابة ، ومنها مفتاح الكعبة ، والقيام بفتح باب الكعبة لدخول الإسلام لها في أوقات وأشهر مخصوصة ، وغلقه ، وهي في بني عبد الدار بن قصي بن كلاب .
وكانت سدانة البيت في خزاعة وقيل (حتى انتهت إلى رجل منهم يقال له أبو عبثان، وكان في زمان قصي بن كلاب، فاجتمع مع قصي في الطائف على شرب فأسكره قصي، وخدع أبا عبثان الخزاعي المذكور، واشترى منه مفاتيح الكعبة بزق خمر وأشهد عليه، فتسلم قصي المفاتيح، وأرسل ابنه عبد الدار بن قصي بها إلى مكة، فلما وصل إليها رفع صوته وقال: معاشر قريش، هذه مفاتيح بيت أبيكم إسماعيل عليه السلام، قد ردها الله عليكم من غير عار ولا ظلم فلما صحا أبو لبثان ندم حيث لا ينفعه الندم، فقيل أخسر من أبي عبثان، وأكثرت الشعراء القول في ذلك فمنه:
باعت خزاعة بيت الله إذ سكرت … بزق خمر فبئست صفقة البادي
باعت سدانتها بالنزر وانصرفت … عن المقام وظل البيت والنادي)( ).
ولا أصل لهذا القول ، وهو خلاف الوقائع التأريخية فلم يأت مفتاح الكعبة إلى قريش بشربة خمر ، ولو كان لاحتجت خزاعة ، ثم أن الوقائع التأريخية بخلافه وانما وصلت سدانة البيت إلى قصي عن طريق والد زوجته وهو حليل بن حبشية رئيس خزاعة ، وذكر أنه أوصى بولاية البيت إلى قصي لما كثر أولاده من ابنته.
الثاني : السقاية وتتقوم بتوفير الماء لوفد الحاج والمعتمرين ، ومنها العناية ببئر زمزم ، وجريان مائه وسحب الماء منه بالدلو ، وكان ماؤه مراً فيشتري بنو هاشم كميات كبيرة من العنب من الطائف لإلقائها في البئر فيشرب وفد الحاج ماءً حلواً عذباً ، وكانت السقاية بيد بني هاشم ، ليأتي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للناس جميعاً بحلاوة الإيمان.
لقد التفتت قريش إلى أن تولي بني هاشم سقاية ورفادة الحاج تعضيد للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في دعوته ، وتأكيد لشأنه بين قبائل قريش ، فسخروا عمه أبا لهب للمجاهرة في عداوته ونعته بالكذب.
فرزقه الله عز وجل المعجزة الحسية والعقلية ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ]( ).
وهذا الشطر من الآية محكم غير منسوخ ، وهل هو من آيات السلم أم لا ، المختار نعم من آيات السلم ، فمن معانيه صرف الله عز وجل كيد المشركين لإشعال القتال ، وإثارة الفتن بلطف وإحسان منه تعالى ، قال سبحانه [كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ] ( ).
الثالث : الرفادة ، وهي جمع قريش الأموال استعداداً لموسم الحج ، وإعداد الطعام لوفد الحاج خصوصاً الفقراء منهم وهم ضيوف الكعبة ، وفيه ترغيب بالحج ، ودفع للظن بالجوع والعطش أيام الحج ، والرفادة عند عبد مناف بن قصي وجعلها إلى ابنه هشام بن عبد مناف .
وقال الأزرقي (فهي في ولده إلى اليوم) ( ).
وكان الأزرقي حياً أيام المتوكل العباسي (205-247) وتولى الحكم سنة 232 هجرية ، ولم تعرف تفاصيل عن حياة الأزرقي إنما كتابه جعل له شهرة متأخرة عن زمانه وقيل توفى سنة 250 هجرية.
وجاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليخبر بأن وفد الحاج هم ضيوف الرحمن وليس ضيوف الكعبة ومئات الأصنام التي علقت فيها.
الرابع : العمارة وهو أحد المناصب العليا في مكة ومنه ضبط النظام في المسجد الحرام ، وعدم التكلم بهجر أو رفت .
وقد سعت قريش في الذب والدفاع عن المظلوم في مكة من عامة الناس ، فهم جميعاً على من ظلمه وإن كان من قريش ، وهو من بنود (حلف الفضول) والذي حضره النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعمره عشرون سنة قبل البعثة بعشرين سنة منصرف قريش من حرب الفجار لأن حرب الفجار في شعبان ، وحلف الفضول في شهر ذي القعدة ، وهو شهر حرام .
و(عَنْ مُحَمّدٍ وَعَبْدِ الرّحْمَنِ ابْنَيْ أَبِي بَكْرٍ قَالَا : قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ لَقَدْ شَهِدْت فِي دَارِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ جُدْعَانَ حِلْفًا لَوْ دُعِيت بِهِ فِي الْإِسْلَامِ لَأَجَبْت . تَحَالَفُوا أَنْ تُرَدّ الْفُضُولُ عَلَى أَهْلِهَا ، وَأَلّا يَعُزّ ظَالِمٌ مَظْلُومًا) ( ).
قانون آية القتال سلام دائم
آية [يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ]( )، من آيات القتال والدفاع ، وهي دعوة إلى الأمن والسلام ، وقد يقال كيف تكون آية القتال سلاماً.
الجواب تدل مضامين آيات القتال على إتخاذ المسلمين له لأغراض الدفاع ، وصرف شرور جيوش المشركين.
وعندما كان القرآن ينزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو في مكة قبل الهجرة لم تنزل عليه آيات بالقتال أو الدفاع أو الإحتراز مثل الآية المدنية قوله تعالى [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ]( )، ولا المرابطة ، لأن المشركين لم يجهزوا الجيوش لقتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إنما كانوا يكتفون بالإيذاء والإضرار من جهات :
الأولى : الإستهزاء برسول الله ، وصدّ الناس عنه ، ورميه بأوصاف عديدة لا أصل لها [أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ]( )، [وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ]( )، وهناك فرق من جهة لغة الخطاب والموضوع بين الآية أعلاه وقوله تعالى [وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ]( ).
إذ أن مخاطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنه مجنون لا لشئ إلا لأنه يبلغهم كلام الله والوحي ، كما نعتوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنه ساحر يسحر الناس بحلو كلامه ودعوته ، فانهم وصفوه بأنه مسحور أي أثر فيه سحر غيره فصار لا يرى مراشده إذ ورد في التنزيل [إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُورًا]( ).
أي أن المشركين يلومون المسلمين على دخولهم الإسلام.
الثانية : الجدال في التنزيل ، و(عن السدي قال : كان النضر بن الحارث يختلف إلى الحيرة فيسمع سجع أهلها وكلامهم ، فلما قدم إلى مكة سمع كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم والقرآن ، فقال قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ( ).
الثالثة : قيام مشركي قريش بتعذيب وسجن المسلمين الأوائل خاصة الشباب منهم ، والعبيد ، وكانت قريش تتجسس على المسلمين ، وإذا علموا بأن ابن أو بنت فلان دخلت الإسلام هرعوا إليه ، وحضوه على إيذائها وحبسها .
الرابعة : الوقوف على مداخل مكة لتحذير الوافدين إليها من الإنصات إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وسؤال الذين يغادرونها على عدم الإنصات له ، وعلى استقراء إيمانهم به ، ورميه بالجنون والسحر والطعن بالتنزيل لصرفهم عن القيام بالتبليغ عن قصد أو عدم قصد .
الخامسة : نهي الناس عن ايواء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين ، وما أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم طائفة من أصحابه بالهجرة إلى الحبشة إلا بعد أن يأس من إيواء قبائل العرب وحفظهم لهم.
السادسة : فزع قريش عند العلم بالهجرة إلى الحبشة ، فبادروا لإرسال وفد إلى النجاشي وعلى نحو متكرر يدعوه .
وقد تقدم البيان والتفصيل وكيف أن النجاشي أبى تسليم المسلمين المهاجرين إلى وفد قريش.
وهل امتناع النجاشي هذا معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومعجزة غيرية للقرآن ، الجواب نعم ، فحينما حضر عمرو بن العاص ، وعمارة بن أبي معيط وفد قريش ، وحضر المسلمون بين يدي النجاشي ، أخبر جعفر الطيار عن القرآن وأنه الكتاب الذي جاء به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وصار يقرأ عليه من سورة الروم وسورة العنكبوت وقصة أصحاب الكهف ومريم.
(فلما ان ذكر عيسى في القرآن أراد عمرو أن يغضبه عليهم .
فقال : والله إنهم ليشتمون عيسى ويسبونه قال النجاشي : ما يقول صاحبكم في عيسى.
قال : يقول ان عيسى عبدالله ، ورسوله ، وروحه ، وكلمته ألقاها إلى مريم . فأخذ النجاشي نفثة من سواكه قدر ما يقذي العين ، فحلف ما زاد المسيح على ما يقول صاحبكم ما يزن ذلك القذى في يده من نفثة سواكه.
فابشروا ولا تخافوا فلا دهونة يعني بلسان الحبشة اليوم على حزب إبراهيم قال عمرو بن العاص : ما حزب إبراهيم؟ قال : هؤلاء الرهط وصاحبهم الذي جاؤوا من عنده ومن اتبعهم .
فأنزلت ذلك اليوم خصومتهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالمدينة إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ( ).
قانون آيات القتال بمعنى الدفاع المحض
لقد نزل القرآن بالأمر إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بعد الهجرة إلى المدينة بالقتال ، ويحتمل هذ القتال وجوهاً:
الأول : القتال ابتداءاً .
الثاني : الهجوم على المشركين ، وغزو مدنهم وقراهم .
الثالث : القتال دفاعاً ، ودفعاً لجيوش المشركين .
الرابع : القتال على نحو الإطلاق ، الهجوم تارة ، والدفاع أخرى ، والحرب كر وفر .
والصحيح هو الوجه الثالث أعلاه ، من جهات :
الأولى : تفسير آيات القرآن بعضها لبعض .
الثانية : السنة النبوية القولية والفعلية ، قال تعالى [وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى]( ).
الثالثة : أسباب نزول آيات القتال .
الرابعة : الوقائع والأحداث أيام النبوة .
الخامسة : معارك الإسلام الأولى من وجوه :
الأول : الأسباب والمقدمات .
الثاني : إبتداء القتال .
الثالث : قانون قيام المشركين بابتداء القتال في كل من معركة بدر ، أحد ، الخندق ، حنين .
الرابع : ختام المعركة بانسحاب المشركين بحسرة ، ليكون من معاني قوله تعالى [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ]( ) ( )، وجوه :
الأول : ليقطع الله طرفاً من المشركين الذين ابتدأوا القتال .
الثاني : كبت وذل المشركين ، وعجزهم عن تحقيق الغايات الخبيثة التي من أجلها أوقدوا الحرب .
الثالث : من وجوه تقدير خاتمة الآية أعلاه فينقلبوا خائبين مع أنهم الذين بدأوا القتال .
