معالم الإيمان في تفسير القرآن – الجزء- 248

المقدمــــــة
الحمد لله السلام المؤمن المهيمن الذي اختص نفسه بالأسماء الحسنى ، ليكون نوره ضياء يملأ عالم الأكوان ، ويتجلى هذا الإختصاص بقوله تعالى [وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا] ( ).
ويصير كل اسم منها سبباً للرحمة العامة للناس ، وهل يمكن القول بقانون عدم استغناء الناس عن أسماء الله الحسنى ، الجواب نعم ، وهل يمكن السؤال بالمعنى الأخص ، وهو قانون حاجة الناس لكل اسم من أسماء الله الحسنى ، الجواب نعم لذا تفضل الله عز وجل وجعل هذه الأسماء في القرآن للإتنفاع الأمثل والعام منها ، ولبيان قانون إنتفاء الحاجب بين أسماء الله والناس جميعاً ، وهذا العموم لقوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ) .
وقال تعالى [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( ) ومن كل شئ ذكر الأسماء الحسنى في القرآن ، وبيان منافعها ،وحاجة الناس إليها ، ونزول الرحمة معها ، ومع ذكرها والإقرار بها الذي هو فرع التسليم بالربوبية المطلقة لله عز وجل .
الحمد لله الذي جعل الدنيا مزرعة للآخرة ، ومقيدة هي أيام الإنسان فيها ، ولكن الحصاد متباين في السنخية ، وفي الكيف والكم والمقدار ، وأنزل الله عز وجل القرآن لإكتناز الحسنات ، وجني ثواب الصالحات .
ومن خصائص الحياة الدنيا أن الله عز وجل لم يجعل بين الإنسان والعمل الصالح حواجز ، ولا تستطيع الخلائق وضعها على نحو السالبة الكلية ، إذ يجزي المؤمن عند الضرورة ذكر الله في الخلوات ،وفي نفسه ، وسرعان ما تنكشف الغمة .
ويبقى ثواب الصبر في مرضاة الله ، قال تعالى [إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ] ( ).
ومن لوازم السلم الصبر ، فمن يسعى في مسالك السلم يحتاج إلى الصبر منهاجاً وملكة ، وأفضل الصبر ما كان طاعة لله وطلباً لمرضاته ، قال تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ]( ).
وكما ورد في الحديث القدسي و(عن جابر : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : قال ربنا : الصيام جنة يستجن بها العبد من النار ، وهو لي وأنا أجزي به .
قال : سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول : الصيام جنة حصينة من النار) ( ).
ويختص هذا الجزء المبارك وهو الثامن والأربعون بعد المائتين من (معالم الإيمان في تفسير القرآن ) بقانون (آيات السلم محكمة غير منسوخة ) والذي صدرت بخصوصه تسعة أجزاء منه .
وقال أبو عبيدة ليس في كتاب الله آية جمعت الناسخ والمنسوخ غير قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ] ( )، ورد عليه الكرمي باضافة آية الزواني وهي [الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ]( ) وليس من نسخ ذاتي في كل من الآيتين ، فمن معاني نفي النسخ عن الآيات تعدد وجوه التفسير والتأويل .
إذ أن دعوى كثرة النسخ برزخ دون استخراج ذخائر من كنوز آيات القرآن .
وعن (الحكم بن عمير الثمالي وكانت له صحبة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنّ هذا القرآن صعب مستصعب عسير على من تركه ، يسير لمن تبعه وطلبه. وحديثي صعب مستصعب وهو الحكم .
فمن استمسك بحديثي وحفظه نجا مع القرآن. ومن تهاون بالقرآن وبحديثي خسر الدنيا والآخرة. وأمرتم أن تأخذوا بقولي وتكتنفوا أمري وتتبعوا سنتي .
فمن رضي بقولي فقد رضي بالقرآن ، ومن استهزأ بقولي فقد استهزأ بالقرآن. قال الله سبحانه وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا( ).
الحمد لله الذي جعل النبوة مقترنة بالدعوة للسلم ، وبعث الله عز وجل النبي محمداً لبناء صرح الصلح والأمن في الأرض إلى يوم القيامة لبقاء آيات القرآن سالمة من التحريف والزيادة والنقص ، وهو من أسباب قولنا بسلامة آيات السلم من النسخ ، وان كان هناك قول مشهور في علم التفسير أن آية السيف [فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ]( )، نسخت مائة وأربعاً وعشرين آية.
ومن إعجاز القرآن مجئ الوقائع والأحداث موافقة لآياته وما فيها من الأوامر والنواهي بما قضى على الوثنية وعادات الجاهلية من الثأر والإنتقام والغزو المتبادل والضغائن .
وأصلح القرآن المسلمين في صلات بعضهم ببعض بالنزول حسب الوقائع والأحداث ، كما في مناسبة تحريم الخمر ، إذ ورد عن (ابن عباس قال : إنما نزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار ، شربوا فلما أن ثمل القوم عبث بعضهم ببعض .
فلما أن صحوا جعل يرى الرجل منهم الأثر بوجهه وبرأسه ولحيته ، فيقول : صنع بي هذا أخي فلان .
وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن ، والله لو كان بي رؤوفاً ما صنع بي هذا ، حتى وقعت الضغائن في قلوبهم ، فأنزل الله هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر }( ) إلى قوله { فهل أنتم منتهون }( ) .
فقال ناس من المتكلفين : هي رجس ، وهي في بطن فلان قتل يوم بدر ، وفلان قتل يوم أحد ، فأنزل الله هذه الآية { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا }( ) الآية .
وأخرج ابن جرير عن بريدة قال بينما نحن قعود على شراب لنا ونحن نشرب الخمر جلاء ، إذ قمت حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فأسلم عليه وقد نزل تحريم الخمر { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر } إلى قوله { منتهون }( ).
فجئت إلى أصحابي فقرأتها عليهم ، قال : وبعض القوم شربته في يده قد شرب بعضاً وبقي بعض في الإناء ، فقال بالإناء تحت شفته العليا كما يفعل الحجام ، ثم صبوا ما في باطيتهم ، فقالوا : انتهينا ربنا)( ).
وهل من صلة بين آيات السلم وحرمة الخمر ، الجواب نعم ، لأن الخمر يفقد الإنسان عقله ويجعله يتبع الشهوات ، وتستحوذ عليه النفس الغضبية ، وقصر النظر ، لتكون حرمة الخمر في الإسلام سبيلاً إلى السلم المجتمعي ، وهو من الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، بقطع وتحريم مقدمات الإقتتال والفتن وسفك الدماء.
وتعضدت هذه الوقائع بصيرورتها أسباباً لنزول آيات كثيرة من القرآن لتوجيه جهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه في تثبيت قواعد السلم ومنها العدل.
فمن مستلزمات السلام العدل ، لذا نزل القرآن ببيان الأحكام والمواريث وخاطب الله عز وجل النبي محمداً بالحكم بين الناس بالعدل بما فيهم أهل الكتاب والكفار .
لتثبيت السلم والأمن في المجتمعات ، ونزع الأحقاد والضغائن من النفوس ، إذ قال تعالى [سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ]( ).
ويحتمل الخطاب في الآية أعلاه وجوهاً :
الأول : إنه خاص بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مثل قوله تعالى [قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ]( ).
الثاني : يشمل الخطاب العلماء والأمراء والقضاة المسلمين .
الثالث : يشمل الخطاب أيضاً العلماء من الملل الأخرى ، والأمراء والقضاة في الأصقاع والدول كافة .
المختار هو الأخير ، لبيان أن العدل بسيط غير مركب ، وهو وارد في الكتب السماوية السابقة.
لذا تضمنت الآية التي بعدها ذكر التوراة ونزول الأحكام فيها بالخطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقوله تعالى [وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ]( )، لتتجلى أمور :
الأول : قانون القرآن كتاب السلام والعدل .
الثاني : قانون مجئ القرآن بمستلزمات السلام ، ومنها العدل بين عامة الناس من غير ميل بسبب الولاء والدين والقربى .
الثالث : قانون سلامة آيات القرآن من التحريف ، وهي معجزة يومية متجددة إذ لا تحرز هذه السلامة إلا بفضل ولطف ومدد من عند الله ، لذا يثني الله عز وجل على نفسه بنسبة حفظ القرآن إليه وحده بقوله تعالى [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ]( ).
الرابع : قانون حضور آيات السلم في الوقائع والأحداث لتكون على جهات :
الأولى : قانون آيات السلم صارفة للفتن والحروب .
الثانية : قانون تلاوة آيات السلم مدرسة لأجيال المسلمين .
الثالثة : قانون آيات السلم لطف عام بين المسلمين وغيرهم .
الرابعة : قانون آيات السلم عنوان حب الله للمسلمين والناس جميعاً .
والخطابات الخاصة لفظاً في السلم تكون عامة في حكمها في كل زمان ، كما في قوله تعالى [قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ]( ).
ومن إعجاز القرآن الغيري أنه يدعو إلى السلم المجتمعي ، وينآى بنفسه وبالسنة النبوية عن العنف والإرهاب ، قال تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ).
وجاء هذا الجزء من تفسيري للقرآن وهو الثامن والأربعون بعد المائتين من (معالم الإيمان في تفسير القرآن ) في قانون ( آيات السلم محكمة غير منسوخة ) والذي صدرت بخصوصه الأجزاء (205-206-207-214-215-233-240-241-242).
الحمد لله الذي يجعل كلمات الثناء وعبارات الحمد تتزاحم على اللسان عند إرادة الشكر له سبحانه .
وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يسأل الله عز وجل أن يكون كثير الشكر له تعالى ، إذ ورد عن ابن (عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعو بهذا الدعاء :
رب أعني ولا تعن علي وانصرني ولا تنصر علي .
وامكر لي ولا تمكر علي.
واهدني ويسر الهدى لي وانصرني على من بغى علي .
رب اجعلني لك شكارا لك ذكارا لك رهابا لك .
مطواعا إليك محبا لك أواها منيبا .
رب تقبل توبتي واغسل حوبتي .
وثبت حجتي واهد قلبي .
وسدد لساني واسلل سقيمة قلبي)( ).
ومع قلة كلمات الدعاء أعلاه فانه يتضمن اثنين وعشرين سؤالاً وفيه مسائل :
الأولى : هذا الدعاء من جوامع الكلم.
الثانية : كل كلمة أو كلمتين دعاء في موضوع مستقل .
الثالثة : تأديب المسلمين على صيغ الدعاء والإجتهاد فيه .
الرابعة : خلو الدعاء من أمر القتال والحرب .
الخامسة : دلالة الدعاء على الإنشغال بطاعة الله ، وحسن التوكل عليه ، وتفويض الأمور إليه.
السادسة : لجوء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الله في صرف شر من بغى عليه .
ويحتمل سؤال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : وانصرني على من بغى علي :
الأول : العهد وخصوص السلامة وكفاية شخصه الكريم من عدوان الظالمين ، قال تعالى [أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ]( ).
الثاني : النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
الثالث : إرادة الأمة .
ولا تعارض بين هذه الوجوه ، وكلها من مصاديق الدعاء ، وفيها دلالة على قانون اتخاذ الأنبياء الدعاء سلاحاً لتثبيت السلم المجتمعي ، وشاهد على عصمة الأنبياء من البغي واعقبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بسؤال الله عز وجل لإعانته بأن يكون كثير الشكر له سبحانه بقوله (شكاراً لك ذكاراً لك).
والنسبة بين الذكر والشكر عموم وخصوص مطلق ، فالشكر فرع الذكر لله عز وجل لبيان إنصراف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن القتال ، والتمرين والإستعداد له .
ونسأل الله عز وجل أن يكون هذا السِفر وقراءته شكراً وذكراً لله عز وجل ، قال تعالى [وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ]( ).
وقد صدر الجزء السابق وهو السابع والأربعون بعد المائتين من هذا السِفر بقانون (علم الإحصاء القرآني غير متناه) ونبين هنا قانوناً وهو أسباب الشكر لله غير متناهية ، فمن وجوه (اشكروا لله ) :
الأول : لفظ (اشكروا) في القرآن إذ ورد في خمس آيات وهي :
الأولى : قوله تعالى [فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ]( ).
الثانية : قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ]( ).
الثالثة : قوله تعالى [فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ]( ).
الرابعة : قوله تعالى [إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ]( ).
الخامسة : قوله تعالى [لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ]( ).
الثاني : الشكر لله عز وجل في السنة القولية ، وبيان وتفسير النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للقرآن.
الثالث : الشكر لله في أدعية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الرابع : الشكر لله في السنة الفعلية .
الخامس : الشكر لله في أحاديث أهل البيت عليهم السلام والصحابة.
وقيدت هذه الآيات الشكر لله بعبادته تعالى ، لبيان قصد القربة في الشكر والتسليم بالربوبية المطلقة لله سبحانه لذا فرض الله على كل مسلم ومسلمة قراءة [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ]( )، سبع عشرة مرة في اليوم والليلة.
السادس : شكر العبد على النعم الخاصة به ، والتي هي مما لا يقدر على إحصائه إلا الله عز وجل ، ولكنه سبحانه يقبل القليل ويعطي الكثير.
فمن خصائص الشكر لله على النعم السابقة والحاضرة فهو باب للنعم اللاحقة ، القريبة والآجلة ، وعلى الذات والغير ، وهل الشكر لله سبب لهداية الناس وإشاعة الأمن ، والتنزه عن الإقتتال والحروب ، الجواب نعم ، وهو من مصاديق صبر ودعاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في ميادين المعارك حتى كفّ المشركون عن غزو المدينة وعن القتال عن ضعف منهم ، ورمي الله عز وجل لهم بالخيبة وكثرة القتلى ، قال تعالى [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ]( ) ( ).
وأيهما أكثر الذين قتلوا من المشركين في معاركهم مع الإسلام في بدر ، وأحد ، والخندق ، وحنين وغيرها أم الذين دخلوا الإسلام منهم على وجوه :
الأول : الذين دخلوا الإسلام منهم قبل صلح الحديبية.
الثاني : الذين دخلوا الإسلام منهم بعد صلح الحديبية وقبل فتح مكة ، وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا]( ) .
الثالث : الذين دخلوا الإسلام يوم فتح مكة .
الجواب كل فرد من هذه الوجوه هو أكثر من عدد الذين قتلوا من المشركين في معارك الإسلام الأولى.
فعندما خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مكة بعد فتحها في شهر شوال من السنة الثامنة للهجرة .
وقد تقدم في الجزء الرابع والستين بعد المائة من هذا السِفر والذي يختص بقانون ( لم يغز النبي (ص) أحداً ) إحصاء لعدد القتلى في معارك الإسلام أيام النبوة ، وعلى نحو التفصيل والتوثيق في باب جدول (جدول كتائب وسرايا أيام النبوة وعدد القتلى فيها).
وكانت النتيجة كالأتي ( ):
الأول : عدد الشهداء من المسلمين هو: 234
الثاني : عدد القتلى من المشركين هو: 212
الثالث : عدد القتلى من اليهود هو: 69
ويكون المجموع الكلي في ثلاث وعشرين سنة هو : 515 .
بينما خرج مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة إلى مكة يوم فتحها عشرة آلاف من الصحابة ، وتم الفتح من غير قتال ولا صلح إنما بمعجزة خاصة ، وأن الإسلام قد انتشر بين أهلها .
وفي تأخير فتحها فتنة وسفك كثير للدماء ، وليخرج مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من أهل مكة ألفان من مسلمي الفتح ، وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قد خرج من مكة قبلها بثمان سنوات خائفاً ليس معه إلا واحد من أصحابه ، قال تعالى [وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ]( ).
الحمد لله الذي جعل السنة النبوية القولية والفعلية مرآة لآيات القرآن ودليلاً على عصمة آيات السلم من النسخ ، وعلى حضورها في الوقائع أمس واليوم وغداً.
في أول سورة نزلت من القرآن [عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ]( )، فهل الذكاء الصناعي وعلومه الفريدة المتشعبة من هذا التعليم بعد إعتراف العلماء الذين أوجدوه بعجزهم عن السيطرة عليه ، الجواب نعم ، لتكون الآية أعلاه من آيات الإنذار العام في هذا الزمان.
هذا ما نبينه في الجزء التاسع والأربعين بعد المائتين من تفسيرنا للقرآن إن شاء الله.
علماً بأن التفسير في تأريخ الإسلام لا يتعدى عشرين أو ثلاثين جزء للقرآن كله.
وسيأتي في الجزء التالي وهو التاسع والأربعين بعد المائتين تفرق الصحابة في الأمصار معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وبفيض ولطف من الله عز وجل أقوم بكتابة وتصحيح ومراجعة أجزاء التفسير وكتبي الفقهية والأصولية والكلامية مع تدريس البحث الخارج في الحوزة العلمية والإجابة على الفتاوى التي تضاعفت أضعافاً بسبب الواتساب .
والفقيه يجب أن يكون عابراً للإختصاص فيكون عالماً في الفقه والأصول والتفسير والكلام وغيرها.
أجزاء هذا التفسير معروضة على موقعنا www.marjaiaa.com قال تعالى [فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ].

حرر في الثالث والعشرين من شهر شوال
من السنة 1444 هجرية
14/5/2023

تعريف معالم الإيمان لغة
معالم الدين : دلائله والواحد مَعلَم .
ومعالم الطريق العلامات والإشارات التي يستدل بها عليها .
(وفلان مَعْلَم للخير، أي مَظِنَّة له)( ).
و(عن ابن السكيت، قال: أنشد الفراء، وذكر أن الكسائي أنشده:
أقولُ لِصَاحِبَيَّ وقَدْ بَدَا لِي … مَعالِمُ منْهما وهما نَجِيَّا
قال الكسائي: أراد نَجِيَّان، فحذف النون. وقال الفراء: أي هما بموضع نَجْوَى، فنصب نجِيَّا على مذهب الصِّفة.)( ).
وفي حديث الإمام علي عليه السلام قال (ظَهَرَتْ مَعالِمُ الجَوْرِ وتُرِكَتْ مَحاجُّ السُّنَنِ) ( ).
ومن معالم الإيمان الدلائل التي يهتدى بها إلى الإيمان والأنوار العقلية والحسية والبراهين التي تنير سبل التقوى والصلاح ، وهي من مصاديق قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]( ).
ومن معالم الإيمان آثاره وما يترشح عنه لبيان الإعجاز في ذات الإيمان موضوعاً وحكماً ، فهو له دلائل وعلامات تشير إليه ، وحدود تبينه وآثار مترشحة عنه.
فالحياة الدنيا دار الإيمان وإقرار الناس بالعبودية لله عز وجل.
لذا تفضل سبحانه وجعل كل مسلم ومسلمة يتلو كل واحد منهم قوله تعالى [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ] ( )، سبع عشرة مرة في اليوم على نحو الوجوب العيني ، وتطرد هذه التلاوة مفاهيم الشرك عن الأرض ، إذ لا تختص منافعها بالمسلمين بل هي إعلان عقائدي متجدد يشع ضياؤه في أصقاع الأرض ، وتردده الجبال والتلال والسهول ، وتنقله الريح لينفذ إلى القلوب للترغيب بالإيمان ، وتذوق حلاوته النفوس .
وعن (علي بن الحسين زين العابدين قال : حدثنا أبي سيد شباب أهل الجنة قال : حدثنا أبي سيد الأوصياء قال : حدثنا محمّد سيد الأنبياء قال : الإيمان قول مقول وعمل معمول وعرفان بالعقول واتباع الرسول)( ).
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (الإيمان بضع وسبعون بابا فأعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) أخرجه الترمذي زاد مسلم والحياء شعبة من الإيمان وفي حديث علي عليه السلام أن الإيمان ليبدو لمظة بيضاء في القلب كلما ازداد الإيمان ازدادت اللمظة)( ).
واللمظة : النكتة والقدحة الجلية من البيان .
والمعالم خلاف المجاهل ، وذكر أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم خرج ذات يوم وهو محتضن الحسن أو الحسين (وهو يقول : واللّهِ إنّكُم لَتُجَبِّنُونَ وتُبَخِّلُونَ وتُجَهِّلُونَ وإنَّكُم لَمِنْ رَيْحانِ اللّهِ) ( ).
والريحان : الرزق الطيب ، لبيان أن الأولاد قد يجعلون الآباء يجبنون ويبخلون ، ويتخلفون عن طلب العلم والإجتهاد في السعي ، وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ]( ).
لبيان قانون آيات السلم رحمة بالآباء والأبناء بالسلامة من غياب الآباء أو قتلهم ويتم الأبناء ، وترمل النساء في الحروب ، فمنافع هذه الآيات عامة للمسلمين وأهل الكتاب والكفار ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ).
واستجهله : استخف به .
(قال النابِغَةُ الذُّبْيانيّ :
دَعاكَ الهَوَى واسْتَجْهَلَتْكَ المَنازِلُ
وكيف تَصابى المَرْءِ والشَّيبُ شامِلُ)( ).
واستجهلت الريح : الغصن حركته قهراً فاضطرب.
السلام من الأسماء الحسنى
الله عز وجل هو السلام ومنه السلام وإليه يرجع السلام ، وكل اسم من أسمائه سلام وآمن للخلائق.
وإذ يجري الكلام عن إعجاز القرآن وعلومه اللامتناهية فان الكلام عن بديع صنع الله من محاسن الدنيا ، فصفات الله عز وجل الذاتية التي لا تنفك عنه تعالى بأي حال من الأحوال ، فهي أزلية أبدية ، ومنها الحياة ، والعلم والقدرة ، والسمع والبصر ، والصفات الفعلية التي تتعلق بالإرادة والمشيئة ، قال تعالى [إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ]( ).
وتقسيم صفات الله عز وجل إلى الذاتية والفعلية تقسيم استقرائي من بعض العلماء ، واختلفوا في أفراده وخصائصه لعجز الخلائق عن بلوغ كنهه.
والواجب هو التسليم واليقين والتصديق باسماء الله وصفاته وأفعاله بما ورد في الكتاب والسنة ، وهذا التصديق تدبر وإرتقاء في المعرفة ومناسبة للدعاء ، ووسيلة للإستجابة .
لقد ورد لفظ (السلام) معرفاً بالألف واللام سبع مرات في القرآن ، منها مرة في أسماء الله الحسنى بقوله تعالى [السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ]( ).
كما ورد قوله تعالى [وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ]( )، لإفادة اتخاذ الإيمان والسلم طريقاً إلى الجنة ، وقد بشر الله عز وجل المؤمنين الذين يستحضرون واجباتهم العبادية ، ويحرصون على أدائها في أوقاتها بقوله تعالى [لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ]( ).
معالم الإيمان تثبيت للسلم
ليس من مخلوق إلا وهو يقر بالربوبية المطلقة لله عز وجل ، وأكرم الله عز وجل الإنسان وجعله [فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً]( ) ليعمرها بالذكر والتسبيح والعبادة في آية متجددة كل ساعة من بديع خلق الله عز وجل ، إذ تنبهر الملائكة من خلق وهيئة وعبادة الإنسان ، وتغليب المؤمن العقل على الشهوة ، وقهره النفس باقامتها في منازل الذكر .
ومن التحدي الجلي في القرآن إخبار الله عز وجل عن علة خلقه الإنسان ، قال تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ]( ) والعبادة مرآة الإيمان ، والشاهد عليه .
وأبى الله عز وجل أن تكون العبادة إلا بأمره من جهة كيفيتها ، وأوانها ، وأقسامها ، وأركانها ، وأجزائها ، ومراتب أفرادها ، وتتقدمها الصلاة في كل الملل السماوية ، ومن أيام أبينا عليه السلام ، والصلاة وكل فرد من مصاديق ومعالم الإيمان دعوة للسلم ، وتثبيت له في الأرض ، فالذي يصلي ويعبد الله يخشاه بالغيب ، ويمتنع عن الإضرار بغيره ، أو إيذائه .
والغزو والقتال وسفك الدماء أشد أنواع الضرر العام والخاص ، وللذات والغير.
وهل يختص النهي عن الفواحش بالصلاة في قوله تعالى [إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ] ( )، الجواب كل فعل عبادي ينهى عن الفحشاء وعن المنكر ولكن ذكرت الصلاة في الآية لوجوه :
الأول :قانون الصلاة هي العنوان الأظهر للعبادة .
الثاني : قانون الصلاة خشوع طوعي وقهري لله عز وجل .
الثالث : قانون الصلاة وقوف بين يدي الله عز وجل .
وفيه عزوف عن الخصومة والإقتتال .
ومن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم تلقيه تهديد ووعيد المشركين باقامة الصلاة ، فقد أكثر المشركون تهديد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالقتل ، وهو في مكة ، ولم ينقطع عن الصلاة في المسجد الحرام تلاوة وركوعاً وسجوداً مع الإتصال بالوافدين إلى البيت الحرام.
ولما هاجر صاروا يبعثون الرسائل الشفوية والتحريرية إلى الأنصار والمهاجرين بالتخويف والوعيد والحض على الإرتداد ، وعندما وقعت معركة بدر وسقط سبعون من المشركين فيها قتلى ، وأسر المسلمون سبعين آخرين ، اشتد غضب قريش ، فمنعوا النياحة على قتلاهم في معركة بدر ، وكأنه من الخزي الذي لحقهم بعد موتهم ،ومناسبة للتدبر في زهوق أرواحهم هباءً ، وهو من المصاديق العامة للنصر في قوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ] ( ).
وأعلنت قريش النفير في مكة وسخروا أموال قافلة أبي سفيان القادمة حديثاً من الشام لقتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وشراء الخيل والسيوف والدروع ، واستئجار رجال القبائل.
وأكثر المشركون من رسائل التهديد إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، وبعثوا من يغتاله في المدينة لتكون نجاته من كل محاولة ، وخطة لقتله معجزة حسية متعددة له .
ومن معالم الإيمان أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه كانوا يقابلون رسائل التهديد والوعيد بالإقبال على الصلاة ، وتلاوة آيات القرآن والتدبر في معانيها .
معالم السلام في [إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا]( )
لقد توجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأصحابه إلى مكة في شهر ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة ، وهو لا يريد قتالاً ، وتم صلح الحديبية يومئذ ، فوصفه الله سبحانه بأنه فتح مبين وجلي ودليل على أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم يبعث للقتال والحرب وأن منافع معجزاته في هداية الناس أكثر بكثير من القتال ، فقال تعالى [إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا]( ).
والآية أعلاه هي أول آية من السورة التي سميت باسمها (الفتح) ولم يرد لفظ (فتحنا لك) في القرآن إلا في آية البحث ، ومن معانيه توكيد قانون (الصلح فتح) وهو مناسبة عظيمة في تأريخ النبوة والإنسانية إذ أن رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم آخر الرسالات السماوية.
فيكون من معاني وتقدير الآية وجوه :
الأول : إنا فتحنا لك بالسلم والصلح فتحاً مبيناً .
الثاني : انا فتحنا لك ولامتك بالصلح فتحاً مبيناً.
الثالث : إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً من غير إراقة أو سفك دم.
الرابع : إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ولا يقدر عليه إلا الله عز وجل.
الخامس : إنا فتحنا لك بالموادعة مع المشركين فتحاً مبيناً.
السادس : إنا فتحنا لك وحدك من دون الناس فتحاً مبيناً.
السابع : إنا فتحنا لك بالصلح فتحاً مبيناً فاشكر الله على هذه النعمة العظيمة.
الثامن : إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً بالصلح والسلم لتثبيت أحكام الشريعة ومفاهيم الإيمان في الأرض.
التاسع : إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليعم السلام الأرض .
قانون التنزيل سلام
لقد أنعم الله عز وجل على الناس بنزول القرآن دستوراً للحياة، ومنهاجاً في العبادات والمعاملات ، وسنن الأحكام ، وقرّب الناس للعمل بأحكامه خاصة وأنها موافقة للفطرة الإنسانية .
وورد لفظ (هُدًى لِلنَّاسِ) ثلاث مرات في القرآن وهي :
الأولى : بخصوص القرآن في قوله تعالى [شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ] ( ) .
الثانية : بخصوص التوراة بقوله تعالى [قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ] ( ).
الثالثة : شخص التوراة والإنجيل بقوله تعالى [وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ] ( ). وتقدير الآية وأنزل التوراة على موسى ، والإنجيل على عيسى ، وأنزل القرآن عى الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم لبيان وجوه : الأول : قانون الملازمة بين التنزيل والهدى . الثاني : قانون الوحي هدى . الثالث : قانون التضاد بين التنزيل والحروب ، للتنافي بينهما وبين الهدى . الرابع : قانون تقريب التنزيل الناس للإيمان . الخامس : قانون جهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة وأهل البيت والمسلمين في تثبيت التنزيل في الأرض بالحجة والبرهان وهو فرع آيات السلم ، ودلالة على إحكامها. السادس : قانون التنزيل سلام . والنسبة بين التنزيل وآيات السلم عموم وخصوص مطلق ، ومن إعجاز القرآن تثبيت بعضه بعضاً رسماً ولفظاً وموضوعاً وحكماً ودلالة ، وفي التنزيل [اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ]( ). ومن معاني قانون القرآن معجزة عقلية تثبيته لقوانين السلم في الكتب السماوية . وذات دعوة الناس للتصديق بها سلام وأمن، وإنصراف عن الإقتتال . قانون السلم في السنة النبوية من الإعجاز في الإسلام أن السنة النبوية هي المصدر الثاني للشريعة الإسلامية ، وتأتي في المرتبة الثانية بعد القرآن في استنباط الأحكام الشرعية لأنها شعبة من الوحي إذ يبعث القرآن المسلمين على الصدور عن السنة النبوية ، قال تعالى [وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا]( ). والقرآن قطعي الثبوت قطعي الدلالة والحديث المتواتر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قطعي الصدور أي أنه يفيد القطع بصحة الخبر ، أما بالنسبة للدلالة فانه قد يكون قطعي الدلالة إذا كان نصاً ومعنى ظاهراً ، أو يكون ظني الدلالة إذا احتمل أكثر من معنى . والمراد من الحديث المتواتر هو الذي رواه جماعة عن جماعة لا يتواطئون على الكذب . أما أخبار الآحاد فهي ظنية الثبوت والصدور إذ لا يدل السند على القطع بصحته ، ولكنه قد يكون قطعي الدلالة أو ظني الدلالة ، والمشهور والمختار حجية خبر الواحد العدل . وقد ذكرت في مباحث علم الأصول الحجة فيه ، ومنها آيات قرآنية منها : الأولى : قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ]( ). الثانية : قوله تعالى [وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ]( ). الثالثة : قوله تعالى [فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ]( ). الرابعة : قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا]( ). الخامسة : قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ]( ). ويمكن تأليف مجلدات خاصة بعلم (السلم في السنة النبوية) من جهات : الأولى : التحقيق في الأحاديث النبوية حديثاً حديثاً ، وهل له صلة بالسلم والأمن . الثانية : مراجعة السنة الفعلية وموضوعية السلم فيها . الثالثة : قانون السلم في السنة التقريرية. الرابعة : قانون السلم في ثنايا السنة الدفاعية ، ويمكن استقراء عشرات المسائل التي تدل على قانون السلم في السنة النبوية من موضوع متحد( ). الخامسة : لحاظ السلم في السنة النبوية من جهة : الأول : المنطوق . الثاني : المفهوم ، وهو على وجهين : الأول : مفهوم الموافقة . الثاني : مفهوم المخالفة ، سواء على القول بحجيته أو لا ، لأن البحث خاص بموضوع معين . وقد تقدم في الجزء السابق وهو السابع والأربعون بعد المائتين باب (حجية مفهوم المخالفة). وعن عبد الله بن (عُمَرَ قَالَ :أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ بِبَعْضِ جَسَدِي فَقَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ وَاعْدُدْ نَفْسَكَ فِي الْمَوْتَى)( ). وفي قوله تعالى [إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ]( )، ورد عن الإمام علي عليه السلام (عَابِرُ السَّبِيلِ : المُسَافِرُ)( ). و(ابن عباس أيضا و ابن مسعود و عكرمة و النخعي : عابر سبيل الخاطر المجتاز)( ). السادسة : دلائل السلم في تفسير النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للقرآن . وقد استمر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في تفسير آيات القرآن إلى حين مغادرته الحياة الدنيا ، وليس في تفسيره المبارك ما يدل على نسخ آية من آيات السلم. آيات يسألونك قال تعالى [وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً]( ) . قال تعالى [وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا]( ). ورد لفظ (يسألونك) من سورة آل عمران، وبين الآية (217-222) خمس مرات . ولقد ورد لفظ (يسألونك) في القرآن خمس عشرة مرة , ومن الإعجاز فيه وجوه : الأول : كل آية من آيات (يسألونك) خطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم . الثاني : يتعقب يسألونك وبعد ذكر موضوع السؤال (قل) أي أن الجواب على أسئلة الناس للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من عند الله عز وجل ، وهو معجزة عقلية وحسية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم . ويمكن إضافته إلى مختصات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فنقول من مختصاته قانون الأسئلة التي توجه إلى الله عز وجل يجيب عنها الله عز وجل. فإن قلت ليس كل سؤال وجهه الناس إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكر في القرآن . والجواب هذا صحيح . الثالث : يمكن القول بأن آلاف الأسئلة وجهت إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم . فهل يمكن بأن الله عز وجل هو الذي يجيب عليها , الجواب نعم, وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا ينطق عن الْهَوَى]( ). صلة آيات [يَسْأَلُونَكَ] بقانون هذا الجزء ترى ما هي الصلة بين آيات [يَسْأَلُونَكَ] وقانون (آيات السلم محكمة غير منسوخة), وهل تدعو هذه الآيات إلى السلم , الجواب نعم من وجوه : الأول : لكل بلد رؤية . الثاني : دخول المدن المتقاربة في الحكم ، وعن الشيخ الطوسي كبغداد والبصرة حكمها واحد ، فاذا رؤي الهلال في بلد فانه يثبت في البلدات القريبه منه. الثالث : وحدة الأفق , فإذا ثبتت رؤية الهلال في بلد تثبت في البلدان الأخرى كلها, وعليه الجمهور , وهو على شعبتين : الأولى : أن يجتمع البلدان في جزء من الليل , فلو كان الهلال يرى في بلد , والبلد الآخر لا يلتقي معه في ساعة أو ساعات من الليل فلا تثبت الرؤية في البلد الآخر وبالعين المجردة , وهذا هو المختار . الثانية : وحدة الحكم مع اختلاف الآفاق والمطالع في عموم الأرض. الثالثة : ثم اضيفت وجوه ثلاثة لهذه الوجوه بلحاظ القول بالعين المسلحة والمنظار . فالذي يحكم بثبوت الهلال بوحدة الأفق ويقول بحجة النظر بالمنظار , لابد أن يشمل حكمه ورؤية الهلال في بلاد بعيدة بالمنظار فتثبت عنده الرؤية . قول الجمهور أما مباشرة عن رؤيا المذاهب أو عن فقهائهم وهو تعميم الرؤية , ووحدة الأعياد بغض النظر عن إختلاف المطامع وتباعد البلدان بطريقة الإلزام أي إلزام الأمصار التي لم تر الهلال بحكم الذين رأوه في بلاد أخرى لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن أغمى عليكم فعدوا ثلاثين ، فإن شهد ذو عدل فصوموا وافطروا وانسكوا. وأخرج الدارقطني عن أبي مسعود الأنصاري : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصبح صائماً لتمام الثلاثين من رمضان ، فجاء أعرابيان فشهدا أن لآ إله إلا الله وأنهما أهلاه بالأمس ، فأمرهم فأفطروا)( ). والقول لكل بل رؤيته خلاف الأغلبية والجمهور ، وحجة هذا القول هو صرف الحديث (صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته) من العموم إلى الخصوص وإرادة المخاطبين مما يدل على أن لكل بلد رؤيته ، وأيضاً حديث كريب عن ابن عباس . الرابع : وروى المدنيون عن مالك (وهو قول المغيرة وبن دينار وبن الماجشون أن الرؤية لا تلزم غير أهل البلد الذي وقعت فيه إلا أن يكون الإمام يحمل الناس على ذلك أما الاختلاف الأعمال والسلاطين فلا إلا في البلد الذي رأى فيه الهلال وفي عمله هذا بمعنى قولهم وروي عن ابن عباس أنه قال لكل قوم رؤيتهم)( ). ببيان موضوعية الإمام والحاكم الشرعي في الحكم برؤية الهلال في البلد عندما تثبت رؤيته في بلد آخر قريباً كان أو بعيداً . إن انشغال المسلمين وعلمائهم وحكامهم برؤية الهلال شاهد على صيغة السلم في الشريعة الإسلامية وتسخير الآيات الكونية في عبادة الله بشوق ورغبة وصدق ، وهو من مصاديق التقوى والخشية من الله عز وجل. كلمات الأحكام المراد من الأحكام هي التكليفية الخمسة ومعنى كل واحد منها ، والمراد من الأحكام العقائدية والفقهية والإجتماعية والأخلاقية ، ومع الإختلاف يراد منها آيات القرآن التي تبين الأحكام الفقهية ، ويدل عليها النص والإستنباط بالمنطوق والمفهوم . والنص والظاهر والمجمل وحجية الظاهر . والمفهوم على قسمين : الأول : مفهوم الموافقة . الثاني : مفهوم المخالفة واقسامه . وأختلف في عدد آيات الأحكام ، للإجتهاد في ضبطها ، وبيان علة إحتساب الآية من آيات الأحكام على أقوال . ونذهب إلى قول جديد ، وهو كلمات الأحكام وهو لا يتعارض مع آيات الأحكام والنسبة بينهما عموم وخصوص مطلق . ولابد من قراءة آيات القرآن آية آية . ومن آيات الأحكام الصلة بين آية قرآنية وأخرى . وأختلف في عدد آيات الأحكام على وجوه : الوجه الأول : تحديد عدد آيات الأحكام ، وهو على أقسام : الأول : وهي خمسمائة آية ، وهو المشهور . الثاني : مائتا آية . الثالث : مائة وخمسون آية . الوجه الثاني : كل آية من القرآن من آيات الأحكام لإمكان استنباط حكم شرعي منها . الوجه الثالث : استنباط الحكم الشرعي من الجمع بين آيتين وهو (الجمع الاستنباطي ). لإمكان استنباط الحكم الشرعي من آيات القرآن مثل استدلال الإمام الجواد، وجوابه على سؤال الخليفة المعتصم عن حد القطع في السرقة بقوله تعالى [وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا] ( ) وأن القطع عند أصول الأصابع ، ويبقى الكف لأنه من المساجد السبعة ، وعمل المعتصم بفتوى الإمام في الحال مع أن فقهاء آخرين قالوا في ذات المجلس بقطع اليد من المرفق . وهل تشمل آيات الأحكام الأحكام العامة أو الفقهية فقط ، الجواب هو الأول . وعن الإمام الباقر عليه السلام أن ربع آيات القرآن فرائض وأحكام ، وربع آيات القرآن أكثر من ألف وخمسمائة آية على فرض اعتماد عدد الآيات وليس بلحاظ الكلمات وعدد كلمات القرآن . ولعل المقصود هو الآيات التي تضمنت التصريح بالأحكام وعدم ذكر آيات الأمثال والقصص ونحوها لا يعني عدم دلالتها على الأحكام. وهل تدخل الخطابات الخاصة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في آيات الأحكام مثل قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا* نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا* أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا] ( ) ، الجواب نعم.
ومن خصائص صيغة الحصر تسهيل طلب العلم ودفع المشقة في طلب الإجتهاد ، والاستمرار في الاستنباط .
بعض كتب الأحكام كتبت حسب ترتيب سور القرآن من سورة الفاتحة إلى سورة الناس مثل أحكام القرآن للجصاص وأحكام القرآن لابن عربي .
ومنهم من اختار حسب ترتيب التأليف أو حسب الأبواب الفقهية حيث يقسم الفقه إلى :
الأول : العبادات.
الثاني : العقود .
الثالث : الإيقاعات .
الرابع : الأحكام والسياسات.
فتبدأ بالطهارة ، الصلاة ، الصوم ، الزكاة ، الحج ، الديون المكاسب الكفارات المتاجر ، النكاح ، والطلاق ، الأيمان ، النذور ، الكفارات ، المواريث .
وقد تضمنت رسالتي العملية (الحجة) والمسجلة بدار الكتب والوثائق في بغداد برقم 345 لسنة 2001 والحمد لله أي قبل اثنتين وعشرين سنة أحكام العبادات والمعاملات بخمسة أجزاء كما صدرت في (حجة النساء) مجلدين في ذات الموضوع.
وألف مقاتل بن سليمان (توفي سنة 150 هحرية) كتاب تفسير خاص بآيات الأحكام ، وجعلها خمسمائة آية من القرآن ، ويلاحظ أن هذا العدد مع المتكرر في الموضوع .
وآية [وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا]( ) من أمهات آيات الأحكام مع قلة كلماتها ،ولكن آيات كثيرة تدخل في آيات البيع ، وأخرى في حرمة الربا على نحو مستقل مثل [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] ( ).
ولا تنحصر آيات الأحكام بمقام الجعل والتشريع وإنشاء الحكم ، إنما تتعلق بقصص وتشريعات الأمم السابقة .
إحصاء كلمات الأحكام لأن الآية قد يكون أولها في حكم وأوسطها في حكم وآخرها في حكم .
وفي كلمات الأحكام في قوله تعالى [وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا]( ) ومن معاني أحكام متعددة منها :
الأول : وجود أمور في الدنيا حلال ، ولا تصل النوبة بأن مفهومها وجود حرام بل جاءت متتمة لها بقوله تعالى [وَحَرَّمَ الرِّبَا]( ) وأثبات شي لشئ لا يدل على نفيه عن غيره ،
الثاني : حلية البيع والشراء ، إذ ذكر البيع وحده في الآية ليدل بالدلالة التضمنية على الشراء ، ولا يتقوم عقد البيع إلا بطرفين .
ولكن لماذا ذكر البيع دون الشراء عند المقارنة بينه وبين الربا ، فيه مسائل :
الأولى : مشروعية البيع .
الثانية : لا يتم عقد البيع والشراء إلا بعد أن يعرض البائع سلعته.
الثالثة : يطلق البيع على البيع والشراء مجتمعين ، قال تعالى وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ.
ويعرف حينئذ بأنه مقابلة شئ بشئ ، أو سلعة بسلعة أو تمليك مال بمال .
الرابعة : إطلاق لفظ البيع على البيع والشراء متفرقين ، فقد يطلق أيضاً على الشراء ، كما في قوله تعالى [وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ] ( ) أي باعوه.
الخامسة : ترغيب الناس بالعمل والكسب ، قال تعالى [فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا]( ).
و(عن الزبير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم “لأن يأخذ أحدكم حبله فيذهب فيأتي بحزمة حطب على ظهره فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أشياءهم أعطوه أو منعوه)( ).
الثالث : ذكر القرآن لموضوع الربا وأخذ الفائدة على القرض.
الرابع : بيان حرمة الربا ونزول هذه الحرمة من عند الله عز وجل بقوله تعالى [وَحَرَّمَ الرِّبَا]( ).
كما بيّن القرآن التضاد بين الإيمان وبين أكل المال الربوي ، قال تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ) ( ).
والنسبة بين قوله تعالى [وَحَرَّمَ الرِّبَا] وبين أكل الربا في الآية أعلاه عموم وخصوص مطلق إذ يشمل قوله تعالى [وَحَرَّمَ الرِّبَا] أطرافه من آكل الربا وموكله والشاهد والكاتب ، كما يلزم ترك المقدمات التي تؤدي اليه ، لحرمة المقدمة لحرمة ذيها ، فقد يكون الذي يشترك في مقدمات الربا غير هؤلاء الأربعة .
ومن إعجاز الآية مجئ قوله تعالى [وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا]( )، رداً على مشركي قريش إذ ورد في ذات الآية [قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا]( )، ثم جاءت الآية التي بعدها بصيغة الإنذار والوعيد [يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ]( )، لبيان أن حرمة الربا لقبحه الذاتي ، والضرر الذي يجلبه على الذات والغير.
وهل هذه الآيات من آيات السلم
أمور حرمها الله مثل الربا فلابد من تتبع آيات القرآن فيما حلل وحرم ، قال تعالى [مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ] ( ) .
قانون الحكمة نور
الحكمة مشتقة من الجذر (الحكم ) ومن معانيه المنع والتقييد ، ويسمى اللجام الذي يوضع في فم الفرس والدابة (حكمة ) لأنه يمنعها من الجري السريع براكبها.
و(أحكم الشيء فاستحكم. وحكم الفرس وأحكمه: وضع عليه الحكمة، وفرس محكومة ومحكمة. قال زهير :
(القائد الخيل منكوبا دوابرها
قد أحكمت حكمات القد والأبقا)( ).
والقد : الجلد ، والأبق ، القنب : نبات ينتج ليفاً غليظاً تصنع منه الحبال.
والحكمة في الإصطلاح الصواب في المنطق ،وإحكام الفعل المقرون بالتدبر ونفاذ البصيرة .
و(عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : إن من الشعر حكماً ، وإن من البيان سحراً) ( ).
ويتجلى الإعجاز في هذا القول الذي هو من جوامع الكلم ، وفرع الوحي ، إذ قيد النبي صلى الله عليه وآله وسلم الشعر الحسن، والبيان البديع بالتبعيض بتكرار حرف الجر (من).
والحكمة على وجوه :
الأول : قانون الحكمة ضياء لإنارة دروب الهداية .
الثاني : قانون الحكمة واقية من إرتكاب المعاصي ، وهل إمتناع يوسف عليه السلام عن المعصية والفاقة في قوله تعالى [وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ] ( ).
الجواب نعم ، ليجتمع الوحي والعصمة والحكمة في إمتناع النبي عن الفاحشة ، وحينما تغيب العصمة عن غيره من الناس تبقى الحكمة .
والنسبة بين الحكمة والعمل بمضامين آيات السلم عموم وخصوص مطلق ، فالحكمة أعم.
الثالث : لقد فاز المسلمون بقانون حضور آيات القرآن في الوجود الذهني وهو من الحكمة ، وواقية من الفحشاء والمعاصي ، قال تعالى [وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا] ( ) ، وقال تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] ( ).
ولم يرد لفظ [اقْصِدْ][ مَشْيِكَ][ اغْضُضْ] إلا في الآية أعلاه ، وفيه إكرام للقمان ، وتأكيد لقانون لزوم تأديب الآباء لأبنائهم وإصلاحهم للحكمة ، وهو من حق الابن على أبيه ، وحق المجتمع عليهما.
وورد لفظ [الْأَصْوَاتِ] مرتين في القرآن احداهما في الآية أعلاه ، والأخرى بقوله تعالى [يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا] ( ) .
وعن الإمام الباقر عليه السلام (قال: إذا كان يوم القيامة جمع الله الناس في صعيد واحد فهم حفاة عراة فيوقفون في المحشر حتى يعرقوا عرقا شديدا.
فتشتد أنفاسهم فيمكثون في ذلك مقدار خمسين عاما وهو قول الله : وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا ( )” قال: ثم ينادي مناد من تلقاء العرش: أين النبي الأمي .
فيقول الناس: قد أسمعت فسم باسمه، فينادي: أين نبي الرحمة محمد بن عبد الله الأمي صلى الله عليه وآله .
فيتقدم رسول الله صلى الله عليه وآله أمام الناس كلهم حتى ينتهي إلى حوض طوله ما بين أيلة إلى صنعاء فيقف عليه) ( ).
وأيلة مدينة في رأس الخليج وتسمى في هذا الزمان إيلات ، قال تعالى [وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ]( ).
لبيان أن الدنيا دار عمل والآخرة دار جزاء لا ينفع معها إلا العمل الصالح ، والآخرة دار جزاء لا ينفع معها علو الصوت في الدنيا إلا من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر.
صلة آية [اقْرَأْ] سلام متجدد
لقد بدأت نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالرؤيا، فلا يرى رؤيا إلا وتأتي كفلق الصبح ، والنسبة بينها وبين الرؤيا الصادقة عموم وخصوص مطلق ، فالرؤيا الصادقة أعم ، ويمكن أن نطلق عليها اسم رؤيا النبوة ، أي أن النبي محمداً يلتقي مع الناس بالرؤيا الصادقة وأضغاث الأحلام ، ولكنه يمتاز عليهم برؤيا النبوة وهل كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعلم بهذا المائز ، الجواب نعم ، وهو مقدمة للوحي في اليقظة .
و(عن ابن عباس قال : أول شيء أنزل من القرآن خمس آيات [اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ]( ) إلى قوله {ما لم يعلم})( ).
ووردت رواية عن ابن عباس تدل على أن هذه السورة نزلت بعد تشريع الصلاة، إذ ورد عن ابن عباس (قال : قال أبو جهل : لئن عاد محمد يصلي عند المقام لأقتلنه ، فأنزل الله [اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ]( )، حتى بلغ هذه الآية [لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ * فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ]( ).
فجاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي فقيل لأبي جهل : ما يمنعك .
فقال : قد اسودّ ما بيني وبينه .
قال ابن عباس : والله لو تحرك لأخذته الملائكة والناس ينظرون إليه)( ).
والصحيح هوالأول ، إنما قرأ هذه السورة ، وسورة القلم تحدياً لأبي جهل ونظرائه ولصرف شرهم ، إذ ورد (عن العباس بن عبد المطلب قال : كنت يوماً في المسجد فأقبل أبو جهل فقال : إن لله عليّ إن رأيت محمداً ساجداً أن أطأ على رقبته .
فخرجت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، حتى دخلت عليه ، فأخبرته بقول أبي جهل .
فخرج غضبان حتى جاء المسجد ، فعجل أن يدخل الباب فاقتحم الحائط .
فقلت هذا يوم شرّ فاتزرت ثم تبعته ، فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ [اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ]( ) فلما بلغ شأن أبي جهل { كلا إن الإِنسان ليطغى } قال إنسان لأبي جهل : يا أبا الحكم هذا محمد .
فقال أبو جهل : ألا ترون ما أرى؟
والله لقد سد أفق السماء عليّ .
فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آخر السورة سجد)( ).
و(عن عبد الله بن شداد قال : أتى جبريل محمداً صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا محمد اقرأ .
قال : وما أقرأ؟
فضمه ، ثم قال يا محمد : اقرأ؟
قال : وما أقرأ؟
قال : [اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ]( ) حتى بلغ { ما لم يعلم } فجاء إلى خديجة فقال : يا خديجة ما أراه إلا قد عرض لي .
قالت : كلا والله ما كان ربك يفعل ذلك بك ، وما أتيت فاحشة قط . فأتت خديجة ورقة ، فأخبرته الخبر .
قال : لئن كنت صادقة إن زوجك لنبي ، وليلقين من أمته شدة ، ولئن أدركته لأؤمنن به .
قال : ثم أبطأ عليه جبريل فقالت خديجة : ما أرى ربك إلا قد قلاك . فأنزل الله { والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى })( ).
ومن إعجاز القرآن بداية تنزيله بـ [اقْرَأْ] والنبي محمد أمي لا يحسن الكتابة للدلالة على أن الأصل في القراءة هي الحفظ والقراءة الشفوية ، وفيه مسائل :
الأولى : قانون وظيفة كل مسلم القراءة النافعة .
الثانية : قانون تقييد القراءة بأنها القراءة الإيمانية لوصف الآية لها [بِاسْمِ رَبِّكَ] .
الثالثة : أول آية من القرآن نزولاً دعوة سماوية لقراءة القرآن في الصلاة.
الرابعة : تدل كلمة [اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ] على الوعد من عند الله بسلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من القتل إلى أن يتم نزول آيات وسور القرآن .
الخامسة : الأمر بالقراءة تنزيه عن طلب الحرب والقتال .
السادس : تأديب المسلمين بأن الحجة والبرهان والتبليغ هي وظائف النبوة ، ووسيلة جذب الناس إلى مقامات الهدى .
السابعة : لقد تغنى العرب بالسيف ، وكثرت عندهم اسماؤه ، وقال أبو تمام حبيب بن أوس الطائي في مطلع قصيدة له :
(السيف أصدق أنباءً من الكتب
في حده الحد بين الجد واللعب)( )( ).
وقال المتنبي :
(حتى رجعت وأقلامي قوائل لي … المجد للسيف ليس المجد للقلم
أكتب بها أبداً قبل الكتاب بنا … فإنما نحن للأسياف كالخدم)( ).
ولا أصل لهذا القول ، ولقد جاء القرآن بالقراءة التي هي عنوان العلم والإرتقاء في سلم المعرفة الإلهية .
الإبتداء بذكر الربوبية المطلقة لله
ذكر الحمد لله بصفته رب العالمين باسم الرب ، وهو من أمهات الأسماء الحسنى ، وفيه وجوه :
الأول : ورد بسم الله في البسملة .
الثاني : تأديب المسلمين على أن الله عز وجل هو رب العالمين .
الثالث : التوبيخ والتبكيت للمشركين لعبادتهم الأوثان .
لقد أظهر مشركو قريش الإنكار والتعجب والإستغراب لدعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى إله واحد هو الله ، وفي التنزيل [وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ]( ).
لقد قالت قريش أن إلهاً واحداً لا يكفينا في حوائجنا الكثيرة في الحضر والسفر ، فنزلت أول آية من القرآن لعصمة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من مفاهيم الشرك ، إذ أنها تخبر عن قانون من الإرادة التكوينية ، وهو ليس من إله إلا الله عز وجل.
الرابع : قانون قراءة القرآن خير محض ونعمة من عند الله عز وجل .
الخامس : تنمية ملكة الإعجاز ، وذكر الله عند المسلمين .
السادس : قانون قراءة القرآن فقاهة ، فلا يذكر المسلمون الله إلا ويقرون بأنه رب العالمين .
لقد أراد الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين الإنقطاع إلى العبادة بلحاظ أن القراءة باسم الله مرآة لها ، وهي جزء من العبادة الواجبة ، كما في قراءة القرآن في كل ركعة من الصلاة اليومية ، لذا فان الآية صرف للمسلمين عن القتال والغزو والحروب .
ولبيان وجوب عبادة الله وحده بالكيفية التي يريدها ، ويدل على التقييد بهذه الكيفية الأمر بالقراءة باسم الله وحده ، ومن معاني الآية وفق القياس الإقتراني :
الكبرى : وجوب عبادة خالق كل شئ .
الصغرى : الله خالق كل شئ .
النتيجة : وجوب عبادة الله .
و(عن ابن عباس قال : كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي ، فجاء أبو جهل فقال : ألم أنهك عن هذا ، ألم أنهك عن هذا .
فانصرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم فزبره ، فقال أبو جهل : إنك لتعلم ما بها رجل أكثر نادياً مني ، فأنزل الله [فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ]( )، قال ابن عباس : والله لو دعا ناديه لأخذته زبانية الله)( ).
قانون الجمع بين البسملة وآيات القرآن سلام وأمان
مع أن آية البسملة بذاتها دعوة للسلم فان علوماً متعددة تستقرأ من صلتها بآيات القرآن الأخرى ، وهو من الإعجاز في جعلها أول آية في نظم القرآن ، وبداية لكل سورة من القرآن عدا سورة براءة (التوبة).
ويمكن القول بقانون موضوعية البسملة في معاني ودلالات كل آية من آيات القرآن ومنها قانون الجمع بين البسملة وكل آية من القرآن دعوة للسلم ، وشاهد متجدد على قانون القرآن كتاب السلم وفيه حجة بأن مفاهيم وقوانين السلم التي في القرآن لم تستنبط بعد.
وأذكر هنا من باب المثال طائفة من المعاني والمفاهيم والقوانين المستنبطة من الصلة بين آية البسملة وآية [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ]( )، وفيه وجوه :
الأول : الحمد لله الذي جعلنا نستفتح باسمه وذكره.
الثاني : من رحمة الله شكرنا وحمدنا لله .
الثالث : الحمد لله الذي أنزل كنز بسم الله الرحمن الرحيم على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع : الحمد لله الذي جعل البسملة مفتاح الذكر.
الخامس : الحمد لله الذي جعل البسملة سبيل هداية ، ورشاد وتوفيق .
السادس : الحمد لله الرحمن الرحيم .
السابع : بسم الله رب العالمين .
الثامن : الحمد لله الذي ابتدأ القرآن بالأسماء الحسنى وهي :
أولاً : اسم الجلالة وهو مكرر في البسملة ، وآية الحمد لله.
ثانياً : الرحمن :
ثالثاً : الرحيم .
الرابع : رب العالمين .
ومن معاني الجمع بين البسملة والحمد لله رب العالمين أمور :
الأول : قانون الشهادة بأن القرآن كتاب السلم والسلام والعبادة.
الثاني : بعث السكينة في نفوس المسلمين .
الثالث : كل من البسملة والحمد لله مانع من غلبة النفس الغضبية.
الرابع : تنمية ملكة حب الله في نفوس المسلمين .
الخامس : قانون الحاجة إلى رحمة الله والثناء المتصل عليه سبحانه ، قال تعالى [لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ]( ).
قانون القرآن كتاب السلم
لقد خلق الله عز وجل الأرض وأجرى فيها الأنهار وعمرها بمعيشة الناس في أصقاعها وأقطارها رحمة عظمى منه تعالى لترى الخلائق ومنهم الناس بديع خلقه فينقطعون لعبادته وهو غني عنها ، ولكن هذه العبادة نفع وخير محض لذات العابد وغيره ، سواء كان شخصاً أو طائفة أو أمة.
لقد تفضل الله عز وجل بإنزال الكتب السماوية وهذا التنزيل من مصاديق رحمته بالناس عامة ، والمؤمنين خاصة ، فلابد أن يكون هذا التنزيل سلماً وأمناً ، وفي التنزيل [وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ]( ).
ويتجلى معنى الآية من جهات :
الأولى : دلالة المنطوق .
الثانية : مفهوم الموافقة .
الثالثة : مفهوم المخالفة.
ولا تنحصر معاني السلم في القرآن بآيات السلم وحدها بل لابد من تتبع آيات القرآن آية آية .
ليشمل موضوعها ودلالاتها السلم من وجوه :
الأول : النص على السلم .
الثاني : قانون الحض على السلم .
الثالث : قانون إجتناب القتال والغزو .
الرابع : قانون الإكتفاء بالتبليغ ولغة الإحتجاج .
الخامس : قانون إتصاف النبوة والتنزيل بصبغة السلم.
ويبدأ نظم القرآن بآية البسملة من سورة الفاتحة ، فهل هي من آيات السلم ، الجواب نعم ، وهي من آيات الأمن.
والنطق بها دعوة للموادعة والتراحم.
ويمكن استقراء مفاهيم السلم والدعوة إليه في الصلة بين آيتين من القرآن ، فعلم الصلة هذا لم تفتح ذخائره بعد ، وهل يمكن أن ينتفع من الذكاء الاصطناعي في المقام في علوم القرآن مطلقاً مستقبلاً ، الجواب نعم ، قال تعالى [عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ]( ).
آيات [الَّذِينَ مَعَهُ] في السلم
لم يرد لفظ الصحابة في القرآن ، ولكن وردت آيات تدل عليه مثل [مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ]( ).
وقد ورد لفظ (الذين معه) أربع مرات في القرآن وهي :
الأولى : بخصوص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وهي الآية أعلاه .
الثانية : بخصوص نوح عليه السلام بقوله تعالى [فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ]( ).
الثالثة : في النبي هود وأصحابه ، والأذى الذي لاقاه من قومه ، قال تعالى [فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ]( ).
الرابعة : بيان أن إبراهيم عليه السلام لم يكن وحده في جهاده في سبيل الله ، إنما كان معه صحابة اختاروا طريق الإحتجاج ، قال تعالى [قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا]( ).
والجامع المشترك بين هذه الآيات أن هؤلاء الرسل يدعون إلى الله عز وجل بالسلم وإقامة الحجة والبرهان على وجوب عبادة الله ونبذ الأوثان.
وكل من نوح وهود وإبراهيم من كبار الرسل ، ولم يتخذ أحدهم السيف وسيلة في الدعوة إلى الله.
وهل يصح للإستدلال على أن آيات السلم محكمة غير منسوخة ، الجواب نعم.
وهو ليس من الإستصحاب القهقري الذي لا يصح في علم الأصول والذي معناه استصحاب اليقين الحاضر في الشك السابق.
إنما تبين سيرة الرسل إتحاد سنخية منهج الأنبياء ، فلذا قال تعالى [رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ]( ).
أقسام الصلح
قال تعالى [إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ]( ).
وأقوم اسم تفضيل ، ولو دار الأمر بين السلم والحرب فأيهما الأحسن والأقوم بالذات والغايات ، الجواب هو السلم لبيان قانون هداية القرآن الناس للسلم والصلح.
وقد تفضل الله عز وجل وسمّى صلح الحديبية فتحاً ، قال تعالى [إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا]( ).
ومن غايات هذه التسمية تحبيب الصلح والموادعة إلى المسلمين ، والمنع من المناجاة بالقتال والإصرار عليه ، وعلى استدامته.
ومن خصائص الصلح أنه على أقسام :
الأول : الصلح حائل دون القتال ومانع منه ويمكن تسميته الصلح الإبتدائي.
الثاني : يوقف الصلح القتال ويمنع من استدامته ويمكن تسميته صلح القطع أي قطع القتال ، وهل لمعجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم موضوعية في الصلح ، وتعدده ، الجواب نعم .
الثالث : الصلح الجامع للتسمية أعلاه ومنه صلح الحديبية إذ أنه منع من تجدد المعارك بين المسلمين والمشركين ، وقطع حال الحرب بالعقد بينهم لعشر سنوات.
ويوم الحديبية قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم للإمام علي في شروط الصلح (اكتب : هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو، اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيهن الناس ويكف بعضهم عن بعض، على أنه من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه رده عليهم .
ومن جاء قريشا ممن مع محمد لم يردوه عليه، وأن بيننا عيبة مكفوفة، وأنه لا إسلال ولا إغلال، وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه)( ).
والمكفوفة أي المطوية فلا تثار العصبية والثأر والأحقاد ، والإسلال : السرقة الخفية ، والإغلال : الخيانة ، ليدل قوله تعالى [وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ]( ).
على أن دخول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مكة يوم الفتح ليس غلاً ولا غدراً إنما هو حق بعد أن نقضت قريش الصلح باعانتها لبني بكر ضد خزاعة ، ولأن الأصل هو ولاية النبي محمد والمؤمنين للبيت الحرام ، وكأن المشركين كانوا غاصبين لهذه الولاية ، كما أنهم يعملون بخلافها ، قال تعالى [وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ]( ).
ومن الآيات أن النبي محمداً لم يبق عشر سنوات بعد صلح الحديبية ، إذ انتقل إلى الرفيق الأعلى بعده بخمس سنوات ، لبيان الحاجة إلى فتح مكة في أيام حياته .
قانون تعليم الكتاب سلام متجدد
قوله تعالى [وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ]( )، والكتاب هو القرآن لبيان عدم إنحصار وظائف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتلاوة آيات القرآن بل إنه يقوم بتعليم المسلمين معاني وتأويل آيات القرآن , وكيفية الصلاة والصيام وأحكام الزكاة والحج والمعاملات وقواعد وسنن الشريعة والحكمة وسبل الرشاد ويدل قوله تعالى [وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ] على سلامة آيات السلم من النسخ لتعددها وكثرتها كجزء من الكتاب.
ومن الكتاب تأريخ الأمم والرسالات وأحوال الناس في الأزمنة الغابرة ، وعلوم الغيب التي أطلع الله عز وجل النبي محمداً عليها ، وأذن له بتعليمها لأمته.
ترى ما هي النسبة بين البلاغ وبين تعليم الكتاب ، الجواب هو العموم والخصوص المطلق ، فالبلاغ أعم ، ويدل عليه قوله تعالى [إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ]( ).
ولا يختص تعليم النبي صلى الله عليه وآله وسلم الكتاب بأهل البيت والصحابة ، إنما هو مستمر ومتجدد إلى يوم القيامة ، وهو من الإعجاز في ابتداء الآية بذكر (المؤمنين) بقوله تعالى [لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ]( ).
ولبيان قانون استدامة منّ الله في الأرض فاذا منّ وأحسن الله عز وجل للناس فان هذا المنّ باق لا يرتفع إلى يوم القيامة.
وهل تعليم النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمسلمين الكتاب نظري فقط ، أم أنه نظري وعملي.
الجواب هو الثاني فهو من الكتاب والسنة القولية والفعلية، وآيات السلم من الكتاب فهي سالمة من النسخ إلا مع الدليل ، وهو مفقود في المقام ، والسنة النبوية القولية والفعلية شاهد على إستدامة العمل بها إلى يوم القيامة .
وقد تقدم الكلام في الجزء التاسع والأربعين من هذا السِفر بخصوص آية الدين وقوله تعالى [وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ]( )، ومجيؤه بعد (واتقوا الله) لبيان شكر الله عز وجل للمسلمين بتقواهم فينعم عليهم بالتعليم بعد بلوغهم مرتبة التقوى مع أنهم لم يبلغوها إلا بالتعليم ايضاً من وجوه :
الأول : التعليم من الله عز وجل .
الثاني : تعليم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للمسلمين ، وفيه دعاء إبراهيم عليه السلام ، كما ورد في التنزيل [رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ]( ) .
الثالث : تعليم القرآن للمسلمين ، فكل آية هي تعليم وإرشاد وضياءً .
قانون القرآن برزخ دون إختلاف المسلمين
لقد صدر الجزء السابق من هذا التفسير وهو السابع والأربعون بعد المائتين في (علم الإحصاء القرآني غير متناه) ومنه عجز الناس عن إحصاء إعجاز وعلوم القرآن ، فهي توليدية ومتجددة إلى يوم القيامة .
ومنها استدامة منع القرآن للإختلاف والفرقة والنزاع بين المسلمين ، فكل آية منه تدعو إلى الحكمة والصلح والوئام بين الناس ، وفي التنزيل [لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ]( ).
وكل فرد من مضامين هذه الآية يهدي إلى سبل السلم ، ويثبت الأمن في الأرض وهي :
الأولى : فضل الله عز وجل في المنّ والإحسان على المسلمين .
الثانية : بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التي هي نعمة عظمى.
الثالثة : نيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مرتبة الرسالة وهي أعلى مرتبة من النبوة ، ومن إعجاز الآية أنها لم تقل بَعَثَ منهم نبياً ، لبيان أن الله عز وجل يعطي بالأتم والأوفى.
الرابعة : يعرف العرب النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بشخصه وأمانته ونسبه وعلو هذا النسب بين العرب ، فهو من قريش من أسمى بطون العرب .
وقد أكرمهم الله بسورة باسمهم هي سورة قريش وموضوعها في استحواذهم على التجارة العامة في الجزيرة ببركة البيت الحرام . وأمرًهم فيها بعبادة الله ونبذ الشرك ، قال تعالى [لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ] ( ).
و(عن أنس قال : خطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار .
وما افترق الناس فرقتين إلا جعلني الله في خيرهما ، فأخرجت من بين أبوي فلم يصبني شيء من عهد الجاهلية .
وخرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم ، حتى انتهيت إلى أبي وأمي ، فأنا خيركم نفساً وخيركم أباً)( ).
و(عن واثلة بن الأسقع قال : قال رسول اللّه عليه السلام : إن اللّه عزّ وجلّ اصطفى بني كنانة من بني إسماعيل ، واصطفى من بني كنانة قريشاً،
واصطفى من قريش بني هاشم ، واصطفاني من بني هاشم.
وسمّوا قريشاً من التقرش ، وهو التكسّب والتقلّب والجمع والطلب ، وكانوا قوماً على المال والإفضال حراصاً)( ).
الخامسة :تلاوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم آيات القرآن على المسلمين .
السادسة :شهادة الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن الذي يتلوه هو كلام وآيات الله ، ليس من عند النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولا من عند جبرئيل.
السابعة : إنصات المؤمنين والمؤمنات لتلاوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم القرآن ، وهذا الإنصات من منّ الله عز وجل على النبي محمد والمسلمين عامة ، وتقدير قوله تعالى [يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ] أي يتلو عليهم آياته فينصتون ويستمعون لها ، ويتدبرون في معانيها ، وهو باعث للأمن ودعوة للسلم وعزوف عن الخصومة والقتال ، لقانون الانشعال بتلاوة القرآن دعوة للصبر وباعث على السكينة.
وفي مرسلة مكحول قال (قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : آتاني الله القرآن ومن الحكمة مِثْلَيْه)( ).
لبيان الثروة العلمية والمعجزات التي تجري على يد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بما يجعله والمسلمين في غنى عن السيف ، وهذا الغنى شاهد على سلامة آيات السلم من النسخ .
قانون التزكية
تتعدد معاني التزكية والتطهير في قوله تعالى [وَيُزَكِّيهِمْ]( )، وهذا التعدد من أسرار مجئ التزكية في آية البحث بعد تلاوة آيات القرآن بهم .
ومن معاني التزكية وجوه :
الأول : قانون التنزه عن الشرك وعبادة الأوثان .
الثاني : الهداية للإيمان ، ترى ما هي النسبة بين الإيمان والتزكية ، المختار هو العموم والخصوص المطلق ، فالإيمان أعم .
الثالث : العصمة من التعدي والظلم وهو من مفاهيم قوله تعالى [وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ]( )، إذ يحب الله المؤمنين فلابد أنهم منزهون عن التعدي .
الرابع : أداء الفرائض العبادية ومنها الصلاة والزكاة والصيام .
الخامس : تقريب المؤمنين إلى منازل التوبة .
السادس : تقيد المسلمين بأحكام الشريعة في العبادات والمعاملات ، قال تعالى [وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ]( ).
السابع : يشهد لهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالإيمان يوم القيامة .
الثامن : من معاني يزكيهم يظهرهم على عدوهم ، ويرد كيده إلى نحره ، ويبرئ مساحتهم من الإفتراءات .
التاسع : التزكية مقدمة للإنقطاع إلى الذكر والدعاء.
العاشر : تلاوة المسلمين والمسلمات لآيات القرآن ، وتقدير الآية : يتلو عليهم آياته ليقوموا بتلاوتها في الصلاة وخارجها.
الحادي عشر : عمل المسلمين بمضامين الآيات التي تتلى عليهم ، ومن معاني يتلو عليهم آياته نزول تمام القرآن وسلامته من التحريف.
وهناك وجوه :
الأول : لا تختص تزكية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للمسلمين بأصحابه إنما تشمل أجيال المسلمين , لذا ورد لفظ المؤمنين في هذه الآية [لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ]( ) لتفيد الألف واللام العموم الإستغراقي فتشمل أجيال المسلمين إلى يوم القيامة .
مما يستلزم منا الشكر لله عز وجل على هذا المنّ والفضل ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : يعود الضمير في (لأنفسهم) إلى المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها , فلا تختص نسبته بالعرب دون غيرهم من الأمم والقوميات , بدليل تكرار هذا الضمير في الآية ست مرات .
الثالث : من التزكية السعي إلى السلم والوفاء بالعهود والعصمة من الغدر والغيلة , قال تعالى [وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا]( ).
الرابع : من التزكية إتباع منهاج النبوة والفوز بالثواب العظيم في الآخرة.
ومن أسباب تزكية المسلمين نزول آيات السلم والعمل بها ، لبيان أن منافعها لا تنحصر بإجتناب القتال ، بل تشمل حال الصلاح والسكينة والوئام عند المسلمين ، وآيات السلم من مصاديق قوله تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ] ( ) .

