معالم الإيمان في تفسير القرآن – الجزء- 55

المقدمة
الحمد لله على آلائه وكثرة توالي نعمه , والحمد له سبحانه على عدم حجب المعصية من الإنسان لمضاعفتها من عنده تعالى , لتكون هذه النعمة وسيلة لتقريب الناس لمنازل العبادة والطاعة , وتأتي النعمة للفرد فينتفع منها الناس .
الحمد لله الذي يقبل الشكر القليل على النعمة العظيمة , وقال تعالى [لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ] ( ).
الحمد لله المنان الذي يهب العطايا العظيمة من خزائن لا تنفد ولا تنقص ولا يزيدها العطاء إلى كثرة في الكم والكيف لأن الله عز وجل ينشئها بالكاف والنون وهو الكريم , قال تعالى [إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ] ( ).
الحمد لله الذي ندب إلى الدعاء في حال الشدة والرخاء ووعد عليه بالإستجابة , قال تعالى [ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ] ( ).
وقد سبق صدور الجزء الرابع والخمسين من هذا التفسير وكان خاصاَ بتفسير الآيات (1-12) من سورة آل عمران , ثم تفضل الله عز وجل عليً بالرجوع إليه بإضافات في أبواب التفسير وموضوعها , منها مثلاَ :
الأول : إضافات موضوعية في باب سياق الآيات .
الثاني : شطر باب إعجاز الآية إلى شعبتين :
الأولى : إعجاز الآية الذاتي .
الثانية : إعجاز الآية الغيري .
الثالث : الآية لطف .
الرابع : الصلة بين أول وآخر الآية .
الخامس : من غايات الآية .
السادس : استحداث قوانين مستنبطة من ذات مضامين الآية القرآنية .
ليصبح جزئين فيبقى الجزء الرابع والخمسون خاصاَ بتفسير الآيات (1-6) .
واختص هذا الجزء بتفسير الآيات (7-12) من سورة آل عمران , وهي من لطف الله عز وجل , وسعة رحمته , وفي التنزيل [قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ] ( ).

قوله تعالى [هوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَــاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَـاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَـهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِــخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُــولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ] الآية 7

الإعراب واللغة
[هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ] هو: مبتدأ، الذي اسم موصول خبر.
انزل فعل ماض مبني على الفتح .
عليك : جار ومجرور.
الكتاب : مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة على آخره .
وجملة أنزل لا محل لها من الإعراب لأنها صلة الموصول.
[مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ] منه: جار ومجــرور متعــلقان بمحذوف خبر مقدم. آيات: مبتدأ مؤخر.
محكمات : صفة لآيات، والجملة حال من الكتاب.
[هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ] هن: ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ، أمًُ: خبر مرفوع وهو مضاف.
الكتاب: مضاف اليه، والجملة صفة ثانية لآيات.
واخر متشابهات: معطوف على آيات محكمات.
[فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ] الفاء: استئنافية، اما: حرف شرط وتفصيل.
الذين: اسم موصول مبتدأ.
في قلوبهم : جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم.
زيغ: مبتدأ مؤخر، والجملة صلة الموصول.
[فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ] الفاء : رابطة لجواب اما ، يتبعون : فعل مضارع مرفوع بثبوت النون ، والواو : فاعل.
وجملة يتبعون خبر الذين، ما: اسم موصول مفعول به.
وجملة تشابه صلة الموصول.
ابتغاء : مفعول لأجله، وهو مضاف، الفتنة: مضاف اليه مجرورة بالكسرة .
وابتغاء : الواو : حرف عطف , تأويله: عطف على ابتغاء الفتنة.
[وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ] الواو : حالية ، ما : نافية ، يعلم : فعل مضارع مرفوع، تأويله: مفعول به مقدم.
والجملة في محل نصب على الحال.
الا : اداة حصر، اسم الجلالة : فاعل يعلم مؤخر.
[وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ] الواو: في اعرابها قولان، عاطفة واستئنافية كما سيأتي بيانه.
والمختار أنها للعطف والإستئناف معاَ لتعدد المعنى .
الراسخون : مبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم.
في العلم: جار ومجرور، وجملة يقولون: خبر الراسخين.
[آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا] آمنا: فعل ماض، والضمير فاعل.
كل: مبتدأ، من عند: جار ومجرور، متعلقان بمحذوف خبر.
ربنا: رب: مضاف اليه وهو مضاف، والضمير مضاف اليه.
[وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ] الواو: حالية ، او استئنافية، ما: حرف نفي، يذكر: فعل مضارع مرفوع، الا : اداة حصر.
أولوا: فاعل يذكر مرفوع بالواو لأنه ملحق بجمع المذكر السالم وهو مضاف.
الألباب : مضاف اليه.
أحكم الشيء اتقنه، وأحكمت الشيء فأستحكم، صار محكماً.
وأم الشيء أصله، قال ابن دريد: كل شيء انضمت اليه أشياء فهو أم لها، وأم القوم: رئيسهم.
روى الربيع عن الشافعي قال: العرب تقول للرجل يلي طعام القوم وخدمتهم هو أمهم، وأنشد للشنفري:
وأُمَّ عيال قد شهِدْتُ تَقوتهم … إذا أطعَمْتُهمْ أحْتَرَتْ وأَقَلَّتِ( )
والزيغ: الميل، يقال زاغ يزيغ زيغاً وزيغاناً وزيوغاً، وهو زائغ،
والبغية الحاجة والطلب والضالة، والباغي: الطالب ويأتي بغى بمعنى التعدي وتجاوز الحد كما في قوله تعالى [إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ]( )، ويقال ينبغي لك ان تفعل كذا وهو من أفعال المطاوعة، وأختلف في علم الأصول هل المراد من ينبغي الوجوب او الندب , والمختار أنه للندب والإستحباب إلا مع القرينة التي تدل على الوجوب.
والتأويل ارجاع الكلام وصرفه عن معناه الظاهري إلى معنى أخفى منه مأخوذ من آل يؤل: اذا رجع وصار اليه.
والراسخ في العلم: الذي ارتــقى في منــازل العــلم وأصـبح ثابتاً فيها.
والتأويل : الرجوع والمصير وانتهاء الشيء، ويقال رسخ الشيء يرسخ رسوخاً: ثبت في موضعه والراسـخ في العلم: الذي دخل فيه دخولاً ثابتا، والمتبحر فيه.
في سياق الآيات
بعد اخبار الآيات السابقة عن تفضل الله تعالى بانزال الكتب السماوية وجعله القرآن مفرقاً للحلال عن الحرام ومبيناً للحق وفاضحاً للباطل، وانه سبحانه لا تخفى عليه خافية، وتفضل بتصوير الإنسان في الرحم ليكون بأبهى هيئة وأجمل خلقة، فيما يتعلق بالنعم الجسمانية.
جاءت هذه الآية لتبين عظيم فضله تعالى بانزال القرآن وما جعل فيه من الكنوز والخزائن والأسرار والعلوم.
كما إبتدأت الآية السابقة بالضمير (هو) إبتدأت آية البحث بذات الضمير والاسم الموصول (ُهوَ الَّذِي) والمراد لله عز وجل وبيان بديع صنعه , ولطفه وإحسانه للناس في خلقهم , وتفضله بإنزال القرآن لبيان أن هذا النزول نعمة عظمى لا يقدر عليها إلا الله سبحانه .
ولما اختتمت آية البحث بالثناء على المؤمنين الذين يذكرون الله عز وجل ويتذكرون آيات الخلق والتكوين ويستحضرون عظمة صنع وخلق الله عز وجل والأرض وغيرها ووصفتهم بأنهم (أولوا الألباب) .
إبتدأت الآية التالية بدعائهم وسمع عنهم إلى الله عز وجل بالعصمة من الغفلة والجهالة , والنجاة من الإرتداد بعد الإيمان بقولهم [رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ] ( ).
لبيان قانون وهو الملازمة بين العقل السليم والإيمان , وسيأتي مزيد كلام في الجزء الثاني والثلاثين بعد المائتين من هذا السِفر المبارك .
إعجاز الآية الذاتي
هذه الآية من أمهات العلوم القرآنية لما فيها من الكشف والبيان عن تقسيم الآيات إلى محكم ومتشابه لتفتح الأبواب لدراسات عديدة لآيات القرآن وتأويلها، ويمنع من رمي المسلمين بعضهم لبعضهم الآخر، بالضلالة والجهالة وسوء التأويل، وتمنع من الإقتتال بينهم بسبب التأويل .
وليبقى الخلاف بينهم صغروياً كل يبحث عن حجته في القرآن، لأن المتشابه يحمل عدة وجوه.
كما انها تمنع من الخلاف بين المسلمين وتقسم الناس فيما يخص آيات القرآن فتحذر من الذين يميلون عن الحق ويقومون بتأويل الآيات لمنافعهم الخاصة، وتدعو إلى التسليم بمضامين وأسرار الآيات.
والآية نظام متكامل لفهم آيات القرآن ومعرفة احكامها بعيداً عن الميل والزيغ والخطأ، وهي من الإعجاز الذاتي والغيري للقرآن لأن أحكامها تتعدى موضوعها وتشمل علم التفسير والتأويل، وهي تأسيس وانشاء لمدارس التأويل وتعاهدها ومانع من التفريط بها.
تتضمن الآية الإخبار بأن القرآن نازل من عند الله عز وجل , وهو سبحانه الذي تفضل بإنزاله بواسطة الملك جبرئيل مما يدل على سلامته من الزيادة أو النقص ويبين قانوناَ وهو أن النبي محمداَ صلى الله عليه وآله وسلم إنما هو رسول ومبلغ لكلام الله عز وجل , وفي التنزيل [يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ] ( ).
ويمكن تسمية هذه الآية بــ(آية المحكم والمتشابه)
ولم يرد لفظ (مُحْكَمَاتٌ) و (مُتَشَابِهَاتٌ) إلا في آية البحث , وهل في عدم تعدد وروده في القرآن دلالة على عدم الإختلاف في علم المحكم والمتشابه الجواب نعم .
ولم يرد لفظ (زيغ) في القرآن إلا مرة واحدة في آية البحث.
إعجاز الآية الغيري
لقد قسمت آية البحث آيات القرآن إلى قسمين :
الأول : آيات محكمة .
الثاني : آيات متشابهة .
وقسمت الناس إلى قسمين :
الأول : يسلمون بأن آيات القرآن كلها من عند الله عز وجل وتتصف بخلوها من التزاحم أو التعارض سواء في الموضوع أو الحكم أو الغايات والمقاصد السامية فكل آية تدعو إلى الإيمان والإنتفاع الأمثل من رحمة الله عز وجل في الدنيا والآخرة .
قال تعالى [وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ]( ) .
(عن حذيفة بن اليمان ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : والذي نفسي بيده ليدخلن الجنة الفاجر في دينه ، الأحمق في معيشته ، والذي نفسي بيده ليدخلن الجنة الذي قد محشته النار بذنبه ، والذي نفسي بيده ليغفرن الله يوم القيامة مغفرة يتطاول لها إبليس رجاء أن تصيبه) ( ).
وعن الإمام جعفر الصادق هليه السلام قال 🙁 إذا كان يوم
القيامة نشر الله تبارك وتعالى رحمته حتى يطمع إبليس في رحمته) ( ).
الثاني : الذين يتبعون الآيات المتشابهة بقصد الفتنة والجدال واتباع الهوى .
ولم تقف الآية عند أمم وبيان وسوء فعله إنما أخبرت عن إمكان التأويل الصحيح والذي يقوم به الراسخون في العلم من الآية والأولياء والعلماء قال تعالى [لَكِنْ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا] ( ).
وفي الآية أعلاه مدح لأهل الكتاب الذين يتدبرون في التنزيل , ويجمعون بين الآيات والمعجزات التي جاء بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم والتوراة التي أنزلت على موسى عليه السلام والإنجيل الذي أنزل على عيسى عليه السلام .
ولم يرد لفظ (الرَّاسِخُونَ) وبصيغة الرفع أو النصب أو الجر في القرآن إلا في الآية أعلاه وآية البحث .
(وقال بعض المفسّرين من العلماء : الراسخون علماً : مؤمني أهل الكتاب، مثل عبد اللّه بن سلام و (ابن صوريا وكعب).
(قيل : ) الراسخون في العلم هم بعض الدارسين علم التوراة.
وروي عن أنس بن مالك (وأبي الدرداء وأبي أمامة) : أن رسول اللّه {صلى الله عليه وآله وسلم} سُئل مَنْ الراسخون في العلم؟
فقال : منْ برَّت يمينهُ ، وصدق لسانهُ واستقام قلبهُ، وعف بطنهُ وفرجهُ،
فذلك الراسخ في العلم) ( ) .
والمراد من الرسوخ : الثبوت والوجوب , لبيان بلوغ مرتبة من العلم لا ينفذ معها الهوى إلى التأويل والفتوى والحكم , ومن الرسوخ في العلم استحضار الآيات المحكمة عند بيان الآيات المتشابهة.
و(قال ابن عباس : أنا ممن يعلم تأويله) ( ).
الآية سلاح
في الآية تجديد للإخبار عن نزول القرآن من عند الله تعالى وهو أمر يبعث الإيمان في النفوس، ويدعو للتمسك بالقرآن اماماً وهادياً كما تمنع الآية من الإرباك الفكري وتحول دون التشتت والضياع العلمي وتجعل المسلمين يرتقون في ميادين العلم، ويستطيعون التمييز بين المحكم والمتشابه وما تتعدد معانيه ووجوه تأويله.
وتمنع الآية من تســلل الكافــرين والمنافــقين إلى مــنازل تفسـير وتأويل القرآن لأنها تفضح وتخزي الذين في قلوبهم زيغ وميل عن الحق، وتحذر من الأخذ بأقوالهم، بل انها تساعد في معرفتهم وتعيينهم من خلال أقوالهم وسوء تأويلهم والمقاصد والغايات القبيحة التي يرومون تحقيقها.
قال تعالى [وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ]( ) أي مجانبة الصواب والذهاب عنه .
قال (النبي صلى الله عليه وآله وسلم : إِنَّكُم لَتَحْتَكِمُونَ إِليَّ ، أَحَدَكُمْ أَن يَكُونَ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ أي أذهب بها في الجهات لقوته على تصريف الكلام.
قال مرار الأسدي :
ولحنت لحناً فيه غش ورابني *صدودك ترصين الوشاة الأعاديا)( ).
وتدعو الآية إلى الإيمان بالقرآن جملة وتفصيلاً، وهذا الإيمان سر التوفيق والنجاح والفلاح، ان التنبيه على خصال الكافرين في تمسكهم بالمتشابه عون للمسلمين على الإحتجاج عليهم ومواجهتهم والثقة بالنفس.
وقد يرث الإنسان صفات من بعض أجداده الذين تفصل بينه وبينهم بطون متعددة , وهو الذي أكده العلم الحديث بلحاظ الصبغيات والكروموسومات في تعيين صفات الإنسان الفردية من الأبوين والأجداد وإن صعدوا .
من معاني آية البحث وجوه :
الأول : تثبيت الإيمان في قلوب المسلمين .
الثاني : العصمة من الردة .
الثالث : استئصال النفاق من مجتمع المدينة , قال تعالى [وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ] ( ).
الرابع : دعوة الناس للإيمان .
إن قوله تعالى [هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ] ( ) ثناء على الله عز وجل وبيان لعظيم فضله من جهات :
الأولى : نزول آيات القرآن .
الثاني : تفضل الله عز وجل يجعل كلامه على الألسن .
الثالث : مصاحبة أحكام التنزيل للناس لمنع الجهالة والضرر .
الرابع : اختيار النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بنزول جبرئيل عليه بالقرآن , لقوله تعالى [أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ]( ).
الخامس : تنزيل القرآن على نحو التدريج والتوالي على مدى ثلاث وعشرين سنة مدة بعث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وبلحاظ الوقائع والأحداث وأسباب النزول .
السادس : عمل المسلمين والمسلمات بأحكام ومضامين آيات القرآن حال نزولها .
وتبين الآية وجوب الإيمان فصحيح أن الآية ذكرت خصوص أولي الألباب ولكن هناك مسألتان :
الأولى : الأصل أن يكون الناس أولي ألباب , وأصحاب عقول سليمة , ويهتدون لوجوب عبادتهم لله عز وجل .
الثانية : صيرورة أولي الألباب أسوة للناس في سبل الهداية , قال تعالى [أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ]( ).
مفهوم الآية
لم يترك الله عز وجل الناس سدى وابى الا ان يرحمهم ويتطلف بهم ويقربهم إلى منازل الإيمان والرشاد ويتولى بنفسه دعوتهم إلى الهداية وســبل النجاة فانزل القرآن ليكون نعمة من وجوه :
الأول : بقاء القرآن دستوراً دائماً لأهل الأرض،.
الثاني : قال تعالى [إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا]( ) لأحكام الحلال والحرام والى يوم القيامة .
الثالث : في القرآن بيان لمعالم الدين .
الرابع : آيات القرآن وثائق سماوية لقصص الأنبياء وأحــوال الأمم السالفة ليعرف الناس فضل الله تعالى عليهم وعلــى آبائهم ، قال تعالى [لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ]( ).
لقــد أكدت آيات كثيرة على نزول القرآن من عنــد الله تعالى لمنــع الإشتباه ولدفع وهم، ولتحذير الناس من الإعراض عن القرآن بذريعة عدم التأكد من موضوع نزوله من عند الله تعالى.
والآية تنزيه للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واخبار عن صدقه وامانته .
وتقسيم القرآن إلى آيات محكمات وآخر متشابهات عون على تفسيرها واستخراج دررها، والجمع بينها وعدم وجود تعارض بينها توكيد لقواعد قرآنية منها :
الأول : القرآن يفسر بعضه بعضاً.
الثاني : الآية القرآنية تعضد الأخرى.
الثالث : كل آية تكون مفسرة لآيات عديدة، وهناك آيات تفسرها، سواء ذات الآيات او غيرها بمعنى ان التفسير بين الآيتين متبادل , فتكون الآية للأخرى، والأخرى مفسرة لها , وربما احياناً يكون التفسير من طرف واحد.
الرابع : السنة النبوية تفسير ومرآة للقرآن قال تعالى [وَمَا ينطق عن الْهَوَى] ( ) , وسيأتي قانون : التفسير الجامع بالجمع ( ).
والآية مدح للمسلمين لحسن فهمهم لآيات القرآن وحذرهم من الخلل والخطأ في تأويله، وحرصهم على الرجوع إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والسنة النبوية في تأويل القرآن، والى القرآن نفسه بلحاظ التقسيم الوارد فيه إلى آيات محكمات ومتشابهات ، كما سيأتي في الآية التالية [هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ]( ).
لقد اعانت الآية المسلمين وكانت مدداً وسلاحاً عقائدياً في التصدي لأهل الريب والجدل والخصومة.
والآية في مفهومها دعوة للأخذ بالآيات المحكمات واجتناب الوقوف عند المتشابه ، مع ان التشابه عنوان للإعجاز والبلاغة الا ان الوظيفة الشرعية تستلزم رد المتشابه إلى المحكم ، وعدم التشديد والإلحاح بالمطالبة على ما لا يبلغ كنهه من أسرار الآيات القرآنية , قال تعالى [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( ).
وتحذر الآية من الشك والريب في تنزيل القرآن وتبعيض الإيمان بآياته فلا يجوز لشخص او جماعة الإيمان ببعض الآيات والكفر ببعضها الآخر، لأن جميع آيات القرآن نازلة من عند الله تعالى.
ان تعدد مفاهيــم الآيات القــرآنية كــنز من كنــوز القــرآن، ينـــهل منه العلماء والباحثــون والناس جــميعاً إلى يوم القــيامة مــن غـير ان ينفد او يفنــى أو يصيب خزائنه النقصان كماَ أو كيفاَ ، وتدعو آية البحث الناس جميعاً للرجوع إلى الآيات المحكمات , مع التسليم بعدم التعارض بينها وبين الآيات المتشابهات.
إفاضات الآية
من رشحات الآية القرآنية تعدد المعاني والمقاصد السامية لها، وتضمنها لوجوه من الحكمة والعلوم ليرتقي المسلمون في مراتب المعرفة الإلهية، وليجتهدوا في التمييز بين المحكم والمتشابه في آيات القرآن وايجاد الصلة والتداخل بينهما، ونفي وجود أي تعارض بين ذات الآيات ومقاصدها وغاياتها السامية , قال تعالى[أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا]( ).
لقد شــعر أقطــاب الضلالة بمغادرة الأتباع لهم واقبال الناس على القرآن وتــدبرهم لمعانيه وتلمس وجوه الإعجاز فيه، فخافوا على منازلهم ومصــالحهم الدنيوية، فالتجــأوا إلى البحث عن ثغرة في الكتاب، فاتبعوا المتشابه طلباً للفتنة فتصدت لهم هذه الآية وأبطلت كيدهم.
لقد أراد الله عز وجل للمسلمين الغوص في بحار القرآن واستخراج لآلئه بتقسيمه إلى محكم ومتشابه، وهو سبحانه يعلم ان هذا التقسيم لن يكون سبباً للفرقة او الإحتجاج على القرآن مع كثرة اعدائه والمتربصين به من أهل الريب والجحود , ولكنه من أسباب استدامة حاجة الناس للقرآن في كل زمان , وصدورهم عنه وعن أحكامه.
ومن إعجاز القرآن تضمنه تقسيم للآيات لا يخشى على المسلمين التمزق والتفرق بسببه ويمتلك الواقية والسلامة من الكافرين والأعداء، بل ويذمهم في ذات الآية لأنهم يتبعون ما تشابه منه، فهذا الذم نوع تحد واثارة لهم ولكنهم يبقون صاغرين منشغلين بانفسهم بعد انكشاف ضلالتهم وسوء اختيارهم وتمسكهم بالجدال والشك , قال تعالى[وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ]( ), ( ).
وجاء مدح الراسخين في العلم والمسلمين لأنهم آمنوا بنزول القرآن كله من عند الله، لــذا افتتحــت الآية بالإخبار عــن نزول القرآن والتوكيد على هذه الحقيقة مفتاح دحض الكافرين ووسيلة مباركة لإزاحة الغشاوة عن الأبصار، فالتسليم الإجمالي بنزول القرآن سلاح وعون لفهم القرآن فهماً صحيحاً نافعاً.
وتبين الآية شرف العلم وأهلية المسلمين لحمله وتخلف اعداء القرآن عن مراتبه، ومن العلم اجتناب الفتنة وطرد اسبابها وعدم تهيئة مقدماتها.
والإحتراز من وسوسة وإغواء إبليس , قال (قال وهب : إنّ لجبرئيل (عليه السلام) بين يدي الله سبحانه مقاماً ليس لأحد من الملائكة في القربة والفضيلة، وإنّ جبرئيل هو الذي يتلقّى الكلام، فإذا ذكر الله عبداً بخير تلقّاه جبرئيل ثم لقّاه ميكائيل وحوله الملائكة المقرّبون حافّين من حول العرش .
فإذا شاع ذلك في الملائكة المقرّبين صارت الصلاة على ذلك العبد من أهل السموات، فإذا صلّت عليه ملائكة السموات هبطت عليه بالصلاة إلى ملائكة الأرض، وكان إبليس لعنه الله لا يحجب عن شيء من السموات، وكان يقف فيهنّ حيث ما أراد، ومن هنالك وصل إلى آدم حين أخرجه من الجنّة .
فلم يزل على ذلك يصعد في السموات حتى رفع الله سبحانه عيسى ابن مريم فحجب من أربع، وكان يصعد في ثلاث، فلمّا بعث الله تعالى محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم ) حجب من الثلاث الباقية، فهو وجنوده محجوبون من جميع السموات إلى يوم القيامة {إِلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ}( ) .
قال : فسمع إبليس تجاوب الملائكة بالصلاة على أيوب وذلك حين ذكره الله سبحانه وأثنى عليه، فأدركه البغي والحسد وصعد سريعاً حتى وقف من السماء موقفاً كان يقفه .
فقال : يا إلهي نظرت في أمر عبدك أيوّب فوجدته أنعمت عليه فشكرك، وعافيته فحمدك، ثمّ لم تجرّبه بشدّة ولا بلاء وأنا لك زعيم، لئن ضربته بالبلاء ليكفرنّ بك ولينسينّك، فقال الله سبحانه وتعالى له : انطلق فقد سلّطتك على ماله، فانقض عدوّ الله حتى وقع إلى الأرض ثم جمع عفاريت الشياطين وعظماءهم وقال لهم : ماذا عندكم من القوّة والمعرفة؟
فإنّي قد سُلّطتُ على مال أيوب، وهي المصيبة الفادحة والفتنة التي لا يصبر عليها الرجال قال عفريت من الشياطين : أُعطيتُ من القوّة ما إذا شئت تحوّلت إعصاراً من النار وأحرقت كلّ شيء آتي عليه.
قال له إبليس : فاتِ الإبل ورِعاها فانطلق يؤم الإبل وذلك حين وضعت رؤوسها ويثبت في مراعيها، فلم يشعر الناس حتى ثار من تحت الأرض إعصار من نار ينفخ منها أرواح السّموم، لا يدنو منها أحد إلاّ احترق، فلم يزل يحرقها ورعاها حتى أتى على آخرها، فلمّا فرغ منها تمثّل إبليس على قعود منها يراعها ثم انطلق يؤم أيوّب حتّى وجده قائماً يصلّي .
فقال : يا أيّوب.
قال : لبيّك، قال : هل تدري ما الذي صنع ربك الذي اخترته وعبدته بإبلك ورعائها؟
قال أيوب : انّها ماله أعارنيه وهو أولى به إذا شاء نزعه، وقديماً وطّنت مالي ونفسي على الفناء) ( ).
الآية لطف
من خصائص آيات القرآن وجوه :
الأول : كل آية قرآنية لطف من الله تعالى .
الثاني : الجمع بين كل آيتين من القرآن لطف .
الثالث : كل سورة من القرآن لطف .
الرابع : جملة القرآن لطف .
الخامس : تلاوة المسلم للآية القرآنية لطف .
من إعجاز نظم هذه الآيات ومجيئها في أول سورة آل عمران إبتداؤها باسم الجلالة أو الضمير والاسم الموصول الذي يدل عليه , ليكون من معاني اللطف فيها تأديب الناس وإعانتهم لتعاهد مقامات العبودية لله عز وجل مع التابين الموضوعي بينها , إذ أخبرت الآية قبل السابقة عن علم الله عز وجل بكل شئ في السموات والأرض .
أما الآية السابقة فتبين تصوير الناس وهيئتهم في الأرحام , واختتمت باسمين من الأسماء الحسنى [الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ]( ) .
ثم توجهت آية البحث بالخطاب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقوله تعالى [هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ]( ) وهو من الخطاب الخاص إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي لا يشاركه فيه أحد , مثل قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ]( ) و[يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ]( ).
أسباب النزول
جاء القرآن تحدياً لاهل الملل والمذاهب يحتج عليهم ، ويبطل حجتهم، ويفند الطرق التي استحدثوها في الحساب، وهو من مصاديق كون القرآن تبياناً لكل شئ.
فمن بيان القرآن توكيد عدم حصر رسالة الاسلام بزمان مخصوص، بل هو باق إلى يوم القيامة، ومما كان شائعا ايام التنزيل حساب الجمل وعندما نزل قوله تعالى [الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ] ( )، وسمع جماعة من رؤساء اليهود النبي محمدا صلى الله عليه وآله وسلم يتلوه، قالوا: الالف واحدة، واللام ثلاثون، والميم اربعون، فهذه احدى وسبعون سنة، اتدخلون في دين نبي انما مدة ملكه واجل امته احدى وسبعون سنة.
ثم اقبل رئيسهم حيي بن اخطب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يامحمد هل مع هذا غيره؟ قال نعم، قال: ماذا فلما تلا النبي محمد (المص) و(الر)، و(المر) كثر عليهم الحساب، واحسوا بان الامر اعم من حساب الجمل، وعدد المسلمين، وقاموا وقالوا: لقد تشابه علينا امره ونزله قوله تعالى [هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ]( ).
الصلة بين أول وآخر الآية
ابتدأت الآية بقوله تعالى[ُهوَ الَّذِي] والقرآن كلام الله عز وجل , وهو سبحانه أنزله على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , فلماذا لم تقل الآية (أنا الذي أنزلت عليك الكتاب) الجواب إرادة نظم الآيات واتحاد سياق الآيات , وقد نزل القرآن بالإخبار بصيغة المتكلم عن إنزال الله عز وجل القرآن ومنه قوله تعالى [وَآَمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ]( ) وتسمية التوراة (الكتاب) في آيات متعددة منها قوله تعالى[ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ]( ).
ثم تفضل الله عز وجل على عيسى بن مريم بالكتاب والإنجيل كما في قوله تعالى [وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ]( ).
وجاءت آية البحث بتسمية القرآن الكتاب لبيان تضمنه للأحكام الشرعية والعلوم والقصص والأمثال , وما يحتاجه الناس في أمور الدين والدنيا لأن الكتاب الخاتم للتنزيل ولأنه كلام الله عز وجل .
ولبيان موضوعية الكتاب السماوي في حياة الناس , لذا ورد لفظ (الكتاب) ثلاث مرات في آية واحدة [وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنْ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنْ الْكِتَابِ]( ) ثم ذكر اسم الكتاب في الآية التي بعدها مرتين وهو قوله تعالى [مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ]( ) وفيه تأديب للمسلمين بالإقرار بأن النبي محمداَ صلى الله عليه وآله وسلم والأنبياء السابقين عبيد لله عز وجل , وفي التنزيل [قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا] ( ).
لقد بينت بداية الآية أموراَ :
الأول : الله عز وجل هو الذي نزًل الكتاب , ولا يقدر أحد ينزل كتاباً من السماء إلا الله سبحانه .
الثاني : الذي أُنزل هو الكتاب الجامع للأحكام وهو القرآن , وتدل عليه منها [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً]( ) وقال تعالى [طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى]( ).
وتبين آيات القرآن لزوم تلاوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم لآيات القرآن والعمل بأحكامها قال تعالى [إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ] ( ).
الثالث : لم ينزل القرآن بذاته إنما نزل به الملك جبرئيل قال تعالى [وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ] ( ).
وبعد أن بينت الآية نزول القرآن أخبرت أن من آياته هن محكمات قطعية الدلالة , ظاهرة المعنى لكل الناس , نافذة الحكم وهي (المحكمات).
وعن معاني التفصيل وتقسيم آيات القرآن إلى محكمات ومتشابهات أن المحكم سالم من الشبهة من جهة اللفظ , والآية بيان لذاتها ليكون معاني قوله تعالى [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( ) بلحاظ الآية الواحدة من وجوه :
الأول : ونزلنا عليك الآية القرآنية تبياناَ لذاتها .
الثاني : بيان الآية القرآنية لغيرها .
الثالثة : تصديق الآية القرآنية للسنة النبوية وشهادتها على قوله تعالى [وَمَا ينطق عن الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى]( ).
الرابع : بيان الآية المحكمة للآية المتشابهة .
الخامس : تعضيد الآية المتشابهة للآية المحكمة .
السادس : دلالة الآية القرآنية على صدق نزول القرآن من عند الله عز وجل , أي أن الآية الواحدة تشهد لكل آية من القرآن بأنها كلام الله عز وجل , وهو من أسرار تقسيم القرآن إلى آيات محكمات وأخر متشابهة .
السابع : الآية القرآنية عون ومادة لسلامة القرآن من التحريف , وفضح له .
من غايات الآية
في الآية مسائل :
الأولى : بيان إكرام الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتشريفه بين أهل الأرض بنزول القرآن عليه .
الثانية : نسبة التساوي بين الكتاب والقرآن بخصوص الآية الكريمة , وقد تكون النسبة في مواضع أخرى العموم والخصوص المطلق , كما في قوله تعالى [وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ]( ) أو العموم والخصوص من وجه كما في نزول الكتاب على موسى عليه السلام .
الثالثة : بيان قانون من الإرادة التكوينية وهو لا يقدر على تنزيل القرآن إلا الله عز وجل .
وفيه اخبار بأن جبرئيل (رسول أمين).
ولإرادة طرد الشك من النفوس وقد لاقى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أشد الأذى من المشركين بإفترائهم عليه وعلى القرآن ونعتوه بأنه سحر , وأنه [أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ]( ) وقالوا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعلمه بشر , وأنه شاعر قال تعالى[وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ * وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ]( ).
(وقال محمد بن كعب القرظي : حدثت أن عتبة بن ربيعة كان سيدًا حليمًا، قال يومًا وهو جالس في نادي قريش ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالس وحده في المسجد : يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد وأكلمه وأعرض عليه أمورًا لعله يقبل منا بعضها، فنعطيه ويكف عنا، وذلك حين أسلم حمزة ورأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يزيدون ويكثرون.
فقالوا: بلى يا أبا الوليد فقم إليه فكلمه، فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فقال : يا ابن أخي إنك منا حيث علمت من البسطة في العشيرة والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت جماعتهم، وسفهت أحلامهم، وعبت آلهتهم، وكفرت من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورًا تنظر فيها.
فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قل يا أبا الوليد.
فقال : يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا وإن كنت تريد شرفًا سودناك علينا، وإن كان هذا الذي بك رئيًا تراه لا تستطيع رده طلبنا لك الطب، ولعل هذا شعر جاش به صدرك، فإنكم لعمري بني عبد المطلب يقدرون على ذلك على ما لا يقدر عليه غيركم ، حتى إذا فرغ.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو قد فرغت يا أبا الوليد؟
قال: نعم، قال: فاستمع مني، قال: أفعل.
فقال صلى الله عليه وآله وسلم : بسم الله الرحمن الرحيم “حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنًا عربيًا”( )، ثم مضى فيها يقرأ، فلما سمعها عتبة أنصت له، وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليهما يستمع منه، حتى انتهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى السجدة فسجد.
ثم قال: قد سمعت يا أبا الوليد فأنت وذاك، فقام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟
فقال: ورائي أني قد سمعت قولا والله ما سمعت بمثله قط، ما هو بالشعر ولا السحر ولا الكهانة، يا معشر قريش، أطيعوني، خلوا ما بين هذا الرجل وبين ما هو فيه واعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم، فأنتم أسعد الناس به.
فقالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي لكم، فاصنعوا ما بدا لكم) ( ).
وهل آية البحث ذبً ودفاع عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الجواب نعم , ويمكن القول بقانون كل آية من القرآن دفاع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتعضيد له .
الرابعة : تفقه المسلمين في المعارف الإلهية بتقسيم آيات القرآن إلى قسمين :
الأولى : آيات محكمات .
الثانية : آيات متشابهة .
الخامسة : بيان الحاجة إلى العلماء في الفصل بين آيات القرآن موضوعاَ وحكماَ .
السادسة : ذم الذين يجادلون في القرآن ولا يردون بعضه إلى بعض والتحذير منهم , وفيه دعوة عامة لوجود فئة من العلماء وإكرامهم وتهيئة مقدمات وأسباب التحصيل لهم , قال تعالى [فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ] ( ).
السابعة : بيان قبح الفتنة والسعي إليها , لتكون آية البحث من مصاديق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
الثامنة : الثناء المتجدد كل يوم على المؤمنين الذين يسلمون بأن كل آية من القرآن هي كلام الله عز وجل , ونازلة من عنده , وفي الآية شاهد على سلامة القرآن من التحريف ومن الزيادة والنقصان .
الأول : تفضل الله عز وجل بأنه هو الذي أنزل القرآن .
الثاني : تلقي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو في حال اليقظة ليظهر عليه ثقل وطأة التنزيل بتصبب العرق منه حتى في الشتاء القارص .
الثالث : بيان قانون وهو نزول القرآن رحمة للناس جميعاَ , قال تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ( ).
ومن معاني الجمع بين الآية أعلاه وآية البحث أن نزول القرآن رحمة للأجيال المتعاقبة من الناس جميعاَ لأصالة الإطلاق , وبدلالة بقاء القرآن غضاَ طرياَ إلى يوم القيامة .
الرابع : دعوة المسلمين والناس جميعاَ لشكر الله عز وجل على نعمة نزول الكتاب , إذ أنه منهاج وهداية ورشاد , ومن معاني الصراط المستقيم في قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( ) هو القرآن , وقال تعالى في موسى وهارون عليهما السلام [وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]( )..

التفسير
قوله تعالى [ُهوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ]
ابتدأت الآية بالأخبار عن تفضل الله تعالى بانزال القرآن وعلى نحو التوكيد والقطع الذي يدل عليه اجتماع الضمير مع الاسم الموصول [هُوَ الَّذِي] ليبقى عالم التنزيل امراً ينفرد به الله تعالى ، لا تستطيع الملائكة مع شرفها وعلوها قيامها بالتنزيل او التصرف في شؤون الكتاب وتفصيلاته ، نعم تكون واسطة وآلة أمينة للتنزيل ، وهذا لا يتعارض مع حقيقة ان التنزيل من الله تعالى فمن الثابت شرعاً وعقلاً ان عائدية الفعل إلى المصدر والفاعل وليس الواسطة والآلة.
وهذه الآية من ضمن الكتاب , وهي مدنية وسبقها نزول غيرها من الآيات ولحقتها آيات اخرى في التنزيل ومع هذا جاءت الآية بصيغة الماضي (انزل) وفيه وجوه :
الأول : لتثبيت وتوكيد التنزيل.
الثاني : للتسليم بان ما نزل من الآيات في مكة والمدينة كله من القرآن.
الثالث : لمنع الناس من الأخذ بشطر من الآيات ورد بعضها خصوصاً وان المقام يستلزم التسليم بكل آيات القرآن لما في الآية من التقسيم إلى محكم ومتشابه.
الرابع : هناك آيات ورد ذكر التنزيل منها بلغة المضارع، قال تعالى [هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ] ( ).
وسورة الحديد مدنية ايضاً كسورة آل عمران، ويلاحظ في هذه الآية التوكيد على انزال الكتاب على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في تقوية قلبه في الجدال والإحتجاج مع الذين يتفاخرون بالتوراة والإنجيل واتصافهما بقدم زمان نزولهما وقبول الناس لهما والتسليم بنزولهما والإعتبار في معرفة احكامهما ونزل القرآن حديثاً، وليس من السهل ان يبادر الناس للإستجابة لما هو جديد والأمر الطارئ الجديد مع وجود شبيه وتوطئة له على أقسام :
الأول : قسم يبادر إلى قبوله والرضا به سواء بالنظر له على نحو مستقل او بالمقارنة مع غيره.
الثاني : جماعة من الناس ترفضه ولا تريده.
الثالث : شطر من الناس يبقى مكتفياً بما عنده، ولا يكلف نفسه البحث في الجديد فضلاً عن الإستجابة له واتباعه.
الرابع : جماعة تحــارب الجــديد لما لها من المنافـع والمصالح فيما بين ايديها.
الخامس : قسم من الناس لم يقبل القديم والجديد جحوداً وهو معرض عن القسمين معاً.
والأصل القسم الأول ان يكون من أقل الأقسام عدداً لميل الناس إلى التمسك بالقديم والتأني والتردد في قبول الجديد، ولكن الأمر يختلف بخصوص القرآن إذ جاء بالمعجزة الذاتية والغيرية التي تجذب الناس اليه وتجعل هذا القسم أكبر الأقسام.
فالقرآن معجزة السماء البلاغية والعقلية والحكمية قال تعالى [كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ]( ).
فقبول الناس للقرآن أيام تنزيله دليل نوعي عام عـلى صدق نزوله من عند الله، فلابد من خصــوصية في القرآن تجعل الناس تتجه إلى التصديق به لملائمته الطبائع والقــرائح، فتلتـفت إلى الجديد وتنجذب اليه، لذا انفرد القرآن بعلوم البلاغــة وجاءت الحــروف المقطــعة واخبار الغيب فيه والبشارات والإنذارات والوعد والوعيد، وما دام نزول القرآن من عند الله تعالى فانه يأتي معه بدلائل الصدق والسلامة عن وجود المعارض.
وجاء التنزيل بصفة الكتاب وليس القرآن ، والمعنى واحد ولكن المقام يقتضي التوكيد على سعة الأحكام وأسرار القرآن وتضمنه للآيات المحكمات والمتشابهات.
والخطاب في الآية انحلالي فيقسم إلى ثلاثة اقسام:
الأول: الخطاب متوجه في ظاهره وصيغته إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفيه حث له على أخذ الكتاب بقوة والجهاد في سبيله تعالى لنشره وتثبيت أحكامه في الأرض وتدوين آياته والمنع من التفريط بها او ضياعها، وهو مانع من توجيه اللوم إلى النبي في تفانيه في التبليغ والدعوة، لأن الله هو الذي انزل عليه الكتاب وأمره بدعوة الناس إلى الإسلام قال تعالى[يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ]( ).
الثاني: موجه إلى المسلمين في أجيالهم المتعاقبة وفيه مسائل :
الأولى : التصديق بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما جاء به من عند الله.
الثانية : التقيد بأحكام القرآن وما فيه من مسائل الحلال والحرام.
الثالثة : التصدي لأهل الريب والشك في محاولاتهم تكذيب التنزيل.
و(عن محمد بن كعب القرظي قال : ما بعث الله من نبي ولا أرسل من رسول أنزل عليهم الكتاب إلا أنزل عليه هذه الآية { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير }( ).
فكانت الأمم تأبى على أنبيائها ورسلها ، ويقولون : نؤاخذ بما نحدث به أنفسنا ولم تعمله جوارحنا؟! فيكفرون ويضلون ، فلما نزلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم اشتد على المسلمين ما اشتد على الأمم قبلهم ، فقالوا : يا رسول الله أنؤاخذ بما نحدث به أنفسنا ولم تعمله جوارحنا؟
قال : نعم ، فاسمعوا وأطيعوا واطلبوا إلى ربكم ، فذلك قوله { آمن الرسول } ( ).
فوضع الله عنهم حديث النفس إلا ما عملت الجوارح ، لها ما كسبت من خير وعليها ما اكتسبت من شر { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } ( ).
قال : فوضع عنهم الخطأ والنسيان { ربنا ولا تحمل علينا إصرا . . . }( ). قال : فلم يكلفوا ما لم يطيقوا ، ولم يحمل عليهم الإِصر الذي جعل على الأمم قبلهم ، وعفا عنهم وغفر لهم ونصرهم)( ).
الثالث : الخطاب موجه إلى الناس جميعاً بواسطة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين في دعوة لهم لدخول الإسلام، ولكن لماذا لم تقل الآية [يَاأَيُّهَا النَّاسُ] هو الذي انزل على محمد الكتاب، الجواب من وجهين:
الأول: في الآية إكرام خاص للنبي محمد وشدً لعضده , ومنع من طرو الشك على قلوب بعض المسلمين.
الثاني: ان الله غني عن العالمين، وعلى الناس ان يلتفتوا إلى ما في القرآن من الآيات والدلالات الباهرات.
وفي الآية اخبار بان جبرئيل مع عظيم منزلته ليس الا رسول تحمل أعباء ومسؤوليات الأمانة الخالدة بإنزال , أعظم كتاب سماوي على أشرف الخلائق.
وجاء التنزيل بصفة آيات، قال تعالى [هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ]( ).
ولفظ الكتاب جاء هنا لبيان عظيم فضل الله تعالى، وان القرآن جامع للأحكام فلا غرابة ان يكون فيه محكم ومتشابه.

قوله تعالى [مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ]
الضمير في (منه) يعود للكتاب والمراد منه القرآن النازل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من عند الله تعالى، وتقسم الآيات القرآن إلى قسمين:
الأول: آيات محكمات.
الثاني: آيات متشابهات، مع ترجيح وموضوعية خاصة للآيات المحكمات بلحاظ أنهن أم الكتاب.
وفي الاتقان ذكر اقوالاً ثلاثة في القرآن على نحو الحكاية :
الأول : ان القرآن كله محكم، لقوله تعالى [كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ] ( ).
الثاني : كله متشابه، لقوله تعالى [كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ]( ).
الثالث : انقسامه إلى محكم ومتشابه للآية محل البحث اعلاه.
وهذا التقسيم لا يمكن الجمع بينه وان كان هو ظاهر الآيات لعدم اجتماع النقيضين وفيه وجوه محتملة :
الأول : تكون الآية في ذاتها محكمة ومن المتشابه في آن واحد، بلحاظ تعدد وجوه الآية وتفسيرها وتأويلها.
الثاني : ان المحكمات غير الأحكام والاتقان، لأن كل آية من القرآن محكمة متقنة ليس فيها نقص او عيب.
الثالث : ان المتشابه فرع الآيات المحكمات، ويمكن استقراء جانب من تفسير المحكم من قوله تعالى [كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ]( )، أي ان الأحكام يتعقبه التفصيل والبيان لمنع الجهالة واللبس ولإقامة الحجة على الناس.
الرابع : ورد لفظ المحكم بصيغة المفرد مرة واحدة وبصيغة التأنيث قال تعالى [فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ] ( )، فالأحكام تعلق بالسورة كلها وهي تتكون من عدد من الآيات، وليس آية واحدة.
وكل آية من آيات القرآن احكمت واتقنت من عند الله تعالى ، وإخبار الآية في أولها بأن القرآن نازل من عند الله تعالى توكيد بإحكام الآيات واتقانها وعدم وجود اختلاف فيها او تخلف عن وظائفها العقائدية والشرعية المركبة.
ومن مفاهيم الآية التحذير من التفسير بالرأي والزجر عن تأويل الآيات بحسب ما يناسب المذهب تعصباَ والبحث عن الآيات التي تناسبه، والسعي في تأويل آيات اخرى لإبطال قول الخصم وان كان فرقة من المسلمين في باب الكلام او الفقه، كما في الجبرية والقدرية والإحتجاج بآيات القرآن، ورد الفريق الآخر على ما احتج به الأول وغيرهم من فرق اخرى، الا ان الآية لم تمنع من الإستدلال بالآيات بما يلائم المذهب وفق قواعد القرآن , وبعد رد المتشابه إلى المحكم.