الرابع : من معاني خيبة المشركين مجئ نتائج المعركة على خلاف حساباتهم الدقيقة ، فقد كانوا يظنون النصر لكثرة عددهم وعدتهم وخيلهم وأسلحتهم فتكون خيبتهم عند الإنسحاب من معركة بدر وأحد في ذات اليوم الذي بدأت فيه المعركة ، وكذا إنسحابهم من الخندق بخزي ومصاحبة الخيبة والخزي لهم عند دخولهم مكة منقلبين من المعركة وهو من مصاديق قوله تعالى [وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ]( )، وقوله تعالى [وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ]( ).
النسبة بين القتال والدفاع
تحتمل النسبة بين القتال والدفاع وجوهاً :
الأول : التساوي ، وأن الدفاع هو القتال .
الثاني : العموم والخصوص المطلق ، وهو على شعبتين :
الأولى : القتال أعم من الدفاع .
الثانية : الدفاع أعم من القتال ، وكل دفاع هو قتال وليس العكس .
الثالث : نسبة العموم والخصوص من وجه ، فهناك مادة للإلتقاء وأخرى للإفتراق بين القتال والدفاع .
الرابع : نسبة التباين والإختلاف .
والصحيح هو الشعبة الأولى من الوجه الأول أعلاه ، فكل دفاع بالسيف هو قتال وليس العكس ، ونزلت السور المدنية بآيات الدفاع.
وهو الذي تدل عليه السنة النبوية الفعلية والدفاعية ، والنسبة بينهما العموم والخصوص المطلق ، فالسنة الفعلية أعم .
وتدل الشواهد القرآنية والسنة النبوية على أن قتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين دفاع محض ، وبعد أن يشرف المشركون على المسلمين وثغرهم الوحيد وهو المدينة المنورة يريدون قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتهيئ هو وأصحابه للدفاع ، وفي معركة الخندق قال تعالى [إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ]( ).
فمن معاني مجئ الأحزاب الغزو ، والهجوم العام ، والسعي لقتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وجعل أصحابه بين قتيل وأسير مع أنه لا يدعو إلا إلى السلم ونشر الأمن وإشاعة الصلاح.
وتلقى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه هذا الغزو بأدنى مراتب الدفاع فلم يلاقوهم بالسيوف إنما حفروا خندقاً حول المدينة ورابطوا خلفه.
مع أن آيات القتال نزلت قبل معركة الخندق ، وكذا آيات الشهادة والقتل في سبيل الله والترغيب به.
فان قلت قد حدثت مبارزة يوم الخندق بين الإمام عليه السلام وعمرو بن ود العامري .
الجواب نعم ، ولم تكن هذه المبارزة بالتقاء الصفوف ، إنما كانت قضية شخصية بعد أن عبر عمرو بن ود العامري الخندق وتحدى المسلمين بطلبه المبارزة والحاحه عليها ليصرعه الإمام علي عليه السلام وينزل قوله تعالى [وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا]( ).
وقد تقدم في الجزء الرابع والعشرين بعد المائتين (قانون الصدّ عن البيت فتنة) ( ).
تفسير آيات القتال لبعضها بالدفاع
من خصائص القرآن وأسرار بقائه غضاً طرياً سالماً من التحريف والتبديل والنقص والزيادة تفسير آياته بعضها لبعض ، وإدراك الناس لهذا الإعجاز من الكلي المشكك ، فمنهم من يأخذ بالظاهر القريب ، ومنهم العلماء الذين يسبرون أغواره ، ويغوصون في بحار خزائنه ، فيجمعون بين الآيات ويبينون التداخل والتقارب الموضوعي والحكمي بينها ويكشفون عن سنخية السلم التي تستقرأ من الآيات ومفاهيمها.
ومنه موضوع القتال وصيغة الأمر [قَاتِلُوا] والخبر [قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ]( ).
والنهي [لاَ يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ] ( ) أي لا ينهاكم الله عن موالاة وصلة الذين لم يقاتلوكم ، ولم يخرجوكم من دياركم من مكة .
(عن مجاهد في قوله : { إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين }( ) قال : كفار أهل مكة .) ( ).
وهل تدل هذه الآية وتفسيرها على إرادة خصوص كفار مكة موضوعاً لآية السيف ، المختار نعم .
وتفسير آيات القتال بالدفاع علم مستقل غير التفسير الموضوعي للقرآن لأن فيه تأويلاً وبياناً للمقاصد السامية من المفردة القرآنية بلحاظ مناسبة الحال والمقال وأسباب النزول .
فمن إعجاز القرآن النهي عن شعار من لم يكن معي فهو ضدي ، إنما أمر الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين أن يحصروا إمتناعهم عن الولاية والمودة والطمأنينية لخصوص اعدائهم الذين يتصفون بأمور :
الأول : القيام بقتال المسلمين .
الثاني : إرادة قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : إخراج المسلمين من ديارهم .
الرابع : المظاهرة والحلف والنصرة للذين قاموا باخراج المسلمين من ديارهم .
وهل يخص هذا الإخراج بالمهاجرين من مكة أم يشمل إرادة المشركين إخراج الأنصار من ديارهم أيضاً .
الجواب هو الثاني ، وبه جاء التهديد والوعيد من قريش ، ثم تجلى بعالم الفعل بقيامهم بغزو المدينة في معركة أحد ، ثم معركة الأحزاب .
فان قلت قد وردت الآية بصيغة الماضي [وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ] ( ) .
والجواب تجلي أصالة الإستصحاب في سعي الذين كفروا باخراج المؤمنين من ديارهم خاصة مع إزدياد حنقهم وشدة غيظهم عندما آوى الأنصار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين ، وهناك فرق كبير بين الولاية والقتال .
فيدل منطوق هذه الآيات بالإكتفاء بالإعراض وعدم الولاية للمشركين الذين حاربوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وأرادوا قتله ، وفيه سعة ومندوحة في مخاطبة الآيات النبي محمداً بأن لا يجعلوا المشركين كلهم أعداء لهم ، وفيه ضرب من أسباب الصدود عن الإسلام ، والإرتماء في أحضان رؤساء الشرك من قريش ، إنما بعث الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم [رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ) .
ومن الرحمة تقريب الناس لمنازل الهدى والإيمان ، ومنعهم من الإقامة في مستنقع الكفر والضلالة .
ليكون من باب الأولوية عدم مقاتلة غير الذين قاتلوا المسلمين ، وأخرجوهم من ديارهم ، وهل مضامين الآيات أعلاه محدودة زماناً ومكاناً ، وأن المسلمين إذا قويت شوكتهم يقاتلون الذين لم يحاربوهم ولم يظاهروا عليهم .
الجواب لا ، فمنطوق وموضوع هذه الآيات سالم من النسخ ، لذا فان مضامين آية السيف محصورة بمشركي مكة بخصوص الأشهر الأخيرة من السنة العاشرة للهجرة ، وشهر محرم من السنة الحادية عشر ، قال تعالى [فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ] ( ).
ولا يكفي جمع آيات القتال بل لابد من استحضار السنة القولية والفعلية والدفاعية في المقام لأنها مرآة وتفسير لهذه الآيات ، وشاهد على سنخية السلم المصاحبة للنبوة .
وكيف أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينهى الصحابة عن إبتداء المشركين بالقتال ، حتى أولئك الذين قاتلوهم وأخرجوهم من ديارهم ، وكيف أنه يجتهد في السعي إلى السلم الدائم ، والصلح مع ذات المشركين ، كما في رضاه بشروطهم في صلح الحديبية ، ومنها منعه وألف وأربعمائة من أصحابه لأداء العمرة في ذات السنة ، وهي السادسة للهجرة ، واشتراطهم عليهم العودة إلى المدينة ، والمجئ في قابل للعمرة ، وتحديد مدة بقائهم في مكة بثلاثة أيام .
السنة مانع من القتال الإبتدائي
من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقاء أخبار سنته سالمة من التحريف والتبديل ، وهل للقرآن موضوعية في حفظ سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من التحريف ، الجواب نعم ، وفيه شاهد بأن البيان في قوله تعالى [تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ] ( )، أن من مصاديق التبيان حفظ السنة وأسباب النزول ودعوة التنزيل والنبوة للسلم والأمن ومحاربة الفتن.
إن قوله تعالى [وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ] ( )، في ثنايا آية الأمر بالقتل أمارة وشاهد على إمتناع المسلمين عن الإبتداء بالقتال ، لقانون النسبة بين الفتنة وابتداء القتال عموم وخصوص مطلق ، فالفتنة أعم ، وهل هذا القانون مطلق ، أم يخص إبتداء المشركين بالقتال دون إبتداء المسلمين به ، المختار هو الأول ، ومع هذا لم يبدأ المسلمون القتال لوجوه :
الأول : السنة النبوية وحي من عند الله ، قال تعالى [وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى] ( ).
الثاني : دلالة آيات القتال والأمر به على الدفاع ، وهل يدل ما ورد عن جابر قال ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على الله ، ثم قرأ { فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر } ) ( ).
الجواب لا ، إذ أن السنة النبوية شاهد على إكتفاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالتبليغ ، وتعضده المعجزة الحسية والعقلية ، ثم أن الحديث أعلاه يمنع من قتال أهل الكتاب لأنه خاص بالمشركين ، ودلالة الآيات على إنحصاره بالمشركين الذين يقاتلون النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : قانون آيات السلم محكمة غير منسوخة .
الرابع : طواف النبي صلى الله عليه وآله وسلم في موسم الحج قبل الهجرة ومناداته بكلمة التوحيد وعد سماوي من الله عز وجل برضاه عن الناطقين بها ، بتقريب أن السنة النبوية شعبة من الوحي (عن ابن عباس قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أي آية أنزلت من السماء أشد عليك؟
فقال كنت بمنى أيام موسم واجتمع مشركو العرب وافناء الناس في الموسم ، فنزل عليّ جبريل فقال [يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ]( )، قال : فقمت عند العقبة ، فناديت : يا أيها الناس من ينصرني على أن أبلغ رسالة ربي ولكم الجنة ، أيها الناس قولوا لا إله إلا الله ، وأنا رسول الله إليكم ، وتنجحوا ولكم الجنة .
قال : فما بقي رجل ولا امرأة ولا صبي إلا يرمون عليّ بالتراب والحجارة ، ويبصقون في وجهي ويقولون : كذاب صابئ ، فعرض عليّ عارض فقال : يا محمد ، إن كنت رسول الله فقد آن لك أن تدعو عليهم كما دعا نوح على قومه بالهلاك .
فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون ، وانصرني عليهم أن يجيبوني إلى طاعتك ، فجاء العباس عمه فأنقذه منهم وطردهم عنه ، قال : الأعمش فبذلك تفتخر بنو العباس ، ويقولون : فيهم نزلت) ( ).
الأعمش
لا دليل على نزول آية [بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ] ( ) بالعباس وأهله خاصة وأنها آية مدنية نزلت في بيعة الغدير ، ولكن الأعمش سلمان بن مهران الأسدي ثم الكاهلي مولاهم قضى ست عشرة سنة من آخر عمره في الدولة العباسية ، وفي الكوفة التي كانت عاصمتهم الأولى ، والأعمش تابعي (61-148) هجرية .