الصلة بين آيات السلم و[وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ]( )
قد تقدمت الإشارة الى هذا العنوان في الجزء الثالث والثلاثين بعد المائتين.
لقد أثنى الله عز وجل على منهاج وسنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم القولية والفعلية، وشهد له بالخلق العظيم ، مع أن هذا الخلق شعبة من الوحي، وهو من عظيم فضل الله بأن يرزق بغير حساب ثم يثني على المرزوق .
وفيه شاهد على أن الله عز وجل رزق الأنبياء آيات من فضله لإصلاحهم للإمامة ، ويحتمل الخلق العظيم في موضوعه وجوهاً :
الأول : إنه خاص بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن أسباب تفضيله على الأنبياء السابقين .
الثاني : الخلق العظيم صفة لكل نبي رسول .
الثالث : إنه شامل لمائة وأربعة وعشرين ألف نبي .
الرابع : الخلق العظيم صفة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين الذين اقتدوا به .
والمختار أن الآية خاصة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وإن كان الأنبياء الأخرون على خلق عظيم أيضاً ، ولكنه من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة في قوتها وظهورها.
فالله عز وجل الذي أمر النبي بالرحمة والعفو والمغفرة ، والتجاوز عن المسئ ، قال تعالى فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ.
وأن الرسول محمداً فاز باسمى مراتب الكمال الإنساني ، والخصال والشمائل الحميدة ، وقال حسان بن ثابت :
(فأجمل منه لم تر قط عيني … وأكمل منه لم تلد النساء
خلقت مبراء من كل عيب … كأنك قد خلقت كما تشاء
وكان أبو بكر إذا رآه يقول:
أمين مصطفى بالخير يدعو … كضوء البدر زايله الظلام)( ) .
ومنه تعاهده لمناهج السلم والصبر ، ودفعه مقدمات القتال ، وقطع القريبة منها ، ليكون حمل لواء السلم عبادة ، ونسكاً ، وفي إمتناع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه عن الإغارة على قرى ومدن المشركين الأجر والثواب .
وعن عائشة قالت (سمعت النبيّ {صلى الله عليه وآله وسلم} يقول : إنّ المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة قائم الليل صائم النهار)( ).
لقد كان حسن خلق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سبباً لدخول أفراد كثيرين الإسلام .
ومن حسن خلق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم :
الأول : الصدق .
الثاني : الأمانة .
الثالث : الرحمة بالناس جميعاً والعطف عليهم .
الرابع : الحلم وعدم الضيق بالجهالة والسفاهة .
الخامس : إكرام الصبيان والعناية بهم ، وتقبيلهم ، وهو الأب للأمة و(عن عائشة قالت: قدم ناس من الأعراب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: أتقبِّلون صبيانكم؟
قالوا: نعم.
قالوا: ولكنا والله ما نقبِّل.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “وَأمْلكُ أن كان الله نزع منكم الرحمة؟”.
وقال ابن نمير: “من قلبك الرحمة
ولا تختص عناية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بولديه الحسن والحسين ، بل انه يعطف على أولاد المسلمين و(عن أسماء أنها حملت بعبد الله بن الزبير بمكة .
قالت: فخرجت وأنا متم فأتيت المدينة ونزلت بقباء فولدته بقباء ثم أتيت به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فوضعته في حجره.
ثم دعا بتمرة فمضغها ثم تفل في فيه فكان أول شيء دخل في جوفه ريق النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم حنكه بالتمرة ثم دعا له وبرك عليه وكان أول مولود ولد في الإسلام)( ).
أي من المهاجرين ، لأنه قيل للمسلمين ، وقد أشيع أن بعض يهود المدينة سحر المسلمين (حتى لا يكون لهم نسل فلما ولد عبد الله بن الزبير كبر الناس وكان اول مولود ولد في الاسلام)( ).
ويوم قتل أهل الشام عبد الله بن الزبير بعد محاصرته من قبل الحجاج وجيشه في مكة ، وأثناء رمي المنجنيق على مكة (فنزلت صاعقة على المنجنيق فأحرقته فتوقف أهل الشام عن الرمى والمحاصرة فخطبهم الحجاج فقال ويحكم ألم تعلموا أن النار كانت تنزل على من كان قبلنا فتأكل قربانهم إذا تقبل منهم فلولا أن عملكم مقبول ما نزلت النار فأكلته فعادوا إلى المحاصرة)( ) .
(وكان مقتل ابن الزبير يوم الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة، سنة ثلاث وسبعين)( ).
وكبر أهل الشام يومئذ فسمع تكبيرهم عبد الله بن عمر فقال (الذين كبروا على مولده خير من الذين كبروا على قتله حين قتل)( ).
لبيان صبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل مكة ،وتحمله الأذى في تعاهد حرمة مكة ، وإرادته السلام مع الناس جميعاً .
كما جاءت السنة القولية بوجوب الحفاظ على حرمة البيت الحرام ، وتجنب مكة القتال .
وورد عن ابن عباس أنه قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم فتح مكة : إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض والشمس والقمر ، ووضع هذين الاخشبين فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولا يحل لأحد بعدي ، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة)( ).
وحتى حينما حلت مكة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فانه لم يشع القتل في الكفار من أهلها ، ولا الذين آذوا المسلمين وقتلوا منهم رجالاً في ميدان بدر وأحد والخندق .
هل السلم ضد أم نقيض الحرب
التضاد هو التنافي بين شيئين ، كالبياض والسواد وهما عرض ولا يوجدان في محل وموضع واحد ، وقد يرتفع المتضادان معاً ، فيحل غيرهما كاللون الأحمر والأصفر في المثال أعلاه ، وفي التنزيل [وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا]( ).
وأما التناقض فهو أيضاً بمعنى التنافي بين شيئين ولكن لا يمكن أن يرتفع المتناقضان معاً مثل الليل والنهار ، والسر والعلانية ، قال تعالى [يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ]( )، والصدق والكذب في الخبر ، فمن صفات الخبر أنه يحتمل الصدق والكذب ، نعم الخبر الذي يأتي به القرآن والسنة النبوية وقول المعصوم هو حق وصدق والكرم والبخل متضادان للمنزلة بين المنزلتين.
أما التضايف فهو تعلق أحد فردين بالآخر بلحاظ جامع مشترك بينهما في الوجود الذهني أو العالم المحسوس بحيث إذا تصور أحدهما تبادر إلى الذهن الآخر ، أو أن تصوره موقوف على تصور الآخر ، كالأبوة والبنوة فيقال زيد بن عمرو.
أما الأبيض واللا ابيض فمتناقضان .
إذ أن كل شئ لابد أن يكون أما أبيض أو لا أبيض ، وهل الصيام والإفطار من المتضادين ، الجواب نعم ، لأنهما في مقام العبادة.
أم المتناقضان فهما الصيام واللاصيام .
وهل الذكر والأنثى من المتناقضين أم أنه ينخرم بالخنثى , الجواب لا ينخرم إذ لا عبرة بالقليل النادر .
ويجمع قوله تعالى [وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ]( )، بين البشارة والإنذار وهو من إعجاز الآية بالجمع بين المتضادين في لفظ واحد.
والمتضادان في الإصطلاح هما اللذان لا يجتمعان وقد يرتفعان كالبشارة والإنذار ، والمدح والذم ، أي أن (الضد) في الإصطلاح لا يحتمل إلا معنى واحداً وهو المنافي والضد.
والنسبة بين المتناقضين والمتضادين هي العموم والخصوص من وجه فمادة الإلتقاء عدم الإجتماع بينهما ، ومادة الإفتراق أن المتناقضين لا يمكن أن يرتفعا معاً كالليل والنهار ، والصحة والمرض ، والأشهر الحل والأشهر الحرم ، واليابسة والمياه ، والحياة والموت ، قال تعالى [خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ]( ).
ومن إعجاز الآية القرآنية تعدد تضاد مواضيعها بما يؤدي إلى الصلاح والسلم المجتمعي والسلم نقيض الحرب ، لبيان أن قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ]( )، أمر باجتناب الحرب والإقتتال وأن بينه وبين الإيمان تضاد.
قانون كتابة القرآن سلام وأمان
لقد بعث الله عز وجل النبي محمداً في مكة ، ومن العرب ومن بين ظهرانيهم ، ينزل جبرئيل في الآية القرآنية من السماء السابعة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسرعان ما يعلم بنزوله المسلمون لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتلوها عليهم ويقرأها في الصلاة.
فمن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه حالما ينفصل عنه الوحي يتلو ما نزل عليه من القرآن على أصحابه ، وقد يسر الله عز وجل للناس في مكة حفظه الآيات إذ جعلها قليلة الكلمات وتتضمن التخويف والوعيد.
ومع هذا فقد نزلت سورة الأنعام دفعة واحدة في مكة ، وحفظها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وطائفة من الصحابة الذين كان قليل منهم يحسنون الكتابة ويكتبون الآيات.
ومن خصائص العرب حدة الذاكرة وقوة الحافظة ، مع قلة الانشغال بهموم الدنيا ، فليس من زراعات وصناعات وأموال ، أو شبع من الطعام ، فكانوا يحفظون أجود الشعر وما يشير إليه من الوقائع أو المدح أو الذم.
لتأتيهم آيات وسور القرآن بإعجاز بلاغي ودلالات عقائدية متشعبة ، وبشارة وإنذار ، ووعد ووعيد.
ومن إعجاز القرآن أنه عون للناس في حفظ آياته لبلاغته وحسن نظمه وموافقته للوقائع والأحداث ، ولنزوله نجوماً وعلى نحو التعاقب والتوالي ، ولقراءة النبي محمد والمسلمين لسوره وآياته في الصلاة اليومية الواجبة لتكون هذه التلاوة وحفظ وكتابة الآيات دعوة للناس للسلم وإشاعة للأمن.
قانون سعي النبي (ص) للسلم حتى في الميدان
لقد أكرم الله عز وجل الناس ببعثة الأنبياء ، وتفضل وختمها برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتكون المنهاج العام لأهل الإيمان والتقوى ، والمبدأ المتكامل للشرائع السماوية ومنها تضمنها لسنخية السلام والتحية والرفق والعفو والرحمة وهو من مصاديق تمام الدين وكمال النعمة في قوله تعالى [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا]( ).
ومن كمال النعمة الأمن والسلم المجتمعي ، فلم يغادر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى إلا بعد إزاحة الوثنية ومفاهيم الشرك ، والقضاء على العادات المذمومة والإقتتال والغدر .
لقد كانت سنته سلاماً وأمناً ، قال تعالى [فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ]( )، لبيان قانون من خصائص النبوة وهو الجمع بين الصفح وإشاعة الأمن.
ويذكر في كتب التفسير قول صعصعة بن صوحان لابن أخيه أسامة بن زيد بن صوحان (خالص المؤمن ، وخالق الكافر والفاجر؛ فإن الفاجر يرضى منك بالخلق الحسن ، وإنه يحق عليك أن تخالص المؤمن)( ).
وجاء القرآن بدعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الناس إلى التوحيد ، وتحمل الأذى في هذه الدعوة وفي سعيه لإصلاحهم ، وكان الكفار يقابلونه بتحشيد وتجهيز الجيوش لقتاله وطلب قتله وأصحابه خاصة المهاجرين ، وهو يقابلهم بخصال حميدة منها :
الأول : قانون نداء النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسط الميدان قولوا لا إله إلا الله تفلحوا .
الثاني : قانون منع النبي أصحابه من الإبتداء بالرمي أو القتال.
الثالث : ترك المنهزم والفار من المشركين وعدم مطاردته .
الرابع : قانون إعادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الغنائم للكفار عندما يسألون إعادتها.
الخامس : مصاهرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لبعض الكفار كما في زواج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من جويرية بنت الحارث من بني المصطلق بعد الواقعة مباشرة ليعتق المسلمون مائة بيت منهم .
وعن عروة بن الزبير (قالت جويرية بنت الحارث: رأيت قبل قدوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بثلاث ليال كأن القمر يسير من يثرب حتى وقع في حجري .
فكرهت أن أخبر به أحدا من الناس حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فلما سبينا رجوت الرؤيا .
قالت: فأعتقني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتزوجني، والله ما كلمته في قومي حتى كان المسلمون هم الذين أرسلوهم وما شعرت إلا بجارية من بنات عمي تخبرني الخبر، فحمدت الله تعالى)( ).
لقد عرض عليها النبي صلى الله عليه وآله وسلم الزواج فقبلت ، فقال الصحابة (أصهار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : فأرسلوا ما كان في أيديهم من بني المصطلق فلقد أعتق بها مائة أهل بيت من بني المصطلق)( ).