قوله تعالى [هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ]
أم كل شيء: أصله وعماده وجاء هذا الوصف للآيات المحكمات لسر وموضوعية خاصة بها ولوظائف عقائدية لهذه الآيات، وتعينها في العمل سواء في العبادات اوالمعاملات او الأحكام، وفي أم الكتاب وجوه:
الأول : أم الكتاب أي اصل الكتاب، وان الآيات المحكمات هن اصل موضوعات وأحكام القرآن.
الثاني : اللوح المحفوظ.
الثالث : ام الكتاب سورة الفاتحة لأنها تقرأ في كل صلاة.
الرابع : روي عن ابن عباس انه قال: (أم الكتاب القرآن من أوله إلى آخره).
الخامس : كل آية محكمة من آيات التشريع والأحكام والفرائض مما يكون فيها الأمر عزيمة وليس رخصة وقابلاً للنسخ والترك.
أما بالنسبة للوجــه الأول فان القــرآن بعرض واحد من حيث الأصل ولكن يمكن اعتبار هذا القول بتقريب وهو تعدد معنى الكتاب في الآية.
أما الوجه الثاني فقد ورد قوله تعالى [بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ] ( )، فاللوح المحفوظ وعاء للقرآن مما يعني التغاير بين القرآن واللوح المحفوظ، والمراد من الآيات المحكمات آيات القرآن ذاته سواء جميعها او شطر منها.
أما الوجه الثالث فان المراد في هذه الآية أعم من سورة الفاتحة، وان كان عنوان [أُمُّ الْكِتَابِ] يصدق على سورة الفاتحة ايضاً ولكن التعدد في المعنى وارادة غير الفاتحة يظهر بقرائن:
الأولى : الضمير وما يفيده من الجمع والكثرة، وان كانت سورة الفاتحة تتكون من عدة آيات ايضاً , إذ أن مجموع آياتها سبع آيات , وقد تقدم أن البسملة آية منها , و(عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ” الحمد لله رب العالمين سبع آيات: بسم الله الرحمن الرحيم إحداهن ، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم، وهي أم الكتاب) ( ).
وفي الحديث أعلاه دلالة على أن تسمية سورة الفاتحة بسورة (الحمد لله رب العالمين) لا يعني أن البسملة ليست آية منها .
ولعل ظاهر الحديث يدل على أن البسملة آية من كل سورة من القرآن عدا سورة التوبة .
الثانية : وصف الآيات بانهن محكمات.
الثالثة : ان الله عز وجل وصف سورة بانها محكمة اذ نزل فيها القتال [فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ] ( ).
ولا تدل هذه الآية على الملازمة بين صفة آية محكمة وتضمنها القتال , وسيأتي البيان بأن المراد من قتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحاب هو الدفاع المحض كما في معركة بدر وأحد والخندق وحنين .
وأنه يفيد قصد القربة إلى الله تعالى لمنع التعدي والتفريط فيه , قال تعالى وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ.
وليس في سورة الفاتحة أمر بالقتال بل هي بيان لمضامين التوحيد واعلان العبودية ودعاء , فتفضل الله عز وجل وأمر كل مسلم ومسلمة بتلاوة هذه السورة سبع عشرة مرة في الصلاة اليومية لتثبيت ملكة العبودية لله عز وجل في نفوسهم .
وإصلاحهم للمسلم وبسط الأمن في الأرض , قال تعالى[يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ]( ).
اما الوجه الرابع فهو أعم من المراد، وعلى فرض صحة سند الحديث ونســبته لابن عبــاس فالمراد منه التنبيه على موضوعية كل آية من آيات القرآن ولزوم عدم التفريط بمضامين اي آية بذريعة انها من المتشابه.
اما الوجه الخامس فهو الأقرب في معنى الآية في المقام ، ومضامين الآيات المحكمات أعم ، لأن الآية دعوة للسياحة العلمية في القرآن عن الآيات المحكمات.
ولا بأس بوضع كتاب من عدة اجزاء يتناول آيات القرآن آية آية وهل هي محكمة ام من المتشابه، ولكن لابد من وضع قواعد وضوابط عامة لتحديد المحكم من المتشابه، كما ان البحث في المقام لن يكون دقيقاً تاماً وكأن إحكام الآيات وموضوعاتها وتقسيمها امر لا يقدر عليه الا الله، فانت تجد مبحث المكي والمدني ومع انه تقسيم استقرائي ليس له أصل في القرآن فان العلماء مختلفون في الأسس التي تعتمد في هذا التقسيم، ليبقى الأمر الوارد في الآية المحكمة عزيمة وليس رخصة بلحاظ القرائن والدلالات الأخرى.
ولعل مدرسة المحكم والمتشابه لم يتم بحثها بمعشار مما تستحقه من الدراسات والتحليل والإستنباط، ترى هل المراد من الكتاب الوارد في أول الآية هو غير الكتاب الوارد في (أم الكتاب)، فالمراد من الأول القرآن وهو الكتاب النازل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، اما الثاني فهو اصل الكتاب، ولا يبعد هذا وبذا تكون الآيات بلحاظ القرآنية بعرض واحد.
ان نعت الآيات المحكمات بانهن ام الكتاب كنز قرآني واشارة إلى اسرار خاصة في القرآن وقبول الآيات لقسمة تعطي لكل قسم منها خصوصية يستلزم من المسلمين عناية خاصة بتلك الآيات والمقاصد السامية منها , والذخائر العلمية التي تتضمنها من جهات :
الأولى : العلوم الواردة في الآية القرآنية .
الثانية : العلوم المستقرأة من الجمع بين آيتين كل واحدة منهما محكمة كالآيات التي تتضمن العبادات والفرائض مثل قوله تعالى[وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ]( ) ومن الأحكام في هذه الآية وجوب الفرائض العبادية والقطع بالثواب العظيم عليها .
الثالث : استقصاء العلوم والمسائل من الجمع بين آية محكمة وآية من المتشابه .
ونعت المحكمات بانهن ام الكتاب تشريف وتعظيم لهن، ومع عدم وجود عنوان دقيق وضابطة كلية لمعرفة الآيات المحكمات فان اكثر آيات القرآن تنال هذا الشرف العظيم.
وجاء لفظ (الأم) بصيغة المفرد كاسم جنس ولم تقل الآية هن أمهات الكتاب، مما يعني الإتحاد في موضوع المحكمات واجتماعهن في ذات الصفة والعنوان وان اصطلاح أم الكتاب عنوان متحد لا يقبل التعدد والتجزئة.
والآية دعوة للرجوع إلى الآيات المحكمات وعدم الإكتفاء بالمتشابه والمفهوم والمعنى المتعدد للآية من المتشابه.
وأخرج ابن جرير عن مالك بن دينار قال: (سألت الحسن عن قوله [أم الكتاب] قال الحلال والحرام، قلت له: فالحمد لله رب العالمين، قال هذه أم القرآن)( ).
(عن عائشة قالت : تلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم { هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ } إلى قوله { أولوا الألباب }( ) فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فاحذروهم)( ).
يمثل هذا الوصف وصبغة الثناء والمراد من الكتاب هنا وجوهاَ :
الأول : المراد القرآن لذكره في أول الآية , وتقدير الآية (هن أم القرآن) ولا يتعارض مع تسمية سورة الفاتحة (أم الكتاب) وفيه بيان بأن آيات سورة الفاتحة من الآيات المحكمات.
الثاني : المراد لعموم الكتب السماوية التي أنزلت على الأنبياء .
الثالث : إرادة الكتاب أصل الكتاب الذي عند الله عز وجل , كما ورد (عن العرباض بن سارية قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إني عند الله في أم الكتاب لخاتم النبيين ، وإن آدم لمنجدل في طينته ، وسأنبئكم بأول ذلك دعوة أبي إبراهيم ، وبشارة عيسى بي ، ورؤيا أمي التي رأت ، وكذلك أمهات النبيين يَرَيْن) ( ).
والمختار هو الثالث ويكون الوجهان الأول والثاني في طوله من غير تعارض بينها.
قوله تعالى [وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ]
أي وآيات اخرى تتشابه فيما بينها وتفيد معنى المماثلة، وهذه المماثلة والمشاكلة على وجوه :
الأول : المشابهة بين ذات الآيات، فالآية تشبه الآية الأخرى.
الثاني : التعدد في معاني الآية، وان لها عدة وجوه واحتمالات بحسب اللحاظ والمعنى والمتبادر، فالتشابه في المعاني مع تباينها بلحاظ ان كل واحد منها تفسير للآية.
الثالث : التشابه في تأويل الآيات المتعددة، فتفسير كل آية يكون مشابهاً ومماثلاً لتفسير الآية الأخرى.
وذكرت الآية قسمين من الآيات:
الأول: الآيات المحكمات.
الثاني: الآيات المتشابهات.
وقالت الآية [وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ] على نحو التنكير ومن غير الف ولام وقيل ان اسقاط الألف واللام من آخر لا يضر في اعتبار الجميع (كما يقال: زيد افضل من عمرو وزيد الأفضل) ( ) والمراد من آخر أي خرى.
ولكنه قياس مع الفارق، ثم ان زيداً الأفضل يراد منه الإطلاق في التفضيل الا مع القرينة الدالة على التعيين، ان زيداً أفضل من عمرو من غير الف ولام فيعتبر الحصر بالتفضيل والمقارنة مع عمرو.
وذكر القسـمين وعدم حصر الآيات بالمحكم والمتشابه فلم تقل الآية: (أنزل عليك الكتاب آيات محكمات ….) إنما تقدم حرف الجر (من) في (منه) الذي يفيد التبعيض وتقدير الآية : من القرآن آيات محكمات ومنه آيات متشابهات.
وعلى فرض احتمال وجود قسيم ثالث أو أكثر، فهذا القسيم يحتمل وجوهاً :
الأول : وجود آيات ليست من المحكمات ولا من المتشابهات، كما لو كانت آيات بينة ظاهرة المعنى والدلالة ولكنها ليست أم الكتاب.
الثاني : هناك آيات تكون من المحكم ومن المتشابه في وقت واحد، سواء بذات الكلمات او يكون شطر منها من المحكم والشطر الآخر من المتشابه.
الثالث : بعض الآيات برزخ بين المحكم والمتشابه، وهي منزلة بين المنزلتين.
المحكم والمتشابه
المتعارف بين علماء التفسير ان التقسيم إلى محكم ومتشابه يستغرق ويشمل كل آيات القرآن، واحتمال وجود قسيم آخر لا يخلو من أشكال من وجوه :
الأول : عدم ثبوت قسيم ثالث ولو كان لبان، وظهر في النصوص والتفسير ولو على نحو عرضي.
الثاني : القول بقسم ثالث لم يثبت ويؤدي إلى إرباك وخلل في التحقيق، فرب آية من المحكمات توضع بهذا القسم الثالث الذي ليس له أصل ولم يثبت، فتضيع حقائق وعلوم قرآنية.
الثالث : انه اجتهاد في مقابل النص القرآني.
فالأصح هو قسمة آيات القرآن إلى محكم ومتشابه مع احتمال تداخل القسمين في كثير من الآيات.
لقد تحدى القرآن العرب الفصحاء وجعلهم عاجزين عن ادراك كنهه ولم يكن في علوم البلاغة علم مستقل يسمى (المحكم والمتشابه) بل هو من مختصات القرآن، مما يعني ان إعجاز القرآن لفظي وموضوعي، وقد أفردنا باباً مستقلاً للمحكم والمتشابه في الجزء السادس( ).
ومما ورد في هذا الباب أقوال :
الأول : المحكم هو الفرائض، والأوامر والنواهي، والحلال والحرام، والآيات الزاجرة.
وعن ابن عباس انها الآيات الثلاث من سورة الأنعام [قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا] ( ).
الثاني : المحكم هوالناسخ والمتشابه هو المنسوخ، ولكن موضوع المحكم أعم وله قواعده الخاصة.
فالمحكم لا يلغي المتشابه ولا يحل بديلاً له , كما أن موضوع الآية المحكمة يختلف عن موضوع الآية من المتشابه، والتعدد في علوم القرآن وجه من وجوه إعجازه وتجدد فيوضاته.
ورد المتشابه إلى المحكم يعني ان المتشابه هو ايضاً من المحكم ولكن بالواسطة.
لذا جاء وصف المحكمات بانها (أم الكتاب) لأن غيرها يرد اليها , وقد ورد لفظ أم الكتاب ثلاث مرات في القرآن :
الأولى : في آية البحث وتتعلق بايآت من القرآن , لبيان أن النسبة بين القرآن وأم الكتاب عموم وخصوص مطلق .
الثانية : قوله تعالى [يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ]( ) أي عامة الوقائع والأحداث ما وقع وما صرفه الله عز وجل , وكذا بالنسبة لمستقبل الأيام وأحوال عالم الآخرة .
الثالثة : قوله تعالى [وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ]( ).
وبالإسناد عن (وهب اليماني قال : إن يهوديا سأل النبي فقال: يا محمد أكنت في أم الكتاب نبيا قبل أن تخلق ؟
قال: نعم، قال: وهؤلاء أصحابك المؤمنون مثبتون معك قبل أن يخلقوا ؟
قال: نعم، قال: فما شأنك لم تتكلم بالحكمة حين خرجت من بطن أمك كما تكلم عيسى بن مريم على زعمك وقد كنت قبل ذلك نبيا ؟
فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم الله عليه وآله إنه ليس أمري كأمر عيسى بن مريم عليه السلام إن عيسى بن مريم خلقه الله عزوجل من أم ليس له أب كما خلق آدم من غير أب ولا أم، ولو أن عيسى عليه السلام
حين خرج من بطن أمه لم ينطق بالحكمة لم يكن لامه عذر عند الناس، وقد أتت به من غير أب، وكانوا يأخذونها كما يأخذون به من المحصنات، فجعل الله عزوجل منطقه عذرا لأمه) ( ) .
(عن ابن عباس قال : إن لله لوحاً محفوظاً مسيرة خمسمائة عام من درة بيضاء ، له دفتان من ياقوت ، والدفتان لوحان لله كل يوم ثلاث وستون لحظة يمحو ما يشاء { ويثبت وعنده أم الكتاب}( ))( ).
و(عن العرباض بن سارية قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إني عند الله في أم الكتاب لخاتم النبيين ، وإن آدم لمنجدل في طينته ، وسأنبئكم بأول ذلك دعوة أبي إبراهيم ، وبشارة عيسى بي ، ورؤيا أمي التي رأت ، وكذلك أمهات النبيين يَرَيْن) ( ).
ومن المتشابه المجمل والآيات التي ترى تفصيلها في موضع آخر من القرآن، وما يستلزم التدبر والتأمل كما في خلق الإنسان وميزان الأعمال ومعرفة مقدار الثواب والعقاب، وكأن المحكم من الأوليات التي تكون جلية عند الجميع ويصدق بها العقل لذاتها من غير سبب خارج عنها.
الثالث : المحكم هو الذي يعرف المراد منه من غير قرينة مثل [وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ] اما المتشابه فهو الذي لا يعرف المراد منه الا مع القرينة كقوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ] ( )، فالصلاة من الله تعالى الرحمة ومن الملائكة الدعاء.
الرابع : قال الأصم المحكم ما كان دليله واضحاً كانشاء الخلق، والمتشابه ما يحتاج إلى التدبر والتأمل للوصول إلى معناه.
الخامس : قد يكون المتشابه خاصاً بطائفة من الناس جماعة او شخصاَ كما لو كان الإنسان قاصراً عن فهم معنى الآية الا بالرجوع إلى غيرها او ان مقدماته متعددة ودليله غير ظاهر، يستلزم الرجوع لأهل العلم وحملة القرآن.
وتمنــع الآية من التعجل في التأويل او الترجــيح مـن غير مرجح وفيها اخبار بان القرآن كل متكامــل يرتبــط بعضــه ببعــض، وتبعث الآيــة على العناية بعلوم اللغة والنحــو والكلام والأصول وقواعد البلاغة والفصاحة لإيجاد ملكة التمييز بين المتشابه والمحكم، ورد الأول للثاني.
وأخرج ابن النجار في تاريخ بغداد بسند واه عن على عليه السلام : (ان النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته: أيها الناس قد بين الله لكم في محكم كتابه ما أحل لكم وما حرم عليكم فاحلوا حلاله وحرموا حرامه وآمنوا بمتشابهه واعملوا بمحكمه واعتبروا بامثاله) ( ).
وعن ابن عباس قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنزل القرآن على سبعة أحرف حلال وحرام لا يعذر أحد بالجهالة به وتفسير تفسره العرب وتفسير تفسره العلماء ومتشابه لا يعلمه الا الله ومن ادعى علمه سوى الله فهو كاذب) ( ).
وأخرج نصر في الحجة عن أبى هريرة قال: (كنا عند عمر بن الخطاب إذ جاء رجل يسأله عن القرآن أمخلوق هو أو غير مخلوق فقام عمر فاخذ بمجامع ثوبه حتى قاده إلى على بن أبى طالب فقال يا أبا الحسن أما تسمع ما يقول هذا قال وما يقول قال جاءني يسألنى عن القرآن أمخلوق هو أو غير مخلوق فقال علي عليه السلام هذه كلمة وسيكون لها ثمرة لو وليت من الأمر ما وليت ضربت عنقه) ( ).
وفعلاً فقد حدثت فتنة خلق القرآن في أيام الدولة العباسية، وكأن الإمام علي اراد استئصال وقطع دابر الفتنة ووأدها قبل وقوعها , وتحذير الفقهاء والحكام والناس عامة منها.
وان الصحابة كانوا ملتفتين إلى خطورة وغرابة هذا الموضوع لأن أخذ عمر بمجامع ثوب السائل يدل على إنكار السؤال وما فيه من التكلف.
السادس : ونضيف قولاَ لمعاني المتشابه وهو تعدد معنى الآية , ولكن الظاهر يدل على بعضها , مما يلزم رده إلى المحكمات لإستظهار المعاني الأخرى , والمراد من الآية الكريمة .
السابع : متشابهات : يشبه بعضها بعضاَ , ما تتشابه في اللفظ .
ومنها بعض الحروف المقطعة كما في (الم) في أول سورة البقرة , وكذا في أول سورة آل عمران , أو قوله تعالى [وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ]( ) ومنه قوله تعالى [وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ]( ).
بحث بلاغي
من البديع في القرآن الجمع والتقسيم بأن يؤتى بمواضيع وأشياء متعددة، ويجمعها حكم واحد، ثم يجري تقســيمه، والجمع يثبت الضابطة الكلية ثم يأتي التقسيم فرعاً وبياناً تفصيلياً له.
ومن أفضل شواهده هذه الآية، فقد أكدت نزول القرآن كله من عند الله، ومنعت من الشك في بعض آياته، ولتؤكد بانه ليس من الآيــات ما نزل جبرئيل بها بالمعنى بل تلقاها جمــيعاً بذات اللفــظ الذي نزل بــه على الرســول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهــو من مصــاديق اطــلاق صفة الأمين عليه , قال تعالى [نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ]( ).
وتثبت بان المتشابه بعرض واحد مع المحكم في التنزيل، وكل آية هي من القرآن باللفظ والمعنى، وبعد هذا الجمع جاء التقسيم إلى المحكم والمتشابه، فلا يضر التقسيم بالحكم الجامع لهما، وليكون فرداً من أفراد الإعجاز.
بحث بلاغي أصــولي
المشترك اللفظي والمعنوي
المشترك اللفظي هو الذي وضع لمعنيين او اكثر بحيث يكون كل معنى مغاير للآخر فهو متحد اللفظ ومتعدد المعنى مثل لفظ العين , وفيه ثلاثة أقوال :
الأول : امكان وقوع المشترك اللفظي، وهو المشهور والمختار.
الثاني : وجوب وقوع المشترك اللفظي لأن الالفاظ محدودة , والمعاني غير محدودة.
الثالث : ذهب جماعة إلى امتناعه في اللغة.
اما الإشتراك المعنوي فهو اللفظ الذي وضع لمفهوم كلي ويستعمل في مصاديق بلحاظ اشتراكها في صدق المفهوم الجامع , مثل لفظ (الإنسان) (الشجر).
ولابد للمشترك بقسميه من جامع، وليس من جامع بين المتلبس بالحال والذي انقضى عنه التلبس بالمسمى والذات والأجزاء.
وقالوا: “ولا يمكن ان يكون هناك جامع بين التلبس والإنقضاء الا من ناحية الزمان”، والأقوى ان الزمان نفسه ليس بجامع بلحاظ انقسامه إلى آنات انشطارية متعددة.
والقائل بامتناع المشترك اللفظي في اللغة العربية او غيرها مدركه انه خلاف البيان والغرض من وضع الألفاظ ازاء المعاني، فالغرض هو ايصال المعنى واضحاً إلى السامع بحيث يفهم المراد من اللفظ وهو لا يتم بالمشترك لأنه يدل على عدة معاني بعرض واحد فيحصل معه اللبس وهو خلف.
وبه قال من اعتمد نظــرية التعهــد والإلتزام النفساني في الوضع بمعنى ان اللفظ وضع لمعنى معين على نحو التعهد وان ارادة معنى آخر يكون ناقضاً لعهده، ولكنها لا تعني الحصر بمعنى واحد على القول بالاشتراك.
وهناك فروق بين الإشتراك اللفظي والمعنوي:
الأول: يوضع الإشتراك اللفظي لمعنى شخصي، وفرد معين أو مفهوم كلي، اما المشترك المعنوي فيوضع لمفهوم ومعنى كلي له مصاديق متعددة.
الثاني: وضع الإشتراك المعنوي على نحو متحد، وفي مقابل معنى كلي، بينما وضع المشترك اللفظي لأفراد متعددة متباينة وعلى نحو الإستقلال لكل منها.
الثالث: انطباق المشترك المعنوي على مــعانيه المتــعددة والمتــشــخصة في الخارج على نحــو الإستقلال لكل منها هو اشتراكها في المفهوم الكـلي الذي وضع له اللفظ، اما المشترك اللفظي فالظاهر وضعه لكل فرد منها بوضع خاص لا يرتبط بالمعنى الآخر.
الرابع: الإتحاد في المشترك المعنوي في حــيثية مخصوصة جامعة لأفراده، تجدها في كل معنى من المعاني المتعددة له، اما في المشترك اللفظي فان الإتحاد يقع في اللفظ ولا جامع مشترك بين المعاني التي وضع لها، نعم قد تكون هناك حيثية أو وجه شبه بينها.
الخامس: هناك نسبة تحليلية بين معاني المشترك المعنوي، فصحيح أن لكل فرد من أفراده وجوداً مستقلاً، ولكن بينها نوع ارتباط يتبادر إلى الذهن الرابط بينها ويسمى مفهوم النسبة، فحينما نطلق لفظ (الطير) فانه عنوان للطيران والإرتفاع في الجو، فهناك مفهوم كلي يتبادر إلى الذهن.
وهل المحكم والمتشابه من المشترك اللفظي، الجواب: انه أجنبي عن اصطلاح الاشتراك اللفظي والمعنوي، فالمحكم والمتشابه لم يوضع لأفراد متعددة يتصف كل منها بخصوصية على نحو الاستقلال، بل ان العنوان الجامع لها هو انها آيات قرآنية نازلة من عند الله تعالى.
فاللفظ والمعنى متحدان، والتقسيم إلى المحكم والمتشابه جاء في طول العنوان الجامع لهما وكونهما آيات من القرآن.

قوله تعالى [فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ]
بعد أن بينت الآية تقسيم القرآن إلى محكم ومتشابه، وان الآيات المحكمات هن الأصل والمرجع والمصدر جاء هذا الشطر من الآية ليخبر عن الريب والشك الذي يملأ نفوس الكافرين وكيفية نظرتهم للآيات وجحودهم بالأحكام اذ أن الناس في تلقي أحكام القرآن , وما فيه من الأوامر والنواهي على أقسام :
الأول: القبول والإستجابة وحسن الإمتثال , قال تعالى[وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ]( ), وقال تعالى [الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ]( ).
الثاني: التوقف وانتظار المزيد من الآيات , وهذه الحال من الكلي المشكك بين الناس , فقد تكون مقيدة عند شطر من الناس لتوالي المعجزات الباهرات العقلية والحسية التي تدل على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث: الغفلة وقلة الإكتراث بسبب الإعتياد على طبائع متوارثة.
الرابع: الجحود والنفاق والعناد و[الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ]( ) من هذا القسم، فان اتباع المتشابه من وحدة النفاق.
وجاءت الآية بلغة الذم المركب فقد نعتتهم بالزيغ والميل عن جادة الصواب وباتباع المتشابه .
لتكون الآية في مفهومها تنبيهاً للمسلمين بلزوم الرجوع إلى المحكم وعدم الإكتفاء بالمتشابه، وفيها بيان لمعنى المحكم , والمتشابه وهو ان المتشابه لا يكفي في بيان تمام الأحكام.
وتمنع الآية من التفريط بالأوامر والنواهي وتدعو الناس جميعاً إلى فهم القرآن وآيات الأحكام، وتحذر من صيغ الضلالة وتحث على اصلاح الذات الإنسانية وتهذيب النفوس وتهيئتها لقبول الحق.
وتخبر عن كون الخلل في الإعتقاد يؤثر سلباً في التدبر بالآيات والأحكام اذ ان الغشاوة الظلمانية التي تكون على البصيرة تمنع من رؤية الحق وتدبر الأمور.
قال تعالى في ذم الذين كفروا وبسبب إصرارهم على الكفر والجحود [خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ]( ).
والآية وان جاءت بصيغة الخبر الا انها تتضمن لغة الخطاب وهو مركب من قسمين:
الأول: خطاب موجه إلى الكافرين بزجرهم عن اتباع المتشابه ودعوتهم لإصلاح الذات وتوخي اسباب العدل والإنصاف واجتناب الميل عن الحق لما فيه من الضرر الشخصي والنوعي , قال تعالى[مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا]( ) أي الذي يتبع الهوى , ويتخذه مادة للجدال والمماراة .
والنسبة بين آيات الله عز وجل في الآية أعلاه وبين آيات القرآن العموم والخصوص المطلق , فآيات الله عز وجل أعم لذا ذكرت لا .
الثاني: مخاطبة المسلمين بتحذيرهم من الإلتفات إلى صناعة الجدل واللجاج التي يستعملها الكفار , قال تعالى[وَلاَ تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ] ( ).
والآية عون للمســلمين وتنمية للقدرة عــلى فهم القرآن فهماً صحيحاً وتعلم المقدمــات الجدلية واتخاذها سلاحاً لدحر الباطل والتأويل الخاطئ، فتقسيم القرآن إلى محكم ومتشابه مناسبة للغلبة على الكافرين ودحض افتراءاتهم على القــرآن، لأن الكـفار في نزاع وخصومة ولجاج.
والجدل يتقوم بطرفين مختلفين في موضوع او مسألة , وأحدهما يكون محافظاً على وضع او قول وملتزماً به ويحترز من افحام الغير له او ان يلزمه بما يخالف مبناه ويسمى (المجيب).
اما الثاني فيسمى (السائل).
والكفار مصرون على الجدل واللدد، قال تعالى [الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ] ( ).
فجاءت الآية لتبين للمسلمين البرهان والحجة التي تفحم الخصم وتصده وتمنعه من تعديه على القرآن والمسلمين ومن هذا البرهان تقسيم القرآن إلى قسمين :
الأول : آيات محكمات .
الثاني : آيات متشابهات .
لأن المطلوب هو تثبيت أحكام القرآن وبيان حقيقة نزوله من عند الله تعالى الذي يعني بالضرورة خلوه من التناقض والإختلاف.
ان ذم الكفار لإتباعهم المتشابه دعوة للمسلمين لدراسة علوم القرآن واستظهار كنوزه وعدم الإكتفاء بالتلاوة والقراءة فلابد من الغوص في أعماقه لإستخراج درره وتحصيل معاني ودلالات وغايات التقسيم إلى محكم ومتشابه.
ومع مرور اكثر من الف واربعمائة سنة لم يكن هناك تقسيم لآيات القرآن وفق قواعد المحكم والمتشابه.
نعم هناك علوم اجمالية في المقام مترشحة من ذات الآيات تكفي في مواجهة الكافرين في جدالهم وتمنع من الإفتتان باقوالهم وهذا من إعجاز القرآن الذاتي والغيري انه بذاته يدافع عن نفسه، ويساعد المسلمين على الذب عنه بلغة الحجة والبرهان، وعدم تسرب الشك إلى النفوس بسبب تصدي الكافرين لآيات القرآن بالجدل والريب والخصومة.
ولآية البحث في القرآن خصوصية وموضوعية وأثر عظيم من وجوه:
الأول : تقسيم القرآن إلى محكم ومتشابه.
الثاني : فضح الكفار في جدالهم ومنعهم من بث روح الشك والريب في قلوب المسلمين واسقاط ما في ايديهم.
الثالث : ابطال محاولات صد الناس عن دخول الإسلام.
الرابع : التحذير من الإنصات للمبطلين في سوء تأويلهم للآيات، وتدعو الآية الناس للجوء إلى القرآن والى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل العلم في معرفة احكام المتشابه برده إلى المحكم.
الخامس : تنهى الآيــة عن اتبـاع المتشــابه بغرض ســوء التأويــل وطلب الفتنة.
وقال الرازي (واعلــم انك لا تـرى طائفة في الدنيا الا وتسمي الآيات المطابقة لمذهبهم محكمة، والآيات المطابقة لمذهب خصمهم متشابهة)( ).
ولكنه خلاف الواقع الإسلامي، واقرار المسلمين بان المحكم يتعلق بالفرائض والأحكام والأوامر والنواهي , مما يدل على اتحادهم في تعيين المحكم من الآيات .
ونعت جماعة معينة من المجبرة والمفوضة خصمهم باتباعه المتشابه، لا يكون صبغة عامة للمسلمين ، ومن الآيات ان الطوائف اوالجماعات التي تقسم الآيات وفق ما يلائم مذهبها لم يبق لها أثر في الواقع الإسلامي، وتراجعت أقوالها لتبقى في طيات الكتب كتراث وشاهد على تعدد الآراء وتباين المذاهب، ثم ان المسلمين وفي كل زمان متحدون في تفسير القرآن والعمل بالسنة ولا عبرة بالقليل النادر الذي في تضاؤل متصل.
لقد اراد الله عز وجل لهذا التقسيم المبارك ان يكون جزء من مقومات تفسير وتأويل القرآن وعدم الميل فيه عن الحق، فلا يمكن ان تطغى وتستحوذ طوائف معينة في تأويله لصالحها بل ان عامة العلماء مع الفهم الصحيح للتقسيم وهم يسعون في تحقيق الغايات والأغراض السامية منه بعون ومدد منه تعالى , وفي التنزيل [وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إلى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ]( ).
وتجد طوائف من المسلمين بينها خصومة وخلاف وربما حصل بينها قتال ولكنها تلتقي عند مفهوم المحكم والمتشابه، وتتعاون لتحصيل نتائج علمية بخصوصه استنباطاً من القرآن نفسه وتتبعاً للنصوص في المقام , ولم تمر الأيام والشهور حتى ليقفوا في صفوف متراصة في صلاة الجماعة قال تعالى [وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ] ( ).
وهذا من إعجاز القرآن ان يأتي ذم لقوم فيكون مدرسة تأديبية وسبيلاً للنجاح والتوفيق، وحصــانة له وصيانة لعلومه ولاعتقاد المسلمين، لقد أعطت هذه الآية سلاحاً بيد المسلمين ومنعت من اصابتهم بالقنوط والخيبة عند اســتشــهاد المبطــلين ببعـض آيات القرآن على بقائهم على مذهبهم او بذكر شــواهــد منه بزعــم وجــود تعـارض بينها.
فجاءت هذه الآية لفضحهم وابطال مقولتهم بامر المسلمين بالرجوع إلى الآيات المحكمات وبذا تستظهر تفسيراً للمحكم والمتشابه وهو ان المحكم الذي يكون به دحض لحجة المبطلين واسكات لهم في احتجاجهم.
ولقد ورد عن عمر بن شعيب عن ابيه عن جده ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج على قوم يتراجعون في القرآن وهو مغضب فقال بهذا ضلت الامم قبلكم لاختلافهم على أنبيائهم وضرب الكتاب بعضه ببعض قال وان القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضا ولكن نزل أن يصدق بعضه بعضا فما عرفتم منه فاعملوا به وما تشابه عليكم فآمنوا به( ).
لقد أسست الآية قواعد ثابتة لصيانة القرآن في علم التفسير، وعدم جعله سبباً للأضرار بالقرآن عن قصد او غير قصد، وجاءت السنة النبوية لتثبت هذه القاعدة وتمنع من تفسير القرآن بالرأي، وايجاد أسباب ظاهرية للتعارض بين آيات الكتاب، فدعوى التعارض في القرآن باطلة ولكن ادعاءها محاولة لإضعاف المسلمين ووسيلة لمنعهم من الإنجذاب التام للقرآن.
ان رد المتشابه إلى المحكم واجتناب ضرب القرآن بالقرآن تعاهد لإمــامة القرآن ووســيلة لمعــرفة صدق نزوله من عند الله لأن التدبر بمعانيــه يظهـر لك عدم وجود أي تعارض واختلاف بين المتشابه والمحكم.
وعن أبى امامة: (عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله [فاما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه] قال هم الخوارج)( ).
وعن أبى مالك الاشعري: (انه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لا أخاف على أمتى الا ثلاث خلال، أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا فيقتتلوا، وان يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغى تأويله (وما يعلم تأويله الا الله والراســخون في العلم يقــولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر الا أولو الالباب)( ) وان يزداد عملهم فيضيعوه ولا يبالون به)( ).
وفي الحديث تحذير لفرق المسلمين الذين يولــون الآيــة القرآنية في غير موضوعها، ومن يفــعل هذا فانه لا يخــرج عن ربـقة الايمان لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصفه بالايمان، نعم الحديث يدل على انه فعل ما لا ينبغي له، وكأن فيه اشارة وتنبيها إلى عدم رمي بعض فرق المسلمين بالضلالة.
ذكرت آية البحث وجوه :
الأول : أولوا الألباب الذين يختارون القول والفعل وفق ماوزنه العقل .
الثاني : الذين في قلوبهم ميل عن الحق والهدى .
الثالث : اللجوء إلى الله عز وجل رجاء سلامة القلوب من الميل عن الحق , ومن إتباع الشهوة والنفس الغضبية , قال تعالى [فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لاَ يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ] ( ).
الرابع : الثناء على الله عز وجل بنسبة الهداية له سبحانه , و(عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ما من يوم طلعت شمسه إلا وكل بجنبتيها ملكان يناديان نداء يسمعه خلق الله كلهم إلا الثقلين : يا أيها الناس هلموا إلى ربكم إن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى ، ولا آبت شمسه إلا وكل بجنبتيها ملكان يناديان نداء يسمعه خلق الله كلهم غير الثقلين : اللهم أعط منفقاً خلفاً ، وأعط ممسكاً تلفاً . فأنزل الله في ذلك كله قرآناً في قول الملكين : يا أيها الناس هلموا إلى ربكم { والله يدعوا إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم }( ) وأنزل في قولهما : اللهم أعط منفقاً خلفاً ، وأعط ممسكاً تلفاً { والليل إذا يغشى ، والنهار إذا تجلى } ( ) إلى قوله { للعسرى } ( ).
وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن سعيد بن أبي هلال. سمعت أبا جعفر محمد بن علي عليه السلام وتلا { والله يدعوا إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم}( ) .
فقال : حدثني جابر قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوماً فقال إني رأيت في المنام كان جبريل عند رأسي وميكائيل عند رجلي يقول أحدهما لصاحبه : ضرب له مثلاً.
فقال : اسمع سمعت أذناك ، واعقل عقل قلبك ، إنما مثلك ومثل أمتك كمثل ملك اتخذ داراً ، ثم بنى فيها بيتاً ، ثم جعل فيها مأدبة ، ثم بعث رسولاً يدعو الناس إلى طعامه ، فمنهم من أجاب الرسول ومنهم فيها مأدبة ، فالله هو الملك ، والدار الإِسلام ، والبيت الجنة وأنت يا محمد رسول ، فمن أجابك دخل الإِسلام ، ومن دخل الإِسلام دخل الجنة ، ومن دخل الجنة أكل منها) ( ).
وفي آية أخرى ورد قوله تعالى [أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ] ( ).
ترى ما هي النسبة بين كل من الأول الذين في قلوبهم مرض والذين في قلوبهم زيغ , المختار هو العموم والخصوص المطلق وأن الذين في قلوبهم مرض أبعد عن الحق والهدى , لبيان آية البحث مسألة وهي عجز الذين في قلوبهم مرض عن إبتغاء الفتنة بخصوص آيات القرآن وكذا الذين في قلوبهم زيغ وميل عن الحق إذ ذكرت الآية ضررهم لذاتهم دون غيرهم في الغالب بقوله تعالى (فَيَتَّبِعُونَ) نعم تفيد الآية التحذير منهم , ولا يختص هذا التحذير بالمؤمنين , إنما يشمل المسلمين والناس جميعاَ , إذ تدعو آية البحث كل إنسان إلى التدبر في آيات القرآن , والعمل بأحكامها ومضامينها القدسية , كما يشمل التحذير من اتباع المتشابه , والغنذار من اختيار الوقوف عند الآيات المتشابهة .
قوله تعالى [ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ]( ).
جاءت هذه الآية لبيان علة اتباع الجاحدين المتشابه واصرارهم على العزوف عن ارجاعه إلى المحكم، وكل من يطلب الفتنة يتبع طريق ضلالة وهو على غير هدى مما يعني ان اتباع المتشابه على نحو الإطلاق من غير الرجوع إلى المحكم امر خاطئ وناقص، وهل يكمن الخطأ في ذات الإتباع ام بضميمة ابتغاء الفتنة وتأويله.
فاذا كان هناك شخص او جماعة يتبعون المتشابه من غير طلب الفتنة وارادتها فهل يجوز هذا الاتباع للمتشابه على نحو الاستقلال، الجواب: لا، لذا وصفت الآية الآيات المحكمات بانهن أم الكتاب، وجاءت خاتمتها بالإيمان المطلق بآيات القرآن , وقدر ورد لفظ (أُمُّ الْكِتَابِ) مرة أخرى في القرآن بقوله تعالى [يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ] ( ).
(وقال ابو مسلم الأصفهاني: الزائغ الطالب للفتنة هو من يتعلق بآيات الضلال) ( ).
ولكن ليس في القرآن آيات ضلال فكل آية وكلمة تدعو إلى الهدى والإيمان وهي آية صلاح ورشاد.
واتباع المتشابه يتصور على وجوه :
الأول : العمل بمضمون المتشابه وحده دون اللجوء إلى المحكم.
الثاني : الإعراض عن الأدلة القاطعة والحجج الباهرة والإكتفاء بالمتشابهة.
الثالث : ارادة الفتنة واتخاذ المتشابه وسيلة لطلب الهرج والمرج.
الرابع : اختيار البدعة ثم البحث عما يؤيد مبناها من المتشابه وتأويله، والإصرار على عدم الرجوع إلى المحكم لمعرفة بطلان وفساد البدعة.
الخامس : اتباع المتشابه بذاته لا يؤدي إلى الفتنة ولكن ما في القلوب من الميل عن الحق، وما على الأبصار من الغشاوة يجعلان اتباع المتشابه وسيلة للفتنة، والا فان المتشابه لا يتعارض مع المحكم.
ومع هذا فان الآية تحذر من اتباع المتشابه وتنهى عنه , وتدعو إلى الرجوع إلى المحكم ، والمؤمن لا يتبع المتشابه بل يتوجه إلى المحكم سواء بذاته وبتوظيفه العقل لذا اختتمت الآية بالثناء على أحباب العقول السليمة بأنهم (أُوْلُوا الأَلْبَابِ).
او بالرجوع إلى العلماء والفقهاء واستنباط الدروس والعبر واذ ان الرجوع إلى العالم برد المتشابه إلى المحكم ليس من التقليد ولا من الرجوع إلى أرباب المذاهب المتفرقة، بل هو استنارة واستعانة للإهتداء إلى الصراط وسبل النجاة ومعرفة التأويل الصحيح ، ففيه الأجر والثواب .
وأهل الريب لا يتمسكون بكل متشابه، فمنه ما يكون في ظاهره ودلالته موافقاً للمحكم، ولكنهم يتبعون المتشابه الذي يستلزم رده إلى المحكم ويختارون منه ما يفيد اثارة الفتنة بسوء التأويل.
والجاحدون يبتغون الفتنة ويريدون بث الفرقة والخصومة فيتوجهون إلى اتباع المتشابه، فصاحب النية الحســنة لا يتبــع المتشــابه , فهو يــعلم بالفطرة وجود محكم يرجع اليه، والمتشابه ليس باباً لإفتتان الكافرين، ومتى ما ادركوا عدم انصات المسلمين لهم في دعواهم ومحاولاتهم ضرب القرآن بعضه ببعض وإثارة الإشكالات حول المتشابه فانهم يصابون بالخيبة والخسران , قال تعالى[قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ]( ).
ومن الآيات ان الله عز وجل جعل القرآن محكماً ومتشابهاً ليمحص المسلمين ويصلوا إلى مراتب الإيمان بالتحقيق ودليل العقل ويدركوا الكمال الذي عليه القرآن وعجز الناس عن الإتيان بمثله وانعدام التعارض فيه وخلوه من النقص والخلل.
وورد عن الإمام الصادق انه قال: (من حرم الخشية من الله فليس بعالم وان شق الشعر في المتشابهات)، ويدل الحديث على ما يستلزمه العلم بالمتشابه من الفطنة والفن والمقدمات والقواعد في العلوم المختلفة.
وتمنع الآية من الإحتجاج بالمنسوخ وترك الناسخ، والإكتفاء بالمتشابه وعدم الرجوع إلى المحكم.
والوقوف عند العام وعدم لحاظ التخصيص سواء من الكتاب او السنة ، كما ان معرفة المتشابه من المحكم عون على التمييز بين العزائم والرخص.
والذم الموجه في الآية لا يقصــد به المســلمون او طوائف منهم او تلك الفرق التي تحــاول تأويل الآيات لما ينفــع مذاهبـها الكلامية والفقهية بل تتعلق الآية بالكافرين والجاحدين الذين يختارون المتشابه ليس لأتباعه ولكن لجعله وسيلة للفتنة وهم يعلمون بلزوم رده إلى المحكم بنص هذه الآية وتأهيلها المسلمين للإحتجاج عليهم وابطالهم لمقدمات الفتنة.
لقد اختاروا الكفر والميل عن الحق والقرآن، فأضلهم الله، قال تعالى [فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ]( )، مما يعني ان اتباع المتشابه امر لا يفعله المسلمون ولا يلجأون اليه لأنهم لم يميلوا عن الحق، بل مالوا إلى الحق والصدق باختيارهم الإسلام.
فالآية توبيخ للكفار ودعوة للناس جميعاً لإجتناب الظلم والتعدي وترك الرجوع إلى الآيات المحكمات، وفي الآية وجوه :
الأول: المراد بالآية وفد نجران لما حاجوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المسيح، فقالوا: (اليس هو كلمة الله وروح منه، قال: بلى، فقالوا: حسبنا)، فانزل الله هذه الآية، قاله الربيع.
الثاني: هم اليهود طلبوا علم مدة بقاء هذه الأمة واستخراجه من الحروف المقطعة في أوائل السور، قال الكلبي.
وقد تقدم في الجزء الثاني كيف ان نفراً من اليهود مشوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حينما نزل قوله تعالى (الم، ذلك الكتاب) فقالوا: الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه أحدى وسبعون سنة، أفتدخلون في دين نبي انما مدة ملكه وأجل أمته احدى وسبعون سنة، ولم انزل المص، والر، قالوا هذا اثقل واطول، وغاب عنهم ان حروفاً اخرى في القرآن غير حساب الجمل، تبين بقاء الإسلام إلى يوم القيامة، وهو ظاهر بنص الآيات من غير حاجة إلى الرجوع إلى لغة الحروف وحساب الجمل.
الثالث: هم الكفار الذين ينكرون البعث، لأن الله تعالى قال في آخر الآية [وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ] لأن أوان يوم القيامةلا يعلمه الا الله.
الرابع: هم المنافقون، عن ابن جريج.
الخامس: الغلاة الخارجون عن أصول التوحيد الذين يحتجون بالمتشابه لما يتبنون من الباطل.
السادس: (نسب الرازي إلى المحققين ان هذا يعم جميع المبطلين وكل من أحتج لباطله بالمتشابه( )،وذكر طائفتين هما المشبهة بقوله تعالى [الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى] ( )، والمعتزلة باستدلالهم بالظواهر الدالة على تفويض الفعل إلى العبد).
والأصح ان الآية لا تخص طوائف المسلمين وان كان خصوص سبب النزول لا يمنع من عموم اللفظ القرآني من وجوه :
الأول : الإختلاف بين فرق المسلمين صغروي، وليس هو من أتباع المتشابه بالمعنى الإصطلاحي، لأن كل فريق منهم رجع إلى المحكم في اقامة الصلاة واتيان الزكاة والجهاد في سبيل الله تعالى.
الثاني : لم ترد هذه الفرق الفتنة وان حصل خلاف وخصومة بينها.
الثالث : حصرت الآية الموضوع وقيدته بالذين في قلوبهم زيغ، والناطقون بالشهادتين يخرجون بالتخصص ومنزهون عن هذا العنوان بصريح الآيات المحكمات في القرآن.
الرابع : الذين أولوا الآيات من فرق المسلمين لم يقصدوا اتباع المتشابه لأنهم ملتزمون بأحكام هذه الآية، وأقصى ما يقال انهم لم يميزوا بين المحكم والمتشابه او وقفوا عند المتشابه في مسألة وموضوع معين، بينما جاءت الآية بذم الجاحدين والمارقين الذين اختاروا الكفر والعدول عن رسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم والقرآن، فأخذوا يبحثون عن اشكالات وأمور في القرآن يحاولون فيها مخادعة انفسهم والناس بانهم ليسوا على الباطل فجاءت الآية لفضحهم.
ان تأويل الذم في آيات القرآن ضد طوائف المسلمين يمنع عن رؤية موضوعها والغايات السامية التي أنزلت من أجلها، لقد أراد الكافرون الفتنة في الدين وصد الناس عن الإسلام.
فجاءت هذه الآية لتثبيت دعائم الدين وتحصين المسلمين، واظهار منعة القرآن وإعجازه في تحدي أعدائه ومواجهة أهل الضلالة والجحود في تعديهم بسوء تفسيره وتأويله وبيًن سوء سريرتهم وارادتهم الفتنة.
وقد تقدم قوله تعالى [َالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ] ( )، لتظهر للمسلمين الأضرار العظيمة التي يروم الكفار إحداثها باتباعهم المتشابه وهم يتخذون الوقوف عند المتشابه سبباً ومقدمة للفتنة، ولو كان القرآن كله محكماً على نحو النص الظاهر فانهم يتبعون امراً آخر في ارادة الفتنة لأنهم يضمرون العداء للإسلام والحسد للمسلمين.
فجاء القرآن جامعاً للمحكم والمتشابه ليكون سبباً لهداية المسلمين واعانتهم على الإيمان ومتضمناَ الأحكام الشرعية الملائمة لكل زمان، ويكون ابتلاء للكافرين وحجة عليهم.
ان طلب الفتنة وحده أمر قبيح ، وفي المقام يأتيه قبح اضافي مركب، بلحاظ اتخاذ كلام الله عز وجل وسيلة لإثارة الفتنة وهو من التحريف بالمعنى الأعم، وابدال للنعمة بالكفر والجحود , وفي رؤساء الكفر من قريش الذين أنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ورد قوله تعالى [أَلَمْ تَرَى إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا] ( ).
وتبين الآية ان الناس بخصوص نزول القرآن لم يكونوا على قسمين مؤمن وكافر بل ان الكفار على عدة فرق، فمنهم من لم يكتف بالجحود والكفر بل اختار البحث عن اسباب للفتنة ، والقرآن خال منها فاتخذ طريق الضلالة باتباع ما لا يجوز اتباعه وهو الآيات المتشابهات والإمتناع عن الرجوع لما يجب الرجوع اليه وهو الآيات المحكمات.
فجاءت هذه الآية لتحصر الضرر بهم انفسهم وتبين خطأهم وان ما يقولون به انما هو مغالطة وليس احتجاجاً، فهذه الآية رحمة بهم ودعوة لهم لمراجعة انفسهم والإنتقال إلى موضع آخر باختيار الإسلام او بالإكتفاء بعدم اتباع المتشابه والتخلي عن معاداة الإسلام، وهناك شواهد كثيرة في التأريخ لهاتين الطائفتين من الناس، فهذه الآية حصانة قرآنية وواقية لمنع طرو الفتنة التي قد تحصل بسبب اتباع المتشابه والإنقطاع إلى الجدال والعناد والإستكبار عن الحق.