وأصله من دماوند من نواحي الري أي طهران ، وولد الأعمش يوم عاشوراء يوم مقتل الحسين عليه السلام .
(وقال وكيع: بقي الأعمش قريباً من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى)( ).
وللأعمش نوادر وملح منها أنه (خرج يوما إلى الطلبة فقال لولا أن في منزلي من هو أبغض إلي منكم ما خرجت إليكم، مات في ربيع الأول سنة ثمان وأربعين ومائة) ( ).
واراد إبراهيم النخعي وكان أعور أن يماشيه فقال له الأعمش : إن رانا الناس معاً قالوا : أعور وأعمش فقال النخعي : وما عليك أن يؤثموا ونؤجر ، فقال له الأعمش ، وما عليك أن يسلموا وتسلم.
وطلبه رجل يوماً فرآه وامرأته فقال لهما مخاطباً أيكما الأعمش ، فأجابه الأعمش هذه ، وأشار إلى امرأته أي لابد أن الأعمش هو الرجل وليس المرأة
و(وقيل: إن الاعمش كان له ولد مغفل فقال له: اذهب فاشتر لنا حبلا للغسيل.
فقال: يا أبة طول كم.
قال: عشرة أذرع.
قال: في عرض كم.
قال: في عرض مصيبتي فيك)( ).
وآية [بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ] ( ) أمرمن عند الله عز وجل ونص لا يقبل معنى آخر غير وجوب التبليغ ، وهل هو من آيات السلم ، الجواب نعم ، للتباين بين التبليغ والسيف .
في كتابة الوحي
كان عدد كتاب الوحي نحو سبعة عشر وأوصلهم ابن كثير إلى ثلاثة وعشرين .
ولم يكونوا في عرض واحد ، فمنهم من قام بكتابة آيات القرآن في مكة وقبل الهجرة كالإمام علي عليه السلام ، وأبو بكر ، وعمر وعثمان.
ومنهم (أبان بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي الأموي أسلم بعد أخويه خالد وعمرو وكان اسلامه بعد الحديبية لأنه هو الذي أجار عثمان حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الى أهل مكة يوم الحديبية)( ).
ومنهم الذي كتبوا من الوحي في المدينة بعد الهجرة مثل أبي بن كعب وزيد بن ثابت من الأنصار وعثمان وخالد بن سعيد وأبان بن سعيد .
و(عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لأُبي إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن قال وسماني لك يا رسول الله قال نعم قال فذرفت عيناه)( ).
لتكون هذه القراءة حجة وتأكيداً للزوم حفظ الصحابة لآيات القرآن وعدم تضييعها .
وفي اختصاص أبي بهذا الحديث إكرام له وطرد للوهم والشك الذي يطرأ عليه ، و(عن أنس، عن عبادة بن الصامت، عنه ورواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي، من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عنه كان قد أنكر على إنسان، وهو: عبد الله بن مسعود، قراءة شيء من القرآن على خلاف ما أقرأه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاستقرأهما، وقال، لكل منهما: “أصبت”.
قال أبي: فأخذني من الشك ولا إذ كنت في الجاهلية. فضرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في صدره، قال أبي: فَفضْتُ عَرَقًا، وكأنما أنظر إلى الله فرقًا.
وأخبره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن جبريل أتاه فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف.
فقلت: “أسأل الله معافاته ومغفرته”.
فقال: على حرفين.
فلم يزل حتى قال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف)( ).
مع تكرر قراءة النبي صلى الله عليه وآله وسلم القرآن على أهل بيته وأصحابه مجتمعين ومتفرقين .
وبين الصحابة الذين كانوا يكتبون القرآن وكتاب الوحي عموم وخصوص مطلق ، فأكثر الصحابة الذين كانوا يقرأون ويكتبون ، يكتبون آيات القرآن ، في قطع الجلد ، وعلى الحجارة ، والرقاع من الورق ، وعلى العظام.
وهل كان غير المسلمين يكتبون القرآن أم أنه أمر خاص بالصحابة ، الجواب هو الأول : وهو من إعجاز القرآن .
لقد كان إنشغال الصحابة بكتابة القرآن سلم محض ، وتسليم بأن الآيات دعوة للسلم والوئام والصلح والسكينة والأمن في المجتمعات.
قانون عموم التبليغ والدعوة
ورد قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ]( )، على نحو الإطلاق أي التبليغ للمسلمين وأهل الكتاب والكفار ، والآية أعلاه رحمة عامة وهي محكمة وموضوعها أعم من سبب النزول وهو بيعة الغدير ، من جهات :
الأولى : تبليغ كل آية من القرآن أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : تبليغ الحديث القدسي .
الثالثة : الإخبار عن الوحي الذي يترجل بالسنة النبوية القولية والفعلية والدفاعية والتدوينية والقرآنية ، مجتمعة ومتفرقة .
ومن معاني التبليغ في المقام الكفاية عن القتال والغزو والهجوم ، إذ تبين الآية إنفراد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بسلاح وهو (سلاح التبليغ) وهو أمضى من السيف ، للقيد الوارد في الآية وهو تبليغ التنزيل ، بمعنى نفاذه إلى شغاف القلوب ، وهو من مصاديق قوله تعالى [أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ] ( ).
لقد دخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه معارك عديدة ضد المشركين وأيهما أكثر نفعاً في دخول الإسلام خوض النبي صلى الله عليه وآله وسلم معارك الدفاع ، أم آية التبليغ هذه والآيات المشابهة لها ، الجواب هو الثاني .
من قوانين الدعوة
قد تقدم في الجزء السادس والثلاثين بعد المائتين من هذا السِفر :
الأول : قانون دعوة الأفراد والجماعات إلى الإسلام بآيات القرآن والحجة والبرهان ، وليس الإرهاب.
الثاني : قانون الوصول إلى الرجال والنساء في القرى والأرياف والبوادي ، وإسماعهم آيات القرآن .
الثالث : قانون إمتناع المانع بين الناس وبين النبوة والتنزيل ، وهو من المساعي النبوية الحميدة( ).
الرابع : قانون كتائب النبي صلى الله عليه وآله وسلم للإستطلاع واستكشاف ما حول المدينة( ).
الخامس : بلوغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بشخصه مضارب القبائل ومواضع الآبار والمياه في دعوته إلى الله سبحانه( ).
السادس : قانون دعوة الناس للإيمان إذ تميل النفوس بالفطرة للوحي ، وتنفر مما هو ضده من الكفر والفسوق والظلم( ).
السابع : قانون إبتداء سلسلة انتصارات النبوة والتنزيل قبل معركة بدر( ).
الثامن : قانون كل آية من السور المكية والسور المدنية التي نزلت قبل صلح الحديبية وبعده لها موضوعية ، ونفع حسن ، وهو من أسرار بقاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدعو إلى الله عز وجل ثلاث عشرة سنة في مكة قبل الهجرة( ).
التاسع : قانون انفراد دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالإقتران بالترغيب والشأن العظيم والفوز في النشأتين( ).
العاشر : قانون الملازمة بين النبوة والسلام( ).
قانون السنة التدوينية فرع آية التبليغ
من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم السنة التدوينية وهي من مصاديق قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ]( )، الجواب نعم لبيان تعدد صيغ تبليغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أمور :
الأول : التوحيد .
الثاني : آيات القرآن .
الثالث : الفرائض العبادية كالصلاة والصيام والزكاة والحج والخمس ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
الرابع : السنة النبوية ، فمن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن قوله وفعله تبليغ لقوله تعالى [وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى]( ).
الخامس : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
السادس : البعث والمعاد ، وأهوال الآخرة .
وكل فرد من هذه الأمور من مصاديق السلم واللطف ، ترى ما هي النسبة بين التبليغ والتذكير في قوله تعالى [فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى]( )، وقوله تعالى [وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ]( ).
الجواب نسبة العموم والخصوص المطلق ، وأن التذكير من أقسام ومصاديق التبليغ .
وهل يشمل التذكير قيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتذكير وتخويف كفار قريش .
الجواب نعم ، انقطع هذا التذكير بنزول آية السيف ، الجواب لا ، وأيهما أمضى وأقوى في جذب الناس للإيمان السيف أم التبليغ ، الجواب هو التبليغ وهو سلاح الأنبياء والصالحين ، قال تعالى [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ]( )، ومن مصاديق التبليغ الكتابة والتدوين .
الصلاة أكثر الفرائض أداء
الصلاة عمود الدين وهي واجب مطلقاً ، وتجب على كل حال ، وفي حال الحضر والسفر ، والصحة والسقم ، وعلى الرجل والمرأة ، والغني والفقير ، والحر والعبد ، قال تعالى [إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا] ( ).
وهل ذكرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في السنة التدوينية ، الجواب نعم ، وكتب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقيس (لقيس بن سلمة كتابا نسخته (كتاب من محمد رسول الله لقيس بن سلمة بن شراحيل، أني استعملتك على مران ومواليها، وحريم ومواليها، والكلاب ومواليها، (من أقام الصلاة وآتى الزكاة وصدق ماله وصفاه))( ).
ترى أيها أكثر أداء من قبل المسلمين بعد الصلاة :
الأول : الزكاة .
الثاني : صيام شهر رمضان .
الثالث : حج بيت الله الحرام.
الجواب كل من هذه الفرائض مقيد وليس مطلقاً.
فالزكاة مقيدة ببلوغ المال النصاب.
والصيام مقيد بالسلامة من المرض وعدم السفر ، قال تعالى [وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ]( ).
والحج مقيد بالإستطاعة ، قال تعالى [وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً]( ).
والمختار أن الصيام هو اكثر الفرائض التي يؤديها المسلمون والمسلمات بعد الصلاة ، سواء باحتساب أيام شهر رمضان أفراداً غير ارتباطية ، أو أفراداً ارتباطية وهو من مصاديق الكتابة والفرض بقوله تعالى [كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ]( ).
وقد لا يكون عند أكثر المسلمين نصاب للزكاة ، ولا فائض عن المؤونة للخمس ، ولا تتيسر نفقات ومقدمات أداء الحج لاكثر المسلمين والمسلمات أو لشطر منهم .
أما بالنسبة للصيام فهو أقل الفرائض أعلاه شروطاً وقيوداً وحتى المريض إذ شفاه الله عز وجل في ذات سنة الصيام يجب عليه القضاء كما لو اتفق أنه أجرى عملية في شهر رمضان ، وصار سالماً معافى بعد أربعة أو خمسة أشهر ونحوه فعليه القضاء ، وكذا يقضي المسافر عند عودته ، وإذا كان كثير السفر يصوم في السفر .
ومن خصائص الفرائض العبادية أنها مصاديق للسلم المجتمعي ، وأنها ضد الإقتتال ، وتبعث على النفرة من سفك الدماء .