الملحق بالصحابة
الصحابي اصطلاح يراد منه الفوز بصحبة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ولم يرد لفظ (صحابي) أو (أصحابك) في القرآن لكن ورد لفظ المهاجرين والأنصار ، قال تعالى [وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ]( ).
ويمكن اضافة عنوان وهو الصحابة بالإلحاق ليشمل كلاً من :
الأول : الذين اسلموا أيام النبوة ولم يروا النبي محمداً ويسمون المخضرمين ، أي نصف عمرهم في الجاهلية ونصفه في الإسلام وهذا الاسم لا يتغشى المقام ومعناه .
ومنهم من يسمي الواحد منهم (الجاهلي) كالعجلي وليس بتام ومنهم :
الأول : الأسود بن يزيد .
الثاني : شقيق بن سلمة.
الثالث : أويس القرني .
الرابع : سويد بن غفلة .
الخامس : عبد الله بن عكيم الجهني .
السادس : عبيدة السلماني .
وعن أبي رجاء العُطاردي قال (كُنَّا نَعْبُدُ الْحَجَرَ ، فَإِذَا وَجَدْنَا حَجَرًا هُوَ أَخْيَرُ مِنْهُ أَلْقَيْنَاهُ وَأَخَذْنَا الآخَرَ ، فَإِذَا لَمْ نَجِدْ حَجَرًا جَمَعْنَا جُثْوَةً مِنْ تُرَابٍ ، ثُمَّ جِئْنَا بِالشَّاةِ فَحَلَبْنَاهُ عَلَيْهِ ، ثُمَّ طُفْنَا بِهِ)( ).
الثاني : صبيان المدينة الذين ولدوا قبل أن ينتقل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى وان كان الكثير من صبيان المدينة رأوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنه كان يسلم عليهم حتى وهم يلعبون.
وعن عطاء مولى السائب بن يزيد (رأيت السائب لحيته بيضاء، ورأسه أسود فقلت: يا مولاي، ما لرأسك لا تبيض ؟ فقال: لا تبيض رأسي أبدا.
وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مضى وأنا غلام ألعب مع الغلمان، فسلم عليهم وأنا فيهم، فرددت عليه السلام، من بين الغلمان، فدعاني.
فقال : (ما اسمك) فقلت: السائب بن يزيد بن أخت النمر .
فوضع يده على رأسي، وقال: (بارك الله فيك)، فلا يبيض موضع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم)( ) .
الثالث : الذين ماتوا في طريق الهجرة قبل أن يروا النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى [وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا]( ).
الرابع : أفراد القبائل التي أرسلت وفوداً إلى المدينة وأسلمت تلك الوفود ، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعلمهم الصلاة ويؤمهم فيها ويأمر أصحابه بتعليمهم القرآن وأحكام العبادات والمعاملات ، وهو من مصاديق [وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ]( ).
لبيان أن هذا التعليم برزخ دون الغزو والظلم والتعدي ، وهو رسالة إلى القبائل وغيرها بأن الإسلام دين السلام ، وأن آيات السلم محكمة غير منسوخة.
ولما رجعت الوفود إلى قومهم دخلوا الإسلام وهو معجزة حسية للنبي محمد وعدد هؤلاء بالمئات ، وأكثرهم لم ير النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ، خاصة وأن كثيراً من الوفود جاءوا إلى المدينة في السنة التاسعة للهجرة وتوفى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في السنة الحادية عشرة للهجرة .
ليتلقوا آيات السلم بالتسليم والسلامة من النسخ بتلاوة وعمل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه.
آيات السلم في الأجزاء السابقة
لقد صدرت أجزاء من هذا السِفر خاصة بقانون وآيات (السلم محكمة غير منسوخة )، وتضمنت بياناً لسلامة عدد من آيات السلم من النسخ بخلاف ما هو شائع بأن آية السيف نسخت (124) آية من آيات السلم والصلح والموادعة .
وفيما يأتي جدول بهذه الآيات مع ذكر الأجزاء التي تضمنتها :
رقم الجزء رقم الآية الآية رقم الآية
202 الآية الأولى قوله تعالى [وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ] البقرة 83
202 الآية الثانية قوله تعالى [فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ]وتمام الآية هو [وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] البقرة 109
202 الآية الثالثة قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلاَئِدَ وَلاَ آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ] المائدة 102
202 الآية الرابعة قوله تعالى [فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ] المائدة 13
202 الآية الخامسة قوله تعالى [اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ] الأنعام 106
202 الآية السادسة قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ] الأنعام 159
202 الآية السابعة قوله تعالى [وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ] يونس41
202 الآية الثامنة قوله تعالى [ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ] المؤمنون 96
202 الآية التاسعة قوله تعالى [وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ] العنكبوت 46
203 الآية العاشرة قوله تعالى [وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ] البقرة 115
203 الآية الحادية عشرة قوله تعالى [لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] البقرة 256
203 الآية الثانية عشرة قوله تعالى [كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ] البقرة 180
203 الآية الثالثة عشرة قوله تعالى [خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ] الأعراف 199
203 الآية الرابعة عشرة قوله تعالى [وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ] البقرة 191
204 الآية الخامسة عشرة قوله تعالى [لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ] الكافرون 6
204 الآية السادسة عشرة قوله تعالى [يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ] البقرة 217
210 الآية السابعة عشرة قال تعالى [إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمْ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً] النساء 90
231 الآية الثامنة عشرة قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ] الأحزاب 56
241 الآية التاسعة عشرة قوله تعالى [قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ] البقرة 139
241 الآية العشرون قوله تعالى [وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ] البقرة 190
241 الآية الواحدة والعشرون قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ] البقرة 159
241 الآية الثانية والعشرون قال تعالى [وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ] الأنفال 3
241 الآية الثالثة والعشرون قال تعالى [وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ] البقرة 115
241 الآية الرابعة والعشرون قوله تعالى [إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ] البقرة 158
241 الآية الخامسة والعشرون قوله تعالى [وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ] البقرة 191
241 الآية السادسة والعشرون قال تعالى [يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ] البقرة 217
241 الآية السابعة والعشرون قوله تعالى [إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ] النحل 115
241 الآية الثامنة والعشرون قوله تعالى [فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ] البقرة 115
241 الآية التاسعة والعشرون قوله تعالى [قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا] البقرة 83
242 الآية الثلاثون قوله تعالى [وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ] آل عمران 20
242 الآية الواحدة والثلاثون قوله تعالى [إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً] آل عمران 28
242 الآية الثانية والثلاثون قوله تعالى [لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى] آل عمران 111
242 الآية الثالثة والثلاثون قوله تعالى [وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا] آل عمران 120
242 الآية الرابعة والثلاثون قوله تعالى [وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا] النساء 80
242 الآية الخامسة والثلاثون قوله تعالى [فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ] النساء 81
242 الآية السادسة والثلاثون قوله تعالى [فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ] النساء 63
242 الآية السابعة والثلاثون قوله تعالى [لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ] النساء 84
242 الآية الثامنة والثلاثون قوله تعالى [فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ] النساء 88
242 الآية التاسعة والثلاثون قوله تعالى [سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ] النساء 91
242 الآية الأربعون قوله تعالى [إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ] النساء 90
الآية الواحدة والأربعون : قوله تعالى [مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ]( ).
قد تقدم في الفصل أعلاه ذكر آيات السلم التي ذكر بعض المؤلفين أنها منسوخة بآية السيف مع بياننا لإنتفاء هذا النسخ ، وعدم صحته ،والأصل هو عدم النسخ ، وتمام الآية هو [مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ] ( ).
وذكر نسخ الشطر الأول من الآية كل من :
الأول : قال ابن سلامة في كتابه الناسخ والمنسوخ نسختها آية السيف( ).
الثاني : إبن حزم في كتاب الناسخ والمنسوخ 1/36 ، نسختها آية السيف.
الثالث : الكرمي في كتابة الناسخ والمنسوخ 1/100، وقال : منسوخة بآية السيف .
الرابع : نسخت بآية السيف ، وباقيها محكم ، وبه قال المقري في الناسخ والمنسوخ 1/81 .
ويحتمل (الرسول) في الآية وجوهاً :
الأول : إنه اسم جنس ، والمراد كل رسول مرسل يقوم بالتبليغ لقوله تعالى [فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ]( ).
الثاني : إرادة العهد ، والمقصود الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : إرادة معنى الجنس وتأكيد العهد .
والمختار هو الثاني وقد ورد الخطاب من الله عز وجل إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم [فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ]( ) وقوله تعالى [إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ]( ).
وفيه دعوة سماوية للعلماء من الإحتراز بالقول بنسخ هذه الآيات مع تعددها بكلمة وآية واحدة من آيات القرآن ، ولم يثبت عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هذا النسخ ، كما تدل سنته القولية والفعلية على عدم نسخ آيات السلم والصلح والموادعة.
وهو الظاهر من نظم الآيات إذ وردت الآية في سياق خطاب الله عز وجل للمسلمين والمسلمات مع ورود آيات تتضمن الإخبار عن قانون وظيفة الرسل البلاغ ، قال تعالى [فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ]( )ليكون وفق القياس الإقتراني :
الكبرى :كل رسول مبلغ من عند الله .
الصغرى : محمد صلى الله عليه وآله وسلم رسول
النتيجة : محمد صلى الله عليه وآله وسلم رسول مبلغ من عند الله .
قانون جهاد النبي بالبسملة سلام
يمكن القول بالتفصيل في التسمية من جهتين :
الأولى : التسمية وهي (بسم الله).
الثانية : البسملة وهي كلمة مختصرة مأخوذة من قول بسم الله الرحمن الرحيم.
والنحت أخذ شطر من لفظين ، وينحتون منهما لفظاً واحداً مختصراً جامعاً في الدلالة عليهما ومنه في البلدان فيقال : حضرمي أي من حضرموت.
ومن النحت وجوه :
الأول : (الحوقلة) أي قول : لا حول ولا قوة إلا بالله .
الثاني : (هيللة) أي لا إله إلا الله .
الثالث : (الحمدلة) أي قول الحمد لله .
الرابع : (حيعلة) أي قول حي على الصلاة ، الفلاح ، (وأنشد الخليل:
أقولُ لها ودمعُ العين جَارٍ … ألم تُخْرِنْك حَيْعَلَةُ المُنَادِي)( ).
الخامس : (حسبل) أي قول حسبنا الله .
السادس : (السحبلة) أي قول سبحان الله .
السابع : (الجَعفَدة) أي جعلت فداك.
واختلف في متعلق الباء من (بسم الله) على قولين :
الأول : تعلق الباء بفعل محذوف تقديره أبدأ أو أتلو ، فيكون حالها النصب ، وبه قالت مدرسة الكوفة وهو المختار .
الثاني : تعلق الباء باسم محذوف ، والتقدير : الإبتداء بسم الله ، فيكون موضعها الرفع .
و(عن الحرث العكلي قال : قال لي الشعبي : كيف كان كتاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم إليكم.
قلت : باسمك اللهم فقال : ذاك الكتاب الأول كتب النبي صلى الله عليه وآله وسلم : باسمك اللهم ، فجرت بذلك ما شاء الله أن تجري ، ثم نزلت [بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا]( ).
فكتب (بسم الله) فجرت بذلك ما شاء الله أن تجري ، ثم نزلت [قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ]( )، فكتب (بسم الله الرحمن) فجرت بذلك ما شاء الله أن تجري ، ثم نزلت [إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ]( )، فكتب بذلك)( ).
ومن جهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالبسملة إملاؤه إياها على الإمام علي عليه السلام( )، عند كتابته الصلح ، ولكن سهيل بن عمرو رئيس وفد قريش للتفاوض لم يرض بكتابة البسملة ، وقال : لا أعرف هذا ، ولكن اكتب باسمك اللهم .
و(عن قتادة في قوله تعالى [وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ]( ) قال : ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية حين صالح قريشاً ، كتب في الكتاب : بسم الله الرحمن الرحيم .
فقالت قريش : أما الرحمن فلا نعرفه ، وكان أهل الجاهلية يكتبون : باسمك اللهم .
فقال أصحابه : دعنا نقاتلهم .
قال : لا ، ولكن اكتبوا كما يريدون)( ).
لبيان سعي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للصلح ، واتخاذه آيات السلم دليلاً ومنهاجاً وحكماً فكانت النتيجة صيرورة صلح الحديبية فتحاً مبيناً بذاته ونفعه المتجدد كل عام.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر ، عن ابن جريج في الآية قال : هذا لما كاتب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قريشاً في الحديبية ، كتب : بسم الله الرحمن الرحيم . فقالوا : لا نكتب الرحمن وما ندري ما الرحمن وما نكتب إلا باسمك اللهم ، فأنزل الله تعالى [وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ]( ) الآية)( ).
ومن خصائص البسملة إفاضة البركة في الموضوع والحكم .
وهي باعث على السكينة ، وصارفة لحال الغضب ، وطاردة للشيطان وإغوائه .
لقد أراد الله عز وجل أن تبقى البسملة شعار سلام في المجتمعات ، ودعوة لتفويض الأمور إلى الله ، والرضا بقضائه وقدره ، وحسن التوكل عليه سبحانه إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ.
قانون المعجزة العقلية سلام
لقد أنعم الله عز وجل على المسلمين والناس جميعاً بتوالي المعجزات على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، العقلية منها والحسية.
والمعجزات العقلية ، هي آيات القرآن ، وتجدد تأويلها ، والبراهين التي تدل على صدق نزولها من عند الله عز وجل ، ومنها آيات السلم ، كما أن سلامتها من النسخ معجزة عقلية أخرى للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ومن خصائص القرآن في المقام وجوه :
الأول : كل آية من آيات القرآن معجزة .
الثاني : كل شطر من آية من آيات القرآن معجزة ، وقد أنعم الله علينا بصدور أجزاء من هذا السِفر بخصوص الصلة بين شطرين من آيتين وهي :
أولاً : الجزء السادس والعشرون بعد المائة ، وهو القسم الأول من تفسير 153 ويختص بصلة شطر من الآية 153 بشطر من الآية 151 من سورة آل عمران.
ثانياً : الجزء التاسع والعشرون بعد المائة ويختص بالقسم الأول من تفسير الآية 154 من سورة آل عمران ويختص بصلة شطر من هذه الآية بشطر من الآية 153.
ثالثاً : الجزء الواحد والخمسون بعد المائة ويختص بصلة شطر من الآية 161 بشطر من 164 من سورة آل عمران.
الثالث : استخراج الدرر من الصلة بين كل آيتين من القرآن ، وقد صدرت أجزاء من هذا السِفر بهذا الخصوص منها :
الأول : الجزء الخامس والعشرون بعد المائة ، ويختص بصلة الآية (152) بالآية (151) من سورة آل عمران.
الثاني : الجزء الواحد والتسعون بعد المائة ، ويختص بالصلة بين الآية 180 والآية 181 من سورة آل عمران .
ترى كيف تكون المعجزة العقلية سلام ، الجواب لوجوب التدبر في آيات القرآن ، وهذا الوجوب نوع تكليف طوعي أو قهري ، وهو من إعجاز القرآن بان يجعل الله الناس يتفكرون في آياته ، وهو عون لهم في هذا التفكر ومنه نزول الحروف المقطعة في بدايات عدد من السور القرآنية ، ليمتنع المشركون من التصفيق والصفير عند سماعهم آيات القرآن.
وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يتلو القرآن على أهل مكة وعلى الوافدين إليها من الحجاج والمعتمرين ، وليس من حصر لكيفية القاء وتلاوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم القرآن ، ولا يتلو آية أو آيات مخصوصة لاسيما وأن السور المكية تتصف بلغة الإنذار والوعيد ، لمنع دبيب الملل أو السأم إلى النفوس عند التلاوة.
ولينقل كل وفد آيات من القرآن غير الآيات والسور التي ينقلها غيرهم وفيه مسائل :
الأولى : هذا النقل المتعدد من الإعجاز بنزول القرآن نجوماً.
الثانية : التبادر من علامات الحقيقة ، ويتبادر إلى آذان الذين يسمعون القرآن أنها سلام وأمن وصلاح .
الثالثة : نقل الناس آيات القرآن زاجراً للعامة عن إعانة كفار قريش في محاربتهم للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد الهجرة.
وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ في الصلاة اليومية جهراً ، فيسمعه عمار المسجد الحرام .
فصار المشركون يحرضون الناس لعدم الإستماع له ، وفي التنزيل [وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ]( ).
ولم يرد لفظ (تسمعوا) في القرآن إلا في هذه الآية ، وبصيغة النفي والحرب من المشركين على النبوة والتنزيل ، وفيه شاهد على :
الأول : إعجاز القرآن في جعل الناس ينصتون إليه مع محاربة رؤساء الشرك له.
الثاني : جهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في التلاوة ، وهل هذا الجهاد حرب أم سلم.
الجواب هو الثاني لبيان قانون جهاد المسلمين سلم ، وهو من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحسية بأن تكون صيغة جهاده سلاماً وأمناً ، وفيه حب للناس لبيان قانون السلم فرع حب الأنبياء للناس .
الثالث : صبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على أذى قريش فلم ينحصر أذاهم بدعوتهم إلى اللغو وقيامهم بالتصفيق والضجيج والصفير عند تلاوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بل كانوا يؤذونه بالشتم والبصق والضرب .
كما كان أذاهم لأهل البيت والصحابة الأوائل أشد وقد مات بعضهم تحت التعذيب مثل ياسر وسمية بنت خياط والدي عمار بن ياسر.
فأنزل الله عز وجل الحروف المقطعة فاصاب المشركين الدهشة والحيرة وانشغلوا عن إيذاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعن التصفيق والصفير ليصغوا لآيات القرآن الأخرى ، إذ لا يعلمون معاني وأسرار نزول الحروف المقطعة ، ولماذا أقسم الله عز وجل بها وهي من أسرار التنزيل ، قال تعالى [وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً]( ).
ومن معاني المكاء : الصفير .
والتصدية : التصفيق .
وعن ابن عباس في الآية قال (المكاء ، صوت القنبرة . والتصدية ، صوت العصافير وهو التصفيق . وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا قام إلى الصلاة وهو بمكة ، كان يصلي قائماً بين الحجر والركن اليماني ، فيجيء رجلان من بني سهم يقوم أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله ، ويصيح أحدهما كما يصيح المكاء ، والآخر يصفق بيديه تصدية العصافير ليفسد عليه صلاته .
قيل : وهل تعرف العرب ذلك .
قال : نعم ، أما سمعت حسان بن ثابت يقول :
نقوم إلى الصلاة إذا دعينا … وهمتك التصدي والمكاء
وقال آخر من الشعراء في التصدية :
حتى تنبهنا سحيراً … قبل تصدية العصافير)( ).
وهل دخلت طائفة من المشركين الإسلام بسبب نزول الحروف المقطعة ، وصيرورتها سبباً لإصغاء عامتهم ، الجواب نعم ، لبيان قانون نزول كل آية قرآنية سبب لإيمان نفر وجماعة من الناس .
وهو من الشواهد على إنتشار الإسلام بالسلام والحجة والبرهان ، وليس بالسيف.
قانون آيات السلم خطط أمنية
قد ورد ذكر عنوان هذا القانون في الجزء الثالث والثلاثين بعد المائتين من هذا السِفر ، لبيان وجوه :
الأول : قانون كل آية سلم حرز من الإقتتال .
الثاني : قانون آيات السلم واقية .
الثالث : آيات السلم دعوة للإيمان بلا عنف أو إضطهاد ، قال تعالى [لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ] ( ).
لقد أراد الله عز وجل بآيات السلم كتابة السلامة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من القتل ، ليكون من معاني العصمة في قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ]( ) والله يعصمك من الناس كافة بآيات السلم ، لأنها مانع من السخط والغضب والإرهاب .
فمن خصائص آيات السلم منعها للإرهاب في كل زمان ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا] ( ) .
ومن آيات السلم التي تصرف شرور المشركين قوله تعالى [ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ]( ) .
وقد تقدم في الجزء السادس بعد المائتين تفسير هذه الآية ودعوى أنها نسخت بآية السيف.
والمختار أنها غير منسوخة ، وصحيح أن الخطاب والأمر فيها موجه إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا أن أجيال المسلمين تلحق به في مضامين هذه الآية ، فهم مأمورون بالصبر والتسامح ، وعدم المقابلة بالمثل في حال تلقي الأذى ، لإرادة زرع المودة في قلوب الناس ، وفتح باب التدبر في معجزات القرآن ، وصناعته للأخلاق الحميدة ، قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّ] ( ).
علم الجمع بين آية السلم وآيات القرآن الأخرى
قد تقدمت الإشارة إلى هذا العلم في الجزء الأربعين بعد المائتين من هذا السِفر ، وهو فرع علم الصلة بين كل آيتين من القرآن ، ولكنه يتصف بنحو الإختصاص بمسائل وقوانين السلم ، وقانون عدم إنحصار دعوة القرآن للسلم ، والعفو ، والموادعة ، والصفح ، باتيانها لترشح قانون الجمع بين آيات السلم ، وآيات القرآن الأخرى من جهات :
الأولى : قانون تعضيد آيات القرآن بعضها لبعض .
الثانية : استنباط مفاهيم السلم من الجمع بين الآيات .
الثالثة : موضوعية قانون القرآن كتاب السلم .
الرابعة : الصلة بين كل آيتين من آيات السلم ، واستنباط المواعظ والوصايا والقوانين منها .
الخامسة : استقراء قانون سلامة آيات السلم من النسخ بدلائل الجمع بينها وبين آيات القرآن الأخرى ، فمثلاً تأخذ آية [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ] ( ) وهي أول آية من سورة الفاتحة ، ومن نظم القرآن بعد آية البسملة ، ونستخرج المسائل والقوانين في السلم بالجمع بينها وبين كل آية من آيات السلم ، مثلاً الصلة بينها وبين قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ]( )، وفيها مسائل :
الأولى : ابتدأت الآية أعلاه بنداء الإيمان ، والمسلمون والمسلمات هم الذين يقولون الحمد لله ، إذ يتلوه كل واحد منهم سبع عشرة مرة في الصلاة اليومية .
الثانية : لم يرد لفظ [فِي السِّلْمِ] في القرآن إلا في الآية أعلاه لبيان وجوب أمور :
الأول : الاجتهاد في السعي إلى السلم .
الثاني : إستدامة البقاء في السلم وتعاهد أحكامه.
الثالث : لزوم عدم مغادرة المسلمين منازل السلم .
الرابع : المناجاة بين المسلمين بالسلم والصلح ، قال تعالى [لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا] ( ).
الخامس : تضمنت آية الحمد الشكر لله عز وجل والتسليم بربوبيته المطلقة على الخلائق كلها.
لتجمع الثناء على الله والتفقه في الدين ، والشكر لله من منازل العبودية المحضة ، والعصمة من الشرك وعبادة الأوثان ، ليكون من إعجاز تلاوة القرآن في الصلاة إنشغال المسلم والمسلمة سبع عشرة مرة في اليوم بالثناء على الله ، والتبرأ من الشرك الظاهر والخفي.
فكل من قول (الحمد لله) وقول (رب العالمين)( ) برزخ دون الشرك والضلالة ، لبيان الإعجاز في قانون التلاوة في الصلاة اليومية واقية من الشرك ، والفتنة والقتال.
دلائل السلم في صلح الحديبية
من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم صلح الحديبية ، وهل معجزة متحدة أم متعددة ، الجواب هو الثاني .
ومنه الإعجاز في مفاهيم السلم في صلح الحديبية وهي من جهات :
الأولى : عزم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الخروج لأداء العمرة بعد سنة واحدة من زحف عشرة آلاف مشرك من مكة وما حولها لقتاله وإرادة قتله وأصحابه بابادة عامة .
الثانية : إبلاغ النبي محمد بالخروج للعمرة كلاً من :
الأول : المهاجرون .
الثاني : الأنصار .
الثالث : القبائل التي حول المدينة .
ويحتمل أفراد هذه القبائل بلحاظ قوله تعالى [لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا]( )، وجوهاً :
الأول : إنهم ممن حول مكة .
الثاني : هم من حول المدينة ، فكما انشأ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم المسجد النبوي في المدينة ، فكذا صار رجال حول المدينة.
الثالث : انهم ممن حول أم القرى وحول المدينة .
المختار هو الأخير أعلاه .
وقد تخلف كثير منهم عن الخروج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما ورد في التنزيل [سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا * بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا]( ).
وعن مجاهد في الآية أعلاه قال (أعراب المدينة جهينة ومزينة استنفرهم لخروجه إلى مكة ، فقالوا : نذهب معه إلى قوم جاؤوه فقتلوا أصحابه فنقاتلهم في ديارهم ، فاعتلّوا له بالشغل ، فأقبل معتمراً فأخذ أصحابه أناساً من أهل الحرم غافلين فأرسلهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فذلك الأظفار ببطن مكة)( ).
الثالثة : لقد خرج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الحديبية بلواء السلم ورايات (لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك).
وهل كان خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للعمرة دعوة للسلم ووقف القتال ، الجواب نعم ، وهو من إعجاز النبوة .
لقد أخذت العزة بالإثم قريشاً ، ولا يلجأون إلى الصلح ووقف القتال ، فسار لهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه ومعه ألف وخمسمائة من أصحابه ، وكأنهم فدائيون يعرضون أنفسهم للقتل في سبيل الله ، ولكنه الوحي والتنزيل ورؤيا النبي التي هي شعبة من الوحي ، قال تعالى [لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ]( ).
الرابعة : لم يكن مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه أسلحة أو دروع أو خيل للإغارة ، وكثير منهم كانوا يتناوبون على ركوب الإبل ، فيقطع بعضهم مائة ومائتي كيلو متر سيراً على الأقدام ، وهو من الشواهد على أن النبي محمداً يعرض نفسه للضرر في سبيل السلم ، وإن كان هذا الضرر مدفوعاً بفضل الله عز وجل ، قال تعالى [لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى]( ).
الخامسة : امتناع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن مقدمات الفتنة والإفتتان ، وإجتنابه سخط كفار قريش ، مع أنهم ليسوا أولياء للبيت الحرام ، قال تعالى [َمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ]( ).
السادسة : إجتناب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ملاقاة خيل المشركين التي خرجت من مكة طليعة وسرية استطلاع ، عندما قرب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من مكة إذ قال لإصحابه (إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هو بقترة الجيش فانطلق يركض نذيرا لقريش)( ).
السابعة : بروك ناقة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أطراف الحل وعدم دخول النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى الحرم ، وهو من آيات السلم في السنة النبوية مع أنه في شهر حرام وهو شهر ذي القعدة.
والبيت الحرام مفتوح للناس جميعاً، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه أولى به من غيرهم.
بروك القصواء أمان
لقد وعد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه بدخول المسجد الحرام في مسيرهم نحو الحديبية في شهر ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة ومع هذا وقفوا عند أطراف الحرم بعد أن بركت راحلته ، وعندما بركت واسمها القصواء قال عدد من الصحابة (خلأت القصواء ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل)( ).
وفي قول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هذا وجوه :
الأول : بعث السكينة في قلوب أصحابه .
الثاني : منع الصحابة من الإلحاح في دخول الحرم .
الثالث : دعوة الصحابة للصبر .
الرابع : بيان حضور الأمر الإلهي في المقام .
الخامس : الربط والجمع بين دخول النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة في بداية الهجرة عندما بركت ذات ناقته في الموضع الذي أصبح بعدها المسجد النبوي ، إذ كان النبي يقول لكل حي من الأنصار يسألونه النزول عندهم (أنها مأموره)( ).
فهل هي مأمورة أيضاً عندما بركت في الحديبية ، الجواب نعم ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ]( ).
السادس : دعوة الصحابة للتدبر في المعجزات التي تترشح عن بروك ناقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديبية .
السابع : نزول الوحي بأخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم البيعة من أصحابه في الحديبية وهي بيعة الرضوان ، قال تعالى [إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا]( ).
وسيتعاهد المسلمون موضع البيعة ويزرعون فيه أشجاراً معمرة بدل تلك الشجرة ، لتتجدد البيعة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في كل سنة من قبل وفد الحاج والمعتمرين قربة إلى الله عز وجل ، وشكراً له سبحانه وليصلي كل واحد في الموضع ركعتين أو أكثر يقرأ في كل ركعة سورة الفاتحة والتي تبدأ بعد البسملة بقوله تعالى [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ]( ).
ولا يصح التدافع والتزاحم في موضع الصلاة تحت الشجرة بعد تعيين محلها بل يكفي في أي بقعة من المسجد الذي في المقام كما يصح حواليه لوحدة الموضوع في تنقيح المناط .
قانون القرآن سلم منزل
قد تقدم ذكر اسم هذا القانون في الجزء الأربعين بعد المائتين من هذا السِفر ، وهو عنوان مستحدث يتجلى موضوعه من جهات :
الأولى : ورود عشرات الآيات في السلم والموادعة .
الثانية : قانون دعوة القرآن للصلح ، والإخبار عن حسنه الذاتي ، قال تعالى [وَالصُّلْحُ خَيْرٌ]( ).
الثالثة : سلامة آيات السلم من النسخ ، وفيها صدرت أجزاء متعددة من هذا السِفر لبيان عدم صحة القول بنسخها بآية السيف ، خاصة وأن القرآن خال من لفظ (السيف) للدلالة على أن هذه التسمية لا أصل لها ، وآية السيف هي [فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ]( ).
الرابعة : دعوة مئات الآيات القرآنية إلى السلم من وجوه :
الأول : منطوق الآية .
الثاني : مفهوم الآية.
الثالث : موضوع الآية .
الرابع : الغايات الحميدة من الآية .
الخامس : دلالات الآية ، والمسائل المستنبطة منها .
الخامسة : حضور الآية القرآنية في الواقع اليومي للمسلمين والناس جميعاً ، بما يبعث على التوادد والتراحم ، وإزاحة الكدورات ، وهو من أسرار قراءة كل مسلم ومسلمة آيات من القرآن في الصلاة اليومية على نحو الوجوب العيني .
السادسة : تفضل الله عز وجل بتحبيب آيات السلم إلى النفوس وتيسير حفظها ، وحضورها في الوجود الذهني.
وهناك ملازمة بين التنزيل والسلم إذ أن الله عز وجل أراد للحياة الدنيا أن تكون مزرعة للآخرة ، يجتهد فيها المؤمنون في عمل الصالحات ومنها تعاهد السلم ، ونبذ الحرب والقتال.
السابعة : عدم انحصار موضوع السلم في القرآن بالآيات التي تتضمن السلم في منطوقها إنما يشمل آيات العفو والتسامح والرفق واللين ، والصفح والإحسان ، قال تعالى [وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ]( ).
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما ، وابغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما)( ).
الثامنة : أمر الله عز وجل إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالدعوة إلى الإيمان بصيغ السلم والحجة والبرهان مع سعة الصدر والصبر ، قال تعالى [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ]( )، وقال تعالى [وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا]( ).
التاسعة : دلالة آيات الصلاة والصيام والفرائض العبادية الأخرى على صبغة السلم في منهاج وسيرة المسلمين ، نعم في النهار يتلقون الأذى بالصبر والصفح وقول [سَلَامًا] كما في الآية أعلاه ، ليجزيهم الله عز وجل في الآخرة الجنة [لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا]( ).
وفي الليل ينقطعون إلى الله عز وجل بالصلاة والتسبيح ، قال تعالى في الثناء عليهم [وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا]( ).
لقد أنزل الله عز وجل القرآن ليكون كتاب سلم مفتوحاً للناس جميعاً ينهلون منه ، ويصدرون عنه .
قانون توثيق القرآن للوقائع شاهد سلام
من إعجاز القرآن ذكره لأحداث وقعت للأمم الأخرى وحضور المشيئة الإلهية فيها ، وبيان أن الله عز وجل يصلح أهل الأرض بالرزق الكريم والخير والتنزيل ، وضروب الإبتلاء منها قوله تعالى [أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ]( )، لبيان مسائل :
الأولى : قانون ذكر وقائع وقصص الأمم السابقة في القرآن الذي جعله الله [تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( ).
الثانية : قانون التدبر والتفكر في أحوال الأمم السالفة.
الثالثة : عدم انتفاع أكثر الأمم السالفة من بعثة الأنبياء والرسل.
الرابعة : قانون الحاجة العامة لرسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الخامسة : قانون لزوم استعداد النبي وأصحابه للدفاع عن بيضة الإسلام ، لأن الذين طغوا في الأرض وأكثروا فيها الفساد أصحاب حكم وسلطة وشأن في الجملة .
لبيان إتحاد سنخية بينهم وبين كفار قريش وقيام قريش في إشهار السيوف ضد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في دعوته.
ومن إعجاز هذه الآيات المكية ورود عاد ثم ارم ثم ثمود فيها وكلها بصيغة الجمع ثم فرعون بصيغة المفرد ثم جاء الوصف بصيغة الجمع [الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ]( ).
لبيان أن هذا الوصف والذم شامل لهم جميعاً وليس فرعون وحده ، لأن الآية في باب الإنذار من الطغيان والفساد.
ولم يرد لفظ [فَعَلَ رَبُّكَ] في القرآن إلا مرتين ، واحدة في بطش الله بعاد ، وأخرى في أصحاب الفيل بقوله تعالى [أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ]( )، وفيه إنذار للمشركين الذين يطغون ويفسدون في الأرض.
وعندما أخبر الله سبحانه الملائكة عن جعل [فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، احتجوا بأمرين :
الأول : الفساد .
الثاني : سفك الدماء .
فاجابهم الله [إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ]( )، وحينما تحقق الفساد وسفك الدماء في الأمم السابقة نزل بهم العذاب وهو من مصاديق علم الله عز وجل .
ومن علم الله سبحانه توالي بعثة الأنبياء ، فهذا الفساد والطغيان ليس برزخاً دون حب الله للناس ، واتصال أسباب هدايتهم وصلاحهم ، لبيان أن ابتداء كل سورة من القرآن بالبسملة إخبار عن حضور رحمة الله في كل زمان ومكان ، وفيه تأكيد لإستدامة السلم في الأرض ، وسلامة آيات السلم من النسخ فرع هذه الإستدامة لبيان قانون استنباط إحكام آيات السلم وامتناعها عن النسخ من سعة رحمة الله ومصاديقها غير المتناهية ، وابتداء كل سورة بقوله تعالى [بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ]ما عدا سورة التوبة .
وأن من رحمة الله انقطاع دابر الذين كفروا وطغوا في الأرض وكذا ينقطع دابر الظالمين ، وهذا العموم من الآية أعلاه التي اختتمت بها تلك الآيات بقوله تعالى [إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ]( )، فهو سبحانه رقيب ووكيل على الناس ، ولا يفوته طاغ ، فيأخذ كل جبار وأعوانه في ظلم والجور فهو سبحانه يرصد الناس فيما يعملون ، ويرصد الخلائق كلها ، ولابد من حضور الناس بين يديه يوم القيامة ، ولا يتعارض مع هذا المعنى التأويل بارادة الآخرة .
لقد أهلك الله رؤساء الكفر والظلم ليكون مقدمة لرسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويعيد كفار قريش عاجزين عن قتله وأصحابه مع أنهم أكثر عدداً وعدة لتكون هزيمتهم المتكررة في المعارك مع أنهم هم الذين ابتدأوها خزياً لهم ، وبداية لإنحسار الكفر عن الأرض.
وتبين آيات القرآن وقوع هلاك الظالمين بأمر من عند الله عز وجل ، وبعد اصرارهم واتصافهم بالجحود والطغيان ، وليس بقتال الأنبياء لهم ، وحتى بالنسبة لفرعون فان موسى عليه السلام لم يقاتله إنما هرب منه ، ولو آمن فرعون برسالة موسى لبقي في ملكه وسلطانه ، وكذا لو اختار عدم لحوق موسى وبني إسرئيل ، ثم جاءته فرصة أخيرة وهي رؤيته معجزة حسية وهي إنشقاق البحر لموسى عليه السلام وبني إسرائيل ، ولكن أصر على اللحاق بهم فكان هلاكه وعشرات الآلاف من جنوده .
لبيان قانون مجئ الأنبياء بالسلم والأمن لعامة الناس ومنهم الملوك ، وسلامة آيات السلم من النسخ من عمومات هذا المجئ .
قانون كل آية ثناء على الله
الحمد لله الذي جعل آيات القرآن كلاماً منه تعالى ، وحبلاً متصلاً بينه وبين الأجيال المتعاقبة ، فصحيح أنه نزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على نحو التعيين ، إلا أن آياته وأحكامه ومضامينه القدسية موجهة إلى الناس جميعاً ، قال تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ] ( ) .
والرسالة في الآية أعلاه مطلقة تحتمل وجوهاً ، فتفضل الله عز وجل وقيدها بصيغة السلم والسلام ، والأمن والرحمة بقوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ) لبيان الحجة في إستدامة السلم وسلامة آياته من النسخ وحرمة الإرهاب في الإسلام ، وأن القرآن والنبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم يزجران عنه ، ويمنعان منه .
ترى ما هي النسبة بين العالمين والناس في الآيتين أعلاه ، الجواب هو العموم والخصوص المطلق ، إذ أن العالمين أعم من الناس ، لبيان قانون وهو أن الإسلام رحمة للخلائق ، وأن المسلمين يعتنون بالموجودات من الحيوانات ، والزراعات ، والأنهار ، وكنوز الأرض ، والجمادات وعالم الفضاء ، ولا يعبثون ، ولا يضرون .
ومن باب الأولوية عنايتهم بالجنس البشري عباد الله في الأرض ، فلا يؤذونهم ، قال تعالى [وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ]( ).
وهل يمكن إحتساب هذه الآية من آيات السلم ، الجواب نعم ، لما في الإنقطاع إلى عبادة الله والزهد والتقوى من العزوف عن الحرب والقتال ، ومن الإعجاز مجئ هذه الآية قبل آية الدخول في السلم ، قال تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ]( )، لبيان التداخل والعطف الموضوعي بينهما في سيادة السلم والتنزه عن التعدي وعن إتباع الشيطان .
(عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا أحد أغير من الله ، من أجل ذلك حرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، ولا أحد أحب إليه المدح من الله من أجل ذلك مدح نفسه ، ولا أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين )( ).
وقد أثنى الله عز وجل على نفسه في القرآن ، ويمكن القول بقانون كل آية في القرآن ثناء على الله عز وجل ، وفي التنزيل [إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ] ( ) من جهات :
الأولى : تنزيل آيات القرآن .
الثانية : قيام الملك جبرئيل بالنزول بالآية القرآنية .
الثالثة : نزول القرآن نجوماً ليتدبر الناس في كنوز الآيات ، وتكون مناسبة للثناء على الله عز وجل .
الرابعة : اختصاص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بنزول آيات القرآن عليه من بين الأولين والآخرين .
الخامسة : مضامية آيات القرآن .
السادسة : دعوة آيات القرآن للسلم والصفح والعفو ، وتحريمه الإرهاب والبطش ، وتكفير الذي ينطق بالشهادتين .
فرائد قرآنية
من إعجاز القرآن إتصاف آياته بأنها لكل زمان , ومناسبة لكل حال ، ومن إعجازه أمور :
الأول : قانون آيات القرآن غضة طرية .
الثاني : قانون ملائمة آيات القرآن لكل مكان وزمان.
الثالث : قانون الآية القرآنية موعظة ومدرسة .
الرابع : قانون تجلي الشواهد للحاجة للقرآن في كل زمان .
ويمكن بيان مصاديق لهذه القوانين بخصوص وصية لقمان لابنه في التنزيل [يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ]( ).
إذ تبدأ الآية بالنداء التربوي الرقيق يا بُني : لبيان العلقة ونوع الصلة بين الأب المنادي والابن المنادى ، وهي أوثق صلات الرحم في تأريخ الإنسانية.
ومن معاني هذا النداء : يا أيها المسلم انصح وأدّب وعلم ابنك ، ومنه بيان قبح الإرهاب ولزوم إجتنابه , والإبتعاد عن أهله لأنه منكر وضرر محض ، لبيان قانون القرآن مدرسة الأخلاق الحميدة ، وأن الله عز وجل حينما خاطب النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم [وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ]( )، فانه بشر المسلمين باصلاحهم بآيات القرآن واتباع سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
أمهات القوانين في هذا السِفر
لقد صدرت أجزاء مستقلة من هذا السِفر بخصوص قوانين مخصوصة لتكون موضوعية لكل قانون منها في الجمع بين كل آيتين في التفسير ، وهذه القوانين هي :
الأول : آيات السلم محكمة غير منسوخة ، وقد صدرت الأجزاء:
أولاً : الجزء السادس بعد المائتين .
ثانياً : الجزء السابع بعد المائتين .
ثالثاً : الجزء الثامن بعد المائتين .
رابعاً : الجزء الرابع عشر بعد المائتين .
خامساً : الجزء الخامس عشر بعد المائتين.
سادساً : الجزء الثالث والثلاثين بعد المائتين .
سابعاً : الجزء الأربعين بعد المائتين .
ثامناً : الجزء الواحد والأربعين بعد المائتين .
تاسعاً : الجزء الثاني والأربعين بعد المائتين .
ويمكن أن ينظر للجمع بين كل آيتين هل يتعلق شطر من هذا الجمع بهذا القانون إذ أن الآيات التي تدعو إلى السلم في منطوقها أو مفهومها كثيرة ، ولا تتبين إلا بلحاظ تتبع آيات القرآن ، والصلة بين كل آيتين .
الثاني : قانون التضاد بين القرآن والإرهاب، وقد صدرت بخصوصه الأجزاء :
الأول : الجزء الرابع والثمانون بعد المائة .
الثاني : الجزء الخامس والثمانون بعد المائة .
الثالث : الجزء الثامن والثمانون بعد المائة .
الرابع : الجزء الخامس والتسعون بعد المائة .
الخامس : الجزء الثامن والتسعون بعد المائة .
السادس : الجزء التاسع والتسعون بعد المائة .
السابع : الجزء الثالث بعد المائتين .
الثامن : الجزء العاشر بعد المائتين .
التاسع : الجزء الحادي عشر بعد المائتين .
العاشر : الجزء التاسع عشر بعد المائتين .
الحادي عشر : الجزء الخامس والثلاثين بعد المائتين .
الثاني عشر : الجزء الثامن والثلاثين بعد المائتين .
الثالث عشر : الجزء الثالث والأربعين بعد المائتين .
الرابع عشر : الجزء الرابع والأربعين بعد المائتين .
الخامس عشر : الجزء السادس والأربعين بعد المائتين .
ثم النظر في آيات القرآن بالتدبر في الجمع بين كل آيتين ، وتأويل معاني هذا الجمع بلحاظ هذا القانون ، وكل أجزاء هذا السِفر معروضة على موقعنا (www.marjaiaa.com).
وهل تبعث كلمات وآيات الأحكام النفرة في النفوس من الإرهاب ، الجواب نعم ، وسيأتي قانون بعث آيات الأحكام النفرة من الإرهاب .
وكذا آيات التسبيح والحمد لله عز وجل.
و(عن عرباض بن سارية أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأ المسبحات قبل أن يرقد وقال إن فيهن آية أفضل من ألف آية) ( ) .
لقد اجتهد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بجذب المسلمين إلى الذكر والتسبيح والدعاء ، وكل فرد منها برزخ دون الإرهاب .
الثالث : قانون لم يغز النبي (ص) أحداً والذي صدرت بخصوصه ستة وعشرون جزءً من هذا السفِر .
وهل يختص موضوعه بآيات الدفاع والقتال والوقائع ، الجواب لا ، وإن كان لها موضوعية ، وكل آية منها شاهد على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان في حال دفاع .
وهل منه الآيات التي تتضمن الأمر إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالصبر والرفق والعفو وإظهاره الصبر .
الجواب نعم ، قال تعالى وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ.
الرابع : قانون آيات الدفاع سلام دائم ، وقد صدرت بخصوصه الأجزاء :
 الجزء الثاني والأربعين بعد المائة .
 الجزء الخامس بعد المائتين .
 الجزء السابع عشر بعد المائتين .
 الجزء الثامن عشر بعد المائتين .
 الجزء الثلاثون بعد المائتين.
 الجزء الواحد والثلاثون بعد المائتين.
ويتجلى في هذا القانون القول : والضد يظهر حسنه الضد ، فنزلت آيات الدفاع والقتال لتدل بالدلالة الإلتزامية على إرادة السلم والوئام ، ونشر ألوية الأمن المجتمعي ، وهو من إعجاز القرآن ومن مصاديقه أن ترى آية تبدأ بالأمر بالقتال مع تقييده بأنه في سبيل الله .
ثم أختتمت الآية بالنهي عن الإعتداء ، والإخبار عن قانون من الإرادة التكوينية بأن الله عز وجل لا يحب كل معتد ، في قوله تعالى [وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ]( ).
إنشاء باب في تفسير كل آية قرآنية
لقد أنعم الله عز وجل علينا في هذا السفر بتأسيس أبواب مستحدثة في تفسير كل آية من آيات القرآن وهي :
الأول : الإعراب واللغة.
الثاني : في سياق الآيات .
الثالث : إعجاز الآية الذاتي .
الرابع : إعجاز الآية الغيري .
الخامس : الآية سلاح .
السادس : مفهوم الآية .
السابع : إفاضات الآية .
الثامن : الآية لطف .
التاسع : الآية بشارة .
العاشر : الآية إنذار .
الحادي عشر : الصلة بين أول وآخر الآية .
الثاني عشر : من غايات الآية.
الثالث عشر : تقسيم تفسير الآية بحيث تستقل كلمة واحدة أو جملة بتفسير مستقل.
الرابع عشر : علم المناسبة .
الخامس عشر : بحث بلاغي .
يمكن أن يضاف في تفسير كل آية قرآنية باب (الآية سلم ) للتدبر في مضامين الآية، وبيان كثرة آيات السلم وعصمتها من النسخ ، وحاجة المسلمين والناس إلى هذه العصمة وهو من معاني قوله تعالى [إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ]( ).
ومن أفراد وعلوم هذا الباب هل تدعو الآية إلى السلم في كل من :
الأول : منطوق الآية .
الثاني : مفهوم الموافقة .
الثالث : مفهوم المخالفة .
الرابع : الجمع بين الآية محل البحث وآيات القرآن الأخرى بخصوص السلم .
الخامس : بيان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم للآية محل البحث.
السادس : دلالات السنة القولية والفعلية فيما يخص صبغة السلم في الآية محل البحث .
وقد صدر لي والحمد لله ستة وعشرون جزءً بخصوص قانون (لم يغز النبي (ص) أحداً) وهي الأجزاء :
(164-165-166-168-169-170-171-172-174-176-177-178-180-181-182-183-187-193-196—204-212-216-221-229-239).
معجزة الهجرة إلى الحبشة سلم وسلام
لقد اضطر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لبعث طائفة من أصحابه للهجرة إلى الحبشة مع بعد المسافة ومخاطر الطريق والإقامة ، وتتعلق هذه المخاطر بالأبدان والعقيدة والرزق .
ومن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه من بين ثلاثة وثمانين رجلاً وتسع عشرة مرأة لم يرتد منهم إلا رجل واحد هو عبيد الله بن جحش زوج أم حبيبة بنت أبي سفيان مع أنهم بين أمة من النصارى ، وكذا الحاكم النجاشي على دين النصارى والتقى معه المهاجرون بعد وصول وفد مشركي قريش إليه وتحريضه على المهاجرين.
لقد كانت الهجرة إلى الحبشة امتحاناً لعقيدة الإسلام مع حداثتها في النفوس والمجتمعات ، والقرآن لم ينزل بعد إلا نحو ربعه ولكن هذا الربع كان كسلاح عقائدي في الثبات على العقيدة في وسط مجتمع ذي كتاب سماوي هو الإنجيل ، وفي التنزيل بخصوص لوط عليه السلام وتصديقه برسالة إبراهيم عليه السلام [وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ]( ).
لتكون هذه الهجرة وثبات المسلمين على دينهم مقدمة لثبات وصبر المهاجرين ، وجذب الأوس والخزرج وغيرهم إلى الإسلام مع وجود اليهود فيها .
وهل كان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يختبر أصحابه وثباتهم في العقيدة ، الجواب لا ، من جهات :
الأولى : لم يطلب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من رهط من أصحابه الهجرة إلى الحبشة إلا بالوحي .
الثانية : إزدياد شدة أذى كفار قريش للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بعد أن يئس المشركون ، وخيبتهم من دعوتهم النبي محمداً ترك الدعوة إلى الله .
الثالثة : عجز النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن دفع الأذى عن أصحابه من الرجال والنساء .
الرابعة : إرادة التخفيف عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة وذات المشركين أيضاً .
الخامسة : من إعجاز نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه لم يأمر أصحابه بالهجرة إنما اقترح عليهم الهجرة مع بيانه لنفعها ، إذ (قَالَ لَهُمْ لَوْ خَرَجْتُمْ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ فَإِنّ بِهَا مَلِكًا لَا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أَحَدٌ ، وَهِيَ أَرْضُ صِدْقٍ حَتّى يَجْعَلَ اللّهُ لَكُمْ فَرَجًا)( ).
وهل هذه الهجرة مثل فتنة أم موسى حينما أراد فرعون قتله كمولود في بني إسرائيل فأمرها الله عز وجل بالقائه في البحر كما ورد في التنزيل [إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي]( ).
بتقريب أن هؤلاء الصحابة فروا بدينهم من رؤساء الشرك في مكة ومنهم آباؤهم وإخوانهم ليقعوا في فتنة أخرى وهي الميل إلى دين النصارى .
الجواب لا ، وهو من الشواهد على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وثبات الإيمان في النفوس على نحو دفعي من حين الدخول في الإسلام.
فكانت سفارة هؤلاء الرهط معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومقدمة للهجرة إلى المدينة ، وسلامة المهاجرين والأنصار في دينهم بهذه الهجرة ، خاصة وقد هاجر إلى المدينة عدد من الصحابة قبل هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم منهم مصعب بن عمير ، وأبو سلمة بن عبد الأسد.
و(عن البراء بن عازب قال : أول من قدم علينا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم مصعب بن عمير وابن أم مكتوم فجعلا يقرئاننا القرآن ، ثم جاء عمار وبلال وسعد ، ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين .
ثم جاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم به ، حتى رأيت الولائد والصبيان يقولون : هذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد جاء فما جاء حتى قرأت [سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى]( )، في سور مثلها)( ).
وهل الهجرة إلى الحبشة من مصاديق الأحسن في قوله تعالى [ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ]( )، الجواب نعم.
ليكون من صفات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الدفع بالأحسن ، وكل من الصبر والسلم من الأحسن في ذاته كوسيلة وبلغة وفعل وغاية.
ليتجلى قانون الأحسن لا يطرأ عليه النسخ إلا مع الدليل .
المبنى الفقهي
والملاك صدق الرؤية سواء بالعين المجردة أو المسلحة كالتلسكوب والمختار الأول .
وثبوت الإطمئنان في رؤية الهلال .
وإتحاد الأفق شرط في رؤية الهلال ومعناه التقارب والأقطار متساوية في إحتمال رؤية الهلال كما لو كانت في بعضها غيوم .
وكفاية شاهدين عدلين .
وحكم الحاكم الشرعي على طريقين :
الأول : ثبوت الهلال عنده .
الثاني : حكم الحاكم الشرعي بالهلال .
وكبر الهلال وارتفاعه وطول بقائه بعد الغروب وتطويقه لايعني أنه لليلتين ، لدلالة قوله تعالى [فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ]( )، على إرادة أول ليلة من الشهر.
وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ وَانْسُكُوا لَهَا فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا ثَلاَثِينَ فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا)( ).
وعن الإمام الباقر عن الإمام علي عليه السلام قال (إذا رأيتم الهلال فأفطروا ، أو شهد عليه عدل من المسلمين ـ إلى أن قال ـ وإن غم عليكم فعدوا ثلاثين ليلة ثم أفطروا)( ).
ويستحب الإستهلال مثل هذه الليلة أي ليلة الشك آخر شهر شعبان ، وفي آخر كل شهر ، وهو ليس بواجب وتثبت رؤية الهلال بأحد طرق خمسة :
الأول : رؤية المكلف نفسه .
الثاني : شهادة عدلين .
الثالث : الشياع المفيد للعلم .
الرابع : حكم الحاكم .
الخامس : إنقضاء ثلاثين يوماً .
هل يجب على المسلمين وحدة الحكم في العيد ، الجواب لا.
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحكم بالهلال بشاهدين عدلين من غير أن يتعارض هذا الحكم مع الوحي بل هو مطابق له ، ترى لماذا لم يكتف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالوحي في الحكم بالهلال ، الجواب ليتعلم الفقهاء والحكام كيفية الحكم.
وحدة أو تعدد الأفق
كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحكم بشاهدين في الهلال.
وقال العلامة الحلي في المنتهى (إذا رأى الهلال أهل بلد وجب الصوم على جميع الناس سواء تباعد البلاد أو تقارب).
وقال الشيخ الطوسي إن كانت البلاد متقاربة لا تختلف في المطالع كبغداد والبصرة كان حكمها واحد ، وان تباعدت كبغداد ومصر كان لكل بلد حكم نفسه.
(وبه قال أبو حنيفة، وهو قول بعض الشافعية، ومذهب القاسم وسالم وإسحاق ، لما رواه كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى الشام.
قال : قدمت الشام فقضيت بها حاجتي واستهل علي رمضان، فرأينا الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني عبد الله بن عباس فذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: ليلة الجمعة .
فقال أنت رأيته؟ قلت: نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية، فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل العدة أو نراه، فقلت: أو لا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ قال: لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله)( ).
وكريب مولى عبد الله بن عباس ، وقال الحنفية بثبوت هلال شوال بشهادة رجلين أو رجل وأمرأتين إن كان في السماء علة كالغيم ، أما إذا كان صحواً فلابد من رؤية جماعة كثيرين .
أما الشافعية فقالوا تكفي شهادة العدل الواحد في ثبوت هلال شوال ، ونسب إلى الحنفية والمالكية والحنابلة أنه متى ثبتت رؤية الهلال بقطر يجب على أهل سائر الأقطار والبلدان من غير فرق بين القريب والبعيد من غير موضوعية لإختلاف مطالع الهلال ، لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته ) بتقريب أنه خطاب للأمة جميعاً .
والدراسات الفلكية الدقيقة في هذا الزمان نعمة يلزم الإنتفاع منها في الكشف عن منزل الهلال وقربه من الشمس ومدة مكوثه بعد الغروب ، والقسم المنار منه ، وإحتمال رؤيته مع صفاء الجو أو عدمه وتوثيق أو رد الشهادة ، ولكنها ليس بحجة وعلة تامة للفتوى ، إذ المدار على قوله تعالى [فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ]( )، وبيان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
و(عن حذيفة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة ثلاثين ، ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة ثلاثين)( ).
المدار على الرؤية البصرية وهي على قسمين :
الأول : العين المجردة .
الثاني : العين المسلحة.
والذي افتي به كفاية رؤية الهلال في أحد البلدان المتقاربة ، وكذا التي يجمعها ليل واحد.
الأصل عدم النسخ
ولم يأت عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه بلغ بنسخ آيات السلم لذا فان الأصل هو عدم النسخ لآيات السلم ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ) فقد اضطر النبي صلى الله عليه وآله وسلم للدفاع ، وجاهد في إزالة الأصنام لأن وجودها سبب لحجب مصاديق عديدة من رحمة الله .
وهذه الآية من سورة المائدة وهي من آخر ما نزل من القرآن (حتى قال ابن عباس و الحسن وغيرهما : إنه لا منسوخ فيها)( ).
فمن شرائط النسخ تراخي الناسخ ، وتأخر نزوله عن المنسوخ ، و(عن ابن عباس قال : آيتان نسختا من هذه السورة – يعني من المائدة – آية القلائد ، وقوله [فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ]( )، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مخيراً ، إن شاء حكم بينهم ، وإن شاء أعرض عنهم فردهم إلى أحكامهم ، فنزلت)( ).
فصار نوع تعارض في حديث عبد الله بن عباس ، فمرة ينقل عنه انتفاء النسخ في سورة المائدة ، وأخرى نسخ آيتين منها ، وعلى فرض صحة السند فيهما يرجع إلى الأصل وهو عدم النسخ ولعدم توقف هذا الأصل على قول أحد الصحابة وحده .
وعن عكرمة والحسن البصري وغيرهما أن الآية أعلاه منسوخة نسختها [احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ]( ).
لقد مكث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة بعد نزول الوحي عليه ثلاث عشرة سنة ، يدعو فيها الناس إلى الإسلام سراً وعلانية ، ويقيم الصلاة ويتحلى بالصبر الذي هو شعبة من الوحي وهذا الصبر على جهات :
الأولى : الصبر القولي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : الصبر الفعلي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على أذى المشركين له فلم يصدر منه رد فعل على شدة أذاهم له .
الثالثة : صبر النبي على الأذى الذي لاقاه بنو هاشم بسبب نبوته ، ومنه حصارهم في شعب أبي طالب لثلاث سنوات ، حصاراً إجتماعياً واقتصادياً شاملاً .
الرابعة : صبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الأذى الذي لاقاه الصحابة الأوائل في مكة ، وكانوا في خوف شديد من أذى رؤساء الشرك في مكة .
لقد تضمنت الآية السابقة لآية البحث خطاب التخويف والوعيد [اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ]( )، وعلى فرض أن الخطاب فيها إلى المسلمين والمسلمات فهل هو وعيد لهم ، الجواب لا ، إنما الآية إخبار للمسلمين بالوعيد للذين كفروا.
وتقدير الآية : يا أيها الذين آمنوا اعلموا أن الله شديد العقاب للذين كفروا وأن الله غفور رحيم لكم وللذين يتوبون.
ليكون تقدير آية البحث : يا أيها الذين آمنوا أعلموا ما على الرسول إلا البلاغ فآمنتم ولكن الذين كفروا أقاموا على الكفر والجحود.
فليس في الآية ما يستلزم النسخ إنما هي تتضمن المدح والذم ، المدح للذين آمنوا ، والذم لمشركي قريش الذين لم تنفع معهم بلاغات ومعجزات الرسول ، فان قلت ذكرت المعجزات أعلاه أليس بالبلاغ كفاية ، الجواب النسبة بين بلاغ الرسول ومعجزاته عموم وخصوص من وجه .
فمن إعجاز القرآن الإخبار عن بلاغ وبشارة الرسل ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لبيان أن المعجزة فرع الرسالة ومصاحبة لها .