قوله تعالى [وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ]
الضمير الهاء في تأويله يحتمل في عائديته أمرين:
الأول: الكتاب وهو القرآن.
الثاني: ما تشابه منه، أي التأويل المتشابه.
والأصح هو الأول لأن التأويل يكون لآيات القرآن المحكمة والمتشابهة، وبقرينة ما بعده [وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ] أي تأويل القرآن ، ولا يمنع من احتمال الثاني ايضاً سواء لجزئيته من القرآن أو على نحو الخصوص.
والظاهر ان المشهور حمل الهاء في تأويله على المتشابه وانه لا يعلم تأويله الا الله.
ويقال تأول الكلام أي تدبره وقدره، ويأتي التأويل بمعنى التفسير أي ما يؤول ويصير اليه الشيء.
وفي الإصطلاح صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى آخر يحتمله، وتدبره والغوص في أعماقه لإستخراج الدرر التي يتصف بها اللفظ القرآني، والقرآن له تفسير وتأويل وعليه الإجماع، وقد بينّا الفرق بين التفسير والتأويل في نحو ثلاثين وجهاً( ).
وتأويل القرآن أمر حسن وممدوح ولا اشكال فيه اذا تم وفق القواعد والأصول، اما هذه الآية فجاءت بصيغة الذم والإنكار للخطأ في اختيار الطريق وسوء القصد والسريرة.
لقد طلبوا التأويل بالمتشابه دون الرجوع إلى المحكم في الوقت الذي لا يأتي فيه التأويل تاماً سليماً الا بالرجوع إلى أمهات الكتاب من الآيات المحكمات، وهؤلاء الذين مالت قلوبهم ليس لهم تفسير القرآن او تأويله، خصوصاً التأويل يدرك بالدراية، ويشمل المقاصد والمضامين القدسية للآية ويستلزم الفطنة ودقة النظر.
ويحتاج إلى ترجيح احد المحتملات واستنتاج ما يؤول اليه اللفظ من المعاني القدسية , ورد الآيات بعضها إلى بعض تحذير من تأويل المبطلين والجاحدين وأهل الجدال والخصومة، ودعوة للمسلمين للإعراض عنهم في اتباعهم المتشابه ومحاولاتهم التشكيك وبث الريب وهذا التحذير من أسباب إنقطاع التأويل بالباطل , قال تعالى[سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ]( )، وصحيح أن موضوع نزول هذه الآية هو معركة بدر وعجز الكفار عن تحقيق أي غاية من غاياتهم الخبيثة فيها إلا أن موضوعها أعم .
وجاءت بصيغة المستقبل القريب بالسين (سنلقي) وأن الله عز وجل هو الذي يتولي إلغاء الرعب في قلوب الذين كفروا لبيان أن القلوب ملك لله عز وجل وفي التنزيل [وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ]( ).
(عن أنس قال : كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكثر أن يقول : يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك .
قالوا : يا رسول الله آمنا بك وبما جئت به ، فهل تخاف علينا؟
قال : نعم .
قال : إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلبها) ( ).
وتحث آية البحث المسلمين على الإرتقاء في علم التفسير والتأويل والرجوع إلى الآيات المحكمات لتأويل القرآن والتعاون والتعاضد فيه , قال تعالى[إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ]( ) .
وفيه منع للذين في قلوبهم مرض من التعدي على القرآن بالتأويل الخاطئ وغلق لأبوابه.
فهذا التأويل مذموم بلحاظ من يقوم به ومقاصده، وتحذير منه ودعوة للمسلمين لعدم قبوله ، فلابد من ملاحظة جهة الصدور خصوصاً على القول بان التفسير هو كشف الألفاظ وتعليل الظواهر والمأثور عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وان التأويل كل ما تطارح اليه الظن.
ولم يأت التأويل في الآية بما يفيد الحصر به دون التفسير، بل يشمل التفسير ايضاً ولكن لإرادتهم المعنى الخاطئ واعتمادهم الظن الذي لا يغني عن الحق شيئاً، وردت الآية بعنوان التأويل للتغليب وتنبيه المسلمين.
ولفظ الإبتغاء يفيد معنى الطلب والقصد مما يعني وجود حذف وانهم يتبعون المتشابه بقصد التأويل الخاطئ والتسبيب بالضلالة والتصدي بحسد لمنافع القرآن في جلب القلوب إلى الإيمان و(عن عكرمة ، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ على الوليد بن المغيرة { إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان }( ) إلى آخر الآية .
فقال له : يا ابن أخي أعد عليَّ ، فأعاد عليه ، فقال : والله يا ابن أخي إنّ له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أعلاه لمثمر ، وإن أسفله لمغدق ، وما هذا بقول البشر)( )، فالآية الكريمة تبين نوعاً من أنواع الحرب على القرآن وهو التأويل بالباطل ومادته اتباع المتشابه، والتحذير فيها أعم من المادة، فهي زجر عن التأويل بالباطل والتفسير الخاطئ بغض النظر عن سببه وجهته , وفيه دعوة للتفقه في الدين وفضح التأويل الخاطئ والإحتراز منه قال تعالى [إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ]( ).
فقد يميل الناس إلى تصديق القول والتأويل لحسن نيتهم او لعدم قدرتهم على اثبات بطلانه او لأنهم لا يتوقعون ان يتجرأ أحد أو جماعة على القرآن ويذهبون بالفاظه لمعان غير المقصودة والمطلوبة في الآيات المحكمات.
فجاءت هذه الآية لطرد الغفلة وجعل المسلمين في يقظة مستديمة في كل زمان ومكان، واحتراساً من دس تفسير يضر بالمسلمين.
وهذا من إعجاز القرآن الذاتي والغيري إذ صان عالم التفسير والتأويل ومنع من التعدي على علوم القرآن في باب التفسير , وهذا التعدي من أكثر الأبواب ضرراً، لأن التمادي والتعدي فيه يجعل الإنسان يتقبل التفسير الخاطئ وكأنه هو الوجه المناسب للقرآن، فيلتفت لهذا التفسير ولا يحفظ الآية نفسها.
ومن إعجاز القرآن عصمة القرآن ذاته من التفسير والتأويل الخاطئ من جهات منها :
الأولى : عربية القرآن , و(عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، تلا { قرآناً عربياً }( ) ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألهم إسماعيل هذا اللسان العربي إلهاماً.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال : نزل القرآن بلسان قريش ، وهو كلامهم) ( ).
الثانية : تفسير القرآن بعضه لبعض .
الثالثة : آيات القرآن التي تدل على تفضل الله عز وجل يحفظوا القرآن وسلامته من التحريف قال تعالى[إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحافظون]( ).
الرابعة : دلالة ذات آية البحث على حفظ القرآن وسلامة تأويله بقوله تعالى[وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ] ( ).
فهذه الآية حصانة في علم التفسير والتأويل وسلاح دائم بيد المسلمين، ودعوة للعلماء للنهوض بمسؤولياتهم ازاء القرآن وعدم ترك فراغ وثغرة ينفذ منها المبطلون.
وفيها حث على العناية الفائقة بعلم التفسير في كل زمان واستيعاب الحوادث والوقائع، والمبادرة إلى التصدي لكل تأويل خاطئ يصدر من أعداء الدين والجاحدين الذين يحاولون تحريف الكلم عن مواضعه، والإعتبار من الملل السابقة وما طرأ على بعض الكتب من التبديل والتحريف.
وقد يكون التأويل الخاطئ مقدمة للضرر بحجة البيان والتوضيح ومناسبة الحكم والموضوع، وتمر السنون والأيام ولا يصبح هذا التأويل حقيقة وواقعاً متعارفاً، يتصدى له القرآن قبل ولادته ويمنع من ظهوره ليبقى القرآن كنزاً مدخراً للأجيال تنهل من علومه وتأخذ التأويل من أهله وحملته.
وقد ذكر التأويل في سورة يوسف فيما يتعلق بالرؤيا ويظهر فيها أهمــيته وأثره في الوقــائع والأحــداث التي تهم الإنسانية عامة مع انه ورد بخصــوص رؤيا الخباز والساقي ثم رؤيـا الملك، فكيف بتأويل القرآن واثاره العظيمة في النشأتين، والقرآن لا تفنى عجائبه ولا تنفد خزائنه.
قال تعالى[فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ] ( ).
وفي قوله تعالى[أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ] ( ).
ورد أن (خباب بن الأرت قال : لا أكفر بمحمد حتى يمييتك الله ثم يبعثك ، قال العاصي : أو مبعوث أنا بعد الموت ؟
قال خباب نعم ، قال : فإنه إذا كان ذلك فسيكون لي مال وولد وعند ذلك أقضيك دينك ، فنزلت الآية) ( ) والعاصي هو العاص بن وائل ممن كان يستهزء رسول الله عز وجل , والتنزيل , وممن نزل بخصوصهم قوله تعالى .
ولا يكون التأويل الباطل مانعاَ من استخراج كنوزه ودرره ومع هذا لابد من التصدي له وبعث الخوف في قلوب أهله وهم أعداء الإسلام لينشغلوا بأنفسهم بدل الإنشغال بالقرآن، وليكون هذا المنع سبباً لتخلصهم من العناد واللجاج ومقدمة للتدبر في آيات القرآن ، وهذا التدبر نفسه يكون مقدمة لدخول الإسلام.
ومع ان الواو في قول تعالى [وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ] تفيد المغايرة بين التأويل والفتنة الا انها تتضمن معنى الجمع لتفرع الفتنة عن التأويل الخاطئ، وهو فرع الفتنة، فكل واحــد منهما ملازم للآخـر ومرتبط به من غير أن يلزم الدور بينهما ، ويترشــحــان معاً في واقع الفعل والقول عن اتباع المتشابه والإصرار على عدم الرجوع إلى الآيات المحكمات اللائي جعلهن الله عزوجل (أم الكتاب) وهذا الجعل توكيد على الرجوع اليهن ونهي عن الإعراض عن المضامين القدسية الثابتة في تلك الآيات، واخبار عن طلب النجاة والصلاح باللجوء اليهن.
قوله تعالى [وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ]
آية إعجازية بحصر التأويل بالله تعالى، وبالراسخين في العلم على قول، وفيها تحد للكافرين وزجر لهم عن طرق أبواب التأويل وتحذير للمسلمين وحثهم على عدم الرجوع إلى الذين في قلوبهم زيغ، وهي بيان لعظمة علــم التأويل ولزوم عدم ولوجه الا من أهله فكيف بالذي في قلبه مرض، بمعنى ان الآية تنفـي اهلية هؤلاء الجاحدين لتأويل القرآن.
وتدل الآية على مشقة التمييز بين المتشابه، ولزوم الإحتياط في التأويل والرجوع إلى القرآن في معرفته، فالله عز وجل يعلم التأويل وجعل القرآن [تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ]( ).
فلابد ان القرآن يتضمن تأويله وان آياته تفسر بعضــها بعــضاً، وما من مجمــل فيه الا تجد تفصـيله في آية اخرى وما من مجاز فيه الا وتجد الحقيقة والدليل الذي يثبت مجازيته، وما من لفظ قرآني ينصرف عن معناه الظاهري الا وتجد القرينة الصارفة في القرآن.
لقد ورد لفظ التفسير في القرآن مرة واحدة [وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا] ( )، بينما ورد لفظ التأويل فيه سبع عشرة مرة، ويدل هذا الفارق في العدد على موضوعية التأويل وأكثرها ورد في الوقائع والأحداث وبيان علة وسبب الحدث والغايات منه، وورد بعضها بخصوص القرآن كما في هذه الآية.
وقد أمر الله عز وجل بطاعته، والرجوع إلى القرآن والسنة النبوية عند حصول الخلاف والنزاع، قال تعالى [فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً] ( ).
وتقطع الآية الطريق على الجاحدين والمبطلين والمفسدين وتمنعهم من تأويل القرآن، وان تعدوا وتجاوزوا الحد وقاموا بتأويله طلباً للفتنة وتفسيراً لبقائهم في منازل الكفر، فان المسلمين لم يرضوا عليهم ولم يصدقوا بقولهم، فكل ما خالف تأويل الله للفظ القرآني فهو باطل ومردود.
لقد تفضل الله سبحانه واخبر بانه هو الذي يعلم تأويل المتشابه وآيات القرآن مطلقاً وفيه صيانة سماوية للقرآن، وانذار وتخويف للكافرين وزجر اضافي عن التعدي على القرآن بالتأويل الباطل، ويدل على الغنى الذاتي عند المسلمين في علم التفسير والتأويل وعدم حاجتهم للإنصات إلى ما يخالف القرآن.
ومن الشواهد على هذا الغنى ان مباحث واستنتاجات مخالفة لمضامينه لم تجد اذناً صاغية كما انها قليلة ومحدودة، لأن القرآن يمتلك الحصانة الذاتية والإحتراز من التأويل الباطل، ومن وجوه الإحتراز هذه الآية.
لقد أحاط الله عز وجل علماُ بكل شيء وجميع الخلائق فيض من قدرته، وما من مخلوق الا ويعلم الله عز وجل دقائق خلقه وجزئيات صنعه، وتبدلات أحواله، والقرآن كلام الله، والله عز وجل يعلم تأويل القرآن والعلوم التوليدية فيه واحتوائه للحوادث والوقائع وعالم اللامحدود منذ بدء الخليقة والى يوم القيامة، وهيء الأسباب للمسلمين لينهلوا من جواهره ودرره، بالقدر الذي يريده لهم، ويعلم نفعه في تثبيت اقدامهم على الإيمان.
قوله تعالى [وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ]
اختلف في الواو وانها عاطفة او استئنافية، ومن الآيات ان هذا الإختلاف تشعبت معنه دراسات وبحوث عديدة وكأن كلاً من الفرقتين مدرسة مستقلة مع ان الخلاف صغروي من وجوه :
الأول : انه لا يغير في الواقع وفهم المسلمين والعلماء خاصة للقرآن.
الثاني : ان الكبرى الكلية هي علمه تعالى بالتأويل.
الثالث : في الآية مدح لعلمــاء الإســلام وانهم بعـيدون في العلم والتحصيل.
الرابع : جاءت الآية لذم المبطلين والمفسدين وتأديبهم وزجرهم عن التعدي على القرآن وادعاء تأويله.
الخامس : الآية سلاح للمسلمين ودعوة لهم للجوء إلى علمائهم والفزع اليهم عند الإفتتان وارادة الجاحدين الفتنة سواء كانت الواو استئنافية او عاطفة.
السادس : تمنع الآية من التحير واليأس والقنوط.
السابع : تدعو الآية المسلمين للرجوع إلى العلماء والفقهاء، ورجال التفسير والذين اتعبوا انفسهم في التحقيق والسعي للرجوع إلى أمهات الآيات والتأويل السليم للفظ القرآني.
وفي الآية قولان:
الأول: الراسخون معطوف على اسم الجلالة بالواو، أي ان تأويل القرآن مطلقاً والمتشابه خاصة يعلمه الله والراسخون في العلم على نحو الحصر والتقييد، وتكون جملة (يقولون) في محل نصب على الحال، والتقدير: قائلين آمنا به، وبه قال ابن عباس ومجاهد والربيع، واختاره ابو مسلم، (ونسبه الرازي إلى أكثر المتكلمين)( )، وروي في الخبر عن الإمام الباقر انه قال: (كان رسول الله أفضل الراسخين في العلم قد علم جميع ما أنزل الله عليه من التأويل والتنزيل)( )، وظاهره أن الواو عاطفة.
الثاني: (والراسخون) الواو فيه استئنافية، فيكون مبتدأ، وخبره الجملة الفعلية يقولون، ويكون وقف عند قراءة اسم الجلالة، وبه قالت عائشة وعروة بن الزبير والحسن البصري ومالك بن أنس وأختاره الكسائي والفراء والجبائي، ونسب إلى ابن عباس ايضاُ.
وعلى هذا القول فان الراسخين في العلم لا يعلمون تأويله فأكتفوا بالإيمان به، ويتعلق التأويل حينئذ بمواضيع وذخائر من علوم القرآن ومضامينه القدسية لا يعلمها الا الله ومنه قيام الساعة وأوان البعث والنشور، ونزول عيسى وطي الأرض، وأجل كل أمة , قال تعالى[إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ]( ).
ولعل هذا الحصر لموضوعات التأويل خلاف ظاهر الآيات والنصوص، وقد حذرت الآية من تأويل المبطلين وأخبرت عن عزمهم وابتغائهم تأويله ، وكان التحذير منهم بهذه الصورة التي تدل على طلبهم التحريف في الدين ومنعهم من تعظيم شعائر الله بسوء التأويل والتفسير للمتشابه من الآيات بعد ان عجزوا عن النيل من المحكمات، فكأن الآيات المحكمات حصن حصين للمتشابهات وهي حجة على الكافرين في لزوم ايمانهم ولكن الله اراد ان يبتليهم بتقسيم القرآن إلى محكم ومتشابه.
واحتج القائلون بان الواو للإستئناف بجملة (يقولون آمنا به) بانها لا تصلح للإبتداء واحتساب (الراسخون في العلم) معطوفاً، فصيغ اللفظ العربي وقواعد الفصاحة تقتضي حينذئذ القول: وهم يقولون او ويقولون.
ورد هذا القول بوجود حذف، والتقدير هؤلاء يقولون، او ان (يقولون) حال من الراسخين، ورد عليه بان حمل الكلام على الظاهر أولى من المضمر.
ومن الإعجاز في رد التشابه للمحكم بخصوص لفظ (الراسخون) نفسه , ورود مرتين في القرآن , احداهما في آية البحث والآخرى في طائفة من الذين هادوا بقوله تعالى [لَكِنْ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا]( ) لبيان قانون وهو من الرسوخ في العلم التصديق بالمتوارث عند أهل الكتاب بخصوص صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
وتتباين مدارك الناس وتفقههم في علوم القرآن وموقفهم أزاء القرآن إلى أقسام :
الأول: الراسخون في العلم الذين يردون المتشابه إلى المحكم.
الثاني: عامة المسلمين الذين يدركون الضروريات واليقينيات وأحكام التوحيد , والآيات المحكمات التي تحتمل وجوهاً متعددة، بل هي ظاهرة مبينة وهم يسلمون بما في القرآن، ويقرون بان ما بين الدفتين قرآن ويأخذون منه حاجتهم وما ينجيهم من العذاب في النشأتين.
الثالث : أهل الكتاب الذين يستحضرون البشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم يتدبرون بالقرآن وأعجازه , وفي عيسى عليه السلام ورد قوله تعالى [وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ]( ).
الرابع : قوم في قلوبهم مرض أبوا الا اللجاج والعناد، واختاروا الريب ومحاولة اثارة الفتنة بسوء التأويل، وهم الذين ذكرتهم هذه الآية بالذم.
الخامس : الذي أقام على الكفر والجحود ولكنه لم يسبب الأذى للمسلمين باتباعه المتشابه في القرآن وآياته وان كان الكفر به حرباً ابتدائية عليه، ولكن اتباع المتشابه ايذاء وتعد على المسلمين وحدود وأحكام القرآن.
ولا مانع من اجتماع العطف والاستئناف في المقام في آية إعجازية تتخطى فيها علوم القرآن قواعد النحو، خصوصاً وان تقسيم الواو إلى واو عطف واستئناف استقرائي لغوي وان كان ظاهراً وصحيحاً في أحكام اللغة، ولكن أسرار وكنوز القرآن أعم، فمواضيع هذه الآية من الكلي المشكك وهي على قسمين:
الأول: ما يكون الراسخون في العلم على علم ودراية به بما أطلعهم الله عليه فتكون فيه الواو للعطف، وان الراسخين في العلم يعلمونه أيضاً ليكونوا حجة على الناس ودعاة إلى الله تعالى.
الثاني: ما ينحصر علمه بالله تعالى من أحوال الغيب ولا يعلمه الا هو سبحانه، فتكون الواو فيه للاستئناف.
ويلتقي القسمان في اعلان الأنبياء والأولياء وأهل العلم الايمان بنزول القرآن من عنده تعالى، وتضمنه لآيات محكمات وأخر متشابهات من غير تعارض او تزاحم بينها.
لقد تكرر لفظ (الرَّاسِخُونَ) في القرآن مرتين , إذ ورد في آية البحث وفي قوله تعالى في وصف طائفة من أهل الكتاب [لَكِنْ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا]( ).
وهل يدل على أن الواو في (وَالرَّاسِخُونَ) عاطفة الجواب , نعم , وهو لا يمنع من احتسابها للإستئناف تأكد احتمال ولم يرد لفظ (الراسخين) بصيغة النصب أو الجر ولم يرد (الراسخ) بصيغة المفرد لبيان تفضل الله عز وجل في هداية الناس للإيمان , ومنافع النبوة والتنزيل في إيمان شطر من الناس , وارتقائهم في المعارف والعلوم والعلم عند الله عز وجل .
لقد بينت هذه الآية وجود طائفة من الناس يصدق عليهم عنوان الراسخين في العلم ومدحتهم واشارت اليهم بالإكرام والاجلال.
والموضوع الأساسي في الآية ليس الواو وهل هي استنئافية او عاطفة، فموضوع الآية وجود أمة من العلماء بعيدون في العلم يغوصون في بحاره ويستخرجون الأحكام , قال تعالى[وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ]( ).
(وقد أخرج ابن جرير وغيره عن أنس وابي امامة ووائلة بن أسقف وابي الدرداء ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن الراسخين في العلم فقال من برت يمينه وصدق لسانه واستقام قلبه وعف بطنه وفرجه فذلك من الراسخين في العلم)( ).
وتدعو الآية المسلمين للرجوع للراسخين في العلم والصدور عنهم سواء في حال الإختلاف او مطلقاً لأن الرجوع لهم يمنع من التشتت والفرقة ويزيل الإلتباس.
والآية تحث على أمرين في آن واحد وهما:
الأول: الثبات في العلم وزيادة الكسب والتحصيل , ومن خصائص العالم الذي دخل في العلم وتذاكــر القرآن وتــدارس علـومه ان لا يؤثر عليه اتباع الذين في قلوبهم زيغ للمتشابه ويستطيع ان يفند أقوالهم ويبطل افتراءاتهم , قال تعالى[وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَ يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ]( ).
الثاني: تدعو الآية المسلمين والناس جميعاً للإنصات إلى العلماء للاحتراز والنجاة من الذين في قلوبهم زيغ.
وإذا جاء هؤلاء الجاحدون وأدعوا التأويل وحصروه بالمتشابه ويكون الإحتجاج عليهم وابطال مقالتهم، ويرد عليهم العلماء أجابوهم بالدليل من القرآن بانكم لستم ممن يحق له تأويله وعليكم ان تؤمنوا به وتسلموا بتأويله خصوصاً وانه ليس من ضوابط وقواعد ثابتة لتحديد المحكم من المتشابه إلا بحسن التفسير والتأويل للمنع من الفتنة هي التي حذرت منها هذه الآية .
ولم تقف الآية عند التحذير بل دعت إلى الرجوع إلى الراسخين في العلم، وهذا من إعجاز القرآن.
وفي الآية الكريمة مسائل :
الأولى : فضح الكافرين والجاحدين في تصديهم وقولهم في القرآن بغير الحق.
الثانية : تعيين موضوع الإفتراء وهو اتباع المتشابه على نحو الحصر والتقييد.
الثالثة : تأويل المتشابه بخلاف المراد منه.
الرابعة : الحث على الرجوع إلى القرآن في معرفة التأويل، والإخبار عن الآيات المحكمات وانهن أم الكتاب.
الخامسة : دعوة الناس للفزع إلى الراسخين في العلم عند ظهور الفتن.
لقد انشغل عدد من المفسرين بواو (والراسخون) وهل هي للعطف أو الإستئناف ، وهي من خزان الآية التي هي متعددة وكثيرة .
وقد تضمنت الآية الإخبار عن كل من :
الأول : الراسخون في العلم ، في ثبات وفقاهة.
الثاني : الذين في قلوبهم مرض وميل عن الحق.
الثالث : الذين يطلبون الفتنة ، وإثارة الشبهات.
لتتضمن الآية التحذير والإنذار للقبح الذاتي للفتنة ولقوله تعالى [وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ]( ).
الرابع : إبتغاء التأويل بما يناسب الهوى وخلاف الحق .
الخامس : أولوا الألباب ، وأصحاب العقول السليمة.
و(عن حذيفة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن في أمتي قوماً يقرؤون القرآن ينثرونه نثر الدقل ، يتأوّلونه على غير تأويله.
وأخرج ابن سعد وابن الضريس في فضائله وابن مردويه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على قوم يتراجعون في القرآن وهو مغضب فقال : بهذا صلت الأمم قبلكم ، باختلافهم على أنبيائهم ، وضرب الكتاب بعضه ببعض . قال : وإن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضاً ، ولكن نزل أن يصدق بعضه بعضاً ، فما عرفتم منه فاعلموا به ، وما تشابه عليكم فآمنوا به.
وأخرج أحمد من وجه آخر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قوماً يتدارأون فقال : إنما هلك من كان قبلكم بهذا ، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض ، وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضاً ، فلا تكذبوا بعضه ببعض ، فما علمتم منه فقولوا ، وما جهلتم فَكِلُوه إلى عالِمِهِ)( ).
والنسبة بينهم وبين الراسخين في العلم عموم وخصوص مطلق ، فالراسخون أقل وأكثر علماً وحكمة قال تعالى [رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ]( ).
وفي الآية دعوة للناس جميعاً للإنتفاع الأمثل من الكتاب والنبوة ، ومن تفسير وتأويل الائمة عليهم السلام وعلماء الأمة في كل زمان ، ونبذ الفرقة والخصومة في علوم القرآن ، قال تعالى [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ]( ).
علم المناسبة
لم تأت الآية فقط للإخبار عن ايمان الراسخين في العلم فهذا الإيمان يقول به كل مسلم ويتلقى الوحي بالتسليم والتصديق بانه نازل من عند الله، فلابد من خصوصية للراسخين ولم يرد قوله تعالى [الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ] الا في هذه الآية، وكذا بالنسبة لقوله تعالى [فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ].
وكأن الآية جاءت بموضوع خاص أنفردت به ولم تذكره آية اخرى، وهو وجود فريقين يتصارعان في علوم القرآن أحدهما على الحق والآخر على الباطل، وان الذي على الحق يحتاج إلى الكسب والتحصيل في علوم القرآن ليكون مؤهلاً لدحض افتراء فريق الباطل وتخليص المسلمين منه.
وقد ورد قوله تعالى [الراسخون] في آية اخرى من القرآن بخصوص علماء بني اسرائيل الذين آمنوا بالقرآن وصدقوا برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، قال تعالى [لَكِنْ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ] ( ).
فتحصل عندنا ثلاث فرق تؤمن بالقرآن:
الأولى: الراسخون في العلم من المسلمين.
الثانية: الراسخون في العلم من اليهود، وما يلحق بهم النصارى لوحدة الموضوع في تنقيح المناط.
الثالثة: المؤمنون الذين صدقوا برسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ونطقوا بالشهادتين وتعاهدوا الفرائض.
وقد جمعت الآية اعلاه الفرقة الأولى والثانية بالإيمان بالقرآن مع التعدد في الوصف، اما الراسخون في العلم من المسلمين فلابد ان لهم خصوصية ومائزاً وهو الثبات في علوم القرآن وأحكامه ومعرفة محكمه ومتشابهه، وناسخه ومنســوخــه، وعامــه وخاصه، ومطلقه ومقيده، وهذا من التأويل ورد المحكــم إلى المتشابه الا ان يقال بقاعدة القرآن يفسر بعضه بعضاً وان الراسخين في العلم في هذه الآية يؤمنون بنزول القرآن.
وكذا أهل العلم في الآية محل البحث للتساوي بالعنوان في آيات القرآن، مع وجود مائز للراسخين في العلم سواء بالذات او بموضوع الايمان، لأنهم حجة على غيرهم ولم يؤمنوا تقليداً ومحاكاة لغيرهم، بل آمنوا عن علم ودراية مما يملي على الناس اتباعهم خصوصاً مع رؤية الآيات الباهرات في القرآن.

معنى (العلم) في الآية
لقد جاء (العلم) بقوله تعالى[وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ]( ) بصيغة الإطلاق ولم يقيد بموضوع او علم دون آخر خصوصاً مع انشطار العلوم وتعددها ولكن التقييد يظهر بأداة الظرفية بقوله تعالى (فِي الْعِلْمِ) .
والمطلق لغة هو السالم من القيد والشرط سواء كان حسياَ أو معنوياَ , كما في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ]( ).
ومن التخلية من القيد المعنوي طلاق المرأة بفك قيدها من عقد النكاح , وعن (عمرو بن الحمق ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الإيمان قيد الفتك( ) ، من أمن( ) رجلا على دمه فقتل فأنا من القاتل بريء ، وإن كان المقتول كافرا) ( ). ، والمراد من العلم في الآية وجوه :
الأول : علوم القرآن.
الثاني : علوم التنزيل مطلقاً أي القرآن والكتب السماوية الأخرى.
الثالث : مطلق العلوم وتشمل علوم التنزيل والكلام والإجتماع والأخلاق وغيرها.
ولا تعارض بين هذه الوجوه وكلها تدل على التبحر في العلم الذي يؤدي إلى الإقرار بالقرآن كتاباً سماوياً نازلاً من عند الله تعالى.
لقد فتحت الآية افاق العلم امام المسلمين وحثتهم على طلبه والإجتهاد في معرفة اسرار القرآن وتفسير وتأويل آياته وكأنه واجب كفائي لوجود الفقة في القرآن قال تعالى [فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ] ( )، فيمكن ان يكون من عمومات الرجوع هنا الرد على أقوال المبطلين ممن أختار عن سوء قصد اتباع المتشابه.
وتخبر الآية عن وجود فئة من العلماء، وتدعو الملوك والسلاطين والحكومات إلى اكرامهم والإنصات لهم والرجوع اليهم، بل وتهيئة مقدمات تحصــيل العلم، واعداد العلمــاء لتنزيه القــرآن ودفــع الشــبهات عنه وبعث القوة والمنعة في صفوف المسلمين بالحكمة والحجة والبرهان.
وتخبر الآية عن أهلية القرآن لإعداد طبقة من العلماء ترتقي في كسب العلوم، وهو من دلائل الصدق على نزول القرآن من عند الله، لأن وجود فئة وجماعة من الراسخين في العلم مختصين في القرآن وعلومه شاهد على إعجازه وانه ليس من كلام البشر، فالمتبحرون في العلم والتحصيل مبهورون بآياته مقرون بسماويته عاجزون عن درك كنهه واسراره.
ان وصفهم بالرسوخ في العلم توكيد لملازمة العلم لهم وعدم انفكاكه عقلاً عنهم كما في ملازمة الحرارة للنار، والبرودة للثلج ليكون اعلانهم الإيمان عن دراية وبصيرة، وحجة على الناس في اتباعهم باختيار الحق، وان كانت آيات القرآن برهاناً مناسباً لكافة الناس على اختلاف مشاربهم ومداركهم , وتدل عليه صيغة العموم في قوله تعالى [إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ]( ).

قوله تعالى [يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ]
هذه الجملة في محل نصب على الحال اذا كانت الواو في (والراسخون) للعطف والتقدير قائلين آمنا به، وتكون في محل خبر بلحاظ أن الواو للإستئناف، وهذا التعدد في اعراب الجملة والإختلاف في اعراب حرف الواو في الآية يبين اشتراكهما في ظهور المعنى القدسي للآية الكريمة.
ولقد بينت الآية في مفهومها ان الناس على مراتب في العلم واسناهم واعلاهم شأناً في العلم هم الراسخون فيه المتبحرون في قواعده والقادرون على الوصول إلى الدليل والتمييز بين الغث والسمين، والصدق والكذب، والوحي وغيره لما عندهم من التحصيل والإحاطة بالعلوم.
قال تعالى [ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا] ( ).
وجاء رجل إلى أبي الدرداء وهو جالس في مسجد دمشق (فقال : يا أبا الدرداء إني جئتك من مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لحديث بلغني أنك تحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
قال : ما كانت لك حاجة غيره؟
قال : لا قال : ولا جئتَ لتجارة؟
قال : لا قال : ولا جئت إلا رغبة فيه؟
قال : نعم قال : فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: “من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا سلك الله به طريقًا من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضىً لطالب العلم، وإن السموات والأرض والحوت في الماء لتدعو له، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر) ( ).
لقد جاء المدح للراسخين في هذه الآية على نحو مركب ومتعدد واخبرت عن تحملهم أعباء عقائدية عظيمة لذا فان ارتقاءهم في العلم مقدمة وشرط لتحملها ومواجهة الجاحدين والكافرين، وهم مع جهادهم لنفي التهمة عن القرآن وتوكيد عدم وجود تعارض فيه، واقناع الناس ببطلان قول الجاحدين فانهم يتصاغرون أمام عظمة القرآن , ويقرون بتنزيله , وهو دعوة للناس للإقتداء بهم.
ان إبطال حملات التشكيك يجب ان يصل إلى الناس جميعاً مما يستلزم الإقناع ومعرفة قواعد الإحتجاج وكشف المغالطة ثم الرد عليها وهذا من الرسوخ في العلم.
وتدل الآية على اجتماع شرائط خاصة لبلوغ مرتبة الإيمان وانه ليس امراً عرضياً سهلاً، بل يتحصل بمقدمات واجتماع شرائط علمية تجعل الإنسان يتوصل إلى الإيمان بالقرآن والتسليم بالمتشابه من غير تردد او شك او ريب.
والضمير في (به) يحتمل وجوهاً:
الأول : انه يعود للقرآن.
الثاني : الكتاب بمعناه الأعم.
الثالث : النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع : عائد للمتشابه
والأصح هو الأول لعدم وجود قرينة على التقييد، ولأن القرآن هو الذي بين ايدينا، والمتشابه جزء من القرآن ولورود آيات القرآن بالإخبار عن الإيمان بالقرآن في مواضع كثيرة قال تعالى [فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ]( ).
والإيمان مرتبة اعلى من الإسلام وتعني التصديق بالقلب، وشهادة العقل على الوحدانية والإقرار بان القرآن كلام الله، لأن الإيمان بالقرآن او بالمتشابه خاصة لا يتم الابواسطة الإقرار بالعبودية لله تعالى.
والإيمان قول باللسان وعمل بالجوارح مما يعني ان الراسخين في العلم لم يكتموا ايمانهم ولم يكتفوا بالإيمان الذاتي بل اخذوا يدعون الناس للإسلام لذا ورد قوله [يقولون] بصيغة المضارع والتجدد.
فالإيمان مع الرسوخ في العلم ينتج عنه الدعوة الجهرية إلى الله وتوكيد حقيقة نزول القرآن بالبرهان، فالآية بشارة للمسلمين ودفع للحزن عنهم من وجود [الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ]( ) ومحاولاتهم اثارة الشكوك والنظر إلى المتشابه بمعزل عن المحكم .
وفيها منع من التحير والإضطراب بسبب الخشية من غلبة هؤلاء الجاحدين وعدم القدرة على مواجهتهم.
وتخبر الآية عن وجود من يتصدى للتشكيك من العلماء، ولا تنحصر وظيفة هؤلاء العلماء بالتصدي لأهل الشك بل ان سعيهم متصل باظهار الإيمان، وقولهم (آمنا به) لا يعني الإكتفاء بقول آمنا، بل ينظر له بضميمة العلم والثبات والإبتعاد فيه، فقول العالم آمنا يختلف عن غيره لأنه يقرن قوله بالفعل المناسب ويبين دليل ايمانه.
وحتى لو قلت ان ايمان العالم والجاهل واحد وانه بسيط وليس مركباً، فان ايمان العالم حجة على الناس ودعوة لهم للإقتداء بالعلماء واتيان الواجبات والطاعات التي وردت في القرآن .
وجاءت الآية بصيغة المضارع (يقولون) أي انهم مستمرون بتصديق نزول القرآن واعلان الإيمان به في كل زمان.

قوله تعالى [كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا]
تبين الآية اثر الرسوخ في العلم والثبات في ميادينه والتحصيل والغوص في بحاره، فلم يكتفوا باعلان الإيمان بل اضافوا شهادة علمية وأكدوا حقيقة قرآنية وقالوا ان الكل نازل من عند الله تعالى.
و(كل) سور للموجبة الكلية، ويدل على ثبوت المحمول لجميع افراد
الموضوع، و(كل) يحتمل على وجوه :
الأول : كل الكتب السماوية النازلة وقد تقدم في الآيات السابقة ذكر نزول التوراة والإنجيل والقرآن.
الثاني : جميع آيات وسور القرآن.
الثالث : المحكم والمتشابه، وكل منهما قسيم للآخر فيصدق لفظ (كل) عليهما معاً.
الرابع : الآيات المتشابهات.
والأصح هو القرآن لقرينة الضمير الهاء في قوله تعالى [آمنا به] مع شموله للوجوه الاخرى كشمول الكل للجزء.
ويمكن القول (بالمعنى المتعدد) وهو اصطلاح نطلقه على احتمال اللفظ لعدة وجوه كما في المعنى الأعم، فالراسخون في العلم يقولون بنزول التوراة والإنجيل والقرآن من عنده تعالى، والقرآن بالذات، والمحكم والمتشابه بحسب مناسبة الحكم والموضوع.
وهذا الشطر من الآية يظهر ثمرة اخرى من ثمرات العلم والإرتقاء في مراتبه والثبات فيه باعلان الإيمان بآيات القرآن على نحو الإطلاق والشهادة بان كل آية نازلة من عند الله لما ثبت عندهم ومن خلال التحصيل عجز الإنس والجن عن الإتيان بمثله.
وهذا القول من العلماء جهاد في سبيل الله تعالى، وورد عن الإمام جعفر الصادق  أنه قال : (إذا كان يوم القيامة جمع الله عز وجل الناس في صعيد واحد ، ووضعت الموازين ، فتوزن دماء الشهداء مع مداد العلماء ، فيرجح مداد العلماء على دماء الشهداء).
وقول الراسخين في العلم حق ومناقض لقول اهل الجحود والريب، وفاضح له وكاشف عن بطلانه بالإضافة إلى التباين في جهة الصدور التي يكون لها اعتبار خاص عند عامة الناس، فالناس يميلون للعلماء اكثر من المشككين، كما ان العلماء يأتون معهم بالدليل كما هو ظاهر كلامهم هذا بالإقرار بان الكتاب كله من عند الله تعالى، وانهم دائبون في ابطال ما يثيره الجاحدون حول المتشابه من الإشكالات.
و(عند) ظرف مكان يفيد حضور الشيء ولا تدخل عليه حروف الجر الا (من)، قال تعالى [رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا]( ).
لقد أراد حملة لواء العلم توكيد الشهادة بصدور القرآن من الله عزو جل فجاءوا بحرف الجر (من) لإفادة القطع والجزم بنزول القرآن محكمه ومتشابهه من الله عز وجل.
وجاءت اضافة اسم الرب لضمير المتكلمين (ربنا) أي ان الكلام يصدر عن ايمان واقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأن الآية اخبرت عنهم بانهم راسخون في العلم وهناك مثلهم من أهل الكتاب.
فقد يقر العالم بان القرآن نازل من عند الله ولكنه لا يتبعه ولا يسلم عناداً او قصوراً او خشية من القتل او حباً للدنيا، فجاء الضمير لإثبات ايمانهم وانهم لم يشهدوا على نزول القرآن الا من منازل اليقين، وفيه عز للمؤمنين وقوة للإسلام لوجود طائفة من العلماء تؤيد بالدليل وبالبرهان العلمي ان القرآن من عند الله تعالى، وهذا من إعجاز القرآن الغيري ان يجعل العلماء يؤمنون به فيتبعهم الناس.
ومع كثرة ورود لفظ (عند ربهم) و(عند الله) فانه لم يرد في القرآن لفظ (من عند الله) الا في هذه الآية وعلى لسان الراسخين في العلم في موضوع الشهادة على نزول القرآن.
بحث بلاغي
من أقسام الإطناب الإيغال، وهو ختم الكلام بنكتة او ضابطة اضافية مع حصول تمام المعنى بدونها وقال بعضهم انه خاص بالشعر ويرد بانه وقع في القرآن (وجعل ابن ابي الاصبع منه إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ( ).
وقال السيوطي فان قوله [إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ] زائد على المعنى مبالغة في عدم انتفاعهم، ولكن معنى خواتيم الآيات واللفظ القرآني في أعم ولا ينحصر بالإيغال، فكل لفظ له معنى متعدد منه ما يتعلق بالإيغال والإمعان، ومنه ما يعتبر عنواناً اضافياً وموعظة وحكمة.
فقوله تعالى [إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ] جملة شرطية تبين فعلاً اضافياً يدل على الجحود والضعف والإعراض عن قصد عن الآيات والبراهين التي جاء بها الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فالصم مرتبة أولى في الجحود الا انه لا يمنع من رؤية الآيات بالحواس الأخرى كالبصر، ومع التولي والإدبار فانهم يحرمون أنفسهم من جميع الحواس بالإضافة إلى تعطيل نعمة العقل في التدبر بالآيات خصوصاً وان الآيات التي جاء بها الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم آيات عقلية وحسية , قال تعالى [كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ]( ).
واستدل في الإتقان بقوله تعالى [إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ] ( ) وقال السيوطي: فقوله تعالى [مِثْلَ مَا ] إلى آخره إيغال زائد على المعنى لتحقيق هذا الوعد، وانه واقع معلوم ضرورة لا يرتاب فيه أحد.
ولكن الآية جاءت بالمثل لتوكيد الأمر ولبيان حتمية وقوعه وأنه كالأمر الحاضر القريب.
فالمثل علم مستقل لإثبات الحقائق وتقريب الوقائع، وللتذكير بنعمة النطق الذي أختص به الإنسان وعلى القول بوجود الإيغال في القرآن فانه خاص بحيثية معينة من اللفظ بلحاظ ما تقدم، ولكن اللفظ والضابطة والنكتة في القرآن لها معان ومضامين قدسية متعددة.
قوله تعالى [وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ]
الآية قاعدة كلية تبين اهمية التذكر وأثره في اصلاح النفس والمجتمع وفيها حث على استحضار الأمور والوظائف الشرعية في الذهن واجتناب الغفلة والنسيان، وهي دعوة للناس للإقتداء بالراسخين في العلم.
وبينهم وبين أولي الألباب عموم وخصوص مطلق فكل مؤمن راسخ في العلم هو من أولي الألباب وليس العكس، فقد يكون من ارباب العقول ويتخذ العقل طريقاً للهداية والرشاد ولكنه ليس من العلماء، فلذا جاءت الآية بالمعنى الأعم، ليكون ايمان المتبحرين في العلم والمطلعين على تأريخ الملل والكتب المنزلة حجة على العقلاء.
وفي قصة موسى وفرعون جعل الله عز وجل السحرة حجة بتصديقهم بآية العصا التي جاء بها موسى وتعرضوا للقتل، بينما جعل الله عز وجل الراسخين في العلم حجة لرسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم في دعوته ومعجزته القرآن، وهذا من الفوارق بين الآية العقلية والحســية، وتــقدم الأولى رتبـة على الثانية، كما ان الراسخين في العلم لم يعرضوا إلى الأذى والقتل بل أخذوا يواصلون اعلانهم بصدق نزول القرآن من عند الله وهو نوع تحد واستعداد للمحاججة ودعوة للمسلمين للجوء اليهم لفضح أهل الشك والريب.
ومن وجوه التذكر في المقام عدم الوقوف عند المتشابه ولزوم الرجوع إلى امهات الكتاب من الآيات المحكمات والإقتداء بالراسخين في العلم، مع اعتماد قاعدة كلية وهي ان الكتب السماوية نازلة من الله عز وجل وان القرآن جامع لها.
وفي الآية ذم للكافرين ولأهل الريب خاصة وتقبيح لفعلهم واستهزاء بهم لأنهم اختاروا العناد لخضوعهم لسلطان النفس الشهوية والغضبية وعدم توظيفهم للعقل في معرفة كنه الآيات القرآنية.
وتبين الآية الحاجة إلى العقل وعظيم النعمة الإلهية في تفضيل الإنسان بالعقل ولزوم شكره تعالى على هذه النعمة بالتسليم بالنبوة والكتاب، وحتى الراسخين في العلم لم يوغلوا في طلب العلم الا بسلاح العقل وكأنهم مقدمة جيش المؤمنين للتصدي لقوى الضلالة في محاولتها اغواء الناس من خلال النظر إلى المتشابه بصورة مستقلة مع ان الوظيفة العقلية والشرعية تقتضي ارجاعه إلى المحكم.
لقد تضمنت آية البحث ذماَ لفعل وأصحاب , ومدحاَ متعدداَ .
أما الذم للمنافقين والكفار الجاحدين الذين يمتنعون عن الإيمان والإقرار بالتنزيل مع شواهد الإعجاز .
وأما المدح فهو من وجهين :
الأول : الراسخون في العلم .
عن أبي الدرداء قال (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وآلهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنِ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ.
فَقَالَ:”مَنْ بَرَّتْ يَمِينُهُ، وَصَدَقَ لِسَانُهُ، وَاسْتَقَامَ قَلْبُهُ، وَمَنْ عَفَّ بَطْنُهُ وَفَرْجُهُ، فَهُوَ مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ) ( ).
الثانية : أولوا الألباب وأصحاب العقول السليمة , والمختار أن النسبة بينهما هي العموم والخصوص المطلق .
علم المناسبة
ورد قوله تعالى [وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ] وافــادة حصــر التذكــر بهم في آيتـين، الأولى تقدمــت في ســورة البقرة وتتعــلق باتــيان الحكـــمة وانها خير كثير، كما ورد قوله تعالى [وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ] ( ).
فخاتمة الاية تؤكد انها من آيات التوحيد، لأن التصديق بنزول القرآن عنوان الإقرار بالربوبية سواء بالنظر للتنزيل ذاته او لمضامين الآيات ودعوتها إلى التوحيد.
وقد ورد لفظ (الألباب) ست عشرة مرة في القرآن وكلها باضافة اولي لها وبصيغة الخطاب والغائب، والألباب جمع لب والمراد منه العقل لبيان شرف العقل من بين اعضاء الإنسان وللتذكير بأنه نعمة عظمى يجب الإنتفاع الأمثل منها لأمور الدين والدنيا ، وتدعو الآية إلى تذكر الآيات وهذه الآيات متعددة فالمطلوب في المقام التنزيل، مع تذكر نعمة العقل ولزوم تسخيرها لمرضاة الله عز وجل , وجعلها آلة لدخول الإسلام والإيمان والإحتراز من أهل الضلالة والجحود.


قوله تعالى [رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ] الآية 8
الإعراب واللغة
[رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا] ربنا: منادى مضاف.
لا: ناهية جاءت هنا بلغة الدعاء والسؤال.
تزغ: فعل مضارع مجزوم بلا، والفاعل ضمير مستتر تقديره انت.
والزيغ الجور والعدول عن الحق.
وزاغ البصر: أي كل وتعب.
قلوبنا : مفعول به وهو مضاف، والضمير مضاف اليه.
[بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا] بعد: ظرف زمان متعلق بتزغ، وهو مضاف.
اذ : ظرف لما مضى من الزمان، مضاف اليه.
هديتنا:جملة من فعل وفاعل ومفعول به، وهي في محل جر بالإضافة.
[وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً] الواو: حرف عطف، هب: فعل طلب وسؤال.
لنا: جار ومجرور متعلقان بهب.
من لدنك: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال.
لدن: ظرف مبني على السكون في محل جر بمن. الكاف: مضاف اليه.
رحمة: مفعول به , منصوب وعلامة نصبة الفتحة الظاهرة على آخرة.
[إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ] انك: حرف مشبه بالفعل واسمه.
انت: ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ.
والجملة الإســمية في محل رفع خبر إن.
اما من يقول بان (انت) ضمير منفصل لا محل له، فان: الوهاب يكون خبر ان مرفوع بالضمة.
والزيغ (الميل) , ويقال : زاغت الشمس أي مالت , وزاغ البصر : يقال (الزَّوْغ مثل الزَّيْغ، زاغ يزوغ زَوْغاً، وهو الميل عن القصد، وزاغ عن الطريق يزوغ ويزيغ، والياء أفصح.
والغَزو: معروف، غزا يغزو غَزْواً، ثم كثر ذلك في كلامهم حتى قالوا: غزوتُ كذا وكذا، أي قصدته، وغَزْوي كذا وكذا، أي قصدي إليه) ( ).
(وقيل : (لا تزغ قلوبنا) : لا تتعبدنا بما يكون سببا لزيغ قلوبنا)( ) وهذا المعنى بعيد لذا نسبة إلى القليل , للتضاد بين التعبد بمشيئة من الله عز وجل وبين زيغ القلوب إنما يراد السؤال والدعاء للعصمة من الميل عن الهدى والصواب والقصد .
والوهاب اسم من أسماء الله الحسنى , اختص الله عز وجل لنفسه , ورد في القرآن ثلاث مرات كلها لله عز وجل , وهو سبحانه الذي يعطي الكثير بدون حساب ولا بدل أو مقابل , ولا يرجو العوض , فإن قلت قد أمر الله عز وجل الناس بعبادته وشكره قال تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ]( ) الجواب إنما ينفع الناس أنفسهم بالعبادة والشكر , ومنه الثواب العظيم في الآخرة والزيادة الحاضرة والأجلة على الشكر , قال تعالى [لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ]( ).
ومن خصائص الأنبياء , أنهم يعلمون بأن عطايا وهبات الله عز وجل من اللامحدود لذا توجه سليمان بالدعاء [قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ]( ).
و(عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن سليمان عليه السلام لما بنى بيت المقدس سأل ربه ثلاثاً ، فأعطاه اثنتين ، وأنا أرجو أن يكون أعطاه الثالثة .
سأله حكماً يصادف حكمه فأعطاه إياه ، وسأله ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده ، فأعطاه إياه ، وسأله أيما رجل خرج من بيته لا يريد إلا الصلاة في هذا المسجد يعني بيت المقدس خرج من خطيئته كيوم ولدته أمه : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ونحن نرجو أن يكون الله أعطاه ذلك) ( ) وبين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الحديث رجاء قبول الله عز وجل لدعاء النبي الوارد في القرآن , إذ أنه ليس من ملازمة حتم بين الدعاء والإستجابة , ليكون من معاني اسم الوهاب في الآية أن الله عز وجل يعطي من سأله إبتداء وفضلاَ واحساناَ منه تعالى.

في سياق الآيات
بعد ان بينت الآية السابقة قسمين متناقضين أحدهما: يسعى في دروب الخير وهم (الراسخون في العلم) ( ).
والآخر أهل الجور الذين يميلون عن الحق ويتخذون الجدل في الآيات المتشابهات لمحاربة الإسلام من غير قناعة بما يقولون.
جاءت هذه الآية بصيغة الدعاء للنجاة من شرور الجاحدين وشغبهم واجتناب الوقوع في الغلط، وبعد ان خــتمت الآيـة بحصر التذكر بأرباب العقول، جاءت هذه الآية لتؤكد ان المسلمين هم أولوا الألباب، وهذا الدعاء من التذكر والإعتبار.
لقد ابتدأت آية البحث بالدعاء (ربنا) وفيه تسليم بالربوبية المطلقة لله عز وجل , ومن مقدمات قبول الدعاء والإستجابة له الإقرار بالتوحيد , ترى من القائل (ربنا) فيه وجوه :
الأول : (أولوا الألباب) الذين أختتمت بذكرهم الآية السابقة , وتقدير الآية : أولوا الألباب يقولون ربنا .
الثاني : الآية مستأنفة , وأن القائل ربنا هو النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثالث : إرادة قول المسلمين والمسلمات (ربنا) ولا تعارض بين هذه الوجوه , وكلها من مصاديق الآية الكريمة .
وقد جاء في آيات متعاقبة أخرى بيان لصفات أولي الألباب بوضوح كما في قوله تعالى [وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ]( ).
فبعد أن اختتمت الآية أعلاه بقوله تعالى [لآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ] جاءت الآية التالية لها بالاسم الموصول (الذين) مما يدل على ارادة خصوص (أولي الألباب) وهو أصحاب العقول السليمة الذين سخروها لإختيار الإيمان وعمل الصالحات وإجتناب السيئات .
ومن معاني الصلة بين آية البحث والآية السابقة بيان وظيفة (أولي الألباب) وهي الدعاء واتخاذه حرزاَ وواقية .
وكما ابتدأت آية البحث بالنداء (ربنا) بصيغة التضرع والدعاء , فقد ابتدأت الآية التالية بذات النداء (ربنا) لبيان إدراك المسلمين لقانون الحاجة إلى الدعاء , وإذ جاء الدعاء في آية البحث بخصوص الدنيا بالثبات على الإيمان , جاءت الآية التالية بالمسألة والدعاء لعالم الآخرة للدلالة على أن الدنيا مزرعة الآخرة .
ترى ما هي الصلة بين الدعاء في أول هذه الآية (ربنا) وبين اختتام الآية السابقة [وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ]( )، يمثل الجواب وجوهاً :
الأول : نسبة التساوية وأن الذين يقولون [رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا]( )، هم أولوا الألباب .
الثاني : نسبة العموم والخصوص المطلق ، وتحتمل جهتين :
الأولى : (أولوا الألباب) أعم من الذين يقولون (ربنا لا تزغ قلوبنا).
الثانية : الذين يقولون (ربنا لا تزغ قلوبنا) هم الأعم والأكثر.
الثالثة : نسبة العموم والخصوص من وجه ، فهناك مادة للإلتقاء وأخرى للإفتراق.
الثالث : نسبة العموم والخصوص من وجه ، فهناك مادة للألتقاء وأخرى للإفتراق.
والمختار هو الأول أعلاه ، وتقدير أول آية البحث على وجهين :
الأول : الذين يقولون ربنا لا تزغ قلوبنا لإرادة العطف الموضوعي بين الآيتين ، فذات تلاوة المؤمن لآية السياق تذّكر وتدبر ومن أسرار آية البحث إرادة عموم أجيال المسلمين والمسلمات فأولوا الألباب منقطعون إلى الدعاء والمسألة إلى الله عز وجل للنجاة من اتباع المتشابه وابتغاء الفتنة ويسألون الله العصمه من الإنقياد إلى أرباب الفتنة.
ومن معاني التساوي في المقام أن المسلمين والمسلمات يعلمون أن زيغ دليل القلوب عن جادة الحق سبب للتقصير في الفرائض العبادية وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وباب للتجرأ واقتراف الذنوب مما يؤاخذ عليه الله عز وجل ، ولأنهم من أولي الألباب توجهوا إلى الله عز وجل بالمسألأة للإحتراز والعصمة من أهل الميل عن الحق.
الثاني : إنقطاع موضوع آية البحث ببيان أن وظيفة كل مسلمة الدعاء للثبات في منازل الهدى والإيمان.
وحينما أخبرت الآية الثانية من هذه السورة عن التوحيد ، ولزوم جعل كلمة الله هي العليا بقوله تعالى [اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ]( )، توجه المسلمون إلى الله عز وجل بالدعاء المقترن بالشكر للتسليم بأن الله عز وجل هو الحي الدائم الذي لا يموت والذي له القيمومة المطلقة في السموات والأرض.
وأخبرت آية البحث عن نيل المسلمين والمسلمات مرتبة الهداية والتصديق بالنبوة ، والتنزيل فهل للآية أعلاه موضوعية في هذه الهداية ، الجواب نعم ، لقانون الآية القرآنية هداية ومع بلوغ المسلمين هذه المرتبة بفضل الله عز وجل فان كل واحد منهم ذكراً أو أنثى يقول سبع عشرة مرة في اليوم [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]( ).
ترى ما هي النسبة بين آية البحث والآية أعلاه ، فيه وجوه :
الأول : نسبة التساوي ، وتقدير الآية أعلاه : إذ هديتنا إلى الصراط المستقيم.
الثاني : نسبة العموم والخصوص المطلق وهي على شعبتين :
الأولى : الهداية في آية البحث أعم من الهداية الواردة في الدعاء في سورة الفاتحة.
الثانية : الهداية إلى الصراط المستقيم هي الأعم.
الثالثة : نسبة العموم والخصوص من وجه، فهناك مادة للألتقاء وأخرى للإفتراق بينهما.
والمختار هو الشعبة الأولى من الوجه اثاني أعلاه ومن معاني الصراط المستقيم التقيد بأحكام الشريعة وأداء الفرائض والعبور على الصراط في الآخرة .
و(عن جابر بن عبد الله قال : كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم فخط خطاً هكذا أمامه فقال : هذا سبيل الله ، وخطين عن يمينه وخطين عن شماله وقال : هذا سبيل الشيطان . ثم وضع يده في الخط الأوسط وتلا { وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه . . . })( ).
إعجاز الآية الذاتي
الآية لجوء واستجارة بالله عز وجل فبعد ان اخبرت الآية السابقة عن أهل الشك والريب، خشى المؤمنون فتنتهم ومغالطتهم، فاتجهوا نحو للإحتراز من اتباع المتشابهات وعدم ردها إلى المحكمات ومن الآيات ان يأتي الدعاء مطلقاً بسؤال السلامة والحصانة من الزيغ والميل من غير تقييد بفتنة المتشابه، لأن وجوهه متعددة ووسائل محاربة الإسلام كثيرة ومختلفة.
لقد اثبتت الآية وصول الإيمان إلى القلب، وهذا الإستقرار لم يمنع من اللجوء اليه تعالى لتثبيته واستقراره ومما يدل على ادراكهم لحلاوة الإيمان وحسن الإختيار، وتنسب الآية الهداية إلى الله عز وجل وهو من أدب العبودية، ولاظهار الفناء في ذات الله والسعي للقرب من رحمته، والإخبار عن عظمة واعتبار موضوع الهداية وان الإنسان بذاته عاجز عن الوصول إلى طرق الهداية والرشاد، ولتوكيد نزول القرآن من عنده تعالى لأنه مادة الإيمان ووسيلة الهداية.
ومن إعجاز الآية انها لم تقف عند الإلتجاء اليه تعالى بل جاءت بسؤال المزيد من فضله سبحانه ومن غير تقييد له بحد فهو الجواد الكريم، وما في الآية من الدعاء عنوان الصبر والحصانة من الإرتداد، ان مجيء لفظ (الرحمة) في الدعاء على نحو التنكير آية إعجازية تنفرد بها هذه الآية وفيها خصوصية للمسلمين، اذ ان الرحمة متجددة لكل جيل امة من المسلمين، فكل جيل وجماعة يسألون رحمة جديدة سواء فيما يخص مستحدثات المسائل او الإبتلاءات الطارئة.
ويمكن تسمية هذه الآية بــ[رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا]
ومن إعجاز الآية تعدد الدعاء : الإستجارة : والإستجارة اللجوء إلى الله عز وجل في الآية مع قلة كلماتها , من وجوه :
الأول : التوجه إلى الله عز وجل باسم الربوبية المطلقة (ربنا) والرب من أمهات الأسماء الحسنى وبه جاءت أدعية الأنبياء منها , دعاء نوح
بقوله تعالى [قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنْ الْخَاسِرِينَ] ( ).
قال تعالى [قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ] ( ).
قال تعالى [وَقُلْ رَبِّ أَنزِلْنِي مُنْزَلاً مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ] ( ).
قال تعالى [وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا * رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِي مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلاَ تَزِدْ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَارًا] ( ).
قال تعالى [فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ] ( ).
وفي دعاء شعيب بقوله تعالى [عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ] ( ).
الثاني : صيغة الجمع (ربنا) لبيان أن المسلم يدعو لنفسه وأهله وطائفة وأمته , وفيه حجة على الذين يتقاتلون منهم , فكل واحد منهم يسأل الله عز وجل ولأصحابه والذين يقاتلهم بالقول (ربنا) في الصلاة وخارجها .
كما أنهم يتوجهون إلى الله عز وجل من نفس الساعة بالصلاة والوقوف صفوفاَ بين يدي الله عز وجل لتكون ذات الصلاة آية من بديع أوامر الله عز وجل , ووسيلة لصرف الخصومة وامتثال بين المسلمين ودعوة للمسلم والتعايش المجتمعي , ونبذ الحروب مطلقاَ , قال تعالى [وَالصُّلْحُ خَيْرٌ]( ) وتقدير الآية ربنا لا تزغ قلبي وقلب كل مسلم ومسلمة , وهل يدخل الأموات في الدعاء في الآية , الجواب لا , لإفادة الآية لغة الحاضر والمستقبل (لا تزغ) وهل تشمل الدعاء للأبناء والذرية , الجواب نعم , لبيان قانون وهو ولادة المسلم والمسلمة وقد سبقهم الدعاء المتعدد لهم بالأمن من زيغ وميل القلب عن الحق والهدى .
ولم يرد لفظ (زيغ) في القرآن إلا في آية البحث .
وكذا لم يرد لفظ (هديتنا) في القرآن إلا في آية البحث , وورد لفظ (وَهَب) سؤالاً ودعاءً بصيغة العطف في القرآن إلا مرتين إذ ورد بخصوص النبي سليمان عليه السلام [وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ]( ) .
ومن الإعجاز اختتام الآية أعلاه بذات خاتمة آية البحث لبيان فقاهة المسلمين واقتدائهم بالأنبياء في الدعاء , وقد سأل سليمان الملك للدلالة على صدق نبوته كون أنه الملك المتفرد الخارق للعادة معجزة لا يقدر عليها إلا الله عز وجل فأراد سليمان إعانة بني إسرائيل للتصديق بنبوته , وبيًنت آية البحث تصديق المسلمين برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وسألوا الثبات على الإيمان .
ومن الإعجاز في الآية أعلاه ابتداء سليمان بسؤال المغفرة قبل أن يسأل الملك لبيان قانون الإنتفاع الأمثل من الملك مع المغفرة من الله عز وجل .
ترى لماذا تضمنت الآية سؤال لإمتناع القلوب عن الزيغ والهوى مع أن الله عز وجل تفضل على المسلمين ، ولا يؤاخذهم بحيث النفس ، الجواب لا ، لأن المسلمين أولوا ألباب ، وعقول سليمة بفضل الله عز وجل ، فذات الهداية إلى الإيمان شاهد على هذا القانون ، وهو من معاني إرتقائهم في سلم المعارف الإلهية.
إعجاز الآية الغيري
ابتدأت الآية بالنداء (ربنا) لبيان وجوب اللجوء إلى الله عز وجل والتسليم بأنه رب الناس جميعاَ , وفي التنزيل [قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ]( ). ولم يرد لفظ (رب الناس) إلا في الآية أعلاه , وهل هو من الشواهد على جزئية المعوذتين في القرآن , الجواب نعم .
وابتدأت الآية بسؤال عصمة القلوب , لبيان شاهد على الإعجاز الغيري للقرآن بأن حال القلوب , والإختيار عند الناس هو بيد الله عز وجل , والمراد من دعاء السلامة من زيغ القلوب وجوه :
الأول : إصلاح قلب وتنكير الذي يتلو آية البحث , وتقدير هي رب لا تزغ قلبي .
الثاني : الدعاء للمسلمين والمسلمات , وتقدير الآية ربنا لا تزغ قلوب المسلمين والمسلمات .
الثالث : إرادة الدعاء للناس على نحو العموم الإستغراقي وتقدير الآية ربنا لا تزغ قلوب الناس .
وهل يشمل الدعاء الكافرين أم لا , خاصة وأنهم في زيغ دليل في قلوبهم وأقوالهم وأفعالهم .
الجواب هو الأول , إذ يدعو المسلم للناس جميعاَ بالهداية والإيمان , وهو من مصاديق قوله تعالى [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ]( ).
فمن مصاديق الإطلاق في هذه الرحمة , قيام المسلمين بالدعاء لأنفسهم وللناس جميعاَ .
إذ يأتي دعاء المؤمن على وجوه :
الأول : دعاء المؤمن لنفسه .
الثاني : دعاء المسلم لوالديه وهو من الإحسان لهما سواء كان من الأحياء أو الأموات .
الثالث : دعاء المسلم لوالديه وللمؤمنين كما في دعاء إبراهيم عليه السلام [رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ]( ).
الرابع : دعاء المسلم للمسلمين والمسلمات , بلحاظ أن النسبة بين الإسلام والإيمان عموم وخصوص مطلق , فالإسلام أعم .
الخامس : دعاء المسلم للناس جميعاَ , والدعاء في آية البحث من الوجه الرابع أعلاه , إذ ورد التقييد بالإخبار عن الهداية بقوله تعالى [بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا]( ) وتبين الآية قانوناَ وهو تعاهد وجود أمة مؤمنة في كل زمان يحرص أفرادها على العصمة من اتباع الهدى والضلالة , ولا يختص هذا الحرص بالقضية الشخصية إذ يكون على وجوه :
الأول : حرص المسلم على بقائه في مقامات الإيمان .
الثاني : إدراك المسلم حاجة الأمة للثبات على الإيمان وأداء الفرائض العبادية .
الثالث : تسليم الأمة بأن كل فرد منها محتاج للوقاية من الميل عن الحق .
لذا تفضل الله عز وجل وجعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , قال تعالى [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ]( ).
من إعجاز الآية مجئ السؤال وطلب الرحمة بعد سؤال العصمة من الزيغ والميل عن جادة الصواب مع التسليم بأن الله عز وجل هو الذي يهب العطايا الكبيرة ولا يقدر على هذه الهبات إلا الله عز وجل ويتلو كل مسلم ومسلمة قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ]( ) سبع عشرة مرة في الصلاة اليومية , وهو من معاني الجمع بين طلب السلام من الزيغ وسؤال الرحمة والهبات من عند الله عز وجل.
آية البحث مدرسة في علم الكلام , إذ يظن الإنسان أنه حر باختيار .
الآية سلاح
لقد اتخذ المسلمون سلاح الأنبياء وهو الدعاء وسيلة للإحتراز من سموم الجاحدين وسهام المنافقين، وكأن الآية عهد للبقاء على الإيمان والتمسك بعرى الإسلام، وفيها تبكيت للكافرين وذم لهم لميلهم عن جادة الحق والصواب.
من إعجاز الآية سؤال المسلمين عصمة القلوب من الزيغ والإنحراف مع إدراكهم بأن الجزاء على عالم الأفعال , مما يدل على التفقه في المعارف الإلهية , وأن للقلب وميله أثراَ وموضوعية في سلوك وفعل الإنسان , فسألوا الله عز وجل الإمتناع عن اصل وبدايات النفاق والجحود .
وهو ثبات المسلمين في منازل الإيمان من مصاديق قوله تعالى [سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ] ( ) .
الجواب نعم , لكونوا حجة على الذين كفروا الذين بذلوا الوسع من أجل ارتداد المسلمين , ولما أصابهم اليأس جهزوا الجيوش لمحاربة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه , وهو يطمعون بإدخال المهاجرين إلى مكة أسرى مقيدين بالحبال فكان من الإعجاز في نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم , أسر سبعين من كفار قريش في معركة بدر , وعجز قريش عن أسر بعض المسلمين في معركة أحد أو الخندق .
وهو من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومصاديق قوله تعالى [وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ]( ) وسيأتي تفصيل بخصوص هذه الآية في الجزء الثالث والثلاثين بعد المائتين من هذا السِفر المبارك .