ومن الآيات في المقام أداء كل مسلم ومسلمة الصلاة خمس مرات في اليوم على نحو الوجوب العيني ، لتعاهد السلم والأمن ، وحبس الجوارح عن التعدي والظلم ، ومنها ان فريضة الصيام والزكاة والحج في طول أداء الصلاة ، فلا تتعارض معها ، والذي يؤدي هذه الفرائض لا تسقط عند الصلاة ،فمثلاً تجب الصلاة على الصائم في رمضان .
وتجب الصلاة على الذي يدفع الزكاة وعلى مستحقها الذي يقبضها ، وكل فرد من هذه الفرائض سلام وشاهد على عدم نسخ آيات السلم .
وعلى أن مجئ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالسلم العام لم يختص بآيات السلم بل يشمل أداء الفرائض والسنة النبوية ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ).
الرابعة : البشارة والإنذار في أمور الدنيا والآخرة ، قال تعالى [إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ]( ).
كتب النبي (ص) إلى الملوك سلام وموادعة
ليس من حصر لكل من موضوع البشارة والإنذار فان قلت هل من بشارة وانذار نبوي غير آيات القرآن ، الجواب نعم ، ومنه ما جاء في السنة التدوينية مثل رسائل النبي صلى الله عليه وآله وسلم لملوك زمانه والزعماء يدعوهم فيها للإسلام وينذرهم من الصدود عن كلمة التوحيد ، وتحملهم أعباء تخلف قومهم عن الإيمان ، وقد بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم كتباً ورسائل إلى كل من :
الأول : قيصر ملك الروم .
الثاني : كسرى ملك فارس .
الثالث : النجاشي ملك الحبشة .
الرابع : المقوقس ملك مصر .
الخامس : المنذر بن ساوي ملك البحرين .
وغيرهم من الأمراء ، وبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذه الرسائل في السنة السابعة للهجرة بعد صلح الحديبية ليكون تعيين أوانها معجزة له.
ومن مصاديق الإعجاز في صلح الحديبية أنه مقدمة لكتابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم الكتب والرسائل إلى ملوك وأمراء زمانه من مقامات النبوة .
وبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم بواسطة الصحابي دحية بن خليفة الكلبي كتاباً إلى هرقل وفيه (بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى أما بعد فأسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن أبيت فإن إثم الاكارين عليك)( ).
وكتب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى يهود خيبر ، كما ورد ( عن عكرمة، عن ابن عباس أنه كان يقول: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يهود خيبر : بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله صاحب موسى، وأخيه، والمصدق بما جاء به موسى .
ألا إن الله قال لكم: يا معشر يهود وأهل التوراة، إنكم تجدون ذلك في كتابكم: إن محمدا (رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود.
ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الانجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار… الحديث)( ).
كتاب النبي (ص) إلى كسرى
بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم كتاباً الى كسرى بن هرمز مع الصحابي عبد الله بن حذافة السهمي وفيه (بسم الله الرحمن الرحيم؛ من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس. سلامٌ على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله؛ وشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلى الناس كافة، لينذر من كان حيا؛ أسلم تسلم، فإن أبيت فعليك إثم المجوس)( ).
ولما بلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن كسرى مزق كتابه قال : مُزق ملكه.
أي أنه جنى على نفسه بأمر حتم وهو نهاية ملك ، ومملكة كسرى ، وأول الإشراقات دخول أهل اليمن الإسلام بعد أن كتب كسرى إلى باذان عامل كسرى على ابناء الأعاجم في اليمن أن يبعث إلى الحجاز رجلين من عنده جلدين لإحضار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
فتجلت لهم الآيات وفرح المشركون لأن ملك الملوك كسرى طلب العداوة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكأن النبي تصرف بأكثر من شأن ولايته على المدينة المنورة.
وخاطب ملوك عصره ، ولم يعلموا أنه لم يبعث هذه الرسالة وغيرها إلا بالوحي من عند الله ، وما دام بالوحي فهو خير محض ، ونفع مع خلوها من الضرر ، قال تعالى [لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى]( )، وسيأتي التفصيل ان شاء الله لبيان هلاك كسرى بدعاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو من مصاديق السلم في دعوته.
لقد رآى الرجلان اللذان بعثهما باذان الآيات وكيف أن أصحاب النبي محمد من حوله يفتدونه بأنفسهم فخففا من لغة التهديد دون أن تسقط.
إذ قال أحدهما (إن شاهانشاه ملك الملوك كسرى؛ قد كتب إلى الملك باذان، يأمره أن يبعث إليك من يأتيه بك؛ وقد بعثني إليك لتنطلق معي؛ فإن فعلت كتب فيك إلى ملك الملوك ينفعك ويكفه عنك؛ وإن أبيت فهو من قد علمت ! فهو مهلكك ومهلك قومك، ومخرب بلادك .
ودخلا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد حلقا لحاهما، وأعفيا شواربهما؛ فكره النظر إليهما، ثم أقبل عليهما فقال: ويلكما ! من أمركما بهذا ؟
قالا: أمرنا بهذا ربنا – يعنيان كسرى – فقال رسول الله: لكن ربي قد أمرني بإعفاء لحيتي وقص شاربي. ثم قال لهما: ارجعا حتى تأتياني غداً)( ).
لقد أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يريا صبغة الإيمان والتقوى ، وكثرة أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجلدهم وصبرهم ، ومفاهيم التوحيد ، وصيغ التساوي بين الناس في المعاملة السيد والعبد ، والغني والفقير ، والرجل والمرأة.
لقد رأيا مجتمعاً وأمة منظمة قائمة على العدل والإنصاف ، وتقام الصلاة في المدينة خمس مرات.
وهناك طوائف اليهود في المدينة لم يتعرض لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى [فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ]( )، وعن ابن عباس قال : بحدود الله( ).
ولم يقع قتال بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمشركين بعد صلح الحديبية.
ولينزل الوحي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن الله قد أهلك كسرى إذ قتله ابنه شيرويه في شهر كذا وفي ليلة كذا .
ولم ينتظر النبي صلى الله عليه وآله وسلم حضور الرجلين بين يديه في اليوم التالي بل أرسل اليهما ليخبرهما بقتل كسرى فجاءا وقالا (هل تدري ما تقول ، إنا قد نقمنا عليك ما هو أيسر من هذا؛ أفنكتب هذا عنك، ونخبره الملك( ).
قال : نعم، أخبراه ذلك عني، وقولا له: إن ديني وسلطاني سيبلغ ما بلغ ملك كسرى، وينتهي إلى منتهى الخف والحافر؛ وقولا له: إنك إن أسلمت أعطيتك ما تحت يديك؛ وملكتك على قومك من الأبناء؛ ثم أعطى خرخسره منطقة فيها ذهب وفضة، كان أهداها له بعض الملوك)( ).
الفرق بين المعجزة الحسية والعقلية
المعجزة رحمة من عند الله عز وجل بالأنبياء والناس جميعاً ، ومن خصائصها أنها واقية للنبي ودرء للقتل عنه ، فلولا المعجزة لقام الفاسقون بقتل الأنبياء لما يأمرون به من المعروف وسبل الصلاح ، وينهون عنه من الفساد والمعاصي ، وحتى مع المعجزة يسعى المشركون لقتل الأنبياء واتباعهم كما في قصص الأنبياء ، ومن الشواهد القرآنية التي توثق تأريخ النبوة وصبر الأنبياء والأولياء في المقام :
الأول : قوله تعالى [قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنْ الْمَرْجُومِينَ]( ).
الثانية : قوله تعالى [قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا]( ).
الثالث : قوله تعالى [قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنْ الْمُخْرَجِينَ]( ).
الرابع : في رسل عيسى عليه السلام الثلاثة من الحواريين الذين بعثهم إلى أهل أنطاكية لنشر الإسلام ورد قوله تعالى [قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ] ( ) وقال ابن إسحاق (فيما بلغه عن ابن عباس، وكعب الأحبار، ووهب بن منبه-: إنها مدينة أنطاكية، وكان بها ملك يقال له: أنطيخس بن أنطيخس بن أنطيخس، وكان يعبد الأصنام .
فبعث الله إليه ثلاثة من الرسل، وهم: صادق وصدوق وشلوم، فكذبهم)( ).
و(عن مجاهد في قوله { لنرجمنكم } قال : لنشتمنكم قال والرجم في القرآن كله الشتم) ( ).
ولا دليل على هذا الحصر بالشتم ، والأصل في الرجم أنه القذف بالحجارة .
وعن ابن عباس قال (وكان الله تعالى إذا جمع لعبد النبوة والرسالة منعه من الناس ، وكانت الأنبياء تقتل) ( ).
مادة الإلتقاء بين المعجزة الحسية والعقلية
النسبة بين المعجزة الحسية والمعجزة العقلية عموم وخصوص من وجه ، فهناك مادة للإلتقاء وأخرى للإفتراق بينهما .
ومن مادة الإلتقاء مسائل :
الأولى : كل معجزة هي من عند الله عز وجل ، ولا يقدر عليها إلا هو سبحانه .
الثانية : المعجزة مظهر من مظاهر بديع صنع الله .
الثالثة : كل معجزة لطف من عند الله عز وجل ، ورحمة منه بالناس .
الرابعة : تجلي المعجزة على أيدي الأنبياء والمرسلين .
الخامسة : المعجزة الحسية وكذا العقلية أرقى وأسمى من الأمور الطبيعية والسنن الكونية ، لذا قلنا بأنها أمر خارق للعادة .
السادسة : مناسبة المعجزة لأهل زمان النبي وما يعتنون به ، فجاء موسى عليه السلام بالعصا لإيلاء أهل مصر عناية بالسحر ، ولمنزلة السحر عند الملك وعامة الناس ، وفي أيام عيسى عليه السلام كانت العناية بالطب ، فنزل قوله تعالى [وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ] ( ) .
السابعة : لا تختص المعجزة في أثرها بمن يحضرها أو أهل زمانها .
الثامنة : إنجذاب الناس للمعجزة طوعاَ وقهراَ وإنطباقاَ , وانصرافهم عن الخصومات والفتنة والإقتتال .
التاسعة : كل من المعجزة الحسية والعقلية تأييد ودعوة ومدد للنبي الذي يأتي بها .
العاشرة : تمنع كل من المعجزة الحسية والعقلية الناس من إدعاء النبوة ، والإفتراء على الله عز وجل ، قال تعالى [فَمَنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ] ( ).
ومن مصاديق اسم الإشارة (ذلك) في الآية أعلاه معجزات الأنبياء سواء أيام المعجزة الحسية أو بعد توثيقها في المعجزة العقلية ، وهو القرآن .
الحادية عشرة : المعجزة الحسية والعقلية من اللطف الإلهي ، والرحمة بالأنبياء والناس .
الثانية عشرة : كل من المعجزة الحسية والعقلية سبب لإتباع رهط من الناس النبي صاحب المعجزة ودخولهم الإسلام .
الثالثة عشرة : تدعو المعجزات إلى السلم والتراحم ونبذ المعارك والحروب .
الرابعة عشرة : المعجزة حرب على الشرك والضلالة ، وزاجر عن عبادة الأوثان .