تعدد مذاهب السائلين
إذ يشمل وجوهاً :
الوجه الأول : المسلمون والمسلمات , وكان الصحابة كثيري السؤال للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبخصوص قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمْ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً]( ).
ورد (عن الإمام عليّ عليه السلام قال : إن في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي ، ولا يعمل بها أحد بعدي آية النجوى { يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة }( ) .
كان عندي دينار فبعته بعشرة دراهم ، فكنت كلما ناجيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم قدمت بين يدي درهماً .
ثم نسخت فلم يعمل بها أحد فنزلت { أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات }( ) الآية .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال : نهوا عن مناجاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى يقدموا صدقة فلم يناجه إلا الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، فإنه قد قدم ديناراً فتصدق به ، ثم ناجى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسأله عن عشر خصال ، ثم نزلت الرخصة .
وأخرج سعيد بن منصور عن مجاهد قال : كان من ناجى النبي صلى الله عليه وآله وسلم تصدق بدينار ، وكان أول من صنع ذلك الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ، ثم نزلت الرخصة { فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم }( ).
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل قال : إن الأغنياء كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيكثرون مناجاته ، ويغلبون الفقراء على المجالس ، حتى كره النبي صلى الله عليه وآله وسلم طول جلوسهم ومناجاتهم ، فأمر الله بالصدقة عند المناجاة .
فأما أهل العسرة فلم يجدوا شيئاً ، وكان ذلك عشر ليال ، وأما أهل الميسرة فمنع بعضهم ماله وحبس نفسه إلا طوائف منهم جعلوا يقدمون الصدقة بين يدي النجوى .
ويزعمون أنه لم يفعل ذلك غير رجل من المهاجرين من أهل بدر فأنزل الله { أأشفقتم }( ) الآية .
وأخرج الطبراني وابن مردويه بسند فيه ضعف عن سعد بن أبي وقاص قال : نزلت { يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة }( ) فقدمت شعيرة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إنك لزهيد فنزلت الآية الأخرى { أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات}( ) .
وأخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر من طريق عطاء الخراساني عن ابن عباس في المجادلة { إذا ناجيتم الرسول فقدوا بين يدي نجواكم صدقة }( ) قال : نسختها الآية التي بعدها { أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات}( ).)( ).
قال تعالى [أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ]( ).
وكانت العرب إذا نظرت إلى الهلال قالت (لا مَرْحَباً بمُحِلِّ الدَّيْن مُقَرِّب الأَجَل) ( ).
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا رأى الهلال قال : (اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام ربي وربك الله) ( ).
لبيان منافع رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من وجوه :
الأول : قانون رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إصلاح للمفاهيم .
الثاني : قانون تقديم المعتقدات برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : قانون تثبيت دعائم التوحيد إلى يوم القيامة .
الرابع : تنزيه المجتمعات عن عبادة الأوثان والكواكب والأفلاك.
الوجه الثاني : أهل الكتاب ، إذ كان يهود المدينة يسألون النبي محمداً ، ووردت أسباب نزول لآيات عديدة بهذا الخصوص (عن ابن عباس قال : حضرت عصابة من اليهود نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا : يا أبا القاسم حدثنا عن خلال نسألك عنهن لا يعلمهن إلا نبي .
قال : سلوني عما شئتم ، ولكن اجعلوا لي ذمة الله وما أخذ يعقوب على بنيه لئن أنا حدثتكم شيئاً فعرفتموه لتتابعني؟
قالوا : فذلك لك . قالوا : أربع خلال نسألك عنها : أخبرنا أي طعام حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة ، وأخبرنا كيف ماء الرجل من ماء المرأة وكيف الأنثى منه والذكر ، وأخبرنا كيف هذا النبي الأمي في النوم ، ومن وليه من الملائكة ، فأخذ عليهم عهد الله لئن أخبرتكم لتتابعني ، فأعطوه ما شاء من عهد وميثاق .
قال : فأنشدكم بالذي أنزل التوراة هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضاً طال سقمه ، فنذر نذراً لئن عافاه الله من سقمه ليحرمن أحب الشراب إليه وأحب الطعام إليه ، وكان أحب الطعام إليه لُحْمَان الإبل ، وأحب الشراب إليه ألبانها؟
فقالوا : اللهم نعم . فقال : اللهم اشهد . قال : أنشدكم بالذي لا إله إلا هو هل تعلمون أن ماء الرجل أبيض غليظ وأن ماء المرأة أصفر رقيق ، فأيهما علا كان له الولد والشبه بإذن الله ، إن علا ماء الرجل كان ذكراً بإذن الله وإن علا ماء المرأة كان أنثى بإذن الله؟
قالوا : اللهم نعم .
قال : اللهم اشهد قال : فأنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن النبي الأمي هذا تنام عيناه ولا ينام قلبه؟
قالوا : نعم .
قال : اللهم اشهد عليهم .
قالوا : أنت الآن فحدثنا من وليك من الملائكة فعندها نتابعك أو نفارقك؟
قال : وليي جبريل ولم يبعث الله نبياً قط إلا وهو وليه . قالوا : فعندها نفارقك ، لو كان وليك سواه من الملائكة لا تبعناك وصدقناك .
قال : فما يمنعكم أن تصدقوه؟ قالوا : هو عدوّنا . فأنزل الله تعالى { من كان عدواً لجبريل } إلى قوله { كأنهم لا يعلمون })( ).
ويروى (ويروى أن اليهود إجتمعوا فقالوا لقريش حين سألوهم عن شأن محمّد وحاله سألوا محمداً عن الروح. وعن فتية فقدوا في الزمان الأوّل،
وعن رجل بلغ شرق الأرض وغربها،
فإن أجاب في ذلك كله فهو بنبي وإن لم يجب من ذلك كله فليس بنبي،
وإن أجاب في بعض ذلك وأمسك عن البعض فهو نبي فسألوا النبي {صلى الله عليه وآله وسلم} عنها فأنزل الله عزّ وجلّ فيما سألوه عن الفتية قوله {أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ} إلى آخر القصة.)( ).
الوجه الثالث : الكفار , وكانت قريش تسأل يهود المدينة , ونصارى نجران هل محمد نبي آخر الزمان المذكور في كتبهم , وعن ماذا تسأله لتعرف صدق نبوته , وقد وردت نصوص متعددة.
و(عن أنس بن مالك أن أهل مكة سألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يريهم آية، فأراهم القمر شقتين، حتى رأوا الجبل بينهما)( ).
وسئل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن الأهلة ، والأهلة جمع هلال , ولم يرد بصيغة المفرد في القرآن , ولكنه ورد في قوله تعالى [فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ]( ).
واتخذت بعض الأقوام القمر إلها وآخرين الشمس إلهاَ , ويدل عليه إمتناع إبراهيم عليه السلام عن إتخاذ الكواكب آلهة , قال تعالى [فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ]( ).
وقد يظن أن إبراهيم عليه السلام , إنما أراد الإحتجاج على قومه .
والأولى إصدار جزء أو أجزاء من التفسير خاصة بآيات يسألونك .
الجمع بين آية السلم و(الحمد لله)
تتعدد وجوه الجمع بين آيات القرآن ، وهذا الجمع توليدي تتفرع عن كل فرد منه علوم مستنبطة ، وحكمة وموعظة وعبرة ، وسيأتي في الجزء التاسع والأربعين بعد المائتين :
الأول : باب وجوه الجمع بين آيات القرآن.
الثاني : باب الجمع بين كل آيتين متجاورتين .
الثالث : الجمع بين الآيات المتجاورة .
الرابع : المستقرأ من الجمع بين آيات السورة الواحدة .
الخامس : الجمع بين آخر سورة وأول السورة التي تليها .
ولا يحصي القوانين والمسائل المستنبطة من هذا الجمع إلا الله عز وجل.
ومن معاني الجمع بين الآيتين وجوه:
الأول : الحمد لله على الدخول في السلم .
الثاني : الحمد لله الذي صرف قتال المشركين وشروره.
الثالث : الحمد لله الذي تفضل بتهيئة مقدمات وأسباب صلح الحديبية .
الرابع : الحمد لله الذي يسّر لنا الدخول في السلم ، فمن إعجاز القرآن أن الله عز وجل يأمر بالقول والفعل ، ويهيئ إتيانه وفعله ، ويزيح المعوقات التي تحول دونه ، وهو من إعجاز القرآن .
قانون الحرب والقتال ضد لعلة خلق الناس
من أسماء الله الحسنى (الحكيم) وكل فعل من الله متقن ويؤتى بأحسن حال وكيفية وهيئة وتوقيت ، ومنه خلق الإنسان ، قال تعالى [لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ]( ).
ثم تفضل الله عز وجل وبين علة خلق الناس جميعاً بقوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ]( ).
لبيان حسن هيئة الإنسان وبديع صورته والإنتصاب والمشي على اثنين ورجاحة العقل وحركة الأطراف والقوة والمنعة ، وجاء الطب الحديث ليبين كل عام معجزات عديدة في خلق الإنسان وأعضائه وبدنه لتكون دعوة للناس لشكر الله تعالى على هذه النعمة .
وتجلى هذا الشكر بالعبادة والتصديق بالرسالات ، والتآخي فيما بينهم ، ونبذ القتال والحرب.
لقد أراد الله عز وجل من الإنسان تسخير عقله وقوته وشبابه للعبادة وحسن المعيشة والإنتفاع الأمثل من خيرات الأرض ، وما فيها من الكنوز وليس للإقتتال والحرب الذي هو خلاف وظائف وسنن العبادة.
وقد حذرت منه الملائكة حين خلق الله عز وجل آدم أبا البشر وإخبار الله سبحانه لهم بأنه سيجعل جنس الإنسان [فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، إذ [قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ]( ).
وإذا كان الإقتتال سفك للدماء.
فان الآية تتضمن التحذير والإنذار منه ومن الفساد ولبيان أن كلاً منهما خلاف علة خلق الناس ، وإكرامهم بالخلافة في الأرض والتصرف فيها ، وفي باطنها وإستخراج كنوزها .
ومن شكر الناس لله قانون تعاهد السلم المجتمعي وإجتناب القتال والغزو والإرهاب ، وهذا الإجتناب مناسبة للتدبر في آيات التنزيل والنبوة، واستدامة منهاج السلم والوفاق والصلح ، والذي يدل بالدلالة التضمنية على سلامة آيات السلم من النسخ.
قانون وجوب الصبر العام
ورد لفظ (اصبروا) ست مرات في القرآن ، اثنتين منها لخصوص المسلمين وهما :
الأولى : قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ).
الثانية : قوله تعالى [وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ]( ).
وهل يشمل الأمر بالصبر في الآية أعلاه النبي محمداً أم لا يشمله لتضمن أول الآية أعلاه الأمر بطاعة الله والرسول ، الجواب هو الأول ، للتفكيك والتعدد في الأمر .
وتفيد (الواو) في (واصبروا) العطف والإستئناف وتقدير خاتمة الآية بواو الإستئناف على جهات :
الأولى : يا أيها الرسول اصبر انت وأمتك إن الله مع الصابرين.
الثانية : يا أيها الرسول أمتك تطيعك في الصبر ، وفيه معنى البشارة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فكما أنه مُبشر فانه يتلقى البشارة من الله عز وجل وهو من معجزاته.
الثالثة : يا أيها الرسول اصبروا كما صبر المؤمنون من قبل .
أما على تقدير (الواو) كحرف عطف ، فيكون تقدير الآية : يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله وأصبروا إن الله مع الصابرين.
والمراد من الصابرين المؤمنون من الأولين والآخرين ، لبيان تحري الشواهد من التنزيل والوقائع التأريخية والوجدان التي تدل على مصاديق قانون (إن الله مع الصابرين) إذ أن هذه الآية عهد ووعد من عند الله ، وهو زاجر عن اللجوء إلى السيف والقتال ، للتضاد بين الصبر والقتال.
ولكن إن فرضه المشركون بغزوهم المدينة وأطرافها فتدل الآية على وجوب الصبر في الميدان ، ومن مصاديق قولنا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو الإمام في الصبر قانون ثبات النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الميدان في كل معركة من معارك الإسلام مع أن قصد المشركين قتله بالذات في كل من:
الأولى : معركة بدر .
الثانية : معركة أحد.
الثالثة : معركة الخندق .
الرابعة : معركة حنين.
قال تعالى [وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ]( ).
و(عن أبي عبد الرحمن الفهري قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حنين ، فسرنا في يوم قائظ شديد الحر فنزلنا تحت ظلال الشجر .
فلما زالت الشمس لبست لامتي وركبت فرسي ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت : السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته ، قد حان الرواح يا رسول الله .
قال : أجل ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا بلال . فثار من تحت سمرة كان ظله ظل طائر فقال : لبيك وسعديك وأنا فداؤك .
ثم قال : أسرج لي فرسي . فأتاه بدفتين من ليف ليس فيهما أشر ولا بطر قال : فركب فرسه ثم سرنا يومنا فلقينا العدوّ وتشامت الخيلان فقاتلناهم ، فولى المسلمون مدبرين كما قال الله عز وجل ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : يا عباد الله أنا عبد الله ورسوله .
فاقتحم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن فرسه .
وحدثني من كان أقرب إليه مني : أنه أخذ حفنة من تراب فحثاها في وجوه القوم وقال : شاهت الوجوه.
قال يعلى بن عطاء : فأخبرنا أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا : ما بقي منا أحد إلا امتلأت عيناه وفمه من التراب ، وسمعنا صلصلة من السماء كمر الحديد على الطست الحديد ، فهزمهم الله عز وجل)( ).
لبيان قانون معجزة الميدان للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم شاهد على سلامة آيات السلم من النسخ لأن هذه المعجزة تغني عن السيف ، وهو من مصاديق قوله تعالى [أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ]( ) .
تشريع صلاة الخوف سلام( )
قال تعالى [وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا]( ).
وقال تعالى [فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا]( )،
في حوادث السنة الرابعة كانت كتيبة ذات الرقاع وقيل الخامسة أو السادسة (وكان سببها أن قادما قدم المدينة بجلب له، فأخبر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله أن أنمارا وثعلبة قد جمعوا لهم الجموع.
فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله فخرج ليلة السبت لعشر خلون من المحرم في أربعمائة، وقيل: في سبعمائة ، فمضى حتى أتى محالهم بذات الرقاع وهي جبل فلم يجد إلا نسوة فأخذهن وفيهن جارية وضيئة .
وهربت الأعراب إلى رؤس الجبال ، وخاف المسلمون أن يغيروا عليهم، فصلى بهم النبي صلى الله عليه وآله صلاة الخوف ، وكان أول ما صلاها، وانصرف راجعا إلى المدينة)( ).
وكتيبة ذات الرقاع إلى نجد ، إذ خرج مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أربعمائة من أصحابه في شهر جمادى الأولى من السنة الرابعة إلى بني ثعلبة وبني محارب بعد أن بلغه أنهم يجمعون الجيوش لغزو المدينة .
وقد تقدم ذات السبب بخصوص كتيبة ذي أمر فهل تجدد قيامهم بتحشيد الجموع لغزو المدينة أم أنه إختلاف من مؤرخي السنة ، والأصل هو نزول واحد للآية القرآنية واحدة.
والتعدد في الفعل والإمتثال جموداً على الأخبار في المقام ولا يمنع من التحقيق في المقام ، فمن مصاديق قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (نصرت بالرعب)( ) عدم تكرار تجمع ذات المشركين في ذات الموضع لغزو المدينة .
وعن الإمام الصادق عليه السلام قال (نزل رسول الله صلى الله عليه وآله في غزوة ذات الرقاع تحت شجرة على شفير واد، فأقبل سيل فحال بينه وبين أصحابه، فرآه رجل من المشركين ، والمسلمون قيام على شفير الوادي ينتظرون متى ينقطع السيل، فقال رجل من المشركين لقومه: أنا أقتل محمدا، فجاء وشد على رسول الله صلى الله عليه وآله بالسيف.
ثم قال : من ينجيك مني يا محمد ؟ فقال: ربي وربك، فنسفه جبرئيل عليه السلام عن فرسه فسقط على ظهره، فقام رسول الله فأخذ السيف وجلس على صدره، وقال: من ينجيك مني يا غورث.
فقال: جودك وكرمك يا محمد، فتركه، وقام وهو يقول: والله لانت خير مني و أكرم)( ).
وقيل كتيبة بني لحيان هي التي صلى فيها صلاة الخوف بعسفان حين آتاه الخبر من السماء بما همّ به المشركون.
وخاف الناس بعضهم بعضاً فنزلت صلاة الخوف وفي رواية الصادق عليه السلام أن صلاة الخوف نزلت في الطريق إلى الحديبية( ).
وفي الصحيح عن الإمام الباقر عليه السلام قال (في صلاة الخوف عند المطاردة والمناوشة: يصلي كل إنسان منهم بالايماء حيث كان وجهه وإن كانت المسائفة والمعانقة وتلاحم القتال فإن أمير المؤمنين عليه السلام صلى ليلة صفين وهي ليلة الهرير لم تكن صلواتهم الظهر والعصر والمغرب والعشاء عند كل وقت صلاة إلا التكبير والتهليل والتسبيح والتحميد والدعاء فكانت تلك صلواتهم لم يأمرهم بإعادة الصلاة)( ).أي أن صلاة الخوف أقصر من صلاة القصر في الكيفية .
صلى الإمام الحسين صلاة الخوف في نحو نصف أصحابه( ).
(وقال ابن نما : وقيل صلى الحسين عليه السلام وأصحابه فرادى بالايماء)( ).
وعن زرارة عن الإمام الباقر عليه السلام قال (فرض الله عزوجل الصلاة وسن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصلاة على عشرة أوجه: صلاة الحضر، وصلاة السفر، وصلاة الخوف، على ثلاثة أوجه، وصلاة الكسوف للشمس والقمر، وصلاة العيدين وصلاة الاستسقاء والصلاة على الميت)( ).
وسن أي شرع وقرر وهو عنوان شامل للوجوب والإستحباب.
والمراد من صلاة الخوف على ثلاثة أوجه هي :
الأول : صلاة الخوف المتقدمة بأن يصلي كل من الإمام والطائفتين ركعتين ، فتبدأ طائفة مع الإمام ، وتسلم الأخرى معه .
الثاني : صلاة الخوف الذي يخاف اللصوص والسباع وهو في السفر إذ قال الإمام الصادق عليه السلام (فانه يتوجه إلى القبلة ويستفتح الصلاة ويمر في وجهه الذي هو فيه فإذا فرغ من القراءة وأراد الركوع والسجود ولى وجهه إلى القبلة إن قدر عليه إذا كان راجلا، وإن لم يقدر ركع وسجد حيثما توجه وإن كان راكبا يومي إيماء برأسه)( ).
الثالث : (صلاة المجادلة وهي المضاربة في الحرب: إذا لم يقدر أن ينزل ويصلي كبر كل ركعة تكبيرة حيثما توجه)( ).
والمراد من المجادلة أعلاه أي المجادلة بالسيوف.
والطائفة الجماعة الكثيرة من الناس .
الرابع : صلاة الفريضة على الدابة وفي السيارة والقطار عند الخشية من اللصوص والهوام ونحوها.
الخامس : الصلاة إيماءَ.
السادس : صلاة المطاردة.
قانون صلاة الخوف حكم دائم
وهل تكون صلاة الخوف في هذا الزمان من الفقه الميت للتطور الهائل في الأسلحة ، الجواب لا ، من وجوه :
الأول : يمكن أن تكون طائفة الحرس تحرس باسلحة ثقيلة ، وتكون الدبابات مثلاً هي التي تقف خلف المصلين في مواجهة العدو .
الثاني : عدم إنحصار موضوع صلاة الخوف بالقتال ، فتشمل الخشية من السباع وآفات الأرض .
الثالث : صلاة الخوف حرز وواقية وآمن .
الرابع : تعدد كيفيات صلاة الخوف .
الخامس : الحيطة والحذر بأخذ السلاح ، وعدم الغفلة من العدو لقوله تعالى [وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ] [وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ] ( ).
وستبقى صلاة الخوف رخصة وتخفيفاً وهي من مصاديق قوله تعالى [يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ]( )، وقاعدة لا ضرر ولا ضرار في الإسلام المستقرأة من حديث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ولبيان قانون سلامة الرخص في الإسلام من النسخ ، والنسبة بين الرخصة والسلم عموم وخصوص من وجه.
اتحاد الإمام وتبدل المأموم
قوله تعالى [فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ]( )، أي أن صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم واحدة ، ليكون في صلاة الخوف قانون إتحاد الإمام وتبدل المأموم.
وقال الحسن البصري (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلى بكل طائفة ركعتين فيصير هو متمماً وهم صلوا قصراً) ، ولم يثبت هذا القول.
و(عن سهل بن أبي حثمة أنه صلَّى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلاة الخوف يوم ذات الرقاع ، فصفت طائفة معه وطائفة وجاه العدو فصلى بالذين معه ركعة ، ثم ثبت قائماً وأتموا ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو.
وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته ، ثم ثبت جالساً وأتموا لأنفسهم ، ثم سلم بهم)( ).
و(عن ثعلبة بن زهدم قال : كنا مع سعيد بن العاص( ) بطبرستان
فقال : أيكم صلى مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلاة الخوف؟
فقال حذيفة : أنا فقام حذيفة فصف الناس خلفه وصفاً موازي العدو ، فصلى بالذين خلفه ركعة ، ثم انصرف هؤلاء مكان هؤلاء ، وجاء أولئك فصلى بهم ركعة ولم يقضوا)( ).
قانون صلاة القصر صرف للقتال
تشريع صلاة القصر معجزة وتخفيف وأمن ، ودفع للقتال ، ومنع للغدر بالمؤمنين ، وهي رسالة سلم للناس جميعاً بأن يصلي المسلمون في السفر ركعتين لكل من الصلاة الرباعية وهي :
الأولى : صلاة الظهر .
الثانية : صلاة العصر .
الثالثة : صلاة العشاء.
و(عن حارثة بن وهب الخزاعي قال : صليت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم الظهر والعصر بمنى ، أكثر ما كان الناس وآمنه ركعتين)( ).
أي أن الموقف أكثر أماناً من أي مكان يومئذ ومع هذا قصر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في صلاته فصلى الظهر بالمسلمين ركعتين وصلى العصر ركعتين لبيان أن شرط الخوف غالبي .
و(عن ابن عباس قال : صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين مكة والمدينة ونحن آمنون لا نخاف شيئاً ، ركعتين)( ).
وقال الطبري (حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن هاشم قال، أخبرنا سيف، عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن علي عليه السلام قال: سأل قومٌ من التجار رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: يا رسول الله، إنا نضرب في الأرض، فكيف نصلي.
فأنزل الله [وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ]( )، ثم انقطع الوحي.
فلما كان بعد ذلك بِحَوْلٍ، غزا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فصلى الظُّهر، فقال المشركون : لقد أمْكَنكم محمد وأصحابه من ظهورهم، هلا شددتم عليهم.
فقال قائل منهم: إنّ لهم أخرى مثلها في إِثرها! فأنزل الله تبارك وتعالى بين الصلاتين [إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا * وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ]( )، إلى قوله [إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا]( )، فنزلت صلاة الخوف)( ).
ولعل لفظ (غزا) من بعض رواة الحديث.
وذات السفر سبب للتقصير .
وقد روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال ( فرض المسافر ركعتان غير قصر)( ).
[فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا]( ) يعني من حدود وأفعال ومستحبات الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ، وصلاة الخوف تقصير من صلاة السفر ، وعن ابن عباس (صلاة الخائف قصر من صلاة المسافر وأنها ركعة واحدة ).
وقول مشهور وهو قصر صلاة الحاضر بأن يصلي المسافر الرباعية كالظهر ركعتين ، وقال يعلى بن أمية لعمر (كيف نقصر الصلاة وقد أمنا فقال عمر: عجبت ما عجبت منه، فسألت النبي صلى الله عليه وآله عن ذلك فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته)( ).
قانون عدم ذكر السيف في القرآن أمان
ورد لفظ [أَسْلِحَتَهُمْ] مرتين في آية البحث ،ولم يرد في غيرها من آيات القرآن ، كما ورد فيها لفظ [أَسْلِحَتِكُمْ] مرتين أيضاً بقوله تعالى [أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ]( )، للحيطة والحذر والخوف ، وليس لإشهار الأسلحة والمسايفة ، لبيان قانون ذكر الأسلحة في القرآن للسلم ، وليس للقتال .
فمن إعجاز القرآن والشواهد على أنه كتاب سلم أن لفظ [أَسْلِحَتَهُمْ] و[أَسْلِحَتَكُمْ] لم يرد في القرآن إلا في آية واحدة منه ، ومن أجل الإحتراز وليس الهجوم ، أو حتى الدفاع .
والمختار أن النسبة بين القتال والدفاع عموم وخصوص مطلق ، فالقتال أعم ، وكذا فان النسبة بين الدفاع والإحتراز ، فالدفاع أعم ، ولا ينحصر الإحتراز في آية البحث بالعدو من المشركين ، إنما يشمل الخشية من السراق واللصوص ، ومن السباع وهوام الأرض.
وتدل آية صلاة الخوف والآية التي بعدها على أن الإسلام دين السلام ، ودين أداء الفرائض والعبادات .
ولم يرد في القرآن لفظ (سلاح) ولا لفظ (سيف ) لبيان عدم صحة القول بأن آية السيف نسخت مائة وأربعاً وعشرين آية .
فهم لم يقاتلوا بهذه الأسلحة ، ولكنهم يقبضون عليها احترازاً من هجوم العدو ، فاذا رآهم العدو على هيئة الإستعداد والدفاع فانه يكف عنهم ، وفيه مسائل :
الأولى : إنه من مصاديق أسباب التزول ، إذ أراد المشركون الإغارة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وهم يصلون صلاة الظهر ، فقيل لهم عندهم صلاة أحب إلى أنفسهم منها وهي صلاة العصر ، فنزل جبرئيل بصلاة الخوف فكانت سبباً لإسلام عدد منهم ، كما أن نقل الخبر إلى غيرهم نوع طريق للإيمان والهداية، ولا يختص هذا النقل بطائفة دون أخرى ، بل يقوم بنقله كل من :
الأول : صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والحاضرون نزول آية الخوف .
الثاني : عامة الصحابة .
الثالث : المشركون ممن حضر واقعة ذات الرقاع وغيرهم .
الرابع : الذين يتلون آية الخوف أيام النبوة ، وفي كل زمان إلى يومنا هذا ، وحتى يوم القيامة .
وهو من أسرار بقاء الآية القرآنية غضة طرية ما دامت الحياة الدنيا ، فصلاة الخوف لا تختص بموضوعها بل يتعلق أمرها بوجوه :
الأول : آية صلاة الخوف .
الثاني : أوان النزول .
الثالث : بيان تعدد كيفية صلاة الخوف .
الرابع : قانون عدم ترك الصلاة بحال ، قال تعالى [إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا]( ).

وقائع طبرستان
تقع طبرستان أو بلاد الطَبرَ شمال إيران ، وجنوب غرب تركمانستات ، ويضم إقليم طبرستان القديم الآن مازندران وعدة مدن منها ، مدينة جرجان ، وآمل ، وشالوس ، وقد أسهب ياقوت الحموي في وصفها وإطرائها ، وفيه جبال وعرة ، فهي بلاد حصينة .
ومعنى الطبر : الفأس ومعنى أستان مكان أو أرض .
لقد سار سعيد بن العاص وكان والياً على الكوفة أيام عثمان بن عفان ، وقيل كان معه الحسن والحسين عليهما السلام ، وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص ، ولكنهم لم يتوغلوا في جبالها ، وأكتفوا بمصالحة حاكمها على أن يدفع (200) ألف درهم في السنة أي عشرين ألف دينار .
وسعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس القرشي (2-59) للهجرة ، وقتل أبوه العاص في معركة بدر وهو من جيش المشركين .
وأخوه عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية الصحابي الذي هاجر الهجرتين وشهد فتح مكة وحنين والطائف ، واستعمله النبي صلى الله عليه وآله وسلم على قرء تبوك وخيبر ، وفدك ، واستشهد في أجنادين أيام أبي بكر.
وفي أيام معاوية بن أبي سفيان ولي مصقلة بن هبيرة ، وبعث معه عشرين ألف مقاتل إلى جبال طبرستان التي تركها سعيد ، فتوغل مصقلة وجنوده فيها إلى أن حاصره أهلها وسط الجبال ، وصاروا يلقون عليهم الحجارة والصخور من الجبال والمرتفعات ، فهلك مصقلة وأكثر أفراد الجيش حتى صار مثل يضرب آنذاك بين الناس (لا يكون هذا حتى يعود مصقلة من طَبَرَستان ) .
وفي أيام سليمان بن عبد الملك سار إلها يزيد بن المهلب وقاتل الأصبهبد ثم صالح الزند على أن يدفع له أحد عشر ألفاً ، وزعفران و400 قطعة حرير ، ثم صاروا يماطلون وسنوات لا يدفعون ، ومع ضعف الدولة الأموية قطعوا هذه الجزية .
وبقيت الجبال في أيدي أهلها إلى أيام المأمون ، وبالتعاون مع بعض الأمراء فتحت جبال شروين واستوطنتها قبائل عربية منها الأزد .
ثم حكم مازندران طبرستان العلويين سنة 250 للهجرة ، ودولة الناصر الكبير .
وهل الآية وصلاة الخوف من مختصات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لقوله تعالى [وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا]( ) .
الجواب لا ، فهي عامة في الكتائب والسرايا والإبتلاء حتى داخل المدن ، كما في معركة الخندق .
والآية شاملة لأجيال المسلمين ولبيان موضوعية صلاة الجماعة مع أنها مستحبة استحباباً مؤكداً .
ومن إعجاز نظم الآية مجئ ذكر الله والتسبيح بعد آية الخوف بقوله تعالى [فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ]( ) .
ومن مفاهيم الآية إذا قضيتم صلاة الخوف أو غيرها من الصلوات لا تبادروا للهجوم على المشركين بل انشغلوا بالذكر والتسبيح ، وأيهما أكثر نفعاً في صرف ضرر المشركين وجذبهم للإيمان : إجتهاد المسلمين بذكر الله أم السيف والإكراه ، الجواب هو الأول .
وقوله تعالى [وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ]( )، لزيادة الإحتراز من العدو أثناء الصلاة ، وأخذ الحذر مجاز وأمر معنوي ، وأخذ الأسلحة حقيقة ، لأن الأخذ هو التناول .
وجاءت الآية بصيغة الأمر (وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم) لبيان وجوب عدم التفريط أو التكاسل أو إهمال السلاح عند الصلاة ، وهل تدل الآية على جواز قطع الصلاة عند مداهمة العدو كما لو رأى الإمام أو المأموم أن الطائفة التي تحرس قليلة العدد ، فيجهز عليهم ، الجواب نعم .
فاذا لم يقطعوا الصلاة حينئذ يقتل الجميع ، لذا فمن معاني [وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ] اليقظة والحيطة والحذر والترقب حتى عند أداء الصلاة.
وجاء أخذ الحذر بخصوص المسلمين الذي يأمهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهل يشمل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ، الجواب نعم ، ويشمل أجيال المسلمين.
إن ذكر حمل الأسلحة أثناء الصلاة دليل على جواز قتال المشركين عندما يقاتلونهم.
ومع إحتمال رمي المدفعية على المصلين وإصابتهم بالقذائف اثناء الصلاة ، هل تقام صلاة الخوف هذه ، الجواب لا ، إنما تؤدى الصلاة بالإيماء والتكبير والتهليل فرادى .
وهو لا يلغي الكيفية التي صلاها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ يحتاجها المسلمون في كل زمان ، ولو بالخشية من اللصوص أو السباع وهوام الأرض .
لفظ (السيف) في الإنجيل
ورد في إنجيل متى (10:34 لا تظنوا اني جئت لالقي سلاما على الارض ما جئت لالقي سلاما بل سيفا
10:35 فاني جئت لافرق الانسان ضد ابيه و الابنة ضد امها و الكنة ضد حماتها
10:36 و اعداء الانسان اهل بيته
10:37 من احب ابا او اما اكثر مني فلا يستحقني و من احب ابنا او ابنة اكثر مني فلا يستحقني
10:38 و من لا ياخذ صليبه و يتبعني فلا يستحقني
10:39 من وجد حياته يضيعها و من اضاع حياته من اجلي يجدها)( ).
قانون نزول القرآن مجزأ آمن وسلام
قال تعالى [وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا]( ).
من إعجاز القرآن نزول آياته وسوره مفرقة وبالتعاقب ، فلم ينزل دفعة واحدة كالتوراة ، إنما نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حسب الوقائع والمناسبات.
لتكون أسباب النزول من سبل حفظ المسلمين وغيرهم لآيات القرآن ، والتدبر في معانيها .
لقد نزل القرآن وأكثر العرب أمة تعبد الأوثان ، وتئد البنات ، ويغزو بعضهم بعضاً ، وهم في حال فقر مدقع ، وليس في جزيرة العرب أنهار يسقون منها المزروعات والدواب ، ويصيدون الأسماك ، وتوفر الماء للإستحمام وغسيل الملابس والصناعات .
فهم لم يغادروا الجزيرة العربية مع إحاطتهم من الجهات الأربعة بدول غنية بثروات وحضارات ، وهي بلاد الروم في الشام ، وبلاد فارس في الشرق ، وبلاد اليمن .
وفي إبراهيم عليه السلام ورد في التنزيل [رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ]( ) فلم تكن السعة وحسن المعيشة والأنهار من حولهم سبباً لهجرتهم .
وإن هاجر شطر من قبائلهم إلى العراق والشام وفارس ، ولكن القبائل العربية بقت في الجزيرة لتكون نواة أمة الإسلام ، إذ تلقوا المعجزات وآيات القرآن بالتدبر بعيداً عن الدول آنذاك ، والذين كانوا منشغلين بالقتال بينهم، قال تعالى [غُلِبَتِ الرُّومُ *فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ]( ) وهذا الإنشغال العام من مقدمات بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن معجزاته الغيرية .
ومن مصاديق الإعجاز في المقام عجز قريش عن تحريض هرقل ملك الروم أو كسرى ملك فارس على النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة وأن الذريعة والحجة عندهم بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه قطعوا طرق تجارتنا مع الشام وفارس ، وأنهم قلة ليستمر نزول القرآن نجوماً ، وتكون ضياء ينير دروب المسلمين في الوقائع والأحداث التي نزلت بخصوصها آيات من القرآن ، أو نظائرها في الأزمنة اللاحقة وإلى يوم القيامة ، وهو من مصاديق قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]( ) .
ومن الشواهد على قانون نزول القرآن نجوماً سلام ونشر للأمن ، أنه باعث للآخاء وسكينة النفوس ، وطمأنينة للمجتمعات ، إذ ينزل القرآن بسنن التقوى وأداء الفرائض العبادية ، وسبل الصلاح.
قانون فضل الله سور الموجبة الكلية للسلم
الحمد لله واسع الفضل ، اللطيف الذي يتغشى الخلائق باحسانه ، ولا تستطيع البقاء إلا بفضله ، وهل يستطيع الناس إحصاء فضل الله بالدقيقة الواحدة ، الجواب لا ، فمن عظمة قدرة الله تخلف الخلائق عن الإحاطة بمعشار من فضله .
ومن خصائص فضل الله أنه قابل للزيادة والمضاعفة ، وليس النقصان ، إذ أن معنى الفضل الزيادة والنافلة .
وقد تكرر لفظ [وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ]( ) ست مرات في القرآن ، وفيه مسائل :
الأولى : قانون ترغيب الناس بالنهل من فضل الله عز وجل.
الثانية : بيان قانون قوام الدنيا بفضل الله .
الثالثة : تجليات بدائع فضل الله في الكائنات .
الرابعة : قانون دعوة الناس للتدبر في فضل الله .
الخامسة : من فضل الله العظيم بعثه الناس للهداية والإيمان .
ترى ما هي النسبة بين فضل الله وحياة الناس .
الجواب هو العموم والخصوص المطلق ، ففضل الله أعم ، لذا فان التفكر بفضل الله وعظمته وحضوره في الواقع اليومي للفرد والجماعة والأمة ،وفي الأرزاق والمعاشات دعوة للتعايش السلمي إذ أنه بعث يومي متجدد للسلم والأمن .
وتكون حاجة الإنسان لفضل الله وفق القياس الإقتراني :
الكبرى : كل ممكن محتاج لفضل الله .
الصغرى : الإنسان ممكن .
النتيجة :الإنسان محتاج لفضل الله .
وفي التنزيل [يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ] ( ) .
ومن رحمة الله عز وجل سيادة السلم في المجتمعات ، وليس من حصر لمنافع السلم.
ومن الآيات في فضل الله أنه توليدي تتفرع عنه مصاديق عديدة من الفضل كماً وكيفاً.
كما أنه ينعكس على الناس باشاعة التراحم والتوادد ومفاهيم الصلح والموادعة بينهم .
وهل يصح سؤالنا الله عز وجل تغشي الأرض وأهلها بالسلم بفضل من فضله العظيم ، الجواب نعم ، ومن خصائص إخبار القرآن عن فضل الله دعوة الناس لدعائه وسؤاله ، قال تعالى [وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ] ( ).
وهل من معاني[وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ] ( ) المبادرة إلى العفو والتسامح ، والإمتناع عن الثأر ورد التعدي بالمثل ، الجواب نعم ، وكل آية من آيات السلم فضل من عند الله على المسلمين والناس جميعاً ، وهو من الشواهد على سلامتها من النسخ .
قانون الكتب السماوية سلام
قانون وحدة الكتب السماوية بعث للرحمة والتراحم بين المسلمين وأهل الكتاب ، ومن البرهان القرآني في المقام ذكر الكتب السماوية الثلاثة في موضع وموضوع متحد من القرآن في قوله تعالى [نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ] ( ).
ومن الإعجاز في الآيتين أعلاه تكرار الإخبار السماوي عن نزول القرآن وتعدد تسميته ،فمرة باسم الكتاب ، وأخرى الفرقان ، مع حضور اسم القرآن مع أي اسم من أسمائه وهو من إعجازه.
ومن معاني الكتاب في المقام العهد ، ومن الفرقان الفيصل بين الحق والباطل ، وبين السلم والحرب .
والزاجر عن الفتنة والإقتتال .
ومع أن القرآن هدى للناس فهو يتصف بكونه بينات من الهدى، لبيان قانون عطف المفصل على المجمل .
وجاءت آية البحث من من عطف النهي الخاص على الأمر العام ، وهذا الإصطلاح مستحدث هنا ، ومنه [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا]( )، لأن ترك الربا موضوع خاص، أما الأمر بتقوى الله فهو عام ، ومنه قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ] ( ) ومنه قوله تعالى خطاباً لآدم وحواء [فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ]( ).
ومن مصاديق قوله تعالى [فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ]( ) أن كل كتاب سماوي نزل بالسلم ، والأمر به والدعوة إلى تعاهده ، وهو من الشواهد على إستدامة العمل بآيات السلم وسلامتها من النسخ .
الكتب السماوية نعمة متجددة
لقد خلق الله عز وجل آدم عليه السلام في الجنة [وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ]( ) وكلمه قبلاً ، وأبى الله أن يقطع هذه النعمة عن الناس ، فانزل الكتب السماوية على الأنبياء والرسل [مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ]( )، ليختمها بالقرآن ، ويختمه بحفظه ليبقى في الأرض إلى يوم القيامة سالماً من التحريف , وفيه تصديق بالكتب السماوية السابقة لتكون نعمة حاضرة وشاهدا متقدما زماناً على سلامة آيات السلم من النسخ.
ويتجلى أمران :
الأول : قانون الإيمان بالتنزيل إجمالاً ضرورة.
الثاني : قانون التصديق الجازم بالكتب السماوية حاجة للناس .
فمن إعجاز القرآن وجهاد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه تثبيت ضرورة الإيمان بالكتب السماوية ، والتداخل الموضوعي بينها وبين القرآن في التوحيد وأحكام الشريعة ، وكفايتها في هداية الناس ، والغنى بها عن السيف وعن نسخ آيات السلم .
ومن الكتب السماوية :
الأول : صحف إبراهيم ، قال تعالى [إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى]( ).
الثاني : التوراة التي أنزلت على موسى عليه السلام وجاء ذكرها بالإسم تسع عشرة مرة في القرآن لتأكيد هذا النزول ولمنع الغفلة عنها ، كما ذكرت مرتين بصفة الصحف مرة في الآية أعلاه من سورة الأعلى وأخرى في قوله تعالى [أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى]( )، وكل منهما سورة مكية.
الثالث : الزبور الذي أنزله الله عز وجل على داود وقد ورد في القرآن مرتين [وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا]( )، وقال تعالى [وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ]( ).
لبعث السكينة في قلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقلوب أصحابه وأن الله عز وجل يجعل المؤمنين ورثة الأرض فلا تضرهم أباطيل الذين كفروا .
وليكون من معاني الجمع بين آية البحث والآية أعلاه (يا أيها الذين آمنوا سترثون الأرض فلا يضركم لعب ومكر وإنكار المشركين) وفيه دعوة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين للصبر عليهم ، وعدم إستعمال السلاح والقتال .
وهل فيه بشارة دخولهم الإسلام ، الجواب نعم .
فمن مصاديق صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومعجزاته دخول الناس تباعاً في الإسلام حتى جاء فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة وأكثر أهلها مسلمون ، أي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يدخل على قوم مشركين ، لذا فالمختار أن دخوله مكة ليس فتحاً ولا صلحاً إنما هو سلام ومعجزة وتنجز لوعد من عند الله ، قال تعالى [إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ]( ).
الرابع : الإنجيل الذي أنزله الله عز وجل على الرسول عيسى ابن مريم ، ومن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم تعدد التصديق المبارك بالكتب السماوية السابقة من جهات :
الأولى : تصديق النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بنزول التوراة والإنجيل والكتب السابقة .
الثانية : تصديق القرآن للكتب السماوية السابقة ، قال تعالى [نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ]( ) فلا يكتفي القرآن بالتصديق بالكتب السماوية السابقة ، إنما هو يخبر عن كونها هدى وصلاحاً .
الثالثة : إتصاف سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع اليهود والنصارى بالسلم والموادعة والرحمة إلى حين مغادرته الحياة الدنيا ، وهو من الدلائل على سلامة آيات السلم من النسخ .
الرابعة : تصديق أجيال المسلمين والمسلمات بالتوراة والإنجيل والكتب السماوية السابقة ، ليكون اتصال وإستدامة هذا التصديق في كل زمان معجزة عقلية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وشاهد على تفضيله .
الخامسة : التصديق بالقرآن ، وآياته ، وأنه سالم من التحريف والزيادة والنقصان ، قال تعالى [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ]( ).
الخامس : نزول القرآن كتاباً جامعاً للأحكام الشرعية ، ومن إعجازه قانون نفاذ كلماته إلى شغاف القلوب ، قال تعالى [اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ] ( )، ولم يرد لفظ [أَحْسَنَ الْحَدِيثِ]في القرآن إلا في الآية أعلاه.
وهل آيات السلم منها ، الجواب نعم ، وهو من الشواهد على النفع العظيم منها ، وعلى سلامتها من النسخ .