مفهوم الآية
بدأت الآية بالنداء والتوسل باسم الرب لتأديب المسلمين وتعليمهم مضامين الدعاء وكيفية المسألة، لقد اجتنب المسلمون خطوات الجاحدين واعرضوا عنهم، واصابهم الفزع والنفرة من اثارتهم الشكوك حول المتشابه، وتوجهوا بالدعاء إلى الله لإثبات ملكة الهداية وعدم الإنصات لهم في شكوكهم، وتبين الآية حاجة المسلمين إلى سلاح الدعاء والمبادرة اليه عن الملمات، وان اتباع المتشابه حرب على القرآن والمسلمين ولابد من التصدي له بالحصانة الذاتية والوقاية الإيمانية.
وتطــرد الآيــة الخــوف من النفــوس من كيد الجاحدين، وفيها احتراز من دبيب الشــرك الخــفي إلى النفوس، وهذه الآية رسالة سماوية إلى الجاحدين تبين قوة الإيمان وصـدق ســرائر المسلمين وأهليتهم لحفظ مفاهيم القرآن، وتبين ان التأويل الصحيح حاجة للناس جميعاً ويجب ان يكون في متناول الجميع سالماً من معارضة التأويل بالباطل.
ان اهل الشك والريب يتخذون من اتباع المتشابه وسيلة للفتنة، ولو لم تكن هذه المسألة لإثاروا غيرها، لأن الغاية الخبيثة هي محاربة الإسلام وصد الناس عن دخوله ومحاولة اثارة الشبهات حول القرآن والتظليل على إعجازه بعد ان لاحظوا تخلي الأعوان عنهم وانتقالهم إلى معسكر الحق والصدق ففقدوا صوابهم واحسوا بان سر انتصار الإسلام هو القرآن وهو المعجزة التي تجذب النفوس وتدعو الناس للهداية وان آياته تنفذ إلى شغاف القلوب، فارادوا اثارة الفتنة والشكوك حوله ومنع ميل الناس له، وايجاد حالة فكرية مضطربة وغشاوة ظلمانية تحول دون اعمال البصيرة والإستعانة بسلاح العقل.
فجاء الرد مــركب من الراسخين في العلم ومن الدعاء النوعي العام.
إفاضات الآية
ان اللجوء إلى الله تعالى مدرسة قرآنية تبعث على الصلاح وتساهم في استقرار الإيمان في النفوس وتمنع من الإرتداد والضلالة والكفر، لقد اعلنت الآية ضعف الإنسان وحاجته إلى ما يقوم اعماله واظهرت على لسان الناس انفسهم افتقارهم لرحمته تعالى، وما من مخلوق الا وهو محتاج لها.
من إعجاز القرآن أنه كتاب الدعاء , مما يدل على حمله للواء السلم في الأرض سواء بين الدول أو القبائل أو الأفراد ومن تعاهد القرآن للصلح , قال تعالى [وَالصُّلْحُ خَيْرٌ] ( ) مما يدل على الأخلاق في الصلح بين كل من :
الأول : المسلمون فيما بينهم , قال تعالى [وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ] ( ).
الثاني : الصلح بين القبائل .
الثالث : الصلح بين الدول .
الرابع : الصلح بين المذاهب .
الخامس : الصلح بين الأفراد .
السادس : الصلح بين المسلمين وأهل الكتاب .
السابع : الصلح بين أهل الكتاب أنفسهم .
الثامن : الصلح بين المسلمين والكفار , كما في صلح الحديبية فتحاَ مبيناَ في حينه وإلى يوم القيامة , وفي قوله تعالى[إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا] ( ).
و(عن مجمع ابن جارية الأنصاري قال : شهدنا الحديبية فلما انصرفنا عنها إلى كراع الغميم إذا الناس يوجفون الأباعر فقال الناس بعضهم لبعض : ما للناس؟
قالوا : أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فخرجنا مع الناس نوجف ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على راحلته على كراع الغميم فاجتمع الناس عليه ، فقرأ عليهم : { إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً }( ).
فقال رجل : يا رسول الله : أو فتح هو؟
قال : والذي نفس محمد بيده إنه لفتح فقسمت خيبر على أهل الحديبية لم يدخل معهم فيها أحد إلا من شهد الحديبية ، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثمانية عشر سهماً ، وكان الجيش ألفاً وخمسمائة منهم ثلثمائة فارس ، فأعطى الفارس سهمين وأعطى الراجل سهماً) ( ).
وهل الهداية إلى الصلح من مصاديق قوله تعالى [رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا]( ) أم أن القدر المتيقن من الهداية في المقام الإيمان والتصديق بالنبوة والتنزيل , المختار هو الأول لأن[ الصُّلْحُ خَيْرٌ]( ) من الكتاب , وقال تعالى [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا]( ).
ومن إفاضات آية البحث الإخبار عن الإطلاق والعموم في هبات الله عز وجل للناس والخلائق , فليس من حدً لهباته , وهل هو لأن خزائن الله عز وجل لا تنفد الجواب نعم .
إنما هو أعم تعد خزائن الله عز وجل فإنه الذي يهب بغير حساب , وصحيح أن خزائن الله عز وجل لا تنقص , ولكن هل هي ثابتة أم تقبل المزيد أم متجددة وتتضاعف كل حين , الجواب الأخير .
الآية لطف
لم ينل المؤمنون الهداية والتصديق ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم رسولاَ من عند الله عز وجل إلا بتوفيق ولطف من الله سبحانه , فتضمنت هذه الآية الشكر لله عز وجل على نعمة الهداية , وفي التنزيل [قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إلى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ]( ).
ومع الهداية التي فاز بها المسلمون سألوا الله عز وجل رحمة منه سبحانه , وورد لفظ (رحمة) بصيغة التنكير .
الصلة بين أول وآخر الآية
آية البحث من آيات الدعاء إذ ابتدأت بالمناجاة والإقرار بالربوبية المطلقة لله عز وجل والتسليم بأن مقاليد الأمور كلها بيده سبحانه , وأن القلوب وعالم النوايا والمقاصد بيده سبحانه , فجاء السؤال من المسلمين عامة بسلامة القلوب من الميل إلى الهدى , ومن الإنحراف عن الحق , ومن الإرتداد وغلبة الشك .
ومن معاني قوله تعالى [رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا]( ) لبيان لا تجعل قلوبنا تزيغ والنوايا إلى اتيان القبيح والمنكر .
وتبين الآية قانون تعاهد الإيمان , واللجوء إلى الله عز وجل في استدامته .
وهل يشمل الدعاء في الآية الذرية , وتقدير الآية ربنا لا تزغ قلوبنا وقلوب ذريتنا بعد إذ هديتنا , أم أن القدر المتيقن من نظم الدعاء , هو الموجود من المسلمين , المختار هو الأول , لذا يحرم الإرتداد .
وتبين الآية اللجوء إلى الله عز وجل لإستدامة الإيمان والعصمة من الإرتداد ومن التهاون والتقصير في أداء الفرائض العبادية , ومن معاني آية البحث مسائل :
الأولى : الإقرار بأن الهداية نعمة عظيمة .
الثانية : فضل الله عز وجل على المسلمين بالهداية والرشاد وفي التنزيل [وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمْ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ]( ).
الثالثة : سؤال الثبات في منازل الإيمان , وعن الإمام علي بن الحسين عليه السلام قال : (أن رجلا قام إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال له: يا أمير
المؤمنين بما عرفت ربك ؟
قال : بفسخ العزم ،ونقض الهمم ، لما أن هممت حال بيني وبين همي، وعزمت فخالف القضاء عزمي، فعلمت أن المدبر غيري قال : فبماذا كرت نعماءه ؟
قال: نظرت إلى بلاء قد صرفه عني وأبلى به غيري فعلمت أنه قد أنعم علي فشكرته ، قال : فبماذا أحببت لقاءه ؟
قال : لما رأيته قد اختار لي دين ملائكته ورسله وأنبيائه علمت أن الذي أكرمني بهذا ليس ينساني فأحببت لقاءه)( ).
الرابعة : سؤال المسلمين لله عز وجل بالرحمة منه سبحانه , ووردت الآية بصيغة التنكير لإفادة العموم ورجاء فضل الله عز وجل , واختتمت الآية بالثناء على الله عز وجل والإقرار بأنه واهب العطايا والمنح والإحسان المتصل , ومنه ما يتعلق ببداية وهي الهداية إلى الإيمان .
من غايات الآية
في الآية مسائل :
الأولى : إظهار المسلمين حسن العبودية لله عز وجل بالخشوع والمسكنة .
الثانية : تقرب المسلمين من رحمة الله عز وجل بالدعاء والرجاء , قال تعالى [حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ] ( ).
الثالثة : ترغيب الناس بالدعاء .
الرابعة : بيان قانون وهو شمول القلوب بالدعاء والمسألة , وحاجتها إلى رحمة الله عز وجل .
الخامسة : نسبة المسلمين الهداية إلى الله عز وجل , وفيه منع من الغرور والزهو , وهل فيه شهادة للمسلمين للتنزه عن تأكيد الأنبياء والأئمة الأولياء الجواب نعم .
فبها فضًل الله عز وجل به النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم إنحسار الشرك بنبوته , وعصمة الأجيال المتعاقبة من أمته من الشرك والضلالة وعبادة غير الله عز وجل .
السادسة : سؤال الله عز وجل للتنزه عن الإرهاب للتباين بينه وبين الهداية التي تخبر آية البحث عن بلوغ مراتبها( ).
السابعة : تفقه المسلمين في المدينة وإدراكهم لقانون الدعاء رحمة وسبب للرحمة من عند الله عز وجل .
الثامنة : التضرع إلى الله عز وجل بسؤال الرحمة مع الإقرار بان ذات الهداية التي بلغوها رحمة ونعمة لبيان قانون لزوم لهج المسلم بسؤال الرحمة من الله عز وجل في أيامه في الدنيا , فكما يعطيه ويرزقه الله عز وجل من رحمته فإنه يسأله مرة أخرى الرحمة , وهو من الشواهد على اختتام الآية بالقول (إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) الذي تمنح وتهب العطايا تلو العطايا لمن سألك ومن لم يسألك .
التفسير
قوله تعالى [رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا]
لقد ابتدأت الآية بالدعاء والتضرع اليه تعالى وجاء النداء باسم (ربنا) وهو من امهات الأسماء الحسنى ووردت به أدعية الأنبياء القرآنية والقائل (ربنا) في هذه الآية على عدة وجوه محتملة هي :
الأول : الناس جميعاً.
الثاني : المسلمون.
الثالث : المؤمنون.
الرابع : المسلمون الذين يتعرضون لفتنة الجاحدين.
الخامس : الراسخون في العلم بلحاظ سياق الآيات، وقولهم في الآية السابقة (كل من عند ربنا).
والأقوى هو الثاني وان الدعاء جاء على لسان المسلمين كافة لأن قيد الهداية اعم من ان ينحصر بالراسخين في العلم، بالإضافة إلى اصالة الإطلاق والوجدان، وقد يقال ان المذكور في الآية السابقة هم الراسخون في العلم.
لقد نسي المسلمون الفتنة والإفتتان وكانوا بين عدة طرق وهي:
الأولى : الإستسلام للفتنة والإستماع إلى أهل الشك والريب.
الثانية : الإعراض عنهم وعدم الإلتفات إلى أقوالهم .
الثالثة : الإحتراز من مغالطتهم وشكوكهم فاختاروا الأخير، وانتبهوا إلى لزوم التمسك بالقرآن محكمه ومتشابهه وعلموا ان الإحتراز لا يكون كافياً مانعاُ الا بسلاح الدعاء وهذه الآية كنز وحصانة نازلة من السماء يتجلى فيها الحفظ الإلهي للمسلمين وبطلان أثر الجحود والشك، وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (قلب المؤمن بين اصبعين من اصابع الرحمن).
الرابعة : في الآية اخبار عن بلوغ المسلمين مراتب الإيمان وادراكهم لحلاوته وعذوبة مفاهيم التوحيد، والغبطة والسعادة باداء التكاليف والعبادات مع ما فيها من المشقة، فارادوا البقاء في تلك المراتب وعدم مغادرتها إلى الأدنى بل بالعكس، سألوا الترقي فيها وهذا الترقي لا ينال الا بفضل منه تعالى.
وفي الآية تبكيت للكافرين وفضح لسوء فعلهم ورد عليهم واخبار عن فشلهم في النيل من قلوب المسلمين فتارة يأتي الإنسان بالفعل ولكنه في شك من صحته وهذا الشك قد يزداد ويصبح ظناً يؤثر على الأداء ويضعف عزيمة الإنسان ويجعله يتكاسل في فعله وهو الذي سعى اليه أهل الريب، فقد ارادوا بث الشك في نزول القرآن باثارة الشبهات حول المتشابه فجاء رد المسلمين مطلقاً وشاملاً للنجاة من الزيغ والميل عن الحق، والميل المحتمل على وجوه :
الأول : بالإنصات إلى اتباع الجاحدين المتشابه وعدم رده إلى المحكم.
الثاني : التشكيك الذي يبثه الكفار وأهل الضلالة.
الثالث : غلبة سلطان الكفر واكراه الناس على مفاهيمه.
الرابع : الإنقطاع إلى الدنيا واللهث وراء زينتها، فجاء الدعاء مطلقاً ومتعلقاً بالزيغ والميل عن الهداية بغض النظر عن أسبابه خصوصاً وان هناك اسباباً شخصية وابتلاءات فردية مختلفة والإنسان لا يستطيع حصر ما يواجهه من المفاجئات والوقائع والأحوال الطارئة سواء التي تتضمن النفع او التي تأتي بالضرر والأذى فادرك المسلمون ببصيرة الإيمان طريق التوقي والحصانة منها فالتجأوا إلى الدعاء.
وتظهر الآية أولوية الإيمان عند المسلمين فانهم لم يسألوا النجاة من الفقر او الجوع او المرض ولم يلتفتوا إلى مصالحهم الخاصة بل أكدوا حرصهم على الإيمان والبقاء على الهداية لأنها الأصل الذي تترشح عنه المنافع الذاتية، لقد ارادوا السلامة من الأدران التي تصيب القلب، والعلل التي تنهش بالنفس وتؤدي جرياً وانطباقاً إلى ضيق الصدر والإبتلاء بالأمراض العضوية.
ان الصلاح في العالم والمجتمعات الإنسانية يتوقف على عدم زيغ قلوب المسلمين وهذه القاعدة الكلية سر من أسرار الخلق فجاء القرآن لتعاهدها وحفظها رحمة منه تعالى بالناس والحياة على الأرض، وأدرك المسلمون عظم المسؤولية الملقاة على عاتقهم فتوجهوا بالدعاء لإصلاح الذات والأمم المتعاقبة في الأرض.
فالدعاء خاص بالمسلمين ولكن افاضاته تترشح على جميع أهل الأرض بما فيهم أهل الريب والشك، فهؤلاء حينما يرون ثبات المسلمين على الهدى وعدم التفاتهم إلى صيغ التشكيك يصيبهم اليأس والقنوط ويكفوا عن العناد والجحود ومواصلة الإفتراء على القرآن فيكون هذا الكف مناسبة لمراجعة الذات، والنظر إلى آيات القرآن بالتدبر وعين الإنصاف.
يسأل المسلمون عدم الميل عن الحق، فيكون صلاحهم سبباً لإنحسار الكفر وتخفيفاً من التعدي والتجاوز عليهم، ومتى ما اظهر الإنسان ميلاً لقول الخصم وادعائه وانكساراً امام الخصم وقبولاً ظاهراً لحجته ومغالطته فانه يزداد في تعديه ويثير شكوكاً مستحدثة لأن غايته الفتنة واضلال الغير.
وتبعث الآية القوة في صفوف المسلمين وتجعل بعضهم يشد عضد بعضهم الآخر للإجماع على سلامة الإختيار، وتجعل كل فرد منهم حريصاً على تجديد الإيمان في نفسه كل يوم.
وتنفي الآية الزيغ والميل عن الحق عند عموم المسلمين وتدعوهم إلى تبادل الإكرام وعــدم رمي فــرقة الفــرقة الأخـــرى بالزيغ والميل عن الحق للإختلاف في قول أو فعل او في تأويل آية، لقد جـعل الله الراسخين في العلم واقية وحصناً من اتباع المتشابه، ولكنه سبحانه كريم أبى الا الحصانة الذاتية عند كل مسلم ومسلمة بهذه الآية وما فيها من الدعاء.
فمع وجود الراسخين في العلم وحث الآية السابقة على قيامهم بالتبليغ والإنذار والتصدي لأهل الشك والريب ودعوتها للمسلمين للرجوع اليهم لدفع اللبس والوهم، جاءت هذه الآية لتخبر عن الإرتقاء العلمي عند عموم المسلمين وخشــيتهم من الفتنة والتعدي على الحرمات، وعدم عصمة الإنسان ونجاته من الفتن الا بفضله ورحمته تعالى.
فالإنسان من عالم الممكنات، ومن صفات الممكن ملازمته للنقص والفقر، فادرك المسلم بايمانه حاجته إلى رحمته تعالى في النشأتين وان الإيمان ليس ابتداء فحسب ولا هو أمر مستقر في النفس، فاستدامته واستقراره يستلزم الإستعانة بالله عز وجل خصوصاً وان الكافرين دائبون في محاربة الإسلام والقرآن.
وتظهر فاتحة هذه الآية عشق المسلم للعبادة وحب الإسلام وخشيته من التفريط ببعض قواعد الإيمان وهو مثال لإقتداء المسلمين بالأنبياء وحرصهم على عدم التفريط بالدعاء كسلاح في حال الشدة والرخاء ولأغراض الدين والدنيا، لأن الزيغ عن الهدى يفتح أبوابا من البلاء ويعرض الإنسان للإذى والعسر ويجعله ملازماً للكآبة والأسى، ويقول كلام الباطل وهو يدرك في قرارة نفسه خطأه ووجود الخلل في مقدماته ولكنه اختار العناد وركب جادة المغالطة.
ويبين الدعاء جانباً من حياة المسلمين وانها مبنية على الذكر والتســبيح لأن الدعــاء ذكر لله وحــب له وثـقة بعظيم قــدرته وهــو شـكر له تعالى على نعمة الإيمان واعتراف بانها من عند الله ومن لطفه تعالى.
كما تظهر الآية وحدة المســلمين وعزتهم واجتماعهم على الخير وفعل الصالحات وتعاونهم على تثبيت الإيمان في صدورهم فقد يضعف ايمان بعضهم فيأتي هذا الدعاء النوعي العام ليرقى به ويجعله بذات الدرجة من الإيمان او أرقى وقد يستمع فرد او جماعة إلى الظالمين والجاحدين فتكون هذه الآية مانعاً من أثــر هذا الإســتماع سواء بذاتها او بما فيها من المضامين القدسية او باستجابته تعالى للمسلمين في قراءة هذه الآية.
ولا ينحصر المنتفع من هذه الآية بمن يقرأها ويتلوها بل يشمل نفعها الأمة بأسرها، لذا جاءت بصيغة الجمع (ربنا) (قلوبنا)، وهذا النفع المتعدد لا ينبسط على اهل محلة او بلدة او زمان بل يشمل المسلمين في كل زمان ومكان، وهذا من إعجاز القرآن وعظيم بركاته.
وتظــهر الآية العلم النوعــي العام لمجتمعات المسلمين ومن أيام التنزيــل اذ انهم انتبهــوا إلى اضرار زيغ القلب وكيــف انه يؤدي بصاحبه إلى قلب الحقائــق وتشويه الوقائع، فأعرضوا عنه واستغاثوا بالله عز وجل للنجاة منه، لذا ترى المسلمين ينفردوا بالإقرار بجميع النبوات والكتب السماوية المنزلة مع ان هذا الإقرار من اوليات سنن التوحيد.
والآية دعوة للناس جميعاً للتوجه بالدعاء للتخلص من الميل عن الحق، والسعي في دروب الباطل، ولو دعا الكافرون والجاحدون الله عز وجل بان لا يزيغ قلوبهم، فهل يقبل دعاؤهم، الجواب: ان الله واسع كريم ولا يمكن القطع بغلق باب من أبواب رحمته مع العجز عن احصاء عددها، ولكنهم متلبسون بالميل عن الحق، ويختلفون عن موضوع هذه الآية التي جاء فيها الدعاء بصيغة الإسلام وبقيدها حال الهداية، وهذا القيد سبب مبارك للاستجابة.
وأخرج ابن أبى شيبة وأحمد والترمذي وغيرهما عن أم سلمة: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكثر في دعائه ان يقول: اللهم مقلب القلوب ثبت قلبى على دينك، قلت يا رسول الله وان القلوب لتتقلب، قال: نعم ما من خلق الله من بشر من بنى آدم الا وقلبه بين اصبعين من أصابع الله فان شاء الله أقامه وان شاء أزاغه فنسأل الله ربنا ان لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا ونسأله ان يهب لنا من لدنه رحمة أنه هو الوهاب، قلت: يا رسول الله ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي، قال: بلى قولى: اللهم رب النبي محمد اغفر لي ذنبي واذهب غيظ قلبى وأجرني من مضلات الفتن ما أحييتني) ( ).
والحديث دعوة للجوء إلى سلاح الأنبياء وهو الدعاء والتوسل اليه تعالى للنجاة من الفتنة وآثارها.
وأخرج ابن أبى شــيبة وأحمد وابن مردويه عن عائشــة قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وســلم كثير ما يدعــو يا مقلب القلوب ثبت قلبى على دينك، قلت: يا رســول الله ما أكثر ما تدعو بهذا الدعاء، فقال: ليس من قلــب الا وهو بين اصبعين من أصابع الرحمن إذا شاء ان يقيمه اقامه وإذا شاء ان يزيغه ازاغه أما تسمعين قوله تعالى ربنا الا تزغ قلوبنا بعد أذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة انك أنت الوهاب)( ).
انه تأديب للمسلمين ودعوة للحرص على تجديد الايمان كل ليلة، وفيه طرد لوسوسة الشيطان ودبيب الشك والريب إلى القلب، ومناسبة ليكتب عمل العبد ساعة الخلوة واختياره الدعء والمناجاة في سكن الليل وأوان راحة البدن.
واخرج مسلم والنسائي عن عبد الله بن عمــرو يقول: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ان قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرف كيف يشــاء ثم يقــول رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك)( ).
ويبين الحديث عظيم قدرته وسلطانه تعالى، وفيه بشارة مجيء الايمان من الناس دفعة واحدة وعلى نحو العموم المجموعي، قال تعالى [وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا]( ).

قوله تعالى [بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا]
جاءت الآية مطلقة من جهة الهداية بغض النظر عن الحالة السابقة من توارث الإسلام او الإنتقال من ملة الكفر فجميع المسلمين ذكوراً واناثاً تشملهم عناوين الهداية وانهم متلبسون بها، وهذه الآية غاية في مدح المسلمين والثناء عليهم لأن القرآن اخبر عن هدايتهم وايمانهم واختيارهم سبل الرشاد.
لقد نسب المسلمون الهداية إلى الله عز وجل وهو أدب في العبودية واجتناب للغرور والزهو ورجاء لإتصال معالم الهداية، وعدم مغادرتها، وهذه النسبة من بين وجوه سؤال عدم الزيغ، فحينما يعلن ان حال الهداية التي هم عليها انما هي من عنده تعالى فانه تعالى يتفضل عليهم بصرف اسباب الزيغ، انه نوع التجاء اليه تعالى، واظهار للرضا بنعمة الهداية والغبطة والسعادة بها والحرص على البقاء على منازلها وعدم الإنتقال إلى ما هو ضدها.
ان نسبة الهداية اليه تعالى دليل على الهداية ذاتها فمن وجوه الهداية اظهار سنن العبودية والرق والإلتجاء اليه تعالى لسؤال دوام النعم، لأن النعمة مركبة من الإبتداء والإستدامة وهذه الإستدامة ليست بسيطة بل هي ايضاً مركبة لإنقسامها بعدد آنات وساعات الحياة، ففي كل ساعة يحتاج الإنسان تعاهد ودوام الهداية وظهورها على الجوانح والأركان وفي أداء الفرائض والمندوبات.
ترى ما هي النســبة بين الهداية وعدم زيغ القلوب هل هي التساوي بينهما بحيث ان زيغ القــلوب يعني الخــروج عن سبل الهداية، ام العمــوم والخصــوص المطــلق، وان الهــداية أعم من عــدم زيغ القلوب، ام انها عموم وخصوص من وجه فيلتقيان في وجوه ويفترقان في وجوه.
الجواب هو الأول، وان النسبة بينهما التساوي فالمهتدي لا يزيغ قلبه ولا يميل عن الحق، وزيغ القلوب مناقض للإيمان، لذا ذمت الآية الذين في قلوبهم زيغ وميل عن الحق، وهل ان طوائف المسلمين جميعها ليست من أهل الزيغ والضلالة، نعم الهداية سور عام للصلاح والرشاد والتقوى.
لقد جاء لفظ الهداية بصيغة الجمع “هديتنا” وهو تزكية للمسلمين ودعوة لعدم ذم بعضــهم بعضــاً ورمــي بعض طوائفهم بالضلالة والزيغ ونحوه، لقد جاءت الهداية للمســلمين دفعة واحدة بنزول القرآن وان نزل نجوماً وآيات متــفرقــة، فأول آياته وســوره كانت ســبباً للهداية والرشاد، ومنذ ان بعــث النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بدأ الناس افراداً ثم جماعات ثم امماً يدخلون الإسلام، وهو سبحانه اذا أعطى يعطي بالأتم والأوفى، والهداية الدفعية أفضل رتبة من الهداية التدريجية.
والاية تخبر عن استقرار الهداية في قلوب المسلمين، ووجود جامع مشترك بينهم هو الهداية والتي تتجلى بالنطق بالشهادتين وأداء الفرائض والعبادات، ولم يرد لفظ (هديتنا) الا في هذه الآية الكريمة وجاء في القرآن مدح للأنبياء، قال تعالى [أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ]( ).
وقد أكرم الله المسلمين فجاءت هذه الآية لمدحهم وانهم بلــغوا مراتب الهداية واصبحوا ورثة الأنبياء في الهداية، والآية تأديب لأجيال المسلمين وعدم الركون إلى ما هم عليه من الحال ولزوم الحذر من تقلبات الزمان ومهاجمة الفتن، وفيها شكر لله ورسوله من عموم المسلمين على نعمة الهداية، وتبين الآية أهلية المسلمين لخلافة الأرض وعمارتها بالشكر له تعالى والإقرار بتفضله بالنعم المتتالية وهذا الشكر يفتح أبواباً من فضله.
وتحتمل الهداية سعة وضيقاً ومن جهة الكمال وجهين :
الأولى : الهداية من الكلي المتواطئ الذي يكون بأعلى مرتبة واحدة.
الثانية : الهداية من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قوة وضعفاً , والمختار في أزاء الهداية في الآية من الوجه الثاني , ولكنها بمراتبة سامية ليس فيها ضعف ونفص في الهداية , فمن معاني الآية الثناء وعلى كل مسلم ومسلمة لبلوغهم مراتب الهداية , إذ تتضمن آية البحث أموراً :
الأول : إقرار المسلمين بأن الله عز وجل هو الذي هداهم للإسلام .
الثاني : الشهادة للمسلمين ببلوغ مراتب الهداية .
الثالث : شكر المسلمين الله عز وجل على نعمة الهداية , ونسبتها إليه تعالى .
الرابع : ثناء الله عز وجل على المسلمين ببلوغ مراتب الهداية , وفيه قانون الله عز وجل يعطي ويشكر على هذا العطاء وقبول العباد له .
قوله تعالى [وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً]
بعد سؤال السلامة من درن الباطل والنجاة من اغواء شياطين الإنس والجن، والإحتراز من الريب والشك انتقلت الآية إلى سؤال الرحمة والفضل الإلهي، وهذا من الإعجاز في ترتيب السؤال وتعاقب الطلب، فيكون كالجيــش في ســاحة المعركة اذ يقــومون اولاً بالــدفــاع عن النفس وتقوية الصف الداخلي ثم ينطلقون لتحقيق النصر على الأعداء، فهــذه الآية حسمت العداء مع المشككين في القرآن، وأبطلت محاولات تحـــريفه في باب التفسـير والتأويل بعد ان اشترك جميع المسلمين منذ ايام التــنزيل باحاطته بعناية خاصة منعت من تحريف وتبديــل كلماته والفــاظــه، لقد توجــه المسلمون بالدعاء لنيل الرحمة منه تعالى.
وفي السؤال الوارد في الآية مسائل :
الأولى : جاء السؤال بالإستيهاب، ومن أسمائه تعالى الوهاب وهو من صيغ المبالغة، لأنه تعالى كثير الهبات والعطايا أي ان المسلمين لم يطلبوا امراً يستــحقونه او ثواباً يكون جــزاء لعمل صالح فعلوه، بل ارادوا هبة وعطية مــنه تعالى للعــلم بعدم استحقاق شيء عليه، وعلى فرض وجود استحقاق وثواب فان المرجو من رحمته أعظم وأكبر كما ان الإستحقاق ذاته لا يأتي الا رحمة منه تعالى هو وأصله من الفعل الصالح، لذا نسبت الآية الهداية له تعالى، وان المسلمين لم يصــلوا إلى مراتبها بجهــدهم وســعيهم، ان سـؤال الهبة منه تعالى اظهار للعبودية واقرار بان مقاليد الأمور بيده تعالى.
الثانية : (لدن) ظرف غير متمكن بمعنى عند، وكما ان (عند) لم يدخل عليها من حروف الجر الا (من) كذلك (لدن) لم يدخل عليها الا حرف الجر (من).
الثالثة : سؤال الهبة من عنده تعالى يدل على عظيم الرجاء والثقة التي تملأ قلوب المسلمين بعطائه وفضله تعالى، ومن كانوا هكذا فان الريب والشك لن يتسرب إلى نفوسهم.
الرابعة : تدل صيغة وموضوع الدعاء على انقطاع المسلمين إلى الله ورجائهم لرحمته، وسؤال الهبة من عنده تعالى يدل على علمهم بعظيم احسانه.
الخامسة : جاء ذكر الرحمة على نحو التنكير من غير تعيين بقدر مخصوص او موضوع محدد، او زمان محدود لأنه تعالى هو الرحمن والرحيم، ولأن حاجات المسلمين عامة والمسلم خاصة ولا تنقطع وهي أكثر من أن تحصى، ولا يقدر عليها الا الله عزوجل، كما ان رحمته تعالى اعم من الحاجة والسؤال وهو سبحانه يعطي نافلة وما يزيد على الحاجة وما لا يطرأ على بال الإنسان من النعم والنافع وصرف الأمراض والبلاء.
السادسة : بقرينة الحال وموضوع الآية يكون من الرحمة التصدي لأهل الشك والريب ودحر افتراءاتهم وفضح مغالطاتهم، ورد المتشابه إلى المحكم فيكون اتباعهم للمتشابه خزياً لهم ولن يضر احداً غيرهم.
السابعة : ومن آداب الدعاء استحباب الإلحاح فيه، وقد ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: (رحم الله عبداً طلب من الله عزوجل حاجة في الدعاء استجيب له او لم يستجب).
وسؤال الرحمة هنا هل يعتبر من الإلحاح الجواب نعم من وجوه :
الأول : الإلحاح أعم من التكرار في ذات المسألة، فالمراد منه المواظبة على الدعاء وكثرة المسألة وتعدد الحاجات.
الثاني : بعد الإستجارة بالله عز وجل من ميل القلوب عن الحق، جاء سؤال طلب الرحمة منه تعالى.
الثالث : من الإلحاح التنكير في المسألة وعدم تقييد الرحمة بموضوع مخصوص بل جاءت مطلقة لبيان عظيم الرجاء به تعالى.
الرابع : يمكن اعتبار الدعاء النوعي العام من الإلحاح، فالمسلمون كلهم يضجون إلى الله تعالى بالدعاء وطلب الرحمة منه تعالى.
والرحمة في الآية مركبة تنقسم إلى أقسام:
الأول: شخصي ويتعلق بفضله ولطفه تعالى على المسلم الواحد.
الثاني: الرحمة بالمسلمين على نحو العموم المجموعي كأمة، وعلى نحو العموم الإستغراقي كأفراد وأشخاص.
الثالث: الرحمة بالمسلمين المترشحة عن أمره تعالى بخصوص الكافرين والمنافقين والضالين، فقد يبتليهم الله أشد البلاء في الدنيا بما يشغلهم عن الإسلام او يكون سبباً لإسلام المستضعفين منهم وأرباب العقول، الذين ينتفعون من مناسبة الإبتلاء للتدبر في القرآن، او تكون صارفاً للملأ والوجهاء منهم عن محاربة القرآن.
ومن وجوه التنكير في الدعاء انه مفتوح إلى يوم القيامة وان الرحمة متعددة وكل جيل تنزل عليه رحمة متجددة وكل رحمة مستحدثة هي غير الرحمة السابقة لها، لأن كل جيل يسأل الله عز وجل رحمة جديدة.
و(عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا استيقظ من الليل قال : لا إله إلا أنت سبحانك اللهم إني أستغفرك لذنبي وأسألك رحمتك ، اللهم زدني علماً ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني ، وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب)( ).
وتبين الآية الحاجة للجوء إلى الله عز وجل بالدعاء والمسألة والرجاء للوقاية من النفاق , ومفاهيم الضلالة خاصة عند تشابك الأنكار وكثرة المناظرة والمغالطة كما في هذا الزمان , وفي مرسلة (خالد بن معدان عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إنما الإِيمان بمنزلة القميص ، مرة تقمصه ومرة تنزعه) ( ) وخالد بن معدان بن أبي كرب الكلاعي تابعي لقى من الصحابة أبا زمامة والمقدام بن معدي كرب وغيرهما , توفى(103) هجرية.
وقد ورد لفظ (رحمة) بصيغة النكرة , والنكرة في سياق الإثبات لا تفيد العموم إلا مع القرينة , كما في قوله تعالى [وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ] ( ).
والمختار أن لفظ (الرحمة) في الآية تفيد العموم في الموضوع , وأفراد شافعة من جنسها لأن النكرة هنا (رحمة) اسم جنس ولكن ليس من قرينة تفيد العموم , ثم أن رحمة الله عز وجل تتغشى الخلائق كلها وتقدير الآية (وهب لنا رحمة من رحمتك) ولم يرد لفظ (هديتنا) في القرآن إلا في هذه الآية , على النحو اللطف وليس الإستغراق , لقد سألوا الله عز وجل الرحمة بما هو أهله لأنه سبحانه يعطي العبد ما يفوق حساباته وتصوره الذهني , وما ينووله ويتطلع إليه , نعم هذا التنكير (رحمة) يفيد العموم في موضوعه فيشمل أموراَ منها :
الأول : الأبناء والذرية وصلاحهم .
الثاني : كثرة الرزق والمكاسب , قال تعالى [الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً] ( ).
الثالث : سلامة الأبدان .
الرابع : إتصال اللطف الإلهي .
الخامس : التوفيق والرشاد , قال تعالى [وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا] ( ).
السادس : المدد والمعونة .
السابع : العصمة من الفتن والنفاق .
الثامن : تعاهد الفرائض العبادية .
التاسع : التنزه عن الظلم والجور والتعدي , قال تعالى [وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ] ( ).
العاشر : حسن المعاملة , والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي جاء جاء به القرآن قال تعالى [وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ] ( ) فجاءت آية البحث لسؤال المدد من الله عز وجل للإمتثال لهذا الأمر , والفوز بثوابه , وفي التنزيل [رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار] ( ).
الحادي عشر : البقاء في منازل الهداية التي تذكرها الآية , لإرادة الحاجة إلى رحمة الله عز وجل في استدامة وتعاهد الهداية , وتقدير قوله تعالى بعد إذ هديتنا : وارحمنا بعد إذ هديتنا بالإقامة في منازل الهداية .
ترى ما هي النسبة بين الرحمة التي تذكرها آية البحث والحسنة التي تذكرها الآية أعلاه .
الثاني عشر : إرادة الشكر من الله عز وجل في الدنيا على الهداية التي تفضل بها سبحانه .
الثالث عشر : السلامة والنجاة من البلاء , والمصائب وفي النبي هود عليه السلام قال الله تعالى [فَأَنجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ] ( ).
الرابع عشر : حسن العاقبة والنعيم الدائم في الآخرة وتقدير الآية , وهب لنا من لدنك رحمة في الدنيا , وهب لنا من لدنك رحمة في الآخرة , قال تعالى [يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ] ( ).
ويمكن استقراء وجوه ومعاني كثيرة لسؤال الرحمة في آية البحث بلحاظ الآيات التي ورد فيها لفظ (رحمة) وتفيض العطاء كماَ وكيفاَ إلى الله عز وجل وهو من معاني التنكير بلفظ (رحمة) .
ومن معاني درجة الهداية الني فازوا بها سؤال الله عز وجل الرحمة بهذه الصيغة وتفويض الأمر إليه سبحانه [وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ]( ) .
وهذا السؤال وموضوعه وكيفيته والتفويض من أولي الألباب شاهد على الإهتداء والهداية التي تذكرها آية البحث , ليكون من معاني الجمع بين آية البحث والآية السابقة ,[ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ] ( ) .
لبيان النفع العام للراسخين في العلم بأن جعلوا طائفة من الناس وهم أصحاب العقول السليمة يذكرون الله عز وجل ويستحضرون الآيات ويؤدون الفرائض والعبادات , ويتخذون الدعاء سلاحاَ .
فمن خصائص أولي الألباب ادراك قانون مقاليد الأمور كلها بيد الله عز وجل .
وهل يسأل الراسخون في العلم ذات السؤال[رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ] ( ) الجواب نعم , ليكون من مصاديق الرسوخ والثبات .
ويسأل أولوا الألباب الله عز وجل من خزائن رحمته , قال تعالى [أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ] ( ).
علم المناسبة
ورد الدعاء والسؤال بلفظ (هب) سبع مرات في القرآن منها ما ورد في دعاء بعض الأنبياء كما في دعاء زكريا [ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً] ( )، وفي سليمان [وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي]( )، وورد في دعاء ابراهيم [رب هب لي حُكْمًا]( ).
فبينما جاء دعاء الأنبياء بصيغة المفرد (هب لي) جاء دعاء المسلمين بصيغة الجمع هب لنا، مما يعني ان المسلمين ورثة الأنبياء في الدعاء والمسألة وان أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم واتباعه من المسلمين يرتقون درجة على أصحاب الأنبياء السابقين فانتفعوا من أدعية الأنبياء ووظفوها للأمة في جميع أجيالها من غير استثناء أو حصر بفئة دون أخرى، وسألوا الرحمة لهم جميعاً ومن غير تقييدها بموضوع مخصوص.
فدعاء المسلمين جاء جامعاً شاملاً ليكون ناسخاً لغيره ولأنه آخر أدعية أهل الأرض الموثقة في كتاب منزل من السماء.
قوله تعالى [إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ]
في أسمائه تعالى الوهاب، وهو اسم يبعث في النفوس الشوق إلى رحمته وعطائه ويجعل القلوب والأعناق معاً تتطلع إلى فضله واحسانه تعالى، وجاء لفظ الوهاب بصيغة الإطلاق والعموم.
وهذا الإطلاق يتعلق بالذات المقدسة وبالموهوب، والموهوب له، فهو سبحانه الذي يقدر على الهبات العظيمة التي هي فرع القدرة الإلهية وما يهب سبحانه لا يقدر عليه غيره، وان كان موجوداً عند غيره من الخلائق لبخل به وشح بعطائه كماً وكيفاً ومقداراً، فهباته تعالى متصلة ما كر الجديدان الليل النهار.
يعطي سبحانه من غير عدّ او وزن او حساب لمقدار العطاء، وكل عطاء مستقل عن غيره لأن المعطي متى ما نظر إلى ما أعطاه سابقاً للشخص او الجماعة فانه يقلل من عــطائه ويزيــد من منّه، ولكن الله عز وجل يزيد من فضله وعطائه ولا يكون العطاء السابق الا سبباً في زيادة وكثرة وتعدد العطاء، اما بالنســبة للموهوب له، فانه ســـبحانه يهب ويعطي الخلائق كلها من غير حصر ببني الإنسان، وما من مخلوق الا ومحتاج إلى هــباتــه وعــطايــاه بل ان خــلقه رشـحة من فضله وهبة من عطاياه.
ان اسم الوهاب من الأسماء الحسنى التي تملأ النفس عشقاً لله تعالى، وتكون تذكيراً بالرجوع اليه لأخذ العطايا وكأن الإنسان على موعد مع هبات راتبة ثابتة وهبات اخرى مستحدثة لذا جاء سؤال المسلمين بالرحمة على نحو التنكير والإطلاق.
(وفي حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لقد هممت ان لا اتهب الا من قرشي او انصاري او ثقفي) أي لا اقبل هدية الا من هؤلاء، لمعرفتهم بقواعد الهبة ومكارم الأخلاق، وابتعادهم عن المن والأذى ولأنهم أصحاب مدن وقرى، ومن أهل البادية من سأل الزيادة على هديته.
وليس من وهاب على نحو الحقيقة الا الله تعالى انه يعطي ويهب وهو لا يريد الجزاء لأنه غني عن العالمين.
واذا اطلق لفظ الوهاب على غيره كما لو كان انسان كثير الهبات فانه على نحو المجاز وليس الحقيقة لأن هذه الكثرة بلحاظ غيره من ابناء جنسه ومحلته او بلدته لا على نحو الإطلاق، ولأنه نفسـه يحتاج الهبات ولا يستطيع الإستغناء عن هباته تعالى بل ان الهبات التي يعطيها انما هي من فضله ولطفه وفيضه تعالى عليه، فلو لم يعطه ويرزقه الله لما استطاع ان يهب اذا انك تجد الإنسان يشتاق لإعانة الآخرين ومساعدتهم ولكن قلة ما في اليد تمنعه من قضاء حاجاتهم.
اما هباته تعالى فمتصلة ولا تنحصر بالحاجة والنقص وأسباب الكفاية، كما انه سبحانه يتودد إلى العباد في الهبات، وهذا من اللطف الإلهي فهو سبحانه غير محتاج لغيره، وكل الخلائق محتاجة له ولكنه يتلطف بعباده ويجذبهم إلى رحمته وقربه بالهبات، ومن ينسى ذكره لا يؤاخذه ويعاقبه بل يذكره بالعطايا الجزيلة وينعم عليه بما يجعله يتوجه بالشكر اليه سبحانه.
وخاتمة الآية توسل وتضرع وحسن تقرب إلى الله تعالى لإتمام فضله سبحانه والإستجابة إلى ما في الآية من الدعاء والمســألة، وفيه نكتة اضافية وهي تفويض مضامين ووجوه الرحمة التي يسـألونها في نوعها إلى الله تعالى وانه يعطي بكرمه واحسانه ثم ان وجوه رحمته تعالى لا يحيط بها الا هو سبحانه، وقد يسأل الإنسان الهبة والمنع والعطية في باب فيرزقه الله من باب آخر ما هو أعظم وأكبر من غير ان يترك خصوص مسألته.
وقد تجعل أفعال العباد حجباً دون صعود مسألته وموانع لإستحقاقه فجاء الدعاء بسؤاله تعالى بما هو أهله من رحمته وجوده وإحسانه.