الخامسة عشرة : تبين المعجزة ضعف الإنسان ، وأنه كائن محتاج ، قال تعالى [وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا] ( ).
النبي صالح ونسب العرب
ملائمة المعجزة لأحوال الناس في زمانها ، ومن المعجزات ما جاءت بسؤال الناس من أجل التصديق بنبوة النبي ، كما في النبي صالح عليه السلام .
إذ بعثه الله من أوسط قومه ثمود نسباً ، وكانوا عرباً من ولد أرم بن سام( )،وهم من العرب العاربة( ),ويقسم العرب القدامى إلى أقسام:
الأول : العرب البائدة مثل طسم , والعماليق وجريس من أبناء سام بن نوح .
الثاني : العرب العاربة وهم أبناء قحطان .
الثالث : العرب المستعربة وهم أبناء إسماعيل بن إبراهيم .
ومن خصائص العرب العناية بالنسب وحفظه.
وكان النبي صالح عليه السلام شاباً في بداية دعوته واستمر يدعو قومه لسنوات عديدة ، وكبر وشاب رأسه ، ولم يتبعه إلا قليل منهم.
لقد ألح النبي صالح عليه السلام على قومه بالدعوة ، وصار ينذرهم جهاراً من عذاب الآخرة وشدته ، فضاقوا به وبدعوته ذرعاً ، وسألوه آية تدل على صدق ما يدعو إليه ، فقال لهم : ماذا تريدون.
حينئذ قالوا إن لنا عبداَ في يوم معلوم نخرج فيه باصنافنا (فتدعو إلهك وندعو وإن أستجيب لك اتبعناك وإن استجيب لنا اتبعتنا) ( ).
ثم سألوا صالحاً أن يخرج لهم ناقة من صخرة كانت منفردة في ناحية الحجر واختاروا صخرة منفردة كيلا يقع إحتمال أو شك بوجود ناقة في الموضع ، وليروا كيف تكون المعجزة .
وقالوا له إن فعلت صدقناك وأمنا برسالتك ، فأخذ عليهم المواثيق والعهود ، وصاروا يدعون أوثانهم بعدم الإستجابة لدعاء صالح .
فصلى صالح ركعتين ، وصار يدعو الله عز وجل فتمخضت الصخرة فآمن به سيد ثمود آنذاك جندع بن عمرو بن حراش ورهط من قومه.
وقام صاحب الأوثان ذوءاب بن عمرو وبعض الأشراف بنهي الناس عن الإيمان والتصديق بصالح عليه السلام ، لبيان أن النبي لم يأت إلا بالسلام ، وليس له من واسطة يدعو بها إلى الله إلا السلام والإحتجاج والمعجزة .
وجاء القرآن بمعجزة عقلية لتوثيق معجزة صالح الحسية بآيات محكمة غير منسوخة ، لأن النسخ لا يصل إلى الأخبار والقصص لتبقى شاهداً على دعوة القرآن كل يوم إلى السلم المجتمعي ، وزجره عن الحروب والإقتتال ، وهو من عمومات قوله تعالى [إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا]( ).
لقد أخبر الله عز وجل عن صبغة السلم في نبوة صالح , واقترانها بالمعجزة ذات النفع اليومي العام , إذ تدر ناقة صالح من الحليب ما يكفي لأهل قريته جميعاَ رجالاَ ونساءَ ، كباراَ وصغاراَ , بين يوم وآخر ليترك أهل القرية لسقاية أنعامهم إذ كانت ترد الماء يوماَ , وفي اليوم التالي ترده إبل وغنم وشياء القوم .
قالوا (فمكثت الناقة ومعها سقيها في أرض ثمود ترعى الشجر وتشرب الماء وكانت ترد الماء سبتاً فإذا كان يومها وضعت رأسها في بئر من الحجر يقال لها بئر الناقة فما ترفعها حتّى تشرب كلّ ما فيها لا تدع قطرةً ماء فيها ثم ترفع رأسها (فتفسح) يعني تفجج لهم فيحتلبون ما شاؤوا من لبن فيشربون ويدخرون حتّى يملأوا أوانيهم كلهم ثمّ تصدر من (غير) الفج الذي وردت لا تقدر على أن تصدر من حيث وردت لضيقه عنها فلا يرجع منه ثمّ ترفع رأسها.) ( ).
ومن الإعجاز في المقام أن معجزة النبي مانع من الخصومة والإقتتال بين الناس , إذ ينشغلون بالتدبر في المعجزة وأسرارها , وهومن الشواهد على ملازمة السلم العام للنبوة ومن مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ).
مادة الإفتراق بين المعجزة الحسية والعقلية
من مادة الإفتراق بين المعجزة الحسية والعقلية وجوه :
الأول : مخاطبة المعجزة الحسية للحواس من السمع والبصر فيرى الناس المعجزة مثل : تلقف عصا موسى عليه السلام لعصي سحرة فرعون ، أو سماع الناس للمعجزة بينما تخاطب المعجزة العقلية العقول والمدارك والإفهام .
الثاني : تجلي المعجزة الحسية بوقتها وأوانها ومدتها ، مثل ناقة صالح ومدة بقائها بين ظهراني ثمود تشرب ماء الآبار يوماً كل يومين لتعطي الحليب بما يكفي للقرية كلها ، مما يدل على اتصال وتجدد ذات المعجزة الحسية لتذكير الناس بلزوم الإيمان ، ولدفع الشبهة عنها ، أو إدعاء السحر ونحوه .
وكما في عصا موسى عليه السلام التي كان النفع يتجدد منها ، ومنه قوله تعالى [فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ]( ).
أما المعجزة العقلية فهي متجددة في تحديها وصبغة الإعجاز فيها ، في شهادة على نزولها من عند الله عز وجل .
الثالث : توجه المعجزة الحسية إلى طائفة أو أمة من الناس ، بينما تتصف المعجزة العقلية بالشمول ، وتتوجه إلى الناس جميعاً .
الرابع : خلود المعجزة العقلية وهو القرآن الكريم .
الخامس : المعجزة الحسية عون وظهير للنبي بينما المعجزة العقلية توثيق لكل المعجزات .
وهو من الصفات التي انفرد بها القرآن ، إذ وثقّ وصدّق واثبت معجزات الأنبياء إلى يوم القيامة .
السادس : جاء الأنبياء السابقون بالمعجزات الحسية ، منها ما ذكر في القرآن ، ومنها ما لم يذكر وهو فرع قوله تعالى [وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا]( ).
وكل آية من القرآن معجزة عقلية تخاطب الناس عامة ،وتدعوهم إلى السلم الأهلي ، وتبعث الفطنة وتنمي المدارك العقلية ، وتنهض بالوعي المجتمعي ، وهو من أسرار وجوب تلاوة كل مسلم ومسلمة القرآن خمس مرات في الصلاة اليومية على نحو الوجوب العيني ، قال تعالى[كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ] ( ).
السابع : تتوجه المعجزة الحسية إلى حاسة البصر والسمع ، بينما تتضمن المعجزة العقلية الأمر والنهي ، والخبر والقصة ، والوعد والوعيد .
ومن معاني قوله تعالى [نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الْغَافِلِينَ] ( )، أن قصص القرآن هي أحسن القصص في كل زمان مع التحدي ، وفيها ذخائر من المنافع والمواعظ اللامتناهية .
الثامن : بلحاظ المسألة الثانية عشرة من مسائل مادة الإلتقاء بين المعجزة الحسية والعقلية فان المعجزة العقلية سبب لدخول أضعاف الذين يدخلون الإسلام بالمعجزة الحسية .
التاسع : ترشح المعجزات الحسية الكثيرة عن المعجزة العقلية المتحدة .
العاشر : قانون كل نبي له معجزة حسية ، وانفرد النبي صلى الله عليه وآله وسلم معها بالمعجزة العقلية .
بلوغ آيات القرآن الشام وطوائف اليهود ونصارى نجران
يحتمل بلوغ آيات القرآن إلى الشام وتجارها ، وديوان هرقل وقساوسته وجوهاً :
الأول : قبل هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة بواسطة التجار من قريش وعامة الركبان .
الثاني : بعد الهجرة النبوية إلى المدينة، ووقوع المعارك بين المسلمين والمشركين كمعركة بدر ، وأحد، والخندق ، إذ كانت أخبارها تصل إلى الأمصار والقبائل .
الثالث : بعد صلح الحديبية وبعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كتباَ للملوك منها كتاب إلى هرقل يدعوه فيه إلى الإسلام ، وأرسل هرقل إلى رهط من قريش كانوا في الشام منهم أبو سفيان لسؤالهم عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد تقدم ذكر الخبر .
الرابع : بلوغ كتاب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى هرقل من تبوك مع دحية بن خليفة الكلبي ( ).
والمختار هو الأول ، وهو من مصاديق قوله تعالى [لِإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ] ( )، ثم توالت أخبار الرسالة إلى الشام.
ومن أسرار إتصاف السور المكية بالقصر قلة كلمات الآية الواحدة ، والنص الجلي بالتخويف والوعيد من الشرك والجحود بالنبوة والتنزيل ، منه قوله تعالى [أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ *وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ *الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ *وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ] ( )وقوله تعالى [قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ*وَلاَ أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ * وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ] ( )،وقوله تعالى [وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ] ( ) وغيرها من الآيات والسور .
ومن إعجاز القرآن نقل الركبان لآياته داخل الجزيرة وخارجها طوعاً وقهراً وإنطباقاً ، ولا ينحصر هذا النقل بالمسلمين إنما يشمل أهل الكتاب والذين كفروا أيضاً .
وهناك نوع ملازمة بين نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وآيات القرآن من جهة البلاغ والإبلاغ ، وهذه الملازمة من الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، والشواهد على تفضيله ، فما أن يستحضر اسمه الشريف حتى تتبادر في الوجود الذهني آيات القرآن .
وهل كان المشركون يقومون بنشر أخبار نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودعوته للإسلام لتحريض النصارى واليهود والمجوس ودولهم عليه ، المختار نعم .
فلم يجدوا آذاناً صاغية ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ]( ).
لقد أدرك كفار قريش عجزهم عن الإجهاز على النبوة والتنزيل ،ورأوا كيف أن الإسلام آخذ بالإنتشار والإتساع ، فأرادوا تحريض الدول العظمى آنذاك عليه خاصة وأن هذه الدول لها ديانات عامة مثل النصرانية في الشام والحبشة ، والمجوسية في بلاد فارس وقد جمعهم قوله تعالى [غُلِبَتْ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ]( ).
لبيان معجزة حسية وعقلية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ودليلاً شرعياً غير لفظي على المدد الإلهي له بكف أيدي الدول العظمى عنه ، وعدم استجابتهم لطلبات قريش بمحاربته .
ولقد بلغت آيات القرآن الحبشة ، وبلاط ملكها في السنة السابعة من البعثة النبوية الشريفة بتلاوة جعفر الطيار ، وأصحابه سورة مريم وغيرها في حضرة النجاشي الذي لم ينكر مضامين الآيات .