الأفواج يدخلون الإسلام
ستبقى سورة النصر وعداً وبشارة وإخباراً عن واقع بحق وصدق وشواهد تأريخية ثابتة ، إذ قال تعالى [إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا( ) .
ويحتمل دخول الناس في الإسلام أفواجاً وجوهاً :
الأول : إنه بصيرة متحدة .
الثاني : ليس من البصائر التي تذكرها آية البحث .
الثالث : إنه بصائر متعددة للمعجزات العقلية ، وإبصار للمعجزات الحسية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وفيها غنى عن نسخ آيات السلم خاصة ، وأن كل آية منها معجزة بذاتها وموضوعها .
والمختار هو الثالث ، ووراء دخول كل فرد الإسلام قصة في الأسباب والكيفية والمناسبة وقصد الإنابة والسعادة بالإنتماء للإسلام لقانون الغبطة بالنطق بالشهادتين.
وورد لفظ (بصائر) خمس مرات في القرآن لبيان قانون الدنيا دار البصائر ، وأنها مصاحبة للنبوة .
وتدل عليه آيات البصائر الخمس وهي :
الأولى : آية البحث من سورة الأنعام( ).
الثانية : قوله تعالى [وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ]( ).
الثالثة : قوله تعالى [قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا]( ).
الرابعة : قوله تعالى [وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ]( ).
الخامسة : قوله تعالى [هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ]( ).
وقد وردت آيتان من آيات البصائر أعلاه بخصوص نبوة موسى عليه السلام في دلالة على أن الأنبياء جاءوا بالبصائر للناس جميعاً.
قانون النبوة أمن وموادعة
من الآيات في بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه لا يقاتل الذين لا يقاتلونه ليكون هو المستقرأ من منهاج الأنبياء في قوله تعالى [وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ]( ).
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحرص على الموادعة مع عامة الناس في مكة ، وكذا مع أهل الكتاب من اليهود والنصارى بعد الهجرة كما تجلى في وثيقة المدينة التي عقدها مع يهود المدينة ، وقال الله تعالى بخصوص وفد نصارى نجران [َقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ]( ).
لبيان قانون سنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم السلمية مرآة للقرآن وترجمان منه ، فكل من آيات السلم والسنة النبوية السلمية معصومة من النسخ خاصة وأن الآية أعلاه نزلت في السنة التاسعة للهجرة النبوية.
وقد زحفت قريش وحشدت القبائل في معركة بدر، وأحد ، والخندق مع أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لم يقصد غزوها، أو حملها على دخول الإسلام عنوة، بدليل أنه خرج من بين ظهرانيهم مستخفياً، قال تعالى[فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ]( ).
فنسبت الآية أعلاه الإخراج إلى الذين كفروا، كما نسب القرآن خروج آدم وحواء من الجنة إلى إبليس, قال تعالى[فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ]( ).
وبعد أن خرج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم طريداً مهاجراً من مكة صارت عنده جيوش وسرايا خلال سنة وسنتين , وتلك معجزة وآية تملي على عموم رجالات قريش التدبر في معجزاته والتصديق بنبوته.
ولم يكن الصحابة بصفة الجيش إنما كانوا بصفة الإيمان ، ولم ينتشروا في ساحات التدريب على السلاح ، إنما واظبوا على عمارة المسجد النبوي والمساجد الأخرى التي بُنيت في المدينة ، ليكون من معاني [وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ]( )، جهات منها :
الأولى :قانون لا يحصي جنود الله إلا هو سبحانه .
الثانية : وما يعلم جنود ربك إلا هو في أمور :
الأول : قانون الذب والدفاع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : قانون كثرة وإزدياد عدد المسلمين طردياً كل يوم من أيام البعثة النبوية ، قال تعالى [إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا] ( ) .
الثالث : بناء المسجد النبوي ومساجد المدينة الأخرى وعمارتها، وإزالة الموانع دون استمرار الصلاة فيها .
وهل صدّ ورد جيوش المشركين في معركة بدر ، وأحد ، والخندق من هذه الإزالة ، الجواب نعم ، لأنهم أرادوا استئصال الإسلام ، وفي التنزيل [يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ]( ).
ولم يرد لفظ (ليطفئوا) في القرآن إلا في الآية أعلاه ، كما لم يذكر لفظ (نور الله) في القرآن إلا فيها والآية المشابهة لها بقوله تعالى [يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ]( ).
الثالثة : وما يعلم جنود ربك في صرف القتال عن النبي والصحابة إلا الله عز وجل .
الرابعة : وما يعلم جنود ربك في سلامة آيات السلم من النسخ إلا الله عز وجل.
لفظ بصائر
وورد لفظ (بصائر) خمس مرات في القرآن ، ولها معنيان :
الأول : عام وهو التنزيل ومعجزات الأنبياء .
الثاني : خاص وهو القرآن ، قال تعالى [هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ]( ).
ومن الإعجاز في الآية أعلاه بيان النفع العام والخاص من القرآن فهو بصائر للناس جميعاً ، وهدى ورحمة للمؤمنين .
لتدل الآية أعلاه على قانون انتفاع كل إنسان من القرآن ، وهو الذي يتجلى بالواقع العملي ، كما يظهر بوضوح يوم القيامة ، قال تعالى [فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ]( ).
ولم يرد لفظ (ابصر) في القرآن إلا في هذه الآية مع ورود ذات الرسم خمس مرات فيه .
ويعود الضمير (أنا) في قوله تعالى [وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ] الى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
أول الآية
إبتدأت الآية بالأمر (قل) وتقديرها على وجوه :
الأول : المعنى العام وهو قل يا رسول الله قد جاءكم بصائر من ربكم.
الثاني : المعنى الخاص هو اختصاص الأمر بخاتمة الآية وتقديرها : قل يارسول الله وما أنا عليكم بحفيظ.
الثالث : إرادة المعنى الجامع للعام والخاص أعلاه .
والمختار هو الثاني ، للأصل وهو نسبة الكلام في الآية القرآنية إلى الله عز وجل ، ولا ينتقل إلى الرسول أو غيره إلا مع القرينة الصارفة ويتعلق القول بالنسخ هنا بآخر الآية وأنه نسخ بآية السيف [فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ]( ).
والمختار أن الآية ليست منسوخة وقد ورد لفظ (بحفيظ) مرتين في القرآن .
ووردت الآية الأخرى بخصوص شعيب عليه السلام وإنذاره لقومه مَدين ، قال تعالى [بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ]( ).
لبيان قانون إبلاغ النبي والرسول لقومه بأنه ليس عليهم بحفيظ ، أي أن ذكر شعيب شاهد على إتحاد سنخية النبوة ، ونسبة هذا القول لشعيب يدل على مغادرته الدنيا عليه ، وأنه ليس منسوخاً في شريعته ولا شرائع الرسل السابقين .
لقد شاء الله عز وجل أن تكون أرزاق الخلائق بيده وحده وهو المالك والحفيظ عليهم ، قال تعالى [وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ]( ).
وابتدأت الآية بصيغة الماضي [قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ]( )، وآية البحث من سورة الأنعام وهي سورة مكية ، وتحتمل صيغة الماضي في الآية أعلاه أوجهاً:
الأول : إرادة ما نزل من القرآن من سور مكية حتى أوان نزول سورة الأنعام .
الثاني : المقصود سورة الأنعام بالذات .
الثالث : إرادة آيات وسور القرآن كلها ، ما نزل منها في مكة ، وما سينزل في المدينة .
المختار هو الأخير فجاءت صيغة الماضي لإرادة الماضي والحاضر والمستقبل .
قال تعالى [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا]( )، والبصائر جمع بصيرة وهي إدراك البراهين والبديهيات ودلائل المعرفة .
النسبة بين البصائر والأبصار
ترى ما هي النسبة بين البصائر والأبصار ، الجواب هو العموم والخصوص من وجه ، والبصائر أهم وأكثر موضوعية في فعل الناس من الأبصار .
ومن إعجاز القرآن تسخيره للبصائر والأبصار لطاعة الله عز وجل فتتلقى البصائر الإعجاز العقلي لآيات القرآن ، وتتلقى الأبصار والأسماع عامة الإعجاز الحسي لآيات القرآن.
لقد سأل المشركون آيات حسية للتصديق برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مثل جعل جيل الصفا ذهباً فأخبر الله عز وجل الناس جميعاً أنه نزل القرآن بصائر وحكمة وضياءً فمن أبصر بقلبه وعينه فقد نجا وفاز ومن امتنع عن التدبر في هذه الآيات فانه يضر نفسه ويجلب الأذى لها.
وقد جمعت بعض الآيات القلوب والأبصار والأسماع ، ففي ذم الكفار ، قال تعالى [ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ]( ).
وأن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ليس عليهم حفيظاً ولا يمنع عنهم العقاب الأخروي ، وفيه شاهد بأن الآية غير منسوخة ، إذ أنها تبعث على التوبة والعمل والسعي في سبيل الله.
فمن خصائص القول بعدم نسخ الآية بآية السيف انها تمنع من الإتكال الواهم الذي لا يستند إلى حجة.
الآية الثانية والأربعون قوله تعالى [وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ]( ).
لم يرد قوله تعالى [قُلْ لَسْتُ] و [لَسْتُ عَلَيْكُمْ] إلا في آية البحث بينما ورد لفظ [الوكيل] خمس مرات في القرآن .
ومن معاني الآية أن الرسول لا يحمل الناس على الإيمان كرهاً ، فهو ليس وكيلاً عنهم ، ولا قيّماً أو وصياً عليهم ، كما يأخذ القّيم والوصي الموصى عليه .
ويدل على معنى الآية وعدم نسخها قوله تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً]( ) ، بلحاظ المعنى الأعم للآية .
والمختار أن قوله تعالى [قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ]( )، محكمة غير منسوخة ، وأن الناس مكلفون بالأصول والفروع ، وإنما الرسول مبلغ للتنزيل والأحكام ، لذا جاء القرآن بوجوب التدبر في تنزيله وفي آياته.
ولم يرد لفظ [كَذَّبَ بِهِ] في القرآن إلا في هذه الآية لبيان شدة قبح تكذيب قريش لرسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، مع كثرة المعجزات العقلية والحسية التي جاء بها .
والمراد من الضمير [وَهُوَ الْحَقُّ] القرآن ومضامينه القدسية ، والقرآن يفسر بعضه بعضاً ، قال تعالى [فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ]( ) فالقرآن حق في نزوله من عند الله ، وحق في أحكامه ، وفي أخبار وعلوم الغيب التي يتضمنها ، ومنازل عالم الآخرة .
و(قرأ عبد الله بن سهيل على أبيه { وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل }( ) .
فقال : أما والله يا بني لو كنت إذ ذاك ونحن مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمكة ، فهمت منها إذ ذاك ما فهمت اليوم لقد كنت إذ ذاك أسلمت)( ).
والقرآن حق وبرهان ساطع ودعوة سماوية للإيمان ، وبين الحق والصواب عموم وخصوص مطلق ، فالحق جلي وظاهر لا يستلزم الطلب ، بخلاف الصواب فانه يستلزم الطلب .
نفي وكالة غير الله
لقد وردت آيات بالتخفيف عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأنه ليس وكيلاً عن الناس منها :
الأولى : آية البحث قوله تعالى [وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ]( ).
الثانية : قوله تعالى [وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ]( ).
الثالثة : قوله تعالى [قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ]( ).
الرابعة : قوله تعالى [إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنْ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ]( ).
الخامسة : قوله تعالى [وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ]( ).
ومن الإعجاز في الآيات أعلاه أن كل واحدة منها خطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهل هذا التعدد من الأمارات على أن الآية محكمة غير منسوخة , الجواب نعم لصيغة التعضيد بينها , كما أن السنة النبوية تدل عليه , لتوجيه الخطابات التكليفية إلى كل إنسان على نحو مستقل وقد قام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتبليغ الرسالة , واجتهد في إصلاح الناس.
ذكر نسخ الآية
ذكر نسخ هذه الآية في :
الأول : الناسخ والمنسوخ لإبن سلامة وأنها منسوخة بآية السيف .
الثاني : ذكر النجار باسناده (عن الضحاك عن ابن عباس في قوله عز و جل قل لست عليكم بوكيل قال نسخ هذا آية السيف فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم
قال أبو جعفر هذا خبر لا يجوز أن ينسخ ومعنى وكيل حفيظ ورقيب والنبي صلى الله عليه وآله وسلم ليس هو عليهم بحفيظ إنما عليه أن ينذرهم وعقابهم إلى الله عز وجل)( ).
وفي هذا الخبر نكتة مع نقله خبر النسخ عن ابن عباس فانه أنكره لمنافاته لعمومات التكليف .
الثالث : الناسخ والمنسوخ للكرمي (قوله تعالى [قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ] ( )، منسوخة بقوله تعالى [لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ] ( ) .
قوله تعالى [قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ] ( ) أي بمسلط ألزمكم بالإسلام أو برقيب منسوخة بآية السيف)( ).
الرابع : مصفى الناسخ والمنسوخ لابن الجوزي ، الذي ذكر القول بنسخ الآية لأنها اقتصرت في حق الكفار على الإنذار من غير زيادة ثم نسخت بآية السيف .
ولكنه استدرك وقال أن الآية محكمة مع أن تعليله لعدم النسخ غير كاف ، إذ قال (أن معناه لست عليكم حفيظا إنما أطالبكم بالظواهر من الإقرار والعمل لا بالأسرار فعلى هذا هو محكم وهو الصحيح وتوكيده أنه خبر ) ( ) .
الخامس : الناسخ والمنسوخ للمقري 1/85 نسختها آية السيف .
والمختار سلامة الآية من النسخ ، وهي من آيات الإنذار للناس جميعاً ، لتحذيرهم من ظلم كفار قريش لأنفسهم بتكذيبهم الرسالة مع أن الله عز وجل خصهم بنعمة الإنذار الخاص والعام ، ومن الخاص قوله تعالى [وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ]( ) .
وتبين الآية وظيفة الأنبياء الرسل وأنها البلاغ والبشارة والإنذار ، ليكون واقع الهداية العام ودخول أفواج الناس في الإسلام حجة في صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومعجزة له .
الصلة بين صلح الحديبية والصيام( )
ترى ما هي الصلة بين صلح الحديبية وبين صيامنا في هذه الأيام مع مرور ألف وأربعمائة وثماني وثلاثين سنة على نزول قوله تعالى [إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا] ( )، الجواب من وجوه :
الأول : صيام المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها رشحة من رشحات آية الفتح أعلاه وصلح الحديبية .
الثاني : شيوع الإسلام في الجزيرة بعد صلح الحديبية ، وإزاحة حاجب الخوف من قريش عن الناس في دخول الإسلام .
الثالث : كثرة المسلمين والمسلمات الذين صاروا يصومون رمضان بعد الصلح .
الرابع : زيادة الإيمان عند المسلمين والمسلمات بعد صلح الحديبية .
الخامس : تثبيت فريضة الصيام في المجتمعات قبل مغادرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى .
السادس : قانون صلح الحديبية بداية انتشار أحكام الإسلام في الآفاق .
قال تعالى[إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا *لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا]( )، وهذا اليوم هو السبت الثالث من شهر رمضان من السنة 1444 هجرية ، وهل صيام المسلمين والمسلمات في كل عام من مصاديق الفتح المبين في الآية أعلاه أم أنه أجنبي عنها ، الجواب هو الأول .
ومن الإعجاز الوثائقي في القرآن صبغة السلم في تحقق الفتح ، وهو أمر انفرد به النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من بين الأنبياء ، وفيه وجوه :
الأول : المراد بالفتح في الآية أعلاه هو صلح الحديبية.
الثاني : تفضيل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتحقق الفتح له ضد المشركين .
الثالث : تحقق الفتح بالصلح مع قوم مشركين جهزوا الجيوش عدة مرات ضد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
الرابع : دلالة تسمية صلح الحديبية فتحاً في القرآن على قانون ( آيات السلم محكمة غير منسوخة) ، وأن المسلمين بحاجة إليها في كل زمان .
الخامس : هداية المسلمين إلى طريق السلم ، واتخاذه منهاجاً ، وإدراك أنه فتح بالذات والأثر ، قال تعالى [وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ]( ).
السادس : تجلي منافع صلح الحديبية في كل زمان وإلى يوم القيامة وهو من مصاديق تسميته [فَتْحًا مُبِينًا]( )، فهو بيّن وظاهر بذاته ونفعه وبركته في كل زمان ، ليكون عضداً لآيات السلم والعمل بها واتخاذ المسلمين لها منهاجاً في الوقائع والأحداث في كل زمان.
النسبة بين القرض والربا
وهي نسبة العموم والخصوص من وجه ، فمادة الإلتقاء من وجوه :
الأول : إتحاد الموضوع ، فكل من القرض والربا يتعلقان بالمال .
الثاني : تنجز المعاملة بطرفين .
الثالث : ورود كل من القرض والربا في آيات القرآن ، وفي الحديث النبوي ، وفي الواقع اليومي للناس في مختلف الأمصار.
الرابع : وفرة المال عند المربي والدائن ، وحاجة المدين .
الخامس : حرمة الربا تجعله كالقرض ، فليس للمدين إلا رأس ماله ، قال تعالى في النهي عن الربا ولزوم الإنتهاء عنه [وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ]( ).
ولم يرد لفظ [لَا تَظلِمونَ] في القرآن إلا في الآية أعلاه بينما ورد قوله تعالى [لَا تُظلمُونَ] أربع مرات لبيان فضل الله عز وجل بصرف الظلم عن الناس .
وآيات السلم عون في دفع الظلم عن الناس باللجوء إلى الصلح والموادعة واتخاذ البرهان والحجة منهاجاً ، لذا أمر الله عز وجل كل مسلم ومسلمة بتلاوة قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]( )، سبع عشرة مرة في اليوم والليلة في الصلاة الواجبة عدا المستحبات ، وبين الصراط والمستقيم وكل من السلم والصلح واتخاذ البرهان نوع طريق عموم وخصوص مطلق.
السادس : استحباب الصدقة والوضع من أصل الدَين سواء في المال الربوي أو القرض لقوله تعالى [وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ] ( ).
أما مادة الإفتراق فمن جهات :
الأولى : شرط الزيادة في الربا ، وعدمها في القرض .
الثانية : حرمة الربا واستحباب القرض ، قال تعالى [وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا]( ) أما القرض فتشمله الحلية والإستحباب أيضاً .
الثالثة : يسمى صاحب المال في المعاملة الربوية (المرُبي ) بينما يسمى في القرض (المُقرض ) ولكل اسم دلالته ، أما الذي يقترض فيسمى (المقترض ، والمستقرض ) .
الرابعة : قانون القرض نفع محض للمقرض والمقترض ، وقانون الربا أثم وضرر على طرفي العقد .
الخامسة : نزول القرآن بحرمة الربا ، وباستحباب القرض .
السادسة : تخصيص آيات للنهي عن الربا ، وآيات في استحباب القرض ، ومنه قوله تعالى [وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ] ( ) .
وقيل أن الآية أعلاه خاصة بأصل المال الربوي ولكنها مطلقة في القرض.
السابعة : الأجر والثواب العظيم على الإقراض في الدنيا والآخرة ، أما الربا ففيه البلاء في الدنيا والعقاب في الآخرة ، قال تعالى [يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ]( ).
ومن إعجاز القرآن مجئ أطول آية في القرآن بخصوص التداين وهي [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ]( ).
(وعدد كلماتها هو مائة وثماني وعشرون كلمة، وعدد حروفها خمسمائة وواحد وخمسون حرفاً)( ).

قانون حجة الوداع تثبيت عملي لآيات السلم
سميت حجة الوداع لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ودّع المسلمين فيها ، وهي أول وآخر حجة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد الهجرة.
وخطب فيها خطبة كلها قوانين وقواعد شرعية وأخلاقية خاصة مع كثرة عدد المسلمين الذين حضروا الحج تلك السنة.
لقد أعلن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في شهر ذي القعدة من السنة العاشرة للهجرة عن عزمه أداء مناسك الحج فتسابق وتناجى المهاجرون والأنصار رجالاً ونساءً وعامة المسلمين بالفوز بصحبة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأداء الحج معه.
ليكون من معجزاته في المقام مسائل :
الأولى : أنه خرج من مكة مهاجراً خائفاً يترقب ليس معه إلا واحد من أصحابه ، ويتبعهما الطلب في هجرته إلى المدينة ، قال تعالى [إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] ( ).
ليسلم من القتل والإغتيال ، وحروب قريش وعامة المشركين في الجزيرة ضده ، فيتوجه وعاد إلى مكة بعد عشر سنوات ومعه عشرات الآلاف من الصحابة ، ويستقبلهم عامل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مكة وهو عتاب بن أسيد وأهل مكة وهم مسلمون ، قال تعالى [إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ]( ) [الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ]( ).
ومن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم دلالة حجة الوداع على ثبات واستدامة منهاج السلم في رسالته فهي ترجمة رسالية عملية لآيات السلم ولزوم تعاهدها.
الثانية : من معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع أنه لم ير مشركاً في مكة والطريق إليها ، لبيان أن نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم سلام دائم ، ومناسبة لأداء الناس للحج والعمرة.
فحجة الوداع شاهد على قانون (آيات الدفاع سلام دائم) والذي صدرت بخصوصه الأجزاء (201-214-215-228-230) من هذا السِفر وهي تثبيت لمصاديق قوله تعالى [وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا] ( ).
الثالثة : استعمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم على المدينة أبا دجانة الساعدي الأنصاري ، عند توجهه لحجة الوداع.
الرابعة : لم ير النبي صلى الله عليه وآله وسلم مشركاً سواء في الطريق إلى مكة أو في مكة أو عند الرجوع منها .
الخامسة : الأمن والسلامة في طريق الحج ، وفي مكة ، فمع وقوع الحج في الأشهر الحرم إلا أن الأمن لم يتحقق قبل فتح مكة ، قال تعالى [يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ] ( ).
السادسة : كثرة عدد الصحابة الذين حجوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
السابعة : بيان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأحكام الشريعة في خطبته في الحج والتي سميت أيضاً خطبة الوداع .
ويدل هذا البيان على أولوية العمل بأحكام العبادات والمعاملات ونبذ الحرب والإقتتال .
فمن ضمن خطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أيام منى في حجة الوداع (ألا لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ، إلا إن الشيطان قد آيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكنه في التحريش بينهم)( ).
ليكون إلتفات المسلمين العام لهذا التحريش القبيح مقدمة للعمل بآيات السلم.
الثامنة : تسمية النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما قبل الإسلام بعهد الجاهلية ، لبيان أن وصف العلماء والكتاب له بالجاهلية مستقرأ من حديث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إذ قال في خطبته (ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع)( )، لبيان قانون اقتران فعل الحرام مع الجاهلية .
التاسعة : تأكيد النبي صلى الله عليه وآله وسلم على العناية والرأفة بالنساء وفق سنن التقوى والخشية من الله ، إذ قال في خطبة الوداع (عن جابر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أنه قال في حجة الوداع : واتَّقُوا اللهَ في النِّساءِ، فإنهن عندكم عَوَانٌ، ولكم عليهن ألا يُوطِئْنَ فُرُشكم أحدا تكرهونه، فإن فَعَلْن فاضربوهن ضَرْبا غير مُبَرِّح، ولهن رزْقُهنَّ وكِسْوتهن بالمعروف) ( ).
وكان إحرام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لحجة الوداع من مسجد الشجرة (لست بقين من ذي القعدة سنة عشر نهارا بعد أن ترجل وادهن وبعد أن صلى الظهر بالمدينة وصلى العصر من ذلك اليوم بذى الحليفة ليلة الجمعة وطاف تلك الليلة على نسائه ثم اغتسل ثم صلى بها الصبح ثم طيبته عائشة) ( ).
و(عن جابر قال أهل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحج ليس معه عمرة)( ).
العاشرة : تسمية الحجة بحجة الوداع ليس لأن النبي لا يحج بعدها فقط ولكن لإقتراب مغادرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى ، ومنه قوله (وإني قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله ، وأنتم مسؤولون عني فما أنتم قائلون .
قالوا : نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت قال : اللهم اشهد ، ثم أذن بلال ، ثم أقام فصلى الظهر ، ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئاً.
ثم ركب القصواء حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات ، وجعل جبل المشاة بين يديه.
فاستقبل القبلة فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً حين غاب القرص ، وأردف أسامة خلفه.
فدفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد شنق للقصواء الزمام حتى أن رأسها ليصيب مورك رحله.
وهو يقول بيده اليمنى : السكينة أيها الناس كلما أتى جبلاً من الجبال أرخى لها قليلاً.
حتى صعد حتى أتى المزدلفة ، فجمع بين المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئاً.
ثم اضطجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى طلع الفجر ، فصلى الفجر حين تبين له الصبح)( ).
تقدير (وضع للناس)
من معاني [إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ]( )، جهات كثيرة منها :
الأولى : وضع البيت الحرام للناس ليؤمنوا بالله .
الثانية : وضع للناس للإمن والإستجارة .
الثالثة : وضع للناس للحج والعمرة .
الرابعة : وضع للناس ليجتمعوا عنده في مرضاة الله ، قال تعالى [أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ]( ).
الخامسة : وضع البيت الحرام لأجيال الناس المتعاقبة .
السادسة : وضع للناس لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من جواره .
السابعة : وضع للناس لنبذ الإقتتال والحروب .
الثامنة : وضع للناس لضبط العبادات في الحج .
التاسعة : وضع للناس لتعاهد الأشهر الحرم ، قال تعالى [إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ]( ).
العاشرة : وضع للناس من عند الله عز وجل لبيان معجزة وهي سلامته من الغزو والتعدي عليه ، لذا سمي البيت العتيق ، ومن معانيه عتقه من الجبابرة والطغاة ولا يدعي جبار أنه له ، قال تعالى [وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ]( ).
ومن معاني هذه التسمية ملازمة السلم لوجود الإنسان في الأرض وأنه الأصل في عمارة الإنسان للأرض بالسلم والأمن ، لتصل مفاهيم السلم إلى أرجاء الأرض ، وهو من مصاديق قوله تعالى [لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا]( )، وجاء قتل قابيل لأخيه هابيل أمراً عرضياً سرعان ما دبّ الندم في نفس هابيل ليكون زاجراً لغيره عن الإقدام على سفك الدماء .
وجاءت آيات السلم رحمة ورادعاً سماوياً عن الإقتتال لبيان قانون موضوع آيات السلم حرز لها من النسخ.
ومن الآيات في المقام ما حلّ بأبرهة وجيشه من الهلاك العاجل ، قال تعالى [أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ]( ).
قانون التشريف بمعجزة الفتح
لقد خص الله عز وجل النبي محمداً بالفتح من جهات :
الأولى : قانون الفتح بالصلح والسلم ، ولا يقدر عليه إلا الله عز وجل ، خاصة مع كثرة عدد وعدة وأموال المشركين .
الثانية : النبي محمد سيد المرسلين .
الثالثة : تجدد الفتح لخاتم النبيين إلى يوم القيامة .
الرابعة : تفرع فتح مكة عن صلح الحديبية ، ومن فيض هذا الفتح واقبال وتوجه الوفود إلى المدينة لدخول الإسلام .
والمشهور والمختار أن المراد من الفتح في قوله تعالى [إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا] ( )، هو صلح الحديبية ، ولكن هل يشمل فتح مكة ، الجواب نعم ، فقد صار صلح الحديبية طريقاً لأمور :
الأول : وقف القتال بين المسلمين والمشركين .
الثاني : إشاعة الأمن في الجزيرة .
الثالث : تنشيط التجارة وعودة القوافل بين مكة والشام ، ومكة واليمن.
الرابع : تجاهر المسلمين بالدعوة إلى الله عز وجل وتعظيم شعائر الله ، وبيان قبح عبادة الأوثان ، وما أدى إليه سفه عقول المشركين من الأضرار العامة والخاصة بمحاربتهم النبوة والتنزيل .
الخامس : دخول القبائل في الإسلام لزوال الخشية من رؤساء قريش .
السادس : إجتهاد المسلمين والمسلمات من أهل مكة بالدعوة إلى الإسلام ، وتلاوتهم القرآن جهراً مع التدبر في إعجاز آياته .
السابع : حفظ المسلمين لآيات القرآن ، وتلقي التنزيل بشوق ، والتدبر في معانيه .
الثامن : تفقه المسلمين في الدين ، وأحكام العبادات والمعاملات ، قال تعالى [وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ]( ).
آيات القتال مدنية للدفاع
ليس من آية قرآنية من السور المكية تدعو النبي صلى الله عليه وآله وسلم لقتال المشركين .
إنما نزلت آيات القتال في المدينة ، وتتضمن معنى الدفاع والقدرة في دفع جيوش المشركين ، ومنعهم من قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، وسبي النساء ، وتخريب المدينة ، ونهب أموال أهلها من المسلمين واليهود وغيرهم .
والآيات التي ذكر فيها لفظ القتال هي :
الأولى : قوله تعالى [كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ] ( ).
الثانية : قوله تعالى [يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ] ( ).
الثالثة : قوله تعالى [وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا]( ).
الرابعة : قوله تعالى [وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنْ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ]( ).
الخامسة : قوله تعالى [أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلاَ أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنْ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً]( ).
معجزة الفتح بالصلح
من المعجزات التي اختص بها النبي محمد أن الله رزقه الفتح المبين ، فمن الأنبياء من غادر الدنيا على إيذاء قومه له ، ومنهم من تعرض للقتل ، قال تعالى [فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ]( ).
ولم يرد لفظ انبياء الله في القرآن إلا في الآية أعلاه لبيان ملاقاتهم الأذى الشديد من قومهم .
وجاء لفظ (رسل الله) مرة واحدة في القرآن في ذم جحود رؤساء الكفر من قريش ووجهائهم برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
(وقال مقاتل : نزلت في أبي جهل بن هشام وذلك أنه قال : زاحمنا عبد مناف في الشرف حتى إذا صرنا كفرسي رهان ، قالوا : منا نبي يوحى إليه ، واللّه لا نؤمن به ولا نتبعه أبداً إلاّ أن يأتينا وحي كما يأتيه)( ).
و(روي أن الوليد بن المغيرة قال للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم : لو كانت النبوّة حقاً لكنت أولى بها منك لأني أكبر منك سناً وأكثر منك مالاً)( ).
ووهو من الأذى الذي لاقاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
وورد لفظ (رسل) بالإضافة إلى الرب في ثلاث آيات :
الأولى : في الثناء على أهل الجنة وبيان سعادتهم وشكرهم لله عز وجل على نعمة الهداية بقوله تعالى [الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمْ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ]( ).
الثانية : في ذم وتبكيت أهل النار قال تعالى [قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ]( ).
الثالثة : في خطاب الملائكة للوط والبشارة بنجاته من العذاب النازل بقومه [قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنْ اللَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمْ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ]( )، وذكر قرب الصبح لبيان شدة أذى لوط من قومه .
لقد كان الفتح معجزة ومقدمة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في واقعة واحدة من وجوه :
الأول : قانون عدم مغادرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الدنيا إلا بعد تحقق الفتح له .
الثاني : قانون تنجز الفتح بمشيئة وإرادة من الله عز وجل ، لقوله تعالى [إِنَّا فَتَحْنَا ].
الثالث : قانون إتصاف الفتح بأنه جلي وظاهر ومنافعه متصلة لوصفه بكونه [مُبِينًا].
الرابع : قانون تنجز الفتح للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالصلح وليس القتال ، وهو من الشواهد على سلامة آيات السلم من النسخ
قانون الخلق الحميد
النسبة بين الوحي ووصايا آيات الأخلاق هي العموم والخصوص المطلق ، فما نبي إلا أوحى الله إليه بوجوب الأخلاق الحميدة ، ونبذ الأخلاق والعادات المذمومة .
وفاز النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لبلوغ مرتبة الخلق العظيم مع الوحي وبالدلالة التصديقية والشواهد الكثيرة في السنة النبوية ، قال تعالى [وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ]( ).
وموضوع الوحي هذا من أسباب خصومة المشركين للأنبياء ، والإمتناع عن التصديق برسالاتهم ، واختص القرآن بأن نزلت آيات الأخلاق بالنص الإعجازي الثابت إلى يوم القيامة ، الممتنع عن التحريف والزيادة والنقيصة ، والظاهر بالبيان السالم من التأويل الخاطئ ، والمعصوم من تعدي أهل الضلالة والفسوق .
والنسبة بين الخلق الحميد والخلق العظيم الذي تذكره الآية أعلاه عموم وخصوص مطلق ، و(عن أبي عبدالله الجدلي قال : قلت لعائشة : كيف كان خلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟
قالت : لم يكن فاحشاً ولا متفاحشاً ولا سخاباً في الأسواق ، ولا يجزي بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويصفح)( ).
ولا يهب ويعلم ويحصي عظيم الثواب على الخلق الحميد إلا الله عز وجل ، لوجوه :
الأول : هذا الثواب أعظم من التصور الذهني للناس.
الثاني : الثواب على الخلق الحميد في نماء متصل وغير منقطع .
الثالث : مجئ الثواب لصاحب الخلق الحميد من فعله وصبره ، ومن إقتداء الناس به ، فمن لطف وإحسان الله عز وجل مجئ ثواب للعبد من فعل غيره من جهات :
الأولى : الذي يقتبس ويتعلم الصالحات من المسلم .
الثانية : تلقي الأمر بالمعروف بالإمتثال ، والنهي عن المنكر بالإنزجار ولو بعد حين .
ولو تعدد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واستجاب المأمور أو لم يستجب فان الله عز وجل يرزق جميع الأمرين الأجر والثواب من خزائنه التي لا تنفد .
وهل هناك خزائن خاصة لكل من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أم أن خزائن رحمة الله عامة .
المختار هو الأول ، قال تعالى [وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ]( )لبيان أن خزائن الله من اللامتناهي .
وهل الخلق الحميد من الخير في قوله تعالى [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ]( ).
الجواب نعم ، لأن الخلق الحسن خير محض ولأن الدعوة في الآية أعلاه أعم من الدعوة القولية الصريحة ، فكذا جمعت الآية بين الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لوجود أفراد مستقلة لكل منها إلى جانب الأفراد المشتركة بينها.
وقد تقدم الكلام في الجزء الثامن والستين من هذا السِفر والذي يختص بتفسير الآية الكريمة أعلاه من سورة آل عمران.
النبي هود وقبيلة عاد
وعاد هم قوم النبي هود عليه السلام نسبة إلى أبيهم الأقصى عاد لذا أونث عاد [كَذَّبَتْ عَادٌ] بلحاظ القبيلة ، وفيه ذم للقوم الكافرين.
لقد امتازوا بقوة الأبدان وقاموا بنحت بيوتهم من الجبال ، ولابد أنهم اخترعوا آلات وأدوات يسرت لهم هذا النحت والمباهاة فيه وكانوا في نعمة وترف ، ورزقهم الله كثرة الأنعام والأنهار والبساتين ، ومن طغيانهم وجحودهم بالنعمة عبادتهم الأوثان ، وإنكارهم عالم الآخرة كما ورد حجة عليهم وتوثيقاً في القرآن [إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ]( ).
وهم من العرب لما ورد (عن أبي ذر قال : قلت : يا رسول الله كم الأنبياء؟
قال : مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألفاً . قلت : يا رسول الله كم الرسل منهم؟
قال : ثلثمائة وثلاثة عشر جم غفير . قال : يا أبا ذر أربعة سريانيون : آدم ، وشيث ، ونوح ، وخنوخ وهو إدريس ، وهو أوّل من خط بقلم ، وأربعة من العرب : هود ، وصالح ، وشعيب ، ونبيك ، وأوّل نبي من أنبياء بني إسرائيل موسى ، وآخرهم عيسى ، وأوّل النبيين آدم ، وآخرهم نبيك)( ).
وقد اجتهد هود عليه السلام وأصحابه في إنذارهم وبيان نعم الله عز وجل العظيمة عليهم ، ودعاهم إلى الإيمان ولكنهم جحدوا وتمادوا في الغي ، فنزل بهم العذاب.
وهل يدل قوله تعالى [كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ]( )، على إرادة رسول واحد وهو هود عليه السلام أم أنهم كذبوا عدداً من الرسل فنزل بهم العذاب ، المختار هو الثاني لوجوه :
الأول : حمل الكلام العربي على ظاهره إلا مع الدليل على الخلاف.
الثاني : بيان فضل ورحمة الله بالناس في كثرة الأنبياء والرسل للأمم.
الثالث : تأسيس قانون وهو عدم مجئ العذاب لأمة من الأمم إلا مع تعدد الأنبياء .
الرابع : قانون إنحصار صيغة الجمع للمنفرد في القرآن بالله عز وجل .
الخامس : ذكر النبي هود عليه السلام لقومه قصص الأنبياء السابقين ، وإنذارهم لقومهم ، وعدم اتعاظ الكافرين لحين نزول العذاب بهم .
ومن الإعجاز في خصائص الرسل أن كل واحد منهم جاء حاملاً للواء السلام لقومه ولغيرهم ممن جاورهم ومن يأتي بعدهم ، وليكون مقدمة لرسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
ليكون من الإعجاز في المقام دعاء موسى عليه السلام ليكون هارون وزيراً له ، فرزقه الله عز وجل مرتبة النبوة قال تعالى [وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا]( ).
ليصدق معه تعدد الأنبياء إلى فرعون وقومه إن لم يكن انبياء آخرون غيرهما .
والمختار تعاقب الأنبياء منذرين لأهل مصر وأن إيمان السحرة عن معجزة العصا الحاضرة ، وعن العلم بقانون اقتران النبوة بالمعجزة ، وهو حجة على سلامة آيات السلم من النسخ ، لكفاية المعجزة في هداية الناس إلى الإيمان ، ولأن النبي محمداً جاء بالمعجزة العقلية والحسية .
وقد بعث الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم على فترة من الرسل ، بين رسالة عيسى عليه السلام وبينه نحو ستمائة سنة ليس فيها نبي ، واجتهد في الدعوة إلى الله من غير أن يشهر سيفاً ، وقد تحمل الأذى صابراً في سبيل الله وامتنع عن الدعاء على قومه.
و(عن عائشة؛ أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا رسول الله، هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟
فقال : لقد لقيتُ من قومك، وكان أشد ما لقيت منه يوم العقبة؛ إذ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل ابن عبد كُلال، فلم يجبني إلى ما أردتُ.
فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا بقرن الثعالب.
فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظَلَّتْني، فنظرت فإذا فيها جبريل، عليه السلام، فناداني .
فقال : إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك مَلَك الجبال لتأمره بما شئت فيهم .
قال : فناداني مَلَك الجبال وسلم علي، ثم قال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك، وقد بعثني ربك إليك، لتأمرني بأمرك، فما شئت ، إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله، لا يشرك به شيئا)( ).
قراءة [يُطِيقُونَهُ]
ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يصوم من كل شهر ثلاثة أيام ، وصام عاشوراء ، ثم فرض الله عز وجل عليه وعلى الأمة الصيام.
وعن ابن عباس [يُطِيقُونَهُ] مخففة ومشددة وذكر أن المراد الهرِم، والعجوز الكبيرة الهرمة ، يطعمون لكل يوم مسكيناً ولا يقضون .
وعن(ابن عباس ، ومجاهد [وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ]( )، وتأويلها : وعلى الذين يكلفونه ، فلا يقدرون على صيامه لعجزهم عنه)( ).
(عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا : وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ، قَالَ : الشَّيْخُ الْكَبِيرُ الَّذِي كَانَ يُطِيقُ الصَّوْمَ وَهُوَ شَابٌّ فَأَدْرَكَهُ الْكِبَرُ وَهُوَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَصُومَ مِنْ ضَعْفٍ ، وَلَا يَقْدِرُ أَنْيَتْرُكَ الطَّعَامَ فَيُفْطِرَ وَيُطْعِمَ عَنْ كُلِّ يَوْمِ مِسْكِينًا نِصْفَ صَاعٍ)( ).
إذ أن القراءة أعلاه شاذة ، والمراد من القراءة الشاذة هي التي لا تجتمع فيها شرائط القراءة المتواترة وهي :
الأول : صحة السند .
الثاني : مشابهة رسم المصاحف العثمانية .
الثالث : موافقة القواعد العربية .
والمختار أن القرآن الذي بين أيدينا هو الذي أنزل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو خال من التحريف والزيادة والنقصان ، فاذا خالفت القراءة هذه الشرائط اختل ركن منها ، وتسمى على وجوه :
الأول : قراءة شاذة .
الثاني : قراءة باطلة .
الثالث : قراءة ضعيفة ، وإن وردت عن بعض القراء السبعة .
وقد يستدل بقوله تعالى [وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ] في سياق المسافر ، والجواب عليه من جهات :
الأولى : ما ورد عن معاذ بن جبل بأن الصيام مرّ بمراحل وقوله تعالى [وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ] أي يتحملونه وهم يخيرون بين الصيام والإفطار ثم نزلت فريضة الصيام بقوله تعالى [فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ]( ).
الثانية : مجئ الآية التالية بقوله تعالى [فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ]( ) مما يدل على أن قوله تعالى [وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ] ( )، لا يعني الصيام في السفر لأن هذه الآية تنفي هذا المعنى من غير تعارض بين الآيتين ، ولكن احداهما تفسير للأخرى ، وهو سبب لقطع الخلاف بين المسلمين في المقام .
الثالثة : نزل الأمر بالأخذ بالتخفيف والرخصة والتسهيل في ذات آية فريضة الصيام ، ويحب الله أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يوخذ بعزائمه .
الرابعة : ورود الأحاديث والنصوص بالإفطار في السفر ، وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (ليس من البّر الصيام في السفر)( ).
ويروى أن أنس بن مالك (قال : كنّا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فمنّا الصائم ومنا المفطر فنزلنا في يوم حار واتخذنا ظلالاً فسقط الصوّام وقام المفطرون فسقوا الرّكاب.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ذهب المفطرون اليوم بالأجر)( ).
والخلاف بين المسلمين في الصيام في السفر وهل هو رخصة أو عزيمة صغروي ، بمعنى لا يستلزم الشقاق وكثرة العناية به ، والوقوف عنده وحده ، فوجوه الإتفاق والإجماع بين المذاهب الإسلامية في الصيام كثيرة ، وهو من فضل في ضوابط الصيام في أوانه ومدته وأحكامه في الكتاب والسنة.
وهو شاهد على عناية المسلمين بالفرائض العبادية ، والتفقه في الدين ، وهو من الأمارات على سلامة آيات السلم من النسخ لأن الأولوية في حياة المسلمين اليومية أداء الفرائض العبادية ليتحقق مصداق عام متوارث في مشارق الأرض ومغاربها لقوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ]( ).
وشهر رمضان ليس من الأشهر الحرم ، ولكن له قدسية خاصة لبيان وجوب العناية بكل يوم من أيام السنة ، وعدم حصرها بالأشهر الحرم ، قال تعالى [إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ]( ).
نعمة موادعة أهل الكتاب
من إعجاز القرآن تحقق الإمتثال لأوامره ونواهيه ، وتجلي المصداق العملي لمضامين آياته ، ومنه في المقام :
الأولى : عقدت بخصوص أهل الكتاب (وثيقة المدينة) بين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واليهود الذين فيها ، وهي دستور لتنظيم الصلات والمعاملة معهم ، وتسمى أيضاً (صحيفة المدينة).
الثانية : صلح النبي مع وفد نصارى نجران الذين قدموا إلى المدينة في السنة التاسعة للهجرة والتي تسمى عام الوفود ، وعددهم ستون راكباً ، فيهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم ، ومن بينهم ثلاثة هم أصحاب القرار :
أولاً : العاقب وهو أميرهم ، والذي يصدرون عن رأيه واسمه عبد المسيح .
ثانياً : السيد ، وهو عالمهم وصاحب الفتوى ، واسمه الأيهم، ويقال شرحبيل .
ثالثاً : (أبو حارثة بن علقمة الذي هو حبرهم وإمامهم وصاحب مدارسهم .
وكان قد شرف فيهم ودرَّس كهنتهم من حسن عمله في دينهم،
وكانت ملوك الروم قد شرّفوه (وموّلوه وبنو له) الكنائس لعلمه واجتهاده)( ).
إن مجئ هذا الوفد وجدالهم واحتجاجهم مع النبي وامتناعهم عن المباهلة ثم رضاهم بدفع الجزية معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وشاهد على استدامة قوانين السلم في الشريعة الإسلامية ، وهي مصداق على سلامة آيات السلم من النسخ.
لقد دخلوا المسجد النبوي بعد صلاة العصر وعليهم الوقار والهيبة منظراً ولباساً إذ ارتدوا الجبب والأردية .
(فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ما رأينا وفداً مثلهم جمالاً وجلالة) ( ).

قانون إجتماع العبادة والصدقة في موضوع متحد
حمل قوله تعالى [وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ]( ) على المعنى الأعم للصدقة لا يلغي خصوصية التصدق وعلى المعسر نفسه بمقدار الدين، وقد يتعلق بذمة الدائن مقدار من الزكاة فيستحب له جعله في قضاء الدين، فينطبق العنوانان على موضوع واحد، باحتساب الزكاة على المدين كونه فقيراً ومعسراً .
لتتجلى منافع اقتصادية واخلاقية للزكاة، ويتحقق واقعاً لطف الله تعالى بهذا الفقير وضـــرورات تشــريع الزكاة، فــيزداد الفقيــر إيماناً، وتغمر السعادة الدائن لأنه استطاع أداء الزكاة وإمهال المدين ثم التصدق عليه، وتكون حينئذ الصدقة أفضــل وأحســن من الإمهال مع ما في الإمهال من أجر وثواب.
وقد يأتي الفعل الواحد جامعاَ للعبادة وحسن المعاملة في آن واحد كما في الإنفاق في العبادات الشخصية , وإعانة الغير عليها , وهو من مصاديق قوله تعالى [ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ] ( ).
ومن إعجاز الآية القرآنية قانون الحكم المتعدد في الموضوع الواحد مع التكليف والمشقة فيهما مجتمعين ومنفردين , ومع هذا يتلقاه المسلمون والمسلمات بالإمتثال والعمل هذا مع حداثة دخولهم الإسلام , وكثرة الأوامر العبادية والمعاملاتية والنواهي فيه , فجاءت هذه الآيات بمسائل ومراتب وهي :
الأولى : قانون إسقاط الفوائد الربوية , والرضا بأخذ رأس المال وحده ولا يعلم أفراد البركة في هذه النعمة إلا الله عز وجل .
فإذا كان قد أقرضه ألف دينار وجعل عليها فائدة ربوية مائتي دينار فإنه لا يستحق عند حلول الأجل إلا الألف دينار وإلا فإن الدائن يواجه حرباَ من الله عز وجل ورسوله لقوله تعالى [فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ]( ).
ومن الحرب إنتفاء البركة في المال , ومعاقبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم للمرابي إذا أصر على أخذ الفائدة الربوية ، ولا يعلم سنخية وكيفية حرب الله ورسوله على الذي يصر على أخذ الربا والفائدة على القرض إلا الله عز وجل ، وفيه بعث للخوف في نفوسهم ، ودعوة للتوبة والإنابة .
الثانية : قانون إمهال المعسر لحين التمكن من الأداء.
الثالثة : التصدق عليه على نحو الصدقة المستحبة , أو احتساب ما في ذمته من الزكاة سهم الغارمين الذين ركبتهم الديون.
والمرتبة الثالثة أعظم أجراً لأن فيها اخراجاً للزكاة وهذا المدان صار سبباً لاخراجها ودفعها وابراء ذمة الدائن منها.
فان قلت : لماذا هذا الترتيب والتعــدد ولم تأمــر الآية بالتصـدق مباشرة، الجواب على وجوه:
الأولى : ليس كل دائن تعلقت بذمته زكاة، فمن لم يكن عنده زكاة او خمس يتعين عليه الإمهال والإنتظار.
الثانية : قد يكون قضاء الدين في وقت ليس فيه زكاة او حاصل او رأس سنة شرعية.
الثالثة : قد يرى صاحب الزكاة أولويات اخرى أولى من إسقاط الدين عن الغارم ، وقد يقضــي بالزكاة ديــن مدين لغــريم آخر، ويبقى منتظــراً لغريمه، كما لو كان المــدان أجنبياً، ولكن أخــا الدائن مشــغولة ذمتـه لغريم آخر، فيقدم الرحم ويقضي بالزكاة او بصدقة التطوع دين أخيه لقوله تعالى [وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ]( ).
صيغة الجمع في التصدق
قال تعالى [وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ]( )، لم يرد لفظ (تصدقوا) في القرآن إلا في الآية أعلاه ليشمل الخطاب المؤسسات الخيرية وبيت المال ، والتعاون في سبل الخير ، قال تعالى [وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى]( ).
وصيغة الجمع في التصدق دعوة للمسلمين والمسلمات للمبادرة الى الزكاة والصدقة المندوبة ونشر الإحسان وإعانة الفقراء والمحتاجين ، وهو شاهد على صبغة السلم في الإسلام وإجراء المعاملات بلطف وإحسان وصبر ، وذات الوزن في صياغة الجملة لم يرد في القرآن الا في قوله تعالى [وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ]( ) مما يرجح معه ان المراد هو الزكاة الواجبة وما هو أعم من التصدق على المدين باسقاط الدين.
وهذا المعنى الأعم للآية هو الأفضل حتى بالنسبة لموضوع المدين العاجز عن الأداء لأن مقتضى العموم توجه النداء الى جميع المسلمين والمسلمات لإعانته.
أما بالصدقة الواجبة من الزكاة وزكاة الفطرة، او بالصدقة المستحبة، ويكون الدائن واحداً ممن توجه الخطاب له فيتسابق عدد من المحسنين ليعرضوا على الدائن دفع ما على المدين من الدين من غير ذلة او اهانة له.
وقد لا يرضى الدائن بتضييع هذه الفرصة ويقول قد أسقطت عنه دينه.
فيشترك الجميع بالأجر والثواب الذي لا يحصي كل فرد منه إلا الله عز وجل .
و عن (بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلِهِ صَدَقَةٌ قَالَ ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَيْهِ صَدَقَةٌ .
قُلْتُ سَمِعْتُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَقُولُ مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلِهِ صَدَقَةٌ ثُمَّ سَمِعْتُكَ تَقُولُ مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَيْهِ صَدَقَةٌ .
قَالَ لَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ الدَّيْنُ فَإِذَا حَلَّ الدَّيْنُ فَأَنْظَرَهُ فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَيْهِ صَدَقَةٌ)( ).
وتطرد الصدقة الكدورة وترفع العسر والشدة، وربما توجه بعضهم الى المدين نفسه ليمد له يد العون ويهيئ له أسباب الكسب والمعاش.
وذكر ان المراد بالتصدق الإنظار ولكن ظاهر الآية الكريمة أعم ، فيحمل التصــدق على معناه الظاهـر والمتعارف باسقاط الدَين من الأصل ، ولأن التصـدق هنا عنوان إضـافي متقــدم مرتبة على الإنظار، وهو أعم من موضوع الدين والإعسار فيه.
قانون معجزات النبوة رحمة عامة
من مصاديق قوله تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، مصاحبة المعجزة للناس من حين هبوط آدم إلى الأرض .
وسواء كان المراد بالخليفة النبي أو المؤمنين أو الناس جميعاَ , مع التباين في حضور المعجزة عند الناس , من جهات :
الأولى : قانون النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو صاحب المعجزة.
الثانية : قانون المؤمنون هم الذين صدقوا ويصدقون بالمعجزة .
الثالثة : قانون توجه المعجزة إلى الناس كافة .
وهل يختص هذا التوجه بالمعجزة العقلية التي انفرد بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بنزول آيات القرآن , الجواب لا.
فإن قلت من معاني المعجزة الحسية كناقة صالح , وعصا موسى وإبراء عيسى عليه السلام الأكمه والأبرص اختصاصها بوقت حدوثها , وانقطاعها من بعده إلا باخبار الشاهد للغائب , والجواب قد تم توثيق هذه المعجزات من السماء في القرآن .
إذ نزلت آيات القرآن بشطر من هذه المعجزات , ومن خصائص القرآن في المقام أمور :
الأول : قانون الوضوح والبيان لمعجزات الأنبياء .
الثاني : قانون سلامة هذه الآيات وكل آيات القرآن من التحريف .
الثالث : تلقي الناس هذه المعجزات بالقبول في الجملة .
الرابع : سلامة آيات السلم والصلح والموادعة من النسخ.
الخامس : صيرورة السنة النبوية القولية والفعلية مرآة لهذه السلامة.
ليكون قوله تعالى [وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا]( )، دعوة سماوية لحفظ أجيال المسلمين للسنة النبوية وتوثيقها والعمل بها ، وتدل السنة النبوية على عصمة آيات السلم من النسخ.
وهو من مصاديق الرحمة العامة للناس بذكر هذه المعجزات في القرآن .
من مختصات النبي محمد (ص)
لقد أكرم الله عز وجل جنس الإنسان بالخلافة في الأرض ، وأباح لهم الإجتهاد في الإنتفاع من ثرواتها وكنوزها التي في أعماقها والظاهرة بالسقي والحرث ، وتبادل المنافع والسعي في جني الصالحات للفوز بالإقامة بالنعيم الدائم ، وأفاض الله عز وجل على الأنبياء بالوحي والتنزيل .
وخص المؤمنين بنعم ظاهرة وخفية منها صرف البلاء المستحق ، قال تعالى [يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ] ( ).
مختصات النبي صلى الله عليه وآله وسلم في القرآن وهي كثيرة ويمكن تقسيمها عدة تقسيمات منها :
الأولى : تعدد الوظائف الرسالية [يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا]( )، وقد جمعت هذه الآية خمسة منها وهي مجتمعة ومتفرقة تدل على صبغة السلم في رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : قانون اقتران وجوب طاعته بطاعة الله عز وجل ، قال تعالى [وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ]( ).
الثالثة : قانون حرمة محاربة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأنها محاربة لله عز وجل ، قال تعالى [إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا]( ).
ومع هذا عفا النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن كفار قريش عندما فتح مكة ، ولم يكرههم على الإيمان بل سأله بعضهم امهاله فأمهله ، وبذل للمؤلفة قلوبهم من غنائم حنين واعطى كل واحد منهم مائة ناقة.
الرابعة : قانون آيات السلم وسيلة سماوية مباركة لإتباع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وترك محاربته .
الخامسة : النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإمام في الإمتثال للأوامر والنواهي الإلهية .
السادسة : الرفق العام وملكة الإحسان ، والخلق الحميد ، قال تعالى [وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ]( ).
النسبة بين الخلافة والصيام
ما هي النسبة بين خلافة الأرض والصيام ، الجواب أنها نسبة الأصل والفرع لقوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ] ( ) ولبيان أن خلافة الإنسان في الأرض تكليف من غير أن يتعارض هذا التكليف مع إكرام الناس من بين الخلائق في قوله تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً]( ).
ليكون من تقدير الآية : إني جاعل في الأرض خليفة) ليصلي ويصوم ويؤدي الفرائض طاعة وقربة إلى الله .
ويتجلى قانون الصيام صرف للبلاء عن الصائمين وعموم أهل الأرض ، ليكون من مصاديق فرض الصيام وجوه :
الأول : قانون الصيام مصداق لإخلاص العبادة لله عز وجل .
الثاني : لقد ابتدأت آية الصيام بالنداء [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] ( ) وهو شاهد على أهلية المسلمين لخلافة الأنبياء في الأرض .
الثالث : سميت العبادات تكاليف لما فيها من المشقة .
الرابع : قانون الصيام طريق مبارك للتقوى للآية أعلاه ، والشواهد التي تتكرر كل عام ، بل كل يوم من أيام شهر رمضان.
والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الأسوة الكريمة والإمام في العمل بالتكاليف ، لأنها رحمة بالناس جميعاً .
الخامس : هل ينتفع الكفار من آية البحث ، الجواب نعم في الدنيا .
السادس : قانون الصوم إصلاح للأمة ، ولباس التقوى في هذا الشهر عرس عبادي ، سياحة في عالم الملكوت ، وباب للتفاخر والإرتقاء بين الأمم ، وسلام متجدد كل عام.
وعن جابر قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (أن لله عند كل فطر عتقاء وذلك في كل ليلة) ( ).
وفي نية الصيام كفاية الإرتكازية ، ولا يلزم ضم الأخطار إليه ومعنى الإخطار هو كون الإمساك لله تعالى ، ولا يشترط الإلتفات التفصيلي .
السابع : صوم يوم الشك لا يصح بنية أنه من شهر رمضان .
الثامن : لا يجب صوم يوم الشك ، ولكن إذا علم أنه من رمضان ، ولم يكن قد تناول المفطر قبل الزوال أو بعده ، فيجدد النية وتجزأ عنه .
وقيل إذا كان علمه بعد الزوال يجدد النية ، وإتمام الصوم ثم القضاء لأن النية بعد الزوال ، ولكنه من التشديد على النفس ، فهذا اليوم ليس من أيام الشهر لخصوصية فيه .
ويجوز أن ينوي يوم الشك وهو الثلاثون من شعبان بنية القضاء أو الندب.
أو قصد القربة المطلقة أي لا يقصد به أنه من شهر رمضان أو شعبان خاصة ، ويستحب صوم يوم الشك .
باب العطف
(علم إستقرائي مستحدث في باب العطف العام من جهات :
الأولى : عطف الأمر الخاص على الأمر العام .
الثانية : عطف النهي الخاص على الأمر العام ، مثل قوله تعالى [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا] ( ).
الثالثة : عطف النهي الخاص على النهي العام .
الرابعة : عطف الأمر العام على النهي الخاص ، كما في قوله تعالى [وَلاَ تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ]( ) ومنه[وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ]( ) وقوله[وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ]( )، وتدعو هذه الآيات إلى السلم المجتمعي.
وتأتي الآيات بموضوع خاص، أما الأمر بتقوى الله فهو عام ، ومنه قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ] ( ) ومنه قوله تعالى في خطاب لآدم وحواء [فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ]( ).
الخامسة : عطف الأمر المتعدد على النهي المتعدد .
السادسة : عطف الأمر المتعدد على الأمر المتحد .
السابعة : عطف الأمر المتحد على الأمر المتعدد .
الثامنة : عطف النهي المتحد على الأمر المتعدد ، كما في قوله تعالى [وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا] ( )وكما في قوله تعالى [فَاذْكُرُوا آلاَءَ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ]( ) وقوله تعالى [وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا]( ).
التاسعة : عطف المجمل على المفصل .
العاشرة : عطف المفصل على المجمل ، ومنه الآية أعلاه ، [وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ]( ) مفصل وفيصل في وصف القرآن وهو معطوف على المجمل.
ومن بينات الهدى في القرآن أمور :
الأول : قانون دعوة القرآن إلى السلم .
الثاني : قانون بيان القرآن لكراهة المسلمين للقتال لقوله تعالى [كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ]( ).
وهل هذه الكراهة دائمة أم منقطعة ، الجواب هو الأول ، لبيان الصلة والتداخل بينها وبين سلامة آيات السلم من النسخ.
الثالث : قانون خلود وتجدد بيان القرآن لسنن الهدى ، وأحكام الحلال والحرام ليعلم بها الناس جميعا مع اختلاف مداركهم .
الرابع : من البينات عصمة القرآن وتأويله من الشبهات .
قانون تمييز القرآن بين السلم والحرب
من خصائص ودلالات آيات القرآن التمييز بوضوح وجلاء بين السلم والحرب بما يبعث على القطع بأن الله عز وجل يريد للناس السلم المقترن بالهدى والإيمان مع بيانه لحسن السلم والأمن ، وكراهية الحرب والإقتتال.
وهو من الإعجاز في جمع الآية أعلاه بين بينات الهدى والفرقان ، لبيان أن القرآن لايكتفي بالتفريق بين الحق والباطل كالتفريق بين اللون الأبيض والأسود ، والضد يظهر حسنه الضد .
إنما يبين القرآن أموراً :
الأول : قانون وجوب السلم .
الثاني : كثرة مصاديق السلم في الدعوة إلى الله ، قال تعالى [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ]( ).
الثالث : قانون دعوة القرآن المتجددة للسلم ، فمن خصائص القرآن أن كل آيه منه دعوة للسلم في رسمها وتلاوتها ومنطوقها ودلالاتها ،وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ).
الرابع : ترغيب القرآن للمسلمين والناس جميعاً بالصلح ، قال تعالى [وَالصُّلْحُ خَيْرٌ] ( ) ليتجلى قانون الزجر عن الحرب قبل وقوعها ، ثم السعي للصلح عند نشوبها ، خاصة وهناك بلايا وفتن وخسائر جسيمة تتفرع عن الحرب لكل طرف من أطرافها ، وهو مصداق لمعاني الرحمة العامة في السلم والسلام والأمن .
كنوز الصلة بين كل آيتين
الحمد لله الذي جعل علوم القرآن من اللامتناهي من جهة الدلالة والإستقراء والاستنباط ، ومن أظهر كنوز القرآن التي لم تستقرأ بعد الصلة بين كل آيتين من القرآن والعلوم المستخرجة منها ، والدلائل التي تؤكد أحكام الشريعة .
وجرت عادة العلماء في تفسير آيات القرآن آية آية ابتداء من سورة الفاتحة ، ولكن علم الصلة بين الآيات خزائن من وذخائر سماوية لم تفتح بعد ، ومنها ما يكون كالآتي :
الأول : تفسير [بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ]( ) ثم تفسير الجمع بينها وبين كل آية من آيات سورة الفاتحة ، وآيات سورة البقرة ، ثم آيات القرآن كلها .
الثاني : تفسير آية [الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ] ( ) ثم التفسير بالجمع بينها وبين آيات سورة الفاتحة الباقية ، ثم آيات سورة البقرة آية آية وهكذا إلى آيات سورة الناس.
وكذا بالنسبة لآيات سورة الفاتحة آية آية ، وصلتها بآيات القرآن كلها مع استحضار أمهات القوانين في هذا السِفر والتي صدرت بخصوص كل واحد منها أجزاء متعددة منه ، تتضمن موضوعيتها والدلالة والبراهين من الكتاب والسنة واللغة عليها في الصلة بين كل آيتين من القرآن .
الثالث : أخذ الحروف المقطعة من سورة البقرة وصلتها مع الآيات الأخرى .
الرابع : تفسير قوله تعالى [ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ]( )، ثم استقراء المسائل والعلوم والتأويل من الصلة بينه وبين آيات سورة البقرة وآيات السور القرآنية الأخرى سورة سورة إلى سورة الناس.
والصلة بين آخر آيتين منها ، ومن نظم القرآن وهما [الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ *مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ]( )، إذ أن القرآن حرز من الجن وشرور وأذى الناس.
وهل كان للمعوذتين موضوعية في كفاية وسلامة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من أذى المشركين ، ثم نصره عليهم ، الجواب نعم .
ولم يرد لفظ [ذَلِكَ الْكِتَابُ] في القرآن إلا في الآية أعلاه في فاتحة سورة البقرة بعد الحروف المقطعة ، والمقصود هو القرآن ، واسم الإشارة للبعيد للتفخيم ، وبيان موضوعية القرآن في أمور الدين والدنيا ، وحاجة الناس له ، ومنه آيات السلم والصلح والرفق والعفو.
الخامس : تفسير مختصر لكل آية من آيات سورة البقرة ثم قراءة وتفسير وتأويل الجمع بينها وبين آيات سورة البقرة وآيات سور القرآن الأخرى آية آية .
وقد تكون بدايات هذا المشروع العلمي الإعجازي محدودة في بعض وجوه الصلة بين الآيات ، ولكنه تأسيس ليغوص علماء الأجيال اللاحقة في بحاره وذخائره ، وتؤلف لجان علمية من ذوي الإختصاص والفطنة والمعرفة بعد دراسة منهجية لمعهد خاص لهذا العلم.
السادس : الإستدلال بالجمع بين كلمتين من آيتين ، أو الجمع بين سورتين من القرآن كما في إستدلال الإمام علي عليه السلام و(عن نعجة بن بدر الجهني إنّ امرأة منهم دخلت على زوجها وهو رجل منهم أيضاً فولدت في ستة أشهر فذكر ذلك زوجها لعثمان بن عفان وأمر بها ترجم ، فدخل عليه علي بن أبي طالب فقال : إنّ الله تعالى يقول في كتابه [وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا] ( )، وقال : (وفصاله في عامين) قال : فوالله ما عبد عثمان أن بعث إليها ترد. قال عبد الله بن وهب : ما استنكف ولا أنف)( ).
والنسبة بين كل آيتين منهما العموم والخصوص المطلق ، فتتألف السورة من آيات متعددة ، ومن الآيات في المقام أن آية واحدة من آيات الأحكام تعادل في كلماتها أكثر من سبع سور من قصار السور وهي آية الدَين أكبر ثلاث مرات من سورة العصر ، والنصر ، والكوثر مجتمعة.
وآية الدَين تتضمن عدة أحكام في القرض وكتابته وعدالة الكاتب والشهود وعددهم ذكوراً وأناثاً .
وهكذا آيات القرآن كلها مما يستلزم تولي مؤسسات علمية ودوائر أبحاث كل واحدة منها تجمع اختصاصات متعددة لتناول الصلة بين كل آيتين من القرآن .
وثائق حاضرة في الصلة بين كل آيتين
الأولى : تضمن هذا السِفر وعند تفسير كل آية باب الصلة بينها وبين الآيات المجاورة لها ، مما يكون أساساً في علم الصلة بين كل آيتين .
الثانية : صدرت أجزاء من هذا السِفر تختص بالصلة بين آيتين أو شطر منها ، وهذه الأجزاء :