قوله تعالى [رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ] الآية 9
الإعراب واللغة
[رَبَّنَا] ربنا: منادى مضاف، والضمير مضاف اليه.
[إِنَّكَ جَامِعُ] ان واسمها وخبرها، والجملة ملحقة بمقول القول.
[لاَ رَيْبَ فِيهِ] لا: نافية للجنس، ريب: اسمها. فيه: جار ومجرور، متعلقان بمحذوف خبر.
[إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ] ان: حرف مشبه بالفعل: اسم الجلالة اسمها. لا: نافية.
يخلف فعل مضارع مرفوع. الميعاد: مفعول به منصوب، وقيل ان جملة (لا يخلف الميعاد) بمعنى المصدر وهو الوعد.
والريب: الشك والظنة والتهمة، وريب المنون: حوادث الدهر.
وقال الخليل (الرَّيْبُ: الشَّكُّ.. والرَّيْبُ: صَرْفُ الدَّهر وعَرَضُه وحَدَثُهَ.. والرَّيب: ما رابك من أَمْرٍ تخوّفتَ عاقبتَهُ، قال أبو ذؤيب:
فشَرِبْنَ ثمَّ سَمِعنَ حسّاً دونه … شَرَفُ الحِجاب وريبَ قَرْعٍ يُقْرَع
أي: سَمِعْنَ قَرْعَ سَهمٍ بقَوْسٍ.) ( ).
والمختار أن النسبة بين الشك والريب عموم وخصوص مطلق , وأن الشك هو الأعم , ومن معاني الريب الشك المقترن بالخشية والحيطة من الأذى .
في سياق الآيات
لقد بدأت هذه الآية بنداء الإستغاثة والدعاء وبمثل ما بدأت به الآية السابقة (ربنا) بعد الإلتجاء إلى الله تعالى وسؤال النجاة من اذى وافتراء المبطلين والمعاندين وســؤال الرحمة منه تعالى، جاء الإقرار بالمعاد وحتمية البعث والنشور، لبيان الحاجــة المطلقة له سـبحانه وخيبة الكافرين وأهل الزيغ والجحود وخسارتهم يوم القيامة كما تبينه الآية التالية.
لقد تضمنت الآية السابقة سؤال المسلمين رحمة من عند الله عز وجل إلى جانب الهداية التي فازوا بها .
وعدد الآيات التي ابتدأت بكلمة (ربنا) في سورة آل عمران هو (5).
وبين موضوع هذه الآية والآية السابقة [رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ] ( )، عموم وخصوص من وجه ، فمادة الإلتقاء من جهات :
الأولى : كل من الآيتين آية من سورة آل عمران .
الثانية : إبتداء كل آية بالدعاء (ربنا).
الثالثة : التسليم من المسلمين بأن مقاليد الأمور كلها بيد الله.
الرابعة : صبغة الدعاء في الآيتين ، وفي التنزيل [قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ]( ).
الخامسة : صيغة الجمع في الآيتين.
السادسة : إختتام كل من الآيتين بالثناء على الله عز وجل.
السابعة : المجاورة بين الآيتين.
الثامنة : مجئ الآيتين بعد اختتام الآية قبل السابقة بقوله تعالى [وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ]( ).
أما مادة الإفتراق فمن جهات :
الأولى : إبتداء آية البحث بسؤال السلامة من ميل القلوب والأقدام عن مقامات الإيمان , وهذا الميل في الدنيا لأنها دار امتحان وابتلاء واختبار , مع سؤال الرحمة في الدنيا والآخرة , أما آية البحث فتضمنت الإقرار باليوم الآخر .
الثانية : تجلي صبغة الدعاء في الآية السابقة أما في هذه الآية فجاء الإقرار بالربوبية المطلقة لله عز وجل وبالتسليم بالمعاد , وهو أصل من أصول الدين وسيأتي التفصيل في الجزء الثاني والثلاثين بعد المائتين من هذا السِفر , فهل أهل الكفار مكلفون بالفروع كتكليفهم بالأصول .
الثالثة : ذكرت الآية السابقة المؤمنين , أما آية البحث فذكرت الناس على نحو العموم والإستغراق .
ثم اختتمت الآية السابقة بقوله تعالى [إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ]( ) للإقرار بأن الله عز وجل يهب للناس جميعاَ , الأحياء والأموات.
الرابعة : اتخاذ الدعاء في الآية السابقة حرزاَ في الآخرة , فحينما يحشر الناس يوم القيامة يفوز أهل التقوى والصلاح .
وبعد أن أختتمت الآية السابقة بالدعاء إنك أنت الوهاب جاءت هذه الآية بذات صيغة رجاء الإستجابة من الله عز وجل ، فمن إعجاز القرآن إختتام آية باسم من الأسماء الحسنى وابتداء الآية التي تليها باسم آخر من الأسماء الحسنى مع موضوعية الدعاء والتضرع في ثنايا الثناء على الله عز وجل لتثبيت قوانين التوحيد في الأرض ، وفي التنزيل [قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ]( ).
الخامسة : تأكيد آية البحث ليوم القيامة ، وأنه أمر حتمي ، ومن خصائص جمع أجيال الناس المتعاقبة في آلاف السنين من الحياة الدنيا في المحشر ومواطن الآخرة في آن واحد.
إذ تفيد الألف واللام في (الناس) الجنس وعموم أجيال الناس من آدم وحواء إلى [يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ]( ).
السادسة : يمكن تسمية يوم القيامة (يوم لاريب فيه).
وسيأتي في الجزء الرابع والثلاثين بعد المائتين باب أسماء يوم القيامة.
السابعة : جمع الناس يوم القيامة من رحمة الله وفيه اثابة وجزاء حسن للذين آمنوا وعملوا الصالحات باللبث الدائم في الجنة ، قال تعالى [قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ]( ).
إعجاز الآية الذاتي
من الآيات ورود الإقرار بالمعاد في ذات السياق الذي يطلب فيه المسلمون العفو والرحمة من الله تعالى، وجاء موضــوع الحشر بلفظ الناس وفيه نوع استبشار واستعداد للقــائه تعالى بالإيمــان، واخبار بان اعتناق الإسلام حاجة لكل انسان في الآخرة، كما تبين الآية القطع والجزم في تحقيق ما يعد به سبحانه لأنه قادر على كل شيء، لقد اثار الجاحدون اسباب الريب، فرد المسلمون بمسألة لا ريب ولا شك فيها وهي الحشر العام للناس يوم القيامة وهذا من التباين بين المسلمين والكفار، فالمسلمون لا يقولون الا الحق والصدق .
وإذ ابتدأت الآية بالدعاء والتضرع فقد اختتمت بقانون من الإرادة التكوينية وهو أن الله عز وجل وحده الوهاب الذي لا تنفد خزائنه , مع أنه يعجز الناس عن إحصاء هباته للخلائق في أي ساعة من ساعات الحياة الدنيا أو الآخرة .
وجاءت الآية بالحرف اللام بقوله تعالى [لِيَوْمٍ لاَ رَيْبَ فِيهِ] ولم تقل يوم ، لبيان أن أهوال يوم القيامة أعم من جمع الناس ، وذات اليوم أمر حتمي الوقوع ، قال تعالى [فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ]( ).
وهل تدل الآية على أن الجنة والنار مخلوقتان الآن ، الجواب لا ، وإن كان المشهور والمختار أنهما مخلوقتان الآن ، وقد وردت آيات تتضمن الإخبار بأن المراد هو يوم القيامة منها قوله تعالى [اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ حَدِيثًا]( )، لبعث الناس على فعل الصالحات ، واكتناز الحسنات ، والعصمة من فعل السيئات في التهيئ والإستعداد لعالم البعث والنشور والحساب والجزاء يوم القيامة وهذا التعدد في خصائص يوم القيامة من أسباب مجئ الآية بحرف اللام (ليوم).
ويمكن تسمية هذه الآية بـآية (جامع الناس)
إعجاز الآية الغيري
لم تقل الآية جامع المؤمنين أو جامعنا , إنما وردت بلفظ (جامع الناس) لإفادة عموم أجيال الناس والأمم المنقرضة واللاحقة , وفيه تذكير للناس جميعاَ بالمعاد واليوم الآخر , ودعوتهم للهدى والإيمان , ليكون من أسرار تلاوة المسلمين لهذه الآية كل يوم البعث على العمل الصالح واجتناب السيئات.
لقد ذكرت آية البحث الذين كفروا بصيغة المضارع (لن تغني) لإنذار قريش ومن والاهم واتبعهم بذات نهج الجحود والظلم ومحاربة النبوة والتنزيل , ومن مصاديق عدم انتفاع الكفار من أموالهم وأولادهم .
تلقي قريش الهزيمة والخزي في معركة بدر مع أن عددهم كان أكثر من ثلاثة أضعاف عدد المسلمين , أما من جهة الخيل والإبل والأسلحة فكانت أكثر من هذه الأضعاف , فمثلاَ كان عند المسلمين يوم بدر فرس واحد , وقيل فرسان .
بينما كان عند المشركين مائة فرس ،وموضعية وأثر الخير في سير المعركة حتى إنكسرت جيوش قريش ، وسقط منهم سبعون قتيلاً ،وأسر الصحابة سبعين آخرين ، ونزل قوله تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ …] ( ) لتكون النسبة بين آية البحث والآية أعلاه عموماً وخصوصاً مطلقاً ، ومن مصاديق خاتمة الآية [وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ] ( ) وامر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يلقى قتلى المشركين في القليب ليكون كالقبر الجماعي لهم ، ولما ألقوا فيه وقف عليهم وخاطبهم (يا أهل القليب بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم كذبتموني وصدقني الناس وأخرجتموني وآواني الناس وقاتلتموني ونصرني الناس
يا أهل القليب هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا
فقال له أصحابه يا رسول الله أتكلم قوما موتى
فقال لهم لقد علموا أن ما وعدهم ربهم حق) ( ).
وقال ابن اسحاق ، وقال حسان بن ثابت بخصوص الذين ألقوا في القليب يوم بدر :
عَرَفْت دِيَارَ زَيْنَبَ بِالْكَثِيب كَخَطّ الْوَحْيِ فِي الْوَرَقِ الْقَشِيبِ
تَدَاوَلَهَا الرّيَاحُ وَكُلّ جَوْنٍ … مِنْ الْوَسْمِيّ مُنْهَمِرٍ سَكُوبِ
فَأَمْسَى رَسْمُهَا خَلَقًا وَأَمْسَتْ … يَبَابًا بَعْدَ سَاكِنِهَا الْحَبِيبِ
فَدَعْ عَنْك التّذَكّرَ كُلّ يَوْمٍ … وَرُدّ حَرَارَةَ الصّدْرِ الْكَئِيبِ
وَخَبّرْ بِاَلّذِي لَا عَيْبَ فِيهِ … بِصَدْقِ غَيْرِ إخْبَارِ الْكَذُوبِ
بِمَا صَنَعَ الْمَلِيكُ غَدَاةَ بَدْرٍ … لَنَا فِي الْمُشْرِكِينَ مِنْ النّصِيبِ
غَدَاةَ كَأَنّ جَمْعَهُمْ حِرَاءٌ … بَدَتْ أَرْكَانُهُ جُنْحَ الْغُرُوبِ
فَلَاقَيْنَاهُمْ مِنّا بِجَمْعِ … كَأُسْدِ الْغَابِ مُرْدَانٍ وَشِيبِ
أَمَامَ مُحَمّدٍ قَدْ وَازَرُوهُ … عَلَى الْأَعْدَاءِ فِي لَفْحِ الْحُرُوبِ
بِأَيْدِيهِمْ صَوَارِمُ مُرْهَفَاتٌ … وَكُلّ مُجَرّبٍ خَاطِي الْكُعُوبِ
بَنُو الْأَوْسِ الْغَطَارِفِ وَازَرَتْهَا . بَنُو النّجّارِ فِي الدّينِ الصّلِيبِ
فَغَادَرْنَا أَبَا جَهْلٍ صَرِيعًا … وَعُتْبَةَ قَدْ تَرَكْنَا بِالْجَبُوبِ
وَشَيْبَةَ قَدْ تَرَكْنَا فِي رِجَالٍ … ذَوِي حَسَبٍ إذَا نُسِبُوا حَسِيبِ
يُنَادِيهِمْ رَسُولُ اللّهِ لَمّا … قَذَفْنَاهُمْ كَبَاكِبَ فِي الْقَلِيبِ
أَلَمْ تَجِدُوا كَلَامِي كَانَ حَقّا … وَأَمْرُ اللّهِ يَأْخُذُ بِالْقُلُوبِ ؟
فَمَا نَطَقُوا وَلَوْ نَطَقُوا لَقَالُوا. صَدَقْت وَكُنْت ذَا رَأْيٍ مُصِيبِ)( ).
الآية سلاح
ستبقى الآية برزخاً وحاجباً دون الضلالة والجحود واتباع اهل الزيغ والشك والريب، ومتى ما علم الإنسان بان البعث حق وأمر حاصل قطعاً فانه يجتهد في السعي اليه والإحتراز مما يكون مصدراً للإبتلاء والأذى يومئذ.
وفي الآية تخفيف عن المسلمين فيما يلاقونه من الكفار لأنها تخبر عن الثواب والجزاء الحسن على هذا الأذى، بالاضافة إلى كشف وجوه القوة والضعف والصدق والكذب في المحاججة والمناظرة مع الكفار.
وتتصف آية البحث بصبغة الدعاء وتقديم الثناء على الله عز وجل والتسليم بربوبيته المطلقة على الخلائق .
وبعدها جاء الإقرار باليوم الآخر وبعث الناس جميعا من القبور , وفيه لجوار واستجارة بالله عز وجل للنجاة عن أهوال يوم القيامة .
مفهوم الآية
الآية من مفاخر العقيدة الإسلامية لدلالتها على عدم انكار المسلمين يوم القيامة او نسيانه او الإكتفاء بذكره اجمالاً.
لقد ارادوا ان تكون هذه الآية شهادة عليهم ووثيقة في الدنيا والآخرة تؤكد علمهم واقرارهم بالبعث وفيه حجة عليهم وعلى الناس بالتسليم بعالم آخر قال تعالى [وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا] ( ).
ومن الآيات ان ترى هذه الحقيقة في الدنيا عند عموم المسلمين فلم يخرج منهم على مدى الأجيال إلا من يسلم بالمعاد.
وهذا من الإعجــاز القرآني ان تخلــق الآية القــرآنية واقعاً عقائدياً ثابتاً عند عموم المسلمين، فالآية نفي للجحود بيوم الحساب، وحرب على اولئك الكفار الذين ينكرون البعث ويتمسكون بالآيات المتشابهات من غير ارجاعها إلى المحكمات.
وتطرد الآية الغفلة عن الإنسان في ليله ونهاره وتمنعه من التمادي في أفعاله، وتجعله حريصاً على ملاحظة الأفعال بملاك المصلحة في الآخرة وموازين الثواب والعقاب.
إفاضات الآية
تبعث الآية الفزع والخوف في النفس الإنسانية من يوم القيامة، ولكنها تقذف السكينة فيها عند التوفيق للعمل الصالح وتجعل الإنسان سعيداً عند أداء العبادات والفرائض، ويشعر بوطأة الأحمال والأثقال عند المعصية والخطيئة فلذا فتح الله عز وجل باب التوبة للتخفيف واتصال أسباب الرحمة.
وهذه الآية من مصاديق العبادة والإستعانة في قوله تعالى [إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ] ( ) التي يتلوها كل مسلم ومسلمة سبع عشرة مرة في اليوم والليلة في الصلاة اليومية .
فالنداء ربنا شاهد على التنزه عن الشرك والضلالة والإقرار بالمعاد رجاء الإستعانة بالله عز وجل للنجاة من أهوال عالم الآخرة .
وتبين الآية طمع المسلمين في الوعد الإلهي بنزول الرحمة والمغفرة والأجر والثواب العاجل , إذ أن قوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ]( ).
أعم من أن يختص بعالم الآخرة وحتمية النشور , أنما يشمل رحمة الله عز وجل في الدنيا , ومنه مثلاَ مضاعفة الأجر سبعمائة ضعف قال تعالى [مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ] ( ).
من خصائص آية البحث تنمية ملكة العبودية لله عز وجل في النفوس بالجمع بين الإقرار بأنه تعالى رب ومالك كل شئ , وهو سبحانه له التصرف والمشيئة المطلقة في الخلق وهل من معانيه إعلان حبنا لله عز وجل الجواب نعم .
لذا جاء قول (ربنا) بصيغة الإضافة إلى المتكلمين , ترى من المقصود بالضمير (نا) فيه وجوه :
الأول : إرادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته وأصحابه أيام التنزيل , وهذه الآية مدنية أي نزلت بعد هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة .
وهل يمكن القول بإرادة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وحده , الجواب لا , لقانون أن لغة الجمع في القرآن وإرادة المفرد منها خاصة بالله عز وجل إلا النادر .
الثاني : الذي يتلو الآية القرآنية بأسماء الذين معه .
الثالث : المقصود أجيال المسلمين , لبيان قانون وهو يتلو المسلم الآية القرآنية فيحسبها الله عز وجل للمسلمين جميعاَ وتقدير الآية : انا معاشر المسلمين والمسلمات نقول[رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ]( ).
وفي الآية تضرع إلى الله عز وجل وسؤال الرحمة بالناس جميعاَ يوم القيامة , وهو من معاني ذكر لفظ الناس فبدأ بالمشركين النبي محمداَ صلى الله عليه وآله وسلم وهو يدعو لهم بالهداية والرحمة .
الآية لطف
في الآية تأديب للمسلمين في باب الدعاء والمناجاة , إذ تبدأ الآية بقول (ربنا) كما تتضمن تفقه المسلمين الدين , فلم تقف الآية عند قول [رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ] إنما ذكرت اليوم , ثم قالت [لاَ رَيْبَ فِيهِ] لبيان قانون عصمة المسلمين والمسلمات من الشك بيوم القيامة .
وتدل الآية على أن جمع وحشر الناس مقدمة ليوم القيامة , فلم تقل الآية (جامع الناس في يوم) لإفادة اللام في (ليوم) التعليل والغاية.
وورد لفظ [لِيَوْمٍ لاَ رَيْبَ فِيهِ]( )، مرتين في القرآن وفي سورة آل عمران بالذات إذ جاءت الآية الثانية بصيغة الوعيد من عند الله عز وجل للذين كفروا ، قال تعالى [فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ]( )، مع بيان أن الجمع مقدمة للحساب وجزاء كل إنسان بما فعل في الحياة الدنيا بالعدل والحق من غير ظلم.
فمن صفات الله عز وجل العدل والحكم بالحق المقرون بالرحمة والعفو وقد ورد قوله تعالى [يَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ] في ثلاث آيات وهو من العام والخاص :
الأولى : قال تعالى [إِنْ يَشَأْ يُسْكِنْ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ * أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ]( )، وهذه الآية بشارة العفو عن كثير من أعمال عامة الناس بلطف وفضل من عند الله ، وأصل مادة العفو المحو والستر والإخفاء وعدم الإظهار .
و(العَفْو: ضدّ العقوبة؛ عفا يعفو عَفْواً فهو عَفُوّ عنه، في وزن فَعول بمعنى فاعل. وفي التنزيل [لَعَفُوٌّ غَفُورٌ]( )، وعفا المنزلُ يعفو فهو عافٍ، إذا دَرَسَ. وعفا شَعَرُه، إذا كثر؛ فكأنه عندهم من الأضداد)( ).
الثانية : قوله تعالى [وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ]( )، لبيان فضل الله على المؤمنين إذ يجازيهم الله عز وجل بالحياة الدنيا جزاء عاجلاً بالعفو عن كثير من الذنوب والمعاصي إلا جانب العفو في الآخرة ، وهل يحض هذا العفو طائفة دون أخرى ، الجواب لا ، فليس من مؤمن إلا وكان الذي عفى ويعفو عنه الله أكثر مما يحاسبه الله ، ومن أسماء الله (العفو).
وقال الإمام علي عليه السلام (ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله حدثنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم [وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ]( ).
قال : وسأفسرها لك يا عليَّ : ما أصابكم في الدنيا من بلاء أو مرض أو عقوبة فاللّه أكرم من أن يثنّي عليكم العقوبة في الآخرة ، وما عفا عنه في الدنيا فالله أحلم من أن يعود بعد عفوه)( ).
لبيان عظيم قدرة الله عز وجل وأن العفو بلطف ورحمة عنه ، ومن العفو الستر وعدم الفضح وعن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (قال : لا يصيب عبداً نكبة فما فوقها أو دونها إلا بذنب ، وما يعفو الله عنه أكثر ، وقرأ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ( ).
الثالثة : بيان صفة حسن للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال تعالى [يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنْ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ]( )، فيتجاوز النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن كثير ويستره ولا يظهره في رأفة منه بأهل الكتاب ، وهو من الجزاء العاجل لهم إذ أن النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لايتكلم إلا بالوحي ، وقد قال تعالى [وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ]( ).
وتدل الآية على التعدد وأن جمع الناس في أوان يسبق الحساب يوم القيامة لإفادة اللام التعليل والغاية,
ويدل عليه قوله تعالى [اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ]( )، وقوله تعالى [ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ]( )، وهو لا يتعارض مع تسمية يوم القيامة (يوم الجمع) لأن هذا الجمع جزء منه وبعض مواطنه بل ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (من مات فقد قامت قيامته) ( ).
إذ أن الموت تعطيل للعمل وانقطاع عن الدنيا ، وأول الدخول في عالم الآخرة وهناك في القبر وعالم البرزخ حساب ابتدائي.
وتظهر الآية التباين بين بداية خلق الإنسان وبين الخاتمة ، فقد خلق الله عز وجل آدم وحواء في الجنة ، وهبطا وحدهما إلى الأرض لتكثر ذريتهما بمعجزة وآية من عند الله عز وجل ، ولبيان قانون وهو عدم إنحصار المعجزات بالأنبياء فقد تجري إبتداء من عند الله عز وجل ، وهذا الإبتداء معجزة.
وجاء لفظ [لِيَوْمٍ لاَ رَيْبَ] على وجوه :
الأول : تأكيد بيوم القيامة .
الثاني : القطع بالبعث والنشور .
الثالث : إرادة موضوع يوم القيامة وهو حشر الناس فيه جميعاَ .
وتبعث الآية على التحقيق فيما بين النفخ في الصور والبعث والنشور من القبور ثم مواطن يوم القيامة .
الصلة بين أول وآخر الآية
ابتدأت آية البحث بتقديم اسم الله عز وجل ، وبصيغة الثناء واللجوء والإستجارة (ربنا) وفيه اقرار ورجاء وأمل ، ثم جاء اللفظ (انك جامع) لبيان قانون من الإرادة التكوينية من جهات :
الأولى : لايقدر على بعث الناس بعد الموت إلا الله عز وجل.
الثانية : يقوم الله عز وجل بجمع الناس للحساب والجزاء بعد فناء الدنيا.
الثالثة : بيان صفة حسنة من صفات أولي الألباب وهي إيمانهم بالبعث والنشور.
وتبين الآية اسماً من الأسماء الحسنى وهو (الجامع) وقد ورد هذا الاسم على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنه من الأسماء الحسنى( ).
الرابعة : إقرار كل مسلم بوقوع اليوم الأخر على نحو الحتم والقطع ، وهذا الإقرار نوع توسل ورجاء.
واختتمت الآية بقانون وهو أن تنجز وتحقق ما يعد الله عز وجل به ليكون موضوع الآية أعم فتتضمن توالي فضل الله على الناس في الدنيا والآخرة ، ومنه قوله تعالى [إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ]( )، ومنه [وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ]( )، ومنه قذف الرعب في قلوب المشركين الذين يحاربون النبوة والتنزيل ، قال تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ]( )، والآية وإن نزلت بخصوص معركة أحد إلا أن موضوعها أعم لبيان أن هذا الرعب رحمة من جهات :
الأول : إنه رحمة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومناسبة للتبلبيغ .
الثاني : إنه رحمة بأهل البيت والصحابة لما فيه من زجر المشركين عن القتال واستدامته.
فقد زحف المشركون نحو أربعمائة وخمسين كيلو متر من مكة إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لإرادة أمور :
الأولى : قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثانية : أسر المهاجرين وسوقهم إلى مكة موثقين بالحبال.
الثالثة : قتل عدد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابعة : منع الناس من دخول الإسلام .
الخامسة : وقف نزول آيات وسور القرآن وإذ أدركوا أنها لا تنزل إلا على رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم وغياب المحل ينفي الحال ، فسعوا إلى قتله ، وهل كان من وظائف الملائكة يوم بدر وأحد حفظ شخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، الجواب نعم ، ومنه قوله تعالى [وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ]( ).
وعن ابن عباس(في قوله [لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ] ( )، قال : هذه للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة)( ).
ومن الوعد الإلهي في الآخرة دخول المؤمنين الجنة ولبثهم واقامتهم الدائمة منها.
ومن معاني خاتمة الآية أنه لا معقب لحكم الله ، ولا راد له.
من غايات الآية
في الآية مسائل :
الأولى : من وظائف النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الإنذار من جمع الناس يوم القيامة ، قال تعالى [وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لاَ رَيْبَ فِيهِ]( ).
الثانية : تأكيد عدم استثناء أو تخلف أحد من الناس من الحشر يوم القيامة ، قال تعالى [وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا]( )، وقال تعالى [لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ]( )، أي فرادى وأحياء ليس من تعاضد بينكم.
الثالثة : إعلان المسلمين والمسلمات إقرارهم بالتوحيد ، ورباهم الله عز وجل وحده لا شريك له ، وقد جاء قبل سبع آيات قوله تعالى [اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ]( )، لتكون الصلة بين الآيتين اقرار المسلمين بما في الآية أعلاه من سنن التوحيد ، واتخاذها وسيلة ومناسبة للدعاء لأمور الدنيا والآخرة.

التفسير
قوله تعالى [رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ]
مثلما بدأت الآية السابقة بنداء الإستغاثة (ربنا) وما فيه من معاني اللجوء إلى الله تعالى.
وافتتحت هذه الآية به مع التباين الموضوعي النسبي في المسألة بخصوص زمان موضوع المسألة في الآية مع ظهور التداخل وعدم التعارض بينهما.
ليكون في هذا التكرار لنداء الإستغاثة توكيداَ لأهميته ولزوم اللجوء اليه والإستعانة بالله عند التوسل في الأمور الجليلة، والمسائل العظيمة.
ان قول (ربنا) وحده استعانة بالله واستجارة من المعلوم وغير المعلوم، والظاهر والخفي، والحاضر والغائب من الوقائع والأحداث، فيسأل العبد في شيء فيعطيه الله عز وجل ما هو أهم منه مما هو غائب عن ذهنه , ويصرف عنه ما يهجم عليه بغتة من الشر والكيد، ويجلب له منفعة ورزقاً يأتيه دفعة.
ان الإستغاثة باسم الرب وهو من أمهات الأسماء الحسنى اظهار للتمسك بالربوبية واصرار على عدم مغادرة المسلمين لمنازل العبودية وفي كل زمان ومكان يكرر المسلمون النداء (ربنا) ليكون شاهداً ملازماً على الإيمان والإنقياد لأوامره تعالى، ومن يعترف انه مربوب فعليه ان يمتثل للأوامر التي تأتي من الله عز وجل ويجتنب ما ينهى عنه , قال تعالى [وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ]( ).
انها مدرسة العرفان في الإسلام التي تخلق أمة منظمة متعاضدة في اداء العبادات، مجتمعة في سنن التقوى والخشية من الله عز وجل، لذا ترى ذات الصيام وفي نفس المدة من الزمان يؤدى من قبل المسلمين في كل سنة، لم يزد اللاحقون يوماً على شهر رمضان الذي تقيد النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة على صيامه، وصلاة الجماعة تؤدى بنفس الكيفية التي أداها النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، و(عن مالك بن الحويرث ، قال : أتينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونحن شببة متقاربون ، فأقمنا عنده عشرين ليلة ، فظن أنا قد اشتقنا إلى أهلينا ، سألنا عمن تركنا في أهلنا ، فأخبرناه ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رحيما رفيقا ، فقال : ارجعوا إلى أهليكم فعلموهم ، ومروهم ، وصلوا كما رأيتموني أصلي) ( ).
وكذا مناسك الحج التي تجمع بين المسلمين في أجيالهم وايام الأنبياء منذ آدم وجهاد ابراهيم في بناء قواعد البيت والدعوة للحج.
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (لتأخذوا عني مناسككم)( ).
(عن ابن عباس قال : سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا) ( ).
(عن حبيبة بنت أبي بحران قالت : رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يطوف بين الصفا والمروة والناس بين يديه وهو وراءهم وهو يسعى ، حتى أرى ركبتيه من شدة السعي يدور به إزاره ،
وهو يقول : اسعوا فإن الله عز وجل كتب عليكم السعي) ( ).
وهذا من الأدلة على وجوب السعي بين الصفا والمروة بالنسبة للحاج والمعتمر وأنه ركن من أركان الحج والعمرة , وقيل بأن السعي بين الصفا والمروة مستحب .
وورود الدعاء (ربنا) في أول آية البحث والآية السابقة يعطي للآية وما فيها من المسائل خصوصية إذ تتضمن توكيد الإلتجاء إلى الله تعالى.
وجاء الخطاب في الآية (إِنَّكَ) للإخبار عن القرار بحصر القدرة على جمع الناس بالله تعالى، فلا احد يستطيع جمع اهل بلدة واحدة في الدنيا فكيف وان الجمع المقصود في الآخرة، فيه عدة مسائل :
الأولى : يشمل الجمع الناس كافة من آدم والى يوم ينفخ في الصور.
الثانية : الجمع في عالم الآخرة لأنه يعقب موت الناس وعدم بقاء واحد منهم.
الثالثة : يأتي الجمع بعد عالم القبر والبرزخ ومغادرة الروح البدن وتعرض الأجساد للتلف، فلابد في جمع الناس من اعادة هياكل وأبدان الناس بعد تفرقها واستهلاكها ثم اعادة الأرواح على كثرتها إلى ذات الأجساد من غير خطأ فيها , إذ أن المعاد بالروح والبدن وهو ظاهر آية البحث وهو المتبادر من لفظ (النَّاسِ) في الآية بأن يحشروا ويجمعوا على هيئاتهم في الدنيا , قال تعالى [أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ]( ).
لهذا فان جمع الناس أمر ينفرد به الله عز وجل ولا يقدر عليه الا هو سبحانه بقدرته التي طالت الخلائق جميعاً، فهو سبحانه يعلم الشيء بأجزائه حتى وان أصبح معدوماً تالفاً فيدعوه فيستجيب له.
وهل يكون دعاء الأجزاء متعدداً وكل جزء من الإنسان يطلب بأمر مستقل، ام ان اجزاء الإنسان تجتمع بأمر واحد ام غير هذا، الجواب ان الناس جميعاً واجزاءهم يتوجه اليهم أمر الهي واحد فيعرف كل جزء وظيفته وبدنه الذي يجب ان ينضم اليه، كما تشترك الأرواح في ذات الأمر لوحدة الموضوع في تنقيح المناط ولعظيم قدرة الله تعالى ولإستجابة الاشياء كلها لأمره سبحانه , قال تعالى [وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا] ( ).
ومن أسماء الله الحسنى (الجامع) فهو الذي يجمع الخلائق للحساب يوم القيامة، وهو المؤلف بين المتناقضات والمتضادات، وهذا الاسم يبعث على التفاؤل والأمل وانه أعم من موضوع معين، وهو الجمع ليوم القيامة، فهو سبحانه الجامع لقوى الخير والإيمان، والجامع للأحبة ولأسباب الصلاح والهداية ومقدمات الثروة والغنى.
ويجمع الله عز وجل خصال الصلاح والتقوى للذين أمنوا مقدمة لجمعهم يوم القيامة , وهذه الخصال معاني اقرار المسلمين بالهداية بفضل من الله عز وجل ورجاء هبات الرحمة منه سبحانه , كما في قوله تعالى [رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ] ( ).
وجاء موضوع الجمع بلفظ (الناس) وهو عنوان يستوعب كافة البشر، فلم تقل الآية جامع المسلمين ولا بني آدم لأن الناس أعم من بني آدم، باضافة آدم وحواء وهما ممن يحشر يوم القيامة، ولم تذكر الآية موضوعاً آخر متفرعاً عن جمعه تعالى للناس بل جاءت وثيقة قرآنية خاصة بالإخبار عن الحشر، وفيه مسائل:
الأولى: موضوعية حشر الناس وبعثهم يوم القيامة واستحقاقه للذكر في آية مستقلة.
الثانية: لو جاء ذكره مقدمة لموضوع آخر لربما غفل الناس عن الإلتفات إلى أهميته، لأن الذهن ينتقل إلى ذي المقدمة والموضوع الأساسي في الآية والكلام.
فاراد الله عز وجل ان تكون الأذهان متوجهة إلى البعث , واستحضاره في عالم الأفعال , و(قال عقبة بن عمرو لحذيفة: ألا تحدثُنا ما سمعتَ من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟
فقال: سمعته يقول: “إن رجلا حضره الموت، فلما أيس من الحياة أوصى أهله: إذا أنا متّ فاجمعوا لي حَطَبا كثيرًا جزَلا ثم أوقدوا فيه نارًا، حتى إذا [أكلت] لحمي وخلَصت إلى عظمي فامتُحِشْتُ، فخذوها فدقوها فَذَروها في اليم. ففعلوا، فجمعه الله إليه فقال له: لم فعلت ذلك؟
قال: من خشيتك. فغفر الله له”.
فقال عقبة بن عمرو: وأنا سمعته يقول ذلك، وكان نبَّاشا) ( ).
الثالثة: الآية للتدبر في موضوع البعث والنشور , وهذا التدبر مقدمة للتقيد بالأوامر الإلهية.
الرابعة: جاءت الآية بصيغة الدعاء الا انها انذار وتوبيخ للكافرين والجاحدين.
الخامسة: فيها ابطال للذين يتبعون الآيات المتشابهة ويحاولون اثارة الفتنة، لأن موضوع الحشر من اليقينيات وآياته من المحكمات.
السادسة: لابد من الإلتقاء في الحشر مع أعداء الدين والمشككين يوم القيامة، ورؤية ما يلاقونه من العذاب بسبب سعيهم في دروب الفتنة.
وهل آية البحث من الحجة عليهم , الجواب نعم , وهو من أسرار تلاوة المسلمين لها في الصلاة خاصة الجهرية وهي كل من :
الأولى : صلاة الصبح .
الثانية : صلاة المغرب .
الثالثة : صلاة العشاء .
فإن قلت لماذا لم تكن كل فرائض الصلاة اليومية جهرية الجواب تقسيم الصلاة اليومية إلى جهرية وإخفاتية أعم من مسألة التبليغ ولا يعلم بها كماَ وكيفاَ إلا الله عز وجل ثم أن ذات الوقوف بين يدي والسجود وغيره هو تبليغ وبشارة وإنذار .
وتذكير بيوم الحساب , ليكون من معاني قوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ]( ) أي ليتذكر أولوا الألباب بالعبادة يوم القيامة , ويتخذوها مقدمة للأمن والعبور على الصراط بسرعة وأمن , قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ] ( ).
السابعة: تبين الآية عهداً من المسلمين بالبقاء على الإيمان، والإستعداد ليوم الحشر بالعبادة والعمل الصالح.
الثامنة: في الآية إعلان لتصديق المسلمين لما في القرآن من الوعد الكريم بالبعث والنشور.
التاسعة: يتجلى في الآية تسليم المسلمين بالبعث وهو عنوان عدم الفزع او الخوف منه.
وانتفاء الفزع يأتي من مقدمات وهي:
الأولى: امتلاء النفس بالإيمان.
الثانية: السكينة والطمأنينة لواسع رحمة الله وعظيم فضله تعالى.
الثالثة: أداء الفرائض والطاعات.
الرابعة: ما في القرآن من البشارات والوعد الكريم بالخلود في الجنة , قال تعالى [لَكِنْ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ] ( ).
علم المناسبة
ورد لفظ (جامع) في القرآن ثلاث مرات، مرتين اسماً لله تعالى وجاء بخصوص يوم القيامة إحداهما آية البحث والآية الأخرى فهي قوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا] ( )، أي انها جاءت بخصوص أهل النار وحشرهم في جهنم، أما هذه الآية فقد جاءت على لسان المسلمين وتتعلق بيوم الحشر والحساب.
ليكون بين موضوع الآيتين عموم وخصوص مطلق , فجمع الناس أعم .
وجاءت الآية الثالثة في الثناء على المهاجرين والأنصار بقوله تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ] ( ).
ونزلت الآية أوان حفر الخندق في المدينة , و(عن عروة ومحمد بن كعب القرظي قالا : لما أقبلت قريش عام الأحزاب ، نزلوا بمجمع الأسيال من بئر رومة بالمدينة قائدها أبو سفيان ، وأقبلت غطفان حتى نزلوا بتغمين إلى جانب أحد ، وجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الخبر ، وضرب الخندق على المدينة وعمل فيه ، وعمل المسلمون فيه ، وابطأ رجال من المنافقين ، وجعلوا يورون بالضعيف من العمل ، فيتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا اذن ، وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد منها ، يذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويستأذنه في اللحوق لحاجته ، فيأذن له فإذا قضى حاجته رجع ، فأنزل الله في أولئك المؤمنين { إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع . . . } إلى قوله { والله بكل شيء عليم }( )) ( ).
وموضوع الآية أعم , ويشمل صلاة الجماعة والجمعة والمشورة والدفاع والامر بالمعروف والنهي عن المنكر .
وهل تختص الآية بزمان النبوة والصحابة , الجواب لا , فالإستئذان من النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أجيال المسلمين المتعاقبة إنما يكون باتباع سنته واجتناب ما نهى عنه , قال تعالى [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا] ( ).
وتدل آية البحث على اجتماع الناس للحساب والجزاء اما الجنة واما للنار قال تعالى [فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ * وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ]( ) ويلتقي يومئذ المؤمن والكافر، والأب والابن، والزوج والزوجة، وهذا الإجتماع مقدمة للحساب، ولابد له من موضوعية تتعلق بالشهادة والشفاعة والدعوى، وتثبيت الحقوق وانتزاعها على نحو الثواب والعقاب.
ومن خصائص آية البحث جعل النشور وأهوال يوم القيامة حاضرة في الوجود الذهني , وفي المنتديات لتكون باعثاَ على الإيمان والصلاح , وزاجراَ عن المعاصي والسيئات .
و(عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : لا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم ألا أن كل ما هو آت قريب ، ألا إنما البعيد ما ليس بآت) ( ).
قوله تعالى [لِيَوْمٍ لاَ رَيْبَ فِيهِ]
اللام هنا للتعليل كما تقول: تناولت السحور لأصوم، وتكون بمعنى الى، كما في قوله تعالى [كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى] ( )، وتكون مرادفة لـ(في) أي في يوم نحو قولك مضى لسبيله أي في سبيله.
وظاهر الآية ان جمع الناس مقدمة ليوم الحساب، كما ان هذا الجمع نفسه له مقدمة وهي البعث من القبور واعادة الأرواح إلى الأجساد بعد موت الناس جميعاً , لبيان قانون تعدد مواطن الآخرة.
ومن الآيات ان المسلمين يعيشون حال البعث والنشور وكأنه أمر قريب وقادم، فكل ما يعلم الإنسان بحصوله في المستقبل يتهيأ له ذهنياً وعملياً، ويزداد استعداده له كلما شعر بقرب اوانه، وهو على قسمين:
الأول: ما يتعلق بعجز الإنسان فكلما تقدم في العمر وقرب الأجل يزداد استعداده للقاء الآخرة ويكثر من الصالحات.
الثاني: عام ولا ينحصر بسن وعمر مخصوص لأن الإنسان يتوقع ان يداهمه الموت في كل ساعة فيكون الإستعداد للحساب متصلاً دائماً.
ومن معالم مدرسة القرآن التذكير بالموت والتنبيه على حتمية مغادرة الدنيا إلى غير عودة، ولكن هذه الآية تبين وجود عودة لما هو أشرف وأعظم من الدنيا، عودة إلى عالم الخلود , ولكنه متباين عن الدنيا لأنه يتقوم الحساب، وهذه العودة لا شك في حصولها فهي واقعة لا محالة لأن الله اخبر عنها ووعد بها ووعده حق.
(عن جرير قال : كنت جالساً عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأتاه قوم مجتابي النمار متقلدي السيوف عليهم أزر ولا شيء غيرها ، عامتهم من مضر ، فلما رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي بهم من الجهد والعري والجوع تغير وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم قام فدخل بيته ، ثم راح إلى المسجد ، فصلى الظهر ثم صعد منبره ، فحمد الله وأثنى عليه ،
ثم قال : أما بعد ذلكم فإن الله أنزل في كتابه { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون ، لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون }( ) .
تصدقوا قبل أن لا تصدقوا ، تصدقوا قبل أن يحال بينكم وبين الصدقة ، تصدق امرؤ من ديناره تصدق امرؤ من درهمه ، تصدق امرؤ من بره ، من شعيره ، من تمره ، لا يحقرن شيء من الصدقة ولو بشق التمرة : فقام رجل من الأنصار بصرة في كفه فناولها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو على منبره فعرف السرور في وجهه ،
فقال : من سن في الإِسلام سنة حسنة فعمل بها كان له أجرها ومثل أجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيئاً ، ومن سن سنة سيئة فعمل بها كان عليه وزرها ومثل وزر من عمل بها لا ينقص من أوزارهم شيئاً فقام الناس فتفرقوا فمن ذي دينار ، ومن ذي درهم ، ومن ذي طعام ، ومن ذي ، ومن ذي فاجتمع فقسمه بينهم) ( ) .
وتبين الآية تصديق المسلمين بأجيالهم المتعاقبة بما في القرآن من الوعد والعهد، وتلقيهم لآياته بالقبول والرضا، وفيها حذف: والتقدير: جامع الناس للحساب والجزاء.
وهذه الآية يتلوها المسلمون وتطل عليهم بموضوعاتها كل يوم لتبقى وسيلة سماوية للإستعداد للآخرة وشاهداً قرآنياً على تسليم المسلمين بيوم القيامة ليقف عنده ريب وشكوك المبطلين لأنه ليس من المتشابهات بل من المحكمات سواء في وعده او وعيده، بمعنى ان الوعد بالجنة للصالحين حق، والوعد بالنار للكافرين حق , وفي التنزيل [قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ] ( ) .
لقد أصبح المسلمون في مرتبة من الإيمان يدركون معها وظائفهم الشرعية ويؤمنون بأصول الدين، ويجهرون بايمانهم بما لا يستطيع أهل الريب والشك اللبس فيه.
ان الإقرار بالمعاد سلاح لمواجهة صيغ الشك والريب، وهذا الإقرار يحتاجه المسلمون والناس جميعاً في كل زمان ومكان، وبخلافه قد تظهر البدع وتنتشر الفواحش ويضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويفتقد الزاجر الخارجي والداخلي عند الإنسان، لأن الزجر له غايات نافعة ومقاصد سامية من أهمها الإستعداد للحساب، والإنسان مجبول على السعي للمستقبل والإدخار للغد , لذا ورد في التفسير أن المراد من قوله تعالى [مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ]( ) أي يوم القيامة .
فالآية تدل بالدلالة الإلتزامية على سعي المسلمين لليوم الآخر والإستعداد له بالصالحات، واذا طرأ الشك على قلوب الكافرين وتوجهوا إلى الفتنة باتباع المتشابهات فهذه الآية تدعوهم إلى الإتحاد والإلتقاء على أمر محكم وثابت في كل الشرائع السماوية وهو المعاد لينتقلوا من الإفتتان بالمتشابه وايذاء المسلمين بالجدال والخصومة، إلى التدبر في أمر واقع قطعاً ولا يتسرب اليه الشك، وهو ثابت في كل الشرائع ليقر الناس جميعاً باجتماعهم والتقائهم يوم القيامة، فما دام الناس يحشرون جميعاً في موطن واحد، فلماذا لا يجتمعون على مسألة وهي الإقرار بالحشر، وهذا الاقرار هو الوسيلة للتخلص من الريب والشك والجدال , قال تعالى [يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا] ( ).
فهذه الآية لا تخرج في موضوعها عن الآيات السابقة لأن فيها ردعاً لأهل الريب ودعوتهم لأمر حتمي لا شك في وقوعه وفي هذه الدعوة نفعهم في الدنيا والآخرة ونجاتهم من الريب والشك، ويرى الناس جميعاً قدرة الله تعالى بل الممكنات وعلمه بأجزاء كل انسان وليتحقق العوض بالبعث ويصل الثواب والعقاب إلى المستحق.
ولقد جاء القرآن بالصراط والميزان وتطاير الصحف، ليعيش المسلمون تفاصيل يوم القيامة، ويكون له وجود ذهني اجمالي دائم ينتفع منه الناس ، ويبعث في نفوسهم الفزع بصورة اكثر لأن التفاصيل تمنعهم من الوقوف عند المتشابه وتدعوهم إلى التفكر باليوم الآخر، وهذا التفكر يشغلهم بانفسهم، والمسلمون منشغلون عن افتراءاتهم بالبناء والإدخار للآخرة.
ويدرك العقل امكان حدوث البعث والحساب والعوض فلذا جــاءت الآية لمخاطــبــة العقــول واثبات الحجــة الشــرعية والعقــليــة على الكافرين لوجــوب التصــديق بخــروج الناس من قبورهم للحساب.
وما في الآية من الإقرار باليوم الآخر دعوة للمبادرة للتوبة والندم على فعل القبيح والكف عن ايذاء المسلمين لأن التعدي على المسلمين والإفتراء على القرآن ذنب في حق تعالى وحق المسلمين والتنزيل وحق النفس وهو ضلالة واضلال .
ومن خصائص الإيمان بالله عز وجل مصاحبة التسليم باليوم الآخر له , و(عنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَحْفَظْ جَارَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ) ( ).

بحث بلاغي
من وجوه الاطناب في البلاغة ان يؤتى بتتمة تمنع من التوهم بارادة غير المقصود، وهذه التتمة نكتة او مبالغة كما في قوله تعالى [وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ] ( )، فقوله تعالى [وَهُوَ مُؤْمِنٌ]تتميم لإفادة شرطية قصد القربة , وعدم الاكتفاء بفعل الصالحات رياء او للعواطف والاعتبارات الانسانية، بل لابد من الايمان وترشح فعل الصالحات عنه، قال تعالى [وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ]( ).
مما يدل على ان مضامين التتميم في القرآن لا تنحصر بالجانب البلاغي بل ان مفاهيمه العقائدية أعم وأكثر، ويمكن قراءته قراءة مستقلة تستقرأ فيها عدة مطالب ومقاصد سامية.
وقد ورد قوله تعالى [رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ]( ) وظاهره الحتم، ولكن التتميم بقوله تعالى [لاَ رَيْبَ فِيهِ] للتوكيد ولدفع اللبس والشك والوهم بانه جاء بصيغة النداء والدعاء، وللإخبار بأنها كبرى كلية لا تقبل الترديد او التغيير او المحو والتبديل، زيادة في المعنى ودعوة للايمان ورسوخه في النفوس، وحث على عدم الغفلة عن لقاء الآخرة للقطع بوقوعه.

قوله تعالى [إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ]
الآية قانون من الإرادة التكوينية وقاعدة كلية لا تنحصر بموضوع يوم القيامة بل هي شاملة لعالم الخلق والتكوين والبعث والنشور فالقرآن تضمن البشارات والإنذارات، والوعد والوعيد، فجاءت الآية مطلقة في حصولها لأن الله سبحانه الصادق والقادر على تحقيق ما وعد به، وتحتمل الآية أمرين:
الأول: اتصالها بما سبق من موضوع الآية فتكون جزء من دعاء المسلمين او الراسخين في العلم ولكنها جاءت بصيغة الإلتفات في البلاغة , والإنتقال من لغة الخطاب إلى الغائب، واستشهد الطبرسي بقوله تعالى حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ، ولكنه قياس مع الفارق لأن التباين والإلتفات هنا ظاهر، لا اقل انه تشبيه بالأعم الذي لا يكون مانعاً من دخول افراد غيره معه.
وذكره الرازي بصيغة (ومن الناس من قال) ( )، وهو تضعيف له، فالإشكال على التشبيه وليس على القول بالإلتفات الذي هو المختار، فلم يحصل الإختلاف في الآية اعلاه بانها من الإلتفات بالاصطلاح البلاغي، بينما حصل الإختلاف في وقوع الإلتفات في هذه الآية.
الثاني: ان هذا الشطر من الآية جاء على الإستئناف وانه كلام الله تعالى، فكلام المسلمين منقطع عند قوله تعالى [لاَ رَيْبَ فِيهِ].
والأقوى ان خاتمة الآية من كلام المسلمين ايضاً وانه اقرار وشهادة واحتجاج على الكافرين والجاحدين، في مواجهة لإفتراءاتهم واتباعهم المتشابه، فهذه الخاتمة منع لحصول الفتنة بين المسلمين وزجر لأهل الريب والشك، وانذار وتخويف لهم وفضح لفعلهم وتعديهم , نعم ورد ذات القانون [إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ] ( ) من عند الله عز وجل بصيغة الإنذار والوعيد قال تعالى [وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ] ( ).
لقد انتقل المسلمون بهذه الخاتمة إلى الدعوة إلى الله ومواجهة اهل الشك والريب وبث الخوف في نفوسهم ومنعهم من مواصلة الإفتراء، فالأذى الذي يسببه الكفر في شكهم وريبهم ينقسم بلحاظ الزيادة إلى قسمين:
الأول: ما كان ابتداء وأيام التنزيل.
الثاني: ما يكون مستديماً.
والثاني أكثر ضرراً لأنه عبارة عن اجتماع للإفتراء وتراكم للشك وزيادة في الضلالة، وقد يتولد عنه تنظيم لصفوف الجاحدين.
واعتماد وسائل الإعلام المقروءة والمكتوبة ومراتب الحكم لإثارة الريب ولا تنحصر اساءتهم باتباع المتشابه بل تتعدد وجوهها ويكثر الإنفاق في الباطل لصد الناس عن الحق، فجاءت هذه الآية لتحارب الفتنة من أصلها وتهجم على اربابها ليس بالسيف بل بالحكمة والموعظة والتذكير بيوم الحساب.
ومنذ الأيام الأولى للتنزيل لتكون هذه الآية سلاحاً دائماً للمسلمين ملازماً لهم في منتدياتهم وعوناً لهم في تثبيت الإيمان , وآلة كريمة للدعوة إلى الله، وتصلح الآية النفوس، وتهذب الأخلاق وتجعل لأهوال الحساب موضوعية في تحديد نوع الفعل الذي يختاره المسلم في ليله ونهاره، وهذا الإختيار وحده موعظة وحجة على الكافرين واخبار عملي عن ابطال كيدهم وعدم وجود اثر لإفترائهم.
وقد دخل الناس في ايام التنزيل الإسلام افواجاً ولم يلتفتوا للإفتراء والوقوف عند المتشابه مما ادى إلى اسلام شطر من الجاحدين أنفسهم، قال تعالى [إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا]( ) ويحدثنا التأريخ عن اعلان مفاجــىء لشطر من رؤوس الكفر كل يوم لتموت معه الشبهات، فاسلام هؤلاء جاء بتوفيق من الله تعالى وبصبر المسلمين واظهارهم الإعراض عن المغالطات والجدل الذي لا موضوع له.
واحتج الجبائي بهذه الآية على القطع بوعيد الفساق، وقد جعل المعتزلة الكافر وصاحب الكبيرة بعرض واحد في التعرض للعقاب، ولكن قواعد اللطــف والعفــو، وشــفاعة الرســول الأكــرم صلى الله عليه وآله وسلم الذي أدخرها لأصحاب الكبائر من أمته تجعل تبايناً بينهما، والقدر المتيقن من الآية هو موضوع جمع الناس للحساب وبعثهم من القبــور للحشــر، والموعــد والميعاد بمعــنى والظــاهــر انه يتعلق بالفعل الذي يرجى حدوثه، سواء مع تعيين زمانه او من غير تعيينه.
اما الميعاد من الله تعالى فهو على نحو القطع والحتم لأن الأشياء جميعها مستجيبة له، فاذا أعلن انسان او جماعة عن ميعاد لأمر فقد تأتي أسباب قاهرة تحول دون حصول الأمر الموعود في أوانه، او يحصل بداء او يستحدث أمر أهم وما يستلزم التقديم او التأخير [وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ]( )، اما الميعاد والموعد الذي يخبر عنه سبحانه فهو حق.
علم المناسبة
ورد لفظ الميعاد في القرآن ست مرات، اثنتين منها في سورة آل عمران وواحدة في كل من سورة الأنفال، الرعد، سبأ، الزمر، وموضوع خمس منها في يوم القيامة، وواحدة في الموعدة بين الناس قال تعالى [وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ] ( )، مما يدل على ان الميعاد يكون أعم من الوعد والوعيد، فالله عز وجل وحده الذي لا يخلف وعده وليس له شريك، كما ان ميعــاده تعالى من طرف واحد لا شــأن للخلائق فيه، ليس من حقهم ان يطلبوا الإمهال او تعجيل الميعاد وان طلبوا فلا اعتبار لطلبهم الا ان يشــاء الله، ولعله من أســرار فلسفة بقاء يوم القيامة في علم الغيب , وهو لا يمنع من الدعاء في المقام لعمومات قوله تعالى [وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ] ( ) .
ولم يرد لفظ [ادْعُونِي] في القرآن إلا في الآية أعلاه.
نعم ورد قوله تعالى [وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ] ( )، ويمكن حمله على الوعد الكريم، ولكنه دليل على غبطة المسلمين بالميعاد، فالآية محل البحث توكيد على غبطة المسلمين وانتظارهم للحشر برضا وقبول كما ورد ذكر الميعاد بلحاظ أوانه وزمانه قال تعالى [لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لاَ تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلاَ تَسْتَقْدِمُونَ]( ).


قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ] الآية 10

الإعراب واللغة
[إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا] ان: حرف مشبه بالفعل.
الذين: اسم موصول اسم إن.
كفروا: فعل ماض، والواو: فاعل، وجملة كفروا صلة الموصول.
[لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ] لن: حرف نفي ونصــب واستقبال.
تغني: فعل مضارع منصوب بلن، والجملة خبر ان.
عنهم: جار ومجرور متعلقان بتغني.
أموالهم: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة، وهو مضاف، والضمير (هم) مضاف اليه.
[وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ] الواو حرف عطف، لا: نافية للجنس، أولادهم: معطوف على أموالهم.
[مِنْ اللَّهِ شَيْئًا] من الله: جار ومجرور، متعلقان بمحذوف حال. شيئاً: مفعول به منصوب بالفتحة.
من أسماء الله تعالى (الغني) و(المغني) وهو الذي يرزق عباده ويغنيهم ويكفيهم ويقضي حوائجهم، والغنى ضد الفقر.
والوقود: الحطب ومادة النار, قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ]( ).
في سياق الآيات
بعد ان بينت الآيات السابقة مواجهة المسلمين للكافرين بالدعاء والقنوت واعلان الثبات على الإيمان والتصديق بالمعاد، جاءت هذه الآية بوصف حال الكافرين وما ينتظرهم من العذاب يوم القيامة في توكيد للبعث والمعاد، والآية امضاء سماوي للجوء المسلمين للدعاء وفزعهم إلى الله لمواجهة الإفتراء والريب , قال تعالى [قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ]( ).
لقد أخبرت الآية السابقة عن الحكم بموضوع يوم القيامة وأن أجيال الناس المتعاقبة في آلاف من سني الحياة الدنيا , يجتمعون في يوم واحد في الآخرة , وهو من بديع خلق الله عز وجل وعظيم قدرته , فتجد الإنسان يقف في مواطن النشور مع أبائه السابقين وابنائه وطبقات أحضاره إلا آخر جيل من الناس فيقفون مع آبائهم وهي مناسبة عظيمة للتعارف والمودة وصلة الرحم .
ولكن كل إنسان مشغول بنفسه , قال تعالى [يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ* لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ]( ) إذ يستحضر الإنسان اعماله , ويستعد للحساب بما يشغله عن غيره .
ويحتمل زمان وأحوال عدم غنى أو نفع الذين كفروا من أموالهم وأولادهم عند الله عز وجل وجوهاَ :
الأول : الحياة الدنيا , فاذا نزلت العقوبة والبلاء من الله عز وجل بالذين كفروا متحدين ومتفرقين فلم تنفعهم أموالهم , ولا يستطيع أولادهم الذب عنهم .
الثاني : المقصود وعالم الآخرة وفق نظم هذه الآيات واختصاص موضوع الآية السابقة بعالم الآخرة , وأن الله عز وجل هو الذي يجمع الناس يومئذ , فلا يقدر على هذا الجمع واصفاء الأرواح واعادتها للأبدان وبعث الحياة فيها إلا الله عز وجل ولتدل الآية السابقة على نجاة المؤمنين لأنها أخبرت عن إقرارهم باليوم الآخر ليكون من معاني تسمية القرآن (الفرقان) كما في قوله تعالى [تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا]( ).
إيمان وتسليم المؤمنين باليوم الآخر , وكفر وجحود الذين كفروا به .
الثالث : المعنى الأعم فإن أموال وأولاد الذين كفروا لا تنفعهم لا في الدنيا ولا في الآخرة .
ولا تعارض بين هذه الوجوه , وكلها من مصاديق آية البحث.
ولم يرد لفظ (وقود النار) في القرآن إلا في آية البحث وهو من معاني فقر وفاقة الذين كفروا في الآخرة , وتضمنت الآية التالية بيان عدم نفع أمر فرعون ونحوهم في الدنيا من اموالهم وأولادهم , فقد ابتعد فرعون وجنوده عن مصر وعجلوا السير للحاق بموسى عليه السلام وبني إسرائيل الذين أعرضوا وهربوا عنهم فجروا البحر بمعجزة عصا موسى عليه السلام , ليهلك فرعون وآلاف من جنوده في البحر الأحمر ليس عندهم أولادهم , وتركوا أموالهم خلفهم , وتزوجت نساءهم العبيد , واشترطت عليهم أن لا يعقدوا عقداَ كالبيع والشراء إلا بأمرهن , ولا يقوموا على أمر إلا بإذنهن والصدور عنهن .
وتولت الحكم امرأة عجوز اسمها (دلوكة) واحاطت نفسها بعدد من النسوة , وفي مروج الذهب (ولما غرق فرعون ومن كان معه من الجنود وخشي من بقي بأرض مصر من الفراري والنساء والعبيد أن يغزوهم ملوك الشام والمغرب فملكوا عليهم امرأة ذات رأي وحزم؟
قال لها دلوكة فبنت على بلاد مصر حائطاً يحيط بجميع البلادة وجعلت عليه المحارس والأحراس والرجال متصلة أصواتهم بقرب بعضهم من بعض، وأثر هذا الحائط باقٍ إلى هذا الوقت، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة، يعرف بحائط العجوز)( ).
ويدل الجمع بين هذه الآية والآية التالية [كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ]( ) على أمور :
الأول : إنتفاع الذين كفروا من أموالهم وأولادهم في الحياة الدنيا وأن العذاب العام والبلاء سيأتيهم .
الثاني : دعوة للمسلمين والناس جميعاَ للتفقه في علم التأريخ ومعرفة أحوال الأمم السابقة , وكيفية هلاك الظالمين قال تعالى [نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الْغَافِلِينَ]( ) .
الثالث : المراد من موضوع آية البحث الذين كفروا أيام بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وما بعدها إلى يوم القيامة .
الرابع : إتحاد الحكم الإلهي بخصوص الذين كفروا وسوء عاقبتهم .
الخامس : بيان فضل الله عز وجل على الناس ببعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم , ومنه الإنذار الوارد في هذه الآية والإخبار العام عن أهوال يوم القيامة , وأحوال الناس فيها , قال تعالى [يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ]( ) .
إعجاز الآية الذاتي
تنفي الآية الكريمة أي نفع للأموال والأولاد للكفار يوم القيامة وتحذر من عالم الحساب وتبين حالة مختلفة عن عالم الدنيا، فالإنسان بطبعه يقيس على حاله وهيئته، فجاءت هذه الآية لتوكد النشأة الأخرى، وتنفي وجود تشابه وتماثل بينها وبين عالم الدنيا.
لقد جاءت الآية صريحة بتحديد منزلة الكافرين في الآخرة وانهم مادة النار التي تحرقهم وتؤذيهم، وتبين الآية ان القوة جميعاً لله عز وجل وهو القهار، وموضوع الآية أعم من ان ينحصر بالآخرة كما سيأتي في التفسير.
وتبين الآية ملازمة الحاجة للإنسان في النشأتين، ولكنها في الآخرة تكون أكبر ولا تتعلق بالأسباب المادية والكسب، والمدار فيها على الإيمان والكفر.
ترى لماذا يعيد الذين كفروا وقود النار تبين آية البحث مادة وعلة في المقام ، وهي جحود الذين كفروا بالنعم التي وهبهم الله عز وجل ، قال تعالى [الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا]( ).
ومما يثبت في علم الأصول أن شكر المنعم واجب ولكن الذين كفروا أصروا على الجحود واختاروا الشرك بالله فقذف الله عز وجل الخوف والرعب في قلوبهم في الحياة الدنيا ، قال تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمْ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ]( ).
ومن خصائص هذا الرعب مصاحبة الكدورة للذين كفروا فلا يهنأون بالنعم التي عندهم في الدنيا ، لتكون عليهم وبالاً يوم القيامة لشدة الحساب.
وقدمت الآية الأموال لأنها مادة الفداء والعوض ، ولكنها تعطى يوم القيامة ، ولا تصلح للعوض أو تخفيف العقوبة ، وقال تعالى [وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ]( ).
ولم يرد لفظ (وقود) في القرآن من غير تفريق إلا في هذه الآية , فلم يرث الأبناء الحكم , إنما ملكتهم امرأة من بنات ملوك القبط (ثلاثين سنة) ( ) وكانت من أمهر السحرة , وطال عمرها , ثم ملك من بعدها دركون بن بكتوس وهو صبي من أبناء رؤساء القبط .
ولم يرد هذا اللفظ في القرآن إلا في الآية أعلاه لبيان شدة عذاب الكافرين يوم القيامة.
ويمكن تسمية هذه الآية بـآية (لن تغني) وقد ورد ذات اللفظ في ذم المنافقين وسوء عاقبتهم قال تعالى [اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ]( ).
إعجاز الآية الغيري
قد ذكرت الآية الرابعة من هذه السورة الذين كفروا بآيات الله بصيغة الذم والوعيد بقوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ]( ).
وذكرت هذه الآية وهي العاشرة في نظم آيات سورة آل عمران الذين كفروا مطلقاً ، والنسبة بينهما العموم والخصوص المطلق، فالمراد هنا الذين كفروا بالله ، وبالنبوة والتنزيل ، وجحدوا بنعم الله ، ولم يشكروه على نعمة الولد والمال والجاه.
ومن إعجاز الآية الغيري مواساة المؤمنين ، وعصمتهم من الإفتتان بالذين كفروا وكثرة أموال كفار قريش وأولادهم والجاه العريض الذي لهم بين القبائل وعند الدول الكبرى آنذاك مثل دولة الروم وفارس ، بينما كان الصحابة في حال فقر وعوز ومنهم أصحاب الصفة من المهاجرين الذين يصلون إلى المدينة المنورة وليس عندهم دار أو أهل فيها ، وليس من فرص عمل فيها خاصة مع كثرة عدد المهاجرين ، ولأن أهل المدينة أهل زراعة وسقي.
وظهرت الفاقة والعوز على المسلمين في معركة بدر ووصفهم الله بالقرآن بأنهم (أذلة).
ومن فضل الله وإعجاز القرآن عدم مجئ هذا الوصف إلا بعد أن تحقق لهم النصر والغلبة في المعركة ، قال تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]( )، ولتكون حال المسلمين هذه رحمة وموعظة وعبرة لكفار قريش وعموم القبائل ، فلا يعودون إلى قتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وغزو المدينة ، ولكنهم أصروا على الجحود وزحفوا في معركة أحد بعد مرور ثلاثة عشر شهراً على معركة بدر ولم يكن طلب الثأر لقتلاهم في معركة بدر السبب الأول لهذه المعركة ، إنما أرادوا قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ووقف نزول القرآن.
تبعث آية البحث النفرة في النفوس والكفر ومفاهيمه , وتجعل الخلاف والخصومة تدب بين الكفار , ومع نزول آيات القرآن التي تذم الكفر وعبادة الأوثان بدأَ تخلي الأتباع عن رؤساء الكفر , ليكون من ثمرات هذه الآية مبادرة الناس بالتوبة والإنابة , ولم تعد أموال المشركين وجاههم ينفعهم في اتباع الناس لهم , واستمرار هيبتهم بين الناس , وتلك الهيبة التي ترشحت من جوارهم للبيت الحرام , وكونهم ذرية إبراهيم عليه السلام , واتعاظ الناس من واقعة أصحاب الفيل , وهلاكهم لزحفهم لدخول مكة وهدم الكعبة الشريفة , قال تعالى [أَلَمْ تَرَى كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ] ( ).
وقد ولد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في عام الفيل , وهل نصرته الواقعة أثر على قريش , الجواب نعم , فقد انتفعت منه وعلا شأنها , وتضاعفت أموال قريش وصار الرجال والنساء يشتغلون في التجارة داخل مكة في موسم الحج وخارجه , وبالإستمرار من الشام واليمن , قال تعالى [لِإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ] ( ).
ومن إعجاز الآية مجيؤها بصيغة المضارع (لن تغني) فلم تقل الآية (لم تغن) لأن المراد هو بقاء مضامين الإنذار وشواهد مصاديق إلى يوم القيامة وهو لا يتعارض مع إرادة الذين كفروا في الزمن الماضي , لذا وردت صيغة العموم في خاتمة الآية بقوله تعالى [وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّار]( ) أي الكفار من الأمم السابقة واللاحقة بهم .
وأخبرت الآية التالية بأن عذاب الذين كفروا من قريش ونحوهم لا ينحصر بعالم الآخرة إنما يشمل الحياة الدنيا بأن يبطش الله عز وجل لهم لسوء أعمالهم .
ومن عادة الناس أن يطمئن الإنسان لأمواله وكثرة أولاده لإعانته الأيام وتوفير المعيشة , وصرف النوائب .
فبينت آية البحث قانون المدار على الإيمان والتقوى لذا قال تعالى [أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ]( ) وهذه الإطمئنان باعث على الصلاح ومانع من الظلم والتعدي .
الآية سلاح
الآية عز للمسلمين وتبعث على الإستخفاف بالكافرين لأنها تجعل المسلم يرى سوء حالهم في الآخرة وعجزهم عن جلب المنفعة لأنفسهم او دفع الضرر عنهم ولا اعتبار يومئذ لأموالهم، كما ان اولادهم مرهونون باعمالهم، موقوفون عن نصرتهم والذب عنهم وبيان هذه الحال كاف في الرد عليهم في احتجاجهم , فهذه الآية من آيات الإحتجاج والبرهان , وهو من أسرار تلاوة كل مسلم ومسلمة القرآن في الصلاة اليومية ومنها التلاوة جهراَ في صلاة الصبح والمغرب والعشاء .
جاءت هذه الآية بصيغة القانون المتعدد , ومنه :
الأول : قانون ذم الله للذين كفروا .
الثاني : قانون لن تغني الأمول عن الذين كفروا .
الثالث : قانون لا يغني الأولاد وإن كثروا عن الذين كفروا.
الرابع : قانون فقر وعوز الذين كفروا في الدنيا والآخرة .
الخامس : قانون [الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا] ( ).
السادس : قانون الذين كفروا وقود النار يوم القيامة .
مفهوم الآية
في الآية مواساة للمسلمين وسكينة لقلوبهم وتخفيف عنهم لما يلاقونه من الكفار من الشك والريب، الذي لا يرتكز إلى حقيقة او واقع، بل هو وهم أصله الحسد والجحود والحرص على المنافع الدنيوية الراتبة، يتصدى نفر من أهل الضلالة ويثيرون شبهات لإشغال المسلمين فيتوجهون بالدعاء لإظهار اشتغالهم بالذكر وعدم التفاتهم إلى صيغ الصد والإفتتان.
فيتعقب الدعاء الإخبار السماوي بالعاقبة السيئة للكافرين، وقطع أملهم بما أدخروا من الأموال وولدوا من الأبناء الذين يكونون عوناً عند الشدائد، وفي حال الكبر والهرم، والآية في مفهومها بشارة للمسلمين بانتفاعهم من أموالهم واولادهم للتباين الموضوعي والحكمي بين المسلمين والكافرين، فالكفار يحجبون عن انفسهم الإنتفاع الأخروي، من الأولاد والأموال.
أما المسلمون فان الأولاد يكونون سبباً لزيادة الصالحات والعفو والمغفرة , وللشافعة يوم القيامة.
وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (اذا مات ابن آدم انقطع عمله من الدنيا الا من ثلاث: صدقة جارية، او علم ينتفع به من بعده، او ولد صالح يدعو له) ( ).
فما وظفه المسلم في حياته في أعمال البر والإحسان يتجدد له فيه الثواب والأجر، وتمنع الآية من افتتان المسلم بما عند الكفار من الأولاد والقوة والمنعة وتبدو على حقيقتها كاسباب عرضية زائلة، ومادة للإمتحان وموضوع لشدة العذاب في الآخرة، ومن مفاهيم الآية شفاعة اولاد المسلمين لآبائهم لعدم التساوي بين أولاد المسلم والكافر في الآخرة.
وبينما أخبرت آية البحث عن عدم انتفاع الذين كفروا من أولادهم وإن سعى كل منهما لهذا النفع , فإن القرآن تضمن الأمر إلى الذين أمنوا بالسعي الحثيث لنجاتهم وأولادهم من النار , قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ] ( ).
وتدعو آية البحث في مفهومها المسلمين والمسلمات إلى الشكر لله عز وجل على نعمة الحال وإخراج الزكاة والخمس منه , والمبادرة إلى الصدقة المستحبة منه , قال تعالى [إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ] ( ).
والشكر لله عز وجل على نعمة الأولاد وصلاحهم ليكونوا واقية من عذاب النار , وهل يشمل موضوع الدعاء في قوله تعالى [اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ] ( ).
مفهوم آية البحث الجواب نعم , وهو من مصاديق مجئ آية البحث بصيغة الجمع (اهْدِنَا) وتمام الدعاء في استقامة الصراط الذين يدعون إليه لذا تفضل الله عز وجل وجعل كل مسلم ومسلمة يتلوان هذه الآية سبع عشرة مرة في اليوم والليلة , ومن كرم ولطف الله عز وجل قراءة المسلمين لآيات سورة الفاتحة الأخرى مرة واحدة .
وقال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (إنَّ الرجل ليُرفع بدعاء ولده من بعده) ( ).
و(معاذ بن جبل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما من مسلمين يتوفى لهما ثلاثة إلا أدخلهما الله الجنة بفضل رحمته إياهم . فقالوا : يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو اثنان . . . ؟
قال : أو اثنان . قالوا : أو واحد . . . ؟
قال أو واحد .
ثم قال : والذي نفسي بيده إن السقط ليجر أمه بسرره إلى الجنة إذا احتسبته) ( ).
إفاضات الآية
تبين الآية فضل الله تعالى على المسلمين في الإنتفاع من الأموال والأولاد، في الدنيا والآخرة، وما يجلبه الإيمان من الخير ويدفعه من الشدائد والبلوى في النشأتين.
وتظهر الآية ضعف الكافرين وتسقط هيبتهم من العيون، وتجعل المسلمين يشعرون بالعز والقوة وعدم الخشية والخوف منهم، والآية امضاء لدعاء المسلمين بالإلتجاء إلى الله لأنه القوي الذي ينفرد بالغنى المطلق , قال تعالى [ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ] ( ).
لقد جعل الله عز وجل الحياة مزرعة للآخرة , فرزق الله عز وجل الإنسان الفعل للإقرار بالعبودية له سبحانه والتسليم بأصول وفروع الدين , ومنها أداء الفرائض العبادية ليبارك له فيما رزقه من المال والبنين والجاه , ومع شدة وقسوة أحوال الطبيعة ونقص المياه في الجزيرة العربية وحال الفقر التي يتصف بها أهلها فقد أغذق الله عز وجل على قريش بالمال وكثرة الأولاد والأزواج , والجاه العريض ورزقهم نعمة الأمن بجوار البيت الحرام .
قال تعالى [أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا] ( ) فإذا خرج رجال قريش في تجارة ونحوها قالوا نحن أهل الحرم فيمتنع الناس عن الإضرار بهم أما غيرهم فيتعرض في الجادة العامة إلى السلب أو القتل أو هما معاَ بل كان الهدي إلى البيت لا يتعرض له الناس فمن باب الأولوية إكرام أهل ومجاوري البيت الحرام .
و(عن قتادة في قوله { واذكروا إذ أنتم قليل . . . }( ) الآية .
قال : كان هذا الحي أذل الناس ذلاً ، وأشقاه عيشاً ، وأجوعه بطوناً ، وأعراه جلوداً ، وأبينه ضلالة ، معكوفين على رأس حجر بين فارس والروم .
لا والله ما في بلادهم يحسدون عليه ، من عاش منهم عاش شقياً ، ومن مات منهم ردى في النار ، يؤكلون ولا يأكلون .
لا والله ما نعلم قبيلا ًمن حاضر الأرض يومئذ كان أشر منزلاً منهم حتى جاء الله بالإِسلام فمكن به في البلاد ، ووسع به في الرزق ، وجعلكم به ملوكاً على رقاب الناس ، وبالإِسلام أعطى الله ما رأيتم ، فاشكروا لله نعمه فإن ربكم منعم يحب الشكر ، وأهل الشكر في مزيد من الله عز وجل) ( ).
ومن معاني صيغة العموم شمول المشركين والذين كفروا بالنبوات من الأممم السابقة , ولا يختص حكم الآية بالزمن الماضي إنما يفيد العموم والإستغراق ولبيان خروج الذين تابوا من الحكم في هذه الآية إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم إلا الذين تابوا وأصلحوا .
الآية لطف
تدعو آية البحث إلى استدامة نعمة المال والولد , والإنتفاع الأمثل منها في الآخرة إذا جمع المال من المال , وأخرج منه الحق الشرعي , وإذا تم إصلاح الولد للعبادة والذكر ليكون شفيعاَ في الآخرة وتتضمن الآية الإنذار والوعيد للذين كفروا , والإنذار في الدنيا , والوعيد في الآخرة , وبيان حقيقة وهي مجئ الكافر يوم القيامة بمفرده وليس له عون أو نضير , لبيان قانون وهو إذا تخلف عمل الإنسان عن تعضيده في الآخرة , فلا ينفعه المال أو الولد .
قال تعالى [إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لاَ يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا] ( ).
وهل نفعت آية البحث الناس ودخلوا الإسلام , الجواب نعم , وهو من مصاديق اللطف الإلهي في آيات الإنذار والتخويف بأهوال يوم القيامة , والكشف عن جانب من مواطن الحساب وسعادة وغبطة الذين أمنوا , وخبث الذين كفروا يومئذ .
لبيان قانون وهو كل آية من القرآن لطف من عند الله عز وجل للناس سواء كانت بشارة أو إنذاراَ , وعداَ أو وعيداَ .
ومن لطف الله عز وجل بالناس إنتفاع البر والفاجر والمؤمن والكافر من المال والولد في الحياة الدنيا لأن الدنيا رحمة عامة بالناس وهو من مصاديق الإستغراق والعموم في قوله تعالى [إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً] ( ) ولم تذكر هذه الآية أن النعم في الدنيا مادة للحساب والجزاء في الآخرة , لبيان آيات أخرى هذا المعنى , قال تعالى [مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ]( ) فلا يكون حساب الكفار بوزن الحسنات والسيئات ورجحان إحدى الكفتين , إنما يكون حسابهم بعرض أعمالهم القبيحة عليهم , وإحضار وإحصاء السيئات التي إرتكبوها , وتقرير جحودهم وكفرهم بالله عز وجل والنبوة .
ومنهم من انكر حساب الذين كفروا , أي أنهم يساقون إلى جهنم من غير حساب , ولكنهم يقفون للحساب وقال تعالى[وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ] ( ).
الصلة بين أول وآخر الآية
ابتدأت آية البحث بالحرف المشبه بالفعل (إن) لإفادة الإخبار الصادق والتأكيد , ترى لماذا ذكرت الآية (الذين كفروا) بالاسم الموصول والفعل الماضي , ولم تقل (إن الكافرين) الجواب المعنى واحد , ولكن الآية حجة على الذين تلبسوا بالكفر عن قصد وعمد مع كثرة الآيات التي تحيط بهم .
ومن خصائص الإنسان الفرح والسعادة والتفاخر لكثرة المال والولد , قال تعالى [الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا] ( ) وينشغل الإنسان بالمال والولد في الحياة الدنيا , وقد لا يلتفت إلى وظائفه العبادية ويميل إلى جمع المال بالحلال والحرام , ويمتنع عن أداء الزكاة والخمس خشية إصابة المال بالنقص والخوف على أولاده من بعده , فنزل القرآن بتسمية إخراج الصدقات الواجبة زكاة , أي نماء وبركة وزيادة .
ومع أن المدار على المسمى وليس الاسم فإن الاسم له موضوعيته في المقام يبعث الناس إلى الإيمان وفعل الصالحات ومن منافع آية البحث أمور :
الأول : إصابة عدد الذين كفروا بالنقص المتصل .
الثاني : دبيب الخوف والحزن إلى قلوب الذين كفروا فلا يهنأون بالأموال والأولاد لإدراكهم عدم نفعهم لهم في الآخرة , قال تعالى [وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ] ( ) .
الثالث : جعل عالم الآخرة حاضراَ في الوجود الذهني عند الناس جميعاَ .
الرابع : بعث السكينة في نفوس المؤمنين لدلالة الآية في مفهومها على انتفاعهم من الأموال والصدقات والأولاد الصالحين في الآخرة , وكذا انتفاع الأولاد من صلاح آبائهم , قال تعالى [ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] ( ).
ولم تكتف الآية بذكر آل فرعون إنما ذكرت الكفار من الأمم السابقة لهم , وهل يدل هذا على كثرة الأحقاب والأجيال الجواب نعم , وهل يعني إقتباس آل فرعون من الذين قبلهم مفاهيم وسنن الكفر والجحود الجواب لا , إنما هو إتحاد السنخية وسوء السريرة والفعل وهل يصح تقدير آية البحث وبلحاظ الآية السابقة , كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فلم تغن عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاَ الجواب نعم .
من غايات الآية
في الآية مسائل :
الأولى : إبتدأت الآية بالحرف المشبه بالفعل (إن) الذي يفيد التأكيد , ومنه في المقام :
الأول : وجود قوم يكفرون بالله عز وجل , وينكرون النبوة والتنزيل .
الثاني : ذم الذين كفروا لمخالفتهم للواجب العقلي والعبادي , وإعراضهم عن الآيات والبراهين التي تملأ السموات والأرض .
الثالث : تبرأ الذين آمنوا من جحود الذين كفروا فمن غايات آية البحث تحذير الذين آمنوا من الكافرين والمنافقين , لذا نزل القرآن بسوء عاقبتهم , قال تعالى [وَلاَ تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً]( ).
وتبين الآية أعلاه تلقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأذى من الكفار والمنافقين مع لزوم الصبر على هذا الأذى , وهناك وجوه في الآية أعلاه :
الأول : هل الصبر بقوله تعالى [وَدَعْ أَذَاهُمْ]مطلوب بذاته أم أنه وسيلة مباركة أيضاَ .
الثاني : هل أذى الكفار والمنافقين متشابه أو فيه أختلاف .
الثالث : هل يختص هذا الأذى بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أم يشمل أهل بيته وأصحابه .
أما الأول فإن الصبر والإعراض أذى الذين كفروا والمنافقين مطلوب بذاته وهو مادة ووسيلة لجذب الناس للإيمان , ودعوة للكافرين للتوبة والهدى , وللمنافقين للتنزه عن الرياء والنفاق , ومن معاني قوله تعالى [وَدَعْ أَذَاهُمْ] بشارة النصر والظفر وإنحسار أثر الكافرين .
ومن الآيات إقتران الأمر بترك أذى الذين كفروا بحسن التوكل على الله عز وجل وأن الله عز وجل هو الكافي والوكيل , وأما الثاني فالجواب هو الثاني , فأذى الكفار من الكلي المشكك الذي يكون على مراتب متفاوتة قوةَ وضعفاَ , باللسان والفعل المتعدد وتجهيز الجيوش لقتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه كما في معركة بدر وأحد والخندق , وأما الثالث فالصحيح أنه يشمل أذى الكفار لأهل البيت والصحابة وهل تعذيب الكفار للمسلمين الأوائل في مكة , وقتلهم سمية بنت خياط ام عمار بن ياسر تحت التعذيب لإمتناعها عن الإرتداد فيه أذى لشخص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الجواب نعم , وتقدير الآية : ودع أذاهم لك ولأصحابك .
وهل من معاني[وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ]( ) والتوجه إلى الله عز وجل بالدعاء والمسألة رجاء وهن وضعف الكفار , وانحسار الكفر الجواب نعم .
ليتجلى مصداق الإرهاب بفعل الكفار من وجوه :
الأول : قانون أذى الذين كفروا للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الثاني : قانون أذى الذين كفروا لأهل البيت إرهاب .
الثالث : قانون أذى الذين كفروا للصحابة إرهاب .
الثانية : بيان قانون سخط الله عز وجل على الذين كفروا , وفيه دعوة للتنزه عن الكفر والشرك الظاهر والخفي .
الثالثة : الإخبار عن يوم القيامة ووقوف الناس بين يدي الله عز وجل للحساب وفق البرهان الأني من المعلول إلى العلة فمضمون آية البحث عدم إنتفاع الكفار من أموالهم وأولادهم في يوم القيامة , فليس من عوض أو بدل أو واقية من عذاب التلبس بالكفر والجحود , قال تعالى [إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ]( ).
الرابعة : بيان الأولوية في إنتفاء إنتفاع الكافر في الآخرة فإذا كانت أمواله وأولاده لا تنفعه فمن باب الأولوية أن الأخ والزوجة والصديق لا ينفعون .
وجاءت الآية بصيغة التذكير [إن الذين كفروا] وهل يشمل اللاتي كفرن , الجواب نعم , إنما وردت صيغة التذكير للغالب.
ومن إعجاز القرآن ورود لفظ المشركات مع المشركين والمنافقات مع المنافقين فيه , ولم يرد لفظ الكافرات لبيان أن الوزر الذي يتحمله الرجل في الكفر أكثر وقد يكون سبباَ في كفر المرأة , وهو لا يمنع من وجود نساء كافرات عند مؤمنين , وذكر القرآن مثلاَ بقوله تعالى[ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنْ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلاَ النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ] ( ).
إذ تدل الآية أعلاه على ذكر الكافرات , كما ووصف نوح ولوط في الآية بكونهما عبدين صالحين , لبيان أن النبوة كانت ظاهرة في أقوالهما وأعمالهما , وأن سيرتهما في البيت وأفراد الأسرة سيرة صلاح وهداية وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر .
الخامسة : قدمت الآية الأموال على الأولاد , لأن الأموال هي التي تدفع عوضاَ وبدلاَ ومادة للصلح والتراضي في كل الأزمنة والبلدان وبها تقضى الحوائج , وينفق منها طلباَ للصحة وعلاج الأمراض .
وذكرت الأموال بصيغة الإطلاق , أي وأن كثر من أموال الكافرين من الذهب والفضة والعقارات والمركبات , ولو جمعت أموال الكافرين لإنقاذ واحد منهم من عذاب الآخرة فإنها لا تنفعه لأن الله عز وجل هو الغني , لأن الملك يوم القيامة لله عز وجل وحده , وفي التنزيل [لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ] ( ).
ونزل القرآن بعدم إنتفاع الكفار من ضعف أموال الأرض لبيان قانون إستحالة الفداء يوم القيامة , قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] ( ).
ترى ما هي النسبة بين النفع وبين الفداء , الجواب هو العموم والخصوص المطلق , فالنفع أعم لذا تضمنت آية البحث نفي نفع وغنى الكفار باللأموال والأولاد يوم القيامة .
السادسة : صيرورة الكفار حطب جهنم , لبيان خصوصية في نار جهنم , وهي أن الذين كفروا يعذبون فيها ومن شدة عذابهم أنهم وقود النار , وبقائها متوهجة شديدة الحرارة .
وورود في الآية اسم الإشارة للبعيد (أولئك) وسيأتي في التفسير أنه خاص بالذين كفروا , ولا يشمل الأولاد إذا كانوا مؤمنين , وتقدير الآية : إن الذين كفروا وقود النار .
ومن إعجاز القرآن ورود لفظ (وقود) أربع مرات فيه , كلها في ذم وسوء عاقبة الذين كفروا وهي :
الأولى : قوله تعالى [فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ] ( ).
الثانية : قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ] ( ).
الثالثة : قوله تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ]( ).
الرابعة : قوله تعالى [النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ] ( ).
وليس من تعارض بين وصف النار في الآية أعلاه من سورة البقرة بأنها (أعدت للكافرين) وبين كون الذين كفروا وقود النار , من جهات:
الأول : ذات النار وقود ذاتي , لذا فالمشهور والمختار أن الجنة والنار مخلوقة.
الثاني : إخبار القرآن عن كون الحجارة من وقود النار .
الثالث : النسبة بين النار والوقود عموم وخصوص مطلق , فالنار أعم .
الرابع : الذين كفروا وقود إضافي للنار لزيادة حرارتها وشدة عذابهم فيها .

التفسير
قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ]
في الآية حكم سماوي خاص بالذين اختاروا الجحود والكفر , أصل الكفر الستر والتغطية ومنه تغطية الفلاح للحب والبذور بالتراب رجاء النمو والنبات , قال تعالى [اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ]( ) وهو على وجوه:
الأول: الشرك والكفر بالله العظيم , وهو أفراد الكفر وأكثرها قبحاَ , وهو سبب غلق الإنسان باب المغفرة عن نفسه.
الثاني: الكفر برسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعدم الإقرار بنبوته , والمعجزات التي جاء بها.
الثالث: عدم التصديق بالنبوات مطلقاً.
الرابع: الجحود وعدم الإيمان بالتنزيل .
فالكفر وان كان عــلى وجــوه متــعددة الا انه سور جامع للجاحدين والمشركين، فقد يلوم بعض الكافرين أحدهم على كفره وجــحوده، في وقت يلتقــي معه فيه بالكفر وسوء العاقبة، لأن الإيمان عبارة عن التصديق الإستغراقي بالنبوات والكتب السماوية وهذا التصديق يترشـــح عنــه اتيــان ما أمـــر الله به واجتناب ما نهى عنه.
والآية ضابطة كلية لحال الكفر والجحود وعزل للكافرين بلحاظ اعمالهم ومعتقدهم وما ينتظرهم من العذاب، وفي مقابل هذا العنوان وما يقترن به من الوعيد، وتجد في القرآن عنوان [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا] الذي ورد تسعاَ وثمانين مرة في القرآن , ويلازمه المدح والثناء والوعد الكريم، قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ] ( )، أي ان الثواب يأتيهم بايمانهم واتيانهم الصالحات قبل ان تصل النوبة إلى الأموال والأولاد والإنتفاع منهما، وان كانا يدخلان ضمن عمل الصالحات.
فمن الصالحات العبادات المالية كالزكاة الواجبة، بالإضافة إلى الصدقات المندوبة وفعل الخيرات، اما الأولاد فيترشح الثواب باعدادهم اعداداً ايمانياً وجعلهم يرثون الإيمان والتصديق برسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتعاهد مبادئ الإسلام في الأرض , قال تعالى [وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ] ( ) وفي وصية لقمان لإبنه ورد في التنزيل [يَابُنَيَّ أَقِمْ الصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ] ( ).
لقد جاءت الآية بصيغة الوعيد والتخويف، لأن الكفر حرب على الدين والحق الصدق، ولا ينحصر موضوع الآية بالكافرين ايام التنزيل بل يشمل الذين يكفرون والى يوم القيامة , وهو من أسباب بقاء أحكام القرآن وتجدد خطاباته إلى أجيال الناس المتعاقبة.
قوله تعالى [لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ]
لقد جعل الله عزوجل الحاجة ملازمة للخلائق جميعاً لتكون منجذبة اليه تعالى لأنه سبحانه هو (المغني) ولا يقدر احد على قضاء حاجات العبادات غيره سبحانه , ومن أسماء الله عز وجل الكافي والوكيل , والكفيل , قال تعالى [رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً] ( ) ويتولى الله عز وجل أرزاق العباد .
وهدايتهم إلى مصالحهم , وكفايتهم الآفات المهلكة , وحفظهم , لبيان حرمة الإبادة العامة , والإرهاب وإزهاق الأرواح , فكل الناس عباد لله عز وجل علمه للناس وفي التنزيل .
وكفايته للعباد تكون مباشرة وبالواسطة والأسباب، ومن الأسباب الأموال والأولاد، ولكن أثر الأسباب محدود بحسب شأنها وموضوعها ومقدارها وحاجة الإنسان أعم وأكبر.
وتنقسم حاجته إلى قسمين:
الأول: مستلزمات الدنيا.
الثاني: حاجات الآخرة.
وصيغة الإطلاق الواردة في الآية شاملة للقسمين معاً ولكن العقل والوجدان يدرك انتفاع الإنسان مؤمناً كان اوكافراً من أمواله وأولاده في الدنيا فهل تكون الآية مقيدة وان القدر المتيقن منها عالم الآخرة، والظاهر ان الإطلاق باق على حاله وان عدم اغناء الأموال والأولاد للكافر في الدنيا والآخرة , ولكنه يتجلى بوضوح في الآخرة.
والإغناء مصدر والغنى اسم المصدر، فالإغناء سد الحاجة ورفع الفقر ودفع الضرر، لذا ترى الإنسان اذا ابتلي بمرض عضال لم تنفعه أمواله مع كثرتها في الشفاء، وربما صرف هذا المرض عن المؤمن بدعائه، وفي التنزيل [وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ]( ).
اما في الآخرة فعدم الغنى بالأموال والأولاد لا يخفى على أحد انها دار الحساب التي لا يرافق الإنسان فيها الا عمله، بالإضافة إلى شدائد الآخرة التي لا يمكن لأحد حجبها عن مستحقها.
وجاءت الآية بصيغة الجمع بالنسبة للكفار والأموال في دلالة على عجز الكفار عن دفع البلاء والأهوال عنهم وان اجتمعوا وعدم انتفاعهم من أموالهم مع كثرتها بمعنى لو جمعت أموال الكفار على مر الدهور لن تنفع فرد واحد منهم.
والآية انذار للكفار في الحياة الدنيا واخبار عن عدم وجود ما ينجيهم من البلاء خصوصاً وان الدنيا دار امتحان واختبار، وفيها اخبار عن كون الأموال عرضاً زائلاً ومن أفراد زينة الدنيا.
و(عن أنس بن مالك يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : “يتبع الميت ثلاثةٌ ، فيرجع اثنان ويبقى معه واحد: يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله) ( ).
لقد اراد الله عز وجل للناس في هذه الآية التوجه لما ينفعهم ويغنيهم في دنياهم وآخرتهم.
والناس بلحاظ الأموال والإنتفاع منها على أقسام :
الأول : مؤمن عنده ثروة من المال.
الثاني : مؤمن فقير لا يملك مؤونة سنته او شهره او حتى يومه.
الثالث : كافر يمتلك اموالاً طائلة.
الرابع : كافر لا يملك شيئاً.
الأول ينتفع من أمواله في الدنيا والآخرة وتكون وسيلة للصالحات وافشاء الإحسان وايصاله إلى مســتحقيه، بالإضــافة إلى ثـروة الإيمان، اما الثاني فانه غني بما عنــده من الإيمان والرضــا بقسمه تعالى، اما الثالث وهو الكــافر الملي فلا تنفــعه أمــواله، ولا تنفع الكافر الفقير ايضاً.
ومن وجوه مجيء الآية بصيغة الجمع ان أموال الكافر الغني لن تنفع صاحبه الفقير وان سخرها لإعانته من باب الأولوية القطعية ، ومن وجوه الجمع ارادة المؤسسات المالية الربوية.
وقدمت الآية الأموال على الأولاد، وفيه مسائل :
الأولى : ان الأموال طوع ارادة الإنسان يتصرف بها كيف يشاء، والولد قد لا يطاوعه خصوصاً بالنسبة للكافر فمن الإبتلاء ان المصاحب للكفر الولد لا يعرف فلسفة وآداب بر الوالدين.
ونزل القرآن بتحذير الأولاد من الآباء إذا تلبسوا بالكفر واختاروا الشرك , قال تعالى في خطاب لكل إنسان [وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ] ( ).
الثانية : ينصرف الغنى والثروة إلى المال وهــو المتبادر والمنسبق إلى الأذهان.
الثالثة : الأموال عنوان الملكية وقضاء الحوائج، والولد قد يكون عبأ على أبيه في النفقة وغيرها.
الرابعة : الأموال وسيلة لقضاء الحوائج وستر العرض ودفع الأذى، وآلة الشراء او التملك.
الخامسة : يتم العوض ودفع الدية والأرث من المال .
وأيهما اكثر نفعاً في الآخرة الأموال ام الأولاد، الجواب: ان كلاً من الأمــوال والأولاد من الكلي المشكك بالمقدار والكم والكيف، ولكل واحد منهما فوائده الخاصة وتلك الفوائد مقيدة بالإيمان، اما مع الكفر فانها سالبة بانتفاء الموضوع، فلا ينفــع المال ولا الولد، ويكون المال حسرة على صاحبه، وكذا الولد على أبيه الا ان تدركه الرحمة الإلهية بالإيمان , وينفع الإنسان ما أنفقه من مال في سبيل الله عز وجل وإعانته الفقراء قال تعالى [مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ]( ).
لقد ذكرت الآية كلاَ من :
الأول : الأموال .
الثاني : الأولاد .
الثالث : إجتماع الأموال والأولاد .
لبيان عجز هذه الأسباب عن دفع البلاء والعذاب عن الذين كفروا , والمراد من الأموال أعم من النقد والذهب والفضة إنما يشمل الأسلحة والحصون والقصور والزراعات والأعوان والغلمان والخيل وآلات الرفاهية والسعة , قال تعالى [أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمْ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاَءِ الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا]( ).
قوله تعالى [وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ]
الأولاد معطوف على الأموال على نحو السالبة الكلية في عدم الإنتفاع منهم في صد العقاب ودفع الأذى عن الكفار وعدم النفع في المقام على وجوه :
الأول : عدم نفع الأموال وحدها.
الثاني : عدم نفع الأولاد.
الثالث : عدم نفع الأموال والأولاد مجتمعين.
وكل هذه الوجوه من مصاديق الآية، وهل المراد الأولاد الصلبيون أم المعنى الأعم، الجواب: هو الثاني، ويشمل الأحفاد لأن الكفر حاجب عن جلب النفع.
لقد حصرت الآية عدم نفع الكفار من أموالهم وأولادهم ، سواء على نحو الملكية الشخصية ام النوعية والشركة والإشاعة.
ولكن لو كانت أموال غير الكافرين واولاد غيرهم فهل تنفعهــم، الجواب لا، من باب الأولوية، ولأنهم منعوا وصول النفع اليهم باختيارهم الكفر والضلالة، فالمانع من الغنى موجود، مما يدل على ان الكافرين محتاجون في الدنيا والآخرة وان بدا عليهم الغنى الظاهري في الدنيا بالمال والقوة والعز بالأولاد.
لقد جعلت هذه الآية أموال الكافر كالسراب وكشفت عن حقيقتها وزيف الإلتجاء اليها وعدم امكان الإنتفاع منها او من الأولاد، وما دامت الحاجة ملازمة للإنسان فوظيفته الشرعية والعقلية والعرفية المبادرة إلى سدها واحرازها، واذا كانت الأموال والأولاد لا نفع فيها ولا اعتبار لها في سد الحاجة.فلابد من السعي في تحصيل اسباب ومقدمات سد الحاجة الدنيوية والأخروية ومعالجة الدرن واصلاح النفس، وجاء القرآن بحصــر اســباب النجـاة بالإقرار بالوحدانية والنبوة واداء الفرائض والعبادات.
وهذه الآية تبين لك جانباً من الجواب الذي قد يطرح احياناً عندما تكون الثروة بيد الكفار، لماذا المال والقوة بايديهم، لقد لهثوا وراء الدنيا واجتهدوا في طلبها فاستدرجهم الله سبحانه عسى ان ينتبهوا او ينظروا ماذا وراء الثروة والمال وليدركوا بالوجدان والشواهد الحسية والعقلية انها لن تغني عنهم شيئاً، اما المسلمون فانهم فرحوا بالإيمان وادوا الفرائض مستبشرين ولم يجعلوا كل اهتمامهم بالمال والثروة وان كان المال سلاحاً لتثبيت دعائم الدين واظهار معالمه ووسيلة للتصدي للباطل، والمؤمن الغني افضل من المؤمن الفقير اذا سخر الأموال في مرضاة الله.
ان مجيء الأولاد عقب الأموال لا يعني عدم موضوعيتهم او تخلفهم رتبة وان كان تقديم الأموال له دلالات خاصة، كما ان عدم النفع لا ينحصر بالأموال والأولاد فان اثبات شيء لشيء لا يدل على نفيه عن غيره، فليس من سبب لجلب النفع إلى الكافرين ولكن جاء ذكر الاموال والأولاد لأنها أهم أسباب الإستعانة، والا فان الآية تشمل الآباء والأصدقاء، والزوجة للكافر والزوج للكافرة بل ان بعضهم يكون سبباً لإيذاء الآخر لقاعدة السبب والمسبب، والعلة والمعلول اذ يضع كل منهم اللوم يوم القيامة على الآخر في اقتراف المعصية، ويدرك بطلان ظنه بالإنتفاع منه.
واذا كان الإنسان يفزع إلى ماله واولاده فيخيب ظنه بهما ويشعر انهما لا يسدان حاجته، ان اليأس والقنوط يصيبه ويبحث عما يدفع المضار والمكاره عنه، وليس له الا التخلص من الكفر لأنه الحاجب دون هذا النفع، فالأصل في الأموال والأولاد انها رحمة ونعمة دائمة، ولا يعطي الله عزوجل العبد نعمة ويحرمه منها سواء في الدنيا او في الآخرة، ولكن الكافر حجب عن نفسه الإنتفاع بها، والإمتناع بالإختيار لا ينافي الإختيار.
بحث بلاغي
من وجوه البديع (الجمع) وهو اصطلاح يراد منه الجمع بين شيئين او موضوعين او أكثر في حكم واحد بمعنى تعدد الموضوع واتحاد الحكم كما في قوله تعالى [وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ] ( )، وهل يشمل الإصطلاح الموضوع لو جاء على نحو السالبة الكلية كما في قوله تعالى [لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ]( )، الجواب نعم فان الآية جمعت الأموال والأولاد في عدم انتفاع الكافر منها، وانها لا تحجب عنه العقاب الأخروي.
وجاءت الآية بالإطلاق أي وان كثرت الأموال وكانت قناطير مقنطرة من الذهب والفضة، وأنعاماً وجواهر وأعيان فانها لا تجلب لصاحبها الكافر نفعاً ولا تدفع عنه في الآخرة ضراً، والملك يومئذ لله تعالى.
قوله تعالى [مِنْ اللَّهِ شَيْئًا]
في الآية وجوه بلحاظ المعنى اللغوي :
الأول : في الآية حذف والتقدير: لن تغني عنهم أموالهم ولا اولادهم من عذاب الله، وحذف المضاف امر معروف في اللغة وهو من البديع، كما في قوله تعالى [وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ] ( )، أي واسأل أهل القرية.
الثاني : تأتي (من) مرادفة لـ(عن) كقوله تعالى [ يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا]( ) أي : عنه، والمعنى: لن تغني عن رحمة الله وفضله واحسانه، وان الكافر مهما كان عنده من الأموال والأولاد فانه محتاج إلى رحمة الله.
الثالث : جاءت (من) بمعنى (عند) أي لن تغني عند الله شيئاً.
الرابع : لإبتــداء الغاية، كما في قوله تعالى [سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ] ( )، والمعنى لن تغني عنهم ابتداء وانتهاء.
والأصح هو الوجه الأول والثاني، لأن الكفر سبب ذاتي لجلب الضرر والعذاب، ولا يستطيع الكافر الإستعانة بأمواله وأولاده لدفعه وصرفه قال تعالى [وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى]( ).
وتدخل الآية ضمن آيات الوعيد والإنذار للكافرين والجاحدين، كما انها تبين فقر الكافرين وانعدام الناصر والمعين لهم جميعاً ولكل فرد منهم، انها دعوة سماوية للتدارك والتخلي عن منازل الكفر والضلالة والتوجه إلى ما فيه تحصيل النفع من الأموال واستثمارها لدفع الضرر، وجعل الأولاد نعمة في الدنيا والحاجة لهم في الآخرة اكثر منها في الأولى.
لقد تفضل سبحانه بالإنذار الصريح ليكون الوعيد أكثر وقعاً في النفوس، وهو لطف بالعباد مطلقاً فيعتبر منه المؤمن ويتمسك بالإيمان ويشكره تعالى على نعمة الإسلام، ويتدبر الكافر في امره وتكون الآية مناسبة للإنابة والندم.
ومن الآيات انك تجد شواهد على عالم الآخرة في الدنيا، فان الإنسان مطلقاً مؤمناً او كافراً تأتي عليه حالات لا تنجيه من البلاء في أمواله و اولاده، وفيه تذكير للإنسان ليعتبر مما يتعرض له او مما يصيب غيره.
ورد قوله تعالى [لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا] ثلاث مرات( )، وفيها وعيد وتهديد للكافرين، وتختتم الآيتان الأخريان بقوله تعالى [وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ]، وهذا التعدد يفيد التوكيد في الإنذار والتحذير من الكفر.
وجاءت الآية بلفظ (شيء) وهو عبارة عن كل موجود او معلوم ومنه ما هو جوهر ومادة، او حكم ومعنى كالقول، نحو قلت شيئاً، وجاء ذكر شيء على نحو التنكير ليشمل الأمور الصغيرة والكبيرة، من العذاب والعقاب او الإبتلاء.
ولم تتحدث الآية عن حجب النعم عن الكفار وضربهم بالفقر والعوز ونقص في الأموال والأولاد ليتذكروا ويعتبروا، بل اشارت الآية إلى استمرار نعمه تعالى عليهم بالأموال والأولاد لأنه تعالى رحمن الدنيا يرزق فيها البر والفاجر، ولكن تلك الأموال مع كثرتها، والأولاد مع عصبتهم لن يدفعوا عن الكافر العذاب الذي يستحقه.