وفيه معجزة غيرية للقرآن بأنه يذب عن نفسه وعن النبوة ويكون واقية لحملته باعجازه وبيانه ومضامينه القدسية ذات الصبغة السلمية ، وما فيها من البشارة والإنذار والإقرار بنبوة الأنبياء السابقين ، وعصمتهم وصبرهم على شدة الأذى الذي لاقوه من قومهم لزجر الناس عن إعانة قوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهم قريش في إيذائهم له.
وهو من إعجاز القرآن بصد الناس عن الإستجابة بالتحشيد وتحريض قريش ضد الرسالة السماوية الخالدة حتى إذا ما جاءت السنة التاسعة للهجرة النبوية ، وفي قيظ شديد خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم نحو تبوك (فِي ثَلَاثِينَ أَلْفًا مِنْ النّاسِ وَالْخَيْلُ عَشَرَةُ آلَافِ فَرَسٍ وَأَقَامَ بِهَا عِشْرِينَ لَيْلَةً يَقْصُرُ الصّلَاةَ وَهِرَقْلُ يَوْمَئِذٍ بِحِمْصٍ) ( ).
وصالح النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تبوك (يحنة بن رؤبة صاحب أيلة، فصالح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأعطاه الجزية، وأتاه أهل جرباء وأذرح فأعطوه الجزية.
وكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كتابا فهو عندهم.
فكتب ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة: بسم الله الرحمن الرحيم، هذه أمنة من الله ومحمد النبي رسول الله ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة سفنهم وسيارتهم في البر والبحر، لهم ذمة الله و محمد النبي ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثا فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وإنه طيب لمن أخذه من الناس، وأنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه ولا طريقا يردونه من بر أو بحر) ( ).
لبيان منافع خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى تبوك , منها عدم وقوع قتال مع الروم ، بالإضافة إلى قيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعقد صلح مع عدد من الرؤساء في طريقه إلى تبوك ، ودخول عدد منهم الإسلام ، وتنمية ملكة الصبر عند المسلمين ، وفيه تأكيد لقانون (لم يغز النبي (ص) أحداً ) كما سيأتي في جزء خاص بهذا القانون الذي صدرت بخصوصه الأجزاء (159-160-161-163-164-165-166-167-169-171-172-173-175-176-177-178-182-185-188-192-200-208-212-218-226-228-238) من هذا السِفر .
آيات يكتمون
لقد ورد لفظ [يَكْتُمُونَ] ست مرات في القرآن كلها في سور مكية :
الأولى : قوله تعالى [الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ]( ) .
الثانية : قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ]( ) .
الثالثة : قوله تعالى [وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ]( ) .
الرابعة : قوله تعالى [الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا]( ) .
الخامسة : قوله تعالى [يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوْا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمْ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا]( ) .
السادسة : قوله تعالى [وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ]( ) .
كما ورد بصيغة الفعل المضارع للمفرد [يَكْتُمُ] ( ) مرة واحدة .
ورد لفظ [يَكْتُمُونَ مَا] مرتين في القرآن إحداهما في سورة البقرة ، لبيان كثرة ما يخفي بعض من أهل الملل السابقة من التنزيل ومنه البشارة ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأحكام الحلال والحرام.
جاءت الآية بصيغة الجمع في [الَّذِينَ يَكْتُمُونَ] ( )، لتشمل الآية العلماء وغيرهم ممن بلغه التنزيل ، وصار حجة عليه ، فلا يختص الأمر بالعلماء من طوائف ومذاهب مخصوصة.
ومن إعجاز هذه الآية أنها نص واضح لا يقبل الترديد ، وإختلاف التأويل ، وتدل الآية على نزول الكتب السماوية قبل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنها لا تزال عند أهل الكتاب وغيرهم ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ] ( ).
وتدل الآية بالدلالة التضمنية على الوعيد ، وقد ورد عن أبي سعيد الخدري قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من كتم علماً مما ينفع الله به الناس في أمر الدين ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار) ( ).
ومن وجوه عبادة الناس لله عز وجل قانون توارث التنزيل من أيام هبوط آدم عليه السلام من الجنة إلى يوم القيامة ، وقانون المعجزة واقية من الإفتراء على الله.
الآية السابعة والعشرون : قوله تعالى تعالى [إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ] ( ) نسختها (فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ) ( ) وليس من نسخ في المقام ، إنما هي الرخصة مع بقاء حرمة الميتة والدم ولحم الخنزير .
لقد بينت الآية حرمة كل من :
الأول : الميتة من الحيوان .
الثاني : الدم ، أي الدم المسفوح ، وكان قوم من العرب يجعلون الدم في الأمعاء ثم يشوونها .
الثالث : لحم الخنزير وشحمه وأعضائه وأجزائه الأخرى .
الرابع : الحيوان الذي يهل عليه بغير اسم الله ، كما لو قال الذابح باسم اللات والعزى ، ويلحق به عدم ذكر اسم الله على الذبيحة عن عمد ، وبه قال مالك .
ولم تبين الآية سبب وموضوع الإضطرار مما يدل على إطلاقه ، وهو من السعة والمندوحة في الدين ، وهل ينحصر موضوع الإضطرار بالقيد في قوله تعالى [فَمَنْ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ] ( )، والمتجانف : المائل عن قصد إلى الإثم في بغيه وبلوغه حال الإضطرار .
وقد ورد البيان والتفسير في آيات أخرى كما في قوله تعالى [قُلْ لاَ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ] ( ).
وقوله تعالى في سورة [حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلاَمِ] ( ).
ليكون من إعجاز القرآن إباحة المحرمات مما يؤكل عند الضرورة ، وهذه الإباحة ليست مطلقة في باب الأطعمة وما يمكن أكله إنما هي مقيدة بالأصناف التي ذكرتها الآية من الميتة والدم ونحوه .
ولو تاه اثنان في الصحراء وانهكهما الجوع والعطش فلا يجوز لأحدهما قتل الآخر لأكل لحمه وإن أباح له قتله إنما هو الصبر والدعاء ورجاء فضل الله عز وجل.
وهو من مصاديق تولي الإنسان الخلافة في الأرض ، وتقديم سلامته وحفظه ودفع الموت جوعاً وعطشاً عنه ، باللجوء إلى المحرمات من الطعام ، والتي ليس فيها ضرر على غيره من الناس .
وقد حصرت هذه المحرمات ، وجاءت السنة النبوية بتحريم غيرها مثل لحوم الإنس ، وقيل أن السنة النبوية نسخت هذا الحصر ، وليس من نسخ في المقام إنما وسعت السنة النبوية هذا التحريم ومن غير أن تخرج عن ماهية المحرمات فكانت لها الحكومة ، كما مثلاً في حرمة لحم الكلب التي هي مثل حرمة الخنزير بل أشد منها .
وتبين الآية مسائل :
الأولى : غير المضطر لأكل الميتة والدم ولحم الخنزير ، وهم أغلب الناس ، وفي حال الحضر والإستقرار ، وهو من سعة رحمة الله.
الثانية : الذي يضطر لأكل الميتة أو الدم ولحم الخنزير في حال المجاعة أو في مفازة ونحوه لدفع شبح الموت جوعاً ، وهذا على أقسام:
الأول : المضطر غير الباغي أو المعتدي ، فلا اثم عليه في أكل الطعام المحرم ، إذا كان الأكل بمقدار الضرورة والحاجة ، وقدر ما يقيمه .
الثاني : المضطر الباغي على الإمام الخارج عن سبل الطاعة .
الثالث : الذي بلغ حال الإضطرار لأكل الميتة ونحوها بسبب تعديه ، مع تعدد معاني التعدي في المقام منها :
الأول : التعدي على أحكام الشريعة .
الثاني : تعدي الحلال إلى الحرام .
الثالث : التعدي في ساحة القتال ، قال تعالى [وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ]( ).
الرابع : التعدي في المعاملات ومطلقاً ، قال تعالى [تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ]( )، وليس في الآية نسخ ، إنما هو الإستثناء المقيد.
الآية الثامنة والعشرون : قوله تعالى [فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ] ( )، قال في ناسخ القرآن ومنسوخه : نسخها قوله تعالى [فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ]( ).
ولا دليل على النسخ للتباين الموضوعي ، ولو على نحو جهتي ، والنسبة بين موضوع الآيتين أعلاه هو العموم والخصوص المطلق ، فلا يختص موضوعها بتعيين جهة القبلة.
كما أن قوله تعالى [فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ] ورد ثلاث مرات في آيات متقاربة ، وهذا التعدد والتقارب من إعجاز القرآن وهي :
الأولى : قوله تعالى [قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ]( ).
الثانية : قوله تعالى [وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ]( ).
الثالثة : قوله تعالى [وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ]( ).
وليس فيها لفظ (وجه الله) الذي لم يرد في القرآن إلا مرة واحدة في الآية الخامسة عشرة بعد المائة من سورة البقرة والتي ورد الخطاب فيها بصيغة الجمع ، وهل هذا الحصر بورود هذا اللفظ مرة واحدة وبصيغة الجمع في الخطاب [فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا] شاهد على عدم نسخ الآية ، ودعوة سماوية للعلماء للقول بأن الآية غير منسوخة ، الجواب نعم.
وعلى فرض صحة هذا القول منا , فمضامين الآية تأديب للعلماء ، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (أدّبني ربّي فأحسن تأديبي)( ).
والحديث ضعيف سنداً ولكنه صحيح في موضوعه ، وهو فرع وبيان لآيات القرآن ، قال تعالى [وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ]( )، وعن الإمام علي عليه السلام (الخلق العظيم أدب القرآن)( ).
ولم يبلغ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هذه المرتبة السامية إلا بتاديب الله عز وجل له ومصاحبة الوحي له ، وقال تعالى [وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ]( )، وغيرها من الآيات .
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)( ).
وسئلت عائشة (عن خلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت : خلقه القرآن أدبه وأوامره)( ).
يحتمل الخطاب في الآية [فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا] المقصود من (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا) وجوهاً :
الأول : إرادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من المهاجرين والأنصار .
الثاني : المراد أجيال المسلمين المتعاقبة .
الثالث : المقصود الناس جميعاً ، وقد ورد لفظ [يَاأَيُّهَا النَّاسُ] عشرين مرة في القرآن منها قوله تعالى [يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّبًا وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ]( ).
والوجه الأخير هو المختار.
لبيان أن من معاني وجه الله كفايته للناس في الرزق والسلامة ، فالى أي جهة وبلدة يتوجه الناس يجدون الرزق ، ويصح الإستقبال مع التحير في تعيينها.
والأمن من عند الله لأن السموات والأرض ملك له سبحانه [فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ]( )، ومن الإعجاز مجئ هذه الآية في سورة يوسف للإعجاز في نجاته ثم توليه منصب الوزارة في مصر وهو الغريب عن أهل البلد في شخصه وملته ، وحديث عهد بالسجن الطويل في ذات البلد وهو مصر الذي يحمل ذات الاسم إلى يومنا هذا , ولكنه أخذ صبغة الإيمان العامة.