  • الجزء السادس والسبعون ، ويختص بصلة الآية 110 بالآيات 64-69 من سورة آل عمران.
  • الجزء السابع والسبعون ، ويختص بصلة الآية 110 بالآيات70-77 من سورة آل عمران.
  • الجزء الثامن والسبعون ، ويختص بصلة الآية 110 بالآيات 78-84 من سورة آل عمران.
  • الجزء التاسع والسبعون ، ويختص بصلة الآية 110 بالآيات 85-93 من سورة آل عمران.
  • الجزء الثمانون ، ويختص بصلة الآية 110 بالآيات 94-102 من سورة آل عمران .
  • الجزء الواحد والثمانون ،ويختص بصلة الآية 110 بالآيات 101-109 من سورة آل عمران .
  • الجزء السادس والعشرون بعد المائة ، ويختص بصلة الآية (152) بالآية التي قبلها من سورة آل عمران.
  • الجزء السابع والعشرون بعد المائة وهو القسم الأول من تفسير الآية153 ,ويختص بصلة شطر من الآية 153 بشطرمن الآية 151 من سورة آل عمران.
  • الجزء التاسع والعشرون بعد المائة , وهو القسم الأول من تفسير الآية 154 , ويختص بصلة شطر من الآية بشطر من الآية 153 من سورة آل عمران.
  • الجزء الواحد والخمسون بعد المائة ، ويختص بالصلة بين شطر من الآية 161 بشطر من 164 من سورة آل عمران .
  • الجزء الواحد والتسعون بعد المائة , ويختص بالصلة بين الآية 180 والآية 181 من آل عمران .
    الثالثة : صدرت ستة أجزاء خاصة بنداء الإيمان [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] وهذه الأجزاء هي :
    الأول : الجزء الخامس والثلاثون بعد المائة .
    الثاني :الجزء السادس والثلاثون بعد المائة .
    الثالث : الجزء السابع والثلاثون بعد المائة .
    الرابع : الجزء الثامن والثلاثون بعد المائة .
    الخامس : الجزء التاسع والثلاثون بعد المائة .
    السادس : الجزء الأربعون بعد المائة .
    صلة الآيات وأجزاء القوانين
    لقد تضمن هذا السِفر آلاف القوانين التي يتجلى معها قانون علوم القرآن غير المتناهية ، وكل علم يفتح أبواباً من العلم ، قال تعالى [مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ] ( ).
    و(عن الحارث الأعور، قال: مررت في المسجد فإذا الناس يخوضون في الأحاديث فدخلت علَى علِيّ فقلت: يا أمير المؤمنين، ألا ترى الناس قد خاضوا في الأحاديث .
    قال: أو قد فعلوها؟
    قلت: نعم.
    قال: أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: “إنها ستكون فتنة” فقلت: ما المَخْرج منها يا رسول الله؟
    قال: “كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحُكْم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهَزْل، من تركه من جبار قَصَمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله.
    هو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تَلْتَبِس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يَخْلَق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه .
    هو الذي لم تنته الجن إذْ سمعته حتى قالوا[إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ]( ).
    من قال به صَدق، ومن عمل به أجِر، ومن حكم به عَدَل، ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم”. خذها إليك يا أعور) ( ).
    وقريب منه أخرج عن معاذ بن جبل ( ).
    ويدل هو وحديث عبد الله بن مسعود على توثيق حديث الأعور هذا .
    إذ ورد عن عبد الله بن مسعود أنه قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن هذا القرآن مأدبة الله تعالى فتعلموا من مأدبته ما استطعتم .
    إن هذا القرآن هو حبل الله وهو النور المبين والشفاء النافع وعصمة من تمسك به ونجاة من تبعه، لا يعوج فيقوّم ولا يزيغ فيستعتب ولا تقضى عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرد، فاقرأوه فإن الله يأجركم على تلاوته بكل حرف عشر حسنات، أما أني لا أقول ألم حرف ولكن ألف ولام وميم ثلاثون حسنة) ( ).
    ومن مصاديق قوانين بيان السنة للقرآن إخبار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن اللجوء إلى العترة الطاهرة للتدبر في علوم القرآن ، إذ ورد عن (يزيد بن حيان قال : دخلنا على زيد بن أرقم فقلنا له : لقد صحبت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصليت خلفه .
    قال : نعم،
    وإنه خطبنا فقال : إني تارك فيكم كتاب الله هو حبل الله من اتبعه كان على الهدى ومن تركه كان على الضلالة) ( ).
    ذخائر علم الصلة
    من إعجاز القرآن قانون اللامحدود من العلوم والقوانين والمسائل في علومه التي أظهرها بذاته ، والتي كشف عنها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والتي تعرض نفسها كل يوم على العلماء وأرباب التحقيق والمعرفة .
    ويتضمن علم الصلة بين كل آيتين جهات :
    الأولى : صلة آية الدفاع مع كل آية من آيات القرآن مثلاً من آيات الدفاع قوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ] ( )، ويتجلى هذا العلم باستقراء القواعد والقوانين والدروس من الصلة بين هذه الآية الكريمة مع آيات القرآن الأخرى.
    الثانية : الصلة بين هذه الآية وآيات الدفاع الأخرى مثل قوله تعالى [وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] ( ).
    الثالثة : صلة كل آية من آيات الدفاع بآيات السلم ، ليستقرأ منها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مضطر للدفاع والقتال .
    الرابعة : النسبة بين السلم والدفاع، إذ أن الدفاع مقدمة لبسط الأمن والسلم والعمل بأحكام القرآن والسنة ، ومن الإعجاز ومصاديق [وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ] ( ) العمل بأحكام الشريعة سواء في حال الحرب أو السلم .
    نعم السلم وعاء مبارك لتثبيت سنن الشريعة ،وبيان معجزات النبوة والتنزيل ، ودفاع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يختلف عن أي دفاع .
    ومن الإعجاز في بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قلة المعارك مع المشركين وما صرف منها أكثر من التي وقعت ، وهو من مصاديق الجمع بين قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( )، وبين قوله تعالى [يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ]( ).
    محاضرة 28 رمضان( )
    قال تعالى [يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ]( ).
    ورد لفظ يسألونك خمس عشرة مرة في القرآن ، كلها خطاب الله عز وجل إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتقديرها (يسألونك يارسول الله).
    وفي هذه الأسئلة وتعددها شاهد على إقرار الناس برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعند التدبر في مواضيع هذه الأسئلة يتجلى أمر وهو تعددها وشمولها لأمور وأحكام العبادات والمعاملات والأحوال وأهوال الآخرة وأوان قيام الساعة ، وأن الذين يسألون النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أعم من المسلمين .
    وجاءت أسباب النزول بالإخبار بأن بعض اليهود كانوا يسألون رسول الله ، فيجيبهم أو ينزل جبرئيل بالجواب ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى]( ).
    وكانت اسئلتهم وغيرهم متعددة في ذات المجلس الواحد ، وفي قوله تعالى [وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا]( ).
    ورد في سبب نزولها (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مَرَّ بناس من اليهود ، فقالوا : سَلُوهُ عن الروح.
    فقال بعضهم : لا تسألوه ، فيستقبلكُم بما تكرهون . فأتاه نفر منهم.
    فقالوا : يا أبا القاسم : ما تقول في الروح ، فسكت ، ونزلت هذه الآية ، قاله ابن مسعود .
    والثاني : أن اليهود قالت لقريش : سلوا محمداً عن ثلاث ، فإن أخبركم عن اثنتين وأمسك عن الثالثة فهو نبي؛ سلوه عن فِتيةٍ فُقدوا ، وسلوه عن ذي القرنين ، وسلوه عن الرُّوح . فسألوه عنها ، ففسَّر لهم أمر الفتية في الكهف ، وفسر لهم قصة ذي القرنين ، وأمسك عن قصة الروح ، فنزلت هذه الآية ، رواه عطاء عن ابن عباس)( ).
    وعن الإمام علي عليه السلام بخصوص قصة أهل الكهف (أن قريشا بعثوا ثلاثة نفر: نضر بن حارث بن كلدة، وعقبة بن أبي معيط، وعامر بن واثلة إلى يثرب وإلى نجران.
    ليتعلموا من اليهود والنصارى مسائل يلقونها على رسول الله صلى الله عليه وآله .
    فقال لهم علماء اليهود والنصارى: سلوه عن مسائل فإن أجابكم عنها فهو النبي المنتظر الذي أخبرت به التوراة، ثم سلوه عن مسألة اخرى فإن ادعى علمها فهو كاذب لانه لا يعلم علمها غير الله وهي قيام الساعة، فقدم الثلاثة نفر بالمسائل)( ).
    وعطفت آية البحث الناس على الحج لقوله تعالى [ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ]( )، وقد ذكرت في الجزء الخامس والثلاثين بعد المائة من تفسيري للقرآن وفي البحث البلاغي وجوهاً مستحدثة من العطف وهي :
    الأولى : عطف النهي على الأمر .
    الثانية : عطف الأمر على النهي .
    وهذا العلم متكرر في القرآن وله دلالات عقائدية منها أن من معاني التقوى الخشية والخوف من الله ، والإمتناع عن فعل المعصية.
    ونزلت هذه الآية أيام صلح الحديبية لبيان وجوب الحج وإن صدّ المشركون النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه لتكون بشارة فتح مكة ودعوة للسعي إليه.
    ومن عطف الخاص على العام بلحاظ حذف المضاف لبيان وجوب ضبط توقيت الحج ، وعدم الإختلاف في أداء المناسك ، وأن الحج فعل عبادي يؤديه عامة الناس ، قال تعالى [وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا]( ).
    وتمنع الآية من الإختلاف في أحكام الحج ، كما أنه خلاف قوله تعالى [ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ]( )، لذا ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (لتأخذوا عني مناسككم) ( ).
    وتبين الآية ضرورة ضبط وتثبيت أوان حج بيت الله الحرام ، وفيه حرب على النسيئة في حساب الشهور ، وإرجاء أوان الحج.
    والأهلة جمع هلال ، وجاء السؤال عن أحوال الأهلة ومسير القمر وتبدل هيئته اتساعاً في نوره وإنحساره تدريجياً وعلة خلقه ومنافعه .
    وكانت بعض القبائل والشعوب تعبد الشمس أو القمر ، فنزل القرآن ببيان أنهما من خلق الله ، وأنهما مسخران لمنفعة الناس وهو من مصاديق قوله تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، ويكون التقدير : إني جاعل في الأرض خليفة أسخر له الشمس والأهلة لعباداته ومعاملاته.
    إجتماع الأمر والنهي في آية
    قد يجتمع الأمر والنهي في آية واحدة كما في قوله تعالى [وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا]( ).
    وقد يدل الأمر في القرآن على الإستحباب ليشمل جواز الترك كما في قوله تعالى [خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ]( )، وهذه الآية من الشواهد على نبذ الحرب ولباسه وحمل السلاح ، ويفيد النهي تحريم الفعل المنهي عنه.
    وقد يرد النهي مع بيان العلة والسبب والأثر ، قال تعالى [وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا]( ).
    ومقتضى صيغة النهي هو المنع والحرمة والكف على سبيل الإلزام إلا مع القرينة الدالة على إرادة جواز الفعل على كراهة .
    وفي قوله تعالى [لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ]( )، الصيغة : الجملة الخبرية.
    مقتضى الصيغة النهي .
    مقتضى النهي : إشاعة السلم واعتماد لغة الإحتجاج ، وإظهار إعجاز القرآن ، وبيان معجزات النبوة والتنزيل.
    والمنهي عنه إكراه الآخرين على الدين ، ليس فقط الإسلام بل الملل الأخرى لبيان فضل الله عز وجل بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
    وقول النبي : لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين .
    الصيغة : الخبر ، مقتضى الصيغة النهي .
    المأمور به ، اليقظة والحذر والحزم .
    المنهي عنه الغفلة ، والخديعة فيجمع الحديث بين الأمر والنهي .
    وقد يتعدد النهي في آية واحدة ومنه قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ]( )، وهذه الآية من سورة المائدة وهي من آخر سور القرآن نزولاً.
    لبيان عناية الشريعة الإسلامية بسنخية الطعام وحضور الأحكام التكليفية بخصوصه مع وجوب التنزه عن الإعتداء ، وهذا التنزه من مصاديق سلامة آيات السلم عن النسخ.
    ومن الإعجاز في النواهي القرآنية تضمنها الأمر والتكليف بمفهوم المخالفة .
    وتدل الآية على الأمر بأمور :
    الأول : الشكر لله عز وجل على أكل الطيبات .
    الثاني : بيان فضل الله عز وجل في رزق المسلمين والطيبات ولذيذ الطعام .
    الثالث : إباحة الأكل والشرب ، وجاءت آية بالتحذير من الإسراف والإفراط في الأكل .
    الرابع : صبر المسلمين على الأذى الذي يأتي من الكفار .
    الخامس : إشاعة المسلمين السلم .
    السادس : حب الله للذين يتعاهدون السلم ويمنعون من التعدي.
    وهل هذا المنع من النهي عن المنكر ، الجواب نعم ، ولبيان قانون ابتداء القرآن بالسلم واختتام نزوله بالسلم أيضاً.
    دفاع الله عن آيات السلم
    ومن إعجاز القرآن دفاع الله عز وجل عن آيات السلم وبيان أنها محكمة غير منسوخة من وجوه :
    الأول : ذات آيات السلم .
    الثاني : آيات القرآن الأخرى .
    الثالث : السنة النبوية القولية والفعلية .
    والمختار أن مشهور علماء الإسلام لم يقولوا بنسخ آيات السلم.
    [فَاصْفَحْ]( )، خطاب خاص في لفظه متوجه إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولكنه عام في حكمه ، لذا تفضل الله بالخطاب إلى المسلمين بالصفح وبصيغة الجمع بقوله تعالى [فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ]( ).
    وقيل (فاصفح عنهم) منسوخ بالسيف (وقل سلام) تقديره أمري سلام أي مسالمة وقيل سلام عليكم على جهة الموادعة وهو منسوخ على الوجهين فسوف تعلمون تهديد)( ).
    ولكن قوله تعالى (سلام) تأكيد للصفح وزيادة عليه بالفضل والإحسان.
    كما أن خاتمة الآية ليست بصيغة الخطاب تعلمون ، إنما هي بصيغة الغائب لبيان استمرار الخطاب في الآية إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو بشارة التوبة العامة ، وهذا من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقد أخبر عن دخول الكفار في الإسلام وعلى سعة وانتشار الإسلام وصيرورة الأمصار بلداناً مسلمة.
    والنسبة بين السلم والصفح عموم وخصوص مطلق ، فالسلم أعم ويشمل الذين تم عنهم الصفح ، والمؤمنين والمستضعفين وعامة الناس ، وإذا انعم الله عز وجل بنعمة فان الناس ينهلون منها ، ومن أعظم النعم في المقام نعمة النبوة والتنزيل .
    وقال تعالى [فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ]( )، لبيان قانون العفو إحسان ، والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو الإمام في السبق إلى الإحسان ، وفيه دعوة إلى المسلمين للعفو عن الكفار والفوز بحب الله لهم .
    إذ أن خاتمة الآية ترغيب للمسلمين للإقتداء بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالعفو عن الناس ، لذا تراه لم يثأر من الذين قتلوا الصحابة الأوائل ، ولم يطلب اغتيالهم أو قصدهم بالذات في ميدان المعركة.
    العلم التفصيلي والإجمالي (بحث أصولي)
    العلم التفصيلي هو الذي يفيد القطع والبيان كالعلم برؤية الهلال ووضوحه ، وعدم الشك فيه ليترتب عليه الحكم الشرعي ، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (صوموا لرؤيته وافرطوا لرؤيته) وفي هذا الحديث دعوة لإعتماد العلم التفصيلي .
    ويضرب في علم الأصول بمثل في المقام وهو العلم بوجود نجاسة في إناء معين .
    أما العلم الإجمالي فمنه وجود رؤية لهلال شهر رمضان ولكنها لم تثبت شرعاً ، ومن الأمثلة في المقام العلم بوجود نجاسة في أحد إنائين من غير تعيين لإناء مخصوص منهما .
    ولابد من تنجز التكليف إما اتمام عدة الشهر لقوله تعالى [وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ]( )أو لبدر شهر جديد كما في قوله تعالى [فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ] ( ).
    ذكر أن القطع الإجمالي (هو ما يسمى عادة بالعلم الإجمالي)( ).
    وكذا لو علمنا بوجوب أحد فعلين من غير تعيين لأحدهما فان أصالة البراءة لا تعمل إنما تعمل أصالة الإشتغال ، وكما في الحرمة لو علمنا بأن أحد إنائين فيه خمر ، فلابد من تركهما ، ولا تكفي بترك أحدهما لإحتمال موافقة الحرمة بحرمة المخالفة بترك أحدهما لأصالة الإحتياط .
    أما العلم الإجمالي المنجز فهو إدراك المكلف لوجود تكليف ملزم عليه اداؤه ولكنه مردد بين أمرين أو أكثر ، كما لو دخل وقت صلاة الظهر ، ولا يعلم هل عليه الصلاة تماما أو قصراً أو صلاة الخوف .
    وقد تكون الحجة إجمالية ولكن يترتب عليها العمل تعبداً ، كما في الحكم الظاهري ، وفي شهادة رجلين على رؤية الهلال في وقت خلو السماء من علة .
    وهل سلامة آيات النسخ من العلم الإجمالي لوجود أقوال من بعض العلماء بنسخها ، أم أنها من العلم التفصيلي ، الجواب هو الثاني لوجوه :
    الأول : عدم ثبوت نسخ آيات السلم والصلح ، فالقول بنسخها لم يحقق حتى مرتبة العلم الإجمالي الذي هو أدنى رتبة من العلم التفصيلي .
    الثاني : الأصل عدم نسخ الآية إلا مع الدليل .
    الثالث : كثرة آيات السلم والصلح والموادعة .
    الرابع : استدللت في هذا التفسير على إرادة السلم في عشرات من الآيات لم تحتسب من آيات السلم ، وسيأتي المزيد إن شاء الله .
    الخامس : دلالة الصلة بين الآيات على السلم سواء بالدلالة المطابقية أو التضمنية أو الإلتزامية .
    السادس : استدامة العمل بآيات السلام من رحمة الله في الأرض ، ومصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ).
    وورد هذا اللفظ والقانون من الإرادة التكوينية ثلاث مرات في القرآن ، واحدة في سورة البقرة ، والثانية في سورة آل عمران ، والأخرى في سورة المائدة على التوالي في السور ، وجاء بصيغة الدعاء في قوله تعالى [رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ]( ) .
    وسيأتي في الجزء التالي أن لفظ أنصار [مِنْ أَنْصَارٍ]( ) في الآية أعلاه مجرور لفظاً ، مرفوع محلاً لأنه مبتدأ مؤخر .
    ليدل على تفقه المؤمنين في الدين وتسليمهم باليوم الآخر ، وإنقطاعهم إلى العبادة والدعاء والتسليم بانعدام الشفاعة والنصرة للظالمين يوم القيامة سواء الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والجحود أو الذين ظلموا الناس ، وأصروا على محاربة النبوة والتنزيل .
    وفي هذا الشطر من الآية شاهد على عدم نسخ آيات السلم لما فيها من الموعظة والزجر عن الظلم والتعدي والجور .
    والمختار أن النسبة بينهما عموم وخصوص مطلق ، فالعلم أعم ، فالقطع يعود لقطع القاطع ، أما العلم فهو الحكم المطابق للواقع .
    والقطع الإجمالي أدنى رتبة في الدلالة والحجة من القطع التفصيلي الذي ينحصر فيه موضوع القطع كما إذا علم المكلف بأنه قد أهلّ هلال شهر رمضان فثبت وجوب الصيام في اليوم التالي الذي يكون صيامه واجباً.
    (عن عبد الرحمن بن عوف : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال له : إني لقيت جبريل عليه السلام فبشرني ، وقال : إن الله يقول لك : من صلى عليك صليت عليه ، ومن سلم عليك سلمت عليه ، فسجدت لله شكراً) ( ).
    تفسير (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ)
    يحتمل انتفاء النصير للظالمين وجوهاَ :
    الأول : إرادة خصوص مورد الظلم , فإذا ظلم الإنسان غيره في مال أو ملك , فلا يجد نصيراَ بخصوصه .
    الثاني : الإطلاق , وأن الذي يظلم نفسه بارتكاب المعاصي ، والذي يظلم الناس لا يجد نصيراَ .
    الثالث : التفصيل بين الظلم الكثير , والظلم القليل .
    والمختار هو الثاني لأصالة الإطلاق , وقانون القبح الذاتي والغيري للظلم , وانعدام النصير للظالمين من جهات :
    الأولى : ليس من نصير من الصالحين للظالمين .
    الثانية : قانون عجز الظالمين عن نصرة بعضهم بعضاَ , قال تعالى [إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ* وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ]( ).
    الثالثة : غلق باب الشفاعة للظالمين فلا تتنجز الشفاعة إلا باذن الله عز وجل ، قال تعالى [وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى]( ) ولم يرد لفظ يشفعون في القرآن إلا في الآية أعلاه ، وبين الشفاعة وقبولها عموم وخصوص مطلق بمعنى ليس كل شفاعة تكون مقبولة وعلى نحو الموجبة الكلية أو الجزئية إلا أن يشاء الله .
    ترى ما هي النسبة بين النصرة والشفاعة ، الجواب هو العموم والخصوص المطلق ، فالنصرة أعم .
    قانون لزوم الوقاية من إغواء الشيطان في فعل المنكرات
    النسبة بين العلم والسلم عموم وخصوص من وجه ، وكلما ارتقى الإنسان في ميادين العلم ومراتب المعرفة وتعاهد الأمن ، وسعي في مسالك السلم تنزه عن الإضرار بالناس ، وامتنع عن قتل نفسه والغير ، إذ يدرك معه قبح الظلم ، وعدم الحاجة إليه.
    وهو من الشواهد على سلامة آيات السلم من النسخ لحاجة المسلمين والناس جميعاً لها ، ليكون من معاني قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ) دعوة المسلمين لاستنباط القوانين والمسائل منها ، خاصة وأنها آية كاملة وليس شطراً من آية.
    ولم يرد لفظ (رحمة للعالمين) في القرآن إلا في الآية أعلاه ، وليس فيه لفظ رحمة للمسلمين إنما ورد بخصوص القرآن [وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ]( )، و[هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ]( ).
    لبيان أن النسبة بين الرحمة الإلهية في رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبين الرحمة في نزول القرآن هو العموم والخصوص المطلق ، فالرحمة برسالته أعم وأعظم ، إذ أن رسالته رحمة للناس والجن والخلائق كلها .
    ومنها الرحمة بنزول كل آية وسورة من القرآن ، لبيان موضوعية السنة النبوية القولية والفعلية في هداية الناس للإيمان ، وفي إصلاح المجتمعات ونبذ الغزو والحروب ، وموضوعية السنة في المقام من جهات :
    الأولى : السنة النبوية مرآة للقرآن .
    الثانية : السنة النبوية تفسير وبيان للقرآن .
    الثالثة : السنة النبوية وحي من عند الله عز وجل .
    و(عن مكحول قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : آتاني الله القرآن ومن الحكمة مِثْلَيْه)( ).
    لبيان كثرة المنافع المترشحة من السنة النبوية وهي في طول المنافع العظيمة للقرآن وبيانه .
    و(عن العرباض بن سارية سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : إني عبدالله ، وخاتم النبيين ، وأبي منجدل في طينته ، وأخبركم عن ذلك أنا دعوة أبي إبراهيم ، وبشارة عيسى ، ورؤيا أمي التي رأت ، وكذلك أمهات النبيين يرين ، وإن أم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأت حين وضعته نوراً أضاءت لها قصور الشام .
    ثم تلا [يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا]( )، إلى قوله { منيراً })( ).
    وذات النسبة بين آية [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( )، وبيان دعاء ابراهيم [رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ]( )، إذ أن اثبات شيء لشيء لا يدل على نفيه عن غيره ، ومن وجوه الإلتقاء بين الآيتين هو رفع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأمته ألوية السلم والصبر ، ودفع أسباب الإقتتال .
    وهل الآية أعلاه من سورة البقرة من آيات السلم ، الجواب نعم ، وهي سالمة من النسخ قطعاً لأنها من الأخبار ، ولا يطرأ النسخ على الخبر ، وسيأتي البيان والتفصيل إن شاء الله .
    وعن أبي بكر أنه قرأ (هذه الآية [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ]( )، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إذا رأى الناسُ المنكر فلم يغيِّروه، والظالم فلم يأخذوا على يديه، فيوشك أن يعمهم الله منه بعقاب)( ).
    ومن مصاديق آيات السلم التنزه عن الظلم ، لذا ورد قوله تعالى في آية القتال [وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ]( )، ومن خصائص آيات السلم منطوقاً ومفهوماً أنها أمان من الظلم والتعدي ، طرداً وعكساً ، لذا قال تعالى في باب السلامة من الربا [لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ]( ).
    قانون آية السلم تخفيف
    في قوله تعالى [ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً]( )، تخفيف من جهات :
    الأولى : التخفيف عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في تعيين وظائف النبوة .
    الثانية : بعث السكينة في نفس النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنه أدى الرسالة .
    الثالثة : عصمة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من توجيه الناس له اللوم ، وهو من مصاديق [وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ]( ).
    الرابعة : نهي آية البحث في مفهومها الصحابة والتابعين وأجيال المسلمين المتعاقبة من لوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سنته القولية والفعلية.
    فلا يقول المسلمون إلا قولاً واحداً أن النبي أدى ما عليه قبل أن يغادر إلى الرفيق الأعلى.
    ومن آخر ما أنزل من القرآن سورة النصر [إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا]( ).
    و(عن أم حبيبة قالت : لما نزلت [إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ]( )، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن الله لم يبعث نبياً إلا عمر في أمته شطر ما عمر النبي الماضي قبله.
    وإن عيسى ابن مريم كان أربعين سنة في بني إسرائيل.
    وهذه لي عشرون سنة وأنا ميت في هذه السنة ، فبكت فاطمة فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أنت أول أهل بيتي لحوقاً بي)( ).
    الخامسة : التخفيف عن أهل الكتاب بأن الرسول محمداً لا يقاتلهم ، ولا يدعو لقتالهم ، إنما يقوم بتبليغ الرسالة .
    السادسة : التخفيف عن الكفار والحجة عليهم بوجوب عدم إشهار السيوف لمحاربة الرسول.
    دلالات آيات التبليغ
    يتجلى قانون الرسالة لا تستلزم الحرب والقتال بصيغ البلاغ والحجة والمعجزة والبرهان ، لقد ورد لفظ (البلاغ) في القرآن على وجوه :
    الأول : معرف بالألف واللام احدى عشرة مرة .
    الثاني : من غير ألف ولام مرتين .
    الثالث : بصيغة النصب (بلاغاً) مرتين كما في قوله تعالى [إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ]( ).
    ومن إعجاز القرآن أن كلمة (البلاغ) في القرآن مع كثرتها تتعلق بالرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم والرسل السابقين ، ومنهم الرسل لأهل انطاكية الذين بعثهم عيسى بأمر من الله عز وجل ، وحينما نعتوهم بالكذب [قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ * وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ]( ).
    (وقال كعب : الرسولان صادق وصدوق والثالث شلوم وإنما أضاف الإرسال إليه لأن عيسى عليه السلام إنما بعثهم بأمره عزّ وجل)( ).
    وقال ابن عباس : تاروص وماروص.
    وقيل الرسول الثالث شمعون .
    وذكرت أسماء أخرى لهم ، والمدار على المسمى ، وتجلي المعجزات على أيديهم ، إذ أمن الملك وطائفة من قومه لأنهما احيوا ميتاً وجعلا أكمه مبصراً ، وكفر آخرون بهما .
    لبيان أن المعجزة فرع البلاغ ، وهل القتال أيضاً فرع البلاغ ، الجواب لا ، إلا أن يكون دفاعاً وصبراً وضرورة ، كما في قتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأنبياء سابقين ، قال تعالى [وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ]( ).
    وبلحاظ قوانين المؤلفات في هذه السِفر هناك مسائل :
    الأولى : قانون آيات البلاغ شاهد على أن النبي محمداً (لم يغز أحدا) لكفاية البلاغ.
    وقد اختار كفار قريش شهر رمضان لمعركة بدر إذ نشبت في اليوم السابع عشر منه وفي السنة الثانية للهجرة ، واختاروا شهر شوال لمعركة أحد في السنة الثالثة.
    ومعركة الخندق في السنة الخامسة تعجيلاً بالقتال قبل شهر ذي القعدة الذي هو من الأشهر الحرم ومن أشهر الحج أيضاً ، قال تعالى [إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ]( ).
    وقد صدرت بخصوص هذا القانون الأجزاء (164-165-166-168-169-170-171-172-174-176-177-178-180-181-182-183-187-193-196—204-212-216-221-229-239).
    الثانية : قانون آيات البلاغ دليل على أن آيات السلم محكمة غير منسوخة ، وقد صدرت بخصوصه الأجزاء (202-203-204-210-211-231-240-241-242)، للملازمة بين البلاغ والسلم وكل منهما دعوة للآخر من غير أن يلزم الدور بينهما .
    الثالثة : السلم وعاء ومناسبة للتبليغ لذا جهز مشركو قريش وحلفاؤهم الجيوش لغزو المدينة ، وإرادة قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه .
    الرابعة : قانون آيات حصر الدعوة بالبلاغ شاهد على التضاد بين القرآن والإرهاب ، وقد صدرت بخصوص هذا القانون الأجزاء ((179-180-183-191-194-195-198-206-207-216-234-235-237-243-244-247).
    ولم لفظ [وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ]( )، إلا في الآية ، ترى لماذا هذا الحصر في منهاج وعمل الرسل ، الجواب من وجوه :
    الأول : كفاية التبليغ في الحجة على الناس ، قال تعالى [فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ]( ).
    الثاني : مخاطبة التبليغ للعقول .
    الثالث : تعضيد المعجزة لتلبيغ الأنبياء الناس ، وهو من اللطف الإلهي بالأنبياء والمؤمنين والناس جميعاً .
    الرابع : التخفيف عن الأنبياء ، وإرادة سلامتهم ، فلو زادوا على التبليغ ، وصاروا يدعون الناس بالسيف لتعرضوا وأصحابهم للقتل ، ولأجهز رؤساء الكفر وسلاطين البغي على بقيتهم واتباعهم، قال تعالى [بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ]( ).
    ولم يرد لفظ (بقيت الله) في القرآن إلا في الآية أعلاه.
    ورد لفظ (بقية) مرتين في آيتين غيرهما .
    ليكون من معاني الآية أعلاه بلحاظ آيات البلاغ على وجوه :
    الأول : قانون بقية الله من البلاغ خير لكم .
    الثاني : قانون بقية الله التي تعمل ببلاغات الأنبياء خير لكم .
    الثالث : قانون بقية الله مع البلاغ وتركة الأنبياء خير لكم .
    الرابع : قانون توارث ملة التوحيد والتنزيل خير لكم .
    الخامس : رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هي بقية الله لأنها خاتمة النبوات ، قال تعالى [وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا]( ).
    قانون البلاغ النبوي محكم
    تضمنت آية البلاغ [مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ]( ) أحكاماً ، منها :
    ما ذكر أنه منسوخ ، ولا دليل على النسخ ، فلم يترك النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التبليغ حتى اليوم الأخير من حياته في الدنيا ، ولم يقترن بالعنف والسيف والقتال.
    وجاءت آيات القرآن بالأمر بطاعة الله وطاعة الرسول مع كفاية البلاغ ، قال تعالى [وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ]( ).
    لبيان لزوم عدم الإلحاح على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالقتال ، وغزو الذين كفروا أو التعجيل بفتح مكة .
    ومن الآيات في المقام عدم رضا بعض الصحابة على صلح الحديبية ساعتئذ ، فنزل القرآن برسالة تبليغ وتعضيد للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باحتساب هذا الصلح فتحاً عند الله ، قال تعالى [إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا]( )، ومن معاني الفتح المبين تجدد مصاديق ومنافع هذا الفتح في كل زمان إلى يوم القيامة ، الجواب نعم.
    ورد لفظ [مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ] في ثلاث آيات في القرآن وهي :
    الأولى : خطاب الله عز وجل إلى الملائكة عندما احتجوا على جعل الإنسان [فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، وأمر الله عز وجل لآدم بتعليمهم الأسماء.
    الثانية : آية البحث أعلاه من سورة المائدة .
    الثالثة: الخطاب للمسلمين في الإذن بدخول بيوت لهم بعد استثناء من وجوب الإذن من أهلها كالفنادق والخانات الموقوفة في الطرق ليأوى إليها المسافر وابن السبيل (ومنازل الأسفار ومناخات الرجال)( ).
    ليكون من معاني الجمع بين هذه الآيات إكرام الله عز وجل للمسلمين ، وأنه سبحانه يكتب لهم الأجر والثواب لما يكتمون من النوايا الحسنة وأسباب الصلاح.
    ومن إعجاز الآية تضمنها الوعد والوعيد معاً ، الوعد للمؤمنين بالثواب على تصديقهم النبوة والتنزيل وعلى النوايا والعزائم الحسنة ، والوعيد للذين كفروا على معصيتهم وإقامتهم في منازل الكفر، وإصرارهم على الجحود والنفاق.
    ومن معاني الآية أنه ليس على النبي معرفة أسرار ونوايا الناس ، وهو أمر خاص بالله عز وجل وإن شاء أخبر نبيه عن نوايا بعض الأشخاص وما يحدثون به أنفسهم ليكون هذا الإخبار معجزة له إنما وظيفته البلاغ.
    وتمنع الآية المسلمين من مؤاخذة الناس على نواياهم ، أو جعل سرائر القلوب حجة على الناس فاذا كان النبي لا يعلم هذه السرائر فمن باب الأولوية أن اتباعه وانصاره لا يعلمونها.
    ومن معاني تكتمون : تخُفون.
    وفي الآية ترغيب للناس بدخول الإسلام لما تبعثه في النفوس من الخشية من الله عز وجل وإنكشاف النوايا والعزائم عنده ، وكأنها تقول من ينوي الإيمان التعجيل ، ومن ينوي المعصية الإنصراف عنها.
    ومن الشواهد على سلامة آية البحث من النسخ أن خاتمتها من مصاديق وأفراد بلاغ الرسول للناس ، بأن الله يعلم ما يظهرون وما يخفون ، ولا يحصي ما يظهر ويخفي أي إنسان إلا الله عز وجل لكثرة الأفراد اليومية لكل من الأظهار والإخفاء ، ولأنه لا يطلع على السرائر إلا الله عز وجل .
    فمن باب الأولوية القطعية أن النبي لا يحيط علماً بما يظهر ويخفي الناس وأجيالهم المتعاقبة إلا الله عز وجل لتحضر أعمال الناس ونواياهم معهم يوم القيامة .
    وقد صدر الجزء السابق وهو السابع والأربعون بعد المائتين بعنوان (علم الإحصاء القرآني غير متناهِ).
    فلا يحصي أعمال العباد إلا الله عز وجل ، وهو من مصاديق ربوبيته المطلقة للخلائق كلها .
    آيات نفي وكالة النبي
    آيات نفي وكالة النبي على الناس هي :
    الأولى : قوله تعالى [وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ]( ).
    الثانية : قوله تعالى [وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ]( ).
    الثالثة : قوله تعالى [قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ]( ).
    الرابعة : قوله تعالى [إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ]( ).
    الخامسة : قوله تعالى [وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ]( ).
    ووردت ثلاث آيات منها بقوله تعالى [وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ]( )، لبيان التخفيف عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبعث السكينة في قلبه وقلوب المؤمنين.
    لتكون آية البحث ترجمة وبياناً لقوله تعالى [ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ]( ).
    لبيان أن النبي محمداً لا يستعمل السيف لجذب وحمل الناس على الإيمان ، إذ تمر على الأرض آلاف الأجيال ، وكل جيل يتكون من ملايين الناس منتشرين في أصقاع الأرض ، وليس عليهم وكيل ورقيب إلا الله عز وجل وهو من مصاديق ربوبيته المطلقة.
    وهل في قوله تعالى [قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ]( )، بشارة وأمل ، الجواب نعم ، ومن معانيه هداية الله الناس للإيمان والتخفيف عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وفي التنزيل [وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ]( ).
    ثم أن الناس مأمورون بعدم اتخاذ وكيلاً غير الله ، قال تعالى [وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا]( ).
    وآية البحث هي الوحيدة التي وردت بالأمر بصيغة [قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ]( )، لبيان أنها حجة واحتجاج من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على القوم الكافرين .
    والذي يقول بأن هذه الآية منسوخة لابد أن يقول بنسخ نظائرها وهي الآيات الأربعة الأخرى ، ومن معاني عدم نسخ هذه الآيات وجوه:
    الأول : المعاني المتجددة لآيات [مَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ]( ).
    الثاني : الصلة بين أول وآخر كل آية من هذه الآيات .
    الثالث : صلة كل من آيات [لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ]( )، بالآيات المجاورة لها ، وما يترشح عنها من المعاني والدلالات.
    الرابع : التدبر في كل آية من هذه الآيات.
    صبر النبي (ص) على أهل مكة معجزة
    قد تقدمت الإشارة إلى هذا القانون في الجزء السابع والثمانين بعد المائة.
    لقد ورد الأمر بالصبر في القرآن إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بصيغ متعددة منها :
    الأولى : الأمر على نحو القضية الشخصية (اصبر) الموجه من الله عز وجل إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
    ومن إعجاز القرآن ورود كلة (اصبر) بصيغة الأمر تسع عشرة مرة كلها موجهة إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باستثناء واحدة في وصية لقمان لابنه [يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ]( ).
    ومن معانيها تعليم المسلمين تأديب أبنائهم على الصبر المقرون بأداء الصلاة والفرائض العبادية وبيان قانون عدم سقوط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند حضور الآباء ، وهو من إعجاز القرآن وبيان قانون الجمع في آن واحد بين كل من :
    الأول : أداء الفرائض العبادية .
    الثاني : الأمر بالمعروف .
    الثالث : النهي عن المنكر .
    الرابع : الصبر على الأذى .
    لبيان قانون أن تلقي الأذى ونزول المصائب بالإنسان لا يمنعه من أداء الفرائض العبادية ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
    وهل موضوع الصبر في هذه الثماني عشرة مرة من (اصبر) متحد أم متعدد ، الجواب إنه متعدد ، وشامل للعبادات والتبليغ ولغة الإحتجاج وتحمل الأذى من المشركين وغيرهم .
    الثانية : الإقتداء بصبر الرسل فيما لاقوه من الأذى الشديد من قومهم ، قال تعالى [فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ]( ).
    الثالثة : الأمر العام من الله للمسلمين بالصبر ، إذ أنه يشمل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لأنه الإمام في الصبر وتلقي التكاليف خاصة وأن الأمر بالصبر يحمل على الوجوب إلا مع القرينة في بعض الموارد بما يفيد الإستحباب.
    منافع عدم نسخ الآية
    ومن منافع عدم نسخ [وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ]( )، وجوه :
    الأول : كشف حقائق التكوين .
    الثاني : قانون الإرادة التكوينية بيد الله عز وجل.
    الثالث : الحساب بيد الله وحده .
    الرابع : الجنة حق .
    الخامس : النار حق .
    السادس : لا يقدر على بعث من في القبور إلا الله عز وجل.
    (وعن عُبَادَةَ بْنِ الصامِتِ عنِ النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ : مَنْ قَالَ : أَشْهَدُ أَنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، وَأَنَّ عيسى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلى مَرْيَمَ ، وَرُوحٌ مِنْهُ ، وَأَنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ ، وَالنَّارَ حَقٌّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ على مَا كَانَ مِنَ عَمَلٍ)( ).
    والله عز وجل هو الذي يحفظ العباد بمشيئته وجنوده ، وفي التنزيل [فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ]( ).
    ولم يرد لفظ (حافظاً) في القرآن إلا في الآية أعلاه ، ان سلامة أمر الله عز وجل إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم [وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ]( )من النسخ نعمة عظمى على الناس ، وهي من مصاديق الحجة عليهم ، ودعوة للتوسل والتضرع إلى الله عز وجل بحفظهم ، وهو لا يتعارض مع فضل الله عز وجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالشفاعة ، والشفاعة مطلقاً من مصاديق انحصار حفظ الناس بالله عز وجل.
    ولم تقل الآية جاءتكم بصائر ليس لأنه مؤنث مجازي وحده بل لأن البصيرة علم مستقل ، ولأن كل آية من القرآن بصيرة وكذا دلالاتها ، والمعجزات الحسية للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
    قانون الإستعانة بالصبر سلم
    لقد جعل الله عز وجل الحياة الدنيا دار الصبر والأمل فلابد لكل انسان أن يصبر ، ويواجه كل يوم في حياته الإمتحان مع التباين ، فصبر المؤمن في الله ، وله الأجر والثواب ، أما صبر الكافر فليس فيه إلا التعب والعناء.
    وقد أمر الله عز وجل المسلمين والمسلمات بالصبر كما في قوله تعالى [اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ]( ).
    والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إمام المسلمين في الصبر والتحمل.
    ومن خصائص الجمع بين الصبر والصلاة في الآية التعاضد بينهما في نشر ألوية السلم ، وإمتناع المسلمين عن القتال والبدء به ، إذ أن كلً من الصبر على أذى الكفار ، وإقامة الصلاة دعوة للناس لدخول الإسلام ، وهي أقوى كثيراً من أثر ونفع السيف.
    ومن الشواهد عليه أن أكثر أمم المسلمين في هذا الزمان دخل آباؤهم الإسلام بالحجة والبرهان وآيات القرآن ليكون من معاني الآية أعلاه بلحاظ قانون هذا الجزء على وجوه :
    الأول : استعينوا بالصبر لدفع القتال .
    الثاني : استعينوا بالصبر في الدعوة إلى الله .
    الثالث : استعينوا بالصبر لهداية الناس .
    الرابع : استعينوا بالصبر في تحمل أذى المشركين .
    الخامس : اقتدوا بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فاستعينوا بالصبر ، وقد قال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (ما أوذي نبي مثل ما أوذيت)( ).
    السادس : استعنيوا بالصبر في تحمل أذى المشركين .
    السابع : استعينوا بالصبر حتى يأتي الفتح ، وهل يحتاج المسلمون الصبر بعد الفتح ، الجواب نعم للملازمة بين الإيمان والصبر ، وفيه شاهد على قانون تجدد الغنى عن السيف .
    الثامن : واستعينوا بالصبر شاهداً على صدق إيمانكم .
    التاسع : واستعينوا بالصبر لدفع المسايفة والإقتتال .
    العاشر : واستعينوا بالصبر فهو من الأحسن في قوله تعالى [ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ]( ).
    قانون بعث السنة النبوية على التعايش السلمي
    النسبة بين قوله تعالى [إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ]( )، وبين التعايش السلمي هو العموم والخصوص المطلق ، لأن القرآن يهدي إلى السلم ، وصيرورته ملاكاً في التعامل بين الناس والطوائف والقبائل والأمم.
    والتعايش السلمي لفظ مركب من التعايش الذي هو نوع مفاعلة بين الأفراد والجماعات في الحياة اليومية وتسيير الأمور بصيغة الوفاق والوئام وطمأنينة كل طرف للآخر ، ونبذ العنف والحرب والقتال.
    وهل هناك تعايش غير سلمي ، الجواب نعم ، وهو القائم على الثأر والغدر والإنتقام .
    وعليه كانت العرب قبل الإسلام إذ كان بعضهم يغير على بعض ، وحتى الذي لا يغير على غيره ولا يريد النهب والسلب فانه لا ينام مطمئناً ، إذ يكون رجال ونساء القبيلة في حال خوف وفزع من مجئ الغارات حتى من الذين يظنون أن تعايشاً سلمياً جامعاً بينهم .
    وقد خفف الله عز وجل عن الناس وفرض حرمة أربعة أشهر من كل عام ليس فيها قتال أو غزو ، قال تعالى [إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ]( ).
    لتكون هذه الأشهرعلى وجوه:
    الأول : مناسبة للتعايش السلمي .
    الثاني : نشر ألوية السلم .
    الثالث : الطمأنينة في المجتمعات والرأفة بالأسر .
    الرابع : هذه الأشهر أوان لقرار الناس في بيوتهم ، ووطئ الرجال لأزواجهم والإنجاب وحفظ نسل البشرية ، والمودة بين الزوجين ، وحب الذرية ، ولا يختص موضوع قوله تعالى [وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ]( )، بالمسلمين بل هو شامل للناس جميعاً لبيان أن الأشهر الحرم مقدمة لهذه المودة.
    الخامس : تنمية ملكة السلم وجعله سنخية ثابتة في المجتمعات مقدمة لبعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، والتدبر في إعجاز القرآن .
    السادس : الأشهر الحرم وعاء زماني لنشر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رسالة الإسلام ، وتلاوته آيات القرآن على وفد الحاج لأنهم يأتون إلى مكة في شهر ذي القعدة ويبقون شطراً من شهر ذي الحجة وكل منهما من الأشهر الحرم.
    وهل كان صبر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على أذى قريش من التعايش السلمي ، الجواب نعم ، بملاقاته شدة الأذى بالصبر والعفو ، وقراءة القرآن الذي كانت آياته إنذار وتخويف ووعيد للذين كفروا ليكون
    من إعجاز القرآن أن هذه الآيات دعوة للسلم ، قال تعالى [وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ]( ).
    وعندما أراد المشركون قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في فراشه نزل جبرئيل يأمره بالهجرة إلى المدينة (يثرب) في نفس الليلة ليكون توقيت الهجرة من معجزات نبوته وهو من التعايش السلمي بالأعراض عن البطش والقتل.
    وبعد نحو أربعة أشهر من وصوله إلى المدينة آخى بين المهاجرين والأنصار ، وهو من الإعجاز في نبوته للتعاضد بينهم ، وعدم بعث النفرة أو العداوة أو الخلاف بينهم ، فليس من السهل على أهل مدينة أن يستقبلوا أعداداً كبيرة من المهاجرين وهم يتدفقون على نحو يومي مع قلة الموارد وأسباب الكسب والمعيشة .
    ثم عقد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وثيقة المدينة مع اليهود ، وشهد لهم بالإيمان لمنع الفتنة بينهم وبين المسلمين .
    ومنها (وَإِنّ يَهُودَ بَنِي عَوْفٍ أُمّةٌ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ لِلْيَهُودِ دِينُهُمْ وَلِلْمُسْلِمَيْنِ دِينُهُمْ مَوَالِيهِمْ وَأَنْفُسُهُمْ إلّا مَنْ ظَلَمَ وَأَثِمَ فَإِنّهُ لَا يُوتِغُ إلّا نَفْسَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ.
    وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي النّجّار مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْف.
    وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي الْحَارِثِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ.
    وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي سَاعِدَةَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ .
    وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي جُشَمٍ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ.
    وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي الْأَوْسِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْف.
    وَإِنّ لِيَهُودِ بَنِي ثَعْلَبَةَ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ.
    إلّا مَنْ ظَلَمَ وَأَثِمَ فَإِنّهُ لَا يُوتِغُ إلّا نَفْسَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ) ( ).
    وبنو عوف قبيلة عربية أرادوا السكن في تيماء ، وكان يقطنها اليهود ، فاشترطوا عليهم الدخول في اليهودية ، ثم انتقلوا إلى يثرب المدينة .
    وعندما أزداد عدد المسلمين وتم فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة ، جاءت الوفود للمدينة تعلن إسلامها حتى سمي العام التاسع للهجرة عام الوفود لكثرتها ، فان النبي بقى على منهاج التعايش السلمي .
    ومن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم استدامة عمل المسلمين على منهاج سنته ، لقد كانت مدة النبوة ثلاثاً وعشرين سنة في مكة والمدينة ، أما عمل المسلمين بمنهاج السنة فيشمل آلاف السنين ، وفي مشارق ومغارب الأرض .
    ولا يحيط بالعلم بمدة العمل بمنهاج سنته القولية والفعلية إلا الله عز وجل ، وفيها الأجر والثواب ، إذ تملي هذه السنة النبوية على المسلمين والمسلمات السعي للتعايش السلمي فيما بينهم ، ومع أهل الكتاب والناس جميعاً ، وهو من مصاديق قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ]( ).
    الآية الثالثة والأربعون : قوله تعالى [ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ]( ).
    ورد لفظ [ذَرْهُمْ] في القرآن ثلاث مرات ، وكلها خطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو من معجزاته في تأديب الله عز وجل له وللمسلمين في المعاملات والصلات .
    وفي حديث ضعيف عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال (أدّبني ربّي فأحسن تأديبي)( ).
    وفي قوله تعالى [قُلْ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ]( )، أي قل الله أنزل القرآن ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ،
    وقال بنسخ خاتمة الآية أعلاه كل من :
    الأول : ابن سلامة في كتابه الناسخ والمنسوخ 1/14 قال نسختها آية السيف.
    الثاني : قال ابن حزم في كتابه الناسخ والمنسوخ 1/37 نسختها آية السيف.
    الثالث : عن قتادة نسختها آية السيف فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
    الرابع : قال الكرمي في كتابه الناسخ والمنسوخ 1/105 نسختها آية السيف .
    الخامس : قال هبة الله المقري في كتابه الناسخ والمنسوخ 1/86 أمر الله بالإعراض عنهم ثم نسخ بآية السيف .
    السادس : قال ابن حيان في [ثُمَّ ذَرْهُمْ]( )، (وظاهر الأمر أنه موادعة فيكون منسوخاً بآيات القتال وإن جعل تهديداً أو وعيداً خالياً من موادعة فلا نسخ)( ).
    لقد أنكر المشركون نزول القرآن ، فجاء هذا الإحتجاج عليهم في سورة الأنعام التي هي من السور المكية .
    و(عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : نزلت سورة الأنعام معها موكب من الملائكة سد ما بين الخافقين لهم زجل بالتسبيح والأرض لهم ترتج ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول سبحان ربي العظيم ثلاث مرات)( ).
    و(عن كعب قال : فاتحة التوراة فاتحة الأنعام ، وخاتمتها خاتمة هود ، وذكر المهدوي قال المفسرون إن التوراة افتتحت بقوله [الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ]( ) الآية وختمت بقوله الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ( ).
    ويمكن حصر الأقوال في الآية في ثلاثة :
    الأول : الآية منسوخة بآية السيف.
    الثاني : الترديد بين نسخ الآية بآية السيف وبين عدم نسخها .
    الثالث : الآية محكمة غير منسوخة .
    والمختار هو الأخير ، فهذه الآية من إعجاز القرآن إذ أنها تخاطب النبي محمداً بأن يترك المشركين في جهالتهم وغفلتهم ، وهل هذا الأمر والتكليف خاص بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، الجواب لا ،إنما هو للمسلمين كافة .
    الأحاديث القدسية التي تنهى عن الظلم
    الحديث القدسي مصطلح يراد منه الحديث الذي ينقله ويرويه ويرفعه ويضيفه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الله عز وجل ، إذ يأتيه هذا الحديث بالوحي ، وسمّي بالقدسي لنسبته إلى الله تعالى كما يسمى بالحديث الرباني ، والحديث الإلهي ، ويكون الفرق بينه وبين القرآن والحديث النبوي من وجوه :
    الأول : لفظ ورسم ومعنى ونظم الآيات القرآنية من الله عز وجل وهو معجز ومتعبد بتلاوته ، وتفضل الله عز وجل ووعد بحفظ القرآن من يد التحريف أو طرو الزيادة أو النقيصة ، قال تعالى [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ]( ).
    الثاني: يتضمن القرآن الأحكام التكليفية وأبواب العبادات والمعاملات .
    الثالث : معنى الحديث القدسي وحي من عند الله ، ولكن لفظه وصيغته من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا يتضمن أحكام العبادات والمعاملات ، إنما هو في باب الآداب والصلاح والأخلاق والترقي والتكامل ، والندب إلى فعل الخيرات ، وليس من إعجاز في لفظه ورسمه .
    الرابع : الحديث النبوي ، وهو الكلام الموحى إلى النبي بمعناه لا بألفاظه وموضوعه وبيانه ، ومنه ما يشمل العبادات والمعاملات ، لذا فان الحديث النبوي المصدر الثاني للتشريع.
    ومع التباين الرتبي بينهما ، وأن القرآن اسمى درجة بمراتب عن الحديث القدسي والحديث النبوي فان الجامع المشترك بينها هو قوله تعالى [وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى]( )، لمنع الإختلاف بين المسلمين ، والزجر عن القول بالإكتفاء بالقرآن وترك الحديث مع أهميته وبيانه لأحكام الآيات.
    وتدل كل آية من آيات القرآن والحديث القدسي والحديث النبوي على قانون ملائمة السلم للنبوة ، وعدم مفارقة النبي واتباعه لمقامات السلم وإرادة الصلح.
    والأحاديث القدسية مدرسة مستقلة في الإصلاح والرشاد ، واسمها وموضوعها باعث على العناية بها ، والإلتفات إليها ، وفيها شواهد على أن آيات السلم محكمة غير منسوخة إذ انها تدعو إلى الإيمان والعدل والإنصاف وتزجر عن الظلم والأخلاق المذمومة.
    ومن الأحاديث القدسية التي تنهى عن الظلم :
    الأول : (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : قال الله : يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا)( ).
    الثاني : (عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما روى عن الله عز وجل أنه قال يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً .
    فلا تظالموا يا عبادي كلكم جائعٌ إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم .
    كلكم عارٍ إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم .
    يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم .
    يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني .
    يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحدٍ منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً .
    يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجلٍ واحدٍ ما نقص ذلك من ملكي شيئاً .
    يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيدٍ واحدٍ وسألوني فأعطيت كل إنسانٍ مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر.
    يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)( ).
    الثالث : و(في الحديث القدسي : ولولا شيوخ ركع، وبهائم رتع وصبية رضع ، لصببت عليكم البلاء صبا ترضون به رضا)( ).
    الرابع : (وفي الحديث القدسي: فمنك الدعاء وعلى الاجابة فلا تحجب عني دعوة إلا دعوة آكل الحرام)( ).
    تقدير [فَذَرْهُمْ]
    وتقدير الآية (فذروهم) ولم يرد هذا اللفظ في القرآن ترى لماذا يتركهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في غيهم وخوضهم، الجواب من وجوه :
    الأول : قانون إقامة الحجة على الكفار بعد تبليغهم الرسالة .
    الثاني : قانون كفاية التبليغ الرسالي ، قال تعالى [أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ]( ).
    الثالث : الإنذار والوعيد للذين كفروا إذ يأتيهم البلاء وهم يلعبون .
    الرابع : إنشغال الذين كفروا باللهو واللعب والباطل مناسبة لنشر مبادئ الإسلام ، وجذب الناس إلى سبل الهدى .
    الخامس : التخفيف عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين بعدم الإنشغال الزائد بالذين كفروا.
    السادس : البشارة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بصرف ضرر الذين كفروا لأنهم في حال لعب وجهالة ، وهو من مصاديق قوله تعالى [لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى]( ).
    السابع : الهداية العامة بتوالي نزول آيات القرآن ، وخيبة المشركين في ميادين القتال .
    الثامن : قرب فتح مكة ودخول الناس الإسلام ، ليكون من وجوه تقدير [ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ] ( ) إلى حين توبتهم مع دعوتهم بآيات السلم ، وإلى حين فتح مكة وما بعده.
    المعاني الذاتية للآية
    ولابد من لحاظ أول ووسط آية البحث ، وصلة كل شطر منها بخاتمتها ، وهو من أسرار وسلامة هذه الخاتمة من النسخ ، ويكون تقدير الآية على وجوه :
    الأول : وما قدروا الله حق قدره ذرهم في خوضهم يلعبون ، لم يعلم المشركون سعة رحمة الله ، وأن الوحي والتنزيل والنبوة حق ولطف ونعمة من الله تعالى ، وفي التنزيل [وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتِ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ]( ).
    الثاني : قالوا ما انزل الله من شئ فذرهم في خوضهم يلعبون .
    فهذا القول منهم باطل وظلم ، لقد انكروا التنزيل مطلقاً بقصد إنكار نزول القرآن ولبعث الشك والريب في نفوس المسلمين ، فمن خصائص الإسلام التصديق بكل الكتب السماوية ومنها التوراة والإنجيل .
    لقد كان المشركون يقرون بنزول التوراة والإنجيل ، وكانوا يسألون يهود المدينة ونصارى نجران عن صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولكن العصبية وحمية الجاهلية دفعت طائفة منهم إلى إنكار نزول التوراة والإنجيل تمادياً ومبالغة لقصد إنكار نزول القرآن.
    الثالث : وما قدروا الله حق قدره ، إذ عبدوا الأوثان فذرهم في خوضهم هذا يلعبون .
    الرابع : وما قدروا الله حق قدره ، فالله يبتليهم ويبطش بهم فلا تشهر عليهم السيف بل ذرهم في خوضهم يلعبون .
    الخامس : وما قدروا الله حق قدره إذ يبعثهم يوم القيامة للحساب ثم الجزاء ، وعن ابن عمر (عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : إذا كان يوم القيامة جمع الله السموات السبع والأرضين السبع في قبضته ، ثم يقول : أنا الله ، أنا الرحمن ، أنا الملك ، أنا القدوس ، أنا السلام ، أنا المؤمن ، أنا المهيمن ، أنا العزيز ، أنا الجبار ، أنا المتكبر ، أنا الذي بدأت الدنيا ولم تك شيئاً ، أنا الذي أعيدها اين الملوك ، أين الجبارون)( ).
    السادس : وما قدروا الله حق قدره لأن تنزيل القرآن لا يقدر عليه إلا الله فذرهم في خوضهم يلعبون .
    السابع : لقد نزل القرآن منجماً مجزأ ، ليكون من تقدير الآية ، وما قدروا الله حق قدره الذي يتفضل عليك بتوالي نزول آيات القرآن ثم ذرهم في خوضهم يلعبون .
    فالنبي وأصحابه مشغولون بتلقي آيات القرآن والعمل بمضامينها أما المشركون فانهم في لعب وباطل غارقون ، وفيه مناسبة لتمام تبليغ الناس آيات القرآن وأحكام الشريعة ، وهو من مصاديق قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ]( ).
    لذا جاءت الآية التالية بتأكيد نزول القرآن من عند الله عز وجل لتعضيد إخبار آية البحث عن نزول التوراة بقوله تعالى [وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ]( ).
    التاسعة : تبين الآية علة وسبب عدم تقدير المشركين عظيم قدرة وسلطان الله بانكارهم نزول الكتب السماوية على الأنبياء لبيان موضوعية التنزيل في بديع الخلق.