قوله تعالى [وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ]
اولئك اسم اشارة للبعيد ويحتمل وجوهاً هي :
الأول : الكفار والجاحدون.
الثاني : اولادهم ذكوراً واناثاً.
الثالث : الكفار واولادهم معاً.
والصحيح هو الأول، فالمراد هو الكفار لأن اولادهم اما ان يكونوا كفاراً فتشملهم الاية بالصفة والذات، واما ان يكونوا مؤمنين، فهم خارجون عن مضــمون الآية وما فيــها من الوعيد، ولا بــرزخ بين الإيمان والكفر، وان كان مفهوم الآية يشير إلى الأولاد الذين يرثون الكفر من آبائهم ويبقون في منازله فأولئك لم ينفعوا آبائهم لتلبسهم بالكفر ايضاً.
والوصف بان الكفار وقود النار يتضمن دلالات إعجازية وعقائدية وبلاغية، فمقتضى الأصل ان يقع عليهم عذاب النار ويتلقون العقاب خصوصاً وان الجنة والنار مخلوقتان الآن وهو مشهور علماء الإسلام، فلابد ان وقود النار معها، ولكن الآيات الأخرى تظهر تكون وقود النار من قسمين:
الأول: الكفار.
الثاني: الحــجارة، قــال تعــالى [فَاتَّقُــوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ]( ).
ولا تعارض في المقام باعتبار ان الكفار وقود اضافي، والله عز وجل قادر ان يجعل اصل النار من غير وقود ولا يشملها قانون العلة والمعلول، خصوصاً وانها موطن للعقاب والعذاب
والآية توبيخ ووعيد للكفار وايجاد صورة ذهنية لحالهم في الآخرة، وهي من الرحمة الإلهية بالناس جميعاً، فهي مناسبة للكافر ليتعظ ويتلقــى الإنذار، ووســيلة ليزداد المؤمــن ايماناً ويعرض عــن أهــل الشك والريب ولا يغتر بما هم عليه من كثرة الأموال والأولاد والجاه العريض.
وجاءت الآية بلغة الغائب باعتبار انها اخبار عن أمر ثابت في الآخرة ولأن الآية جاءت للإعتبار ولبيان شدة العذاب التي يتلقاه الكفار، ما دامت النار خالدة فهم باقون فيها لأنهم جزء من مقوماتها ومكوناتها اللاحقة ولكنه ليس على نحو القاعدة الكلية لأنه تعالى واسع رحيم، ولأن النار مخلوقة قبل ان يدخلوها، فلا ملازمة بين خلودها وبقائهم فيها، ولكن الآيات القرآنية هي التي أخبرت عن خلود الكافرين في النار بمعنى أنهم لم يخلدوا فيها لأنهم وقودها، بل لأن عقابهم هو الخلود فيها.
بحث بلاغي
من وجوه الاطناب التكميل ويسمى الاحتراس، وهو ان يؤتى بكلام قد يحتمل الوهم بارادة خلاف المقصود، فيأتي بكلام لاحق له لدفع الوهم، وفي القرآن يأتي التكميل لمنع اللبس وسوء التأويل واتباع الذين في قلوبهم مرض ما تشابه من القرآن، فالتكميل مدرسة عقائدية وليست بلاغية فقط، وفيها تأديب واصلاح للنفوس، وزجر عن اتباع أهل الشك والريب.
ومن أمثلة التكميل قوله تعالى [قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ] ( )، فلو كانت النار برداً فقط لكانت شديدة البرد، فجاء التكميل بانها سلام، ومنها قوله تعالى [أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ]( ).
فلو اكتفت الآية بذكر [أَذِلَّةٍ] لتوهم تلبسهم بالضعف، وانه سجية ثابتة لهم، ولطمع فيهم الأعداء، فدفعه قوله تعالى [أَعِزَّةٍ]، وفيه بعث للخوف والفزع في قلوب الكافرين.
ولما ورد قوله تعالى [لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ] جاءت خاتمة الآية لدفع وهم وان غير الاموال والاولاد لا ينفعهم، وعدم النفع مطلق غير محصور بالأموال والاولاد انما جاءا من باب المثال الاهم ، وان عاقبة الكافرين الخلود في العذاب.


قوله تعالى [كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ] الآية 11

الإعراب واللغة
[كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ] الكاف: حرف جر، دأب: اسم مجرور، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر، ويجوز إعرابها اسماً بمعنى (مثل) في محل رفع على انه خبر لمبتدأ محذوف والتقدير دأبهم كدأب من قبلهم.
ولم يسلم سيبويه بجعل اللام اسماً بمعنى مثل الا في الضرورة.
آل: مضاف اليه، وهو مضاف، فرعون مضاف اليه مجرور وعلامة جره الفتحة لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة.
[وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ] الواو: حرف عطف على آل فرعون، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف لا محل له، لأنه صلة الموصول، والضمير (هم) مضاف اليه، ويجوز اعراب الواو استئنافية فيكون الذين مبتدأ، وخبره جملة كذبوا.
[كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا] كذبوا: فعل وفاعل، بآيات: جار ومجرور، والضمير مضاف اليه.
[فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ] الفاء: عاطفة، اخذهم: فعل ماض، والضمير مفعول به.
اسم الجلالة: فاعل.
بذنوبهم: جار ومجرور، والضمير مضاف.
[وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ] الواو: استئنافية، اسم الجلالة: مبتدأ.
شديد: خبره، وهو مضاف، العقاب: مضاف اليه.
والدأب العادة والملازمة، يقال دأب فلان في عمله يدأب دأباً ودؤوباً فهو دئب، أي جد وتعب واجتهد، والأخذ: التناول وهو خلاف الإعطاء، وآخذه بذنبه مؤاخذة: عاقبه.
في سياق الآيات
بعد لغة الوعيد والتخويف للكافرين، جاءت هذه الآية لتبين قبح وأضرار الكفر في الدنيا والآخرة ، ولما اخبرت الآية بان الكافرين هم حطب جهنم، جاءت هذه الآية لتبين وجوه المتشابه بين عموم الكافرين.
والدأب مصدر , والمراد العادة والشأن ونمط السلوك , والمراد ب(مِنْ قَبْلِهِمْ) قوم نوح الذين كذبوه مع أنه نبي رسول , وثمود قوم صالح الذين عقروا الناقة التي هي معجزة خلقها الله عز وجل لهم من غير أن تكون في رحم .
وقوم لوط , وقوم شعيب الذين كانوا يطففون المكيال وذكرت الآية نزول العذاب بهؤلاء الكافرين , وجاءت آيات أخرى لبيان ضعف العذاب الذي نزل بكل أمة جاحدة منهم وأن قوله تعالى [فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ]( ) أي هلاكهم , بآفة من السماء أو الأرض , أما آل فرعون فقد هلكوا بالغرق كما يدل عليه قوله تعالى [كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ]( ).
وبعد آية البحث جاءت آية الإنذار للذين كفروا من قريش وأمثالهم بقوله تعالى [قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ] ( ) من جهات :
الأولى : توجه الأمر من عند الله عز وجل إلى الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم (قل) لبيان أنه واسطة بين الله عز وجل وبين الناس .
وقد ورد لفظ (قل) في القرآن (232) مرة كلها موجهة إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بإستثناء أربعة منها .
الثانية : الذم والتوبيخ للذين كفروا , ويدل في مفهومه على بعث الطمأنينة في قلوب الذين اختاروا الإيمان .
الثالثة : من معاني الجمع بين آية البحث والآية التالية , بيان قبح الكفر , وسوء عاقبته .
الرابعة : بيان معجزة للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالإخبار عن علم الغيب , القريب والبعيد أما القريب فإن الآية تتضمن الوعيد للذين كفروا بالهزيمة في المعارك والقتال ضد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , ليكون من معاني قوله تعالى [يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ]( ) يوم التقى الجمعان فيُغلب وينهزم الذين كفروا.
وأما البعيد فهو استحقاقهم دخول النار على ظلمهم لأنفسهم ومحاربتهم للنبوة والتنزيل , وسيأتي مزيد كلام في الجزء الرابع والثلاثين بعد المائتين من هذا السِفر في باب (قانون علم المستقبل في القرآن).
ومن إعجاز القرآن الغيري الزجر عن المعصية والفعل المذموم بالتذكير بيوم القيامة , وعالم الجزاء , وجاءت آية البحث للتأكيد بذكر أمثلة من الأمم السابقة , وشواهد على سوء عاقبة الكافرين .
الخامسة : إقامة الحجة على الناس ببيان الملازمة بين الكفر في الدنيا , ودخول النار في الآخرة .
ومن خصائص الإنسان إجتناب ما يضره والإبتعاد عن أذيته , وأشد الضرر هو دخول النار فلابد من الإمتناع عن مقدماته.
ولم تذكر آية البحث كفار قريش الذين اتخذوا من الأصنام ألهة , نعم أشارت إليهم بالمفهوم والدلالة إذ ذكرت بصيغة الذم الذين كفروا من الأمم السابقة , وكيف أن الله عز وجل ابتلاهم ورماهم بالوهن والضعف والآفات من السماء والأرض , ولكن الآية السابقة ذكرت عموم الكفار بقوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ] ( ) ليكون من تقدير آية البحث كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذًبوا بآياتنا فلم تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاَ .
كما يصح تقدير الآية السابقة , إن الذين كفروا من قريش وغيرهم كدأب آل فرعون والذين من قبلهم لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاَ وأولئك هم وقود النار .
ليكون من معاني آية البحث وذكر القرآن لما لا قته الأمم الكافرة في الأزمنة الغابر عبرة وإنذاراَ للكفار , أيام البعثة النبوية.
إعجاز الآية الذاتي
جاء المثل بآل فرعون لإجماع المسلمين على كفرهم وجحودهم بالربوبية وبرسالة موسى عليه السلام، لبيان الأضرار العظيمة للكفر من غير فرق بين مراتبه وان المدار على تصديق أو تكذيب الآيات، فمن كذب بها فهو عند الله كافر يستحق العذاب، وتنفي الآية البرزخية بين الإيمان والكفر، فاما التصديق بآيات الله واما الجحود والكفر.
وابتدأت آية البحث بالحرف الكاف الذي يفيد التشبيه (كدأب) لبيان وجوه الإلتقاء المذمومة بين آل فرعون والذين كفروا من قريش ومن والاهم , وفيه تأكيد لقبح صدودهم عن نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعدم إكتفائهم بهذا الصدود والجحود , إنما جهزوا الجيوش لمحاربته كما جهز فرعون الجيش العظيم للحاق بموسى عليه السلام وبني إسرائيل.
ومن الثابت عند أهل الملل والنحل غرق فرعون وجنوده في البحر الأحمر لإصراره على اللحاق بموسى عليه السلام وأصحابه الذين هربوا بدينهم , وكذا كفار قريش فقد هرب وخرج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من مكة مهاجراَ فطاردوه في طريق الهجرة , وجعلوا الأموال الكثيرة لمن يأتي به حياَ أو ميتاَ , بأن له مائة ناقة مما جعل أفراداَ كثيرين يخرجون في طلبه لولا أن نجًاه الله عز وجل بمعجزة بناء العنكبوت بيتاَ على غار ثور الذي دخل به هو وصاحبه , ومع ذم القرآن لبيت العنكبوت بقوله تعالى [وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ]( ).
تبين أخبار السنة النبوية إنتفاع ونجاة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من قريش بأوهن وأضعف الأشياء , لزيادة الذم لقريش.
وحينما خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مكة مهاجراَ (وَوَقَفَ عَلَى الْحَزْوَرَةِ( ) ، وَنَظَرَ إلى الْبَيْتِ فَقَالَ ” وَاَللّهِ إنّك لَأَحَبّ أَرْضِ اللّهِ إلَيّ وَإِنّك لَأَحَبّ أَرْضِ اللّهِ إلى اللّهِ وَلَوْلَا أَنّ أَهْلَك أَخْرَجُونِي مِنْك مَا خَرَجْت) ( ).
لقد ابتدأت آية البحث بحرف التشبيه الكاف لبيان سخط الله عز وجل على الكافرين لسوء اختيارهم وإقامتهم على الكفر , وأن الله عز وجل يؤاخذهم في الدنيا بنزول البلاء وحال الضيق والعسر بهم , ثم في الآخرة يكون عقابهم شديداَ وأليماَ , ولم تذكر الآية خصوص شخص فرعون إنما ذكرت آل فرعون لبيان هول الذنب والمعصية بتكذيب الآيات والبراهين التي تدل على وجوب الإقرار بالعبودية لله عز وجل .
ويمكن تسمية هذه الآية بـآية (كدأب آل فرعون)
وقد ورد لفظ (كدأب) ثلاث مرات في القرآن كلها بخصوص آل فرعون والذين من قبلهم , وفي أول الآيات ( ) الثلاث.
إعجاز الآية الغيري
آية البحث من آيات العبرة والموعظة للناس جميعاً , وهي لا تختص بفرعون لطغيانه وإدعائه الربوبية , إنما ذكرت التكذيب بآيات الله عز وجل , والمراد من الآيات وجوه :
الأول : الآيات الكونية .
الثاني : آيات التنزيل .
الثالث : معجزات الأنبياء , فقد رآى فرعون وملئه معجزة العصا لموسى , وهي دعوة لهم للإسلام .
لقد جرى الإحتجاج والجدال بين موسى عليه السلام وفرعون , فجرت معجزة العصا على يد موسى بحضور آل فرعون وبدل أن يؤمنوا أظهروا الكفر , ونعتوا موسى عليه السلام بأنه ساحر كما في قوله تعالى [قَالَ إِنْ كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنتَ مِنْ الصَّادِقِينَ *فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ * قَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ] ( ).
الرابع : البراهين العامة في حياة الناس , التي تدل على حضور المشيئة الإلهية سواء بقاعدة العلة والمعلول , والسبب والمسبب أم خلاف هذه القاعدة , وقال تعالى [سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ] ( ).
وذكرت آية البحث آل فرعون والذين كفروا من الأمم السابقة , وهل تشمل الآية الذين كفروا من بعدهم , الجواب نعم , ولكن لابد من وجود دلالة وأسرار بتخصيص الآية للذم والوعيد وبخصوص الذين ذكرتهم آية البحث , فلم تقل الآية كدأب آل فرعون كذبوا بآياتنا .
ولم تقل كدأب آل فرعون والذين كفروا من قبل .
وهل المقصود وجود أمة من آل فرعون حتى بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الجواب لا , ويحتمل هذا التخصيص وجوهاَ :
الأول : شدة العذاب والبطش من الله عز وجل بآل فرعون والذين من قبلهم من الكفار .
الثاني : جاءت الآية من باب المثال الأظهر خاصة , انها ابتدأت بحرف التشبيه الكاف (كدأب) .
الثالث : تعدد وكثرة الآيات التي جاءت لآل فرعون والذين من قبله .
ولا تعارض بين هذه الوجوه .
الآية سلاح
هذه الآية عون للمسلمين في معرفة الكافرين وسوء عاقبتهم، كما تمنع من الجهالة واللبس وتجعل المسلمين يعرفون الكافرين بجحودهم بالآيات، والآية تخويف للكافرين وتحذير من سوء العاقبة ليأتي القرآن بالتخفيف عن المسلمين فيتولي الإنذار والوعيد ويجعل الكافرين ينشغلون بانفسهم ويتفكرون بسوء عاقبتهم، ويميل شطر منهم إلى الإسلام فيتوجه المسلمون إلى عباداتهم وتنظيم شؤون دولتهم واعداد انفسهم للمسؤوليات العقائدية.
فلا أحد يستطيع درك كنه لغة الوعيد في القرآن في ميادين التعبئة والدفاع، كما انها ليست انذاراً محضاً، بل تتضمن الدعوة إلى الرشاد والهدى.
لقد تضمنت آية البحث وجوه شبه وتشابه بين كفار قريش ومنهاج آل فرعون والكفار من الأمم السابقة للدلالة على سوء عاقبة الذين كفروا , وأن البلاء ينزل بهم في الدنيا , ثم يلقون في نار جهنم.
ومن مصاديق السلاح في آية البحث دعوة المسلمين للصبر على كفار قريش ونحوهم , وعدم البطش بهم لأن الله عز وجل قد تكفل كفايتهم وصرف أذاهم , وجعلهم ينشغلون بأنفسهم , وهو من مصاديق قوله تعالى [أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ] ( ) فلا تختص هذه الكفاية بالمدد الذاتي إنما تشمل صرف أذى الأعداء الجاحدين , ومن مصاديقها في المقام حرمان قريش من الإنتفاع من أموال التجارة وتعطل قوافلهم التي كانت تسير بين مكة والشام وبين مكة واليمن , هو من مصاديق الآية السابقة [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ] ( ).
مفهوم الآية
تدعو الآية المسلمين إلى اخذ الحذر والحيطة من الكفار، مع الإجتهاد في الدعوة إلى التوحيد ، لذا جاء المثل بآل فرعون وهو عنوان تنخر منه النفوس مطلقاً، أي نفوس المسلمين وغيرهم، لإستكبار آل فرعون وسوء ما لاقوه من العاقبة والعذاب العاجل فجعلهم الله عبرة وموعظة ودرساً.
اما هذه الآية فجعلتهم مثالاً وشبهاً ليعرف المسلمون حقيقة من يحيط بهم من الكفار ليكونوا اكثر احترازاً منهم ولا يغفلوا أمرهم كي لا يصيب المسلمين ما أصاب موسى وبني اسرائيل من الأذى من آل فرعون.
وتظهر الآية مواطن سلطان للكافرين وان صلتهم بالحكم لم تنته ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولكن ببعثته قامت دولة الإسلام ليأخذ الصراع بين الإيمان والكفر صيغة المواجهة والتكافئ الإجمالي فأصبح للمسلمين موطن وفئة يرجعون اليها , وفي معركة بدر قال تعالى [هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمْ الْحَمِيمُ]( ).
ورد (عن أبي ذر أنه كان يقسم قسماً إن هذه الآية { هذان خصمان اختصموا في ربهم . . . }( ) نزلت في الثلاثة والثلاثة الذين تبارزوا يوم بدر وهم : حمزة بن عبد المطلب ، وعبيدة بن الحارث ، وعليّ بن أبي طالب عليه السلام ، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة ، والوليد بن عتبة)( ).
ومن مفاهيم آية البحث تأكيد المعاد , وعالم الحساب في الآخرة , وأن البلاء والعذاب الذي يحل بالذين كفروا في الدنيا هو قليل أزاء شدة العذاب الدائم في النار .
إفاضات الآية
تبين الآية البطش الإلهي بالكافرين وشدة العقاب الذي ينتظرهم، لتبقى ضابطة وقاعدة كلية تؤكد قوانين الثواب والعقاب التي تحكم العمل في الحياة الدنيا، وتدعو الناس إلى الإيمان للتدارك.
وتبعث الآية السكينة في نفس المسلم لنجاته من العذاب لتقييده بخصوص الكفر.
والآية اخبار ووعد عن استئصال مفاهيم الكفر.
ومن خصائص الإنسان ملازمة الحاجة له , وفق القياس المنطقي:
المقدمة الكبرى : الحاجة ملازمة للإمكان .
المقدمة الصغرى : الإنسان من عالم الإمكان .
النتيجة : الحاجة ملازمة للإنسان .
ويحتاج الإنسان رحمة الله عز وجل , وفضله في وجوده ورزقه وهيئته ودوام أيام حياته في الدنيا .
وهل هو محتاج إلى عبادته لله عز وجل , الجواب نعم إذ أنها استدامة الوجود , قال تعالى [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ]( ).
فنزلت آية البحث لبعث الناس على عبادة الله عز وجل , وإخافتهم من الكفر والجحود والظلم للنفس والغير .
الآية إنذار
ومن معاني آية البحث أنها إنذار للذين كفروا من قريش وغيرهم , ودعوة للناس للهدى والإيمان .
لقد ذهب موسى وهارون عليهما السلام إلى فرعون لدعوته إلى الإسلام وحضه على ترك الكفر وإدعاء الربوبية فالله عز وجل لا يرضى للناس إتخاذ شريكاَ له من الأصنام أو غيرها , أما فرعون فقد جعل من نفسه شريكاَ لله عز وجل في ملكه وحكمه وسلطانه .
وأقاما بباب فرعون أياماَ متعددة لا يأذن لهما بالدخول مع أن موسى نشأ في بيت فرعون , ثم أذن لهما بالدخول فاخبراه أنهما رسولان من الله عز وجل , ليسلم ويقر بالعبودية لله عز وجل , ولم يزاحماه على ملكه , ولم يشترطا عليه شيئاَ .
فسأل فرعون موسى عليه السلام أن يأتي بآية , فألقى موسى عليه السلام عصاه [فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ] ( ) والثعبان هو الذكر من الحيات .
و عن ابن عباس في قوله : ({ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ( ) وَنزعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ ( ) }
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: { ثُعْبَانٌ مُبِينٌ } الحية الذكر. وكذا قال السدي، والضحاك.
وفي حديث “الفُتُون”، من رواية يزيد بن هارون عن الأصْبَغ بن زيد، عن القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جُبَيْر عن ابن عباس قال { فَأَلْقَى عَصَاهُ } فتحولت حية عظيمة فاغرة فاها، مسرعة إلى فرعون، فلما رآها فرعون أنها قاصدة إليه، اقتحم عن سريره، واستغاث بموسى أن يكفها [عنه] ففعل) ( ).
لقد هلك فرعون وجيشه العظيم في البحر الأحمر , وبقيت نساؤهم فجأة دون أزواج , وتزوجت أكثرهن العبيد , وهذا من سخط الله عز وجل على الأمة الكافرة التي يختار فيها الرجال والنساء الشرك وعبادة الفرد أو الأوثان من دون الله عز وجل .
وفيه إنذار لقريش والذين كفروا بنزول البلاء بهم إن لم يتوبوا , ووعيد لسوء عاقبة الكفر والشرك في الآخرة , لبيان قانون وهو أن نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم مناسبة للتدارك وإصلاح الذات , وتنزيه المجتمعات من الكفر والشرك , ومن إعجاز القرآن في المقام أمور :
الأول : بيان سوء عاقبة الشرك بالله عز وجل .
الثاني : زجر الكفار عن قتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والهجوم على المدينة , وآية البحث مدنية والأرجح نزولها بعد معركة بدر.
لبيان أن نصر الله عز وجل للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين والأنصار في معركة بدر من أخزه الكافرين بذنوبهم وظلمهم .
الثالث : بعث الطمأنينة في نفوس المؤمنين لحسن اختيارهم الإيمان , وسلامتهم مما لحق الكفار من البلاء .
الرابع : بيان جهاد الأنبياء في الدعوة إلى الله عز وجل , فلم ينزل البلاء بالكافرين إلا بعد إقامة الحجة عليهم , نعم هذه الحجة أعم من أن تكون ببعثة نبي ومعجزات النبوة , لذا ذكرت آية البحث التكذيب بآيات الله عز وجل بقوله تعالى [كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا]( ) والنسبة بين آيات الله عز وجل ومعجزات الأنبياء عموم وخصوص مطلق , فالآيات أعم .
الصلة بين أول وآخر الآية
ابتدأت آية البحث بحرف التشبيه الكاف للدلالة على اتحاد الموضوع بينها وبين الآية السابقة والإخبار بأن موضوع الآية السابقة هم كفار قريش والذين جحدوا ويجحدون بالربوبية المطلقة لله عز وجل .
لقد بذل آل فرعون الوسع للحفاظ على ملكهم , وحفروا الأنهار وأصلحوا الأرض وبنوا القصور العالية , ولكنه لم ينفعهم إذ زال عنهم الملك بسبب جحودهم بربوبية الله عز وجل المطلقة , ولم يقروا بالعبودية له سبحانه , إنما انشغلوا في طاعة فرعون والولاء التام له , الذي قال [أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى] ( ) وقال تعالى [فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ]( ) .
والضمير (هم) أعلاه في الآية يعود لآل فرعون والكفار من قبلهم لبيان مصداق لقوله تعالى [وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ]( ) بأن ينزل العذاب بالمكذبين للآيات ومعجزات النبوة , وفيه إنذار لكفار قريش وللناس للنظر بما يحل بهم من البلاء العاجل , وهل تختص هذه الدعوة بآيام التنزيل الجواب لا , إنما هي متصلة إلى يوم القيامة لذا ذكرت آيات القرآن , ماحلً بهم من الهزيمة والخزي والذل , قال تعالى [ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا *وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا* وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلاَّ إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا* سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا]( ) وقال تعالى [تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ]( ) ومنه الآية التالية [قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ]( ).
وأخبرت آيات القرآن عن نزول الملائكة لنصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهزيمة المشركين , ومنه قوله تعالى [إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ]( ).
وأختتمت الآية بالوعيد وأن البلاء الذي يحل بالكافرين ويمحقهم لا ينجيهم من عذاب الآخرة , والإقامة في النار , فقال تعالى [وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ] ( ) وورود هذا اللفظ في القرآن أربع عشرة مرة , ولم يرد في سورة آل عمران إلا في آية البحث , ومن الإعجاز وروده في بعض الآيات مع آيات الرحمة والإنابة منه قوله تعالى [غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ]( ) وقوله تعالى [اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ]( ).
وبينت الآية جمع آل فرعون بين الكفر والتعذيب بالآيات والبراهين السماوية والمعجزات التي جاء بها موسى وهارون عليهما السلام , ومنها عصا .
من غايات الآية
في الآية مسائل :
الأولى : بيان القبح الذاتي للكفر والجحود وأضراره .
الثانية : نزول العذاب بالذين كفروا إذ كانوا أمة مجتمعة على الكفر , ولا يختص العذاب بهم , إنما ينزل العذاب بالمنفرد إذا جحد أو نافق .
الثالثة : وردت آية أخرى في القرآن مشابهة لآية البحث في قوله تعالى [كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ]( ).
الرابعة : منع إقتتال المسلمين والناس جميعاَ بالكفار وإن كانوا ذو شأن وسلطان .
الخامسة : بيان قانون وهو الكفر قاطع للنعم , ومانع من استدامتها.
السادسة : بعث النفرة في النفوس من الكفر ورؤساء الكفر .
السابعة : بيان قانون من الإرادة التكوينية وهو استئصال دولة الكفر والجحود , فإذا أراد السلطان استدامة حكمه فعليه أن يجتنب الشرك بالله عز وجل .
الثامنة : قانون المشيئة المطلقة لله عز وجل في الأرض , وهو سبحانه لا يرضى بسيادة الكفر ومفاهيم الشرك .
التاسعة : لقد جعل الله عز وجل الآية القرآنية ذكرى وموعظة لذا اختتمت آية البحث بقوله تعالى [وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ] ( ).
التفسير
قوله تعالى [كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ]
في الآية إعجاز للتشابه بين الكافرين في جحودهم وافترائهم وان تباينت الأزمنة والأماكن، والدعوة إلى الله واحدة، ولكن أشخاص الأنبياء وأســماء الشــرائع تختلف بالإضــافة إلى قواعــد الناسـخ والمنسوخ والتشبيه يلحق بالتعريف اذا كان المشبه به معلوماً عند المخاطب بلحاظ جهة الشبه، وقصة آل فرعون معروفة ، وهذا من الآيات ان تكون عاقبة قوم من الكافرين معلومة للناس.
وكان رجال قريش يجتمعون في دار الندوة بجوار الكعبة الشريفة للتباحث في أمور السياسة والإجتماع والقبائل والتجارة , ووفادة الحاج والمعتمرين , ويستحضرون أشعار العرب , والمناسبة التي ألقيت فيها وعنوان الفخر أو الذم فيها .
كما يذكرون قصص الأمم السابقة خاصة وأنهم كانوا أهل تجارة يلتقون بالنصارى من أهل الشام , والمجوس من أهل اليمن , وهو من مصاديق الحجة على قريش في قوله تعالى [لِإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ* فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ *الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ]( ).
لبيان مسألة وهي من معاني هذه السورة التي اختص موضوعها بقريش هو الحجة عليهم بذكر أهل الملل السابقة لنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبشارة الأنبياء السابقين بها , وفي عيسى عليه السلام ورد قوله تعالى [وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ] ( ).
وذكرت الآية دأب وعادة آل فرعون، فما هي عادتهم التي توجه من خلالها اللوم لهم وللكافرين عموماً، فيه وجوه :
الأول : الكفر والجحود بالربوبية.
الثاني : الجحود بالرسول الذي جاءهم من عند الله بالآيات البينات.
الثالث : محاربة المسلمين وايذائهم واستضعافهم.
الرابع : التكذيب بالآيات كما جاء في منطوق الآية الكريمة.
الخامس : إرادة قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو سجنه , قال تعالى [لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ] ( ).
والآية انذار للكافرين وتذكير بعاقبة من جحد بالنبوة والكتاب السماوي المنزل، وهذا الإنذار اخبار للمسلمين بسوء ما ينتظر الكافرين في دعوة للصبر على اذاهم وعدم الميل اليهم او الإنصات لما يبثونه من مفاهيم الشك والريب.
وتضمنت الآية اخباراً ووعداً وهو نوع إعجاز وتحد فكما اهلك الله آل فرعون واغرقهم، فان العذاب والخزي والهلاك العاجل ينتظر الكافرين الذين كذبوا بالقرآن ورسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
فهذه الآية تخبر عن لزوم هلاكهم واجتثاثهم من الأرض وزوال سلطانهم وحكمهم كما في الملأ من قريش الذين كفروا برسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وآذوه وأصحابه، وهذا الإجتثاث يتصور على وجوه:
الأول: ان الكفار استحقوه بالكفر والجحود وحدهما وعدم الإستجابة لدعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم للإسلام.
الثاني: انهم لم يقفوا عند حد الكفر بل حاربوا الإسلام بالتكذيب والإفتراء واتبعوا المتشابه طلباً للفتنة.
الثالث: جندوا الرجال وجمعوا العدة لمحاربة الإسلام كما في معركة بدر وأحد والخندق، وهذا من وجوه الشبه بين آل فرعون، والكافرين ايام البعثة النبوية.
وكل هذه الوجوه من مصاديق الآية واسباب استحقاق العذاب، وجاء التشبيه، بالآية بلفظ دأب، وفيه وجوه :
الأول : ان الكافرين ايام التنزيل يحاكون آل فرعون والذين قبلهم من الكفار في اجتهادهم بمسالك الكفر والجحود.كعادة آل فرعون في عنايتهم وجمعهم للأموال والأولاد وظنهم بانهم يذبون عنهم ويدفعون عنهم العذاب، كما انهم اتخذوا الأموال والأولاد وسيلة لمحاربة النبوة والتنزيل.
الثاني : لما اختتمت الآية السابقة بان الكافرين وقود النار جاءت هذه الآية لتخبر بإن آل فرعون هم ايضاً وقود النار سواء من باب التشابه او الأولوية أو الأسبقية الزمانية ولأن القرآن أخبرعنهم , قال تعالى [النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا]( ).
الثالث : الإجماع عند أهل الكتاب على استحقاق آل فرعون النار قال تعالى [أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا] ( )، فجاءت الآية للتحذير من اتباع نهجهم بالجحود بالآيات النازلة على الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
الرابع : لقد استأصل الله آل فرعون وأغرقهم.
وجاءت الآية للإخبار عن استئصال الكفار والبطش بهم وتشتيتهم كما جرى في بدر اذ قتل أقطاب الكفر الذين كانوا يؤذون النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين الأوائل اشد الأذى.
الخامس : تجهيزالمشركين الجيوش لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه من المهاجرين والأنصار , واتخاذ الغيلة والضرر لسفك الدماء , والإبادة العامة للمسلمين لولا فضل الله عز وجل ونزول جبرئيل بأسباب النجاة وصرف مكر المشركين .
وعن ابن عباس قال : (خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزاة له فلقي المشركين بعسفان ، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الظهر فرأوه يركع ويسجد هو وأصحابه ، قال بعضهم لبعض : لو حملتم عليهم ما علموا بكم حتى تواقعوهم .
فقال قائل منهم : إن لهم صلاة أخرى هي أحب إليهم من أهليهم وأموالهم ، فاصبروا حتى تحضر فنحمل عليهم جملة .
فأنزل الله { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة }( ) إلى آخر الآية.
وأعلمه بما ائتمر به المشركون ، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العصر وكانوا قبالته في القبلة ، جعل المسلمين خلفه صفين ، فكبر فكبروا معه جميعاً ، ثم ركع وركعوا معه جميعاً ، فلما سجد سجد معه الصف الذين يلونه ، ثم قام الذين خلفهم مقبلون على العدو .
فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من سجوده وقام ، سجد الصف الثاني ثم أقاموا ، وتأخر الصف الذين يلونه وتقدم الآخرون ، فكانوا يلون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فلما ركع ركعوا معه جميعاً ، ثم رفع فرفعوا معه ، ثم سجد فسجد معه الذين يلونه ، وقام الصف الثاني مقبلين على العدو ، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من سجوده وقعد ، قعد الذين يلونه وسجد الصف المؤخر ثو قعدوا ، فسجدوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سلم عليهم جميعاً ، فلما نظر إليهم المشركون يسجد بعضهم ويقوم بعض قالوا : لقد أخبروا بما أردنا)( ).
السادس : إخبار المسلمين بانهم سيلاقون الأذى من الكافرين، لقد جاء القرآن بقصص الأمم السابقة باحسن بيان لتكون عبرة وموعظة، فجاء المثال لكي لا يفاجئ المسلمون بتعدي الكافرين وتسبب هذه المفاجئة لهم قنوطاً او تراجعاً او ارباكاً، ومن النظريات العسكرية في هذا الزمان ان يصور العدو بأقوى حال يحتمل ان يكون عليها ويبالغ في قوته حتى يصاب بالغرور والزهو والغاية هي أخذ الحيطة والإستعداد للقائه.
وهذه النظرية موجودة في القرآن بهذه الآية وما شــابهها وبقوله تعالى [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ] ( ).
وسيأتي البيان بأن هذه الآية من آيات زجر المشركين عن القتال , ومنعهم من التعدي واستمرار الغزو والهجوم على المدينة , وفيها رحمة وتخفيف وبرزخ دون سفك الدماء , فحينما أخبر الله عز وجل الملائكة بأنه سيجعل [فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً]( ) [قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ] ( ) أجابهم الله تعالى [قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ] ( ).
فمن علم الله عز وجل نزول الآية أعلاه من سورة الأنفال للحيلولة دون تكرار القتال بين الكفار والمسلمين والذي سببه إصرار كفار قريش ومن والاهم على الهجوم وغزو المدينة وإرادة قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , قال تعالى[وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ]( ).
ويتضمن القرآن البشارة والوعد بالنصر على الكفار وان العذاب الشديد ينتظرهم، وهذا ما ينفرد به الصراع بين الإيمان والكفر بجعل النصر حليف المسلمين.
أخرج ابن جرير وابن أبى حاتم: (عن ابن عباس في قوله كدأب آل فرعون قال: كصنيع آل فرعون) وفي رواية اخرى كفعل آل فرعون) ( ).
ترى لماذا ذكرت الآية خصوص آل فرعون ثم عطفت عليهم الكفار الذين قبلهم الجواب من جهات :
الأولى : قرب زمان حكم فرعون بالنسبة لطول سني الحياة الدنيا .
الثانية : التذكير برسالة موسى عليه السلام , إذ كان هلاك فرعون وغرقه وجنوده في البحر الأحمر بسبب إيذائهم لبني إسرائيل ثم إصرارهم على اللحاق بهم وقتل طائفة منهم , وإعادة الآخرين عبيداَ أذلاء إلى مصر ليتجلى مصداق سابق لنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لقوله تعالى [يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إلى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ] ( ).
فإن قلت الهاء في (رسوله) أعلاه خاصة بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والجواب نجاة موسى عليه السلام وهلاك فرعون عز للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومقدمة لبعثته ودخول أهل مصر الإسلام .
بالإضافة إلى إتحاد السنخية وحدة الرسالة لموسى والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وكا منهما رسول من الخمسة أولي العزم .
الثالث : معرفة قريش بقصة فرعون وملكه وكيفية هلاكه , فقد كان وجهاء وأشراف قريش يجتمعون في دار الندوة المجاورة للكعبة الشريفة , والتي بناها الجد الرابع للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قصي بن كلاب , ويتبادلون فيها الأراء ويذكرون الوقائع والأشعار التي وردت فيها بما يفيد التوثيق في المفاخرة والذم .
وكانوا يذهبون إلى الشام للتجارة بقوافل كبيرة ويتصلون بالنصارى واليهود ويسمعون بعض آيات قصص التوراة والإنجيل .
ذكر فرعون في التوراة
ورد ذكر فرعون في التوراة مرات متعددة منها
(يا ابن ادم اني كسرت ذراع فرعون ملك مصر و ها هي لم تجبر بوضع رفائد و لا بوضع عصابة لتجبر فتمسك السيف
لذلك هكذا قال السيد الرب هانذا على فرعون ملك مصر فاكسر ذراعيه القوية و المكسورة و اسقط السيف من يده
و اشتت المصريين بين الامم و اذريهم في الاراضي
و اشدد ذراعي ملك بابل و اجعل سيفي في يده و اكسر ذراعي فرعون فيئن قدامه انين الجريح
و اشدد ذراعي ملك بابل اما ذراعا فرعون فتسقطان فيعلمون اني انا الرب حين اجعل سيفي في يد ملك بابل فيمده على ارض مصر) ( ) .
كما ورد في إنجيل برنابا (اذكروا موسى عبد الله الذي ضرب بصلاته مصر وشق البحر الأحمر وأغرق هناك فرعون وجيشه ، اذكروا يشوع الذي أوقف الشمس ، وصموئيل الذي أوقع الرعب في جيش الفلسطينيين الذي لا يحصى ، وإيليا الذي أمطر نارا من السماء ، وأقام اليشع ميتا ، وكثيرون غيرهم من الأنبياء الأطهار الذين بواسطة الصلاة نالوا كل ما طلبوا ، ولكن هؤلاء الناس لم يطلبوا في الحقيقة شيئا لهم أنفسهم ، بل إنما طلبوا الله ومجده) ( ).
وبرنابا من حواري عيسى عليه السلام , وكان إنجيل برنابا موجود سنة 325م ولا تعترف الكنيسة بهذا الإنجيل , وترفضه وأناجيل عديدة أخرى .
مثل إنجيل توما , وإنجيل مريم الجدلية , وإنجيل يهوذا , وإنجيل يعقوب , وإنجيل فيليب , وإنجيل الحقيقة , وإنجيل السبعين , وإنجيل حرقيون , وإنجيل حواء , وإنجيل بطرس , وإنجيل العبرانيين .
إنما تعترف الكنائس بأربعة أناجيل وهي :
الأول : إنجيل متى .
الثاني : إنجيل مرقس .
الثالث : إنجيل لوقا .
الرابع : إنجيل يوحنا .
قوله تعالى [والَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ]
الضمير في (قبلهم) يعود لآل فرعون، فالآية تدل على سبق الكفر وتقدمه زماناً على آل فرعون وهؤلاء الكفار لا يقلون شراً واذى عن آل فرعون، وان تكذيب الرسل والآيات امر ليس مستحدثاً بل هو موجود في الأرض، والصراع مستمر بين أهل الإيمان والكفر، ومتى ما علم المسلمون هذه الحقيقة فانهم لا يخالطهم شك ولا ريب في ضلالة هؤلاء.
لقد أرادت الآية تقوية نفوس المسلمين وتثبيت قلوبهم على الإيمان لأن الإنسان بطبعه يميل للألفة مع الآخرين , ومن أسباب تسمية الإنسان أنه يأنس بغيره ليكون هذا الإستئناس مقدمة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وان وردت الآيات بذكر آل فرعون فانه ذكرهم من باب المثال وليس الحصر، لأن الكفر أعم، قال تعالى [كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ] ( )، وتظهر الآية اتحاد الحكم الإلهي في عقاب الكافرين والإنتقام منهم، وجمعت بين ملل الكفر بلحاظ التقسيم الزماني وهو:
الأول: الماضي، وهو على شعبتين:
الأولى: الماضي القريب المتمثل بآل فرعون.
الثانية: الماضي السحيق كقوم نوح وعاد وقد ذكرته الآية بقوله تعالى [الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ].
الثاني: الحاضر المتمثل بالكفار ايام التنزيل من المشركين والكافرين بالنبوة والجاحدين بالقرآن , ومنهم الذين يتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة , وقد تقدم تفسير قوله تعالى [هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ] ( ).
الثالث: المستقبل بلحاظ بقاء آيات القرآن حاضرة وشاهدة على العصر والزمان، وان عادة وسجايا الكفار ذاتها لوحدة السنخية، ومناسبة الحكم والموضوع.
وتبين الآية ان الله عزوجل احصى كل شيء وان الأمم السالفة تلاقي الجزاء.
قوله تعالى [كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا]
في الآية اخبار عن اتصال وتوالي الآيات، وهذا التتابع للآيات جزء من فلسفة الهداية في الأرض، وهو عــنوان الــرأفة الإلهــية بالناس جميعاً وحجة عليهم يوم القيامة، وبحســب الأصــل فان آية واحدة تكفي لهداية الناس جميعاً ســواء كان الآية عقلية او حسية، ولكن الآيات تترى وتتعاقب بفضل الله تعالى، لذا جاء عنوان الآيات بصيغة الجمع.
وفي الآية بيان لموضوع الآيات ولزوم التصديق واجتناب التكذيب بها، واخبار عن وجود أمة تكذب بالآيات مع ان العقل يحكم بلزوم الإيمان بها لما فيها من الإعجاز الخارق للعادة والسالم عن المعارضة، وهذا التكذيب سبب لنزول البلاء اذ ان نزول الآيات دعوة للتصديق بالنبوة وانذار من التكذيب والجحود والعناد الذي يكون سبباً لإستحقاق العذاب الأليم واشترك الكافرون على مختلف ازمنتهم باستحقاق الذم والعقاب.
ومن آيات الله تعالى ان العقاب لم ينزل عليهم بغتة او انهم يفاجئون به في الدنيا او الآخرة، فمع النبوة والكتاب تأتي النذر والوعيد من الصد والإعراض عنهما، وهذه الآية من النذر التي تحذر الكافرين وتجعلهم على علم بما ينتظرهم من العقاب , وهو من الحجة العامة , قال تعالى [فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ] ( ).

قوله تعالى [فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ]
من مباحث الكلام العلوم الخاصة بتنزيه الله عز وجل عن فعل القبيح، وانه تعالى عادل لا يكلف العباد فوق طاقتهم ولا يحملهم على ما يضرهم، وان العقوبة لم تأت الا بعد فعل العبد للقبيح، وجاءت الآيات لمنعه من فعل القبيح وصده عن الحرام والباطل.
وقيل للإمام علي عليه السلام (إن ههنا رجلاً يتكلم في المشيئة .
فقال له علي : يا عبدالله ، خلقك الله لما يشاء أو لما شئت؟
قال : بل لما يشاء . قال : فيمرضك إذا شاء أو إذا شئت؟
قال : بل إذا شاء . قال : فيشفيك إذا شاء أو إذا شئت؟
قال : بل إذا شاء . قال : فيدخلك الجنة حيث شاء أو حيث شئت؟
قال : بل حيث شاء .
قال : والله لو قلت غير ذلك لضربت الذي فيه عيناك بالسيف)( ).
وهناك آيات اخرى مترشحة عن الآيات التي تأتي من عند الله تعالى وهي تصديق شطر من الناس بالآيات وتمسكهم بالنبوة والكتاب وتعرضهم للموت والقتل بسبب هذا التصديق من غير ان يتخلوا عنه , وفي قوله تعالى ({قُتِلَ أَصْحَابُ الأخْدُودِ}( ) قال : حُدّثنا أنّ علي بن أبي طالب عليه السلام كان يقول : هم أناس كانوا بمدراع اليمن اقتتل مؤمنوهم وكفارهم فظهر مؤمنوهم على كفارهم ثم اقتتلوا الثانية فظهر مؤمنوهم على كفارهم ثم أخذ بعضهم على بعض عهوداً ومواثيق لا يغدر بعضهم ببعض ، فغدر بهم كفارهم أخذوهم ثمّ أنّ رجلا من المؤمنين قال لهم : هل لكم إلى (خير) توقدون ناراً ثم تعرضوننا عليه ، فمن تابعكم على دينكم فذلك الذي تشتهون ومن لا اقتحم النار فاسترحتم منه قال : فأججوا ناراً وعرضوهم عليها فجعلوا يقتحمونها حتى بقيت عجوز فكأنها تلكأت ، فقال لها طفلٌ في حجرها : أمضي ولا تنافقي فقص الله عليهم نبأهم وحديثهم) ( ) فهذه الآية رحمة اضافية تدعو الآخرين إلى محاكاتهم وتحذر من الكفر والصدود، وهي نفسها انذار عاجل بانحسار الكفر وعدم استحواذه على الواقع الإجتماعي.
وجاء ذكر الذنوب بصيغة الجمع، وفيه وجوه :
الأول : تعدد التكذيب بالآيات بلحاظ عددها، فكل تكذيب بآية معينة كون ذنباً مستقلاً.
الثاني : كل تكذيب بآية واحدة يكون ذنوباً متعددة، لما فيه من الجحود والإثم العظيم.
الثالث : مضاعفة الذنب الواحد في أحكام الجزاء، للتباين الموضوعي في الذنوب لأنها من الكليات المشككة، فصغائر الذنوب تصير ذنباً، اما التكذيب بالآيات فيصبح ذنوباً.
الرابع : من يكذب بالآيات يقترف ذنوباً اخرى فيستحق العقاب عليها.
الخامس : في الآية اشارة إلى اتباع الكافرين للمتشابه وابتغائهم الفتنة وهو من الذنوب الكبيرة والصغيرة.
السادس : تكذيب الآيات مقدمة ومدخل لإقتراف الذنوب.
السابع : الذنوب أعم من الفعل الوجودي فتشمل المعاصي، والإمتناع عن اتيان الواجبات واداء الفرائض.
وهذه الوجوه من عناوين الجمع في الذنوب، وان كل كافر يقترف ذنوباًُ كثيرة ولا ينحصر تعدد الذنوب بجماعة الكافرين فقط، وليس من كافر عنده ذنب واحد بل ان تكذيبه بالآيات متجدد لذا تراها تطل عليه بالآفاق وفي نفسه والمعجزات التي جاء بها الأنبياء للذكرى والاعتبار والتدارك قال تعالى [سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ]( )، ومع ان الله تعالى أحاط بكل شيء علماً ويعلم افعال هؤلاء الكفار قبل ان يخلقوا الا انه سبحانه لم يؤاخذهم الا عندما اقترفوا المعاصي.
وتتضمن لغة الجمع في (الذنوب) رحمة بالكافرين والناس جميعاً لما فيه من الدلالة على الإمهال الإلهي لهم وعدم التعجيل بمؤاخذتهم ولم يتركوا وحالهم، بل ان الآيات تترى عليهم مع اقامتهم على المعصية والجحود.
فان قلت: ان هذا يضر بالمؤمنين لرؤية الكافرين في مأمن من العقاب العاجل على الظاهر.
قلت: ان هذه الآية حصانة للمسلمين وتجعلهم يرون ما ينتظر الكافرين من العذاب الشديد، الأمر الذي يحول دون وصول مفاهيم الشك والريب اليهم، وما في الآية من الوعيد تخفيف عن المؤمنين ودعوة للصبر ومواجهة الكافرين والسعي في اصلاحهم وهدايتهم ، قال تعالى [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ]( ).
والآية انذار متجدد للكافرين في كل زمان ومكان، واخبار للناس جميعاً بحتمية وقوع الجزاء ، وشاهد على انتفاء الإغراء بالمعاصي او ترك العبد وشأنه، ففي كل يوم تتجدد البشارات والإنذارات، والإنتفاع منها على وجوه :
الأول : ينتفع المسلمون فقط من البشارات، لأنهم يجتنبون أسباب الإنذار وموضوعه.
الثاني : يستفيد الكفار من الإنذارات لما فيها من الوعيد.
الثالث : ينتفع الناس جميعاً المؤمن والكتابي والكافر من البشارات والإنذارات الواردة في القرآن ، سواء على نحو الموجبة الكلية او الجزئية، فيفرح المؤمن بالبشارات.
وترى الحاج مثلاً يؤدي مناســك الحج، وكأن القدوم على الجنة أصبح قريباً وانه سعى نحوها وزالت الحواجــز بينه وبين العبور على الصراط، وتراه يفزع من الإنذارات فيســبب هذا الفزع تجدد الإيمان في نفسه وثباته على الإسلام، اما مقابلة الكفار للايات فهي من الكلي المشكك.
فمنهم من يتوب وينتقل إلى مواقع الهدى وينخرط في صفوف المسلمين، سواء طمعاً بالجنة، او خوفاً من النار، او حباً لله عز وجل وايماناً بالآيات، ومنهم من يقلل من تعديه على المسلمين ويتجنب اثارة الفتن وينصرف عن اتباع المتشابه وهذا القسم لاينجو من العذاب ما دام باقياً على الكفر.
والنسبة بين الكفر وتكذيب الآيات عموم وخصوص مطلق فكل تكذيب بالآيات كفر وليس كل كفر تكذيباً بالآيات.

علم المناسبة
ورد قوله تعالى [كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا] ثلاث مرات في القرآن( )، مرتين في سورة الأنفال مع تشابه في الموضوع والجزاء، مما يدل على أهمية التذكير بآل فرعون وما اصابهم من الهلاك العاجل ليكونوا عبرة للكافرين، وليتوقع المسلمون نزول البلاء والعذاب بالجاحدين والكافرين وان تباينت الأسباب.
كما ورد لفظ (دأب) اربع مرات كلها في القوم الكافرين وعادتهم، وفيه ذم للكافرين على اصرارهم على الجحود، وتدل على التفكيك في ذات الفعل فمواجهة الآيات والمعجزات بالبقاء على الكفر والجحود يعني ذنباً مستحدثاً، وبخلافه بالنسبة للمؤمن في امتناعه عن المعاصي فيكتب له ثواب اضافي مستقل.
قوله تعالى [وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ]
والآية قاعدة كلية وشاهد على عظيم قدرة الله وشدة بطشه بالكافرين، فالآية ليست من الوعيد والتخويف وحده، بل هي اخبار عن حقيقة ثابتة تمنع من التمادي في الكفر وشيوع مفاهيمه، كما انها تأديب للمسلمين بالذات والعرض.
اما بالذات فلما تبعثه من الأمن والسكينة في نفوسهم لإختيار الإيمان والتوفيق إلى الإسلام كما انها تنمي ملكة اجتناب الفواحش والمعاصي، فهذه الحقيقة الثابتة عون على استدامة السلامة في الدين.
اما بالعرض فانها تعطي المسلمين حصانة من الكفار لما يدل عليه سوء العاقبة الذي ينتظرهم من النقص الذاتي ويكون سبباًُ لإنعدام سلطانهم وتأثيرهم على النفوس ، وهو إنذار للكافرين من العذاب الأليم يوم القيامة.
و(عن سعد بن طارق عنه عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : نعمت الدار الدنيا لمن تزوّد منها لآخرته حتى يرضي ربه ، وبئست الدار لمن صدته عن آخرته وقصرت به عن رضا ربه ، وإذا قال العبد : قبَّح الله الدنيا .
قالت الدنيا : قبح الله أعصانا لربه)( ).
وسعد بن طارق بن أشيم ابن مالك الإشجعي سكن الكوفة وتفرد بالرواية عن أبيه ، وطارق بن أشيم صحابي ، سكن الكوفة.
وهل تنحصر شدة العقاب في عالم الآخرة ام تشمل الدنيا ايضاً، الجواب انها شاملة للنشأتين لإصالة الإطلاق ولعظيم قدرة الله تعالى، وكون الآخــرة دار حســاب ليس علة تامة لإنحصــار العقـاب الشديد بها.
وفي التأريخ شواهد كثيرة على شدة بطش الله تعالى بالكافرين، ومنه ما جاء على نحو دفعي او على نحو تدريجي، وكل منهما مناسبة للإعتبار والذكرى والتدارك.
وان قلت: ان القــرآن يتلــوه المسلمــون وليس الكـافرين، والإنذارات قد لا تصل إلى الكافرين، الجواب المدار ليس على التلاوة وحدها بل على لغة الخطاب فيه وانه نازل إلى الناس جميعاً، وتصل اليهم الآيات والإنذارات كما ان التكذيب نفسه يدل على السماع والعلم، لأن الإنسان لا يكذب شــيئاً او يصــدقه الا بعد ان يسـمعه ويعلم به ، وفي التنزيل [قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ]( ).
ولا تنحصر الآيات بالتنزيل بل تشمل الآيات الكونية والشخصية والمعجزات، والدلالات المستديمة والآيات المستحدثة والمتجددة وحتى الآيات المستديمة تترشح عنها آيات مستحدثة وفرعية، فتذكر الناس بلزوم عبادة الله تعالى وتحذرهم من بطشه كما في الشمس والقمر فانهما آيتان دائمتان دائبتان، ولكنهما يصابان بالكسوف والخسوف للتذكير بعظمة تعالى وانفراده بالكمال، ولمنع الإفتتان بهما وللإلتفات إلى عظيم قدرته وسلطانه وقدرته على رمي الآيات الكونية بالنقص ليعتبر الإنسان ويخشى العقاب الشديد والخلود في الجحيم، قال تعالى [إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ]( ) ( ).