ليكون الإسلام ناسخاً للكفر في السلطنة والحكم من غير قتال يذكر في فتح مصر ، وانتماء الناس العقائدي لتنشطر وتتعدد البلدان وتصبح أضعاف ما كانت عليه ببركة الإسلام ، ويرفع فيها جميعاً الأذان خمس مرات في اليوم مستقبلين المسجد الحرام في الصلاة من غير تعارض بينها .
الإشراقات المقصودة في (وجه الله)
من إعجاز القرآن أنه كما ورد لفظ [وَجْهَ اللَّهِ] خمس مرات ورد (وجهه) ونسبة الضمير الهاء كما في قوله تعالى [وَلاَ تَطْرُدْ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنْ الظَّالِمِينَ]( ).
مع ورود لفظ (وجهه) في القرآن اثنتي عشرة مرة ، منها قوله تعالى [بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ]( ).
ومن تسليم الوجه لله عز وجل إدراك أن رحمة الله عز وجل معنا اينما كنا ، وان رحمته [قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ]( )، وجميع الأشياء حاضرة عنده سبحانه.
كما ورد لفظ [وَجْهُ رَبِّكَ] في القرآن مرة واحدة في قوله تعالى [وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ]( ).
وتوجه الخطاب في الآية أعلاه إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ويلحق به المسلمون والمسلمات والناس جميعاً ، وذكر الله خصوص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تشريفاً ولبيان معجزة وهي بقاء ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين الناس ومشاركته لهم ، ومشاركتهم له في خطاب القرآن , إلا ما ورد الدليل على الخصوص.
وفي أهل البيت عليهم السلام واطعامهم للأسرى وهم مشركون نزل قوله تعالى [إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُورًا]( ).
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام (في حديث طويل يذكر فيه سبب نزول سورة (هل أتى) في أصحاب الكساء عليهم السلام [وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ]( )، يقول : على شهوتهم للطعام وإيثارهم له ” مسكينا ” من مساكين المسلمين ” ويتيما ” من يتامى المسلمين ” واسيرا ” من اسارى المشركين، ويقولون إذا أطعموهم ” انما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا ” قال: والله ما قالوا هذا لهم، ولكنهم أضمروه في أنفسهم فأخبر الله باضمارهم، يقولون: لا نريد جزاء تكافؤننا به ولا شكورا تثنون علينا به، ولكنا إنما أطعمناكم لوجه الله وطلب ثوابه)( ).
ولماذا جاءت الآية بصيغة المضارع (يطعمون) ولم تقل (اطعموا الطعام) الجواب من جهات :
الأولى : بيان استدامة ملكة الإنفاق والإطعام في سبيل الله من قبل أصحاب الكساء وأهل البيت عليهم السلام .
الثانية : اتباع أهل البيت ذات النهج الكريم في الإيثار على النفس وكونها ملكة ثابتة عند أهل البيت .
الثالثة : دعوة الآية المسلمين والمسلمات للإقتداء بأهل البيت .
الرابعة : عدم وقوف أصحاب الكساء عن هذا الإنفاق فهم مستمرون على ذات النهج الكريم ، وهو من عمومات قوله تعالى [إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا]( ).
وقال الثعلبي (والوجه والجهة والوجهة : القبلة)( ) ، ولكن معناها متعدد من جهات :
الأولى : الموضوع .
الثانية : أحكام الآية التي ورد فيها أحد الألفاظ الثلاثة أعلاه .
الثالثة : التباين اللغوي والصرفي .
الرابعة : موضوعية إعراب الكلمة في ذات الآية .
الخامسة : لحاظ نظم ودلالة الآية ، وقد ورد لفظ وجه الله في القرآن ، وهو أعم من موضوع القبلة .
السادسة : سياق الآيات بخصوص ذات الآية التي ورد فيها لفظ (وجه أو جهة أو الوجهة).
والقرآن يفسر بعضه بعضاً , فمن معاني [فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ]( )، أمور :
الأول : اتخذوا الدعاء سلاحاً في أي جهة وطلب ومقصد وغاية ، وفي التنزيل [يُرِيدُونَ وَجْهَهُ]( )، قيل (أي يريدونه بالدعاء) ( )، والآية أعم موضوعاً ودلالة .
الثاني : أينما تولوا فاعلموا أن الأرض والسماء كلها ملك لله عز وجل ، وفي التنزيل وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
الثالث : عند تعذر تعيين القبلة في الصلاة يصح التوجه إلى أي جهة ، لأنها حالة عرضية طارئة نادراً ما تحدث بالسفر مثلاً وعدم رؤية الشمس والنجوم ، فيكون من مصاديق قاعدة نفي الحرج في الدين ، وقوله تعالى [يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ]( ).
عدم ثبوت نسخ آيات سلم
لقد ذكر في ناسخ القرآن ومنسوخه أن [قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا]( ) [ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ]( ) [وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ]( ) [وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ]( ) [قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ]( ) لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ( )، نسختها آية السيف)( ).
ولابد من التحقيق والإستقراء في كل آية على نحو مستقل لبيان هل هي منسوخة أو لا .
والمختار أن هذه الآيات رحمة وتخفيف , وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ) لبيان أن من مصاديق الرحمة في الآية أعلاه سلامة آيات السلم من النسخ والتبديل .
لقد حفظها الله عز وجل لأجيال المسلمين لينشروا شأبيب الرحمة ليكون من معاني الحفظ في قوله تعالى [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون]( )، وجوه :
الأول : حفظ آيات السلم في التنزيل .
الثاني : سلامة آيات السلم من النسخ .
الثالث : عدم ورود دليل نبوي على نسخ آيات السلم .
الرابع : عمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأحكام وسنن آيات السلم .
الخامس : تجلي منافع آيات السلم في المجتمعات , والإقتصاد وإزدهار التجارة وعمارة أسواق المسلمين وغيرهم .
واجتمعت أعلاه عدة آيات دفعة واحدة والتحقق فيها وفق تسلسل هذا الجزء على وجوه :
الآية التاسعة والعشرون( ): [قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا]( )، والآية كالجملة الخبرية إذ أنها في نظم آية جاءت بياناَ للميثاق الذي أخذه الله عز وجل على بني إسرائيل ، وتمام الآية [وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ] ( ).
ولم يرد لفظ (قولوا للناس) في القرآن إلا في الآية أعلاه التي هي ميثاق الله الذي أخذه على بني إسرائيل ، وهل يقبل الميثاق النسخ ، الجواب لا ، ترى أي من أنبياء بني اسرائيل أخذ الله عليهم الميثاق ، وأخذه على بني اسرائيل.
المختار تعدد الميثاق بواسطة عدد من الأنبياء وهو من وجوه تفضيل بني اسرائيل.
وفي سفر اللاويين (26:42 اذكر ميثاقي مع يعقوب و اذكر أيضا ميثاقي مع اسحق و ميثاقي مع ابراهيم)( ).
وهل انتقلت مضامين هذا الميثاق للمسلمين ورثة الأنبياء ، المختار نعم من غير أن يتعارض مع تعاهد بني إسرائيل لشطر منها ، ومضامين الميثاق التي تذكرها هذه الآية هي :
الأول : التوحيد ، وعدم الشرك بالله لقوله تعالى [لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ]( ).
ويلتقي المسلمون وأهل الكتاب بالتوحيد ، وفي خطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى [قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ]( ).
لقد حمل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لواء التوحيد ودعا الناس جميعاً إليه ، وفي التنزيل [أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ]( ).
وفي كتاب العهد القديم (واذكر يا رب ميثاقك و اجعل الكلام في في وثبت مشورة قلبي ليثبت بيتك في قدسك ، فيعرف جميع الأمم انك انت الإله و ليس آخر سواك)( ).
وتقدير الآية : يابني إسرائيل قولوا للناس حسناً، وهو شعبة من ميثاق أخذه الله عز وجل على بني اسرائيل .
وتقديرها : يا أيها الذين آمنوا قولوا للناس حسناً.
الثاني : الإحسان إلى الوالدين ، لبيان مجئ الرسالات السماوية السابقة ببر الوالدين والإحسان لهما واللطف بهما ، قال تعالى [وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ]( ).
بر الوالدين
لقد ورد لفظ (بالوالدين إحسانا) أربع مرات في القرآن , واحدة في ميثاق بني إسرائيل ، وثلاثة خاصة برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم منها خطاب من الله عز وجل له [وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا]( ).
لبيان إتحاد سنخية الميثاق الذي أخذه الله عز وجل على الأنبياء وأمم المؤمنين ، وورد ميثاق بني إسرائيل [وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا] أما الآية أعلاه فتضمنت التفصيل ووجوب بر الوالدين وعدم قول أفِ لأي منهما مما يدل بالأولوية القطعية على حرمة شتمهما أو إيذائهما أو إسماعهما كلمة تؤذيهما أو تسئ إليهما ، والتأفيف أدنى مراتب السوء .
ومن معاني [وَلاَ تَنْهَرْهُمَا] لا تزجرهما ، ولا تنفض يدك على والديك وساق الثعلبي حديثاً من غير اسناد قال (قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وآله : إن أبوي بلغا من الكبر أني أُوليهما ما وليا مني في الصغر فهل قضيتهما ، قال صلى الله عليه وآله : لا فإنهما كانا يفعلان لك وهما يحبان بقاءك وأنت تفعل وأنت تريد موتهما)( ).
ولا دليل على هذا المعنى ، ولا يرمي النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنه يريد موت أبويه من غير بينة ودليل أو وحي ، خاصة وأن المدار على عالم الفعل وبر الوالدين واقعاً وليس الكيفية النفسانية.
وقد وردت بعض الأخبار بأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يرجح بر الوالدين على الجهاد .
وعن (عبد الله بن عمرو بن العاص قال اقبل رجل إلى نبى الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال ابايعك على الهجرة أو الجهاد أبتغى الاجر من الله قال فهل من والديك احد حى ؟
قال نعم بل كلاهما قال فتبتغي الأجر من الله , قال نعم قال فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما)( ).
و(عن أبي أسيد وهو مالك بن ربيعة الساعدي، قال: بينما أنا جالس عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا جاءه رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله، هل بقي عليّ من برّ أبويّ شيء بعد موتهما أبرهما به؟
قال : نعم، خصال أربع: الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما، فهو الذي بقي عليك بعد موتهما من برهما)( ).
أفراد الميثاق الأخرى
والثالث من بنود الميثاق الإحسان لذي القربى , إذ أمرت آية الميثاق بني إسرائيل , بالإحسان إلى ذوي القربى.
فإن قلت حتى وإن كانوا مسلمين دخلوا الإسلام إبتداءَ أو ورثوه من آبائهم , الجواب نعم لأصالة الإطلاق , وبالمقابل فإن أم المؤمنين صفية بنت حي بن أخطب كانت تصل بعض ذوي قرباها من اليهود في المدينة حتى بعد انتقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى مما يدل على عدم خلو المدينة من اليهود .
الرابع : اللطف والرفق باليتامى , وورد الخطاب لبني إسرائيل مطلقاَ ويشمل الإحسان لعموم اليتامى سواء كانوا منهم أو من أهل ملة غيرهم.