(إذا) في آية (الدَين)
اسم شرط غير جازم ، وهو لما يستقبل من أفراد الزمان ، وقد تقدم إعرابه في الصفحة الثامنة من الجزء التاسع والأربعين من هذا السِفر.
ورد لفظ (إذا) في آية الدَين ثلاث مرات ، وهو من معاني صبغة السلم في الإسلام ، وهي :
الأولى : توجه الخطاب إلى المسلمين والمسلمات جميعاّ إذا جاء بعد نداء الإيمان في أول الآية مباشرة بقوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ]( ).
الثانية : ما يخص الذين يشهدون على الدَين بل مطلقاً بقوله تعالى [وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا]( )، لحرمة كتمان الشهادة إذا ترتب على كتمانها والتخلف عن أدائها ضياع الحقوق ، قال تعالى [وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ]( ).
وعن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام قال (وإن سئلت عن الشهادة فأدها، فان الله تبارك وتعالى يقول [إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا]( ) وقال عز وجل وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ( ).
نعم إذا كان في الشهادة ضرر على الشاهد وبما لا يطاق ، فيكون الترجيح وفق قاعدة لا ضرر ولا ضرار في الإسلام .
الثالثة : الخطاب للمسلمين عامة في موضوع البيع بقوله تعالى [وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ]( )، سواء تم التبايع بين المسلمين أو بينهم وبين غيرهم.
ويدل تعدد اسم الشرط (إذا) على فضل الله عز وجل على المسلمين في ازدهار التجارة وكثرة المعاملات بينهم ، وفيه مسائل :
الأولى : لزوم تفقه المسلمين في الدين .
الثانية : البشارة بانقطاع الحروب والإقتتال بين المسلمين والمشركين فيمكن احتساب آية الدّين من آيات السلم ، وقد تقدمت الإشارة إليه في الجزء التاسع والأربعين من هذا السِفر والذي يختص بتفسير هذه الآية( ).
الثالثة : قانون توثيق الديون .
الرابعة : قانون ضبط المعاملات ، ومنع الحرج في الدين.
معجزات حجة الوداع
لقد قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحج البيت الحرام مرة واحدة بعد الهجرة في السنة العاشرة منها وتسمى حجة الوداع لتوديع النبي صلى الله عليه وآله وسلم المسلمين فيها ، ويستقرأ اسم حجة الوداع مما ورد عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال (رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرمي الجمرة على راحلته يوم النحر ويقول : لتأخذوا مناسككم ، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه( ).
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن جعفر بن محمد عن أبيه عليه السلام قال : دخلنا على جابر بن عبد الله.
فقلت : أخبرني عن حجة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكث تسع سنين لم يحج ، ثم أذن في الناس في العاشرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حاج ، فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويعمل بمثل عمله .
وهذا الإلتماس وكثرة أصحابه معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وشاهد على طلب المسلمين السلم والتفقه في الدين ، فلم يطلبوا من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يغزو بهم المدن والبلدان بل تسابقوا لمصاحبته لحج بيت الله الحرام.
فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة.
فصلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المسجد.
ثم ركب القصواء حتى استوت به ناقته على البيداء ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن وهو يعلم تأويله ، فما عمل به من شيء عملنا به.
فأهل التوحيد لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.
وأهل الناس بهذا الذي تهلون به ، فلم يرد عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً منه ) ( ).
(وأخرج أبو الشيخ عن جعفر بن محمد عليه السلام قال : كنت مع أبي محمد بن علي عليه السلام فقال له رجل : يا أبا جعفر ما بدء خلق هذا الركن .
فقال : إن الله لما خلق الخلق قال لبني آدم [أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى]( ).
فأقروا ، وأجرى نهراً أحلى من العسل وألين من الزبد ، ثم أمر القلم فاستمد من ذلك النهر ، فكتب إقرارهم وما هو كائن إلى يوم القيامة ، ثم ألقم ذلك الكتاب هذا الحجر ، فهذا الإِستلام الذي ترى إنما هو بيعة على إقرارهم الذي كانوا أقروا به)( ).
وأختلف في عدد صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع كثرة وقلة على أقوال :
الأول : مائة ألف صحابي.
الثاني : سبعون ألف .
الثالث: عدد إجمالي يدل على الكثرة (كان معه عليه السلام من الناس جموع لا يحصيها إلا خالقهم ورازقهم عز وجل) ( ).
الرابع : مائة ألف وأربعة عشر ألف صحابي.
وقيل ان عدد الصحابة عند موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم مائة ألف وعشرون ألفاً ، عن أبي زرعة ( ).
وقال الشافعي (توفى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون ممن سمع منه ورآه زهاء ستين ألفاً)( ).
مما يدل على أن عدد الذين حجوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حجة الوداع أقل من هذا العدد ، لأن النسبة بينهما عموم وخصوص مطلق ، فمجموع عدد المسلمين أكثر من الذين أدوا الحج مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
أصل البراءة
وهو أصل من الأصول العملية التي تفيد براءة ذمة المكلف من تكليف مخصوص ، وعدم إنشغالها به إلا مع الدليل .
والمراد من الأصول العملية هي الأسس والضوابط التي تكشف عن تكليف المكلف أو عدمه عند ظهور شك في تعيين حكم شرعي مخصوص ، ويلجأ إليها المكلف عند تعذر الدليل أو الأمارة .
والرجوع إلى الأصول العملية مما يميز علم الأصول ، ويتقوم الفقه عند مشهور المسلمين بالسعي للوصول إلى الحكم الواقعي باستنباطه من الكتاب والسنة ، وإذا لم يوجد يلجأ إلى مطلق الأمارات الظنية من :
الأول : القياس .
الثاني : الإستحسان ، ومنه العدول من قياس إلى قياس أقوى.
الثالث : المصالح المرسلة ، وتختص بالمعاملات ولا تشمل العبادات التي هي توقيفية وفيها نصوص ثابتة ، قال تعالى [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( ).
والمصالح المرسلة وهي مصالح الناس التي لم يرد فيها دليل خاص.
الرابع : سد الذرائع ، والذريعة هي الوسيلة ، والسبب والبلغة وهي الإصطلاح ترك الفعل المباح الذي يؤدي إلى المفسدة أو الضرر ومنه قوله تعالى [وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ]( )، فسب آلهة المشركين حق وقد نهى الله عنه ، وتقدم ذكره في الجزء الخامس والأربعين بعد المائتين .
الخامس : العرف .
والأحكام على قسمين :
الأول : أحكام وأصول ثابتة لا تقبل الإجتهاد ، ومنها أحكام العقيدة ، كالتوحيد والنبوة والمعاد وضروريات الدين ، وفي العبادات كالصلاة خمس مرات في اليوم والزكاة وحج بيت الله الحرام ، وصيام شهر رمضان ، قال تعالى [شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ]( ).
الثاني : والأصول العملية عند الشك أربعة هي :
الأول : البراءة .
الثاني : الإحتياط، ويسمى أصالة الإشتغال وقاعدة الإشتغال.
الثالث : أصل الإستصحاب ، ومنهم من جعله أمارة التي هي أقوى بالدلالة من الأصل العملي.
الرابع : التخيير.
والبراءة علامة تكشف عدم التكليف بحكم شرعي مخصوص وهي أصل عملي عند الشك ، وليست كاشفاً عن حال الواقع.
وآيات السلم سالمة من النسخ ، ولم يثبت ما يدل على خلافه ، فلا تصل النوبة إلى الشك هل نسخت أم لا كي نرجع إلى الأصل العملي وبراءتها من النسخ ، بل هي محكمة وثابتة ، وعمل بها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى حين مغادرته الحياة الدنيا.
بين البراءة والإباحة
الفرق بين أصالة البراءة وأصالة الإباحة من وجوه :
الأول : تقابل أصالة البراءة الوجوب ، فاذا شككنا بوجوب شئ يكون مورداً لأصالة البراءة ، أما إذا شككنا في حرمة شئ فتكون أصالة الإباحة.
الثاني : تدرك أصالة البراءة بالشرع .
الثالث : الحكم المترشح عن أصالة البراءة هو حكم ظاهري ، قد يكون الواقع بخلافه ، أما الحكم المترشح عن الإباحة فهو حكم واقعي في الغالب .
الرابع : تجري أصالة البراءة في الشبهات الموضوعية الجزئية مثل لو شككنا هل هذا الماء طاهر أم نجس ، فتجري أصالة الطهارة من غير حاجة إلى السؤال والفحص ، والتذكية هي إزهاق نفس الحيوان وفق الشريعة وشرائط الذباحة ، عدا الكلب والخنزير لأنهما نجسا العين .
وهو الذي يسمى عدم وجوب الفحص في الشبهات الموضوعية ، وإذا وجد لحم في السوق وشككنا هل هو مذكى أو لا ، فلا حاجة إلى الفحص لقاعدة سوق المسلمين .
وطرأت مسألة مستحدثة وهي اللحوم المستوردة من البلاد الغربية وغيرها ومنها التي لم تثبت تذكيتها .
وقيل بأصالة عدم التذكية عند وجود لحم أو جلد حيوان ، وشك في كونه مذكى أو غير مذكى .
وأن أصالة عدم التذكية مقدمة على أصالة الحلية ، إذ تكون الحرمة سابقة للنظر في أصل الحلية أو جريان حكمها ، لأن الحكم تابع للموضوع ،وإذا انتفى الموضوع انتفى الحكم ، وهو أصالة الحل.
وفي القول بعدم التذكية اشكال من وجوه :
الأول : قوله تعالى [قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ]( ) .
الثاني : قاعدة سوق المسلمين .
الثالث : عدم ثبوت أصالة عدم التذكية .
الرابع : دلالة النصوص على أصالة الحلية.
وعن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال : سمعته يقول : كل شيء هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك ، وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة ، أو المملوك عندك ولعلّه حرّ قد باع نفسه ، أو خدع فبيع قهرا ، أو امرأة تحتك وهي اُختك أو رضيعتك ، والاشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك ، أو تقوم به البينة)( ).
وفي الشبهات الحكمية وهي التي يكون متعلق الشك فيها الشك في الحكم الكلي الشرعي عند فقدان النص أو إجماله أو تعارضه مع دليل آخر .
مثل التبغ وهو مسألة إبتلائية ظهرت في القرن الثامن الهجري تقريباً ، وهل شربه حلال أم حرام ، فأمامه تبغ ولكن لا يعلم بأصل الحكم تجري حينئذ أصالة الحل فيجب الرجوع إلى الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة وقاعدة لا ضرر ولا ضرار ، وحديث المعصوم والإجماع ، وإن لم يجد ما يدل على الحرمة يجري أصالة الحل ، فلا يصح إجراء أصالة الحل إبتداء من دون تحقيق وفحص من الأدلة .
لا أصل للبراءة العقلية
وقيل بالبراءة العقلية وتسمى البراءة الأصلية وهو أن الأصل عدم وجوب شئ أو حرمته ما لم يؤد به دليل على الوجوب أو الحرمة ومبنى هذا الكلام هو افتراض وظيفة المكلف قبل مجئ الشرائع وبعث الرسل ، ولا أصل لهذا المبنى والمعنى من البراءة ، لأن أول إنسان عمّر الأرض هو آدم وهو نبي رسول ، جاء بصحف وتكليف ، لم يهبط من الجنة إلا وقد اتقن الصلاة وتعاهدها.
عن أبي ذر قلت : يا رسول الله من أول الأنبياء؟
قال : آدم .
قلت : نبي كان؟
قال : نعم مكلم .
قلت : ثم من؟
قال : نوح وبينهما عشرة آباء .
وأخرج أحمد والبخاري في تاريخه والبزار والبيهقي في الشعب عن أبي ذر قال : قلت : يا رسول الله أي الأنبياء كان أول؟
قال : آدم قلت : يا رسول الله ونبي كان؟
قال : نعم .
نبي مكلم .
قلت : كم كان المرسلون يا رسول الله؟
قال : ثلثمائة وخمسة عشر . جماً عفيراً .
وأخرج عبد بن حميد والآجري في الأربعين عن أبي ذر قال : قلت يا رسول الله من كان أولهم؟
يعني الرسل قال : آدم قلت : يا رسول الله أنبي مرسل؟
قال : نعم .
خلقه الله بيده ، ونفخ فيه من روحه ، وسوّاه قبلاً( ).
وعن أبي ذر قال (قلت يا رسول الله كم الأنبياء فقال مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألفا قلت يا رسول الله كم المرسلون منهم قال ثلاثمائة وثلاثة عشر وبقيتهم أنبياء قلت كان آدم عليه السلام نبيا قال نعم كلمه الله وخلقه بيده .
يا أبا ذر أربعة من الأنبياء عرب هود وصالح وشعيب ونبيك.
قلت يا رسول الله كم أنزل الله من كتاب قال مائة وأربعة كتب أنزل الله منها على آدم عليه السلام عشر صحف وعلى شيث خمسين صحيفة وعلى أخنوخ وهو إدريس ثلاثين صحيفة وهو أول من خط بالقلم وعلى إبراهيم عشر صحائف والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان)( ).
كما يستقرأ ابتداء عمارة الإنسان الأرض بالعبادة بقوله تعالى [وَعلم آدم الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ]( ) ، وقوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ]( ).
وورث أولاد آدم منه الفرائض العبادية والتقوى ، ومنها قوله تعالى [وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ]( ).
إن نفي المعنى الذي استندت عليه البراءة العقلية لا يعني نفيها جملة وتفصيلاً ، إنما يجري التحقيق في موضوعها وحكمها وأدلة أخرى لها ، إذ أن موضوع البراءة العقلية أعم ، وهي تقابل أصالة الحظر مع مقابلتها لأصل الأشتغال ، وإن كانت أصالة الإباحة هي التي تقابل أصالة الحظر.
نعم أصالة البراءة والإشتغال متأخرة عن الحكم الشرعي ، أما أصالة الإباحة فتعني حكم العقل بإباحة الأفعال إلا إذا ورد منع من الشارع ، فاذا كان المكلف قاطعاً بعدم المنع الشرعي ، فالمجرى أصالة الإباحة ، أما إذا كان المكلف شاكاً في الحكم الشرعي فالمجرى هو أصالة البراءة .
قال تعالى [قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ]( )
وقيل أن المراد من أصالة عدم التذكية هو إستصحاب عدم التذكية ، ولا أصل لهذا الإستصحاب ، لأنه أصل عملي ، ولا يكون الرجوع إلى الأصول العملية إلا عند فقدان الدليل ، ثم رتبوا عليه قاعدة وهي : أن استصحاب عدم التذكية ينزل عدم التذكية منزلة القطع بعدم التذكية ترتب الأثر الشرعي وهو الحرمة ، ووجوب عدم جريان أصالة الحل ، ولا أصل لهذا المبنى .
وفي أصالة الحلية في باب الشك ومشكوك الحرام ، وعن الإمام الصادق عليه السلام : (كل ما كان فيه حلال وحرام فهو لك حلال ، حتى تعرف الحرام بعينه)( ).
ومنهم من قال أن هذه الرواية خاصة في الشبهة الموضوعية ، وليس الشبهة الحكمية ، قال تعالى [خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا]( ).
ولقاعدة لا ضرر ولا ضرار ، فلا بد من دليل قاطع على الحرمة ، وأيضاً قاعدة حفظ مال المسلم .
وإذا تم تعريض الدجاج ونحوه إلى الصعقة الكهربائية ، فيجوز أكله ، إذا لم يمت بالصعقة وتم ذبحه بالتذكية الصحيحة .
وفي لحوم الحمير الأهلية هي حرام للنص عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وورد خبر عن ابن عباس بالحلية ، وتحريم النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأكل لحوم الحمير الأهلية يوم خيبر للحاجة إلى ظهورها وخشية فنائها ، وكأنه نهي كراهة لا نهي تحريم ، أو قل هناك مدخلية للحاجة والوقت في التحريم .
وقال مالك بحرمة لحوم الخيل أيضاً خلاف مشهور المسلمين بحليتها ، لقوله تعالى [وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ]( ).

الآية الرابعة والأربعون : قوله تعالى [قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ]( ).
ذكر أن هذه الآية منسوخة ، نسختها آية السيف وبه قال كل من:
الأول : ابن سلامة في الناسخ والمنسوخ 1/14.
الثاني : ابن حزم الناسخ والمنسوخ لابن حزم 1/37.
الثالث : الكرمي في الناسخ والمنسوخ 1/106.
الرابع : قيل تضمنت الآية ترك قتال المشركين ثم نسخ بآية السيف 1/32.
الخامس : [وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ]( ) (يعني : بمسلط وهذا قبل أن يؤمر بالقتال)( ).
السادس : (قال ابن عطية : كان قبل ظهور الإسلام ثم بعد ذلك كان حفيظاً على العالم آخذاً لهم بالإسلام والسيف)( ).
السابع : (يروى عن ابن عباس أن الآية منسوخة بآية القتال ولا يخفى ضعفه)( ).
الثامن : (قال الزجاج : نزل هذا قبل فرض القتال ثم أمر أن يمنعهم بالسيف من عبادة الأوثان)( ).
وتتضمن الآية أموراً :
الأول : إبتداء الآية بالإخبار عن فضل الله في مجئ البصائر والحجج والآيات من عند الله إلى الناس جميعاً ، وهو ظاهر صيغة الخطاب في نظم هذه الآيات .
الثاني : من أبصر واهتدى فلنفسه ونفعه في النشأتين.
الثالث : من ضل وامتنع عن التدبر في الحجج والآيات فانه بمنزلة الأعمى ولا يضر إلا نفسه ، وفي التنزيل [وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ]( ).
ومن الإعجاز في الآية أعلاه مجئ احتمال نفي الإيمان عن أهل الأرض جميعاً لم يأت عن قول الله عز وجل ، إنما جاء على لسان موسى عليه السلام وبصيغة الجملة الشرطية لأن الله عز وجل يعلم أن الأرض لا تخلو من المؤمنين في يوم من أيام الدنيا .
الرابع : خاتمة الآية التي تنفي حفظ النبي صلى الله عليه وآله وسلم للناس بقوله تعالى [وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ]( ) ، وفيه منع للغلو بشخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والأولياء ، وكل فرد من هذه الأمور قانون من الإرادة التكوينية .
قانون ابتداء نزول القرآن بالأمر بالسلم
أول ما نزل به جبرئيل من القرآن هو قوله تعالى [اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ]( )، وفيه بلحاظ عنوان هذا الجزء من التفسير وجوه :
الأول : قانون القراءة سلم بالذات لأنها انقطاع إلى المقروء .
الثاني : قانون القراءة طريق إلى السلم .
الثالث : قانون القراءة مانع من الظلم والتعدي .
الرابع : قانون القراءة ارتقاء في المعارف .
الخامس : قانون الحسن الذاتي للقراءة النافعة .
السادس : قانون القراءة برزخ دون الحرب والقتال .
السابع : قانون الأمر من الله عز وجل إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالقراءة رحمة ، ليكون من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( )، وما أرسلناك من بداية بعثتك إلا رحمة للعالمين.
وفيه شاهد على تغشي السلم لرسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من حين البعثة النبوية وإلى مغادرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى .
وقد تقدم أن قوله تعالى (اقرأ) من الخطابات العامة في القرآن وتقديره بالنسبة لأجيال المسلمين المتعاقبة (اقرأوا باسم ربكم).
والنسبة بين الرحمة والسلم عموم وخصوص مطلق ، فالرحمة أعم ، وليس من حصر لمصاديقها .
ومن لطف الله عز وجل بالمسلمين حسن امتثالهم للأوامر الإلهية ، وتعدد هذا الإمتثال من كل فرد منهم ذكراً كان أو أنثى ومن مصاديق قراءتهم بخصوص الأمر في الآية قراءة كل مسلم ومسلمة القرآن في كل ركعة من الصلاة على نحو الوجوب العيني ، قال تعالى [فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ]( ).
وهل أراد الله عز وجل للمسلمين بالقراءة في الصلاة حضّهم على تعاهد السلم ومفاهيمه ، الجواب نعم ، سواء كان السلم فيما بينهم أو السلم مع أهل الكتاب او مع الكفار.
وتشمل القراءة الأوامر والنواهي التعبدية ليس فقط على سبيل الإستعلاء بل الأمر من مقام الربوبية المطلقة ، وقيدتها الآية بأنها (باسم ربك) للإجتهاد في العمل الصالح ، وإجتناب السيئات.
أجزاء متعددة في تفسير آية واحدة
الحمد لله الذي ليس لفضله حداً ومنتهى ، والذي [يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ]( )، وجعل علوم القرآن كنوزاً وذخائر لا تنفد .
وقد تضمن هذا السِفر (معالم الإيمان في تفسير القرآن) أجزاء متعددة لخصوص آيات متحدة منها :
الأول : صدور الجزء التاسع والأربعون والجزء السابع والثلاثين بعد المائة في آية الدَين ، مع تنقيح وإضافات هذه الأيام في الجزء (49) والحمد لله.
الثاني : اختصاص الأجزاء (94-95-96-97) في تفسير قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ).
الثالث : اختصاص الأجزاء (100-101-102) في تفسير قوله تعالى [وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ]( ).
الرابع : اختصاص الأجزاء (105-106-107-108-109) في تفسير قوله تعالى [هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ]( ).
الخامس : اختصاص الأجزاء (111-112) في تفسير قوله تعالى [إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ] ( ).
السادس : اختصاص الأجزاء (126-127-128) في تفسير قوله تعالى [إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ]( ).
السابع : اختصاص الأجزاء (129-130-131) في تفسير قوله تعالى [ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ] ( ).
الثامن : اختصاص الأجزاء (135-136-137-138-139-140) بتفسير نداء الإيمان [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا].
التاسع : اختصاص الأجزاء (156-157) في تفسير قوله تعالى [وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ]( ).
وقد تقدم في الجزء التاسع والأربعين قانون (منع آية الدين للإختلاف).
لنبين هنا وبعد مائتي جزء والحمد لله منع آية الدَين لسلّ السيوف والحرب والإقتتال من باب الأولوية القطعية لمنهجية جامعة ومستحدثة في النظر إلى آيات السلم في القرآن وفق :
الأول : المنطوق الذي يدل صراحة على إرادة السلم .
الثاني : المفهوم الذي يفيد الحض على السلم سواء كان مفهوم الموافقة أو مفهوم المخالفة .
الثالث : ترشح معاني السلم عن مضامين الآية القرآنية.
الرابع : صرف مضامين الآية القرآنية الناس عن الفتن والإقتتال.
وهل الحروف المقطعة صرفت عنه ، الجواب نعم ، وهو من الإعجاز في قانون موضوعية ومنافع كل حرف من القرآن ، فمن منافعها تليين القلوب ، وسكينة النفوس ، والدعوة إلى التدبر والتفكر في التنزيل بما يصرف الناس عن التعدي والظلم ، قال تعالى [أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا]( ).
قانون شيوع آيات القرآن في مكة دعوة للسلم
لقد كان انتشار وشيوع آيات القرآن في مكة قبل الهجرة معجزة ولواء سلام ودعوة للمؤمنين للصبر ، وبشارة الأجر والخلود في النعيم الأخروي ، وهذا الإنتشار من وجوه :
الأول : تلاوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم آيات القرآن في المسجد الحرام من جهات :
الأولى : عند الصلاة ، وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يجهر بالقراءة مع شدة أذى المشركين له ، ثم صار حكم القراءة في صلاة الظهرين الإخفات ، وفي التنزيل [وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ]( ).
الثانية : تلاوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم القرآن على ضيوف الرحمن ، وزوار البيت الحرام .
الثالثة : تلاوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على أهل البيت وعلى أصحابه .
الرابعة : احتجاج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على المشركين بآيات القرآن لبيان المنافع المتعددة لهذا الإحتجاج ، وفي قوله تعالى [أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى]( )، أن الآية نزلت في أبي جهل إذ (قال : لئن رأيتُ محمداً يصلي لأطأنَّ على رقبته)( ).
الخامسة : المدد القرآني من عند الله لتعضيد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في فضحه لمفاهيم الشرك .
و(عن ابن عبّاس قال : كان للمشركين في الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً يعبدون من دون الله إفكاً وشرّاً فبيّن الله تعالى لهم إنّه واحد فأنزل [وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ]( ).
وعن أبي الضحى : قال : لمّا نزلت هذه الآية عجب المشركون وقالوا : إنّ محمّداً يقول الهكم إله واحد فليأتنا بآية إن كان من الصّادقين فأنزل الله تعالى إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ( ).
السادسة : إملاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم آيات وسور القرآن على الصحابة من خارج مكة لتوثيقها ونشرها ، و(عن عمر بن حنظلة أن مسجد بني زريق أول مسجد قرئ فيه القرآن وأن رافع بن مالك لما لقي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالعقبة أعطاه ما أنزل عليه في العشر سنين التي خلت .
فقدم به رافع المدينة ثم جمع قومه فقرأ عليهم في موضعه قال: وعجب النبي صلى الله عليه وآله وسلم من اعتدال قبلته)( ).
إن إنشغال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بتلاوة القرآن وحفظه ونقل وإشاعة آياته شاهد على أن الإسلام دين السلام وأن هذا النقل من مصاديق التبليغ التي أمر الله به رسوله ، قال تعالى [مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ]( )، وهذه الآية من سورة المائدة وهي من آخر سور القرآن نزولاً.
لبيان أن البلاغ هو وظيفة النبوة وأن القول بنسخ آية السيف لآيات السلم والموادعة لا أصل له.
الثاني : تلاوة الصحابة لآيات وسور القرآن.
الثالث : تدارس الصحابة آيات القرآن ، وكان عدد منهم يخرجون إلى بطحاء مكة ليتدارسوا آيات القرآن ، ويتدبروا في معانيها ، ولترسخ في أذهانهم .
الرابع : نقل المسلمين الأوائل والمعتمرين آيات القرآن إلى أهليهم.
قانون ندامة مشركي قريش
وردت الإشارة إلى هذا القانون في الجزء السابع والثلاثين بعد المائتين من هذا التفسير المبارك.
من إعجاز النبوة لحوق الندامة والحسرة للذين يحاربون الأنبياء والذين يتخلفون عن التصديق بنبوتهم ، ويتمنى أحدهم لو استدار الزمان وعادت الأيام لبادر إلى الإيمان بالمعجزات والرسالة.
واتصفت بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتوالي المعجزات العقلية والحسية وهو من علل تفضيله على الأنبياء السابقين.
وكانت هذه الآيات تترى في الليل والنهار ، فلا يمر أسبوع على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا وهناك معجزة حسية قد تجلت ، وآيات قرآنية قد نزلت ليتدبر الناس فيها ، وتهتدي طائفة منهم إلى الإيمان بسماعها ومعرفة مصاديق الإعجاز فيها.
وسيأتي قانون ترشح المعجزات الحسية عن المعجزة العقلية .
وهل دخول أفراد وجماعات الإسلام مع شدة بطش وعداوة قريش للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم معجزة ، الجواب نعم ، لبيان أن قوله تعالى [إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا]( )، معجزة للنبي محمد بالنصر وفتح مكة ، ودخول الناس أفواجاً الإسلام ، وهو لا يتعارض مع كون دخول الإفراد الإسلام معجزة أخرى ، خاصة الأوائل منهم ، لذا قال تعالى [وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ]( ).
ومن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن إيمان كل فرد به ندامة لكفار قريش ، وبدل الإتعاظ والإكتفاء بترك النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في هجرته ، جهزوا الجيوش لقتاله في معركة بدر ثم معركة أحد لينزل قوله تعالى [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ]( ).
لبيان أن تجهيزهم الجيوش جعلهم في حال خيبة وخسارة وليس ندامة وحدها لبيان معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقانون كلما ازدادت عداوة المشركين له اشتد عليهم البلاء ، ومن أسراره صرف المشركين عن غزو المدينة وعن القتال.
ولتأكيد قانون الإسلام دين السلم والأمن والموادعة ، وفيه مصداق عملي لقانون المعجزة غنى عن القتال والغزو.
قانون فتح مكة رحمة عامة
لقد ظلم مشركو قريش أنفسهم فاستحقوا التنحية عن ولاية البيت من جهات :
الأول : إقامة المشركين على الكفر والجحود .
الثاني : نقض المشركين عهد صلح الحديبية .
الثالث : تجديد المشركين القتال مع خزاعة .
والشرط يوم الحديبية أن يأمن الناس جميعاً .
وكان فتح مكة رحمة لهم ، ولم يقطع ولايتهم للبيت ولكن تغيروا وتابوا واهتدوا للإسلام ، وبايعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فبقوا بذات شأنهم وولايتهم .
ويتجلى هذا المعنى بما ورد عن عثمان بن طلحة بن أبي طلحة أخا بني عبد الدار صاحب مفتاح الكعبة (قَالَ كُنّا نَفْتَحُ الْكَعْبَةَ فِي الْجَاهِلِيّةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ .
فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ يَوْمًا يُرِيدُ أَنْ يَدْخُلَ الْكَعْبَةَ مَعَ النّاسِ فَأَغْلَظْتُ لَهُ وَنِلْتُ مِنْهُ فَحَلُمَ عَنّي ثُمّ .
قَالَ ” يَا عُثْمَانُ لَعَلّك سَتَرَى هَذَا الْمِفْتَاحَ يَوْمًا بِيَدِي أَضَعُهُ حَيْثُ شِئْت فَقُلْتُ لَقَدْ هَلَكَتْ قُرَيْشٌ يَوْمَئِذٍ وَذَلّتْ فَقَالَ بَلْ عَمَرَتْ وَعَزّتْ يَوْمَئِذٍ)( ).
ويدل كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا بأن فتح مكة رحمة وعز لقريش وسبب لإستدامة رفعة شأنهم ، ونجاة لهم من براثن الكفر ، وقد سبق أن دعا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عثمان بن طلحة للإسلام ولكنه أبى واستهجن واستهزء .
إذ قال (لقيني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمكة قبل الهجرة فدعاني إلى الإسلام فقلت يا محمد العجب لك حين تطمع أن أتبعك وقد خالفت قومك وجئت بدين محدث ففرقت جماعتهم وألفتهم وأذهبت بهاءهم فانصرف)( ).
وبقيت كلمة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأن المفتاح سيكون بيده يوماً حاضرة في الوجود الذهني عند عثمان بن طلحة وغيره ، وتلح عليهم كلما بلغهم انتصار وظفر للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم او هزيمة وخيبة لقريش ، وفيه زجر لقريش عن القتال ، ومقدمة لفتح مكة من غير قتال .
فمن معاني قوله تعالى [لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ]( ) ( )، بيان قانون وهو علم عامة المشركين بهذه الخيبة ، وتجلي مصاديق هذا القانون في عودة فلول المشركين من معركة بدر إلى مكة ودخول النائحة كل بيت من بيوتها ، ومنعهم النياحة كيلا يشمت بهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، والمسلمون الذين في مكة .
قانون آيات السلم واقية من سفك الدماء
آيات السلم اسم مركب من آيات ،والمراد القرآن ، وكل آية رحمة وهدى ، والسلم وهو عنوان عام للأمن والسكينة والوفاق وضد الحرب .
والنسبة بين الحرب وسفك الدماء عموم وخصوص من وجه .
لبيان وجوه :
الأول : قانون الحاجة إلى الأمن المجتمعي .
الثاني : قانون حرمة الإرهاب والتعدي والغدر وقتل الناس غيلة.
الثالث : قانون السلم طريق للأمن ، قال تعالى [ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ]( ).
الرابع : قانون السعي في سبل السلم رحمة وعز وتخفيف ، لبيان أن قوله تعالى [ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً]( )، فرع وترجمة لقوله تعالى [وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ]( ).
الخامس : آيات السلم مانع من تحشيد وجمع الجيوش ضد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه ، إذ أن الناس يعزفون ويمتنعون عن الإمتثال لأوامر رؤساء الشرك بالإغارة والهجوم على المؤمنين.
ومن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه لا يواجه جيوش المشركين بعسكرة المدينة ، وكثرة التدريب والتمرين على الرماية وفنون القتال إنما يواجه تهديد ووعيد وحشود جيوش المشركين بآيات التوحيد ، ووجوب عبادة الله والتنزه عن الشرك ، وعن التزلف إلى الأصنام.
ومن معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم النفسية اقتران نزول آيات القرآن بنفرة النفوس من الأصنام وعبادتها ، وهو من إعجاز القرآن الغيري وتزكية المجتمعات من مفاهيم الشرك لتشمل التزكية في قوله تعالى [هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ]( )، تزكية وتنزه الأفراد والييوت والمنتديات والمجتمعات عن الشرك ومفاهيمه وهو من أسرار دخول طائفة من أهل مكة الإسلام من بدايات الدعوة الإسلامية ، وسماعهم لآيات القرآن ونيلهم اسم وصفة (المهاجرين) قال تعالى [لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ]( ).
لتكون كل من صفة المهاجرين والأنصار إكراماً وتشريفاً خاصاً ، لم ينله أحد قبلهم ولا بعدهم إلى يوم القيامة.
وحينما احتجت الملائكة على جعل الإنسان [فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً]( )، و[قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ] أجابهم الله في الحال [قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ]( ).
ومن علم الله عز وجل نزول آيات السلم على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسلامتها من النسخ ودعوتها كل يوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه والتابعين وأجيال المسلمين إلى الصبر والتحمل ، والإنصراف عن القتال ، وهذه الدعوة ورشحات آيات السلم الأخرى شاهد على سلامتها من النسخ.
عفو النبي (ص) عن وحشي أمان لأهل الأرض
لم يوجه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعض شباب الأنصار مثلاً لقتل أمية بن خلف أو عكرمة بن أبي جهل ، أو وحشي قاتل حمزة بن عبد المطلب.
ووحشي بن حرب الحبشي مولى طعيمة بن عدي قتل حمزة بن عبد المطلب في معركة أحد .
وحينما دخل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه مكة فرّ وحشي إلى الطائف فلم يطلبه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
كما هرب عِكرمة وأفراد قلائل بعدد الأصابع ، فتركهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى عادوا فدخلوا الإسلام وهو من الشواهد على النفع العظيم لآية أعف عنهم ، وتحقق مصاديق العلم بالخير والتوبة والإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
قال وحشي (فلما افتتح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكة، هربت إلى الطائف.
فلما خرج وفد الطائف ليسلموا، ضاقت علي الارض بما رحبت، وقلت: ألحق بالشام، أو اليمن، أو بعض البلاد.
فوالله إني لفي ذلك من همي، إذ قال رجل: والله إن يقتل محمد أحدا دخل في دينه)( ).
فقدم وحشي إلى المدينة وأعلن إسلامه ، وقبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إسلامه.
ومن الإعجاز في نبوته أنه لم يرد إسلام شخص لأن دخول الإسلام أمر بين العبد والله عز وجل.
وليخرج وحشي في حروب الردة فيقتل مسيلمة الكذاب على قول.
و(عن ابن عباس قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وحشي بن حرب قاتل حمزة يدعوه إلى الإِسلام ، فأرسل إليه : يا محمد كيف تدعوني وأنت تزعم أن من قتل ، أو أشرك ، أو زنى ، [يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا]( )، وأنا صنعت ذلك فهل تجد لي من رخصة؟ فأنزل الله [إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا]( )، فقال وحشي : هذا شرط شديد [إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا] ( )، فلعلي لا أقدر على هذا .
فأنزل الله [إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ]( )، فقال وحشي : هذا أرى بعد مشيئة فلا يدري يغفر لي أم لا فهل غير هذا؟ فأنزل الله [يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ…] الآية( ).
قال وحشي : هذا فهم . فأسلم ، فقال الناس : يا رسول الله : إنا أصبنا ما أصاب وحشي قال : بلى للمسلمين عامة)( ).
وقد يكون موضوع وسبب أخر لنزول هذه الآيات .
وتوفى وحشي في مدينة حمص من بلاد لشام سنة 39 للهجرة الموافق سنة 660 م ، ودفن فيها وإلى جانبه دُفن ثوبان خادم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي توفى سنة 54 هجرية في حمص أيضاً.
وبني على الموضع مسجد اسمه مسجد (وحشي وثوبان).
وبالمناسبة فاني أفتي بصحة صلاة كل مسلم على أي مذهب كان من مذاهب المسلمين لأن الكبرى الكلية التي يتقيدون بها هي آيات القرآن وأحكام الصلاة فيها.
وقوله النبي صلى الله عليه وآله وسلم (صلوا كما رأيتموني أصلي) ( )، وهذا الحديث تفسير وترجمان لقوله تعالى [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا]( )، وقوله تعالى [إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ]( ).
قانون التضاد بين آيات السلم والإرهاب
الحمد لله الذي جعل القرآن [تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( )، ومنه الأمور المستحدثة عند الشعوب والأمم ، ومنه ظاهرة الإرهاب الذي لا دين له ، وهو فتنة وابتلاء ومن خصائص الفتنة سرعة انكشافها ثم انحسارها وزوالها ، ولكن بعد أن تحدث الأذى والضرر.
ولا يعلم ما صرف الله بالقرآن من الفتن إلا هو سبحانه ، ولتتجلى أمور:
الأول : قانون القرآن واقية من الفتنة .
الثاني : قانون القرآن حرب على الفتنة .
الثالث : قانون بيان القرآن للقبح الذاتي والغيري للفتنة .
الرابع : قانون فضح القرآن لرؤوس الفتنة.
الخامس : قانون ترغيب القرآن بالإبتعاد عن الفتنة ، قال تعالى [وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ]( )، وهناك تضاد بين الخلق العظيم وبين الفتنة والإرهاب .
والنسبة بين الفتنة والإرهاب عموم وخصوص مطلق ، فالفتنة أعم ، نعم من خصائص الإرهاب ترشح الفتن عنه مع أنه بالذات فتنة .
وقد ينسب الإرهاب إلى طائفة أو أهل ملة لا لشئ إلا لأن فرداً أو أفراداً قلائل ينتسبون إليها مع براءة الطائفة والملة من فعلهم هذا ، وتنزه العقيدة عن الإرهاب والدعوة إليه .
ومن مصاديق هذا التنزه آيات السلم والموادعة ، والترغيب بالصلح في القرآن.
وترجمة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هذه الآيات الى واقع في سنته ومنها إمضاؤه لصلح الحديبية وبالشروط التي أملاها وفد كفار قريش لتكون النتيجة مبادرة الناس لدخول الإسلام ، وهو من مصاديق قوله تعالى [وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ]( ).
ولا تختص حرب القرآن على الإرهاب بآيات السلم ، بل يشمل وجوهاً :
الأول : آيات التوحيد والتي تدعو إلى الرأفة بالناس .
الثاني : آيات النبوة ، ولزوم إتباع سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في العفو والصفح والرفق بالناس ، قال تعالى [وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ]( ).
إذ يدل نفي الغضاضة وغلظة القلب عن النبي على امتناعه عن تبكيت أو تعيير أو إيذاء أي فرد من الناس .
الثالث : آيات البشارة التي تبشر أهل الصالحات بالثواب العظيم ، قال تعالى [وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ]( ).
والنسبة بين الصالحات والإرهاب هو التضاد ، فلا يجتمع الذين آمنوا وعملوا الصالحات مع الذين أخافوا وأرعبوا الناس ، وقاموا بالتفجيرات العشوائية ، وقتل الأبرياء .
الرابع : آيات الإنذار والوعيد ، ومنها الإنذار من الإرهاب ، والوعيد على سفك الدماء بغير حق.
وفي ذكر القرآن لقتل قابيل بن آدم لأخيه هابيل موعظة بلزوم إجتناب القتل.
وعندما علم هابيل بنية أخيه قتله ، وصدور الوعيد منه ، قال [إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ]( ).
ولم يرد لفظ (تبوء) و(اثمي) و(اثمك) إلا في الآية أعلاه لبيان بقاء هذا الإثم حاضراً بين الناس في كل زمان للإنزجار عن القتل والإرهاب.
وهل آيات الموعظة هذه من آيات السلم ، الجواب نعم ، لدلالة مفهوم الموافقة.
ومن إعجاز القرآن الإتعاظ من آياته طوعاً أو قهراً ، قال تعالى [لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ]( ).
معاني ودلالات (اسمعوا)
لم تكتف آية (راعنا) بتعليم المسلمين قول (انظرنا) بل تضمنت الأمر لهم بالسماع (واسمعوا) وفيه مسائل :
الأولى : الإنصات إلى آيات القرآن ، قال تعالى [وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ]( ).
الثانية : السكوت وعدم الكلام اثناء قراءة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم القرآن في الصلاة ، وكذا قراءة الإمام في الصلاة.
الثالثة : الإستماع للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في خطبه وأقواله ، قال تعالى [وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا]( ).
والنسبة بين كل من الأخذ والإنتهاء في الآية أعلاه وبين (اسمعوا) عموم وخصوص مطلق ، فالإستماع شعبة من هذا الأخذ ، ومن الإنتهاء ، وهو من الإعجاز وجوامع الكلم في القرآن.
الرابعة : تلقي الأوامر والنواهي القرآنية بالإستجابة والعمل وعدم الجدال.
الخامسة : اتحاد معنى السمع والإستماع في المقام .
وفي الإستماع زيادة في مبنى الكلمة وأنه سماع مع القصد بالإصغاء أما السماع فهو بقصد الإصغاء أو بدونه .
فجاءت الآية بالأمر بالسمع وافادته وجوهاً :
الأول : الإستماع .
الثاني : بيان قانون وهو السماع للقرآن إستماع وإصغاء طوعاً وقهراً وهو من إعجاز القرآن الغيري .
الثالث : الإصغاء للتنزيل اثناء الصلاة وخارجها ، قال تعالى [وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ]( ).
الرابع : إرادة المعنى الأعم من السمع وهو التدبر والعمل.
لبيان ترتب النفع العظيم في النشأتين على الإستماع للقرآن ، ونزول الرحمة بسبب هذا الإستماع مع أنه خال من الجهد البدني ، ومن إعجاز القرآن أن الإستماع له لا ينحصر بذاته بل هو مقدمة لعلوم وصلاح ، ومنه نشر ألوية السلم ، وفي الحض على الإستماع للقرآن شاهد على الإبتعاد عن الحرب والمسايفة.
السادسة : (واسمعوا)( ) كي تترى عليكم الآيات والأحكام لبيان عدم انحصار السماع بذات أوانه بل هو مقدمة لسماع آخر مستحدث فيتنقل المؤمنون في سياحة إيمانية في منازل الأحكام والسنن ، وتجلي المعجزات .