قوله تعالى [قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ] الآية 12

الإعراب واللغة
قرأ حمزة والكسائي (سيغلبون ويحشرون) بالياء وباقي القراء بالتاء، ومن اختار التاء اراد صيغة المخاطبة، ومن قرأ بالياء فللإنتقال إلى صيغة الخبر والغائب , والصحيح هو المرسوم في المصاحف.
[قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا] قل: فعل أمر، وفاعله ضمير مستتر تقديره انت يعود للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أصالة .
للذين: جار ومجرور متعلقان بقل. جملة كفروا: لا محل لها لأنها صلة الموصول.
[سَتُغْلَبُونَ] السين: حرف استقبال للقريب المتصل، تغلبون: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون .
الواو: نائب فاعل والجملة في محل نصب مقول القول.
[وَتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ] الواو: حر عطف، جملة تحشرون: معطوفة على ستغلبون .
إلى جهنم: جار ومجرور، وعلامة جر جهنم الفتحة، لأنها ممنوعة من الصرف للعلمية والتأنيث.
[وَبِئْسَ الْمِهَادُ] الواو: عاطفة، بئس: فعل ماض جامد لإنشاء الذم، المهاد: فاعل بئس ، وفي الجملة حذف , والتقدير بئس المهاد جهنم، حذف لظهور المعنى.
ويقال حشرهم يحشرهم حشراً: جمعهم، .
والحشر في الإصطلاح جمع الناس ليوم القيامة لذا سمي يوم الحشر.
ومن أسماء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الحاشر الذي يحشر الناس خلفه وعلى ملته.
والمهاد: الفراش، ويقال مهد لنفسه يمهد مهداً: كسب وعمل.
ويقال بئر جهنم: بعيد القعر، واختلف في جهنم فذكر انها لفظ عربي، ومنعت الصــرف، للتــعريف والتأنيــث، واحتج بالقول بئر جهنام أي قعره بعيد، (وإنما سميت النار جهنم من قول العرب بئر جهنام إذا كانت بعيدة القعر ، فسميت نار الآخرة جهنم لبعد قعرها ، قاله ابن بحر) ( ) وقيل انها لفظ أعجمي ولا ينصرف للعجمة والتأنيث.
والمختار أنه عربي ، ويمكن تأسيس قانون وهو لو دار اللفظ القرآني بين كونه عربياً أو أعجمياً فالأصل أنه عربي .
في سياق الآيات
بعد الإخبار عن عدم انتفاع الكفار من الأموال والأولاد وما يظنونه من أسباب المنعة والعز، وما يجعلونه حرزاً لدفع البلاء وعدم اختلافهم في ذلك عن آل فرعون وأهل العتو والضلالة في الأزمنة السابقة، جاءت هذه الآية بالأمر إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باخبار الكفار بما يلحقهم من الهزيمة والشنار والخسارة في النشأتين.
وذكر (ان هذه الآية نزلت بعد بدر لما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من بدر إلى بني قينقاع وهو يناديهم، وكان بها سوق يسمى النبط فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم….)( ).
لقد ذكرت الآية قبل السابقة عجز الكفار عن إيجاد الحاجب الذي يحول دون نزول العذاب بهم وتخلف الأموال والأولاد والأسلحة والحصون والخيل والأعوان عن الذب عنهم , وكما أنها لا تدفع عنهم البلاء في الدنيا فانها لا تنجيهم من شدة عذاب النار .
كما ورد في قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ]( ) ثم بينت الآية السابقة أن آل فرعون لم تغن عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاَ إذ هلكوا غرقاَ في البحر الأحمر لإصرارهم على الكفر , وإرادة اللحاق بموسى عليه السلام وقومه من المسلمين لقتل طائفة منهم , وإعادة طائفة أخرى عبيداَ إلى مصر قال تعالى [وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ]( ).
واختتمت الآيتان السابقتان بالوعيد للذين كفروا , فاختتمت الآية قبل السابقة بقوله تعالى [وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ]( ) واختتمت الآية السابقة بقوله تعالى [وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ]( ).
وجاء الوعيد إلى الذين كفروا بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم جلياَ في خاتمة آية البحث بقوله تعالى [وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ]( ).
إذ جاءت الآيتان السابقتان بصيغة الجملة الخبرية , فقد نزلت آية البحث بصيغة الجملة الإنشائية فابتدأت بالأمر إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (قل).
إعجاز الآية الذاتي
في الآية اخبار عما ينتظر الكفار من الإنكسار والهزيمة، وتدل بالدلالة الإلتزامية على وقوع معارك بين المسلمين والكفار تنتهي بالغلبة والنصر للمسلمين، وهذا الإخبار إعجاز وتحد وآية حسية وعقلية وبرهان على صدق نزول القرآن من عنده تعالى، فمع قوة شوكة الكفار وتآزرهم ضد المسلمين يأتي القرآن بالوعد بهزيمتهم وكأنه عهد للمسلمين، أي ان الإعجاز يتعلق بالمسلمين لأنهم يريدون ان يروا النصر ويعلموا ان الله صدقهم وعده ، قال تعالى [اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ حَدِيثً] ( ).
ولم تكتف الآية بالإخبار عن خسارة الكفار بل جاءت بالوعيد بحشرهم في جهنم في الآخرة، ومن يستطيع تحمل الهزيمة في المعركة، والبقاء ذليلاً في الدنيا لعناده وجــحوده فانه لا يستطيع ان يتحمل العذاب في الآخرة، وهذا العذاب يصبح ماثــلاً امـامه من حين نزول الآية وتلاوة المسلمين لها، ولكنه يبدو جلياً وقريباً عند تعرض الكفار للهزيمة.
وتفيد صيغة الأمر (قل) القطع بالنصر والمصير المحتوم للكافرين، وتظهر الآية اعانة القرآن للمسلمين في ميادين الجهاد والدعوة إلى الله بالإخبار عن مغيبات تتضمن التحدي، فان تنجزها واقعاً يحقق أكبر نصر للمسلمين ويخفف عنهم.
ويمكن تسمية هذه الآية بــ(سَتُغْلَبُونَ) ولم يرد هذا اللفظ في القرآن إلا في الآية أعلاه .
إعجاز الآية الغيري
ابتدأت الآية بالأمر إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (قل) فلابد أن يبلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذين كفروا بمضامين الآية , وهل ذات تلاوة الآية بلاغ .
الجواب نعم , وهو من أسرار تلاوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين آيات القرآن في الصلاة , ليكون من معاني الآية الأمر العام للمسلمين والمسلمات في كل زمان (قولوا) وفيه نهي عن الكفر والجحود بالربوبية المطلقة لله عز وجل .
فمن خصائص آية البحث أنها حرب على الكفر والشرك في الأرض , وهل لها موضوعية في إجتناب طائفة من الناس الكفر , وفي دخولهم الإسلام .
الجواب نعم , وتقدير الآية : قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم فتوبوا إلى الله .
وقال تعالى بخصوص حال الذين آمنوا يوم القيامة [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] ( ).
وتدل آية البحث على لقاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالذين كفروا في حال السلم , وآية البحث مدنية نزلت بعد هجرة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة وقد تواترت الأخبار بدخول المشركين إلى المسجد النبوي , وتوجيهم الأسئلة إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومجادلته , وكيف أنه يتلو عليهم آيات القرآن , ويدعوهم إلى الإسلام .
ولفظ (قل) للذين كفروا في آية البحث منع من العنف والإرهاب , وهي من مصاديق قوله تعالى [ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ] ( ).
الآية سلاح
تتحدى آية البحث الكفار، وهي بذاتها سلاح مستقل لما تبعثه في قلوبهم من الرعب، كما انها تقرب الأمل للمسلمين وتبشرهم بالنصر وتدعوهم للإعداد له والإستعداد لما بعده باعتبار انه أمر حتمي حاصل لأن الله عز وجل اخبر عنه، ومن إعجاز القرآن ما فيه من علم الغيب والإخبار عن الحوادث والوقائع.
وتبين الآية صبغة المسلم في دعوة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى الله عز وجل , فليس في الآية أمر بالقتل أو العنف أو التغليظ إنما وردت بصيغة البلاغ والإنذار والرجاء , فمن خصائص القرآن قانون عاقبة الإنذار البشارة , إذ يكون ترك الكفر بالإيمان الذي هو طريق إلى الجنة .
مفهوم الآية
الآية وعد للمسلمين بالنصر والظفر على الكفار إذا أصروا على غزو المدينة والقتال ، وحث لهم على الصبر والحلم وعدم اليأس او القنوط اوالتراخي والقعود كما انها تنفي عن قلوبهم الخوف والخشية من الكفار .
فالمسلمون حديثو عهد بمواجهة الأعداء واجتمعوا من مدن وقرى مختلفة ولم يتجانسوا بعد وكانوا يجتمعون عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المسجد واثناء أداء الصلاة عدتهم قليلة كما يظهر في معركة بدر، فلم يكن عند المسلمين الا فرس واحدة ، وقيل فرسين احدهما للمقداد بن الأسود وآخر لمرثد بن ابي مرثد، ومعهم سبعون بعيراً ، وفي قول تسعون بعيراً.
مع ان قريشاً زحفت بخيلائها ورجالها وعندهم مائة فرس، فجاءت هذه الآية لتجمع المسلمين على أمل النصر القريب والسعي اليه، وهل تبعث الآية روح الإنتظار والإتكال على الغيب وعدم السعي لأن النصر قادم، الجواب: لا، لوجود آيات اخرى تحثهم على العمل والجهاد في سبيله تعالى وللسنة النبوية الشريفة ، مع التأكيد على قانون عدم التعدي ، قال تعالى [وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ] ( ) وتدل الآية أعلاه على لزوم التنزه عن التعدي والظلم والإرهاب اثناء المعركة وفي حال السلم .
والوعيد بالنار للكافرين يدل في مفهومه على نجاة المسلمين بحسن اختيارهم، وان دخول الإسلام ضــرورة شخصية وواقية لابد منها للنجاة من العذاب الأخروي، وبيان ســوء الإقـامة في النار وشدة العذاب فيها دعوة لإتيان الصالحات للفوز بالجنة اذ لا واسطة بين الجنة والنار.
إفاضات الآية
تجعل الآية مائزاً بين المسلم والكافر في الحياة الدنيا والآخرة، مما يترتب عليه ظهور معاني الأخوة بين المسلمين وحصول الود، ونبذ الفرقة والإختلاف بينهم وتخبر عن ملازمة النصر للإسلام.
لقد أحاط الله عز وجل بكل شئ علماَ , ومن خصائص الأمر من الله عز وجل تحقق أمور :
الأول : قانون الأمر من الله عز وجل خير محض .
الثاني : قانون النفع الخاص والعام في الأمر الإلهي .
الثالث : قانون تجدد الأمر الإلهي في كل يوم .
الرابع : قانون شمول الأمر الإلهي إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين والمسلمات إلا ما دل الدليل على إرادة خصوص النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم , كما في قوله تعالى [يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِ وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ] ( ).
الخامس : قانون تحقق الإستجابة للأمر الإلهي .
السادس : قانون الأجر والثواب على الإستجابة لأمر الله عز وجل .
السابع : قانون ترشح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن الأمر الإلهي الوارد في القرآن , فقوله تعالى في آية البحث [قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ] ( ) دعوة للمسلمين والناس جميعاَ للدعوة إلى الإيمان والترغيب فيه , والنهي عن الإقامة على الشرك .
الآية لطف
لقد لاقى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أشد الأذى من الذين كفروا مدة ثلاث عشرة سنة إقامته في مكة قبل الهجرة , وشمل الأذى أهل بيته وأصحابه , تفرض رجالات قريش حصاراَ اقتصادياَ على بني هاشم استمر لثلاث سنوات من ليلة هلال المحرم السنة السابعة للبعثة النبوية ، وسيأتي مزيد كلام في الجزء السابع والخمسين بعد المائتين من هذا السِفر .
لقد عزم المشركون على قتل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في فراشه مع أنه لم يحاربهم , ولم يدع إلى العنف إنما كان يقوم بتبليغ آيات القرآن , وتنزل المعجزات على يديه , فنزل قوله تعالى [وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ]( ) .
وأمره الله عز وجل بالهجرة إلى المدينة في ذات الليلة التي أراد المشركون قتله فيها , وأمر الإمام علي عليه السلام بالمبيت في فراشه لإيهام المشركين , بغبة قطع النبي صلى الله عليه وآله وسلم مسافة حتى وصل إلى جبل ثور .
ونزل قوله تعالى [إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا]( ) وبقي النبي وصاحبه في الغار ثلاثة أيام حتى أصاب اليأس قريشاَ من إيجاده أو اللحاق به , وقد وصل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم سالماَ إلى المدينة مع كثرة مخاطر الطريق , وتغضب قريش له ووضع جعل مائة ناقة لمن يأتي به حياَ أو ميتاَ , وبعدها وصل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة استقبله الأنصار رجالاَ ونساءَ , ومن وصل إلى المدينة من المهاجرين وكان أول عمل قام به النبي صلى الله عليه وآله وسلم بناء مسجد قبا وهي أول محطة في أطراف المدينة وصل إليها , ثم بنى المسجد النبوي , وصار يخرج في كتائب استطلاع وبيان النبوة والتزيل حول المدينة , فامتلأ مشركو قريش حنقاَ وغيظاَ قال تعالى [وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمْ الأَنَامِلَ مِنْ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ] ( ) ولم يرد لفظ (عَضُّوا) (الأَنَامِلَ) (غَيْظِكُمْ) إلا بهذا الشطر من الآية الكريمة .
وهل من مصاديق الآية أعلاه اجتماع رجالات قريش في دار الندوة بعد الهجرة للتآمر والمكر بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه رجالاَ ونساءَ سواء الذي هاجروا إلى الحبشة أو المدينة أو الذي لم يهاجروا من مكة بعد , أم أن الآية خاصة بأحوال الناس في المدينة , الجواب هو الأول .
ولم تكتف قريش بعض الأنامل إنما كانوا يخططون للإجهاز على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والتنزيل فكانت معركة بدر بتدبير وتحريض وإصرار من رؤساء الكفر من قريش , فأنعم الله على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين بالنصر بمجزة حسية من عنده سبحانه , قال تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ] ( ) .
ونزلت آية البحث بعد معركة بدر مما يدل على قانون وهو ملازمة السلم للدعوة بالسلام وإتصالها الدائم بالعصمة من العنف والإرهاب قال تعالى [وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ] ( ) .
أسباب النزول
ذكرت في نزول الآية وجوه هي :
الأول : بعد كتيبة بدر، وانتصار المسلمين وتحقق هزيمة الكافرين، رجع النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة ذهب إلى في سوق بني قينقاع، وقال: يا معشر اليهود اسلموا قبل ان يصيبكم ما أصاب قريشاً وقد عرفتم اني نبــي مرســل تجدون ذلك في كتابكم، فقالوا لا تحسب انا اغمار، أي غير متمرســين على القتال “ولا يغرنك انك لقيت قوماً اغــماراً لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة انا والله لو قاتلتنا لعرفت، فأنزل الله الآية، رواه سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس ورواه محمد بن اسحاق عن رجاله( ).
الثاني : لما انتصر المسلمون في معركة بدر، قال يهود المدينة: والله هو النبي الأمي الذي بشرنا به موسى في التوراة، ومن صفاته انه لا ترد له راية، ثم تناجوا بينهم وارتأوا التريث، فلما وقعت معركة أحد وأصاب المسلمين الضرر والأذى، قالوا: ليس هذا هو ذاك، وغلب الشقاء عليهم فلم يسلموا إلى مدة فنقضوا العهد.
الثالث : ان هذه الآية واردة في جمع من الكفار باعيانهم علم الله تعالى انهم يموتون على كفرهم، وليس في الآية ما يدل على انهم من هم( ) قاله الرازي.
والسبب الخاص لا يمنع من عموم اللفظ، وأسباب النزول لا تفيد حصر موضوع الآية بها، لبقاء أحكام الآية القرآنية وديمومتها ، فالآية إنذار لكفار قريش ونحوهم الذين جهزوا الجيوش لغزو المدينة.
التفسير
قوله تعالى [قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ]
الآية خطاب وتكليف وأمــر إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم باخبار الكفار بحقيقة ثابتة، وهزيمة تحل بهم على نحو القطع والحتــم، وهذا الأمــر له تأثير مركب فهو يبعث الغبطة والسعادة في نفوس المسلمين، والحزن والأسى في نفوس الكافرين والإرباك في صفوفهم.
فان قلت: قد يحدث العكس، فان الإصرار على المعاصي والكفر يجعلهم يواجهون هذا الإخبار بجمع رجالهم وأخذ أهبتهم للقتال للإجهاز على المسلمين في بداية الدعوة.
الجواب: ان تحديهم واصرارهم محدود الأثر ولا يصل إلى درجة مواجهة الحكم الإلهي سواء للصرفة او لسبق روح الذعر ودبيب الخوف في نفوسهم، ولعظيم قدرته تعالى ولأن الأمر هنا من باب العزيمة والجزم، وعلى فرض حشد صفوفهم وجمع اعوانهم فان الله عز وجل يضاعف اعداد المسلمين ويهيء لهم أسباب القوة والمنعة ، وفي التنزيل [وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ ..] ( ) ومن جنود الله عز وجل التي تنفذ إلى القلوب الخوف والرعب ، قال تعالى [سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ..]( ).
لذا ترى الناس اخذت تدخل في الإسلام افواجاً وجماعات ويأتي رؤساء قبيلة ليعلنوا إسلامهم وإسلام من خلفهم من ابناء قبيلتهم قال تعالى [إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا]( ).
وقوله تعالى [ قُلْ ] ظاهره حصول الكلام مباشرة بين النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبين الكفار إلا أنه لا يمنع من التعدد، وان يكون على وجوه متعددة منها :
الأول : قيام الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم باخبار الكفار ورؤسائهم بانهم سيتعرضون للهزيمة العاجلة وان العذاب الشديد ينتظرهم في الآخرة.
الثاني : انذار المســلمين للكافرين على نحو القضية الشخصية وفي المنتديات.
الثالث : تلاوة الآية الكريمة من قبل المسلمين وترديد الآخرين لمضمونها خصوصاً وانه من النص الذي لا يحتمل تأويلاً او تفسيراً آخر ، وهل يشمل التبيان الوارد في قوله تعالى [وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ] ( ) تبيان آيات القرآن أيضاً ، الجواب نعم .
الرابع : حال المجادلة والإحتجاج فهذه الآية تكون حجة في مواجهة اتباع المتشابه واثارة الفتنة بواسطته.
الخامس : الرسل الذين يبعثهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم للإنذار والتبليغ.
قانون قيام النبي (ص) بالتبليغ
تبين آيات القرآن الوظيفة الأساس للأنبياء وهي التبليغ ، قال تعالى [مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ]( ) لبيان أن التلبيغ كان في هداية الناس ، وإصلاح المجتمعات ، وفيه دعوة سماوية لإجتناب الظلم والتعدي والإرهاب ، قال تعالى [فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ]( ).
ولا بأس بأحصاء آيات التبليغ في القرآن ، ويكون وفق تقسيم استقرائي متعدد منه :
الأول : الآيات التي تتضمن مادة بلغ مثل [فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاَغُ]( ) كما ورد البلاغ على ألسنة الأنبياء السابقين منهم النبي هود وفي قوله تعالى[قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (الأعراف/67) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ]( ) وقوله تعالى [رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِأَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ]( )وهناك آيات جمعت البشارة والإنذار منها قوله تعالى [فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ]( ).
أصل البلاغ الوصول والإيصال ، يقال بلغ يبلغ بلوغاً وأبلغه إبلاغاً ، ومنه البلاغة لأنها إبصال المعنى إلى الآخر في أحسن لفظ وصيغة ، قال تعالى في الثناء على القرآن [هَذَا بَلاَغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ] ( ) .
الثاني : آيات البشارة ، قال تعالى [إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ]( ).
الثالث : آيات الإنذار ومنه قوله تعالى [إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا]( ) وقوله تعالى [قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ] ( ).
الرابع : آيات التبليغ التي وردت بالفاظ غير مادة (بلغ) ومنه آية البحث التي وردت بالأمر من الله عز وجل إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم [قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ]( ) .
وتظهر الآية تولي النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم التبليغ والإنذار بنفسه وهو جلي وثابت من أول أيام البعثة النبوية وفي سورة المدثر التي هي ثاني سورة نزلت بعد سورة [اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ] ( ) قال تعالى [يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ* وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ]( ) وذكر أنها أول سورة نزولاً .
وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال (سألت جابر بن عبدالله عن ذلك قلت له مثل ما قلت .
قال جابر : لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : جاورت بحراء ، فلما قضيت جواري فنوديت فنظرت عن يميني فلم أرَ شيئاً ، ونظرت عن شمالي فلم أرَ شيئاً ، ونظرت خلفي فلم أرَ شيئاً ، فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فجثثت منه رعباً ، فرجعت فقلت دثروني فدثروني ، فنزلت { يا أيها المدثر قم فأنذر } إلى قوله : { والرجز فاهجر }( ))( ).
وهو المروي عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير ( ).
ومن نزول سورة المدثر في بدايات الوحي فآياتها كثيرة ، وهي ست وخمسون آية وعدد كلماتها مائتان وخمسون كلمة وحروفها ألف وعشرة أحرف .
فمع تلقي الوحي وتبليغ الآيات والأحكام الشرعية للمسلمين، فانه يقوم بدعوة الكفار إلى الإسلام وانذارهم.
وهل يكفي القول مرة واحدة .
الجواب: لا، وتدل عليه قرينة صيغة الجمع [قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا]، ولتعدد فرق الكافرين وسكناهم، نعم يكون التكليف حسب القدرة والإستطاعة، لقبح التكليف بما لا يطاق، وهذا التبليغ رحمة عامة مركبة من جهات:
الأولى : أنه رحمة بالمسلمين من وجوه :
الأول : التخفيف وصرف عنهم في القتال.
الثاني : انشغال الكافرين بانفسهم.
الثالث : تقليص الجدل والإحتجاج لأن المدار سيكون على تحقيق خسارة الكفار.
الرابع : الإستبشار بالنصر وانتظار الظفر.
الخامس : انتفاء الخوف من الكافرين، فمن تكون نهايته وهزيمته قريبة لا تبقى في النفوس خشية منه ، قال تعالى الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
السادس : تثبيت الإيمان في النفوس والتخلص من أسباب الريب والشك.
السابع : الآية مناسبة لدخول الناس في الإسلام لأن النصر من الشواهد على صدق الدعوة.
الثامن : من الناس من لم يبادر إلى النطق بالشهادتين تقصيراً ولكنه ينتظر الوعد بالنصر وهزيمة الكافرين، فعند تحقق الأمر يدخل الإسلام لأنه يرى اجتماع الآية العقلية والحسية ، وهو من أسرار تسمية صلح الحديبية بالفتح ، قال تعالى [إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا] ( ) فبعد هذا الصلح الذي تم في شهر ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة دخلت جماعات وقبائل في الإسلام ، فدخل الإسلام في السنتين بين صلح الحديبية وفتح مكة أكثر من الذين دخلوه من بداية البعثة إلى حين صلح الحديبية .
الثانية : قيام النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بتبليغ الرسالة رحمة بأهل الكتاب لما فيه من سنن التوحيد والتصديق بنبوة موسى عليهما السلام , وزجر الذين كفروا عن ظلمهم وإرهابهم , لبيان قانون وهو رسالة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم نجاة لأهل الكتاب في الجزيرة وغيرها من الإرهاب , وعهد نبوي لحسن الصلات معهم , وفي التنزيل [قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ] ( ).
الثالثة : الرحمة بالكافرين من وجوه :
الأول : تقدم الإنذار على العقاب ونزول البلاء، فما لا شك فيه ان سبق الإنذار على البلاء أفضل من نزول البلاء من رأس، وتقدم الإنذار هذا لم يأت عن استحقاق من الكفار له، ولكنه فضل من الله تعالى وهو من مصاديق رحمته تعالى في الدنيا التي تدرك البر والفاجر , وهو من أسرار ومعاني ابتداء كل سورة من القرآن ببسم الله الرحمن الرحيم , عدا سورة براءة (التوبة) وموضوعيتها ونفاذها وأثرها إلى القلوب , وانشغل كثير من المفسرين بجزئيتها من سورة الفاتحة أو سور القرآن كلها عدا براءة أو أنها ليست جزءَ من أي سورة من القرآن , إنما وردت للفصل والتبرك.
ومن الأولى العناية بمنافع البسملة رسماَ وقراءة وموضوعاَ وحكماَ , وهل دخل أناس الإسلام بسبب وجود البسملة في أول كل سورة ونطق المسلمين والمسلمات بها .
الثاني : هذا الإنذار والوعيد حجة على الكافرين، وما من أحد الا ويلومهم عند وقوع الهزيمة.
الثالث : ينتفع أولاد الكفار من هذا الإنذار وحصول مصداقه واقعاً بالإعتبار والإتعاظ واجتناب العناد واللجاج.
الرابع : من الكفار أيام الهجرة : قسم في المدينة، وقسم آخر وهو الأكبر خارج المدينة، وما يحصل لمن هو في المدينة وقريباً منها يكون عبرة وانذاراَ لمن هو بعيد عنها , ويدل قوله تعالى [قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ]( ) على إرادة إيصال بلاغ الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى كفار قريش وغيرهم فلم تمنع هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة من وصول آيات البشارة والإنذار إلى مشركي مكة , وهو من أسباب إزدياد وحنق وغيظ رجالات قريش على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتجهيزهم الجيوش لغزو المدينة , وقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
الخامس : تبعث الآية الفرقة والتشتت في صفوف الكافرين، وهذا التشتت من أسباب الرحمة بالمسلمين وغيرهم ، لإمتناع حصول الإجتماع على الباطل وما فيه من الإصرار والعناد ومواصلة محاربة الإسلام.
و(قل) أمــر بالقول ولم يأت مطــلقاً من غير تقيــيد بمعنى لم تقل الآية “قــل ان الكافرين ســيغلبون” وعــندئذ يكــون القــول عــاماً ويصدق تحققه ولو بين جماعة من المسلمين، لكن الآية جاءت مقيدة وملزمة بان يكون القول للكافرين مباشرة او بالواسطة لتكون الحجة عليهم أبلغ.
وفيه دلالة على قوة الإسلام ومنعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحيث يواجه الكافرين ويخاطبهم بالإنذار والوعيد من غير خوف من ثورة غضب أو جحود، لذا ورد في أسباب النزول أنها نزلت اثناء الجدال معهم ووعظهم ونصحهم لتكون مدداً وعوناً ونصراً للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

عموم التبليغ
هل ينحصر موضوع الآية بمشركي مكة أيام النبوة أم أن موضوع الآية عام، الجواب هــو الأخير، فقوله تعالى (قل) موجــه إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالأصالة وإلى قادة المسلمين مطلقاً في كل زمان وان تباين أوان النصر وكيفيته ولكن النصر الأول في أيام النبوة شاهد ودليل على تجدد حدوثه لقاعدة السبب والمسبب، والعلة والمعلول.
وموضوع الآية عام من وجوه :
الأول : ورود اخبار عن ابن عباس بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جمع اليهود وانذرهم وخوفهم.
الثاني : أصالة الإطلاق وعدم وجود دليل على التقييد.
الثالث : لو كان نزول الآية في أشخاص معينين لكان ذكرهم في الأخبار أمراً راجحاً كما هو المعروف في مثل تلك الحال.
الرابع : سياق الآية ومضمونها يدل في ظاهره على المعنى الأعم.
الخامس : حصول الهزيمة والإخبار عن الخسارة لا يحصل لجمع مخصوص , بل قد يصدق على امة وجماعة كبيرة قادرة على المواجهة ودخول المعركة.
السادس : الذين يطلق عليهم انهم سيغلبون او غلبوا وانهزموا ليس الذين يموتون على الكفر على نحو الخصوص، وقد يقال القدر المتيقن من لفظ الغلبة هو ميدان القتال.
ولكن الآية أعم في موضوعها فتكون الغلبة على المشركين من جهات :
الأولى : الجدال والإحتجاج .
الثانية : كل آية من القرآن غلبة ونصر على المشركين .
الثالثة : أداء النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الصلاة وتلاوتهم لآيات القرآن غلبة ونصر .
الرابعة : هزيمة المشركين في معارك الإسلام الأولى من مصاديق قوله تعالى (ستغلبون).
قال تعالى [وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ]( ).
قانون آيات السلم نصر
يمكن احتساب آية البحث من آيات السلم , والإجماع على عدم شمول النسخ هذه الآية , فهي توعد الكفار إلى التوبة والإنابة , ومفهوم الخطاب عام للناس جميعاَ بأخذ الحيطة من الكفار , ومفاهيم الكفر والضلالة , وأنها ضرر محض وتسوق صاحبها إلى النار .
وتدعو آية البحث إلى السلم والأمن , وتمنع من القتال والإرهاب .
الآية وحدها عز للمسلمين وكذا تحقق موضوعها واقعاً ولا تعارض بين كون الآية من آيات السلم وأنها بالذات عز للمسلمين , قال تعالى[وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ]( ) فمن خصائص هذا العز، السلم الإجتماعي والأمن , ومنع الغزو والوأد.
ولم ترق الحرب الإعلامية والدعايات في خصوص القتال والحروب إلى مضامين هذه الآية وما لها من الغايات السامية، وهل يمكن للقادة العسكريين والسياسيين الإنتفاع من مضامين هذه الآية، الجواب نعم , إذ أنها تنفع في دفع وإنصراف الناس عن الكفر ومفاهيم الضلالة الذي ينفرد به الله عز وجل ، وموضوعها انتصار الإيمان على الكفر.
وذكرت الآية انهزام الكافرين وتعرضهم للخسارة وانهم سيغلبون ولكن من الذين يغلبهم وينتصر عليهم فيه وجوه:
الأول : انتصار المسلمين عليهم وهذا الإنتصار يتصور على وجوه :
الأول : في المعركة والقتال وهو على قسمين :
الأولى : معركة واحدة حاسمة.
الثانية : عدة معارك يخوضها المسلمون في مواجهتهم وهذا القسم على شعبتين :
الأولى: كل معركة في بلدة ومنطقة غير الأخرى، وتكون مع جماعة وفئة وجنود غير الأخرين , كما في الفارق بين معركة بدر ومعركة حنين.
الثانية: ذات الجماعة والأمة تخاض معها معارك متعددة سواء في ذات الموضع أو في مواضع متعددة.
الثاني: تكون الغلبة بالإحتجاج والموعظة الحسنة.
الثالث: المدار على حصول التراجع وانحسار او انعدام الضرر من الكفار، ويصبحون عاجزين عن جلب النفع لأنفسهم.
الرابع: اختيار جماعة منهم دخول الإسلام وتشتت شملهم وتفرق جماعتهم، فيمسون غير قادرين على المواجهة والتحدي.
الخامس: هزيمة الكفار من قبل كفار آخرين والقاء بأسهم بينهم وكل فرقة تهزم الأخرى.
وظاهر الآية أعم من الهزيمة في القتال وهو المتبادر من منطوق الآية خصوصاً وانها جــاءت للتحدي والإنذار، وتكون هزيمة الكفار على يد المسلمين ســواء في معركة واحــدة او عدة معارك لكفاية صرف الطبيعة، وللعلة الغائية التي قد تســتلزم التعــدد لأن المدار على تحــقــق خســارتهم والغلبة عليهم، فلو خسروا معركة واحدة ولكنهم استطاعوا الإنتصار في غيرها فلا يصدق عليهم انهم انهزموا وخسروا لإتصال الكر والفر.
فكأن الغلبة مركبة من النصر في المعركة وعدم استطاعة الكفار تحقيق النصر مرة اخرى، لذا ترى شوكة الكفار ضعفت بعد معركة بدر وجاء فتح مكة وهم عاجزون عن محاربة المسلمين، واتجهوا قبلها إلى صلح الحديبية وأخذ المسلمون يحققون النصر بعد النصر في الكتائب والسرايا.
ويتحرك الذهن مطلقاً عند سماع هذه الآية باتجاه الإستنتاج والإستذكار والترقب لوقوع الخبر الغيبي، ويكون انتقال الذهن على ثلاث مراحل كما في الفلسفة :
الأولى : انتقال الذهن نحو المعلوم.
الثانية : الإنتقال بين مصاديق المعلوم.
الثالثة : الإنتقال من المعلوم إلى المجهول، وهذا الإنتقال ليس على مرتبة واحدة عند الناس، بل هو من الكلي المشكك، فالمسلمون يتلقون الوعد بهزيمة الكافرين بالتصديق.
والكافرون ينقسمون أزاءه بالتصديق بمضمون هذه الآية وما فيها من الأخبار على أقسام وهي :
الأولى : التوبة والمبادرة إلى الإسلام ونبذ الكفر.
الثانية : اجتناب مواقع المواجهة واختيار الوقوف على التل بانتظار ما سيحصل.
الثالثة : اظهار الإعتراف بالخطأ بالبقاء على الكفر والجحود.
الرابعة : البقاء على منازل العناد والتحدي والإصرار على المواجهة مع الإقرار بحصول الهزيمة.
وتؤكد الآية امكان حصول هزيمة الكفار وفق القرائن والإمارات الواقعية اذ ان تحقيق الهزيمة للكفار على وجوه :
الأول : ان تكون اسبابه ومقدماته ظاهرة ولو على نحو الموجبة الجزئية.
الثاني : الأسباب معدومة وتأتي فجأة .
الثالث : وقوع هزيمة المشركين بغتة ومن غير أسباب مادية ظاهرة ومحسوسة , كما في معركة بدر , إذ قال أبو جهل أن النبي محمداَ صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه أكَلَة رأس .
دعوة الآية إلى السلم
لعظيم فضل الله تعالى واتصال رحمته لابد ان تكون أسباب هزيمة المشركين ظاهرة ومقدماتها بينة وهي على وجوه:
الأول : نزول الآيات القرآنية وما فيها من الإنذارات والوعيد.
الثاني : السنة القولية والفعلية، وجهاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة.
الثالث : اقبال الناس على دخول الإسلام.
الرابع : الشواهد والوقائع التي تدل على ثبات المسلمين وحبهم للشهادة والتضحية كما في واقعة بدر.
ولما علم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقدوم جيوش المشركين في معركة بدر وأنهم لا يبغون إلا القتال , وعلمه هذا بالوحي , ومعرفته بحنق وشدة جحودرؤساء الشرك من قريش , قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه قبل الوصول إلى ميدان بدر(أَشِيرُوا عَلَيّ أَيّهَا النّاس وَإِنّمَا يُرِيدُ الْأَنْصَارَ ، وَذَلِكَ أَنّهُمْ عَدَدُ النّاسِ وَأَنّهُمْ حِينَ بَايَعُوهُ بِالْعَقَبَةِ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ إنّا بُرَاءٌ مِنْ ذِمَامِك حَتّى تَصِلَ إلَى دِيَارِنَا ، فَإِذَا وَصَلْتَ إلَيْنَا ، فَأَنْتَ فِي ذِمّتِنَا نَمْنَعُك مِمّا نَمْنَعُ مِنْهُ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا .
فَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ يَتَخَوّفُ أَلّا تَكُونَ الْأَنْصَارُ تَرَى عَلَيْهَا نَصْرَهُ إلّا مِمّنْ دَهَمَهُ بِالْمَدِينَةِ مِنْ عَدُوّهِ وَأَنْ لَيْسَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَسِيرَ بِهِمْ إلَى عَدُوّ مِنْ بِلَادِهِمْ) ( ) وقول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هذا من مصاديق [وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ]( ), ( ).
فعلم الأنصار أن النبي محمداَ صلى الله عليه وآله وسلم يلح بالإستشارة لسماع رأيهم عندئذ قال (وَاَللّهِ لَكَأَنّك تُرِيدُنَا يَا رَسُولَ اللّهِ ؟
قَالَ أَجَلْ قَالَ فَقَدْ آمَنّا بِك وَصَدّقْنَاك ، وَشَهِدْنَا أَنّ مَا جِئْتَ بِهِ هُوَ الْحَقّ ، وَأَعْطَيْنَاك عَلَى ذَلِكَ عُهُودَنَا وَمَوَاثِيقَنَا ، عَلَى السّمْعِ وَالطّاعَةِ فَامْضِ يَا رَسُولَ اللّهِ لِمَا أَرَدْتَ فَنَحْنُ مَعَك ، فَوَاَلّذِي بَعَثَك بِالْحَقّ لَوْ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا هَذَا الْبَحْرَ فَخُضْتَهُ لَخُضْنَاهُ مَعَك ، مَا تَخَلّفَ مِنّا رَجُلٌ وَاحِدٌ وَمَا نَكْرَهُ أَنْ تَلْقَى بِنَا عَدُوّنَا غَدًا ، إنّا لَصُبُرٌ فِي الْحَرْبِ صُدُقٌ فِي اللّقَاءِ . لَعَلّ اللّهَ يُرِيك مِنّا مَا تَقَرّ بِهِ عَيْنُك ، فَسِرْ بِنَا عَلَى بَرَكَةِ اللّهِ .
فَسُرّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلّمَ بِقَوْلِ سَعْدٍ وَنَشّطَهُ ذَلِكَ .
ثُمّ قَالَ سِيرُوا وَأَبْشِرُوا ، فَإِنّ اللّهَ تَعَالَى قَدْ وَعَدَنِي إحْدَى الطّائِفَتَيْنِ وَاَللّهِ لَكَأَنّي الْآنَ أَنْظُرُ إلَى مَصَارِعِ الْقَوْمِ ) ( ).
وسعد بن معاذ سيد الأوس , واسلم سعد بن معاد على يد السفير مصعب بن عمير وشهد معركة بدر , وأحد , والخندق ورماه المشرك ابن عرقة يوم الخندق بسهم , فعاش شهراَ بعده (ثم انتفض جرحه فمات منه.
والذي رماه بالسهم حبان بن العرقة وقال: خذها وأنا ابن العرقة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ” عرق الله وجهه في النار ” . والعرقة هي قلابة بنت سعيد) ( ).
الخامس : تحمل المسلمين الأذى وعدم تخليهم عن الإسلام.
السادس : ضعف عزيمة الكفار وتشتتهم.
السابع : اخبار بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الكتب السماوية السابقة وما موجود عند أهل الكتاب بملازمة النصر له.
وهناك قانون في السلوك الإنساني يسمى (انتخاب الأسهل) يميل اليه الناس لملائمته للقرائح والطباع ولما فيه من التخفيف ولكنه في العقيدة يختلف ويتعلق بانتخاب الأفضل والأصح والأحسن وان كان فيه مشقة او تكليف كما في الإسلام فهو العقيدة الناسخة والديانة الباقية إلى يوم القيامة، والناس ملزمون بالإنقياد للأمر الإلهي.
لقد جاء الإخبار عن هزيمة الكفار بحرف الإستقبال السين (سيغلبون) ويدل على الإستقبال القريب.
ولم يأت بحرف الإستقبال البعيد (سوف) مما يدل على قرب تحقيق النصر على الكفار وهذا القرب تحد اضافي وسبيل لإثبات صدق نزول القرآن لأنه لم يبتن على احتمال تغير الأحوال وتبدل موازين القوى، بل جاءت الآية لتوكيد الإعجاز الواقعي الخارجي للقرآن بالإضافة إلى إعجازه البلاغي.
وكلما كان وقوع هزيمتهم قريباً كان الإلتفات النوعي العام له أكثر، والترقب لحصوله من الجميع كما يقترن هذا الترقب بالإنذارات القولية والصبر على التعديات الجزئية التي تصدر منهم بانتظار حسم الصراع وفق مضمون هذه الآية الكريمة.
وتتضمن آية البحث الإنذار للذين كفروا من قريش وحلفائهم من رجال القبائل الذين لم يكتفوا بتلقي معجزات النبوة بالتكذيب إنما جهزوا الجيوش لقتال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وصاروا يلقون الأشعار التي تبعث الهمم وتذم النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
فجاءت آية البحث من مصاديق قوله تعالى [وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ]( ) بأن أخبرت المشركين بأنهم سيهزمون في القتال ويلقون العذاب في الآخرة في رحمة ودعوة من الله عز وجل لهم لصرف النظر والإنصراف عن القتال , ومحاربة النبي صلى الله عليه وآله وسلم , فإن قلت قد وقعت معركة بدر وأحد والخندق , وحنين , والجواب هذا صحيح , ولكن إنزجار المشركين والمعارك التي محاها الله عز وجل بآيات القرآن ومعجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يعلمها إلا هو سبحانه .
لتشد أية البحث عضد المؤمنين , وتدعوهم إلى الصبر وترك المكر والكبر , قال تعالى [وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ]( ).
قوله تعالى [وَتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ]
ان الله عز وجل قادر على كل شيء، وعالم بالكليات والجزئيات على حد سواء.
فجاءت الآية لإثبات عظيم قدرته واستحقاق الكافر للعقاب الأخروي، وهل استحقاق العذاب مترتب على الكفر على نحو مجرد ام باضافة العناوين الأخرى من التعدي على المسلمين واتباع المتشابه وابتغاء الفتنة، الجواب كلاهما معاً، فالكفر وحده سبب لدخول النار , وفيه آيات عديدة , منها قوله تعالى [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] ( ).
وقال تعالى [وَالَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ] ( )، والوعيد في الآية مركب من أمرين:
الأول : هزيمة الكفار العاجلة.
الثاني : جمع الكافرين لإدخالهم نار جهنم، ويكون حدوث الأول قريباً في عالم الدنيا وظاهراً ليس بخفي والآخر يحدث في عالم الآخرة بعد الموت، وسبيل تصديقه بالآيات والسنة والعقل.
وجاءت هذه الآية لتجعل الفرد الأول من الآية تصديقاً واثباتاً للثاني، وليكون ما يحصل مصداقه في عالم الدنيا دليلاً على حدوث الخبر الوارد بخصوص الآخرة، للملازمة العقلية والتداخل بين الأمرين، ولإجماع المليين على البعث والنشور وكل أمة تقر بالنشور والحســاب في الآخرة تبعــد عن نفسها الظن بسوء العاقبة حينئذ.
فجاءت الآية بتقسيم جديد وبيان لقوانين الحساب بشاهد عاجل وقريب مما يدل على موضوعية النصر على الكافرين في موازين الدنيا والآخرة ، وتتوقف عليه فلسفة انتشار العقيدة الإسلامية ورسوخها في الأرض.
وبات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة بدر يناجي الله عز وجل ويقول (اللهم إنك إن تهلك هذه الفئة لا تُعبد)( ).
وقال كعب بن مالك في قصيدة بخصوص معركة بدر بيتاَ قيل هو أحسن بيت في الفخر :
وَبِبِئْرِ بَدْرٍ إذْ يَرُدّ وُجُوهَهُمْ … جِبْرِيلُ تَحْتَ لِوَائِنَا وَمُحَمّدُ
حَتّى رَأَيْتُ لَدَى النّبِيّ سَرَاتَهُمْ . قِسْمَيْنِ يَقْتُل مَنْ نَشَاءُ وَيَطْرُدُ( ).
واذا كان الكفار يتبعون المتشابه لإثارة الفتنة ، فان هذه الآية من المحكم والنص الذي لا يحتمل تعدد التأويل، فالإنذار بحصول هزيمة الكفار بلغ الجميع، وهو مناسبة لشيوع آيات القرآن وتلاوتها بين الناس.
لقد كان العرب يتناقلون الشعر وابياته ويقترن هذا النقل بذكر اسم الشاعر ومناسبة البيت الشعري ومدا حلاوته وجودته.
فجاء القرآن ليحل بديلاً عن الشعر لما فيه من الإسرار والبديع والأحكام، وبما أن الناس على مشارب شتى في الفهم والذوق والمعرفة، جاءت الآية بنوع من الإعجاز ملائم لجميع الناس وعلى مختلف مذاهبهم ويتضمن التحدي فليس بين الحق والباطل إلا الحدوث او اللا حدوث.
وهل ينطبق قانون المحو في قوله تعالى [يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ]( ) على المقام الجواب، نعم فان عمومات الاية تشمله والله لا تستعصي عليه مسألة ويسلم الكفار من غير هزيمة، ودخولهم الإسلام هزيمة للكفر والضلالة.
وهو وجه من وجوه الغلبة والنصر، الا ان الكافرين أصروا على العناد والجحود، والله عز وجل يعلم بما سيؤول اليه أمرهم، لذا نزلت الآية على نحو القطع والجزم والأمر للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم واخبارهم وانذارهم.
وهل من ملازمة بين الهزيمة والحشر إلى جهنم ، بمعنى أن الجمع والسوق إلى جهنم فرع الهزيمة في الدنيا، ام انه أمر حاصل سواء حصلت الهزيمة أو لا .
الجواب هو الثاني، فالحشر إلى جهنم موضوع مترتب على الكفر حصل قتال وغلبة ام لم يحصل، ولكن قدمت الغلبة في المعركة لتقدم الحياة الدنيا زماناً على الآخرة ولتكون شاهداً على الآخرة , وللإنذار , وبعث الكفار عن كف أيديهم , وقد اضطروا لهذا الكف في صلح الحديبية.
والحشر عنوان للجمع، وجــاءت الآية بصــيغة المبنــي للمجــهول اي انهم ليس لهم قدرة يومــئذ على الإمتناع عن الجمع والحشر ومن أســماء يوم القيـامة يوم الحشر( )، وتدل الاية على تقسيم الحشر إلى اقسام:
الأول: حشر عام للناس جميعاً، ووقوفهم للحساب، قال تعالى [وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ] ( )،
الثاني: جمع المؤمنين وحشرهم إلى الجنة قال تعالى [يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وَفْدًا]( ).
الثالث: حشر الكافرين إلى جهنم، وبه وردت اكثر الآيات الخاصة بموضوع الحشر وفيه توبيخ للكفار وتوكيد على صيغ الإنذار وتحذير من الإقامة على المعاصي , قال تعالى [وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى]( ).
وجهنم اسم من أسماء النار، وقد ورد ذكره في القرآن سبعاَ وسبعين مرة، كلها اسماً لنار الآخرة التي اعدها الله عز وجل للكافرين وهذا الاسم ايضاً من المحكم وليس من المتشابه، لمنع التأويل الخاطئ واتباع المتشابه، فبعد تحقق نصر المسلمين قد يتجه بعض الكفار لتأويل هذا الشطر من الآية، فجاءت صريحة بأن الحشر يكون إلى النار في الآخرة التي تتصف بان قعرها بعيد وأعدت للكافرين.
وتبين الآية حشر وجمع الكافرين إلى جهنم، ولم تشر إلى موضوع الدخول، وفيه وجوه:
الأول: يدل ذكر المقدمة يدل على تحــقق ذي المقدمة وان الجمع والحشر علامة دخول النار.
الثاني: يكون الحشر على كيفيات مختلفة بحسب الذنب والإثم , قال تعالى [الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا]( ).
الثالث: ان الحشر أعم من دخول جهنم، فقد يحشر الكفار ولكن بعضهم تدركه الرحمة الإلهية، فلا يدخل النار، ولا دليل على هذا الوجه لأن الآية جاءت مطلقة.
الرابع: الحشر هو دخول النار، وان لفظ (على) جاء بمعنى (في) كقوله تعالى [وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ] ( )، أي في حين غفلة ، وهذا الحشر شديد على الكافرين بذاته وبلحاظ نجاة المؤمنين, وجمعهم وحشرهم يومئذ للجنة.
قوله تعالى [وَبِئْسَ الْمِهَادُ]
توكيد لسوء العاقبة الذي ينتظر الكافرين، وبيان للخزي الذي يلحقهم في النشأتين، وجاء الوصف بالمهاد وهو الفراش وفيه دلالات منها :
الأولى : النار مثوى دائم للكافرين، فالمهاد عنوان الفراش والخلود في الجحيم.
الثانية : في الآية إشارة إلى التوافق بين الحشر ودخول النار، وأن الكفار يحشرون إلى النار ويدخلونها وليس من مواطن بين الحشر إلى النار ودخولها ترجى فيها الشفاعة ونحوها , إلا أن يشاء الله عز وجل.
الثالثة : هزيمة الكفار أمام المسلمين في الدنيا مثال دنيوي للعذاب الأخروي، ودرس حاضر للإعتبار والتدارك والندم والإنابة خصوصاً وان باب التوبة مفتوح ما دامت الحياة، بينما ترى المسلمين يؤدون الفرائض وكأنها مقدمة لدخول الجنة، ويتخذونها مناسبة للإستعداد للآخرة كما في الصيام الذي يذكر بعطش الآخرة، والحج الذي يذكر بالحشر.
الرابعة : جملة (بئس المهاد) جاءت لذم الإقامة في النار، لتنفر منها النفوس ويبتعد الناس عن أسباب الدخول فيها، ويتجنبون ارتكاب المعاصي والذنوب، فذم النار والإقامة فيها تهذيب للنفوس واصلاح للمجتمعات.
علم المناسبة
ورد لفظ (المهاد) بالرفع ست مرات كلها عنوان لنار جهنم، وفيها جميعاً يرد لفظ المهاد ملازماً لاسم جهنم وليس النار، مما يدل على خصوصية في لفظ جهنم تدل على طول المكث فيها، لاسيما وانه يعني بعد القعر والعمق، بينما ورد اللفظ بالنصب (مهاداً) قال تعالى [أَلَمْ نَجْعَلْ الأَرْضَ مِهَادًا] ( )، في اشارة للتباين بين النعم في الدنيا، وخسارة أهل النار بســوء عملهم وعدم شكرهم على تفضــله تعالى بنعـمة الحياة الدنيا وجعل الأرض فراشاً وبساطاً وموضعاً للإقامة بغبطة في الحياة الدنيا، وفيه دعوة لعدم التفريط بهذه النعمة وخسارتها بالكفر والمعاصي.
والتذكير بجهنم وسوء الإقامة وشدة العذاب فيما يبعث الرعب في قلوب الكفار ليكون سبباً لأحد أمرين او كلاهما معاً وهما:
الأول : هجران الكفر والمعاصي والدخول في الإسلام.
الثاني : اجتناب محاربة الإسلام والكف عن ايذاء المسلمين، وهذا لا يمنع من اصرار جماعة منهم على الكفر ومحاولة حشد الناس ضد الإسلام ولكن سعيهم لا يلاقى الا بالصدود والإعراض، لموضوعية هذه الآية ولأن الأعناق مشربة ليوم هزيمة الكفار ودحرهم، والعقل يدرك لزوم عدم الإلتحاق بالفئة الخاسرة او التي أشرفت على الهزيمة خصوصاً مع الإنذار بما ينتظرهم من الخلود في الجحيم.

مشاركة

Facebook
Twitter
Pinterest
LinkedIn

مواضيع ﺫات صلة