الخامس : الرأفة بالمساكين ، وإعانتهم سواء من بني إسرائيل أو من غيرهم .
السادس : الكلام الحسن مع الناس ، وهل قوله تعالى [قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا]( )، مصاحب لأتباع الملل السماوية ، الجواب نعم .
والآية كناية عن حسن العشرة مع الناس المسلم واليهودي والنصراني والكافر .
والآية مقدمة لعدم إيذاء بني اسرائيل لعيسى وأمه عليهما السلام.
وهل هي دعوة لدخول الإسلام وعدم السخرية أو الإستهزاء بالتنزيل أو صحابة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، الجواب نعم , ترى ما هي النسبة بين مكارم الأخلاق والقول الحسن للناس , الجواب هو العموم والخصوص المطلق , فمكارم الأخلاق أعم لذا فإن الآية تدعو بني إسرائيل والمسلمين والناس جميعاَ إلى مكارم الأخلاق , وفي الثناء على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , قال تعالى [وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ] ( ).

وجوب الصلاة على الأمم السابقة
من أفراد ميثاق بني إسرائيل إقامة الصلاة ، قال تعالى [إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا]( )، وأول من أدى الصلاة هو آدم عليه السلام وحواء وتوارثها الأنبياء بالوحي والتنزيل فلم تكن هذه الوراثة على نحو القضية الشخصية ، كما في حال الملكية أو العادات والأخلاق والعرف ، إنما ينزل الأمر بالصلاة على النبي اللاحق مثلما نزل على النبي السابق.
ويكون الأمر إلى الأنبياء شاملاَ لأممهم وأتباعهم وأنصارهم ، لتقدم خلافة الإنسان في الأرض بالصلاة التي هي عنوان عبادة الناس لله عز وجل.
وقد جاءت الآية بصيغة الأمر العام إلى بني اسرائيل [وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ]( )، والآية إنحلالية ، وكل فرد من بني اسرائيل ذكراً أو أنثى يجب أن يقيم الصلاة لأن الأمر في المقام يدل على الوجوب ، ومع موضوعية الصلاة في ميزان الأعمال فقد تقدم عليهما الأمر بعبادة الله والإحسان إلى الوالدين وذوي القربى واليتامى والمساكين ، وأن يقولوا للناس ما هو حسن ومعاشرتهم باللطف والإحسان والتسامح والتراحم .
وتصديق بعثة الأنبياء اللاحقين لموسى عليه السلام ومنهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالأمر السماوي بالصلاة لأنه فرع العبادة ومرآة لها.
فتآخرها هنا لأن ذكر التوحيد والعبادة أول الآية دعوة للتقيد بها كما ورد الخطاب لبني اسرائيل في قوله تعالى [وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ]( ).
والنسبة بين الآيتين من جهة إقامة الصلاة العموم والخصوص المطلق ، إذ قيدت الآية أعلاه الصلاة بوجوب الركوع فيها ، والتقيد بصلاة الجماعة ، والمنع من إختصار الصلاة أو اسقاط بعض أركانها وواجباتها .
وفيه إشارة إلى اللحوق بالمسلمين في صلاتهم ، وأن الصلاة التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هي التي أمر بها الله عز وجل الأنبياء وأممهم ، مع تقييد إقامة الصلاة بأداء الزكاة.
ومن أركانها الركوع ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( )، ولم يرد لفظ الراكعين في القرآن إلا في الآية أعلاه ، كما أنه ورد مرة واحدة بصيغة الرفع في الثناء على المؤمنين بقوله تعالى [التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ]( ).
وورد خطاباً خاصاً بالوحي إلى الرسول موسى عليه السلام وأخيه النبي هارون وعامة بني إسرائيل في زمانهم والأزمنة اللاحقة بقوله تعالى [وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ]( ).
وجوب الصلاة على المسلمين
ورد قوله تعالى [َأَقِيمُوا الصَّلاَةَ] خطاباً للمسلمين في آيات متعددة منها [وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ]( )، وقوله تعالى [أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلاَ أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنْ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً]( ) ، ومنها [وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ]( ).
واقترن الأمر باقامة الصلاة بوجوب طاعة رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنه سبيل للرحمة ونزول البركة والعفو من عند الله عز وجل ، إذ قال تعالى [وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ]( )، وقوله تعالى [مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَلاَ تَكُونُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ]( )، وفي آية النجوى الناسخة بقوله تعالى [أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ]( ).
لبيان نسخ وسقوط الصدقة كمقدمة عند مناجاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولكن الصلاة بمقدماتها وشروطها لا تسقط أبداً عن أي فرد من المسلمين رجلاً أو امرأة.
واقترن الأمر بالصلاة مع قراءة ما تيسر من القرآن ، ومنه القراءة الواجبة في الصلاة ، قال تعالى [فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ]( ).
وهل أداء الصلاة اليومية من القرض مع الله أم أنها واجب والقدر المتيقن من القرض هو المستحب والإحسان إلى الناس ، المختار هو الأول .
قانون فرض الزكاة رحمة عامة
في خطابات آية الميثاق المتقدمة لبني إسرائيل( ) قوله تعالى [وَآتُوا الزَّكَاةَ] لبيان قانون التكافل الإجتماعي بين المؤمنين في كل الأزمنة ، وقد يقول بعض الأغنياء المسلمين هل فرض الزكاة علينا على نحو الخصوص.
فيأتي الجواب الإبتدائي من عند الله بأن الله عز وجل فرض الزكاة على الأمم السابقة أيضاً .
وليكون من وجوه تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وذكر القرآن جهات :
الأولى : تلقي الأمر الإلهي بدفع الزكاة لمستحقيها كما تلقاه الأنبياء السابقون .
الثانية : توثيق القرآن لأمر الله عز وجل للأنبياء وأمرهم بدفع الزكاة .
الثالثة : الإطلاق وعدم الإستثناء في دفع الزكاة لمن تجب عليه واجتمعت عنده شروطها.
الرابعة : تعاهد أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم إخراج الزكاة ، وحتى الذي ليس عنده نصاب يستلزم الزكاة فانه يدرك وجوبها ، ويؤمن بها ، ويرصد نفسه وحاله كل سنة هل تجب عليه أو لا .
الخامسة : تشريع زكاة الفطر وهي مبلغ زهيد يخرجه المسلم عن نفسه وعياله بمقدار صاع من الطعام عن كل فرد منهم أي نحو ثلاثة كيلو غرام ، قال تعالى [قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى]( )، ومن منافع زكاة الفطر مسائل :
الأولى : تذكير المسلمين والمسلمات بوجوب الزكاة .
الثانية : تحقق المصداق العام لقوله تعالى [وَآتُوا الزَّكَاةَ] والفوز الخاص والعام بثواب دفع الزكاة فلا يمر العام على المسلم إلا وقد دفع الزكاة ، قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ]( ).
الثالثة : صدق مسمى الغنى والسعة عند المسلمين .
الرابعة : الشهادة على التأريخ بأن المسلمين ورثة الأنبياء في إقامة الصلاة وإتيان الزكاة .
الخامسة : تنمية ملكة دفع الزكاة عند المسلمين.
السادسة : تجلي قانون اليسر والتسهيل في دفع الزكاة .
السابعة : قانون البركة والعوض على دفع الزكاة.
وتبين الآية قانوناً وهو تذكير القرآن لبني اسرائيل بميثاق الله عليهم باقامة الصلاة ، واتيان الزكاة في القرآن شاهد على أن القرآن [تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ] ( ).
وأختتمت الآية بقوله تعالى [ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ] ( )وهذه الخاتمة من إعجاز القرآن في بيان حال بني إسرائيل بالنسبة لإستحضار وجود أمة منهم يحفظون الميثاق ،ويقرون بفرائده التي وردت في هذه الآية الكريمة ،وأنها موافقة لبنود الميثاق الذي ورثوه عن أنبيائهم ، لبيان قانون تجديد الملل السماوية بالقرآن بالتذكير بأحكامها ، ولزوم عدم نسيانها أو الإعراض عنها .
وتتضمن خاتمة الآية في مفهومها الثناء على المسلمين لأنهم تعاهدوا بنود الميثاق الذي جاء بها الأنبياء ، فقد وردت مضامين هذه الآية بصيغة الوجوب على المسلمين في آيات متعددة ، كما أكّد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في سنته عليها .
قانون المنافع الآنية لنزول الآية القرآنية
في مقابل علم أسباب النزول نؤسس علماً هو المنافع الآنية لنزول الآية القرآنية ، فمن إعجاز القرآن حصول نتائج ومنافع متعددة للآية القرآنية حال نزولها ، وتتجلى فوائد هذا العلم من جهات :
الأولى : موضوعية الآية القرآنية في الوقائع والأحداث.
الثانية : تلاوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للآية القرآنية حال نزول جبرئيل بها .
الثالثة : من إعجاز الآية القرآنية دعوتها الناس للعمل بها ، وإجتناب ما تنهى عنه .
الرابعة : الصلة الموضوعية بين آيات القرآن ، ومنها التداخل بين آيات الأوامر والنواهي وآيات الوعد والوعيد ، والثواب والعقاب ، قال تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا]( ).
الخامسة : قانون فقاهة المسلمين بالمبادرة للعمل بالآية القرآنية.
وعن عبد الرحمن السلمي أن الصحابة الذين كانوا يعلمونهم القرآن إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وآله وسلم عشر آيات ، لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل ، قالوا : فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً .
وفيه شاهد بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يبين لأصحابه تفسير آيات القرآن وعلوماً مستقرأة من الآية القرآنية تكون مفاتيح بيد العلماء للنهل من خزائن القرآن.
السادسة : هل من المنافع الآنية لنزول الآية القرآنية تثبيت السلم في الأرض ، الجواب نعم ، فمن خصائص نزول الآية القرآنية بعث السكينة والطمأنينة في القلوب , وإشاعة مفاهيم الرأفة والتراحم بين الناس.
السابعة : إمتثال المسلمين والمسلمات للعمل بمضامين الآية القرآنية .
الثامنة : قيام المسلمين بنشر الآية القرآنية والإخبار عنها حال نزولها , خاصة وأن الصحابة يسألون كل يوم : هل نزل قرآن هذا اليوم , ومنهم من كان يلازم النبي صلى الله عليه وآله وسلم لساعات وهو يرجو رؤيته أثناء نزول الوحي والتنزيل عليه إذ كان يتصبب عرقاَ في اليوم شديد البرودة , قال تعالى [لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ] ( ).
إن إنشغال المسلمين بآيات القرآن نزولاَ وتدبراَ وتفسيراَ عنوان إرادتهم السلام وتعاهدهم للسلم .
التاسعة : تجلي مصداق حفظ القرآن وسلامته من التحريف والزيادة والنقيصة بتلاقف المسلمين للآية القرآنية حال نزولها , وجعلها موضوع اللقاء والإجتماع بينهم , فهي الإنس والصاحب المبارك .

مشاركة

Facebook
Twitter
Pinterest
LinkedIn

مواضيع ﺫات صلة