قول (انظرنا)
لقد ورد قوله تعالى [انْظُرْنَا] مرتين في القرآن وفي ذات الموضوع إذ ورد في لوم طائفة من قوم بقوله تعالى [وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ]( ).
ليتحمل المسلمون مسؤولية الأمر بالإنظار والإمهال المقرونة بوجوب الإستماع والإنصات ، للجمع بينهما في قوله تعالى [وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا]( ).
فلا يصح طلب الإمهال والتدبر من غير فعل وعمل ، بلحاظ أن قوله تعالى [وَاسْمَعُوا] في الآية أعم من الإنصات إذ يتضمن تلقي الأوامر الإلهية بالقبول والإمتثال خاصة وانها تفيد الفورية في الأداء ، وهو الذي تدل عليه أسباب النزول.
فمثلاً حينما نزل تحويل القبلة إلى البيت الحرام في شهر رجب وقيل في شعبان من السنة الثانية للهجرة النبوية إلى المدينة بقوله تعالى [قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ]( ).
وصار تحويل القبلة أول حكم ناسخ ، إذ نسخت الآية أعلاه استقبال البيت المقدس في الصلاة ، وبخصوص هذا النسخ ورد قوله تعالى [وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ]( ).
وفي الآية أعلاه قال الإمام الصادق عليه السلام (إن بني عبد الاشهل أتوهم وهم قد صلوا ركعتين إلى بيت المقدس، فقيل لهم إن نبيكم قد صرف إلى الكعبة.
فتحول النساء مكان الرجال، والرجال مكان النساء، وجعلوا الركعتين الباقيتين إلى الكعبة، وصلوا صلاة واحدة إلى قبلتين، فلذلك سمى مسجدهم مسجد القبلتين)( ).
آيات القتال ألوية سلم
لقد نزل القرآن ثلاث عشرة سنة في مكة قبل هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة ، وليس من قتال ، مع أن المشركين كانوا يتوعدونه بالقتل والقتال ، وقتلوا عدداً من الصحابة تحت التعذيب مثل سمية بنت خياط ، وياسر والد عمار بن ياسر .
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحض أصحابه على الصبر ، وعن(ابن اسحق قال: فحدثني رجال من آل عمار بن ياسر أن سمية أم عمار عذبها هذا الحي من بني المغيرة بن عبد الله بن مخزوم على الاسلام وهي تأبى غيره حتى قتلوها، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يمر بعمار وبأمه وهم يعذبون بالأبطح في رمضاء مكة، فيقول: صبراً آل ياسر موعدكم الجنة)( ).
وضربت قريش حصاراً قاسياً على أهل البيت ذا صبغة إقتصادية ، وإجتماعية ، ونفسية ، وعسكرية ، بحيث يستغرب الإنسان إمكان تنظيم وضبط مثل هذا الحصار ، قبل أكثر من ألف وأربعمائة سنة في جزيرة جرداء ونظام قبلي مضطرب ، مع أنه ظلم صريح ، وباطل يتنافى مع التآلف والإجتماع عليه مع الولاية على البيت الحرام التي كانت لقريش وتقاسمها مناصب الولاية فيه ، ومنها :
الأولى : السدانة والحجابة ، أي حجب الكعبة وامتلاك مفتاح باب الكعبة ، إذ يقوم بفتحه للناس في أوقات مخصوصة ، ويتولى غلقه ، وهي عند بني عبد الدار .
الثانية : السقاية ، وهي توفير الماء للحجيج بالعناية ببئر زمزم ، وإلقاء العنب الحلو فيه والذي يجلب من بساتين الطائف ليطيب مذاقه ، وبانشاء حياض من الجلد توضع في فناء الكعبة ينقل لها الماء العذب من الآبار لقلة الماء في مكة ، ويتولى بنو هاشم وظيفة السقاية.
الثالثة : الرفادة وهي إعداد الطعام لفقراء الحاج ، وهي بجمع الأموال من وجهاء قريش .
الرابعة : دار الندوة ، وهي محل الإجتماع لتناول أمور التجارة وطرقها ، والتأريخ والشعر ، والحرب والصلح ، وكان لا يدخلها إلا من كان عمره أكثر من أربعين سنة، وقيل أكثر من ثلاثين.
أنشأ هذا الدار قصي بن كلاب جد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتصير محلاً للإضرار به وبأصحابه .
و(عن مسلم بن صبيح قال: قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنا قد كثرنا، فلو أمرت كل عشرة منا فأتوا رجلاً من صناديد قريش ليلاً وأخذوه فقتلوه، فتصبح البلاد لنا .
فسر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك حتى رؤي في وجهه، فقام عثمان بن عفان فقال: يا رسول الله أبناءنا، آباءنا، إخواننا، فما زال عثمان يردد ذلك حتى سلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قولهم الأول ورؤي في وجهه، حتى رفض ذلك، وأخذنا المشركون حين أمسينا فما من أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الا قد أعطى الفتنة غير بلال فإنه قال: الأحد الأحد)( ).
ومسلم بن صبيح من التابعين كان عطاراً في الكوفة (وهو مولى سعيد بن العاص)( ) القرشي ، روى عن ابن عباس ، وابن عمر ، وجرير بن عبد الله ، وعن مسروق.
ومسلم بن صبيح (في أهل الكوفة روى عنه منصور والاعمش والناس مات سنة مائة في خلافة عمر بن عبد العزيز) ( ).
ولم يذكر مسلم بن صبيح سنداً للخبر أعلاه ، إذ ابتدأه بوصف للحدث وقول الصحابي للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وعلى فرض صحة الخبر فهو شاهد على صبغة السلم في منهاج النبوة ، وأن النبي محمداً لم يصدر منه كلام يؤيد هذه فكرة القتل ، كما أن رفضه لها من الوحي وإن كانت برأي ومشورة بعض أصحابه ، فهو من السنة القولية.
لقد امتنع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن هياج الناس ، وتألب القبائل عليه لو قتل رجالات قريش غيلة بدليل هجوم هوازن وثقيف حتى بعد فتح مكة ، فاختار الهجرة والصبر ، مع توالي آيات القرآن ليدخل مكة في السنة الثامنة وأكثر أهلها مسلمون ، قال تعالى [وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ]( ).
والجمع بين إعراض النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن المشركين بالهجرة وعن فتح مكة سلماً شاهد على سلامة آيات السلم من النسخ .
قانون منافع قريش من نبوة محمد (ص)
لقد تلقت قريش دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكيفيات مختلفة منها ، وكانوا على وجوه :
الأول : دخول أفراد من قريش الإسلام ، قال تعالى [وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ] ( ).
الثاني : توقف أفراد وجماعات من قريش عن تصديق النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعن تكذيبه ، وكأنهم إختاروا منزلة بين المنزلتين .
الثالث : اختيار كثير من بني هاشم مع أنهم كفار الإنضمام إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم حيث فرضت عليه قريش الحصار الإجتماعي والإقتصادي والسياسي.
وشذ منهم أبو لهب ولا عبرة بالقليل النادر ، ولا غرابة أن ينزل ويتلى القرآن بذم وتبكيت أبي جهل كل يوم إلى يوم القيامة إذ قال الله تعالى [تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ]( ).
فمع أنه عم النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقد نزلت سورة مكية كاملة في ذمه وزوجه ، وهل يحمل هذا الذم صبغة السلم ، الجواب نعم ، لما فيه من زجر المشركين عن الفتنة العامة والخاصة.
الرابع : الذين تصدوا للنبوة والتنزيل بالعداء الظاهر وبالقول والفعل ، وهل يشبهون بفعلهم هذا الذين كفروا من الأمم السابقة ، الجواب لقد كان كفار قريش أشد ظلماً للذات والغير ، إذ أرادوا قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في مكة فنزل جبرئيل عليه السلام يأمره بالهجرة ، قال تعالى [وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ]( ).
لبيان عظيم منزلة المهاجرين بالجمع بينهم وبين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في موضوع الهجرة الإيمانية ، وقد وردت آيات في الهجرة في سبيل الله كما في قوله تعالى [وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ]( ).
وهل انتفعت قريش من ذم القرآن لأبي لهب ، الجواب نعم ، فقد جعله الله عبرة وموعظة ، ولبيان قانون أن قرب النسبة من النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا يشفع للكافر.
فهذه السورة رسالة سماوية لرجال ونساء قريش ، تتضمن في منطوقها الإنذار.
وتدل في مفهومها على البشارة للمؤمنين لما فيها من الإخبار عن عالم الحساب والجزاء.
وتمنع من الفتنة والإقتتال ، قال تعالى [وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ]( )، ويمكن القول بأن سورة قريش هي من سور السلم السالمة من النسخ ، وليس من آيات السلم وحدها.
وليس من حصر لوجوه ومصاديق انتفاع قريش من نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ويمكن القول بقانون أكثر القبائل في التأريخ انتفعت من النبوة في ملك أو رئاسة أو إمارة هي قريش وهو من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وقد خصهم الله بسورة كاملة هي سورة قريش ، كما أمر الله عز وجل النبي محمداً [وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ]( ).
وورد عن الزبير بن العوام أنه قال لما نزلت هذه الآية (صاح رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي قبيس : يا آل عبد مناف ، إني نذير فجاءته قريش ، فحذرهم وأنذرهم . فقالوا : تزعم أنك نبي يوحى إليك ، وأن سليمان عليه السلام سخرت له الريح والجبال ، وإن موسى عليه السلام سخر له البحر ، وإن عيسى عليه السلام كان يحيي الموتى.
فادع الله أن يسير عنا هذه الجبال ، ويفجر لنا الأرض أنهاراً فنتخذها محارث ، فنزرع ونأكل وإلا.
فادع الله أن يحيي لنا الموتى فنكلمهم ويكلمونا.
وإلا ، فادع الله أن يجعل هذه الصخرة التي تحتك ذهباً فننحت منها وتغنينا عن رحلة الشتاء والصيف ، فإنك تزعم أنك كهيئتهم .
فبينا نحن حوله ، إذ نزل عليه الوحي ، فلما سرى عنه الوحي قال : والذي نفسي بيده لقد أعطاني الله ما سألتم ، ولو شئت لكان ، ولكنه خيرني بين أن تدخلوا باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم ، وبين أن يكلكم إلى ما اخترتم لأنفسكم فتضلوا عن باب الرحمة ولا يؤمن مؤمنكم.
فاخترت باب الرحمة ويؤمن مؤمنكم ، وأخبرني إن أعطاكم ذلك ثم كفرتم يعذبكم عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين)( ).
قانون آيات السلم نفع عام لقريش وغيرهم
لقد كان إنتفاع قريش من رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بلحاظ أفراد الزمان الطولية على أقسام :
الأول : انتفاع آباء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من رسالته بالرزق الكريم والأمن والذكر المتصل إلى يوم القيامة.
ليوثق التأريخ أسماء آباء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالإكرام والرفعة (هو أبو القسم وهو المشهور وأبو إبراهيم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركه بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان)( ).
الثاني : إنتفاع أهل البيت ممن عاصر النبي محمداً ومطلق أهل البيت وذرية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الأجيال المتعاقبة ، وكذا يوم القيامة .
وعن الإمام الرضا عن آبائه عليهم السلام (قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: كل نسب وصهر منقطع يوم القيامة إلا نسبي وسببي)( ).
الثالث : انتفاع رجالات قريش الذين دخلوا الإسلام من البعثة النبوية ، فمن الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن كثيراً منهم انتقلوا من مستنقع الكفر إلى منازل الرياسة والإمارة في الأمصار.
الرابع : النفع الخاص للأجيال المتعاقبة من قريش وشمولهم بالنفع العام للمسلمين والمسلمات من البعثة النبوية ، قال تعالى [وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ]( ).
ومن النفع الذي فازت به قريش :
الأول : السلم المجتمعي في مكة وطرق القوافل.
الثاني : التنزه عن الظلم والإقتتال بينهم وبين كنانة وغيرها.
الثالث : إنقاذ النساء من الوأد ، قال تعالى [وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ]( ).
وكان بعض العرب يغذي كلبه ويعتني به ويقتل ابنته عند ولادتها ومنهم من كان يقتل ولده خشية الفقر والإملاق والمجاعة ، فنزل القرآن بالبشارة بالرزق الكريم ، لتكون السعة وكثرة أموال المسلمين في كل زمان من المعجزات الحسية المتجددة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، قال تعالى [وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ]( ).
وهل من صلة بين الآية أعلاه وسلامة آيات السلم من النسخ ، الجواب نعم ، لأن العناية بالأولاد وتربيتهم سبب للعزوف عن القتال ، فجاءت الآية أعلاه بالوعد الكريم من الله عز وجل بالرزق العام لبحث الطمأنينة في النفوس ولأن حياة السلم تنشيط للزراعات والتجارات.
الرابع : سلامة مكة من الغزو والإحتلال ، وإزدهار تجارة قريش ، وسير القوافل من مكة إلى الشام وإلى اليمن بسلام وأمن ، قال تعالى [لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ]( ).
قانون دفع مكر قريش سلام
من معاني (يمكرون) في الآية أعلاه تجدد عزم قريش على قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد الهجرة ، واشعالهم الحروب والمعارك.
ويدل قوله تعالى [وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ]( )، على أن النبي محمداً رسول السلام والأمن ، وأنه لم يقابل الظلم والتعدي بمثله ، ليكون صبره آية في بناء صرح السلم في الأرض إلى يوم القيامة.
وهل يشمل قوله تعالى [يَمْكُرُونَ]( )، في الآية أعلاه غير قريش أم أن الآية خاصة بكفار قريش.
الجواب هو الأول لأصالة الإطلاق ، وعموم المعنى لذكر الآية للذين كفروا ، ومجئ الآية بصيغة المضارع الذي يفيد التجدد والإستمرار لبيان معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهي نجاته من المكر المتعدد لقريش وغيرهم ، قال تعالى [وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا]( ).
لبيان لطف الله عز وجل ورحمته بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومنعه من إجتماع المكر والتظليل من قبل المشركين عليه ، ولم يرد لفظ [فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ] ( ) في القرآن إلا في الآية أعلاه ، وعلى نحو متعدد.
ليتغشى مواضيع وأحكام غير متناهية ، ويكون مدرسة في استقراء المواعظ والأحكام والسنن من صلته بآيات القرآن الأخرى.
ولو شاء الله لتلقى رجال قريش رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالقبول ، ولكن أراد الله سبحانه بيان عظيم فضله على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بنصره مع قوة وشدة بأس أعدائه ، وقربهم منه في اليوم والليلة ، وتكرار وعيدهم اليومي له بالقتل في البيت الحرام الذي جعله الله عز وجل [أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ]( ).
ولم يرد لفظ (وُضعَ) في القرآن إلا في الآية أعلاه وفي قوله تعالى [وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا]( ).
لبيان أن عمارة البيت الحرام تنفع العبد بالسلامة والأمن عند وضع ونشر الكتاب وعالم الحساب في الآخرة .
وقد ورد الفعل (وضع) أربع مرات في آية واحدة وبخصوص ولادة مريم قال تعالى [فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ]( ).
لبيان الشأن العظيم لولادتها عند أهل السماء والأرض ومنه تقديسها من قبل المسلمين والنصارى وغيرهم ، وحديث الملائكة معها [وَإِذْ قَالَتْ الْمَلاَئِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ]( ).
قانون صبر النبي (ص) سلام وأمن
وفي قوله تعالى [وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ]( )، ورد عن ابن عباس في حديث :
الأول : (هم مثل النبيين والصديقين والشهداء بالأعمال من الأولين والآخرين [أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ]( )، قال : هم أقرب الناس من دار الرحمن من بطنان الجنة وبطنانها وسطها في جنات النعيم)( ).
الثاني : الذين اتخذوا التصديق الخفي ، لخشيتهم من إعلان الإيمان خشية من رؤساء قريش .
الثالث : الذين حرصوا على التجاهر بمحاربة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمنع ولاءهم والمستضعفين وعامة الناس وأفراد القبائل من دخول الإسلام وهو من مصاديق مكر المشركين الذي ورد في قوله تعالى [وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ]( )، ويدل قوله تعالى [وَيَمْكُرُونَ] على إتصال مكر قريش وأنه أكثر من الأفراد التخييرية الثلاثة التي وردت في الآية ، وهي :
الأول : سجن رسول الله لقوله تعالى [لِيُثْبِتُوكَ].
الثاني : قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو الذي سعت إليه قريش ليلة المبيت ، لخروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مكة مهاجراً بمعجزة.
الثالث : همّ رؤساء قريش باخراج قريش للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من مكة نحو الجهة التي يريدون بما يفيد التضييق عليه ، وإيذاء الأعراب له .
وقد خرج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باختياره إلى الطائف في شهر شوال من السنة العاشرة للبعثة النبوية عندما اشتد عليه أذى قريش بعد موت عمه أبي طالب ، فلاقى من أهل الطائف أشد الأذى فكيف إذا كان إخراجه من قبل كفار قريش وبالكيفية والجهة التي يريدون فيها الإضرار به ، ومنع الناس من الإنقياد إلى نبوته.
لقد تجلى قانون مقابلة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مكر قريش بالصبر وسلاح آيات السلم فكانت أمضى من السيف .
إيذاء سفهاء الطائف للنبي (ص)
لقد دعا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعض وجهاء الطائف إلى الإسلام ، وسألهم نصرته وطلب منهم المنعة من قومه ، فجادلوه وأظهروا الإستخفاف به فسألهم أن يكتموا أمره خشية أن يصل الأمر إلى قريش فيزداد أذاهم له ولبني هاشم ولأصحابه ، فتمتنع طائفة من أهل الطائف وغيرهم من دخول الإسلام لم يستجيبوا لطلبه و(أغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس.
قال موسى بن عقبة قعدوا له صفين على طريقه فلما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين صفيهم جعل لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلا رضخوهما بالحجارة حتى أدموا رجليه.
أي دخل بستاناً من النخيل عليه جدار ويسمى الحائط .
زاد سليمان التيمى انه صلى الله عليه وسلم كان إذا أذلقته الحجارة قعد إلى الارض فيأخذون بعضديه فيقيمونه فإذا مشى رجموه وهم يضحكون.
وقال ابن سعد: وزيد بن حارثة يقيه بنفسه حتى لقد شج في رأسه شجاجا قال ابن عقبة فخلص منهم ورجلاه تسيلان دما فعمد إلى حائط من حوائطهم فاستظل في ظل حبلة)( ).
لقد كان خروج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الطائف على وجوه :
الأول : قانون طلبً السلام .
الثاني : قانون المنع من الفتنة وسفك الدماء.
الثالث : قانون بيان ما تحمّله النبي لتثبيت مضامين آيات السلم والعمل بها.
الرابع : قانون إجتناب أسباب الخصومة والشقاق.
الخامس : قانون قيام الحجة في حاجة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه إلى الهجرة إلى المدينة ، وفيه دليل على المنزلة الرفيعة للأنصار في استقبال النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين ، والقتال تحت رايته دفاعاً عن النبوة والتنزيل ، قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ]( ).
قانون نداء الإيمان باعث على السلم والأمل
الحمد لله الذي أكرم رسوله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة رجالاً ونساء بآيات نداء الإيمان [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا].
وما أن يولد مسلم ويجتاز سن الطفولة حتى يتوجه اليه هذه النداء ملاطفاً ومذكراً وداعياً للإستعداد للعمل بمضامين آيات النداء التي هي سلام وأمن ، وكذا العمل بآيات الأحكام وجميع آيات القرآن وهكذا التابعين وتابعي التابعين وأجيال المسلمين إلى يوم القيامة ، وهو من الشواهد على سلامة القرآن من التحريف .
فان قلت من آيات القرآن ما يكون موضوعها القصص أو الأمثلة ، والجواب على وجوه :
الأول : مضامين آيات القصص أعم منها ، فقد تشمل الأوامر أو النواهي.
الثاني : قصص وأمثلة القرآن مدرسة في الإتعاظ ، قال تعالى [لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ]( ).
الثالث : المسائل والقوانين المستقرأة من صلة آيات القصص والأمثال بآيات القرآن الأخرى.
الرابع : صلة آيات القصص والأمثال بآيات نداء الإيمان والأحكام والدلائل التي تقتبس منها ، وقد تتضمن آيات نداء الإيمان الذم للذين كفروا ، قال تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ]( ).
الخامس : قراءة عناوين أجزاء هذا التفسير بآيات القصص والأمثال وهي :
الأول : عنوان (لم يغز النبي محمد (ص) أحدا) وقد صدرت بخصوصه الأجزاء (159-160-161-163-164-165-166-167-169-171-172-173-175-176-177-178-182-185-188-192-200-208-212-218-226-238).
الثاني : قانون (آيات السلم محكمة غير منسوخة) وقد ذكرت في مقدمة هذا الجزء في مقدمة هذا الجزء أرقام الأجزاء التي صدرت بخصوصه وعددها .
الثالث : قانون (التضاد بين القرآن والإهاب) وقد صدرت بخصوصه الأجزاء (184-185-188-195-198-199-203-210-211-219-235-236-238-243-244).
الرابع : قانون (آيات الدفاع سلام دائم) وصدرت بخصوصه (142-205-217-218-231-232).
الخامس : قانون (النزاع المسلح بين القرآن والإرهاب) وصدرت بخصوصه الأجزاء (222-223-224-227-230).
لقد أراد الله عز وجل أن تحضر نداءاته المتعددة في بيوت ومساجد وأسواق المسلمين كل ساعة ويوم من أيام الحياة الدنيا فتضيئ لهم سبل الهداية والرشاد ، وليدركوا معها مصاديق العزة والتشريف التي رزقهم الله عز وجل .
فتنفذ السكينة إلى قلوبهم ، ويتطلعون إلى فجر جديد وأمل في سعادة عاجلة ، وثواب دائم في الآخرة ، قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ] ( ).
ومن الإيمان بالله عز وجل الإقرار برحمته الواسعة وعفوه وغفرانه الذنوب ، قال تعالى [وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ]( )، ليدخل الناس مجتمعين ومتفرقين في فيض هذه الآية على اختلاف مشاربهم.
والنسبة بين الرحمة والعفو عموم وخصوص مطلق لتكون معاني نداء الإيمان على أقسام منها :
الأول : تقدير نداء الإيمان بلحاظ مضامين ذات آياته التسعة والثمانين.
الثاني : تقدير آيات النداء بلحاظ أسماء الله الحسنى .
الثالث : تقدير نداء الإيمان وفق أحكام العبادات .
الرابع : تقدير نداء الإيمان حسب أحكام المعاملات .
الخامس : تقدير نداء الإيمان بلحاظ أهوال ومنازل يوم القيامة والبشارة والأمل للمؤمنين .
السادس : تقدير نداء الإيمان بلحاظ آيات السلم والصلح والموادعة ، ودلالة هذا التقدير على سلامة هذه الآيات من النسخ.
نداء الإيمان في سورة البقرة دعوة للسلم
لقد ورد نداء الإيمان [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] تسعاً وثمانين مرة في القرآن منها تسع مرات في تسع آيات من سورة البقرة التي هي أكبر سورة في القرآن وفيها آية الدَين التي ابتدأت بنداء الإيمان .
ومع تضمن هذه السورة آيات عن القتال والدفاع فان آيات نداء الإيمان كلها سلم وأمن وبيان للأحكام الشرعية ليتجلى قانون القرآن دعوة سماوية للسلم المجتمعي ، لوجوه :
الأول : قانون السلم مقدمة ووعاء لعبادة الناس لله عز وجل .
الثاني : قانون القرآن وآيات السلم منه شاهد على حب الله للناس ورحمته بهم .
الثالث : قانون الحرب والقتال مشغلة وضرر لعامة الناس ، قال تعالى [يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ]( ).
وابتدأت آيات نداء الإيمان في نظم القرآن بقوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ.
وابتدأت الآية أعلاه بالنهي عن قول مخصوص ، وخطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقوله تعالى [لَا تَقُولُوا رَاعِنَا].
وتعددت معاني هذا القول في علم التفسير ، وكذا أسباب النهي منه ، وعن ابن عباس ومجاهد (يعني ارعنا سمعك ، أي اسمع منا ونسمع منك)( ).
و(عن السدي قال : كان رجلان من اليهود مالك بن الصيف ورفاعة بن زيد إذا لقيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم قالا له وهما يكلمانه : راعنا سمعك واسمع غير مسمع.
فظن المسلمون أن هذا شيء كان أهل الكتاب يعظمون به أنبياءهم ، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ذلك ، فأنزل الله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا … الآية( ).
والملاك في الآية تهذيب أقوال المسلمين في خطابهم مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيما بينهم وهو من الشواهد على أن القرآن كتاب مكارم الأخلاق.
ومن معاني التهذيب في القول إصلاح عالم الأفعال وضبط الجوارح من باب الأولوية القطعية ، والعزوف عن السيف والحرب.
لقد أظهر القرآن العناية بالقول ولغة الخطاب ولزوم اتصافها بالأدب والتهذيب ، فلم تقف الآية عند النهي عن قول مخصوص بل تضمنت الأمر بقول آخر مناسب لمقام النبوة بقوله تعالى [وَقُولُوا انْظُرْنَا] لبيان فضل الله عز وجل بتوالي الوحي وبما فيه الرحمة العامة للمسلمين وغيرهم.
فمن معاني (انظرنا) بيّن لنا ، وأمهلنا ، وافهمنا ، وانتظار الوحي وما فيه من الموضوع والبيان لعالم الأفعال والحكم .
و(عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ما أنزل الله آية فيها [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا] إلا وعليّ رأسها وأميرها)( ).
إن تعليم المسلمين صيغ الخطاب مع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم تهذيب للسان وإصلاح للمجتمعات ، وتثبيت لمناهج السلم ، ومنع للخصومة والشقاق ، قال تعالى [وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ]( ).
وهذا التعليم شاهد على سلامة آيات السلم من النسخ لما فيه من الغنى عن القتال والغزو.
النجف لغة وتأريخياً
تقع النجف على هضبة ترتفع عن مستوى سطح البحر (176)م وسط العراق ، ونحو (40) م أعلى من مستوى نهر الفرات القريب منها , وهي على مسافة (160)كم جنوب بغداد.
ومما ورد في ذكر النجف في التأريخ :
(وَقع الطاعونُ بالكُوفة، فخرج صدِيق لِشُرَيح إلى النَّجَف، فكتب إليه شُرَيح: أما بعد، فإنَ المَوْضع الذي هرَبْتَ منه لم يَسُق إلى أجلك تَمامَه، ولم يَسْلُبْه أيّامَه؛ وإنّ الموضع الذي صرت إليه لَبِعين مَنْ لا يُعجزه طَلَب ولا يَفُوتُه هرَب؛ وأنا وإيّاك على بِسَاط مَلِك، وإنّ النَّجَف من ذي قُدْرَةِ لقريب)( ).
وشريح بن الحارث الكندي تابعي (32 ق.الهجرة – 78 هجرية) دخل المدينة أيام أبي بكر وبعثه عمر بن الخطاب قاضياً في الكوفة بعد عروة البارقي في شهر ذي الحجة من السنة الثامنة عشرة.
لما رآى من رجحان عقله وفطنته ، واستمر في القضاء نحو ستين سنة واستعفى من القضاء أيام الحجاج سنة 77 هجرية ، ومات بعدها بسنة ، وله عقب في الكوفة .
وقد تلقى درساً في الظلم في صغره أثر في حياته ، وأدرك حاجة المظلوم إلى العون والنصرة .
إذ خرج وعمره خمس سنوات برفقة أبيه في قافلة ، وكان عند وقوف القافلة يلعب وحده بعيداً فخاف أبوه أن يختطفه قطاع الطرق ، فنهره ، وسمعه الصبيان الحاضرون فضحكوا عليه ، ثم قالوا له لنلعب معك قف حيثما كنت وسنأتيك ، فذهبوا إلى أبيه وأخبروه أنه عصاه ، فضربه ووبخه ، ولم يستطع كشف مكر الصبيان به ، وكانت هذه الواقعة في أيام الجاهلية فأثرت في نفسه ، وأدرك حاجة المظلوم إلى النصرة ليبعث الله عز وجل النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لنصرة المظلومين ، وإعانة المستضعفين بالتنزيل والبلاغ وليس بالسيف .
وعن سليمان بن نهيك عن الإمام الصادق عليه السلام (في قول الله عزوجل [وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ]( )، قال: الربوة: نجف الكوفة ، والمعين : الفرات)( ).
ولمدينة النجف أسماء عديدة في التأريخ منها :
الأول : النجف ، وهو الأكثر استعمالاً ، والنجف المكان المرتفع الذي لا يعلوه الماء ، ومن اللغويين من ذكر النجف بالمعنى اللغوي ، ومنهم من ذكرها كمدينة تبعاً لرجال التأريخ والبلدان والأخبار ، وكناحية مخصوصة ، و(النَجَفُ والنَجيفَةُ بالتحريك: مكان لا يعلوه الماء مستطيلٌ منقادٌ)( ).
(والصين بَطيحةٌ كانت بين النجف والقادسيّة بادَلَ بها طلحةُ بن عُبيد الله فأخَذَها مكانَ ضِياعِه في المدينة فنَضَبَ عنها وغرَسَها، يقال لها: نشاستق طلحةَ) ( ).
((النَّجَفُ) بِفَتْحَتَيْنِ كَالْمَسْنَاةِ بِظَاهِرِ الْكُوفَةِ عَلَى فَرْسَخَيْنِ مِنْهَا يَمْنَعُ مَاءُ السَّيْلِ أَنْ يَعْلُوَ مَنَازِلَهَا وَمَقَابِرَهَا وَمِنْهُ قَوْلُ الْقُدُورِيِّ كَانَ الْأَسْوَدُ إذَا حَجَّ قَصَرَ مِنْ النَّجَفِ وَعَلْقَمَةُ مِنْ الْقَادِسِيَّةِ) ( ).
والنجف قريبة من الحيرة التي سكنها ملوك العرب في الجاهلية (وقالَ أَبو العَلاءِ الفَرضِيِّ : النَّجَفُ : قَرْيَةٌ على بابِ الكُوفَةِ وقالَ إِسحاقُ ابنُ إبراهيم المَوْصِلِيُّ :
ما إِنْ رَأَى النّاسُ في سَهْلٍ وفي جَبَلٍ.. أَصْفَى هَواءً ولا أَغْذَى مِنَ النَّجَفِ
كأَنَّ تُرْبَتَه مِسْكٌ يَفُوحُ بهِ … أَو عَنْبَرٌ دافَهُ العَطارُ في صَدَفِ)( ).
ومعنى أغذى أي أن هواءها نسيم عليل صحي .
وقال السُّهَيْليُّ : بالفَرْعِ عَيْنانِ يُقالُ لإِحداهُما الغَرِيضُ وللأُخْرى النَّجَف يَسْقِيان عِشْرينَ أَلْفَ نَخْلَةٍ وهو بظَهْرِ الكُوفَةِ كالمُسَنّاةِ وبالقُرْبِ من هذا الموضِعِ قَبْرُ أَميرِ المؤْمِنينَ عَلِيِّ بن أَبي طالِب عليه السلام( ).
الثاني : بانيقيا (قال ثعلب سميت بذلك لأن إبراهيم الخليل ولوطا عليهما السلام نزلاها وكانت تزلزل في كل ليلة فلم تزلزل تلك الليلة ثم خرج حتى أتى النجف فاشتراها بغنيمات كن معه والغنم بالقبطية يقال لها نقيا وكان شراؤها من أهل بانقيا) ( ).
الثالث : الجودي ، اقتباس من قوله تعالى [وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ] ( )، وقيل أن جبل النجف هو الذي استوت عليه سفينة نوح عليه السلام .
الرابع : الطور ، والطور هو الجبل ، وقد تتعدد المواضع التي تسمى باسم واحد مثل الطور أو الجبل .
وعن الإمام محمد الباقر عليه السلام أنه قال (كان في وصية أمير المؤمنين عليه السلام أن اخرجوني إلى الظهر، فإذا تصوبت أقدامكم واستقبلتكم ريح فادفنوني وهو أول طور سيناء)( ).
الخامس : الغري ، وبه سميت النجف من أيام الجاهلية ، والغري : الحسن من كل شئ ، والغريان بناءان بظاهر الكوفة كالصومعتين بناهما المنذر بن امرئ القيس بن ماء السماء.
و(ثعلب. قال: مرّ معن بن زائدة بالغريين فرأى أحدهما وقد شعث وهدمِم فأنشأ يقول :
لو كان شيء له أن لا يَبيد على … طول الزمان لما باد الغريان
ففرق الدهر والأيام بينهما … وكل إلف إلى بين وهجران)( ).
وجمع معن بن زائدة بين الإمارة لبني أمية وبني العباس لشجاعته وله أخبار في الكرم الطائي والسخاء والحلم النادر.
وعندما كان والياً على المسلمين لابي جعفر المنصور ألح أعرابي في إيذائه وتوبيخه لرهان له مع قوم فقال :
(فعجل يا بن ناقصة بمالٍ … فإني قد عزمت على المسير
فأمر له بألف دينار)( ).
للإنتقاص من أم معن واسمها زائدة .
وقتل معن بن زائدة سنة (151 هجرية 768م) بسجستان قتل غيلة.


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
العدد : 482/23
التاريخ : 23/4/2023

[وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا]
م/ اقتراح النجف عاصمة دولية للكتاب
تحتفل اليونسكو لمناسبة اليوم العالمي للكتاب هذا اليوم .
منذ 1995 ويختارون مدينة عاصمة دولية للكتاب وتفتخر بعض الجامعات والمؤسسات بصدور كتب معدودات لها خلال العام .
ونقوم والحمد بطبع أجزاء التفسير المتعاقبة بتولي المرجع الشيخ صالح الطائي التأليف والمراجعة والتصحيح.
فالأولى إختيار مدينة النجف عاصمة دولية للكتاب.
الأسباب الموجبة :
الأول : الموروث العلمي المتجدد لمدينة النجف ومنذ أكثر من ألف سنة.
الثاني : تأريخ الحوزة العلمية حاضرة العالم الإسلامي في النجف.
الثالث : إتخاذ العلماء والأدباء جوار أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام سكناً ومحلاً لتحصيل المعارف وحلقات الدرس إلى جانب المجالس الأدبية .
الرابع : مجئ طلاب العلم ومن بلدان كثيرة ومنذ مئات السنين إلى النجف لطلب العلم.
الخامس : قدم تأسيس المطابع في النجف ، وتؤكد الوثائق التأريخية أن أول مطبعة انشئت في النجف سنة 1909 والمدينة معروفة بكثرة المطابع الحديثة فيها ، وقصد المؤلفين والناشرين لها من داخل وخارج العراق للطباعة والنشر فيها.
السادس : صدور مائتين وخمسين جزء من تفسيرنا للقرآن (معالم الإيمان) بجهود فردية والحمد لله.
السابع : هذا التفسير سفير القرآن والسلام إلى الناس جميعاً إذ يتضمن :
الأول : صدور ستة عشر جزءً في قانون (التضاد بين القرآن والإرهاب وهي (179-180-183-191-194-195-198-206-207-216-234-235-237-243-244-247).
الثاني : صدور عشرة أجزاء بقانون (آيات السلم محكمة غير منسوخة) وهي (202-203-204-210-211-231-240-241-242-248).
الثالث : صدور ستة وعشرين جزء بخصوص قانون (لم يغز النبي أحدا) وهي (159-160-161-163-164-165-166-167-169-171-172-173-175-176-177-178-182-185-188-192-200-208-212-218-226-238).
الرابع : صدور خمسة أجزاء بخصوص (النزاع المسلح بين القرآن والإرهاب) وهي (220-221-222-225-227).
الخامس : صدور خمسة أجزاء بقانون (آيات الدفاع سلام دائم) وهي (201-214-215-228-230).
السادس : صدور جزئين بخصوص (علم الإحصاء القرآني غير متناه) وهما (246-248).
نرجو ترجمة هذا البيان أو جزءً منه وإرساله إلى منظمة اليونسكو.

مشاركة

Facebook
Twitter
Pinterest
LinkedIn

مواضيع ﺫات صلة